Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
هذه يزول وتلك يزال، كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: (ملتقى بحري فارس والروم الخ) قيل إنهما لا يلتقيان إلا في البحر الميحط فلعل المراد به مكان يقرب فيه التقاؤهما وأمّا كون فارس محرفا فمن فاس وهي بلدة معروفة بالغرب فلا وجه له إذ لم يذهب إليه أحد وسيأتي كلام- نجي هذا في سورة الرحمن. قوله: (وقيل البحران موسى وخضر الخ) عده في الكشاف من بدع التفاسير فيكون البحر
عليه بمعنى الكثير العلم على الاستعارة والمراد بمجمعهما مكان يتفق اجتماعهما فيه ولا يخفى نبوّ السياق عنه وقوله: حتى أبلغ ولذا مرضه إذ الظاهر عليه أن يقال: حتى يجتمع البحران مثلاً، وقوله: على الشذوذ أي قراءة وقياسا وهي قراءة ابن يسار وقياس اسم الزمان والمكان من فعل يفعل بفتح العين فيهما الفتح كمذهب فقوله: من يفعل بفتح العين، وقوله: كالمشرق والمطلع نظير له في شذوذ الكسر وان اختلف فعلهما وفعله كما لا يخفى. قوله: (أسير) هو معنى أمضى من مضى بمعنى تعدى وسار وزمانا طويلا معنى حقبا كما سيأتي، ومضيّ الحقب خلوها وليس مصدر مضى والمراد مضيها بدون بلوغ المجمع بقرينة التقابل وأو على هذا عاطفة لأحد الشيئين وقوله: إلا أن أمضى زماناً أي في مسيري فأو بمعنى إلا والفعل منصوب بعدها بأن مقدرة، والاستثناء مفرع من أعمّ الأحوال ولم يجعلها بمعنى إلى أن لأنه يقتضي جزمه ببلوغ المجمع بعد سيره حقبا وليس بمراد، وقوله: والحقب الدهر الخ وهو اسم مفرد كحقبة وجمعه حقب وأحقاب. قوله: (روي أنّ موسى ﵊ إلى قوله ودخوله مصربم
قال ابن عطية: لم يعرف أنّ موسى ﵊ أنزل قومه مصر ولا أراه يصح وفيه نظر، وقوله: فأعجب بها على بناء الفاعل من قولهم: أعجبني كذا إذ راقني أو على بناء المجهول، وقوله: فقال لا أي لا أعلم أحدا أعلم مني والمراد أنا أعلم لأنه رسول ذلك الزمان فلا مخالفة فيه لما في الكشاف ولا لما سيأتي، كما توهم وقوله: الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد وتسكن وتكسر خاؤه أيضا ودخول أل عليه للمح الوصفية أو لتأويله بالمسمى به، وقوله: في أيام افريدون بكسر الهمزة وهو ملك مشهور قيل إنه ذو القرنين اكبر كما في شرح البخاريّ، وفيه أنّ موسى ﵊ أدرك زمنه ومقدمة بفتح الدال وكسرها مقدمة الجيش وهي معروفة وتفصيله في تاريخ ابن الأثير وذو القرنين الأكبر هو ابن سام بن نوح قيل إنه كان في زمن إبراهيم ﵊، وهو الذي طاف الدنيا وبنى سد يأجوج ومأجوج والخضر ﵊ كان أميرا على مقدمة جيشه والأصغر من اليونان، وهو الذي قتل دارا وأخذ ملكه وطلب عين الحياة فلم يجدها وقوله: وبقي إلى أيام موسى معطوف على كان وهو ردّ على من قال: إنه مات قبله وخلفه الخضر على مقدمة جيشه فانظر تفصيله وتصحيحه من كتب التواريخ، وقوله: الذي يذكرني يجوز أن يكون واحدا وجماعة، وقوله: الذي يبتغي ضحمنه معنى يضم أو تجوّز به عنه فلذا عداه بإلى، وقوله: عسى ترج على لسانه، وقوله: عن ردى الردى الهلاك والمراد عما يوقعه في الهلاك، وقوله: كيف لي به أي كيف السبيل لي بلقائه أو كيف يتيسر لي الظفر به، والحوت قيل إنه كان مملحا وقيل: مشويا وهل هو نصف أو كامل قولان، والمكتل بكسر الميم وفتح التاء الفتوقانية الزنبيل كما في شرح البخاري، وليس المراد به كيلا كما قيل، وقوله: فحيث فقدته أي الحوت. قوله: (أي مجمع البحرين (أي الضمير لهما ومجمع بينهما مجمعهما، وقوله: أضيف إليه على الاتساع في الظرف وهو إخراجه عن نصبه على الظرفية بنصبه على المفعولية أو جرّه بالإضافة كما هنا أو رفعه، ومجمع اسم مكان والإضافة بيانية أو لامية وجوّز فيه المصدرية والمجمع إمّا مكان الاجتماع حقيقه أو ما يقرب منه كما مرّ، وقيل: المراد مجمع في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين وهذا يناسب تفسير المجمع بطنجة أو إفريقية إذ يراد بالمجمع متشعبا بحري فارس والروم من
المحيط وهو هناك. قوله: (أو بمعنى الوصل الما مرّ أنه يكون اسما بمعنى الوص! والافتراق وهو من الأضداد وأخره المصنف، ولم يذكره الزمخشري لما فيه من الركاكة إذ لا حسن في قولك مجمع وصلهما كما قيل، وقيل إنّ فيه مزيد تأكيد كقولهم: جد جده
стр. 1962
وجوّز فيه أن يكون بمعنى الافتراق أي موضع اجتماع البحرين المفترقين، وعليه يحتمل عود الضمير لموسى والخضر عليهما الصلاة والسلام أي وصلا إلى موضع وعد اجتماع شملهما فيه وكذ إذا كان بمعنى الوصل. قوله: (نسي موسى ﵊ أن يطلبه ويتعرف حاله) أي يطلب من يوشع الحوت ليتعزف حاله لأنه جعل أمارة للظفر، وفيه إشارة إلى أن في النظم مضافا مقدرا لأنهما لم ينسيا الحوت وإنما نسيا حاله لكن الحال التي نسيها موسى ﵊ كونه باقيا في المكتل أو مفقوداً، والحال التي نسيها يوشع ما رأى من حياته ووقوعه في البحر، واعترض! عليه بأنّ نسيان يوشع كان قبل وقوعه في البحر كما يدل عليه قوله: فاتخذ سبيله في البحر سربا حيث عقبه بالفاء، فلا يصح إدخال الوقوع المذكور في الحال المنسية، وأجيب بأن فاء فاتخذ فصيحة كما ذكره المعترض! ولا يلزم أن يكون المعطوف عليه الذي تفصح عنه الفاء معطوفا على نسيا بالفاء التعقيبية حتى يلزم المحذور المذكور، وان كان المعروف فيها ذلك كما قدروا في قوله: فانفجرت فضرب فانفجرت بل يقدر بالواو هكذا وجيء بالحوت فسقط في البحر فاتخذ الخ وهذا مع تكلفه ومخالفته للمألوف في الفاء الفصيحة مخالف للنظم ولما سيأتي تفصيله في قوله: وما إنسانيه إلا الشيطان، ؤهو غير وارد لأنّ سلوكه ومشيه في طريق أمر ممتذ بعد الوقوع في الماء مغاير له مترتب عليه ولا تعلق للنسيان به في النظم نفيا واثباتا بل لا يصح ما ذكره لأنّ السقوط الذي قدره عين الوقوع فقد وقع فيما فرّ منه فتأمّل. قوله: (معجزة (المراد الأمر الخارق للعادة الذي يظهر مثله على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا المعنى المشهور لأنه مشروط بالتحدي ولا تحذي هنا، وقوله: وقيل نسياً الخ أي المراد أنهما نسيا ترصد حال الحوت في ذلك الوقت وان ينتظرا منه ما يكون علامة على المطلوب وهو ملاقاة الخضر ﵊ قيل إنه لم يرتض هذا لأنّ الأوّل أنسب بالمقام وفيه بحث لأن الفرق بين هذا وبين ما ارتضاه أولاً يسير جدا لأنه ذكر في الأوّل أن موسى عليه الصلاة نسي تعزف حاله وهو عين نسيان تفقده هنا ويوشع إذ نسي مامرّ فهو لم يتفقده أيضاً وكذا ما قيل إن المراد أنّ موسى ﵊ نسي تفقده لأمره، وبوشع نسي ما يكون أمارة أي ذهل عن الاستدلال
بهذه الحالة المخصوصة على الظفر بالمطلوب فتأمّل. قوله: (مسلكاً) أي كالمسلك وقوله: من قوله وسارب بالنهار قيل: السرب أصله ما يسلك فيه كالحجر فأريد به هنا المسلك أي الطريق كما ذكره إلا أنّ الآية المذكورة بمعزل عنه فإنّ السارب فيها بمعنى الظاهر بدليل مقابلته بقوله مستخف بالليل وقد فسره المصنف به هناك من غير ذكر معنى آخر له فكلامه هنا مخالف له ولا يخفى أنّ الذهاب في الأرض يلزمه البروز والظهور فجعل ثمة كناية عنه بقرينة المقابل فالتنظير به هنا باعتبار معناه الحقيقي، وما ذكره بيان للمراد منه فلا مخالف بينهما وما قيل في دفعه أن ما ذكره هنا على بعض التفاسير وإلا فالمصنف ﵀ فسره ببارز في سورة الرعد مع مخالفته للظاهر لا حاجة إليه ويشهد لما مر قول الأزهرقي: العرب تقول سربت الإبل إذا مضت في الأرض ظاهرة فإنه جمع بينهما. قوله: (وقيل أمسك الله جرية الماء) بكسر الجيم فصار أي الماء كالطاق وليس المراد بالطاق الكوّة بل البناء المقوس كالقنطرة فالسرب كالنفق لا مقابله كما قيل، وقوله: ونصبه على المفعول الثاني، وقيل: في البحر مفعوله وسربا حال، وقوله: مجمع البحرين إشارة إلى مفعوله المقدر، وقوله: لم ينصب بفتح الصاد أي يعي ويتعب لأنه قبله لرجاء الظفر في نشاط الإبل، وقوله: في سفر بالتنوين وجز غيره لأنه صفته، ووجه دلالة اسم الإشارة على ما ذكر من التخصيص النحوي والتخصيص بالذكر لا لأنه أشير به إلى السفر من كل وجه فإنه لا وجه له. قوله: (ما دهاتي إذ أوينا) دهاني بالدال المهملة بمعنى أصابني إصابة شقت عليّ كالداهية قال: ناظر الجيش في شرح التسهيل جاءت أرأيت ليس بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء كما في هذه الآية فزعم أبو الحسن أنها أخرجت عن بابها وضمنت معنى أمّا أو تنبه أي أمّا إذا أوينا أو تنبه فالفاء جوابها لا جواب إذ لأنها لا تجازي إلا مقرونة بما
стр. 1963
وقال أبو حيان: يمكن أن يكون مما حذف منه المفعولان اختصاراً أو التقدير أرأيت أمرنا إذ أوينا ما عاقبته وما ذكره المصنف تبعاً للزمخشري حسن غير أنه لم يتعرّض! لذكر المفعول الأوّل، وإنما ذكر الجملة الاستفهامية التي هي موضع المفعول الثاني بناء على أن ما استفهامية فيه، ويجوز أن تكون موصولة أيضا، أو يكون جعل رأي فيه بصرية دخلت عليها همزة الاستفهام والمعنى ١١ بصرت حالنا إذ أوينا الخ، فحذف لدلالة الكلام عليه وأرأيت بمعنى أخبرني وقد مر تحقيقه، ونهر الزيت اسم نهر معين سمي به لكثرة ما حوله من شجر الزيتون كما في شرح الكشاف وكون الصخرة دونه بمعنى عنده قريبة منه ومدانية له.
قوله: (فقدته أو نسيت ذكره) يعني أنّ النسيان إمّا مجاز عن الفقد بعلاقة السببية أو على حقيقته بتقدير مضاف فيه، وقوله: بما رأيت منه الباء للملابسة وهو حال من الضمير المضاف إليه. قوله: (لأن أن أذكره) وفي نسخة فإنّ وهما بمعنى وهو تعليل لأنه المراد إذ البدل هو المقصود بالنسبة وهو بدل اشتمال وأن أذكر له من التذكير وهو بدل أيضاً وقوله: وهو اعتذار رأي على القراءتين وقوله: لما ضرى بالضد المعجمة والراء المهملة معتل الآخر معناه هنا اعتاد وهذا بيان لأنّ مثله من الأمور الخارقة إذا شوهدت لا تذهب عن الخاطر. قوله: (ولعله ئسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار الخ) أي أنّ شدة توجهه إلى الله أذهلته عما ذكر وان كان مثله لا ينسى وشراشره بمعنى نفسه أو جملته فإنه من جملة معانيه، وعراه بمعنى غشيه وعرض له. قوله: (وإنما نسبه إلى الشيطان الخ (قيل عليه أنه يلزمه على كلا الوجهين الكذب وهو لا يناسب يوشع ولا ضرورة إلى التكلف بإثبات التجوز ولو كان كما ذكره المصنف كان المناسب أن يقال: بدله لم أستطع تذكره فإن فيه هضم نفسه مع الاختصار ولا يخفى أنّ ما ذكره توجيه له على ما اختاره بقوله: ولعله فإنه إذا كان ذهوله لانجذابه لحضرة القدس كان أمره فيه رحمانيا لا شيطانياً فإسناد إلا نساء إليه وفاعله الحقيقي هو الله والمجازي هو الجذبات المذكورة هضما لنفسه بجعل تلك الجذبات لشغلها عن التيقظ للموعد الذي ضربه الله بمنزلة الوساوس، ففيه تجوّز باستعارة الشيطان لمطلق الشاغل، وهذا كحديث أنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرّة أو هو مجاز عن النقصان لكونه سببه ونقصانه بترك المجاهدات والتصفية حتى لا تشغله تلك الجذبات عن الأمور الخارجية فأفي كذب في هذا يتطرّق إليه القيل والقال وهذا مما بنبهك على حسن سلوك المصنف: ومن الناس من لم يقف على مراده فأورد ما ذكر من عنده وقال: إنه كذب إلا أن يكون مجازاً عن إني مقصر في أموري أو كأنني إنساني الشيطان لعدم كمالي وكذا ما قيل في دفعه أنه كناية أو مجاز عن عدم الاغترار، والافتحار. قوله: (سبيلاَ عجباً) قيل إنه يتعين التقدير الآخر وأمّا هذا ففيه أنّ أكثر العجب ليس بحال السبيل وأيضاً لو كان المعنى هذا القيل واتخذ في البحر سبيلاً عجباً، ورد بأنه لم يذع ما ذكر أحد وأنّ كون حال السبيل عجبا يكفي لصحته وانّ أداء المعنى باللفظ المذكور في النظم أو في لحق البلاغة لأن في ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعل في البحر حالاً من المضاف
تنبيها إجمالياً على أنّ المفعول الثاني من جنس الأمور الغريبة، وفيه تشويق للمفعول الثاني وتكرير للتأكيد المناسب للمقام، وقيل: عليه أن مراد المعترض أنه يلزم حينئذ أن لا يتعرض كثرها لا عدم صحة الكلام، وقوله: وهو أي العجب، وقوله: كالسرب إشارة إلى أنّ جعله سرباً على التشبيه، وهذا من العجب فإنّ ما ذكره وارد على الثاني أيضا فإنّ أعظم العجب في الحوت لا في الاتخاذ. قوله: (أو اتخاذا عجباً (فهو صفة مصدر محذوف وكان على الوجه الآخر مفعولاً ثانيا والأوّل سبيله وعلى هذا التقدير قيل إنما كان عجبا لخروجه من المكتل وحياته بعد الشيّ وأكل بعضه وامساك الجرية عليه، وقيل عليه أنّ ما سوى الأخير ليس من حال اتخاذ السبيل لكونه قبله، وكونه من لوازمه وان سبقه ليس في الكلام ما يدل عليه، وقوله: والمفعول الثاني هو الظرف أي على هذا الوجه، وقوله: مصدر فعله أي فعل التعجب المضمر فيكون مفعولاً مطلقا له والمفعول الثاني لاتخذ عليه أيضاً قوله: في البحر أي عجبت عجبا
стр. 1964
وقوله: أي قال: يعني يوشع في آخر كلامه فالتقدير وعجبت عجبا، وهي جملة مستأنفة، وقوله: أو موسى معطوف على فاعل قال: المستتر لوجود الفصل أو قبله فعل مقدر وهو بعيد، إذ لو كان تقديره أو قال موسى: عجبا لقيل وقال ذلك ما كنا نبغ الخ بالعطف على المقدر، وو! وأمّا كونه لو كان من كلامه لتأخر عن قوله: قال ففيه نظر وقوله تعجبا راجع لهما أي قول يوشع أو موسى عجبا لأجل التعجب من تلك الحال. قوله: (وقيل الفعل (أي اتخذ لموسى ﵊ أي مسندا له، والاتخاذ فيه صادر عنه وهو على ما قبله كان للحوت وعجبا حينئذ مفعول ثان ولا ركاكة في تأخير قال عنه حينئذ لأنه استئناف لبيان ما صدر منه بعده، وقوله: أمارة المطلوب أي لقاء الخضر ﵊ فليس معنى قوله: نبغ أنه كأ! مطلوب بالذات كما يتبادر منه، وقوله: فرجعا هو معنى ارتدا والذي جا افيه يعلم منه كونه على أثر الأوّل. قوله: (يقصان قصصاً) يعني أنه من قص أثره إذا تبعه أو من قص الخبر إذا أعلمه
والظاهر الأوّل، وهو مفعول مطلق لفعل مقدر من لفظه أو حال مؤوّل باسم أي مقتصين بصيغة المثنى وقوله: حتى أتيا الصخرة إن كان من كلامه بيانا لغاية كونهما مقتصين فظاهر وإن كان تقديرا له النظم فهو إشارة إلى أن الفاء في قوله: فوجدا فصيحة. قوله: (واسمه بليا بن ملكان (وقيل: ارميا وقال: السدي ﵀ الياس أخوه، وبليا بباء موحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء! ؤ مثناة تحتية وفي آخره ألف وروي ابليا بزيادة همزة كما في شرح البخاري، وهو من نسل لوق
﵊ وكان أبوه من الملوك ولقب به لأنه إذا جلس أو صلى على أرض اخضرت، وقيل لإشراقه وحسنه. قوله: (هي الوحي والنبوّة) لأن الرحمة أطلقت عليهما في مواضع من القرآن، والأكثرون على نبوّته عتحلى وقيل إنه وليّ، وقيل إنه ملك والاختلاف في حياته الآن معروف، وقوله: مما يختص الاختصاص يفهم من فحوى كونه من عنده أو من تقديم من لدنا على علما، وقوله: بتوفيقنا بتقديم الفاء على القاف وعكسه والثاني أنسب بالغيب، وقوله: على شرط أن تعلمني بناء على أنّ على تأني للشرطية وتعليق ما بعدها على ما قبلها نحو آتيك على أن تأتيني كما ذكر في أصول الفقه وذكر السرخسي أنه معنى حقيقي لها لكن النحاة لم يتعرضوا له، وقد تردّد السبكيّ في وروده في كلام العرب، وهذه الآية تؤيد أنه استعما أط صحيح لكن الظاهر أنه مجاز بتشبيه لزوم الشرط بالاستعلاء الحسيّ، كما يقال: وجب عليه كذا وتحقيقه في الأصول وكونه حالاً لأنه في معنى باذلاً تعليمي. قوله: (علماً ذ رشد (يعني أنّ نصمبه على أن صفة للمفعول قائما مقامه ووصف به مبالغة، فقوله: وهو مفعول أي بعد أن كان صفة، وقوله: العائد أي الضمير العائد على ما الموصولة إذ لا بد منه، وجوّز فيه أن يكون مما علمت مفعوله ورشداً بدل منه والظاهر الأوّل وقوله: وكلاهما أي تعلمني وعلمت منقولان أي مأخوذان منه ومنقولان إلى التفعيل ليتعديا إلى اثنين ولذا جعل علم متعذيا لواحد وهو أحد استعماليه ليكون للنقل فائدة فيه. قوله: (ويجورّ أن يكون) أي رشداً علة لاتبعك فيكون مفعولاً له لوجود شرطه فيه ومفعول تعلمني مما علمت لتأويله ببعض ما علمت أو علما مما علمته، وقوله: أو مصدراً بإضمار فعله أي أرشد رشداً، والجملة استئنافية. قوله: (ولا ينافي الخ) جواب عما قيل إنه رسول من أولي العزم فكيف يتعلم من غيره والرسول لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه ولذا ذهب بعضهم إلى أنّ موسى هذا ليس هو ابن عمران لأنّ اللازم فيه أن يكون أعلم في العقائد وما يتعلق بشريعته لا مطلقا ولذا قال نبينا ﷺ أنتم أعلم بأمور دنياكم فقوله: من غيره أعمّ من النبيّ وغيره، وقوله: ممن أرسل إليه إشارة إلى جواب آخر
وهو أنّ اللازم كونه أعلم من أمّته والخضر ﵊ نبيّ لم يرسل إليه فلا ينكر تفزده
!! بما لم يعلمه غيره، وقوله: لا مطلقاً ناظر إليه، وقوله: صاحب شريعة إشارة إلى أنّ النبي المتبع لرسول آخر كيوشع يتعلم منه مطلقا من غير إنكار، وقوله: ما لم يكن شرطاً ما موصولة مفعول
يتعلم لا دوامية. قوله: (وقد راعى في ذلك الخ) استجهال نفسه لطلبه التعلم وإنما يكون فيما لم يعلمه، وقوله: نفى عنه
стр. 1965
استطاعة الصبر، وجوه التأكيد أن والنفي بلن فإنّ نفيها آكد من نفي غيرها وعدوله عن قوله: لن تصبرا لي لن تستطيع كما أشار إليه بقوله: كأنها الخ فإنّ المراد من نفي
الاستطاعة نفي الصبر لأن الثاني لازم الأوّل فهو إثبات له بطريق برهانيّ على طريق الكناية، كما يدل عليه قوله: وكيف تصبر وتنكير وصبرا في سياق النفي أي شيئا ما من الصبر، فلا وجه لما
قيل إنّ التأكيد هنا بأن ولن فأطلق الجمع على اثنين أو يقال: اسمية الجمل التي خبرها جملة من
وجوه التأكيد، وأمّا قوله: إن فيه دليلاً على أن الاستطاعة مع الفعل فغير ظاهر لأن الاستطاعة مما
يتوقف عليه الفعل فيلزم من نفيه نفيه سواء تقدّمت عليه أو تأخرت فمن غفل عن هذا قال ليس المراد هنا أنه ثعالى أراد بنفي استطاعة الصبر نفي الصبر ولا يدلّ عليه قوله: وكيف الخ وليس في
كلامه ولا في الآية دليل على أنّ الاستطاعة مع الفعل بل بنى كلامه عليه وإنما قلنا ليس في الآية
ذلك مع أنّ نفي الاستطاعة إذا كانت قبل الفعل كما قاله المعتزلة: لا يصح، لأن صبره معه ليس
بمحال لأن لهم أن يقولوا: أراد الخضر ﵊ بنفيها نفي الصبر فكأنه لا يصح ويحتمل أنه مراد جار الله والمصنف تبعه فيه. قوله: (على ما أتولى (أي أباشره ومناكير أي منكرات بحسب الظاهر وقوله: لم يحط بها خبرك إشارة إلى أن التمييز محوّل عن الفعل ولذا
عقبه ببيان نصبه وإذا كان مصدراً فناصبه تحط لأنه يلاقيه في المعنى لأن الإحاطة تطلق إطلاقا
شائعا، وتخبره بضم الباء من خبر الثلاثي من باب نصر وخلم ومعناه عرف، وقوله: لم تحط به أي بما أتولى وفي نسخة بها وهي ظاهرة، وعلى متعلقة بتصبر. قوله: (عطف على صابراً (لأن
الفعل يعطف على المفرد المشتق كما في قوله: صافات ويقبضن بتاً ويل أحدهما بالآخر كما أشار
إليه بقوله: وغير عاص فجملته في محل نصب وإذا عطف على ستجدني فهي أيضا في محل
نصب على أنها مقول القول ومفعول له أيضاً وما وقع في الكشاف من أنها لا محل لها حينئذ مشكل ولذا تركه المصنف رحمه الله تعالى، والظاهر أنه لأنّ مقوله هو المجموع فلا يكون
لأجزائه محلا باعتبار الأصل وقيل: مراده أنه ليس مؤوّلاً بمفرد كما في الأوّل وهو بعيد، وقيل: مراده بيان حال العطف في القول المحكيّ عن موسى ﵊ لأنه الذي يهمه هنا إذ التقييد بالمشيئة في الحكاية، وقيل: إنه مبني على أنّ مقول القول محذوف وهذه الجملة مفسرة له وغير عاص بالعطف ظاهر، وفي بعض النسخ تركه إشارة إلى أنه كالقيد والتفسير لما قبله. قوله: (للتيمن (أي للتبرّك لا للتعليق وإن كان كل يفعل بمشيئة الله فلا يقال إنه لا حاجة إلى التصريح به وفيه نظر، وقوله: فلا خلف يعني إذا أريد التعليق فهو متفرع على الوجه الثاني، وقوله: وفيه دليل الخ ردّ على المعتزلة، ووجهه أنه إذا صدر بعض الأفعال بمشيئته لزم صدور الكل بها إذ لا تائل بالفرق وهو متفرع أيضاً على الوجه الثاني لأنه إذا كان للتيمن لا يدل على ما ذكر وبه أجاب المعتزلة ولك أن تقول إنه جار عليهما لأنه لا وجه للتيمن بما لا حقيقة له فتأمل. قوله: (فإن مشاهدة الفساد) أي الأمور الفاسدة شرعا بحسب الظاهر كقتل الغلام، والصبر على خلاف المعتاد كإقامة الجدار لمن لم يقم بإطعامه، وأرود عليه أن هذا التعليل إنما يستقيم أن لو كان هذا الاستثناء بعدما رأى من الخضر ﵊ ما رأى وليس كذلك فكأنه فهم من كلامه أنه ستصدر عنه أمور منكرة إجمالاً ولا يخفى أنّ معنى قوله: ﴿لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [سورة الكهف، الآيات: ٧٣- ٧٦، أنك لن تصبر على ما يصدر مني وعدم صبره عليه وإقراره على ما يفعله لبس إلا لمخالفته بقضية شريعته وهو ظاهر ولعله صرح له بذلك لكنه أجمل في النظم لتفصيله بعده. قوله: (فلا خلف (أي في وعده له بالصبر حتى يلزم الكذب في كلامه، وهو غير لائق بمقام النبوّة وفي نسخ وخلفه ناسياً لا يقدح في عصمته وهو جواب عما مر، وأورد عليه أن النسيان في المرة الأولى، كما يفهم من سياق النظم ولذا ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: كانت المرّة الأولى من موسى ﵊ نسياناً وبهذا تعين أنّ النسخة الأولى هي الصحيحة، وأنّ المصنف رجع عن الثانية، ولا يخفى أن السؤال إنما يرد لو كان خلف الوعد كذبا وهو كخلف الوعيد ليس بكذب عند المحققين كما بين في الأصول إتا لأنه إنشاء
стр. 1966
لا يحتمل الصدق والكذب، أو لأنه مقيد بقيد يعلم بقرينة المقام كان أردت أو إن لم يمنع مانع شرقي أو غيره وهذا على تسليم الخبرية وعدم إرادة القيد، وأمّا ما قيل إن ما صدر من موسى ﵊ في المرّتين الأخيرتين نسيان أيضاً وانّ ما في الحديث الآخر لا يخالفه فإثا لا نقول بالمفهوم فباطل فإنه هكذا في البخاري وشرحه لابن حجر، وكانت الأولى نسيانا والثانية شرطاً
والثالثة عمداً وفي رواية والثانية عمدا والثالثة فراقا ولك أن تقول إنه لما وقع الخلف بالأولى لم تكن الأخيرتان خلفا ليبين بعض ما وعده به لكن الأولى معفوّة لكونها لم تقع عن عمد فتأمل. قوله: (فلا تفاتحني (أي تبتدئني به وهو بيان للمعنى المراد منه، كما يدل عليه ما بعده لا
تقييد للنهي، وقوله: حتى أبتدئك ببيانه بيان للمراد أيضاً لأنه معنى أحدث والغاية مضروبة لما يفهم من الكلام كأنه قيل: لا تنكر عليئ ما أفعل حتى أبينه لك أو هي للتأبيد فإنه لا ينبغي السؤال بعد البيان بالطريق الأولى وقد ذكر مثله الكرماني ﵀ في حديث: إنّ الله لا يمل حتى تملوا أي لا يتصؤر منه الملال أبدا وليست للتعليل، وقيل: فائدة الغاية إعلامه أنه سيبينه له بعد ذلك وفيه نظر. قوله: (أخذ الخضر فأسا الخ (كذا في صحيح البخاري إلا أنّ فيه فنزع لوحا وفيه أنه وتده أي جعل فيه وتداً مكانه، وقوله: فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها يشير إلى أن إسناد التفريق إليه مجازي ودل على أنه حمل اللام فيه على لام العاقبة دون التعليل لحسن ظنه به ولو حملت على التعليل كان أنسب بمقام الإنكار وليس فيه سوء أدب كما توهم، وقوله: للتكثير كما في بعض النسخ المراد به تكثير المفعول. قوله: (أتيت أمرا عظيما (مأخوذ من أمر بمعنى عظم، وقيل: أصل معناه كثر فأريد به عظم واشتد، قال ابن جني في سز الصناعة: العرب تصف الدواهي بالكثرة والعموم وقال الكسائيّ: معنى أمرا داهيا منكر من أمر بمعنى كثر قيل ولم يقل أمرا أمراً مع ما فيه من التجنيس لأنه تكلف لا يلتفت إلى مثله في الكلام البليغ وأمر بوزن علم، وذكره بالتخفيف. قوله: (بالذي ئسيته أو بشيء نسيته (يعني ما يجوز فيها أن تكون موصولة وموصوفة أو مصدرية، وقوله: يعني وصيته تفسير لما على الوجهين والباء صلة لأنه يتعدى بها لا للسببية وهو إمّا سبب للنهي عن المؤاخذة أولها بتقدير مضات أي ترك ما نسيته من عدم العمل بالوصية أو هو على ظاهره لأنه لولا النسيان لم يكن الترك فهو سبب بعيد، وقوله: بأن لا يعترض تفسير لعدم المؤاخذة، وقوله: أو بنسياني إياها فما مصدرية وفصله لأن المؤاخذ به المنسي لا النسيان وعلى هذا فالباء للسببية كما مر أو للملابسة وقيل: الثاني متعين فتأمل. قوله: (وهو اعتذار بالنسيان (إن كان راجعا لجميع ما تقدم
فهو لذكره صريحا في الثاني ولتعبيره عن الوصية بالمنسيّ في الأوّل وإن رجع للثاني كما هو المتبادر من فصله عنه فلأنّ النسيان لا يؤاخذ به لأنه ليس بمقدور له بالذات دمان كان يؤاخذ بالمنسي لا من حيث إنه منسيئ فيكون المراد به أنا غير مؤاخذ، ولكنه أبرزه في صورة النهي والمراد التماس عدم المؤاخذة لقيام المانع فتدبر، أو المرإد الترك لأنه يكون مجازاً عنه كما في الأساس ومرضه وما بعده لمخالفته للمشهور ولما في صحيح البخاري عنه ﷺ أنّ المرة الأولى كانت نسياناً كما مرّ، وقوله: أوّل مرة قيد لما مر، ولأنه الذي يصح النهي عنه وبهذا علمت ما في قوله أوّلاً وخلفه ناسياً لا يقدج في عصمته فتدبر. قوله: (وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه (المعاريض جمع معراض وهو الناحية والتعريض والمراد به هنا التورية وإيهام خلاف المراد لأنه أبرزه في صورة النهي وليس بمراد، قال في الكشف: فعلى الأوّل كان موسى ﵊ قد نسي وصيته حقيقة وكلى هذا نهاه عن مؤاخذته بالنسيان موهما أنّ ما صدر منه عن نسيان ولم يكن وإنما صار إليه لأن المؤاخذة به لا تصدر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلا يحتاج إلى النهي وعلى الأوّل وجهه أنه نهى عن مؤاخذته بقلة التحفظ حتى ينسى قيل: والتعريض وإن حصل بقوله: نسيت إلا أنه أبرزه في صورة النهي تفادياً عن الكذب فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية. قوله ة (ولا تفشني (بالغين المعجمة من غشيه كذا إذا عرض له
стр. 1967
وهو تفسير للإرهاق، وقوله: بعدما خرجا بيان للمعنى المراد أو إشارة إلى أن الفاء فيه فصيحة. قوله: (فتل عنقه) من القتل بالفاء والتاء الفوقية وهو الليّ والإدارة ورد ذلك كله في الآثار وقد جمع بينها بأنه ضرب رأسه بالحائط، ثم أضجعه وذبحه ثم فتل عنقه وقلعه، وقوله: ضرب برأسه الحائط إفا من القلب أو تجوز أي رمى برأسه إلى جانب الحائط. قوله: (والفاء للدلالة على أنه كما لقيه تتله (الكاف كاف القران وتسمى كاف المفاجأة أيضا وقد مرّ تحقيقها يعني أن قتله وقع عقب لقائه فلذا قرن بالفاء التعقيبية بخلاف خرق السفينة فإنه لم يتعقب الركوب كما في الكشاف، وهذه نكتة لتغيير اننظم أيضا كما سيأتي لكنه أورد عليه أنّ الجزاء يتعقب الشرط أيضا كما يتعقب ما بعد الفاء فكيف يصح وقوع خرقها جزاء حينئذ، وليس هذا بوارد وان ظن بعضهم أنه وارد غير مندفع لأنّ دلالة الفاء على صريح التعقيب وضعا مما لا شبهة فيه ووقوعه عقب الملاقاة كما يدل عليه النظم وبينه
المصنف كذلك، وأمّا جزاء الشرط فاللازم فيه تسببه عن مضمون الجملة، ووقوعه بعده لا تعقيبه به وان صح ألا تراك تقول إذا خرج زيد على السلطان قتله، وإذا أعطيت السلطان قصيدة أعطاك جائزة ولا يلزم قتله عقب خروجه ولا تعقب إلا عطاء الثاني للأوّل، ولا حاجة إلى ما قيل: إن للركوب وقت حدوث ووقت بقاء وثبات والخرق متعقب لحدوثه ومتحقق وقت بقائه وذلك كاف في اعتقاد الشرطية، فإن قلت إذا ظرفية دالة على وقوع الشرط والجزاء في زمان واحد مستقبل فإن لم يتحد ألزم تعقب أحدهما للآخر، قلت: هذا غير مسلم عند أهل العربية فإنه يصح إذا جئتني اليوم أكرمك غداً لأنها لما صا إت شرطية صارت دالة على مجرّد السببية، وقد صرّج به ابن الحاجب في قوله: أئذا ما مت لسوف أخرج حياً ومن التزمه كالرضى جعل الزمان المدلول عليه بإذا ممتدا وقدر في مثل الآية إذا مت وصرت رميما وعليه أيضاً لا يلزم تعقيب الجزاء على ما وقع شرطا صحيحا بل تسببه عنه ولزومه له، وعلى هذا انبنى الخلاف في عامل إذا الشرطية هل هو الشرط أو الجزاء وستسمع قريبا تتمة لهذا فتدبر، وما قيل: من أنه لو قيل حتى إذا ركبا في السفينة ثم خرقها قال الخ، ولقيا غلاما فقتله حصل المقصود ليس بشيء لأنه لا يتغير الطريق وهذه نكتة بعد الوقوع، والتروّي التأني والتمهل. قوله: (ولذلك الخ (أي لكون القتل بلا مهلة ونظر في حالة قال: الخ إذ لو مضى زمان بين الملاقاة والقتل أمكن اطلاع الخضر فيه من حاله على ما لم يطلع عليه موسى ﵊، فلا يعترض! عليه فاندفع ما قيل إن مبني اعتراضه على عدم ظهور سبب القتل سواء تأخر عن اللقاء أم لا لأن موسى ﵊ جازم بعدم استحقاقه للقتل لوصفه النفس بأنها زكية مقتولة من غير سبب فلو تأخر القتل أمكن ظهور سبب للخضر دونه كما قيل وجزمه بعدم الاستحقاق بحسب الظاهر فلا ينافي أنه يعلم أن الخضر لا يصدر عنه مثله ولو لم يرده تناقض كلامه، وتعليق اطلاع الخضرعلى مضيّ الزمان بناء على المعتاد فلا يتوهم أنّ اطلاعه بالغيب وهو لا يتوقف على ذلك فإنه من ضيق العطن، أو قلة الفطن. قوله: (والأوّل أبلغ (لأنه صف مشبهة دالة على الثبوت وفعيل من صيغ المبالغة أيضا، وفرق أبي عمرو بين زاكية وزكية غير ظاهر لأنّ أصل معنى الزكاة النموّ والزيادة فلذا وردت للزيادة المعنوية وأطلقت على الطهارة من الآثام ولو بحسب الخلقة والابتداء كما في قوله: لأهب لك غلاماً زكيا فمن أين جاءت هذه الدلالة فكأنها لكون زاكية من زكي اللازم وهو يقتضي أنه ليس بفعل آخر وأنه ثابت له في نفسه وزكية بمعنى مزكاة، فإن فعيلا قد يكون من غير الثلاثي كرضيع بمعنى مرضمع وتطهير غيره له من ذنوبه إنما يكون بالمغفرة وقد فهمه من كلام العرب فإنه إمام العربي واللغة فتكون بهذا الاعتبار زاكية أبلغ وأنسب بالمقام لأنه صغير لم يبلغ عنده ولذا اختار القراءة به وان كان كل منهما متواتراً منقولاً عنه ﷺ وهذا لا ينافي كون زكية أبلغ لأنها تدل على الرفع وهو أقوى من الدفع ومن لم يدر هذا قال: كان يجب على أبي عمرو القراءة بالزكية على مقتضى فرقه المذكور بينها وبين زاكية
بالألف فيكون المعنى أنه اختار الأوّل
стр. 1968
مع عدم تجويزه القراءة بالثاني انتهى. قوله: (فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الخ (الحلم بضم اللام وسكونها والمعنى لم تبلغ زمان الحلم أي الادراك بالسن لما وقع في الحديث إنه كان صغيراً لم يبلغ الحنث، وقيل: إنه كان بالغا بدليل قوله بغير نفس أي بغير حق قصاص إذ الصبي لا قصاص عليه وأجاب عنه الكرماني في شرح البخاري بأن المراد التنبيه على أنه قتله بغير حق أو أق شرعهم كان إيجاب القصاص على الصبيّ انتهى. وقد نقل المحذثون كالبيهقي أنه كان في شرعنا، كذلك قبل الهجرة، وقال السبكيّ: قبل أحد ثم نسخ وعلى هذا بنى المصنف ﵀ قوله: فتقاد بها كما سيأتي. قوله: (أو أنه (وفي نسخة وأنه معطوف على قوله: فإنه الخ يعني أنها إمّا صغيرة غير مكلفة أو كبيرة بالغة وعلم إنها لم تذنب قط، وهو وما قبله تعليل لاختيار أبي عمرو وهو الظاهر، وجوّز فيه أن لا يكون تعليلا له بل بيان لطهارتها من الذنوب، وقوله: فتقاد الخ مبنيّ على أنها كبيرة لم تذنب، وعلى الوجهين فيوجه بما سرّ ومن قصره على أحدهما فقد قصر، وقوله: نبه أي موسى ﷺ ، وكلا معطوف على القتل وكونه منتف بناء على ظاهر الحال عنده. قوله: (ولعل تغيير النظم) في قصة خرق السفينة وقتل الغلام بأن جعل الخرق جزاء لإذا الشرطية، ولذا لم يقرنه بالفاء لأنه ماض غير مقترن بقد، واعتراض موسى ﵊، قوله: قال أخرقتها الخ وقتله من جملة الشرط في الثانية لكونه معطوفا بالفاء عليه ولا يصح كونه جزاء لكونه ماضيا وتقدير قد فيه لا حاجة إليه، وقوله: لأنّ القتل أقبح لكونه إهلاكا بالمباشرة لنفس زكية لم تبلغ وخرق السفينة ليس كذلك مع أن تداركه ممكن وقد وقع، وأما كون القتل لنفس واحدة وذلك إهلاك ج! اعة فلا لأن قتل طفل أقبح ومن يقتلها فكأنما قتل الناس جميعا وقوله والاعتراض! عليه أدخل أي أحق، وقوله: فكان أي الاعتراض لا القتل لأن العمدة جزاؤه لا جزؤه، فإن قلت الاعتراض بالقتل كما وقع جزاء هنا وقع جزاء ثمة، وكما وقعت النفس هنا موصوفة علل الفعل ثمة، قلت ليس العمدية بوقوعه جزاء فقط بل بها على سبيل الاعتراض! فتأمّل، وقيل: إن النكتة جعل ما صدر عن الخضر من الشرط وابراز ما صدر عن موسى ﵊ في معرض الجزاء المقصود مع أنّ الحقيق بذلك ما صدر عن الخضر من الخوارق لاستشراف النفس إلى ورود ما حيرها لقلة وقوعه وندرته في الذهن ولذلك روعيت هذه النكتة في الشرطية الأولى لما أنّ الخوارق لوقوعها أوّل مرة خرجت مخرج العادة فانصرفت النفس عن ترقبه إلى
ترقب أحوال موسى ﵊ هل يعترض أو يصبر، وأمّا ما ذكره المصنف ﵀ فلا يدفع الشبهة بل يؤيدها لأن كون القتل أقبح لقلة صدوره عن المؤمن وندرة سماعه، وهذا يستدعي جعله مقصوداً وكون الاعتراض! أدخل من موجبات صدوره عن كل عاقل وذلك مما لا يقتضي جعله كذلك، وليس بشيء أمّا ما ذكره من النكتة فعلى تسليمه لا يضرّنا، وأمّا اعتراضه فقوله: يستدعي جعل القتل مقصوداً إن أراد أنه مقصود في نفسه فليس بصحيح وان أراد أنه مقصود بأن يعترض عليه ويمتنع منه فهذا يقتضي جعل الاعتراض جزاء كما ذكره المصنف ﵀ وأمّا كونه من موجبات صدوره عن كل عاقل فمقتض الاهتمام بالاعتراض! عليه، ثم إنه قيل على المصنف أيضا إنّ مبني كلامه على أن الحكم في الكلام الشرطي هو الجزاء والشرط قيد له كما فصل في محله وليس بمسلم فإنا وإن قلنا الكلام هو المجموع فهو عمدة أيضا كأحد المسندين مع أنه لا محذور فيه فإنه مذهب المحققين وان خالفهم الشريف في حواشي المطوّل، وأورد على تعقيب القتل دون الخرق أنه ورد في الحديث الصحيح، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر ﵊ قد قلع لوحا الخ، وهو يدل على ئعقيب الخرق للركوب وأيضا جعل غاية انطلاقهما مضمون الجملة الشرطية يقتضي ذلك إذ لو كان الخرق متراخيا عن الركوب لم تكن غاية الانطلاق مضمون الجملة لعدم انتهائه به، وأمّا ما ذكره من الحديث فقد روى القرطبي في تفسيره ما يخالفه لكن القول ما قالت حذام إلا أنه يمكن أن يؤوّل للجمع بين كلامهم
стр. 1969
بأن المبادرة المذكورة فيه عرفية بمعنى أنه لم تمض أيام ونحوه، فيكون فيه تراخ بالنسبة للقتل، وأمّا كونه مانعا من كون حتى غائية فليس بشيء لأنه لا مانع من يرن الغاية أمراً ممتداً ويكون انتهاء المغمرو بابتدائه كقولك: ملك فلان حتى كانت سنة كذا، ثم إن بعضهم ذكر هنا نكتة أخرى وهي أن لقاء الغلام سبب للرفق والشفقة لا للقتل، فلذا لم يحسن جعله جزاء وعطف على الشرط وركوب السفينة قد يؤذي لخرقها فلذا جعل جزاء. قوله: (ولذلك فصله الخ) أي أوقع آخر الفاصلة هنا نكرا تصريحا بأنه منكر لقباحته، وقال في الفاصلة الأولى أمرا لأنه يمكن تلافيه بالسذ وان كان الأمر بمعنى الداهية العظيمة لأن هذا صريح في كونه منكراً ولذا فسر بأمراً نكراً كما مرّ، وقيل إنه تنزل وإنه دون الأمر بدليل قصة الجدار، ورده في الكشف بأنه لا يترقى فيه، ولا تنزل وإنما هو مرتب على حسب ما وقع. قوله: (زاد فيه لك مكافحة) المكافحة المكالمة شفاها أي زيادة في مكافحة العقاب على رفض الوصية مرة بعد مرّة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى إنسان بما نهيته عنه فلمته
وعنفته، ثم أتى به مرة أخرى فإنك تزيد في تعنيفه وكذا هنا فإنه قيل: أوّلاً ألم أقل إنك ثم قيل ثانيأ: ألم أقل لك إنك، قال في المثل السائر: وهذا موضع تدق عن العثور عليه مبادرة النظر، وقوله: ووسما أي وصفا له بما يؤثر فيه، كالسمسة، والاشمئزاز الاستنكاف والاستكراه، ويرعو بمعنى يرتدع وينته، وقوله: حتى زاد أي قوله لك. قوله: (وإن سألت صحبتك (أي فلا تتابعني على ذلك وإن وصلية، قال بعض الشراح: هو تصحيح لمعنى المصاحبة ببيان حصول الصحبة من الجانبين وقيل إنما اعتبر هذا لأن عدم الصحبة في لا تصاحبني لا يصلح أن يكون جزاء للشرط زجرا له عن اعتراضه إلا بعد كونها مسؤولة منه ومراد له وفيه بحث، وقوله: تصحبني بفتح التاء من صحبه يصحبه، وأورد عليه أن قوله: لا تجعلني لا يناسب قراءة يعقوب بل قراءة غيره بضم التاء من الأفعال، كما وقع في الكشاف إلا أن يكون ذلك رواية عن يعقوب فيكون بضم التاء في كلامه وليس بشيء لأنّ كل متعد فيه معنى الجعل، فقولك قتلت زيداً بمعنى جعلته قتيلا ولا غبار عليه حتى يحتاج لما تكلفه. قوله: (وجدت عذرا من قبلي (إشارة إلى أنّ البلوغ بمعنى الوجود لا المشارفة فإنه يرد بهذا المعنى، كما في قوله: بلغن أجلهن، وقوله: من قبلي تفسير لقوله: مني والثلاث هي المدة المضروبة لابلاء الأعذار ولذا لو قال: الخصم لي بينة يمهل ثلاثة فقط كما في شرح الهداية، وقوله: لما بالفتح والتشديد أو الكسر والتخفيف والحديث المذكور صحيح، وقوله: لو لبث الخ أي لو لم يقل ذلك ومكث مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، وقوله: والاكتفاء بها عن نون الدعامة أي حذف نون الوقاية، وأبقى النون الأصلية المكسورة، وقيل إنه يحتمل أن تكون لد فإنها لغة في لدن والمذكور نون الوقاية ولا حذف أصلا وقد قال المعرب: إنه لا يصح لوجهين أحدهما أق نون الوقاية إنما هي في المبنيّ على السكون لتقيه الكسر ولد بدون نون مضمومة لا سكون فيها، والثاني أنّ سيبويه ﵀ منع أن يقال لدني بالتخفيف وفيه نظر لأنّ القراءة حجة عليه كما ذكره هو ولا مانع أن يقال: إنها وقيته من زوال الضم. قوله: (قدئي من نصر الخبيبين قدي) الشاهد في قوله: قدي فإنّ أصله قدني فحذف منه نون الوقاية وقد بمعنى.
حسب مبنية على السكون، ولذا لحقتها النون حال الإضافة وفيها تفصيل في كتب النحو، وتمامه ليس الإمام بالشحيح الملحد وهو من شعر لحميد بن الأرقط في عبد الملك بن مروان وتباعده عن نصرة ابن الزبير وأصحابه ﵃، وخبيب بخاء معجمة، وياءين موحدتين مصغر أحد أبناء عبد الله بن الزبير والخبيبين مثنى خبيب وأبيه على التغليب، ويروى بكسر الباء على صيغة الجمع على تغليبه على أبيه وقومه والشحيح البخيل والملحد المائل عن الحق، وقوله: إسكان الضاد الخ أي شبه به وزنا فخفف تخفيفه وان لم تكن النون من الكلمة. قوله: (قرية أنطاكية الخ) قال ابن حجر في شرح البخاري: الخلاف هنا كالخلاف في مجمع البحرين ولا يوثق بشيء منه، وأنطاكية بتخفيف الياء معروفة، وأبله بالهمز والباء الموحدة واللام المشددة أحد منتزهات الدنيا معروفة وفي بعض نسخ الكشاف ايكة بالكاف دون ذكر البصرة
стр. 1970
وأرمينية بلاد أرمن، وياؤها مخففة أيضا، وبأجر وان بباء موحدة مفتوحة وألف وجيم مفتوحة وراء مهملة ساكنة، وواو وألف ونون من أعمال أرمينية ذكرها في معجم البلدان، وكذا ضبطها ابن خلكان، وقال: هي بلدة من أعمال الرقة واسم مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان، قيل بها: عين الحياة التي وجدها الخضر وأبو عبيدة منها، وقيل: هي القرية التي استطعم موسى ﵊ أهلها اهـ، والمصنف أضافها لأرمينية لتعددها، كما عرفته فهو كقوله:
على زيدنا يوم النقا رأس زيدكم وجروان بدون با بلدة بمصر معروفة
قوله: (وقرىء يضيفوهما (أي بضم الياء والتخفيف من الإضافة وهي أخص! من الإطعام
لأنها إطعام في المنزل على وجه الإكرام، وقوله: من إضافة يقال: ضافه إذا نزل به فالضيافة من الضيف لا بمعنى الإضافة كما يستعمله الناس لكنها وردت بمعناه أيضا إفا حقيقة أو مجازاً فلا خطأ فيه كما يتوهم، وأنزله تفسير لضيفه وأصل معناه الميل لميل الضيف نحو جانب المضيف. قوله تعالى: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ في إعادة لفظ الأهل هنا سؤال مشهور وقد نظمه بعض الأدباء سائلاً عنه الإمام السبكي رحمه الله تعالى في قصيدة منها:
رأيت كتاب الله أعظم معجز لا فضل من يهدي به الثقلان ...
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره بإيجاز ألفاظ وبسط معان ...
ولكنني في الكهف أبصرت آية بها الفكر في طول الزمان عثاني ...
وما هي إلا استطعما أهلهافقد نرى استطعماهم مثله ببيان ...
يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ أهل ولم يقل استطعماها لأنه صف القرية، أو استطعماهم لأنه صف أهل فلا بد له من وجه، وقد أجابوا عنه بأجوبة مطؤلة نظما ونثراً،
والذي تحرّر فيه أنه ذكر الأهل أوّلاً ولم يحذف إيجازا سواء قدر أو تجوّز في القرية، كقوله: واسأل القرية لأنّ الإتيان ينسب للمكان نحو أتيت عرفات، ولمن فيه نحو أتيت أهل بغداد فلو لم يذكر كان فيه التباس مخل فليس ما هنا نظير تلك الآية لامتناع سؤال نفس القرية فلا يستعمل استعمالها، وأمّا الأهل الثاني فأعيد لأنه غير الأوّل وليست كل معرفة أعيدت عيناً كما بينوه لأن المراد به بعضهم إذ سؤالهم فرداً فرداً مستبعد فلو لم يذكر فهم غير المراد، أمّا لو قيل استطعماهم فظاهر وأما لو قيل: استطعماها فلأنّ النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب كما أثبتوه في محله، وأمّا إتيان جميع القرية فهو حقيقة في الوصول إلى بعض منها كما يقال: زيد في البلد أو في الدار، وقيل إنّ الأهل أعيد للتأكيد كقوله:
ليت الغراب غداة ينعب بيننا كان الغراب مقطع الأوداج
أو لكراهة اجتماع ضميرين متصلين لبشاعته واستطالته كذا قال النيسابوري: ثم نقل عن
أبي حيان نحوا مما ذكرناه وذكر أنه مروي عن الشافعيّ ﵀، لكنه مخالف لما في الأصولي من أنه إذا أعيد المذكور أوّلاً معرفة كان الثاني عين الأوّل وليس بشيء لما مر، وقد قيل إن المراد توصيف القرية بالجملة، وهو يقتضي كون التركيب هكذا والا خلت الصفة عن ضمير الموصوف وفيه أنه لو ترك ذكر الأهل حصل المقصود فما الداعي لذكره هناك وقد ذكرنا فيما مر ما يعلم منه وجهه بقي هنا كلام طويل من غيرطائل في كون الجملة صفة أو جوابا تركناه لقلة جدواه. قوله: (تدانى أن يسقط (أي قرب من السقوط وهو بيان لحاصل معناه، وقوله: فاستعيرت الإرادة للمشارفة أي قربه من الوقوع، والاستعارة إما لغوية فهو مجاز مرسل بعلاقة تسبب الإرادة لقرب الوقوع أو اصطلاحية بأن يشبه قرب السقوط بالإرادة لما فيهما من الميل أو مكنية وتخييلية وهكذا استعارة الهمّ بمعنى القصد والعزم، وهذا ردّ على من أنكر المجاز في القرآن وقال: إن الضمير للخضر ﵊ أو الله تعالى خلق في الجدار حياة هارادة فإنه تكلف وتعسف تفسد به بلاغة الكلام. قوله: (يريد الرمح (أي يقرب من طعن صدره، وأبى براء بفتح الباء اسم رجل، ويعدل بمعنى يصد وينثني
стр. 1971
وفي رواية ويرغب وهي أنسب، وبني عقيل بفتح العين قبيلة معروفة، والشاهد في قوله: يريد الرمح وفيه الوجوه السابقة، وأما حمله على الإسناد المجازي إلى الآلة فهو يفوت به الاستشهاد، ولم يجنحوا إليه لأن الأوّل أبلغ وألطف فلا وجه لما قيل إن هذا أولى، وقوله: إن دهراً الخ من قصيد لحسان ﵁ ويلئم بمعنى يجمع وفي نسخة يلف، والشمل من الأضداد بمعنى الاجتماع والافتراق، وجمل بضم الجيم وسكون الميم اسم محبوبته، وفي نسخة بسعدي، وقوله: يهم
بالإحسان أى يقصد.، وهو محل الشاهد والمراد أن زماناً فعل م! ل هذا يلوح عليه أمارات الإحسان فيقا غداه فاندفع ما قيل إنّ حمل الهمّ فيه على المشارفة مجازاً فيه بعد، فإنّ جمع شمله بمحبوبته عين الإحسان.
قوله: (وانقمق انفعل من قضضته إذا كسرته) يعني أن انفعل بزيادة النون من قضضته
بمعنى كسرته، ولما كان المنكسر يتساقط قيل لسقوط الطير والكوكب انقضاض فلذا قال المصنف ﵀: ومنه لأنه ماخوذ منه وليس مرادفاً له والهوى بضم الهاء وتشديد الياء السقوط، وقوله: وكزىء الخ هي قراءة عليّ وعكرفة، وهو انفعال أيضاً والصاد المهملة مخففة فيهما والأوّل ثلاثيّ مجرّد مشهور ومعناه. ما ذكره المصنف ﵀ وقوله: أو اقعل فحطوف على قوله: انفعل وهو بتشديد اللام فالنون فيه أصلية لأنه من النقض فهو من باب احمرّ، وهذا ما ذكره أبو عليّ في الإيضاح لكن قال السهيليّ في الروض إنه غلط، وليس هذا محل البحث فيه، وقوله: بعمارته أي ترميمه وإصلاحه. قوله: (وقيل مسحه بيده ققام) وهي معج! زة أو كرامة قيل: إنه غير ملائم لقوله: لو شئت لتخذت عليه أجرا إذ لا يستحق بمثله الأجر، ولذا مرّضه المصنف ﵀ وردّ بأنه قول سعيد بن جبير، وقد قال القرطبيّ: إنه هو الصحيح وهو أشبه بأحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعدم استحقاق الأجر مع حصول الغرض غير مسلم ولا يضرّه سهولته على الفاعل. قوله: (وقيل نقضه وبناه) مرّضه لأنه لا يساعده قوله أقامه مع أنه مخالف لما في رواية البخاريّ الصحيحة ولا عبرة بما وقع في العرائس مما يخالفه. قوله: (تحريضاً) بالضاد المعجمة أي هذا الكلام وقع من موسى ﵊ لتحريض الخضر ﵊ أي حثه وتحريكه على أخذ الجعل والأجر على فعله ليحصل لهما به الانتعاش أي التقوى بالمعاش فهو سؤال له لم لم تأخذه واعتراض على تركه وهذا لأنّ المراد منه لازم فائدة الخبر إذ لا فائدة في الإخبار بفعله، وقوله: أو تعريضا بأنه فضول أي فعل لما لم يطلب منه تبرّعا من غير فائدة واستحقاق لمن فعل له مع كمال الاحتياج إلى خلافه، والفرق بينه وبين الأوّل أنه ليس فيه حث على أخذ الأجر، وقوله: لما في لو من النفي تضمنها النفي ظاهر وهو راجع إلى الوجهين أي أنها تدل على عدم أخذ الأجر فلذا حث عليه أو عرّض له بأنه عبث، وقيل: إنه راجع للثاني، فقط والأوّل أولى. قوله: (كأنه لما رأى الحرمان الخ (كأن هنا للظن وعبر به تأذبا وتعظيما لمقام موسى ﷺ ، ومساس! عطوف على الحرمان أو مفعول معه، وقوله: لم يتمالك بالغيبة ونصب نفسه ويجوز رفعه وهو جواب لما،
والجملة خبر كان أو هي خبر وهو بيان لسبب اعتراض موسى ﷺ بعد النهي. قوله: (واتخذ افتعل) يعني أنّ فيه اختلافا بين أهل اللغة والتصريف فقيل إنّ التاء الأولى أصلية والثانية تاء الافتعال أدغصت فيها الأولى ومادّته تخذلاً أخذ وإن كان بمعناه لأنّ فاء الكلمة لا تبدل تاء إذا كانت همزة أو ياء مبدلة منها، ولذا قالوا: إن اتزر خطأ أو شاذ وهذا سائغ في فصيح الكلام وأيضا إبدالها في الافتعال لو سلم لم يكن لقولهم تخذ وجه ومن خالفهم فيه لا يسلمه ويقول: المدة العارضة تبدل تاء أيضاً ولكثرة استعماله هنا أجروه مجرى الأصلي، وقالوا: تخذ ثلاثيا جريا عليه، وتخذ كعلم وليست تاؤه بدلاً من واو على مختار المصنف ﵀ فمن ذكره هنا فقدمها. قوله: (بيني وبينك (أعاد بين وان كانت لا تضاف إلا لمتعدد لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وليس لمحض التأكيد كما قيل، وقوله: الإشارة إلى الفراق الموعود يعني أنه إشارة لما فهم من مفارقته المدلول عليها بقوله: فلا تصماحبني قبله فلتصوّرها وحضورها
стр. 1972
في الذهن نزلت منزلة المحسوس المشاهد كما يقول المصنفون: هذا كتاب قبل تأليفه، وهذا أخوك لتصوّره وحضوره في ذهنه، وأورد عليه في شرح الكشاف أنه فرق بين ما ذكر وما في الآية بأنّ المشار إليه ثمة مفهوم الكتاب وذات الأخ فيفيد الإخبار بمفهوم الأخ، ومفهوم الكتاب المخصوص، وما في الآية ليس كذلك فلا يفيد الإخبار عنه بالفراق، والجواب عنه أنّ المخبر عنه الفراق باعتبار كونه في الذهن والخبر باعتبار أنه في الخارج فيتغايران ويفيد الحمل، ولذا قال المعترض: ويمكن أن يجاب عنه وظنه بعضهم غير مندفع، ومن أراد تحقيق هذا فلينظر ما كتب في حواشي شرح التهذيب. قوله: (أو إلى الاعتراض الثالث (قيل: وجه التخصيص أنه حرّم عليه الصحبة بعده لأنّ نهيه وهو صاحب شريعة للتحريم، وقيل: عليه الظاهر أنه للترخيص وهو الظاهر في حال موسى معه، ولا يوافقه تول المصنف في آخر القصة: وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه، وقد روي عن ابن عباس في وجهه، أنّ قول موسى ﵊ في السفينة: والغلام لله وفي هذا لنفسه لطلب الدنيا فكان سبب الفراق (قلت) الظاهر أنه للتحريم وأنّ المراد به معناه، وهو الجزم بالترك والمفارقة كما كان كذلك في الواقع وصرّح به في الحديث السابق وهو رحم الله أخي موسى الخ، وأمّا ما ذكره في آخر القصة فلا علاقة له به
لأنّ العفو عن الجرم لا ينافي المفارقة، وأما ما روي عن ابن عباس فقد رذه في الكشف وطعن في روايته بأنه لا يليق بجلالة موسى والخضر، وقيل في وجهه: إنه آخر جزء يتتم به السبب ولا وجه له فإن قوله في النظم: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني صريح في أن السؤال الأخير هو سبب المفارقة لا ما كان قبله، وقال الشارح العلامة: إنه سبب الفراق دون الأوّلين لأنّ ظاهرهما منكر فكان معذوراً بخلاف هذا فإنه لا ينكر الإحسان للمسيء بل يحمد، وهذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك، وقوله: وقته إشارة إلى أنه على هذا لا بد من تقدير مضاف في الخبر ليصح الحمل، وقوله: على الاتساع كما في مكر الليل بجعل البين كأنه مفارق، وابن الحاجب يجعل الإضافة في مثله على معنى في وقوله: على الأصل أي بتنوين فراق ونصب على الظرفية. قوله: (بالخبر الباطن (إشارة إلى أن معنى التأويل إظهار ما كان باطنا ببيان وجهه وحكمته، وهو راجع إلى معناه اللغوقي، وهو ما يؤول إليه الشيء، وقوله: الصبر عليه إشارة إلى أن صبراً مفعول بتستطع وعليه متعلق به قدم عليه رعاية للفاصلة. وقوله: لمحاويج جمع لمحتاج على خلاف القياس. قوله: (وفيه دليل على أنّ المسكين يطلق الخ) الخلاف في الفرق بين الفقير والمسكين لغة مفصل في كتاب الزكاة وما ذكره مذهب الشافعيّ ﵁ وهو ردّ على من قال المسكين من لا شيء له أصلاً، والفقير من له أدنى شيء وقد أجيب عنه بأنها لم تكن ملكا لهم بل كانوا أجراء فيها أو كانت معهم عارية أو قيل لهم: مساكين ترحماً واللام للاختصاص لا للملك، وقوله: وقيل سموا مساكين الخ فيكون المسكين بمعنى الذليل العاجز لأمر في نفسه أو بدنه بقطع النظر عن المال وعدمه، وهو معنى آخر غير ما اختلف فيه الفقهاء، وإليه يشير قولهم إنه ذكر ترحما، وقوله: أو لزمانتهم وجه آخر لكونهم مساكين بالمعنى الثاني فاو فيه ليست بمعنى الواو وفي نسخة بالواو وهي بمعنى أو واطلاقه عليهم تغليب لأنّ بعضهم مساكين ولأنهم جميعا لم يعملوا أي عاجزين وهم الزمنى، وقوله: كانت لعشرة صريح في الشركة فلا وجه للتردّد فيها. قوله: (قدّامهم أو خلفهم الأن وراء يطلق عليهما لأنه من الأضداد وكل ما توارى عنك ورجح الأوّل وإن كان الثاني هو المشهور في معنى وراء لأنه المروي كما في البخاري، ويؤيده أن ابن عباس ﵄ قرأ أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، وقوله: وكان رجوعهم عليه راجع للثاني لدفع توهم أنه إذا كان خلفهم سلموا منه، ولك أن تقول بل الظاهر أنّ المراد على الثاني، وهو مدرك لهم مارّ بهم، وقوله: اسمه أيمما الملك
وجلندي بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون وفتح الدال المهملة، ثم ألف مقصورة، وقيل: هو منولة بن الجلند بن سعيد الأزدي وكان بجزيرة الأندلى، وقيل: فيه وفي اسمه غير ذلك والأزد قبيلة معروفة. قوله: (وكان حق النظم)
стр. 1973
أي الترتيب أو لفظ النظم القرآني وإنما كان حقه ذلك لأنّ سبب تعييبها غصب الملك للسفن السليمة وهم فقراء لا معاس لهم بغيرها، وبتعييبها من غير إغراق يسلمون من ذلك فدفعه بأنه قدم للعناية أي للاعتناء والاهتمام به لأنه الذي حصل به رد اعتراضه بأن خرقها مفسدة مؤذية للإغراق إذ معناه ما أردت إلا جعلها معيبة لا إغراق من بها، وهذا على تسليم أن السبب ما بعده وأنه قدم عليه لما ذكر وقوله: أو لأنّ السبب لما كان مجموع الأمرين مبنيّ على منعه وأنّ السبب ليس ما بعده فقط بل مجموعهما ولكن قدم أحد الجزأين لكونه أقوى وأدعى أي أكثر دعوة له وحملا على فعله، ووسط المسبب بينهما توسط زيد ظني مقيم، وهذا بعينه ما في الكشاف، وقوله: على سبيل التقييد المراد تقييد مسكنتهم بمقارنة غصب الملك لأنها لا تكون وحدها سبباً والتتميم بذكر الجزء الأخير من السبب لتتم سببيته لكن هذا لا يتمّ به وجه تغيير النظم من كل وجه، ولهذا لم يرتضه صاحب الانتصاف والطيبي وجعل كونها للمساكين هو السبب لأنّ ترتيب إرادة التعييب على كونها القوم مساكين عجزة يشعر بأن ذلك الفعل إعانة لهم على ما يخافونه ويعجزون عن دفعه، ولما كان ذلك خفياً عقبه ببيانه بعد تمام ذكر السبب والمسبب ولولاه لم تكن الفاء في محلها، وهو وجه حسن مع غموضه، ومما يرفع برقع الخفاء عن هذا الوجه الحسن أن قوله: كان يدل على أنّ هذا كان دأبه وأنه مشهور عنه فكأنه غنيّ عن الذكر كما ذكره المحدثون في كان عبم يفعل كذا بأنه يدل على أنه هجيراه وعادته فتأمل. وقوله: والمعنى عليها أي على هذه القراءة وان لم يقرأ بها وأنّ المراد بالسفينة الصالحة إذ لو أبقى على عمومه لم يكن للتعييب فائدة، وقوله: أن يغشيهما بالغين المعجمة من الأفعال أو التفعيل أي يعرض لهما منه ذلك. قوله: (لنعمتهما بعقوقة) فالمراد بالكفر كفران النعمة التي له منهما بتربيته وكونهما سبب وجوده، والباء سببية متعلقة بكفرا وقوله: فيلحقهما شزاً من الإلحاق أي لعقوقه يلحقهما شرّ وأمر قبيح، وهو تفريع أو تفسير لقوله: أن يغشيهما، وقوله: أو يقرن بفتح الياء عطف على يغشيهما وتفسير آخر له، وطغيانه وكفره مفعوله، وقوله: فيجتمع تفسير لغشيانه وبيان لمضرّته،
وقوله: أو يعديهما من أعداه بمرضه، وعلته كفره ومرض قلبه وقوله: بعلته متعلق بيعدي والممالأة بالهمز، وقد تبدل الفا مفاعلة بمعنى المعاونة ومنه قول عليّ ﵁: ما مالأت قتله عثمان ﵁ وأصل معناه صرت في ملئه كشايعته صرت من شيعته وهو معطوف على قوله: بإضلاله وعطفه على قوله: بعلته فيما بعد، وحباً تعليل له، وقوله: أعلمه أي بوقوع ما ذكر إن لم يقتل. قوله: (وعن ابن عباس الخ (الحروري من الحرورية وهم قوم من الخوارج خرجوا على عليئ ﵁ نسبة إلى حروراء بفتح الحاء وهي قرية بالكوفة، قال الإمام السبكيّ ﵀: " ما فعله الخضر ﵊ من قتل الغلام لكونه طبع كافرا مخصوص به لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن وخلاف الظاهر الموافق للحكمة فلا إشكال فيه وان علم من الشريعة أنه لا يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين ولو فرضنا أنّ الله أطلع بعض أوليائه كما أطلع الخضر ﵊ لم يجز له ذلك، وما ورد عن ابن عباس ﵄ فإنما قصد به المحاجة والإحالة على ما لم يمكن قطعا لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر ﵊ وليس مقصوده أنه إن حصل ذلك يجوز لأنه لا تقتضيه الشريعة وكيف يقتل بسبب لم يحصل والمولود لا يوصف بكفر حقيقيّ ولا إيمان حقيقيّ وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعا مستقلا به وهو نبي وليس في شريعة موسى أيضا ولذا أنكره اهـ، وبهذا ارتفع الإشكال الوارد على قصة الخضر ﵊ من مخالفتها لظاهر الشرع فإنّ أعظم ما يشكل فيها قتل الغلام، أمّا إقامة الجدار فلا إشكل فيه لأنها إحسان للمسيء، وهو من مكارم الأخلاق، وكذا نقض لوح السفينة لتسلم من غصب الظالم ثم يعاد من غير ضرورة، كما في رواية مسلم أنه جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة ثم جاوزها فأصلحها كما في شرح البخاريّ، وقوله: الولدان دون ولد مع أنه الواقع في القصة ليعمه وغيره ممن يكون مثله، وقوله: إن تقتل أي يقع منك القتل، مطلقا لولد
стр. 1974
أو لولدين. قوله: (كراهة من خاف سوء عاقبة) أي ككراهته إشارة إلى أنه استعارة إذ الخوف لا يليق بجنابه تعالى، وقيل إنّ الخوف مجاز مرسل عن لازمه وهو الكراهة، وقوله: ويجوز أن يكون قوله: فخشينا الخ، عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل ة وقوله خشينا من كلايم الخضر ﵇ أي محكيّ عنه ويجوز أن يكون الخ، وإنما أخره عن قوله: وقرىء لأن الخشية فيه
بمعنى الكراهة مجازاً كما مر ولما مرّ، ويكون التقدير أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فقال الله: ﴿خَشِينَا﴾ الخ والفاء من الحكاية ولا يخفى بعده مع أنه لا يلائمه قوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ إلا أن يجعل التفاتا. قوله: (خيراً منه (قيل أفعل فيه ليس للتفضيل لأنه لا زكاة فيه ولا رحمة ورد لأنه زكيا طاهرا من الذنوب إن كان صغيراً وبحسب الظاهر إن كان بالغا فلذا قال موسى ﷺ : نفسا زكية وهذا في مقابلته فخير منه زكاة من هو زكيّ في الحال والمآل بحسب الظاهر والباطن، ولو سلم فالاشتراك التقديرفي يكفي في صحة التفضيل، وقوله: لا رحمة قول بلا دليل ولا يخفى أن الجواب الصحيح هنا أن يكتفي بالاشتراك التقديري لأنه كان عالماً بالباطن فهو يعلم أنه لا زكاة فيه ولا رحمة، فقوله: إنه لا دليل عليه لا وجه له إلا أن ما ذكره من كون خيرا ليس للتفضيل لا يتأتى في قوله أقرب. قوله: (رحماً بالتثقيل) أي بالتحريك بالضم في الحاء، وفي نسخة بالتخفيف ولا وجه له وكثيراً ما يطلق التثقيل على التحريك والتخفيف على التسكين وهو ظاهر وإنما بيناه لأنّ بعض الجهلة ظنه في قوله في سورة تبارك: ﴿سُحْقًا﴾ [سورة تبارك، الآية: اا] بالتثقيل أنه بتشديد القاف حتى قرأ به فقال فيه العلامة ابن الحنبلي الحلبي رحمه الله تعالى:
وجاهل زاد جهلاً وظل يظهر حمقا
فقال لي اقرأسحقاً سحقاً له ثم سحقا
وقوله: والعامل اسم التفضيل لأنه ينصب التمييز دون المفعول به كما نص عليه النحاة
ومثله زكاة وأصرم وصريم مصغراً بالصاد المهملة، وجيسور بجيم مفتوحة، وروي بحاء مهملة ثم ياء مثناة تحتية ثم سين مهملة مضمومة وواو ثم واء مهملة، وروي بنون، وقوله: مرفوعا أي في حديث مرفوع إلى النبيّ ﷺ . قوله: (والذم على كنزهما الخ (أي الذهب والفضة وهذا
جواب ما يتوهم من أنّ الظاهر أنّ الكانز له أبوهما لقوله: لهما فإنه لا يكون لهما إلا إذا كان ارثاً أو كانا قد استخرجاه والثاني منتف فتعين الأوّل، وقد وصف بالصلاج، فهو معارض لذم الكانز في تلك الآية فدفعه بأنّ المذموم هناك ليس مجرد الكنز لقوله: ولا ينفقونها في سبيل الله كما بينه المصنف ﵀ فلا يرد عليه ما قيل لا دلالة في النظم على أنه كان للأب الصالح حتى يعتذر عنه بما ذكر ولا وجه لما قيل في جوابه بأن قصد المصنف ﵀ بيان حال الكنز في الحل والحرمة بمناسبة ذكره هنا، وفيه أيضاً إشارة إلى ردّ ما أورده الإمام أنّ الكنز كان علماً لا مالاً لمنافاته الصلاح، والحقوق كأداء الدين ونحوه، وقوله: من كتب العلم معطوف على قوله من ذهب وفضة وقوله كان لوح وقع في النسخ مرفوعاً وكان الظاهر نصبه فأما أن تكرن كان زائدة ولوج خبر مبتدأ مقدر أو هو اسمها والخبر مقدّر، أي فيه أو هي تامة، ويحزن بالحاء المهملة من الحزن، وما وقع في بعضها يخزن بالخاء المعجمة الظاهر أنه تحريف، وتقلبها بالنصب معطوف مع الدنيا أو مفعول معه، وقوله: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ كتابته لعلم الأمم السالفة بأنه سيكون رسولاً، وسعيه أي الخضر ﵊ وذلك بدل منه وبينهما أي الولدين. قوله: (حفظا فيه (أي حفاظا لأجله ففي سببية كما في حديث أنّ امرأة دخلت النار في هزة وقوله: الحلم وكمال الرأي تفسير الأشد وهل هو مفرد أو جمع ومفرده ماذا مفصل في كتب اللغة والنحو، وقيل: الأولى الاقتصار على كمال الرأي لأنّ أهل اللغة فسروه بقوّته من ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين فهو بعد الحلم وليس ما ذكره مسلماً كما يعرفه من تتبع اللغة وذكروا في قصة الجدار أنّ اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز ولهما وصيّ يعرفه لكنه غائب فلو سقط الجدار بما ضاع الكنز وتوله مرحومين إشارة إلى أنه حال من ضمير الفاعل فيؤؤل باسم المفعول لأنّ الأصل في الحال أن يكون صفة وإذا كان علة فهو مفعول له لقوله أراد ربك لا من فاعل
стр. 1975
يستخرجا لكون فاعلهما مختلفا فأما جعله منه على القول بجوازه أو هو مصدر من المبين للمفعول فلا حاجة إليه والظاهر في مقام الضمير، وأورد عليه أنه إذا كان مصدر أراد ربك بمعنى رحم كانت الرحمة من الرب لا محالة فأي فائدة في ذكر قوله: من ربك وكذا إذا كان مفعولاً له فإمّا على تقدير فعلت ما فعلت فهو منصوب بنزع الخافض أي برحمة ربك، أو هو مفعول له بتقدير إرادة أو رجاء رحمة ربك لما مر أو المراد بالرحمة الوحي. قوله: (ولعل إسناد الإرادة الخ (هذا مما اتتدى فيه بالإمام في بيان نكتة تغاير
الأسلوب فأسنده أوّلاً لنفسه لأنّ خرق السفينة وتعييبها بفعله، وثانياً إلى الله تعالى والى نفسه لأنّ ضمير أردنا لهما لأنّ إهلاك الغلام فعله وتبديل غيره موقوف عليه وهو بمحض فعل الله وقدرته، فلما تضمن الفعلين أتى بضمير مشترك بينهما وهو ظاهر إلا أنه اعترض عليه بأن اجتماع المخلوق مع الله في ضمير واحد لا سيما ضمير المتكلم فيه ترك أدب منهيئ عنه شرعاً، ولذا قال ﷺ لخطيب قال في خطبته بعد ذكر الله ورسوله ومن يعصهما فقد غوى بئس خطيب القوم أنت، كما هو مقرر في كتب الحديث فالوجه أنه تفنن في التعبير والمراد هو فأفرد أوّلاً لأنّ مرتبة الإفراد مقدمة على غيرها، ثم أتى بضمير العظمة إشارة إلى علو مرتبته في معرفة الحكم إذ لا يقدم على ذلك القتل إلا من هو كذلك بخلاف التعييب، والأحسن ما في الانتصاف من أنه من باب قول خوأص الملك أمرنا بكذا يعنون أمر الملك العظيم، وأسند الإبدال إلى الله إشارة إلى استقلاله بالفعل وأنّ الحاصل للعبد مجرّد مقارنة إرادة الفعل دون تأثير فيه كما هو المذهب الحق، وقيل: في وجه اختلافه في إضافة الفعل إلى نفسه قصور في الأدب لا يرتكب إلا لعلة وهي موجودة في الأوّل مفقودة في الثاني لكون العيب لا يسند إليه تعالى تأذبا فأسنده إلى نفسه بخلاف ما بعده ولا مجال للإضافة إلى نفسه في الثالث، وأورد عليه أنه على تقدير تسليم ما ذكره من المقصود في مراعاة الأدب ففي جمع نفسه مع رب العزة في ضمير خلاف أدب أشد مما ذكره كما مر وما فيل إنّ ما ذكر ليس من قبيل ما وقع في الحديث فإنّ التسوية ليست في مجرّد الجمع في الضمير كما لا يخفى فليس بشيء لما سنذكره (أدول (أصل هذا أنّ ثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبيّ ﷺ لأنه كان يخطب في مجلسه ﷺ إذا وردت وفود العرب وهذه الخطبة خطبها عنده لما قدم وفد تميم وقام خطيبهم فذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها: إ من يطع الله ورسوله! فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى " فقال له النبيّ ﷺ : بض خطيب القوم أنت قم، قال الخطابي كرهءشسلا منه ما فيه من التسوية أي في الضمير مع تسوية العطف فالكراهة تنزيهية لا تحريمية على الصحيح وأن أفهم كلام الغزالي خلافه وذهب غيره إلى إنه لا كراهة فيه أصلا وإنما كره ﷺ منه أنه! وقف على قوله: يعصهما وهذا ضعفه صاحب الشفاء فقد وقع في الأحاديث والآيات ما يخالفه كما في حديث الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هل
ضمير يصلون لله والملائكة أم لا فأجازه قوم ومنعه آخرون لعلة التشريك المذكورة والظاهر على أنّ الكراهة تنزيهية أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام فلما كان ذلك مقام خطابة وأطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طرقي كره فيه، وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة فيه خصوصا، وقد قال بعض من ذهب إلى الكراهة: " إنه مخصوص بغير النبي ﷺ فإذا جاز للنبي ﷺ فهو في كلام الله وما حكاه بالطريق الأولى فالحق أنه لا كراهة فيه في كلام الله ورسوله ﷺ كما أشير إليه في شروح البخاري وأما في حق البشر فقيل لا كراهة فيه أصلاً وقيل: فيه كراهة تنزيه مطلقا أو في بعض المواضع وبهذا عرفت ما في كلامهم هنا وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لأني لم أر من حققها ولعلنا نحتاج إليها في محل آخر. قوله: (الأوّل في نفسه شر) فلا يليق إسناده إلى الله وأن كان هو
стр. 1976
الفاعل، والثالث خير فأفرد إسناده إلى الله، والثاني ممتزج خيره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسنده إلى الله والى نفسه نظرا لهما، وقوله: أو لاختلات حال العارف أي بالله فإنه في ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولا إلى نفسه ثم تنبه إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون الله فلذا أسنده لهما ثم يرى أنه لا دخل له وأن المؤثر والمريد إنما هو الله قلذا أسنده إليه فقط وهو مقام الفناء ومقام كأن الله ولا شيء معه وهو الآن كما كان.
قوله: (عن رأيي) يعني أن الأمر هنا واحد الأمور والمراد به الرأي لا أنه بمعنى الرأي وظاهر كلام الراغب أنّ الأمر يطلق على الرأي وما يخطر بالبال كان نفسه تأمره به ولذا تسمى أمارة كما في قوله: سوّلت لكم أنفسكم أمرا وهو أنسب بمقابلته بأمر الله. قوله: (ومبني ذلك (أي ما فعله الخضر على ما عرفت من تفصيله، وقوله: الشرائع في تفاصيله مختلفة إشارة إلى أنّ بعضا من جزئيات هذه قد يجوز في شريعة دون أخرى، كقتل الغلام فإنه في شريعة الخضر ﵊ لما مرّ دون شريعتنا وشريعة موسى ﵊ لأنه من علم الباطن المأمور به هو دون غيره ونظيره أنه يجوز قطع عضو متآكل إذا تحقق سريانه إلى النفس وهذه قاعدة قرّرها الفقهاء وعليها مبني قصة الحديبية. قوله: (فحذف التاء تخفيفاً (أصله تستطع فحذفت تاء الاستفعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية ثم أبدلت التاء طاء لوقوعها بعد السين وهو تكلف وقيل السين عوض قلب الواو ألفا والأصل أطاع وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرّر في القصة ناسب تخفيف الأخير منه وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى ﷺ ما لقيه ببيان سببه فيبعده أنه في الحكاية لا المحكي. قوله: (ومن فوائد هذه القصة الخ (عدم
عجب المرء بعلمه يعلم من أن سبب ما جرى له قوله ليسى في الأرض أعلم مني لا أنه بادر إلى الإنكار فظهر خلافه كما قيل، وعدم المبادرة إلى الإنكار هي سؤاله في الأمور الثلاثة والسر المذكور ما ذكره في الجواب، وأدبه في المقال قوله: تعلمني مما علمت رشدا وتنبيه المجرم على جرمه بقوله: (لن تستطيع معي صبرا) وعفوه عنه عدم مبالاته بإنكاره كما يدل عليه قوله: سأنبئك الخ وتحقق إصراره بقاؤه على إنكار ما خالف ظاهر الشريعة، والمهاجرة قوله: (هذا فراق بيني وبينك (والتذلل قوله: (لا تؤاخذني!. قوله: (يعني اسكندر الرومي (لصحة ذلك عند المؤرخين ووروده في بعض الأحاديث وهو المختلف في نبوّته على الصحيح لا اليوناني كما ذكره الإمام حتى يعترض عليه أنه تلميذ أرسطو ومذهبه ليس بحق فيحتاج إلى الجواب بأنه لا يلزم من تلمذته موافقته في جميع مقالاته كمحمد وأبيب حنيفة ﵏ ومثله لا يحتمل البحث. قوله: (ولذلك سمي ذا القرنين) أي لملكه المشرق والمغرب اللذين هما قرنا الدنيا أي جانباها والقرن من الناس أهل عصر وقد اختلف في مقدار مذته والضفيرة تسمى قرنا حقيقة، وقرنا التاج ما ارتفع من أعلاه على التشبيه وتوله: كما يقال الكبش للشجاع فإنه شائع في كلامهم على طريق الاستعارة والتشبيه وقوله: كأنه ينطح أقرانه أي بتشبيه طعن الأقران وضربها بالنطح وهو إشارة إلى وجه الشبه بينهما والعلاقة. قوله: (والهاء لذي القرنين وقيل لله (تعالى إذا كان الضمير لذي القرنين فالمعنى من أخباره وقصصه ومن تبعيضية والجار والمجرور صفة ذكراً قدم عليه فصار حالاً، وإذا كان دلّه فمن ابتدائية ورجوعه إلى الله بقرينة قوله: بعده إنا مكنا له الخ، ومحكن تقدم تحقيقه فإنه يتعدى بنفسه واللام كنصحت وشكرت وحذف المفعول لقصد التعميم، وقوله: من التصرف بيان لأمره أي أعطيناه التصرف فيها. فوله:) وآتيناه من كل شيء سبباً) قيل: المراد من أسباب كل شيء والداعي لتقديره أن الظاهران من بيانية والمبين قوله سببا، وقوله: أراده وتوجه إليه صفة شيء مخصصة له لأنه لم يؤت أسباب كل شيء وليس فيه منافاة لتقدير المضاف المذكور كما قيل إنه يأباه لأنّ من جملة أسباب مراده تعلق إرادة الله
وفدرته مثلاً وليس مما أعطيه ولا يبعد أن تكون من تعليلية والشيء وأن تأخر حصولاً مقدم تصوّراً لأن المراد بالأسباب الأسباب العادية فلا يدخل فيها ما ذكر وهي معلومة من كون المعطي هو الله إذ إيتاؤه يقتضي تقديره وارادته وما اختاره تكلف لا حاجة
стр. 1977
إليه وما قيل إنه المعوّل عليه وانه يلزم على ذلك التقدير أن يكون لكل شيء أسباب لا سبب وسببان ليس بشيء لتأمل. قوله: (فأراد بلوغ المنرب) إشارة إلى أنّ الفاء فصيحة وإنما قدره لقوله حتى إذا بلغ مغرب الشمس، وقرأ نافع وابن كثير فاتبع وثم اتبع في المواضع الثلاثة بهمزة الوصل وتشديد التاء والباقون بقطع الهمزة وسكون التاء فقيل: هما بمعنى ويتعديان لمفعول واحد وقيل: أتبع بالقطع يتعدى لاثنين والتقدير فأتبع سببا سببا آخر أو فاتبع أمره سبباً كقوله: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، وقال أبو عبيدة: أتبع بالوصل في السير وأتبع بالقطيم معناه اللحاق، كقوله: فأتبعه شهاب ثاقب، وقال يونس: أتبع بالقطع للجدّ الحثيث في الطلب وبالوصل مجرد الانتقال قاله المعرب. قوله: (ذات حمأة) المراد بالعين عين الماء والحمأ، بالهمزة بمعنى الطين والوحل الرايسب في الماء، وحامية بالياء من الحمى وهو الحرارة فمعناها حازة ولما قرئ بهما مع اختلاف معناهما أشار إلى أنه لا تعارض بينهما لأنه يجوز في العين أن تكون ذات وحل وماؤها حارّ أو أنّ القراءة بالياء أصلها من المهموز قلبت همزته ياء لانكسار ما قبلها وان كان ذلك إنما! طرد إذا كانت الهمزة ساكنة، فقوله: أو حمئة معطوف على قوله: حارّة وأورد عليه أنه يأبى هذا التوفيق ما جرى بين ابن عباس ومعاوية ﵃، وتحكيم كعب الخ كما سيأتي فإنه على هذا التوفيق لا يتمشى الخلاف فقيل تجهيل لمثلهم ورد بأنه بعد تسليم صحة ما ذكر عدم تمشي الخلاف ممنوع فإنّ مبناه السماع ولا يندفع ذلك بإمكان التوفيق لترجيح إحدى القراءتين ورجوع معاوية ﵁ لموافقة قراءته لما في التوراة من غير تأويل فلا يلزم ما ذكر شمامل. قوله: (ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها الخ (إشارة إلى دفع ما يقال من أنّ الشمس في الفلك المحيط بالأرض وجرمها أكبر من الأرض بمرات، كما مر في أوّل سورة الإسراء فكيف
يمكن دخولها في عين ماء بالأرض فأوّله بأنه لما بلغ ساحل المحيط من جهة المغرب وهو قوي السخونة كثير الحمأة وجد الشمس، كأنها تغيب في ذلك البحر كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تطلع وتغرب وراء البحر، وعلى هذ التأويل كما قيد ووجد عندها قوما أي عند العين الحمئة وهو مأخوذ من كلام الإمام، وما قيل من أن الوجدان يدل على الوجود ولو كان المراد ما ذكر لقال: رآها ليكون من غلط الحس، مع أن إطلاق العين على البحر المحيط خلاف الظاهر مدفوع بأن وجد يكون بمعنى رأى كما ذكره الراغب فهي مساوية لها يجري فيها ما يجري فيها، وأما كونه لموافقة قوله: وجد عندها قوما فلا يجدي لأنه مؤوّل أيضاً كما عرفت وتسمية البحر المحيط عينا لا محذور فيه خصوصا وهو بالنسبة لعظمة الله كقطرة وإن عظم عندنا، وما ذكره من قصة ابن عباس ﵄، أورده القرطبيّ وفيه أنه رجع بعد ذلك عن قراءته وما وقع في التوراة مؤوّل بما مرّ. قوله: (إما أن تعذب الخ) قدمه وخصهم بذاك لكفرهم، وقوله: حسناً أي أمر أو عبر بالمصدر للمبالغة، وقوله: بالإرشاد الخ الداعي لصرفه عن ظاهره الشامل للعفو أنه يبعد جعله مطابقا للتقسيم في الجواب، وكون الأسر حسنا في مقابلة القتل ظاهر، والإرشاد الدعوة للإيمان، وتعليم الشرائع لمن آمن منهم. قوله: (ويؤيد الأول قوله لخ) الظاهر أن وجه التأييد أنه بين أن الحسنى لمن آمن وهو نص فيما ذكر فهو كالتفسير له، وقيل: إنه ظاهر في اختيار الدعوة فلا بد أن يكون أحد شقي التخيير ليحصل الارتباط بين الجواب والسؤال الناشئ مما سبق المقدر وهو أيهما يختار وعلى الثاني يحتاج الارتباط إلى تكلف أنّ محصل الجواب عدم اختيار واحد من الشقين إيثار الحق الله على حق نفسه فدعاهم إلى الإيمان، وقال: أما من ظلم ولا يخفى أنه لا داعي لتقدير السؤال هنا بل إنه لما قال الله له ما ذكر قال هذا وبين ما سيفعله أو يقدر السؤال هكذا فما قال الخ، والمراد بالظل في النظم الكفر قال الشارح العلامة ولا يستراب في أنّ هذا التخيير إنما يكون على تقدير بقائهم على الكفر ولهذا قدم الدعوة وحكم على من أصر على كفره بالتعذيب والمراد بهذا التعذيب أحد الأمرين على الوجه الثاني بخلافه في قوله إما أن تعذب فإنه القتل خاصة وهذا خلاف الظاهر، واعترض! عليه بأن هذ التخيير فيمن
стр. 1978
وجد منهم الكفر حال توجه القتل والأسر، ولا يقتضي ذلك تقديم الدعوة ولا يلائم أن المراد بهذا التعذيب أحد الأمرين بل المراد به القتل فإنه لما كان مخيرا بين القتل والأسر اختار الأوّل في حق من استمرّ على كفره اهـ. (قلت (أمّا قوله: لا يقتضي ذلك تقديم الدعوة فغير صحيح لأنها إذا لم تكن أحد شقي الكلام اقتضى أنها مقدرة ولا بد من ذلك، وأما ادعاؤه التعميم في التعذيب على هذا فلا وجه له كما ذكره المعترض، إلا أن يريد أنه يجوز في هذأ
الوجه دون الأوّل فتأمّل، وقوله: فاختار الدعوة أي الشق الثاني وفصل ما أجمل فيه. قوله: (فنعذبه أنا ومن معي) حمله على ظاهره المتبادر منه، وقيل: إنه للمتكلم المعظم نفسه واسناده إليه لأنه السبب الآمر لأنّ صدور القتل منه بالذات بعيد، وقيل: إنه أسنده إلى الله وإلى نفسه باعتبار الخلق والكسب، وعليه فالمعنى أني أنا والله أعذبه في الدنيا ثم الله يعذبه وحده في الآخرة فلا ينبو عنه ما بعده كما قيل: لكنه بعيد مع ما فيه من تشريك الله مع غيره في الضمير، وقد أنكره هذا القائل في فوله: أردنا سابقاً. قوله: (في الدنيا بالقتل) وفي الكشاف وعن قتادة كان يطبخ من كفر بالله في القدور وهو العذاب النكر، وهذا إنما يتأتى إذا كان عذابا نكراً مصدر الأوّل، أو تنازع فيه الفعلان، والمصنف ﵀ جعله مصدر الثاني بناء على تبادره ولذا لم ينقله وقوله: لم يعهد مثله تفسير لمنكراً، وقوله: فعلته الحسنى بالجرّ وفتح الفاء ويجوز كسرها للنوع وهو إشارة إلى وجه تأنيث الحسنى بتقدير موصوف مؤنث ولذا لو قدر خلاله كان أظهر وأولى، وعلى تنوين جزاء ونصبه الحسنى مبتدأ وله خبر مقدم وهو حال من الضمير المستتر فيه أو من المجرور بمعنى مجزي بها أو مجزيا بها، وحالاً حال من الضمير في المقدر، والتمييز معطوف على الحال، وقوله: منصوبا غير منوّن جار فيه الوجوه وعلى كونه مبتدأ سوغه تقدم الخبر. قوله: (ويجوز أن يكون إما وإفا للتقسيم دون التخيير (يعني في قوله: إمّا أن تعذب وامّا الخ ما مر بناء على أنّ التخيير هو المختار، والفرق بينهما أنه على الأوّل يكون خيره بين القتل ابتداء والدعوة ثم بعدها يقتل المصرّ ويحسن لغيره أو خيره بين القتل والأسر لمن لم يؤمن بعد الدعوة أو بين قتل الجميع وغيره، وعلى التقسيم بين له أيهم مقتول ابتداء ومدعوّ أو مقتول ومأمور قيل: ويأبى هذا إفا فإنها لتفصيل ما أجمل، وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون المجمل في الكلام السابق بل قد يكون في الذهن أو لمقدر في كلام ذي القرنين فتأمل. قوله: (فبإلهام) قيل عليه إزهاق النفس لا يجوز بالإلهام، ومثله لا يكون إلا بالوحي ولو بالواسطة ولا وجه لنقضه بقصة إبراهيم في ذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام بالرؤيا وهي دون الإلهام لأن رؤيا
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والهاماتهم وحي أيضا كما بين في محله والكلام هنا على تقدير عدم نبوّته ﵊ ولا احتمال للتوزيع كما توهم، وقوله يسرا صفه مصدر محذوف أي قولاً بتأويله بصفة أو بتقدير مضاف، وقوله: يوصله إلى المشرق القرينة على إرادة هذا قوله: بلغ مطلع الشمس. قوله: (يعني الموضع) أي على قراءة الكسر اسم مكان وعلى قراءة الفتح مصدر ميمي لكنه بتقدير مضاف لتتفق القراءتان، ولأنّ البلوغ للمكان ولم يلتفت إلى ما ذكره أهل الصرف من أنه اسم مكان إفا لأنه لم يرد في كلام الفصحاء بالفتح إلا مصدرا فلا حاجة إلى تخريج القرآن على الشاذ لأنه يخل بالفصاحة أو لأنه لا دليل لهم عليه لأنّ ما ورد منه بمعنى المكان بتقدير المضاف كما هنا، فلا وجه لما قيل إنّ الجوهرفي قال إنه اسم مكان أيضا فلا حاجة إلى تقدير المضاف. قوله: (تطلع الشمس عليه أولاً من معمورة الأرض (قيل عليه إنه بيان للواقع والا فلا فائدة في ذكره وليس بشيء لأنّ السماء كرية وكل أفق مطلع للشمس ولكل أرض مطلع فلو لم يفسره بما ذكره لم يدلّ على أنه بلغ غاية الأرض المعمورة وهو المراد. قوله: (من اللباس) فالمراد به المتعارف، أو البناء فالمراد به مطلق الساتر، وكونها لا تمسك الأبنية لرخاوتها، فإن قيل إذا كانت كذلك كيف يكون فيها الإسراب جمع سرب بفتحتين وهو الحجر والحفيرة، قلت: لا مانع منه كما توهم فرب أرض لا تحمل البناء لثقله ويحفر فيها حفر تمكث زمانا كما نثاهده في مواضع كثيرة، وقيل: إنه لا جبال فيها فهي كثيرة
стр. 1979
الزلازل لا يستقرّ بناؤها. قوله: (أو أنهم) وفي نسخة أو لأنهم الخ يعني أن عدم البناء لما مر أو لما ذكر واتخاذ الإسراب لا ينافي نفي الستر على العموم لأنّ المراد منه المتعارف من اللباس أو البناء، وهذا لا ينافي العموم وقد وقعت هذه المسألة في أصول الشافعية فإنهم اختلفوا في أنّ ألفاظ العموم هل يلزم تناولها للصور النادرة أم لا، وفرّعوا على ذلك مسائل فقهية، ولم يحضرني الآن ذكرها في أصولنا فجزم الفاضل المحشيئ بما ذكره هنا بناء على أحد القولين فتنبه له. قوله: (أي أمر ذي القرنين كما وصفناه (يشير إلى ما في كذلك من وجوه الإعراب فأحدها أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أمر ذي القرنين كذلك والمشار ما وصفه به قبله من بلوغ المغرب والمشرق وما فعله وفائدته تعظيمه وتعظيم أمره كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: في رفعة المكان الخ، والتعظيم مستفاد من ذلك لدلالة البعد على الرفعة، وقوله: وقد أحطنا بما لديه خبرا تكميلى لذلك كاً نه لعظمته لا يحيط البشر بما لديه. قوله: (أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب الخ) فهو خبر مبتدأ مقدر بأمره في أهل المشرق والكاف للتشبيه والمشار إليه أمر
أهل المغرب، والفرق بينه وبين الأوّل من وجهين وليست الكاف زائدة في الأوّل كما توهم. قوله: (ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد (أي وجدها تطلع وجدانا كوجدانها تغرب في عين حمئة فقوله: وقد أحطنا الخ لبيان أنه كذلك في رأي العين، وحقيقته لا يحيط بعلمها غير الله وجوّز فيه أيضاً أن يكون معمول بلغ أي بلغ مغربها كما بلغ مطلعها ولا يحيط بما قاساه غير الله. قوله: (أو نجعل) أي صفة مصدر جعل أي لم نجعل لهم ستراً جعلا كائنا كالجعل الذي لكم فيما تفضلنا به عليكم من الألبسة الفاخرة والأبنية العالية، وفيه بعد وعليه فقوله: وقد أحطنا الخ تذييل للقصة أو القصتين فلا يأباه كما توهم، وجوّز فيه جار الله أن يكون صفة سترا أيضاً وهو بمعنى ما قبله وإذا كان صفة قوم كالجملة التي قبله فوجه التشبيه ما ذكره، وقوله: من الجنود الخ جار على الوجوه لكنه أنسب بالأوّل وفسر السبب هنا وفيما قبله بالطريق مجازا لأنه موصل لما أراده، وقوله: آخذاً من الجنوب إلى الشمال يفهم من قوله: حتى إذا بلغ بين السدين لأنّ ما بينهما في أقاصي جهة الشمال فالظاهر أنه سار من الجنوب إلى الشمال حتى انتهى لأقصاه. قوله: (بين الجبلين المبنئ بينهما سدّه (أي سد ذي القرنين ف! طلاق السذ على الجبل لأنه سدّ في الجملة، وفي القاموس والسد الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة وأرمينية ضبطه أهل اللغة بتخفيف الياء الثانية وهي بلاد معروفة، والقول الثاني هو المناسب لما قبله، ومنيفان بمعنى مرتفعين، وقوله: وهما لغتان أي الفتح والضم لغتان بمحنى واحد ويشهد له القراءة بهما فإن الأصل توافق القرا آت. قوله: (وقيل المضموم لما خلقه الله الخ الأنه بالضم اسم بمعنى مفعول وبالفتح مصدر سده سداً ولكونه في الأوّل بمعنى مفعول لم يذكر فاعله فيه دلالة على تعيينه وعدم ذهاب الوهم إلى غيره فيقتضي أنه هو الله كما مرّ نحوه في يوم مشهود، وأمّا دلالة المفتوح على أنه من عمل العباد فلمناسبته للحدوث وتصويره بأنه ها هوذا يفعل ويشاهد، وهذا يناسب ما للعباد مدخل فيه على أنّ فوات ذلك التفخيم يكفي للتقريب، كذا حقق في شروح الكشاف وعليه ينزل كلام المصنف ﵀ فالفرق ليس من موضوع اللفظ، ولذا قيل: إن المصدر معناه الحدث وهو يناسب الحدوث والصفة للثبات والدوام فناسب ما لله ولا يخفى ضعف هذا كله وأنّ هذه النكتة إنما تظهر لو
تقابلا وأسند أحدهما لله والآخر لغيره، أمّا إذا قرئ بهما على الانفراد فالظاهر توافقهما وكيف يوجه الأوّل بعدم ذكر الفاعل مع أنّ المصدر لم يذكر فاعله أيضا والحدوث مشترك بينهما، فلا يظهر للفرق وجه إلا بتكلف ولذا ذهب بعضهم إلى العكس بناء على أنّ المصدر لم يذكر فاعله والمضموم بمعنى مفعول، والمتبادر منه أنه ما فعله الناس كما يقال: مصنوع وضعفه ظاهر، ألا ترى قوله: وكان أمر الله مفعولاً وأنه يقال مصنوعات الله، وحذف الفاعل له وجوه أخر. قوله: (وبين ههنا مفعول به) على الاتساع وقيل: إنه ظرف والمفعول به محذوف وهو ما أراده أو غرضه. قوله: (لغرابة لغتهم)
стр. 1980
وبعدها عن لغات غيرهم، وعدم مناسبتها لها إذ لو تقاربت فهموها وأفهموا غيرهم فهو تفسير له بلازم معناه كما وقع التفسير به في الأثر واختاره إشارة إلى أن مآل القراءتين واحد ومن لم يقف على مراده قال إنه يناسب القراءة الآتية، إلا أن يقال: أراد لغتهم التي يعرفونها سواء كان لسانهم أو لا، وتكلف ما نحن في غنية عنه، وقولاً عامّ لما عدا أقوالهم ولغاتهم أو أراد به قول اتباع ذي القرنين والقول على ظاهره والزمخشريّ جعله مجازاً عن الفهم مطلقا أو عما من شأنه أن يقال: ليشمل الإشارة ونحوها ففسره بقوله: لا يكادون يفقهونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها لئلا يخالف ما بعده، وفيه نظر لما سياتي من تفسيره، وقوله: وقلة فطنتهم حتى يفهمون ما يراد من القول بالقرائن وحتى يتعلمون لغتنا فإنهم مع عدم المخالطة لا يمكن تعلمها في زمن قليل للفطن والترجمة من آخر ناشئة من قلة الفهم فلا يرد عليه أنّ المترجم كاف في ذلك، وقوله: لتلعثمهم تفعل من اللعثمة بالثاء المثلثة ومعناها التوقف في الكلام وقراءة حمزة من الأفعال كالإفهام أي لا يفهمون ويفصحون بجواهر الحروف فالقول على ظاهره لا مدلوله فإنهم لتلعثمهم لا تتبين حروفهم كما نشاهده في بعض الألسنة. قوله: (قال مترجمهم) الترجمة تفسير لغة بلغة أخرى، وتطلق على التبليغ مطلقا كما في قوله:
إنّ الثمانين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان ...
وانما قدره كذلك أو جعل الإسناد فيه مجازيا بجعل قول الترجمان بمنزلة قولهم: لقيامه مقامهم واتحادهما في المقصود ليوافق ما قبله من أنهم لا يفهمون ولا يفهمون، وقوله: الذين من دونهم أي القوم الذي تقرب بلادهم من بلادهم فإنهم يعرفون لغتهم ولغة غيرهم لوقوع بلادهم بين بلاد الفريقين فهم واسطة مترجمون بينهم، وهذا يدل على هذا التأوبل ويرجحه على التأويل الآخر، ولذا اقتصر عليه وقد وقعت المخالفة أيضاً بأنّ الله تعالى علّم ذا القرنين
لغتهم ولغة غيرهم، كما علّم سليمان ﵊ منطق الطير، والجيل بكسر الجيم قوم معروفون ولا يبعد أن يقال: قائله قوم غير الذين لا يفهمون قولاً وهم لقربهم يتضرّرون بقربهم، ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود ﵁ وهو الذي أراده المصنف ﵀ بإيراده فهو في الحقيقية جواب آخر لكنه لقربه مما قبله لم يصرح بجعله جوابا مستقلا، والذي اختاره الزمخشري: أنّ فيه تقديراً أي لا يكادون يفقهون قولاً إلا بجهد. قوله: (وهما اسمان أعجميان (يعني أنه لا يخلو من كونه أعجمياً أو عربيا فعلى الأوّل منع صرفه للعلمية والعجمية وغلى الثاني للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة فلا يرد عليه، كما توهم أنه يجوز أن يكون للعلمية والتأنيث، وهو مهموز من أج بمعنى أسرع ووزنهما يفعول، كيعفور ومفعول وهو وإن كان لازما فبناء مفعول منه إن كان مرتجلا فظاهر دهان كان منقولاً فلتعديه بحرف الجرّ، والظليم ذكر النعام وفي تذكره أبي علي إن كانا عربيين فيأجوج المهموز يفعول من أج كيربوع وليس من تاجج كما ذكره سيبويه وإن كان في العربية فعلول ومن لم يهمز خفف الهمزة كرأس فهو أيضاً يفعول، ويحتمل أن يكون فاعول من ي ج ج، ومن همزهما جعلهما كالعالم ومنع صرفها للعلمية والتأنيث للقبيلة، كمجوس ومأجوج إذا همز من أج كما أق يأجوج منقول منه فالكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق وعلى العجمة لا يتأتى تصريفه ولا يعتبر وزنه إلا بتقدير كونه عربيا اهـ. قوله: (أي في أرضنا (يشير إلى أنّ تعريفه للعهد والقتل والتخريب تفسير للفساد كالذي بعده ولم يقل أو إتلاف الزروع لعده مع ما قبله وجها واحداً لأنّ المراد بإتلافها قطعها وإحراقها وهو من التخريب، والمحكي بقيل وجه آخر ولا تخريب فيه، ولكن ضرره بأخذ أقواتهم وأكلها حتى يضيقوا عليهم، وقوله: إلا أكلوه استثناء مفرّع وهو من قصر الموصوف على الصفة على حد قوله:
ولا عيب فيهم غيرأنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ...
فهو إثبات لعدم الترك بدليل، وهل هو استثناء متصل أو منقطع فيه كلام فلا وجه لما قيل
إنّ الاستثناء
стр. 1981
فيه مشكل فإن صفة كونه مأكولاً لم يثبت له قبل الأكل فلم يدخل فيما قبله حتى يستثني إلا أن يكتفي بدخولها تصوّراً وفرضا.
قوله: (جعلا) أي أجرا تصرفه عليه واختلف فيهما فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما ذكره، وقيل: بينهما فرق كما ذكره، وقيل: الخرج في مقابلة الدخل، وقوله: يحجز أي يمنع إشارة إلى أنّ السذ هنا بمعنى الحاجز، وقوله: ما جعلني فيه مكيناً أي متمكنا قادراً، وقوله: من المال بيان وقوله: ولا حاجة بي إليه يعلم من مكنته، وقوله: على الأصل أي عدم الإدغام فإنه الأصل فيه. قوله: (بقؤة فعله) جمع فاعل، ككاتب وكتبة وهو من يفعل فعلا ما ويختص في الاستعمال بمن يعمل بأجرة أو نحوها في البناء يعني أنّ القوّة بمعنى ما يتقوّى به على المقصود من الناس أو الآلات أو الأعئم منهما وقوله: رد ما أصل معناه كما قاله الراغب: سذ الثلمة بالحجارة ونحوها وكونه أكبر من السد لأنه يفيد ملأها فيكون أعرض من السذ، ولذا أطلق على الرقاع لسدها خرق الثوب، والرقاع جمع رقعة وهي معروفة وقوله: وهو لا ينافي الخ أي طلبه إيتاء الزبر لا ينافي أنه لم يقبل منهم شيئا لأنه إنما ينافيه لو كان الإيتاء بمعنى إعطاء ما هو لهم وليس بمراد بل المراد به مجرّد المناولة والإيصال وان كان ما آتوه له فهو معونة مطلوبة، وعلى قراءة أبي بكر فهو من أتاه بكذا إذا جاء به له فعلى هذه القراءة زبراً منصوب بنزع الخافض وقوله ولأنّ إعطاء الآلة يعني بعد تسليم كون الإيتاء بمعنى الإعطاء لا المناولة فإعطاء الآلة للعمل لا يلزمه ت! ملكها، ولو تملكها لا يعد ذلك جعلا، فإنه إعطاء المال لا إعطاء مثل هذا فلا وجه لما قيل إنه ضعيف لمنافاته للتمليك. قوله تعالى:) ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ ) أي ساوى السذ الفضاء الذي بينهما فيفهم منه مساواة السد في العلو للجبلين، فالمراد بجانبي الجبل في كلام المصنف جميعهما لا رأسهما كما قيل: وإن وقع ذلك في الأساس إذ لا حاجة إليه، وقوله: بتنضيدها أي بوضع الزبر بعضها على بعض وقوله: منعزل أي مائل منحرف عنه، وهو أصل معنى التصادف ولذا استعمل في الملاقاة، والأكوار جمع كور
بالضم آلة للحدادين معروفة، وقوله: كالنار إشارة إلى أنه تشبيه بليغ. قوله: (لآضمر مفعول أفرغ (لأنه إذا أعمل الأوّل ذكر ضميره في الثاني وان جاز حذفه لكونه فضلة لكنه يقع فيه إلباس حينئذ إذ لا يدري أنه مفعول أيهما والمتبادر أنه مفعول الثاني لقربه ووجه الاستدلال أنه أعمل الثاني ولو لم يكن أرجح لزم ورود كلامه تعالى على غير الأفصح بلا ضرورة ونكتة ووصل الهمزة على أنه بمعنى جيؤوا به كما مرّ تحقيقه. قوله: (بحذف التاء حذرا من تلاقي متقاربين (في المخرج وهما الطاء والتاء وهذا مجوّز لا موجب له لأنه لا مانع من الإتيان به على الأصل والإدغام إدغام التاء في الطاء لقرب مخرجهما وفيه ما ذكره لأن الحد فيه أن يكون أحدهما حرف لين والآخر مدغما فيه وهنا ليس كذلك وقد تقدم أنه جائز واقع مثله في القرآن كما مرّ في أوّل السورة، وقلب السين صاد المجاورة الطاء. توله:) أن يعلوه بالصعود (فمعنى ظهره صار على ظهره فعلاه، وقيل: إنه من ظهر عليه فحذف الجار وأوصل الفعل بنفسه، والانملاس انفعال من الملامسة وهو تساوي السطح، وقوله: لثخنه أي غلظه وامتداد عرضه، وبلوغ الماء أي بلوغ خروجه بحيث لا يمنع من البناء لسدّه بما يطرج عليه والمراد قرب من بلوغه، وجعله أي الأساس، والبنيان بالنصب عطف على ضمير جعله، ووضع الحطب والفحم بين زبر البنيان لتوقد فتذوب الزبر فتلتحم بما تحتها لا أن الفحم يبقى في البناء كما يوهمه ظاهر العبارة، وقوله: ساوى أعلى الجبلين أي بلغه كما مرّ بيانه، وقوله: بينهما أي الزبر وفي نسخة بينهما أي بين الأساس والبنيان، وقوله: ثم وضع المنافخ في نسخة المنافيخ، وقوله: حتى صارت أي زبر الحديد كالنار لحمرتها، وفعلى ذلك إما بآلات من بعد أو أنه كرامة لذي القرنين حيث أطاقوا القرب منها وصلدا بمعنى أملس صلب، وقوله: في تجاويفها أي في تجاويف وخروق جعلت في الصخور أو في الصخور والكلاليب. قوله: (على عباده (كون السد رحمة
على العباد ظاهر، وأمّا الأقدر عليه فهو سبب للرحمة عليهم، وقوله: وقت وعده أي بتقدير مضاف لأنّ الآتي وقته لا هو لتقدمه أو هو إشارة إلى أنّ إسناد
стр. 1982
المجيء إلى الوعد وهو لوقته مجاز في النسبة، ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود وهو وقته أو وقوعه فلا تقدير فيه فيكون مجازاً في الطرف، وفي الكلام مقدر أي وهو يستمرّ إلى آخر الزمان فإذا جاء الخ وقوله: بخروج متعلق بوعد ووقت مجيء الوعد بخروجهم ممتد لمكان وقت جعله دكاً، فلا وجه لما قيل: إنّ وقت خروجهم ليس وقت عين الدك بل متصل به فلا بد من اعتبار المشارفة فيه كما إذا أريد بالموعود قيام الساعة، وقوله: بأن شارف متعلق بجاء، وقوله: أرضا مستوية إشارة إلى أنه على قراءة دكاء بألف التأنيث الممدودة لا بد أن يقدر له موصوف مؤنث وهو إذا كان بمعنى مدكوكاً مدقوقاً فهو مؤوّل بالمفعول أو وصف به مبالغة، وفي الحجة المذ مروي عن حفص عن عاصم على حذف مضاف أي مثل دكاء وهي ناقة لا سنام لها، ولا بد من هذا التقدير لأنّ الجبل مذكر لا يوصف بمؤنث ا!. قوله: (وجعلنا بعض يأجوج) فالترك بمعنى الجعل كما صرّح به النحاة وأهل اللغة فهو من الأضداد، وقوله: مزدحمين إشارة إلى أن التموّج مجاز عن الازدحام، وحين يخرجون إشارة إلى أنّ يوم بمعنى مطلق الوقت وأن التنوين عوض عن جملة معلومة مما قبله وأصله يوم إذ جاء وعدهم ونحوه، كما قدره المصنف ﵀ وانّ الضمير ليأجوج ومأجوج وامّا عوده على الناس وأنّ المراد أنهم لفزعهم منهم يفرّون مزدحمين أو أنهم بعد إتمام السد ماج بعضهم في بعض للنظر إليه والتعجب منه فبعيد. قوله: (أو الخلق) بالجرّ عطف على يأجوج ومأجوج، فالضمير للخلق وهو حينئذ منقطع عن القصة قبله، وقوله: إنسهم وجنهم بدل من الضمير أو مبتدأ خبره حيارى وهو على الوجه الثاني تفسير الوعد، والتأييد ظاهر إذا كانت الجملة حالية بتقدير قد، وأمّا على العطف فلا وان كانت الواو لا تفيد ترتيبا، وأمّا ما قيل إنه ينافيه فلا وجه له، وقوله: لقيام الساعة شامل للنفخة الأولى والثانية التي لا حياء من في القبور لكن ما بعده يناسب الثاني. قوله: (عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم) دفع لما يتوهم من أنّ المناسب للذكر أن يقال الذين كانت أسماعهم صماً عن ذكرى بأنّ الذكر مجاز عما يشاهد من الآيات على توحيده المسبب لذكره وتعظيمه بذكر المسبب وارادة السبب، وقيل: إنّ المراد بالأعين البصائر القلبية كما في قوله: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ويجوز على هذا أن يكون الذكر بمعنى القرآن، وقوله: فأذكر بصيغة المجهول ويجوز رفعه ونصبه. قوله: (استماعاً لذكري وكلامي) إشارة إلى أن المراد
بالسمع معناه المصدري لا الجارحة، وعطف كلامي على ذكري للتفسير، فالظاهر أنّ المراد به القرآن لا مطلق الوحي والشرائع الإلهية وإن صح، كما يشير إليه قوله: بعده صممهم عن الحق وليس هذا تقديراً لما ذكر بقرينة الذكر المذكور قبله لأنه مجاز عما مرّ بل بقرينة قوله: سمعا وأنّ الكفرة هذا حالهم، فما قيل: إنه يوهم أنّ الذكر قرينة على أنّ المفعول المحذوف هو الذكر المذكور مع أن المذكور أوّلاً بمعنى وهذا بمعنى آخر لا يتوجه، وقد قال ابن هشام: في المغني إن الدليل اللفظي لا بد من مطابقته للمحذوف معنى فلا يصح زيد ضارب وعمرو أي ضارب على أن الأوّل بمعناه المعروف والثاني بمعنى مسافر ولا حاجة إلى ما تعسف به في توجيهه من أنّ الذكر المحذوف هنا بمعنى الآيات مجاز التحقق الآيات في ضمن الكلام المعجز أو المراد بالآيات الكلام المعجز مجازاً بعد مجاز، ولك أن تقول والله أعلم أن الذكر إذا لم يناسب ما قبله إلا بالتجوّز فما الداعي لذكره وقد كان الظاهر أن يقال: لا يستطيعون سمعا لذكري ابتداء فلا بد له من وجه يليق ببيان التنزيل، فأقول الظاهر ما وقع في النظم عند التأمّل. لأنه لما أفاد قوله: لا يستطيعون سمعاً أنهم كفاقدي حاسة السمع، ومن هو كذلك إنما يعرف الذكر بإشارة أو كتابة أو نحوهما مما يدرك بالنظر ذكر أن أعينهم محجوبة عن النظر فيما يدلّ عليه أيضاً فهم لا سبيل لهم إلى معرفة ذكره أصلاً، وهذا من البلاغة بمكان فتدبره ٠ قوله: (فإنّ الأصئم الخ (أي جنس الأصم أو الأصمّ الغير المفرط الصمم، وكلمة قد لا تنافيه، وأصمتت بصيغة المجهول أي جعلت مصمتة لا تجويف لها وبالكلية صفة لمصدره أي إصماتاً بالكلية. قوله: (أفظنوا (مفرّع على ما قبله أي ألم ينظروا
стр. 1983
لآياتي ويسمعوها فظنوا، والإنكار بمعنى أنه ظن فاسد لا أنه لبم يكن، واتخاذهم بيان لأن أن مصدرية والملائكة والمسيح تفسير لعبادي، وهذا على طريق التمثيل فيشمل عزير إبل الأصنام تغليباً، ودون هنا إفا نقيض فوق أو بمعنى غير أي أظنوا من هو في حضيض العبودية معبوداً، كالعليّ الأعلى أو أظنوا غير الله معبودا معه أو دونه فتأمل. وقوله: معبودين تفسير للوليّ هنا بمعنى المعبود، وقوله: نافعهم هو المفعول الثاني لحسب والأوّل اتخاذهم، وقوله: أو لا أعذبهم به أي باتخاذهم هذا هو المفعول الثاني وهو صحيح لأنه يكون جملة، والمعنى أظنوا اتخاذهم سببا لرفع العذاب عنهم فهو وعيد وتهديد لهم، وبهذا تغاير الوجهان، وهذا بناء على تجويز حذف أحد لمفعولين في باب علم كما جوّزه بعض النحاة وقد منعه آخرون، وقوله: كما يحذف الخبر دليله لأنه خبر في الأصل فكما يجوز حذف الخبر يجوز حذفه. قوله: (أو سدّ أن يتخذوا الخ (هذا على القور الآخر فالمعنى أحسبوا أنفسهم متخذي أولياء غيري أي لا ينبغي مثل هذا، قيل: وعلى هذا
يجوز أن يكون أولياء بمعنى أنصارا ولا وجه للتخصيص به. قوله: (وقر! الخ) هي قراءة عليئ ﵁ بسكون السين والرفع وهو اسم بمعنى محسب أي كافي وهو مبتدأ وما بعده فاعل سد مسذ خبره أو خبر. قوله: (إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل) اعترض! عليه أبو حيان بأنه مخصوص بالوصف الصريح كاسم الفاعل واسم المفعول ثم أشار إلى جوابه بأنه وقع في كلام سيبويه ﵀ ما يقتضي أنّ المؤوّل به يعمل عمله ويعطي حكمه كما فصله في الدر المصون وكونه خبرا ظاهر، وقد ذكر في الكشاف وشروحه وجه حسن هذه القراءة وما فيها من المبالغة في ذفهم. قوله: (وفيه تهكم) أي في نزلا استعارة تهكمية إذ جعل ما يعذبون به في جهنم، كالزقوم والغسلين ضيافة لهم ولما كان الضيف لا يستقر في منزل الضيافة وينتقل إلى ما هو أهنأ له في دار إقامته كان فيه تنبيه على أنّ هذا ما لهم في ابتداء أمرهم، وسيذوقون ما هو أشدّ منه في جهنم أيضا، فذكر المحل في قوله: جزاؤهم جهنم شامل لكل ما فيها من النزل وما بعده، فما قيل إنّ أصل إكرام الضيف يكون أعلى حالا بمراتب من نزله، وهو عذاب الحجاب إلا أنّ قوله: ذلك جزاؤهم يأباه فإنّ المصدر المضاف من صيغ العموم مما لا وجه له. قوله: الآنه من اسماء الفاعلين أو لتنؤع أعمالهم) يعني أن أعمالاً تتميز والأصل فيه الإفراد، وأيضا هو مصدر، والمصدر شامل للقليل والكثير، فلذا كان حقه أن لا يجمع كما صرح به النحاة فلذا قالوا: إنّ جمعه على خلاف القياس إلا أن يقصد الأنواع فيجمع ليصزج بشموله لها فجمعه هنا إمّا لتنوّع أعمالهم وقصد شمول الخسران لأنواعه أو لأنّ ما ذكره النحاة إنما هو إذا كان باقيا على مصدريته أمّا إذا كان مؤوّلاً باسم فاعل، فإنه يعامل معاملته فيطرد وهنا عمل بمعنى عامل، والصفة تقع تمييزاً نحو لله درّه فإرسالاً أن أعمالاً جمع عامل فإن جمع فاعل على أفعال نادر، وقد أنكره بعض النحاة في غير ألفاظ مخصوصة كإشهاد جمع شاهد ولا جمع عمل ككتف بمعنى ذي عمل كما في القاموس وفي الدر المصون أعمالاً تمييز للأخسرين وجمع لاختلاف الأنواع وهو مراد المصنف ﵀، وقيل: إنه أشار بقوله لأنه من أسماء الفاعلين إلى أنّ الأخسرين بمعنى الخاسرين ولا وجه له لأنّ ضمير لأنه ليس للأخسرين بل لأعمالاً فما ذكره سهو منه، وأجيب عنه بأن مراده أنّ الضمير راجع لقوله: أعمالاً ولما كانت الأعمال أعمال هؤلاء الخاسرين حصلت منه الإشارة المذكورة وهذا لا محصل له وإنما زاد في الطنبور نغمة لا تطرب ولا تضحك، ورب عذر أقبح من الذنب فتدبر. قوله: (ضاع (يعني أنّ
الضلال هنا بمعنى الضياع ومنه الضالة فإسناده حقيقي، وقوله: كالرهابنة جمع رهبان وهو يكون واحداً وجمعا كما قاله الراغب: فمن جعله مفردا جمعه على رهابين ورهابنة، وفي الكشاف وعن عليّ ﵁ أنّ ابن الكواء سأله عن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا فقال: منهم أهل حروراء يعني الخوارج تعريضاً له لأنه منهم، واستشكل بأنّ قوله بعده أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه يأباه لأنهم لا ينكرون البعث، وهم غير كفرة، وأجيب بأن من اتصالية فلا يلزم أن يكونوا متصلين بهم
стр. 1984
من كل الوجوه بل يكفي كونهم على الضلال مع أنه يجوز أن يكون معتقدا لكفرهم والأحسن أنه تعريض بهم على سبيل التغليظ لا تفسير للآية ومراد المصنف ﵀ الرهابتة الرهبان من الكفرة ويجوز في الذين الجر نعتا، أو بدلاً أو بيانا والنصب على الذم والرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر، كما في الدر وأشار إليه المصنف بقوله: ومحله الرفع الخ فالجز على البدلية أو الوصفية والنصب بتقدير أذم أو أعني وقوله: فإنه جواب السؤال وهو من هم، وقوله: بالقرآن يجوز أن يراد أيضا مطلق الدلائل السمعية والعقلية فيشملهما. قوله: (بالبعث على ما هو عليه الخ) يعني أنّ لقاء الله كناية عن ألبعث والحشر لتوقفه عليه لا مجاز عنه لأنّ اللقاء الوصول، وهو غير متصوّر، وإنما أوّله الزمخشري لإنكاره الرؤية، وقوله: على ما هو عليه ليشمل أهل الكتاب والقائلين بالمعاد الروحاني، وقوله: أو لقاء عذبه إشارة إلى أنه يجوز أن يكون على تقدير مضاف. قوله: (بكفرهم) أي بسببه كما تدلّ عليه الفاء، وقوله: فلا يثابون بيان لمعنى الحبوط من حبط العمل بكسر الموحدة وقرئ بفتحها شاذاً. قوله: (فنزدري بهم (أي نحتقرم وندّلهم فإنّ الوزن يكون عبارة عن الحسن والاعتبار كما مرّ تحقيقه في كل شيء موزون ويكون عبارة عن ضده، وليس هذا مبنيا على أن الأعمال لا توزن فإنه مخالف لما هو الحق من مذهب الجمهور، فلو أراد التفسير على المذهبين على أق ما بعده إشارة إلى المذهب الآخر كان المناسب تأخيره بل إنما أراد به ما ذكر وقدمه، لأنه بعد حبوطها وجعلها هباء منثورا لا يحتاج لنفي وزنها إلا على وجه التأكيد كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: لإحباطها والتأسيس خير منه، لا يقال حقه على الأوّل أن يعطف بالواو عطف أحد المتفزعين على الآخر لأن منشأ ازدرائهم الكفر لا الحبوط لأتا نقول لم يعطفه لأنهم لو لم تحبط أعمالهم لم يستحقوا الاحتقار. قوله: (الآمر ذلك (أي شأنهم ما مضى فذلك خبر مبتدأ محذوف وذلك إشارة إلى جميع ما قبله من كفرهم، وكون جهنم معدة لهم، وقوله: جزاؤهم جهنم الخ جملة مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وليس المراد بالأمر الجزاء، وبذلك
جهنم كما توهم. قوله: (والعائد محذوف الخ (فالإشارة إلى كفرهم وأعمالهم الباطلة، وذكر باعتبار ما ذكر، وهو تكلف لأن العائد المجرور إنما يكثر حذفه إذا جز بتبعيض أو ظرفية أو جز عائد قبله بمثل ما جز به المحذوف كقوله:
أصخ فالذي تدعي به أنت مفلح
أي به ولذا أخره المصنف ﵀. قوله: (أو جزاؤهم بدله (أي بدل اشتمال أو بدل
كل من كل إن كانت الإشارة إلى الجزاء الذي في الذهن بقرينة السياق والتذكير وإن كان الخبر مؤنثا لأن المشار إليه الجزاء، ولأن الخبر في الحقيقة للبدل وقوله: أو جزاؤهم خبره فالإشارة إلى جهنم الحاضرة في الذهن والتذكير نظر للخبر. قوله: (فيما سبق من حكم الله (متعلق بكانت بيان لأن المضيّ باعتبار ما ذكر، ويجوز أن يكون لتحققه تزل منزلة الماضي وكون الفردوس معناه ما ذكروا رد في الآثار فلا ينافي كونه في اللغة البستان، كما توهم وفي قوله: أعلى درجات الجنة نظر إذ ليس كلهم في الأعلى لتفاوت مراتبهم ويدفع بأنه من إضافة العام للخاص وسيأتي له تتمة فتدبر. قوله: (حال مقدّرة (قيل لا حاجة إلى التقدير مع تفسيره كانت لهم بقوله: في حكم الله ووعده إذ الخلود حاصل لهم أيضا في حكمه ووعده لأن المقارنة وعدمها إنما تعتبر بالنظر إلى العامل إذ زمانه هو المعتبر لا زمان التكلم فلا يعد فيه مقارناً كما توهم، وأمّا ما قيل إن مراد المصنف ﵀ أنه حال مقدرة حيث وقع في القرآن لا هنا فقط لأن الخلود الذي هو عدم الخروج أصلاً لا يتحقق بالفعل، ولو كان ذلك بعد الدخول بل هو أمر مقدر في نفوسهم أو في علم الله يعني أن الخلود لما كان زمانه غير منقطع لم يتأت مقارنة جميعه للعامل فلا بد من كونها مقدرة حيثما وردت والمقارنة تعتبر في الخارج لا في الحكم، والعلم وهو غير صحيح لما عرفت مع أنه يجوز استمرار ذي الحال أيضا كما في قوله: وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها فإن سعادة الجنة غير منقطعة ولأنه بصدد تفسير هذه الآية لا بيان الحال مطلقاً ولأنه يكفي لعدم التقدير مقارنة الحال بجزء ما وان استمرت بعده
стр. 1985
ألا تراك تقول: لقيت زيداً راكباً وان استمرّ ركوبه بعد الملاقاة ولا يعد مثله حالاً مقدرة، كما لو قلت: جاءني والشم! س طالعة) أقول (هذا كلام غير صحيح لأن المعتبر زمان الحكم وهو كونهم في الجنة وهم بعد حصولهم فيها ملابسون الخلود فهم مقارنون له إذ لا آخر له فاعرفه فإنه دقيق جذاً. قوله: (تحؤلاً (يعني هو مصدر كعوداً وعوجاً، وقال الزجاج: معناه الحيلة في الانتقال، وقال ابن عطية: إنه اسم جمع لحوالة وهو بعيد، وقوله: إذ لا يجدون أطيب منها أي لا
يجدون أطيب منها بجميعها في الواقع ولا في الوجدان والتصوّر لشمول الوجود للخارجيّ، والذهنيّ فلا يتوهم أنه لو قال: لا يتصوّرون كان أبلغ وبكون المراد بالجنة جميعها اندفع ما قيل: إنّ أهل الجنة بلا شك متفاوتو الدرجات كما ورد في الأحاديث الصحيحة لكن أحدهم لا يبغي غير مرتبته لما خلق الله فيهم من محبة كل لمنزلته حتى لا يطلب منزلة غيره كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فوجدان الأطيب لا يستلزم طلبه وعدم التحوّل لا يدل على أنه لا مزيد عليه فالظاهر أن قوله: لا يبغون عنها حولاً كناية عن كونها أعلى المنازل وأطيب وكلام الكشاف لا يأباه، ومن قال: إن الإشكال مبنيئ على أن الفردوس أعلى الجنة فالظاهر أن المراد به مطلق الجنة لم يطبق المفصل ولم يصب المحز، وقوله: تنازعهم إليه أنفسهم بمعنى تطالبهم وتجاذبهم كما ترى في أحوال الدنيا. قوله: (ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود (عدم ابتغاء التحوّل على ما قبله عبارة عن كونها أطيب المنازل وأعلاها، وهو معنى آخر غير الخلود ولا يستلزمه حتى يؤكده كما قيل، وعلى هذا هو عبارة عن نفي التحوّل والانتقال فإنّ عدم طلب الانتقال مستلزم للبقاء فيؤكده، ويجوز أن يكون على حد قوله:
ولا ترى الضبّ بها ينحجر
أي لا يتحوّل عنها حتى يبغوه ولما كان طول المكث يورث الملل ذكره لإفادة أنها مع الخلود لا تمل فلذا عطف عليه مع كونه مؤكدا، وقيل في وجه التأكيد إنهم إذا لم يريدوا الانتقال لا ينقلون لعدم الإكراه فيها وعدم إرادة النقلة عنها لم يبق إلا الخلود إذ لا واسطة بينهما كما تيل. قوله: (وهو اسم ما يمدّ به الشيء (لأن فعالاً وضعه لما يفع!! به كالآلة والحبر بالكسر المداد الذي يكتب به والسليط بالإهمال الزيت ودهن كل حب كالسمسم، وقوله: ما يمد به الشيء هذا أصل معناه ثم اختص في عرف اللغة بما ذكر بل بالحبر وحده، وقوله: لكلمات ربي أي معدّا لكتابتها، وقوله: لكلمات علمه وحكمته أي للكلمات التي يعبر بها عن معلوماته وحكمته فالإضافة لامية لا بيانية. قوله: (لنفسد جنس البحر بأسره (يعني أن تعريفه للجنس الاستغراقيّ أي جميع البحار لا بحر واحد، وقوله: لأنّ كل جسم متناه تعليل لنفاده لأنّ كل متناه منفد كما قيل:
جبال الكحل تفنيها المراود
والتقدير وكتب بذلك المداد لنفد الخ. قوله: (فإنا غير متناهية الخ (إشارة إلى دفع ما يتوهم كما أورده بعض شراح الكشاف من أن مضمون الآية أنه على تقدير أن يكون البحر مدادا لها تنفد لأنه أثبت نفاد البحر قبل نفادها على ذلك التقدير فإذا ثبت نفاد البحر قبل نفاد الكلمات ثبت نفادها بعد نفاد ضرورة استلزام القبلية للبعدية لتقابلهما وتضايفهما لكن قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٢٧] يقتضي دم ثبوت النفاد فيتناقضان وأجاب بأنّ ما هنا أبلغ في الدلالة على عدم النفاد لكونه كناية أو مجازاً عنه كما هو المتعارف في المحاورات كما يقال: لا تتناهى أشواقي حتى يتناها الزمان وما في تلك الآية صريح فيه ثم ذكر كلاما طويلاَ لا حاجة إلى إيراده وأصل الكلام وهي باقية لكنه عدل عنه للمشاكلة، وتلك الآية أبلغ من وجه آخر على ما حققه في الكشف، وقوله: كعلمه إشارة إلى دليله يعني أنه كما لا تنفد معلوماته لا ينفد ما دل عليها. قوله: (زيادة ومعونة) تفسير للمدد وهو مفعول له، وبمثله متعلق بجئنا، وقوله: مجموع ما يدخل الخ يعني سواء كان مجتمعاً أو غير مجتمع لأنه إذا ثبت في المجتمع التناهي ثبت في غيره بالطريق الأولى فسقط ما قيل إن ما ذكره يختص بالاجتماع فلو قال: جميع ما يدخل في الوجود على التعاقب أو الاجتماع متناه ببرهان التطبيق كان أولى وأشمل مع أنّ الإبعاد شامل للمتصلة والمنفصلة فتأمّل، وفي قوله: قبل أن ينفد غير المتناهي
стр. 1986
ما مرّ، والإبعاد جمع بعد وهو الطول والعرض والعمق.
قوله: (وسبب نزولها أنّ اليهود الخ (وقائله منهم حيي بن أخطب كما رواه الترمذي عن
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعنون الاعتراض بأنه وقع في كتابكم تناقض بناء على أنّ الحكمة هي العلم وأنّ الخير الكثير هو عين الحكمة لا آثارها وما يترتب عليها لأنّ الشيء الواحد لا يكون قليلا وكثيرا في حالة واحدة وجوابه ما مرّ من أنّ القلة والكثرة من الأمور الإضافية فيجوز أن يكون كثيراً في نفسه وهو قليل بالنسبة إلى شيء آخر كمعلوماته تعالى فنزلت الآية جوابا لهم لأنّ البحر مع عظمته وكثرته خصوصا إذا ضمّ إليه أمثاله قليل بالنسبة إلى معلوماته وهو صريح فيما ذكر، وقوله: الإحاطة على كلماته ضمنه معنى الوقوف فعداه بعلى والا فهو لا يتعدى بها، وقوله: وإنما تميزت عنكم بذلك أي بالوحي وحاصله أنه أورد على الآية أن المراد أنّ كلماته لا تنفد وغيرها ينفد ولو كان مداده البحار فكيف قوله قبل أن تنفد، ودفع بأن القبلية والبعدية لا تقتضي وجود ما أضيف إليه قبل وبعد فجاء زيد قبل عمرو أو بعده لا يقتضي مجيء عمرو، إلا أنه خلاف ما وضع له ولذا قيل: إنه يكفي فرضه، وتوضيحه إنه إنما يقتضيه لو كان قبل وبعد على حقيقته وهو مجاز بمعنى دون وغير أي تحقق نفاد غير
كلمات الله واليه أشار في الكشاف بقوله: والكلمات غير نافدة. قوله: (يؤفل حسن لقائه) وفي نسخة يأمل حسن الخ وسقط كله من بعضها أي يؤمّل أن يلقاه بعد البعث وهو راض عنه، ولذا قدر فيه المصنف ﵀ مضافا لأنه هو المرجوّ لا اللقاء إذ هو محقق، ويجوز أن يجعل اللقاء هو المرجو والمعنى من رجا ذلك يعمل صالحاً فكيف من يتحققه وفسر الرجاء في الكشاف بالخوف لأنه من الأضداد كما ذكره أهل اللغة أي من كان يخاف سوء لقائه وإنما المفتوحة وان كفت بما في تأويل المصدر القائم مقام الفاعل واقتصر على ما ذكر لأنه ملاك الأمر، وعن معاوية ﵁ أنّ قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ﴾ الخ، آخر آية نزلت وفيه كلام. قوله: (بأن يرائيه أو يطلب منه أجرا) ضمير يرائيه لأحد أي يعمل رياء للناس أو يأخذ على عمله أجراً كما تراه الآن وهو يقتضي المنع منه والزجر عليه، وقوله: فإذا اطلع بصيغة المجهول وتشديد الطاء أي اطلع عليه أحد، وقوله: إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه جعل سرور العامل باطلاع أحد على عمله إشراكا له بالله وان كان في ابتداء عمله أخلص نيته وهو مشكل لأنّ السرور بالاطلاع عليه بعد الفراغ منه لا يقتضي الحبوط وحمله على ما إذا عمل عملاً مقرونا بالسرور المذكور كما قيل: ينافيه قوله في أوّل الحديث: إني لأعمل العمل لله وإنما يجاب بما أشار إليه في الإحياء من أنّ العمل لا يخلو إذا عمل من أن ينعقد من أوّله إلى آخره على الإخلاص من غير شائبة رياء وهو الذهب المصفى أو ينعقد من أوّله إلى آخره على الرياء وهو شرك محبط أو ينعقد من أوّل أمره على الإخلاص ثم يطرأ عليه الرياء وحينئذ لا يخلو طروّه عليه من أن يكون بعد تمامه أو قبله والأوّل غير محبط لا سيما إذا لم يتكلف إظهاره ولم يتمنه إلا أنه إذا ظهرت له رغبة وسرور تام بظهوره يخشى عليه لكن الظاهر أنه مثاب عليه، والثاني وهو المراد هنا فإن كان باعثا له على العمل ومؤثراً فيه أفسد ما فارنه وأحبطه ثم سرى إلى ما قبله، وهو ظاهر فلا إشكال فيه، فإن قلت هذا الحديث يعارض ما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله: إني أعمل العمل
فيطلع عليه فيعجبني، قال: لك أجران أجر السرّ وأجر العلانية قلت هو ما إذا كان ظهور عمله لأحد باعثاً له على عمل مثله والاقتداء به فيه ونحو ذلك، فإعجابه ليس بعمله ولا بظهوره بل بما يترتب عليه من الخير ومثله دفع سوء الظن، ولذا قيل: ينبغي لمن يقتدى به أن يظهر أعماله الحسنة، فمثل هذا له أجران بل أجور فالنبي ﷺ أجاب كل أحد على حسب حاله، وتسمية الرياء شركا أصغر صح عنه عتيد، وقوله: والإخلاص في الطاعة بناء على ما فسرها به. قوله: (من قرأها في مضجعه الخ) أي في محل نومه، ويتلألأ بالهمز بمعنى يثرق، وقوله: حشو ذلك أي هو مملوء بالملائكة عليهم الصلاة والسلام يدعون له، والبيت المعمور في السماء معروف وقد ذكر العراقي لهذا الحديث سنداً، وقوله: من قرأ سورة الكهف من آخرها قوله: من آخرها يحتمل معنيين أن يكون
стр. 1987
المراد به إلى آخرها، ويحتمل أن يكون المراد من قرأ أواخرها لأنه ورد في حديث آخر من قرأ في ليلته من كان ب! جو لقاء ربه الآية كان له نور من عدن أبين إلى مكة، والحديث المذكور قال العراقي ﵀: له سند إلا أنه ضعيف ومثله لا يضرّ في فضائل الأعمال) تمت السورة) اللهمّ ببركة كلامك العظيم نوّر بصائرنا وأبصارنا بنور الهداية والتوفيق لما يرضيك، وصل وسلم على أشرف مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين إلى يوم القيامة يا أرحم الراحمين.
سورة مريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (إلا آية السجدة) والا آية وان منكم إلا واردها كما في الإتقان، وقوله: أمال أبو عمرو الهاء أي لفظ ها ولفظ يا، وقوله: لأنّ ألفات أسماء التهجمي يا آت الخ، أي منقلبة عن الياء والألف تمال لأسباب منها كونها منقلبة عن ياء فتمال تقريباً لها من أصلها، وقدم وجه الإمالة المذكورة لتعينه في لفظ ها بخلاف يا فإن إمالته تحتمل أن تكون لأجل مناسبة الياء المجاورة لها، كما يمال سيال وإن لم تكن ألفه منقلبة وكأنه إيماء إلى أنه أصلها للتصريح بها في كثير منها كميم وجيم وعين وغين وهذا أمر تقديرفي لأنها لا اشتقاق لها لكن هذا مخالف لما ذهب إليه ابن جني في المحتسب وقال: إنه مذهب الخليل والجمهور وهو: أنّ الإمالة وضدها ويسمى تفخيماً وضماً أيضاً وهو من اصطلاحاً تهم هنا وقد عبر به الزمخشري هنا تبعا لهم على عادته هما ضربان من التصرّف، وهذه كالجوامد لا يعرف لها اشتقاق على الصحيح لكنها لما جعلت أسماء متمكنة قويت على التصرّف فحملت الإمالة والتفخيم فمن فخمها على الأصل ومن أمالها قصد بيان أنها تمكنت وقصدت بالتصرّف، وإلا فألفها وإن كانت مجهولة لعدم اشتقاقها لكنها تقدر منقلبة عن واو لأنه الأكثر، قال: وهذا قول جامع فأعرفه وأغن به، ثم إن قراءة أبي عمرو وجهت بعد صحتها نقلاً عن النبي ﷺ بأنه خص ها لئلا تلتبس بها التي للتنبيه في مثل هؤلاء، ولم يمل يا لأنّ الكسرة مستثقلة على الياء فكذا ما يعرب منها، واعترض! بأنه مع كونه لا يصلح وجها للتخصيص منتقض بإمالتهم نحو السيال، وليس بشيء لأن التخصيص إضافي ورب شيء يخف وحده ويثقلى إذا ضم إليه مثله، وهو ظاهر مع أن اطراد مثله ليس بلازم. قوله: (وابن عامر وحمزة الياء (تنبيها على ما مر أو لمجاورة الألف للياء أو للفرق بينها وبين ما في النداء ولم يلتفت إليه أبو عمرو للفرار من جمع إمالتين، ولأن حرف النداء لا احتمال له هنا لدخوله على ما يبعد نداؤه، فتأمّل. قوله: (خبر ما قبله (من قوله: كهيعص إن جعل اسما للسورة أو القرآن كما مر، وقوله: فإنه أي ما قبله أو كل واحد مما ذكر من السورة أو القرآن، وقوله: مشتمل عليه أي على الذكر فيسند إليه تجوزاً أو بتقدير مضاف
أي ذو ذكر رحمة أو بتأويل مذكور فيه رحمة ربك لا بتأويل ذاكر كما قيل، فإنه مجاز أيضا وكذا إذا كان مبتدأ. قوله: (وقرئ ذكر وحمة على الماضي (هذه تحتمل قراءة الحسن ذكر فعلا ماضيا مشدداً ورحمة بالنصب على أنها مفعول ثان مقدم على الأوّل، وهو عبده والفاعل إفا ضمير القرآن، أو ضمير الله لعلمه من السياق ويجوز أن يكون رحمة ربك مفعولاً أوّل على المجاز أي جعل الرحمة ذاكرة له وقيل: أصله برحمة فانتصب على نزع الخافض هذا ما في الكشف، وقرأ الكلبي: ذكر ماضياً مخففاً ونصب رحمة ورفع عبده على الفاعلية وكلام المصنف يحتمله. قوله: (وذكر على الأمر) والتشديد وهما مفعولان كما مرّ ولا يلزم ارتباطه بما قبله لجواز كونه حروفا على نمط التعديد كما مرّ فلا محل لها من الإعراب، ولا يلزم في وجوه القرا آت اتحاد معناها وإنما اللازم عدم تخالفها فإن كان اسما للسورة أو القرآن يقدر له مبتدأ أو خبر وتكون هذه جملة مستأنفة وفاعل ذكر هو النبيّ ﷺ ورحمة الظاهر أنه منصوب على نزع الخافض وعبده مفعوله أي ذكر الناس برحمة ربك لعبده زكريا
стр. 1988
فلا وجه لما قيل إنه على هذا غير متصل بما قبله، فالوجه حمل القراآت الأخر عليه ليتوافق ولا داعي للتكلف في دفعه بأنه إن أراد الاتصال المعنوي فهو موجود لجواز كون ضمير ذكر لكهيعص! كما في الماضي وان أريد في الإعراب فليس بلازم مع أنه يجوز جعله خبراً له بالتأويل المشهور في الإنشاء إذا وقع خبراً وكله تعسف مستغنى عته. قوله: (مفعول الرحمة (على أنها مصدر مضاف لفاعله والمصدر وضع هكذا بالتاء لا أنها للوحدة حتى يمنع من العمل لأنّ صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتق منها الفعل فلا تعمل عمله كما نص عليه النحاة، وقوله: على الاتساع أي التجوّز في النسبة وقوله: بدل أي بدل كل من كل والفرق بينه وبين عطف البيان ظاهر. قوله: الأنّ الإخفاء والجهر عند الله سيان (أصل النداء رفع الصوت وظهوره، وقد يقال لمجرّد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وان لم يكن صوتا كما حققه الراغب فلا يرد عليه إنّ النداء يستلزم الرفع والظهور فيلزم الخفاء سواء كان بمعنى المخافتة والسرّ المقابل للجهر كما يشير إليه كلام المصنف أو بمعنى الخفاء على الناس وان كان جهراً في مكان خال عنهم كما يشير إليه قوله: لئلا يلزم الخ قيل: ولدفع هذا الإيراد فسره الحسن بنداء لا رياء فيه فجعل الخفاء مجازاً عن الإخلاص وعدم الرياء والوجه أنه كناية مع أن قوله: وظهوره قد يجعل عطفا تفسيريا للرفع ويكفي في الظهور اطلاع من ناداه عليه وهو يعلم السرّ وأخفى ولذا قيل:
يا من ينادي بالضمير في! سمع
وأشير إلى كونه خفيا ليس فيه رفع بحذف حرف النداء في قوله: قال رب والإخبات بالخاء المعجمة والباء الموحدة والمثناة الفوقية الخشوع وابان الكبر بكسر الهمزة وتشديد الموحدة وفته وقد مر في آل عمران إنّ سنه كان تسعا وتسعين وسن امرأته ثمانياً وتسعين فهو قول آخر، وقوله: تفسير للنداء أي بيان لكيفيته، فالجملة لا محل لها من الإعراب. قوله: (وتخصيص العظم) أي بالوصف بالضعف دون بقية البدن مع أنه المراد لأنه يدل على ضعف غيره بطريق الكناية، وهي أبلغ من التصريح والدعامة بكسر الدال العمود الذي يوضمع عليه البناء والخباء فهو استعارة تصريحية، أو مكنية والمراد بما وراءه غيره. قوله: (وتوحيده (أي إفراده دون جمعه، قال في الكشاف: ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية وقصده إلى أنّ هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصداً إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه، ولكن كلها وقال السكاكيّ: إنه ترك جمع العظم إلى افراد لطلب شمول الوهن العظام فرداً فرداً لا حصول وهن المجموع دون كل فرد يعني يصح إسناد الوهن إلى صيغة الجمع نحو وهنت العظام عند حصول الوهن لبعض منها دون كل فرد، ولا يصح ذلك في المفرد، واختلف علماء المعاني في أنه هل بين مسلكيهما فرق أم لا وفي أيهما أرجح على ما فصل في شرح التلخيص والمفتاح وتبعهم شراح الكشاف هنا فذهب السعد إلى الفرق بينهما والى أنّ الحق مسلك الزمخشري تبعا للمدقق في الكشف ولم يرتض ما ذهب إليه الشارح العلامة ومن تبعه فقال الوجه: ما في الكشاف وهو أنّ الواحد هو الدال على معنى الجنسية وقصده إلى أن الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها يعني لو قيل: وهنت العظام كان المعنى أنّ الذي أصابه الوهن ليس هو بعض العظام بل كلها حتى، كأنه وقع من سامع شك في الشمول والإحاطة لأنّ القيد في الكلام ناظر إلى نفي ما يقابله وهذا غير مناسب للمقام فهذا الكلام صريح في أن وهنت العظام يفيد شمول الوهن لكل من العظام بحيث لا يخرج منه البعض وكلام المفتاح صريح في أنه يصح وهنت العظام باعتبار وهن بعض العظام دون كل فرد فالتنافي بين الكلامين واضح، وتوهم أنه لا منافاة بينهما بناء على أنّ مراد الكشاف أنه لو جمع لكان قصداً إلى أنّ بعض عظامه مما يصيبه الوهن والوهن إنما أصاب الكل من حيث هو هو والبعض بقي في سوء الفهم وقلة التدبر، وهذا الخلاف مبنيّ على أنّ الجمع المعرّف شامل عمومه لكل فرد فرد، وهو الحق عندهم على ما مرّ تفصيله في سورة البقرة والتعريف هنا محمول على الاستغراق بقرينة الحال فلا يتوهم أنه
! حتمل العهد. (وههنا فائدة (وهي
стр. 1989
أن في قوله: وهن العظم مني كناية عن وهن الجسد كله وهي مبنية على تشبيه مضفر وهو تشبيه العظم بعمود وأساس ففيه تخييل كما ذكره شراح الاكشاف ومنه تعلم الفرق بين التشبيه المكنى والاستعارة المكنية فإنّ الثانية لا تحسن بدون تخييلية بخلاف الأولى فاحفظه وتدبر في الفرق بينهما فإنه من دقائق هذا الكتاب، وقوله: ودرئ الخ يعني عين فعله مثلثة مثل كمل والفتح للسبعة وغيره شاذ، وقال: العظم، مني ولم يقل عظمي مع أنه أخصر لما فيه من التفصيل بعد الإجمال ولأنه أصرج في الدلالة على الجنسية لمقصودة هنا. قوله: (شبه الشيب في بياضه الخ) الظاهر أنّ شبه وأخرج مجهول ويجوز خلافه والشواظ اللهب الذي لا دخان فيه والفشوّ بضم الفاء والشين المعجمة وتشديد الواو الانتشار أيضا وانتشاره معطوف على الشيب وظاهر كلام الشيخين أن فيه استعارتين مبنيتين ىلى تشبيهين أولاهما تصريحية تبعية في اشتعل بتشبيه انتشار المبيض في غيره باشتعال النار كلوله:
واشتعل المبيض في مسوذه مثل اشتعال النارفي جزل الغضى ...
والثانية مكنية بتشبيه الشيب في بياضه وإنارته باللهب، وهذا بناء على أن المكنية تنفك
عن التخييلية كما مرّ، وعليه المحققون من أهل المعاني، وقيل: إنّ الاستعارة هنا تمثيلية فشبه حال الشيب بحال النار في بياضه وانتثاره، وتوحيده ضمير أخرج يؤيده وليس بشيء والداعي إلى هذا التكلف ما لزمه من انفكاك المكنية عن التخييلية ولا محذور فيه مع أنه قيل إن من فسر ااخييلية بإثبات شيء لشيء يجوز له أن يقول: إنها موجودة هنا وإن كان الاشتعال استعارة لأن إثباته للرأس أو الشيب وإن كان مجازاً فيه تخييل أيضا وهو بعيد. قوله: (وأسند الاشتعال إلى الرأس الخ (إشارة إلى أن شيبا تمييز للنسبة محوّل عن الفاعل وأصله اشتعل شيب الرأس وأنّ داندة التحويل المبالغة وافادة الشمول لجميع ما فيها، إذ جعل الرأس نفسها شابت والشائب إنما هر ما فيها من الشعر فإنّ إسناد معنى إلى ظرف ما اتصف به زمانيا أو مكانيا يفيد عموم معناه لثل ما فيه في عرف التخاطب فقولك: اشتعل بيتي ناراً يفيد احترق لجميع ما فيه دون اشتعل ناد بيتي ومنه تعلم أن شربت الكأس على الإسناد المجازي أبلغ منه على التجوّز في الطرف وأنّ ذكر الطرفين في المجاز العقلي ليس بمحذور كما في الاستعارة. قوله: (واكتفى باللام عن الإضافة (أي لم يقل رأسي لأن تعريف العهد المقصود. هنا يفيد ما تفيده كما إذا قلت لمن في الدار أغلق الباب إذا لم يكن فيها غير باب واحد ولما كان تعريف العظم السابق للجنس، كما مر لم يكتف به وزاد قوله مني. قوله: (كلما دعوتك استجبت لي (إشارة إلى أنّ المراد بالشقاء
هنا الخيبة وأن قوله: لم أكن تفيد العموم فيما مضى، والمدعو له أي لأجله طلب الولد في الكبر فنبه من يسمعه على سبب طلب غير المعتاد لئلا يلومه فيه، والتوسل بما سلف من عادته يتضمن مبالغة في كرمه كما روي عن معن بن زائدة والكريم أدرى بطرق الكرم أنّ محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنت إليّ في وقت كذا فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته. قوله: (بني عمه الأنه أحد معانيه، وكونهم أشراراً المراد به الشر الديني كما أشار إليه لا لؤم النسب فإنّ كل نبيّ يبعث من خير قومه حسبا كما في صحيح البخاري من حديث هرقل وهو بيان لأنّ طلبه عقبا وولدا ليس لأمر دنيوي، وقوله: بعد موتي إشارة إلى أن وراء بمعنى بعد مجازا، والمراد بعد موته كما في حديث أنهم غيروا بعدك، وأصل معناها خلف أو قدام كما مز. قوله: (وعن ابن كثير بالمذّ والقصر) يعني أنه عنه روايتان المد على الأصل وموافقة الجمهور والقصر للتخفيف، ولا عبرة بقول البصريين إنّ قصر الممدود لا يجوز في السبعة، وقد مرّ فيه كلام وقوله: بفتح الياء أي في قراءته فإنه لولاه اجتمع ساكنان. قوله: (أي خفت فعل الموالي الخ الف ونشر فالمقدر الذي تعلق به المضاف المقدر، وهو لفظ فعل أو هو متعلق بالموالي لكونه بمعنى الذين يلون ومن ولي أي بمعناه السابق وحينئذ لا يصح تعلقه بخفت لأنّ الخوف ثابت له الآن لا بعد موته، ولذا قال: في الكشاف لا يتعلق بخفت- لفساد المعنى، وأمّا كونه يكفي لصحة الظرفية كون المفعول فيه لا يشترط
стр. 1990
كونه ظرفاً للفعل نحو رميت الصيد في الحرم إذا كان الصيد فيه دون رميك فيجوز تعلقه بخفت عليه ولا فساد فيه كما مرّ في سورة الإنعام فلك أن تقول إنّ المراد امتناعه وفساده بناء على الظاهر المتباد منه وأنه إذا كان ظرفا للمفعول هنا آل معناه إلى تعلقه به ضرورة فلا يكون متعلقا بالفعل حينئذ فتدبر، ويجوز أن يكون حالاً مقدرة من الموالي، وقوله: الذين يلون الأمر أي يتولونه ويقومون به بيان لمعنى الولاية فيه الذي تعلق به الظرف باعتباره، فإنه يكفي فيه وجود معنى الفعل في الجملة بل رائحته ولا يشترط فيه أن يكون دالاً على الحدوث كاسم الفاعل والمفعول حتى يتكلف له، ويقال: إنّ اللام على هذا موصولة والظرف متعلق بصلته، كما ذكره المصنف وأن مولى مخفف مولى، كما قالوا نظيره في لفظ معنى فإنه تعسف لا حاجة إليه. قوله: (وقرئ خفت (
بتشديد الفاء من الخفة ضدّ الثقل وهي قراءة عثمان وعليّ بن الحسين، وقوله: قلوا وعجزوا إشارة إلى خفة المؤن بقلتهم فهو مجاز عن لازم معناه بواسطة أو بدونها وأنّ من ورائي على هذا بمعنى من بعدي أيضاً، وقوله: ودرجوا بمعنى مضوا وذهبوا فهو من الخفوف بمعنى السير مجازاً، وورائي عليه بمعنى قدامي وقبلي أي أنه محتاج إلى العقب إما لعجز قومه بعده عن إقامة الدين أو لأنهم ماتوا قبله فبقي محتاجاً لمن يعتضد به في أمره، وقوله: فعلى هذا أي على القراءة المذكورة وتفسيرها بما ذكره على الوجهين كما في بعض الحواشي، أو على التفسير الثاني لهذه القراءة لأنّ عجزهم وقلتهم إن لوحظ أنه سيقع بعده لا أنه واقع وقت دعائه صح تعلقه بالفعل فيهما فإن لم يكن كذلك تعلق بالموالي على التأويل السابق كما في الكشاف وشروحه وعبارة المصنف ﵀ محتملة لهما فتأمل. قوله: (فإنّ مثله لا يرجى إلا من فضلك (بيان لفائدة ذكر قوله: من لدنك مع أن طلب الهبة إنما هو مما عنده لأنّ معناه أن ما طلبه إنما يكون بفضله وقدرته، وترك قوله في الكشاف إنه تأكيد لكونه ولياً مرضياً بكونه مضافاً إليه تعالى وصادراً من عنده والا فهب لي وليا يرثني كاف لا لأنه نزغة اعتزالية في أنّ القبيح لا يضاف إليه تعالى أصلا ولو ذكره المصنف ﵀ لكان له وجه لأن القبيح عندنا أيضا لا يضاف إليه تأدّبا وان أوجده لكنه فر من مواضع التهم بل لأنه لا حاجة إليه مع قوله: رضيا والتأكيد المقدم خلاف الظاهر، وقوله: من صلبي بيان لأن المراد بالوليّ هنا الولد. قوله:
إ صفتان له) أي لولياً لأنه المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات، واختار السكاكيّ أنها مستأنفة استئنافاً بيانيا لأنه يلزم على ما ذكره المصنف ﵀ تبعاً للكشاف أن لا يكون قد وهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا عليهما الصلاة والسلام ودفع بأنّ الروايات متعارضة والأكثر على أنه قتل بعده، كما ارتضاه في تفسير قوله: لتفسدنّ في الأرض! مزتين، وأمّا الجواب بأنه لا غضاضة في أنه يستجاب للنبيّ ﷺ بعض سؤله دون بعض كما وقع لنبينا ﷺ وسيأتي تفصيله في سورة النور فردّ بأنه ليس المحذور هذا لمانما المحذور تخلف إخبار الله في قوله: فاستجبنا له في آية أخرى فإنها تدل على أنه-لمجرو أعطى جميع ما سأله لا بعضه، ثم إنّ ظاهر هذه الآية يدل على ضعف الرواية الأخرى وأمّا ما أورده على السكاكي من أنّ ما أورده وارد عليه لأنه وصل معنوفي فليس بشيء لأنه وان اتصل به معنى لكنه علة للمسؤول ولا يلزم أن يكون علة المسؤول مسؤولة، وأما الجواب بأن الإرث هنا إرث العلم والحبورة وقتله في حياته لا يضر لحصول الغرض وهو تلقي ما ذكر عته وافاضة الإفادة على غيره بحيث تبقى آثاره بعد زكريا زمانا طويلا فبعيد لأنّ المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه. قوله: (على
أنهما جواب الدعاء) أي في جواب الأمر الذي قصد به الدعاء وعبر به تأدباً أو لأنه كذلك في الواقع، وإذا جزم مثله فهو على تقدير شرط أي أن تهب لي ولياً يرثني، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي فلا يلزم الكذب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكون الأنبياء لا يورثون ثابت بحديث إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ولا يورثون مخفف مجهول أو مشدد معلوم، والحبورة مصدر حبر كقضو إذا صار حبرا، وقوله: أو عمران عطف على زكريا. قوله: (يرثني وارث) بوزن فاعل وأو يرث تصغيره وأصله وويرث بواوين الأولى فاء الكلمة
стр. 1991
الأصلية والثانية بدل ألف فاعك لأنها تقلب واوا في التصغير كضويرب، ولما وقعت الواو مضمومة في أوّله قلبت همزة كما تقرر في التصريف، وفوله: لصغره يعني التصغير لأن المراد به أنه غلام صغير على ما فسره الجحدري الذي قرأ بها فهو مأثور فلا يرد على المصنف ما قيل: إنه لا يناسب المقام مع أنه لا وجه له لأنه لما طلبه في كبره علم أنه يرثه في صغر سنه ولو حدسا فصغره لذلك، والتجريد في البديع معلوم فعلم البيان أراد به البديع أو ما يشمل الفنون الثلاثة، والتقدير يرثني وارث منه أو به والوارث هو الوليّ فجرده منه وتحقيقه مرّ في آل عمران، وقوله: ترضاه إشارة إلى أن رضيا فعيل بمعنى مفعول ولو جعل بمعنى فاعل صح ولكن هذا أن! سب.
قوله: (ووعد بإجابة دعائه) الوعد يفهم من البشارة به دون أن يقال: أعطينا أو نحوه وما
في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله: في آية أخرى فاستجبنا له لأنه تعقيب عرفيئ، كتزوّج فولد له ولأنّ المراد بالاستجابة الوعد أيضا لأنّ وعد الكريم نقد، وقوله: التسمية بالأسامي الغريبة أي المستغربة النادرة لأنها أقوى في التعيين والشهرة ولأنّ صاحبها لا يحتاج إلى لقب يميزه وهذا أحد الوجوه في تسمية العرب أولادها بمثل كلب وفهد وحجر، وقال: بعض الشعوبية لبعض العرب لم تسمون أولادكم بشر الأسماء، ككلب وحرب وعبيد عليكم بخيرها، كسعد وسعيد فقال: لأنا نلد لأعدائنا ونسترق لأنفسنا، وقيل: لأنهم كانوا إذا ولد لأحدهم خرج من منزله، فأوّل ما يقع بصره عليه يجعله علما فإن رأى كلبا سماه به وتأوّل بالوفاء فهذه ثلاثة أقوال فيه فمن قال: إنّ المراد بالأسماء الغريبة ما لم يكن مستهجنا بقرينة المقام، لم يحم حول المرام ألا ترى استشهاد الزمخشريّ بقوله:
سنع الأسامي مسبلي أزر
نعم الواقع هنا كذلك والتنويه الرفعة بالشهرة. قوله: (وقيل سميا شبيهاً (هو على الأوّل المشابه في الاسم وعلى هذا بمعنى المشابه مطلقاً، وقيل: إن العلاقة فيه السببية وتشاركهما في الاسم أي في اسم جنس جامع لهما كنظير فهو مثل الاشتراك في العلم وإن كان في أحدهما تعدد الوضحع دون الآخر، وظاهره أنه على هذا المراد به المشابه فيما يطلق عليه من الأسماء العامة وليس بمراد لأن تشابههما في ذلك لا يقتضي تشابههما في المعاني أيضا وهو الفرق بين الوجهين فتدبر، وقوله: هل تعلم له سميا أي مثلاً لأن ترتيب قوله: فاعبده عليه يقتضي عدم النظير لا عدم الشريك في الاسم، وقوله: حيى به رحم أمه إن أريد بالرحم مقر الولد فحياته سلامته من العقر وان أريد القرابة فحياتها اتصال النسب وعلى العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله. قوله تعالى: ( ﴿بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مر في آل عمران بلغني الكبر قال الإمام: وهما بمعنى لأن ما بلغك فقد بلغته يعني إذا كان المبلوغ من المعاني كما هنا، أما إذا كان من الأعيان فبينهما فرق لأنّ البلوغ يسند إلى اللاحق بمن سبقه فيقال إن كان المتأخر زيد بلغ زيد عمراً دون العكس وما ذكره الإمام ﵀ مبنيئ على أن من ابتدائية وعتيا مفعول، وفيه وجوه أخر وقد جعلت تجريدية وتعليلية وعليه يختلف معناهما من حيث المبالغة في أحدهما دون الآخر إن كان الأصل المعنى متحدا فيحتاج إلى بيان نكتة في اختيار أحدهما في كل مقام فتأمل. قوله: (جساوة (بالجيم والسين المهملة بمعنى يبساً وكذا القحول بالقاف والحاء المهملة يقال: جسا وعتا وعسا بمعنى يبس يبسا شديداً، وظاهر كلامه في الأساس أنه مخصوص بمفاصل الحيوان وإعلاله ظاهر، ومثله عصيا. قوله: (وإنما استعجب الولد) أي عده عجيبا وتعجب منه بقوله: إني لمخالفة العادة لما ذكر لا لإنكاره قدرة الله عليه فإنه كفر وهذا ما اختاره الزمخشري في سورة آل عمران، وقال هنا إن السؤال وإن كان صورته صورة تعجب واستبعاد ولكن الاستبعاد ليس بالنسبة إلى المتكلم بل بالنسبة إلى غيره من المبطلين ليزيل استبعادهم ويردعهم عنه ومثله لا بأس به وقوله: اعترافا علة لقوله: استعجب لأن معناه عذه عجيبا لعدم سببه الظاهر وعدم الأسباب يدل على كمال القدرة، كما لا يخفى وليس بمعنى استبعد كما في عبارة الكشاف حتى يصرف إلى غيره من المبطلين ويرد عليه أن
نداءه كان خفيا عنهم كما مرّ فمن المبطلون وهذا إن كان الإخفاء لئلا يسمع فيلام
стр. 1992
أما إن كان لكبره ونحوه مما لا ينافي في سماع غيره فلا يرد فإن كان كذلك فقد حمل على أنه جهر به بعد ذلك إظهار النعمة الله عليه وردعا لمن ذكر. قوله: (ولذلك قال (في قال هنا نوع من البديع يسمى التجاذب أي لكون الاستعجاب اعترافا بأنّ المؤثر فيه كمال القدرة الإلهية دون الوسايط والأسباب العادية لا إنكارا أتى بعده بما يفيد تصديقه في الخبر الذي تضمنه كلامه الاستفهامي التعجبي، إذ قال: الأمر كذلك أي كما اعتقدته وقصدته ولو كان الأمر إنكارا ما استحق التصديق، والجملتان أي الأمر كذلك وقال ربك الخ، مقولا القول بدون عطف لأن الثانية كانت مستأنفة فحكيت على صورتها وأتى بقال ثانيا تحقيقا للحكاية ولو تركت صح وأفاد المقصود. قوله: (أي الله تعالى) إن كان القول بلا واسطة أو الملك إن كان بها، ولا ينافي الأوّل قوله: فنادته الملائكة الخ، لجواز وقوع القول مرّتين بواسطة وبدونها، ويرجح الثاني قوله: قال ربك لسلامته حينئذ عن تفكيك النظم. قوله: (ويجوز أن تكون الكاف منصوبة بقال في قال ربك وذلك إشارة إلى مبهم يفسره هو علتي هين) أي القول الأوّل مقوله قال ربك هو عليّ هين وكذلك منصوب بالقول الثاني في موقع مصدر له هو صفته، أي قال لزكريا قال ربك هو عليّ هين قولاً مثل ذلك ولفظ ذلك فيه حينئذ إشارة إلى أمر مبهم مفسر بما يعده وكان فيما قبله إشارة إلى قول وعده زكريا تصديقا له، قال في الكشف: الوجه الثاني المجعول فيه اسم الإشارة مبهما يفسره ما بعده يقدر فيه نصب الكاف بقال الثاني لا الأول والا لكان قال ثانيا تأكيداً لفظيا لئلا يقع الفصل بين المفسر والمفسر باجنبيّ وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال: قال رب زكريا قال ربك ويكون الخطاب لزكريا والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من الكلام يقع فيه التشبيه متقدّما لا سيما في التنزيل من نحو وكذلك جعلناكم أمة كذلك يفعل الله ما يشاء والتقدير، قال رب زكريا قال ربك قولا مثل ذلك القول الغريب وهو عليّ هين على أن قال الثاني مع ما في صلته مقول القول الأوّل إقحام القول الثاني لما سلف، وقد حقق أن الكاف في مثله مقحمة للتأكيد لا تغفل اهـ، (قلت (هذا من دقائق الكشاف وشروحه التي لا توجد في غيره وقد مرّ فيه كلام في سورة البقرة وقد فصله في الكشاف، وشروحه هنا فقال إن الإشارة إلى مبهم مفسر بما بعده كما في قوله: وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع والتشبيه يقع فيه مقدماً وإنه المطرد في التنزيل، وقد حققه الوزير المغربي في شرح قول زهير:
كذلك خيمهم ولكل قوم إذامستهم الضراءخيم ...
فقال: قال الجرجاني هي تثبيت للمتأخر وهي نقيض كلا فإنها للنفي، والحاصل أنها متعلقة بما بعدها كضمير الشأن وتستعمل في الأمر العجيب الغريب لتثبيته والظاهر أنه كناية لأن
ماله مثل يكون ثابتا محققا لكنه قطع النظر فيها عن التشبيه فلذا قالوا: إنّ الكاف فيه مقحمة فإن نظر إلى أصله كان فيه تشبيه فلذا قيل: إنه من تشبيه الشيء بنفسه، فتدبر. قوله: (وبؤيد الأول قراءة من قرأ وهو علئ هين) وهي قراءة الحسن وإنما كانت مؤيدة لأنّ الواو تمنع من التفسير إذ هي لا تعرض! في مثله ولا يجعل مقول القول المحذوت مفسراً لأن الحذف ينافي التفسير وجعلها مؤيدة لا دالة معينة لأنّ توافق القراءتين ليس بلازم وإنما اللازم عدم تعارضهما وتنافيهما. قوله: (أي الأمر كما قلت) بصيغة الخطاب لزكريا ﵊ وما قاله هو العقر والكبر فإن كان بصيغة المتكلم أي كما قلت لك في البشارة فالقول المذكور هو المشار إليه بذلك، أو كما وعدت بالبناء للمجهول مع ضمير الخطاب، ويجوز بناؤه للمعلوم مع ضمير المتكلم إذ ما وعده الله هو ما وعده زكريا ﵊ فلا يتعين الأوّل، كما قيل لكن الداعي لذلك تفسيره بما بعده وستسمع ما فيه وهذا التفسير على الوجه الأوّل والقراءة الثانية، وقوله: وهو على ذلك يهون عليّ فسره بالفعل بناء على أنه مجهول مسند لضمير المخاطب فيكون النظر فيه إلى تنجيز الوعد وهو بالفعل أنسب بخلاف قوله: أو كما وعدت فإنه معلوم مسند لضمير المتكلم وهو الله فلا
стр. 1993
يناسب التجذد والحدوث فروعيت المناسبة في الجانبين، وقد أوضحه بعض أهل العصر فقال: كما وعدت على بناء المجهول مسند إلى ضمير الخطاب فحيث كان النظر إلى جانب زكريا ﵊ قال وهو على ذلك يهون عليّ كأنه قيل الأمر كما وعدت وقد بلغت من الكبر عتياً وكانت امرأتك عاقراً ومع ذلك هو يهون عليّ وان صعب في نظرك، وقوله: أو كما وعدت على صيغة المتكلم المعلوم ولما كان النظر حينئذ إلى جانبه قال: وهو عليّ هين أي لا صعوبة فيه بالنسبة إلى قدرتي فإني لا أحتاج فيما أريد أن أفعل أي أمر كان إلى جنس الأسباب بل إنما أمري إذا أردت شيئا أن أقول له: كن فيكون وهذا من جملة ما أريد أن أفعله فلا احتياج لي فيه إلى شيء من الأشياء حتى يتوهم كون العقر والكبر قادحاً فيه هكذا ينبغي أن يلاحظ هذا الكلام، وفي كلام الفاضل المحشي هنا نوع خلل وقصور يعرف بأدنى التفات فإن شئت فراجعه) قلت (قد راجعناه فقل: هذه بضاعتنا ردّت إلينا إذ لا فرق بينه وبين ما ذكر إلا بالأطناب وقيل إن قوله على ذلك معناه أن حصول الولد مع ما ذكر من الكبر والعقر يهون عليّ لكنه يرد عليه أنّ ما ذكر بعده لا يخلو من التكرار، ولذا لم يذكره في الكشاف ودفعه بأن المراد أنه على تقدير أن يكون المعنى إن كان الأمر كما وعدت يمكن أن يفسر قوله: وهو عليئ هين بالتفسير الأول وبالتفسير الثاني أيضا، وأمّا إذا كان المعنى كما قلت يكون معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [سورة مريم، الآية: ٩] بالمعنى الأوّل ولا محصل له والأوّل أظهر مع أنه لا يخلو من شائبة كدر، فتأمل. قوله: (ومفعول قال الثاني محذوف) أي على قراءة الواو وتقديره قال ربك هو كذلك لا هو عليّ هين وما بعده
يفسره وقوله: وهو عليّ هين معطوف على مقول القول المقدّر، والزمخشريّ جعل القول نفسه محذوفا على وجه النصب، وقوله: وفيه دليل الخ، هو مذهب أهل السنة والكلام عليه مفصل في الكلام، والزمخشريّ أشار إلى الجواب بأن المنفيّ شيء خاص وهو العندية كما في قوله: إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وتوله: سوفي الخلق أي تام الخلقة وهو حال من فاعل تكلم. قوله: (ما بك من خرس
ولا بكم) قالوا: إنّ الآية هي تعذر الكلام عليه لأن مجرّد السكوت مع القدرة على الكلام لا يكون معجزة، ثم اختلفوا في أنه أعتقل لسانه أو امتنع عليه الكلام مع القدرة على ذكر الله وهذا هو المختار لأنّ اعتقال اللسان قد يكون لمرض فلا يكون آية أمّا إذا امتنع عليه كلام الناس مع القدرة على ذكر الله تحققت الآية وهو الظاهر من قوله: ألا تكلم الناس واليه أشار المصنف وحمه الله بقوله: استمرّ الخ فتأمل. قوله: (وإنما ذكر الليالي هنا الخ (يعني أنّ القصة واحدة وقد ذكر فيها مرّة الليالي ومرّة الأيام، فدل ذلك على أنّ المراد الأيام بلياليها لأن العرب تتجوّز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر كما ذكره السيرافي والنكتة في الاكتفاء بالليالي هنا وبالأيام ثمة أن هذه السورة مكية سابقة النزول وتلك مدنية والليالي عندهم سابقة على الأيام لأن شهورهم وسنيهم قمرية إنما تعرف بالأهلة ولذلك اعتبروها في التاريخ كما ذكره النحاة فأعطى السى٧ بهق للسابق، والمصلى محل الصلاة، والغرفة المحل المرتفع والمحراب يطلق على كل منهما لغة، وأمّا المحراب المعروف الآن فهو محدث كما ذكره السيوطي، وقوله: فأومأ أي أشار وهو مهموز من الإيماء لكنه ورد في كلامهم منقوصا أيضاً وعليه استعمال المصنف ﵀ كقوله:
أومي إلى الكوفة هذا طارق
وقوله لقوله الأرمز فإنّ القصر الإضافي فيه بالنسبة إلى التكلم لا إلى الكتابة فينافية دونها
ولأنّ قوله: ألا تكلم الناس يقتضي تعيين تفسيره بما ذكر، والكتابة على الأرض بالخط في التراب وهي تسمى وحيا كما في قوله:
لفيه وحيّ في بطون الصحائف
قوله: (صلوا) لأنّ ألتسبيح يطلق على الصلاة مجازا لاشتمالها عليه وهذا قول الجمهور
ولذا قدمه. قوله: (ولعله كان مأمورا الخ) إنما ذكره لما يرد عليه بحسب الظاهر من أنه منع من كلام الناس أو اعتقل لسانه عن غير الشكر والذكر وتخصيص البكرة والعشيّ فهمه من الإشارة بعيد فإما أن يقال لا بعد فيه أو يقال كان مأموراً بهذا والمنع إنما هو من الكلام العادي الذي لم يؤمر به قيل: والأمر بالتسبيح لأنه يكون للتعجب، وما ذكر من الولد ونحوه
стр. 1994
مما يتعجب منه، وهو لا يناسب تفسيره السابق إلا بتكلف. قوله: (تحتمل أن تكون مصدرية) فتقدر قبلها الباء الجارّة، وقوله: على تقدير القول وكلام آخر تقديره فلما ولد وبلغ سنا يؤمر مثله فيه، قلنا: الخ، وقوله: واستظهار أي حفظ يقال: استظهر الكتاب إذا حفظه، وقوله: وقيل النبوّة هو مرويّ عن ابن عباس ﵄ والحكمة وردت بمعناها كثيراً، وقوله: واستنباه بالهمزة والألف أي جعله نبياً وان كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم ينبأ قبل الأربعين. قوله: (ورحمة منا عليه) أي إيتاؤه ما ذكر بفضل الله ورحمته وعلى تفسيره بالتعطف والشفقة فائدة قوله: من لدنا الإشارة إلى أق ذلك كان مرضيا لله فإنّ منه ما هو غير مقبول، كالذي يؤذي إلى ترك شيء من حقوق الله، كالحدود مثلاً أو هو إشارة إلى أنها زائدة على ما في جبلة غيره لأن ما يهبه العظيم عظيم ولا يرد عليه أنه إفراط وهو مذموم كالتفريط وخير الأمور أوسطها لأن مقام المدح يأباه، ورب إفراط يحمد من شخص ويذمّ من آخر فإنّ السلطان يهب الأمور فيمدح ولو وهبها غيره كان إسرافا مذموما، ومن الحنان قيل لله: حنان بمعنى رحيم خلافاً لبعض أهل اللغة إذ منع لطلاقه على الله وهل هو مجاز بمرتبة أو مرتبتين قولان. قوله: (أو صدقة أي تصدّق الله به على أبويه) وهو معطوف على صبياً الحال والمعنى حال كونه متصدّقا به عليهما، وقيل: معنى إيتائه الصدقة كونه صدقة عليهما فهو معطوف على المفعول، ومعنى مكئه أعطاه قدرة وسعة، وعصيا أصله عصويا فهو فعول للمبالغة، وقوله: من أن يناله فاللام بمعنى السلامة والأمان بما ذكر، وقيل: إنه بمعنى التحية والتشريف بها لكونها من الله في حال كمال عجزه، وما ينال به بني آدم هو مسه له حين يصيح كما مرّ تفصيله في سورة آل عمران، واذكر في النظم معطوف على اذكر مقدراً أي اذكر هذا واذكر الخ، وقوله: قصتها فهو بتقدير مضاف أو
هو مفهوم من السياق وذكر مريم كما سيذكره المصنف، وانتبذ افتعال من النبذ وأصل معناه الطرح ثم أريد به الاعتزال لقربه منه. قوله: (بدل من مريم يدل الاشتمال (وفيه تفخيم لقصتها العجيبة وإنما جعل بدلاً لأنه لا يصح أن يكون ظرفا لا ذكر وأمّا قوله أبي البقاء: إن انزمان إذا لم يقع حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها فرده المعرب بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى سلب زيد ثوبه فالبدل فيه لا يصح فيه ما ذكر مع صحته بلا شبهة وإنما امتنع هناك لتغايرهما والوصف والخبر والحال لا بد من تصادقهما، فالفرق ظاهر، وقوله: لأنّ الأحيان الخ فالثاني هو المشتمل كسلب زيد ثوبه، وقد يعكس كأعجبني زيد علمه، وقوله: لأنّ المراد بمريم قصتها لأنه ليس المراد بذكر مريم إلا ذكر قصتها، وقوله: وبالظرف لا يخفى بعده، والمضاف المقدّر قصة ونحوه، وكون إذ مصدرية ذكره أبو البقاء وهو قول ضعيف للنحاة، وقوله: لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لعدم إكرامك لي والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا به، وقوله: فتكون أي إذا انتبذت على هذا القول وهو بدل اشتمال أيضاً، وكون مشرق الشمس قبلة النصارى مرّ الكلام عليه. قوله تعالى:) ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ ) مشتق من المثال أي تصوّر وأصله أن يتكلف أن يكون مثالاً لشيء، وبشرا جوّز في إعرابه وجوه الحالية المقدرة والتمييز والمفعولية بتضمينه معنى اتخذ ولهم كلام في كيفية التمثيل هل ما زاد من أجزائه يفنى أو يذهب ثم يعود أو يتداخل ويتصاغر أو يخفيه الله عن النظر والظاهر أنها احتمالات عقلية والأولى التوقف في مثله والمشرقة مثلثة الراء محل شروق الشمس والقعود فيه شتاء. قوله: (متمثلاَ بصورة شابئ أمرد الخ) اعترض عليه بأنّ فيه هجنة ينبغي أن تنزه مريم عنها وأنه مناف لمقتضى المقام وهو إظهار آثار القدرة الخارقة للعادة كما قال: كادم خلقه من تراب الآية ويكذبه قوله: قالت إني أعوذ الخ دمانما وجهه أنها رأته بهيئة صغير السن مأنوس لئلا تنفر عنه ولا تسمع كلامه وقد أريد إعلامها وليظهر للناس عفتها وزهدها إذ لم ترغب في مثله ولأنّ الملك كلما تمثل تمثل بصور بشر جميل كما كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة دحية رضي ألله عنه فأمّا كونه خارقا للعادة فلا يرد عليه لأنه ليس من أب
ويكفي مثله والولد لا يحصل
стр. 1995
من نطفة واحدة، وأمّا الهجنة فقبيحة ولو تركها كان أولى وكأنه أراد أنه وقع كذلك ليكون مظنة لما ذكر ثم يظهر خلافه فيكون أقوى في نزاهتها فتأمّل. قوله: (بالرحمن) قيل: خصته تذكيرا له بالجزاء لينزجر فإنه يقال يا رحمن الآخرة وليس بشيء لأنه ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما كما مر بل طلبت تذكيره بالرحمة ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه، وتحتفل بمعنى تبالي، والمقصود مما ذكر زجره، وقوله: فتتعظ الظاهر إسقاط الفاء حتى لا يحتاج إلى جعله مرفوعاً بتقدير مبتدأ لأنّ المضارع لا يقترن بالفاء. قوله: (ويجورّ أن تكون للمبالغة الخ (وجه المبالغة أنها إذا استعاذت به في حال تقواه فقد بالغت في الاستعاذة كما لا يخفى والظاهر أنها على هذا إن الوصلية وفي مجيئها بدون الواو كلام وهي جملة حالية المقصود بها الالتجاء إلى الله من شرّه لا حثه على الانزجار وما قيل إنه مقتضى المقام غير مسلم لأنه لا يناسب التقوى، ولو كانت مفروضة والذي استعذت به بكسر تاء الخطاب صفة ربك، وقوله: في الدرع أي القميص إشارة إلى ردّ ما قيل إن النفخ في الفرج فإنه غير صحيح ولا مناسب. قوله: (ويجوز أن يكون حكاية لقوله تعالى) يعني أن الهبة إمّا مجاز عن النفخ الذي هو سببها أو حقيقة بتقدير القول أي الذي قال: أرسلت هذا الملك لأهب لك وجعل قراءة الياء مؤيدة لا دليلاً لأنه لا يلزم توافق القراءتين كما مرّ، وأمّا أنّ أصل ليهب لاهب فقلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها فتعسف من غير داع له، ويعقوب عطف على أبي عمرو لا على نافع إذ لا اختلاف في الرواية عنه، وقوله: طاهر الخ يعني أن الزكاء شامل للزيادة المعنوية كالطهارة والحسية. قوله: (فإق هذه الكنايات إنما تطلق فيه (أي في النكاج الحلال فإنه محل التأدب وفاعله يأنف من التصريح به ومرتكب الزنا لا أدب له ولا حشمة فلا يأنف من مثله، وليس مقامه مقام الكناية بل تطهير اللسان عنه أو التقريع به، وقد راعى المصنف ﵀ هذا الأدب إذ قال: لم يباشرني دون يجامعني أو ينكحني فهو أحسن مما في الكشاف من النكاج وجمع الكناية، وان كان الواقع هنا واحدة منها إشارة إلى أن لها أخوات كلامستم النساء ودخلتم بهن وبنى بها إلى غير ذلك، وخبث بضم الباء بمعنى عمل ما يكره وهو صريح، وفجر فعلى الفجور مثله وإن كان في الأصل كناية لأنه من الفجر لكنه شاع في الزنا حتى صار صريحآ
وحقيقة فيه، ولا يرد عليه ما في سورة آل عمران من قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٤٧ إذ جعل كناية عنهما فإنه لم يجعل كناية عن الزنا وحده بل عنهما على سبيل التغليب وهو لا يحسن هنا على أنه قيل إنه استوعب الأقسام هنا لأنه مقام البسط واقتصر على نفي النكاج ثمة لعدم التهمة لعلمها أنهم ملائكة لا تتخيل منهم تهمة بخلاف هذه الحالة لمجيء جبريل ﵊ في صورة غلام أمرد، ولذا تعوّذت منه ولم يسكن روعها حتى صرّح بأنه رسول من الله على أنه قيل إن ما في آل عمران من الاكتفاء وترك الاكتفاء هنا لأنها تقدم نزولها فهي محل التفصيل بخلاف تلك لسبق العلم، وبقي هنا كلام مفصل في شروح الكشاف. قوله: (ويعضده عطف قوله ولم أك بغيا عليه (أي يعضد أن المراد بما قبله الكناية عن مباشرة الحلال عطف ما ذكر عليه لأن الأصل في العطف المغايرة وأما جعله من التخصيص بعد التعميم على طريق التغليب لزيادة الاعتناء بتبرئة ساحتها عن الفحشاء كما ذهب إليه بعضهم، فخلات الظاهر ولهذا الاحتمال لم يقل يدل عليه. قوله: (وهو (أي لفظ بغيئ فعول وأصله بغوي فأعل الإعلال المشهور وأمّا قول ابن جني: لو كان فعولاً لقيل بغوّ كما قيل نهوّ عن المنكر فمردود بأنه شاذ كما صرّح به ابن جني أيضا لمخالفته القاعدة الصرفية، ولذا لم تلحقه التاء لأن فعولاً يستوي فيه المذكر والمؤنث، وان كان بمعنى فاعل كصبور، وأما فعيل بمعنى فاعل فليس كذلك فلذا وجهه المصنف ﵀ بأنه للمبالغة التي فيه حمل على فعول، كما قيل ملحفة جديد، وإن قيل فيه إنه بمعنى مفعول أي مجدود ومقطوع لأن الثياب الجديدة تقطع، وأورد عليه العلامة في شرح الكشاف أن نفي الأبلغ لا يستلزم نفي أصل الفعل فلا يناسب المقام وأجيب بأن المراد نفي القيد والمقيد وهو دقيق ولا يخفى أنه لا دقة فيه فإنه مع شهرته المتداول خلافه
стр. 1996
وإن السؤال وارد على تخريج الجم! ، ر فالأوجه أن يقال: إنها لشدة طهارتها ونزاهة بيتها عدته عظيماً من مثلها وان قل ولذا سمي الزنا فحشا مع تفسيره بما عظم قبحه، فإن قلت البغي أصل معناه تجاوز الحد فهو في الزنا كناية فينافي ما مر، قلت: هو كذلك بحسب أصل اللغة لكن البغيّ شاعت في الزانية فصارت حقيقة صريحة.
قوله: (أو للئسب) ومثله يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقيل: ترك تأنيثه لاختصاصه في الاستعمال بالمؤنث وتفصيله في المفصل وشروحه. قوله: (ونفعل ذلك لنجعله الخ الما كان العطف هنا مخالفا للظاهر، لأن العلة لا تعطف على المعلل وقد ورد مثله في أماكن خزج على وجهين أحدهما تقدير معلل معطوف على ما قبله وقدره المصنف مقدما على الأصل والزمخشري قدره مؤخراً لأن ذكره دون متعلقه يقتضي الاعتناء به، فهو بالتقديم التقديري أليق وتركه المصنف ﵀ لإيهامه الحصر وهو غير مقصود، والآخر أن يكون معطوفا على علة
محذوف والضمير عائد على الغلام، وفي الكشف حذف المعلل هنا أولى إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف أيضاً إذ ليس قبلها ما يصلح لأن يكون معللا فهو تطويل للمسافة، وهذه الجملة أي العلة ومعلولها معطوفة على قوله: هو عليّ هين وفي إيثار الاسمية في الأولى دلالة على لزوم الهون وازالة الاستبعاد والفعلية في الثاني للدلالة على أنه انتشى ليكون آية متجذدة، فتأمّل. قوله: (وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات (الالتفات فيه على هذه من الغيبة إلى التكلم فهو مخصوص بها، ويحتمل أن يعم القراءتين لكن الالتفات على قراءة لأهب بمعنى آخر مذكور في المطول، فتأمّل. قوله: (وبرهاناً) إشارة إلى أنّ المراد بالعلامة البرهان، لأنه يدل على وجود المبرهن عليه كدلالة العلامة على ما هي أمارة له، وقوله: حقيقا بأن يقضي لما كان الولد لم يعط في ذلك الزمان أوّله بمقدر ومسطر في اللوح أو بأنّ المراد به أنه من الأمور التي لا بد من تحققها لكونه آية ورحمة فعبر عنه بلفظ المفعول تنبيهاً على تحققه، وعليهما فقوله: وكان أمراً مقضيا تذييل لما قبله قيل والأوّل أنسب بمذهبنا، والثاني بمذهب المعتزلة في رعاية الأصلح لكن مراد المصنف ﵀ أنه حقيق بمقتضى الحكمة والتفضل لا وجوبا على الله فلا يرد عليه شيء، وقوله أنسب إشارة إلى ذلك، وقوله: لكونه آية ورحمة إشارة إلى أنه تذييل لما قبله على الوجه الثاني وعلى ما قبله وهو تذييل لمجموع الكلام. قوله: (ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره (فهو من خواص عيسى ﵊ عندهم وقد صرّح به أهل التنجيم ونقل النيسابوري له وجهاً يخالف ما ذكره كويشار في دخله ولس هذا محله. قوله: (كما حملته نبذته) أي وضعته وولدته عقيب الحمل من غير مضيّ مدة طويلة وهذه الكاف تسمى كاف المفاجأة وكاف القرآن، وقد نقلها النحاة كصاحب المغني ووقعت في كلام العرب والفقهاء نحو سلم كما تدخل وصل كما يدخل الوقت وهي كاف التشبيه في الأصل كأنه شبه وقت أحد الحدثين المتجاورين بوقت الآخر أو أحدهما بالآخر لوقوعهما في زمن واحد ولكونه خلاف المعروف فيها قال في المغني إنه معنى غريب جذاً. قوله: (وهو في بطنها) يعني أنّ الباء للملابسة والمصاحبة لا للتعدية والجار والمجرور
وظرف مستقر وقع حالاً أي مصاحبة وحاملة له كما في الباء الواقعة في البيت المذكور وهو من قصيدة للمتنبي وقبله:
كأنّ خيولناكانت قديما تسقي في قحوفهم الحليبا ...
فمرّت غير نافرة عليهم تدوس بنا الجماجم والتريبا ...
والقحوف جمع قحف وهو العظم الذي فوق الدماغ، والمراد بالجماجم الرؤوس، والتريب عظم الصدر يقول: كأنّ خيولنا كانت قديما تسقى في قحوف الأعداء اللبن وكانت عادتهم سقيه لكرام خيلهم يعني أنها لاعتيادها لذلك لم تنفر من القتلى وداست رؤوسهم وصدورهم ونحن على ظهورها والدوس الوطء بالرجل ولم يجعلها للتعدية هنا وان صح لأنّ قوله: فأجأها المخاض يقتضي أنها منتبذة بنفسها لا نابذة له. قوله: (وهو في الأصل منقول من جاء الخ (تبع فيه الزمخشري حيث قال: أجاء منقول من جاء إلا
стр. 1997
أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء ألا ترى أنك تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول: بلغته وأبلغنيه، ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. اهـ. وقد رذه في البحر، وقال: إنّ قوله أنّ الاستعمال غيره لم يقله أهل اللغة والإجاءة تشمل المجيء بالاختيار وبالقسر والإلجاء، وقوله: ألا ترى الخ يرذه أن من يرى التعدية بالهمزة قياسية لا يسلمه ومن رآها سماعية قال: إن ما أنكره مسموع من العرب كما في الصحاح وتنظيره بأتى غير صحيح فإنه بناء على أن همزته للتعدية وأصله أتى وليس كذلك بل هو مما بنى على أفعل وليس منقولاً من أتى بمعنى جاء المتعدي لواحد، ولو كان كذلك لكان مفعوله مفعولاً ثانيا وفاعله مفعولاً أوّل على قاعدتهم في مثله وعلى ما ذكره يكون بالعكس إلى آخر ما ذكره وأطال فيه (قلت) ما ذكره غير وارد على الشيخين أمّا قوله: إنه لم يقله أهل اللغة فغير صحيح لأنه قال في مختصر العين وتاج المصادر أجأت الرجل إلى كذا ألجأته إليه ونقله الجوهري عن الفراء فالحق ما قاله السفاقسي: إن الإجاءة مما نقل بالهمزة إلى الإلجاء كما نقل الإيتاء إلى الإعطاء وان احتمل أن يكون مما بني على أفعل لكن الأوّل يرجحه أنّ الأصل اتحاد الماذة والثاني يرجحه أن اختلاف المعنى دليل على اختلافهما، وما ذكره في التعدية إنما يرد على عدم النقل وأمّا عليه فلا لكنه يرد عليه كما في شروح الكشاف وتبعهم الفاضل المحشي أنه يقال: أجأته إذا جئت به كما يقال: بمعنى ألجأته كما في الصحاح وغيره، ويقال: أتاه بمعنى أتى به كما يقال: بمعنى أعطاه ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٦٣] أي ائتنا به كما مرّ فكيف ينكر أيضا ما اعترف به أوّلاً، وأمّا كون أجاء لا يتعدى بإلى كما ذكره السفاقسي فغير صحيح، وقال الراغب: يقال جاءه بكذا وأجاءه قال تعالى: ﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ﴾ [سورة مريم، الآية: ٢٢] وقيل معناه ألجأها، وإنما هو معدّى عن جاء اه. والظاهر عدم وروده أيضا لأنهما لم يريدا بنقله نقله إلى معنى تغايره بالكلية بل أنهما خصا بأحد فرديهما فإنك إذا ألجأته إلى شيء جعلته جائيا إليه حقيقة أو حكماً كما يشهد له تفسيره بجئت به، وكذا أتيت به فإنه بمعنى ناولته والمناولة نوع من الإعطاء ألا ترى أن مآل أجاءها المخاض إلى جذع النخلة نقلها من مكانها إليه ولا فرق بينه وبين الإلجاء فلا مخالفة فيه ولا تناقض فتدبره. قوله: (مصدر مخضت) أي بفتح الخاء وكسرها وأصل المخض تحريك سقاء اللبن وهزه ليجتمع زبده وسمنه فاستعمل لطلق الولادة كما ذكره ثم صار حقيقة عرفية فيه، وقوله: وتعتمد عليه حتى تتكي منتصبة والمراد بالعرق أصلها والغصن رأسها ولا خضرة عطف تفسير لقوله: لا رأس لها وهو معه تفسير لقوله: يابسة وإلا فكل نخلة يابسة، وقوله: وكان الوقت شتاء يعني والنخل لا تثمر فيه ولا تتحمل ثمرتها برده فتترك عليه. قوله: (والتعريف إما للجنس) فالمراد واحدة من النخل لا على التعيين أو للعهد فالمراد نخلة مدينة معينة ويكفي لتعينها تعينها في نفسها وان لم يعلمها المخاطب بالقرآن، وهو النبي ﷺ كما إذا قلت أكل السلطان ما أتى به الطباخ أي طباخه فإنه المعهود، أو يقال إنها معينة له أيضاً بان يكون الله أراها له ليلة المعراج فإن فيه أن جبريل ﵊ أنزله ببيت لحم وهو محل ولادة عيسى ﵊، فلا يرد عليه ما قيل إنه لا مساغ للعهد هنا فإنه لا بد فيه من علمه للمخاطب وهو مفقود هنا، وقول المصنف ﵀: إذ لم يكن ثم عيرها صريح في الجواب الأوّل وما ذكره في العهد غير مسلم مع أنه ليس أبا عذرته والمتعالم بفتح اللام تفاعل من العلم، والخرسة بخاء معجمة مضمومة وراء مهملة ساكنة وسين مهملة ما تأكله النفساء وهو مخصوص بها كالعقيقة لما يذبح عن المولود والوليمة للعرس. قوله: (ولعله الخ) من آياته أي مما خالف العادة فيها وهو إثمارها بدون رأس وفي إثمارها في وقت الشتاء الذي لم يعهد فيه ذلك، وكونها واحدة ليس معها غيرها يلقح طلعها كما هو المعتاد فهو دليل لها على عدم استغراب
الولادة منها بلا زوج وسبب وأن القادر على إيجاد رطب جنيّ من خشبة يابسة في غير زمانه قادر على هذا، وخصت النخلة بذلك لشبهها بالإنسان كما ذكروه وفيه إشارة أيضا إلى أن ولدها نافع كالثمرة الحلوة، وأنه ﵊ سيحيي الأموات كما أحيا الله بسببه الموات وفيه من اللطف أيضاً ما أشار إليه المصنف ﵀ وهي أنّ النفساء عقب النفاس تطعم طعاماً
стр. 1998
حلواً لأن كل حلو حارّ فبحرارته يسيل الدم فيخرج بقية دم النفاس التي لو بقيت ضرّت وهو معنى قوله: الموافقة لها، وقيل: إنه لذلك جرت العادة بإطعام ذات النفاس تمراً وتحنيك الطفل به وهو ينفع من عسرت ولادتها. قوله: (وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر مت بضم الميم من مات يموت) كقلت وكسرها من مات يمات كخاف يخاف أو من مات يميت، ووافقهم على الضم يعقوب وهذا الاختلاف جار فيه، حيث وقع في القرآن وكان ينبغي تقديم قراءة الضم لأنها الأشهر وعليها أكثر كما هو عادته وقوله: ما من شأنه أن ينسى فقوله: منسيا تأسيس لا تأكيد حتى يرد عليه أنه مجاز حينئذ والتأكيد ينافيه مع أنه ذكر في الكشاف أن العرب استعملته بهذا المعنى فصار حقيقة عرفية، وقوله ة منسيّ الذكر فسره به ليكون تأسيساً أبلغ مما قبله، وقوله: ينسؤه أهله بالهمزة أو يخلطوه بالماء، وقيل: معناه يدفعه وليس من النسيان، وقوله: على الاتباع أي اتباع الميم للين. توله: (وقيل جبريل ﵊ الخ) مرّضه لأنه محل اللوث ونظر العورة وكلاهما لا يليق بالملك وكأنه لهذا فسر التحتية بما بعده وتوله: يقبل أي يباشر إخراج الولد كالمقابلة، وروح بفتح الراء علم لأحد القراء، وقوله: على أنّ في نادى ضمير أحدهما أي عيسى أو جبريل عليهما الصلاة والسلام وعلى تلك القراءة من الموصولة فاعل وقوله: الضمير للنخلة، وفي التفسير السابق لمريم، وقوله: أي لا تحزني فأن تفسيرية أو مصدرية مقدر قبلها حرف الجرّ، والجدول النهر الصغير، والسري بهذا المعنى يائيّ لأنه من سرى يسري، وبمعنى السيد واوفي من السرو وهو الرفعة كما أشار إليه المصنف ﵀ وأما السرو اسم شجر فليس بمراد هنا وقوله: وهو أي السري المراد به على هذا عيسى ﵊. قوله: (وأميليه إليك الخ) يعني أن الهمز مضمن معنى الإمالة ولذا عداه بالى أو أنه جعل مجازا عنه أو اعتبر في تعديته معنى الميل لأنه جزء معناه لأنه تحريك بجذب ودفع أو تحريك يمينا وشمالاً سواء كان بعنف أو لا فلا مغايرة فيه لقول الراغب: إنه التحريك الشديد كما توهم فيتضمن معنى الإمالة، ولما كان متعديا بنفسه وجه ذكر الباء بأنها مزيدة للتأكيد، أو
أنه منزل منزلة اللازم لأنه بمعنى افعلي الهز فالباء للآلة كما في كتبت بالقلم أو مفعوله محذوف وهو على تقدير مضاف أي هزي الثمرة بهزه، ونحوه ما نقل عن المبرد أن مفعوله رطبا على أنه تنازع هو وتساقط فيه لكنه ضعفه في الكشاف لتخلل جواب الأمر بينه وبين معموله وأما قوله: في الكشف إق الهز يقع على الثمرة تبعا للجذع فجعل الأصل تبعا بإدخال باء الاستعانه عليه غير مناسب فرذه بعض شزاح الكشاف بأن الهز دمان وقع بالأصالة على الجذع لكن المقصود منه الثمرة فلهذا النكتة المناسبة جعلت أصلا لأن هز الثمرة ثمرة الهز، وقد تطفل عليه بعضهم فأجاب به من عنده وفيه نظر لأن المفيد لتلك قوله: تساقط عليك رطبا، وهز الثمرة لا يخلو من ركاكة فالوجه ما ذكره في الكشف، وقوله: في القاموص يقال: هزه وهزيه مما لا يلتفت إليه وفي تساقط قرا آت تسع وهي ظاهرة، وقوله: وحذفها أي الثانية. قوله: (فالتاء للنخلة) فيه تسمح أي التأنيث الذي دلت عليه التاء باعتبار النخلة والتذكير باعتبار الجذع وجعل التأنيث باعتباره أيضا لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، كما في قوله: يلتقطه بعض السيارة خلاف الظاهر، دمان صح ولذا لم يلتفتوا إليه وكون رطبا تمييزا أو مفعولا أو حالا موطئة بحسب معنى القراآت. قوله: (رطبا جنيا) قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب كان يجب أن يقول جنية إلا أنه أخرج بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث، وجاء في القرآن ما هو أغرب من هذا وهو قوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هود أو نصارى﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١١] ، فأفرد اسم كان حملا على لفظ من وجمع خبرها حملا على معناه كقولك: لا يدخل الدار إلا من كان عقلاء وهذه مسألة أنكرها كثير من النحويين. قوله: (روي الخ (هذا توطئة لما بعده والخوص بضم الخاء المعجمة والصاد المهملة ورق النخل خاصة، وقوله: وتسليتها الخ إشارة إلى سؤال في الكشات، وهو أن حزنها لم يكن لفقد الطعام والشراب حتى تتسلى بالسري والرطب وجوابه
стр. 1999
بأن تسليتها بهما ليست من هذه الحيثية بل من حيث اشتمالهما على أمور خارقة للعادة دالة على براءة ساحتها، وقدرة الله الباهرة التي يهون عندها كل شيء حتى لا ينكر أمرها فقوله: بذلك أي بقوله: قد جعل ربك تحتك سريا الخ، وقوله: لما فيه من المعجزات قيل إن نسب ذلك لمريم فهو كرامة لا معجزة، ولو قيل بنبؤتها لأن المعجزة الأمر الخارق للعادة الواقع للتحذي ولا تحذي هنا، وإن نسب لعيسى ﷺ فما وقع للنبي ﷺ منه قبل ظهور نبؤته كتظليل الغمام للنبيء ﷺ فهو إرهاص لا معجزة، وأقرب ما قيل فيه أن المراد
بالمعجزة معناها الغوي وهي الأمر المعجز للبشر لكونه خارقا للعادة مطلقا فيصدق على الكرامة والإرهاص أو هي مجاز عرفيي لذلك، وقوله: فجعل الله له ذكر الضمير باعتبار أنها جذع لأنها إنما تكون نخلة إذا كانت تامة هالا فهي جذع من الخشب اليابس والمنبهة معطوفة على الدالة، وعليه حال من مفعول رآها والضمير للشأن، وعلى أن الخ متعلق بالمنبهة وقوله: وأنه أي الحبل من غير فحل، وقوله: مع ما فيه أي فيما ذكر من تهيئة شرابها وطعامها حتى لا تتألم بفقدهما أيضا لكن ذلك ليس مقصودا بالذات. قوله: (ولذلك رتب عليه الأمرين (الإشارة تحتمل أن تكون لما فيه أي لما في الأمر الذي سلاها به من ذكر الطعام والشراب رتب عليه الأمرين يعني المأكول والمشروب يعني بالفاء، ويحتمل أن الإشارة لجميع ما تقدم / أي ولأنه سلاها تسلية أزالت حزنها أمرها بالأكل والشرب لأن الحزين لا يتفرغ لمثله كما نبه عليه بقوله: وقزى عينا، وقدم الماء أولا وأخر الشرب هنا لأن الماء الجاري أظهر في إزالة الحزن، وأصل في النفع عام نفعه للتنظيف ونحوه وحيث ذكره للشرب أخره لأنه إنما يكون بعده ولذا قدم الأكل على الشرب حيث وقع ويحتمل أنه قدم الأكل ليجاور ما يشاكله، وهو الرطب، وقوله: أو من الرطب وعصيره قيل: هو إذا أريد بالسرفي عيسى ﵊ وليس بمتعين. قوله: (وطيبي نفسك (طيب النفس عبارة عن الاطمئنان وعدم القلق والحزن، فقوله: وارفضي أي اتركي تفسير له يعني أن قزة العين كناية عن السرور ودفع الحزن وهو إفا من القرار والسكون أو من القز بمعنى البرد، ويشهد للأول قوله:
تدور أعينهم من الحزن
وللثاني قولهم: قرة العين وسخنتها وذكروا في وجه برودة دمعة السرور وسخونة غيرها
أن سبب البكاء ارتفاع أبخرة ينعصر بها ما في الدماغ من الرطوبات حتى تسيل وتلك الأبخرة تكون حرارتها في حالة الحزن أشد لعدم انتشارها كما في السرور الظاهر على البشرة، وقوله: وهو لغة نجد أي فإنهم يقولونه بفتح عين الماضي وكسر عين المضارع وغيرهم يكسر عين الماضي ويفتح عين المضارع من القز بمعنى السكون أو البرد، وقوله: لبأت بالحج أصله لبيت من التلبية وهي قولك: لبيك اللهتم لبيك فأبدلت الياء همزة والمؤاخاة بين الهمزة وحرت للين
لأنه يبدل منها ولم يقل والياء لأنه لا يختص بها. قوله: (صمتا (فالمراد به الإمساك مطلقا وهو أصل معناه أو هو مجاز عنه والقرينة قوله: فلن أكلم اليوم الخ وعليه يظهر التفريع، وقوله: وكانوا لا يتكلمون في صيامهم وكان ذلك قى بة في دينهم فيصح نذره، وقد نهى النبي ﷺ عنه فهو منسوخ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب الأحكام وقد ورد في الحديث كما رواه أبو داود لا يتم بعد احتلام ولا صمت يوم إلى الليل، وفي شرح البخاري لابن حجر عن ابن قدامة أنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الإخبار تحريمه فإن نذره لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية لما فيه من التضييق، وليس من شرعنا لهان كان قربة في شرع من قبلنا وعليه أيضا فالتفريع ظاهر. قوله: (بعد أن أخبرتكم بنذري (لدفع ما يتوهم من أنها إذا أنذرت عدم الكلام يكون قولها هذا مبطلا له، وحاصله أنها نذرت أن لا تكلم أحدا بغير هذا الإخبار فلا يكون مبطلا له لأنه ليس بمنذور، وقولها: إني نذرت ليس بإنشاء للنذر بل إخبار عن نذر وقع منها ولم تعين زمانه وزمانه كان بعد التكلم بهذا، ويحتمل أن قوله: فلن أكلم اليوم انسيا تفسير للنذر بذكر صيغته فلا وجه لما قيل إن الظاهر أن هذا الكلام إنشاء للنذر، فما ذكره المصنف لكونه في صورة الخبر أو لتضمنه له وكذا ما قيل إنه من تتمة النذر أو هو مستثنى منه عقلا لأنه ضرورفي، وقوله: أكلم الملائكة من مفهوم
стр. 2000
قوله: إنسيا دون أحدا، وقوله: مع ولدها إشارة إلى أن الباء للمصاحبة ولو جعلت للتعدية صح أيضا وقوله: حاملة إياه إشارة إلى أن الجملة حال من ضمير مريم أو عيسى، ولذا فصل الضمير ليتحقق تنكيره بخلاف ما لو قال حاملته. قوله: (بديعأ منكرا من فرى الجلد (يعني أن أصل حقيقة الفرى قطع الأديم والجلد مطلقا، ثم فرق بين قطع الإفساد والإصلاح ثم استعير لفعل ما لم يسبق له، ولذا فسره المصنف بقوله: بديعا وأما كونه منكرا فظيعا فمما فعل، واختار الثلاثي لأن فعيلا إنما يصاغ قياسا منه، ومن لم يحققه قال الأولى أن يقول: من أفرى لما في الصحاح من أن أفراه معناه قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الصلاح ثم أجاب تارة بأن فرى يرد للإفساد
أيضا، كما في القاموس وأخرى بأن القطع الصالح قد يكون محل تعجب لقلة النظر الصحيح وغلبة الهوى. قوله: (وكانت من أعقاب من كان معه الخ (يعني أنها وصفت بالأخوة لكونها وصف أصلها أو هرون يطلق على نسله كهاشم وتميم، والمراد بالأخت أنها واحدة منهم كما يقال أخا العرب، وقوله: وقيل هو رجل صالح أو طالح فليس المراد هرون موسى بل رجل آخر سمي باسمه، وقوله: شبهوها به لأن الأخ والأخت يستعمل بمعنى المشابه كثيرا والتهكم على أنه صالح والشتم على أنه طالح، وقوله: إن كلموه ليجيبكم يعني أشارت إليه إشارة يفهم منها هذا بدليل قوله: قالوا كيف. قوله: (وكان زائدة الخ (الداعي لما ذكره أنه لو أبقى النظم على ظاهره لم يبق خارقا للعادة ومحلا للتعجب والإنكار فإن كل من يكلمه الناس كان في المهد صبيا قبل زمان تكليمه، فإقا أن تجعل زائدة لمجرد التأكيد من غير دلالة على زمان والمعنى كيف نكلم من هو في المهد الآن حالة كونه صبيا، فصبيا حال مؤكدة لأن كان الزائدة لا عمل لها، ولو لم تكن زائدة كان خبرا وأما على قول من قال: إن كان الزائدة لا تدل على حدث لكنها تدل على زمان ماض مقيد به ما زيدت فيه كالسيرافي فالزيادة لا تدفع السؤال كما في شرح المفصل لابن يعيش، وما وقع هنا في تفسير النيسابوري من أن زيادتها نظرا إلى أصل المعنى وإن كانت تفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة بناء على أنها عاملة في الاسم والخبر كما ذهب إليه الجوهرفي ونقله عنه في شرح التسهيل للدمامينيئ فلا يرد عليه ما قيل إنها غير عاملة فلا دخل لها في انتصاب صبيا في الفاصلة كما قيل نعم المشهور خلافه وهو سهل. قوله: (أو تاقة (بمعنى وجد وصبيا حال مؤكدة أيضا وهي وإن دلت على المضيئ أيضا إلا أن معنى المضيئ هنا تقدمه على زمان التكلم في الجملة، وبقاؤه عليه بحكم الاستصحاب وفيه نظر فإنه على هذا ما الفرق بين التافة والناقصة فتأمل. قوله: (أو دائمة كقوله تعالى: ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ ) يعني أنها تدل على الدوام والاستمرار بقطع النظر عن المضيئ، وغيره فهي
بمعنى لم يزل ولا يزال، قال في الغرر: والدرر الرضوية وهو فصيح كثير في كلام العرب وهو مجاز ثم بين وجه التجوز فيه، والدوام هنا يكون بمعنى ثبوت الخبر في الماضي من غير انقطاع له كما ذكره ابن الحاجب، ويصح أن يراد به هذا أيضا فيكون أحد الوجهين المذكورين في الكشاف ولا يرد عليه شيء كما توهم دماذا كان بمعنى صار فالمضيئ بالنسبة لما صار منه وهو يدل على البقاء فيما صار إليه كما هو شأن صار، وفي الكشاف إن كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهي هنا لقريبه خاصة بقرينة السياق والتعجب والغرض استمراره على حاله وهو أوكد ممن هو في المهد لأن السابق كالشاهد عليه، ووجه آخر أن يكون نكلم حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد وقال الزجاج: الأجود أن تكون من شرطية لا موصولة أو موصوفة كما قيل أي من كان في المهد فكيف نكلمه وهذا كما يقال: كيف أعط من لا يعمل بموعظتي والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء فلا إشكال فيه. قوله: الأنه أول المقامات (أي مقامات السالكين أولها الاعتراف بالعبودية وذلك بتفويض أموره كلها لسيده الذي لا يسئل عما يقعل ومراتب هذا المقام متفاوتة، ووجه الرد أنه لو كان ربا لم يكن عبدا بل مالكا متصرفا فلا وجه لما قيل إن الظاهر أن يقول على من زعم أنه ابنه وتفسير الكتاب بالإنجيل لأن تعريفه للعهد.
следующие страницы →