← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

ضلالهم عن سبيل الله، اهـ فهو ظرف وظاهره أن هذا التشبيه على الوجه الثاني لأنّ قوله إنّ الذين الخ تعليل لما قبله من النهي عن اتباع الهوى المضل عن سبيله وسبيله دلائله، والضلال عنها تركها ونسيانها كما فسره به قبيل هذا فاختار المصنف الثاني، ولذا ذكر النسيان مطلقا لأنه أنسب بالسياق إذ المعنى حينئذ لأنّ الضالين معذبون بضلالهم، وترك الحق واتباع الهوى لازم للنسيان عادة فصح التجوّز به عنه، وهذا القائل لم يقف على مرادهم فحبط خبط عشواء. قوله: (خلقاً باطلاَ) فهو منصوب على نيابته عن المفعول المطلق نحو كل هنيا أي أكلاً هنياً فلا يختص هذا بالأخير كما فعله المصنف فكان ينبغي ذكرهما في قرن واحد، وقوله لا حكمة فيه تفسير للباطل هنا، وقوله أو ذوي باطل فهو حال من فاعل خلقنا بتقدير مضاف ويصح كونه من المفعول أيضا بنحو هذا التأويل، والباطل على هذا اللعب والعبث، وقوله أو للباطل فهو مفعول له وقوله الذي الخ تفسير للباطل على هذا الوجه والتدرع لبس الدرع مجاز عن التحصن بالتمسك بالشريعة، وقوله من التوحيد بيان للحق، وقوله على وضعه الخ يعني في هذا الوجه، والتقدير للعب الباطل وإنما أوّله لأنّ الباطل ليس فعلاَ له حتى يعلل به. قوله: (والظن بمعنى المظنون اليصح الحمل أو يقدّر ظن ذلك ومن في قوله من النار ابتدائية أو بيانية أو تعليلية، وقوله بسبب هذا الظن إشارة إلى ما تفيده الفاء من ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل الذي به كفروا فيؤكد وضع الذين كفروا موضع الضمير للدلالة على العلية. قوله: (والاستفهام الأنها تقدر ببل والهمزة والاستفهام المقدر إنكاريّ في معنى النفي والحزبين المؤمنون، والمفسدون وكونه من اللوازم لأنه إذا لم يجاز المصلح والمفسد لزم البعث المنافي للحكمة، وقوله ليدل على نفيه لأنه يلزم من نفي اللازم نفي ملزومه، وقوله باعتبار وصفين هما التقوى والفجور، وقوله من الحكيم الرحيم لأن مقتضى الحكمة عدم التسوية ومقتضى الرحمة إزالة فساد المفسد والانتقام منه وازالة ظلم المظلوم. قوله: (والآية الخ) لأنّ مقتضى الحكمة عدم التسوية، وليس هذا في الدنيا لأنا نشاهد خلافه كما قال الشافعيّ رضي الله عته: ومن الدليل على القضاء وحكمه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق فلا بدّ من دار جزاء أخرى وهو المطلوب، وقوله نفاع أي كثير النفع تفسير لمبارك وكتاب مبتدأ مبارك خبره أو خبر مبتدأ مقدر أي هذا كتاب ومبارك صفة أو خبر بعد خبر وعلى حاليته فهي حال لازمة لأنّ البركة لا تفارفه جعلنا الله في بركاته، ونفعنا بشريف آياته. قوله: (ليتفكروا الخ) قراءته على الأصل بترك إدغام التاء في الدال ولتدبروا على الخطاب أي على أنّ الأصل لتتدبر، وابتاءين حذفت إحداهما والظاهر في قراءة الغيبة إنّ الواو ضمير أولي الألباب على التنازع واعمال الثاني أو للمؤمنين فقط أو لهم وللمفسدين ويدبر بوزن يضرب بمعنى يتغ من دبر. إذا تبعه، وقيل معناه صرفه لأنّ من تبع الظلم لم يفز بطائل وهو إشارة إلى اشتقاق التدبر من الدبر لأنّ به تعرف العوافب، ومعنى الاتباع لظاهر المتلو الاكتفاء بمعرفة المعاني الظاهرة من غير تأويل في مظانّ التأويل، ولا اطلاع على النكت والأسرار، وليدبروا متعلق بأنزلنا أو بمحذوف يدل عليه، وقوله أنت وعلماء أمّتك إشارة إلى أنّ فيه تغليباً. قوله: (وليتعظ به ذووا العقول السليمة الخ) على أنّ التذكر بمعنى الاتعاظ، وقوله أو ليستحضروا على أنه من الذكر ولما ورد عليه أنهم لم يعلموه أوّلاً حتى يعد هذا تذكرا لما غاب عن خواطرهم أشار إلى دفعه بأنه أمر موافق للفطرة مركوز في العقول، والدلائل منادية عليه فجعل تمكنهم منه أوّلا بمنزلة علمه فلذا عبر بالتذكر تنزيلا للقوّة منزلة الفعل فقوله من فرط الخ من فيه تعليلية متعلقة بما في الكاف من معنى التشبيه. قوله: (فإنّ الكتب الخ) بيان لوجه الاستحضار بالكتاب والمقصود منه قوله وإرشاد الخ وما لا يعرف إلا من الشرع كالأحكام الفرعية وبعض الأصلية وما يستقل به العقل كوجود الصانع القديم، وقوله ولعل الخ ليس وجها في تفسير التدبر والتفكر كما قيل بل من تتمة هذا بيان لأن المراد بالتدبر المعلوم الأوّل وهو ما لا يعرف إلا من الشرع لأنه بعد معرفته منه يحتاج إلى التأمّل والثاني، وهو ما يستقل به العقل فإنه هو المركوز في العقل المنظور بعين التذكر

стр. 2592

فتذكر وتدبر ترشد. قوله:) إذ ما بعده الخ (بيان لتعيين سليمان بنعم العبد دون داود عليهما الصلاة والسلام وكونه من حاله ظاهر والتعليل ظاهر من جملة أنه أوّاب ومن إذ الظرفية لأنّ الظروف تستعمل للتعليل كثيوا كما مز فلا يتوقف فهم التعليل منه على تعلقه بأوّاب كما قيل، وقوله بالتوبة قيد به لفهمه من القصة والسياق وكونه بمعنى التسبيح لأنّ الترجغ في الذكر، ونحوه ويجوز أن يراد أؤاب لمرضاة ربه كما مرّ، وقوله أو لنعم أخره لأنه خلاف الظاهر لتقييد المدح وتعلق الظرف بفعل غير متصرّف كما أنّ في تعلقه بأوّاب تقييد الوصف، ولذا قيل إنّ الأحسن معنى تعلقه باذكر مقدرا ولا وجه لتخصيص وجهي التعلق بتفسيري أوّاب كما قيل وقوله عند الجمهور لأن منهم من قال إنه لداود كما ذكره المعرب. قوله: (الذي يقوم على طرف سنبك (قيل عليه الصفون عند أهل اللغة ألف الفرس للقيام على ثلاث قوائم وتبقى الرابعة ماسة بطرف مقدمها الأرض! ، وقال الراغب هو الجمع بين يديه في القيام، وقيل هو القائم مطلقا وما ذكره المصنف لا يوافق شيئاً منهما ودفعه إن مراده القول الأوّل ولشهرته تسمح في العبارة ولأنه من المعلوم إنه لا يمكن القيام على طرف واحدة ورفع الثلاث فقوله على طرف الخ حال أن يقوم على ثلاث حالة كونه معتمداً على طرف سنبك، والسنبك مقدّم الحافر كما في شرح المقصورة فإن فسر بطرف الحافر كما وقع في بعض كتب اللغة فإضافة الطرف له من إضافة العام للخاص كمدينة بغداد فلا يقال الأولى حذفه، والعراب بكسر العين الأصيلة منها والخلص تفسير له والصافتات بجمع المؤنث لأنه يجوز فيما لا يعقل لا للتغليب لأنّ تغليب المؤنث على المذكر غيو جائز في الأكثر. قوله:) أو جود) بالفتح كثوب وثياب، وقوله الذي يسرع الخ أي ففيه مدح لحاليه من القيام والمشي أو الجري هنا بمعنى المشي لا الركض وان كان المشهور في الاستعمال أنهما بمعنى واحدة لأنه لو كان كذلك لم يغاير ما بعده أصلا. قوله: (وقيل جمع جيد الخ) مرضه لأنه لا فائدة في ذكره مع الصافنات حينئذ، ولفوات مدح حاليه وكون الجياد أعم فذكره تعميم بعد تخصيص فيه نظر وقوله وأصاب ألف فرس فيه نظر لأنّ الغنائم لم تحل لغير نبينا ﷺ كما ورد في الحديث المشهور وكذا قوله فورثها منه لأنّ الأنبياء لا تورث إمّا لبقاء مالهم على ملكهم أو لمصيره صدتة أو لعوده لبيت المال أو لكونه وقفاً على ورثته على ما فصله المحدثون، والفقهاء لكنه اختلف فيه فقيل هو مخصوص بنبينا ﷺ وقيل هو عام في جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لقوله ت! ز: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فما ذكره المصنف مبنيّ على القول الأوّل إن صححوا خلافه وكون الأوّل فيها لا غنيمة والمراد بالإرث حيازة التصرّف لا الملك وعقرها تقرّبا لا يقتضي الملك بعيد، وقيل خرجت من التجر بأجنحة فاستعرضها وقوله عن ورد أي أمر من العبادة صلاة أو ذكر استعارة من ورود الماء ولا يختص بالثاني كما تظنه العامّة وقوله تقرّبا بمعنى لا غضباً فيكون إسرافا مذموما. قوله: (أصل أحببت أي يعدّى بعلى (ظاهره أنه حقيقة لا تضمين، وهو ظاهر قول الراغب في مفرداته قوله: ﴿اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ [سورة التربة، الآية: ٢٣] أي آثروه عليه واقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار فلا يرد عليه إنّ هذا تضمين أيضا لا فرق بينه، وبين ما بعده فيجاب بأق الفرق أن الأوّل ملحق بالحقيقة لشهرته بخلاف الباقي، وقوله لكن لما أئيب الخ أراد أنه مضمن معناه لكنه عدل عنه للمناسبة اللفظية، وقصد التجنيس وفائدة التضمين إشارة إلى عروضه وجعله لاشتغاله به عنه ناب منابه وذكر ربي إمّا مضاف لفاعله أو لمفعوله. قوله: (وقيل هو بمعنى تقاعدت الخ (هذا ما نقله الزمخشري عن التبيان من أن أحببت هنا بمعنى لزمت كما في الشعر المذكور وقال ليس بذاك لأنها لغة غريبة والغرابة لكنة لا يليق تخريج القرآن عليها ولأنه كما في كتب اللغة ليس مطلق اللزوم بل لزوم البعير مكانه لمرض أو ئعب أو حران وهو لا يناسب لأنه هنا لزوم نشاط، وما قيل من أنه من استعمال المقيد في المطلق أو لزوم المكان لمحبة الخيل لكونه على خلاف بر. جعل كبعض أمراضه المحتاجة للتداوي بعقاقير العفر ونحوه من أضدادها ففي أحببت استعارة تبعية حسنة مناسبة للمقام ليس بشيء لأنا لا نقنع بصحته فضلا عن حسته الذي ادّعاه إذ الاستعارة الضدّية هنا خفية، ولا قرينة عليها وما نقلت منه أخفى وأخفى فمثله من

стр. 2593

التعسفات لا يليق وأيضا اللزوم لا يتعدى بعن إلا إذا ضمن أو تجوّز به فما الفائدة في استعمال لغة وحشية من غير فائدة، وتضمين معنى مناسب مما يعدي بعن من أوّل الأمر ممكن، ولما رأى المصنف ما في الكشاف مختلا عدل عنه مشيرا إلى إصلاح ما نقل بأن ما ذكروه من اللزوم أرادوا به التقاعد، وهو الاحتباس المعوّق عن الأمر وهو يتعدى بعن من غير تضمين فقصر المسافة، وجعل أحب بمعنى تقاعد أي احتبس دفعاً لبعض ما أورد على ذلك القيل كما ذكره المدقق في كشفه وبعد اللتيا والتي فهذا الوجه ضعيف مردود. قوله: (مثل بعير السوء إذ أحبا) رواه الجوهري: ضرب بعير السوء إذا حبا وهو من شعر وقبله: كيف قريب شيخك الا زبا وقيل: تبا لمن بالهوى قدالبا وبعير السوء بمعنى السيء لكنه غير مرضي له واجب بمعنى لزم مكانه كما فسر المصنف. قوله: (وحب الخير مفعول له) أي على هذا الوجه فتقديره تقاعدت وتعوّقت عن ذكر ربي لأجل حب الخير وهذا بيان إذ ما قيل من أنّ قوله حب الخير يقتضي إن أحببت بمعناه المشهور لا بالمعنى المذكور وعلى الوجه السابق هو مفعول به أي آثرت حب الخير، أو مفعول مطلق ومفعوله محذوف، وهو الصافنات أو عرضها ويجوز حمل أحببت على ظاهره، وجعل عن متعلقة بمقدر كمعرضاً وبعيداً وكون عن تعليلية كسقاه عن العيمة بعيد، وقوله الخيل الخ حديث صحيح والناصية الرأس ومعنى عقده بها إنه لا يفارقها لما فيها من العز وثواب الجهاد. قوله: (والمراد به الخ (أي على تفسيري أحببت والخير على هذا من ذكر العام وإرادة الخاص وعلى الثاني من ذكر الشيء وارادة ملابسه، ويجوز إبقاؤه على معناه إذا كان مفعولاً مطلقا. قوله: (حتى توارث الخ) متعلق بقوله أحببت وفيه استعارة تصريحية أو مكنية لتشبيه الشمس بامرأة حسناء أو ملك وباء بالحجاب للظرفية أو الاستعانة أو الملابسة. قوله: (لدلالة العشي عليه) رد على الإمام وغيره ممن رجح كون الضمير للصافنات لما في هذا من تفكيك الضمائر والإضمار من غير سبق ذكر بأنه مذكور حكصاً لأنّ العشيّ وقت غروب الشمس فهو يدل عليها تضمناً أو التزاماً وتخالف الضمائر مع القرينة لا ضير فيه، وتوارى الخيل بالحجاب عبارة ركيكة والاعتراض بأنّ الاشتغال بها حتى تفوت الصلاة ذنب عظيم مشترك الإلزام لأنّ تواري الخيل في حجاب الليل يكون بعد العتمة مع أنّ النسيان لا يدخل تحت التكليف، وفوت الصلاة وكون تلك الصلاة كانت مفروضة عليه غير معلوم والاصشتغال بخيل الحهاد عبادة وقوله ردّوها الخ ليس تهورا وتجبراً كما توهم بل إبتهالاً حيثما ألهاه قربانا له وكان تقريب الخيل مشروعاً في دينه فهو طاعة كما قيل، وقيل على اشتراك الإلزام أنه غفلة عن قول الإمام إنّ المراد بتواريها التواري عن نظره لما أمر بإجرائها، ثم أمر الرائضين بردها لا لتواري بظلمة الليل، ورد بأنه لا غفلة فيه بل المراد أنه لا يتم ما لم يرد هذا فإن مجرّد تواريها عن نظره لا محذور فيه حتى يقتضي استقفاره وتوبته وقد روي أنّ الشمس غربت لاشتغاله بأمرها فالمعنى إنه إن أبقى على ظاهره خالف الرواية والدراية والأبقى المحذور، فتأمّل. قوله: (ردوها) من مقول القول فلا حاجة لتقدير قول آخر كما في الكشاف، وكون السياق يقتضيه لأنه جواب عن سؤال تقديره فما قال غير مسلم ولذا لم يلتفت إليه المصنف، وقوله الضمير للصافنات هو المشهور وقيل إنه للشمس أيضاً وانها ردت له كما رد ليوشع ليصلي الصلاة في وقتها والخطاب للملائكة جمليهم الصلاة والسلام، وهو مرويّ عن علي كرم الله وجهه فإن قلت على هذا برد الشمس تصير الصلاة أداء أم قضاء قلت الظاهر إنها أداء وقد بحث فيه الفقهاء بحثاً طويلا ليس هذا محله. قوله تعالى: ( ﴿فَطَفِقَ﴾ الخ) هي من أفعال الشروع كما بينه النحاة، وقوله يمسح مسحا إشارة إلى أنه مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبر طفق لا حال مؤوّل بماسحا كما توهم وليس هذا مما يسد الحال به مسذ الخبر، وقوله بسوقها الخ إشارة إلى أن التعريف للعهد أو أل قائمة مقام الضمير المضاف إليه، وقوله يقطعها تفسير ليمسح والعلاوة بكسر العين الرأس ما دامت على الجسد وقد يكون بمعنى ما يزاد على الحمل واستعمال المسح بمعنى ضرب العنق استعارة وقعت في كلامهم قديما. قوله:) وقيل الخ (مرضه لأنه لا يناسب السياق وردها لمجرّد المسح لا وجه له، والرواية على خلافه أيضا فلا وجه لترجيح الإمام له، وقوله على همز الواو أي الساكنة المضموم ما قبلها والقياس إبدال الواو همزة

стр. 2594

إذا كانت مضمومة كادؤر فنزلوا ضمّ ما قبلها منزلة ضمها كما نبه عليه بقوله كموقن، وقوله وعن أبي عمرو بالسؤق أي بهمزة مضمومة بعدها واو بوزن فسوق، وهو جمع ساق أيضاً وما ذكره بعض أهل اللغة من همز الساق فهو إبدال على غير القياس إذ لا شبهة في كونه أجوف فما قيل من أنه لا حاجة إلى جعل الهمزة بدلاً من الواو لأنه لغة فيه لا وجه له واقامة المفرد مقام الجمع فيه كلام سيأتي تحقيقه. قوله: (ثم أناب) عطفه بثم وكان الظاهر الفاء كما في قوله فاستغفر ربه قيل إشارة إلى استمرار نابته، وامتدادها فإنّ الممتذ يعطف بها نظراً لأواخره بخلاف الاستغفار فإنه ينبغي المسارعة إليه، وقوله وأظهر ما قيل فيه أي في معنى الفتنة والآية، الحديث المرفوع ما انتهى سنده إلى النبيّ ﷺ ويقابله الموقوف، وهذا رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ لكن الذي في البخاري أربعين وان الملك قال له فل إن شاء الله فلم يقل وغايته ترك الأولى فليس بذنب، وقوله فلم تحمل بالتاء وروي بالياء بتأويله بشخص وشيء ونحوه ومعنى جاءت، ولدت ومعنى إلقائه على كرسيه وضع القابلة أو لفه له عليه ليراه، وقوله فوالذي الخ هكذا كان النبيّ ﷺ يقسم ومعنى بيده في تصرّفه إن شاء أحياها وان شاء أماتها، وقوله على قتله أو إفساد عقله حتى لا يسخرهم بعد سليمان ﵊، وقوله فكان يغدوه الخ أي جعله مع ظئره فيه بحيث لم يروه حين وضعه وهم لا يعلمون الغيب فلا وجه لما قيل ما فائدة وضعه فيه، والشياطين يقدرون على الصعود للسحاب، وقوله إلا أن ألقي أي إلا ملقي وهو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، وتيل بدل من به أي بشيء من أحواله إلا بإلقائه، وقوله لم يتوكل أي توكل الخواص اللائق به، وهو عدم مباشرة الأسباب إذ ما فعله لا ينافي التوكل كما في أعقلها وتوكل، وقوله صيدون بصاد مهملة ودال مهملة اسم مدينة في جزائر البحر فقوله مل الجزائر بيان لها، وقوله أصاب أي وجدها فأخذها وتزوّج بها وجرادة اسمها ويرقأ مهموز بمعنى ينقطع وولائدها جمع وليدة بمعنى مولودة والمراد به الجارية، وقوله يسجدن هو الصحيح وفي نسخة يسجدون وهو سهو من الناسخ وآصف وزيره، وقوله وكان ملكه فيه يعني كان الله قدر له ملكه ما دام الخاتم معه فإذا فارقه نزع ملكه كما في بعض الطلسمات ومثله مستبعد في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنه تعالى لا يسئل عما يفعل وخروجه باكيا توبة فقوله: ثم أناب المراد قبلت توبته أو تمام توبته إنما كان بعد استيلاء الشياطين فلا تنافيه، ثم كما قيل مع أن هذا معطوف بالواو وهي لا تقتضي ترتيباً. قوله:) دخل للطهارة (أو جامع وقوله إلا في نسائه، وقيل إنه كان فيهن أيضاً وإنما عرفته لأنه كان يجامعهن في الحيض ولا يتغسل من الجنابة ولبعد هذه الرواية عن مقام العصمة لم يذكرها المصنف وقوله غير سليمان عن هيئته بقدرته تعالى كما ألقى شبه عيسى ﵊ على غيره وقوله يتكفف أي يسأل، وقيل هذا لمن يسأل لأنه يمد كفه وقوله فطار أي ذهب عن كرسيه في الهوى، ورمي بالخاتم في البحر لئلا يأخذه غيره، وقوله فوقعت في يده أي السمكة لأنه كان خدم أولئك الصيادين، ويقر بمعنى شق. قوله: (لأنه كان متمثلاَ الخ) جواب عن أن الجسد بلا روح وصخر الجنى المتمثل له روح فأجاب بأنه تمثل بصورة غيره وهو سليمان، وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقيّ، وإنما حل في قابلها ذلك الجني فلذا سميت جسداً وفي القاموس الجسد الإنسان والجنى، والتجوّز أقرب من هذا فلا مانع منه، وقوله والخطيئة الخ توجيه لهذه القصة ورد على ما في الكشاف من أنها من افتراء اليهود فإنه لا يليق بمقامه ﷺ ما ذكر فإن ابن حجر قال إن هذه القصة رواها النسائيّ وغيره بإسناد قوي. قوله: (لا يتسهل الخ الأن أتبغي مطاوع بغاه بمعنى طلبه فلذا لم يستعمله بمعنى لا يصح ولا يتيسر، ولا يليق فإنّ ذلك كله من شأنه أن لا يطلب، وقوله ليكون معجزة الخ فليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا الفانية وإنما هو كان من بيت نبوّة، وملك وكان زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك ومعجزة كلى نبيّ من جنس ما اشتهر في عصره كما غلب في عهد الكليم السحر فجاءهم بما يتلقف ما أتوا به، وفي عهد خاتم الرسل ﷺ القصاحة فأتاهم بكلام لم يقدروا على أقصر فصل من فصوله فقوله من بعدي بمعنى من دوني وغيري كما في قوله: (فمن يهتد به من بعد الله)

стр. 2595

[سورة الجاثية، الآية: ٢٣] أي غير الله. قوله: (أو لا ينبغي لآحد أن يسلبه) هذا تفسير آخر لا تفصيل لما أجمل ولا تقدير شيء في النظم كما توهم، ومن بعدي بمعنى غيري ممن هو في عصري وكون ملكه لغيره في عهده إنما هو بسلبه منه كما وقع لصخر معه فمعناه الدعاء بعدم سلب ملكه عنه في حياته، ولا تقدير فيه باًن يكون أصله بعد السلب شيء. قوله: (أو لا يصح لآحد من بعدي) فقوله من بعدي بمعنى غيري أيضا ولكنه مطلق لا يختص بعصره، وهو كناية عن عظمته سواء أكان لغيره أم لا فإنها لا تنافي إرادة الحقيقة وعدمها فلا ينافي ما في الحديث تفلت عليّ شيطان البارحة فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد ثم تذكرت دعوة أخي سليمان ﵊ كما توهم، وهذا مراده وليس في كلامه ما يأباه إذ قوله لعظمته صريح فيه ومثاله لفلان ما ليس لأحد من كذا وربما كان في الناس أمثاله إذ المراد أنّ له حظا عظيماً وسهما جسيماً كما وضحه في الكشاف، وقوله على إرادة الخ هو ما فيه بعينه والمنافسة الحسد، والبخل وأصله تقديم نفسه على من سواه لشره عينه على الدنيا فمن قال الحق أني قول معناه ملكاً عظيما لم يفهم مراده. قوله: (وتقديم الاستغفار الخ) يعني أنه دعاء بالمغفرة حين طلب ما طلب لأنّ الظاهر وقوعهما على وفق النظم وكون ما طلبه معجزة فاللائق كونها في ابتداء أمره غير مسلم، ولو سلم فليس هنا ما ينافي وقوعه في ابتدائه أو جعل رجوعه بعد الغيبة كالابتداء وما يجعل الدعاء بصدد الإجابة التوبة أو تجديدها، ونحوه مما ذكر في الآداب والوجوب ليس شرعيا ولا عقليا هنا بل لزومه لمن يتحرى الأحسن أو هو مبالغة في استحبابه، وما قيل من أن كلامه مشعر بأن المقصود الاستيهاب والاستغفار وسيلة له وفيه أنّ الوقوع في الفتنة يقتضي الاهتمام بأمر الاستغفار وتقديمه غير صحيح لأنّ قوله لمزيد اهتمامه بأمر الدين يفيد أنّ الاستغفار مقصود لذاته ووسيلة لمقصود آخر مع أنه غفل عن قوله ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ، وقوله بفتح الياء أي في بعدي وذللنا هنا بمعنى سهلنا. قوله: (إجابة لدعوته) هذا جار على الوجه الأوّل والثالث من تفسير لا ينبغي دون الثاني فإنه كان بعد سلب صخر إلا بتأويل فأدمنا له تسخير الريح أو فرددنا له تسخير الريح كما كان فيكون بعد إنابته، وقراءة الرياح هو الدموافق لما مؤ من أنّ الريح تستعمل في الشرّ والرياح في الخبر. قوله: (لا تزعغ الخ) أي لا تحرك لشدتها فإن قلت هذا ينافي قوله في القراءة الأخرى ولسليمان الريح عاصفة لوصفها ثمة بالشدّة وهنا باللين قلت اقد أجاب السمرقندي عنه بانها كانت في أصل الخلقة شديدة لكنها صارت لسليمان لينة سهلة، أو أنها تشتدّ عند الحمل وتليبئ عند السهر فوصفت باعتبار حالين أو إنها شديدة في نفسها فإذا أراد سليمان لينها لانت كما. قال بأمره أو أنها تلين وتعصف باقتضاء الحال وفي تفسيره هنا ما يشير! إلى أنّ المراد بلينها انقيادها له فلا ينافي في عصفها واللين يكون بمعنى الإطاعة والصلابة. بمعنى العصيان ومنه التصلب في الدكن وقد مرّ في سورة الأنبياء. قوله: (أراد) تفسير لأصاب فإنه بمعنى فعل الصواب غير مناسب هنا ولقي رؤية رجلاً فقال له أين تصيب أي تريد ولظهوره في المثال المذكور أتى به المصنف لأنه لو كان بمعناه المعروف لم يصح قوله فأخطأ، وقيل إنه من أصاب بمعنى نزل وهمزته للتعدية أي حيث أنزل جنوده وحيث متعلقة بسخر أو بتجري، وقوله بدل منه كل من كل إن كان تعريف الشياطين للعهد وهم المسخرون أو أريد من له قوّة البناء والغوص والتمكن منهما أو بعض إن لم يقصد ذلك فيقدر ضمير أي منهم. قوله: (عطف على كل الا على الشياطين لأنهم متهم إلا أن يراد العهد ولا على ما أضيف إليه كل لأنه لا - يحسن فيه إلا الإضافة إلى مفرد منكر أو جيمع معرف وقوله، ولعل أجسامهم الخ جواب سؤال تقديره إنها أجمكام لطيفة ولذا لا ترى وتقبل التشكل فلا يمكن تقييد! اولا إمساك القيد لها فدفعه بأنّ لطافتها بمعنى كونها شفافة، والشفافية لا تنافي الصلابة كما في الزجاج لكن فيه إنّ اللطافة- بمعنى الشفافية لا تقتضي. عدم الرؤية كما في الثلج والزجاج غير االملون فلذا قال يمبهق، ثم قال والأقرب لما فيه من المبعد وقربه لأنه بمعنى المنع مجازا فلا يكون! في ربط بقيد وكحوه. قوله: (وهو القيد) وقيل الغل، وقيل الجامعة وهو الأنسب بقوله مقرنين لأنّ التقرين بها غالباً وقوله لأنه يرتبط المنعم عليه أي يربطه لأن ارتبط كربط متعد أي يربطه بمن أنعم عليه كما قيل غل يداً مطلقها وأرق رقبة معتقها، ومن وجد لإحسان قيداً تقيد، وفي بعضها بالمنعم بالباء فهي زائدة في المفعول ولو جعل

стр. 2596

ضمير أنه للمنعم عليه وهو مفهوم من السياق، ويرتبط بالمنعم بزنة الفاعل صح فتدبر. قوله: (وفرقوا يين فعليهما الخ) الظاهر أنّ النكتة وهي زهرة لا تحتمل الفرك أنّ الثلاثي يستعمل فيما هو الأصل في مادّته والمزيد في الطارئ عليه إذا تغاير معناهما وفصد الفرق بين معنييهما، وأصل هذه المادّة للقيد فلذا ورد فعله ثلاثياً على الأصل، وإنما سمي العطاء به لكونه يقيد المنعم عليه كما قال عليّ كرم الله وجهه من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك وهو كثير في الشعر والنثر، وكذلك في الوعد فإنّ الأخبار من شخص بما سيفعله إنما يكون تبشيراً فيما يسرّ غالباً لأن كل فطرة مجبولة على الخير في الأصل، وهو الوعد وما سواه فوارد على خلاف الأصل تمليحاً أو لأنه لا يخلو عن سرور لضدّه، وربما أشعر بهذا كلام الزمخشري، وقيل القيد ضيق فناسب تقليل حروفه والعطاء واسع فناسب تكثير حروفه، وقيل زيادة المبني تدلّ على زيادة المعنى فتقليل حروف الوعد يدلّ على أنه ينبغي تقليل زمنه وأهنأ البرّ عاجله بخلاف الإيعاد المحمود خلفه فينبغي فيه عكسه وكذا الصفد والأصفاد فإنّ من الحسن تقليل ما فيه مضرّة وتكثير غيره، واعتبر في أحدهما الزمان وفي الآخر الحدث لأنّ الوعد والوعيد من الأقوال ولا عبرة بكثرتها، وقلتها فلذا اعتبر ذلك في زمانهما ولا كذلك الآخر، وهذا تخيل لا وجه له فإنه لم يذكر من أهل العربية إنّ قلة الحروف، وكثرتها تدلّ على قصر الزمان أو طوله وإنما الذي ذكروه في الحدث مع عدم اطراده هذا ما ذكر هنا من القيل والقال، وليس فيه ما يبل الغليل، والتحقيق عندي أنّ هنا مادتين في كل منهما ضار ونافع ما قل لفظه وما كثر، وقد ورد في إحداهما الضار بلفظ قليل مقدم والنافع بلفظ كثير مؤخر، وفي الأخرى عكسه ووجهه في الأولى أنه أمر واقع لأنه وضع للقيد، ثم أطلق على العطاء لأنه يقيد صاحبه ولذا تيل للقيد والعطاء صفد، وعبر بالأقل في القيد صيغة المناسب لقلة حروفه وباكثر في العطاء لأنه من شأن الكرم، وقدم الأوّل لأنه أصل أخ! وعكس! ذلك في وعد فعبر في النافع بالأقل وقدم وأخر الضار وكثر حروفه لأنه أمر مستقبل غير واقع والخير الموعود به يحمد سرعة إنجازه وقلة مدة وقوعه بأن أهنأ البرّ عاجله وهذا يناسب قلة حروفه بخلاف الوعيد فحمد تأخيره لحسن الخلف، والعفو عنه فناسب كثرة حروفه وليس هذا لدلالته على طول زمانه وقصره كما توهم لأنه ماض، وهذا مستقبل بل بحسب المعنى الموضوع له، وهذا تحقيق في غاية الحسن وما عداه وهم فارغ فأعرفه ومما يتعجب منه ما قيل إنّ النكتة إنّ الهمزة للسلب وصفد وقيد وأصفده أزال قيد افتقاره ووعده بشره بما يسره، وأوعده أزال سروره بما يسر إلى غير ذلك مما لا طائل تحته. قوله: (أي هذا الذي أعطيناك الخ) إذا كانت الإشارة إلى العطاء المذكور يكون الأخبار عنه بعطاؤنا غير مفيد فيجعل بغير حساب قيداً له لتتم الفائدة أو ذكره ليس للأخبار به بل ليرتب عليه ما بعده كقوله: هذه دارهم وأنت مشوق ما بقاء الدموع في الآماق وقوله يسلط به الظاهر عليه لكنه ضمته معنى يظفر به، وقوله أعط تفسير لأمنن لأن المن يكون بمعنى الأنعام وتعداد النعم والمراد الأوّل بدليل ما قابله. قوله: (حال الخ (فإذا كان حالاً من الفاعل كانت الباء للملابسة ومعناه غير محاسب عليه بصيغة المفعول والمعنى غير مسؤول عنه في الآخرة أو هو مفوّض إليك أمره في الدنيا، واختار هذا المصنف، وقوله وما بينهما اعتراض على الوجهين فلا يضرّ الفصل به والاعتراض يقترن بالواو وقد يقترن بالفاء كقوله: وأعلم فعلم المرءينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا فالفاء على هذا اعتراضية، وفي غيره جزائية كما ذكره النحاة وعلى الحالية العامل معنويّ وقوله عطاء جمّ لأنه يعبر عن الكثير بلا يعد ولا يحسب ونحوه وهذا أحد الوجهين في معناه، وقيل معناه لا يحاسب عليه في الآخرة. قوله: (وقيل الإشارة الخ (مرضه لعدم ملاءمته لتفريع قوله فامنن الخ كما أشار إليه والمن قد يكون بمعنى الإطلاق كما في قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [سورة محمد، الآية: ٤] وعلى هذا فقوله بغير حساب حال من الضمير المستكن في الأمر ويجوز فيه غيره من الوجوه لكن هذا أولى، وقوله وأنّ له عندنا لزلفى أي قرباً إشارة إلى أنّ ملكه

стр. 2597

لا يضرّه ولا ينقص شيئا من مقامه، وقوله هو ابن عيص قد سبق في الأنعام إنّ عيص جدّه لأنه ابن أموص ابن عيص كما وقع في نسخة هنا، وهو متفق عليه كما في مرآه الزمان. قوله: (بدل من عبدنا) أي بدل اشتمال أو من أيوب كما في الكشاف، ورجح الإبدال من الأوّل لأنه المقصود بالذات والزمخشريّ رجح إبداله من أيوب لقربه منه، وقوله أو عطف بيان هذا مخالف لما اتفق عليه النحاة كما سيأتي قريبا، وقوله لقال إنه مسه بالغيبة لأنه غائب. قوله: (والإسناد الخ) يعني إن مسه بما ذكر من الله فأسند إلى الشيطان لأنه سببه لما وسوس له فصدر منه بسببط وسوسته أمر اقتضى أن الله ابتلاه بهذه البلية، وقوله لما فعل ما فيه مصدرية أي لفعله بوسوسته، وقوله كما الخ ثمثيل لفعل وهو الإعجاب أو عدم الإغاثة. قوله: (أو لسؤاله امتحاناً) معطوف على قوله لما فعل الخ والضمير المضاف إليه السؤال لأيوب أي إن أيوب ﵊ سأل البلاء من الله ليمتحن ويجرّب صبره على ما يمسه كما قيل: وبما شئت في هواك اختبرني ~ فاختياري ما كان فيه رضاكما فسؤاله البلاء دون العافية ذنب بالنسبة لمقامه لا حقيقة فلما مسه من الله ذلك بذنبه أسنده للشيطان لأنّ الذنوب أكثرها من إلقائه، والمقصود منه الاعتراف بأنه ذنب أو تأدّب إذ لم يسنده إلى الله، وامتحانا مفعول له لسؤال أو لمسه أو لهما على التنازع، ولا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز لأنه يقدر في أحدهما ولو سلم فلا محذور فيه عند المصنف، وقيل الضمير للشيطان لما في بعض التفاسير إنه سمع ثناء الملائكة عليه فسأل الله أن يسلطه عليه ليعلم حاله والله أعلم بصحته. قوله: (أو لآنه الخ) معطوف على قوله لما الخ فيكون أيضاً من الإسناد إلى السبب، وعلى الوجه الذي بعده الإسناد إلى الشيطان أيضاً حقيقيّ لأنّ النصب والعذاب الوسوسة ويغريه من الإغراء وهو الحث عليه، والجزع عدم الصبر، وقوله للتثقيل ظاهره إنها حركة عارضة لا لغة أصلية، ولذا قيل المعتاد التخفيف لا التثقيل فعليه أن يقول، وهي لغة ولا مانع من كونها عارضة للاتباع دلالة على ثقل تعبه وشدته فتدبر. قوله: (حكاية لما أجيب به) إشارة إلى أنه بتقدير فقلنا له اركض الخ وفي هذه الآية حدّف كثير لكن فحوى الكلام دالة عليه دلالة أغنت عنه حتى كأنه مذكور فهي من بديع الإيجاز إذ في دعائه لا بد من تقدير مسني الضرّ فاكشفه عني، وفي هذا فاستجبنا له وقلنا له اركض وبعد قوله برجلك فركض فنبعث عينان فقلنا له هذا الخ كما أشار إليه المصنف. قوله:) أي مغتسل به (يعني مغتسل اسم مفعول على الحذف والإيصال لا اسم مكان وهو الماء الذي يغتسل به، والشراب ما يشرب منه ليبرأ باطنه وظاهره، وقوله وقيل الخ مرضه لأنّ ظاهر النظم عدم التعدد، وبارد حينثذ صفة شراب مع أن تقم عليه صفة لمغتسل وكون هذا إشارة إلى جنس التابع أو يقدر فيه، وهذا بارد الخ تكلف لا يخرجه عن الضعف وقوله ووهبنا له أهله مرّ تفصيله في سورة الأنبياء فتذكره وقوله الضغث الحزمة وأصله الاختلاط ومنه أضغاث أحلام كما مرّ في سورة يوسف، وقوله زوجته الخ سماها في سورة الأنبياء ما خير بنت ميشي ابن يوسف فلعل فيه روايتين واذا كان اسمها رحمة يكون في قوله رحمة منا تورية لطيفة. قوله: (وهي رخصة باقية في الحدود (في شريعتنا وفي غيرها أيضا لكن غير الحدود يعلم منها بالطريق الأولى، وكون حكمها باقيا هو الصحيح حتى استدلوا بهذه الآية على جواز الحيل وجعلوها أصلاً صلحتها وقيل حكمها منسوخ، وقيل إنه مخصوص بأيوب والصحيح الأوّل لكنهم شرطوا فيه الإيلام أمّا مع عدمه بالكلية فلا فلو ضرب بسوط واحد له شعبتان خمسين مرّة من حلف على ضربه مائة بر إذا تألم فإن لم يتألم لا يبر ولو ضربه مائة لأنّ الضرب وضع لفعل مؤلم يتصل بالبدن بآلة التأديب، وقيل يحنث بكل حال كما فصل في شرح الهداية وغيره. قوله: (ولا يخل به شكواه الخ) جواب سؤال تقديره إنه نادى ربه بقوله مسني الشيطان الخ بأن الصبر عدم الجزع ولا جزع فيما ذكره وهذا جار على الوجوه السابقة في تفسيره، وقوله مع أنه الخ جواب آخر بأنه لأمر ديني لا لغيره وهو ناظر إلى الوجهين الأخيرين وصبره الممدوح به في المصائب الدنيوية ما لم تضر بالدين وشراشره جملته ونفسه كما مرّ. قوله: (أو على أنّ إبراهيم الخ) على لأوّل عبدنا بمعنى عبيدنا، وعلى هذا هو

стр. 2598

على ظاهره والمراد إبراهيم وحده وخص بعنوان العبودية لمزيد شرفه، وقوله عطف عليه أي على عبدنا وكان في الوجه السابق عطفاً على إبراهيم. قوله: (أولى القوّة في الطاعة الخ (فالأيدي مجاز عن القوّة مجاز مرسل والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة، وهو مجاز أيضا لكنه مشهور فيه واذا أريد بالأيدي الأعمال فهو من ذكر السبب وإرادة المسبب والأبصار بمعنى البصائر مجاز عما يتفرّع عليها من المعارف كالأوّل أيضا، وقوله وفيه تعريض أي على الوجهين لأنه لما عبر عن الطاعة، والدين وعن العمل والمعرفة بالأيدي والأبصار كان فيه إشارة إلى أنّ من ليس كذلك لا جارحة له ولا بصر، وفي قوله الزمني خفاء لأن الزمن من لا يمشي أو ذو العاهة مطلقاً لا من لا يدله فكأنه جعل أولى الأيدي بمعنى أولى الجوارج تغليباً. قوله: (تذكرهم الدار الآخرة الخ) فالذكرى بمعنى التذكر، وهو مضاف لمفعوله وتعريف الدار للعهد والدوام مستفاد من إبدالها من خالصة أو جعلها عين الخالصة، التي لا يشوبها غيرها لأنّ ذكرى إمّا بدل من خالصة أو خبر عن ضميره المقدر وكلام المصنف محتمل لهما، وقوله بسببها أي بسبب الآخرة فيه إشارة إلى أنّ باء بخالصة سببية، وقوله واطلاق يعني بحسب الظاهر أو إذا لم يرد العهد لما ذكره وللفاصلة أيضا، وقوله فإنّ الخ بيان لوجه تفسير ذكرى الدار واذا كان خالصة مصدرا كالكاذبة فهو مضاف لفاعله أو المعنى بأن خلص ذكر الدار، وهو ممكن على القراءة الأولى أيضاً، وقيل المراد بالدار الدنيا وذكراها الثناء الجميل. قوله: (المختارين (تفسير للمصطفين وقوله المصطفين عليهم الخ تفسير للأخيار على أنه جمع خير مقابل شز الذي هو أفعل تفضيل في الأصل أو جمع خير المشدّد أو خير المخفف منه، وكان قياس أفعل التفضيل أن لا يجمع على أفعال لكنه للزوم تخفيفه حتى أنه لا يقال أخير إلا شذوذاً أو في ضرورة جعل كأنه بنية أصلية. قوله: (واللام فيه الخ) يعني أنها زائدة لازمة لمقارنتها للوضع، ولا ينافي كونه غير عربيّ فإنها قد لزمت في بعض الأعلام الأعجمية كالإسكندر قال التبريزي في شرح ديوان أبي تمام أنه لا يجوز استعماله بدونها ولحن من قال إسكندر مجرد إله منها كما بيناه في شفاء الغليل، وأمّا البيت المذكور فقد مرّ شرحه والشاهد في قوله اليزيد للزوم أل ولدخولها في يزيد ويسع على ما هو في صورة الفعل، وليست فيهما للمح الأصل قال في القاموس: يسع كيضع اسم أعجمي أدخل عليه أل ولا يدخل على نظائره كيزيد. قوله: (والليسع تشبيهاً بالمتقول من ليسع) فيه تسامح والمراد ما في الكشاف إنّ حرف التعريف دخل على ليسع في الأنعام، وعلى القراءتين هو اسم أعجمي دخلت عليه اللام، وإنما جعله مشبها بالمنقول لأنه هو الذي تدخله أل للمح أصله كأنه فيعل من اللسع. قوله: (واختلف في نبوّته ولقبه) فقيل كان نبيا، وقيل إنما هو رجل من الصلحاء الأخيار، واختلف في سبب تلقيبه به فقيل إنه كان أربعمائة نبيّ من بني إسرائيل فقتلهم ملك إلا مائة منهم إلياس كفلهم ذو الكفل وخبأهم عنده وقام بمؤنتهم فسماه الله ذا الكفل، وقيل كان كفل أي عهد دلّه بأمر فوقي به، وقيل إنّ نبياً قال من بلغ الناس ما بعثت به بعدي ضمنت له الجنة فقام به شاب فسمي ذا الكفل واختلف أيضا في اليسع فقيل هو إلياس وقيل غيره بل هو ابن عمّ له، وقيل غير ذلك وقد تقدم فيه كلام. قوله: (وكلهم) يعني أنّ تنوينه عوض عن هذا المضاف المقدر، وقوله شرق الخ لأنّ الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس فتجوّز به عنه بعلاقة اللزوم فيكون المعنى أي في ذكر قصصهم، وتنويه الله بهم شرف لهم وأمّا إذا أريد أنه نوع من الذكر على أنّ تنوينه للتنويع، والمراد بالذكر القرآن فذكره إنما هو للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر ولذا يحذب خبره كثيرا فلا يقال إنه لا فائدة فيه لأنه معلوم إنه من القرآن كما أشار إليه المصنف بقوله ثم شرع الخ وجملة وإنّ للمتقين الخ حالية. قوله: (عطف بيان لحسن مآب الأنه بتأويل مآب ذي حسن بإضافة الصفة للموصوف أو على الادّعاء مبالغة بجعلها كأنها هو فيتحدان ليصح البيان، ولو جعل بدل اشتمال لم يحتج إلى ما ذكر، وأمّ تخالفهما في التعريف والتنكير فهو مذهب للزمخشريّ كما ذكره ابن مالك في التسهيل فلا يرد عليه أنّ النحاة اختلفوا فيه فقيل يختص بالمعارف، وقيل لا يختص لكنه يلزم توافقهما تعريفاً، وتنكيراً وأمّ هذا فلم يقل به أحد ولا خاجة إلى أن يقال المراد بعطف البيان البدل فإنه خلاف الظاهر. قوله: (وهو من الإعلام

стр. 2599

الغالبة) قيل الضمير لعدن، وهو دفع لما قلى إنه غير معين ولا صالح للبيان فورد أنّ الأعلام الغالبة يلزم فيها الإضافة أو تعريفها باللام وهذا ليس بمسلم فإنه أغلبيّ كما صرّح به ابن مالك في التسهيل فليكن هذا من خلافه مع أنّ هذه الغلبة لو سلمت كانت تقديرية لأنّ عدن مصدر معناه الإقامة، ولم نره استعمل قبله بمعنى الجنة والبستان أو المكان حتى يغلب في الجنة المعهودة فلو سلمت علميته، أو قيل إنه نكرة كما في القاموس وغيره كان منقولاً من اسم معنى إلى اسم عين كالفضل، وأمّا ما يورد عليه من أنّ إضافة الجنات إليه يصير كإنسان زيد وهو قبيح فغير مسلم لأنه كمدينة بغداد ولا قبح فيه وقيل: إنه لجنات عدن فالعلم مجموعه وبه يندفع بعض المحذور إلا الأوّل فإنه لا يندفع به كما توهم لأنّ المراد بالإضافة التي تعوضها العلم بالغلبة إضافة تفيده تعريفا كما صرّحوا به. قوله: (لقوله الخ) باللام ووجه دلالته أنّ التي إما صفة عدن أو جنات، وعلى كليهما يدل على أنه معرفة لوصفه بالمعرفة إذ المضاف إليه لو لم يكن معرفة لم يتعرّف المضاف، ووقع في نسخة كقوله بالكاف وهي قليلة الفائدة فالصحيح الأولى نعم يرد على الأولى أنه لا دليل فيها لاحتمال كون التي بدلاً إذ لا يتعين كونه صفة حتى يتم لتغليب إلا أنّ إبدال المعرفة من النكرة غير حسن ولا يتبادر هنا. قوله: (والعامل فيها) أي في الحال ما في المتقين الخ يعني أنه حال من ضمير الجنات المستتر في خبران، والعامل فيه استقرّ وحصل المقدر أو نفس الظرف لتضمن معناه ونيابتة عنه وليس في كلامه خفاء، وقوله عنها أي عن ضميرها المستتر وهو سهل وقوله وقرئنا أي جنات ومفتحة والمحذوف ضمير المآب وعلى أنه مبتدأ أو خبر ارتباطه بما قبله أنّ الجملة مفسرة لحسن المآب لأنّ محصله جنات أبوابها فتحت لهم إكراماً فليس مغلقاً كما توهم أو هي معترضة والأبواب كما في الكشاف بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب وهو بدل اشتمال، وبقية الكلام في الشروح. قوله: (حالان) أي متكئين ويدعون وعلى التداخل فكيف يدعون حالاً من ضمير متكئين والحال حينئذ مقدرة لأنّ الاتكاء وما بعده ليس في حال تفتيح الأبواب بل بعده، ولذا قال والأظهر الخ فيكون يدعون مستأنفاً في جواب ما حالهم بعد دخولها فالحال على ظاهرها، ومتكئين قدم رعاية للفاصلة وكون الجنة أكلها للتفكه والتلذذ لا عن جوع قد مرّ الكلام فيه في الصافات وكون الفاصل هنا أجنبياً ظاهر وان توقف فيه بعضهم فتأمّل. قوله: (لا ينظرن إلى غير أزواجهن) أو منعن طرف الأزواج أن تنظر للغير لشدّة الحسن، وهو أبلغ وقد مرّ ولدات جمع لدة كعدة أصله ولدة وهو كالترب من يولد معه في وقت واحد كأنهما وقعا على التراب في زمان واحد فترب فعل بمعنى مفاعل ومتارب كمثل بمعنى مماثل، وقوله فإنّ التحاب الخ جعله في الكشاف توجيهاً لما بعده وهو الصواب لأنّ النساء الأتراب يتحاببن ويتصادقن وأمّا الأزواج والزوجات فكون الزوجات أصغر منهم أحب لهم لا التساوي ومن العجيب، ما قيل إن ما فعله المصنف ﵀ أحسن لأنّ الاهتمام بحصول المحبة بينه وبين زوجته لا بين الزوجات فتدبر، وقوله أو بعضهن الخ فالتساوي في الأعمال على الأول بينهن وبين أزواجهن، وفي هذا بين الحور العين ونساء الجنة. قوله: (لأجله الخ) فاللام تعليلية، وقوله فان الخ بيان للتعليل فإنّ ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة وهي تظهر بالحساب وتقع بعده فجعل كأنه علة لتوقف إنجاز الوعد عليه فالنسبة لليوم، والحساب مجازية ولو جعلت اللام بمعنى بعد كما في كتب لخمس خلون سلم مما ذكر، وقوله بالياء الخ وعلى قراءة التاء فيه التفات. قوله تعالى:) ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ) قيل ظاهر المقابلة لما مرّيقتضي أن يقال لقبح مآب هنا أو ديما مضى لخبير مآب لكن مثله لا يلتفت إليه إذا تقابلت المعاني لأنه من تكلف الصنعة البديعية كما صزج به المرزوقي في شرح الحماسة وقيل إنه من الاحتباك وأصله أنّ للمتقين لخير مآب وحسن مآب، وانّ للطاغين لقبح مآب وشر مآب وهو كلام حسن، وقوله أي الأمر هذا فهو خبر مبتدأ مقدر أو مبتدأ خبره مقدر أو مفعول فعل مقدر وقد جوّز فيه أيضا كون ها اسم فعل بمعنى خذوذاً مفعول من غير تقدير ورسمه متصلا يبعد.، والتقدير أسهل منه قيل وعلى هذا يلزم عطف الخبر على الإنشاء، ولذا لم يتعرّض له الزمخشري ورد بأنّ هذه الجملة قصد بها الفصل من غير نظر لإنشايتها وخبريتها مع أنّ الجملة الثانية حالية، والقول بأنها مؤوّلة بإنشائية تكلف فلا يرد ما ذكر

стр. 2600

وفيه نظر، وأنا ما قيل من أنه على تقدير هذا خبراً فهو من فصل الخطاب لا إذا قدر مبتدأ فقد رد بأنه منه على كليهما فهي تفرقة بلا فارق، وقوله إعرابه ما سبق ويجوز كونه منصوبا على شريطة التفسير، وقوله حال من جهنم أي من الضمير المستتر في قوله للطاغين الراجع لشر مآب المراد به جهنم ففيه ما مرّ من التسامح والحال مقدرة كما مرّ، والمهاد كالفراش لفظاً ومعنى وكذا المهد وقد يخص بمقرّ الطفل. قوله: (أي ليذوقوا الخ) ذكر فيه ثلاثة أوجه أنّ هذا مبتدأ خبره حميم وجملة فليذوقوه معترضة كقولك زيد فافهم رجل صالح أو هو خبر مبتدأ محذوف، وجملة فليذوقوه مرتبة على الجملة الاً ولى قبلها فهي بمنزلة جزاء شرط محذوف، وحميم خبر مبتدأ محذوف أو هذا منصوب بمضمر يفسره فليذوقوه، والفاء زائدة كما في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣] وقد تقدم الكلام في هذه الفاء في سورة النور، وفي كونها تفسيرية تعقيبية ودلالتها على أن يكون لهم إذاقة بعد إذاقة فتذكره وقوله وهو أي حميم على الوجهين الأوّلين في هذا فليذوقوه وهذا المقدر ضمير يعود لاسم الإشارة، وعلى هذا فالمشار إليه بهذا جنس ما أعدّ لشربهم فلا ينافي إفراد هذا تعدّده على بعض التقادير، وان جاز كون الغساق والحميم صفتي موصوف واحد إذ اسم الإشارة يشار به للمتعدد كما في عوان بين ذلك فنزل كلاَ من حأشبة الثهاب / ج ٨ لم م اا الوجوه فيما يليق به وغسق بمعنى سال كضرب، وسمع وغساق مخففا ومشددا اسم لما ذكر ويحتمل أنه وصف وهو في التشديد أظهر. قوله: (من مثل هذا المذوق الخ) هذا وجه لأفراد الضمير مع أنّ الظاهر أن يثنى نظراً للحميم والغساق، والإتيان باسم الإشارة للإشارة إلى تقدم ذكره لا لأنه مبني على الوجه الأوّل كما قيل وان صح فيكون قوله أو العذاب مبنيا على الثاني، وقوله في الشدة متعلق بمثل لبيان وجه المماثلة بينهما، وقوله وتوحيد الخ جواب عن سؤال مرّ بيانه فإن كانا صفتين لشيء واحد فهو إشارة لذاته بقطع النظر عن صفته وقوله بالكسر أي كسر شين شكله وهي لغة فيه كمثل، وقوله أجناس إشارة إلى ما مرّ من أنّ الزوج يطلق على الذكر والأنثى وعلى كل متجانسين. قوله: (خبر لآخر) إشارة إلى الوجوه المذكورة في إعرابه على القراءتين في آض مفردا وجمعا لأنهم قالوا أخر مبتدأ ومن شكله خبره وأزواج فاعل الظرف أو آخر مبتدأ أو من شكله خبر المبتدأ فلا يرد أنها خلت من الضمير أو من شكله نعت لآخر المبتدأ أو أزواج خبره أي وأخر من شكل المذوق أزواج أو من شكله نعت آخر المبتدأ وأزواج فاعله، والضمير لأخر والخبر مقدر أي لهم أنواع أخر من شكلها الأزواج أو الخبر مقدر وهو لهم ومن شكله أزواح صفتان لا آخر فالوجوه خمسة كما في الدرّ المصون، ولا محذور في الأخبار بأزواج على أفراد آخر لأن المراد به نوع آخر وكذ! إذا كان صفة له، وقوله أو للثلاثة أي صفة للثلاثة، وهي حميم وغساق وآخر وتقدير الخبر على الوجه الرابع. قوله: (حكاية ما يقال للرؤساء) من أهل الضلال تقريعاً لهم وفيه إشارة إلى ارتباطه بما قبله بتقدير فيقال لهم عند الدخول هذا الخ، والقائل ملائكة العذاب أو بعضهم لبعض كما في الكشاف ولا حاجة على الثاني إلى أن يقال مقتحم معنا ولا مرحبا بكم دون بهم لا لأنه حكاية بحسب المعنى كما قيل بل لأنّ خطاب معكم من بعضهم أي الرؤساء لبعض منهم وضمير بهم للاتباع والدعاء عليهم من غير مواجهة لهم، وما ذكره بناء على الظاهر من تخاطب الاتباع والرؤساء لا من تخاطب بعض أحد الفريقين لآخرين منهم كما قيل. قوله: (واقتحمها معهم فوج تبعهم في الضلال (ظاهره أنّ مع يجوز تعلقه باقتحم فيكون ظرفا له، وقد جوّز في معكم أن يكون نعتا ثانياً لفوج أو حالاً منه لأنه قد وصف أو من الضمير المستتر في مقتحم وقال أبو البقاء لا يجوز أن يكون ظرفا لفساد المعنى فقيل لم أدر من أيّ وجه يفسد والحالية، والصفة في المعنى كالظرفية ووافقه المدقق في الكشف فقال إن كان الفساد لإيتائه عن تزاحمهم في الدخول فليس بلازم فإنه مثلى ضربت معه زيداً للمشاركة في المضروبية مطلقاً فالمراد اشتراكهم في ركوب قحمتها ومقاساة شدّتها في زمان متقارب عرفا، ولو قيل هذا فوج معكم مقتحمون لم يفد أقتحام المخاطبين ويفسد المعنى ولا فرق بينه وبين الحالية فقيل عليه إنه حال لا ظرف إذ ليس المراد أنهم اقتحموا في الصحبة ودخلوا فيها بل اقتحموا في النار مصاحبين لكم، ومقارنين إياكم فليس ما تقدّم وجه الفساد كما ظن وهو كلام فاسد لا محصل له لأنّ مدلول مع المعبر عنه بالصحبة معناه الاجتماع في التليس بمدلول

стр. 2601

متعلقها فيفيد اشتراكهما أي الاتباع والرؤساء في الاقتحام لا في الصحبة كما توهمه ولا تدل على اتحاد زمانيهما كما صرح به في المغني، ولو سلم فهو لتقاربه عدّ متحداً كما أشار إليه في الكشف فلا وجه لما قاله أبو البقاء ومن تبعه ولا للتوجيه المذكور ولبعضهم هنا كلام مخلول إن شئت فانظره. قوله: (دعاء من المتبوعين الخ) سواء كان القائل هذا فوج الخ الملائكة أو بعض الرؤساء لبعض، وقوله أو صفة الخ فتؤوّل بمقولاً لهم لا مرحبا لأنه دعاء فهو إنشاء لا يوصف به بدون تأويل، وكذا على الحالية أيضاً كما أشار إليه بقوله مقولاً الخ، والمراد بمثله مستحقاً أن يقال لهم ذلك لا أنه قول حقيقة والحالية إمّا من فوج لوصفه المقرب له من المعرفة أو من ضميره وهو على هذا من كلام الخزنة إن كانوا هم القائلين أو من كلام بعض الرؤساء وبجوز كونه ابتداء كلام منهم وقوله أي ما أتوا بفتح الهمزة إشارة إلى ما قدروه وهو أتيتم رحباً أي مكانا واسعاً وبهم بيان للمدعو عليهم كما تبين اللام في سقيا له ونحوه، ورحباً بضم الراء وهو لاسعة من الرحبة، وهي الفضاء الواسع فقوله وسعة ئفسير له والمراد بما ذكر أن رحباً مفعول به لأتوا مقدراً وبهم على ما مرّ من البيان، وما قيل إنه إئارة إلى كون الباء للتعدية ورحباً مفعوله الآخر لا وجه له ولا دلالة للكلام عليه وكون الباء لا تكون مبينة كاللام دعوى من غير دليل، وقوله أنهم لخ تعليل لالى! حقاقهم للذعاء عليهم وصالو من التصلية، والمراد بها الدخول لا معناها المشهور كما أشار إليه وقوله بأعمالهم مثلنا ليس من مدلول النظم بل بيان لمرادهم في الواقع. قوله: (بل أنتم أحق بما قلتم (إن كان الدعاء من المتبوعين، أو قيل لنا إن كان من كلام ملائكة النار كما مرّ وقوله لضلالكم واضلالكم متعلق ثفوله أحق، وقوله كما قالوا بيان لإضلالهم لهم. قوله: (قدّمتم العذاب) فالضمير له لفهمه مما قبله أو للمصدر الذي تضمنه الوصف وهو الصلى أي دخول النار، وأشار بقوله بإغوائنا الخ بأنّ فه تجوّزاً كما قال المحقق إنّ فيه مجازين عقليين وهما إسناد التقديم إلى الرؤساء لكونهم سبباً للإغواء وايقاع التقديم على العذاب لوقوعه على عمل السوء الذي هو شب العذاب ففيه إسناد إلى ما هو السبب، وايقاع على ما هو المسبب وكلاهما مجاز عقلي، وقد يظن أنّ الثاني لغوي من إطلاق السبب على المسبب أي العذاب على العمل فليس في الكشاف تجوّز في الضمير كما توهم. قوله: (على ما قدّمتموه من العقائد) متعلق بالإغواء أو الإغراء أو هما تنازعاه أي حثا على ما قدم من العذاب، وهو إشارة إلى ما في التشبيه أو الضمير من التجوّز فإنّ المقدم ليس هو العذاب بل ما ذكر من العقائد والأعمال، ورجوعه إلى الكفر بعيد وما قيل تقديم العذاب بتأخير الرحمة فلا مجاز فيه وكلام المصنف صريح في خلافه ومناد على عدم إرادته، وقوله جهنم هو المخصوص بالذم المقدر ومن في قدم شرطية. قوله: (مضاعفاً) بيان للمعنى المراد منه، وقوله أي ذا ضعف توجيه للتركيب بأن فيه مضافا مقدرا فلا يقال إنه كان حقه أن يقول أو ذا ضعف لأنه وجه آخر لكن لتقاربهما جعل أحد الوجهين تفسيرا للآخر لما فيه من التكلف، وما ذكر بناء على أنّ الضعف المثل لا الزيادة المطلقة فيصير عذابه بزيادة الضعف مثلين لعذاب غيره فيوافق ما صرح به في الآية الأخرى، وفي كون الآية موافقة لما ذكره نظر فتأمّل، وقوله أي الطاغون قيل الأولى تفسيره بالاتباع لأنّ ما قبله قول لهم أيضاً. قوله: (صفة أخرى) وبجوز كونها مستأنفة لبيان ما قبلها، وقوله بهمزة الاستفهام فتفتح وتحذف الثانية والتأنيب اللوم الشديد وضم الشين وكسرها قد مرّ تحقيقه وأنّ معناه الهزء. قوله: (وأم معادلة الخ) فهي على هذا متصلة لمقابلتها بالمنقطعة، وهو خلاف ما اشتهر عن النحاة من أنه لا بد من تقدم الهمزة عليها لفظا أو تقديراً وما الاستفهامية لا تكون معادلتها وكذا غيرها من أدوأت الاستفهام لكنه ميل مع المعنى اكتفاء بكونه في معنى ما فيه الهمزة كما أشار إليه بقوله كأنهم قالوا ليسوا، الخ والزمخشري ليس بمقلد لغيره ولا مانع منه غير التقليد. قوله: (على أنّ المراد نقي رؤيتهم الخ) يعني أنّ قوله ما لنا لا نرى بمعنى لم نرهم كما مرّ بيانه في قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ إذ محصل المراد منه أهم غائبون أم أبصارنا زاغت عنهم، وقوله أو لاتخذناهم أي معادل لأتخذناهم على قراءته بهمزة استفهام لما مرّ عن النحاة من اشتراطه، وهو ظاهر بحسب اللفظ لا بحسب المعنى فإنه لا يقابل بين زيغ الأبصار واتخاذهم سخرية، ولذا جعله كناية عن لازمه وهو التحقير

стр. 2602

لأنّ من يحقر أمراً لا ينظر إليه لكنه لا يخلو من شيء. قوله: (أو منقطعة) معطوف على قوله معادلة لأنه بمعنى متصلة وهذا يجري على القراءتين والمقصود أيضا لومهم لأنفسهم وتحقيرهم لهم، وقوله لك الدّي حكينا. مما جرى بين رؤس الكفر وأتباعهم، وقول لا بد الخ يعني أنّ حقيته المراد بها تحققه في المستقبل. قوله: (وهو بدل من حق الخ) والمبدل منه ليس في حكم السقوط حقيقة، والمراد بالتخاصم التقاول مع أنه لا منع من إرادة حقيقته وقوله على البدل من ذلك لم يلتفت إلى ما في الكشاف من كونه صفة لاسم الإشارة لأنه مردود بأنّ وصف اسم الإشارة وان جاز أن يكون بغير المشتق إلا أنه يلزم أن يكون معرفا بالألف واللام كما ذكره في المفصل من غير نقل خلاف فيه بين النحاة، واسم الإشارة لا يجوز الفصل بينه وبين نعته فكلامه مخالف لعامّة النحاة، ولما قرّره وهو في مفصله مع ما فيه من الفصل الممتنع أو القبي، وقد تصدى بعضهم لتوجيهه وترك المصنف له كفانا مؤنته. قوله تعالى: ( ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ ) القصر فيه إضافي أي لا ساحر ولا كذاب كما زعمتم وخصه بالذكر لأنّ الكلام مع المشركين وحاله معهم مقصور على الإنذار كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله للمشركين، وقوله الذي لا يقبل الشركة يحتمل أنه تفسير لقوله لا إله إلا الله وقوله والكثرة تفسير للواحد لأنه هو الذي لا يقبل التعدد في جزئياته، ولا في أجزائه ويحتمل أنه بيان للوحدة يعني لا كثرة في ذاته بحسب الجزئيات بأن يكون له ماهية كلية ولا بحسب الأجزاء، ومعنى الآية إني مبعوث بالإنذار والدعوة لتوحيد العزيز القهار، وقوله في ذأته إشارة إلى أنه يقبلها في صفاته كما هو مذهب أهل الحق. قوله: (منه خلقها وإليه أمرها) أي راجع ومفوّض إليه تدبير جميع أمورها وهذا يفهم من الربوبية فإنه إذا كان هو المربى لجميع الكائنات لزم ما ذكر ولا يخفى مناسبة وصف التفرد بالألوهية، والأحدية لكونه القهار وتربية جميع الكائنات لأنه عزيز غفار، وقوله إذا عاقب كان الظاهر لا يغلب ولا يمنع من شيء مّا لكنه لمقابلته هنا بالغفار فسره بما ذكر. قوله: (وفي هذه الأوصاف الخ) كونها تقريراً للتوحيد ظاهر إمّا الواحد فهو المقرر معناه، وهو صريح فيه غير محتاج للبيان وأمّا القهار لكل شيء فلأنه لو كان له إله غير. لزم مقهوريته وهو مناف للألوهية ورب السموات الخ بمعنى رب كل موجود فيدخل فيه كل ما سواه فلا يكون إلهاً والعزيز يقتضي أنه يغلب غيره، ولو كان إلهاً كان غالبا لا مغلوبا وأمّ الغفار لما يشاء فلأنه لو كان إله غيره فربما أراد عقاب من غفر له فلا يكون إلها قادرا على المغفرة لكل ما يشاء، والوعد والوعيد ليس من القهار والغفار فقط بل قد يفهم من غيرهما أيضاً لمن له نظر سديد. قوله: (وتثنية ما يشعر بالوعيد) أي تكريره، وهو القهار العزيز وتقديم القهار على غيره مما وصف به الله الواحد لأنّ المقام مقام إنذار فناب الاهتمام به فقدم وكرر، وقوله لأنّ المدعي وقع في نسخة المدعوّ له وهو بمعنى المطلوب. قوله: (ما أنبأتكم به) إشارة إلى أنّ الضمير المفرد رجع لما ذكر وهو متعدد لتأويله بما ذكر ونحوه، وقوله وقيل ما بعده أي مرجع الضمير وهو هو فقوله هو المراد به نبأ آدم فهو مبهم يفسره ما سيأتي بعده، ولا يخفى بعده ولذا مرضه وقيل: الضمير لتخاصم أهل النار أو أمر القيامة أو القرآن وهما مذكوران حكما، وقوله لتمادي غفلتكم من اسم الفاعل الدال على الثبوت، وقوله فإنّ العاقل لا يعرض الخ إشارة إلى أنّ في ذكر إعراضهم عما هو عظيم إيماء إلى أنهم ليسوا من ذوي العقول وقيل وضمع العاقل موضع المتنبه للملازمة بينهما، وقوله ما مرّ هو ما أجرى عليه تعالى من الصفات المقررة للتوحيد كما مرّ والنبوّة مفهومة، من قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ . قوله تعالى: ( ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ ) عدى العلم بالباء للنظر إلى معنى الإحاطة، والملأ المجصاعة الإشراف وهو اسم جمع ولذا وصف بالمفرد، وقوله عن تقاول إشارة إلى أن المراد بالتخاصم المقاولة كما مرّ وقوله على ما ورد الخ إشارة إلى وجه قيام الحجة مما ذكر فإنّ تقاول الملائكة لا يطلع عليه فلا يسلمونه له إلا أنه لما ورد مطابقا للكتب قبله كما يعرفه أهل الكتاب، ويسمعه غيرهم منهم دل على ما ذكر ومنه تعلم إنّ ما وقع في بعض التفاسير وشروح الكشاف من أنّ المراد به ما ورد في الحديث الصحيح من اختصامهم في الكفارات والمنجيات كأسباغ الوضوء، وقيام الليل واطعام الطعام لا يتأتى هنا لأنّ المشركين لا يقرون به فمن رجحه

стр. 2603

لم يصب والتعبير بيختصمون المضارع لأنه أمر غريب فأتى به لاستحضاره حكاية للحال. قوله: (وإذ متعلق يعلم) منع هذا في الكشاف لأنّ علمه ليس في ذلك الوقت بل بعده فإن أريد بالنفي أنه لم يعلمه في ذلك الوقت بان يحضره، وهو مما لا يعرف بالعقل فتعين كونه بوحي من الله حتى لا يرد ما ذكر، وأنّ نفي علمه في ذلك الوقت لا يفيد نفيه مطلقاً صح لكن ليس في كلامه ما يدل عليه نعم لو أريد به تعلق المفعولية على أنه بدل من الملأ بدل اشتمال صح، ويرد عليه ما ورد على التوجيه الأوّل فليس كلامه صافيا من الكدر ولا كلام في تعلقه بكلام فلو اقتصر عليه الزمخشريّ كان أولى. قوله: (أي لأنما) توجيه لقراءة الجمهور بالفتح بأنها على تقدير اللام لأنه يطرد حذفها مع أن وإن وقوله كأنه لما جوّز أنّ الوحي يأتيه الخ جوز بالبناء للمجهول أي لما جوّز الكفرة ذلك لإلزامهم بأنه يخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي لا أنه مبني للفاعل، والضمير للرّسول حتى يقال إنه لم يصادف محزه فيجعل مجازا عن ذلك كما قيل وعليه فيوحي مسند إلى ضمير المصدر أو إلى الجارّ والمجرور أو إلى ضمير ما يوحي المفهوم من الكلام، وقوله إنما أنا منذر تقدّم توجيهه بأنّ الحصر إضافي بالنسبة إلى ما نسب إليه من السحر والكذب وخص الإنذار بالذكر لأنّ الكلام مع المشركين فلا يرد عليه أنّ الوحي لا ينحصر فيما ذكر من الإنذار كما توهم. قوله: (بإسناد يوحي) فالمعنى لا يوحي إلى إلا الإنذار وعلى الكسر المعنى ما يوحي إليّ إلا هذا القول ويجوز أن يقدر القول فيه وكلامه محتمل له. قوله: (بدل من إذ يختصمون) الظاهر أنه بدل كل ويجوز كونه بدل بعض، وقوله مشتملة على تقاول الملائكة يؤيده سواء أريد بالنبأ العظيم قصة آدم ﵊ أو غيرها كما مر والأظهر تعلقه باذكر المقدر على ما عهد في مثله ليبقى إذ يختصمون على عمومه ولئلا يفصل بين البدل والمبدل منه، وليشمل ما في الحديث من اختصامهم في الكفارات، والدرجات ولئلا يحتاج إلى توجيه العدول عن ربي إلى ربك، وقوله الملائكة وابليس لم يذكر آدم كما في الكشاف لأن أنباءه لهم تقاول أيضاً اكتفاء أو لأنّ المراد كما أشار إليه التقاول في شأنه، وقوله اكتفاء بذلك أي بما مرّ في البقرة توجيه لكونه مبينا له، وليس فيما ذكر بيان تخاصمهم وتقاولهم بأنه إشارة إلى قصة معلومة ذكر فيها ذلك وأورد عليه أنّ نزول البقرة متأخر عن نزول هذه السووة لأنها مدنية وهذه مكية فلا يصح الاكتفاء إحالة عليها قبل نزولها ووجه بأنّ المراد اكتفاء السامعين للقرآن بعد ذلك، وفيه نظر. قوله: (ومن الجائز الخ) دفع لما يقال من أنّ التقاول لم يكن بين الملأ الأعلى فقد بل بين الله وبينهم ولا يصح جعل الله من الملأ الأعلى بأنّ تكليم الله لهم كان بواسطة من الملائكة فالتقاول، إنما وقع بينهم أو يقال المراد بالملأ الأعلى ما عدا البشر فيشمله تعالى بطريق التغليب بقرينة قوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ ولا يلزم إثبات جهة له تعالى. قوله: (وأحييته بنفخ الروح فيه) إشارة إلى أنه مجاز أو كناية عن إحيائه وقد مرّ في سورة الحجر معنى النفخ وتفصيله، وقوله لشرفه أي إضافته له تعالى لتشريفه، والمراد بطهارته سلامته من الأمور الجسمانية ونزاهته عن دنس العناصر لأنه من عالم الأمر، وقوله فخروا بكسر الخاء أمر أي على الفور مبادرة لامتثال أمر من له الأمر، وقوله تكرمة أي لا عبادة حتى يمتنع للمخلوق كما مرّ وقوله كلهم أجمعون في دلالة أجمعين على المعية الزمانية كلام في شرح الكشاف فانظره. توله: (باستكباره الخ) ولا ينافيه عدم ذكره بالفاء كما توهم لأنه قد يترك مثله إحالة على فطنة السامع، أو ظهوره وأمّا كون ما ذكر غير مقتض للكفر فليس بشيء لأنّ التعاظم على أوامر الله كفر مع ما تضمنه من استقباحه ونسبة الجور له وفي بعض النسخ باستنكاره بالنون أي عده منكراً، وقوله صار إشارة إلى أنه لم يكن كافرا قبل ذلك فإن أبقى كان على ظاهره فهو باعتبار علمه كما أشار إليه بقوله أو كان منهم في علم الله لعلمه بانه سيعصيه باختياره وخبث طويته لا أنه كان مضمراً للكفر حتى لا يلزم الجبر كما توهم. قوله: (خلقتة بنفسي) أطلق النفس عليه لأنّ المراد به الذات أي من غير واسطة، وفوله والتثنية في يدي إشارة إلى ما قيل إنه تعالى منزه عن الجارحة، واليد المضافة بمعنى القدرة أو النعمة لكنه لا يتاتى حمله على القدرة هنا فإنّ قدرته واحدة ومقدوراته غير متناهية ولا على النعمة فلا تنحصر بالتثنية فلذا قال إمام الحرمين يجوز الحمل على القدرة

стр. 2604

والنعمة أو على نعمة الدنيا والآخرة فدفعه بأنّ المراد القدرة والتثنية للتاكيد الدال على مزيد قدرته لأنها ترد لمجرد التكرار كارجع البصر كرتين فأريد به لازمه، وهو التأكيد ولم يحمله على النعمة لأن هذا أنسب بالمقام، وأمّا ما قيل من أنّ مراده أنّ اليد هنا مجاز عن الذات وروّج بتكلفات لا حاجة لذكرها فخطأ فاضح وسهو واضح، وقوله من غير توسط أصله توسط شيء ليتضح قوله كأب الخ ولا حاجة لجعل التنوين عوضا من المضاف فإنه غير صحيح أو يقدر فيه مضاف أي لتوسط أب أو توسط بمعنى متوسط. قوله: (واختلاف الفعل) هو معطوف على مزيد القدرة أي في إيجاده له تعالى أفعال مختلفة من كونه طينا مختمرا، ثم جسما ذا لحم وعظم ثم نفخ الروج فيه وإعطاؤه قوّة العلم والعمل بما هو دال على مزيد قدرة خالق القوي، والقدرة فهو كالتفسير لمزيد القدرة والمراد بالفعل فعل الله فيه فإن أريد اختلاف فعل الله فيه وفي غيره، إمّا من جنسه حيث خلقه بغير أب وأم ونطفة ببديع صنعه فلذا جعل خلقه بكلتا يديه دون غيره أو من أنواع المخلوقات لما فيه من العقل، والكمالات التي لا تحصى فهو على هذا ليس كالتفسير له، وما قيل المراد اختلاف فعل آدم من أفعال ملكية كأنها آثار اليمين، وحيوانية كأنها آثار الشمال وكلتا يديه يمين فتعسف. قوله: (وترتيب الإنكار) بالاستفهام الإنكاري فيما منعك عليه أي على خلقه بيديه يعني أنه أمر مستدع لتعظيمه للعناية الربانية التي حفت إيجاده أو هو لبيان شبهته في ترك السجود لأنه مخلوق مثله لا يليق السجود له، والترتيب من إيقاعه صلة له لأنه كالتعليق بالمشتق المشعر بالعلية ومزيد الاختصاص من قوله بيدي كما مرّ، وقد أورد عليه أنه إنما يظهر لو كان إبليس متولدا من جنسه، وانّ استعماله سيما لا يوافق كلام أهل العربية قالوا وبعدها عاطفة أي له عظم شأن ومزيد اختصاص، وليس هذا بشيء إمّا الأوّل فلأنّ مبناه على أن يراد بمزيد الاختصاص ما ذكره، وليس بلازم لجوأز أن يراد ما خصه به من فضائل النبوّة فيه وفي نسله ونحوه، مما اختص به النوع البشري ولو سل فخلقه بيديه أي مزيد قدرته واختلاف أطوار خلقه الموح فيه كمال العقل، والعلم كما مرّ لا مجرّد كونه بغير واسطة، وأمّا ما ذكره في سيما من حذف لا ووقوع جملة بعدها مقترنة بالواو سواء كانت حالية كما هو ظاهر كلام النحاة أو عاطفة كما ذكره في سيما من حذف لا ووقوع جملة بعدها مقترنة بالواو سواء كانت حالية كما هو ظاهر كلام النحاة أو عاطفة كما ذكره فهو مناقشة في العبارة تبعاً ذكره بعض النحاة، وقد صرّح الدماميني في شرح التسهيل بصحته فلا عبرة بما ذكره. قوله: (تكبرت من غير استحقاق) كما يدل عليه سين الطلب ولذا قال في البقرة الاستكبار طلب التبهبر بالتتبع أو هو من مقابلته بقوله كنت من العالمين لأنه لا يقابله إلا إذا أوّل بما ذكر أو بما بعده من جعل استكبرت بمعنى أحدثت الكبر والعلو أم أنت قديما كذلك. قوله: (أو كنت ممن علا) عدل فيه عن تعبيره في الكشاف بقوله من علوت فإنها أشكلت عليهم، وحاولوا توجيهها فلم يأتوا بما يشفي الغليل قال المحقق تغليب جانب المتكلم أو الخطاب على الغيبة في صلة الموصول الجاري على المتكلم أو المخاطب فوقوعه خبرا عنه شائع، ولا كلام في صحته وكثرة وروده مثل: أنا الذي سمتني أمي حيدره وأمّا في غير الجاري عليه نحو أنا من شغفت بكذا وأنت ممن عرفت بكذا فلا تعرف له استعمالاً في كلام العرب ولا وجه قياس في مذاهب النحو فالصواب ممن علا أو علوا، وحمله على أنّ المراد ممن علوت منهم أي صرت فوقهم ليس معنى من العالين، انتهى أقول الحق ما في الكشاف ولا تغليب فيه لأنّ منهم المقدّر يعود ضميره الغائب لمن، وعلوت ضميره لا تغليب فيه وإنما ذكر لإبراز المعنى المراد من وصفه بزيادة العلو وتميز. على من عداه من جنسه، وأمّا قوله إنه ليس معنى من العالين فهو غريب منه فإنهم قرّروا أنّ قولهم فلان من العلماء أبلغ من عالم فيدل على زيادة علمه، واذا سلم فهو متميز على من سواه منهم والذي قصده الزمخشري إبراز معنى المبالغة فيه وكونه تركيبا لا يجري على قياس كلامهم أغرب فإنه ليس فيه إلا حذف عائد الموصوف من غير تجوّز، ولا تكلف وإنما أطلت الكلام فيه لأنّ هذه العبارة وقعت في شرح العضد لابن الحاجب فتكلم شراحه فيها وأسهبوا بما يقضي منه العجب، نعم ما ذكره يرد على الطيبي إذ صرح به بأنه من قبيل أنت الذي فعلت كذا. قوله: (وقيل الخ) فالعلو الاستكبار والتقابل بينهما بالحدوث والتقدم، ولذا قيل كنت من العالمين دون أنت من العالين، وقوله وقرئ بحذف الهمزة أي همزة الاستفهام

стр. 2605

على أنها مقدّرة كما في قوله ة بسبع رمين الجمر أم بثمان وأم متصلة وما نقله ابن عطية عن بعض النحاة من أنه لا يكون ذلك إلا مع إيجاد المتعادلين نحو أضربت أم لم تضرب صرح سيبويه بخلافه، وتبعه فيكون على هذا بمعنى القراءة المشهورة بإثباتها مفتوحة وحذف همزة الوصل، والاستفهام للتوبيخ فلا ينافي إثبات التكبر له في آية أخرى واذا كان ما قبله خبرا فهي منقطعة بمعنى بل، وهذه القراءة منقولة عن ابن كثير. قوله: (دليل عليه) أي على المانع، وأنه من العالين لعلو عنصره وأنه لا يليق به السجود لمخلوق مثله فكيف من هو دونه وفيه ميل إلى الوجه الثاني وما سبق هو إبطال دليله، وقوله من الجنة أو من زمرة الملائكة كما مرّ، وقوله مطرود إشارة إلى أنّ الرجم كناية عن الطرد لأن المطرود يرجم بالحجارة كما يرجم هو بالشهب، والمراد بقوله إلى يوم الدين والغاية إنه ينقل إلى ما هو أشد منه لا أنه تنتهي لعنته به والوقت المعلوم فسره في الكشاف بالنفخة الأولى ويوم الدين يوم القيامة، وقوله بعزتك قسم بصفة من صفاته فإنه يكون بالصفة كما يكون بالذات. قوله: (على اختلاف القراءتين) أي بكسر اللام وفتحها كما مرّ وقوله فأحق الحق توجيه لقراءة النصب بأنّ الحق فيها مقابل الباطل، وهو منصوب بفعل مقدّر من لفظه على أنه مفعول مطلق أو مفعول به وجوّز نصبه على الإغراء أيضا. قوله:) وقيل الحق الأوّل اس! الله (فإنه ورد إطلاقه عليه تعالى فلما حذف حرف القسم وهو الباء انتصب بأقسم المقدر كما في البيت، ومرضه لأنّ الظاهر من إعادة الاسم معرفة أن يكون الثاني عين الأوّل وحذف حرف القسم في مثله غير مطرد لا سيما فيما فيه لبس كماهنا. قوله: (إن عليك الله إن تبايعا) تؤخذ كرها أو تجيء طائعا هو رجز لا يعلم قائله وفي شرح الشواهد قيل إنه لرجل امتنع عن مبايعة بعض الخلفاء، ورووه على مكان عليك وان تبايع بمعنى مبايعتك وهو اسم إنّ وعليّ خبرها أي إنّ مبايعتك والله لازمة عليّ وتؤخذ بالنصب بدل من أن تبائع وتجيء معطوف عليه وطائعا حال. قوله: (وهو على الأوّل) أي كون الحق منصوباً باحق، وقوله لأملأنّ جواب قسم محذوف لأنّ اللام تقتضيه والمراد بالجملة القسم مع جوابه والمعتبر في الحقيقة قوله لأملأنّ الخ، والحق بمعنى قسم أيضاً لأنّ المقسم به يكون مبتدأ كما في لعمرك والحق على هذا اسم الله، أو خلاف الباطل لأنه تعالى له أن يقسم بما أراد، وقوله أو قسمي تخيير في التقدير لأنهما بمعنى، وقوله وقرئا مرفوعين فالأوّل مبتدأ أو خبر كما هنا والثاني مبتدأ خبره أقول بتقدير العائد. قوله: (كقوله) أي قول أبي النجم في رجزه المشهور: قدأصبحت أم الخيارتدعي عليّ ذنبا كله لم أصنع كذا في الكشاف جعله نظيراً له ولم يتعرضوا للمراد منه والذي عناه إنه كان حقه النصب باقول فعدل عنه إلى الرفع المحتاج إلى تقدير العائد كما في الشعر، وان كانت لها شأن خاص بها على ما فصل في المعاني لأنّ هذا أبلغ لدلالته على أنّ قول الحق ثابت له لا يتغير ولذا فسره على هذا بلا أقول إلا الحق، وليس هذا من تكرير الإسناد لأنه محوّل عن المفعول، ويجوز جعله نظير الحذف العائد من الخبر كما سيأتي في سورة الحديد فتدبر. قوله: (ومجرورين الخ) أي قرئ الحق فيهما بالجرّ على أنّ الأول مقسم به حذف منه حرف القسم، وأبقى عمله والمراد بالثاني هو الأوّل بعيته فلذا حكى مجروراً وان كان مرفوعاً أو منصوبا على الوجهين السابقين لكنه حكى بإعراب الأوّل وهذه الحكاية تكون في المرفوع، والمنصوب كما ذكره الزمخشري وجوّز على هذا كون الثاني قسماً مؤكدا للأوّل دون حكاية، وجملة أقول معترضة، وقوله إذا شارك الأوّل أي إذا كان مثله لفظا ومعنى ساغت الحكاية فيه كما هنا، وهو حسن لأنه تأكيد على تاكيد إذ القسم في نفسه مؤكد. قوله: (وبرفع الأوّل (على ما مز وجره على أنه قسم ونصب الثاني بأقول والنصب ناظر إلى لفظ جره لا إلى رفع الأوّل فإنه قراءة عاصم وحمزة فلا وجه لذكره في سلك الشواذ كما قيل فقوله وبرفع الأوّل أي وجر الثاني ولذا لم يذكره فتدبر. قوله: (إذ الكلام فيهم) أي هو معلوم من السياق فهو في حكم المذكور، وقوله من جنسك فهو بتقدير مضاف أو يتجوّز في ضميره بأن يراد به هو من كان مثله، وقوله وقيل للثقلين معطوف على قوله للناس، وقوله تأكيد له أي لضمير منهم والضميرين ضمير منك ومنهم لا المستتر في تبعك، وقيل

стр. 2606

الأنسب تأكيد المجرورين الأولين ليفيد إنه لا بنحو التابع والمتبوع، إذ ليس في تأكيد الضمير الثالث بالاستقلال أو الاشتراك كبير فائدة، وردّ بأنه يفيد أن مجرّد اتباعه موجب للعذاب من غير تفاوت بين ناس وناس. قوله: (أي القرآن) تفسير لضمير عليه وهذا أيضاً بمعونة المقام في حكم المذكور، وقوله على ما عرفتم من حالي أي قبل النبوة فكيف بعدما من الله به عليّ وانتحل بالحاء المهملة من الانتحال وهو ادعاء ما لا أصل له، وأتقول بمعنى أتكلف، وقوله من عند نفسي والمراد أفتر به، وقوله وهو ما فيه من الوعد والوعيد فنبأه ما أنبأ به من ذلك والمراد أنهم يعلمونه علم يقين أو مشاهدة إذا وقع فنبؤه مجاز عن وقوعه والمراد بالنبأ الوعد والوعيد فقط، وقوله أو صدقه أي وصدق ما أنبأتكم به مطلقاً لا الوعد، والوعيد وحده لكن تحققه بوقوعهما أيضاً وهذا هو الفرق بين الوجهين، وقوله بإتيان ذلك إشارة للوعد والوعيد، وهو متعلق بتعلمن على الوجهين وفي عطف صدقه حزازة والظاهر عطفه على ما فيه والمراد أنّ الذي تعملونه وعده ووعيده إذا وقعا أو صدق ما أخبرتهم به، ودعوتهم له مطلقا بذلك وضمير صدقه للنبأ لا لما وعطفه على الوعد مما لا وجه له، والنبأ محتمل للمجاز كما مرّ ويجوز إبقاؤه على ظاهره. قوله: (أو عند ظهور الاسلام (أي قوّة ظهوره بقهر أعداء الله وهذا مؤيد للثاني، وملائم له إذ بظهوره يظهر صدق القرآن ويجري على الأول إن أريد بالوعد والوعيد ما وقع في الدنيا، وقوله وفيه أي في قوله لتعلمن الخ أو في قوله بعد حين والأول أولى. قوله: (وعن النبني ﷺ الخ) هو حديث موضوع ولوائح الوضع فيه ظاهرة، وتخصيص ما ذكر لوقوعه في هذه السورة وعدم إصراره تنويه لبركة ما يتلوه قيها من ذكر التوبة، تمت السورة بحمد الله ونعمائه، والصلاة والسلام على أشرف رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه خلص أصفائه. سورة الزمر وتسمى سورة الغرف كما في الكشاف لقوله لهم غرف من فوقها غرف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية الخ) أي إلا ثلاث آيات مدنية نزلت في حق وحشي قاتل حمزة كما نقله الداني عن ابن عباس ﵄ ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٠ ا] الخ وقيل ورابعة وهي: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢٣] الخ قاله ابن الجوزي وأمّا عدد الآيات فقيل خمس، وقيل ثلاث وقيل ثنتان وسبعون والاختلاف في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ﴿مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ ﴿مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿مِنْ هَادٍ﴾ فتأمّله. قوله: (أو حال عمل فيها الخ) كذا في الكشاف، وقد قيل عليه أنّ العامل المعنوفي لا يعمل في المقدم لضعفه فأولى أن لا يعمل، وهو محذوف وان لم يكن فيه نص فلا نص على خلافه، وله أن يمنع الأولوية وانه إذا جاز الحذف لدليل فلا مانع من العمل لأنه كالموجود انتهى، وهذا كلام مختل من وجوه لأنه قاس عمله محذوفا على عمله مؤخرا، وليس بصحيح لأنّ المحذوف كالموجود فلا يضعف عن العمل إذا قدر مقدما ملاصقاً ألا ترى المصدر يعمل مقدراً، ولا يتقدم معموله عليه وكذا المضاف ولو تتبعت أمثاله وجدتها كثيرة وقوله لا نص فيه أيضا ممنوع بل فيه نص صريح في أماكن متعددة منها ما ذكره في البحر هنا من أنّ النحاة ردّوا على المبرد لما خرّج قول الفرزدق، واذ ما مثلهم بشر من أن مثلهم منصوب على الحالية، وعامله الظرف المقدر أي ما في الوجود بشر مماثلا لهم بأنّ الظرف عامل معنويّ لا يعمل محذوفا لأن المراد به ما تضمن معنى الفعل لتضمن اسم الإشارة معنى أشير والظرف معنى استقر، وما قيل من أن امتناع تقديم الحال الظرفي على العامل المعنوي ليس بثبت مع أنه لا حاجة إليه مخالف لما صرّح به النحاة فإنهم نقلوا الخلاف فيه من غير فرق بين الظرف وغيره. قوله: (أو التنزيل (إذا كان حالاً من تنزيل فالعامل فيه معنوي، وهو اسم الإشارة واذا كان حالاً من الكتاب فالعامل فيه تنزيل وجاز الحال من المضاف إليه لأنّ المضاف مما يعمل عمل الفعل، وهو أحد الصور التي يجوز فيها ذلك، وقيل إنه إذا كان التنزيل بمعنى المنزل فالحال من الضمير

стр. 2607

المستتر فيه وإنما ظهر إرادة السورة إذا قدر هذا لأنها حاضرة حين التلفظ به، واسم الإشارة للحاضرين بخلاف ما إذا كان مبتدأ فإنّ القرآن كله منزل من الله فتخصيصه خلاف الظاهر، واذا كان تنزيل خبرا فهو بمعنى منزل أو قصد به المبالغة بخلاف، ما إذا كان مبتدأ فلا يحتاج إلى تأويل كما قيل، وقوله تنزيل الكتاب كالعنوان لما في السورة فلا يتكرّر مع ذلك قوله إنا أنزلناه الخ لأنه لبيان ما فيه، وبيان لكونه نازلاً عليه بالحق وتوطئة لقوله فاعبد الله الخ والتحقيق أن معنى تنزيل الكتاب على وجه مرتبط به، بما قبله أن الكتاب الذي يتلوه عليكم هذا النبي ﷺ تنزيل من عزيز حكيم عليه فدعوته ليس لذل به حتى يطلب إطاعتكم ليعزبكم أو ليسلم من ضرركم، ثم خاطبه وأعرض عنه بأنه أنزله عليه بأوامر وزواجر تحق الحق وتبطل الباطل كما ذكره السمرقندي فتأمّل. قوله:) ملتبساً بالحق الخ (إشارة إلى أنّ الباء تحتمل الملابسة والسببية وكونها متعلقة بأنزلنا وظرفاً مستقرّا وقع موقع الحال من المفعول وكونه من الفاعل أي ملتبسين بالحق غير وجيه، وقوله إثبات الحق واظهاره يحتمل أنه إشارة لتقدير مضاف أو المراد من إنزاله بسبب الحق ذلك أو على أنّ الحق مجاز عن الإثبات والإظهار كما قيل. قوله: (وقرئ برفع الدين) في الشواذ وهي قراءة ابن أبي عبلة كما نقله الثقات فلا عبرة بإنكار الزجاج لها وفيه أيضاً ردّ على الزمخشريّ حيث قال إنه على هذه القراءة كان ينبغي أن يقرأ مخلصا بفتح اللام، وامّا على لكسرة فلا وجه له إلا الإسناد المجازي فيكون فاعل مخلصا، وأمّا كون له الدين مبتدأ وخبراً فغير مستقيم لأنه مكرر مع ما بعده فأشار المصنف إلى رده بقوله لتعليل الأمر، وقوله لتأكيد الاختصاص بناء على أنّ الاختصاص الذي وضعت له اللام يفيد الحصر كالتقديم، وقد توقف فيه بعض المتأخرين، وقال إنما معناه تعلق خاص ولو بدون الحصر كما فصله الفاضل الليثي وقد مر طرف منه وهذا جار في القراءة المشهورة أيضا وكما تفيده اللام، وتقديم الخبر يفيده صريح قوله مخلصا فإن قلت كيف ما ذكر مع قوله في المغني إنّ اللام إذا وقعت بين ذات ومعنى فهي للاستحقاق كالعزة لله، والحمد لله وهو المناسب هنا (قلت) ما ذكره ابن هشام كلام غير مهذب ولا مسلم كما بين في محله، وأما ما قيل إنه لا تنافي بينهما فإنّ طريق الاختصاص وجهته هو الاستحقاق فسهو فإنه وان صح هنا لا يتأتى في كلام المغني فإنه جعلها معاني متقابلة فكان عليه أن يقول الاختصاص الذي ذكره غير ما عناه ابن هشام فتأمّل. قوله: (كما صرح به مؤكدا) بصيغة الفاعل أو المفعول حيث أبرز الجلالة الكريمة، والدين في مقام الإضمار ووصفه بالخالص، وقرنه بأداة التنبيه والاستفتاج ليزيده تأكيداً على تأكيد اعتناء بطاعة الله التي هي أساس كل خير، ولذا أتى به مؤكدا بتأكيدات إلا والاسمية، واعادة الجملة واظهار الجلالة والدين ووصفه بالخالص، والتقديم المفيد للاختصاص مع اللام الموضوعة له فلا بأس في تكراره الذي عده الزمخشري مانعا كما أشار إليه في التقريب وما في الكشف من أنه جعله تأكيداً لا وجه له للوصف المذكور يعني الخالص، ولأنّ حرف التنبيه لا يحسن موقعه حينئذ لأن حرف التنبيه إنما يؤتى به فيما لم يعلم حقيقة أو صراحة أمّا بعد ما صرح به فهو لغو من الكلام، ولذا جعل الإعادة هنا مانعة منه ولظهوره لم يتعرض لبيان وجه الفساد فيه فإن له الدين تعليل للأمر بالعبادة، ولم يؤت بالفاء اعتمادا على أقوى الوصلين، وهذا تعليل لقوله مخلصا هذا محصل ما ذكره لتدقق في شرح كلام العلامة وهو ظاهر الورود وما ذكره المصنف لا يدفعه مع أن ألا يؤتى بها في ابتداء الاستئناف المضاد لقصد التوكيد وللمحشي هنا كلام لا يسمن ولا يغني من جوع فلذا تركناه برمته. قوله: (وأجراه مجرى المعلوم المقرّر لكثرة حججه الخ (حيث جعله تعليلا لما أفاده ما قبله من الاختصاص، وقرنه بحرف التنبيه الدال على بداهته التي تعلم بأدنى تنبيه واعتمد فيه على أقوى الوصلين ولا يخفى أنه غير مسلم عند الزمخشري، فإنه تعليل الشيء بنفسه ووقوع إلا في الاستئناف البياني غير ظاهر وأما كونه إشارة إلى أن أمرا عبد تعريض وكناية عن أمر غيره على حد: إياك أعني فاسمعي يا جاره فمسلم لكنه لا يفيد فيما نحن بصدده فتأمّل. قوله: (هو الذي وجب اختصاصه الخ (إشارة إلى أنّ الدين بمعنى الطاعة والانقياد والاختصاص من اللام، والتقديم كما مر

стр. 2608

وأما الوجوب فالظاهر أنه من كونه قيدا للأمر بالعبادة فإنه إذا قيل صل قائما أفاد وجوب القيام، وقيل إنه من المقام، وقوله فإنه المنفرد الخ إشارة إلى ما مر من أن قوله إلا لله الخ تعليل للإخلاص المذكور كما مر والتفرد المذكور من الاسم الشريف فإنه وضع للمعبود بحق فهو منفرد بالألوهية ولوازمها وكونه مطلعا على السرائر منفرداً بالاطلاع عليها في الواقع مما لا شبهة فيه، وما ذكره المصنف ليس لبيان ما في نفس الأمر فقط بل في النظم ما يدل عليه، وهو جعل الدين المختص به ما كان خالصا والخالص إنما يخلص خلاصاً تاما إذا لم يكن فيه شرك ولا رياء ونفاق، ولا يعلم ذلك إلا باطلاع على ما في الضماثر فإن مرجعها إليه. قوله:) يحتمل المتخذين من الكفرة (يعني أن الموصول يحتمل أن يكون المراد به المتخذين بكسر الخاء اسم فاعل فالعائد الضمير الواقع فاعلا المذكور، وأن يكون المراد به المتخذين بفتح الخاء اسم مفعول، وهم المعبودون من دون الله فالعائد محذوف تقديره اتخذوهم وقوله وإضمار المشركين الخ يعني على الوجه الثاني لأنّ ضمير الفاعل لا يعود على الموصول بل على المشركين المعلوم من السياق، وقوله من دونه صفة مفعول اتخذوا الأوّل على الأوّل وعلى الثاني صلة اتخذوا وقوله من لاملائكة الخ بيان المتخذين بالفتح، وادراج عيسى ﵊ فيهم لأنه مما عبد من دونه، وهو في الحقيقة شريك عندهم فلا إشكال فيه كما قيل. قوله: (وهو مبتدأ خبره على الأول) أي على كونه عبارة عن المتخذين بالكسر هو مبتدأ والخبر يقولون ما نعبدهم الخ، وقوله وهو متعين على الثاني أي على إرادة الملائكة وغيرهم من المعبودين لأنه لا يصح الإخبار عن المتخذين بالفتح بأنهم قالوا ما نعبدهم الخ إلا بتكلف كأن يجعل ضمير قالوا للكفرة، والعائد ضمير نعبدهم فالمانع معنويّ لا لعدم الرابط لأن ضمير نعبدهم للأولياء كما قيل لعدم تعيينه لكن في جعل الجملة الثانية خبرا نظر من جهة المعنى إذ لم يرد الحكم بين المعبودين بل بين العابدين. قوله: (وعلى هذا الخ (كما أن هذه الجملة كانت على الأوّل خبراً، وثانياً أو استئنافا لكن في جواز حذف البدل المقصود وإبقاء المبدى منه الذي في نية الطرح نظر، وإن قام معموله مقامه والبدل بدل اشتمال وكونه من التوابع التي عرفت بما أعرب بإعراب متبوعه والصلة لا إعراب لها فينتقض التعريف، أو تبطل التبعية يدفع بأنه على تقدير إن كان معربا أو هو باعتبار الأصل الغالب، ولا يصح كون التعريف لما في المفردات فإنه لا يدفع المحذور لبقائه في تأكيد الحروف كنعم نعم ونحوه، وقوله مصدر أي منصوب على المصدرية ليقرّبونا كقعدت جلوسا أو حال مؤكدة من ضمير المفعول أو الفاعل مؤوّلاً باسم فاعل، وقوله اتباعا أي للباء. قوله:) بإدخال المحق الجنة الخ (فالحكم ليس بمعنى فصل الخصومة بل هو مجاز أو كناية عن تمييزهم تمييزاً يعلم منه حقيقة ما تنازعوا فيه، وقوله فإنهم يرجون الخ بيان للاختلاف بينهم على هذا الوجه والحكم مجاز أيضا عما مر من إدخال الملائكة، وعيسى الجنة وادخالهم النار تمييزاً بينهم وهذا لا يجري في عبدة الأصنام، والكلام معهم ولذا مرضه وقوله لا يوفق للاهتداء أو لا يخلقه فيهم، وقوله كاذب كفار فيه تعليل للحكم كما أشار إليه المصنف. قوله: (لقيام الدلالة على امتناع الخ (كما برهن عليه ببرهان الثمانع وغيره وقوله إذ لا موجود تعليل للاصطفاء من الخلق، وقوله ووجوب بالجز عطف على امتناع. قوله: (ومن البين الخ) قيل إنه يعني أنه تعالى رتب على فرض إرادة اتخاذ الولد اصطفاء ما يشاء مما يخلق لا اتخاذ الولد وحيث لم يكن الاصطفاء المذكور من اتخاذ الولد في شيء تبين أن اتخاذ الولد ممتنع، ولو فرض إرادته وقيل إنه إشارة إلى أن لو لقصد لزوم الثاني للأوّل، مع انتفاء اللازم ليستدل به على انتفاء الملزوم أي لكن اصطفاء ما يخلق للولدية باطل إذ لا تماثل فكذا إرادة الاتخاذ واعتبار الخلق دون الإمكان مع كفايته وإن كان تطويلاً للمسافة لإظهار قبح ما فعلوه، وردّ بأنه يأباه النظم فإن المناسب حينئذ أن يقال لا أتخذه مما يخلق، ويترك ذكر الإرادة فيقال لو أتخذ ولداً، وظاهر أنّ قوله إذ لا موجود سواه الخ دليل للاصطفاء مما يخلق فلا بد من اعتبار الخلق سواء اعتبر الإمكان أو لم يعتبر فلا تطويل إلا إذا اعتبر الإمكان حيث يكون في الكلام زيادة ما لا حاجة إليه، واختيار ما يخلق دون ما يمكن لأنه المعروف في لسان الشرع، وأمّا

стр. 2609

الواجب والممكن فمن اصطلاج المتكلمين والفلاسفة وفيه نظر، وتحقيق هذا أن لو لها استعمالات استعمال أهل اللغة وهو انتفاء الثاني لانتفاء الأوّل نحو لو كان لي مال أحسنت إليك، واستعمال أهل الاستدلال وهو دلالة انتفاء الثاني على انتفاء الأوّل نحو ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] أو دلالة تحقق الأوّل على تحقق الثاني نحو لو كان العالم حادثا لكان الصانع مختارا فهذه ثلاثة معان مشهورة ورابع لم يشتهر لكنه ورد في فصيح الكلام، وهو ثبوت الجزاء على كل حال نحو نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وقد ذكر المدقق في الكشف في الآية وجهين أحدهما أنّ المعنى لو اراد اتخاذ الولد لامتنع أن يريده فالضمير راجع إلى ما دل عليه أراد لا إلى الاتخاذ، وحاصله لو أراد اتخاذ الولد امتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني اتخاذ الولد، ولا يجوز على البارى إرادة الممتنع لأنها ترجح بعض الممكنات فأصله لو اتخذ الولد امتنع فعدل لما ذكر لأنه أبلغ، ثم حذف الجواب وجيء بدله بقوله لاصطفى الخ تنبيها على أنه هو الممكن دون الأوّل فلو كان هذا من اتخاذ الولد في علمه لجاز، وليس منه فهو كقوله: ولا عيب فيهم غير أن تزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والوطن والثاني أنه أراد بقوله لو أراد نفي الصحة على كل تقدير كقوله نعم العبد صهيب الخ فلا ينفي الثاني، ولا يحتاج إلى بيان الملازمة فالمعنى الممكن الاصطفاء، وقد اصطفى وهو أيضا على أسلوب البيت المذكور ورجح هذا المحقق في شرحه وهذا مبنيّ على تفسير الاصطفاء فإن كان مجرّد اختياره لأحد من مخلوقاته فهو واقع، وان كان اصطفاؤه واختياره للنبوّة بأن يختار الأفضل الأكمل لها فيكون ردّاً عليهم في نسبة البنات له يكون منفيا هذا تحقيق المقام بما يزيل الأوهام فما ذكرناه عن أرباب الحواشي كلام سطحيّ لا حاصل له فتنبه. قوله: الا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد) هذا بناء على أنّ المراد الاصطفاء للنبوّة، وقوله فيقوم مقام الولد، وإن كان الكفار أثبتوا له نفس الولد لا ما يقوم مقامه كما مر في الصفات لأنه أراد نفيه بطريق أبلني كما عدل في النظم عن الاتخاذ إلى الإرادة لأنّ نفي ما يقوم مقامه أبلغ من نفيه فلا يرد عليه أن المقتضى للمماثلة الجنسية الولد لا ما يقوم مقامه كما قيل. قوله: (ثم قرر ذلك بقوله سبحانه الخ) أي عدم مناسبة المخلوق الخالص واستحالة الولد عليه تعالى عن ذلك علؤا كبيراً ونفي الأولياء بذكر ما ينافيه إجمالاً بقوله سبحانه تنزيها له عن الوليّ، والولد وتفصيلاً بوصفه بأنه واحد لا صاحبة له، ولا ولد قهار غالب لكل شيء فلا وليّ له هذا على اتصال قوله سبحانه الخ بقوله والذين اتخذوا من دونه أولياء الخ كما في الكشاف، وعلى ظاهر كلام المصنف اتصاله بما يله من نفي الولد فقط كما سنبينه، وقيل ذلك إشارة إلى بطلان المقدم أو التالي. قوله: (المستلزم للوحدة) في نفس الأمر وفي العقل كما مرّ مع ما فيه، وهذا بيان لكونه مقرراً لما قبله وقوله للوحدة الذاتية أي المنافية للكثرة في الذهن والخارج بحسب الأفراد أو الأجزاء كما هو مذلل في الكلام فمنع استلزام الوجوب الوحدة المنافية للأجزاء الذهنية التي ينتزعها الذهن من الفرد البسيط إن أراد الاستلزام في نفس الأمر فهو باطل وان أراد عند العقل فكذلك لأنه ليس المراد اللزوم البين بالمعنى الأخص كما مرّ فتدبر. قوله: (وهي) أي الوحدة تنافي المماثلة لاقتضائها المشاركة في بعض الذاتيات أو العوارض وهو يستلزم التركيب الذهني كما أشار إليه بقوله لأن كل واحد الخ، وقوله والتعين المخصوص بناء على ما ذهب إليه بعض الحكماء من دخول التعين في حقيقة الفرد، وجمهور المتكلمين على أنه خارج عنها، وفيه كلام لا يحتمله هذا المقام. قوله: (والقهارية الخ) هذا بناء على أن القهار مقر ولنفي الولد وعلى ما ذهب إليه الزمخشريّ من تقريره لنفي الولد هو ظاهر أما على هذا فلما ذكره من أنّ القهارية المطلقة المنصرفة إلى القهر الكامل بأن يكون قاهراً لكل ما سواه منافية للزوال لأنه لو قبله كان مقهوراً إذ المزيل قاهر له، ولذا قيل سبحان من قهر العباد بالموت، والولد يطلب ليقوم مقامه بعد زواله فإذا لم يكن الزوال لم يكن له حاجة إلى الولد، وأما كون الحاجة إلى الولد غير منحصرة في قيامه بعد زواله كما قيل فيرد بأنه أعظم فوائده عندهم فهو إلزام لهم حسب اعتقادهم فتدبر، والقهارية منصوبة أو مرفوعة بعطفه على الألوهية أو هي. قوله:)

стр. 2610

ثم استدل على ذلك) أي على الألوهية الحقيقية والوحدة الذاتية، وتطلق القهارية لا على الأخيرة فقط كما قيل لأنّ الإله الحقيقيّ المنزه عن المثل القهار المطلق هو الذي خلق مثل هذه المخلوقات بحكمته التي لا يقدر عليها سواه، وجعلها مسخرة منقادة. قوله:) يغشى كل واحد منهما الآخر الخ) التكوير اللف والليّ من كار العمامة على رأسه وكورها، وفيه كما في الكشاف أوجه أن يكون الليل والنهار خلفة يذهب هذا، ويغشى مكانه هذا واذا غشي مكانه فكأنه ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس، أو كل واحد يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار، أو أنّ هذا يكرّ على هذا كروراً متتابعاً يشبه تتابع أكوار العمامة فقيل إنه جعل غثيان الليل والنهار أحدهما مكان الآخر، وجعله محيطا بكل ما أحاط به الآخر حتى صار بمنزلة لباس بمكانه بحيث يصير أسود مظلماً بعدما كان أبيض منيرا وبالعكس تكويرا لأحدهما على الآخر ولفاعليه، والثاني أنه شبه تغييب أحدهما الآخر عند طريانه عليه بلف ساتر على ظاهر ليخفى بعد الظهور، وهو معنى تكويره عليه والفرق بين هذا، وبين الأول قليل جدا، وهو أن في الأول مع اعتبار الستر اعتبار الليّ واحاطة الجوانب وما أشعر به ظاهر كلامه من أنه اعتبر في الأول التشبيه في الفعل، وفي الثاني في المتعلق أعني المطروّ عليه إنما هو للتوضيح والمقصود واحد وهو التشبيه في الفعل لأنه على الوجهين استعارة تبعية استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسن ولا يبعد أنه جعله في الثاني استعارة بالكناية، والتكوير تخييلية قرينة لها أو تحقيقية كما في نقض العهد، وفي الثالث تمثيل وجهه منتزع من عدة أمور كر هذا على ذاك وبالعكس على سبيل التتابع والتلاف كما في العمامة لكنه ثمة على التظاهر، والاجتماع وهنا على التعاور والانقطاع، والذي يظهر في الفرق بين الوجوه الثلاثة مع احتمال التبعية والمكنية والتخييلية والتمثيلية أن تكوّر أحدهما على الآخر إما مجاز عن جعل أحدهما خلفا عن الآخر كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٦٢] ويكون معنى تكوير أحدهما على الآخر وستره له ستره لمكانه على أن فيه مع التجوّز في الطرف، أو المجموع تجوّزاً في النسبة وفي الثاني معنى التكوير فيه تغييب أحدهما للآخر كما في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [سورة الليل، الآية: ا- ٢] وان لم يعتبر فيه ما ذكر فالفرق بينهما ظاهر وليس قليلاً كما قالوا، وفي الثالث المقصود تعاقبهما كروراً ومروراً كما في قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤، فالمقصود تطبيق الوجوه على ما صرّح به في غيره من الآيات مع اختلاف المعنى المتجوّز عنه، فما قيل من الفرق بين الوجهين الأولين إنّ المراد من التغييب إدخال أحدهما في الآخر، وبالعكس بالزيادة والنقصان فيظهر الفرق بينهما مع أنه لا حاجة إليه ليس في الكلام ما يدل عليه، وفيما ذكرناه لك غنية عنه وكلام الشيخين صريح فيه. قوله: (منتهى دوره) بتمام البروج ومنقطع حركته يوم القيامة، ومر في سورة فاطر وجه آخر، وقوله الغالب قال شيخنا المقدسي إطلاق الغالب على الله لم يرد لكنه اشتهر على الألسنة في القسم، والطالب الغالب ولا أعلم ما أصله وعند من لم يشترط السماع في التوصيف لا إشكال فيه. قوله: (حيث لم يعاجل بالعقوبة الخ) فسر الزمخشريّ هنا العزيز الغفار بالقادر على عقاب المصرين الغفار لذنوب التائبين، أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى فسمي الحلم عندهم مغفرة، ولما كان تفسيره الأوّل مبنيا على مذهبه تركه المصنف، وأشار إلى الرد عله حيث عدل عن قوله القادر على الخ إلى ما ذكره واختار تفسيره الثاني في الغفار لأنه أنسب بالمقام إذ هو كالتذييل لما قبله من اتخاذ أولياء دونه ونسبتهم إليه ما لا يليق بجلاله فالمناسب أن يقال وهم لما كفروا ونسبوا لذاته ما لا يليق مع قدرته لا يعجل عقابهم، ولا يقطع عنهم إحسانه فسبحانه ما أعظم شأنه فاستعمل المغفرة التي هي ترك العقاب في الحلم الذي هو ترك التعجيل للمناسبة بينهما في الترك فهو استعارة، ويجوز كونه مجازاً مرسلا والأوّل أبلغ وأحسن وهذه الصنائع خلق الأجرام العظام لنفع الأنام وتسخير النيرات. قوله: (استدلال آخر بما أوجده الخ) أي هذا استدلال آخر على ألوهيته، ووحدته مع ما فيه من تقرير قدرته وقدّم الاستدلال بما في الآفاق

стр. 2611

لكونه أظهر وأباع مما في الأنفس، وقد يقدم الثاني لكونه أقرب وأرسخ كما أشار إليه المصنف وقوله مبدوأ به البدء بالنسبة لبقية النوع البشري، والحوادث الكائنة بعد إيجاده وكونه أعجب بالنسبة لغيره باعتبار ما فيه من العقل وقبول أمانة التكليف وغيره كما قيل: وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر لا لخلق حواء من قصيراه كما قيل، وان كانت الأفلاك أعظم وأعجب من وجه آخر. قوله: (وفيه) أي في خلق الإنسان أو في هذا القول، وقوله قصيراه تصغير قصري وهي صفة للضلع الأخيرة من أسفله وتصغيرها لأنها أصغر الأنواع وكيفية خلقها منه تفصيلا لا يعملها إلا الله لكنه قيل إنها خلقت من بعضه وقيل من كله بأن فصلت منه وأبدلت بضلع آخر مكانها ولذا قيل إنّ هذه الضلع ناقصة في النساء، وعذها الزمخشريّ اثنين بإسقاط الثالث لعدم اختصاصها به، وقوله منهما أنسب بالواقع، ولو أفرده مضمراً آدم كان أنسب بقوله واحدة ولكل وجهة. قوله: (وثم للعطف على محذوف) أو على واحدة لأنه في الأصل اسم مشتق فيجوز عطف الفعل عليه كقوله صافات ويقبضن لكنه غلب عليه الاسمية فصار كالجامد ولذا أخره المصنف عن التقدير، والزمخشري رجحه لأنّ التقدير خلاف الأصل، وقوله وجدت بالتخفيف يقال وحد يحدو حداً كعلم ويجوز تشديده واسم الفاعل قد يكون للمضيّ وإنما يمتنع إرادته إذا عمل كما صرحوا به فلا وجه لما قيل إنه لا دلالة له على المضيّ فيشكل العطف بثم لو عطف على لفظه دون تأويل وقوله فشفعها أي جعلها شفعا وزوجا وثم على هذين الوجهين على حقيقتها، ولذا قدمه المصنف. قوله: (أو على خلقكم لتفاوت ما بين الآيتين الأن خلق حوّاء من ضلعه أعظم في القدرة الباهرة من خلقه من تراب لأنه سبق مثله فكم ذي روح خلق منه بدون واسطة، وبها ولو لم يحمل على التفاوت الرتبي لم يصح العطف بها لأنّ خلقها مقدم على خلقهم ولذا أوّله بعضهم بالقيل المذكور من أنّ المراد بخلقهم إخراجهم من صلبه في عالم الذر إذ خوطبوا بألست، وفي قوله كالذر إشارة إلى أنّ الذرية منسوبة إلى الذر وغير بضم أوّله كما قيل دهري بالضم نسبة للدهر، وقوله ثم خلق منها أي من قصيراه وفي نسخة منه أي من آدم ﵊ ومن أرجع ضمير منها للذرية فقدسها، وأعلم أنّ التفاوت الرتبي هنا فيه المعطوف عليه أدنى رتبة وهو جائز كعكسه كما مز التصريح به، واتفاق شراح الكشاف على جواز. فلا حاجة لتأويله بتنزيل البعدية منزلة التعظيم أو ادعاء أخذه من المقام كما توهم. قوله: (وقضى أو قسم لكم) جعلها مقسومة بينكم كما تقسم بقية الأرزاق، وهو إشارة إلى تأويله لأنّ الأنعام لم تنزل عليهم من السماء بأنّ إنزالها مجاز عن القضاء، والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ، ونزلت به الملائكة الموكلة باظهاره في العالم السفلي فلذا وصف ذلك بالنزول وان كان معنى لا يوصف به حقيقة لكن لشيوعه وتعارفه تجوّز به عنه فلا يرد عليه شيء كما أشار إليه ففي قوله انزل استعارة تبعية لتشبيه القضاء بالنزول ووجه الشبه الظهور بعد الخفاء، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلا، وقيل إنها نزلت من الجنة حقيقة كما روي في بعض الآثار والله أعلم بصحته. قوله: (أو أحدث لكم الخ (وجه آخر لتأويله يعني أنّ النازل من السماء سبب حياتها وهي الأمطار وفي جعل الأشعة نازلة تسمح فجعل نزول ما به حياتها وبقاؤها بمنزلة نزولها بأن تجوّز في نسبة الإنزال إليها لما بينهما من الملابسة، وأمّا إنه أريد بالأزواج أسباب تعيشها مجازاً أو جعل الإنزال مجازاً عن الإحداث المذكور فتعسف والزوج كل ذكر وأنثى من ذوات الأرواح. قوله: (غلب أولي العقل) في ضمير العقلاء والخطاب ففيه تغليبان فإن خص الخطاب بهم فهو ظاهر والقرينة عقلية إذ لا يصلح للخطاب غيرهم، وقوله حيوانا الخ إشارة إلى أطوار خلقه وان خلقا بعد خلق لمجرّد التكرير كما يقال مرّة بعد مرّة لا أنه مخصوص بخلقين، وقوله من بعد أن تعلق بالفعل فالمصدر مؤكد والا فلا وقوله في ظلمات ثلاث الخ بدل من قوله في بطون أمّهاتكم أو متعلق بخلق أو خلقا إذ لا يلزم كونه مصدراً مؤكداً والرحم موقع النطفة، والمشيمة كنميمة، مقرّ الولد والصلب فيه مبدأ المني لأنه يخرج من

стр. 2612

بين الصلب والترائب. قوله:) هو المستحق لعبادتكم) إشارة إلى أنّ ربكم خبر بعد خبر عن ذلكم لا بدل، وان كان محتملا لأنه لو كان إشارة إلى البدلية كما قيل لم يعطف، وأنّ الرب بمعنى المالك وبقي فيه احتمالات أخر وهي ظاهرة وقوله إذ لا يشاركه في الخلق غيره هو معنى قوله له الملك لأن معناه جميع المخلوقات مخصوصة به خلقاً وملكا كما مرّ فجملة لا إله إلا الله متفرّعة على ما قبلها، ولم يصزج فيه بالفاء التفريعية لظهوره اعتماداً على فهم السامع، وقوله عن إيمانكم سواء كان إشارة لتقدير المضاف أو بيانا لحاصل المعنى الدال عليه مقابلته بالكفر، وعطف قوله ولا يرضى لعباده الكفر هو الأوفق بالسياق فلا وجه لما قيل إنه لا حاجة إليه لأنّ الغني عن إيمانهم مترتب على الغني عنهم فإنه لو لم يتحقق الأوّل لم يتحقق الثاني. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (اختلف العلماء في الكفر هل يرضاه الله أم لا فذهب بعض الأشعرية كالنووي في كتاب الأصول والضوابط إلى أنّ الكفر يرضاه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ المراد بالعباد هنا المؤمنون المخلصون منهم والإضافة للتشريف كما نقله السخاوي وقال إنه وقع في عصره البحث فيه، وأنكره علماء الحنفية كالعيني ونقله ابن الهمام عن الأشعري وامام الحرمين والظاهر إنه دائر على تفسيره فمن قال الرضا والإرادة بمعنى فمقابله الكره ذهب إلى الأوّل وخص العباد هنا ومن فسره بالمحبة أو بالإرادة مع ترك الاعتراض، ويقابله السخط كما في شرح المسايرة ذهب إلى الثاني، وعمم العباد فاحفظه. قوله: (لاستضرارهم به رحمة عليهم) تعليل لعدم الرضا والرحمة تعليل للمعلل، يعني أنه تعالى لما أرشد إلى الحق وهدد على الباطل إكمالاً لرحمته خاطب جميع العباد بقوله إن تكفروا الخ تنبيها على الغنى الذاتي وأنه لم يأمر وينه لانتفاعه أو تضرره بل رعاية لمنافعهم ودفعاً لمضارهم لرحمته، ولذا عدل فيه عن الخطاب تنبيها على أنّ عبوديتهم، وربوبيته تقتضي أن لا يرضاه لهم وأنهم إذا كفروا خرجوا عن رتبة العبودية ففيه من لطائف البلاغة ما لا يخفى، ثم إن الرضا يتعدى بنفسه وبالباء وعن وعلى ويتعلق بالعين والمعنى وإذا تعدى باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك كذا والرضا حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به، واكتفاء فهو غير الإرادة بالضرورة لتقدمها وهو في غير المستعمل باللام فإنه يكون قبله ومعنى رضيته لك أنه مما يحق أن يرضى ويختار والرضا في حقه تعالى محال وهو مجاز عن اختياره، هذا محصل ما أفاده المدقق في الكشف. قوله: الأنه سبب فلاحكم (فرضاه وعدم رضاه ليس إلا لنفع عباده فإنه غني عن العالمين وعن أعمالهم فشكرهم يزيدهم فلاحا وسعة وزيادة نعم، وقوله في رواية أي عن نافع فقط فإنه روي عنه أيضاً الاختلاس. قوله: (لأنها صارت بحذف الألف) من يرضى التي هي قبل الضمير بعد متحرّك والقاعدة في إشباع الهاء وعدمه أنها إن سكن ما قبلها لم تشبع نحو عليه وإليه، وان تحرّك أشبعت نحوه به وغلامه وهنا قبلها ساكن تقديرا وهو الألف المحذوفة للجازم فإن جعلت موجودة حكماً لم يشبع وان قطع النظر عنها أشبع هذا هو الفصيح، وقد يشبع ويختلس في غير ذلك وقوله لغة فيها هي لغة بني عقيل وكلاب إجراء للوصل مجرى الوقف، وقوله ولا تزر الخ مرّ تحقيقه، وقوله بالمحاسبة الخ فالأنباء كناية أو مجاز عن المحاسبة والجزاء وذات الصدور والسرائر، وقوله فلا تخفى الخ إشارة إلى أنّ تخصيصه لأنه يعلم منه ما عداه بالأولى. قوله: الزوال ما ينازع العقل الخ (مبدأ مصدر ميمي بمعنى البدء، وما ينازع العقل ويعارضه فيصرفه عن الحق والصواب من الاعتقاد الفاسد في الأصنام وأنها تنفع وتضر وهو ما يبغتهم من الشر الذي يذهلهم عنها فيرجعوا إلى ما ركز في الطبيعة من أن جميع الأمور ضراً ونفعا من الله لا ضارّ، ولا نافع سواه. قوله:) من الخول (بفتحتين وهو تعهد الشيء أي الرجوع إليه مرة بعد أخرى، ومنه الحديث " كان ﷺ يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة " قلما كان المعطي الكريم يتعهد من هو ربيب إحسانه وأسير امتنانه بتكرير العطاء عليه مرّة بعد أخرى قيل خؤله بمعنى أعطاه، أو لأنه كما قال الراغب أصله أعطاه خولاً بفتحتين أي عبيداً وخدما أو أعطاه ما يحتاج إلى تعهده والقيام عليه، ثم عم لمطلق العطاء كما سيأتي وقد فسره في الأنعام بتفضله عليه بالنعم، وليس بعيدا مما هنا كما توهم. قوله: (أو الخول (بسكون الواو وهو

стр. 2613

الافتخار تبع فيه الزمخشريّ وقد ردّه شراحه بأنّ خال بمعنى افتخر يائيّ لا غير، وتعينه الخيلاء وقد اتفق عليه أهل اللغة، وصزج به هو في الأساس وأخذه منه أيضا لا يقتضي أن يتعدى للمفعول الثاني، والجواب بأنّ الزمخشري ثقة وسند قوي كيف يتأتى، وهو قد صرّج بخلافه في كتبه من غير نقل اختلاف فيه فالذي يقربه من السداد أن يقال إنه واوفي ويائي وان اشتهر الثاني ومثله كثير، وقد أشار إليه في المصباج والروض الأنف وليس المراد أنّ خوّل مضعف خال بمعنى افتخر حتى يشكل تعديه للمفعول الثاني، بل إنه موضوع في اللغة لمعنى أعطاه، وما ذكر بيان لمأخذ اشتقاقه وأصل معناه الملاحظ في وضعه له ومثله كثير فأصله جعله مفتخراً بما أنعم عليه، ثم قطع النظر عنه وصار بمعنى أعطاه مطلقا كما مرّ. قوله: (أي الضرّ الذي الخ (فما واقعة على الضرّ وهي على استعمالها، وقوله إلى كشفه إمّا إشارة إلى تقدير المضاف أو بيان للمعنى المراد منه لأن المراد من الدعاء إليه إزالته ففي يدعو ضمير الله مقدر، وهو المفعول له ودعا من الدعوة وهو يتعدى بإلى يقال دمحا المؤذن الناس إلى الصلاة ودعا فلان القوم إلى مأدبته، والدعوة مجاز عن الدعاء في هذا الوجه. قوله: (أو ربه) هذا هو الوجه الثاني، والدعاء فيه على ظاهره، وقوله يتضرّع إليه إشارة إلى أنّ دعا ضمن معنى تضرّع وابتهل فلذا عدّى بإلى قيل، ولو ضحمن معنى الإنابة كان أنسب لأنه صرّج به في قوله دعا ربه منيبا إليه وما على هذا أقيمت مقام من لقصد الدعاء الوصفي كما مز، ولما في ما من الإبهام والتفخيم، وقوله مثل الخ إشارة إلى أنّ ما وقعت على ذوي العلم في غير ما نحن فيه. قوله:) والضلال والإضلال الخ) يعني أنّ اللام هنا لام العاقبة، والمآل لترتب ما ذكر على هذا الجعل وهي مستعارة من لام التعليل الداخلة على الغرض استعيرت لما ذكر كما مز تحقيقه لكن فيه أنّ الضلال ليس نتيجة جعل الأنداد بل سبب مقدم عليه كما لا يخفى، والإضلال لا يمتنع فيه أن يكون غرضا إلا أن يقال المترتب عليه الضلال الكامل أو ضلال مخصوص، أو استمراره والإضلال وإن قصد من فعلهم لكنهم لا يعتقدون أو لا يظهرون أنه إضلال بل إرشاد والمراد بالنتيجة ما يؤدّي إليه الفعل، والغرض ما يقصد ترتبه على الفعل. قوله: (أمر تهديد الخ الما كان الأمر بالتمتع بالكفر أمراً بالكفر في الحقيقة والله لا يأمر بالفحشاء جعله الزمخشريّ مجازاً عن الخذلان والتخلية بتشبيه المخذول الذي خلى، وشأنه بالمأمور فهو إمّا استعارة تبعية أو مكنية كما مرّ تفصيله في سورة العنكبوت والمصنف جعله للتهديد بجامع التمكين من الفعل فيهما كقولك في الغضب لمن عصاك اصنع ما شئت، وقوله تشه أي أمر ناشئ من الهوى الذي تشتهيه أنفسهم والإشعار المذكور من جعل معتقدهم تمتعا إذ المراد تمتعوا بشهواتكم كما مرّ في سورة إبراهيم، وما يشتهي لا سند له والإقناط من جعل تمتعهم بالكفر المشعر بأنهم لا تمتع لهم بغيره وأنّ مدة تمتعهم في الدنيا قليلة وقليلا نصب على المصدرية أو الظرفية. قوله:) ولذلك) أي لكون المقصود تقنيطهم جعل كونهم من أصحاب النار تعليلا ولولاه لم يصح التعليل، وقوله للمبالغة تعليل لقوله أمر تهديد لجعلهم لشدّة خذلانهم كأنهم مأمورون به أو لقوله علله بجعلهم كأنهم يفعلون ما به يكفرون لأجل الخلود في النار، ولذا أورده مؤكداً مستقلاً، وقوله قائم الخ إشارة إلى أن أصل معنى القنوت لغة القيام، ثم نقل للقيام للطاعة والعبادة. قوله: (آناء الليل (جمع إني أو أني أو أني مقصوراً كما في قوله تعالى غير ناظرين إناه بمعنى وقت وساع ترخص عبادة الليل بالذكر لأنها أقرب إلى الإجابة وأبعد من الرياء، وقوله وأم متصلة فلا بدّ لها من معادل مقدر وتقديره ما أشار إليه بقوله ألكافر الخ بفتح همزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل مع المد وعدمه، والمراد بالكافر الجنس المدلول عليه بقوله تمتع بكفرك فحذف الخبر والمعادل وقدر الخبر خيراً للتصريح به في قوله: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة فصلت، الآية؟ ٤٠،. قوله: (أو منقطعة) بمعنى بل والهمزة فيقدر الخبر ولا يقدر لها معادل، وقوله كمن هو بضده هو الخبر أي ملتبساً بضدية القانت بأن يكون عاصيا أو كافراً وعممه في صورة الإضراب لأنه المناسب لانقطاعه عما قبله بخلافه على الاتصال فإنه متعلق بما قبله من أحوال الكفرة فلذا خصه المصنف في الاستفهام بالكافر وعمم في الإضراب فكأنه قيل: ح عنك الكافر فإنه ظاهر

стр. 2614

الخسران والذي يهمك علمه أنه هل يستوي من يجتهد في العبادة وغيره، والمقصود الترغيب في الطاعة والتسلية له وللمؤمنين فتأمّل. قوله: (بتخفيف الميم (وادخال همزة الاستفهام على من، ونقل عن الفراء أنّ الهمزة فيه للنداء بمعنى يا تقليلاً للحذف وهو بعيد لأنه لم يقع في القرآن نداء بغيريا فالمعنى يا من هو قانت قل الخ. قوله: (حالان الخ (ولا حاجة إلى جعله حالاً من ضمير يخذر مقدما من تأخير من غير ضرورة داعية لذلك، وقوله والواو للجمع بين الصفتين توجيه للعطف هنا وتركه في قوله ساجداً بأن القنوت لما كان مطلق العبادة لم يكن مغايراً للسجود والقيام فلذا لم يقرن بالعاطف بخلاف السجود والقيام فإنهما وصفان متغايرأن فلذا عطف أحدهما على الآخر كما في قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [سورة التحريم، الآية: ٥] وقيل إنه توجيه للعطف مع أنّ ذات الساجد والقائم متحدة بأنه نزل تغاير الصفتين منزلة تغاير الذاتين وفيه نظر، وكذا ما قيل إنه يعني أنّ كلاَ منهما عبادة منفردة لكن لا يخفى فضيلة الجمع بينهما إذ لا محصل له. قوله: (في موقع الحال) من ضمير قانت أو ساجدا أو قائما، وقوله للتعليل لأنه جواب سؤال تقديره لم يجتهد في العبادة والعبودية فقيل لأنه يحذر الخ. قوله: (نفي لاستواء الفريقين (المؤمن والكافر أو المطيع، والعاصي وقوله بعد نفيه باعتبار القوة العملية إشارة إلى أنّ المراد بالذين يعلمون العاملون المعبر عنهم بالقانت المذكور سواء كنت أم متصلة أم منقطعة لأنّ هل يستوي الخ نفي للمساواة بين القانت المطيع وغيره، وهو المراد بالعالم هنا ليكون تأكيداً له وتصريحا بأنّ غير العامل كان ليس بعالم، وقوله على وجه أبلغ للتصريح فيه بالاستواء بعد الدلالة عليه بالهمزة وأم وذكر النفي بالاستفهام الإنكاري على من يسوي بينهما، ومزيد فضل العلم من في المساواة بين من اتصف به، ومن لم يتصف الدال على نفي المساواة بين العلم والجهل بالطريق الأولى. قوله: (وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه (عطف على ما قبله بحسب المعنى إذ التقدين الذين يعلمون والذين لا يعلمون هم القانتون، وغيرهم فيتحدان بحسب المعنى أو المراد بالثاني غير الأوّل وإنما ذكر على طريق التشبيه كأنه قيل لا يستوي القانت وغيره كما لا يستوي العالم والجاهلا فيكون ذكره على سبيل التمثيل ففيه تأكيد من وجه آخر. قوله تعالى:) ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ الخ) هو كالتوطئة لأفراد المؤمنين بالخطاب والإعراض عن غيرهم، وقوله مثوبة الخ يعني إن حسنة صفة مثوبة مقدر وجعل الحسنة من حسنات الآخرة لأن الثواب والعقاب فيها وجعل في الدنيا متعلق بأحسنوا ومقابلته به تقتضي ذلك، وتنوين حسنة للتعظيم وأما إذا جعل قيداً للحسنة على أنه كان صفة لها فقدم وهو مبين لمكان الحسنة، وأين وقعت فيشكل إعرابه لأنّ الصفة لا تتقدم مع الوصف فتصير بعد التقدم حالاً والمبتدأ لا يجيء منه الحال على الصحيح، وكونه حالاً من الضمير المستتر في الخبر لأنه ضميره فكأنه حال من خلاف المعروف في أمثاله، ولو جعل خبر مبتدأ البيان الحسنة والتقدير هي في الدنيا والجملة معترضة كان أحسن لا مستأنفة استئنافاً بيانيا في جواب سؤال أين هي لضعفه بتقدم السؤال على منشئه، ولو جعل قوله في الدنيا متعلقا بأحسنوا وحسنة على أنها لحسنات الدنيا والآخرة كان أعم وأتم ووجه ضعف القيل ظاهر، ولو قيل إنه يقال من حسنه على أنها فاعل الظرف سلم من التكلف لكنه على مذهب الأخفش وهو ضعيف. قوله: (فمن تعسر عليه الخ (وجه إفادة هذا التركيب هذه المعاني الكثيرة أوضحه شراح الكشاف بأنّ قوله للذين أحسنوا الخ مستأنف لتعليل الأمر بالتقوى ولذا قيد بالظرف لأنّ الدنيا مزرعة الآخرة فينبغي أن يلقى في حرثها بذر المثوبات، وعقب بهذه الجملة لئلا يعتذر عن التفريط بعدم مساعدة المكان، ويتعلل بعدم مفارقة الأوطان فكان حثا على اغتنام فرصة الأعمال، وترك ما يعوق من حب الديار والهجرة فيما اتسع من الأقطار كما قيل: إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي وكل العالمين أقاربي قوله: (ومهاجرة الأوطان) هذا مأخوذ مما قبله وبه يتم الأخذ بالحجز، وقوله أجراً لا يهتدي إليه حساب الحساب كون الحساب نفسه غير مهتد تركيب بليغ ووجه الاستعارة فيه ظاهر، وقوله بغير حساب هوا المقصور عليه، وهو حال إمّا من أجرأ ومن الصابرين، وقوله أجرا الخ اختيار لكونه حالاً من أجرهم

стр. 2615

لقربه لفظاً ومعنى، وإنما فسره بما ذكر إيضاحا لمعناه لا لأنه صفة مصدر مقدر كما توهم فإنه لا وجه له. قوله: (وفي الحديث الخ) رواه الطبرانيئ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ وهو ضعيف كما قاله العراقي لكنه لا يضرّنا، وقوله يصب عليهم الأجر صبا الظاهر أن الصبّ مجاز عن كونه بالغا حد الكثرة من غير تقدير. قوله: (موحدا) إخلاص الدين تقدم أنّ معناه لا يشوب طاعته رياء ولا شرك، وهو مستلزم للتوحيد فلذا فسره به، وقوله مقدمهم أي مقدم المسلمين لأن إخلاصه أتم من اخلاص كل مخلص فلذا حاز به القصب فلا يتوهم أنه غير مختص دون أمته بالإخلاص حتى يكون ذلك سبب تقدّمه، وقيل إنه لما كان الهادي للإسلام كان إخلاصه موجبا لسبقه على غيره فالأوّلية زمانية وهي باعتبار معنى الإسلام الشرعي فإنه أوّل من اتصف به من أمته فهو يرجع إلى ما بعده، وقوله لأن قصب السبق الخ أي لأن إحراز قصب السبق ففيه مضاف مقدر لأنه معروف في التعبير عنه، واحرازه كناية عن التقدم والسبق وفي نسخة حيازة قصب الخ فلا تقدير فيه وأصله أنهم كانوا في مراهنتهم في سباق الخيل يوضع في نهاية ميدانه قصبة مغروزة كل من يأتي أوّلاً يأخذها فيعلم بذلك سبقه لغيره، ثم صار مثلاً في كل سبق وعلى هذا فالأوّلية في الشرف والرتبة. قوله: (أو لأنه أوّل من أسلم الخ) فالأولية زمانية على ظاهرها، وقوله من دان بدينهم معطوف على قريش وفيه أنّ أهل السير ذكروا أن بعض قريش كان يتحنف ويتعبد بدين حق في الفترة كورقة بن نفيل وأشخاص أخر إلا أنه لا يعد ذلك في جنبه شيثاً فإنه لم يكن عن تحقيق قاطع لغرق الشبهة، وقد صار منسوخا برسالته ﷺ وهذا معطوف على جملة ما قبله بحسب المعنى واللام على هذا تعليلية أيضا ولو عطف على مقدر لكان أظهر والتقدير لأنه تقدمهم الخ أو لأنه الخ فما قيل إنّ حق العبارة أو لأن أكون أوّل من أسلم الخ بالزمان لا وجه له والمراد الإسلام على وفق الأمر فلا ينافيه تعبده ﷺ قبل النبوّة. قوله: (والعطف لمغايرة الثاني الآوّل) دفع للسؤال الوارد على تقديره، وتقريره وهو أنه اتحد فيه المتعاطفان وليس عطف تفسير بأنه لذكر العلة فيه صارا بالزيادة متغايرين، وقوله والإشعار الخ هو المرجح للعطف بعد ذكر المصحح له يعني أنّ في العطف رمزاً إلى أنّ عبادة المخلص مأمور بها لذاتها ولأجل تحصيل شرف الدارين وهذا على التفسير الأوّل ولو قدر وأمرت بالإخلاص كانت المغايرة ظاهرة أيضا، والسقة بضم فسكون ما يعطاه من سبق من الخطر ويقال له سبق بفتحتين أيضاً. قوله: (ويجوز أن تجعل اللام الخ (وهي كما ذكره الزمخشريّ تزاد في المفعول بعد فعلى الإرادة والأمر كثيراً إذا كان المفعول غير صريح للتنبيه على أنه معدول عن النهج المعتاد، وقوله والبدء بنفسه هو معنى قوله وأمرت الثاني أي أنه أمر أوّلاً بعبادة الله مخلصاً له وثانياً بأن يكون أوّل عامل بما يدعو الناس للعمل به لا كالملوك الجبابرة الذين يأمرون بما لا يفعلون ليكون مقتدى به قولاً وفعلاً. تنبيه: هذه المسألة من مسائل الكتاب قال: سألت الخليل عن أريد لأن أفعل فقال إنما يريد أن يقول إرادتي لهذا كما قال وأمرت لأن أكون أوّل المسلمين، اهـ وقال السيرافي هذه الآية فيها وجهان فعند البصريين إنها تعليلية والمفعول مقدر أي أريد ما أريد وأمرت بما أمرت لكذا، والثاني أنها زائدة وقال أبو عليئ في التعليقة: إنها متعلقة بمصدر دل عليه الفعل أي أردت وإرادتي لكذا وهو أشبه بكلام الكتاب لكنه لا بد للعدول عن الظاهر من نكتة لأنه متعد بنفسه، وكأنها والله أعلم أن إرادة غيره قد تتخلف وأمر غيره قد لا يمتثل فقدر المفعول هنا ليفيد مع العموم أنه مقرر غير محتاج للتصريح به فتامّل. قوله: (بترك الإخلاص الخ (هذا هو المناسب، وكون العذاب عظيما لعظمة ما فيه ظاهر ولو أبقى على عمومه صح والمقصود به تهديدهم والتعريض لهم بأنه مع عظمنه لو عصى الله ما أمن العذاب فكيف بهم، وقوله لعظمة ما فيه إشارة إلى أنّ وصف اليوم يا لعظمة مجاز في الطرف أو الإسناد وهو أبلغ ولذا عدل عن توصيف العذاب به. قوله:) أمر بالإخبار عن إخلاصه (هذا معنى الله أعبد وما يفيده فحواه لأنّ تقديم المفعول يفيد الحصر الدال على إخلاصه عن الشرك الظاهر والخفيئ، وقوله وأن يكون الخ هو منطوقه، وقوله بعد

стр. 2616

الأمر الخ إشارة إلى تغايره مع ما مرّ وأنه لا تكرار فيه للفرق بين الأمر بالأخبار ونفس الأخبار، وقوله خائفا الخ هو معنى إني أخاف الخ، وقوله قطعا الخ إشارة إلى ما ذكر عن مقاتل في سبب النزول أن كفار قريش دعوه كحيه إلى دينهم وعدم مخالفة أديانهم فنزلت قطعا لأطماعهم، ثم إنّ قوله مخلصاً حال مؤكدة، وقيل إنها مؤسسة وفسر بأن لا ينوي بعبادته شيئا مّا كقول رابعة سبحانك ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا رجاء لثوابك. قوله: (ولذلك رتب عليه قوله الخ (أي لكون المقصود منه، الأمر بإخباره عن إخلاصه رتب الخ لأن معناه أنا مخلص فافعلوا أنتم ما أردتم وأما كونه إشارة لقطع أطماعهم عن اتباعه لهم كما قيل فقيل يخفى فيه وجه الترتب، وفيه نظر لأنّ المعنى انقطعت أطماعكم الفارغة عني فافعلوا ما أردتم ولا خفاء فيه وليس ببعيد مما قبله، وقوله تهديدا الخ تعليل لقوله قوله وهو إشارة إلى ما مرّ من أنّ الأمر مجاز عن التخلية والخذلان وقد عرفته. قوله:) الكاملين في الخسران (قيل إنه فسره به للإشارة إلى أنّ تعريفه للعهد ليصح الحصر، ويتضح الحمل فإنه كحمل الشيء على نفسه بحسب الظاهر، وليس هذا بمتعين لجواز كون تعريفه للجنس بعدما عدا هذا الخسران كأنه ليس بخسران، أو لأن المطلق ينصرف إلى أكمل أفراده، وأما الحم! فغير محتاج إلى تأويل لظهور تغايرهما وكذا الحصر فيه لما مر، وقوله يوم القيامة مع أن الضلال والإضلال في الدنيا لأن الخسران هو هلاكهم، وهو واقع فيه والضلال والإضلال سبب له متقدم عليه، وفسر يوم القيامة بوقت دخولهم النار لتحقق الخسران فيه ولو أبقى على ظاهره لأنه يتبين فيه أمرهم أو هو فيه مبدأ خسرانهم صح. قوله: الأنهم جمعوا وجوه الخسران (أي أعاظم أنواعه وهو تعليل لكونهم كاملين فيه، وقوله وقيل الخ التفسير السابق على أنّ المراد بأهليهم من أضلوهم وأتباعهم في الضلال، وأما على هذا فالأهل الاتباع مطلقاً وخسرانهم كما فصله المصنف، وفيه وجه آخر في الكشاف لبعده تركه المصنف وذكر وجوه المبالغة في هذه الجملة ومنها أيضا التصدير باسم الإشارة للبعيد للدلالة على عظمه وأنه بمنزلة المحسوس وصيغة فعلان أيضاً فإنها أبلغ من الخسر. قوله: (شرح لخسرانهم (تهكماً بهم، ولذا قيل لهم وعبر بالظلل عن طبقاتها التي بعضها فوق بعض فلما كانت الطبقة العليا مظلة للسفلى سميت ظلة على التشبيه أو التجوّز، وقوله هي ظلل للأخرين أي لمن في الطبقة السفلى منهم فتسمية ما تحتهم منها ظلة لأنه ظلة لمن تحتهم في طبقة أخرى ولو جعل مشاكلة كان أقرب فإنه لا يطرد في الطبقة الأخيرة منها إلا أن يقال إنها للشياطين ونحوهم مما لا ذكر لهم هنا فلا يرد ما ذكر والمراد بما ذكر أنّ النار محيطة بجوانبهم. قوله: (ليجتنبوا الخ (عبارة تحتمل للعموم ولخصوص المؤمنين لأنهم المنتفعون به، وهو ظاهر كلام المصنف وقوله فعلوت منه أي من الطغيان وفيه قلب والداعي له أنّ معناه مقتض له، ومادّة طيغ أو طوغ مهملة والمبالغة فيه من وجهين لأنه صيغة للمبالغة كالملكوت، والوصف بالمصدر يفيد ذلك أيضا فمعناه شديد الطغيان ولذلك اختص بالشيطان لأنه رأس الطاغين، وقيل عليه أنه ينافي ما مر وما في كتب اللغة من أنه الباطل وكل ما عبد من دون الله بل ظاهر قوله هو البالغ غاية الطغيان، وأجيب بأن ما ذكر بحسب الوضع والاختصاص بحسب الاستعمال (وفيه بحث (فأصله طغيوت، ثم طيغوت ثم طاغوت وإعلاله ظاهر ووزنه فعلوت وقيل فاعول، وقوله بشرأشرهم أي بجملتهم أخذه من ترك المفعول، وقوله عما سواه أي رجعوا عما سواه فهو متعلق بأنابوا ولو بلا تضمين، وقوله عند حضور الموت، وقيل في موقف الحشر. قوله: (للدلالة على مبدأ اجتنابهم الأن مبدأ اجتناب النواهي استماع أحسن القول من النهي والموعظة، وقوله نقاد جمع ناقد هو من قوله يتبعون أحسنه وكون الاستماع مبدأ لا ينافي كون مسموعهم مفرعا على الدين الذي من جملته الاجتناب أو يقال الاتباع أمر ممتد مستمر فيتقدم باعتبار بعض ويتأخر باعتبار آخر، وقوله يميزون بين الحق والباطل هذا يفهم من دلالة النظم لأنّ من يميز الحسن من الأحسن ويختار الأحسن على الأحسن يلزمه أن يميز القبيح من الحسن ويجتنب القبيح. قوله: (العقول السليمة الخ (بناء على أنه في الأصل خيار الشيء، ولذا قيل اللب أخص من العقل كما ذكره الراغب، وقوله عن منازعة الوهم الخ

стр. 2617

سلامته ببقائه على مقتضى الفطرة، وأن لا يعدل عنه لأمور وهمية أو عادية، كما في عبادة الأصنام، وقوله الهداية الخ مذهب الأشعريّ، أنّ ما يفعله العبد كله من خير كالهداية وغيره فعل الله بإيجاده وخلقه فيه، ومنه القبول لذلك من غير تأثير له فيه بل كسب، وعند الماتريدية بخلافه، ودلالة الآية عليه بقوله أولو الألباب، وعلى الأوّل بما قبله. قوله: (جملة شرطية معطوفة الخ) هو أحد قولين للنحاة فيه فمنهم من يجعله عطفا على المقدر الذي دخلت عليه الهمزة كما ذكره المصنف، ومنهم من يجعل الهمزة مقدمة من تأخير لأصالتها في الصدارة، وهو الذي رجحه في المغنى، ومعنى مالك أمرهم قادر على التصرف فيه. قوله: (فكررت الهمزة في الجزاء الخ) إنما أعيدت لأنّ المقصود بالإنكار هو الجزاء لكن قدمت الهمزة لصدارتها كما مر، وقيل إنها أعيدت لاستطالة الكلام لأنّ المقدر كالمذكور. قوله: (ووضع من في النار موضع " الضميرا لأنّ الأصل أفأنت تنقذه، وقوله: لذلك أي للتأكيد، لأن المراد انقاذ. من العذاب إذا صار في النار، لأنه هو محل الإنكار، وقوله وللدلالة الخ، الحكم عليه بالعذاب من الشرط، وهو معنى كونه حق عليه العذاب لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن الجزاء في محله، وقوله: ويجوز الخ فلا تكرار فيه حينئذ، وقوله: للدلالة على ذلك أي على أنّ من حكم عليه الخ، والجزاء المحذوف فأنت تنقذه، وأعلم انّ في هذه الآية كما قاله الشارح المحقق استعارة لا يعرفها إلا فرسان البيان، وهي الاستعارة التمثيلية المكنية لأنه نزل ما دل عليه قوله أفمن حق عليه كلمة العذاب، من استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا، منزلة دخولهم النار في الآخرة، حتى يترتب عليه تنزيل بذله ﷺ جهده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار، الذي هو من ملائمات دخولهم النار، وقد عرفت من مذهبه أنّ قرينة المكنية قد تكون استعارة تحقيقية، كما في نقض العهد، وأما ما قيل من أنّ النار مجاز عن الكفر والضلال المفضي إليها فذكر المسبب، وأريد السبب، فكأنه قيل أنت تهدي من أضله الله، والإنقاذ ترشيح لهذا المجاز، أو مجاز عن الدعاء للأيمان والطاعة، فمع بعد. عما ذكره الزمخشريّ نازل الدرجة بالنسبة لما ذكر، وعليه ينزل كلام المصنف أيضا، فما قيل في شرحه إنه تشبيه بليغ كزيد أسد وتنقذ ترشيح له، بعد سماع ما مرّ لا وجه له، وقوله سعى في إنقاذهم أي كالسعي. قوله تعالى:) ﴿لَكِنِ الَّذِينَ﴾ الخ) هو استدراك بين ما يشبه النقيضين والضذين، وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما، وقوله: علالي جمع علية بكسر العين وقد تضم وتشديد اللام والياء، وهي بمعنى الغرفة، والمراد ما ارتفع من البناء كالقصر،! أصله عليوة فاعل بما هو معروف في أمثاله. قوله: (بنيت بناء المنازل على الأرض (بيان لفائدة هذا الوصف لئلا يكون لغواً إذ الغرف لا تكون إلا مبنية، يعني أنّ المراد بناء مخصوص على طريق بناء المنازل على الأرض من الأحكام وجري المياه فيها، ونحو ذلك أو المراد به إنها على حقيقتها، وليست كالظلل المقابلة لها وقوله من تحت تلك الغرف على الأرض أو على البناء السفلي، وقوله مصدر مؤكد أي لمضمون الجملة فهو واجب الإضمار، كما ذكره المعرب. قوله: (نقص وهو على الله محال الأنه إن كان خبراً فخلفه كذب، وهو نقص محال، وان كان إنشاء فهو أيضا نقص لأنه مخل بقانون الكرم كما قال: وإني وأن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وهل خلف الوعيد كذلك فيه كلام ليس هذا محله. قوله: (مياه نابعات) وفي نسخة قنوات نابعات، والنسخة الأولى أصح لأنّ الظاهر أن عطف المجاري جمع مجرى اسم مكان على العيون قبله عطف، تفسير، والقناة اسم للمجرى فلا يصح عطفه بأو الفاصلة، أما على الأولى فالمعنى إنها اسم لمجرى الماء، أو للماء الجاري منه، كما أشار إليه بقوله إذ الينبوع الخ إذ هو بيان للتفسيرين على اللف والنشر المرتب. قوله: (فنصبها) أي الينابيع فيه أنه سواء جعل اسماً للمجرى، أو لما جرى فيه اسم عين، فلا ينتصب على المصدرية ولا الحالية، بل الظاهر أنه على الأوّل منصوب على الظرفية، أو بنزع الخافض، وأصله في ينابيع، ويؤيده أنه في بعض النسخ على الظرف بدل قوله على المصدر، ووجهت الأولى بأنّ الأصل سلوكاً في ينابيع، فلما حذف المصدر وأقيمت صفته مقامه جعلها منصوبة على المصدرية تسمحآ، أو أصله سلوك ينابيع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه

стр. 2618

مقامه، وعلى الثاني يصح نصبه على الحالية بتأويله بنابعا لكنه لا يخلو من الكدر لأنه لو قصد هذا كان حقه أن يقال من الأرض وفي الأرض على الوجهين صفة ينابيع، وقيل ينابيع مفعول ملك على الحذف والإيصال! قوله: (أصنافه) فإنّ اللون يكون بمعنى النوع، والصنف، ومنه ألوان الطعام، وإذا كان بمعنى الكيفية المدركة بالبصر فهو بمعناه المتعارف، وقوله حان له أن يثور حان بمعنى قرب، وثار بمعنى انتشر وذهب، وهو توجيه لإطلاق الهيجان على تمام الجفاف، وظاهره أنه من مجاز المشارفة، وكلام الراغب على أنه حقيقة فيه، والفتات المتفتت أي المتكسر. قوله: (بأنه لا بد الخ) فإن تنقله في أطواره يدل على أنّ له خالقاً حكيما، وإذا كان مثلاً للدنيا فهو كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٤٥] ونحوه، وقوله إذ لا يتذكر الخ بيان لوجه التخصيص. قوله: (حتى تمكن) أي استقرّ الإسلام والإيمان فيه بيسر أي بسهولة، وقوله عبر بالبناء للمفعول وفاعل خلق الله لأنه معلوم من السياق يعني أن انشراح الصدر أصله من الشرح بمعنى البسط، والمدّ للحم ونحوه يكنى به عن التوسيع ثم تجوّز به هنا عن خلقه مستعداً استعداداً تامّا لقبول الأمر الملقى إليه من غير امتناع، ولا توقف فيه كالمكان الواسع يقبل ما يجعلى فيه. قوله:) من حيث إن الصدر محل القلب الخ) بيان للتجوّز والعلاقة فيه على أن شرح الله صدره استعارة تمثيلية أو الصدر مجاز عن النفس بعلاقة الحلول فإن الصدر محل القلب، وهو في تجويفه الأيسر بخار لطيف يتكوّن من صفوة الأغذية، وبه تتعلق النفس الناطقة، وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير والتصرف، وتلك النفس هي القابلة للإيمان والإسلام فالروح في كلامه بمعنى الأبخرة المذكورة لأنها تسمى روحا، والمراد بالنفس النفس الناطقة والمتعلق بفتح اللام محل التعلق وللنفس باللام وفي نسخة المتعلق بالنفس بالباء على أنه اسم فاعل وهي صحيحة أيضاً لكن الأولى أحسن. قوله تعالى: ( ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ ) عدل عن عنده أو له نور الظاهر للدلالة على استمراوه واستقرار فيه، والنور مستعار للهداية والمعرفة كما يستعار لضدّه الظلمة، وقوله وعته ﵊ الحديث صحيح لكن في سنده ضعف كما صرحوا به، والمراد بالنور فيه الهداية واليقين والإنابة الرجوع أريد بها مجازا الركون والميل لمقابلته بالتجافي الذي هو التباعد، ودار الغرور الدنيا والتأهب إحضار الأهبة، وهي ما لا بد منه للمسافر والخبر المحذوف تقديره كمن ليس كذلك، أو كمن قسا قلبه ليلائم ما بعده كما ذكره المصنف، فإن قلت أنّ مدلول النظم على تفسيره ترتب دخول النور على الانشراح، لأنه الاستعداد لقبوله، وما ذكر في الحديث عكسه، فكيف جعل ما في الحديث تفسيراً لها، قلت لا يخفى أنّ المعرفة والاهتداء له مراتب، بعضها مقدم وبعضها مؤخر، وانشراح صدره في الحديث ما يكون بعد التمكن، وفي الآية ما تقدمه، وقس عليه النور. قوله: (من أجل ذكره الخ) يعني من فيه للتعليل والسببية، وفيها معنى الابتداء لنشئها عنه، ولذا قيل إنها ابتدائية وإذا قيل قسا منه فالمراد أنه سبب لقسوة نشأت منه، واذا قيل قسا عنه فالمعنى أن قسوته جعلته متباعداً عن قبوله، وبهما ورد استعماله، وقد قرئ بعن في الشواذ لكن الأوّل أبلغ، كما ذكره المصنف لأنّ قسوة القلب تقتضي عدم ذكر الله، وهو معناه إذا تعدّى بعن، وذكره تعالى مما يلين القلوب، فكونه سبباً للقسوة يدل على شدّة الكفر الذي جعل سبب الرقة سببا لقسوته، والتأبي الامتناع، وقوله ذكر شرح الصدر لأنّ توسعته وجعله محلا للإسلام دون القلب الذي فيه، يدل على شدّته وإفراط كثرته التي فاضت حتى ملأت الصدر فضلا عن قلبه، وإسناده إليه يقتضي أنه على أتم الوجوه لأنه فعل قادر حكيم، وقوله قابله بقساوة القلب، ومقتضى لتقابل أن يعبر بالضيق، لأنّ قسوته بكونه صخرة صماء تقتضي أر، لا يقبل شيئا، فإنّ الضيق يشعر بقبول شيء قليل منه، واسناده إلى القلوب دون الله للإشارة إلى أنه جبلة خلقوا عليه، وقيل المراد أنه أسند إلى ذكر الله المقتضى لكمال لينه، وهو مع بعده خلاف الظاهر، وضمير إليه للقلب لا للذكر، كما توهمه فإنه متعلقه لا مسند إليه، وان جاز حمل الإسناد على معناه اللغوي والضمير المستتر للقساوة، وذكره لأنه مؤوّل بأن والفعل أو

стр. 2619

بالمقابل. قوله:) والآية نزلت الخ) فحمزة ﵁ وعليّ كرم الله وجهه ممن شرح الله صدره للإسلام، وأبو لهب وولده هم القاسية قلوبهم. قوله: (روي الخ) ذكر. الواحدي في أسباب النزول، والملة بالفتح السآمة مصدر مللت بالكسر، وسآمتهم كانت بمقتضى البشرية، فطلبوا منه ىسييرو أي يصاحبهم ليرتاحوا بحديثه، فنزلت هذه الآية إرشاداً لهم إلى ما يزيل مللهم، وهو تلاوة القرآن واستماعه منه ﷺ غضا طريا. قوله: (وفي الابتداء الخ) يعني أنه عدل عن نزل الله إلى ما ذكر، لتأكيد مضمونه بالإسناد إلى الجلالة، ثم إلى ضميره وتكرير الإسناد يفيد ذلك، وقد يكون على وجه الحصر. قوله: (وتفخيم للمنزل) بإسناده إلى الله الذي هو أعظم من كل عظيم، وهو وما بعده معطوف على تأكيد الإسناد، والاستشهاد بمعنى الاستدلال، ولذا عذاه بعلى دون اللام، وهذا هو المقصود بالذات، وما قبله تمهيد له، ووجه الاستدلال أن منزله حكيم عالم بالحسن والأحسن، ولذا قال المحقق إنّ فيه تنبيها على أنه وحي حيث نزله الله معجز حيث كان منزله من له الكمال المطلق، والأثر يناسب المؤثر والهدايا على قدر مهديها، ولذا قيل التفخيم من إفادته التخصيص، بناء على مذهب الزمخشري في مثله، فإنّ اختصاصه به يقتضي أنه أمر عظيم لا يقدر عليه غيره، وقيل أصل التفخيم حاصل بالإسناد، والمراد زيادته بالتكرير، ففيه مضاف مقدر، والمراد به ذلك، وكذا في قوله الاستشهاد، ولا حاجة إليه لما مز، ولأنّ الإضافة حينئذ عهدية، والمعهود الحسن المفضل على غير.، والاستشهاد إنما يتأتى بمجموع الأمرين الابتداء والبناء عليه، وأما اعتبار الزيادة فلأن في تقتضي الإحاطة، والإحاطة التامّة تكون بأن لا يتجاوز المحيط ولا يفضل عنه، وهو تكلف ما لا حاجة إليه، وقوله على حسنه، لو قال على أحسنيته كان أحسن، لكن يدفع بالتي هي أحسن. قوله: (وتشابهه الخ) المتشابه تقدم أنه ما لا يظهر معناه حتى لا يعلم تاويله إلا الله وحده، أو هو ومن أراد اطلاعه عليه من الراسخين، والمراد بالمتشابه هنا ليس هذا المعنى، بل معناه اللغوي، وهو ما أشبه بعضه بعضا في وجوه الإعجاز، وغيره مما اختص به، كما فصله المصنف ﵀ وشبهه في الكشاف بقول العرب لمن كمل حسنه متناصف كان بعضه أنصف بعضا في اقتسام المحاسن، وهو من بليغ كلامهم، وتجاوب النظم تقابله في وجوه المحاسن، بحيث لا يكون فيه اختلاف كان بعضه يجيب بعضا، وهو أيضاً من التراكيب البليغة، وجعله حالاً من أحسن الحديث ليس مبنيا على أنّ إضافة اسم التفضيل تفيده تعريفاً، كما توهمه أبو حيان، فإنّ مطلق الإضافة كافية في مجيء الحال، كما يعرفه من له أدنى إلمام بالعربية. قوله:) جمع مثنى (بضم الميم وفتح النون المشددة على خلاف القياس، إذ قياسه مثنيات أو مثنى بالتفح مخففا، وقد مرّ تفصيله، وأنه من التثنية بمعنى التكرير، وقوله وصف به كتابا الخ توجيه لوصف المفرد بالجمع مع لزوم المطابقة المشهورة، بأنه صفة لجمع في الأصل فحذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه وأصله ذا فصول مثاني، أو هو وصف له باعتبار أجزائه التي يشملها، أو أنه ليس صفة، بل هو تمييز محوّل عن الفاعل، وأصلها متشابهاً مثانيه فحول، ونكر لأنّ الأكثر فيه التنكير. قوله: (تشمئز الخ (اشمأز يكون بمعنى نفر، وبمعنى انكمش وانقبض، والثاني هو المراد لأنه من الاقشعرار، وهو الانقباض، ويكون بمعنى الرعدة، وليس بمراد أيضا، قال السمرقندي ولم يذكر أنهم يغشى عليهم ويصرعون كما نرا. في أهل البدع، وهو من الشيطان ولم يكن أحد أعلم بالله من نبيهءشيه، ولم يسمع منه ولا عن أحد من أصحابه ﵃ مثل ذلك. قوله: (وهو مثل في شذة الخوف الخ) يعني أنه تصوير للخوف بذكر آثاره، وتشبيه حاله بحاله، فهو تمثيل حقيقة لاشتهاره، وفشوّه صار مثلاً، أو أنه كناية عما ذكر على طريق التصوير والتمثيل، قال في الكشف وهو أحسن لأنّ الاستعارة هنا لا تخلو عن التكلف. قوله: (بزيادة الراء ليصير رباعياً (ليس المراد الزيادة المتعارفة، واشتقاقه من القشع اشتقاق كبير، والجلد إذا يب! انكصثر وانقبض، فهذا هو وجه المناسبة بينهما، أو اقمطرّ بمعنى اشتد. قوله تعالى:) ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ الخ (الظاهر مما ذكر أن اقشعرارهم الذي كني به عن الخوف إذا ذكر في القرآن وعيد وإنذار ونحوه، مما يخاف فلين القلوب والجلود الواقع في مقابلته لفرحهم بذكر ما يسرهم من وعد الله والطافه على طريق الكناية أيضا، فقوله: بالرحمة وعموم المغفرة متعلق بذكر الله، فهو ذكر مقيد به

стр. 2620

تقديراً والإطلاق لما ذكر من أنها الأصل فإذا ينصرف المطلق إليه لتبادره منه، وقوله وذكر القلوب الخ يعني إن لين الجلود في مقابلة اقشعرار الجلود، فزيدت القلوب لأنها محل الخشية، ولو لم تذكر كفى لين الجلود، أو المراد أن ذكر الخشية أوّلا في قوة ذكر القلوب، فكأنها مذكورة فيهما وإنما خص بالذكر ثانيا لأنه يوصف باللين، ولا يصح وصفه بالاقشعرار. قوله: (يهدي به من يشاء) فاعل يشاء إمّا ضمير الله، أو ضمير من، وكلام المصنف ﵀ محتمل لهما، والأوّل أولى، وقوله هدايته مصدر مضاف إلى المفعول، إذا كان الضمير لله والمصدر مبني للفاعل فإن كان لمن فالمعنى أن يكون مهديا على أنه مصدر المجهول فتأمل. قوله:) يجعله درقة يقي به الخ (الدرقة بفتحتين ترس من جلود يتقي به، وهو هنا تشبيه بليغ، أي يجعل وجهه قائما مقام الدرقة في أنه أول ما يمسه المؤلم له، لأنّ ما يتقي به هو اليدان وهما مغلولتان، ولو لم يغلا كأن يدفع بهما عن الوجه لأنه أعز أعضائه، وقيل الوجه لا يتقي به فالاتقاء به كناية عن عدم ما يتقي به، إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له وليس ببعيد من كلام المصنف ﵀، وقوله كمن هو الخ هو الخبر المقدر، وسوء العذاب من إضافة الصفة للموصوف بها، وقوله وباله ففيه مضاف مقدر، أو هو مجاز أطلق فيه السبب على مسببه، وقوله الواو للحال، أي وقيل والإجلاء الإخراج من ديارهم، وقوله لو كانوا الخ إشارة إلى تنزيل يعلمون منزلة اللازم لعدم القصد إلى تعلقه بمعمول، وقوله لعلموا الخ جواب لو المقدّر. قوله: (حال من هذا الخ إنما ذكر الاعتماد على الصفة الأن قرأنا جامد لا يصلح للحالية، وهو أيضاً عين ذي الحال فلا يظهر حاله، أمّا إذا جعل تمهيداً لما بعده فالحال موطئة للمشتق بعدها، وهو الحال في الحقيقة فلا محذور فيه، أو هو ليس حالاً بل منصوب بمقدر تقديره أعني أو أخص وأمدح، ونحوه ويجوز كونه مفعول يذكرون أيضاً. قوله: الا اختلال فيه بوجه ما الخ) لأنّ عوجا نكرة وقعت في سياق النفي، وهو غير والمراد به الاختلال فيقتضي أنه لا عوج فيه أصلاً وهو أبلغ من مستقيم، لما عرفت من عمومه والاستقامة يجورّ أن تكون من وجه دون وجه، ولأنه نفي عنه مصاحبة العوج فيقتضي نفي اتصافه به بالطريق الأولى، كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [سورة الكهف، الآية: ١] . قوله: (وأخص بالمعاني (وفي نسخة اختص بالمعاني، قال التفتازاني وهو الوجه الثاني، وترجيحه لأن لفظ العوج بالكسر مختص بالمعاني، فدل على استقامة المعنى من كل وجه، بعدما دل على استقامة اللفظ بكونه عربيا، بخلاف ما إذا قيل مستقيما أو غير معوج، فإنه لا يكون نصا في ذلك لاحتمال أن يراد نفي العوج بالفتح انتهى، وقد تبع فيه الشارح الطيبي واليمني، وهو عجيب منهم، فإن المعاني تطلق على مقابل الألفاظ، فيكون بمعنى المدلول عيناً كان أو غيره، ويطلق على مقابل الأعيان، فيشمل الألفاظ، فبعد قول الكشاف الثاني إن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان انتهى، كيف يتأتى ما ذكره كما أشار إليه بعض الشراح، وقد زعم بعضهم أن ما ذكر من جلبه من سوقيه وزاد فيه ما زاد وفي قوله بعدما ذكر الخ، بحث إذ لا دلالة فيما ذكر عليه فتأمل، وقد مز في الكهف تحقيقه، وان ما يقصد سومه لا يخلو عن عوح مّا، وإن دق فعبر بالعوج ليدل على أنه بلغ إلى حذ لا يدرك العقل فيه عوجاً، فضلا عن الحس، ولهذا اختار المكسورة لما كان المنفي أمراً دقيقا، وعبر عنه بما يعبر به عن المعاني المعقولة. قوله: (بالشك استشهادا بقوله الخ) معطوف على قوله بالمعاني، أي اختص بالشك هنا لا مطلقا، لا على قوله بوجه ما كما قل لبعده لفظاً ومعنى، والاستشهاد البيت على أنّ العوج استعملته العرب بمعنى الشك غير ظاهر لاحتمال أن يكون المراد لا خلل فيه، وان كان مقابلته باليقين مشعرة به، وما قيل في توجيهه أنه مقتبس من الآية، وقائله فصيح من أهل اللسان، فلو لم يكن فهمه منها ما أتى به، كذلك تعسف ظاهر لأنه لم يتبين أنه اقتبسه منها، ولو سلم يكون محتملا لما يحتمله العوج في النظم، أو هو كما قال المصنف ﵀ تخصيص له ببعض أفراده، لكونه في مقابلة اليقين فلا ينافي الاقتباس، ولا يقتضي تخصيص ما في النظم به فتدبر. قوله: (علة أخرى (لأنّ لعل يفهم منها التعليل كما مرّ، فعلل ضرب الأمثال أوّلاً بالتذكر وألاتعاظ ثم علل التذكر بالاتقاء لأنه المقصود منه، فليس من تعليل معلول واحد بعلتين. قوله: (مثل المشرك الخ (إنما جعله مقتضى مذهبه، لأنّ الأصنام جمادات لا يتصوّر منها التنازع وهم يعلمون ذلك، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى، ومعبوديه جمع

стр. 2621

مضاف، وعبوديته مفعول يدعي، وقوله بعبد متعلق بقوله مثل، وقوله يتعاورونه بالعين والراء المهملتين من التعاور، وهو التداول بالمناولة، وقوله في مهماتهم، وفي نسخة من مهامّهم، وقوله في نحيره متعلق به أيضاً، وهو وجه الشبه، وتحيره بينها من ينفعه منها، والى أنها يتوجه مثلا، وقوله توزع قلبه بمعنى تفريق خواطره، وفكره، والموحد معطوف على المشرك. قوله: (ورجلاَ بدل الخ) بدل كل من كل أو مفعول ثان لضرب كما مرّ تحقيقه، وقوله وفيه صلة شركاء لأنه يتعدى بفي، يقال اشتركوا في الأمر وهو مبتدأ خبره متشاكسون، والظاهر أنه خبر مقدّم لأنّ النكرة وإن وصفت يحسن تقدّم خبرها، ولو كان صلة لم يكن لتقديمه نكتة ظاهرة، وحمل كلام المصنف ﵀ على هذا، وان كونه صلة، كان قبل التقديم وبعده، وهو خبر مستقر كما في الحمد لله، كما قيل تعسف، والجملة صفة رجلاً أو الظرف صفته، وشركاء فاعل به لاعتماده، وقوله الاختلاف المراد تحالف آرائهم في استخدامه. قوله: (وقرأ نافع الخ) أخره وان كان معتاد. تقديم قراءة الأكثر، ليكون تفسير. على ما هو أظهر معنى، ولا تجوز فيه مع أنّ ما ذكر ليس ملتزما له، كما زعمه القائل، وسلم كعلم بمعنى خلص من مزاحمة شركة غيره فيه، والتعب بالمصدر للمبالغة، وقوله ورجل أي قرئ رجل الثاني بالرفع على أنه مبتدأ له خبر مقدم، وقوله وتخصيص الخ، أي ضرب المثل بالرجل دون الصبي، أو دون المرأة، وذكر ما يعمهما كشخصاً مثلاً. قوله: (صفة وحالاً) تفسير للمثل هنا كما مرّ، وقوله ولذلك وحده لأنه لبيان جنسه ودفع إبهامه، وهو حاصل بالإفراد فلا يزاد على مقدار الحاجة ما لم يحصل لبس بإفراده، أو يقصد الدلالة على معنى زائد فيه كاختلاف نوعهما، أو يقال ضمير يستويان للمثلين، فلو لم يثن لم يحصل التمييز ويلتبس، وقوله: فإنّ التقدير الخ، دفع لما يتوهم من أنّ المثل مفرد، فكيف يرجع له ضمير التثنية بأنه وان كان بحسب الظاهر واحداً فهو متعدد، لأنّ قوله ورجلاً بتقدير ومثل رجل. قوله: (كل الحمد له) إشارة إلى أنّ تعريف الحمد للاستغراق، وقوله: لا يشاركه الخ هو معنى لازم الاختصاص، وقوله: على الحقيقة دفع لما يخطر بالبال، لأنّ من الناس من ينعم إنعاما يستحق به الشكر والحمد حتى قيل: لا يشكر الله من لا يشكر الناسا بأنّ المنعم الحقيقي هو الله وكل ما سواه وسايط وأسباب، كما مرّ في الفاتحة، وقوله: لا يعلمون، أي ليسوا من ذوي العلم، أو لا يعلمون أنّ الكل منه، وانّ المحامد إنما هي له. قوله: (وفي عداد الموتى) فهو مجاز لأنهم لكونهم يتصفون به بعده بمنزلة من مات الآن، وقوله لأنه مما سيحدث، هكذا في الكشاف الفرق بين الميت والمائت، إنّ الميت صفة لازمة كالسيد، والمائت صفة حادثة، فقوله زيد مائت غدا أي سيموت أنتهى، يعني أنّ اسم الفاعل يدل على الحدوث، والصفة المشبهة تدل على الثبوت مع قطع النظر عن دلالته، على الحال أو الاستقبال، لكن لما كان الحدوث فد يعتبر مع القرينة في المستقبل كما هنا، فإنّ القرينة عقلية، وهي الخطاب إذ الميت في الحلل لا يخاطب، وانم! يظهر الفرق بينهما في المستقبل لاشتراكهما في اتصافهما بالحدث حالاً، مثل به كذلك اختياراً للقول بأنه حقيقة في الحال، والاستقبال وهو قول للنحاة، وأهل الأصول، كما في التسهيل ومنهاج المصنف ﵀ وشرحه، فما قيل إنه يدل على أنّ اسم الفاعل وضع للاستقبال، والذي غرّه كلام الكشاف، ولا وجه له لأنّ قوله غدا قرينة للتجوّز، والظاهر أنه من باب زيد أسد، كما في القراءة المشهورة غفلة عن إنه قول لهم اختاره الشيخان هنا فتدبر. قوله: (فنصج عليهم- الخ (جعل الخصام بين النبي ﷺ وبين أمّة الدعوة، لكن لا على ما يتبادر منه بل على ما أشار إليه الطيبي طيب الله ثراه، من أوّل السورة إلى هنا، لما ذكرت البراهين القاطعة لعرق الشركة المستجلبة لفرط جهلهم، وعدم رجوعهم مع تهالكه-شييه على ردهم إلى الحق، وحرصه على هدايتهم، اتجه السؤال منه بعدما قاساه منهم، بأن يقول ما حالي وحالهم، فأجيب بأنك مهدت من نشاط الدعوة ما أردناه، وتم لك من ذلك ما قضيناه، فلا تطمع في الزيادة على ذلك لأنك ستأتي أنت إلى عز الحضور ويساق هؤلاء إلى موقف ينتصف فيه الخصوم كما قيل: إلى ديان يوم الدين تمضي وعند الله تجتمع الخصوم قوله: (وقيل المراد الخ) قيل إنه مرضه، لدلالة قوله إنك ميت وانهم الخ، وكذا السياق على الوجه السابق

стр. 2622

لكن صاحب الكشف رجحه على ما قبله، وقال إنه! المأثور عن الصحابة ﵃، وما ذكر من التأييد غير قوي، ويؤيده إنه غير محتاج إلى التأويل بما مرّ، فإنه لا معنى لمخاصمة النبي ﷺ معهم، فالمعنى أنهم يتخاصمون يوم القيامة، وتقع الخصومة فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، وعلى هذا فلا تغليب فيه، وقوله ما جاء به محمدئلمجبيه الخ، فسماه صدقا مبالغة بجعل الصادق عين الصدق. قوله: (من غير توقف وتفكر في أمر ٠ (إشارة إلى أن إذ هنا فجائية، كما صرّح به الزمخشري، لكنه اشترط فيها في المغني أن تقع بعد بين، أو بينما، ونقله عن سيبويه فلعله أغلبي ولم ينبهوا عليه فتأمّل. قوله:) وذلك يكفيهم مجازاة (قال السمرقندي كأنه يقول أليس جهنم كافيا للكافرين! مثوى كقوله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ [سورة المجادلة، الآية: ٨] أي هي تكفي عقوبة لكفرهم وتكذيبهم، فالكفلية مفهومة من سياقه هنا، كما تقول لمن سألك شيئاً ألم انعم عليك، أي أما كفاك سابق إحساني فافهم، وإذا كان تعريف الكافرين للعهد، فالمراد بهم المشركون الذين كذبوه، وعلى الجنسية هو شامل لأهل الكتاب، ويدخل فيه كفار قريش دخولاً أوّليا، وعلى الأوّل وضع فيه الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم وللفاصل. قوله: (وهو) أي الاستدلال على تكفير أهل البدع بهذه الآية ض! عيف، لأنه مخصوص بمن كذب الأنبياء شفاها في وقت تبليغهم، لا مطلقا، والمخصص له قوله إذ جاء. ولو سلم إطلاقه، فهم لكونهم يتأوّلون ليسوا مكذبين، وما نفوه وكذبوه ليس معلوما صدقه بالضرورة إذ لو علم من الدين ضرورة كان جاحده كافراً، كمنكر الصلاة ونحوها، والأظهر أنّ المراد تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بعد ظهور المعجزات، في أنّ ما جاؤوا به من عند الله لا مطلق التكذيب. قوله: (للجنس الخ (يعني انّ المراد بالموصول الجنس، لأنّ تعريف الموصول كتعريف ذي اللام، يكون للعهد والجنس، والجنس شامل لمن ذكر، والدليل على ذلك جمعه في قوله أولئك الخ نظراً لمعناه ووصفهم بالتقوى الشامل لجميعهم، ويجوز أن يكون صفة لمفرد لفظا مجموع معنى، والتقدير الفوج أو الفريق الذي الخ، كما قدروه في قوله كالذي خاضوا، ولم يذكره هنا لما سيأتي. قوله: (وقيل هو (أي الذي الخ المراد به النبي ﷺ بحسب الظاهر، والمراد في الحقيقة النبي ﷺ ومن تبعه من أقته، للجمع في قوله أولئك الخ كما ذكر موسى ﵊ في تلك الآية، وأريد هو وأقته بقرينة ذكر الكتاب، وجمع لعلهم يهتدون، إلا أنّ ما نحن بصدده في الصفة وذاك في الاسم وهو فيهما مجاز لكن قال المحقق في شرح الكشاف: ولا بد من تحقيق العلاقة فيه والتفصي عن الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولم يبين ذلك وقد قيل عليه أيضاً إنّ المجيء بالصدق ليس وصفا لمن تبعه، فكيف يراد به الجمع، والآية المذكورة إنما تكون مثالاً لما ذكر لو رجع ضمير لعلهم لموسى ﵊، وهو يرجع إلى بني إسرائيل الذين هم في حكم المذكورين، كما صرح به ثمة لأنّ موسى خارج عن مرجع الضمير للقطع بهدايته، ولذا مرضه المصنف ﵀، لما فيه من الكدر، وأيضا إنما عهد مثله في أعلام الآباء كتميم، ونحوه من القبائل، ولك أن تقول مراد القائل أنّ مجموع الذي جاءنا بالصدق وصدق به المراد به النبيّ ﷺ ، كما نقل عن ابن عباس ﵄، وفسر الصدق بالتوحيد، ودلالته على ذلك بطريق الحقيقة، وعلى من تبعه بطريق التبعية، والالتزام فإنه إذا قيل جاء الأمير علم منه مجيء أتباعه، ولا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز، لأن الثاني لم يقصد من حاق اللفظ، وهو محل النزاع، إمّا المجوّزون له فلا يعتذرون عنه، وحينئذ تدفع الشبه برمتها. قوله: (وذلك يقتضي إضمار الذي وهو غير جائز) على الأصح عند النحاة من أنه لا يجوز حذف الموصول، وإبقاء صلته وأن جوّزه يعنيهم مطلقا، وشرط بعضهم لجوازه عطفه على موصول آخر، ويضعفه أيضاً الإخبار عنه بالجمع فإنه يأباه كما يأباه المعنى أيضاً، وأمّا إنه يراد بالذي النبيّ ﷺ والصديق معاً على أن الصلة للتوزيع ليندفع المحذور فهو تكلف. قوله: (صار صادقاً بسببه أليس المراد صيرورته بعد إن لم يكن كذلك فإنه الصادق أوّلاً وآخر بل المراد ظهور صدقه وتحققه بحيث لا يمكن تكذيبه: ومن يقل للمسك أين الشذا كذبه ما شاع من عرفه

стр. 2623

وقوله لأنه معجز الخ، فالمراد صدقه بالبرهان الساطع وهو جواب آخر، وقوله صدق على البناء للمفعول أي قرئ به. قوله: (خص الأسوأ للمبالغة الخ (يعني أنّ المكفر كنهم المتقون الموصوفون بما مرّ من التقوى، وهم إن كانت لهم سيئات لا تكون من الكبائر العظيمة، ولا يناسب ذكرها في مقام مدحهم، كما لا يخفى فأجاب أوّلاً بأنه ليس المراد به ظاهره، بل هو كناية عن تكفير جميع سيئاتهم بطريق برهاني، لأن ذلك صاو منهم، فافعل على حقيقته. قوله: (أو ل! شعار الخ (يعني ليس المراد بكونه أسوأ وكبيراً إنه في الواقع كذلك بل هو بحسب ما عندهم، لأنهم لشدة خوفهم من الله يرون الصغيرة كبيرة، فإن عظم المعصية يكون بعظم من يعصى فافعل على حقيقته أيضا، لكنه بالنظر لما في نفوسهم وحسبانهم. قوله: (ويجوز أن يكون بمعنى السيئ الخ (يعني إفعل ليس على حقيقته، وظاهره وليس مضافا إلى المفضل عليه، فهو بمعنى السيء صغيراً، كان أو كبيراً، كما في المثال المذكور، فإن المراد أنهما العادلان من بني مروان، لا أنهم أعدل من بقيتهم، لأنهم معروفون بالجور، والناقص هو أحد الروايتين، وهو يزيد بن الوليد، ولقب بالناقص لأنه نقص ما كانوا يأخذونه من بيت المال ورد المظالم على أهلها، والأشج عمر بن عبد العزيز ﵁، لقب به لشجة كانت في رأسه، وأمرها مفصل في السير وعدله وزهده معروف، وأف كانت من نسل الفاروق ﵁، ولذا ورث عدله العمري كما فصله المؤرخون، وما ذكره في المثال من كون أعدل بمعنى عادل وجه فيه، والآخر أن أفعل للتفضيل والزيادة مطلقا، لا على المضاف إليه فقط، وإنما أضيف للبيان له سواء كان بعضاً من المضاف إليه كما في أعدل بني مروان، أو لا كيوسف أحسن إخوته، كما بينه النحاة في معاني أفعل التفضيل، وقوله أسواء بوزن أفعال، وهي قراءة مروية عن ابن كثير، وإن كان ظاهر كلام المصنف ﵀ إنها شاذة. قوله: (فتعدلهم محاسن أعمالهم) هذا توجيه لذكر الأحسن دون الحسن، فإنه لو أبقى على ظاهره اقتضى أنهم لا يجازون على الحسنات مطلقا، وإنما يجازون على الأحسن منها، وليس بمناسب، فتعد بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال بصيغة المجهول من العداي، تحسبء! عني أن هؤلاء لإخلاصهم تعدّ محاسنهم من أحسن الأعمال عند الله، ومعنى عدها كذلك عنده، أنها تقع موقعها. من القبول، وتجزي جزاء المضاعفة أجورهم، فالتعبير بالأحسن لما ذكر هذا ما عناه المصنف ﵀ كما يوضحه كلام الكشاف، وقيل إنه من العدل، أو التعديل، على أن اللام من بنيته لا جارّة، وأيد بأنه وقع في نسخة فيعدل، أو من الإعداد والوجه ما قدمناه. قوله: (مبالغة في الإثبات (لأنّ نفي النفي إثبات، والعدول عن صريحه إلى الإنكار أبلغ، وقوله العبد رسول الله، لأنّ قوله بعده يخوّفونك الخ يرجحه، وإذا أريد به ال! نس فيكفي دخوله فيهم، وإذا كفى الأنبياء كلهم دل على كفايت! هـ بالطريق الأولى. قوله:) يعني قريشا الخ (تفسير للمخوّفين، والتخبيل إفساد العقل بمس من الجت ونحوه، وقوله وقيل الخ، وجه ضعفه ظاهر لما فيه من التكلف المذكور، والسادن بالمهملة، هو الموكل بخدمتها، وهذا وقع بعد الهجرة بزمان طويل، فتكون هذه الآية مدنية، قيل ولم يقل به أحد، وقوله حتى كفل الخ، بيان لارتباطه بما قبله، وقوله فإن لها شذة بفتح الشين المرّة من الشد، أي حملة شديدة على من يريد بها. أمراً، ويجوز كسر الشين، وقوله يهديهم جمعه نظراً لمعنى من، وقوله هشم أنفها يدل على أنها كانت صورة وصنما، وهو مخالف لما سيأتي في سورة النجم، من أنها شجرة، فقيل فيها روايتان، أو إنها شجرة كان عندها أصفام، والمخوف حينئذ السادن لكنه نزل تخويفه منزلة تخويف عبادها، أو السادن جنس شامل لكثير منهم، وقوله إذ لا راذ تعليل لجميع ما قبله. قوله: (لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية (هذا هو معنى قوله في سورة العنكبوت، لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود، وقوله بعد ما تحققتم بيان لمحصل معنى النظم، والفاء الظاهر إنها جواب شرط مقدر، أي إذا لم يكن خالق سواه فهل يمكن غيره كشف ما أراده من الضرّ، أو منع ما أراده من النفع، أو هي عاطفة على مقدر، أي أتفكرتم بعد ما أقررتم به فرأيتم الخ، وقدم الضرّ لأنّ دفعه أهثم، وخص نفسه بقوله أرادني، لأنه جواب لتخويفه فهو المناسب. قوله: (إذ تقرر الخ) يعني إن كونه كافيا علم مما قبله، فلذا أمره بعده بالاكتفاء به والتوكل

стр. 2624

عليه، وتركت فاء النتيجة والتفريع، لظهوره وتفويضه للسامع، وقوله فسكتوا سكوتهم عناداً، دمالا فهم يعلمون إن آلهتهم لا تجلب نفعا ولا تمنع ضرّاً، وإنما هي وسائل وشفعاء على زعمهم الفاسد، وقولهم من الأنوثة لظنهم إنها كذلك، وقيل إنه تأنيث لفظيئ، وكمال الضعف لأنه من شأن الإناث. قوله: (على حالكم الخ) فشبهت الحال بالمكان القارّ فيه، ووجه الشبه ثباتهم في تلك الحال ثبات المتمكن في مكانه، وأمّا تشبيه المكان بالزمان ففي الشمول والإحاطة، وقراءة الجمع مروية عن عاصم، وليست بشاذة كما يتوهم من ظاهر كلامه، وقد مرّ إنّ المكانة يجوز أن تكون بمعنى التمكن والاستطاعة. قوله: (والمبالغة في الوعيد) الظاهر إن المبالغة، لأن قوله اعملوا عن مكانتكم تهديد لهم، وقوله إني عامل تعليل له، فكأنه قيل فإني فاعل على حالتي أيضاً، وهذا وعيد وحذف متعلقه فيه مبالغة لاحتمال تقديره بشيء آخر، والإيهام إنه لم يذكر ما يعمله لأنه أمر عظيم، وقوله والإشعار الخ، هذا لا ينافي تقديره على مكانتي، إذ المراد منه مطلق حاله لا حاله التي هي موجودة، والحذف يناسب العموم، فاندفع ما قيل من أن قوله لما فيه الخ، مشعر بأنه ليس المراد إني عامل على مكانتي فكأنهما جوابان، ويحتمل أن يكونا جوابا واحداً، وهو أنّ الغرض من حذفه الاختصار مع عدم الاقتصار، بمعنى إني عامل ما استطعت لا أقف على حالي ومكاني انتهى، وما ذكره أخيراً تعسف فتدبر. قوله: (من يأتيه الخ (من يحتمل الاستفهام والموصولية، وقوله دليل غلبته أي في الدارين، فإن وقوعه عاجلا كما وعدهم مصدق للأجل أيضا، وقوله دائم فهو مجاز في الطرف أو الإسناد، وأصله مقيم فيه صاحبه، وقوله بلسانه تقدم في هذه السورة تحقيقه، وقوله وكلت عليهم أي قمت عليهم. قوله: (يقبضها عن الآبدان) إسناد الموت والنوم هنا إلى الأنفس مجاز عقلي، فإنه حال بدنها لا هي إن أريد بالنفس ما يقابل البدن، فإن أريد جملة الإنسان كما في الكشف فالتجوّز بإسناد ما للجزء إلى الكل، أو في الطرف بجعل يتوفى بمعنى يبطل ويفسد، أو الأنفس بمعنى جزئها. قوله:) وهو غاية جنس الإرسال (يعني قوله إلى أجل غاية جنس الإرسال الواقع قبل الموت، وليس ذلك المغيا إرسالاً واحداً، وفي بعض النسخ حين الإرسال، قيل ولا محصل له لأنّ المقصود دفع ما يقال، لا معنى لكون الإرسال مغيا بأجل مسمى، وهو إني وقيل إنه يلزم أن لا يقع نوم بعد اليقظة الأولى أصلا، ولو ضمن يرسل معنى يبقى، كانت الغاية بحسبه من غير احتياح إلى تأويله وفيه تأمل. قوله: (نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشمس الخ) أي بين النفس والروج شعاع كشعاع الشمس، والنفس يتجلى في الروح ويضيئه، والروح مظهر للنفس ومتجلى لها، بها يستضيء كما أنّ الأجسام المستضيئة مظاهر لشعاع الشمس، ويستضيء منه، قال بعض الحكماء المتألهين: القلب الصنوبري فيه بخار هو حارسه وحجاب عليه، وذلك البخار عرس للروح الحيواني، وحافظ له، وآلة متوقف عليه تصريفه، والروج الحيواني بمظهر البخار عرش، ومرآة للروح الإلهي الذي هو النفس الناطقة، وواسطة بينه وبين البدن، به يضل حكم تدبير النفس إلى البدن، وقوله بها النفس بفتحتين وهو معروف، وقوله قريب خبر قوله ما روي ووجه قربه نسبة التوفي إلى النفس، وأنه أراد بها معنى آخر غير الجملة، ولم يجعله عينه لما فيه من المغايرة بين الروح والنفس، قال أراد بالنفس ما به العقل والتمييز، وبالروج ما به النفس والحركة، فإذا نام العبد قبض الله نفسه، ولم يقبض روحه، وذكر الطيبي له شاهدا من الحديث الصحيح فتدبر. قوله: (التوفي والإمساك والإرسال) فالمشار إليه متعدداً فرد لتأويله بما ذكر ونحوه، وصيغة البعيد باعتبار مبدئه أو تقضي ذكره، وقوله لا تفني أي الروج بفناء أبدانها فإنها باقية إلى أن يعيد الله الخلق، وقوله والحكمة معطوف على قوله كيفية تعلقها الخ. قوله: (بل اتخذ قريش الخ) إشارة إلى أنّ أم منقطعة تقدر ببل والهمزة، وقوله اتخذ بهمزة اسنفهام مفتوحة مقطوعة وبعدها همزة وصل محذوفة، وأصله أأتخذ ومعنى من دون الله من دون رضاه أو إذنه لأنه لا يشفع لديه إلا من أذن له ممن ارتضاه ومثل هذه الجمادات الخسيسة ليست مرضية ولا مأذونة، وفهم هذا أمّا من تقدير مضاف فيه، أو لفهمه من سياقه كما أشار إليه المصنف، ولو لم يلاحظ هذا اقتضى إنّ الله شفيع، ولا يطلق ذلك عليه كما مرّ، أو التقدير أم اتخذوا آلهة سواه

стр. 2625

لتشفع لهم، وهو يؤول لما ذكرناه. قوله:) تشفع لهم عند الله (يعني في دفع العذاب، وقيل في أمورهم الدنيوية والأخروية، وقوله أشخاص مقربون قد فسره بالتماثيل، وهي اوصنام فلا وجه لتفسيره بالملائكة، كما قيل وكذا ما قيل المراد البشر والملك فإن أساف ونائلة صورتان لبشرين. قوله: (لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه) الملك معنى اللام، وكون كلها له من قوله جميعاً، ويجوز كون اللام للاختصاص، وفيه إيماء إلى وجود الشفاعة لأنّ الملك والاختصاص يقتضي الوجود، وقوله ولا يستقل بها لأنها ملكه والمملوك لا يتصزف فيه بدون إذن مالكه، وكذا المخصوص به فانه قريب منه، وهو كالتفسير لما قبله فلا يرد أنه يوهم تجويز مدخليتهم فيها بالانضمام، وهو مناف لمعنى اللام ولا احتمال للإذن لهم في الشفاعة لأنهم ليسوا ممن ارتضى لها، كما لا يخفى. قوله: (ثم قوّر ذلك (أي كون أحد لا يستطيع ذلك ولا يستقل به على ما قرّرناه، وقوله فإنه مالك الملك كله إشارة إلى أنّ السموات والأرض كناية عن كل ما سواه لأنه استئناف تعليلي لكون الشفاعة جميعا له، فلا يتم بدون تعميم ملكه كما توهم، ولذا صدره بالفاء. قوله: (لا يملك أحد الخ (لأنه ملكه فلا يتصرّف فيه بدون إذنه ورضاه سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة وإنما ذكره هنا لظهوره للمخاطبين لا سيما منكري الحشر، وقوله ثم إليه ترجعون تكميل لهذا فلا يرد ما قيل إنه كان الظاهر تأخيره عن قوله ترجعون لدلالته على اختصاص مالكية الآخرة التي فيها تقع الشفاعة به. قوله:) ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ) قدم إليه للفاصلة وللدلالة على الحصر إذ المعنى إليه لا إلى غيره وتركه المصنف لظهوره، وهو معطوف على قوله له الملك الخ أو على قوله لئه الشفاعة، وفي قوله يرجعون إشارة إلى انتطاع الملك الصوري عما سواه وتنويه له على أبلغ وجه. قوله تعالى: ( ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ الخ (أصل معنى الاشمئزاز انقباض يغير الجلد ونحوه، ثم شاع في النفرة من الشيء كما أشار إليه المصنف ووزنه افعلل كاقشعر، وقوله واذا ذكر الذين من دونه أي وحدها أو مع الله وفيه تهديد لمن يفرح بغير الله. قوله:) بين الغاية فيهما (أي في الأمرين وهما التبجح بالدنيا، ونسيان حق الله حيث عبر في الأوّل بالاستبشار فإنه سرور يزيد حتى يظهر في بشرة الوجه وضده الاشمئزاز، وهو غمّ يظهر من القلب على ظاهره حتى ينقبض أديمه كما يشاهد في وجه العابس المحزون. قوله: (والعامل في إذا المفاجأة (إذا الأولى شرطية محلها النصب على الظرفية، وعاملها الجواب ومن قال إنه الشرط يقول إنها غير مضافة للجملة بعدها والثانية فجائية فمن قال إنها حرف لا يبين لها عاملا ومن قال إنها ظرف مكان أو زمان يختص بالدخول على الجملة الاسمية لبيان أنّ مدلولها وقع من غير مهلة يقول ناصبها الخبر الملفوظ في نحو خرجت فإذا زيد جالس أو المقدر في نحو فإذا الأسد أي حاضر وإن جعلت هي خبرا فعاملها استقرار مقدر على ما فصله النحاة وذهب الزمخشري إلى أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة تقديره فاجؤوا أو فاجأهم وقت الاستبشار فهي مفعول به، وتبعه المصنف وقال أبو حيان وابن هشام إنه لا يعرف لغيره وهو تحامل عليه فإنه لا يقلد غيره وما ذكر في إذا الثانية، وأمّا الأولى فمذهب النحاة فيها معلوم وعلى القول بأنّ العامل فيها الجواب يكون معمولا لفاجأ المقدر أيضاً، ولا يلزمه تعلق ظرفين بعامل واحد لأنّ الثاني ليس منصوباً على الظرفية كما عرفته. قوله: (التجئ الخ) يعني أنه أمر بالدعاء وأمره بذلك مع أنه القادر على تقليب قلوبهم أو تعجيل عذابهم المقصود منه بيان حالهم ووعيدهم، وتسلية حبيبه الأكرم وأن جدّ. وسعيه معلوم مشكور عنده تعالى وتعليم العباد الالتجاء إلى الله والدعاء بأسمائه العظمى ولله در الربيع بن خيثم فإنه لما سئل عن قتل الحسين تأوّه وتلا هذه الآية فإذا ذكر لك شيء مما جرى بين الصحابة ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فإنه من الآداب التي ينبغي أن تحفظ، وقوله شدة شكيمتهم قد مرّ أنه استعارة لشدّة العناد والمخالفة، وقوله فإنه القادر تعليل لأمره بالالتجاء، وقوله فأنت وحدك الخ إشارة إلى أنّ تقديم المسند إليه هنا يفيد الحصر، وانّ المقصود من ذكر الحكم بين العباد الحكم بينه وبين هؤلاء. قوله: (وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص (لأنه كما مرّ تمثيل للزوم العذاب لهم إذ لم يقصد إثبات الشرطية بل التمثيل لحالهم بحال من يحاول التخلص والفداء مما ذكر فلا يقبل منه، وهذه الجملة قيل:

стр. 2626

إنها معطوفة على مقدر والتقدير فأنا أحكم بينهم وأعذبهم، ولو علموا ذلك ما فعلوا ما فعلوا والإقناط لأنه ذكر إنهم لا يخلصون ولو فرض هذا المحال. قوله: (زيادة مبالغة فيه) أي في الوعيد، كما إنّ ما ذكر مبالغة في الوعد حيث أبهم للدلالة على أنه لا يكتنه كنهه، وأنه ما يخطر على قلب بشر ولا تختلج به الظنون، والأوهام وفي الوعد متعلق بلفظ قوله، وقوله سيآت أعمالهم على أن ما موصولة بمعنى العمل، وما بعده على المصدرية وحين تعرض ظرف لبدا وإضافة سيات على معنى من أو اللام، وما كانوا به يستهزؤون محتمل للموصولية والمصدرية أيضا وأحاط تفسير لحاق وجزاؤه أمّا إنه على تقدير المضاف، أو على إنه مجاز بذكر السبب وإرادة مسببه وقد مز له نظائر. قوله: (والعطف على قوله وإذا ذكر الله وحده الفظ وحده يحتمل أن يكون من النظم، وأن يكون من كلام المصنف يعني إنه عطف هنا بالفاء، ولم يعطف بها أوّلاً في قوله في أوّل هذه السورة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الآية فلقه دره ما أدق نظره. قوله:) بمعنى أنهم الخ) يعني إنه لما كان المقصود ذمهم ذكر حرف التسبيب نعيا عليهم ما هم فيه من عكس حاشية الث! هاب / ج ٨ / م ١٤ الأمور فإنهم مع استبشارهم بآلهتهم، واشمئزازهم من ذكره وحده خصوه بالتضرّع في الشدائد لعلمهم إنه لا يكشفها سواه كان يقول فلأن يسيء إلى فلان فإذا احتاج سأله فأحسن إليه فيكون في الفاء استعارة تبعية تهكمية بجعل ما لا يتسبب مسببا تهكما وتحميقا لهم، والمناقضة والتعكيس مترتبان على الاستبشار والاشمئزاز معا ويجوز اعتباره بين كل منهما على حدة، وقيل إنه يجوز أن تكون الفاء للسببية داخلة على السبب لأنّ ذكر المسبب يقتضي ذكر سببه لأنّ ظهور ما لم يكونوا يحتسبون الخ مسبب عما بعد الفاء إلا أنه يتكرّر مع قوله والذين ظلموا الخ إن لم يتغايرا بكون أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة كما يشير إليه كلام المصنف أو تفصيلية لسيات ما كسبوا. فوله: (وما بينهما اعتراض!) بناء على أنه يجوز الاعتراض بأكثر من جملة وهو المشهور، وان أنكره بعض النحاة وتبعه أبو حيان هنا، وقوله مؤكد إشارة إلى أن الاعتراض يؤتى به ليؤكد معنى الكلام الذي اعترض فيه وذلك إشارة لما ذكر من الاشمئزاز، والاستبشار أو للتعكيس أو لجميع ما ذكر. قوله: (أعطيناه الخ) لأنّ التخويل خاص في اللغة بما كان تفضلا كما ذكره الزمخشري، وتبعه المصنف وقوله على علم خبران كانت ما موصولة وإلا فهو حال وحاصله أنه باستحقاقي له لكونه عالما بتحصيله أو باسثحقاقه أو لعلم الله استحقاقه فقوله من الله معطوف على قوله مني، وما في إنما موصولة أو كافة ويؤيد الثاني كتابتها متصلة في المصاحف، وقوله شيء منها أي من النعم فلتأويلها بشيء ذكر الضمير والقرينة على ذلك التنكير، وقوله امتحان أي ممتحن به وعبر به لقصد المبالغة وقوله لفظ النعمة أي اعتبار لفظ النعمة بعد اعتبار معناها، وهو جائز وان كان الأكثر العكس. قوله:) وهو دليل على أن الإنسان للجنس الأنه لو كان للعهد على أنّ المراد به الكفرة قال لكنهم لا يعلمون وجعله للعهد وإرجاع الضمير للمطلق على أنه استخدام كما قيل تكلف، وقوله إنما أوتيته على علم عندي لفظ عندي ليس في النظم هنا فكأنه غيره، وحكى معناه لكنه أجمل به قوله مني أو من الله الذي قدره فلا سهو فيه كما توهم، وأراد بقوله الهاء مسماه لا لفظه والمراد به ضمير المؤنث إمّا تعبيراً بالجزء عن الكل، أو بناء على أنّ الضمير هو الهاء فقط والألف إشباع للفرق بين ضمير المؤنث والمذكر كما هو قول لهم، وقد اشتهر التعبير عنها به ومن غفل عنه قال إدخال أل على لضمير لا وجه له فكان الظاهر أني قول ضمير قالها. قوله: (والذين من قبلهم الخ) يعني قالوا مثل هذه المفالة، أو قالوها بعينها ولاتحاد صورة اللفظ تعد شيئا واحداً في العرف وقوله رضي به قومه يعني إنّ جميعهم لم يقولو. لكنهم لرضاهم جعلوا قائلين، وهذا بناء على اشتراط الرضا فيه وقد مرّ ما فيه وهو إمّا مجاز في الإسناد بإسناد ما للبعض إلى لكل فالمجاز عقليّ أو التجوّز في الطرف فقالها بمعنى شاعت فيهم ٠ قوله: (جزاء سيآت أعمالهم (قد سبق إنه على تقدير مضاف فيه، أو على أنه تجوّز بالسيآت عما تسبب عنها أو السيآت إلا جزية سميت بها مشاكلة تقديرية لما وقعت في مقابلته، وأفرد الجزاء لأنه سواء كان مصدرا أو اسم جنس كالتراب، والماء صادق على القليل والكثير فلا حاجة لجمعه

стр. 2627

وان لم يكن مصدراً. قوأ ": (رمزا إلى أنّ جميع أعمالهم كذلك) أي سيئة فإن جعل جميع ما يجزون به سيأ يدل على أنّ كل ما عملوه كذلك إذ لو كان فيه حسنة جوزى عليها جزاء حسناً، وما تفيد العموم فهو جزاء كل ما كسبوه والأوّل مصحح، وهذا مرجح ولا ينافي حصول هذا على تقدير مجاز السببية أيضا مع أنه لا وجه له عند من له ذوق سليم. قوله: (ومن للبيان) فإنهم كلهم ظالمون أو الشرك ظلم عظيم، وعلى التبعيض فالمراد بهم من أصرّ على الظلم حتى تصيبهم قارعة وهم بعض منهم، وقوله أولئك إشارة إلى من كفر ممن كان قبلهم والقحط ما أصابهم بعد كتابة الصحيفة وهو معروف في السير وهذا يدل على أنّ المراد بما يصيبهم عذاب الدنيا، وهو المناسب للسياق فإنه يدل على أنّ ما يصيب هؤلاء مشابه لما أصاب أولئك فلا بد اًن يكون في الدنيا وان صح حمله على عذاب الآخرة أو على الأعئم لكن الأوفق بالسياق ما ذكرناه، وعذاب الآخرة هو الذي أشير إليه بقوله وما هم بمعجزين فلا غبار عليه كما توهم، وكون ذلك سبعا وسبعا يعلم من تفصيل القصة، وقوله بوسط أي عادي لا حقيقي فلا يخالف مذهب أهل السنة وهذا ردّ لما سبق من قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ . قوله: (أفرطوا الخ (يعني اًن الإسراف مجاز لاستعمال المقيد وهو الإفراط في صرف المال في المطلق، ثم تضمينه معنى الجناية ليصح تعديته بعلى والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقيا، وقيل ضمن معنى الحمل، وقوله على ما هو عرف القرآن إشارة لغلبة استعماله كذلك وإلا فهو لغويمما أيضا بجعل الإضافة للعهد والتشريف وهذا لا ينافي ما سيذكره من سبب النزول فإنّ القائلين كانوا ممن أسلم لكنهم خافوا المؤاخذة بما فرط قبل الإسلام، وقد ذكر المصنف أنّ خصوص السبب لا يدل على خصوص حكمه فلا وجه لما قيل إنه يدلّ على عدم صحته لما بينهما من التعارض وسيأتي بيانه. قوله: (من مغفرته أوّلاً وتفضله ثانياً) أدوج المغفرة في الرحمة أو جعلها مستلزمة لها لأنه لا يتصوّر الرحمة لمن لم يغفر له وتعليله بقوله: إنّ الله يغفر الخ يقتضي دخوله في المعلل والتذييل بقوله إنه هو الغفور الرحيم كالصريح فيه، وأمّا كونه من الاحتباك فمن ضيق العطن. قوله: (عفوا) تمييز تفسير للمغفرة وهو أظهر في المراد لأنّ العفو محوها والغفر سترها فربما يتوهم إنها سترت ولم تمح بالكلية، وقوله ولو بعد بعد فلا ينافي عذاب العصاة فإنه يتجاوز بعد ذلك عنهم ويدخلهم الجنة بفضله ولو شاء أماتهم، وأفناهم والداعي له إلى ذكر هذا القيد كما أشار إليه المصنف أنّ قوله جميعا يفتضي شموله لكل ما عدا الشرك فدخول من عصى، وغفر له أو عذب بأنقص من جرمه فيه ظاهر أمّا من عذاب بمقدار ذنبه فقيل إنه لا يظهر في حقه المغفرة إذ السيآت إنما تجزي بأمثالها فلو ترك المصنف ما ذكر كان أولى، وقد أجيب عنه بأن كونها لا تجزي إلا بمثلها بلطفه أيضا فهو نوع من عفوه، ولو أريد بالذنوب المؤكدة أنواعها لا إفرادها أو قيد بلمن يشاء بقرينة التصريح به في قراءة شاذة هنا، وكون الأمور معلقة على ذلك كان أظهر وقوله خلاف الظاهر رد على الزمخشري، والمعتزلة إذ منعوا العفو عن الكبائر من غير توبة، وهذا القيد غير مذكور في النظم وتقديره أو حمل تعريف الذنوب على لعهد يأباه قوله جميعاً، وقوله ويدلّ الخ جواب سؤال مقدر، وهو إنه إذاك ان على إطلاقه شمل الشرك بأنه لا ينافي الإطلاق لأنه مبين بصريح النظم ولا يدخل في الذنوب كما يتبادر للفهم وأيضا لو قيد هذا بالتوبة نافي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية: ١١٦] الآية. قوله:) والتعليل بقوله إنه هو الغفور الخ) بالرفع عطف على فاعل يدل وكذا ما بعده ووجه الدلالة ما أشار إليه بقوله على المبالغة فإنهما صيغتا مبالغة، والمبالغة في المغفرة والرحمة إما بحسب الكمية لأنها لجميع الذنوب، وإما الكيفية فيكون للكبائر بدون توبة وافادة الحصر بالرفع والجر لتعريف الطرفين وضمير الفصل وهو أيضا مع الجملة الاسمية يفيد المبالغة لأن الغفر والرحمة قد يوصف بها غيره فالمحصور فيه إنما هو الكامل العظيم، وهو ما يكون بلائق به فيدل على ما ذكر من غير تردّد فيه كما قيل، والوعد بالرحمة من قوله الرحيم بعد المغفرة يفيد أنه غير مستحق لذلك لولا رحمته، وهو إنما يكون إذا لم يتب وتقديم ما يفيد عموم المغفرة بحذف المعمول فيتناول جميع الذنوب. قوله: (مما في عبادي الخ) لأن العبودية تقتضي التذلل، وهو أذسب بحال العاصي إذا لم يتب والاختصاص من الإضافة لله، واقتضاء المذلة للترحم ظاهر وكذا اقتضاء

стр. 2628

الاختصاص لأنّ السيد من شأنه أنه يرحم عبده ويشفق عليه، وهذا كله يقتضي عموم المغفرة لمن طاب وغيره لعموم سببه فتأمل. قوله:) وتخصيص ضرر، الإسراف) لأنّ على للمضرة ومجرورها أنفسهم فإذا كان الضرر مقصوراً عليهم كما في قوله ومن أساء فعليها فكأنه قيل ضرر الذنوب عائد عليهم لا عليّ فيكفي ذلك من غير ضرر آخر كما في المثل أحسن إلى من أساء كفى المسيء فعله فالعبد إذا أساء، ووقف بين يدي سيده ذليلا خائفاً عالماً بسخط سيده عليه ناظراً لإكرام غيره ممن أطاع لضه ضرر إذ استحقاق العقاب عقاب عند ذوي الألباب فلا يتوهم أنّ ضرر الذنب العقاب فهذا دال على عكس المقصود، وقوله مطلقاً يعني من قيد كونه صغيرة أو ذكر توبة كما تقوله المعتزلة، وقوله عن الرحمة يتعلق بالقنوط أي اليأس، وقوله فضلا عن المغفرة يعني أنه إذا نهى عن اليأس من رحمة الله وتفضله علم النهي عن اليأس عن المغفرة بالطريق الأولى لأنّ الرحمة لا تتصوّر بدونها، وقوله واطلاقها بالجر أي وفضلا عن إطلاق المغفرة عن قيد التوبة لأنها تركت رأسا مع النهي ويجوز نصبه على أنه مفعول معه فيكون بيانا لإطلاقها في قوله: إنّ الله الخ والأوّل أولى فتأمّل. قوله: (وتعليله الخ) أي تعليل النهي المطلق فإنه يدل على اطلاقه كما مز، ووضع الظاهر موضع الضمير في رحمة الله وان الله مع أنّ مقتضى الظاهر الضمير فأتى باسم الذات الدال على استجماعه لجميع الصفات إشعاراً بأنه من مقتضى ذاته لا لشيء آخر من توبة، أو غيرها فهذا كله مع ما ذكر من وجوه التأكيد مؤكد للإطلاق. قوله:) وما روي الخ (مبتدأ خبره قوله لا ينفي عمومها أي عموم هذه الآية، وقوله لي أي موهوبة لي وفي ملكي، وقوله بها أي بهذه الآية فالباء للمقابلة والبدلية يعني لو خير بين أخذ الدنيا جميعها وبين إنزال هذه الآية عليه اختار الآية دون الدنيا وهو رد على الزمخشري إذ استدل بهذا الحديث على اشتراط التوبة لا جواب آخر كما قيل. قوله: (فقال رجل الخ) هذا الحديث رواه الطبراني والإمام أحمد والبيهقي وهو صحيح لكن في سنده ضعف كما قاله ابن حجر وقوله: ومن أشرك من العطف التلقيني على الذنوب في الآية فهو في محل نصب والمراد الاستفهام فالتقدير أو من أشرك، وقال الفاضل اليمني يحتمل أن يكون مرفوعا أي ومن أشرك موعود أو منصوبا أي وعد من أشرك أو مجرورا أي أيغفر ذنوب من أشرك، وهذه الوجوه جارية في قوله إلا ومن أشرك أيضا وإلا فيه حرف استفتاح. قوله: (فسكث ساعة ثم قال الخ) قال التفتازاني: فإن قيل: إن أريد بدون التوبة والإسلام فلا مغفرة للشرك وان أريد معه فلا حاجة إلى السكوت لانتظار الوحي أو الاجتهاد بل لا وجه لسؤال السائل، والآية وردت في المشركين أو دخلوا دخولاً أوّلياً بلا خفاء قلنا: إمّا السؤال فللاستبعاد عادة لعظم الأمر، واما السكوت فلتعليم التأني والتدبر وعدم المسارعة إلى الجواب وإن كان الأمر واضحاً وايراد الحديث للدلالة على اشتراط التوبة، اهـ (أقول) هو رد على الطيبيّ تبع فيه صاحب الكشف، وكونه دالاً على اشتراط التوبة كما توهمه الزمخشري مما لا وجه له كما عرفته وكونه مع الإسلام لا شبهة فيه إنما الكلام في التوبة، والظاهر أنّ سكوته يوو للنظر في عموم المغفرة والإذن في التصريح به فإنهم ربما اتكلوا على المغفرة فيخشى التفريط في العمل وهو لا ينافي التعليم فإنه إنما يعلمهم التدبر بعد أن يتدبر هو في نفسه. قوله: (وما روي أنّ أهل مكة الخ) هذا الحديث في صحيح الببخاري لكن بغير هذا اللفظ، وقوله: فتنوا أراد به أنهم ارتدوا بعدما حملهم المشركون على الردة، ووحشيّ قاتل سيد الشهداء حمزة ﵁ لكنه أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه وقتل أيضاً مسيلمة الكذاب فكان ﵁ يقول: قتلت خير الناس وشر الناس، وقوله: لا ينفي عمومها أي كما توهمه الزمخشريّ والمراد عموم سائر الذنوب مما تابوا عنه، أولم يتوبوا وما ذكر في سبب النزول من أنه في الذنب الذي سبق الإسلام ومغفرته بالإسلام الذي يجب ما قبله لا ينافي شموله لما وقع بعده فإنّ خصوص السبب لا يدل على خصوص الحكم كما تقرّر في الأصول، وقوله: ولم نهاجر لأنّ ترك الهجرة في صدر الإسلام كان كبيرة ثم نسخ بعد فتح مكة ولا هجرة بعد الفتح. قوله: (وكذا قوله: وأنيبوا الخ (ردّ على الزمخشري أيضا لأنه قال ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها شرط فيها

стр. 2629

لازم لا تحصل بدونه لأنّ ذكر شيء بعد شيء لا يقتضي توقف الأوّل على الثاني وتقيده به بل ذكر الأمر بالتوبة بعده لأنها ممحصة للذنوب موثوق معها بالنجاة فيقتضي أنه ليس معتبراً فيما قبله، ولا مقدراً معه. قوله: (فإنها) أي الآية السابقة مطلقة لا دلالة لها على حصول المغفرة بدون التوبة كما لا دلالة على لزوم التوبة إذ لو دلت على الأوّل كانت المغفرة تغني كل أحد عن التوبة، والإخلاص فتنا في الوعيد بتعذيب من لم يتب لكنها غير منافية له لأنّ المغفرة فيه مطلقة فلا يتوهم أنّ قوله: فإنها الخ تعليل لعدم نفي العموم، وهو لا يلائمه فتدبر. قوله: (القرآن) فالتفضيل على ظاهره لأنّ المراد بما أنزل الكتب السماوية، وهو أحسنها وأفضلها والخطاب للجنس هذا إذا كان القرآن تفسير الأحسن، وهو الأحسن، ويجوز أن يكون تفسيرا لما أنزل فالخطاب لهذه الأمّة وأحسنه ما علم منه من خير الدارين دون القصص، ونحوها فيكون كقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر، الآية: ١٨، وهو أحد وجوه ذكرها السمرقندي. قوله: (أو المأمور به الخ) فأحسن بمعنى حسن إذ لأحسن في المنهي عنه ويجوز إبقاؤه على أصله بناء على أنّ المباح حسن أيضا وعلى الرابع إن بقي في المنسوخ ندب أو إباحة فعلى أصله والا فهو بمعنى الحسن. قوله: (ولعله ما هو أنجى وأسلم (أي لعل المراد بالأحسن هذا، وهو أعمّ وأكثر فائدة مع بقاء أفعل فيه على بابه، وقوله وأنتم لا تشعرون سيأتي تحقيقه في الزخرف، وقوله فتداركوا أي فتتداركون ما يدفعه. قوله: (كراهة الخ) يعني أنه مفعول له بتقدير مضاف فيه وفيه وجوه أخر تقدمت، وجعله الشارح التفتازاني تعليلا لفعل يدل عليه ما قبله أي أنذركم وآمركم باتباع أحسن القول كراهة الخ وإنما قدره كذلك ليستوفي شرط النصب، وهو الاتحاد في الفاعل وقد سبقه لهذا التقدير الكواشي، ومن غفل عنه قال: لا حاجة إلى الإضمار لصحة نصبه بأنيبوا واتبعوا وأما كون الكراهة ضحذ الإرادة فيلزم أن لا يوجد قول النفس إذ لا يقع ما لا يريده، وليس كذلك فهذا على مذهب المعتزلة دون أهل الحق فليس بشيء لأن الكراهة تقابل الرضا دون الإرادة فلا يستلزم ما ذكره ولو سلم فهو معلق بما ذكر لا كما زعم ولا محذور فيه. قوله:) وتنكير نفس الخ) ذكر الزمخشري في توجيه تنكير. ثلاثة وجوه أن يكون للتبعيض لأنّ القائل بعض من النفوس، أو يكون للتعظيم لعظم كفرها وعنادها وعذابها ولم يرتضه المصنف فلذا تركه أو هو للتكثير ولخفائه أثبته يشاهد من كلام العرب لأنّ الأشهر في النكرة أن تكون للتقليل ولذا قدمه، وهو كاف في الوعيد لأن كل نفسر يحتمل أن تكون تلك وفي البيت شاهد من وجهين استعمال رب للتكثير وهي موضوعه للتقليل وكذا النكرة. قوله:) ورب بقيع الخ) هو من قصيدة للأعشى أولها: كفى بالذي نوّلته لوتجيبا شفاءلسقم بعدماكان أنيبا وهي طويلة (ومنها) : وإني لدن إن عاب قومي فكأنما يراني فيهم طالب الحق أريبا دعا قومه حولي فجاؤوا لنصره وناديت قوما بالمسناة غيبا أجاروه مني ثم أعطوه حقه وما كنت فيهم قبل ذلك أرنبا ورب بقيع لو هتفت بجوّه أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا الخ. وفي شرحه إنّ بقيعا اسم موضع بعينه لا المقبرة تشبيها ببقيع الغرقد، وهو مقبرة المدينة المنوّرة كما توهم وهتف بمعنى صاح والمراد بالجوّ هنا ناحية من الفضاء، وينفض بالفاء والضاد المعجمة، ويجوز أن يكون بالغين المعجمة ومعناه يحرك والمسناة بضم الميم وفتح السين المهملة، وتشديد النون قال شارحلا: أراد بها القبور وهي من سن التراب إذا أهاله حتى يصير كسنائن الرمل يقول: إني دليل لموت قومي وخصمي متقوّ عليئ بقوم إذا دعاهم جاؤوا لنصرته، ولو دعوت من مات من قومي ثمة قام منهم قوم كرام ينفضون تراب القبور عن رؤسهم أو يحرّكون رؤوسهم غضبا من أهانتي، وإجابة لنداء أسرني والشاهد في قوله كريم فإن المراد به التكثير أي قوم كرام والكلام على يا حسرتي مرّ مفصلا. قوله:) بما قصرت (الباء سببية، وما مصدرية أي بسبب تقصيري وهو إشارة إلى أن على للتعليل كما في قوله: على ما هداكم. قوله: (جانبه) أصل الجنب، والجانب بمعنى وهو مشتق

стр. 2630

من الجسد، ثيم استعير للناحية التي تليه كما قيل يمين وشمال لما يليهما، وقوله في حقه يعني أنه أريد هنا أن التفريط واقع في حقه وهو ما يحق له، ويلزم وهو الطاعة، ثم أثبت استعماله بهذا المعنى في كلامهم فبيت سابق البربري، وهو من فصحاء العرب وشعراء الحماسة ومعناه إمّا تخافين من الله لما صدر منك في حقه والوامق المحب وجملة له الخ صفته وحرى تأنيث حران، وهو من اشتدت حرارة جوفه من العطش ونحوه وتقطع أصله تتقطع فحذفت إحدى تاءيه. قوله: (وهو كناية الخ) يعني أنّ فيه مضاكا مقدراً لا بد من تقديره كما صرّج به في الكشاف أي في جنب طاعة الله والجنب بمعنى الجانب، والجهة والتفريط في جهة الطاعة كناية عن التفريط في الطاعة لأن من ضيع جهة ضيع ما فيها بالطريق الأولى الأبلغ لكونه بطريق برهاني كما لا يخفى وحق الله بمعنى طاعته لا مانع من أن يكون لها جهة بالتبعية للمطيع، كمكان السماحة في البيت المذكور قال في الكشاف: فإن قلت فمرجع كلامك إلى أنّ ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطي م! ن حسن الكناية وبلاغتها فكأنه فيل فرطت في الله فما فعناه قلت: لا بد من تقدير مضاف محذوف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر والمعنى فرطت في طاعة الله وعبادة الله وما أشبه ذلك اهـ، والعجب إنه في الكشاف بعدما أطال في تقريره وتوضيحه لم يقف بعض أرباب الحواشي على مراده حتى نقل أنّ الإمام قال: لما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وما يكهون لازماً للشيء حسن إطلاق الجنب على الحق والطاعة، وزعم أنه مأخذ المصنف وأنّ كلامه تلخيص له لكنه يكون حينئذ استعارة تصريحية لا كناية كما زعمه المصنف، وإنما يكون كناية إذا أريد به الذات كما في الكشاف والمقابلة تمنع من الحمل عليه مع أنه يرد على الكشاف أنّ المعنى الحقيقي لا إمكان له لتنزهه سبحانه عن الجهة فكيف تصح الكناية، ثم تبعه من تبع وقال ما قال: وماذا بعد الحق إلا الضلال. قوله: (وقيل في ذاته) يعني الجنب مجاز عن الذات كالجانب والمجلس يستعمل مجازا لربه فيكون المعنى فرطت في ذات الله ولا معنى للتفريط في الذأت فلذا قدر فيه مضافا أي في طاعة ذات الله ولا يخفى مغايرته لما قبله وان خفي على بعضهم ووجه تمريضه ظاهر لأنّ الجنب لا يليق إطلاقه هنا، ولو مجازاً وركاكته ظاهرة. قوله: (وقيل في قربه) يعني أنّ الجنب يستعار للقرب أو يستعمل له مجازاً مرسلا كما في الصاحب بالجنب فإنّ المراد به القريب، وهذا وان تبادر من الطاعة ونحوها فهو بعد التجوّز عن هذا يحتاج إلى تجوّز آخر وهو وجه تضعيفه، وقوله إما تتقين الله الخ البيت من قصيدة لجميل بن معمر الشاعر المشهور أوّلها: وهاجك أم لا بالمداخل مربع ودار بأجراع العذيرين بلقع وقوله: إن السماحة الخ من قصيدة لزيادة الأعجم مدح بها ابن الحشرج أمير نيسابور فهو شاهد للكناية التي قصد بها إثبات تلك الصفات لممدوحه بطريق الكناية لجعلثا لمحل هو فيه، وهو أبلغ من وصفه بها. قوله تعالى: ( ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، وقوله: بأهله أي أهل الله وهو شامل للأندجمياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين وأهل القرآن فلذا اقتصر عليه المصنف لشموله لأقوال أخر ذكرها غيره، وقوله: بالإرشاد إلى الحق فالهداية بمعنى الدلالة الموصلة، ولم يفسره بخلق الاهتداء فيه وان كان سبباً للتقوى أيضاً لأنّ هذا أنسب بالشرطية، وهو المطابق للرد بقوله بلى والظاهر إنّ هذه المقالة في الآخرة. قوله تعالى: ( ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ ) أي رجوعاً إلى الحياة الدنيا ولو للتمني ولذا نصب جوابها، وقوله: وأو الخ يعني إنها لمنع الخلوّ فيجوز اجتماع بعضها وكلها في بعضهم، وانما أتى بمانعة الخلوّ لأنها تكفي في الداعي إلى الإنابة والاتباع والتخير في الجميع، والتعلل في الثاني كما سيصرّح به ويجوز أن يكون في الأخير. قوله: (ردّ من الله الخ) جعله متضمنا للنفي لأنّ بلى لا تكون إلا بعد النفي لكنه لا يشترط فيه أن يكون صريحا كما أشار إليه المصنف. قوله: (وفصله عنه الخ) دفع للسؤال المقدر، وهو أنه كان ينبغي أن لا يفصل بينهما فإن خشي من الفصل بين أقسام الترديد ورد عليه إنه لو أخر الثاني لم يلزمه محذور فأشار إلى أنّ فيه محذوراً آخر، وهو ثشويش الترتيب الطبيعي كما أشار إليه بقوله: لأنه يتحسر الخ وبيانه كما في شرح الكشاف: أنّ التحسر على التفريط في الطاعة عند تطاير الكتب والتعلل بفقد الهداية عند مشاهدة كرامة المتقين، وتمني الرجعة
следующие страницы →