الآية (١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١].
* * *
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قال المُفَسِّر (١) ﵀: [هَذِهِ سُورةُ النَّمل، وسُمِّيَتْ به لِذِكْرِ النملِ فيها]، وتسميةُ السُّورِ يَكُونُ بأدنَى مناسبةٍ؛ ولهذَا البقرة سُمِّيَتْ سُورة البقرة لذِكْرِ البقرة فيها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تُسَمَّى سورةٌ بِعِدَّةِ أسماءَ لِعِدَّةِ مناسباتٍ.
وقوله ﵀: إنَّها مكّيَّة، الصَّواب فِي المكِّيّ والمَدَنِيّ أن الفرق بينهما: ما نزل قبل الهجرةِ فَهُوَ مكّيّ، وما نزلَ بعدها فَهُوَ مدنيّ، وَقِيلَ: المكِّيُّ ما نزل بمكَّة، والمدنيّ ما نزل بالمَدينَةِ، وَقيلَ: المكيُّ ما فِيهِ ذِكر الأصول -أصول الإِسْلام أو الإِيمان- والمدنيّ ما فِيهِ ذِكْر الفُرُوع.
فعلى الأوَّل يَكُون المُعْتَبَر الزمَن، وَعَلَى الثاني المعتبَر المكان، وَعَلَى الثَّالث المعتبَر الموضوع، ولكِن الَّذِي عليه المحقِّقون أن ما كَانَ بَعْد الهِجرةِ فَهُوَ مدنيّ، وما قبلها فَهُوَ مكّيّ، وقد ذَكروا فِي أصولِ التفسيرِ لذلكَ ضوابطَ يُرجَع إليها.
стр. 4
أمَّا البَسْمَلَةُ فقد تَقدَّم الكَلامُ عليها عدَّة مراتٍ، وبيَّنَّا أنَّ أحسنَ ما تُقَدَّر به: أنْ يَكُونَ فعلًا مناسبًا متأخِّرًا.
(أن يَكُون فِعلًا) لأنَّهُ الأَصْل فِي العواْملِ، وَهُوَ أيضًا أدلّ عَلَى الحُدُوث.
(متأخِّرًا) لفائدتينِ هما:
الأوَّل: التبرُّك بتقديمِ اسمِ اللهِ.
الثاني: إفادة الحصرِ، يَعْنِي: باسم الله لا باسمِ غيره.
(ومناسبًا) لِأنَّهُ أخصُّ من العامِّ.
فـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) التَّقْدير: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْرَأُ، ويجوز أنْ تقدِّر: أقرأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويجوزُ أن تقدِّر: قِرَاءتي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِراءتي، لكِنْ ما ذَكَرْنَا أوَّلًا هُوَ الأرجحُ. وأشار شيخ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ إِلَى رُجحانه بقولِ الرَّسُولِ ﵊: "مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ" (١) فذكر فعلًا، ولم يقل: فليكنْ ذَبْحه، بل قَالَ: "فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ" (٢).
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿طس﴾ اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بذلك]. هَذَا ما سلَكَه المُفَسِّر وجماعةٌ من أهلِ العلمِ، بأن هَذِهِ الحروفَ الِهجائيَّة الموجودة فِي أوائل بعضِ السُّوَر مَوْقِفنا مِنْهَا أن نَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ بمرادِهِ بذلكَ.
стр. 5
وقد سبقَ فِي درسِ التَّفسيرِ أنَّ الراجحَ من ذلك: أن هَذِهِ الحروفَ هِجائيَّة، وَأنَّهُ بِمُقْتَضَى كون الْقُرْآن بلسانٍ عربيٍّ يقتضي أنَّهُ لا مَعنى لها، وذكَرنا أنَّ هَذَا قد رُوِيَ عن مجُاهِدٍ (١)، وأنها حروفٌ هجائيَّة ابْتَدَأَ اللهُ بها لَيْسَ لها معنًى، وَعَلَى هَذَا نَجْزِم بأنَّه لا مَعْنَى لها ولكِنْ لها مَغْزى، وهوَ: أنَّ هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَعجزَ هَؤُلَاءِ الفُصَحَاءَ البُلَغَاء، إِنَّمَا هُوَ من هَذِهِ الحروف الهجائيَّة الَّتِي يَكُون مِنْهَا كلامهم، يعني ما أتَى بحروفٍ جديدةٍ؛ لِأنَّهُ لو أتى بحروفٍ جديدةٍ ستقُولُونَ: واللهِ هَذه حروفٌ لا نعرِفها، فأَتى بنفس الحروف الَّتِي هم يَتكلَّمون بها.
ويؤيِّد ذلك أَنَّهُ ما من حروفٍ هجائيَّة إِلَّا ويأتي بعدها ذِكْر الْقُرْآن، اللَّهُمَّ إِلَّا فِي سورتينِ أو شِبههما، عَلَى أن هاتينِ السورتينِ مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ , فيها ما يدلُّ على القرآنِ، كالإخبار في قولِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٢، ٣]، وهَذَا من خصائصِ الوحيِ، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت: ٢]، فيها أيضًا إخبار عمَّن مضَى فِي قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ... إِلَى آخرِه.
وأمَّا ما زَعَمَه المتأخِّرُون الخالفونَ من أن هَذِهِ الحروفَ تدلّ عَلَى إعجازٍ من نوعِ العددِ والحُسْبَان، حَيْثُ زَعَمُوا أن هَذِهِ الحروف الهجائيَّة يوجد نظيرُها فِي السُّورَة المُفْتَتَحَةِ بها، ويَكُون مجموع هَذَا مُنْقَسِمًا عَلَى تسعةَ عشَرَ، ويزعُمون أنَّ هَذَا أكبر آية عَلَى أن الْقُرْآن كلام اللهِ. ويَحتجُّون لذلكَ بأنَّ أوَّل آيَة نزلتْ -على زَعْمِهم- هي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنها مكوَّنة من تسعةَ عشَرَ حرفًا، وأن هَذَا
стр. 6
هُوَ معنى قوله تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠]، وأن التسعةَ عشرَ هِيَ هَذه الحروف.
كُلّ هَذَا -والعياذُ باللهِ- كذِب، ولا يَنطبِق، وَهُوَ متناقِضٌ أيضًا وغير مُطَّرِد، لكِن همْ فَرِحوا بهَذَا الكمبيوتر الَّذِي أخرجَ لهم عددَ الحروفِ، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نَقُول: لا يَمتنِع أنَّ الله أراد هَذَا، ولَكِننا نَقُول: لا نَجْزِم بأنَّ الله أراد هَذَا؛ أوَّلًا: لِأنَّهُ لَيْسَ فِي ذلكَ إعجازٌ.
والبَشَر قد يَصنَع خطبةً مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فِيهِ وتَنقسِم عَلَى هَذَا العدد، أو عَلَى أيّ عددٍ شاء، وَلَيْسَ بِمُعْجِز.
ثُمَّ إن البَسْمَلَة ليستْ أوَّلَ ما نزلَ منَ الْقُرْآن، أوَّل ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، ثُمَّ إنَّ البَسملةَ أيضًا حروفها ليستْ كما قَالُوا: إِنَّهَا تسعةَ عشَرَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن إِنَّمَا نزلَ مَقروءًا، لا مَكتوبًا، وهي بحروفها باعتبار القراءةِ ليستْ كذلكَ، والكتابة كما هُوَ معلومٌ هِيَ صناعةٌ، وربما يُمْكِن أنَّ الكِتابةَ فِي عهد الرَّسُول ﷺ بل وَفي عهد الخلفاءِ ليستْ عَلَى هَذَا الشكلِ.
فالْآنَ تُوجَد بعضُ اللُّغات يجعلون فيها الحركةَ حرفًا، ويجعلون الحرفَ حرفينِ، أو يَختصرون ويجعلون الحرفينِ حرفًا واحدًا.
فالحاصلُ: أن الْقُرْآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزلَ مقروءًا، ولا حُجَّة فِي ذلك.
إِذَنْ نَقُول: اللهُ أَعْلَمُ بمراده بذلك، هَذَا أحد الأقوالِ فِي المسألةِ.
والقَوْل الثاني: إنَّهَا رموز لأَشْيَاء معيَّنة، مثل ما ذهب إليه هَؤُلَاءِ المتأخِّرون، أو مثل ما يَذْكُر بعضُهم أَنَّهَا إشارة إِلَى حروب وملاحمَ تكون فِي آخِرِ الزمان، وما أَشْبَهَهَا.
стр. 7
والثَّالث أن يُقال: إِنَّهُ لَيْسَ لها معنى.
وإذا أُورد علينا: كيف نَجزِم بذلك؟
فالجوابُ: أنَّ هَذَا الْقُرْآن نزل بلغةِ العربِ، ولغةُ العربِ لا تجعل لهَذَه الحروفِ معنًى، لكِن إذا قُلْنَا بأنه لَيْسَ لها معنى فَإِنَّمَا لها مَغزى، يَظهرُ -واللهُ أَعْلَمُ- أن اللهَ أراد بها ذلك.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ هَذه الآيات ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ آياتٌ منه ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر لِلْحَقِّ مِنَ الباطِل، عَطْف بزيادةِ صِفة، هُوَ ﴿هُدًى﴾ هادٍ مِنَ الضَّلَالةِ].
قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشارُ إليه لاحِق وَلَيْسَ بسابقٍ، وهَذَا ممَّا تعود فِيهِ الإشارةُ عَلَى متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وَهُوَ جائز إذا دلَّ الدَّلِيل عليه.
وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يَقُول ﵀: [آياتٌ منه]، وإنما لَجَأَ المُفَسِّر إِلَى قوله: [آياتٌ منه]؛ لأنَّنا لو أخذنا بظاهرِ الآيَةِ: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ لكان فِي ذلك حَصرٌ للقرآنِ بهَذه الآيَات، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يَعْنِي: هَذَا الَّذِي نشير إليه، ومعلومٌ أنَّ هَذَا لَيْسَ آياتِ الْقُرْآن كلَّها، ولكِنَّه بعض منها.
ويجوز أيضًا أن نجعلَ الآيةَ عَلَى ظاهِرِها ولا حاجة إِلَى التأويلِ، ونَقُول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يشار إِلَى بعض الجنسِ بإشارة الجنسِ كلِّه، كما تقول مثلًا: هَذَا البشر، وتشير إِلَى رجل واحدٍ، أو هَذَا الْإِنْسَان وتشير إِلَى رجلٍ واحدٍ.
فالمَعْنى أنَّ الإشارة إِلَى بعضِ الجنسِ بالجنسِ كلّه هَذَا سائغٌ، ولا يحتاج إِلَى تأويلٍ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀.
وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يَقُول ﵀: [عطف بزيادة صِفَة، هُوَ ﴿هُدًى﴾]، عطف عَلَى (الْقُرْآن).
стр. 8
قال: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ وإنَّما وَصَفَ هَذَا الْقُرْآن بالْقُرْآنِ والكتاب؛ لِأنَّهُ مقروءٌ ومَكْتوبٌ. فَهُوَ مكتوبٌ فِي اللَّوْح المحفوظ، وَهُوَ مقروء بالأَلْسُن، وَهُوَ مكتوبٌ فِي المصاحِفِ أيضًا، فكتابته سابقةٌ ولاحقةٌ، وقراءته لاحقةٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْد أنْ تَكَلَّمَ الله به ونزل به جِبريلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧، ١٨].
قوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ الْقُرْآن هل هُوَ مصدر أو مُشْتَقّ؟
مصدر؛ لِأنَّهُ مثل: الغُفران والشُّكران، فَهُوَ مَصْدَر: قرأ يقرأ، بمعنى: تلا. وَقِيلَ: إِنَّهُ بمعنى جَمَعَ؛ لِأَنَّ القافَ والراءَ تدلّ عَلَى الجمع، ومنه القَرْيَة؛ لِأَنَّهَا مجُتمَع النَاس.
وفي الحقيقة أن الْقُرْآن جامع للوصفينِ، فَهُوَ مَتْلوٌّ وَهُوَ مجموع أيضًا.
وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي فِعَال بمعنى مَفْعُول، أي: مَكْتوب. وفِعَال بمعنى مَفْعُول تأتي كثيرًا فِي اللُّغة العربيَّة مثل: بِنَاء بمعنى: مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى: مَغْرُوس، وفِراش بمعنى: مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّي كتابًا لمِا أَشرنا إليه قبلُ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحقِّ مِنَ الباطِلِ]، كلمة ﴿مُبِينٍ﴾ فِعْلُها: (أبانَ)، وأبانَ يأتي لازمًا ويأتي متعدِّيًا، أي: يأتي بمعنى أظهرَ، ويأتي بمعنى بانَ، ولهذَا تجد المفسِّر ﵀ أحيانًا يفسِّر مُبِين بمعنى: بَيِّن، وَعَلَى هَذَا التفسير تكون من اللازِمِ. ويُفَسِّرُهَا أحيانًا بمعنى: مُظهِر، فتكون من المتعدِّي.
كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، معنى (مبين) أي: بَيِّن، أي: فِي ضلالٍ بيّن، فهي من (أبان) اللازِم. وَأَمَّا مثل هذه الآية أن الْقُرْآن مُبين فَهُوَ بمعنى: مظهِر.
стр. 9
وهل يَستلزِم كونه مُظْهِرًا أن يَكُون هُوَ بيِّنًا؟
نعم يَستلزِم، أو نَقُول: إنَّهُ من باب استعمالِ المشترَك فِي مَعْنيَيْه، والصَّحيح جوازه. وقد سبق هَذَا، فيجوز استعمال المشترك فِي معنييه، والمشترك هُوَ ما اتَّحَدَ لفظُه وتَعَدَّدَ معناه، وسُمِّي بذلك لِأَنَّ المعانيَ مُشْتَرِكة فِي لفظٍ واحدٍ.
والمشترَك الصَّحيحُ أنَّهُ يجوز استعماله فِي معنييه بشرطينِ، وهما: ألَّا يَقَعَ بينهما تعارُض وأن يَكُون محُتمِلًا لهما.
فإن كَانَ لا يَحتملهما فلا يمكن أن يُحمَلَ عليهما، وإن وقعَ بينهما تعارُضٌ فلا يُمْكِن، لَا بُدَّ أن يَكُون أحدُهما هُوَ المقصودَ.
في هذه الآيَة إذا قُلْنَا: إن مُبين من أبانَ اللازِم، ومن أبان المتعدِّي هل يجوز أو لا يجوز؟
يجوز، وإن كَانَ هَذَا مُشْتَرَكًا لَكِنَّهُ إذا استُعمل فِي مَعْنَييه فَإِنَّهُ مستعمَل عَلَى وجهٍ لا تعارُضَ فيه، فالْقُرْآنُ بَيِّن والْقُرْآن أيضًا مُظْهِر. وَعَلَى هَذَا التفسيرِ تكون دلالة (مُبين) علَى أن الْقُرْآن بَيِّن دلالةَ مطابَقَةٍ، يَعْنِي: إذا جَعَلْنَا (مبين) مستعملةً فِي المعنيين فالدلالة مطابقة، لكِن لو قُلْنَا: إن (مبين) بمعنى: مُظهِر فدلالته عَلَى كونِه بَيِّنًا من بابِ دلالةِ الالتزامِ.
قوله ﵀: [﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحقِّ منَ الباطِل]، هل هُوَ عَلَى عُمُومه أو خَاصّ بما نزلَ به الْقُرْآن؟
يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وَهُوَ عامٌّ فِي كُلّ شيءٍ، لكِن البَيَان قد يَكُونُ بَيَانًا للشيءِ عَلَى وجهِ التفصيلِ، وقد يَكُون
стр. 10
بَيَانا لأَسْبابِهِ وطُرُقِهِ وأنت امشِ فيها، فالْقُرْآن فِي الحقيقةِ تِبَيَان لكلِّ شيءٍ، حَتَّى فِي غيرِ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّة يُبَيِّنها، لكِن ما يُبيِّن تفصيلَها؛ لِأَنَّ غير الأُمُور الشَّرْعِيَّة خاضع للزمانِ والمكانِ وأفهامِ النَّاسِ وقوَّتهم، لَكِنَّهُ يذكر الأَسْبَاب والطرقَ، وأنت استعمِلْها فِي نفسِكَ.
ولهِذَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يَصِحُّ هَذَا القَوْلُ منكم ونحن لا نرَى فِي الْقُرْآن عدد ركعاتِ الصَّلَاة، ولا نرى فيها أَنَّهَا خمسُ صلواتٍ، ولا نرى أنصباءَ الزكاةِ، ولا مقاديرَ الواجبِ فيها، فما هُوَ الجواب؟
فالجواب أن نَقُول: يَكُون الْقُرْآن دالًّا عَلَى هَذَا ببَيَان سببِه وطريقِه، فعندنا الْآنَ طريق العلمِ بهَذَا الشَّيْءِ هُوَ ما فسَّره الرَّسُول ﷺ وهَذَا بيَّنه الْقُرْآن، ولا يلزم أن يَكُون هَذَا الْقُرْآن لَا بُدَّ أن يذكر كُلّ التفاصيلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وابنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قِصَّة لعنِ النامصةِ والمتنَمِّصَةِ حَيْثُ جاءتْ إليه امرأةٌ فقالت: إنَّا لا نجد هَذَا فِي كتاب الله. فقال: بلى هُوَ فِي كتاب اللهِ. ثُمَّ تلا عليها قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١).
فالحاصل: أن الْقُرْآنَ مُبِينٌ لكلِّ شيءٍ، لكِن البَيَان قد يَكُون تفصيليًّا، وهَذَا فِي بعض الأُمُور موجود، كما فِي المواريثِ مثلًا، وَفِي المطلَّقات، فتجد ما يَشِذُّ عن هَذَا إِلَّا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بَيَانها موجودٌ عند التأمُّل.
стр. 11
فتَفْصيل الفرائضِ تفصيلٌ ما شذَّ عنه شَيْء إِلَّا مسألةٌ واحدَةٌ، وهي الجدَّة، فهَذه ليستْ مذكورةً فِي الْقُرْآن، لكِن جاءت بها السُّنَّة، وَأَمَّا ما عدا ذلك -حَتَّى المسائل الخلافيَّة، المُشَرَّكَة مثلًا، وكالعُمريتينِ- نجد أَنَّهَا موجودةٌ فِي الْقُرْآن، وكالجدِّ والإخوة نجد أَنَّها موجود بَيَانها فِي الْقُرْآن، لَكِنَّهُ يحتاج إِلَى تأمُّل.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مظهِر للحقِّ من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ، هُوَ ﴿هُدًى﴾]، الصِّفة هي ﴿مُبِينٍ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أنَّ الْقُرْآنَ آية لمِا تَضَمَّنَهُ من الأخبارِ الصادقةِ والأحكامِ العادلةِ ... إلخ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن الْقُرْآن مكتوبٌ سابقًا ولاحقًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أن الْقُرْآن مُبينٌ لكلِّ شيءٍ، وتوجد آية صريحةٌ فِي هَذَا الموضوع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: يُستفاد من هذه الآيةِ -وإن كانتْ بعيدةً، ولكِنّي سأبيِّنها- أن الْقُرْآن لا يخرج عن كونِهِ قرآنًا، وإن كُتِبَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، فَهُوَ كلام الله، سواء قُرِئَ أو كُتِب، وذلك مفهومٌ من قولِهِ: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، ولا يَكُون آية إِلَّا إذا كَانَ من كلامِ اللهِ .
* * *
стр. 12
الآية (٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هو ﴿هُدًى﴾]، قدَّرَ المُفَسِّر (هو) ليُبين لنا إعرابَ (هدى) فعلى تقديرِه يَكُون (هدى) خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، التَّقْدير: (هو هُدًى).
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هادٍ مِنَ الضَّلالةِ]. ومعلوم أن هُدى مَصْدَر، وأن هادٍ اسمُ فاعل، فيَكُون المُفَسِّر هنا فسَّر المصدرَ باسمِ الفاعلِ، وَفِي تفسير نظرٌ؛ لِأَنَّ الأَولى أن يُجْعَل المصدر عَلَى بابه؛ لسببينِ:
السَّبَب الأول: أن تحويل اسْم الفاعل إِلَى المصدر أبلغُ، فإنَّك إذا قلتَ: فلان عَدْلٌ، وفلان عادلٌ، أيُّهما أبلغ؟ عَدْلٌ أبلغُ، يَعْنِي كأنه مصدر العَدْل، لكِن (عادل) متَّصِف بالعدلِ الموجودِ فِي غيرِه، فلَا شَكَّ أن المصدر أبلغُ.
السَّبَب الثاني: أن جعله هدًى معناه: أن الْقُرْآن نفسه هُدًى يَهتدِي به الْإِنْسَان، لَيْسَ هاديًا، بل هُوَ هُدًى يَهتدي به، فَهُوَ كالعَلَمِ الَّذِي يسير الْإِنْسَان وراءهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى غايته، مثلما سمَّاه الله تَعَالَى نُورًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بُشرى أيضًا بمعنى: بِشارة، وقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به بالجنَّة].
стр. 13
قوله ﵀: [بالجنة]، سَيَأْتي.
قولُه ﵀: [﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به]، لا يكفي هنا أن الإِيمان مجرَّد التَّصْديق، بل الإِيمان الموجود فِي الْقُرْآن لَا بُدَّ فِيهِ من قَبول وإذعانٍ مَعَ التَّصْديقِ، أَمَّا مجرَّد التَّصْديق فلا يَكفي، والدَّلِيل عَلَى أن مجرَّد التَّصْديق لا يكفي: أنَّ أبا طالبٍ كَانَ مصدِّقًا لمِا جاء به الرَّسُول ﷺ ويقول (١):
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأباطِلِ
ويقول (٢):
وَلَقَدْ عَلِمْت بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبِرَّيةِ دِينَا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنى سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا
فإِذَنْ: هُوَ ما قَبِلَ ولا أذعنَ فليس بمؤمنٍ.
فكلَّما وجدتَ الإِيمانَ فِي كتابِ اللهِ فالمُراد به التَّصْديقُ المستلزِمُ للقبولِ والإذعانِ، فليس مجرَّد تصديق.
فإِذَنْ نَقُول: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين به القَابِلِين له المُذْعِنين لأحكامِه، لَا بُدَّ من هَذَا.
وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يُستفاد من ذلك: أنَّهُ كلَّما كَمُلَ الإِيمان فِي العبدِ كمُل اهتداؤُه بالْقُرْآن؛ لِأَنَّ الشَّيْء إذا عُلِّقَ بوصفٍ زاد بزيادة ذلك الوصف ونَقَصَ بنقصِه. فالحُكْم إذا عُلِّق بوصفٍ فإن هَذَا الوصفَ يَزيدُ الحكمُ بزيادتِه وَينْقُص
стр. 14
بِنُقْصَانِه، وهَذَا معلومٌ حَتَّى فِي المحسوسِ، تجد أن الشَّيْء المعلَّق بشيء يزيد بزيادتِه، ويَنْقُص بنُقصانِه، فنَقُول: كلَّما ازداد الْإِنْسَان إيمانًا ازداد اهتداءً بالْقُرْآن، ويدلك عَلَى هَذَا قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، ويدل أيضًا عَلَى هَذَا قولُه تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
وأيضًا ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ البِشَارَة هِيَ الإخبارُ بما يَسُرُّ، وقد تُطْلَق عَلَى الإخبارِ بما يَسُوء، لكِن بقرينةٍ.
وهنا يَقُول ﵀: بُشرى بالجنَّة، ولكِن الصَّحيح أَنَّهَا بُشرى بما هُوَ أعمُّ؛ بالجنَّة وبالعزَّة والكرامة وبالنصرِ، والدَّلِيل قوله تَعَالَى فِي سورة الصفِّ بعدما ذكر الجنة لِلْمُؤْمِنيِنَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف: ١١، ١٢]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، يَعْنِي: بَشِّرهم بما لهم فِي الجنَّة، وبَشِّرْهُم بما لهم فِي الدُّنْيا مِنَ النصرِ، وكلُّ إِنْسَانٍ بطبيعتِه البَشَرِيَّة يحبّ أنْ يَنتصِرَ عَلَى عدوِّه، ويحب أن يَكُون له العزُّ والكرامة، هَذَا لا يمكِن أن يَكُون إِلَّا بالإِيمانِ، وكلَّما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا عَلَى عدوِّنا، وكلَّما تَخاذَلْنَا فِي الإِيمانِ خُذِلنا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وإذا أردنا دليلًا عَلَى هَذَا فلننظُرْ إلَى الَّذِينَ يُطَنْطِنُونَ بالقوميَّة العربيَّة، منذُ مَتَى وهم يطنطنون بها؟
أظنُّه من أوَّل القرن، ومع ذلك لا يزدادونَ إِلَّا تأخُّرًا وضعفًا؛ لِأَنَّهَا ليست
стр. 15
عَلَى إيمانٍ، ولمّا ظهرتْ بادرة الدَّعْوَة إلَى الإسْلام والتضامُن الإسْلامىّ ماذا حصل؟
حاولوا بكلِّ ما يَستطيعون أنْ يَقْضُوا عَلَى هَذَا، لَيْسَ من الدولِ الكافرةِ، بل حَتَّى من الدولِ المسلِمة العربيَّة، وصاروا يَقُولُونَ: إن هذه دعوة رجعيَّة .. إلَى آخره.
فالحاصل: أننا الْآنَ إذا أردنا أن نرجعَ إلَى العزَّة والكرامة والنصر فلا يَكُون ذلك إلَّا بالإيمانِ.
وقد يَقُول قائلٌ: كيف نَنتصر بالإيمانِ وحدهُ على من لديهم أسلحة فتّاكة متطورة لم نَصل بعدُ إلى امتلاكِ أمثالها؟
نقولُ إنَّ أسبابَ النَّصر هِى:
أولًا: إخلاصُ النية لله، بأنْ ننْوي بجهادِنا إعلاءَ كلِمَةِ اللهِ، وتثبيتَ شريعَتِه، وتحكيمَ كِتابه وسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ .
ثانِيًا: أن نلْتَزم بالصَّبر والتَّقوى، فإنَّ اللهَ مَع الصَّابرين، وإنَّ اللهَ مع المتَّقينَ، عليْنا أنْ نصبر عَلى الجهادِ، وأنْ نتقِىَ اللهَ تَعالى بامتِثَال أوامِره واجْتناب نواهِيه، فإنَّ مخالَفة أمْر اللهِ ورسولِه مِن أسْباب الخِذْلانِ، فهؤُلاءِ صَحابَةُ محمَّدٍ ﷺ مَع رسُولِ اللهِ ﷺ خالَف بعْضُهم في أمْر واحِدٍ مِن أوامِر رسُولِ اللهِ ﷺ فِي غزْوَة أُحُدٍ فكانَتِ الهزيمَةُ علَيْهم بعْدَ أنْ كانَ النَّصرُ لهم فِي أوَّل الأمْر، ولكِن بعْد ذَلك تدارَكَهُم عفْوُ اللهِ فعَفا اللهُ عنْهُم.
ثالِثًا: أنْ نعرف قدْرَ أنفُسِنا وأنَّ لا حوْلَ لَنا ولا قُوَّة إلَّا باللهِ، فلا يأخُذْنا العجبُ بقوَّتِنا وكثْرَتِنا فإنَّ الإعْجابَ بالنَّفْس والاعتِزاز بها مِن دُون اللهِ سبَبٌ للخِذْلان، ولقَد أُعْجِب الصَّحابَة بكَثْرتهم في يَوْم حُنَيْنٍ فلَمْ تُغْن عنْهُم شيْئًا ثُمَّ ولَّوْا مُدبِرينَ،
стр. 16
ولكِنَّ اللهَ أنْزَل سَكِينتَه عَلى رسُولِه وعَلى المؤْمِنينَ وأنْزَل جُنودًا مِن الملائِكَة فكانَتِ العاقِبَةُ للمُؤمِنين.
رابعًا: أن نُعِدَّ العُدَّة للأعْدَاء مستعمِلِين في كُلِّ وقتٍ وحالٍ ما يُناسِب مِن الأسلِحَة والقُوَّة لنرُدَّ على سِلاح العدُوِّ بالمثْل، فإذا تحقَّقتْ هَذه الأمورُ الأَرْبعَةُ فإنَّ اللهَ تَعَالَى يقُول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أن القرآن هدًى للناس، والمُراد بالهداية هنا هدايةُ الإرشادِ، كُلّ النَّاس يَسْتَرْشدُون به لو شاءوا، يعني أن القرآن لا نَقْصَ فِي دلالته، لكِن هداية التَّوفيق خاصَّة بالمُؤْمِنيِنَ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن القرآن بُشرى للمُؤْمِنيِنَ، بشرى فِي الدُّنْيا بالنصرِ وَفِي الآخِرَة بالجنةِ وبما أُعِدَّ لهم منَ الثواب بالجنَّة، وبالعِزَّة وبالكَرامَةِ وبالنَّصْر.
* * *
стр. 17
الآية (٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾ [النمل: ٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجْهِها]، أقام الشَّيْءَ: أتى به مُستقيمًا، ولا تكون الصَّلَاة مستقيمةً إِلَّا إذا أتى بها عَلَى وَجهها.
وإقامة الصَّلَاة نوعانِ: نوع لَا بُدَّ منه، وَهُوَ الإتيان بالأركانِ والواجباتِ والشروطِ، ونوع يَكُون عَلَى وجهِ الكمالِ، وَهُوَ الإتيان بالمُكَمِّلات من السُّنن وغيرها.
قوله ﵀: [﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجهها ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ يعطون ﴿الزَّكَاةَ﴾ ... ]، إِلَى آخِره.
قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هل المُراد الفريضة أو النافلةُ؟
نَقُول: عامٌّ؛ لِأنهُ لا يجوز للإِنْسَانِ أن يأتيَ بالسنَّة مثلًا عَلَى وجهٍ يُنافي الكمالَ الواجبَ، لو قَالَ واحد: أنا سأتطوَّع، لكِن لن أقرأ الفاتحةَ، أليستْ سُنَّة. يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، نَقُول: الْآنَ يَجِب عليك أن تقرأَ الفاتحة، لو قَالَ: لن أركعَ، لن أسجُدَ لا يمكِن هَذَا، فإذن فِي الآية الصَّلَاة إقامتها عامَّة فِي الواجب وِفي التطوُّع.
وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لم يبيِّن المَفْعُول الثانيَ لـ (يؤتون)، لَكِنَّهُ معلومٌ،
стр. 18
والتَّقْدير: (يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها) وقد بيَّن الله ﵎ مستحِقَّ الزكاة فِي سورة بَرَاءَة ببَيَان واضحٍ مفصَّلٍ.
وقوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾ لا حاجة إِلَى تعريفها عندكم لِأَنَّهَا معروفةٌ، وسُمِّيَتْ زكاةً لِأَنَّهَا تُزَكِّي الْإِنْسَان، قَالَ ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هَذَا ثناء عَلَى المُؤتِينَ للزكاة، والسُّورَة كما تقدَّم مكّيّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرضت بمَكَّة أو فِي المَدينَة؟
المعروف عند أهلِ العلمِ أَنَّهَا فُرضت فِي المَدينَة، ولكِن الصحيح أَنَّهَا فُرضت بمكَّة، ولكِنَّ تقديرَ أنصبائها وبَيَان الأموال عَلَى وجه التفصيلِ كَانَ ذلك فِي المَدينَةِ، هَذَا هُوَ الصَّحيح، وَهُوَ الَّذِي به تَجتمع الأدلَّة.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: تأخّر بَيَان أنصِبَة الزكاة إِلَى ما بعدَ الهجرةِ ألَا يَكُونُ من بابِ تأخيرِ البَيَان عن وقتِ الحاجةِ؟
فالجواب: لا، هَذَا من باب التطوُّر فِي التشريع، فبيَّن الزكاة وتركها موكولةً للإِنْسَان يختار ما يُخْرِج، فيُخْرِج ما شاءَ؛ لأجلِ أن تتعوَّد النفوس، ثُمَّ بَعْد ذلك يَفْرِض عليها الشَّيْءَ الَّذِي أراد اللهُ . وهَذَا مِثْلُ غيره منَ الأَشْيَاء الَّتِي تطوَّرت: الصَّلَاة فُرِضَتْ ركعتينِ، ثُمَّ أُقِرَّت صلاةُ السفرِ وزِيد فِي صلاة الحَضَر (١).
والزكاة هَكَذَا فُرِضَت أوَّلًا عَلَى اختيار الْإِنْسَان، ثُمَّ حُددت، والصِّيَام فُرض عَلَى سبيل التخيير ثُمَّ عُيِّن، والحجُّ هُوَ الَّذِي ما أعلمُ فِيهِ إِلَّا اَنهُ فُرض مرَّةً واحدةً،
стр. 19
ولكِن السَّبَب فِي ذلك أنهُ أتى فِي السنة التَّاسعةِ أو العاشرةِ بعدَ أنِ استقرَّ الإِيمان فِي القلوبِ، فلا حاجة إِلَى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إِلَى مرحلة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف نَجْمَعُ بينَ حديثِ ابنِ عبَّاس: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيَكُمْ فِي الحَضرِ أَرْبَعًا وِفي السَّفَرِ رَكعَتَيْنِ" (١)، وبينَ حديثِ عائشةَ؟
قُلْنَا: أنا لا أَدري صِحَّة هَذَا الحديثِ، وَعَلَى فَرض صِحَّته وقد قالَه ابنُ عبَّاس، فحديثُ عائشةَ أصحُّ، فحديثُ عائشةَ: "أَوَّل مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ" (٢) صَريح صحيح، وَعَلَى هَذَا فالجمعُ أنْ يُقالَ: فُرِضَتْ أربعًا ثُمَّ فُرضتْ ركعتينِ ثُمَّ قُسم إِلَى حَضَر وسفرٍ.
مسألة: هل يجوز التدريجُ فِي الأحكامِ لمِن يُسْلم؟
الظَّاهر لي أنهُ يجوزُ، وأن نأمرَه بالأهمّ فالأهم، مثلما أمر الرَّسُول ﷺ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، مَعَ أنَّ الأحكام مستقرَّة. قَالَ: "أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ" (٣) مَعَ أنَّ كُلّ هذه كانتْ
стр. 20
مفروضةً، وحتى الصوم والحجُّ أيضًا مفروض.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يَعْلَمُونها بالاستدلالِ، وأُعيدَ (هم) لما فُصِلَ بينه وبين الخبر].
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ مُبتدَأ و ﴿يُوقِنُونَ﴾ خَبَره، و ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلِّق بـ (يُوقِنون)، ولكِن كلمة ﴿هُمْ﴾ أُعيدتْ مرَّة ثانيةً، فهل هَذَا من بابِ التَّوْكيدِ ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعني ﴿وَهُمْ﴾ همُ الَّذِينَ يوقنون دونَ غيرِهم، أو أنَّهُ كما قَالَ المُفَسِّر: للفصلِ بينه وبين الخبرِ، والفاصلُ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؟
يَحتمل هَذَا وهَذَا، وقد يجوز أن يَكُونَ المُراد الجميع، فبيَّن الله أَنَّهُم هم أهلُ الإيقانِ، حَيْثُ كرَّر الضَّمير مرتينِ، وكُرِّرَ أيضًا مرتينِ لِطُول الفصلِ بين الخبرِ وبين المبتدأِ بالفاصلِ.
ولكِن الإيقان يَقُول المُفَسِّر: [يعلمونها بالاستدلالِ]، إِنَّمَا قَالَ ﵀: بالاستدلال؛ لِأَنَّ الْتقين أخصُّ منَ العلمِ؛ إذ إن الْيقين معناه: العِلم الَّذِي لا يَتَطرّق إليه الاحتمالُ، فَهُوَ أعلى درجاتِ العلمِ، وهَذَا إِنَّمَا يَكُون بالاستدلالِ، يعني بالأدلَّة المُبيِّنَةِ المقنِعة، فلهَذَا فسَّر المُفَسِّر الْيقينَ بأنه: العِلم بالأَشْيَاء عن طريق الاستدلالِ.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هل المُرادُ بالآخِرَة أنَّهُ يُبعث النَّاس فقطْ؟
نَقُول: لا، فكُلّ ما أخبرَ الله تَعَالَى به ممَّا يَكُون فِي هَذَا اليوم أو أخبر به رسولُه فَإِنَّهُ داخل فِي الآخِرَةِ، بل إن شيخ الإِسْلام ﵀ يَقُول: إِنَّهُ يدخل فِي الإيمان باليوم الآخِر كُلّ ما أخبر به النَّبِيّ ﷺ مما يَكُون بَعْد الموت (١).
стр. 21
فعلى هَذَا يَكُون المُراد بالآخرة: ما بعدَ الدُّنْيا، فتَشمَل عذابَ القبرِ ونعيمَ القبرِ، وتشمل كذلك الموازينَ فِي يوم القيامةِ والحوضَ المورودَ للرَّسُولِ ﷺ وما ذُكِر.
وهل بَقِيَ شيءٌ من منَ الإيمانِ؟ لِأَنَّهُ ذكر إقام الصَّلَاة وإيتاء الزكاة والإيقان بالآخِرَة؟
وتقدَّم أن الإِيمانَ باللهِ يَتضمَّن الإِيمانَ بالرُّسُل وَيتَضَمَّنُ الإِيمانَ بالكُتُبِ، وَيتَضَمَّنُ الإِيمانَ بالملائكةِ، بل ويتضمَّن الإِيمانَ باليومِ الآخِرِ، ويتضمَّن الإِيمانَ بالقَدَر؛ لِأَنَّ الإِيمان بالقدرِ من الإِيمانِ بالله؛ لِأَنَّ القَدَر قَدَر الله.
نَقُول: بقِي الصِّيَام والحجُّ، وهما من أركانِ الإِسْلامِ، والجواب عَن ذلك: أن السُّورَة مكّيّة، والصِّيَام والحجّ لم يُفرضا بمكَّة بالاتِّفاقِ، فالصِّيَام فُرض فِي السنة الثَّانِيَة، والحج فُرض فِي السنة التَّاسعة أو العاشرة عَلَى القَوْل الراجِحِ، وَعَلَى هَذَا فليس فِي الآية إشكالٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: فَضل إقامة الصَّلَاة، وأنها من أوصاف المُؤْمِنيِنَ، وفضل إيتاء الزكاة.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن محلّ الثَّناء لِلْمُصَلِّين فِي إقامتِها والإتيان بها عَلَى الوجهِ الأكملِ.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: قَرْنُ الصَّلَاة بالزكاة يَدُلّ عَلَى أهميتها.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أن الزَّكاةَ فُرضت بمَكَّة.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: أن الأَعْمال من الإِيمان.
стр. 22
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن تضييع الصَّلَاة والبُخل بالزكاة ينافي الإِيمان؛ لِأَنَّ الله جعل من أوصاف المؤمنين إقامة الصَّلَاة وإيتاء الزكاة، فمَن لم يكن يقيم الصَّلَاة ولم يؤتِ الزكاة فَهُوَ ناقصُ الإِيمانِ، وقد يَكُون معدومَ الإِيمان بالكُلِّيَّة كما فِي ترك الصَّلَاة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات اليوم الآخِر؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الْإِنْسَان إذا آمَنَ بالشرائعِ المُنْزَلَة فَهُوَ كامل الإِيمانِ، وإن لم يُدْرِكِ الفرائضَ المتأخِّرة، فالَّذِينَ ماتوا من الصحابة قبل فرضِ الصِّيَامِ إسلامهم كاملٌ، بل إن الرجل يمكنُ أن يؤمنَ ويموت قبل أنْ يصلِّيَ صلاةً واحدةً، ويَكُون بذلك كاملَ الإِيمان. يعني إيمانه كامِل وإن كَانَ غيرُه الَّذِي أدركَ أكملَ منه، لَكِنَّهُ هُوَ بالنِّسْبَةِ إليه ما يقال: إيمانه ناقِص -أي أنَّهُ ناقص نقصًا يُخِلّ به -.
* * *
стр. 23
الآية (٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ بتركيبِ الشَّهْوةِ حَتَّى رَأَوْها حَسَنَةً ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرون فيها لِقُبْحِها عِنْدَنَا].
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصدِّقون بها؛ لِأَنَّ مَن لم يُصَدِّقْ لا يُمْكِن أن يَقبَلَ أو يُذْعِنَ.
إِذَنْ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التَّصْديقِ ونفيَ القبولِ ونفي الإذعانِ. والفَرْقُ بينَ القَبُول والإذعانِ مَعروفٌ، فمثلًا أَقْبَلُ أنَّ هَذَا الشَّيْءَ فُرِض، وأَعْتَقِدُه فرضًا، لكِنْ لا أَفْعَلُه، فالذي تَخَلَّف الإذعانُ.
وأمَّا عَدَمُ القَبولِ فهو أنْ يَرْفُضَ هَذَا ويقول: هَذَا لَيْسَ بِوَاجبٍ ولا نَعْتَرِف بأنه فَرْضٌ، وَأَمَّا التَّصْديقُ فَهُوَ الإنكارُ المطلَقُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: ما الفرق بين التَّصديقِ والقَبُولِ؟
نَقُول: التَّصْديق: أنَّهُ يُصَدِّق بأنَ هَذَا حقٌّ لَكِنَّهُ لا يَقبَلُه، يَقُول: نعمْ، هَذَا الرجلُ جاءَ بالحقِّ، لكِن أنا لا أقبله. والقَبول فِي الغالبِ يَكُون فِي المعتقَدات، والإذعان فِي الأَعْمالِ الظَّاهرةِ كأعمال الجوارِحِ.
стр. 24
وقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملةُ ﴿زَيَّنَّا﴾ خبرُ إنَّ، وتفيد أن العِلَّة فِي التزيينِ عدم الإِيمانِ بالآخِرَةِ، وأن الله تَعَالَى لم يُزَيِّن لهم (١) هذه الأَعْمال إِلَّا بسبب عدمِ إيمانِهِم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
ومن هنا نعرف أن الَّذِي يزيَّن له سُوءُ عَمَلِه يَكُون ذلك دليلًا عَلَى نقصِ إيمانِه بالآخِرة، إذ لو كمُل إيمانُه بالآخِرَةِ لكانَ يعرف الحسن من السَّيِّئ، فيفعل الحسن وَيتَجَنَّب السَّيِّئ، ولكِن لضعفِ إيمانِه بالآخرة يحصُل له هَذَا الفِعْل القبيح ويراه حسنًا. ولا حاجة إِلَى أن نُعَدِّد أنواعًا من ذلك؛ لِأَنَّ الأنواع ممَّن زُّينَ له سُوءُ عَمَلِه كثيرةٌ جدًّا، فبلَا شَكّ من العَمَل السيئ أنهُ إذا نزل فِي أرضٍ أخذَ أربعةَ أحجارٍ ووضعَ ثلاثةً للقِدْرِ وواحدًا يَعْبُده (٢).
ولَا شَكَّ أنَّ من العَمَلِ السيئ المُزيَّن أن الْإِنْسَان يَتَّخِذُ تمرًا عَلَى صورة صَنَمٍ فيَعْبُده، فإذا جاع أكلَه.
ولَا شَكَّ أنَّ من سُوء العَمَلِ المزيَّن أنَّ الْإِنْسَان يأتي بابنتِهِ -وهي ثَمَرَة فُؤَادهِ- ويَحفِر لها الحُفرة وَيغْمِسها وهي حيَّة. هَذَا لا يَكُون -والعياذُ بالله- ولا من السِّباع، ومعَ ذلك زُين لقومٍ من أهل الجاهليَّة هَذَا العَمَل؛ حَتَّى إنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّهُ يقف عَلَى الحفرة ليُلْقِيَها، وإذا همَّ أنْ يُلْقِيَها تَشَبَّثَتْ به وتقول: يا أبتِ يا أبتِ! فتستجير به وَهُوَ داؤها! نسألُ اللهَ العافيةَ.
وقوله ﵀: [﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرون فيها]، هَذَا -والعياذُ بالله- من عدمِ الإِيمانِ أنَّ الْإِنْسَان لا يوفَّق للهداية، تَجِدُه حائرًا؛ لِأَنَّهُ لم يؤمن.
стр. 25
وأبرزُ مثالٍ لذلكَ: ما يَقَعُ من أهل الكَلامِ منَ الحَيرة؛ لِأَنَّهُم لم يؤمنوا بالله حقَّ الإِيمان به، أنكروا صفاتِه وأنكروا ما جاء به كتابه وسنَّة رسوله، فصاروا مُتَحَيِّرين، ولهذَا قَالَ بعض النَّاس: أكثرُ النَّاسِ شكًّا عندَ الموتِ أهلُ الكَلامِ (١). والعياذُ باللهِ؛ لِأَنَّهُم -نسألُ اللهَ العافيةَ- ما آمنوا.
فكلُّ إِنْسَان يضعُف إيمانه فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عليه هَذَانِ الأَمْرانِ السيِّئانِ:
أولًا: تَزيينُ العَمَلِ السيِّئ فِي عينِه حَتَّى يمارسَه ولا يُنتزع منه.
والثاني: شَكُّه وحَيْرته وتردُّده.
بهَذَا نعرِف أنَّهُ كلَّما قَوِيَ الإِيمانُ بالآخِرَةِ عَرَفَ الْإِنْسَانُ القبيحَ ولم يَتَرَدَّدْ فيه؛ لِأَنَّ هذه نتيجة عملية حسابيَّة: إذا كَانَ هَذَا الوصف يقتضي هَذَا الوصف فعدمه يَقتضي عَدَمه، فهي مُعَادَلَة بَيِّنة جدًّا. فالَّذِينَ لا يؤمنون بالآخرة ابتُلوا بهذينِ الأَمْرينِ، والَّذِينَ يؤمنون بالآخِرَةِ يَنتفي عنهم هَذَان الأَمْرانِ، نسألُ الله أن يَجْعَلَنَا من المُؤْمِنيِنَ.
مسألة: ومن آمنَ بالآخِرَةِ من الصُّوفِيَّة؟
الصوفية لَيْسَ عندهم إيمانٌ حقيقةً، لو كَانَ عندهم إيمان حقيقةً ما زُّين لهم؛ لِأَنَّ هذه الآيَة مِقياس، فكُلّ إِنْسَان يُزيَّن له سوءُ عَمَله فاعلمْ أنَّهُ ناقصُ الإِيمانِ؛ لِأنَّهُ لو كَانَ عندهم إيمان حقيقيّ فما الَّذِي يُخرِجهم عن طريق الرَّسول ﷺ ؟ !
إِذَنْ: كلَّما ضَعُفَ الإِيمان بالآخرة ازداد تزيينُ القبيحِ فِي عينِ الْإِنْسَان، وكلما ازدادَ إيمانه بالآخِرَةِ كَرِهَ القبائحَ، وهَذَا أمر مُسَلَّم الآن.
стр. 26
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: عُقُوبة مَن لم يُؤْمِن بالآخِرَةِ بهَذه العقوبةِ العظيمةِ، وهي تزيينُ الأَعْمالِ السيِّئة لا الحسنةِ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أنَّهُ كلَّما آمَنَ الْإِنْسَان بالآخِرَةِ اتَّضَحَ له الحقُّ؛ لِأَنَّ الإِيمانَ بالآخِرَةِ يَستلزِم أن الْإِنْسَانَ يَرَى الحقَّ حقًّا ويرى الباطلَ باطلًا، فلا يزين له الباطِل.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أن الجزاءَ من جنسِ العَمَلِ؛ لِأَنَّهُم لمّا لم يُوقِنوا بالآخِرَة مَعَ وُضُوحها اشتبهَ عليهم الحقُّ مَعَ وضوحِه.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أنَّ عدمَ الإِيمانِ بالآخِرَةِ سببٌ للحَيْرة، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾، وَعَلَى هَذَا فالإِيمانُ بالآخِرَةِ سببٌ لِلْيَقِينِ والنُّورِ، وهَذَا أيضًا أمرٌ مُشاهَدٌ، والْإِنْسَان ما يُصاب بعدمِ الْيقينِ إِلَّا بسببِ أعمالِهِ، ونقصِ إيمانِهِ، وكلَّما قَوِيَ الإِيمانُ فإنَّ معرفةَ الْإِنْسَان تزدادُ، حَتَّى فِي الأُمُورِ غير العلميَّة الشَّرْعِيَّة، فيعطيه الله ﵎ فِراسةً يَتبَيَّن بها الأَشْيَاءَ.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: وُجُوب الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ، بدليلِ عقوبةِ مَن لم يؤمنْ به، فهَذه العقوبةُ العظيمةُ تدلّ عَلَى وجوبِ الإِيمانِ به.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة، ففي الآيَةِ دليلٌ عَلَى مذهَب أهلِ السنَّة والجماعة فِي الردّ عَلَى الْقَدَرِيَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ لِأَنَّ تزيينَ العَمَلِ لهم هُوَ سببُ ضَلالهم، فتُزَيَّن لهم الأَعْمالُ السيئة فيَعْمَلُونها، فَلِلَّهِ تَعَالَى تأثير فِي أفعالِهم، فكون الله تَعَالَى يقولُ: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ فيَنْسُبُ تَزْيِينَ العَمَلِ إليه يَدُلّ عَلَى نَقيضِ قولِهم، وإلَّا فهم يؤمنون بالآخرة ويرَون أَنَّهُم مسلِمونَ، لكِنَّهم لا يؤمنون بأنَّ الله تَعَالَى له تعلُّق بفعلِ العبدِ، فأفعال العبدِ عِندَهم لَيْسَ لله فيها تعلّق إطلاقًا.
стр. 27
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ فِيهِ نِسبة الأفعال للعبدِ، ففيه ردٌّ عَلَى الجَبرَّية؛ لِأَنَّ الجبرَّية لا يَنْسُبُون العَمَلَ للإِنْسَانِ إِلَّا عَلَى سبيلِ المَجاز؛ إذ إِنَّهُم يَرَوْنَ أنَّ الْإِنْسَان مُجْبَرٌ عَلَى العَمَلِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخِرَةِ يَرَوْنَ أنَّ أعمالهم حَسَنَة، ولهذَا يُصِرُّونَ عليها، وقد قَالَ أبو سُفيان فِي أُحد: اعْلُ هُبَل.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كونهم يرون أنَّ أعمالهم حسنة، ولهَذَا يُصِرُّون عليها ألَا يُشكِل عليه ما ذَكَرْناه من أَنَّهُم فِي حَيرة وقلقٍ؟
قُلْنَا: هم فِي حَيرة بالنِّسْبَة للإيمانِ بالآخِرَةِ، لكِن عندما يَستمِرُّون فِي هذه الأَعْمال يرونَ أَنَّهُم عَلَى حقٍّ، فَهُمْ يَعْمَلُون المَعاصِيَ وتُزين لهم وَيرَوْنَ أنَّهُ لا بأسَ بها، فالَّذِينَ يُرابون يَرَوْن أنَّ الرِّبا مصدر اقتصادي، وَأنَّهُ لا بأس به، والَّذِينَ يَلْعَبُونَ الشِّطْرَنْجَ يَقُولُونَ: هَذَا عَمَلٌ طيِّبٌ لِأنَّهُ يُنمِّي الفِكر والعقل، ومثلهم أصحاب السَّرِقَات وغَيرهم، المهمّ أن هَؤُلَاءِ متحيِّرون فِي أمرِهِم كلِّه، حَتَّى فِي أمرِ الآخِرَةِ ما عندهم يَقين، والواحد منهم يَزعُم أنَّ نتيجة هَذَا العَمَل السيِّئ بالنِّسْبَة لهُ حَسَنة، ولهذَا زين لهُ.
لَوْ قَالَ قَائِل: بعض أهل المَعاصِي يَعترِف أنهُ عَلَى خطأٍ، لكِن يَقُول: الله غَفور رحيم؟
قُلْنَا: هَذَا مُزَيَّن له، وَهُوَ من الرجاءِ فِي غيرِ مَحَلِّه، ومَن كَانَ يرجو اللهَ أنْ يَغفرَ له فِي غير محلِّه فهَذَا من سُوء العَمَلِ، فـ "الْعَاجِزُ مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمنَّى عَلَى اللهِ" (١)
стр. 28
الْأَمَانِيَّ، والمعاصِي شامِلَةٌ الْكُفَّارَ وغيرَ الكفارِ، وكلُّ مَن عَصَى اللهَ ففيه نقص بالإِيمان بالآخِرة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الرجل الَّذِي يَستحسِن القبائحَ يُمْكِن نَسْتَنْتِج أنهُ ضعيف الإِيمانِ بالآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لو قَوِيَ إيمانُه بالآخِرَةِ ما حَسُنَ فِي نفسِهِ قبائح الأَعْمال، وهَذه الآيةُ تَدُلُّ عليه.
* * *
стр. 29
الآية (٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أشدُّه فِي الدُّنْيا القَتْل والأَسْر].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشارُ إليه الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخِرَةِ، لمَّا ذكر -والعياذ بالله- طريقهم وَأنَّهُ زُين لهم سُوء أعمالِهم، ذَكَرَ جزاءَهم ومآلهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.
قيَّده المُفَسِّر ﵀ بما يَكُون فِي الدُّنْيا مِنَ الأسرِ والقتلِ، ولكِنَّه لا يَنبغي أن يُقَيَّد به، بل يقال: إن هَذَا من سُوء العذابِ الَّذِي يَنالهم، وهم ينالونَ سوء العذابِ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ، ومن أجلِ ذلك لم يكنْ لهم نصيبٌ فِي الآخرة، بل قَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: ﴿هُمُ﴾ الأُولى مبتدأٌ، والثَّانِيَة توكيد، ويجوز أن تكونَ ضَميرَ فَصلٍ، لكِن لمّا سبقَ لها نظير وهي كلمة ﴿هُمُ﴾ فالأحسن أن تكونَ توكيدًا، ونستفيدُ الحصرَ من تعريفِ المبتدأِ والخبر فِي قولِه: ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. والأخسرُ اسمُ تفضيلٍ، مأخوذ من الخُسران وَهُوَ النقصُ. وحَصْرُ الأخسريَّة فيهم
стр. 30
دليل عَلَى أن هناك خسارة لغيرِهم، لكِن هم الأخسرونَ.
والخسارة الَّتِي تكون لِغَيْرِهم هي أنَّ الفُسَّاق من المُؤْمِنيِنَ يُعذَّبُون بقَدْرِ ذنوبهم، وهَذه خسارة؛ لأَنَّهُ لم يكمل لهم النعيم فِي الآخِرَةِ، حَيْثُ عُذِّبوا عَلَى ما فعلوا من الذنوبِ، فهَذَا لَا شَكَّ أنهُ نقصٌ وَأنَّهُ خسارة، ولكِن الأخسر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخلَّدونَ فِي النَّار، ولهذَا يَقُول المُفَسِّر: [لمِصِيرِهِمْ إِلَى النَّار المؤبَّدَةِ عَلَيْهِمْ]، فهم الأخسرونَ.
فعليه يَكُون النَّاس فِي الآخِرَةِ ينقسمونَ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ: رابحونَ، وخاسرون، وأخسرون.
فالرابِحُ: الَّذِي مَنَّ اللهُ عليه فخرجَ منَ الدُّنيا وَهُوَ لا يَستحِقّ العقابَ فِي الآخِرَةِ، سواء كَانَ ذلك بتوبةٍ، أو بمصائبَ تكفِّر، أو بأعمالٍ صالحةٍ جليلة جدًّا تَضْمَحِلّ معها الأَعْمالُ السيئة، مثل أهلِ بَدْر، قَالَ الله تَعَالَى لهم: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (١)، لو عَمِلوا مهما عَمِلوا مِنَ الذنوبِ فإن الله يَغْفِرها لهم بسببِ الحسنةِ العظيمةِ الَّتِي قاموا بها فِي غزو بدرٍ.
وقد يَعْفُو الله أيضًا عن هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي عَمِلَ سَيِّئًا فِي الدُّنيا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فتكون حالُه فِي الآخِرة تامَّة.
الثاني: الخاسِر غير الأَخْسر، وَهُوَ الَّذِي أصابَ بعضَ الذنوبِ، ولم يُقَدَّر له
стр. 31
الخلاصُ منها، فعُوقِب عليها، فصاحب المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنيِنَ هُوَ فِي حُكْمِ الخاسرينَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأخسرَ.
الثَّالث: الأخسرَ، وهُوَ الَّذِي لا حَظَّ له فِي الآخِرَةِ، وما لَه فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وهمُ الكفَّارُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُم الأخسرونَ فِي الآخرة فقطْ ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
وهل يَلزم أن يَكُونوا همُ الأخسرينَ فِي الدُّنْيا؟
لا يَلزم، فلا يُفهم من الآية أَنَّهُم رابحون فِي الدُّنْيا، يُفهم من الآية أَنَّهُم فِي الدُّنْيا مسكوتٌ عنهم، قد يَربحون وقد يخسرون، وَعَلَى رأيِ المُفَسِّر لَيْسَ لهم حظّ فِي الدُّنْيا؛ لأَنَّهُ قَالَ: إن العذابَ معناه القتلُ والأَسْر.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: إثبات لسُوء العذابِ لهؤُلَاءِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَذَا الَّذِي اخترناه، وَهُوَ العموم، والمُفَسِّر يرى أنهُ فِي الدُّنْيا.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أَنَّهُم ليس لهم حظٌّ فِي الآخِرة أبدًا.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أن النَّاس فِي الآخرة ثلاثةُ أقسامٍ: أَخْسَرُون، وخاسرون، ورابحون.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: تَنَوُّع العذابِ لِتَنَوُّع المَعاصِي؛ لِأَنَّ الجزاءَ مِن جِنس العَمَلِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات الآخِرة لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَن لم يؤمنْ بالآخِرَةِ فَهُوَ كافرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ,
стр. 32
هَذَا إذا أَعَدْنا الآيةَ عَلَى ما قبلُ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ هَذَا خبرٌ بأنهم خاسرون فِي الآخرة؛ لِأَنَّ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٤]. ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: حصر الخسرانَ فِي هَؤُلَاءِ، ولَا شَكَّ أَنَّهُم هم الأخسرونَ، وغيرهم ولو خَسِروا فليسوا بهَذَا الوصفِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الردُّ عَلَى الخوارجِ والمُعْتَزِلَة؛ لأنَّنا لو قُلْنَا: إن أهل الكَبائِر الَّذِينَ يؤمنون بالآخِرَةِ مخلَّدون فِي النَّار لاتَّصَفُوا بهَذَا الوصفِ وكانوا من الأخسرينَ، مَعَ أنَّ الله إِنَّمَا حَصَرَ الأخسرَ فِي الَّذِينَ لا يؤمنونَ بالآخِرَةِ.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: بلاغة الْقُرْآن الكريمِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُتبيِّن أحوالَ الكَافِرِينَ للتحذير منها.
* * *
стр. 33
الآية (٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].
* * *
قوله: ﴿وَإِنَّكَ﴾ خِطَاب للنبيِّ ﷺ ، وهَذَا الخطابُ مؤكَّد بـ (إن) ثُمَّ مؤكَّد بتأكيدٍ آخرَ، وَهُوَ قوله: ﴿لَتُلَقَّى﴾ لِأَنَّ اللامَ هذه للتَّوكيدِ، ويقال: إِنَّهَا اللام المزحْلَقَة، والمزحْلَق يعني المؤخَّر. يَقُولُونَ: إن الأَصْل أن تكونَ فِي أوَّل الكَلام، ولكِن لمّا كَانَ فِي أول الكَلام مُؤَكِّد غيرها صار الأنسب أن تؤخَّر؛ لِئَلَّا يَجتمِع مؤكِّدان فِي مكانٍ واحدٍ، وإلا هِيَ تُسمَّى لام التَّوْكيد. ومَحَلُّها فِي أوَّل الجملة، ولَكِنَّهَا زُحلقت من أجلِ أنَّ فِي أول الجملة مؤكِّدًا آخرَ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ يُلقى عليك بِشِدَّة ﴿مِنْ لَدُنْ﴾ من عند ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فِي ذلك ... ]، إِلَى آخره.
﴿لَتُلَقَّى﴾ معنى التَّلقية: التلقينُ والإعطاءُ، لَقَّيْتُه كذا بمعنى لَقَّنْتُه إيَّاه إذا كَانَ ذِكرًا، وأعطيته إيَّاه إذا كَانَ عَينًا، وهنا القرآن ذِكْر لَيْسَ عينًا يُعطَى ولكِنَّه ذِكْرٌ يُلَقَّنُ، والنَّبِيّ ﷺ كَانَ يُلَقَّن القرآن، وَكَانَ إذا سَمِعَهُ مِن جِبريل فِي أوَّل الأَمْرِ يَتَعَجَّل ﷺ بقراءته، فنهاه الله عن ذلك (١)، قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]
стр. 34
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، هذا ضمان مِنَ اللهِ أن يَجْمَعَهُ ويَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]، أي: بَيَانه لفظًا، ومعنًى، وحُكمًا.
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ سبق معنى القرآن، وَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن قَرَأَ بمعنى: تلا، ومن قرأ بمعنى: جَمَعَ.
وقول المُفَسر ﵀: [يُلْقَى عليك بِشِدَّة] من أين أخذ كلمةَ بشدَّةٍ من اللفظ؟ من قوله: ﴿لَتُلَقَّى﴾ ولم يقلْ: تَلَقَّى أنت، فهو يُلقَّاه، فكأنه يشعر بالشدَّة، ولكِنه ما يَتبيَّن لي كثيرًا، ودلالة تلقى عليه فيها غُمُوض، إِنَّمَا لَا شَكَّ أنَّ الرَّسُول ﷺ يجد من تلقَّي الوحي شِدَّة.
وقوله: [﴿مِنْ لَدُنْ﴾ من عند]، يعني أن ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، ويقال فيها أيضًا: لدى، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] , لَدُنّا هي: لَدُنْ، ولَدَيَّ هي: لدى، فيقال هَذَا وهَذَا، ولكِن القرآن كما هُوَ معلومٌ تَوْقِيفِيّ، لا يُمْكِن أنْ نُبدِّل لفظًا بدلَ آخرَ، ولو كَانَ بمعناهُ.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ المُراد به اللهُ جَلَّ ذِكْرُه.
والحكيم تَقَدَّمَ أنّهُ مشتق مِنَ الحُكْمِ والإِحْكَامِ الذِي بمعنى الإتقانِ، وَهُوَ الحِكْمَة.
والحكمُ الثابتُ للهِ أو المُتَّصِف به الله يَنْقَسِم إِلَى قسمينِ: حُكْم شَرْعِي، وحكم قَدَريّ.
فالحكْمُ الشَرْعِيّ كثيرٌ فِي الْقُرْآن، كما فِي قولِه تَعَالَى فِي سُورة المُمْتَحِنَة لما ذكر
стр. 35
أحكام النِّسَاء المهاجراتِ قَالَ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والحُكْم القَدَرِي مثل قول أخي يُوسُف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني يُقدِّر، لا يَنتظر حُكمًا شَرْعِيًّا، بل يَنتظِر حكمًا قَدَريًّا. والحكم الشَّرْعِيّ هل يمكن مخالفتُه؟ نعم يُمْكِن، فمِنَ النَّاسِ مَن يَقْبَلُه ومنَ النَّاسِ مَن لا يقبلُه. والحكم القَدَرِي لا يُمْكِن مخالفتُه، إذن فَهُوَ واقعٌ لا محَالةَ، فإذا حَكَمَ الله ﵎ بشيءٍ قَدَرًا فَهُوَ واقعٌ لا محالةَ.
مسألة: الحكْم الشَّرْعِيّ محبوبٌ لله أو مبغوضٌ إليه؟ محبوب ومبغوضٌ، فإذا حَكَم بفعلِ الشَّيْءِ فَهُوَ محبوبٌ، وإنْ حَكَمَ بتركِه فَهُوَ مكروهٌ. فاللهُ تَعَالَى حَكَمَ بتحريمِ الزِّنَا مثلًا وَهُوَ مكروهٌ له، وحَكَمَ بتحريمِ الشّركِ وَهُوَ مكروهٌ له.
والحكم الكونيُّ كذلك، فِيهِ محبوبٌ وفيه مكروهٌ لله، ولا يمكن أنْ نُعارِضَ ذلك فنَقُول: كيف يَقَع الحُكْمُ الكونيُّ وَهُوَ مكروهٌ له؟ إذنَ معناه أن الله يُجْبَرُ، يَعْنِي يفعل شيئًا وَهُوَ يَكْرَهُه، وهَذَا ما يَكُونُ إِلَّا فِي فاعلٍ يُجبَر، فهل الله تَعَالَى يُجْبَر؟
نَقُول: لا، إذنْ كيف تقول: إن فِي الحكْم الكونيّ ما هُوَ مكروهٌ لله؟
نَقُول: معناه هُوَ مكروهٌ من وجهٍ ومحبوبٌ من وجهٍ آخرَ، فَهُوَ من حَيْثُ ذَاتُهُ مكروه لله ، كالمَعاصِي، فالله تَعَالَى يقدِّر المَعاصِيَ مَعَ أنَّهُ يَكْرَهُها، لَكِنَّهُ محبوبٌ إليه من وجهٍ آخرَ، وَيكُون هَذَا الوجهُ أقوى منَ الوجهِ الآخرِ فيقع هَذَا الشَّيْء.
إِذَنْ: حَكيم مُشْتَقَّة مِنَ الحكْمِ والإحكامِ، والحُكْم المتَّصِف به الله يَنقسم إِلَى قسمينِ: كَوْنيّ وشَرْعِيّ، ولكلٍّ مِنْهما حُكْم، فالحُكْمُ الشَّرْعِيّ لا يَلزَم منه وُقوع المحكومِ به؛ لِأنَّهُ قد يَقَع وقد لا يقعُ، والحكمُ الكونيُّ يَلزَم منه وقوعُ المحكومِ
стр. 36
به بكلِّ حالٍ. أَمَّا انقسامهما من حَيْثُ الكراهةُ والبُغْضُ للهِ فنَقُولُ: كلاهما محبوبٌ ومكروهٌ للهِ .
فالحكم الشَّرْعِيُّ منه محبوبٌ ومنه مكروهٌ، بمعنى المحكوم به، يعني مثلًا حَكَمَ الله بتحريمِ الزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا مكروهٌ إليه، وحَكَمَ بوجوبِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاة محبوبة إليه، وَأَمَّا نفسُ الحُكْم الَّذِي هُوَ فِعْلُه فهَذَا أمر معروفٌ أنَّهُ ما حَكَمَ بهَذَا الشَّيْءِ إِلَّا وَهُوَ يحبُّ أن يَكُونَ كذلك؛ فيحب ترك الزِّنَا ويحب فِعْلُ الصَّلَاة.
أمَّا بالنِّسْبَةِ للإحْكَام، فالإحكامُ بمعنى الإتقان، وهو الحِكْمة، أي تَنْزِيل الأَشْيَاء فِي مَنَازِلها ووَضْعها فِي مَوَاضِعها، فلَا شَكَّ أنَّ هَذَا إتقانٌ، واللهُ تَعَالَى متَّصِفٌ بالحِكْمَةِ البالغةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، فهي وضعُ الأَشْيَاءِ فِي مواضعها.
وقد ذَكَرْنا فِي التَّوحيدِ ونُعِيده الْآنَ للتذكيرِ؛ أنَّ الحِكْمَةَ تكونُ فِي صورةِ الشَّيْءِ، وَفِي غايته؛ فِي صورة الشَّيْءِ ووقوعِهِ عَلَى هَذَا النحو، وتكونُ أيضًا فِي غايةِ هَذَا الشَّيْء، وتكونُ الحِكْمَةُ فِي الأُمُور الشَّرْعِيَّة وَفِي الأُمُور الْقَدَرِيَّة؛ لِأَنَّ الحُكْمين السابقينِ -الكونيّ والشرعيّ- كلاهما مُشتمِل عَلَى الحِكمةِ، فعلى هَذَا تكون الحِكْمَة فِي الأحكامِ الكونيَّة وَفِي الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتكون صوريَّة، بمعنى أَنَّهُ عَلَى هذهِ الصورة المعينة حِكمة، وغائيَّة بمعنى ما ينتج منه من الغايات المحمودةِ.
عندما تَتَأَمَّل الشَّرِيعَة تَجِد أنَّ وَضْعَها عَلَى ما هِيَ عليه فِي غايةِ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهَا كلَّها تَنْشُدُ المصالحَ وتَدْرَأُ المفاسدَ، هذه القاعدة الْعَامَّة فِي الشَّرِيعَة. إذن فهي عَلَى هَذَا الوجهِ أو بهَذه الصور موافِقَةٌ للحِكمة.
стр. 37
ثم هناك الحِكْمَة الغائيَّة: فثَمَرَةُ هذه الشَّرِيعَة والتمسُّك بها هِيَ السعادةُ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَة، وهَذِهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا غاية محمودةٌ، وأن تشريعَ الأُمُورِ من أجلِ هذه الغايةِ حِكْمَةٌ.
كذلك نأتي إِلَى الأُمُور الْقَدَرِيَّة، نَقُول: الأُمُور الْقَدَرِيَّة أيضًا وَضْعُها عَلَى ما هِيَ عليه بهَذهِ الصورةِ هُوَ حِكْمة، ثُمَّ الغاية مِنْهَا حِكْمَة أيضًا، ولكِن هذه الحِكْمَة فِي صورة الشَّيْءِ وَفي غايةِ الشَّيْءِ شَرعًا أو قَدَرًا قد تكونُ معلومةً للعبادِ، وقد تكونُ مجهولةً. وفَرْضُنَا نحن فيما نَجْهَلُه من حُكْمِ هذه الأُمُورِ الإِيمانُ والتسليمُ، نحن نؤمنُ بأنَّه ما من شيءٍ يَشرَعُه الله وما من شيءٍ يَفْعَلُه الله إِلَّا ولى حِكْمَةٌ؛ ويَجِبُ علينا أنْ نُؤْمِنَ بهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مقتضَى وصفِهِ بالحكيمِ، لَكِنَنَّا قد نفهم هَذَا الشَّيْء وقد لا نَفهمه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تُؤتى كُلَّ النَّاسِ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، لكِنْ عَلَيْنَا أنْ نُؤْمِنَ هَذَا الإِيمانَ، ونحن إذا آمنَّا هَذَا الإِيمان فسوفَ نَسْتَسْلِمُ وسوفَ نَرضى بالشرعِ وبالقدرِ؛ لأَنَّنا نعلم أن هَذَا لحكمةٍ.
عندما نَتَأَمَّل الْآنَ أحوال المُسلِمينَ وضَعْفَ دِينهم وانصرافَهم عنِ الدِّينِ، لَا شَكَّ أن هَذَا يُهِمُّنا ويُحزِننا، ولَكِننا إذا نَظَرْنا إليه من جهةٍ أخرى وجدنا أنَّهُ مقدَّر من جهةِ اللهِ، وَأنَّهُ لَا بُدَّ أن يَكُونَ، فلهَذَا حِكْمَةٌ لَكِنَنّا قد لا نَعْلَمُها نحنُ. وهَذَا يَجِب أن تَجْعَلَه جاريًا عَلَى جميعِ أحوالِكَ الخاصَّة والْعَامَّة، أنك تَتيقَّن أنَّ هَذَا لحِكْمَةٍ، ولكِن تَيقُّننا للحكمةِ لا يَمْنَعُنا من فعلِ الأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الَّتِي أُمرنا بها.
ومثالُ ذلك هَذَا المثال الَّذِي ذَكَرْنا؛ مسألة ضَعْف المُسلِمينَ وانْصِرَافِهِم، هَذَا يُوجِب لنا أن نَتحرَّكَ أكثر للدعوةِ إِلَى الإِسْلامِ وبَيَان محاسنِهِ، والتحذيرِ من مخالفتِه،
стр. 38
وسُوءِ العاقبةِ للعُصَاةِ والفاسقينَ، وهَذَا مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَتَحَرَّكَ أهلُ الخير للدعوةِ إِلَى اللهِ وبَيَان الحقّ وبَيَان العاقبةِ الحميدة لمن تَمسَّكَ بدينِ اللهِ؛ لأجل أنْ يَكْثُرَ ثوابُهم ولأجلِ أنْ يَدْخُلَ النَّاس فِي دين اللهِ عنِ اقتناعٍ؛ لأني أتصوَّرُ أن النَّاس لو مثلًا وُجِدُوا عَلَى حالةٍ معيَّنةٍ فهم لا يُدْرِكُون هذه الحالة المعينة عَلَى حقيقتها؛ لِأَنَّهَا أمرٌ معتادٌ عندهم، وقد لا يَفهمون ما يَنْتُجُ عنها من خيرٍ أو من شرٍّ، لكِن عندما يُوغِلون فِي الشرّ وَينتَهُون إِلَى غايته، ثُمَّ يُبَيَّنُ لهم الحقّ ويَرجعون إليه، يَكُون هَذَا أحسنَ حالًا منَ الحالِ الأُولى، وهم الَّذِينَ وجدوا آباءَهم عَلَى شيءٍ فَمَشَوا عليه؛ لِأَنَّهُم الْآنَ سوف يأتون عنِ اقتناعٍ وعن محبَّة لهذَا الأَمْرِ الجديدِ الَّذِي بُيِّن لهم.
ولذلك الْآنَ -والحمدُ لله- هُنَاكَ بادرةٌ طيِّبة فِي جميعِ الأقطارِ الإِسْلاميَّة، وهي بادرةُ الرجوعِ إِلَى الإِسْلامِ عنِ اقتناعٍ، ولَا شَكَّ في ذلك، وهَذَا منَ الحِكْمَةِ أنَّ اللهَ يُقَدِّر مثل هذه الأُمُورِ المكروهةِ فِي الدينِ لأجلِ أنْ تكونَ غايةً لمِا هُوَ أحمدُ.
قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ العليم معناه المتَّصِف بالعِلْم، والعلمُ كما حدَّه أهلُ الأصولِ: هُوَ إدراكُ الشَّيْءِ عَلَى ما هُوَ عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. ولَا شَكَّ أنَّ اللهَ له مِن هَذَا الوصفِ أَتمُّه وأعلاهُ، فَهُوَ عليمٌ عِلمًا مُطْلَقًا، لم يُسْبَق بجهلٍ ولم يُلحَق بنسيانٍ، ولا يحدُّ بحدٍّ. وعلم المخلوق مسبوق بالجهلِ وملحَق بالنسيانِ ومحدودٌ أيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، بِخلافِ علمِ اللهِ .
وهنا قُدِّمَ الحكيمُ عَلَى العليمِ، وأكثر ما يَرِد فِي القرآن تقديمُ العليمِ عَلَى الحكيمِ، فما هِيَ الحِكْمَةُ من تقديمِ الحكيمِ هنا عَلَى العليمِ؟
стр. 39
نَقُول: الْقُرْآنُ مُشتمِلٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، والشَّرِيعَةُ فيها أوامرُ ونواهٍ، وإذا لم نَعْتَقِدْ أنَّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مبنيَّة عَلَى الحِكْمَةِ فَإِنَّهُ يَضعُف انقيادُنا لها، فلهَذَا قدّم الحِكمةَ. أَمَّا العلمُ فَإنَّهُ مفهومٌ مِن قولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ لِأنَّهُ بمجرَّد تَلَقِّي الْقُرْآنِ يَكُونُ العلمُ. لكِن هل هَذَا الموجود فِي القرآن موافِقٌ للحِكْمة؟
نعمْ هُوَ موافِقٌ فِي الواقعِ، ولذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أنْ يَشعرَ الْإِنْسَانُ قبلَ كُلِّ شيءٍ بأنَّ ما تَلَقَّاه الرَّسُول ﵊ مِنَ الْقُرْآن هو حِكمةٌ.
نظير ذلكَ فِي سور الذَّارِيات قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، ولم يَقُلِ: العليمُ الحكيمُ؛ لِأَنَّ ولادةَ العجوزِ أمرٌ خارجٌ عنِ العادةِ، وعن المألوفِ، فكيف تَلِد العجوز ولماذا؟ ! فقُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أن يشعرَ الْإِنْسَان قبل كُلّ شيءٍ أن هَذَا الأَمْرَ النادرَ الخارجَ عنِ العادةِ صادرٌ عن حكمةٍ وَلَيْسَ عن سَفَهٍ ولا عن صُدْفَةٍ.
إِذَنْ: هذه الآيةُ نَقُول في مثلها: قدّم اسمَ الحكيمِ الَّذِي يَدُلّ عَلَى وصفِ اللهِ تَعَالَى بالحِكمة فِي هَذَا المقامِ؛ لِأَنَّ ما يُلَقَّاه الرَّسُول ﷺ من القرآن مُشْتَمِل عَلَى التشريعِ الَّذِي يَحتاج إِلَى بَيَان الحِكْمَةِ فيه، حَتَّى يَقتنع به المرء، فلذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ عَلَى العلمِ. أَمَّا العلمُ فَإِنَّهُ مفهومٌ من كلمةِ (تُلقَى)؛ إذ إِنَّهُ إذا لُقِّيَ القرآن فقد عَلِم، لذلك صار العلم فِي المرتبةِ الثَّانِيَةِ.
مسألة: ما هِيَ الحِكْمَةُ من جمع الحِكْمَةِ والعلمِ: حكيم وعليمٌ، ودائمًا فِي الْقُرْآنِ تجد أن الحكيم مقرونٌ بالعليمِ كثيرًا، ويُقْرَن بالعزيزِ (عزيز حكيم) أيضًا، فما هِيَ الحِكْمَة من ذلك؟
стр. 40
الجواب البيِّن أن نَقُول: إن الحِكْمَةَ قد تَخفى عَلَى بعضِ النَّاسِ، فخَفاؤها علينا هنا لا يَقتضي أَنَّهَا ليستْ معلومةً عند اللهِ، فكأنه جمعَ بينهما لِيَتبَيَّنَ أن هذه الحِكْمَةَ معلومةٌ عندَ اللهِ، وإنْ خَفِيَتْ علينا، فَهُوَ حكيمٌ عليمٌ يَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مواضِعِها، وإنْ خَفِيَ علينا ذلك. فلا نَقُول: إنَّهُ إذا شَرَعَ الله شيئًا أو قضَى بشيءٍ فهَذَا لَيْسَ عن علمٍ؛ بل هُوَ عن علمٍ، حَتَّى لو فُرض أننا نحن لم نعلمْ حِكمته ووجهته، فهَذَا هُوَ وَجه الجمعِ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ فِي آياتٍ كثيرةٍ بينَ العلمِ والحِكْمَةِ.
الخلاصة أن نَقُول: لمَّا كانت الحِكْمَة تَخفى عَلَى العبادِ قَرَنَها الله تَعَالَى بالعلمِ لِيَطْمَئِنَّ المرء إِلَى أن هذه الحِكْمَة معلومة عند الله ، وإن كانتْ خافيةً علينا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: التأكيد بـ (إن) و (اللام) عَلَى أن الْقُرْآن من عندِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن الْقُرْآن كلامُ اللهِ؛ لِأَنَّهُ نزل من لدنه، والْقُرْآن صفة المتكلّم.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: دفاع الله ﵎ عَن أهلِ ولايته؛ لِأَنَّ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ دفاع من الله جل وَعلَا عن الرَّسُول ﷺ .
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: إثبات العلم والحِكْمَة.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: إثبات نبوَّته ورسالته.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مُراعاة المقام فِي التَّعبير يُعتبر من الفصَاحة، فغالب الآياتِ يقدّم العلم عَلَى الحِكْمَة، وأحيانًا تُقدَّم الحِكْمَة عَلَى العلمِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ حِكمة اللهِ ﵎ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العلمِ، والظَّاهر أن العلمَ سابِقٌ حَسَب ذِهن الْإِنْسَان، فإن العلم يَسبق الحِكْمَةَ، كيف تدري هَذَا مناسب