به بكلِّ حالٍ. أَمَّا انقسامهما من حَيْثُ الكراهةُ والبُغْضُ للهِ فنَقُولُ: كلاهما محبوبٌ ومكروهٌ للهِ .
فالحكم الشَّرْعِيُّ منه محبوبٌ ومنه مكروهٌ، بمعنى المحكوم به، يعني مثلًا حَكَمَ الله بتحريمِ الزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا مكروهٌ إليه، وحَكَمَ بوجوبِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاة محبوبة إليه، وَأَمَّا نفسُ الحُكْم الَّذِي هُوَ فِعْلُه فهَذَا أمر معروفٌ أنَّهُ ما حَكَمَ بهَذَا الشَّيْءِ إِلَّا وَهُوَ يحبُّ أن يَكُونَ كذلك؛ فيحب ترك الزِّنَا ويحب فِعْلُ الصَّلَاة.
أمَّا بالنِّسْبَةِ للإحْكَام، فالإحكامُ بمعنى الإتقان، وهو الحِكْمة، أي تَنْزِيل الأَشْيَاء فِي مَنَازِلها ووَضْعها فِي مَوَاضِعها، فلَا شَكَّ أنَّ هَذَا إتقانٌ، واللهُ تَعَالَى متَّصِفٌ بالحِكْمَةِ البالغةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، فهي وضعُ الأَشْيَاءِ فِي مواضعها.
وقد ذَكَرْنا فِي التَّوحيدِ ونُعِيده الْآنَ للتذكيرِ؛ أنَّ الحِكْمَةَ تكونُ فِي صورةِ الشَّيْءِ، وَفِي غايته؛ فِي صورة الشَّيْءِ ووقوعِهِ عَلَى هَذَا النحو، وتكونُ أيضًا فِي غايةِ هَذَا الشَّيْء، وتكونُ الحِكْمَةُ فِي الأُمُور الشَّرْعِيَّة وَفِي الأُمُور الْقَدَرِيَّة؛ لِأَنَّ الحُكْمين السابقينِ -الكونيّ والشرعيّ- كلاهما مُشتمِل عَلَى الحِكمةِ، فعلى هَذَا تكون الحِكْمَة فِي الأحكامِ الكونيَّة وَفِي الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتكون صوريَّة، بمعنى أَنَّهُ عَلَى هذهِ الصورة المعينة حِكمة، وغائيَّة بمعنى ما ينتج منه من الغايات المحمودةِ.
عندما تَتَأَمَّل الشَّرِيعَة تَجِد أنَّ وَضْعَها عَلَى ما هِيَ عليه فِي غايةِ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهَا كلَّها تَنْشُدُ المصالحَ وتَدْرَأُ المفاسدَ، هذه القاعدة الْعَامَّة فِي الشَّرِيعَة. إذن فهي عَلَى هَذَا الوجهِ أو بهَذه الصور موافِقَةٌ للحِكمة.
стр. 37
ثم هناك الحِكْمَة الغائيَّة: فثَمَرَةُ هذه الشَّرِيعَة والتمسُّك بها هِيَ السعادةُ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَة، وهَذِهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا غاية محمودةٌ، وأن تشريعَ الأُمُورِ من أجلِ هذه الغايةِ حِكْمَةٌ.
كذلك نأتي إِلَى الأُمُور الْقَدَرِيَّة، نَقُول: الأُمُور الْقَدَرِيَّة أيضًا وَضْعُها عَلَى ما هِيَ عليه بهَذهِ الصورةِ هُوَ حِكْمة، ثُمَّ الغاية مِنْهَا حِكْمَة أيضًا، ولكِن هذه الحِكْمَة فِي صورة الشَّيْءِ وَفي غايةِ الشَّيْءِ شَرعًا أو قَدَرًا قد تكونُ معلومةً للعبادِ، وقد تكونُ مجهولةً. وفَرْضُنَا نحن فيما نَجْهَلُه من حُكْمِ هذه الأُمُورِ الإِيمانُ والتسليمُ، نحن نؤمنُ بأنَّه ما من شيءٍ يَشرَعُه الله وما من شيءٍ يَفْعَلُه الله إِلَّا ولى حِكْمَةٌ؛ ويَجِبُ علينا أنْ نُؤْمِنَ بهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مقتضَى وصفِهِ بالحكيمِ، لَكِنَنَّا قد نفهم هَذَا الشَّيْء وقد لا نَفهمه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تُؤتى كُلَّ النَّاسِ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، لكِنْ عَلَيْنَا أنْ نُؤْمِنَ هَذَا الإِيمانَ، ونحن إذا آمنَّا هَذَا الإِيمان فسوفَ نَسْتَسْلِمُ وسوفَ نَرضى بالشرعِ وبالقدرِ؛ لأَنَّنا نعلم أن هَذَا لحكمةٍ.
عندما نَتَأَمَّل الْآنَ أحوال المُسلِمينَ وضَعْفَ دِينهم وانصرافَهم عنِ الدِّينِ، لَا شَكَّ أن هَذَا يُهِمُّنا ويُحزِننا، ولَكِننا إذا نَظَرْنا إليه من جهةٍ أخرى وجدنا أنَّهُ مقدَّر من جهةِ اللهِ، وَأنَّهُ لَا بُدَّ أن يَكُونَ، فلهَذَا حِكْمَةٌ لَكِنَنّا قد لا نَعْلَمُها نحنُ. وهَذَا يَجِب أن تَجْعَلَه جاريًا عَلَى جميعِ أحوالِكَ الخاصَّة والْعَامَّة، أنك تَتيقَّن أنَّ هَذَا لحِكْمَةٍ، ولكِن تَيقُّننا للحكمةِ لا يَمْنَعُنا من فعلِ الأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الَّتِي أُمرنا بها.
ومثالُ ذلك هَذَا المثال الَّذِي ذَكَرْنا؛ مسألة ضَعْف المُسلِمينَ وانْصِرَافِهِم، هَذَا يُوجِب لنا أن نَتحرَّكَ أكثر للدعوةِ إِلَى الإِسْلامِ وبَيَان محاسنِهِ، والتحذيرِ من مخالفتِه،
стр. 38
وسُوءِ العاقبةِ للعُصَاةِ والفاسقينَ، وهَذَا مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَتَحَرَّكَ أهلُ الخير للدعوةِ إِلَى اللهِ وبَيَان الحقّ وبَيَان العاقبةِ الحميدة لمن تَمسَّكَ بدينِ اللهِ؛ لأجل أنْ يَكْثُرَ ثوابُهم ولأجلِ أنْ يَدْخُلَ النَّاس فِي دين اللهِ عنِ اقتناعٍ؛ لأني أتصوَّرُ أن النَّاس لو مثلًا وُجِدُوا عَلَى حالةٍ معيَّنةٍ فهم لا يُدْرِكُون هذه الحالة المعينة عَلَى حقيقتها؛ لِأَنَّهَا أمرٌ معتادٌ عندهم، وقد لا يَفهمون ما يَنْتُجُ عنها من خيرٍ أو من شرٍّ، لكِن عندما يُوغِلون فِي الشرّ وَينتَهُون إِلَى غايته، ثُمَّ يُبَيَّنُ لهم الحقّ ويَرجعون إليه، يَكُون هَذَا أحسنَ حالًا منَ الحالِ الأُولى، وهم الَّذِينَ وجدوا آباءَهم عَلَى شيءٍ فَمَشَوا عليه؛ لِأَنَّهُم الْآنَ سوف يأتون عنِ اقتناعٍ وعن محبَّة لهذَا الأَمْرِ الجديدِ الَّذِي بُيِّن لهم.
ولذلك الْآنَ -والحمدُ لله- هُنَاكَ بادرةٌ طيِّبة فِي جميعِ الأقطارِ الإِسْلاميَّة، وهي بادرةُ الرجوعِ إِلَى الإِسْلامِ عنِ اقتناعٍ، ولَا شَكَّ في ذلك، وهَذَا منَ الحِكْمَةِ أنَّ اللهَ يُقَدِّر مثل هذه الأُمُورِ المكروهةِ فِي الدينِ لأجلِ أنْ تكونَ غايةً لمِا هُوَ أحمدُ.
قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ العليم معناه المتَّصِف بالعِلْم، والعلمُ كما حدَّه أهلُ الأصولِ: هُوَ إدراكُ الشَّيْءِ عَلَى ما هُوَ عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. ولَا شَكَّ أنَّ اللهَ له مِن هَذَا الوصفِ أَتمُّه وأعلاهُ، فَهُوَ عليمٌ عِلمًا مُطْلَقًا، لم يُسْبَق بجهلٍ ولم يُلحَق بنسيانٍ، ولا يحدُّ بحدٍّ. وعلم المخلوق مسبوق بالجهلِ وملحَق بالنسيانِ ومحدودٌ أيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، بِخلافِ علمِ اللهِ .
وهنا قُدِّمَ الحكيمُ عَلَى العليمِ، وأكثر ما يَرِد فِي القرآن تقديمُ العليمِ عَلَى الحكيمِ، فما هِيَ الحِكْمَةُ من تقديمِ الحكيمِ هنا عَلَى العليمِ؟
стр. 39
نَقُول: الْقُرْآنُ مُشتمِلٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، والشَّرِيعَةُ فيها أوامرُ ونواهٍ، وإذا لم نَعْتَقِدْ أنَّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مبنيَّة عَلَى الحِكْمَةِ فَإِنَّهُ يَضعُف انقيادُنا لها، فلهَذَا قدّم الحِكمةَ. أَمَّا العلمُ فَإنَّهُ مفهومٌ مِن قولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ لِأنَّهُ بمجرَّد تَلَقِّي الْقُرْآنِ يَكُونُ العلمُ. لكِن هل هَذَا الموجود فِي القرآن موافِقٌ للحِكْمة؟
نعمْ هُوَ موافِقٌ فِي الواقعِ، ولذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أنْ يَشعرَ الْإِنْسَانُ قبلَ كُلِّ شيءٍ بأنَّ ما تَلَقَّاه الرَّسُول ﵊ مِنَ الْقُرْآن هو حِكمةٌ.
نظير ذلكَ فِي سور الذَّارِيات قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، ولم يَقُلِ: العليمُ الحكيمُ؛ لِأَنَّ ولادةَ العجوزِ أمرٌ خارجٌ عنِ العادةِ، وعن المألوفِ، فكيف تَلِد العجوز ولماذا؟ ! فقُدِّمَتِ الحِكْمَةُ لأجلِ أن يشعرَ الْإِنْسَان قبل كُلّ شيءٍ أن هَذَا الأَمْرَ النادرَ الخارجَ عنِ العادةِ صادرٌ عن حكمةٍ وَلَيْسَ عن سَفَهٍ ولا عن صُدْفَةٍ.
إِذَنْ: هذه الآيةُ نَقُول في مثلها: قدّم اسمَ الحكيمِ الَّذِي يَدُلّ عَلَى وصفِ اللهِ تَعَالَى بالحِكمة فِي هَذَا المقامِ؛ لِأَنَّ ما يُلَقَّاه الرَّسُول ﷺ من القرآن مُشْتَمِل عَلَى التشريعِ الَّذِي يَحتاج إِلَى بَيَان الحِكْمَةِ فيه، حَتَّى يَقتنع به المرء، فلذلك قُدِّمَتِ الحِكْمَةُ عَلَى العلمِ. أَمَّا العلمُ فَإِنَّهُ مفهومٌ من كلمةِ (تُلقَى)؛ إذ إِنَّهُ إذا لُقِّيَ القرآن فقد عَلِم، لذلك صار العلم فِي المرتبةِ الثَّانِيَةِ.
مسألة: ما هِيَ الحِكْمَةُ من جمع الحِكْمَةِ والعلمِ: حكيم وعليمٌ، ودائمًا فِي الْقُرْآنِ تجد أن الحكيم مقرونٌ بالعليمِ كثيرًا، ويُقْرَن بالعزيزِ (عزيز حكيم) أيضًا، فما هِيَ الحِكْمَة من ذلك؟
стр. 40
الجواب البيِّن أن نَقُول: إن الحِكْمَةَ قد تَخفى عَلَى بعضِ النَّاسِ، فخَفاؤها علينا هنا لا يَقتضي أَنَّهَا ليستْ معلومةً عند اللهِ، فكأنه جمعَ بينهما لِيَتبَيَّنَ أن هذه الحِكْمَةَ معلومةٌ عندَ اللهِ، وإنْ خَفِيَتْ علينا، فَهُوَ حكيمٌ عليمٌ يَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مواضِعِها، وإنْ خَفِيَ علينا ذلك. فلا نَقُول: إنَّهُ إذا شَرَعَ الله شيئًا أو قضَى بشيءٍ فهَذَا لَيْسَ عن علمٍ؛ بل هُوَ عن علمٍ، حَتَّى لو فُرض أننا نحن لم نعلمْ حِكمته ووجهته، فهَذَا هُوَ وَجه الجمعِ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ فِي آياتٍ كثيرةٍ بينَ العلمِ والحِكْمَةِ.
الخلاصة أن نَقُول: لمَّا كانت الحِكْمَة تَخفى عَلَى العبادِ قَرَنَها الله تَعَالَى بالعلمِ لِيَطْمَئِنَّ المرء إِلَى أن هذه الحِكْمَة معلومة عند الله ، وإن كانتْ خافيةً علينا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: التأكيد بـ (إن) و (اللام) عَلَى أن الْقُرْآن من عندِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن الْقُرْآن كلامُ اللهِ؛ لِأَنَّهُ نزل من لدنه، والْقُرْآن صفة المتكلّم.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: دفاع الله ﵎ عَن أهلِ ولايته؛ لِأَنَّ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ دفاع من الله جل وَعلَا عن الرَّسُول ﷺ .
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: إثبات العلم والحِكْمَة.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: إثبات نبوَّته ورسالته.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مُراعاة المقام فِي التَّعبير يُعتبر من الفصَاحة، فغالب الآياتِ يقدّم العلم عَلَى الحِكْمَة، وأحيانًا تُقدَّم الحِكْمَة عَلَى العلمِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ حِكمة اللهِ ﵎ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العلمِ، والظَّاهر أن العلمَ سابِقٌ حَسَب ذِهن الْإِنْسَان، فإن العلم يَسبق الحِكْمَةَ، كيف تدري هَذَا مناسب
стр. 41
أو غير مناسب؟ إذا علِمتَ أنَّهُ مناسب ووضعتَه فِي محلّه، المهم أن حكمة الله تَعَالَى ما جاءتْ عَفْوًا، قد يفعل الواحدُ مِنَّا الشَّيْءَ وَيكُون هَذَا الشَّيْء فِي مَوْضِعِه، لَكِنَّهُ قد يَكُون جاء عفوًا، كما يَقُول النَّاس: (عميان طاحَ فِي خِرْقةٍ) لكِن حِكمة الله ﵎ صادرةٌ عن علمٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إقناعُ النَّاسِ بما يَقضيه اللهُ ﵎ مِن قضاءٍ قَدَرِيّ، أو قضاءٍ شَرْعِي، وجهُ ذلكَ: أننا إذا علِمنا أنَّهُ صادرٌ عن حكمةٍ فإنَّنا نُسَلِّم ونَرْضَى ولا نَقُول: لم وكيف؟ فإنْ علِمنا الحِكْمَةَ فهَذَا منَ الله وَهُوَ لَا شَكَّ أنَّهُ يَزيدُ فِي طُمأنينةِ العبدِ، وإذا لم نَعْلَمْ فإنَّنا نَجْزِم أنَّهُ لحِكمةٍ.
* * *
стр. 42
الآية (٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧].
* * *
قوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ المفسِّر ﵀ قَالَ: [اذْكُرْ ﴿إِذْ قَالَ﴾]، وهَذهِ طريقتُه، وهي أيضًا معروفة عندَ النحْويِّين أنَّ ﴿إِذ﴾ ظرف، والظرفُ لَا بُدَّ له من عاملٍ، وَهُوَ المتعلّق، فيقدِّرون: (اذْكُرْ) دائمًا فِي مثل هَذَا التركيبِ: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾.
وموسى معروف أنَّه هوَ ابنُ عِمران، لكِن ما هُوَ الجواب البيِّن.
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إن موسى أخو مَرْيَمَ؟ لِأَنَّ هَذَا موسى بنُ عِمْرَانَ، وهي مَرْيَم بنتُ عِمرانَ، وموسى أخو هَارُون، واللهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]؟
نَقُول: إنهم يُسَمّون بأسماءِ أنبيائِهم، والتاريخُ كما هُوَ معروف بينَ موسى ومَريمَ بعيدٌ جدًّا، فموسى ﷺ هُوَ أفضل أنبياء بني إسرائيلَ، ويقع بين أُولِي العَزْمِ فِي المرتبةِ الثَّالثةِ؛ لِأَنَّ أولي العزمِ منَ الرُّسُل -عليهم الصَّلَاة والسلام- أفضلهم النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ إبراهيم، ثُمَّ موسى، ثم عيسى ونوح؛ لا يجد الْإِنْسَان بينهما مفاضلةً؛ لِأَنَّ لكلِّ واحدٍ منهما مَزِيَّة ليستْ للآخَرِ، ولهَذَا لا نرجِّح واحدًا منهما عَلَى الآخَرِ، أَمَّا الأوَّلون الثلاثة فالترجيحُ بينهم واضِحٌ.
وأمَّا قوله تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
стр. 43
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]، فالظَّاهر -واللهُ أَعْلَمُ- أنَّ نوحًا قُدِّم هنا لِأَنَّ رسالتَه أوَّلُ الرسالاتِ، وَلَيْسَ لِأَنهُ أفضلُ، ولَا شَكَّ أنهُ أوَّلُ رسولٍ، والترجيح هنا لبَيَان الفضلِ، أَمَّا المفاضَلَةُ عَلَى سبيلِ المفاخَرَة فلا تجوز، ومثال ذلك قِصَّةُ اليهوديِّ مَعَ المسلمِ (١).
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل مَريم كَانَ لها أخ اسمه هارون كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]؟
فالجواب: بلى.
لَكِنْ لَوْ قِيلَ: إنَّ أُمَّها نَذَرَتْ ما فِي بطنها لله ؟
فالجواب: يجوز أن يَكُون أخًا من أبيها.
قوله (٢): ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ... ﴾ إِلَى آخر القصةِ، وهَذا من جُملةِ ما يُلقَّاه النَّبِيّ ﷺ من الْقُرْآن، وهي قَصَص الأَنْبِياء، وفائدة ذِكر هذه القصصِ ما ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سورة يُوسُف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿عبرةٌ﴾ نَعتبِر بها فِي أحكامها وَفي عواقبها، ولهَذَا الصَّحيحُ أن ما ذُكِر فِي هَذا القَصَص
стр. 44
من الأحكام فَإِنَّهُ يجوز لنا أنْ نَتَّبِعَه وأنْ نَقْتَدِيَ به؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
كذلك نَعتبِر بما جَرَى منَ العواقب للرسُل وأتباعهم، وما جَرَى من العواقب لمخالفيهم، ومعلومٌ أن عاقبةَ الأوَّلينَ عاقبةٌ محمودةٌ، وعاقبةَ الآخِرين عاقبةٌ سيِّئة.
فمن جُملة القَصَص الَّتِي كثُر ذِكْرُها فِي القرآن قِصَّة موسَى، ولا غَرْوَ أنْ يكْثُر فِي السورِ المَدَنِيَّة؛ لِأَنَّ المَدينَةَ كَانَ بها طائفة منَ اليهودِ حَتَّى يَتبَيَّنَ أمرُهم، ولهذَا فُصِّلَت أحوالهم كثيرًا فِي سورة البقرةِ، وَأَمَّا ذِكرُ قِصَّة موسى فِي السورِ المكّيّة كهَذه السُّورَة فإن فائدتها التوطِئَة والتمهيد للنبيِّ ﷺ حَتَى يَكُون عَلَى بَصيرةٍ من أمرِهِم.
وهَذَا التوجيه -وَهُوَ الاستعدادُ للمُسْتَقْبَلِ- سَلَكَهُ النَّبِيّ ﷺ أخذًا بتوجيهِ الْقُرآنِ حينما قَالَ لمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كتَابٍ" (١).
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ وقد تكلَّمنا عَلَى موسى ﷺ وَأنَّهُ موسى بنُ عِمْرَان وَأنهُ أفضلُ أنبياءِ بني إسرائيلَ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِأَهْلِهِ﴾ زوجته عندَ مَسِيرِهِ مِن مَدْيَنَ إِلَى مِصْر]، يَقُول ﵀: زَوْجته، أفلا يَحتمِل أن يَكُون زوجته وأُمّه وأباه ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
نَقُول: لا؛ لِأنَّهُ خرجَ من مِصْرَ وحيدًا، ثُمَّ الْتَقَى بالمرأتينِ، ثُمَّ اتصلَ بأبيهما، ثُمَّ زَوَّجَه عَلَى أن يَأْجُرَهُ ثمانيَ حِجَجٍ، وانتهتِ الحِجَج.
وبهَذِهِ المناسبةِ بعض النَّاس يَظُنُّون أنَّ صاحبَ مَدْيَنَ هُوَ شُعَيْبٌ النبيُّ،
стр. 45
وَلَيْسَ كذلكَ، فإن بينَه وبين موسى بُرْهَة منَ الزمنِ، وإنما صاحب مَدْيَن رجلٌ من أهلِ مَدْيَن، هَذَا هُوَ الصَّحيحُ بِلَا شَكٍّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرتُ من بعيدٍ ﴿نَارًا﴾].
قوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ مَقُولُ القَوْلِ، ولهذا كُسِرَتْ (إنَّ)، وقوله ﵀: [﴿آنَسْتُ﴾ أَبْصَرْتُ من بعيدٍ]، آنسَ بمعنى أبصرَ، وكونها من بعيدٍ لا يَدُلّ عليه اللفظُ فِي الحقيقةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يقالَ: إنَّ الإيناسَ لا يَدُلّ عَلَى القُرْب بسببِ أنَّهُ يَدُلّ عَلَى الخفَاء، والخفَاءُ فِي النَّار لا يَكُونُ إِلَّا إذا كانتْ بعيدةً.
وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ السين للتنفيسِ، وقد ذَكَرْنَا فيما سبقَ أَنَّهَا إذا دخلتْ عَلَى الجملةِ -وهي طبعًا لا تدخُلُ إِلَّا عَلَى المضارع- تفيد أمرينِ، هما: القُرب والتحقُّق.
وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾: ما الفرقُ بينَ (آتيكُمْ) و (أُوتيكُم)؟ لآتيكم، أي: أَجِيئُكم، وأُوتيكُم بمعنى: أُعْطِيكم، نُصرِّفها فِي غير الآية: أتيتُ مضارعها: آتي، وآتيتُ مضارعها أوتي.
في هذه الآية قَالَ: ﴿بِخَبَرٍ﴾ وَفِي آية أُخرى قَالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]، فهل بينهما فرقٌ، أو هما بمعنًى واحدٍ، وإن قُلْنَا بالفرق فما الجمعُ؟
الجواب: بينهما فرق، والجمعُ: إذا قُلْنَا: إن (لعلَّ) للرجاءِ، فَهُوَ رجا أولًا ثُمَّ قوي وجَزَمَ به، وقال: ﴿بِخَبَرٍ﴾، هَكَذَا قَالَ بعضهم، لكِن يُمْكِن أنْ يَكُونا بمعنًى واحدٍ بدون اختلافٍ؛ لِأَنَّ (لعلَّ) تأتي للتوقُّع، وقد ذَكَرْنا فيما سَبَقَ فِي النحوِ أنَّ (لعلَّ) تكون للترجِّي والإشفاق والتعليل والتوقُّع، وإذا كانت للتوقّع صار معناها التَّوْكيد.
стр. 46
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حالِ الطريقِ، وَكَانَ قد ضَلَّها]، هَذَا واضحٌ، فالخبرُ الَّذِي يريد هو خبرُ مَن يَدُلُّه عَلَى الطريقِ؛ لأنهُ ﷺ كَانَ قد ضلَّها.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافةِ للبَيَان وتركها (١)]، أي: ترك الإضافة، ففيها قراءتانِ: "أَوْ آتِيكُم بِشِهابِ قَبَسٍ" أو قراءة ﴿بشِهَابٍ قَبسَ﴾، أَمَّا قراءة "بِشِهَابِ قَبَسٍ" فهي للبَيَان كما قَالَ المُفَسِّر، والإضافة إذا كانت للبَيَان فهي عَلَى تقدير (مِن) مثلما يقال: خاتَمُ حديدٍ، أي: خاتم من حديدٍ، فهنا قوله: (شهابِ قَبَس)، أي: شهابٌ من قبس؛ لِأَنَّهَا بَيَانيَّة، وإذا جعلناها: (شِهابٍ قَبَسٍ) صارت قَبَس صِفَة لِشِهَاب، صفة مبيّنة أيضًا، فيَكُون الإضافةُ والقطعُ بمعنًى واحد.
في قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ هل (أو) هذه مانعة جمع أو مانعة خُلُوّ؟
والفرقُ بينهما أن مانعة الجمع معناها أنَّهُ ما يَكُون إِلَّا أحد الأَمْرينِ؛ إِمَّا هَذَا أو هَذَا، ومانعة الخلوّ مَعناها ما يَخْلُو الأَمْرُ من واحدٍ منهما، أو منهما جميعًا، وهي تُشبِه قول النحْوِيِّين: إِنَّ (أو) تأتي للإباحةِ وللتخييرِ، قَالُوا: إذا كانت فِي سياقِ الطلبِ تقول: تزوَّجْ هندًا أو أُختها، فـ (أو) هنا للتخيير وليس للإباحة، وتقول: جالِسْ فلانًا أو فلانًا، وكُلْ خبزًا أو رُزًّا، فـ (أو) هذه للإباحةِ، والَّتي للإباحةِ لا تمَنَع الجمعَ، و (أو) الَّتِي للتخيير تَمنَع الجمعَ، وإذا كانت (أو) فِي خبر جمع فإنَّهم يُسَمُّونها مانعةَ خُلُوٍّ أو مانعة جَمع.
إِذَنْ: هِيَ مانعة خلوّ، بمعنى أنَّهُ يمكن أنْ يَأْتِيَهم بالأَمْرينِ جميعًا: الدلالة، والشهاب القَبَس، وفُهِمَ من هَذَا الكَلامِ ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أنَّ
стр. 47
الليلةَ كانت باردةً، وما أحوجَ الضالَّ للطريقِ فِي ليلةٍ باردةٍ إِلَى نارٍ يَصطلي بها، وإلى أهل نار يُخبِرونه عن الطريقِ؛ لِأَنَّ النَّار معلومٌ أَنَّهَا ما تكون وحدَها، لَا بُدَّ أن عندها أحدًا يُخْبِر.
قوله ﵀: [أي: شُعلة نار فِي رأس فَتيلة أو عُود]. هَذَا الشهاب القَبَس، والقبس الَّذِي يُقتبس منه، وهَذِهِ تكون كما قَالَ المُفَسِّر ﵀ شُعلة نار فِي رأسِ فَتيلة أو عودٍ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لعلَّ هنا للتعليل، أي: لأجلِ أنْ تَصْطلوا بها، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والطاء بدلٌ من تاءِ الافتعالِ]، فاصطلى أصلُه (اصتلى) بالتاء عَلَى وزن افْتَعَلَ، لكِن أُبدلتِ التاءُ طاءً لسببٍ صرفيّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ بالطاء بدل تاءِ الافتعالِ من صَلي بالنَّار بكسرِ اللامِ وفتحها -صلَى- تَسْتَدْفِئون مِنَ البَرْدِ]، وما أحلى النَّارَ الَّتِي يَصطلي بها الْإِنْسَان فِي حالِ البردِ، ولهذَا يَقُول المثل: (النَّار فاكهة الشتاء، والمُكَذِّبُ يَصْطَلي)، وهذا صحيحٌ ومشاهَدٌ.
ذهب موسى ﷺ وبقِيَ أهلُه فِي هَذَا المكانِ، وذهب هُوَ وحدَه إِلَى النَّارِ لعلَّه يأتيهم بالخبرِ أو بالشِّهاب.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الحِكْمَة فِي كون موسى ﷺ أُري هَذه النَّار فِي هَذَا المكان؟
فالجواب: لعلَّ من الحِكْمَةِ أنَّ ذلك المكان بالذاتِ فِي الوادي المقدَّس، فهَذَا الوادي مبارَك ومقدَّس، فصارَ ابتداء الوحيِ من ذاكَ المكانِ، وَأنَّهُ كَانَ ﷺ بعيدًا منه، وموسى ﷺ .
стр. 48
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: حُسْن خُلُق موسى ﷺ وذلك لمكالمتِه لأهلِهِ ومراجعته إيَّاهم بما يهمّ الجميع. يعني أَنَّهُ لم يَذْهَبْ هُوَ بدونِ أنْ يقولَ لهم هَذَا القَوْلَ، مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّه يَترَاجَع معَهم فيما يُهِمُّهم.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: فِي هَذَا دليل عَلَى أن الزوجةَ مِنَ الأهلِ، وهَذَا هُوَ القَوْل الصَّحيح. فعلى هَذَا آلُ النَّبِيّ ﷺ يدخل فيهم أزواجُه، لِأَنَّ الزوجةَ منَ الأهلِ.
وقدِ اختلفَ العُلَماءُ فيما إذ أوصَى الْإِنْسَان لأهلِهِ أو أوقفَ لأهلِهِ، هل يدخلُ الزوجاتُ فِي ذلكَ أمْ لا؟ والَّذِينَ يَقُولُونَ بعدمِ الدخولِ يَرُدُّون ذلك إِلَى العُرف، وَيقُولُونَ: إنَّ العُرْفَ عند النَّاسِ أنَّ الزوجاتِ لَيْسُوا مِنَ الأهلِ، وإنَّما الأهلُ القرابة.
وإذا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّهُ يقال: الزوجاتُ مِنَ الأهلِ، فإذا أوقفَ الْإِنْسَان عَلَى أهلِ فلانٍ، أو أَوْصَى لهم، دخل فيهم الزوجاتُ بِمُقْتَضَى اللُّغةِ. ثُمَّ إنْ وُجِدَ عُرْفٌ مُضْطَرِدٌ ينافي ذلك رَجعنا فِيهِ إِلَى العرفِ، لأنَّ الصَّحيح أنَّ الأقوال تُرَدُّ معانيها إِلَى أعرافِ النَّاسِ وعاداتهم، فإذا لم يُوجَدْ عُرف رجعنا إِلَى الشرع أو اللُّغة، حَسَب ما يَكُون ذلك.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أنَّ الأحوال البَشَرِيَّة تَطْرَأُ حَتَّى عَلَى الأَنْبِياء عليهم الصَّلَاة والسلام، فإنَّ موسى فِي تلك الليلةِ كَانَ قد ضلَّ الطريقَ ولم يهتدِ إليه، وقد أصابَهُ البردُ هُوَ وأهله. والأَنْبِياء والرُّسُل لا يَختلفون عن غيرهم إِلَّا فِي الرسالةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت: ٦]، فالأوَّل: المُماثَلَة فِي البشريَّة، والثاني: الاختصاص بالوحيِ.
стр. 49
فائدة: النبوَّة فوق معرفة الله والتعبُّد له.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أنَّ الْإِنْسَان لا يُلامُ عَلَى اتِّخاذِ الوقاية الدافعةِ أو الرافِعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وهَذِهِ الوقاية دافعةٌ رافعةٌ؛ رافعة للبردِ السابق، ودافعة للبردِ اللاحِق. فاتخاذ الوقايةِ الدافعةِ أو الرافعةِ لا يُلامُ عليه الْإِنْسَان، بل إِنَّهُ ربما يُؤْمَر به أمرَ إيجابٍ أو أمر استحباب، حَسَبَ ما تَقتضيه الحالُ الَّتِي يريد أن يرفعها أو يَدْفَعَها.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: قَبُول خبرِ الثقةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ فالعَمَلُ بخبرِ الثقةِ هَذَا سائغٌ، وَأَمَّا مَن لَيْسَ بثقةٍ فقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].
والنَّاس فِي هَذَا المقام ثلاثةُ أقسامٍ: قِسم يُوثَق به، وقسم لا يُوثَق به، وقسم محُتمل. الَّذِي لا يوثق به لا يُقبَل، والموثوق به يُقبَل، والمجهول أو المحتمل يُتَوَقَّفُ حَتَى يَتبَيَّنَ أَمْرُه.
والكَلام هنا عَلَى من يُوثَق به عامَّة أو خاصَّة، فقد يَكُون هَذَا الْإنْسَان معلومَ الحالِ عندي فأثِق به، وَهُوَ عندَ النَّاسِ مجهولٌ يَتَوَقَّفُون فِي أمرِه، فالثِّقَة هُوَ الَّذِي تثِق به.
مسألة: لو أنَّ رجلًا نظرُه ضعيفٌ، أخبرَ أَنَّهُ رأى الهلالَ، والنَّاسُ الَّذِينَ معه ما رأَوْهُ؟
لا يُقبل قولُه، ولو كَانَ عَدْلًا، ولهَذَا وقعَ عندَ بعضِ القُضاة فيما سبقَ أنْ تراءى النَّاس الهلالَ فقال شيخ منهم: إني رأيتُ الهلالَ، والنَّاس الَّذِينَ معه أَقوَى منه بَصَرًا
стр. 50
فقَالُوا: ما رأيناهُ. وهَذَا الشيخ فِي حدِّ دينه وأمانتِه موثوق به، وأصرَّ عَلَى أَنَّهُ رأى الهلال، فقال القاضي: ادْنُ منِّي. فدنا منه، فمَسَحَ حاجبَه، فقال له: انظُرْ، قَالَ: الآنَ لا أراه. فإذا هِيَ شعرةٌ بَيضاء. وهَذَا من ذكاءِ القاضي؛ لأَنَّهُ قَالَ: كيف أن النَّاس الَّذِينَ معه ما رَأَوْهُ وَهُوَ رآهُ؟ ! هَذَا لا يمكِن، وَهُوَ ثِقَةٌ وَلَيْسَ برجلٍ مشكوك فِي خَبَره، لكِن قد يَهِمُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: قوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾ موسى ﷺ يخاطِب أهلَه، ففيه دليل عَلَى مخاطبة الواحدِ بلفظِ الجمعِ، وهَذِهِ فائدة لُغَوِيَّة.
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، فالمنادي هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، والنداء لا يلزَم منه القُرب أو البُعد، وقد يَكُون الله ناداهُ من بَعيدٍ ثُمَّ قرَّبه نَجِيًّا، مثلَما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
وقوله: [﴿أَنْ﴾ أي: بأن]، أفادنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ (أنْ) هنا مخفَّفة من الثقيلةِ، حينما قَدَّرَ (الباء)، لِأَنَّ تقديرَ الباءِ يَدُلّ عَلَى أنَّ ما بعدها مؤَوَّل بمصدرٍ، وهناك قولٌ آخرُ حيثُ يجعلونَ (أنْ) هنا تفسيريَّة، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وَيقُولُونَ: إن ﴿نُودِيَ﴾ متضمِّن لمعنَى القَوْلِ دونَ حروفِهِ، و (أنْ) إذا سُبقت بما يَتَضَمَّنُ معنى القَوْل دون حروفِه فهي تفسيرَّية، ولكِن المَعْنى مِن حَيْثُ المَعْنى واحدٌ، إِنَّمَا الاختلاف فِي الإعرابِ.
فلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولنا: إن (أن) تفسيريَّة أَلا يَدُلّ عَلَى أن المناداةَ بغيرِ اللُّغةِ العربيَّة؟
فالجواب: لمَّا سِيقتْ باللُّغةِ العربيَّة أَخذتْ حُكْمَ اللُّغة العربيَّة، والتفسير فِي الحقيقةِ لكلِّ الكَلامِ، يعني ترجمة الكَلام الَّذِي وقعَ منَ الله لموسى فِي كُلّ هَذِهِ الجمَل، وَلَيْسَ فقط فِي قولِه: (بُورِكَ).
قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قَالَ المفسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [أي بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾]، قدَّر هَذَا ليُتين أن فاعلَ البركةِ هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، وأنَّ (بارك) يتعدَّى بنفسِه، يقال: بارك الله فلانًا، كما يقال: بارك اللهُ بفلانٍ، فَهُوَ يتعدَّى بنفسِه ويتعدَّى بحرف الجرِّ.
قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: ﴿مَنْ﴾ إعرابها بدونِ تقديرِ المفسِّر ﵀ اسم موصولٌ فِي محلِّ رفع نائب فاعلٍ.
стр. 53
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة، أو العكس]: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ أي: الملائكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: موسى، واحتمال ثالث أن يَكُون ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ البلاد الَّتِي حول هَذِهِ النَّار، لِأَنَّ بلاد الشامِ مُبارَكَة، أو ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أَهْله. كُلّ ذلك فِيهِ احتمالٌ.
قوله: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ فِيهِ إشكالٌ فِي الحقيقةِ؛ لِأَنَّ (في) للظرفيَّة، والنَّار ظرف، فهل موسى فِي النَّار؟ المُفَسِّر قدَّر لهَذَا فقَالَ ﵀: [وبارك يَتَعَدَّى بنفسِه وبالحرفِ، ويُقَدَّر بَعْدَ (في) مكان]، يَعْنِي: (مَنْ فِي مكانِ النَّار)؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ فِي النَّار حقيقةً لاحترقَ ولكِن يُقدَّر (مكان).
فإذا قيل: ما الفائدةُ مِن قولِهِ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وحَذْف المكان؟
قُلْنَا: الفائدة من ذلك -واللهُ أَعْلَمُ- شيئانِ:
الشَّيْء الأول: القُرْبُ التامُّ منها، والشَّيْء الثاني: أنّ شعاع النَّار قد وصلَ هَذَا القريب منها؛ لِأَنَّ النَّار كما هُوَ معروف لها شُعاع، والْإِنْسَان القريبُ مِنْهَا يَكُون فِي نفسِ الشعاعِ، فكأنه لِقُرْبِه ووصول شُعاع النَّار إليه صارَ كأنه فيها نفسها، وإلا فليسَ هُوَ فِي نفسِ الشعلة، هَذَا لا يمكِن، فهَذَا - واللهُ أَعْلَمُ - الحِكْمَة من كون الله جَلَّ وَعَلَا قَالَ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾.
مسألة: كثيرٌ مِنَ المفسِّرين يُكْثِرُون حول هَذَا الموضوعِ وَيقُولُونَ: أرادَ أنْ يأخذَ مِنْهَا شيئًا فاتجهتْ إليه ثُمَّ انْقَلَبَتْ إِلَى نورٍ وهَكَذَا؟
الجواب: النَّار هنا نار حقيقيَّة، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، وَأَمَّا قول مَن يَقُول: إِنَّهَا نورٌ، وإنَّما هِيَ نار فِي اعتقادِ مُوسى فنَقُول له: ما لنا أن نَقُولَ إِلَّا ما قَالَ الله، والله تَعَالَى
стр. 54
عَلَى كُلِّ شَيْء قدير، ثُمَّ هَذِهِ النَّار لا ندري ما وَقُودُها، ما لنا أن نتكلَّم والله تَعَالَى يَقُول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فكلُّ عِلم يأتينا عن هذه الأمم من غير الْقُرْآن أو صحيح السنَّة فليس بشيءٍ، غاية ما هنالك أن يَكُونَ من أقوالِ بني إسرائيلَ الَّتِي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، ولهَذَا القَصَص لا يجوز أن نتعدَّى فيها الْقُرْآن إِلَّا ما جاءتْ به السنَّة، لِأَنَّ قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، معناه: قطع أي خبر يأتي من غيرِ طريقِ اللهِ، لأَنَّهُ لو كَانَ هناك أخبار صحيحة تأتي من غيرِ اللهِ لكان الله يعلمها، وهَؤُلَاءِ المخبِرون أيضًا يعلمونها، والله تَعَالَى حَصَرَ فقال: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهَذَا من أقوى طُرُق الحصرِ الَّذِي هُوَ النفيُ والإثباتُ، قال: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ فهَذِهِ الآيَة تُبيِّن لنا أنَّ كُلّ ما يُقال فِي هَذِهِ القصة، وكذلك فِي قِصَّة سُلَيْمَان وداودَ ﵉ وغيرهما، أَنَّهَا مسائل إن كَانَ الشرع يُنافيها أو مَقام النبوَّة ينافيها فهي باطلة وكذِب، كما فِي قِصَّة داودَ الَّتِي سَبَقَتْ فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] إِلَى آخرهِ، وإن كَانَ لا يكذبها فموقفنا مِنْهَا أن نَقُولَ: لا نُصَدِّق ولا نُكَذِّب، أَمَّا أن نفسِّر بها كلامَ اللهِ فلا يجوز.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من جملة ما نُودِيَ، ومعناه تنزيه اللهِ منَ السُّوء]، يَقصد معنى التسبيح، ومعلومٌ للجميعِ أنَّ ﴿سُبْحَانَ﴾ اسْم مصدر، وأن عاملَه محذوفٌ دائمًا، وَأنَّهُ مُلازِمٌ للإضافةِ، كُلّ هَذَا شَيْء معلوم وأن معنى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيه الله عن كُلّ نقصٍ وعيبٍ، لكِن هل الجملة هنا خَبَريَّة بمعنى الطلبِ أو خبريَّة عَلَى ظَاهِرِهَا؟
يقولُ بعضُ المفسّرينَ: إِنَّهَا تَعْجِيبٌ لموسى، بمعنى: اعْجَبْ وسَبّحِ اللهَ تَعَالَى
стр. 55
عمَّا لا يليق به، وأن هَذَا الأَمْر الَّذِي رأيتَ والكَلامَ الَّذِي سمِعتَ ما هُوَ إِلَّا كلامُ ربِّ العالمينَ، فسبحانَ الله ربّ العالمينَ.
فعلى هَذَا تكون الجملة الخبريَّة هنا من حَيْثُ المَعْنى طَلَبيَّةً، أي: سَبِّحِ اللهَ ربَّ العالمينَ عمَّا لا يَلِيقُ به، وإذا قُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى ظاهرها صارَ معناها ثناءً مِنَ الله المُكَلِّم المنادِي عَلَى نفسِه، فأيّ المعنيينِ أشملُ؟ الأوَّل: أي أنَّها طَلَبِيَّة؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن إذا أُمِرَ بها موسى أن اللهَ أهلٌ لها، فهَذَا هُوَ الجبَر، وتَتَضَمَّن الزيادة الثانيَةَ، وهي تعجيبُ موسى ﵊ واعتقاده بأن الله مُنَزَّهٌ عن كُلِّ عَيبٍ.
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ما معنى الربِّ؟ المالِك المتَصَرِّفُ، لَكِنَّها أيضًا مُتَضَمِّنة لمعنى أدَقَّ وَهُوَ التربيَة، فَهُوَ يُرَبِّي مَعَ كونه مُدَبِّرًا خالقًا مُتَصَرِّفًا، و (العالمين): كُلّ مَن سِوَى الله فَهُوَ من العالمين، وسُمُّوا عالمَينَ قيل: لِأَنَّهُم عَلَم عَلَى خالقِهم ودليلٌ عليه؛ فإنَّ كُلّ ما فِي الكونِ شاهدٌ بوَحْدَانِيَّة الله ﵎، وبما تقتضيه هَذِهِ الأكوانُ من معاني رُبُوبيتهِ.
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معناها أَنَّهُ يربِّي عبادَه تَرْبِيَةً حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فالتَّرْبِيَة الحِسِّيَّة نَضرب لها مثلًا بالْإِنْسَان، كونه فِي الخِلْقَة يَتَطَوَّر من شيءٍ إِلَى شيءٍ عَقلًا وجِسمًا وفِكرًا، فهَذِهِ تربيَة، ولو فَرَضْنا أن هَذَا الطفلَ الصغيرَ عَقْلُه كالكبيرِ، فلا يمكن أن يعيشَ؛ لِأَنَّهُ لا يَتحمَّل الأَشْيَاء الَّتِي تُقابله، مثلًا لو تركته أُمُّه وذهبت عنه لا يَستقِرّ أبدًا، وبدأ يُدبِّر ويقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا، وكذلك بالعكسِ لو كَانَ الكبير بعقلِ الصغيرِ ما استطاعَ أن يعملَ شيئًا، وهَكَذَا أيضًا الطعام يأتي إِلَى الْإِنْسَان شيئًا فشيئًا، فهَذَا من التربية الحسِّيَّة. وبالنِّسْبَة للتربية المعنويَّة فظاهرٌ أن الله يُرَبِّي عبادَهُ بالعلمِ النافع شيئًا فشيئًا.
стр. 56
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: إثبات كلامِ اللهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يَلْزَمُ منه القُرْب أو البُعْد، فقد يَكُون الله ناداه من بعيدٍ ثُمَّ قَرَّبَهُ نَجِيًّا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: الفِعْل هنا مبنيٌّ للمجهولِ، لم يُبَيَّن مَنِ المنادِي، فلا دليلَ فِيهِ عَلَى كلام الله، فما الجوابُ؟
أولًا: التصريح فِي آيَاتٍ أُخرى، وثانيًا: أيضًا قوله فِي سياق الكَلامِ: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أنَّ كلامَ اللهِ تَعَالَى بصوتٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾ والنداء لا يَكُون إِلَّا بصوتٍ، ففيه ردٌّ عَلَى طائفتينِ تَقَدَّمَ قولهما: الأشاعرة وَالْكُلَّابِيَّة، الَّذِينَ يَقُوُلونَ: إن كلامَ الله تَعَالَى معنًى قائمٌ بنفسِهِ، وهَذَا القَوْل باطلٌ بأوجهٍ كثيرةٍ.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ينبغي إيناس المُسْتَوْحِش، فيَنبغِي أن تقول له أو تفعل معه ما يُؤْنِسُهُ لِيَطْمَئِنَّ، ويَكُون قابلًا لما يُلْقَى إليه؛ لِأَنَّ المستوحِشَ لا يَقبل ما يُلقى إليه، بمعنى: أَنَّهُ لا يَتمَكّن من قبوله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ فإنَّ إثباتَ البركةِ لمِن فِي النَّار ومن حولها يَزداد به طمأنينةً بلَا شَكّ، ولهَذَا أوَّل ما خاطبهُ الله فِي هَذِهِ الآيَة قَالَ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: وفيه دليل عَلَى تنزيهِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عمَّا لا يَليق به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى عمومِ رُبُوبِيَّة اللهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل معه ربٌّ آخَرُ؟
стр. 57
لو كَانَ معه ربٌّ آخرُ لم يكنِ اللهُ تَعَالَى ربًّا للعالمينَ، بل ربًّا لبعضِ العالمينَ، والله ربُّ العالمينَ.
وقد ذكر اللهُ أَنَّهُ لا يمكِن أنْ يَكُونَ مَعَ الله إلهٌ آخرُ عَقْلًا، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم تَفْسُدا، فدلَّ عَلَى امتناعِ تَعَدُّدِ الآلهةِ، فامتناع فسادهما دلَّ عَلَى امتناع تَعَدُّدِ الآلهة. وقال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وهَذَا أمرٌ لم يَكُنْ.
فإثبات وَحدانِيَّة الله فِي رُبُوبيَّته معلوم، حَتَّى المشركون فِي عهد الرَّسُول ﷺ كانوا يُقِرُّونَ بوَحْدَانِيَّتِه فِي الرُّبُوبِيَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ثناءُ اللهِ عَلَى نفسِه، وأن ذلك من كماله؛ فَإِنَّهُ أثنى عَلَى نفسه بِقَوْلِهِ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثنى عَلَى نفسِهِ بنفيٍ وإثباتٍ؛ النفي: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ والإثبات: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومن هنا نعرِفُ أَنَّهُ لا يَتِمُّ كمال الأوصاف إِلَّا بهذينِ الأَمْرينِ، وهما: النفي والإثبات؛ لِأَنَّ إثبات الكمالات فقط لا يَدُلّ عَلَى نفي النقائصِ، ونفي النقائص فقطْ لا يَدُلّ عَلَى إثباتِ الكمالاتِ، وباجتماعهما يَحصُل الكمالُ المطلَق، ولهَذَا قَالُوا: لَا بُدَّ من تَخْلِيَةٍ وتَحْلِيَةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن جميع الخلق مَرْبُوبُونَ لله ﵎، يَتَصَرَّف فيهم بمُقتضى رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهَذَا حُكْمُ الرُّبُوبِيَّة ما أحد يَستطيع أن يخالفَه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن أرض الشام مُبارَكة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
стр. 58
الآية (٩)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَامُوسَى إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾]، هَذَا تفسير الضَّمير، وضَمير الشأن هُوَ ضَمير يَتَّصِل ويفَسَّر بالجملة الَّتِي بعده، فعلى هَذَا يَكُون ﴿إِنَّهُ﴾ هَذَا الشأن، وَيكُون قوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تفسيرًا لهَذَا الضَّميرِ.
أمَّا مِن حَيْثُ الإعرابُ فإنَّنا نَقُول: (إنَّ) حرف توكيد ينصِب الاسم ويرفع الخبر، والهاء اسمها و ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبَر، والجملة فِي محلِّ رفع خبر إنَّ.
وقال بعض المفسِّرين: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ فرأَوْا أن الهاءَ ضَميرٌ حقيقيٌّ للمتكلِّم، لا ضَمير شأن. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ يعني أنَّ الله قَالَ لموسى: إنَّ الَّذِي يُكَلِّمك أنا، وكلمة ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ لا يَتبَيَّن مِنْهَا مَن هو، ولهَذَا نُهيَ الْإنْسَان أن يَقُول إذا استأذنَ عندَ البابِ وَقِيلَ له: مَن؟ أن يَقُول: أنا (١).
إِذَنْ: (أنا) هنا مُبْهَمَةٌ، ثُمَّ بيَّن هَذَا الضَّمير بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وَعَلَى هَذَا تكون (إن) حرفَ توكيدٍ يَنْصِب المبتدأَ ويرفعُ الخبرَ، والهاء اسمها، وَلَيْسَ ضَمير
стр. 59
شأنٍ، و (أنا) خبرها، وجملة: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تكون بَيَانا للضَميرِ، (الله) مبتدأ، و (العزيز) خبر، و (الحكيم) خبر ثانٍ، وهي بَيَان لـ (أنا)، وعلى الأوَّل يَرَوْنَ أن جملة ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ هِيَ الخبر، لكِن ما سَلَكَه المُفَسِّر ﵀ أقربُ، وإنْ كَانَ الثاني محُتمَلًا، يَعْنِي أنَّ الثانيَ يَستقيم لكِن الأوَّل أقوى: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فهَذَا الَّذِي قدَّره المُفَسِّر أحسنُ مِنَ الَّذِي قدَّره بعض المفسِّرين كالزَّمَخْشَرِيّ (١).
قال: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ابتدأ بالأُلُوهِيّة، فقال: ﴿اللَّهُ﴾، و (الله) ﵎ هُوَ الاسمُ العلَم عَلَى اللهِ الَّذِي لا يُسمَّى به غيرُه، وجميع ما يأتي من أسماء اللهِ دائمًا تَجِدُه تبَعًا لهَذَا الاسمِ، ودائمًا تُصَدَّر أسماء الله بكلمة ﴿اللَّهُ﴾؛ لِأَنَّهُ العلم الَّذِي لا يُسَمَّى به غيره، ثُمَّ تأتي الأسماء بَعْد ذلك تابعةً له.
و﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه: القويّ الَّذِي لا يُغْلَب، بل هُوَ الغالِب، وَقِيلَ: إن العِزَّة تَنْقَسِم إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ هي:
١ - عِزَّة القَدر.
٢ - عزة القَهر.
٣ - عزة الامتناع.
وقَالُوا: إِنَّهَا مُشْتَقَّة مِنَ الْأَرْضِ العَزَاز، والْأَرْض العزاز يَعْنِي: الصُّلبة القويَّة، ونحن نُسَمِّيها باللّغة العامِّيَّة: (عَزَا) فنَحذِف الزايَ الثَّانِيَةَ، فالعزيز معناه: هُوَ القوِيُّ الغالب الَّذِي لا يُغلَب، فإذا قُلْنَا بهَذِهِ الثلاثةِ أَتَينا بالمعاني الثلاثةِ؛ القهر والقَدر والامتناع.
стр. 60
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عليه، وإنما ذكر الله له ذلك لِيُشْعِرَهُ بأن مآلَه للعزّ، وأن ما سَيُوحَى إليه فَهُوَ حكمة؛ لِأَنَّ الصادرَ من العزيز يَكُون عَزيزًا، ومن الحكيم يَكُون حكمةً.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أن تعيينَ الشخصِ بالنداءِ له فائدةٌ، وهي: التَّطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلتَ: يا فلانُ طَمْأَنْتَهُ بِلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ يَقُول: هَذَا يَعرِفني، ما يَنالني بِسُوءٍ، ولهَذَا قَالَ: ﴿يَامُوسَى﴾.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: إثبات العزَّة والحِكْمَة لله ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي لمَن أرادَ تَعيينَ نفسِه أن يُبَيِّن اسمه؛ لِقَوْلِهِ : ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. لم يقلْ مثلًا: أنا مُكَلِّمُكَ، أنا، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، بل بيَّن مَن الَّذِي يُكلِّمه.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: حَصْر الأُلُوهِيَّة فِي اللهِ؛ لِأَنَّ وصفَه بالعزَّة والحِكْمَة يَقتضي أن يَكُون هُوَ المألوهَ وحدَهُ.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: إثبات الحُكْم المطلَق للهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأنَّنا ذَكَرْنا أن الحَكيم: ذو الحُكْم والحِكْمة.
* * *
стр. 61
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].
* * *
قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ما هِيَ العَصَا الَّتِي معه؟
عصا عاديَّة يَتوكَّأ عليها ويَهُشُّ بها عَلَى غَنمه، فإضافتها إِلَى موسى ﷺ إضافة مملوكٍ إِلَى مالِكِهِ، وَلَيْسَ مخصوصًا إِلَى مَنِ اخْتَصَّ به، أي: أن هَذَا العَصَا لَيْسَ له اختصاص وَأَنَّهُ عصا من جوهر معيَّن أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هُوَ عصا عاديّ، وهَذِهِ العَصَا هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بها الحجرَ ما تَغَيَّرَتْ، وهي الَّتِي أَلقاها أيضًا للسَّحَرَةِ فأبطلتْ سِحْرَهم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها]، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هَذَا أيضًا من إيجازِ الحذفِ كما مرَّ دائما، والقَصَصْ يَكُون فيه إيجازُ حَذْف؛ لِأَنَّ المحذوفَ دائمًا يَكُون معلومًا منَ السياقِ، فيَكُون حَذْفُهُ سَهلًا ومُيَسَّرًا، وقد قَالَ ابن مالِكٍ ﵀ فِي الأَلْفِيَّة قاعدةً من أفيد ما يَكُون، ذكرها فِي بابِ المبتدأِ، وهي صالحةٌ لكلِّ شَيْء، قَالَ (١):
وحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
стр. 62
هَذِهِ فِي الحقيقة قاعدة: حذف ما يُعْلَم جائزٌ.
والإيجاز فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ وألق عصاكَ فألقاها. فهَذِهِ جملة محذوفة وليستْ تفسيرًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيره: ضَعْ عصاك، ولو أخذنا الآيَة عَلَى ظاهرها لكانتِ العَصَا تَهْتَزّ وهي بيدِهِ قبلَ أنْ يُلْقِيَها، يعني لمّا أمر أن يلقيَ عصاه اهتزتْ، فالآيَة لَا بُدَّ فيها من شيءٍ محذوفٍ: فألقاها فإذا هِيَ تَهْتَزّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّك]، ولكِن تفسير الاهتزاز بمطلَق التحرُّك فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ الاهتزازَ أبلغُ مِنَ التحرُّك، كَأَنَّ الاهتزاز فِيهِ نوعٌ من الْقُوَّة والاضطرابِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حَيَّة خفيفة]، وَقِيلَ: حيَّة عظيمة، وَقِيلَ: الجانُّ: الذَّكَر منَ الحيَّات، وأيًّا كَانَ فإنَّ هَذِهِ العَصَا الَّتِي كانت بيده صارتْ حيَّةً تَهتزُّ وتتحرَّك وتَضْطَرِب مثل الجانّ، يَعْنِي الحيَّة العظيمة، والدَّلِيل عَلَى أن المُرادَ بالجانّ الحيَّة العظيمة: قوله تَعَالَى فِي سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، والقِصَّة واحدة، فالجانّ من الأسماء المشترَكَة.
قوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: ﴿وَلَّى﴾ هَذِهِ جواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿مُدْبِرًا﴾ حال، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يَعْنِي: هاربًا، ولهَذَا يَقُول: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يرجع]، وقد ولَّى خوفًا من هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا بطبيعةِ البشرِ أنَّ الْإِنْسَان إن ألقى عصاه وصارت حيَّةً تَسعى لَا بُدَّ أن يخافَ، لا سِيَّما وَأنَّهُ ﵊ ما علِم أَنَّهُ سَيُرْسَل وَأَنَّهُ رسول، إِنَّمَا كلَّمه الله وإلى الآنَ ما حَصَلَ شَيْء.
فالحاصل: أنَّ هَذِهِ طبيعة البشرِ، لَا بُدَّ أن يُوَلِّي، وَلَيْسَ فِي هَذَا نقصٌ للنبيّ ﷺ ؛ لِأَنَّ الأُمُور البشريَّة تَعترِي الرسُلَ وغيرَهم، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول ﷺ يَنسى فِي أعظم
стр. 63
العبادات، فِي الصَّلَاة، ويقول: "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ" (١)، وَلَيْسَ فِي هَذَا أيّ قَدْحٍ للرسُلِ.
وقوله: ﴿يَامُوسَى﴾ هَذِهِ فيها أيضًا إيجاز بالحذفِ، ونحن نَقُول باختصار: جميع القَصَص ولا سِيَّما القَصَص الطويلة غالبًا يَكُون فيها إيجازُ حذفٍ، وأحيانًا تكون جملةً وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله فِي القَصَصِ الَّتِي فِي السُّورَة الَّتِي تلي هَذِهِ شيءٌ كثيرٌ من هَذَا.
قال: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ وناداه باسمِهِ لِيُطَمْئِنَه، لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يناديك وَهُوَ يَعْرِفك تَطْمَئِنّ إليه أكثر، لم يقلْ: يا هَذَا لا تَخَفْ أو يا مُوَلِّي لا تخفْ، بل قَالَ: ﴿يَامُوسَى﴾؛ لأنَّهُ معلوم أن الَّذِي يَعرِفك تطمئنُّ إليه أكثر، مثال ذلك لو رأيتَ مَن ظَنَنْتَه عدوًّا ثُمَّ هربتَ منه فقال: يا فلان، يا فلان، فإنك تطمئنُّ؛ لأنك تقول: هَذَا يَعرفني، ما يَنالني بِسُوءٍ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ منها]، والتقييد بـ (منها) الَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أن يأتيَ به هُوَ ظاهرُ السياقِ؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ أنَّ مُوسَى ﷺ إِنَّمَا هَرَبَ منها، فقال: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حيَّة وغيرها]، معلوم أن الَّذِي بِحَضْرَةِ الله لا يُمكِن أن يخافَ من شيءٍ؛ لِأَنَّهُ فِي كَنَفِ الله تَعَالَى وَفِي جِوَارِه، فلا يمكن أن يخافَ وَهُوَ عندَ اللهِ.
стр. 64
وقوله: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ هَذَا أيضًا فِيهِ بِشَارَة لموسى ﷺ بأنه عند الله وَأَنَّه مِنَ المرسَلِين، ومعلوم أَنَّهُ إذا بُشَرَ بمثلِ هَذِهِ البشارةِ سوفَ يَزول عنه الخوفُ نهائيًّا، وسوف يحلّ مكان الخوفِ أَمْنٌ، ومكان الذُّعْر سرورٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: هَذِهِ الآيَة العظيمة دالَّة عَلَى كمالِ قُدْرة الله ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزّ﴾؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بإلقاء العَصَا فألقاها، فبمُجَرَّد وُصُولها إِلَى الْأَرْض صارتْ حيَّة، ولهَذَا فِي سورة طه ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿إِذَا﴾ فُجائيَّة تدل عَلَى مفاجأةِ الأَمْرِ ووقوعِه عَلَى وجهِ الفورَّية. ففيها دليل واضح عَلَى كمال قدرةِ اللهِ ، وَأنَّهُ إذا قَالَ للشيءِ: كنْ فَإِنَّهُ يَكُون.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: حِكمة الله تَعَالَى فِي آيَاتِ الرسُل، وأنها تناسب العَصْرَ، لِقَوْلِهِ: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأنّ هَذَا أشبه ما يَكُون بما تَطَوَّرَ تَطَوُّرًا بالغًا عندهم فِي ذلك الوقت وَهُوَ السحر، فلو أن أحدًا أتى بعصا أمامَكَ ووضعها فِي الْأَرْض ثُمَّ رأيتَها حيَّة فإنك تقول: هَذَا سِحر. فلذلك أُوتي موسى ﷺ من الآيَات ما يَقضي عَلَى سِحرهم.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أنَّ مِنَ البلاغةِ الإيجاز بالحذفِ، ولا يُعَدُّ هَذَا قُصُورًا ولا تقصيرًا. قال: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا يوجد بلَا شَكّ محَذوفٌ، ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لِأَنَّهُ لو أُخذ الكَلامُ عَلَى ظاهرِهِ لكانَ المَعْنى: لمّا أُمِرَ بهَذَا اهتزَّتْ وهي فِي يدِه، وَلَيْسَ الأَمْرُ كذلكَ.
الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أن هَذِهِ العَصَا لم تكنْ مجرَّد حيوان يَتَحَرَّك، ولَكِنَّهَا أبلغُ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانّ﴾، ومعلوم أنَّ الجانَّ بنفسِه مروِّع، فالحيَّة بنفسها مروِّعة، فإذا كانت من عَظيمِ الحيَّات صارتْ أشدَّ وأبلغَ.
стр. 65
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: جَواز أنْ يَعْتَرِيَ الأَنبِياء الخوفُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. وأن ذلك لا يُعَدّ نقصًا فيهم؛ لِأَنَّهُ مِن مُقْتَضَى الطبيعةِ البشريَّة، وهَذَا الَّذِي يَكُون من مُقتضَى الطبيعة البشرية لا يُلام عليه أحد، فالأنْبِياء يجوعون، ويعطَشون، وَيبْرُدون، وَيمْرَضون، ويموتون أيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠].
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الأَنْبِياء مَعْصُومونَ مُطْلَقًا؟
قُلْنَا: لَا شَكَّ أن الأَنْبِياء لا يُعصَمون ممَّا لا يُخِلّ بالرسالةِ مِنَ الذُّنُوب؛ فالَّذِي لا يُخِلُّ بالرسالة والشَّرَف والمروءة لا يُعْصَمُون منه، لكِنهم يُعصَمون من الإقرارِ عليه، فلَا بُدَّ أن يُوَفَّقُوا للتوبة. وهَذَا هُوَ الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظنُّ أنَّنا ذكرناه فِي التوحيد وقلنا: إِنَّهُ يُفَرَّق بينهم وبين غيرهم من وجهينِ - في مسألة الذنوبِ والمَعاصِي -:
أولًا: أَنَّهُ لا يُمْكِن أن يَصْدُرَ منهم ما يُخِلُّ بالرسالةِ، مثل: الكَذِب والخِيَانة، ولا بالشَّرَف والمروءة: كالزِّنا وما أَشْبَهَهُ.
ثانيًا: أَنَّهُ إذا وَقَعَ منهم ما يُمْكِن وُقُوعُه مِنَ المَعاصِي فإنهم لا يقرّونَ عليه، لَا بُدَّ أن يَحْصُلَ لهم ما يُوجِبُ تَرْكَهم لهَذَا الشَّيْء؛ لِأَنَّهُم رُسُل قُدْوَة. ولو أقرُّوا عَلَى المَعاصِي لكانتِ المَعاصِي من شَرَائِعِهم. وَأَمَّا القَوْلُ بالعِصْمة مُطْلَقًا فلا وجهَ له، فلا توجد عِصمةٌ مُطْلَقًا، بل الصَّواب أَنَّهُم يَحْصُل منهم ما يَحْصُل ولكِنَّهم لا يقرّون عليه.
فقوله تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، هَذَا ممَّا يَدُلُّ عَلَى أن الأَمْرَ قد وقعَ مِنَ الرَّسُول ﵊ لَكِنَّهُ غُفِرَ عنه، ما أقرَّ عليه، أَمَّا مسألةُ
стр. 66
ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فليستْ بمعصيةٍ، بل خِلاف الأَوْلى، ولهَذَا لامَهُ الله عليها، وأيضًا موسى ﷺ اعترف بأنه ظالمٌ فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: موسى لَيْسَ بظالمٍ؛ لِأَنَّهُ لُدافِعُ عن قَوْمِه؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَه تَسَلَّطُوا عَلَى قومه؟
قُلْنَا: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّهُ معهم فِي الْأَرْض، وهَذَا الرجل بالذاتِ بينَه وبين الثاني عهد، وهما يَتخاصمانِ فِي مسألةٍ خاصَّةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: رَحْمَةُ الله ﵎ بِنَبِيِّه موسى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ فإن هَذَا من رحمةِ اللهِ به؛ لِأَنَّهُ إذا قَالَ له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ وقد عَلِمَ أَنَّهُ ربُّ العالمينَ فلا يمكن أن يخافَ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: جواز توجيه الأحكامِ الشَّرْعِيَّة إِلَى الأُمُور الفِطْرِيَّة. يعني مثلًا أنت إذا قلت لإِنْسَانٍ: لا تَخَفْ. والخوف طبيعيٌّ فكيف يَدْفَعُه عنه؟ فهل يَتَوَجَّه الحكم إِلَى مثلِ هَذِهِ الأُمُورِ الطبيعيَّة؟
نَقُول: نعم يمكن؛ لِأَنَّ الخوفَ وإنْ كَانَ أمرًا طبيعيًّا غيرَ شعوريٍّ؛ لِأَنَّهُ يأتي الْإِنْسَان بغيرِ اختيارِه، لَكِنَّهُ يُمْكِنه معالجتُه بالمدافعةِ، ولهَذَا جاء رجلٌ إِلَى الرَّسُول ﵊ فقَالَ: أَوْصِني، فقَالَ: "لَا تَغْضَبْ" (١)، والغَضَبُ من طبيعةِ الْإِنْسَان. لكِن معنى لا تَغْضَبْ: يعني حاوِلْ أن تُقَلِّلَ من غَضَبِكَ، وأن تكونَ دائمًا هادئًا، ثُمَّ إنْ غَضِبْتَ فلا تُنَفِّذْ مُقْتَضَى هَذَا الغضبِ.
стр. 67
فإِذَنِ: الأُمُورُ الطبيعيَّة البشريَّة الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى الطبيعة البشريَّةِ يجوزُ أن يُوَجَّه الحُكْمُ إليها أمرًا أو نَهيًا، ويَكُون ذلك من باب مُدَافَعَتِها قبلَ وُجودها، أو من باب تقليلِ آثارِها، فلا يقال: إن الْإِنْسَان أُمِرَ بما لا يستطيع، فأُمِرَ بعدمِ الغضبِ وَهُوَ لَا بُدَّ أن يَغْضَبَ، وأُمِرَ بعدمِ الخوفِ وَهُوَ لَا بُدَّ أنْ يخافَ مما هُوَ مَخُوفٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وفي الآيَة أيضًا دليل عَلَى أنَّ مَن كَانَ مَعَ الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يَنبغي أن يخافَ، لِقَوْلِهِ : ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾. ولذلك كلَّما ذكر الْإِنْسَان ربَّه زالَ عنه الخوفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، ففي ذكر الله تَعَالَى زَوَالُ الخوفِ والْقُوَّة والرغبةُ فِي تنفيذِ ما أَمَرَ الله تَعَالَى به، ولهَذَا أمر الله به فِي الجِهادِ.
* * *
стр. 68
الآية (١١)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ لكِن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسَه ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أتاه ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَقْبَلُ التوبةَ وأَغْفِر له].
قَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: سبحان الله العظيم! ما لهَذِهِ الجملة وللكلام الَّذِي قيل ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾؟
فنَقُول: إن موسى ﵊ لمّا قَالَ الله له: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لعلَّه تذكر أَنَّهُ قد وقعَ مِنه خطيئةٌ، والخطيئةُ أَنَّهُ قتل نفسًا، وكأنه عندما يَتَذَكَّر هَذَا قد يَستبعِد فِي نفسه أن يَكُونَ من الرُّسُل، فقَالَ اللهُ : ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ لِيُذَكِّرَهُ بما مَنَّ به عليه منَ التوبةِ، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، ﴿بَدَّلَ﴾ المُفَسِّر فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: أتى حُسْنًا؛ لِأَنَّ ظاهره فِي الحقيقةِ لا يَستقيم به المَعْنى: (بَدَّلَ حُسنًا بسوء) أيّهما المأخوذ؟ فـ ﴿بَدَّلَ﴾ تدل عَلَى أن هناك بَدَلًا ومُبْدَلًا منه، فإذا قلتَ: بدَّل حسنًا بسُوء؛ يصير الحُسْن مَدْفُوعًا والسوءُ مأخوذًا.
قولك: بدَّلْتُ ثَوْبي بثَوْبِك، فالمَأْخوذ هُو الأَخِير. فهنا ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ لو أخذنا بظاهرها فمعناه أَنَّهُ ترك حسنًا وأخذ سوءًا، ولهَذَا فسَّر المُفَسِّر قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ (أتَى).
стр. 69
والدَّلِيل عَلَى ذلك أَنَّهُ لو كَانَ المُراد بالتبديل ظاهر معناه: فما صح أن يعبر بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كَانَ كذلك لقال: بدَّل حسنًا بسوء، وما قَالَ: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قَالَ: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عُلِمَ أن بَدَّل هنا بمعنى استبدلَ، واستبدل بمعنى أخذ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، وأخذ مثلَما قَالَ المُفَسِّر بمعنى: أتى.
والمَعْنى من الآيَة الكَريمَة أنَّ مَنْ أتى حُسنًا بَعْد سوءٍ فإن هَذَا الحسنَ ينفي السوءَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي: أغفِر له.
جملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما مُطابقتها للشرطِ؟ لِأَنَّ قوله: ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ إعرابه: (من) اسْم شرط جازِم وليست اسمًا موصولًا مستثنى، لِأَنَّ الاستثناء هنا منقطع، و ﴿ظَلَمَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جواب الشرط.
أقول: لَوْ قَالَ قَائِل: ما وجه ارتباط الجوابِ بالشرطِ؟
فالجواب: أنه لما ذكر الله هذين الاسمين فِي قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإِنَّهُ يريد مُقتضاهما، فمقتضى المغفرةِ أن يَغْفِرَ لهَذَا الَّذِي ظلم ثُمَّ بدَّل حسنًا بَعْد سوءٍ، ومُقتضى الرَّحْمَةِ أيضًا أن يرحمَه.
ونظير هَذَا قوله تَعَالَى فِي المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، يعني يَسْقُط عنهم الحدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقتضى المغفرة والرَّحْمَة. فهنا مقتضى المغفرةِ والرَّحْمَةِ أنَّ مَن ﴿بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإن الله ﵎ يغفر له ويرحمه.
وهل يشمل الرُّسُل وغير الرُّسُل؟
стр. 70
ومنْ ثَمَّ حَسُنَ أنْ يَقُول المُفَسِّر ﵀ ونَقُولَ معه أيضًا: إنَّ الاستثناء في ﴿إِلَّا﴾ هنا مُنقطِعٌ؛ لأنَّهُ يَشمَل الرُّسُلَ وغيرَ الرُّسُلِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: وفي ذلك دليل عَلَى أنَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ أتى بعملٍ صالحٍ، فإن الله تَعَالَى يمحو العَمَلَ السيِّئَ بالعَمَلِ الصالحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١].
وقد تَقَدَّمَ مناسبة ذكر هَذِهِ الجملة: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فِي هَذَا المقام.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: إثبات المغفِرَةِ والرَّحْمَة لله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أن أخذَ الأحكامِ من مُقتَضَى أسماء الله تَعَالَى وصفاته. فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أَغْفِر له، وهَذَا حُكْمٌ، وأخذ الأحكامِ من مُقْتَضَى الأسماء والصِّفَات هَذَا من أحسنِ ما يَكُون منْ الِاستدلال.
ذُكِرَ أنَّ رَجُلًا قرأَ عند أعرابيٍّ: (والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهما جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ غَفُور رَحِيمٌ) فقالَ الأعرابيُّ وَهُوَ لم يقرإِ الْقُرْآن: أعِدِ الآيَةَ، أخطأتَ فيها. فأعادها مرَّةً ثانيةً، وقال: (والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهما جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قَالَ له: أعِدِ الآيَةَ. فأعادها فِي الثَّالثة عَلَى الصَّواب، قَالَ: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، قَالَ: الآن، فَإِنَّهُ عزَّ وحكمَ فقَطَعَ، ولو غفرَ ورَحِمَ ما قطعَ (١). وهَذَا صحيح.
стр. 71
ويدلُّ عَلَى هَذَا الفَهْمِ قوله تَعَالَى فِي المُحَارِبِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
إِذَنْ: معناه إذا عَلِمنا أن الله غفور رحيم فإنه يُغفَر لهم ويُترَكون، ولهَذَا إذا تاب قاطِع الطريق قبل القُدْرة سقطَ عنه الحدُّ.
وهل يَلْحَقُ به غيرُه من ذوي الحدودِ أو لا؟
فِيهِ خلافٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إِلَى أن موسى ﷺ بُشِّرَ بالرسالة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
* * *
стр. 72
الآية (١٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِك﴾ هو طَوْق القَمِيص]. هَذَا تفسيرٌ لِلْجَيْب أَنَّهُ طوق القَمِيص.
وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد فِي اللُّغة تُطلَق عَلَى الكفِّ فقطْ، ولا تشمل الذِّراع إِلَّا مُقَيَّدَةً. والدَّليل عَلَى هَذَا أن الله لما قَالَ فِي التيمُّم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، صار خاصًّا بالكفينِ، ولمَّا أراد الله ﵎ الذِّراعَ قَالَ فِي الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
إِذَنْ: الَّذِي أُمِرَ أن يدخلَه موسى حَسَب مقتضى اللُّغةِ العَربِيَّةِ لَيْسَ اليد والذراع، بل الكفّ، والمُراد يُغَيِّبها فِي جَيبه.
قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: ﴿تَخْرُجْ﴾ مجَزُومة، مَعَ أَنَّهَا فعل مضارعٌ، ولم يَدْخُل عليها حرفٌ جازم، لَكِنَّها مجزومة بجوابِ الطلبِ الَّذِي هُوَ (أَدْخِلْ). ومعروف أَنَّهُ إذا سَقَطَتِ (الفاء) وقُصِد الجزاء جُزِمَ، فهَذِهِ القاعدة. ففاء السَّبَبيَّة إذا جاءت بعدَ الطلبِ نُصِبَ الفِعْل بها أو بـ (أن) مُضْمَرَة، فإذا سَقَطَتِ الفاءُ بعدَ الطلبِ وقُصِدَ الجزاءُ جَزَمْتَ، هَذِهِ قاعدةٌ معروفةٌ فِي النحوِ.
стр. 73
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَخْرُجْ﴾]، يَعْنِي اليَدَ [خِلافَ لَوْنِها مِنَ الأُدْمَة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾]، أخذ المُفَسِّر أنَّ لَوْنَها الأُدمة من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّهَا لو كانتْ بيضاء من قبلُ لم يَقُلْ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. فلا بدَّ أَنَّهَا تغيرتْ من اللونِ الأولِ إِلَى اللونِ الثاني.
وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تَخْرُج)، يعني حال كَوْنِها بيضاءَ.
وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هَذَا تَقييدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّ البيضاء قد يَكُون بياضها سوءًا مثل البَرَص، فَإِنَّهُ سُوءٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ يَسُوءُ صاحِبَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
إِذَنْ: هو بَيَاض لَيْسَ كبياضِ البَرَص، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَص لها شُعاعٌ يَغْشَى البصرَ آيَة].
أما قوله ﵀: لها شُعاع، فهَذَا يحتاج إِلَى دليلٍ، فالله ﵎ ما ذَكَرَ إِلَّا أَنَّهَا بيضاءُ، وكفَى بذلك آيَةً أن تدخلَ اليد عَلَى لون ثُمَّ تخرج بلونٍ آخرَ.
وأما زيادة الشُّعاع فإنَّ الله تَعَالَى لم يذكرْه، وَلَيْسَ لنا أن نتجاوزَ فِي هَذِهِ الأُمُور ما دلَّ عليه الْقُرْآن؛ لأنَّنا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرَّيةَ لا مجالَ للرأيِ فيها، يُقْتَصَر فيها عَلَى ما جاءَ به الخبرُ، فنَقُول: هِيَ بيضاءُ وكَفَى بها آيَةً.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [آيَة ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾]، ﴿فِي﴾ للظرفيةِ. فتكون هَذِهِ الآيَة وكذلك آيَة العَصَا من جملةِ التِّسعِ، وليستْ زائدة عَلَى التِّسعِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مُرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾]، عَرَفَ موسى آيتينِ من هَذِهِ التسعِ وهي: العَصَا واليد، فآيتانِ معروفتانِ، لكِن بقي سبع
стр. 74
آيَاتٍ، وبقيَّة التسعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، فهَذِهِ خمسٌ، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهَذِهِ هي الآيَات التسعُ.
قوله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، والطوفانُ: فيضان الماءِ، و (الجْرَادَ) معروف، و (الْقُمَّلَ): الدودة الَّتِي تكون فِي الحبوبِ، و (الضَّفَادِع) معروفة، (وَالدَّم) معروف، وبعض العُلَماء يَقُول: إن الدم هَذَا الماء، إذا شَرِبُوه فإذا هُوَ دمٌ، وإذا سَلَّمَهُ القِبْطِيّ إِلَى الإسرائيليِّ عاد ماءً.
ولكِن الشيخ عبدُ الرحمنِ السِّعْدِي ﵀ ذهب إلى غير هَذَا المذهَب، قَالَ: الطوفان: الفيضان، وهَذَا يُفسِد الزُّرُوعَ قبلَ خُرُوجِها، والجراد يأكل الزروعَ بعدَ خُرُوجِها؛ لِأَنَّ الزروعَ مِنْهَا شَيْء مَبْذورٌ فيفسده الماء، وشَيْء خارج يأكله الجرادُ، وشَيْء مدَّخَر يفسده القُمَّل، والماء تفسده الضفادع.
إِذَنْ: الْآنَ المأكولُ والمشروبُ فَسَدَ، وهَذَا المأكول والمشروب إذا أكله الْإِنْسَان أو شَرِبَهُ يَتَحَوَّل إِلَى دمٍ، فأُرْسِل عليهم الدمُ أيضًا وَهُوَ النزيف - الرُّعاف - فعلى هَذَا يَكُون هَؤُلَاءِ غذاؤهم فَسَدَ، وما حصل بالغذاء نزف أيضًا، وهَذَا فِي الحقيقةِ هُوَ المَعْنى السَّليم، فنَقُول: يحصل فساد الماء بالضَّفادعِ، فيصير الماء مُنْتِنًا بالضَّفادعِ فلا يستطيع الإِنْسَان أن يشرب، فرائحته خبِيثَةٌ ومنظره خبيثٌ.
فالحاصل: أن الصَّواب ما ذهب إليه الشيخ ﵀ فِي التفسير (١).
وقوله: ﴿السِّنِينَ﴾ معناه: الجَدْبُ والقَحْط، وَهُوَ عدم نزول المطر.
стр. 75
قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ عَلم جنس لكل من مَلَك مِصر كافرًا، مثل كِسْرَى علم جِنس لكل مَن مَلَك الفُرْس كافرًا، وكذلك قَيْصَر لكُلّ من ملك الرُّوم كافرًا.
وقوله: ﴿وَقَوْمَهُ﴾ القوم: الأصحاب، وسمِّيَ الأصحابُ قومًا، لِأَنَّ بهم قِوَام الْإِنْسَان، فالْإِنْسَان يعتز ويقوم بقومه.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ هَذَا تعليلٌ للرسالةِ إليهم، يَعْنِي إِنَّمَا أرسلناكَ إِلَى هَؤُلَاءِ فِي تسعِ آيَاتٍ، لِأَنَّهُم ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، يعني خارجينَ عن الطاعة، والفِسْق يَنْقَسِمُ إِلَى قسمينِ:
• فِسْق أكبر وهو: الخروج عن مُطْلَق الطاعة.
• فِسق أصغر وهو: الخروج عن الطاعة المطلَقة.
والفرق بين التعبيرينِ أن الطاعة المطلَقة هِيَ الشاملة لكل أفرادِ الطاعةِ، يعني أَنَّهُ يُطيع فِي كُلِّ أمرٍ، وَهُوَ الواقِعُ، فإذا قيل: هَذَا الرجلُ قد أطاعَ الله طاعةً مُطْلَقَة، فمعناه أَنَّهُ أطاع فِي كُلّ ما أُمِرَ به، فإذا فَسَقَ فقد خرج من الطاعةِ المطلَقةِ، لِأَنَّ الفرق بين مطلق الشَّيْءِ والشَّيْءِ المطلق أنَّ مُطْلَق الشَّيْء معناه وجودُ أيِّ جزءٍ منه، والشَّيْء المطلَق: الكامِل، ولهَذَا الفاسقُ عند أهلِ السنَّة والجماعةِ هل معه الإِيمانُ المطلَقُ أو مطلق الإِيمانِ؟
معه مُطْلَق الإِيمانِ، فإذا قيل: هَذَا الرجل فاسق، فالمَعْنى: خارج عن مطلقِ الطاعةِ، ففِسْقُه أكبر، يعني معناه: ما يصدق فِي حقِّه ولا أقل طاعة، وهَذَا كافر.
فإذا قيل: هَذَا الفاسِقُ خارج عنِ الطاعةِ المطلقةِ فمعناه: أَنَّهُ معَه طاعة لكِن الطاعة الكاملة لَيْسَت معه، ولذلكَ عندَهم أيضًا حَتَّى فِي الفقه يَقُولُونَ: هَذَا ماء