Полный текст (3 156 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الإسلام من الشدائد، كما جعل من ابتلي بهذا الصيب في ليلة مظلمة في مفازة أصبعه في أذنه من الصواعق، يكاد البرق يخطف أبصارهم أي ما في الإسلام من الغنيمة والنفع، ومعناه أنّ المنافقين إذا رأوا خيراً في الإسلام وغنيمة مشوا إليه، وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا متحيرين مغمومين وصدوا عن رسول الله ﷺ . اهـ. وتحقيقه بعد العلم باختصاصه بالمنافقين أيضا لا عمومه للكافرين، وان ذهب إليه بعض المفسرين، والفرق بينه وبين ما قبله مع التفريق وتشبيه أحوال المنافقين فيهما أنه على ما قبله الصيب بإزاء إيمان المنافقين، والظلمات كفرهم المضمر، والرعد والبرق المخوّف خداعهم المصير النفع ضرّا، ونفاقهم لدفع المضرّة عنهم بإزاء جعل الأصابع في الآذان مع عدم إفادته، وتحيرهم في جهلهم بمصادفة برق يمشون فيه ثم يقفون، وأمّا على هذا فالصيب بإزاء الإيمان المحقق الخالص، والقرآن المجيد وما يفيده من المعارف التي يحيا بها كل قلب سليم حياة أبدية، كما أن من الماء كل شيء حيّ، وكون المنافقين أصحاب هذا الصيب مع عدم حصوله لهم، ولذا لم يضف إليهم في العبارة لتمكنهم منه وتلبسهم بما يضاهيه، ولأنهم قد أظلهم زمان حصوله كما يشير إليه قوله وسائر ما أوتي الإنسان دون ما أوتوا، والظلمات بإزاء الشبهات والرعد، اأس عد لتبشيره برحمة الغيث، والوعيد لإنذاره بنقمة الصواعق وما فيه من الآيات القرآنية ونعوته ألباهرة أي القاهرة للعقول بإزاء البرق الخاطف للأبصار أي الصارف عما سواه لو هداهم الله، وانصرافهم عن الاستماع والإذعان بإزاء سدّ الآذان عما يخاف من الوعيد واتقائه بما لا يفيد فإنّ الله محيط بالكافرين، وإنما أخره ومرضه لما في جعلهم أصحاب هذا الصيب من البعد الذي هو مع التقدير كالألغاز، وبعد تشبيه الوعد بالرعد، وتشبيه الآيات بالبرق، ومما ذكرناه علم غفلة من قال: إنه لم يتعرّض للتشبيه في قوله ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ وأنه يمكن أن يقال شبه قرب صرف الآيات أنظارهم عما كانوا يصرفونها إليه من حطام الدنيا والأباطيل بخطف البرق أبصارهم، وحياة الأرض بهجتها بنباتها وارتبكت بها الضمير في ارتبكت عائد على ما، وأنثه باعتبار معنى الشبه، وضمير بها للمعارف أو للمذكورات بأسرها، والمعارف جمع معرفة وهي معروفة، وفي بعض الحواشي صححه معاون بواو ونون في آخره جمع معونة من العون وهو اأظهير وفسره بالعون بتهيئة آلات المعارف، وارتبك بمعنى اختلط،
يقال ربكه ولبكه إذا خالطه ومازجه، والمبطلة وفي نسخة الطائفة المبطلة، وهم أهل البدع والضلالة المحاولون لإبطال الحق، واعترضت دونها أي حال بينها وبين الحق، والباهر الظاهر العجيب ويهوله بالتخفيف والتشديد أي يخوّفه. قوله: (وهو معنى قوله الله محيط إلخ) أي عدم خلاصهم مما يخافون، وقوله واهتزازهم أي وشبه اهتزازهم وهو في الأصل توالي الحركات في محل واحد، ويكنى به عن النشاط والفرح كما في قول ابن الرومي ﵀:
ذهب الذين يهزهم مدّاحهم هز الكماة عوالي المرّان
وهو المراد هنا ومن فسره بالحركة فقد قصر، وقوله: يلمع لهم من رشد بضم فسكون
أو بفتحتين ضد الغيّ، ولم! فه استعارة من لمعان البرق لظهوره ظهورا لا يثبت ويزول سريعا، ورفد بكسر الراء المهملة وسكون الفاء يليها دال مهملة معناه العطاء والشيء المعطى، وتطمح تنظر أو تنتظر يقال طمح بعينه إذا شخص بها، والمطرح موضع الطرح ثم عمّ لكل موضع، وتوقفهم في الأمر ترددهم فيه وهو مجاز من الوقوف شاع في هذا الصعنى إذا تعدّى بفي، وتوقف عن الأمر أمسك عنه ووقف الأمر على كذا علقه عليه، ووقف الميراث إلى الوضع أخره، فيختلف معناه باختلاف تعديه، وتعن يكسر العين المهملة وتشديد النون مضارع عن بمعنى ظهر أو طرأ، وعرض وبتوقفهم متعلق بشبه كقوله بمشيهم، وقوله ونبه أي نبه الله المؤمنين أو نبه كل من يتنبه وهو مما ينبغي التنبه له، وإن لم ينبهوا عليه لأنّ هذا التنبيه من تتمة التشبيه المفرّق، وارتباطه إنما هو به بل بالقيل الأخير ولولا هذا لم يكن لذكره وتأخيره إلى هنا محلى، وبيانه أنه لما كان في التشبيه على هذا إيماء إلى العقائد الحقة والمعارف الإلهية التي مدت نعمها على موائد الوجود
стр. 422
وحرم ذوقها هؤلاء المنافقون كما أريناكه آنفاً فهم تحت سماء مغدقة على رياض مخصبة، وقد أحدثوا فانتجعوا بصرفهم الحواس عن أعمالها فيما حقها أن تصرف له وجعلها كالعدم، فنعى الله ذلك عليهم وقال: إنهم تعاموا وتصاموا عمن لو شاء أعماهم وأصمهم حقيقة، وقوله با احالة إلخ المراد بها الصمم والبكم والعمى، وضمير يجعلونها للأسماع والأبصار، وضمير جعلهم مفعول أوّل، وبالحالة مفعول ثان، أي ملتبسين بها، أو ظرف لغو متعلق به، وقد جوّز في يجعلونها أن يبني للفاعل وللمفعول، فقيل: إن التنبيه من كلمة لولا الامتناعية وظاهره أنّ قوله ﴿وَلَوْ شَاء﴾ إلخ في شأن المنافقين، والظاهر أنه تتميم لأصحاب الصيب الممثل بهم، ويجعلون على البناء للمفعول، وضمير المفعول للحالة والاً لزم الاقتصار على أحد مفعولي جعل الذي هو من أفعال القلوب، والمعنى بالحالة ال! ي يجعلون لأنفسمهم تلك الحالة على أن يكون تعلق الجعل بالمفعول الأوّل القائم مقام الفاعل، أو بالثاني. والمراد به الحالة التي هم عليها على الحذف، والإيصال وفيه تكلف، أو! لى البناء
للفاعل وهو الظاهر، والمعنى الحالة التي يفعلونها فحينئذ لا يكون الجعل من أفعال القلوب، ولا يلزم المحذور المذكور، اهـ وفيه ما لا يخفى فإنّ التنبيه إنما هو من التذييل يهذه الجملة لا من لو، وجعل يجعلى مبنية للفاعل وليست مما يتعدّى للمفعولين بل لواحد، وهو كثير فيها لأن لها معاني، فتكون بمعنى اعتقد، وبمعنى صير، وهي على هذا ملحقة بأفعال القلوب، وأمّا بمعنى أوجد وأوجب فيتعدّى لواحد، وهو المراد هنا فلا حاجة لما ارتكبوه من التعسف. تم. تنم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أؤله فوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ .
стр. 423
وفاعله ضمير يرجع إلى الله أو مبني للمفعول والمعنى واحد أي ادّعاء ذلك بالرأي والتشهي كما قرّرناه لك، وتحريم المجتهد وتحليله لشى من هذا القبيل لأنه لأخذه من النمى، واستناده إليه قائم مقامه فكأنه هو، وهذا جواب عن قوله ومّ المشركين إلخ ولم يتعرّض لجواب الأوّل لشهرته في علم الكلام لأنّ استحالة التمكين من الحرام ممنوعة لأن قبح الحرام باعتبار إضافته إلى من اتصف به لا إلى من أوجده. وقوله: (واختصاص إلخ) القرينة هي إسناده إليه تعالى ومدحهم بالإنفاق منه ووصفهم بالتقوى، وهذا ليس محل النزاع بيننا وبينهم مع أنّ في من التبعيضية المشيرة إلى أنّ الحلال بعض الرزق لا كله ما يومىء إلى عمومه وهذا ردّ لما استدلوا به معقب بدليل المخالف لهم. قوله: (وتمسكوا إلخ) تمسك بكذا بمعنى أخذ به وتعلق تجوّز به عن الاستدلال وفيه إشارة لقوّته ووجهه أنه سمى ما حرّم رزقا أو بيته به، وان قيل عليه أنه لا يدلّ على أنه رزق لمن حرّم عليه فليكن رزقا لمن أحل له، ولذا استدل به بعض المعتزلة إلا أنه يكفي لنا دلالة ظاهرة فهو عليهم لا لهم وعمرو بن قرّة بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة لأنّ بعدها هاء تأنيث.
قال ابن حجر في الإصابة: أنه ذكره غير واحد في الصحابة، وأسندوا له هذا الحديث
ولم يزد على ذلك فيه، ثم ذكر هذا الحديث وهو في سنن ابن ماجه عن صفوان بن أمية ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء عمرو بن قرّة فقال يا رسول الله إنّ الله كتب عليّ الشقوة فلا آراني أوزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال ﵊: " لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت يا عدوّ الله لقد رزقك) إلخ. مأ. ذكره المصنف ﵀ وقوله يا عدوّ الله يشعر بأنه كافر أو منافق، وهو مخالف لما مرّ إلا أن يقال أنه لزجره، وفيه دليل على حرمة التكسب بالغناء. قوله: (لم يكن المتنذي به إلخ) متفعل من الغذاء بالذال المعجمة لا بالمهملة لاختصاصه بطعام أوّل النهار فلا (يناسب ما هنا وهذا هو الدليل العقلي لأهل السنة أتى به بعد الدليل النقلي أي لو لم يكن الحرام رزقا كان المتغذي به طول عمره غير مرزوق، والنص على أنّ كل دابة مرزوقة يبطله وقد أجيب عن هذا من طرفهم تارة بالنقض بمن مات ولم يرزق حراما ولا حلالاً، فما كان جوابكم فهو جوابنا وأخرى بأنّ معنى الآية ما من دابة متصفة بالمرزوقية، كما قالوا في قولهم كل دابة تذبح
بالسكين أي كل دابة تتصف بالمذبوحية، فيخرج السمك وقد قيل إنّ هذا يتوقف على وجود من لم يتغذ طول عمره بحلال مّا، وأن لا يكون له في الأرض مناط، وهو لا يكاد يوجد على أنّ الآية إنما تدل على أنه يسوق الرزق إلى كل دابة ويمكنها منه لا أنها تتغذى بما سيق لها بالفعل.
(وقد سنح لي هنا نكتة) وهي أنّ الدابة، وإن عمت إلا أنّ المتبادر منها الحيوانات غير الناطقة، ففيها توبيخ لمن يهتم بتدبير المعيشة، فكأنه قيل له ما لك تتعب فيما يتيسر للحيوان بلا تعب. قوله: (وأنفق الشيء وأنفذه إلخ) أنفذه بالدال المهملة، والمراد بالاخوّة توافقهما في الاشتقاق، وهو هنا الاشتقاق الأكبر، وهو الاشتراك في أصل المعنى، وأكثر الحروف مع التناسب في الباقي مخرجا، ولذا اقتصر على الفاء والعين كنفي ونفع وأمثالهما والذهاب يكون بمعنى المضيّ والضياع. وقوله: (والظاهر إلخ) يعني به أنّ الظاهر منه حمل الإنفاق على ما يشمل أنواعه فرضاً ونفلاَ، ومن حمله على الزكاة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ﵄، وكذا من فسره بالنفقة على الأهل فيحتمل أنه لم يرد التخصيص، وإنما اقتصر على كمل أفرادها وأمّا أن يريده بقرينة الصلاة المقرونة بالزكاة في كثير من الآيات والشيء بالشيء يذكر والقرينة أمر ظنيّ لا قعلعيّ حتى يقال: مع القرينة المذكورة كيف يحمل على العموم. وقوله: (في سبيل الخير) وقع في نسخة بدله سبيل الله وهما متقاربان، وفي شرح سير محمد الكبير للسرخسي سبيلاَ لله جهة القربة والطاعة، فلو أوص بثلث ماله في سبيل الله صرف في طاعة وقربة لأنّ كل طاعة سبيل ألله كما في الحديث: " من شاب شيبة في سببل الله كانت له نورا يوم القيامة " (١) أي في الطاعة لرواية في الإسلام، وهو إن أطلق يتبادر منه الغزو والجهاد وكون الزكاة أفضل أنواع الإنفاق لأنها فرض، فتكون كثر ثواباً ولذا عدّت من أصول الدين، وشقيقتها أختها والمراد بها الصلاة لاقترانها بها وكونها بمنزلتها في العبادات البدنية لاستتباعها لغيرها، وقولهم باب الصلاة باب الزكاة، وفلان يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة لا يستشهد به هنا لتفرّعه عما ورد في التنزيل فتأمّل. قوله: (وتقديم المفعول الخ) في الكشاف أنه دلالة على
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لما عدّد فرق المكلفين الخ) أي المؤمنين والكفار والمنافقين السابق ذكرهم من أوّل السورة إلى هنا، وخواصهم ما اختص به كل فريق منهم من الاهتداء بالقرآن، وإنفاق الحلال والإيمان بالغيب والفلاح والفوز في الدنيا، والعقبى في المؤمنين، واصرار غيرهم على الكفر وتغشية قلوبهم، وسوء عقباهم في الكفرة وإخفاء الكفر والخداع، وضررهم العائد عليهم في المنافقين. وقوله: ومصارف أمورهم المصارف جمع مصرف من صرف المال إذا أنفقه أو من صرف الدينار بالدراهم إذا أبدله استعير هنا لما هم عليه في أعمالهم وأعمارهم أو لما يؤول إليه أمرهم من الفوز بالسعادة أو الخسران وهو ظاهر، وهذا معنى قوله في الكشاف عذد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله تعالى ويرديها ولقد أجاد في حسن تلخيصه، ويحتمل أنه طوى البيان بقوله مما يسعدها الخ، لما يرد عليه من أنه لم يذكر للمؤمنين مشقيات ومرديات ولا للكافرين مسعدات ومحظيات وإن أجيب عنه بأن المذكور صريحا للمؤمنين المسعدات ولغيرهم المرديات ويفهم من ذلك ما يقابله ضمنا فيكون الكل مذكورا للحل فإنه ردّ بأنّ الاختصاص حينئذ لا معنى له فإن المقابل لما اختص بكل فرقة ليس مخصوصا بها لوجوده في المقابل الآخر وان كان غير وارد لأن مسلكه أسلم من التكلف على أنا نقول إنه لا وجه للردّ لأن مقابل كل خاصة لم يلحظ فيه اتصاف الآخر به هنا إذ مقابل الاهتداء بنور الفرقان شامل لعدم الوقوف عليه كمن لم تبلغه الدعوة وإنفاقه الخير في الخير يقابله عدمه الشامل لمن لم ينفق أصلا ولم يقصد ذمّ مقابلتهم بذلك وكذا الصلاة وغيرها من العبادات ومسعدات الأشقياء المفهومة مما أشقاهم الله به لا يمدح به المؤمنون كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا ~ قيل إن السيف أمضى من العصى
(فلا) وجه لما قيل من أن الردّ مردود لظهور اختصاص ذلك المقابل بتلك الفرقة بملاحظة انفهامه ضمنا وكونه مفروضا غير محقق مثلاً إذا قلت الصفات المذكورة للمؤمنين مسعدات يفهم منه أنهم لو كانوا
стр. 424
اتصفوا بمقابلاتها لشقوا، ولم يمكن إجراء ذلك في حق الكفار
لأنهم متصفون بتلك الصفات حقيقة بلا فرض. وتقدير وكذا الحال في صفات الكفرة وان كان له وجه أيضاً. قوله: (أقبل عليهم بالخطاب الخ) قد قدمنا لك أن الا أشفات الانتقال من إحدى الطرق الثلاث إلى آخر أو الإتيان بأحدها في مقام يقتضي خلافه، والكلام عليه مفصل في محله ولا يهمنا هذا الكلام فيه وإنما الكلام فيما قيل من أنّ هذا مبني على عدم الوثوق بما سيأتي عن علقمة أو على أنه لا يقتضي تخصيص الخطاب إذ لم يكن بمكة منافق حتى يدخل في هذا الخطاب، ثم إنها إن نزلت منفردة عما قبلها فكيف يتحقق فيها الالتفات إلا أن يقال يكفي فيه أنه يتمّ بعد تمام نزول القرآن لمصلحة اقتضت تفريق نزوله فإنّ دعوى انفرادها بالنزول مما لا وجه له حتى يتكلف له ما تكلف وكونه لم يكن بمكة منافق في بدء الإسلام لا ينافي الإخبار عنهم فكم في القرآن مثله من المغيبات والأخبار عما سيأتي، ثم إنه ذكر للالتفات نكات بعضها عامّ وبعضها خاص بهذا المقام فالأوّل هز السامع وأصل معناه التحريك بحركات متوالية ثم كني به عن إدخال المسرّة كما في قول ابن الرومي المتقدم:
ذهب الذين يهزهم مذاحهم هز الكماة عوالي المرّان
وهو المراد هنا، والتنشيط إيجاد النشاط وهو الخفة والسرعة أريد به الإقبال على الأمر وعطفه على ما قبله كالتفسير، والاهتمام بالعبادة مأخوذ من السياق والمقام لأنّ العظيم إذا أقبل على عبيده في شأن وأمر به بنفسه دل على عظمة ذلك الشأن، وقوله: بأمر العبادة تورية وحسن تعبير، وقوله: وجبر الكلفة العبادة الجبر التكميل والإرداف بما يهوّن الأمر الشاق أو يزيل مشقته لأنها على خلاف مقتضى الطبع، والكلفة المشقة واحدة الكاف كغرفة وغرف والتكاليف المشاق كما في المصباح وهذه من النكت انخاصة بالمقام وهذا بالنسبة إلى المؤمنين ظاهر فإمّا أن يخصوا لعدم الاعتداد بغيرهم وكذا التنشيط أو يقال يكفي للنكتة الوجود في البعض، وقيل إنه بالنسبة لغيرهم أيضا لتيقظهم لأنهم تحت حكم حاكم كريم لم يطردهم عن ساحة الهداية ولا يخفى بعده. قوله:) ويا حرف وضع الخ) هذا هو الصحيح وقيل إنها اسم فعل والأشهر أنها وضعت لنداء البعيد وقيل إنها لمطق النداء أو مشتركة بين البعيد والقريب والمتوسط وعلى الأوّل إذا نودي بها القريب فلتنزيله منزلة غيره أمّا العلوّ رتبة المنادى أو المنادي بالكسر والفتح وقول المصنف ﵀ ينادى بها القريب يصح فيه فتح الدال وكسرها، وقول الداعي يا رلث يصلح للأول والثاني لأنه لحقارته وعظمة خالقه عد نفسه بعيدا أو عذ الله علياً عن عباد. وغفلة السامع وسوء فهمه بمنزلة بعده، وأمّا للاعتناء بأمر المدعوّ له وزيادة الحث عليه لأنّ نداء البعيد وتكلفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في يا أو مكنية وتخييلية كما حققه بعض الفضلاء، فإن قلت الكلام في تنزيل المنادى منزلة البعيد لا المدعوّ له المنادي لأجله قلت المدعوّ لتحصيل أمر بعيد يبعد عن
الذهاب إليه لتحصيله فهو بعيد مالاً وقوله في الانتصاف إنّ ما ذكر في توجيه البعد أمر إقنافي فإنّ الداعي يقول يا قريب غير بعيد ويا من هو أقرب من حبل الوريد فأين هذا من العباد في مقام البعد ليس بشيء فإنّ القرب في كلام المنادي باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وهو لا ينافي الاستبعاد الاعتباري وليس هذا نظير قوله:
وكم قلت شوقاليتني كنت عنده وما قلت إجلالاً له ليته عندي
كما توهمه ابن الصائغ في حواشيه، والوريد عرق! في العنق واضافة الحبل له! كلجين الماء. قوله: (وهو) أي يا مع المنادى بالفتح جملة فالمنادى منصوب لفظاً أو تقديراً بأنادي وما في معناه أو بيا نفسها لقيامها مقامه قولان للنحاة وعلى الأوّل هو لازم الإضمار استغناء بظهور معناه مع قصد الإنشاء وليس المراد الإخبار بأن المتكلم ينادي ولذا ردّ على من قال إنه لا يجوز تقدير الفعل إذ لو قدر كانت الجملة خبرية لأن الفعل مقصود به الإنشاء، ولذا قال الرضي: تقديره بلفظ الماضي كدعوت وناديت أولى لأنه الأغلب في الإنشاء ولكونه إنشاء النداء سقط ما قيل من أنه لو كان ذلك الفعلى كدعوت مقدرا تمّ المعنى بدون
стр. 425
المنادي لأنه فضلة، وقيل في الجواب عنه إنه قد يعرض للجملة ما يصيرها غير مستقلة كالجمل الشرطية ولا يرد على كونه جملة مفيدة، وكلاماً أن الكلام لا يكون من اسم وحرف، ولا من حرف إن قلناتا بمعنى دعوت كما توهم مع اتفاقهم على أنه لا يتأتى إلا من اسمين أو اسم وفعل لأنه قائم كنعم وبلى، ولا وهو في قوّة المذكور من غير شبهة فلا يلتفت لما توهمه بعضهم فتدبر. قوله:) وأيّ جعل وصلة الخ) أي لها معان كالموصولية والشرطية والاستفهامية، والواقعة في النداء اسم نكرة موضوعة لبعض من كل كما في شرح الهادي ثم تعزفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأنّ يا لا تدخل عليها في غير يا الله إلا شذوذاً، وقيل إنها موصولة ورذه النحاة بما هو معروف في كتب العربية وذو اللام صفة لها فهي موصلة له كما توصل لنداء أسماء الأجناس بذي بمعنى صاحب، وقوله متعذر أي ممتنع بناء على ما عرف من كلام العرب لا تعذرا عقليا، وقوله لتعذر الجمع بين حر في التعريف هذا أحسن مما اشتهر من أنه لا يجمع بين تعريفين لأنهما قد يجتمعان كما في نحو يا زيد وأيهم يفعل كذا لاجتماع العملية والنداء والإضافة والموصولية كما حققه نجم الأئمة الرضي فليس مثله بممتنع عنده حتى يحتاج إلى التنكير وأمّا نحو يا الرجل فممتنع بالاتفاق وقوله فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا شذوذاً كقوله:
ولا للما بهم أبدا دواء
قيل وإنما قال كمثلين لأنّ يا ليست موضوعة للتعريف كأل ولذا لا يتعرّف المنادي في
كل موضع ولم يبين أن تعريفه بماذا وقد ذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أنه بالقصد والإقبال عليه، وذهب ابن الحاجب إلى أنه بأل مقدرة فأصل يا رجل يا أيها الرجل والكلام فيه مشهور. قوله: (وأعطي حكم المنادى الخ) أعطي مجهول نائب فاعله ضمير أيّ المذكور باعتبار اللفظ وحكمه هو البناء على الضمّ وايلاؤه وحرف النداء وأجرى عليه المقصود بالنداء باعتبار صريح معناه بمعنى جعله تابعاً له على الوصفية كما صرّح به بعده، وإنما التزم رفعه ليكون على صورة المنادى المفرد المقصود بالنداء لأنه مضموم الآخر فلا يجوز نصبه على الأصح خلافا للمازني فإنه أجاز نصبه. قال الزجاج: ولم يتقدمه ولا تابعه عليه أحد لمخالفته لما سمع عن العرب والتزام الرفع لأنه المقصود أو لأنه مبهم ووصف المبهم معه كالشيء الواحد لمنع الفصل بينهما فإن قلت الوصف تابع غير مقصود بالنسبة لمتبوعه فما ذكر ينافيه قلت! ذا جسب الوضع الأصليّ فلا ينافي ما يطرأ عليه لكونه مفسر المبهم ما يجعله مقصودا في حد ذاته وههنا إشكال وهو أن الرجل في قولك يا أيها الرجل تابع معرب بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هنا لأن متبوعه مبنيّ لفظا ومنصوب محلاً فلا وجه لرفعه وهذا إنما يرد على غير الأخفش القائل بأنها موصولة حذف صدر صلتها فليس عنده نعتا بل خبر مبتدأ مقدر، وقد استصعبه بعض علماء العربية وقال إنه لا جواب له. قلت: قد قال هذا بطريق البحث وهو عجيب منه مع تبحره فإن هذا من الأسئلة الواقعة بين أبي نزار وابن الشجري وقد أطال الكلام فيها في الأمالي بما حاصله أن أبا نزار قال إنها حركة بناء وقال ابن موهوب إنها حركة إعراب وتبعه ابن الشجري والحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادي ككسرة غلامي فلا حاجة إلى أن يقال إنه لا يمكن التفصي عنه إلا أن يقال بأن حركة الضمّ ليست إعرابا بل اتباع الحركة البناء المشبهة ل! عراب بالعروض ولذا سميت رفعا تجوزاً إلا أنه مع مخالفته للظاهر لا نظير لا له في اللزوم وقوله: أقحمت بصيغة المجهول بمعنى زيدت من أقحمته في الأمر إذا أدخلته ورميت به فيه وهو مجاز مشهور على الألسنة وزيادتها لازمة للعوضية، وقوله ها التنبيه بالقصر أي لفظها الذي يكون للتن! يه في نحو هذا ولو مذت جاز على أنه تعبير عن الكل بجزئه وسياني بيان تاكيده وفي أزعا. التعوبض نظر لأن هذه لم تستعمل مضافة أصلا والإضافة إنما سمعت في غيرما إلا أنها لما قالت دي، اد واحماءأ جرى عليها حكمها فتأمّل. قوله: (وإنما كثر النداء الخ) المراد بالطريقة أي المناد! الموصرد وحإ؟ ! ها االام وأ، جه التأكيد فسرت بتكرّر الذكر والإيضاح
بعد الإيهام واختيار لفظ البعيد وتاكيد معناه بحرف
стр. 426
التنبيه واجتماع التعريفين في النداء وأل، وقوله وكل الخ كل مبتدأ خبره حقيق وما بينهما اعتراض والجملة حالية للتعميم وتتميم التعليل، ولفظ آكد بالمد أفعل تفضيل من التأكيد بالهمزة ويقال من التوكيد أوكد وقوله كثرهم أحسن من قول الزمخشريّ وهم عنها غافلون فلا تغفل. قوله: (والجموع وأسماؤها الخ) الجمع ما دلّ على أكثر من اثنين واسم الجمع مثله إلا أنه اشتراط فيه أن يكون علئ صيغة تغلب في المفردات سواء كان له واحد أم لا ومنه الناس كما بيناه والمحلاة بالتشديد بمعنى الداخلة عليها لام التعريف ولما أفادته التعريف واتصلت بأوّله جعلت لفظا كأنها حلية وزينة له استعارة لشيوعها صارت كالحقيقة وقيد إفادتها العموم بعدم إرادة العهد الخارجيّ لأنه المتبادر من التعريف الموضوع للتعيين ثم الاستغراق لأنه حيث لا عهد لا ترجيح لبعض أفراده على بعض فيتناول الجميع، وهذا في الجموع أقرب وأقوى كما في التلويح. ثم إنه استدلّ على العموم بصحة الاستثناء فإنه استفاض في العامّ حتى جعل معياره فلا يكون حقيقة إلا فيه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤٢، وقد اختلفوا في أنه إذا لم تكن للعهد هل الأولى حمله على الجنس والعهد الذهني المتيقن أو على الاستغراق لأنه أكثر وأفيد وكلام المصنف ينظر للأخير، وقد قيل على قولهم إنّ الاستثناء يدلّ على العموم أنّ صحة الاستثناء موقوفة على العموم أيضا فيلزم الدور وأيضا الاستثناء يكون في الخاص كاسم العدد نحو له عليّ عشرة إلا ثلاثة والإعلام كضربت زيدا إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشرة الأخير فلا يتمّ هذا المدعي ودعوى أكثرية غير مسموعة، وأجيب بأنّ العلم بالعموم يثبت بوقوع الاستثناء في كلامهم ووقوعه يدلّ على وجود العموم لا على العلم به فلا دور والاستدلال ناظر للاستعمال وأمّا النقض المذكور فدفع بأنّ ما ذكر عامّ تأويلا بتقدير جمع معرّف بالإضافة كأعضاء زيد وأيام الشهر، ونحوه الاستدلال بالتأكيد لأنه لو لم يكن عامّاً كان التأكيد تأسيسا والاتفاق على خلافه واستدلال الصحابة شائع وله أمثلة ذكرها الأصوليون كقولهم يوم السقيفة الأئمة من قريش رذا على الأنصار في القصة المشهورة. قوله: (فالناس يعئم الموجودين الخ) هذا هو المسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين، وهو ما يدل على الخطاب وضعا كالنداء وبعض الضمائر نحو يأيها الناس قالوا وليس خطاباً عاتا لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي والأوّل هو الوجه وإنما يثبت حكمه بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع وأئا بمجرّد اللفظ والصيغة فيما لم يكن مخصوصا كيأيها النبيّ فلا وقالت الحنابلة بل هو عامّ لمن بعدهم ولنا أنا نعلم أنه لا يقال
للمعدومين نحو: يا أيها الناس قال العضد ﵀ وانكاره مكالرة وإذا امتنع خطاب الصبيّ والمجنؤن بنحوه مع وجودهم لقصورهم فالمعدوم أجدر، وهم قالوا: ولو لم يكق الرسول ﷺ مخاطباً به فمن بعدهم لم يكن مرسلاً لهم وردّ بأنّ التبليغ لا يتعين أن يكون مشافهة فيكفي أن يحصل للبعض شفاهلاولمن بعدهم بأدلة تدل على أنّ حكمهم حكمهم كما تقرّر في الأصول وفي شرح العضد للمحقق التفتازانيّ القول بعموم الشفاهي وان نب إلى الحنابلة ليس ببعيد وقد قال الشارح العلامة أنه المشهور حتى قالوا إنّ الحق أنّ العموم علم بالضرورة من الدين المحمديّ وهو الأقرب وقول العضد ﵀ أنّ إنكاره مكابرة حتى لو كان الخطاب للمعدومين خاصة أمّا إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ومثله فصيح شائع وكل ما استدلّ به على خلافه ضعيف. انتهى وهذا بعينه ما اختاره المصنف ﵀ وأشار إليه بقوله لما تواتروا الخ، واليه ذهب كثير من الشافعية في كتبهم الأصلية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر وقد قيل إنه من قبيل الخطاب العامّ الذي أجرى على غير ظاهره كما في قوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت كرمت اللئيم تمرّدا
فمن أرجع كلام المصنف إلى ما ذهب إليه العضد وأشياعه وقال في شرحه إنه يريد أنه
يعمّ من
стр. 427
سيوجد بعد وقت النزول لا لفظا بل لما تواتر من دينه كقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة كما ذكر في كتب الأصول من أنّ خطاب المشافهة إنما يثبت لمن بعد الموجودين بدليل آخر لم يصب ولو كان كما زعم لم يكن الناس عامّا السياق مناد على خلافه والعجب أنه مع تخصيصه بالموجودين جعله عامّاً وتبعه فيه بعضهم وأطال بغير طائل (وههنا بحث) يجب التنبه له وهو أنّ خطابه تعالى بكلامه لعباده أزليّ قائم بذاته، والنظم القرآنيّ بإزائه وخطاب المعدوم أزلاً، وتكليفه مقرّر عند الأشاعرة والظاهر أنه حقيقة والا يكن جميع ما في القرآن من الخطاب مجازاً ولا يخفى بعده عن ساحة التنزيل ويوجه أيضا بتقدير قولوا والمأمور الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ونوّابهم من أئمة الدين في تبليغ الأمّة إذا وجدوا، وعلى هذا الفرض والتقدير لا يحتاج إلى التجوّز أصلاً كما ذهبوا إليه كما سمعته آنفا على أنه لو لم يكن من التأويل محيص، فالقول بأنه يدل على ما ذكر بدلالة النص المؤيدة بالإجماع أقرب، وقد حام صاحب التحرير حول هذا التقرير وان لم يفك عقدة تعقيده، وقوله لفظا تمييز ولما بكسر اللام وتخفيف الميم، وقوله إلا ما خصه الدليل أي القائم على تخصيص عمومه بخروج بعض منه كالصبيّ والمجنون. قوله: (وما روي عن علقمة الخ) قال السيوطيّ: أخرجه أبو عبيد في فضائل القران عن علقمة وسيمون بن مهران وأمّا روايته عن الحسن فلم يسنده أحد وقد
صح عن ابن مسعود أيضا كما أخرجه البزار في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقيّ في دلائل النبوّة فقول الطيبي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث من تقصيره، والمراد بالرفع في قوله إن صح رفعه اتصالط سنده بمن ذكره لأنّ الناقل لا يلزمه غير تصحيح نقله فالرفع بمعناه اللغويّ أو تجوّز فلا يرد عليه ما قيل من أنّ المرفوع قول النبي ﷺ أو الصاحب فيما يتعلق بالنزول ونحوه مما لا يقال بالرأي وعلقمة والحسن ليسا من الصحابة، ولو سلم فالمراد رفعه للصحابي أو النبيّ ﷺ فقولهما في حكم المرفوع المرسل ثم إنه قد علم أنّ للمكيّ والمدني ثلاث معان مفصلة في البرهان والاتقان وقد قيل إنّ هذا لا يتمشى على واحد منها وهو منقوض! بأمور منها: أنّ هذه السورة مدنية وفيها يأيها الناس ومن السور ما فيه يأيها الناس ويا أئها الذين آمنوا، وادّعاء تكرير النزول تعسف فإن كان هذا لكثرة المؤمنين بالمدينة فضعيف وقد اضطربوا في التوجيه فمن قائل المراد أنه خطاب جل المقصود به أهل مكة أو المدينة، وقال الإمام الجعبريّ في كتابه حسن المدد معرفة النزول لها طريقان السماع، والقياس. فالأوّل ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والثاني كما قال علقمة عن عبد الله: كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو أوّلها حرف تهج سوى الزهراوين والرعد في وجه أو فيها قصة آدأ وابليس سوى الطولى فهي مكية وكل سورة فيها يأيها الذين آمنوا وذكر المنافقين فهي مدنية وقال هشام بن عروة: عن أبيه كل سورة فيها قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم الخالية والعذاب فهي مكية وكل سورة فيها لريضة أو حد مدنية انتهى. ومنه يعلم أن ما ذكر مما قاله السلف وكونه أيهثر ما لم يرد به التخصيص بعيد جداً وهذا نقله البقاقي في كتاب مصاعد النظر ونقله عن الإمام الشافمي من غير اعتراض عليه فإذا صح هذا من التابعين وكبار السلف فهو قول لهم لا مشاحة فيه ولا وجه للاعتراض عليه. قوله: (فلا يوجب تخصيصه بالكفار الخ) قيل عليه إنه لم يستدل أحد بهذا الأثر على اختصاص هذه الآية بالكفار حتى يحتاج المصنف رحمه الله تعالى إلى دفعه وغاية ما استدلّ به أنه مكيّ نزل بمكة مع عمومه للمؤمنين والكفار لأنّ سبب النزول ليس بمخصص وليس بشيء لأنه إذا سلم أنّ المراد مشركو مكة احتمل العهدية واختص لا سيما والنفاق في الصدر الأوّل إنما حدث بعد الهجرة وقد ذهب إلى التخصيص على هذا الزمخشريّ، حيث قال أو إلى كفار مكة خاصة على ما روي عن علقمة الخ. وارتضاه في شرح التأويلات ولبعضهم هنا كلام مشوّحر! تركه خير من ذكره. قوله: (ولا أمرهم بالعبادة الخ) عطف على قوله تخصيصه، أي لا يوجب أمر الكفار حال كفرهم بإداء العبادة فإنه باطل ولذا لم يجب عليهم القضاء بعد الإسلام بل هم مأمورون بما يتوقف
стр. 428
عليه من الإيمان وبأدائها بعده، والمنفيّ هنا أمرهم بذلك ابتداء، والمثبت في قوله فالمطلوب الخ. غيره فلا تنافي بينهم كما
توهم وحاصله أن طلب الفعل من المكلف لا يقتضي صحته منه بلا تقديم شرط كالمحدث المطلوب منه الصلاة وهذا إشارة إلى ما فصل في الأصول في تكليف الكفار بالفروع وعدمه. وفي النحرير ليس محل النزاع كما في المنهاج للمصنف مبنيا على أنّ حصول الشرط الشرقي ليس شرطاً للتكليف المستلزم عدم جواز التكليف بالصلاة حال الحدث بل ابتداء في جواز التكليف بما شرط في صحته الإيمان حال عدمه فمشايخ سمرقند على أنه شرط لصحته لخصوصية فيه لا لعموم كونه شرطا بل لأنه أعظم العبادات ورأس الطاعات، فلا يجعل شرطا تابعا في التكليف لما هو دونه، ومن سواهم متفقون على تكليفهم وإنما اختلفوا في أنه في حق الأداء والاعتقاد أو في الاعتقاد فقط فالعراقيون والشافعية ذهبوا إلى الأوّل فهم عندهم معاقبون على تركهما والبخاريون إبى الثاني، ولم ينص أبو حنيفة، وأصحابه على شيء فيها لكن في كلام محمد ﵀ ما يدل عليها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فصلت، الآية ة ٦] ونحوه وأمّا خطابهم بالعقوبات والمعاملات فمتفق عليه فإن قلت قوله فالمطلوب الخ يدل على أنّ المطلوب من الكفار الشروع في العبادة بعد الإتيان بشرط فقط لا الزيادة والمواظبة، ومن المؤمنين الزيادة، والثبات لا غير، وكون الكفار مكلفين بالفروع على مذهبه يستلزم مطلوبية الكل منهم والمؤمن الذي لم يصدر منه إلا الإيمان يطلب منه الشروع في العبادة مع ما ذكر قيل المراد الشروع وما يقتضيه وقوله من المؤمنين الخ مبنيّ على أكثر الأغلب على أنّ المقصود ظاهر. قوله: (هو المشترك بين بدء العبادة الخ) إشارة إلى ما في الكشاف من السؤال والجواب من أنه لا يصح توجيه الخطاب إلى الفرق الثلاث، ولا إلى الكفار فقط كما روي عن علقمة لأنّ المتبادر من العبادة أعمال الجوارح الظاهرة ولا يؤمر بها المؤمنون العابدون لما فيه من تحصيل الحاصل ولا الكفارة لامتناع العبادة منهم بسبب فقد شرطها وهو الإيمان فيلزم التكليف بالمحال لا يقال: إنّ الأمر يتعلق بالمستقبل وليس المؤمن متلبساً بالعبادة المستقبلة حتى يكون تحصيلا للحاصل ولا يتجه السؤال لأنّ المتبادر من إطلاق اعبدوا إحداث أصل العبادة وهو حاصل فيتجه الجواب بأنّ المطلوب من المؤمنين ليس إيقاع أصل العبادة في المستقبل بل ازديادها وثباتها، وليس ذلك حاصلاً فلا إشكال وأنّ المطلوب من الكفار أصل العبادة على أنهم أمروا أن يأتوا بعد تحصيل شرائطها فإن الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلا به كأنهم قيل لهم حصلوا شرطها ثم افعلوها ولا استحالة في هذا بل في الأمر بإيقاعها مع انتفاء شرائطها كما مرّ، وما يقال من أنّ الإيمان أصل العبادات كلها فلو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعا مردود بأنّ الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنّ هذا واجب أيضا استقلالاً بدلائل أخر، والجمع بينهما آكد في إيجابه والكلام فيه مفصل في محله فلا إفادة في الإعادة. قوله: (فالمطلوب من الكفار الخ) إشارة إلى أن اعبدوا أمر موضوع للأمر بالعبادة مطلقاً فهو عامّ فيها شامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات شمول رجل لأفراده وليس
موضوعا لأصلها حتى يلزم من تناوله لغيره الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا موضوعا لكل منها استقلالاً حتى يلزم استعمال المشترك في معانيه، وشكلف دفعه بما لا وجه له، وقول المصنف ﵀ المشترك لم يرد به الاشتراك المقابل للتشكيك والتواطىء بل معنا. اللغوقي وهو صدقه عليها منفردة وغير منفردة فاعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقبلة، وتلك العبادة من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين موا! لبة وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في مفهومه وضعا فلا محذور فيه، وهالى هذا أشار المصنف رحمه ألله فالأمر بالعبادة أمر بقدر مشترك بين ما ذكر ولذا قال الفقهاء أنّ الشيء الممتد يعطي لبقائه حكم ابتدائه حتى لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، ثم استمر حنث وترك المصنف قوله في الكشاف على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٣٨]
стр. 429
لأنه وان لم يجعله جوابأ صستقلا بل علاوة غير صالح بوجه من الوجوه لأنّ هذه المعرفة المقارنة للإنكار لا تقتضي صحة العبادة ورب معرفة الجهل خير منها.
قوله: (بعد الإتيان بما يجب تقديمه الخ) هذا مبنيّ على أنّ المراد بالعبادة عمل الجوارح
فلا يدخل فيها الاعتقاد والمعرفة كما مرّ وقد قيل عليه أنّ الظاهر إدخال أعمال القلب في العبادة لأنها أقصى الخضوع وهو لا يتحقق بدون معرفة المعبود، وقوله والإقرار بالصانع أي أن العبادة لا يعتد بها إلا بعد الإقرار، وقد قيل عليه أنّ الإقرار إن لم يدخل في الإيمان كما ذهب إليه بعض المحققين فلم لا تعتبر العبادة بدونه إلا أنّ المصنف ﵀ رجح فيما سبق أنّ الإقرار لا بد منه في حصول الإيمان، وفي تفسير السمرقندي ﵀ أنه روي عن ابن عباس ﵄ تفسير اعبدوا بوحدوا وخرّج على وجهين أحدهما: أنّ عبادة الله لا تكون إلا بالتوحيد فهو سبب لها فأطلقت عليه مجازاً والثاني أن: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ بمعنى اجعلوا عبادتكم لواحد لا تعبدوا غيره لأنّ مشركي العرب كانوا يوحدون الله في التخليق وإنما أشركوا الأصنام معه في العبادة فلذا أمروا بالعبادة للواحد الأحد لا غير ثم إنه قدّس سرّه اعترض على قوله بما يجب الخ بأن مجرد معرفة الله والإقرار به ليس كافيا في صحة العبادة بل لا بد معه من التصديق بالنبوّة والاعتراف بها وهو منتف عنهم وأجيب بأنه يريد أنّ هذا القدر من الشرط إن حصل فليضموا إليه ما بقي ثم ليعبدوا وفيه نظر لا يخفى. قوله: (وإنما قال ريكم الخ (التربية مصدر وفي نسخة الربوبية بضم الراء كالخصوصية وهي مصدر أيضاً وفي نسخة الربية وما ذكر لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته. وهي قاعدة مشهورة وفي شرح الطيبيّ طيب الله ثراه
فرق بين قوله: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ﴾ وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ لأنّ في الثاني، إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعم التي بها تربيتهم وقوامهم وفي اعبدوا الله عبادته بمراعاة ذاته من غير واسطة وعلى ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ فحيث ذكر الناس ذكر الرب وحيث ذكر الإيمان ذكر لله وهي فائدة لطيفة ينبغي التأمل فيها. قوله: (صفة جرت على الرب للتعظيم الخ) الجري حقيقة في الاتباع: أي هي صفة أجريت على الرب للمدح إذ لا اشتباه في الرب المضاف إلى الكل فإن خص الخطاب بمشركي مكة احتمل التقييد والتخصيص لإطلاقهم الرلت على آلهتهم والتوضيح لأنه الرب الحقيقي عندهم وهم وسائل وشفعاء فهو في خطاب الشارع لا يحتمل غيره تعالى، والتعليل بيان علة الربوبية بأنه الخالق وكون النعت يفيد التعليل من فحوى الكلام ومن تعليق الحكم بالمشتق فإنه يقتضي عليه مأخذ الاشتقاق وإنما لم يذكره النحاة لأنه ليس وضعياً أو لأنّ بيان علة الشيء توضيح له وإنما قال يحتمل التقييد دون التخصيص لأنهم اصطلحوا على أنّ التخصيص تقليل الاشتراك في النكرات وموصوفه هنا معرفة فالتقييد: رفع الاشتراك الناشئ من إطلاق الرب في استحقاق العبادة بخلاف الخالقية فإنها مخصوصة به عندهم ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وما ذكرناه من تفسير التعليل بأنه بيان علة كونه ربا ومالكاً لهم لأن المالك الحقيقيّ هو الموجد ولذا قيل إنهم إذا اعتقدوا أنّ الآلهة شفعاء يكون إطلاق الرب بمحنى المالك عليها مجازاً، وسيأتي الكلام فيه وذمب إليه بعض أرباب الحواشي وقيل المراد به بيان علة الأمر بعبادته تعالى وبيان سبب الوجود لأنه المنعم بنعمة الإيجاد وما ينبني عليها، ولهذا قال الرازي: أنه بيالط لأنّ العبادة لا تستحق إلا بذلك وهو الوجه فتدبر. قوله: (والخلق إيجاد الشيء الخ) التقدير تعيين المقدار والاستواء افتعال من المساواة وهي كما قال! الراغب المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل يقال هذا مساو لهذا أي هما سواء وقوله خلقك فسوّاك أي جعل خلقك على مقتضى الحكمة فقوله على تقدير واستواء أي مشتفلاً على ذلك وقيل يحتمل أن يريد بالاستواء كون ما برز في الوجود على طبق ما قدر في العلم وما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [سورة الأعلى، الآية: ٢، هو أنه جعل له ما به يتأتى كماله ويتمّ معاشه وهذا أفيد لأنّ الأوّل يستفاد من قوله على تقدير غير أنّ قوله خلق النعل الخ يؤيد الأوّل وأصل معناه التقدير ثم قيل للإيجاد على مقدار معين وجاء على أصله في قول
стр. 430
زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وب! ض القوم يخلق ثم لا يفري
ومن كلام الحجاج ما خلقت إلا فريت، وما وعدت إلا وفيت، وقيل إنه بهذا المعنى لا
يستعمل في الله تعالى وعدل عن قول الزمخشري: الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء يقال خلق النعل إذا قدرها وسوّاها بالمقياس لما فيه من الاختصار المخل كما أشار إليه. قوله: (متناول لكل ما يتقدّم الإنسان الخ) التناول معناه الحقيقيّ الأخذ يقال ناوله كذا إذا أعطاه فتناوله أي أخذه ثم تجوّز به عن الشمول وشاع حتى صار حقيقة فيه في كلام الناس، واصطلاح المصنفين ولم يرد في كلام العرب بهذا المعنى وقبل من الظروف، وأكثر فيها الظرفية الزمانية وتكون للمكانية وهي في غير هذا مجاز قال الراغب قبل يستعمل على أوجه الأوّل في المكان بحسب الإضافة فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكة إلى أصبهان الكوفة قبل بغداد. الثاني في الزمان نحو زمان عبد الملك قبل المنصور، الثالث في المنزلة نحو عبد الملك قبل الحجاج. الرابع في الترتيب الصناعي نحو تعلم الهجاء قبل الخط انتهى، فهي في اللغة مقابلة لبعد زماناً ومكانا، ويتجوّز بها عن التقدم بالشرف والرتبة في كلام العرب وهو الذي أشار إليه المصنف ﵀ بقوله بالذات فجمع بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ الواردين في اسنعمالط العرب وأدخل التقدم المكانيّ في ذلك للإيجار كما هو دأبه، والحكماء قالوا التقدم والتأخر يقال على خمسة أشياء التقدم بالزمان وهو ظاهر والتقدم بالطبع كتقدّم الواحد على الاثنين، والتقدّم بالشرف! قدّم أبي بكر على عمر، والتقدم بالرتبة وهو ما كان أقرب من مبدأ محدود كصفوف المسجد بالنسبة إلى المحراب، والتقدم بالعيية كتقدم حركة اليد على حركة القلم وأثبت المتكلمون قسما آخر للتقدم سموه التقدم بالذات كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض وقيل إنه غير خارج عنها لأنّ بعضه داخل في التقدم بالطبع وبعضه في التقدّم بالرتبة والتحقيق أنه داخل في التقدم بالزمان ومن هنا ظهر لك أن كلام المصنف جار على وفق اللغة واستعمال العرب لا على مصطلح الحكماء فمن أرجعه إليه وقال التقدم الذاتي عبارة عن تقذم المحتاج إليه على المحتاج فيشمل التقدم بالعلية والطبع والتقدم الزماني هو الذي لا يجامع المتقدم فيه المتأخر، ثم قال بعد الفرق بينهما أن المراد هنا التقدم بالطبع والذين موضوع للعقلاء، إلا أنّ المصنف عممه لم يصب، والذي غرّه فيه ما وقع في بعض الحواشي حتى قيل إنّ فيه رائحة من كلام الفلاسفة فإنّ مراده بالتقذم الذاتي ما تقدم على أن الخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بمن قبلهم من تقدّمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم كالنبيّ لمجتن والمؤمنين فقط ما قيل: عليه من أنه جعل القبلية شاملة للتقدم الذاتي والزمانيّ وهو جيد لو ساعدته اللغة وكذا ما قيل من أنه مخالف لما عليه أهل السنة لأنهم لا يثبتون التقدم بالذات لغير الله تعالى إلى آخر ما أطالوا به بغير طائل. قوله: (منصوب معطوف الخ) دفع لتوهم عطفه على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ في فصيح الكلام ولما فيه من الفصل بنعت المضاف إليه. قوله: (والجملة أخرجت مخرج المقرّر الخ)
أي جملة لخ! م الواقعة صلة الذي أخرجت مخرج ما هو ثابت مقرّر معلوم لأنّ الصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب إلى الموصول عند المخاطب ولذا تعرّف الموصول بما فيها من العهد واشترط فيها الخبرية وقيل: مراده أن الصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب مقرّرة عنده ولذا قالوا: إنّ الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار، وهو بناء على أنّ المخاطب المشركون المنكرون ولذا وجهه المصنف ﵀ بما سنوضحه لك وإنما رجحنا تفسيره بما ذكرناه أوّلاً لأنه المتبادر من كونه جملة إذ الموصول مفرد فلو كان هو المراد احتاج إلى التأويل بأنه لكونه مع جملة الصفة كالشيء الواحد عدة جملة. على أنّ وجوب العلم بمضمون الجملة وانتسابها إنما هو مقرّر في الصلة دون الصفة عند صاحب الكشاف حيث ذكر في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أنّ النار
стр. 431
جاءت معرفة هنا وفي سورة التحريم نكرة موصوفة، لأنها نزلت أوّلاً بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم جاءت في سورة البقرة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً، ولذا قالط بعض الفضلاء الأظهر أنّ الوصف بشيء لا يجب كونه معلوما بل يجب إمّا كونه معلوما أو بحيث يعلم بأدنى توجه ألا تراك تقول اضرب رجلا يضربك، وهو لا يدري من سيضربه لكنه يعلمه بعد الوقوع وكون الخالق هو الله مما تقزر لأنهم لا يشركون فيه وإنما يشركون في العبادة كما مرّ وبه صرّح في النظم المذكور فلا حاجة إلى ادّعاء التغليب على تقدير العموم في الخطاب لعدم الخفاء عند المسلمين، وإنما الكلام فيمن عداهم وإخراجه مخرج المقرّر في التعبير بعبارته لا ينافي كونه مقرّرا في الخارج حتى يتأتى تعليله باعترافهم والاستدلال بالآيتين اللتين ذكرهما المصنف ﵀ على الاعتراف ظاهر والتنظير فيه والقول بأنّ الوجه هو الثاني لا وجه له. قوله: (أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر) أي بأقرب نظر أو أقله لسهولته وهذا إن كان من الكفرة من لا يعلم أنّ الله خالقه وخالق من قبله لا سيما على ما فسر به المصنف ﵀ القبلية فنزل قدرته على العلم منزلة حصوله وأخرجت الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر فإنه قد ينزل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين كما ينزل العالم منزلة الجاهل لعدم عمله. قوله: (وقرئ من قبلكم) القراءة المشهورة بمن المكسورة الميم الجارّة، وقد استشكلت أيضاً بأن الجارّ والمجرور لا يصح أن يكون صلة إلا إذا جاز أن يخبر به عن المبتدأ ومن قبلكم ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة فلا يصح أن يقع خبراً إلا بتأويل فكذلك حكمه في الصلة وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة الواضحة صح الإخبار به والوصل فتقول نحن في يوم طيب وما هنا بتقدير في زمان قبل زمانكم، وقال أبو البقاء التقدير هنا والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه، وأمّا قراءة من بفتح الميم كالموصولة وهي قراءة زيد بن عليّ الشاذة فمشكلة لتوالي موصولين والصلة واحدة
ولا يصح أن يكون تأكيداً لأنّ المعنوي بألفاظ مخصوصة واللفظيّ بإعادة اللفظ بعينه، وهذا خارج عنهما فخرجت كما قاله المصنف ﵀ على إقحام الموصول الثاني أي زيادته وأصل معنى الإقحام إدخال شيء في آخر بفف كما مرّ كما أقحم الشاعر في قوله:
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم
تيما الثاني بين الأوّل وما أضيف إليه وأقحم لام الإضافة أيضاً بين المتضايفين في لا أبا
لكم إلا أنّ المصنف ﵀ ترك الثاني مع ذكره في البيت وتصريح الزمخشري. به لأنه عند ابن الحاجب ليس مضافا واللام زائدة وأنما عومل معاملة المضاف وارتضاه المصنف ﵀ لسلامته من التكلف، وقيل على هذا التوجيه أنه غير سديد لأنّ الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك، وخرج على أنّ من موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر فما بعده صلة أو صفة وهو مع المقدر صلة الموصول الأوّل والتقدير الذين هم من قبلكم، والمراد بالتأكيد على تقديره الزيادة لأنّ الزيادة تفيد تقوية الكلام في كلامهم فلا يرد عليه ما قيل من أنه خارج عن قسمي التأكيد وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء وأجاز الكسائي أيضاً زيادة من الموصولة وجعل منه قوله:
وكفى بنا فضلاً على من غيرنا
فلا حاجة إلى أن يقال إنه تكيد لفظيّ فإنه يكون بعينه وبمرادفه فيرد عليه أنّ الموصول
بدون صلته لا يفيد شيئا فكيف يؤكد. قوله: (يا تيم تيم عديّ لا أباً لكم) هو مصراع بيت من شعر لجرير هجا به عمر بن لجا بن حدير أحد بني مصاد والشعر أوّله:
هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر واستعجم اليوم من سلامة الخبر
وياتيم تيم عديّ لا أبالكم لايلقينكم في سورة عمر
أحين صرت سمامايا بني لجا وخاطرت بي عن أحسابها مضر
خل الطريق لمن يبني المنار به وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر
وبرزة أمّ عمر بن لجا فأجابه عمر بقوله:
стр. 432
لقد كذبت وشرّ ألقول أكذبه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت برزة خوّار على أمة لن يسبق الجلبات اللؤم والخور
وله قصة مذكورة في شرح شعر جرير وتيم بفتح التاء الفوقية وسكون التحتية أصل معناه العبد، ومنه تيم الله ثم سمى به عدة قبائل ومنها تيم عديّ التي منها عمر المذكور فخاطب
جرير قبيلته لما بنغه عنه أنه أراد هجاءه وقال لهم لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شرّي بأن أهجوكم بسببه، وبجوز في تيم الأوّل الضم والفتح والثاني مفتوح فقط وما ذكر هنا بناء على أنّ تيم الأوّل مضاف لعديّ والثاني مقحم بينهما للتأكيد وفيه وجوه أخر مفصلة في باب المنادى وشبه الإقحام بين الصلة والموصول ببين المضاف والمضاف إليه ووجه الشبه ظاهر. قوله: (حال من الضمير في اعبدوا الخ) رجح هذا الوجه المصنف تبعا لكثير من المفسرين وخالف الزمخشري في ترجيحه الوجه الآتي بيانه وتقريره، واعلم أنّ لعل موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن والمشهور تقابل الترجي والإشفاق فتكون مشتركة بينهما لكن المحقق الرضي ذكر أنّ في لعل معنى ترجيت والترجي ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله ويدخل في الارتقاب الطمع والإشفاق فالطمع ارتقاب أمر محبوب والإشفاق ارتكاب أمر مكروه، والترجي أعمّ من الطلب وقيل بالعكس والذي ارتضاه النحاة في شرح التلخيص أنّ الترجي ليس بطلب وما ذكر هو معناه الحقيقيّ وقد تخرج إلى معان أخر، واختلف في لعل الواقعة في كلامه تعالى فقيل ليست على حقيقتها بل هي للتعليل وسيأتي ما فيه وقيل لتحقيق مضمون ما بعدها ولا يطرد لورود نحو لعلة يتذكر أو يخشى والذي ارتضاه سيبويه وبعض النحاة أنها على حقيقتها والرجاء والإشفاق يتعلق بالمخاطبين لأنّ الأصل أن لا يخرج عن الحقيقة بغير داع وهذا هو الذي اختاره المصنف ﵀ إلا أن الرجاء لما كان غير لائق به تعالى صرفه إلى المخاطبين بناء على أنّ معاني الألفاظ تكون بالنظر إلى المتكلم وبالنظر إلى المخاطب والى غيرهما والظاهر أنّ الثاني مجاز لكنه أقرب إلى الحقيقة لبقائها في الجملة فإن قلنا إنه حقيقة فلا كلام في ترجيحه وجعله حالاً من فاعل اعبدوا بتأويله براجين لأنه إنشاء ومثله لا يقع حالاً بغير تأويل كما صرّح به النحاة والحال قيد لعاملها وهو الأمر فإن قلنا إنه أعئم من الوجوب فلا إشكال وان قلنا الأصل فيه الوجوب فيقتضي وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها وليس بواجب فقد يمنع ويقال إنه يقتضي وجوب المقيد دون قيده وفيه كلام في الأصول ولهذا جعل ما اختاره المصنف مرجوحا وقيل إنّ فيه أيضا عدولاً عن تعليقه بالأقرب إلى الأبعد وتوسطه بين العصا ولحائها فإنّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢] موصول بربكم صفة له بحسب المعنى، دمان جعل منصوبا أو مرفوعا على المدح والتعظيم، وأيضا لا طائل في تقييد العبادة برجاء التقوى لأن رجاء الشيء ينافي حصوله حين الرجاء بل المناسب تقييدها بنفس التقوى أي اعبدوه متقين أو عطفها عليها أي اعبدوه واتقوا ولا مساغ للحمل على رجاء ثواب التقوى لإخراجه الكلام عن سننه كما لا يخفى، وأجيب عنه بأنه يرجح تعلقه بالأبعد أنه حينئذ حقيقة وأنه لم يقيد العبادة برجاء التقوى حتى يرد ما ذكر بل قيد باستمرار التقوى. كما يفيده المضارع ورجاء استمرار التقوى يفيد حصول التقوى على أبلغ وجه وفائدته الاحتراز عن الاغترار وأمّا الفصل المذكور
فيهوّنه القطع وان كان بينهما اتصال معنويّ ويدفعه بالكلية جعله مبتدأ خبره جملة فلا تجعلوا الخ ولا يخفى ما فيه من التكلف والردّ بما تداركه من قوله صفة بحسب المعنى مع عدم تعين القطع وبناء الوجه الراجح على مرجوح عنده. كله لا يدفع الترجيح بل يؤيده وقيل في الجواب عنه أيضاً أن قوله راجين الخ جواب عما أورد من أنه لا طائل تحته لأنه إذا حملت التقوى على معناها الثالث وهو التبري عما سوى الله المقتضي للفوز بالهدى عاجلا وبالقرب فيه آجلا ففيه طائل وأيّ طائل وهو أقرب مما قبله فتدبر. قوله: (أن تنخرطوا لخ) الانخراط بمعنى النظم كما يشهد له اقترانه بالسلك وهو
стр. 433
الخيط الذي تنظم فيه الدرر وما ضاهاها وقع في كلام كثير من العلماء والأدباء كالزمخشري والحريرفي والسكاكيّ وغيرهم، إلا أني لم أره في كلام العرب بهذا المعنى ونظرت في كتب اللغة التي بأيدي الناس فلم أر في شيء منها تفسير. بما ذكر، والذي أراه في توجيهه أنه من الخريطة وهي الكيس فإنه يقال أخرطت الخريطة كما في المحيط الصاحبيّ من كتب اللغة فيكون على ضرب من التسامح فيه بجعل جمع الكيس كجمع العقد وهو قريب جداً والاستيجاب المراد به ألاستحقاق بفضله تعالى وضمن التبري معنى الفرار فعداه بإلى وهو ظاهر وقوله المستوجبين بصيغة الجمع صفة للمتقين أو بدل منه بمعنى المستحقين وبصيغة التثنية صفة للهدى والفلاح بمعنى المقتضيين لما ذكر، والهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة. قوله: (نبه به) أي بما ذكر أو بالحال لأنها تذكر وتؤنث وأشار بقوله نبه إلى أنه ليس من منطوق اللفظ بل من إيمانه فإنه غير مخصوص بهؤلاء سواء عمّ الخطاب أو خص لكن التعبير بالترجي في حق الجميع يومئ إلى أنها رتبة عظيمة لأنّ طالب الحق لا يزال يترقى من حال إلى آخر، ويسمى ذلك سيرآ والسلوك معناه في اللغة مطلق الدخول ثم خص عند الصوفية بالدخول في طريق موصل للحق والسالك عندهم هو السائر إلى الله المتوسط بين المريد والمنتهى ما دام في السير وفسر التقوى بما ذكر وهو من مراتبها السابقة وقوله وأن العابد الخ هذا لما نظرا إلى ظاهر الترجي لأنه يستعمل فيما يحتمل الوقوع وعدمه فكل مترج خائف مما يؤذي إلى سخطه تعالى، ويحتمل أنه إشارة إلى حمل التقوى على معناه الأول الذي به يتقي العذاب فلا يتجه عليه شيء، ولا يرد ما قيل من أنّ المفهوم من لعل الرجاء دون الخوف إذ المراد خوف عدم حصول المرجوّ من التقوى المفضي إلى العذاب فينطبق حينثذ على ما استشهد به من قوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٥٧] ويؤيده كون لعل يدل على الإشفاق أيضاً وفي احتماله ما يومئ لما ذكر لمن تدبر. قوله: (أو من حاشية الشهاب / ج ٢ / م ٢
مفعول خلقكم الخ) معطوف على قوله من الضمير في اعبدوا إشارة إلى ما في الكشاف بعد ما ذكر حقيقتها من الترجي والإشفاق وأنها تكون في كلامه تعالى للإطماع من أنها هنا ليست في شيء لأنّ الرجاء لا يجوز عليه تعالى، وحمله على أنه يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد فلعل هنا مجاز لأنه خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة عن أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ففي الكلام استعارة لتشبيههم بالمرجوّ منهم، وتشبيهه تعالى بالراجي فإنّ هناك حالة شبيهة بالرجاء وهي إرادته تعالى منهم التقوى فأمّا أن تعتبر استعارة كلمة الترجي للإرادة استعارة تبعية حرفية أو يلاحظ هيئة مركبة من راج ومرجوّ منه ورجاء فت! ون تمثيلية صرّج من ألفاظها بالعمد منها ونوى ما سواه فلا تجوّز في لعل كما مرّ تفصيله إلا أنه قيل إن كلامه يميل إلى الأوّل إلا أنه راعى الأدب فلم يصرّح بنسبة التشبيه إليه تعالى ولا إلى إرادته وإن صزح به فيئ محل آخر لأنه لا تظهر المشابهة بين الإرادة والرجاء إلا باعتبار حال متعلقيهما أعني المكلف والمترجي منه فذكر التشبيه بين حاليهما لتظهر تلك المشابهة في أنّ متعلق كل من الإرادة والترجي متردّد بين الفعل وعدمه مع رجحان ما لجانب الفعل فإنه تعالى وضع بأيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الطاعة كما هو مذهب المعتزلة ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليه، ووعد وأوعد وألطف بما لا يحصى فلم يبق للمكلف عذر وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في اختياره لما ترجى منه مع تمكنه من خلافه وصارت إرادته تعالى لاتقائه بمنزلة الترجي، ولما كان ما ذكره المصنف أقرب إلى الحقيقة وهو مجاز ما فيه من الابتناء على الاعتزال رجح الأوّل واخاره ولم يلتفت لما أوردوه عليه وأسقط منو قوله وضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير لأنه نزغة اعزالية فإذا سلم الكلام منها لم يبق به بأس ولذا قال ابن عطية لما اختار تعلقه بخلقكم لقربه أنه لما ولد كل مولود على الفطرة. كان بحيث إن
стр. 434
تأمّله متأمّل توقع منه رجاء أن يكون متقيا، وليس هذا ما في الكشاف بعينه كما توهم بل هو وجه آخر أبقى فيه لعل على حقيقته من الترجي إلا أن الترجي ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [سورة هود، الآية: ٢ ا] ومن نزل عليه كلام المصنف وقال المعنى إنه خلقكم ومن قبلكم والحال أنّ من شأنكم وشأنهم أن يرجو منكم ومنهم التقوى كل من يتأتى منه الر%ظء والتوقع وهذا لا يستلزم تشبيهه تعالى بالمترجي ولا تعيين الراجي خبط وخلط، والذي عليه أرباب الحواشي أنّ هذا بعينه ما في الكشاف والمعطوف عليه قوله والذين من قبلكم. قوله: (في صورة من يرجى منه الخ) هذا صريح في الاستعارة فلا وجه لمن جعله حقيقة والدواعي جمع داعية أو داع لأنه لما لا يعقل والإنسان إذا
اعتقد أنّ له في الفعل أو الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه فهذا الاعتقاد سواء نشأ عن علم أو ظن هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم دعاه أي طلبه فكأنّ علمه بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي بالغرض! ، ومجموع القدرة، والداعية يسمى علة تامّة كما ذكره الأصوليون وفسرت هنا بالزواجر والمرغبات وعلى هذا الوجه الترجي مستعار للإرادة، كما صرّح به السيد وغيره وهو مع ظهوره قيل عليةلم! أن في شرح المقاصد أن الإرادة عند محققي المعتزلة العلم بما في الفعل من المصلحة ولا شك أنه لا شك في أنه لا مشابهة بين العلم والترجي أصلاً فلا يظهر اعتباره في الآية ويمكن أن يقال إنه نقل في شرح المقاصد أيضا عن الكعبيّ من المعتزلة أنّ إرادة فعل الغير الأمر به فيندفع الإشكال إذ المراد بالأمر الظلب بقي أنّ المشابهة بين الرجاء والإرادة بمعنى الطلب أو الصفة المرجحة المخصصة للفعل ظاهرة بلا حاجة إلى اعتبار المترجي منه والمراد منه على أنّ المتبادر من تقديره قدس سرّه أنّ المعتبر في الترجي رجحان جانب الفعل بحسب الوقوع في نفس الأمر وليس كذلك إذ يكفي ترجيحه في نظر الزواجر وهذا كله من ضيق العطن وتكثير السواد بما لا يليق بمثله فإنّ العلم ليس مطلقا بل علم مصلحة الفعل ولا خفاء في مشابهتة للترجي في جانب الوقوع فيهما وما بعده على طرف الثمام. قوله: (وغلب المخاطبين على الفائببن الخ (هذا جواب عن سؤال هو أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون خلق من قبلهم لدّلك فلم قصر عليهم دون من قبلهم، فأجيب بأنه لم يقصر عليهم ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفملى والمعنى على إرادتهم جميعاً ولو لم يغلب قيل لعلكم واياهم، وهذا محصل ما في الكشاف إلا أنه قيل على المصنف أنه عمم أوّلاً في قوله الذين من قبلكم لغير العقلاء ثم اعتبر هنا تغليب المخاطبين على من قبلهم العامّ فيلزمه أن يكون ما سوى الإنسان من الجماد والحيوان الداخل فيمن قبلهم مطلوبا منه التقوى وإنما لزمه هذا من جمعه بين كلام الراغب والزمخشري، فإنّ الزمخشري اعتبر التغليب لكنه لم يعمم الذين من قبلهم لغير العقلاء والرإغب عكس فلما جمع بين كلاميهما لزم منه ما لزم، وأجيب بأنّ قوله لعلكم تتقون إذا كان حالاً من ضمير اعبدوا تناول الذين من قبلكم العقلاء وغيرهم وهو الذي اختاره الراغب واقتصر عليه وإذا كان حالاً من مفعول خلقكم والمعطوف عليه كان المراد بقوله الذين من قبلقم الأمم السالفة وهو الذي اختاره في الكشاف والتغليب مختص بهذا الوجه فكأنه قال أو عن مفعول خلقكم والمعطوف عليه لا على غعنى جعله متناولاً لغير ذي العقول بل على أنه خلقكم ومن قبلكم من الأمم السالفة وغلب المخاطبين من الأمم على الغائبين منهم فلا إشكال فيه. وأمّا جعل هذا التفاتاً لمن ذكر بطريق الغيبة من غير حاجة إلى التغليب فقيل إنه لم يلتفت إليه لأنه لا يجوز صرف الخطاب عن جماعة إلى جماعة أشمل من الأولى في كلام واحد ولا يخفى عليك أنه لا بد من التغليب في قوله الذين من قبلكم أيضاً لأنّ الذين ونحوه من صيغ جمع المذكر السالم مخصوص بالعقلاء فإطلاقه على غيرهم إنما يكون
بطريق التغليب وحينئذ فلا مانع من أن ينسب إلى الجميع ما ينسب إلى بعضهم من ترجي التقوى ويتبنى هذا على التغليب والاختلاط السابق كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم ففي الكلام حينئذ تغليبان أحدهما: في اللفظ والآخر: في النسبة فإنّ التغليب كما يكون في طرفي
стр. 435
القضية يكون في نسبتها كما صرّحوا به واجتماع تغليبين في لفظ واحد وارد في القرآن كما صرّح به في شرح التلخيص والمفتاح في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١] وهذا ليس بأبعد مما اذعاه من غير بينة فتأمّل.
قوله: (وقيل تعليل الخ (في الكث اف لعل جاءت للأطماع روتي القرآن من كريم رحيم إذا
أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه وهو معنى ما قيل من أنها بمعنى كي لأنها لا تكون بمعنى كي حقيقة وأيضا فمن ديدن الملوك وعادتهم أن يقتصروا في مواعيدهم المن! ش ة على عسى ولعل ونحوهما أو يخيلوا إخالة رمزة وابتسامة، فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق شك في النجاج والفوز بالمطلوب وعلى هذا ورد كلام مالك الملوك ذي الكبرياء أو جاء على طريق الإطماع لئلا يتكل العباد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم، الآية: ٨] والأطماع إيقاع الغير في الطمع والطمع كما قاله الراغب نزوع النفس إلى الشيء فهو توجيه فيما له ترجي المخاطب وهو الذي أراده فإنّ معاني الألفاظ كما تكون بالنسبة إلى المتكلم تكون بالنسبة للمخاطب وغيره حقيقة فهو معنى حقيقيّ أيضاً للعل واليه أشار الشريف في شرحه، وهو معنى قول الراغب الطمع والإشفاق لا يصح على الله ولعل وان كان طمعاً فإنه يقتضي في كلامهم أن يكون تارة طمع المخاطب وتارة طمع غيره وتحقيق هذا المقام، وتطبيق مفاصل كلام العلامة من مزالّ الإقدام التي خبط فيها شراحه، والحق الحقيق بالقبول ما تلخص من كلام بعض الفحول، وهو أنه أراد أنها للتحقئين إلا أنه أبرز في صورة الأطماع وترجية الغير إمّا لإظهار أنه لا فرق بين أطماعه في شيء وبين جزمه بإعطائه لاقتضاء كرمه ذلك أو لسلوك طريق الملوك في إظهار الكبرياء وقلة الاعتداد بالأشياء أو للتنبيه على أنّ حق العباد أن لا يتكلوا على العبادة بل يقفوا بين الخوف والرجاء، ولما ذهب ابن الأنبارقي وغيره إلى أنّ لعل تجيء بمعنى كي حتى حملوها عليه في كل موضمع امتنع فيه الترجي سواء كان إطماعاً أو لا أشار إلى توجيه ما قالوه بأنهم لم يريدوا أنها بمعنى كي حقيقة لأنّ أهل اللغة يعدّوه من معانيها ولذا لم تقع في موضعها في نحو دخلت على المريض كي أعوده ولا يقول به أحد فالمراد أنّ ما بعدها، إذا صدر من كريم على سبيل الأطماع سيلحق عقب ما قبلها تحقق الغاية عقيب ما هي سبب له فكأنها بمعنى كي ولا يجري هذا إلا في الإطماعية دون غيرها. وقيل مقصوده الردّ عليهم مشيراً لمنشأ توهمهم وفيه أنه توهم عامّ منشؤه خاص وقد ارتضاه بعضهم ونزل عليه كلام المصنف ﵀ والظاهر ما ارتضاه قدس سرّه، وما قيل من أنّ من فسرها بكي لا يدعي أنها حقيقة
في معناها حتى يكونا مترادفين يصح وقوع كل منهما في موقع الآخر بل مجاز فلا يقتضي صحة وقوعها في جميع مواقع كي حتى يلزم صحة نحو لعلي أعوده مع أنه لا يلزم من كون لفظ بمعنى آخر أن يعطي له جميع أحكامه ولم يدعوا أنه لا فرق بينهما أصلا ولا نسلم الاتفاق على عدم صلوحها لمجرّد معنى العلية بل الظاهر الاتفاق على خلافه لأنّ جمهور المفسرين حتى الزمخشريّ والمصنف فسروها بكي في مواضمع كثيرة كما سيأتي نيه ما فيه ثم إنّ كثيرا من أهل اللغة والعربية " تد عدوه من معانيها كما نقل عن سيبوبه وقطرب، أقول لك أن تقول إنّ الأطماع بمعنى الترجي إذا كان معنى حقيقياً يكنى به بقرينة مقام الكبرياء عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء كما قال زهير:
غمرالرداءإذاتبسم ضاحكا عتقت لضحكته رقاب المال
ثم يتجوّز به عن كل متحقق كتحقق العلة سواء كان معه أطماع أم لا كما قرّروه في المجاز المبنيّ على الكناية في نحو لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم فالعلامة اختاره لأنّ المجاز أولى من الاشتراك عنده لا سيما وهو أبلغ وفيه جمع لنشر كلام القوم ولا ينافي حيئ! ذ تفسيره به وكيف لا وقد صرّح به وقال إنها جاءت كذلك في مواضع من القرآن فإن نزل كلام المصنف عليه بصرف قوله إذ لم يثبت في اللغة إلى أنه لم لثت على أنه معنى حقيقيّ فيها ونعمت والا يدفع ما يرد عليه حيث فسر به بأنه تغ فيه غيره وان لم يكن مرضياً له
стр. 436
وهي شنشنة من أخزم، نعم كلام كثير من أهل العربية يدلّ على أنه معنى حقيقيّ لها ولكل وجهة يرضاها وليكن هذا على ذكر منك ينفعك فيما سيأتي. قوله: (كما قال وما خلقت الخ) إشارة إلى جواب سؤال تقديره كيف يصح جعلها بمعنى كي وأفعاله تعالى على المشهور لا قعلل بالأغراض عند الأشاعرة خلافا للمعتزلة فلا يقال فعل كذا لكذا بل لحكمة لأنّ الأصح خلافه حتى قال صدر الشريعة ﵀ أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد عندنا مع أنه لا يجب عليه الأصلح وما أبعد عن الحق من قال إنها غير معللة بها فإنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق واظهار المعجزات فمن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد أنكر النبوّة ولذا كان القياس حجة وأمّا الوقوف على ذلك في كل محل فلا يلزم، والحق أنّ الخلاف في هذه المسألة لفظيّ فان فسرت العلة والغرض بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه تعالى وان فسرت بالحكمة والثمرة المترتبة على الفعل فلا شبهة في وقوعها كما قيل:
من عرف الله أزال التهمه وقال كل فعله لحكمه
ولما لم يصح عند الأشاعرة استعارة لعل للإرادة لاستلزامها وقوع المراد جعلوها مجازا
عن الطلب الأعمّ وحيث فسرت بالإرادة فيتجوّز عن الطلب وأمّا التعليل فقد عرفته آنفاً. قوله؟
(وهو ضعيف الخ) استشكل بأنه مناف لتفسيرهم به في آيات كثيرة ولتصريح النحاة به واستشهادهم عليه بكلام فصحاء العرب كقوله:
فقلتهم لنا كفوا الحروب لعلنا نك! ووثقتم لناكل موثق
فإنّ قوله وثقتم الخ يقتضي عدم التردّد في الوقوع كما في الترجي وبهذا يتعين أنها بمعنى
كي ووجه بأنه استعارة للطلب فإمّا أن يجعل مفعولاً له أي خلقكم لطلب التقوى والتعليل مستفاد من ربطها بما قبلها أو حالاً أي خلقهم طالبا منهم التقوى ولا يخفى ما فيه من التعسف وأنت إذا عرفت ما قرّرناه استغنيت عن مثل هذه التكلفات. قوله: (والآية تدلّ على أنّ الطريق إلى معرفة الله تعالى الخ) هذه الدلالة ليست بطريق البرهان العقليّ وإنما هي بطريق الإشارة من عرض الكلام وفحوى المعنى ووجهه بعد العلم بأنّ المراد بمعرفة الله التصديق بوجوده متصفا بصفاته اللائقة بجلال ذاته، ووحدانيته بفتح الواو تفرّده ة ي جميع شؤونه بحيث لا يصح عليه التجزي ولا التكثير ولا يشاركه شيء أصلاً وأصله الوحدية فزيد فيه ألف ونون على خلاف القياس للمبالغة كما قيل في نفسانيّ وروحانيّ وهو وان شاع لم يذكره أهل اللغة بخصوصه، والعلم معطوف على المعرفة والفرق بينهما مشهور، والصنع إجادة الفعل فهو أخص منه، والاستدلال إقامة الدليل بأنه لما أمر وجوبا بعبادته توقف ذلك على معرفته فيجب أيضاً لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلا به واستحقاقه العبادة عامّة مأخوذ من هذا الأمر لأنه لو لم يستحق لم يجب أو من عنوان الربوبية لأنّ المالك الانقياد والخضوع له والنظر في مصنوعاته من الأنفس والآفاق يدلّ على ذلك لأنها محدثات مبتدعة في غاية الإتقان فلا بدّ لها من موجد واجب الوجود لئلا يتسلسل ويلزم المحال كما تقرّر في- الأصول، وعقة الاحتياج الإمكان أو الحدوث أو هما كما هو مشهور، والمصنوعات دلّ عليها قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿رِزْقاً﴾ ، ووجه الترتيب أن أقرب الأشياء إلى الناظر نفسه وأحواله الدال عليها قوله خلقكم فلذا قدم ثم اتبع بالأصول وما يليه، وتعين النظر طريقاً إلى المعرفة يفهم من التوصيف المقصود منه تعيين الرب بمصنوعاته المأمور بعبادته فكأنه قيل إن لم تعرفوا المستحق للعبادة الواجبة فهو من اتصف بما ذكر، ولا شك أنه إشارة إلى طريق النظر والفكر وأمّا كونه طريقا للتوحيد فقيل لأنّ السياق له وما ذكر طريق لمعرفته، وأمّا الاستحقاق فمن تعليق الحكم بالوصف المشتق المشعر بالعلية التي لا تعرف إلا بالنظر في الصنع وبما ذكرناه علم أنه لا يرد على المصنف ﵀ ما قيل من أنّ ما ذكره ظاهر لو كانت العبادة بمعنى المعرفة كما فسر به قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] أو كانت
стр. 437
شاملة لها وإلا ففيه خفاء لما عرفته من وجه التفسير بها. قوله: (وأن العبد لا يستحق الخ الأنه
تفضل بخلقه وإيجاده وتربيته واعطائه ما به قوامه فلو فكر في كل عضو عضو وما ركب فيه من القوى والحواس لوجده أنعم عليه قبل عبادته بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته بعضاً منه فكيف يستحق بها شيئا آخر كما لا يخفى وهذا مستفاد من تعليق الأمر بالرب الموصوف بما ذكر وبهذا ظهر موقع لعل هنا لمن تدبر. واعلم أنه سأل في الكشاف لم يقل في النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم أي ليتناسب أوّل الكلام وآخره إذ معناه حينئذ اشتغلوا بالأمر الذي خلقتكم لأجله مع اشتماله على صنعة بديعة من ردّ العجز على الصدور وما في النظم يوهم أنّ المعنى اشتغلوا بما جلقتم لغيره وهو متنافر وأجاب بأنّ التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدّي إلى تنافر النظم وإنما التقوى قصارى أمر العابد فإذا قال اعبدوا ربكم الذي خلقكم للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة وأشد إلزاما ونحوه أن تقول لعبدك احمل خريطة الكتب فما ملكتك إلا لجرّ الأثقال، ولو قلت لحمل الخرائط لم يقع ذلك الموقع، وقال أبو حيان ﵀ إنه ليس بشيء لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم على تقدير اعبدوا لعلكم تعبدون أو اتقوا لعلكم تتقون لما فيه من الغثاثة والفساد لأنه كقولك اضرب زيدا لعلك تضربه وتلقاه بعضهم بالقبول حتى قيل: إنّ المصنف إنما تركه لهذا أو لخفائه، مع أنه مبنيّ على أنّ لعل للتجليل فإنه إنما يحسن على ذلك التقدير، وهو مخالف لما قدمه من أنها ليست بهذا المعنى وما في شروحه من تقرير الجواب على وجه يدفع الغثاثة المذكورة كما قال قدس سرّه حاصل الجواب أنّ الملاءمة حاصلة بحسب المعنى مع مبالغة تامّة في إلزام العبادة كما صوّرها في المثال فإنّ الأخذ بالأشق الأصعب يسه!! الشاق الصعب ويعين على تحصيله وهو محل بحث فليتدبر. قوله:) صفة ثانية) هذا الموصول محتمل للرفع والنصف من أوجه، فالنصب إمّا على القطع بتقدير أعني أو على أنه نعت ربكم أو بدل منه أو مفعول تتقون، ورجحه أبو البقاء أو نعت الأوّل لكهم قالوا: إنّ النعت لا ينعت عند بعضهم فإن جاء ما يوهمه جعل نعتا ثانيا إلا أن يمنع منه مانع فيكون نعتا للثاني نحو يا أيها الفارس ذو الجمة فذو الجمة نعت للفارس لا لأيّ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره وقد يعتذر بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل مع أنّ نعت نعت أفي لغلبة الجمود فيه لا يقاس عليه والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبر. جملة فلا تجعلوا وأورد عليه أنّ صلته ماضية فلا تشبه الشرط حتى تزاد الفاء في خبره وأنه لا راد علة فيه وأنّ الإنشاء لا يكون خبرا في الأكثر وأجيمب بأنّ الؤاء قد تدخل في خبر الموصولة بالماضي كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [سورة البروج، الآية: ٠ ا] كما ذكره الرضي وأنّ الاسم الظاهر وهو الله هنا يقوم مقام الضمير عند الأخفش وأنّ الإنشاء يقع خبرا بالتأويل المشهور وكل مصحح لا مرجح ولذا أخره المصنف
وما قيل إنه مبتدأ خبره رزقا لكم بتقدير يرزق أو يرزقكم تكلف بارد. قوله:) وجعل من الأفعال العامّة الخ) قال الراغب جعل لفظ عامّ في الأفعال كلها لأنه أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها ولها خمسة أوجه فتكون بمعنى طفق فلا تتعدى وبمعنى أوجد فتتعدى لواحد ولإيجاد شيء عن شيء وتكوينه عنه وتصيير شيء على حالة دون حالة وللحكم بشيء على شيء حقاً أو باطلا، وقال السيرافي أنها تكون بمعنيين صنع وعمل فتتعدى لواحد وصير فتتعدى لاثنين لا يجوز الاقتصار على أحدهما وهذه كصير على ثلاثة أوجه الأوّل بمعنى سمي نحو: ﴿جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا إنلأناً﴾ [سورة الزخرف، الآية: ١٩] كما تقول! صير زيداً فاسقا أي بالقول الثاني على معنى الظن والتخيل نحو اجعل الأمير عاميا وكلمه أي صيره في نفسك كذا. الثالث أن تكون بمعنى النقل نحو جعلت الطين خزفاً أي نقلته من حالة إلى أخرى وقد لا يكون مدخول صار جملة نحو صار زيد إلى عمرو اأتهى. وطفق يطفق كجلس وضرب ويقال طبق بالباء من أفعال المقاربة النواسخ تدخل على المبتدأ والخبر فترتفع وتنصب ومعناها الشروع في الفعل والتلبس بأوائله ومنصوبها لفظا أو محلا خبرها فلذا قال المصنف ﵀ تبعا للراغب
стр. 438
فلا يتعدى. وهي في الآية بمعنى صير كما سيشير إليه المصنف ﵀، وقيل تحتمل معنى أوجد أيضاً أي أوجد الأرض حالة كونها مبسوطة مفترشة لكم فلا تحتاجون لبسطها والسعي في جعلها مفترشة. قوله: (وقد جعلت قلوص بني سهيل الخ) هذا من شعر في الحماسة ومنه: ولست بنازل إلا ألمت برحلي أوخيالتها الكذوب
وقدجعلت قلوص بني سهيل من اكواومرتعهاقريب
كان لها برحل القوم مثوى رما إن طيها إلا اللغوب
واستشهد به المصنف ﵀ تبعا للنحاة في أنّ جعل بمعنى طفق من أفعال المقاربة فترفع
الاسم وتنصب الخبر واسمها هنا قلوص المرفوع، إلا أنّ خبرها وقع جملة اسمية منصوبة محلاً وهو معنى قوله فلا يتعدّى كما سمعته آنفا، وهكذا ذكره في المغني في باب اللام وفي التسهيل والأصل في خبرها أن يكون مضارعا لكنه جاء شذوذاً على خلافه كما هنا وليس بمتفق عليه رواية ودراية فذهب إلتبريزي في شرح الحماسة إلى أنّ جعل بمعنى طفق لا يتعدى هنا حقيقة، وقوله مرتعها قريب في موضمع الحال أي أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الإعياء فجعلها لازمة فقول المصنف فلا يتعدى يجوز إبقاؤه على ظاهره كما ذهب إليه بعض أرباب الحواشي وعلى هذا يجوز إرجاع قوله فلا يتعدى إلى صار أيضاً لأنها تكون لازمة لكن المصرح به في كتب العربية خلافه، ورواه ابني سهيل بتثنية ابن وسهيل اسم وعلى الأوّل! هو اسم قبيلة وقال أبو العلاء: رفع قلوص رديء لأنّ جعل إذا كانت للمقاربة يكون خبرها فعلا فالأحسن نصب قلوص ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكور وجعلت ليست للمقاربة بل بمعنى
صيرت فلا تفتقر إلى فعل ومرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني وذكر مسألة الشلويين ويؤيده أنه روي بنصب قلوص والقلو عالفتية من الإبل أوّل ما تركب وا! وار جمع كور بالضم والراء المهملة قبلها واو ساكنة الرحل بأدأته كما قاله المرزوقي وغيره فمن قال إنه بالفتح بمعنى جماعة كثيرة من الإبل لم يصب رواية ودراية، ومرتعها مرعاها وقربه لإعيائها لا لكثرة الخصب كما توهم لأنّ الأوّل هو المروي ويعينه قوله اللغوب في البيت الذي يليه، فقد عرفت أنّ قلوص في البيت يرفع وينصب وأنه يصح أن يقال بني وابني كما في شرح شواهد المغني وغيره، وقوله بمعنى صار معنى مستقل غير معنى طفق فمن قال ضم صار إلى طفق مع أنّ صار ليس من أفعال المقاربة إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين من أن طفق ونحوها ليس من أفعال المقاربة الموضوعة لدنو الخبر بل موضوعة لشروع فاعله في معنى الخبر فقد خلط وخبط خبط عشواء، واعلم أنّ قول المصنف أو مبتدأ مما سبقه إليه بعض المعربين فذكره المصنف ﵀ تكميلا للوجوه ولا ينافيه أن يكون فيه ضعف من جهة ما ولا وجه للتشنيع عليه تبعاً لبعض أرباب الحواشي، بقوله إنه أخطأ حيث توهم أن قوله في الكشاف رفع على الابتداء معناه أنه مبتدأ أو مرإده أنه خبر، وإنما عبر به لأن العامل في الخبر عنده الابتداء وأورد عليه أنّ الفاء في الخبر تدل على السببية والصفات المذكورة ليست مقتضية لنفي الإشراك وأطال بغير طائل مما تركه خير منه لكنا نبهناك عليه لئلا يظن بعض العقول القاصرة في سرابه ماء فتدبر. قوله: (وبمعنى صير فيتعدّى الخ (التصيير هو انتقال الشيء من حال إلى حال وخلع المادّة صورة ولبس أخرى وهذا هو الذي يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا والسبيكة سواراً وقد يكون بالقول كالتسمية في جعلوا الملائكة إناثا وقد يكون بالعقد أي بتصميم الحكم نحو جاعلوه من المرسلين وجمع المصنف ﵀ بين القول والعقد لتقاربهما وتلازمهما غالبا وعدم التأثر الحسيّ فيهما ومنه الانتقال إلى حال شرفي كتأثير إحياء الموات في انتقاله إلى الملك وتأثير عقد النكاح، وقيل المراد بالعقد الاعتقاد فإن من يعتقد في شيء أمراً انتقل إليه في اعتقاده، وقيل المراد بالعقد العقد الشرعي المحتوي على الإيجاب والقبول وليس بشيء، وكون قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ مما تعدى لمفعولين هو الظاهر وقد جوّز أنّ الجعل فيها بمعنى الإيجاد متعد لواحد وفراشاً حال كما مرّ.
стр. 439
قوله: (ومعنى جعلها فراشاً الخ) الفراس معروف وما ذكره المصنف ﵀ ملخص من قول الإمام أنّ مقتضى طبع الأرض! أن يكون الماء محيط بأعلاها لثقلها ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً فأخرج الله بعضها، ومن الناس من زعم أنّ كونها فراشاً ينافي كونها كرية كما هو مبرهن في علم الهيئة وليس بشيء لأنّ الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه، وقول المصنف ﵀ من الإحاطة
بها فيه تسمح والأحسن أن يقول كما قال الإمام محيطاً بأعلاها كما لا يخفى. قوله: (متوسطة الخ) التوسط في الأجسام الوقوع في وسطها وهو ظاهر، وفي المعاني والكيفيات الاعتدال من بينها كما هنا فإنها لوكانت كلها صلبة لشق التمكن عليها لتألم الأعضاء ولوكنت لطيفة كالماء والهواء صعب الاستقرار عليها كما لو كانت لينة كالقطن. قوله: (قبة مضروبة الخ) البناء كل ما يرفع ليكتن به صواء كان بيتاً أو خيمة وقد غلب في الأوّل حتى صار حقيقة عرفية فيه وفسره بالقبة وهو أعمّ منها لأنه أكثر وقد جوّز في السماء أن يشمل المجموع وكل طبقة وجهة منها وأن يكون اسم جنس جمعيّ يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمرة وتمر وهم يطلقون عليه الجمع أيضاً وواحده سماءة بالهمز والمد، ويقال أيضاً سماوة بالواو وأمّا سمأة بسكون الميم قبل الهمزة بزنة طلحة فخطأ والبناء مصدر أطلق على المبنيّ بيتاً كان أو قبة أو خباء أو طرافاً وفي الكشهء وغيره من الشروح الأوّل من شعر، والثاني من لبن، والثالث من وبر أو صوف والرابع، من أدم وفي الثاني نظر استعمالاً وفي فقه اللغة عن ابن السكيت ولست من صحة بعضه على يقين خباء من صوف، بجاد من وبر فسطاط من شعر سرادق من كرسف قشع من جلود طراف من أدم حظيرة من شذب خيمة من شجر أقنة من حجر قبة من لبن سترة من مدر، وقوله بنى على أهله الأهل عشيرة الرجل وأقاربه، ويكون بمعنى الزوجة وهو المراد لأنه كان من عادتهم أن يضربوا للعروس خيمة للدخول عليها ويقال بنى على أهله إذا دخل عليها عروساً وتعديته بعلى والناس يقولون بنى بأهله وفي الدرة أنه خطأ والصحيح جوازه سماعا وقياساً كما بيناه في شرحها. قوله: (وخروج الثمار الخ) خروج الأشياء تكوّنها وبروزها وقوله بقدرة الله تعالى ومشيئته إشارة إلى مختار الأشاعرة من أنّ القدرة والإرادة مجموعين هما اللذان يقتضيان وجود الموجودات من غير احتياج إلى صفة التكوين التي أثبتها الماتريدية كما هو مبين في الكلام وقوله جعل الماء الخ جواب عن سؤال مقدّر وهو ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته وارادته بأنه سبب عاديّ يخلقه الله تعالى ويعني به أنّ عروق الأشجار والنبات التي هي بمنزلة الأرحام أو الأفواه لها تجذب من الرطوبة الأرضية ماء مخلوطا بأجزاء دقيقة لطيفة ترابية هي بمنزلة نطفة يتولد منها الثمار والأزهار أو هي لها بمنزلة المأكل والمشرب فإذا صعد بها إلى الأغصان وطبخت بالشمس والهواء صارت كالكيموس والغذاء الذي يحصل به النماء فيتولد منه ذلك بقدرة خفية وعادة الأهية من غير تأثير لشيء بالذات والواسطة في تكوّنها، والإفاضة استعارة للإعطاء والتفصيل وفيه لطف هنا لمناسبته للماء وفي
جعل ما يجتذب كالنطفة إشارة إلى قوله في الكشاف ما سوّاه من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار وفيه إيماء إلى قول الحكماء إنّ الأجرام العلوية كالآباء والسفلية كالأمهات التي تلد الموجودات وتربيها في مهد الوجود وكون النطفة مادّة وسببا ظاهر لأنها أصل الأجزاء وسبب ليكون ما عداها منعقداً معها كالمنشا، والمراد بالصور الأشكال، والكيفيات هي الطعوبم والألوان. قوله: (أو أبدع في الماء قوّة فاعلة الخ) يعني أنّ الباء على ما مر من مذصب أهل السئنة للسببية العادية وعلى هذا وهو ما ذهب إليه الحكماء للسببية الحقيقية والإبداع الإيجاد وقد يطلق عندهم على إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان كالإنشاء ويقابله التكوين، والقوّة رسمت بأنها مبدأ الفعل مطلقأ سواء كان الفعل مختلفا أو غير مختلف بشعور وارادة أولاً وقيل هي مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وهذا هو المراد هنا، وهي تنقسم إلى قوى طبيعية ونفسانية وما هنا من الطبيعية التي بلا شعور، والمراد
стр. 440
بنفوس الأسباب أعيانها وذواتها، ومدرجا بكسر الراء حال من ضمير له أو من إنشائها وكونه مفعولاً ثانياً للإنشاء بتضمينه معنى الجعل والتصميير تكلف ما لا حاجة إليه وقوله من اجتماعهما الضمير للقوّتين أو للماء والتراب، والصنائع جمع صناعة أو صنيعة بمعنى نعمة، والسكون بمعنى الاستئناس والاطمئنان وعظيم قدرته وقع في نسخة بدله عظم قدرته بصيغة المصدر مثل كبر لفظ! اً ومعنى، والعبر جمع عبرة كسدرة وسدر الاعتبار والاتعاظ، وقوله وهو قادر الخ تطبيق لما قالوه على قانون الشرع فإنّ الحكماء لا ينكر " - ن أنه قادر على خلقها ابتداء من غير أسباب ومواد كما ابتدأ خلق الأسباب والمواذ وأبرزها من بطون العدم إلى ظهور الوجود لكن جرت حكمته بعقد الأمور بأسبابها الأقرب إلى العقول لأنه إدل على قوّة قدرته ووفور حكمته لما فيه من خلق الأسباب مستعدة لما أفاضه عليها من التأثير وأدل على عظمته من خلقها دفعة بغير أسباب، وفي رسائل إخوان الصفاء في النبات حكم وصنائع ظاهرة جليلة لا تخفى ولكن صنائعها مختفية محتجبة وهي التي تسميها الفلاسفة القوى الطبيعية ويسميها أهل الشرع ملائكة وجنود الله الموكلين بتربية النبات والمعنى واحد وإنما نسبت هذه المصنوعات إلى القوى والملائكة دون الله لأنه جلت عظمته عن مباشرة الأجسام والحركات الجزئية كما تجل الملوك والرؤساء عن مباشرة الأفعال وان كانت منسوبة إليهم لأنها بأمرهم وارادتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ١٧] ومن لم يفهم سره قال إنشاؤها دفعة أدلّ على القدرة وأغرب منه قوله أنّ المصنف إن أراد بالقوّة الفاعلة المؤثر الحقيقيّ كان خلاف مذهب أهل السنة والا لم يصح قوله يتولد الخ وقصر السببية على الماء والتراب لأنّ بهما القوام وهما أعظم الأجزاء المادية، ولذا قال خلقه من تراب ومن الماء كل شيء حيّ فسقط ما قيل من أنّ في هذا الاقتصار قصورا، لأنها من العناصر الأربعة. قوله: (ومن الأولى للايتداء الخ) السماء من
السموّ فلذا قالوا: إنّ أصل معناها لغة كل ما علا سواء كان فلكاً أو سحاباً أو نفقا، وحقيقته في العرف يختص بالفلك فإن كان بهذا المعنى فهو ظاهر لأنه المتبادر منه على ما يقتضيه ظواهر الآيات والأحاديث لقوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢١] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩] وأمثاله وورد في الحديث عنه ﷺ : " المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في السماء الدنيا في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله حيث ماء " وهكذا ورد في، أحاديث كثيرة، وتأويلها بعيد من غير حاجة إليه ومن ذصب إلى خلافه أوّل الآيات بأنّ المراد أنها تنزل من السحاب، وهو يسمي سماء لعلوه أو أنه ينشأ من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهو مبدأ مجازي له واليه أشار المصنف ﵀ وتفصيله كما في كتب الحكمة الطبيعية أنّ الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري بخاراً يابسا والبخار أجزاء هوائية يمازجها أجزاء صغار مائية لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في الحس لغاية صغرها فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قويا اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر المطر، وان كان قويا كان ثلجاً وبرداً وقد لا ينعقد سحاباً ويسمى ضبابا، وتثير مضارع أثار التراب والغبار إذا حركه حتى يرتفع، وقوله من أعماق الأرض جمع عمق والمراد به داخلها والمراد بالأرض جهة السفل فيشمل البحار والأنهار لما عرفته مما قرّرناه لك فسقط ما قيل من أنه لا حاجة لهذا، لأنّ الأكثر ارتفاعها من البحار والأنهار والجوهر ما بين الأرض والسماء لا الهواء نفسه حتى يكون من إضافة الشيء إلى نفسه فيحتاج إلى التأويل وان كان هو أحد معانيه. قوله: (من الثانية للتبعيض) بخلاف الأولى وان جوّز فيها على أنّ التقدير أنزل من مياه السماء لما فيه من التكلف وأقرب منه ما قيل إنها للسببية كقوله تعالى: ﴿مَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [سورة نوح، الآية: ٢٥] وقوله بدليل قوله : ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٢٧] استشهاد بنظائره فإنّ التنكير في هذه الآية وتنوينه يدلّ على البعضية في، دره منها لا سيما مع جموع القلة وقوله واكتناف المنكرين له أي
стр. 441
وقوعهما قبله وبعده من الكنف بفتحتين وهو الجانب ويقال اكتنفه القوم إذا كانوا منه يمنة وش! رة
كما في المصباح فكون ما بعده وما قبله أعني ماء ورزقا محمولين على البعض يقتضي كونه موافقا لهما وقوله كأنه قال الخ بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى أنه مفعول أخرح لتأويل ممن ببعض أو لجعله صفة للمفعول سدّت مسدّة أو اسم وقع مفعولاً ورزقا مفعول له أو مفعول مطلق لأخرج لأنه بمعنى رزق أو حال كما فيل وستأتي تتمته والمعنى شيئا من الثمرات أي بعضها، وأورد عليه أنّ الظاهر أنّ المقدّر مفعول وكلمة من على حالها تبعيضية صفة للمفعول وكون من التبعيضية ظرفا مستقرّاً لم يجوّزه النحاة اللهمّ إلا أن تكون ابتدائية وهو بيان لحاصل المعنى ولا يخفى ما فيه فإنّ كونها ظرفا مستقرّاً أكثر من أن يحص كقوله منهم من كلم الله ولست على ثقة مما ذكر وستأتي تتمة الكلام عليه في قوله: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة، الآية ت ٨٨] الآية. قوله: (إذ لم ينزل من السماء الماء كله الخ) بيان لأن التبعيض هو الموافق للواقع في الثلاثة أي الذي نزل من السماء بعضه فرث ماء هو بعد في السماء، ولم يخرج بالماء المنزل منها كل الثمرات بل بعضها فكم من ثمرة هي بعد غير مخرجة به، والمخرح بعض الرزق لا كله فكم من رزق ليس من الثمار كاللحم، وقد يتوهم أنّ قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار أريد به أنّ بعضها يخرج بماء البحر والعيون فينافي ما سيأتي في سورة الزمر من أن جميع مياه الأرض! من السماء وفساده ظاهر لما مرّ، أقول هذا المتوهم هو الفاضل الطيبي حيث قال: فإن قلت يخالف قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار ما قاله في الزمر كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسم، قلت على تقدير صحة هذه الرواية الفاء في قوله فأخرج به مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة ومفهومه أن بعضاً من الثمرات يخرج على غير هذه الصورة وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عن الإنزال لأنه استودعها الجبال ثم أخرجها من الأرض! وأخرج بها بعض الثمرات وتبعه الفاضل اليمني والمدقق في الكشف لم يعرج عليه نفياً واثباتا وفيما قالوه نظر لا يخفى فإنّ قوله ما أخرج بالمطر كل الثمار يفهم منه أنّ بعضها خرج به وهو صادق على خروج البعض بغيره من المياه كما لا يخفى فكيف يدّعي فساده، فإن قيل إنه غير متعين لم يتنم مذعاهم أيضاً وما قيل من احتمال كون من فيه ابتدائية بتقدير من بذر الثمرات أو تفسير الثمرات بالبذر تعسف ظاهر. قوله: (أو للتبيين الخ) فرزقاً مفعول لأخرج بمعنى مرزوق وفيما ذكر من المثال المراد أن عنده من المال معين هو ألف درهم وقد أنفقه لا أنّ عنده أكثر من ذلك إلا أنه أنفق منه ألفا فإنه على هذا تكون من تبعيضية ولذا ناقثه بعضهم في المثال وان كان مثله غير مسموع من المحصلين وهكذا إذا كانت الثمرات للاستغراق، فإنّ المراد بها الجم الكبير كما أشار إليه في الكشاف والمرزوق هنا هو الثمرات، ولكم صفته وقد كان من الثمرات صفة رزقا فلما قدم صار حالاً
على القاعدة في أمثاله إلا أنه تقدم فيه البيان على المبين، وقد اختلف النحاة فيه فجوّزه الزمخشريّ وتبعه كثير من النحاة والمفسرين ومنعه صاحب الدر المصون وغيره، وقال إنّ من ابتدائية سميت بيانية باعتبار مآل المعنى وبه صرّح بعض أهل العربية ومن التي للبيان لا تكون إلا مستقرّاً حالاً أو صفة، وقد تكون خبرا على كلام فيه سيأتي وفي الكشاف فإن قلت فبم انتصب رزقا، قلت إن كانت من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له وان كانت مبينة كان مفعولاً لاخرج يعني أنّ من الثمرات على التبعيض مفعول به لا على أنّ من اسم بل على تقدير شيئاً من الثمرات وتقديره بأخرج بعض الثمرات بيان لحاصل المعنى فرزقا بالمعنى المصدري مفعول له، ولكم ظرف لغو مفعول به لرزقا أي أخرج بعض الثمرات لأجل أنه رزقكم، وقد جوّز فيه أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقا حال من المفعول أي مرزوقاً أو نصبا على المصدر لأخرج وعلى التبيين رزقا مفعول أخرج كما مرّ. قوله: (وإنما ساغ الثمرات الخ) هذا جواب سؤال تقديره أنّ جمع السلامة المذكر والمؤنث للقلة والمعنى هنا ليس عليها فلم لم يقل الثمار أو الثمر أمّ كون الثمار جمع كثرة فظاهر، وأما الثمر فاسم جنس جمعيّ، وهو مختلف فيه هل هو للكثرة أو للقلة أو مشترك وما ذكر
стр. 442
على تقدير أنه يكون للكثرة وأمّا جمع التصحيح فاختلف فيه أيضا على الوجوه الثلاثة والمشهور المنصور أنه موضوع للقلة وحكاية لنا الجفنات الغرّ تؤيده، ولذا زاد ابن الرباح الإشبيلي على قوله:
بأفعل وبأفعال وأفعلة وفعلة يعرف الأدنى من العدد
قوله:
وسالم الجمع أيضاً داخل معها وذلك الحكم فاحفظها ولا تزد
والحاصل مما ذكره في جوابه أمّا أوّلاً فالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار لا الوحدة الحقيقية إذ التاء فيها للوحدة الاعتبارية فإنّ كل شيء وان كثر فله وحدة بوجه ما ولي! ص واحد الثمر ثمرة بمعنى واحد مشخص من جنس ألثمر بل ثمار كثيرة عرضت لها وحدة باعتبار ما كوحدة المالك فإنها إذا تلاحقت واجتمعت يطلق عليها ثمرة، فالكثرة المستفادة من الثمرات أكثر من المستفادة من الثمار ولا أقل من المساواة والواحد على هذا الثمرة التي في قولهم أدركت ثمرة بستانه وهي في ذلك القول جنس شامل للأنواع الموجودة في ذلك البستان، وقال ابن الصائغ: في تقريره الثمرات وان كان جمكل! قلة فواحده ثمرة شاملة الثمرات لا فرد من أفراد الثمر، ونظيره قولهم كلمة اأحويدرة لقصيدته المشهورة فهو من إيقاع المفرد موقع الجمع ثم جمعه جمع قلة فإن قيل كان يحصل هذا بالثمار الذي هو جمع كثرة فيقال هذا سؤال دوريّ لحصول المقصود بكل من اللفظين وحاصل ما قالوه برمتهم أنه مع كونه جمع قلة يفيد كثرة أكثر من جمع الكثرة أو مثلها، وقد قيل على هذا أمور منها أنّ الشمول في ثمرة بستانه إنما فهم من الإضافة الاستغراقية لا من المضاف ولا إضافة فيما نحن فيه، وقريب منه ما قيل من أنّ ما
ذكر غير ظاهر لأنا لا نسلمه بسلامة الأمير، وقيل أيضاً الثمار جمع كثرة مفرده ثمر، وهو جنس يشمل ثمارا كثيرة فيفيد ما لا تفيده الثمرات لإحاطته بكل جنس يسمى ثمرا بخلاف الثمرات فإنّ آحاد جمع القلة الجموع التي دون العشرة فلا يتناول ما فوقها بغير قرينة على أنّ الثمرات جمع ثمرة وهي واحدة من جنس الثمر لأنّ التاء للوحدة فالثمر لكونه جنسا أكثر من ثمرة وجمعه أكثر من جمعها سواء كان جمع قلة أو كثرة وليس بشيء (وههنا يحث) وهو أنهم قالوا إنه جمع ثمرة مراداً بها ما يشمل الثمرات الكثيرة ووحدته اعتبارية، وقال قدس سره: بهغيره أنه إن لم يكن أكثر من الثمرات فليس بأقل منها، وان كان جمع قلة فيقال لهم الوحدة في ثمرة بستانك جاءت من الإضافة بجعل وحدة المحل أو المالك كالوحدة الحقيقية ولا إضافة هنا فلا بد من اعتبار أمر يصير به واحدا وهو إمّا بجعله صنفا أو نوعا أو جنسا من الثمار وليس فيه ما يجعله واحدا غير هذا فإن كان فعليهم البيان حتى ينظر فيه وعلى هذا يقال إن قلته باعتبار أن آحاده أجناس لا تزيد على العشرة وان كان مفرده قائما مقام الجمع وجنساً تحته ما لا يحصى وكون أجناس الثمار المخرجة بما أنزله الله كذلك غير مناسب للمقام أيضاً، فيعود السؤال وان أراد أن آحاد أجناسه لكونها كثيرة أخرجت الجمع عن القلة لزمهم كون لفظ أجناس وأنواع وأمثالهما جمع كثرة ولا قائل به فلا بد من الالتجاء إلى أن تعريفه أبطل جمعيته فرجع هذا الجواب لما بعده وهو غير صحيح أيضا، وهذا وارد غير مندفع فتدبر. قوله: (ويؤيده قراءة الخ) وهي قراءة محمد بن السقيقع ووجه التأييد أنه ليس المراد بها ثمرة واحدة من غير شبهة فهي واقعة على جماعة الثمار وقوله يتعاور بعضها الخ التعاور من قولهم تعاور القوم كذا واعتوروه إذا تداولوه وتناوبوه فأخذ هذا مرّة وهذا أخرى والمراد أنه يقع كل منهما في موقع الآخر فيكون جمع القلة للكثرة وجمع الكثرة للقلة، وهذا فيما إذا لم يكن للفظ إلا جمعا واحداً ظاهر، وظاهر كلامهم فيه أنه حقيقة وأمّا إذا كان له جمعان أو جموع فلا يقع أحدهما موقع الآخر منكرا إلا مجازا، وقوله كم تركوا الخ وقع فيه جمع القلة موقع الكثرة لقوله كم فإنها تقتضيها وكذا قوله ثلاثة قروء وقع فيه جمع الكثرة وهو قروء موقع القلة لقوله ثلاثة وفيه كلام سيأتي في محله. قوله: (أو لأنها لما كانت محلاة الخ) إشارة لما تقرّر في كتب الأصول والعربية من أنّ الألف واللام إذا لم تكن للعهد ودخلت على الجموع أبطلت جمعيتها حتى تناولت القلة والكثرة والواحد من غير فرق سواء كانت جنسية أو استغراقية، ومن خصه بالثاني
стр. 443
وقال: المحلى باللام الاستغراقية لتناوله الآحاد لا يخرج عن حوزة شمول كل واحد من الآحاد بخلاف المعري عنها فإنه قد يخرج عن استغراقه واحد واثنان فيصدق أن يقال لا رجال في الدار وفيها رجل أو رجلان بخلاف لا رجل فقد ضيق الواسع وقصر لما قصر، وليس ما ذكر
من أمور الجمعية سؤالاً وجواباً مبيّ على كون من بيانية كما توهم من تعقيبه به لما عرفته من أنّ اللام إذا لم تكن للعهد تبطل الجمعية لصدق مدخولها على القليل والكثير، ولذا قال المصنف ﵀: خرجت عن حدّ القلة ولم يقل دخلت في الكثرة والنكتة في العدول عن الظاهر المكشوف، إذ لم يقل من الثمار للإيماء إلى أنّ ما برز في رياض الوجود يفيض مياه الجود كالقليل بالنسبة لثمار الجنة ولما ادّخر في ممالك الغيب. قوله: (إن أريد به المصدر الخ) أي إذا أريد بالرزق المصدر كانت الكاف في لكم مفعولاً به واللام مقوية لتعدي المصدر واليه أشار بقوله رزقا إياكم، فحذف اللام وفصل الضمير تنبيهاً على زيادتها ومفعوليته، ولولاه كان انفصالاً في محل الاتصال وهو قبيح، وان أريد به المرزوق فلكم صفة له متعلقة بمقدر وقال ابن عقيل بعدما ذكر عن أبي حيان ﵀ لا يمتنع عكس هذا. قوله: (متعلق باعبدوا على أنه منهي الخ) المراد بالتعلق التعلق المعنويّ، كلعطف وغيره فهو مجرد ارتباط بينهما وفي الكشاف فيه ثلاثة أوجه أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أندد الآن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك واختلف الشراح فيه وهل هو بعينه ما ذكره المصنف ﵀ على أنه تلخيص له كما هو دأبه أو لا فذهب ابن الصائغ إلى اتحادهما وقال إنه عطف نهي على أمر للاشتراك في الطلب وهو من عطف المسبب على السبب وفيه نظر فالفاء عاطفة جملة على جملة ولا ناهية والفعل مجزوم بها لسقوط نونه وقال الطيبي ﵀ أن لا نافية، وهو منصوب جوابا للأمر ولذا علله بقوله لأن أصل العبادة الخ فالفاء جوابية لأنها إما عاطفة أو جواب لشرط أو ما في معناه كالأمر أو زائدة، وفي الكشف تبعا للرازي معناه اعبدوا فلا تجعلوا وفيه إرشاد لأن العبادة تتناول التوحيد، وقوله لأنّ الخ تصريح بذلك فيحتمل أن يكون عطف نهي على أمر، ويحتمل أن يكرن جواب الأمر والأوّل أقرب لفظاً لعدم الإضمار والتأويل، ومعنى لأن التصريح بالنهي أبلغ مع استفادة ما يستفاد من النصب لجعله محتملا للموافقة والمخالفة وجزم الفاضلان بخلافه فقالا إنه نهي متعلق باعبدوا متفرع على مضمونه على معنى إذأ كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق للعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأساس فإنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد وهذا أولى من جعل القاضي له معطوفا على الأمر لأن الأنسب حينئذ العطف بالواو كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٣٦] وسيأتي ما فيه، وقيل وجه جواز العطف في الجملة إن تجرّد الفاء المجرّد العطف بلا تعقيب وبعتبر التعقيب بين الأمر والنهي عنه أو يراد بالعبادة قصدها وإرادتها وبصح جعل لا تجعلوا جوابا للأمر ولا يخفى أن شيئاً من هذه الوجوه لا تشعر به العبارة ولا يتبادر من الآية وهذا مما في حواشي الرازي حيث قال بعدما ذكر ما مرّ عن صاحب الكشف وفيه نظر لأنه إذا كان أصل العبادة وأساسها التوحيد فاعبدوا إمّا بمعنى وحدوا فلا
يترتب عليه قوله: فلا تجعلوا الخ فالشيء لا يترتب على نفسه أو مغاير له لأنّ التوحيد أصل تتفرّع عليه العبادة فالأمر بالعكس والنصب في جواب الأمر إنما يجوز إذا كان هنا سببية والعبادة ليست سبباً لعدم الشرك إلا أن تجعل من القلب كقوله تعابى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤] لأنه ليس في كلامه ما يدل على الترتيب لأنّ التعليق أعمّ منه، أقول يرد على ما في الكشف أنّ كلامه لا يخلو من الخلل لأنّ عطفه وجوابيته تقتضي المغايرة بينهما وينافي قوله لأنّ العبادة تتناول التوحيد لأنّ الجزء لا يعطف على الكل بالفاء وإذا عطف كان بالواو أو حتى نحو قدم الحجاج حتى المشاة، ويردّ على ما قاله الفاضلان أنّ قولهما ما إذا كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق لعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأسئاس أنه حينئذ مسبب بحسب الظاهر، فهو جواب شرط مقدر والفاء فصيحة أو قريبة منها والسببية بين الأمر والنهي
стр. 444
أي العبادة وعدم الشرك لا تتأتى كما سمعته آنفاً فيما نقلناه لك آنفاً من حواشي العلامة الرازي، ولو سلم ذلك صح العطف بالفاء فيهما من غير فرق فكيف يرتضي هذا ويرد ما ذكره القاضي وقد غفل عن هذا من نقله في شرح كلام المصنف:
ظلم القضاة بعصرناعمّ الورى عجبالقاض يظلم الخصماء
قوله: (أو نفي منصوب بإضمار أن الخ) قيل هذا على تفسير العبادة بالتوحيد وتفسير فلا تجعلوا بلا تعتمدوا على غير الله وتوكلوا عليه كما روي عن ابن عباس ﵄ وهذا وان اندفع به ما سيأتي لا يوافق ما فسر به المصنف ﵀ فانه أبقى العبادة على ظاهرها كما مز، وهو على هذا نفي منصوب بإضمار أن في جواب الأمر كقولك زرني فأكرمك وقد قيل عليه أنه ليس بشيء لأن شرطه كون الأوّل سبباً للثاني والعبادة لا تكون سبباً للتوحيد الذي هو مبناها وأصلها ولذا لم يتعرّض! له الزمخشري ولم يرتض به شراحه، والمنصوب في الجواب منصوب بأن مقدرة فهو مصدر تأويلا معطوف على مصدر متصيد مما قبله هو سبب له فتقديره فيما ذكر ليكن منك زيارة فإكرام مني بسببها وقس عليه الآية في التأويل وأجيب عما أورده شرّاح الكشاف بأنّ المراد بكونه جواب الأمر مشابهته له وحمل الشيء على ما يشبهه واعطاؤه حكمه كثير، وقد قال الرضي: إنّ النصب في قوله كن فيكون في قراءة لتشبيهه بجواب الأمو لوقوعه بعده وان لم يكن جواباً معنى، وقيل العبادة سبب لنفي الإشراك الذي تنافيه ولا تجتمع معه وقيل صحة العبادة سبب للعلم بالتوحيد فلتكن السببية بهذا الاعتبار ونحوه ما قيل من أنه بكتفي فيه بببه الأوّل للإخبار بما تضمنه الثاني كما اكتفى بمثله في الشرط، وما بمعناه كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٣] أقول هذا كله تكلف تأباه قواعد العربية فلا ينبغي تنزيل التنزيل المعجز عليه فالحق أن يقال إنّ الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولا وصولهم عروق الثرى وابداع جميع الكائنات العظيمة والتفضل نجإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرّفتهم به كما أشار إليه
المصنف ﵀ ثمت بقوله والآية تدلّ الخ فجعلها عنده اعبدوا الله الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها ولا شك في أنّ العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك فإن من عرف الله لا يسوى به سواه ولذا ذيلها بقوله: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢] فمن عنده علم الكتاب عرف الفرق بين هذه الآية، وقوله اعبدوا الله ولا تشركوا به والذي سوّل لهم ما مر النظر للعبادة فقط وقطع النظر عما معها، واعلم أنهم اختلفوا في هذه الفاء فذهب الكوفيون إلى أنها جزائية في جواب شرط تضمنه ما قبلها وذهب البصريون إلى أنها عاطفة كما مرّ، واختار الرضي أنها متمحضة للسببية وإنما صرف ما بعدها عن الرفع إلى النصب للتنصيص على ذلك كما فصله. قوله: (أو بلعل على أن نصب تجعلوا الخ) أي متعلق بلعل واقعاً جواباً له وتتمة قال في الكشاف: أو بلعل على أن ينتصب تجعلوا انتصاب فأطلع في قوله : ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [سورة غافز، الآية: ٣٧] في رواية حفص عن عاصم أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه ومعناه كما قال قذس سره إنه على تشبيه لعل بليت ويرد عليه أنه إنما يجوز ذلك إذا كان في الترجي شائبة من التمني لبعد المرجوّ عن الوقوع وقد مز أن لعل هنا مستعارة للإرادة التي ترجح فيها وجود المراد بإعداد الأسباب وازاحة الأعذار فمن أين المشابهة وأجيب بأن النصب هنا للنظر إلى أنهم في صورة المرجوّ منهم المعنى خلقكم في صورة من يرجى منه الإتقاء أي الخوف من العقاب المتسبب عنه أن لا تشركوا، فقوله لكي تتقوا بيان الحاصل المعنى، وأخذ زبدة ما سبق من الاستعارة لا حكم بأنها بمعنى كي وفي النصب تنبيه على تقصيرهم كان المراد الراجح مستبعد منهم كالمتمني، واعترض عليه بأنّ الجواب لا يدفع الاعتراض فإنّ لعل لا ينصب الفعل في جوابه لا بمعنى الأصل أعني الترجي ولا بالمعنى المراد أي الإرادة فلا فائدة في النظر إلى صورة المرجوّ منهم اللهمّ إلا أن يقال شبه أوّلاً الرجاء بالتمني صورة وادّعاء على سبيل الاستعارة بالكناية بقرينة لازمة من النصب ثم استعير
стр. 445
لعل للإرادة فيقصد بحسب الواقع والنظر إلى حال المتكلم تشبيه الإرادة بالترجي ويقصد ادعاء بالنسبة إلى حال المخاطب نفسه بالتمني لا باعتبار النصب، لأنهم في صورة المتمني منهم. أقول هذا كله تعسف نشأ من التزإم ما لا يلزم وذلك لأن نجم الأئمة الرضي قال كغيره من سائر النحاة إنّ أهل العربية إنما اشترطوا في نصب ما بعد فاء السببية تقدّم أحد هذه الأشياء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمحقق الوجود ويكون ما بعد الفاء كجزائها على ما حققناه في حواشيه، ومنه علمت أنّ وجهه عندهم إنما هو عدم تحقق الوقوع في حال الحكم لا اسنحالته لعدم صحته في الأمر المطلوب الذي هو أعظم أقسامه كما هنا وهذا متحقق في الترجي والتمني إلا أنّ التمني أقوى منه لرسوخه في العدم وأشهر فلذا نصب جواب لعل إلا أنّ منهم من جعلها ملحقة بليت كالزمخشريّ وابن هشام لأنّ التمني والترجي من واد واحد ومنهم من جعلها من ذلك الباب لأنه لا ينحصر فيما
ذكر كابن مالك في التسهيل تبعاً للفراء فلا حاجة لما ادّعوه سؤالاً وجوابا على الطريقين لأنّ مبناه على أنّ لعل إنما أعطيت حكم ليت لا شرابها معناها وليس بلازم لأنّ الإلحاق والتشبيه! كفيه عدم التحقق حالاً ويعينه أنهم حملوه على الشرط وهو متحقق فيهما مطلقاً ثم إن استشهادهم بهذه الآية بناء على الظاهر، وفيها وجوه أخر كما سيأتي، ولذا قال ابن هشام في الباب الخامس من المغني. قيل في قراءة حفص لعلي أبلغ الأسباب الخ إن اطلع بالنصب عطف على معنى لعلي أبلغ لأنه بمعنى أن أبلغ فإنّ خبر لعل يقترون بأن كثيراً نحو فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجتة من بعض ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد.
للبس! عباءة وتقرّ عيني
وبهذين الاحتمالين علم معنى قول الكوفيين: إن في هذه الآية حجة على النصب في جواب الترجي حملاً له على التمني. قوله: (إلحاقاً لها بالأشياء الستة) وهي الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتمني والنفي، وقد أجاز بعض النحاة أن يلحق بها كل ما تضمن نفياً أو قلة كما قاله الرضي، وقد قيل إن المصنف ﵀ جعله ملحقة بالأشياء الستة وعدل عما قالوه من إلحاقها بليت لما قيل عليه كما عرفته ولعدم مناسبته للمقام لما فيه من تنزيل المرجوّ لبعده عن الحصول منزلة المتمني وبعد المخاطبين الذين منهم المؤمنون عن التقوى بعيد، وبناؤه على تخصيص الخفاب بالكفار يضعفه لضعف مبناه وفيه بحث يعرفه من يتذكر، وقوله لاشتراكها في أنها غير موجبة بكسر الجيم وفتحها أي مضمون ما بعدها لم يقع وتحققه في المستقبل غير معلوم فموجبه من الإيجاب بمعنى الإثبات، ويقابله السلب وكل ما يدلّ عليه في الجملة أو جعله واجبا مجزوماً به في أحد الأزمنة الثلاثة ويقابله ما لا يتعين ولا يتحقق وهو غير الموجب وعلى كل حال يدخل فيه الترجي، فسقط ما قيل من أن غير الموجب عند علماء العربية هو المنفي والنهي والاستفهام لا غير فكيف يشاركه الستة من غير احتياج إلى ما ادّعاه من الجواب، وقيل المراد لاشتراك أكثرها إن أريد بالإيجاب ما ليس بنفي لأن الأمر ليس فيه ناني حتى يشترك معها في أنها غير موجبة أو لاشتراك الكل إن كان المراد إيقاع النسبة والأمر ليس فيه إيقاع لأنّ الإيقاع في الخبر لا الإنشاء فالأمر غير موجب لهذا المعنى وكذا التمني فإن قلت: إن كانت التقوى بالمعنى الثالث لا يناسب ترتب عدم الشرك عليه لتقدمه وإن كانت بالمعنى الأوّل فهي عينه. قلت الاتقاء عن الشرك يترتب عليه عدم الوقوع فيه بالفعل أو هي بمعنى الاتقاء عن العذاب مطلقاً كما في الكشاف فتأمّل. قوله: (والمعنى الخ) أي لا تجعلوا له شيئاً من جنس الأنداد كما سيأتي فلا يتوهم أن المناسب عدم ند واحد لا أنداد لأنه يجتمع مع جعل النذ والندين ثم إنه قيل إنّ المصنف ﵀ جعل لا تجعلوا نفياً منصوباً وذكر في بيان المعنى ما يقتضي كونه مجزوما وقصد به بيان حاصل المعنى مع إظهار السببية التي هي شرط لتقدير الناصب ولو جعله مجزوما في جواب الأمر جاز أيضاً إذ لا مانع منه، فتدبر. قوله: (أو بالذي جعل الخ) عطف على قوله: باعبدوا أو على
قوله بلعل أي متعلق بالذي إن جعلته مبتدأ وجملة فلا تجعلوا خبره كما صرّح به بقوله على أنه الخ، فالاستئناف بالمعنى اللغوي أي جعله مبتدأ أو بالمعنى الاصطلاحي لأنّ الاستئناف بسببه وليس هذا معنى ما في الكشاف
стр. 446
من قوله أو بالذي جعل لكم إذا رفعته على الابتداء أي هو الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء لأن معناه أنه جعل الذي مرفوعاً مدحا على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والنهي مترتب على ما تتضمنه هذه الجملة أي هو الذي حفكم بدلائل اأضوحيد فلا تشركوا به شيئاً ومن توهم أنه بعينه ما في الكشاف وأنّ المصنف ﵀ غفل عما أراده فقد وهم وقوله على تأويل مقول فيه أي مستحق لأن يقال فيه ذلك لا أنه وقع ومقول قبله كما لا يخفى، وهذا تأوبل مشهور في كل إنشاء وقع في موقع الخبر، والفاء زائدة في الخبر مشعرة بالسببية لما ذكره، وقوله والمعنى من خصكم بالصاد المهملة أي خص نوع البشر بما ذكر، وفي نسخة حفكم بالفاء أي شمل وعمّ الناس لأنّ الحف معناه الإحاطة فعلى ما ذكره المصنف لا يخلو من ركاكة وتكلف والأولى ما في الكشاف وجعل هذا جزاء شرط محذوف والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم الظاهرة المتكاثرة وإذا كان كذلك فلا تجعلوا الخ. وذكر المصمنف له لأنه من جملة المحتملات وتأخيره المشعر بمرجوحيته في الجملة لا ينافيه وما قيل ردا عليه من أنه في غاية الحسن والرصافة كما يظهر لمن تأمّل قوله والمعنى الخ دعوى بغير بينة، وقوله يشرك به بفتح الراء مبنيّ للمجهول، وتقديم لله يجوز أن يكون للحصر كما يفيده تقديم بعض المعمولات على بعض وحقها التأخير لأنّ عدم الند مخموص به تعالى إذ ما من شيء سواه إلا وله نظير وند، وقيل لأنه خبر نكرة في الأصل لازم التقديم فأجرى على أصله وفيه نقر. قوله: (والندّ المثل الخ) المناوي بضم الميم وكسر الواو واسم فاعل من ناواه والمراد به كما فسره الشارح المعادي وأصله من النوى وهو البعد فكني به أو تجوّز به عن المعادأة لأن العدوّ يتباعد من عدوّه ويهوي بعده ومفارقته، ولما فسر أهل اللغة الند بالمثل بالمثل كما قاله ابن فضالة، وفسره أبو عبيدب لضد حتى جعله ب ضهم من الأضداد أشار العلامة في الكشاف إلى اتحادهما وأنه مثل مخصوص فمنهم من أطلق ومنهم من قيد وفي العين الند ما كان مثل الشيء الذي يضادّه في أموره ويقال ند ونديد ونديدة وأجازوا في أنداداً أن يكون جمعاً لنديد أو نذ كيتيم وأيتام وعدل وأعدال، وقا اء الراغب ند الشيء مشاركه في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فإنّ المثل يقال في أيّ مشاركة كانت وكل ند مثل وليس كل مثل نذا، وهو من نذ إذا نقر وقرئ يوم التناد أي يندّ بعضهم من بعض نحو يوم يفرّ المرء، فالندّ يقال في المشارك في الجوهرية فقط، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط والمثل عامّ في جميع ذلك انتهى. وعلى هذا ينزل كلام المصنف ﵀،
والقدر الكمية وعدى المصنف ﵀ خص باللام لتضمنه معنى عين والمصنف ﵀ كثيرا ما يتسامح في الصلات. قوله: (قال جرير الخ) هو من قصيدة أوّلها:
عفا النسران بعدك فالوحيد ولا يبقى لجدّته جديد
والجعل التصيير القولي أو الاعتقادي وضمنه معنى الضم فعداه بإلى كما قيل والظاهر أنه
لا حاجة إليه إنه يتعدى بها كثيرا لما فيه من معنى الرجوع كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى، الآية: ٥٣] أي أتجعلون أحدا من تيم وهي قبيلة معروفة مثلا " لي مبارزا معاديا وما منيم من هو نديد ومثل لذي حسب فكيف بمثلي وأنا المعروف بنباهة الحسب وتنوين حسب للتنكير، وقيل للتعظيم وقيل إليّ حال من تيما أو ندا أو استدلّ بالبيت على أنه المعادي وما في الكشف من أنه أراد أنه كذا في أصل وضع اللغة والا فالاستعمال قد يخالفه والبيت إن كان شاهدا لكونه بمعنى المثل مطلقاً ظاهر والا فلا دلألة فيه على المعاداة ليس بشيء لأنّ تيما غير قبيلته وما بين قبائل العرب والمتناهين منهم من العداوة أظهر من أن تخفى على مثله ولا حاجة إلى تفسير المعادي بمن ذلك ذلك شأنه حتى يرجع إلى مطلق المثل. قوله: (وتسمية ما يعبده المشركون الخ) ما في قوله ما زعموا نافية والجملة حالية، وفي قوله تساويه إشارة إلى معنى الند كما مرّ وقوله فتهكم الخ أي شنع عليهم بجمعهم بأن جعلوا أندادا لمن لا ند له ولا ضد كما في الكشاف، وتال الفاضل في شرحه: أنه يشير إلى
стр. 447
أنه استعارة تهكمية، وقال قدس سرّه في الردّ عليه بل هو إشارة إلى أنّ هناك استعارة تمثيلية وليست تهكمية اصطلاحية إذ ليس استعارة أحد الضدين للآخر بل أحد المتشابهين لصاحبه لكن المقصود منها التهكم بهم لتنزيلهم منزلة من يعتقد أنها آلهة مثله وفي بعض النسخ لتنزيلهم منزلة الأضداد حيث شبهت حالهم بحال المعتقدين، أقول النسخة الثانية صريحة في أنها استعارة تهكمية بالمعنى المشهور وتحقيقه أن الند كما سمعته آنفا بحسب أصل اللغة ليس النظير مطلقا بل نظيرك الذي يخالفك وينافرك ويتباعد عنك معنى ثم توسع فيه فاستعمل لمطلق المثل كما في قولهم ليس لله ضد ولا ند فإنه لنفي ما يسد مسده وما ينافيه وهم إنما يعتقدون أنّ آلهتهم تناسبه وتقرّب إليه كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٣] إلا أنهم لتمام حمقهم نسبوا لبعضها البنوّة المقتضية لتمام المشاكلة فإن استعير الضد من معناه الأوّل وهو المعادي المبعد للآلهة المقرّبة عندهم كانت من استعارة أحد الضدين للآخر، لأن التضادّ أعمّ من الوضعي، كالتبشير للإنذار في بشرهم بعذاب أليم ومما هو بحسب اللوازم المرادة بلا وضعلها كالأسد للجبان وحاتم للبخيل، وان نظر إلى الثاني وأنه بمعنى المثل مطلقا لم يكن
بينهما تضادّ فيكون من استعارة أحد المتشابهين للآخر بدون تضادّ منزل منزلة التناسب فيكون التهكم فيه غير اصطلاحي لأنها بحسب أحوالهم وأفعالهم مماثلة له تعالى في العبادة لا بحسب الذات وسائر الوجوه إلا أنهم لما جعلوها مثلاً وخصوها بالعبادة دونه وهذه خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم بحميقهم والتهكم بهم فيكون استعارة أي استعارة قصد بها علاقة المشابهة الحقيقية التهكم وهذا معنى غير ما اصطلحوا عليه فالقول به غير متجه والحق ما قاله الشارح المحقق، ومن خرافات بعض العصريين في حواش ومحاكمات له بزعمه بين الفاضلين أنه قال في الردّ عليه قدّس سرّه بعدما حكى كلامه ولا يخفى بعده مع أن الظاهر من قوله كما تهكم بلفظ الندّانة استعارة تهكمية واستعارة أحد الضدين للآخر توجد ههنا لأن التشابه ليس بمطلق بل مشتمل على معنى الضدّية على ما تدلّ عليه المخالفة والمنافرة فاستعمال المثل المقابل القوي المخالف فيما يكون بمعزل عنه من المثل في بعض ما توهموه يكون استعمالاً للقوي في الضعيف وهو عين الاستعارة التهكمية، وقوله أشبهت لبيان وجه الاستعارة في لفظ الأنداد، وما قيل إنه في معناه الحقيقي إذ مدار التشنيع عليه ليس بشيء لأن أوصاف المستعار منه معتبرة في لفظ الاستعارة وبه يتمّ التشنيع انتهى. والبعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، وجعل جمع الأنداد للتشنيع لأن من لا ند له كيف يجعلون له أنداداً، ومن الناس من لم يرتض هذا لأنهم كانت لهم أصنام كثيرة فجمعه نظراً للواقع وهو أولى وفيه نظر والتهكم من لفظ الند حيث اختير على المثل والتشنيع من إيراده جمعاً فيبطل ما قيل إنه تسامح والأولى أن يقال تهكم بهم بلفظ الند وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً من غير حاجة إلى تقدير أو تأويل.
قوله: (قال موحد الجاهلية زيد الخ) إشارة آلى ما ذكر في السير من أنه في الفترة وزمن الجاهلية اجتمع زيد المذكور وورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وتذاكروا عبادة الأصنام وأمور الجاهلية فهداهم الله للحق وقالوا إنّ هذه أمور باطلة عقلاَ فتركوا عبادة الأصنام وخرج كل منهم إلى جانب يطلب الدين الحق فلقي زيد أحبار أهل الكتاب بالشأم فسألهم عن العقائد والدين الحق فدلوه على ملة إبراهيم فدان بها وكان يطعن في أمور الجاهلية، ولقي النبيّ ﷺ قبل أن يوحى إليه وهو زيد بن عمرو بن نفيل بن رباح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن ربيعة أخي قصيّ أمه وأمّ زيد الجيداء بنت خالد الفهمية وهي امرأة جده نفيل ولدت له الخطاب فهو قرشيّ أخو عمر لأمّه ﵁ ونفيل بنون وفاء ولام مصغر علم جذه وله إشعار في النهي عن أمور الجاهلية منها ما أورد المصنف وهو برمته كما ذكره ابن
عساكر ﵀:
آربا واحداً أم ألف رت أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير
стр. 448
ألم تعلم بأنّ الله أفنى رجالاً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببرّ قوم فيربومنهم الطفل الصغيرء
وبينا المرءيعثربات يوما كمايترنح الغصن النضير
ومعناه أنتخذ دينا عبادة ألف رب من الأصنام، وتقسم الأمور بمعنى تفرّقت الأحوال من تسمهم الدهر فتقسموا أي تفرّقوا فهو مبنيّ للفاعل، ووقع في بعضها مجهولاً وله وجه أيضا أي إذا انقسمت الأمور وفوّض اختيار هأ االأمر إليّ لإختار ربا واحدا أم ألف رلت أي كيف أترك رباً واحدا وأختار أربابا متعددة وهذا كقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ اسورة يوسف، الآية: ٣٩] وتوله ولهذا أي لقصد التشنيع والتهكم، والمراد بالألف التكثير لا خصوصيته واللات والعزى صنمان مشهوران سيأتي بيانهما. قوله: (ومفعول ئعلمون مطرح الخ) في الكشاف معناه وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال والإصابة في التدابير والدهاء والفطنة بمنزل لا ندفعون عنه، وهكذا كانت العرب خصوصا ساكنو الحرم من قريش وكنانة لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها ومفعول تعلمون متروك، كأنه قيل وأنتم من اهل العلم والمعرفة، والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرّافون المميزون ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل، وهذا هو الوجه الأوّل الذي ذكره المصنف ﵀، ومطرح افتعال من الطرح بمعنى الرمي والترك وفي نسخة مطروح وهما بمعنى أي ترك نسيا منسياً وقصد إثبات حقيقة الفعل مبالغة من غير تقدير لمتعلق لتنزيله منزلة اللازم وأهل العلم أصحابه ممن قام به والأهل في غبر هذا يكون بمعنى المستحق، والنظر بمعنى الفكر لا الرؤية البصرية، والتأمّل التدبر واعادة النظر مرّة بعد أخرى، وهو في الأصل تفعل من الأصل وهو الرجاء وأدنى بمعنى أقل وأقرب والعلم يتعدى لمفعولين أو ما يقوم مقامهما. كان المفتوحة المشددة ومدخولها فالمراد بالمفعول في كلام المصنف جنسه لا الواحد حتى يقال إنه إشارة إلى أنّ العلم هنا، بمعنى المعرفة متعدّ لمفعول واحد وقوله اضطز عقلكم الخ برفع عقلكم ونصبه لأنه يقال ضرّه إلى كذا واضطرّه إذا ألجأه إليه وليس له منه بدّ كما في المصباح أي أعلمهم بالضرورة وجود صانع بجب توحيده في ذاته
وصفاته لا يليق أن يعبد سواه فسقط ما قيل عليه من أنّ الأولى أن يقول لاضطرّ عقلكم إلى التوحيد الصرف وردّ الشرك في العبادة لأن الكفار قائلون بانفراده بوجوب الذات وايجاد الممكنات كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٨٧] كما صرّح به قبيل هذا في قوله وما زعموا أنها تساويه الخ. قوله: (أو منويّ الخ) المنوفي والمقدّر بمعنى في اصطلاحهم، إلا أنه يلاحظ في التقديرات جانب اللفظ وفي النية الذهن وقوله وهو الخ أي المفعول المقدر قوله أنها لا تماثله وهو سادّ مسد مفعولي العلم، كما مرّ ولما كانت المماثلة عامّة لجميع وجوه المشابهة عطف عليه قوله ولا تقدر على مثل ما يفعله لأنه المقصود بالذات وأثبته بالآية المذكورة فالواو على ظاهرها وقيل إنها بمعنى أو الفاصلة لظهور أنّ المفعول ليس المجموع والثاني بيان له وسقوطه في غاية الظهور وإنما غرّه كلام الكشاف وأشار بقوله أنها الخ كالزمخشرفي إلى أنّ المفعول حذف للقرينة الدالة عليه كما قاله الفاضل اليمنيّ وقول الطيبيّ إنما حذف على هذا القصد التعميم لئلا يقصر على المذكور دون غيره ليس بمناسب لكلام الشيخين. قوله: (وعلى هذا فالمقصود به التوبيخ الخ) التوبيخ الإنكار بمعنى ما كان ينبغي أن يكون نحو أعصيت ربك أو لا ينبغي أن يكون في المستقبل كما في التلخيص وشروحه، والتثريب التعيير والتقبيح وهو قريب منه، واختلف في المراد بقوله هذا فقيل المراد على تقدير كونه حالاً فيشمل الوجهين وفيه مخالفة للكشاف حيث خص التوبيخ بالأوّل وقيل المراد على الوجه الثاني لأنه على الأوّل يمكن إرادة التوبيخ والتقييد فإنه لا تكليف إلا على من قدر على النظر وقيل إنما قصر على هذا لأنّ التوبيخ في الأوّل أظهر وليس فيه احتمال التقييد والزمخشري لما لم يتعرّض
стр. 449
للتوبيخ في هذا وتعرّض! له في الأوّل عكس المصنف ﵀ صنيعه تعريضا بالاعتراض عليه وذهب بعض أرباب الحواشي إلى أنه لو كان القصد من هذه الحال تقييد الحكم كان المعنى لا نهي عن اتخاذ الأنداد حال كونهم جاهلين، وهو فاسد لأنّ العالم والجاهل القادر على العلم سيان في التكليف وقيد الجاهل بالمتمكن من العلم احترازاً عن الصبيّ والمجنون وإنما فرّع هذا على الأخير مع أنّ الحال مقيدة على أيّ وجه كان، لأنّ العلم على الوجه الأوّل مناط التكليف لأنه لا يكون إلا عند كمال العقل فكأنه قال انتهوا عن الشرك حال وجود أهلية التكليف فحينئذ يصح معنى مفهوم المخالفة، وهو أنه لا تكليف عليكم عند عدم الأهلية بخلاف الوجه الأخير لأنه قيد الحكم بتعلق العلم بالمفعول وليس مناط التكليف إنما مناطه العلم فقط فعلى هذا لا يفيد التقييد معنى صحيحاً بالنظر لمفهوم المخالفة لأنه يؤدّي إلى أنه لا نهي عن الشرك عند عدم العلم بأن الأنداد لا تماثله وهو باطل
وهو مبنيّ على مذهب الشافعيّ في ١١ مفهوم وعندنا التقييد على الوجهين للتوبيخ قلت: كأنه لما كان التوبيخ معناه كما مرّ الإنكار لما في الواقع لأنه لا ينبغي أشار العلامة إلى أنه جار في الأوّل لأن ما هم عليه من ديانتهم بعبادة الأصنام أمر منكر مناد على غاية جهلهم ربمخافة عقلهم وأما الثاني فمفعوله المقدر وهو عدم المماثلة أو عدم القدرة على مصنوعاته ليس بمنكر في نفسه وإنما قصد به إلزامهم الحجة، أو يقال إنه اقتصر على بيان التوبيخ فيه لأنه الراجح عنده المهتم بيانه ويعلم الثاني بالقياس عليه كما يومئ إليه قوله آكد بأفعل التفضيل والمصنف ﵀ لما رآه يؤول إليه معنى جعل التوبيخ مشتركا بينهما توضيحاً لما في الكشاف أو بيانا لأنه غير متعين وأمّا تخصيصه بالثاني وجعله مبنيا على مذهبه في مفهوم المخالفة فليس بشيء لأن الأوّل ليس مجرّد العقل والإدراك الذي هو مناط التكليف كما توهموه بل سلامة الفطرة وغاية الدهاء والذكاء فلو جعل قيدأكما قالوه كان البليد والغرّ الأحمق غير مكلف وهو مما لم يقل به أحد ففساده ظاهر لمن له أدنى بصيرة. قوله: (واعلم أنّ مضمون الآيتين الخ) هذا مأخوذ مما في الكشاف إلا أنه فيه جعله مقدّمة لتفسير الآيتين والمصنف ﵀ جعله خاتمة وفذلكة ومراده بسطه ولكل وجهة، وفيه إشارة إلى أنّ المقصود من الآيتين أي من قوله يأيها الناس إلى هنا الأمر بالعبادة الدال عليه قوله اعبدوا، والنهي عن اتخاذ الشريك للواحد القهار المستفاد من قوله لا تجعلوا الخ وأدرج النفي في النهي لتقارب معنييهما ولأنه المراد من النفي لأنه خبر بمعنى الإلاء ولأنه يعلم بالمقايسة عليه وفي عبارته إشارة إلى أنّ الأمر والنهي صريح فيهما وعلة الحكم وهو السبب الداعي إليه والمقتضي المستلزم له ليس بصريح وإنما يعلم من ترتيب الأمر على صفة الربوبية وتعليقه بها فإنه يقتضي عليتها وتقدمه رتبة وان تأخر في الذكر، ولذا قال المصنف ﵀: رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية، والمراد بالعلة في قوله إشعاراً بأنها العلة لوجوبها الدليل الدال على وجوبها، وقوله ثم بين ربوبيته الخ إشارة إلى قوله الذي خلقكم الخ وهو وصف للرب مبين له ومثبت له بطريق البرهان، وما يحتاجون إليه في معاشهم أي في تعيشهم وحياتهم من الرزق والأمور الضرورية كالملبس والمسكن والمأكل والمشرب وهو إشارة إلى قوله الذي جعل لكم الأرض! فراشاً الخ والمقلة بزنة اسم الفاعل من اتله إذا حمله هي الأرض لأنهم عليها وهي تحملهم والمظلة بزنته من قولهم أظله إذا جعل عليه ظلة وهي كالسقف لا من أظل بمعنى أقبل ودنا كأنه ألقى ظله عليه كما توهم لأنه معنى مجازي لا يلت! تجأ إليه مع ظهور الحقيقة وهي مبينة في اللغة والاسنعمال والمراد بها السماء وقد
شاع هذا حتى صار حقيقة فيهما، وفي الحديث أيّ أرض تقلني وسماء تظلني وقوله والمطاعم الخ إشارة إلى ما تضمنه قوله وأنزل من السماء ماء الخ وأدخل المشرب في المطعم فإنه يشمله كما في قوله ومن لم يطعمه فإنه مني، وقوله فإنّ الثمرة أعمّ الخ إشارة إلى ما قاله الراغب من أنّ الثمرة ما يحمله الشجر ثم عمّ لكل ما يكتسب ويستفاد حتى قيل لكل نفع يصدر عن شيء هو ثمرته، فيقال ثمرة العلم العمل فيشمل كل رزق من مكل ومثرب وملبس سواء كان من النبات كالقطن والكتان أم لا. قوله: (ثم لما كانت هذه
стр. 450
الأمور الخ) المراد بالأمور ما خلق من المخلوقات من الأرضين والسموات وما فيهما من الأجرام العلوية وما أنعم به على من بها من الأرزاق والثمار والأمطار، وشهادتها على وحدانيته ظاهرة:
وفي كل شيء له اًية تدل على أنه الواحد
وقوله: رتب عليها النهي إشارة إلى أنّ اختيار الفاء في النظم لترتب ما بعدها على ما فعل
قبلها ترتب المدلول والنتيجة بخلاف قوله: اعبدوا الله ولا تشركوا به حيث عطف بالواو لعدم ذكر الصفات وقد أرشدنا فيما سبق إلى أنّ السؤال المورد في العطف غير وارد عليه بعد التأمّل في كلامه وما في بعض الحواشي من تحقيق معنى السببية المستفادة من الفاء في قوله: فلا تجعلوا حيث ذكرنا أنها معنى موصل إلى التوحيد وأنّ ايئ ي جعل لكم الآية إن كان خبراً عن الضمير المحذوف يفيد معنى التخصيص الدال على تفرّد الصانع ووحدانيته ولما أفاد الكلام المتقذم معنى التوحيد عقلا ونقلاً رتب عليه النهي عن الإشراك به تعالى ترتيب الصسبب على السبب فتدبر. قوله: (ولعله أراد من الآية الأخيرة) وهي قوله الذي جعل لكم الأرض فراشاً الخ وإنما قال مع ما دلّ عليه الظاهر دفعاً لتوهم أن يراد من الآية معناها التمثيلي دون ظاهرها فانه غير صحيح فاللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، إلا أنه يفهم منه تلك الخواص بطريق الرمز والإشارة، ولذا قال سيق فيه ولم يقل سيق له لأنّ المسوق له التوحيد والانتهاء عن اتخاذ الأنداد، ولذا قال بعضهم الأرض وما معها محمول على ما مرّ لا أنها بمعنى البدن ونحوه نإن سمج والمراد أنه ينتقل من العالم الكبير إلى العالم الصغير كما قيل في المثل الشيء بالشيء يذكر وتشبيه الجسم بالأرض لأنه سفل ثقيل مخلوق من عناصرها والنفس
بالسماء لأنها علوية مفيضة للآثار إفاضة السماء على الأرض والعقل بالماء للطافته ونفوذه في كل شيء وإحيائه أرض البدن بعدما كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت، والعقل، كما قال الراغب يقال للقوى المتهيئة لقبول العلم وللعلم المستفاد بتلك القوّة والقوى وان كانت نفسانية وبدنية وبعضها متصل ببعض آثارها تظهر على البدن نفسه بالقبض الرباني فسقط ما قيل من أنّ العقل إنما يقوم بسماء النفس وكذا الفضائل غير قائمة بالبدن فلا يلائم تفسير الماء النازل من السماء بالعقل إذ ليس نازلاً منها بل قائماً بها وكذا تشبيه الفضائل بالثمرات، ثم قال المراد!. ل! سماء عال! القدسء ث كأ. الأ. ضى النف! ى: مى الماء ال! -، هـ أعور، الصعك ف:! الثو ات ما يترتب عليها من الفضائل، وقوله: وازدواج القوى الخ إشارة لما قلناه والقوى السماوية كحرارة الشمس، وقوله بقدرة الله متعلق بقوله المنفعلة. قوله: (فإنّ لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حدّ مطلعاً) أصل البطن الجزء المعروف من الحيوان ويقابله الظهر، ثم قيل للجهة السفلى والعليا بطن وظهر، ويقال لما يدرك بالحس ويظهر ولما يخفى، والحدّ الحائز بين الشيئين والنهاية، والمطلع بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام ثم عين مهملة من اطلع على كذا افتعل إذا أشرف عليه وعلم به والمطلع مفتعل اسم مفعول وموضع الإطلاع من المكان المرتفع إلى المنخفض كذا في المصباح، وقوله ولكل بالتنوين خبر مقدّم وحد مبتدأ مؤ%س، ومطلع معطوف عليه إن رفع كما في بعض الروايات ولو أضيف كل لحدّ نصب مطلعا بالعطف على ظهراً كما في كثر النسخ، وهذه العبارة بعض من حديث صحيح روي من طرق شتى بعبارات مختلفة يطول تفصيلها وشرحها فعن الحسن البصريّ مرسلاً أنّ النبيّ ﷺ قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية ظهر وبطن ولكل حدّ ومطلع ". وروى الطبراني أنّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنّ هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حدّ ولكل حدّ مطلع وخرّجه صاحب المصابيح والطحاوي في الآثار وفي معنى السبعة أحرف أقوال كثيرة ليس هذا محلها وإن تعرّض لها بعضهم هنا تكثير للسواد، قال البقافي في كتابه مصاعد النظر. ومن خطه نقلت قال الحسن الظهر الظاهر والبطن السرّ من قول بعض العرب ضربت أمري ظهر البطن والحذ الحرف الذي فيه علم الخير والشرّ، والمطلع الأمر والنهي والمطلع في كلام العرب العلم الذي يؤتى منه خبر
стр. 451
بعلم القرآن والمصعد الذي يصعد إليه في معرفة علمه، وفسر في الغريب المطلع بموضع الإطلاع من أشراف نجد ويكون المصعد من أسفل إلى المكان المشرف فهو من الأضداد،
وقيل الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله وقيل الظهر ما قص من القصص وبطنه ما في القصص من العظة فالحاصل أنّ الظهر ظاهر الكلام والبطن ما يخص به العلماء مما يحتاج للتأويل، والحد غاية ما ينتهي إليه من الظاهر، والباطن والمطلع الطريق الموصل للحد، وهذا مراد المصنف كما يشهد له سياقه. يعني أنه سبحانه لم يخاطبنا إلا بما يمكن فهمه إمّا للعامّة أو للخاصة الذين يطلعهم على الطريق الموصل للحدّ وفي عوارف المعارف للسهروردي هذا الحديث محرّض لكل طالب ذي همة على أن يصفي موارد الكلام ويفهم دقائقه وغوامض أسراره فإذا تجرّد عما سواه كان له في قراءة كل آية مطلع جديد، وفهم عتيد، ولكل فهم عمل جديد يجلب صفاء الفهم ودقة النظر في معاني الخطاب وعمل القلب غير عمل القالب وهونيات وتملقات روحانية ومسامرات سرّية فكلما أتوا بعمل اطلعوا على مطلع من فهم الآية جديد، وفهم عتيد وعندي أنّ المطلع أن يطلع عند كل آية على شهود المتكلم بها وبتجدّد له التجليات بتلاوة الآيات، وعن جعفر الصادق ﵁ أنه قال قد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون، وهذا مقام رفيع وقيل وراءه مقام آخر يسمى ما بعد المطلع وقد قيل إنّ لهذا الحديث أيضا ظهراً وبطناً ومطلعاً، وقد جاء في الحديث أن للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن. وروي إلى سبعين بطنا كما في تفسير الفاتحة للفنارقي ﵀. قوله: (لما قرّر وحدانيته الخ) إشارة إلى أنّ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها لما بينهما من المغايرة الظاهرة والمناسبة التامّة لأنّ توحيد الله وتصديق رسله تعالى عليهم الصلاة والسلام توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والتقرير جعل الشيء قارّاًك ص به عن الإثبات وصار حقيقة فيه ولم يذكر وجوب عبادته إمّا لجعله معطوفا على لا تجعلوا أو لاً نه مقدّم للوحدانية ولازم لها، والطريق الموصل هو النظر في الأمور الموجبة للعلم بذلك من الأنفس والافاق المشار إليها بالرب وصفاته وذكره على عقبه لما مرّ إشارة إلى أنّ التوحيد لا ينفع بدون الاعتراف بنبوّته ﵊ وقيل إنه لما أوجب العبادة ونفى الشرك بإزالة الآيات والانقياد لها لام يمكن بدون التصديق بأنّ تلك الآيات من عند الله أرشدهم إلى ما يوجب هذا العلم وهذا أنسب بالسياق حيث لم يقل وان كنتم في ريب من نبوّة محمد ﷺ بل في ريب مما نزلنا ثم قال: إنّ الآية كما تزيل الريب تزيل الإنكار لكن خصر هذا إشارة إلى أنّ غاية ما يتوهم الريب دون الإنكار فإنه بمعزل عن التوهم
فلا يلتفت إلى إزاحته ولذا لم يقل إن كنتم مرتابين مبالغة فيه أي إن كنتم محاطين بالريب يندفع عنكم بهذا الطريق وليس بشيء لأنّ العدول عن جعل ما مرّ برهانا عقلياً مستقلاً إلى كونه برهانا سمعيا يأباه السياق لأنه لو أربد ذلك، قال اعبدوا الله ولا تشركوا به كما في غير هذه الآية الواردة بعد الإثبات لأنه يضيع حينئذ تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية وتصير لغواً خالية عن اللطائف السابق تقريرها. قوله: (وهو القرآن المعجز بفصاحته الخ) إشارة إلى المذهب الحق في الإعجاز، وبذت بالذال المعجمة بعد باء موحدة وكذا بالزاي المعجمة بمعنى غلمث وقهر، ومنه المثل من " عزيز " والمنطيق بكسر الميم صيغة مبالغة من النطق وهو البليغ الكثير نطقه، والإفحام بالفاء والحاء المهملة إسكات الخصم بالحجة حتى يسودّ وجهه ويصير كالفحمة وأصله من فحم الضبي إذا بكى حتى انقطع صوته، والمضاذة مفاعلة من الضد بمعنى المعاندة، والمضارّة مفاعلة من الضرر والمعازة بالزاي المعجمة المغالبة والمعارّة بالراء المهملة المخاصمة من المعرّة وهي الفضيحة لأنه يحرص على تفضيح خصمه، والمصقع البليغ والعرب العرباء الخلص كما مرّ في أوائل الديباجة وفي كلامه تجنيس حسن ويعرف إعجازه ونفي الريب عنه بعدم قدرتهم وهم أفصح الناس على مضاهاته ومعارضته وهو يقتضي أنه ليس من كلام البشر، وأمّا احتمال أنه ﵊ خلق أفصح الناس حتى لا يقدر على مثل كلامه أو أنه كلام ملك فغير ضارّ لعدم تسليم الأوّل ولذا لم يقله أحد
стр. 452
منهم وكذا. الثاني لو نزل عليه ملك كان نبياً، وقوله: وافحام من الخ بإضافة الإفحام إلى من كما في أكثر النسخ وقد قيل عليه أنه عطف على قوله نبوّة ولا وجه له لأنّ الحجة لا تقوم على الإفحام بل بعده وفي بعض النسخ إفحامه بالإضافة إلى الضمير عطفاً على فصاحته ولا وجه له أيضاً لأن الباء في المعطوف عليه للسببية فالعطف عليه يقتضي أن يكون إفحامه لمن طلب معارضته سبباً لإعجازه، وليس كذلك بل الأمر بالعكس فالصحيح أن يقال وأفحمت بصيغة الفعل المعطوف على بذت وليس بشيء لمن له أدنى تدبر فإن دفعه على طرف الثمام. قوله: (وإنما قال مما نزلنا الخ) يعني لم يعبر بالأفعال بلى بائتفعيل المقيد للنزول لأنه من أسباب ريبهم وكذا قوله عبدنا لأنهم قالوا لما رأوا نزوله منجماً على عادة الشعراء والخطباء لو كان من عند الله جاء دفعة واحدة كغيره من الكتب الإلهية ولجاء به إلينا ملك بلا واسطة فردّ عليهم بأنه نجم لأجل المصالح والوقائع وليسهل حفظه له ﵊ ولأمّته كما يدلّ عليه قراءة الجمع، وقد قيل إنّ المراد بالعباد الرسل لأنّ كتبهم نزلت بلغة قومهم فالريب في هذا ريب فيها وفيه نظر، فالمعنى إن كان ريبكم لهذا فأتوا بمقدار نجم منه وأنه أسهل ومن عجز عنه عجز عن غيره بالطريق الأولى ففي هذا
التعبير إشارة إلى منشاريبهم بتضمن ردّه على وجه أبلغ وإلى أنّ المنزل عليه أشرف المخلوقات من الملائكة وغيرهم لإنه أخص خلقه وأقربهم منزلة منه، وقوله نجما فنجما أي مفرّقاً ومرتباً لأنّ مثله من الحال يدل على الترتيب نحو علمته النحو بابا بابا وقد يقرن مثله بالفاء للتصريح بالمراد نحو ادخلوا الأول فالأوّل، والنجم اسم للكوكب ولما كانت العرب بوقت بطلوع النجوم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء سموا الوقت الذي يحل فيه الأداء نجماً تجوّزا ثم توسعوا حتى سموا الوظيفة لوقوعها في الوقت الذي يطلع فيه النجم واشتقوا منه فقالوا نجمت الشيء إذا وزعته وفرّقته ومنه ما نحن فيه، وما ذكره من أن فعل بالتضعيف يدلّ على التنجيم المعبر عنه بالتكثير كما ذكره الزمخشريّ وغيره مشهور وقد اعترض عليه بأنّ التضعيف الدال على ذلك شرطه أن يكون في الأفعالط المتعدية قبل التضعيف غالباً نحو فتحت الباب وقد يأتي في اللازم نحو موّتت الإبل والتضعيف الدال على الكثرة لا يجعل اللازم متعدّياً وما يفيده للنقل لا للتكثير، وقد جعلهما النحاة كما في المفصل وغيره معنيين متقابلين والاستعمال على خلافه كقوله تعالى ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾ جملة واحدة إذ لا وجه لذكر كونه جملة حينئذ وقوله: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٧] فإن ادّعى أنه يستفاد من التقابل ونحوه كما قيل فلا قرينة هنا، وعندي أن هذا المعنى غير التكثير المذكور في النحو، وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلاً قليلا كما ذكروه في تسلل حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً من الجماعة قالوا ونظيره تدرّج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة وهو غير التكثير لإشعاره بخلافه وقد حصروه في هذه الأمثلة فهو مغاير لما في كتب العربية فلا يخالف ما هنا كلامهم فيه، كما توهموه وحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازا أو اشتراكا فلا يلزم اطراده فتدبر. قوله: (وأضاف العبد الخ) يعني أنّ إضافته لضمير الله الذي هو بصيغة العظمة تعظيماً له وتشريفا لقدر. لأنّ الإضافة تكون لتعظيم المضاف أو المضاف إليه أو غيره كما فصل في المعاني، والتنويه من قولهم نوّه به تنويهاً رفع ذكره وعظمه وفي حديث عمر ﵁: أنا أوّل من نوّه بالعرب أي رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء. قوله: (والسورة الطائفة من القرآن الخ) الترجمة تكون بمعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى والناقل ترجمان وبمعنى مطلق التبليغ كما في قوله:
إن الثمانين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان
وبمعنى التسمية وهو المراد هنا أي المسماة والملقبة باسم مخصوص كسورة الفاتحة أو مشترك كسورة الطلاق وحم والمراد تفسير سورة القرآن لأن أجزاء غيره من الكتب السماوية
تسمى سوراً أيضاً كسورة الأمثال في الإنجيل. قيل وبه خرج الآيات المتعددة من سورة واحدة أو سور متفرّقة وقد نقض هذا
стр. 453
التعريف بآية الكرسي، وأجيب بأنه مجرّد إضافة لم يصل إلى حدّ التسمية والتلقيب وهو مكابرة لأنّ كثر السور من قبيل الإضافات كسورة آل عمران، وقد وردت تسمية آية الكرسي في الأحاديث الصحيحة واشتهرت على الألسنة فالقول بأنه لم يصل إلى حدّ التسمية لا وجه له، والحق أنه غير وارد رأساً لأن تلقيبها بإضافة الآية ينادي على أنها ليست بسورة فلا يرد نقضا وأيضا المراد أنها طائفة على حدة ليست جزءا من سورة أخرى إذ الآيات يعتبر فيها الاندراج في غيرها، والسور معتبر فيها الاستقلال وهذه غير مستقلة فهي خارجة من غير حاجة إلى التأويل أصلا، والجواب بأنّ المراد المترجمة في المصاحف يردّه أنها بدعة ليست في الإمام وما ضاهاه وما يقال من أنه إن أريد بما ذكر تفسير سورة القرآن فلا يناسب المقام لأنه شامل للسورة التي يأتي بها المتحدي فرضاً وليست منه وإن أريد المطلق لا يصح قوله من القرآن غير وارد لأنّ المراد الأوّل ولما كان سورة المتحدي لم تقع لم يلتفت إليها أو هي داخلة فيما يعارض به ادّعاء فرضيا كما لا يخفى، وقوله أقلها ثلاث آيات المراد به أن جن! تلك الطائفة المسماة بالسورة متفاوت قلّه وكثرة في إفرادها وغاية قلتها ثلاث آيات وبهذا ينكشف المقصود زيادة انكشاف فلا يرد أنّ هذا القيد يوجب أن لا يصدق التعريف والتفسير على شيء من السور، وبه يعلم أيضاً أنّ تلك الآية على تقدير كونها مسماة بذلك الاسم خارجة عن السورة كما أفاده قدّس سرّه والظاهر من قيود التعريف أن تكون أوصافا للأفراد لا حالاً للجنس والقلة والكثرة من صفات الجنس لكن بالنظر إلى الإفراد ربما كان هذا اللفظ صحيحاً سوأء كان في التعريف أولاً، فلا يرد ما ذكره على الشارح الفاضل حيث قال إنّ هذا تنبيه على أنّ أقل ما يتألف منه السورة ثلاث آيات لا قيد في التعريف إذ لا يصدق على شيء من السور أنه طائفة مترجمة أقلها ثلاث آيات لأنه إن أراد أنه يصح إدخاله في التعريف من غير تأويل فغير مسلم لما عرفته آنفاً وان أراد بتأويل ما يجعله صفة للإفراد بأن يكون المراد أقل نوعها أو التي لا تكون أقل من ثلاث آيات فقد أشار إليه الشارح بقوله وفيه تأمّل، والطائفة من الناس جماعة ومن الشيء قطعة وهذا هو المراد. قوله: (من سور المدينة لأنها الخ) السورة الواحدة من البناء المحيط نقلت لما ذكر لكنهم فرقوا بينهما فجمعوا الأوّل على سور بضم فسكون والثاني على سور بضم ففتح وما في القاموس مما يوهم التسوية بين الجمعين فيه نظر لا يخفى، وعدل المصنف عما في الكشاف من أنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسوّر لما قيل عليه من أنه يقتضي أن تسمى تلك الطائفة سورة تشبيها لها بالبلد لا سورة تشبيهاً بحائطها وإن أجيب عنه بأنّ السورة أطلقت على ذي السورة كما يطلق الحائط على المحوّط في قول العرب للحديقة حائطا ثم نقل منه إلى الطائفة اأحذكورة نقلاً مرتباً على المجاز وفي الثاني نقل فقط وفي الكشف في تقرير ما
في الكشاف السورة مشتملة على أجزائها اشتمال الكل على أجزائه واحاطة الكل بمفرداته وهو أتمّ الإحاطة، ولولا أنّ تلك الآيات والكلم نزلت منزلة المحال والبيوت في البلد لم يصح هذا التشبيه وهذا الإطلاق على هذا الوجه فصح أنّ النظر في هذا التشبيه إلى المحاط أوّلاً واندفع ما عسى أن يختلج في بعض الخواطر أنّ المناسب على هذا التقدير أن تسمى الطائفة المذكورة المسوّر لا السورة لأنها إذا! ميت بالمسوّر فأين السور وردّ بأنه مخالف لما في تقرير الكتاب لأنّ المعتبر فيه كون السورة محاطة أي محدودة محوزة لا كونها محيطة بأجزائها بل ما ذكرتم هو بعينه الوجه الثاني إلا أنه أبدل فيه فنون العلم وأجناس الفوائد بالآيات والجمل وهو غير وارد لأنه يعني أنّ آياتها وكمالاتها شبهت بالمنازل فجميع أجزائها. كالبلد المسوّر والكل من حيث هو كل مشتمل عليها كالسور والمغايرة بينهما اعتبارية فإنها من حيث إنها أجزاء مجتمعة مدينة وبلد ومن حيث كليتها سور فقوله في الكشاف كالبلد المسور تشبيه للطائفة وهي الكلم وما تركب منها من الآيات وفي قوله المسور إشارة إلى أنها ذات سور وليس معها شيء آخر يشبه بالسور فلزم أن يكون السور الكل المجموعي من حيث اشتماله على ما ذكر ومخالفته لتقرير الكتاب كما قيل ليست بظاهرة، وأمّا في الثاني فالألفاظ محيطة
стр. 454
بالمعاني وأين هذا من ذاك، والحاصل أنّ الهيئة الاجتماعية التي لا جزاء السورة بمنزلة السور والآيات بمنزلة بيوت البلد، وفي قوله البلد المسوّر إشارة إلى المحيط والمحاط به لا المحاط به فقط كما قيل، وأمّا ما قيل على المصنف ﵀ من أنّ في كلامه نظراً لأنّ السورة ليست محيطة بطائفة منه بل مشتصلة عليها اشتمال الكل على الأجزاء لا الظرف على المظروف فهو كما قيل:
سارت مشرقة وسرت مغرّبا شتان بين مشرق ومغرب
وقوله مفرزة بمعنى مفصولة مميزة عن غير! بالمبدأ، والمقطع من فرزت الشيء أفرزه
إذا عزلته عن غيره وميزته كما في الصحاح وأمّا افريز الحائط لطنفه فمعرّب رواز وقد عرّبو. قديماً كما في كتاب المغرب ومنه قول أبي نواس في بركة في روضة:
بسط من الديباح بيض فروزت أطرافها بفراوز خضر
ومحوزة أي مجتمعة وحيالها انفرادها عن غيرها والحاصل أنها مستقلة ممتازة بحيز يخصها. قوله: (أو محتوية على أنواع الخ) هذا هو الوجه الثاني في الكشاف وهو أنّ السورة اسم للألفاظ والمسوّر المحاط بها هو المعاني لأنّ الألفاظ كاللباس والقوالب للمعاني، وأشار إلى وجه الشبه بقوله احتواء الخ. قوله: (أو من السورة التي هي الرتبة الخ) الرتبة من رتب الشيء رتوبا استقرّ ودام فهو راتب وهي كالمنزلة والمكانة وعلى هذا شبهت السور بالمراتب المحسوسة لأن القارئ يترقى في تلاوتها واحدة بعد واحدة كما يرقى الصاعد للمراتب العلية أو لأنها ذات مراتب متفاوتة في الشرف والثواب والفضل والطول والقصر، وتفاوت بعض القرآن في مراتبه بحسب ما ذكر مما صرّح به في الفقه اكبر، وله تفصيل في شروحه وهو لا ينافي
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٢] الآن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ كما سيأتي في تفسير هذه الآية، والبيت المذكور من قصيدة للنابغة الذبيان مسطورة في ديوانه أوّلها:
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إليك أو أبد الأشعار ومنها:.
فلتأتينك عداوتي وليدفعن ألف إليك قوادم اكوار
رهط ابن كوز محقبو أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حذار
ولرهط حرّاب وقدّ سورة في المجد ليس غرابهابمطار
وحرّاب بزنة حسان فعال من الحرب بالحاء والراء المهملتين وفي شرح شواهد الكشاف
أنه روي بالزاي المعجمة أيضاً ولم يذكره أبو عبيدة في شرح ديوانه، وقذ بفتح القاف وتشديد اندال المهملة وفي بعض شروح الكشاف بالذال المعجمة وهما غلمان لرجلين من بني أسد، وقال الصاغاني: هما ابنا ملك ولا منافاة بينهما، وقوله ليس غرابها بمطار هو مثل كني به عن الخصب وكثرة الثمار بحيث إذا وقع الغراب والطير فيها لا يذاد عنها لكثرة ثمارها، وقيل إنه كناية عن رفعة الشأن والمرتبة أي لا يصل إليها الغراب حتى يطار أو لا تصل الإشارة إلى غرابها حتى يطار وهو كقوله:
ولا ترى الضبّ بها ينحجر
أي لا غراب بها ولا إطارة وهذا أنسب بالبيت المذكور ومثله قول النابغة أيضاً:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
قوله: (لأن السور كالمنازل الخ) إشارة إلى أنّ الرتبة يجوز أن تكون حسية ومعنوية كما
مرّ، وهذا معنى قوله في الكشاف لأنّ السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في أنفسها مترتبة طوال وأوساط وقصار أو لرفعه شأنها وجلالة محلها في الدين، وقيل بينهما تخالف فإنه في الكشاف جعل وجه التسمية أمرين كون السور كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في نفسها مرتبة طوال وقصار وأوساط وثانيهما رفعة شأنها وجلالتها في الدين والمصنف عدل عنه وجمع الرتب في الطول والقصر والتوسط مع التفاوت في الشرف والفضل والثواب لأن التسمية إمّا باعتبار مراتب القارئ
стр. 455
فيها وأمّا باعتبار أنها في أنفسها منازل منفصل بعضها عن بعض فيناسب بذلك جمع طولها وقصرها مع تفاوت مراتبها في الفضل، وقد وجه قدس سرّه ما في الكشاف بأنه يريد أن الرتبة إن جعلت حسية فلأن السورة يترقى فيها
القارئ ويقف عند بعضها أو لأنها في أنفسها منازل منفصل بعضها عن بعض متفاوتة في الطول والقصر والتوسط وإن جعلت معنوية فلتفاوت رفعة شأنها وجلالة محلها في الدين كل واحدة منها رتبة من تلك المراتب ولا يخفى أن صنيع الزمخشريّ أحسن والمصنف لم يميز الحسيّ من المعنويّ ففي كلامه تسمح إلا أنّ المراد ما في الكشاف. قوله: (وإن جعلت مبدلة الخ) أي إن جعلت السورة مهموزة أبدلت همزتها واواً على القياس المعروف فهي من السؤر ونقل إلى البعض والقطعة مطلقاً وأخروه لما قيل من أنه ضعيف لفظاً إذ لم يسمع همز. ولم ينقل في قراءة من السبع أو الشواذ وان أشعر به كلام الأزهري حيث قال أكثر القرّاء على ترك الهمزة ومعنى لأنها اسم ينبئ عن قفة وحقارة ويستعمل فيما فضل بعد ذهاب الأكثر، ولا ذهاب هنا إلا تقديراً بالنظر إليها نفسها وفيه أنه قال في الدرّ المصون أنها لغة تميم وغيرهم يقولون سؤرة بالهمز، وما ذكر إن كان باعتبار الأغلب فمسلم لكنه لا يرد هنا والا فاللغة تشهد بخلافه ولا يلزم من كون ذلك أصلها أن يلزمها ألا ترى أنّ لفظ سائر من السور، وقد تخلف عنه ما ذكر. قوله: (والحكمة في تقطيع القرآن الخ) أي جعل القرآن سورا مفصلة يشتمل على فوائد وحكم جليلة كما في سائر أفعاله:
من عرف الله أزال التهمه. وقال كل فغله لحكمه
فمنها إفراد الأنواع أي جعل كل نوع منها على حدة أو كل أنواع متناسبة في سورة مستقلة، وتلاحق الأشكال المراد بالتلاحق وهو تفاعل من اللحوق الاتصال والمقاربة، والأشكال بفتح الهمزة جمع شكل كضرب وهو ما يماثل الشيء قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ [سورة ص، الآية: ٥٨] وبقال الناس أشكال وآلاف كما قيل:
إنّ الطيور على أشباهها تقع
وتجاوب النظم التئامه وائتلافه حتى كان بعضه يجيب بعضاً منه وهو استعارة حسنة والترغيب فيه لأنه إذا سهل حفظه يرغب فيه وقوله نفس ذلك عنه بتشديد الفاء تفعيل من النفس بالفتح وله معان منها الفرج، ويقال اللهتم نفس عني أي فرج عني كربي وهذا منه والمعنى خفف تعقبه وأراحه، وقوله كالمسافر تشبيه للقارئ وقد ورد في الحديث تسميته بالحال المرتحل والبريد مساقة معلومة وهو معرّب بريده دم أي مقطوع الذنب لأنه كان يوضع فيه دواب لاتصال العمال والإخبار بسرعة للخلفاء وتجعل تلك الدواب كذلك لتكون علامة لها ثم
سمي بذلك الرسول والمحل والمسافة وهو اثنا عشر ميلاً، والميل ثلاثة فراسخ والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة وطيّ البريد قطع المسافة وحذقها بزنة ضربها بحاء مهملة وذال معجمة وقاف أي أتم قراءتها مجاز من قولهم سكين حاذق أي قاطع كما في الأساب وغيره والحذق في الأصل الذكاء وسرعة الإدراك وابتهج بمعنى فرج وسرّ وقوله إلى غير ذلك من الفوائد يتعلق بمقدر وهو متصل بأوّل الكلام أي فمن ذلك التقطيع ما ذكر من الحكم مضمونا إلى غيره مما يعلم بالقياس على المذكور ويجوز تعلقه بقوله ابتهج بتضمنه معنى نشطه وهيجه إلى غير ذلك والأوّل هو المراد ومن الفوائد أنه أبلغ في إظهار الإعجاز وذلك لأنه إذا فصل القرآن إلى سور تفصيل كلام البلغاء، ومع ذلك عجزوا عن أقصر سورة منه كان ذلك أبلغ في التعجيز كما مرّت الإشارة إليه وما ذكر من الفوائد منها ما يتعلق بالمقروء ومنها ما يتجلق بالقارئ ومثله الكاتب وهو غنيّ عن البيان. قوله: (صفة سورة الخ) في الكشاف من مثله متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله والضمير لما نزلنا أو لعبدنا ويجوز أن يتعلق بقوله فأتوا والضمير للعبد وقد اشتهر هنا سؤال في وجه التفرقة بين الوجهين وتجويز رجوع الضمير لما نزلنا وللعبد إذا كان الجار والمجرور صفة لسورة ومنعه ضمنا على تقدير تعلقه بقوله فأتوا وأوّل من سأله أستاذ الكل العلامة العضد حيث قا ا! مستفتياً علماء عصره
стр. 456
بما صورته:
يا أدلاء الهدى ومصابيح الدجى
حياكم الله وبياكم وألهمنا الحق بتحقيقه
واياكم ها أنا من نوركم مقتبس وبضوء ناركم للهدى ملتمس
ممتحن بالقصور لا ممتحن ذو غرور
ينشد بأضلق لسان وأرق جنان:
ألا قل لسكان وادي الحمى هنيئألكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاس وأنتم ورود
قد استبهم قول صاحب الكشاف أفيض عليه سجال الألطاف، من مثله متعلق بسورة الخ
حيث جوّز في الوجه الأوّل كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وحظره في الوجه الثاني تلويحا فليت
شعري ما الفرق بين سورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة وهل ثمة حكمة خفية، أو نكتة معنوية أو هو تحكم بحت وهذا مستبعد من مثله فإن رأيتم كشف الريبة واماطة الشبهة والإنعام بالجواب أثبتم بأجزل الأجر والثواب، فكتب جوابه العلامة فخر الدين الجاربردي إلا أنه أتى بكلام معقد لا يظهر معناه فردّه العضد وشنع عليه ثم انتصر لكل منهما ناس من فضلاء ذلك العصر حتى طال الكلام في ذلك وألفت فيه رسائل منقولة برمتها في الأشباه والنظائر النحوية وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه. قوله: (والضمير لما نزلنا الخ) شروع في بيان الوجوه المذكورة مع الزيادة على ما في الكشاف فذكر أنه إذا كان ظرفاً مستقراً صفة لسورة فارضمير يجوز رجوعه لما التي هي عبارة عن المنزل وللعبد فعلى الأوّل ذكر في من ثلاثة أوجه أحدها التبعيض ولما كان الأمر هنا باتفاق من الأصوليين والمفسرين للتعجيز اعترض على هذا بأنه يوهم أنّ للمنزل مثلا والعجز عن إتيان بعضه فالمماثلة المصرّح بها لا تكون منشأ للعجز كما سيأتي، وإنما قيل يوهم لأنّ المراد ائتوا بمقدار بعض ما من القرآن مماثل له في البلاغة والأسلوب المعجز فما قيل في جوابه أنه يدفعه مقام التحدي لا وجه له لأنه لا يدفع الإيهام، ومن قال هنا إن المراد بكونها بعض مثل ما نزلنا إنها مثله في حسن النظم وغرابة البيان من حيث كون مقاصده مقتصرة على إيجاب الطاعات والنهي عن الفواحش والمنكرات والحث على مكارم الأخلاق والأعراض عن الدنيا الفانية والإقبال على الآخرة الباقية مع ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لم يحم حول الصواب إذ لا وجه لهذه الحيثية سواء كانت مفسرة أو مقيدة كما لا يخفى على من عرف معنى الإعجاز وسيأتي لهذا تتمة عن قريب والقول بأنّ التبعيض غير صحيح لأنها لا تكون ظرفا مستقرّاً ليس بشيء ويردّه قوله: ومن الناس من يقول: وأمثاله كما صزحوا به ولا أدري ما غرّه فيه ٠ قوله: (أو للتبيين الخ) فالسورة المفروضة التي تعلق بها الأمر التعجيزي هي مثل المنزل في النظم وغرابة البيان والمعجوز عنه سورة موصوفة بذلك وكونها مثله في الإعجاز وعنوان السورة يدفع احتمال مماثلة الجميع كما قيل، وأمّا ما قيل من أنّ قوله بسورة كائنة من مثله يدل على التبعيض بلا تبيين فكيف بناهما على التفسيرية إلا أن يقال إنّ ابتداء التفسير كلمة من غير نظر لما قبله فكلام ناشئ من عدم معرفة أساليب كلام العرب. قوله: (ورّائدة عند الأخفش) فلا يمتنع عنده زيادتها في الكلام المثبت، والجمهور اشترطوا في زيادتها تقدّم نفي أو شبهه سواء كان مجرورها نكرة أو معرفة وهو خالفهم في ذلك كما في التسهيل والاعتراض عليه بأنه يوافقه فيه الكوفيون فضول من الكلام وقوله أي بسورة مماثلة الخ قيل إنه تفسير للزيادة وبه يتبين التبيين، وقيل إنه تفسير له على جميع الاحتمالات إمّ على الأخيرين فظاهر وأمّا على التبعيض فلأن المراد بكونه بعضاً من مثل القرآن أن يكون مماثلاَ له في البلاغة والا لم يكن بعضاً من مثله. قوله: (أو لعبدنا ومن للابتداء الخ) عطف على قوله لما نزلنا فإذا رجع الضمير للعبد لم
يحتمل التبعيض والتبيين والزيادة ويتعين الابتداء كما أنه إذا رجع لما لم يحتمل الابتداء أيضا والمراد بكونها للابتداء أن مجرورها مبدأ للفعل حقيقة أو حكماً سواء كان مكانا نحو سرت من البصرة أو زمانا نحو من أوّل الليل أو غيرهما نحو أنه من سليمان ومنع البصريون كونها
стр. 457
لابتداء الغاية في الزمان، وقوله من كونه بشرا الخ بيان لحاله وهذا وان لم يرتضه المصنف ﵀ أورده استيفاء للوجوه المحتملة فلا يرد عليه ما قيل من أنه لا وجه لتخصيص البشر مع أنه معجز للثقلين كما سيأتي في تفسير قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٨] الخ والتحدي كأن أوّلاً بمثل القرآن كما فئي قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٤] ثم بعشر سور في قوله: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [سررة هود، الآية: ١٣] ثم بسورة ما ومعنى الإتيان المجيء بسهولة سواء كان بالذات أو بالأمر والتدبر ويقال في الخير والشرّ والاً عيان والإعراض ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي كما في قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٤] وأصل فاتوا فأتيوا فأعل الإعلال المشهور. قوله: (والردّ إلى المنزل الخ) أي رجوع ضحمير مثله إلى قوله مما نزلنا أوجه من رجوعه للعبد مطلقا أو إذا كان ظرفا لغواً متعلقا بقوله فأتوا فلا يكون فيه ترجيح لكون الظرف صفة سورة مستقرّا كما قبل لاً نه إذا تعلق بقوله فأتوا فضمير مثله للعبد لا للمنزل فكلامه موافق لما في الكشاف ويرد عليه ما يرد عليه كما ستراه، واعلم أنّ الزمخشري لما جوّز في الوصفية عود الضمير لما وللعبد واقتصر على الثاني في تعلقه بقوله فأتوا ورد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون الضمير حينئذ لما نزلنا أيضا كما جاء ذلك على تقدير كون الظرف صفة كما حكيناه لك آنفا، وأجاب الفاضل المحقق ومن تبعه بأنّ الأمر هنا تعجيزيّ باعتبار المأتي به والذوق شاهد بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتي منه بشيء ومثل النبيّ في البشرية والعربية موجود بخلاف مثل القرآن في البلاغة وأمّا في الوصفية فالمعجوز عنه الإتيان بالسورة الموصوفة وهو لا يقتضي وجود المثل بل ربما يقتضي انتفاءه لتعلق أمر التعجيز به، والحاصل أنّ قولك ائت من مثل الحماسة ببيت يقتضي وجود المثل بخلاف ائت ببيت من مثل الحماسة، وقد أجيب عنه بوجوه الأوّل أنه إذا تعلق بقوله فأتوا فمن للابتداء قطعا إذ لا مبهم حتى يبين ولا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لإتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع من لذكر المأتي به صريحاً وهو السورة ومن الابتدائية تعين كون الضمير للعبد لأنه المبدأ للإتيان لا مثل القرآن وفيه أن مبدأ الابتدائية ليس هو الفاعل حتى ينحصر مبدأ الإتيان بالكلام في المتكلم على أنك إذا تأمّلت فالمتكلم ليس مبدأ للإتيان بالكلام منه بل للكلام نفسه بل معنا. أن يتصل به الأ " لر الذي اعتبر له امتداد حقيقة أو توهماً كالبصرة للخروج والقرآن للسورة فاندفع ما قيل إن المعتبر من المبدأ هو الفاعليّ والمادّيّ والغائيّ لذلك الشيء أوجهه
يتلبس بها ولا يصح شيء منها هنا على أنّ كون مثل القرآن مبدأ مادّياً للإتيان بالسورة ليس بأبعد من كون مثل العبد مبدأ فاعليا له، وقد قيل على هذا أنه فرق بين كون المأتيّ به عرضاً مقتضيا للمحل وبين أن يكون جوهراً لا يقتضيه فإنه يجوز أن يقال أتيت من البصرة بكتاب ولا يجوز أتيت من البصرة بكلام وبسلام على الحقيقة بل ينبغي أن يقال أتيت من أهل البصرة فلا يقاس مبدئية القرآن للإتيان بسورة على مبدئية- البصرة للخروج لاستدعاء مبدئية القرآن للإتيان بسورة منه أن يكون القرآن متصفاً بالإتيان بسورة منه بخلاف الخروج من البصرة فإنه لا يستدعي أن تكون البصرة متصفة بالخروج وكما أن البصرة لا يجوز أن تكون مبدأ للإتيان بالكلام كذلك لا يجوز أن يكون القرآن مبدأ للإتيان بالسورة الذي هو التكلم بها فما قاله من أنّ المبدأ الذي تقتضيه من الابتدائية هو الفاعل ليس على إطلاقه بل هو على تقدير أن يكون المأني به عرضاً كالكلام فاتصاف المبدئية لازم كما يلزم ذلك إذا رجع الضمير للعبد وليس بشيء كما لا يخفى. الثاني أنه إذا كان الضمير لما ومن صلة فأتوا والمعنى فأتوا من منزل مثله بسورة فمماثله ذلك المنزل لهذا هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا والمقصود خلافه كما نطقت به الآي الآخر، وفيه أن إضافة المثل إلى المنزل لا تقتضي أن يعتبر موصوفه منزلاً ألا ترى أنه في الوصفية ليس المعنى بسورة من منزل مثل القرآن بل من كلام وكيف يتوهم ذلك والمقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن ولو سلم فما ادّعاه غير بين ولا مبين الثالث أنها إذا كانت صلة فأتوا فالمعنى ائتوا من عند
стр. 458
المثل كما في ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده، ولا يصح ائتوا من عند مثل القرآن بخلاف مثل العبد وهو بين الفساد، واعترض على الوجه الأول الذي ارتضوه بعض الفضلاء المتأخرين بأن قوله إنه يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء يفهم منه أنه اعتبر مثل القرآن كلا ذا أجزاء وأرجع التعجيز إلى الإتيان بجزء منه، ولهذا مثل بقوله ائت من مثل الحماسة ببيت فإنّ مثل الحماسة كتاب أمر بالإتيان ببيتا منه على سبيل التعجيز، وإذا كان كذلك فلا شك أنّ الذوق يحكم بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى بشيء منه وأمّ إذا جعلنا مثل القرآن كليا يصدق على كله وبعضه وعلى كل كلام يكون في طبقة البلاغة القرآنية فلا نسلم أنّ الذوق يشهد بوجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء بل الذوق يقتضي أن لا يكون لهذا الكليّ فرد غير القرآن والأمر راجع إلى الإتيان بفرد آخر من هذا الكلام على سبيل التعجيز، ومثله كثير في المحاورات كمن عنده ياقوتة ثمينة لا يوجد مثلها يقول في مقام التصلف من يأتي من مثل هذه الياقوتة بياقونة أخرى فيفهم منه أنه يدّعي أنه لا يوجد فرد آخر من هذا النوع فظهر من هذا أنه لا يلزم من تعلق من مثله بقوله فأتوا أن يكون مثل القرآن موجود فلا محذور، ومثال بيت الحماسة غير مطابق للغرض لأنّ الحماسة مجموع كتاب فلا بد أن يكون مثله كتاباً آخر فيلزم المحذور وأمّا القرآن فمفهوم كفي صادق على كله وأبعاضه إلى
حد لا يزول عنه البلاغة القرآنية، فالغرض منه المفهوم الكليّ وهو نوع من الكلام البليغ فرده القرآن وقد أمر بالإتيان بفرد آخر من نوعه بلا محذور وقد تبج!! هذا القائل بما ذكره وأفرده برسالة زيف ما فيها بعض أهل عصره، وقد قيل على هذا الجواب أيضاً إنّ قوله إنّ تعلق من مثله الإتيان يقتضي وجود المثل الخ فيه أنه إنما يتمّ لو لم يكن المثل فرضيا وهو ممنوع. ألا ترى إلى قول الزمخشري أنه لا قصد إلى مثل ونظير هنالك وأجيب بأنّ الذوق شاهد عليه وقوله لا ينفي اقتضاء وجود المثل المحقق بل ينفي القصد إلى مثل محقق، وقريب منه ما قيل من أنه لم لا يكفي وجود المثل في زعمهم كما يكفي على تقدير كون من للتبعيض، وقيل إن بناء الأمر على المجاراة معهم تهكما أو بحسب حسبانهم كقولهم لو نشاء لقلنا عثل هذا يابا. ما قرّر من أنه عبر عن اعتقادهم وانكارهم بالريب إشارة إلى أنه غاية ما يمكن ولذا نكر وصدر بكلمة الشك فإنه مبنيّ على غير تسليمه ولو جدلاً، وهو غير وارد لأنّ بناء جملة على اعتبار وأخرى على آخر تكثيراً للمزايا غير منكر وعندي أنّ هذا الجواب وإن ارتضاه كثير منهم وليس بسديد لأنّ الأمر تعجيزي عندهم وذكر المثل لما لا مثل له أدخل في التعجيز وأقوى كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٧] حيث قال: إنه من باب التبكيت لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وتبعه المصنف ﵀ فلنجعل ما نحن فيه كذلك (ثم إنه سنح لي هنا) أنّ المراد التحدّي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه فمقتضى المقام أن يقال لهم معاشر فصحاء العرب المرتابين في أنّ القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه وما ذكر يدلّ على هذا إذا كان من مثله صفة لسورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأنّ معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً فإذا تعلق بأتوا ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضا ائتوا من مثلى هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرناه من المقصود، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة ولا شك أنّ من فيه ليست بيانية لأنها لا تكون لغوا ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية كما ذكره الشيخان والمبدأ ليس فاعلاً بل مادّيا فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به فلا يخلو من أن يدعي وجوده أولاً، والأوّل خلاف الواقع وابتناؤه على الفرض أو زعمهم تعسف لا حاجة إلى ارتكابه بلا مقتض والثاني لا يليق مثله بالتنزيل لأنّ ما-له بأن يأتوا ببعض من شيء لا وجود له فهذا ما أشار إليه العلامة، وأمّا القول بأنّ التخصيص
стр. 459
المذكور ليس بصريح وإنما أخذوه من مفهومه وانمفهوم غير معتبر فهو اكتفاء لا خصيص قبعياء عن السياق بمراحل. قوله: (لأنه المطابق لقوله الخ) أيد رجوع الضمير للمنزل بوجوه منها أته الموافق لنظائره من آيات التحدي لأنّ المماثلة فيها صفة للمأتيّ به فكذا هنا إذا
جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل ومن بيانية كما عرفت، ومنها أنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فارتباط آخر الكلام بأوّله وترتب الجزاء على الشرط إنما يحسن كل الحسن إذا كان الضمير للمنزل فإنه الذي سيق له الكلام وفرض! فيه الارتياب قصداً وذكر القيد وقع تبعا فلذا صح عود الضميم- له في الجملة مع أنه لو عاد الضمير له ترك التصريح بمماثلة السورة له في البلاغة وهو عمدة التحدّي وان فهم من السياق ومعونة المقام، فسقط ما قيل هنا من أنه إذا رجع الضمير إلى العبد لا ينفك الكلام عن المنزل لأنّ المراد بالعبد العبد المنزل عليه وحاصله كون المنزل بحيث يعجز كل من طولب بالإتيان بما يداني سورة من سورة ممن هو على حال من أنزل عليه ولا حاجة إلى ما أجاب به من أنه أراد بالانفكاك انفكاك الضمير فإنّ الضمير المقدّر في صلة الموصول راجع إلى المنزل. قوله: (ولأنّ مخاطبة الجتم الفقير الخ) ووجه الأبلغية ظاهر مما قرّره المصنف لأنّ أمرهم بجملتهم بأن يأتوا بشيء من مثل ما أتى به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا واحداً يأتي بمثل ما أتى به رجل آخر، والجمّ الغفير بمعنى الناس الكثير جداً من الغفر وهو الستر كأنهم يسترون وجه الأرض! لكثرتهم واستعمله المصنف مجروراً بالإضافة والمعروف في كلام العرب استعماله منصوبا على الحال يقولون جاؤوا الجماء الغفير وجاء الغفير أي بجملتهم، ومثله مما يأباه الأدباء ويعدونه لحنا كما بيناه في شرح الدرّة، وفيه لغات مذكورة في القاموس وقوله بنحو الخ إشارة إلى أنّ المثلية ملحوظة فيه وان رجع الضمير للعبد وكونه من أبناء جلدتهم معناه من جنسهم ونوعهم في البلاغة وأصله أن كل نوع متشابه البنية وظاهر البدن وهو المراد بالجلدة كما مرّ، وقيل إنّ صفة المرء بمنزلة جلده في التلبس والتزي وليس المقصود أنهم من قوم واحد بحسب النسب فإنه لا دخل له في هذا المقام وفيه نظر. قوله: (ولأنه معجز في نفسه الخ) هذا رابع الوجوه في كلام المصنف يعني لو أرجع الضمير إليه أوهم أن إعجازه لكونه من أميّ لم يدرّس ولم يكتب ولم يتعلم من غيره علما ومعرفة، وقوله ولأنّ ردّه الخ أي ردّ الضمير إلى عبدنا يوهم أنه يمكن صدوره من غيره من الخطباء والشعراء وأهل الدراسة وليس بين هذا وما قبله كثير فرق فالظاهر إدراجه فيه وعدهما وجهاً واحداً إلا وجهاً خامساً كما قيل، فقوله ولا يلائمه الخ وجه آخر مستقل وقد عده بعضهم وجها سادسا والأمر فيه سهل. قوله: (ولا يلانمه قوله ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم﴾ الخ) ادعوا أمر من الدعاء، وله معان ذكرها الراغب وهي النداء والتسمية في نحو دعوت ابني محمداً والاستعانة كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٠] والدعاء إلى الشيء الحث على قصده وقيل إنه فسر هنا بالإحضار والاستعانة والمصنف أشار بقوله استعينوا إلى أنّ الثاني
هو المختار عنده، والظاهر أنه مجازا أو كناية مبنية على النداء لأنّ الشخص إنما ينادي للحضور ليستعان به، وفي الأساس دعا بالكتاب اسنحضره يدعون فيها بفاكهة والمتبادر منه اختصاصه بالمتعدي بالباء، ويلائمه بهمزة بعد الألف وتبدل ياء كثيراً أي يوافقه ويناسبه وأصله من لأم الصاع والشق ني الإناء ونحوه إذا أصلحه ووجه عدم موافقة رجوع الضمير للعبد لما بعده كما قرّره الشراح مما يحتاج إلى فضل تأمّل كما ذكر. المدقق في الكشف لأنّ المراد أنه إن أريد دعاء الشهداء للاستعانة بهم في المعارضة إمّا حقيقة كما، ي الوجه الأخير من الوجوه الستة وامّا تهكماً كما في الوجهين الأولين فلأنه إنما يلائم الأمر بالإتيان بسورة من مثل القرآن " لا الأمر بالإتيان بسورة من واحد عربيّ أمّيّ إذ لا معنى للاستمداد بطائفة فيما هو فعل واحد كيف ولو استعين بالشهداء في ذلك لم يكن المأتيّ به ما كان مطلوبا منهم وأمّا إذا أريد به دعاؤهم ليشهدوا لهم بأنّ ما يدعونه حق كما في الوجوه الباقية فلأنّ إضافة الشهداء إليهم إنما تقع موقعها إذا كان الإتيان بالمثل منهم لا من واحد والا كانوا شهداء له فحقهم أن يضافوا إليه وان كان للإضافة إليهم وجه صحة، ورجوع الضصير للعبد يوهم أنّ دعاءهم
стр. 460
الشهداء ليشهدوا بأنّ ذلك الواحد مثل له لا أنّ ما أتى به مثل للمنزل وهذا الإيهام مخل بمتانة المعنى وفخامته، وترجيح رجوع الضمير للمنزل بهذه الوجوه يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضأ كما قرّره السيد، وقد أورد هنا أمور كثيرة لا طائل تحتها كما قيل من أنّ عدم الملاءمة ممنوعة لجواز أن يكون الأوّل طالبا للإتيان بسورة من مثل المنزل إليه والثاني طلباً له من الكل على سبيل الترقي (قلت فيه بحث الأنه قد أشير فيما سلف إلى أنّ المراد بالسورة المأني بها سورة تماثل نظم القرآن لأنه هو المتحدّي به لا غيره سواء رجع الضمير إلى المنزل أو العبد أمّا في الأوّل فظاهر مسلم، وأمّا في الثاني فلأنه معلوم من السياق وعنوان السورة ناطق به فيكون حينئذ قوله فأتوا بسورة من مثله في الوجه الثاني مشتمل على معناه الأوّل مع زيادة ذكراً لمأتيّ منه ولا يخفى أنّ المأمور بالإتيان على كل حال واحد وان كان الجميع ظاهراً إلا أنه ليس المراد به ليأت بذلك كل فرد فرد بل أنهم إذا ارتابوا وأتى بمثله واحد منهم بين أظهرهم فكأنهم أتوا به أجمعون فيجوز أن يكون قوله من مثل هذا العبد توسيعاً للدائرة كأنه قيل ليأت واحد منكم كائناً من كان بمقدار سورة ما.
وقوله: ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] بمعنى احضروا بأجمعكم في
وقت الإتيان ليتحقق عجز الجميع وإنواو لا تقتضي ترتيبا على أنّ الوجوه يجوز توزيعها على الاحتمالين وتعدّبه بالباء كقوله: ائتوني باخ لا يتبادر منه الفعل فهو مؤيد له أيضاً فتدبر. قوله: (فإنه أمر الخ) أمر بصيغة المصدر مرفوع خبر لأنّ والباء متعلقة به وهو تعليل لعدم الملاءمة
على غير الأوجه كما سمعته آنفاً، وقوله يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم تفسير له بحاصل معناه على كل الوجوه الآتية، وقيل معناه ادعوا حاضريكم ليعاونوكم على إتيان مثل المنزل أو ليشهدوا لكم أنكم قادرون على إتيانه، والدعاء قيل معناه الحضور وقيل الاستعانة والمصنف اختار الثاني، وقوله بكل من ينصرهم تعبير عن الشهداء بأيّ معنى كان لأنه جعل الدعاء بمعنى الاستعانة وهي إنما تكون من الناصر ومعنى النصرة متحقق في الجميع وقد أشرنا سابقاً إلى ما فيه فتذكر، وجعل أبو البقاء ﵀ ضمير مثله للأنداد وتذكيره كتذكير الأنعام ولكونه تكلفاً مخالفاً للظاهر لم يلتفتوا إليه أصلاً، ثم إنّ المصنف ﵀ ترك قوله في الكشاف في تفسير قوله: ﴿مَن مَّثَلُهُ﴾ ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك، ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال له: لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد ولم يقصد أحداً يجعله مثلاَ للحجاج لأنه مع ما فيه من الخفاء وعدم المساس له هنا ليس تحته فائدة كما يعلم من شروح الكشاف. قوله: (والشهداء جمع شهيد الخ) الشهود والشهادة الحضور والمشاهدة وهي تطلق على التحقق بالبصر أو البصيرة وقد تقال لمجرّد الحضور نحو ما شهدنا مهلك أهله أي ما حضرناه فالشهيد كالشاهد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة وهي قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة من شهد كعلم ويتعين فيها لفظ الشهادة شرعاً عند بعضهم وفي المصباح أنه تعبدي والقول بأنها الخبر القاطع بناء على ما اشتهر عند الحنفية من تعريفها بأنها إخبار بحق للغير على آخر، وقد خالفهم فيه الشافعية فقالوا إنها إنشماء يتضمن الإخبار بالمشهودية لا إخبار وعزوا الثاني لأبي حنيفة وأنكره السروجيّ وقال لا نعرفه وإنما هي إنشاء عندنا أيضا ولك أن تقول لا خلاف بينهما عند التحقيق واطلاق الشهيد والشاهد على الناصر والمعين مصرّح به في اللغة وكذا على الإمام ويه فسر وقله ونزعنا من كل أمّة شهيدا لأنّ الشهادة تكون بمعنى الحكم كما ذكره الراغب وبه فسر فوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [سورة اس عمران، الآية: ١٨] والإمام كل مقتدي بأقواله وأفعاله وخصيصه بإمام الصلاة طارى في عرف الشرع وبالسلطان في العرف العامّ وقال الراغب: الشهيد كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد ولذا سموا غيره مخلفاً كما قال الشاعر:
مخلفون ويعصى الناس أمرهم وهم مغيب وفي عمياء ما شعروا
ومن لم يتفطن لهذا قال مجيء الشهيد بمعنى الإمام في اللغة محل نظر لأنه لم يذكر
لي القاموس مع كمال إحاطته وأعجب منه أنه افترى على صاحب القاموس فإنه قال الشاهد ص! أسماء النبيّ صلى الله عليه
следующие страницы →