← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بما صورته: يا أدلاء الهدى ومصابيح الدجى حياكم الله وبياكم وألهمنا الحق بتحقيقه واياكم ها أنا من نوركم مقتبس وبضوء ناركم للهدى ملتمس ممتحن بالقصور لا ممتحن ذو غرور ينشد بأضلق لسان وأرق جنان: ألا قل لسكان وادي الحمى هنيئألكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاس وأنتم ورود قد استبهم قول صاحب الكشاف أفيض عليه سجال الألطاف، من مثله متعلق بسورة الخ حيث جوّز في الوجه الأوّل كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وحظره في الوجه الثاني تلويحا فليت شعري ما الفرق بين سورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة وهل ثمة حكمة خفية، أو نكتة معنوية أو هو تحكم بحت وهذا مستبعد من مثله فإن رأيتم كشف الريبة واماطة الشبهة والإنعام بالجواب أثبتم بأجزل الأجر والثواب، فكتب جوابه العلامة فخر الدين الجاربردي إلا أنه أتى بكلام معقد لا يظهر معناه فردّه العضد وشنع عليه ثم انتصر لكل منهما ناس من فضلاء ذلك العصر حتى طال الكلام في ذلك وألفت فيه رسائل منقولة برمتها في الأشباه والنظائر النحوية وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه. قوله: (والضمير لما نزلنا الخ) شروع في بيان الوجوه المذكورة مع الزيادة على ما في الكشاف فذكر أنه إذا كان ظرفاً مستقراً صفة لسورة فارضمير يجوز رجوعه لما التي هي عبارة عن المنزل وللعبد فعلى الأوّل ذكر في من ثلاثة أوجه أحدها التبعيض ولما كان الأمر هنا باتفاق من الأصوليين والمفسرين للتعجيز اعترض على هذا بأنه يوهم أنّ للمنزل مثلا والعجز عن إتيان بعضه فالمماثلة المصرّح بها لا تكون منشأ للعجز كما سيأتي، وإنما قيل يوهم لأنّ المراد ائتوا بمقدار بعض ما من القرآن مماثل له في البلاغة والأسلوب المعجز فما قيل في جوابه أنه يدفعه مقام التحدي لا وجه له لأنه لا يدفع الإيهام، ومن قال هنا إن المراد بكونها بعض مثل ما نزلنا إنها مثله في حسن النظم وغرابة البيان من حيث كون مقاصده مقتصرة على إيجاب الطاعات والنهي عن الفواحش والمنكرات والحث على مكارم الأخلاق والأعراض عن الدنيا الفانية والإقبال على الآخرة الباقية مع ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لم يحم حول الصواب إذ لا وجه لهذه الحيثية سواء كانت مفسرة أو مقيدة كما لا يخفى على من عرف معنى الإعجاز وسيأتي لهذا تتمة عن قريب والقول بأنّ التبعيض غير صحيح لأنها لا تكون ظرفا مستقرّاً ليس بشيء ويردّه قوله: ومن الناس من يقول: وأمثاله كما صزحوا به ولا أدري ما غرّه فيه ٠ قوله: (أو للتبيين الخ) فالسورة المفروضة التي تعلق بها الأمر التعجيزي هي مثل المنزل في النظم وغرابة البيان والمعجوز عنه سورة موصوفة بذلك وكونها مثله في الإعجاز وعنوان السورة يدفع احتمال مماثلة الجميع كما قيل، وأمّا ما قيل من أنّ قوله بسورة كائنة من مثله يدل على التبعيض بلا تبيين فكيف بناهما على التفسيرية إلا أن يقال إنّ ابتداء التفسير كلمة من غير نظر لما قبله فكلام ناشئ من عدم معرفة أساليب كلام العرب. قوله: (ورّائدة عند الأخفش) فلا يمتنع عنده زيادتها في الكلام المثبت، والجمهور اشترطوا في زيادتها تقدّم نفي أو شبهه سواء كان مجرورها نكرة أو معرفة وهو خالفهم في ذلك كما في التسهيل والاعتراض عليه بأنه يوافقه فيه الكوفيون فضول من الكلام وقوله أي بسورة مماثلة الخ قيل إنه تفسير للزيادة وبه يتبين التبيين، وقيل إنه تفسير له على جميع الاحتمالات إمّ على الأخيرين فظاهر وأمّا على التبعيض فلأن المراد بكونه بعضاً من مثل القرآن أن يكون مماثلاَ له في البلاغة والا لم يكن بعضاً من مثله. قوله: (أو لعبدنا ومن للابتداء الخ) عطف على قوله لما نزلنا فإذا رجع الضمير للعبد لم يحتمل التبعيض والتبيين والزيادة ويتعين الابتداء كما أنه إذا رجع لما لم يحتمل الابتداء أيضا والمراد بكونها للابتداء أن مجرورها مبدأ للفعل حقيقة أو حكماً سواء كان مكانا نحو سرت من البصرة أو زمانا نحو من أوّل الليل أو غيرهما نحو أنه من سليمان ومنع البصريون كونها

стр. 457

لابتداء الغاية في الزمان، وقوله من كونه بشرا الخ بيان لحاله وهذا وان لم يرتضه المصنف ﵀ أورده استيفاء للوجوه المحتملة فلا يرد عليه ما قيل من أنه لا وجه لتخصيص البشر مع أنه معجز للثقلين كما سيأتي في تفسير قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٨] الخ والتحدي كأن أوّلاً بمثل القرآن كما فئي قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٤] ثم بعشر سور في قوله: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [سررة هود، الآية: ١٣] ثم بسورة ما ومعنى الإتيان المجيء بسهولة سواء كان بالذات أو بالأمر والتدبر ويقال في الخير والشرّ والاً عيان والإعراض ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي كما في قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٤] وأصل فاتوا فأتيوا فأعل الإعلال المشهور. قوله: (والردّ إلى المنزل الخ) أي رجوع ضحمير مثله إلى قوله مما نزلنا أوجه من رجوعه للعبد مطلقا أو إذا كان ظرفا لغواً متعلقا بقوله فأتوا فلا يكون فيه ترجيح لكون الظرف صفة سورة مستقرّا كما قبل لاً نه إذا تعلق بقوله فأتوا فضمير مثله للعبد لا للمنزل فكلامه موافق لما في الكشاف ويرد عليه ما يرد عليه كما ستراه، واعلم أنّ الزمخشري لما جوّز في الوصفية عود الضمير لما وللعبد واقتصر على الثاني في تعلقه بقوله فأتوا ورد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون الضمير حينئذ لما نزلنا أيضا كما جاء ذلك على تقدير كون الظرف صفة كما حكيناه لك آنفا، وأجاب الفاضل المحقق ومن تبعه بأنّ الأمر هنا تعجيزيّ باعتبار المأتي به والذوق شاهد بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتي منه بشيء ومثل النبيّ في البشرية والعربية موجود بخلاف مثل القرآن في البلاغة وأمّا في الوصفية فالمعجوز عنه الإتيان بالسورة الموصوفة وهو لا يقتضي وجود المثل بل ربما يقتضي انتفاءه لتعلق أمر التعجيز به، والحاصل أنّ قولك ائت من مثل الحماسة ببيت يقتضي وجود المثل بخلاف ائت ببيت من مثل الحماسة، وقد أجيب عنه بوجوه الأوّل أنه إذا تعلق بقوله فأتوا فمن للابتداء قطعا إذ لا مبهم حتى يبين ولا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لإتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع من لذكر المأتي به صريحاً وهو السورة ومن الابتدائية تعين كون الضمير للعبد لأنه المبدأ للإتيان لا مثل القرآن وفيه أن مبدأ الابتدائية ليس هو الفاعل حتى ينحصر مبدأ الإتيان بالكلام في المتكلم على أنك إذا تأمّلت فالمتكلم ليس مبدأ للإتيان بالكلام منه بل للكلام نفسه بل معنا. أن يتصل به الأ " لر الذي اعتبر له امتداد حقيقة أو توهماً كالبصرة للخروج والقرآن للسورة فاندفع ما قيل إن المعتبر من المبدأ هو الفاعليّ والمادّيّ والغائيّ لذلك الشيء أوجهه يتلبس بها ولا يصح شيء منها هنا على أنّ كون مثل القرآن مبدأ مادّياً للإتيان بالسورة ليس بأبعد من كون مثل العبد مبدأ فاعليا له، وقد قيل على هذا أنه فرق بين كون المأتيّ به عرضاً مقتضيا للمحل وبين أن يكون جوهراً لا يقتضيه فإنه يجوز أن يقال أتيت من البصرة بكتاب ولا يجوز أتيت من البصرة بكلام وبسلام على الحقيقة بل ينبغي أن يقال أتيت من أهل البصرة فلا يقاس مبدئية القرآن للإتيان بسورة على مبدئية- البصرة للخروج لاستدعاء مبدئية القرآن للإتيان بسورة منه أن يكون القرآن متصفاً بالإتيان بسورة منه بخلاف الخروج من البصرة فإنه لا يستدعي أن تكون البصرة متصفة بالخروج وكما أن البصرة لا يجوز أن تكون مبدأ للإتيان بالكلام كذلك لا يجوز أن يكون القرآن مبدأ للإتيان بالسورة الذي هو التكلم بها فما قاله من أنّ المبدأ الذي تقتضيه من الابتدائية هو الفاعل ليس على إطلاقه بل هو على تقدير أن يكون المأني به عرضاً كالكلام فاتصاف المبدئية لازم كما يلزم ذلك إذا رجع الضمير للعبد وليس بشيء كما لا يخفى. الثاني أنه إذا كان الضمير لما ومن صلة فأتوا والمعنى فأتوا من منزل مثله بسورة فمماثله ذلك المنزل لهذا هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا والمقصود خلافه كما نطقت به الآي الآخر، وفيه أن إضافة المثل إلى المنزل لا تقتضي أن يعتبر موصوفه منزلاً ألا ترى أنه في الوصفية ليس المعنى بسورة من منزل مثل القرآن بل من كلام وكيف يتوهم ذلك والمقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن ولو سلم فما ادّعاه غير بين ولا مبين الثالث أنها إذا كانت صلة فأتوا فالمعنى ائتوا من عند

стр. 458

المثل كما في ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده، ولا يصح ائتوا من عند مثل القرآن بخلاف مثل العبد وهو بين الفساد، واعترض على الوجه الأول الذي ارتضوه بعض الفضلاء المتأخرين بأن قوله إنه يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء يفهم منه أنه اعتبر مثل القرآن كلا ذا أجزاء وأرجع التعجيز إلى الإتيان بجزء منه، ولهذا مثل بقوله ائت من مثل الحماسة ببيت فإنّ مثل الحماسة كتاب أمر بالإتيان ببيتا منه على سبيل التعجيز، وإذا كان كذلك فلا شك أنّ الذوق يحكم بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى بشيء منه وأمّ إذا جعلنا مثل القرآن كليا يصدق على كله وبعضه وعلى كل كلام يكون في طبقة البلاغة القرآنية فلا نسلم أنّ الذوق يشهد بوجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء بل الذوق يقتضي أن لا يكون لهذا الكليّ فرد غير القرآن والأمر راجع إلى الإتيان بفرد آخر من هذا الكلام على سبيل التعجيز، ومثله كثير في المحاورات كمن عنده ياقوتة ثمينة لا يوجد مثلها يقول في مقام التصلف من يأتي من مثل هذه الياقوتة بياقونة أخرى فيفهم منه أنه يدّعي أنه لا يوجد فرد آخر من هذا النوع فظهر من هذا أنه لا يلزم من تعلق من مثله بقوله فأتوا أن يكون مثل القرآن موجود فلا محذور، ومثال بيت الحماسة غير مطابق للغرض لأنّ الحماسة مجموع كتاب فلا بد أن يكون مثله كتاباً آخر فيلزم المحذور وأمّا القرآن فمفهوم كفي صادق على كله وأبعاضه إلى حد لا يزول عنه البلاغة القرآنية، فالغرض منه المفهوم الكليّ وهو نوع من الكلام البليغ فرده القرآن وقد أمر بالإتيان بفرد آخر من نوعه بلا محذور وقد تبج!! هذا القائل بما ذكره وأفرده برسالة زيف ما فيها بعض أهل عصره، وقد قيل على هذا الجواب أيضاً إنّ قوله إنّ تعلق من مثله الإتيان يقتضي وجود المثل الخ فيه أنه إنما يتمّ لو لم يكن المثل فرضيا وهو ممنوع. ألا ترى إلى قول الزمخشري أنه لا قصد إلى مثل ونظير هنالك وأجيب بأنّ الذوق شاهد عليه وقوله لا ينفي اقتضاء وجود المثل المحقق بل ينفي القصد إلى مثل محقق، وقريب منه ما قيل من أنه لم لا يكفي وجود المثل في زعمهم كما يكفي على تقدير كون من للتبعيض، وقيل إن بناء الأمر على المجاراة معهم تهكما أو بحسب حسبانهم كقولهم لو نشاء لقلنا عثل هذا يابا. ما قرّر من أنه عبر عن اعتقادهم وانكارهم بالريب إشارة إلى أنه غاية ما يمكن ولذا نكر وصدر بكلمة الشك فإنه مبنيّ على غير تسليمه ولو جدلاً، وهو غير وارد لأنّ بناء جملة على اعتبار وأخرى على آخر تكثيراً للمزايا غير منكر وعندي أنّ هذا الجواب وإن ارتضاه كثير منهم وليس بسديد لأنّ الأمر تعجيزي عندهم وذكر المثل لما لا مثل له أدخل في التعجيز وأقوى كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٧] حيث قال: إنه من باب التبكيت لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وتبعه المصنف ﵀ فلنجعل ما نحن فيه كذلك (ثم إنه سنح لي هنا) أنّ المراد التحدّي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه فمقتضى المقام أن يقال لهم معاشر فصحاء العرب المرتابين في أنّ القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه وما ذكر يدلّ على هذا إذا كان من مثله صفة لسورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأنّ معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً فإذا تعلق بأتوا ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضا ائتوا من مثلى هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرناه من المقصود، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة ولا شك أنّ من فيه ليست بيانية لأنها لا تكون لغوا ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية كما ذكره الشيخان والمبدأ ليس فاعلاً بل مادّيا فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به فلا يخلو من أن يدعي وجوده أولاً، والأوّل خلاف الواقع وابتناؤه على الفرض أو زعمهم تعسف لا حاجة إلى ارتكابه بلا مقتض والثاني لا يليق مثله بالتنزيل لأنّ ما-له بأن يأتوا ببعض من شيء لا وجود له فهذا ما أشار إليه العلامة، وأمّا القول بأنّ التخصيص

стр. 459

المذكور ليس بصريح وإنما أخذوه من مفهومه وانمفهوم غير معتبر فهو اكتفاء لا خصيص قبعياء عن السياق بمراحل. قوله: (لأنه المطابق لقوله الخ) أيد رجوع الضمير للمنزل بوجوه منها أته الموافق لنظائره من آيات التحدي لأنّ المماثلة فيها صفة للمأتيّ به فكذا هنا إذا جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل ومن بيانية كما عرفت، ومنها أنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فارتباط آخر الكلام بأوّله وترتب الجزاء على الشرط إنما يحسن كل الحسن إذا كان الضمير للمنزل فإنه الذي سيق له الكلام وفرض! فيه الارتياب قصداً وذكر القيد وقع تبعا فلذا صح عود الضميم- له في الجملة مع أنه لو عاد الضمير له ترك التصريح بمماثلة السورة له في البلاغة وهو عمدة التحدّي وان فهم من السياق ومعونة المقام، فسقط ما قيل هنا من أنه إذا رجع الضمير إلى العبد لا ينفك الكلام عن المنزل لأنّ المراد بالعبد العبد المنزل عليه وحاصله كون المنزل بحيث يعجز كل من طولب بالإتيان بما يداني سورة من سورة ممن هو على حال من أنزل عليه ولا حاجة إلى ما أجاب به من أنه أراد بالانفكاك انفكاك الضمير فإنّ الضمير المقدّر في صلة الموصول راجع إلى المنزل. قوله: (ولأنّ مخاطبة الجتم الفقير الخ) ووجه الأبلغية ظاهر مما قرّره المصنف لأنّ أمرهم بجملتهم بأن يأتوا بشيء من مثل ما أتى به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا واحداً يأتي بمثل ما أتى به رجل آخر، والجمّ الغفير بمعنى الناس الكثير جداً من الغفر وهو الستر كأنهم يسترون وجه الأرض! لكثرتهم واستعمله المصنف مجروراً بالإضافة والمعروف في كلام العرب استعماله منصوبا على الحال يقولون جاؤوا الجماء الغفير وجاء الغفير أي بجملتهم، ومثله مما يأباه الأدباء ويعدونه لحنا كما بيناه في شرح الدرّة، وفيه لغات مذكورة في القاموس وقوله بنحو الخ إشارة إلى أنّ المثلية ملحوظة فيه وان رجع الضمير للعبد وكونه من أبناء جلدتهم معناه من جنسهم ونوعهم في البلاغة وأصله أن كل نوع متشابه البنية وظاهر البدن وهو المراد بالجلدة كما مرّ، وقيل إنّ صفة المرء بمنزلة جلده في التلبس والتزي وليس المقصود أنهم من قوم واحد بحسب النسب فإنه لا دخل له في هذا المقام وفيه نظر. قوله: (ولأنه معجز في نفسه الخ) هذا رابع الوجوه في كلام المصنف يعني لو أرجع الضمير إليه أوهم أن إعجازه لكونه من أميّ لم يدرّس ولم يكتب ولم يتعلم من غيره علما ومعرفة، وقوله ولأنّ ردّه الخ أي ردّ الضمير إلى عبدنا يوهم أنه يمكن صدوره من غيره من الخطباء والشعراء وأهل الدراسة وليس بين هذا وما قبله كثير فرق فالظاهر إدراجه فيه وعدهما وجهاً واحداً إلا وجهاً خامساً كما قيل، فقوله ولا يلائمه الخ وجه آخر مستقل وقد عده بعضهم وجها سادسا والأمر فيه سهل. قوله: (ولا يلانمه قوله ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم﴾ الخ) ادعوا أمر من الدعاء، وله معان ذكرها الراغب وهي النداء والتسمية في نحو دعوت ابني محمداً والاستعانة كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٠] والدعاء إلى الشيء الحث على قصده وقيل إنه فسر هنا بالإحضار والاستعانة والمصنف أشار بقوله استعينوا إلى أنّ الثاني هو المختار عنده، والظاهر أنه مجازا أو كناية مبنية على النداء لأنّ الشخص إنما ينادي للحضور ليستعان به، وفي الأساس دعا بالكتاب اسنحضره يدعون فيها بفاكهة والمتبادر منه اختصاصه بالمتعدي بالباء، ويلائمه بهمزة بعد الألف وتبدل ياء كثيراً أي يوافقه ويناسبه وأصله من لأم الصاع والشق ني الإناء ونحوه إذا أصلحه ووجه عدم موافقة رجوع الضمير للعبد لما بعده كما قرّره الشراح مما يحتاج إلى فضل تأمّل كما ذكر. المدقق في الكشف لأنّ المراد أنه إن أريد دعاء الشهداء للاستعانة بهم في المعارضة إمّا حقيقة كما، ي الوجه الأخير من الوجوه الستة وامّا تهكماً كما في الوجهين الأولين فلأنه إنما يلائم الأمر بالإتيان بسورة من مثل القرآن " لا الأمر بالإتيان بسورة من واحد عربيّ أمّيّ إذ لا معنى للاستمداد بطائفة فيما هو فعل واحد كيف ولو استعين بالشهداء في ذلك لم يكن المأتيّ به ما كان مطلوبا منهم وأمّا إذا أريد به دعاؤهم ليشهدوا لهم بأنّ ما يدعونه حق كما في الوجوه الباقية فلأنّ إضافة الشهداء إليهم إنما تقع موقعها إذا كان الإتيان بالمثل منهم لا من واحد والا كانوا شهداء له فحقهم أن يضافوا إليه وان كان للإضافة إليهم وجه صحة، ورجوع الضصير للعبد يوهم أنّ دعاءهم

стр. 460

الشهداء ليشهدوا بأنّ ذلك الواحد مثل له لا أنّ ما أتى به مثل للمنزل وهذا الإيهام مخل بمتانة المعنى وفخامته، وترجيح رجوع الضمير للمنزل بهذه الوجوه يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضأ كما قرّره السيد، وقد أورد هنا أمور كثيرة لا طائل تحتها كما قيل من أنّ عدم الملاءمة ممنوعة لجواز أن يكون الأوّل طالبا للإتيان بسورة من مثل المنزل إليه والثاني طلباً له من الكل على سبيل الترقي (قلت فيه بحث الأنه قد أشير فيما سلف إلى أنّ المراد بالسورة المأني بها سورة تماثل نظم القرآن لأنه هو المتحدّي به لا غيره سواء رجع الضمير إلى المنزل أو العبد أمّا في الأوّل فظاهر مسلم، وأمّا في الثاني فلأنه معلوم من السياق وعنوان السورة ناطق به فيكون حينئذ قوله فأتوا بسورة من مثله في الوجه الثاني مشتمل على معناه الأوّل مع زيادة ذكراً لمأتيّ منه ولا يخفى أنّ المأمور بالإتيان على كل حال واحد وان كان الجميع ظاهراً إلا أنه ليس المراد به ليأت بذلك كل فرد فرد بل أنهم إذا ارتابوا وأتى بمثله واحد منهم بين أظهرهم فكأنهم أتوا به أجمعون فيجوز أن يكون قوله من مثل هذا العبد توسيعاً للدائرة كأنه قيل ليأت واحد منكم كائناً من كان بمقدار سورة ما. وقوله: ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] بمعنى احضروا بأجمعكم في وقت الإتيان ليتحقق عجز الجميع وإنواو لا تقتضي ترتيبا على أنّ الوجوه يجوز توزيعها على الاحتمالين وتعدّبه بالباء كقوله: ائتوني باخ لا يتبادر منه الفعل فهو مؤيد له أيضاً فتدبر. قوله: (فإنه أمر الخ) أمر بصيغة المصدر مرفوع خبر لأنّ والباء متعلقة به وهو تعليل لعدم الملاءمة على غير الأوجه كما سمعته آنفاً، وقوله يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم تفسير له بحاصل معناه على كل الوجوه الآتية، وقيل معناه ادعوا حاضريكم ليعاونوكم على إتيان مثل المنزل أو ليشهدوا لكم أنكم قادرون على إتيانه، والدعاء قيل معناه الحضور وقيل الاستعانة والمصنف اختار الثاني، وقوله بكل من ينصرهم تعبير عن الشهداء بأيّ معنى كان لأنه جعل الدعاء بمعنى الاستعانة وهي إنما تكون من الناصر ومعنى النصرة متحقق في الجميع وقد أشرنا سابقاً إلى ما فيه فتذكر، وجعل أبو البقاء ﵀ ضمير مثله للأنداد وتذكيره كتذكير الأنعام ولكونه تكلفاً مخالفاً للظاهر لم يلتفتوا إليه أصلاً، ثم إنّ المصنف ﵀ ترك قوله في الكشاف في تفسير قوله: ﴿مَن مَّثَلُهُ﴾ ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك، ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال له: لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد ولم يقصد أحداً يجعله مثلاَ للحجاج لأنه مع ما فيه من الخفاء وعدم المساس له هنا ليس تحته فائدة كما يعلم من شروح الكشاف. قوله: (والشهداء جمع شهيد الخ) الشهود والشهادة الحضور والمشاهدة وهي تطلق على التحقق بالبصر أو البصيرة وقد تقال لمجرّد الحضور نحو ما شهدنا مهلك أهله أي ما حضرناه فالشهيد كالشاهد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة وهي قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة من شهد كعلم ويتعين فيها لفظ الشهادة شرعاً عند بعضهم وفي المصباح أنه تعبدي والقول بأنها الخبر القاطع بناء على ما اشتهر عند الحنفية من تعريفها بأنها إخبار بحق للغير على آخر، وقد خالفهم فيه الشافعية فقالوا إنها إنشماء يتضمن الإخبار بالمشهودية لا إخبار وعزوا الثاني لأبي حنيفة وأنكره السروجيّ وقال لا نعرفه وإنما هي إنشاء عندنا أيضا ولك أن تقول لا خلاف بينهما عند التحقيق واطلاق الشهيد والشاهد على الناصر والمعين مصرّح به في اللغة وكذا على الإمام ويه فسر وقله ونزعنا من كل أمّة شهيدا لأنّ الشهادة تكون بمعنى الحكم كما ذكره الراغب وبه فسر فوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [سورة اس عمران، الآية: ١٨] والإمام كل مقتدي بأقواله وأفعاله وخصيصه بإمام الصلاة طارى في عرف الشرع وبالسلطان في العرف العامّ وقال الراغب: الشهيد كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد ولذا سموا غيره مخلفاً كما قال الشاعر: مخلفون ويعصى الناس أمرهم وهم مغيب وفي عمياء ما شعروا ومن لم يتفطن لهذا قال مجيء الشهيد بمعنى الإمام في اللغة محل نظر لأنه لم يذكر لي القاموس مع كمال إحاطته وأعجب منه أنه افترى على صاحب القاموس فإنه قال الشاهد ص! أسماء النبيّ صلى الله عليه

стр. 461

وسلم واللسان والملك الخ والشاهد والشهيد لا فرق بينهما لمن له بصيرة ولعدم اشتهار وهذا كغيره بينه المصنف ﵀ بقوله وكأنه الخ وليس هذا مخصوصا به لجريانه بعينه في الناصر، والنوادي بالنون والدال المهملة جمع ناد وهو كالندي المجلس الغاصن! أي الممتلئ بأهله، والإبرام فصل القضايا على وجه الأحكام وأصله قتل الحبل قتلاً قوياً، وقال الراغب: المبرم الذي يلح ويشدّ في الأمر تشبيهاً له بمبرم الحبل وفي كلام العوام الإبرام يحصل المرام. قوله: (إذ التركيب للحضور الخ) الحضور مصدر كالمحضر المعاينة حقيقة أو حكماً، وهذا تعليل لقوله كأنه أو لكون الشهيد بالمعاني السالفة والحضور بالذات والشخص ظاهر كما يقال شهدت كذا إذا كنت عنده وبالتصوّر هو العلم " لأنه حصول الصورة او الصورة الحاصلة عند العقل أو في العقل وهذا كما في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ وأنتا تشهدون﴾ [سورة اس عمرأن، الآية: ٧٠] أي تعلمون والشهيد فعيل بمعنى فاعل لأنه حاضر ما كان يرجوه في حياته من السعادة الأبدية أو بمعنى مفعول لأن الحور العين تحضره أو الملائكة تكريماً له وتبثيراً بالرضوان كما قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٠] والمعروف فيه أنه من قتل في حرب الكفار وكانت مقاتلته إعلاء لكلمة الله وهو شهيد الدنيا والآخرةإ١) فإن لم يقاتل لوجه الله وقتل فهو شهيد الدنيا، وأمّا شهيد الآخرة فهو الغريق والمبطون ونحوه مما ورد في الحديث، وتسميته شهيداً لأن له أجره عند الله كما فصل في كتب الحديث، وقوله ومنه الخ من تبعيضية أي مما أخذ من هذه المادّة للدلالة على هذا المعنى وقيل إنها سببية أي لأجل أنّ هذا التركيب للحضور ذاتاً أو تصوّراً قيل الخ لأنه حضر ما يرجوه من النعيم فهو من الحضور بمعنى التصوّر أو الملائكة عنده حضور فهو بمعنى مفعول من الحضور الذاتي. قوله: (ومعنى دون أدنى الخ) دون يكون ظرف مكان في الأمكنة المتفاوتة والمتقاربة كعند إلا أنه ينبئ عن دنوّ وانحطاط ولذا قيل إنه مقلوب عن الدنوّ كما ذكره الراغب ولا يخرج عن الظرفية إلا نادراً كقوله: ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها برفع دون، والى ما ذكر من الدنوّ أشار المصنف ﵀ بقوله أدنى مكان كما في الكشاف وغيره فبين دون والدنوّ مناسبة معنوية واشتقاق كبير من غير حاجة لادعاء القلب فيه بل لا يصح لاستوائهما في التصرّف وأدنى أفعل تفضيل بمعنى أقرب، وأخر المصنف ﵀ هنا قول الزمخشريّ ومنه الشيء الدون وهو الدنيء الحقير لما سيأتي ولم يتركه كما توهم لأنّ الدنوّ ليس مأخوذ من دون إذ كل منهما أصل والدنيء مهموز وليس من تركيب دون بوجه من الوجو. لأنه غفلة عما ذكر وعن أنّ الدتي في كلام الكشاف كغنيّ معتل لا مهموز وأما دنيء المهموز كربيء فمادة أخرى وهما مادّتان مختلفتان لفظاً كما في سائر تركيب كتب اللغة والذي غرّه ما في شرح الكشاف الشريفي وهو معترض أيضاً. قوله: (ومنه تدوين الكتب الخ) تبع فيه الزمخشريّ والذي حقق في كتب اللغة كما في كتاب المغرب أنّ التدوين مأخوذ من الديوان وهو فارسيّ معرّب إلا أنه لما شاع قديما تلاعبوا به فصرّفوه وقالوا دوّنه تدوينا والديوان بكسر الدال وفتحها الدفتر ومحله ومنه ديوان الشعر وأصله أنّ كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا في مكان للحساب فلما اجتمعوا اطلع عليهم فرأى سرعة كتابتهم وحسابهم فقال ديوانه أي هؤلاء مجانين أو شياطين على أنه جمع ديو على قياس الفارسية ثم سمي به موضعهم، ومنه ديوان الحق للمحشر فلما استعمله العرب كثيراً ألحقوه بكلامهم وتصرّفوا فيه كما هو دأبهم فقوله لأنه إدناء الخ لا وجه له إلا بتكلف وقد نبه على هذأ في بعض الحواشي. قوله: (ودونك الخ) إشارة إلى أنّ أصله خذه من دونك، وقال الرضي: دونك بمعنى خذ وأصله دونك زيد برفع ما بعده على الابتداء فاقتصر من الجملة على الظرف وكثر استعماله فصار اغ! م فعل بمعنى خذ وعمل عمله، وقوله من أدنى مكان أي أصله خذه من أدنى مكان وأقربه ثم عمّ لكل أخذ كما صرّح به النحاة فلا منافاة بينهما، وقوله ثم استعير للرتب الخ الضمير راجع لدون في أوّل! كلامه لا لما قبله وفي الكشاف ومعنى؟ ون مكان من الشيء ومنه الشيء الدون وهو الدنيء الحقير ثم قال: يقال

стр. 462

هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر وأستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال: لعدوّه وقدراً بالثناء عليه أنا دون هذا وفوق ما في نفسك واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم، قال قدّس سرّه قوله: ويقال الخ بيان لاستعمال دون بمعنى أدنى كان على حقيقته الأصلية، وقيل هو إشارة إلى استعماله في انحطاط محسوس لا يكون في ظرف كقصر القامة فهذا أوّى توسع فيه ثم استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسية وشاع استعماله فيها أكثر من استعماله في الأصل ثم اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ ولو بدون تفاوت وانحطاط وهو في هذا المعنى مجاز في المرتبة الثانية على ما وجهناه وفي المرتبة الثالثة على هذا القول وبالجملة هو بهذا المعنى قريب من أن يكون بمعنى غير كانه أداة استثناء، انتهى وهذا زبدة ما في الكشاف وشروحه ولا فرق بينه وبين كلام المصنف ﵀ إلا بتغيير يسير في اللفظ دون المعنى وقول الشريف وشاع استعماله الخ إشارة إلى أنّ المجاز المشهور ينزل منزلة الحقيقة حتى يبنى عليه تجوّز آخر بمرتبة أو مراتب كما قرّره أهل المعاني، والاستعارة هنا يجوز أن تكون اصطلاحية ولغوية على أنه مجاز مرسل ثم إنه في الكشاف قدم ذكراً لدون بمعنى الدني والخسيس على التجوّز فيه، والمصنف ﵀ أخره وجعله مما استعير للرئب فتوهم بعضهم اً نه ردّ ضمنيّ لما في الكشاف ولم يقنع به حتى قال إذا تأمّلت تبين لك أنّ مراد المصنف في هذا المقام الإشارة إلى أنّ ما في الكشاف خبط وخلط في تقرير.، ولم يدر أن الذي خبط ابن أخت خالته لأنّ العلامة قدمه لأنّ النحاة وأهل اللغة قالوا إنّ دون إذا كان ظرفاً لا تصرّف إلا نادراً حتى أبطلوا قول الأخفش أنّ دون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [سورة الجن، الآية: اا] مبتدأ بأنه تخريج للتنزيل على ما هو مرجوح وهو غير لائق وعلى الظرفية لا تدخله أل ومعناه حينئذ أدنى مكان وإذا كان بمعنى خسيس لم يستعمل قط ظرفا ويعرّف باللام ويقطع عن الإضافة كما في قوله: إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون من كان دونا قالوا وريس لهذا فعل وقيل إنه يقال دان يدون منه، وبما ذكر علم أنّ ما في القاموس من أنه يقال هذا رجل من دون ولا يقال دون مخالف للنقل والسماع و؟ نّ من اعترض به لم يصب، وكلامهم صريح في أنه حقيقة في هذا المعنى كما في الصحاح والأساس فذكره معه لاشتراكهما في المادّة وتناسبهما في المعنى لا أنه من مجازه والمصنف ﵀ لما رآه مناسبا بالتفاوت الرتب جعله منه فيحتاج حينئذ إلى أن يقال إنه لما كثر استعماله صار حقيقة عرفية فيه فألحق بأسماء الأجناس في تنكيوه وتعريفه. تنبيه: وقع في الكشاف في بعض المواضع تفسير دون بقوله فضلا ولم يتعرّضحوا له، وفي كتاب الموازنة لأبي الحسين الآمديّ في شرح قول أبي تمام: الودّ للقربى ولكن عرفه للأبعد الأوطان دون الأقرب هذا مما خطئ فيه، وقد قيل: إنه أراد بقوله دون الأقرب فضلا عن الأقرب أي فكيف الأقرب، وهذا وان كان مذهبا للناس حيث يقولون أرض بالقليل دون الكثير وأقنع بقرص من شعير دون ما سواه وهو صحيح معروف. قلت هذا فاسد لأن معنى دون في اللغة التقصير عن الغاية وأمّا ما تأوّلوه فهو معنى بله وموض! وعها دع ودون لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤدّبه انتهى. قوله: (أي لا يتجاوز الخ) تفسير للآية بما يتبين منه أنّ دون دالة على تخطي حكم وهو ولاية المؤمنين إلى آخر وهو ولاية الكافرين وقد قيل إن تجاوز الله وتجاوز المؤمنين المراد به غير الله وغير المؤمنين لكن لما كان في ذلك تجاوزهما عما أضيف إليه عبر بما يلزمه عنه تسامحاً وولاية بفتح الواو وكسرها بمعنى الموالاة والمصادقة، وقابل من في النظم بالى إشارة إلى أنها ابتدائية كما سيأتي ثمة، وأمية بصيغة التصغير كما هو معروف هو أمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي المشهور أحد من وحد الله تعالى في زمن الفترة وترك الشرك وهذا ابتداء شعر له وهو:

стр. 463

يا نفس ما لك دون الله من واقي وما للسع بنات الدهر من راقي وهو شاهد على كون دون تدلّ على تخطي حكم لآخر ومعناه ما لك إن تجاوزت عن الله وحفظه من واق أي حافظ يقيك ما يضرك وبنات الدهر مصائبه التي تحدث فيه كأنه يلدها كما قيل: الليلة حبلى لست تدري ما تلد وهي استعارة رائعة شائعة كما قلت: بنات الزمان مصيباته وفيها الكريم شديد الثبات وكتمانها مثل دفن لها ودفن البنات من المكرمات وقد شبهها بعد التشبيه بالبنات بالحيات على طريق الاستعارة المكنية وأثبت لها اللسع تخييلا وكذا الرقية على نهج قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢ ا] وهي في الذروة العليا من البلاغة، وأشار المصنف ﵀ بقوله غيره إلى أنها قريبة من أدوات الاستثناء كما ستراه وقد مرّت الإشارة إليه أيضاً. قوله: (ومن متعلقة بادعوا الخ) قد ذكر الشيخنا في تعلق من دون الله ستة أوجه ثلاثة على تعلق من بالشهداء وثلاثة على تعلقها بادعوا وهي خمسة معنى كما سيأتي وقد اختلفا في ترتيجها فقدّم الزمخشري تعلقه بالشهداء لتبادره بقربه، وقيل لما فيه من إبقاء الشهادة على معناها الحقيقي وأخر ثالث الأوّل لجواز التعلق فيه بادعوا فيرتبط بما بعدهـ وما قبله ويقع في محزه، وهذا أيضاً دائر على معنى الشهيد من كونه بمعنى الحاضر والمعين والناصر أو من يؤدّي الشهادة كما مرّ. وسيبين لك كل في محله والمصنف ﵀ عكس ترتيب الكشاف رعاية لتقديم ما هو أقرب وأقوى عنده بحسب المعنى ولنبين لك هذه الوجوه أولاً مراعين لترتيب الكشاف ثم تنزل كلام المصنف عليه فنقول إنهم قالوا: إنّ الأمر على الوجهين الأوّلين للتهكم وعلى الثالث والرابع للاستدراج وعلى الأخيرين للتبكيت والتعجيز والظرف على الثاني لغو معمول لشهداءكم لأنه يكفيه رائحة الفعل وعلى البواقي هو مستقرّ حال فعلى أوّل ثلاثة التعلق بالشهداء معناه ادعوا الذين اتخذتم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة بأنكم على الحق، وعلى الثاني ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله ودون بمعنى قدّام كما في بيت الأعشى وفي أمرهم بالاستظهار بالجماد في معارضة المعجز تهكم إلى الغاية، وعبر عن الأصنام بالشهداء ترشيحا للتهكم بتذكير معتقدهم في نفعها لهم بالشهادة أي هؤلاء عمدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم وادعوا بمعنى أحضرو! كناية أو مجاز عن الاستظهار والاستعانة قيل والمعنى استظهروا في معارضة القرآن وادعوا أصنامكم الذين تزعمون أنهم يشهدون يوم القيامة لا الله أو بين يدي الله أنكم على الحق، وقال قدس سرّه دون على الأوّل بمعنى التجاوز ظرفث مستقرّ حال ما دل عليه الشهداء أي الذين اتخذتموهم آلهة متجاوزين الله في اتخاذها، كذلك وزعمتم انهم شهداؤكم يوم القيامة ومن ابتدائة، وما قيل من أنّ المعنى ادعوا أصنامكم الخ بين الفساد يعني ما في شرح السعد مما سمعته آنفاً فاسد وقد نوّره الحفيد بأنّ قوله لا الله في أكثر النسخ منصوب فهو معطوف على أصنامكم وهو مفعول ادعوا فيلزمه تعلق من دون بادعوا والمدعي خلافه، ولذا قيل الصواب رفعه عطفاً على فاعل يشهدون بغير تأكيد للفاصل أي يشهدون كائنين في تجاوز الله ومن بمعنى في والكائن في التجاوز متجاوز فالمعنى متجاوزين الله في حق الشهادة أي متباعدين عنه في صفتها وهو بحسب المعنى استثناء منقطع من فاعل يشهدون وهو ضمير الأصنام، ولك أن تقول إنه على النصب معطوف على اسم أنّ فالمعنى أنهم يشهدون منفردين عن الله إذ المراد بالتعلق التعلق المعنويّ لا الصناقي كما مرّ (بقي) أنه قيل إن الله يشهد أيضاً كالأصنام في زعمهم كما صرّحوا به والذي في الكشاف في تفسير الآية لا يفهم منها أصلا لأن من دون الله متعلق بالشهداء لا بما ذكره في تأويله والجواب عن الأوّل أنه اعتبر مع الله قيد الفرد لا مطلقا أو يقال إنهم وإن استشهدوا الله فهو لا يشهد لهم وما في الكشاف بيان لما صدق عليه من الأصنام ومن دون الله من كلام القائل لا من النظم، وثالث الوجوه المتعلقة بالشهداء ما أشار إليه الزمخشريّ بقوله: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله على

стр. 464

إرخاء العنان والإيمان إلى أنّ شهداءهم ما هم تأبى بهم الأنفة وتجمح بهم الحمية عن الشهادة بما هو بين الفساد لظهور بطلانه أي ادعوا رؤساءكم يشهدون أنكم أتيتم بمثل القرآن متجاوزين أولياء الله المؤمنين فإنهم لا يشهدون فمن دون الله حال من فاعل الشهادة وعلى الاستثناء هو منفصل كما مرّ وقدر المضاف على هذا للمقابلة فإنّ أولياء الله في مقابلة أولياء الأصنام وهو استدراج لغاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى شهدائكم المعروفين بالذت عنكم فإنهم لا يشهدون لكم أيضاً لأن ظهور أمر الإعجاز يأبى إخفاءه، والظرف مستقرّ ومن ابتدائية وعلى ما مرّ من كون دون بمعنى قذام هو مستعار من معناه الحقيقي وهو أدنى مكان فقالوا من فيه تبعيضية كما سيجيء في سورة الأعراف قال الفاضل المحقق في شرحه هنا: كلمة من الداخلة على دون إنما هي بمعنى كما في سائر الظروف غير المتصرّفة وهي التي لا تكون إلا منصوبة على الظرفية أو مجرورة بمن خاصة وقد يقال إنها إذا تعلقت بادعوا تكون لابتداء الغاية لأنّ الدعاء ابتدكأ من دون الله وإذا تعلقت بالشهداء على م! ضى يشهدون بين يدي الله فللتبعيض كما سيجيء في تفسير قوله تعالى: ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧] أنّ قولهم جلس بين يديه وخلفه على معنى في لأنه ظرف ومن بين يديه ومن خلفه للتبعيض لأنّ الفعل يقع في بعض! الجهتين كما تقول جثته من الليل أي في بعض الليل، وظاهر كلام الدماميني في شرح التسهيل أنها زائدة وهو مذهب ابن مالك، والجمهور على أنها لابتداء الغاية ولم ينقل عن النحاة التبعيض والظرفية ففيما ذكره نظر، وأمّا على الثلاثة الأخر التي تعلق فيها بادعوا فأوّلها على أنّ المعنى تجاوزوا المؤمنين وادعوا رؤساءكم ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله وهم لا يشهدون، وهذا هو الثالث الذي أشار إليه في الكشاف بقوله ويجوز تعلقه بالدعاء في هذا الوجه الأخير ولا يجوز تعلق من دون الله بادعوا في الوجهين الأوّلين بمعنى لا تدعوا الله وادعوا أصنامكن أو ادعوا بين يدي الله أصنامكم للاستظهار بهم في المعارضة أمّا على الثاني فلأن الدعاء للاستظهار وإنما هو في الدنيا لا بين يدي الله في القيامة وأما على الأوّل فقيل: لأنهم توهموا أنهم لو دعوا الله لأعانهم فيحصل غرضهم من المعارضة وهذا منقوض بالوجه السادس، وقيل: لأن إخراح الله عن حكم الدعاء إنما يصح إذا فسر الشهداء بما يتناوله كالحاضرين وأمّا إذا قيل ادعوا شهداءكم من دون الله وأريد بالشهداء الأصنام فلا إذ لا دخول حينئذ ألا ترى أنك إذا قلت ادعوا من دون زيد العلماء لم يصح إلا إذا كان زيد من العلماء وهذا منقوض بالوجه الثالث حيث أريد بالشهداء أشرافهم ورؤساؤهم الذين لا يدخل فيهم أولياء الله كذا في شرح الفاضل، وقال قدّس سرّه إنما لم يجز تعليقه بالدعاء في الأوّلين لفساد المعنى فإنّ دعاء الأصنام لا يكون إلا تهكما ولو قيل ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله ولا تستظهروا به فإنه القادر عليه انقلب التهكم امتحانا إذ لا دخل لإخراج الله عن الدعاء في التهكم وكذا لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي الله في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا ولم يجوّز في التعلق بالشهادة كون الشهيد بمعنى الحاضر لأنه لا معنى لادعوا من يحضركم بين يدي الله، ولأنه تعالى والمؤمنين حاضرون فلا يصح إخراجهم عن حكم الحضور وثانيها على أنّ المعنى ادعوا شهداءكم من الناس وصححوا دعواكم متجاوزين الله في الدعاء غير مقتصرين على قولكم الله يشهد أنّ مدّعانا حق كما يقوله العاجز عن البينة فالأمر لبيان انقطاعهم وأنهم لا متشبث لهم وهو حال من فاعل ادعوا وأن اعتبر الاستثناء فهو منقطع وثالثها على أنّ المعنى ادعوا كل من يحضركم سوى الله القادر فالاسنثناء متصل وهذا آخر الستة وهو أرجحها وهو كقوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٨] الخ والأمر للتعجيز والإرشاد (أقول) هذا زبدة ما في شبك الأفكار من مصائد أو أبد الأنظار، وفيه بحث من وجوه الأوّل أنّ الشريف اذعى أنّ ما قاله التفتازاني بين الفساد ولا وجه له كما مرّ سواء رفع الله أو نصب على أنه لو عطف على الأصنام أيضا لإفساد فيه لما سمعته من أنّ التعلق معنويّ وما عطف على الأصنام الشاهدة بلا النافية هو غير

стр. 465

شاهد فيؤول المعنى إلى تقييد الشهداء بغير الله وأيّ فساد فيه ولو جعلت لا بمعنى غير صح أيضاً، الثاني أنّ قول الحفيد أن الأصنام بزعمهم تشهد أيضا لاوجه له لأنّ ما ذكر تهكم بهم ولذا أخرج الله من شهدائهم لا لأنهم لا يزعمونه بل لأنه لا مساس له بالمقام وتوله إنّ ما في الكشاف لا يناسب الآية ليس بشيء وإنما خفي عليه لأنه فسر الشهداء بما اتخذوه آلهة من دون الله وليس في اللفظ ما يدلّ عليه فورد عليه ما توهمه حتى احتاج في دفعه لما " تكلفه ووجهه أنهم إنما عبدوا والآلهة لأنها تقرّ بهم وتقريبهم إلى الله إنما يكون في الآخرة إمّا بتزكيتهم عند. وهو عين شهادة أنهم على الحق أو رجاء العفو عنهم وهم لا يعترفون بأنهم عصاة فلزم من عبادة اكهتهم التقريب ومن التقريب التزكية فهذا تفسير له بلازم معناه وبيان لتعلق الجارية باعتباره، فقوله تشهد الخ جملة مفسرة للشهادة وهذا مما ينبغي التيقظ له فإنه في غاية اللطف والدقة، الثالث المراد بالشهداء على الثالث عصبتهم الحامون لحمي ضلالهم لأنهم من شأنهم الشهادة لهم وترويج أباطيلهم فجعل ما بالقوة بمنزلة ما هو بالفعل وان كان ممتنعا استدراجا وهو المراد بإرخاء العنان، الرابع قوله قدس سرّه لفساد المعنى الخ ردّ لما قاله الشارح المحقق إلا أنّ قوله إنه إذا قيل لهم ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله انقلب التهكم امتحانا غير مسلم لأنه أي تتهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد، ولا تلتفتوا نحو رب العباد وهو ظلمات بعضها فوق بعض وقد أطلنا الكلام لأنّ أكثر ما قيل ليس فيه شفاء للصدور وإن كان هذا أيضا نفثة مصا- ور. قوله: (والمعنى وادعوا إلى المعارضة الخ) هذا آخر الوجوه في الكشاف وهو أرجحها ولذا قدّمه المصنف ﵀ وهو موافق معنى لقوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٨] وعلى هذا الشهداء جمع شهيد بمعنى حاضر، وقوله أو رجوتم الخ هو الوجه الثاني والشهيد فيه بمعنى الناصر والمعين ومن المتعلقة بادعوا فيهما ابتدائية واحضارهم للاستعانة بهم في المعارضة بأن يشاركوهم في الإتيان بمثله على زعمهم وقال رجوتم دون أعانكم لأنّ إعانة شهدائهم، إنما هي بحسب رجائهم وزعمهم والأمر للتعجيز والإرشاد وهو المناسب لمقام التحدي فلذا كان أرجح ومن دون الله بمعنى متجاوزين الله فهو بمعنى غير الاستثنائية كما مرّ تحقيقه وقوله من إنسكم الخ بيان لقوله من حضركم أو رجوتم، وقيل إنه على البدل وغير الله منصوب على الاستثناء أو بدل من من الموضولة وعلى كل حال فهو متعلق بادعوا معنى وما قيل من أنّ ما ذكره المصنف ﵀ يدل على تعلق الجار بالشهداء وهو مناف لمدعاه إلا أن يقال إنه بيان لحاصل المعنى غنيّ عن الردّ ولم يذكر المصنف ﵀ الملك واقتصر على قوله من إنسكم وجنكم متابعة لما صرّح به في النظم كما سمعته ولأنه معصوم لا يفعل غير ما يؤمر فلا يتوهم منه ذلك حتى يصرّح به فلا حاجة إلى أن يقال المراد بالجن كل مستور عن الحس فيدخل فيه الملك كما قيل، والحق أنه معجز للملك أيضا كما صرّحوا به وأما قول المصنف رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ﴾ لعله لم يذكر الملائكة لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا فقد ردّه في الفرائد وسيأتي تفصيله ثمة. قوله: (فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله) علة وسبب مبين لكون المعنى ما ذكر وأنهم وأعوانهم لا محالة عاجزون عنه وضمير أنه للشأن فتامّل. قوله: (أو وادعوا من دون الله شهداء الخ) هذا هو الوجه الثالث في كلام المصنف ﵀ وتعلقه بأمر ادعوا ومن فيه ابتدائية، وقد مر بيان الظرف فيه، والشهيد فيه بمعنى مقيم الشهادة المعروفة، والمعنى ادعوا من فصحائكم ورؤسائكم من يشهد لكم بأن ما أتيتم به مماثله ولا تدعوا الله للشهادة بأن تقولوا الله شاهد وعالم بأنه مثله فإنه علامة العجز والانقطاع عن إقامة البينة والمعنى ادعوا غير الله للشهادة لكن استشهاد غير الله بالمعنى الحقيقي واستشهاد بقولهم الله شهيد فدعوتهم للاستشهاد لا للاستظهار والمقصود بيان أنهم لم يبق لهم تشبث أصلاً وضمير أنه للشأن، وبما قرّرناه عرفت أنّ ما قيل هنا من أنه لا يبعد في هذا الاحتمال أيضا أن يكون من دون الله بتقدير من دون

стр. 466

أوليائه لا وجه له هنا، والمبهوت المتحير المدهوس لانقطاعه، والديدن العادة كالديدان وفي شرح ديوان المتنبي للواحديّ الديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد أنه معرّب ديدن وليس في كلامهم فيعل بكسر الفاء انتهى. قوله: (أو شهدائكم الذين اتخذتموهم من دون الله ولياء أو كهة الخ) هذا أول الوجوه في الكشاف وهو الرابع هنا، وشهدائكم مجرور في النسخ ولذا رسمت همزته بصورة الياء فهو معطوف على ادعوا في قوله بادعوا، يعني أنّ من متعلق بشهدائكم وما بعده هو الخامس وهو ثاني الوجوه في الكشاف وقد مرّ تحقيقهما والفرق بينهما وحال الظرف فيهما فلا حاجة لاعادته هنا، وتفسير الشهداء بالآلهة هنا وما عليه وتوجيهه والأمر للاستظهار تهكماً والعامل الشهداء نفسه أو ما دلّ عليه واطلاق الشهداء على الآلهة لزعمهم أنهم شهداء وشفعاء لهم عند الله إذاً والوهم واتخذوهم آلهة دون الله، وقد وقع في النسخ اختلاف هنا ففي أكثرها شهدائكم الذين اتخذتموهم بالجرّ بدون باء وفي بعضها أي الذين اتخذتموهم بزيادة أي التفسيرية قيل وهو الصواب وعليه دون للتجاوز ظرف مستقرّ حال عامله ما دل عليه شهداء وهو اتخذتموهم، وفي بعضها أو بشهدائكم الذين الخ بالباء الجارّة في أوّله، قيل وكض ش على الأوّل يحتمل عطفه على قوله شهداء يشهدون وحينئذ يكون تعلق من بادعوا على حاله والتفاوت باعتبار المشهود به، وهو المماثلة في الأوّل وما زعموه مما ينفعهم يوم القيامة في الثاني ويحتمل أن يعطف على قوله ادعوا ويدل عليه النسخة الثانية غير أن تعلق من بشهدائكم باعتبار تضمنه معنى الاتخاذ وبتقدير مفعوله أعني أولياء بعيد جدا إذ لا وجه لهذا التضمن الأسبق العلم بأنهم اتخذوا ما زعموا شهادته أولياء أو ألهة ولا يخفى عليك أنه لا يكفي في انتقال الذهن إلى هذا المراد إلا أنّ المصنف ﵀ تبع الكشاف في هذا التوجيه (أقول الا يخفى ما فيه من العنى ول عن جاذة الصواب أمّا ما قدمناه من أنّ الصواب الإتيان بأي التفسيرية فسقوطه ظاهر لأنّ الذين على النسخة الأخرى عطف بيان مفسر لما قبله فهو غنيّ عن البيان وقوله: أنه متعلق بالاتخاذ تعسف تبين وجهه مما قصصناه عليك أوّلاً في شرح كلام الزمخشريّ وبهذا ظهر لك سقوط ما بعده لابتنائه على غير أساس فمآل النسخ كلها إلى معنى واحد كما لا يخفى. قوله: (أو الذين يشهدون لكم الخ) قد مرّ من بيانه ما يغني عن تحمل مؤنة التكرار فيه وقوله من قول الأعثى الخ أي كون من دون بمعنى قدام من قبيل ما اشتهر في كلام العرب كما في بيت الأعشى والأعشى شاعر معروف جاهليّ وهو أفعل من العشا وهو نوع من ضعف البصر يمنع الرؤية ليلاَ، واسمه ميمون بن قيس بن جندل وهو من بكر بن وائل أدرك زمن النبيّ ﷺ ومدحه بقصيدة لكن سبقت شقوته فلم يأت له وقصته مشهووة، والبيت المذكور من قصيدة له في ديوانه مدح بها رجلا يلقب بالمحلق واسمه عبد الحليم بن حنتم بن شداد وأولها: أرقت وما هذا السهاد المؤرّق وما بي من سقم وما بي معشق ومنها: فقدأقطع اليوم الطويل بفتية سماميح تسقى والخباء مروّق ودرّاعة بالطيب صفراء عندنا لجس الندامى في يد الدرع مفتق وساق إذا شئنا كميس بمشعر وصهباء زباد إذا ما ترقرق تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق وروي وهي فوقه وذوّاقها بدل دونه ومن ذاقها، والقذى بفتح القاف والذال المعجمة مقصور شيء قليل من تراب ونحوه بقع في العين أو الشراب ويرسب في الإناء والكأس، والتمطق تفعل من المطق وهو التذوّق والتصويت باللسان أو بمص شفته من لذتها وقد فسر بكل منها هنا، وتريك بضم التاء الفوقية من الرؤية البصرية وفيه ضمير مؤنث مستتر يعود للصهباء وهي الخمر في البيت الذي قبله كما سمعته آنفا وهكذا فسر في شرح ديوانه وما في شرح الشريف هنآ تبعاً لغيره من الشراح من أنه يصف الزجاجة

стр. 467

بغاية الصفاء وأنها تريك القذى قدّامها والحال أنها قدام القذى والضمير في ذاقها باعتبار ما فيها على قياس قولك شربت كأسا والأوّل باعتبار نفسها حذوا فيه حذوا لكشف وهو تبع الأزهري في قوله: لا يريد أنّ هنالك قذى وإنما يريد أن يصف صفاء الزجاجة ويبالغ فيه وعليه ففيه تجوّزوا استخدام لطيف لكن يأباه أنه لم يسبق للزجاجة ذكر في هذا الشعر، وإنما الضمير فيهما للصهباء بمعنى الخمر وهو وصف لها أيضاً بغاية الرقة والصفاء-ضى كات ما تحتها فوقها وما خلفها قدّامها والتبكيت التقريع والغلبة بالحجة وقريب منه ما قيل إنه الإسكات والتهكم الاستهزاء وهو المراد وله معان أخر وهو في قول الحماسيّ: سرى الليلة الظلماء لم يتهكم بمعنى لم يخطئ والتهكم في غير هذا التندّم وقيل معنى لم يتهكم لم يتميز عليهم والتهكم التكذب على ما فصل في شروح الحماسة وقد مرّ بيان ما هنا فتذكر. قوله: (وقيل من دون الله الخ) بتقدير مضاف ليقابل أولياء الأصنام كما يقابل الله أصنامهم والأمر كما مرّ لإرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء لا يميلون لأحد الجانبين كما هو العادة واكتفينا بشهدائكم المعروفين بمعاونتكم من الفصحاء والرؤساء فإن شهدوا لكم قبلنا شهادتهم مع أنهم لا يفعلون ما يشهد العقل بخلافه لبلوغ أمر الإعجاز إلى حد لا يخفى فالشهداء بمعنى الرؤساء وهو ناظر لتفسيره بالإمام والظرف حاله معلوم والوجوه مستعار من الجارحة للرؤساء والمشاهد جمع مشهد وهو المجلس الذي يشهده الناس ويحضره الكبار. قيل ولما لم تقم قرينة على هذا التقدير ولا ضرورة فيه ضعفه المصنف رحمه الله تعالى وقيل: لأنه يؤذن بعدم شمول! التحدي لأولئك الرؤساء وليس بشيء، وقد قيل أنّ تخصيص التمريض بهذا الوجه مع ظهور ضعف غيره من الوجوه لا وجه له وهذا الوجه مشترك بين التعلق بادعوا وبالشهداء عند الزمخشرفي وبما قصصناه عرفت استيفاء المصنف لجميع الوجوه وأن قيل إنه ترك سادسها فتنبه. قوله: (إنه من كلام البشر الخ) أي في أنه والجار يطرد تقديره مع أن وأن كما لا يخفى أي إن كنتم صادقين في أنه من كلام البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته فافعلوا أو فأتوا بمقدار أقصر سورة منه وهذا معنى قوله إنّ جواب أن الشرطية محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو جواب الشرط الأوّل وليس الجواب المقدم جوابا لهما ولا متنازعا فيه كما لا يخفى وذكر التنازع هنا لغو من القول. فإن قلت لم يذكر فيما سبق ادّعاؤهم أنه من كلام البثر بل ارتيابهم وشكهم فيه والشك من قبيل التصوّر الذي لا يجري فيه صدق وكذب بلا شك والقول بأنّ المراد إن كنتم صادقين في احتمال كونه من كلام البشر لا يدفع السؤال لأنّ الاحتمال شك مع ما فيه من التكلف وكذا ما قيل من أنهم كانوا منكرين لأنه من كلام الله لكن نزل إنكارهم منزلة الشك لأنه لا مستند له فلذا صدر بكلمة الشك وكذا القول بأنهم عالمون بأنه كلام الله لكنهم يظهرون الريب فقيل لهم إن كنتم صادقين في دعوى الريب فهاتوا ما يصلح الريب كأقصر سورة قلت المراد من النظم الكريم والله أعلم الترقي في إلزام الحجة وتوضيح الحجة فالمعنى إن ارتبتم فاتوأ بنظيره ليزول ريبكم ويظهر لكم أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا فإن قلت لم لم يقل فإن ارتبتم وهو أظهر وأخصر. قلت عدل عنه لابلغيته بدلالنه على تمكنهم وانغماسهم فيه. ؤما قيل من أنّ تقدير الجواب كلام نحويّ لا يرضاه أهل المعاني وقد جعلوا نحو قوله: كأنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتاى عنك واسع من المساواة كلام واه وغفلة عن أنّ الممنوع تقدير جوابه أن الوصلية وهي لا تكون بدون وأو ولأنّ الجواب بعينه فيما ذكر تقدم فلا يحتاج لجواب وما هنا ليس كذلك. قوله: (والصدق الإخبار المطابق) أي الصدق الواقع صفة للمتكلم وفي الصدق والكذب مطلقاً ثلاثة مذاهب مشهورة كما بين في كتب المعاني وثبوت الواسطة بينهما وعدمها المبنيّ على الخلاف ظاهر وأصحها أنه مطابقة الواقع وهو نفس الأمر وقد يعبر عنه بالخارج وان كان تد يخص بالمحسوس والمراد بقوله: الإخبار المطابق للمخبر

стр. 468

عنه في الواقع وتركه لظهوره. قوله: (وقيل مع اعتقاد المخبر) على زنة اسم الفاعل أي الصدق يتحقق بمطابقة الواقع واعتقاد المخبر أنه مطابق له اعتقاداً ناشئاً عن دلالة يقينية أو عن إمارة ظنية بناء على أنّ الاعتقاد يطلق على ما يشمل العلم، والظن الراجح ويحتمل أنه بيان لطريق الاطلاع على اعتقاده الخفي فاعتبار. في الصدق باعتبار ما يظهر من حاله بالوجه المذكور، والظاهر أنّ هذا مذهب الجاحظ إلا أنه يرد على المصنف حينئذ أنّ الاستدلال بالآية المذكورة إنما هو لمذهب النظام كما في المفتاح وغيره من كتب لتعاني لقوله بأنه المطابق للاعتقاد فقط فإنه تعالى كذبهم لعدم مطابقة كلامهم لاعتقادهم وان طابق الواقع وفي شرح التلخيص لابن السبكيّ أنّ ابن الحاجب ﵀ جعل هذه الآية دليلاَ للجاحظ وتبعه المصنف لأنها تصلح له ولذا قيل إنه اتجه على السكاكيّ أنه يجوز أن يكو) ، التكذيب لأنّ الصدق مطابقة الواقع مع الاعتقاد وأنه لا وجه لترك المصنف التعرّض! لمذهب النظام مع أنه أقرب إلى الحق لأنه لم يبطل فيه انحصار الشبر في الصادق والكاذب وقال بعض الفضلاء مبني ما ذكره المصنف على أنّ مطابقة الواقع معتبرة في مفهوم الصدق بلا نزاع لكثرة الأدلة عليها فلما كذب الله المنافقين علم أنه اعتبر معها شيء آخر وهو مطابقة الاعتقاد فتأمّل وقال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماض! ياً كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره ولا يكونان بالقصد الأوّل في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٧] وقوله: إنه كان صادق الوعد وقد يكونان بالعرص في غيره كالاستفهام لأنّ في ضمنه خبراً والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا بل إما أن لا يوصف بالصدق وامّا أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على طريقين " ختلفين كقول الكافر من غير اعتقاد محمد رسول الله فإنّ هذا يصح أن يقال صدق لكون المخبر عنه كذلك ويصح أن يقال كذب لمخالفة قوله لضميره، وللوجه الثاني أكذب الله المنافقين حيث قالوا إنك لرسول الله فقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ انتهى. قوله: (ورذ بصرف التكذيب الخ) قد قرع سمعك فيما مضى أنّ الشهادة وقولك أشهد بكذا هل هو إنشاء متضمن للإخبار أو خبر صرف وقول المصنف ﵀ أنّ الشهادة إخبار ظاهر في الثاني والجمهور وانّ رجحوا أنها إنشاء قالوا إنّ المشهود به خير ولذا قيل في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ﴾ [سورة المنافقون، الآية: ا] أنّ الكذب راجع للمشهود به في زعمهم وصرفه تحويله بالعدول عن الظاهر من تعلقه بقوله إنك لرسول الله إلى جعله متعلقا بما تضمنه تشهد من دعوى العلم وليس كذلك في الواقع فينطبق على مذهب الجمهور وفي المطوّل ما قيل من أنه راجع إلى قوله نشهد لأنه خبر غير مطابق للواقع ليس بشيء لأنا لا نسلم أنه خبر بل إنشاء وقيل عليه أنه يتضمن الإخبار وأن كان إنشاء لكن المحقق قصد ردّ من جعل التكذيب راجعا إلى صريح مدلول نشهد بزعم أنه خبر فإن قلت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٦] يدلّ على أنّ شهادتهم كانت إخباراً عن علم. قلت العلم المعتبر في الإيمان مشروط كما قيل بالرضا والتسليم وهم لا يقصدون بقولهم نشهد ذلك لأنه الذي ينجيهم لا التصديق الخالي عنه ولا يخفى عليك أنّ قول المصنف ما كانوا عالمين يأبى ما ذكر من الجواب فينبغي دفعه بطريق آخر. فإن قلت إذا كان الكذب في تسمية الإخبار الخالي عن الاعتقاد شهادة لأنها في ااطغة ما يكون عن علم واعتقاد يكون غلطاً كقولك خذ الثوب مكان خذ الكتاب لا كذباً إذ الكذب راجع لما تضمنه من الخبر وهو مواطأة ما نطقوا به لما في قلوبهم. قلت هذا وان توهمه بعضهم لا وجه له فإنّ الشهادة تدل على العلم والتحقق سواء كان بطريق الوضع أو دلالة الفحوى وسواء كان خبراً صريحاً أو إنشاء يلزمه خبر آخر فإذا لم يكن كذلك كان كذبا والتكذيب راجع لمدلوله فجعله غلطا غلط ثم إنه قيل على المصنف أنّ كلامه ظاهر في تقرير مذصب الجاحظ في اعتبار المطابقتين وما استدل به عليه هو دليل النظام على أنه مطابقة الاعتقاد فقط إلا أنه لم يرد ردّه بل أراد الردّ على الراغب حيث اختار ما يشبه مذهب الجاحظ واستدلّ عليه بدليل النظام فردّه بما ردّ به الجمهور على النظام

стр. 469

فإنه قال إمّا الصدق فإنه يحد بمطابقة الخبر المخبر عنه لكن حقيقته وتمامه أن يتحقق فيه ثلاثة أشياء وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة أو إمارة وحصول عبارة مطابقة لهما فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق، ومتى ارتفع ثلاثتها وصف بالكذب المطلق ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه وألاعتقاد بخلافه صح أن يوصف بالكذب ألا تراه تعالى كذب المنافقين في إخبار: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [سورة المنافقون، الآية: ا] لما كان اءمقادهم غير مطابق لقولهم، فإذا قال من اعتقد أنّ زيدا في الدار زيد في الدار ولم يكن فيها صح أن يقال صدق اعتقاده أو كذب إلا أنّ كلامه مناد على أنه يعتبر في الصدق مطابقة الواقع كالجمهور وإنما يعتبر المطابقتين في الكامل بحيث لا يشوبه كذب بوجه ما وظاهر أنه إذا انتفى الاعتقاد لا يكون كذلكءفيجوز أن يتصف بالكذب بحسب الاعتقاد أنه غير مطابق للواقع وقد اعترف هذا الجمهور في جواب النظام كما في التلخيص وشروحه ومراد الراغب بإيراده الآية ذكر شاهد على أنّ الكلام يوصف بالكذب باعتبار أنّ اعتقاد المخبر أنه غير مطابق الواقع لأنّ الاستدلال على أنّ مطابقة الاعتقاد معتبرة في أصل الصدق كمطابقة الواقع فظهر أنّ الردّ في قول المصنف وردّ الخ غير واقع موقعه لأنه إنما هو ردّ للنظاء لا للراغب فتدبر وأخرج رأسك من ربقة التقليد، وتمسك بعروة الإنصاف والرأي السديد (أقول) ما أطال فيه من التصلف، مع أنه ظاهر التكلف غير صحيح في نفسه وما نقله من تفسير الراغب مسطور فج غيره من كتبه، وقد نقلناه بلفظه في المفردات ليتمّ بنور البيان فنقول المذاهب الثلاثة مشهورة فلا إفادة في الإعادة والذي نقله عن الراغب من الأمور الثلاثة المعتبرة فيه ترجع إلى مطابقة الواقع والاعتقاد كما نقلناه لك فإن الأمر الثالث وهو مطابقة العبارة لا يزيد في المطابق بالفتح شيئا وإنما يفيد تغاير المطابق والمطابق كما لا يخفى فمذهب الراغب بعينه مذهب الجاحظ من غير فرد فيرد عليه ما يرد عليه من غير شبهة وليس مذهب رابعاً كما توهمه إلا أنه لما صرّج باعتبار الأمرين كالجاحظ إن أراد اعتبارهما في حقيقته فما بعده من إطلاق الصدق على ما فيه أحدهما تجوّز وان أراد اعتبارهما في كماله فالإطلاق الآخر حقيقة، وكلامه كالتوفيق بين المذاهب والظاهر هو الأوّل ولو سلم أنه مذهب آخر فالمصنف لم يتعرّض له فكيف يذكر في كلامه الردّ عليه من غير دليل ولا قرينة ومثله تعمية والغاز لا اختصار وايجاز فاعرفه. قوله: (لما بين لهم ما يتعرّفون به الخ) في الكشاف لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبيّ ﷺ وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من

стр. 470

باطله قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبأن لكم أنه معجوز عنه فقد صرّج الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعد لمن كذب انتهى وهو تفسير لهذه الآية إجمالاً على وجه يتبين به ارتباطها بما قبلها وتفريعها عليها والى ذلك أشار المصنف أيضاً مع تغيير ما في التعبير لمعنى اختاره فما يتعرّفون به هو والجهة أي الطريقة التي منها التعرّف واحد، ويتعرّفون إمّا بمعنى يعرفون معرفة قوية لأنّ صيغة التفعل تكون للمبالغة لزيادة البنية كما صرّحوا به أو المراد ما يتطبون معرفته والوصول إليه، وعلى هذا اقتصر شرّاح الكشاف لأنّ صيغة التفعل تأني للطلب الحثيث نحو تعجل الشيء إذا طلب عجلته كاستعجله ومنه ما في الحديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن عند بعضهم أي ليستغن به ويطلب الغني كما ذكره النحاة في معاني أبنية الأفعال وقوله: وما جاء به في محل نصب أو جرّ لصحة عطفه على أمر وعلى الرسول فإن عطف على الرسول فهو من قبيل أعجبني زيد وكرمه وأمر الرسول وان كان عامّا لكل ما جاء به ولغيره من أموره فالمقصود منه هنا ما جاء به لأنه المناسب لما قبله مع ما فيه من البلاغة ولذا اختاره شرّاح الكشاف فإن عطف على الأمر وأريد به صدقه في مدعاه وأريد بما جاء به القرآن الذي ليس من جنس كلام البشر فليس منه لما قصد من الفرق بين الأمرين إلا أنّ الأوّل أرجح رواية ودراية لما عرفته فلا وجه لمن لم يرضى به إلا امنثال خالف تعرف، وقوله وميز لهم الحق عن الباطل أحسن من قوله في الكشاف امتياز حقه من باطله لإيهام الإضافة أنّ قي أمره باطلاً وإن كانوا أوّلوه بكونه حقا عن كونه باطلاً أو المراد بباطله ما هو باطل على زعم الكفرة والرسول في كلامه أنسب من النبيّ أيضاً، ومعنى الفذلكة كما مرّ إجمال يقرب من النتيجة ويضاهيها من قولهم فذلك يكون كذا وهو إشارة إلى توجيه الفاء في النظم ووقوعها موقع تفريع النتيجة وحاصل المعنى على تفصيله وما يقتضيه وهو مما نوّر به ما في الكشاف وأجاد فيه وقوله: وعجزتم جميعا إشارة إلى العموم المستفاد من خطاب المشافهة كما مرّ وأمّا ذكر الشهداء فلا مدخل له فيه بل هو بالتخصيص أنسب فلا وجه لذكره وقوله: يساويه أو يدانيه أي يقاربه في البلاغة والأسلوب والمساواة وان كانت بحسب الأصل في الكمية فالمراد بها المشابهة التامّة بقرينة مقابله وما ذكر إشارة لتعميم المماثلة وأنه لا يشترط فيها المساواة وقد صرّح الراغب بعموم المثل لجميع وجوء الشبه القريبة والبعيدة، وقيل المداناة من حاق اللفظ وصريحه لأنّ المشبه به يكون أقوى في وجه الشبه وأما تعليق الاتقاء بعدم الإتيان بما يساويه فلا يستفاد منه بل ينافي التعليق بالعجز عن الإتيان بما يدانيه وليس بشيء لما عرفته. قوله: (ظهر أنه معجز والتصديق به الخ) يعرف أمر الرسول تجت! ر من التحدي الدال عليه قوله: ﴿فَأْتُواْ﴾ الخ والفذلكة من قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ الخ وهذا إشارة إلى أنّ جزاء الشرط بحسب الظاهر وهو قوله: ﴿فَاتَّقُواْ﴾ الخ. كناية عما يلزمه من ظهور إعجازه والزامهم الحجة الموجبة للإيمان به وبما جاء به كما سيصرّح به عقبه ولا تقدير في الكلام عند الشيخين خلافاً لمن فهم من كلام المصنف ﵀ تقديره للجزاء جملة خبرية والزمخشريّ تقديره جملة إنشائية لاختلافهم في وقوع الإنشاء جزاء فمنهم من أوجب تأويله بما أوّلوا به خبر المبتدأ. ومنهم من لم يوجبه لعدم الحمل المقتض له فلما لم تكن هذه الإنشاحمية في موضع الجزاء حقيقة لانتفاء ألارتباط انفتح باب التقدير فقدر المصنف ما يصلح للجزائية اتفاقا وجعل المذكور لازما له مترتباً عليه كما أشار إليه بقوله: فآمنوا الخ وليس قوله ظهر من تتمة الشرط لعدم عطفه ولا بدلاً من قوله: عجزتم والجزاء ئآمنوا وقوله: فاتقوا منزلاً منزلته، وقال قدس سرّه قولط الزمخشري: قال لهم الخ. بيان لمآل المعنى وتنبيه على أنّ ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ كناية عن التصديق وترك العناد وقد توهم أنّ مراده أنه تعالى رتب على ذلك الإرشاد تكميلا له شرطيتين إحداهما محذوفة الجزاء والأخرى محذوفة الشرط فقوله فإذا لم تعارضوه الخ معنى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ وقوله: فقد صرّح الخ جواب لهذا الشرط المحذوف وقوله: ﴿فَآمِنُواْ﴾ معنى قوله: ﴿فَاتَّقُواْ﴾ وهو جزاء لشرط مقدر أي إذا صرّح الحق عن محضه ﴿فَأَمِنُواْ﴾ وليس بشيء لأنّ ﴿فَاتَّقُواْ﴾ جواب ﴿فَإِن لَّمْ﴾ الخ وقوله فإذا لم تعارضوه إيماء إلى أنّ إن وقعت موقع إذا وأنها للاستمرار دون مجرّد الاستقبال كما يجيء، وإذا جعلت قوله فقد صرّح الحق عن محضه الخ هو الجزاء كان مآله إلى ما قاله المصنف وسيأتي له تتمة عن قريب. قوله: (فعبر عن الإتيان المكيف الخ) أي كان الظاهر أن يقال فإن تأتوا بسورة من مثله فعبر عن الفعل الخاص وهو الإتيان المقيد بسورة من مثله بالفعل المطلق عن المتعلق العام بحسب الظاهر للإيجاز إيجاز القصر حيث أوقع الفعل وحده موقع الإتيان المقيد بسورة من مثله وهو مؤدّ لمعناه لأنه المراد منه والفعل كما قاله الراغب أعمّ من سائر أخواته من الصنع والإبداع والإحداث كما فصله والمكيف اسم مفعول من كيفت الكيفية التي هي أحد الأعراض! المعروفة وفسرها في المصباح بالهيئة والصفة وهي لفظة مولدة من كيف الاستفهامية كالكمية من كم فإن قلت ليس المراد بالفعل المنفيّ في لم تفعلوا مطلق الكعل بل الإتيان المقيد بقرينة السياق والسباق، فلو قال: فإن لم تأتوا الخ فهم المراد قلت فيما عبر به إيجاز وكناية أبلغ من التصريح وأخصر مع إيهام نفي الإتيان بالمثل وما يدانيه وغيره باعتبار ظاهره وان لم يكن مراداً. قوله: (إيجازاً) عدل عما في الكشاف من قوله والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا ووجازة تغنيك عن طول المكنئ عنه. ألا ترى أنّ الرجل يقول ضربت زيدا في موضع كذا على صفة كذا وشتمته ونكلت به ويعدّ كيفيات وأفعالاً فتقول له بئس ما فعلت، ولو ذكرت ما أنبته عنه لطال عليك الخ. وقد اختلفوا

стр. 471

كما قال قدس سرّه في معنى جريانه مجرى الكناية فقيل أراد بالكناية الضمير المبنيّ على الاختصار ودفع التكرار لكنه مختص بالأسماء، وهنا عبر عن فعل مخصوص بالفعل للاختصار ودفع التكرأر فهو في الأفعال بمنزلة الضمير في الأسماء، وقيل أراد بالكناية ما يقابل المجاز لإطلاق اللازم من الفعل وارادة ملزومه وهو الإتيان بالسورة إلا أنه حينثذ كناية لا جار مجراها، واعتذر له بأنّ الملازمة ليست متساوية لأنّ الفعل أعمّ مطلقا وحصول الانتقال منه بمعونة المقام فلذا أجرى مجراها، وفيه أنه لا يقدح في كونه كناية حقيقة كما إذا جعل الفعل مطلقا كناية عنه مقيداً بفعل مخصوص وقوله تغنيك عن طول المكنئ عنه يؤيد الأوّل إذ ليس مبني هذه الكناية على الوجازة إلا أن يقال المراد بها المعنيان معا، ولو قيل يجوز أن يحذف متعلق الإتيان أو يجعل هو مطلقا كناية عنه مقيدا بما تعلق به فلا استطالة يدفع الأوّل بأنّ إيجاز القصر أبلغ، والثاني بأنّ الاحتراز عن التكرار أولى لأنّ ما ذكره أخصر وأظهر مما تكلفوه وقالوه (أقول) الكناية في مصطلح البيان غير خفية وعند النحاة وأهل اللغة كما فصله نجم الأئمة الرضي في المبنيات هي أن يعبر عن شيء معين لفظا كان أو معنى بلفظ غير صريح في الدلالة عليه إمّا للإيهام على سامع كجاءني فلان وأنت تريد زيد أو كيت وذيت وكذا وكذا أو بثاعة المعبر عنه، كهن للفرج أو للاختصار كالضمائر أو لنوع من الفصاحة ككثير الرماد للمضياف والمكئ عنه يكون لفظا بمجرّده أو مرادا به معناه كقوله: كأنّ نعلة لم تملأ بوائكها وألفاظ الأوزان إذا عرفت هذا ففيما ذكوه الشريف تبعا لغيره هنا نظر لأنّ الكناية لا تختص بالضمائر عند أحد فالحمل عليها غير ظاهر، والتساوي في اللزوم بأن يكون اللازم لازما مساويا لم يشترطه أحد وكأنّ قوله لا يقدح الخ إشارة لهذا وفيما أيد به الأوّل نظر أيضا لأنّ الاختصار غير مشروط في الكناية اللغوية كالاصطلاحية وادّعاء أكثرية غير مسلم والقول بأنه قد يكون كذلك لا يجدي نفعاً لاستوأئهما فيه، فقولك فهلان ليس باكلول من زيد وكذا أنا وبعض الكنايات الاصطلاحية إيجاز كما صرّحوا به والجواب بأنّ المراد المعنيان معا فيه استعمال المشترك في معنييه وهو في الاصطلاحين أبعد فالأولى أن يقال: أراد الأعم الذي اصطلح عليه أهل العربية كما سمعته آنفا من شموله للكناية البيانية. قوله: (ونزل لازم الجزاء منزلته الخ) هذا صريح فيما قدمناه من عدم التقدير على كل تقدير والمراد أنه ترتب وجوب الإيمان وترك العناد على عجزهم بعد الاجتهاد التامّ واتقاء النار لازم له وهو دفع لما يتوهم من أنّ اتقاء النار لازم وواجب مطلقاً من غير توقف على هذا الشرط فما معنى تعليقه بانتفاء ذلك الإتيان أو أنّ الشرط سبب للجزاء، وملزوم له وليس عدم الإتيان بما ذكر سببا للاتقاء ولا ملزوماً له فكيف وقع جزاء له فأجاب بأنه كناية عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق والإيمان به أو عن الإيمان نفسه، وقيل إنه جعل في الكشاف الاتقاء عن النار كناية عن ترك العناد، والمصنف جعله كناية عن الإيمان وكلاهما حسن إلا أنه في الكشاف جعل ترك العناد نتيجة للاتقاء عن النار فاتجه عليه أنه ليس ذكر الملزوم وارادة اللازم كناية بل العكس، وإن أجيب عنه بما فصلوه وفيه بحث. قوله: (تقرير للمكنى عنه) بيان لوجه سلوك الكناية وأنها اختيرت هنا لأمور كتقرير المعنى أي تثبيته وتبيينه لأنه كإثبات الشيء ببينة لما بينهما من التلازم والتهويل وهو التفخيم مع الإنذار والتخويف لأنه إذا ثبت اتقاء النار بترك العناد فقد أقيم العناد مقام النار كما في قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٥ ا] لأنّ معناه ما أكثر عصيانهم، وهو من أبلغ الكلام كما قاله المرزوقيّ ﵀ وفيه تصريح بالوعيد وأنهم يستحقون النار ويعاقبون بها لتمرّدهم مع ما فيه من الإيجاز فإنّ الجزاء الحقيقي كما قاله تقديره ظهر أذه معجز وأنّ التصديق به واجب فآمنوا به أطول من قوله اتقوا النار لأنّ الصفة لا دخل لها في الجزاء والكناية كما لا يخفى، وقيل الإيجاز من ترك ذكر العناد وإقامة النار مقامه فإنّ أصل المعنى فاتقوا العناد الذي مصير أمره عذاب النار، وتيل إنّ قوله مع الإيجاز قيد للأخير أو للمجموع

стр. 472

وهو ردّ لما في الكشاف حيث جعل الإيجاز وجهاً مستقلاً وهو لا يصلغ له إن لم يوجه بأن الوسايط التي صرّح بها في ارتباط الجزاء بالشرط مرادة بحسب المعنى وان لم تقدر في العبارة ويرد عليه أنه لو قيل فاتركوا العناد كانت تلك الوسايط مرادة أيضا فلا إيجاز بحسب الكناية إلا أن يوجه بما قيل من أنه أريد بهذه الكناية مجموع المعنيين من اتقاء النار وترك العناد معا فيكون مؤخراً، ويشمل الإيجاز كل كناية أريد بها معنياها جميعا (أقول) : هذا برمّته مأخوذ من شرح الكشاف الشريفي وقد عرفت أنه لا يجري في كلام المصنف ﵀ لأنه لا يوافقه فيما قدّره جزاء وجواباً كما مرّ ولو وافقه لم يكن لذكره وجه أيضاً سواء كان مستقلا أو بطريق التبعية والمعية، والعجب من هذأ القائل أنه ذكر هذا بعيته في شرح قوله: معجز فما أسرع ما نسي ما قدّمه بين يديه وما بالعهد من قدم وقد عرفت أيضا أنه يرد على الزمخشرفي أنه إذا كان ترك العناد لازما كان إطلاق الاتقاء عليه تعبير بالملزوم عن اللازم فيكون مجازاً لا كناية ولذا عدل عنه المصنف ﵀ وأن كان غير مسلم كما فصله قدس سرّه وسيأتي تحقيقه. قوله: (وصذّر الشرطية بأن الخ) أي هذه الجملة الشرطية جاءت على خلاف الظاهر ومقتضى الحال كما أشار إليه بقوله والحال أي وظاهر الحال المناسب للمقام والسياق، وكون أن الموضوعة للشرط تفيد الشك وإذا الظرفية المضمنة معنى الشرط تقتضي الجزم والقطع مما اتفقوا عليه، فإذا خرج كل منهما عن مقتضاه فلا بدّ له من وجه والمراد بالوجوب في كلام المصنف ﵀ الجزم والقطع فهو بالمعنى اللغويّ وفي المصباح وجب الحق يجب وجوبا وجبة لزم وثبت وهو قريب مما فسرناه به، وما قيل من أنه عبر عن الوقوع المقطوع بالوجوب جريا على ما بين المتكلمين من أنّ الوجود مسبوق بالوجوب فما لم يجب لم يوجد مما لا حاجة إليه ولا يفيد التفسير بل التعقيد ومقابلته بالشك تغني عن الشرح، وأصل الشك المستفاد من أدائه وحقيقته من المتكلم فإن اعتبر حال المخاطب فعلى خلاف الأصل كما أشار إليه بقوله: أو على حسب ظنهم، وقوله: فإنّ القائل الخ تعليل لاقتضاء المقام الجزم وعدم الشك وقوله: ولذلك الإشارة إمّا لاقتضاء الحال أو لأنه تعالى لم يكن شاكا وان كان غير محتاج إلى التعليل لأنّ المراد إظهار نكتة الاعتراض. وقيل: معنى لذلك لعلمه بحالهم أي بنفي الإتيان ولا يخفى أنه لا حاجة إلى الاستدلال على أنه تعالى لم يكن شاكاً فالأوجه أن يصرف إلى تصدير الشرطية بأن أي لذلك التصدير ففي إتيانهم ففائدته نفي الشك الذفي توهمه عن ساحة سلطان علمه، ولك أن تقول: ﴿لَن تَفْعَلُواْ﴾ معطوف على ﴿لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ انتهى. ولا يخفى عليك أنّ جعل الإشارة للتصدير وان صح في غاية البعد وأمّا العطف الذي ارتضاه فغير صحيح بحسب العربية ولا بحسب المعنى ولذا لم يلتفتوا له مع ظهوره وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. وفيها كما في الكشاف نوع من الإعجاز ودليل آخر على إثبات النبوّة لما فيها من الإخبار بغيب لا يعلمه إلا ألله. قوله: (تهكماً بهم) منصوب مفعول له وتعليل لقوله: وصدر الشرطية بأن أي أنه كلام القويّ العزيز العليم بجميع الكائنات قبل وقوعها علما حضوريا جازماً منزهاً عن الشك فحاطبهم بمثله استهزاء منه وتحقيراً لهم كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه إن غلبتك لم أبق عليك وتحميقاً لهم لشكهم في المتيقن الشديد الوضوح وهو على هذا يحتمل أن يكون استعارة تبعية تهكمية حرفية كما قيل ولا مانع منه ويحتمل الحقيقة والكناية كما في غيره مما جاء على خلاف مقتضى الظاهر، وقوله: أو خطابا الخ أي عبر بذلك نظراً لحال المخاطب لا القائل كما في الوجه السابق، وفي الكشاف يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم وأنّ العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على قصاحتهم واقتدارهم على الكلام أي أنّ هذا الكلام بعد قوله: وان كنتم في ريب بلا فاصل فلم يجدوا مهلة التأمّل حتى يحصل لهم التحقق وإنما قال: لم يكن محققاً ولم يقل كان مشكوكاً لأنهم لما لم يحصل مجال للتأمّل لم يحصل الشك أيضا ولذا قال الزمخشرفي: كالمشكوك إذ الشك إنما يكون بعد التصدي للتفحص عن حال الشيء لكنهم لما كانوا متكلين على فصاحتهم واقتدارهم على أفانين الكلام كان عجزهم بالقياس إلى ظاهر حالهم كالمشكوك فيه لديهم كما قال

стр. 473

تعالى: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٣١] وفيه رمز إلى أنهم لو تأمّلوا لم يشكوا فتأمل. قوله: (وتفعلوا جزم بلم الخ) جزم بمعنى مجزوم كدرهم ضرب الأمير بمعنى مضروبه وهذا تعليل وبيان لكون العامل الجازم هنا لم لا إن الشرطية لأنه لما اجتمع عاملان وعملهما معا لا يجوز إذ لا يتوارد عاملان على معمول واحد رجحوا الثاني لأنه واجب الأعمال إلا في ضرورة أو شذوذ أو وجود مانع متصل بالفعل كنون التأكيد والإناث وهي مختصة بالمضارع كاختصاص حرف الجرّ بالاسم فكانت جديرة بأن تعمل فيه العمل الخاص به ولأنها لا تنفصل عنه إلا نادراً بخلاف إن ولأنها تقلبه إلى المضي فلما أثرت في معناه لقوّتها أثرت في لفظه وصارت معه كفعل واحد ماض فلم يفعل بمعنى ترك وحرف الشرط حينئذ داخل على المجموع فيعمل في محل فعله ولا يلغى وليس هذا من التنازع في شيء وإن تخيل مشابهته له لأنّ ابن هشام في كتبه كنيره صرّح بأنّ التنازع لا يكون بين حرفين لأنّ الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات (أقول) كذا في شرح الكشاف وفي شرح أوضح المسالك ما نصه أجاز ابن العلج التنازع بيى ن الحرفين مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ الآية فقال تنازع إن ولم في تفعلوا، ورذ بأن أن تطلب مثبتا ولم تطلب منفياً وشرط التنازع إلاتحاد في المعنى إلا أنّ أبا عليّ الافارسي أجازه في التذكرة كما نقله عنه الشاطبيّ فعلى هذا يصح أن يقال الجازم هنا أيضا أن فالحاصل إن لم جازمة للمضارع وإن جازمة للمحل لكثرة عملها فيه في نحو إن جئتني أكرمتك فتوفر حظهما من العمل كما أشار إليه المصمنف بقوله ولأنها لما صيرته ماضيا صارت كالجزء منه وحرف الشرط كالداخل على المجموع أي مجموع لم والفعل فعملهما محليّ فإن تلت هل المحل للفعل وحده أو للجملة أو للم مع الفعل كما هو ظاهر كلام المصنف. قلت: هذا مما لم يصرّحوا به وفيه إشكال لأنه إن كان للفعل وحده لزم توارد عاملين في نحو النسوة إن لم يقمن وان كان للجملة يرد عليه أنهم لم يعدوها من الجمل التي لها محل من الإعراب وان كانت للم مع الفعل فلا نظير له وعلى كل حال فالمقام لا يخلو من الإشكال وقد أطال فيه شارح المغني بما لا مآل له فليحرّر. قوله: (وإن كلاَ في نفي المستقبل الخ) وقد فرق بينهما برجوه كالاختصاص بالمضارع وعمل الممب، ونقل عن بعضهم أنها قد تجزم ولا يقتضي نفي لن التأبيد ولا غيره من طول مدة أو قلتها خلافاً لبعض النحاة في ذلك وليس أصلها لا أن لأنه سمع نادرا كما في قوله: يرجى المرء مالاً أن يلاقي ويعرض دون أيسره الخطوب ولا حجة فيه لاحتمال زيادة أن فيه وقد أورد عليه أن لن تضرب كلام تامّ وأن مع الفعل اسم مفرد غير تام وتقدير ما يتمّ به معه تعسف أهون منه القول بأنه أصله فلما غير لفظه غير معناه وصار لمجرّد النفي، وقيل: أصله لا فأبدلت ألفه نونا ولما كان هذا كله تكلفا بغير طائل لم يرتضه المصنف ﵀ وقال: إنه مقتضب أي مرتجل وضحع ابتداء هكذا، وأصل معنى الاقتضاب الاقتطاع. قوله: (والوقود بالفتح ما توقد به النار الخ) المشهور عند النحاة الفرق بين فعول وفعول بالفتح والضم فالثاني مصدر والأوّل اسم لما يفعل به وقال بعض النحاة: قد يكون مصدراً وحكي عن سيبويه في ألفاظ وهي الولوغ والقبول والوضوء والطهور وزاد الكسائيّ الوزوع وغيره اللغوب بمعنى التعب وبه قرئ في سورة ق، فتصير سبعة والمشهور في المفتوح أنه اسم فيه معنى الوصفية كالقارورة، وقد قرئ بالضم هنا في الشواذ وهي قراءة عيسى ابن عمر والهمدانيّ وقال ابن عطية الضم والفتح محكيان في الحطب والمصدر فإن كان اسما لما يوقد به فلا حاجة إلى التأويل وإلا فحمله على النار مبالغة كرجل عدل أو بالتجوّز فيه، أو في التشبيه أو بتقدير مضاف في الأوّل كذو وقودها أو في الثاني كاحتراق وقيل فيه نظر يعني لأنّ الإيقاد غير الاحتراق ولذا قيل: فيه مسامحة لأنه يقال اتقدت النار ولا يقال احترقت بل الاحتراق أثره وقريب منه، والأمر فيه سهل، وحكى المصنف عن سيبويه أنّ من العرب من جعل المفتوح مصدرا والمضموم اسما على عكس المشهور وقوله عالياً بمعنى فصيحاً يقال لغة عالية وعلوية وهذه اللغة أعلى أي أفصح وأصله كما قيل من علياء

стр. 474

نجد وأعلاه الفصاحة أهله بالنسبة لأهل تهامة وقوله: والاسم بالضم عطف على قوله المصدر بالفتح ثم أشار إلى تاً ويل المصدر بأنه تجوّز فيه كما يقال فخر قومه وهو ظاهر. قوله: (والحجارة الخ) جعل المصنف ﵀ فعالة بالكسر جمعا لفعل بفتحتين شاذاً وقال ابن مالك في التسهيل: إنه اسم جمع لغلبة وزنه في المفردات وهو الظاهر. قوله: (والمراد بها الآصنام الخ) أي أنه تعالى قرنهم بها في الدنيا بتقديره كذلك وفي الآخرة لتفضيحهم ففيه عذاب روحاني وجسماني والمكانة أصلها المكان وهو محل الكون ثم تجوّز بها للقرب والقبول كما يقال له مرتبة ولمكانتهم باللام وفي نسخة بالباء والضمير للكفار أو للأصنام وهو أظهر لأنهم شفعاء بزعمهم والشفيع له مكانة عند المشفوع عنده، وحصب جهنم حطبها الذي يحصب فيها أي يطرج ويرمي كالحصباء والتعبير به هنا في موقعه وما قيل من أنّ الحصب الحطب وهو يبقى في النار زمانا ممتدا بخلاف الوقود وهم لأنه توهم أنّ الوقود ما تورى به النار ويشعل كالكبريت والحراقة وليس كذلك بل هو ما يوقد ويحرق مطلقا فلا حاجة لما تكلفه في جوابه، وتضرّرهم بما يرجى نفعه أشدّ لألمهم، وتحسرهم بالحاء المهملة إيقاعهم في الحسرة وهي أشد الغمّ والحزن والندم على ما فات تلافيه ووقع في بعض النسخ كما في الكشاف تخسرهم بالخاء المعجمة من الخسران وهو ظاهر وقيل: إنّ المصنف ﵀ أشار بقوله: عذبوا بما هو منشأ الخ إلى تعذيبهم الجسماني وبقوله: أو بنقيض الخ إلى الروحاني فقد جمع لهم بين نوير العذاب. قوله: (وقيل الذهب والفضة الخ) لأنّ الذهب والفضة يسمى حجراً كما في القاموس وهو في العرف مختص بما لم يصنع وش! بك وإعدادها بكسر الهمزة مصدر بمعنى جعلها معدة ومتخذة لهم، وما أورده المصنف على هذا التفسير من أنه غير مخصوص بهؤلاء لوجوده في مانعي الزكاة من غيرهم قد اجيب عنه بأنّ هذا التعذيب غير ذلك لأنه بإيقادها وجعلها بقدرته مما يشتعل كالحطب وتعذيب مانعي الزكاة بها بأحمائها وكيهم لأنهم لما تداووا بجميعها كان آخر دوائهم الكيّ كما قال تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٣٥] الآية وشتان ما بينهما، ولعل هذا أحسن مما قيل من أنّ جمع المال مع مغ الزكاة هو معنى الكنز وهو في الكفار أكثر وأشد لتخليدهم ولا شبهة في أنّ اغترار المسلمين بالذهب والفضة ليس كاغترارهم والتخصيص إمّ من اللام في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أو من الكافرين لأنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعلية مأخذه كما مرّ مرارا. قوله: (وقيل حجارة الكبريت الخ) مرضه وأخره لضعفه عنده لأنه تخصيص بغير دليل وغير مناسب للمقام كما ستسمعه وتغ فيه الزمخشريّ وقيل عليه أنّ القرينة العقلية قائمة عليه لأنه لا يتقد من الحجارة غيره مع أنه الثابت في التفاسير المأثورة دون غيره فإنه أخرج مسنداً في السنن وصحح روايته عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ الطبرانيّ والحاكم والبيهقيّ وابن جرير وابن المنذر وغيرهم ومثل هذا التفسير الوارد عن الصحابيّ فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم الرفع بإجماع المحدّثين وقد رجحه كثير من المفسرين وعللوه بأنه أشد حرّا وأكثر التهابا وأسرع إيقاداً مع نتن ريحه وكثرة دخانه وكثافته وشدة التصاقه بالأبدان فلتخصيصه وجه بل وجوه رواية ودراية. قوله: (إذ الغرض تهويل شأنها الخ) بيان لأنّ هذا التفسير مناف لما سيق له الكلام، والتهويل أشدّ التخويف وأعظمه والتفاقم بالفاء والقاف العظم ويخص في الاستعمال بالمكروه وكونه منافياً له غير مسلم لما عرفته مما في الكبريت من الألم الذي ليس في غيره وكما تكون حدّة النار في ذاتها تكون في مادتها الموقود بها ولأنه يلتصمق بأبدانهم فيكون أشد عذابا لهم مع أنه يعدّهم لأن يكونوا حطب جهنم كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٥٠] وقوله: فإن صح هذا الخ قد عرفت أنّ المحدّثين صححوه فلا ينبغي الشك فيه وما أوّله به من قوله أنّ الأحجار الخ لا يخفى بعده فإنه يجعل الحجارة صئحبهة بالكبريت وليس في العبارة ما يدلّ عليه وأبعد منه ما قيل إنّ المراد أنها تتقد بنفسها لاحراق الناس والأصنام انقياداً لأمر الله تعالى والكبريت بكسر الكاف قال ابن دريد هو الحجارة الموقد بها ولا أحسبه عربيا صحيحا وقال غيره أنه معرّب والكبريت الأحمر الياقوت أو الذهب. قوله: (ولما كانت الآية مدنية الخ) هذا ملخص ما في

стр. 475

الكشاف وهو توجيه لتعريف النار هنا وتنكيرها في تلك الآية ووقوع جملة ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ صلة وهي كما ذكره النحاة وأهل المعاني لا بدّ أن تتضمن قصة معهودة ومعلومة للمخاطب لأنّ تعريف الموصول بما في صلتة من العهد كما صرّحوا به فإنّ المنكر نزل أوّلاً فسمعوه بصفته فلما نزلت هذه بعده جاء معهوداً فعرّف وجعلت صفته صلة وقد اعترض عليه كما قاله الشريف تبعا لغيره بوجو. منها أنّ سماع هذه الآية وآية التحريم من النبيّ ﵊ وهو لا يفيدهم العلم لأنهم لا يعتقدون حقيته وردّ بأنّ إدراكهم بالسمع كاف من غير حاجة للجزم به، ومنها أنّ الصفة كالصلة لا بد من كونها معلومة الانتساب للموصوف لقولهم الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات فيعود السؤال في ناراً وقودها الخ وردّ بأنّ الصفة والصلة يجب كونها معلومين للمخاطب لا لكل سامع وما في التحريم خطاب للمؤمنين علموه بسماعهم منه ﵊، فلما سمعه الكفار أدركوا منه نارا موصوفة بتلك الجملة فجعلت صلة فيما خوطبوا به، ولما ورد أنّ النار وصفتها في الآيتين متحدة فلم اختلف لفظها أجاب بأن آية التحريم مكية عرف الكفار منها ناراً موصوفة بما ذكر فلما نزلت آية البقرة بالمدينة عرّفت إشارة إلى معرفتها أوّلأ، ورد بأن سورة التحريم مدنية بلا استثناء اتفاقا وقد صرّحوا به ثمة وأيضا قد مرّ ما يدلّ على عكسه من أنّ هذه مكية وتلك مدنية لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فيهما وأيضاً انتساب الجملة إلى المنكر إذا كان كما مرّ معلوما للمخاطبين المؤمنين بسماعهم منه ﵊ كان معهوداً فحقه أن يعرف، وأجيب بجواز كون تلك الآية في التحريم وحدها مكية وما هنا يذل على عدم الاتفاق على خلافه، وما مرّ عن علقمة لم يرتضه كما مرّ، وأجيب عن الآخر بقصد التفنن وإرادة التهويل بالتنكير والإشارة إلى الحضور في الأذهان بالتعريف، ولا يخفى بعده وعدم مطابقته لكلامه فلعله لا يشترط العلم في صفات النكرات حتى يلزم كونها معهودة ولذا قالوا وصف النكرة للتخصيص والمعرفة للتمييز فليس المنكر الموصوف معهودا باعتبار انتساب صفته إليه بخلاف المعرّف (أقول) إمّا كون سورة التحريم وجميع آياتها مدنية فجمع عليه وقد صرّحوا به في هذه الآية بخصوصها ومثله توقيفي فلا حاجة لما ذكر من الجواب، ولذا نسب بعضهم الزمخشريّ هنا إلى السهو وأمّا منشأ ما ذكر هنا من الأسئلة والأجوبة فمبنيّ على أمرين كون الصلة يجب كونها معلومة معهودة وكون الصفة كذلك وهو مما صرّحوا به، إلا أن ابن مالك لما قال في التسهيل الصلة معرّفة للموصول فلا بد من تقدّم الشعور بها على الشعور بمعناه قال أبو حيان في شرحه المشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة وذلك غير لازم لأنّ الموصول قد يراد به معهود فتكون صلتة معهودة كقوله واذ تقول للذي أنعم الله عليه وقوله: إلا أيها القلب الذي قاده الهوى أفتى لا أقرّ الله عينك من قلب وقد يراد به الجنس فتوافقه صفته كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧١] وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلتة كقوله: رأيت الذي كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر انتهى، وفي شرحه لناظر الجيش مثله وقال: قياس الصفات كلها أن تكون معلومة لأنّ الصفات لم يؤت بها ليعلم المخاطب بشيء يجهله بخلاف الأخبار، ومن هنا عرفت أن الفرق بين المعرفة والنكرة ظاهر- وأمّا الفرق بين الصفة والصلة فلم يصف من الكدر ولذا أمر قدس سرّه بعدما مرّ بالتأمّل ثم إنّ الظاهر الفرق بين كون الشيء معلوما وكونه معهودأ وأن العهد أخص من العلم لأنه علم سبق له معرفة بين المتكلم والمخاطب كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٩١] ولذا فسره الراغب في مفرداته بمراعاة الشيء حالاً بعد حال فاللازم في الصفة علم ما للمخاطب أو ما ينزل منزلته وإلا لم تكن مخصصة ولا موضحة وفي الصلة كونها معهودة أو منزلة منزلتها، وأحا كانت أحوال الآخرة لا تعلم في الدنيا بغير السماع وسماع أهل اللسان من

стр. 476

المؤمنين لما أخبر به النبيّ ﵊ عن ربه محدث عندهم في أوّل وهلة علما بذلك صح باعتباره وقوعها صفة ولكونها غير معلومة لهم بتلك الصفة قبل ذكرها نكرت فإذا ذكرت مرّة أخرى كانت معهودة عند المؤمنين وغيرهم فلا بد من سبق ذكر سواء كان باية مكية أو مدنية تكرّر نزولها أولاً، ولذا قيل كونها مكية كناية عن سبق ذكرها لكته تعسف لا وجه له وأما كونه لا يشترط العلم في صفات النكرات فخالف لما صرّح به الثقات ولا يخالفه كما توهم ما في الكشاف في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٠ ا] حيث قال فإن قلت هلا قيل قل هلمّ شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا وأيّ فرق بيته وبين المنزل. قلت المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل فأضيفت الشهداء لذلك وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنص! رة مذهبهم انتهى. وسيأتي ما يتممه ثمة. قوله: (هيئت لهم) الإعداد والعتاد إحضار الشيء قبل الحاجة إنيه وهو عدة وعتيد ومنه الاسنعداد، وقوله: والجملة استئناف الخ هذا مما أهمله الزمخشريّ، وفي شرح التفتازانيّ لا يحسن الاستئناف والحال، وعندي أنها صلة بعد صلة كما في الخبر والصفة فإن أيبت بناء على أنه لم يسطر في كتاب فليكن عطفا بترك العاطف لكن عطف وبشر على لفظ المبنيّ للمفعول عليه يقوي جانب الاستئناف (أقول) في الدرّ المصون الظاهر أنّ هذه الجملة لا محل لها لكونها مستأنفة جوابا لمن قال: لمن أعدت وقال أبو البقاء: محلها النصب على الحال من النار والعامل فيها اتقوا قيل: وفيه نظر لأنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا حاضية ٨٣ فكيف يكون حالاً والأصل في الحال التي ليست مؤكدة أن تكون منتقلة فالأولى أن يكون استئنافاً، ولا يجوز أن يكون حالاً من ضممير وقودها لأنه جامد إن كان اسما للحطب، وأن كان مصدرا خيفة الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر وهو أجنبيّ منه وقال السجستاني: أعدت للكافرين من صلة التي كقوله: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٣١] قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأنّ التي وصلت بقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ فلا يجوز أن يوصل بصلة ثانية بخلاف التي قلت ويمكن أن لا يكون غلطا لأنا لا نسلم أنّ وقودها الناس والحالة هذه صلة بل إمّا معترضة لأنّ فيها تأكيدا وأمّا حالي وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى ولا صناعة (أقول) ما قالوه من أنّ تعدد الصلة غير جائز غريب منهم فإنّ الإمام المرزوقي قال في شرح قول الهذليّ: بازيّ التي تهوي إلى كل مغرب إذا اصفرّ ليط الشمس حان انقلابها يجوز أن تتمّ الصلة عند قوله مغرب ويكون إذا اصفرّ كلاماً آخر يصلح أن يكون صلة بانفراده كان المراد بازيّ التي تفعل ذا وهو هويها إلى المغارب وتفعل ذا أيضاً وهو انقلابها بالعشيات لكنه لو عطف عليه بالواو كان أحسن وأبين ويكون هذا كقولك زيد الذي يشرب يأكل ينام يصلي وحرف العطف يحذف من أثناء الصلات إذا توالت والصفات كثيراً انتهى. يعني أنّ تعدد الصلات والصفات كثير بعاطف وبدونه لا أنه حذف حقيقيّ فأنت تراه كيف أثبت كثرته بدون اختلاف فيه وناهيك به فقول الفاضل أنه لم يسطر في كتاب سهو كان ذلك في الكتاب مسطورا، وقوله إن عطف وبشر يقوّي الاستئناف إن كان استئنافا نحويا فله وجه والا فلا لأنّ السؤال عما يتعلق بالنار فلا وجه لعطف وبشر عليه إلا بتكلف وفي كون الخبر أجنبيا تردد لبعض الفضلاء سيأتي. قوله: (وفي الآيتين دليل الخ) وقع في نسخة ما يدل بدل دليل وما قيل عليه من أنه ليس في الآية أمر يدلّ عليها من وجوه بل أمور تدلّ عليها إلا أن يقال: لم يتعلق من وجوه بالدلالة بل هو بيان لما ليس بشيء لأنّ محصلهما التحدي على وجه الجزم وهو أمر دال عليها بالطرق المذكورة وجزء الدليل يصح أن يطلق عليه أنه دليل والأمر فيه سهل، وظاهر كلامهم أنّ الدلالة المذكورة من الثانية فقط ولكل وجهة وسيظهر وجه ما اختاره المصنف، والتحدّي من قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسورة﴾ والتحريض والحث من قوله: ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم﴾ وقوله: بالتقريع الخ متعلق بقوله التحريض

стр. 477

والتقريع اللوم الشديد وقد مرّ بيان مأخذه والوعيد من قوله ة ﴿فَاتَّقُواْ﴾ الخ وكون السورة أقصر سورة مع تنكيرها لأنه أقل ما يصدق عليه، وعجزهم مع تهالكهم أدل دليل على ذلك والمهج جمع مهجة والمراد بها النفس هنا والجلاء بالكسر والمد ترك الوطن والرحلة عنه. قوله: (والثاني تضمنهما الخ) هذا من قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ النفي ما في المستقبل حالاً وقد تحقق انتفاؤه وهذا وإن كان من الآية الثانية لكن لما كان المرإد من ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ الإتيان بتلك السورة وهو إنما يتضح بقرينة الأولى نسبه إليهما وقد أعترض! عليه بان عجز طائفة مخصوصة لا يدل على عجز كل من عداهم في المستقبل فصدق الأخبار إنما يعلم بعد انقراض الأعصار كلها؟ جوابه يعلم مما ذكر. من اشتهارهم بالفصاحة وكونهم فرسان ميدان البلاغة الذين لا يمكن أن يدانيهم أحد في ذلك فإذا عجز مثلهم علم عجز غيرهم قطعاً وأمّا كونه خطاب مشافهة مختصأ بالموجودين ف! ذا انقرضوا علم صدقه فليس بشيء ولما ورد عليه أنه لا يلزم من عدم العلم بشيء عدمه دفعه بقوله فإنهم لو عارضوه إلى آخره. قوله:) سيما والطاعنون فيه الخ) الطعن هو القدح في الشيء بإسناد ما هو معيب إليه بزعمه، والذت بمعنى الدفع ويرد عليه أنه حذف لا من سيما وأتى بالواو بعدها وقد نص النحويون على عدم جوازه وأنه خطأ، وفي شرح التسهيل للدمامينيّ بعد ما ذكر أن سيّ بمعنى مثل وما زائدة أو موصولة وما بعدها أولى بالحكم وليس بمستئنى خلافا للنحاس والزجاج والفارسيّ وغيرهم من أهل العربية ووجهه أنه يخرج عما قبله من حيث أولويتة بالحكم المتقدم ويقال لا سيما بتخفيف الياء وما يوجد في كلام المصنفين من قولهم لا سيما والأمر كذا تركيب غير عربي، وقال أبو حيان: عا يوجد من كلاع! المولدين من قولهم سيما بحذف لا لا يوجد إلا في كلام من لا يحتج بكلامه وسيّ منصوب على أنه اسم لا انتهى. (أقول) هذا محصل ما ذكره في باب الاستثناء وما ذكر من الشخطئة سبقه إليه كثير من النحاة لكنه غير مسلم، أمّا حذف لا فقد حكاه الرضي وقول الدمامينيّ، إني لم أقف عليه لا يسمع مع نقل الثقة وأمّا وقوع الجملة المقترنة بواو الحال بعدء فقد قال ابن الصائغ ومن خطه نقلت أنهم منعوه وقد وجدت في كلام السخاويّ في شرح المفصل ما يقتفي جوازه. قال: إذا وقعت الجملة بعد لا سيما كقولك فلان مستحق لكذا لا سيما وقد فعل كذا فما كافة لسيّ عن الإضافة كربما يودّ والجملة في موضع الحال انتهى. وهو في غاية الظهور، وأيّ مانع من حذف لا مع القرينة الدالة عليها وقد ذكروا وقوع الحال بعدها وجوّزوا فيئ ما أن تكون كافة كما صرّح به المعترض ومع هذا كيف يكون مثله خطأ ومن هنا علمت أنّ قوله قدس سرّه في شرح قول صاحب المواقف لا سيما والهمم قاصرة قوله والهمم! اصرة جملة مؤوّلة بالظرف نظرا إلى قرب الحال من ظرف الزمان فصح وقوعه! صلة لما، وهذا من قبيل الميل إلى المعنى والإعراض عما يقتضيه اللفظ بظاهره أي لا مثل انتفائه في زمان قصورا لهمم انتهى تكلف بارتكاب ما لا يليق بالعربية ولبعض الناس هنا كلام تركه خير من ذكره. قوله: (والثالث أنه ﵊ ايخ) يعني أنه ﵊ قد علم من حاً له أنه أعقل الناس وأصدقهم لهجة فإذا بالغ في دعواه للمعارضة من غير مبالاة علم تيقنه لحقية ما عنده وهذا استدلال مبنيّ على ظاهر الحال لا برهان عقليّ حتى يقال عليه إنّ عدم شك المدعي في دعواه لا يصير دليلاً على صحة مدعاه لجواز أن يكون جزمه غير مطابق للواقع كما توهم، ونحوه ما قيل إنه إنما يدلّ على صحة نبوّته لو ثبتت عصمته عن الخطأ وهو فرع ثبوت نبوّته فإثباته به مصادرة والمصنف ﵀ تبع الإمام فيه وصاحب الكشاف لم يتعرّض له لذلك ؤشدبر، وقوله فتدحض بدال وبحاء مهملة وضاد معجمة مرفوع أو منصوب وهو إمّا مضارع دحض يدحض كسأل يسأل بصيخة المبنيّ للفاعل أو مضارع أدحض مزيده مبنيا للفاعل أو المفعول، والحجة الداحضة الزائلة يقال أدحضت فلانا في حجته فدحض وأدحضت حجته فدحضت وهو استعارة من دحض الرجل وهو زللها، ثم شاع حتى صار حقيقة فيما ذكر وقوله دل على أنّ النار مخلوقة معدة الآن كون النار والجنة موجودتين الآن مذكور في كتب الكلام مقرّر

стр. 478

والمخالف فيه المعتزلة والكلام فيه مشهور في الكلام، وليس! المراد بالدليل البرهان القطعيّ كما عرفته بل ما يتبادر من النظم بعد تحقق أنه كلام الله فإن الإعداد بمعنى التهيثة والادّخار إنما يستعمل حقيقة فيما وجد وان ورد لما سيوجد كقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٥] إلا أنه خلاف الظاهر فجعل الماضي بمعنى المستقبل الذي يخلق يوم الجزاء لتحققه (سانحة) قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ كتسميتهم أصحاب النار فيه إيماء إلى أنّ من يدخلها من المؤمنين لا يخلد فيها ولا يعذب بأشد العذاب لأن الطارئ على صاحب الدار ليس مثنه في لزوم سكناها وتلبسه بما فيها لتطفله عليها كماقيل: فكم أحديحوي مفاتيح جنته ويقرع بالتطفيل باب جهنم ففيه تبشير خفيّ وارتباط معنوقي بما بعده. قوله: (عطف على الجملة السابقة الخ) هذا من عطف القصة على القصة، وهذا كما قيل: فيا لها قصة في شرحهاطول وتحقيقه كما قال قدّس سرّه إنّ العطف قد يكون بين المفردات وما في حكمها من الجمل التي لها محل من الإعراب وقد يكون بين غيرها كما يكون بين قصتين بأن يعطف مجموع جمل متعدّدة مسوقة لمقصود على مجموع جمل أخرى مسوقة لغرض آخر فيعتبر حينئذ التناسب بين القصتين دون آحاد جملها، ونظيره في المفردات الواو المتوسطة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٣] ليست كالمتقدمة والمتأخرة إذ هي لعطف مجموع الصفتين الأخيرتين المتقابلتين على مجموع الصفتين الأوليين المتقابلتين، ولو اعتبر عطف الظاهر وحده لم يكن هناك تناسب ثم إنّ السكاكيّ لم يتعرّض في كتابه لعطف القصة على القصة أصلاً فالجامدون على كلامه تحيروا فمنهم من ذهب إلى تقدير معطوف عليه، ومنهم من أوّل الخبر بالطلب وما ذكر لا غبار عليه ولا اشتباه، وإنما الاشتباه في مثال الزمخشريّ وهو زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق لأنه من عطف جملة على جملة لا قصة على قصة فذهب الفاضل في شرح التلخيص إلى أنّ مراده أنّ القصد فيه إلى عطف مضمون جملة على مضمون أخرى بقطع النظر عن الإخبارية والإنشائية، وقال إنه خسن دتيق لكن من يشترط اتفاق الجملتين خبرا وانشاء لا يسلم صحته ولم يرتض به الشريف المرتضي وشنع عليه وقال: إنما أشار بما ذكر إلى قصتين متقابلتين فكأنه قال زيد يعاقب بالقيد والإرهاق فما أسوأ حاله وما أخسره فقد ابتلي ببلية كبرى وأحاطت به سيئاته إلى غير ذلك مما يناسبه وبشر عمرا بالعفو والإطلاق فما أحسن حاله وما أنجاه وما أربحه إلى أشياء أخر مناسبة له (أقول) تبع فيما ذكر صاحب الكشف والظاهر من كلام الزمخشرقي خلافه فمراده أن ينظر إلى مضمون الكلام ويقطع النظر عن خواص لفظه في المعطوف والمعطوف عليه ميلا مع المعنى كما قرّره النحاة في نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وهذا شيء ثالث غير التأويل لأنه في التاويل يجعل الخبر إنشاء وعكسه بضرب من التجوّز، وهذا باق على حاله وإذا جاز مثله في المفردات فهنا بالطريق الأولى وتمثيله في الكشاف ظاهر فيه، وأمّا التقدير الذي ارتكبه فيه فبعيد جدّاً ولذا قال بعض الفضلاء المتأخرين إنما ذكر المثال شاهداً على دعوى فيها غرابة فينبغي أن يراعي فيها مطابقته لمقصوده حتى لا يبقى للخصم مجال وهم فلا ينبغي حذف بعض الجمل مع أنّ ملاك الأمر كثرتها كما اعترف به فإن قلت لو جوّزنا هذا لزم صحة العطف في كل خبر وإنشاء ولا قائل به لأنّ كل كلام يجوز قطع النظر عن خصوصه قلت لو التزم هذا لا محذور فيه مع أنه قد يقال لا بد له من اقتضاء المقام وكون المتكلم بليغا يلمح خلاف مقتضى الظاهر ووقع في بعض شروح الكشاف تسمية هذا بالعطف المعنوي. قوله: (والمقصود عطف حال من آمن الخ) هذا مبين لأنّ المراد بالجملة في كلامه معناها اللغويّ وهو المجموع لا ما اصطلح عليه النحاة، والمراد بالفعل أيضا في قوله لا عطف الفعل الفعل مع فاعله فإنه يطلق كثيرا على الجملة الفعلية خصوصا إذا كان الفاعل ضميراً مستترا وأما كونه حينئذ مجازا والتأكيد بنفسه يأباه فإنما يراعي مثله في كلام البلغاء على أنه غير مسلم كما سيأتي بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١٦٤] والتثبيط المنع والتعويق، والاقتراف الاكتساب ويردي بمعنى يهلك والردي الهلاك

стр. 479

والتنشيط التحريك والتحريض وهو ناظر للترغيب كما أنّ التثبيط ناظر للترهيب، وقوله: فيعطف بالنصب لعطفه على يجب والمعطوف على هذا مجموع قوله وبشر إلى قوله فيها خالدون أو مضمونه، والمعطوف عليه من المجموع أو المضمون أيضا الظاهر أنه قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ﴾ في ريب الخ لا قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ الخ كما قاله التفتازانيّ ولا قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قيل حتى يرد عليه أنه جواب سؤال نشأ من قوله: ﴿فَاتَّقُواْ﴾ الخ والمعطوف لا يثاوكه فيه فيدفع بأنه مع قطع النظر عن السؤال والجواب ونظرا لحال المتقابلين وإنما اختير هذا للقرب ولا يخفى ما فيه وقوله من أمر أو نهي الظاهر أن يقول من إنشاء كما لا يخفى. قوله: (أو على فائقوا الخ) عطف على قوله على الجملة بإعادة الجارّ لما في حذفه من خفاء العطف، وقد ضعف هذا بوجهين الأوّل إنّ ﴿فَاتَّقُواْ﴾ جواب الشرط وهذا لا يصلح له فكيف يعطف عليه لأنه أمر بالبشارة مطلقاً لا على تقدير إن لم تفعلوا، والثاني أنه يلزمه عطف أمر مخاطب على أمر آخر وهو إنما يحسن إذا صرّح بالنداء وقد قيل إنه ممتنع وردّ بقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٩] فهو جائز حيث لا لبس كما سيأتي. قوله: (لآنهما إذا لم يأتوا بما يعارضه الخ) توجيه لهذا الوجه بما يدفع ما أورد عليه مما مرّ آنفاً وفيه إشارة إلى ما قدّمه من أن الجزاء وهو فاتقوا أقيم مقام لازمه وهو ظهر أنه معجوز التصديق به واجب فآمنوا به واتقوا العذاب المعدّ لمن كذب فالمناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه أن كلا منهما يقتضيه الكلام فهو من عطف أحد المقتضيين لشيء على الآخر، وقريب منه ما قيل من أنّ تبشير المصدقين كإنذار المنكرين مترتب على عدم معارضة الكفرة إذ حينئذ يثبت كون القرآن معجزاً ويتحقق صدق النبيّ ﷺ ويكون تصديقه سبباً للبشارة ونيل الثواب كما أنّ إنكاره كان سبباً للإنذار والعقاب، وأيضا مآل المعنى: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ واتقوا ما يغيظكم من جنس حال أعدائكم فأقيم وبشر مقامه تنبيهاً على أنه مقصود في نفسه أيضا لا لمجرّد غيظهم فقط وهذا القدر من الربط المعنويّ كاف في عطفه على الجزاء وان لم يكف في جعله جزاء ابتداء إلا أنه قيل إنّ فيه انفكاك النظم والاستدعاء وان سلم لا يدفع السؤال لأنّ " الكلام في صحة التركيب وصلاحية ما عطف لكونه جوابا كالمعطوف عليه ومجرّد ما ذكر لا يتمّ به المراد وذكر بشر وارادة واتقوا ما يغيظكم الخ لا يصح حقيقة ولا مجازاً ولا كناية وسيأتي ما فيه وما قيل من أنّ المقصود هنا العطف اللفظي الذي يحصل به التشاكل لا المعنويّ المشرك في الحكم وهو نظير ما قالوه في قولهم أنت أعلم ومالك مما لا ينبغي أن يحل بساحة التنزيل وفي كلام السفاقسيّ ما هو أغرب وأعجب، وحاصل ما ذكر من التوجيه بعد ظهور اتفاقهما في الإنشائية وعدم المانع اللفظي أنّ ما ذكر من المانع المعنوي مدفوع فإن اتقوا النار وعيد وانذار لمن أعماه الله عن ساطع نور الإعجاز وبشر الخ وعد لمن آمن به وبينهما أتمّ مناسبة بحسب المعنى إلا أنه ينبو عن الجوابية إذ لا يرتبط به لحولك إن لم تفعلوا فبشر الخ ولا يخفى انفكاكه لكن تبشير من سواهم باختصاصه بالجنة متضمن حرمان هؤلاء منها فيصير التقدير إن لم تفعلوا فاتقوا النار، ولينعم على غيرهم ويحرموا ، اتحاد الفاعل ليس بلازم وأن حسن فقد يغتفر في التابع كما في رب شاة وسخلتها وهذا معنى.، مز في التوجيه، وزادوا عليه أنه إذا نظر لمآل المعنى اتحد الفاعل وصاو تقديره اتقوا عثرة ما لعيظكم، وقوله: إنه لا يدل عليه بطريق من طرق الدلالة ممنوع فإنه يدلّ عليه التزاما فيجوز أن لكون كناية أو مجازأ وفي المعنى أنه قد كلم أنهم غير المؤمنين فكأنه قيل فإن لم يفعلوا فبشر نحرهم بالجنات ومعناه فبشر هؤلاء المعذبين بأنهم لا حظ لهم في الجنة، وهذا جواب عن الإيراد الأوّل وهو بعينه ما ذكره المصنف ﵀ هنا أوّلاً، وأمّا الثاني فقيل إنّ في كلام المصنف جوابه أيضا بأنه إنما يلزم إذا تغاير مخاطبا الأمرين صورة ومعنى وهو هنا ليس كذلك، نهما متحدان معنى فإنّ المراد بالذين آمنوا الذين عجزوا عن المعارضة فصدّقوه وآمنوا كما اضار إليه بقوله ولم يخاطبهم الخ فلما اتحدا معنى صح العطف من غير تصريح بالنداء ولا لخفى ما فيه من التكلف والتبرّع بما لا يملك لمن لا يقبل فإنّ ما ذكره ليس في كلام

стр. 480

المصنف ما يدلّ عليه بل هو صريح في خلافه ثم إنّ- وله: تغاير مخاطبا الأمرين صورة ومعنى غير صحيح فالظاهر أن يقول إذا تغايرا معنى واتحدا صورة لأنه محل الإلباس المقتضي للتصريح لالنداء والحق أن المصنف نم يتعرّض له لأنه غير لازم إذا تغايرا معنى وصورة كما في قوله يعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٩] وما نحن فيه كذلك لأنّ الأوّلط جمع والثاني مفرد وسيأتي تصريحهم بجوازه واختار صاحب الإيضاح عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة أعدت وقيل إنه معطوف على قل مقدرأ قبل يأيها الناس، وأورد عليه أن قوله مما نزلنا على عبدنا لا يصلح مقولاً للنبيّ ﷺ إلا بتكلف وقد تكلف له بأنه أجرى على طريقة كلام العظماء أو التقدير قل قال الله الخ، وقيل يقدر قل قبل: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ ، ثم إنه لل إنّ الأنسب في توجيه العطف على فاتقوا أن يقال إنّ جزاء الشرط المذكور في الحقيقة فامنوا على المختار فأقيم اتقوا مقامه لنكتة فالمعنى إن لهأ تأتوا بسورة فآمنوا وبشر يا محمد الذين آمنوا منهم بالجنة أي فليوجد منهم الإيمان ومنك البشرى، فالذين آمنوا وضع موضع الضمير أي وبشرهم بالجنة إن آمنوا وفيه حث لهم على الإيمان وبجوز أن يكون على نحو قول القائل يا زيد إن تعرف صفة الكتابة فاكتب لي هذا الكتاب وأعط أجر كتابته على أن يكون المراد وأعط يا عبدي الخ وهو بمراحل مما قالوه، وما ذكره آخرا مما يقتضي منه العجب ولولا أن يظن في السواد رجال ضربت عنه صفحا. قوله: (وإنما أمر الرسول ﵊ الخ) الخطاب في أصل وضعه يكون لمعين فعلى هذا هو الرسول وهو الأصل المتبادر ولذا ندموه، وقد يترك الخطاب لمعين ويجعل لكل من يقف على الحال لنكتة كالتهويل والتعظيم وغيره مما يليق بمقامه فإن كان الضمير موضوعا لجزئيّ بوضمع كليّ كما ارتضاه المحققون فهو مجاز والأفقي كونه حقيقة أو مجازاً كلام ليس هذا محله وعلى العموم فهو كل من يقوم مقامه من العلماء أو كل من يقدر عليه من أمته، ويوافقه قراءة بشر مجهولاً ولما خاطب الكفار بالإنذار بقوله: ﴿وَاتَّقُواْ﴾ ولم يخاطب المؤمنين بالبشارة وجه بأنه لتفخيم شأنهم فإنّ من حدث له ما يسرّه قد ينادي لإعلامه وقد يرسل إليه الخبر والثاني فيه تعظيم له كما لا يخفى ومن قال إنه لتغيير الأسلوب لم يأت بشيء، وأمّا كونهم أحقاء بالبشارة فالظاهر أنه على التعميم وبحتمل تخصيصه لأنّ من بشره مثل البشير النذير حقيق بذلك لأنه لا يبثر مر، لا يستحق لا سيما والآمر له رت الأرباب ويحتمل أنه أنذرهم لعدم قبولهم ذلك من الرسول ﷺ والمؤمنين بخلاف غيرهم من المصدقين المذعنين للحق ثم إنّ النكات لا تتزاحم كما قيل فاقسم لكل محل ما يليق به فإنّ للزند حليا ليس للعنق فقد يكون الخطاب تعظيماً كتخصيص الرئيس بعض جلساته بالخطاب وقد يكون تحقيراً ولذا عد خطاب الملوك من ترك الأدب فلا وجه لما قيل من أنّ الله إذا خاطبهم بالبشارة كان التعظيم فيه أقو! والإيذان بأنهم أحقاء بأن يبثروا أظهر، والمصنف ﵀ غير عبارة الكشاف فوقع فيما وقع. قوله: (وإ-لذاناً بأنهم أحقاء الخ) الإيذان الإعلام والأحقاء بالمدّ جمع حقيق بمعنى قويّ الاستحقاق وجدير به ويهنؤوا مضارع مجهول من هنأه بكذا والمراد به هنا البشارة أيضاً وهي في العرف قول دالّ على أن ما سرّه قد سرّه كالتهنئة بالأعياد والأولاد كما في قول المتنبي: إنما التهنئات لد فاء وقوله: فيكون استئنافاً عينه لأنه لا يصح غيره أو لا يظهر كالحالية وهو استئناف نحويّ وقيل بيانيّ بتقدير سؤالين أي لمن أعذت وما أعدّ لغيرهم وهو تكلف لا حاجة إليه وأمّ كون الواو استئنافية في هذا أو فيما قبله فلا وجه له وقيل: توجيه العطف أن يجعل وبشر الذين الخ بمعنى أعدت الجنة للمؤمنين، والأولى أنه خبر بمعنى الأمر لتتوافق القراءتان ولا حاجة داعية لما ادّعاه. فإ اط قلت الإيذان بكونهم أحقاء بما ذكر إنما حصل بتوصيف المبشرين بالإيمان والعمل الصالح والجطاب بالبشارة لا ينافي ذلك التوصيف قلت: أمر الرسول غتي! ببشارة من اتصف بما ذكر يدل على تحقق تلك الصفة فيهم وكونهم أحقاء بذلك حينئذ أظهر. قوله: (والبشارة الخبر الساز الخ) هذا هو الصحيح وقيل: إنها في اللغة مطلق الخبر لكنها غلبت في الخبر

стр. 481

وقال الراغب: البشرة ظاهر الجلود والأدمة باطنه وفي كلام ابن قتيبة عكسه وتبعه بعض اللغويين وبشرته أخبرته بسارّ بسط وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر فينبسط الوجه وغضونه ولذا سمى الناس السرور بسطاً وقالوا في أمثالهم البسط صدف، وورد في الحديث فاطمة سني يبسطني ما يبسطها فليست بعامية كما يتوهم. قوله:) ولذلك قال الفقهاء الخ) قيل: عليه أنه غير عبارة الكشاف وهي البشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ولم يصب فيه لأن كون المخبر به غافلا عما أخبر به معتبر في مفهومها وهو يفهم من بارته دون عبارة المصنف فإنّ الخبر النافع يوصف بأنه سارّ سواء أحدث في المخاطب السرور او لم يحدث ثم إنه يعتبر في مفهومها قيد آخر أهمله الزمخشريّ وتبعه المصنف وهو كون الخبر صادقا فالبشارة هي الخبر الصدق السارّ الذي ليس عند المخبر علم به وفي شرح تلخيص الجامع أمّا الصدق فلأنّ البشارة اسم لخبر يفيد تغيير بثرة الوجه للفرح وهو لا يحصل إلا لالصادق وإن حصل فلا يتمّ بدونه، وأمّا اشتراط جهل المخبر به فلأنّ تغير بشرة الوجه للفرح لا يحصل بما علمه قبله لمشاهدة ونحوها وفي فتح القدير نحو مما ذكره المعترض وفيه أنه أ، رد على اشتراط الصدق في البشارة أنّ تغير البشرة كما يحصل بالأخبار السارة صدقا كذلك وحصل بها كذبا وقد أجيب عنه بما ليس بمفيد والوجه فيه نقل اللغة والعرف انتهى (أقول الا مرق بين كلام المصنف والزمخشريّ وكل منهما يدلّ على عدم علمه بما أخبر به التزاماً لأنّ اا! اقل لا يطلب الإخبار بما علمه وتحققه وليس المحل محل فائدة الخبر وأما الصدق فإنما لم / حعزضوا له هنا لأنه مشترك بين البشارة والإخبار والكلام في تقرير ما يفرق بينهما، وأمّا الصمدق هـ مد قال الجنازيّ في أصوله أنه من الباء فإنها في أصل وضعها للإلصاق ولا يلتصق الخبر، المخبر به ما لم يكن صادقا فلو ذكر بدونها شمل الصادق والكاذب فإن كل خبر فيه احتمال الصدق والكذرب، وما ذكره المصنف رحمه بعينه في الهداية وأحكام الجصاص على أنهم لما عللوا عتق الأوّل بتغير البشرة بكلامه علم منه أنه لم يسبق له عدم به على أنّ استيفاء جميع ااتيود ليس بلازم لغير الفقهاء فلا يضرّ إهمال بعض منها حوالة على محله وأهله. قوله:) فرادى (فيه إشارة إلى أنهم لو أخبروه جميعاً معاً عتقوا كلهم، وفرادى جمع فرد على خلاف ا) نياس، وقيل: كأنه جمع ة ردان وفردى مثل سكارى في جمع سكران وسكرى والأنثى فردة،! ردى كما في المصباح. وقوله: ولو قال من أخبرني الخ هذا ما عليه أكثر الفقهاء. وخالفهم الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال: لو قال من أخبرني عتق الأوّل فإنّ المراد بالإخبار البشارة كما يشهد به العرف، والجمهور استدلوا بأنّ النبيّ ﷺ قال: " من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أمّ عبد " فابتدر أبو بكر وعمر ﵄ ليخبراه بذلك فسبق أبو بكر ﵁ وكاًن سباقا إلى كل خير فأخبره بذلك ثم أخبره عمر ﵁ فكان ﵁ يقول بشرني أبو بكر وأخبرتي عمر فدلّ على الفرق بينهما لغة وعرفا. قوله: (وأمّا قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٢١] الخ) أي هو من استعمال ما وضع للخبر السارّ في الخبر المورث للألم والحزن إن لم نقل بأنه موضوع لمطلق الخبر كما مرّ، وهو على الوجه الأوّل في كلام المصنف ﵀ استعير فيه أحد الضدين وهو التبشير للآخر وهو الوعيد والإنذار والعذاب الأليم قرينة لها، وعلى الثاني وفيه تسكب العبرات هو نوع من خلاف مقتضى الظاهر يقال له التنويع وهو ادّعاء أن للمسمى نوعين متعارفا وغير متعارف على طريق التخييل ويجري في مواطن شتى منها التشبيه كقوله: نحن قوم ملحن في زيّ ناس فوق طيرلهاشخوص الجمال ومنها أت ينزل ما يقع في موقع شيء بدلاً عنه منزلته بلا تشبيه ولا استعارة كما في الاسنثناء المنقطع وما يضاهيه سواء كان بطريق الحمل كما في قوله: تحية بينهم ضرب وجيع أو بدونه كما في قوله: فأعتبوا بالصيلم وحيث أطلق التنويع فالمراد به هذا وقد جعلوا مثاله أساساً وقاعدة له، وليس هذا من المجاز لذكر طرفيه مراداً بهما حقيقتهما ولا تشبيهاً لأنّ التشبيه يعكس معناه ويفسده ومنه يعلم أنه لا يصح فيه الاستعارة

стр. 482

أيضاً لابتنائها على التشبيه وقد صرّح به الشيخ في دلائل الإعجاز فقال: اعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: لعاب الأفاعي القاتلات لعابه سبيل قولهم عتابه السيف وذلك لأنّ المعنى في بيت أبي تمام أنك تشبه شئا بشيء لجامع بينهما في وصف وليس المعنى في عتابه السيف على أنك تشبه عتابه بالسيف ولك أن تزعم أنه يجعل السيف بدلاً من العتاب ألا ترى أنه يضح أن تقول مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي ولا يصح أن تقول عتابه كالسيف اللهمّ إلا أن يخرج إلى باب آخر ليس غرضهم بهذا الكلام فتزيد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما ثم إنك إذا قلت السيف عتابه خرجت به إلى معنى حادث وهو أن تزعم أنّ عتابه قد بلغ في إيلامه وشدة تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف انتهى. وقد بسطناه في محل آخر وليس الشيخ أبا عذرته فإنه مصرّج به في باب الاستثناء من كتاب سيبويه وغيره وقد نبه عليه السكاكي أيضا في قسم الاستدلال وفصله العلامة الزمخشرقي لي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعرأء، الآية: ٨٨] كما سيأتي إن شاء الله تعالى ثمة. وإنما حققناه هنا لأنّ كثيراً من المصنفين لما لم يعرفوه اضطرب فيه كلامهم فتارة تراهم يجعلونه تشبيها وتارة استعارة حتى أنّ بعض م رباب الحواشي اعترض هنا على المصنف ﵀ في عطفه بأو وقال إنّ الراغب جعلهما شيئا واحدا والمصنف غير كلامه فأخطأ فيه فكان كما قيل: إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر وممن لم يقف على مراده من قال الفرق بين الوجهين في كلام المصنف إنّ الثاني لا تهكم فيه وخبط بعضهم في الفرق بينهما خبط عشواء فلا فائدة في ذكر كلامه. قوله: (تحية بينهم ضرب وجيع) هو من قصيدة طويلة لعمرو بن معد يكرب ذكرت بتمامها في المعلقات وأوّلها: أمن ريحانة الداعي السميع تؤرّتني وأصحابي هجوع وسوق كتيبة دلفت لأخرى كان زهاءها رأس صليع وخيل قددلفت لهابخيل تحية بينهم ضرب وجيع ومنها: إذالم تستطع شيئافدعه وجاوزه إلى ما تستطيم وصله بالزماع فكل أمر سمالك أو سموت له ولوع الخ. والخيل معروفة ولا واحد لها من لفظها والجمع خيول وتطلق على البراذين والعراب، ويتجوّز بها عن الفرسان كثيراً وفي الحديث: " يا خيل الله اركبي " وسميت خيلا لاختيالها، والمراد هنا المعنى المجازي ودلفت بمعنى دنوت وقت مقابلتهم للحرب من دلف إذا أنصب فهو بمعنى شنت الغارة والتحية ما يحيي له أحد المتلاقيين الأخر كالسلام ونحوه، وجعل الضرب هنا تحية لما عرفته، وأضافه للبين توسعا أي ما يقع بينهم من التحية ويحتمل أن يكون البين بمعنى الفراق بجعل الضرب بمنزلة سلام الوداع بينهم وهو حسن. قوله: (من الصفات الغالبة الخ) الصالحة في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح الشيء صلوحا وصلاحا خلاف فسد ثم غلب على ما ذكره المصنف ﵀ فأجروه مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريه على الموصوف وغيره من أحكام أسماء الأجناس الجامدة كما في البيت المذكور والحطيثة بالحاء والطاء المهملتين مصغر وفي آخره همزة، واسمه جرول بن أوس بن حرملة بن مخزوم بن مالك الغطفاني والحطيئة من حطأته إذا لطمته لقب به لقصره وحقارة منظره، وقيل لأنّ رجله كانت محطوة أي لا أخص له وقيل غير ذلك وكان أدرك خلافة عمر ﵁ ولم يسلم وبنو لأم طائفة من قبيلة طمئ والبيت المذكور من شعر له وهو: كيف الهجاءوماتنفك صالحة مض آل لاًم بظهرالغيب! أتيني جادت لهم مضر العليا بمجدهم وأحرزو! مجدهم حينا إلى حين أحمت رماج بني سعد لقومهم مص إعي ا! حمر وا! ط ن والمجن

стр. 483

بكل أجرد كالسرحان مطرد ولثطبة كعقاب الدجن ترديني مستحقبات زواياها جحافلها حتى رأوهن من دون الأطايين والمراد بالصالحة العطية الحسنة وتأتيني خبر تنفك وبظهر الغيب متعلق به أي ملتبسة بظهر الغيب والظهر مقحم مبالغة أو هو استعارة بمعنى خلف الغيب وفيه مبالغة أيضا، وسبب هذا الشعر أن زيد الخيل الطائي أسره فأطلقه منه أوس بن حارثة بن لام الطائي فبعد ما من عليه دعاه بعضهم إلى هجاء أوس ورغبه فيه فأبى وتاله وهذا هو الأصح المذكور في شرح ديوانه وفي كامل ابن الأثير أنّ النعمان دعا بحلة من حلل الملوك وقال للوفود وفيهم أوس احضروا في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم وإن كنت المراد فسأطلب، فلما أتوا النعمان لم ير أوسا فطلبه وقال: احضرآمناً مما خفت فحضر وخلعها عليه فحسده بعض قومه فقال للحطيئة اهجه ولك ثلثمائة من الإبل فقال. قوله:) وهي من الآعمال ما سوّكه الشرع الخ (التسويغ تفعيل من ساغ الشيء إذا سهل دخوله في الحلق قال تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٧ ا] ثم تجوّز به عن الإباحة وعدى بالتضعيف فيقال سوّغته أي أبحته لما في الإباحة من التسهيل وشاع حتى صار حقيقة فيه، ولذا قيل لو اكتفى المصنف بقوله ما حسنه الخ كفى إذ لا تحسين بدون التسويغ فلا يدخل فيه المباح، ولذا قال شراح الكشاف هي ما يصلح لترتب الثواب لكنه ذكره للتوضيح لأنه كالجنس وما بعده كالفصل وعدل عن قول الزمخشريّ الصالحات كل ما اسنقام من الأعمال بدليل اا! قل والكتاب والسنة لابتنائه على الاعتزال في الحسن والقبح العقليين كما لا يخفى ولذا خصه نجالشرع وقوله: وتأنيثها الخ الخصلة والخلة بفتح الخاء فيهما بمعنى الفعلة الواحدة إلا أنها غلبا فيما يحمد والعطف بأو وان كانا مترادفين لجواز التأوبل بكل منهما وارداته إذ التاء فيه ليست للنقل إلى الاسمية لأنه قد يوصف به والمراد أنه نقل من تركيب جرى فيه على خصلة أو خلة. قوله: (واللام فيها للجنس) زاد في الكشاف أنها إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وان يراد بعضه لا إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن، زانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه والمصنف ﵀ لم يتعرّض لهذا التفصيل ولم يذكر أحد وجه تركه له، وهو يحتمل أنه لقصد الاختصار فقط ومخالفتة له، كما وقع في بعض الحواشي وسيقرع سمعك عن لريب فاللام هنا للجنس لأنه أصل معناها الوضعي إذا لم يكن عهد والاستغراق إنما يفهم من المقام بمعونة القرائن، ثم إنه إذا فهم منه وأريد فهل بين استغراق المفرد والجمع فرق أم لا فإن فيل اسنغراق الجمع يتناول كل جماعة جماعة قلنا إنّ استغراق المفرد أشمل وان قيل بتناوله واحاده تساويا في الإثبات والفرق ب! هما في النفي ظاهر على ما قصل في شرحي التلخيص والمفتاح ولصاحب الكشاف فيه كلام يحتاج لشدة التأمّل وسيأتي إن شاء الله تحقيقه في آخر سورة البقرة، فإن قلت إذا كان الجمع المعرّف باللام يصلح لأن يراد به الجنس كله وأن يراد رهضه إلا إلى الواحد فما المراد بالصالحات حينئذ إذ لا يجوز أن يراد به جنس الجمع مطلقاً رإلا لكفي الأقل من الاثنين أو الثلاثة ولا أن يراد الجنس كله إذ لا يتأتى أن يأتي به كل واحد،) ن قصد التوزيع عاد المحذور وهو أنه يكفي من كل واحد أعمال ثلاثة قبل أقل منها على القسام الآحاد على الآحاد. قلت ليس المراد الأقل ولا الكل على ما ذكر بل ما بينهما أعني حميع ما يجب على كل مكلف بالنظر إلى حاله فيختلف باختلاف أحوال المكلفين من الغنى والفقر والإقامة والسفر والصحة والمرض فمعنى قوله: عملوا الصمالحات أنّ كل واحد عمل ما يجب عليه على حسب حاله وفيه شائبة توزيع كما قرّره الشريف في شرحه، وحاصله أنه الاستغراق بأن يعمل كل ما يجب عليه منها إن وجب قليلاً كان أو كثيراً فدخل فيه من أسلم، مات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد، ومثله ليس توزبعاً بالمعنى المشهور وهو

стр. 484

الفسام الآحاد على الآحاد كركب القوم خيولهم فإنه يطلق أيضاً على مف بلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد كما في المثال المذكور أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] وسماه قدّس سرّه شائبة التوزيع فمن اعترض على صوله إن فصد التوزيع عاد المحذور بأنه توزيع بالمعنى الثاني بغير محذور فقد غفل عن مراده أو تغافل فإذا عرنت هذا فما في الكشاف هنا مخالف لما تقرّر في الأصول وما بني عليه من الفروع من أنّ أل الجنسية إذا دخلت على الجمع تسلبه معنى الجمعية بدليل مسألة لا أتزوّج النساء ولا أشتري العبيد لاستلزامها عدم الفرق بين المفرد والجمع المحلى باللام وقد فرق بينهما، فإن قيل لهم لا فائدة حينئذ في الجمعية التزموه أو قالوا جمع أوّلاً ثم أدخل عليه أل مع أنها تسلب المفرد الإفراد أيضا فالظاهر أنّ المصنف رحمه ألله إنما ترك ما في الكشاف لمخالفته بحسب الظاهر لما تقرّر في الأصول والاستعمال. قوله: (وعطف العمل على الإيمان مرقباً) بصيغة اسم الفاعل، والحكم هو البشارة على ظاهر كلام المصنف وهي وإن تقدمت لكن تعليق الحكم على المشتق وما في معنا. يشعر بأن مبدأه علة وسبب له فهي متقدّمة بالذت كما مرّ مرارا، أو كون الجنة المبشر بها لهم، وقوله: إشعار بالنصب على أنه علة للعطف أي عطفه للإعلام بما ذكر وفي تفسير السمرقنديّ هذه الآية حجة على من جعل جميع الطاعات إيمانا حيث أثبت الإيمان بدون الأعمال الصالحة لعطفها عليه. فإن قيل: إنكم تقولون إن المؤمنين يجوز دخولهم الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى جعل الجنة معدة بشرط الإيمان والأعمال الصالحة فيكون ما قلتم خلاف النص وهو سؤال المعتزلة، قيل البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ونحن لا نجعل لأصحاب الكبائر البشارة المطلقة بل نثبت بشارتهم مقيدة بمشيئة الله تعالى وجاز أن يكون العمل ائصالح عمل القلب الإخلاص في الإيمان فلا تبقى حجة على خروج الأعمال وهذا معنى قول المصنف السبب في استحقاق هذه البشارة الخ ولم يرد أنّ الإيمان المجرّد لا ينجي ولا أنّ الأعمال توجب الثواب بل إنّ الجمع بينهما مقتض لتفضل الله بمقتضى كرمه وتركه لخلافه كما عليه أهل السنة، وقوله عبارة عن التحقيق هو مصدر حققه إذا صدّقه كما في القاموس فعطف التصديق عليه تفسيري، وأقرار المتمكن شرط كما مرّ فلا مناناة بينه وبين ما مرّ في تفسير قوله يؤمنون بالغيب كما توهم. قوله: (ولذلك قلما ذكرا منقردين الخ (أي لكونهما كالأسق والبناء لا لكونه لا غناء الخ لأنّ الظاهر حينئذ أن يقول ذكر بالإفرإد وهو ظاهر لأنّ العمل لا يعتد به بلا إيمان والأس لا يناسب انفراده والغناء بفتح الغين المعجمة والمد النفع والفائدة وهذا مصراع وقع موزونا اتفاقا، وقد قيل: على هذا أنّ الإيمان موجب للنجاة من العذاب المخلد البتة فإن أراد أنه لا ينجي مطلقا فممنوع مع أنّ جنس العمل الصالح كذلك وإن أراد مقيداً بقيد فكذلك وجوابه ظاهر لمن تدبر. قوله: (وفيه دليل على أنه خارجة الخ) قيل: إن أراد خروجه عن مسمى الإيمان المنجي في الشرع فممنوع وان أراد خروجه عن الإيمان اللغويّ فقليل الجدوى وليس النزاع فيه مع أنّ الظاهر حمله على المعنى الشرقي ما لم يصرف عسه صارف، وهذا ذهول عما مرّ، ثم إنه أفي صارف أقوى من العطف المقتضي للمغايرة إذ لا، جه لعطف الشيء على نفسه ولا الجزء على كله ومثله- كاف فلا يرد عليه شيء مما في بعض الحواشي، وفي قوله الأصل إشارة إلى أنه قد يقع العطف على خلاف الأصل لنكتة كما في عطف جبريل على الملائكة وهو أشهر من أن يذكر، وأصل أنّ لهم بأن لهم لتعدي البشارة لاً لباء فحذفت لاطراد حذف الجارّ مع أنّ وأن بغير عوض! لطولهما بالصلة ومع غيرهما فيه اختلاف بين البصريين والكوفيين مشهور، وفي محله بعد الحذف قولان فقيل: نصب بنزع الخافض كما هو المعروف بأمثاله وقيل: جرّ لأنّ الجار بعد الحذف قد يبقى أثره نحو الله لأفعلن بالجرّ مع مدّ الهمزة وقصرها كما بينه النحاة لكته هنا مقصور. قوله: (وهو مصدر جنه إذا ستره الخ) الجن بفتح الجيم وتشديد النون، ومداره بمعنى لا ينفك عنه، وتوصيف الشجر بأنه مظل لإظهاره معنى الستر فيه

стр. 485

والالتفاف اتصال بعضها ببعض كأنها تلف. وقوله: للمبالغة تعليل للتسمية بالمرّة دون المصدر والصفة ومنه الجن لمقابل الإنس لاستتارهم عن العيون وكذا الجنون لستره العقل والمجن للترس وغيره. قوله: (كأق عينئ الخ) هو من قصيدة طويلة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها ممدوحه هرم بن سنان المشهور وأولها: إنّ الخليط أجد البين فافترقا وعلق القلب من أسماء ما علقا وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا ومنها: كأنّ عينيّ في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا ومنها: إن تلق يوما على علاته هرما تلق السماحة منه والندى خلقا وليس مانع ذي قربى ولا رحم يوماً ولا معدما من خابط ورقا الخ. وهو شاهد لإطلاقه على الشجر بدون الأرض وقد يطلق عليهما وقال الراغب: الجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض وقد تسمى الأشجار الساترة جنة وعليه حمل تول زهير وفي الكشاف الجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه قال زهير: الخ وعينيّ فيه تثنية عين بمعنى الجارحة والغرب الدلو الكبير، والمقتلة بصيغة المفعول من تفعيل القتل بمعنى الناقة التي كثر استعمالها حتى سهل انقيادها والنواضح جمع ناضح وهو البعير الذي يستقى عليه ويستعمل في إخراح الماء من الآبار والسحق بضمتين جمع سحوق وهي النخلة الطويلة المرتفعة جداً وخصها لاحتياجها لكثرة الماء فهي أوقع وأبلغ هنا فقول بعض الأدباء إنه حشو الأجل القافية لا فائدة فيه لا وجه له، وقال شرّاح الكشاف أنه بالغ في تذراف الدموع فاختار الغرب وهي الدلو العظيمة وثناها تنبيها على دوام الانسكاب بتعاقبهما في المجيء والذهاب إذ لا تزاق تصب واحدة وترسل أخرى وذكر المقتلة لأنها تخرج الدلو ملأى ووصفها بأنها من النواضح المتمرّنة على هذا العمل وأورد الجنة الدالة على الكثرة والالتفاف والنخل المفتقرة لكثرة السقي لا سيما السحق منها، والمعنى كما في شرح الديوان أنه يقول لما يئست منهم لم أملك دموعي فكأنها من كثرتها تسيل من دلوي ناقة مذللة للعمل لا تريق شيئاً مما في الدلو بل تخرجها تامّة مملوءة، وقال قدس سرّه كان الظاهر أن يقول كأنّ عينيّ غربا مقتله لكنه أتى بكلمة في كأنه يدعي أن ما ينصب من الغربين منصب من عينيه ولم يزد على هذا فكأنه تجريد كما في قولهم في الله كاف، وبه صرّح الطيبيّ ولا يخفى أن التجريد لا يصرّح فيه بأداة التشبيه لأنه من التشبيه البليغ عندهم والتصريح بالتشبيه فيه لا نظير له، ومن الخيالات ما قيل هنا من أنّ المراد بالنخل الطوال خيالات قامات الأحبة فكأن عينيه تسقي تلك الخيالات فتأمل وتحمل. قوله: (ثم البستان لما فيه الخ) معطوف على قوله الشجر والبستان يطلق على الأرض التي فيها الأشجار وعلى الأشجار وحدها وورد في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة كما ذكره الجواليقيّ في كتاب العرب، وقد عرّبته العرب قديما واستعملته بهذين المعنيين وأصله بالفارسية بوي ستان وبوي الرائحة الطيبة وستان بمعنى المكان والناحية فخفف بحذف الياء والواو وخص بأرض الأشجار التي تعطر بروض النسيم وطيب الأزهار ثم عرّب ونقل بهذا المعنى ثم توسعوا فيه فاطلقوه على الأشجار نفسها وقول بعض المتأخرين أنه من اللغات المشتركة فإنه في العربية أرض ذات حائط فيها أشجار وفي الفارسية مركب من كلمتين ومعناه التركيبي ناحية الرائحة وقد وهم فيه صاحب القاموس حيث قال: إنه معرب بوسنان انتهى. وهم من ابن أخت خالته ظاهر لمن عنده أدنى شبهة من الإنصاف، وليس الحاصل عليه إلا محبة الخلاف، ومثل البستان في معنييه الجنة فتطلق على الأرض بأشجارها وعلى الأشجار وحدها كما ذكره المصنف ﵀ وعدل عن قول الزمخشريّ الجنة البستان من النخل والشجر لما فيه من الإيهام والاقتصار على أحد معنييه لا لما قيل من أنه قصد الردّ عليه حيث استشهد بالبيت على تسمية البستان بالجنة، وأعجب منه متابعة الشرّاح له انتهى. وقال قدس سرّه: أطلق الشاعر الجنة على النخيل ولا ينافيه قول الزمخشريّ الجنة البستان الخ إذ لا يعلم منه أنها نفس الأشجار أو الأرض التي

стр. 486

فيها أو مجموعهما وفيه ونظر لأنه بين البستان بقوله من النخل والشجر يعني ما أريد به من أحد معنييه فإن قيل من اتصالية لا بيانية فارتكاب لما هو في عاية البعد من غير احتياح إليه، وقوله لما فيه الخ بيان للمناسبة في إطلاقه أو للعلاقة فإن كان اسماً للأرض فقط فمن إطلاق الحالّ على المحل وإن كان للمجموع فمن إطلاق الجزء على الكل وفيه محتمل لهما، والمتكاثفة بمعنى المتلاصقة الملتفة لكثرتها مستعار من الكثافة المقابلة المطاقة والرقة يقال ماء كثيف وشجر كثيف كما قال أمية: وتحت كثيف الماءفي باطن الثرى ملائكة تنحط فيه وتصعد قوله: (ثم دار الثواب لما فيها الخ) دار الثواب هي الدار الآخرة، وهي في مقابلة الدنيا التي هي دار التكليف، والنار التي هي دار العقاب وهو منقول إليها لأنه حقيقة شرعية وهو المتبادر منها حيث ذكرت وبين المناسبة بيته وبين المنقول عنه بوجهين، والجنان بالكسر جمع حمنة بمعنى أرض ذات أشجار وحدائق أو أشجار أو لما فيها من النعيم الذي لا عين نظرت ولا ادن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما هو مغيب ومستور عنا الآن، فلذا سميت جنة لاستتار ما فيها وإن كانت موجودة الآن وافنان يكون جمع فنن بمعنى غصن وجمع فن بمعنى ضرب، نرع هذا هو المراد هنا، والغالب فيه جمعه على فنون والجنة من الأسماء الغالبة على الدار الاخرة إلا أنّ غلبتها لم تصل إلى حدّ العلمية لأنها تعرّف وتنكر وتجمع وتوصف بها أسماء الإشارة في نحو تلك الجنة، وإنما جمعت بهذا المعنى لأنها كما تطلق على المجموع تطلق على أماكن منها وعلى القدر المشترك بينهما ولولاه لم تصح الجمعية هنا والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله وجمعها الخ وأيده بالنقل عن سيد المفسرين ابن عباس رضي الله عحهما ففيها جنان على مراتب متفاوتة بحسب استحقاق أصحابها وتفاوت رتبهم في الشرف لالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو ظاهر والعمال جمع عامل والمراد به من عمل الصالحات خيرة خلقه وفيما نقله عن ابن عباس ﵄ من أنها سبع إشارة إلى وجه اختيار جنات مإنه جمع قله على الصحيح كما مرّ على جنان كما قيل: وما نقله عن ابن عباس رضي الله مهما أنكره السيوطيّ ﵀ وقال إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث قيل: وفي قوله ا! نان الخ إشارة إلى أنّ تنكير جنات للتنويع، ويحتمل أن يكون للتعظيم أي جنات لا يكتنه، صفها. قوله: (واللام تدلّ على استحقاقهم الخ) يعني أنها لام استحقاق والله تعالى لا يجب مليه شيء فهو جار على عوائد إحسانه وفضله في الإثابة بوعده الذي لا يخلفه، وقوله: لا لذاته ليس لبيان معنى اللام الموضوعة لمطلق الاستحقاق بل لبيان أنه مراد منه أحد فرديه في الضمير المضاف إليه ذأت راجع لما وهو ردّ لما في الكشاف من إشارته لمذهب المعتزلة القائلين بأنّ الثواب مستحق لذات الإيمان والعمل على ما تقرّر في الأصول وقد مرّ قول المصنف ﵀ في تفسير قوله لعلكم تتقون أنّ العبد لا يستحق بعبادته ثوابا وهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل. قوله: (ولا على الإطلاق بل بشرط أن يستمرّ الخ) فيه تسامح والمراد أنه يموت على الإيمان لأن تخلل الردّة لا يمنع دخول الجنة وهو مما اتفق عليه الماتريدية والأشاعرة فإنّ حصول المراتب الأخروية مشروط بالموت على الإيمان بلا خلاف وقيل: إنما الخلاف في التصديق والإقرار إذا وجد من العبد هل يصح أن يقول أنا مؤمن حقا ولا يقول أنا مؤمن إن شاء الله كما هو مذهب الحنفية الماتريدية لأنه إن كان للشك فهو كفر وان كان لإحالة الأمور إلى مشيئته تعالى أو للشك في العاقبة والما! لا في الحال أو للتبرّك والتبرّي من تزكية نفسه فالأولى تركه لإيهامه الشك وخلاف المراد أو ينبغي أن يقوله كما ذهب إليه الأشعرية لأنّ العبرة بالخاتمة وهذه المسألة تسمى مسألة الموافاة عندهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (أقول) روى الماتريدية استدلالاً لما قالوه حديثاً هو من قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب وهو حديث موضوع باتفاق الفحدثين كما فصله في كتاب اللألي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة وقد صح عن أبي هريرة ﵁ أنّ من تمام إيمان العبد أن يستثني أورده الجوزقانيّ وصححه وأبطل به ما خالفه وقال الاستثناء

стр. 487

في الإيمان سنة فمن قال أنا مؤمن فليقل إن شاء الله وهو ليس استثناء شك ولكن عواقب المؤمنين مغيبة عنهم ثم أورد حديث جابر رضي ألله عنه وهو أنه كان رسول الله ﷺ يكثر من قوله: " يا مقلب القلوب ثبت قلوينا على دينك " مع أحاديث أخر استدلّ بها على سنية الاستثناء وبطلان ما يخالفه وللعلامة ابن عقيل ﵀ تأليف مستقل فيه ليس هذا محلاً لاستيفاء ما فيه. قوله: ( ﴿فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الخ (هذه الآية تدلّ على أنّ الموت على الكفر محبط للعمل ولا خلاف فيه لأحد كما اتفق عليه شرّاح الكشاف هنا، وإنما الخلاف في إحباط الكبائر بدون التوبة وفي شرح الكشاف للتفتازاني قال الإمام القول بالإحباط باطل لأنّ من أتى بالإيمان والعمل الصالح استحق الثواب الدائم فإذا كفر بعده استحق العقاب الدائم ولا يجوز وجودهما جميعا ولا اندفاع أحدهما بالآخر إذ ليس زوال الباقي بطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع ولا عقاب العاصي وأجيب بمنع عدم الأولوية فإنّ الطارئ إذا وجد امتنع عدمه مع الوجود ضرورة امتناع الوجود والعدم ووجوده يستلزم عدم الباقي أعني العدم بعد الوجود وهو ليس بمحال وبأنه منقوض بانتفاء الشيء يطريان ضده كالحركة بالسكون والبياض بالسواد، وأيضاً الإحباط مما نطق به الكتاب فكيف يكوني باطلاً واعترض عليه بأنّ مراد الإمام أنّ إبطال حكم أحدهما بحكم الآخر ليس أولى من الاخر لا ابطال الذات بالذات إلا إنه إذا بطل الأصل بطل الحكم المترتب عليه ثم إن مراده أن القول بالإحباط مطلقا كما في الكشاف باطل فلا ينافي في نطق الكتاب به فيما هو مخصوص أو مؤوّل وليس هذا كله كلاما محررا فمن أراد تهذيبه وتحريره فلينظر رسالة الإحباط التي حرّرناها ثم إنّ إحباط الأعمال بالكفر مطلقا مذهب أبي حنيفة استدلالاً بقوله تعالى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أسورة المائدة، الآية: ٥] ومذهب الشافعي أنه لا يكون محبطا إلا بالموت على الكفر لقوله تعالى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ فيحمل المطلق على المقيد على أصله وفوله ولعله لم يقيد الخ أي استغنى بتلك الآيات الدالة على الإ. حباط بالشرك المقتضي لعدم استحقاق الجنة. قوله: (أي من تحت أشجارها الخ) العادة الإلهية جارية بانخفاض! مكان المياه الجارية كما قيل: فالسيل حرب للمكان العالي فإن أريد بالجنة الأشجار فذاك مع ما فيه قريب فبالجملة وإن أريد بها الأرض فلا بد من التأويل بتقدير مضاف أي من تحت أشجارها أو يعود الضمير إليها باعتبار الأشجار استخداما ونحوه وقيل: إن تحت بمعنى جانب صرّح به ابن عطية. وقال: هو كقولهم داري تحت دار فلان وضعفه بعضهم وقال ابن الصائغ ﵀: لما كانت تجري من تحت الأشجار المظللة نيل من تحتها أو أنها لما سقتها صدق أنها جرت من تحتها وقال صاحب التقريب: معنا. من تحت أشجارها أو منازلها ويحتمل أنّ منابعها من تحت الجنات وقد قال أبو البقاء: من تحت ارضها فلا وجه لمنع ابن الجوزي له، وقال أبو علي: من تحت ثمارها وهو بعيد وقال الغزنويّ من تحت أوامر أهلها كقوله وهذه الأنهار تجري من تحتي. قوله: (كما تراها جارية تحت الأشجار الخ) عدل عن قوله في الكشاف كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار إلى ما هو أظهر وإن وجه بأنه قصد تشبيه الهيئة بالهيئة فلا يضرّه تقديم بعض المفردات على بعض أو تأخيره والثاطئ مهموز الآخر كالساحل وزنا ومعنى وجمعه شواطئ ومسروق بزنة المفعول علم لمسروق بن الأجدع التابعيّ ولمسروق بن المرزبان المحدّث وما روي أثر صحيح أخرجه ابن المبارك وهناد في الزهد وابن جرير والبيهقي في البعث والأخدو كما في الصحاح شق مستطيل في الأوض. والأثر مؤيد لكون المعنى تجري من تحت أشجارها. قوله: (واللام في الآنهار للجنس الخ) اللام عبارة عن أل المعرّفة تعبيرا بالجرّ عن الكل لزيادة همزة الوصل عند الجمهور وسقوطها، وأراد بالجنس العهد الذهني المساوق للنكرة وفي الكشف أي غير منظور فيه إلى استغراق وعدمه كما هو مقتضاه مثل أهلك الناس الدينار والدرهم أي الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار، وكما تستعمل للعموم في المقام الخطابي ولا قل مما هو مقتضاه في المقام الاستدلاليّ

стр. 488

قد تستعمل من غير نظر إلى الخصوص والعموم كما في المثال وكما في هذه الآية وهو كثير أيضاً وهو ردّ على الطيبيّ ﵀ حيث قال في تقرير معنى الجنس هنا وقول الزمخشريّ أنه للحاضر في الذهن أنت تعلم أنّ الشيء لا يكون حاضراً في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم أي تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمى واللذة الكبرى وأنّ الرياض وان كانت آنق شيء لا تبهج الأنفس حتى تكون فيها الأنهار فإن أحدا لم يشترط ما ذكره في العهد الذهني كما اتفق عليه أهل المعاني والعربية وكيف يتأتى ما ذكره في نحو ادخل السوق واشتر اللحم وإنما غرّه فيه قوله الحاضر في الذهن وهو إنما قصد به بيان الفرق بينه وبين ال! كرة، وإنما نبهناك عليه لأنّ من أرباب الحواشي من لم يتنبه له فاتبعه فيه وإنما ذكره الزمخشريّ نكنة لذكرها لا توجيهاً للتعريف، وهذا هو الذي عناه الفاضل الشريف بقوله العهد التقديريّ، ولما كان الجنس يطلق في كلامهم على ما يشمل الاستغراق والحقيقة أوضحه المصنف ﵀ بقوأ ٤ كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري وما قيل: هـ! من أنه يحتمل الاستغراق على أن المعنى تجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأنّ أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار وأبرد من مياه الجنان لمن رزقه الله ذكاء الجنان. قوله: (أو للعهد والمعهود الخ) الآية المذكورة من سورة القتال وهي مدنية على الأصح وقيل إنها مكية ولهذا قال الثيخ بهاء الدين بن عقيل ﵀ هذا يتوقف على تقدم نزول آية القتال على هذه، وقد قالط عكرمة أن البقرة أوّل سورة نزلت بالمدينة، ولذا قال الفاضل التفتازانيّ إنما يصح هذا لو ثبت سبقها في الذكر ومع ذلك فلا يخفى بعد مثل هذا العهد وتبعه الفاضل الشريف قدس سرّه، وفي حواشي ابن الصائغ هذا إنما يتمشى على تقدير أن يكون فيها أنهار الآية سبقت في النزول هذه الآية وهو قول الضحاك وسعيد بن جبير في أنها مكية. وأمّا على قول مجاهد إنها مدنية فإنما يتمشى على تقدير أن يكون فيها أنهار الخ سبقت في النزول هذه الآية والآسن الذي يتغير كما سيأتي. وترك المصنف ﵀ الوجه الثالث في الكشاف وهو أنّ الألف واللام فيه عوض عن الإضافة لما فيه مما سيأتي تحقيقه. قوله: (والنهو بالفتح والسكون الخ) قد كثر مثله في فعل الذي عينه حرف حلق واختلف النحاة فيه فقيل إنه لغة لا يختص به بل يكون في غيره كنفس ونفس وذهب البغداديون إلى أنه اتباع وهو مقيس فيه وأيد بأنه سمع من بعض بني عقيل نحو في نحو ولو كان لجة قلبت الواو ألفاً فلم تقلب لعروضها وفيه كلام في خصائص ابن جني وقال الزمخشري: أن الفتح فيه أفصح وهو في الأصل بمعنى الشق فأطلق على المشقوق وهو المكان، ولذا فسره المصنف بالمجرى، والجدول أصغر الأنهار كالقناة والبحر أعظمها وقوله كالنيل والفرات هما نهران عظيمان مشهوران وهو يحتمل أن يكون تمثيلا للنهر أو للبحر ان لم نقل أنه مخصوص بالملح كما هو المشهور في الاستعمال قال الراغب: اعتبر من البحر تارة ملوحته فقيل: ماء بحر أي ملح وأبحر الماء ملح قال: وقد عاد ماء الأرض بحرا وزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للملح دون العذب، وبحر أن تغليب وقوله: والتركيب للسمعة أي أصل معنى نهر دائر على السعة يقال انتهر النهر إذا اتسع ويرد عليه النهر بمعنى الزجر فإنه لا يلاحظ فيه معنى السعة الفهم إلا أن يقال إنه زجر بليغ كما فسر به الراغب ففيه سعة معنوية. قوله: (والمراد بها ماؤها الخ) ضمير بها للأنهار المذكورة في النظم أو المفهومة من المقام والإضمار هنا تقدير المضاف كما في نحو اسأل القرية من مجاز النقص والمقدر إما مياه أو ماء كما هو ظاهر عبارة المصنف ﵀ فتأنيث تجري رعاية للمضاف إليه القائم مقامه أو رعاية للفظ الجمع لأنه مؤنث إن كان مجازاً للمجاورة أو لذكر المحل وارادة الحال، أو الإسناد مجازيّ من غير تجوّز في الظرف ولا تقدير كما في إسناد الإخراج إلى الأرض لكونها محلاَ للمخرج، وقيل ولإسناد الجري للأنهار نكتة خاصة تعرفها الخاصة وهي أنّ أنهار الجنة ليست إلا المياه! جريها من غير أخدود ولا يخفى أنه إنما يتمشى على أحد التفسيرين ولو تعين هنا لكان

стр. 489

كلامه في مجراه. قوله: (صفة ثانية لجنات الخ) ذكر فيها ثلاثة أوجه وترك رابعا سيأتي ولذا لم يذكر الحصر الذي في الكشاف وإذا كانت صفة فهي في محل نصب وحينئذ لم يعطف للإشارة إلى استفلال كل من الجملتين في الوصفية لا أنهما صفة واحدة وإذا كانت خبر مبتدأ مقدر فتقديره هما أي الذين آمنوا الخ أو هي أي الجنات وفي شرح الفاضل التفتازانيّ ولا يقدر شأنها أي هذا اللفظ بل هي أو هو بمعنى القصة أو الشأن (وههنا بحث) وهو أنّ الجملة المحذوفة امبتدأ إمّا أن تجعل صفة أو استئنافا فاعتبار الضمير لغو فليكن بدون اعتبار الحذف كذلك وردّ بأنّ الربط المعنويّ حاصل إذ الجملة عبارة عن الشأن الذي هو مبتدأ فلا فرق بين الشان وبين هي ومثله في عدم الاحتياج إلى العائد ما ذكره النحاة في قولهم مقولي زيد منطلق وفيه نظر، وسياتي ما فيه في سورة يس، وما ورد من التقدير نقله في الكشف عن بعض الشرّاح ومرضه لأنه خلاف الظاهر*، وما قيل: من أنه على الخبرية إمّا أن يقال إنه لا يجب كون الخبر محمولاً على المبتدأ أو يجب لكن يكون ذلك تحقيقاً أو تاويلا من تسويد وجه القراطيس بما لا حاجة إليه، وقيل: إنه على هذا التقدير صفة مقطوعة ولم يتنبه له شرّاح الكشاف مع جلالة قدرهم فاعترضوا عليه بأنا نعود إلى الجملة المحذوفة المبتدأ فإن جعلت صفة أو استئنافا كان تقدير الضمير مستدركا وأن جعلت ابتداء كلام كاف فليكن كذلك بلا حذف، ومنهم من تمسك في دفعه بأن تقديرهم يقوي الاستئناف وتقدير هي يقوّي الوصفية ومما يتعجب منه ما في شرح التفتازانيّ فإنه قال لا تحتاج الجملة التي هي خبر عن لفظ الشأن إلى عائد كضمير الشأن وتقديره بهي على أنه ضمير القصة لا يصح لأنه يخص بجملة العمدة فيها مؤنث فالواجب تقدير ضمير الشأن بهو انتهى ولا يخفى ما فيه لأنّ قطع النعت الذي منعوته نكرة وهو جملة خلاف الظاهر حتى منعه بعض النحاة وإن كان الأصح خلافه وكون تقدير هي مشروطاً بما ذكره مما ذكره أهل المعاني إلا أنّ الأصح خلافه كما في شرح التسهيل وسيأتي تفصيله في محله وأمّا ما قيل من أنّ المقدر ضمير الشأن لا ضمير الذين آمنوا ولا الجنات لأنّ كلما ظرف زمان لنصبه على الظرفية فلا يصح أن يكون خبراً عن جثة وتقدير المبتدأ على تقدير كونه كلاما ابتدائيا غير وصف ولا استثناف استحسانيّ مراع لجزالة المعنى وليس بلازم فوهم لأن كلما وحده ليس خبرا بل متعلق بقالوا كما سيأتي والجملة خبر. وما ذكره لا يغني شيئاً وأجاز أبو ابقاء كون هذه الجملة حالاً من الذين أو من جنات لوصفها المقرّب لها من المعرفة وهي كما قال أبو حيان حال مقدّرة لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين على الدوام والاً صل في الحال المصاحبة. قوله: (أو جملة مستأنفة كأنه الخ) قدره تبعاً للزمخشريّ سؤالاً عن فواكه الجنة فقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥] الخ زيادة في الجواب ولو قدّر ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتمّ وأزيد كان أصح وأوضح والاستئناف أرجح الوجوه عندهم كما ذكره صاحب الكشف وغيره وهذا مبنيّ على أنّ معنى من قبل من قبل في الدنيا وهو قول مجاهد وعن ابن عباس ﵄ والضحاك ومقاتل أنه في الآخرة على معنى رزق الغداة كرزق العشيّ وذهب أبو عبيدة إلى أنّ معناه يخلف الثمرة المجنية مثلها والخلد بفتحتين البال والقلب والنفس وكل منها صحيح هنا، وأزيح بزاي معجمة وحاء مهملة مجهول أزاحه إذا أزاله وفي قوله وقع الخ استعارة تبعية أو مكنية كأنه جعل ما خطر للسامع من التردّد مما يقع في الدار الدنيا من الغبار ونحوه كما يقال لما لا شبهة فيه لا غبار عليه فقوله أزيح ترشيح ومثله في اللطف قول ابن سنا الملك: كنست فؤادي من حبه ولحيته كانت المكنسة قوله: (وكلما نصب على الظرف الخ) قال النحاة إنها منصوبة على الظرفية بالاتفاق وناصبها قالوا الذي هو جواب معنى وجاءتها الظرفية من جهة ما فإنها إما مصدرية أو اسم نكرة بمعنى وقت، وكونها شرطية ليس بالوضع وإنما طرأ عليها في الاستعمال لأنّ ما المصدرية التوقيتية شرط من حيث المعنى فلذا احتاجت لجملتين مرتبة إحداهما على الأخرى ولا يجوز أن تكون ما شرطية كما فصله في المغني وشروحه

стр. 490

وأمّا إفادتها للتكرار فقد مرّ في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ ولما كان معنى الشرطية طارئا عليها لم يختلفوا في عاملها كما اختلفوا في عامل الأسماء الشرطية هل هو الجزاء أو الشرط، ورجح الرضي أنه الشرط ولم يرجحه هنا كما توهمه بعضهم وقال: فإن قيل يجب الفرق بين كلما وكلمات الشرط في الحكم بأنّ العامل في كلما الجزاء والعامل في غيرها الشرط قلنا قد فرق الرضي بينهما بأن كلما مضافة للجملة التي تليها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف بخلاف كلمات الثرط وفيه كلام ذكرناه في حواشي الرضي ليس هذا محله، ومما فصلناه لك عرفت أنّ ما قيل من أنّ كلما مركب من كل وما الشرطية فلذا صار أداة تكرار ليس بمرضيّ ورزقا مفعول ثاني لرزقوا لأنه يتعدّى لمفعولين فيقال رزقه الله مالاً بمعنى أعطاه وليس مفعولاً مطلقاً مؤكدا لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف والتأسيس خير من التاكيد وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعا لذيذاً غير ما تعرفونه، وقد جوّزوا فيه المصدرية وكونه مفعولاً مطلقاً والأوّل أرجح. قوله: (ومن الأولى والثانية للابتداء الخ الما منعوا تعلق حرفي جرّ متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد حقيقة وجوّزوا غيره مما تعلقا به وقد اختلفا لفظا ومعنى كمررت بزيد على الطريق أو اختلفا معنى لا لفظاً نحو ضربته بالعصا بسبب عصيانه، أو عكسه نحو ضربته لتأديبه بسبب سوء أخلاقه، وما في الآية بحسب الظاهر يتراء! مخالفته لذلك أشاروا إلى دفعه بأنه غير مخالف لما ذكر لأنه لا يخالفه إلا إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداء من غير تبعية وما نحن فيه ليس كذلك. وفي الكشاف هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمّان شيئا حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمّان كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أيّ ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك فمن الأولى والثانية كلناهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدى من ثمرة، وتنزيله منزلة أن تقول رزقني فلان فيقال لك من أين فتقول: من بستانه فيقال من أيّ ثمرة رزقك من بستانه فتقول من الرمّان، وتحريره أنّ رزقوا جعل مطلقاً مبتدأ من ضمير الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ضمير الجنات مبتدأ من ثمرة، وقرّره شرّاحه بأنه لما توهم أنّ حرفي الجر في منها ومن ثمرة متعلقان برزقوا وهما بمعنى ولفظ واحد، ومما تقرّر عندهم أنه لا يجوز مثله الأعلى الإبدال والتبعية ولا مجال له هنا فدفعه بوجهين وبالغ في تقرير الأوّل وصرّج بأنهما للابتداء إلا أن الأولى متعلقة بالرزق المفهوم من رزقوا مطلقا، والثانية به مقيداً بكونه من الجنات فليس مما منع في شيء لأنه اعتبر فيه الفعل أوّلاً مطلقاً ثم قيد بقيد يقتضيه سؤال ثم قيد ذلك الفعل المقيد بقيد آخر يقتضيه سؤال آخر فاتضح اتضاحا تامّاً أنّ كل واحد من الفعل المطلق والمقيد بالقيد الأوّل يصح ابتداؤه من المقيد بالقيد الذي تعلق به والثمرة على هذا للنوع فإنه لا يصح الابتداء من فرد إلا بكون بعضه مرزوقا وهو ركيك جدا، وكلا الظرفين على هذا الوجه لغو بلا اشتباه والمصنف ﵀ ذهب إلى الإطلاق والتقييد مع جعلهما حالين متداخلتين وحينئذ فمتعلقهما متعدد فلا يلزمه المحذور المذكور لما قالوه بل لشيء آخر وهو أن الشيء الواحد لا يكون له مبدآن، ولذا قال: وأصل الكلام ومعناه الخ. ولا يخفى أنه لا وجه له لأنّ المبدأ كما مرّ معناه ما يتصل به الأمر الذي اعتبر له امتداد محقق أو متوهم وللشيء اتصالات شتى كاتصاله بالمكان في نحو سرت من البصرة، والزمان في من أوّل يوم، وبالفاعل وبالكل المأخوذ منه بل للمكان المحدود المربع مثلاً ابتداء من كل حدّ من حدوده الأربعة فالابتداء في منها مكانيّ وفي من ثمرة كليّ كما في أعطني من المال وكل لي من الصبرة إذا لم ترد التبعيض ألا تراك لو قلت ما قرأت النحو من كتاب سيبوبه من المبرّد من أوّل سنة كذا صح بلا مرية فإذا لم بتحد المتعلق لا لمانع صناعيّ ولا معنويّ فارتكاب المصنف للتأويل من غير داع لا! خلو من الخلل ولذا قيل: إنه لم يقف على مراد الزمخشريّ وتوهم من تقديره السؤال أنه ظرف مستقرّ عنده، وسيأتي لنا كلام فيه وقد قيل: عليه أيضاً أن المشهور أن من الابتدائية والتبعيضية لغوان والتبيينية مستقرّة وهذا مخالف له، وفيه بحث لأن

стр. 491

ما اذعاه وإن سبق إليه غير مسلم، والظاهر خلافه فيكفي لتصحيح الابتدائية فيهما اختلاف المبدأ ثم إن قول الشريف تبعا لغيره من الشرّاح أنه لا مجال للتبعية والإبدال في الآية الكريمة فيه أنّ المعرب جوّز فيه أن يكون بدل اشتمال، ولا حاجة إلى الضمير لظهور الارتباط مع أنه مخصوص بإبدال المفردات وقال في البحر من في قوله منها الابتداء ألغاية وفي من ثمرة كذلك لأنه بدل من قوله منها أعيد معه حرف الجرّ وكلتاهما متعلق برزقوا على جهة البدل وهذا البدل من بدل الاشتمال. قوله: (كل حين وزقوا مررّوقاً الخ) إشارة إلى أنّ ما مصدربة حينية ومرزوقا إشارة إلى أنّ الرزق بمعنى المرزوق مفعول به ومبتدئاً بكسر الدال على زنة اسم الفاعل ولو فتح صح فقيد الرزق بكونه مبتدئاً من الجنات وابتداءه منها بابتدائه من ثمراتها وهو ظاهر وقوله فصاحب الحال الخ إشارة إلى أنها حال متداخلة، وقد قيل عليه أنه لا وجه لجعل الثمرة مبدأ مبدئية الرزق لا مبدأ نفسه فالوجه أن تجعل الحال مترادفة وفائدتها أنّ كون الجنات مبدأ الرزق يحتمل أن يكون باعتبار غير الثمرة مما فيها فالثانية تعين المراد إلا أنه على ما ذكره يظهر كونه قيداً للمقيد بخلافه على الترادف وفي قوله واقعتان موقع الحال مسامحة ظاهرة لأنّ الحال متعلق الجارّ والمجرور أو هما لا الحرف، والمستكن بتشديد النون اسم فاعل يقال: اكتن واستكن إذا استتروا التخفيف من السكون بعيد واعلم أنّ الظاهر أنّ جعل المتعلق الواحد في حكم المتعدد لا يختص بصورة التقييد والإطلاق بل يجري في كل ما يشبهه بحسب التأويل كما في قولهم لم أر رجلاَ أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد فإن في تعلقت بأحسن فيهما لأنّ معناه زاد حسن الكحل في عين زيد على حسنه في عين غيره فهو بحسب التأويل متعدّد وله نظائر أخر ليس هذا محلها، وإنما المراد التنبيه على أنه ليس مخصوصاً بما ذكر كما يوهمه كلام الكشاف وشروحه فتدبر فإن قلت لم سأل عن قوله من ثمرة وبين في الجواب تعلق الظرفين وأيّ حاجة إلى ذكر متعلقين حتى يحتاج إلى التأويل ولو قيل: كلما رزقوا من ثمرها أفاد ما ذكر من غير ارتكاب لمشقة التأويل وتكرار من واعجاز التنزيل يأبى زيادة ما يحوج للتأويل قلت: الذي لاح لي بعد التأمّل الصادق أن تعليق الرزق بمحله وتعقيبه بثمرة منكرة يقتضي عمومه لكل ما فيها كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة محمد، الآية: ١١٥ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ولولا ذكرهما لم يفد هذا النظم مع ما فيه من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال الذي هو أوقع في القلوب واليه أشار العلامة بما ذكره من السؤال والحاصل أن تعلق منها يفيد أنّ سكانها لا تحتاج لغيرها لأنّ فيها كل ما تشتهي الأنفس وتعلق من ثمرة يفيد أنّ المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق وفيه إشارة أيضا إلى أنّ عامّة مأكولهم الثمار والفواكه لأنهم لا يمسهم فيها جوع ولا نصب يحوجهم إلى قوت به قوام البدن وبدل ما يتحلل ومن هنا خطر بالبال أنّ المصنف ﵀ لم يعدل عما في الكشاف غفلة عن مراده بل إمّا لأنه فهم منه أنه أراد توضيح المعنى وتفسيره لا توجيه التعلق النحوي وتقريره أو بيان أنه لا حاجة داعية له إذا جعلت من فيهما ابتدائية لأنه يجوز تخريجه على وجه آخر أسهل منه وأمّا تخصيصه السؤال بقوله من ثمرة فلأنه سؤال نشأ من تكرّر من فيه. قوله: (ويحتمل أن يكون من ثمرة الخ) هذا هو الوجه الثاني في الكشاف وهو أن تكون من الأولى ابتدائية كما فهم من عدم تعرّض المصنف ﵀ لها، والثانية في قوله من ثمرة مبينة للمرزوق الذي هو مفعول! ان والظرف الأوّل لغو والثاني مستقرّ وقع- ا / * ن النكرة لتقدمه عليها والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجناة الواحدة، ولم يلتفتو! إلى جعل من الثانية تبعيضية في موقع المفعول ورزقا مصدر مؤكد لبص هـ مع أنّ الأصل في من الابتداء والتبعيض ولا يعدل عهما إلا لداع قويّ كما مرّ في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢] وقوله كما في رأيت منك أسدا صريح في أنّ من التجريدية بيانية، وقد قيل عليه أنه حينئذ تفوت المبالغة المقصودة في التجريد لأنّ الإجمال والتفصيل يفيد أن المبالغة في التفسير لا الصفة التي قصد بالتجريد بلوغها الغاية في الكمائا، والصحيح أنها ابتدائية أي رأيت أسدا كائناً منتزعا منك

стр. 492

ومن قال جعل هذا البيان على ذلك المنهاج مبنيّ على أنّ من البيانية عنده رأجعة إلى ابتداء الغاية فلا بد من اعتبار التجريد بأن ينتزع من المخاطب أسد ومن الثمرة رزق لم يأت بشيء يعتد به ألا ترى أنه جعل البيانية قسيما للابتدائية وأنه لا قرينة على انتزاع الرزق من الثمرة بل هي نفسها رزق وقد تغ فيه من قال: ليت شعري إذا حمل من على البيان لم يجعل من التجريد مع أنّ البيان يحمل المبين على المبين أظهر فإن رزقاً تفسره الثمرة فليس من التجريد في شيء، والقول: بأنه لا منافاة بين التجريد والبيان مفتقر إلى البيان (أقول) هذا محصل ما قاله الشرّاح وسيأتي في أوّل سورة آل عمران تفصيله، والذي حملهم على إلاعتراض هنا أنّ المبين لما اتحد مع المبين في الجملة لم يكن أبلغ من حمله عليه في نحو زيد أسد مع أنّ عبد القاهر وغيره من أهل المعاني صرّحوا بأنّ التجريد أبلغ من التشبيه البليغ، والجواب عنه أنّ من البيانية تدخل على الجنس المبين به لكونه أعتم وأعرف بالمعنى الذي وقع فيه البيان، وهنا لما عكس وجعل الشخص جنساً مبينا به ومنتزعا منه ما هو الأعم الأعرف كان أبلغ بمراتب من التشبيه البليغ ولو كان معكوساً، فلو قلت رأيت منك أسدا جعلت زيداً جنساً شاملاً لجميع أفراد الأسد وخواصه بل أعمّ وأشمل لانتزاعك الجنس منه، وهأ ١٠ لا يقرّ به الحمل في أنت أسد ولو قيل: رأيت زيدا من أسد ورد ما ذكره قدس سرّه وغيره وليس مما نحن فيه وكذا في نحو رأيت منك عالماً في التجريد غير التشبيهي وهذا مسرح تظر العلامة وهو دقيق أنيق فلا حاجة إلى جعله مبنيا على رجوع من البيانية إلى الابتدائية ولا إلى الجواب عما أورد على التفتازانيّ بأنّ مراده بالبيانية ما تكون للبيان وان كان فيها معنى الابتداء وبالابتدائية التي لصرف الابتداء فيصح جعله قسيماً له على أنه لو سلم لم يفدنا شيئا لأن مذهب القاضي ﵀ كما صرّح به في منهاجه أنّ جميع معاني من ترجع للبيانية عكس مذهب الزمخشريّ. ثم إن من الابتدائية يكون المبتدأ فيها مغايراً للمبتدأ منه نحو سرت من البصرة ولدخولها غالباً على المكان ونحوه تدلّ على أنه مائل فيه وعلى المغايرة التي هي مبني التجريد مع أنّ بيانه قاصر على أحد قسميه غير شامل لنحو رأيت منك عالماً، وادّعاه عدم بلاغته ظاهر السقوط مخالف لكلام القوم والرضي جعل من فيه تعليلية ولكل وجهة. قوله: (تقذّم الخ) رذ لما قيل من أنها كيف تكون للبيان وليس قبلها ما تبب نه بأنه مبنيّ على جواز تقديم المبين على المبين وأنه يكفي تقدّمه ولو تقديراً كما ذهب إليه كثير من النحاة وان منعه وضعفه آخرون وأمّا جعلها على تقدير البيان ظرفا لغواً متعلقاً برزقوا فوهم لاتفاقهم على أنّ من البيانية لا تكون إلا ظرفاً مستقرّاً كما هو معروف عند النحاة وبه جزم السعد في مواضع من شرح الكشاف كما سيأتي. قوله: (وهذا إشارة الخ) أي لفظ هذا وهو دفع لما يتوهم من أنه كيف يكون هذا المرزوق عين ما في الدنيا أو ما تقدمه في الجنة وقد فني وأكل بأن الإشارة إلى النوع والمعنى أنّ نوع هذا وذاك متحد وكون هذا وضع للإشارة إلى المحسوس والأمور الكلية لا تحس ليس بكليّ مع أنه يكفي إحساس أفراده كما في المثال المذكور، ومن الناس من ذهب إلى وجود الكليّ في ضمن أفراده على ما فيه أو هو إشارة إلى الشخص وفيه تقدير أي مثل الذي رزقنا أو يجعل عينه مبالغة وقد رجح كونه إشارة إلى عين الثمرة بأنّ هذا إذا لم يذكر معه الوصف يكون إشارة إلى المحسوس دون الكليّ، وفي قوله العين المشاهدة إبهام وجريانه بفتحات مصدر جرى الماء جريا وجريانا ووقع في نسخة بدله جزئياته جمع جزئيّ والأولى أولى واستحكم بمعنى قوي وتمّ يقال أحكمته فاستحكم إذا أتقنتة. قوله: (جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا الخ) هذا معنى ما في الكشاف وقد قيل عليه أنه جيد لو لم يقل إذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه فإنّ بطلانه ظاهر فإنّ لكل جديدة لذة والحديث المعاد مثل في الكراهة وليس بشيء، وقد وقع مثله في شرح المفتاح وذكروا أنّ كون النفس تحب ما ألفته وهو يقتضئي تكزره معار ضلما اشتهر كما في المثل أكره من معاد وقد جمع بينهما بأنّ الأوّل فيما يستطاب وتطلب زيادته، والثاني فيما ليس كذلك، وقد وقع التصريح بهذا في كلام

стр. 493

الفصحاء والشعراء قديما ألا ترى قوله: لكل جديد لذة غيرأنني وجدت جديد الموت غير لذيذ وقول المعرّي: ردّي حديثك ما أمللت مستمعا ومن يمل من الأنفاس ترديدا وقول ابن سهل: يستكره الخبر المعاد وقد أرى خبر الحبيب على الإعادة أطيبا يحلو على ترداده فكأنه سجع الحمام إذا تردّد أطربا ومثله كثير في كلامهم فلا وجه لما أورده الفاضل والقياس على الحديث المعاد قياس مع الفارق فإنه معاد بعينه وما نحن فيه ليس كذلك: والحق أنه مختلف بحسب الأحوال والمقامات ألا ترى أنّ أبا عمرو بن العلاء نظر إلى فتى عليه ثياب مشتهرة فقال له: يا بنيّ من المروءة أن تأكل ما تشتهي وتلبس ما يشتهيه الناس ونظمه الثعالبيّ في كتاب المروءة فقال رحمه الله تعالى: إن العيون رمتك إذ فاجأتها وعليك من شهر الثياب لباس أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت واجعل ثيابك ما اشتهته الناس وهذا الأحماض شابه دفع الاعتراض. قوله: (ويتبين لها مزية الخ) قد علمت ما فيه وأنه ظاهر الاندفاع وان قيل في دفعه أيضا أنه جيد في غير الطعام فإنّ التجربة والوجدان شاهدا عدل بأنّ ما لم يعهد منه وان حسن شكله لا يباشره عاقل لاحتمال ضرره وقيل: إنه في بادي النظر وقبل التجربة والمزية الفضيلة ولا يبنى منه فعل إلا أنه ذكر في حواشي الجوهرقي أنه يقال: أمزيتة عليه أي فضلتة وفي الأساس تمزيت عليه وتمزينه فضلته وكنه النعمة حقيقتها أو غايتها أو وجهها والمشهور الأوّل إلا أنّ ابن هلال قال ني كتاب الفروق: كنه الشيء على فول الخليل غايته ويقال: هو في كنهه أي في وجهه قال: وانّ كلام المرءفي غيركنهه لكالنبل تهوي ليس فيهانصالها وقال ابن دريد: كنه الشيء وقته يقال أتيته في غير كنهه أي في غير وقته، ويكون الكته للقدر أيضاً يقال فعل فوق كنه استحقاقه فليس الكنه من الحقيقة في شيء والناس يظنونهما سواء انتهى وهو لا فعل له أيضا وأثبته بعض اللغويين فقال: يقال منه اكتنه، وقوله كذلك أي غير مألوف. قوله: (أو في الجنة الخ) عطف على قوله في الدنيا أي من قبل هذا الرزق أو المرزوق في الجنة، يعني أنّ مأكولات الجنة متحدة الشكل متفاوتة اللذة والطعوم فإذا قدم إليهم شيء آخر منها ظنوه مكررا والطعام ب! منى المطعوم بمعنى المأكول مطلقاً فيتناول الثمار وغيرها ففيه إثبات للشيء بما هو أعمّ منه أو يخص بالثمار بقرينة المقام، ولا حاجة إلى أن يقال إنه للتمثيل فإنّ الصحفة لا يوك! مع فيها الثمار لأنه غير مسلم، والصحفة بفتح الصاد المهملة وسكون الحاء المهملة كالقصعة الآنية جمعه صحاف وقوله كما حكي عن الحسن الخ أثر أخرجه ابن جرير عن يحى بن كثير بهذا اللفظ. وقوله روي الخ أخرجه أيضا ابن جرير موقوفاً وفي المستدرك من حديث ثوبان مرفوعاً: " لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرها شيئاً إلا خلق الله مكانها مثلها " وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وقوله فلعلهم الخ لا ياً بى هذا قوله من قبل لأنّ معناه قبل هذا الزمان أو الوقت، وعلى تفسير المصنف من قبل الرزق أو الص روق الذي أشار إليه بقوله من قبل هذا لأن قبل مبنية على الضم لحذف المضاف إليه الذ؟ ب هو هذا ونية معناه وان لم يتخلل بينهما زمان وليس معنى رزقنا أكلنا التقدم الرزق على ا! ل وعلى الأثر الأوّل هو متشابه الصورة مختلف الطعم وعلى الثاني متشابه الصورة والطعم فتأمل. قوله: (والآوّل أظهر الخ) أي كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى من كونها مما تقدم في الآخرة لأنّ كلما تفيد العموم، وعلى الثاني لا يتصوّر قولهم لذلك في أوّل ما قدم إليهم ويفوت موقع الاستئناف المبنيّ على السؤال على وجه التشابه بينهما وأن قيل إنّ الأظهر تعميم القبلية لما يشمل قبلية الدنيا والآخرة وقال المصنف أظهر ولم يقل إنّ التفسير هو الأوّل كما قاله الزمخشريّ لأنّ هذا له وجه ظاهر أيضاً حتى قيل إنه يتجه على الأوّل أنه يلزم فيه انحصار ثمار الجنة في الأنواع

стр. 494

الموجودة في الدنيا والأليق أن يوجد فيها ذلك مع غيره من الأنواع التي لا عين رأت ولا أذن سمعت كما ورد في الحديث. وقال السيوطي: أيضاً عندي أنّ الثاني أرجح لأنّ فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقة لقوله بعده متشابها فإنه في رزق الجنة أظهر وإعادته إلى المرزوق في الدارين لا يخفى ما فيه من التكلف كما سيأتي. وقوله كل مرة رزقوا منصوب على الظرفية فإنّ مرّة معناه فعلة واحدة وليس باسم زمان لكنه شاع بمعنى وقت واحد فاعطي له ولما يضاف إليه حكم الظرفية كما قاله المرزوقيّ. قوله: (والداعي إلى ذلك الخ) الداعي هو المقتضي لخطور ما ذكر في الذهن من قولهم هذا الذي الخ كأنه دعاه للحضور فحضر في كل مرّة من مرّات تناولهم، وفرط استغرإبهم أي كدّة غريباً عجئباً عدا مفرطا وتبجحهم بجيم وحاء مهملة افتخارهم وابتهاجهم بإظهار المسرّة بما وجدو. بين الرزقين، والتشابه البليغ في الصورة إمّا لتشابه النوعين المستلزم لتشابه ما صدق عليه أو لتشابه الفردين على ما مرّ من تفسيري هذا فسقط ما قيل من أنه يقتضي أن يكون قولهم هذا الذي رزقنا من قبل من التشبيه البليغ وأصل معناه هذا مثل الذي رزقنا من قبل كما في الكشاف وهو مخالف لقوله وهذا إشارة لنوع ما رزقوا لأنه ليس مبنياً على المبالغة في التشبيه إذ معناه هذا نوع ما في الدنيا والتفاوت مع التشابه منشأ للاستغراب والتعجب كما لا يخفى فلا وجه لما قيل من أن جعل التشابه البليغ داعياً لما ذكر ظاهر وأمّا التفاوت العظيم ففي مدخليته في ذلك خفاء وإن وضحه بما يؤول إلى ما ذكرناه، وهذا إشارة إلى سبب قولهم هذا لتتمّ الفائدة فمن قال إنه لا حاجة إليه لم يصب، وقد نقل عن ابن عباس ﵄ أنهم يقولونه على سبيل التعجب وفي الاستغراب إيماء له ومن الغريب ما قيل من أنّ هذا إشارة إلى اعترافهم بإعادة أشجار الدنيا وثمارها كإعادة أنفسهم فيكون تعجباً من قدرته تعالى أو إلى أنّ أرض الجنة قيعان تنبت فيها أعمال الدنيا كما ورد في الأثر فثمرة النعيم مما غرسوه في الدنيا ولا يخفى بعده. توله: (اعتراض يقرّر ذلك الخ) كذا في الكشاف وفي شرح الفاضل له هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام وأكثرون يسمونه تذييلاً والعلامة يجعل الاعتراض شاملاً للتذييل كما يعرفه من تتبع كلامه، فلا يرد الاعتراض! عليه بأنّ الأشبه أنه تذييل وهو أن يعقب الكلام بما يشمل معت اه توكيداً ولا محل له من الإعراب ولا مشاحة في الاصطلاح وايهام أنه اصطلاح القوم كما قاله ابن الصائغ غير مسلم وهذا إذا كان ما بعده جملة مستأنفة بناء على جواز اقترانه بواو يسمونها الواو الاستئنافية وقد جوّز في هذه الجملة أيضا الاستئناف والحالية بتقدير قد وكلام النحاة لا يأباه لأنّ تقدير قد مع واو حالية في الماضيي كثير، وإنما كان هذا مقرّراً ومؤكداً لما قبله لما صرّح به المصنف ﵀ آنفا من أنه يدل على التشابه البليغ صورة ويلزم من تقريره تقريره فتذكر. قوله: (والضمير على الآول الخ) أي الضمير المفرد المجرور في قوله به على أوّل التفسيرين المذكورين آنفاً وهو أن يراد بقوله من قبل في الدنيا لما رزقوا في الدارين ولا إضمار فيه قبل الذكر لدلالة مجموع قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ على ما رزقوا في الدارين على هذا الوجه كما مرّ تقريره وهذا معنى قوله في الكشاف فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله وأتوا به. قلت إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، والحاصل أنه جواب عن سؤال هو أنّ التشابه يقتضي التعدّد وتوحيد ضمير به ينافيه بأنه راجع إلى موحد اللفظ متعدد المعنى وهو الجنس المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً كأنه قيل أتوا بذلك الجنس متشابه الأفراد وأوردوا عليه أنّ المرزوق فيهما جميعاً غير مأتي به في الآخرة وأجيب بأنّ المعنى أتوا به في الدارين لا في الجنة وجمعا في سلك تغليباً أو أنّ المراد من الإفإن إتمامه ولا يخفى أنه تعسف والذي ارتضاه في الكشف أنّ المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما، وقال أبو حيان ما ذكره الزمخشريّ غير ظاهر الآية لأنّ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون الضمير عائداً على مرزوقهم في الآخرة فقط لأنه هو المحدّث والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأنّ هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة

стр. 495

وأحوالها وكونه مخبرا عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف اص. قوله: (ونظيره قوله تعالى ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا﴾ الخ) الذي تقرّر في كتب العربية أنّ الضمير الذي مع أو يفرد لأنها لأحد الشيئين إلا أنها إذا كانت للإباحة يجوز في الضمير بعدها الإفراد والتثنية لأنّ الإباحة لما جاز فيها الجمع بين الأمرين صارت أو فيها كالواو فتقول جالس الجسن أو ابن سيرين وباحثه ويجوز باحثها وعلى هذا قوله في سورة النساء: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣٥] الخ وقد قال أرباب الحواشي تبعا لشرّاح الكشاف أنّ التنظير بهذه الآية لما نحن فيه باعتبار إرجاع الضمير باعتبار المعنى دون اللفظ فإنه عكس ما نحن فيه إذ ثني الضمير في بهما نظرا لما دل عليه الكلام من تعدد الجنسين مع أن مرجعه أحد الأمرين غنياً أو فقيرا وضمير يكن مفرد والمعنى يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فترك إفراد الضمير لئلا يتوهم أنّ أولويته بالنسبة إلى ذات المشهور عليه فنبه غلى أنه باعتبار الوصفين ليعمّ المشهود عليه وغيره وفيما نحن فيه أفرد الضمير مع أنّ ظاهر المرجع اثنان وفي النطير ثني مع أنّ ظاهر المرجع واحد، ولك أن تقول إنه لا حاجة لما ذكر وأنه نظير له من غير ارتكاب لما ذكر فإنه كما أفرد ضميربه ثم عقب بما يدل على التعدد من قوله متشابهاً أفرد أيضا في النظير ضمير يكن باعتبار المشهود عليه وعدد ما بعده في المعطوف وضميره من غير حاجة للعدول عن الظاهر إلا أن يقال إنه من تلقى الركبان فإنه إنما يحتاج للتأويل بعد مجيء أو فتدبر. قوله: (أي بجنسي الننئ والفقير) فالضمير راجع لما دلّ عليه المذكور وهو جنسا الغنيّ والفقير لا إليه وإلا لواحد ويشهد له أنه قرئ ﴿فَاللهُ أَوْلَى بِهِمْ﴾ كذا قاله المصنف ﵀ في سورة النساء وفيه كلام سيأتي فإن أردته فارجع إليه. قوله: (وعلى الثاني على الرزق الخ) أي ضمير به على نقدير كون معنى من قبل هذا في الجنة راجع إلى الرزق والمعنى أتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد، ولما كان التشابه في الصفة وصفات ما في الجنة مغايرة لما في الدنيا كما قال ابن عباس ﵄ أنها لا تشبهها وإنما يطلق عايها أسماؤها، أجاب بأنّ الصورة من جملة الصفات فكما يصح إطلاق ألاسم يصح إطلاق التشابه لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وحينئذ يحتمل هذا أن يكون على الحقيقة والمجاز كما يطلق على صورة الفرس أنها فرس والسؤال وارد على الاحتمالين كما يشهد له قوله بين ثمرات الدنيا والآخرة، وقيل: إنه طاهر على الاحتمال الأوّل ولا وجه له غير النظر لظاهر ما ذكر وما روي عن ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي وغيره. قوله: (هذا وإن للآية محملاَ آخر الخ) أي الأمر هذا أو هذا طاهر أو خذ هذا فاسم الإشارة في محل رفع أو نصب ويحتمل أن يكون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير تقدير لكنه مخالف للرسم أي أنّ الآية تحتمل تفسيراً آخر بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة وهذا جزاء لها مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله ذوقوا ما كنتم تعملون أي جزاءه فالذي رزقنا مجاز مرسل عن جزائه وثوابه بإطلاق اسم السبب على المسبب أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر وهو الظاهر من كلام المصنف ﵀ وتوله في ضده ذوقوا مؤيد له ولا يأباه كما قيل: قوله من قبل لأنه في الجنة لا في الدنيا حتى تثبت له القبلية لأن التجوّز في هذا الذي رزقنا وتعلق القبلية به شيء آخر مبالغة بجعل تقدّم سببه واستحقاقه بمنزلة تقدمه كما يقول الرجل لمن أحسن له إني استغنيت حين قصدتك وأمّا تقدير المضاف وان كان أظهر فلا يحمل عليه ما قاله المصنف إلا بتعسف فلا حاجة إلى ما تكلف من جعل الرزق مجاز عن الاستحقاق، أو يقال هو من تسمية موجب الشيء باسمه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وإنما جعل المصنف ﵀ الشبه معنويا في الشرف لا في الصورة لأنّ المعارف والأعمال أعراض! لا صورة لها وشرف أمور الجنة كلها مما لا شبهة فيه فمن قال لا نسلم تشابه مستلذات الجنة للأعمال في الشرف لم يصب، والمراد بالطبقة في قوله علوّ الطبقة الرتبة والمنزلة مستعارة من طبقات البيت والقصر، وأصل الطبق الشيء على مقدار شيءآخر
следующие страницы →