Полный текст (3 156 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
ووجه الأشدية أنه تقريع في يوم الفصل، وغضب من أرحم الراحمين وتأييس لهم بقوله: فلن نزيدكم مع ما في لن من أنّ ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة كما قيل. قوله: (فوزا) على أنه مصدر ميمي وما بعده على أنه اسم مكان، وقوله: بدل الاشتمال على أنه بمعنى الفوز، وهو الظفر بالمطلوب وهو النجاة من العذاب أو النعمة أو كلاهما وبدل البعض على أنه موضع الفوز والرابط مقدّر، وتقديره حدائق هي محله أو فيه ونحوه، قيل: ولا يخلو على الأوّل من التكلف وانه يجوز أن يكون بدل كل على الاذعاء أو منصوبا بأعني مقدرة، وقوله: فلكت أي استدارت مع ارتفاع يسير، وهو يكون في سن البلوغ وأحسن الشبوبية وثدي بضم المثلثة وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتية جمع ثدي وهو معروف، ولدات جمع لدة بزنة عدة من تساوى في السن ووقت الولادة. قوله: (وأدهق الحوض ملأه) قيل: لو قال ودهق الحوض ملأه كان أحسن لأنهما بمعنى والمصدر الواقع في النظم للثلاثي، وقيل: إنه إشارة إلى استعمال دهق وأدهق بمعنى لكنه استغنى عن ذكر الثلاثي لأنه يعلم من ذكر مصدره، وقوله: كذبا أو مكاذبة إشارة إلى ما مرّ قريباً من معنيي المخفف كما عرفته، وقوله: إذ لا الخ لبيان المفاعلة فهو متعلق بمقدّر أو بيسمعون، ويكذب بالتشديد لا بالتخفيف كما توهم حتى يكون علة للجميع لأنّ نفي الكذب نفي للتكذيب والمكاذبة وهو من التكلفات الباردة. قوله: (بمقتض وعده) جزاء مصدر مؤكد منصوب بمعنى إنّ للمتقين مفازا لأنه في معنى جازاهم بالفوز، وقوله: بمقتضى وعده للرد
على المعتزلة في زعمهم وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي، ونحن نقول: لا يجب عليه شيء لكن وعدنا بكرمه ذلك، وهو لا يخلف الميعاد فكان كأنه جزاء على العمل حقيقة، ولولاه لتنافى كونه جزاء وارشاده أضاف الرب إلى النبيّ دونهم تشريفاً له، وقيل: لم يقل من ربهم لئلا يحمل على أصنامهم، وهو بعيد جدّاً. قوله: (وقيل منتصب به الخ) قائله صاحب الكشاف، ومرضه المصنف، ولم يرتض به قيل: لأنّ النحاة قالوا: إنما يعمل المصدر إذا لم يكن مفعولاً مطلقا، وقال أبو حيان: أنه جعل جزاء مصدرا مؤكدا لمضمون جملة أنّ للمتقين الخ والمصدر المؤكد لا يعمل بلا خلاف للنحاة لأنه لا ينحل لفعل وحرف مصدري وردّ بأن ذلك إذا كان الناصب للمفعول المطلق مذكورا إمّا إذا حذف لازما كان الحذف أو جائزاً ففيه خلاف هل هو العامل أو الفعل، وما نحن فيه منه فإنّ جزاء مصدر مؤكد كما قال غايته: إنه اختار أعمال المصدر ولعل وجه التمريض مرجوحية أعمال المصدر قال الرضي: الأولى أن يقال العمل للفعل على كل حال، وقيل: في ردّه أيضا أنّ المفعول المطلق لا يعمل إلا إذا حذف عامله وجوباً، وهو هنا كذلك لأنّ فاعل فعله وهو ربك متعلق به، هذا زبدة ما في الحواشي تبعاً لشرّاح الكشاف) وعندي) أنه خلط وخبط والحق ما قاله أبو حيان لأنّ المذكور هنا هو المصدر المؤكد لنفسه أو لغيره والذي اختلف فيه النحاة غيره قال: ناظر الجيش نقلاً عن ابن مالك المصدر على ضربين ضرب يقدو بالفعل وحرف مصدري، وضرب يقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلاً من اللفظ بفعله وأكثر وقوعه أمرا ودعاء وبعد استفهام والأمر كقوله:
فندلا زريق المال ندل الثعالب
والدعاء كقوله:
يا قابل التوب غفرانا مآثم قد ~ أسلفتها أنا منها خائف وجل
والاستفهام كقوله:
أعلاقة أمّ الوليد بعد ما
الخ اهـ وهذا هو المختلف فيه عند النحاة وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فأعرفه. قوله:
(من أحسبه الشيء إذا كفاه) أي مأخوذ من هذه المادة لا مشتق حتى يكون على القول المرجوح في اشتقاق المصدر من الفعل، ويكون الفعال بالفتح مصدر الأفعال، وحساباً صفة لعطاء وإن كان مصدراً لتأويله بالمشتق ولذا فسر. بكافياً أو هو على تقدير مضاف أو وصف به مبالغة، وقوله: حسبي أي يكفيني. قوله: (أو على حسب أعمالهم) حسب بفتح السين أو سكونها، والمراد على قدرها، وقيل: عليه أنه غير مناسب هنا لمضاعفة الحسنات، ولذا لم يقل وفاقاً كما في السابق ويدفع بأنه بعد المضاعف جاء هو وأضعافه على حسبها أيضا أو ما ذكر هو
الأصل وما زاد تفضلاً وتكرّما بمقتضى وعده، وقيل: معناه عطاء مفروغا عن
стр. 3047
حسابه لا كنعم الدنيا وفيه نظر. قوله: (وقرئ حساباً) أي بالفتح والتشديد على وزان صيغ المبالغة وهو بمعنى المحمسب بكسر السين أي بزنة اسم الفاعل، وهذا بناء على أن فعالاً يكون صفة من الأفعال وفيه كلام لأهل العربية، ونقل الراغب عن بعض أهل اللغة أن فعالاً لا يجيء صفة من الأفعال وجبار من جبر لا من أجبر فليحرّر. قوله:) بدل من ربك الخ (وفي إبداله تعظيم له أيضا وايماء إلى ما في الآثار المقدسة لولاك لما خلقت الأفلاك، ورفعه الحجازيان نافع وابن كثير وأبو عمرو، ولو أعرب في الرفع خبر مبتدأ مقدر على أنه نعت مقطوع لتوافقت القراءتان، وقوله: صفة له أي لربك أو لرب السموات على الأصح عند المحققين من جواز وصف المضاف إلى ذي اللام بالمعرف بها فلا يرد عليه أنه ممنوع عند النحاة كما توهم مع أنه إنما يرد لو أراد أنه صفة رب السموات، ولو أراد صفة ربك كما يؤيده قراءة من جره مع رفع ما قبله فلا فتأمله. قوله: (إلا في قراءة ابن عامر الخ) في النسخ هنا اختلاف واختلال وتحريره ما في النشر قال: اختلفوا في رب السموات والأرض، فقرأه يعقوب وابن عامر والكوفيون بخفض الباء والباقون برفعها واختلفوا في الرحمن فقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم بخفض النون، والباقون برفعها اهـ، وللرحمن هنا وفيما سياتي موقع بليغ جدا. قوله: الا يملكون خطابه الخ (ظاهره أنّ منه بيان مقدم للخطاب، وسيأتي تحقيقه وهو دفع لما يتوهم من منافاة هذه الآية للشفاعة الآتية فإنّ للشفيع مقالاً وخطاباً مع الله بأنّ المنفيّ هنا خطاب الاعتراض لا الشفاعة، والرجاء وما بعده من ذكر الصواب دال عليه، ويجوز أن يكون عاما خص منه ما بعده وهذا غير ما في الكشاف إذ المعنى أنهم لا يتصرّفون في خطاب الأمر والنهي تصرّف الملاك فيزيدون وينقصون كما يريدون، وهو من قوله: لا يملكون، وقد حققه المدقق في الكشف، ثم قال: وأمّا منه في التنزيل فصلته ولم يذكر لظهوره، والمعنى لا يملكون من الله خطابا واحداً أي لا يملكهم الله ذلك كما تقول ملكت منه درهماً إشارة إلى أن مبدأ الملك منه، وهذا أظهر أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب وهذا وجه آخر في الآية فيه منه صلة خطاباً كما تقول خاطبت منك على معنى خاطبتك كبعت زيدا وبعت من زيد فمنه بيان مقدم على المصدر لا صلة يملكون، وقد قيل عليه إنّ تعدى الخطاب لم يثبت في اللغة، وكذا البيع لا يتعدّى بلا واسطة إلا إلى المبيع لا إلى المشتري فينبغي أن يجعل منه صلة يملكون أي لا يملكون منه تعالى في ذلك اليوم خطابا باعتراض ونحوه، وهذا عجيب فإنه لم يقل إنه صلة الخطاب حتى يرد عليه ما
ذكر إذ هو في الوجه الأوّل جعل من ابتدائية متعلقة بيملكون، وفي الثاني جعلها بيانية فهو ظرف مستقر لكنه تعسف في قوله: خاطبت منك وأمّ تعدّي البغ بمن فصحيح ذكره صاحب المصباح، وحاصل ما ذكره أنّ النظم يحتمل وجهين أي لا يقدرون على أن يخاطبوه فالخطاب منهم أو لا يصلون لسماع خطاب منه لكنه عقده على عادته، ولولا ظن الإغفال كان ترك مثله أولى من ذكر.. قوله: (لأنهم مملوكون الخ) يعني أنّ ذواتهم وصفاتهم وأملاكهم وكل ما يتعلق بهم جوهراً أو عرضاً مخلوق له تعالى، وهو مالكه فله التصرّف فيه كما يشاء لأنه لا يمنع أحد منا من التصرّف في ملكه مع أنه غير حقيقي فكيف بمالك الملك على الإطلاق فلا يجب عليه شيء من ثواب، وعقاب ولا يسئل عما يفعل وفيه ردّ على المعتزلة، وقوله: تقرير الخ لأنهم إذا لم يتملكوا بغير إذن لم يملكوا الخطاب كما لا يخفى. قوله: (فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلانق الخ) هذا بعينه في الكشاف لكنها كلمة حق أريد بها باطل ثمة فإنّ الخلاف في أفضلية الملائكة بمعنى كثرة الثواب، وما يترتب عليها من كونهم أكرم على الله وأحب إليه لا بمعنى قرب المنزلة من الله ودخول حظائر القدس، ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا مع النزاهة وقلة الوسايط، وغيره فإنهم أفضل بالاعتبار الثاني بلا خلاف فيه وهذا كما نشاهده من حال خدام الملك، وخاصة حرمه فإنهم أقرب إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه وليسوا عند. بمرتبة واحدة وإن زادوا في التبسط والدلالة عليه، ولذا عطف قوله وأقر بهم الخ على أفضل الخلائق عطفاً تفسيرياً ومته تعلم أنّ الخلاف هنا لفظيّ مع أنّ بعض أهل السنة، وعلماء الشافعية ذهبوا إلى تفضيل الملك مطلقا حتى ادّعى بعضهم أنه مراد المصنف، ومذهبه:
وللناس فيما يعشقون مذاهب
قوله:
стр. 3048
(كالشفاعة لمن ارتضى الخ) المراد بمن ارتضى من اصطفاه واختاره من صفوة
خلقه من المسلمين وأنما فسره لأنّ غير الصواب لا يصدر من الملائكة، ولا يؤذن لأحد فيه. قوله: (والووح ملك موكل على الآرواح الخ) قال في الأحياء: الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجسام فإنه يتنفس فيكون في كل نفس من أنفاسه روح في جسم، وهو حق يشاهده أرباب القلوب ببصائرهم اهـ. قوله: (او جنسها) أي والمراد به جنس الأرواح، وقيامها وهي من المجرّدات بدون الأجسام غير متصوّر، ولذا قيل: تقديره ذوات
الأرواح وفيه نظر، والطاهر أن ضمير جنسها راجع للملائكة لتقدمها في النظم، وفهمها من المقام. قوله: (الكائن لا محالة) تفسير للحق الموصوف به اليوم أو الواقع خبر ذلك اليوم أي هو مما لا يمكن إنكاره، وهذا مؤكد لما قبله، ولذا لم يعطف. قوله: " لى ثوابه) بيان للمراد أو تقدير لمضاف فيه، وهو الأظهر وإنما قدر المضاف فيه قيل: لأنّ الرجوع لذاته تعالى غير مراد لتنزهه عنه، وتعاليه فالمتصوّر الرجوع لحكمه وثوابه ووعده ونحوه كما قيل في قوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [سورة الفجر، الآية: ٢٨] وقيل: لأنّ رجوع كل أحد إلى ربه ليس بمشيئته إذ لا بد منه شاء أم لا والمعلق بالمشيئة الرجوع إلى ثوابه فانّ العبد مختار في الإيمان، والطاعة ولا ثواب بدونهما ولا يرد عليه ما قيل من أنه مناف لمذهب الأشاعرة لأنّ العبد له كسب في أفعاله بمشيئة مقارنة لمشيئة الله لما أوجدها فيه، ويكفي في مثله ذلك كما حقق في محله وقيل إنما قدر الثواب لما مرّ من قوله: للطاغين مآبا فإنّ لهم مرجعاً لله أيضا لكن للعقاب لا للثواب، ولكل وجهة هو موليها. قوله: (وقريه لتحققه) جواب عن سؤال مقدر تقديره إذا فسر بعذاب الآخرة كيف يكون قريبا فإمّا أن يجعل لتحقق وقوعه قريبا لأنّ ما تحقق في المستقبل يجعل قريباً بخلاف ما تحقق في الماضي، ولذا قيل: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت أو يقال: البرزخ داخل في الآخرة، ومبدؤه الموت وهو قريب حقيقة إذ القرب والبعد من الأمور النسبية، قيل: وأنما يحتاج إلى التوجيه لو كان يوم ينظر ظرفا مستقرّاً أي قريبا كائناً يوم الخ إمّا إذا كان لغواً للقرب فلا لأنه في ذلك اليوم قريب لا فاصل بينه وبين المرء، وفيه نظر لأنّ الظاهر جعل المنذر به قريبا في وقت الإنذار لأنه المناسب للتهديد والوعيد إذ لا فائدة في ذكر قربه منهم يوم القيامة فإذا تعلق به فالمراد بيان قرب اليوم نفسه كما في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [سورة القمر، الآية: ١] فتأمّل. قوله: (يرى ما قدّمه من خير أو شرّ) بيان لحاصلى المعنى فلا ينافي كون ما استفهامية أو هو تفسير له على الوجه الراجح، ولذا قدّمه، وتعرض لتفسير. على تقدير أنها استفهامية بقوله: أي ينظر الخ، وقوله: والمرء عامّ لاشترإك الفريقين في النظر، ولما بين حال الكافر بعده وتحسره علم حال غيره فهو كقوله: وورثه أبواه فلأمّه الثلث، ولم يصرّح به لإيهام إنه لا يحيط به الوصف، وقيل: المراد به المؤمن كما نقل عن قتادة وتركه المصنف لما في الكشاف من أنه ظاهر الضعف وإن رجحه الإمام بأنّ بيان حال الكافر بعده يدل على أنّ هذا حال المؤمن. قوله: (وقيل هو الكافر الخ) مرضه لأنّ ما قبله في حال الفريقين عموما فلا وجه للتخصيص، وقوله: إنا أنذرناكم الخ لا يخص الكافرين لأنّ الإنذار عامّ للفريقين أيضا فلا دلالة له على الاختصاص كما يتوهم في بادى النظر، وقوله:
فيكون الكافر الخ لأنه على هذا كان الظاهر عود ضمير للمرء من غير تصريح به لكنه لإفادة لفظ الكافر الذي أقيم مقام الضمير لذلك، وقيل: الكافر إبليس لما شاهد آدم ﵊ ونسله وما لهم من الثواب تمنى أن يكون ترابا لأنه احنقره لما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٢] وهو كلام حسن ووجه وجيه، وإن بعد من السياق. قوله: (وما موصولة) والعائد مقدر أي ما قدمته وعلى الاستفهامية فالجملة معلق عنها لأنّ النظر طريق للعلم كما بينه النحاة، والمعنى على الثاني ينظر جواب ما قدمته يداه، ومثله: كثير ظاهر. قوله: (وقيل: يحشر سائر الحيوانات الخ) كما اشتهر ذلك وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ لتؤذن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء تمت السورة والحمد لله وحده والصلاة والسلام على أعظم مخلوقاته وآله وصحبه وآل بيته.
سورة النازعات
стр. 3049
وتسمى سورة الساهرة والطامّة وهي مكية بالاتفاق وعدد الآيات ما ذكره المصنف رحمه
الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (هذه صفات ملانكة الموت الخ) يعني أن الموصوف واحد فيها وهم ملائكة الموت فالعطف لتغاير الصفات كما مرّ ولو جعلت الموصوفات متعددة على أنّ النازعات ملائكة العذاب، والناشطات ملائكة الرحمة جاز أيضا وجعل النزع للكفار، والنشط لغيرهم لأنّ النزع جذب بشدة والنشط بسهولة ورفق فلاءم ذلك التخصيص، وقوله: ينزعون أي يخرجون بجذب، وقوله: إغراقا الخ أي مبالغة في الغرق فالغرق بمعنى الإغراق كالسلام بمعنى التسليم أو هو الإغراق بحذف الزوائد، وقوله: فإنهم ينزعونها الخ تعليل وبيان للإغراق، وتخصيصه بالكفار لما مرّ من أنه جذب بشدة، وما للمؤمنين نشط لا أنه في الكفار معكوس من الأسفل إلى الأعلى حتى لا يرد أنه لا وجه للتخصيص! كما قيل، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق، والمفعول به محذوف. قوله: (أو نفوساً غرقة في الأجساد (فهو مصدر مؤول بالصفة المشبهة، ونصبه على أنه مفعول به على هذا أو صفة للمفعول به، وهو معطوف على قوله: إغراقا، وقيل: على قوله: أرواح الكفار وعلى الأوّل التقابل ظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم، أو نفوساً غرقة في الأجساد لشدة تعلقها بها بغلبة الصفات الجسمانية فهي بعيدة عن الرقيّ لعالم الملكوت، وهي نفوس الكفار، وهي من المجرّدات، وتتعلق بالبدن بواسطة الروح الحيواني، وهو البخار اللطيف الساري في البدن وبنزعه ينقطع تعلق الروح عن البدن، ومنه يعلم فساد ما قيل من أنهما متحدان لا تقابل بينهما. قوله: (يخرجون أرواح المؤمنين برفق) تفسير للنشط على، وجه يعلم منه وجه اختصاصه بالمؤمنين كما مرّ، وكذا اختصاص السبح أيضا وظاهر هذا أنهم النزع خارج البدن كالواقف، وظاهر ما بعده من السبح والغوص دخولهم فيه لإخراجها فيؤوّل أحدهما كالنشط بأنّ المراد منه السهولة أو السبح بأن المراد مجرّد الاتصال، والظاهر أنّ السبح هو الحركة الاختيارية في الماء فلا ينافي
الغوص فما قيل من أنّ إطلاق السبح على الغوص غير متعارف لا وجه له مع أنه لا ينفك عنه. قوله: (فيسبقون بأرواح الكفار الخ) السبق هنا بمعنى الإسراع مجازا فالعطف بالفاء إشارة إلى عدم التراخي في الاتصال، وقوله: أمر عقابها وثوابها لف ونشر مرتب، وقوله: بأن يهيؤها الخ إشارة إلى أنّ ملائكة العذاب غير ملائكة الموت فإنّ ملائكة الموت تهيؤها وتوصلها الإدراك الألم، واللذة دون تنعيم وتعذيب. قوله: (أو الأوليان) أي الصفتان الأوليان، وهما النازعات والناشطات لملائكة الموت وما بعده لملائكة الرحمة والعذاب فتتغاير الموصوفات كالصفات، وفوله: في مضيها الأظهر أن يقال في مضيهم، ولما حمل السابقات على طوائف غير ملائكة الموت لم يكن السبح إخراج الأرواح بل بمعنى المضي والسرعة في اتصالها لما سيقت له من النعيم والعذاب، فيدبرون أمره أي أمر ما أمروا به من كيفيته وما لا بدّ منه، فلا وجه لما قيل إنّ الأظهر أن يقال: فتدبرونه. قوله: (أو صفات النجوم) معطوف على قوله: صفات الملاثكة، وقوله: فإنها تنزع أي تسير من نزع الفرس إذا جرى، وهذا إشارة إلى أنّ المراد بها على هذا السيارة دون الثوابت وهي شاملة للشمس والقمر لما سيأتي، وقوله: غرقا في النزع أي مجدّة في السير مسرعة، وقوله: بأن تقطع الفلك من قطع المسافر الطريق إذا جاوزها، وهذا بالنسبة لما يبدو للناس في النظرة لأنّ حركتها تبع لحركة الفلك لا مستقلة في قطعه، وقوله: وتنثط الخ تفسير للناشطات على هذا وقوله: يسبحون الخ فيه تسمح وكان الظاهر تسبح، وقوله: كاختلاف الفصول الخ فإنه بحركة الشمس تحصل الفصول الأربعة وبحركة القمر تتميز الشهور والسنين والمواقيت إلى غير ذلك مما جعله الله منوطا بحركة النيرين كأوقات الصلوات والحج والمعاملات المؤجلة. قوله: (حركاتها من المشرق إلى المغرب) فسره به لأنها بحركة الفلك الأعظم تبعاً لأنه يتحرّك كذلك فيتبعه ما فيه ضرورة، وأما حركة الكواكب في منازلها من البروج لأنها حركتها الخاصة بها فغير سريعة وهي بإرادتها من غير قسر لها فلذا أطلق على الأولى نزعا لأنه جذب بشذة، وسميت الثانية نشطاً لأنه برفق كما مرّ وهذا مبني على ما ذكر في الرياضات. قوله: (أو صفات
стр. 3050
النفوس الفاضلة) معطوف أيضاً على قوله:
صفات ملائكة فالمراد بالنازعات النفوس المفارقة لأبدانها بالموت، ووصفها بالنزع لأنه يعسر عليها مفارقة البدن بعد الإلفة، ولذا قال ﷺ : " إق للموت لسكرات " فلا يختص بغير المؤمنين على هذا، وقيل: النزع بمعنى الكف على هذا، وقوله: تنشط من النشاط وهو خفة السوق، وقوله: وتسبح فيها أنث الضمير سواء رجع للعالم أو الملكوت لتاويله بمؤنث وارادة المقارّ ونحوه يعني أنها تتوجه لعالم العقول المجرّدة فترقي الملكوت من مرتبة إلى أخرى بسرعة فتسبق لحظائر القدس بالطهارة من النقائص، وهو مقام القرب من الرب. قوله: (فتصير لشرفها وقوّتها من المدبرات) يحتمل أنّ المراد بالمدبرات الملائكة، وأنّ النفوس بعد الاستكمال ومفارقة البدن ودخولها في الحظائر المقدسة تلتحق بالملائكة، ولذا ألفت المقام الأعلى، وصلحت للخلود أو هو صفة للنفوس المفارقة العالية فإنها بقوتها، وشرفها تصلح للوصف بأنها مدبرة كما قال الإمام إنها بعد المفارقة قد يظهر لها آثار وأحوال في هذا العالم فقد يرى المرء أستاذه بعد موته فيرشده لما يهمه، وقد نقل عن جالينوس أنه مرض مرضا عجز عن علاجه الحكماء فوصف له في منامه علاجه فأفاق وفعله فأفاق، وقد ذكره الغزالي، ولذا قيل: إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور، إلا أنه ليس بحديث كما توهم ولذا اتفق الناس على زيارة مشاهد السلف والتوسل بهم إلى الله وإن أنكر. بعض الملاحدة في عصرنا، والمشتكي إليه هو الله. قوله: (أو حال سلوكها) معطوف على قوله: حال المفارقة والأوّل على أنه من صفات الأرواح بعد الموت، وهذا في الحياة والسلوك في العرف تطهير الظاهر والباطن، بالاجتهاد في العبادة والترقي في المعارف الإلهية، وقوله: فإنها الخ تفسير للنزع على هذا بالحذف من حضيض الهوى إلى أوج التقوى وما بعده ظاهر، وقوله: فتنشط الخ إشارة إلى أنّ فيه ترتبا لكنه وكل إلى فهم السامع. قوله: (حتى تصير من المكملات) بصيغة اسم الفاعل أو المفعول، والظاهر الأوّل لأنه تفسير للمدبرات، وقوله: أو صفات أنفس الغزاة معطوف على قوله: صفات ملائكة، وقوله: أو أيديهم معطوف على قوله: أنفس الغزاة والقسيّ جمع قوس، وقوله: بإغراق السهام أي المبالغة في جذبها للرمي، وقوله: ينشطون بالسهم للرمي أي يرسلونه بعد الجذب من قولهم: نشط العقدة إذا حلها كما في التاح وغير. ومثله يسند لليد وصاحبها، نعم ما بعده إسناد محتاج للتحويل للملابسة فما قيل من أنّ في إسناد النشط وما بعده إلى الأيدي كلاما لا يخلو من القصور أو التقصير، وقوله: يدبرون أمرها الضمير للحرب لأنها مؤنثة. قوله: (فإنها تنزع في أعها نزعاً) يحتمل أنه كقوله:
يجرج في عراقيبها نصلي
أي تمد أعنتها مداً قوياً حتى تلصق الأعنة بالأعناق من غر ارتخاء لها فتصير كأنها انغمست فيها، أو هو مجاز من قولهم: نزع في القوس إذا مذها لأنه يتعدى بفي كما ذكره الأزهري، وتسبح في جريها هو مستعار من سبح في الماء لكنه الحق بالحقيقة لشهرته، وقوله: فتدبر أمر الظفر أسند التدبير إليها مجازاً لأنها سببه، وقوله: وإنما حذف أي جواب القسم، وتقديره لتبعثن أو لتقومن القيامة ونحوه. قوله:) وهو منصوب به) أي ما بعده الدال عليه، وهو قوله: يوم ترجف الراجفة منصوب بالجواب المقدر لأنه ظرف وتقديره ما مرّ وعلى ما فسره به المصنف لا بدّ من اعتبار زمان النفخة الأولى ممتدا فلا يرد أن البعث وقيام الساعة بعد النفخة الثانية ويينهما أريعون سنة فيما قيل: فلا حاجة إلى التعسف، وتكلف جعل يوم مبنياً فاعلا للجواب وتقدير. ليأتين يوم الخ. قوله: (والمراد بالراجفة الخ) فتسميتها راجفة باعتبار الأول ففيه مجاز مرسل وبه يتضح فائدة الإسناد، وانه ليس من قبيل يقوم القائم وتعريفه للعهد فيه وفيما بعده، وقوله: ترجف الإجرام الخ إشارة إلى أنّ الإسناد إليها مجازي لأنها سببه أو التجوّز في الظرف بجعل سبب الرجف راجفا قيل: ولو فسرت الراجفة بالمحركة جاز وكان حقيقة لأنّ رجف يكون بمعنى حرك وتحرك. قوله: (التابعة) من ردفه إذا تبعه ولوقوع ذلك فيها بعد الرجفة الأولى جعلت رادفة لها، وقوله: أو النفخة الثانية تفسير آخر للرادفة، وقوله: في موقع الحال من الرأجفة قيل: وهي حال مقدّرة أو هي مستأنفة كما ذكره المعرب وفي الكشاف فإن قلت: كيف جعلت يوم ترجف ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى
стр. 3051
قلت: المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى ودل على ذلك أنّ قوله: تتبعها الرادفة جعل حالاً عن الراجفة، اه، وقيل عليه: إنّ الحال غير متعينه، وعلى تسليم التعين فالحال يجب مقارنتها لذي الحال وحدوث الرادفة بعد انقضاء ايراجفة لا يفيد كونهما في يوم واحد إذ لم يتقارنا فلا بد من جعلها حالاً مقدرة وحينئذ فلا تدل على ما ذكره، ولا يخفى أنه من قلة التدبر فإنه يريد أنهم جعلوا قوله: تتبعها حالاً والأصل فيها المقارنة فلو لم يقدر ذلك الوقت متسعا لما ذهبوا إليه من غير تأويل، وقد عرفت أن جعلها حالاً مقدرة حينئذ لا وجه له. قوله:
(من الوجيف) هو مصدر ومعناه وضعا شدة الاضطراب فلا يلد عليه أنه ليس في الكلام ما يدلّ على الشدة، وقوله: صفة لقلوب فهي مسوغة للابتداء به، وهو نكرة وأما كونه خبرا لأنّ تنوين قلوب للتنويع فمع إلباسه مخالف للظاهر في الابتداء بالنكرة وجعل تنوين التنويع كالوصف معنى تعسف، ولذا لم يلتفتوا له. قوله: (أبصار أصحابها) بتقدير المضاف لأنّ القلوب لا أبصار لها إلا أن تجعل بمعنى البصائر، وهو خلاف الظاهر أو هو تجوز في النسبة الإضافية لأدنى ملابسة فيكون جعل للقلوب أبصاراً ووصف الأبصار بالذل لظهور آثاره عليها، وقوله: ولذلك أي لأنّ المراد وصفها بالذل الناشئ من الخوف أضافها إلى القلوب التي هي محل الخوف ولا يضرّه تقدير المضاف فيه لأنه يكفي لمثله وقوعه كذلك بحسب الظاهر. قوله: (في الحالة الأولى) هو حاصل المعنى المراد منه يعني أنه لما أقسم على تحقق البعث، وقيام الساعة وبين ذلهم فيها وخوفهم ذكر إقرارهم بالبعث والمعاد، وردهم إلى الحياة بعد الموت فالاستفهام لاستغراب ما شاهدوه بعد الإنكار، وهذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانياً لما يقولونه إذ ذاك، وقوله: فحفرها بيان لوجه تسميتها حافرة بمعنى محفورة، ثم بين أنّ المراد بالحفر التأثير في الأرض على الاستعارة أو المجاز المرسل بإرادة المطلق من المقيد. قوله: (على النسبة) يعني أنّ حافرة بمعنى محفورة كراضية بمعنى مرضية لتأويله بذات حفر، وذو الشيء صادق بالفاعل والمفعول وهذا بناء على المعروف في أمثاله أو هو على التجوز في الإسناد على ما ارتضاه الخطيب، وقوله: تشبيه القابل بالفاعل هو على مذهب السكاكي من جعل أمثاله استعارة مكنية وتخييلية لأنه بمعنى الطريق وهي قابلة للحفر فشبه القابل للفعل بمن يفعله لتنزيله منزلته فالاستعارة في الضمير المستتر، واثبات الحافرية له تخييل على ما عرف من المذاهب فيه. قوله: (وقرئ في الحفرة (بفتح الحاء وكسر الفاء على أنه صفة مشبهة، وهي شاذة مروية عن أبي حيوة وابن أبي عبلة ومعنى حفرت أسنانه بالبناء للمجهول تغيرت وتآكلت، وقوله: فحفرت بصيغة المعلوم وكسر الفاء مطاوعه، وحفرا بفتحتين مصدره وهو دليل على أن الحافرة بمعنى المحفورة، وقوله: أئذا كنا الخ متعلق بمحذوف تقديره أنبعث ونحيا إذا الخ وقوله: على الخبر أي بدون أداة الاستفهام الإنشائي. قوله: (نخرة وهي أبلغ) قرأ الأخوان وأبو بكر ناخرة بألف والباقون نخرة بدونها كحاذر وحذر، وفعل أبلغ من فاعل وإن كانت حروفه أكثر وكثرة البنية لا
تدلّ على كثرة المعنى مطلقاً والنخر البالي ويكون بمعنى الأجوف البالي، ويصح أن يراد به ذلك هنا أيضا والقراءة الأخرى موافقة لرؤوس الآي ومن العجب ما قيل: إن ناخرة مغير من نخرة للفواصل فتتخذ القراءتان في إفادة المبالغة فإنه لا معنى له عند التحقيق. قوله: (ذات خسران الخ) قال الراغب: الخسر والخسران انتقاص رأس المال وينسب إلى الإنسان فيقال: خسر فلأن والى الفعل فيقال خسرت تجارته اهـ، هذه حقيقته والمراد بالفعل ما يتعلق بالمعاملة لا كل فعل كما فيما نحن فيه فجعل الكرّة خاسرة ليس حقيقة فهو إما للنسبة بمعنى ذات خسران على ما مرّ أو المراد خاسر صاحبها على تقدير المضاف، أو التجوّز في النسبة. قوله: (والمعنى الخ) أي إن صحت الرجعة إلى الحياة والبعث فنحن في خسر لتحقق ما أنكرناه وقوله: وهو استهزاء منهم أي قولهم: تلك إذن كرة خاسرة صدر منهم على وجه الاستهزاء، بالخسر حيث أبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة المشكوك المحتمل للوقوع. قوله: (متعلق بمحذوف) أي فيه مقدّر مرتبط به معنى أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة، فإنها هينة على قدرته فإنها صيحة واحدة فالمذكور
стр. 3052
تعليل للمقدر وفيه تهوين لأمر الإعادة على وجه بليغ لطيف. قوله: (والساهوة الأرض البيضاء) أي التي لا نبات ولا بناء فيها لأنّ الأرض المزروعة ترى بما فيها من الخضرة كأنها سوداء، وقد تلطف بلدينا فقال:
إن الذين ترحلوا و! فوا بالهاجرة
أنزلتهم في مقلتي فإذا هم بالساهرة
وقوله: عين ساهرة الخ ففيه مجاز على المجاز لشهرة الأوّل التي ألحقته بالحقيقة، وقوله: وقيل اسم جهنم معطوف على قوله: الأرض البيضاء، وقوله: أو لأن سالكها الخ فالسهر بمعنا. المعروف، والتجوّز في الإسناد. قوله: (أليس قد أتاك حديثه الخ) يعني أنّ المقصود تسليته ﷺ وتهديد المكذبين له بإنذارهم بعذاب كعذاب من كذب الرسل قبلهم وهو بيان له بحاصل معناه لا إشارة إلى أن هل بمعنى قد كما مرّ في قوله: هل أتى والمقصود من الاسنفهام التذكير لا التقرير كما قيل، ومن هو أعظم منهم أي أشد كفراً كفرعون وقوله: بأن
يصيبهم الخ متعلق بيسليك وقوله: يتهددهم على التنازع، أو هو متعلق بالثاني فقط والمراد بكونه مثله في الجنس والمقهوربة والخذلان دون الاستئصال مع أن المحذر منه لا يلزم وقوعه، وقوله: إذا ناداه متعلق بالحديث أو مفعول اذكر مقدرا كما مرّ بيانه، وقوله: على إرادة القول أي تقديره والتقدير وقال له: أو قائلاً له وقوله: لما في النداء الخ يعني أنّ أن تفسيرية لوجود شرطها المشهور، ويجوز أن تكون مصدرية قبلها حرف جر مقدر أي بان ناداه الخ. قوله: (هل لك ميل إلى أن تتطهر الخ) يعني لك خبر مبتدأ مقدر، والجار والمجرور متعلق به وهو في الاستعمال ورد بفي وإلى فيقدر لكل ما يناسبه، ولذا قدر المصنف ميل لأنه يتعدى بإلى والزمخشريّ قدر الرغبة وهي مما يتعدى بفي وإلى فأيّ الصلتين ذكر بعد هذا الظرف صح، وقال أبو البقاء: لما كان المعنى أدة كوك جاء بإلى فجعل الظرف متعلقا بمعنى الكلام أو بمقدر يدلّ عليه، ومن لم يتفطن لمراده قال: إنه لا يفيد شيئاً في الإعراب إلا أنه مبني على أنّ الجملة بتمامها تكون عاملا وفيه شيء ومن دفع الاعتراض بأن هل لك مجاز عن أحدثك، أو أدعوك والصلة بعد. قرينة زاد في الطنبور نغمة فتأمّل. قوله: (تتطهر الخ) تفسير لقوله: تزكى، وقوله: بالتشديد أي تشديد الزاي وأصله تتزكى فأدغمت التاء الثانية في الزاي وتقديم التزكية على الهداية لأنها تخلية، وقوله: أرشدك إلى معرفته بيان لحاصل المعنى أو لتقدير مضاف فيه لأنّ الهداية إلى معرفته هداية له ولا حاجة إلى التقريب بأنها لإيجاده في الذهن، وقوله: إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة، بيان لموقع الفاء وتعليل لتقدير المضاف فيه وهو المعرفة ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [سورة فاطر، الآية: ٢٨] . قوله: (وهذا (يعني هل لك الخ فإنه دعوة في صورة العرض والمشورة كقولك للضيف: هل لك أن تنزل عندنا وقوله: فذهب الخ يعني أنّ الفاء فصيحة وفيه مقدّر به ينتظم الكلام، وقوله: فإنه أي القلب كان المقدّم على غيره من معجزاته فهو المراد بالكبرى، والصغرى ما سواه بقرينة الفاء التعقيبية. قوله: (والأصل) إمّا أن يريد به إنه أقوى معجزاته الفعلية أو ما يبنى عليه غير. لأنّ كثيراً من معجزاته فيها كتفجير الماء بضربها وشق البحر والإضاءة ونحوه فلا حاجة إلى ما قيل من أن أصالتها بالنسبة إلى اليد البيضاء خصوصاً فإنها كالتبع لها فإنه مع تكلفه لا يسمن ولا يغني من جوع، وقوله: أو مجموع معجزاته الخ والوحدة لما ذكر، والفاء لتعقيب أوّلها أو مجموعها باعتبار أوّلها وكونها كبرى باعتبار معجزات من قبله من الرسل أو هو للزيادة المطلقة. قوله: (فكذب
موسى وعصى الله الم يقل، وعصاه لما دعاه لأنّ هذا أقوى في الذم ولجمعه بين معصية الله ورسوله لأنّ التكذيب أشذ العصيان، وقوله: بعد ظهور الآية أي على الوجهين وإفراد. لما مرّ وقوله: عن الطاعة إشارة إلى أنه بمعنى ولى وأعرض، وثم لأنّ إبطال الأمر ونقضه يقتضي زمانا طويلا وقوله: ساعيا إشارة إلى أنّ الجملة حالية، وقوله: أو أدبر الخ فهو إدبار حقيقيّ وقوله: فحشر الخ تفصيل لما قبله وثم على الثاني لأنّ إدباره مرعوبا بعد تلقف ما أتى به السحرة ومكالمتهم معه وتكذيبه وعصيانه تقدم عليه بزمان طويل فكلمة، ثم لا تأباه ما لم يجعل لاستبعاد أدباره مرعوباً مع دعوى الألوهية منه كما قيل. قوله: (فجمع السحرة الخ) فالحشر بمعناه اللغوي وجمع السحرة عقب ما قصد من إبطال أمره، وجمع الجنود بعد
стр. 3053
ما فر ففيه لف ونشر مرتب، ويجوز رجوع الكل للكل وقوله: فنادى في المجمع أردا به مكانه ومقامه، وهو إما بنفسه بأن يرفع صوته بالخطاب أو بمناد يأمره بتبليغ ذلك عنه، ويؤيد الأوّل قوله: أنا ربكم الخ مع ما فيه من التجوّز في الإسناد بجعل الآمر كالفاعل مجازاً والسبب فاعلا ومثله بليغ كثير.
قوله: (أو بمناد) وفي نسخة أو مناد فهو معطوف على الضمير المستتر لوجود الفاصل، وقوله: على كل من يلي أمركم كذا في بعض النسخ بالجار المتعلق بأفعل التفضيل، وهو جائز وفي نسخة من كل من يلي بمن التفضيلية وهي ظاهرة أيضا وفي بعضها كل من يلي الخ بالنصب من غير جار ويرد عليه أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول فهو مفعول لمقدر أي علوت كل من الخ كما في قوله:
واضرب منا بالسيوف القوانسا
وقد مرّ تحقيقه. قوله: (أخذا منكلاَ) النكال مصدر بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم فجعله المصنف هنا صفة مصدر لأخذ المقدر وأوّله بالمشتق أي أخذا منكلا، واضافته لامية أو على معنى في، وقوله: في الآخرة الخ بيان لحاصل المعنى أو تقدير إعراب وقيل إنه منصوب على أنه مفعول مطلق لأخذ بتأويل في الأوّل أو في الثاني وقيل: إنه منصوب على الحالية، وقيل هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة كوعد الله وصبغة الله ومنكلا هنا بمعنى مخوّفاً أو عبرة، ولذا قال لمن رآه في الدنيا وقوله: أو سمعه أي سمع يأخذه في الدنيا أو في الآخرة وأو في كلام المصنف لمنع الخلو والآخرة والأولى إمّا الداران وهما الدنيا والآخرة أو الكلمتان كما
ذكره المصنف، وقوله: هذه إشارة إلى قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله على كلمته الآخرة على هنا للتعليل كما في قوله: ﴿لِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة الحج، الآية: ٣٧] وهو من إضافة المسبب للسبب وهي لامية وقوله: وهو قوله الخ ذكر ضمير الكلمة باعتبار الخبر. قوله: (أو للتنكيل فيهما) أي على أنّ النكال بالمعنى المصدري، وهو مفعول له والأولى والآخرة الداران والإضافة على ما مرّ وقوله: أو لهما على أنهما بمعنى الكلمتين والإضافة لامية من إضافة المسبب للسبب، وقوله: ويجوز أن يكون مصدراً الخ فالتقدير نكل الله به نكال الآخرة الخ، وقد مرّ جواز كونه مؤكدا للجملة أيضا وغيره من الوجوه وعلى هذا فنصبه على أنه مفعول مطلق، وقد أورد عليه أمران الأوّل أنّ المصدر المؤكد لا يفيد فائدة زائدة على فعله وهنا أفاد بالإضافة معنى زائدا فكيف يكون مؤكدا الثاني إنّ الصواب أن يقول: مقدّرا فعله لا بفعله كما في شرح التلخيص، ويدفع بأن المراد بالمؤكد ليس ما اصطلح عليه النحاة ولا شك أن كل مصدر يؤكد باعتبار ما تضمنه من معنى المطلق فعله وكون المراد به ما يؤكد مضمون الجملة يأباه صريح كلامه، وأما قوله: مقدراً بفعله ففيه تسمح والباء إما زائدة في الفاعل كما في كفى بالله أو الباء للملابسة والمقدر مطلق العامل أي يقدر عامله بفعل خاص من لفظه فتدبر. قوله: (لمن كان من شأنه الخشية) الظاهر أنه أوّل به لأنّ من كان في خشية وخوف لا يحتاج للاعتبار، وقيل: إنه لقصد التعميم ليشمل من يخشى بالفعل ومن كان من شأنه ذلك، وقوله: أصعب خلقاً نصب خلقا على التمييز والأصعبية بالنسبة للمخاطبين لما مرّ من أن القدرة الذاتية يستوي عندها جميع المقدورات بلا تفاوت، وقوله: ثم بين الخ إشارة إلى أنّ الجملة مفسرة بمنزلة عطف البيان، وثم لما بين المجمل والمفصل من التفاوت الرتبي. قوله: (أفي! جعل الخ (هذا بناء على أنّ السمك الرفع أو الثخن فعلى الأوّل معناه جعلها رفيعة، وعلى الثاني معناه جعل ثخنها مرتفعا في جهة العلو، وقوله: أو ثخنها بأو الفاصلة وهو الظاهر وفي نسخة بالواو ويحتاج لجعلها بمعنى أو والثخن إن لوخط من السفل للعلو فسمك، وإن لوحظ من العلو للسفل فعمق كالدرج والدرك. ض له: (فعدّ لها (قيل: تعديلها جعلها بسيطة متشابهة الأجزاء والشكل، وليس البناء ورفع السمك مغنياً عن هذا، وقوله: مستوية أي ملساء ليس في سطحها انخفاض وارتفاع، وقوله: فتمص! امن قولهم: سوّى أمره أي أصلحه أو من قولهم: استوت الفاكهة إذا نضجت وتتميمها بما ذكر ولها متممات وأفلاك جزئية كما بين في محله والتدوير جسم كريّ مصمت مركوز في ثخن الفلك الجزئي بحيث يماس سطحه المحدب، والعقر
والكواكب السيارة غير الشمس لها تداوير كما بين في علم الهيئة. قوله: (منقول من غطش) اللازم إلى المتعدي بالهمزة، وقوله: وأنما أضافه الخ
стр. 3054
اي أضاف الليل إلى السماء لأنّ الليل والنهار بحركتها، ولم يرتض ما في الكشاف من قوله: لأنّ الليل ظلها فإنه اعترض عليه بأنه ظل الأرض لا ظلها، والجواب بأنه باعتبار ظاهر الحال في رأى العين لا محصل له والأولى ما ذصب إليه المصنف من أنه لما بينهما من الملابسة لأنه بحركتها. قوله: (وأبرز ضوء شمسها) أبرز تفسير لأخرج وضوء الشمس تفسير للضحا لأنه كما قال الراغب: انبساط الشمس وامتداد النهار وسمي الوقت به انتهى، ففيه مضاف مقدّر هنا لأدنى ملابسة كما مرّ وقوله: يريد النهار أي المراد بضحاها هنا النهار لوقوعه في مقابلة الليل فكني بالضوء عنه، أو المراد بقوله: أخرج ضحاها النهار كما قيل والأوّل أقرب. قوله تعالى: ( ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ) قد مرّ الكلام فيه، ومعارضته للأية الأخرى والجمع بينهما قال ابن عباس ﵄ خلق الله الأرض من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحى الأرض بعد ذلك فلا ينافي قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] فسقط ما قيل إنه ينافي قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ﴾ ولا يمكن التوفيق بأنه خلق أصل الأرض قبل السماء ودحاها بعده لأنّ ما في الأرض بعد الدحو، وقد مرّ فيه تفصيل فتذكره. قوله: (ورعيها) قال في الكشف هو بالكسر الكلأ وبالفتح المصدر والمرعى يقع عليهما وعلى الموضع بل وعلى الزمان أيضاً فقول المصنف، وهو في الأصل لموضمع الرعي محل نظر إلا أنه لكونه أشهر معانيه جعل كأنه موضوع له كما قيل، والمرعى ما يأكله الحيوان غير الإنسان فأريد به هنا مجازاً مطلق المأكول للإنسان وغيره، فهو مجاز مرسل من قبيل المرسن، وقال الطيبي: يجوز أن يكون استعارة مصرّحة لأنّ الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ كانه قيل: (أيها المعاندون الملزورّون) في قرن البهائم في التمتع بالدنيا والذهول عن الآخرة. قوله: (لأنها حال بإضمار قد الخ) وكلاهما مقتض لترك العاطف قيل: وعلى الوجهين لا يثبت تقدم الدحو على خلق الجبال كما مرّ في السجدة بل الأول مقتض لتقدم خلق الجبال لتقريب قد للماضي من الحال، والدحو البسط وهو غير إخراج الماء والمرعى نعم الدحو سبب لهما. قوله: (وهو مرجوح لأنّ العطف على فعلية) سبقه إليه الزجاح، وأورد عليه أنّ قوله: بناها بيان لكيفية خلق السماء، وقوله: رفع سمكها الخ بيان
للبناء وليس لدحو الأرض وما بعده دخل في شيء من ذلك فكيف يعطف عليه ما هو معطوف على المجموع عطف القصة على القصة والمعتبر فيه تناسب القصتين، وهو حاصل هنا فلا ضير في الاختلاف بل فيه نوع تنبيه على ذلك هذا مع أنه يجوز عطف الأرض على السماء من حيث المعنى كأنه قيل: السماء أشد خلقا والأرض بعد ذلك أي والأرض بعد ما ذكر من السماء أشد فيكون وزان قوله: دحاها أخرج منها مآها ومرعاها، وزان قوله: بناها رفع سمكها فسواها، وحينئذ فلا يكون قوله: بعد ذلك مشعرا بتأخر دحو الأرض عن بناء السماء. قوله: (تمتيعاً لكم الخ) إشارة إلى أنّ المتاع بمعنى التمتيع فنصبه على المصدرية بفعله المقدر أو هو مفعول له قيل: والأوّل أولى لأنّ الخطاب لمنكري الحشر والمقصود هو تمتيع المؤمنين فلا يلائم جعل تمتيع الآخرين كالعرض، وأورد عليه أنّ خطاب المشافهة وإن كان خاصا بالحاضرين إلا أن حكمه عام كما تقرّر في الأصول فالمآل إلى تمتيع الجنس وأيضاً النصب على المصدرية بفعله المقدر لا يدفع المحذور لكونه استئنافاً لبيان المقصود. قوله: (الداهية الخ) أي هو بمعنى أعظم الدواهي لأنها من طم بمعنى علا كما ورد في المثل جرى الوادي فطم على القرى، وعلوها على الدواهي غلبتها عليها ومآله إلى كونها أعظم وأكبر قيل: فالوصف بالكبرى مؤكد، ولو فسر كونها طامة بكونها غالبة للخلائق لكان الوصف بالكبرى مخصصاً، وقد قيل: ما من طامّة إلا وفوقها طامّة، والغلبة والكبر من الأمور النسبية فالمراد بكونها تغلب الدواهي أنها تفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا مع أنها كما قاله الجوهري: غلبت على القيامة، والمراد بكونها كبرى إنها أعظم من جميع الدواهي مطلقا ففيه مبالغة وفائدة زائدة لا كما توهمه هؤلاء القائلون. قوله: (التي هي كبر الطامات) أي الدوإهي وفيه إشارة إلى أنّ المعنى أنها أعظم من كلى عظيم فالوصف تأسيس لا تأكيد كما مرّ مع أن الطامة الكبرى لمعين هنا كالعلم، وقوله: أو الساعة الخ قيل: فإذا ظرف لمجيء
стр. 3055
الساعة لا للساعة لئلا يكون الزمان في الزمان أو الظرفية عرفية من ظرفية الكل للجزء باعتبار الأوّل زمانا متسعا. قوله: (يوم يتذكر الخ) منصوب أو مبني على الفتح، وقوله: بأن يراه الخ فتذكر. كناية عن رؤية صحفه سواء نسيه لطول المدة أو لما لقي كما قيل:
وهيهات لي يوم القيامة أشغال
أو لكثرتها التي تعجز الحافظة عن ضبطها، وقوله في صحيفته: الضمير للإنسا
للعمل لأنّ الصحيفة تضاف لكل منهما، وقوله: قد نسيها الضمير للأعمال المرادة من المفهومة من السياق، وإذا كانت ما موصولة فسعى بمعنى عمل والعائد مقدر أي سعى وقوله: بدل من إذا الخ بدل كل أو بعض وكونه بدلاً من الطامة كما قيل تعسف، وبحيث لا تخفى الخ تعليل لرؤية كل أحد، وقوله: لكل راء إشارة إلى أنه كيعطي ووقوله: وقرئ وبرزت أي بالتخفيف، وقوله: فيه ضمير الجحيم بإسناد الرؤية لها محا بخلق الله ذلك فيها. قوله: (أو أنه خطاب للرسول الخ (أو لكل راء كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٢] الآية وهذا هو معنى قول المصنف، أو لمن تر الكفار كما في بعض النسخ وفي بعضها أي التفسيرية أي تبريزها لمن تشاهده من الكفر المراد الوعيد والتهديد. قوله: (وجواب فإذا جاءت الخ) فيه تسمح والمراد جواب إذا على شرطية لا ظرفية وهو صحيح أيضاً، وقوله: دل عليه يوم يتذكر فالتقدير ظهرت إلا ونشرت الصحف ونحوه، وقوله: أو ما بعده من التفصيل يحتمل عطفه على قوله: يوم فيكون التفصيل دليل الجواب لا هو نفسه، وهو مقدر تقديره وقع ما لا يدخل تحت الوص! انقسم الناس قسمين ونحوه، وقوله: فإمّا الخ تفصيل للجواب المقدر وعطفه على محذوف فيكون التفصيل نفسه جواباً قيل: وفيه غموض وردّ بأنه لا غموض فيه لاستقا يقال: فإذا جاءت الخ فإنّ الطاغين مأواهم الجحيم، وغيرهم في النعيم المقيم وزيادة تضر بل تفيد المبالغة وتحقيق الترتب، والثبوت على كل تقدير كما قيل: والتفصيل للحا قوله: (حتى كفر) فالطغيان هنا غير الكفر لأنّ مقابله دليل على ذلك ولولاه حمل على يشمله، وقوله: واللام الخ هذه المسألة مما اختلف فيه أهل البلدين فقيل: إن أل تقو الضمير المضاف إليه إذا احتيج إليه للربط وهو محل الخلاف بينهم، وقيل: لا بد من العائد في مثله فالتقدير هنا فإن الجحيم هي المأوى له لأنه لا بدّ من الرابط في جوالص الشرط. قوله: (للعلم بأنّ صاحب المأوى الخ) تبع الزمخشري في التعليل، وخالفه في
فإنه قال: ليس الألف واللام بدلاً من الإضافة ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب تركت الإضافة، ودخول التعريف لأنه معروف انتهى وقد اعترض عليه أبو حيان بأنه لا
منه الربط والعائد على المبتدأ فإنه ردّ مذهب الكوفيين، ولم يقدر الضمير كما قدره البصر وكذا أورد على المصنف أنه لا دلالة فيما ذكره على مدعاه فإنه لو نكر المأوى كان العلم وليست اللام عهدية لعدم سبق الذكر وليس هذا كله بشيء فإنّ الزمخشريّ تبع البصريين في
التقدير أي هي المأوى له، وما ذكر. تحقيق للقرينة الدالة على المقدر والمصنف تبع الكوفيين وما ذكره تحقيق لوجه الربط بها إذا كانت بدلاً عن الإضافة ولا مانع من العهد لأنه في حكم المذكور لأن تبريزها واظهارها لهم في معنى إنها مقرهم ومأواهم. قوله: (وهي) أي لفظ هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب أو ضمير جهنم مبتدأ والكلام يدل على الحصرس لم يصرّح به لعلمه مما بعده لا لأنه جعل الطاغي أعمّ من الكافر والعاصي لأن قوله: حتى كفر قبله يأباه فلا يتعسف بأن المعنى حتى كفر بعضهم كما قيل. قوله: (مقامه بين يدي ربه) أوّله به لأنه تعالى منزة عن المكان والزمان وفيه وجوه أخر تقدمت في سورة الرحمن، وقوله: بالمبدأ الخ لأنه لو لم يقل بالمبدأ لم يقل إن له ربا حتى يخافه، ولو لم يقل بالمعاد لم يخفه أيضاً فالإضافة للملابسة والمقام محل لمن خاف أضيف لخالقه ومقيمه فيه. قوله: (لعلمه بأنه مرد) اسم فاعل من أرداه أي أهلكه، وقوله: ليس له سواها إشارة إلى الحصر المستفاد من ضمير الفصل أو تعريف الطرفين، وقوله: متى تفسير لإيان وارساؤها إشارة إلى أن المرسي مصدر ميمي، فإنه ورد زمانا ومكانا ومصدراً واسم مفعول، وقوله: أي إقامتها بيان لحقيقة الإرساء واثباتها عطف تفسير له أي إيجادها فإنه يقال: رسا بمعنى ثبت كما قاله الراغب: ومنه الجبال الرواسي فحاصله أنه سؤال عن زمان ثبوتها ووجودها
стр. 3056
على هذا التفسير ومرسي مصدر فيه. قوله: (أو منتهاها ومستقرّها) تف! سير لمنتهاها كما أن تستقرّ فيه تفسير لتنتهي إليه، وتقدير الاستفهام بمتى يقتضي أن المنتهى اسم زمان كما قيل: وتفسيره بمرسى السفينة يقتضي أنه اسم مكان فلذا قيل: إنه استعارة وت! مثيل بجعل اليوم ال! متباعد فيه كشخص سائر لا يدرك، ويوصل إليه ما لم يستقرّ في مكان فجعل وقت إدراكه مستقراً له فتأمل. قوله:) في أي ضيء أنت من أن تذكر وقتها لهم) فيم خبر مقدم وأنت مبتدأ مؤخر ومن ذكراها متعلق بما تعلق به الخبر والمعنى أنت في أيّ شيء من ذكراها أي لسمت من ذكراها لهم، وتبيين وقتها في شيء- فهو نفي لذكراها لهم ولتبيين وقتها معا، والاستفهام إنكاري أمّا إنكار ذكرها فلأنه لا فائدة فيه لأنه لا يزيد الكفرة إلا طغياناً وانكاراً وأمّا إنكار الآخر فلانه ليى له تعيين زمانها لأنه من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله ولا مانع من منعه عن ذكر القيامة لهم فإنه للإنذار، وهو لا ينفعهم ولذا قال: إنما أنت منذر من يخشاها فهو كقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [سورة الأعلى، الآية: ٩] فلا اختلال في كلامه كما توهم، وليس آخر كلامه مخالفا لأوّله حتى يرد أن ظاهره المنع عن تعيين الوقت، وقوله: فإنّ ذكراها الخ يدل على أنّ الممنوع الذكر والتعيين معاً فتدبر. قوله:) مما
استأثره الله نعالى بعلمه) ضمن استأثر معنى اختصه فلذا عدّى كما مرّ تحقيقه وفي بعض النسخ استأثر الله، وهي لا غبار عليها فسقط الاعتراض بان الثانية هي الصواب لقول الجوهري استأثر فلان بالشيء استبدّ به. قوله: (وقيل فيم إنكار لسؤالهم الخ) مرضه لمخالفته ما يتبادر من الكلام نالمعنى فيم سؤالهم أي في أمر عظيم لا ينبغي أن يسئل عنه فيوقف على هذا على قوله: فيم، ومعنى أنت من ذكراها أنت من مذكراتها وعلاماتها، وأشراطها جمع شرط بفتحتين بمعنى علامة، وقوله: فإنّ الخ بيان لكونه علامة لها ولذا قال ﷺ : " أنا النذير العريان " وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [سورة المدثر، الآية: ١١] إيماء لذلك على وجه الملاطفة والتمليح كما قاله الإمام السهيلي قدس الله روحه. قوله: (وقيل إنه متصل الخ) فجملة فيم الخ بدل من جملة يسألونك الخ أو هي بتقدير القول أي يسألونك عن زمان قيام الساعة، ويقولون لك: في أي مرتبة أنت من علمها أي ما مبلغ علمك فيها، وقول المصنف والجواب مبتدأ خبره قوله: إلى ربك منتهاها أو آخر مثله مقدر والمراد بالذكرى العلم، ووجه تمريضه ظاهر وروي عن عائشة ﵂ ما يدل على أنّ المراد التعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل في أيّ شغل من الاهتمام بذكرها والسؤال عنها كما في الكشاف ولم يذكره المصنف لضعفه ولأنّ قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٧] ينافيه كما في الانتصاف. قوله: (إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها) بيان لحاصل المعنى لا لتقدير مضاف في الكلام، وإن جاز لكنه لا حاجة إليه، ثم إنّ المراد أنّ المعنى إنما أنت منذر للخاشي لا معين للوقت المغيب علمه حتى يلحوا في السؤال عنه، ولذا أردفه بقوله وهو لا يناسب الخ ويجوز أن يكون المعنى إنما أنت منذر الخاشي لا من لا يخشى والإضافة لا تمنعه كما قيل: إنّ من يخشى صلة منذر وليس من متعلق إنما في شيء ليجعل الجزء الأخير هو المقصور عليه حتى يقال: إنه مبني على قراءة التنوين وأي فرق بين القراءتين وظاهره أنه لا يصح أن يقال: إنما هو غلام زيد أي لا عمرو، ولا وجه له ثم إنه قيل: إنّ القصر إمّا من قصر الموصوف على الصفة أي ما أنت إلا منذر لا مبين للوقت وصلة المنذر لها مدخل في القصر أو من قصر الصفة على الموصوف كما في المفتاح أي ما أنت منذر إلا من يخشاها والإضافة لمجرّد التخفيف فلا تنافيه وفيه بحث. قوله: (وهو لا يخاسب تعيين الوقت الأن الإبهام أنسب بالإنذار، ولو عين وقته لقيل إنه بعيد والزمان محتمل للتلاقي ولو بعد سنين بخلاف ما إذا أبهم فانه يريد خوفهم لاحتمال مشارفة وقوعه ولا
يتوهم حينئذ أن الخوف من قربها لا منها، وهو مناف لما ذكروه فتدبر، وقوله: وتخصيص الخ فكان إنذاو غير. كالعدم لا لأنه لم يقع. قوله: (والآعمال على الأصل) أي الأصل فيه بعد اعتبار العمل والمشابهة فاندفع الاعتراض عليه بأن الأصل في الأسماء الإضافة والأعمال عارض للشبه فإن إضافته للتخفيف من غير إفادة معنى وحقه العمل. قوله: (لأنه بمعنى الحال) لمقارنة قوله: يخشى، وهو لا ينافي أنه منذر في الماضي والمستقبل حتى يقال المناسب لحال الرسالة الاستمرار، ومثله: يجوز فيه الأعمال وعدمه كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة، الآية: ٣] والحال حال الحكم لا حال التكلم فتأمل. قوله: (أو في القبور) قيل:
стр. 3057
أو فيهما، وقوله: ولذلك الخ يعني أنّ المعنى كما في الآية الأخرى لم يلبسوا إلا ساعة من نهار فكان أصل هذا لم يلبسوا إلا ساعة من نهار عشيته أو ضحاه فاختصر، وأفادت الإضافة ذلك لأنه لو قيل: الأعشية أوضحا احتمل أن يكونا من يومين استمر فيهما اللبث، وأن يراد بكل من العشية والضحا يوم على حدة بإطلاق الجزء على الكل فلما أضيف انتفى ذلك الاحتمال لأن العشية لا يتصوّر لها ضحا إلا بكونهما في يوم واحد. قوله: (عن النبي ﷺ هو حديث موضوع، وقوله: ممن حبسه الله الخ هو عبارة عن استقصار مدّة اللبث فيها لما يلقى من البشرى والتحية في البرزخ، والموقف تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه.
سورة عبس
وتسمى الصاخة ولا خلاف في كونها مكية وقيل آياتها أربعون.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (روي أنّ ابن أم مكتوم الخ (قد اختلف في اسمه فقيل: عبد الله وقيل: عمرو، وكذلك في اسم أبيه فقيل: قيس وقيل: شريح وأما أم مكتوم فأمه بلا كلام واسمها عاتكة، وغلط الزمخشريّ في جعلها في الكشاف جدته وهو قرشيّ من كبار الصحابة، ومن المهاجرين الأوّلين وكان النبيّ ﷺ يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته وموته بالقادسية شهيداً، وقيل: بل رجع منها إلى المدينة فمات بها، وهو الأعمى المذكور في هذه السورة بلا كلام، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين ﵂، وقوله: صناديد جمع صنديد وهو السيد الكبير، وقوله: يدعوهم الخ جملة مستأنفة أو حالية وقد سماهم غير المصنف إلا أنه لم يذكره الطبري وابن أبي حاتم فيما رواه ولذا تركه المصنف، وهم أبو جهل وعقبة بن ربيعة وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، وابن أم مكتوم عمي بعد نور وقيل: ولد أعمى، ولذا لقبت أمه أم مكتوم، وقوله: ولم يعالم تشاغله الخ لأنه لو علم بذلك لم يقل ما قاله: وكان تشاغل النبيّ-يخييه وإقباله عليهم رجاء لإسلامهم واسلام كثير بسبب إسلامهم، وما ذكروه من أنه لشدة سمعه كان يعرف شدة اهتمامه بهم لا صحة له إذ مثله يدرك بالبصر ولا يليق بمثله لو علمه أن يكلم النبيّءلمج! هـ، وقوله: فكان رسول الله ﷺ يكرمه أي لما علمه من قدم صحبته وقرابته من خديجة وصهارته، وقوله: واستخلفه الخ أي كان يصلي بالناس إذا ذهب النبيّ ﷺ للغزو، قال ابن عبد البرّ: روى أهل العلم بالنسب والسير أنّ النبيّ ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرّة، ثم استخلف أبا لبابة.
تنبيه: ابن أم مكتوم مكي قرشي كما مرّ، وهاجر قبل النبيّ ﷺ للمدينة، وقيل: بعده
ومن لم يدر هذا ظنه مدنياً وإن الصناديد المذكورين من أهل مكة لم يجتمع معهم ابن أم مكتوم كما قاله ابن العربي وهو خطأ كما في سيرة الشامي. قوله: (للمبالنة) يعني لا للتعدية وقوله: علة لتولي يعني به أنّ قبله لا ما مقدرة ولم يقل إنه منصوب للاختلاف فيه، وقوله على اختلاف المذهبين أي في إعمال أي الفعلين أولى في التنازع، وإن كان بحسب المعنى علة لهما معاً. قوله: (وقرئ " ن بهمزتين الخ) قراءة الجمهور بهمزة واحدة، وقراءة زيد وغيره بهمزتين بينهما ألف للفصل بينهما والاستفهام للإنكار، وقوله: الأن جاء. الخ فالجار متعلق بمقدر، وقوله: وذكر الأعمى الخ يعني به دفع ما يتوهم من أنه من كبار الصحابة وفي هذا تحقير له، أو أنه لإيذائه للنبيّ ﷺ استحق التأديب واللوم فوصفه بذلك ليس لتحقيره بل لبيان عذره، وأذا كان معذورا لم يستحق ما ذكر، وقوله: بالقوم متعلق بمقدر تقديره وتشاغله بالقوم، وقوله: لزيادة الإنكار أصل الإنكار معلوم من وصفه بالعبس والتولي فإذا كان عن العاجز كان أشد وفي الالتفات أيضاً إنكار للمواجهة بالعتب فلا حاجة للاستعانة بالمقام والغيبة مع أنه قيل إن في الغيبة والخطاب إجلالاً له ﷺ لإيهام أن من صدر عنه ذلك غيره لأنه لا يصدر عنه مثله كما أن في الخطاب إيناسا بعد الإيحاس، واقبالاً بعد إعراض، وهو أولى عندي. قوله: (أي وأي شيء يجعلك
стр. 3058
دارياً بحاله) هذا بيان لحاصل المعنى لا تقدير إعراب، وفي الدر المصون أن الترجي أجرى مجرى الاستفهام في كونه للطلب فعلق به فعل الدراية بقوله: لعله الخ ساداً مسدّ مفعوله، والتقدير لا تدري ما هو مرجي منه من التزكية والتذكرة، وقيل: مفعوله مقدر أي ما يدريك أمره وعاقبة حاله ويطلعك عليه، وقوله: لعله الخ ابتداء كلام وفي كلام المصنف ميل لهذا.
قوله: (لعله يتطهر من الآثام الخ) فالترجي راجع إلى ابن أم مكتوم لا إلى النبيّ سك! فإنه
غير مناسب للسياق، وفيه إشارة إلى أنّ مجرّد رجاء مثله كاف في امتناع الإعراض والعبوس، ويتلقف ويتلقى متقاربان في المعنى كما مز. قوله: (ونيه إيماء بأنّ إعراضه الخ) ضمن الإيماء معنى الإشعار فعداه بالباء ولولا ذلك تعدى بإلى والإيماء المذكور بطريق التعريض كقولك لمن يقرر مسألة لمن لا يفهمها وعنده آخر قاً بل لفهمها لعل هذا يفهم ما تقرر فانه يدل على أنه قصد
تفهيم غيره، ولش بأهل لما قصده فلا وجه لما قيل من أنّ الإيماء في غاية الخفاء هنا قيل، وجعله كناية عما ذكر لأنه مزكى من الآثام فالمقصود تزكية غيره، وازدياده مما ذكر وهو كلام حسن لم يفهمه من ردّه، ثم إنّ ما قبله تخلية وهذا تحلية، ولذا عطف بأو وقدم الأوّل عليه وفيه تأمّل. قوله: (وقيل الضمير في لعله للكافرا لا للأعمى والترجي من الرسول ﷺ كما أشار إليه المصنف والمراد بالكافر الجنس ولعل على الأوّل أفادت أنك ما طمعت في تزكي الأعمى فأعرضت عنه، ولولا ذلك ما أعرضت وعلى الثاني المعنى إنك طمعت من الكافر في التزكي فأقبلت عليه وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن قيل، ومرض المصنف هذا لعدم ذكر الكافر ولأفراد الضمير والظاهر جمعه، وقوله: إنك طمعت الخ إشارة إلى أنّ الترجي من الرسول -لمجي! ر، وأنّ الفعل واقع على قوله: لعله الخ كما مرّ، وقوله: ما طمعت فيه كائن فالترجي على ظاهره لا أنه في المستحيل بمعنى المتمني كما توهم حتى يقال إنه كناية عن تحقق المطموع فيه ووجوده فتأمّلى. قوله: (وقرا عاصم بالنصسب جواباً للعل) بحملها على ليت أختها أو لإشمامها معنى التمني لبعد المرجو عن الحصول وهذا يؤيد كون الضمير للكافر كما مرّ ومذهب الكوفيين النصب في جواب الترجي، وعليه مشى المصنف ﵀. قوله: (تتعرض له بالإقبال عليه (فمآل معناه إلى أنه يقبل عليه وتقديم له للحصر أو للفاصلة لأنّ قوله: عنه تلهي يفيد ما ذكر فنفى عنه، وقوله: وقرئ تصدّى أي بصيغة المجهول، وقوله: تدعي إلى التصذي تفسير لقوله: تعرّض أي كأنه دعاه داع للتصدّي له من الحرص والتهالك على إسلامه، وتصدى يكون لازماً ومتعدياً والإدغام إدغام التاء في الصاد. قوله: (وليس عليك بأس الخ) هو محتمل للوجهين في ما من كونها نافية أو استفهامية فإن الاستفهام هنا إنكاريّ وهو نفي معنى، وقوله: حتى الخ إشارة إلى أنّ الممنوع عنه في الحقيقة الإعراض عمن أسلم لا الإقبال على غيره حرصاً على إسلامه، وقوله: إن عليك إلا البلاغ أي لا أن تزكيه وتطهره حقيقة فإنه لا يقدر عليه إلا الله وهذا كان قبل الأمر بالقتال لأنّ السورة مكية. قوله: (يسرع طالباً للخير) فيه إيماء إلى أنّ قوله أوّلاً استغنى يحتمل أن يكون بمعنى استغنى بكفره عن طلب ما يهديه فلا حاجة إلى القول بأنه من الاحتباك، وذكره للغنى أو لا يدل على الفقر في مقابله وذكر المجيء والخشية ثانيا يدل على ضدهما أوّلاً فإنه تكلف، وقوله: كبوة الطريق الإض افة على معنى في
أي سقوطه في الطريق إذا عثر. قوله: (يقال لهى عنه والتهى) اللهو كل ما يشغل الإنسان عما يهمه ولهى عنه كرضى ورمى فلا وجه لتعيين الأوّلى هنا، وقوله: ولعل ذكر التصدي والتلهي الخ يعني ليس مجرّد الاشتغال بالغني والتلهي عن الفقير مما يعاتب على مثله فإنه ربما اقتضى الحال مثله، وأنما المعاتب عليه كونه عن صميم القلب وتصميم العزم كما يفيد. التخصيص فيه فإن نحو أنا عرفت يحتمل التخصيص والتقوّي، وإذا أريد التخصيص يقدر تقديم الفاعل المعنوي على عامله والقرينة على الاختصاص هنا إضمار حرف الإنكار قبل الضمير المؤذن بان الكلام في الفاعل دون الفعل، ولما بين لفظ أنت ومثل من الملازمة جعل أنت كناية عن المثل في قوله: مثلك خصوصا لا ينبغي له أن يتصدى للغني، ويتلهى عن الفقير كما في الكشاف وشروحه إلا أنّ اشتغال قلب النبيّ ﷺ بمثله لا ينبغي ذكره لأنّ مقامه أعلى من ذلك لكن
стр. 3059
إسناده لمثله دونه مما يحققه وكونه لحرصه على إسلامه، وتبعية غير. له يهونه ولو لم يذكر. كان أحسن فإن فيه ترك أدب لذكر ما لا يليق بمقام النبوّة. قوله: (ردع عن المعا-لب عليه) إذا كان نزول الآية في أثنائه وقوله: أو عن معاودة مثله إذا كان بعد انقضائه ووقع في نسخة عطفه بالواو، والمعنى عليها أنه في الأثناء فيزجر عنه وعن معاودته معاً وهذه موافقة لما في الكشاف، ومن قال إنّ العطف تفسيري حينئذ فقد وهم. قوله تعالى: ( ﴿فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾ ) نقل عن جار الله أنه استطراد وليس باعتراض لأنه يكون بالواو وبدونها، وأمّ بالفاء فلا، وقال في الكشف: إنه ليس بثبت لأنه ينافي قوله في النحل إنّ قوله: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سووة النحل، الآية: ٤٣] من الاعتراض وقد صرّح به النحاة كما ذكره ابن مالك في متن التسهيل من غير نقل اختلاف فيه، وقال السعد في التلويح الاعتراض يكون بالواو والفاء:
واعلم فعلم المرء ينفعه
فتلطف في إشارته للردّ على من أنكره لكنه محل كلام بعد فليحرر. قوله: (حفظه) على
أنه من الذكر خلاف النسيان، أو أتعظ على أنه بمعنى التذكير وهو الوعظ، وقوله: والضميران يعني في أنها وذكره وكون عتابه على ما ذكر عظة لأنه مع عظمة شأنه، ومنزلته عند الله إذا عوتب على مثله فما بالك بغيره وعلى اتحاد الضميرين فلا بد من تأويل أحدهما والمصنف اختار تأويل الأوّل وغيره الثاني فقيل: إنه للآيات أو السورة أو المعاتبة والتذكير لكونه قرآناً، وعتاباً أو لأنّ المصدر في تأويل أن والفعل ورجح هذا بعدم ارتكاب التأويل قبل الاحتياج إليه، وقيل: الضمير الثاني للتذكرة لأنها بمعنى الذكر والوعظ لا لمرجع الضمير الأوّل، وأمّا كون الضمير لدعوة الإسلام فما ياباه المقام. قوله: (مثبتة فيها) فمتعلقه خاص والصحف، إما
الصحف المنزلة على الأنبياء أو التي مع الملائكة منقولة من اللوح المحفوظ، وأمّا كونها عبارة عن اللوح نفسه فغير ظاهر وكذا كونها صحف المسلمين على أنه إخبار بالغيب فإنّ القرآن بمكة لم يكن في الصحف ومثله يحتاج إلى نقل، وقوله: منزهة عن أيدي الشياطين هو مأخوذ من مقابلته بقوله: بايدي سفرة فإنه يفيد القصر وهو بالنسبة إلى الثاطين، وليس بحقيقيّ كما أشير إليه في شروح الكشاف. قوله: (كتبة الخ) فسره به لأنه جمع سافر بمعنى كاتب في الأسفار كما ذكره أهل اللغة، وقوله: أو الأنبياء معطوف على الملائكة أو كتبة، ولا يخفى أنه غير مناسب لكون المراد القرآن ونبينا ﷺ لم يكتبه ولم يقرأ من الصحف فإنّ من معجزاته ﷺ كونه أمّياً، ولذا لم يذكره الزمخشري؟ وقال: وقيل أصحاب رسول الله ﷺ ، وقوله: ينتسخون الكتب من اللوح إذا كانت السفرة كتب الملائكة وما بعده على ما بعده ففيه لف ونشر مرتب. قوله: (أو سفراء) عطف على كتبة جمع سفير كفقيه وفقهاء، وهذا على أنه جمع سافر بمعنى سفير أي رسول وواسطة، وقوله: بين الله تعالى ورسله على أنّ المراد الملائكة، وقوله: أو الأمة على أنّ المراد الأنبياء فهو ناظر لما قدمه، وقوله: من السفر أو السفارة لف ونشر مرتب على التفسيرين فالسفر كالضرب مصدر بمعشى الكتابة والسفارة بكسر السين وفتحها مصدر كالكتابة والكفالة بمعنى التوسط للإصلاج وهذا بناء على المشهور فلا ينافي ما في القاموس من جعل السفر بمعنى السفارة أيضا. قوله،: (والتركيب للكشف) يعني واضع اللغة وضع هذه المادّة بجميع تراكيبها للكشف، وقوله: كشفت وجهها ويقال: بمعناه كشفت عن وجهها وأصله كشفت القناع عن وجهها وهو الأفصح المعروف في الاستعمال وكتب اللغة، ولذا قيل: على المصنف إنه تسمح في تعبيره وإن كان المخطئ له فيه مخطئا. قوله: (أعزاء على الله) أي مكرمون معظمون عنده فهو من الكرامة بمعنى التوقير، وقوله: أو متعطفين على المؤمنين يكملونهم لأنهم وسايط في الوحي وتبليغ الشرائع والإلهام ونحوه فإن فسر بالأنبياء فهو ظاهر وعلى هذا فهو من الكرم ضد اللؤم، وقيل: إنه من قولهم لشجر العنب كرماً لتعطفه وهو معنى برأسه وهو تعسف بارد. قوله: (برؤ أتقياء (بررة جمع بر لا غير وأبرار يكون جمع بر كرب وأرباب وجمع بار كصاحب وأصحاب وإن منعه بعض النحاة لعدم اطراده واختص الجمع الأوّل بالملائكة والثاني بالآدميين في القرآن، ولسان الشارع فقال الراغب لأنّ الأوّل أبلغ لأنه جمع بر بخلاف الثاني فإنه جمع بار وليس كما قال: لما سمعت وللسيوطي فيه كلام مختل في الإتقان فإنه قال في
стр. 3060
الصحاح قال الفراء لا يقولون فعلة إلا والواحد فاعل ككافر، وكفره فنقله
في الإتقان، ثم قال: ورد البارّ والأبرار في صفة الآدميين وبر وبررة في صفة الملائكة، ووجهه الراغب بأق الثاني أبلغ لأنه جمع بار وهو أبلغ من بر فقوله: بار أبلغ وهم وغره زيادة بنيته وهو مقيد باتحاد النوع فتدبر، وقيل في توجيهه إنّ صفات الكمال في بني آدم تكون كاملة وناقصة فوصفوا بالأبرار وهو جمع بر على الأصح عند النحاة إشارة إلى مدحهم بأكمل الأوصاف، وأما الملائكة فصفات الكمال فيهم لا تكون ناقصة فوصفوا بالبررة الذي هو جمع بر على الأصح الأفصح لأنه يدل على أصل الوصف بقطع النظر عن المبالغة فيه لعدم احتياجهم لذلك واشارة لفضيلة البشر لما في كونهم أبرارا من المجاهدة، وعصيان الجبلة فتدبر. قوله: (دعاء عليه) الدعاء هو معنى قتل الإنسان، والتعجب معنى ما أكفره، وقوله: وهو أي قوله: قتل الإنسان ما أكفره كلام في غاية الإيجاز لقلة لفظه وكثرة معناه. قوله: (يدل (أي هذا الكلام بجملته يدل بصدوره عن الله على غضبه العظيم، وهو معنى قوله: قتل الإنسان لأنه تعالى لا يتصوّر منه الدعاء فأريد به لازمه، وهو ما ذكر وقوله: ذم بليغ أي في غاية المبالغة، وهو معنى قوله: ما أكفره لأنّ التعجب أيضا لا يكون من الله كما مرّ فيكون تعجيبا لكل سامع فيدل على مبالغة في الكفران يتعجب منها كل واقف عليها، ولم يسمع هذا قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرئ القيس من قوله:
يتمنى المرءفي الصيف الشتاء فإذا جاء الشتا أنكره فهولايرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره
لا أصل له ومن يعرف كلام العرب يعلم أنه من كلام المولدين دون الجاهلي، واعلم أنّ
العلامة روّح الله روحه قال في هذه الآية إنه لا يرى أسلوبا أغلظ منه ولا أخثن مساو لا أدل على سخط ولا أبعد شوطا في المذمة مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمة على قصر متنبه منه ولم يبينوا وجهه إلا أنّ الإمام قال: قتل الإنسان يدل على استحقاق أعظم أنواع العقاب عرفا، وقوله: ما أكفر. تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً وأوردد في الكشف، وغيره من الشروح بلا زيادة عليه وعلل بأنّ الدعاء ليس على حقيقته لامتناً عه منه تعالى لأنّ منشأه العجز فالمراد به إظهار السخط باعتبار جزئه الأوّل وشدة الذم باعتبار جزئه الثاني فتأمل. قوله: (بيان لما أنعم عليه الخ) يعني لما بالغ في وصفه بكفران نعم خالقه شرع في بيان ما أنعم به عليه، وقوله: خصوصاً قيد للمنعم عليه أي هو بيان للنعم التي اختص بها الإنسان من بين خلقه لأنه مختص بمجموعها والاختصاص إضافي إن أريد جنس الإنسان لأنه بالنسبة لغيره من أنواع الحيوان كما سنبينه. قوله: (والاستفهام للتحقير) وذكر الجواب لا يقتضي أنه حقيقي كما توهم لأنّ المراد بالجواب ما هو على صورة الجواب لأنه بدل من قوله من أي شيء خلقه، ولو قيل: إنه للتقرير، والتحقير من شيء المنكر كان له وجه وقوله: من
مبدأ الخ من ابتدائية متعلقة بقوله: بيان، ومقابله قوله: إلى أن أتم خلقه وأنما أخره لأنه متعلق بقوله: فقدّره أطوارا أيضاً أو مقابله مقدّر بقرينة ما بعده، وقوله: ولذلك أي لكون المقصود منه التحقير أجاب بقوله: من نطفة الخ فانها حقيرة قدرة. قوله: (فهياه لما يصلح له الخ) دفع لما يخطر بالبال من أنّ الخلق بمعنى التقدير أو يتضمنه وعلى كل تقدير فعطفه بالفاء غير ظاهر بأنّ التقدير المذكور بمعنى التسوية، والمذكور هنا بمعنى التهيئة لما يصلح له أو هو تفصيل لما أجمل أوّلاً في قوله: أي شيء خلقه، والفاء تفصيلية لأنّ التفصيل يعقب الإجمال واليه أشار بقوله: أو فقدّره الخ. قوله: (ثم سهل مخرجه) فالسبيل محل خروجه من البطن، وقوله: فوهة الرحم بضم الفاء وفتح الواو المشدّدة أو بسكونها مخففة بمعنى فمه، وقوله: ألهمه أي ألهم الجنين حيث كانت رأسه من جهة العلو فإذا جاء وقت خروجه نكسها لأسفل ليسهل خروجه على ما بينه أهل الخبرة بذلك. قوله: (أو ذلل له سبيل الخير الخ) أي سهل له الطريق الذي يريد سلوكه من طريقي الخير والشرّ بأن أقدره عليه ومكنه منه والاقتدار على المراد نعمة ظاهرة بقطع النظر عن خيريته وشرّيته فلا يرد عليه أنه كيف يعد تسهيل طريق الشرّ من الئعم، وقيل: إنه عد من النعم لأنه لو لم يكن مذللاً كسبيل
стр. 3061
الخير لم يستحق المدح أو الثواب بتركه فتأمّل. قوله: (للمبالغة في التيسير) يسبب التكرير الدال على ذلك فالضمير للسبيل، وقوله: وتعريفه أي السبيل باللام دون أن يقول سبيله بإضافته لضمير الإنسان كما هو الظاهر إذ أربد مخرجه وكذا إذا أريد سبيل الخير والشرّ فإنه سبيله أيضاً لأنه لو قيل سبيله أوهم أنه على التوزيع وأنّ لكل إنسان سبيلاَ يخصه، وهذا جار على التوجيهين كما يشير إليه قوله وفيه على المعنى الأخير فلا وجه للقول بأنه مخصوص بالثاني، وقوله: والمقصد غيرها وهو الآخرة لأنّ السبيل عبارة عن الدنيا وهي ممر والمقرّ الآخرة، وقوله: ولذلك أي لكون المقصد غيرها عقب السبيل بالإماتة إشارة إلى أنها ليست مقرّا لأحد لعدم البقاء فيها والموت هو الوصلة لذلك المقصد فلذا عد من النعم على الوجهين أيضا. قوله: (وعد الإماتة الخ) وخصصت هذه النعم بالذكر لما فيها من ذكر أحوال الإنسان من ابتدائه إلى انتهائه وما تتضمن من النعم التي هي محض فضل من الله لأنه حقير مهين خرح من مخرح البول مرتين وتكوّن من نطفة قدرة، ثم صار وعاء للعذرة، ثم صار جيفة إكرامها دفنها فإذا تأمّل ذلك العإقل علم قبح الكفر، وكفران نعم الرب ، وقوله: في الجملة إشارة إلى أنّ ذلك هو الأء ل، ومقتضى الفطرة واظ
اختص بالبعض كالمؤمنين. قوله: (والأمر بالقبر) أي وضع الإنسان في قبره وفيه إشارة إلى ما حققه أهل اللغة من أنّ معنى أقبر الميت أمر غيره بأن يجعله في قبره وقبره بمعنى دفنه في قبره، وفي قوله: تكرمة الخ إشارة إلى وجه مشروعيته، ودفن غيره من الجوانات بعد الموت غير مثروع بلا خلاف كما هو مدلول النظم فهو مباح لا مكروه، ولم يتعرض له الفقهاء فليحرر. قوله: (وفي إذا شاء إشعار الخ) وجه الإشعار لا كلام فيه وتخصيص النشور به دون الإماتة والإقبار لأنّ وقتهما معين إجمالاً على ما هو المعهود في الأعمال الطبيعية، وقيل: إنا نجزم بان أحدا من أبناء الزمان لا يتجاوز مائة وخمسين سنة مثلا، وليس لأحد مثل هذا الجزم في النشور. قوله: (وع للإنسان عما هو عليه) من كفران النعم المتناهي وانكاره لخالقه لكفره، وقوله: لم يقض بعد إشارة إلى أنّ لما نافية جازمة وأنّ نفيها غير منقطع والابتداء والانتهاء من نفي الماضي وعموم الإنسان وما قيل من أن المراد لم يقض من أوّل زمان تكليفه إلى زمان إماتته ما أمره به تعسف لا وجه له، وحمل لما يقض على رفع الإيجاب الكلي المساوي للسلب الجزئي دون السلب الكلي لعدم صحته فتأمّل. قوله: (اتباع للنعم الذاتية) المراد بالذاتي ما يتعلق بذاته من الذات نفسها، ولوازمها والخارجي ما يقابله فسقط ما قبل التيسير للخروج والإماتة والإقبار ليس بذأتي، وقيل: هذا تعداد للنعم المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه ولا يخفى ما فيه. قوله: (استئناف مبين الخ) كأنه لما أمر بالنظر إلى ما رزقه الله من أنواع المأكولات قيل كيف أحدث ذلك وأوجده بعد أن لم يكن، وقوله: على البدل منه لأن هذه الأشياء تشتمل على تكون الطعام وحدوثه، إذ المراد لينظر الإنسان إلى صبنا الماء من السماء وضقنا الأرض لإخراج النباتات المختلفة نها وايجاده أي الطعام فالعائد مقدر، وقيل: إنه بدل كل على الادّعاء وهو تكلف بعيد والقراءة بالفتح وصلا ووقفاً وفتح روش! في الوصل وكسر في الابتداء. قوله: (أي بالنبات) أي بسبب النبات فإنه يشق الأرض بخروجه منها وهذا هو المناسب لقوله: فانبتنا الخ قيل، ويحتمل أنّ المراد شقها بالعيون على أن المراد بصب الماء أمطار المطر وبهذا إجراء الأنهار ولا يخفى أن السياق يأباه مع تكلفه، وقوله: بالكراب بكسر الكاف مصدر كربت الأرض إذا قلبتها للحرث، وهو إمّا تمثيل أو المراد ما يشمل الحفر للغرس فلا يرد عليه أن الكراب لا يلائم ما بعده من التخيل والكروم والشجر كما قيل. قوله: (وأسند) أي إلله الشق إلى نفسه بقوله: شققنا مجازا من الإسناد إلى السبب على الوجه
الثاني دون الأوّل وقد تبع فيه الزمخشري، وقد ردّه في الانتصاف بأنه تعالى موجد الأشياء، وخالقها فالإسناد إليه حقيقة وأنما ذكره الزمخشري اعتزالاً فإن أفعال العباد مخلوقة لهم عنده فلا ينبغي للمصنف أن يتابعه فيه، ورده المدقق في الكشف بأنه لشى مبنيا على ما ذكر بل لأن الفعل إنما يسند حقيقة لمن قام به لا لمن أوجده بدليل قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة الرعد، الآية: ٢ ا] ولذا اشتق منه اسم الفاعل وهذا مما لا شبهة فيه فالاعتراض عليه ناشئ من قلة التدبر
стр. 3062
وما قيل من أنّ الشق يكون بمعنى الإيجاد والأحداث، وبمعنى الهيئة الحاصلة به ولا مرية في أن محدث تلك الهيئة في الأرض هو الله تعالى دون العبد فلا مانع من قيام الشق به كالإحياء والإماتة، وجعل الإسناد له حقيقياً، وأمّا القياس على الخوف والطمع فغير سديد لأنه من الكيفيات النفسانية التي يستحيل قيامها بذاته تعالى غير سديد لما عرفته من اتفاق المحققين على أن الأفعال إنما تسند في اللغة لمن قامت به لا لمن أوجدها، والإحداث المذكور قائم بالعبد وأثره بالأرض فكيف يسند إلى الله حقيقة، وما ذكره مناقشة في المثال وهو لا ينحصر فيه. قوله: (يعني الرطبة) هي بفتح فسكون القضب ما دام رطبا كما في الصحاح عن أبي عبيد، وفي المصباح الرطبة القضبة خاصة قبل أن تج! وجمعه رطاب وبعضهم يقوله: رطبة بزنة غرفة الخلي، وهو الغض من الكلا الذي ترعاه الحيوانات، وفي كتب الفقه في العشر استعمال الرطبة بمعنى البقول كالكراث ونحوه، قال شيخنا المقدسي: ولم أجده في اللغة، وقوله: تقضب أي تقطع وتجز وأصولها ثابتة في الأرض. قوله: (عظاماً) المراد بعظمها عظم أشجارها وكثرتها وأصل الغلب جمع أغلب وهو الغليظ الرقبة توصف به الرقبة نفسها وصاحبها فيقال عنق أغلب ورجل أغلب لكن الأوّل هو الأغلب، والظاهر أن الثاني مجاز من وصف الكل بصفة جزئه، وقوله: وكثرة أشجارها عطف على تكاثفها عطفاً تفسيريا والمراد أنه استعارة معنوية شبه تكاثف الأوراق وعروقها بغلظ الأوداج وانتفاخ الأعصاب مع اندماج بعضها في بعض بغلظ الرقبة فلا يردان الغلظ في الأشجار أقوى لأنّ الأمر بالعكس نظرا إلى الاندماج، وتقوي البعض بالبعض حتى صارت شيئاً واحداً، كذا حققه في الكشف وهو الذي أراده المصنف بقوله: وصف به الخ وقوله: أو لأنها ذات أشجار غلاظ الخ فهو مجاز مرسل كالمرسن بمعنى الغليظ الشفة مطلقا وفيه تجوّز في الإسناد أيضا لأنّ الحدائق نفسها ليست غليظة بل الغليظ أشجارها، وقوله: مستعار أراد به الاستعارة اللغوية، وهو أعم من الاصطلاحية، وقيل: إن الاستعارة فيه مكنية. قوله: (ومرعى) بمعنى الرعي والمأكول لا اسم مكان كما توهم وإن كان مقصودا، وأب المشدد بمعنى قصد أو هيأ فسمى به المرعى، وقوله: تؤب للشتاء أي تدخر. تهيأ للتفكه بها فعطفه على
الفاكهة لأنه أريد بها الرطبة بقرينة المقابلة، وقوله: فإن الأنواع الخ يعني أنه تعليل للمجموع فإنّ بعضها للناس، وبعضها للبهائم فيوزع وينزل كل على مقتضاه والعلف بفتحتين قوت الحيوان. قوله: (وصفت بها مجارّا) هذا بناء على أن صخ بمعنى أصاخ أي استمع فجعلت مستمعة مجازاً في الطرف أو الإسناد وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل لهما، وقال الراغب: الصخ شذة صوت ذي النطق فعلى هذا هي بمعنى الصائخة مجازاً أيضا وقيل الصاخة: التي تؤثر الصمم وهي مستمعة وهو من بديع الفصاحة كقوله:
أصم بك الناعي وإن كان اسمعا
وقوله:
أصمهم سيرهم أياهم فرقتهم فهل سمعتم بسيريورث ا!
فتدبره وجواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده كيشتغل كل بنفسه ونحوه مما يناسب ما بعده، أو افترق الناس وقد مرّ في النازعات مثله فتذكره. قوله: (لاشتفاله بشأنه الخ) يعني الإقبال عليهم إما للنفع أو للانتفاع وكلاهما منتف لاشتغاله بنفسه عن نفع غير. وعلمه بعدم نفعه فلذا يفر فالمجموع علة واحدة لا كل منهما كما توهمه عبارة الزمخشري، وقوله: أو للحذر الخ هو غير مناسب لما بعده. قوله: (وتأخير الأحب الخ) فهو للترقي لا للتنزل، والظاهر أنه لم يقصد ذلك لأنّ فيما ذكره نظرا لا يخفى مع اختلاف الناس، والطباع فيه وذكر المرء تغليبا أو لأنه يعلم منه المرأة بطريق المقايسة، وقوله: من أبويه قيل: لأنه جعل الأب معطوفا على الأمّ ثم عطف المجموع على الأخ لعدم ظهور كون الأب أحب إليه من الأمّ وفيه نظر ظاهر أيضا، وكذا قوله: بل من صاحبته، وبنيه اعتبر العطف للمجموع ولا يخفى تكلفه. قوله: (لكل امرئ الخ) قيل إنه جواب إذا وتركت الفاء لتقدير. مضارعا أو ماضياً بدون قد وهو تكلف، وقوله: وقرئ يعنيه أي بفتح الياء التحتية والعين المهملة، وقوله: من أسفار الصبح أي إشراقه، وقوله: مستبشرة أي مسرورة من بشر بمعنى سرّ وقوله: كدورة أي تغير في اللون، والغبار على الوجه الأسود أشنع، وقوله: الذين جمعوا الخ يعني أنه
стр. 3063
لم يعطف لقصد اجتماع الوصفين في موصوف واحد ولجمع الصفتين القبيحتين أظهر على الوجوه ما ذكر وقوله من قرأ
الخ حديث موضوع. تمت السووة والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اكه وصحبه.
سورة التكوير
ويقال ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ولا خلاف في كونها مكية وإمّا آياتها فثمان أو تسع وعشرون على قول فيها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لفت من كورت العمامة الخ) يعني أنه مجاز عن رفعها أي إزالتها من مكانها، وقوله: لأنّ الثوب الخ بيان لعلاقة اللزوم فيه والمانع من حمله على الحقيقة كونها من الأجرام التي لا تلف كالثياب، وأمّا كونه كريا غير منبسط فأهل الشرع لا يثبتونه فلا وجه له كما أنه لا وجه لما قيل من أنه لا مانع من حمله على حقيقته. قوله: (أو لف ضوؤها) عطف على قوله: رفعت، وهذا إمّا على أنّ الشمس مجاز عن الضوء فإنه شائع في العرف أو هو بتقدير مضاف، ويجوز أن يجعل من التجوّز في الإسناد، وقوله: فذهب انبساطه فلف الضوء مجاز عن ذهابه كما مرّ إمّا للزومه له فإنّ الثوب إذا أريد رفعه لف أو على الاستعارة التبعية بتشبيهه بالجواهر والأمور النفيسة التي إذا رفعت لفت في ثوب فلا وجه لادعاء تعذر الاستعارة هنا كما في الكشف وقد جوز فيها أن تكون مكنية أيضا، ولم يذكر المصمنف رحمه الله تعالى ما في الكشاف على هذا من جعل لف ضوئها عباوة عن إزالتها لأنها ما دامت باقية فضياؤها منبسط لأنّ مآله لغيره من الوجوه فيكون قليل المفاد لا لأنّ الله قادر على أن يطمس نورها مع بقائها كما قيل فإن مراده اللزوم العادي لا العقلي حتى يرد عليه بما لا ينكره عاقل. قوله: (أو ألقيت عن فلكها) عطف على لفت، وهو على هذا استعارة أو مجاز مرسل أو مكنى كما مر، ومعنى كون المطعون مجتمعاً ضم يديه ورجليه كما يشاهد فيمن ضرب بشدة أو طعن وقوله، والتركيب أي هذه الحروف والمادّة في جميع معانيها لا تخرج عن هذين المعنيين، وقوله: وارتفاع الشمس الخ هذا ليس بواجب بالاتفاق، ووجه الأولوية ما ذكر، وقيل: الأولى كونه مبتدا لأنّ التقدير على خلاف الأصل. قوله: (انقضت) بالقاف بمعنى سقطت ونزلت ومنه انكدار الصقر إذا نزل بسرعة على ما يأخذ. كما ذب الشعر المذكور، وهو من الكدر ضدّ الصفاء
والكدرة في اللون، والكدورة في الماء والعيش كما قاله الراغب: وما ذكره من أرجوزة للعجاج مدح بها عمر بن معمر التميمي، ومنها:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر تقضي البازي إذا البازي كسر
داني جناحيه من الطود فمر أبصرخربان فضاء فانكدر
يصفه بالكرم وانه لحرصه على السبق للمكارم يسرع إليها إسراع بازر أي صيدا فانقض
عليه وابتدروا بمعنى بادروا، والباع الذراع وقد رمد اليدين وهو مجاز هنا عن الإحسان كما يسمى يداً، وهو منصوب بنزع الخافض وكسر بمعنى ضم جناحيه للنزول، والطود الجبل وخربان بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة والباء الموحدة جمع خرب بفتحتين، وهو ذكر الحبارى وهي طائر معروف وفي الشعر هنا مبالغة بديعة ليس هذا محلها، والنجوم لا تشمل الشمس حتى يكون تعميماً بعد تخصيص كما قيل. قوله: (أو أظلمت من كدرت الماء الخ) يعني أنه استعارة فشبه ذهاب ضوئها بتكدير الماء المذهب لصفائه ورونق منظره، وقوله: عن وجه الأرض متعلق بسيرت لأنه بمعنى أزيلت على الاستعارة أو المجاز المرسل أيضا وقوله: أو في الجو وهو ما بين الأرض والسماء فتسييرها رفعها أو نسفها كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [سورة النمل، الآية: ٨٨] . قوله: (النوق الخ (أي قرب وضمع حملها وقوله: جمع عشراء كنفساء يجمع على نفاس ولا نظير لهما، وقوله: تركت مهملة أي لا راعي لها ولا طالب لها وهو إمّا بعد البعث، أو قبيل قيام الساعة حيث لا يلتفت أحد إلى ما كان عنده وخص العشار لأنها أنفس أموالهم، وقوله: أو السحائب فهو استعارة
стр. 3064
بتشبيه السحابة المتوقع مطرها بالناقة العشراء القريب وضع حملها وهي استعارة لطيفة مع المناسبة التامّة بينه وبين ما قبله فإن السحب تنعقد على رؤوس الجبال، وترى عندها ولا ينافيه كونه مناسباً لما بعده على الأوّل فإنه معنى حقيقي مرجح بنفسه وتعطيلها على هذا مجاز أيضاً بمعنى عدم ارتقاب مطرها لأنهم في شغل عنه. قوله: (وقرئ بالتخفيف الم يذكر كونه مجهولاً أو معلوما وظاهره إنه مجهول كالقراءة المشهورة، وكذا هو مصرح به عن بعضهم إلا أن المعرب نقل عن الرازي في اللوامح إنه غلط، وأنما هو عطلت بفتحتين بمعنى تعطلت لأنّ تشديده للتعدية يقال: عطلت الشيء وأعطلته فعطل، وهذه القراءة مروية عن ابن كثير ولم يذكرها في النشر فكأنها لم تصح عنده، ثم إنه أجيب عما ذكر بأنه إذا صحت الرواية بالأول فيحتمل أنه ورد متعديا على أنّ فعلت بمعنى أفعلت أو هو على الحذف والإيصال كما قيل فليحرّر. قوله: (جمعت) فالحشر بمعناه اللغوي، وهو جمعها وليس هذا الجمع للحشر كما
قيل لأنه يكون مع ما بعده مكررا بل هو قبيل النفخة الأولى حين تخرج نار تفر الناس والأنعام منها حتى تجتمع. قوله: (أو بعثت للقصاص الأنه صح في الحديث أنّ الوحوس والطيور وسائر الحيوان تبعث، ويقتص لبعضها من بعض ولها من غيرها ثم تعود ترابا كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل: يبقى منها ما يسرّ به الناس كالطيور المؤنسة المألوفة. قوله: (أو أميتت (هذا بناء على القول بأنها لا تحشر فإنها تفنى وهذا كناية عن العدل التامّ وأجحفت بتقديم الجيم على الحاء يعنى استأصلتهم، وأهلكتهم لا بمعنى أفقرتهم كما ترهم وتشديد حشرت للتكثير، وقوله: أحميت أي غاضت مياهها وظهرت النار في مكانها، ولذا ورد أنّ البحر غطاء جهنم، وقوله: بتفجير الخ أي تتصل وتصير بحرا واحدا، وقوله: من سجر التنور هو على الوجهين ولبعض المتأخرين هنا كلام رأينا تركه أهتم من تسويد وجه الصحف به. قوله: (قرنت بالآبدان الخ) على أن التزوي! بصعنى جعل الشيء زوجا أي مقارنا والنفوس على الأوّل بمعنى الأرواح وعلى ما بعده بمعنى الذوات، وقوله: ونفوس الكافرين الخ هذا في جهنم، وقوله: أو كل عطف على المستتر في قرنت للفصل، وقوله: بشكلها هو في الموقف فالأنبياء مع الأنبياء والأولياء مع الأولياء وهكذا. قوله: (لئد البنات) كتعد أي تقتلها بالدفن، وقوله: أو لحوق العار بالحاء المهملة والقاف مصدر لحق وما في بعض النسخ من ضبطه بلام جارة للخوف ضد إلا من تحريف لاحتياجه لتكلف بتقدير ما لا قرينة عليه، ولحوق العار بوطء الرجال لهن وهو من جهل الجاهلية والوأد القتل، وقيل: إنه مقلوب من آده بمعنى أثقله لأنها تثقل بالتراب، وهو قول لبعض أهل اللغة كما في درر المرتضى فلا وجه للاعتراض عليه بأنه ادعاء للقلب من غير داع له. قوله: (تبكيتاً لوائدها) التبكيت التوبيخ وأنما أوّله لأنه لا ذنب لها حتى تسأل عنه فكان الظاهر سؤال قاتلها لا لأنها صغيرة فإنها تحشر عاقلة وادّعا أنّ الأصل سئل عنها تكفف، والتبكيت قرره الطيبي بأن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني ونسبت له
الجناية دون الجاتي بعث ذلك الجاني على التفكر في حاله وحال المجني عليه فيرى براء ساحته، وانه هو المستحق للعقاب والعذاب وهذا استدراج على طريق التعريض، وهو أبلغ ص التصريح والمراد بالاستدراح سلوك طريق توصل إلى المطلوب بسؤال غير المذنب ونسبة الذنب له حتى يبين من صدر عنه ذلك كما سئل عيسى دون الكفرة، وهو فن من البديع بديع. قوله (وقرئ سألت أي خاصمت) وسألت من الله أو من القاتل لها، وقوله: على الأخبار عنها على القراءتين فإنه لو لم يخبر عنها لقيل على القراءة الأولى قتلت بكسر التاء وعلى الثانية قتلت بضمها، وفي الكشاف نقلا عن ابن عباس أنّ هذه الآية دليل على أنّ أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤودة م! الذنب فما أقبح به وهو اك ي لا يظلم مثقال ذرة أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت ليفعل بها ما ينسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد انتهى، قيل: وهو استدلال بدلالة النص كدلالة منع التأفيف على منع الشتم، ونحوه وليس مبنيا على التحسين والتقبيح كما توهم وأجيب بمنع الدلالة لأنه لا يقابل حال الخالق بحال المخلوق، ولا يستقبح منه ما يستقبح منهم كما أنّ الذمي المخلد في النار يستحق قاتله الذم والعقاب، وفي الكشف بعد تسليم قاعد
стр. 3065
التحسين والتقبيح فإشارة الآية إلى أن باعثهم على القتل لم يكن الذنب لا إلى أنّ الذنب أعنى ما تستحق به الموؤودة التعذيب معدوم من كل وجه، وفيه أنها غير مكلفة فكيف يكتب عليها الذنب انتهى، وفيه خلل من وجوه إمّا كونه مبنياً على التحسين والتقبيح فمما لا شبهة فيه وكيف ينكره ودلالة النص متفزعة على ذلك وجوابه مصرّح بذلك والمنع مبني عليه كما صرّح به في الكشف وأيضا فإن ما أورده على صاحب الكشف غير وأرد لأنه مصرج بأن المراد ما يستحق به العذاب، ولو بغير طريق التكليف، وهو إلزام لهم على مذهبهم والصحيح في الجواب عنه ما قيل إنّ تعذيب بني آدم أخذا من حقه في الدنيا، إنما يستحق بذنبه على الوجه الذي شرع فحين لم يكن للموؤودة ذنب يجوز أن يخاصم قاتلها فإمّا تعذيب الله فليس كذلد فيجوز أن يعذبهم تبعاً انتهى. قوله: (فرقت بين أصحابها) والمفرق صحف الأعمال، أصحف أخرى فيها شقيّ أو سعيد ونحوه كما روي في بعض الآثار إذا كان يوم القيامة تطاير! صحف من تحت العرش فيقع في يد المؤمن صحيفة فيها جنة عالية، وفي يد الكافر صحيفه فيها سموم وحميم، وقوله: للمبالغة في النشر بمعنييه، وهو ما يقابل الطيّ أو الجمع والتطا-
التفرق، وهذا مخصوص بالمعنى الثاني وقوله: كما يكشط الخ إشارة إلى أنه استعارة لمعنى أزيلت وقوله: اعتقاب أي إبدال كل من الأخرى، وقوله: إيقادا شديدا هو معنى التسعر وضعا، وقوله: وقرأ الخ هي رواية عن هؤلاء وروي عنهم التخفيف أيضا. قوله تعالى: ( ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ الخ) معنى علمها إنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة فإن كانت صالحة ترى في أحسن صورة وإلا ترى في أشنع هيثة كما قرّره بعض المفسرين. قوله: (ست منها في مبادي قيام الساعة الخ) قيل هو على التفسير الأول لحشرت، وعلى الثالث إذا أريد الإماتة في الدنيا عند النفخة الأولى، وقيل الظاهر أنّ المراد به ما بين النفختين لظهور أنّ الست الأولى ليست قبل النفخة الأولى وإلا لعدّت من الأشراط، فإن قلت قد ثبت أنّ موت الناس والخلائق إلا بعض الملائكة بعد النفخة الأولى فكيف يتصوّر تعطيل العشار وحشر الوحوس بزوال وحشتها من الدهشة قلت قد قيل: إنه لم يثبت وقوع الموت في ابتداء تلك النفخة، فيحتمل أن يحصل في ابتدائها دهشة تؤدي لتعطيل النوق وحشر الوحوس، ثم تؤدي تلك الدهشة لهلاك الكل وقال بعض فضلاء العصر يكفي في صحة الكلام جريانه على أحد الوجوه في تينك الخصلتين، وهو أن يكون تعطيل العشار بمعنى تعطيل السحاب وأن يكون حشر الوحوس بمعنى إماتتها ولا يلزم إجراء الكلام على جميع الوجو.، ثم قال: إنّ الأظهر أن المراد بما قبل فناء الدنيا مجموع ما قبل النفخة الأولى وما بعدها إلى النفخة الثانية فإنّ جميعه من مبادي الساعة ويكون بعض الست قبل الأولى، وهو تعطيل العشار وحشر الوحوس على وجهين والبعض الآخر فيما بعدها ولا يلزم عدّها في الأشراط مستقلة لأنها من آثاو بعضها، وقد قيل عليه أيضاً إنّ كونه بين النفختين مخالف لما قاله في سورة النبأ من أنّ الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى فتدبر، وقوله: لأنّ المراد الخ أي هو زمان ممتد وقعت فيه تلك الأمور وعلمه النفوس إذا أحضرت. قوله: (ونفس في معنى العموم) لأنّ النكرة قد تعم في الإثبات وذكر العلامة له نكتة وأنه من استعمال ما يدل على القلة والخصوص في الكثرة والعموم كما ترد قد ورب للتكثير، وهو من العكس في كلامهم كأنه تهويل لذلك اليوم واظهار لكبرياء الله وعظمته حتى كان جميع النفوس البشرية في جنب ما خلقه من الأجرام العظام أمور قليلة، ونفوس حقيرة وقيل: إنه إذا علمت نفس من النفوس ما أحضرت من خير أو شر لزم كل نفس ذات بصيرة رجاء، أو خوف أن تكون هي تلك النفس ففي النكرة تقليل ادعائي حينئذ. قوله: (تمرة خير من جرادة) قاله ابن عمر ﵄ لبعض أهل الثأم، وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها فقال: ذلك يعني لا يلزمه شيء، ولذا قال: واعجبا لأهل الشام لا يبالون بدم الحسين ويستفتون في
قتل الجرادة، وهي هنا عامّة في الإثبات، ولذا ساغ الابتداء بها ولا حاجة لتأويله بالنفي أي لم تجهل، لا تساوي تمرة جرادة حتى تعم وشموغ الابتداء بها فإنه تكلف وفي شرح المفتاح إن تمرة لا عموم فيها والعموم، إنما جاء من تساوي نسبة الجزء إلى أفراد الجنس وكأنه نظر إلى منافاة العموم للوحدة والإفراد وهي إنما تنافي العموم الشمولي فتدبر. قوله:
стр. 3066
(بالكواكب الرواجع الخ) النيران الشمس والقمر خصا بذلك لزيادة نورهما على نور غيرهما من الكواكب وما عداهما من السيارة هي الخمسة المسماة بالمتحيرة لأنها رجعت إلى الجهة التي تتحرك نحوها، وذلك بسبب التداوير التي تلك الكواكب مركوزة فيها لأنها غير محيطة بالأرض فحركة نصفها العالي مخالفة لحركة نصفها السافل فإذا تحرّك العالي للمشرق تحرّك السافل للمغرب، وبالعكس، وحركات الأفلاك التي فيها التداوير إذا وافقت حركة النصف الذي فيه الكواكب كان الكوكب مستقيماً سريع السير بمجموع الحركتين، اواذا خالفتها زادت حركة النصف على حركة الفلك فيكون راجعاً عن صوب حركته والشمس ليس لها تدوير على الأصح فلا رجعة لها، والقمر لسرعة حركة فلكه الحامل لتدويره لم تزد حركة تدويره عليه، ولذا سميت هذه متحيرة لأنّ لها رجعة واقامة واستقامة كما تقرّر في الهيئة، وقوله: ولذلك أي لكون المراد السيارة خاصة دون الثوابت. قوله: (السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس (لصغر حجمها بالنسبة إليها وسميت سيارة لأنّ سيرها محسوس بخلاف الثوابت، وقوله: من كنس الوحش الخ فهو في الأصل مجاز بطريق التشبيه، ثم صار بالغلبة في الاستعمال حقيقة ومعنى الكناس ما ذكره المصنف ﵀. ءقوله: (أقبل ظلامه أو أدبر) - فهو من الأضداد عند المصنف ﵀ وقال الراغب: في مفرداته العسعسة والعساس رقة الظلام وذلك في طرفي الليل، ل! فهو من المشترك المعنوي عنده وليس من الأضداد، وقوله: وسعسع- قال صاحب القاموس في كتابه تحبير الموشين فيما يقال: بالسين والشين تشعشع الشهروتسعسع إذا ذهب أكثره، وكذا في القاموس ولم يذكره في الليل كغيره لكن صاحب الكشاف وكفى به ذكره في صفة الليل، ولم يجعله بمعنى أقبل ولا مقلوباً من الأوّل فالظاهر اختصاصه بمعنى الأدبار فقول المصنف ﵀ إذا أدبر تفسير لسعسع وحده وليس من الأضداد كالأوّل، وأنما أعاد عسعس معه لبيان أنهما بمعنى واحد كما يشهد له كلام أهل اللغة ومن لم يقف على مراده قال: على هذا إنه لا يناسب ذكره في سياق كونه من الأضداد والأظهر تقديمه فتنبه. قوله تعالى: ( ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ) مناسبته لقرينه ظاهرة على التفسيرين لأنّ ما قبله إن كان للإقبالط فهو أوّل الليل، وهذا أوّل النهار وإن كان للأدبار فهذا ملاصق له فبينهما مناسبة الجوار فلا وجه لما قيل من أنه على الأوّل
أنسب. قوله: (أي أضاء) بيان لحاصل المعنى المراد منه في كلامهم قال العجاج:
حتى إذا الصبح لهاتنفسا وانجاب عنهاليلهاوعسعسا
لكنه وقع في النسخ هنا اختلاف ففي بعضها غرّته أي أوّله على الاستعارة من غرّة الفرس
وفي بعضها غبرته بالمعجمة والباء الموحدة، ثم راء مهملة وتاء تأنيث ويصح أن يقرأ مرفوعاً ومنصوبا حينئذ، وهو أيضا استعارة بتشبيه أجزاء الظلام مع الفجر لاختلاطه بالنور بغبار مرتفع في الجوّ على هاتين النسختين، ووقع بعدهما عند إقبال روح ونسيم بعند الظرفية وفي نسخة عبر من العبارة بالعين المهملة بعدها باء موحدة، ثم راء مهملة ويعقبها عن الجارة الحرفية وهذا كله مصرّج به في الحواشي لكن الأخير مسلك من يعتمد عليه من المحشين، والمعنى عليها مختلف من وجه وتفصيله ما ذكره الإمام من أنه إشارة لتكامل الصبح ولا تكرار فيه وفي كيفية التجوّز قولان أحدهما أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز، وقيل: تنفس الصبح والثاني إنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرّك، واجتمع الحزن في قلبه فإذا تنفس وجد راحة فهاهنا لما طلع الصبح كأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس اهـ فعلى الأوّل فيه استعارة مصرحة بجعل ما يهب معه من النسيم نفساً للطفه وللاستراحة به وأسند إلى الصبح مجازاً لمقارنته له ففيه استعارة مصرحة، وتجوّز في الإسناد ولو جعل مكنية وتخييلية حسن بأن يشبه الصبح بماس وآت من مسافة بعيدة، ويثبت له التنفس المراد به هبوب نسيمه مجازاً على طريق التخييل في قوله: ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٧] وعلى هذا ينزل كلام المصنف ﵀ على النسخة الأولى والثالثة، وأما الوجه الثاني الذي اختاره واستحسنه فلا يخفى ما فيه من التعسف، بل لا يصح ما لم يقدر فيه مضاف أي تنفس ليله أو يشبه
стр. 3067
طلوع الصبح في نفسه بالتنفس، ولا يخفى حاله والنسخة الثانية فيها ميل له فتأمّل. قوله: (فإنه قاله عن الله) أي نقله لأنّ قول الرسول قول مرسله وأنما ينسب إليه لأنه واسطة فيه، وتفسيره بالقرآن هو الظاهر وجعله للأخبار عن الحشر تعسف، ومعنى كريم عزيز عند الله أو متعطف كما مرّ في السورة السابقة، ولذا لم يتعرّض له المصنف ﵀ هنا، وقوله: كقوله شديد القوى وقد مرّ تفسيره، وبيان قوته على تحمل أعباء الرسالة وعلى كل ما يؤمر به على ما مرّ من قصة المؤتفكة. قوله: (عند الله ذي مكانة) أي مرتبة وشرف قرب لأنّ المكان والمنزل تزاد فيه الهاء إذا نقل للمرتبة المعنوية غير المحسوسة، ولما كان علو المكانة بعلو الممكن قال عند ذي العرش ليدل على عظم منزلته عند الله، وأنه مطاع أمره في الملأ الأعلى على ما حققه الزمخشريّ واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: مطاع في ملائكته فلم يهمله كما توهم. قوله:
(وثم الخ) هي إشارة إلى المكان وإذا اتصل بما قبله فهو بيان لا طاعة الملائكة له، وإذا اتصل بما بعده فهو لأمانته عندهم، وقوله: قرى ثم بضم الثاء وهي عاطفة، وقوله: تفضيلاً لها لدلالتها على التراخي الرتبي، وقوله: سائر الصفات تعريفه للعهد والمراد الصفات المذكورة هنا، وقوله: كما تبهته الكفرة من البهتان أي كما تقول الكفرة في حقه ذلك بطريق الكذب، والبهتان وفي قوله: صاحبكم تكذيب لهم بالطف وجه إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن فأنتم أعرف به، وبانه أتم الخلق عقلاَ وأرجحهم نبلاً وأكملهم، وأصفاهم ذهنا فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون ولله در البحتري في قوله:
إذا محاسني اللاقي أذل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
قوله: (واستدل الخ (المستدل هو الزمخشري وزبدته ما قرّره المصنف ﵀ فلا وجه للنزاع فيه والقول بأنه لم يقصد الموازنة، وقوله: إذ المقصود الخ بيان وتعليل لضعفه ونفي قوله: إنما يعلمه بثر مأخوذ من كونه قول: رسول كريم عند ذي العرش فإنه دال على أنّ المتلقي منه ملك لا بشر، وقوله: افترى على الله كذبا مأخوذ من أنه أوصله إليه ملك مؤتمن عند الملائكة فكيف يكون ما بلغه كذباً على الله، وقولهم أم به جنة نفيه معلوم من قوله: وما صاحبكم بمجنون فوصفه بما ذكر للدلالة على نفي ما أسندوه له لا للإطراء في وصف جبريل دون النبيّ ﷺ مع أنه لو سلم ذلك كان مدحا بليغا في حقه لأنّ الملك إذا أرسل لأحد من هو معزز معظم مقرّب لدبه دل على أنّ المرسل إليه بمكانة عنده، ليس فوقها مكانة كما لا يخفى وما قيل من أنه يكفي لأداء هذا المقصود لقول رسول كريم أو ملك كريم، فالزيادة فضول تعد لكنة عند البلغاء إلا أنه كلام على السند الأخص والأسلم أن يقال في الجواب إنّ الكلام مسوق لحقية المنزل، وصدق ما فيه من أحوال القيامة وأهوالها كما تدل عليه الفاء الشبية في قوله: فلا أقسم، وهو يقتضي وصف الآني به دون المنزل عليه فلذا اقتصر على نفي ما بهت به، وأنّ الأظهر أن يتلو يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون أن حقيق بأن يقال له:
سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب
والحرّ تكفيه الإشارة والمسألة معروفة في الأصول. قوله: (بمطلع الشمس الأعلى) أراد
به وسط السماء فإنه أعلى مكان تطلع منه في كل يوم، وقيل هو رأس السرطان والأعلى صفة مطلع. قوله: (من الظنة وهي التهمة) بضم التاء وفتح الهاء ما يتوهم به وعليه وتسكين الهاء لا يجوز إلا في ضرورة شعرية، وقول الفاضل ابن كمال في شرحه لمفتاحه أنه بسكون الهاء لا بفتحها غلط مته، وتقديم قراءة الظاء المشالة لا يسئل عنه لأنه سؤال دوري فإن سلم ذلك فوجهه أنه أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له بما مرّ ونفي التهمة أولى من نفي البخل وأيضا التهمة تتعدى بعلى دون البخل فيما قيل، لا لأنّ نفي المحقق أولى من نفي المقدر كما قيل إذ لا وجه لتفضيل بعض القراآت المتواترة على بعض، ولا طائل في البحث عنه أيضا. قوله: (بالضاد من الضن) بالكسر والفتح قال في النثر، وهو كذلك في جميع المصاحف ولا ينافي هذا قول أبي عبيدة إنّ الضاد والظاء في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس إحداهما على الأخرى زيادة يسيرة قد تثتبه وهو كما قال: ويعرفه
стр. 3068
من قرأ الخط المسند، وليس فيه اتهام لنقلة المصاحف كما توهم لأن ما نقلوه موافق للقراءة المتواترة ولا بد مما ذكره أبو عبيدة لأنهم اشترطوا في القراآت موافقة الرسم العثماني، ولولاه كانت قراءة الظاء مخالفة لها ولا ينافيه أيضاً كتابتها بالظاء في مصحف ابن مسعود فإنّ المراد المصاحف المتداولة. قوله: (والضاد) قيل: إنما اشتغلوا تحقيق مخرجهما لئلا يتوهم أنّ إحدى القراءتين بدل من الأخرى، أو عينها لكن تساهلوا فيها فلذا بينوا بعد ما بين الحرفين مخرجا وصفة، وقوله: من يمين الخ لأنّ لها مخرجين، ومنهم من يتمكن منهما واعلم أنهم اختلفوا في إبدال الضاد ظاء وعكسه هل يمتنع وتفسد به الصلاة أم لا فقيل: تفسد به، وقيل: لا تفسد واختار المتأخرون وبه أفتى شيخنا المقدسي إنه إذا أمكن الفرق بينهما فتعمد ذلك، وكان مما لم يقرأ به كما هنا وغير المعنى فسدت صلاته والا فلا لعسر التمييز بينهما خصوصاً على العجم، وقد أسلم كثير منهم في الصدر الأوّل ولم ينقل حثهم على الفرق وتعليمه من الصحابة، ولو كان لازما فعلوه ونقل وهذا هو ما عليه المتأخرون كالبزازي وصاحب المحيط وغيره. قوله: (بقول بعض المسترقة للسمع الأنها هي التي ترجم وقوله: وهو نفي الخ بيان للمقصود منه، وقوله: استضلال أي عدهم من أهل الضلال والجادة الطريق المسلوك وقوله: تذكير لمن يعلم يعني أنه صيغة جمع للعقلاء بلا تغليب فيه وضمير هو للقرآن، وليس هذا تخصيصاً بل هو منطوقه وفسر الاستقامة
بما ذكر لما مرّ في قوله: فاستقم. قوله:) وإبداله الخ (لأنه بدل بعض من كل والمبدل الجا والمجرور أو المجرور فأعيد معه العامل قيل، ويجوز أن يكون بدل كل من كل لإلحاق من يشأ ذلك بالبهائم اذعاء وهو تكلف. فوله: (الاستقامة (هو مفعوله المقدر، وقوله: يا يشاؤها وقيل إنه جعل الخطاب للشائين مع عموم خطاب أين تذهبون لداعي نفي الحال الد عليه ما النافية فيكون الكلام في المشيئة الحالية، ولا مشيئة في الحال لمن لا يشاء ويأباه كو المشيئة في المستقبل ظرفا للمشيئة الحالية لأنّ أن في قوله: إلا أن يشاء الله خاصة للاستقبا وقد ردّ بأن جعل الخطاب للشائين لأنّ الكلام لهم والاستثناء تحقيق للحق ببيان أنّ مشيئتهم توطئة لمشيئة الله تعالى فلا منة لهم باستقامتهم بل الله يمن عليهم أن رزقهم الاستقامة لا لأنّ لنفي الحال كما توهمه هذا القائل لأنه غير مسلم مع أنه مشروط تقدم قرينة على خلافه كما المغني، وكلام المصنف ﵀ لا يوأفقه أيضا. قوله: (إلا وقت أن يشاء الله الخ (تبع الزمخشري وابن جني وأبا البقاء في جواز نيابة المصدر المؤوّل من أن والفعل عن الظرف،
منعه بعض النحاة وجوازه منقول عن الكوفيين وقال ابن هشام: في الباب الثامن من المغني
أن وصلتها لا يعطيان حكم المصدر في النيابة عن ظرف الزمان تقول جئتك صلاة العصر يجوز جئتك أن تصلي العصر، وقال مكي أن وما معها هنا في موضع خفض بإضمار الباء
إلا بأن والباء للمصاحبة أو السببية، وهذا عندي أقرب مما قرّره المصنف ﵀ أي ليس! مشيثتكم الاستقامة بفعلكم ومشيئتكم بل هي بخلق الله ومشيئته لأنّ المشيئة لو كانت بفعل اومشيتته تسلسلت المشيآت إلى غير النهاية وفيه دلالة على أنّ أحداً لا يعمل خيرا إلا بتوفيق
ولا شرآ إلا بخذلانه فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم إذ لو لم يشأ الله الاستقامه يستقيموا واستقامتكم بمنه وفضله. قوله: (مالك الخلق كله) يعني أنّ الرب بمعنى الما وتعريف العالمين للاستغراق وقوله: وعن النبيّءشي! هو حديث موضوع ومعناه ظاهر. " السورة بحمد ألله ومنه والصلاة والسلام على أفضل مخلوقاته وعلى آله وصحبه أجمعين.
سورة انفطرت
وتسمى سورة إلانفطار ولا خلاف في عدد آياتها وكونها مكية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (تساقطت متفرّقة) فهو استعارة لإزالة الكواكب حيث شبهت بجواهر قطع سلكها،
وهي مصرحة أو مكنية وليس هذا الانتثار ما في قوله:
درر نثرن على بساط أزرق
وقوله: فتح الخ كما مرّ تفصيله في التكوير
стр. 3069
وما ذكر لازم من تفجيرها لأنّ معناه فتحها
وشق جوانبها فيلزم ما ذكره فلا وجه لما قيل من أنه لا يدل عليه النظم وأنه مأخوذ من الأثر. قوله:) قلب ترابها) يعني أزيل التراب التي ملئت به، وكان حثى على موتاها فانفتحت وخرج من دفن فيها وهذا معنى البعثرة، وحقيقتها تبديد التراب أو نحوه وهو إنما يكون لإخراج شيء تحته فقد يذكر ويراد معناه ولازمه معاً كما ذكره المصنف ﵀ في هذه السورة، وقد يتجوّز به عن البعث والإخراج كما سيأتي في سورة العاديات حيث فسره بالبعث، والفارق بينهما أنه أسند هنا للقبور فكان على حقيقته وثمة لما فيها فكانت مجازا عما ذكر، ومن لم يقف على مراد المصنف ﵀ زعم أنه مشترك بين النبش والإخراج وذهب بعض الأئمة كالزمخشري والسهيلي إلى أنه مركب من كلمتين اختصارا ومثله كثير في لغة العرب، وشممى نحتا وأصله بعث وأثير أي حرك وأخرج وله نظائر كبسمل، وحوقل ودمعز أي قال بسم الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وأدام الله عزه فعلى هذا يكون معناه النبش، والإخراج معا ولا يرد عليه أن الراء ليست من أحرف الزيادة كما توهمه أبو حيان فإنه فرق بين التركيب، والنحت من كلمتين والزيادة على بعض الحروف الأصول من كلمة واحدة كما فصله في المزهر نقلا عن أئمة اللغة ولكونه خلاف المألوف مرّضه المصنف ﵀ فتدبر. قوله: (من عمل أو صدفة الخ) قد مرّ من المصنف ﵀ في سورة القيامة تفسيره لما قدم بما عمله، ولما أخر بما لم يعمله أو ما قدم ما عمل، وما أخر ما سنه من حسنة أو سيئة أو ما قدم الصدقة وما أخر ما
خلفه من متروكاته أو هما أوّل عمله وآخره فهذه وجوه أربعة، وقد اختصرها هنا على أوجز
وجه، ومن لم يتأمّله ظنه مخالفاً لما مرّ والعمل شامل لثلاثة أوجه والصدقة للرابع فتدبر.
قوله: (من سنة أو تركة) السنة بضم السين، والنون المراد به ما سن عمله للناس من حسنة أو
سيئة وما في النسخ من الياء التحتية والهمزة تحريف من الناسخ، وهو مقابلة للعمل بمعنيين
أعني ما عمله بنفسه أو أوّل ما عمله، وقوله: تركة اسم بمعنى متروك مقابل لقوله: صدقة
وكونه ماضيا من الترك ناصبا الضمير ما أو مصدر مضاف للضمير لا وجه له لاحتياجه للتكلف،
ولما بقي وجه أشار إليه بقوله: ويجوز الخ فما قدم ما عمله من الحسنات الداخلة في قوله من
عمل، وما أخر ما فرط فيه فلله در المصنف ﵀ في حسن سبكه. قوله: (أيّ شيء
خدعك الخ) أصل معنى الغرور ما دعا الإنسان إلى ارتكاب ما لا يليق لمال أو جاه أو شهوة
وماكه ما ذكره المصنف ﵀ وقد اختلف في المراد بالإنسان هنا فقيل المراد به الكافر،
وقيل: الأعم الشامل للعصاة والثاني أرجح كما في الكشف، وغيره لوقوعه بين مجمل
ومفصل، وأمّا قوله: بل تكذبون الخ فإمّا ترشيح لقوّة اغترارهم بايهام أنهم أسوأ حالاً من
الكافرين تغليظاً، أو لخطاب الكل بما وجد فيما بينهم وعلى هذا ينزل قول المصنف ﵀
إضراب عما هو السبب الأصلي، الخ فلا وجه لما قيل إنه غير مناسب للعموم الراجح كما
سنوضحه ثمة. قوله: (وذكر الكريم الخ) جواب عما يتوهم من أنّ التوصيف هنا بالكرم غير
ملائم للمقام إذ الظاهر الوصف بما يمنع الغرور كالانتقام، والقهر بأنّ هذا أبلغ لأنّ محض
الكرم لا يمنع مجازاة الجاني ولا يقتضي إهماله بل ينافيه وأنما المقتضى له الجهل أو العجز،
وقوله: وتسوية الموالي الخ ترق في اقتضاء الكرم خلاف ما يتوهم فإنه لو سوى بين المطيع
والعاصي لم يكن الإحسان والكرم في موقعه عند الممنون عليه، ألا ترى لو أنّ صديقاً لك
أحسن إليك بشيء، ثم أعطى مثله لعدوّ له تلاشت المنة، واضمحلت الصنيعة، ولذا قيل: إنّ
الكرم إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وذم بقوله:
يعطي ويمنع لا بخلاولاكرما لكنها خطرات من وساوسه
وقوله: فكيف الخ لأنه حينئذ يكون المانع عنه أكثر وأقوى. قوله: (والإشعار الخ) بالجرّ
معطوف على المبالغة وفي نسخة والاشتغال الخ وهو معطوف على الاغترار أي للمنع عن
الاغترار والاشتغال بما ذكر وقوله: فانه يقول أي كقول بعض شياطين الإنس:
تكثرما استطعت من المعاصي ستلقى في غدرباً غفورا
تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا
стр. 3070
قوله: (والدلالة) معطوف على المبالغة أيضا لأنّ من يتفضل بالإحسان كيف يستحق العصيان، وترك الشكر للكفران، ولذا قال بعض العارفين: لو لم أخف الله لم أعصه وعقب هذا بقوله الذي الخ مع تقدم قوله: بربك المنادي على ذلك، وقيل: إنّ هذا تلقين للحجة وهو من الكرم أيضا فإنه إذا قيل له ما غرّك الخ يتفطن للجواب الذي لقنه ويقول كرمه كما قيل: يعرف حسن الخلق والإحسان بقلة الآداب في الغلمان
قوله: (مبينة للكرم) من التبيين وفي بعض النسخ من الإثبات بالمثلثة، وقوله: منبهة الغ
فهو إيماء إلى إثبات ما كذبوه من البعث والجزاء توطئة لما بعده، وذلك إشارة إلى الخلق وما بعده، وقوله: والتسوية الخ أصله جعل الأشياء على سواء فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها بإعطائها ما يتم به، وقوله: جعل البنية الخ المراد بها الجسد ومعتدلة فسره بقوله: متناسبة الأعضاء إذ لو كانت إحدى العينين أو اليدين أكبر من الأخرى كبرا مفرطا كان مشوه الخلقة كما يشهد به الحس، وقوله: بما يعتدها أي يهيؤها وفي نسخة يستعدها وأنث الضمير لتفسيره بالقوى. قوله: (عدل بعض أعضائك الخ) تفسير له على قراءة التخفيف بوجهين لأنه إمّا من عدل فلانا بفلان إذا ساوى بينهما أو من عدل بمعنى صرف، وليس الأوّل توجيها للتشديد والثاني للتخفيف كما توهم. قوله: (أي ركتك الخ (أي استفهامية والجار والمجرور متعلق بركبك، وما زائدة وجملة شاء صفة صورة والاستفهام مجاز للتعجيب ومآله إلى أنه وضعك في صورة عجيبة اقتضتها مشيئته أو في صورة متميزة متعينة أو الظرف حال أي ركبك كائنا في أيّ صورة أرادها. قوله: (وقيل شرطية) أي إن شاء تركيبك ركبك، والمعنى أنه إن شاء تركيبك في أي صورة غير هذه الصورة فعل، وقوله: وركبك جوابها وقيل جوابها محذوف ولبعده جداً أخر. ومرضه وجوّز فيها كونها موصولة، وموصوفة ومفعولاً مطلقا لركبك. قوله: (والظرف صلة عدلك) أي على الشرطية لأنّ معمول ما في حيز الشرط لا، يجوز تقديمه عليه، واعترض عليه بان أي اسم استفهام له الصدر فكيف يعمل فيه ما قبله وكونه فيه معنى التعجب أي صورة عجيبة كما في الكشاف لا يسوغه كما لا يخفى والصواب أن يتعلق بمقدر والمعترض لم يفهم
مراده فإنه أراد أنها أفي الدالة على الكمال وهي صفة هنا حذف موصوفها زيادة للتفخيم، والتعجيب وأصله في صورة أيّ صورة كما تقول مررت برجل أي رجل وأي الكمالية منقولة من الاستفهام لكنها لانسلاخ معناه عنها بالكلية عمل فيها ما قبلها كما في المثال المذكور، وهذا لا شبهة فيه فمن توهم أنه هنا للاستفهام فقد وهم لكن الكلام في جواز حذف موصوف أي الكمالية، وقوله: لم يعطف أي بالفاء كما قبله وقوله: بيان لعدلك لأنّ معناه ركبك في صورة عجيبة، وهذا إذا لم يتعلق الجار بقوله: عدلك والجملة الشرطية صفة صورة والعائد محذوف. قوله: (! ! راب إلى بيان الخ) وهو إنكارهم الدين بالمعنيين أو هو إضراب عنه إلى ما هو أشدّ منه والدين له معان منها ما ذكر هنا، وقوله: أو الإسلام كما في قوله: إنّ الدين عند الله الإسلام، قيل: والإسلام هنا كناية عن التصديق بالثواب والعقاب كما في الكشاف فلا يرد عليه أنّ ما بعده معين لمعنى الجزاء، وفيه نظر، وقال الراغب بل هنا لتصحيح الثاني وابطال الأوّل كانه قيل ليس هنا مقتض لغرورهم ولكن تكذيبهم حملهم على ما ارتكبوه فهو ترق من الطمع الفارغ إلى ما هو أغلظ منه. قوله تعالى: ( ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ﴾ الخ) جملة حالية مقررة للإنكار، ويجوز أن تكون مستأنفة والأوّل أولى، وقوله: تحقيق لما يكذبون به من الجزاء على الوجهين كأنه قيل إنكم تكذبون بالجزاء والكتبة يكتبون كل ما يصدر منكم حتى التكذيب، وليى هذا إلا للجزاء والا لكان عبثا تنزه عنه الحكيم العليم وهذا على الوجه الأوّل، ولذا قيل إنه ترجيح له وقيل: إنه استبعاد للتكذيب مع ما ذكر ورد بأنهم لا يعترفون به فلا يتم به الاستبعاد، وفيه بحث. قوله: (ورد لما يتوقعون الخ) المراد بالتسامح إما التسامح في الكتابة أو في الجزاء للكفرة لأنهم المكدّبون فلا يرد أنّ الكرام الكاتبين حافظون لأعمال المؤمنين مع التسامح عن بعض السيئات في الآخرة كما توهم. قوله: (وتعظيم الكتبة) بما وصفوا به هنا لأنّ عظمتهم تدل على عظمة شغلهم، وعظمة شغلهم تدل على عظمة جزائه إذ لو لم يكن
стр. 3071
ذلك عظيماً لم يوكل به العظماء كما لا يخفى، وقوله: بكونهم كراما عند الله قيل: إنه إشارة إلى أنّ التعظيم بكونهم أعزاء على الله لا بوصفهم بالكتابة والحفظ كما في الكشاف، وفيه نظر ظاهر. قوله: (عند الله (إشارة إلى أنّ معنى التعطف على المؤمنين غير مناسب هنا، وقوله: بيان لما يكتبون لأجله يعني أنها جملة مستأنفة في جواب سؤال تقديره لم يكتبون ذلك فكأنه قيل: ليجازي الأبرار بالنعيم والفجار بالجحيم، وقيل: إنه ردّ لتكذيبهم بالجزاء وجملة يصلونها حالية أو مستأنفة. قوله: (لخلودهم فيها) فهو كقوله: وما هم بخارجين منها في الدلالة على الخلود،
وليس من التقوى والحصر في شيء، ثم إنّ الحصر هنا غير مقبول جمند الجماعة لعمومه للكفار والفسقة فلا وجه للقول بأنه في الكشاف أثبت التقوّي ونفي الحصر بناء على مذهبه. قوله: (وقيل: معناه الخ) قال: يغيبون الخ إشارة إلى أنه من حكاية الحال الماضية، ومرضه لأنه خلاف الظاهر فلا يرتكب من غير داع قيل: والواو على هذا للعطف فيقتضي تغاير المتعاطفين أي أنهم الآن ليسوا بغائبين عن الجحيم وعلى الأوّل للحال وأورد عليه أنّ بعض الفجار في زمرة الأحباب وبعضهم لم يخلق لذلك وعذاب القبر بعد الموت، وكلام الزمخشري يأبى حمله على ما حمله عليه فالظاهر أنّ الواو حالية في الوجهين لكنها على الأوّل حال مقدّرة وعلى الثاني هي كقوله: حصرت صدورهم، وهو غير وارد لأنه يعني أن الواو على هذا ليست للحال لانفصال ما بين صليّ النار، وعذاب القبر بالبعث وما في موقف الحساب بل للعطف فيحمل اسم الفاعل في المعطوف أعني غائبين على الحال ليغاير المعطوف عليه الذي أريد به الاستقبال، ولا ينافيه قوله: قبل ذلك فإنه بيان لحاصل المعنى، ولا ينافيه ماً ذكره من أنّ بعض الفجار الخ لأنّ الكلام على ما عرف في إخباره تعالى من التعبير عما يستقبل منها بالماضي لتحققه، والمعترض لما لم يقف على مراده قال ما قال: وما بعد الحق إلا الضلال. قوله: (سمومها في القبور) بضم السين / بمعنى حرّها أو بفتح السين بمعنى ريحها الحارة، وفي الكشاف قيل أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحالة الآخرة التي يجازي فيها، وحال البرزخ وهو قوله: وما هم عنها بغائبين انتهى، ولم يذكر حال البرزخ للأبرار اكتفاء لعلمها من المقابلة. قوله: (دراية دار) إشارة إلى أن الخطاب في أدراك عام، وقيل: الخطاب للرّسول وقيل: للكافر، وقوله: تعجيب الخ حيث أتى بصيغة الاستفهام تحريضا للمخاطبين على إدراكه أو مبالغة في إيجاب الاستفسار عنه كأنه قيل: ما أدرأك، بيوم الدين فلا تسأل عنه إذا ذكر وجعله تعجيبا لتنزهه تعالى عن التعجب كما مر مرارا. قوله تعالى: ( ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ) قال في الكشاف أي لا أمر إلا لله وحده، وفي الكشف الظاهر أن الأمر واحد الأوامر لقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر، الآية: ١٦] فإنّ الأمر من شأن الملك المطاع، وفيه تحقيق قوله: لا تملك نفس لنفس شيئا لدلالته على أنهم مسوسون مقهورون مشتغلون بأنفسهم، وقوله: لا أمر إلا لله وحده إبراز لمعنى الاختصاص في اللام وما ذكره هو الحق الذي لا عدول عنه لأنّ المراد بكون الأمر له أنّ التصرّف جميعه في قبضة قدرته، وهو الموافق لقوله: لا تملك الخ لأنّ معناه لا قدرة لأحد على ضر أحداً، ونفعه وكون الأمر واحد الأمور ركيك هنا فلا يلتفت إلى ما قيل من أنه لو حمل على واحد الأمور كان أشمل ولا نزاع في جواز كل منهما إنما الأمر في أيهما أظهر، وما ذكره دعوى من غير
دليل، وقوله: تقرير الخ لدلالته على اشتغالهم بأنفسهم وأنهم مقهورون بسطوة الربوبية، وقوله: ورفع الخ على البدل أو هو خبر مبتدأ مقدّر ونصبه الباقون بإضمار اذكر أو يدانون لدلالة الدين عليه أو بتقدير يشتدّ الهول، ونحوه مما يدل عليه السياق وقال الزجاج إنه مبني على الفتح وهو في موضمع رفع أو جرّ، وقوله عن النبيّ الخ حديث موضوع. تمت السورة والحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
سورة المطففين
لا خلاف في عدد آياتها واختلف في كونها مكية أو مدنية فقيل هي بتمامها مكية، وقيل: مدنية، وقيل: إلا ست آيات من أوّلها وقيل: مكية إلا ثمان آيات من آخرها ولا خلاف في عددها.
стр. 3072
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (التطفيف البخس الخ (التفعيل فيه للتعدية أو للتكثير، وهو لا ينافي كونه من الطفيف بمعنى الحقير القليلى لأنّ كثرة الفعل بكثرة وقوعه وهو بتكراره لا بكثرة متعلقة، وقوله: روي الخ هذا يدل على أنّ أول هذه السورة نزل بالمدينة كما هو أحد الأقوال فيها كما قدمناه لا على كون السورة مدنية، والحديث المذكور صححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس ﵄، وقوله: خمس بخمس أي خمس من المحرمات من ارتكبها يجازي بواحدة من الخمس المذكورة، والحديث أيضاً صحيح عن ابن عباس وغيره كما رواه الحاكم والطبراني وقوله: الفاحشة أصله الذنب العظيم، والمراد منه هنا الزنا وقوله: أخذوا بالسنين أي عوقبوا بالقحط. قوله تعالى: ( ﴿إِذَا اكْتَالُواْ﴾ الخ (اكتفى عن الوزن بالكيل لتساويهما بين الناس، وقوله: يأخذونها وافية فالسين للمبالغة دون الطلب هنا، وقوله: وأنما أبدل الخ فيه إشارة إلى تعاقب من وعلى هنا قال الفراء يقال: اكتلت على الناس استوفيت منهم واكتلت منهم أخذت ما عليهم، وقيل: على بمعنى من وقد جوّز تعلق على بيستوفون هنا واذا
تعاقبا فاختيار على للدلالة على أنّ ما اكتالوه دين لهم على الناس، أو هو اكتيال يتحامل فيه فعلى فيه للمضرّة لأنه يقال: تحامل عليه إذا جار وهو محمول عليه في التعدية أو مضمن لمعنا. فأتى بها للدلالة على أنه في الأخذ دون العطاء فقوله: أو اكتيال معطوف على قوله: لما لهم الخ. قوله تعالى: ( ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ الخ) ما مرّ في الأخذ وهذا في العطاء، وقوله: كالوا للناس الخ إشارة إلى أنه فيهما من الحذف والإيصال كما صرّح به في قوله: فحذف الخ وفي توسط قوله: يخسرون بين البيان والمبين ركاكة فكان ينبغي تقديمه أو تأخيره. قوله: (ولقد جنيتك اكمؤا وعساقلا (
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
ومحل الاستشهاد فيه نظر والأكمؤ جمع كماة وهي شحمة الأرض نبت معروف والعساقل ضرب منها فإن كان مفرده عسقلا فهو على القياس، وإن كان عسقولاً فاصله عساقيل وصرفه للضرورة هنا وعطفه على الأكمؤ من قبيل عطف جبريل على الملائكة، وبنات أو بر ضرب من الكماة أيضاً وهو أردؤها، وقوله: أو كالوا الخ لأنه يتعدّى للمكيل بنفسه دون المكيل له. قوله: (ولا يحسن جعل المنفصل الخ) وقح التعبير عنه بالمستكن هنا في بعض التفاسير، وهو سهو أو تساهل والمراد أنه لو جعل هم تأكيداً للضمير المنفصل هنا أغنى عن الحذف، والإيصال وتقدير المضاف إلا أنهم لم يذهبوا إليه لأنه يفوت به المقابلة المقصودة هنا مع ما فيها من الحسن البديع إذ قوبل الاكتيال بالكيل وعلى الناس بالناس ويستوفون بيخسرون، ومن الغريب هنا ما قيل إنه لو أكد به لدفع المجاز وقدر معه للناس كما أنه كذلك على تقدير مكيلهم أفاد ما ذكر مع زيادة أنهم يباشرون هذا الفعل الخسيس بأنفسهم دون الخدم فإنه مع تكلفه بارتكاب خلاف الظاهر يفوت به التصريح بالتقابل المقصود، وتأكيد ما ليس بمقصود بل هو غير صحيح لأنّ مباشرة الفعل بدون تطفيف غير مذمومة. قوله: (ويستدعي إثبات الألف بعد الواو) على ما تقرر في علم الخط من رسمها بعد واو الجمع إذا وقعت في آخر الكلام، وقوله: كصا هو الخ دفع لما يقال من أن رسم المصحف العثماني في نظائره لاد يلزم أن يوافق ما ذكره علماء الخط بأنه رسم في الرسم العثماني في نظائره فيدل على أن هذا مما جرى على الرسم فيه، وقد ذهب إليه بعض
المعربين فلذا نبهوا عليه هنا وأما جعل هم الثاني مبتدأ خبره يخسرون فغير محتاج للبيان لأنّ مخالفته لما قبله ركيكة جداً فلذا لم يلتفتوا له. قوله: (فإن من ظن ذلك الخ) يعني إلا هنا لست للاستفتاح أو التنيه فهي مركبة من الهمزة ولا النافية ونفي الظن دون ال! قي! ن لأنه أبلغ لأنّ ظته إذا منع دل على منع غيره بالطريق الأولى فلا حاجة إلى ما قيل من أنّ الظت بمعنى اليقين هنا، وقوله: وفيه إنكار الخ هو معنى همزة الاستفهام. قوله: (عظمه لعظم ما يكون فيه) كما أنّ جعله علة للبعث باعتبار ما فيه، وقوله: نصب مصدر أو ماض مجهولى، وقوله: أو بدل من الجار والمجرور أي باعتبار محله أو هو مبني على الفتح، وقوله: اويؤيده الخ فيه تسامح لأنه حينئذ يكون بدلاً من المجرور وحده ولذا اعترض عليه لكنه أمر سهل، وقوله: لحكمه أي لأمره وقضائه بقيامهم للجزاء وخروجهم من القبور، وقيل: المراد ليحكم عليهم بما يستحقون.
стр. 3073
قوله: (وفي هذا الإنكار الخ الما في ذكر الظن من التجهيل مع اسم الإشارة الدال على التبعيد تحقيرا ووصف يوم قيامهم بالعظمة، وابدال يوم يقوم الخ منه فإنه يدل على استعظام ما استحقروه، والحكمة اقتضت أن لا تهمل مثقال ذرّة من خير! وشرّ وعنوان رب العالمين للمالكية، والتربية الدالة على أنه لا يفوته ظالم قوي ولا يترك حق مظ! م ضعيف وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل وميزانه، وإن من لا يهمل مثل هذا كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده والى هذا يشير قوله في الأثران السموات والأرضين قامت بالمكيال والميزان وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة تغليظاً، وتشديداً فتأمّل هذا المقام قفيه ما تتحير فيه الأوهام فقوله: وقيام الناس بالجر عطف على العظم، وقوله: مبالغات إشارة إلى أنّ أصل المنع فهم من قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ . قوله: (رع عن التطفيف الأنه المقصود ينظر هذا الأوّل السورة للغفلة عن البعث المذكور هنا، وقوله: ما يكتب من أعمالهم يعني أنّ الكتاب بمعنى المكتوب أو مصدر بمعنى الكتابة وفيه مضاف مقدر أي مكتوب أو كتابة عملهم، وهذا دفع لما يتوهم من كون الكتاب ظرفا للكتاب لأنه حينئذ ظرف للكتابة أو للعمل المكتوب فيه مع أنّ الإمام قال: لا استبعاد في أن يوضع أحدهما في الآخر حقيقة أو ينقل ما في أحدهما للآخر أو يكون من ظرفية الكل للجزء كما فصلوه، وقوله: كتاب الخ تفسير لسجين كما يتبادر من النظم. قوله:
(بين الكتابة) بيان لأنّ مرقوم من رقم الكتاب إذا أعجمه وبينه لئلا يلغو وصف الكتاب به وقوله: أو معلم الخ توجيه آخر معناه إنّ له علامة من رقم الكتاب بمعنى ختمه، وفي القاموس الرقم العلامة وقوله: من السجن بفتح السين مصدر بمعنى الوضع في السجن، وقوله: لقب به الكتاب إشارة إلى أنه علم وقوله: لأنه سبب الحبس فهو بمعنى فاعل في الأصل، وقوله: لأنه مطروح أي ملقى فهو بمعنى مفعول كأنه مسجون لما ذكر وامّا كونه من إطلاق اسم المحل على الحال ففيه نظر. قوله: (في مكان وحش) بالتوصيف أي خال ويقال: للقفر وحش وهو تحت الأرض السابعة، وقوله: اسم مكان أي الذي تحت الأرضين أيضاً فيقدر مضاف فيه أو فيما بعده كما ذكر، وقد ورد في الحديث سجين اسم مكان وهو مقابل لعليين في الجنة، وقيل: إنه مشترك بين المكان والكتاب فلا تكلف فيه، وقيل: إنه علم وقيل: إنه صفة، وعليه قول المصنف السجين بأل كما في النسخ. قوله: (بالحق أو بذلك) المراد بالحق الأمر العام قال: للاستغراق أو للجنس فلذا كانت الصفة بعده على هذا مخصصة وذلك إشارة لليوم المذكور قبله: فالصفة موضحة أو ذامة فقوله: صفة الخ فيه لف ونشر مرتب فيما يتبادر، ويحتمل أن يجري كل من الوجهين على التفسيرين، وقوله: ذامة أي لا كاشفة أو المراد أنها مرفوعة أو منصوبة على الذم كما فسره به الطيبي فيكون احتمالاً ثالثاً وعليه اقتصر الزمخشري لأنّ قوله: وما يكذب به إلا كل معتد أثيم يدل على أنّ القصد إلى المذمّة وقوله: موضحة من التوضيح أو الإيضاح والمخصص بالمعنى الذي ذكره المصنف وهو المقيد مخالف لاصطلاح النحاة في تخصيص التخصيص بالنكرات والتوضيح بالمعارف فالتوضيح أيضاً خلاف المصطلح لوقوعه في مقابلة التخصيص المذكور. قوله: (متجاوز عن النظر الخ) أي تجاوز النظر والتفكر في عجائب مصنوعاته تعالى الدالة على كمال قدرته، وعلمه والاستدلال به على اقتداره تعالى على الإعادة وغلا في تقليد أئمة الكفر والجهل حتى جعل قدرته قاصرة عن الإعادة، وعلمه قاصرا عن معرفة الأجزاء المتفرقة التي لا بد في الإعادة منها وتفسير استقصار علمه بجعله غير عالم بأنه لا يتأتى منه ذلك فأخبر به خبرا كاذبا ظاهر الفساد بعيد عن المراد، ثم إنّ المصنف عدى التجاوز بمعنى التباعد بعن وهو خطأ فإنّ المتعدي بها بمعنى العفو، وعدى الاستحالة في
قوله: استحال منه الإعادة أي عده محالاً وقد استعمله كثير من المصنفين كذلك واللغة لا تساعده فانه لازم لا غير كما قرره بعض الفضلاء وكلاهما غير مسلم وقد وردا كذلك في كلام الثقات، وليس هذا محل تفصيله فلينظر كتابنا شفاء الغليل. قوله: (منهمك في الشهوات) كما تدل عليه كثرة آثامه وهو من الانهماك لا التهمك ومعناه الإكثار برغبة وحرص والمخدجة من الأمر الخداج، وهو الناقص غير التام والمراد به هنا المعوّقة مجازاً لأنّ الخداج لا يبلغ زمان تمامه كما أشار إليه بقوله: بحيث الخ، وقيل هي المنتجة ما لا نفع فيه، وقوله: عما وراءها من إدراك الحق واللذة
стр. 3074
الأخروية التي لا تفنى، وأساطير الأوّلين مر تفسيرها بالأباطيل التي جاء بها الأوّلون، وقوله: شواهد النقل الذي جاء به الرسل، ودلائل العقل وهي بدائع مصنوعاته تعالى. قوله: (رع) أي للأثيم عن قوله: إنها أساطير الأوّلين وكونه ردعاً عن التكذيب غير مناسب لما بعده من أنهم مطبوع على قلوبهم ولذا لم يلتفتوا له وقوله: ما كانوا الخ فاعل ران وما مصدرية، أو موصولة والعائد مقدّر. قوله: (رد لما قالوه) إشارة إلى أن بل هنا للإضراب الإبطالي، وقوله: وبيان الخ هو معنى قوله ران الخ، وقوله: أدّى بهم ضمنه معنى أفضى فعداه بالباء والى وقيل: الباء زائدة، وما موصولة وهذا القول إشارة إلى قولهم: أساطير الأوّلين وقوله: بأن الخ بيان لما أدّى وسببه، وهو متعلق بقوله: بيان وقوله: بالانهماك فيه كان الظاهر فيها بعود الضمير للمعاصي فلذا أوّل وجعل الضمير للعصيان المفهوم منه، وقوله: ذلك الإشارة للحبّ، وقوله: فعمي عليهم أي خفي ولذا عدى بعلى كما مرّ وليس معناه هنا التبس لأنّ مقتضاه أن يقال: فعمي عليهم الحق والباطل، وليس المراد به هنا العمي المعروف حتى يستشهد له بقوله ﷺ : " حبك الشيء يعمي ويصم ". قوله:) فإنّ كثرة الآفعال الخ) يعني أنه يحصل من تكرار الفعل ملكة راسخة لا تقبل الزوال وصفة للنفس قارّة فيها فبكثرة المعاصي يرسخ حبها في القلب بحيث لا يزول كالصدا الذي لا يزول بسهولة، فالرين أصل معناه الصد أو الوسخ القارّ شبه به حب المعاصي الراسخ في النفس فهو استعارة مصرّحة واليه أشار ﷺ في الحديث المذكور، وفي التفسير للرين كما نقله القرطبي عن ابن حنبل والترمذيّ وقوله:
يسود إمّا من التسويد فقلبه منصوب أو من الاسوداد فهو مرفوع فجعل حب المعاصي الراسخ كالصدا المسود للفضة، ونحوها: لستره للونه الأصلي كما أنّ هذا يغيره عن فطرته، ولذا ورد أنّ ذكر الله والاستغفار صيقل القلوب هذا هو المراد، وما قيل من أنّ الذنب لما شغل بغير الله جعل ما حصل منه سوادا أو ظلمة يمنعان الإدراك غفلة عن المراد وتفسير له بما لا يدل عليه كلامه، وقوله: بإظهار اللام لكونها من كلمة أخرى. قوله: (فلا يرونه بخلاف المؤمنين الخ) لما كان الحجاب هو الساتر من ستارة بر وغيرها كحائط استعير تارة لعدم الرؤية لأنّ المحجوب لا يرى ما حجب، وتارة للإهانة لأنّ الحقير يحجب ويمنع من الدخول على الرؤساء ولذا قالت العرب: الناس ما بين مرحوب، ومحجوب أي معظم ومهان وهو بمعانيه محال أن يتصف به الله فلا يصح إطلاقه عليه تعالى كما صرّحوا به وأنما يوصف به الخلق كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ﴾ الخ فإذا أجرى على اسم من أسمائه تعالى فهو وصف سببيّ لا حقيقيّ بل للتشبيه للخلق وحجبهم عدم رؤيتهم له وهو حاضر ناظر لهم، والرؤية أثبتها أهل الحق فنفيها عمن حجبه من الكفرة والفجرة لا مطلقا. قوله: (ومن أنكر الرؤية الخ) كالمعتزلة، وأمّا عند أهل الحق فعلى ظاهره أو هو كناية عما ذكر من الإهانة والمانعون يجعلونه استعارة تصريحية أو تمثيلية لامتناع إرادة المعنى الحقيقي منه لأنّ تخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أنّ غيرهم غير محجوب فيراه، ولذا استدلّ به على ذلك وغيرهم أوّله بما ذكر، وقوله: أو قدر مضافاً الخ وهو منقول عن قتادة لكنه أراد عمومه للرؤية، وغيرها من ألطافه تعالى. قوله: (ليدخلون النار ويصلونها) هو من الدخول أو الإدخال ولا يتعين الثاني كما توهم، ومعنى يصلونها يحترقون بها لا بمعناه المعروف فإنه غير صحيح هنا مع الدخول وفي نسخة يصلون بها لأنه يتعدّى بنفسه وبالباء كما في القاموس لا لأنّ المعنى غير صحيح هنا كما توهم، وعدل عن الفعلية لأنه دخول! خلود فهو ثابت لا يتغير بعد الوقوع، ولما كان في المستقبل فسره المصنف بالمضارع ليناسب يقال المعطوف عليه لا على الجملة الاسمية وإن صح وقيل: إنه فسر بفعل مجهول من الإدخال ليوافق ما قبله من قوله: محجوبون ويحسن عطف يقال عليه وفيه نظر. قوله: (تقوله لهم الزبانية) أو أهل الجنة، وقوله: تكرير للأوّل في قوله: كلا إن كتاب الفجار فيكون هذا
أيضاً ردعا عن التطفيف، وقوله: ليعقب الخ من عقبه بكذا إذا جاء به على عقبه، وقوله: إشعاراً الخ يعني عقب كلا في الموضعين بما بعده للإشعار بأنّ التطفيف فجور، وأنّ ضده برّ وتقوى كما يفهم من جعلهم أبراراً. قوله: (أو رع عن التكذيب) فلا يكون تكرارا والراح الزبانية أو غيرهم، وقوله: الكلام فيه ما مرّ من قوله: مسطور بين الخ
стр. 3075
إلا أنه يبدل قوله ثمة لا خير فيه بلا شرّ فيه، وعليّ فعيل من العلو سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان أو لأنه مرفوع في السماء السابعة مع الملائكة المقرّبين تعظيماً له. قوله: (يحضرونه (على أنه من الشهود بمعنى الحضور، وقوله: فيحفظونه إشارة إلى أنّ الحضور عنده كناية عن حفظه في الخارج لا في العلم، والذهن كما توهم أو يشهدون على أنه من الشهادة فقوله: يشهدون معطوف على يحضرونه لا على يحفظونه كما توهم. قوله: (على الأسرة) جمع سرير وهو معروف، والحجال جمع حجلة بفتحتين وهو بيت مريع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى بديارنا ناموسية، وقوله: إلى ما يسرهم لم يقل إلى أعدائهم ليكون ما في آخر السورة تأسيساً فلذا لم يفسره به كما في الكشاف، وقدر هذا بقرينة المقام والمتفرجات جمع متفرجة بصيغة المفعول وهو المكان النزه النضر ذو المياه والخضر، والناس يقولون تفرّج وتنزه إذا ذهب لمثل هذه الأمكنة، وإن لم يستعمله العربيّ القح، وما قيل من أنّ ينظرون بمعنى لا ينامون من تحريف الكلم كقوله: إنّ في تعرف ضميرا على الرفع وفي وجوههم الخ مبتدأ وخبر، وقوله: خالص أي صاف مما يكدر حتى القول. قوله: (مختوم أوانيها بالمسك مكان الطين) لأنّ الختام ما يختم به كما في الصحاح، وقوله: مكان الطين أي في مكانه بأن يجعل بدلاً عنه لأنه لا طين في الجنة وطينها مسك معجون، وأنما ختم بما هو على هيئة الطين ليكون على الشكل المألوف ولأنه يختم كل ما يكرم ويصان، ولذا قال: ولعله الخ فإنه لا حاجة لختمه وليس ثمة غبار أو ذباب أو خيانة ليصان عنه بالختم. قوله: (أو الذي له ختام أي مقطع) أي آخر فإنّ الختم كما يكون بمعنى جعل ما هو كالغطاء على الفم يكون بمعنى بلوغ الآخر، والخاتمة ما يقابل الفاتحة، وهي النهاية على معنى أنّ رائحته تظهر في الانتهاء كأنه للتلذذ والى الغاية إنما تدرك رائحته إذا انقطع الشرب والا فلا وجه للتخصيص والمقطع بفتح الميم الآخر
هنا، وقوله: ما يختم به لأنّ فاعلاً بالفتح يكون اسم آلة كالقالب لكنه سماعي. قوله: (يعني الرحيق الخ) وهذا هو المناسب لما بعده، ولذا قدمه أو لما ذكر من أحوالهم والبعد لعلوّ المرتبة أو لكونه في الجنة، وقوله: فليرتغب المرتغبون افتعال من الرغبة أي يجتهد كل واحد في الرغبة فيه وسبق غيره إليه وهو تفسير بالأخفى، وقوله: وفي ذلك متعلق بقوله: فليتنانس، وقدم للحصر أي فيه لا في خمور الدنيا أو للاهتمام لكنه استشكل ذكر العاطف حينئذ إذ لا يصح وفليتنافس فقيل إنه بتقدير القول أي ويقولون لشدة التلذذ من غير اختيار في ذلك الخ، وقيل: هي على تقدير حرف الشرط أو توهمه وتقديم الظرف ليكون عوضا عنه ويشغل حيزه وهو الأحسن، واعلم أنّ المنافسة فسرت بالمبادرة إلى كمال تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فتكون أنفس منه أو مثله وهو من شرف النفس وعلوّ الهمة والفرق بينه وبين الحسد ظاهر. قوله: (علم لعين بعينها) في قوله بعينها لطف لا يخفى كما في قول الدماميني رحمه الله تعالى:
بداوقدكان اختفى وخاف من مراقبه
فقلت هذاقاتل بعينه وحاجبه
ولا يلزم منع صرفه للعلمية والتأنيث لأن العين مؤنثة إذ هي قد تذكر بتأويل الماء والنهر ونحوه وفي قوله: بعينها إشعار بذلك لأنّ التأنيث في العين لفظي فتأمّل. قوله: (سميت تسنيماً الخ) يعني انه في الأصل مصدر سنمه بمعنى رفعه، ومنه السنام فسميت به لأنها كما قيل: تجري في الهواء فكأنها مرتفع أو لرفعة من يشربها وهذه مناسبة للوضع فليس إشارة إلى التجوّز فيه. قوله: (فإنهم يشربونها صرفاً) الضمير للمقرّبين فشرابهم صرف التسنيم لاشتغالهم عن شرب الرحيم المختوم بمحبة الحيّ القيوم كما قيل:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
وقوله: على المدح بأعني مقدوة، أو الحال من تسنيم لأنه علم ولا يضرّه كونه جامداً لتأويله بمشتق كجارية مع أنه غير لازم، وقوله: والكلام في الباء الخ من كونها زائدة أو بمعنى من أو صلة الامتزاج أو الالتذاذ. قوله تعالى: ( ﴿كَانُواْ﴾ الخ) قيل: الجمع بين الماضحي
والمضارع وتعريف اليوم يدل على أنهم في نعيم الآن، وفيه نظر وقوله: متلذذين بالسخرية قدره لدلالة ما قبله عليه، وقوله: وما أرسلوا الخ هو استهزاء وتهكم بهم، وقوله: فاليوم الخ التفريع للدلالة على أنه جزاء سخريتهم في الدنيا. قوله: (هل أثيبوا) ثوّبه وأثابه بمعنى جازاه
стр. 3076
والاستفهام للتقرير وقال الإمام: الأولى حمله على التهكم فالتقدير يقولون: هل الخ، وقوله: ما كانوا فيه مضاف مقدر أي ثواب ما الخ وما مصدرية أو موصولة، وقوله: من قرأ الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد دلّه وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه.
سورة ا لانشقاق
ويقال: سورة انشقت ولا خلاف في كونها مكية ولا في عدد آياتها، قيل: وترتيب هذه السور الثلاث ظاهر لأنّ في انفطرت تعريف الحفظة الكاتبين وفي المطففين مقرّ كتبهم، وفي هذه عرضها في القيامة.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (بالنمام) قد مرّ بيانه، وقوله: كقوله الخ إشارة إلى أنّ القرآن يفسر بعضه بعضا،
وهذا مأثور عن ابن عباس ولولاه لكان تركه هنا أولى لأنّ في اختيار الانفعال ما يدل على كمال القدرة والانقياد حتى كأنها غنية عن الشق، وقال الزجاج: تنشق بهول القيامة قيل: وهو لا ينافي كونه بالغمام، والمجرّة كالمضرّة في الآثار إنها باب السماء وأهل الهيئة يقولون إنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحس. قوله: (استمعت الأنه من الإذن قال:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا
وهو مجاز عن الانقياد والطاعة، ولذا فسره بقوله: أي انقادت، وفي نسخة وانقادت
وهما بمعنى، وقوله: المطواع هو الشديد الطاعة لأنه صيغة مبالغة، وقوله: يذعن أي ينقاد، وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب، وإن كان له وجه من المجاز، وليس في قوله: انقياد المطواع الخ إشارة إلى أنه استعارة تمثيلية كما توهم فإنها تبعية مصرّحة كما لا يخفى. قوله: (وجعلت حقيقة بالاستماع) قال المعرب الأصل حق الله عليها بذلك أي حكم عليها بتحتم الانقياد وحفيقة بمعنى جديرة وخليقة، وقوله: بسطت المراد ببسطها توسعتها من غير ارتفاع وانخفاض ولذا فسره بقوله: بان الخ، وقوله: آكامها بالمدّ جمع أكمة وهو التراب والأرض المرتفعة دون الجبال. قوله: (ما في جوفها الخ) من فسره بهذا لا يقول بأنّ إلقاء الكنوز إذا خرج الدجال ولو سلم فإنما يكون عاماً يوم القيامة وظهور بعض الكنوز قبله لا ينافيه فلا يرد عليه أنه عند خروح الدجال لا يوم القيامة، وأمّا القول بأنّ يوم القيامة وقت متسع يجوز
أن يدخل فيه، وقت خروجه فما لم يقل به أحد ممن له تمييز. قوله: (وتكلفت الخ) تفعل هنا للتكلف كتحلم وقصد به المبالغة مجازاً لأن المتكلف للشيء يبالغ فيه ليظهر، ويتوهم أنه جبليئ كما بينوه في قوله: توجد. قوله.) في الإلقاء والتخلية الم يقل والتخلي لما فيه من الإيهام القبيح فإنه اشتهر استعماله في التغؤط، ومن لم يتنبه لهذا قال الأظهر: أن يقول التخلي والمراد أن هذا وإن أسند إلى الأرض فهو بفعل الله وقدرته ولا وجه لما قيل، والامتداد أيضاً لأنه لم يسند للأرض. قوله: (للأذن) الظاهر مما قبله أن يقول بالأذن، وقوله: بنوع من القدرة لأن تشقيق الأجرام العلوية نوع وتسوية البسيطة السفلية نوع آخر. قوله:) وجوابه محذوف الخ) اختلف المعربون في إذا هذه فقيل ليست بشرطية وعاملها مقدر أي اذكر أو هي مبتدأ كما بينه السمين، وقيل: شرطية جوابها محذوف، وقيل: مذكور فقيل: هو أذنت والواو زائدة أو فملاقيه كما سيأتي، وقيل: يا أيها الإنسان على حذف الفاء أو بتقدير يقال وعلى التقدير قيل: تقديره تعبثتم، وقيل: تقديره لاقى كل إنسان كدحه وقيل: هو ما صرّح به في سورتي التكوير والانفطار، وهو قوله: علمت الخ وعلى هذا العامل الشرط أو الجزاء على الخلاف فيه، وقوله: للتهويل فتقديره كان ما كان مما لا يفي به البيان. قوله: (لاقى لإنسان كدحه) قيل: أي جزاء كدحه من خير أو شز أو لاقى كدحه بنفسه لوجوده في صحيفته، أو لشهادة أعضائه ونحوه فإن الشيء له وجود في التلفظ به والكتابة وعلى هذا ما بعده تفصيل له، ويجوز عود ضمير ملاقيه للرب لكن هذا وإن ذهب إليه بعضهم لا يلائم كلام المصنف كما ستراه عقبه. قوله: (أي جهداً يؤثر فيه من كدحه الخ) تفسير للجواب على أنه لاقى كدحه
стр. 3077
والجهد بالضم التعب فالمعنى أنه لاقى تعباً ونصباً مؤثراً فيه غاية التأثير لما يرى من هول القيامة، وما يخشى من الحساب والعقاب فلا يقدر فيه مضاف ولا يصح تفسيره بما في القول السابق إلا أن يكون الجهد بفتح الجيم، ويفسر بالجد في العمل والمضبوط خلافه، وقوله: من كدحه الخ بيان لمعناه الوضعي وهو الخدش في الجلد أي تخريقه خروقا صغيرة فاستعير للجد في العمل، وللتعب بجامع التأثير في ظاهر البشرة فيهما كما أشار إليه الزمخشريّ. قوله:) أو فملاقيه (أي جواب إذا قوله: فملاقيه كما ذهب إليه الأخفش فيكون تقديره فهو ملاقيه ونحوه فيكون جملة فيصلح لأن يكون جواباً لإذا فإنه قد يقترن بالفاء وعلى هذا الأخير فجملة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ الخ جملة معترضة بين الشرط والجزاء، وعلى غيره فقوله: فملاقيه معطوف على ما قبله بلا
اعتراض، وضمير إليه وجزائه للرب أو للعمل. قوله: (سهلاَ) فسر. بقوله: لا يناقث! فيه أي لا يدقق في حسابه فإنّ (من نوقش الحساب عذب) كما ورد في الحديث وهو الحساب الحقيقي، وأمّا هذا فعرض كما ورد في الحديث، وأصل المناقثة إخراح الشوك من الجسد بإبرة وهو صعب جدّاً، وقوله: أي يؤتى كتابه بشماله الخ فالمراد بهما واحد ولا منافاة بين الإيتاء من وراء الظهور، وكونهم من أهل الشمال، وفي قوله: يؤتى إشارة إلى أن أوتى بمعنى المضارع وعبر به للتحقيق، وقوله: قيل الخ وجه للتوفيق وجعل يسراه كذلك بثنيها وخلعها والعياذ بالله، ثم إنّ هذا إن كان في الكفرة وما قبله في المؤمنين المتقين فلا تعرّض هنا للعصاة كما ذصب إليه أبو حيان، وقيل: إنه لا بعد في إدخالهم في أهل اليمين إمّا لأنهم يعطون كتبهم باليمين بعد الخروج من النار أو قبلها فرقا بينهم وبين الكفرة كما قيل فإن قيل: إنهم يعطونها بالشمال فتميز الكفرة بكونه من وراء الظهور كما مرّ، وهو الظاهر فتدبر. قوله: (إلى عشيرته) التفاسير على أنّ الأهل بمعنى الأقارب كما في الأوّل أو القوم مطلقاً كما في الثاني أو الزوجة كما في الثالث ومن لم يفهمه اعترض بأنه لا وجه للترديد فيه. قوله: (يتمنى الثبور) فالدعاء بمعنى الطلب وخصه بالتمني لاستحالته في الواقع بعد تقرير الخلود، وقوله: ويقول الخ إشارة لكيفية تمنيه فإنّ نداء ما لا يعقل يراد به التمني فسقط ما قيل من أنّ الدعاء إمّا بمعنى طلب التمني أو هو طلب بالنداء فكان عليه أن يعطفه بأو فتأمّل. قوله: (وقرئ ويصلي الخ) هو بضم الياء من الأفعال، وما قبله من التفعل والتصلية الإحراق وأمّا من الصلاة فنادر غير مشهور وإن سمع ونقله أهل اللغة، وقوله: في القاموس لم يسمع خطأ وإن تبعه كثير، وقوله: في الدنيا قيد مبين للمراد بقرينة خارجية أو هو تفسير لقوله: في أهله باعتبار لازمه، وقوله: بطراً بالمال الخ بيان لمعنى سروره في أهله على وجه يكون به ذماً له، وقوله: فارغاً عن الآخرة هو معناه اللازمي فهو كناية عنه. قوله: (لن يرجع إلى الله تعالى الإنكاره البعث وأمّا كونه بالموت فلا وجه له والحور معناه الرجوع، وخص بما ذكر بقرينة المقام، وقوله: إيجاب لما بعد لن ومعناه يرجع فيبعث ويجازي كما دلّ عليه قوله: إنّ ربه الخ وقوله: عالماً تفسير لقوله: بصيراً،
وقوله: فلا يهمله الخ هو المراد منه بطريق الكناية وقد مرّ مرارا. قوله: (فلا أقسم) الفاء في جواب شرط مقدّر أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الرجوع بالبعث فلا الخ، وقوله الحمرة الخ هذا هو المعروف حتى قيل: إنّ أبا حنيفة ﵀ رجع عن كونه بمعنى البياض وقوله: سمي به هو على الوجهين، وقوله: من الشفقة وهي رقة القلب بالترحم والانعطاف، وفي الكشاف ومنه الشفقة وهما متقاربان لأنّ المراد الأخذ أو الاشتقاق الكبير وكل منهما مأخوذ من الآخر إلا أنّ المصنف لشهرة الشفقة جعلها أصلا، والزمخشريّ لأنها رقة معنوية جعلها فرعا للحسية وهو الأظهر ثم إنّ ما أقسم به مناسب للمقسم عليه لما فيه من الانتقال من حال إلى آخر. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ ) ما فيه تحتمل الموصولية والمصدرية، وقول المصنف وما جمعه على أنها موصولة عائدها مقدر، وأصل الوسق الجمع ولذا قيل وسق للحمل المعروف لاجتماعه على ظهر البعير فأريد به هنا ما ستره الليل بظلمته لأنه لاشتمال ظلامه عليه كأنه جمع فروعا منه، وقوله: فاتسق الخ يعني أنّ افتعل واستفعل بمعنى وكل منهما مطاوع فإنهما وردا كذلك في كلام العرب كما بيته الزمخشري. قوله: (مستوسقات الخ (هو عجز بيت من الرجز وهو:
стр. 3078
إنّ لنا قلائصا حقائقا مستوسقات لويجدن سائقا
والشاهد فيه ورود مستوسقات بمعنى متسقات أي مجتمعات وقلائص جمع قلوص،
وهي الناقة الفتية وحقائق جمع حقاق جمع حقة، وهي الناقة الداخلة في الرابعة ولو للتمني أو بمعناها المعروف. قوله: (أو طرده الخ (معطوف على قوله ة جمعه على أنّ الوسق بمعنى الطرد وهو بمعنى المخلوقات أيضا لأنها تذهب إلى مقرّها في الليل فكأنه يطردها له، والوسيقة بمعنى المطرودة لأنها الإبل المسروقة وهي تساق وتطرد، وقوله: وتم بدراً تفسير لقوله: اجتمع فإنه المراد به كما يقال حال متسقة بمعنى تامّة. قوله: (حالاً بعد حال) هو تفسير لحاصل المعنى المراد منه فهو شامل للوجهين في عن فإنه قيل إنها للمجاوزة وقيل: بمعنى بعد والبعدية والمجاوزة متقاربان لكنه ظاهر في الثاني، وقوله: وهو أي طبق معناه ما طابق غيره مطلقاً في الأصل، ثم إنه خص في العرف بما ذكره وهو الحال المطابقة أو بمراتب الشدة
المتعاقبة فعلى الأوّل المراد حال توافقكم بحسب أعمالكم، وعلى الثاني المراتب ما ذكر من الموت وما معه، وقوله: أو هي أي المراد هنا المدّكورات كلها ودواهي الدنيا السابقة عليها، وقوله: على أنه أي طبق جمع طبقة كتخم وتخمة أو هو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وأهل اللغة يسمونه جمعا وإن فرق النحاة بينهما كما هو معروف في النحو، وقوله: أو مراتب معطوف على قوله: حا لاً وقوله: وهي راجع للمراتب، والموت مرتبة أو جعله مراتب لأنه جامع لأمور كثيرة تعد مراتب، وقوله: وأهوالها التي في مواطنها فليس تفسيراً للمواطن كما توهم. قوله: (باعتبار اللفظ) فإنه مفرد وإن أريد به الجنس الذي هو جمع معنى فقد روعي في القراءتين جانب اللفظ، والمعنى أو الخطاب الإفرادي في هذه القراءة للنبيّ ﷺ وعليه يزاد عليها شريفة بعد أخرى من مراتب القرب أو هو تبشير بالمعراج فهو جمع طبقة، ويجوز أن يراد مراتب من الشدّة في الدنيا باعتبار ما يقاسيه من الكفرة ويعانيه في تبليغ الرسالة. قوله: (وبالكسر) أي قرئ بكسر الباء الموحدة على تأنيث الإنسان المخاطب باعتبار النفس، وقوله: على الغيبة يعني في قراءة الياء التفات من خطاب الإنسان إلى الغيبة وقوله: وعن طبق الخ أي هو إمّا صفة أي طبقاً مجاوز الطبق أو كائنا بعد طبق أو حال من الضمير في قوله: لتركبن، ولذا فسره بقوله: مجاوزاً على قراءة الإفراد ومجاوزين على قراءة الجمع ولو زاد أو مجاوزة على قراءة كسر الباء كان أتمّ لكنه أحاله إلى القياس فلا غبار عليه كما توهم، وقيل: الأوّل على الوصفية والثاني على الحالية فاقتصر على أحد الوجوه فيها وهو وجيه، وأمّا نصب طبقاً فعلى التشبيه بالظرف أو الحالية والذي في الكشاف إنه مفعول به على جعل الحال مركوبة مجازاً. قوله تعالى: ( ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ) قال الإمام: هو استفهام إنكاريّ ومثله يذكر بعد ظهور الحجة وهو هنا كذلك لأنّ ما أقسم به من التغيرات العلوية والسفلية يدل على خالق عظيم القدرة فيبعد ممن له عقلى عدم الإيمان به، والانقياد له كما فصله وأطال فيه فلينظر. قوله: (لا يخضعون (فالسجود تجوّز به عن الخضوع اللازم له أو المراد به ظاهره فالمراد بما قبله قرئ القرآن المخصوص، أو وفيه آية سجدة وقوله: لما روي الخ دليل للتفسير الثاني إلا أنّ العراقي وابن حجر قالا إنّ هذا الحديث لم يثبت فقوله: واحتج به إن أراد
بالحديث كان الاحتجاج غير تام لأنّ الحديث لم يثبت ولو ثبت لم يدلّ على الوجوب، وإن أراد بما وقغ في هذه الآية أو بالآية وتذكير الضمير لأنها قرآن ففيه أيضا بحث كما قيل إلا أن الإنكار يدل في الجملة عليه، ولذا قال الشافمي ﵀ الإنكار لطعنهم في السجود، وقول أبي هريرة ما سجدت الخ للردّ على ابن عباس فإنه ذهب إلى أنّ المفصل ليس فيه سجدة تلاوة والمفصل فيه أقوال ثلاثة فقيل: هو من القتال وقيل من الفتح، وقيل: من الحجرات قال في الكشف وهو الأصح. قوله: (بما يضمرون الخ) على التشبيه بالوعاء فهو استعارة وعلى هذا فهو في حق المنافقين ويبعده كون السورة مكية، ولذا قيل: المراد بما يضمرونه حقية الدين وإن أخفوه عنادا ولا بعد فيه كما قيل وليس في النظم ما يأباه فتدبر. قوله: (استهزاء بهم (حيث جعل العذاب مبشراً به، وقد مز تحقيقه في البقرة وقوله: أو متصل الخ على أنّ المراد بمن آمن من أسلم من هؤلاء الكفرة فآمنوا باعتبار ما مضى أو بمعنى
стр. 3079
يؤمنون والأوّل أظهر، ولذا اقتصر عليه الزمخشري وهو المناسب لما بعده وقوله: مقطوع فهو من المن بمعنى القطع أو من المنة بمعنى الإحسان والإنعام، وقوله: وعن النبيّ ﷺ حديث موضوع، وقوله: فيه أن يعطيه بتقدير الجار أي من أن يعطيه تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على خير خلقه وعلى آله وصحبه أجمعين.
سورة البروج
لم يذكر خلاف في مكيتها ولا في عدد آياتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (يعني البروج الاثني عشر) المعروفة فالمراد بالسماء السموات كلها أو جنسها الشامل لكل سماء لأنّ البروج فيها أو السابعة، والفلك الأعلى وهو فلك الأفلاك وهو العرش في لسان الشرع، أو سماء الدنيا لأنها تعرف منها فهو كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [سورة الملك، الآية: ٥] . قوله: (شبهت بالقصور الخ) يعني أنّ أصل معنى البرج الأمر الظاهر من التبرّج، ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية لأنها ظاهرة للناظرين، ويقال: لما ارتفع من سور المدينة برج أيضاً وأمّا بروج السماء بالمعنى المعروف منها، وإن التحق بالحقيقة والعرف العام أيضا وعند المنجمين فهو في الأصل استعارة فإنها شبهت بالقصور لعلوّها ولأنّ النجوم نازلة فيها كسكانها ففيه استعارة مصرّحة تتبعها مكنية، وقول الطيبي إنه شبه الفلك بسور المدينة فاثبت له البروج غير مناسب لما ذكره الشيخان هنا نعم هو وجه آخر. قوله: (أو منازل القمر) أي التي سبق بيانها في سورة يس، وقوله: لظهورها لأنّ أصل معنى البرج الظاهر كما مرّ، وهو تعليل لإطلاقها على عظام الكواكب فقط لأنّ البروج غير ظاهرة حساً، وكذا المنازل بالنسبة للعامة، وقوله: أبواب السماء الواردة في لسان الشرع والأحاديث الصحيحة وقوله: فانّ النوازل تخرج منها أي مع الملائكة فجعلت مشبهة بقصور العظماء النازلة، أو أمرهم منها أو لأنها لكونها مبدأ للظهور وصفت بالظهور مجازاً في الطرف لا في النسبة كجري النهر كما قيل لأنه بعيد متكلف كما لا يخفى. قوله: (ومن يشهد في ذلك اليوم الخ) ذكروا فيه وجوها مبناها على أنه من الشهادة على الخصم أو من الشهادة بمعنى الحضور ضد المغيب فهو على الوجه الأوّل من الحضور والشاهد الخلائق المبعوثون يوم القيامة، والمشهود أهوال ذلك اليوم وعجائبه المشاهدة فيه فيكون الله أقسم بيوم القيامة، وما فيه تعظيما لذلك اليوم وتهديداً لمنكريه. قوله:) وتنكيرهما الخ) المراد بالوصف مطلق أحوالهما أو
الشهادة والمراد الثاني هنا فتنكيره وتنويته للتعظيم للوصف كأنه قيل ة شهادة لا يحيط بها نطاق البيان. قوله: (أو المبالغة في الكثرة) فالتنوين للتكثير، وهدّا كما مرّ بيانه في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية: ٤ ا] وأخره مع تقدمه في الكشاف لأنّ عموم النكرة في الإثبات مخالف للمعروف المقرّر في العربية وقيل: لأنه لا يتأتى فيما بعده وفيه إنه لو قصد إجراؤه فيما بعده أخره فكيف يلزم بما لم يرده. قوله: (أو النبئ) أي نبينا عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وسلام لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٤١] فالمشهود عليه أمّته وهم يشهدون على سائر الأمم وفي نسخة أو أمّته وسائر الأمم وهي أحسن لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] وكل نبيّ يشهد على أمّته، وهو ظاهر والشهادة في هذه الوجوه بالمعنى الأوّل، وقوله: أو عكسه فإنه على ما قبله الشاهد الله لأنه مطلع وناظر لعباده، والخلق كلهم شهود فإذا عكس فالشاهد الخلق لأنهم مقرون بوجوده بل أدلة على وحدانيته والمشهود به هو الله جل وعلا، وقوله: وهو شاهد وفي نسخة فهو شاهد. قوله: (أو يوم النحر او عرفة) فهو شاهد لمن نحر فيه أو وقف، وقوله: والحجيج هو المشهود عليه فيهما وهو جمع حاح أو اسم جمع له، وقوله: المجمع بالتشديد وصيغة اسم الفاعل وهو من يحضر الجمعة ويصليها وفي نسخة الجمع وفسر بمزدلفة وفيه أنه علم لا تدخله اللام فالله تعالى قادر على أن يحضر هذا اليوم ويجسمه ليشهد على أهله. قوله: (قيل إنه بجواب القسم الخ) فجملة قتل خبرية لا دعائية، وإن جاز ذلك أيضاً على
стр. 3080
التأويل وما ذكره بناء على المشهور عند النحاة من أنّ الماضي المثبت المتصرّف الذي لم يتقدم معموله تلزمه اللام، وقد في غير الاستطالة مطلقاً من غير شذوذ فإن لم يقترن بها يقدر كقوله:
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموافما إن من حديث ولا صالي
وقيل: إنها لا تقدر في مثله على تفصيل في شرح التسهيل لا تمس الحاجة له هنا. قوله: (والأظهر الخ) لأنّ هذه الجملة دعائية على من تقدم، ولا يناسب القسم عليها وقوله: كما لعن إشارة إلى أنّ قتل عبارة عن أشد اللعن والطرد كما مرّ، وقوله: فإن السورة الخ تعليلى لكون هذا التقدير أظهر فإنّ سبب النزول يقتضي أنّ المقسم عليه ما يتعلق بكفار قريش،
ويناسب ما ذكر فيليق تقدير هذا المذكور كما لا يخفى. قوله:) ونحوهما) الظاهر ونحوها على أنه ضمير الأرض، ووقع في النسخ بالتثنية فقيل: إنه اعتبر فيه تقديم العطف على الربط وفيه نظر والحق بالضم، والإهمال والا حقوق بضم الهمزة الشق المستطيل في الأرض جمعه أحاقيق، وقوله: كبر بكسر الباء زاد سنه وشاخ، وقوله: فقتلها أي فرماها فقتلها وجليس الملك نديمه، وقوله: فقده بالمنشار بالنون والشين المعجمة وفيه تقدير يعلم من السياق أي فكلفه الرجوع عن دينه فلم يرجع فقده الخ، وقوله: فدعا الضمير فيه للغلام أي دعا الله عليهم، وقوله: فرجف ببناء المجهول أي اهتز حتى رمى من عليه، وقوله: ليغرّق بتشديد الراء، وبناء المجهول أيضاً وانكفأت بالهمزة أي انقلبت على من فيها، وقوله: كنانتي هي جعبة السهام وهي معروفة، وقوله: فتقاعست أي تأخرت عن جانب النار لتتقيها، وقوله: فاقتحمت بالحاء المهملة أي رمت نفسها بسرعة في النار وهذا الحديث صحيح لكنه فيه زيادة وقعت في بعض طرقه، وقوله: أحل نكاح الأخوات الخ لأنه نكح اختاله فقالت له: قل ذلك لئلا يلحقها العار، وقوله: نجران هي بلاد باليمن وتنصر أي دخل في دين النصارى، وذو نواس بضتم النون وفتح الواو وفي آخره سين مهملة ملك من ملوكهم سمي به لأنّ له ذؤابتين ينوسان أي يتحرّكان
على عاتقه وحمير بزنة درهم بالحاء والراء المهملتين اسم ملك اليمن، وقوله: فأحرق في النار بعد أن دعاهم إلى دين اليهودية فمن لم يجبه أحرقه. قوله:) بدل من الآخدود بدل الاشتمال (والرابط مقدر أي فيه أوال بدل من الضمير أو لأنه معلوم اتصاله به، فلا يحتاج لرابط وكذا كل ما يظهر ارتباطه فيما قيل. قوله:) صفة لها بالعظمة (أي بشدة احتراق من فيها ووجه إفادته للمبالغة أنه لم يقل موقدة بل جعلها ذات وقود أي مالكة الوقود، وهو كناية عن زيادته زيادة مفرطة لكثرة ما يرتفع به لهبها وهو الحطب الموقد به لأنّ تعريفه استغراقي وهي إذا ملكت كل موقود به عظم حريقها ولهبها، وقوله: للجنس لا ينافيه لأن الجنس يجامع الاستغراق كما سبق، وما قيل من أنه لا يقال ذو المال إلا لمن كثر ماله غير مسلم، وقوله: ذو النون يأباه. قوله:) على حافة النار) حافة بحاء مهملة وفاء مشددة الجانب يعني أنه بتقدير مضاف إذ كونهم على النار حقيقة غير متصوّر، أو هو المراد منه بدون تقدير يقال: قعد على النار بمعنى قعد على مكان قريب منها كما قال:
وبات على النار الندى والمحلق
كما أشار إليه في الكشاف، وقوله: وهم على ما يفعلون الخ ضمميرهم لأصحاب الأخدود والموقدين له فشهادتهم إما لهم بأن يشهد بعضهم لبعض إنه لم يقصر في خدمته في الدنيا أو شهادتهم عليهم في القيامة. قوله: (وما أنكروا) قال الراغب: نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته إمّا باللسان وامّا بالعقوبة، ومنه الانتقام انتهى. قوله: (استثناء على طريقة قوله: ولا عيب فيهم (وهو من قصيدة للنابغة أوّلها:
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وهو نوع من البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذمّ وهو معروف في كتب المعاني، وهاهنا بحيث ذكروه وهو أنّ الشاعر يعرف أنّ الفلول ليست مما يعاب بخلات الكفرة فإنهم يرون الإيمان أمرا منكراً فالاستثناء فيه على ظاهره وليس مما ذكر في شيء فكيف جعله الزمخشري منه، وتبعه من بعده ويدفع بأنه منه على كل حال لأنّ المنكر المذكور هنا لا يخلو حاله من أن يكون مشركا أو معطلاً منكرا للصانع رأسا كما يدل عليه ما مرّ من القصص فعلى الأوّل ليس المنكر هو الإيمان بالله بل نفي ما سواه وعلى الثاني هم لا يقولون بأنه
стр. 3081
موصوف بهذه الصفات يقصر إنكارهم عليه فحق التعبير حيمئذ ما أنكروا إلا نفي آلهتهم، أو ما أنكروا إلا
إثبات معبود غير معبودهم لكن لما كان مآل الإنكار إنكار المعبود بحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما ذكر، وعدل عما هو مقتضى الظاهر إثباتا للمنكر في ضمن ذكر نفيه فهو من ذلك القبيل لأنه تأكيد الإثبات بما يشبه النفي واليه أشار في الكشاف، وشروحه فلا وجه لما قيل في دفعه من أنّ الإيمان بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شهيد شيء لا يمكن أن يكون عيبا عند أحد فلا بد لصحة الاستثناء من تنزيله منزلة العيب أي لو كان فيهم عيب كان هذا فيكون نهاية في نفي العيب هذا إذا كان المراد ما أنكروا إلا الإيمان بالله الموصوف في اعتقادهم، أمّا لو أريد الإيمان بالله الموصوف في الواقع بهذه الصفات فالاستثناء على ظاهر. من غير مرية، والفلول جمع فل بالفتح وهو الكسر في حد السيف أو مصدر كالقعود بمعنى الكسر فيه، والقراع المضاربة بآلات الحرب والكتائب بالمثناة جمع كتيبة وهي الجيش العظيم، وفي الحواشي هنا كلام لا معنى له فتركه خير من ذكره فتدبر. قوله: (غالباً الخ) تفسير للعزيز كما أنّ منعماً الخ تفسير للحميد إشارة إلى أنّ الحمد هنا بمعنى الشكرك فإنه غلب عليه في الاستعمال، وقوله: عزيزا غالبا يخشى عقابه وقع موزوناً من بحر الوافر لكنه لا يسمى شعر العدم القصد فيه، ومثله: كثير فلا يلتفت لما توهم من أنّ تغيير عبارة الزمخشبريّ لذلك، وقوله: وقرّر ذلك أي كونه غالباً مخشياً ومنعماً مرجواً لأنّ مالكيته لنا ولما معنا يدل على عظيم الأنعام ومن يفعل مثله يرجي أعظم رجاء:
واني لأرجو الله حتى كأنما أرى بعيون الظن ما الله صانع
ومن كانت له هذه القدرة، وهو عالم بأفعال عبيده فهو الغالب الذي يخشاه من يعزف العواقب، وقوله: للأشعار الخ متعلق بقوله: قرّر، وقوله: به تنازعه يستحق ويؤمن فهو مقرّر لما قبله ومثبت لوجوب الإيمان ولزوم الطاعة له. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ الخ) قوله: فلهم خبر أنّ ودخلته الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط ولا يضرّه دخول إن كما ذهب إليه الأخفش وعذاب جهنم فاعل الظرف أو مبتدأ، وقوله: بلوهم بالأذى أي اختبروا ثباتهم على الإيمان بأذيتهم لهم وهو تفسير لقوله: فتنوا وبلوا من الابتلاء وهو الاختبار، وقوله: بكفرهم إشارة إلى أنّ عذاب الكفار يضاعف بما قارنه من المعاصي كما سيأتي تقريره. قوله: (العذاب الزائد في الإحراق) الزيادة من صيغة فعيل فإنهما للمبالغة، وهو بيان للتغاير بين المتعاطفين كما هو حق العطف ولا وجه لما قيل إنهما واحدا ولو جعل من عطف الخاص على العامّ للمبالغة فيه لأنّ عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما كان أقرب ويوضحه إضافة العذاب للحريق
فلا حاجة إلى القول بأنها بيانية أو الحريق مصدر. قوله: (وقيل المراد بالذين فتنوا الخ) إشارة إلى أنّ الذي اقتضاه سبب النزول أن يراد بهم كفار قريش وأذيتهم لمن أسلم في ابتداء الإسلام أو الأعمّ منهم ومن أصحاب الأخدود فإنه تذييل لما قبله، وفي جعل الحريق جزاء الفتنة دقيقة تظهر لمن له ذوق ووجهه تمريضه ظاهر مما ذكرنا. لا لأنه لم ينقل أنّ أحداً منهم تاب كما أورده أبو حيان على الزمخشريّ في ترجيحه لهذا الوجه بمقتضى التذييل وقد عرفت توجيهه فتأمّل، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ الإشارة إلى كون ما ذكر لهم، وقوله: (إذ الدنيا) بيان لوجه وصفه بالكبير. قوله: (فإن البطش الخ) إشارة إلى ما في وصفه بالشدة من المبالغة، وقوله: يبدى الخ تفسير له بما صرّح به في غير هذه السورة أي ومن كان قادرا على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدّة، وبهذا ظهر تعليل هذه الجملة لما سبق وعلى ما بعده وهو أظهر وقيل في وجهه إنّ الإعادة للمجازاة فهي متضمنة للبطش، والأوّل أقرب وأسدوا ما جعل البدء والإعادة في الآخرة وإنه كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٦] ففي غاية البعد. قوله: (لمن تاب) خصه به إمّا لمناسبة مقام الإنذار أو لما في صيغة الغفور من المبالغة فأصل المغفرة لا يتوقف على التوبة، وزيادتها بما لا يعلمه إلا الله للتائبين فلا يتوهم أنّ هذا لا يوافق مذهب أهل السنة، وإنه غفلة منه لاتباعه للزمخشريّ في مثله. قوله: (المحب لمن أطاع) ففعول مبالغة، وهو بمعنى اسم الفاعل لا المفعول على أنّ المعنى يحبه خلص عباد. لأنه خلاف
стр. 3082
الظاهر ومحبة الله ومودته بأنعامه وإكرامه إذ المحبة بالمعنى الحقيقي لا يوصف بها الله تعالى، وقد مرّ مرارا. قوله: (خالقه) تفسير لكونه صاحب العرش لأنه السرير، وهو في صفات غير الله بمعنى آخر وقوله: الملك هو بطريق الكناية أو التجوّز ولو جعل ذو العرش بمعنى الملك أيضا جاز، وقيل: إنه الأظهر، وقوله: صفة لربك فقوله: إنه هو جملة معترضة والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر جائز لأنه غير أجنبي كما صرّح به ابن مالك، وإن خالف فيه ابن الحاجب فإنه قال: إنه شاذ. قوله: (فإنه واجب الوجود) هذا تعليل لعظمة الذات فإن واجب الوجود تستند إليه جميع الذوات وكل الموجودات، وتامّ القدرة والحكمة تعليل لعظم الصفات كلها لأنهما من أصولها لاقتضائهما إحاطة العلم وهكذا، وقوله: وجرّه الخ جزم في الكشاف على هذه القراءة بأنه صفة للعرش لأنّ الأصل عدم الفصل بين التابع والمتبوع فلا يذهب إليه من غير داع. قوله: (ومجده علوّه
وعظمته) يعني إذا وصف به العرش فمجده بهذا المعنى كما ورد في الحديث من أنّ الكرسيّ بجنب العرش كحلقة فلا فلاة وإذا وصف به الله فالمراد سعة فيضه، وكثرة جوده كما فصله الراغب. قوله: (لا يمتنع عليه مراد الخ) أي هدّا دال على العموم وانه تعالى قادر على جميع ما يريد وفاعل له فإيمان الكافر وطاعة العاصي لو أرادهما أوجدهما، وهو رد على المعتزلة في قولهم: إنه تعالى يريد إيمان الكافر وطاعة العاصي على ما عرف من مذهبهم، ولذا عدل المصنف رحمه الله تعالى عما في الكشاف إلى ما ذكر وهو مشهور. قوله: (أبدلهما من الجنود الخ (ولما لم يطابق البدل المبدل منه في الجمعية لأنه بدل كل من كل قيل: هو على حذف مضاف أي جنود فرعون، وقيل: المراد بفرعون هو وقومه واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه قيل، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه ولا يرد عليه أيضا إنه تفسير للجنود فيعود الإشكال لأنه لو أبدل كان المعطوف عليه عين الجنود إلا أن يدعي أنّ البدل هو المجموع، وهو خلاف الظاهر بخلاف ما لو قدر أعني فإنّ المفسر المجموع، والفرق مثل الصبح ظاهر. قوله: (قد عوفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم) أي ما حل بهم يعني به إنّ المراد بما ذكر تسلية النبيّ غتي! وتهديد الكفار لأنه بيان لأنّ الحال مستمرة على ما يرى في جميع الأعصار، وقوله: لا يرعوون عنه أي لا ينتهون ويكفون عما ذكر يقال: ارعوى عن كذا إذا انزجر وتركه، قال الأزهرفي في التهذيب: قال الليث: يقال ارعوى فلان من الجهل ارعواء حسناً ورعوى، وقال أبو عبيد الرعوي: الندم على الشيء والانصراف عنه والترك له وهو نادر في هذا الباب ولا يعلم في المعتلات مثله اهـ وعدم الكف من العدول عن يكذبون إلى جعلهم في التكذيب وأنه لشذته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بالغريق فيه مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله، ولذا قال: أشد من تكذيبهم ففيه استعارة تبعية في كلمة في، وقوله: سمعوا قصتهم أي قصة فرعون وثمود وجنودهم، وقوله: رأوا آثار هلاكهم لأنهم كانوا يمرون بديار ثمود. قوله:) ومعنى الإضراب الخ) أي هو إضراب انتقالي
للأشد كأنه قيل: ليس حال هؤلاء بأعجب من حال قومك فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا، وقيل: الإضراب عن قصة فرعون وثمود إلى جميع الكفار وليس بشيء، وقوله: أعجب إشارة إلى ما في الاستفهام من معنى التعجيب هنا. قوله تعالى: ( ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ ) فيه تعريض توبيخيّ للكفار بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم وأقبلوا على الهوى والشهوات بوجوه انهماكهم، وقوله: لا يفوتونه الخ إشارة إلى أنّ فيه استعارة تمثيلية وقوله: بل هو قرآن الخ إضراب عن شدة تكذيبهم، وعدم كفهم عنه إلى وصف القرآن بما ذكر للإشارة إلى أنه لا ريب فيه ولا يضره تكذيب هؤلاء. قوله: (صفة للقرآن) وكذا قوله: في لوح إلا أن فيه تقديم الصفة المركبة على المفردة وهو خلاف الأصل، وقوله: وهو الهواء يعني أنه قرئ في الشواذ لوج بضم اللام وهي قراءة ابن يعمر، وغيره وأصله في اللغة الهواء والمراد به هنا مجاز إما فوق السماء السابعة فلا يرد عليه شيء. قوله: (عن النبني ﷺ الخ) حديث موضوع، وقوله: جمعة وعرفة بالتنوين وهو منصرف هنا لتنكيره، ولذا أضيف له كل، وإن كان قبل ذلك غير منصرف (تمت) السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على من أنزلت عليه وعلى آله وصحبه.
стр. 3083
سورة الطارق
لم يذكروا خلافا في مكيتها وفي آياتها خلاف يسير لأنه قيل: إنها ستة عشر.
بسم الله الرحيم الرحيم
قوله: (والكوكب البادي الخ) المذكور في كتب اللغة أنّ الطارق من الطرق وأصل معناه الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت، ومته المطرقة والطريق لأنّ السابلة تطرقها، ثم صار في عرف اللغة اسماً لسالك الطريق لتصوّر أنه يطرقها قدمه، واشتهر فيه حتى صار حقيقة وأصلاً بالنسبة لما عداه فلا يرد على قوله في الأصل الخ أنّ أصل معناه القرع والوقع دون ما ذكر وتسمية الآتي ليلاً طارقاً لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها، وقوله: للبادي أي للكوكب البادي. قوله: (المضيء) أصل معنى الثقب الخرق فالثاقب الخارق، ثم صار بمعنى المضيء كما في قوله:
نظم الجزع ثاقبه
وقد يخص بالنجوم والشهب، ولذا قيل في توجيه الإطلاق على ما ذكر أنه لتصوّر أنه
ثقب الظلام أو الفلك فقوله: أو الأفلاك معطوف على الظلام ضد الضوء. قوله: (والمراد الجنس) أي بالنجم الثاقب على أنّ تعريفه للجنس، أو كوكب معروف بالثقب وشدّة الإضاءة على أنّ تعريفه للعهد، وقوله: زحل بوزن عمر ممنوع من الصرف ودخول أل عليه علم للكوكب المعروف من زحل بمعنى بعد لأنه أبعد الكواكب السيارة أي أعلاها، وقال الإمام: أنّ الثاقب غلب عليه كما غلب النجم على الثريا إمّا لأنّ ضوءه يثقب سبع سموات أو هو من ثقب بمعنى ارتفع كما ذكره الفراء لأنه أرفع السيارة مكانا فثقب يكون بمعنى أضاء وارتفع، وترك ما في الكشاف من تفسيره بالشهاب الساقط على الشيطان لظهور أنه لا يختص به. قوله: (عبر عنه أوّلاً الخ) يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال: ابتداء والنجم الثاقب لأنه أخصر وأظهر فعدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم بما يشترك فيه هو، وغيره وهو الطارق ثم سال عنه وفسره بما ذكر للتفخيم الحاصل من الإبهام، ثم التفسير ومن الاستفهام. قوله: (أي إنّ الثأن الخ) هذا على قراءة
التخفيف وعني به أنّ إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدّر، وكل نفس مبتدأ وعليها حافظ خيره، وما زائدة واللام هي الفارقة، وسماها المصنف فاصلة وهو مخالف للمعروف في اصطلاح النحاة إلا أنّ المعنى واحد، وقد قيل إنه لا حاجة لتقدير ضمير الشأن فإنه في غير المفتوحة ضعيف وأيضا يلزمه دخول اللام الفارقة على جزء الجملة الخبرية الثاني، والمعروف دخولها على الأوّل كما في حواشي التسهيل. قوله: (حافظ رقيب) الحافظ الكاتب أو مطلق الملائكة الحفظة أو الله إلا أنّ قول المصنف بعد. فلا يملي على حافظه إلا ما يسره يدل على أنّ المراد الأوّل، وقوله: فإنّ هي المخففة الخ هذا على أحد المذهبين المشهورين فيها وقيل: إنها نافية واللام بمعنى إلا قال أبو حيان وهي لغة لهذيل نقلها الأخفش. قوله: (على أنها) أي لما المشددة بمعنى إلا الاستثنائية وأنكره الجوهريّ، ورده غيره بأنه لغة لبعض العرب ثابتة، وقال الرضي: لا تجيء إلا بعد نفي ظاهر أو مقدر ولا يكون إلا في المفرغ فالخبر هنا محذوف والتقدير ما كل نفس كائنة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكون عليها حافظ ورقيب، وقوله على الوجهين لأنّ القسم كما يتلقى بأن المؤكدة يتلقى بأن النافية كثيرا كما قرّر في النحو وكل على هذا مؤكدة لأنّ نفس حينئذ نكرة في سياق النفي فتعم. قوله: (لما ذكر الخ الأنه إشارة إلى تفرع هذا على ما قبله وتوجيه لاقترانه بالفاء وليست فصيحة، وقوله: إلا ما يسره ضمير المفعول للإنسان أي ما يسر الإنسان إذا رآه وقت نشر الصحف كما قيل: وأخجلني وصحائفي سود غدا وتطلعي فيها شبيه القاري
أو هو للحافظ لأنه قيل: إنه تسوءه السيئات في وقت الكتابة ويود انها لم تكن والأوّل أظهر. قوله: (جواب الاستفهام) وإن تعلق بقوله: فلينظر لأنّ المراد أنه في صورة الجواب فلا وجه لما قيل إنه على هذا غير متعلق به أو يقدر استفهام آخر قيل وفيه دليل على مذهب المتكلمين من أنّ الإنسان اسم لهذا الجسم
стр. 3084
المخصوص وأنّ الإعادة له لا للروح المجرّدة، وفيه بحث. قوله: (بمعنى ذي دفق) إشارة إلى أنّ الماء مدفوق لا دافق فلذا قيل: إنّ اسم الفاعل بمعنى المفعول كما أنّ المفعول يكون بمعنى الفاعل كحجاباً مستوراً كما مرّ، وهو كلام ظاهري والصحيح أنه بمعنى النسبة كلابن وتامر أي ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية كما ذهب إليه السكاكيّ أو مصرّحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا أي يدفعه كما أشار إليه ابن عطية. قوله: (وهو) أي الدفع صبّ فيه دفع، والنطفة لا
توصف بالصب إلا بأحد الوجوه السابقة، وما نقل عن الليث من أن دفق بمعنى انصب فدافق بمعنى منصب من غير تأويل قالوا الصحيح إنه لم يثبت كما صزج به صاحب القاموس وغيره، وقد يقال: إنه بيان لحاصل معناه في الآية لأن أهل اللغة لا يفرقون بين الحقيقة والمجاز فلا وجه لنقله هنا مع التصريح بما ذكر. قوله: (والمراد الممتزج من الماء ير ني الرحم (فصارا بالامتزاج ماء واحداً فلذا فال تعالى: من ماء ولم يقل من ماءين مع أن الإنسان لا يخلق من ماء واحد ولذا كان روح الله عيسى ﷺ توالده خارق للعادة كما ذكره الحكماء، وقوله: لقوله يخرج الخ إشارة إلى أن الترائب مخصوص بالمرأة كما قال ابن الخازن في تفسيره ترائب المرأة هي عظام الصدر والنحر وقال ابن عباس هي موضعالقلادة من الصدر وعنه أنه ما بين ثدسيى المرأة اهـ، فسقط ما أورد عليه من أن مراده اختصاص الترائب بالمرأة فيكون المراد بما ذكر أنه ماء ممتزج من ماءين لكن الاختصاص ممنوع كما يعلم من تتبع كتب اللغة وقد ذكر السمين ما يقرب من كلام ابن الخازن وعليه استعمال العرب كقوله:
ترائبها مصقولة كالسجنجل
ولولا خوف الإطالة أوردنا له نظائر ولو سلم ما ذكره دفع أيضا بأن تعريفه للعهد والى ما
ذكر أو لا يشير الزمخشري بتفسيرها بعظام الصدر حيث تكون القلادة وهو جمع تريبة، وقيل: الترائب التراقي. قوله: (ولو صح أنّ النطفة الخ (إشارة إلى ما طعن به بعض الملحدة بأن التطفة لا تخرج من بين الص! لب والترائب سواء أريد مخرجها البعيد أو القريب وفي قوله: لو صح إشارة إلى ما قاله الإمام من أنه غير صحيح فإنه مبني على تخيلات لا أصل لها فاللائق بنا أن نتبع ما نطق به الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه وندع التقليد لمثل هؤلاء. قوله:) من فضل الهضم الرابع) إشارة إلى ما تقرّر في الطب من أن الغذاء ينضهم أوّلاً في الفم بالمضغ وثانياً في المعدة بطبخها له بالحرارة الطبيعية الموقدة في مطبخها، ثم تجذب صفوته بعروق متصلة بها إلى الكبد فتهضمه هضما ثالثاً، ثم إلى الأعضاء جميعها فينهضم فيها هضماً رابعاً بعده لتنمية الأعضاء وبقائها وما زاد على ذلك ينفصل عن جميع الأعضاء إلى مقر المني بعد أن أوح فيه خلاق القوى والقدر ما يستعد به للتوليد والتخلق، وقوله: ومقرها الخ شروع في بيان ما طعن به بأنّ مقرها العروق المذكورة ومبدؤها جميع الأعضاء فكيف يكون مخرجها بين الصلب والترائب. قوله: " نّ الدماغ أعظم الأعضاء الخ) هذا شروع في الجواب
بعد المنع المشار إليه بقوله: لو صح أي لا نسلم صحته، ولا يلزمنا تأويل كلام الله ليوافق خيالات هؤلاء، ولو سلم تولده من جميع الأعضاء فأعظمها في ذلك الدماغ، ولذا كان المنيّ مشابها له لونا ورطوبة، وغير ذلك ورأينا مكثر الجماع يضعف دماغه فدلنا ذلك على أنّ له دخلا قوياً في التوليد، وقوله: بالضعف الباء متعلقة بالإسراع للتعدية أي يجعل الإفراط في الجماع الضعف سريعا فيه، وقوله: وله أي للدماغ خليفة أي قائم مقامه في كل ما يكون كالمعونة المذكورة، والنخاع مثلث النون خيط أبيض في جوف عظم الرقبة ممتد إلى الصلب ويتشعب منه شعب كثيرة إلى الأضلاع وينزل إلى الترائب على ما بين في علم التشريح والصلب، والترائب أقرب إلى وعاء المني في مقره فلهما زيادة مدخل في توليدها وقرب مقرها بالنسبة إلى سائر الأعضاء، ولذلك خصا بالذكر من بينها. قوله: (وشعب كثيرة الخ) قيل عليه إن تلك الشعب أعصاب لا تجويف لها فلا تعلق لها بالدماغ، وتخصيص الترائب بالنساء غير ظاهر وقد مرّ ما فيه، ئم قيل إنّ الوجه انّ النخاع والقوى الدماغية والقلب كلها تتعاون في إبراز ذلك الفضل على ما هو عليه قابلاً للتوليد وقوله: بين الصلب والترائب عبارة مختصرة جامعة لتأثير الأعضاء الثلاثة فالترائب تشمل القلب، والكبد
стр. 3085
وشمولها للقلب أظهر، والصلب النخاع ويتوسطه الدماغ ولم يحتج للتنبيه على مكان الكبد لظهوره لأنه دم نضج وأنما ينبه على ما خفي كالصلب والدماغ (قلت) ولو جعل قوله من بين الصلب والترائب كناية عن البدن كله لم يبعد، وقوله: وقرئ الخ والكل لغات في الصلب بمعنى واحد. قوله تعالى:) ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾ ) أي إعادة الإنسان ونثره من مقدوراته تعالى لأنه ليس بأعظم من إيجاده من نطفة تمني، وقوله: والضمير أي في قوله: إنه وضمير رجعه للإنسان، وقوله: تتعزف إشارة إلى أنّ الابتلاء الاختبار، والمراد به الاستنباء عنه كناية لازمة وهو التعرّف والتميز، وتمييز سرائره لتمييز عقائده وينبني عليه تمييز أعماله كما أشار إليه المصنف. قوله:) وهو ظرف لرجعه (وفيه وجوه أخر وهي مبنية على أن ضمير رجعه للإنسان أو للماء على معنى أنه تعالى قادر على رجع الماء إلى حاله الأوّل أو إلى مقره فلذا قيل إنه متعلق بقادر أو ناصر، وقيل: عامله مقدر كاذكر أو يرجع وأمّ ما اختاره المصنف فقد أورد عليه أنه يلزم فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبيّ فأجيب تارة بأنه جائز لتوسعهم في الظروف، وأخرى بأنّ الفاصل هنا غير أجنبيئ، وقيل: إن فصله كلا فصل لأنه في نية التقديم عليه وفيه ما فيه. فوله: (من منعة (بفتح الميم والنون بمعنى القوّة، وحكي اسكان النون في لغة ضعيفة وقال الطيبي: إنه بالسكون لا غير والمفتوج جمع مانع ككاتب وكتبة وليس بمراد هنا وإن جوّز على أن المراد به أمور مانعة فإنه تعسف، وقوله: يمنعه
إشارة إلى أنه لنفي المانع من نفسه ومن غير.. قوله: (ترجع) بالتاء الفوقية وبالبناء للفاعل أو المفعول فإنّ المشهور إنّ رجع يتعدى ومصدره الرجع ويلزم ومصدره الرجوع، فإن قلنا إن الرجع يكون مصدرا للازم بمعنى الرجوع أيضاً فهو ظاهر والا فنقول هو مصدر المبني للمفعول بناء على القول به أيضا فرجع المفسر به مجهول أو هو بحذف زائد الرجوع للازدواج ولا مانع أيضاً من كونه مصدر المتعدي لإوجاع الله لها لكن تجوز في نسبته للسماء وكونه مسندا لها بتقدير المفعول أي رجع الكواكب بعيد جداً، وقوله: تحرّك عنه بحذف إحدى تاءيه وأصله تتحرك فإن كان بمعنى المطر فلا تكلف فيه، وقوله: يحمل الماء من البحار هو قول ضعيف، وقوله: وعلى هذا أي على أنه مفسر بالمطر فالسماء ما علا أو السحاب بمعناه المعروف كما مر. قوله: (ما تتصدع عنه الأرض الخ) فهو اسم للنبات أو مصدر بمعنى الشق والظاهر أنه على الأوّل مجاز، وللتوصيف بما ذكر علم أنه ليس المراد القسم على البعث بنفس السماء والأرض كما في قوله: " نتم أشد خلقاً أم السماء بناها الخ فلا وجه لما قيل إنّ المقصود أنهما في أنفسهما من شواهده فتدبر. قوله: (١ ن القرآن) هذا أولى من إرجاعه لما تقدّم من القدرة على الإحياء لأنّ القرآن يتناوله وما بعده أنسب به كما في شرح الكشاف فلا وجه لإرجاعه لحديث الحشر كما قيل، وقوله: فاصل الخ فالمصدر بمعنى الفاعل وهو أحسن من كونه بمعنى المفعول، وقوله: في إبطاله الخ عدل عن قول الزمخشري في إبطال أمر الله واطفاء نور الحق لأن هذا أتم انتظاماً وإن كان ذلك أملأ فائدة. قوله: (في استدراجي لهم الخ) فالكيد هنا استعارة تبعية أو تمثيلية بتشبيه إمهال الله لهم ليستدرجهم بالكيد وبهذا يظهر تفريع أمره بإمهالهم. قوله: (فلا تشتفل الخ) الإمهال التأني، والانتظار فقوله: لا تستعجل على أنه بمعنى تأنّ فإن زمان القتال وأمرك بإهلاكهم لم يأت فالفرق بينهما ظاهر، وقوله: إمهالاً يسيراً تفسير لقوله: رويدا على أنه صفة مصدر مقدّر فإن في إعرابه وجوهاً منها هذا كما فصله المعرب. قوله: (والتكرير الخ) يعني كان مقتضى الظاهر إذا كرر للتأكيد اتحاد اللفظ فيهما فكرّر هنا مع
اتحاد المعنى، وغيرت البنية إذ الأوّل من التفعيل والثاني من الأفعال ولاختلاف اللفظ فيهما أعرب الثاني بدلاً، ولو قيل إنه تأكيد كان أقرب. قوله: (وتغيير البنية لريادة التسكين) المراد بالتسكين إمّا الإمهال لأنه بمعنى التأني، وهو كالتسكين في المعنى أو ما فسره في بعض الحواشي بتسكين الغضب الذي في صدر النبيّ ﷺ على الكفار بطلب التشفي منهم، ووجه دلالة التغيير في البنية على ما ذكر الإشعار بالتغاير وهو آكد من مجرد التكرار فكان كلاً منهما كلام مستقل دال على الأمر بالتأني، وهو أقوى من الدلالة بلفظ واحد فلا خفاء فيه كما قيل وأمّا القول بأن الأمر فيهما دل على الإيجاب، والأفعال دل على عدم التدريج، والتفعيل دل على
следующие страницы →