Полный текст (3 156 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
موصوف بهذه الصفات يقصر إنكارهم عليه فحق التعبير حيمئذ ما أنكروا إلا نفي آلهتهم، أو ما أنكروا إلا
إثبات معبود غير معبودهم لكن لما كان مآل الإنكار إنكار المعبود بحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما ذكر، وعدل عما هو مقتضى الظاهر إثباتا للمنكر في ضمن ذكر نفيه فهو من ذلك القبيل لأنه تأكيد الإثبات بما يشبه النفي واليه أشار في الكشاف، وشروحه فلا وجه لما قيل في دفعه من أنّ الإيمان بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شهيد شيء لا يمكن أن يكون عيبا عند أحد فلا بد لصحة الاستثناء من تنزيله منزلة العيب أي لو كان فيهم عيب كان هذا فيكون نهاية في نفي العيب هذا إذا كان المراد ما أنكروا إلا الإيمان بالله الموصوف في اعتقادهم، أمّا لو أريد الإيمان بالله الموصوف في الواقع بهذه الصفات فالاستثناء على ظاهر. من غير مرية، والفلول جمع فل بالفتح وهو الكسر في حد السيف أو مصدر كالقعود بمعنى الكسر فيه، والقراع المضاربة بآلات الحرب والكتائب بالمثناة جمع كتيبة وهي الجيش العظيم، وفي الحواشي هنا كلام لا معنى له فتركه خير من ذكره فتدبر. قوله: (غالباً الخ) تفسير للعزيز كما أنّ منعماً الخ تفسير للحميد إشارة إلى أنّ الحمد هنا بمعنى الشكرك فإنه غلب عليه في الاستعمال، وقوله: عزيزا غالبا يخشى عقابه وقع موزوناً من بحر الوافر لكنه لا يسمى شعر العدم القصد فيه، ومثله: كثير فلا يلتفت لما توهم من أنّ تغيير عبارة الزمخشبريّ لذلك، وقوله: وقرّر ذلك أي كونه غالباً مخشياً ومنعماً مرجواً لأنّ مالكيته لنا ولما معنا يدل على عظيم الأنعام ومن يفعل مثله يرجي أعظم رجاء:
واني لأرجو الله حتى كأنما أرى بعيون الظن ما الله صانع
ومن كانت له هذه القدرة، وهو عالم بأفعال عبيده فهو الغالب الذي يخشاه من يعزف العواقب، وقوله: للأشعار الخ متعلق بقوله: قرّر، وقوله: به تنازعه يستحق ويؤمن فهو مقرّر لما قبله ومثبت لوجوب الإيمان ولزوم الطاعة له. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ الخ) قوله: فلهم خبر أنّ ودخلته الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط ولا يضرّه دخول إن كما ذهب إليه الأخفش وعذاب جهنم فاعل الظرف أو مبتدأ، وقوله: بلوهم بالأذى أي اختبروا ثباتهم على الإيمان بأذيتهم لهم وهو تفسير لقوله: فتنوا وبلوا من الابتلاء وهو الاختبار، وقوله: بكفرهم إشارة إلى أنّ عذاب الكفار يضاعف بما قارنه من المعاصي كما سيأتي تقريره. قوله: (العذاب الزائد في الإحراق) الزيادة من صيغة فعيل فإنهما للمبالغة، وهو بيان للتغاير بين المتعاطفين كما هو حق العطف ولا وجه لما قيل إنهما واحدا ولو جعل من عطف الخاص على العامّ للمبالغة فيه لأنّ عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما كان أقرب ويوضحه إضافة العذاب للحريق
فلا حاجة إلى القول بأنها بيانية أو الحريق مصدر. قوله: (وقيل المراد بالذين فتنوا الخ) إشارة إلى أنّ الذي اقتضاه سبب النزول أن يراد بهم كفار قريش وأذيتهم لمن أسلم في ابتداء الإسلام أو الأعمّ منهم ومن أصحاب الأخدود فإنه تذييل لما قبله، وفي جعل الحريق جزاء الفتنة دقيقة تظهر لمن له ذوق ووجهه تمريضه ظاهر مما ذكرنا. لا لأنه لم ينقل أنّ أحداً منهم تاب كما أورده أبو حيان على الزمخشريّ في ترجيحه لهذا الوجه بمقتضى التذييل وقد عرفت توجيهه فتأمّل، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ الإشارة إلى كون ما ذكر لهم، وقوله: (إذ الدنيا) بيان لوجه وصفه بالكبير. قوله: (فإن البطش الخ) إشارة إلى ما في وصفه بالشدة من المبالغة، وقوله: يبدى الخ تفسير له بما صرّح به في غير هذه السورة أي ومن كان قادرا على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدّة، وبهذا ظهر تعليل هذه الجملة لما سبق وعلى ما بعده وهو أظهر وقيل في وجهه إنّ الإعادة للمجازاة فهي متضمنة للبطش، والأوّل أقرب وأسدوا ما جعل البدء والإعادة في الآخرة وإنه كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٦] ففي غاية البعد. قوله: (لمن تاب) خصه به إمّا لمناسبة مقام الإنذار أو لما في صيغة الغفور من المبالغة فأصل المغفرة لا يتوقف على التوبة، وزيادتها بما لا يعلمه إلا الله للتائبين فلا يتوهم أنّ هذا لا يوافق مذهب أهل السنة، وإنه غفلة منه لاتباعه للزمخشريّ في مثله. قوله: (المحب لمن أطاع) ففعول مبالغة، وهو بمعنى اسم الفاعل لا المفعول على أنّ المعنى يحبه خلص عباد. لأنه خلاف
стр. 3082
الظاهر ومحبة الله ومودته بأنعامه وإكرامه إذ المحبة بالمعنى الحقيقي لا يوصف بها الله تعالى، وقد مرّ مرارا. قوله: (خالقه) تفسير لكونه صاحب العرش لأنه السرير، وهو في صفات غير الله بمعنى آخر وقوله: الملك هو بطريق الكناية أو التجوّز ولو جعل ذو العرش بمعنى الملك أيضا جاز، وقيل: إنه الأظهر، وقوله: صفة لربك فقوله: إنه هو جملة معترضة والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر جائز لأنه غير أجنبي كما صرّح به ابن مالك، وإن خالف فيه ابن الحاجب فإنه قال: إنه شاذ. قوله: (فإنه واجب الوجود) هذا تعليل لعظمة الذات فإن واجب الوجود تستند إليه جميع الذوات وكل الموجودات، وتامّ القدرة والحكمة تعليل لعظم الصفات كلها لأنهما من أصولها لاقتضائهما إحاطة العلم وهكذا، وقوله: وجرّه الخ جزم في الكشاف على هذه القراءة بأنه صفة للعرش لأنّ الأصل عدم الفصل بين التابع والمتبوع فلا يذهب إليه من غير داع. قوله: (ومجده علوّه
وعظمته) يعني إذا وصف به العرش فمجده بهذا المعنى كما ورد في الحديث من أنّ الكرسيّ بجنب العرش كحلقة فلا فلاة وإذا وصف به الله فالمراد سعة فيضه، وكثرة جوده كما فصله الراغب. قوله: (لا يمتنع عليه مراد الخ) أي هدّا دال على العموم وانه تعالى قادر على جميع ما يريد وفاعل له فإيمان الكافر وطاعة العاصي لو أرادهما أوجدهما، وهو رد على المعتزلة في قولهم: إنه تعالى يريد إيمان الكافر وطاعة العاصي على ما عرف من مذهبهم، ولذا عدل المصنف رحمه الله تعالى عما في الكشاف إلى ما ذكر وهو مشهور. قوله: (أبدلهما من الجنود الخ (ولما لم يطابق البدل المبدل منه في الجمعية لأنه بدل كل من كل قيل: هو على حذف مضاف أي جنود فرعون، وقيل: المراد بفرعون هو وقومه واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه قيل، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه ولا يرد عليه أيضا إنه تفسير للجنود فيعود الإشكال لأنه لو أبدل كان المعطوف عليه عين الجنود إلا أن يدعي أنّ البدل هو المجموع، وهو خلاف الظاهر بخلاف ما لو قدر أعني فإنّ المفسر المجموع، والفرق مثل الصبح ظاهر. قوله: (قد عوفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم) أي ما حل بهم يعني به إنّ المراد بما ذكر تسلية النبيّ غتي! وتهديد الكفار لأنه بيان لأنّ الحال مستمرة على ما يرى في جميع الأعصار، وقوله: لا يرعوون عنه أي لا ينتهون ويكفون عما ذكر يقال: ارعوى عن كذا إذا انزجر وتركه، قال الأزهرفي في التهذيب: قال الليث: يقال ارعوى فلان من الجهل ارعواء حسناً ورعوى، وقال أبو عبيد الرعوي: الندم على الشيء والانصراف عنه والترك له وهو نادر في هذا الباب ولا يعلم في المعتلات مثله اهـ وعدم الكف من العدول عن يكذبون إلى جعلهم في التكذيب وأنه لشذته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بالغريق فيه مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله، ولذا قال: أشد من تكذيبهم ففيه استعارة تبعية في كلمة في، وقوله: سمعوا قصتهم أي قصة فرعون وثمود وجنودهم، وقوله: رأوا آثار هلاكهم لأنهم كانوا يمرون بديار ثمود. قوله:) ومعنى الإضراب الخ) أي هو إضراب انتقالي
للأشد كأنه قيل: ليس حال هؤلاء بأعجب من حال قومك فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا، وقيل: الإضراب عن قصة فرعون وثمود إلى جميع الكفار وليس بشيء، وقوله: أعجب إشارة إلى ما في الاستفهام من معنى التعجيب هنا. قوله تعالى: ( ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ ) فيه تعريض توبيخيّ للكفار بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم وأقبلوا على الهوى والشهوات بوجوه انهماكهم، وقوله: لا يفوتونه الخ إشارة إلى أنّ فيه استعارة تمثيلية وقوله: بل هو قرآن الخ إضراب عن شدة تكذيبهم، وعدم كفهم عنه إلى وصف القرآن بما ذكر للإشارة إلى أنه لا ريب فيه ولا يضره تكذيب هؤلاء. قوله: (صفة للقرآن) وكذا قوله: في لوح إلا أن فيه تقديم الصفة المركبة على المفردة وهو خلاف الأصل، وقوله: وهو الهواء يعني أنه قرئ في الشواذ لوج بضم اللام وهي قراءة ابن يعمر، وغيره وأصله في اللغة الهواء والمراد به هنا مجاز إما فوق السماء السابعة فلا يرد عليه شيء. قوله: (عن النبني ﷺ الخ) حديث موضوع، وقوله: جمعة وعرفة بالتنوين وهو منصرف هنا لتنكيره، ولذا أضيف له كل، وإن كان قبل ذلك غير منصرف (تمت) السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على من أنزلت عليه وعلى آله وصحبه.
стр. 3083
سورة الطارق
لم يذكروا خلافا في مكيتها وفي آياتها خلاف يسير لأنه قيل: إنها ستة عشر.
بسم الله الرحيم الرحيم
قوله: (والكوكب البادي الخ) المذكور في كتب اللغة أنّ الطارق من الطرق وأصل معناه الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت، ومته المطرقة والطريق لأنّ السابلة تطرقها، ثم صار في عرف اللغة اسماً لسالك الطريق لتصوّر أنه يطرقها قدمه، واشتهر فيه حتى صار حقيقة وأصلاً بالنسبة لما عداه فلا يرد على قوله في الأصل الخ أنّ أصل معناه القرع والوقع دون ما ذكر وتسمية الآتي ليلاً طارقاً لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها، وقوله: للبادي أي للكوكب البادي. قوله: (المضيء) أصل معنى الثقب الخرق فالثاقب الخارق، ثم صار بمعنى المضيء كما في قوله:
نظم الجزع ثاقبه
وقد يخص بالنجوم والشهب، ولذا قيل في توجيه الإطلاق على ما ذكر أنه لتصوّر أنه
ثقب الظلام أو الفلك فقوله: أو الأفلاك معطوف على الظلام ضد الضوء. قوله: (والمراد الجنس) أي بالنجم الثاقب على أنّ تعريفه للجنس، أو كوكب معروف بالثقب وشدّة الإضاءة على أنّ تعريفه للعهد، وقوله: زحل بوزن عمر ممنوع من الصرف ودخول أل عليه علم للكوكب المعروف من زحل بمعنى بعد لأنه أبعد الكواكب السيارة أي أعلاها، وقال الإمام: أنّ الثاقب غلب عليه كما غلب النجم على الثريا إمّا لأنّ ضوءه يثقب سبع سموات أو هو من ثقب بمعنى ارتفع كما ذكره الفراء لأنه أرفع السيارة مكانا فثقب يكون بمعنى أضاء وارتفع، وترك ما في الكشاف من تفسيره بالشهاب الساقط على الشيطان لظهور أنه لا يختص به. قوله: (عبر عنه أوّلاً الخ) يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال: ابتداء والنجم الثاقب لأنه أخصر وأظهر فعدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم بما يشترك فيه هو، وغيره وهو الطارق ثم سال عنه وفسره بما ذكر للتفخيم الحاصل من الإبهام، ثم التفسير ومن الاستفهام. قوله: (أي إنّ الثأن الخ) هذا على قراءة
التخفيف وعني به أنّ إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدّر، وكل نفس مبتدأ وعليها حافظ خيره، وما زائدة واللام هي الفارقة، وسماها المصنف فاصلة وهو مخالف للمعروف في اصطلاح النحاة إلا أنّ المعنى واحد، وقد قيل إنه لا حاجة لتقدير ضمير الشأن فإنه في غير المفتوحة ضعيف وأيضا يلزمه دخول اللام الفارقة على جزء الجملة الخبرية الثاني، والمعروف دخولها على الأوّل كما في حواشي التسهيل. قوله: (حافظ رقيب) الحافظ الكاتب أو مطلق الملائكة الحفظة أو الله إلا أنّ قول المصنف بعد. فلا يملي على حافظه إلا ما يسره يدل على أنّ المراد الأوّل، وقوله: فإنّ هي المخففة الخ هذا على أحد المذهبين المشهورين فيها وقيل: إنها نافية واللام بمعنى إلا قال أبو حيان وهي لغة لهذيل نقلها الأخفش. قوله: (على أنها) أي لما المشددة بمعنى إلا الاستثنائية وأنكره الجوهريّ، ورده غيره بأنه لغة لبعض العرب ثابتة، وقال الرضي: لا تجيء إلا بعد نفي ظاهر أو مقدر ولا يكون إلا في المفرغ فالخبر هنا محذوف والتقدير ما كل نفس كائنة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكون عليها حافظ ورقيب، وقوله على الوجهين لأنّ القسم كما يتلقى بأن المؤكدة يتلقى بأن النافية كثيرا كما قرّر في النحو وكل على هذا مؤكدة لأنّ نفس حينئذ نكرة في سياق النفي فتعم. قوله: (لما ذكر الخ الأنه إشارة إلى تفرع هذا على ما قبله وتوجيه لاقترانه بالفاء وليست فصيحة، وقوله: إلا ما يسره ضمير المفعول للإنسان أي ما يسر الإنسان إذا رآه وقت نشر الصحف كما قيل: وأخجلني وصحائفي سود غدا وتطلعي فيها شبيه القاري
أو هو للحافظ لأنه قيل: إنه تسوءه السيئات في وقت الكتابة ويود انها لم تكن والأوّل أظهر. قوله: (جواب الاستفهام) وإن تعلق بقوله: فلينظر لأنّ المراد أنه في صورة الجواب فلا وجه لما قيل إنه على هذا غير متعلق به أو يقدر استفهام آخر قيل وفيه دليل على مذهب المتكلمين من أنّ الإنسان اسم لهذا الجسم
стр. 3084
المخصوص وأنّ الإعادة له لا للروح المجرّدة، وفيه بحث. قوله: (بمعنى ذي دفق) إشارة إلى أنّ الماء مدفوق لا دافق فلذا قيل: إنّ اسم الفاعل بمعنى المفعول كما أنّ المفعول يكون بمعنى الفاعل كحجاباً مستوراً كما مرّ، وهو كلام ظاهري والصحيح أنه بمعنى النسبة كلابن وتامر أي ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية كما ذهب إليه السكاكيّ أو مصرّحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا أي يدفعه كما أشار إليه ابن عطية. قوله: (وهو) أي الدفع صبّ فيه دفع، والنطفة لا
توصف بالصب إلا بأحد الوجوه السابقة، وما نقل عن الليث من أن دفق بمعنى انصب فدافق بمعنى منصب من غير تأويل قالوا الصحيح إنه لم يثبت كما صزج به صاحب القاموس وغيره، وقد يقال: إنه بيان لحاصل معناه في الآية لأن أهل اللغة لا يفرقون بين الحقيقة والمجاز فلا وجه لنقله هنا مع التصريح بما ذكر. قوله: (والمراد الممتزج من الماء ير ني الرحم (فصارا بالامتزاج ماء واحداً فلذا فال تعالى: من ماء ولم يقل من ماءين مع أن الإنسان لا يخلق من ماء واحد ولذا كان روح الله عيسى ﷺ توالده خارق للعادة كما ذكره الحكماء، وقوله: لقوله يخرج الخ إشارة إلى أن الترائب مخصوص بالمرأة كما قال ابن الخازن في تفسيره ترائب المرأة هي عظام الصدر والنحر وقال ابن عباس هي موضعالقلادة من الصدر وعنه أنه ما بين ثدسيى المرأة اهـ، فسقط ما أورد عليه من أن مراده اختصاص الترائب بالمرأة فيكون المراد بما ذكر أنه ماء ممتزج من ماءين لكن الاختصاص ممنوع كما يعلم من تتبع كتب اللغة وقد ذكر السمين ما يقرب من كلام ابن الخازن وعليه استعمال العرب كقوله:
ترائبها مصقولة كالسجنجل
ولولا خوف الإطالة أوردنا له نظائر ولو سلم ما ذكره دفع أيضا بأن تعريفه للعهد والى ما
ذكر أو لا يشير الزمخشري بتفسيرها بعظام الصدر حيث تكون القلادة وهو جمع تريبة، وقيل: الترائب التراقي. قوله: (ولو صح أنّ النطفة الخ (إشارة إلى ما طعن به بعض الملحدة بأن التطفة لا تخرج من بين الص! لب والترائب سواء أريد مخرجها البعيد أو القريب وفي قوله: لو صح إشارة إلى ما قاله الإمام من أنه غير صحيح فإنه مبني على تخيلات لا أصل لها فاللائق بنا أن نتبع ما نطق به الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه وندع التقليد لمثل هؤلاء. قوله:) من فضل الهضم الرابع) إشارة إلى ما تقرّر في الطب من أن الغذاء ينضهم أوّلاً في الفم بالمضغ وثانياً في المعدة بطبخها له بالحرارة الطبيعية الموقدة في مطبخها، ثم تجذب صفوته بعروق متصلة بها إلى الكبد فتهضمه هضما ثالثاً، ثم إلى الأعضاء جميعها فينهضم فيها هضماً رابعاً بعده لتنمية الأعضاء وبقائها وما زاد على ذلك ينفصل عن جميع الأعضاء إلى مقر المني بعد أن أوح فيه خلاق القوى والقدر ما يستعد به للتوليد والتخلق، وقوله: ومقرها الخ شروع في بيان ما طعن به بأنّ مقرها العروق المذكورة ومبدؤها جميع الأعضاء فكيف يكون مخرجها بين الصلب والترائب. قوله: " نّ الدماغ أعظم الأعضاء الخ) هذا شروع في الجواب
بعد المنع المشار إليه بقوله: لو صح أي لا نسلم صحته، ولا يلزمنا تأويل كلام الله ليوافق خيالات هؤلاء، ولو سلم تولده من جميع الأعضاء فأعظمها في ذلك الدماغ، ولذا كان المنيّ مشابها له لونا ورطوبة، وغير ذلك ورأينا مكثر الجماع يضعف دماغه فدلنا ذلك على أنّ له دخلا قوياً في التوليد، وقوله: بالضعف الباء متعلقة بالإسراع للتعدية أي يجعل الإفراط في الجماع الضعف سريعا فيه، وقوله: وله أي للدماغ خليفة أي قائم مقامه في كل ما يكون كالمعونة المذكورة، والنخاع مثلث النون خيط أبيض في جوف عظم الرقبة ممتد إلى الصلب ويتشعب منه شعب كثيرة إلى الأضلاع وينزل إلى الترائب على ما بين في علم التشريح والصلب، والترائب أقرب إلى وعاء المني في مقره فلهما زيادة مدخل في توليدها وقرب مقرها بالنسبة إلى سائر الأعضاء، ولذلك خصا بالذكر من بينها. قوله: (وشعب كثيرة الخ) قيل عليه إن تلك الشعب أعصاب لا تجويف لها فلا تعلق لها بالدماغ، وتخصيص الترائب بالنساء غير ظاهر وقد مرّ ما فيه، ئم قيل إنّ الوجه انّ النخاع والقوى الدماغية والقلب كلها تتعاون في إبراز ذلك الفضل على ما هو عليه قابلاً للتوليد وقوله: بين الصلب والترائب عبارة مختصرة جامعة لتأثير الأعضاء الثلاثة فالترائب تشمل القلب، والكبد
стр. 3085
وشمولها للقلب أظهر، والصلب النخاع ويتوسطه الدماغ ولم يحتج للتنبيه على مكان الكبد لظهوره لأنه دم نضج وأنما ينبه على ما خفي كالصلب والدماغ (قلت) ولو جعل قوله من بين الصلب والترائب كناية عن البدن كله لم يبعد، وقوله: وقرئ الخ والكل لغات في الصلب بمعنى واحد. قوله تعالى:) ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾ ) أي إعادة الإنسان ونثره من مقدوراته تعالى لأنه ليس بأعظم من إيجاده من نطفة تمني، وقوله: والضمير أي في قوله: إنه وضمير رجعه للإنسان، وقوله: تتعزف إشارة إلى أنّ الابتلاء الاختبار، والمراد به الاستنباء عنه كناية لازمة وهو التعرّف والتميز، وتمييز سرائره لتمييز عقائده وينبني عليه تمييز أعماله كما أشار إليه المصنف. قوله:) وهو ظرف لرجعه (وفيه وجوه أخر وهي مبنية على أن ضمير رجعه للإنسان أو للماء على معنى أنه تعالى قادر على رجع الماء إلى حاله الأوّل أو إلى مقره فلذا قيل إنه متعلق بقادر أو ناصر، وقيل: عامله مقدر كاذكر أو يرجع وأمّ ما اختاره المصنف فقد أورد عليه أنه يلزم فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبيّ فأجيب تارة بأنه جائز لتوسعهم في الظروف، وأخرى بأنّ الفاصل هنا غير أجنبيئ، وقيل: إن فصله كلا فصل لأنه في نية التقديم عليه وفيه ما فيه. فوله: (من منعة (بفتح الميم والنون بمعنى القوّة، وحكي اسكان النون في لغة ضعيفة وقال الطيبي: إنه بالسكون لا غير والمفتوج جمع مانع ككاتب وكتبة وليس بمراد هنا وإن جوّز على أن المراد به أمور مانعة فإنه تعسف، وقوله: يمنعه
إشارة إلى أنه لنفي المانع من نفسه ومن غير.. قوله: (ترجع) بالتاء الفوقية وبالبناء للفاعل أو المفعول فإنّ المشهور إنّ رجع يتعدى ومصدره الرجع ويلزم ومصدره الرجوع، فإن قلنا إن الرجع يكون مصدرا للازم بمعنى الرجوع أيضاً فهو ظاهر والا فنقول هو مصدر المبني للمفعول بناء على القول به أيضا فرجع المفسر به مجهول أو هو بحذف زائد الرجوع للازدواج ولا مانع أيضاً من كونه مصدر المتعدي لإوجاع الله لها لكن تجوز في نسبته للسماء وكونه مسندا لها بتقدير المفعول أي رجع الكواكب بعيد جداً، وقوله: تحرّك عنه بحذف إحدى تاءيه وأصله تتحرك فإن كان بمعنى المطر فلا تكلف فيه، وقوله: يحمل الماء من البحار هو قول ضعيف، وقوله: وعلى هذا أي على أنه مفسر بالمطر فالسماء ما علا أو السحاب بمعناه المعروف كما مر. قوله: (ما تتصدع عنه الأرض الخ) فهو اسم للنبات أو مصدر بمعنى الشق والظاهر أنه على الأوّل مجاز، وللتوصيف بما ذكر علم أنه ليس المراد القسم على البعث بنفس السماء والأرض كما في قوله: " نتم أشد خلقاً أم السماء بناها الخ فلا وجه لما قيل إنّ المقصود أنهما في أنفسهما من شواهده فتدبر. قوله: (١ ن القرآن) هذا أولى من إرجاعه لما تقدّم من القدرة على الإحياء لأنّ القرآن يتناوله وما بعده أنسب به كما في شرح الكشاف فلا وجه لإرجاعه لحديث الحشر كما قيل، وقوله: فاصل الخ فالمصدر بمعنى الفاعل وهو أحسن من كونه بمعنى المفعول، وقوله: في إبطاله الخ عدل عن قول الزمخشري في إبطال أمر الله واطفاء نور الحق لأن هذا أتم انتظاماً وإن كان ذلك أملأ فائدة. قوله: (في استدراجي لهم الخ) فالكيد هنا استعارة تبعية أو تمثيلية بتشبيه إمهال الله لهم ليستدرجهم بالكيد وبهذا يظهر تفريع أمره بإمهالهم. قوله: (فلا تشتفل الخ) الإمهال التأني، والانتظار فقوله: لا تستعجل على أنه بمعنى تأنّ فإن زمان القتال وأمرك بإهلاكهم لم يأت فالفرق بينهما ظاهر، وقوله: إمهالاً يسيراً تفسير لقوله: رويدا على أنه صفة مصدر مقدّر فإن في إعرابه وجوهاً منها هذا كما فصله المعرب. قوله: (والتكرير الخ) يعني كان مقتضى الظاهر إذا كرر للتأكيد اتحاد اللفظ فيهما فكرّر هنا مع
اتحاد المعنى، وغيرت البنية إذ الأوّل من التفعيل والثاني من الأفعال ولاختلاف اللفظ فيهما أعرب الثاني بدلاً، ولو قيل إنه تأكيد كان أقرب. قوله: (وتغيير البنية لريادة التسكين) المراد بالتسكين إمّا الإمهال لأنه بمعنى التأني، وهو كالتسكين في المعنى أو ما فسره في بعض الحواشي بتسكين الغضب الذي في صدر النبيّ ﷺ على الكفار بطلب التشفي منهم، ووجه دلالة التغيير في البنية على ما ذكر الإشعار بالتغاير وهو آكد من مجرد التكرار فكان كلاً منهما كلام مستقل دال على الأمر بالتأني، وهو أقوى من الدلالة بلفظ واحد فلا خفاء فيه كما قيل وأمّا القول بأن الأمر فيهما دل على الإيجاب، والأفعال دل على عدم التدريج، والتفعيل دل على
стр. 3086
التدريج ففيه تأسيس، والنفس إلى الجديد أرغب والى تطلب الفائدة أشوق فهو مراد القائل وليس بتوجيه آخر كما توهم فتدبر. قوله: (عن النبئ ﷺ حديث موضوع (تمت) السورة حامداً لله، ومصلياً ومسلما على أفضل رسله الكرام وعلى آله وصحبه العظام، على توالي الليالي والأيام.
سورة سبح
وتسمى سورة الأعلى وهي مكية عند الجمهور، وقيل: مدنية لذكر العيد والف! طر فيها،
وردّ بما في البخاري عن البراء ان أوّل من قدم علينا من الصحابة مصعب بن عمير ﵁ وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء النبيّ-شي! ر فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم بهءلمجيييه حتى قرأت سبح اسم ربك في سور مثلها، وذكر العيد والفطر فيها غير مسلم ولو سلم فلا دلالة فيه على ذلك كما سيأتي تفصيله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (نزه اسمه عن الإلحاد قيه) أي عن العدول عما يليق بلفظه، ومعناه بأن تذكره على
وجه التعظيم فلا تذكره على وجه الاستخفاف، ولا في محل لا يليق به كالخلاء وحالة التغوّط ولا يؤوّله من غير مقتض ولا يبقيه على ظاهره أيضا إذا كان ما وضسع له غير مناسب كان يعتقد أنّ معنى العالم ذاته من غير صفة علم زائدة ثابتة له أو أن علمه حادث لأن اسم الفاعل يدل على ذلك أو يقول معنى كونه رحيما إن له قلباً رقيقاً فكما تمتنع التأويلات الزائغة تمتنع الحقائق الغير المناسبة فالإلحاد تفسيره بمعنى ينبغي تنزيهه عنه، وجعل الزمخشري نفس المعنى إلحاداً مبالغة لا يضره كما قيل. قوله: (وإطلاقه على غيره الخ (كان يصف أحداً بأنه خالق لفعله أو يقول لسيده: ربي على وجه التسوية، وقيل: كان يقول للوثن إنه إله وقوله: لا على وجه التعظيم ظاهر مما مر، وقوله: وقرئ الخ هي قراءة شاذة تنسب لعلي ﵁ وهذا كله على أن الاسم مقحم وقد ذهب إليه كثير واستدلوا بالحديث فإنه قال: اجعلوها في ركوعكم وسجودكم والمجعول فيهما سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم، وبذلك استدل على أنه مقحم وعلى أن الاسم هو عين المسمى كما فصل في شروح الكشاف وقوله في الحديث الخ هو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره من أصحاب السنن، وقوله: الأعلى صفة ربك
وجوّز الزمخشري كونه صفة الاسم أيضا، وقوله: اجعلوها الخ لما كان في الركوع تذلل وتواضع لله ناسب ذكر عظمة الله فيه ولما كان في السجود تسفل ناسب وصفه تعالى بما يقابله فيه وهو إرشاد لوجه التعبد فيهما فافهمه فإنه من مقاصد الشارع الدقيقة، وقوله: وكانوا أي الصحابة قبل أمر النبيّ ﷺ بهذا يقولون في السجود والركوع ما ذكر. قوله: (خلق كل شيء الخ (العموم مستفاد من عدم ذكر المفعول كما مرّ تحقيقه وفيه ردّ على المعتزلة، وقوله: بأن جعل الخ تفسير لقوله: سوى لأن أصل معنى التسوية جعل الشيء متساويا وأريد به هنا جعل خلقه كما تقتضيه حكمته في ذاته وصفاته، ولذا قال فسوّى خلقه لأنّ متعلق التسوية هنا الخلق وليس يريدان في النظم مضافاً مقدراً حتى يقال: المناسب لقوله خلقك فسوّاك أن لا يقدر المضاف كما توهم، وهذه الصفة مبنية وموضحة للرب لأنه من التربية وهي تبليغ الشيء كما له شيئا فشيثاً. قوله: (ما به يتأتى كماله) هو شامل للحيوان وغيره بل للذوات والمعاني، ولا يضرّ عمومه قوله بعده ومعاشه فإنه من عطف الخاص على العام كعطف جبريل على الملائكة فلا يرد عليه أنه يشعر بتخصيص مفعول خلق بالحيوان، وكيف يتأتى هذا مع قوله كل شيء قبله. قوله: (أي قدر الخ) إشارة إلى أنّ التقدير هنا بمعنى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فإنّ له معاني أخر، وقوله: بخلق الميول بالياء التحتية جمع ميل، وهو بمعنى التوجه نحو أمر بتوجيه الطبيعة وايجابها له، وهو شامل للحيوان وغيره، وأمّا الاختياري فمخصوص بذوي الإرادة فالميول فيما له أفعال طبيعية وما بعد. في الأفعال الاختيارية، ونصب الدلائل إشارة إلى الأدلة العقلية وما بعد. للسمعية، وقوله: ما ترعاه إشارة إلى أنّ المرعى بمعنى اسم المفعول وقد مرّ تفسيره في سورة النازعات. قوله تعالى: ( ﴿غُثَاء أَحْوَى﴾ ) أصل الغثاء كما قاله الراغب ما يأتي
به السيل من النبات
стр. 3087
والمراد الياب! هنا على أنه من استعمال المقيد بمعنى المطلق، وأمّا الأحوى فصفة من الحوّة، وهو السواد فلذا جاز فيه أن يكون بمعنى أسود لأنّ النبات إذا يبس اسودّ فهو صفة مؤكدة للغثاء، وأن يراد به أنه طريّ غض شديد الخضرة لأنّ الأخضر يرى في بادى النظر كالأسود وينبني على المعنيين إمحرابه وأنه صفة غثاء أو حال من المرعى أخر للفاصلة وإليه أشار بقوله: أي أخرجه، ولما فيه من التقديم والتاخير أخرجه ومرضه المصنف. قوله: (على لسان جبريل ﵊ فالإسناد مجازي، وقوله: قارئا بإلهام القراءة الظاهر أنّ المراد به هنا أحد أقسام الوحي في القرآن كما ورد في حديث البخاريّ، وآونة كصلصلة الجرس وهو أن يلحقه شيء كالغشي، ويسمع صدى يقر في قلبه بألفاظ ملهمة له مثبتة في صحائف حفظه المشرّفة فيندفع عنه ما قيل: إنّ صيرورة الرسول قارئا بغير واسطة جبريل خلاف ما اشتهر في الدين ولم يقل به أحد، وأمّا كونه إشارة إلى ما روي عن جعفر الصادق من أنه كان يقرأ الكتابة ولا يكتب، وأنّ قوله: فلا تنسى لنفي مطلق النسيان عنه امتناناً عليه بأنه أوتي قوّة الحفظ كما قيل فمع بعده يأباه فاء التفريع. قوله: " ية أخرى) أي كما أنّ القرآن نفسه آية أخرى، وقوله: الإخبار به اًي بقوله: فلا تنسى لأنه أمر مستقبل مغيب عنه حين النزول، وقوله: وقيل نهي عطف بح! سب المعنى على ما قبله لأنه علم منه أنه خبر عما يستقبل ولما كان في النهي مجزوما بحذف آخر.، وقد أثبت هنا دفعه بأنّ آخره حذف للجازم والألف المذكورة للإطلاق في الفاصلة، وهو جائز ولما كان هذا خلاف الظاهر والنسيان ليس بالاختيار فلا ينهى عنه إلا أن يراد به مجازاً ترك أسبابه الاختيارية أو ترك العمل بما تضمنه، وفي ذلك ارتكاب تكلفات من غير داع لها ضعفه وأمّا كونه مخالفا لقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [سورة القيامة، الآية: ٦ ا] الآيات فليس بشيء كما لا يخفى، وقد أورد عليه أنّ رسمه بالياء يقتضي أنها من البنية لا للإطلاق وكون رسم المصحف مخالفاً للقياس تكلف آخر وأمّا القول بأنّ مراده بأنّ ألفه لم تحذف للجازم فتحميل الكلام ما لا يطيقه، وأحسن منه أن يقال: رسمت ألف الإطلاق ياء لمشاكلة غيرها من الفواصل، وموافقة أصلها مع أنه قيل أيضا: إنه عند الإطلاق تردّ المحذوفة كما صرّح به الإمام المرزوقي ولو قيل: إنه خبر أريد به النهي كان أقوى وأسلم، وقوله: أصلاً في شرح المفتاح الشريفي إنه منصوب على المصدربة أي افتفاء بالكلية، وقيل: إنه تمييز محوّل
عن الفاعل أي انتفى أصله وكذا قوله: رأساً بعده. قوله: (بأن نسخ تلاوته) فالنسيان كناية عن النسخ لأنّ ما لم ينسخ تلاوته من شأنه أن يتلى فيحفظ وغيره يترك فينسى فظهر فساد ما قيل من أنّ النسخ لا يوجب النسيان. قوله: (وقيل المراد الخ) ذكر فيه أربعة أوجه مبنية على أنّ الاستثناء حقيقي أو مجازي بأن يكون بمعنى القلة لأنّ المخرج في الاستثناء أقل من إلباقي ولأنّ ما شاء الله في العرف يستعمل للمجهول فكأنه قيل: إلا أمراً نادرا لا يعلم فإذا دل مثله على القلة عرفاً، والقلة قد يراد بها النفي في نحو قل من يقول: كذا مجازاً أريد بالاستثناء هنا ذلك وهذا هو الوجه الثالث والرابع المبني على التجوّز في الاستثناء فان كان على حقيقته فالنسيان إمّا بمعناه المتعارف أو بمعنى نسخ الحكم والتلاوة، والحديث المذكور صحيح رواه البخاريّ، وغيره وكانت الصلاة صلاة الفجر فإن قلت: لا ينسى النبيّ ﷺ رأساً وهذا الحديث مناف له ولا يلائمه قوله: فلا تنسى لأنه لا يكون الاستثناء من النفي نفياً بل هو إثبات والحمل على التأكيد بعيد قلت: أجاب عنه بعض شراح الكشاف بأنه على هذا من قبيل قوله: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
والمعنى فلا تنسى إلا نسيانا معدوما، وهو النسيان المتعلق به مشيئة الله أن يكون هذا النسيان نسيانا إلا أنه لا يقرّ على النسيان فيما كان من أصول الشرائع والواجبات، وقد يقرّ على ما ليس منها أو منها وهو من الآداب، والسنن كما ذكره الإمام هنا. قوله:) ما ظهر من أحوالكم) تفسير للجهر فليس المراد به معناه المعروف المخصوص بالأقوال بل الأعم بقرينة مقابله، وقوله: وما بطن تفسير لقوله: وما يخفى فهو على هذا تاكيد لجميع ما تقدّمه وتوطئة لما بعده، وقوله: أو جهرك الخ فما ظهر بمعناه الحقيقي، وقوله: وما دعاك إليه أي إلى الجهل تفسير لقوله: وما يخفى فهو على هذا تأكيد لقوله: سنقرئك فلا تنسى وقوله: فيعلم ما فيه الخ هو متفرع
стр. 3088
على المعنى الأوّل ويجوز تفرعه عليهما معاً.
قوله: (ونعدّك) أي نجعلك مستعذاً لها ومتهيا كما في الحديث: " كل ميسر لما خلق
له "، واليسرى صفة لموصوف مقدّر كما ذكره، وقوله: في حفظ الوحي متعلق باليسرى
بمعنى المتيسرة فيه، وقوله: أو التدين معطوف على حفظ الوحي فالمراد به دينه وشريعته السمحة التي هي أسهل الشرائع وأشرفها. قوله: (ولهذه النكتة (أي لإرادة معنى التوفيق منه عذاه بنفسه، ولولاه عدى باللام كما في قوله: فسنيسره لليسرى، ولا دخل للأعداد في التعدية بنفسه كما توهم لأنه يقال: يسره لكذا بمعنى هيأه وأعده له كما في الأساس فهو متعد باللام. قوله: (وإئه يعلم اعتراضر) وقيل: إنه يجوز فيه أن يكون تعليلا لما قبله وفيه نظر، وقوله: استتب بمعنى استقام واستمر وهو إشارة إلى وجه تفرعه على ما قبله من قوله: ونيسرك الخ لأنّ المعنى حينئذ إنه تعالى، وفقك لحفظ وحيه ونشر شرائعه فذكر. قوله: العل هذه الشرطية الخ (جواب عما يرد من أنه مأمور بالتبليغ نفع أم لا فما وجه هذا التقييد بأنه لما بلغ وأعاد التبليغ بمكة وأصروا على العناد ولم يزدهم تذكيره إلا غروراً، وعلم الله ما هو عليه من الحرص والتحسر، المؤثر فيه كما في قوله: لعلك باخع نفسك أمره بما ذكر مشروطاً تخفيفا عليه، واعذارا في أمر، بعد ذلك بالقتال. قوله:) أو لذم المذكرين الخ (هذا هو الجواب الثاني فيكون الشرط معناه غير مراد كما في الوجه السابق بل المراد ذم هؤلاء كما تقول عظ فلانا إن سبمع منك، والمقصود تسلية النبيّ ﷺ ، وقوله: أو للإشعار الخ هذا هو الجواب الثالث قيل: والفرق بينه وبين الأوّل إنّ الشرط قيد لإدامة التذكير على الأوّل بخلافه على هذا فلا يلزم مجيئه بعد تكرير التذكير ويرد عليه لزوم عدم وجوب تذكيره لمن أعلمه الله بعدم إيمانه كأبي لهب مع أنه واجب لإلزام الحجة، وأمره بالإعراض إنما هو بعد التبليغ والإنذار كما صرّحوا به ثمة وفيه بحث، وقيل: المراد ذكر كل أحد بما يليق فيذكر تارك الصلاة بما يتعلق بذلك وهكذا. قوله: (وهو يتناول العارف والمتردد) أي المقر بالحشر والمتردد فيه بخلاف الجاحد المصر فإنه لا يتعظ وهو الأشقى والأقسام ثلاثة كما فصله الإمام. قوله: (الكافر فإنه أشقى من الفاسق (قيل عليه إنه أدخل المتردّد فيما قبله وهو داخل في الكافر أيضاً فلا يكون قسيما لمن
يخشى على هذا فالوجه هو الثاني فإنّ المتوغل في الكفر هو المنكر وفيه بحث. قوله: (نار جهنم) فتكون على هذا كبرى صغراها نار الدنيا كما نطق به الحديث المذكور، وهذا على أنّ المراد بالأشقى الكافر فإن أريد الأشد كفرا فالكبرى الدرك الأسفل وصغراها ما عداه من الطبقات. قوله تعالى: ( ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ الخ) ثم هنا للتفاوت الرتبي إشارة إلى أنّ خلوده أفظع من دخوله النار وصليه، ويستريح بمعنى يجد راحة وهذا مخصوص بالكفرة لا بعصاة المؤمنين ففي مسلم عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ : " أمّا أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على انهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا علينا فينبتون نبات الحبة في حميل السبل " انتهى. قوله: (حياة تنفعه) دفع للتناقفى بين النفيين، وقوله: من الزكاء وهو كالنماء لفظا ومعنى، وقوله: أو تطهر الخ لم يقدمه على المعنى الثاني مع أنه متحد مع الأوّل في كون الزكاة فيهما بمعنى الطهارة لئلا يفصل بين المعنيين السابقين فإنهما بمعنى واحد فإنّ من تطهر عن الكفر والمعصية فهو متق وأيضا أخره لتقترن الصلاة بالزكاة فإنهما أخوان، ومن لم يتنبه لهذا قال: كان الأنسب تقديمه على الثاني لما ذكرناه. قوله:) أو أذى الزكاة) فهو تفعل من الزكاة كالتصدق من الصدقة يعني يحمل تزكي على إيتاء الزكاة فيصير كقوله: ﴿أَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٧] ولذا قيل عليه إنّ عادته تعالى في كلامه الشريف تقديم الصلاة على الزكاة، ورد بأنه لا ضير في مخالفة العادة مع أنّ الجاري تقديمها إذا ذكرت باسمها أمّا إذا ذكرت بفعل مأخوذ منه فلا كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [سورة القيامة، الآية: ٣١] وإن قيل: لا نقض به لأنه محتمل، وقوله: بقلبه ولسانه فإنه تطهير عن الكفر ولا بد من الإقرار فيه، وقوله: كقوله الخ مرّ تفسيره. قوله: (ويجوز أن يراد بالذكر الخ) فدل على وجوب تكبيرة الافتتاح لأنّ الاحتياط في العبادات واجب فلا يرد عليه أنه كيف
стр. 3089
يكون حجة وهو محتمل لغير ذلك، وعلى أنّ الافتتاح جائز بكل
اسم الله، وعلى أنّ تكبيرة التحريم شرط لا ركن لأنّ عطف الكل على الجزء كعطف العام على الخاص، وإن جاز فإنه لا يكون بالفاء مع أنه لو سلم صحته بتكلف فلا بدّ له من نكتة لمدعي، وقوعه في الكلام المعجز وحيث لم تظهر لم يصح ادعاؤه وبناء الركنية عليه كما ذكره الشافعية فتأمّل. قوله: (تكبيرة التحريم) أي التي تصح بها الصلاة، وفيه إشارة لضعفه لأنها عند الشافعية ركن والمصنف شافعي، وعندنا شرط ولو كانت ركناً نافاه عطف الصلاة لأنّ مقتضاه المغايرة فيلزم عطفه على نفسه لأنه من عطف الكل على الجزء، وهو وإن كان كعطف العام لكن لا بد فيه من نكتة بلاغية وهي منعدمة كما قيل فتدبر. قوله: (وقيل: تزكى تصدّق ا! خ (هذا منقول عن عليّ كرّم الله وجهه، ورضي عنه وأورد عليه أنّ الإمام قال: إنّ السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمغة عيد، ولا فطر ويرده إنّ ما ذكر من الإجماع غير صحيح نعم هو القول الأصح وعلى تسليمه فيجوز أن يكون إخباراً عما سيأتي قبل وقوعه كما في غيره من المغيبات وفيه تأمّل. توله: (فلا تفعلون ما يسعدكم الخ) إشارة إلى أنّ الإضراب عن قوله: قد أفلح من تزكى، وقوله. للأشقين، إشارة إلى أنّ الأشقى في معنى الجمع لأنّ تعريفه للجنس فالخطاب لجميع الكفرة والالتفات لأنّ الخطاب بالذم أقوى في التوبيخ والتقريع ٤ وإذا أضمر قل فلا التفات، وصرفوا عن رتبة الخطاب من الله تذليلا لهم لعدم تأهلهم له، وإذا كان الخطاب لجميع الناس فالمراد ما عدا الأنبياء والصديقين فهو كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة الأعلى، الآية: ١٦] وقوله: في الجملة إشارة إلى خروج الخواص بالقرينة العقلية. قوله: (فإن نعيمها) يعني الجنة ملذ بصيغة اسم الفاعل من ألذاذا أوجد اللذة، وقوله: بالذات بخلاف نعيم الدنيا فإنه بالعرض كدفع ألم الجوع والعطش مثلاً وهو بيان لكونه خيراً، وقوله: لا انقطاع له لقوله: أبقى، وقوله: من قد أفلح لا من أوّل السورة فانّ قوله: سنقرئك من أحوال النبيّ الخاصة به، وذكره في الصحف بعيد، ولذا قال: فإنه الخ وقوله: قال ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة بحمد الله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد واكه وصحبه أجمعين.
سورة الغاشية
لم يذكروا خلافا في كونها مكية ولا في عدد آياتها المذكور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الداهية) أصل معنى الداهية ما يفجأ الإنسان فيدهشه من المصائب، ثم عمت فقيل: داهية لكل مصيبة وتستعار للرجل الفصيح، وتفسيره بالداهية التي تغشى بيان للتأنيث وأطلاق الغاشية على يوم القيامة فلا وجه لما قيل من أنّ الأظهر ترك اليوم لأنه لو ترك لم يحتج لتوجيه التأنيث قبله إذ لو قدر موصوفه القيامة أو الساعة لم يحتج لتوجيه، وقوله: أو النار معطوف على الداهية لأنها مؤنثة غير محتاجة لتوجيه تأنيث صفتها وتوصف بأنها غاشية، ولو عطفت على يوم القيامة صح لكن الأوّل أولى. قوله تعالى: ( ﴿خَاشِعَةً﴾ ) بمعنى ذليلة ولم توصف بالذل ابتداء لما في وصفها بالخشوع من الإشارة إلى التهكم، وانها لم تخشع في وقت ينفع فيه الخشوع، وكذا جعلها عاملة تهكم أيضاً فالظاهر الاستعارة فيهما فقوله: ما تتعب فيه بيان لحاصسل المعنى المراد وضمير فيه للموصول، وفيه إشارة إلى وجه تأخير ناصبة، وقوله: في الوحل متعلق بخوض الإبل لأنها لكونها لا حافر لها يصعب عليها المشي في الوحل كما هو معروف، والوحل بفتحتين دماهمال الطين المبلول بالماء، وقد تسكن حاؤه في لغة مشهورة لكن الفتح أفصح، وقوله: في تلالها ووهادها جمع تل وهو المرتفع من الأرض والوهاد جمع وهدة وهو المنخفض، وفيه لف ونشر مرتب فالصعود في التلال والهبوط في الوهاد. قوله: (أو عملت الخ (إشارة إلى بعض الوجوه الأربعة المذكورة في الكشاف ولم يؤوّل خاشعة فظاهره أنّ الذل المذكور في الآخرة وعامله ناصبة إمّا بمعنى المستقبل فالجميع في الآخرة ويومئذ متعلق بالجميع معنى كما أشار إليه أوّلاً أو خاشعة مستقبل، وعاملة ناصبة بمعنى الماضي إشارة إلى عملهم
стр. 3090
في الدنيا الذي صار هباء منثورا في الآخرة فيومئذ متعلق بخاشعة، والتقييد به لما عرفته من التهكم وهذا وإن كان خلاف الظاهر، ولذا أخره المصنف لا تعقيد فيه لظهور القرينة لأنّ العمل لا يكون في الآخرة كما لا يخفى، ولذا لم يتعرّض المصنف لكون عاملة ماضيا وناصبة مستقبل كما في الكشاف لما فيه من البعد. قوله:) تدخلها) فيه تسمح لأنّ
الدخول إنما يتعدى إلى مكانها وأصلاه بمعنى أحرقه، وقوله: للمبالغة المستفادة من تكثير البنية والتفعيل، وقوله: متناهية في الحرّ من حميت النار إذا اشتد حرّها. قوله: (بلغت إناها في الحرّ) أي غايتها فيه كقوله: حميم آن وأناها بفتح الهمزة والمد والكسر، والقصر بمعنى الغاية كما في القاموس وغير. ووزن آنية هنا فاعلة، وأمّ آنية في سورة الإنسان فجمع إناء كوعاء لفظاً ومعنى ووزنه أفعلة والأصل أأنية بهمزتين ولذا أميلت الألف هنا لم ويملها أحد هناك فاحفظه. قوله: (يبيس) فعيل من اليبس وهو معروف والشبرق بزنة الزبرج رطبة وهو نبت تأكله الإبل رطبا فإذا يبس تركته كما قيل في ذم من لا ينفع شابا ولا شيخا.
شباب لمن ذاقه شبرق وشيب يحاكي ضريع البوادي
وقوله: شجرة نارية أي هي من الأشجار التي خلقها الله في النار وما في بعض النسخ
بدل نارية بادية بالموحدة والدال المهملة من تحريف الناسخ، وفيه تفاسير أخر وهي على هذا استعارة كما أشار إليه بقوله: تشبه الضريع. قوله: (ولعله طعام هؤلاء الخ) إشارة إلى أن ما ذكر هنا بحسب الظاهر مناف لقوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [سورة الحاقة، الآية: ٣٦] ونحوه مما مرّ فيوفق بينهما بأنّ لجهنم طبقات ولأهل كل طبقة طعام وامّا أنّ الغسلين وهو الصديد في القدرة الإلهية أن يجعله على هيئة الضريع فطعامهم الغسلين الذي هو الضريع فلا يليق حمل القرآن على مثله لتعسفه. قوله: (أو المراد طعامهم) بمعنى أنّ الضريع مجاز أو كناية أريد به طعام مكروه حتى للإبل وغيرها من الحيوانات التي تلتذ برعي الشوك فلا ينافي كونه زقوما أو غسلينا وتتحاماه أي تجتنبه، وتعافه بمعنى تنفر منه وتكرهه، وقوله: كما قال الخ فإنّ وصفه بما ذكر يدل على أنه لا فائدة فيه لأنّ نفع المأكول دفع ألم الجوع وتسمين البدن فإذا خلا عن ذلك علم أنه شيء مكروه منفور عنه، وفي الكشاف إنه أريد أنه لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الناس كما يقال: ليس لفلان ظل إلا الشمس أي لا ظل له فهو تعليق بالمحال، أريد به النفي على آكد وجه كقوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وعليه يحمل قوله ولا طعام إلا من غسلين، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [سورة الدخان، الآية: ٤٣] وبه تندفع المخالفة مطلقا وهذا وجه آخر غير ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى وكأنّ المصنف تركه لبعده عنده لا لما قيل إنه لا يتأتى في كل محل فتأمل. قوله: (لا يسمن ولا يغني من جوع (صفة ضريع أو طعام مقدر أو مستأنف لأنه لو وصف به طعام المذكور فسد المعنى لاقتضائه ثبوت ما ذكر كما قرره الفاضل اليمني في
حواشيه، وقوله: والمقصود الخ هو على الوجهين وإن كان بالثاني أنسب. قوله:) ذات بهجة (على أنه من النعومة، وكني به عن حسن المنظر أو هو من النعيم فتكون بمعنى متنعمة، وقوله: رضيت بعملها فالسعي بمعنى العمل ورضاها كناية أو مجاز عن أنه محمود العاقبة مجازي عليه أعظم الجزاء، وأنما قال: رضيت دون ترضى وإن قيل: إنه أظهر لأن مضيه بالنظر لزمان الحكم والحكم عليها بأنها متنعمة بعد مشاهدة الثواب المذكور فتدبر، وقوله: علية الخ فهو علوّ حسي أو معنوي، وقوله: يا مخاطب المراد به كل من يصلح للخطاب أو معين فعلى قراءته بالتاء الفوقية مفتوحة مع نصب لاغية هو إمّا للمخاطب، أو للغائبة المؤنثة على أن الضمير للوجوه والإسناد مجازي لأنّ السامع أصحابها، وقوله: وقرأ الخ فعلى هذا لاغية مرفوعة. قوله: (لفوا) على أنّ اللاغية مصدر بمعنى اللغو أو هو صفة كلمة وجعلها لاغية على النسب، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: ذات لغوا وهو على التجوّز في الطرف أو التشبيه لأنّ الكلمة ملغو بها لا لاغية أو صفة لنفس مقدرة وجعلها مسموعة لوصفها بما تسمع كما تقول: سمعت زيداً يقول كذا، أو تجوز في النسبة أيضا كما قيل. قوله: (يجري ماؤها لا ينقطع) عدم الانقطاع من وصف العين لأنها الماء الجاري فوصفها بالجريان
стр. 3091
يدل على المبالغة كما في قوله تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ ، وهذا أحسن من جعل اسم الفاعل للاستمرار بقرينة المقام وما أحسن قول بعض الصوفية العين الجارية، لمن عينه من خشية الله جارية هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وقوله: والتنكير للتعظيم أحسن من قول الزمخشري للتكثير كما في علمت نفس، وقوله: رفيعة الخ السمك الارتفاع في جهة العلو فالرفعة معنوية أو حسية، وقوله: بالفتح والضمّ أراد فتح الراء والنون أو ضمهما ويجوز كسرهما أيضا فهو مثلث ومساند جمع مسند وهو المخدة المعروفة. قوله: (بسط فاخرة (وقال الراغب: إنها في الأصل ثياب محبرة منسوبة إلى محل، ثم استعيرت للبسط وقوله: جمع زربية هي مثلثة الزاي كما صزج به أهل اللغة وتكون بمعنى المساند أيضا ومبثوثة بمعنى مفرقة، وتجوّز بها عن الفرثى فالمراد بسط مبسوطة. قوله: (نظر اعتبار (لأنه يقال: نظر إليه بمعنى تاً مّله مع أنّ قوله تعالى: كيف خلقت دالّ على أن المراد ليس مجرد الأبصار، وقوله: كيف خلقت بدل من الإبل بدل اشتمال وكيف
وحدها معمول خلقت مقدّمة لصدارتها، وقوله: دالاً على كمال قدرته الخ إشارة إلى ما تضمنتة كيف من التعجب كما مرّ في قوله: كيف تكفرون بالله، وقوله: لجز الأثقال المراد بالجرّ إيصالها، والنائية بمعنى البعيدة، وقوله: باركة بالموحدة والراء المهملة وهو في الجمال كالجلوس في الناس، وقوله: للحمل بفتح الحاء مصدر، وقوله: ناهضة أي منتصبة للقيام، وقوله: بالحمل بكسر الحاء المهملة وهو ما كان على الظهر أو الرأس والباء للتعدية أو الملابسة أو المصاحبة. قوله: (طوال الأعناق الخ) الأوقار جمع وقر، وهو الحمل الثقيل ومعنى تنوء به تقوم به، وترفعه فالباء كالتي مرّت يعني أنّ طول عنقها مع عظم رأسها هو المعين لها على القيام بعد التحميل بالحمل الثقيل فإنها كالقبان المعادل برمانته للأوزان الثقيلة فهذا من الحكم العظيمة لمن اعتير. قوله: (وتحتمل العطش إلى عشر) بكسر العين، وهو الظمء بين الوردين إذا كان ثمانية أيام وهذه الأظماء معروفة وكلها مكسورة الأوّل وهي ورد وغب وربع إلى العشر وليس لها بعده اسم إلى العشرين فيقال: عشران بالتثنية، ثم هي جوائز بعد ذلك، ويجوز فتح العين أيضاً والبراري جمع برية وهي المفازة، وقوله: منافع أخر كوبرها ولبنها وقوله: لبيان متعلق بقوله: خصت. قوله: (وقيل المراد بها السحاب الخ) هذا مما ذهب إليه بعض المفسرين ولما لم تسمع الإبل بهذا المجنى جعله الزمخشريّ استعارة ووجه الشبه ظاهر والداعي لتفسيره بما ذكر لتكون المتعاطفات متناسبة على ما يقتضيه قانون البلاغة، وقد قالوا: على ما فصله الإمام أنّ وجه التناسب فيها أنّ المخاطبين هم العرب، وهم أهل أسفار على الإبل في البراري فربما انفردوا فيها، والمنفرد يتفكر لعدم رفيق يحادثه، وشاغل يشغله فيفكر فيما يقع عليه طرفه فإذا نظر لما معه رأى الإبل وإذا نظر لما فوقه رأى السماء، وإذا نظر يميناً وشمالاً رأى الجبال وإذا نظر لأسفل رأى الأرض فأمر بالنظر في خلوته لما يتعلق به النظر من هذه الأمور فبينها مناسبة بهذا الاعتباو وكل المخلوقات دالة على الصانع مأمور بالنظر فيها لكن فيها ما يشتهي كالوجوه الحسان، وما يرغب فيه وبميل له الطبع كالذهب والفضة وغيرهما فلو أمر بالنظر فيها، أو فيما يشملها لشغلته الشهوة والميل الطبيعي عن الانتقال منها إلى المراد فأمر بالنظر فيما ذكر لكونه حاضراً معهم، ولا يشتغل به ناظره عما أراد وجميع ما ذكر من المخلوقات العظيمة المحتاجة للصانع الدالة عليه دلالة ظاهرة.
وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه الواحد
ولذا عقب هذا بأمره بالتذكير، وقال فذكر الخ. قوله: (فهي راسخة لا تميل) كما نشاهده ونطقت به الآثار، وذهب إليه أكثر الحكماء وهل هي على الماء أو الهواء ذهب إلى كل منهما طائفة، وقيل: إنها متحركة دائما على الاستدارة وقيل إلى أسفل كما ذكره أبو علي عن بعض الحكماء والحس ياباه، وقوله: بسطت إمّا على نفي كريتها كما عليه أهل الشرع، أو هو بحسب ما نراه لعظمها وقوله وحذف الراجع أي العائد والتقدير خلقتها وهكذا، وأنما احتاج إليه لأنه بدل اشتمال كما مرّ ولا بد معه من الضمير العائد إلى المبدل منه كما صرّح به النحاة وقوله، والمعنى الخ إشارة إلى وجه ارتباط قوله: أفلا ينظرون إلى قوله: سطحت بما قبله
стр. 3092
من ذكر المعاد والحاصل أنهم أمروا بالنظر فيما ذكر ليستدلوا به على ذلك، وقوله: ولذلك أي لكون المعنى ما ذكر عقبه بذكر المعاد والأمر بالتذكر، وقرن بالفاء لأنه مترتب عليه أو هي فصيحة. قوله: (فلا عليك) أي ليس عليك بأس وضرر، وقوله: إن لم ينظروا بكسر الهمزة على أنها إن الشرطية وبفتحها على أنها مصدرية قبلها حرف جر مقدر وهو إشارة إلى وجه تفريعه على ما قبله، وقوله: إذ ما عليك الخ تفسير لقوله: إنما أنت مذكر، وقوله: وعن هشام عن ابن عامر، وروي عن قنبل وابن ذكوان أيضا كما في النشر وهكذا هو في النسخ وفي بعضها بدل قوله عن هشام عن الكسائيّ، واعترض عليه بأنه لم يظفر به في الكتب المشهورة وقوله: بالسين على الأصل فمانّ الصاد مبدلة منها فإنه من السطر بمعنى التسلط يقال سطر عليه إذا تسلط، وقوله: بالإشمام أي إشمام الصاد زايا باشمام الصاد سينا كما توهم فإنه لم يذكر في كتب الأداء وقد تقدم تفصيله. قوله: (لكن من تولى وكفر) يعني أنّ الاستثناء منقطع والا بمعنى لكن وبعده جملة فإن من مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، وقوله: فيعذبه الخ خبره ومن المنقطع ما يقع بعد إلا فيه جملة، وفي الكشاف الاستثناء منقطع أي لست بمستول عليهم لكن من تولى وكفر منهم فإنّ لله الولاية عليه والقهر فيعذبه في نار جهنم فقيل: إنه لم يجعله متصلا لأنه لو كان كذلك كان مستولياً عليهم، وقد ذكر أنّ الولاية لله لا لغيره بقوله: فيعذبه الخ ومن شرطية، والأصح أنها موصولة هنا لا شرطية لمكان الفاء والشرطية فيها تكلف ولا إشكال في الانقطاع كما قيل فتدبر. قوله: (يعني عذاب الآخرة) فانه أكبر، وعذاب الدنيا بالنسبة له أصغر كما مرّ،
وقوله: وقيل متصل مستثنى من ضمير عليهم متبع له فهو في محل جر، وقوله: فإنّ الخ توجيه له لأنه يدل على الاستيلاء والتسلط لكونه من النفي، وقوله: وكأنه أوعدهم الخ جواب سؤال مقدّر بأنه كيف يسلط عليهم والسورة مكية، ولم يؤمر بالقتال فيها فأجاب بأنه وعد للنبيّ لمجر ووعيد للكفار بما سيكون، وقوله: وعذاب النار في الآخرة إشارة إلى أن الاسنيلاء بغيره وهدّا زيادة عليه، وقوله: فذكر إلا من تولى الخ فيكون لمن تكرر تذكيره وفيه ما مرّ في قوله: إن نفعت الذكرى فتذكره، وقوله: ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام على التنبيه ووجه التأييد أنه استثناء منقطع عما قبله فيؤيد الانقطاع معنى لأنّ الأصل توافق القرا آت. قوله: (رجوعهم) فهو بمعنى إليه المصير كما مر مراراً. قوله: (وقرئ بالتشديد) أي إيابهم بياء مشذدة بعد همزة مكسورة، وهي قراءة شيبة وأبي جعفر قال الطبليوسي في كتاب المثلثات هذه القراءة تحتمل تأويلين أحدهما أن يكون فعالاً وأصله أوّاب فلم يعتذ بالواو الأولى حاجزاً لضعفها بالسكون فأبدل من الواو الثانية ياء لانكسار الهمزة فصار في التقدير أو يا بأتم قلبت الأولى ياء أيضاً لاجتماع ياء وواو وسكون إحداهما ولأنّ الواو الأولى إذا لم تمنع من انقلاب الثانية فهي أجدر بالانقلاب، والثاني أن يكون فيعالاً وأصله إيواباً فأعل إعلال سيد وفعله على هذا أيب، وأصله أيوب كما ذكرنا والوجه الأوّل أقيس لأنهم قالوا في مصدره التأويب والتفعيل مصدر فعل لا فيعل، ومع ذلك فقد قالوا: هو سريع الأوبة والأيبة فكأنهم آثروا الياء لخفتها انتهى فقول المصنف رحمه الله تعالى مصدر فيعل هو الوجه الثاني، وقد عرفت تحقيقه، وقوله: أو فعال هو الوجه الأوّل فيكون مثل كذب كذاباً، وقوله: قلبت الخ قيل عليه إنه مخالف لما قرّر في الصرف من أنّ الواو الموضوعة على الإدغام لا تقلب الأولى ياء، وإن انكسر ما قبلها ومثلوا له بهذا فكأنّ ابن السيد عدل عنه ليكون أتم، ثم إن ما ذكروه على تسليمه لا ينافي ورود خلافه شذوذا. قوله: (قلبها في ديوان الخ) قيل عليه أنّ التشبيه ليس بجيد لأنه لم ينطق بدوّان، ولولا جمعه على دواوين لم يعلم أصله وقد نصوا على شذوذ ديوان فلا يقاس عليه غيره ورد بأنّ عدم النطق بدوّ أن لا يلزم منه ردّه، وقد صرّحوا بأصل ديوان وقيراط بدليل الجمع فيهما وديوان لم يذكر للقياس عليه بل للتنظير به، واعترض عليه بأنّ المراد أنه لا حاجة إلى ارتكاب مخالفة القياس إذا كان عنه مندوحة لجواز كون أصله فيعالاً أو فعوالاً ولا يلزم من تنصيص النحاة على أنّ أصله دوّان النطق به فإنّ أصل قال: قول ولم ينطق به، وقد عرفت ردّ. مما ذكرناه عن ابن السيد فتذكره. قوله: (وتقديم الخبر) وهو علينا للتخصيص به تعالى فالمبالغة
من جعله لازما عليه دون
стр. 3093
غيره مع ما في ضمير العظمة من التهويل كأنه قيل ليس حسابهم إلى٦ على ملك مقتدر منتقم، والحديث المذكور موضوع كنظائره (تمت (السورة بحمد الله ومه والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه الكرام.
سورة الفجر
هي مكية عند الجمهور وقيل إنها مدنية وفي عدد آياتها قول آخر أنها اثنتان وعشرون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أو فلقه) بفتحتين أي ضوئه الممتدّ كالعمود وأصل معنى الفجر والفلق الشق، وجوّز فيه بعضهم سكون اللام كالشق لفظاً ومعنى والأوّل أولى، وقوله: كقوله الخ هو مؤيد للتفسيرين أمّ الأوّل فلأنه أقسم بالصبح، وأمّا الثاني فلأنه مقيد بالتنفس، وهو الإضاءة كما مرّ والنظر للقيد، وأمّا إطلاقه على الصلاة فمجاز شهور أو هو على تقدير مضاف. قوله: (أو النحر) معطوف على عرفة، وقوله: وتنكيرها أي ليال وعشر على الوجهين للتعظيم المستفاد من الإيهام أو هو للتبعيض لأنها بعض ليالي السنة أو الشهر تعظيمها لفضيلة، وثواب ليس لغيرها ولولا قصد هذا كان الظاهر تعريفها كأخواتها لأنها ليال معهودة معينة. قوله: (وقرئ وليال عشر بال! ! افة) في إعراب السمين هي قراءة ابن عباص، وبعضهم قال: ليال في هذه القراءة بدون ياء وبعضهم قال: إنه بالياء وهو القياس والمراد ليالي أيام عشر وكان من حقه على هذا أن يقال عشرة لأنّ المعدود مذكر، ويجاب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان ومنه وأتبعه بست من شوّال في الحديث وسمع الكسائيّ ضمنا من الشهر خمساً انتهى، والمرجح ل! وقوعه في الفاصلة. قوله: (على أنّ المراد الخ) مراده ما مرّ وقد عرفت ما له وعليه، وقوله: شفعها ووترها بالجر بدل من الأشياء فالمراد به جميع الموجودات من الذوات والمعاني لأنها لا تخلوا من شفع ووتر، وقوله: أو الخلق بالجرّ عطف على الأشياء فالشفع وحده بمعنى جميع الخلق للازدواج فيه كما في الآية المذكورة والوتر هو الله تعالى لأنه من أسمائه، وهو بمعنى الواحد الأحد فأقسم الله بذاته وخلقه فقوله: والخالق معطوف على الخلق، وعلى هذا كان
الظاهر تقديم الوتر فأخر للفاصلة. قوله: (ومن فسرهما الخ) فعلى الأوّل من هذه التفاسير الشفع العناصر لأنها أربعة والوتر الأفلاك لأنها سبعة أو تسعة، وعلى الثاني الشفع البروج لأنها اثنا عشر والوتر السيارات السبع وعلى الثالث ظاهر وعلى الرابع الشفع يوم النحر لأنه العاشر، والوتر يوم عرفة لأنه التاسع والشفع في الأوّل المزدوج بمجموعه وعلى الأخير الآخر الذي حصل به الازدواج وهو مستعمل بالمعنيين. قولط: (وقد روي مرفوعاً) إلى النبيّ ﷺ أراد ترجيح الوجه الأخير لأنه رواه أحمد وغيره عن جابر عن النبيّ ﷺ قال: " العشر عشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة " وهو حديث صحيح وفي شرح الطيبي روى الإمام أحمد والترمذي عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ ، سئل عن الشفع والوتر فقال: " الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر " وهو التفسير الذي لا محيد عته، انتهى فلو صرف قوله وقد روي إلى الأخيرين صح لكن مراده الأوّل وقوله: أو بغيرها كالأعضاء والقلب والشفتين واللسان إلى غير ذلك مما في التفاسير. قوله: (فلعله الخ) خبر قوله: من فسرهما يعني أنّ المراد جميع الأشياء والمفسر بهذا نص على نوع منه لنكتة فقوله دلالة الخ ناظر إلى الأوّلين، وقوله: أو مدخلا معطوف على دلالة وهو ناظر لتفسيره بالصلاة، وقوله: أو مناسبة معطوف على قوله: دلالة، وهو ناظر لتفسيره باليومين المناسب لليال وضمير قبلهما مثنى للشفع والوتر، وقوله: أكثر منفعة ناظر للعناصر والعلويات وهو أوّل الوجوه فاللف مشوس، وما قيل من أنه ناظر لقوله: بغيرها لا وجه له لأنه لم يبين- ختى تذكر منفعته، ويرد على المصنف رحمه الله تعالى أنّ ما مرّ في الحديث يأباه كما لا يخفى فانه تفسير مأثور على القطع بالتعيين لا على التمثيل فكان عليه أن لا يدرجه في ذلك إلا أنه يبقى الكلام في التوفيق بين الحديثين فتأمّل. قوله: (وقرأ الخ) قال السمين قرأه الأخوان
стр. 3094
بالكسر وهي لغة تميم والباقون بالفتح، وهي لغة قريش ولا وجه للتخصيص بالعدد كما توهم فإنّ الأصمعيّ نقله في غيره أيضاً وروي عن أبي عمرو فتح الواو وكسر التاء، وهو إمّا لغة أو نقل حركة الراء في الوفف لما قبلها
وقوله: كالحبر بكسر الحاء المهملة، وفتحها وسكون الموحدة بمعنى العالم واحد الأحبار. قوله: " ذا يمضي الخ) الظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة ووجه الشبه ظاهر، وقوله: لما في التعاقب بين الليل والنهار بمجيء أحدهما عقب الآخر كما في قوله: خلفه فإنّ ذهاب أحدهما ومجيء الآخر دال على القدرة الإلهية ووفور النعمة كثرتها لما في الليل من الراحة التي هي من أعظم النعم، وما في النهار من المكاسب وغيرها ولو دام أحدهما لم تتمّ النعمة وفي قوله: قوة إشارة إلى أنّ في التعاقب زيادة وقوّة وأصل النعم حاصل بدونه، وكذا الدلالة على القدرة. قوله: (او يسري فيه) على أنه تجوز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان والمقام في المثال صالح لهما، وفي تفسير البغوي سئل الأخفش عن علة سقوط يائه فقال الليل: لا يسري ولكن يسري فيه يعني أنه لما عدل عن الظاهر في المعنى وغير عما كان حقه معنى غير لفظه لأنّ الشيء يجر جنسه لألفه به كما أنه في قوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ٢٨] لما عدل عن باغية أسقطت منه التاء ولم يقل بغية ومثله من بدائع اللغة العربية فافهمه. قوله: (وحذف الياء الخ) وكان الأصل إثباتها لأنها لام مضارع غير مجزوم لكنها حذفت للتخفيف، ولتتوافق رؤوس الآي ولذا رسمت كذلك في المصاحف ولا ينبغي أن يقال إنها حذفت لسقوطها في خط المصحف المجيد فإنه يقتضي أنّ القراءة باتباع الرسم دون رواية سابقة عليه وهو غير صحيح، والقراء مختلفون فمنهم من حذف وصلا ووفقاً ومنهم من خصه بأحدهما كما فصل في كتب الأداء، وما نقل عن أبي عمرو قال أبو حيان إنه رواية عنه. قوله: (وقرئ يسر بالتنوين الخ) هي قراءة أبي الدنيا الأعرابيّ ونوّن الفجر والوتر أيضاً وهو تنوين الترنم الحقه بالفواصل تشبيها لها بالقوافي المطلقة وهذا التنوين يدخل الفعل والحرف، والمعرف بأل المطلقة بمعنى المحركة والساكنة تسمى بعيدة كما ذكره العروضيون والتنوين الذي يلحقها يسمى غالياً. قوله: (يعتبره) أي يتأمل فيما أقسم الله به، وقوله: ويؤكد به أي بالقسم ما أقسم عليه فإنّ من له لب يدري أنّ المقسم به فيه دلائل على الوحدانية والربوبية وأتى بالاستفهام ليؤكد به ذلك كما يقولط المتكلم بعد ذكر الدليل هل دل هذا على ما قلناه، وقوله: يعتبره للقسم، وقوله: يؤكد به بصيغة المجهول للمقسم عليه وعطفه بالواو واشارة إلى أنّ الما! واحد وقوله: يحجر أن يمنع وقوله: كما سمي عقلا لمنعه صاحبه كما يمنع العقال ولذا قيل:
قد عقلنا والعقل أيّ وثاق وصبرنا والصبر مرّ المذاق
ونهية بضمّ النون وسكون الهاء بمعنى العقل أيضا لأنه ينهي صاحبه عما لا يليق ويسمى
أيضا حصاة لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (والمقسم عليه محذوف الخ) اختلف في الجواب فقيل إنه مذكور وهو إنّ ربك لبالمرصاد، وعن مقاتل إنه هل في ذلك الخ وهل بمعنى إن وهو باطل رواية ودراية، وقيل: إنه مقدر وتقدير. ليعذبن وارتضاه المصنف رحمه الله تعالى والدليل عليه قوله: ألم تر الخ وقيل: الدليل خاتمة السورة قبله، وقوله: كما سمي بنوها شم الخ فإنه يطلق اسم الأب على نسله مجازاً شائعا حتى ألحق بالحقيقة. قوله: (على تقدير مضاف الخ (قدره لتصح البدلية فيه، والسبط ولد الولد لا ولد البنت كما توهم فلزم كون ارم اسم أمهم لا جدهم فإنه وهم، وقوله: إن صح الخ إشارة إلى عدم صحته فإنه كذب مشهور وأثر موضوع، وفي صفات تلك المدينة أمور غريبة في الكشاف طرف منها، وقوله: باسم جدهم مجازاً أو حقيقة فلا يحتاج للتقدير فيه، وقد اعترض على الشيخين بأنّ كلامهما هنا مخالف لما مرّ في تفسير قوله: ﴿أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [سورة هود، الآية: ٦٠] في سورة هود لدلالته على أنّ ارم ليسوا قوم هود وعاد الثانية فبين الكلامين مخالفة ظاهرة إلا أن يحمل على تعدد القولين، ونحوه كما أشاو إليه في القاموس. قوله: (ومنع صرفه الخ) التأنيث باعتبار القبيلة، وهذا على الوجوه الثلاثة، وقوله: البناء الرفيع أي العالي أو المراد طول القامات على التشبيه بالأسطوانات وقوله: أو الرفعة بعلوّ المقدار فهو استعارة، وقوله: الثبات هو طول العمر أو الوقار فهو
стр. 3095
استعارة أيضاً، وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه لم تصح به الرواية كما ذكره ابن حجر وما ذكر عن ابن قلابة موضوع وقيل: تمريضه لمخالفته لظاهر قوله، وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر ولا يخفى أن الريح لا تنافي الصيحة كما مز، وقوله: وملك المعمورة أي الدنيا
كلها ودانت أي انقادت، وطاعت وقوله: فلما تم أي البناء. قوله: (والضمير الخ) توجيه لتأنيثه والمعنى لم يخلق مثلهم شدة وطول قد ود وأعمار أو لم يخلق مثل هذه المدينة سعة وحسن بيوت وبساتين، وقوله: بالواد الباء ظرفية والجار والمجرور متعلق بجابوا أو هو حال من الفاعل أو المفعول، وقرئ بالياء وبإسقاطها كما في يسر ووادي القرى معروف. قوله: (ومضاربهم) معطوف على جنوده وهو جمع مضرب بمعنى الخيمة لا جمع مضروبة كما توهم، وقوله: يضربونها المراد يضربون أوتادها وقوله: لتعذيبه بالأوتاد المراد أنه كان يدق للمعذب أربعة أوتاد ويشده بها مبطوحاً على الأرضى، ثم يعذبه بما يريده من ضرب وإحراق وغيره، وقوله: منصوب أو مرفوع بتقدير أعني الذين أوهم الذين وعلى الأوّل هو مجرور ورجح الثاني الزمخشريّ. قوله: (ما خلط لهم) فالمعنى على هذا أنزل عليهم أنواعاً من العذاب، وهو مصدر ساطه أي خلطه كما في قول كعب:
لكنها خلة قد سيط من دمها فجمع وولع وأخلاف وتبديل
أريد به المفعول هنا قيل، وبه سميت الآلة المعروفة لما ذكره المصنف أو لأنها تخلط اللحم بالدم، وقوله: المضفور بالضاد المعجمة بمعنى المفتول، والطاقات جمع طاقة بمعنى طاقة وهو معروف. قوله: (وقيل شبه بالسوط الخ (هو ما ذهب إليه الزمخشري، وهو على أنّ السوط الآلة المعروفة فاستعيرت لعذاب أدون من غيره، وكني به عن ذلك وامّا استعارة الصب للعذاب فشائعة كالإذاقة يقال: صب عليه السوط وقنعه به، وغشاه وهو تمثيل وتصوير لحلوله أو لتتابعه عليه وتكرّر.، وقيل: هو من قبيل لخين الماء والإضافة بمعنى من أو اللام والصب مستعار للإنزال أي أنزل عليهم عذاباً قليلا هينا بالنسبة لما بعده والصب مشعر بالكثرة، والكثرة والقلة من الأمور النسبية أو هو من الاستعارة المصرحة والمستعار له نوع من العذاب المذكور فتدبر. قوله:) المكان الذي يترقب فيه (أي ينتظر، وقوله: الرصد جمع راصد أي يقومون به لمن يترصدونه، وقد تقدم أن مفعالاً اسم مكان أو صيغة مبالغة كمطعام ومطعان، وقد جوّز هنا كما مرّ في سورة عم فالباء تجريدية كما قيل فلا يمنع عما ذكره لكنه يلزمه إطلاق المرصاد على
الله وفيه شيء والميقات موضع الإحرام ووقته بمعنى عينه وارصاده وضمنه معنى الإرادة فعداه هنا. قوله: (وهو تمثيل لإرصاده الخ) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ استعارة تمثيلية شبه كونه تعالى حافظاً لأعمال العباد مترقباً لها ومجازيا على نقيرها وقطميرها بحيث لا ينجو منه أحد بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها ليأخذه فيوقع به، ما يريد ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. قوله: (كأنه قيل الخ) هو بيان لاتصال قوله: فأما الإنسان الخ بما قبله ولو وجه اقترانه بالفاء بأنه مؤذن بتنافي ما بعدها لما قبلها على التعكيس فانه تعالى إذا كان مترصداً لهم مجازياً على القليل والكمير تفرع عليه طاعة العباد والجد في العبادة فهم يعكسون ذلك وينظرون للدنيا فإن نالوا منها شيئاً رضوا وإلا سخطوا، وقوله: من الآخرة من للتعليل ٠ قوله: (فلا يريد إلا السعي) تبع فيه الزمخشري في قوله: لا يريد من الإنسان إلا الطاعة وقد شنع عليه في الانتصاف لابتناء كلامه على الاعتزال، وأنّ المعاصي ليست لإرادته إلا أنه لا وجه له كما في الكشف لأنه إذا كانت الإرادة بمعنى الطلب، والأمر لم يكن محل النزاع إنما النزاع إذا كانت الإرادة بالمعنى المتعارف وهي غير مرادة هنا. قوله: (اختبره بالغنى واليسر) مرّ تحقيقه في سورة الملك وأنّ المراد عامله معاملة المختبر له، وقوله: بالجاه والمال كل منهما راجع لكل منهما وليس لفاً ونشرا وإن احتمله الكلام لأنهما في حكم شيء واحد ولذا اقتصر على قوله: كرمني، ولم يقل ونعمني. قوله: (وهو خبر المبتدأ الخ) هذا هو أحد الوجهين فيه، وهو الصحيح والظرف منصوب بالخبر في نية التاخير ولا تمنع الفاء من ذلك كما صرح به الزمخشريّ، وغيره من متقدمي النحاة وتبعهم من بعدهم من غير نكير كأبي حيان والسمين والسفاقسي مع جم غفير من المفسرين، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وقد خالفهم في ذلك
стр. 3096
الرضي، ومن تبعه كالدماميني في شرح المغني فقالوا: إنه إنما يجوز تقديم ما بعد الفاء عليها إذا كان المقدم هو الفاصل بين أما والفاء لما يتعلق بتقديمه، من الأغراض فإن كان ثمة فاصل آخر امتنع تقديم غيره فيمتنع أما زيد طعامك فآكل وإن جارّ أما طعامك فزيد آكل ولما ظنه محشي الطول متفقا عليه أورده على ما ذكر. المفسرون هنا، وقال: إنه خطأ والصواب أن يجعل الظرف متعلقاً بمقدر والتقدير فأمّا شأن الإنسان الخ فالظرف من تتمة الخبر المفصول به، وليس فاصلاً ثانياً كقولك: إمّا إحسان زيد إلى الفقمير فحسن لأنهم لما التزموا حذف الشرط لزم
دخول أداته على فاء الجواب، وهو مستكره فدعت الضرورة للفصل بينهما بشيء مما بعد الفاء والفاصل الواحد كاف فيه فيجب الاقتصار عليه، ولم يشعر هؤلاء بأن ما ذكر غير متفق عليه نعم هو كما قيل: مخصوص بالظرف لتوسعهم فيه، وأما التوجيه الذي توهمه فهو على تقديره لا يصح وقوع جملة يقول: خبرا عنه إلا بتعسف كتأويله بالمصدر بتقدير أن أو جعله كقوله: تسمع بالمعيدي فقد فر من السحاب إلى الميزاب، وذهب أبو البقاء إلى أن إذا شرطية وقوله: فيقول جوابها والجملة الشرطية خبر الإنمعاق ويلزمه حذف اففاء بدون القول، وقد قيل إنه ضرورة. قوله: (ليوازن قسيمه) متعلق بالتقدير فلما ذكر الإنسان محكوما عليه علم أنّ المقصود من التفصيل هو هذا لا الظرف فوجب تقديره هو، أو ضميره هنا ليصح التفصيل ويتم التوازن فإنه إذا قدم في الأوّل اسم أو ظرف يقدم في عديله مثله نحو إما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور، وأما إذا أنعم على المؤمن فهو شاكر وأما إذا حرم فهو صابر. قوله: (لقصور نظره) على أمر الدنيا العاجل وسوء فكره لظنه الإكرام بسعة الرزق لا غيره: " ولو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقي شقياً منها شربة ماء " وقوله: فان الخ لأنه بقلة رزقه إذا صبر حصل له الثواب الجزيل في الآخرة واستراح من الكد وأمن من العدو وسلم من المكاره والإرزاء وأما اعتقاد الكبراء والتماس الدعاء فليس بكرإمة كما يتوهم وقوله: على قوليه، وهما أكرمني وأهانني وانهما ليسا بصواب، وقوله: ولذلك الإشارة إلى قصور النظر وسوء الفكر في الأمرين معا. قوله: (مع أن قوله الأوّل الخ) جواب سؤال مقدر وهو أنه كيف يذمه على قوله الأوّل وهو أكرمني مع أنه صادق مطابق لقول الله أكرمه، ولذا جعله الزمخشري مصروفا للثاني فقط لأف كجف يردعه عنه مع ما ذكر، والحاصل أنه ذكر الإكرام على وجه مغاير لما ذكره الله لأنه تعالى ذكر إكرامه له ليشكر، ويحسن كما أحسن الله إليه فذكره هو على وجه الافتخار والترفع به وحبه له المانع له عن بذله فهي كلمة حق أريد بها باطل، ولذا ذم على قوليه. قوله: (ولم يقل فأهانه وقدر عليه الخ) معطوف على قوله: ذمه لأنّ التقتير ليس بإهانة كما توهم لأنّ التوسعة تفضل واحسان من الله، وهي بحسب الذات مكرمة وترتب الذم جمليها بالعرض وترك الإحسان لا يكون إهانة لأنه قد يترك من غير قصد للإهانة فهو معلل بما قبله، ولذا قال: ولأنّ
التوسعة ب! لعطف وترك العطف في بعضها لا يأباه كما توهم. قوله: (وقرأ ابن عامر الخ) إثبات الياء على الأصل وحذفها للاكتفاء بالكسرة وتفصيل القراآت فيها في النشر وشروح الشاطبية، وقوله: بالتشديد أي بتشديد الدال، والتقدير والتقتير بمعنى التضييق في الرزق. قوله: (بل فعلهم أسوأ من قولهم (السابق والإضراب من القبيح إلى الأقبح للترقي في ذمهم، وقوله: تهالكهم المراد به شدة بخلهم وشحهم ولذا قال: بالمال دون على المال كما هو مقتضى الظاهر أو هو متعلق بمقدر أي تهالكهم في الشح بالمال، واطلاق الفعل على الترك لأنه كف للنفس فيتضمن الفعل أو للتغليب كما عممه لفعل الجوارح والقلب، والمبرة بالفتح الإحسان. قوله: (ولا يحثون) تفسير لقوله ص: يحضون، وقوله: أهلهم هو مفعوله المقدّر ولو قدر عاما أي أحدا أو نزل منزلة اللازم للتعميم كان وجها وقوله: فضلاً الخ لأنهم إذا لم يأمروا من هو معهم ممتثل لأمرهم فكيف يأمرون غيرهم، وقوله: تحاضون أصله تتحاضون فحذفت إحدى التاءين أي يحض بعضهم بعضا، وكون المراد بقوله: فضلا عن غيرهم عن المساكين لتوهم أن المرء قد لا يحض أهله لإنفاقهم من ماله ويحض غيرهم توهم باطل وقوله: أصله وراث فأبدلت الواو تاء كما في تخمة، ونحوه وهو كثير وقوله: ذا لنم أي بتقدير المضاف ولو لم يقدر للمبالغة جاز كرجل عدل. قوله: (فإنهم كانوا لا يورثون الخ) وكان توريثهم من شريعة إسماعيل، أو مما هو
стр. 3097
معلوم لهم وثابت عندهم فلا يقال: السورة مكية وآية المواريث مدنية ولا تعلم الحرمة، والحل إلا من الشرع والحسن والقبيح العقليين ليسا مذهبا لنا أو المراد ذم الوارث بإسرافه واتلافه ما ورثه من غير تعب كما في الكشاف قيل، وأنما تركه المصنف لأنه غير مناسب للسياق، وهو قريب مما ذكر وقوله: بالياء وهو مسند للإنسان لأنه بمعنى الناس، والتاء التفات أو بتقدير قل لهم يا محمد ذلك. قوله: (دكا بعد دك) فليس الثاني تأكيدا بل التكرير للدلالة على الاستيعاب كقرأت النحو بابا بابا وجاء القوم رجلاً رجلاً والدك قريب من
الدق لفظاً ومعنى كرك ورق، وقوله: عن ذلك الإشارة لما ذكر من ترك إكرام اليتيم وما بعده. قوله: (مثل ذلك) بصيغة المجهول من التمثيل والإشارة لظهور آثار القدرة والقهر يعني أنه تعالى لا يوصف بالنزول والمجيء، ونحوه مما يوصف به الأجسام فهذا استعارة تمثيلية لما ذكر، وقوله: بحسب منازلهم أو بحسب خدماتهم وهو قريب مما ذكر وقوله: برّزت الجحيم فمجيئها متجوّز به عن إظهارها كما صرح به في آية أخرى وقوله: وفي الحديث الخ إشارة إلى تفسير آخر المجيء فيه على ظاهره، وقوله: يجرّونها جملة حالية أو مستأنفة. قوله: (أي يتذكر معاصيه) فهو من الذكر ضد النسيان، وقوله: أو يتعظ فهو من التذكير والموعظة وقوله: منفعة الذكرى أي هو بتقدير مضاف فيه أو المراد نفعها من اللام أو المراد تنزيلها منزلة العدم أو هو حكاية ما كان عليه في الدنيا من عدم الاعتبار والاتعاظ والتناقض إذا كانا بمعنى واحد وهو الظاهر من السياق. قوله: (واستدل به على عدم الخ) أي استدلّ به على أنّ التوبة من حيث هي توبة غير واجبة القبول عقلاً كما زعم المعتزلة بناء على وجوب الأصلح عندهم إذ لو وجب قبولها لوجب قبول هذا التذكر فإنه توبة إذ التوبة كما بين في الكلام هي الندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزم على أن لا يعود لها إذا قدر عليها ولم يعتبر أحد في تعريفها كونها في الدنيا، وإن كانت النافعة منها لا تكون إلا في الدنيا وهذا التذكير هو عين الندم المذكور ولم يقبل لعدم ترتب المنفعة عليه التي هي من لوازم القبول، وفيه بحث ظاهر وعليه منع ظاهر الورود فتدبر. قوله: (أي لحياتي هذه) فاللام للتعليل ومفعول قدمت محذوف وهو الأعمال الصالحة فتمنى أن يكون عمل ما ينفعه اليوم والمراد بحياته حياته في الآخرة وقوله: وقت حياتي على أنّ اللام بمعنى وقت كما في نحو لخمس مضين ونحوه والمراد الحياة التي في الدنيا فقوله: أعمالاً صالحة على الوجهين وقيل: المعنى قدمت لأجل أن تحيا حياة نافعة لأنها لا تموت ولا تحيا حينثذ. قوله: (وليس في هذا التمني الخ) ردّ لما في الكشاف بناء على مذهبه من أن هذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم معلقاً بقصدهم، وارادتهم وانهم لم يكونوا محجورين عن الطاعات مجبرين على المعاصي كمذهب أهل الأهواء والا فما معنى
التحسر لأن كونهم متحسرين لا ينافي كونهم محجورين فإنّ المحجور قد يتمنى ويتحسر على ما حجر عنه إذا كان قادرا عليه في الجملة سواء كان بالتأثير أو بالكسب الذي ذهب إليه أهل الحق وهو مقارنة قدرة العبد دمأرادته للفعل من غير أن يكون هناك له تأثيرا ومدخل في وجوده. قوله: (فإنّ المحجور الخ) هذا سند للمنع إلا أنه قيل: إنه يجامع المقدّمة الممنوعة وفي الكث! ف التمني يقع على المستحيل مع أنه حينئذ كالغريق وأهل الحق لا يقولون بسلب الاختيار بالكلية. قوله: (إن كان ممكناً منه) إن مفتوحة مصدرية وممكنا اسم مفعول من التمكين أي أقدره الله عليه وكون أن شرطية وممكنا اسم فاعل من الإمكان قيل إنه تصحيف يردّه أن التمني لا يتوقف على الإمكان فان نوقش بأن بين قوله: المحجور وهذا القول فرّقا فإنه يقول: يا ليتني قدرت على أن أقدم لحياتي، ولا يقول: يا ليتني قدمت دفع بأنه أوّل المسألة فلبحرر. قوله: (إذ الآمر كله له) ولما كان هذا يستلزم أنه لا عذاب لأحد غيره أضافه للتعظيم والتهويل فاندفع ما قيل: إنّ هذا التعليل يقتضي إطلاق العذاب دون تقييده بالإضافة وبين ظاهرهما تناف ظاهر فتدبر. قوله: (أو للإنسان) أي الضمير المضاف إليه راجع للإنسان، والمصدر مضاف للمفعول واحد مراد به من يلي العذاب من الربانية، وقوله: على بناء المفعول والمعنى أنه لا يعذب أحد من جنسه كالعصاة فلا يلزم أنهم أشد عذابا من إبليس ومن في طبقته، وأما كون المعنى لا يتحمل أحد ما يستحقه كقوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
стр. 3098
[سورة الأنعام، الآية: ١٦٤] فيأباه المقام والعذأب مصدر بمعنى التعذيب كالسلام بمعنى التسليم. قوله: (على إرادة القول) أي ويقول الله بالذات أو بواسطة الملك، وتقديره ليرتبط بما قبله والقول إكراماً له عند الموت أو البعث، وقوله: وهي التي اطمأنت الخ أي سكنت ولم تقلق وهو المناسب لوقوعه في مقابلة غير المتذكرة، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٢٨] والمراد بترقيها فيما ذكر أنها تتفكر في الأدلة العقلية الموصلة إلى المقصود من معرفة الله تعالى، وقوله: فتستفز دون معرفته بالفاء والزاي المعجمة أي تضطرب وتقلق قبل الوصول إلى معرفة الله تعالى فإذا وصلت إليه استغنت به عما سوإه واطمأنت به. قوله:) أو إلى الحق) معطوف بحسب المعنى على قوله: بذكر الله لأنّ المعنى المطمئنة إلى ذكر الله أو إلى ذكر الحق، وقوله: لا يريبها شك أي لا يقلقها، وقوله: أو الآمنة معطوف على ما قبله بحسب
المعنى أيضا أو التقدير المطمثنة المستقرة لمعرفة الله أو النفس المؤمنة المتوفاة على الإيمان، والحاصل أن الاطمئنان إما سكون الاستفزاز في مقابلة الانتقال من الأسباب إلى المسببات واما سكون إلا من في مقابلة الخوف، والحزن أو سكون اليقين في مقابلة الريب، وقوله: قرئ بها ظاهره أنه قرئ أيتها النفس الآمنة بدل المطمثنة والذي في الكشاف أن أبيا ﵁ قرأ ياءيتها النفس الآمنة المطمئنة. قرله: (إلى أمره الخ) بالموت متعلق بإرجعي على التفسيرين والمراد بأمره الحكم لا عالم الأمر والمجردات كما قيل، وموعده الأجل وهو المراد بالموت أيضا، وقوله: أو بالبعث معطوف على قوله: بالموت وما بينهما اعتراض. قوله: (ويشعر ذلك الخ) يعني أن الأمر بالرجوع يقتضي أنّ لها مقراً قبل تعلقها بالبدن في عالم الملكوت، ولولاه لما قيل: ارجعي وهذا الإشعار إنما يكون إذا كان هذا القؤل عند الموت ولذا قدمه المصنف على قوله: أو بالبعث، وقيل: إنه عند دخول الجنة، وقيل: نزلت في حمزة رضي الله تعالى عنه، وقيل: في خبيب وضي الله عنه لما صلبه المشركون كما في الكشاف والظاهر العموم، ولذا ترك المصنف هذا الوجه إلا أن خصوص السبب لا يأباه. قوله: (راضية بما " أوتيت) من النعم التي لا تتناهى ولا وجه لما قيل الظاهر أن يقول راضية عن ربها مرضية عنده فإنه غير مناسب للسياق، وقوله: في جملة عبادي يشعر بأن النفس بمعنى الذات، وما قبله يقتضي أنها بمعنى الروح فكأنه إشارة إلى جواز كل من الوجهين وسيأتي ما هو صريح فيه، وقوله: الصالحين والمقربين من الإضافة التشريفية. قوله: (فتستضيء بنورهم الخ (إشارة إلى وجه إدخالها معهم، وقوله: فإنّ الجواهر القدسية أراد بها الأرواح المجرّدة في عالم الملكوت، وقوله: كالمرايا جمع مرآة، وقد قال الحريري في درة الغواص: إنه خطأ والصمواب مرائي، وليس كما قال: وقد صححناه في شرح الدرة وليس هذا محل تفصيله يعني إذا اجتمعت يستفيض بعضها من بعض أنوار المعارف الإلهية فينعكس لكل ما في الأخرى فلذا حشرت معها لتكميلها ما تستعد به للدرجات العالية، وقوله: عن النبيّ الخ حديث موضوع وقوله: العشر محتمل عشر ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان (تمت السورة) بحمد الله ومته والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
سورة البلد
لا خلاف في عدد آياتها والخلاف في كونها مكية أو مدنية بتمامها أو إلا أربع آيات من
أولها ولكون هذين القولين يأباهما قوله بهذا البلد ادعى الزمخشري الإجماع على كونها مكية، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو الظاهر وأمّا احتمال نزولها بمكة بعد الهجرة فتكون مدنية على قول فبعيد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أقسم الخ) إشارة إلى أنّ لا صلة هنا، وأنّ البلد هنا مكة شزفها الله تعالى، وقوله:
وقيده الخ إشارة إلى أنّ الجملة الاسمية حالية على هذا الوجه وأنّ الخطاب له جمتن، وقوله: إظهار المزيد فضله إن كان الضمير للرسول ﷺ كما هو المتبادر فإقحام المزيد لأنّ له شرفا ذاتياً وعليه علاوة مما ذكر وغيره
стр. 3099
والإظهار لأنه قيد القسم بحلوله به فكأنه أقسم به لأجله وإن كان للبلد الحرام فوجهه أنّ القسم يفيد شيئين تعظيم المقسم به، وتوكيد المقسم عليه وهو تعريض بعدم شرف أهل مكة وانهم جهلوا جهلاَ عظيما لهمهم ب! خراج من هو حقيق به وبه يتم شرفه. قوله: (وإشعارا الخ) إمّا أن يعتبر هذا على ظاهره، وعمومه بناء على أنه ليس للأمكنة شرف ذاتيّ أصلا إلا الأماكن المقدسة والمعابد المطهرة، ولا مانع منه فيتسمح في قوله: أهله على أنّ المراذ به ما يقع فيه من العبادة ومن عبد الله به ومن أتاه من الملائكة بأمره تعالى، وكونه قبلة وموطناً لإجابة الدعاء، وافاضة الخير والرحمة بما فيه من ذلك وبتشريف الله له وتجلية له كما تجلى للطور، وقيل: المراد مطلق المكان دون خصوص مكة فلا ينافي الوجه الأوّل والإشعار لأن البلد المشرف على سائر البلاد إذا زاد شرفه بمرحلة يفهم منه ثبوت أصل الشرف لغيره (وفيه بحث (والحل صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه، ولا عبرة بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة. قوله: (وقيل حل مستحل) بزنة اسم المفعول، وتعرضك نائب فاعله أي مستحل التعرّض لأذيتك، وقوله: في غيره لأنه لا يحل فيه، وفيه تعريض بتجميم وتفريقهم بأنه لا يستحل فيه الحمام فكيف يستحل فيه دم سيد الأنام عليه الصلاة واللام والجملة على هذين الوجهين معترضة، وتجوز الحالية إن أبقينا لا على ظاهرها أو قلنا بأنها حال مقدرة في الوجه الأخير والحل على هذا ضد الحرمة، ولما فيه من البعد مرضه ولأنّ الحل يراد به الاستفبال في الوجه
الأخير، وهو غير متبادر منه وفيه تسلية له ﷺ ووعد بنصره واهلاك ضده. قوله: (ساعة من النهار الخ) إشارة إلى ما ورد في الحديث من قوله ﷺ يوم الفتح: " إن مكة لم تحل لآحد قبلي ولا بعدي وإنها أحلت لي ساعة " وهو معروف في كتب الحديث، وقوله: والوالد الخ على أن المراد به الأب الأعلى للنبيّ ﷺ ، وقوله: ذريته على أنّ المراد آدم ﵊ وما بعده على ما بعده ففيه لف ونشر، ويخمل رجوع كل لكل منهما لأنّ العرب ذرية إسماعيل. قوله: (ولشار ما على من الخ) يعني أنه أوثر ما لإرأدة الوصف فيفيد التعظيم في مقام المدح، وأنه مما لا يكتنه كنهه لثذة إبهامها، ولذا أفادت التعجب أو التعجيب وإن لم يكن استفهاماً كما ذكره الزمخشري في مواضع من الكشاف كما في قوله: بما وضعت أي أيّ مولود عظيم الشأن، وضعته وهذا على كون المراد إبراهيم والنبيّ عليهما الصلاة والسلام ظاهر أما على أنّ المراد به آدم وذريته فالتعجب من كثرتهم أو مما خص به الإنسان من خواص البشر كالنطق والعقل وحسن الصورة لا من وصف الكل بوصف البعض كما قيل: فإنه إلغاز مخل. قوله: (ومته المكابدة) لمقاساة الشدائد وأصله الشدة المؤثرة لوجع الكبد، ثم عنم فضمير منه للتعب أو لوجع الكبد وهذا أقرب وقوله: والإنسان الخ بيان لكون الإنسان خلق في التعب، ووجه التسلية إنه لم يخلق الناس للرّاحة في الدنيا، وكل من كان أعظم فهو أشدّ تعبا وقوله: لبعضهم أي لبعض قريش وقوله يغتر أي يحصل له غرور بقوته الجسمانية وأبو الأشد بالشين المعجمة وضبطه بعضهم بالمهملة كما سبق ني شرح الكشاف وكلدة كتمرة علم والأديم الجلد المدبوغ، وقوله: عكاظي منسوب إلى عكاظ وهو سوق معروف للعرب يصنع فيه أقوى الجلود وحسنها، وقوله: أو لكل أحد منهم أي
ممن كثرت مكابدته وغروره والاستفهام للتعجب. قوله: (أو للأشمان) المذكور بعمومه والتهديد وإن كان عاما بحسب الظاهر فهو مصروف لمن يستحقه وعلى الأوّل الضمير يعود على ما فهم من السياق، وقوله: في ذلك الوقت أي وقت الانتقام منه، وقوله: سمعة أي رياء ليسمع به الناس. قوله: (أو بعد ذلك) الإنفاق فلم بمعنى لن وعبر بها لتحققه وقوله: يعني أنّ الله يراه عبر بالمضارع مشاكلة لما في النظم، ولذا لم يقل: رآه وليس المقصود استمراره حتى يعترض عليه، وهذا ناظر للأوّل وقوله: أو يجده للثاني وعليه فالمراد بالرؤية الوجدأن اللازم له فتدبر، وقوله: ثم قرر ذلك أي الإنكار أو كونه يرأه أو يجده فيحاسبه، ويجازيه فإنّ من قدر على ما خلقه قادر على مجازاته ومحاسبتة، والاطلاع على حاله وقوله وغيرها كالنفخ. توله: (يترج! م به (أي يبلغ به ما في ضميره والترجمة لا تختص بتفسير لسان بآخر كما توهم، وقد وردت بهذا المعنى أيضا كقوله:
стр. 3100
إنّ الث! ط نين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان
ويحتمل أنه على هذا استعارة. قوله: (طريقي الخير والشرّا لا يخفى إنه ذكر في سياق الامتنان فالمرإد الامتنان عليه بان هداه وبين له الطريق فسلكها تارة، وعدل عنها أخرى فلا امتنان عليه بالشرّ ولذا جعله الإمام بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٣] ووصف مكان الخير بالرفعة والنجدية ظاهر بخلاف الشرّ فإنه هبوط من ذروة الفطرة إلى حضيض الشقوة فهو على التغليب أو على توهم المتخيلة له صعودا فتدبر. قوله: (أو الثديين) أي ثديي الأم والعرب تقول في القسم إما ونجديها ما فعلت كذا فالنجد الثدي والبطن تحته كالغور، وقوله: وأصله الخ هو على التفسيرين منقول من هذا، وقوله: فلم يشكر الخ بيان لحاصل المراد منه إذ المراد أنه مقصر مع ما أنعم به عليه من عظيم الأنعام والأيادي النعم، وقوله: وهو أي الاقتحام. قوله: (استعارها) أي العقبة لأنها استعارة مصرحة لشكر المنعم بالعمل بالأركان وشكر الإحسان بالإحسان فشبه الإعتاق والإطعام لعلو منزلته عند الله بمحل مرتفع وأثبت له الاقتحام ترشيحاً أو جعل فعله اقتحاما وصعودا شاقا
وذكره بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة، وقوله: لما فيهما الخ متعلق بقوله: استعارها للإشارة لوجه الشبه فسقط قول الإمام إنه لا بد فيه من تقدير أي ما أدراك ما اقتحام العقبة لأنّ العقبة غير الفك لأنه إن أراد أنها غيره بحسب الحقيقة فلا نزاع فيه، وإن أراد ادعاء ومجازاً فلا وجه له وكذا ما قيل العقبة عين والفك معنى فكيف يفسر أحدهما بالآخر، والمراد بالاقتحام فعل ذلك. قوله: (ولتعدّد المراد الخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو أن لا يجب تكرارها في بعض المواضع على ما فصله في المغني كما إذا دخلت على الماضي كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [سورة القيامة، الآية: ٣١] وما نحن فيه من ذلك فلم لم تكرر بأنّ اللازم تكرارها لفظاً أو معتى وهي مكررة هنا معنى لأنّ لا اقتحم لما فسر بما بعده كان في قوّة قولك لا فك رقبة، ولا أطعم الخ فقوله: بما أي بلفظ ما في قوله: ما أدراك ما العقبة، وقوله: موقع لم أي من غير تكرار مع الماضي وفي الآية أجوبة أخرى منها أنه لما عطف عليه كان وهو منفي أيضاً فكأنها كررت، وقيل: لا للدّعاء وقيل: مخففة من إلا وقيل: إنها للنفي فيما يستقبل فانظره في المطوّلات من النحو. قوله:) فك) الظاهر أنه بصيغة الماضي على القراءة الثانية، وكوت مصدراً عطف عليه الفعل لتأويله بالمصدر بعيد، وقوله: لتباعد الخ هو على الوجهين وهو إشارة إلى أن ثم هنا للتراخي في الرتبة، وقوله: لاستقلاله أي لكونه يستقل بكونه سببا للتجاة وشكرا جمدون الأعمال كمن آمن وصدّق تصديقا تاماً، ثم مات في يومه قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال فإنّ ذلك ينفعه ويخلصه بخلاف ما عداه فإنه لا يعتد به بدونه فعطف بثم، وإن كان مقدّماً لما ذكر. قوله: (مفعلات) أي مصادر ميمية على هذا الوزن، وقوله: وترب إذا افتقر أصله ألصق جلده بالتراب لجلوسه في حفرة لعدم ما يستره أو لإلصاق بطنه بالأرض من شذة الجوع والاستدلال بهذا على معنى الفقر موقوف على كون الصفة كاشفة وهو غير متعين، وقوله: فك رقبة بصيغة الماضي مبدلة من اقتحم وما بينهما اعتراض على هذه القراءة. قوله: (أو بموجبات (بكسر الجيم أي أسبابها فهو مجاز أريد بالمسبب سببه، أو فيه مضاف مقدر، وقوله: اليمين أي جهة اليمين التي فيها السعداء أو اليمن لكونهم ميامين على أنفسهم وغيرهم:
واذاسخر الإله سعيداً لا ناس فإنهم سعداء
وقوله: بما نصبناه فالآيات بمعنى الأدلة أو هي آيات القرآن المعروفة. قوله: (ولتكرير
ذكر المؤمنين الخ) قال في شرح المغني: سألت بعض الأصحاب عن وجه التفرقة بين المؤمنين والكافرين حيث ترك ضمير الفصل في الأوّلين وأتى بدله باسم الإشارة وقال السمين الحكمة فيه أن اسم الإشارة يؤتى به لتمييز ما أريد به أكمل تمييز كقوله: هذا أبو الصقر البيت، ولا كذلك الضمير فإنّ اسم الإشارة البعيد يفيد التعظيم لتنزيل رفعة محله منزلة بعد درجته كما أشار إليه المصنف ﵀ فاسم الإشارة للتعظيم، والإشارة إلى تمييزهم واستحقاقهم كمال الشهرة بخلاف أصحاب المشأمة، والضمير لا يفيد ذلك. قوله: (من أوصدت الباب) واغلاق
стр. 3101
أبوابها أشد لتعذيب أصحابها، وقوله: وقرأ الخ فيه رد على الزمخشري إذ نقل طعن بعضهم على هذه القراءة مع تواترها، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع (تمت السورة) بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
سورة الشمس
لا خلاف في مكيتها وآياتها خمس عشرة أو ست عشرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وضوئها) قال الراغب: الضحى انبساط الشمس وامتداد النهار وبه سمي الوقت وضحى برز للشمس قال تعالى: ﴿لَا تَظمأ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [سورة طه، الآية: ١١٩] انتهى فحقيقته تباعد الشمس عن الأفق المرئي، وبروزها للناظرين ثم صارت حقيقة في وقته ثم إنه قيل: لأوّل الوقت ضمحوة ولما يليه ضحى، ولما بعده إلى قريب الزوال ضحاء بالفتح والمدّ فإذا أضيف إلى الشمس فهو مجاز عن إشراقها كما هنا فلا منافاة بين هذا وبين ما سيأتي في الضحى. قوله: (تلا طلوعه الخ) جعل المصنف التبعية باعتبار طلوعه وخروجه من الأفق والمتبوع إمّا طلوعها فهو في أوّلط الشهر فإنّ الشمس إذا طلعت من الأفق الشرقي أوّل النهار يطلع بعدها القمر تحت الشعاع فيرى بعد غروبها هلالاً أو غروبها، وذلك في ليلة البدر رابع عشر الشهر فإنه حينئذ في مقابلة الشمس والبعد بينهما نصف دور الفلك فاذا كانت الشمس في النصف الفوقاني من الفلك كان القمر في التحتاني فإذا غربت طلع القمر من الأفق الشرقي والزمخشري جعل التبعية في الإضاءة لأنه يكتسب الضوء منها فلذا قال: تلاها طالعاً عند غروبها آخذاً من نورها في النصف الأوّل من الشهر فإنه يأخذ في كل ليلة منه قدراً من النور بخلافه في النصف الثاني ومن غفل عن ذلك توهم أنّ المصنف قصد بمخالفته تخطئته، والرد عليه. قوله:) أو غروبها بها ليلة البدر) قد عرفت معناه قريباً وأنه مخالف لكلام الزمخشري فمن زعم أنهما بمعنى لم يتدبر كلامهما، وأمّا أن هذا أنسب بالمقسم به لأنه وقت ظهور سلطانه فإنه يناسب تعظيم شأنه أو ذاك لأنه وصف له بابتداء أمره فكما أنّ الضحى شباب النهار فكذا غرة الشهر كولادة القمر والنكات لا تتزاحم، وقوله: أو غروبها ليس بمناف لقول الجوهري سمي بدراً لأنه يسبق طلوعه غروب الشمس فكأنه يبدرها بالطلوع كما قيل لأنه بالتقريب فأعرفه. قوله: (في الاستدارة الخ) معطوف على قوله: تلا طلوعها الخ فيكون المراد بالتلو التأخر في الرتبة لأن جرمه دون جرمها ونوره دون نورها وهو مستمد منها وخليفة عنها. قوله: (جلى الشمس) أي أظهرها، وقوله: فإنها تتجلى الخ إشارة إلى أنّ فيه تجوّزاً في
الإسناد، وقوله: انبسط النهار أي مضى منه مدّة، وقوله: أو الظلمة فجلاها بمعنى أزالها، وقوله: وإن لم الخ إشارة لترجيح الأول بذكر مرجعه واتساق ضمائره لا ليشار بها كما قيل، وقوله: الدنيا المراد بها وجه الأرض، وقوله: يغشاها اختير المضارع فيه للفاصلة ولم يقل غشاها لأنه يحتاج إلى حذف أحد مفعوليه وفيه تنبيه على استواء الأزمنة عنده تعالى والأولى أن يقال: إنّ المراد به الظلمة الحادثة بعد الضوء لا العدم الأصلي، ولا الظلمة الأصلية فإنّ هذه أظهر في الدلالة على القدرة، وهي مستقبلة بالنسبة لما قبلها فلا بدّ من تغيير التعبير ليدل على المراد. قوله: (ولما كانت واوات العطف) جواب عما استصعبه الزمخشري من أنّ الواوات إن كانت عاطفة لزم عطف معمولي عاملين على مثلهما، وإن كانت قسمية لزم ما استكرهه الخليل وسيبويه من تعدّد القسم على مقسم واحد وحاصل الدفع إنه اختار الشق الأوّل ومنع المحذور فإنها عاطفة لمعمولي عامل واحد على معمول واحد، ومثله غير ممنوع بالاتفاق كما بينه المصنف، وقوله: الجارة بنفسها على الأصح لا بالنيابة عن الباء كما قيل وقوله: من حيث الخ تعليل لنيابتها عنه فإنه لا يجوز ذكر. معها بخلاف الباء كما لا يخفى فلما نابت عن الواو القسمية، وهي نائبة عن فعل فقد نابت عن حرف القسم الجار وعن فعل القسم الناصب فكان النصب، والجر عمل عامل واحد لكن ابن الحاجب نقض هذا بمثل قوله:
стр. 3102
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [سورة التكوير، الآية: ١٧] للعطف مع تقدم صريح القسم مع أن التحقيق إن الظرف ليس معمولاً لفعل القسم لفساد المعنى إذ هو غير مقيد بالزمان حالاً كان أو مستقبلا، وإنما هو معمول لمضاف مقدّر وهو العظمة لأن الأقسام بالشيء إعظام له وأورد عليه أنّ أقسامه تعالى بشيء مستعار لإظهار عظمتة، وابانة شرفه فيجوز تقييده باعتبار جزء المعنى المراد يعني الإظهار وأيضاً إذا كان الأقسام إعظاماً لغا تقديره، وقد جوّز تجريد إذا عن الظرفية وابدالها من مدخول الواو، ولا يخفى أنه ولو سلم ما ذكره فالاستعارة إمّا تبعية أو تمثيلية وعلى كل حال فليس ثمة ما يكون متعلقاً به بحسب الصناعة، والتقدير ليتعلق به وليظهر ما أريد منه مؤكداً فلا لغوية فيه، ومثله تخيل لا محصل له. قوله: (من حيث استلزمت الخ) متعلق بقوله: النائبة والمستتر فيه للواو الأولى كضمير معها وضمير طرحه لفعل القسم، وقوله: ربطن الخ جواب لما والمجرورات القمر والنهار والليل والظروف إذا بعد الثلاثة وليس المراد بالجمع الاثنين كما قيل: لمقارنته المجرووات، وقوله: بالمجرور والظرف أراد بالمجرور الشمس المجرورة بحرف
القسم وبالظرف فميا هيل: وضحاها لأنها في معنى إذا أشرقت أو لأنّ الضحى كثر استعماله بمعنى الوقت فيما قيل، ولما رأى بعضهم ما فيه من التكلف قال المراد بالظرف والمجرور هنا القمر وأذا بعده ولا يخفى ما فيه من البعد، وقوله؟ على عاملين مختلفين اتبع النحاة في هذه العبارة وفيها مضماف مقدو تقديره على معمولي عاملين مختلفين. قوله: (لإرادة معنى الوصفية) يعني أنّ أصل وضعها لما لا يعقل وقد يراد بها الصفة فإنها تقع استفهاماً للسؤال عنها فتقول زيد ما هو فيجاب بعالم أو جاهل بخلاف من فانها تختص بذوي العلم وقد أريد هنا الصفة فلذا أطلقت عليه تعالى وقد مر تفصيله في سورة النساء. قوله: (كأنه قيل والشيء القادر الخ الم يقل والباني ولأذى البناء لأنّ الصفة إمّا بمعنى المشتق فيقدر الأوّل أو ما قام بالغير فيقدر الثاني لأنّ المراد بالبناء ليس معناه المعروف بل إيجاد الإجرام العظيمة الدالة على كمال القدرة وبديع الحكمة والصنعة، ولذا فسره بما ذكر للدلالة على الوصفية المرادة هنا فسقط ما قيل من إن الأولى أن يقول وبانيها. قوله: (ولذلك أفرد ذكره (أي ذكر ما بناها مع أنّ في ذكر السماء غنية عنه للدلالة على إيجادها، وموجدها التزاماً والإشارة إلى ما ذكر من الدلالة على وجوده وكمال قدرته، وقوله: وكذا الكلام الخ أي أوثرت ما فيه لإرادة الوصفية فكأنه قيل: القادر الذي بسطها والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. قوله: (وجعل الماآت الخ) جمع ماء بالمد على إرادة لفظها وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره لم لم تجعل ما مصدرية كما ذهب إليه الفراء والزجاج ومن تبعهما ليسلم من ارتكاب إطلاقها على الله، وكذا قال في الكشاف وليس بالوجه لقوله: فألهمها وما يؤدّي إليه من فساد النظم إلا أنه خفي على شراحه وجه الفساد كما تردد فيه أصحاب الحواشي هنا، والظاهر أن المراد بتجريده من الفاعل أنه لا يكون له فاعل ظاهر وهو ظاهر ولا مضمر لعدم مرجعه، وهذا في الأفعال كلها هنا لا في ألهم وحده كما قيل: وخلل النظم لما فيه من عطف الفعل على الاسم، ولا يخفى أنه يكفي لصحة الإضمار دلالة السياق هي موجودة هنا وأنّ العطف حينئذ على صلة ما لا عليها مع صلتها فكأنه قيل ونفس وتسويتها فإلهامها الخ ولا يرد عليه اختلال الترتيب من غير مهلة لأنّ التسوية قبل نفخ الروج، والإلهام بعدها بزمان طويل لأنّ التسوية فسرت بتعديل الأعضاء والقوى التي منها المفكرة والإلهام موقوف عليها أو لا يتم إلا بها مع أنه قد يقال: إن الترتيب فيه عرفي، ثم إنه مشترك الإلزام ولا معنى لما قيل من أن النظم العربي يوجب توافق القرائن لأنه حاصل هنا وعطف الفعل على الاسم لشى بفاسد، وإن كان خلاف الظاهر فتدبر. قوله: (بقوله ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ ) متعلق بقوله: نظم لما فيه من معنى الارتباط وعدم الارتباط حينئذ لخفاء وجه الترتيب والعطف على ما فيه،
وقوله: إلا أق! يضمر الخ إشارة إلى ما مر وهو لدفع المحذورين معا لا لدفع الأوّل فقط حتى يعترض عليه بأنه كان ينبغي تقديمه بجنبه ودفع الأوّل به ظاهر، وكذا الثاني لأن التسوية والإلهام فعلان لله فيتأتى ترتب أحدهما على الآخر وتسببه عنه، وعلى كل حال فالكلام غير خال عن الكدر. قوله: (وتنكير نفس للتكثير) هذا وما بعده من التنوين، وقوله: والمراد نفس ذ م على الثاني، وبعد تفسير الإلهام بما ذكره
стр. 3103
المصنف كيف ي! مال: إن ما بعده لا يناسب الثاني، نعم قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ على هذا ينبغي أن يجعل من الاستخدام ولا بعد قيه.. قوله: (وإلهام الفجور الخ) أي لا إلقاؤهما في القلب حتى يحمله ذلك على أن يفجر أو
يتقي بل تعريفه بذلك بحيث يميز رشده من ضلاله كما في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد، الآية: ٠ ا] ، وقوله: أو التمكين الخ أي جعله متمكناً وقادراً على كل واحد منهما سواء قلنا إنه بخلق الله كما هو مدّهب أهل الحق أو بيخلق العبد كما هو مذهب المعتزلة فلا دليل فيه لهم كما توهمه الزمخشري، والى ردّه أشار المصنف ﵀، واستدلاله بجعله فاعلا للتزكية والتدسية ومتوليهما ليس بشيء لأنّ الإسناد يقتضي قيامه به لا صدوره عنه، وكون إسناد مثل هذه الأفعال حقيقة يقتضي الإيجاد مصادرة فاسدة لعوده على المدعي بعينه، وبما قرّرناه علم أنّ: الأوصاف لا تنافي تفسيره بآدم. قوله: (أنماها) فالتزكية بمعنى التنمية ولو جعل بمعنى التطهير من دنس الهيولى صح أيضاً، وقوله: وحذف اللام الخ لأنّ الماضي يقترن بهقد واللام في الأغلب فحذفت لطول جملة الجواب المقتضي للتخفيف أو لسدّه مسدّها وهذا دفع لأنه لو كان جواباً اقترن باللام، وعلى هذا قوله: كذبت ثمود الخ استطراد لمناسبته للجواب، وقوله: لما أراد به أي بقوله: قد أفلح الخ وتكميل النفس هو تزكيتها بالعمل والعلم، وقوله: والمبالغة يصح عطفه على الحث وتكميل، والمبالغة إمّا بجعله محققا ماضياً وجعله عين الفلاج، أو من جعل تنقيص شيء منه خيبة وخسرانا وهذا بيان لوجه تخصيص ما ذكر بالمقسم عليه، وقوله: أقسم عليه أي على هذا القول أو التكميل، وقوله: بما يدلهم هو ما ذكر من المصنوعات العظيمة فإنها تدل على صانع موصوف بما ذكر وفاعل زكاها ضمير من لا ضمير يعود على الله، والعائد الضمير المؤنث لأنّ المراد به النفس لأنه تعسف غير لازم كما بين في شروح الكشاف، وقوله: يذكرهم الخ بما خلق لهم في الآفاق والأنفس من النعم المقتضية لشكر المنعم بها، وقوله: الذي هو أي الشكر هو منتهى العمل وهو شامل لاعتقاد الجنان وعبادة الأركان وتنزيه اللسان ولا يضرّه كون الاعتقاد نظريا لأنه زيادة غير مضرّة أو يقال: المراد
بالشكر ما يظهر منه، والأوّل مما لا يطلع عليه غير الله، ومن هو صاحبه فلا غبار عليه. قوله: (وقيل هو اسثطراد الخ) أي قوله: قد أفلح الخ أمر مستطرد كما ذهب إليه الزمخشريّ والجواب ما قدّره لدلالة المذكور عليه ورد ما اختاره الزجاج، وتبعه المصنف بلزوم حذف اللام وبأنه لا يليق أن يجعلى التزكية، وهي من أدنى الكمال لاختصاصها بالعمليات مقصودة بالأقسام، ويعرض عن التحلية بالعقائد التي هي لب الألباب، وزبدة ما مخضته الأحقاب، ولو سلم عدم الاختصاص فهي مقدمة التحلية في البابين وأمّا حذف جواب القسم فكثير فصيح لا سيما في الكتاب العزيز، والمصنف لم يلتفت لشيء منه لأنّ حذف اللام كثير لا سيما وهنا ما يرجحه من الطول وقد ذكره هو في قوله: قد أفلح المؤمنون فما عدا مما بدا مع أنه أسهل من حذف الجملة بتمامها الذي اختاره هو، ولأنّ التزكية لا اختصاص لها كما أشار إليه في تفسيرها وليست مقدمة بل مقصودة بالذات ولذا فسرها بالإنماء دون التطهير، ولو سلم فلا مانع من الاعتناء ببعض المقدمات أحيانا لتوقف المقاصد عليها، وأمّا جعل الأوّل كناية عن الثاني فما لا داعي له فتنبه. قوله: (نقصها) أي نقص تزكيتها أو بعضها بتقصير. في التزكية، وقوله: أخفاها الخ المراد بإخفائها إخفاء استعدادها وفطرتها التي خلقت عليها، وتوله: وأصل دسى الخ هو على الثاني لأنّ الدس الإدخال وهو يستلزم الإخفاء، ويحتمل أنه عليهما والظاهر الأوّل وتقضي أي تقضض، ومعناه هوى كما في قوله:
تقضي البازي إذ البازي كسر
قوله: (بسبب طغيانها) فالباء سببية والطغوى مصدر بمعنى الطغيان، وجعلها الزمخشري للاستعانة في هذا الوجه، وقوله: أو بما أوعدت الخ فالطغوى على الأوّل المعاصي وطغيانها وعلى هذا هو من التجاوز عن الحد والزيادة في العذاب كما في طغى الماء إذا زاد زيادة مفرطة، والباء على هذا صلة كذبت كما في قوله: ﴿كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٦] وقوله: ذي الطغوى إشارة إلى تقدير مضاف فيه أو تأويله بما ذكر، ويجوز أن يراد بالطغوى العذاب نفسه مبالغة كما يوصف بغيره من المصادر، وقوله: فأهلكوا بالطاغية استشهاد معنوقي على وصف العذاب بالطغيان، وأنه المراد هنا أو الطاغية مصدر كالكاذبة، وقوله: تفرقة بين الاسم والصفة
стр. 3104
فانّ ياء فعلى تقلب في الاسم الجامد واواً ليتميز منه إذا كان صفة كصديا كما
قرّره النحاة، وهذا اسم لأنه مصدر وقوله: قرئ بالضم الخ قيل: يشكل على هذه القراءة قلب الياء واواً فإنه لا يفرق فيه بين الاسم والصفة وجوابه ما قاله السمين كان من حقه بقاء الياء على حالها كالسقيا، وهذا عند من يقول: طغوت بالواو فالواو أصل عنده كما قاله أبو البقاء، وقد تقدم في البقرة تفصيله. قوله: (حين قام (تفسير إذ انبعت فانبعت مطاوع بعثه بمعنى أرسله، وأقامه والمراد بقيامه مباشرته لما ذكر وقدار بزنة غلام اسم من عقر الناقة ومعناه جزار، وقوله: مالأه بالهمز بمعنى أعانه كأنه صار من ملئه وفي نسخة والاه وهو بمعنا.. قوله: (فإن أفعل الخ) والمراد إضافته لمعرفة مفضل عليه بقرينة ما في النظم فلا يرد عليه إنه إطلاق في غير محله لأنّ المضاف لنكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقا كالمقترن بمن، وقوله: فضل الخ يعني المراد بكون من ذكر أشقى إنه أشقى بالنسبة لمن عداه من ثمود لأنهم لم يباشروا العقر. قوله: (واحذروا) إشارة إلى أنّ نصبه على التحذير واضمار عامله واجب هنا كذا قاله المعرب: وقيل المراد أنه منصوب بتقدير ذروا واحذروا ولم يرد نصبه على التحذير كما في الكشاف لأنّ شرطه تكرير المحذر منه، أو كونه محذرا مما بعده ولك أن تقدر عظموا ناقة الله وقيل: المقدر ذروا وقوله: احذروا بيان للمعنى المراد وكلاهما مما لا وجه له أمّا الأوّل فلأن شرطه ما ذكر أو العطف عليه كما هنا، وأمّا الثاني فغنيّ عن البيان، وقوله: عقرها إشارة إلى تقدير المضاف فيه أو بيان للمراد من غير تقدير فيه، وقوله: فلا تذودوها بالذال المعجمة بمعنى تطردوها وفي نسخة تزووها بمعنى تنحوها وضمير عنها للسقيا. قوله: (فيما حذرهم الخ) أوّله بما ذكره لأنّ ما قاله لهم أمر للتحذير والتكذيب إنما يكودط في الخبر فهو هنا لخبر مقدر أو ضمني لتضمنه الأخبار بحلول العذاب إن فعلوا ما حدّرهم منه وقيل: إنّ ما قاله لهم من الأمر قاله: ناقلاً له عن الله فصح تكذيبه لأنه مخبر معنى، وقوله: فأطبق هو معنى دمدم وفي القاموس معناه أتمّ العذاب، وقوله: وهو من تكرير للفاء ووزانه فعفل، وقوله: ألبسها الشحم أي صارت سمينة من ألبسه كذا إذا غطاه فهو است! ارة. قوله: (فسوى الدمدمة بينهم أو عليهم) يعني ضمير سواها إمّا للدمدمة فالمعنى أنه جعلها سواء بينهم أو جعلها عليهم سواء أو الضمير لثمود والمعنى ما ذكر أيضاً. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (أي عاقبتها كما يخاف الملوك عاقبة ما تفعله
فهو استعارة تمثيلية لإهانتهم وانهم أذ. لا عند الله فالضمير في قوله: يخاف لله وفو الأظهر ويجوز عوده للرسول ﷺ أي أنه لا يخاف عاقبة إنذاره لهم وهو على الحقيقة كما إذا قيل الضمير للأشقى أي إنه لا يخاف عاقبة فعله الشنيع والواو للحال أو الاستئناف. قوله:) فلا على العطف) بالفاء وكذا هي في بعض المصاحف أيضاً، وقوله: عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع. تصت السورة اللهمّ إني أسألك بجاه محمد ﷺ زكاة نفسي وتقواها فأنت وليها ومولاها.
سورة والليل
لا خلاف في عدد آياتها والخلاف في النزول وسببه فقيل: مكية وهو الأشهر، وقيل: مدنية، وقيل: بعضها مكيّ وبعضها مدنيّ، وقيل: نزلت نجي أ! الدحداح الأنصاري وكاًن في دار منافق ذخلة يقع منها في دار يتامى في جواره بعض بلح فيأخذ، +منهم فقال لهءجمنن: " دعفا لهم ولك بدلها نخل في الجنة " فأبى فاشتراها أبو الدحداح بحائطها وقال للنبيّ جممر: أهبها لهم بالنخلة التي في الجنة الحديث.
بسم الله! رحمن الرحيم
قوله: (يغشى الشمس الخ) والمقسم به الليل كله لا بعضه في بعض الوجؤه كما توهم، وقوله: ظهر على أنه من جلاء الصقل المزيل لما عليه، وهو محتمل للاستعارة المكنية أيضا، وقوله: أو تبين على أنه من التجلي بمعنى الظهور واختلاف الفعلين مضيا واستقبالاً تقدم وجهه وفي بعض شروح الكشاف أنّ الأوّل على تقدير كون المغشي النهار أو كل شيء وقوله: أو تبين الخ على تقدير كون المغشي عليه الشمس، وقيل: إن فاعل تجلى
стр. 3105
ضمير النهار لا الشمس ولا كل شيء، ثم لا اختصاص للمعنى الأوّل بكون المغشي كل شيء ك! ما لا يخفى وكون الإسناد للنهار مجازيا لا يكفي في الدفع ولا يخفى أنه من عدم فهم المراد منه فإنه يعني أنه يحسن التقابل بينهما على ما ذكر فانّ هذا إذا أريد به زوأل الظلام فما يقابله بمعنى وجود الظلام، وهو على ما ذكهر وإذا فسر بطلوع الشمس هنا فما قبله غروبها وهو أظهر من الشمس فتدبر. قوله: (النادر الذي خلق الخ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ ما موصولة بمعنى من وأنها أوثرت لإرادة الوصفية، وأنها تحتمل المصدرية وذكر القادر ليس زائدا على معنى الوصفية كما مرّ تحقيقه بل للإشارة إلى أنّ ذكره ليستدل به على كمال القدرة الإلهية وتعريف الذكر، والأنثى على الأوّل
للاستغراق أو للحقيقة أو للجنس وعلى ما بعده للعهد ويكون كقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [سورة الحجرات، الآية: ١٣] وقوله: من كل نوع له توالد إن كان المراد بالتوالد ما يقابل التكوّن أو يقابل ما يحصل من البيض شمل البغل والبغلة لأنّ خلقهما بالتوالد أيضاً، وإن أراد أنه يلد ويولد له خرجا قيل: والأنسب بالمقام التعميم والجار والمجرور إن تعلق بخلق خرح أوّل مخلوق من النوع، وفيه نظر وقيل: إنّ هذا دليل على أنه لا يخرج مخلوق عن الذكر والأنثى حتى لو حلف لا يكلم ذكراً ولا أنثى حنث بالخنثى، وقوله: مصدرية مرضه لما مرّ ولفوات نكتة الموصولية. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ) جواب القسم، أو هو مقدر كما مرّ تفصيله وقوله: مساعيكم جمع مسعى مصدر ميمي بمعنى السعي وهو إشارة إلى أنّ المصدر المضاف يفيد العموم فيكون جمعا معنى، ولذا أخبر عنه بشتى وهو جمع شتيت أو شت بمعنى متفرّق، وفيه وجه آخر وهو أنه مفرد مصدر مؤنث كذكرى وبشرى فهو بتقدير مضاف أو مؤوّل أو بجعله عين الافتراق مبالغة. قوله: (من أعطى ا! طاعة واتقى المعصية الخ) وفي الكشاف يعني حقوق ماله وهو المناسب للإعطاء لأنّ المعروف فيه تعلقه بالمال خصوصاً، وقد وقع في مقابلة ذكر البخل والمال لا يقال ما فسر به المصنف أحسن ليكون التفصيل شاملا للمساعي كلها وهو الحامل على مخالفة الظاهر لأنا نقول المناسب التعميم في قوله: اتقى لأنّ التقوى لها معان منها ما يشمل ما ذكره المصنف فلو لم يخصه، وعمم كما أشار إليه الزمخشري عم المساعي من غير تكلف ارتكبه، وأخر التوحيد وحقه التقديم للفاصلة ولأنه قد يؤخر الأهم لنكتة لا لأنّ من الإعطاء الإصغاء لكلمة التوحيد ومن الاتقاء الاتقاء عن الإشراك كما توهم لأنه ضغث على إبالة. قوله: (وهي ما دل على حق الخ) يعني أنّ المراد إذ عانه بكل حق فيدخل فيه التوحيد دخولاً أولياً، وقوله: للخلة بفتح الخاء والمراد الصفة والخصلة، ولما كانت مؤدّية إلى اليسر وهو الأمر السهل الذي يستريح به الناس وصفت بأنها يسرى على أنه استعارة مصرّحة أو مجاز مرسل أو تجوّز في الإسناد، وقدره لأجل التأنيث. قوله: (من يسر الفرس إذا هيأه للركوب) فعلى هذا التيسير من اليسر وهو السهولة، والمراد به التهيئة والإعداد للأمر فيكون متهيأ ومستعداً له كما في الحديث: " كل ميسر لما خلق له " وله ثلاثة معان كما كشفه في الكشف منها هذا، ومنها اللطف والخذلان، ومنها الهداية والإيصال للسعادة، والمصنف اختار
الأوّل منها لأنه أشهر والى الحقيقة أقرب إلا أنه على المعنيين الآخرين يكون التيسير للعسرى مشاكلة وعلى هذا لا مشاكلة فيه كما صرّح به في الكشف. قوله: (بما أمر به) أوّله بما يشمل جميع المعاصي ليكون مقابلاً للإعطاء بما فسره به وقد عرفت ما فيه، وقوله: بإنكار مدلولها لأنّ المراد كل كلمة دلت على الحق كما مرّ، وقوله: للخلة أي الخصلة يوضحه. قوله:) تفعل من الردى (بمعنى الهلاك فمعناه ما قدمه أي هلك وأشار به لترجيحه وعلى ما بعده هو بمعنى الوقوع وفى التعبير بما ذكر إشارة إلى أنه بما قدمه من أعماله الخبيثة هو المهلك، والموقع لنفسه وهو الحافر على حتفه بظلفه وقيل: إنه للمبالغة فتدبر. قوله: (للإرشاد إلى الحق الخ) يعني أنّ على للإيجاب، ولذا تمسك به الزمخشريّ في وجوب الأصلح على الله ولا متمسك له فيه لأن لزومه علينا لسبق القضاء به وعدم تخلف المقضي عنه أو لأنه على مقتضى الحكمة، والمصلحة لا لما ذكروه. قوله: (أو أنّ علينا طريقة الهدى) رد آخر على الزمخشريّ فيما تمسف به بأن في الآية مضافا مقدراً أي إنّ علينا بيان طريق الهدى وقد بيناها فهو كقوله في الآية الأخرى، وعلى الله قصد السبيل فكل من يسلكه
стр. 3106
يصل إلينا وقد مرّ تفسير هذه الآية بوجوه عليها ينزل ما ذكره المصنف ولبعضهم هنا خلط يطول، والاشتغال به من الفضول. قو، له:) فنعطي في الدارين) إشارة إلى أنّ المراد بالأولى الدنيا، وفيه تتميم للرد السابق وقوله: أو ثواب الهداية للمهتدين معطوف على قوله: ما نشاء الخ أي نعطي الثواب لمن اهتدى تفضلاً منا فلا يرد عليه أنه لا وجه للتخصيص، والظاهر ثواب الهداية وعقاب الضلال لأنّ العقاب لا يعد عطاء ولو أدخله فيه احتاج للتأويل فهو كقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢٧] الآية وقوله: أو فلا يضرّنا الخ لتفرده تعالى بملك ما في الدارين، وكونه في قبضة تصرّفه لا يحول بينه وبينه أحد ولا يحصله أحد حتى يضرّ عدم اهتدائه أو ينفع اهتداؤه. قوله: (تتلهب) إشارة إلى أنّ أصل تلظى تتلظى حذف منه إحدى التاءين كما قرئ به، وقوله: لا يلزمها الخ يعني أنّ المراد به ما ذكر من اللزوم وأشد العذاب كما يدل عليه الصليّ لأنه من
قولهم شاة مصلية، وهي التي يحفر لها حفيرة يوضمع فيها جمر كثير وتدخل فيه إذ لا يقال: لما على الجمر وفوق النار مصليّ كما بينه في الانتصاف نقلا عن أئمة اللغة فهو دال على الأشدية، وأمّا اللزوم ممن مقابلة قوله: سيجنبها الخ فإنه يقتضي أنه لا يجنبها فاندفع ما أورد عليه من أنّ تفسير الصلى باللزوم غير ظاهر وهذا جواب عما تيل: إنّ الشقي يصلى النار، والتقيّ يتجنبها فكيف قال: لا يصلاها الخ مع أنّ الحصر اللاحق ينافي السابق لأنّ المراد بالصلى ما ذكر لا مطلق الدخول، وهو مختص بالكافر الأشقى والأتقى يتجنبها بالكلية بخلاف التقى فإنّ منهم من يدخلها فلا منافاة بين الحصرين، وما في الكشاف من أنّ الحصر ادعائي مبالغة فكأنّ غير الأشقى غير صال وغير الأتقى لا يتجنبها مبنيّ على الاعتزال وتخليد العصاة فلذا تركه المصنف. قوله: (ولذلك) أي لأن المراد الكافر الملازم لها أطلق عليه أشقى لأنه أشقى من غيره، ووصفه بما هو لازم للكفر مما ذكر وقوله: صليها أي لزوم أشدّها كما مرّ، وقوله: فلا يخالف الخ هكذا هو في النسخ وفي بعضها بالواو فقيل عليه: إنّ الأظهر الفاء مع أن الخطب فيه يسير. قوله:) يتزكى الأنه من التزكي وهو طلب أن يكون ما صرفه زكيا عند الله، وهو تصرّفه في الخير، ويجوز كونه حالاً من المفعول أيضاً وعلى البدل من الصلة لا محل له من الإعراب، ولا يرد عليه أنه لا يدخل في تعريف التابع كما توهم. قوله: (استثناء منقطع أو متصل الخ) قراءة الجمهور بمدّ ابتغاء ونصبه على الاستثناء أو على أنه مفعول له كما قاله الفراء، والاستثناء منقطع لأنه لم يندرج في النعمة فالمعنى لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه لا لرجاء عوض ولا لمكافأة يد سابقة، وقوله: عن محذوف تقديره لا يؤتى إلا ابتغاء الخ على أنه استثناء مفرغ من أعئم العلل، والأسباب فالتقدير لا يؤتى شيئاً لأجل شيء إلا لأجل طلب رضاء ربه، وأنما قدره كذلك لأنه لا يتأتى على اتصاله الاستثناء من نعمة كما مرّ والاستثناء المفرغ يختص بالنفي عند الجمهور. قوله: (لا لمكافأة نعمة) تغ في هذا التعبير الزمخشريّ وهو خطأ عند السكاكي فإنه لا يؤكد بالعطف بلا النافية بعد الحصر بما ل! الا لكنه غير مسلم كما فصلناه في غير هذا المحل. قوله: (وعد بالثواب الخ) هذا على أن ضمير يرضى للأتقى لا للرب، وهو الأنسب بالسياق واتساق الضمائر لا عكسه كما توهم. قوله:) والآيات نزلت في أبى بكر
رضي الله تعالى عتة) يعني أن قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [سورة اليل، الآية: ١٧] إلى آخر السورة نزل في حق الصدّيق ﵁ كما في الأحاديث الصحيحة السند عن ابن عباس سيد المفسرين حتى قال بعض المفسرين: إنه مجمع عليه، وإن زعم بعض الشيعة أنها نزلت في عليّ ﵁ وخصوص السبب لا ينافي عموم الحكم واللفظ كما توهمه الجوجريّ هنا نعم يقتضي الدخول فيه دخولاً أولياً، ولذا قال الإمام إن الآية تدل على أن أبا بكر ﵁ أفضل الأمّة. قوله: (في جماعة الخ) هم سبعة نفر منهم بلال وعامر بن فهيرة، وقال أبو إسحاق: أن أبا قحافة قال له: أراك تعتق رقابا ضمعافا فلو أعتقت رقابا جلداً يمنعونك، وكان يعتق عجائز وجواري ضعافا إذا أسلموا وكان بلال لأمّية بن خلف فاشتراه منه أبو بكر وأعتقه فقال المشركون: إنما فعله ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله وما لأحد عنده من نعمة تجزي، وقوله: تولاهم المشركون أي كانوا موالي لهم يعني أنهم ملكوهم وفي نسخة يؤذيهم المشركون الخ. قوله: (أبو جهل الخ الم يرتض ما في الكشاف من أنه أبو سفيان بن حرب لأنه أسلم وقوي إسلامه
стр. 3107
باتفاق أهل السنة، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع ٣١ (تمت السورة والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء العظام وآله وصحبه الكرام.
سورة والضحى
لا خلاف في عدد آياتها ولا في كونها مكية.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (ووقت ارتفاع الشمس الخ) تقدّم في سورة والشمس تفسير الضحى بالضوء وارتفاع النهار ارتفاعا عاليا، وارتفاع النهار بارتفاع شمسه، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى على أنه أريد الارتفاع وقدر فيه مضاف لوقوعه في مقابلة الليل أو على أنه تجوّز عن الوقت بما بقع فيه بعلاقة الحلول، وهو مجاز مشهور كما مرّ ولم يقل وقت ضوء الشمس حين أشرقت، وألقت شعاعها والمآل واحد وإن قيل إنه أن! سب لأنّ الضوء ليس له وقت مختص به بخلاف الارتفاع فتدبر. قوله: (وتخصيصه لأنّ النهار الخ) الظاهر أنّ المراد قوة غير قريبة من ضدها فلا ينتقض بما بعده إلى الزوال، ولذا عدّ شرفا يومياً للشمس وسعدا، وخص موسى ﵊ بالتكليم فيه لأن الإنسان فيه غير كليل الذهن، وهو شباب النهار فلما ذكر شرف على غيره وخص القسم به، ولكونه وقت تكليم موسى هنا مناسبة أخرى للمقسم عليه، وهو أنه تعالى لم يترك النبيّ ﷺ ولم تفارقه ألطافه وتكليمه، وقوله: وألقى السحرة سجداً لقوله: وأن يحشر الناس ضحى وقوله: أو النهار معطوف على قوله وقت ارتفاع الشمس فهو مجرور، وكذا لو عطف على مجموع قوله: ووقت وقوله: ويؤيده وجه التأييد أنه أريد به فيه النهار لمقابلته لقوله: بياتا فيجوز أن يراد هنا لوقوعه في مقابلة الليل أيضا، فإن قلت: لا وجه للتأييد لأنه وقع ثمة في مقابلة البيات. وهو مطلق الليل، وأمّا هنا فوقع في مقابلة الليل مقيداً باشتداد ظلمته فالمناسب أن يراد به ارتفاعه وقوّة إضاءته، قلت: كذا اعترض على المصنف رحمه الله تعالى وأجيب عنه بأنه قوبل بالليل هنا وتقييده لا يوجب استعماله في غير معناه وأخذ الاشتداد من سبحا بعيد ولا يخفى ضعفه. قوله: (سكن أهله الخ) فسبحا بمعنى سكن، ونسبته إلى الليل مجازية وهو أحسن من تقدير المضاف فيه مع جوازه ولا يلزمه حذف الفاعل، أو استتار الضمير البارز ومثله لم يعهد كما توهم فإنه خطأ فاحش، وسكون أهله بعد مضيّ برهة منه، وقوله: ركد ظلامه معناه اشتد ظلامه، وهو بمضيئ بعضه أيضاً لبعد الشمس عن الأفق وأصل الركود عدم الجريان في الماء فتجوّز به عما ذكر، وعلى هذا ففي سبحا استعارة تبعية أو مكنية،
وقوله: من سبحا البحر الخ فليس معنا. مطلق السكون بل سكون الأمواج ثم عمّ وهو في الأصل مجاز مرسل كالمرسن، وقوله: سبحوا بوزن عد ومصدره. قوله: (وتقديم الليل الخ) إنما كان الأصل التقدم في الليل لأنه ظلمة وعدم أصليّ، والنوم يحدث فيه بإزالته لأسباب حادثة عنده وقد مرّ الكلام عليه في أوّل سورة الأنعام وما له وعليه، وقونه: باعتبار الشرف لأنه نور وللنور شرف ذاتي على الظلمة والظاهر أنه لكثرة منافعه، أو لمناسبتة لعالم المجردات فإنها نورانية فإن فهمت فهو نور على نور، والمراد بالتقديم وقوعه ممدرا به السورة فلا يتوهم أنه غفل عن تقدّمه في قوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [سورة الشمس، الآية: ٣] لم يذكر النكتة في محلها كما قيل ولا حاجة لتكلف أنه ذكر ثمة باعتبار تجلي الشمس هإيضاح إشراقها فكأنه من تتمة قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ فلذا لم يتعرضوا له، ثم إنّ الطيبيّ طيب الله ثراه قال: إنه تعالى أقسم له بوقتين فيهما صلاته وقريب زلفاه ومناجاته إرغاما لأعدائه وتكذيبا لهم في زعم قلا. وجفائه كأنه قيل وحق قربك لدينا وزلفاك عندنا إنا اصطفيناك، وما هجرناك وقليناك فهو كقوله:
وثناياك إنها إغريض
فلذ دره. قوله: (ما قطعك قطع المودع) يعني أنّ التوديع مستعار استعارة تبعية للترك
هنا، وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته كما قال المتنبي:
حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا فلم أدر أيّ الظاعنين أشيع
стр. 3108
وحقيقة التوديع غير متصوّرة هنا. قوله: (وقرئ بالتخفيف بمعنى ما تركك) وهذه القراءة، وإن كانت شاذة تنافي قول النحاة إنهم أماتوا ماضي ياع ويذر ومصدرهما ولذا قال في المستوفي إنه كله ورد في كلام العرب ولا عبرة بكلام النحاة فيه، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وإن كان نادرا وقال في المغرب إنّ النحاة زعموا أنّ العرب أماتت ذلك، والنبيّ ﷺ أفصحهم، وقد قال: لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات وقرئ ما ودعك بالتخفيف، وقال أبو الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي عاله في الحب حتى ودعه
وفي الحديث اتركوا الترك ما تركوكم ودعوا الحبشة ما ودعوكم، قال ابن جني إنّ
هذه القراءة قراءة النبيّ-لمجز، وقال الطيبيئ: بعد ذكر وروده نظماً ونثرا إنه حسنه في الحديث ما فيه من الترصيع ورد العجز على الصدر، وأما هذه القراءة قإن كان مخفف وح فلا غبار عليه وهو الظاهر والممات على زعمهم شيء آخر، وقد قيل إن قريشا قالوا: لما تخلف الوحي إن محمدا ودعه ربه بالتخفيف فنزلت فيكون المحسن له قصد المشاكلة لما قالو.، وهم تكلموا بغير المعروف طنزاً منهم. قوله: (جواب القسم) على القراءتين وقد علمت متاسبة القسم لل! مقسم عليه، وحذف المفعول الخ الأحسن أن يقال: لئلا يواجه بنسبة القلا لطفاً به وشفقة عليه، وقوله: إنّ الوحي تأخر إلى آخره بضعة عشر كما مر تفصيله قي الكهف، وقوله: جروا بتثليث الجيم صغر كل شيء والمراد به هنا ولد الكلب الصغير لأن الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. قوله: (فإنها باقية الخ) إشارة إلى أن الآخرة الدار الآخرة المقابلة للدنيا، وقوله: لك على هذا البيان اختصاعمه بالخيرية فيهما دون من آذاه وشمت بتأخر الوحي عنه مع أنّ عمومه لجميع الغابرين لا ضرر فيه كما قيل لأنّ اختصاص اللام ليس قصرياً كما مرّ غير مرّة مع أنه محتمل، وقد علم بالضرورة أنّ الخير المعد له ﷺ خير من المعدّ لغيره كما أشار إليه بقوله+: كأنه الخ، وقوله: لا يزال لواصله الخ هذا من نفي التوديع والقلا فإنّ ذ! لك صريح في عدم المفارقة، وثبوت المواصلة ومواصلة الله لأحبابه وخاصة أنبيائه بما ذكر فلا خفاء فيه سواء جعل كناية عما ذكر أولاً وهذا بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها، ودخول، اللام القسمية عليها يقتضي العطف فلا وجه لما قيل من أنها حالية، وض له: الدنيا هو المراد بقوله الأولى، ويحتمل أن يكون هذا كلاما مستأنفاً مؤكداً باللام، وقيل هو المتبادر من كلام المصنف ﵀ فعلى الأوّل أقسم على أربعة اشنان منفيان واثنان مثبتان، وهو الظاهر فاللام! فيهما قسمية وسيأتي ما فيه. قوله: (او لنهاية أمرك الخ) تفسير آخر للآخرة بالنهاية والأولى بالبداية، وتعريفهما للعهد أو عوض عن المضاف، والمراد أنّ حالك لا تزال تترقى في الخير فكيف تنقطع عن الاتصال بعالم الملكوت، وهذا معطوف على ما " قبله بحسب المعنى لا على مقدّر وفي بعض النسخ أو ولنهاية الخ بواو عاطفة بعد أو تعطفه على قوله، وللأضرة! الخ على أنه تفسير للمجموع،
والأولى أولى. قوله: (وعد شامل لما أعطاه الخ) الشمول من العموم المأخوذ من حذف المعطي فلذا عممه لما يشمل ماله في خاصة نفسه وما لدينه، وأمته في دنياه وآخرته وظهور الأمر وأعلاء الدين بقهر أعدإئه د راهلاكهم ونصرته، وهذا بيان لما تضمنه قوله ولسوف الخ لا له ولا لما قبله كما توهم فإنه خبط تركه أولى من ذكره. قوله: (واللام للابتداء الخ (وفائدتها أما تأكيد ما دخلت عليه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وما ذكر تبع فيه المصنف رحمه الله تعالى الزمخشري وأبا عليّ الفارسي، وقد أورد عليه أنّ تأكيده يقتضي الاعتناء به والحذف ينافيه ولذا قال ابن الحاجب إت المبتدأ المؤكد باللام لا يحذف لو أنه معها كان مع الاسم، وقد مع الفعل في عدم جواز الحذف مع أنّ هذا مناقض لما قدمه في سورة طه في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [سورة طه، الآية: ٦٣] من أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف وأيضا هو تقدير والأصل عدمه، وردّ بأن المؤكدة الجملة لا المبتدأ وحده حتى ينافي تأكيده حذفه وأن يحذف معها إلاسم كثيرا كما ذكره النحاة، وكذا قد يحذف بعدها الفعل كقوله: وكأن قد وأمثاله مع أنه لو سلم فقد يفرق بين إنّ، وقد وهذه اللام فإنهما يؤثران في معنى ما دخلا عليه بخلاف اللام فهو قياس مع الفارق، وما ذكره في سورة طه من مغ حذف المبتدأ بعد أن
стр. 3109
لا يقتضي منعه في كل محل وهو على غير مذهب الفارسي الذي اتبعه هنا، والنحويون يقدرون كثيراً في الكلام كما قدروا المبتدأ في نحو قمت وأصك قفاه واضرابه، وهو لأجل الصناعة دون المعنى كما نحن فيه والقول بأنه يقتضي تساوي الملفوظ والمقدر، والاسمية وغيرها تطويل بلا طائل، وأمّا كون تقدير المبتدأ في نحو لسوف يقوم زيد فيه تكرير لتقديره لزيد سوف يقوم زيد، وفيه مع ضعف التكرير ضعف الربط بالظاهر في غير مقام التفخيم فلغو فيما نحن فيه. قوله: (لا تدخل مع المضارع إلا مع النون) هذا أحد مذهبين للنحاة والآخر أنه يستثنى ما اقترن بحرف تنفيس كما هنا، أو قدّم معموله عليه نحو لإلى الله تحشرون فإنه يجوز فيه ترك التاكيد كما فصل في شروح التسهيل، والمغني فإذا فصل امتنعت النون وثبتت اللام كقوله:
فوربي لسوف يجزي الذي أس طفه المرء سيئا أوجميلا
فحينئذ لا يتجه ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى مع أن الممنوع في جواب القسم لا في المعطوف عليه كما هنا فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وأنما ذكرت اللام تأكيداً له وتذكيرا بالعطف فيه. قوله: (وجمعها) أي اللام المؤكدة الخ هو دفع لما يتراءى من التنافي بين التأكيد، وحرف التنفيس والتاخير أو لردّ أحتمال أنه لتأكيد التأخير بأنه لتأكيد المؤخر في! - ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، واللام المؤكدة لا تخصص! المضارع بالحال حتى تنافي سوف
بل هي لمطلق التأكيد ويفهم معها الحال بالقرينة لأنه أنسب بالتأكيد، ومن قال: بأنها تخلصه للحال يقول إنها جردت للتأكيد هنا بقرينة ذكر سوف بعدها والأوّل أظهر. قوله: (تعديد الخ) إشارة إلى وجه الفصل وأنه كقوله: أمدّكم بأنعام الآية. قوله: (كما أحسن إلبه فيما مضى الخ) هو حل للشعر المشهور الذي نسب لعليّ كرم الله وجهه وليس له وهو:
توكلت في كل ما أرتجي وفوّضت أمري إلى خالقي
كما أحسن الله فيمامضى كذلك يحسن فيمابقي
وقوله: أو المصادفة معطوف على العلم، وهو على هذا مجاز عن تعلق علمه به لأنّ المصادفة لا تصح في حقه تعالى لأنها ملاقاة ما لم يكن في علمه وتقديره كذا قيل، وهو على الأوّل مجاز فإنّ أصل معنى وجدته أصبتة تلى صفة ويلزمه العلم كما ذكره الرضي وهو يقتضي أنّ حقيقته المصادفة وانه في العلم مجاز وهو مخالف لكلامهم هنا فتامّله. قوله: (عن علم الحكم) جمع حكمة، وهي العلوم الحقة النافعة فالضلال مستعار من ضل في طريقه إذا سلك طريقاً غير موصلة لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة، وهو ما ذكر من الوحي وما بعده. قوله: (وقبل وجدك ضالاً الخ) فهو بمعناه الحقيقيّ، ومرضه لأنّ مثله بالنسبة لما قدّمه لا يعدّ من نعم الله تعالى على مثل نبيه ﷺ التي يمتن بها عليه، وقوله: عن عمك أوجدك لف ونثر مرتب على الوجهين وكون ضلاله في الطريق لا ينافي كونه عند باب مكة فانه طريق أيضاً لدار عمه أو جده، وحليمة مرضعته ﷺ وهي معروفة وهذا إشارة إلى ما رواه سعيد بن المسيب أنه ﷺ لما سافر مع عمه أبي طالب أتاه إبليس، وأتباعه فأخذ زمام ناقته وعدل به عن الطريق فجاءه جبريل ﵊ ونفخ إبليس نفخة وقع منها بالحبشة وردّه إلى القافلة، وكذا ما روي عن ابن عباس ﵄ من أنه ﷺ ضل، وهو صغير عن جده في شعاب مكة فرآه أبو جهل فردّه لجده وهو حديث ثابت في السير. قوله: (فقيرا ذا عيال) اعترض عليه بأن عال بمعنى افتقر يأبى مصدره العيل، وعال صار ذا عيال مصدره العول وهو واوي فلا يجوز الجمع بينهما في تفسير، وأيضاً الأحسن ترك قوله: ذا عيال لكونه ليس كذلك في أوّل أمره ولا يخفى أنه مشترك والمصنف رحمه الله تعالى ممن يجوّز استعماله في معنييه فإن قيل إن
مع اختلاف المادّة غير جائز فقد يقال: إنّ المراد به ذا عيال، ودلالته على المعنى الآخر بطريق اللزوم والاستتباع، وقيل المراد: إطلاقه على كل منهما على البدل. قوله: (بما حصل لك من ربح التجارة الم يقل بما أفاء عليك من الغنائم، كما في الكشاف لأنّ السورة مكية، والغنائم إنما كانت بعد الهجرة، وقيل: إنه لم يذكر المفعول فيها ليدل على سعة الكرم والمراد آواك، وآوى لك وبك وهداك وبك ولك وأغناك وبك ولك
стр. 3110
فتأمّل. قوله تعالى: ( ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ الخ) قيل: إنه مرتب على ما قبله من النعم وقع في مقابلتها على اللف والنشر المشوّش، والمعنى إنك كنت يتيماً وضالاً وعائلاً فآواك وهداك وأغناك فمهما يكن من شيء فلا تنى نعمة الله عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله فتعطف على اليتيم وترحم على السائل فقد ذقت اليتم والفقر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ الخ في مقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ لعمومه وشموله كذا في الكشاف وشروحه ولم يراع الترتيب لتقديم حقوق العباد على حقه تعالى فإنه غنيّ عن العالمين لا لرعاية الفواصل فإنه يحصل بالعكس ولا للترقي أو تقديم التخلية على التحلية لأنه غير مطرد، ولو أبقى على الترتيب لم يمنع منه مانع لأنه ذكر أحواله على وفق الترتيب الخارجيّ، ثم لف على الترتيب فعدم قهر اليتيم ظاهر، وعدم زجر السائل إذا أريد به طالب العلم والمتعلم منه في مقابلة هداية إلله له في طريق النظر ممالوحي وما معه، وما بعده في مقابلة الغني وهو ظاهر. قوله: (فلا تغلبه على ماله لضعفه) مف لمق بالنهي أو الغلبة وتقييد الغلبة بكونها على ماله باعتبار الأكثر الغالب، وقوله: فلا تكهر في تهذيب الأزهري الكهر القهر والكهر عبوس الوجه والكهر الشتم اهـ، وقوله: في وجهه ليس التقييد به اتفاقياً كما قيل فإنه إنما ينهى عنه إذا كان كذلك. قوله: (فلا تزجره) أي لا تغلظ له القول ورده بقول جميل، وهذا صادق على ما إذا أريد بالسائل السائل في أمر الدين أو غيره كما في الكشاف، وقوله: فإن التحدث بها شكرها ولذا استحب بعض السلف التحدث بما عمله من الخير إذا لم ئيرد به الرياء والافتخار وغيمّ الافتداء به، وقوله: وقيل المراد الخ مرضه لأنه غير مناسب لما قبله لا لكونه تخصيصاً بلا مخصص. قوله: (عن النبئ ﷺ الخ هو حديث موضوع (تمت) السورة والحمد لله والصلاة والسلام على خير الأنام وصحبه الكرام.
سورة ألم نشرح
وتسمى سورة الشرح ولا خلاف في عدد آياتها وهي مكية وقيل مدنية.
بسم الله الرحمن الوحيم
قوله: (ألم نفسحه الخ) قال الراغب: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، ومنه شرح
الصدر وهو بسطه بنور إلهيّ وسكينة من جهة الله وروح منه (قلت الما كان أصله بسط اللحم،
وفيه مذلة وتوسيع مستلزم لإظهار باطنه وما خفي منه استعمل في القلب الشرح، والسعة لأنه
محل الإدواك لما يسر وضده فجعل إدراكه لما فيه مسرة يزيل ما يحزنه شرحا وتوسيعاً وذلك
لأنه بإلهام ونحو. مما ينفس كربه ويزيل همه بظهور ما كان غائبا عنه وخفيا عليه مما فيه مسرته
كما يقال شرح الكتاب إذا وضحه، ثم استعمل في الصدو الذي هو محل القلب مبالغة فيه لأنّ
اتساع الشيء يتبعه اتساع ظرفه، ولذا تسمع الناس يسمون السرور بسطا ويقال في المثل البسط
صدف، ثم سموا ضدّ. ضيقاً وقبضاً، وهو من المجاز المتفرّع على الكناية بوسايط وبعد الشيوع
زال الخفاء وارتفعت الوسايط فاحفظه فإنك لا تراه في غير هذا الكتاب فقوله: ألم نفسحه أي
نوسعه بإلقاء ما يسره ويقوّيه، واظهار ما خفي عليه من الحكم والأحكام وتأييده وعصمته حتى
علم ما لم يعلم، وعرف الله معرفة من يراه قبل كل شيء فيناجيه ويدعو عبيده لما يرتضيه،
وهذا مما لا يمكن إظهاره بغير هذا القدر فتدبر. قوله: (وكان) أي ﵊ غائبا
حاضرا هذه جملة حالية وأكثر أصحاب الحواشي على أنّ غائبا بغين معجمة وباء موحدة بعد
الهمزة اسم فاعل من الغيبة ضد الحضور، وحاضراً بحاء مهملة وضاد معجمة بعدها راء مهملة
من الحضور، والمراد أنه لجمعه بين مناجاة الحق ودعوة الخلق الذي كالجمع بين الماء والنار،
ولذلك نرى كثيراً من الأولياء لا يدري أمرا من أمور الدنيا حتى تلحقه العامّة بالحيوانات
العجم، ونرى كثيراً من أهل الدنيا لا يخطر الحق ببا حتى يلحق بجند إبليس، وربما كان إبليس
من جنده فلجمعه ﷺ بين كمال الأمرين كان حاضراً مع الناس بجسده الشريف غائباً عنهم
بروحه، وحاضراً عن الحق في مقام مناجاته غائبا عنه بحسب الظاهر لمن يدعوه، ولذا جعلت
قرة عينه في الصلاة وسميت معراجا وحرم فيها الكلام، وقيل:
стр. 3111
إنه عانيا بالعين المهملة والنون
من العناء وهو التعب وحاصرا بالحاء والصاد، والراء المهملات بمعنى ضيقا أي شرح صدره
ووسع قلبه للمناجاة والدعوة فاستراج بعد تعبه وضيق صدره والأوّل أقرب لنظر المصنف رحمه
الله تعالى فتدبر. قوله: (أو ألم نفسحه) أي نوسع الصدر الشريف فتوسيعه عبارة عن كثرة ما فيه من العلوم الإلهية وتضييقه عدمها، وقوله: أو بما يسرنا الخ فتوسيعه جعله متهيثاً لقبول الوحي مستعدّاً له والمعنى الأوّل شامل لهذا كله، ولذا قدمه:
فإنّ المهم المقدم
وما في قوله: بما أودعنا موصولة لتبيينها بقوله: من الحكم والعائد محذوف تقديره أودعنا.، وفي قوله: بما يسرنا مصدرية وكونها موصولة تكلف. قوله: (وقيل إنه إشارة الخ) شق الصدر الشريف مما لا شبهة فيه وقيل: إنه وقع مرارا والكلام عليه مفصل في كتب الحديث والذي مرضه المصنف إنما هو كونه مرادا من شرح الصدر هنا وهو رواية ضعيفة في سنن البيهقي وفي كون الملك الذي شق صدره جبريل توقف، وهما ملكان لم يسميا في الحديث. قوله: (أو يوم الميثاق) الظاهر أنّ المراد منه أخذ الميثاق على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في عالم الذرّ كما مرّ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٨١] ولا يخفى أنّ وقوع الشق فيه بعيد جدا، ولذا فسره بعضهم بليلة المعراج وهو بعيد من العبارة لكنه لو قيل إنّ المراد به وقت قبيل المعراج كان غير بعيد لأنه روى الشق قبله ليستعد لما سيراه في الملكوت فالميثاق بمعناه اللغوي أي الوثوق بنفسه على قدرته وتحمله، وقوله: فاستخرج الخ بيان لبقية أمر الشق كما بين في الحديث. قوله: (ولعله إشارة إلى نحو ما سبق) إن أراد لعل شق الصدر الوارد في الأحاديث إشارة لما سبق من توسيعه للمناجاة، والدعوة وإيداع العلوم والحكم فيه كما قيل فلا وجه له لصحته رواية وحمله على ظاهر. عند الجمهور، وإن أراد لعل تفسيره بما ذكر أو لعل كونه في يوم الميثاق كان أقرب إلى الصواب. قوله: (ومعنى الاستفهام الخ) بيان للمراد مع التوجيه للعطف لئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء فيما لا محل له من الإعراب، وهو مردود أو ضعيف لا توجيه لعطف المثبت على المنفي فإنه جائز بالاتفاق، وقوله: مبالغة في إثباته لأنّ الإثبات بإبطال كالدعوى ببينة لأن إنكار النفي مستلزم للإثبات بوجه أقوى، وقوله: ولذلك أي لكون معناه ما ذكر وقع ما ذكر معطوفا عليه من غير
لزوم المحذور السابق ولم يقل ونضع، وناثب فاعل عطف قوله: ووضعنا، وقوله: عبأك بكسر
العين المهملة وسكون الموحدة والهمزة بمعنى الحمل مطلقاً أو الثقيل منه فالصفة كاشفة.
قوله: (الذي حمله على النقيض) فالأفعال للحمل على الشيء وهو المصدر هنا كأبكاه إذا حمله
على البكاء أو هو بيان لأنّ إسناده للحمل الثقيل إسناد للسبب الحامل مجازاً، والنقيض الصرير
وهو معنى قوله: صوت الرحل بالحاء المهملة وهو رحل الجمل والقتب الذي يوضع عليه
وقاية لظهره، وقوله: عند الانتقاض من ثقل الحمل المراد بالانتقاض بالقاف التحامل عليه،
والضغط له بثقله عليه. قوله: (وهو ما ثقل عليه من فرطاته الخ) الفرطات بفتحتين جمع فرطة
وهي الذنب المتقدّم يعني المراد بالحمل المنقض هنا ما صدر منه قبل البعثة مما يشق عليه
تذكره، أو المراد عدم علمه بالشرائع ونحوها مما لا يدرك إلا بالوحي مع تطلبه له، وقول
المصنف جهله عبارة قبيحة لجراءته على التصريح بما لم يصرح به الله فهو ترك أدب فكان عليه
أن يتأدب بآداب الله فيه، فالحمل مستعار للفرطات بواسطة أن كلا منهما مما يشق ويصعب،
وكذا عدم الوقوف على ما مرّ فوضحعه على الأوّل مغفرته وعلى الثاني تعليمه بالوحي ونحو..
قوله: (أو حيرثه) أي الحمل مستعار لتحيره في بعض الأمور كشكر ما أنعم به عليه وآداء حق
الرسالة فهو كقوله: وجدك ضالاً فهدى فوضعه إزالة ما يؤدي للحيرة، وقوله: أو تلقي الوحي
أي الحمل الثقيل الوحي وتلقيه في ابتداء أمره فوضعه عنه بتيسيره له بتدرّبه واعتياده له، وقوله:
أو ما كان يرى الخ بتشبيه ما يشاهده منهم مع عجزه عن الإرشاد لعدم إطاعتهم له لعدم إذعانهم
إلى الحق أو لإصرارهم على العناد بالحمل الثقيل لأنه يشق عليه ووضعه عنه بتوفيق بعضهم
للإسلام كحمزة وعمر ونحوه، وقيل: إنّ قوله وضعنا الخ كناية عن عصمته وتطهيره ومن دنس
الأوزار ففيه على الوجوه استعارة تمثيلية والوضع ترشيح لها. قوله: (بالنبوّة) متعلق برفعنا أو
بذكرك، والمراد أنه شرف ذكره حيث خاطبه بنحو يا أيها النبيّ يا أيها الرسول، وقوله: وأفي
رفع الخ
стр. 3112
أي لا رفع أقوى من هذا وبهذا فسرت الاية كما في الشفاء، وقوله: وجعل طاعته الخ
إشارة إلى قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والصلاة عليه إشارة إلى قوله: إنّ الله وملائكته
الخ والمراد بالألقاب نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ لا إلا ألقاب الاصطلاحية. قوله: (وإنما زاد لك
الخ (أي في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ﴾ ولم يذكره في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ لتقدمه في سورة طه،
وقد مرّ تفصيله هناك لأنه بذكر الفعل علم أنّ ثمة مشروحا ومرفوعا فقيل: ذكره لما قيل لك
اشتد الإبهام لزيادة الانتظار وتوهم أنه أعرض عن ذكره بالكلية فإذا ذكر بعده كان أوقع في النفس وقيل: اللام للتعليل. قوله: (كضيق الصدر الخ) إشارة إلى ارتباط هذا بما قبله وأنّ الفاء للفذلكة أو للسببية، ودخلت على السبب وإن تعارف دخولها على المسبب لتسبب ذكره عن ذكره فإن ذكر أحدهما يستدعي ذكر الآخر وإن لتأكيده لتقدم ما يلوج له كما تقرر في المعاني، وقوله: كالشرح لف ونشر مرتب فيحمل العسر واليسر على تلك النعم وأضدادها، وحمل الزمخشريّ العسر على فاقة المسلمين في بدء الإسلام واليسر على ما أفيض بعد. والمصنف اختار هذا لأنه أتم فائدة وأحسن ارتباطا فأعرفه. قوله: (والوزر) أي بمعناه التعارف، وهو الفرطات والذنوب وليس هو السابق في النظم لشموله لمعان عدة منها ما ذكره بعده وهو ضلال القوم الخ فيرد عليه أنه داخل في الوزر لأنه بعض متناولاته فلا وجه لأفرادهما بالذكر كما قيل ولو حمل عليه، وقيل: إنه إشارة لبعض ما اندرج تحته لتذكر الباقي لم يبعد. قوله: (فلا تيأس الخ) إشارة إلى أنّ المقصود من ذكر ما ذكر تسليته! ، أو إلى أنّ المذكوبى ترتب على ما قبله لأنه كناية عما ذكر وقيل: إنه يفهم منه بطريق الإشارة دون العبارة، وفي الكشاف إنّ المشركين طعنوا في المؤمنين بالفاقة فسبق إلى فهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لاحتقار المسلمين فذكره بما أنعم به عليهم من النعم ثم قال فإنّ من العسر يسرا كأنه قال: خولناك ما خولنا فلا تيأس والفاء عليه فصيحة، واللام عهدية وعلى ما ذكر. المصنف سببية واللام استغراقية فتدبر. قوله: (وتنكيره) أي بسرا للتعظيم فالمراد يسر عظمي وهو يسر الداوين، وقوله: والمعنى بزنة المرضى أي المقصود مبتدأ، وقوله: في أنّ مع أي في هذا اللفظ متعلق به، وقوله: من المصاحبة بيان لما، وقوله: المبالغة خبره، وقوله: في معاقبة الخ متعلق بالمبالغة وقوله: اتصال المتقارنين بالنون فهو استعارة شبه التقارب بالتقارن، فاستعير لفظ مع لمعنى بعد وليس تبعية كما توهم، ولو أبقى على ظاهره جاز لأنّ المرء لا يخلو في حال العسر من يسر ما وأقله الصبر والتحمل، وعلى هذا لو قيل إنّ معنى قوله في الحديث: " لن ينلب عسر يسرين " إن أفاد ما هنا أنّ معه يسراً صح وقد علم أنّ بعده آخر على ما جرت به العادة أو فهم من قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٧] إن كان نزولها متقدّماً فتامّل. قوله: (أو استئناف وعدة الخ) قال بيسر الخ إشارة إلى مغايرته للأوّل لأنه أعيد نكرة فيغايره، وأمّا العسر فأعيد معرفة فيكون عينه، وقوله: كقولك الخ إشارة إلى أنه مثال منه لأنّ الوارد للصائم
فرحتان الخ فلما ذكر هذا في تفسيره علم أنه ليس تاكيداً، وقوله: قوله ﵊ إشارة إلى أنه حديث مرفوع كما رواه الحاكم والطبراني، وليس من كلام ابن عباس كما وقع في كتب الأصول وأوّله لو كان العسر في حجرءضب لتبعه اليسر حتى يستخرجه، وقوله: فإنّ العسر معرف الخ أي على كونه استئنافاً وعدة لأنه لو كان تأكيداً كان عين الأوّل من غير احتياج لما ذكر، وقوله: للعهد لأنّ المراد به فاقة المسلمين كما في الكشاف أو للجنس كما ذكره المصنف وبعد قوله: إنه اشئناف لم يبق وجه للسؤال عن عدم اقترانه بالواو كما قيل. قوله: (من التبليغ) وهذا أحسن من كون المراد إذا فرغت من تلقي الوحي فانصب في تبليغه، لأنّ الوحي معلوم أنّ نزوله للتبليغ فلا فائدة في الأمر به، وهذا أتم فائدة لأنّ التبليغ بعد تلقي الوحي والنعم السالفة ما تضمنه قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ الخ، والوعد بالآتية من قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ الخ وذكر الشكر ليتم ارتباطه بما قبله. قوله: (وقيل إذا فرغت من الغزو الخ) مرضه قيل لأنّ السورة مكية والأعر بالجهاد بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أنها مدنية فليتأمّل. قوله: (ولا تسأل غيره) إشارة إلى الحصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور، وقوله: فإنه الخ توجيه لحصر السؤال وقصره عليه، وقوله: ثوابه
стр. 3113
أي ثواب الله، وقوله: عن النبيّ يكه الخ هو حديث موضوع تمت السورة بحمد الملك العلام، والصلاة والسلام على خاتم الرسل وآله وصحبه الكرام.
سورة التين
ويقال: سورة والتين بالواو ولا خلاف في عدد آياتها، والخلاف في كونها مكية أو مدنية
وأيد الأوّل بقوله: ﴿هَذَا الْبَلَدِ﴾ .
بسم الله الرحمئ الرحيم
قوله: (خصهما من الثمار الخ) أي من بين الثمار فمن تبعيضية، وقوله: وغذا الغداء ما
به نماء الجسد والدواء ما به العلاج لإزالة الأمراض ونحوها، وقوله: يلين الخ بيان لدوائيته، وقوله: ويزيل رمل المثانة بفتح الراء المهملة وسكون الميم وأراد بالمثانة مقرّ البول ورملها مرض يستولي عليها بتحجر البول بأجزاء دقيقة كالرمل يعسر معها البول، ويتأذى به فإن زاد صار حصاة وهو مرض معروف بالحجاز دمانما بيناه لأنّ بعضهم ظنه بفتح الميم وفسره باضطراب المثانة وهو خطأ. قوله: (لا فضل لها) صفة بعد صفة وفي نسخة لا فضل له فيكون خبراً بعد خبر لكنه لم يعطف وفيه شيء، والنقرس بالكسر مرض وكون الزيتون فاكهة محل نظر وهذا كله على أنّ المراد بالتين والزيتون ثمرها، وهو يطلق على الثمر والشجر كما في الكشاف، وعليه قوله: مع أنه ينبت بحسب الظاهر، وقوله: حيث لا دهنية فيه في عبارته قلاقة ظاهرة لأن مراده أنه ينبت في أماكن يابسة لا تناسب الدهنية وفيه نظر، وقوله: بالسريانية هي لغة قديمة وطور سينا وما بعده تركيب مزجيئ، وقوله: لأنهما الخ إشارة إلى أنه على تقدير مضاف أو تجوّز. قوله: (أو مسجدا الخ العل إطلاقه عليهما لأنّ فيهما شجراً من جنسهما كما قيل:
يس تتلى وسط محرابه والتين والزيتون في صحنه وقوله: أو البلدان يعني دمشق، وبيت المقدس فالتعريف عهدي وهذا قول كعب وهو
مجاز من تسمية المحل باسم الحال فيه، وما نقل عن شهر بن حوشب من تفسير البلدين بالكوفة والشام لا أصل له لأنّ الكوفة بلدة إسلامية اختطها سعد بن أبي وقاص ﵁ في خلافة عمر ﵁ فكيف يفسر بها القرآن اللهم إلا أن يريد جبالاً بأرضها لأنّ الجودي قريب منها، وقد قيل: إنه مراده فتأمّل. قوله: (اسمان للموضع الذي هو فيه) وفي نسخة الذي فيه بدون ضمير هو الراجع للجبل فقيل: تقديره الذي حصل فيه على أن يكون ضمير الجبل مستتراً في الظرف، وضمير فيه للموضع وقال أبو حيان: لم يختلف في أنّ طور سينا جبل في الشام وهو الذي كلم الله موسى ﵊ عليه ومعنى سينين ذو الشجر، وقال عكرمة حسن مبارك اهـ وقيل: المراد الموضع المخصوص الذي في الجبل وهو الموضع الذي ناجى فيه موسى ﵊ ربه لا الفضاء الذي فيه الجبل كما في المعنى السابق، وهو تكلف لا حاجة إليه وفيه نظر والمشهور خلاف ما قاله أبو حيان فإن المعروف اليوم بطور سينا ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة، وطور زيتا في البيت المقدس فليحرّر. قوله تعالى: ( ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ) مما مرّ قبله لما ذكر فيه الفاكهة، والبقعة صار في قوّة أن يقال والأرض المباركة الجامعة لبركة الدين والدنيا لذكر الثمار ومحل المناجاة فحسن عطف البلد عليه، أو العطف على مجموعها كما أشار إليه في الكشف، وقوله: أي الآمن يعني أنه فعيل بمعنى فاعل من قولهم أمن بضم الميم أمانة فهو أمين وأمّان، وأنما فسره بالأمن لأنه أظهر وإن لم يسمع له اسم فاعل، وأنما يقال للشخص: أمين وأمّان ككريم وكرّام ولا يصح تفسيره بالنسب كلابن لأنه لا يصح مقابلته لما هو بمعنى المفعول وهو على هذا استعارة مصرحة، أو مكنية بتشبيه عدم الضرر لما فيه بحفظه بالوضع عند الرجل الأمين. قوله: (أو المأمون فيه) يعني أنّ فعيلاً من أمنه المتعذي بمعنى مفعول، وأمنه بمعنى لم يخفه ويحذر غوائله ولما كان المأمون الناس لا المكان أشار إلى أنه أسند إليه مجازاً وأنّ المراد أنه مأمون فيه لأنه على الحذف والإيصال
стр. 3114
وقد تقدم تحقيقه والمراد مكة على الوجهين. قوله: (يريد به الجنس) فهو شامل للمؤمن والكافر لا مخصوص بالثاني بدليل صحة الاستثناء، وإن الأصل فيه الاتصال وقوله: تعديل فسره بقوله: بأن خص الخ وقوله: بانتصاب القامة لا منكباً كالبهائم، واجتماع خواص الكائنات من المجردات المضاهى لها بروحه، والماديات المحاكى لها بجسده فكان مجمع مجرى الغيب والشهادة والنسخة الجامعة لما في رسائل إخوان الصفاء، وسائر المتون والشارح لما كان وما سيكون كما نسب لعلي كرّم الله وجهه وكأنه نظم فيه معنى ما نقل عنه وهو:
دواؤك فيك ولا تشعر وداؤك فيك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
حتى شرفه الله بأن رسم فيه بعض ما يماثل صفاته ككونه عالما مريدا قادراً مدبراً، وقال: تخلقوا بأخلاق الله لئلا يتوهم أنّ ما للسيد على العبد حرام، وبهذا فسر ابن عربي قوله: (خلق آم على صورقه) ، وقوله: نظار سائر الممكنات فجعل رأسه كالسماء وبطونها كالبروج وحواسها كالكواكب وخلق فيه قوى سبعية إلى غير ذلك وقوله: في أحسن تقويم في موضع الحال من الإنسان والتقويم فعل الله فهو بمعنى القوام أو المقوم أو فيه مضاف مقدر أي قوام أحسن تقويم أو في زائدة والتقدير قومناه أحسن تقويم. قوله: (بأن جعلناه من أهل النار) فهو منصوب على الحال من ضمير المفعول، والسافلين العصاة وغيرهم وأسفل سافل للمتعدد المتفاوت ورددنا بمعنى غيرنا حاله، وثم للتراخي الزماني أو هو رتبي كذا في الحواشي تبعاً للمعرب والظاهر أنّ المراد ما قاله النحاة كما في التسهيل من أن رد يكون بمعنى جعل فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر كما في قوله:
فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا
قوله: (أو إلى أسفل السافلين) فهو منصوب بنزع الخافض صفة لمكان، والردّ بمعنا المعروف وقوله: وهو النار أي محل النار أو النار بمعنى جهنم فإنها اشتهرت فيها والسافلين على هذا الأمكنة السافلة وهي دركاتها إلا أنّ جمعها جمع العقلاء حينئذ لا يخلو من التعسف وكونه للفاصلة أو التنزيل منزلة العقلاء لا يثلج الصدر، وما في الكشاف من أنّ المراد بهم أهل النار والدركات لأنهم أسفل السفل وأقبح الصور أحسن وأولى. قوله: (وقيل هو أرذل العمر (مرضه لأنه خلاف المتبادر من السياق ولما فيه من الخفاء لأنّ المراد رددناه لما يشبه حاله الأولى في الطفولية وأمّا انقطاع الاستثناء فلا محذور فيه، وقوله: فيكون الخ تفريع على التفسير الأخير والانقطاع لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم وهو مدار الاتصال والانفصال كما صرّح به في الأصول لا الخروح والدخول كما توهم فلا يرد عليه أنه كيف يكون منقطعا مع أنهم مردودون أيفا فهو للاستدراك لدفع ما يتوهم من أنّ التساوي في أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره، ويكون الذين حينئذ مبتدأ والفاء داخلة في خبره لا للتفريع كما في الاتصال، ثم إنّ
المصنف أشار إلى أنّ هذا التفسير على التفسير الثاني دون الأوّل ويصح أن يكون جارياً عليهما فتدبر. قوله: (حكأ مرتب الخ) أي إذا كان الاستثناء متصلا فهذه الجملة مترتبة عليه ومؤكدة له أو على غير. فهي داخلة على الخبر حيذ قيل، ولذا صدر بالفاء ولا يخفى أن الفاء في محزها على الثاني أيضاً كما عرفته. قوله: (فأيّ شيء يكذبك الخ) فما استفهامية والخطاب للنبيّ كييه، ومعنى يكذبك أما ينسبك إلى الكذب كفسقته إذا قلت له إنه فاسق والدين بمعنى الجزاء بعد البعث والباء بمعنى في أي يكذبك في إخبارك به أو سببية أو بسبب إخبارك به واثباته، أو المعنى ما يجعلك مكذبا بالدين على أنّ الباء صلته والدين بمعناه وهو من باب الإلهاب والتعريض بالمكذبين والمعنى أنه لا يكذبك شيء ما بعد هذا البيان بالدين لا كهؤلاء الذين لا يبالون بآيات الله ولا يرفعون لها رأساً والاستفهام للإنكار والتعجب، وقوله: بعد أي بعد هذه الدلائل على كمال القدرة، وهي الخلق في أحسن تقويم الخ فالتفريع بالفاء لأنّ الإنكار تسبب عن البيان المذكور وهو ظاهر من النظم كما أشار إليه المصنف وكلامه محتمل للوجهين فالقصر تقصمير، وقوله: دلالة أو نطقاً تفصيل للتكذيب على الوجهين بل
стр. 3115
الوجوه فتدبر. قوله: (وتيل ما بمعنى من) فهو استفهام عمن يعقل ومرضه لأن! هـ خلاف المعروف فلا يرتكب مع صحة بقائها على أصلها كما بينا. لك، والداعي لارتكاب هدّا أنّ المعنى عليه أظهر إذا كان المخاطب النبيّ ﷺ فإنه إنكار توبيخيّ للمكذبين له عوو بعد ما ظهر لهم من دلائل صدقه وصحة مدعاه، وقوله: وقيل الخطاب للإنسان هذا هو الذي ارتضاه في الكشاف لسبق ذكر الإنسان، وكون الالتفات من الغيبة للخطاب وتلوين الخطاب من المحسنات فلا وجه لجعله سببا لتمريضه، وأنما وجهه أنّ الإنسان عام للمكذب، وغيره هنا فلا يصح جعله مكذبا إلا بتكلف فتأمّل. قوله: (والمعنى فما الذي يحملك على هذا الكذب) أي الكذب الذي هو التكذيب فإنه كذب محض كما قال الزمخشريّ إنّ معناه فما يجعلك كاذبا بسبب الدين تان! كاره بعد هذا الدليل يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أدط تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء انتهى، والمصنف اختصره اختصاراً مغلقا. قوله تعالى: ( ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ الخ) الاستفهام للتقرير ولذا ورد في الحديث الصحيح أنه ﷺ كان إذا قرأها قال: " بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " وقوله: أليس الذي فعل ذلك الخ إشارة إلى أنه فيه قياساً
منطقياً وهو ظاهر وليس هذا مبنياً على تفسير أسفل سافلين بأرذل العمر لأنّ الاستدلال يكون بالمعلوم على المجهول كما قيل: بل صادق على الوجوه لأنه لم يبين المراد بالرد ولا يلزم أن يكون من الدليل بل هو مستدل عليه لأنه على الأوّل والثاني من جملة الجزاء فيجعل كلامه من اللف والنشر مع أنه لو سلم لا باس فيه، وأحكم من الحكم أو الحكمة قيل: والثاني أظهر، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع (تمت السورة) والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وعلى آله وصحبه..
سورة العلق
وتسمى سورة اقرأ ولا خلاف في كونها مكية وأنما الخلاف في عدد آياتها فقيل: تع عشرة، وقيل: ثمان عشرة وفي أنها أوّل نازل أم لا كما في بعض النسخ، وهي أوّل سورة نزلت وقيل: الفاتحة ثم هذه اهـ، وفيل: صدرها أوّل آية نزلت في غار حراء والفاتحة أوّل سورة نزلت وبه جمع بين الحديثين، وقيل: أوّل ما نزل المدّثر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (اقرأ القرآن) إشارة إلى أنّ مفعوله مقدر بقرينة المقام وليس منزلاً منزلة اللازم ولا
اسم مفعول والباء زائدة كما قيل، وقوله: مفتتحاً الخ إشارة إلى أنّ الباء هنا للملابسة أو الاستعانة، وقدم الأوّل لما في الثاني من إيهام كون اسمه تعالى آلة لغيره وهو محتمل لأن يكون إشارة إلى أنّ الجار والمجرور هنا ظرف مستقر في موضعنصب على الحالية، ويحتمل أنه بيان لمآل المعنى فالظرف لغو والقرآن يطلق على الكل وعلى ما يشمله وأبعاضه وعلى كل حال سواء دل الأمر على الفور أم لا ليس تكليفاً بما لا يطاق، أمّا على الثاني فظاهر، وأمّا على غيره فلأن قراءته بالشروع فيه وعلى الأوّل فلا حجة فيه للشافعي في الجهر بالبسملة في كل سورة إذ لا دلالة له عليه ولو سلم فالمقابلة تدل على أنها ليست من القرآن وهو مخالف لمذهبه وفيه نظر وإن كان في الاستدلال ما فيه لأنّ الافتتاح يقتضيه ظاهراً والمقابلة تخصص القرآن بغيرها، وضمير به لربك ليتحد مرجع الضمير فيهما أو للاسم واقحام الاسم هنا وعدمه مر بيانه في أوّل الكتاب، وكون اقرأ من جملة المأمور بقراءته فيدل على وجوب نفسه خزيرة سيأتي بيانها. قوله: (الذي له الخلق) ذكر فيه وجوها أوّلها: هذا وهو أنه نزل منزلة اللازم، وهو يفيد العموم أيضاً لأنه يدل على اختصاص الخلق به وعلى أنّ كل مخلوق له أيضا كما أشار إليه المصنف بقوله: له الخلق فقدم له للدلالة على الحصر أو يقدر له مفعول عام وهو كل شيء لأنّ الحذف يدل على العموم أيضاً، وسيأتي الوجه الثالث. قوله: (ثم أفرد ما هو أشرف الخ) هو على الثاني أو على الوجهين لأنّ مآلهما واحد كما عرفت، وهو الأحسن وهذا بيان لتخصيص خلق الإنسان بالتصريح به بعد التعميم صراحة، أو كناية فقوله: أشرف على المذهب الحق ولذا غير قول الزمخشريّ أشرف من على الأرض
стр. 3116
وقوله: وأظهر صنعا وتدبيراً أظهر به صنعة أي مصنوعيته، ومدبريته أي كونه مدبراً أموره لأنه أنفسي مشاهد لكل أحد فهما مصدرا
المبني للمفعول. قوله: (وأدل على وجوب العبادة الخ) بيان لارتباطه بما قبله ولما كانت القراءة عبادة فالأمر بها أمر بالعبادة دال على وجوبها وجميع الموجودات تدد على الصانع المنعم بالخلق وشكره بالعبادة له واجب فما هو أشرف، وأظهر أدل على ما ذكر فافهم. قوله: (أو الذي الخ) فيقدر الإنسان ويعلق الخلق بمفعول خاص والإبهام من عدم ذكره والتفخيم بالتفسير بعد الإيهام والفطرة بمعنى الخلق أو المراد أنّ الأوّل ذكر مطلقا ثم بين فتدبر. قوله: (جمعه الخ) أي قال: علق دون علقة كما في الآية الأخرى لأنّ الإنسان المراد به الجنس فهو في معنى الجمع فلذا جمع ما خلق منه ليطابقه قيل، وخصه دون غيره من التارات لأنه أدل على كمال القدرة من المضغة، وهو وإن لم يكن أم! من النطفة بالمقام فهو مستلزم لها مع مناسبة الفواصل، وأطلق عليه جمعاً وهو اسم جنس جمعي كتمرة وتمر إمّا تسمحاً أو هو جمع لغوي، ومعنى قوله: جمعه أتى به جمعا لأنّ المجموع مفرده لا هذا، ولذا قيل: فيه تسمح. قوله: (نزل أوّلاً) هذا بناء على أنّ أوّل هذه السورة أوّل نازل كما مرّ فالمراد نزل في أوّل ما أوحاه للنبيّ ﷺ ، وبين وجهه بأنّ أوّل واجب على المكلف معرفة الله تعالى وهذه الآيات دالة عليه والدال على وجوده كونه ربا وعلى فرط قدرته كونه خالقاً وكمال حكمته في جعله علقة المشار به إلى التارات، وقيل: المراد نزل في أوّل السورة ما يدل على معرفة الله وبعده ما يدل على عبادته في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [سورة العدق، الآية: ١٠] وهو بعيد من كلامه بمراحل. قوله: (تكرير) على أنّ الثاني عين الأوّل والمبالغة من تأكيد الأمر حتى كأنه أمر به ووجب عليه مرتين، وقوله: مطلق أي عن قيد التبليغ للناس أو كونه في الصلاة المذكورة بعده، وقوله: ولعله الخ إشارة إلى ما في حديث البخاري من أنه لما قال له: ﴿اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقال: ما أنا بقارى وما فيه نافية أو استفهامية كما بين في شرحه فقال له: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ الخ فلا يكون تأكيداً ولا مقيداً بما ذكر من التبليغ للناس أو بكونه في الصلاة بل الأوّل أمر له بالقراءة فلما ساله ما أقرأ أو قال له إني أميّ ولست بقارئ قال له: ﴿اقرأ﴾ الخ فقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ حال على هذا وعلى الأول استئناف وعلى الثاني يحتملهما، وقوله: فقيل الخ الفاء لبيان تعقيبه لما قبلها فلا يلزم طرحها وذكرها أولى فتأمّل.
قوله:) الزائد في الكرم الخ) فافعل على ظاهره والمفضل عليه محذوف لقصد العموم كما في الله أكبر أي من كل كبير، وقوله: يحلم الخ فإنّ حلمه تعالى مع ما هم عليه من كفران النعم ومع عدم الخوف غاية في الكرم، وقوله: بل هو الكريم الخ يعني أنه ليس المقصود به التفضيل بل المبالغة في زيادة الكرم المطلقة لأن حقيقة الكرم إعطاء ما ينبغي لا لغرض وهو لا يشاركه فيه غيره. قوله: (الخط بالقلم) فمفعوله مقدر والجار والمجرور متعلق بالمفعول المقدر، وقوله: وقد قرئ به هي قراءة ابن الزبير علم الخط بالقلم، وقوله: لتقيد الخ متعلق بقوله: علم بيان لحكمة تعليم الله الخط لعباده، وقوله: ويعلم به البعيد من الإعلام أي يعلم بالخط الأمر البعيد، وقوله: بخلق القوي أراد بالقوى الحواس الباطنة، وقوله: فيعلمك القراءة الخ بيان للمراد منه وأنه داخل فيما ذكر دخولاًاً وّلياً. قوله: (وقد عدد الخ) المبدأ من كونه علقة ومنتهاه كونه عالماً محصلاً ما جهله من المعلومات وأخس المراتب كونه نطفة جمادية وأعلاها كمال الإنسانية، وقوله: تقريراً لربوبيته أي كونه مربياً لخلقه بترقيها في أطوارها، وقوله: كرميته حيث أنعم بوجوده، ثم أفاض عليه شآبيب جوده ظاهرة وباطنة محسوسة ومعنوية، وقوبه: عقلا هو ما يعلم من كونه خالقا لكل شيء وربا له وسمعا من قوله: علم الخ فمانّ الآيات وهي الدلائل السمعية مندرجة فيها كما أشار إليه المصنف ﵀ والمراد هنا ما يدل على ما لا يتوقف ثبوته على الشرع كوجود الباري تعالى. قوله: (وإن لم يذكر الخ) لأنّ مفتتح السورة إلى هذا المقطع يدل على عظيم منته على الإنسان فإذا قيل: كلا يكون ردعا للإنسان الذي قابل تلك النعم بالكفران والطغيان، وكذلك التعليل بقوله: إن الإنسان فقيل إنه قدر بعد قوله. ما لم يعلم ليشكر تلك النعم الجليلة فطغى وكفر كلا الخ، وقيل: كلا بمعنى حقاً لعدم ما يتوجه إليه الرح. قوله: (ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحدا لأنه لا يكون ذلك في غير أفعال القلوب، وفقد وعدم ولو كانت بصرية امتنع ذلك فيها والمسألة فيها خلاف، فذهب جماعة إلى أنّ رأي البصرية تعطي حكم العلمية وجعل منه قول عائشة رضي
стр. 3117
الله عنها لقدر أيتنا مع رسول الله ﷺ وما لنا طعام إلا الأسودان وأنشد:
ولقد أراني للرماح دريئة من عن يميني تارة وأمامي
قاله السمين في إعرابه. قوله: (تهديدا وتحذيرا الخ) التهديد من الخطاب والتحذير من
العاقبة من ذكر الرجوع إلى الله وقد جوّز كون الخطاب للرسول والتهديد والتحذير بحاله أيضاً، وقوله: الرجعى مصدر فألفه للتأنيث. قوله: (نزلت في أبي جهل الخ) هو حديث صحيح، وأن كان في ألفاظه تفاوت فقوله: ينهي عبدا بمعنى يمنع وعبر بالنهي إشارة إلى عدم اقتداره على غير ذلك، وقال ابن عطية لم يختلف المفسرون في أنّ الناهي أبو جهل والعبد المصلى النبي ﷺ ، وماً في الكشاف رواية عن الحسن من أنه أمية بن خلف كان ينهي سلمان ﵁ عن الصلاة فلم يلتفتوا إليه فإنه لا خلاف في أنّ إسلام سلمان كان بالمدينة بعد الهجرة فلا وجه لإيراده هنا. قوله: (وأجنحة) أراد ملائكة ذوي أجنحة وقد رآها الملعون، ولم يميز كونها ملائهكة أم لا كذا في الكشف، وبين أوّل كلامه وآخره تدافع يدفع بأدنى تأمل. قوله: (ولفظ العبد وتنكيره) يعني عدل عن قوله: ينهاك الأخصر الأظهر لما ذكر والظاهر أنه لف، ونشر مرتب فقوله: في تقبيح النهي تعليل لذكر العبد لأن العبد شأنه عبادة مولاه فنهيه عنها أقبح قبيح، وكمال العبودية من التنكير إما لأنه للتعظيم أو لدلالته على أنه لا يعرف بغير العبودية وقيل: إنه من إرخاء العنان في الكلام المنصف إذ قال: ينهي ولم يقل يؤذي وعبدا دون نبياً مختارا. قوله: (أرأيت تكريرا للتأكيد باعتبار الظاهر من تكرر اللفظ فيها وإن قيد كل واحد بقيد يجعله مغايرا لما قبله لأنه يجوز عدم التكرار وعطف القيود أو ربطها بما يقتضيه النظام والخطاب في قوله: أرأيت عام لكل من يضلح للخطاب أو للإنسان كالخطاب في قوله: إلى ربك ويجوز أن يكون للكافر المفهوم من قوله: الذي ينهي أو للنبي ﷺ إذ هو يختلف كما سيأتي، وما تقدم هو الراجح لأنّ الذي ينهى عبداً يشمل النبي، والكافر فخرجا عن الخطاب من هذا الوجه كما في الكشاف يعني أنّ السياق يقتضي لأن يكون المخاطب بالرؤية غير من وقعت عليه فكونه لا يوجب الخروج لأنه تصوير لحاله وحال خصمه بعنوان كل تعسف لا يخفى، وأمّا وروده على الثالث فسيأتي بيانه مع أنه غير مقبول فوروده عليه مؤيد لتمريضه. قوله: (وكذا الذي في قوله: أرأيت الخ) أي هي أيضا تكرير لتأكيد الأولى مثل البانية وعن الزمخشري إنّ أرأيت الأولى وأختيها متوجهات إلى ألم يعلم، وهو مقدر عند الأوليين، وترك إظهاره اختصاراً كما في قوله: آتوني أفرغ عليه قطرا ومثاله أن تقول لرجل أخبرني عن زيدان،
وفدت عليه أخبرني عنه إن استجزته أخبرني عنه إن توسلت إليه أما يوجب حقي اهـ، والمراد ما سمعته. قوله: (والشرطية) الأولى مفعول أرأيت الأول، وهكذا الثاني وهذا على أنّ الرؤية علمية لا بصرية بناء على تجويز كل منهما لأنّ للنحاة فيها قولين ولذا ترى المصنف ﵀ يختار هذا مرة وهذا أخرى وجعل الشرطية في موقع المفعول والجملة الاستفهامية في موقع جواب الشرط إمّا على ظاهره أو على أنهما لدلالتهما على ذلك جعلا كأنهما كذلك لسدهما مسد المفعول والجواب، وبما ذكر صرّح الرضي والدماميني في شرح التسهيل في باب اسم الإشارة فما قيل من أنّ المفعول الثاني لا رأيت لا يكون إلا جملة استفهامية مخالف لما صرحوا بأنه مختار سيبويه فلا يلتفت إليه. قوله: (وجواب الشرط) الأوّل محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ الخ، وقد جعلوا هنا جملة الاستفهام جواباً للشرط بدون الفاء، وبه صرّج الزمخشري وارتضاه الفاضل الرضي واستشهد له بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٧] وقال الدماميني في شرح التسهيل إنه مشكل لعدم اقترانها بالفاء والاقتران بها في مثله واجب وقال في الكشف في تجويز كون الاستفهام جزاء الشرط بغير فاء بحث لأنّ ظاهر كلام المفصل وغيره وجوب الفاء في الجزاء الإنثائي والاستفهام وإن لم يبق على حقيقته لم يخرج من الإنشاء، وفيه كلام كتبناه في حواشي الرضي، وقوله: محذوف تقديره ألم يعلم أيضا. قوله: (الواقع موقع القسيم له) إشارة إلى أنه ليس بقسيم له حقيقة فلذا لم يعطف عليه بأو وإن كان في تقريره للمعنى عطفه عليه لمشابهته للقسيم أداء لحقي
стр. 3118
الشبه وعدمه لأنّ تكذيبه وتوليه ليس بمقابل لأمره بالتقوى، واهتدائه ولم يقصد به ذلك فلا يرد عليه ما قيل: إنّ الظاهر عطفه حينئذ وكون أرأيت تأكيدا لا يتوجه الاعتذار به له، وقوله: في الكشف إن أرأيت الثالث يستقل به لأنه يقابل الأوّل لتقابل الشرطين أراد به أنه كالمستقل فلا ينافي كلام المصنف ﵀ كما توهم حتى يقال: إن المصنف ذهب إلى أنّ التقابل لا يمنع تكرير التأكيد، ولا يقتضي الاستقلال وأنما يستقل لو وقع على الشرطية، وليس كذلك ولو استقل عطف والقول بأنه ترشيح للكلام المبكت وتنبيه على حقيقة الثاني ليس بذاك اهـ، ومن العجائب ما قيل: إنّ قول المصنف أو إن كان على التكذيب إشارة إلى أنّ أو محذوفة فتأمّل.
قوله:) والمعنى أخبرتي الخ) إشارة إلى أنّ أرأيت بمعنى أخبرني وقد مرّ تحقيقه وفي
كلامه إشارة إلى أنّ الخطاب لغير معين، وأنه من إرخاء عنان الإنصاف والتبكيت كما مرّ، وقوله: بعض عباد الله لا ينافي كون التنوين للتعظيم كما مز لأنّ التعظيم مأخوذ من الإبهام وهو المراد هنا لا أنّ تنوينه للتبعيض كما يتوهم، وقوله: ذلك الناهي إشارة إلى أنّ اسم كان ضمير
الذي، وقوله: كما يعتقده إشارة إلى أنّ انتفاء محقق وأنما أتى فيه بأن بناء على زعمه، وقوله: كما تقول بتاء الخطاب للنبيّ ﷺ أو بنون العظمة وقوله: ألم يعلم هو الجواب لا مقول القول فافهم. قوله: (وقيل المعنى الخ) يعني أنّ الضمير المستتر في كان للعبد المصلى، وكذا في أمر والضمير في كذب وتولى ويعلم للذي ينهى وعلى الأوّل الضمائر كلها للذي ينهى وقوله: والمنهي على الهدى والناهي مكذب بيان لحاصل المعنى لا لأنّ الجملة الشرطية حالية والرؤية على هذا علمية أيضاً، وقيل: إنها بصرية والجواب مقدر كما أشار إليه بقوله: فما أعجب من ذا بقرينة قوله: أرأيت فإنه يفيد التعجب، وقوله: ألم يعلم الخ جملة مستأنفة حينئذ لتقرير ما قبلها، وتأكيده لا جواب للشرط. قوله: (وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر) وفي الثالثة للنبيّ ﷺ وهو المفهوم من كلام المصنف وإن جوّز الإمام كونه للكافر أيضاً وسكت عن الأولى فالظاهر أنها لغير معين فلا يرد ما مرّ في الكشف، وقيل: إنه للنبيّ ﷺ أيضاً فتدبر، وقوله: أتنهاه يحتمل أنه جعله مفعولاً لا لرأيت ويحتمل أنه جواب الشرط، وقوله: ودعاؤه الخ إشارة إلى أنّ أو تقسيمية بمعنى الواو هنا فتدبر. قوله: (في التعجب الخ) أراد قوله: إن كان على الهدى الخ، وأنّ ما قبله مثله أيضا وقيل: هذا على الوجهين الأخيرين لأنّ مبني الأوّل على نهيه عن الصلاة والأمر والتعجب منه ومبني الثاني على التوبيخ على نهيه عنهما مع أنّ المذكور أوّلاً أحدهما وفيه نظر، وقوله: ولم يعرّض الخ يعني لم يقل ينهاه إذا صلى أو أمر الخ وهو معطوف على قوله: ذكر أو. هو حال وقوله: لأنّ النهي الخ تعليل للمنفي لا للنفي، وقوله: فاقتصر الخ بيان لأنه حذف من الأوّل بعض ما في الثاني اكتفاء بذكره فيه للاختصار ولما كان الاختصار يحصل بالاقتصار على كل منهما أشار إلى المرجح للاقتصار على الصلاة بأن الأمر بالتقو! دعوة قولية، والصلاة دعوة فعلية والفعل أقوى من القول فاقتصر على الأقوى، وكان الظاهر لأنها لكن ذكر بتأويل الدعاء أو باعتبار كونها فعلا أو لأنه مصدر وما قيل في بيانه فخص الصلاة بالذكر لاشتماله على أحد قسمي الدعوة بخلاف الأمر بالتقوى الظاهر أنه خطأ، وأنما جعلت دعوة وأمرا لأن المقتدى به إذا فعل فعلاً في قوّة قوله: افعلوا هذا فهي أمر كما جعلها الله نهيا في آية أخرى، فمن قال: المتحقق فيها الصلاة لا الدعوة لم يفهم المراد. قوله: (أو لأنّ نهي العبد الخ) وجه آخر للدفع أي المذكور أوّلاً ليس النهي عن الصلاة بل النهي حين
الصلاة وهو محتمل أن يكون لها أو لغيرها وعامّة أحوال الصلاة وجميعها لما انحصرت في تكميل نفس المصلي بالعبادة وتكميل غيره بالدعوة فنهيه في تلك الحال يكون عن الصلاة والدعوة معا، ولذا ذكرا في التعجب أو التوبيخ فسقط ما قيل من أنه في بعض النسخ أحوالها والصواب أحواله كما في بعضها أي عامّة أحواله ﷺ محصورة فيهما فيدل على النهي عنهما، وفيه أن المتحقق منه الصلاة لا الدعوة فتأمّل. قوله: (لتأخذنّ بناصيته الخ) أي برأسه بيان لمعناه الوضعي، وقوله: لنسحبنه هو المعنى الكنائيّ المؤمخمود منه وقوله: بنون مثددة هي رواية عن أبي عمرو، وقوله: وكتبته بالكسر مصدر بمعنى الكتابة، وقوله: على
стр. 3119
حكم الوقف لأنه يوقف على النون الخفيفة بالألف تشبيها لها بالتنوين، وقاعدة الرسم مبنية على حال الوقف والابتداء، وقوله: والاكتفاء باللام أي في قوله: الناصية لأنها للعهد فالمعنى ناصيته، وهو معنى كونها عوضاً عن الإضافة في مثله. قوله: (وإنما جاز لوصفها الأن النكرة تبدل من المعرفة عند الكوفيين بشرطين اتحاد اللفظ، ووصف النكرة واشترط ابن أبي الربيع الثاني دون الأوّل لئلا يكون المقصود أنقص من غيره فإذا جبرت النكارة بالوصف جاز فيه ذلك وأما البصريون فلا يشتوطون فيه غير الإفادة فلا وجه لما قاله أبو حيان هنا وقال ابن الحاجب إنه لم يقتصر على أحدهما فذكرت الأولى للتنصيص على أنها ناصية الناهي، ثم ذكر الثانية لتوصف بما يدل على علة السفع وشموله لكل ما وجد فيه ذلك، وهذا على مذهب البصريين. قوله: (ووصفها) مبتدأ خبره قوله: للمبالغة لأنها تدل على وصفه بالكذب بطريق الأولى ولأنه لثذة كذبه كان كل جزء من أجزائه يكذب، وكذا حال الخطأ وهو كقوله: تصف ألسنتهم الكذب ووجهها يصف الجمال والتجوّرّ بإسناد ما للكل إلى الجزء كما يسند إلى الجزئي في كقولهم: بنو فلان قتلوا قتيلاَ والقاتل أحدهم كما مرّ. قوله: (أهل ناديه) يحتمل تقدير المضاف، والإسناد المجازي واطلاق اسم المحل على من حل فيه، وقوله: ينتدي فيه القوم أي يجتمعون فيه للحديث ولذا سمي ناديا وندياً، وقوله: روي أن أبا جهل الخ رواه النسائيّ والترمذيّ وغير
وأصله في صحيح البخاري، وقوله: ألم أنهك أي عن إظهار الصلاة عند الكعبة وقد قيل: إنّ ذلك في أوّل صلاة صلاها النبيّ ىلمجه بجماعة فالعبير بالنهي في الآية على ظاهره، وقوله: أنا أكبر بالموحدة ويجوز فيه المثلثة والمراد بالوادي وادي مكة وحرمها. قوله: (وهو في الآصل الشرط) شرط كصرد أعوان الولاة وواحده شرطي كتركي وجهتيّ، وقيل التحريك خطأ كما في الأساس. قوله: (واحدها رّبنية) بكسر فسكون واحد زبانية، وقيل: واحده زبني بالكسر نسبة إلى الزبن بالفتح وهو الدفع، ثم غير للنسب وأصل الجمع زباني فحذفت إحدى ياءيه وعوض عنها التاء كما ذكره المصنف وقال الأخفش: واحده زابن، وقيل: لا واحد له كعباديد ولم يرسم كسندع بالواو في المصاحف باتباع الرسم للفظ أو لمشاكلة قوله: فليدع، وقيل: إنه مجزوم في جواب الأمر وفيه نظر وقرئ استدعى الزبانية بالبناء للمفعول ورفع الزبانية، وقوله: وهو أي الزبانية، وقوله: كعفرية بكسر فسكون رلش على قفا الديك ويقال لها: عفارية، وقوله: على النسب يعني وكسر على تغييرات النسب كما قيل: أمسيّ بكسر الهمزة وقوله: دم على سجودك هو على ظاهره أو مجاز عن الصلاة، وقوله: أقرب الخ هو حديث صحيح في مسلم بلفظ وهو ساجد، وقوله: عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع، وقوله: كإنما الخ أي كأجر من قرأ المفصل تمت السورة بحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سورة القدر
اختلف في كونها مكية أو مدنية كما اختلف في أي القولين أرجح واختلف في عدد آياتها
هل هو خسى أو ست أيضاً.
بسم الله الوحمن الرحيم
قوله: (الضمير) يعني به الهاء في قوله: أنزلناه وهو ضمير أريد به القرآن هنا بالاتفاق كما
قاله الإمام، وكأنه لم يعتد بقول من قال: إنه لجبريل ﵊ أو غيره لضعفه فلا يرد عليه نقضاً، فإن قلت كونه ضمير القرآن وهو من جملته يقتضي عوده على نفسه كما أن الإشارة في نحو ذلك الكتاب تقتضي الإشارة لذلك بذلك، وتقتضي أيضاً الأخبار بجملة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ عن نفسه قلت قال: أستاذ مشايخنا السيد عيسى قدس سرّه إنه لا محذور فيه لجواز قولك: أتكلم مخبرا به عن التكلم بقولك: أتكلم، وفيه اختلاف أفرده الدواني بالتأليف أو يقال: يرجع الضمير للقرآن باعتبار وجملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبر عن الجملة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، وإن كان من جملته إنا أنزلناه المندرح في جملته من غير نظر له بخصوصه، ولا بأس به وقيس الضمير
стр. 3120
راجع له ما عدا قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ولا وجه له ولا حاجة في العربية لمثل هدّا التدقيق بل التضييق، والجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل، ولذا قال الكرماني: الجزء قد يجعل علماً للكل كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي السورة كلها. قوله: (فخمه بإضماره) أي بالتعبير عنه بضمير الغائب الذي لم يذكر قبله في السورة ما يعود عليه والضمائر المذكورة هنا كلها للقرآن غير الضمير في قوله إليه، بقوله: فإنه لله والتفخيم بمعنى التعظيم هنا وأفاد ما ذكر تعظيمه لأنه يشعر بأنه لعلوّ شأنه كأنه حاضر عند كل أحد فيعود الضمير على ما هو في قوّة المذكور، والنباهة الشهرة والشرف، وقوله: عظم الوقت معطوف على قوله: عظمه أو أسند أو فخمه ولا بعد فيه، وفي الكشاف عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها: إنه أسند الدال إليه وجعله مختصاً به دون غيره، والثاني: إنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث: الرفع من مقدار الوفت الذي أنزل فيه، أن وقال الشراح في قوله: مختصاً به إنه من باب تقديم الفاعل المعنوي نحو أنا كفيت مهمك وردّه الفاضل اليمني بأنه إنما يصح في الضمير المنفصل إمّ المتصل كما في اسم إن هنا فلا يصح فيه ذلك فالحصر هنا ليس من التقديم كما توهموه بل من سياق الكلام ومفهومه، وكان المصنف لهذا لم يتعرّض للاختصاصر، لا لأنّ الاختصاص لردّ اعتقاد غيره وهو
غير ظاهر لأنه لا يلزم في كل حصر ما ذكر كما ذكره أهل المعاني، وفيما ذكر. الفاضل أيضا بحث فإنهم لم يصرّحوا باشتراط ما ذكر فتدبر. قوله: (كما عظمه بأن أسند إنزاله إليه) بضمير العظمة لأنّ ما يصدر عن العظيم عظيم فلا يتوهم أنه إنما يفيد عظمة المتكلم دون غيره، وما قيل إنّ المراد أنه أسند إلى ذاته الجليلة المعبر عنها بصيغة العظمة على طريق القصر إلا أنه اكتفى بذكر الأصل عن ذكر التبع انتهى لا وجه له لما عرفت من أن كلام المصنف لا يدل على ما ذكر بل على خلافه. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ الخ) عن سفيان بن عيينة أنّ كل ما في القرآن من قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ أعلم الله به نبيه ﷺ وما فيه من ما يدريك لم يعلمه به ووجهه ظاهر، وقوله: بأن ابتدأنا لإنزاله الخ فيه نظر لأنّ أوّل ما نزل من الآيات اقرأ أو كان بحراء نهارا ولذا ذكرت هذه السورة بعد تلك، ولم ينقل نزوله في رمضان ليلاً، وابتداء البعثة لم يكن في رمضان فانزلناه فيه على هذا تجوز في الإسناد لإسناد ما للجزء للكل أو أنزلنا بمعن أبتدأنا فهو مجاز في الطرف أو تضمين، وقوله: أو أنزله الخ هو الأصح والسفرة الملائكة كما مرّ وقوله في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة إرساله ﷺ إلى ارتحاله لدار البقاء، وقوله: خير من ألف شهر المراد به المبالغة في تفضيلها على غيرها مطلقا، وقيل: المراد ألف شهر ليس فيها ليلة قدر حتى لا يلزم تفضيلها على نفسها فتأمّل. قوله: (وقيل المعنى أنزلناه في فضلها) ففيه مضاف مقدر أي في فضل ليلة القدر أو في بيانها أو حقها أو الظرفية مجازية كما في قول عمر ﵁ خثيت أن ينزل فيّ قرآن ومثله كثير ففيه استعارة تبعية، وقيل: في فيه مستعارة للسببية والضمير للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وبمعنى السورة ولا يأباه كون قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ من السورة كما توهم لما مرّ، وبجوز أن يراد به المجموع لاشتماله على ذلك فتدبر. قوله: (وهي في أوتار العشر الأخير الخ) كونها في العشر الأخير من رمضان وفي سابعه أشهر أقوال السلف وقد ورد في الحديث، وقيل: إنها تنتقل فتكون في كل سنة في ليلة وبه جمع بين الأحاديث المتعارضة فيها، وقيل: هي معينة لا تنتقل وقيل: هي في السنة كلها، وقيل: في رمضان كله وقيل: في العشر الأوسط، وقيل: في أوتاره وقيل: في أشفاعه، وقيل:
إنها لم تعلم لأحد، وقيل: إنها رفعت وقال الكرماني: إنّ هذا القول غلط قيل: وحكمة كونها في العشر الأخير أنه زمان ضعف فيزيد أجر عمله وقيل: إنه يتمّ فيه التصفية فيستعدّ الصائم لها فيه. قوله: (والداعي الخ) يعني أنه على القول بأنها أخفيت حكمة إخفائها كحكمة إخفاء ساعة الإجابة في الجمعة والاسم الأعظم من بين الأسماء، وهو أن لا يعلمها كل أحد ويجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها كان يحيي ليالي رمضان كلها كما كان دأب السلف. قوله: (ولعلها السابعة. منها) أي من ليالي العشر الأخير لعلامات دلت على ذلك ولأحاديث صحيحة وردت فيها قيل وفي السورة إشارة لذلك لأنّ ضمير هي لليلة القدر، وهي سابعة عشرين من الكلمات الواقعة
следующие страницы →