Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
فكفرتم من كفران النعم لمقابلته للشكر لا من الكفر مقابل الإيمان، وجوّز حمله عليه، وهو بعيد، وقوله ومن عادة أكرم الأكرمين الخ تصريح الوعد بقوله لأزيدنكم ظاهر، والتعريض بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٧] دون أعذبكم أو عذابي لكم، وقيل إنه جار على عادته تعالى أيضاً في إسناده الخير للذات المقدس دون الشر وفيه نظر لأنّ عذابي مصدر مضاف لفاعله، والفرق بينه وبين صريح الإسناد محل نظر، وأكرم الأكرمين المراد به الله تعالى عبر به إشارة إلى أنّ التصريح، والتلويح المذكورين كرم منه تعالى، وليس المراد به كل من كان أكرم بناء على جواز إطلاقه على غير الله كما جوّزه بعضهم لبعده، وتكلفه، وكذا قوله فلعلي أعذبكم بصيغة الترجي الدالة على عدم القطع لمناسبته لكرمه، ورحمته لأنّ كفران النعم غير مستوجب للعذاب كغيره في عادته تعالى. قوله: (والجملة) أي قوله لئن شكرتم الخ إمّا مفعول قول مقدر منصوب على الحال سادّ معموله مسده أي قائلا أو مفعول تأذن لأنه في معنى القول على المذهبين المشهورين لنحاة البصرة والكوفة في أمثاله، وقوله من الثقلين خص العموم المستفاد من جميعا بهم لأنه غير متصوّر فيهم. قوله: (فما ضررثم بالكفران إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام) وفي نسخة عريتموها مزيد الأنعام وكان الظاهر من مزيد لكنه ضمنه معنى
حرمتموها فهما بمعنى، وهذا هو جواب الشرط في الحقيقة وما ذكر في النظم دليله، وقيل إنما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لدفع توهم عود فائدة الشكر عليه والجواب تقديره لم يتضرر أو لم ينقص منه شيء، وما ذكر دليله فقول المصنف رحمه الله تعالى فما الخ تفريع على هذه الآية، وما قبلها لا تقدير للجواب لأنّ ضرر الكفران مستفاد مما تقدم، وانحصاره فيهم مفهوم من هذه الآية، ولا يخفى أن ما ذكره، وما قدره المعترض واحد لأنّ معنى ما ضررتم إلا أنفسكم أنّ نفعه، وضره عائد عليكم فلا يتضرر به الله فلا وجه لاعتراضه غير تكثير السواد بما لا محصل له. قوله: (من كلام موسى ﵊ أو كلام مبتدأ من الله) فعلى الأوّل هو من مقول القول، وهو تذكير لبني إسرائيل بأحوال من تقدّمهم ليعتبروا بهم، وعلى الثاني هو ابتداء كلام من الله غير محكي مخاطبا به أمّة محمد ﷺ ، بعدما ذكر إرساله تخي! بالقرآن، وقص عليهم بعضا من قصص موسى ﵊. قوله: (جملة وقعت اعتراضا) أي جملة بتمامها من المبتدأ والخبر وقعت أعتراضا في الكلام تيل عليه ليس جملة اعتراضية لأنّ الاعتراض لا يكون إلا بين جزأين يطلب أحدهما الآخر، وكذا قوله لا يعلمهم إلا الله اعتراض يرد عليه ما ذكر، ومنع بأنّ بينهما ارتباطا يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون جملة جاءتهم حالاً بتقدير قد، والاعتراض يقع بين الحال، وصاحبها فليس ما ذكر مخالفا لكلام النحاة، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني فإنهم لا يشترطون الشرط المذكور حتى جوّزوا أن يكون في آخر الكلام كما صرّج به ابن هشام في المغني مع أنّ جملة جاءتهم رسلهم الخ مفسرة للجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غير مسلم أيضاً فتأمل. قوله: (أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله) يعني الموصول أو قوم نوج، وذكر مع دخوله في الذين من قبلكم لتفسيره بقوم نوج الخ، والثاني أوفق بالمعنى، والأوّل أوفق باللفظ، وقال الطيبي: هذا أحسن لحسن موقع الاعتراض إذ حسنه أن يؤكد ما اعترض! فيه وليس في الأوّل رائحة ذلك. قوله: (والمعنى أنهم لكثرتهم الخ) أي على الوجهين لكنه يختلف عليهما مرجع الضمير في أنهم ولكثرتهم، وعددهم فهو الموصول الثاني على الأوّل، ومجموع الموصولين على الثاني، ومعنى الاعتراض على الثاني ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إنّ في ذلك لمعتبرا، وعلى الأوّل فهو ترق، ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء، ومن لا يحصى بعدهم كأنه يقول دع التفصيل فإنه لا مطمع فيه، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال، والتفصيل، ولذا قدمه جار الله، وأيده بقول ابن عباس وابن مسعود ﵃ فإنه فيه أظهر. قوله:) ولذلك قال ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه كذب النسابون الأنهم يدعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد
стр. 1717
وعن ابن عباس ﵄ بين عدنان، واسماعيل ﵊ ثلاثون أبا لا يعرفون وفي الجامع اختلف في نسب النبيّ ﷺ ، بعد اتفاقهم أنه من ولد إسماعيل ﵊، وأنه من ولد معد بن عدنان، وإنما الاختلاف في الأسماء التي قبل عدنان، ولا يكاد يصح لأحد من الرواة رواية، ولا ضبط للأسماء، واتصال هذه الآية بما قبلها أنه بعد ذكر ما مرّ من قصة موسى ﵊، وما معه عقبه توبيخاً، وتهديداً كما ذكره الطيبي.
قوله: (فعضوها غيظاً مما جاءت به الرصل عليهم الصلاة والسلام الخ) في معنى رد الأيدي في الأفواه وجوه الأوّل إرجاع ضميري أيديهم وأفواههم إلى الكفار، وهو على أربعة احتمالات أحدها أنهم عضوها غيظا من شذة نفرتهم من رؤية الرسل عليهم الصلاة والسلام، واستماع كلامهم، وثانيها أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تعجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم ضحكا، واستهزاء كمن غلبه الضحك، وثالثها أنهم أشاروا بأيديهم إلى جوابهم، وهو قولهم إنا كفرنا أي هذا جوابنا الذي نقوله بأفواهنا، والمراد إشارتهم إلى كلامهم كما يقع في كلام المتخاطبين أنهم يشيرون إلى أنّ هذا هو الجواب، ثم يقرّرونه أو يقرّرون، ثم يشيرون بأيديهم إلى أنّ هذا هو الجواب، وهو الوجه القوي لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيهاً على أنهم لم يمهلوا بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب، وصدروا الجملة بأنّ ورابعها أنهم وضعوها على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكفوا عن هذا الكلام، وشسكتوا والوجه الثاني أن يرجع الضمير في أيديهم إلى الكفار وفي أفواههم إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيه احتمالان الأوّل أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل عليهم الصلاة والسلام، أن اسكتوا، والآخر بأنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم الصلاة والسلام منعا لهم من الكلام والوجه الثالث أن يعود الضمير إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام ويكون المراد بالأيدي نعمهم من مواعظهم ونصائحهم، والأيدي بمعنى الأيادي كما سيحققه أو يكون ردّها إلى أفواههم مثلاً لرذها، وتكذيبها بأن شبه ردّ الكفار مواعظ الرسل عليهم الصلاة والسلام بردّ الكلام الخارج من الفم فقيل رذوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم، والمراد عدم قبولها، وفي هذا الوجه احتمال آخر، وهو أنّ الكفار أخذوا أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، ووضعوها على أفواههم ليقطعوا كلامهم فحينئذ اليد، والفم على حقيقتهما وعلى الأوّل مجازان هذا حاصل ما ذكره الزمخشريّ على ما قرّره الشارح العلامة فقول المصنف رحمه الله تعالى فعضوها غيظا بناء على إرجاع الضميرين للكفار فاليد والفم على حقيقتهما، والرد كناية عن العض ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في الآية الأخرى فان من عض موضعاً
من اليد يقال حقيقة إنه عض اليد فلا يتوهم من ردها أنه مجاز كقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩] فتأمّل. قوله: (أو وضعوها عليها تعجباً الخ) فالضميران للكفار أيضا، واليد والفم على حقيقتهما، ووضعها على الفم لغلبة الضحك من الاستهزاء أو التعجب، ولا ملازمة بين الاستهزاء، والتعجب فلذا عطفه باو، وقيل الاستهزاء وان استلزم التعجب لكن التعجب لا يستلزمه فصحت المقابلة. قوله: (أو إسكاتاً للأنبياء عليهاً الصلاة والسلام) هذا كالوجه السابق في مرجع الضمير، والحقيقة، وكذا إذا كان أمر بالإطباق. قوله: (أو أشاروا بها إلى ألسنتهاً الخ) هذا هو التوجيه الراجح فاليد حقيقة، والردّ مجاز، والإشارة تقارن قولهم إنا كفرنا مع احتمال التقدم والتأخر. قوله: (أو ردوها في أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (فهما على حقيقتهما والضمير الأوّل للقوم والثاني للأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ وفيه معنى آخر، وهو أنه يحتمل أنهم أشاروا إلى أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالسكوت، وفي بمعنى إلى كما في أدب الكاتب. قوله: (وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلاَ) أي استعارة تمثيلية بأن يراد بردّ أيدي القوم إلى أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعدم قبول كلامهم، واستماعه مشبها بوضع اليد على فم المتكلم لإسكانه فاليد، والفم على حقيقتهما وهذا التمثيل يجري في كون الضميرين للرسل أيضاً، ويحتمل إبقاؤه على حقيقته كما قرّرناه. قوله: (وقيل الأيدي بمعنى الأيادي) أي النعم، والمراد بالنعم نعم النصائح، والحكم، والشرائع
стр. 1718
فإنها من أعظم النعم، وضعفه لأنّ الأيدي بمعنى النعم قليل في الاستعمال حتى أنكره بعض أهل اللغة، وان كان الصحيح خلافه، ولأنّ الرذ والأفواه يناسب إرادة الجارحة، وقوله بمعنى الأيادي إشارة إلى أنه المعروف في الاستعمال بمعنى النعم كقوله:
أيادي لم تمنن وان هي جلت
وهو جمع أيد جمع يد فهو جمع الجمع لا جمع يدكما توهم. قوله: (أي ردوا أيادي الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام، وقوله فكأنهم إشارة إلى أنه تمثيل على هذا، وأنّ الضميرين راجعان إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الوجه الثالث، والأيادي وحدها مجاز لا الأفواه، وقيل إنه مجاز أيضا، وفيه نظر. قوله: (على زعمكم (لأنهم لا يسلمون إرسالهم فلا تنافي بين كفرهم، وذكر رسالتهم، وما أرسلوا به الكتب، والشرائع. قوله تعالى: ( ﴿وَإِنَّا لَفِي
شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا﴾ ) فإن قلت أنا كفرنا جزم بالكفر لا سيما، وقد أكد بأنّ فقولهم إنا لفي شك ينافيه قلت أجيب بأنّ الواو بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم، وهو إنا كفرنا جزما فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين فيه، وأياما كان فلا سبيل إلى الإقرار، وقيل إنّ الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه فكفرنا بمعنى لم نصدق، وذلك لا ينافي الشك أو متعلق الكفر الكتب، والشرائع، ومتعلق الشك ما يدعونهم إليه من التوحيد مثلاً، والشك في الثاني لا ينافي القطع في الأوّل، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه. قوله: (من الإيمان) أي المؤمن به أو في صحته إذ لا يظهر الشك في نفس الإيمان، وقوله بالإدغام أي إدغام نون الرفع في نون الضمير، وقوله موقع في الريبة فهو من أرانبي بمعنى أوقعني في الريبة، والثاني من أراب بمعنى صار ذا ريبة وهي صفة مؤكدة، وقد مز تحقيقه. قوله: (أدخلت همزة الإنكار على الظرف الخ) قيل المعنى أفي الله وحده شك لأنهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل عبدة أوثان فقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إشارة إلى برهان التمانع وقيل إنه يعم الشك في وجوده، ووحدته لأنّ فيهم دهرية، ومشركين، وقوله فاطر السماوات إشارة إلى الدليل عليهما، وتقديم في الله ليس بقصر بل للاهتمام بالمنكر المشكوك فيه لأنّ المنكر كونه تعالى محل الشك لا نفس الشك فإنه غير منكر، وقيل عليه إن تعليله يقتضي جواز التأخير لولا هذا القصد، وليس كذلك، وهو خطأ لأنّ وقوع النكرة بعد الاستفهام مسوغ للابتداء بها نحو هل رجل في الدار كما ذكره ابن مالك، وغيره فما قيل في جوابه أن المراد لم جعل هذا التركيب هكذا، وإن كان وجوبأ لا وجه له مع تعسفه، وقوله وهو لا يحتمل الشك أي احتمالاً ناشئا عن تأمل. قوله: (وشك مرتفع بالظرف الاعتماده على الاستفهام مع جواز كونه مبتدأ، ورجحه لأنّ فيه عدم الفصل بين التابع، ومتبوعه بأجنبي وهو المبتدأ بخلاف الفاعل فإنهم لم يعدوه أجنبيا لكونه كالجزء من عامله. قوله:) يدعوكم إلى الإيمان ببعثه إيانا (فعلى هذا المدعوّ له غير المغفرة، وهو الإيمان بقرينة إنا كفرنا، وعلى الوجه الثاني المدعوّ إليه المغفرة لا لأنّ اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأنّ معنى الاختصاص، ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر، وحقيقته أنّ الأغراض آخر غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء، وزيادة كذا إفادة المدقق في الكشف، والحاصل أنّ المدعوّ إليه في الأوّل الإيمان، وليغفر لكم تعليل قصدا، وفي الثاني المدعو إليه المغفرة، والتعليل لازم لكن من غير
قصد، وقد قيل في الفرق بين الوجهين أن ليغفر لكم سبب غائيّ على الأوّل فتقدير المدعو إليه، وهو الإيمان لأنّ المغفرة ليست غاية لمطلق الدعوة بل للدعوة إلى الإيمان، وسبب حامل على الثاني فلا يحتاج إلى المدعو إليه، ولا يخفى أنّ العبادة تأباه. قوله: (بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبيته الخ) المراد بما بينهم، وبين الله حقوق الله الخالصة له، وان كان هذا التعبير يستعمل فبما خفي منها لكنه غير مراد هنا وهذا بناء على أنّ الإسلام لا يرفع المظالم، والذي صححه المحدّثون في شرح قوله ﷺ : " أنّ الإسلام يهدم ما قبله " أنه يرفع ما قبله مطلقا حتى المظالم، وحقوق العباد وفيه تأمّل، والتوفيق بين الآيات الواقع فيها من وغيرها محتاج إليه لأنّ من التبعيضية مدلولها البعضية المجرّدة من الكلية لا الأعمّ منه الشامل لما هو في ضمنها، ولما تجرّد عنها كما صرّح به في التلويح، وما قيل عليه إنه محل نظر
стр. 1719
لأنّ الرضي صرّح بعدم المنافاة بينهما مبنيّ على قول غير مرضيّ عند المحققين، وكذا ما قيل بزيادة من للتوفيق بينهما فإنه على قول الأخفش بزيادة من في الإثبات، وهو غير مقبول، ثم إنّ كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا ينافي قوله في سورة نوح ﵊ في تفسير من ذنوبكم ببعض ذنوبكم، وهو ما سبق فإنّ الإسلام يجبه لا يؤاخذكم به في الآخرة حيث أخذ ما يجبه الإسلام عامّا لنوعي الذنوب فاضطرّ في توجيه البعضية إلى أن اعتبره بالنسبة لما قبل الإسلام، وما بعده من جنس الذنوب، وقوله يجبه بالجيم والموحدة أي يقطعه، ويرفع إثمه. قوله: (وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن الخ) هذا هو مختاره في الكشاف عكس ما قاله المصنف رحمه الله تعالى حيث قال ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين دون المؤمنين، وذكر آيات استشهد بها عليه، وأحاله على الاستقراء، ثم قالط وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، واعترض عليه، وعلى قول المصنف رحمه الله تعالى في جميع القرآن، وقوله المعنى فيه أنّ المغفرة في خطاب الكفرة مرتبة على الإيمان، وفي خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة، وتجنب المعاصي، ونحوه فيتناول الخروج عن المظالم بأنه إنما يتم لو لم يجىء الخطاب للكفرة على العموم، وقد جاء ذلك كقوله في سورة الأنفال: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [مورة الأنفال، الآية: ٣٨] وقال الكلبي كتب وحشيّ قاتل حمزة ﵁، وأصحابه إنا ندمنا وسمعناك تقرأ والذين لا يدعون مع الله الهاً آخر الآية، وقد فعلنا كل ذلك فنزلت إلا من تاب فقال هذا شرط لعلي لا أقدر عليه فنزلت أنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقالوا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٥٣] فأقبلوا مسلمين رضي
الله عنهم، وقال المصنف رحمه الله تعالى وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] والتعليل بقوله أته هو الغفور الرحيم، وليس هذا بوارد لأنّ مراده أنه باق على العموم مع ذكر من وحذفها لأنّ الدلالة على أن بعضا آخر لا يغفر من قبيل دلالة اللقب، ولا اعتذاد بها كيف وللتخصيص فائدة أخرى، وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل، وءابقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان، وهذا معنى حسن لا تكلف فيه كما ذكره صاحب الك! شف، وأمّا توجيه المصنف رحمه الله تعالى فستعرف ما فيه، وأمّا الاعتراض بهذه الآيات فغير وارد لأنّ المراد ما ذكر فيه صيغة يغفر، وذنوب لا مطلق ما كان بمعناه، ولذا قال الزمخشريّ: إنه معلوم بالاستقراء، ومثله لا يخفى عليه ما أوردوه، ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع الموادّ. قوله: (ولعل المعنى فيه) أي في التفرقة بين الخطابين أنها لما ترتبت في خطاب الكفرة على الإيمان لزم فهي من التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة عنه، وأمّا في خطاب الصؤمنين فلما ترتبت على الطاعة، هـ اجتناب ال! معاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى ألتبعيضية لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وأورد عليه قوله تعالى ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ حيث ذكرت من مع ترتبه على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده اتقوا، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [سورة الصف، الآية: ٠ ا] الآية لعدم ذكر من مع ترتبه على الإيمان فهذا يدل على أن وجه التفرقة ما في الكشاف لا ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى فتأمّل، وأمّا ما قيل في دفع ما ذكر فإنه غير ضارّ إذ يكفيه ترتبه في بعض المواد فيحمل مثله على أنّ القصد إلى ترتبه على الإيمان وحده بقرينة الآيات الأخر، وما ذكره يحمل على أن الأمر به بعد الإيمان فتكلف ما لا طائل تحته، وقوله إلى وقت سماه لا يلزم منه تعدد الأجل كما ذهب إليه المعتزلة كما مرّ تفصيله في قوله ﷺ : " الصدقة تزيد في العمر " ونحوه. قوله: (لا فضل لكم علينا) أي لستم من جنس! آخر له فضل على جنسنا والفضيلة في بعض الجنس
على بعض لا تقتضي الوصول إلى النبوّة بزعمهم الفاسد وقوله من جن! أفضل مطلقا أو المراد الملائكة في اعتقادهم أو أفضليتهم باعتبار التجرّد، وعدم القوّة الشهوانية، وعلى كل حال فلا يلزم تفضيلهم على البشر بما ذكر حتى يكون كلامه مخالفاً لمذهب جمهور
стр. 1720
أهل السنة، وقوله أو على صحة دعائكم قيل هذا أولى مما قبله، ولهذا اقتصر عليه في قوله الآتي حتى يأتي بما اقترحوه. قوله: (وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبؤة الخ) هذا هو مذهب أهل السنة، وليس يلزم منه نفي الفضيلة والمزية، وأنها غير لازمة للنبوّة بل أنها غير موجبة لذلك، وان كانوا جميعا لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم كما مرّ تحقيقه في قوله الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقوله ليس لنا الإتيان بالآيات أي ليس مقدوراً لنا، وقوله ولا تستبده استطاعتنا أي لا تستقل به، وكان الظاهر أن يقول تستبد به، وقد تقدم تحقيقه، وقوله حتى نأتي بما اقترحتموه إشارة إلى ترجيح الوجه الثاني كما أشرنا إله. قوله: (فلنتوكل عليه في الصبر الخ (إشارة إلى دخولهم في المأمورين بالتوكل لدلالة ما بعده عليه حيث ذكر بصيغة المتكلم مع الغير، وان اختلف في دخول المتكلم في عموم كلامه كما بي في الأصول لأنّ محل الخلاف ما لم يعلم دخوله فيه بالطريق الأولى أو تقم عليه قرينة كما هنا، وقوله عمموا الأمر أي بالتوكل لأن موجبه الإيمان، وهو عام فيعمّ ما يستوجبه، وايمانهم أقوى فيقتضي أن توكلهم أعظم من توكل غيرهم، وقوله وقصدوا به أنفسهم لما مرّ فليس القصد أمر غيرهم فقط، واحتمال أن يراد بالمؤمنين أنفسهم، وما لنا التفات لا التفات إليه، والجمع بين الفاء، والواو تقدم تحقيقه في سورة يوسف ﵊، وقوله أي عذر الخ إشارة إلى أنّ ما استفهامية للسؤال عن السبب، والعذر، وأن لا نتوكل بتقديو في. قوله:) التي بها نعرفه (يعني
أنّ السبل بمعنى الطرق إلى معرفة الله التي هدى الباس إليها، وقوله بالتخفيف أي بسكون الباء، وقراءة غيره بضمها، وهو الأصل فيه، وقوله أكدوا به الخ، لأنه فسر التوكل على الله بالاعتماد عليه في أمرهم بالصبر ليكون معناهما واحداً بحسب المآل. قوله: (فليثبت المتوكلون) فسره به لأنه أسند إلى المتوكل فيقتضي سبق توكله كما مرّ في نحو السلاح عصمة للمعتصم، وقوله هدى للمتقين لأنه لو لم يرد هذا كان المتوكل بمعنى مريد التوكل مجازا، وحينئذ يتكرر مع ما مرّ فلذا رجح التجوّز في المسند دفعا للتكرار إذ لا بد من التجوّز في أحد الطرفين فمن أعترض على ذكر المرجح بأنّ التكرار للاهتمام غير منكر فتأويله إنما هو لئلا يكون المتوكل بمعنى مريد التوكل فقد وهم. قوله: (حلفوا على أن يكون أحد الأمرين الخ) إشارة إلى أنّ قوله لنخرجنكم جواب القسم، ورفع لأنّ العود ليس فعل القسم فكيف يقسم على فعل الغير، وليس في وسعه لأنّ أحد الأمرين في وسعه، وقوله وهو بمعنى الصيرورة، وهي الانتقال من حال إلى أخرى إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنّ العود يقتضي أنهم كانوا في ملة الكفر قبله، وليس كذلك فدفعه أوّلاً بأن عاد بمعنى صار وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى فلا يقتضي ماذكر، واعترض على هذا في الفرائد بأنه لو كان عاد بمعنى صار لقيل إلى ملتنا فتعديته بفي تقتضي أنه ضمن معنى الدخول المتعدي بها أي لتدخلن في ملتنا ورد بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان في ملتنا صلة عاد أمّا إذا جعل خبراً لها لأنها بمعنى صار وهي من أخوات كان فلا يرد ما ذكر كما في نحو صار زيد في الدار نعم مما ذكره يفعهم وجه آخر، وهو جعله مجازأ بمعنى تدخلن لا تضمينا لأنه يقصد فيه المعنيان فلا يدفع المحذور، وهنا جواب آخر، وهو أنه على ظنهم، وزعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة كقول فرعون لموسى ﷺ : ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٩] . قوله: (ويجوز ان يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه الخ) عطف بحسب المعنى على قوله بمعنى الصيرورة يعني أنّ الخطاب ليس للرسل عليهم الصلاة والسلام بل لهم، ولقومهم فغلبوا عليهم في نسبة العود إلميهم فإن كانوا حاضرين فظاهر، والا ففيه تغليب آخر في الخطاب كما مرّ في قصة شعيب كليه الصلاة والسلام. قوله:) على إضمار القول) أي فعل الإيحاء لا يلائم لنهلكن، وأوحى لا مفعول له أو هو مفعوله لكونه في معنى القول على المذهبين المشهورين في أمثاله، والمراد بالظالمين
المشركون لقوله تعالى إن الشرك لظلم عظيم، وهم لما أرادوا إخراجهم من ديارهم أخرجهم الله من دار الدنيا، وأورثهم أرضهم وديارهم كما في الحديث " من أذى جاره أورثه الله داره " وقوله أرضهم إشارة إلى أنّ التعريف للعهد لا عوض
стр. 1721
عن المضاف إليه، وقوله وقرئ ليهلكن أي بالغيبة من الأفعال، وقوله ليخرجن بفتح الياء من الثلاثي، وقد تقدم تقرير هذه المسألة النحوية فيما يجوز في الفعل المذكور بعد القسم، وقوله إشارة إلى الموحى به توجيه لأفراد الضمير، وتذكيره مع أنّ المشار إليه اثنان فلا حاجة إلى جعله من قبيل ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٨] وان صح. قوله: (موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد الخ) يعني مقام إمّا بمعنى موقف الحساب فهو اسم مكان، واضافته إلى الله لكونه بين يديه أو مصدر ميمي بمعنى حفظي لأعمالهم ليجازوا عليها، وقيل قيامهم على القبور إذا بعثوا أو لفظ مقام مقحم أي مزيد فإنه سمع إقحامه في قوله يغيب عنه مقام الذنب لأنّ الخوف من الله. قوله: (أي وعيدي بالعذاب) فياء المتكلم محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف، ومتعلقه محذوف أو هو بمعنى الموعود به، وقوله الموعود إشارة إلى هذا، وأنه مصدر من الوعد على وزن فعيل فيكون الوعد مستعاراً للإيعاد. قوله: (سألوا من الله تعالى الفتح على أعدائهم الخ) يعني أنّ السين للطلب، والفتح بمعنى القضاء لأنه يكون بمعناه لغة كما مرّ فقوله، والقضاء عطف تفسير، وهذا استنجاز للوعد السابق بإهلاكهم إن كان متأخراً عنه، والضمير للرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعهم لأن الواو، لا تقتضي ترتيبا، وقوله لأنّ كلهم، وفي نسخة فإنّ كلهم تعليل للقولين الأخيرين، وإذا كان للكفرة فهو معطوف على قال الذين كفروا. قوله: (وقرئ بلفظ الأمر) وكسر التاء، وعطفه على لنهلكن والواو من الحكاية دون المحكي أو ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أنّ مذهب النحاة تجويزه، وقوله ففتح
يعني أنه من قبيل إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة، والمعطوف عليه، وقوله فأفلح المؤمنون لازم الفتح، وذكر. لتظهر مقابلة الخيبة له لا أنه محذوف أيضا، ولو قدر لم يمنع منه مانع وعات اسم فاعل من العتوّ، وهو التجبر، وقوله معاند إشارة إلى أنّ عنيد فعيل بمعنى مفاعل كخليط بمعنى مخالط، ورضيع بمعنى مراضع، وهو كثير فصيح، وما قيل إنه يعني أنه بمعنى عاند، ولكنه فسره بمعاند لأنه اشتهر مما لا داعي له، وقوله أوقع أي أحسن لحصول ضد ما أفلوه لهم، ومطلوبهم لأعدائهم مع هلاكهم، وأمّا على الوجه الآخر فلأنّ الفتح مطلوب لهم، وان لم يستفتحوا. قوله: (من بين يدبه) يعني أن وراء هنا بمعنى قدام لأنها تطلق عليه لكونها من الأضداد أو لأنّ معناها ما توارى عنك سواء كان خلفاً أو قداما. قوله: (فإنه مرصد بها (بفتح الميم، وبالباء أي مراقب مشارف يقال رصد به إذا قعد على طريقه يترقبه، وفي نسخة مرصد لها بضم الميم، وباللام أي معدلها يقال أرصدت له العقوبة إذا هيأتها، وأعددتها، وحقيقته جعلها على طريقه كالمترقبة له، وفي نسخة مترصد بصيغة اسم الفاعل من التفعل، وبالباء، وقوله من وراء حياته أي أنه على تقدير مضاف، وهو الحياة أي بعد انقضاء عمره وما وقع في نسخة خيوبه بالخاء المعجمة من الخيبة من تحريف الناسخ، وقوله واقف على شفيرها على كونه بمعنى أمام إشارة إلى أنهم لخسرانهم بضلالهم، وان طالت أعمارهم متقاربون منها حتى كأنها حاضرة بلا فاصل، ووراء مراد به الزمان استعارة، وفي قوله واقف ومرصد إشارة إلى التجوّز فيه، وهذا على اعتبار أنها وراءهم في الدنيا فإن قدر المضاف كان بعدها فلا يلاحظ فيه ما ذكر، وقيل إنه إشارة إلى أنّ وراء بمعنى خلف. قوله: (وحقيقته ما توارى الخ) فليس من الأضداد كما قاله أبو عبيدة بل هو موضوع لأمر عام صادق عليهما، وقد مرّ تفصيله فتذكره، وقوله عطف على محذوف، وقيل على متعلق من ووائه المقدر. قوله:) عطف بيان لماء) إن جوّز وقوعه في النكرات، ومن أبا. يقول هو نعت له لأنه في الأصل صادر عن شربه أو بدل منه إن كان جامداً، ثم إطلاق الماء عليه إمّا حقيقة إن كان على التشبيه به أو مجاز لأنه بدله. قوله: (يتكلف جرعه الخ) أي تفعل دال على التكلف كتحلم، وقيل مطاوع جرّعه الماء فتجرّعه، وقيل إنه للمهلة، والتدريج كفهمته الكتاب، وعلمته أي شيئأ بعد شيء لمرارته لكن قوله فيطول عذابه يشعر بأنه لتطويل الله تعذيبه فلذا حمل على أنه متفرع عليه في الواقع، وقوله
يسيغه بضم الياء لأنه يقال ساغ الشراب كقال فأساغه غيره، وهو الفصيح، وان ورد ثلاثيه متعدّيا أيضاً على ما ذكره أهل اللغة. قوله:
стр. 1722
(أسبابه من الشدائد) يعني أنّ المحيط به، والآتي من كل مكان له أسبابه فهو مجاز عنه أو بتقدير مضاف أو المراد بالمكان الأعضاء فإنها مكان مجازاً لذلك فليس بمعنى الجهة. قوله: (حتى من أصول شعره الخ) أي حتى يأتيه ففيه مقدر، والمراد به التعميم، وفسر ميت بمستريح لأنّ من مات استراج من ألم كان في جسده كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت
قوله: (ومن بين يدبه عذاب غليظ البئ) يعني أنه لما هو أمامه كما مرّ، ولا يحتاج إلى
تقدير من وراء عذابه، وقوله يستقبله في كل وقت ليس تفسيراً للوراء بالزمان، وإنما هو لازم كون الوراء بمعنى الإمام لأنك إذا قلت قدامه عذاب دلّ على أنه بصدده وأنه يستقبله، وأمّا التعميم، والتأكيد فلأنّ كل وقت من أوقات تعذيبه بالصديد، وإتيان الموت من كل جانب يصدق عليه فيه أن قدّامه عذابا غليظاً هو يستقبله فلا يزال يتجدد له عذاب هو أغلظ من سابقه، والا لزم الخلف في خبر الصادق، وحبس الأنفاس أي لا يمكنه أن يتنفس لإطباق اللهب، والدخان عليه. قوله: (وقيل الآية متقطعة عن قصة الرسل عليهم الصلاة والسلام نارّلة في أهل مكة الخ) يعني قوله، واستفتحوا إلى هنا، والواو حينئذ عاطفة أمّ على قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٢] أو على خبر قوله أولئك في ضلال بعيد لقربه لفظا ومعنى، وإنما ضعفه المصنف رحمه الله تعالى لعدم القرينة، وبعد العهد، وقيل الواو للاستئناف، وما أصاب قريشا من القحط بدعاء النبيّ ﷺ ، وهو بمكة معروف في السير، وقوله وأوعد إشارة إلى توجيهه على هذا التفسير، وقوله بدل إشارة إلى ما مرّ من أنه مجاز. قوله: (مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم الخ) هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى كما مرّ، وهو أظهر الوجوه، وقوله صفتهم إشارة إلى أنّ المثل بمعنى الصفة الغريبة، وقد مرّ تحقيقه أيضاً، وقوله التي هي مثل أي كمثل إشارة إلى أنه مأخوذ منه لا من المثل بمعنى الشبه أو الشبيه. قوله: (أو قوله ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ الخ) قيل عليه أنه غير جائز لأنّ الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ الذي هو مثل عارية عن رابط يعود على المبتدأ، وليست نفس المبتدأ في المعنى
حتى يكون المعنى مثلهم هذه الجملة، وأجاب عنه السمين بأنه نفس المبتدا لأنّ معناه في تأويل مثل الذين أي ما يقال فيهم، ويوصفون به إذا وصفوا فلا حاجة إلى الرابط كقوله صفة زيد عرضه مصون، وماله مبذول، ولا يخفى حسنه إلا أنّ المثل عليه بمعنى الصفة، والمراد بالصفة اللفظ الموصوف به كما يقال صفة زيد أسمر أي اللفظ الذي يوصف به هو هذا كقوله هجير أبي بكر لا إله إلا الله، وهذا وان كان مجازاً على مجاز لكنه يغتفر لأنّ الأوّل ملحق بالحقيقة لشهرته وليس من الاكتفاء بعود الضمير على المضاف إليه لأنّ المضاف ذكر توطئة له كما مرّ وقد قيل إن المثل مقحم والاعتراض عليه بأنّ الأسماء لا تزاد مرّ ردّه فتذكره:
فما بالعهد من قدم
قوله: (وقيل أعمالهم بدل من المثل) هي على هذا بدل اشتمال وقوله كرماد خبر كقوله:
ما للجمال مشيها وئيدا
كذا قاله السمين، وفيه نظر وقال صاحب الكشاف أنه بدل بتقدير مثل في المبدل أي مثل أعمالهم فقال في الكشف أنه بدل كل من كل حينئذ وذلك لأنّ مثلهم ومثل أعمالهم متحدان بالذات وفيه تفخيم وقيل إنه عليه أيضا بدل اشتمال لأنّ مثل أعمالهم كونها كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأوّل سبب للثاني فتأمّل. قوله: (حملته وأسرعت الذهاب به) فاشتد من شد بمعنى عدأ، والباء للتعدية أو للملابسة، وقيل إنه يحتمل أن يكون من الشدة بمعنى القوّة أي قويت بملابسة حمله، وقوله اشتداد الريح أي قوّة هبوبها. قوله: (وصف ب زمانه للمبالغة الما كان معنى العصف الشدة لأنه من عصف الزرع بمعنى هشمه، وكسره كان صفة للريح لا لزمان هبوبها فوصفه به على الإسناد المجازي كنهاره صائم للمبالغة فيه ولم يحمله على الجرّ الجواري لأن شرطه أن يصح وصف الأوّل به، وهو لا يصح هنا لاختلافهما تعريفا وتنكيراً، وكون أصله عاصف الريح والتنوين عوض عن المضاف إليه ضعيف. قوله: (شبه صنائعهم الخ) الصنائع جمع صنيعة، وهي الإحسان يقال اصطنع إليّ زيد إذا أحسن فالتشبيه إما لأعمالهم الحسنة التي عملوها في الكفر للرياء
стр. 1723
والسمعة من غير إخلاص لله، لأنها ضائعة لا ثواب لها أو ما عملوه لأصنامهم من القرب في زعمهم وقوله:) من معرفة الله (أي
توحيده إذ المشرك لا يعرفه حق معرفته، لأنه لو عرفه لم يشرك به، والتوجه إليه بمعنى الإخلاص وقوله: (أو أعمالهم الخ) عطف على قوله صنائعهم ولا مانع من التعميم لما يشملهما وقوله طيرته الريح مجاز عن تفريقه وقوله فذلكة التمثيل أي المقصود منه ومحصل وجهه. قوله: (إشارة إلى ضلالهم) وفي نسخة أي ضلالهم بأي التفسيرية وهما بمعنى والمراد بالضلال الكفر وما عملوه رياء وسمعة وحسبانهم أي ظنهم إحسانهم لجهلهم المركب وتزيين الشيطان وقوله: (فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق) إذ لا يمكنهم العود إليه لظنهم أنهم على شيء واسناد البعد إلى الضلال مرّ تحقيقه. قوله: (خطاب للنبئ ﷺ والمراد به أمته) إنما حمله على أنّ الخطاب له ﷺ شامل له، ولأمنه لقوله إن يشأ يذهبكم والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة وقوله: (على التلوين الخ) التلوين تغيير أسلوب الكلام إلى أسلوب آخر، وهو أعم من الالتفات، وأصل معناه تقديم الأنواع من الطعام للتفكه والتلذذ وإنما عبر به لأنّ فيه غير الالتفات، وهو الإفراد بعد الجمع وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. قوله ة (بالحكمة والوجه الذي يحق أن يخلق عليه) فالباء للملابسة وهو حال من المفعول أي ملتبسة بالحق والمراد بالحق الحكمة والمراد بالحكمة ما يحق لها أن تكون عليه فقوله والوجه عطف تفسير لها وقرأ حمزة خالق باسم الفاعل والإضافة وجر الأرض. قوله: (يعدمكم ويخلق خلقاً آخر مكانكم (إما من جنس البشر أو من غيره على ما مرّ في سورة النساء وقوله: (يعدمكم) من الإعدام إشارة إلى أن الإذهاب ليس المراد به النقل من عالم، أو مكان إلى آخر بقرينة ما بعده من قوله: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . قوله: (رتب ذلك) أي أورده عقيبه وكونه إثباتا له ودليلا عليه يفيد تأكيده وتقريره، فلذا لم يعطف عليه لا يقال الاستدلال طلب الدليل أو تحصيل العلم بطريق الاكتساب، وذلك لا يسند له تعالى، فلا يكون مفعولاً له لاشتراط اتحادهما فاعلا على الرأجح، ولذا عدل عنه بعضهم إلى قوله إرشادا إلى طريق الاستدلال لأنا نقول استفعل يكون لغير الطلب كالصيرورة نحو استعبده أي صيره عبداً وحاصله إقامة الدليل واثباته وما ذكر من العدول لبيان المراد، والإرشاد أو هو مجاز عما ذكر وقوله: (خلق أصولهم) أي الأرض وما فيها من العناصر وما يكون فيها من الأغذية وما يتوقف عليه تخليقهم في عادة الله بمقتضى
حكمته وهو السماوات والكواكب وأوضاعها، والا فلا علية ولا شرطية بين الممكنات في الحقيقة، وتبديل الصور بجعل الغذاء- ف! ة ثم وثم وقوله بمتعذر أو متعسر أصل العزيز ما يعز ويندر وجوده والمراد ما ذكر وقوله:) فإنه قادر لذاته) أي قدرته ليست باستعانة وواسطة لا أنها عين ذاته وقوله: (لا اختصاص الخ) تفريع على القدرة الذاتية وقوله ومن كان هذا شأنه فذلكة الدليل السابق والآية. قوله: (أي يبررّون من قبورهم يوم القيامة لآمر الله الما كان معنى البروز الظهور لله الذي لا يخفى عليه خافية فسره بالبروز والخروج من القبور يوم القيامة وجعل اللام للتعليل بتقدير مضاف، وهو أمره وحسابه، فاللام ليست صلة للفعل أو صلة له بناء على زعمهم الناشئ عن جهلهم وقوله: (على ظنهم) أي في الدنيا، وأمّا في الآخرة فهو متعين، فلا غبار في كلامه كما توهم وقوله انكشفوا الخ كان الظاهر انكشفت أي الفواحش، لكنه ذكره لإسناده في النظم إليهم وبانكشافهم، وانكشاف قبائحهم ظهر أنّ الله كان مطلعاً عليهم. قوله: (الاتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي الخ) يعني إطلاق الضعفاء على اتباعهم لضعف رأيهم، فهو تفسير واحد لا اثنان كما توهم، وقفخيم الألف إمالتها إلى مخرج الواو لا ما يقابل الإمالة المعروفة ولا ضدّ الترقيق وقوله: (فيميلها) تفسير له وكتابتها بالواو هو الرسم العثماني.
واعلم أنّ المصنف ﵀ تبع الزمخشري في قوله إنّ الألف تفخم، فتجعل كالواو
وقد ردّه الجعبريّ ﵀ وقال إنه ليس من لغة العرب فلا حاجة للتوجيه به لأنّ الرسم سنة متبعة وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة فلو وجهه بأنه اتباع للفظه في الوقف بوقف حمزة كان حسنا صحيحا. قوله: (لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستنووهم) يعني انّ شأن رؤسائهم أن يجعلوهم تبعا لهم، ويحملوهم على
стр. 1724
الغواية وهذا توطئة لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ وتقديم لكم للحصر أي تبعاً لكم لا لغيركم، وما قيل المعنى أنا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله ضعفاء ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا ولو حمل الضعف على كونهم تحت أيديهم، وتابعين لهم كان أحسن ليس بشيء يعتد به. قوله: (وهو جمع الخ) يعني أنه جمع فيه فاعل على فعل كخادم، وخدم، وهو من صيغ الجمع أو هو اسم جمع أو هو مصدر نعت به مبالغة بتأويل، أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع وقوله: (دافعون عنا)
يشير إلى أنه من الغناء وهو الفائدة وضمن معنى الدفع، فلذا عذى بعن. قوله:) من الأولى للبيان واقعة موقع الحال الخ) إنما كان حالاً لأنه لو تأخر كان صفة، وصفة النكرة إذا قدمت أعربت حالاً، وقول أبي حيان إن من البيانية لا تتقدم على ما تبينه منعه غيره من النحاة تبعاً لمن جوّزه ففيه اختلاف والأصح جوازه، وإنما يفوت. بتقديمه كونه صفة لا بياناً وإنما تقدم الحال على صاحبها المجرور، وان منعه بعض النحاة فقد جوّزه كثير كابن كيسان، وغيره فيكفي مثله سنداً، وأما كونه حالاً عما سذ من شيء مسده، وهو بعض لا من المجرور فبعيد معنى، وصناعة مع أنّ قول المصنف ﵀ بعض الشيء الخ لا يلائمه لأنه جعله بيانا للمضاف إليه فيكون حالاً من المجرور، وإن ص! ء تطبيقه عليه لأن بيان الشيء بيان لبعضه فمحصل المعنى هل يدفعون عنا بعض شيء، وهو العذاب. قوله: (ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء وبعض عذاب الله) ضمير هو عائد على شيء، وقيل إنه للبعض دون شيء حتى يكون المعنى بعض شيء هو أي ذلك الشيء بعض عذاب الله كما في الكشاف، ولا معنى لقوله هل أنتم مغنون عنا بعض بعض عذاب الله، وعلى هذا يكون من عذاب الله حالاً مما سد مسذه من شيء من غير خلل وفيه نظو لإنّ قوله لا معنى الخ مردود بأنه يفيد المبالخة في عدم الغناء كقولهم أقل من القليل. قوله:) والإعراب ما سبق الخ (أي الجار والمجرور الأوّل واقع موقع الحال، والثاني واقع موقع المفعول، والكلام فيه ما تقدم، وقيل إنه بدل ويأباه اللفظ والمعنى كما في الكشف، وأورد على الأوّل أنّ المحقق السعد قال في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً﴾ [سررة. البقرة، الآية: ١٦٨] في البقرة إن كون التبعيضية ظرفا مستقرّاً، وكون اللغو حالاً مما يأبا. النحاة، وأن كلام المصنف ﵀ يخالفه ومخالفته ظاهرة إلا أنه محل بحث. قوله: (ويحتمل أن تكون الأولى مفعوفي! و، لمانية مصدرا) كون الثانية مصدراً بمعنى أنها.، صفة مصدر سادّ مسده، وشيء عبارة عن إغناء مّا، ويلزم منه أن يتعلق حرفان من جنس واحد بمتعلق! واحد دون ملابسة بينهما تصحح النسبة، وفيه نظر لأنه لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل المفعول المطلق صع العمل، ولم يكونا من جنى واحداً، وتقييده بالثاني بعد اعتبار تقييله بالأول على حد ثئما. رزقوا منها من ثمرة ررّقا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥] وقيل إنّ من الثانية على هذا مزيدة في الإثبات والأصل إغناء شيئا والبعضية مستفادة من شيء المنكر لا لأنّ من تبعيضية، ولا يخفى ما فيه، وقوله في الإثبات لا وجه له لأن أفي ستفهام هنا في معنى النفي، ومن تزاد بعده. قوله: (جواباً عن معاكبة الاتباع) يشير إلى أنّ
قولهم هل أنتم مغنون للتبكيت فينطبق عليه جوابهم، وقوله اخترنا لكم الخ يعني أنّ هذا هو النصح لكنا قصرنا في رأينا لا أنهم أحالوا ضلالهم، واضلالهم على الله كما ذهب إليه الزمخشريّ، وقوله سدد تفعيل من السذ لا من السداد. قوله: (مستويان علينا الجزع والصبر) يعني أجزعنا أم صبرنا في تأويل مصدر هو مبتدأ، وسواء بمعنى مستو خبره، وأفرد لأنه مصدر في الأصل كما مرّ تفصيله، وتحقيقه في سورة البقرة وما لنا من محيص جملة مفسرة لما قبلها، والجزع حزن يصرف عما يراد فهو أبلغ من الحزن، وضمير علينا وجزعنا، وصبرنا للمتكلم منهم أو للمستكبرين أو لهم، وللضعفاء معا كما سيصرح به، وهو بيان لاتصاله بما قبله كما فصله في الكشاف، واتصاله على الأخيرين ظاهر، وعلى الآخر بالنظر إلى أوّل الكلام لأنّ قولهم هل أنتم مغنون عنا جزع منهم، وكذا جوابهم باعترافهم بالضلال. قوله: (منجا ومهرب من العذاب الخ (معنى حاص جاء وفرّ فالمحيص إمّا اسم مكان أي ليس لنا محل ننجو فيه من عذابه، والمعنى لا نجاة على الكناية فهو، والمصدر الميمي بمعنى، ورجح كونه من كلام الفريقين لشدّة اتصاله بما قبله عليه، وأيده بالرواية المذكورة ووجه التأييد ظاهر لأنّ احتمال كونه كلام أحد الفريقين بعيد، وعلى تفسيره الأوّل فهو من كلام القادة
стр. 1725
فقط، واتصاله ظاهر، وسكت عن كونه من كلام الاتباع المذكور في الكشاف للفاصل بينهما، وأن وجهه بأنّ عتابهم لهم جزع فمن ادّعى أنّ الوجوه الثلاثة مندرجة في كلامه لا حجة له، وفيه ردّ على الزمخشري إذ جعل الأثر مؤيداً لكونه من كلام كبرائهم ووجهه أنه جنح إلى أنهم الآمرون لهم، وجزعهم رجاء لرحمة الله وكذا صبرهم. قوله: (وقال الشيطان) وهو خطيب جهنم روى القرطبيّ رحمه الله تعالى أنهم يقولون له اشفع لنا فإنك أضللتنا فيقوم خطيبا فيهم، ويقول إنّ الله وعدكم وعد الحق الخ. وقوله وعدا من حقه الخ إشارة إلى أنه من إضافة الصفة إلى موصوفها بالتأويل المشهور، وقوله أو وعدا أنجزه فهو بمعناه المصدري وقيل مراده أنّ الوعد لا يتصف بالحق إلا وقت إنجاز.، وعلى الأوّل يتصف به وقت صدوره، وكلا المعنيين يناسب معناه اللغوي،
والثاني أنسب به، وقيل إنه على الثاني مقابلة فأخلقتكم، وعلى الأوّل مقابفه محذوف بقرينة الكلام الثاني أي فوفى، وأنجز كما أنّ مقابل وعد الحق محذوف من الثاني لقرينة الأوّل وهو من الإيجاز البليغ فتأمل، وقيل الأوّل باعتبار استحقاقه للإنجاز، والثاني لاتصافه بالإنجاز بالفعل. قوله: (وعد الباطل) فسره به لدلالة مقابله، ودلالة قوله فأخلفتكم عليه، وقوله جعل تبين خلف وعده يعني أنه استعير الإخلاف لعدم تحقق ما أخبر به وكذبه، ولو جعل مشاكلة لصح أيضا، وقوله تسلط فهو مصدر وهو تبرّ منهم، ومنهم من فسره بالحجة، وهو حسن. قوله: (وهو ليس من جنس السلطان) أي حقيقة ولكته من جنسه ادعاء فلذا كان الاستثناء متصلا من تأكيد الشيء بضد. كقوله:
وخيل قددلفت لهابخيل تحية بينهم ضرب وجيع
وهو من التهكم، وكونه استعارة أو تشبيهاً أو غيرهما غير صحيح كما تقدم تحقيقه في سورة البقرة فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعا على حد قوله:
وبلدة ليس بها أنيسى إلا اليعافير والا العيسى
قوله:) أسرعتم إجابتي) مستفادة من الفاء، وقيل من السين لأنها، وان كانت بمعنى الإجابة لكنه عد من التجريد، وأنهم كأنهم طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي ذلك السرعة، وهو بعيد، وقوله صرح العداوة الخ. صرح يكون لازما، ومتعديا يقال صرح الشيء، وصرح هو أي انكشف قاله المرزوقيّ في قوله:
فلما صرّج السرّ فأس! ى وهوعريان
وتصريحه بقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الأعراف، ألاية: ١٦] وقوله بأمثال ذلك أي لا يلام بالوسوسة بعد تبين أنه عدوّ لهم، وإنما اللوم عليهم في اتباع عدوّهم، وترك سيدهم، وخالقهم المنعم عليهم كما بينه بقوله ولوموا أنفسكم. قوله: (واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله (وكونها مخلوقة له، والجواب ما ذكره المصنف رحمه
الله لا أنه من- جملام الشيطان فلا يكون- حجة لأنه ذكر من كير إنكار، وان كان عدم الإنكار لا يدل على القبول أيضا. قوله: (بمغيثكم من العذاب) إشارة إلى أنّ المصرخ من الصراخ، وهو مدّ الصوت بمعنى المغيث يقال استصرخته فأصرخني أي أغاثني، والهمزة للسلب يعني أزال صراخي والصارخ هو المستغيث قال:
فلاتصرخوا إني لكم غيرمصرخ وليس لكم عندي غناء ولانصر
قوله: (وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين) بيع أصله مصرخين ليس فأضيف، وحذفت نون الجمع للإضافة فللثقت ياء الجمع الساكنة، وياء / المتكلم، والأصل فيها السكون فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت، وقد طعن في هذه القراءة الزجاج ﵀، واستضعفها تبعاً للفراء، وتبعه الزمخشري، والمصنف ﵀ والإمام، وهو وهم منهم فإنها قراءة متواترة عن السلف، والخلف فلا يجوز أن يقا-ل إنها خطا أو قبيحة، وقد وجهت بأنها لغة بني يربوع كما نقله قطرب، وأبو عمرو ونحاة الكوفة فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء أخرى، ويوصلونها، يياء كعلمى ولدحي، وقد يكتفون بالكسرة قال الأغلب العجلي:
أقبل في ثوب معافرقي عنداختلاط الليل والعشيّ
ماض إذا ما همّ بالمضيّ قال لهاهل لك ياتافيّ
стр. 1726
أي يا هذه فلا عبرة بمن أنكرها، وقال إنّ الشعر مجهول لا يعرف قائله، وقوله فإذا لم ئكسر، وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر، وقبلها ياء عين قول الزمخشريّ لأنّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث جاء قبلها ألف فما بالها، وقبلها ياء فإنه ردّ بأنه روي سكون الياءلجعد الألف، وقرأ به القراء في محياي، وما ذكره أيضا قياس مع الفارق فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء لمجانستها كسرها مع الألف الغير المجانسة للكسرة ولذا فتحت لمجانستها وقوله مع أنّ حركة ص ياء الإضافة الفتح إن أراد أنه الأصل مطلقاً أو في كل محل فممنوع لأنّ أصل المبنيّ أن يبنى على السكون ومع الياء أجرى على الأصل، وقوله فإذا لم تكسر الخ علمت ما فيه، وقوله إجراء لها الخ لكونها ضميرا مفردا فقد علمت من هذا صحة هذه القراءة، وأنها لغة فصيحة، وقد تكلم بها رسول الله ﷺ في حديث بدء اللوحي فلا وجه لإنكارها، ولا لما قاله المصنف ﵀ تبعا للزمخشري، وقد علصت ردّه. قوله: (ما إمّا مصدرية ومن متعلقة الخ) المعنى
على المصدرية كفرت بإشراككم إياي لله في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله في أعمال الخير فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به، وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام، ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، وقوله كفرت اليوم لأنه حمله على إنشاء التبري منهم في يوم القيامة لأنه الظاهر، وقد جوز فيه النسفيّ ﵀ أن يكون إخباراً عن أنه تبرّ منهم في الدنيا فيكون من قبل متعلقاً بكفرت أو متنازعا فيه، وقوله بمعنى تبرأت منه فالكفر مجاز عن التبري منه مما هم عليه. قوله: (أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم الخ) يعني ما موصولة بمعنى من إذا وقعت على ذوي العلم كما في المثاو / المذكور إذ هي واقعة عليه تعالى بحسب الظاهر، وان جوّز فيها أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخيركن لنا، والضمير للنساء، وسبحان للتعجب تعجب من تسخير الله النساء للرجال مع مكرهن وكيدهن، وفي قوله نحو ما لطف إذ يحتمل لفظها، والموصولية، وقال الطيبي ﵀ ما لا تستعمل في ذوي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه، وتعظيم شأنه كما في هذا المثال أي سبحان الذي سخركن أي قادكن وأمثالكن لنا أو خلقكق لأجلنا. قوله: (اي كفرت بالذي أشركتمونيه) فالعائد مقدر فعلى هذا يكون ذلك من إبليس إقراراً بتقدم كفره، وانّ خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه، وعلى الأوّل نفي لامتنانهم عليه باتباعه في الضلال، وقوله منقول من شركت زيداً للتعدية تعليل للنقل، وأنّ همزته للتعدية للمفعول الثاني، وقوله أو ابتداء كلام يؤيده قراءة أدخل بصيغة المتكلم، ووجه الإيقاظ، التدبر ظاهر إذ لم يفدهم ولم ينفعهم غير الله. قوله: (بإذن الله تعالى وأمره) عطف أمره عليه عطف تفسيريّ لأنه المراد منه على طريق الاستعارة كما تقدم تحقيقه في هذه السورة، وقوله ب! ذن ربهم متعلقاً بقوله تحيتهم لم يعلقه بأدخل مع أنه سالم من الاعتراض، ومع أنه يشتمل حينئذ على الالتفات أو الخريد، وهو من المحسنات لأنّ قولك أدخلته بإذني كلام ركيك لا يناسب بلاغة التنزيل، والالتفات،
والتجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضا وتعلقه بخالدين لا يدفع الركاكة كما في الكشف لأنّ الإذن إنما يكون للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر فمن قال لا محذور فيه لم يأت بشيء، وكون المراد بمشيئتي، وتيسيري لا يدفعه عند التأمل الصادق، وقد اعترض أبو حيان على هذا بأنّ فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدريّ، وفعل عليه، وهو غير جائز ورد بأنه غير منحل إليهما هنا لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا فيها بسلام فالظاهر أنه غير منحل ولو سلم فمراده التعلق المعنوي فالعامل فيه فعل مقدر يدل عليه تحيتهم أي يحيون بإذن ربهم، وفي قول المصنف ﵀ أي تحييهم الملائكة إشارة إليه. قوله: (كيف اعتمله ووضعه) وفي نسخة اعتمده بالدال وقد سبق في سورة البقرة أنّ ضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصل الضرب وقع شيء على آخر، وقد مرّ هناك تحقيقه بما لا مزيد عليه فإن أردته فراجع ما قدمناه ثمة وقوله ووضعه عطف تفسيريّ لاعتمله. قوله: (أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة الخ) فكلمة على هذا منصوبة بفعل مضمر، وهو جعل، والجملة تفسير لقوله ضرب الله مثلاً كقولك شرّف الأمير زيداً كساه حلة، وقيل فيه تكلف إضمار لا داعي له وردّ بأنه
стр. 1727
محتاج إليه في أداء هذا المعنى، وفيه تأمّل فالمثل بمعنى التشبيه التمثيلي لا الاستعارة.
قوله: (ويجوز أن تكون كلمة بدلاً من مثلاَ) قيل عليه أنه لا معنى لقولك ضرب الله كلمة
طيبة إلا بضم مثلا إليه فمثلاً هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل منه غيره، وهذا بناء على ظاهر قول النحاة إن المبدل منه في نية الطرح، وهو غير مسلم، وهذا الوجه مبنيّ على تعدي ضرب إلى مفعول واحد، والبدل قيل إنه بدل اشتمال، ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد، وقوله وأن تكون أوّل مفعولي ضرب الخ بناء على أنها تتعدى إلى مفعولين كما مرّ تفصيله إمّا لكونه بمعنى جعل، واتخذ أو لتضمنه معناه، ولا يرد عليه بأنّ المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة مثلا لا كلمة طيبة مثلاً لأنّ المثل عليه بمعنى الممثل به، والتقدير ذات مثل أولها مثلاً. قوله: (وقد قرئت) أي كلمة بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة، والخبر كشجرة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أيضا وكشجرة صفة أخرى، والجملة خبر لمبتدأ مقدّر، وهي تفسير لقوله ضرب الله مثلاً عليهما، وقوله ضارب بعروقه فيها تفسير للأصل بالعروق الداخلة في الأرض فضارب من ضرب في الأرض إذا سار فيها تجوز به عن الدخول، وقوله وأعلاها تفسيره
بالأعلى لتفرّعه على الأصل من قولهم فرع الجبل إذا علاه وتوجيه لإفراد. مع أنّ كل شجرة لها فروع بأنه أفرد لأنه أريد به الأعلى أو المراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق فاكتفى بالواحد أو لأنه مصدر بحسب الأصل، واضافته تفيد العموم، وكلام المصنف ﵀ يحتملهما، وأفنان جمع فنن بفتحتين، وهو الغصن، والشعبة من الشجر والسماء بمعنى جهة العلو لا المظلة. قوله: (والأوّل على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ) كون الأوّل على الأصل الأقوى لإثباته لمن هو له قال ابن جني ﵀ لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على غير ما هي له، وهو الشجرة إذ الثبات إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سببه قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظا، ومعنى فالأحسن تقديم الأصل عناية به مع ما فيه من حسن التقابل، والتقسيم، وقولك مررت برجل أبوه قائم أقوى من قولك قائم أبوه لأنّ المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما فيه من تكرّر الإسناد، وكون الثاني أبلغ أي أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها، وقوله تعطي ثمرها تفسير له، ونسبة الإعطاء إليها مجازية. قوله: (وقتة الله تعالى لإلمارها) وفيه نسخة أقته بالهمزة، وهما بمعنى قيل إذا كان المراد من الشجرة النخلة على ما روي فكلها الطلع، والبسر والرطب، والتمر وهو دائم لا ينقطع فلا حاجة إلى التقييد بهذا القيد، ولا يخفى أنه تقييد للإيتاء لا ل! ل فلا بد من تخصيصه بما ذكر، وقوله بإرادة خالقها، وتكوينه مر تحقيقه. قوله: (لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير الخ الأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس، والخيال، والوهم فإذا ذكر ما يلائمها من المحسوسات ترك الحس، والخيال المنازعة، وانطبق المعقول على المحسوس فحصل به الفهم التام، وقد مرّ تفصيله. قوله: (كمثل شجرة) يعني فيه مضاف مقدر، والمثل بمعنى الصفة القريبة وقوله استؤصلت بالهمزة، وتبدل واواً أي قلعت من أصلها، واجتثت مأخوذ من الجثة، وهي البدن يقال اجم! مت الشيء بمعنى اقتلعته فهو افتعال من الجثة كما أشار إليه المصنف ﵀ قال لقيط الأيادي: هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا
وقوله بالكلية إشارة إلى أنه عبارة عن ذلك، وقوله لأنّ عروقها قريبة منه أي من الفوق فكأنها فوق بدليل ما بعده، وقوله ما أعرب أي دل وأظهر، وقوله فالكلمة أي على تعميمها المراد بها ما ذكر، وقوله وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة فيكون المقصود تشبيه الكلام الحق بها كما شبه بها (المؤمن) في الحديث ووجه الشبه ثباتها، وعدم تغيرها بحسب الفصول، وطيب ثمرتها. قوله: (وروي ذلك مرفوعاً الخ) قال الحافظ في الدر المنثور أخرجه الترمذقي والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أنس ﵁ مرفوعاً قال أتى رسول الله ﷺ بقناع من بسر فقال: " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ ثؤتي كلها كل حين بإذن ربها قال هي النخلة، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة حتى بلغ ما لها من قرار قال هي الحنظلة، والكشوت " بالفتح، وتضم والأكشوث بالكاب، والشين المعجمة، والثاء المثلثة
стр. 1728
نبت متعلق بالأغصان له عرق في الأرض، وقال الخليل بن أحمد أنه من كلام أهل السواد وليس بعربيّ محض، وتشبيه الكلمة الخبيثة به لعدم ثباتها، ونفعها، ولذا يشبه به الرجل الذي لا حسب له، ولا نسب كما قال الشاعر:
فهوالكشوث فلا أصل ولا ورق ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر
واطلاق الشجر على الحنظل، والكشوث للمشاكلة إذ هو نجم لا شجر، وقوله وبشجرة
في الجنة معطوف على قوله بالنخلة، وهذا مرويّ عن ابن عباس ﵄، وهو أنسب بقوله تؤتي أكلها كل حين، وكذا تفسيرها بالحنظل مروفي عن النبيّ رسول الله ﷺ كما مرّ. قوله: (الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم) بالقول جوّزوا تعلقه بيثبت، وآمنوا وفي الحياة متعلق
بيثبت أو بالثابت فإذا تعلق بآمنوا فالباء سببية، والمعنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوجدو.، ونزهوه عما لا يليق بجنابه فإذا تعلق بيثبت فالمعنى ثبتهم بالبقاء على ذلك أو ثبتهم في سؤال القبر به، وقوله فلا يزالون أي يتحوّلون عما هم عليه إذا قيض لهم من يقيهم، ويحاول زللهم عنه، وزكريا ويحى معروفان وجرجيس من الحوارفي من أصحاب عيسى ﵊ علمه الله الاسم الأعظم الذي يحيي به الموتى، وكان بالموصل وبها ملك جبار كافر فدعاه جرجيس إلى عبادة الله ونهاه عن عبادة الأصنام فأمر به فشد يداه، ورجلا. ومشط بأمشاط من حديد ثم صب عليه ماء الملح فصبره الله على ذلك، ثم سمر عينيه وأذنيه بمسامير من حديد فصبر عليه، ثم دعا بحوض نحاس فأحمى، ثم ألقي فيه وأطبق رأسه عليه فجعله الله عليه برداً وسلاماً، وزاده حسناً وجمالاً، ثم قطع إربا إربا فأحياه الله، ثم دعاهم إلى الله، وأحيا الموتى فلم يؤمن الملك فأمره الله بأن يعتزلهم، ثم خسف بهم الأرض وشمعون كان من زهاد النصارى، وكان يحارب عبدة الأصنام من الروم فاحتالوا بأنواع الحيل عليه فلم يقدروا على قتله إلى أن خدعته امرأته بوعدها بأموال كثيرة، ونحوها فسألته في خلوة له كيف يغلب عليه فقال إن أشد بشعري إذا لم أكن طاهرا فإني لا أقدر على حله فأخبرتهم ففعلوا به ذلك، وألقوه من مكان عال فهلك، وقوله والذين فتنهم أصحاب الأخدود معطوف على زكريا، وستأتي قصرتهم في سورة البروج، وتلعثم بمعنى تأخر وتوقف عن الإجابة. قوله: (وروي أنه ﷺ ذكر قبض روح المؤمن الخ) (١) هذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن البواء بن عازب ﵁ وصححوه، وهذا الحديث يدلّ على أنّ المراد من الآخرة القبر لأنه أول منزل من منازلها، وقد سماه بعض الأدباء دهليز باب الآخرة، واعادة الروح في القبر عند السؤال كما في حال.
الحياة، وقيل كحال النوم، ولعل المنادي من السماء ملك مأمور بذلك، وقوله بالاقتصار على التقليد أي تقليد أهل الضلال بقرينة المقام لا مطلق التقليد بدليل ما فرع عليه. قوله: (أي شكر نعمته كفرا بأن وضعوه مكانه الخ) فعلى الأوّل التبديل التغيير في الوصف، وهو على تقدير مضاف، والتبديل لغويّ، وعلى الثاني التبديل في الذات إذا زالت النعمة، وحل في محلها الكفر، وقوله فصاروا تاركين لها فالتبديل بين نفس النعمة وكفرانها، وقوله فقحطوا أي أصابهم القحط والغلاء، وقحطوا كسمعوا، ويقال قحطوا وأقحطوا بضمهما على قلة، وقوله إلا فجران أي الحيان إلا فجران وقوله فمتعوا إلى حين أي بقوا ولم يفنوا. قوله: (الذين شايعوهم) أي تابعوهم في الكفر، وهو صفة للقوم وضمير شايعوا لهم وهم للذين، وهم صناديد مكة، ودار الهلاك جهنم وحملهم على الكفر كونهم دعوهم له. قوله: (داخلين فيها مقاسين لحرّها) تفسير له على الوجهين وقيده بمقاسين لتتم الفائدة لأنّ الدخول فهم من قوله أحلوا ولو اقتصر على الثاني كان أحسن، وأفيد فإن صلى النار معناه قاسى حرّها، وقوله وبئس المقر جهنم إشارة إلى أنّ المخصوص بالذم محذوف. قوله: (وليس الضلال ولا الاضلال الخ) يعني أنه من الاستعارة التبعية كما في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سورة القصص، الآية: ٨] شبه ما يترتب على فعل الشخص بالعلة الباعثة فاستعمل له حرفه، وقد قيل عليه إنّ كون الضلال نتيجة للجعل لله أندادا غير ظاهر إذ هو متحد معه أو لازم لا ينفك عنه إلا أن يراد الحكم به
стр. 1729
أو دوامه وردّ بأنهم مشركون لا يعتقدون أنه ضلال بل يزعمون أنه اهتداء فقد ترتب على اعتقادهم ضده على أنّ المراد بالنتيجة ما يترتب على الشيء أعمّ من أن يكون من لوازمه أولاً، وقوله جعل كالغرض أي أدخل عليه اللام التي تدخل عليه، وقد مرّ تفصيله في سورة الأنعام، ولا يخفى أنّ ما يترتب على الشيء يكون متأخرا عنه في الوجود، وهذا ليس كذلك
فلا بد من التأويل المذكور، وما ذكره مكابرة. قوله: (بشهويكم أو بعبادة الأوثان الخ) يعني معموله مقدر، والمراد بالشهوات الشهوات المعروفة في المآكل والملابس، والمساكن والمناكح، ونحوها أو المراد بها عبادة الأوثان لأنهم لضلالهم يتلذذون بها لعنادهم فشبهت بالمشتهيات المعروفة لأنّ التمتع لا يكون إلا بها. قوله: (وفي التهديد بصبغة الأمر لىلذان بأنّ المهدد الخ) في الكشاف تمتعوا إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره، ولا يريدونه مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه، ولا يملكون لأنفسهم أمرا دونه، وهو أمر الشهوة، والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة فإنّ مصيركم إلى النار، ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، والوجهان مشتركان في التهديد، وسيأتي له تفصيل في سورة العنكبوت، وهكذا كقول الطبيب لمريض يأمره بالاجتماء فلا يحتمي كل ما تريد فإنّ مص! يرك إلى الموت وهو استعارة، وقوله لإفضائه أي لإيصال المهدد عليه، وهو التمتع إلى المهدد به، وهو النار، وأنّ الأمرين أي التمتع ومصيرهنم إلى النار كائنان لا محالة فلذا استعمل له صيغة الأمر تشبيها له بآمر مطاع لمأمور مطيع في تحقيق ذلك فهذا وجه الشبه بينهما كما أشار إليه المصنف ﵀، وقوله ولذلك علله أي الإنذار المذكور فقوله فإنّ مصيركم تعليل لما قبله، وهو قريب من جعله جواب شرط مقدر أي إن دمتم على ما أنتم عليه فإنّ الخ ومصير مصدر صار بمعنى رجع، والى النار خبره. قوله: (خصهم بالإضافة ئنويهاً لهم) أي رفعاً لهم وتشريفا، والا فالأمر شامل لهم، ولغيرهم بناء على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع، ولما هدد الكفار بأنهماكهم في اللذة الفانية أمر خلص عباده بالعبادة المالية، والبدنية وخصهما لأنهما أمّ العبادات. قوله: (ومفعول قل محذوف دلّ عليه جوابه الخ) وفي نسخة مقول قل وجوابه يقيموا الخ وقوله فيكون إيذانا الخ اسم كان ضمير مستتر عائد إلى جعل يقيموا أو ينفقوا جواباً للأمر، وفي جزمه على الجوابية قولان أحدهما أنه جواب قل، وهو قول الأخفش، والمبرد، وأورد عليه أنه لا يلزم من قوله أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا وكم مرّة يخلف أمره، ورد بأنّ المراد بالعباد خلص المؤمنين، ولذا أضافهم إليه تشريفا وهم متى أمروا اتثلوا، وإلى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله لفرط مطاوعتهم، ومنه يعلم نكتة حذف المقول إيهاما
لأثهم يفعلون بدون أمر مع أنّ مبناه على أنه يشترط في السببية التامة، وقد منع فقوله جوايه الضمير لقل لا للمقول حتى يكون هو القول الآخر الثاني أنه مجزوم في جواب الأمر المقول المحذوف، والتقدير قل لعبادي أقيموا، وأنفقوا يقيموا، وينفقوا وعزى هذا للمبرد أيضاً، وقيل عليه إنه فاسد لوجهين أحدهما أنّ جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط إمّا في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك قم يقم إذ التقدير أن يقيموا يقيموا، والثاني أنّ الأمر المقدّر للمواجهة وهذا للغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً قيل أمّا الأوّل فقريب، وأمّا الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن يقول قل لعبدك أطعني يطعك، وان كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال، وقيل إنه فيه شرط مقدر، وهذا مجزوم في جوابه، وقيل يقيموا خبر في معنى الأمر وردّ بحذف النون، وان وجه بتوجيهات ضعيفة، وقيل مقول القول الله الذي الخ، ولا يخفى ما فيه، وقوله لا ينفك فعلهم عن أمره الأمر هنا مصدر بمعنى قوله أقيموا، وأنفقوا. قوله:) ويجورّ أن يقدرا بلام الأمر الخ) هذا معطوف على ما قبله بحسب المعنى أن يجعل جزمهما بلام أمر مقدرة اي ليقيموا، وينفقوا كما في البيت المذكور، ويكون هو مقول القول قالوا، وأنما جاز حذف اللام هنا لأنّ الأمر الذي قبله، وهو قل عوض عنه، ودال عليه، ولو قيل يقيموا، وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز، وقد جعل ابن مالك حذف هذه اللام على أضرب قليل
стр. 1730
وكثير، ومتوسط فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما هنا والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله:
قلت لبواب لديه دارها تيذن فإني حمؤها وجارها
والقليل ما سواه، وقوله ليصح تعلق القول بهما أي يكونان مقولاً له لا أنّ مفعوله محذوف كما في الإعراب الأوّل، وقوله وإنما حسن الخ قد علمت وجهه مما نقلناه عن ابن مالك ﵀. قوله:
(محمدتفدنفسك كل نفس إذاماخفت من أمرتبالا (
تيل إنه للأعشى من قصيدة مدح بها النبيّ ﷺ ، ومحمد منادى حذف حرف النداء وأراد
لتقد فحذف لام الأمر، والتبات والتبال بفتح أوّلهما متقاربان قال الجوهريّ: تبلهم وأتبلهم بمعنى أهلكهم، والمعنى لتفد نفسك يا رسول الله كل نفس أي تكن فداء لها فإذا خفت هلاكا من شيء فليصب غيرك. قوله: (وقيل هما جواباً أقيموا الخ) تفدم أنه قول لبعض النحاة، وأنه
عزى للمبرد ﵀، وقوله مقامين مقامهما بضم الميمين، والأوّل اسم مفعول! هـ والثاني اسم مكان فيكونان داخلين في مقول قل، وقوله لأنه لا بد من مخالفة الخ. يعني لا بد من تخالفهما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما كما مرّ تحقيقه نحو ائتني أكرمك، وأسلم تدخل الجنة، وقم أقم، وقيل عليه لم لا يجوز أن يكون من قبيل: (من كانت هجرقه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) (١) أي أن يقيموا يقيموا إقامة مقبولة نافعة ولا يخفى أنّ هذا إذا ذكر أو قامت عليه قرينة، وهنا ليس كذلك فهو دعوى بلا شهود، والعقل قاض بخلافها. قوله: (ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا) إنما قيده باتحاد الفاعل لانه عند الاخلاف يجوز نحو أقيموا يقيموا، وقد سمعت قوله في الدرّ المصون أنه يجوز وإن اتحدا كما مرّ، ولذا قيل إنه إن أراد أنه إذا كان محكيا بالقول فغير مسلم فإنه يجوز فيه تلوين الخطاب نظراً للأمر، والمأمور وان أراد بدونه كلا يفيد. قوله: (منتصبان عنى المصدر) أي أصله إنفاق سر فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه أو هو صفة له قامت مقامه، وإذا كان حالاً فيؤول بالمشتق أو يقدر له مضاف أو منصوب على الظرفية أي في السرّ، والعلانية، وبينه! بمانّ نفقة السرّ في التطوّع، والعلانية في الواجب كالزكاة. قوله: (ولا مخالة الخ) يعني الخلال مصدر بمعنى المخالة، وهي المصاحبة، والمصادمة يقال خاللته مخالة، وخلالاً قال:
ولست بمقلي الخلال ولا قالي
وقيل إنه جمع خلة كبرمة وبرام، وقوله قبل هذا فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدي به نفسه إشارة إلى أنه متعلق بقوله ينفقوا، وقيل إنه متعلق بالأمر المقدر لعدم الفائدة في تعلقه بينفقوا، وليس بشيء لأنّ المحنى ينفقوا نفقة مطلوبة لهم مفيدة مثمرة فإنّ القصد منه الحث على الإنفاق لوجه الله من قبل أن يأتي يوم ينتفع المنفقون بإنفاقهم، ولا ينفع الندم لمن أمسك والعدول إلى قوله: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ ليفيد الحصر، وانّ ذلك هو المنتفع به، ولفيد المضادّة بين ما ينفع عاجلا، وآجلا، وقد مرّ في قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٤] أنّ المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى يبتاع ما ينفق، ولا أخلاء يبذلون ما ينفق لهم، وفرق
صاحب الكشف بينهما، وبين وجه اختصاص كل من التفسيرين بمحله، وقوله ولا مخالة معناه، ولا مخالة نافعة بذاتها في تدارك ما فات فلا ينافي قوله تعالى ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ لأنه أثبت فيه المخالة، وعدم العداوة تبين المتقين، ولم يذكر فيها أنهم يتداركون لهم ما فاتهم فما قيل في التوفيق بينهما أنّ المراد لا مخالة بحسب ميل الطبع، ورغبة النفس وتلك المخالة في الله مع أنّ الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي، وان سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه وجود المخالة. قوله: (أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى﴾ على الوجه الأوّل المنفي البيع، والخلال في الآخرة، والمعنى لا يجد في ذلك اليوم ما يبتاع ليتدارك به ما فرط فيه، ولا خليلا يبذل ذلك، وعلى هذا المراد نفي البيع، والخلة اللذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما من حيث ذاتهما، والانتفاع بما كان منهما لوجه الله ففيه ظرف للانتفاع المقدر
стр. 1731
والبيع، والخلال في الآخرة للمتقين، والمراد باليوم يوم القيامة، وقوله على النفي العام إشارة إلى أنه يفيد استغراق النفي فانه نص فيه بخلاف ما إذا رفع على ما مرّ تحقيقه، وفيه ليس متعلقا به والا لزم نصبه فتدبر. قوله: (تعيشون) أي تنتفعون به في المعاس، وهذا مأخوذ من اللام، وقوله وهو يشمل الخ إشارة إلى أنه بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به، وقوله ومن الثمرات بيان له بناء على جواز تقدّم من البيانية على ما تبينه ما مرّ أنه ذهب إليه كثير من النحاة فلا يرد عليه ما قيل إنّ من البيانية إنما تأتي بعد المبهم الذي تبينه، ولا حاجة إلى دفعه بأنه بيان بحسب المعنى لا الإعراب. قوله: (ويحتمل عكس ذلك) أي تكون من بمعنى بعض مقول أخرج ورزقا بيان للمراد من بعض الثمر لأنّ منها ما ينتفع به فهو مرزوق، ومنها ما ليس كذلك، وهو على هذا حال منها بمعنى المرزوق، وفي الوجهين الأخيرين هو مصمدر فهما منصوبان على أنه مفعول له أي أخرجها لأجل الرزق، والانتفاع بها أو مفعول مطلق لأخرج لأنّ أخرج الثمرات في معنى رزق فيكون مثل قعدت جلوسا. قوله: ( ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الخ) الفلك يكون واحداً وجمعاً، والمراد به الجمع هنا بدليل تأنيث تجري، واندرج في تسخيرها تسخير البحار والرياح، وقوله بمشيئتة تفسير للأمر وفسره في الكشاف بقوله كن، ولا يناسبه تفسيره بالتكوين بناء على مذهبنا لأنه المراد من التسخير، وقوله إلى حيث توجهتم قيده به ليظهر معنى التعليل
فيه، وجرّ حيث بإلى مسموع في كلام العرب كقوله:
إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
وقوله لانتفاعكم أي بالشرب منها والتصرف فيها بإخراجها للسائلين ونحوه، وقوله تسخير هذه الأشياء أي الفلك والأنهار وتعليم كيفية اتخاذها بإلهامهم، واقدارهم وتمكينهم من صنعة السفن، واجراء المياه بالسواقي، والقنى وما يترتب عليه. قوله: (يدأبان في سيرهما وإنارتهما الخ) إن كان دائبين بمعنى دائمين في الحركة فهو حقيقة، وان كان بمعنى مجدين تعبين فهو على التشبيه، والاستعارة، والدأب العادة المستمرة، وقوله لسباتكم أو سكونكم، وانقطاعكم عن العمل، ومنه السبت، واصلاح ما يصلحانه كالثمار بإنضاجها وتلوينها. قوله: (بعض جميع ما سألتموه الخ) يعني من كل مفعول ثان لآتي بمعنى أعطى ومن تبعيضية وقيل عليه كل للتكثير، والتفخيم لا للإحاطة، والتعميم كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٤، وحمل من على التبعيض لا ابتداء الغاية يفضي إلى إخلاء لفظ كل عن فائدة زائدة لأنّ ما نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال، ولا وجه له، ودفع بأنه بعد تسليم كون ما نصا في العموم هنا عمومان عموم الأفراد، وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف، وهما مقصودان هنا والى الأوّل أشار المصنف بلفظ الجميع، والى الثاني بقوله كل صنف صنف والمعنى من جميع أفراد كل صنف سألتموه فإنّ الاحتياح بالذات إلى النوع، والصنف لا لفرد بخصوصه. قوله: (يعني من كل شيء سألتموه شيئاً) بيان لأصل المعنى لا ل! عراب أي من كل أفراد شيء سألتموه شيئا أو من أفراد كل شيء سالتموه شيئا فقوله شيئاً هو المستفاد من كلمة التبعيض، ومن في من كل شيء في عبارة المصنف لابتداء الغاية. قوله: (فإنّ الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى) يعني أنّ من التبعيضية دالة على أنّ كل ما يحتاجون إليه، ويطلبونه فيعطيهم بفضله بعض مما في قدرته لأنه يقدر على إفراد أخر منه إلى غير النهاية فما قيل إنه أتى في تعليله بما لا يناسب المعلل لأنّ الكلام في أنّ الحاصل بعض المسؤول فكونه بعض المقدور لا يجدي نفعا في بيانه ليس بشيء لأنّ بعض المسؤول هو بعض المقدور، وأحدهما مستلزم للأخر فليس بينهما فرق كبير كما ظنه المعترض، والمراد الامتنان، وبيان أنّ في القدرة ما هو أكثر مما أنعم به فهو بعض من كل، وقليل من كثير فما قيل إنه ليس فيه كثير معنى، وهم. قوله: (ولعل المراد بما
سألتموه ما كان حقيقاً الخ) يعني المراد بالمسؤول ما من شأنه أن يسئل فهو بمعنى المحتاج إليه وهو لا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال، وقيل إنه جواب عق سؤال مقدر، وهو أنّ الإنسان قد يسأل شيئا فيعطيه الله ذلك الشيء بعينه فكيف هذا مع من التبعيضية فأشار إلى أنّ المراد الصنف الذي يحتاج إليه لا فرد منه. قوله: (وما يحتمل الخ) على المصدرية ضمير سألتموه لله
стр. 1732
والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم، وقوله من كل شيء إشارة إلى أنّ التنولن عوض عن المضاف، وقوله سألتموه بلسان الحال هو ما يحتاج إليه، وهو إشارة إلى المعنى السابق، وقوله ويجوز أي على هذه القراءة أن تكون ما نافية إشارة إلى أنه لا يجوز على الإضافة، وعبر بالجواز إشارة إلى مرجوحيته لأنه خلاف الظاهر، ووجهه أنها تخالف القراءة الأولى، والأصل توافق القراءتين، وان فهم منها إيتاء ما سألتموه بطريق الأولى. قوله: (لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلاَ عن أفرادها الخ) أوّل الإحصاء بالحصر، وأصل معناه العد بالحصا كما كان عادة العرب ولذا قال الأعشى:
ولست باكثرمنهم حصى وان! ما العزة للكاثر
فاستعمل لمطلق العد لئلا يتنافى الشرط، والجزاء إذ أثبت في الشرط العدّ، ونفي في الجزاء، ولو تأوّل إن تعدوا بمعنى أن تريدوا العد اندفع السؤال أيضا، وقال بعض الفضلاء المعنى أن تشرعوا في عدّ أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها، وإنما أتى بأن، وعدم العد مقطوع به نظراً إلى توهم أنه يطاق، وفيه مخالفة لكلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو أدق منه إذ فيه إشارة إلمى أنّ النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها فتدبر. قوله: (وفيه دليل على أنّ المفرد الخ) أورد عليه أنّ الاستغراق ليس ماخوذاً من الإضافة بل من الحكم بعدم العد والإحصاء، وفيه نظر لأنّ الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ) قيل إنه تعليل لعدم تناهي النعم، ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيه، والظاهر أنه جواب سؤال مقدّر، وتقديره لم لم يراعوا حقها أو لم حرمها بعضهم، ولذا فسره المصنف رحمه الله تعالى بما ذكره لأنه المناسب لما قبله، وقوله يعرضها أي النفس للحرمان بترك الشكر وقوله يجمع، ويمنع أي يجمع المال، ويمنعه من مستحقه فذاك كالحد جامع مانع. قوله: (بلد مكة) فتعريفه للعهد، وقوله ذا أمن إشارة إلى أنّ الآمن أهل البلدة لا هي
فجعله من باب النسب كلابن وتامر، ويجوز أن يكون الإسناد فيه مجازيا من إسناد ما للحالّ إلى المحل كنهر جار. قوله: (والفرق بينه وبين قوله ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ، الضى) جواب سؤال مقدر، وهو أنه لم عرّف البلد هنا، ونكر كي البقرة، وكي الكشاف أنه سال! في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدّها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا، وتحقيقه إنك إذا قلت اجعل هذا خاتما حسناً فقد أشرت إلى المادّة أن يسبك منها خاتم حسن، وإذا قلت اصل الخاتم حسناً فقد فصدت الحسن دون الخاتمية، وذلك لأنّ محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر، وفيه أنّ الزمخشريّ قدره في البقرة هذا البلد بلداً آمنا فلا فرق بينهما، وأجيب بأنّ المسؤول البلدية مع الأمن وما قدره إشارة إلى الحاضر في الذهن لا في الخارج بخلاف ما نحن فيه، واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال الب! لدية سابقاً على االسؤال المحكي في هذه السورة، وأنه يلزم أن تك! ون الدعوة الأولى غير مستجابة، ودفع بأدط المسؤول أولاً صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه في أكثر الأحوال كما هو شأن البلاد، وثانياً إزالة! وف عرض كما يعترض البلاد أحياناً أو يحمل على الاستدامة أو بتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو أحدهما من الدنيا، والآخر من الآخرة أو يقال الدعاء الثأني صدر قبل استجابه الأوّل، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن، والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف، وقد بني الكلام على الترقي فطلب أولاً أن يكون بلداً آمناً من جملة البلاد التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفا حقيقة فطلب الأمن لأنّ دعاء! المضطر أقرب إلى الإجابة، ولذا ذيله بقوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣٧] الخ وهذا مبنيّ على تعدد السؤال، وهو الظاهر من تغاير التعبير في المحلين، وان قيل باتحادهما لججعل الإشارة في هذه السورة إلى ما في الذهن بعد تحقق البلدية أو قبلها، وجعل هذا بلدا آمناً مثل كن رجلاً صالحا قيل، وهو الملائم لقوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣٧] الخ إلا أنه لا يخفى ما فيه، والحاصل أنه دعا أولاً بأن يكون بلداً وتكون آمنة، - وكانياً دعا للبلد بالأمن لتحقق بلديتها ويشهد له تنكيرها، وتعريفها.
стр. 1733
قوله: (بعدتي وإياهم الخ) أصل التخنب أن يكون الرجل في جافب غير ما عليه غيره، ثم استعمل بمعنى البعد وفيه ثلاث لغات جنبه، وأجنبه وجنبه، وهي بمعنى، وقوله وقرئ، وأجنبي أي بقطع الهمزة بوزن أكرمني والمراد طلب الثبات، والدوام على ذلك، وقوله فيقولون جنبني أي من التفعيل، وقوله وفيه دليل الخ لأنه لو كان بغير ذلك أي بأمر طبيعيّ لم يفد طلبه. قوله: (وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذزيته) المراد
بالأحفاد أولاد الأولاد حتى لا يكون من نسله من عبدها كما قاله ابن عيينة لأنّ الواقع بخلافه فقوله، وجميع ذرّيته عطف تفسيريّ، وإنما كان كذلك لأنّ المتبادر من بنيه من كان من صلبه فلا يتوهم أنّ الله لم يستجب دعاءه حتى يجاب بانّ المراد من كان منهم في زمنه أو أنّ دعاءه استجيب في بعض دون بعض، ولا نقص! فيه. قوله: (وزعم ابن عيينة رحمه الله تعالى أنّ أولاد إسماعيل ﵊ لم يعبدوا الصنا محتجاً به) أي بهذا النص وقيل عليه إنّ ظاهر الآية أنه أراد بنيه من غير واسطة ولو سلم فأين دليل الإجابة حتى يستدل بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ مع أنّ قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فيه دليل على أنّ فيهم من هو كذلك، وكذلك قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [سورة البفرة، الآية: ٢٦ ا] مع أنه تعالى حكى عن قريش عبادتهم الأصنام في مواضع جمة فهو يدل على أنه المراد من كفرهم لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً فلا يرد عليه أنّ كفرهم لا يستلزم عبادة الأصنام مع أنه في الواقع كذلك. قوله: (ويسمونها الدوار) هو بضم الدال، وفتحها وتخفيف الواو، وتشديدها قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى هي حجارة كانوا يدورون حولها تشبيهاً بالطائفين بالكعبة شرفها الله، ولذا كره الزمخشري أن يقال دار بالبيت بل يقال طاف به، وهو من الآداب فلا ينافي وروده في بعض الآثار كما قاله النوويّ رحمه الله تعالى. قوله: (باعتبار السببية) يعني أنّ إسناد الأضلال إلى الأصنام مجازيّ، والمضل في الحقيقة هو الله، وقيل إنهم ضلوا بانفسهم، وليس كل مجاز له حقيقة، وفيه نظر، وقوله أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين يعني أنّ من تبعيضية على التشبيه أي كبعضي في عدم الانفكاك، ويجوز حملها على الاتصالية، ولا ينافيه التصريح بالبعضية كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ وبه جزم الطيبي رحمه الله تعالى. قوله: (وفيه دليل على أن كل ذشب الخ) أي يجوز عقلا كما تقرّر في الأصول أن يغفر كل ذنب حتى الشرك لكن الدليل السمعي منع من مغفرة الكفر لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] الآية، وقيل إنّ معنى غفور بستره عليه، ورحيم بعدم معاجلته بالعذاب كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٦] فلا دليل فيه على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يدر أنه بالترديد الذي ذكره قد هدم مبنى الدلالة، ولا يدفعه أنّ الدلالة في
احتمال أن تكون المغفرة ابتداء كما قيل، وقيل إنّ أو للتنويع، والتعميم لا للترديد يعني أنه مطلق يتناول الوجهين والعصيان ففيه دليل على جواز مغفرة الشرك لكن الوعيد دلّ على عدم وقوعه، وهذا هو المناسب للمقام، وقد مرّ تحقيقه في آخر المائدة، وقال النوويّ في شرح مسلم أنّ مغفرة الشرك كانت في الشرائع المتقدمة جائزة في أممهم، وإنما امتنعت في شرعنا، ولا ينافيه كلام المصنف رحمه الله تعالى لأنّ الوعيد جاء في القرآن ووجه الدلالة قوله غفور رحيم لأنه في حق الكفرة رجاء منه. قوله: (أي بعض ذريتي أو زية من ذزيتي الخ) أي من بمعنى بعض، وهي في تأويل المفعول به أو المفعول به محذوف، ومن ذريتي صفته سدت مسدّه ومن يحتمل التبعيض، والتبيين، وقوله وهم إسماعيل ومن ولد منه على الوجهين، وقوله ولد منه عممه لقوله ليقيموا الخ، والإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز فهو من عموم المجاز، وقوله فإنها حجرية أي كثيرة الحجارة، وقليلة المياه، وهذا باعتبار الأكثر الأغلب فيها، وقوله غير ذي زرع كقوله: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ يفيد المبالغة في أنه لا يوجد فيه ذلك لأنّ معناه ليس صالحا للزرع، وليس صالحاً للعوج فلذا عدل عن مزروع، وأعوج مع أنه أخصر، وهذا مما ينبغي التنبه له، وأشار إليه في الكشاف، وشروحه. قوله: (الذي حرّمت التعرّض له الخ) قال الزمخشري وقيل للبيت المحرم لأنّ الله حرّم التعرض له، والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحزم الذي حقه أن يجتنب
стр. 1734
أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا فذكر في وجه تسميته به أربعة وجوه بناء على أنّ الحرمة التعظيم أو الحرمة الشرعية، وأنه حقيقة فيه أو باعتبار أمر آخر، والمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقاربها أدرجه فيما ذكر، وقوله ولذلك سمي عتيقاً أي لأنه أعتق من الطوفان، وقيل لقدمه. قوله: (ولو دعا بهذا الدعاء الخ) جواب لو قوله فلعله بناء على أنه قد يقترن بالفاء أي إن ثبت أنه دعا الخ فلعله، وفي نسخة ودعا بدون لو وهي ظاهرة، والمقصود توجيه قوله ﷺ عند بيتك المحرم فإنه إنما بني بعد ذلك فلا يكون الإسكان عنده، وحاصله أنّ الإسكان عند موضعه وكونه موضعا إما باعتبار ما كان لأنه كان مبنياً قبله لكنه رفع وقت الطوفان أو باعتبار ما سيؤول إليه لأنه بناه بعد ذلك في مكانه الآن. قوله: (روي أن هاجر الخ) هو بفتح الجيم اسم أم إسماعيل عليه الصلاة
والسلام، وقوله كانت لسارة أي ملكاً، وجارية لها، وسارة امرأة إبراهيم ﵊ وقوله فغارت بالغين المعجمة من الغيرة، وهي معروفة، وقوله فناشدته أي أقسصت عليه أو طلبت منه الحلف على ذلك فحلف لها، واخراجها كان يوحي من الله لا بمجرّد رعايتها، وجرهم بضم الجيم والهاء، وسكون الراء المهملة حيّ من اليمن، وهم أصهار إسماعيل ﵊، وكانوا خرجوا من ديارهم لقحط أو وباء، وقصتهم وقصة زمزم مفصلة في أوّل سيرة ابن هشام، وهذا مرويّ كأ البخاري بمعناه أيضا. قرله: (وهي متعلقة بأسكنت أي ما أسكت! هم بهذا الوادي الخ) أي الجار والمجرور، متعلق بأسكنت المذكور بدليل قوله، وتوسيطه الخ وعلى هذا فالحصر مستفاد من السياق لأنه لما قال بواد غير ذي زرع نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة، ولما قال عند بيتك المحرم أثبت أنه مكان عبادة فلما قال ليقيموا أثبت أنّ الإقامة عنده عبادة، وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في تكرير ربنا من الإشارة إلى أنه هو المقصسود، وهذا معنى لطيف، ولا ينافيه الفصل بقوله ربنا لأنه اعتراض لتأكيد الأوّل، وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى ما قيل إنه متعلق بأسكنت مؤخر مقدر غير الأوّل، وأنّ الحصر مستفاد من تقديره مؤخراً كما رجحه بعض الشراج، وعند مالك رحمه الله تعالى أنّ التعليل يفيد الحصر فانه استدل بقوله لتركبوها على حرمة أكلها كما بين في أصولهم، والبلقع القفر الذي لا شيء فيه، وقوله من كل مرتفق ومرتزق متعلق بالبلقع لتضمنه معنى الخالي، وهما يحتملان المكان، والمصدرية، والارتفاق الانتفاع كما يقال بكرمك أثق، وعلى سوددك أرتفق، ومرافق الدار المتؤضأ والمطبخ. قوله: (وقكلرير النداء وتوسيطه الخ) اعتذار عن إعادته، والفصل الذي تمسك به من قدر له متعلقا آخر إشارة إلى أنّ النداء لتأكيد الأوّل فلا يمنع التعلق، ولا يرد ذلك أنّ النداء له صدر الكلام فكيف تعلق ما بعده بما قبله، ولا بد من تكرر النداء للإشعار بما ذكره فإنه لو توسط من غير أن يذكر أولاً لم يشعر بأنها المقصودة من الدعاء السابق، وكذا لو لم يتوسط. قوله: (وقيل لام الأمر الخ) هي على الأوّل جارة، والفعل منصوب بأن المقدرة بعدها، وعلى هذا هي لام الأمر الجازمة، والأمر للدعاء، وقوله كأنه طلب منهم الإقامة إنما قاله لأنه شامل لغير الموجودين كما في سائر الأمور، وأيضا المدعوّ هو الله فكان الظاهر إسناده له، والسؤال من الله مأخوذ من قوله ربنا فكأنه قال يا ربنا وفقهم لإقامة
الصلاة، وخصها لأنها عمود الدين. قوله: (أي أفئدة من أفئدة الناس ومن للتبعيض) قدم هذا لأنه أظهر، وقدر من أفئدة الناس ليدل على عدم العموم المذكور بعده لأنّ جميع الأفئدة بعض الناس لا بعض أفئدة الناس وقوله لازدحمت بناء على الظاهر من إجابة دعائه، وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق. قوله: (أو للابتداء كقولك القلب مني سقياً) أي المعنى نشأ سقم هذا العضو من جهتي، وقيل عليه إنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا مبتدأ منه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل الأفئدة من الناس ورد بأنّ فعل الهوى للأفئدة مبتدأ به لغاية ينتهي إليها ألا ترى إلى قوله إليهم، وإن لم يتعين كون من في الآية، والمثال لاحتمال التبعيض احتمالاً ظاهراً، وأورد عليه أنّ الابتداء في من الابتدائية إنما هو من متعلقها إلا مطلقا، وان جعلناها
стр. 1735
متعلقة بتهوي لا يظهر لتأخيره، ولتوسيط الجار فائدة، واعلم أنه قال في الإيضاح أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انتهاء مخصوص إذا كان المعنى لا يقتضي إلا المبتدأ كأعوذ بالله من الشيطان وزيد أفضل من عمرو، وقد قيل إنّ جميع معاني من دائرة على الابتداء، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [سورة مريم، الآية: ٤] فإن كون قلب الشخص، وعظمه بعض منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للابتداء، والظرف مستقر للتفخيم كأنّ ميل القلب نشأ من جملته مع أنّ ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أنّ سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله، والى هذا نحل المحققون من شراح الكشاف لكنه معنى غامض فتدبره، وقوله أفئدة ناس نكرة إشارة إلى أنّ تعريفه للجنس فهو في معنى نكرة، والمعين لذلك تنكير أفئدة. قوله: (وقرأ هشام أفئدة بخلف عنه) بضم الخاء، وسكون اللام أي باختلاف الرواية عنه، وقراءة العامة أفئدة بالهمزة المكسورة جمع فؤاد كغراب، وأغربة وهي ظاهرة، وقرأ هشام عن ابن عامر بياء بعد الهمزة فقيل إنها إشباع كقوله:
أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب
فقال بعضهم أنّ الإشباع مخصوص بضرورة الشعر فكيف يقرأ به في أفصح الكلام، وزعم أنه قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي زيادة ياء بعد الهمزة، وليس بشيء فإنّ الرواية أجل من هذا. قوله: (وقرئ آفدة) أي بهمزة ممدودة بعدها فاء مكسورة بوزن ضاربة، وهي محتملة أن تكون قدمت فيها الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة فقلبت ألفاً
فوزنها أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة، ثم قدمت وقلبت ألفاً فصار آدرا أو هي اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب، ودنا ويكون بمعنى عجل، وهو صفة جسماعة أي جماعة آفدة، وقوله أفدت الرحلة أي الارتحال، وعجلت مبني للمجهول. قوله: (وأفدة) أي بفتح الهمزة من غير مد، وكسر الفاء بعدها دال، وهو إمّا صفة من أفد بوزن خشنة فيكون بمعنى آفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة لما قبلها، ثم طرحت. قوله: (وإن كان الوجه فيه إخراجها بين بين الخ) تبع فيه الزمخشريّ، وقد قيل إنه مخالف لأهل الصرف والقرا آت أما الأوّل فلأنهم قالوا إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين، وأمّا الثاني فلقوله في النشر الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤولاً، وأفثدة وقرآن، وظمآن فيها وجه واحد، وهو النقل وحكي فيه وجه ثان، وهو بين بين، وهو ضمعيف جداً وكذا قاله غيره. قوله: (تسرع إليهم شوتاً وودادا الخ) تهوي هو المفعول الثاني لأجعل، ومعناه تسرع، وتعديته باللام، وإنما عدى لإلى لتضمته معنى تميل، وهو معنى النزوع أي الميل، وهو متعد وفيه نظر لأنّ مصدره النزاع قال الصولي نزعت عن الأمر نزوعاً إذا كففت ونزعت الشيء نزعا إذا أخرجته، ونزعت إلى أهلي نزاعا إذا اشتقت وملت، ولذا عيب على أبي نواس قوله:
وإذانزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس
وقوله مع سكناهم الخ إشارة إلى أنّ المقصود جلبها من غير بلادهم.
تنبيه: في هذه الآية بلاغة عجيبة حيث جعل القلوب نفسها تهوي، وفي معناه قلت:
كل امرئ يبذل إنعامه يمشي إليه القلب قبل القدم
قوله: (تعلم سرنا كما تعلم أعلتنا) يشير إلى أنّ ما مصدرية وأنّ ذكر العلن بعد علم السر
ليس بمستدرك لأنّ المراد استواؤهما في علمه تعالى كما مرّ تحقيقه غير مرّة، وهذا معنى قول الزمخشري تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه لأنّ غيبا من الغيوب لا يحجب عنك
لا خلاف بينهما كما توهم، وقوله والمعنى أي المقصود من فحوى النظم هذا، وقوله مناصلة أعلم لا ناقد نغفل، وقد لا تعرف المصلحة، وكونه مطلعاً على أحوالنا يقتضي عدم الحاجة إلى الطلب لأنّ ظهور الحال يغني عن السؤال كما قال السهروردي:
ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل
стр. 1736
ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما أشكوه قبل أقول
قوله: (وقيل ما نخفي من وجد الفرقة الخ) فما موصولة، والعائد محذوف، والوجد
بفتح فسكون الحزن والغمّ، وقوله والتوكل أي ذكره أو أثره لأنه بمعناه لا يحسن، واللجأ بفتح اللام، والجيم، والهمز مقصور بمعنى الالتجاء وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ﴾ الخ ما اعتراض من كلامه تعالى أو من كلام إبراهيم ﵊ على الالتفات، وهو كالدليل على ما قبله أي لا يخفى عليه كل معلوم فيعلم السر، والعلن، وقوله بعلم ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم دون معلوم كالبشر والملك. قوله: (أي وهب لي وأنا كبير) يشير إلى أنّ على بمعنى مع وأنّ الجار والمجرور حال كقوله:
إني على ماترين من كبر أعرف من أين يؤكل الكتف
ويصح جعل على بمعناها الأصلي، والاستعلاء مجازفي كما قاله أبو حيان وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه، وعلا ظهره كما يقال على رأس السنة أي في آخرها فلا يرد عليه أنّ الأنسب حيئذ جعل الكبر مستعلياً عليه كعليّ دين، وذنب لظهور أثره في الرأس باشتعال شيبه، ويصح إبقاؤها على معناها بمعنى مستمرا متمكناً عليه، وقوله لما فيها في نسخة فيه أي الكبر، وقوله آلائه أي نعمه، والضمير المضاف إليه لله وقوله روي الخ هو وواية، وقيل لأربع وستين وايسحق ﵊ لسبعين، وقيل لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. قوله: (أي لمجيبه) فهو مجاز كما في سمع الله لمن حمده فإن السمع بمعنى القبول، والإجابة، وقوله وهو من
أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل هذا مذهب سيبوبه رحمه الله تعالى إذ جعل أمثلة المبالغة تعمل عمل امسم الفاعل وخالفه كثير من االنحاة فيه فهو مضاف لمفعوله إن أريد به المستقبل، وقيل إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار وجوّز الزمخشريّ، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى أن يكون مضافاً لفاعله المجازي فأصله سميع دعاؤه بجعل الدعاء نفسه سامعا، والمراد أنّ المدعو، وهو الله سامع قيل، وهو بعيد لاستلزامه أن تصاغ الصفة المشبهة من الفعل المتعدّي، وهو قول للفارسي لكنه شرط في إضافتها إلى الفاعل عدم اللبس نحو زيد ظالم العبيد إذ! علم أنّ له عبيداً ظالمين، وهنا فيه الإلباس منتف لأنّ المعنى على الإسناد المجازي، وهو كلام واه لأنّ المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشدّ، وكذا ما قيل إنّ عدم اللبس إنما يشترط في إضافته إلى فاعله على القطع، وهو ضعيف جدا، وقوله وفيه إشعار أي في قوله سميع الدعاء بمعنى مجيبه وذلك قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في آية أخرى وذكر حمده بيان لأنه كان من الشاكرين، وقوله ليكون متعلق بقوله وهب، وتعليل لكونه بعد اليأس. قوله: (معدلاً لها) يكون مجازاً من أقصت العود إذا قوّمته، ومواظباً من قامت السوق إذ أنفقت فأقمتها كما مرّ في سورة البقرة، ولذا قيل لو عطفه بأو كان أولى ورد بأنه جعله قيدا للمعنى الأوّل مأخوذا من صيغة الاسم، والعدول عن الفعل كما أنّ الأوّل من موضوعه فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مجازيين. قوله: (عطف على المنصوب) أي مفعول اجعل الأوّل، وهو في الحقيقة صفة للمعطوف أي بعضاً من ذريتي، ولولا هذا التقدير كان ركيكاً وقوله تقبل عبادتي فالدعاء بمعنى العبادة لكنه كان الأنسب أن يقال فيه دعاءنا حيمثذ. قوله: (وقد تقدم عنر استغفاره لهما الخ) قد مرّ تفصيله في آخر التوبة لكنه قيل عليه أنّ الذي مرّ استغفار. لأبيه فقط، وقد قال الحسن رحمه الله تعالى إنّ أمّه كانت مؤمنة فلا يحتاج الاستغفار لها إلى عذر، وقيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى لم يثبت عنده ذلك وأنّ مراده أنّ عذر استغفاره لهما هنا علم مما مرّ في العذر عن استغفاره لأبيه، وكون المراد بوالديه آدم، وحوّاء في غاية البعد فإنه النسب الواسع. قوله: (يثبت الخ) أي القيام مجاز عن التحقق، والثبوت إمّا مرسل أو استعارة من قام السوق، والحرب ونحوه أو شبه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنية، وأثبت له القيام على التخييل أو المراد يقوم أهل الحساب فحذف المضاف أو أسند إليه ما لأهله مجازا، وقوله وأسند إليه كذا وقع في النسخ، والظاهر أن يقول
стр. 1737
أو أسند لأنه إذا اعتبر الحذف لا يكون المجاز
في الإسناد أو الواو بمعنى أو ووقع في نسخة أو، وهي ظاهرة.
قوله: (خطاب لرسول الله الخ) ذكر في هذا الخطاب وجهين الأوّل أن يكون للنبيّ ﷺ وقدمه لأنه الأصل المتبادر لكن لما كان ﵊ أعلم الناس بالله فهو لا يتصوّر منه جواز الغفلة أوّله الزمخشري بوجهين، وهي في الحقيقة ثلاثة أوّلهما أنّ المواد به تثبيته على ما هو عليه من عدم ظن أنّ الغفلة تصدر من الله كقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] أي دم على ذلك، وهو مجاز كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٠٤ ا] ولا يخفى ما فيه لأنه لا يتوهم منه عدم الدوام عليه، ولذا قال المدقق في الكشف: إنّ فيه ركاكة يصان التنزيل عنها، وثانيهما اًن المراد منه على طريق الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد، والتهديد والمعنى لا تحسبن الله يترك عقابهم للطفه، وكرمه بل هو معاقبهم على القليل، والكثير أو هو استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون فإنه يعاملهم معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير فقوله، والوعيد الخ. هو الوجه الثاني فإما أن تكون الواو فيه بمعنى أو كما قيل أو تبقى على ظاهرها بناء على أنه لاحظ ركاكة الوجه الأوّل في الكشاف لعدم مناسبته لمقام النبوّة فجعله مع الوجه الثاني وجهاً واحدا ليتم بأن تجوز بلا تحسبن عن دم على عدم الحساب، ثم جعله كناية عن الوعيد لأنه لا ينهي عما لا يتصوّر منه كما ذكره بعض المتأخرين وهو الأحسن. قوله: (من أنه مطلع الخ) بيان لما أي من تيقن أنه مطلع وقوله بأنه معاقبهم إشارة إلى ما مرّ، وقوله لا محالة مأخوذ من التأكيد بالنون المشدّدة. قوله: (أو لكل من توهم غفلته) عطف على قوله لرسول الله أي الخطاب ليس للرسول ﷺ بل لكل من يتوهم ذلك فهو لغير معين، ولا يحتاج حيحئذ إلى تأويل الغفلة لجريها على ما في أنفسهم، وقوله وقيل إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم فالخطاب أيضاً لغير معين لأنّ الناس بين ظالم، ومظلوم فإذا سمع المظلوم أنه تعالى عالم يفعل الظالم منتقم منه تسلى بذلك، وإذا سمعه الظالم ارتاع عما هو فيه، وفي الكشف أنه تأييد للوجه الثاني، ويجوز جريانه على الأوجه إذ تقدير اختصاص الخطاب به ﵊ أيضاً لا يخلو من التسلية، والتهديد للفريقين وفيه بحث، وقوله يؤخر عذابهم أي إيقاع التأخير مجاز، أو هو بتقدير مضاف. قوله: (تشخص فيه أبصارهم الخ) يعني أنّ الألف، واللام للعهد لا عوض عن المضاف قيل ولو حمله على العموم كان أبلغ في التهويل، وأسلم من التكرير ووجهه أنّ قواسه لا يرتدّ إليهم طرفهم على تفسيره بمعناه فإذا جعل الأوّل لبيان حال الناس كلهم، والثاني لبيان
حال هؤلاء خاصة كان في ذكره فائدة وان كان لا يسلم من التكرار رأسا وكان المصنف رحمه الله تعالى اختاره لأنه المناسب لما بعده، وأنّ التكرير للتأكيد لازم عليهما كما قيل، وسيأتي ما يردّه. قوله: (فلا نقر في أماكنها من هول ما ترى) الظاهر أنه جعله مأخوذاً من شخص الرجل من بلده إذا خرج منها، وهو أحد معانيه المذكورة في اللغة فإنه يلزمه عدم القرار فيها أومن شخص بفلان إذا ورد عليه أمر يقلقه كما في الأساس فما ذكره بعده من كونها لا تطرف المقتضي لقرارها يكون بيانا لحال آخر، وأنهم لدهشتهم تارة لا تقرّ أعينهم، وتارة يبهتون فلا تطرف أبصارهم، وجعل تلك الحالتين المتنافيتين لعدم الفاصل كأنهما في حال واحد كقول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ~ كجلمود صخر حطه السيل من عل
كما بين في شرحه فاندفع ما قيل إنّ الظاهر أنّ القرار ضد الحركة فيكون منافياً للحاق مع
أنّ أهل اللغة لم يفسروا الشخوص به، وبهذا اندفع التكرار، وعلم ما أراد. المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم الخ) أي بذلة كالأسير الخائف ومهطعين، ومقنعي حالان إما من مضاف محذوف أي أصحاب الأبصار بناء على أنه يقال شخص زيد بصره أو الأبصار تدل على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه قالهما أبو البقاء رحمه الله تعالى، وقيل مهطعين منصوب بفعل مقدر أي تبصرهم مهطعين ويجوز في مقنعي أن يكون حالاً من المستتر فيه فهي حال متداخلة، ومقنعي إضافته غير حقيقية فلذا وقع حالاً، وقيل الأولى أنها حال مقدرة من مفعول يؤخرهم، وقوله تشخص الخ. بيان حال عموم
стр. 1738
الخلائق وأوثرت الفعلية لعدم استمراره فلا يرد عليه توهم التكرار، وقد مرّ ما يعلم منه ما فيه والإهطاع معنا. الإسراع في الشيء قال:
إذا دعانا فاهطعنا لدعوته
واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله مسرعين إلى الداعي، وقيل معناه الإقبال بالنظر كما ذكره الراغب، واليه أشار بقوله أو مقبلين الخ وقال الأخفش رحمه الله تعالى أنه الإقبال على الاستماع لقوله:
ندخله مهطعين إلى السماع
وسمع فيه أهطع وهطع وكل معانيه تدور على الإقبال كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى
لأنه لا ينفك عنه. قوله: (رافعيها) هذا هو المشهور، وقيل إنه من الأضداد فيكون بمعنى رفع رأسه، وطأطأها، وقوله بل بقيت عيونهم شاخصة لا تطرف الخ. الطرف في الأصل تحريك
الجفن، ثم تجوّز به عن النظر والعين نفسها، ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف وصف برد الطرف، والطرف بالارتداد كما سيأتي في سورة النمل فعدم ارتداد الطرف إما عدم ارتداد تحريك الجفن فالطرف بمعناه الحقيقي، وهو كناية عن بقاء العين مفتوحة على حالها أو بمعنى عدم ارتداد النظر إلى أنفسهم فهو بالمعنى المجازي. قوله تعالى: ( ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ ) يعني بالهواء الخالي، وهو مصدر ولذا أفرد والمراد انهم لدهشتهم خلت قلوبهم من العقل، والفهم كما يقال هواء لقلب الجبان لخلوّه من الرأي، والقوة وتفسيره المصدر باسم الفاعل بيان للمعنى المراد منه المصحح للحمل فلا ينافي المبالغة في جعله عين الخلاء. قوله: (من الظلمان جؤجؤه هواء) هو من قصيدة لزهير وأوّله:
كأنّ الرحل منها فوق صعل
يصف ناقته بالسرعة في السير وتشبيهها بالنعام، وهو يوصف بالجبن والخوف، وسرعة المشي فإذا خاف كان أسرع، وأجد في السير، وقيل إنه يصفها بعدم القوّة، والظلمان بالظاء المعجمة كغلمان جمع ظليم ويضم وهو ذكر النعام وجؤجؤ بجيمين مضمومتين، وهمزتين أو واوين الصدر، والصعل بالصاد والعين المهملة الصغير الرأس، وهو من صفة النعام، ورحل الناقة، وقول! وقيل الخ مرّضه لأنّ الأوّل أنسب بمقام الحيرة، والدهشة. قوله: (وهو مفعول ثان) أي هو له، وما فيه فالإيقاع عليه مجازيّ أو هو بتقدير مضاف وقوله بالشرك لأنّ الشرك ظلم عظيم، والتكذيب هو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام وقوله أخر العذاب يشي أنه تجوز في النسبة أو فيه تقدير مضاف، وهو ناظر إلى كون المراد باليوم يوم القيامة، وقوله ورذنا إشارة إلى أنه تضمن معنى الردّ وأنّ المراد بالأجل مقدار من زمن الحياة في الدنيا وقوله، وأمهلنا الخ عطف تفسير عليه، وقوله أو أخر آجالنا ناظر إلى أن المراد يوم الموت، وقوله ونظير. أي في المعنى لا في الإعراب. قوله: (على إرادة القول) أي على تقدير القول،
والمعطوف عليه بالواو، وقبل قوله أو لم لا قبل ما لكم كما يتوهم، والتقدير فيقال لهم أطلبتم الآن هذا، ولم تطلبو. إذ أقسمتم، والقائل هو الله أو الملائكة توبيخا لهم، والقول بأنهم أقسموا إئا على ظاهره لأنهم قالوه من الجهل، والغرور أو هو بلسان الحال، ودلالة الأفعال كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله وما لكم جواب القسم وقيل هو ابتداء كلام من الله جواباً لقولهم ربنا أخرنا أي ما لكم من زوال عن هذه الحال، وجواب القسم لا يبعث الله من يموت، وقوله دل الخ فلا قسم حقيقة، وقوله وقيل الخ فيكونون دهرية منكرين للبعث والزوال المراد به الزوال عما بعد الموت لا عن الدنيا كما في الأوّل، وقوله على المطابقة الخ أي أتى بالخطاب في لكم لمطابقة الحكاية وقوله أقسمتم، ولو روعي المحكي لقيل ما لنا وهما جائزان. قوله: (وأصل سكن أن يعدى بفي الخ (أي أصل معناه قرّ، وثبت من السكون فيتعدى بفي لكنه نقل إلى سكون خاص فتصرف فيه وجعل متعديا بنفسه كتبوّأ الدار، واستوطنها وغنى كعلم بمعنى أقام، ومنه المغني فقوله وأقام عطف تفسير له. قوله: (وتبين لكم كيف فعلنا بهم (تبين فاعله مضمر يعود على ما دل عليه الكلام أي حالهم أو خبرهم، ونحوه وكيف في محل نصب بفعلنا، وجملة الاستفهام ليست معمولة لتبين لأنه لا يطق وقيل الجملة فاعل تبين بناء على جواز كونه جملة، وهو قول ضعيف للكوفيين، وقد مز في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٣٥] وقوله من أحوالهم أي بينا لكم من أحوال الأمثال فالأمثال
стр. 1739
جمع مثل بمعنى الشبيه، وهو تشبيه للحال بالحال، والمقصود تشبيه ذويها بذويها، وقوله أو صفات الخ فالأمثال جمع مثل بمعنى الصفة الغريبة العجيبة كما مرّ وقوله فعلوا، وفعل بهم أي في الدنيا. قوله: (المستفرغ قيه جهدهم (يقال استفرغ جهده إذا بذل طاقته، ومقدوره فهو استعارة، ومكرهم منصوب على أنه مفعول مطلق لأنه لازم فدلالته على المبالغة لقوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ الخ لا لأن إضافة المصدر تفيد العموم أي أظهروا كل مكر لهم أو لأنّ إضافة كلا إضافته، وأصل التنكير لإفادة أنهم معروفون بذلك وقوله لإبطال الحق
لأنّ المكر لا يكون في الخبر. قوله: (فهو مجارّيهم) لأنّ ذكر علم الله، ونحوه من كتابة الأفعال، وغيرها يكنى به عن المجازاة، وقوله ما يمكرهم فهو مصدر مضاف للمفعول لكن أبو حيان رحمه الله تعالى اعترض عليه باًن مكر لازم لم يسمع متعدّيا، وقد صرّح أهل اللغة بأنه إنما يتعدى بالباء بخلاف الكيد فإنه متعد بنفسه، وقد يقال إنه متجوّز به أو مضمن معنى الكيد أو الجزاء، واطلاق المكر على الله حينئذ إمّا مشاكلة أو استعارة لجزائهم من حيث لا يشعرون، وقوله وابطالاً له لم يجعله وجها آخر لإمكان إرادتهما معا فتأمّل. قوله: (مسوّي لإزالة الجبال) وفي نسخة، ومعداً لذلك اعلم أنّ العامّة قرؤوا بكسر اللام، ونصب تزول، والكسائيّ بفتحها، ورفع تزول فالكسر إمّا لأنّ أن نافية واللام لام الجحود الواقعة بعد كان المنفية، وكان إمّا تامّة، والمعنى تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع التي هي كالجبال في الثبات، والقوّة ويؤيده قراءة ما كان مكرهم أو ناقصة وخبرها محذوف أو الجارّ، والمجرور على الخلاف فيه أو أن مخففة من الثقيلة، وقيل إنها شرطية وجوابها محذوف أي إن كان مكرهم معدّاً لإزالة الجبال فإنه مجازيهم عليه ومبطله، وأمّا الفتح ففيه وجهان الأوّل أنّ إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، والثاني أنها نافية، واللام بمعنى إلا، وقرئ كاد بالدال، وقرئ لتزول بفتح اللامين، وخرجت على لغة جاءت في فتح لام كي هذا حاصل ما ذكره المعربون هنا فقوله مسوّي اسم مفعول من سواه بمعنى صنعه، وأصل معناه جعله سواء إشارة إلى أنّ كان ناقصة محذوفة الخبر، والجاز، والمجرور متعلق به، وقد مرّ جواز كونها تامّة، والظاهر أنّ أن عنده شرطية وصلية على الاختلاف في واوها وتقدير جوابها، وغيره ذهب إلى أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه عظم مكرهم، واشتد فضرب زوال! الجبال منه مثلاً لشدته أي، وان كان مكرهم معداً لذلك كما في الكشاف، وفال ابن عطية رحمه الله تعالى يحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة تعظيم مكرهم أي وان كان شديداً يفعل لتذهب به عظام الأمور فإن عندهما مخففة من الثقيلة كما في الدرّ المصون، واللام مؤكدة للنفي فهي لام الجحود كما أشار إليه بالآية المذكورة، وقوله ونحو. أي من الشرائع، والتوحيد وزوال الجبال مثل أي استعارة تمثيلية تنبيه على أنه في الرسوخ، والثبات كالجبال الراسية، وعلى الأوّل الجبال بمعناها المعروف فالجبال استعارة، وقوله وقرأ الكسائيّ أي بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية فالجبال على حقيقتها، وقوله الفاصلة أي الفارقة بين أن المخففة، والنافية كما بين في النحو. قوله: (ومعناه
تعظيم مكرهم الخ) كما في الشرطية، وقد مرّ تقريره وبقية كلامه ظاهر مما قرّرناه لك فإن قلت كونها نافية ينافي قراءة الكسائيّ المثبتة لدلالتها على عظم مكرهم، ودلالة كونها نافية على حقارته قلت أجيب عنه بأنّ الجبال في قراءة الكسائيّ يشار بها إلى ما جاء به النبيّ ﷺ من الحق وفي غيره على حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتوارد على محل واحد نفياً، وإثباتا ورد بأنه إذا جعل آيات الله شبيهة بالجبال في الثبات كانت مثلها بل أدون منها فإذا نفى إزالته إياها انتفى إزالته جبال الدنيا بالطريق الأولى فتنافي إزالته إياها الثابتة بقراءة الكسائيّ فالإشكال باق بحاله (قك) هذا غير وارد لأنّ المشبه لا يلزم أن يكون أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه لكون المشبه به أعرق بوجه الشبه، وهنا كذلك لأنّ ثبوت الجبل يعرفه الغبيّ، والذكيّ بخلاف الحق، ولو سلم فقد يقدر على إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد، ولا يقدر على قتل رجل مشبه به لامتناعه
стр. 1740
بعدة أو حصن، ولا أحصن، وأحمى من تأييد الله للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفا، ولا يزول وهذا ظاهر لكل ذي بصيرة. قوله: (مثل قوله إنا لننصر وسلنا الخ) بيان لتحقق الوعد ووروده، وقيل المراد بالوعد السابق في قوله، وعند الله مكرهم إذ معناه المجازاة عليه كما مرّ. قوله: (لىلذافاً بأنه لا يخلف الوعد أصلاَ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣١] ) كذا في الكشاف، وقيل عليه إن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه، وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأنّ الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد الله على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، فالمهمّ ذكر الوعد، وكونه على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يتوقف عليه التهديد، والتخويف، وقيل إنه قوفي لكن ما ردّه هو القاعدة عند أهل البيان كما قال عبد القاهر في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٠٠] إنه قدم شركاء للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله شركاء مطلقا، ثم ذكر الجن تحقيراً فإذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا، وهذا لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا ما ذكره الشارح الطيبي رحمه الله تعالى فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في الكشف من أنّ تقديمه يقتضي الاعتناء به، وأنه المقصود بالإفادة، وما ذكره ممن وقع الوعد على لسانه إنما ذكر بطريق التبع للإيضاح، والتفصيل بعد الإجمال، وهو من أسلوب الترقي كما في قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [سورة طه، الآية: ٢٥] وقد أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله
فكيف يخلف رسله وتوهم صاحب الانتصاف هنا كتوهم صاحب التقريب هناك فتدبر؟ وقوله غالب لا يماكر الخ بيان لارتباط الخاتمة بالفاتحة، وكذا ما بعده. قوله: (بدل من يوم يأتيهم) بدل كل من كل أو عامله مقدر باذكر أو لا يخلف وعده بقرينة مخلف وعده، وقوله ولا يجوز الخ تبع فيه أبا البقاء رحمه الله تعالى إذ منع كونه معمول مخلف أو وعده لما ذكر ورد بأنّ الجملة اعتراضية فلا تعذ فاصلا والعجب فإنه إذا كان بدلاً يكون العامل فيه أنذر فيلزم عليه عمل ما قبل إن فيما بعدها فكأنه ذهب إلى أنّ البدل له عامل مقدر، وهو ضعيف قال أبو حيان رحمه الله تعالى والظاهر أنه استئناف. قوله: (والتبديل يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم بالدنانير الخ) كون التبديل شاملاً للقسمين مما لا كلام فيه كما فصله في الكشف إلا أنه ذكر في قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٦] أن المعنى خلق جلوداً أخر غير الأولى لأنه المتبادر من قوله غيرها، ولا يلزمه تعذيب غير المجرم فإنه مع كونه غير ممتنع غير وارد لأنّ المعذب الروح، والبدن ا-لة لها، وقد اختار في سورة النساء أنه من تبديل الصفة بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صفة أخرى كتبديل الخاتم قرطاً أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليقوي إحساسه للعذاب، ولكل وجهة. قوله: (وعليه قوله ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ) هذا بناء على ما سيأتي في الفرقان من أنّ المعنى أنه يثبت لهم بدل كل عقاب ثواباً جزاء لما عملوه من مآثر الجاهلية سمعة، ورياء بعدما أسلموا فهي حسنات باقية بعينها بعدما أزيل عنها صفة السوء، وهي الرياء، وسيأتي فيها وجوه أخر منها ما هو على أنه تبديل في الذات، وقوله والآية تحتملهما سيأتي تفصيله فما روي عن عليّ كرّم الله وجهه يدلّ على أنه تبديل في الذات، " وكذا ما روي عن ابن مسعود ﵁ ظاهر فيه وما روي عن ابن عباص رضي الله تعالى عنهما " (١) صريح في تبديل الصفة، والأديم الجلد والعكاظي منسوب إلى عكاظ، وهو محل
معروف كان يعمل فيه أو يباع فيه كذلك. قوله: (ارضاً وسماء على الحقيقة) أي من أفراد ذلك الجنس حقيقة كما أنه يجوز أن يكون غيره، وقوله ولا يبعد على الثاني أي تبديل الصفة قيل بل هو بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة، والنار غير مخلوقتين الآن، والثابت في الكلام، والحديث خلافه، وأجيب بأنّ الثابت خلقهما مطلقا لا خلق كليهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما، ثم تصير السماوات والأرض! بعضا منهما، وهذا وان صححه لا يقر به، ووجه دلالة الآيتين أنهما في جهة علو، وسفل وتعبير. بأشعر يقتضي أنه خفيّ مع أنّ وجه الإشعار فيه نظر، وأغرب منه جعل الإمام هذا دليلاَ عليه، وقوله لمحاسبته يعني أنه على تقدير مضاف لظهورهم له قبل ذلك. قوله: (للدلالة على أن الآمر في غاية الصعوبة) أي أمر يوم الحساب، والجزاء لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم
стр. 1741
قهار لا يشاركه في الأمر غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له، ومجبر ولا مغيث سواء، وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكونها بإذنه منه أيضاً فلا ينافي ما ذكر ثبوت شفاعتهم للعصاة. قوله: (مقزنين) هو حال إن كانت رأي بصرية، ومفعول ثان إن كانت علمية، وفي الأصفاد متعلق به أو بمحذوف على أنه حال أو صفة له، والمقرّن من جمع في قرن، وهو بفتحتين الوثاق الذي يربط به، وقوله قرن بعضهم بالتشديد والتخفيف، وقوله بحسب مشاركتهم في العقائد أي بضم كل لمشاركه في كفره وعمله كما في المثال:
إنّ الطيور على أشباهها تقع
وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية: ٧] فمعناه قرنت مع نوعها زوجا زوجا وسيأتي لها تفسير آخر، وقوله أو قرنوا مع الشياطين لقوله فوربك لنحشرنهم والشياطين،
وقوله مع ما اكتسبوا أي مع جزائه أو كتابه أو أعماله تجسم، وتقرن بهم كما قيل به أو هو تمثيل بأن شبه جزاء ما اكتسبته جوارحهم باقترانهم، وتلبسهم بها وذكر الأيدي، والأرجل مضمومة للرقاب وارد في الأثر فإذا ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله:) متعلق بمقرّنين (فهو ظرف لغو وهذا لكونهم مقرنين مع غيرهم وكونه حالاً مستقرّ ناظر إلى كون أيديهم، وأرجلهم قرنت برقابهم ففيه لف، ونشر. قوله: (والصفد القيد (أي الذي يوضع في الرجل، والغل بالضم هو ما في اليد، والعنق وما يضم به اليد، والرجل إلى العنق، ويسمى جامعة، وهو المذكور في الشعر فمن قال في تفسيره إنّ قوله يعض خبر زيد بعد خبر أو صفة صفادا، وحال من ضمير لاقى أي زيد يعض على ساعده تارة، وعلى ساقه أخرى ليتخلص من الوثاق فلا شاهد فيه حينئذ لم يصب إذ المراد أن الغل جمعهما جمعا مثبتا حتى كأنه يؤلمه بعض ساعده، وساقه، وزيد الخيل زيد بن مهلهل الطائي أضيف إلى الخيل لفروسيته، وهو صحابيئ رضي الله تعالى عنه " قدم على النبتي ﷺ فسماه زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته إلا دون صفته غيرك " ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأطيب مما قدرأي بصري
وقد وقع للزمخشريّ، والشريف ابن الشجري فييته قصة مذكورة في طبقات النحاة.
قوله:) وجاء قطران وقطران) استغنى عن ضبط قراءة العامّة التي ابتدأ بها على عادته، وهي بفتح القاف، وكسر الطاء لأنّ شهرتها قراءة ولغة تغني عن التصريح بها ثم ثنى بفتح القاف، وسكون الطاء بوزن يى محران وثلث بكسر القاف وسكون الطاء بوزن سرحان، وقوله وجاء أي في اللغة إذ لو أراد غيره لقال قرئ على عادته فلا يرد عليه أنّ الأخيرة لم يقرأ بها كما في الدر المصون، ولا ألغاز في كلامه كما قيل. قوله: (وهو ما يتحلب من الأبهل) أي يتقاطر منه كالصمغ، والأبهل بضم الهمزة، والهاء وباء ساكنة بينهما اسم شجر قيل هو العرعر وقيل غيره،
والزفت نوع منه كما شاهدناه في الديار التي يصنع فيها، وقوله فتهنأ بضم التاء الفوقية، وسكون الهاء، وفتح النون وفي آخر. همزة مقصورة من الهناء كالطلاء لفظا ومعنى، ومنه المثل يضع الهناء مواضع النقب لمن يضع الشيء في محله، وهو معروف، وقوله كالقميص إشارة إلى أنّ سرابيلهم من التشبيه البليغ وقيل إنه استعارة هنا، وفيه نظر، وقوله ووحشة لونه أي قباحته، وهو استعمال عامّي يقولون فلان وحش أي قبيح كما قال بعض المتأخرين رحمه الله تعالى عليهم:
ووحشة بيننما يحرّكها مرّالنوى فهي دائما وحشة
وكذا ما في قوله من الهيئات الوحشة بكسر الحاء صفة منه، وأصل معنى الوحشة الانفراد، والهمّ من الوحش، وهو القفر، وقوله التفاوت بين القطرانين أي قطران الدنيا، والآخرة. قوله: (ويحتمل أن يكون تمثيلاَ لما يحيط بجوهر النفس الخ) فشبه النفس المتلبسة بالملكات الرديئة كالكفر، والجهل، والعناد والغباوة بشخص لبس ثيابا من زفت، وقطران، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ لصاحبه يستنكره عند مشاهدته، ويستعار لفظ أحدهما للآخر استعارة تمثيلية مركبة، وقوله فيجلب الخ إشارة لوجه الشبه. قوله:) وعن يعقوب) أي روي عن يعقوب رحمه الله تعالى، وهو أحد القرّاء المعروفين أنه قرأ من قطران على أنهما كلمتان منونتان أولاهما قطر بفتح القاف، وكسر الطاء كما في الدرّ المصون
стр. 1742
وهو النحاس مطلقا أو المذاب منه، وآن بوزن عان بمعنى شديد الحرارة كقوله: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٤٤] ويقال فيه قطر بكسر فسكون، والصفر بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء نوع من النحاس. قوله: (والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في مقزنين) أي جملة سرابيلهم من قطران حال ثانية من المجرمين، والحال الأولى مقرّنين، وهذا إذا كان في الأصفاد متعلق بمقرّنين، وألا فهي ثالثة أو هي حال من الضمير المستتر في مقرّنين فهي حال متداخلة، وجوّز فيها أن تكون مستأنفة، وحالاً من نفس مقزنين، وكونها حالاً، وهي اسمية غير مقترنة بالواو بناء على غير مختاره أو على تأويلها بمفرد أي متسربلين، وقد أشبعنا الكلام فيه في سورة الأعراف، وما ذكرناه هو ما ذكره المعربون، وكلام المصنف ﵀ ظاهر فيه، وقيل إنه يعين أنها حال ثانية من ضمير مقرّنين، والأولى في الأصفاد أو حال ابتدائية مته، وفي الأصفاد ظرف لغو متعلق به فقوله من الضمير تنازع فيه حال، وحال. قوله: (وتتغشاها) عطف تفسير، وفي نسخة أي، وذكر وجه النص على تعذيبها لأنها لم تسجد لله، ولم تعمل الحواس
في معرفتة، وقوله كما تطلع على أفئدتهم هو أحد التفاسير فيه كما سيأتي في سورة الهمزة. قوله: (يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة) يعني أنّ متعلق الجارّ، والمجرور يقدر كما ذكر، والنفس مخصوصة بالنفس المجرمة بقرينة المقام أو عامّ لأنه إذا خص المجرمين بالعقاب علم اختصاص غيرهم بالثواب مع أنّ عقاب المجرمين، وهم أعداؤهم جزاء للمطيعين أيضا كماقيل:
من عاس بعد عدوّه يومافقدبلغ المنى
وعلى هذا يجوز تعلقه بقوله، وبرزوا ويكون ما بينهما اعتراضاً فلا اعتراض، وأورد عليه أمران الأوّل أنه لا حاجة لما تكلفه بقوله لأنه الخ. لأنه إذا أبقى على عمومه يدخل فيه المجرمون دخولاً أوليا الثاني أنّ الظاهر أنّ فاعل برزوا ضمير المعاندين للرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو المناسب لمقام الوعيد، وهو متعين إذا فسر البروز بأنه على زعمهم كما مرّ فكيف يتعين التعميم على تعلقه به، ولا ورود لهما أمّا الأوّل فلأنّ ما قدره بقرينة ما قبله إنما هو فعل العذاب لا الجزاء مطلقا فلا بد من ذكره وأمّا الثاني فلأنّ ظاهر تفسيره السابق للبروز من القبور إنه شامل لجميع الخلائق كما صرّح به بعض المفسرين، وجعل الجملة حالية، ويجوز تعلقه بتري، وما ذكر يحتمله. قوله: (لأنه لا يشغله حساب عن حساب) فاللام للاستغراق، وقال بعض المتأخرين لأنه لا يشغله فيه تأمّل، وتتبع، ولا يمنعه حساب عن حساب حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبة الآخرين فيتأخر عنهم العذاب، وبهذا التفصيل تبين إصابة هذا التذييل محزه. قوله: (إشأرة إلى القرآن أو السورة) والتذكير باعتبار الخبر وقوله أو ما فيه إشارة إلى توجيه الأفراد، والتذكير على هذا، وقوله من قوله من ابتدائية أي إلى هنا، وقوله كفاية أصل معنى البلاغ التبليغ، ويطلق على الكفاية كما هنا صرّح به الراغب. قوله: (عطف على محطوف الخ) ذكروا في إعرابه وجوهاً منها أنه معطوف على علة أخرى متعلقة بقوله بلاغ محذوفة ومنها أنّ له متعلقاً هو المعطوف، ومنها أنّ الواو زائدة، وقيل اللام لام أمر قيل، وهو حسن لولا قوله، وليذكر وتعلقه بمحذوف تكلف. قوله: (وقرئ بفتح
الياء من نذر به إدّا علم به واستعدّ له) وهذه قراءة السلمي، وغيره من نذر بمعنى علم واستعد فالوا، ولم يسمع لنذر بمعنى علم مصدر فهي كعسى، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها، وقيل إنهم استفنوا بأن، والفعل عن صريح المصدر، وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارا ونذراً ويضم، وبضمتين ونذيرا أعلمه وحذره، وقوله يحظيهم بالظاء المعجمة أي ينيلهم الحظوة، وهي قبول الفضل والمحاسن، وقوله تكميل بالنصب، وكذا ما بعده بدل من ثلاث، ومرفوع خبر الحكم، وهو بيان لما قبله من الثلاث أيضا، وتكميل الرسل عليهم الصلاة والسلام بالإنذار، واستكمالهم من قوله، وليعلموا الخ والاستصلاج من قوله، وليذكر وقوله منتهى كمالها التوحيد المراد بالتوحيد ما يتعلق بمعرفة الله مطلقاً، ولذا يسمى الكلام علم التوحيد فلا يرد عليه ما قيل إنّ التوحيد أوّل مراتب الإيمان، ومنتهاها معرفة الصفات الإلهية، والآيات المبينة في الآفاق، والأنفس. قوله: (وعن النبني ﷺ الخ (هذا الحديث رواه ابن مردويه والثعلبيّ والواحدقي، وهو موضوع أيضا كما ذكره العراقي رحمه الله تعالى.
стр. 1743
سورة الحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (تسع الخ) قال الدانيّ رحمه الله تعالى لا خلاف فيها. قوله:) الإشارة إلى آيات السورة والكتاب هو السورة الخ) جعل الإشارة إلى آيات السورة وجوّز كون الإشارة إلى ما في اللوج المحفوظ منها أو إلى جميع آيات القرآن، وأمر الحروف ما مرّ، وذكر أنّ المراد بالكتاب السورة، وقيل هو اللوح، وتركه هنا لأنّ قوله المبين يقتضي خلافه، وقوله وكذا القرآن أي المراد به السورة لأنه بمعنى المقروء مطلقا الشامل للكل والجزء فلا حاجة لجعله مجازاً بإطلاق اسم الكل على الجزء، وقوله وتنكيره للتفخيم كما أن تعريف الكتاب لذلك كما أشار إليه بقوله كتابا كاملا، وبيانا غريباً، وفيه إشارة إلى التغاير بين المتعاطفين، وأنهما مقصودان بالذات فلذا عطف أحدهما على الآخر فالمقصود الوصفان، وقدم الكتاب هنا باعتبار الوجود وأخره في النمل باعتبار تعلق علمنا به لأنا إنما نعلم ثبوته في اللوح من القرآن، ووجود القراءة بعد الكتابة كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى هناك، وقوله يبين الرشد من الغي يناسب إرادة السورة لأنها كذلك، والمبين من أبان المتعدّي، ويجوز أخذه من اللازم أي الظاهر معانيه أو أمر إعجازه. قوله: (حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر الخ (أمّا ودادتهم عند حلول النصر فظاهرة، وحلول الموت معطوف على نزول النصر وجوّز عطفه على عاينوا، والأوّل أقرب، ومعاينتهم عند حلول الموت أن تكشف لهم، وخامة الكفر فيعلموا منه حال أهل الإسلام حتى كأنها مشاهدة لهم، وترك كونه عند خروج العصاة من النار، وكأنه تبع الزمخشريّ فيه إذ لم يرضه بناء على مذهبه لكنه قول أكثر مفسري السلف كابن عباس، ومجاهد رضي الله تعالى عنهم، وهو مأثور عن النبيّ ﷺ في تفسير هذه الآية روى الترمذفي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في تفسير هذه الآية قال: (إذا خرج أهل التوحيد من النار، وأدخلوا الجنة وذ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) وورد من طرق أخر. قوله: (وقرأ نافع وعاصم ربما بالتخفيف (أي بضم
الراء، وفتح الباء المخففة، وغيره من الباقين بالتشديد، وما عدا القراءتين شاذ، وأشار إلى أنه اختار في النظم الضم، والتشديد لكونها قراءة اكثر، وقرئ بالتاء أيضاً في الشواذ، وقوله وفيه ثمان لغات قال في المغني إنها ست عشرة لغة ضم الراء، وفتحها مع ضم الباء وفتحها، وسكونها مع التخفيف، والتشديد في المحرك، ومع تاء التأنيث ساكنة ومتحرّكة، والتجرّد منها، وإذا ضممت إليه الاتصال بما، والتجرّد منها بلغت نيفأ وثلاثين، وقوله فيجوز دخوله على الفعل أي بعد الكف، وقبله مختصة بالأسماء كسائر حروف الجرّ. قوله: (وحقه أن يدخل الماضي الو قال على الماضي كان أحسن قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى لأنها موضوعة لتقليل محقق أو لتقليل ما تحقق كما نقل عن المبرّد فهي بالماضي أحق وأجدر، وخالف في هذا أبو حيان رحمه الله تعالى فقال تدخل عليهما لكنه في الماضي أكثر، واختاره صاحب اللب. قوله: (لكن لما كان المترقب في أخبار الله تعالى الخ) هو جواب عن تمسك القائلين بدخولها على المضارع بهذه الآية، ولذا قيل إنّ فيه كان مقدرة أي ربما كان يودّ وهو تكلف، وحاصله أنّ المضارع في أخبار الله المستقبلة محقق كتحقق الماضي فلذا وقع في موقعه، وقيل هو مؤوّل بالماضي كقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٩٩] فقال ابن هشام في المغني، وفيه تكلف لاقتضائه أنّ الفعل المستقبل عبر به عن ماضي متجوّز به عن المستقبل، وهو وارد على المفتاح، والتلخيص في نحو ولو ترى فقوله أجرى مجراه أي وقع في موقعه لا أنه متأوّل به كما يتوهم. قوله: (وقيل ما نكرة موصوفة) والجملة صفتها والعائد محذوف أي يودّه كما أنّ عود ضمير له على ما في البيت يدل على اسميتها وان احتمل كونها كافة ومن الأمر متعلق بتكره، ومن تبعيضية، والضمير لبعض أو للأمر فإنه مع أنه مناقشة في المثال خلاف الظاهر، وعلى هذا لا تكون ما خارجة عما هو حقها. قوله: (ربما الخ) وروي بدل تكره تجزه، وهو من شعر لأمية بن أبي الصلت، وقيل لحنيف بن عمير اليشكري، وقيل للبهر ابن أخت مسيلمة
стр. 1744
الكذاب وهو:
يا قليل العزاء في الأهوال وكثير الهموم والأوجال صبرالنفس عندكل مسلم إنّ في الصبرحيلة المحتال
لا تضيقن بالأمور فقد ت! صثمف لأواؤها بغير احتيال ربماتجزع النفوس من الأهـ ص له فرجة كحل العقال
قديصاب الجبان في آخرالصف وينجو مقارع الأبطال
وأخرج ابن عساكر رحمه الله تعالى عن الأصمعي قال لما قرأ أبو عمرو رحمه الله تعالى
إلا من اغترف غرفة قال له الحجاح ائتني بنظير لها من كلام العرب والا ضربت عنقك فهرب منه فبينما هو مهموم إذ سمع أعرابياً ينشد هذه الأبيات فقال له ما وراءك يا أعرابيّ قال مات الحجاج قال فلا أدري بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله فرجة لأني كنت أطلب شاهد الاختيار هذه القراءة ومنه تعلم أنّ الرواية فيه ضم الفاء. قوله: (ومعنى التقليل فيه الإيذان بأنهم لو كانوا يودّون الإسلام الخ) جواب عن سؤال مقدّر وهو أنّ الظاهر أنّ الودادة وقعت منهم كثيراً والسؤال إنما يرد بناء على أنها موضوعة للتقليل وقيل إنها موضوعة للتكثير وقيل إنها مشتركة بينهما والمصنف رحمه الله تعالى ذهب إلى أنها موضوعة للتقليل وأنّ مقتضى المقام التكثير ولكن عدل عنه لما ذكر وهو بعينه ما في الكشاف وذهب المدقق في الكشف إلى أنه من استعارة أحد الضدين للآخر للمبالغة وهي لا تختص بالتهكم والتمليح على ما يوهمه ظاهر كلام المفتاح كالمفازة للتفاؤل ثم إنه قد يختص موقعها بفائدة زائدة كما ذكر وليس استفادة ما ذكر بطريق الكناية الإيمائية كما توهم بل هو من فوائد الاستعارة على ما سيفصل في سورة التكوير وتبعه بعضهم في شرح كلام المصنف رحمه الله تعالى ورد بأنّ مراده أنّ التقليل ليس مقصودا حقيقة بل مجرّد الإخبار بوقوع الودادة وفائدة صيغة التقليل ما ذكره من النكتة وليس استعارة ولك أن تقول التقليل إنما هو بالنسبة إلى إظهار الودادة لا إلى نفس الودادة وليس بشيء لأنه لم يبين كيفية دلالته على المعاني المذكورة ولعله من قبيل الكناية الإيمائية وايضاحها ما أشار إليه في الانتصاف بقوله إنّ العرب تعبر عن المعنى بما يؤدّي عكس مقصوده كثيراً كقوله تعالى ﴿وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ وقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكره الزمخشري من التنبيه بالأدنى على الأعلى ومنهم من وجهه بأنّ المقصود في ذلك الإيذان بأنّ المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضدّ وذلك شأن كل ما بلغ نهايته أن يعود إلى عكسه وقد أفصح عنه أبو الطيب بقوله:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلاَ للمنتهى ومن السروربكاء
وكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها والعمدة في ذلك على
سياق الكلام لأنه إن اقتضى تكثيراً قد خلت عنه العبارة وفيه عبارة يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع لأنّ المراد المبالغة على إحدى الطريقتين المذكورتين وللكلام في تحقيقه محال ولعل النوبة تفضي إليه فقد تلخص منه أنه إمّ استعارة ضدية أو كناية إيمائية والوجه الآتي يبقيه على حقيقته كما ستراه ففي مثله ثلاثة أوجه وفي المطول فيه كلام لولا خوف الإطالة أوردناه وقوله فبالحريّ بالحاء المهملة وتشديد الياء كحقيق وزنا ومعنى وأن يسارعوا مبتدأ وبالحريّ خبره وهو مصدر والباء غير زائدة بل للملابسة أي المسارعة ثابتة بالوجه الحق فإن كان صفة
مشبهة فالباء زائدة في المبتدأ وأن يسارعوا خبره كقولك بحسب زيد درهم كذا أعربه الطيبي رحمه الله تعالى والجملة جواب لو الشرطية لكونها بمعنى إن فلذا اقترنت بالفاء. قوله: (وقيل تدهشهم أهوال القيامة نإن كانت الخ (وفي نسخة حانت بالحاء المهملة والنون أي جاء حينها وأوانها فعلى هذا التقليل على ظاهره غير محتاج إلى التأويل. قوله: (والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك حلف بالله ليفعلن) اختار المصنف رحمه الله تعالى أن لو للتمني والكلام
стр. 1745
فيها مبسوط في المغني، وقيل إنها مصدرية فهي في تأويل مفرد هو مفعول يوذ، وعلى الأوّل محذوت تقديره النجاة، ولا ينبغي تقدير الإسلام لأنه يصير تقديره يوذون الإسلام لو كانوا مسلمين، وهو حشو، وقيل إنها امتناعية شرطية، والجواب محذوف تقديره لفازوا، ومفعول يوذ مقدر كما مرّ وقوله، والغيبة الخ إشارة إلى ما قاله النحاة كما في البديع إنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه أحدها أن تكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول استحلفته ليقومن الثاني أن تأتي بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له فتقول استحلفته لتقومن كأنك قلت له لتقومن الثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن، ومنه قوله تعالى ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ، وأهله بالنون والتاء والياء، ولو كان تقاسموا أمراً لم يجز فيه الياء لأنه ليس بغائب انتهى. وقد سيق الكلام فيه في هذه الآية، وإذا لم يكن لو كانوا الخ. مفعولاً يقدر قبله قول أي يودّون قائلين لو كنا الخ لكته أتى بالغيبة لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقول صاحب الفرائد أنه منزل منزلة المفعول غير ظاهر إذ ليس مما يعمل في الجمل إلا أن يكون بمعنى ذكروا التمني ويجري مجرى القول على مذهب بعض النحاة، وتعليل إيثار الغيبة بقلة الحذف ليس بشيء كما في الكشف. قوله: (دعهم (تفسير لذر بمعنى ح، واترك لكنهما أميت ماضيهما في المشهور، والمراد من الأمر التخلية بينهم وبين شهواتهم إذ لم تنفعهم النصيحة، والإنذار ويفهم من كلامهم هنا أنه اً مر لهم بالأكل، والتمتع واللهو لا لتقدير لام الأ! ر قيل يأكلوأ كما ظن بل لما أفاده في الكشف من أنه جعل أكلهم، وتمتعهم الغاية المطلوبة من الأمر بالتخلية، والغايات المطلوبة إن صح تعلق الأمر بها كانت مأمورا بها بنفس الأمر وأبلغ من صريحه فإذا فلت لازم سدة العالم لتتعلم منه ما ينجيك في الآخرة كان أبلغ من قولك لازم، وتعلم لأنك جعلت الأمر وسيلة للثاني فهو أشدّ مطلوبية، وان لم يصح جعلت مأمورا بها مجازاً كأسلم تدخل الجنة، وما نحن فيه لما جعل غاية للأمر على التجوّز صار مأمورا به على ما أرشدت إليه، وهذا من نفائسه وكم مثله فيه جزاه الله خيراً وقوله ويشغلهم بالجزم عطف على جوإب الأمر وقوله سوء صنيعهم إشارة إلى تقدير مفعوله، وقوله والغرض أي الحكمة فيه المشابهة للغرض لأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض كما مرّ غير مرّة. وارعواؤهم
بمعنى انزجارهم، وانكفافهم عن القبيح. قوله:) وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان الخ (إشارة إلى أنّ الأمر ليس على حقيقته بل للتخلية بينهم، وبين ما هم عليه لأنهم مخذولون مأيوس منهم والزام الحجة لأنّ من أنذر فقد أعذر، وقوله أجل مقدّر إشارة إلى أنّ الكتاب بمعنى لأجل المكتوب، ولذا قال بعده ما تسبق من أمّة أجلها دون كتابها. قوله: (والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية الخ) اختلف في إعراب هذا، ونحوه فمنهم من أعربه حالاً، ولا يلزم تقدمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجيء الحال منها لأنه في معنى الوصف، ولأن التفريغ يقع في الحال عند أهل العربية، وأمّا في الصفة فذهب أكثرهم إلى منعه، وإلى هذا ذهب أكثر النحويين، وأهل المعاني، وذهب الزمخشري، وأبو البقاء، وتبعهم المصنف رحمه الله تعالى إلى أنّ هذه الجملة صفة، وأنها يجوز أن تقترن بالواو كالحال لأنها في معناها فتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وقال أبو حيان رحمه الله تعالى أنه لم يسبقه إليه أحد من النحويين حتى جعله السكاكيئ سهوا منه، وليس كما قال: فإنه كما في الدرّ المصون سبقه إليه ابن جنيّ، وناهيك به من مقتدى بل جعله في الكشف مذهب الكوفيين فإنهم يجوّزون زيادة الواو مطلقاً ويؤيده أنّ ابن أبي عبلة قرأ بإسقاطها، وقوله إلا لها منذرون الخ منذرون إمّا فاعل الظرف أو مبتدأ مؤخر، وعلى الأوّل لا يقترن بالواو، ومثل بعضهم له بهذه الآية، وهو سهو منه. قوله: (من امّة أجلها) من مزيدة في سياق النفي، وقد روعي في ضمير أقة لفظها أوّلاً في قوله أجلها ثم روعي معناها لأنها في معنى الجمع، وضمير أمّة في لفظ يستأخرون. قوله:) نادوا به النبتيءلجي! ر على التهكم الخ الأنهم لا يعتقدون إنزال الذكر عليه فإذا كان النداء منهم فلا بد من حمله على التهكم، وأمّا إذا كان من كلام الله تعالى تبرئة له عما نسبوه إليه من أوّل الأمر لم يكن تهكما لكنه قيل إنه لا يناسب قوله
стр. 1746
إنا نحن نزلنا الذكر فإنه رذ لإنكارهم، واستهزائهم ىلمجب! ، ولعل من يراه يجعل الاستهزاء من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٦] لا من هذا فتأمل. قوله: (والمعنى أنك لتقول قول المجانين (إشارة إلى
أن تشبيهه بما ذكر لأجل قوله المذكور لا لما يظهر عليه من شبه الغشي حين ينزل عليه الوحي لأنّ هذا هو المناسب للمقام وقوله لمعنيين أي على طريق البدل لا معا، والمعنى لأحد معنيين، وقد بينا في النحو. قوله: (بالياء ونصب الملائكة على أن الضمير لله) وفي نسخة بالياء مسنداً إلى ضمير اسم الله فاسم مقحم كما في قوله: ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤٠] ثم اسم السلام عليكما وأورد عليه أنّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضا والمصنف رحمه الله تعالى بنى تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض، وفوله تنزل الخ أي أصله تتنزل بتاءين، ورفع الملائكة فحذفت إحداهما تخفيفاً، وفي نسخة بمعنى نزل أي بمعنى الثلاثيّ ولو حمل على ظاهره كان أولى. قوله: (١ لا تنزيلاَ ملتبساً بالحق الخ) يعني أنّ الباء للملابسة، والجار والمجرور صفة مصدر محذوف مستثنى استثناء مفرغا، وجوّز فيه الحالية من الفاعل، والمفعول وفسير الحق بمقتضى الحكمة، وهو أن لا يشاهدوا ليكون إيمانا بالغيب، وقوله فإنه لا يزيدكم إلا لبساً أي كونهم يشاهدونه بصورة البشر لأنّ البشر لا يقوى على رؤية الملك بصورته فإن تمثل بشراً التبس عليهم أيضا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩] وعدل عن قوله في الكشاف ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبيّ ﷺ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار لأنّ ما ذكره أوفق بالآية الأخرى وما ذكره الزمخشريّ مبنيّ على النزول بصورهم الحقيقية، وهذا على التمثيل بالصورة البشرية، ولا منافاة بينهما، وفي وجه الحكمة إشارة إليه على ما قرّرناه فليس في كلامه ردّ عليه كما توهم. قوله: (ولا في معاجلتكم) معطوف على قوله في أن تأتيكم، وهذا ناظر لقوله للعقاب كما أنّ الذي قبله ناظر لقوله فيكون معه نذيراً وهذا مما زاده على الكشاف كما أنّ الوجهين المذكورين بقيل ناظران لهما على اللف، والنشر أيضاً. قوله: (جواب لهم وجزاءا لأنّ وضعها لذلك، وبين
كونها جزاء بتقدير الشرط لأنها ظاهرة في جواب طلب نزول الملائكة التسليمي ومعنى الأنظار إمهالهم، وتأخير عذابهم. قوله: (ولذلك كده من وجوه) هي أنّ، والجملة الاسمية، وتقديم الضمير ويزيده قوّة ضممير العظمة، وقوله والنقص أي نقص الكلمات لا السور فإنه لا يخل بالإعجاز كما لا يخفى وقوله أو نفي تطرّق الخلل الخ عطف على ما قبله بحسب المعنى أي حفظ بنفي التحريف الخ أو نفي تطرق الخلل الخ والفرق بين الوجهين أنّ الأوّل بالنظر إلى أوائل نزوله، وهذا إلى أواخره، والأوّل ناشئ من الإعجاز وهذا ناشئ من كونه ليس من كلام البشر كما أشار إليه بقوله بأنه المنزل له، وقوله أن يطعن فيه أي طعنا معتدّا به مسلما، ويحتمل حفظه مما يشينه من تناقض، واختلاف لا يخلو منه الكلام المفتري كقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٢] وفي قوله بأنه المنزل له إشارة إلى أنّ الجملة الثانية مقرّرة للأولى لأنها كالدليل عليها لكن لتضمنها معنى زائداً عطفت عليها فتدبر، وكون الضمير للنبيّ ﷺ خلاف الظاهر فلذا مرضه. قوله: (في شيع الأوّلين (أي شيع الأمم الأوّلين، وقيل إنه من إضافة الصفة للموصوف، وقوله من شاعه أي هو مأخوذ من المتعدّي لأنه الذي يدلّ على التبعية وأمّا شاع الحديث اللازم فهو بمعنى انتشر واشتهر، والشياع بكسر الشين، وفتحها صغار الحطب فالشيعة بمعنى الاتباع أو الأعوان مأخوذ منه هنا لأنهم في الأصل أصغر ممن يتبعونه أو يعينونه فمن قال الاشتقاق من الشياع لا يناسب أحد المعنيين لم يأت بشيء، واطلاقه على الفرقة المتفقة لأن بعضهم يشايع بعضا، ويتابعه. قوله: (والمعنى نبأنا رجالاً فيهم وجعلناهم رسلاَ فيما بينهم) أشار بقوله نبأنا إلى أن المراد بالرسل عليهم الصلاة والسلام المعنى العامّ الشامل للأنبياء غير الرسل فإنه يطلق على ذلك، وفيه أيضا بيان لمفعوله المقدّر، وقيل إنه توجيه لتعدي الإرسال بفي والأصل تعديه بإلى بتوجيهين الأوّل تضمينه معنى التنبئة، والثاني تضمينه معنى الجعل قالوا وبمعنى
стр. 1747
أو ويجوز أن يكون الثاني تفسيراً للأوّل، ولا يخفى ما فيه فإنّ من في الظرفية تتعلق بكل فعل من غير حاجة إلى التضمين فإن أراد التعدية بها فلا وجه له لأنّ أنبأ يتعدى بالباء، وإنما هذا صفة للمفعول المقدّر أو حال
ولا وجه لجعل الواو بمعنى أو فإنه تكلف لا داعي له، وقيل إنه بيان لأنه عدل عن إلى إلى في للأعلام بمزيد التمكن فيهم فدل قوله نبأناه فيهم على معنى أعطيناه المعجزة، وقوله وجعلنا. رسولاً فيما بينهم على معنى صيرناه صاحب كتاب وشريعة، ولا يخفى ما فيه أيضا فتدبر. قوله: (وما للحال الخ) هذا بناء على ما ذهب إليه الزمخشريّ من أنها مع المضارع لنفي الحال، ومع الماضي لنفي الماضي القريب من الحال، وهو أكثريّ لا كليّ فإنها جاءت لنفي المضارع في المستقبل كقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي﴾ [سورة يونس، الآية: ٥ ا] فما نحن فيه من القسم الأوّل بالتأويل المذكور، وقوله والسلك بفتح السين مصدر بمعنى الإدخال، والمخيط بكسر الميم آلة الخياطة، ويقال سلك السنان في المطعون وعدّه في الأساس من الحقيقة، وقوله والضمير للاستهزاء أي ضمير نسلكه المفعول وأرجعه إليه لقربه، وقوله كالخيط مثال للشيء، وقيل تقديره كإدخال الخيط، ولا حاجة إليه. قوله: (وفيه دليل على أنه تعالى الخ) هذا ردّ على المعتزلة في قولهم أنه قبيح فلا يصدر عنه تعالى، ولكن مع الاحتمال لا يخفى حال الاستدلال كما مرّ، ولذلك أيد ما ارتضاه الزمخشريّ من الوجه الثاني بما سيأتي الكلام عليه. قوله:) فإنّ الضمير الآخر في قوله لا يؤمنون به له (أي الضمير المجرور للذكر، وهدّه الجملة حال من الضمير الذي هو مفعول نسلكه فيتعين كونه للذكر، ولا يصح كونه للاستهزاء وقوله مثل ذلك السلك إشارة إلى أنّ المشار إليه مصدر الفعل المذكور كما مرّ تحقيقه في البقرة، وكذلك صفة مصدر محذوف في محل نصب أو خبر مبتدأ في محل رفع ونسلكه جملة مستأنفة، وقوله مكذباً بيان لمعنى الحالية، وتوضيح لها، والمراد أنّ الإلقاء وقع بعده التكذيب من غير توقف فهما في زمان واحد عرفا فلا حاجة إلى القول بأنها حال مقدرة كما ذكره صاحب الكشف، وما ذكره من الحالية غير متعين لاحتمال الاستئناف، واعترض على هذا بوجهين الأوّل أنّ نون العظمة لا تناسب إرجاع الضمير للذكر فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً ظهر له أثر قويّ، وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه، وأجيب بأنّ المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك لأنّ العظمة قد تكون باعتبار اللطف، والإحسان، ولا يجب كونها باعتبار القهر والغلبة،. ولا يخفى أنه باعتبار القهر، والغلبة يقتضي أنه يؤثر ذلك في قلوبهم، وليس كذلك لعدم إيمانهم به وكذا باعتبار اللطف، والإحسان يقتضي
أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم، وإذا لم يؤمنوا به فأيّ إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر الثاني أنّ ضمير به لا يتعين عوده على الذكر حتى يلتزم إرجاع الأوّل إليه أيضا لأنّ الأصل توافق الضمائر فيما ترجع إليه لجواز أن يكون للاستهزاء أيضاً والباء للسببية، وإنما يتعين لو كانت الباء صلة يؤمنون، ولا يخفى ركاكته وبعده يغني عن رذه، وقوله إذ لا يلزم الخ القائل لا يدعي لزومه بل أنه أولى، وهو لا يمكن إنكاره فلا يعدل عنه لغير مقتض، وقوله أو بيان للجملة المتضمنة له أي للذكر أو لهذا المعنى فكأنه قيل أي لا يؤمنون به. قوله: (لجواز أن تكون حالاً من المجرمين) أي لا يلزم كونها حالاً من الضمير حتى يتعين عوده على الذكر قيل، وهذا لا يضرّ القائل إذ المعنى نسلك الذكر في قلوب المجرمين في تلك الحال، وبه يحصل توافق الضميرين أيضاً، ولا يخفى أنه ادّعى تعين عوده على الذكر لكونها حالاً منه فإذا لم تتعين الحالية لا يتعين ما ادّعاه وهذا في غاية الظهور، وكونه من المضاف إليه لأنّ المضاف بعضه، ولم يجعله من القلوب لعدم العائد إليها فمن قال الأولى جعله حالاً من القلوب لم يصب. قوله: (ولا ينافي كونها مفسرة) أي عود الضمير على الاستهزاء لا ينافي كون هذه الجملة مبينة، ومفسرة لها إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم، وكون القائل مراده بيان الإعراب لا دعوى المنافاة غير ظاهر من سياقه في صدد الاستدلال. قوله: (أي سنة الله فيهم) إشارة إلى أنّ الإضافة لأدنى ملابسة لأنّ السنة بمعنى العادة ليست لهم لا أنّ الإضافة على معنى في، وقوله بأن خذلهم، وسلك الكفر في قلوبهم الخ هذا ناظر إلى عود ضمير نسلكه إلى الاستهزاء لأنّ الاستهزاء كفر، وقدمه لأنه تفسير أهل السنة، وقوله
стр. 1748
أو بإهلاك الخ جار على التفسيرين يعني المراد بسنة الله في الأوّلين إهلاك المكذبين منهم، وهو وان لم يسبق له ذكر لكن السياق منبئ عته، ولذا قدم الأوّل لأنّ ما قبله دال عليه، وعلى التفسير الأوّل هو تسلية للنبيّ ﷺ ، وعلى الثاني وعيد لأهل مكة لأنه إذا أهلك هؤلاء لكفرهم دل على أنّ هؤلاء على شرف الهلاك. قوله: (يصعدون إليها ويرون عجائبها الخ) فالضمير للكفرة، وقوله طول نهارهم من قوله ظلوا لأنه يقال ظل يعمل كذا إذا فعله في النهار حيث يكون للشخص ظل، وأمّا وروده بمعنى صار فعلى خلاف الأصل ومعنى مستوضحين يرونه واضحا ظاهراً لكونه نهاراً، وقوله أو تصعد الملائكة فضمير ظلوا، ويعرجون للملائكة، وقوله وهم يشاهدونهم أي يشاهدون صعود الملائكة من عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى السماء، ومشاهدتهم لهم لفرض وقوعها نهارا كما مرّ، وتشكيكهم إيقاع غيرهم في الشك. قوله:
(سدّت عن الأبصار بالسحر الخ (قال الراغب السكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر، وقد يكون من الغضب، والعشق قال الشاعر:
سكران سكر هوى وسكرمدامة أنى يفيق فتى به سكران
والسكر بفتحتين ما يسكر، والسكر بالسكون حب! الماء بالسد، والسكر بالكسر الموضع المسدود، ولذا يطلق على الجسر فسكرت هنا قيل إنه من السكر بالضم، وقيل من السكر بالكسر والفتح، وقال ابن السيد السكر بالفتح سد الباب، والنهر وبالكسر السد نفسه، ويجمع على سكور قال الرفاء رحمه الله تعالى:
غناؤنا فيه ألحان السكور إذا قل الغناء ورنات النواعير
فقوله ب! دت الخ إشارة إلى القول بأنه من السكر بالفتح، والكسر بمعنى السد بالمعنيين
بيان للاشتقاق أي سدت أبصارنا بسحر النبيّ ﷺ على زعمهم، وقوله عن الأبصار بكسر الهمزة متعلق بسدت أي منعت من الأبصار حقيقة، وما نراه تخيل لا حقيقة له، وقوله ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أي والباقون بالتشديد، ووجه الدلالة عليه أنّ سكر المخفف المتعدي اشتهر في معنى السد، وقوله أو حيرت بالبناء للمجهول إشارة إلى القول الثاني بأنه من السكر ضد الصحو، والتشديد فيه للتعدية لأنّ سكر لازم في الأشهر وقد حكي تعديه فيكون للتكثير، والمبالغة، ووجه دلالة قراءة سكرت كفرحت عليه أنّ الثلاثيّ اللازم مشهور فيه، ولأنّ سكر بمعنى سدّ المعروف فيه فتح الكاف، وعلى هذا فسكرت أبصارنا استعارة، وأمّا على الأوّل فالظاهر أنه حقيقة، وقيل إنه استعارة أيضاً. قوله: (قد سحرنا محمد ﷺ بذلك) أي بسكر أبصارنا أو بما نراه فالباء للسببية أو للملابسة. قوله: (وفي كلمتي الحصر والإضراب الخ) بين الزمخشريّ الحصر بقوله يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيرا وتبعه بعض المتأخرين، وأورد عليه العلامة أنّ إنما تفيد الحصر في المذكور آخراً فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير فكأنهم قالوا سكرت أبصارنا لا عقولنا فنحن، وان تخيلنا هذه الأشياء بأبصارنا لكن نعلم بعقولنا إنّ الحال بخلافه، ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار وقالوا بل تجاوز ذلك إلى عقولنا، وكذا قال الإمام أيضاً: وهذا مبنيّ على أن تقديم المقصور على المقصور عليه لازم، وخلافه ممتنع، وقد قال المحقق في شرح التلخيص إنه يجوز إذا كان نفس التقديم مفيداً للقصر كما في قولنا إنما زيدا ضربت فإنه لقصر الضرب على زيد قال أبو الطيب:
أساميالم تزده معرفة وإنما لذة ذكرناها
أي ما ذكرناها إلا للذة، وأجاب بأنّ الكلام فيما إذا كان القصر مستفاداً من إنما، وهذا
ليس كذلك وجوابه غير مسلم فإنه قال في عروس الأفراح إنّ هذا الحكم غير مسلم فإنّ قولك إنما قصت معناه لم يقع إلا القيام فهو لحصر الفعل، وليس بأخير، ولو قصد حصر الفاعل لانفصل، ثم أورد أمثلة متعدّدة من كلام المفسرين تدل على خلاف ما قاله أهل المعاني في هذه المسألة فالظاهر أنّ الزمخشري لا يرى ما قالوه مطرداً، وهم قد غفلوا عن مراده هنا، وقيل إنه يجوز أن يعتبر الحصر بعد اعتبار إسناد التسكير إلى الأبصار فيكون من قبيل قصر الموصوف على الصفة قصراً إضافيا أي الواقع تسكير أبصارنا لا أنه كذلك حقيقة، وهذا لا محصل له، ومعنى الإضراب جعل الأوّل في حكم المسكوت عنه دون النفي، ويحتمل
стр. 1749
الثاني فالإضراب لأنّ هذا ليس بواقع في نفس الأمر بل بطريق السحر، أو هو باعتبار ما تفيده الجملة من الاستمرار الذي دلت عليه الاسمية أي مسحوريتنا لا تختص بهذه الحالة بل نحن مستمرّون عليها في كل ما يرينا من الآيات، وقوله على البت بالتاء المثناة الفوقية أي القطع، وغير ما في الكشاف لما سمعته. قوله:) اثني عشر مختلفة الهيئات الخ) يعني الحمل وما بعده، واختلاف الخواص لاختصاص بعضها بالربيع، وبعضها بالصيف، وبعضها بالخريف، وبعضها بالشتاء، وتفاوت الهواء حرارة، وبرودة، ونحوه وقوله مع بساطة السماء أي كونها متماثلة في الصورة، والحقيقة، واختلاف الخواص مع التماثل يدل على خالق قدير حكيم، وتفسير البروج بما ذكر قول ابن عباس ﵄، وهو المشهور وسيأتي في سورة البروج تفسيرها بالكواكب العظام، وما دل عليه الرصد راجع إلى الهيئات، والتجربة راجع إلى الخواص والرصد بمعناه المعروف عند أهل الهيئة، وبساطتها مما اتفق عليه الحكماء، وأصحاب الرياضات. قوله: (بالأشكال والهيئات البهية) جعل الضمير راجعا إلى السماء لئلا تنتشر الضمائر، وقيل إنه للبروج، وقوله المعتبرين جعل النظر بمعنى الأبصار لأنه المناسب للتزيين، ثم أشار إلى أنه كناية عن الاعتبار، والاستدلال بالأثر على المؤثر ومنهم من فسره بالمستدلين، ويناسبه ما وقع في بعض النسخ للمعتبرين باللام الجارة، ولو أسقط قوله يوسوس أهلها، ويتصرّف في أمرها كان أولى. قوله: (بدل من كل شيطان) أي بدل بعض من كل فإن قلت لا بد مع بدل البعض من ضمير يربطه، والبدل يشارك المبدل منه في معنى العامل، وهما هنا مختلفان نفيا، واثباتاً قلت أجاب عن هذا أهل العربية بأن إلا رابطة، وإذا ظهر الربط استغني عن الضمير، وبأن اختلاف التابع، والمتبوع بما ذكر لا ينافي التبعية كما في مررت برجل لا ظريف، ثم إنه
اعترض على البدلية بأنها يشترط فيها أن تكون في كلام غير موجب، وهذا مثبت، ودفع بأنه في تأويل المنفي كما أشار إليه المصنف ﵀ بتفسير حفظنا بلا يقدرون، وأورد عليه أمران الأوّل أنّ تأويل المثبت بالمنفي في غير أبي ومتصرفاته غيره مقيس، ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا، وقد يدفع بأنّ المصنف رحمه الله تعالى لا يسلم ذلك، ويدل عليه قول النحاة بعد نفي صريح أو مؤوّل مع أنّ المصنف ﵀ مسبوق به فالعهدة فيه على قائله الثاني أنه على هذا يكون الاستثناء متصلاً فيقتضي أنهم أي المسترقين يوسوسون لأهلها ويتصرفون فيها، وتقدير حفظناها من قرب كل شيطان كما قيل لا يطابق كلام المصنف ﵀ فالوجه جعله استثناء منقطعا، وقد يدفع بأنه يكفي للاتصال دخوله في كل شيطان، وكونه غير محفوظ عنه في الجملة كما يشهد له تفسير الاستراق، والتصريح بالخطفة في آية أخرى على أنّ الواو في قوله ويوسوس وما بعده بمعنى أو فتأمل. قوله:) واستراق السمع اختلاسه سرا الخ) وهو المراد بالخطفة في الآية الأخرى وقوله شبه إشارة إلى أنه استعارة، وقطان جمع قاطن، وهو الساكن والمراد باً لسمع المسموع، وقوله لما بينهم من المناسبة في الجوهر أي في جشسه لا نوعه لأنّ الملائكة عليهم الصلاة والسلام من نور، والشياطين من نار على ما حققه المصنف ﵀ في سورة البقرة ولاختلاف النوع لا يقدرون على الاستماع، وتلقي الوحي، وإنما يخطفون خطفات يخلطون فيها فلا ينافي هذا قوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ في الشعراء، وقول المصنف ﵀ هناك أنّ السمع مشروط بمشاركتهم في صفات الذات، وقبول فيضان الحق، والانتقاس بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك، وأمّا كون المراد بالسمع ثمة سمع القرآن، وهو مشروط بما ذكر فلا حاجة إليه لا! الشرط المذكور ينافيه، وقوله هنا الجوهر، وثمة صفات الذات صريح فيما قرّرناه لكن الكلام في أنّ الاستراق يقتضي مناسبة الجواهر، والسمع التامّ يقتضي المشاركة المذكورة فإنه لا يتمشى على أصول الشرع، وكأنها من همزات الفلاسفة، وأما كون تلقيهم ما ذكر من الأوضاع الفلكية فمخالف لصريح النظم والأحاديث مع أنه يقتضي أن يكون قطان السماء بمعنى الكواكب، وشموله لشياطين الأنس من المنجمين. قوله: (ولا يقإج فيه تكونها قبل المولد (أي لا يقدح في كلام ابن عباس ﵄ بكون الشهب قبل مولد عيسى ﵊، ومشاهدة
стр. 1750
انقضاضها لأنه يجوز أن يكون لأسباب أخر، وهو دفع لما قاله بعض الطاعنين في التنزيل. قوله: (وقيل الاستثناء منقطع الخ) فمن في محل رفع بالابتداء، وخبره
جملة فأتبعه الخ، ودخول الفاء لأن من إمّا شرطية أو موصولة مشبهة بها كما قاله أبو البقاء ﵀ وعلى إلاتصال فهي عاطفة، وقيل عليه إنّ الإبدال يقتضي التجانس، والانقطاع يقتضي خلافه فبينهما تناف وردّ بأن إثبات حكم آخر لبعض المستثنى منه من غير إخراجه عن الحكم السابق انقطاع في الاستثناء فقوله، والانقطاع يقتضي خلافه غير مسلم. قوله: (فأتبعه فتبعه) فليست الهمزة فيه للتعدية، والشهاب من الشهبة، وهي بياض مختلط بسواد وليست البياض الصافي كما يغلط فيه العامة فيقولون فرس أشهب كالقرطاس، وقوله ولحقه يشير إلى أن أتبعه أخص من تبعه قال الجوهريّ ﵀ تبعت القوم تبعا، وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، وقال الأخفش ﵀ أنّ تبعه، وأتبعه بمعنى كردفته، وأردفته، والمصنف رحمف الله تعالى مشى على الفرق بينهما، وهو أحسن. قوله: (ظاهر للمبصرين) إشارة إلى أنه من أبان بمعنى ظهر اللازم، وقوله وقد يطلق للكوكب أي يستعمل له، ولذا عداه باللام دون على، وقوله في الأرض، وهي إمّا شاملة للجبال لأنها تعد من الأرض أو خاصة بغيرها لأنّ أكثر النبات وأحسنه فيها، وقوله أو فيها، وفي الجبال أي فالضمير إما لما قبله مطلقاً بالتأويل، وامّا عائد على الأرض! بمعنى ما يقابل السماء على طريق الاستخدام، وأمّا عوده على الرواسي لقربها، والمراد بالإنبات إخراج المعادن فبعيد. قوله: (مقدّر بمقدار معين) فهو مجاز مستعمل في لازم معناه أو كناية أو من استعمال المقيد في المطلق، وأمّا إذا كان بمعنى مستحسن فهو مجاز عما يوزن من الجواهر، وقد ذكر الشريف الرضي في الدرر إنّ العرب استعملته بهذا المعنى كقول عمرو بن أبي ربيعة:
وحديث ألذه وهو مما تشتهيه النفوس يوزن وزنا
وهو شائع في كلام العجم، وتبعهم المولدون كثيرا فيقولون قوام موزون أي معتدل، وقد علمت أنه سمع من العرب، وقوله أوله وزن أي قدر ووقع فتجوّز بالوزن كما تجوز بالقدر، وقوله أو ما يوزن، ويقدر هو إمّا مجاز كما مر فعطف قوله، ويقدر تفسيري، والفرق بينه، وبين الأوّل أنّ تقدير الأوّل جعله على مقدار تقتضيه الحكمة، وفي هذا جعله على مقدار يقدره الناس، وقيل إنه حقيقة، وإنه مناسب لكون الضمير للجبال، وإنّ قوله له وزن معناه أنّ له قدرا واعتبارا. قوله: (على التشبيه بشمائل) هي رواية للأعرج وخارجة عن نافع يعني أنّ الياء فيه
عين الكلمة، والقياس في مثله أن لا تبدل منه همزة لأنها إنما تبدل من الياء الزائدة كياء شمائل، وخبائث لكنها لمشابهتها لها في وقوعها بعد مدة زائدة في الجمع عوملت معاملتها على خلاف القياس. قوله: (عطف على معايش أو على محل لكم الخ الا على المجرور لأنه بدون إعادة الجار شاذ، وقوله ويريد الخ أي المراد بمن الخدم، والعيال، وذكر بهذا العنوان لظن بعض الجهلة أنهم يرتزقون منهم أو الامتنان بأنه استخدامهم من تكفل بنفقته، وقوله وفذلكة الآية أي محصلها واجمالها، والاستدلال خبره، وعلى كمال قدرته متعلق به، والامتنان معطوف عليه، وقوله ممدودة لا ينافي كريتها كما مر واختلاف الشكل، والأجزاء مستفاده من جعل الرواسي فيها، وأنواع النبات من قوله، وأنبتنا فيها والحيوان مأخوذ من قوله معايش، ومن مدلول الكلام، وتناهي حكمته بلوغها النهاية، والغاية فيها. قوله: (أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه) يشير إلى أنّ أن نافية، والخزائن جمع خزانة، ولا تفتح، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء، ويحفظ شبه اقتداره على كل شيء، وايجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء المعدّة لإخراج ما يشاء منها وما يخرجه إلا بقدر معلوم فهو استعارة تمثيلية قيل، والأنسب أنه مثل لعلمه بكل معلوم، وأنه لم يوجد شيء منها إلا بقدر معلوم، ووجهه أنه يبقى شيء على عمومه لشموله الممكن، والواجب بخلاف القدرة، ولأنّ عند أنسب بالعلم لأنّ المقدور ليس عنده إلا بعد الوجود، وقيل عليه إنّ كون المقدورات في خزائن القدرة ليس باعتبار الوجود الخارجي بل الوجود العلمي، والفاء في قوله فضرب تفسيرية كما
стр. 1751
في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ [سورة هود، الآية: ٤٥] فقال الخ وهو تفسير لقوله بالغ لما في التمثيل من المبالغة كما بينه، وقوله ما من شيء أي من الأنواع أو الإفراد التي لم تخلق، وعممه ليكون كالدليل على ما قبله، وخصصه الزمخشريّ بما ينتفع به بقرينة السياق، وهو من الاستعارة التمثيلية على الأوّل، ومن المكنية، والتخييلية على الثاني. قوله: (من يفاع القدرة (بفتح الياء بمعنى المرتفع ضد الحضيض، وهو استعاوة لعظمة قدرته أو هو كلجين الماء فالمراد بالتنزيل الإيجاد، والإنشاء. قوله: (حدّه الحكمة) بلفظ الماضي أي جعلت له حذاً، وقوله لا بد له من
مخصص حكيم إشارة إلى كون الآية دليلاً على الألوهية. قوله: (حوامل شبه الريح الخ) يعني أنه جمع لاقح بمعنى حامل يقال ناقة لاقح بمعنى حامل فهو من التشبيه البليغ شبهت الريح التي تأتي بالسحب الماطرة بالناقة الحامل لأنها حاملة للسحاب الماطر أو للماء الذي فيه، وقال الفراء: إنها جمع لاقح على النسب كلابن، وتامر أي ذات لقاح، وحمل وهي التي تجيء بالسحب الممطرة، ويقال لضدّها ريح عقيم. قوله: (أو ملقحات للشجر أو السحاب) عطف على قوله حوامل، وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه قيها لتحمل فاستعير لصب المطر في السحاب أو الشجر، وإسناده إليها على الأوّل حقيقة، وعلى الثاني مجاز إذ الملقي في الشجر السحاب لا الريح، وهو حينئذ جمع ملقح بحذف الزوائد كالطوائح أو هو جمع لاقح على النسب أو هو مجاز وكلام المصنف رحمه الله تعالى صريح في الأوّل، ولقح الشجر تنميته ليثمر، ويزهو أو أن يجري الماء فيه. قوله: (ومختبط مما تطيح الطوائح) صدره:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
وهو من شعر في رثاء يزيد النهشلي واختلف في قائله فقيل لبيد وقيل نهشل بن حرب،
وقيل الحرث بن نهيك النهشلي، وقيل الحرث بن ضرار النهشلي، وقيل مزرد كما في شرح أبيات الكتاب، والمختبط طالب العرف المحتاج، وأصله من تخبط ورق الأشجار لتأكلها الدواب، وإنما يفعل ذلك في الجدب، وشدّة الاحتياج، وتطيح بمعنى ترمي، والطوائح جمع المطيحة بمعنى السنين أو الجوائح الرامية له أو جمع طائحة على التجوّز، وقوله على تأويل الجنس الخ أي أنها وإن كانت مفردة على هذه القراءة لكن دخول الألف، واللام الجنسية عليها صيرها في معنى الجمع فلذا صح جعل لواقح حالاً منها فالمعنى جنس الريح نحو أهلك الناس الدينار الصغر فإن قلت هذه القراءة تخالف ما قالوه في حديث اللهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحا من أنّ الرياج تستعمل للخير، والريح للشرّ قلت هذا ليس من الوضع، وإنما هو من الاستعمال، وهو أمر أغلبيّ لا كليّ فقد استعملت الريح في الخير أيضا نحو قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢٢] أو هو محمول على الإطلاق بأن لا يكون معه قرينة كالصفة والحال، وأمّا كون المراد به الدعاء بطول العمر ليرى رياحا كثيرة فلا وجه
له، وقوله سقيا كبشرى بمعنى تسقي به الأراضي، والمواشي فليس أسقاه بمعنى سقاه، وان ورد بهذا المعنى أيضاً. قوله: (قادرين متمكنين من إخراجه) أي من العدم لأن الخزن اتخاذ الخزائن، وهو يستعار للقدرة كما مرّ وأشار إليه بقوله نفي عنهم ما أثبته لنفسه أي في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ أو في قوله وأنزلنا الخ ووجه دلالته على إثباته لنفسه هنا كما صرّح به أوّلاً أنه من باب، وما أنت علينا بعزيز فيفيد تقديمه القصر ولا حاجة إليه مع دلالة ما مرّ، وهذا على الحصر فيه. قوله: (أو حافظين في الندران) فالخزن مجاز عن مطلق الحفظ في مجاريه مع أنه لو خلي وطبعه لفار، وقوله وذلك أي الحفظ فيما ذكر، وقوله أيضا أي كإنزاله من السماء أو إيجاده، وقوله كما تدلّ حركة الهواء يشير إليه قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ الخ، وقوله فإنّ طبيعة الماء الخ. بيان لدلالة حفظ الماء على ما ذكر، وقوله دون حده أي حد الغور أو حد الماء وطبعه، والغور ذهاب الماء في الأرض!. قوله: (وقد أوّل الحياة بما يعم الخ) فهو من عموم المجاز بمعنى يعطي لكل شيء قوّة النماء ونحوه، وقوله وتكرير الضمير أي في قوله نحن نحي، ونحن الوارثون قيل إنه جعل الضمير للفصل، وهو يفيد القصر، وقد رذه أبو البقاء رحمه الله تعالى بوجهين أحدهما أنه لا يدخل على الخبر الفعلي، وأنّ اللام لا تدخل عليه قال في الدرّ المصون والثاني غلط فإنه ورد دخولها عليه كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٢] وهذا مبنيّ على مذهب الجرجاني، وبعض النحاة إذ جوزوا دخوله على المضارع كقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [سورة البروج، الآية: ١٣]
стр. 1752
والعجب من أبي البقاء فإنه ردّه هنا وجوّزه في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٠ ا] كما نقله في المغني.
قوله: (الباقون إذا مات الخلائق كلها) فهو استعارة كما وقع في الحديث: " اجعله الوارث منا " أ١) وقوله من استقدم ولادة وموتا استقدم، واستأخر بمعنى تقدم وتأخر، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو لأنهما معلومان له تعالى وقوله بعد أي إلى الآن. قوله: إ وهو بيان لكمال
علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته) بما مرّ كما صرّح به في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ وقوله فإنّ ما يدل على قدرته دليل على علمه بيان لوجه تعقيبه لأنّ القادر على كل شيء لا بدّ له من علمه بما يصنعه، وكونه بياناً لكمال علمه على هذا الوجه، وأمّا على الوجهين الأخيرين فالمعنى يجزيهم على قدر نياتهم كما أشار إليه بقوله يحشرهم لا محالة للجزاء. قوله: (وقيل رغب رسولي الله ﷺ في الصف الخ) قال السيوطيئ: لم أقف عليه، وقوله: أنّ امرأة حسناء (١) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عباس ﵄. قوله: (وتوسيط الضمير للدّلالة الخ) جعل الضمير للحصر، وقد مرّ الكلام عليه، وقيل عليه إنه في مثله يكون الفعل مسلم الثبوت، والنزاع في الفاعل، وهاهنا ليس كذلك فالوجه جعله لإفادة التقوى، وهذا في القصر الحقيقي غير مسلم كما صرّح به المطوّل. قوله: (وتصدير الجملة بأنّ لتحقيق الوعد والتنبيه الخ) كما نبه عليه بقوله لا محالة، وفائدة الإعادة بناء قوله، والتنبيه الخ. عليه والمراد بالوعد وعدهم بالحشر، والجزاء، وقوله يدل على صحة الحكم أي بالحشر، وقوله كما صرّح به أي بالدلالة على كمال قدرته، وعلمه، وذكره لأنّ تأنيث المصدر غير معتبر، وقوله أنه حكيم الخ. جملة مستأنفة لتعليل ما قبله، وباهر الحكمة أي عالم بالأشياء على ما هي عليه وفاعل لها كما ينبغي، وقوله متقن في أفعاله تأكيد له باعتبار جزء معناه. قوله: (طين يابر يصلصل) أي يصوّت إذا نقر كذا نقله في الدرّ المصون عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى، وهو محصل ما في الكشاف وناهيك بهما إمامان في اللغة، وكذا فسره الراغب فمن قال إني لم أجده في اللغة لم
يصب، واشتقاق الصلصلة كالصريح فيه. قوله: (وقيل هو من صلصل إذا أننن تضعيف صل) وصلصال بفتح أوّله، وكسره، وفي هذا ونحوه مما تكررت عينه، وفاؤه خلاف فقيل وزنه فعفع كررت الفاء، والعين ولا لام نقل عن الفرّاء رحمه الله تعالى قال في الدر المصون وهو غلط لأنّ أقل الأصول ثلاثة فاء، وعين ولام، وقيل وزنه فعفل، وهو المشهور عن الفرّاء، وقيل فعل بتشديد العين، وأصله صلل فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس الفاء، وهو مذهب الكوفيين، وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث نحو لملم، وكبكب فإنك تقول لمّ وكبّ فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع، وقال اليمني ليس معنى أنه أصله أنه زيد فيه صاد بل هو رباعي كزلزل، والاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي أن يكون منه إذ الدليل دالّ على أنّ الفاء لا تزاد لكن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى. قوله: (طين تغير واسوذا لما خمرت طينته بالماء، وكون الجارّ، والمجرور صفة لوقوعه بعد النكرة، ويجوز أن يكون بدلاً من الجارّ والمجرور قبله، ومسنون صفته، ولا ضير في تقديم الصفة الغير الصريحة على الصريحة فإنه جائز، والنكتة فيه مناسبته لما قبله في أنّ كلا منهما من جنس المادّة قال الرضي إذا وصفت النكرة بمفرد، وظرف أو جملة قدم المفرد في الأغلب، وليس بواجب خلافا لبعضهم، والدليل عليه قوله، وهذا كتاب أنزلناه مبارك لكنه يحتاج إلى نكتة في كلام الله لأنه لا يعدل عن الأصل لغير مقتض، وقد بيناها. قوله: (من سنة الوجه (أي صورته، وقوله أو مصبوب أي معنى مسنون مصبوب من سنه بمعنى صبه، وقريب منه شن الماء بالمعجمة إذا وشه، وقوله لييبس بياءين مفتوحة، وساكنة وبعدهما باء موحدة، وسين من اليبس ضد الرطوبة، وقوله ويتصور بالعطف عليه، والواو لا تقتضي ترتيباً أي صبه، وهو رطب لأجل التصوير، واليبس لتثبت الصورة فيه، وفي نسخة بدل الواو أي التفسيرية، ومعناه لتبقى صورته لأنّ ما لم ييبس لا يبقى، وقيل إنه من تحريف الناسخ، والصواب ليسن، وفي أخرى أو مصبوب مصوّر، وهي ظاهرة وقوله تمثال بكسر التاء الفوقية بمعنى مثال، وفي نسخة بمثال بالباء الموحدة، وقوله طوراً بعد طور أي صار جسدا ولحما، وذا روح وخلقه من تراب سابق على كونه صلصالاً، وقوله إذا نقر صلصل أي صدم بجسم آخر سمع له صوت يشير
стр. 1753
إلى أنّ من في من حمأ مسنون ابتدائية فتكون ماذة سابقة على كونه صلصالاً، وليس فيه تمثيل كما توهم فإنه تخيل لا وجه له بل كناية عن كاية تجفيفه، وقوله من سننت الحجر الخ، ومنه المسن المعروف، ونتنه تغير رائحته كما نشاهده في طين
الآجام، والسنين بفتح السين المتغير ريحه. قوله: (أبا الجق وقيل إبليس الخ) يعني الجانّ بمعنى الجن أو هولهم كادم للبشر، وأبو الجن إبليس كما في الدرّ المصون، وقوله لأن تشعب الجنس الخ إشارة إلى أنّ خلقهم من النار إذا كان بمعنى الجنس لا ينافي أنّ المخلوق منها إنما هو أبوهم لأنّ الخلق منها شامل لما يكون بواسطة، وبدونها فقوله من نار لا يعين التفسير الأؤل كخلق الإنسان من تراب، وطين. قوله: (من نار الحر الشديد) أراد بالحرّ الريح الحارة فإنه يطلق في العرف بهذا المعنى، وقال الإمام السموم في اللغة الريح الحارة، وهي فيها نار، وقيل سميت سموما لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن قيل فالأولى أن يقول المصنف من نار الريح الشديد الحر ليوافق كلام أهل اللغة، وهو تسمح سهل كما عرفت والمسام منافذ البدن، وهو جمع لا واحد له، وهو إشارة لاشتقاقه. قوله: (ولا يمتنع خلق الحياة في الإجرام البسيطة الخ) جواب عما يقال كيف تخلق الحياة في النار، وهي يسيطة، والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات، وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة فما ذكره رد عليهم فأجاب بمنعه لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة عليهم الصلاة والسلام فبالطريق الأولى البسائط مع أنّ هذا غير وارد رأساً لأنّ معنى كونها من نار أنه الجزء الأعظم الغالب عليي كالتراب في الإنسان، ولذا مال بالطبع إلى أسفل فليست بسيطة كما هو محصل آخر كلامه لكنه لم يرتبه على مقتضى المناظرة، والمراد بالبسيط ما لم يتركب من أجزاء مختلفة الطبع فإنه أحد معنييه، والآخر ما لا جزء له، وقيل أراد بالمجردة الأجزاء الفردة كما وقع في بعض النسخ ففيه رد على المعتزلة في اشتراط البنية المركبة من الجواهر الفردة، وقوله فإنها أقبل لها لأنها غير مضادّة لها بل مقوية لها، وقوله باعتبار الغالب مرّ تقريره، وجزم به هنا، وصدره في سورة الأجمراف بلعل، ولا منافاة بينهما. قوله: (فهو للتنبيه على المقدمة الثانية الخ) إشارة إلى ما استدل به المليون على إمكانه من أنه كلما كان جمع الأجزاء، وتأليفها على ما كانت عليه، واعادة الحياة فيها أمرا ممكناً، وثبت أنه تعالى عالم بتلك الأجزاء قادر على جمعها وتأليفها، واحيائها ثبت إمكان
الحشر لكن المقدم حق فالتالي مثله فإمكان الحشر يتوقف على أمرين قابلية الأجزاء للجمع، والأحياء، وعلمه تعالى بها، وقدرته على جمعها، واحيائها ففي الآية دليل على كلا الأمرين كما أشار إليه لكنه أطلق المقدمة الثانية على قبول الأجزاء للجمع والأحياء تقديماً لشمول العلم، وعموم القدرة في النظر، والاعتبار لكونه الأصل، وجعل كمال قدرته مقدمة أولى مع أنه لا بد من عموم علمه أيضاً لانطوائه فيه، واسنلزامه كما نبه عليه أيضا بقوله ما يدل على كمال قدرته دليل على عموم علمه كذا قرّره الفاضل المحشي، وقيل إنه تكلف لا حاجة إليه فإنه إمّا قياس استثنائي اسنثنى فيه عين المقدّم هكذا كلما أمكن جمع الأجزاء على ما كانت عليه، واعادة الحياة فيها أمكن الحشر أو اقتراني هكذا أجزاء الموتى تقبل الجمع، والحياة، وكل ما كان شأنه ذلك أمكن حشره فالمنبه عليه المقدمة الأولى دون الثانية، والمطلوب إمكان الحشر لا وقوعه، وقوله وهو قبول الخ الضمير للمقدمة وذكر باعتبار الخبر أو لتأويلها بجزء الدليل. قوله: (حتى جرى آثاره) فجعل الروح منفوخا فيه مجاز عن جريان أثره فإنها مجردة، وتجاويف جمع تجويف، والمراد به المجوّف، وقوله إجراء الريح أي من الفم أو غيره، وهذا معنى عرفي لا لغويّ، وقوله ولما كان الروح أي النفس الناطقة، وهذا كلام الفلاسفة، وكثيراً ما يعوّل عليه والبخار اللطيف يسمى روحا عند الأطباء، وهو في أحد تجويفي القلب فإنّ له تجويفاً في جانبه الأيسر ينجذب إليه دم لطيف يحصل منه بخار لطيف في الجانب الآخر بواسطة حرارته، وهذا البخار تتعلق به النفس الناطقة أوّلاً، وقوله المنبعث أي الخارج منه إلى الدماغ، وغير. وضمير وتفيض للروح، وقوله حاملاً لها لتلك القوّة، وفي تجاويف متعلق بيسرى، والشرايين العروق النابضة حينئذ جمع شريان، وغيرها تسمى أوردة. قوله: الما مرّ في النساءا لأنه خلقها من غير واسطة تجري مجرى
стр. 1754
الأصل، والمادّة أو الإضافة للتشريف فتخصيص الروح الإنسانية لا يحتاج إلى مخصص كما قيل. قوله: (أمر من وقع يقع) كان الظاهر تقديمه على ساجدين، واعتذر بأن السجود لما كان بياناً لكيفية الوقوع هنا قدّمه عليه. قوله: (كد بتثيدين الخ) في التسهيل لا تعرض في أجمعين إلى اتحاد الوقت بل هو ككل في إفادة المعموم مطلقا خلافا للفراء فإنه زعم أنه يفيد مع التأكيد الاجتماع في وقت واحد، وليس
كذلك عند البصريين، واستدلوا بقوله : ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٢] فإنّ إغواءهم لم يكن في وقت واحد ورده المدقق في الكشف بأنّ الاشتقاق من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف إلى أكملى الأحوال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر، وهو كل لم يكن بد من كونه في وقت واحد، والا كان لغوا والردّ بالآية منشؤه عذم تصور وجه الدلالة، ومنه تعلم انّ ما قاله المبرّد هو الحق الموافق لبلاغة التنزيل، وقوله ومنع مجرور معطوف على التعميم. قوله: (١ ن جعل منقطعاً اتصل به قوله أبي الخ) وجه الانقطاع ظاهر لأنّ المشهور أنه ليس من جنس الملائكة، والانقطاع يتحقق بأحد أمرين عدم دخوله في المستثنى منه أو في حكمه، وما قيل إنه لو كان منقطعا لم يكن مأموراً بالسجود فلا يذم، والاعتذار عنه بأنهم كانوا مأمورين، واستغنى بذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام عنهم، وإنه معنى الانقطاع، وتوجه اللوم من ضيق العطن كما مرّ تفصيله. قوله: (أي ولكن إبليس الخ) فإلا بمعنى لكن وابليس اسمها، وجملة أبي خبرها كذا في شرح الكشاف وسيأتي ما فيه، وقوله وان جعل متصلاً إمّا بأن يكون ملكاً أو الجن من جنس الملائكة أو غيرهم، ولكنه داخل فيهم على طريق التغليب كما مرّ، وجملة أبي حينئذ مستأنفة استئنافاً بيانياً، وقوله أفي غرض لك في أن الخ أي هو على تقدير حرف الجرّ، والغرضية من اللام، وقوله اللام لتأكيد النفي كما قرّرناه في لام الجحود، وتفسير نفي كان بنفي الصحة هو أحد استعمالاته، ومن قال إنه لزمه لا لأنّ نفي السجدة كناية عن نفي الصحة بناء على عدم صلوحه للجواب بل بيان لأنّ الجواب لم أكن مع ما بعده لا وجه له، وقوله وخلقتني من نار إشارة إلى مراده بدليل بيان ماذة آدم، وقوله قبله من نار السموم، وقوله وأناملك إشارة إلى وجه الاتصال على قول. قوله: (باعتبار النوع والأصل الخ) يعني قوله بشر، ومن صلصال ومرّ في الأعراف أنّ إبليس مخطئ فإنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥] أي بغير واسطة، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله، ونفخت فيه من روحي، وباعتبار الغاية، وهو ملاكه. قوله: (من السماء) هذا هو الظاهر، ولذا قدمه، وقوله أو الجنة قيل لقوله:!! كن أنت ورّوجك الجنة﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٥] ولوقوع الوسوسة فيها وردّ بأنّ وقوعها كان بعد الأمر بالخروح من السماء أو من زمر الملائكة عليهم الصلاة والسلام، ويلزم منه خروجه من السماء إذ كونه بانزوائه عنهم في جانب لا يعدّ خروجا في المتبادو،
وكفى به قرينة. قوله: (مطرود من الخير والكرامة الخ) إشارة إلى أنه كناية عن الطرد لكونه لازما للرّجم، وكونه بمعنى المرجوم بإلشهب يقتضي أنه للاستقبال، وتقدير موصونه بشيطان لأنه هو المرجوم بها لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [سورة الملك، الآية: ٥] ولذا قيل إنه كناية عنه، وقوله وهو وعيد أي بالرجم بها، وما شضمنه من الخزي وتضمف للجواب عن شبهته لأنه تضمن شقاوته، وسوء خاتمته، وبعده عن الخير فهو الذ ي منعه عن السجود لا شرف عنصره، وفيه لطيفة أخرى، وهو أنه لما افتخر بالنار في الدنيا عدّب بها كالمجوس فكب فيها على وجهه وقيل قضمنه للجواب بالسكوت كما قيل جواب ما لا يرتضي السكوت، وقيل لأنه علم منه أنّ الشرف بتشريف الله، وتكريمه فبطل ما ادّعاه من رجحانه إذ أبعده، وأهانه، وقرّب آدم ﵊، وكرمه. قوله: (فإنه منتهى امد اللعن فإنه يناسب أيام التكليف (الضمير الأوّل ليوم الدين، ومنتهى اسم زمان النهاية جواب عن سؤال، وهو أنّ إلى لانتهاء الغاية فيلزم زوال اللعن، والطرد عن رحمة الله عندها فأجاب أنه أريد به وقت جمع الخلائق، وهو اليوم المعلوم لأنه لا يعلمه إلا الله فجعله غاية للعنة لانقطاع التكليف به، وقوله فإنه أي اللعن ينايسب أيام التكليف فالمراد لعن الخلق له، وألا فإبعاده عن الرحمة ثابت له إلى الأبد، ولا يلزم منه تكليف
стр. 1755
العباد إذ المراد منه الثوأب، وتد يؤوّل بالطرد عن رحمة الله المجرّد عن الجزاء والعذاب، وفي نسخة لا يناسب فالضمير راجع إلى يوم الدين. قوله: (ومنه زمان الجزاء) وتع في النسخ هنا اختلاف فأشهرها هذه، وقد قيل فيها إنّ منه اسم فاعل من أنهى فهو منه، وزمان منصوب على أنه مفعوله أو مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر ومنه خبر مقدم أي يوم الدين قاطع لزمان الجزاء، والتكليف، ومنهم من جعل منه جارا، ومجرورا خبرا مقدما وزمان الجزاء مبتدأ مؤخرأ، ومن ابتداء أي زمان الجزاء مبتدأ من يوم الدين، وهو الظاهر، ويشهد له أنه وقع في نسخة أخرى، ومن اليوم! زمان الجزاء. قوله: (وما في قوله فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله الخ (جواب عن سؤال، وهو أنه كيف يكون منتهى أمد اللعنة، وقد أثبته الله فيه في هذه الآية فأجاب بأنها بمعنى آخر أي اليوم الذي تنسى عنده هذه اللعنة لغاية فظاعة اللعنة المذكورة كما يعلم من تفسيرها. قوله: (وقيل إنما حدّ اللعن الخ) هذان جوابان آخران يخي المراد به التأبيد، ويوم الدين بمعنى يوم القيامة لأنه أبعد غاية تضربها الناس أو المراد أنّ اللعن في يوم القيامة كالزأئل لإذهال شدة العذاب عنه. قوله:) أو لأنه يعذب) هذا هو الوجه الثاني،
والظاهر أنه عليه حقيقة، وإنه غاية لأهون الشرّين، وقيل إنه استعارة مكنية بتشبيه المنسيّ بالزائل وتخييلية هي إثبات التحديد بالوقت له أو إلى استعارة تبعية. قوله: (والفاء متعلقة بمحذوف) أي إن أخرجتني فأنظرني. قوله: (أراد أن يجد فسحة في الإغواء) وفي نسخة بالإغواء قال العلامة فإبليس لما سأل الأنظار إلى يوم البعث كان غرضه أن لا يموت أصلا إذ لا موت بعد البعث فمنعه الله عن هذا الأنظار وأنظره إلى آخر زمان التكليف، وقد أعطاه الله تعالى مسؤوله ٠ قوله: (المسمى فيه أجلك عند الله أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور (أي يوم النفخة الأولى ومقابل قول الجمهور القول الأوّل، وهو وقت علم الله انتهاء أجله فيه. قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالآيام الثلاثة يوم القيامة) أي يوم الدين، ويوم يبعثون، ويوم الوقت المعلوم، وقوله فعبر إمّا مبنيّ للمفعول أو للفاعل والضمير دلّه، وقوله لما عرفته من أنّ الدين بمعنى الجزاء ومنه ابتدئ بزمان الجزاء. قوله: (وثانياً بيوم البعث) مع أنّ البعث قبله، ومراد إبليس بحده على أنّ المراد يوم القيامة ١١ نمسحة في الإغواء لا النجاة من الموت بناء على أنه عالم بموته قبله فلا يسأل ما يعلم أنه لا يجىاب إليه كما في الكشف، وقيل عليه إنه ليس ببين ولا مبين، وكونه على غالب الظن لا ي! ت! ي في مثله، ثم اعترض على المصنف ﵀ في توجيه يوم يبعثون بما ذكره بأنه لا مناسبة له مع تلك التسمية فالأولى أن يقال في وجهه أنّ الخلائق يبعثون فيه أو لأجله، وفيه تأمل، وقوله واليأس عن التضليل أي يأس إبليس عن الإغواء. قوله: (وثالثاً بالمعلوم لوقوعه في الكلامين) أي لسبق ذكره أو لأنه لا يعلمه إلا الله ٠ قوله: (ولا يلزم من ذلك أن لا يموت الخ (جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا أنظر فأمهل إلى يوم القيامة يلزم عدم موته إذ لا موت بعده، والنص بخلافه فأجاب بأنّ أيام القيامة ليست كأيام الدنيا بل بمقدار سنين فيجوز أن يموت في أوّله، ويكون البعث بعد ذلك في أثنائه، ومنهم من حمل يوم يبعثون على ما يكون قريبا منه، وهو وقت موت كل المكلفين قريباً من يوم البعث فرجع الكلام إلى أنّ مسؤوله الأنظار إلى آخر أيام التكليف فيكون أعطى مسؤوله، وهو القول الآخر كما مرّ، وما قيل إنه ليس في القيامة يوم، ولا ليل فيوم البعث بمعنى وقت البعث فألمحذور باق ليس بشيء لأنّ المراد باليوم وقت معين فلا محذور فيه.
قوله: (وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس) أي شرفه لأنه في الأصل بمعنى الأصل ويستعار للشرف قال أبو تمام:
ومنصب نماه ووالدسما به
أي إنما تدل على ذلك لو لم تكن للإهانة وهي كذلك هنا، وقوله وان لم معطوف على مقدر أي إن كانت بواسطة، وان لم تكن لا تدل على الشرف، وطوى الأوّل لظهوره على قاعدة أن الوصلية فمن قال الأولى حذف الواو لم يصب وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنها بواسطة ملك. قوله: (الباء للقسم الخ) اختار الوجه الآتي في الأعراف، ومرض القسمية، وعكس! هنا، والقصة واحدة فالفرق بين المحلين تكلف لا حاجة إليه وكم في هذا الكتاب مثله، وضمير لهم للذرية المفهوم من السياق، وان لم يجر له ذكر للتصريح في آية أخرى به كقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٢] وقوله لأزينن لهم المعاصي إشارة إلى مفعوله المقدو، وقوله في الدنيا إشارة إلى أن
следующие страницы →