Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ [سورة هود، الآية: ٤٥] فقال الخ وهو تفسير لقوله بالغ لما في التمثيل من المبالغة كما بينه، وقوله ما من شيء أي من الأنواع أو الإفراد التي لم تخلق، وعممه ليكون كالدليل على ما قبله، وخصصه الزمخشريّ بما ينتفع به بقرينة السياق، وهو من الاستعارة التمثيلية على الأوّل، ومن المكنية، والتخييلية على الثاني. قوله: (من يفاع القدرة (بفتح الياء بمعنى المرتفع ضد الحضيض، وهو استعاوة لعظمة قدرته أو هو كلجين الماء فالمراد بالتنزيل الإيجاد، والإنشاء. قوله: (حدّه الحكمة) بلفظ الماضي أي جعلت له حذاً، وقوله لا بد له من
مخصص حكيم إشارة إلى كون الآية دليلاً على الألوهية. قوله: (حوامل شبه الريح الخ) يعني أنه جمع لاقح بمعنى حامل يقال ناقة لاقح بمعنى حامل فهو من التشبيه البليغ شبهت الريح التي تأتي بالسحب الماطرة بالناقة الحامل لأنها حاملة للسحاب الماطر أو للماء الذي فيه، وقال الفراء: إنها جمع لاقح على النسب كلابن، وتامر أي ذات لقاح، وحمل وهي التي تجيء بالسحب الممطرة، ويقال لضدّها ريح عقيم. قوله: (أو ملقحات للشجر أو السحاب) عطف على قوله حوامل، وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه قيها لتحمل فاستعير لصب المطر في السحاب أو الشجر، وإسناده إليها على الأوّل حقيقة، وعلى الثاني مجاز إذ الملقي في الشجر السحاب لا الريح، وهو حينئذ جمع ملقح بحذف الزوائد كالطوائح أو هو جمع لاقح على النسب أو هو مجاز وكلام المصنف رحمه الله تعالى صريح في الأوّل، ولقح الشجر تنميته ليثمر، ويزهو أو أن يجري الماء فيه. قوله: (ومختبط مما تطيح الطوائح) صدره:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
وهو من شعر في رثاء يزيد النهشلي واختلف في قائله فقيل لبيد وقيل نهشل بن حرب،
وقيل الحرث بن نهيك النهشلي، وقيل الحرث بن ضرار النهشلي، وقيل مزرد كما في شرح أبيات الكتاب، والمختبط طالب العرف المحتاج، وأصله من تخبط ورق الأشجار لتأكلها الدواب، وإنما يفعل ذلك في الجدب، وشدّة الاحتياج، وتطيح بمعنى ترمي، والطوائح جمع المطيحة بمعنى السنين أو الجوائح الرامية له أو جمع طائحة على التجوّز، وقوله على تأويل الجنس الخ أي أنها وإن كانت مفردة على هذه القراءة لكن دخول الألف، واللام الجنسية عليها صيرها في معنى الجمع فلذا صح جعل لواقح حالاً منها فالمعنى جنس الريح نحو أهلك الناس الدينار الصغر فإن قلت هذه القراءة تخالف ما قالوه في حديث اللهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحا من أنّ الرياج تستعمل للخير، والريح للشرّ قلت هذا ليس من الوضع، وإنما هو من الاستعمال، وهو أمر أغلبيّ لا كليّ فقد استعملت الريح في الخير أيضا نحو قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢٢] أو هو محمول على الإطلاق بأن لا يكون معه قرينة كالصفة والحال، وأمّا كون المراد به الدعاء بطول العمر ليرى رياحا كثيرة فلا وجه
له، وقوله سقيا كبشرى بمعنى تسقي به الأراضي، والمواشي فليس أسقاه بمعنى سقاه، وان ورد بهذا المعنى أيضاً. قوله: (قادرين متمكنين من إخراجه) أي من العدم لأن الخزن اتخاذ الخزائن، وهو يستعار للقدرة كما مرّ وأشار إليه بقوله نفي عنهم ما أثبته لنفسه أي في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ أو في قوله وأنزلنا الخ ووجه دلالته على إثباته لنفسه هنا كما صرّح به أوّلاً أنه من باب، وما أنت علينا بعزيز فيفيد تقديمه القصر ولا حاجة إليه مع دلالة ما مرّ، وهذا على الحصر فيه. قوله: (أو حافظين في الندران) فالخزن مجاز عن مطلق الحفظ في مجاريه مع أنه لو خلي وطبعه لفار، وقوله وذلك أي الحفظ فيما ذكر، وقوله أيضا أي كإنزاله من السماء أو إيجاده، وقوله كما تدلّ حركة الهواء يشير إليه قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ الخ، وقوله فإنّ طبيعة الماء الخ. بيان لدلالة حفظ الماء على ما ذكر، وقوله دون حده أي حد الغور أو حد الماء وطبعه، والغور ذهاب الماء في الأرض!. قوله: (وقد أوّل الحياة بما يعم الخ) فهو من عموم المجاز بمعنى يعطي لكل شيء قوّة النماء ونحوه، وقوله وتكرير الضمير أي في قوله نحن نحي، ونحن الوارثون قيل إنه جعل الضمير للفصل، وهو يفيد القصر، وقد رذه أبو البقاء رحمه الله تعالى بوجهين أحدهما أنه لا يدخل على الخبر الفعلي، وأنّ اللام لا تدخل عليه قال في الدرّ المصون والثاني غلط فإنه ورد دخولها عليه كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٢] وهذا مبنيّ على مذهب الجرجاني، وبعض النحاة إذ جوزوا دخوله على المضارع كقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [سورة البروج، الآية: ١٣]
стр. 1752
والعجب من أبي البقاء فإنه ردّه هنا وجوّزه في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٠ ا] كما نقله في المغني.
قوله: (الباقون إذا مات الخلائق كلها) فهو استعارة كما وقع في الحديث: " اجعله الوارث منا " أ١) وقوله من استقدم ولادة وموتا استقدم، واستأخر بمعنى تقدم وتأخر، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو لأنهما معلومان له تعالى وقوله بعد أي إلى الآن. قوله: إ وهو بيان لكمال
علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته) بما مرّ كما صرّح به في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ وقوله فإنّ ما يدل على قدرته دليل على علمه بيان لوجه تعقيبه لأنّ القادر على كل شيء لا بدّ له من علمه بما يصنعه، وكونه بياناً لكمال علمه على هذا الوجه، وأمّا على الوجهين الأخيرين فالمعنى يجزيهم على قدر نياتهم كما أشار إليه بقوله يحشرهم لا محالة للجزاء. قوله: (وقيل رغب رسولي الله ﷺ في الصف الخ) قال السيوطيئ: لم أقف عليه، وقوله: أنّ امرأة حسناء (١) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عباس ﵄. قوله: (وتوسيط الضمير للدّلالة الخ) جعل الضمير للحصر، وقد مرّ الكلام عليه، وقيل عليه إنه في مثله يكون الفعل مسلم الثبوت، والنزاع في الفاعل، وهاهنا ليس كذلك فالوجه جعله لإفادة التقوى، وهذا في القصر الحقيقي غير مسلم كما صرّح به المطوّل. قوله: (وتصدير الجملة بأنّ لتحقيق الوعد والتنبيه الخ) كما نبه عليه بقوله لا محالة، وفائدة الإعادة بناء قوله، والتنبيه الخ. عليه والمراد بالوعد وعدهم بالحشر، والجزاء، وقوله يدل على صحة الحكم أي بالحشر، وقوله كما صرّح به أي بالدلالة على كمال قدرته، وعلمه، وذكره لأنّ تأنيث المصدر غير معتبر، وقوله أنه حكيم الخ. جملة مستأنفة لتعليل ما قبله، وباهر الحكمة أي عالم بالأشياء على ما هي عليه وفاعل لها كما ينبغي، وقوله متقن في أفعاله تأكيد له باعتبار جزء معناه. قوله: (طين يابر يصلصل) أي يصوّت إذا نقر كذا نقله في الدرّ المصون عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى، وهو محصل ما في الكشاف وناهيك بهما إمامان في اللغة، وكذا فسره الراغب فمن قال إني لم أجده في اللغة لم
يصب، واشتقاق الصلصلة كالصريح فيه. قوله: (وقيل هو من صلصل إذا أننن تضعيف صل) وصلصال بفتح أوّله، وكسره، وفي هذا ونحوه مما تكررت عينه، وفاؤه خلاف فقيل وزنه فعفع كررت الفاء، والعين ولا لام نقل عن الفرّاء رحمه الله تعالى قال في الدر المصون وهو غلط لأنّ أقل الأصول ثلاثة فاء، وعين ولام، وقيل وزنه فعفل، وهو المشهور عن الفرّاء، وقيل فعل بتشديد العين، وأصله صلل فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس الفاء، وهو مذهب الكوفيين، وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث نحو لملم، وكبكب فإنك تقول لمّ وكبّ فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع، وقال اليمني ليس معنى أنه أصله أنه زيد فيه صاد بل هو رباعي كزلزل، والاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي أن يكون منه إذ الدليل دالّ على أنّ الفاء لا تزاد لكن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى. قوله: (طين تغير واسوذا لما خمرت طينته بالماء، وكون الجارّ، والمجرور صفة لوقوعه بعد النكرة، ويجوز أن يكون بدلاً من الجارّ والمجرور قبله، ومسنون صفته، ولا ضير في تقديم الصفة الغير الصريحة على الصريحة فإنه جائز، والنكتة فيه مناسبته لما قبله في أنّ كلا منهما من جنس المادّة قال الرضي إذا وصفت النكرة بمفرد، وظرف أو جملة قدم المفرد في الأغلب، وليس بواجب خلافا لبعضهم، والدليل عليه قوله، وهذا كتاب أنزلناه مبارك لكنه يحتاج إلى نكتة في كلام الله لأنه لا يعدل عن الأصل لغير مقتض، وقد بيناها. قوله: (من سنة الوجه (أي صورته، وقوله أو مصبوب أي معنى مسنون مصبوب من سنه بمعنى صبه، وقريب منه شن الماء بالمعجمة إذا وشه، وقوله لييبس بياءين مفتوحة، وساكنة وبعدهما باء موحدة، وسين من اليبس ضد الرطوبة، وقوله ويتصور بالعطف عليه، والواو لا تقتضي ترتيباً أي صبه، وهو رطب لأجل التصوير، واليبس لتثبت الصورة فيه، وفي نسخة بدل الواو أي التفسيرية، ومعناه لتبقى صورته لأنّ ما لم ييبس لا يبقى، وقيل إنه من تحريف الناسخ، والصواب ليسن، وفي أخرى أو مصبوب مصوّر، وهي ظاهرة وقوله تمثال بكسر التاء الفوقية بمعنى مثال، وفي نسخة بمثال بالباء الموحدة، وقوله طوراً بعد طور أي صار جسدا ولحما، وذا روح وخلقه من تراب سابق على كونه صلصالاً، وقوله إذا نقر صلصل أي صدم بجسم آخر سمع له صوت يشير
стр. 1753
إلى أنّ من في من حمأ مسنون ابتدائية فتكون ماذة سابقة على كونه صلصالاً، وليس فيه تمثيل كما توهم فإنه تخيل لا وجه له بل كناية عن كاية تجفيفه، وقوله من سننت الحجر الخ، ومنه المسن المعروف، ونتنه تغير رائحته كما نشاهده في طين
الآجام، والسنين بفتح السين المتغير ريحه. قوله: (أبا الجق وقيل إبليس الخ) يعني الجانّ بمعنى الجن أو هولهم كادم للبشر، وأبو الجن إبليس كما في الدرّ المصون، وقوله لأن تشعب الجنس الخ إشارة إلى أنّ خلقهم من النار إذا كان بمعنى الجنس لا ينافي أنّ المخلوق منها إنما هو أبوهم لأنّ الخلق منها شامل لما يكون بواسطة، وبدونها فقوله من نار لا يعين التفسير الأؤل كخلق الإنسان من تراب، وطين. قوله: (من نار الحر الشديد) أراد بالحرّ الريح الحارة فإنه يطلق في العرف بهذا المعنى، وقال الإمام السموم في اللغة الريح الحارة، وهي فيها نار، وقيل سميت سموما لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن قيل فالأولى أن يقول المصنف من نار الريح الشديد الحر ليوافق كلام أهل اللغة، وهو تسمح سهل كما عرفت والمسام منافذ البدن، وهو جمع لا واحد له، وهو إشارة لاشتقاقه. قوله: (ولا يمتنع خلق الحياة في الإجرام البسيطة الخ) جواب عما يقال كيف تخلق الحياة في النار، وهي يسيطة، والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات، وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة فما ذكره رد عليهم فأجاب بمنعه لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة عليهم الصلاة والسلام فبالطريق الأولى البسائط مع أنّ هذا غير وارد رأساً لأنّ معنى كونها من نار أنه الجزء الأعظم الغالب عليي كالتراب في الإنسان، ولذا مال بالطبع إلى أسفل فليست بسيطة كما هو محصل آخر كلامه لكنه لم يرتبه على مقتضى المناظرة، والمراد بالبسيط ما لم يتركب من أجزاء مختلفة الطبع فإنه أحد معنييه، والآخر ما لا جزء له، وقيل أراد بالمجردة الأجزاء الفردة كما وقع في بعض النسخ ففيه رد على المعتزلة في اشتراط البنية المركبة من الجواهر الفردة، وقوله فإنها أقبل لها لأنها غير مضادّة لها بل مقوية لها، وقوله باعتبار الغالب مرّ تقريره، وجزم به هنا، وصدره في سورة الأجمراف بلعل، ولا منافاة بينهما. قوله: (فهو للتنبيه على المقدمة الثانية الخ) إشارة إلى ما استدل به المليون على إمكانه من أنه كلما كان جمع الأجزاء، وتأليفها على ما كانت عليه، واعادة الحياة فيها أمرا ممكناً، وثبت أنه تعالى عالم بتلك الأجزاء قادر على جمعها وتأليفها، واحيائها ثبت إمكان
الحشر لكن المقدم حق فالتالي مثله فإمكان الحشر يتوقف على أمرين قابلية الأجزاء للجمع، والأحياء، وعلمه تعالى بها، وقدرته على جمعها، واحيائها ففي الآية دليل على كلا الأمرين كما أشار إليه لكنه أطلق المقدمة الثانية على قبول الأجزاء للجمع والأحياء تقديماً لشمول العلم، وعموم القدرة في النظر، والاعتبار لكونه الأصل، وجعل كمال قدرته مقدمة أولى مع أنه لا بد من عموم علمه أيضاً لانطوائه فيه، واسنلزامه كما نبه عليه أيضا بقوله ما يدل على كمال قدرته دليل على عموم علمه كذا قرّره الفاضل المحشي، وقيل إنه تكلف لا حاجة إليه فإنه إمّا قياس استثنائي اسنثنى فيه عين المقدّم هكذا كلما أمكن جمع الأجزاء على ما كانت عليه، واعادة الحياة فيها أمكن الحشر أو اقتراني هكذا أجزاء الموتى تقبل الجمع، والحياة، وكل ما كان شأنه ذلك أمكن حشره فالمنبه عليه المقدمة الأولى دون الثانية، والمطلوب إمكان الحشر لا وقوعه، وقوله وهو قبول الخ الضمير للمقدمة وذكر باعتبار الخبر أو لتأويلها بجزء الدليل. قوله: (حتى جرى آثاره) فجعل الروح منفوخا فيه مجاز عن جريان أثره فإنها مجردة، وتجاويف جمع تجويف، والمراد به المجوّف، وقوله إجراء الريح أي من الفم أو غيره، وهذا معنى عرفي لا لغويّ، وقوله ولما كان الروح أي النفس الناطقة، وهذا كلام الفلاسفة، وكثيراً ما يعوّل عليه والبخار اللطيف يسمى روحا عند الأطباء، وهو في أحد تجويفي القلب فإنّ له تجويفاً في جانبه الأيسر ينجذب إليه دم لطيف يحصل منه بخار لطيف في الجانب الآخر بواسطة حرارته، وهذا البخار تتعلق به النفس الناطقة أوّلاً، وقوله المنبعث أي الخارج منه إلى الدماغ، وغير. وضمير وتفيض للروح، وقوله حاملاً لها لتلك القوّة، وفي تجاويف متعلق بيسرى، والشرايين العروق النابضة حينئذ جمع شريان، وغيرها تسمى أوردة. قوله: الما مرّ في النساءا لأنه خلقها من غير واسطة تجري مجرى
стр. 1754
الأصل، والمادّة أو الإضافة للتشريف فتخصيص الروح الإنسانية لا يحتاج إلى مخصص كما قيل. قوله: (أمر من وقع يقع) كان الظاهر تقديمه على ساجدين، واعتذر بأن السجود لما كان بياناً لكيفية الوقوع هنا قدّمه عليه. قوله: (كد بتثيدين الخ) في التسهيل لا تعرض في أجمعين إلى اتحاد الوقت بل هو ككل في إفادة المعموم مطلقا خلافا للفراء فإنه زعم أنه يفيد مع التأكيد الاجتماع في وقت واحد، وليس
كذلك عند البصريين، واستدلوا بقوله : ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٢] فإنّ إغواءهم لم يكن في وقت واحد ورده المدقق في الكشف بأنّ الاشتقاق من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف إلى أكملى الأحوال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر، وهو كل لم يكن بد من كونه في وقت واحد، والا كان لغوا والردّ بالآية منشؤه عذم تصور وجه الدلالة، ومنه تعلم انّ ما قاله المبرّد هو الحق الموافق لبلاغة التنزيل، وقوله ومنع مجرور معطوف على التعميم. قوله: (١ ن جعل منقطعاً اتصل به قوله أبي الخ) وجه الانقطاع ظاهر لأنّ المشهور أنه ليس من جنس الملائكة، والانقطاع يتحقق بأحد أمرين عدم دخوله في المستثنى منه أو في حكمه، وما قيل إنه لو كان منقطعا لم يكن مأموراً بالسجود فلا يذم، والاعتذار عنه بأنهم كانوا مأمورين، واستغنى بذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام عنهم، وإنه معنى الانقطاع، وتوجه اللوم من ضيق العطن كما مرّ تفصيله. قوله: (أي ولكن إبليس الخ) فإلا بمعنى لكن وابليس اسمها، وجملة أبي خبرها كذا في شرح الكشاف وسيأتي ما فيه، وقوله وان جعل متصلاً إمّا بأن يكون ملكاً أو الجن من جنس الملائكة أو غيرهم، ولكنه داخل فيهم على طريق التغليب كما مرّ، وجملة أبي حينئذ مستأنفة استئنافاً بيانياً، وقوله أفي غرض لك في أن الخ أي هو على تقدير حرف الجرّ، والغرضية من اللام، وقوله اللام لتأكيد النفي كما قرّرناه في لام الجحود، وتفسير نفي كان بنفي الصحة هو أحد استعمالاته، ومن قال إنه لزمه لا لأنّ نفي السجدة كناية عن نفي الصحة بناء على عدم صلوحه للجواب بل بيان لأنّ الجواب لم أكن مع ما بعده لا وجه له، وقوله وخلقتني من نار إشارة إلى مراده بدليل بيان ماذة آدم، وقوله قبله من نار السموم، وقوله وأناملك إشارة إلى وجه الاتصال على قول. قوله: (باعتبار النوع والأصل الخ) يعني قوله بشر، ومن صلصال ومرّ في الأعراف أنّ إبليس مخطئ فإنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥] أي بغير واسطة، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله، ونفخت فيه من روحي، وباعتبار الغاية، وهو ملاكه. قوله: (من السماء) هذا هو الظاهر، ولذا قدمه، وقوله أو الجنة قيل لقوله:!! كن أنت ورّوجك الجنة﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٥] ولوقوع الوسوسة فيها وردّ بأنّ وقوعها كان بعد الأمر بالخروح من السماء أو من زمر الملائكة عليهم الصلاة والسلام، ويلزم منه خروجه من السماء إذ كونه بانزوائه عنهم في جانب لا يعدّ خروجا في المتبادو،
وكفى به قرينة. قوله: (مطرود من الخير والكرامة الخ) إشارة إلى أنه كناية عن الطرد لكونه لازما للرّجم، وكونه بمعنى المرجوم بإلشهب يقتضي أنه للاستقبال، وتقدير موصونه بشيطان لأنه هو المرجوم بها لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [سورة الملك، الآية: ٥] ولذا قيل إنه كناية عنه، وقوله وهو وعيد أي بالرجم بها، وما شضمنه من الخزي وتضمف للجواب عن شبهته لأنه تضمن شقاوته، وسوء خاتمته، وبعده عن الخير فهو الذ ي منعه عن السجود لا شرف عنصره، وفيه لطيفة أخرى، وهو أنه لما افتخر بالنار في الدنيا عدّب بها كالمجوس فكب فيها على وجهه وقيل قضمنه للجواب بالسكوت كما قيل جواب ما لا يرتضي السكوت، وقيل لأنه علم منه أنّ الشرف بتشريف الله، وتكريمه فبطل ما ادّعاه من رجحانه إذ أبعده، وأهانه، وقرّب آدم ﵊، وكرمه. قوله: (فإنه منتهى امد اللعن فإنه يناسب أيام التكليف (الضمير الأوّل ليوم الدين، ومنتهى اسم زمان النهاية جواب عن سؤال، وهو أنّ إلى لانتهاء الغاية فيلزم زوال اللعن، والطرد عن رحمة الله عندها فأجاب أنه أريد به وقت جمع الخلائق، وهو اليوم المعلوم لأنه لا يعلمه إلا الله فجعله غاية للعنة لانقطاع التكليف به، وقوله فإنه أي اللعن ينايسب أيام التكليف فالمراد لعن الخلق له، وألا فإبعاده عن الرحمة ثابت له إلى الأبد، ولا يلزم منه تكليف
стр. 1755
العباد إذ المراد منه الثوأب، وتد يؤوّل بالطرد عن رحمة الله المجرّد عن الجزاء والعذاب، وفي نسخة لا يناسب فالضمير راجع إلى يوم الدين. قوله: (ومنه زمان الجزاء) وتع في النسخ هنا اختلاف فأشهرها هذه، وقد قيل فيها إنّ منه اسم فاعل من أنهى فهو منه، وزمان منصوب على أنه مفعوله أو مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر ومنه خبر مقدم أي يوم الدين قاطع لزمان الجزاء، والتكليف، ومنهم من جعل منه جارا، ومجرورا خبرا مقدما وزمان الجزاء مبتدأ مؤخرأ، ومن ابتداء أي زمان الجزاء مبتدأ من يوم الدين، وهو الظاهر، ويشهد له أنه وقع في نسخة أخرى، ومن اليوم! زمان الجزاء. قوله: (وما في قوله فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله الخ (جواب عن سؤال، وهو أنه كيف يكون منتهى أمد اللعنة، وقد أثبته الله فيه في هذه الآية فأجاب بأنها بمعنى آخر أي اليوم الذي تنسى عنده هذه اللعنة لغاية فظاعة اللعنة المذكورة كما يعلم من تفسيرها. قوله: (وقيل إنما حدّ اللعن الخ) هذان جوابان آخران يخي المراد به التأبيد، ويوم الدين بمعنى يوم القيامة لأنه أبعد غاية تضربها الناس أو المراد أنّ اللعن في يوم القيامة كالزأئل لإذهال شدة العذاب عنه. قوله:) أو لأنه يعذب) هذا هو الوجه الثاني،
والظاهر أنه عليه حقيقة، وإنه غاية لأهون الشرّين، وقيل إنه استعارة مكنية بتشبيه المنسيّ بالزائل وتخييلية هي إثبات التحديد بالوقت له أو إلى استعارة تبعية. قوله: (والفاء متعلقة بمحذوف) أي إن أخرجتني فأنظرني. قوله: (أراد أن يجد فسحة في الإغواء) وفي نسخة بالإغواء قال العلامة فإبليس لما سأل الأنظار إلى يوم البعث كان غرضه أن لا يموت أصلا إذ لا موت بعد البعث فمنعه الله عن هذا الأنظار وأنظره إلى آخر زمان التكليف، وقد أعطاه الله تعالى مسؤوله ٠ قوله: (المسمى فيه أجلك عند الله أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور (أي يوم النفخة الأولى ومقابل قول الجمهور القول الأوّل، وهو وقت علم الله انتهاء أجله فيه. قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالآيام الثلاثة يوم القيامة) أي يوم الدين، ويوم يبعثون، ويوم الوقت المعلوم، وقوله فعبر إمّا مبنيّ للمفعول أو للفاعل والضمير دلّه، وقوله لما عرفته من أنّ الدين بمعنى الجزاء ومنه ابتدئ بزمان الجزاء. قوله: (وثانياً بيوم البعث) مع أنّ البعث قبله، ومراد إبليس بحده على أنّ المراد يوم القيامة ١١ نمسحة في الإغواء لا النجاة من الموت بناء على أنه عالم بموته قبله فلا يسأل ما يعلم أنه لا يجىاب إليه كما في الكشف، وقيل عليه إنه ليس ببين ولا مبين، وكونه على غالب الظن لا ي! ت! ي في مثله، ثم اعترض على المصنف ﵀ في توجيه يوم يبعثون بما ذكره بأنه لا مناسبة له مع تلك التسمية فالأولى أن يقال في وجهه أنّ الخلائق يبعثون فيه أو لأجله، وفيه تأمل، وقوله واليأس عن التضليل أي يأس إبليس عن الإغواء. قوله: (وثالثاً بالمعلوم لوقوعه في الكلامين) أي لسبق ذكره أو لأنه لا يعلمه إلا الله ٠ قوله: (ولا يلزم من ذلك أن لا يموت الخ (جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا أنظر فأمهل إلى يوم القيامة يلزم عدم موته إذ لا موت بعده، والنص بخلافه فأجاب بأنّ أيام القيامة ليست كأيام الدنيا بل بمقدار سنين فيجوز أن يموت في أوّله، ويكون البعث بعد ذلك في أثنائه، ومنهم من حمل يوم يبعثون على ما يكون قريبا منه، وهو وقت موت كل المكلفين قريباً من يوم البعث فرجع الكلام إلى أنّ مسؤوله الأنظار إلى آخر أيام التكليف فيكون أعطى مسؤوله، وهو القول الآخر كما مرّ، وما قيل إنه ليس في القيامة يوم، ولا ليل فيوم البعث بمعنى وقت البعث فألمحذور باق ليس بشيء لأنّ المراد باليوم وقت معين فلا محذور فيه.
قوله: (وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس) أي شرفه لأنه في الأصل بمعنى الأصل ويستعار للشرف قال أبو تمام:
ومنصب نماه ووالدسما به
أي إنما تدل على ذلك لو لم تكن للإهانة وهي كذلك هنا، وقوله وان لم معطوف على مقدر أي إن كانت بواسطة، وان لم تكن لا تدل على الشرف، وطوى الأوّل لظهوره على قاعدة أن الوصلية فمن قال الأولى حذف الواو لم يصب وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنها بواسطة ملك. قوله: (الباء للقسم الخ) اختار الوجه الآتي في الأعراف، ومرض القسمية، وعكس! هنا، والقصة واحدة فالفرق بين المحلين تكلف لا حاجة إليه وكم في هذا الكتاب مثله، وضمير لهم للذرية المفهوم من السياق، وان لم يجر له ذكر للتصريح في آية أخرى به كقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٢] وقوله لأزينن لهم المعاصي إشارة إلى مفعوله المقدو، وقوله في الدنيا إشارة إلى أن
стр. 1756
المراد على هذا الوجه بالأرض معناها العرفي، وهي دار الدنيا، وما فيها من الشهوات الفانية، وقد مر تفسيرها وذكرت بهذا اللفظ تحقيراً لها، وترك الوجه الآخر المذكور في الكشاف، وهو تنزيل الفعل منزلة اللازم ثم تعديته، وأنّ المراد لأحسنن الأرض، وأزينيا لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة كما بين في شروحه. قوله: (وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلاف) وقع في كتب الشافعية والحنفية، والنزاع في أنه يمين يترتب عليها أحكامها من الكفارة، وغير ذلك، ولا خلاف في أنّ الحلف والقسم في عرف العرب يقع عليه، وهو متعارف عندهم، ولهذا ورد النهي عن الحلف بالآباء، وعدّه الأصحاب هـ صحروهاً فلذا قيل إنّ! ذكره المصنف ﵀ لا مساس له بالمقام، وليس بشيء لأنه استطراد الكلام الفقهاء إلا أنّ الصفة إذا لم تشعر بتعظيم ويتعارف منها ليست بيمين عندهم، وكلام المصنف ﵀ موهم بأنّ الخلاف فيها مطلقاً، وكذا ما قيل إنّ أقسام إبليس بإغوائه بلا إنكار من الله يصلح دليلا للقائلين بجواز الحلف الشرعي بفعل من أفعاله تعالى فمساسه للمقام ظاهر فإنه كيف يصلح دليلا، وليس محلاً للنزاع عندنا، وعندهم فتأمّل. قوله: (وقيل للسببية) قيل إنه أولى لأنه وقع في مكان آخر فبعزتك، والقصة واحدة، والحمل على محاورتين لا موجب له، ولأنّ القسم بالإغواء غير متعارف، ولعله لذلك رجح السببية في الأعراف، وفيه نظر لأنّ قوله فبعزتك يحتمل القسمية، وقد صرّج الطيبي ﵀ بأنّ مذهب الشافعية أنّ القسم بالعزة، والجلال يمين شرعاً فكيف تكون تلك الآية مؤيدة لمذعاه، وهي
عليه لا له. قوله: (والمعتزلة أوّلوا الإغواء بالنسبة إلى الغيئ) أي المراد من الإغواء نسبته إلى الغيّ كفسقته نسبته إلى الفسق لا فعلته أو أنّ المراد فعل به فعلاً حسنا أفضى به لخبثه إلى الغيّ كأمره بالسجود على ما في الكشاف، وقد ذكره المصنف ﵀ في الأعراف، وفسر به الآية ثمة فلذا قيل إنه ذكره على أنه أحد محتملات النظم من غير التزام له، وانكار لجواز نسبة مسببه إليه، والإضلال عن طريق الجنة ترك هدايته اللطف به فليس فيه نسبة القبيح إلى الله حتى يلزمهم الوقوع فيما فرّوا منه. قوله: (واعتذروا عن إمهال الله له الخ) أي المعتزلة اعتذروا عن أنظار إبليس وهو لإفضائه إلى الإغواء قبيح إذ الإعانة على القبيح مثله لا مطلق العلماء فإنّ أهل السنة ذكروه على أنه حكمة لا لأنهم لم يذكروه على وجه الاعتذار إذ لا حاجة إليه عندهم، وقوله بأنّ الله متعلق باعتذاو. قوله: (وضعف ذلك لا يخفى على فوي الألباب (لأنه مع أن مثله ينبغي أن يفوّض إلى الله فإنه لا يسئل عما يفعل لا يناسب أصولهم أيضاً في وجوب رعاية الأصلح فإنه يقتضي أن لا يمكن مما هو سبب الغيّ، وأن لا يسلطه على بني آدم فيزيد غيهم المقتضى لشدّة تعذيبهم، وما التجؤوا إليه من قولهم أن في إمهاله تعريضاً الخ يعني أنّ إمهاله ليس لما ذكر بل لتعريض بني آدم للثواب، ولا يرد عليه إنه معارض! بالمثل فإنّ فيه تعريضاً لمتبعيه بخلافه. قوله: (ولأحملنهم أجمعين على الغواية الخ) أوّله ردّا على المعتزلة في تمسكهم به لأنّ الإغواء القبيح فعل الشيطان لا فعل الله، ولذا نسب له، وحاصله أنه لا متمسك لهم فيه لأنّ المراد الحمل عليه لا إيجاده لقوله سابقا بما أغويتني حيث أسند الإغواء إليه فإنّ أوّلوا الأوّل فليس تأويل أولى من تأويل. قوله: (أخلصتهم لطاعتك (تفسير له على فتح اللام وأنه اسم مفعول، وعلى الكسر معناه ما ذكره، وقال! في سورة يوسف أخلصوا دينهم لقوله: ﴿مخلصين له الدين مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٩] وقوله وطهرتهم من الشوائب أي من كل ما ينافي الإخلاص وقوله فلا يعمل فيهم كيدي إشارة إلى أنه من ذكر السبب وارادة مسبيه، ولازمه على طريق الكناية لينتظم اللحاق بالسباق فإنه كان الظاهر أنّ منهم من لا أغويه لكن الإخلاص، والتمحض دئه يستلزمه فذكر ليثبت ما ذكر بدليل فهو ابلغ من التصريح به قوله: (حق على ان اراعيه) كذا فسره في الكشاف بناء على مذهبه في الأصلح على الله وكلمة على
تستعمل للوجوب، وما ذكره المصنف ﵀ ليس متابعة له بل هو على اصل اهل السنة، والجماعة كقوله: ( ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) [سورة الروم، الآية: ٤٧] من أنه، وان كان تفضلاَ منه إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته، وتحقق وقوعه بمقتضى وعده، وعلى الوجه الآتي هو كقولهم طريقك عليّ، وايثار حرف الاستعلاء دون إلى التشبيه الثبوت بتمكن الاستعلاء، والا فهو منزه عن استعلاء شيء عليه تعالى الله
стр. 1757
عن ذلك علواً كبيرا.
قوله: (لا انحراف عنه) أي لا يجوز العدول عنه إلى غيره، وجعل الإشارة إلى ما تضمنه، وهو تخلصهم منه، وأنه مما التزمه تكرّما بوعده، وهذا على قراءة فتح اللام أنسب، وقوله أو الإخلاص بالجرّ معطوف على ما تضمنه، وهو على قراءة الكسر، وقوله أنه طريق عليّ الخ هذا تفسير آخر على جعل الإشارة إلى الإخلاص لقوله عليّ، وهو تمثيل كما مرّ، وليست على فيه بمعنى إلى، وهو متعلق بيمر مقدّراً وطريق متضمن له فيتعلق به، وقوله من غير اعوجاج تفسير لمستقيم، وضلال عطف تفسير على اعوجاج. قوله: (تصديق لإبليس الخ) فهو كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين، ولذا لم يعطف على ما قبله، وقوله وتغيير الوضع أي التعبير بعبارة أخرى بجعل المستثنى مستثنى منه، وتقديم عبادة المشزفين بالإضافة في الذكر، ولا تراد الإضافة لسبقها، وان كان بين الإضافتين فرق، والتعظيم من جعلهم متبوعين محكوما عليهم وعبادي للجنس فإذا أخرج منهم الغاوون بقي المخلصون، وكان يحتمل أن تكون الإضافة للعهد لكن يكون الاستثناء منقطعاً، وظاهر كلامه الآتي أنه على هذا الوجه يكون متصلاً، وحمل قوله يكون الاستثناء منقطعا على أنه متعين الانقطاع خلاف الظاهر، وقال في المغني: المراد بالعباد المخلصون، والاستثناء منقطع بدليل سقوطه في سورة الإسراء. توله: (ولأن المقصود) أي من الكلام فلذا صدر بقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان مؤكدا بأن بخلاف الأوّل فإنّ المقصود فيه فعل الشيطان، وقوله مخالب الشيطان أي كيده، ومكره فهو استعارة. قوله:) أو تكذيب له فيما أوهم أنّ له سلطانا) أي تسلطاً، وقهراً فإنّ غاية قدرته أن يغرّهم ولا يقدر على جبرهم لاتباعه كما في الآية المذكورة، وإنما جعله إيهاما لأنّ استثناء المخلصين لإخلاصهم يقتضي أنّ من لا إخلاص له تحت تصرف غوايته،
وتفسير أغوينهم السابق لا ينافي هذا الإيهام لأنه بحسب ظاهر الكلام فهو يؤيد كونه إيهاما غير محقق، والسلطان المنفي هنا غير المثبت له فلا تنافي أيضا، وقوله فانّ منتهى تزيينه، وفي نسخة منة، وهو بضم الميم بمعنى قوّته، وقدرته. قوله: (وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً (بخلافه على الوجه الأوّل فإنه متصل كما سمعته، وتعين انقطاعه لعدم دخولهم في الحكم إذ المعنى أنّ من اتبعك ليس لك عليهم سلطان بل هم أطاعوك في الإغواء لا غير، ولا يضرّ دخولهم في العباد لأنّ المعتبر في الاتصال، والانقطاع الحكم. قوله: (وعلى الآوّل يدفع قول من شرط أن يكون المستثنى أقل من الباقي الخ الأنه جعل الغاوين مستثنى هنا فيكونون أقل، وقد كانوا مستثنى منهم في قوله إلا عبادك فيكونون أكثر، ويتناقض الكلام فيهما أي يستلزم أمرين متنافيين، وهو ظاهر وخصه بالأوّل لأنّ من قال به إنما قاله في الاستثناء المتصل لا المنقطع لأنه لا إخراج فيه، وصاحب هذا المذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين، وقيل إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه استثناء الأكبر، والنصف مثله في الخلاف، وان كان غير صريح لا يمتنعان، واستدلوا عليه في غير العدد بهذه الآية، وتفصيله في الأصول وقد قيل عليه أنّ التصديق في صريح الاستثناء لا ينافي التكذيب في جعل الإخلاص علة للخلاص على ما يشير إليه كلامه فانّ الصبيان، والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة، والظاهر أنّ من مات قبل أن يكلف من العباد أكثر من المكلفين خصوصاً إذا انضم إليهم المخلصون فظهر لتغيير الوضع فائدة أخرى على أنّ الكثرة الادّعائية تكفي في صحة شرطهم، والمخلصون كثيرون، وان قلوا والغاون بالعكس كما في آخر قسم الاستدلال من المفتاح، ولذا لا تقول لفلان عليّ ألف إلا تسعمائة، وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية أن مع أنّ السكاكي يشترط كون المستثنى أقل من الباقي، وما ذكره من حديث الادّعاء يرفع الخلاف، وليس بمسلم عند المعترض فإنّ ظاهر كلام الأصوليين ينافيه. قوله:
(أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرا) اشترط النحويون في مجيء الحال من المضاف إليه كون المضاف جزأه أو كجزئه أو أن يكون مما يعمل عمل الفعل ليتحد عامل الحال، وصاحبها حقيقة أو حكماً فإن كان الموعد على الحالية مصدرا ميمياً فقد وجد الشرط لكنه يقدّر قبله مضاف لأنّ جهنم ليست عين الموعد بل محله فيقدر محل وعدهم أو مكانه فإذا كان اسم مكان لم يحتج إلى تقدير لكنه لا يوجد شرط
стр. 1758
الحال، ولا يمكن عمل المضاف لأنّ اسم المكان لا يعمل عمل فعله كما حقق في النحو فلذا جعل العامل معنى الإضافة، وهو
الاختصاص على القول بأنه هو الجارّ للمضاف، وهذا غير صحيح عند المحققين من أهل العربية لأنّ الإضافة من المعاني لا تنصب الحال، وفد سبق فيه تفصيل، والمصنف ﵀ تبع في هذا أبا البقاء، ولو تركه كان أحسن، وفي جعل جهنم موعدا لهم تهكم، واستعارة فكأنهم كانوا على ميعاد. قوله: (يدخلون فيها لكثرتهم) ظاهره أنه على تعدد الأبواب دون الطبقات، ولا محذور فيه إذ لا ينافي تعدد الطبقات إذ المراد بيان كثرة الداخلين فيها فلا وجه لخلط التفسير الثاني بالأوّل، ولا حاجة إليه، والحكمة في تعدّدها سرعة تعذيبهم، وعدم تأخير عذاب بعض منهم كما أن تعدّد أبواب الجنة لسرعة تنعمهم، وعدم انتظارهم. قوله: (أو طبقات) وهو المشهور المأثور، ويدل عليه أفراد كل فرقة بباب فإنه يدل على تمايز مقرّهم، وقوله وهي جهنم الخ في ترتيبها وتعيين أهلها اختلاف في الروايات، وفي الدر المنثور أنه خرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى هذا ينبني التغليب الآتي في سورة تبارك لكن قال الإمام السهيلي في كتاب الأعلام وقع في كتب الرقائق أسماء هذه الأبواب، ولم ترد في أثر صحيح، وظاهر القرآن، والحديث يدل على أنها أوصاف النار نحو السعير والجحيم، والحطمة والهاوية، ومنها ما هو علم للنار كلها نحو جهنم، وسقر ولظى فلذا أضربنا عن ذكرها. قوله: (ولعل تخصيص العدد الخ) أي حكمة ذلك انحصار مجامع المهلكات الموجبات لدخولها في الركون، والميل إلى زخارف الدنيا، ولذاتها المدركة بالحواس الخمس، واتباع القوّة الشهوانية والغضبية فصارت سبعة أو أصول الفرق الداخلين فيها سبعة، وهي المذكورة في هذه الآية، وقوله أفرز لها أي فصل، وميز يقال أفرزت الشيء عن الشيء إذا ميزته، وأمّ قول أبي نواس في وصف ما في الرياض:
وكأنها البرك الملاء يحفها أنواع ذاك الروض بالزهر
بسط من الديباج بيض فروزت أطرافها بفرا وزخضر
فقيل إنه معرّب برواز، وقيل إنه فعلال من فرزت الشيء إذا عزلته فيكون عربياً، وقوله
والثاني في ترتيب ما بعد الفرقة الأولى اختلاف في الرواية، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل لأنّ حالهم أشد من الكفار كما مر في البقرة وقوله جزء بالتثقيل أي بزاي مضمومة بعدها همزة، والتخفيف تسكينها، وقوله ثم الوقف عليه بالتشديد لأنه لعة كما بين في النحو. قوله: (ومنهم حال منه) أي من جزء، وجاء من النكرة لتقدمه، ووصفها والظرف المراد به الجارّ، والمجرور الواقع خبرا، ولم يجعله صفة باب لأنه يقتضي أن يقال منها، وتنزيلها منزلة العقلاء لا وجه له هنا، ولذا فسر المصنف ﵀ الضمير بالاتباع أي أتباع الشيطان الذين أغواهم، وقوله لأنّ الصفة أي مقسوم لأنه صفة جزء، ولو كان حالاً من ضميره عمل في الحال لأنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها. قوله: (من أتباعه في الكفر والفواحش فإنّ غيرها مكفرة) الجارّ، والمجرور متعلق بالمتقين والاتباع مصدر من الافتعال، وفي الكفر متعلق به، وأنث خبر غير لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه فالمراد بالفواحش الكبائر، وغيرها الصغائر لأنها تكفر باجتناب الكبائر، وتبع في هذا التفسير الزمخشريّ، ولم يحمله على المتقين عن الكفر فقط، ولم يلتفت إلى اعتراض الإمام عليه، وغيره بأنه على مذهب المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر، وتفسيرها بما ذكر مخالف لتفسير الجمهور المأثور عن الصحابة ﵃، والمتقي من اتصف بتقوى واحدة، ولا يلزم اتصافه بجميع أنواعها كالضارب لا يفهم منه فعل جميع أنواع الضرب لأنّ السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤٢] وهو معنى التقوى شرعا، وأمّ إخراج العصاة من النار فثابت بنصوص أخر، وكذا إدخال التائبين الجنة بل غيرهم كما هو مذهبنا فإن قلت كيف قلت إنّ غيرها من الصغائر يكفر حتى لا يكون صاحبها من الأجزاء المقسومة للنار إذا اجتنبت الكبائر، وقد قال أهل الكلام أنه يجوز العقاب على الصغائر، وأن اجتنبت الكبائر، وما وجه التوفيق قلت هو وارد في الحديث الصحيح، وهو غني عن التوفيق لأنّ كلام أهل الكلام في تجويزه لتجويز عقاب المطيع، وما في الحديث يدل على أنه لا يقع التفضل من الله إلا بعفوه، ولا حاجة إلى
стр. 1759
حمله على صغيرة لم تقع بين الصلوات الخمس كما إذا صدرت عقب البلوغ فإنه تكلف مستغنى عنه مع أنّ الصغيرة قد يعرض لها ما يصيرها
كبيرة. قوله: (لكل واحد جنة وعين أو لكل عدّة منهما) الأوّل بناء على قاعدة تقابل الجمع بالجمع فالاستغراق مجموقي، وعلى الثاني الاستغراق افراديّ فيكون لكل واحد جنات، وعيون،. وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٤٦، وما بعده وان ذكر فيه الجنة فقط لكن بفهم منها العيون لأنها لا تكون بدون الماء في الغالب إلا أنه قيل إنه يدل على أنه له اثنان منهما لا جنات، وعيون إلا أن يبني على إطلاق الجمع على اثنين، وكذا قوله: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [صورة محمد، الآية: ٥ أ] الآية فإنه دال على تعدد الأنهار دون تعدد العيون لكل أحد فتأمّل، وضم العيون هو الأصل، وكسرها لمناسبة الياء. قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ ذكر بعد الحكم بأنّ لهم جنات، وعيوناً قيل لأنهم لما سكنوا جنات كثيرة كانوا كلما خرجوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها سالمين من الآفات، وهذا إنما يجري على تفسيره الثاني وقيل لأنه لما اعتنى بحال المؤمنين أخبر أنهم في جنات وعيون، وجعلوا كأنهم مستقرّون فيها في الدنيا فلذا جاء ادخلوها بالأمر لأنّ من استقرّ في الشيء لا يقال له ادخل فيه فيكون قوله في جنات المراد به أنهم الآن فيها، وهذا على تفسيره الأوّل بأن يكون لكل جنة، وفيه تأمّلى. قوله: (على إرادة القول اليرتبط بما قبله، ولا يكون أجنبياً، وهو إمّا حال بتقدير، وقد قيل لهم ادخلوها فلا يرد أنه بعد الحكم بأنهم في الجنة كيف يقال ادخلوها كما مز أو يقدر مقولاً لهم ذلك، والمقارنة عرفية لاتصالهما أو يقدر يقال لهم فيكون مستأنفا، وقرئ بقطع الهمزة، وضمها وكسر الخاء فلا يكسر التنوين لعدم التقاء الساكنين كما في القراءة الأخرى، وعلى هذه القراءة لا حاجة إلى تقدير القول وكونه على القراءة بمجهول الأفعال لا يكسر باعتبار المشهور الجاري على أصل القياس، وقرأ الحسن ﵀، ويعقوب أيضا ماضياً مبنيا للمفعول إلا أنّ يعقوب ضمّ التنوين بإلقاء حركة همزة القطع عليه كما ألقى حركة المفتوحة في قراءته الأخرى، والحسن كسره على أصل التقاء الساكنين إجراء لهمزة القطع مجرى همزة الوصف في الإسقاط. قوله: (سالمين أو مسلماً عليكم الخ (ولا يتكرر على التفسير الأوّل مع قوله آمنين على ما فسره به لأنّ معناه سالمين من الآفة، والزوال في الحال، وآمنين من طروّها في الاستقبال فلا حاجة إلى تخصيص السلامة بما يكون جسمانيا، والأمن بغيره، وتفسيره بمسلما عليكم كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٧٣] . قوله: (والزوال) إن كان المراد زوال ما هم عليه من النعيم، والسرور والصحة لا يتكرّر مع قوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ وإن أريد ظاهره من زوالهم عن الجنة، وانتقالهم منها قيل يلزم عليه التكرار ودفع بأنّ إلا من من الشيء لا يستلزم عدم وقوعه كأمن من الكفرة من مكر الله مثلا،
ويجوز أن يكون المراد زوال أنفسهم بالموت لا الزوال عن الجنة، والثاني في غاية البعد فإنه لا يقال للميت إنه فيها، وان دفن بها كالأوّل فإنّ الله إذا بثرهم بالأمن منه كيف يتوهم عدم وقوعه فالجواب ما ذكرناه أوّلاً مع الاعتراف بالتكرار للاعتناء به، والتأكيد أحسن من هذا. قوله: (من حقد كان في الدنيا) قال الراغب أنه من الغلالة، وهو ما يلبس تحت الثوب فيقال لمن تدرّع ثوب العداوة، والضغن، والحقد، وكون النزع في الدنيا لما روي أنه كان بين أحياء العرب ضغائن، وعداوة في الجاهلية فلما جاء الإسلام ألف الله بين قلوبهم وصفى بواطنهم، وسرائرهم من ذلك، وأما كونه في الجنة فلما روي عنه ﷺ : " إن أهل الجنة يدخلون الجنة بما في صدورهم من الشحناء فإذا تقابلوا نزع الله ما في صدورهم " (١) فذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم﴾ . قوله: (أو من التحاسد) قيل الغل الحقد الكائن في القلب من انغل في جوفه، وتغلغل فلا وجه لتفسيره بما ذكر ورد بأنّ المعنى نزعنا ما يفضي إلى الحقد، وهو التحاسد، وليس كما ذكر لأنّ الغل ما يضمر في القلب مطلقا كما يشهد به الاستعمال، واللغة. قوله: (حال من الضمير في جنات الخ) أي من الضمير المستتر في قوله في جنات ففي كلامه تساهل، وهي حال مترادفة إن جعل ادخلوها حالاً منها أيضا، وإذا كان حالاً من فاعل ادخلوها فهي مقدرة إن كان النزع في الجنة، وكذا إذا كان حالاً من ضمير آمنين، وقوله أو
стр. 1760
الضمير المضاف إليه في صدورهم، وجاز لأنه بعضه كما مرّ، وهي مقدّرة أيضا، وقوله وكذا قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٤٤] أي كل منهما حال على هذه الوجو. الثلاث، وقوله أو حالين أي مترادفين أو متداخلين، وقوله من ضميره أي الضمير المستتر فيه لأنه في معنى مشتق، وقوله من المستقرّ في على سرر سواء كان حالاً أو صفة، والتصافي خلوص المحبة تشبيها لها بالماء الصافي كما قيل:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
قوله: (استئناف) أي نحوي أو بياني، وقوله أو حال بعد حال أي من الضمير في قوله
في جنات أو من ضمير إخوانا، وقوله بعد حال أي على أحد الوجهين، وكونه حالاً من
الضمير في متقابلين على الوجوه السابقة او من الضمير في قوله على سرر. قوله تعالى: ( ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي﴾ الخ) هو إجمال لما سبق من الوعد، والوعيد، وتأكيد لهما، وأنا إمّا مبتدأ أو تأكيد أو فصل، وهو إمّا مبتدأ أو فصل، وقوله دليل الخ. إذ لو أريد ذلك لم يكن لذكر المغفرة موقع، وقد قيل إنه لو حمل المتقين على مجتنبي جميع الذنوب، ويكون ذكره للمغفرة لدفع توهم أنّ غيرهم لا يكون في الجنة بأنه يدخلها إذا تاب، وان لم يتب لأنه الغفور الرحيم فله وجه. قوله: (وفي توصيف ذاته بالغفران والحرمة دون التعذيب الخ) إذ لم يقل في مقابله، وأني أنا المعذب المؤلم، والإضافة لا تقتضي حصول المضاف إليه بالفعل كما إذا قيل ضربي شديد أي إذا وقع، والإضافة لأدنى ملابسة. قوله: (وفي عطف ونبئهم الخ) أي لما تضمن ما قبله ذكر الوعد والوعيد عطفت هذه القصة عليه لتحقيقه فإنها تتضمن ذلك لما فيها من البشرى، واهلاك قوم لوط ﵊، ولما فيها من الاعتبار، وزيادة قصة خاصة عطفت على ما قبلها، وقيل إنها تفصيل لقوله: ﴿أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٥٠] فضمير لهما للوعد والوعيد، وما يعتبرون به قصة إبراهيم وقوم لوط عليهما الصلاة والسلام، وهذا أحسن من قصره على الوعيد الواقع في الكشاف، وفي تقديم الغفور، وبشرى إبراهيم ﵊ إشارة لسبق رحمته غضبه. قوله: (نسلم عليك الخ أجعله منصوباً بفعل مقدر مضارع أو ماض، وجوّز فيه النصب بقالوا أي ذكروا سلاماً، ولم يذكر ردّ السلام ولا بقية القصة اختصاراً لسبقها، ولأنّ المقصود هنا الترغيب، والترهيب فاقتصر على مقدار الحاجة منه وظاهر. أنه ذكر لهم أنه خائف لهم، وقد مرّ في سورة هود أنهم شاهدوا منه أثر الخوف فيكون قوله هنا: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ١٥٢ قولاً بالقوّة لا بالفعل لظهور علاماته أو صرّح به بعد إيجاس الخيفة. قوله: (لآنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت الخ) أي في وقت لا يطرق في مثله أو امتنعوا عن الأكل، وكان الطارق إذا لم يأكل من زادهم ناويا لهم شرا، والموافق لما في هود هذا، ولهذا قيل لو كان الوجه هو الأوّل قاله عند دخولهم،
وليس كذلك إنما قاله عند امتناعهم من اكل فالوجه هو هذا، وسيأتي في الذاريات أنه وقع في نفسه ﵊ أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب، وقد جعل البشارة هنا لإبراهيم ﵊، وفي أخرى لامرأته، ولكل وجهة فتدبر، وقراءة لا تأجل بالألف بقلب الواو ألفا، وقوله ولا توجل ولا تواجل بالمجهول، والثاني من المفاعلة، وقراءة حمزة بفتح النون من الثلاثيئ بمعنى المزيد، وقوله إذا بلغ قيده به لأن تمام العلم الذي تفيده صيغة المبالغة به، وقد فسر عليم بنبيّ فالتقييد عليه ظاهر. قوله: (تعجب من أن يولد له مع مس الكبر) إشارة إلى أنّ الاستفهام للتعجب، وعلى بمعنى مع وقوله أو إنكار فالاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون، وإنما أوّله لأنّ البشارة واقعة فلا يتأتى فهي الاستفهام الحقيقي. قوله:) فبأي أعجوبة تبشروني أو فبأي شيء تبشروني) الأوّل على أنّ الاستفهام للتعجب، وعلى بمعنى مع، والثاني على أنه للإنكار ففيه لف ونشر، وقوله في كل القرآن قيل إنه سهو فإنه لم يقع تبشرون في غير هذه الآية، واعتذر بأنه قراءة في أمثاله لا في عين هذه الكلمة، وليس بشيء، وقوله على حذف نون الجمع استثقالاً الخ كأنه اختاره لأنّ فيه إعلالاً واحداً، وهو الحذف، ولو حذفت نون الوقاية احتيج إلى كسر نون الجمع فيكون فيه إعلالان فلا يرد عليه أنّ المذكور في النحو وهو القياس
стр. 1761
أن المحذوف نون الوقاية مع أن المذكور هو مذهب سيبويه رحمه الله تعالى، وكونه خلاف القياس لأن نون الرفع حذفت مع الجازم معارض بما مز، وأما احتمال هذه القراءة لعدم الحذف بأن يكون اكتفى بكسر نون الجمع من أوّل الأمر فخلاف المنقول في كتب النحو، والتصريف وان ذهب إليه بعضهم، وأجاب به عما أورد على قراءة نافع بحذف الياء من أنّ حذف الحرفين لا يجوز. قوله:) ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء) اعترض أبو حاتم على هذه القراءة بانّ مثله لا يكون إلا في الشعر وتجرأ على غلطه فيها وقال وكسر نون الرفع قبيح، وهذا مما لا يلتفت إليه لأنّ حذف الياء في مثله اجتزاء بالكسرة كثير فصيح، وقد قرئ به في مواضع عديدة. قوله: (بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه الخ) على الوجهين الأخيرين اقتصر الزمخشري، والفرق بينهما أن الباء إمّا للتعدية كما في بشرته بقدوم زيد أو للآلة كضربه بالسوط فهي على الأوّلين للتعدية إلا أن الأوّل مبنيّ على أن الاستفهام للتعجب
أي المبشر به أمر لا بدّ من وقوعه فكيف يتعجب منه، والثاني على أنه للإنكار أي أنّ المبشر به أمر محقق متيقن فكيف ينكر والثالث على أنّ الباء للألة أي بطريق، وأمر من له الأمر القادر على خلق الولد من غير أبوين فكيف بإيجاده من شيخ، وعجوز فانيين، وقيل إنّ الثاني ناظر إلى إطلاق الحق على الحكم المطابق بفتح الباء للواقع فيكون المبشر به هو ذلك الحكم وعلى الأوّل الغلام نفسه، وعلى الثالث بم تبشرون سؤال عن الوجه والطريقة يعني بأي طريقة تبشرونني به، ولا طريق في العادة فالباء للملابسة لا صلة أي تبشرونني ملتبسين بأيّ طريقة. قوله: (باعتباو العادة دون القدرة الخ) أي تعجبه مته لكونه مخالفا للعادة لا لقدرة الله تعالى إذ مقام النبوّة أجل من توهم مثله فمعنى قولهم لا تكن من القانطين الآيسين من خرق العادة لك فإنّ ظهور الخوارق على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثير حتى يعد بالنسبة إليهم غير مخالف للعادة فلذا أجابهم باعترافه بذلك، والتصريح برحمة الله تعالى في أحسن مواقعه، وأنّ سؤاله عنه للاستكشاف، وتعجبه جريا على عادة الناس لا بالقياس إليه، وقوله المخطئون طريق المعرفة الخ. يعني الكفار لا الأعم كما في الكشاف. قوله: (وقرأ أبو عمرو والكسائتي يقنط بالكسر الخ) والباقون بالفتح، وهو مختارة في النظم، والضئم شاذ وهي قراءة الأشهب كما قاله ابن جنيّ رحمه الله تعالى ففيه ثلاث قراآت، وماضيه محرك بحركات ثلاث أيضاً وورد من باب نصر، وضرب وفرح إلا أنه لم يقرأ إلا بواحدة منها، وهي الفتح في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢٨] فقوله وماضيهما بالفتح أي في القراءة المأثورة إذ هو في اللغة مثلث كما سمعتة. قوله: (كما قال تعالى: ﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ) تقدّم الكلام على هذه الآية، وهي مسألة مفصلة في الأصلين حاصلها أنّ اليأس من رحمة الله تعالى استعظاما للذنب، والأمن من مكره بالاسترسال في المعاصي اتكالاً على عفو الله اختلفوا فيهما فقال الحنفية أنهما كفر بناء على ظاهر الآية، وقال الشافعية أنهما من الكبائر لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى ضنه الصحيح أنه ﷺ قال: " من الكبائر الإشراك بالله واليأس من روج الله والأمن من مكر الله " والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقال ابن أبي شريف رحمه الله تعالى عطفه على الإشراك
بمعنى مطلق الكفر يقتضي المغايرة فإن أريد باليأس إنكار سعة الرحمة الذنوب، وبالأمن اعتقاد أنه لا مكر فكل منهما كفر اتفاقا لأنه ردّ للقرآن وان أريد استعظام الذنوب، واستبعاد العفو عنها استبعاداً يدخل في حد اليأس، وغلبة الرجاء المدخل له في حد الأمن فهو كبيرة اتفاقا اهـ. قوله: (فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة) إشارة إلى أنّ الخطب، والشأن والأمر بمعنى لكن الخطب يختص بما له عظم، وقوله والبشارة لا تحتاج إلى العدد قيل، ولا التعذيب ألا ترى أنّ جبريل ﵊ قلب مدائنهم بأحد جناحيه، وأورد على قوله، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم أنّ قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٣٩] يدل على أنّ المبشرين جميع الملائكة، وأمّا مريم إنما جاءها لنفخ الروح والهبة كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [سورة التحريم، الآية: ١٢] وأمّا التبشير فلازم
стр. 1762
لتلك الهبة، وفي ضمنها وليست مقصودة بالذات فلا دلالة فيهما على أنّ الأصل في البشارة أن تكون بواحد ويدفع بأنّ المعنى أنّ العادة الجارية بين الناس ذلك فيرسل الواحد للبشارة، والجمع لغيرها من حرب وأخذ ونحوه والله تعالى يجري الأمور للناس على ما اعتادوه فلا ترد قصة جبريل ﵊ في ذلك وان قيل المراد من الملائكة في تلك الآية جبرائيل كما ذكره المفسرون كقولهم يركب الخيل، ويلبس الثياب أي الجنس من ذلك الصادق بالواحد كما مرّ تحقيقه في سورة يوسف ﵊، وعلى ما ذكرناه لا حاجة إلى ما ذكره فإنه يعلم منه عدم وروده، وأما كون بشارة الواحد توجد في ضمن بشارة الجمع فلا تنافي فمما لا يليق التفوّه به.
قوله: (ولو كانت تمام القصة لابتدؤوا بها) قيل يخدشه قصة مريم قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ١٨] قال إنما رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا فيجوز أن يكون قوله تعالى لا توجل تمهيدا للبشارة، ولا يخفى عدم وروده فإنها لنزاهة شأنها أوّل ما أبصرته تمثلاً عاجلته بالاستعاذة فلم تدعه يبتدىء بالبشارة بخلاف ما نحن فيه، وهذا ظاهر لمن تدبره. قوله: (إن كان استثناء من قوم كان منقطعاً إذ القوم مقيد الخ) كذا في الكشاف أيضاً لأنه مستثنى من موصوف مقيد بتلك الصفة فلو أدخلوا فيه لكانوا متصفين بالإجرام، وليس كذلك فتعين انقطاعه، وأمّا احتمال تغليبهم على غير المجرمين فليس مقتضى المقام ولو سلم، فالكلام بناء على كونه حقيقة، ولا ينافي صحة الاتصال على تقدير آخر، والعجب من بعض أرباب الحواشي أنه نقل عن بعض فضلاء عصره هنا اشكالاً اذعى أنه رفع
إلى ابن الهمام، ولم يجب عنه فنقله على أنه وارد غير مندفع مع اشكالات أخر يتعجب منها، وهو أنّ الضمير في الصفة هو عين الموصوف المقيد بالصفة فينبغي أن يكون الاستثناء منقطعا في الصورتين، وأطال فيه من غير طائل، وأظن ابن الهمام إنما سكت عن جوابه لوضوج اندفاعه، وإنه لا ينبغي أن يصدر عمن تحلى بجلية الفضل، ولكن ذلك من آفة الفهم:
وما آفة الاخبار إلا رواتها
ثم إنه قيل جعله على استثنائه من قوم مجرمين منقطعا أولى وأمكن، وذلك أنّ في استثنائهم من الضمير العائد على قوم منكرين بعداً من حيث إنّ موقع الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل المستثنى في حكم الأوّل، وهنا الدخول متعذر مع التكير، ولذلك فلما تجد النكرة يستثنى منها إلا في سياق نفي لأنها حينئذ تعمّ فيتحقق الدخول لولا الاستثناء، ومن ثمة لم يحسن رأيت قوما إلا زيدا، وحسن ما رأيت أحد إلا زيداً، ورد بأنه ليس نظير رأيت قوما إلا زيدا بل من قبل رأيت قوماً أساؤوا إلا زيداً فالوصف يعينهم فيجعلهم كالمحصورين على أنّ المراد بالقوم أهل القرية كما صرّح به في آية أخرى فهم معنى محصورون، ونقل المدقق عن السكاكيّ أنّ الاستثناء من جمع غير محصور جائز على المجاز. قوله:) وإن كان استثناء من الضمير في مجرمين كان متصلاَ (لأنه يعود على القوم بدون وصفهم بالاجرام، ولو عاد عليه مع وصفه لم يتأت إسناده إليه، وقد مرّ تحقيقه نقضا وابراما فإن قلت فلا يكون إلا امرأته مستثنى من آل لوط إذا استثنى من الضمير، وجعل قوله إنا لمنجوهم اعتراضاً قلت جعل الدلالة على ذلك كفعله فتأمّل. قوله: (والقوم والارسال شاملين للمجرمين الخ) أي على الاتصال يكون القوم شاملا للمجرمين وغيرهم بقطع النظر عن الصفة، وكذا الارسال بمعناه المطلق شامل لهما بخلاف على الأوّل فإنّ الارسال يختص بالقوم المجرمين لإخراج آل لوط منهم بالاستثناء فالمراد بالارسال أحد أنواعه، وهو ما كان لتعذيب، واهلاك لا انّ الارسال بمعنى الإهلاك كما توهمه بعض شرّاح الكشاف، وقوله لنهلك الخ إشارة إلى عموم الارسال وشموله لهما كما مرّ، وقوله مما يعذب به القوم قيل لم يقل من العذاب لأن الانجاء منه لا يحتاج إلى فعل فاعل لأنه على الأصل بخلاف انجائهم مما عذب به هؤلا من الخسف فإنه يفعل الله، واخراجه، وفيه نظر. قوله:) وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء (لثمام الكلام عنده والاستئناف بياني كأنه قيل ما بالهم، وقوله جار مجرى خبر لكن الخ أي إذا كان استثناء منقطعا وجب نصبه إذ لا يمكن توجيه العامل إليه لأنهم لم يرسلوا إليهم كما مرّ إنما أرسلوا إلى المجرمين خاصة
فيكون قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ جاريا مجرى لكن في اتصاله معنى بآل لوط الواقع اسما للسكن فيكون في موضع رفع
стр. 1763
التقدير إلا بلكن كذا قرّره أبو حيان والزمخشري، وفي كون إلا الاستثنائية تعمل عمل لكن خفاء من جهة العربية، وقد قرّره المعرب، وقال إنه إذا لم يذكر له خبر يقدر والظاهر أنّ المراد أنه في معنى ذلك، وقولهم يجري مجرى الخبر إشارة إلى أنه ليس خبراً في الحقيقة لأن ما بعد إلا منصوب في الحقيقة على الاستثناء، ومن لم يتنبه لهذا قال إنما قاله لأن الخبر محذوف تقديره ما أرسلنا إليهم، وهذا دليله لتلازمهما ولذا لم يجعله نفس الخبر بل جار مجراه. قوله: (وعلى هذا جاز أن يكون قوله إلا امرأته استثناء من أن لوط) فيفيد أنها غير ناجية، وفيه ردّ على الزمخشري إذا لم يجوّز إلا الوجه الثاني، وسنحققه لك. قوله:) أو من ضميرهم) بكسر الهاء أي ضمير الآل أو بضمها أي من ضمير هو لفظ هم في قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ والمقصود فيهما واحد، وكذا قوله من ضميرهم المذكور بعده. قوله: (وعلى الأوّل لا يكون إلا من ضميرهم (أي على الاتصال لأنه ذكر أوّلاً هنا وان كان ثانيا فيما تقدم فيتعين على هذا كونه مستثنى من ضمير لمنجوهم فتكون امرأته مجرمة، ولا ينافيه ظاهر قول آل لوط لعمومه لأن المراد بآل لوط ﵊ المؤمنون به كما مرّ في كلامه مع أنّ تقديرها في الغابرين، واخراجها من الناجين دال على تخصيصه بغيرها، وما ذكره مبنيئ على أن تخلل جملة بين المستثنى، والمستثنى منه منقطعة عنهما كالمستأنفة مانع من جواز الاستثناء، وقد صرّح به الرضي، وشراج الكشاف. قوله: (لاختلاف الحكمين الخ (أي لا! آل لوط متعلق بأرسلنا والا امرأته متعلق بمنجوهم فأنى يكون استثناء من اسنثناء كما في الكشاف، وهو مراد المصنف ﵀، وفي التقريب قد يتوهم أنّ الارسال إذا كان بمعنى الاهلاك فلا اختلاف إذ التقدير إلا آل لوط لم نهلكهم فهو بمعنى منجوهم، وجوابه أنّ الاستثناء من الاستثناء شرطه أيضاً أن لا يتخلل لفظ بين الاستثناءين متعدد يصلح مستثنى مته، وههنا تخلل إنا لمنجوهم فلو قال إلا آل لوط إلا امرأته لجاز ذلك، وارتضاه الشارح الطيبي ﵀ وهذا لا يدفع الشبهة لأنّ السبب حينئذ في امتناعه وجود الفاصل لا اختلاف الحكمين فلا وجه للتعبير به عنه، وما قيل في تأويله إنّ هنا حكمين الإجرام، والإنجاء فيجرّ الثاني الاستثناء إلى نفسه كيلا يلزم الفصل إلا إذا جعل اعتراضا فإنّ فيه سعة حتى يتخلل بين الصفة، وموصوفها فيجوز أن يكون استثناء من آل لوط ولذا جوّر الرضي أن يقال أكرم القوم، والنحاة بصريون إلا زيداً لا يخفى أنه مقرّر إلا أنه لا يغني شيئآ في دفع ما أورد على كلام التقريب، ومن ارتضاه. قوله:) اللهنم إلا أن يجعل إنا لمنجوهم اعتراضا) قيل إنه استعان بالله لضعفه لأنّ الاعتراض بماله تعلق بالطرفين بعيد، ولا وجه له لأنه لتقرير الكلام الواقع فيه وتعلقه بهما أقوى في ذلك. فإن قلت لم لا
يرجع إليهما قلت لأنّ الاستثناء متعلق بالجملة المستفلة والخلاف في رجوعه إلى الجملتين فصاعدا لا إلى جملة، وبعض جملة سابقة هذا، والمعنى مختلف في ذلك ومحل الخلاف الجمل المتعاطفة لا المنقطع بعضها عن بعض كذا في الكشف، واعلم أن تحقيق هذا المقام أنّ الزمخشريّ جوّز في استثناء إلا آل لوط أن يكون من قوم منقطعا بملاحظة الصفة لأنهم ليسوا قوما مجرمين أو من الضمير المستتر في مجرمين فيكون متصلا لرجوع الضمير إلى القوم فقط فبخرجون من حكم الإجرام، وعلى الانقطاع وهم مخرجون من حكم الإرسال المراد به إرسال خاص، وهو ما كان للإهلاك لا مطلق البعث لاقتضاء المعنى له، وعلى الاتصال هم مخرجون من حكم المستثنى منه، وهو الاجرام داخلون في حكم الارسال بمعنى البعث مطلقا، وجملة: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ في المعنى خبر لكن المؤوّل بها، وليس خبراً حقيقياً كما صرح به النحاة وأشير إليه هنا، وعلى الاتصال هي مستأنفة، والا امرأته مستثنى من ضمير منجوهم المضاف إليه وليس مستثنى من المستثنى سواء كان متصلاً أو لا لاختلاف الحكمين أي الحكم المخرج منه المستثنى الأوّل والمخرج منه الثاني لأنّ المخرج منه على الانقطاع الحكم بالارسال بمعنى الاهلاك، ولو أخرجت امرأته منه لكانت غير مهلكة، وليس كذلك وعلى الاتصال الاجرام، ولو أخرجت منه كانت غير مجرمة، وليس كذلك فتعين إخرأجها من حكم الإنجاء هذا تقرير كلامه، وقال القاض! ي: إنه على الانقطاع يجوز أن يجعل إلا امرأته مستثنى من آل لوط أو من ضمير منجوهم، وعلى الاتصال يتعين الثاني لاختلاف الحكمين إلا إذا
стр. 1764
جعلت جملة ة ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ معترضة فخالفه من وجهين حيث جوّز الاستثناء من الاستثناء في الانقطاع، ومنعه الزمخشري فيهما، وحيث جعل اختلاف الحكمين في الاتصال وأثبته الزمخشري فيهما، فإن قلت المراد بالحكم في الكشاف معلوم، وبتقريره علم ثبوت الخلاف في كلا الوجهين فما مراد القاضي به حيث أثبته تارة ونفاه أخرى، وما معنى انتفاء الاختلاف على الاعترأض قلت كأنه أراد أنه على الانقطاع، وكون إلا بمعنى لكن ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ في معنى الخبر يكون في هذه الجملة حكم آخر وهو أن الإنجاء إلا امرأته مخرجا منه ولا يختلف حكماهما، وكذا إذا كان اعتراضا فإنه يكون لبيان حكمه فهو في المعنى كالأوّل فيصح الإخراج منه بخلاف ما إذا كان استئنافاً فإنه يكون منقطعا عنه، ويكون جوابا لسؤال مقدر، ولا يتم الجواب بدون الاستثناء، وهو ظاهر فإن قلت هل أحد المسلكين حق أحق أن يتبع أم لكل وجهة. قلت الذي ظهر لي أنّ الحق ما ذهب إليه الزمخشريّ دراية ورواية أمّا الأوّل فلأنّ الحكم المقصود بالإخراج منه هو الحكم المخرج منه الأوّل، والثاني حكم طارىء من تأويل إلا بلكن، وهو أمر تقديريّ، وأمّا الثاني فلما ذكر في التسهيل من أنه إذا تعدّد الاستثناء فالحكم المخرج منه حكم الأوّل، ومما يدل عليه أنه لو كان الاستثناء مفرغاً في هذه الصورة كما إذا قلت لم يبق في الدار إلا اليعافير أنها أبقاها الزمان إلا يعفور صيد فيها فإنه يتعين إعرابه بحسب العامل الأوّل كقولك ما عندي
إلا عشرة إلا ثلاثة، ثم إنّ كلامه مبنيّ على أمر، ومانع معنويّ لا على عدم جواز تخلل كلام منقطع بين المستثنى، والمستثنى منه كما قيل، وان كان مانعا أيضا كما صرح به الرضي فتدبر. قوله: (الباقين مع الكفرة الخ) إشارة إلى ما ذكره الراغب من أنه من الغبرة، وهي بقية اللبن في الضرع ومعناه الماكث بعد من مضى، وقيل معناه من بقي، ولم يسر مع قوم لوط ﵊، وقيل فيمن بقي في العذاب. قوله: (وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم) يعني علق عن العمل في قوله إنها الخ. إذا لم يصح لوجود لام الابتداء التي لها صدر الكلام، والتضمين الظاهر أنّ المراد به المصطلح، وقيل المراد به التجوّز عن معناه الذي كأنه في ضمته لأنه لا يقدر إلا ما يعلمه، وهو جائز وإذا أجرى مجرى القول لكون التقدير، والقضاء يقتضي قولاً يجوز أن يعمل عمله من غير تضمين. قوله:) وإسنادهم إياه إلى أنفسهم) يعني إذا كان من كلام الملائكة عليهم الصلاة والسلام فإن كان من كلام الله تعالى كما قيل به لا يحتاج إلى تأويل، وهذا يدل على أنّ المراد التضمين المصطلح إذ لو كان المراد به العلم مجازاً لم يحتج إلى تأويل أيضاً بحسب الظاهر، وقوله لما لهم من القرب توجيه للإسناد المجازي فإنهم لقربهم من الله كقرب خاصة الملك به يجوز أن يسندوا لهم ما أسند إليه كما تقول حاشية السلطان أمرنا ورسمنا بكذا، والآمر هو في الحقيقة. قوله: (تنكركم نفسي وتنفر عنكا الما كان ظاهر قوله منكرون أنه لا يعرفهم وجوابهم بقولهم بل جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه، والاضراب لا يوافقه، ويطابقه جعله كناية عن أنكم قوم أخاف شركم لأن من أنكر شيئا نفر عنه، وخاف منه فلذا أضربوا عنه بما ذكر أي ما جئناك لايصال شرّ إليك بل لتمشية أمرك، وتعذيب أعدائك بما توعدتهم به، وتوله ما جئناك بما تنكرنا لأجله فهو اضراب عن هذا المقدر وباء بما يسرك للملابسة أو التعدية، وقوله ويشفي لك أي يشفي ما بصدرك، وقوله الذي توعدتهم به لو قال كنت توعدتهم به كان أولى، ويمترون بمعنى يشكون أو يجادلون. قوله: (باليقين من عذابهم) يعني أنّ الحق بمعنى المتيقن المحقق، والباء للملابسة أي ملتبسين بحق أو ملتبسا أنت به لابصاره، ولو حمل على الخبر اليقين كان قوله: وإنا لصادقون مكرّراً. قوله: (فاذهب بهم في الليل) لأنّ الإسراء سير الليل خاصة وكذا السرى وفي
ترادفهما والفرق بينهما كلام سيأتي في الإسراء، وقوله بقطع من الليل مؤكد له وعلى قراءة فسر تأسيس أو الإسراء مجرد عن جزء معناه لمطلق السير أو القيد لبيان وقوعه في بعض دون استغراقه فيكون لتقليل المدّة. قوله: (افتحي الباب وانظري الخ) يحتمل أن يكون استطال الليل فأمر جليسه لينظر في النجوم ليرى هل قرب الصبح أم لا، ويحتمل أنه كان يحب طوله فأمر بالنظم ليعلم ما بقي من الليل قال صاحبنا الموصلي في شرح شواهد الكشاف: أي كم بقي علينا يخاطب ضجيعته مستقصر الزمن الوصال أو
стр. 1765
مستطيلا ليل الهجر لما عنده من الملال، وهذا الشعر لم أطلع على قائله، وهو شاهد على إطلاق القطع على طائفة من الليل. قيل: ولا شاهد فيه لاحتمال أنه بمعنى القطعة مطلقا، وتخصيصه هنا بالإضافة. قوله: (وكن على أثرهم) بفتح الهمزة، والثاء أو بكسر فسكون بمعنى عقبهم وخلفهم، وقوله تذودهم الخ بذال معجمة بمعنى تسوقهم بيان الحكمة أمره بأن يكون خلفهم، وترك ما في الكشاف من أن خروجه مهاجراً سالما يقتضي الاجتهاد في الشكر، وفراغ البال للذكر فلم يكن قدامهم لئلا يشتغل عن ذلك بتفقد من خلفه لعدم تبادره. قوله: (لينظر ما وراءه فيرى من الهول الخ) فيكون لا يلتفت على ظاهره لأنّ الالتفات إنما هو للنظر وإذا كان بمعنى لا ينصرف، ويتخلف فهو مجاز لأن الالتفات إلى الشيء يقتضي محبته، وعدم مفارقته فيتخلف عنده فهؤ من لفته بمعنى ثناه وصرفه. قوله:) وقبل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة (وتطبيب قلوبهم بمفارقة منازلهم لأنّ من هو كذلك لا يلتفت لما خلفه تحسراً على فراقه. قوله: (فعدى وامضوا إلى حيث وتؤمرون إلى ضميره الخ) كذا في الكشاف فقيل حيث ظرف مبهم فعلى تقدير نصبه على الظرفية لا يحتاج إلا في لأنه مبهم، والظرف المبهم منصوب، والمؤقت حكمه حكم ما ليس بظرف فيحتاج إلى في، وكذلك الضمير في تؤمرونه مبهم نظراً إلى تقديره، وهو راجع إلى حيث، ولو كان مؤقتاً لقيل تؤمرون فيه ورذ بأنه لم يرد ما ذكر فإن قلت هو مسلم في تعدية تؤمرون إلى ضمير حيث فإنّ صلنه، وهي الباء محذوفة إذ أصله تؤمرون به أي بمضيه فأوصل بنفسه، وأمّا تعدية امضوا إلى حيث فلا اتساع فيه كما سمعته إلا أن يجعل تغليبا قلت تعليق
حيث بالفعل هنا ليس تعلق الظرفية ليتجه تعدية الفعل إليه بنفسه بكونه من الظروف المبهمة فإنه مفعول به غير صريح نحو سرت إلى الكوفة، وقد نص النحاة على أنه قد يتصرف فيه فالمحذوف ليس في بل إلى كما أشار إليه الزمخشريّ، والمصنف ﵀ فلا اشكال قلت، وإن دفع به اشكال التعدي لكنه غير صحيح لأنهم صرحوا بأنّ الجمل المضاف إليها لا يعود منها ضمير إلى المضاف. قال نجم الأئمة: اعلم أنّ الظرف المضاف إلى الجملة لما كان ظرفا للمصدر الذي تضمنته الجملة على ما مر لم يجز أن يعود من الجملة إليه ضمير فلا يقال يوم قدم زيد فيه لأنّ الربط الذي يطلب حصوله حصل بإضافة الظرف إلى الجملة وجعله ظرفا لمضمونها فيكون كأنك قلت يوم قدوم زيد فيه اهـ، وحيث تلزم الإضافة لجمله فكيف يقدر الضمير في تؤمرون عائداً عليه، وأغرب منه أنّ بعض المتأخرين صبه في قالبه مع أنه قال في بعض كتبه: إنّ حيث لا يصح عود الضمير عليها، واعترض به على صاحب التوضيح، وقد أتى من مأمنه فحرّره. قوله: (أوحينا إليه مقضياً ولذلك عدى بالى) يعني أنّ قضي لا يتعدّى بإلى لكنه ضمن هنا معنى أوحى فعدى تعديته، وقوله مقضيا بالنصب على الحال من ذلك إشارة إلى أحد وجهي التضمين، وهو جعل المضمن فيه حالاً، ولذ أخره ليظهر تعلق الجار به، والا فلا يلزم تأخره، وقوله ولذلك عدي بإلى أي لكونه بمعنى أوحينا. قوله: (يفسره أنّ دابر هؤلاء الخ) كونه تفسيرا ليس مخصوصا بقراءة الفتح، وقوله وفي ذلك أي في التفسير بعد الإبهام تفخيم للأمر حيث أبهم ثم فسر اعتناء بثأنه وأتى بلفظ ذلك الموضوع للبعيد وفي نسخة، وذلك بدون في، والأولى أولى وفي لفظ ذلك، والأمر حسن تعبير لايهامه معنيين، وقوله والمعنى الخ يعني أنّ الدابر الآخر، وليس المراد قطع آخرهم بل جملتهم، وقوله عن آخرهم مرّ تحقيقه، وهو واقع في محزه هنا، وقوله على الاستئناف أي في جواب وما ذلك الأمر، ونحوه والبدلية على الكسر لأنّ في الوحي معنى القول. قوله: (داخلين في الصبح) لأنّ الأفعال يكون للدخول في الشيء نحو أتهم، وأنجد وهو بيان لأنها تامّة هنا، وجعله حالاً من المضاف إليه لأنّ المضاف بعضه فهو مما يجوز فيه ذلك، وليس العامل معنى الإضافة، ولا يتوهم كونه اسم الإشارة لأنّ الحال لم يقل أحد أنّ صاحبها يعمل فيها فهذا من سقط القول، وقوله وجمعه توجيه لكونه حالأ من الدابر مع جمعه بأنه في معنى الجمع لأنّ دابر بمعنى المدبرين من هؤلاء. قوله: (سذوم) بفتح السين على وزن فعول بفتح الفاء، وذاله معجمة
وروي إهمالها، وقيل إنه خطأ، وهو أعلى ما قال الطبرفي ﵀ اسم ملك من بقايا اليونان كان غشوما ظالما، وكان بمدينة سرمين من أرض قنسرين، وباسمه تسمى البلد كما في المثل أجود من
стр. 1766
قاضي سذوم، وقال الميداني ﵀: سذوم مدينة من مدائن قوم لوط ﵊، وفي الصحاح بفتح السين، والدال غير معجمة وهو معرّب، ولذا قيل إنه بالاعجام بعد التعريب وبالإهمال قبله، والاستبشار السرور وفرحهم به إذ قيل لهم أن عنده ضيوفا مردا في غاية الحسن، والجمال فطمعوا فيهم، والضيف يطلق على الواحد والجمع لأنه في الأصل مصدر ضافه فلذا كان خبرا لقوله هؤلاء، وقوله أسيء مبنيّ للمجهول من أساء إليه ضد أحسن، وقوله لفضيحة ضيفي باللام والباء لأنّ فضيحتهم تورث فضيحة له، وركوب الفاحشة فعلها كارتكابها. قوله: (ولا تذلوني بسببهم (أي بسبب محبتهم فإنه لولاه لم يكن قصدهم الشنيع أو بسبب اخزائهم، وقوله تخجلوني من التخجيل، وهو فعل ما يورث خجلا وحياء، وهو إشارة إلى معنيي الخزي المختلفين باختلاف مصدريهما كما مر، وهو معطوف على الأمر بما يوجب الانتهاء أو على النهي، وهو مؤكد ومقرّر له. قوله: (عن أن تجبر منهم أحدا الخ (يعني أنّ المراد منه ذلك أو هو على تقدير مضاف أي إجارة العالمين أو ضيافتهم وقوله، وتمنع الخ. عطف تفسير، وقوله يمنعهم عنه أي عن التعرّض، وهم ينهون عنه بالوعيد بالرجم ونحوه. قوله: (إن كنتم فاعلين قضاء الوطر (قال في الكشاف شك في فبولهم لقؤله كأن قال إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكم تفعلون، وقيل إن كنتم تريدون قضاء الشهوة، وهو المراد من الوطر في كلام المصنف ﵀، وقدّم الزمخشري الأوّل لأنه أنسب بالشك، وقدم المصنف رحمه الله تعالى الثاني لتبادره من الفعل وهو تقدير لمفعوله على الوجهين، ويجوز تنزيله منزلة اللازم، وجواب الشرط محذوف أي فاقضوا الوطر بما قلته لكم أو فهو خير لكم، وكون النبيّ ﷺ بمنزلة الأب! الذى ر بمنزلة البنين، والنساء بمنزلة البنات بالنسبة له ﷺ فقط. قولى: (قسم بحياة المخاطب الخ) عمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبا وتقديره قسمي أو يميني، والعمر بالفتح، والضم البقاء، والحياة إلا أنهم التزموا الفتح في القسم لكثرة دوره فناسب التخفيف، وإذا دخلت اللام التزم فيه الفتح، وحذف الخبر وهو صريح في القسم، وبدون اللام يجوز فيه
النصب والرفع، وهو مصدر مضاف للفاعل أو المفعول وسمع فيه دخول الباء، وذكر الخبر قليلأ، وقيل شاذا ورعمك بالقلب، وهي قراءة شاذة وكون المقسم به حياة النبي ﷺ هو قول جمهور المفسرين ولذا ورد في الأثر أنه تعالى لم يقسم بحياة أحد غير نبينا-لمجؤ تكريما له وتعظيماً أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ فيعمهون حينئذ على حكاية الحال الماضية، وأمّا كونه خطابا للوط ﵊ فيحتاج إلى تقدير القول أي قالت الملائكة للوط ﵊ لعمرك الخ. ولذا أخره المصنف رحمه الله تعالى عكس ما في الكشاف لأنه مع مخالفته للرواية محتاج للتقدير، وهو خلاف الأصل، وان كان سياق القصة شاهداً له، وقرينة عليه فلا يرد عليه ما قيل إنه تقدير من غير ضرورة، ولو ارتكب مثله لأمكن اخراج كل نص عن معناه بتقدير شيء فيرتفع الوثوق بمعاني النص، وقوله قالت الملائكة الخ. إشارة لما ذكرنا إذ لو كان كلام لوط ﵊ لقال لعمري، وقوله يختص به القسم على القلب أو تضمين معنى التمييز أو التجوّز به، وهو أكثري. قوله: (لفي غوايتهم أو شدّة غلمثهم الخ) الغلمة بالضم الشبق، واشتهاء الغلمان يشير إلى أنّ السكرة مستعارة لما ذكر، وقوله التي أزالت عقولهم إشارة لوجه الشبه وهو قيد للغواية، والشدّة ووصف لهما على البدل، وقوله الذي يشار به صفة للصواب، وما أشار به هو الكف عن القبيح، والاكتفاء بالحلال الطيب من نكاح البنات، وقوله يتحيرون تفسير للعمه لأنه عمى البصيرة المورث للحيرة كما مرّ، واستبعد كونه لقريش لعدم مناسبة السياق، والسباق ولذ جعل اعتراضاً. قوله: (يعني صيحة هائلة مهلكة) من غير تعيين لمن صاح بهم، وفي القول الآخر تعيين له، وأمّا قوله مهلكة فمستفاد من الأخذ لأنه في الأصل بمعنى القهر، والغلبة واشتهر في الإهلاك، والاستئصال، والتعريف على الأوّل للجنس وعلى الثاني للعهد. قوله: (داخلين في وقت شروق الشمس) وأمّا الجمع بين قوله مشرقين، ومصبحين فباعتبار الابتداء والانتهاء وأخذ الصيحة قهرها إياهم، وتمكنها منهم ومنه الأخيذ للأسير، ولك أن تقول مقطوع بمعنى يقطع عما قريب كذا في الكشف، وقيل مشرقين حال مقدّرة. قوله: (عالي المدينة أو عالي قراهم)
стр. 1767
المراد بعاليها وجه الأرض وما عليها، وقوله وأمطرنا عليهم وفي هود عليها أي المدينة أو القرى، والمآل واحد والسجيل تقدم أنه معرّب سنك كل، وكونه من
السجل، وهو الكتاب أو الصك لأنها كتب عليها أسماؤهم أو لأنها مما كتب الله تعذيبهم بها، وقد مر الكلام عليه في سورة هود. قوله: (للمتوسمين) صفة آيات أو متعلق به، والتوسم تفعل من الوسم، وفسر بالتثبت والتفكر، وفسره ثعلب بالنظر من القرن إلى القدم واستقصاء وجوه التعريف قال:
بعثوا إليّ عريفهم يتوسم
وتوسمت فيه خيرا أي ظهرت علاماته لي منه قال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه:
إني توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم أني ثابت البصر
وتوسم طلب عشب المطر الوسمي، وقوله المدينة أو القرى، وقيل الضمير للصيحة أو الحجارة أو الآيات وقوله للمؤمنين خصهم لأنّ غيرهم يظنها من الاقترانات، ونحوه. قوله: (وإن كان أصحاب الآيكة) أن مخففة من الثقيلة، واللام فارقة، والأيكة أصلها الشجرة الملتفة واحدة الأيك، وسيأتي أنه يقال فيها ليكة، وتحقيقه والغيضة بالضاد المعجمة البقعة الكثيفة الأشجار، وفيه إشارة لوجه تسميتهم بذلك وقيل الأيكة اسم بلدة، والظلة بالضم سحابة أظلتهم فأرسل الله عليهم منها ناراً أحرقتهم كما مرّ والتكاثف كثرة الأشجار والتفافها، وقوله والأيكة الشجرة المتكاثفة أي الملتفة الأغصان، وهذا بيان لمعناها الحقيقيّ، وأمّا المراد بها هنا فقد علم مما قبله، وهو أنه الغيضة أو البلدة بطريق النقل أو تسمية للمحل باسم الحالّ فيه، ثم غلب عليه حتى صار علماً فلا وجه لما قيل عليه أنه كان عليه أن يبدل الشجرة بالغيضة، ولا يحتاج إلى تكلف أنّ المراد الجماعة الواحدة من الشجر أو نوع منه. قوله: (يعني سذوم والأيكة الخ) يعني محل قوم لوط وقوم شعيب عليهما الصلاة والسلام، وقيل هما راجع إلى الأيكة والى مدين ومدين، وان لم يذكر هنا لكن ذكر أحدهما يدلّ على الآخر لإرساله إلى أهلهما. قوله: (فسمي به الطريق واللوح (يعني اللوج المحفوظ أو مطلق اللوج المعد للقراءة كما سمي به مصحف عثمان رضمي الله تعالى عنه، وحيث أطلق في القرا آت فهو المراد والمطمر بكسر الميم كالمطمار خيط البنائين الذي يقدرون به البناء، وهو المسمى زيجاً وبه سمي الزيج المعروف عند أهل الهيئة، وهو معرب زيه بمعنى الخيط وفي نسخة سمي به
اللوح، ومطمر البناء بدون ذكر الطريق لأنه علم تسميتها به من تفسير الآية فكأنه معناه الأصلي، وهذا منقول مأي سمي به اللوح، والمطمر كما سمي به الطريق فلا غبار في كلامه. قوله: (ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع الخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو أنّ أصحاب الحجر كذبوا صالحاً ﷺ فقط فكيف قيل كذبوا المرسلين فأجاب بأنّ من كذب واحدا فقد كذب جميع الرسل لاتفاق كلمتهم على التوحيد، ودعوة الحق فجعل اتحاد المكذب فيه بمنزلة اتحاد المكذب، ولذا قال قكأنما لأنهم لم يواجهوهم بذلك حتى يك! ونوا مكذبين لهم حقيقة. قوله: (ويجوز أن يكون المراد الخ) على التغليب، وجعل الاتباع مرسلين كقوله:
قدني من نصر الخبيبين قدي
وقوله يسكنونها راجع للحجر أو الوادي، وأنث باعتبار البقعة. قوله: (يعني آيات الكتاب المنزل على نبيهم) أورد عليه أنّ صالحاً ﷺ ليس له كتاب ماثور إلا أن يقال الكتاب لا يلزم أن ينزل عليه بل يكفي كونه معه، وإن نزل على غيره لأنه أنزل على من قبله، والظاهر هو التفسير الثاني، وسقبها بفتح السين المهملة، وسكون القاف، والباء الموحدة، ولد الناقة وفصيلها وتفصيله مرّ في هود، وقوله أو ما نصب لهم من الأدلة أي ما أظهره الله من الأدلة ألعقلية الدالة عليه الميثوئة في الأنفس، والآفاق. قوله: (من الانهدام ونقب اللصوص الخ) فالحال مقدرة، وقوله أو من العذاب الخ الظاهر أنّ المراد عذاب الآخرة فظنهم أنها تحميهم منه من غاية الحماقة إذ لا وجه له، ولو أريد الأعمّ منه، ومن عذاب الاسنئصال في الدنيا كان التعليل بما ذكر أظهر، ويؤيده تفريع ما بعده عليه، والحسبان بكسر الحاء الظن. قوله: (فأخذتهم الصيحة) في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٨] ووفق بينهما بانّ الصيحة تفضي إلى الرجفة أو هي
стр. 1768
مجاز عنها قيل، وفوله تعالى: ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ يردّ ما مرّ في الأعراف من قوله فلما كانت ضحوة اليوم الرابع تحنطوا بالصبر، وتكفنوا بالأنطاع فاتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فإنه يقتضي أنّ أخذ الصيحة إياهم بعد الضحوة لا مصبحين ورد بأنه يحمل
قوله مصبحين على كون الصيحة في النهار دون الليل أو أطلق الصبح على زمان ممتذ إلى الضحوة لنص ظفر به دال عليه) قلت) هذا كله غفلة عن قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ هنا وقد مرّ الكلام عليه فتدبر. قوله: (ولذلك اقتضت الحكمة الخ) فهذه الآية لبيان هلاكهم في الدنيا، وما بعدها لبيان عذابهم في الآخرة، وهو أولى من قصره على الثاني كما في الكشاف، وقوله فينتقم الله الخ بيان لأن المراد من الإخبار بإتيانها، وقوله فاصفح يشير إلى أنه قادر على الانتقام منهم. قوله: (وعاملهم معاملة الصفوح الحليم) يعني المراد إمّا أمره بمخالقتهم بخلق رضا، وحلم وتأن بأن ينذرهم، ويدعوهم إلى الله قبل القتال، ثم يقاتلهم بعد ذلك فليست الآية منسوخة، وان كان المراد مداراتهم، وترك القتال تكون منسوخة بآية السيف في سورة براءة ٠ قوله: (فهو حقيق بأن تكل ذلك إلبه ليحكم بينكم) أي في الآخرة، وهذا ناظر إلى كون الآية غير منسوخة كما أنّ ما بعده ناظر لنسخها، وقوله وعلم الأصلح أي وان لم يجب عليه فعله، وإنما يفعله تفضلاً منه فليس مخالفا لمذهب أهل السنة، وقوله وفي مصحف عثمان وأبي رضي الله تعالى عنهما قيل يلزم عليه أن لا تكون هذه القراءة شاذة لوجود شروطها، وفيه نظر. قوله: (وهي الفاتحة الخ) قيل هذا أصح الأقوال وهو المصرح به في صحيح البخاري نقلا عن النبيّ ﷺ في قوله الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ونحوه من الأحاديث المروية من طرق. قوله: (وقيل سبع سور وهي الطوال) المعدود على التفسير الأوّلط آيات، وعلى هذا سور، وحينئذ فيها قولان، والطوال كصغار جمع طويلة والذي ورد في الحديث الطول بوزن كبر جمع طولى، وفي سابعتها اختلاف، ولو قال في التعليل فإنهما سورة واحدة كان أظهر لكنه أقحم حكم إشارة إلى القول
الآخر، وهذا القول ورد في الحديث أيضاً، وقد قيل بإنكاره لأن هذه السورة مكية، والسبع الطول مدنية، وأجيب بأنّ المراد من إيتائها إنزالها إلى السماء الدنيا، ولا فرق بين المدنيّ والمكيّ فيه، واعترض بأنّ آتيناك يأباه، وقيل إنه تنزيل للمتوقع منزلة الواقع في الامتنان، ومثله كثير. قوله: (وقيل التوية الخ (معطوف على الأنفال، ومرضه لما فيه من الفصل بينها وهو خلاف الظاهر، وكذا قوله الحواميم، وهو مبنيّ على جواز أن يقال حواميم في جمع حم، وهو الصحيح لوروده في الحديث الصحيح، والشعر الفصيح كما بيناه في شرح الدزة فلا عبرة بقول بعض أهل اللغة أنه خطأ، والصواب آل حميم. قوله: (وقيل سبع صحائف وهي الآسباع (الظاهر أن المراد بالصحائف الصحف النازلة على الأنبياء عليهكل الصلاة والسلام، وأنه أنزل عليه سبع منها، والمراد ما يتضمنها، وان لم يكن بلفظها فتأمّل. قوله: (والمثاني من التثنية أو الثناء (يعني أنه جمع مثنى على وزن مفعل، وهو إمّا من التثنية أي من الثني بمعنى التثنية أو الثناء، وهو مصدر سمي به المفعول أو اسم مكان سمي به مبالغة أيضاً، وقوله فإنّ كل ذلك مثنى بيان لكونه من التثنية، وقوله تكرّر قراءته لم يقل في الصلاة ليشمل الوجوه، وقوله قصصه ومواعظه هو مخصوص بغير الفاتحة، وقوله مثنى عليه بالبلاغة بيان لكونه من الثناء، وقوله فتكون من للتبعيض قيل إنه في غير الوجه الذي يفسر فيه بالإسباع، والقرآن فإن من فيه بيانية أيضأ. قوله: (فمن عطف الكل على البعض (بناء على أن يراد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين، والعام على الخاص إذا أريد به المعنى المشترك بين الكل، والبعض وفيه دلالة على امتياز الخاص حتى كأنه غيره كما في عكسه حتى لا يعد تكرارا. قوله: (لا تطمح ببصرك) الباء للتعدية، وطمح بمعنى ارتفع، وقوله طموح راغب قيد به لأنه المنهيّ عنه، وقوله مطلوب بالذات لا إنه آلة لغيره، وان أفضى إلى اللذات. قوله: (وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه الخ (قال العراقي:
الحديث مرويّ لكن لم أقف على روايته عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في شيء من كتب الحديث، وأذوعات بفتح الراء وكسرها بلد بالشام قيل وهذا لم يعرف أيضا
стр. 1769
ولم يعهد سفره ﷺ للشام فالظاهر ما وقع في غيره من التفاسير أنه وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل الخ، وقوله سبع آيات يعني الفاتحة، وفي الكشاف يقول لرسوله رسول الله ﷺ قد أوتيت النعمة الكبرى التي كل نعمة، وان كبرت وعظمت فهي إليها حقيرة فعليك أن تستغني به عن متاع الدنيا، ومنه الحديث: " ليس منا من لم ينغق بالقرآن " (١) قال في الانتصاف: هذا هو الصواب في معنى الحديث، وقد حمله كثير على تحسين الصوت، وإنما ينهي عن تمطيط الصوت المخرج له عن حده، وقال إنه لا يبني يتغنى إلا من الغناء الممدود لا من الغنى المقصور، وقد وجدت بناء يتغنى من المقصور في حديث الخيل فرجل ربطها تغنياً، وتعففاً فقد ورد منهما جميعا على خلاف ما ادّعاه المخالف، وهو كلام حسن. قوله: (أنهم لم يؤمنوا) بفتح الهمزة بدل اشتمال من الضمير المجرور، ويجوز أن يكون على تقدير اللام أي لأنهم لم يؤمنوأ، وكذا قوله أنهم الممتعون به. قوله: (وتواضع لهم وأرفق بهم) فخفض الجناح مجاز عن التواضع أو تمثيل بتشبيهه بالطائر. قوله: (أنذركم ببيان وبرهان) سيأتي بيان وجه جعله في قوّة الفعل وقوله: مثل العذاب الذي أنزلناه عليهم فما موصولة والعائد محذوف وقوله فهو وصف لمفعول الخ أي نذير عذابا كالعذاب الذي نزل الخ، واعترض! بأنّ أعمال اسم الفاعل، والصفة المشبهة إذا وصفت غير جائز وكونه في قوة أنذركم لا فائدة فيه كما توهم، وأجيب بأق المراد بالمفعول المفعول الغير الصريح، وتقديره بعذاب وهو لا يمنع الوصف من العمل فيه، وأيضا أنه لا يصلح أن يكون من كلام النبيّ ﷺ لقوله أنزلنا وإذا كان صفة مفعول يكون من مقول القول، واعتذر له بأنه كما يقول بعض خواص
الملك أمرنا بكذا أو حكاية لقول الله عليه ولا يخفى ما فيه، وقوله الاثنا عثر، وقيل كانوا ستة عشر أرسلهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ليقفوا على رأس طرق مكة لما ذكر، وقوله فأهلكهم الله تعالى يوم بدر في الكشاف وقتلهم بآفات. قوله:) أو الرهط الذين اقتسموا أي تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً ﵊ الخ) فيكون تفاعلاً من القسم، وهو في الوجه الأخير من الانقسام على مفارق الطرق، وهو على هذا صفة مفعول النذير كما في الوجه الذي قبله، وترك كون المراد بالمقتسمين اليهود، وبما أنزل عليهم ما جرى على بني قريظة، والنضير لأنّ المشبه به يكون معلوما حال النزول، وهذا ليس كذلك فيلغوا التشبيه. قوله: (وقيل هو صفة مصدر محذوف الخ) قائله جار الله، وآتينا بمعنى أنزلنا فكأنه قيل أنزلنا إنزالاً كما أنزل الخ والمقتسمون على هذا الذين قسموا القرآن عناداً لما ذكر: ﴿وهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أيضا كما في الوجه الذي بعده، وأنما الفرق بينهما تقسيمهم له إلى ما يؤمنون به، وما يكفرون، وأنّ المراد بالقرآن معناه اللغوي وهو المقروء من كتبهم، وعلى هذا الدّين صفة المقتسمين، وعلى الأوّل مبتدأ خبره فوربك الخ، وكان الظاهر أن يقول، والمقتسمون هم أهل الكتاب، وما اقتسموه إمّا القرآن حيث قالوا الخ. أو ما يقرؤونه من كتبهم. قوله: (فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ الخ) أي على هذا الوجه الأخير المقصود منه تسلية النبيّ ﷺ ، وقوله ممداً لها أي للتسلية، والمراد أنه مؤكد مقولها، وعبر به لموافقة النظم. قوله: (أجزاء جمع عضة الخ) عضوة بكسر العين، وفتح الضاد بمعنى جزء فهو معتل اللام من عضاه بالتشديد جعله أعضاء، وأجزاء وجعله أجزاء يتناول التقسيم إلى الشعر، والسحر، والكهانة وتقسيمه إلى حق، وباطل دمايمانهم ببعض، وكفرهم ببعض منه. قوله: (وقيل فعلة من عضهته (كذا في نسخة مصححة أي على وزن فعلة بوزن الهيئة، وأمّا في الوجه الأول فهو بفتح الضاد كما ذكره الطيبيّ ونقله السيوطيّ رحمه الله تعالى، وقيل إنه على الاحتمال الأوّل بوزن فعلة أيضاً، وأراد بفعلة بناء النوع فإنه علم وليس الأوّل،
وان وافق زنة بهذا المعنى فلهذا خصه بهذا، وفيه نظر، وفي بعضها، وقيل أسحاراً جمع سحر تفسير لعضين، وإذا كان من عضهته، فاللام المحذوفة هاء كشفة على القول بأنّ أصلها شفهة، وقوله إذا بهته أي افتريت عليه لكن الواقع في الحديث (١) بمعنى الساحرة، والمستسحرة أي المستعملة لسحر غيرها كما ذكره ابن الأثير فكان أصل معناه البهتان بما لا أصل له فأطلق على السحر لأنه تخييل أمر لا حقيقة له فلذا
стр. 1770
جمع بينهما المصنف رحمه الله تعالى لكن فيه إجمال، وهذا الحديث رواه ابن عدفي في الكامل، وأبو يعلى في مسنده كما قاله العراقي. قوله:) وإنما جمع جمع السلامة الخ) إشارة إلى ما ذكروه من أنّ ما حذف منه حرف يجمع جمع السلامة جبرا لما فات منه كعزين، وسنين وهو كثير مطرد والا فحقه أن لا يجمع جمع السلامة المذكر لكونه غير عاقل، ولتغيير مفرده، وهذه المسألة مفصلة في شرح التسهيل، وقوله والموصول الخ. ترك كونه منصوبا بالنذير الذي في الكشاف لبعده، وأعمال المصدر الموصوف فيه. قوله: (من التقسيم) ناظر إلى قوله أجزاء، وقوله أو النسبة إلى السحر ناظر إلى قوله، وقيل أسحارا أو إلى تفسيره على الواقع في بعضها إذ معنى بهتهم القرآن جعله سحراً. قوله: (فيجارّيهم عليه) بصيغة المتكلم أو الغيبة، والفاء تفسيرية أو عاطفة، وعلى الأوّل فالسؤال مجاز عن المجازاة لأنه سببها فلا يرد أنه ينافي قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٣٩] وعلى الثاني المراد سؤال التقريع بلم فعلتم لا الاستفهام لعلمه بجميع ما كان وما يكون، وأورد عليه الإمام أنه لا وجه لتخصيص نفيه بيوم القيامة، وأجيب بأنه بناء على زعمهم كقوله: ﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٢١] فإنه يظهر لهم في ذلك اليوم أنه لا يخفى عليه شيء فلا يحتاج إلى الاستفهام، وقيل المراد لا سؤال يومئذ من الله، ولا من غيره بخلاف الدنيا فإنه ربما سأل غيره فيها ورد بأن قوله لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم يأباه، ثم إنّ الإمام ارتضى في سورة الرحمن ما ردّه هنا، وسيأتي الكلام فيه، وأنه باعتبار المواقف، والعموم نظرأ إلى ظاهر ما وقوله أنا النذير المبين. قوله:) فاجهر به) فاصدع أمر من الصدع بمعنى الإظهار، والجهر من انصداع الفجر أو من صدع الزجاجة، ونحوها، وهو تفريق أجزائها فالمعنى افرق بين الحق، والباطل، وقوله وأصله الخ إشارة إلى أنه مستعار منه، والباء في الأوّل صلته، وفي الثاني سببية. قوله: (وما مصدرلة أو موصولة الخ) رد أبو حيان رحمه الله تعالى المصدرية بأنه جار على مذهب من يجوّز أن يراد بالمصدر
أن، والفعل المبنيّ للمفعول، والصحيح عدم جوازه وردّ بأنّ الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف مصدري، وفعل مجهول أم لا إمّ أنّ الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس محل النزاع فإن كان اعتراضه على الزمخشريّ في تفسيره بالأمر، وأنه كان ينبغي أن يقول بالمأمور به فشيء آخر سهل، وقوله بما تؤمر به من الشرائع فالمأمور به الشرائع نفسها لا الأمر بها حتى يتكلف، ويقال أصله تؤمر بالصدع به فحذف تدريجاً إذ لا داعي له، وقوله فلا تلتفت الخ. يشير إلى أنه ليس أمراً بترك القتال حتى يكون منسوخاً بآية السيف. قوله: (كانوا خمسة الخ) كونهم خمسة قول وفي شرح البخارفي أنهم سبعة، وفي بعض أسمائهم اختلاف مفصمل في كتب الحديث، والعاص بضم الصاد واجراء الإعراب عليها، وليس منقوصا كالقاضي فإنه علم آخر كذا قيل، ولا أصل له، وقوله عدفي بن قيس كذا في نسخة وصوابه الحرث بن قيس ونبال بفتح النون، وتشديد الباء الموحدة من يصنع النبال أي السهام، وقوله لأخذه متعلق بينعطف، وقوله كالرحى في رواية كعنق البعير، وقوله فامتخط أي خرج قيح من أنفه بدل مخاطه.
تنبيه: في المستهزئين خلاف فقال الكرمانيّ في شرح البخاريّ هم السبعة الذين ألقوا الأذى على رأسه ﷺ وهو يصلي كما في البخاريّ فهم عمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد وفي الأعلام للسهيلي أنهم قذفوا بقليب بدر وعدهم بخلاف ما ذكر. قوله: (عاقبة (إشارة إلى مفعوله، وقوله في الدارين متعلق به، وقوله فافزع الفزع هنا بمعنى الالتجاء، وقوله بالتسبيح، والتحميد
بمعنى أنه بمعناه العرفي، وهو قول سبحان الله والحمد لله، وما بعده إشارة إلى أنه بمعناه اللغويّ، وما نابك بمعنى ما نزل بك، وقوله من المصلين فهو من إطلاق الجزء على الكل، وقوله حزبه بالباء الموحدة، والنون أيضا وقد مرّ ضبطه وشرحه، وقوله فزع إلى الصلاة أي قام إليها واشتغل بها، وقوله الموت فاليقين بمعنى المتيقن، والمراد مدة حياته ﷺ ، وقيل المراد به تعذيب هؤلاء، وأن ينزل بهم ما وعده وتخل من الخلل والتقصير، وقوله من " ترأ سورة الحجر الخ) (١) هو حديث موضوع كما في كثر ما ذكر في أواخر السور.
стр. 1771
سورة النحل
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (مكية غير ثلاث آيات) وقيل مكية كلها، وقيل غير ذلك. قوله: (مائة الخ) الذي
ذكره الداني في كتاب العدد أنها تسعون، وثلاث، وقيل أربع، وقيل خمس في سائر المصاحف، وتسمى سورة النعم جمع نعمة لما ذكر فيها مما أنعم " الله به على الإنسان من الماكل، والمركب وغير. كما ستراه، ولما ذكر في آخر السورة السابقة المستهزئين المكذبين له ابتدأ هنا بقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ المناسب له على ما ذكر في معناه، وسبب نزوله. قوله: (كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول ﷺ الاستعجال طلب الشيء قبل زمانه ولذا قيل من استعجل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وقوله دماهلاك الله، وفي نسخة أو بدل الواو، وهما بيان للوعيد، وقوله تشفع لنا ناظر للساعة، وتخلصنا للإهلاك فليس قوله إن صح ما يقوله الخ. ظاهرا في إرادة قيام الساعة كما توهم، وقوله استهزاء، وتكذيباً تعليل لقوله يستعجلون فليس استعجالهم على حقيقته بل هو في صورة الاستعجال، والمراد به ما ذكر، ويقولون معطوف على يستعجلون. قوله: (والمعنى أنّ الأمر الموعود به) يشير إلى أنّ أتى بمعنى يأتي على طريق الاستعارة بتشبيه المستقبل المحقق بالماضي في تحقق الوقوع، والقرينة عليه قوله فلا تستعجلوه فإنه لو وقع ما استعجل، وقوله من حيث إنه تعليل لما قبله، وانّ بالكسر على ما ارتضاه ابن هشام رحمه الله تعالى، وجوّز ابن إياز فتحها لأنها قد تضاف للمفرد لكنه شاذ فالكسر أولى، وقوله فلا تستعجلوا وقوعه تفريع على وجوب الوقوع فإنّ ما هو كذلك لا يخاف فواته حتى يستعجل فإنّ الاستعجال إنما هو في الاكثر لذلك، ثم علل النهي بأنه لا خير في الوقوع، ولا بد منه فضمير فيه وعنه للوقوع، ولا غبار على كلامه. قوله: (تبرّأ وجل عن أن يكون له
شريك الف ونشر فتبرأ تفسير سبحان وجل تفسير تعالى، وعن أن الخ تنازع فيه تبرّأ وجل، وما تحتمل الموصولية، والمصدرية لكنها ظاهرة في الثاني، وإليه أشار بقوله عن أن إذ فسرها بان المصدوية مع احتماله للوجه الآخر، ولما كان التنزيه إنما يكون عن صفة العين لا عن الذوات، وصفات الغير فلا يظهر التنزبه عن الشريك أشار بقوله أن يكون له إلى أنه صفة سببية سلبية، وأيضاً لما كان التنزيه منه تعالى لنفسه آل إلى معنى التبري فلذا فسره به، وقوله فيدفع ما أراد بهم بيان لارتباطه بما قبله، ومناسبته له، ويدفع بالنصب أي تنزه سبحانه، وثعالى عن أن يحوم العجز اللازم لتكذيبهم حول سرادقات كبريائه فيكون له شريك فضلاً عن شركاء حتى يكون ما زعمتم من دفعهم عنكم،،. هم أحجار، ومخلوقات لا تملك لأنفسها ضرّا ولا نفعا. قوله: (بالياء على تلوين الخطاب (الواقع في قوله فلا تستعجلوه فإنه للكفرة فإذا قرئ يشركون بالغيبة حينئذ كان التفاتا، والمراد بتلوين الخطاب الالتفات من الخطاب للكفرة إلى الغيبة، والخطاب الكلام المخاطب به، وعليه إذا قرى بالتاء لا التفات فيه، وكذا إذا كان الخطاب الأوّل للمؤمنين أولهم، ولغيرهم فإنه لا يتحد معنى الضميرين حتى يكون التفاتاً أو هما متحدان لكنه فيه تغليبان فغلب المؤمنون على غيرهم في الخطاب وغيرهم عليهم في نسبة الشرك على قراءة تشركون بالتاء، ولا التفات فيه أيضاً، وعلى قراءة الياء لا التفات، ولا تغليب أصلا. فمن قال ليس المراد بتلوين الخطاب الالتفات بل المعنى الأعم منه لوجوده أيضا إذا كان الخطاب لهم ولغيرهم فلا تصح المقابلة على الإطلاق لم يصب. قوله: (لما روي أنه لما نزلت الخ ((١) اعترض عليه بأنه ليس في هذه الرواية استعجال المؤمنين، وقد قيل في آية أخرى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها فالظاهر أنهم لما سمعوا أوّل الآية اضطربوا الظن أنه وقع فلما سمعوا خطاب الكفار بقوله فلا تستعجلوه اطمأنت قلوبهم وردّ بأنه ليس المراد بالاستعجال حقيقته بل اضطرابهم، وتهيؤهم لها المنزل منزلته، وليس هو الاستعجال الواقع من الكفرة في تلك الآية لأنه استعجال تكذيب كما في الوجه الآخر، وبه اندفع الاعتراض بلزوم الجميع بين الحقيقة، والمجاز إذا كان الخطاب للمؤمنين وغيرهم فإن قلت إذا كان الخطاب للمؤمنين لا يتصل قوله
стр. 1772
سبحانه وتعالى عما يشركون بما قبله بخلافه على العموم والاختصاص بالكفرة (قلت) كذا توهمه بعضهم وليس كذلك، فانه لما نهاهم عن الاستعجال ذكر ما يتضمن أنّ إنذاره، واخباره للتخويف، والإرشاد وأنّ قوله إنّ الساعة آتية إنما هو لذلك، فليستعد كل أحد لمعاده، ويشتغل قبل السفر بتهيئة زاده فلذا عقب بذلك دون عطف، وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى ارفإطه باعتبار ما بعده، فيكون ما ذكر مقدمة واستفتاحاً له، وأيضا فإنّ قوله تعالى أتى أمر الله
تنبيه وايقاظ لما يرد بعده من أدلة التوحيد فتدبر.
قوله: (بالوحي أو القرآن فإنه يحبا به القلوب الخ) في الكشاف الروح استعارة للوحي
الذي هو سبب الهداية ومن أمره بيان له فشبه الوحي مطلقا أو بعضه بالروح فإن كان بالنظر إلى الموحى إليهم فلأنه بتخليصهم من الجهالة والضلالة المشبهة بالموت كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٢ ا] فيه حياة لهم وان كان بالنظر إلى الدين فلأنه به قيامة، وقوامه كما تقوم الروح بالبدن فهو استعاوة مصرحة محققة لكنها تلزمها مكنية وتخييلية، وهي تشبيه الجهل والضلال بالموت، وضده بالحياة أو تشبيه الدين بإنسان ذي جسد وروج، كما إذا قلت رأيت بحراً يغترف الناس منه وشمساً يستضيؤون بها فإنه يتضمن تشبيه علمه بماء عذب ونور ساطع لكنه جاء من عرض فليس كاظفار المنية، وليس غير كونه استعارة مصرّحة كما توهم، وقد مرّ مثله في البقرة. (فإن قلت) قوله من أمره يخرج الروح من الاستعارة إلى التشبيه كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] (قلت) قالوا إنّ بينهما بونا بعيدا لأنّ نفس الفجر عين المشبه شبه بخيط، وليس مطلق الأمر بمعنى الشأن مشبها به، ولذا بينت به الروح الحقيقية في قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ﴾ كما تبين به المجازية، ولو قيل: يلقي أمره الذي هو الروح لم يخرج عن الاستعارة فليس وزان من أمره وزان قوله من الفجر، وليس كل بيان مانعاً من الاستعارة، كما يتوهم من كلام المحقق في شرح التلخيص، فعليك بالتفقنزا له فإنه مما تزل فيه الأقدام، ولم يلتفتوا إلى جعل الروج هنا بمعنى جبرائيل الواقع في بعض التفاسير، وقوله: (فإنه الخ) إشارة إلى وجه الشبه على ما حققناه، وقرينة الاستعارة إبدال أن أنذروا منه. قوله: (وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به الخ) هو على وجوه الخطاب، وازاحة معطوف على قوله إشارة وقوله بالعلم الباء دخلت فيه على المقصور وقد مرّ بيانه، وقوله: وعته تنزل أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين. قوله: (بأمره أو من أجله) يعني من إما سببية أو تعليلية، والأمر واحد الأوامر ومن جعله واحد الأمور جعلها تبيينية وقد صرح به شراج الكشاف رحمهم الله تعالى أخذاً من كلامه فلا عبرة لمن أنكره، وقوله أن يتخذه رسولاً بيان لمفعول يشاء المقدر وقوله: ﴿أَنْ أَنذِرُواْ﴾ تفسير له بما يجري على بعض الوجوه وهو كون أن مصدرية منصوبة
المحل بعد حذف الجار أو مجرورة وكونه بدلاً من الروج، وكونها مخففة من الثقيلة لا تفسيرية وإذا كانت مخففة فاسمها ضمير شأن مقدر، والخبر أنذروا ولا يحتاج فيه إلى تقدير قول لأن خبر ضمير الشأن يكون أمراً من غير تأويل لأنه عينه كقولك كلامي اضرب كما حققه في الكشف. قوله: (من نذرت بكذا إذا علمته) تقدم تحقيقه وأنه ليس له مصدر صريح، وإذا دخلت عليه همزة التعدية صار بمعنى أعلمت ثم خص بإعلام ما يخاف منه، فوقع في مقابلة التبشير ومحصله حينئذ التخويف، فإما أن يكون على أصل معناه لتعلقه بقوله لا إله إلا أنا ولا تخويف فيه بحسب الظاهر أو يكون بمعنى التخويف، ولذا قيل إنه يدلّ على أنهم أثبتوا له تعالى شركاء، وهو يقتضي الانتقام منهم لا منا وهم نسبوا إليه ما لا يليق بجلاله فمن قال: الثابت في اللغة أن نذر بالشيء كفرح به علمه، فحذره وأنذره إذا أعلمه بما يحذره، وليس فيها مجيئه بمعنى التخويف، فأصله للاعلام مع التخويف فاستعملوه في كل من جزأي معنييه لم يأت بشيء يعتد به. قوله: (إنّ الشأن الخ (فالضمير للشأن وهو مفعول أنذروا بمعنى أعلموا دون تقدير جارّ فيه بخلاف ما إذا كان بمعنى التخويف، ومفعوله الأوّل عام فلذا لم يقدره، وعلى الثاني خاص بأهل الكفر والمعاصي محذوف كما أشار إليه، وهو يتعدى إلى الثاني بالباء فلذا قال بأنه. قوله: (وقوله فاتقون رجوع إلى مخاطبتهم) قيل: إنه لا يظهر لتخصيص كون
стр. 1773
الانذار بمعنى التخويف بكون اتقون رجوعا إلى مخاطبتهم وجه بل ذلك في كونه بمعنى الاعلام أولى فإنّ قوله فاتقون إنذار وتخويف، فابقاؤه في حيز خوفوا هو الظاهر، وردّ بأنّ المراد أنه رجع إلى مخاطبة قريش بالانذار وليس في كلامه ما يدل على اختصاص هذا بالمعنى الثاني لأنذروا كما ظنه، ئم قال فإن قلت هذا على تقدير أن لا يكون ﴿فَاتَّقُونِ﴾ من جملة الموحى به، وهو الظاهر لجريانه على جميع الوجوه فهل لك أن تجعله منها، والمعنى أعلموهم قولي إنّ الشأن كذا فاتقون أو خوّفوهم بذلك قلت: لا والا لقيل إنّ بالكسردلا بالفتح، ثم وجه تفريع قونه فاتقون على التوحيد أنه إذا كان واحداً لم يتصوّر تخليص أحد! لأحد من عذابه (قلت) إذا كان بمعنى التخويف، فالظاهر دخول قوله: (فاتقون) في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة فمقتضاه أن يقال أنذروهم بأنه المنفرد بالألوهية الذي يجب عليهم أن يتقوه ويخشوا عذابه لأنه المقصود ذكره للانذار فالعدول عنه لذلك، وإذا كان بمعنى الاعلام فالمقصود بالاعلام هو الجه لمة الأولى وهذا متفرّع عليها على طريق الالتفات فتأمّل، وأمّا الكسر الذي ذكره، فغير وارد فانه ليس بعد قول صريح ملفوظ، أو مقدّر إنما ذكروه لتصوير المعنى. قوله: (وأن مفسرة) فلا محل لها مع الجملة الداخلة عليها، وهي تفسير للروح بمعنى الوحي، وقوله الدال على القول بيان لوجود شر،، أن المفسرة وقد وقعت بعد فعل يتضمن معنى القول، وهو قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ﴾ فليس شرطها مفقوداً هنا كما توهم، دمانما صزح
بتأويل الروح به لأنه المفسر في الحقيقة، ولولاه لم تدلّ الجملة على ذلك. قوله: (أو مصدرية) على مذهب سيبويه المجوز لوصلها بالأمر والنهي وفوات معناه بالسبك، كفوات المضيّ مع أنه غير مسلم كما مرّ تحقيقه، وإذا كانت مخففة من الثقيلة، فهل يحتاج إلى تقدير القول معها أم لا تقدم الكلام فيه، والنصب بنزع الخافض بتقدير الباء السببية معه. قوله: (والآية تدل على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة الخ) دلالة الآية على ذلك ظاهرة وليس فيها دلالة على أنه لا يكون إلا بذلك حتى يرد عليه أنه لا دلالة فيها على الحصر مع أنه غير منحصر في ذلك، وقوله: (منتهى كمال القؤة العلمية) يعني أنه أشرف المطالب اليقينية، وكون النبوّة عطائية هو مذهب أهل الحق خلافاً للحكماء، وقد مرّ تحقيقه في سورة الأنعام وقوله: (لأصول العالم) يعني به السماوات والأرض، وقوله: (على وفق الحكمة) هو معنى قوله بالحق وقوله فيلزم التمانع إشارة إلى برهان التمانع المذكور في علم الكلام، وقوله وفروجمه! يعني به ما في خلق الإنسان الخ. قوله: (أوجدهما على مقدار وشكل الخ) هو يؤخذ من موله تعالى بالحق لأنّ معناه ما يحق لها بمقتضى الحكمة لتدلّ على صانع مختار منفرد بالألوهية والا لوقع التمانع لاجتماع مؤثرين على أثر واحد ولذا عقبه بقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى قوله بالحق بحكمة الحق وقوله: (منها) وفي نسخة منهما واليهما والمعنى واحد وقيده بما ذكر ليرتبط بما قبله ولأنه الواقع. قوله: (على أنه تعالى ليس من قبيل الإجرام) أي ليس بجسم كما يقوله المجسمة، ووجه الدلالة أنه يدلّ على احتياح الإجرام إلى خالق، فهو لا يجانسها والا لاحتاج إليه فلا يكون خالقاً أنّ كل ما هو جرم فهو منهما وخالقهما، وما فيهما هو الله فليس منهما حتى يرد عليه أنه إنما يدلّ على أنه ليس من السماوات والأرض، فجاز أن يكون جسما من غيرها إلا أن يراد بالسماوات والأرض جهة العلو والسفل كما قيل. قوله: (منطيق مجادل) منطيق بكسر الميم صيغة مبالغة كمنحار، فهو دليل آخر على خالقيته، وقدرته وهذا هو الوجه كما في شرح الكشاف ولذا قدمه المصنف رحمه الله تعالى، ووجه الاستدلال أنه كان نطفة
سيالة لا يستقرّ ولا يحفظ شكلا فانتقلت إلى أطوار مختلفة حتى صارت تدفع عن نفسها وتخاصم وتحاج من حاجها، وهذا ليس مما تقتضيه الطبيعة بل هو بخلق فاعل حكيم مختار. قوله: (أو خصيم مكافح الخ) هذا هو الوجه الثاني وأخره لما مرّ وأصل الكفاح في القتال، وأراد به مطلق الدفع أو الدفع بالحجة على التشبيه لها بالسيف، ونحوه على طريق الكناية والتخييل وهو لبيان جراءة من كفر على الله وعدم استحيائه منه، ووقاحته بتمادبه في الكفر قيل ويؤيد هذا الوجه قوله في سورة يس بعدما ذكر مثله قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [سورة ي! ، الآية: ٧٨] فإنه نص في هذا فصدر الآية
стр. 1774
للاستدلال، وعجزها لتقرير الوقاحة وليس بشيء لأنّ مدار ما قبلها في تلك السورة على الحشر والنشر ومكابرتهم فيه بخلاف هذه، ولكل مقام مقال، وقد أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى هناك، وأمّا كون الآية مسوقة لتقرير وقاحة الإنسان لانتفاء التنافي بين الاستدلال على الوحدانية والقدرة وتقرير وقاحة المنكرين، ولذا جعل تتميما لقوله تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فعدم المنافي لا يقتضي وجود المناسب ووجه التعقيب وإذا الفجائية مع أنّ كونه خصيماً مبينا لم يعقب خلقه من نطفة إذ بينهما وسايط أنه بيان لأطوار. إلى كمال عقله فالتعقيب باعتبار أخرها فلا وجه لتقدير الوسايط ولا للقول بأنه من باب التعبير عن حال الشيء بما يؤول إليه وخصيم صيغة مبالغة أو بمعنى مخاصم، وترى بضثم التاء بمح! ى تزعم وتظن ورم بمعنى صار رميماً. قوله: (روي أنّ أبئ بن خلف الخ) الرميم البالي الفاني وفي هذه الاية دليل الشافعيّ رضي الله تعالى عنه على أنّ العظم والشعر ينجس بالموت، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى خالف في ذلك وقال لو أن فيه حياة ما لبث بعد الموت وتأويفه بما سياتي في سورة يس يأباه أنّ دخول صورة السبب لازم. قوله: (ألا بل الخ) سيأتي تحقيقه والغنم شامل للضأن والمعز كشمول البقر للجاموس وهذه هي الأزواج الثمانية والزوج ما معه غيره وقد يراد به المجموع، وفي نصب الأنعام أوجه نصب على الاشتغال وهو أرجح من الرفع لتقدم الفعلية أو بالعطف على الإنسان فعلى الأوّل قوله خلقها مفسر، وعلى هذا مبين مؤكد وهو مستأنف جواب سؤال مقدر وقرىء بالرفع في الشواذ. قوله:) بيان ما خلق لأجله (وفي نسخة ما خلقت لأجله والتذكير في الأولى بتأويل ما ذكر أو يكون لأجل نائب الفاعل وجوّز فيه أن يكون مبنيا للفاعل وفي الكشاف ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جن! الإنسان فقيل
الحصر مأخوذ من لام الاختصاص بناء على أنه معنى اختصاها على أحد الاحتمالين، وقوله: يا جنس الإنسان إشارة إلى أنه التفات من الغيبة إلى الخطاب والكلام تم عند قوله خلقها، ويجوز أن يتم عند قوله لكم متعلقة بخلقها والأوّل أولى لعطف قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ عليه وعليه فالحصر مستفاد من التقديم وعلى الأوّل من اللام أو الفحوى والمقام وخالفه المدقق، فجعل الأولى تعلق لكم بخلق قيل: وهو الذي أراده رحمه الله تعالى ولذا لم يذكر حديث الحصر لأنّ اللام لا تدلّ عليه كما مرّ تفصيله، والمقابلة غير متعينة هنا وفيه أن قوله هنا لأجله صريح في أن اللام تعليلية لا اختصاصية غير دالة على الحصر وان قيل: إنّ التعليل قد يفيد ذلك فتأمّل وقوله فيقي البرد أي يكون وقاية دافعة بجعله لباسا أو بيتاً كما في آية أخرى ومن أصوافها الخ. والدفء اسم لما يدفىء أي يسخن وقرأ زيد بنقل حركة الهمزة إلى الفاء والزهريّ كذلك إلا أنه شدد الفاء كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف وفي اللوامح منهم من عوّض! من الهمزة تشديد الفاء، وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفا، واعترض عليه المعرب بأنّ التشديد وقفاً لغة مستقلة، وان لم يكن ثمة حذف من الكلمة الموقوف عليها، ويدفع بأنه إنما يكون ذلك إذا وقف على آخر حرف منها أمّا إذا وقف على ما قبل الآخر كقاض فلا. قوله: (نسلها ودرها وظهورها) أي وركوب ظهورها، وقوله وأنما عبر عنها أي عما ذكر من النسل وما ذكر معه والمراد بعوضها ثمنها ويلحق به الأجرة، وقوله أي تأكلون ما يؤكل إشارة إلى أنّ من تبعيضية، ويجوز أن تكون ابتدائية، وقوله:) والألبان) إشارة إلى أنّ الكل هنا بمعنى التناول الشامل للشرب، وقوله:) أو لأن الأكل منها هو المعتاد) بيان لوجه آخر للتقديم، وهو الحصر وأنه إضافيّ بالنسبة إلى اللحوم المعتادة، ونحوها، فلا يرد لحم الطيور والخبز والبقول والحبوب، والاعتياد مأخوذ من المضارع الدال على الاستمرار. قوله: (تردّونها من مراعيها إلى مراحها) بضمّ الميم وهو مقرها في دور أهلها وفيه إشارة إلى أنّ ضمير المفعول محذوف من الفعلين، والأفنية جمع فناء الدار بالكسر والمد وهو ما حولها من الفضاء، ويجل بكسر الجيم بمعنى يعظم، وملأى بفتح الميم وسكون اللام تأنيث ملآن كعطشان وعطشى، وحافلة بمعنى ممتلئة باللبن وحاضرة لأهلها أي موجودة في أفنيتهم، وقوله: ﴿تُرِيحُونَ﴾ فيه إشارة إلى حذف العائد من الجملة الواقعة صفة، والتسريح بمعنى الارسال، وأصله في الشعر والمراد به هنا
стр. 1775
ارسال المواشي للرعي وتقييد الأوّل بالعشيّ. والثاني بالغداة بناء على المعتاد، والحظائر جمع
حظيرة، وهي مبيتها، والأحمال جمع حمل بالكسر معروف.! قوله: (وتقديم الإراحة الخ) أي مع تاخرها في الوجود لما ذكر والواو وإن لم تقتض ترتيبا لكن مخالفة الظاهر لا بد له من نكتة. قوله: (إن لم تكن الخ) بتشديد النون المدغمة في نون ضمير الإناث العائد على الأنعام ويجوز تحقيقه، وفاعله ضمير هي المقدر للافعام، وفي نسخة إن لم تكن الأنعام وكان تامّة، ويجوز أن تكون ناقصة، والخبر محذوف وهذا إشارة إلى السؤالين المذكورين في الكشاف، ودفع ما يتوهم من أنّ الموافق للسياق لم تكونوا حامليها إليه وأن طباقه من حيث إنّ معناه تحمل أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم، وترك الوجه الثاني وهو أنّ المعنى لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس وحذف بها لأنّ المسافر لا بد له من الأثقال لأنّ الأوّل أبلغ وعن عكرمة رضي الله تعالى عنه أنّ البلد مكة. قوله: " لا بكلفة ومشقة) هذا بيان المعنى المراد منه وما بعده بيان لأصل معناه وانّ اطلاقه إمّا لكونه يكسر النفس أو يذهب نصفها كما تقول لن تبلغ كذا إلا بقطعة من كبدك، وقوله لانفاعكم الموجود في اللغة النفع لا الإنفاع، وقد استعمله المصنف رحمه الله تعالى في مواضع من كتابه، وخطىء فيه كما سيأتي في سورة الجن، وقوله وتيسير الأمر عليكم من قوله وؤوف. قوله: (ولتتزينوا بها زينة) فهي مفعول مطلق لفعل مقدر معطوف على لتركبوا أو هو مفعول به لفعل مقدر هو حال أي، وقد جعلها لكم زينة كما هو أحد الوجو. في إعرابه، وقوله: (وتغيير النظم) أي بإظهار اللام في الأوّل دون الثاني لأنّ الأوّل مختلف فاعله، فلا يصح نصبه على أنه مفعول له لفقد شرطه على ما عرف في النحو بخلاف الزينة بمعنى التزيين، واعترض عليه بفقد الشرط الآخر وهو المقارنة في الوجود فإن خلقها متقدّم على الزينة ورذ بأنها في حال خلقها زينة في نفسها، وفيه نظر وفي شرح المفصل للسخاوندي أنه لا بد من كون المصدر واقعا بعد الفعل يعني أنه لا يشترط فيه المقارنة، ودفع أيضا بأنّ المراد بالمقارنة عدم التقدم، لأنه يقال شربت الدواء اصلاحا للبدن كما قيل عليه أنه مخالف للمشهور بين النحاة وما ذكر محمول على الحال المقدرة، والذي يحسم ماذة الاشكال التأويل، كما أوّل التأديب بإرادته في ضربته تأديباً، ولذا قيل إنه علة بحسب الوجود الذهني
معلول بحسب الوجود الخارجي لاعتماده عليه، وقوله:) معطوفة على محل لتركبوها) فهي مفعول له. قوله: (ولأنّ المقصود من خلقها الركوب) فصرّح فيه بحرف العلة إشارة إلى أن الخلق في الأصل لأجله، وهذا لا يعارضه ما مرّ من أن نصبه لوجود شرط النصب فيه، لأنّ النكات لا تتزاحم، وقوله فحاصل بالعرض! لأنّ العقلاء لا تنظر إلى زينة الحياة الدنيا، فإنها عرض زائل فلذا أخره، وغير الأسلوب فيه قيل وهذا هو الوجه. قوله: (وقرىء بغير واو) وهي قراءة شاذة لابن عباس ﵄، وفي إعرابه الوجوه السابقة ويزيد عليها كونه مفعولاً له لتركبوها وهو بمعنى التزين، فلا يرد عليه اختلافهما، ولا حاجة إلى الجواب بأنه على القول بجوازه، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إيماء إليه، وأما لزوم تخصيص الركوب المطلوب بكونه لأجل الزينة، وكون الحكمة في خلقها ذلك، وكرن ذلك هو المقصود الأصلي لنا فلا ضير فيه لأن التجمل بالملابس، والمراكب لا مانع منه شرعاً كما مز في قوله ولكم فيها جمال وهو لا ينافي أن يكون لخلقها حكما أهم عند العقلاء كالجهاد عليها وسفر الطاعات وإنما خص لمناسبته مقام الامتنان مع أن الزينة على ما قال الراغب ما لا يشين في الدنيا ولا في الآخرة، وأما ما يزينه في حالة دون أخرى فهو من وجه شين، ولذا قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات، الآية: ٧] وقوله: (متزينين) على الحالية من ضمير الفاعل ومتزينا بها على كونه حالاً من ضمير المفعول. قوله: (واستدلّ به على حرمة لحومها (هو أحد قولي الحنفية في كراهتها هل هي تحريمية أم لا وإلى الأوّل ذهب صاحب الهداية وحمه الله تعالى، وذكر في وجه الاستدلال أنّ الآية واردة في مورد الامتنان والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم، ويمن بأدناها، ونقله في كتاب
стр. 1776
الأحكام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى الجواب عنه بأنّ كونه أدنى النعمتين غير مسلم، واًن ذكر بعض المنافع لا ينافي غيرهما، والآية وردت للامتنان عليهم بما ألفوه واعتادوه، وهو الركوب والتزين بها لا اكل بخلاف النعم فذكر أغلب المنفعتين عندهم وترك الأخرى اكتفاء بذكره أوّلاً كيف وحرمة لحوم الحمر الأهلية إنما وقعت عام خيبر عند أكثر المحدثين، وهذه الآية مكية فلو علم منها ذلك كان ثابتا قبله (وفيه بحث (لأنّ السورة وان كانت مكية يجوز كون هذه الآية مدنية، ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فتأمّل فإن الاستدلال بها لا يخلو من الكدر، وقوله: (على أن الحمر الأهلية الخ (يعني ولو كانت الآية دالة على حرمة لحوم الخيل لدلت على حرمة لحوم الحمر أيضاً لكونهما على سنن
واحد في النظم، وهو إشارة إلى ما في مسلم وغيره " نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الآهلية " (١) . قوله: (لما فصل الحيوانات الخ) إشارة إلى تفاوت مراتب الاحتياج وأن منها ما هو ضرورفي، وما هو غير ضروريّ، وقوله أجمل غيرها إشارة إلى أن قوله ويخلق ما لا تعلمون بمعنى ويخلق غير ذلك، والتعبير عنه بذلك لأن مجموعها غير معلوم، وقوله: (ويجوز الخ) فما لا تعلمون على ظاهره، وأنه مما لا يحتاج إليه، وأن يراد معطوف على أن يكون، وهو مخصوص بما في الجنة، وكونه غير معلوم لنا، وقوله: (ما لم يخطر (إشارة إلى الحديث المشهور. قوله: (بيان مستقيم الطريق الخ (ليس القصد هنا مصدر قصدته بمعنى أتيته بل هو بمعنى تعديلها وهو مصدر وصف به فهو بمعنى قاصد يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك، ولا يعدل عنه فهو نحو نهر جار وطريق سائر ولما كان على للوجوب ولا وجوب على الله عندنا كما ذكره الزمخشري كان معناه أنه لتحتمه وتعينه بطريق الوعد به تفضلاً كالواجب اللازم عليه كما أشار إليه بقوله رحمة الخ واللازم ليس هو مستقيم الطريق بل الهداية إليه وبيانه للعباد فلذا قدروا فيه مضافا، وهو البيان كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى أو الهداية كما في الكشاف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [سورة الليل، الآية: ١٢] أو هو مصدر بمعنى الإقامة، والتعديل أي اظهاره بالحجج والبراهين وارسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وانزال الكتب ولا حاجة إلى تقدير المضاف على هذا والموصل صفة مستقيم لا صفة الطريق، لأن كل طريق موصل إلى الحق مستقيم، وإنما قيل إن عليه بيان الطريق المستقيم دون ضده، لأنه ما عدأه فيعلم من بيانه بيانه وترك ذكره لعدم الاعتداد به، وإيهام أنه غير محتاج إلى البيان، وقد علم مما مرّ الفرق بين الوجهين باختلاف معنى القصد فيهما، والاحتياج إلى التقدير وعدمه وقيل الأوّل مبنيّ على ملاحظة وجود الطريق المستقيم، وتحققها وكونها مفروغا عنها دون الثاني. قوله: (أو عليه قصد السبيل الخ) يعني أن على
ليست للوجوب واللزوم، والمعنى أن قصد السبيل ومستقيمه موصل إليه، ومارّ عليه فشبه ما يدلّ على الله بطريق مستقيم شأنه ذلك، وقوله: (والمراد بالسبيل الجنس الخ) أي هو شامل للمستقيم، وغيره فإضافة القصد بمعنى المستقيم إليه من إضافة الخاص إلى العامّ لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، واليه أشار بقوله ولذلك الخ فإن إضافة الصفة إلى الموصوف خلاف الظاهر فلذا استدلّ به عليه وكذا استدل بقوله منها فإن الجائر ليس منها بل قسميها، وأمّا عود الضمير على المطلق الذي في ضمن المقيد فخلاف الظاهر، ونحن في غنى عنه بقصد السبيل. قوله: (حائد عن القصد الخ) حائد بالحاء والدال المهملتين اسم فاعل من حاد بمعنى عدل، وفي نسخة مائل، والوجه الأول ناظر إلى تفسير القصد بالقاصد والإقامة والتعديل، والثاني إلى الأخير. قوله: (وتغيير الأسلوب لآنه ليس بحق الخ (الجور العدل عن الاستقامة وطريق جائر غير مستقيم قال:
ومن الطريق جائر وهدى قصد ال! سبيل ومنه ذودخل
فكان الظاهر، وعلى الله قصد السبيل، وعليه جائرها فعدل عن ذلك لأن الضلال لا يضاف إلى الله إما لأنه غير خالقه كما هو مذهب المعتزلة كما في الكشاف، وقد جعلوا الاية حجة لهم أو لأنه لا يليق أن يضاف إليه تأدبا هو كقوله: ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ [سورة الفاتحة، الآية: ٧] والمصنف رحمه الله تعالى أشار إلى
стр. 1777
دفع استدلالهم تبعا للإمام بأن المراد على الله بحسب الفضل والكرم بيان الدين الحق، والمذهب الصحيح فأمّا بيان كيفية الاغواء والاضلال فغير واجب وفيه بحث فإنه كما أن بيان الهداية، وطريقها متحتم فكذا ضده، وليس إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنزال الكتب إلا لذلك فالحق أن المعنى على الله بيان طريق الهداية ليهتدوا بها، وبيان غيرها ليحذروه، وإنما اكتفى بأحدهما للزوم الآخر له، ولذا قال محي السنة رحمه الله تعالى المعنى بيان طريق الهدى من الضلالة:
وبضدها تتبين الأشياء
وقوله: (أو لأن المقصود الخ (هذا جواب آخر بناء على أن بيانهما لازم، ولكنه اقتصر
على بيان الأوّل، لأنه المقصود بالذات والآخر إنما يبين ليجتنب كما قيل:
عرفت الشز لا للشرّ لكن لتوقيه
ولما كان مقتضى هذا ترك ذكره بالكلية أشار إلى أنّ ذكر انقسام السبيل إليهما وقع بالعرض كالاستطراد وقراءة ومنكم بالواو قراءة ابن أبيّ وقراءة على فمنكم بالفاء. قوله: (أي ولو شاء هدايتكم الخ) قدر مفعوله من مضمون الجواب كما هو المطرد فيه كما مرّ تحقيقه،
وأجمعين قيد المنفي لا النفي فهي لسلب العموم لا لعموم السلب، وقوله هداية مستلزمة للاهتداء قيد به لأنه هو المنفي إذ الهداية بمعنى مطلق الدلالة واقعة للجميع لما لم يكن تعلق مشيئة الله بشيء موجبة لوجود. عند المعتزلة والآية منادية على خلاف ما زعموه جعلوا المشيئة قسمين مشيئة قسر والجاء وغيرها، والأولى موجبة بخلاف الثانية وفسروا المشيئة هنا بالقسرية كما في الكشاف. قوله: (من السحاب أو من جانب السماءا لما كان المطر ينزل من الغيم دون السماء نفسها جعلها بمعنى السحاب إمّا استعارة، أو مجازاً مرسلاً على أنها بمعنى ما علا مطلقاً أو في الكلام مضاف مقدر وهو جانب أو جهة، وقوله صلة أنزل فمنه شراب مبتدأ وخبر أو منه صفة وشراب فاعله وقوله: (ومن تبعيضية) أي في قوله منه والجملة صفة، وأمّا من في قوله: ﴿مِّنَ السَّمَاء﴾ فابتدائية. قوله: (وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه) أشار بقوله يوهم إلى أنه ليس بمراد لأنّ التقديم لا يلزمه ذلك ولذا قال ولا بأس به أي لا ضرر في قصد الحصر المتبادر منه فإنّ جميع المياه العذبة المشروبة بحسب الأصل منه كما بينه والآبار جمع بئر على القلب والتقديم إذا لم يكن صلة أنزل، وهو ظاهر وقوله فسلكه ينابيع دلالته على ما ذكره بحسب الظاهر إذ لا يأبى كون بعضها ليس منه، وكذا ما بعده. قوله: (ومنه يكون شجر) بيان لحاصل المعنى لا للإعراب، لأن منه خبر مقدم أي كائن منه شجر، وقوله: (يعني الشجر الذي ترعاه المواشي (فيه إبقاء الشجر على حقيقته لأنه ما كان له ساق وقيده بما يرعى لقوله فيه تسيمون، والإبل والبقر تأكل من أوراقه طرية وتخبط لها يابسة، وقوله: (وقيل كل ما ينبت) فهو مجاز شامل، وهو أنسب بكونه مرعياً واستدل عليه بالبيت إشارة إلى استعماله بهذا المعنى كما ورد في الحديث: (لا تكلوا ثمن الشجر) يعني الكلا كما في النهاية.
قوله:
جدبوا، وقيل المراد باللحم الضرع، والمراد سقيها اللبن، وعز بمعنى قل والشجر هنا بمعنى الكلأ لأنه هو الذي يعلف، وكون ذلك فيه ضرر، لأنه لا يغني غناء غيره. قوله:) ترعون من سامت الماشية واسامها الخ) والقراءة المشهورة بضم التاء من الأسامة وقرئ شاذآ بفتحها بتقدير لتسيم مواشيكم والسومة بضم السين كالسمة بكسرها بمعنى العلامة، وقوله لأنها تؤثر بالرعي علامات يعني أن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها فلذا سميت أسامة. قوله تعالى:) ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ﴾ ) يحتمل أن تكون صفة أخرى لماء أو مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل، وهل له منافع أخر، وقوله على التفخيم لأنه يستعمله المعظم نفسه، ولذا سماها النحاة نون العظمة. قوله:) وبعض كلها) فمن تبعيضية وصرّح بها لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض! بعض من كل ليتذكر باقيها كما في الكشاف والمصنف رحمه الله تعالى ذكر وجهاً آخر، وهو أنها بعض مما في يفاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تجنه راحة الوجود وهو أظهر وأشمل، وأنسب بما تقدم، لأنه كما عقب ذكر الحيوان المنتفع بها على
стр. 1778
التفصيل بقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عقب ذكر الثمرات المنتفع بها بمثله. قوله: (ولعل تقديم ما يسام الخ (يعني كان الظاهر تقديم غذاء الإنسان الأشرف فأشار إلى أن ما قدم منه غذاء له بواسطة أيضا، وهذا لا يدفع السؤال لأنه كان ينبغي تقديم ما كان غذاء بغير واسطة فالنكتة أنه قدّم النعم التي لا دخل للخلائق فيها ببذر، وغرس وقدم الزرع لمناسبته للكلأ المرعى، وقوله ومن هذا أي من هذا القبيل أو لأجل هذا صرّج بالأنواع الثلاثة لما فيها من الغذائية، وغيرها من الثمار للتفكه، وقدم الزيتون لأنه أعرف وثنى بالنخل لأنه أقوى غذاء من العنب، وقال الإمام قدم ذلك للتنبيه على مكارم الأخلاق، وأن يكون اهتمام الإنسان بمن تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه، وقوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [سورة طه، الآية: ٥٤، إيذان بأنه ليس بلازم وان كان من الأخلاق الحميدة ولك أن تقول لما سبق ذكر الحيوانات المأكولة، والمركوبة ناسب تعقيبها بذكر مشربها ومأكلها لأنه أقوى في الامتنان بها إذ خلقها ومعاشها لأجلهم فإن من وهب دابة مع علفها كان أحسن كما قيل من الظرف هبة الهدية مع الظرف. قوله: (على وجود الصانع وحكمتة فإن من تأمّل الخ (الظاهر أنه متعلق بآية، وقيل إنه علق على
بيتفكرون لتضمينه معنى يستدلون قيل كان المناسب لما سبق من قوله في تفسير قوله أنه لا إله إلا أنا فاتقون، والآيات بعدها دليل على وحدانيته وما سيقوله من قوله مقدّس عن منازعة الأضداد، والأنداد أن يقول على وحدانيته فلعل مراده على وجوب الصانع الواحد بقرينة كلامه السابق، واللاحق (أفول) الظاهر أنّ وجود الصانع الحكيم يدل على انتفاء غيره ووحدانيته بطريق التمانع كما أشار إليه بقوله فيما مرّ أنها تدلّ على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم، وفروعه على وفق الحكمة، والمصلحة فلو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع وبهذا يرتبط الشرط والجزاء ويأخذ الكلام بعضه بحجر بعض، وقوله علم خبران. قوله: (ولعل فصل الآية به لذلك الخ) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها إسقاط لفظ به، والمراد بالفصل وقوعه فاصلة خاتمة لها على المعتاد في تتميم الآيات، وتذييلها ومعناه أنّ هذه ختمت بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٢] وما بعدها بقوله إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون لأنّ إنبات السنبلة أو الشجرة من الحبة بعد انشقاقها برطوبة مودعة في الأرض الخ أمر خفيّ يحتاج إلى التفكر، والتدبر لمن له نظر سديد يستدل به على قدرته، وحكمته، ولذا أفرد الآية لأنه معنى واحد والمختلف فروعه، وثمرته بخلاف أمر الليل، والنهار والشمس، والقمر والنجوم فإنه مختلف مع أنه أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة على الكبرياء، والعظمة، ولذلك جمعت الآيات على ما أشار إليه في الكشاف، وأمّا فصل جملة ينبت الخ فلأنها مستأنفة أو نعت هكذا ينبغي تحقيق كلامه فما قيل في تفسيره أنه فصل قوله ينبت لكم به الزرع بقوله إنّ في ذلك لآية الخ. للعلم بما ذكره، وانّ فيه ما فيه وليس في بعض النسخ لفظ به فيكون المراد بالفصل ترك العاطف في تنبت، وهو معنى جيد لا غبار عليه ناشئ من عدم التفكر مع أنه غير ملائم لما قدمه في بيان أعرابها، ولا يصلح وجها للفصل، وكيف يتأتى ما ذكر مع تصريح المصنف رحمه الله تعالى بما ذكرناه في خاتمة الآية التالية. قوله: (بأن هيأها لمنافعكم (لما كان التسخير بمعنى السوق قهراً كما ذكره الراغب، وهو غير مراد هنا أشار بأنه مجاز عن الإعداد والتهيئة لما يراد منه، وهو الانتفاع به. قوله: (حال من الجميع أن نفعكم بها حال كونها مسخرات الما كان الحمل على الظاهر دالاً على أن التسخير في حال التسخير بأمره، وليس كذلك لتأخر الأوّل أوّلوه بأن المعنى جعلها مسخرات لأن في التسخير معنى الجعل فصحت مقارنته على أنه تجريد أو على أن التسخير لهم نفع خاص فمعناه نفعكم حال كونها مسخرات لما خلقت له مما هو طريق لنفعكم فسخر بمعنى نفع على الاستعارة أو المجاز المرسل لأن النفع من لوازم التسخير أو كلى أنّ مسخرات مصدر ميمي منصوب على أنه مفعول
مطلق، وسخرها مسخرات على منوال ضربته ضربات أو يجعل قوله مسخرات بأمره بمعنى مستمرة على التسخير بأمره الإيجادي لأن الأحداث لا يدلّ على الاستمرار، وسيأتي تحقيقه. قوله: (أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره الخ) هذا وما قبله تفسير لقوله بأمر. فالأوّل على أن أمره شامل للإيجاد، والتدبير
стр. 1779
ابتداء، وبقاء فالمعنى أنها مسخرات لله منقادة في البروز من العدم إلى الوجود، وفي البقاء للانتفاع بها فإنها محتاجة إلى الفاعل في الحالين عند التحقيق فالأمر واحد الأمور، والمراد به الخلق، والتدبير الجاري على وفق مثيئته، وليس بيانا لمعنى التسخير لعدم تصوّر حقيقة التسخير، وهي القهر، والغلبة في الجمادات إذ لا حاجة إليه بعد ما فسره بالإعداد، والتهيئة وبين أنه بمعنى الجعل أو النفع أو الأمر واحد الأوامر، وهو تكوينيّ كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة ي! ، الآية: ٨٢] فالمعنى أنها مسخرة لما خلقت له بقدرته، وايجاده أو بحكمه عليها كما أراد فأوفى قوله أو بحكمه للتخيير في التفسير، وفي نسخة لحكمه باللام، والمشهور الباء. قوله: (وفيه للذان بالجواب عما عسى يقال الخ (عسى هنا مقحمة بين الصلة والموصول كما مر تفصيله يعني كون ذلك بأمره على التفاسير فيه ينفي تأثير العلويات، والطبائع بالذات لأن تخصيص بعضها ببعض الأحوال لا بدّ له من مخصص فإن كان ذلك حادثا دار أو تسلسل، وان كان واجباً ثبت المراد، وقوله فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه بناء على أنّ النجوم شاملة للشمس، والقمر. قوله: (لأنها تدل أنواعاً من الدلالة ظاهرة الخ) فيه لف، ونشر مرتب فقوله تدل الخ. بيان لنكتة الجمع وغير محوجة لذكر العقل يعني أنه لما ذكر الآثار السفلية أفرد الآية وذكر التفكر، وحين ذكر العلوية جمع الآية، وذكر العقل لظهور دلالتها على القدرة، والعظمة فكأنها مدركة ببديهة العقل، وكل منها دليل مستقل بخلاف الآثار السفلية فإنها خفية الدلالة لاحتمال استنادها إلى العلويات فلا بد من التفكر فيها، ومن ضمّ بعضها إلى بعض ليظهر المطلوب فهي بمنزلة آية واحدة، وكذلك الاستدلال باختلاف ألوان ما ذرأ فاحتاج إلى تذكر حال الآثار السفلية فيه فلذا قال إن في ذلك لاية لقوم يذكرون كذا قرّره العلامة في شرح الكشاف، والاستدلال بالدور والتسلسل إنما هو بعد التفكر في بدء أمرها وما نشأ منه من اختلاف أحوالها فلا وجه لما قيل إنه إذا انجرّ الكلام
إلى إبطال التسلسل على ما قرّره لا تكون الدلالة محوجة إلى استيفاء فكر، وإنّ المقام غير محتاج إلى ذلك لأنه للرذ على عبدة الأوثان المعترفين بأنه خلق كل شيء، وأمّا التعكيس بجعل الاستدلال بالآثار العلوية أدق من الاستدلال بالسفلية لأنّ اختلاف أحوال النبات، ونحوه مشاهد بخلاف العلوية لاحتياجها إلى تدقيقات حكمية وهندسية فهو وان كان له وجه غير ملائم للمقام، ولما في الفاصلتين من الختام فتدبر. قوله:) عطف على الليل الخ) ذرأ بمعنى خلق ومنه الذزية على قول قيل عليه إنّ فيه شبه التكرار لأن اللام في ذرأ لكم للنفع، وقد جعل سخر لكم بمعنى نفعكم فمآل المعنى نفعكم بما خلق لنفعكم فالأولى جعله في محل نصب بفعل محذوف أي خلق أو أنبت كما قاله أبو البقاء ﵀، وما قيل من أن الخلق للإنسان لا يستلزم التسخير لزوما عقليا فإنّ الغرض! قد يتخلف مع أنّ الإعادة لطول العهد لا تنكر رذ بأنه غفلة عن كون المعنى نفعكم، وما ذكره علاوة مبنيئ على كون لكم متعلقا بسخر أيضا، وهو عند المصنف ﵀ متعلق بذرأ وهذا ليس بشيء لأن التكرار لما ذكر، وللتأكيد أمر سهل، وكون المعنى نفعكم لا يأباه مع أن هذه الآية سيقت كالفذلكة لما قبلها، ولذا ختمت بالتذكر وقوله أصنافه إشارة إلى أنه مجاز عما ذكر كما يقال ألوان الطعام، وهو مجاز معروف في العربية، وغيرها قال الراغب الألوان يعبر بها عن الأجناس، والأنواع يقال فلان أتى بألوان من الحديث، والطعام. قوله:) أنّ اختلافها في الطباع (أي اختلاف طبائعها، وهيئاتها، وأشكالها مع اتحاد مذتها يدل على الفاعل الحكيم المختار كما مرّ تقريره، وقيل المراد بالطباع الصفات التي تتميز بها الأجسام المتماثلة كما هو مذهب المتكلمين القائلين بتماثل الأجسام فلا يرد أن الماهيات ليست بجعل جاعل، ولا داعي لما ذكره، ولا قرينة على أنه المراد منه. قوله:) ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم (، والرطوبة مستعدة للتغير فلذا كان سريع الفساد والاستحالة، وقوله فيسارع إلى أكله إشارة إلى أنه ينبغي تناوله طريا من ساعته، وقد قال الأطباء إن تناوله بعد طراوته من أضمز الأشياء ففيه إدماج لحكم طبيّ، وهذا لا ينافي تقديده، وأكله مخللاً كما توهم، ومنه متعلق بتأكلون أو حال، ومن ابتدائية أو تبعيضية، وطرقي فعيل مت طرو يطرو طراوة أو طرأ يطرأ، ويقال طراوة
стр. 1780
وطراء كشقاوة، وشقاء والطراوة ضد اليبوسة. قوله:
(وأجيب عنه بأن مبني الإيمان على العرف) أي على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على الحقيقة اللغوية، ولا على استعمال القرآن، ولذا لما أفتى الثوري بالحنث بأكل السمك لمن حلف لا يأكل لحماً لهذه الآية، وبلغ أبا حنيفة قال للسائل ارجع، واسأله عمن حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض هل يحنث لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [سورة نوج، الآية: ٩ أ] فقال له كأنك السائل أمس قال نعم فقال لا تحنث في هذا، ولا في ذاك، ورجع عما أفتى به أوّلاً قال ابن الهمام فظهر أنّ متمسك أبي حنيفة العرت لا ما في الهداية من أنّ القياس الحنث، ووجه الاستحسان أن التسمية القرآنية مجازية لأن منشأ اللحم الدم، ولا دم فيه لسكونه الماء مع انتقاضه بالألية فإنها تنعقد من الدم، ولا يحنث بأكلها، وقيل عليه إنه يجوز أن يكون في المسألة دليلان ليس بينهما تناف، وما ذكره من النقض مدفوع بأن المذكور كل لحم ينشأ من الدم، ولا يلزم عكسه الكلي، ولا يخفى ما فيه فإن إطلاق اللحم على السمك لغة لا شبهة فيه فينقض الطرد والعكس فمراد المدقق الرذ عليه بزيادة في الإلزام نعم قد يقال مراده بالمجاز المذكور أنه مجاز عرفي كالدابة إنما أطلقت على الإنسان فيرجع كلامه إلى ما قاله أبو حنيفة ﵀، وحينئذ لا غبار عليه، وما ذكره بيان لوجه الاستعمال العرفيئ فلا يرد عليه شيء فتأمل، وكون السمك عذباً تسمح، والزعاق بضم الزاي، والعين المهملة المز الذي لا يشرب، وفي الكشاف إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار، وتعقب بأن الإنكار إنما جاء من ندرة اشتراء مثله لأنه غير متعارف، وفيما نحن فيه اشتراء السمك، ولحمه متعارف فمحل الإنكار إطلاق اللحم عليه. قوله: (كاللؤلؤ المرجان (في تهذيب الأسماء المرجان فسره الواحدي بعظام اللؤلؤ، وقال أبو الهيثم صغاره، وقال آخرون: هو جوهر أحمر يسمى النسيد وهو قول ابن مسعود ﵁، وهو المشهور في عرف الناس. قوله: (فأسند إليهم لآنهن من جملتهم الخ (لما كان الحلي من لبس النساء دون الرجال وجهه بأنه أسند إلى الرجال لاختلاطهم بالنساء، وكونهم متبوعين أو لأنهم سبب لتزينهن فإنهت يتزين ليحسن في أعينهم أو هو من المجاز في الطرف فمعنى تلبسون تتمتعون وتلتذون على طريق الاستعارة أو المجاز، ولو جعل من مجاز البعض لصح أن تلبسها نساؤكم، وأمّا كونه تغليبا، أو من إسناد ما للبعض إلى الكل فلا وجه له أمّا الأوّل فلعدم التلبس بالمسند، وهو اللبس، وأمّا الثاني فلأنه لا يتئم بدون الفجاز في الطرف، واستدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى بهذه الآية على أن اللؤلؤ يسمى حليآ حتى لو حلف لا يلبس
حلياً فلبسه حنث، وأبو حنيفة ﵀ يقول لا يحنث لأنّ اللؤلؤ وحده لا يسمى حليا في العرف، وبائعه لا يقال له بائع الحلي كذا في أحكام الجصاص، وأمّا ما قيل إنه لا مانع من تزين الرجال باللؤلؤ فلا حاجة لما تكلفه المصنف ﵀ فبعد تسليم أنه لا مانع منه شرعا مخالف للعادة المستمرة، ويأباه لفظ المضارع الدال على خلافه فإن قلت الظاهر أن يقال تحلونهن أو تقلدونهن كما قال:
نزوع حصاة حالية العذارى فيلمس جانب العقد النظيم
وهي للنساء دون الرجال قلت أمّا الأوّل فسهل لأنّ المراد لازمه أي تحملونهن، والثاني
على فرض! تسليمه هم يتمتعون بزينة النساء فكأنهم لابسون، وإذا لم يكن تغليبا فهو مجاز بمعنى تجعلونها لباسا لبناتكم ونسائكم، ونكتة العدول أنّ النساء مأمورون بالحجاب، واخفاء الزينة عن غير المحارم فأخفى التصريح به ليكون اللفظ كالمعنى. قوله: (جواري فيه) فهو جمع ماخره بمعنى جارية، وأصل معنى المخر الشق فسميت به لأنها تشق الماء بمقدمها، وهو المراد بالحيزوم بالحاء المهملة، والزاي المعجمة لأنه أعلى الصدر مما اكتنفه الحلقوم، وله معان أخر أو المخر الصوت سميت به لأنها يسمع لها صوت إذا جرت. قوله:) من سعة رزقه بركوبها للتجارة) في إعراب لتبتغوا ثلاثة أوجه أحدها أنه معطوف على لتأكلوا، وما بينهما اعتراض وثانيها أنه معطوف على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، وقيل إنه متعلق بفعل محذوف أي وفعل ذلك لتبتغوا، وهو تكلف لا حاجة إليه وفسر الفضل بتوسيع الرزق، وقيده بما يكتسب من تجارة البحر لاقتضاء المقام. قوله: (أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها (ذكر المعرفة لأنه لا يشكر النعمة من
стр. 1781
لا يعرفها فهو لازم معناه المتقدم عليه، والقيام بحقها هو معنى الشكر، وهو شامل لما كان باللسان، والأركان والجنان. قوله: (ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام) إذ ركوب البحر مظنة الهلاك لأنهم كما قال عمرو ﵁ دود على عود، وهو من كمال النعمة لقطع المسافة البعيدة في زمن يسير قريب مع عدم الاحتياج إلى الحل، والترحال كما في البر والحركة مع الاستراحة والسكون، ولله در القائل: وأنا لفي الدنيا كركب سفينة نظن وقوفا والزمان بنا يسري
وقد تقدم تحقيق الرواسي. قوله: (كراهة أن تميل بكم وتضطرب الخ) تقدم نظيره، وأنه بتقدير مضاف أي ككراهة وخوف أو بتقدير لئلا تميد. قوله: (وكان من حقها أن تتحرك
بالاستدارة) قيل لا وجه لهذا على مذهب أهل الحق، ولا على مذهب الفلاسفة أمّا الأوّل فلأنّ ذات الشيء لا تقتضي تحزكه، وإنما ذلك بإرادة الله تعالى، وأما الثاني فلأنّ الفلاسفة لم يقولوا إنّ حق الأرض أن تتحرّك بالاستدارة لأنّ في الأرض ميلاً مستقيماً، وما هو كذلك لا يكون فيه صيد وميل مستدير على ما ذكروا ير العلم الطبيعي، وأورد أيضاً على منع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبت في الهندسة أنّ نسبة أعظم جبل في الأرض، وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض نسبة خمس سبع عرض! شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب في أنّ ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج تلك الكرة عن الاستدارة بحيث يمنعها عن الحركة، وكذا حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض فالصحيح أن يقال خلق الله الأرض مضطربة لحكمة لا يعلمها إلا هو، ثم أرساها بالجبال على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، وفيه أنه يرد عليه ما أورده، واعلم أنّ من أصحاب العلوم الرياضية من ذهب إلى أنّ الأرض متحرّكة على ما فصله في نهاية الإدراك مع ردّه، وأمّا كون الأرض ذات ميد وميل مستقيم فيمتنع أن تتحرّك على الاستدارة بالطبع فهو مبرهن في محله لكن قال الإمام الجمهور على أنه تعالى لما خلق الأرضى على وجه الماء اضطربت فخلق عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال كما أنّ السفينة إذا ألقيت على وجه الماء تميل من جانب إلى جانب فإذا وضعت فيها الإجرام الثقيلة استوت على وجه الماء، واستقرّت، وهذا مشكل لأنه سطح الماء إن كان حيز الأرض الطبيعي وجب سكونها، واسنقرارها وان لم يكن حيزها الطبيعي، وهي أثقل من الماء فلا بد من غوصها في الماء فلم تبق على وجه الأرض مضطربة، وأجاب بأنّ الأرض كرة من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالفلك أو تتحرك بأدنى سبب فلما خلقت عليها الجبال توجهت نحو مركز العالم بثقلها العظيم فكانت جارية مجرى الأوتاد التي منعت الأرض عن الاستدارة فمنعها الأرض عن الميد والاضطراب هو الذي منعها من الحركة المستديرة، وقد تبعه المصنف رحمه الله تعالى على عادته، وأنت إذا تأملته علمت أنّ ما اعترضوا به غيروا رد لأنها من حيث هي كريتها تقتضي الحركة المستديرة بالذات والميل المستقيم عارض! لها بالثقل فلا منافاة بينه وبين ما تقرّر في الطبيعي، وليس هذا محلاً يسع تحقيقه، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. قوله: (ما هي بمقرّ أحد على ظهرها) مقرّ بفثح الميم اسم مكان من القرار والباء زائدة، وقيل إنّ الظاهر أنه يضمها اسم فاعل من الإقرار بمعنى جعل الشيء قاراً والتذكير باعتبار المكان، ولا داعي له. قوله: (وجعل فيها أنهار الخ الما كان الإلقاء بمعنى الطرح لا تتصف به الأنهار أشار إلى تسلطه عليه باعتبار ما فيه من معنى الجعل والخلق أو تضمينه إياه
ويجوز أن يقدر له فعل لأنه على حدّ قوله:
علفتها تبناً وماء باردا
وقد جوّزوا فيه ذلك لكن المصنف رحمه الله تعالى اختار هذا لأن التقرير خلاف الظاهر. قوله: (لمقاصدكم) هذا بناء على الظاهر من أنه تعليل لقوله سبلاً، وقوله أو إلى معرفة الله على أنه تعليل لجميع ما قبله لأنّ تلك الآثار العظام تدل على فاعل حكيم عظيم ففي قوله تهتدون تورية حينئذ. قوله: (معالم) جمع معلم، وهو ما يستدل به على شيء والسابلة الفرقة التي تسلك سبيلاً، وتطلق على الطريق نفسها وليس! بمراد هنا، وقوله وريح هو إشارة إلى ما في التفسير الكبير من أنّ من الناس من يشمّ التراب فيعرف يشمه الطريق، وأنها مسلوكة أو غير مسلوكة، ولذا سميت المسافة مسافة لأنها من السوف بمعنى الشتم فالريح بمعنى الرائحة. قوله: (بالليل في البراري (جمع برّية، وهي معروفة
стр. 1782
وقوله والمراد بالنجم الخنس أراد بالجنس السيارة منها، وقد تطلق على النجوم كلها وعلى زحل، والمشتري والمرّيخ لأنها تخنس في مجراها أي ترجع هذا إن كان الخنس بخاء معجمة مضمومة، ونون مشددة مفتوحة وسين مهملة، وفي نسخة الجنس بجيم مكسورة ونون ساكنة، وسين مهملة أي تجنس النجوم، وهي أظهر عندي.
قوله: (ويدل عليه قراءة الخ) إمّا على أنه جمع نجم كسقف، وسقف ورهن ورهن، وتسكينه للتخفيف أو على أنّ أصله نجوم فخفف بترك الواو، وأورد عليه أنه لا اختصاص له بهذا التفسير بل هو مؤيد للوجه الثاني أيضا إذ فيه معنى الجمعية، وكونه مؤيداً ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [سورة الغاشية، الآية: ٧] فالوجه أنّ مراده أن النجم غلب على الثريا وأصله العموم فذكر أنه باق على أصله بدليل هذا القراءة فالدليل نسبيّ شامل لهما، وخصه بما ذكر لأنه الأصح عنده والثريا والفرقدان نجوم معروفة، وقوله وبنات النعش كذا وقع في النسخ بالألف، واللام والصواب إسقاطها لأنه علم، وأحكام العلمية تراعي في الجزء الثاني في مثله كما هو مقرّر عندهم قال الجوهري: اتفق سيبويه، والفراء على ترك صرف نعش للمعرفة، والتأنيث قال البدر الدماميني: الظاهر أن المراد ترك الصرف جوازاً لا وجوبأ لأنه ثلاثيّ ساكن الوسط كهند فيجوز فيه الأمران، والجدي نجم عند القطب تعرف به القبلة، والمنجمون يقولون له جدفي بالتصغير فرقاً بينه، وبين اسم البرج المعروف فيصح قراءته في عبارة المصنف رحمه الله تعالى مصغراً ومكبراً. قوله: (ولعل الضمير لقريش الخ الما كان ما قبله على سنن
الخطاب، وقد أخرج هذا إلى الغيبة، وخصص هؤلاء الغائبون بالاهتداء دون غيرهم لتقديمهم على يهتدون وخصص اهتداؤهم بالنجم دون غيره حيث قدم بالنجم على عامله، وهو يهتدون جعل المصنف رحمه الله تعالى تبعاً للزمخشري الخطاب في الآيات السابقة لجميع الناس، والمراد بهؤلاء قريش، ولما امتازوا من بينهم بالاهتداء بالنجوم لكونهم أصحاب رحلة وسفر خص بهم، وعدل عن سنن الخطاب إلى الغيبة وعبر بكلمة التوقع لاحتمال عموم الضمير لكل عارف بسلوك البر والبحر، وتغيير التعبير للالتفات واحتمال تقديم بالنجم للفاصلة وتقديم الضمير للتقوّى. قوله:) انكار بعد إقامة الدلائل) إشارة إلى معنى الهمزة، وأنه استفهام إنكارقي وأنّ معنى الفاء التعقيب والتفريع للمستدل عليه على الدليل، والدلائل المذكورة ما ذكره من أوّل السورة إلى هذه الآية، وقوله لأن يساوبه متعلقة بانكار يعني أنّ المساواة بعد ما ذكر منكرة قطعاً والانكار بمعنى النفي للمساواة، وليس لانكار تسوية الكفار حتى يكون بمعنى عدم الابتغاء، وان لزمه ذلك. قوله: (والتفرّد بخلق ما عدّد من مبدعاته الخ (إشارة إلى أنّ مفعول بخلق محذوف استغناء عنه بما مر أي أفمن يخلق ما ذكر من المخلوقات البديعة، وقوله ما لا يقدر على خلق شيء إشارة إلى أن مفعول لا يخلق مقدر أيضا لكنه عام أي كمن لا يخلق شيئاً ما جليلاً أو حقيراً، وبجوز أن يكون العموم فيه مأخوذاً من تنزيله منزلة اللازم وهو يفيد العموم في المنفي أيضا، ومن هذا علم أنه لا يتوجه الاحتجاج بالاية على المعتزلة في إبطال قولهم بخلق العباد لأفعالهم كما وقع في كتب الكلام لأنّ السلب الكليّ لا ينافي الإيجاب الجزئي وقوله لأن يساويه وقع في نسخة لأن يساوي بدون الضمير فما لا يقدر مفعول يساوي أو المشاركة تنازعا فيه وفاعلهما ضير الله، وعلى النسخة الأولى ما فاعل يساوي أو يستحق على التنازع أيضاً. قوله: (وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق الخ) أي حقه هذا بحسب الظاهر في بادىء النظر لأنّ المقصود إلزام عبدة الأصنام، وسموها آلهة تشبيهأ بالله، وهم جعلوا غير الخالق مثله فكان حقه أفمن لا يخلق كم يخلق ووجه الجواب أنّ وجه التشبيه إذا قرن بين المشبه والمشبه به رجع التشبيه إلى التشابه فيقال وجه الخلفية كالقمر والقمر كوجه الخليفة، والمشركون لما عاملوا الأصنام معاملة الإله الخالق إذ سموها آلهة، وعبدوها فلم يبقى عندهم فرق بينها وبينه تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا فحصل التشابه فلذا عبر بما ذكر أو
هو من التشبيه المقلوب إذ من حق المشبه أن يكون أحط من المشبه به فيما وقع في المشبه فإذا عكس كان فيه مزيد تقريع وتجهيل، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمل هذين الوجهين. قوله: (والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله الما كان الظاهر ما لا يخلق لأنّ الكلام في الأصنام، وهي لا تعقل دفعه بأنه ليس مخصوصا بها
стр. 1783
بل المراد كل ما عبد فيشمل الملائكة، وعيسى من أولي العلم، وأتى بمن تغليباً لذوي العلم على غيرهم. قوله: (أو الآصنام وأجراها) في نسخة، واجراؤها بصيغة المصدر يعني أنّ المراد الأصنام، ولما عبدوها والمعبود لا يكون إلا من ذوي العلم عبر به بناء على ما عندهم فهو حقيقة أو هو جار على نهج المشاكلة لمن يخلق. قوله: (أو للميالغة وكأنه قيل إن من يخلق ليس كمن لا يخلق الخ) قال الزمخشري: في تقرير هذا الوجه أو يكون المعنى أفمن يخلق من أولي العلم كمن لا يخلق منهم فكيف من غيرهم كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٩٥] يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل، وأيدو أعضاء سالمة لأنّ هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا فقيل عليه أنه يحوم على أن العباد يخلقون أفعالهم، وأنّ المراد إظهار التفاوت بين من يخلق منهم، ومن لا يخلق كالعاجزين، والزمنى حتى يثبت التفاوت بين من يخلق منهم، وبين من لا يخلق من الأصنام بالطريق الأولى، ولقد تمكن منه الطمع حتى اعتقد أنه يثبت خلق العبد لأفعاله بتنزيله الآية على هذا التأويل، وتمنى لو تمّ له ذلك.
وما كل ما يتمنى المرء يدركه
وتبه بعض الشراج ورد بأنه غلط، وغفلة عن كلامه إذ المراد بمن لا يخلق جميع أولي العلم، وهذا هو الوجه الذي عزاه صاحب المفتاح لنفسه إذ توهم ما توهموا، وغفل كما غفلوا فقول المصنف رحمه الله تعالى للمبالغة معطوف على قوله للمشاكلة فيكون من فروع كون المراد بمن لا يخلق الأصنام على فرض! أنها من أولي العلم يعني لو كانوا من أولي العلم وهم ليسوا بخالقين لا يستحقون المساواة والشركة للعالم الخالق فكيف يشبه بهم ولا علم فيهم أو هو معطوف بحسب المعنى على قوله، والمراد بمن لا يخلق أي أو الكلام للمبالغة فالمراد به لا يخلق العالم القادر من الخلق دون الأصخام فلفظ من على حقيقته، والمقصود انكار تشبيه الأصنام بالله على أبلغ وجه لأنه إذا لم يصح تشبيه الحيّ القادر به تعالى من الخلق فكيف الجمادات وهذا هو الموافق لما في الكشاف والمفتاح فإن حمل عليه كلام المصنف رحمه الله تعالى فبها والا فذاك وجه آخر لم يذكره المصنف رحمه الله تعالى كذا قرّره بعض أرباب
الحواشي فتدبر. قوله: (فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر) الموصول صفة الحاصل، ولما كان التذكر يستعمل فيما تصوّر أوّلاً ثم حصل الذهول عنه بحيث يحضر ثانيا بأدنى تنبيه، وهذا الحضور الثاني هو التذكر، ولم يسبق نفي المساواة حتى يتصوّر ويذهل عنه جعله لظهوره بمنزلة ما سبق تصوّر. فعبر بما ذكر فالتذكر استعارة للعلم بما ذكر تصريحية، وقيل هي مكنية باعتبار أن التقدير يتذكرون عدم المساواة، والمداناة فالكناية في ذلك المفعول المقدر، واثبات التذكر تخييل، فلا يرد عليه شيء لكن الأوّل أظهر، وقوله بأدنى تذكر قيل الأظهر بأدنى توجه، وليس بشيء لأنّ التذكر أدنى مراتب التفكر لأنه شامل له ولأعمال الفكر والتعمق وهذا مما لا شبهة فيه. قوله: (لا تضبطوا عددها) أصل معنى الإحصاء العد بالحصى. وكان ذلك عادتهم قال الأعشى:
ولست بالأكثرمنهم حصى وإنما العزة للكاثر
ثم كنى به عن مطلق العذ واشتهر حتى صار حقيقة فيه، وزاد قيد الضبط بمعنى الحصر
لئلا يتحد الشرط، والجزاء فيخلو عن الفائدة فلذا أوّل الجزاء بما ذكر، ولو أوّل الشرط بأن أردتم عدها اندفع المحذور أيضا لكن ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أولى، وقوله فضلا الخ اعتبره في معنى الآية ليلتثم السياق والسباق، وقوله أتبع ذلك الإشارة إلى قوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ والنعم المراد بها ما مرّ من أوّل السورة إلى هنا. أو من قوله وهو الذي سخر البحر، وقوله ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها أي إن كان بترك الواجبات. قوله:) وهو وعيد) إنما كان وعيداً لأنّ علم الملك القادر بمخالفة عبده يقتضي مجازاته على ذلك، وقد مرّ مراراً أن ذكر علم الله، وقدرته يراد به ذلك، وهو ظاهر. قوله: (وتزييف للشرك (أي رذ وابطال له وأصل معنى التزييف في نقد الدراهم، وتمييز الزائف من الرائج، وقوله باعتبار العلم يعني أنه أبطل شركهم للاصنام أوّلاً بقوله فمن يخلق كمن لا يخلق الخ كما مرّ تقريره، وأبطله ثانيا بقوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بناء على أن
стр. 1784
تقديم المسند إليه يفيد الحصر كزيد غرق في إفادة التخصيص يعني أنه تعالى عالم بذلك دون ما يشركون به فإنه لا يعلم ذلك بل لا
يعلم شيئآ أصلا فكيف يعذ شريكا لعالم السرّ والخفيات. قوله: (والآلهة الذين تعبدونهم (إشارة إلى أن الدعاء بمعنى العبادة كما مرّ تحقيقه، وقوله: وقرأ أبو بكر الخ. قال المعرب: قرأ العامة تسرّون وتعلنون بتاء الخطاب، وأبو جعفر وشعبة بالياء التحتية، وقرأ عاصم وحده بالياء، والباقون بالتاء من فوق، وقرىء يدعون مبنيا للمفعول، وهو واضح فما وقع في النسخ تبعا للإمام، وقرأ أبو بكر يدعون الياء، وقرى حفص ثلاثتها بالياء مخالف لما في كتب القرا آت فلعلها رواية شاذة عنه، وفي بعض النسخ قرأ عاصم ويعقوب يدعون بالياء، وهو الصحيح الموافق للنقل وما وقع في بعضها من الجمع بين النسختين لا وجه له فالظاهر أنّ النسخة الثانية إصلاج من المصنف رحمه الله تعالى.) أقول (هذا ما قالوه بأسرهم وهو من قصور الباع وقلة الاطلاع فإنّ الثلاثة قرأت بالمثناة التحتية في رواية عن أبي عمرو وحمزة من طريق إلا اً نهما لم يقرآ بها وفي كتاب الزوائد المفيدة في الزيادة على القصيدة للأربلي وعن حفص أيضا قراءة الثلاثة بتاء الخطاب. قوله: (لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئاً) المشاركة مأخوذة من التشبيه وهذا دفع للتكرار وبيان لأنه ذكر للاستدلال على نفي التشابه والمشاركة لأنه في قوّة هم لا يخلقون شيئا ومن يخلق لا يشارك من لا يخلق فينتج من الثالث من يخلق لا يشاركهم ويعكس، وقيل عليه أنه مبنيّ على أن من يخلق ومن لا يخلق مجرى على غير تعيين، وقد بناه فيما سبق على كون الأوّل هو الله تعالى، والثاني الأصنام، وتقريره هناك يقتضي عدم الحاجة إلى هذه المقدمة للعلم بها، وكونها مفروغا عنها فإنما كرر لمزاوجة قوله، وهم يخلقون، ولا يخفى أن من لا يخلق عامّ، وكذا من يخلق كما صزح به هنا، وأما تخصيصه بما مرّ كما يقتضيه التعبير بالموصول فلأن من يخلق عندنا مخصوص به تعالى في الخارج اختصاص الكوكب النهاري بالمشمس وإن عمّ باعتبار مفهومه ومن لا يخلق وان عتم ذهناً وخارجاً فتفسيره بمن عبد لاقتضاء المقام له مع أنه في الوجه السابق لا يختص بذلك وأفا توله أنه لا يحتاج إلى هذه المقدمة فليس كما ذكره، وإنما مقتضاه أنها في غاية الظهور بحيث لا تحتاج إلى إثبات، وهو مصحح لكونها جزءاً من الدليل، وإذا ظهر المراد بطل الإيراد. قوله: (لآنها ذوات ممكنة الخ) إشارة إلى أن علة الاحتياج هي الامكان، وقوله ينبغي من المجاراة إذ لا بد من ذلك عقلا. قوله: (هم أموات لا تعتريهم الحياة الخ) بيان لفائدة قوله غير أحياء بعد ذكر أنهم أموات، وان قيل إنه تأكيد لأن التأسيس هو الأصل مع الإشارة إلى أنه خبر مبتدأ مقدر، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله، وغير أحياء صفة أموات أو خبر بعد خبر فقوله لا تعتريهم الحياة أي لا تعرض لهم بناء على أن المراد الأصنام فهو بيان لأنهم غير متصفين بالحياة حالاً، ومآلا لعدم القابلية لها كما تقبلها
النطفة، ونحوها فهم أموات حالاً، وغير أحياء بمعنى غير قابلة للحياة مآلاً فهو تأسيس في الجملة، وهذا بناء على أن المراد بالأحياء الأجسام غير ذوي العلم بمعنى الأصنام. قوله: (أو أموات حالاً أو مآلاً) هو جواب آخر، وأو في قوله أو أموات للتنويع لا للترديد ومنع الجمع، وهو على هذا متناول لجميع معبوداتهم ففي لفظ أموات عموم المجاز فالمراد ما لا حياة له سواء كان له حياة، ثم مات كعزير أو سيموت كعيسى، والملائكة عليهم الصلاة والسلام أو ليس من شأنه الحياة كالأصنام فهو شامل لذوي العلم وغيرهم، والذي في الكشاف وجوه ثلاثة ثالثها أن يراد بالذين تدعون الملائكة عليهم الصلاة والسلام وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات أي لا بد لهم من الموت غير أحياء أي غير تامّة حياتهم فليس بعام وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل له. قوله: (غير أحياء بالذات) فالمراد به نفي الحياة الذاتية فليس مستغنى عنه، وقوله ليتناول تعليل له لبيان فائدته إذ لولاه لم يتناول عيسى، والملائكة عليهم الصلاة والسلام ممن عبدوه. قوله: (ولا يعلمون وقت بعثهم الخ) فسر يشعرون بيعلمون، ومنهم من فرق بين العلم والشعور، وهو سهل إلا أنّ ظاهر قوله وقت بعثهم أن إيان خرجت عن موضوعها، وهو الشرط أو الاستفهام إلى محض الظرفية بمعنى وقت مضاف إلى الجملة بعده كقولك وقت يذهب عمرو كما
стр. 1785
أورده المعرب على من جعل إيان ظرفا لقوله: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فالظاهر تفسيره بمتى يبعثون كما في الكشاف، وغيره لكنه تسمح في العبارة، وما ذكره حاصل المعنى، والضميران في تفسيره الأوّل للذين تدعون وفي قوله أو بعث عبدتهم الضمير الأوّل للذين، والثاني لعبدتهم، وقوله فكيف الخ جار على الوجهين. قوله: (وف! يه تنبيه على أنّ البعث من توابع التكليف) أي مما يلزمه لأنّ البعث للجزاء، والجزاء للتكليف فلزمه كون البعث للتكليف، ولذا قيل تكليف العبادة لغرض مّا جزاء، وإذا ليس في هذه الدار جزاء فلا بد من دار جزاء ومن العلم بوقته لمن يجازي. قوله: (تكرير للمدّعي بعد- إقامة الحجج (يعني أنه ذكره أوّلاً بقوله لا إله إلا أنا، وذكر ما يدلّ عليه، ويبطل الشرك ثم أعاده. لأنه نتيجة لما تقدمه فأعاده كما تعاد النتيجة بعد ذكرها غير مبرهن عليها، ولما كان المدعي مذكور بالقوّة في ضمن الدلائل لم يعد بعيدا فلا مخالفة بينه، وبين ما في الكشاف من أنه لما أثبت بالدلائل المتقدمة الدالة على إبطال الشريك أن الإله واحد لا شريك له فكان الوإجب أن يخصص بالعبادة، ولا يشرك فيها، وهؤلاء عكسوا، واستمرّوا على الشرك فالفاء في قوله فالذين لا يؤمنون فاء القذلكة، والنتيجة لأنه كالتفسير لها، والمراد بالمستكبرين من استكبر عن التوحيد فهو مظهر
وضع موضع ضمير المشركين أو من استكبر عن الحق مطلقاً فهو عاتم متناول لهم كما قرّره العلامة. قوله: (بيان لما اتتضى اصرارهم الخ) يعني قوله فالذين الخ صدر بالفاء لأنه سبب لاصرارهم فالفاء للسببية كما قول أحسنت إلى زيد فإنه أحسن إليّ، ولما بين السبب، والمسبص من الارتباط كان هذا كالنتيجة، وقوله وذلك أي ما اقتضى اصرارهم هو أمور ثلاثة عدم الإيمان، والإنكار، والاستكبار، وقوله فإن المؤمن بها أي بالآخرة، ولو تقليداً، وقوله للدلائل أي دلائل التوحيد ليسلم في الآخرة وانكار قلوبهم معطوف على عدم إيمانهم، واتباعا علة ل! ركار، وقوله فمانه أي ما ذكر، والاستكبار معطوف عليه أيضاً وقوله، والأوّل هو العمدة يعني قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، والأخيرين انكار قلوبهم واستكبارهم وترتيبه عليه بجعله خبراً للوصول المفيد لعلية الصلة للخبر على ما قرّر في المعاني. قوله: (لا جرم حقاً الخ) في هذه الفظة خلاف بين النحاة فذهب الخليل رحمه الله تعالى وسيبوبه والجمهور إلى أن لا جرم اسم مركب مع لا تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعل، وهو حق، وما بعدها مرتفع بالفاعلية لمجموع لا جرم لتأويله بالفعل أو بمصدر قائم مقامه، وهو حقا على ما ذ! هـ أبو البقاء رحمه الله تعالى، وقيل هو مركب أيضا كلا رجل، وما بعدها خبر، ومعناها لا محالة، ولا بد وقيل إنه على تقدير جارّ أي في أن الله الخ. وقيل لا نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة كقوله لا أقسم على وجه، وما بعده جملة فعلية، وجرم فعل ماض معناه كسب، وفاعله مستتر يعود إلى ما فهم من السياق، وأن وما معها في محل نصب لأنّ ك! سب متعد فيوقف على لا، و! ذا قول الزجاج، وقيل معناها لا صذ ولا منع وجرم اسم لا بمعنى القطع، وأنّ وما بعدها خبر حذف منه الجار، وفيها لغات كما مرّ فقوله حقا تفسير له على مذهب الجمهور على مسلك أبي البقاء فيه، وقوله فيجازيهم مرّ تحقيقه مراراً، وقوله أو فعل يحتمل جرم وحده فعل، وهو الظاهر من لفظه لكن على هذا القول هو مفعول لا فاعل إلا أن يكون بمعنى ثبت، ووجب كما ذكره بعض المعربين، وهو قول فيه، ويحتمل أنّ مجموع لا جرم فعل تأويلا لأنه بمعنى حق، وهو الموافق لكلامهم كما أشار إليه بعض الفضلاء فما قيل أن شرط عمل المصدر أن لا لمجون مفعولاً مطلقا كما في الكافية وحقا مفعول مطلق من قلة التدبر على ما عرفته. قولى:) فضلاَ عن الذين الخ) فيه إشارة إلى أنه باق على عمومه، ويدخل فيه من مر ممن
استكبر عن التوحيد دخولاً أوّلياً، وهو الوجه الثاني في الكشاف، والأوّل أن يراد به من استكبر عن التوحيد وتركه لأن هذا أتمّ وأنسب بالتذييل، وقد جوّز كونه عاما مع حمل الاستفعال على ظاهره من الطلب أي لا يحب من طلبه فضلا عمن اتصف به. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ في الكشاف ماذا منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزل ربكم أو مرفوع بالابتداء بمعنى
стр. 1786
أي شيء أنزله ربكم فإذا نصبت فمعنى أساطير الأوّلين ما تدعون نزوله أساطير الأولين، وإذا رفعت فالمعنى المنزل أساطير الأولين كقوله: ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٩] فيمن رفع اهـ، وقد خفي تغاير التقديرين والفرق بين الوجهين على بعض النحاة تبعا لصاحب التقريب حيث قال: إنه لا يتعين للتقدير في أحدهما بما فيه صورة فعل، وهو ما تدعون، وفي الآخر بالمنزل، وأيضاً لم خالف بين لفظي الدعوى، والإنزال في التقديرين مع أنه حمل الإنزال على السخرية، ثم ذكر جوابا لم يرضوه، ونسبه بعضهم في هذا الكلام إلى ارتكاب هجنة لا تليق بالمقام ولم يلتفت شراحه إلى نقله لأنه غث، وسمين نشأ من عدم تحقيق مرامه إذا سمعت هذا:
فاعلم أنّ ماذا فيه وجهان
أحدهما: أن يكون ما اسم استفهام وذا اسم موصول بمعنى الذي وتقديره أيّ شيء الذي
الخ والمطابق حيئذ في جوابه الرفع ليطابق الجواب السؤال في كون كل منهما جملة اسمية. والثاني: أن يكون ماذا اسما واحدا مركبا للاستفهام بمعنى أيّ شيء محله النصب فينصب جوابه ليطابقه في الجملة الفعلية، ولذا قيل إنه كان مرفوعا هنا وجب تقديره بالذي لأنه لو قدر بأفي شيء وجب نصبه لعدم العائد، والأصل عدم التقدير فهو حينئذ مفعول لا محالة، وقوله وعلى هذا لا بد من إرادة الذي في كلامه حتى يكون التقدير أيّ شيء الذي أنزله ربكم كأنه من سهو الناسخ.
وإذا قيل للكفار أي شيء أنزله ربكم لم يكن جوابهم إلا ما أنزل من شيء، وما تدعون إنزاله أساطير الأوّلين لأنهم لا يقرّون بإنزاله من الله، ولذا لم يقرأ أساطير بالنصب في المشهور، وإن قرىء به شاذاً كما ذكره العرب فلا وجه لإنكاره أما إذا قيل لهم أفي شيء الذي أنزل ربكم فالإنزال لما جعل صلة كان ثابتا عند السامع فجوابهم المنزل أساطير الأولين لكن إثباتهم الإنزال لا يكون إلا على سبيل السخرية كما سيأتي، وهذا هو الذي أوجب اختلاف التقدير في الجواب بحسب الإعراب، وقد ارتكبوا هنا تعسفات تنبىء عن سبق، وهم أو سوء فهم، ولا يخفى أن هذا لا يدفع السؤال فالظاهر أن الذي يرفع نقاب الشبهة هنا قول المدتق طيب الله ثراه إن ما ذكر إيضاج، والا فالمعنى ما الذي كما هو متفق عليه، والفرق بين التقديرين أنّ المنصوب وإن دلّ على ثبوت أصل الفعل، وإن السؤال إنما هو عن المفعول
متقاعد عن دلالة المرفوع لأن الصلة من حقها أن تكون معلومة للمخاطب، وأنّ الحكم معلوم عنده، وعلى التقديرين لم يطابق الجواب كما أشار إليه فيما سيأتي، وإنما قدر ما يدعون في النصب لأنّ السائل لم يعتقد علمهم بالإنزال بل سأل عما سمع نزوله في الجملة، فيكفي في رذه إلى الصواب ادعاء نزول الأساطير.
وأمّا على تقدير الرفع فلما دل على تحقق الإنزال فإنه مسلم عندهم، وإنما السؤال عن تعيين المنزل أجيب بأنّ ذللة المحقق عندك أساطير تهكما إذ من المعلوم أن المنزل لا يكون أساطير فبولغ في ردّه بالتهكم به، وان بت الحكم في غير موضعه، فأراد عدم المطابقة مبالغاً في رذه، ويشبه أن يكون الأول جوابا للسؤال فيما بينهم أو بينهم، وبين الوافدين من الحجاج، والثاني جواباً عن سؤال المسلمين على ما ذكر من الاحتمالين لا العكس كما ظن، وهذا هو الموافق لما بعده، وجعل ما هنالك وجهاً ثالثا وأنه لم يقصد به الجواب هنا، وتوجيه اختلاف التقديرين بغير ذلك تكلف مستغنى عنه. هذا غاية ما يمكن في كلامه، وإنما بسطناه لأنه من مشكلات الكشاف، وليس الريّ عن التشاف فانظر فيه بعين الإنصاف وأساطير جمع أسطار جمع سطر فهو جمع الجمع، وقال المبرد: جمع أسطورة كأرجوحة، وأراجيح أي مما كتبه الأولون فهو كقوله: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٥] . قوله:) القائل بعضهم على التهكم الخ) يعني أنه إذا كان السؤال من بعضهم لبعض، فهو تهكم لأنهم لا يعتقدون أنه منزل لا إن كان من الوافدين عليهم الذين سمعوا به ﷺ ، وبما أنزل عليه أو من المسلمين لهم ليعلموا ما عندهم فليس الأولى حذفه مع أنه قول للمفسرين مسبوق به. قوله: (أي ما تدّعون الخ) قد مرّ تحقيقه، وهو إشارة إلى أنه خبر مبتدأ محذوف وهو على الوجوه السابقة. قوله:) وإنما سموه منزلاً الخ) يعني على تقدير المنزل أساطير الأولين، وليس توجيها لقوله: (ماذا أنزل التقدم توجيهه فإن الأساطير لا تكون منزلة، وقوله: (أو على الفرض) والتسليم
стр. 1787
ليردّوه كقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٧٧ أو على التقدير أي قدروه منزلاً مجاراة ومشاكلة. قوله: الا تحقيق فيه) تفسير للأساطير وقوله والقائلون له أي للجواب المذكور، والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين، وقد مرّ تفسيره. قوله: (أي قالوا ذلك إضلالاً للناس الخ (يشير إلى أن اللام لام العاقبة لأن ما ذكر مترتب على فعلهم، وليس باعثا ولا غرضا لهم كما بينه بقوله فحملوا لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين لأجل أن يحملوا الأوزار لكن عاقبتهم ذلك إمّا مجازاً، وامّا حقيقة على معنى أنه قدر صدوره منهم ليحملوا،
وقد قيل أيضاً أنها للتعليل وإنها لام أمر جازمة، والمعنى أنّ ذلك متحتم عليهم فيتمّ الكلام عند قوله أساطير الأوّلين، وقوله إضلالاً يبين أن حمل أوزارهم ليس علة، وهم يعتقدون أنهم محقون لا ضالون مضلون فإنه غير مسلم، ولو سلم فالمراد قصدوا ما يصدق عليه إنه إضلال لا مفهوم الإضلال، وفيه نظر. قوله:) فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال) توجيه للوصف بالكمال، وقوله: (وبعض أوزاو ضلال من يضلونهم الخ (يشير إلى أن من تبعيضية لأنّ مقابلته لقوله كاملة يعينه، والمعنى مثل بعض أوزارهم فلا وجه لجعل من زائدة، ولا يرد عليه ما ورد في الحديث كما قيل وهو: " من سق سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص! ذلك من أوزارهم شيئاً لأنّ للتابعين أوزارا غير ذلك ". قوله: (خصة التسبب) لأنّ ضلال من أضلوه من حيث المباشرة على المباشر ومن حيث التسبب على المضل من غير نقص، وفاعل يضلونهم ضمير القائلين ومفعوله ضمير الوافدين. قوله:) حال من المفعول الخ (أي أنهم يضلونهم حال كونهم جاهلين، وفيه تنبيه على أنهم إنما يضلون الجهلة الأغبياء، ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي يضلونهم جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال، وكونه محدثاً عنه يعارضه القرب فلا يصلح مرجحا وإن رجحه الواحدي وقد رذه في الكشف، وكونه حالاً منهما كما نقل عن ابن جنيّ خلاف الظاهر، وقوله بض شيئا قد مر تحقيقه، وان ساء من باب بئس. قوله: (سووا منصوبات الخ) سوى بمعنى صنع، والمنصوبة كما نقل عن الزمخشري الحيلة يقال سوى فلان منصوبة، وهي في الأصل صفة للشبكة، والحبالة فجرت مجرى الاسم كالدابة، والعجوز ومنه المنصوبة في لعب الشطرنج، وقوله: ليمكروا بها رسل الله أي ليخدعوا، ولما كان بمعناه عداه تعديته، ولما كان المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، وما بعده يدل على أنهم لم يصرفوهم أشار إلى أنه مجاز هنا عن مباشرة أسباب المكر، وترتيب مقدماته ولو جعل تجريداً صح، وما قيل إنه أخرج مكر عن ظاهره فاحتاج إلى تقدير معنى ليناسب كونه تمثيلاً مع ما فيه من الإشارة إلى عدم وقوع المكر
منهم حقيقة بل مقدماته، والا لغلبوا على الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يخفى ما فيه من التطويل من غير طائل. قوله: (فأتاه أمره) حقيقة الإتيان المجيء بسهولة كما قاله الراغب ولما كان هذا معناه الأصلي حمله المصنف رحمه الله تعالى عليه فاحتاج إلى تقدير مضاف، وهو الأمر، ولو جعل من قبيل أتى عليه الدهر بمعنى أهلكه، وأفناه على ما في الكشاف لم يحتج إليه وضمير أتاه بالتذكير كما في بعض النسخ للبنيان لأنه اسم مفرد مذكر قاًل تعالى ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ، وفي أكثرها فأتاها بالتأنيث بناء على ما نقله الراغب عن بعض أهل اللغة من أنه جمع بنيانة على حد نخلة، ونخل وهذا، ونحوه يصح تذكيره، وتأنيثه. قوله: (من جهة العمد) بضم العين، والميم وجوز تسكينها أو بفتحهما جمع عمود، وهو والقاعدة بمعنى الدعامة، وضعضعت بالبناء للمفعول بمعنى هدمت ومنه ضعضعه الدهر إذا أذله وتضعضع بمعنى استكان قال:
إني لريب الدهر لا أتضعضع
وقوله من جهة الخ إشارة إلى أنّ من ابتدائية وقوله: (وصار سبب هلاكهم (وفي نسخة فصار بالفاء أي ما صنعوه ليكون سببا لبقائهم صار سببا لهلاكهم وفنائهم وانعكاس رجائهم وهو غاية الخيبة والحسرة عليهم وقوله: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ متعلق بخرّ ومن لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف على أنه حال من السقف مؤكدة وقيل إنه ليس بتأكيد لأنّ العرب تقول خبر علينا سقف، ووقع علينا حائط إذا انهدم في ملكه، وان لم يقع عليه، دماليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله صار سبب هلاكهم. قوله: الا يحتسبون ولا يتوقعون (التوقع ترقب الوقوع، وهو في موقعه هنا، وقيل فسر عدم الشعور به لأنه أفحش منه لاجتماع عدم الشعور مع العلم بأصل الوقوع
стр. 1788
وفيه نظر. قوله: (وهو على سبيل التمثيل (يعني أن قوله: ﴿أَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم﴾ الخ استعارة تمثيلية لأنّ ما نصبوه وتخيلوه سبباً للاستيلاء صار سببا للبوار، والعفاء فالأساطين كالمنصوبات، وانقلابها عليهم مهلكة كانعكاس مكايدهم عليهم، ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم عاد سبب استئصالهم، وفنائهم كقولهم من حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا. قوله: (وقيل المراد به نمرود) هو بضم النون، وفي آخره دال مهملة، وهو اسم جبار معروف وكنعان في حواشي الكشاف الأفصح فيه كسر الكاف، والفتح مروي فيه، وهو المعروف وفي التهذيب مقيد بالفتح، وعن الليث أن كنعان بن سام بن نوح ﵊، واليه ينسب الكنعانيون، ولغتهم العربية الذي في كتب التواريخ، أنّ كنعان بن كوس من أولاد حام بن نوج
والصرح القصر وكل بناء عال وبابل اسم ناحية معروفة وسمكه بمعنى ارتفاعه، وعلوّه، وقوله ليترصد أمر السماء أي ليعرف أمر السماء، ويقاتل أهلها وقوله: (فخرّ عليه وعلى قومه فهلكوا) يقتضي أن هلاك نمرود إذ ذاك بما ذكر والمعروف أنه عاش بعده، وأهلكه الله ببعوضة وصلت لدماغه إظهار الكمال خستة، وعجزه وجازاه من جن! عمله لأنه صعد إلى جهة السماء بالنسور فأهلكه الله بأخس الطيور، وعلى هذا لا يكون تمثيلا بل حقيقة، وأخره لأنه لا دليل عليه. قوله: (يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله الخ) قد مر أنّ المصنف ﵀ تبعاً للراغب فسر الخزي بذل يستحيا منه، ولتضمينه لهذين المعنيين استعمل في الذل تارة نحو عليه الخزي، وأخرى في الاستحياء واعترض عليه بأنه ليس كما ذكر فإنه مشترك بين المعنيين المذكورين، ويدل عليه اختلاف مصدريهما فإنه يقال خزي بالكسر يخزي خزياً إذا ذل وهان، وخزاية إذا استحيا كما قاله الجوهري، وقد مر تحقيقه والمراد به هنا الذل مطلقاً أو فرده الكامل، وهو التعذيب بالنار، واستدل عليه بأنه ورد في القرآن بهذا المعنى والقرآن يفسر بعضه بعضاً، والآية المستشهد بها قد مر الكلام عليها، وأنها من قبيل من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى، وقد حقق ثمة بما لا مزيد عليه، وقيل إنه في الوجه الثاني كناية عن التعذيب بالنار أيضا، وأشار إلى وجهها بقوله كقوده الخ فإنه يدل على أنّ الاخزاء من روادف التعذيب بالنار، وقيل عليه إن قوله أين شركائي يأباه لأنه قبل دخولهم النار فالمراد أصل معناه، وهو الاذلال، ولا ورود له لأنّ معنى لهم الخزي أي العذاب أنه يبين استحقاقهم له لما ظهر من الأحوال، ومشاهدة الأهوال مع أنّ الواو لا تقتضي الترتيب، ونقله بصيغة التمريض مغن عن الإيراد، والجواب فإنه يشير إلى أنه غير مرضي عنده فتأمّل. قوله: (أضاف إلى نفسه الخ) يعني في النظم تقريع، وتوبيخ بالقول، واستهزاء بهم إذ أضاف الشركاء إلى نفسه لأدنى ملابسة بناء على زعمهم مع الإهانة بالفعل المدلول عليها بقوله يخزيهم أي ما لهم لا يحضرونكم ليدفعوا عنكم لأنهم كانوا يقولون إن صح ما تقول فالأصنام تشفع لنا فهو كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٢] وقوله أو حكاية الظاهر رفعه عطفا بحسب المعنى على قوله أضحاف كأنه قال مضاف أو حكاية، وأضاف أو حكى ويجوز نصبه عطفاً على استهزاء أي حكى عن المشركين زيادة في توبيخهم إذ لو قيل أين أصنامكم كان فيه توبيخ أيضاً، وقراءة العامة شركائي بالمد ومنهم من سكن الياء فتحذف وصلا لالتقاء الساكنين وقرأ البزيّ بخلاف عنه بقصره مفتوج الياء، وقد أنكر. جماعة وزعموا أنّ هذه القراءة غير مأخوذ بها لأنّ قصر الممدود لا يجوز إلا ضرورة وليس كما قالوا فإنه يجوز في السعة، وقد يوجه بأنّ الهمزة المكسورة قبل الياء حذفت للتخفيف، وليس كقصر الممدود مطلقا مع أنه قد روي عن ابن كثير قصر التي في القصص وروي عنه أيضاً قصر ورائي في مريم، وعن قنبل قصر أن رآه استغنى في العلق فكيف يعدّ
ذلك ضرورة فأعرفه فإنّ كثيرا من النحاة غفلوا عنه. قوله: (تعادون) المشاقة المعاداة، والمخاصمة من شق العصا أو لكون كل منهما في شق، وقوله المؤمنين إشارة إلى أنّ مفعوله محذوف، وقوله فيهم بمعنى في شأتهم من العبادة وغيرها والأولى أن يفسر تشاقون بتخاصمون وتنازعون ليظهر تعلق فيهم به كما في الكشاف، ويحتمل أن تكون في للسببية، وفي نسخة قبل قوله الذين كنتم تشاقون فيهم، وقرأ البزيّ بخلاف عنه أين شركاي بغير الهمزة، والباقون بالهمزة، وقد مرّ تحقيقه، والذين يحتمل الرفع، والنصب. قوله: (وقرأ نافع بكسر
стр. 1789
النون الخ) أي وأصله تشاقونني بنونين حذفت إحداهما تخفيفا، ثم حذفت الياء اكتفاء بالكسرة عنها، وقرئ بتشديد النون المكسورة، وحذف إلياء، وبسطه في علم القراآت، وقد مر نظيره. قوله:) فإنّ مشاقة المؤمنين كمشاقة الله) أمّا إذا كانت المشاقة بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله، وأمّا إذا كانت بمعنى العداوة فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداء الله، وأمّا قوله تعالى ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ فمؤوّل أيضا بغير شبهة فلا وجه لما قيل ليت شعري ما الداعي لإخراج الكلام عن ظاهره فإنّ المشركين أعداء الله " قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ا] . قوله: (أو الملافكة) وعلى هذا فليسوا ملائكة الموت فلذا صرح بهم بعده فما قيل في رده إنّ الواجب حينئذ يتوفونهم مكان تتوفاهم الملائكة وان يلزم منه الإبهام في موضع التعيين والتعيين في موضع الإبهام في غاية السقوط. قوله: (الذلة والعذاب (الواو بمعنى أو لما مر أنهما معنيان متغايران أو على بابها بأن يراد ما يشملهما هذا إن جعلا معنى الخزي والسوء تأكيد له، وان جعلا لفاً ونشرا مرتبا فهو ظاهر وهو الأولى، وقوله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو العلماء الخ إشارة إلى أنّا لمراد بالذين أوتوا العلم الذين انتفعوا به في سبيل النجاة، وأن علم الكفار هو الجهل الذي هو سبب كل رذيلة، وقصر الخزي والسوء على الكافرين ادعائي بجعل ما لعصاة المؤمنين لعدم بقائه ليس من جنسه فلا دليل فيها للمرجئة ولا للخوارج، وقوله وفائدة الخ أي ليجمع لهم الله الإهانة قولاً وفعلا، وحكايته مرفوع، وقوله لأن يكون خبره، وهو يتضمن فائدة حكاينه وجره بالعطف على لفظ قولهم لا يخلو عن سماجة للتصريح باللام، ولو لم تكن كان معطوفا عليه. قوله: (وقرأ حمزة الخ) وجه قراءته ظاهر لأنه غير مؤنث حقيقي فيجوز تذكيره، وأمّ إدغام التاء في التاء فيجتلب له همزة وصل في الابتداء، وتسقط في الدرج، وإن لم يعهد همزة وصل في أوّل فعل مضارع على ما بين في كتب النحو،
والأوجه الثلاثة الجرّ على أنه صفة الكافرين أو بدل أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم، وأفا كونه مبتدأ خبره قوله فألقوا السلم كما قاله ابن عطية فقيل إنه لا يتأتى إلا على مذهب الأخفش في إجازته زيادة الفاء في الخبر مطلقاً نحو زيد فقام أي قام، ولا يتوهم أنها الفاء الداخلة مع الموصول المتضمن معنى الشرط لأنه لو صرح بهذا الفعل مع أداة الشوط لم يجز دخول الفاء عليه فما ضمن معناه أولى بالمنع، وكونه أولى بالمنع كير مسلم لأن امتناع الفاء معه لأنه لقوّته لا يحتاج لرابط إذا صح مباشرته للفحلى، وما تضمن معناه ليس كذلك. قوله تعالى:) ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ) وقد مر إعرابه وهو يصح فيه أن يكون مقولاً للقول وغير مندرج تحته، والقول إن كان في الدنيا فالمضارع على ظاهره، وان كان يوم القيامة فهو على حكاية الحال الماضية. قوله: (فسالموا) أي انقادوا، وأخبتوا بخاء معجمة، وباء موحدة ومثناة فوقية من قولهم أخيت لله بمعنى ذل، وتواضع، وأصله الإلقاء في الأجسام فاستعمل في إظهارهم الانقياد إشعاراً بغاية خضوعهم واستكانتهم، وجعل ذلك الشيء الملقى بين يدي القاهر الغالب على الاستعارة، وقوله عرّضوها للعذاب المخلد من التعريض، وهو جعل الشيء عرضة لكذا إذا كان معدّاً له مهيأ، وظلمهم ونفسهم وضعها في غير موضعها من الآباء عن طاعة الخالق الجبار، وقوله فألقوا فيه وجوه منها أنه خبر الموصول، وقد تقدم ما فيه أو هو عطف على قال الذين أو مستأنف والكلام تم عند قوله أنفسهم ثم عاد بقوله فألقوا إلى حكاية حال المشركين فقوله قال الذين الخ جملة اعتراضية أو هو معطوف على تتوفاهم كما قاله أبو البقاء وهو إنما يتمشى على كون تتوفاهم بمعنى الماضي قيل، وقول المصنف ﵀ حين عاينوا الموت مبنيّ عليه إلا أنه لا يلائمه السياق، والسباق، وأنّ الظاهر أنّ هذه المسالمة حين عاينوا العذاب في يوم القيامة، وفيه بحث. قوله: (قائلين ما كنا نعمل من سوء الخ (يعني أنه منصوب بقول مضمر، وذلك القول حال ومن سوء مفعول نعمل، ومن زائدة أو جواب لما كنا نعمل إيجاب له. أو هو تفسير للسلم الذي ألقوه لأنه بمعنى القول بدليل الآية الأخرى فألقوا إليهم القول، وليس هذا على مذهب الكوفيين كما توهم لأنّ الجملة تفسيرية ل! محل لها، وليست معمولة له، وإنما أوّلها بالقول ليتطابق المفسر والمفسر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٣] ومن قال ليت شعري ما معنى هذا الاشتراط لأن كونه تفسيراً للسلم لا يقتضي كونه نفسه
стр. 1790
بل يكفي كونه بهذا اللفظ دون غيره فقد غفل عن المراد فبادر للإيراد. قوله: (فهو يجازيكم) فلا يفيد الإنكار والكذب على الأنفس، وقوله استئناف، ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة أي ليس معطوفا على قوله تتوفاهم كما مر، ومي
البحر فيكون قوله قال الذين إلى قوله فألقوا اعتراضا بين الأخبار بأحوال الكفار قيل والظاهر أنّ الاعتراض بجملة الذين تتوفاهم الملائكة على احتمال النصب، والرفع دون الجرّ، ولا يخفى أنه لا مانع من الاعتراض الأوّلى. قوله: (وعلى هذا أوّل من لم يجوّرّ الكذب يومئذ الخ) أي على احتمال الاستئناف، وأنه بيان لحالهم في الآخرة لزم وقوع الكذب يوم القيامة فإن قلنا بوقوعه كما مر تفصيله فلا إشكال، والط لم نقل به فلا بد أن يؤوّل هذا القول، هو ما كنا نعمل من سوء بأنّ المراد ما كنا عاملين السوء في اعتقادنا إن كان اعتقادنا أن عملنا غير سيئ، وليس هذا مبنياً على انّ الكذب ما لا يطابق الاعتقاد، وهذا كما أوّلوا قولهم، والله ما كنا مشركين، وقد مر أنّ المصنف ﵀ ردّ هذا في سورة الأنعام بأنّ هذا التأويل لا يوافق قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤] أي بنفي الشرك عن أنفسهم وكذا لا يلائمه الردّ عليهم هنا لقوله بلى إنّ الله الخ لظهور أنه لإبطال النفي، ولا يقال الردّ على من جحد واستيقنت نفسه لأنه يكون كذباً أيضا فلا يفيد التأويل، ولذا مرض هذا القول وأخره وما كنا الخ مفعول لقول المصنف ﵀ أوّل. قوله: (واخمل أن يكون الراذ (عطف على قوله أوّل وهو من فروع الاستئناف، وقوله هو الله أو أولو العلم يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو العلماء يعني أنه يحتملهما أيضا لا أن يكون الراد منحصرا فيهما بخلاف الوجه الأوّل فإنّ الراد فيه الملائكة. قوله: (كل صنف (على معنى أنّ الخطاب لكل صنف لا لكل فرد حتى يلزم دخول فرد من الكفار من أبواب متعددة أو يكون لجهنم أبواب بعددهم، وليس أمر المخاطب هنا بمعنى أمر الغائب أي ليدخل كل صنف كما توهم، وبابها إتا بمعنى المنفذ أو الطبقة كما مر، وفي الوجه الآخر الباب بمعنى الصنف كما يقال نظر في باب من العلم، والخطاب لكل فرد. قوله تعالى: ( ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ) أدخل اللام في بثس، ولم يدخلها في الزمر، والمؤمن لما كان الكلام أحوج إلى التأكيد من حيث كان سياق الآية في التابع والمتبوع جميعا باللام إلا تراه قال: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٥ وتال بعده ولدار الآخرة فأدخل اللام ليطابق اللام بعده، وقوله جهنم يحتمل أنه تفسير للمثوى، وتقدير للمخصوص بالذم، وهو الظاهر والفاء عاطفة، وفي قوله المتكبرين إشارة إلى أن استحقاقهم النار للتكبر عن طاعة الله ورسوله. قوله:) أي أنزل خيراً وفي نصبه
الخ) يقال! تلعثم الرجل إذا توقف في الكلام، والمراد بالموسم موسم الحج من الوسم بمعنى العلامة، والإحياء جمع حيّ وهي القبيلة، وقوله أنزل خيراً إشارة إلى أنّ ماذا في محل نصب لا مبتدأ وخبر على أحد الوجهين ليطابقه الجواب، واختير كونها فعلية هنا دون ما مر في قوله أساطير الأوّلين حيث رفع من غير نظر إلى احتمال ماذا الخ للفعلية لأن الإنزال يناسب الفعل لتجدده بخلاف كونه أساطير فإنه على زعمهم الفاسد أمر متقدّم ثابت فلذا غاير بينهما كما مر تحقيقه، وقوله على خلاف الكفرة لأنّ أنه أساطير الأوّلين أنه غير منزل، وإنما سموه منزلاً على طريق المجاز وتطبيق ما ذكر من سبب النزول على تقديره ظاهر، ووجه دلالة النصب على ما ذكر أنه كقوله الهلال، والله بحذف العامل للمبادرة. قوله: (مكافأة في الدنيا (إشارة إلى أنّ قوله في هذه الدنيا متعلق بحسنه كتعلقه بأحسنوا، والحسنة التي في الدنيا الظفر، وحسن السيرة، وغير ذلك وقوله ولثوابهم في الآخرة إشارة إلى تقدير مضاف أو بيان لجهة خيريتها، وقوله وهو عدة أي قوله للذين أحسنوا فهو المحمود عليه. قوله: (ويجوز أن يكون بما بعده (أي قوله للذين أحسنوا مع ما بعده، وهو على الأوّل أعني قوله عدة كلام مستأنف فيكون في الوعد هنا نظير قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٥] في الوعيد هناك، وهو الوجه ولذا قدمه، وحينثذ هو مقول القول، وعلى هذا قوله خيرأ من كلام الله تعالى سماه خيراً ثم حكى مقولهم كما تقول قال فلان جميلاً من قصدنا وجب- قه علينا، ودلالته على ما مر لشهادة الله بخيريته فخيراً مفعول قالوا وعمل فيه لأنه في معنى الجملة كقال قصيدة أو صفة مصدر أي قولاً خيراً، وهذه الجملة بدل منه فمحلها النصب أو مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وهذا بيان لوجه آخر يحتمله النظم فلا يقال لم لم يجعل منصوباً
следующие страницы →