Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
إن كان تدارك مصدار فهو معطوف عليه ويجوز عطفه على الأولى، وقوله: بالاستغفار بتدارك وقوله: فإنه تعالى كافيك الخ تعليل لما قبله من قوله: أقبل الخ ولا ينافي ما ذكر كونه تعليماً لأمّنه. قوله: (ودم على التسبيح الخ) يعني بالعشيّ، والإبكار كناية عن دوام تسبيحه كما يقال بكرة وأصيلا وقد مرّ مثله وتحقيقه أو هو تخصيص للوقتين على أن المراد بالتسبيح الصلاة بناء على ما ذكره والقائل بعدم فرض الصلوات الخمس بمكة الحسن لا غير، وقد مرّ في الروم أنه يقول كان الواجب ركعتين في أفي وقت اتفق وكله مخالف للصحيح المشهور فيجوز أن يراد الدوام، ويراد بالتسبيح الصلوات الخمس ولذا ذهب الحسن ﵀ بناء على مذهبه إلى أن هذه الآية مدنية على التخصيص يجوز إرادة التسبيح بمعناه الحقيقي أيضاً. قوله: (عام في كل مجادل مبطل (البطلان مأخوذ من كونه بغير سلطان أي حجة، وقوله: وان نزل الخ لأنّ السبب لا يخصص ومن قال: نزلت في اليهود يجعلها مدنية كما مرّ، وقوله: حين قالوا الخ المراد بصاحبنا النبيّ المبشر به في الثوراة فالإضافة فيه لأدنى ملابسة، والمسيح ابن داود والدجال لأنه من اليهود كما ورد في الأحاديث ويسمى المسيح بالحاء المهملة فقيل: لشؤمه لأنه يطلق المسيح على من فيه شؤم وقيل لكونه أعور والمسيح هو من مسح وجهه بأن لم يبق في أحد شقيه عين ولا حاجب كما في كتاب العين، ونقل ابن مأكولا عن الصوري أنّ المسيح بالحاء المهملة عيسى ابن مريم ﵊، وأمّا اسم الدجال فهو مسيخ بالخاء المعجمة من المسخ. قوله: (إن في صدورهم (أي في قلوبهم فأطلقت عليها للمجاورة والملابسة، وقوله: أو إرادة الرياسة تفسير للكبر معطوف على قوله: تكبر فيكون
مجازاً عنه لما بينهما من التلازم، وقوله: أو أنّ النبوّة الخ معطوف على الرياسة بأو العاطفة، وقوله: ببالغي دفع الآيات فالضمير عائد إليه لفهمه من المجادلة إذ هو المقصود منها والجملة مستأنفة على هذا فإن كان الضمير للمراد جاز ذلك وكونه صفة كبر أيضا، وقوله: إنه الخ تعليل للأمر قبله. قوله: (فمن قدر على خلقها (أي خلق هذه الأجرام العظيمة وفي نسخة خلقهما وهما بمعنى، وقوله: من غير أصل أي مادة ونحوها، وهو تفسير لقوله: أوّلا أي ابتداء، وقوله: من أصل بناء على أنه ليس بمعدوم الأصل والمادة ولو عجب لذنب الذي منه يخلق خلق النخلة من النواة. قوله: (لا شكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد (وفي نسخة بأمر التوحيد بالباء بدل من والمقصود كما صرّح به الزمخشريّ بيان اتصال هذه الآية بما قبلها لأنه لما ذكر قبله التوحيد وما يثبته ونعى على المشركين شركهم، ثم فذلك قبيل هذه الآية بأق مجادلتهم كلها إنما دعاهم لها التكبر بغير حق، والطمع فميا لا ينالونه عقبه بما ذكر مما يثبت أمر البعث كما في قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [سورة يس، الآية: ٨١] الآية لأنّ اللازم بعد الإيمان بالله ووحدانيته معرفة أمر المبدأ والمعاد هذا ما أراده بلا مرية لك الكلام في عبارته، أمّا على نسخة الباء فهو واضح لأن أشكل بمعنى أشبه كما تقول هذا من أشكاله أي أشباهه وإضرابه وهي متقاربة المعنى يعني إنه شيء بأشبه شيء بأمر التوحيد، وأقربه في كثرة المجادلة في شأنه وكونه من ألزم اللوازم معرفته وعلى النسخة الأخرى فأشكل بمعناه السابق أيضاً لكنه ضمن معنى أقرب فتعلقت من به بهذا الاعتبار وهذا أصح مما قيل إن من متعلق بأشكل والمعنى إنه أصعب من أمر التوحيد في مجادلتهم فإنه ظاهر لا يحتاج لبيان بطلان مجادلتهم فيه بخلاف هذا فلذا خص بالبيان، وأمّا ما قيل إنّ معنى الآية خلق هذه الأمور أكبر من خلقهم فما بالهم يجادلون، ويتكبرون على خالقهم فقليل الفائدة والجدوى. قوله: الأنهم لا ينظرون الخ (إشارة إلى ما ذكره الراغب في الغرة من أنّ ما قبله لما كان لإثبات البعث الذي يشهد له العقل ناسب نفي العلم عن الناس ممن كفر به لأنهم لو كانوا من العقلاء الذين من شأنهم التدبر والتفكر فيما يدل عليه لم يصدر عنهم مثله، ولذا لم يذكر له مفعولاً لأنّ المناسب للمقام تنزيله منزلة اللازم. قوله: (الغافل والمستبصر (يعني أن الوصفين المذكورين مستعاران لمن غفل عن معرفة الحق في مبدئه، ومعاده ومن كان له بصيرة في معرفتهما ولذا قدم الأعمى لمناسبته لما قبله من نفي النظر، والتأمّل وقدم الذين آمنوا لمده لمجاورة البصير، ولشرفهم وفي مثله ظرف أن يجاور كل ما يناسبه كما هنا وأن يقدم ما يفايل الأوّل ويؤخر ما يقابل الآخر كقوله: ﴿ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾
стр. 2662
وأن يؤخر المتقابلان كالأعمى والأصئم والبصير والسميع والكل جائز وأما تفسيره بالصنم والله كما مرّ في سورة فاطر فغير مناسب هنا. قوله:) والمحسن والمسيء (الأوّل تفسير للذين آمنوا ولذا قابله بالمسيء فعدل عن التقابل الظاهر إشارة إلى أنهم علم في الإحسان ففيه لف ونشر لما قبله غير مرتب، وقوله: فينبغي أن يكون الخ إشارة إلى أن المقصود من عدم استوائهما ليس تفاوت حالهم في الدنيا بل في دار الجزاء بعد البعث لأنه لو لم يكن ذلك كان خلقهما عبثا منافياً لحكمة الصانع الحكيم، ولذا ذكره بعد الحجة على المعاد وعقبه بقوله: قليلا ما يتذكرون. قوله:) وزيادة لا في المسيء الخ (ليس المراد إنها زائدة رأسا بل إنها أعيدت تذكيراً للنفي السابق لما بينهما من الفصل بطول الصلة لأنّ المقصود بالنفي إنّ الكافر المسيء لا يساوي المؤمن المحسن وذكر عدم مساواة الأعمى للبصير توطئة له، ولو لم يعد النفي فيه ربما ذهل عنه وظن أنه ابتدأ كلام ولو قيل: ولا الذين آمنوا والمسيء لم يكن نصاً فيه لاحتمال أنه مبتدأ قليلا ما يتذكرون خبره وجمع على المعنى فما قيل من أن المقصود نفي مساواته للمحسن لا نفي مساواة المحسن له إذ المراد بيان خسارته فلذا اكتفى بالنفي السابق في الذين آمنوا فيه أن المراد نفي المساواة من الطرفين فتأمل. قوله: (والعاطف الثاني عطف الموصول الخ (إشارة إلى أنّ المراد عطف المجموع على المجموع كما في قوله هو الأوّل والآخر والظاهر، والباطن ولم يترك العطف بينهما لأنّ الأوّل مشبه به والثاني مشبه فهما بحسب المآل متحدان فكان ينبغي ترك العطف بينهما لأنّ كلاً من الوصفين مغاير لكل من الوصفين الآخرين وتغاير الصفات كتغاير الذوات في صحة التعاطف كما مرّ ووجه التغاير أنّ الغافل والمستبصر والمحسن، والمسيء صفات متغايرة المفهوم بقطع النظر عن اتحاد ما صدقها، وعدمه ولا حاجة إلى القول بأن القصد في الأوّلين إلى العلم وفي الآخرين إلى العمل، وقوله: أو الدلالة بالصراحة الخ هذا بناء على اتحادهما في الما صدق ولكن لما بينهما من التغاير الاعتباري إذ أحدهما صريح والآخر مذكور على طريق التمثيل عطف وفيه نظر لأنه لو اكتفى بمجز هذه المغايرة لزم جواز عطف المشبه على المشبه به وعكسه. قوله: (تذكر إئا قليلاَ) يعني أنّ نصبه ونه صفة مصدر مقدر، وقوله: على تغليب المخاطب الخ الظاهر جريانه على الوجهين لأن بعض الناس أو الكفار مخاطب هنا والتقليل أيضاً يصح إجراؤه على ظاهره لأن منهم من يتذكر ويهتدي لإسلامه وجعله بمعنى النف على كونه ضمير الكفار أولى كما أنه على حقيقته إذ رجع للناس،
وأمّا تخصيص التغليب بما إذا رجع للناس والالتفات بما إذا رجع للكفار فلا وجه له وفي الالتفات إظهار للعنف لأنّ الإنكار مواجهة أشد ولذا قيل:
لقدأجلك من يرضيك ظاهره وقدأضاعك من يعصيك مستترا
فهو أبلغ من التغليب فمن قال إنّ هذه النكتة توجد في التغليب مع التعميم فيكون أبلغ لم
يميز وجه الأبلغية فيه حتى يعرف جريانهما فيهما، والظاهر أنّ المخاطب من خاطبه تخييه من قريش فمن قال المخاطب النبيّ ﷺ لقوله: " فاصبر " ولا يناسب إدخاله فيمن لم يتذكر فقدمها، وأمر الرسول بتقدير قل قبله فلا يكون التفاتا. قوله: (لوضوح الدلالة الخ (وما ذكر ينفي الريب والشبهة لأنّ ما دل البرهان الواضح على جوازه كما مرّ مرارا من الآيات وأجمع على وقوعه الرسل عليهم الصلاة والسلام، لا ينبغي لعاقل الشك فيه وقوله يحسون به أي يدركونه بالحواس الظاهرة وعداه بالباء لأنه بمعنى الشعور. قوله: (اعبدوتي (فسر الدعاء بالعبادة والاستجابة بالإثابة واطلاق الدعاء على العبادة مجاز لتضمن العبادة له لأنه عبادة خاصة أريد به المطلق وجعل الإثابة لترتبها عليها استجابة مجازاً أو مشاكلة وإنما أوّل به لأنّ ما بعده يدل عليه إذ لو أريد ظاهره قيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ليحسن الاستئناف التعليلي فلزم إمّا جعلى ادعوني بمعنى اعبدوني أو عبادتي بمعنى دعائي واختار تأويل الأوّل قبل الحاجة إليه لأن المقام يناسبه الأمر بالعبادة، ومعنى صاغرين أذلاء. قوله:) كان الاستكبار الصارف عنه الخ (أي نزل الاستكبار عن العبادة الصارف عن الدعاء لأنّ من استكبر عن عبادة الله كان كافراً، ولا يدعوالله مثله فنزل الاستكبار عن العبادة
стр. 2663
منزلة عدم الدعاء وعبر به عنه للمبالغة بجعل عدم الدعاء كأنه كفر فلذا أقيم مقامه والفرق بينه وبين ما بعده إنّ العبادة ليست في هذا مجازا بل الاستكبار عنها فتدبر. قوله: (أو المراد بالعبادة) أي تجوّز في الثاني فعبادتي بمعنى دعائي فأطلق العبادة، وأريد بها فرد خاص من أفرادها، وهو الدعاء وهو مجاز أيضا ولو قيل لا حاجة إلى التجوز لأنّ الإضافة المراد بها العهد هنا فيفيد ما ذكر من غير تجوز لكان أحسن. قوله: (لتستريحوا الخ (يعني تسكنوا من السكون لا السكنى، وقوله: بأن الخ بيان لسبب ذلك بأنه لغيبوبة الشمس غلب عليه البرد والظلمة فأدّى برده إلى ضعف القوى المحركة وظلمته إلى هدوّ الحواس الظاهرة أي سكونها ففي قوله ليؤذي الخ لف ونشر. قوله: (يبصر فيه أو به (يعني أن
النهار إمّا ظرف زمان للأبصار أو سبب له وعليهما فإسناد الأبصا له بجعله مبصرا إسناد مجازقي لما بينهما من الملابسة، وعدل إليه للمبالغة بجعل بصر المبصر لقوّته أثر فيما يلابسه حتى كأنه مبصر أيضا، ولذا لم يقل ليبصروا فيه كما في قرينه، فإن قلت لم ترك هذه المبالغة في الأوّل فلم يقل فيه ساكنا قلت قد أجيب عنه بوجوه فقيل: إنّ نعمة النهار أتتم وأعظم فكان أولى بالمبالغة وقيل لأنه يوصف بالسكون، وإن كان لسكون الريح فيه غالبا لكنه شاع حتى صار بمنزلة الحقيقة في وصفه به أو لأنه دلّ على فضل في الأوّل بتقديمه فجبر الثاني بالمبالغة المذكورة، وأما كونه من الاحتباك وأصله مظلما لتسكنوا فيه ومبصراً لتبتغوا من فضله فمثله لا يقال بسلامة الأمير. قوله: (لا يوازبه فضل (بالياء التحتية أي لا يقابله ويقاومه أو بالنون يعني إنّ التنوين والتنكير للتعظيم، والمقصود هنا تعظيم فضله وأنعامه بذكره بعدما عدد منه، ولذا لم يقل لمفضل لأنه يدل على تعظيم ذاته صراحة دون فضله، وليس هذا بمقصود هنا مع أنّ اسم الله يكفي فيه ففي قوله للإشعار به مضاف مقدر أي لقصد الإشعار به. قوله: الجهلهم الخ (أي لعدم علمهم بحقه لأنهم لو علموا حقه وأنه هو المنعم كان ذلك شكرا واغفال مواقع النعم عدم رعاية حقوقها، وقوله: لتخصيص الكفران بهم قال الشارح المحقق: هو من إيقاعه على صريح اسمه الظاهر الموضوع موضع الضمير الدال على أنه شأنه، وخاصته في الغالب لا بمعنى التخصيص الحصري كما توهمه العبارة لأنه لا يناسب المقام فلا دلالة للفظ عليه. قوله: (المخصوص بالآفعال الخ) يشير إلى أنّ اسم الإشارة جعل مبتدأ ليدل على ثبوت ما أخبر به عنه لدلالته على الذات المتصفة بما سبق من التفضلي بما مز من النعم الجسام ولا يكون إلها معبودا إلا من هو كذلك وليس فيما ذكر دلالة على أن لفظ الجلالة صفة لاسم الإشارة كما قيل حتى يلزم مخالفة ما ذكره النحاة ويدعى أنه خالفهم نظراً لأصله بل هو إلى الخبرية أقرب منه إلى ما ذكر، وقوله: الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة صريح فيه، وقوله: لا فائدة في الأخبار به مع عدم إنكار الكفار غير متوجه لأنّ معنى ذلكم المتصف بهذه الصفات هو الإله المعبود لا غيره كما يفيده تعريف الطرفين والمشركون منكرون للتوحيد الذي يدلّ عليه الحصر المستفاد من تعريف الطرفين. قوله: (تخصص! اللاحقة السابقة (المراد بالتخصيص تقليل الاشتراك في المفهوم نظراً إلى أصل الوضع فإن الله المعبود بحق وهو شامل للمربى المنعم وغيره فذكر الرب للتخصيص به وهو أيضا شامل لخالق جميع المخلوقات، وغيره فما بعده اختص به فلا يرد عليه أنّ الله دال على استجماع جميع صفات الكمال فلا حاجة
للتخصيص بغيره، ثم إنه في الأنعام جوّز في بعضها الوصفية والبدلية إلا أنه فيها أخر خالق كل شيء عن قوله: لا إله إلا هو وقدم هنا ولا بد له من نكتة وهي أن المقصود هنا الرد على منكري البعث فناسب تقديم ما يدلّ عليه، وهو أنه مبدأ كل شيء فكذا إعادته والمراد بالتقرير التوكيد وليس المراد بالتخصيص مصطلح النحاة بل تقدير أعني أو أخص فتأمّل. قوله: (استئنافاً) على هذه القراءة وعلى الأولى هو خبر، وقوله: كالنتيجة لأنّ ما قبله يدل على ألوهيته وتفرّده با لألوهية كأنه قيل: الله متصف بما ذكر من الصفات ولا إله إلا من اتصف بها فلا إله إلا هو. قوله: (ومن أقي وجه) تفسير لما قبله لأن أني اسم اوضع للاستفهام عن الجهة تقول أنى يكون هذا أي من أيّ وجه، وطريق كما في المصباح فهو لإنكار جهة يأتي منها وهو أبلغ من إنكاره فالوجه في كلامه بمعنى الجهة وهو أحد معانيه. قوله:) أي كما أفكوا أفك الخ) ما موصولة أو مصدرية وفيه إشارة إلى أن
стр. 2664
المضارع بمعنى الماضي، والعدول عنه لاستحضار صورته لغرابته، وقيل إنه للإشعار بأنه ينبغي أن يكون مما لا يتحقق وقوعه وفيه نظر، وقوله بناء أي مبنية وقد فسرت هنا وفي البقرة بالقبة المضروبة لأنّ العرب تسمى المضارب أبنية فهو تشبيه بليغ وهو إشارة لكريتها، وقوله: استدلال ئان والأوّل هو قوله الله الذي جعل لكم الليل الخ.
قوله: (منتصب القامة) أفرده على تأويل كل فرد وبادي البشرة لا مغطي بالشعر والوبر والمراد بالتخطيطات جمع تخطيطة مقابل ما يتقل بالأعضاء كالحواجب، والأصداغ والشوارب في الرجال والأظفار والهيآت المصوّرة وهذا بيان للمحاسن المحسوسة الظاهرة، وما بعده للمعنوية الباطنة، وفسر الطيبات باللذائذ، وقد فسرت بالحلال أيضاً. قوله:) فإنّ كل ما سواه مربوب الخ) فسر المربوبية بافتقار جميع الموجودات إليه ابتداء، وبقاء لأنّ الممكن في كل آن عرضة للزوال لولا استناده إلى ذي الجلال المتعال كما سيأتي تحقيقه في سورة تبارك. قوله: (فاعبدوه (تقدّم أنّ الدعاء ورد بمعنى العبادة كعكسه وفسره به هنا من غير تعرض للاحتمال الآخر لأن قوله مخلصين له الدين يقتضيه، ولأنه هو المترتب على ما ذكر من أوصاف الربوبية
الألوهية، وإنما ذكر بعنوان الدعاء لأنّ اللائق هو العبادة على وجه التضرّع والانكسار والخضوع. قوله:) أي الطاعة (تفسير للدين، وقوله: من الشرك والرياء متعلق بمخلصين وقوله: قائلين له قدر هذا في الكشاف قبل قوله: الحمد لله على أنه من كلام المأمورين بالعبادة قبله، ويجوز كونه من كلامه تعالى على أنه إنشاء لحمد ذاته بذاته فإن كان هذا متعلقا بما قبله فلا وجه لتأخيره، وذكر له إلا أن يكون هذا من تحريف الكاتب فإن تعلق بما بعده ففيه بعد إذ لا حاجة لتقديره إلا لارتباطه بما قبله فتأمله. قوله: (من الحجج والآيات الخ) يعني المراد من البينات ما يدل على التوحيد من البراهين العقلية، وهو المراد بالحجج والسمعية وهو المراد بالآيات، وليس هذا مبنياً على الحسن والقبح العقليين كما يتوهم لأنّ إثبات الصانع ووحدانيته إنما تثبت بالعقل عندنا أيضاً لئلا يلزم الدور لو توقف على الأدلة السمعية، وقوله: فإنها مقوية الخ إشارة إلى دفع ما يرد من الاعتراض على تعدد الأدلة بأنّ الثاني لا يفيد حينئذ لحصول اليقين بالأوّل ومبناه على أنّ اليقين يقبل زيادة القوّة، والاطمئنان فلا يرد عليه أنه مبنيئ على الاعتزال كما توهم ثم إنّ الآية إن كانت لإرشاد الأمّة فظاهر، وان كانت للنبي ﷺ فهو مما لا يتصوّر منه فالمراد به إنه أكمل الناس عقلاً وقد خلق مبرّأ منه وقامت لديه شواهد العقل حتى كأنها نهته عنه، وذلك قبل ورود الآيات السمعية فلا معنى لترتيبها عليها، وإنما المترتب عليها تقوية ذلك والتنبيه عليه أو الدعوة إليه، واظهاره وقوله إن انقاد في إخلاص ديني وفي نسخته وأخلص ديني بالعطف وفيه إشارة إلى أنّ الأمر للإرشاد والدوام على قوة ما اقتضاه فطرته المنقادة من دنس الآثام. قوله: (أطفالاً) هو تفسير للمعنى المراد منه لأنه اسم جنس صادق على القليل والكثير، وفي المصباح قال ابن الأنباري: ويكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والجمع كقوله أو الطفل الذين لم يظهروا الآية ويجوز فيه المطابقة أيضا أو هو بتأويل خلق كل فرد من هذا النوع، وقد مرّ بيان المراد من خلقهم من التراب، وقوله: وكذا في قوله: يعني له متعلق آخر مقدر وإنما قدره لأنه محتمل لأن يكون المراد أن منهم من يبلغ الأشد فقط ومنهم من يزيد عليه والأشدّ تقدم تفسيره، وقوله: وقرأ نافع الخ والباقون الأكثر بكسر الشين وفي نسخة وقرئ شيوخا بالكسر، وقيل عليه التعبير عن قراءة الأكثر بصيغة المجهول غير معقول ولا مقبول والأمر فيه سهل. قوله: (ويفعل ذلك لتبلغوا الخ) ذلك إشارة إلى خلقهم من
تراب وما بعده من الأطوار والجار والمجرور متعلق به، وهو معطوف على خلقكم، ويجوز عطف الأوّل على علة مقدرة كخلقكم لتعيشوا ونحوه وعطف ما بعده عليه. قوله:) هو وقت الموت أو يوم القيامة) ظاهره يميل لترجيح الأوّل لأنه أنسب بالسياق لأنّ خلقهم للعبادة، ثم الجزاء عليها إمّا أنه ليبلغوا القيامة فلا يتبين له وجه إلا بالترتيب على الأجل الأوّل أعني الموت فكما يترتب الجزاء على العبادة يترتب وقت الجزاء على الوقت قبله فإن صح لت! بلغوا موقف الجزاء صح لتبلغوا أجل الموت لكن الملاءمة مع القرائن تنبني على ترجيح هذا الوجه، وهو الحق لأنّ وقت الموت فهم من ذكر التوفي قبله، وليس المراد من يوم القيامة
стр. 2665
إلا ما فيه من الجزاء ولأنّ الآية تكون جامعة للأطوار البشرية من مبدأ أمره إلى آخره لكنه جمل لشى المقصود بيان امتداد الأحوال إلى القيامة، ولذا قيل لكل وجهة. قوله: (ولعلكم تعقلون (عطف على قوله: ولتبلغوا الخ، وهذا مما يؤيد القول بأنها تكون للتعليل، وقوله: ما في ذلك أي التنقل في الأطوار إلى الأجل المذكور، وقوله: فإذا أراده أي أراد بروزه إلى الوجود الخارجي وإنما فسره بما ذكر لأنه هو المناسب لتعقيب التكوين له عليه فإنه يعقب إرادة الإيجاد، وقوله: فلا يحتاج في تكوينه وخلقه إلى عدة بضمّ العين وتشديد الدال المراد به الآلة وهذا بيان للمعنى المراد به وأنه تمثيل كما مرّ تحقيقه. قوله:) من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية الخ (تعليل لترتبه على ما قبله فإنّ القدرة منسوبة إلى الذات وجميع الأشياء بالنسبة إليها على حد سواء فكما يسند إليها الآلات والعدد يستعد ما هي آلة، وعدة له فلا يتوقف أحدهما على الآخر فتدبر، وقد جوّز في هذه الفاء كونها تفصيلية وتعليلية أيضا فتأمّل. قوله: (عن التصديق به (أي بالله ووحدانيته بناء على أنّ المراد من آيات الله دلائل توحيده الدالة عليه، ولو قال بها كان صحيحا أيضا بل هو أظهر كما قيل، وقيل: إنه للأيات بتأويل الكتاب وقد سقط لفظ به من بعض النسخ، وقوله: لتعدّد المجادل الخ يعني إنه يحمل في كل على معنى مناسب مغاير ففيما مرّ في البعث، وهنا في توحيده أو يجعل مكرّراً للتأكيد للاهتمام بشأنه. قوله: (الذين كذبوا) بدل أو بيان أو صفة له أو منصوب على الذمّ أو خبر محذوف أو مبتدأ خبره فسوف يعلمون. قوله: (من سائر الكتب) إن أريد بالكتاب القرآن وما بعده إذا أريد ما بعده فهو لف ونشر مرتب، وقوله ظرف ليعلمون يعني هو متعلق به، وقوله: إذ المعنى على الاستقبال دفع لما يتراءى من
التنافي والتنافر بين إذ وسوف والأوّل باق على ظاهره لكن إذ هنا بمعنى إذا وعبر بها للدلالة على تحققه حتى كأنه ماض حقيقة. قوله: (أو مبتدأ خبر ٠ يسحبون (أو مقدر أي في أرجلهم، وقوله: وهو على الأوّل حال أي من ضمير يعلمون أو أعناقهم، ويجوز أن يكون استئنافاً، ويجوز أيضاً كونه خبر الأغلال وفي أعناقهم حال، وقوله: اذ الأغلال تعليل والأغلال في أعناقهم، وأعناقهم في الأغلال بمعنى وليس من القلب في شيء كما توهم كما أشار إليه المصنف فيما سيأتي، وقوله: وهو على الأوّل أي إذا عطف السلاسل على الأغلال يكون جملة يسحبون حالاً لا خبراً محتاجا لتقدير العائد، وقوله: بالنصب أي نصب السلاسل والمراد بسحبهم للسلاسل كونها طويلة تصل إلى الأرض. قوله: (والسلاسل بالجرّ (أي قرئ به كما قرئ بالرفع والنصب وهو على الجرّ من عطف التوهم لكنه إذا وقع في القرآن يسمى العطف على المعنى تأدبا كما يسمى الزائد صلة فيه. قوله: (من سجر التنور إذا ملأه (فالمراد احتراق ظاهرهم وباطنهم كما في قوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ وهذا إذا كان الوقود مصدرا بمعنى الإيقاد والاحتراق فإن كان بمعنى ما يوقد وهو الحطب يكون كقوله في التكوير سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه فلا يخالف ما ذكر هنا ما ذكر ثمة كما قيل، وما في الكشف من أنّ السجر من الأضداد أي هو أن يملأ بالوقود أو يفرغ منه، والسجير بمعنى الصديق يجوز أخذه من كل منهما لأنه إذا ملئ حبا فرغ عن غيره وهو معنى، وقوله في القاموس المسجور الموقد والساكن ضد لأنه إذا سكن من الوقد فقد فرغ من الاحترأق فمن قال إنه لا يوجد في اللغة وظن أنّ ما في القاموس مغاير له فقدسها. قوله:) والمراد أنهم يعذبون بأنواع من العذاب الخ) أي المراد بهذا، وما قبله إنهم يعذبون بأنواع من العذاب لسحبهم على وجوههم في النار الموقدة، ثم تسليط النار على باطنهم وأنهم يعذبون ظاهراً وباطنا فلا استدراك في ذكر هذا بعدما تقدم. قوله:) وذلك عقبل أن تقرن بهم اكهتهم الخ) يعني إن السؤال للتوبيخ وضلالهم بمعنى غيهم من ضلت دابته إذا لم يعرف مكانها وقد ذكر في آيات أخر أنهم مقرونون بهم كما في الكشاف فوفق بينهما بأنّ للنار طبقات ولهم مواقف فيها فيجوز غيبتها عنهم في بعضها، ثم اقترانهم بها في بعض آخر أو ضلالهم استعارة لعدم نفعها لهم فحضورهم كالعدم فذكر على حقيقته في بعض! الآيات، وعلى مجازه في آخر كما صزج به بعده. قوله:
(بل تبين لنا إنا لم نكن نعبد شيئاً (اتفق الشيخان على هذا التفسير، وقد جعله بعضهم بمعنى ما كنا مشركين وأنهم كذبوا لحيرتهم واضطرابهم كما مز في الأنعام
стр. 2666
ومعنى قوله: كذلك يضل الله الكافرين إنه تعالى حيرهم حتى فزعوا إلى الكذب مع علمهم بأنه لا ينفعهم وادعى أن ما اختاره المصنف لا يلائم الإضراب وليس هذا بشيء معتد به فإن ما ذكر هو المناسب للسياق لأنه من مقول القول وقع جوابا عن السؤال عما عبدوه في الجواب بأن الآلهة الباطلة ليست بموجودة أو ليست بنافعة، ثم أضربوا عن ذلك بأنها ليست شيئا معتداً به، وقد فقدت في وقت كان يتوهم نفعها فيه أو ظهور عدم نفعها فالظاهر أنهم معترفون بخطئهم والندم حيث لا ينفع، وقوله: يعتذ به يعني أنّ نفي الشيئية ليس على ظاهره إذ هو مقرر بل المراد به ذلك إمّا على تقدير صفة أو تنزيل الوجود منزلة العدم كما في قوله:
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
قوله: (مثل هذا الضلال الم يقل إضلال إشارة إلى أن الإشارة لما سبق في قوله: ضلوا
عنا لا لما بعده كما في أمثاله فتدبر. قوله:) حتى لا يهتدوا الخ (يعني أن المراد ضلالهم في الدنيا وهذا على مذهب أهل الحق وهو إشارة إلى تفسيره على الوجه الىشاني في الضلال، وكونه بمعنى عدم النفع كما سنبينه وقوله أو يضلهم عن آلهتهم كذا في الكشاف، وقال الشارح: المحقق فسره بذلك لا بالخذلان جرياً على مقتضى المقام لقوله: قالوا ضلوا عنا بمعنى غابوا عنها من ضلت الدابة إذا لم يعرف موضعها، وهو مبنيّ على الجواب الأوّل من كون ضلالهم بمعنى غيبتهم وقت السؤال التوبيخي فقط أمّا على الثاني من كون الضلال عدم النفع فيتعين المصمير إلى الخذلان عنده، وعندنا إلى أن المعنى مثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين حتى لا يهتدوا إلى ما ينفعهم في الآخرة إذ ليس للحمل على مثل ذلك الضلال، وعدم النفع بجعل الله الكافرين ضالين عن آلهتهم بمعنى عدم نفعهم للآلهة كبير معنى اهـ. قوله:) حتى لو تطالبوا الخ (أي لو طلبوا الآلهة وطلبتهم لم يتصادفوا بالفاء أي لم يلق بعضهم بعضاً وهو مبنيئ على الوجه الأوّل لكن قيل عليه إنّ قوله: ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق لا يلائم الإضلال بهذا المعنى، ورد بأن مآل المعنى عليه خيبة ظنهم وانعكاس رجائهم في الآخرة حيث كانوا يعتقدون فيهم أنهم يلاقونهم وينفعونهم فيها فأخبر بأق ذلك لذلك ولا يخفى أنه على هذا يكون هو الوجه السابق بعينه إذ يرجع إلى عدم النفع فيكون رده وارداً عليه، ومثله لا يخفى على الشارح المحقق فالحق في الجواب أن يقال الإشارة لا تتعين أن تكون للإضلال، وذكره على أحد الوجهين وعلى غيره فهو إشارة إلى سحبهم في الأغلال، وتسجيرهم في النار ونحوه
فتدبر. قوله: (تبطرون وتتكبرون الخ (بطر كفرح بطرا إذا أشرّ ونشط غروراً وعدم احتمال للنعمة وبغير الحق فسره بما ذكر ولو فسر بغير استحقاق للتكبر صح، وبين الفرج والمرج تجنيس حسن والمرح كما قال الرغب: شدة الفرح والتوسع فيه كما في قوله: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ . قوله: [سورة الإسراء، الآية: ١٣٧ ويقال: مرحى عند التعجب، وقوله: للمبا لغة في التوبيخ لأنّ ذمّ المرء في وجهه تشهير له، ولذا قيل النصح بين الملأ تقريع، وقوله: الأبواب السبعة الخ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [سورة الحجر، آية: ٤٤] وقد مر تفسيره وقوله مقدرين الخ اشارة إلى أنه حال مقدرة وقد مز تحقيقه وقوله جهنم هو المخصوص المقدر قوله:) وكان مقتضى النظم الخ) يعني حين صدر الكلام بلفظ ادخلوا ناسب أن يجاء في العجز بمدخل ليتجاوبا وأجاب بأنه إنما لم يناسبه إذا اكتفى بقوله: ادخلوا غير مقيد بالخلود ولما قيد به كان معناه مع التقييد معنى مثوى فصح التجاوب، وصار شبيهاً في المعنى بنحو صل في المسجد الحرام فنعم المصلي. قوله: (المقيد بالخلودا لأنّ قيد القيد قيد كشرط الشرط أو لأنّ تقديره يؤل إلى التحقيق فلا يتوهم أنه قيد بتقدير الخلود لأنها حال مقدرة كما عرفت، ومثل هذا الأمر مآله للاتحاد أيضا دون مجرّد الإيجاب والتفويض إلى الاختيار كأوامر التكليف. قوله: (وما مزيدة لتثيد الشرطية ولذلك (أي لتأكيدها بما جاز أن تلحقها نون التوكيد غالباً، وقال الزجاج إنه واجب وردّ بسماعه غير مؤكد كقوله:
فإمّا ترني ولي لمة فإنّ الحوادث أودى بها
لا! إن الشرطية يكون ما بعدها غير متحقق لإفادتها التردد والتأكيد لا يناسب إلا التحقق
فإذا أكد دل على أنه مما يهتم ويعتنى به فيدخل في حكم المتيقن، وقد نسب الجواز إلى سيبويه كما نقله أبو حيان على كلام
стр. 2667
فيه ذكره المحشي لكنه هنا زيادة غير مهمة فلذا ضربنا عنه صفحا، وقوله: ولا يلحق مع أن وحدها هذا قول لبعض النحاة وقد أجازه بعضهم على قلة. قوله:) فنجازيهم بأعمالهم (تفسير للمصير إلى الله، وقوله: فذاك الظاهر أنه مبتدأ خبره مقدر
أي فذاك جزاؤهم، وقوله: ويجوز أن يكون جوابا لهما الفرق بين الوجهين التشريك في الجزاء وعدمه، والا فقوله: أو نتوفينك معطوف على نرينك على كلا التقديرين ومعنى كونه جواباً لهما أنه جواب لكل منهما استقلالاً لا لمجموعهما بأن يجعلا بمنزلة شرط واحد لأنه في العطف بالواو دون أو، وان كانت للتسوية ولا يصح كونه جزاء للشرط الأوّل لعدم ارتباطه به ظاهراً، وإن جوّزه بعضهم على معنى أن نعذبهم في حياتك، أو لم نعذبهم فلهم في الآخرة أشد العذاب لرجوعهم إلى عزيز ذي انتقام وما ذكر في الرعد في قوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [سورة الرعد، الآية: ١٤ من أن الجزاء للشرطين فقيل لأنه لأنّ الغرض ثمة إيجاب التبليغ وأنه ليس عليه سوى ذلك كيفما دارت الحال من إراءة الموعود بإنزال العذاب عليهم أو توفيك قبل ذلك، وههنا التسلية ونفي الشماتة وبيان مدة الأمر بالصبر وإمّا أنّ أريناك الموعود فهو المطلوب لك، والمقصود إذ كانت مطامح أنظار الهمم للنبيّ ﷺ والمؤمنين معقودة بذلك، وإن لم يكن الآخر فلا تحزن فإنه منتقم منهم أشد الانتقام فتدبر. قوله: (ويدل على شدّته الاقتصار الخ) هذا يدل على أن الاهتمام بشأن عقاب الآخرة والدنيوية، وقوعه وعدمه على حذ سواء، وكلامه في الكشاف يدل على أن المهتم به عذاب الدنيا لا الأخروي لأنه كائن لا محالة وهو كلام حسن أيضا ولكل وجهة. قوله: (في هذا المعرض) وقع في نسخة بدله الغرض، والمعرض بكسر الميم ووقع في شرح الشافية ضبطه بالفتح والصحيح الأوّل ومعناه هذا القبيل. قوله:) إذ قيل عدد الأنبياء الخ (والرسل منهم ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيراً كما وقع في تتمة هذا الحديث، وهو مروقي في كتاب الإمام أحمد ولا يخفى إن الواقع في النظم ذكر الرسول وهو أخص من النبيّ، ولا يلزم من كون المقصوص من الأنبياء قصصه أقل مما ترك كون الرسل كذلك فكان عليه أن يتعرضر له معه أو يقتصر عليه كما قيل، وكأنه اقتصر عليه إشارة إلى أنّ المراد بالرسل هنا الأنبياء فإنه ورد في القرآن مراداً به ذلك في مواضع عذة، أو ترك ذكرهيم لعلمه بالقياس أو اتكالا على شهرة الحديث فتأمل، وفي الكشاف عن عليّ كرم الله وجهه أن الله بعث نبيا أسود وهو ممن لم يقصص عليه وفي صحته نظر. قوله: (فانّ المعجزات عطايا الخ) هو جواب عما اقترحوه عليه من الآيات والقسم بكسر القاف جمع قسمة، وقوله: خسر أي هلك أو تبين خسرانه، والظاهر
هو الأوّل لأنّ عادة الله إهلاك من اقترح الآيات وعدم قبول إيمانه كما مرّ، وبهذا ظهر تفريع قوله فإذا جاء الخ على ما قبله والمبطل من أبطل إذا جاء بالباطل وهو ضد الحق، وقوله: بعد ظهور الخ متعلق باقتراج. قوله: (فإن من جنسها ما يؤكل الخ) في عد البقر مما يركب نظر لا يخفى إلا إنه معتاد في بعض الأتراك فما ذكره المصنف مبنيّ عليه، وهو معتاد عند أهل الأخبية منهم كما ذكره بعضهم، ولو ذكر الخيل بدله جاز وأتى بالكاف في المأكول لأنه بقي منه المعز ونحوه بخلاف المركوب ومن في قوله منها تبعيضية كما أشار إليه المصنف ﵀ أو ابتدائية. قوله تعالى: ( ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ) قال الشارح المحقق قدس سرّه: هذه الجملة حالية لكنه يرد على ظاهره إن فيه عطف الحال على المفعول له ولا محيص عنه سوى تقدير معطوف أي وخلق لكم الأنعام منها تأكلون ليكون من عطف جملة على جملة) أقول الم يلح لي وجه جعل هذه الواو عاطفة محتاجة إلى التقدير المذكور مع أن الظاهر إنها واو حالية سواء قلنا إنها حال من الفاعل أو المفعول حتى جعله بعضهم هربا من التقدير من العطف على المعنى فإنّ قوله: لتركبوا منها في معنى منها تركبون، أو على العكس مع أنه تكلف لا يجري مثله على القياس والتقدير أسهل منه، وقوله: ما يؤكل يعني ولا يركب، وقوله: عليها وعلى الفلك أي على جنسها، وقيل: إنه من نسبة ما للبعض إلى الكل وفيه نظر. قوله:) كالغنم (إشارة إلى أن الأنعام هنا الأزواج الثمانية لا الإبل خاصة كما في الكشاف، لكن الظاهر ما ذهب إليه الزمخشري، وكون المقام مقام امتنان مقتض للتعميم غير مسلم بل هو مقام استدلال كقوله: أفلا ينظرون إلى لإبل كيف خلقت ولا يأباه
стр. 2668
ذكر المنافع فإنه استطرادي، وقوله: ولتبلغوا الخ هو عامّ في الركوب وحمل الأثقال، وأمّا قوله: وعليها فذكر توطئة لقوله وعلى الفلك ليجمع بين سفائن البرّ والبحر فلا تكررا فيه. قوله: (وإنما قال على الفلك الخ) يعني لم يقل في الفلك كما في قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [سورة هود، الآية: ٤٠] لأنّ معنى الظرفية والاستعلاء موجود فيها فيصح كل من العبارتين والمرجح لهذا المشاكلة بينه وبين قوله عليها وهو المراد بالمزاوجة هنا، ولذا اقتصر المصنف عليه لأنّ المصحح لا يتم بدونه، ولذا لم يذكره في الكشاف، وأما قول ابن الحاجب في الأمالي إن الاستعلاء فيه أظهر من الظرفية فلذا لم يورد بفي لأنّ الإنسان يسكن في أعلاه لا في باطنه كغيره، وقوله: في الفلك المشحون لنكتة ذكرها فغير مسليم من أنه على تسليمه لا ينافي المشاكلة كما توهم. قوله: (وتغيير النظم في اكل الخ (يعني أن مدخول لام الغرض لا يلزم أن يترتب على الفعل فالتغيير إلى صورة الجملة الحالية مع الإتيان بصيغة الاستمرار للتنبيه على امتيازه عن الركوب في كونه من
ضروريات الإنسان، ويطرد هذا الوجه في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ لأنّ المراد منفعة الأكل واللبس وهو أيضاً مما يلحق بالضروريات وأيضا كان الأحسن تقديمه كما قيل، ويدفع بأن مراده إنه فرق في التعبير بين ما هو ضروري صراحة، وهو الأكل وغيره واطراده فيما ذكره لا يضرّ لأن الضروري غير مقصود منه لتقدمه، وحديث التقديم والتأخير على فرض تسليمه يسير. قوله: (إذ يقصد به التعيش وهو من الضروريات) هكذا في بعض النسخ وفي أكثرها، وقيل لأنه يقصد به التعيش الخ، وهي المعتمدة عند أرباب الحواشي فيكون إشارة إلى ما في الكشاف ذكر الركوب وبلوغ الحاجة باللام بخلاف الأكل والحمل وسائر المنافع لنكتة لأن ما دخله اللام غرض متعلق للطلب وجنس الركوب، وبلوغ الحاجة كذلك لأن فيه واجبا ومندوباً تتعلق به إرادة الحكيم بخلاف الأكل واصابة المنافع لأن منه ما هو مباح لا يتعلق به الطلب وهو مبنيّ، كما قيل على أن كل مطلوب مراد وكل مطلوب ليس بلازم أن يكون مدخولاً مراداً، ومدخول لام الغرض مراداً بتة وفيه ما فيه مع أنه لا بعد في دخول اللام على المباح كقوله في الليل: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٦٧] والأولى أن المراد به بالأنعام الإبل وعمدة منافعها الركوب دون الأكل ومنافع الأوبار والألبان وتقديم منها وعليها للاهتمام والفاصلة دون الاختصاص، وقيل: إنهم في الحال آكلون منتفعون بخلاف الركوب ولما مرّ مرضه المصنف وأيضاً الأكل قد يقصد به التقوّي على الطاعة كما أن الركوب قد يكون للتلذذ وهوى النفس، وقوله: لأغراض دينية يعني فأدخلت عليه لام العلة، والغرض للتنبيه على هذا الفرق. قوله: (أو للفرق بين العين) وهي المأكول، والمنفعة وهي ما سواه والغرض في الحقيقة متعلق بالذات بالمنافع دون الأعيان فلا ينافي كون الأكل منفعة، ولذا قيل لتأكلوا منه، ومثله من المناسبات لا يلزم اطراده وهو معطوف على ما بعد قيل أو على ما قبله. قوله: (فأيّ آيات الله تنكرون (استفهام توبيخي، وقوله: قدرته متعلقاً بضميره بتفدير تنكرونه فحينئذ الأولى رفعه لعدم احتياجه للتقدير من غير ضرورة، وقوله: والتفرقة بين المذكر والمؤنث المستفهم منه أغرب من التفرقة في أسماء الأجناس كحمار وحمارة فإن الأكثر المعروف جريانه في الصفات المشتقة، وقوله: لإبهامه لأنه اسم استفهام عما هو مبهم مجهول عند السائل، والتفرقة مخالفة لما ذكر لأنها تقتضي التمييز بين ما هو مؤنث ومذكر فيكون معلوماً له فلذا لم يؤنث هنا كما في قوله:
بأي كتماب أم بأية سنة
وقوله أفلم يسيروا الخ مرّ تفسيره، وب! ان ما وقع بالفاء والواو والفرق بينهما، وقوله ما
بقي منهم أي من آثارهم والمصانع مجاري الماء وفسرت هنا بالحياض وهو الظاهر، وقوله: وقيل آثار أقدامهم مرضه لأن مثلها لا يطول بقاؤه حتى يعتبر به من يراه. قوله: (أو استفهامية (والاستفهام المراد منه الإنكار وقوله: مرفوعة به أي بأغنى لأنها فاعلة له وما الموصولة لا إشكال في كون المحل من رفع وغيره لها على المشهور، لىان قيل إنه لها وللصلة معا، وإما ما المصدرية فلا محل لها وإنما المحل لها وللصله معاً لأنها في تأولل مصدر وحكمه كلمة واحدة ففيه تسمح اتكالاً على فهم السامع، وقوله: الآيات الواضحات أي علامات النبوّة، وهم أعتم مما قبله وفي نسخة عطفه لجاو وفي أخرى بالواو ولكل وجه، وقوله: واستحقروا
стр. 2669
علم الرسل فالمراد بفرحهم غرورهم بما عندهم حتى لزم منه استحقار ما عند غيرهم، ولولا ملاحظة هذا المعنى لم يكن بين الشرط والجزاء ارتباط معنوي تام كما لا يخفى. قوله:) والمراد بالعلم عقائدهم الخ) أعمّ من أحوال الآخرة الواقع في هذه الآية إذ لا وجه للشخصيص كما في الكشاف، والآية المذكورة مفسرة في محلها وقوله: وهو أي ذلك العلم مفهوم قولهم أو معلومة بتقدير مضاف فيه أو القول النفسي، وقوله: وسماها أي سمي الأمر المذكورة علما في النظم هنا وفي تلك الآية ولا وجه لتخصيصه بإحدإهما. قوله: (أو من علم الطبائع الخ (يعني هو إشارة إلى من له فلسفة واعتقاد في التنجيم، ونحو. فإنّ منهم من اغترّ بما عنده وترك متابعة الرسل عليهم الصلاة والسلام كما يحكى عن بعض حكماء اليونان، وكان الظاهر ترك من لأنه معطوف على قوله عقائدهم لكنه معطوف على معنى ما قبله والتقدير فرحوا بما عندهم من علم الطبائع لاكتفائهم بها واستنكافهم عن متابعة الرسل. قوله: (أو علم الآنبياء (أي المراد بالعلم في قوله من العلم علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فضمير عندهم للرسل والفرح بمعنى الاستهزاء كما صرّح به فيما بعده، وقوله: وقيل الفرح أيضا للرسل والعلم أيضا علمهم كما في الوجه الذي قبله، وقوله: وحاق الخ ففيه مضاف مقدر وهو جار على الوجهين وفيهما تفكيك للضمائر، وقوله: بما كنا به مشركين أي إشراكا بسبب عبادته وهي الأصنام. قوله: (فلم يك
ينفعهم إيمانهم) قال المعرب: يجوز رفع إيمانهم اسما لكان وينفعهم جملة خبر مقدم، ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ينفعهم وفي كان ضمير شأن وليس من التنازع في شيء) وفيه بحث الأن الخبر إذا ألبس تقديمه الفاعل بالمبتدأ لم يجر تقدمه فتأمّل فيه. قوله: الامتناع فبوله حينئذ (أي إنه تعالى بمقتضى حكمته قضى أنّ إيمان اليأس لا يقبل، وقد تقدم فيه كلام فامتناع قبوله امتناع عاديّ كما يشير إليه قوله سنة الله لكنه قيل عليه إنه لا يناسبه تفسيره بل بيصح ويستقيم. قوله: (والفاء الأولى لأنّ قوله الخ) بيان للفا آت الأربعة وهي فما أغنى عنهم فلما جاءتهم فلما راً وا فلم يك فالأولى بيان عاقبة كثرتهم، وشدّة قوّتهم وما يكسبون بذلك زعماً منهم أنّ ذلك يغني عنهم فلم يترتب عليه إلا عدم الإغناء، وبهذا الاعتبار جعله الزمخشري نتيجة والمصنف كالنتيجة لأنه عكس! الغرض، ونقيض المطلوب لكن لترتبه عليه نزل منزلتها والثانية تفسير وتفصيل لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء ومثله كثير لأن التفسير بعد الإبهام كالتفصيل بعد الإجمال، والثالثة لمجرّد التعقيب وجعل ما بعدها واقعاً عقبه لأنّ محصل قوله: فلما جاءتهم الخ إنهم كفروا فكأنه قيل: إنهم كفروا، ثم لما رأوا بأسنا آمنوا والرابعة عطف على قوله: آمنوا دلالة على أنّ ما بعدها تابع لما قبلها من الإيمان عند رؤية العذاب كأنه قيل وآمنوا فلم ينفعهم إيمانهم أو النافع إيمان الاختيار، ولذا جعلها المصنف في الأخيرتين سببية. قوله:) سن الله ذلك) أي عدم نفع إيمان اليأس، وقوله: من المصادر المؤكدة كوعد الله وصبغة الله وقيل مفعول به بتقدير احذروا، وقوله: وقت رؤيتهم الخ تفسير لهنالك اسم إشارة للمكان استعير للإشارة إلى الزمان وقوله: من قرأ الخ حديث موضوع وصلى عليه بمعنى دعا له، تصت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته وعلى آله وصحبه أجمعين.
سورة السجدة
تسمى سورة فصلت وسورة حم السجدة.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (مكية) بلا خلاف وعدد آياتها كما قال الداني خمسون وآيتان بصرى وشامي وثلاث مكي ومدني وأربع كوفي واختلافها اثنان حم عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون عاد وثمود لم يعدها البصري، والشامي وعدها الباقون اهـ. قوله: (إن جعلته مبتد " على أنه اسم السورة أو القرآن والخبر تنزيل على المبالغة أو التأويل المشهور، وقوله خبر محذوف أي القرآن أو السورة أو هذا. قوله: (ولعل افتتاح هذه السور السبع الخ (بيان للنكتة في تصدير جميعها بحم دون أن تجعل فواتحها مختلفة، أو لصدرية بعض منها دون بعض
стр. 2670
سواء كانت حم اسم السورة أو القرآن أو حروفا مقطعة لاتحاد ما صدرت به من ذكر الكتاب، ولاتحاد الغرض منها فما قيل إنّ هذا آخذ مما قل إنها اسم للقرآن فافتتاحها بما هو اسم من أسماء القرآن في الأصل لكونها مصدرة ببيان الكتاب والقرآن والتسمية بحم لتشاكلها في النظم، والمعنى لا وجه له إذ هو تخصيص من غير داع وليس في كلام المصنف ما يدل عليه فالوجه ما ذ! ناه. قولى: (وإضافة التنزيل الخ) يعني تخصيص هذين الاسمين مع ذكر الكتاب المراد به القرآن المنتظم به أحوال الدارين، ولا نعمة أعظم من ذلك فلذا صدر بلسمين دالين على أنه المتفضل فيهما كما مرّ تحقيقه دلالة على ذلك، والإضافة لغوية لا نحوية. قوله: (ميزت باعتبار اللفظ (بفواصل الآيات ومقاطعها، ومبادئ السور وخواتمها والمعنى بكونها وعداً ووعيداً وقصصا وأحكاما وخبرا وانثاء، وقد جعل المصنف في سورة هود كلاً من اللفظ والمعنى تفسيرا مستقلا، وأشار هنا إلى جواز الجمع بينهما إذ لا مانع منه، وقد ذكر ثمة وجوه أخر. قوله: (وقرئ فصلت (اًي بالفتح والتخفيف على بناء المعلوم أو بالضم على المجهول لأنه قرئ بكل منهما في الشواذ إذ فعلى الأوّل قوله أي فصل إمّا متعد فاعله مستتر وبعضها مفعوله أو لازم هو فاعله، وعلى
الثاني بعضها قائم مقام الفاعل، وقوله: أو فصلت معلوم على الأوّل مجهول على الثاني فمن اقتصر على بعض هذه الاحتمالات فقد قصر وفصل يكون لازماً بمعنى انفصل كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٩٤] ومتعدياً وإلى كل منهما أشار المصنف. قوله:) نصب على المدح) بتقدير أعني أو أمدح ونحوه أو الحال من فاعل فصلت ففيه مضاف مقدر اعتمادا على ظهوره وقد جوّز في هذه الحال أن تكون موطئة ومؤكدة لنفسها، وقوله: بسهولة قراءته وفهمه لفصاحته، ونزوله بلسان من نزل بين أظهرهم وقوله: يعلمون العربية إشارة إلى مفعوله المقدّر، وقوله: أو لأهل العلم إشارة إلى تنزيله منزلة اللازم ولام لقوم تعليلية أو اختصاصية وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون به، وقوله: والأوّل أولى وما أورد على الثاني من لزوم عمل المصدر الموصوف وقد منع ممنوع لجواز كون قوله من الرحمن صلة له أو القول بجواز عمله في الظرف للتوسع فيه والقراءة بالتخفيف شاذة نقلها الثقات فلا يرد عليه ما قيل إنها لم توجد فيما شاع من كتب القرا آت، ونقله في الكشف عن موضح الأهوازي. قوله: (للعاملين به الخ) فيه لف ونشر، وقوله: قرئ بالرفع عزاه الطيبي لنافع، وقيل: إنه رواية شاذة عنه، وقوله: فأعرض أكثرهم الضمير للقوم على التفسير الأوّل وللكفار المذكورين حكماً على الثاني إلا أن يراد به من شأنهم العلم والنظر، وقوله: سماع تأمّل الخ فهو! صماع مخصوص، أو هو مجاز عن القبول كما في سمع الله لمن حمده. قوله: (أغطية جمع كناق (كغطاء لفظاً ومعنى، وليس هو ما يجعل فيه السهام كما قيل وجعلها هنا في أكنة وفي غير هذه الآية قيل على قلوبهم أكنة فذهب الزمخشري إلى أنهما بمعنى لأنّ ما كان ظرفا لشيء فهو عليه وأما التعبير بقي هنا وبعلى ثمة فلأن السياق اقتضاه فإنه لما كان منسوبا إليه تعالى في الإسراء والكهف كان معنى الاستعلاء، والقهر أن! سب ولما حكى عنهم هنا كان الاحتواء أقرب وليس المراد أنه أبلغ في عدم القبول لاحتواء الأكنة عليه احتواء الظرف على المظروف حتى لا يمكن أن يصل إليه شيء كما قيل لأن قوله على قلوبهم أكنة يفيد ما ذكر من الاحتواء من كل جانب أيضا بالنظر إلى لفظ الكن لأن الكن لا بد أن يكون ساتراً للمكتن فيه من كل جانب أيضا كما أشار إليه الفاضل اليمني فالمبالغة في كل منهما إنما المراد توجيه اختيار أحد الطريقين فتأمّل. قوله:) يمنعنا عن التواصل) أي عن الوصول إليك واتباعك، وقوله: ومن للدلالة على أنّ الحجاب مبتدأ منهم
الخ هذا ما في الكشاف من الفرق بين هذا الحجاب بيننا ومن بيننا وأنّ من ليست زائدة بل تدل على أنّ الحجاب عريض مستوعب للمسافة المتوسطة بينهما فتكون من أبلغ في مغ الوصول، وقد اعترض عليه بأنه لا دلالة له على ما ذكر ولا فرق بين وجود من وعدمها وأجيب بأنّ معنى البين الوسط سواء كان حاقا أولاً وإذا كان مبدأ الحجاب من البين ولا أولوية لبعض الأجزاء كان من الطرف الذي يلي مخاطبك فيحصل الاستيفاء منه بمجرّد ذلك فكيف إذا اعتبر ابتداء من طرف مخاطبك، وانتهاء إلى طرفك ولا كذلك عند ترك من فإنه يدل على حجاب ما بلا ابتداء، ولا انتهاء وقد قيل الابتداء من حاقة الوسط يفيد الاستيعاب أيضا للزوم كون الانتهاء لجميع الأطراف لعدم الأولوية لكن هذا
стр. 2671
ليس ما قرّر في الكتاب ولا يتوقف هذا على تقدير من قبل بين الثاني بل ولا إعادة بين كما حققه الشارح المحقق رداً على غيره من الشراح، وإنما ذهبوا إلى ما ذكر صوناً لكلام الله على زيادة من غير فائدة لكن فيه بحث لا يخفى. قوله:
(وهذه تمثيلات) أي ما في مقول قولهم من الأكنة وما بعده استعارات تمثيلية، ثم بين ما استعير له على الترتيب بقوله لنبوّ الخ المراد بالنبوّ عدم القبول، أو البعد عنه وهذا أقرب وهو إما من نبوّ السيف لكلاله أو من النبوة وهي الارتفاع، والتباعد واعتقادهم معطوف على قلوبهم فقولهم قلوبنا في أكنة استعير لبعيدة عن فهم ما تدعونا إليه ووجه الشبه ظاهر، وقوله: ومج أسماعهم له هو ما استعير له في آذاننا وقر، والمج رمى المانع من الفم ونحوه والمراد به عدم القبول لما سمعوه حتى كأنهم صم، وقوله: وامتناع الخ هو ما استعير له ومن بيننا وبينك حجاب والمراد تباعد ما بين الدينين، وما هم عليه وبين الرسول ﷺ وما هو عليه والمراد بهذا إقناطه عن اتباعهم حتى لا يدعوهم إلى الطريق المستقيم. قوله: (على دينك أو في إبطال أمرنا (على التفسير الأوّل هو متاركة وتقنيط عن إتباعه، والمقصود هو الثاني والأوّل توطئة له والمعنى إنا لا نترك ديننا بل تثبت عليه كما تثبت على دينك، وعلى الثاني هو مبارزة بالخلاف والجدال. قوله: (لست ملكاً ولا جنياً (إشارة إلى ما يفيده الحصر الأوّل، وقوله: لا يمكنكم التلقي منه إشارة إلى أنه جواب عن قولهم قلوبنا في أكنة الخ ورد له، وقوله: ل! ست الخ رد لقم لهم: بيننا وبينك حجاب فإنه ليس ملكا ولا من الجن حتى لا يصلوا إليه، وقوله: تنبوا عنه العقول والأسماع جواب عن قولهم قلوبنا الخ، وفي آذاننا ولم يرتض ما في الكشاف من أنه استدلال على صحة نبوّته ووجوب اتباعهم لدعوته. قوله:) وإنما أدعوكم الخ (هو تفسير اصلحصر الثاني، وأدعوكم تفسير لقوله يوحي إليئ فإنه إنما يوحي إليه لدعوة الخلق والحصر في التوحيد
والاستقامة في العمل من قوله: فاستقيموا إليه، وقوله: قد يدل عليهما الخ المضارع للاستمرار وقد للتحقيق كما في قوله: قد يعلم ما أنتم عليه يعني دعوته منحصرة فيما ذكر وهو أمر محقق عقلاً ونقلاً فليس يسوغ مخالفته. قوله: (فاستقيموا في أفعالكم) إشارة إلى أن الاستقامة، وهي عدم الاعوجاج مستعارة للإخلاص في الأفعال وعدى بإلى لتضمينه معنى متوجهين إليه أو الاستقامة بمعنى الاستواء وهو يتعدى بإلى كما في قوله: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] ومعناه القصد وعلى كل من التفسيرين يجوز أن يكون من الموحى إليه وأن يكون من المقول، وكذا ما بعده كما قيل، وقيل إنه على الأوّل من الموحى إليه وعلى الثاني من المقول وعليه اقتصر الزمخشري ويؤيده قوله برو: " قل لا إله إلا الله ثم استقم " ولا يخفى أنّ قول المصنف قبل إنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة يعين كونه من الموحي، والموحي من القول فلا فرق بينهما فتأمّل. قوله: (مما أنتم عليه الخ (يعني المراد بالاستغفار هنا الرجوع عن الكفر والمعاصي، إذ الاستغفار بمعناه المتبادر لا يفيد المشركين، وقوله: من فرط الخ ولو قال من شركهم كان أظهر وهو مراده. قوله: (لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق الأنهم لو كان لهم شفقة أعطوا الفقراء من مال الله، وهذا لا ينافي كون السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة لأنّ المفروض بالمدينة تقدير ما يخرج، وقد كان الإعطاء مفروضاً بمكة من غير تعيين كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤١] وقد مرّ تفصيله في سورة الروم، وقوله: وذلك يعني البخل وعدم الإشفاق وأفرده لتأويله بما ذكر. قوله:) وفيه دليل على انّ الكفار الخ) كما ذهب إليه الثافعية كبعض الحنفية كما فصل في الأصول والذاهبون إلى خلافه يقولون هم مكلفون باعتقاد حقيتها فمعنى الآية لا يؤتون الزكاة بعد الإيمان وأما حمله على أنهم لا يقرّون بفرضيتها كما قيل: فبعيد وقد قيل كلمة ويل تدل على الذم لا التكليف وهو مذموم عقلاً، وقوله: وقيل الخ فالزكاة بالمعنى اللغوي فلا دليل فيها لما ذكر ومرضه لأن قوله: يؤتون يأباه ولأنه لا حاجة إليه وأما كون الإتيان ورد في نحو قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٤] فلا يفسر به كما قيل للفرق بين الإتيان والإيتاء فتأمّل. قوله:) حال مشعرة الخ) يعني أنه للإشعار بما ذكر جعلت هذه الجملة حالاً لم تعطف
على ما قبلها، وهم الأوّل مبتدأ والثاني ضمير فصل لا مبتدأ ثان وتقديم بالآخرة للاهتمام ورعاية الفاصلة. قوله: (من المت) بمعنى تعداد النعم، وأصل معناه الثقل فأطلق على
стр. 2672
ذلك لثقله على الممنون عليه وما فيل إنه بمعنى الأنعام لا غير كما في القاموس غفلة عن قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦٤] وإنما تركه لشهرته. قوله:) وقيل نزلت في المرضى (جمع مريض، والهرمي جمع هرم وهو الشيخ الفاني فالمعنى غير منقوص، ولا ممنوع أجر من كان يعمل في حال شبابه وقوّته وصحته أعمالاً ثم عجز وكبر فلا ينقص أجره الذي كان يكتب له في شبابه وقوّته كما قاله السمرقندي. قوله:) كأصح ما كانوا يعملون) أي كما كتب لهم الأجر في أصح أوقات كونهم عاملين على طريقة أخطب ما يكون الأمر تجوّزاً في النسبة على ما حققه النحاة في المثال المذكور، والمعنى أن ما يكتب لهم في الأجر في المرض والكبر مثل الذي كان لهم وهو أصح مما سواهم أو أصح منهم الآن. قوله: (في مقدار يومين أو نوبتين) فهو على تقدير مضاف أو تجوّز، وإنما أوّله بما ذكر لأنه لا يتصوّر اليوم قبل خلق السماء والكواكب فإنه عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق فالمراد مقدار زمنهما أو في نوبتين أي دفعتين، ومرّتين ففي نوبة خلق أصلها ومادتها وفي أخرى صورها وطبقاتها كما أشار إليه المصنف، وقوله: في أسرع ما يكون إشارة إلى أن المراد بذلك بيان سرعة إيجاده وأنه لم يرد أنه أكثر من يوم فاليوم هنا الوقت مطلقا على الوجهين لا على الثاني كما قيل. قوله: (ولعل المراد من الأرض ما في جهة السفل (تجوّزاً باستعماله في لازم معناه وأصلها مادّتها، ولا حاجة إلى بيان أنه الهيولي أو الأجزاء التي لا تجر مما لا يعرف في لسان الشرع كما قيل، والمراد بالأنواع الجبال والبراري والرياض والغياض ونحوها فليس المراد إنه خلق بعضها في يوم وبعضها في آخر، وحينئذ يشمل العناصر كلها ويكون في قوله فوقها استخدام لأنّ الجبال فوق الأرض المعروفة والمراد بالأجزاء البسيطة العناصر، وقوله: بها صارت أي بسبب هذه الصور المختلفة تنوعت إلى أنواع مختلفة، والمصنف ﵀ لم يدع تلازما حتى يقال إنه ليس بلازم، ولذا عبر بلعل فيجوز أن تكون ظرفية ذلك للخلق بمعنى آخر. قوله: (إلحادهم في ذاته وصفاته (أي مجادلتهم بالباطل أو خروجهم عن الحق اللازم دته على عباده من توحيده واعتقاد ما يليق بذاته وصفاته فينزه عن صفات الأجسام وتثبت له القدرة
التامّة والنعوت اللائقة به ويعترف بالبعث وأحوال المعاد وإرسال الرسل وأنهم لم يخلقوا عبثا. قوله: (ولا يصح أن يكون له مدّ (يعني أنه ذكر بصيغة الجمع لأنه أبلغ في ذمّهم لأنه كيف يكون له أندادا ولا ند واحد له، وقوله: الذي خلق الأرض في يومين إشارة إلى اتصال هذا بما قبله بتوسط اسم الإشارة لأنه مستحق لكونه ربا للعالمين لأجل خلقه ما ذكر في أسرع مدة مما يدل على قدرته الباهرة التامّة الدالة على ربوبيته تعالى، ومعنى مربيها أنه يعطيها ما به قوامها ونماؤها. قوله: (استئناف الخ) إشارة إلى ما ذكر في شروج الكشاف على ما لخصه الشارح المحقق حيث قال: إنه يتبادر عطف هذه الجملة على خلق الأرض، وقد فصل بينهما بجملة وتجعلون الخ المعطوفة على تكفرون وجملة ذلك الخ المبتدأة وحقها التأخير عن تمام الصلة، وأجيب بأنّ الأولى متحدة بقوله: تكفرون بمنزلة إعادتها والثانية معترضة مؤكدة لمضمون الكلام فالفصل بهما كلا فصل، وفيه بلاغة من جهة المعنى لدلالته على أنّ المعطوف عليه أي خلق الأرض كاف في كونه رب العالمين وأن لا يجعل له ند فكيف إذا انضمت إليه هذه المعطوفات من قوله: وجعل فيها الخ ولا يخفى أنّ الاتحاد الذي ادّعوه لا يخرجه عن كونه فاصلا مشوّشا للذهن مورثا للتعقيد، وان كان الزمخشري ذكر ما يقرب منه في سورة براءة فالحق والأقرب أي تجعل الواو اعتراضية وكل من الجملتين معترضا ليندفع بالاعتراض الاعتراض، أو يجعل ابتداء كلام بناء على أنه قد يصدر بالواو وأو يقال هو معطوف على مقدر كأبدعها وجعل فيها رواسي الخ وذكر للدلالة على تمام النعمة، وكمال القدرة مبالغة في الرد على المشركين بعد تمام المطلوب بخلق الأرض في يومين. قوله: (مرتفعة عليها الخ (بيان لفائدة قوله: من فوقها مع أنه غير محتاج له، ولذا لم يذكر في غيرها بأن جعلها فوقها لا تحتها كالأساطين ولا مغروزة فيها كالمسامير، ولا منبطحة بجهد عليها لتكون رأى العين فيستبصر من شاهد خلقها، ويستدل بكونها ثقلا على ثقل على الصانع لافتقارها لممسك لها وليتمكن مما فيها من المنافع وقوله: معرضة بوزن اسم المفعول من الأفعال من أعرضه لك إذا أظهر.، ومكنك من أخذه أو من التفعيل
стр. 2673
وهو قريب منه معنى، وقد اقتصر شراح الكشاف على
الأول. قوله: (أقوات أهلها (ففيه مضاف مقدر وإنما قدره لأنّ الإضافة للاختصاص لامية ولا معنى لاختصاص القوت بالأرض إلا أنه نشأ منها وهو الوجه الثاني، أو أنه مأكول لمن فيها وهو يحتاج إلى التقدير المذكور، وقيل الإضافة على الثاني مجازية لأدنى ملابسة، وكونها فيها وان جاز جعله وجها للإضافة لكنه لا طائل تحته، وقوله: بأن عين متعلق بقدر وهو تفسير له فالمراد بتقديره لهم تعيين كل لكل، وقوله: بأن خص حدوث الخ لا يخفى ما فيه فإنّ كل نوع لا يختص بقطر بل أكثرها مما به ينتظم أصل المعاس مشترك كالحنطة، وان كان لبعض البلدان خواص ليكون الناس محتاجين بعضهم لبعض، وهو مقتض لعمارة الأرض وانتظام أمور العالم وقراءة قسم مؤيدة للوجه الثاني ولذا أخرها. قوله: (في تتمة أربعة أيام) وهي يومان بعد اليومين السابق ذكرهما ففيه مضاف مقدر، والداعي لذلك إنه لو لم يقدر كذلك أو يجعل خبر مبتدأ محذوف تقديره كل ذلك في أربعة أيام لم يصح إذ خلق السموات والأرض في ستة كما صرح به في القرآن، والحديث منها ما ذكر هنا واثنان لخلق السماء واختار هذا لأنّ حذف المضاف أسهل من حذف المبتدأ، ولأنه يلزمه توالي حذف مبتدأين لتقدير مثله فيما بعده. قوله: (وإلى الكوفة في خمسة عشر) أي في خمسة يكون بها جملة السفر من البصرة خمسة عشر فهو بتقدير مضاف كما في النظم، وقوله: للإشعار الخ بيان للمرجح للعدول عن يومين إلى ما ذكر لدلالة ما هنا على أنّ اليومين اللذين خلق فيهما الأقوات متصلان بالأوجلين لتبادره من جعلهما جملة واحدة، واتصالهما في الذكر وليكون ما ذكر بياناً لجملة الأيام التي خلق فيها الأرض وعدى والتصريح بعلى لأنه بمعنى التنصيص. قوله: (على الفذلكة الخ) الفذلكة بمعنى جملة الحساب، وهو لفظ منحوت من قولهم بعد العدد لشيء فذلك يكون كذا فاشتقوا منه فعللة مصدر، وقالوا في جمع فذلكة فذالك لكنه قيل عليه إنّ الفذلكة يذكر فيها تفاصيل إعداد ثم يؤتى لها بجملة فيقال مثلاً هنا يومان وبومان فهي أربعة، وما هنا ليس كذلك فكيف يكون فذلكة وهو لم يذكر فيه أحد المقدارين فإمّا أن يقال إنه للعلم به نزل منزلة المذكور أو يقال المراد إنه جار مجرى الفذلكة كما أشار إليه المدقق في الكشف، وما قيل إنّ الفذلكة بمعنى الإنهاء كما في القاموس فذلك حسايه إذا أنهاه وفرغ منه وبالأربعة ينتهي مقدار مدّة خلص الأرض، وما فيها مع كونه ليس مراد المصنف ﵀ قطعا لا يعتمد على ما ذكره في
القاموس لمخالفته للاستعمال وكلام الثقات كما لا يخفى على من له إلمام بالعربية والآداب مع أنّ مراده ما ذكرناه لكن في تعبيره نوع قصور هو الذي غرّ هذا القائل. قوله:) ١ ستوت سواء (يعني إنه منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر أي استوت استواء، والجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه ويؤيده قراءة الجر فإنها صريحة في الوصفية، ومعنى استوائها أنها لا زيادة فيها ولا نقصان. قوله: (وقيل حال الخ) مرضه لقلة الحال من المضاف إليه في غير الصور الثلاث ولأنّ الحال وصف معنى، وما ذكر صفة الأيام لا الأرض ويلزمه تخالف القراءتين في الممعنى. قوله:) هذا الحصر (أي في أربعة كائن للسائلين وهو مستقرّ لا خبر لغو كما توهمه العبارة، وقوله: عن مدة الخ متعلق بالسائلين، وبيان للمسؤول عنه وأن النسؤال على ظاهره وقوله: أو بقدر فهو لغو أو مستقر على أنه حال من أقواتها، وقوله: للطالبين تفسير للسائلين على هذا الوجه، وقد جوّز تعلقه بسواء أيضا. قوله: (قصد) أي توجه وأراد لأن الاستواء المعدى بعلى معناه الاستيلاء والمعدى بإلى معناه القصد، وهو المنالسب هنا لأنه لأسماء موجودة لكن الإرادة العلية تعلقت بإيجادها وقوله: لا يلوي على غيره أي لا يلتفت إليه لتمحضه له. قوله: (والظاهر أنّ ثم الخ) هذا بناء على انّ خلق السماء مقدم على خلق الأرض لظاهر الآية المذكورة فلزم إنه للتفاوت الرتبي لا للتراخي الزماني، وقد مز تفصيله في البقرة وإنّ جمهور المفسرين غير مقاتل على خلافه، وقوله: ودحوها متقدم على خلق الجبال لأن نظم الآية هكذا: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآيات: ٢٨- ٢٩- ٣٠] أي بسطها ومهدها للسكنى أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها فقد علم من هذه الآية صريحا للتعدية المذكورة أن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء بمرتبتين فلا يتأتى كون، ثم هنا للتراخي الزماني للزوم
стр. 2674
تأخر خلق السماء عن خلق الجبال، وهو مناقض للأوّل، وءانما قال الظاهر لأن قوله: ثم استوى إلى السماء ليس نصاً في خلقها بل صريحه قصده وإرادته بأمرها أن تأتي طائعة منقادة لأمره، وأما كون بعد متعلقة بمقدر كتذكر أمر الأرض بعد ذلك أو البعدية رتيبة فخلاف الظاهر عنده، وهو مشترك الإلزام لأن ثم كذلك إلا أن يقال: لفظ بعد أبعد من التأويل، وليس هذا مخالفاً لما مز في النحل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٥] الخ كما
قيل لأنّ المراد خلقها كهيئة فهو صغير كما ورد في الحديث فيكون خلق الجبال بعده ولو سلم فهو مبني على قول آخر ومثله كثير.
قوله: (أمر ظلماني) نسبة إلى الظلمة على خلاف القياس كما قيل نورانيّ، وإنما أوّله بما
ذكر لأنّ الدخان الكائن من النار التي هي إحدى العناصر لم يكن موجوداً إذ ذاك أو هو غير مراد كما لا يخفى. قوله: (ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء) المراد بالمادّة معناها المشهور، وهي ما تركبت منه بقطع النظر عن كونها جواهر فردة أو هيولى، وقيل: المراد بهذا الهيولى وبالأجزاء المصغرة الأجزاء التي لا تتجزأ على ما بين في الحكمة وفي نسخة المتصغرة وما وقع في بعضها المتصعدة بالدال من تحريف الكتاب. قوله:) بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر (وفي نسخة لما باللام وهما بمعنى لأنّ الباء سببية فهي قريبة من معنى اللام التعليلية ويجوز كونها للملابسة، أو التعدية ولا وجه لما قيل إنه على الأخير يلزم حذف ما هو كبعض حروف الكلمة لأنه إنما يصح لو لم يجر حذف صلة ما والضمير للأرضى والسماء والمعنى ليس على إتيان فاتهما، وايجادهما بل إتيان ما فيهما مما ذكر بمعنى إظهاره والأمر للتسخير لكنه قيل إنه على هذا الوجه يكون المترتب في قوله: فقضاهن الخ جعلها سبعا أو مضمون مجموع الجمل المذكورة بعد الفاء، دىالا فالأمر بالإتيان بهذا المعنى مترتب على خلقهما وعلى هذا يجوز حمل، ثم على التراخي الزماني ولا يلزم كون دحو الأرض مقدما على دحو السماء، وان لزم خلق الشمس قبل الدحو لقوله: أغطش الخ فلا تنافي بين الآيتين كما قيل، ولا يخفى أنه على تسليمه مخالف لما قدمه المصنف ﵀ وارتضاه في ثم وتفسيره للدخان فكان ينبغي تأخيره فتدبر. قوله: (من التأثير الخ) بيان لما وهو لف ونشر مرتب فالتأثير للعلويات، وهو بناء على الظاهر من عد الأسباب مؤثرة أو مجاز المؤثر الحقيقي هو الله والتاً ثير للسفليات ويجوز تعميمه لهما والأوضاع للسموات والنجوم، فهو وما بعده على اللف والنشر أيضاً. قوله:) أو ائتيا في الوجود الخ (كالخلق في خلق الأرض وجعل فيها رواسي لأنه بمعنى خلق أيضا أو بمعنى تعيين مقاديرها لا إيجادهاويجوز على هذا إبقاء، ثم على ظاهرها وهذا كله لما تقتضيه الفاء من التعقيب ولذا قال: والترتيب للرتبة فهو في الوجهين السابقين على حقيقته لأن المراد إذا كان خلق ما فيهما أو تقديرهما فالترتيب على ظاهره، فإذا كان بمعناه العروف كانت الفاء مجازا عن الترتيب في الرتبة أو الإخبار إلا أن يعتبر فيما يدل عليه التمثيل والمرتب عليه هنا أعلى من المرتب والمشهور عكسه كما موّ تحقيقه، أو قد يقال: هذا هو المقصود الأصلي من خلقهما
فهو أعلى رتبة. قوله: (أو إتيان السماء حدوثها الخ (ففيه جمع بين معنيين مجازيين وهو جائز أيضاً عند المصنف ﵀ فتشبيه البروز من العدم بمن أتى من مكان آخر وبسط الأرض، وتمهيدها بذلك أيضا وهو بالنصب كالترتيب معطوف على اسم إن وهو الحق، وقوله: وقد عرفت ما فيه، وهو لزوم كون الدحو مقدما على خلق الجبال كما قيل وهو ممنوع لأن ثم لتفاوت ما بين الخلقين كما قرره، وغاية ما لزم من الفاء كون الدحو متأخرا عن الاستواء ولا يلزم منه كونه متأخراً عن خلق الجبال على أنه يجوز كون الفاء للتفصيل لا للترتيب فتأمل. قوله: (أو ليأت كل منكما (معطوف على قوله ائتيا في الوجود والمراد بإتيان إحداهما للأخرى توافقهما في ظهور ما أريد منهما كما صرّج به المصنف ﵀ على الاستعارة، والمجاز المرسل باستعماله في لازمه لأنّ المتوافقين يأتي كل منهما صاحبه كما في الكشف، وقال ابن جني هي المتنازعة: وقال في الكشف هو أحسن والمؤاتاة المفاعلة يقال: آتيته إذا وافقته وطاوعته قال في المصباج يقال آتيته على الأمر بمعنى وافقته وفي لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة واواً فيقال وأتيت على لأمر مواتاة وهي المشهورة على ألسنة الناس، اهـ ولذا وقع في نسخة هنا وأتيا فلعله قرئ به في الشواذ فالقول بأنّ الصحيح آتيا لأنّ الكلمة مهموزة الفاء ليس
стр. 2675
بصحيح وكذا يجوز في المواتاة قراءته بواو وهمزة وكلمة في في قوله في حدوث للسببية. قوله: (والمراد إظهار كمال قدرته الخ) الظاهر أنه استعارة لأنهما لما نزلا وهما من الجمادات منزلة العقلاء إذ أمرا وخوطبا على طريق المكنية والتخييلية أو التمثيلية أثبت لهما ما هو من صفات العقلاء من الطوع، والكرة ترشيحا وهما مؤوّلان بطائع وكاره لأن المصدر لا يقع حالاً بدون ذلك ويجوز كونهما مفعولاً مطلقا. قوله: (والأظهر أنّ المراد الخ) اعلم أنه قال في الكشاف معنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل ويجوز أن يكون تخييلاً ويبنى الأمر فيه على أنه تعالى كلم السماء والأرض، وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره، والغرض! تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب ونحوه قول القائل، قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني فقيل: يعني إنّ إثبات المقاولة مع السماء والأرض من الاستعارة التمثيلية كما مرّ، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن
تكون الاستعارة في! ذاتها مكنية كما تقول نطقت الحال بدل دلت فتجعل الحال كإنسان يتكلم في الدلالة ثم يتخيل له النطق الذي هو لازم المشبه به وينسب إليه، وإما بيان التمثيل فهو أنه شبه فيه حالة السماء والأرض التي بينهما وبين خالقهما في إرادة تكوينهما، وايجادهما بحالة أمر ذي جبروت له نفاذ في سلطانه واطاعة من تحت تصزفه من! غير تردد، والأوجه أن يراد بكونه تخييلاً تصوير قدرته وعظمته، وأنّ القصد في التركيب إلى أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على سبيل الكناية الإيمائية من غير نظر لمفرداته يعني إنه لما عطف التخييل على المجاز التمثيلي كان غير.، وان جاز تخصيص التمثيل بالمفرد المتعارف منه وهو التحقيقي ويحمل التخييل على لآخر فيعود القسم قسيما، وما ذكره من الكناية إمّا على أنه لا يلزم إمكان الحقيقة في مثله لجعل المفروض كالمحقق كما جرت فيعود. القسم قسيماً، وما ذكره من الكناية إما على أنه لا يلزم إمكان الحقيقة في مثله لجعل المفروض كالمحقق كما جرت عليه محاورأتهم، أو يقال: هو ممكن لجواز أن يخلق الله في الجماد إدراكا ونطقا بى حياة وعلما فيصدر منه الخطاب،! ونجي الكشف التخييل تمثيل خاص لا ينافيه التمثيل، وما ذكر من الكناية الإيمائية وأخذه الزبدة من غير نظر إلى حقيقة شيء لا يطابقه الحقيقة ولا الاصطلاح ولا يغني عن الرجوع لما ذكرناه من أنه مركب لم يرد به معناه الحقيقي فلا بد من التجوّز، ولا مجال لكونه كناية يعني إلا أن يرتكب ما مرّ وهو خلاف الظاهر إذا عرفت هذا فما مرّ مبني على أنه تصوير واستعارة تمثيلية مبنية على الفرض، وهذا أيضا تمثيل بمعناه المتعارف أو الأوّل على أنه استعارة مكنية وكونه كناية عرفت حاله فما قيل من أنه قصد مدلوله من غير قصد إلى الأخبار بثبوته ليلزم عدم مطابقة نفس الأمر بل قصد تصوير أثر قدرته تعالى في المقدورات بصورة محسوسة من ورود أمر يأتي من آمر مطاع فامتثل على الفور وقيل عليه إنه هو التخييل الشعري الذي يصان عنه كلام أصدق القائلين، ولا يفيده الخلو عن لحكم في نفس الأمر كلام ناشئ من عدم التحقيق ومعرفة معنى التخييل كما قرّرناه لك فتذكر، ولا تكن من الغافلين. قوله:) وما قيل الخ) يعني أنه متصور في الوجه الأول دون الوجهين المتوسطين لكونهما معدومين عند الخطاب أو لكون السماء معدومة عند. على الثاني منهما، والخطاب متفرّع على الوجود وتميز الماهيات قبل الوجود لا يجدي، وقوله: وإنما قال: طائعين بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء الذكور، وكان مقتضى الظاهر طائعات أو طائعتين وأوثر جمع الذكور لأنه لا وجه للتأنيث عند إخبارهم عن أنفسهم الكون التأنيث بحسب اللفظ فقط نظرا إلى الخطاب والإجابة والوصف بالطوع والكره. قوله: (كقوله: ساجدين (التشبيه في مجرّد إتيان جمع العقلاء نظراً إلى وصف السجود وإن كان التذكير فيه لتغليب الكواكب والقمر كما قيل به، وفيه نظر. قوله:
(فخلقهن خلقا إبداعياً القوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٧] والإبداع ما لم يسبق له مثال ولا مادة، وقوله: أتقن أمرهن هو من التعبير بالقضاء وهو الفصل بين الأمور على وجه التمام، وقوله: والضمير أي ضميرهن رعاية للمعنى لأنه بمعنى السموات، ولذا قيل إنه اسم جمع والمراد بكونه مبهما أنه تفسيره سبع سموات الخ فيرجع لما بعده، وإن كان متأخرا لفظا ورتبة بناء على جوازه في التمييز
стр. 2676
كما في ربه رجلاً وباب نعم وهو أبلغ لما فيه صت التفسير بعد الإبهام، وقد مز تفصيله في سورة البقرة، ولذا جعله حالاً على الأوّل من ضمير السماء وتمييزاً على الثاني، ويجوز فيه البدلية وكونه مفعولاً ثانيا على تضمينه معنى التفسير كما ذكره المصنف في غير هذه السورة. قوله: (قيل خلق السموات الخ) قيل: كونه يوم خميس مع إنه لا يوم حقيقة حتى يتعين كما قيل بناء على أنّ الوقت الذي خلقت فيه الأرض لما كان أوّل أوقات وقع الخلق فيها ناسب اعتبار يوم الأحد الذي هو أوّل الأسبوع، وهكذا ما بعده لكنه أورد عليه لزوم تقدّم الدحو على خلق السماء فلذا مرضه، وما وقع في الكشاف من أنّ آدم ﵊ خلق في آخر سائمة من يوم الجمعة فيه نظر لا يخفى. قوله: (شأفها (فالأمر واحد الأمور، وقوله: يتأتى أي يصدر عنها وكونه اختياراً بناء على مذهب بعض الفلاسفة من أنها حية ناطقة، وقوله: طبعا بناء على مذهب غيرهم من المتكلمين وأما عند غيرهم من أهل الشريعة فلا يقولون بشيء منهما فقوله: بأن حملها تفسير للوحي وبيان لأنه مجاز عما ذكر وقوله: وقيل الخ فالأمر واحد الأوامر، والوحي على ظاهره، وإضافة أمرها لأدنى ملابسة- قوله: (فإنّ الكواكب كلها الخ (دفع لما مرّ من أنّ الكواكب ليست كلها في السماء كما يفهم من النظم فإن المراد كونها كذلك في رأى العين، وقد مز تفصيله في الصافات. قوله: (وحفظناها الخ (يعني إنه مفعول مطلق لفعل مقدر معطوف على قوله: زينا والحفظ إما من الآفات، أو من الشياطين المسترقة للسمع وكون الضمير للمصابيح كما قيل خلاف الظاهر، وقوله: مفعول له على المعنى أي معطوف على مفعول له يتضمنه الكلام السابق أي زينة، وحفظا ولا يخفى أنه تكلف بعيد عن نهج العربية كما قاله أبو حيان، وقوله البالغ في القدرة تفسير للعزيز والبالغ إشارة إلى ما في صيغته من المبالغة، وفيه لف ونشر وقوله: كأنه صاعقة
ظاهر. أنه استعارة لما ذكر وقيل: إنه ورد في اللغة بمعنى العذاب من غير حاجة إلى التحوز وفيه نظر. قوله: (وهي المرة من الصعق (بسكون العين مصدر صعقته الصاعقة إذا أهلكته يصعق بكسرها صعقا بالفتح كحذر حذرا أي هلك بالصاعقة المصيبة له فإذا كان الثاني هو المراد تكون عينه سكنت في المرة تخفيفا. قوله: (حال من صاعقة عاد) ذكر المعرب فيه وجوها أحدها أنه ظرف لأنذرتكم، والثاني أنه منصوب بصاعقة لأنها بمعنى العذاب أي أنذرتكم العذاب الواقع في وقت مجيء رسلهم، والثالث إنه صفة لصاعقة العذاب الأولى، والرابع: إنه حال من صاعقة الثانية قاله أبو البقاء وأورد عليه أن الصاعقة جثة وهي قطعة نار تنزل من السماء فتحرق فلا تقع صفة، ولا حالاً لها وتأويلها بالعذاب إخراج لها عن مدلولها من غير ضرورة، وإنما جعلت وصفاً للأولى لأنها نكرة، وحالاً من الثانية لأنها معرفة ولو جعلت حالاً من الأولى لتخصصها بالإضافة جاز فالأوجه خمسة وسيأتي ما فيه. قوله تعالى: ( ﴿إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ) يحتمل أن يكون من إطلاق ضمير الجمع على المثنى، وكذا الرسل وجمع الأوّل يجوز أن يكون باعتبار أفراد القبيلتين فتأمّل. قوله: (ولا يجوز جعله صفة الخ (فساد المعنى للزوم كون إنذاره ﵊، والصاعقة التي أنذر بها واقعين في وقت مجيء الرسل لعاد وثمود، وليس كذلك ولا صفة لصاعقة عاد أيضاً للزوم حذف الموصول مع بعض صلته أو وصف المعرفة بالنكرة. قوله: (من جميع جوانبهم (فالضمير المضاف إليه لقوم عاد وثمود وجعل الجهتين كناية عن جميع الجهات على ما عرف في مثله، والمراد بإتيانهم من جميع الجهات بذل الوسع في دعوتهم على طريق الكناية فقوله: واجتهدوا الخ عطف تفسير له، والجهة في قوله من كل جهة الوجه الذي أبدوه لهم من التحذير والإنذار ونحوه. قوله: (أو من جهة الزمن الماضي الخ) هذا هو الوجه الثاني، والضمير فيه راجع لما مرّ لكن المراد بما بين أيديهم الزمن الماضي، وبما خلفهم المستقبل ويجوز فيه العكس أيضاً كما مرّ في آية الكرسي، واليه يشير المصنف بقوله: وكل من اللفظين يحتملهما، وقد مرّ توجيهه بأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، وقوله: من جهة الزمن إشارة إلى أنه استعير فيه ظرف المكان للزمان وقد مرّ تفصيله، وقوله: عما جرى فيه على الكفار أي عن مثل ما جرى ففيه مضاف مقدر وعلى هذا أيضا في النظم مقدر تقديره بالإنذار عما وقع من بين أيديهم الخ فتأمّل. قوله: (أو من قبلهم ومن بعدهم الخ (فعلى هذا جمع الرسل ظاهر، وقوله: إذ قد
بلغهم الخ جواب عما يقال كيف يصح مجيء من تقدّم وتأخر من الرسل لهم
стр. 2677
بأن المراد بالمجيء إيمانهم به فمن بين أيديهم الخ حال من الرسل لا متعلق بجاءتهم، وقوله: ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة قيل: إنّ هذا هو بمعنى الوجه الذي قبله إذ لم يرسل إليهم غير هود، وصالح فيكون المراد من بلغهم خبرهم ومن أتاهم منهم إلا أن الفرق بينهما أنه على هذا كناية عن الكثرة، وما قبله على الحقيقة كما قيل، وفيه نظر فلعله على الأوّل مجاز في جاءتهم وعلى هذا هو مع ذلك المجاز فيه كناية، وقيل المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل. قوله:) بأن لا تعبدوا الخ) إشارة إلى تقدير حرف جرّ متعلق بجاءتهم وان مصدرية ولا ناهية، وهي قد توصل بالنهي كما توصل بالأمر على ما فيه مما مز غير مرّة، وقيل إنها مخففة من الثقيلة، ومعها ضمير شأن محذوف وأورد عليه إنها إنما تقع بعد أفعال اليقين، وإن خبر باب أن لا يكون طلباً إلا بتأويل وقديدفع بأنه بتقدير القول وان مجيء الرسلك الوحي معنى فيكون مثله في وقوع أن بعده لتضمنه ما يفيد اليقين كما أشار إليه الرضى وغيره. قوله:) أو أي لا تعبدوا (يعني إنها مفسرة لمجيء الرسل لأنه بالوحي وبالشرائع فيتضمن معنى القول، وقد جوّز على الوجه السابق كون لا نافية. قوله: (لو شاء ربنا الخ) كون مفعول المشيئة المحذوف بعد لو الشرطية يقدر من مضمون الشرط ليس بمطرد فقد يقدر من غيره كما قدره المصنف إذ لو جعل على النهج المعروف، وقدّر لو شاء ربنا إنزال الملائكة لأنزل ملائكة لم يكن له معنى لائق بالمقام، وقيل في توجيهه إنه جار على القاعدة فإن مآل التقدير فيه إلى لو شاء ربنا الإرسال لأرسل ملائكة، وقوله: برسالته يشير إليه وهو وجه حسن. قوله: (فإنا بما أرسلتم الخ) الفاء إن كانت فاء النتيجة السببية فيكون في الكلام إيماء إلى قياس استثنائيّ أي لكنه لم ينزل، ويجوز أن تكون تعليلية لشرطيتهم أي إنما قلنا ذلك لأنا منكرون لما أرسلتم به كما ننكر رسالتكم وما موصولة، وكونها مصدرية وضمير به لقولهم لا تعبدوا إلا الله خلاف الظاهر. قوله: (على زعمكم (بالزاي المعجمة والعين المهملة زاده دفعاً لما يتوهم من التناقض لأن قولهم بما أرسلتم به إقرار برسالتهم، وقوله: كافرون جحد لها فكان مقتضى الظاهر بما اذعيتم أو بما جئتم به لكنهم أتوا به على زعمهم إظهاراً لعنادهم وتعنتهم كما أشار إليه المصنف. قوله:) إذ أنتم الخ (تعلل لكفرهم وبيان لارتباطه بما قبله، وقوله: فأمّا عاد الفاء تفصيلية ولتفرّع التفصيل على الإجمال قرن بفاء السببية، وقوله: اغتراراً بقوّتهم وشوكتهم فالاستفهام إنكاريّ مآله النفي، وإنه لا أشد
منهم وهذا بيان لاستحقاقهم العظمة وجواب للرسل عماخوّفوهم به من العذاب، وقوله: ينزع الصخرة أي يقلعها فالمراد يريد نزعها ليصح ما فرعه عليه، ويجوز أن يكون تفسيرا له فإن كانت العبارة فيفلقها بفاء وقاف أي يكسرها ويفتتها فلا حاجة للتأويل وهو أقرب. قوله:) أو لم يروا الخ (لما ذكروا قوّتهم في جواب الرسل، وتخويفهم لهم رد عليهم بما ذكره إيماء إلى اًن ما خوّفهم به الرسل ليس من عند أنفسهم بناء على قوّة منهم، وإنما هو من الله خالق القوى والقدر وهم يعلمون إنه أشد قوّة منهم، وقوله: قدرة فسر القوّة بالقدرة كما قال الراغب: القؤة تكون بمعنى القدرة وتكون بمعنى التهيؤ للشيء كما يقال النواة بالقوّة نخلة، وقدرة الإنسان هيئة يتمكن بها من فعل شيء قا، واذا وصف الله بها فهي بمعنى نفي العجز عنه فلا يوصف بها على الإطلاق غيرد تعالى انتهى فلا وجه لما قيل إن القوّة عرض ينزه الله عنه لكنها مستلزمة للقدرة فلذا عبر عنها بالقوّة مشاكلة، وقوله: قادر بالذات بيان للأشدية فإن ما يكون بالذات أقوى من غيره، وقدرة البشر غير مؤثرة أو تؤثر بالاستناد لقدرة الله تعالى. قوله:) مقتدر على ما لا يتناهى (قال الراغب: القدير الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة بلا زيادة ولا نقصى والمقتدر يقاربه لكنه قد يوصف به البشر، ومعناه المتكلف والمكتسب للقدرة فإذا استعمل في الله فهو مبالغة في القدرة الكاملة كالقدير، وهذا وجه آخر للأشدية إشارة إلى قوّة مدرته كيفما وكما. قوله: (يعرفون الخ (لأن الجحد الإنكار عن علم وقد يرد لمطلق الإنكار، وقوله: وهو عطف الخ أو على قالوا فجملة أولم يروا اعتراضية، والواو أعتراضمية أو عاطفة على مقدر، والمعطوف والمعطوف عليه مجموعهما اعتراض، وقوله: من الصرّ الخ بكسر الصاد ويجوز كونه من الصرّ بالفتح بمعنى الحز لأنه روي أنهم أهلكوا أنفسهم بالسموم، وهو مناسب لديار العرب وقوله: يجمع أي لشدة البرد يجتمع ظاهر جلد الإنسان وينقبض.
стр. 2678
قوله: (جمع ئحسة (بكسر الحاء صفة مشبهة من فعل يفعل كعلم، وقوله: على التخفيف أي سكون الحاء لأن السكون أخف من الحركة أو فعل بالسكون صفة كصعب، أو هو مصدر وصف به مبالغة. قوله: (آخر شوّال الخ) ولا منافاة بين هذه النسخة، وما وقع في أخرى من آخر شباط لجواز توافق شباط وشوّال وإن كانت الثانية أظهر لأنها كانت أيام العجوز كما سيأتي في الحاقة، وفي الآية إشارة إلى أنّ الأيام منها نحس وسعد، وفي مناسك الكرماني عن ابن عباس
﵄ الأيام كلها لله تعالى لكنه خلق بعضها نحوسا وبعضها سعوداً، وقيل: النحس هنا بمعنى البارد. قوله: (أضاف العذاب الخ (يعني أنه من إضافة الموصوف للصفة بدليل قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [سورة فصلت، الآية: ١٦] وهو من الإسناد المجازي فإنه وصف المعذب وقوله: للمبالغة لدلالته على أن مذلة الكافر زادت حتى تصف بها عذابه كما قرر في نحو قولهم: شعر شاعر وقوله: بدفع العذاب الخ بيان لارتباطه بما جعلى تذييلاً له. قوله:) فدللناهم على الحق) يعني أن الهداية هنا مطلق الدلالة بدليل ما بعده وتكون بمعنى الدلالة الموصلة كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٥٦] ولا كلام في استعماله لكل منهما إنما الكلام في كونه حقيقة في أيهما أو مشتركا بينهما مطلقا، أو على التفصيل بين المتعدى بنفسه وبالحرف كما تقدّم تفصيله، وعدل عن قول الزمخشري دللناهم على طريقي الضلالة والرشد كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البدد، الآية: ١٠] على ما ستراه في تفسيره فقيل: لأن ما ذكره أظهر لأن الدلالة على طريق الضلالة إضلال لا هداية، وهو كلام ناشئ من عدم التدبر لأن التفسير المذكور منقول عن قتادة وهو الذي اختاره الفزاء والزجاج وهو أنسب هنا لأنّ قوله بعده فاستحبوا الخ يقتضي أنهم دلوا على كلتا الطريقتين فاختاروا إحداهما على الأخرى فيكون بمعنى قوله: هديناه النجدين كما لا يخفى على من له ذوق سليم. قوله: (بنصب الحجج (أي إقامتها وبيانها على ألسنة الرسل، وقوله: منوّنا لصرفه وعدم تنوينه وصرفه على العجمة أو إرادة القبيلة، وقوله: بضم الثاء على أنه مصدر أو جمع ثمد، وهو قلة الماء فسموا بذلك كما قاله الطيبي: لأنهم كانوا بديار قليلة الماء. قوله: (فاختاروا الضلالة على الهدى) وقد استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال لأن قوله: هديناهم دل على نصب الأدلة وإزاحة العلة، وقوله: استحبوا العمي الخ دل على أنهم بأنفسهم آثروا العمي ورد بأن لفظ الاستحباب يشعر بأن قدرته تعالى هي المؤثرة، وليس لقدرة العبد مدخل مّا فإن المحبة ليست اختيارية وهو من الدقائق العجيبة وإليه أشار الإمام وبه اقتدى هذا الهمام، ومعنى كونها ليست باختيارية أنها بعد حصول ما يتوقف عليه من أمور اختيارية تكون بجذب الطبيعة من غير اختيار له في ميل قلبه وارتباطه هواه بمن يحبه فهي في نفسها غير اختيارية لكنها باعتبار مقدماتها اختيارية، ومن لم يمعن النظر فيه قال: كيف لا تكون المحبة اختيارية ونحن مكلفون بمحبة رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا تكليف بغير الاختيارية وتفصيله كما في طوق الحمامة لابن سعيد إن المحبة ميل روحاني طبيعي، وإليه
يشير قوله : ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ١٨٩] أي يميل فجعل علة ميلها كونها منها، وهو المراد بقوله ﷺ : " الأرواح جنود مجندة " وتكون المحبة لأمور أخر كأحسن والإحسان والكمال، ولها آثار يطلق عليها محبة كالطاعة والتعظيم وهذه هي التي يكلف بها لأنها اختيارية، وبهذا سقط الاعتراض! فأعرفه. قوله:) صاعقة من السماء (بالمعنى المعروف، وقيل: المراد بالصاعقة هنا الصيحة كما ورد في آيات أخر ولا مانع من الجمع بينهما وجعلها صاعقة العذاب يفيد مبالغة كالوصف بالمصدر، أو المعنى إنّ عذابهم عين الهون وان له صواعق، وقوله: من اختيار الضلالة لم يقل من عمل الضلالة لأنه أنسب بقوله: استحبوا، وقوله: من تلك الصاعقة متعلق بقوله: نجينا فلو ذكر بجنبه كان أولى أو المراد أنهم يتقون الله لا الصاعقة كما يتوهم، ولو علق بيتقون لم يمنع منه مانع لأن المتقي من عذاب الله متق دلّه، ولعله أخره لاحتماله للوجهين. قوله: (يوم يحشر الخ) متعلق باذكر مقدر معطوف على قوله: ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ [سورة فصلت، الآية: ١٣، الخ أو بما يدل عليه يحشر أو يوزعون كيجمعون ونحوه، وقوله: فهم يوزعون الفاء تفصيلية ومعنى
стр. 2679
حبس أوّلهم إمساكهم حتى يجتمعوا فيساقوا إلى النار، وقوله: وهو عبارة عن كثرة أهل النار أي كناية عن ذلك إذ لو لم يكونوا جمعا كثيرا جدا لم يحبس أوّلهم انتظارا لمجيء آخرهم فذكر هنا للدلالة على ما ذكر ولولاه لم يكن تحته فائدة عظيمةء
قوله: (ما مزيدة لتثيد اتصال الشهادة الخ (لأنها تؤكد ما زيدت بعده فهي تؤكد معنى إذا
واذا دالة على اتصال الجواب بالشرط لوقوعهما في زمان واحد، وهذا مما لا تعلق له بالعربية حتى يقال إنّ النحاة لم يذكروه كما قيل وأكد لأنهم ينكرونه، وقوله: شهد الخ قيل فيه إيجاز حذف والأصل سئلوا فأنكروا فشهد الخ، واكتفى عنه بذكر الشهادة لاستلزامها لما ذكر لا يقال هذا ينافي ما مرّ من الاتصال المؤكد لأنا نقول يكفي لذلك الاتصاف وقوعهما في مجلس واحد
فلا حاجة إلى ما قيل إنه يقدر هكذا إذا جاؤوها وأنكروا بعد السؤال شهد الخ. قوله: (بأن ينطقها الخ) فهو على ظاهره وحقيقتة أو المراد ظهور علامات على الأعضاء دالة على ما كانت متلبسة به في الدنيا بتغيير أشكالها، ونحوه مما يلهم الله من رآه إنه صدر عنه ذلك لارتفاعه الغطاء في الآخرة فالنطق مجاز عن الدلالة، والجلود قيل المراد بها الظاهر، وقيل الجوارج وقيل هي كناية عن الفروج، فإن قلت على كل حال الشاهد أنفسهم وهي آلات كاللسان فما معنى شهدتم علينا قلت: قال المحقق في شرحه ليس المراد هاذ النوع من النطق الذي ينسب حقيقة إلى الجملة، ويكون غيره آلة بلا قدرة وارادة له في نفسه حتى لو أسند إليه كان مجازا كإسناد كتب العلم بل على أنّ الأعضاء ناطقة حقيقة بقدرة وارادة خلقهما الله فيها، وكيف لا وأنفسهم كارهة لذلك منكرة له إلا أن يقال: إنه نفسه لا يقدر على دفع كونها آلات، ويؤيده قوله عليهم فإن فيل: أنطقنا الله إنما يصلح جوابا عن كيف شهدتم لا عن لم شهدتم، قيل: قد دل الجواب على أنّ المعنى لأيّءكللة وبأيّ موجب شهدتم فيصلح ما ذكر جوابا له وخصت الجلود دون السمع والبصر لأنها أعجب إذ ليس شأنها الإدراك بخلافهما، وقيل: إنما خصت لأنها بمرأى منهم مشاهدة لا لما مرّ لأنّ في الجلود قوّة مدركة أيضا وهي اللامسة، وهي مشتملة أيضاً على الذائقة وكل منهما أهمّ وأعتم، وهذا أيضاً يصلح وجهاً للتخصيص وفيه تعكيس عليهم إذ تضرّروا مما يرجون منه أكمل النفع ولا يخفى ما فيه إذ الظاهر إن رده على المحقق لم يصادف محزه إذ ليس المراد مما ذكره من أنها ليس من شأنها الإدراك إلا إدراك أنواع المعاصي التي شهد عليها كالكفر والكذب والقتل، والزنا والربا مثلا وادراك مثلها منحصر في السمع والبصر كما لا يخفى فتدبر. قوله: (سؤال توبيخ) هو على التفسير الأول من أنه نطق حقيقي إذ خلق فيها الإدراك، وقوّة النطق فكانت قابلة للتوبيخ أيضا، وأما التعجب فهو على الثاني أو عامّ لهما. قوله:) ولعل المراد به نفس التعجب (هذا على الوجهين أيضا لا على الثاني كما توهم إذ لا وجه للتخصيص بلا مخصص يعني لا قصد هنا للسؤال أصلاً، وإنما قصد به ابتداء التعجب لأن التعجب يكون فيما لا يعلم سببه وعلته فالسؤال عن العلة المستلزم لعدم معرفتها جعل مجازاً أو كناية عن التعجب لأنه قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، وقوله: ما نطقنا باختيارنا بناء على أنه سؤال توبيخ، وقوله: أوليس الخ بناء على أنه سؤال تعجب أو تعجب رأسا وكون النطق بغير اختيار على كونها آلات ظاهر أمّا على أنه خلق فيها قدرة وارادة كما مرّ فبأن يكون ذلك بجبر من الله بتسخيرها لما أراده منها، ولا ظلم فيه لأنه جبر على إظهار ما تقرّر قبل للإلزام. قوله: (الذي أنطق كل حيئ) وفي نسخة شيء بدل حي وفي نسخة
كل شيء نطق بالتوصيف، وهي الصواب كما قيل ويدل عليه قوله: بعد بقي الشيء عامّا فإنه يقتضي تخصيصه قبله بها، ويشير إلى أن صفته المخصصة مقدرة ولا بد منه إذ ليس كل شيء أوحى ينطق بالنطق الحقيقي، ولذا قال ولو الخ وكذلك لو كان النطق ولاجواب بمعناه الحقيقي وحمل النطق في قوله الذي أنطق كل شيء على الدلالة فإنه يجوز فيه ذلك فيبقى على عمومه أيضاً، ويكون التعبير بالنطق للمشاكلة كما قيل لكن المصنف لم يلتفت إليه، لأنه خلاف الظاهر والموصول المشعر بالعلية يأباه إباء ظاهراً فتأمل، وقوله في الموجودات لأنّ المعدومات لا تدرك حتى تدل بالحال ولذا قال: الممكنة فتدبر. قوله:) تمام كلام الجلود (ومقول القول أو مستأنف من كلام الله تعالى والمراد على كل حال تقرير ما قبله بأنّ القادر على الخلق أوّل مرة قادر على إنطاق كل شي.
стр. 2680
قوله تعالى:) ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ الخ) إمّا مفعول له بتقدير مضاف أي مخافة أو كراهة أي ليس استتارهم للخوف مما ذكر بل مز الناس، أو لأجل أن يشهد فهو مفعول له أو من أن يشهد أو عن أن يشهد أو أنه ضمن معنى الظن فهو في محل نصب واستبعد هذا المعرب، وما ذكره المصنف بيان لحاصل المعنى من غير تعرّض لإعرابه لكن قوله: ما استترتم عنها يحتمل احتمالاً قريباً إنه إشارة إلى أنّ أن يشهد في محل نصب أو جر على الخلاف فيه بتقدير عن لأنّ حذف الجارّ جائز قبل أن وأن ويحتمل أنّ متعلقه محذوف، وأن يشهد مفعول له أي ما تستترون عن أعضائكم مخافة أن يشهد، وقيل: إنه بتقدير الباء أي بأن يشهد، والمعنى ما استترتم عنها بملابسة أن يشهد عليكم والمراد تحمل الشهادة فالوجوه في إعرابه خمسة وأما قوله: ما ظننتم الخ فهو لازم معناه لأنهم إذا لم يستتروا عن أعضائهم فهم لم يظنوا شهادتهم عليهم، فما قيل إنه إشارة إلى أنّ تستترون ضحمن معنى الظن فعدى تعديته لأنه لازم، وفيه بحث وهو ميل إلى ما نقل عن قتادة من إن معناه وما كنتم تظنون أن يشهد الخ ليس بشيء لما عرفته مما قررناه، وقد يقال إنه مراد قتادة ﵁. قوله: (إلا وعليه رقيب (كما قال أبو نواس:
إذا ما خلوت الدهريوما فلا تقل خلوت ولكن قل عليئ رقيب
ولاكحسبن الله يغفل ساعة ولا أن مايخفى عليه يغيب
قوله تعالى: ( ﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (معناه ما ظننتم أن الله
يعلم فينطق الجوارج ولكن ظننتم إنه لا يعلم كثيرا وهو ما عملتم خفية فما استترتم عنها، واجترأتم على المعاصي وإذا كان أن يشهد مفعولا له فالمعنى ما استترتم بالحجب لخيفة أن
تشهد عليكم الجوارح فلذا ما استترتم عنها لكن لأجل ظنك إن الله لا يعلم كثيراً فلذا سعيتم في الاستتار عن الخلق لا عن الخالق، ولا عما ينطق به الجوارج وعلى تقدير الباء فالمعنى ما استترتم عنها بملابسة أن تشهد عليكم أي تتحمل الشهادة إذ ما ظننتم إنها تشهد عليكم بل ظننت أنّ الله لا يعلم فلذا لم يكن استتاركم بهذا السبب، وعلى تقدير عن قيل يلزم زيادة يشهد وفيه نظر. قوله: (إشارة إلى ظنهم هذا) أي للذكور ضمن قوله: ظننتم، وقوله: خبران له يعني ظنكم خبر أوّل لذلكم والذي صفته، وأرداكم أي أهلكهم خبر ثان له وهو أحد الوجوه في إعرابه، وقيل: أرداكم حال بتقدير قد معه أو بدونه وإن أباه بعض النحويين، وقيل: إنه استئناف وقيل: ظنكم بدل والموصول خبر وأرداكم حال بتقدير قد وقيل الموصول خبر ثان،! وقيل: الثلاثة أخبار، إلا أنّ أبا حيان ردّ الوجه الأوّل بأنّ ذلكم إشارة إلى ظنهم السابق فيصير التقدير، وظنكم بربكم إنه لا يعلم ظنكم بربكم فما استفيد من الخبر هو ما استفيد من المبتدأ وهو لا يجوز كقولهم سيد الجارية مالكها وقد منعه النحاة، ورد بأنه لا يلزم ما ذكر لجواز جعل الإشارة إلى الأمر العظيم في القباحة فيختلف المفهوم باختلاف العنوان، ويصح الحمل كما في هذا زيد ولو سلم فالاتحاد مثله في شعري شعري مما يدل على الكمال في الحسن كما في هذا ال! مثال أو القبح كما فيما نحن فيه ع وقيل المراد منه التعجب والتهكم وقد يراد من الخبر غير فائدة الخبر ولازمها، وهذا كله على طرف الثمام والحق ما قاله ابن هشام في شرح بانت سعاد من أنّ الفائدة كما تحصل من الخبر تحصل من صفته وقيده كالحال وان أشكل هذا على قمول الأخفش إنه منع أحق الناس بمال أبيه ابنه البار به، ونحوه: لأن الخبر نفسه غير مفيد ولا ينفعه مجيء الصفة بعده لانّ وضع الخبر على تناول الفائدة منه، وقد بسط الكلام فيه فراجعه. قوله: (إذ صار ما منحوا (أي أعطوا من الج! وارج الموهوبة لهم للاستسعاد أي نيل السعادة في الدارين الدنيا والآخرة لأنّ بها تعيشهم في الدنيا وإدراكهم ما يهتدون به إلى حق اليقين ومعرفة رب العالمين الموصل للسعادة الأخروية فحيث أذاهم ذلك إلى كفران نعم الرزاق والكفر بالخالق كان ذلك سببا للشقاء في المنزلين تثنية منزل، والمراد بهما الدنيا والآخرة لجهلهم بالذات والصفات وارتكاب المعاصي واتباع الشهوات وقيل المراد بما منحوا العقل، والأول أنسب بما قبله من شهادة الأعضاء وإن استبعده بعضهم. قوله: (لا خلاف لهم عنها! يعني التقدير أن يصبروا لظن إنّ الصبر ينفعهم لأنه مفتاج الفرج
стр. 2681
لا ينفعهم صبرهم إذ لم يصادف محله، وقوله: وصي الرجوع إلى ما يحبون لأنها اسم من أعتبه إذا ما رأى ما يعتب عليه، وقوله: المجابين إليها أي إلى العتبي وهي الرجوع لما يرومون بسؤالهم إياه، والجواب مأخوذ
من وقوعه في مقابلة السؤال، وتحقيقه ما قاله الإمام الكرماني في شرح البخاري في باب الاستنجاء أنّ الاستفعال هنا لطلب المزيد فيه فالاستعتاب فيه ليس لطلب العتب بل لطلب الأعتاب، والهمزة فيه للسلب فتأمّل. قوله:) ونظيره قوله الخ) أي نظيره في المعنى لأن معناه إن صبروا، أو لم يصبروا بأن جزعوا لأنّ سؤالهم لعدم صبرهم فمعنى الشرطيتين سواء صبروا أم جزعوا، وقوله: وقرئ وأن يستعتبوا أي بالبناء للمجهول والمعتبين بصيغة الفاعل، وقوله: أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم الخ أو هذه القراءة في معنى قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٨ لح لتماديهم في الطغيان، وقوله: لفوات المكنة أي لفوات وقتها وهو الدنيا. قوله: (وقدّرنا (يقال: فيض الله له كذا إذا قدره والقرناء جمع قرين وتقييضه له إما لاستيلائه عليه أو لأخذه لا عن غيره من قرنائه، والأخدان جمع خدن وهو كالخدين الصديق، وقوله: وقيل الخ هو ما ارتضاه الزمخشري ورجح الأوّل لقربه معنى، وقوله: من أمر الدنيا الخ تفسير لما بين أيديهم لحضورها عندهم كالشيء الذي بين يديك تقلبه كيف تشاء وما خلفهم أمور الآخرة لعدم مشاهدتها كالشيء الذي خلفك أو لكونها ستلحق بهم، وقد يعكس فيجعل ما بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة، وما خلفهم الدنيا لمضيها وتركها كما مز، وما ذكره المصنف ﵀ أوفق بالترتيب الوجودي ولذا اختاره المصنف واتباع الشهوات عطف على أمر الدنيا بيان للمراد منه وهو المزين لهم فهو كالتفسير له كما إن إنكاره عطف على أمر الآخرة لأنه الذي زين لهم فيه لا قبوله. قوله:) في جملة أمم (يعني أن في للظرفية والجار، والمجرور في محل نصب على الحال من ضمير عليهم أي كائنين في جملة أمم كما في البيت المذكور، وقيل في بمعنى مع في الآية والبيت المذكور لكن المصنف ساقه شاهدا لما ذكر، والصنيعة الإحسان والكرم ومأفوكا بمعنى مصروف عن الجود للبخل، وقوله: ففي آخرين أي فأنت في جملة قوم آخرين قد أفكوا وعدلوا عن الصنيعة يعني لست أوّل من بخل. قوله:) وقد عملوا مثل أعمالهم) قدره لاقتضاء المقام له وبه يأخذ الكلام بعضه بحجز بعض، وقوله: والضمير
لهم وللأمم ويجوز كونه لهم بقرينة السياق. قوله: (وعارضوه بالخرافات (عارضوه أمر بالمعارضة، والمراد بها التكلم عند قراءته والخرافات جمع خرافة بالتخفيف اسم رجل كانت الجن استهوته فلما رجع كان يحدث بما رأى من العجائب، ثم شاع في كل كذب وف يث لا أصل له وورد في الحديث: " خرافة حق " ونقل عن الزمخشري تشديد رائه ولم يذكره غيره والتشويش على القارئ التخليط حتى يذهل عما يقرؤه، وهذا تفسير بحاصل المعنى وأصل معناه ائتوا باللغو ليختلط فلا يمكنه القراءة والمراد باللغو ما لا أصل له أو ما لا معنى له، وقوله: لغى يلغى كرضى يرضى ولغا يلغو كعدا يعدو، وهذى بالذال المعجمة من الهذيان وهو معروف. قوله:) تنلبونه على قراءته) أي تشغلونه عنها، وقوله: وقد سبق مثله أي في سورة الزمر وهو إشارة إلى أن إضافة أسوأ للتخصيص وأفعل للزيادة المطلقة إذ ليس المعنى إنا نذيقهم أسوأ الأعمال بل الأسوأ المنسوب إلى أعمالهم، ثم لما أشير إلى ذلك الأسوأ وأخبر عنه بقوله: جزاء أعداء الله النار وجب أن يكون التقدير أسوأ جزاء الذين كانوا يعملون ليصح الأخبار إذ الجزاء ليس هو الأسوأ الذي من جنس العمل بل من جنس الجزاء، فإن قيل: فبعد تقدير المضاف يصح الحمل على الإضافة إلى المفضل عليه أي أسوأ أجزية عملهم قلنا ليس المعنى على أنّ لعملهم أجزية كثيرة هذا أسوأها بل على إن هذا الأسوأ جزاء عملهم. قوله: (فلنذيقق الذين كفروا الخ (أظهر في مقام الإضمار وللإشعار بالعلية، والعذاب إفا في الدارين أو في إحداهما وأيد الأوّل بقوله: عذابا شديداً في الدنيا والآخرة، وإذا أريد عاقة الكفار ثبت في هؤلاء بالطريق البرهاني. قوله:) خبره (وتصحيح الحمل يحتاج إلى تقدير فيه بسبب جزاء أعدائه أو في السابق أي جزاء أسوأ الذي أو أسوأ أجزاء العمل الذي أو هو خبر جزاء، أو ذلك خبر محذوف أي الأمر كذلك، وقوله: وهو كقولك في هذه الدار الخ يعني إنه من التجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر
стр. 2682
مثله مبالغة فيها كما مرّ تحقيقه لأنها نفسها دار الخلد وجعله للظرفية حقيقة تكلف لا داعي له مع أنّ المذكور أبلغ، وقوله: على أن المقصود الصفة
أشار بالعلاوة إلى جواب آخر لتصحيح الظرف لأنه إذا قصدت الصفة، وذكرت الدار توطئة كان كأنه قيل لهم فيها الخلود. قوله: (يلغون وذكر الجحود الخ) جعله مجازا عن اللغو المسبب عنه وهو الذي اختاره الزمخشريّ لأنه سواء جعل مصدراً أو حالاً أو مفعولاً له مرتب على قوله: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، وقوله: شيطاني النوعين من الإنس والجن لإطلاقه عليهما لكنه في الإنس مجاز مشهور بمنزلة الحقيقة، وقوله: الحاملين أي هما سببان يقال حمله على الأمر إذا دعاه له وتسبب في ارتكابه، وقوله: سنا الكفر والقتل لف ونشر فالذي سن الكفر إبليس، والذي سن القتل قابيل وفخذ بالسكون مخفف فخذ كحذر وما في الكشاف إن أر بالكسر للاستبصار وبالسكون للاستعطاء لا يظهر وجهه، ولذا تركه المصنف وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه خلاف الظاهر إذ يحتاج إلى تأويله بالجهة التي تلي ما تحت أقدامنا. قوله:) مكاناً أو ذلاً اليس هو على اللف، والنشر المرتب أو المشوّش بل على الوجهين في تفسير تحت أقدامنا، وقوله: وإقراراً بوحدانيته الوحدانية من الحصر الذي يفيده تعريف الطرفين كما في صديقي زيد. قوله:) وثم لتراخيه) يعني، ثم هنا لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة وفضلها فهي للتراخي الرتبى لا الحقيقي، وقوله: من حيث الخ بيان للتراخي الرتبي فيه بأنه مبدأ الاستقامة ومنشؤها. قوله: (أو لأنها) أي الاستقامة عسر لو قال عسرة كان أحسن وان أوله بأمر عسر والمعطوف عليه في الأوّل أعلى مرتبة لأنه العمدة والأساس، وهذا عكسه لأن الاستقامة أعظم وأصعب أو المراد بها كما في الكشف الثبات على الإقرار ومقتضياته لأن من قال: ربي الله اعترف بأنه مالكه ومدبر أمره ومربيه وانه عبد مربوب بين يدي مولاه فالثبات على مقتضاء إن لا تزل قدمه عن طريق العبودية قلبا وقالبا وثندرج فيه كل العبادات، والاعتقاديات ومثله كما يأتي في الحجرات، ثم لم يرتابوا وقد حوزوا فهي مع ما ذكر التراخي الزماني هذا محصل ما في الكشاف، وشروحه وهو مبنيّ على أن المعطوف بثم أك! لى مرتبة وما ذكره المصنف أوّلا مبنيّ على خلافه، ولذا فسره بالعمل كما صرّح به في سورة الأحقاف فمن خلط الكلامين وفسر أحدهما بالآخر لم يصب وما في الكشاف هو الوجه الثاني بعينه، وبما ذكر من
الوجه الثاني عرفت أنّ تفسيره بأن الاستقامة تحصل بعد مدة من وقت الإقرار، وانه لا يناسب المقام إذ مقتضاه الترغيب في الاستقامة لا وجه له مع أنه فاسد لأنه لو سلم كان التراخي زمانيا لا رتبياً، وقوله: من الثبات الخ روي عن عمر وإخلاص العمل عن عثمان ﵄، وأداء الفرض عن عليّ فهذه جزئيات ذكر كل منها على طريق التمثيل، وما في كلام بعضهم مما يوهم الاتحاد ليس بمراد وحقيقتها التوسط بين الإفراط والتفريط قولاً وفعلا واعتقادأ. قوله:
(يعن لهم) أي يعرض ويطرأ من الأحوال، وهذا إفا بالها مهم في الدنيا أو في غيرها كما في القبر والمحشر وحال الاحتضار، وقوله: بما يشرح صدورهم متعلق بتنزل والباء للملابسة أو التعدية، وقوله: على ما خلفتم في الدنيا خص بالماضي وما قبله بالمستقبل بناء على الفرق بين الحزن والخوف بأنّ الخوف لما يتوقع والحزن لما وقع. قوله: (وأن مصدرية الخ (مز تفصيل الوجوه الثلاثة في قوله أن لا تعبدوا في هذه السورة وعلى الأخير تتنزل يضمن معنى القول وعلى الثاني يضمن معنى العلم وعلى الأوّل يجوز كون لا نافية، وسقوط النون للنصب والجر في موضمع الإنشاء مبالغة وفيما سواه ناهية. قوله:) في الدنيا على لسان الرسل (قيل إنه ميل منه إلى غير التفسير الأوّل في قوله: تتنزل عليهم الخ، وقيل: تقديره في الجنة، وفيه نظر لا يخفى وقوله: نلهمكم الخ هو تفسير لكونهم أولياء، وقيل: معناه نحفظكم. قوله: (ما تتمنون) قد مر تحقيقه في يس مع وجهين آخرين فيه ووجه كون المتمنى أعم من المشتهى لأنه قد يقع في أمور معنوية وفضائل عقلية روحانية لكن قد يضتهي المرء ما لا يطلبه كالمريض يشتهي ما يضرّه، ولا يريده والأولى أن يقال: بينهما عموم وخصوص وجهي إلا أن يقال المراد بالمتمني ما يصح تمنيه، لا ما يتمنى بالفعل وكون التمني أعئم من الإرادة غير مسلم. قوله: (حال من لا تدّعون) يحتمل إنه حال من الموصول بناء على جواز
стр. 2683
الحال من المبتدأ او على مذهب الأخفش في إعمال الظرف من غير اعتماد أو من عائده المقدار أو من ضميره المستتر في الخبر أي لكم وهو أحسن صناعة، ومعنى أمّا الأوّل فظاهر وأمّا الثاني فلأنه قيد للحصول لا للادعاء والتمني كما يعرف بالتأمّل، وقوله: كالنزل قليل عنده لأنّ النزل ما يهيأ للمسافر ليأكله حين نزوله
والعادة في أمثاله أن يعقبه من الكرامة ما هو أعظم منه جداً. قوله: (ومن أحسن قولاً الخ) أي لا أحد أحسن منه، وقوله: تفاخرا به مع قصد الثواب إذ هو لا ينافيه فيكون قال بمعنى تلفظ به لما ذكر وقوله: أو اتخاذاً، الخ فالمعنى جعل واتخذ الإسلام دينا له وليس المراد به أنه تكلم به فإنه كما قال الراغب: يرد لمعان ذكرها، منها الدلالة نحو:
امتلأ الحوض وقال قطني
وقوله: أو مذهبا من تولهم: قال بكذا إذا اعتقده وأورد عليه إن قال بمعنى تمذهب يتعدى بالباء ومفهوله مفرد وفيه نظر، وقد جعل هذا وما قبله وجها واحداً وهو أقرب مما ذكره المصنف، وقد وقع في نسخة ومذهباً معطوفا بالواو وهي أصح مما اشتهر في النسخ وهذا الوجه مبنيّ على الوجه الثاني. قوله: (وقيل نزلت في النبئ ﷺ فتكون خاصة به كقوله في حق إبراهيم: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨١] والمعنى اختار النسبة إلى الإسلام دون عز الدنيا وشرفها وهو ردّ على قولهم لا تسمعوا لهذا القرآن وتعجيب منه، وقيل: إنها نزلت في المؤذنين لدعوتهم الناس إلى الصلاة التي هي عماد الدين فالآية مدنية إلا أن يقال حكمها متأخر عن نزولها لأنّ السورة مكية، والأذان شرع بالمدينة. قوله:) في الجزاء وحسن العاقبة) أو في ظاهرهما لما في الأوّل من الحسن والثاني من القبح، وإذا كان المراد أنّ الحسنة لا تستوي مع السيئة فلا الثانية مزيدة للتأكيد فإن كان المراد إنّ الحسنة لا تتساوى مع السيئات لتفاوت مراتبها وأفرادها، كما أنّ السيئة كذلك فلا ليست مزيدة فإن تعريفهما للجنس، والأوّل أقرب، ولذا اختاره المصنف دون الثاني الذي اختاره الزمخشريّ. قوله: (ادفع السيئة حيث اعترضتك) اعترض بمعنى وقف بالعرض وبمعنى عرضت لك، ونالتك وهذا هو المراد هنا، وقوله: على أنّ المراد بالأحسن الزائد مطلقا فهو أحسن في الجملة فقوله: أحسن منها أي موجراً بها، وما يقع في مقابلتها وقيل تقديره متباعداً منها، واستبعد بعضهم فمن ليست الداخلة على المفضل عليه على أنها صلة أفعل. قوله: (أو بأحسن ما يمكن دفعها) فالمفضل عليه عام، ولذا حذف كما في الله أكبر أو المراد أن الزيادة على الحسن أمر مخصوص وهو ما يدفع به
السيئة، وقوله: وإنما أخرجه الخ هذه الجملة محتملة لاتصالها بما قبلها وانقطاعها عنها والظاهر الأوّل والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة، وجلب القلوب فادفع سيئتهم بالحسنة فكان الظاهر الفاء التفريعية فتركت للاستئناف الذي هو أقوى الوصلين اتكالاً على فهم السامع، وإليه أشار المصنف بجعله مستأنفا في جواب سؤال أي كيف أصنع الخ ومقتضى الظاهر ادفع بالحسنة فعدل عنه إلى الأبلغ لأنّ من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه، وهذا الكلام أبلغ في الحمل، والحث على ما ذكر لأنه يومي إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه، وقوله: ولذلك أي لأجل المبالغة المأخوذة من الاستئناف. قوله:) عدوّك المشاق) أي المخالف وهو اسم فاعل وأصله المشاقق، وقوله: فعلت ذلك إشارة إلى أنه في جواب شرط مقدر والوليّ هنا بمعنى الصديق أو القريب، وقوله: هذه السجية أي الخصلة والصفة فالضمير راجع لما يفهم من السياق، ويجوز رجوعه للتي هي أحسن ومعنى يلق يعطي ويؤتى، وقوله: وهي أي السجية والمراد بالدين صبروا من فيهم طبيعة الصبر، وقوله: الجنة فهو وعد وعلى ما قبله مدح وفسر الحظ أيضا بالثواب وكمال العقل. قوله:) نخس (بالخاء المعجمة والنخس المس بطرف قضيب أو اصبع بعنف مؤلم استعير للوسوسة هنا، وقوله: لأنها أي الوسوسة تبعث الإنسان على ما لا ينبغي بتسويل الشيطان كما أنّ النزع يكون للحث على حركة ونحوها فهو وجه الشبه بينهما، وقوله: كالدفع بما هو أسوأ مثال لما لا ينبغي وهو ضدّ الدفع بالأحسن، والمعنى إن أفسدت ففساد ناشئ من الشيطان، وجد جدة بمعنى سعد سعده من الإسناد للمصدر مجازاً للمبالغة، ومن على هذا ابتدائية أي نزغ ناشئ منه. قوله:) أو أريد به نارّغ (فالمصدر بمعنى اسم الفاعل كعدل بمعنى عادل وإليه أشار بقوله: وصفا الخ، ومن على هذا بيانية والجار والمجرور
стр. 2684
حال ويجوز أن يكون تجريداً، ومن ابتدائية، ويجوز أن يكون المراد بالنازغ وسوسته وقوله: لاستعاذتك الخ فسره في الأعراف بسميع لقوله من آذاك عليم بفعله فينتقم منه مغنيا عن انتقامك وقيل: عليم بنزغ الشيطان.
قوله:) مأموران مثلكم (بأمركن التكويني لا أمر تكليف لأنهما لا إدراك لهما أو المراد
أنهما جاريان على وفق إرادته مسخران، وقوله: مثلكيم إشارة إلى مانع آخر لأنّ المرء لا يعبد
من هو مماثل له، وقابل الليل بالنهار لأنه يقابله كما أن الليلة تقابل اليوم، وقوله: والمقصود
الخ جملة حالية وضمير بهما للشمس والقمر، وقوله: إشعاراً مفعول له وهو تعليل لجمعها في
ضمير واحد مع أنّ المقصود الشمس والقمر ووجها لإشعار المذكور نظمها بصيغة واحدة
والليل والنهار لا يعقل قطعا فكذا ما هو مثلهما، ولو ثنى الضمير لم يكن فيه إشعار، وفيه
إشارة إلى وجه التعبير بضمير المؤنث أيضا فإنّ جماعة ما لا يعقل في حكم الأنثى أو الإناث
يقال الأقلام بريتها وبريتهن فليس من التغليب في شيء حتى يرد أنه، إنما يغلب المذكر على
المؤنث لا العكس فعلم عدم استحقاقهما للعبادة من وجوه كونها مخلوقة غير مدركة. قوله:
(فإنّ السجود أخص العبادات) إذ العبادة مطلقا مختصة بالله معنى، وهذا يختص به معنى
وصورة بخلاف القيام والركوع، والعبادة التذلل وهو غايتها فيلزم من اختصاصها اختصاصه،
وقوله: وهو أي هذا المحل عند قوله: تعبدون موضع السجود عند الشافعيّ في أحد قوليه
وذكره لأنه هو الذي ظهر فيه محل الاختلاف فلا ينافيه كون الأصح خلافه عندهم إن سلم،
وعند أبي حنيفة وفي أحد قولي الشافعي السجدة عند قوله: لا يسأمون لأنه تمام الآية وبه يتتم
المعنى فلذا أخرها احتياطا لأنه لا ضير في تأخير السجود بخلاف تقديمه على محله فإنه يقع
غير معتد به. قوله: (عن الامتثال) قدره، وكان الظاهر عن السجود أو العبادة لكنه عدل عنه
لأنهم لم يستكبروا عن ذلك لكنهم لم يمتثلوا أمره إذ سجدوا لغيره تعالى، والمخالفة تتضمن
الاستكبار بوجه مّا، وقوله: فالذين الخ جواب أمر مقدر أي فدعهم وشأنهم أو فقاتلهم فإن دته
عباداً يعبدونه، وقوله: لقوله الخ فإنّ عدم السآمة المعبر عنه بالاسمية المقدم فيها الضمير يدل
على الدوام. قوله: (مستعار من الخشوع الخ (يعني أن أصل معنى الخشوع التذلل فاستعير
استعارة تبعية لحال الأرض! في السكون، وكونها مجدبة لإثبات فيها كما وصفها بالهمود في
قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [سورة الحج، الآية: ٥] وهو خلاف وصفها بالاهتزاز وما معه كما
بينه الزمخشري، ويجوز أن تكون استعارة تمثيلية كما ستراه كما أشار إليه الشارح المحقق.
قوله:) تزخرفت وانتفخت) التزخرف التزين بالنبات والانتفاخ معنى قوله: ربت بمعنى صارت
ربوة مرتفعة، وقوله: وقرئ ربأت أي بالهمز بمعنى ارتفعت من ربا عليه إذا أشرف ويقال: إني
لأربا بك عن كذا أي أرفعك عنه ولا أرضاه لك كما في الأساس، وفي الكشاف: كأنها بمنزلذ
المختال في زيه وهي قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة انتهى فهو استعارة أيضا وفي الكشف إنه يشعر بأنه ليس من التمثيل وذكر في قوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢٤] إنه كلام فصيح جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروش إذا أخذت النبات الناضر من كل لون والظاهر أنه تمثيل هنا أيضا لكن أطلق الاستعارة على المعنى الأعم على معنى أنه لا مانع من الوجهين كما في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ وقوله: بعد موتها الموت والحياة استعارة للخصب والجدب كما مرّ تحقيقه، وقوله: من الإحياء والإماتة لو أبقى على عمومه ويدخل هذا فيه دخولاً أوّليا كان أولى. قوله: (يميلون) من ألحد إذا مال، والإلحاد في آياته أي شأنها وما يليق بها، وقوله: بالطعن الخ، إشارة إلى أنها شاملة للقرآن وغيره لأن التحريف لم يقع في القرآن بل في غيره من الكتب، وقوله: والإلغاء فيها بالغين المعجمة إفعال من اللغو وكان الظاهر أن يقول اللغو فيها لأنه إشارة إلى قوله، وألغوا فيه كما مرّ، وقوله: فنجازيهم على إلحادهم لأن اطلاع الله على الأمور وعلمه بها كناية عن مجازاة فاعلها كما مرّ مراراً. قوله:) قابل الإلقاء في النار الخ) كان الظاهر أن يقابل بدخول الجنة لكنه عدل عنه لأنّ الأمن من عذاب الله أعمّ وأهمّ، ولذا عبر في الأوّل بالإلقاء الدال على القسر والقهر وفيه بالإتيان الدال على أنه
стр. 2685
بالاختيار والرضا مع الأمن ودخول الجنة لا ينبغي أن يبدل حالهم من بعد أمنهم خوفا فليس بمستغنى عنه والإحماد كونهم محموداً حالهم في الحال، والمآل وكونه من الاحتباك بتقدير من يأتي خائفا، ويلقي في النار ومن يأتي آمناً ويدخل الجنة فحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر بعيد لأنه لا قرينة تدل عليه ولا يكفي في مثله سلامة الأمير. قوله: (بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ الخ (بدل كل من كل ظاهره إن كلمة إن مع الاسم بدل من إنّ مع الاسم، وقد قال المحقق في شرحه: إنه إبدال غريب ليس من إبدال المفرد ولا من إبدال الجملة، ولا يشعر كلامه بأن الذين بدل من الذين بتكرير العامل مع أنّ ذلك لم يعهد في غير الجار والمجرور ولا بأنه على حذف الخبر للتهويل أي إنّ الذين كفروا يكون من أمرهم ما يكون، أو لا يخفون أو هلكوا ونحوه ولا وجه لما ذكر فإن الجملة بدل من الجملة، وليس في كلام المصنف ما يأباه لكنه قيل عليه إنه على تقدير الخبر لا حاجة إلى تكلف البدلية فيه فإنّ الحامل عليه الاستغناء عن التقدير فتأمل، وقوله:
أو على الوجهين أو قوله: أولئك ينادون فلا حذف فيه لكنه بعيد، وقوله: والذكر القرآن بوضع الظاهر موضع المضمر وفيه وجوه أخر ذكرها المعرب مع ما فيها. قوله:) كثير النفع عديم النظير الخ (العز حالة مانعة للإنسان عن أن يغلب كما قاله الراغب: فإطلاقه على عديم النظير مجاز مشهور يقال: هو عزيز أي لا يوجد مثله، وكذا كونه مبتغى وأما كونه كثير النفع فهو مجاز أيضا لأنه إنما يعز الشيء لنفاسته، وهي بكثرة المنافع فيه وعدم نظيره لإعجازه وفسر أيضا بأنه غالب لسائر الكتب لنسخه لها. قوله: (من جهة من الجهات) أي من جميع الجهات فما بين يديه وما خلفه كناية عن جميع الجهات كالصباح، والمساء كناية عن الزمان كله، وفيه تمثيل لتشبيهه بشخص حمى من جميع جهاته فلا يمكن أعداءه الوصول إليه لأنه في حصن حصين من حماية الحق المبين وقوله: أو مما فيه الخ معطوف على قوله من جهة يعني أنه لا يتطزق إليه باطل في كل ما أخبر عنه والأخبار الماضية ما بين يديه والآتية ما خلفه أو العكس كما مز تحقيقه، وقوله: أفي حكيم يعني تنوينه للتعظيم وقوله: بما ظهر عليه من نعمه الباء للسببية أو للآلية فيكون الحمد بلسان الحال، وعلى الأوّل بالقال فتدبر. قوله: (أو ما يقول الله لك الخ (معطوف على قوله: ما يقول لك كفار قومك الخ وما قاله الكفار الأذية وما ضاهاها وما يقوله الله الأوامر والنواهي الإلهية التي أجملت في قوله: إنّ ربك لذو مغفرة الخ كما أشار إليه المصنف، وقوله: يحتمل الخ إشارة إلى أن فيه احتمالاً آخر وهو أن يكون القول غير مذكور وما ذكر كلام مستأنف، والمقول له أصول التوحيد والشرائع والحصر فيه إضافي بالنسية لغيره من أمور الدنيا فلا ينافي أنه يقال له غير ذلك كالأمر بالدعوة والقصص رنحو ذلك، وإليه أشار بقوله: بمعنى أنّ حاصل الخ وأنه باعتبار الحاصل فلا يضرّ اختلاف الخصوصيات والشرائع واختار الميم على شديد مع أنه أنسب بالفواصل إيماء إلى أن نظم القرآن ليس كالإسجاع، والخطب وأنّ حسنه ذاتي والنظر إلى المعاني دون الألفاظ فيه، وقوله: إليهم أي إلى الرسل. قوله: (أكلام أعجمي الخ! فأعجمي
وعربي صفتان لموصوفين مقدرين كما ذكره، وقوله: إنكار مقرّر للتخصيص أي هو استفهام إنكاري مقرّر ومؤكد لتخصيص الفرآن بكونه عربيا لا أعجميا والمخاطب العربي أعم من الرسول والمرسل إليه والإنكار لاستبعادهم لذلك وعدم فهمهم له. قوله: (والأعجمي الخ) أصله أعجم، ومعناه من لا يفهم كلامه للكنة أو لغرابة لغته وزيدت الياء للمبالغة كما في أحمري ودواري وأطلق على كلامه مجازاً لكنه اشتهر حتى ألحق بالحقيقة فلذا ذكره المصنف وتركه الزمخشريّ فإنّ قوله: ولكلامه وقع في بعض النسخ دون بعض والعجمي المنسوب إلى العجم، وهم من عدا العرب وقد يخص باهل فارس ولغتهم العجمية أيضاً فبين الأعجمي والعجمى عموم وخصوص وجهي. قوله: (وعلى هذا يجوز أن يكون المراد هلا) هو معنى لولا التحضيضية وقوله: فجعل بعضها الخ على تقدير بعضها أعجمي، وبعضها عربي فيكون خبر مبتدأ مقدر بما ذكر وعبر بالجواز لأنه غير متعين لاحتمال غيره مما فصلوه، وقوله: والمقصود الخ أي من قوله ولو جعلناه إلى تمام
стр. 2686
الشرطية على الوجوه، والقراآت ومقترحهم كونه بلغة العجم والمحذور اللازم لاقتراحهم أنه يفوت الغرض منه إذ لا معنى لإنزاله أعجميا على من لا يفهمه، وقوله: أو الدلالة الخ يعني المقصود من هذه الجملة الشرطية بيان إنهم لا ينفكون عن التعنت عنادا لاقتراحهم الأعجمية فإذا وجدت طلبوا تفصيله، ولو فصل طلبوا أمرا آخر وهكذا، واذا كن المراد بالعربي المرسل إليهم كان حقه الجمع لكن الإفراد والتذكير هنا متعين كما أفاده الزمخشريّ لأنّ حق البليغ أن يجرّد الكلام عما يزيد عن مراده والمراد تنافي الحالتين بقطع النظر عمن هو في حقه فإذا أنكرت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة قلت اللباس طويل، واللاب! قصير ولو قلت: اللابسة قصيرة كان مستهجنا وقبيحاً من الكلام فاحفظه. قوله تعالى: ( ﴿قُلْ هُوَ﴾ الخ) رد عليهم بأنه هاد لهم شاف لما في صدورهم كاف في دفع الشبه فلذا ورد بلسانهم معجزاً بينا، في نفسه مبينا لغيره وقوله: على تقدير هو في آذانهم الخ ذكروا لي إعرابه ثلاثة أوجه فالذين آمنوا إمّا مبتدأ في آذانهم خبره ووقر فاعل الجار والمجرور او في آذانهم خبر مقدم، ووقر مبتدأ مؤخر والجملة خبر الأوّل، أو وقر خبر مبتدأ مقدر والجمله حر الأوّل والتقدير هو وقر الخ، أو الذين عطف على الذين ووقر عطف على هدى على أنه م! العطف على معمولي عاملين مختلفين بناء على تجويزه والخلاف فيه مشهور فقوله: على نقدبر
الخ هو أحد الوجوه فيه فهو مبتدأ خبره وقر على المبالغة، أو بتقدير ذو وقر وفي آذانهم بيان لمحل الوقر لا خبر لوقروا لتقدير في آذانهم منه، وقر ولا يقدر هو حينئذ، وقيل: التقدير ذو وقر وفي آذانهم بيان لمحل الوقر لا خبر لوقر والتقدير في آذانهم منه، وقر ولا يقدر هو حينئذ، وقيل: التقدير الذين لا يؤمنون به في آذانهم، وقر فالرابط به أو الجملة معترضة فلا تقدير فيها. قوله: (لقوله وهو عليهم عمي) فإنه إنما يناسب ما قبله إذا قدر فيه هو ورعاية المناسبة أولى لا وواجب حتى يدل على عدم جواز غيره من الوجوه، وإنما اختار الزمخشري ما اختاره لأن حذف المبتدأ لا يخلو عن ضعف بخلاف العائد المجرور فإنه كثير وليس فيه تفكيك للنظم كما قيل، وقوله: على عاملين هذه عبارة النحاة وفيها تسامح والتقدير على معمولي عاملين والعاملان حرف الجرّ والابتداء، والخلاف فيه مشهور فمنهم من منعه، ومنهم من جوّزه ومنهم من فصل فيه فجوّزه إذا كان أحدهما مجروراً وقدم نحو في الدار زيد والحجرة عمرو، وتفصيله في المغني وشروحه. قوله: (من مكان بعيد منهم وهو الخ) كذا في بعض النسخ وفي بعضها إسقاط قوله: منهم وفي نسخة هم بدل هو وهي من تحريف الناسخ، وجعل النداء من مكان بعيد تمثيلا لعدم فهمهم وانتفاعهم بما دعوا له يقال: أنت تنادي من مكان بعيد أي لا تفهم ما أقول، وقيل إنه على حقيقته وانهم يوم القيامة ينادون كذلك تفضيحاً لهم، وقوله: يصح به تفعيل من الصياح كما صحح في النسخ من صيح الثوب إذا انشق وصيح به إذا أزعجه لشدّة صياحه. قوله: (وهي العدة بمالقيامة الخ) يعني لولا أنه تعالى قدر الجزاء في الآخرة قضى بينهم في الدنيا، أو لولا أنه تعالى قدر الآجال لعجل هلاكهم واستئصالهم فتقدير لآجال عطف على العدة. قوله: (وأن اليهود) فالضمير لهم بقرينة السياق لأنهم الذين اختلفوا في كتاب موسى فإن أريد من لم يؤمن منهم فظاهر، وان أريد المطلق فمعنى لفي شك إنهم لا يؤمنون حق الإيمان به كما يأتي في السورة الآتية، وقوله: من التوراة الخ لف ونشر مرتب أو هو على التعميم فيهما، وقوله: موجب للاضطراب لأنّ الشبه والشكوك تورث القلق والاضطراب، وقدر نفعه وضرّه مؤخرا ليفيد الحصر المناسب للمقام ومن يصح فيها الشرطية والموصولية كما مرّ. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ) قد مرّ تفصيله وانّ المبالغة في نفي الظلم لا نفي مبالغة
الظلم ما هو المتبادر، ووجهه أن يعتبر النفي أوّلاً والمبالغة بعده ولو عكس كان على العكس، وهو موكول إلى القرائن أو المبالغة في الكم لكثرة العبيد، وفيه كلام آخر مرّ تفصيله. قوله: (فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله) إشارة إلى أنّ الظلم هنا عبارة عن فعل ما لا يفعله إلا أنه ظلم لو صدر منه وعدم فعله جريا على وعده السابق، ومقتضى حكمته والا فله تعالى أن يعذب المطيع وينعم المسيء فليس هذا مبنياً على قاعدة الحسن والقبح العقليين الذي ذهب إليه المعتزلة وعممه للفريقين ولم يخصه بالمسيء كما في الكشاف فإنه لا وجه له إلا الإيماء إلى مذهبه في أنّ الكبيرة صاحبها مخلد. قوله: (إذا سئل عنها (فرد علمها إليه تعالى معناه أن يقال الله عالم بها
стр. 2687
لأنها من المغيبات ولذا علله بقوله: إذ لا الخ ففيه احتمالان في شرح التأويلات، إنه متصل بأمر الاعة والبعث، وهو الأقرب فإنه لا يعلم هذا كله إلا الله فذكر هذه الأمور لمناسبتها لعلم الساعة، وان الكل إيجاد بعد العدم بقدرته تعالى فيكون برهانا على الحشر وأن يتصل بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٧] الخ وبقوله: ومن آياته إنك ترى الأرض خاشعة الخ فالمعنى من آيات ألوهيته وقدرته وعلمه أن يخرج التمرات من أكمامها الخ انتهى محصله. قوله: (جمع كم بالكسر) من كممه إذا ستره وهو بالكسر في الثمار وبالضم كم القميص وقد يضم الأوّل أيضاً والجمع مشترك بينهما كما قيل:
من فوق أكمام الرياض وتحت أذيال النسيم
وقوله: بجمع الضمير أي أكمامهن، وقوله: للاستغراق أي لتأكيد الاستغراق والنص عليه
إذ النكرة بعد النفي مستغرقة وتأنيث تخرج على الموصولية نظراً إلى المعنى لأنه بمعنى ثمرة، وفوله: من مبينة أي الأولى ومن في من أكمامها ابتدائية على كل حال ومن ثمرة في محل نصب على الحال، وقوله: بخلاف قوله: وما تحمل الخ فإنّ ما فيه نافية لا غير لأنه عطف عليه النفي وأتى بعده بقوله إلا بعلمه، وهو استثناء مفرغ لا يكون إلا بعد النفي فلا يصح كونها موصولة كما فيل: وفيه نظر لأنه يكفي لصحة التفريغ النفي في قوله، ولا تضع وجملة لا تضع يصح أن تكون حالاً أو معطوفة على جملة إليه يرد الخ وما هذه موصولة كمثل الأولى. قوله: " لا مقروناً بعلمه) إشارة إلى أنّ الباء للملابسة أو للمصاحبة وأنّ الجار والمجرور في محل نصب على الحال، وهو مستثنى من أعتم الأحوال، وقوله: واقعاً الخ تفسير لاقترانه به، وقوله:
بزعمكم لأنه تعالى منزه عنه فسيق على زعمهم توبيخاً لهم، وقوله: ما منا من شهيد جملة منفية في محل نصب لأنها مفعول آذناك وقد علق عنها لأنه بمعنى العلم أي أعلمناك والمراد بالإعلام هنا الإخبار أيضاً، ولذا فسره به فلا يرد أنه ينبغي تفسيره بأخبرناك لأنه تعالى عالم فلا يصح إعلامه بما هو عالم به بخلاف الإخبار فإنه يكون للعالم كما قاله السمرقندي؟ وعلى كليهما فهو معلق على اختلاف فيه فالمعنى أعلمناك بأنه ليس أحد منا يشهد بشركتهم ويقرّبها الآن فشهيد فعيل من الشهادة، ونفي الشهادة كناية عن التبرؤ منهم لأن الكفرة يوم القيامة أنكروا عبادة غيره ت! لى مرّة واً قرّوا بها، وتبرؤوا منها مرّة أخرى وسألوا الرد إلى الدنيا في أخرى بحسب الأوقات أو هو من أقوام أو أشخاص منهم كما صرّحوا به هنا، وفسره السمرقندي بالإنكار لعبادتها فيكون كذبا كقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٣] وهو أقرب فيما قيل مما اختار. المصنف وليس بمسلم لأنه إن أريد نفي إقرارهم الآن فهو تبرّؤ، وإن أريد فيما مضى فهو كذب. قوله: (فيكون السؤال عنهم للتوبيخ) أي إذا كان المراد بنفي الشهادة والإقرار الآن التبرّؤ منهم وأنهم أخبروه تعالى بذلك التبرّؤ، قبل السؤال لما رأوا ما أشركوه فالسؤال حينئذ توبيخ، وتقريع إذ لا يتوهم إنه سؤال ولو بحسب الظاهر، وهو جواب عن السؤال المقدّر بأن الإيذان الإعلام فإذا سبق فلم سثلوا وأجابوا عنه بوجوه أنه ليس سؤالا حقيقة، بل توبيخ وتقريع أوليس المراد أعلمناك فيما مضى بنفي الشركة، بل هو مجاز عن علمه تعالى الآن بأنهم لا يشهدون بالشركة لأنّ العلم يلزم الإعلام أو هو إنشاء لا إخبار. قوله: (أو من أحد يشاهدهم) فشهيد من الشهود بمعنى الحضور والمشاهدة والأعلام بمعنى العلم كما مز أو هو إنشاء فعلى هذا كان ينبغي أن يؤخر قوله فيكون السؤال الخ، وقوله: ضلوا عنا أي غابوا أو ضاعوا كما مرّ فهو مجمل تفصيله ما بعده. قوله: (وقيل هو قول الشركاء الخ) ومرضه لما فيه من التفكيك، ويكون المعنى حينئذ كقوله: ويكونون عليهم ضدّ التبرؤ كل منهم عن الآخر وكون المعنى أنهم أنكروا عبادتهم لهم كذباً منهم لا وجه له هنا، وقوله: لا ينفعهم الخ تفسير لضل بمعنى غاب أمّا بأنه لعدم نفعه كأنه ليس بحاضر موجود أو أنهم لم يروهم إذ ذاك وهذا في موقف وجعلهم مقترنين بهم في آخر فلا تنافي بينهما، وقوله: وأيقنوا لأنه لا احتمال لغيره هنا وهو يكون بمعنى العلم كثيرا، وقوله: معلق الخ فالجملة سادّة مسد مفعوليه، وقوله: الضيقة هي الضد السعة. قوله: (وهذا صفة الكافر) يعني ما في هذه الآية من قوله: لا يسأم
الخ لا يتصف به غيره، وقوله: وقد بولغ الخ جواب عما يرد في المقال من أنه لا يوصف به
стр. 2688
غيره، ويكون المراد شدة قلقه فإن المبالغة المذكور تأباه، وقوله: من جهة البنية أي الصيغة لأنّ فعولاً من صيغ المبالغة والتكرير لأنّ اليأس والقنوط كالمترادفين، وان كان اليأس مغايراً له أو أعمّ لأنّ القنوط أثر اليأس أو يأس ظهر أثره على من اتصف به كإنكساره وحزنه فيتكرر بذكره اليأس في ضمنه على كل حال كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: وما في القنوط الخ. قوله: (حقي أستحقه الا بفضل من الله كما تدل عليه لام الاستحقاق فيكون جاحداً للنعم كافراً بالمنعم، وقوله: أولى دائما فاللام للملك وهو يشعر بالدوام، وهو المراد فهو ذم له بأنه طغى وبطر، وقوله: تقوم إشارة إلى أنّ اسم الفاعل هنا للمستقبل. قوله:) ولئن قامت على التوهم (كما يدل عليه إن الشرطية فإنّ الأصل فيها أن تستعمل لغير المتيقن فالتأكيد بالقسم هنا ليس لقيامها بل لكونه مجزيا بالحسنى لجزمه باستحقاقه للكرامة فلا تنافي بينها وبين التأكيد بالقسم، وان واللام وتقديم الظرفين وصيغة التفضيل فإن تكوز للأمور المفروضة، وليس هذا وجها آخر كما قيل ولا ينافي قوله: وما أظن الساعة لأن المعنى بل أتوهمها فتدبر. قوله: (وذلك لاعتقاده الخ) هذا على تفسيره الثاني لقوله: هذا إلى لا إن هذا الاعتقاد مقرر عنده كما في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣٥] أي في الآخرة إن تحقق أمرها فلا ينافي الوجه السابق ولا قوله: لا ينفك عنه فتأمل. قوله: (ولنبصرنهم (من التبصير يقال بصره كذا وبكذا إذا عرفه فالمراد بإخبارهم بأعمالهم توقيفهم على ما يستحقون به العذاب المشاهد لهم فهو وعيد لهم لأنه كناية عن العذاب وأنهم مستحقون للإهانة لا الكرامة كما توهموا، وقوله: لا يمكنهم التفصي أي التخلص عنه، والنجاة منه تفسير لقوله: غليظ، وإشارة إلى أنه استعارة كما سيأتي تقريره في قوله: عريض فغلظه استعارة له من عدم الرقة في الأجسام للمعاني ككبير وكثير لشدته أو كثرته، وإحاطته بهم بحيث لا ينفك عنهم كمن أوثق بوثاق غليظ لا يمكنه قطعه. قوله:) وانحرف عنه (قال الراغب حقيقة نأى أعرض وقال أبو عبيدة: تباعد ويقال: نأى ونأى به بمعنى نهض كقوله: لتنوء بالعصبة، ومنه: نأى بجانبه أي نهض به وهو عبارة عن التكبر كشمخ بأنفه والباء للتعدية، وفي ضمير عنه استعارة بالكناية
وتفسيرا لنأى بالجانب بالانحراف تفسير له يلازمه عادة فهو إنا مجاز أو كناية ولا مانع من إرادة معناه الحقيقي كما توهم. قوله: (أو ذهب بنفسه وتباعد عنه) على أن الجانب بمعنى الناحية، والمكان ثم نزل مكان الشيء وجهته كناية منزلة الشيء نفسه كقولك المجلس العالي أدام الله أيامه، وقولهم: مقام الذنب فكأنه قيل: نأى بنفسه ثم كني بقوله: ذهب بنفسه عن التكبر والخيلاء ففيه على هذا كنايتان وعلى الوجه السابق كناية واحدة حيث كني بنأى بجانبه عن الانحراف، فما قيل: إنّ في كلا الوجهين لفظ جانب كناية مطلوب بها الموصوف أعنى نفسه أو عطفه ومجموع الكلام كناية مطلوب بها اختصاص صفة بموصوف، وهو التكبر والتعظم في الأوّل والانحراف والأزورار في الثاني مبني على اًن الجانب حقيقته الناحية والجهة وأنه مغاير للجنب وقد صرّح الراغب وغيره بخلافه فإنه سوى بينهما فجعل الجنب والجانب حقيقة كالعطف في اوجارحة وأحد شقي البدن مجازا في الجهة والمصنف في سورة الإسراء جمع بين المعنيين وجعل كونه كناية عن التكبر وجهاً آخر، وقوله: تباعد عنه عطف تفسيرقي لذهابه بنفسه. قوله:) والجانب مجاز عن النفس الخ) قد مرّ فيما قررناه تبعا لشراح الكشاف قاطبة إنه كناية وكلام المصنف مخالف له فإنه رآه استعمل حيث لا يمكن إرادة الحقيقة كما في قوله: في جنب الله، والكناية شرطها جواز إرادته فقاس ما هنا عليه وله وجه وجيه، وما قيل: إنه أراد ما ذكر فعبر عنه بالمجاز على طريق المجاز خلاف الظاهر من غير داع لتكلفه وعليه فالمجموع استعارة بالكناية لا كناية ويجوز كونها تمثيلية. قوله: (كثير مستعار مما له عرض! (وأصله مما يوصف به الأجسام، وهو أقصر الامتدادين وأطولهما هو الطول ووصفه بالعرض العظيم يستلزم عظم الطول أيضا لأنه لا بد أن يكون أزيد منه والا لم يكن طولأكما لا يخفى، وإليه أشار المصنف وقوله: له عرض بفتح فسكون أو بسكر ففتح كصغر، وقوله: بكثرته أو استمراره كما في بعض النسخ والظاهر عطفه بالواو كما في كثير من النسخ أيضا فإن معنى كثرة الدعاء تجدده وتكرّره، وهو استمراره فليس بينهما تفاوت كبير، وقوله:
стр. 2689
متسع إشارة إلى أن فيه استعارة بالكناية حيث شبه الدعاء بأمر ممتد وأثبت له لازمه وهو العرض والاتساع من قوله: عريض لأنه يدل عليه في عرف التخاطب، ولا حاجة لأخذه من صيغة المبالغة وتنوين التكثير وإن كان لا مانع من تقويتهما لذلك، فإن قلت كونه يدعو دعاء طويلا عريضا ينافي وصفه قبيل هذا بأنه يؤس قنوط لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس فظهور ما يدل على الرجاء يأباه قلت: إن سلم اتحاد موصوفيهما ذاتا وزماناً، ولم يقل إنه بحسب الأشخاص أو الأوقات كما هو أحد الوجوه المذكورة في التأويلات فلا تعارض بينهما، وإلا فليس المراد بما ذكر في الآيتين إلا بيان ما طبع عليه الإنسان من الرغبة في الخير والسعة والنفرة والكراهة للشدة والبلاء لا حقيقة ما ذكر بل إنه حريص الطمع هلوع الجزع قولاً وفعلاً
حتى إنه لعدم اعتماده على خالقه وسخافة عقله أحواله متناقضة، وظاهره مناف لباطنه وهو لشدة ذهوله وولهه واضطرابه يصعد في هبوطه، ويدعو مع قنوطه كما أشار إليه السمرقنديمما في تفسيره وتبع أثره المدقق في الكشف حيث قال في ذكر الوصفين ما يدل على أنه عديم النهية ضعيف الهمة إذ اليأس والقنوط ينافيان الدعاء العريض، وأنه كالغريق المتمسك بكل شيء ومن لم يفهم مراده زعم أنه لا يدفع المنافاة إلا إذا حمل على عدم اتحاد الأوقات والأحوال، وقوله: عرضه كذلك أي متسعاً وقوله: أخبروني مر تحقيقه مراراً فتذكره.
قوله: (قل أرأيتم) الآية رجوع لإلزام الطاعنين والملحدين وختم للسورة بما يلتفت لفت بدئها، وهو كما في شرح الكشاف من الكلام المنصف وفيه حث على التأمل واستدراج للإقرار مع ما فيه من سحر البيان، وحديث الساعة وقع في البين تتميما للوعيد وتنبييا على ما هم عليه من الضلال البعيد، وقوله: فوضع الموصول وهو من هو في شقاق بعيد أي أقيم ذلك الاسم الموصول الظاهر مقام الضمير، وهو منكم فالمراد بالصلة الجار والمجرور المتعلق بأفعل التفضيل والجار المتعلق بشيء يطلق عليه صلته، ولذا عبر به المصنف قصد المراعاة النظير وأيها ما لمن ليس بذي ذهن سليم، ومن لم يقف على مراده تردد فيه بما لا وجه له، ولو قال وضعالظاهر موضحع الضمير كان أظهر كما وقع في بعض النسخ وشرح حالهم يعلم من الصلة، والتعليل يفهم من التعليق بذلك لأنه في قوّة قوله: لكونهم في شقاق بعيد كما يدل عليه فحوى الخطاب، وقوله: لمزيد ضلالهم عبر بالمزيد إشارة إلى ما يفيده أفعل التفضيل، والشقاق الخلاف لكون المخالف في شق وجانب مما خالفه. قوله: (ما أخبرهم النبتي ﵊ الخ) فإنها من آيات نبوّته لما فيها من المعجزات لإخباره عن المغيبات والحوادث الآتية كقوله: لتميم الداري " إنه سيفتح بيت المقدس " وقوله في الخندق: " إق المسلمين يملكون ملك كسرى " ونحوه مما لا يخفى، كما في الأحاديث الصحيحة كما سيأتي في سورة الفتح،
والنوازل جمع نازلة وهي ما قصه الله عليه في الأمم الخالية مما لا يعلمه إلا بالوحي وقوله: على وجه خارق للعادة توجيه لكون تلك الفتوح من آياته ومعجزاته. قوله: (ما ظهر فيما بين أهل مكة) فآيات الآفاق على هذا ما أخبر به من أحوال غيرهم من الأمم الماضية كعاد وثمود، والآتية من أحوال الروم والعجم وما في أنفسهم ما حل بالعرب من الأسر والقتل كما وقع ببدر ويوم الفتح أو المراد بالآفاق ما في غير الإنسان، وبالأنفس ما فيه من أطوار خلقه من النطفة إلى المعاد أو الأوّل ما في السموات كرفعها بغير عمد وغير ذلك من أحوال الملكوت، والأنفس ما في عالم الملك وهي احتمالات فصملها السمرقندي، وأشار إليها المصنف ولو صرّح بها على وجه التقابل كان أظهر لكنه لم ينبه عليها لظهورها فلا يرد عليه شيء. قوله: (الضمير للقرآن الخ) يعني أنهم إذا عرفوا الآيات الدالة على وجوده أو ما أخير به الرسول ﷺ وأتى به من المعجزات تبين لهم حقيقة القرآن بإعجازه أو الرسول بمعجزاته، أو الله بالبراهين العقلية والسمعية فقوله: الضمير للقرآن يعني على كلا التفسيرين، وكذا إذا جعل الضمير للرسول فضمير كان في الآية السابقة للرسول أيضا فكان عليه أن يشير إليه أوّلاً ثم إنه لا حاجة إلى جعل ضممائر الجمع في سنريهم وما معه للمشارفين للاهتداء منهم أو للجميع على أنه من وصف الكل بوصف البعض كما قيل إذ لا يلزم من تبين الحق لهم إيمانهم به فإنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فتأمّل. قوله: (أو التوحيد) أو الدين قيل، وهو الأولى أو لله وهذان
стр. 2690
لا يلائمان الآية السابقة لعدم احتمال رجوع ضمير كان للتوحيد أو الله ولذا أخرهما وهما مناسبان للتفسير الثاني، والحصر على الكل تحقيقي إضافي أي لا ما زعموه من تكذيب القرآن أو الرسول أو الشريك أو الشركاء. قوله: (كأنه قيل أو لم تحصل الكفاية به) إشارة إلى أن فيه معنى الحصول فلذا حسنت زيادة الباء فيه، وفيه أنّ هذا التأويل جار في كل فعل فإن أراد أنه مؤوّل به لم تكن داخلة على الفاعل ويكون كقول الزجاج إنها دخلت لتضمن كفى معنى اكتف وهو وجه استحسنه ابن هشام في المغنى، وقيل إنها زائدة في المفعول والفاعل ما بعده وقوله: لا تكاد الخ إشارة إلى أنّ زيادتها مع غير الفاعل كثيرة ومعه نادرة لكنه في كفى مشهور على القول المرضى للنحاة وفي غيره شاذ مختلف فيه فلا يرد عليه أحسن بزيد في التعجب فإنه غير مسلم عند جماعة من النحاة على ما عرف في بابه ولا قولى:
ألم يأتيك والأنباءتنمي بما لاقت لبون بني زياد
فإنه شاذ قبيح، ثم إنه قيل المراد بالفاعل ما هو على صورته فلا يرد أحسن بزيد لخروجه
عن صورته بتغيير لفظه، وقال في المغني: المراد ما هو فاعل صورة ومعنى ولا يرد عليه قول الزجاج وما قيل: من أنّ المراد لا يكاد يدخله بيقين ليخرج أحسن بزيد يرد عليه أنه غير متيقن فيما نحن فيه أيضا لجواز كونه مؤوّلاً باكتف كما ذهب إليه الزجاج وكون الفاعل أن وما معها، ويكون فاعله ضمير الاكتفاء على الأوّل والجار والمجرور متعلق بالضمير بناء على جواز عمله في الظرف كما قرره النحاة في نحو قوله:
وما هو عنها بالحديث المرجم
قوله: (بدل منه) أي بدل اشتمال كما أشار إليه بقوله: والمعنى أولم يكفك الخ وفيه
إشارة إلى أن المبدل منه في نية الطرح كما قرره النحاة وجعل مفعول يكفي ضمير الرسول، والزمخشري جعله ضميرهم فقدّره أولم يكفهم وليس ارتباطه بما قبله من قوله: سنريهم الخ محوجاً إلى التكلف كما توهم لظهور كون الضمائر لهم كما لا يخفى. قول! : (محقق له الخ (تفسير لشهيد على أنه من الشهادة فالمراد به لازمه أو من الشهود، والاطلاع وهو مجاز عما ذكر أيضاً وضمير له لشيء ومناسبته لما قبله ظاهرة إذ المعنى أنه عالم بحالك، وحالهم فهو ناصرك عليهم منجز لك وعده بإعلاء كلمته واعزار ديته كما أشار إليه بقوله: فيحقق الخ. قوله:) أولم يكف الإنسان الخ) إن كان المراد بالإنسان جنس البشر دخل فيه قومه دخولاً أوّليا، وإن أريد به هؤلاء القوم فهو ظاهر وعليهما فمناسبته للمقام وارتباط الكلام ظاهرة إذ المعنى لم يعصونه، ولا يصدقون بما جئت به من الحق وشهيد على هذا من الشهود كما أشار إليه بقوله مطلع، ويجوز أن يكون من الشهادة فالمعنى محقق له أيضا فينجز ما وعده من الثواب والعقاب، وكأنه تركه لأنه يعلم بالمقايسة على ما قبله إذ لا وجه للتخصيص. قوله: (في شك) تفسير للمرية فانها مطلق الشك أو شك مخصوص كما مر تحقيقه، وقوله: بالضم أي ضم الميم وقوله: وخفية إشارة إلى أنه من أوزان المصدر والكسر أشهر لمناسبته الياء، وقوله: بالبعث لاستبعادهم إعادة الموتى بعد تبذد أجزائهم وتفرق أعضائهم. قوله: (عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها) جمل بالجيم جمع جملة وهي خلاف التفصيل، وقوله: مقتدر عليها من معنى الإحاطة بكل شيء فإن المراد إحاطة علمه وقدرته بها وهو دفع لمريتهم وشكهم في البعث واعادة ما تفرّق واختلط مما يتوهمون عدم إمكان تمييز.، وقول القاشاني: إنّ هذه الآية تدل على وحدة الوجود كما نقله الجامي في نفحاته عني به أنه بطريق الإيماء، والإشارة لا إنه معنى
النظم حتى يرد عليه إنه يلزم عدم مناسبته لما قبله كما قيل، وقوله عن النبي ﷺ الخ حديث موضوع كغيره مما ذكره الشيخان في خواتم السور، تمت السورة والحمد دلّه على جزيل نعمائه والصلاة والسلام على مظهر أسمائه، وعلى آله وأصحابه المبلغين أمانة أنبائه.
سورة الشورى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية) قد مر تحقيق المكيّ والمدني وكونها بجملتها مكية ارتضاه المصنف رحمه
الله تبعاً للزمخشري
стр. 2691
وقال غيرهما: إنّ فيها مدنيا فاستثنى بعضهم أربع آيات من قوله: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٠] إلى آخر الآيات الأربع واستثنى في الإتقان، أم يقولون افترى الخ فإنها نزلت في الأنصار، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢٧] الخ فإنها نزلت في أصحاب الصفة ﵃، واستثنى بعضهم أيضا والذين إذا أصابهم البغى الخ وسيأتي في كلام المصنف ما يدل على أنّ بعض الآيات مدنية كما ستراه في محله فكأنه بني ما هنا على الأغلب فيها، وفي عدد آياتها خلاف أيضا فقيل خمسون وقيل ثلاث وخمسون والخلاف في حم عسق وقوله: كلأعلام كما فصله الداني رحمه الله تعالى. قوله: (لعله اسمان الخ (كان الظاهر أن يقول لعلهما اسمان لكنه أفرده لتأويله بالمذكور، ونحوه وقد أيد كونهما اسما بأنه ورد تسميتها عسق من غير ذكر حم كما وقع في بعض النسخ هنا، وقوله: فصل بينهما أي في الخط، وان كان اسما واحداً فهو آية واحدة وحقه أن يرسم متصلا كما في كهيعص لكنه فصل لرسمه مستقلاً في غير هذه السورة لانفراده عن غيره من الحروف، وقوله: سائر الحواميم قيل عليه إنه قال في القاموس: حم إذا أريد جمعه يقال ذوات حم أو آل حاميم، ولا يقال: حواميم وقد جاء في الشعر اهـ وقد تبع فيه الحريري في الدرة وبعض النحاة، وقد ذكرنا في شرحها أنه لا صحة له وأنه ورد في الحديث الصحيح والآثار الثابتة ذكر " الحواميم " ولا يختص بالشعر فإن أردت تحقيقه فانظره. قوله: (أي مثل ما في هذه السورة من المعاني (يعني أنّ الجار والمجرور أو الكاف التي هي اسم بمعنى مثل في محل نصب على أنه مفعول به، والحروف المقطعة للاتعاظ واسم للسورة كما مر وإليه أشار بقوله هذه السورة، وقوله: أو إيحاء الخ يعني أنها واقعة في موقع المفعول المطلق والمشار إليه هو الإيحاء لا المعاني كما في الوجه السابق وقيل كلاهما تقدير للمفعول به وإنما الاختلاف في تعيين المشار
إليه ولم يجعله في محل رفع بالابتداء لافتقاره، إلى تقدير العائد وفي هذا غنية عنه كما قيل، وأورد عليه أن حذف الضمير الواقع مفعولاً قياسي مع أنّ جعل الإشارة إلى الإيحاء محوج إلى تقدير الموصوف أيضا والظاهر أن قوله كذلك يوحي جملة ابتدائية وقد ذكر في التلويح أن جار الله لا يجوّز الابتداء بالفعل، ويقدر المبتدأ في كل ما وقع فيه الفعل مستأنفاً واحتمال الحالية يمنعه أو يبعده حذف العامل المعنوي، والوقف على عسق ولا يخفى ما فيه فإن الكاف إن كانت اسما لم يحتج إلى تقدير وان كانت حرفا فالتقدير لازم فيها فبتقدير الضمير يكثر الحذف على ذلك التقدير، وما ذكره في التلويح ليس بمسلم وقد ترددوا فيه حتى قيل إنه لم يظهر له وجه فتأمل. قوله: (وإنما ذكر الوحي بلفظ المضارع (مع أن المعنى على المضي كما أشار إليه بقوله: أوحى الله إليك والوحي إلى ما قبله قد مضى والوحي إليه بعضه ماض وبعضه مستقبل، ولذا قيل إنه على التغليب، وأما قوله للدلالة على استمرار الوحي فقد أورد عليه إنه مباين لحكاية الحال الماضية فكأنه أريد بالاستمرار استمراره في الأزمنة الماضية فلا ينافيه، ولما كان الماضي لا دلالة له على الاستمرار عدل عنه للدلالة على ما قصد منه وإليه الإشارة بقوله: وإن إيحاء مثله عادته فما قيل من أن المراد أنه على أسلوب حكاية الحال الماضية، وصورتها وإن المباينة بين الاستمرار والحال التأويلي غير مسلمة وأن قصد الاستمرار مغن عن اعتبار معنى الحال لأنه معنى مستقل سواء كان تحقيقيا أو تأويلياً تخليط لا محصل له، ومصدر معطوف على مبتدأ. قوله: (والله مرتفع بما دل عليه يوحي) ظاهره أن المقدر فعل لا اسم بأن يكون في جوأب سؤال مقدّر تقديره من يوحي فيقدر حينئذ يوحي لا من الموحى فيقدر الموحي الله كما ذهب إليه في الكشاف، والمصنف ﵀ لم يرتضه تبعاً للسكاكي كما قرره أهل المعاني في قوله:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مماتطيح الطوائح
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [سورة النور، الآية: ٣٦، رجال في حال القراءة به مجهولاً كما مر في سورة النور وهو بناء على الظاهر من جعل المقدر من جنس المذكور، وقال المدقق في الكشف إن الزمخشري اختار تقديره بالاسم بناء على تقدير السؤال ما الذي أنزله لا أي شيء أنزل كما مر فيما ذا أنزل ربكم لما في الأوّل من الدلالة على أن الفعل مسلم فلذلك قدره هنا من الموحي أي من الذي أوحى أي ذلك المعلوم المحقق وحيه بين لي من هو فالإيحاء مسلم معلوم، والغرض من الأخبار إثبات اتصافه بأنّ من شأنه الوحي لا إثبات أنه موح
стр. 2692
والسكاكي لم يفرق بينه وبين يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال ولا بد من الفرق لأن الفعل هناك على ظاهره لم يؤت به للدلالة على الاستمرار اهـ، وأورد عليه أن قولنا
من يوحي صالح لقصد الاستمرار والغرض من السؤال ليس تعيين الموحي بل بيان اتصافه بما ينبئ عن المدح والتعظيم أي ذلك المعلوم المحقق، وحيه بين لي من هو ولذا قرن بصفات الجلال والكبرياء وعقب بالتنزيه البليغ فلا يصح ما ذكر عذراً للعدول فالظاهر أنّ الزمخشري لم يقصد بهذا التقدير إنه متعين وأن الواقع في السؤأل المقدر الاسم لا الفعل، وقد نوقش فيه بأن جواب من الموحي الله الموحي أو الموحى الله على ختلاف فيه لا يوحي الله ليكون الواقع ما دل عليه يوحي وللبحث فيه مجال فتدبر. قوله:) كما مر في السورة السابقة) في قوله: تنزيل من الرحمن الرحيم، وقيل: ما بعد يوحي إلى آخر السورة قائم مقام فاعل يوحي أي هذه الكلمات فيكون الله مبتدأ، وقوله: وما بعده أي الحكيم له ما في السموات الخ وهذا على تنزيل الوحي منزلة المعلوم الذي لا يحتاج إلى البيان، وعلى هذه القراءة يجوز كون الموحي به قوله الله العزيز الخ. قوله: (خبران له) أي لقوله الله وجعلهما خبرين لا خبراً واحداً لأن المعطوف على الخبر خبر، فلا يرد عليه أنّ الظاهر أن يقول خبر بالإفراد كما قيل. قوله: (وقيل من دعاء الولد له (أي من نسبة الولد له يعني أنّ النظم محتمل لوجهين، أحدهما إنّ معناه أنّ السموات تنشق من عظمته ومهابته تعالى لأنّ الآية مسوقة لبيان عظمته، وعلوه ولذا ترك العاطف في قوله تكاد الخ، وثانيهما: أنّ المعنى تكاد تنشق من دعائهم له ولداً وشريكا كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [سورة مريم، الآية: ٩٥] منه الآية وأيد بقوله: بعده والذين اتخذوا من دونه أولياء، فإيراد الغفور الرحيم لأنهم استوجبوا بهذه المقالة صب العذاب عليهم لكنه صرف عنهم لسبق رحمته فالآية واردة للتنزيه بعد إثبات المالكية والعظمة التامّة والأوّل أنسب بالسياق، والسباق وترك العاطف ولذا مرض هذا. قوله: (والأوّل أبلغ) لأنّ المطاوع والمطاوع من التفعيل والتفعل الموضوعين للمبالغة بخلاف الثاني فإنه انفعال مطاوع للثلاثي ٠ قوله:) وترئ تتفطرن بالتاء لتثيد التأنيث وهو نادر) عدل عن قوله في الكشاف ووى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة تتفطرن بتاءين مع النون ونظيرها حرف نادر، روي في نوادر ابن الأعرابي الإبل تتشممن اهـ لأن أبا حيان قال إنه وهم لقول ابن خالويه من الشواذ تتفطرن بالتاء والنون، وهو شاذ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث فلا تقول النساء تقمن ولا الوالدات ترضعن، وقد كان أبو عمرو الزاهد روي في نوادر ابن الأعرابي الإبل تتشممن فأنكرناه فقد قوّاه الآن هذا فإن كانت نسخ الزمخشري
متفقة على قوله بناءين فهو وهم وإن كان في بعضها بتاء مع النون كما مرّ فموافق لقول ابن خالويه، وكان بتاءين من تحريف النساخ وكذلك كنايتهم تتفطرن، وتتشممن بتاءين اهـ ورده المعرب بأنّ ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار له قبل تقويه بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكرا بتاءين فإنه حينئذ مضارع مسند لضمير الإبل فحقه أن يكون بياء المضارعة التحتية كالنساء يقمن وكذا يتشممن بياء تحتية، ثم تاء فوقية فلما جاء بتاءين فوقيتين ظهر ندوره وإنكاره له ولو كان بفوقية واحدة كان على القياس كالنسوة تبرجن فإنه ماض مسند لضمير الإناث وكذا لو كان بياء تحتية، ثم تاء فوقية فالشذوذ إنما يتاتى إذا كان بفوقيتين فتتفطرن سواء قرئ بفوقيتين أو بفوقية ونون نادر لما ذكره ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم يرجع إلى تصحيح النقل وهو سهل إلا أنّ قوله إنما يتأتى إذا كان بفوقيتين مناقض لآخر كلامه لكن إذا ظهر المراد، سقط الإيراد فتدبر. قوله: (لتثيد التأئيث) بالجمع بين علامتيه التاء والنون وهو مخالف للقياس، والاستعمال وهو أحد أقسام الشاذ الثلاثة المشهورة. قوله:) يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية) نسبة للفوق على خلاف القياس كالتحتاني، والألف والنون كثيرا ما تزاد في النسب حتى يكاد يطرد لكئرته، وضمير فوقهن على هذا للسموات والمراد الطرف الأعلى منهن وهو جهة الأوج المقابلة للحضيض، وقوله: وتخصيصها أي تخصيص الجهة الفوقية بالذكر، وقوله: على الأوّل المراد به الوجه الأول في تفسيره من أنّ انفطارهن من عظمة الله
стр. 2693
وجهة الفوق أدل على عظمته تعالى لما فيها من آيات الملكوت كالعرش، والكرسي والملائكة ولذا كانت قبلة الدعاء مع تنزهه تعالى عن المكان والجهة، وعلى الثاني، وهو ما إذا كان انفطارها لنسبة الولد والشريك له تعالى فحينئذ كأنه قيل: هذه الشناعة تؤثر فيما فوقهم فكيف فيما تحت ومما يقضي منه العجب ما قيل المراد بالأوّل والثاني قراءة التفعل والانفعال. قوله:) وقيل الضمير للأرض) أي لجنسها فيشمل السبع ولذا جمع الضمير، وهذا جار على الوجهين ولا يختص بالثاني كما توهم. قوله:) بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم (فهو مجاز مرسل أو استعارة للسعي المذكور والأمور المقربة للطاعة كالمعاونة في بعض أمور المعاس أو دفع العوائق، وشموله للكفرة لأنهم قد يلهمونهم الإيمان المتوقف عليه المغفرة.
وقوله الخلل المتوقع قيده به لأنّ الخلل المقرر كخلود الكفار لا يسعى في دفعه وتخصيصه بالمؤمنين لقوله في آية أخرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة غافر، الآية: ٧، ولا
اً دري ما السبب الداعي لصرف الاستغفار عن ظاهره لا سيما إن خص بالمؤمنين، وقد ذكر مؤيدا في كتاب التوبة. قوله: (إذ ما من مخلوق الخ) إشارة إلى أنّ صيغة المبالغة لشمول رحمته ما لا يحصى من جميع الموجودات وسكت عن بيان ذلك في المغفرة لسعة مغفرته، وعظمتها لأنه يعلم بالقياس على الرحمة وفيه إشارة إلى قبول دعاء الملائكة واستغفارهم كما يشير إليه فيما سيأتي، وقوله والآية أي قوله والملائكة إلى هنا على تفسيره أوّلاً لقوله يتفطرن بأنه بيان لعظمته تعالى فيكون هذا مقرراً لما دلت عليه الآية الأولى، ومؤكدا له لأنّ تسبيح الملائكة وتنزيههم له وهم حافون بالعرس لمداومتهم لعبادته، والخضوع لعظمته والاستغفار لغيرهم للخوف عليهم من سطوة جبروته، والتكميل بقوله إلا أنّ الله الخ على هذا ظاهر وأما على الثاني، وإنّ انفطارهن لنسبة الولد والشريك فتسبيحهم تنزيه له عما يقوله الكفرة، واستغفارهم للمؤمنين الذين تبرؤا عما صدر من هؤلاء فالتذييل بالغفور الرحيم لعدم معاجلة العذاب مع استحقاقهم له كما أشار إليه بقوله: وانّ عدم الخ. قوله: (بموكل بهم الخ (يعني أنّ فعيلا بمعنى مفعول من المزيد أو الثلاثي، وقوله الإشارة إلى مصدر يوحى الخ أي الإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد. على حد ما مرّ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣] فنصب قرآنا على أنه مفعول به ثم أنّ المصنف ﵀ قدم كون الإشارة إلى المصدر هنا وأخره في أوّل السورة فقيل تقديمه هنا على الأصل لتقدم رتبة المفعول المطلق على غيره من المفاعيل، وثمة روعي فيه جانب المعنى يعني أنّ حم عسق لما أريد منه السورة كان الإشارة إليها أقرب وأظهر ولما لم يذكر قبله هنا ما يتبادر الإشارة إليه أجرى على الأصل، والظاهر أنه لما كان المتبادر أن قرآناً مفعول به رجح الإشارة إلى المصدر ليكون مفعولاً مطلقا، ولما لم يذكر ثمة رجح كونه مفعولا به ليستغنى عن التقدير. قوله:) أو إلى معنى الآية المتقدمة (أي الإشارة إلى معنى الآية السابقة من قوله الله حفيظ الخ والمعنى أنه كان حريصا على إيمان المشركين قيل له ليس في قدرتك هدايتهم، وإنما عليك البلاع الكافي والبيان الشافي وقد أورد عليه أنه لا حاجة إلى جعله إشارة إلى المعنى لصحة الإشارة إلى لفظه ومعناه كما يعرف بالتأمل لكن ما اختاره الشيخان أتم فائدة وأشمل عائدة كما لا يخفى، وستراه عن قريب. قوله: (وقرآناً عربيا حالا منه) على التجوّز في قرآنا أو عربيا لأن القرآنية والعربية صفة
اللفظ لا المعنى ولو جعلت الإشارة إلى اللفظ والمعنى جميعا كما مرّ لم يكن فيه تجوّز ويجوز نصبه أيضا على المدح أو البدلية من كذلك (قلت) قد سمعت وجه ما اختاره، وأمر التجوّز فيه سهل لقربه من الحقيقة لما بين اللفظ والمعنى من الملابسة القوية حتى يوصف أحدهما بما يوصف به الآخر مع ما في المجاز من البلاغة. قوله: (أهل أم القرى وهي مكة) على التجوّز في النسبة أو بتقدير مضاف، وقوله من العرب خصه بهم لأن السورة مكية، وهم أقرب إليها وأول من أنذر أو لدفع ما يتوهم من أنّ أهل مكة لهم طمع في شفاعته، وان لم يؤمنوا لحق الجوار والمفاربة فخصهم بالإنذار لإزالة ذلك الطمع الفارغ كما قاله: السمرقندي وقيل المراد جميع أهل الأرض! واختاره البغوي لأن الكعبة سرة الأرض والدنيا محدقة بما هي فيه أعني مكة. قوله: (وحذف ثاني مفعولي الآوّل الخ) الإنذار يتعدى لمفعولين ثانيهما يكون منصوبا ومجروراً بالباء تقول أنذرته كذا، وأنذرته بكذا فاقتصر في الأول على أول مفعوليه، وحذف ثانيهما إذ التقدير
стр. 2694
لتنذر أهل أم القرى بعذاب عظيم لا يدرى ولا يحيط به نطاق البيان ولما كان المراد به عذاب يوم الجمع بقرينة ما بعده قال: وايهام التعميم لشموله لكل عذاب عاجل وآجل، وأوّل مفعولي الثاني وهو أهل مكة بقرينة ما قبله لكنه لعدم ذكره يوهم أنّ المراد كل أحد فقوله للتهويل الخ لف ونشر مرتب فالتهويل في الأوّل والإيهام في الثاني، ويحتمل رجوعه لهما معاً والأول أظهر، وقد حذف من الأول ما أثبت في الثاني فهو من الاحتباك وقيل يوم الجمع ظرف فالمفعولان محذوفان وجعل الضمير على الغيبة للقرآن لعدم حسن الالتفات هنا. قوله: (اعتراض) في آخر الكلام يحتمل الحالية من يوم الجمع أو الاستئناف، وقوله يجمعون أوّلاً الخ بيان لتوجيه الجمع بين الجمع والتفريق، وجملة منهم فريق حال أو استئناف في جواب سؤال تقديره كيف كان حالهم ويؤيد الأول قراءة النصب ولا مانع منه ولا ركاكة فيه، واشتراط الواو غير مسلم فيه ومنهم خبر مقدر مقدّم على الوجه الأحسن في خبر النكرة الموصوفة كما مرّ، ولذا لم يقدره فريق منهم على أنه صفته وفي الجنة خبره مع أن جعاى الصفة المقدرة مسوغة لا يخلو عن ضعف، وكذا جعل المرفوع فاعلا للظرف المقدر وأن كان معتمداً ركيك، وحذف العامل في مثله مما منعه بعض النحاة وفي جواز مثله نظر لا يخفى وقد جوّز فيه أن يكون خبر مبتدأ مقدر أي المجموعون، أو مبتدأ خبره ما بعده وساغ الابتداء بالنكرة فيه لأنها في سياق التفصيل والتقسيم كما في قوله:
فثوب لبست وثوب أجر
وأما كونها في تأويل مفرد فلا يصلح للتوجيه كما مرّ فإنه ما من حال إلا ويتأتى فيها هذا
فلا يصح ما ذكره وقد مرّ الكلام فيه، وتقديم منهم هنا كاللازم هنا لأنّ فيه ما في تقديم المقسم على الأقسام كما لا يخفى على من له دراية بأساليب الكلام. قوله:) وتنذر يوم جمعهم متفرقين الخ) قد وجهت هذه القراءة بوجوه فقيل إنها حال من مقدر تقديره افترقوا أي المجموعون فريقاً وفربقاً الخ لئلا يلزم تنافي الجمع، والتفريق وقيل هو منصوب يتنذر المقدر أو المذكور والمعنى تنذر فريقا من أهل الجنة وفريقاً من أهل السعير لأنّ الإنذار ليس في الجنة والسعير، ولا يخفى تكلفه والمصنف ﵀ جعله حالاً من ضمير جمعهم المقدر لأن الألف واللام قامت مقامه واليه أشار بقوله على الحال منهم أي من المجموع ولما لزمه كون افتراقهم في حال اجتماعهم، أوله بمشارفين على أنه من مجاز المشارفة أو الحال مقدرة أو اجتماعهم في زمان واحد لا ينافي افتراق أمكنتهم كما تقول صلوا الجمعة في وقت واحد في مساجد متفرقة، واليه أشار بقوله متفرقين في داري الثواب الخ وعلى الوجه السابق اعتبر الاجتماع في الزمان والمكان ولا يخفى أنه إذا أريد بالجمع جمع الأرواح بالأشباج، أو الأعمال بالعمال لا يحتاج إلى توفيق أصلاً. قوله: (مهتدين أو ضالين) اقتصر على الأول في النحل، ووجهه ظاهر والترديد من الله أو من المفسر وقوله بالهداية، وهو خلق الاهتداء أوالدلالة الموصلة والمراد بالحمل على الطاعة توفيقه لها وبعث دواعيه عليها، وقوله في عذابه متعلق ببدعهم. قوله: (ولعل تنيير المقابلة الخ (أي كان الظاهر أن يقول ويدخل من يشاء في عذابه، ونقمته فعدل عنه لما ذكر لأنه أبلغ في تخويفهم لإشعاره بأن كونهم في العذاب أمر مفروغ مته، وإنما الكلام في أنه بعد تحتمه هل لهم من يخلصهم بالدفع أو الرفع فإذا نفى ذلك علم أنهم في عذاب لا خلاص مته، وقوله إذ الكلام في الإنذار فيفهم منه أنهم في العذاب مع إسناده إليهم للإشارة إلى أنه نصير للمؤمنين، وانّ الرحمة بفضله والعذاب بكسبهم، وظلمهم فلذا أسند الرحمة إليه دون العذاب فتأمّل. قوله:) بل اتخذوا (إشارة إلى أن أم هنا منقطعة وهي تقدر ببل والهمزة، وقد تقدر ببل فقط أو الهمزة وكلامه محتمل للوجهين الأوّلين فإن قرىء أتخذوا بفتح الهمزة كان معها همزة استفهام، وان كسرت فلا ومن اقتصر على الأوّل فقد قصر. قوله: (جواب شرط محذوف الخ) هذا بمقتضى دلالة الفاء لكنه جوّز فيه كون الفاء عاطفة وكونها تعليلاَ للإنكار المأخوذ من الاستفهام كقولك أتضرب زيداً فهو أخوك، أي
لا ينبغي لك ضربه فإنه أخوك والمعروف في مثله استعماله بالواو، وإنما يحسن التعليل في صريح الإنكار ولا يناسب معنى المضي أيضاً، وتقدير الشرط كثير فهو أهون من هذه التكلفات فتأمّله. قوله: (كالتقرير لكوئه حقيقا بالولاية (لم يجعله تقريرا وتأكيداً له لما بينهما من التغاير بحسب صريحه، ومنطوقه فإذا
стр. 2695
تأمّلته وجدت بينهما تلازماً يصلح باعتبار للتأكيد. قوله:) وما اختلفتم أنتم والكفار فيه (الاختلاف هنا قيل اختلافهم في القرآن، وقيل في رسول الله ﷺ وقيل في الدين فعلى الأوّل حكمه إلى الله فيما أقام من الحجج والبراهين حيث عجزوا عن الإتيان بمثله، وإن كان في رسول الله فقد سطع برهان نبوّته ورسالته من مثرق العقل والسمع، وإن كان في الدين فقد أقام عليه ما يعلم كل ذي لب أنه الحق والصواب وأن غيره باطل ليس بحق، وقال السمرقندي: قال بعض أهل التأويل المعنى ما اختلفتم في شيء فحكمه إلى الله أي إلى كتاب الله كقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٩] أي إلى كتاب الله لكنه لا يصح لأنّ قوله فإن تنازعتم الخ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم اختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ئيخييه، وقوله وما اختلفتم الخ إنما هو في محاجة الكفرة فهو في غير ذلك المعنى إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقليّ فما هنا كما في الكشاف حكاية قوله ﷺ للمؤمنين اًي ما خالفكم فيه الكقار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مقوّض إلى الله وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين فليس في الآية دليل على منع الاجتهاد في زمنه ﷺ أو بحضرته فإن الأصح عند الأصوليين وقوعه. قوله:) من أمر من أمور الدنيا أوالدين (لم يذكر الدنيا في الكشاف، وهو الموافق لقوله هنا أنتم والكفار إذ الظاهر أنّ المراد بأمور الدنيا المخاصمات، ولا يلزم أن تكون بينهم وبين الكفرة ولا يقال في مثله التحاكم إلى الله وجعله وجهاً مستقلاً كما قيل بعيد عن الصواب بمراحل. قوله) وقيل الخ) مرضه لأنه مخالف للسياق كما لا يخفى لأن الكلام مسوق للمشركين وهو على هذا مخصوص بالمؤمنين، وقوله فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله المراد بالمحكم هنا ما ظهر المراد منه، وبالمتشابه خلافه لا ما اصطلح عليه أهل الأصول، ويجوز حينئذ أن يكون المعنى فوّضوا أمره إلى الله ولا تخوضوا في تأويله على التوقيف والوقف على إلا الله كما مز تحقيقه في سورة آل عمران، وقوله ذلكم الله ربي بتقدير قل أو هو حكاية لقوله! ييه ومجامع الأمور جميعها، وهو إشارة إلى الحصر المستفاد من تقديم الظرف، وقوله أرجع في المعضلات أي
الأمور المشكلة أو من الذنوب أو في المعاد كما مز في سورة هود. قوله:) خبر آخر الخ (أو صفة لربي أو بدل منه أو خبر مبتدأ مقدر، وقوله بالجر أي جرّ فاطر بمعنى خالق وما بينهما جملة معترضة، والضمير المبدل منه ضمير إليه أو عليه، وقوله الوصف لا لى الله تسمح فيه والمراد لله من قوله إلى الله، وإنما أعاد الجار معه وان كان الموصوف المجرور لئلا يتوهم أن الموصوف الله في قوله ذلكم الله، وقوله من جنسكم تقدم تحقيقه مرارا وتفسيره بوجه آخر في سورة الروم. قوله: (أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً) ففيه جملة مقدرة إذ لا يصح عطفه على أزواجا لأنّ قوله من أنفسكم يأباه، وقوله أو خلق الخ تفسير الأزواج فإنها قد يراد بها الأصناف وقد يكون جمع زوج بمعنى ذكر وأنثى متزاوجين ويقابله الفرد. قوله:) يكثركم (والبث النشر والإنتشار يلزمه الكثرة، وهو مهموز والذر وفي آخره واو فهو منقوص والذز بالتضعيف فهو مضاعف ومنه الذرية وقد فسر بيخلقكم أيضاً، وقوله في هذا التدبير المراد من التدبير علهم أزواجا، وقيل ضمير فيه للبطن أو الرحم لأنه في حكم المذكور، وجعل التكثير في هذا الجعل لوقوعه في خلاله وإثنائه كما أشار إليه بقوله فإنه كالمنع أو في مستعارة للسببية. قوله: (يكون بينهم توالد الخ) فيه إشارة إلى تغليب العقلاء فيه على غيرهم وتغليب المخاطب على الغائب ففيه تغليبان على ما فصله شراح الكشاف، وفيه أيضاً إشارة إلى ترجيح تفسير الأزواج بغير الأصناف لأنه مناسب له كما قيل نظر لأنه لا مانع من تكثير الأصناف بالتوالد أيضا فالظاهر أنه جار على الوجوه. قوله: (ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه (قيده به بقرينة ما قبله ليرتبط به، ولو أبقي على عمومه في نفي المشابهة من كل وجه كما قالوا الله شيء لا كالأشياء أفاد نفي ما ذكر أيضاً وهو بيان الحاصل المعنى إجمالاً. قوله:) والمراد من مثله ذاته الخ) هذا تفسير على تقدير عدم زيادة الكاف، وحاصله كما أشار إليه المصنف ﵀ أن ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء عبارتان عن معنى واحد، وهو نفي المماثلة عن ذاته
стр. 2696
لكن الأوّل صريح في ذلك والثاني كناية مشتملة على مبالغة، وهي إن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل ألا ترى أن مثل الأمير يفعل كذا ليس اعترافا بوجود مثل له إذ الفرض كاف في المبالغة، وقوله في نفيه أي نفي الفعل عن
الفاعل أو نفي الشبه عنه ون يناسبه ويسد مسده هو المثل المشبه لأن المشبه به حقه أن يكون أقوى من المشبه، ومثله كاف في حصول المراد. قوله: (ونظيره) في كونه كناية بالأشباه والأمثال عن الذات، ورقيقة بضم الراء المهملة وقافين بينهما ياء تصغير اسم امرأة وهي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم والدة عبد المطلب، وقول المصنف تبعا للزمخشري بنت صيفي سهو والصواب بنت أبي صيفي كما ذكره ابن حجر وسبب هذا كما رواه المحدثون أنه تتابعت على قريش سنون مجدبة حتى أضر بهم القحط جداً قالت: رقيقة فبينا أنا نائمة إذ سمعت هاتفا يهتف ويقول يا معشر قريش إن هذا النبيّ المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه، وهذا إبان نجومه فحيهلا بالحياء والخصب ألا فانظروا رجلاً منكم وسطاً عظاماً جساماً أبيض، وطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين فليخلص هو وولده ألا وفيهم الطيب الطاهر لذاته، وليهبط إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستق الرجل وليؤمنوا فعشتم ما شئتم فقصصت رؤياي فما بقي أبطحيّ إلا قال هو شيبة الحمد فلما قام ومعه رسول الله ﷺ وقد أيفع قالا اللهمّ سان الخلة كاشف الكربة أنت معلم غير معلم، ومسؤل غير مبخل هذه عبادك وأماؤك يشكون إليك سنتهم فقد أذهبت الخف اللهمّ فأمطر غيثاً مغدقاً فما زالوا عن مكانهم حتى تفجرت السماء بمائها، والمراد بالطيب الطاهر لذاته رسول الله ﷺ ، وطهارة لداته عبارة عن طهارته لداته على نهج الكناية المذكورة، وهي جمع لدة كعدة من الولادة والمراد أترابه وأمثاله في السن ويكون بمعنى الولادة، والمولد فالمعنى أن مولده جميه ومولد من مضى من آبائه موصوف بالطهارة كما ذكره في الفائق لكن الأوّل أشهر وأبلغ لأنه إثبات لطهارته ببرهان لأن من علم طهارة أقرانه بالطهارة كما ذكره في الفائق لكن الأوّل أشهر وأبلغ لأنه إثبات لطهارته ببرهان لأن من علم طهارة أقرانه وأنه من جماعة عرفوا بالطهارة علم طهارته بالطريق البرهاني كما قرّره أهل البيان، والسقيا طلب السقي والدعاء له. قوله:) ومن قال الكاف فيه زائدة الم يرد أنه زائد محض ليس لذكره فائدة أصلا كما قيل إن مثلا زائد أيضاً وقوله، وقيل مثله الخ فيكون مثل كمثل بفتحتين بمعنى القصة العجيبة، وشيء عبارة عن الصفة أيضا، وقوله لكل ما يسمع الخ هو مأخوذ من عدم ذكر متعلق له فإنه يؤذن بالعموم، وقوله له مقاليد الخ مرّ تفسيره في سورة الزمر. قوله:) أي شرع لكم من الدين الخ) يعني أنه اكتفى بالابتداء والاختتام والوسط عن الجميع وعدل عن وصينا إلى أوحينا مع كاف الخطاب للفرق
بين توصيته وتوصيتهم، وابتدأ نوح ﵊ لأنه أوّل الرسل فالمعنى أنه شرع لكم من الدين ما وصى به جميع الأنبياء من عهد نوج ﵇ إلى زمن نبينا ﵊، والتعبير بالتوصية فيهم والوحي له للإشارة إلى أنّ شريعتهء! فه هي الشريعة الكاملة، ولذا عبر فيه بالذي التي هي أصل الموصولات وأضافه إليه بضمير العظمة تخصيصا له ولشريعته بالتشريف وعظم الشأن ومن بينهما الثلاثة المذكورون لأنه ليس لغيرهم شريعة كشريعتهم وقوله وهو الأصل أي المشروع لهم الذي اشتركوا فيه. قوله: (وهو (أي الدين المراد به هنا أصل كليّ متفقون عليه وهو التوحيد والعقائد الحقة، والطاعة لله بإمتثال أوامره ونواهيه لا الأمور الفرعية على التفصيل لاختلاف الشرائع فيها كما بينه المصنف، وقوله ومحله النصب أي محل أن أقيموا الخ على أن إن فيه مصدرية وقد تقدّم الكلام في وصلها بالأمر والنهي وتوجيه، أو مخففة من الثقيلة لما في شرع من معنى العلم ولم يجعل أن مفسرة مع أنه الظاهر، وقد تقدمها ما يتضمن معنى القول دون حروفه بناء على أنها لا تفسر ما هو مذكور صريحاً، ولو قيل به جاز هنا وفي قوله المفسر إيماء إليه، وقوله على الاستئناف فهو خبر مبتدأ مقدّر أو مبتدأ خبره مقدر والجملة مستأنفة، وقوله من هاء به ولا يلزمه بقاء الموصول بلا عائد لأنّ المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة ويجوز كونه بدلاً من الدين. قوله: (كأنه جواب وما ذلك المشروع) الشامل للموصى به والموحى، ولذا اختار تقديره عليهما فليس تقدير ما ذلك الموصى به أولى كما قيل، وقوله عظم عليهم
стр. 2697
أي شق وصعب لمخالفته الضلال الذي ألفوه. قوله: (من التوحيد) خصه به ولم يعممه ليشمل المشروع بقرينة السياق لأنه هو أعظم ما شق عليهم، وقوله على المشركين مقتض له. قوله: (يجتلب إليه (ويجمع فهو افتعال من الجباية وهي الجمع قال الراغب: يقال جبيت الماء في الحوض جمعته ومنه قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة القصص، الآية: ٥٧] والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال تعالى قالوا: لولا اجتبيتها واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض الهيّ يتحصل له منه أنواع النعم بلا سعي منه كقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [سورة الورى، الآية: ١٣، اهـ ومنه يعلم أنّ أصل معناه الجمع وأنّ الاصطفاء والاجتباء فيه معنى الجمع أيضا لما جمع الله لمن اصطفاه من النعم والمعارف، ولذا تعدى بإلى كالأوّل وذكر محي السنة وغيره أنه من الاجتباء بمعنى الاصطفاء وضمير إليه دلّه وهذا أظهر وأملأ بالفائدة، أما الثاني فللدلالة على أنّ
أهل الاجتباء غير أهل الاهتداء وكلتا الطائفتين هم أهل الدين والتوحيد الذين لم يتفرّقوا فيه، وعلى مختار الزمخشري هم طائفة واحدة وأما الأوّل فلأنّ الاجتباء بمعنى الاصطفاء أكثر استعمالاً، ولأنه يدل على أنّ أهل الدين هم صفوة الله اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه وأما الذي آثره جار الله فكلام ظاهري بناء على أنّ الكلام في عدم الثفرّق في الدين فناسب الجمع والانتهاء إليه، وكذا ما قيل إنه بمعنى الاصطفاء لا يتعدى بإلى إلا بتضمين معنى الضم كلام مبني على عدم التدقيق مع مخالفة الثاني لكلام أهل اللغة فكلا التفسيرين، واحد بحسب المال. قوله: (والضمير لما تدعوهم أو للدين) أو لله على أن يجتبى بمعنى يختار أي يختارهم لرضاه وعلى الثاني اقتصر الزمخشري والمصنف زاد الأوّل وقدمه لما فيه من إتساق الضمائر، وإن كان في الثاني مناسبة معنوية لاتحاد المتفرّق فيه والمجتمع عليه. قوله:) يعني الأمم السالفة) جعل الضمير لجميع الأمم السالفة بناء على أنهم بعد الطوفان كانوا أمّة واحدة مؤمنين فبعد موت آبائهم اختلف أبناؤهم حين بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إليهم، وجاءهم العلم فالمراد بالذين أورثوا الكتاب أهل الكتاب في عهدهءشييه فإن أريد بالذين تفزقوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى فالذين أورثوا الكتاب المشركون والكتاب القرآن، وأما كون الضمير للمشركين وإن تقدّم ذكرهم قريباً فبعيد معنى لأنّ التفرق فيهم غير ظاهر، ولذا لم يتعرّض له المصنف وان توهم أنه أقرب مما ذكر ولما كان قوله شرع لكم الخ عاما شاملأ للأمم ولم يجيء لأهل الكتاب فيه ذكر أصلاً مرّض المصنف القول الثاني وقدم الأوّل. قوله: (العلم بأنّ التفرّق الخ (الوجه الأوّل والثالث جاريان على تفسير ضمير تفرقوا، والثاني خاص بالثاني فلو أخره كان أولى، وقوله أسباب العلم بإطلاق العلم على سببه مجازاً مرسلا أو بالتجوّز في الإسناد أو تقدير المضاف، وقوله عداوة لأن البغي مصدر بغي يعني طلب، وقوله بالإمهال إشارة إلى أنّ المراد بالكلمة السابقة وعده تعالى بعدم معاجلتهم بالعذاب، ولكونه بهذا المعنى كان أمراً ممتذا يصح أن يكون مغيابا لي ولولاه لم ينتظم بما معه، وقد مرّ في السورة السابقة بفصل الخصومة. قوله: (باستئصال المبطلين الخ (هذا جار على التفسيرين لأنه لما أخر
جزاءهم ليوم القيامة وقدّر لهم آجالاً مسماة لم يستأصلهم أي يهلكهم بأسرهم، وقوله افترقوا بتقديم الفاء على القاف وما بعده على العكس بمعنى اكتسبوا، وقوله يعني أهل الكتاب الخ فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وهذا على أنّ المراد باللذين افترقوا الأمم السالفة وما بعده على أنّ المراد بهم أهل الكتاب فالكتاب هنا القرآن، وقد قيل إن كلا منهما يصح على الوجهين أيضا. قوله تعالى: (لفي شك منه) جعل الضمير للكتاب، ونكره ليشمل الكتب وقيل الضمير للرسول ﷺ وهو خلاف الظاهر، وقوله لا يعلمونه أي الكتاب كما هو أي كما هو حقه أو لا يؤمنون به حق الإيمان وعلى هذين التفسيرين الشك بمعنى عدم اليقين، وهو على تفسير الموصول بأهل الكتاب، وقوله أو من القرآن على تفسيره به وبالمشركين ويجوز فيه إبقاء الشك على معنا. المشهور وفسر مريب بمقلق لانّ الريب قلق النفس، واضطرابها كما مرّ في سورة البقرة فمريب كشعر شاعر أو بمعنى مدخل في الريبة كأصبح بمعنى دخل في وقت الصباح، وهو أحد معاني الأفعال. قوله تعالى: (فلذلك) الفاء في جواب
стр. 2698
شرط مقدر أي إذا كان الأمر كما ذكرت واللام تعليلية كما أشار إليه بقوله فلا جل، وجوّز في الإشارة أن تكون للتفرق المفهوم من تفرقوا أو للكتاب المذكور أو للعلم الذي أوتيه المذكور في قوله جاءهم العلم ولا حاجة إلى جعله مفهوما من مضمون ما تدعوهم إليه، وقد جوّز كون الإشارة للشك وقيل إنه أولى لقربه لأنّ التفرق المذكور تفرق الأمم السالفة وليس علة باعثة لدعاء قومه إلا لجعله سببا لتفرقهم أوالمراد به مطلق التفرق، وفيه نظر فإنه علة باعثة متقدمة وإن أريد لدفعه فهو علة متأخرة والكتاب معطوف على أجل أو على مدخوله والظاهر أن المراد به القرآن. قوله: (إلى الاتفاق) فيه لف، ونشر فهذا على أن تكون الإشارة للتفزق وما بعده على كونها للكتاب، أو لما عنده من علم الشرائع الموحى إليه، وقوله وعلى هذا أي على التقرير والتقدير في التفاسير المذكورة على أن اللام متعلقة بادع المتعذي بإلى يجوز أن تكون اللام في لذلك بمعنى إلى كما يجورّ كونها تعليلية لأنّ الدعاء يتعدى بإلى، وباللام كما في قوله:
دعوت لما نابني مسور
وليس الإشارة بهذا إلى الوجه الأخير وهو ما إذا كان المأمور به الدعاء إلى اتباع ما أوتيه
كما قيل. قوله: (لإفادة الصلة أو التعليل (أي ليدل بها على صلة الدعاء واذا كانت بمعنى لأجل لم يكن في الكلام ما يدل على صلة الدعاء وهو المدعوّ إليه والتعليل إن كان من الفاء
فلا إشكال فيه، وهو الظاهر فان كان من اللام أيضا ففيه جمع بين معنيي المشترك أو الحقيقة، والمجاز وهو وان كان جائزاً عند الشافعية فلا حاجة إلى ارتكابه من غير ضرورة تدعو إليه والفاء الثانية مؤكدة للأولى وتعبيره بالجواز إشارة لمرجوحيته لأنّ الأصل عدم تقدّم ما في حيز الفاء عليها. قوله: (واستقم على الدعوة كما أمرك الله) خصها بالدعوة بقرينة قوله ولو جعلت عاقة في جميع أموره صح كما مرّ في سورة هود، والاستقامة أن تكون على خط مستقيم، وفسرها الراغب هنا بلزوم المنهج المستقيم فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الاستقامة. قوله:) يعني جميع الكتب (لأنّ ما من أدوات العموم وتنكير الكتاب المبين مؤيد لذلك، وقوله في تبليغ الشرائع مأخوذ من الدعوة والحكومة من العدل لأنه يكون فيها، وقوله الأوّل هو قوله آمنت بما أنزل الله وهذا إشارة إلى قوله أعدل بينكم وقوله خالق الكل فليس المراد به خصوص المتكلم والمخاطب، وقوله مجازي بعمله دون غيره ولا تزروا زرة وزر أخرى كما تدل عليه اللام. قوله: (وأمرت لا عدل الخ) تقديره وأمرت بذلك لا عدل، وقيل اللام مزيدة وفيه نظر لأنه يحتاج بعد زيادتها لتقدير الباء وهو تعسف. قوله: (لا حجاج) أي مصادلة ومخصمة لأن الحجة في الأصل مصدر بمعنى الاحتجاح كما ذكره الراغب، ويكون بمعنى الدليل والمراد هو الأول دون الثاني وقوله إذ الحق الخ تعليل لقوله لا حجاج، وقوله ليس في الآية الخ لأن ترك المحاجة بعد ظهور الحق لا يدل على ترك المقابلة حتى يدعى النسخ من غير حاجة له، وقوله والذين يحاجون في معنى التعليل لقوله لا حجة الخ. قوله: (من بعدما استجاب له الناس (ضمير له في هذا الوجه لله أو لدينه واستجابة الناس له واجابثهم إذ عانهم له لوضوج المحجة، وظهور الحجة بحيث لم يبق للمحاجة مجال ولا لرد المسلمين عن دينهم إمكان، وقوله أو من بعدما استجاب الله لرسوله فضمير له للرسول ﷺ لكونه في حكم المذكور ولكون الأوّل أظهر قدمه والمراد من إجابة الله دعوة رسوله إظهارها بنصره كما أشار إليه بقوله فأظهر الخ، وقوله يوم بدر وكذا
استجابة أهل الكتاب تقتضي أنّ هذه الآية مدنية لأنّ وقعة بدر بعد الهجرة، وكذا استجابة أهل الكتاب إذ لم يكن بمكة أحد منهم فيعارض! كون السورة مكية من غير استثناء من المصنف كما قيل إلا أن يكون تبشيراً له ووعداً جعل كالماضي لتحققه، وقوله بأن أقرّوا تفسير لمعنى الاستجابة المجازي على هذا الوجه، وقوله استفتحوا بمعنى استنصروا، أو فتحوا عليهم وعرفوهم بأنه نبيّ. قوله: (جنس الكتاب) ويجوز كون التعريف للعهد أو الاستغراق، وقوله ملتبساً به بعيداً من الباطل فالحق هنا خلاف الباطل والباء للملابسة وعلى ما بعده الحق بمعنى الواجب واللازم. قوله: (الشرع) فيكون في الميزان استعارة، وقوله توزن به الحقوق أي تعين، وتسوّى كما تسوى المقادير وكذا إذا أريد به العدل، وقوله بأن أنزل الأمر به بيان للإنزال على الثاني ويعلم الأوّل منه بالمقايسة أو هو عليهما فإنّ الإنزال من صفات الأجسام دون المعاني فمعنى إنزاله
стр. 2699
القاؤه إلى الرسول وإيحاؤه أو إنزال من بلغه فالتجوّز في النسبة، ولا يخفى أن نسبة الإنزال إلى الأمر كذلك محتاجة إلى التأويل فكلامه لا يخلو عن المسامحة (أقول (لما كانت نسبة الإنزال والنزول مشهورة التحقت بالحقيقة فإنه يقال نزل إلينا أمر السلطان من قصره. قوله: (أو ا-لة الوزن) فهو بمعناه الحفيقي، وقوله بالوحي بإعدادها أي اتخاذها فإنزاله
مجاز عن الإيحاء باستعماله، وقيل إنه أنزل عليه من السماء حقيقة وكون المراد به ميزان الأعمال بعيد هنا. قوله:) إتيانها) توجيه لتذكير قريب مع أنّ الساعة مؤنثة بأن فيه مضافا مقدر أو أصله لعل إتيان الساعة، والخبر عنه في الحقيقة لأنّ المحذوف لقرينة كالملفوظ فيجوز نصبه على الحكاية، ورفعه والمراد تقديره إتيانها وهو إشارة لما قلناه من تقديره بعد لعل لا بعد قريب على أنه فاعل الوصف لا لأنه يلزمه حذف الفاعل لأنه لا يمتنع إذا سد المضاف إليه مسده بل لأنه إذا حذف وارتفع الضمير واستتر كان يجب أن يقال قريبة أيضا كما لا يخفى، وقوله بمعنى ذات قرب أي على النسب أو تأويل الساعة بالبعث، وقد تقدم في تذكيره وجوه أخر فتذكر، وقوله اعمل بالشرع الخ فيه لف ونشر ينظر إلى الوجوه السابقة في تفسير الميزان وفيه إشارة إلى المناسبة التي اقتضت الجمع بينها. قوله:) اعتناء بها (اعتناء افتعال من العناية وقع هنا مفعولاً له وبها جار ومجرور متعلق به والضمير للساعة، وهو إشارة إلى ما مز من قول الراغب وغيره إنّ الإشفاق عناية مختلطة بخوف، واذ عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإذا
عدّي بعلى فمعنى العناية أظهر، فما قيل إنّ الضمير للذين آمنوا أنث لتأويله بنحو الفرقة والج! اعة، وإنه لم يوجد في بعض النسخ المصححة وتحريف وتقدير من غير داع له سوى تكثير لسواد، وليس الاعتناء مضافاً للضمير كما توهمه مع أنه لو سلم يجوز أن يكون مضافاً للمفعول بواسطة على الحذف، والإيصال والضمير للساعة كما قاله شراح: المفتاج في قوله بمواظبتها من غير احتياج لما تكلفه وأما سقوطها من بعض النسخ فبناء على تجريده لمعنى الخوف مطلقا فذكر هذه الزيادة غير متعين كما توهم. قوله: (الكائن لا محالة) إشارة إلى اًن الحق هنا بمعنى المتحقق الواجب كما مرّ والمرية بكسر الميم وضمها الجدال، وقوله أو من مريت كان الظاهر إسقاط أو لأن المرية بمعنى الجدال مأخوذة من هذا كما صرّج به الراغب في مفرداته، وقد صرّح به أيضاً المصنف في سورة النجم ولذا قيل إنه أراد أنه حقيقة فيه أو مجازاً واستعارة مأخوذ مما ذكر، ثم إنّ ما ذكره من معنى الشدة فيه غير لازم فيه والظاهر أنه إشارة إلى أنه على الأوّل ليس معنى المفاعلة مقصود فيه هنا، وعلى الثاني هو مقصود فيه وما قيل إنه معنى مستقل عند المصنف، وقد خالف فيه من قال الأوّل مأخوذ من الثاني فمكابرة في النقليات مع أنه كيف يتأتى هذا والمصنف معترف به، وأما الشدة المذكورة فتؤخذ من المفاعلة فلا يتوهم مخالفته لأهل اللغة فتدبر. قوله:) أشبه الغائبات إلى المحسوسات (أي أقرب من كل شيء إليها، ولذا عداه بإلى لتضمينه معنى القرب فلا يقابل الظاهر بالمحسوسات وقربه إليها لأنه يعلم من بدء الخلقة المشاهد إعادتها، ومما يتكوّن في الفصول من النباتات، ثم عودها مورقة مزهرة مثمرة بعدما تعزت من ذلك على ما مز مراراً، وقوله. فمن لم يهتد لتجويزها الخ إشارة إلى المبالغة في ضلاله إذ وصف بالبعد، وجعل بعيداً والبعيد صاحبه، والمراد بما وراءه ما وراء البعث من سائر المغيبات أو ما وراء تجويز من تيقن وقوعه والإيمان به أوالمراد الثواب والعقاب. قوله:) برّ بهم بصنوف من البر لا تبلنها الإفهام) وفي نسخة الأوهام، وهذ مأخوذ من مادة اللطف وصيغة المبالغة وتنكيرها الدال على أنه بحسب الكمية، والكيفية قال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق الأمور والمصالح، وغوامضها وما دق منها ولطف، ثم تسلك في إيصالها سبيل الرفق دون العنف وليس هو غيره تعالى فصنوف البر من المبالغة في الكمّ وكونها لا تبلغها الإفهام من المادة، والمبالغة من الكيفية لأنه إذا دق جدا كان أخفى وأخفى. قوله: (يرزقه لمن يشاء (وفي نسخة لما يشاء، وفي أخرى كما يشاء ومعنى يرزقه
يعينه ويقدره، وهو دفع لما قيل إنّ تخصيصه مع تعميم اللطف للعباد كلامتنافيين بأنه لا تخصيص بل بيان لتوزيع ما ذكر من العموم أي يخص هذا بقدر وذاك بآخر، ولذا قيل العموم لجنس
стр. 2700
البر والخصوص لنوعه، وهو معنى قوله فيخص الخ والباهر القدرة أي الذي غلب، وغلبت قدرته جميع القدر وهذا ناظر لقوله لطيف بعباده ولعموم إحسانه والعزيز بمعنى الذي لا يغلب على ما يريده ناظر لقوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ ففيه لطف على لطف فإن فهمت فهو نور على نور:
فكم لله من لطف! ب يدق شذاه عن فهم الذكيّ
قوله: (ثوابها الخ) إشارة إلى أنه استعارة والمراد بالحرث الزرع الحاصل من القاء البذر المشبه به العمل ففيه استعارة وتصريحية، ويلزمها استعارة أخرى غير مصرّح بها، وقوله شيئاً منها إشارة إلى أنّ من تبعيضية وأنها صفة للمفعول المقدر، وقوله على ما قسمنا الخ مقدرين ذلك له بطلبه وارادته فلا يرد أنّ المقوم وأصل له على كل حال فما معنى تعليقة بإرادته. قوله: (إذ الآعمال بالنيات الخ) أي صحتها بالنيات فإذا لم ينو عمل الآخرة لم يصح فلا يحصل له، ولا يكون له فيها نصيب على ما ذكره الشافعية في تاويل الحديث وأمّا على تقدير ثواب الأعمال كما ذهب إليه الحنفية فدلالته أظهر، فما قيل لا دلالة للحديث على ما ذكر إلا على مذهب الحنفية دون مذهب المصنف فكان عليه أن يقتصر على شقه الثاني لا وجه له، وهو ناشىء من قلة التدبر. قوله: (بل ألهم شركاء الخ) يعني أن أم هنا منقطعة فيها معنى بل، والهمزة ولا بد من سبق كلام خبراً أو إنشاء يضرب عنه ويقرّر ما بعده، وما سبق قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٣] الخ فهو معطوف عليه وما بينهما من تتمة الأوّل، وهو المناسب لجعل الشركاء شرعوا لهم كما سيأتي تقريره فلا بعد فيه كما قيل وقيل إنه متصل بقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٣] وفي كلامهم ما يوهم أنه معطوف على قوله من كان يريد حرث الدنيا الخ لقوله والعمل للدنيا، وقوله والهمزة للتقرير أي التحقيق والتثبيت. قوله: (وشركاؤهم شياطينهم الأنهم شاركوهم في
الكفر وحملوهم عليه فالإضافة على حقيقتها، وقوله بالتزيين فمعنى شرعوا لهم زينوا لهم كما ستراه قريبا، وقوله واضافتها إليهم الخ فالإضافة على زعمهم بناء على اتخاذهم لها شركاء، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة قوله: (وإسناد الشرع إليها (يعني إذا أريد الأوثان التي لا نطق لها ولا عقل حتى يصدر منها التشريع فالإسناد مجازقي إلى السبب أو إلى ما هو على صورة المشرع، ويجوز كون الاستفهام المقدر حينئذ للإنكار أي ليس لهم شرع ولا شارع كما في قوله أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فصور ككبر جمع صورة والثاني بناء على أنّ الأوثان صور كبرائهم، وأنبيائهم السالفة فلا يرد عليه ما قيل إنهم لم يعبدوا صورة من سنه لهم كما يعلم من السير والتواريخ، وان كان منهم من يزعم أنها صور الملائكة لكنهم لم يقولوا إن الملائكة سنود لهم فتدبر. قوله: (أي القضاء السابق) تفسير للفصل بأنه ما سبق من قضائه بأق الجزاء يوم القيامة لا في الدنيا ولولا ما وعدهم الله به من أنه يفصل بينهم، ويبين في الآخرة كما في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [سورة المرسلات، الآية: ٣٨، فالفصل بمعنى البيان، وقال السمرقندي: إنه بمعنى الحكم أي لولا حكمه تعالى في هذه الأمّة بتأخير العذاب إلى يوم القيامة لأنّ إرسال محمديشح! رحمة للناس، وهو قريب من الأوّل. قوله: (بتأجيل الجزاء (أي إلى يوم القيامة أو إلى آخر أعمارهم، وقوله بين الكافرين والمؤمنين أي في الدنيا أو حين افترقوا بالثواب والعقاب، وقوله أو المشركين وشركائهم سواء أريد الشياطين أو الأوثان فإن لكل منها خصومة مع الكفرة كما مز. قوله: (وقرىء أن بالفتح الخ) قراءة العامّة بالكسر على الاستئناف وقرأ مسلم بن جندب والأعرج بفتحها عطفا على كلمة وفصل بينهما بجواب لولا وكلمة الفصل بتفسيريها السابقين، وقوله وتقدير الخ إنما ذكر التقدير لأنّ العذاب غير واقع في الدنيا، وإنما الواقع كلمة الفصل وتقدير العذاب، وقوله: فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة بيان لوجه التخصيص للعذاب، وعدم شموله لما في الدنيا كالقتل والأسر ولتخصيص القضاء بالدنيا فيظهر ترتب الجزاء على كلمة الفصل والعذاب. قوله ثعالى: (ترى الظالمين الخ (جملة مستأنفة لبيان ما قبله، واشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا فمن خاف عقوبته في الدنيا أمنه الله، وقد قيل لا يجمع الله على أحد خوفي الدنيا والآخرة، ولذا عقبه بذكر ما للمؤمنين. قوله:) من السيآت) بيان لما كسبوا، ومن في النظم يحتمل أن تكون صلة مشفقين
следующие страницы →