← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويدلُّ عَلَى هَذَا الفَهْمِ قوله تَعَالَى فِي المُحَارِبِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. إِذَنْ: معناه إذا عَلِمنا أن الله غفور رحيم فإنه يُغفَر لهم ويُترَكون، ولهَذَا إذا تاب قاطِع الطريق قبل القُدْرة سقطَ عنه الحدُّ. وهل يَلْحَقُ به غيرُه من ذوي الحدودِ أو لا؟ فِيهِ خلافٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إِلَى أن موسى ﷺ بُشِّرَ بالرسالة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. * * *

стр. 72

الآية (١٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِك﴾ هو طَوْق القَمِيص]. هَذَا تفسيرٌ لِلْجَيْب أَنَّهُ طوق القَمِيص. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد فِي اللُّغة تُطلَق عَلَى الكفِّ فقطْ، ولا تشمل الذِّراع إِلَّا مُقَيَّدَةً. والدَّليل عَلَى هَذَا أن الله لما قَالَ فِي التيمُّم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، صار خاصًّا بالكفينِ، ولمَّا أراد الله ﵎ الذِّراعَ قَالَ فِي الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. إِذَنْ: الَّذِي أُمِرَ أن يدخلَه موسى حَسَب مقتضى اللُّغةِ العَربِيَّةِ لَيْسَ اليد والذراع، بل الكفّ، والمُراد يُغَيِّبها فِي جَيبه. قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: ﴿تَخْرُجْ﴾ مجَزُومة، مَعَ أَنَّهَا فعل مضارعٌ، ولم يَدْخُل عليها حرفٌ جازم، لَكِنَّها مجزومة بجوابِ الطلبِ الَّذِي هُوَ (أَدْخِلْ). ومعروف أَنَّهُ إذا سَقَطَتِ (الفاء) وقُصِد الجزاء جُزِمَ، فهَذِهِ القاعدة. ففاء السَّبَبيَّة إذا جاءت بعدَ الطلبِ نُصِبَ الفِعْل بها أو بـ (أن) مُضْمَرَة، فإذا سَقَطَتِ الفاءُ بعدَ الطلبِ وقُصِدَ الجزاءُ جَزَمْتَ، هَذِهِ قاعدةٌ معروفةٌ فِي النحوِ.

стр. 73

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَخْرُجْ﴾]، يَعْنِي اليَدَ [خِلافَ لَوْنِها مِنَ الأُدْمَة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾]، أخذ المُفَسِّر أنَّ لَوْنَها الأُدمة من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّهَا لو كانتْ بيضاء من قبلُ لم يَقُلْ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. فلا بدَّ أَنَّهَا تغيرتْ من اللونِ الأولِ إِلَى اللونِ الثاني. وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تَخْرُج)، يعني حال كَوْنِها بيضاءَ. وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هَذَا تَقييدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لِأَنَّ البيضاء قد يَكُون بياضها سوءًا مثل البَرَص، فَإِنَّهُ سُوءٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ يَسُوءُ صاحِبَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. إِذَنْ: هو بَيَاض لَيْسَ كبياضِ البَرَص، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَص لها شُعاعٌ يَغْشَى البصرَ آيَة]. أما قوله ﵀: لها شُعاع، فهَذَا يحتاج إِلَى دليلٍ، فالله ﵎ ما ذَكَرَ إِلَّا أَنَّهَا بيضاءُ، وكفَى بذلك آيَةً أن تدخلَ اليد عَلَى لون ثُمَّ تخرج بلونٍ آخرَ. وأما زيادة الشُّعاع فإنَّ الله تَعَالَى لم يذكرْه، وَلَيْسَ لنا أن نتجاوزَ فِي هَذِهِ الأُمُور ما دلَّ عليه الْقُرْآن؛ لأنَّنا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرَّيةَ لا مجالَ للرأيِ فيها، يُقْتَصَر فيها عَلَى ما جاءَ به الخبرُ، فنَقُول: هِيَ بيضاءُ وكَفَى بها آيَةً. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [آيَة ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾]، ﴿فِي﴾ للظرفيةِ. فتكون هَذِهِ الآيَة وكذلك آيَة العَصَا من جملةِ التِّسعِ، وليستْ زائدة عَلَى التِّسعِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مُرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾]، عَرَفَ موسى آيتينِ من هَذِهِ التسعِ وهي: العَصَا واليد، فآيتانِ معروفتانِ، لكِن بقي سبع

стр. 74

آيَاتٍ، وبقيَّة التسعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، فهَذِهِ خمسٌ، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهَذِهِ هي الآيَات التسعُ. قوله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، والطوفانُ: فيضان الماءِ، و (الجْرَادَ) معروف، و (الْقُمَّلَ): الدودة الَّتِي تكون فِي الحبوبِ، و (الضَّفَادِع) معروفة، (وَالدَّم) معروف، وبعض العُلَماء يَقُول: إن الدم هَذَا الماء، إذا شَرِبُوه فإذا هُوَ دمٌ، وإذا سَلَّمَهُ القِبْطِيّ إِلَى الإسرائيليِّ عاد ماءً. ولكِن الشيخ عبدُ الرحمنِ السِّعْدِي ﵀ ذهب إلى غير هَذَا المذهَب، قَالَ: الطوفان: الفيضان، وهَذَا يُفسِد الزُّرُوعَ قبلَ خُرُوجِها، والجراد يأكل الزروعَ بعدَ خُرُوجِها؛ لِأَنَّ الزروعَ مِنْهَا شَيْء مَبْذورٌ فيفسده الماء، وشَيْء خارج يأكله الجرادُ، وشَيْء مدَّخَر يفسده القُمَّل، والماء تفسده الضفادع. إِذَنْ: الْآنَ المأكولُ والمشروبُ فَسَدَ، وهَذَا المأكول والمشروب إذا أكله الْإِنْسَان أو شَرِبَهُ يَتَحَوَّل إِلَى دمٍ، فأُرْسِل عليهم الدمُ أيضًا وَهُوَ النزيف - الرُّعاف - فعلى هَذَا يَكُون هَؤُلَاءِ غذاؤهم فَسَدَ، وما حصل بالغذاء نزف أيضًا، وهَذَا فِي الحقيقةِ هُوَ المَعْنى السَّليم، فنَقُول: يحصل فساد الماء بالضَّفادعِ، فيصير الماء مُنْتِنًا بالضَّفادعِ فلا يستطيع الإِنْسَان أن يشرب، فرائحته خبِيثَةٌ ومنظره خبيثٌ. فالحاصل: أن الصَّواب ما ذهب إليه الشيخ ﵀ فِي التفسير (١). وقوله: ﴿السِّنِينَ﴾ معناه: الجَدْبُ والقَحْط، وَهُوَ عدم نزول المطر.

стр. 75

قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ عَلم جنس لكل من مَلَك مِصر كافرًا، مثل كِسْرَى علم جِنس لكل مَن مَلَك الفُرْس كافرًا، وكذلك قَيْصَر لكُلّ من ملك الرُّوم كافرًا. وقوله: ﴿وَقَوْمَهُ﴾ القوم: الأصحاب، وسمِّيَ الأصحابُ قومًا، لِأَنَّ بهم قِوَام الْإِنْسَان، فالْإِنْسَان يعتز ويقوم بقومه. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ هَذَا تعليلٌ للرسالةِ إليهم، يَعْنِي إِنَّمَا أرسلناكَ إِلَى هَؤُلَاءِ فِي تسعِ آيَاتٍ، لِأَنَّهُم ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، يعني خارجينَ عن الطاعة، والفِسْق يَنْقَسِمُ إِلَى قسمينِ: • فِسْق أكبر وهو: الخروج عن مُطْلَق الطاعة. • فِسق أصغر وهو: الخروج عن الطاعة المطلَقة. والفرق بين التعبيرينِ أن الطاعة المطلَقة هِيَ الشاملة لكل أفرادِ الطاعةِ، يعني أَنَّهُ يُطيع فِي كُلِّ أمرٍ، وَهُوَ الواقِعُ، فإذا قيل: هَذَا الرجلُ قد أطاعَ الله طاعةً مُطْلَقَة، فمعناه أَنَّهُ أطاع فِي كُلّ ما أُمِرَ به، فإذا فَسَقَ فقد خرج من الطاعةِ المطلَقةِ، لِأَنَّ الفرق بين مطلق الشَّيْءِ والشَّيْءِ المطلق أنَّ مُطْلَق الشَّيْء معناه وجودُ أيِّ جزءٍ منه، والشَّيْء المطلَق: الكامِل، ولهَذَا الفاسقُ عند أهلِ السنَّة والجماعةِ هل معه الإِيمانُ المطلَقُ أو مطلق الإِيمانِ؟ معه مُطْلَق الإِيمانِ، فإذا قيل: هَذَا الرجل فاسق، فالمَعْنى: خارج عن مطلقِ الطاعةِ، ففِسْقُه أكبر، يعني معناه: ما يصدق فِي حقِّه ولا أقل طاعة، وهَذَا كافر. فإذا قيل: هَذَا الفاسِقُ خارج عنِ الطاعةِ المطلقةِ فمعناه: أَنَّهُ معَه طاعة لكِن الطاعة الكاملة لَيْسَت معه، ولذلكَ عندَهم أيضًا حَتَّى فِي الفقه يَقُولُونَ: هَذَا ماء

стр. 76

مطلَق، وهَذَا مطلَق ماء، قَالُوا: ما تغيَّر بالأَشْيَاء الطاهرة لَيْسَ بطَهور؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بماءٍ مُطلَقٍ وإنما مطلق ماء، والفرق بين التعبيرينِ معروفٌ عند الفقهاءِ وعند الأُصُولِيِّينَ وعند أهلِ الكَلامِ؛ أنَّ الفرقَ بين مُطْلَق الشَّيْء والشَّيْء المطلَق أنَّ الشَّيْء المطلق معناه: الكمال، ومطلق الشَّيْء معناه: الأَصْل. وهنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ المقصود الفِسْقُ الأكبرُ؛ لِأَنَّهُم خارجونَ عن مطلَق الطاعة، فلَيْسَ عندهم طاعةٌ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: إثبات آيَة من آيَات الله ، وذلك أن يَدَه دخلتْ عَلَى طبيعتِها ثُمَّ خرجتْ بيضاءَ من غيرِ سُوءٍ فِي لحظةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾، وقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾ جواب لـ (أدخل)، فالمَعْنى أَنَّهُ بمجرد الإدخال تخرج، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهَا بمجرد أنْ دخلتْ تخرج بِنَفْسِها، بل تخرج إذا أخرجها، فإذا أخرجها فإذا هِيَ بيضاء، وهَذَا من آيَاتِ اللهِ . الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: حكمة الله فِي آيَاتِ الأَنْبِياء، حَيْثُ تكون مناسبةً للعصرِ الَّذِي بُعِثوا فيه؛ لِأَنَّ هَذِهِ الآيَة تُشْبِه السحرَ، لَكِنَّها حقيقةٌ، والسحر خَيَال. فالسحر لا يمكنُ أنْ يَقْلِبَ اليدَ إِلَى بيضاءَ، أو المتحرِّك إِلَى ساكنٍ، أو الساكن إِلَى متحرِّك، فلا يمكن أن يقلبه حقيقةً، لكِن هَذِهِ الآيَة حقيقةٌ. الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي الاحتراز فِي الكَلامِ عندما يُوهِم الشَّيْء لأمير يُحْتَرَزُ منه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فإن البيضاء قد تكون من سُوء، ولكِنه احترز بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ففي الآيَةِ دليلٌ عَلَى مبدإِ الاحترازِ فِي الكَلامِ.

стр. 77

الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أن موسى ﷺ أعطاهُ الله تَعَالَى تسعَ آيَاتٍ، مِنْهَا آيتانِ سابقتانِ والباقية لاحقةٌ. فما هَذِهِ التسعُ؟ هي: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والدم، والضفادع، والسِّنون، ونقصٌ من الثمراتِ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: أن الله لم يرسلْ نبيًّا إِلَّا بآيَة لتقومَ الحجَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. وما هِيَ الحِكْمَة في أنَّ الله لم يرسلْ رسولًا إِلَّا بآيَةٍ؟ لِأنَّهُ ما تقومُ الحُجَّة إِلَّا بهَذَا؛ إذ لو جاء رجل وقال: إنَّهُ رسول من عند الله بدون آيَاتٍ ما صُدِّق، وإذا لم يُصدق فلا حُجَّة عَلَى الخلقِ به، فالأَشْيَاء لا تُثْبَت إِلَّا بدلائلها ولَا بُدَّ من بَيِّناتٍ عَلَى الأَمْرِ. فَلَوْ قَالَ قَائِل: فِي قوله : ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ هل يمكن أن تكون ﴿فِي﴾ بمعنى (معَ)؟ قُلْنَا: هَذَا غير صحيح، ﴿فِي﴾ للظرفية عَلَى بابها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: طُغيان فِرْعَوْنَ وقومه، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّهُ من الفصاحة والبلاغة قَرْن الحُكْم بتعليلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ وتعليلُ هذا الحُكْم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقد ذكرنا أن قرن الحُكْم بتعليله له ثلاثُ فوائدَ، فإذا ذكرت العِلَّة فلها ثلاث فوائد، وهَذَا الَّذِي نَعْرِفُه ويُمْكِنُ أن تكونَ أكثرَ:

стр. 78

الأُولى: بَيَان حِكمة الله سبحانه فِي تشريعِهِ وقضائِهِ. الثَّانِيَة: التعميم بعمومِ العلَّة. الثَّالثة: أن المخاطَب يَزْدَادُ طُمأنينة إذا عَلِمَ حِكمةَ الحُكْمِ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الفِسْقَ يُطْلَق عَلَى الكفرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وقد ذَكَرْنا أن الفسقَ نوعانِ: فِسْق مطلَق ومطلَق فِسْق، فالفسق المطلَق هُوَ الكفرُ، ومطلَقُ الفسقِ هُوَ العِصيانُ من المُؤْمِنيِنَ، يَعْنِي معه مُطْلَق فسق؛ إذ إن أصل الفسق هُوَ الخروج عن الطاعة، فإن كَانَ خروجًا كاملًا شاملًا فَهُوَ فسق مطلَقٌ، وإن كَانَ بعضَ خروجٍ فَهُوَ مُطْلَقُ فِسْقٍ.

стр. 79

الآية (١٣) * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣]. * * * قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ الضَّمير يعود إِلَى فِرعونَ وقومِه. وقوله: ﴿آيَاتُنَا﴾ أي: العلامات الدالَّة عَلَى صدق موسى ﷺ برسالته وَعَلَى أحقيَّة ما دعا إليه؛ لِأَنَّ الآيَاتِ الَّتِي بعث الله بها موسى ﷺ تدلُّ عَلَى أمرينِ: عَلَى صِدْقِ موسى، وهَذَا تأييدٌ له، وَعَلَى صِحَّة ما جاء به، فهَذِهِ الآيَات تشمل الأَمْرينِ. وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ فَسَّرَهَا المُفَسِّر ﵀ بقولِهِ: [مُضِيئَة وَاضِحَة]، وهنا كَلِمَة ﴿مُبْصِرَةً﴾ اسمُ فاعلٍ، والفِعْل مِنْهَا أبصرَ. فهل الآيَاتُ هِيَ الَّتِي فيها البَصَرُ أو مُبْصِرَة أي: جاعلة غيرها يُبْصِر بها، أيُّهما أبلغُ؟ الثَّانِيَةُ أبلغُ، أي أَنَّهَا جَاعِلَة غيرها يُبْصِر بها، يعني أَنَّهَا تُبْصِرُ غَيْرَها، فهَذِهِ الآيَات هِيَ بنفسها ظاهرةٌ وواضحةٌ، وَالَّذِي يراها يُبْصِرُ بها. ولهَذَا نَقُولُ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ يعني أَنَّهَا باصرة بنفسها وموجِدَة للإبصارِ فِي غيرِها. ولمَّا ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ هَذِهِ الآيَات المبصرة كَانَ الجواب: ﴿قَالُوا هَذَا﴾ أي: ما جاءنا، ولم يقولوا: هَذِهِ، أي: الآيَات؛ لأجلِ أن يشملَ كُلّ شيءٍ؛ هَذَا الَّذِي جاءنا من

стр. 80

الآيَات وغير الآيَات ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بَيِّنٌ ظاهِرٌ]، فـ (مُبين) هنا عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر مِن (أبانَ) اللازِم. قوله: ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ السِّحْرُ فِي اللُّغةِ العربيَّةِ: كُلّ شَيْء صارَ خَفِيَّ السَّبَب، فما خَفِيَ سببُه ولَطُفَ يُسَمَّى سحرًا. ولهَذَا ذكرَ ابنُ كَثيرٍ أقسامَ السِّحر فِي تفسيرِهِ (١)، وذكر من جُملةِ السحرِ الساعاتِ الَّتِي تَطَوَّرَتْ إِلَى ما نراهُ الآنَ؛ لِأَنَّهَا فِي الحقيقةِ خَفِيَّة السَّبَب، فالْآنَ هذه الساعاتُ ما الَّذِي يحرِّك عَقارِبَهَا، أو أبلغ من هَذَا الساعات الإلكترونيَّة ما الَّذِي يجعل هَذَا المِسمارَ إذا غَمَزْتَه تحوَّل التاريخ إِلَى توقيتٍ آخرَ، أو أظهرَ لك تاريخ الشهر أو اليوم، فلو جاءت فِي غيرِ هَذَا الوقتِ لَتَعَجَّبَ النَّاسُ منها. وهَذَا يُسمَّى سِحرًا لغةً، لكِنْ شرعًا لَيْسَ بِسِحْرٍ، لِأَنَّ السحرَ شَرْعًا هُوَ عبارةٌ عن عُقَدٍ وعَزَائِمَ ورُقى تُؤثِّر فِي بَدَنِ المسحورِ أو عَقْلِهِ، ربما تُمْرِضُه وربما تُهْلِكه وربما تَخْبُلُهُ، فهَذَا هُوَ السحرُ. فَلَوْ قَالَ قَائِل: قولُ فِرعونَ وقومه: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، ماذا يَقصِدون بهَذَا؛ السحرُ الحقيقيُّ الشَّرْعِيُّ أو السحرُ اللُّغَوِيُّ؟ قُلْنَا: المقصود الحقيقيُّ الشرعيُّ، لِأَنَّهُم قالوا له: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، والعياذ بالله، فهم قَالُوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وهَذَا الجواب لَيْسَ صادرًا من فِرعونَ فقطْ، بل جميع المكذِّبين للرسُلِ قالوا هَذَا، قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة الذارياتِ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، فكُلّ الرُّسُلِ السابقينَ يَقُول لهم أقوامُهم هَكَذَا،

стр. 81

﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ لا، ما تَوَاصَوْا به، لكِن الجامِع المشترك: الطُّغيان ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]. و(أو) فِي قوله: ﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ مانِعَةُ خُلُوٍّ، يعني ربما أنَّ بعضهم يَقُول: ساحِرٌ ومجنونٌ معًا. فَلَوْ قَالَ قَائِل: هل كُفْرُ الساحرِ لمُجَرَّدِ الضرر اللاحِقِ بالمسحورِ أو يَتَعَلَّق بشيءٍ آخرَ؟ قُلْنَا: مُجَرَّد الضرر لا يَقْتَضِي الكفرَ فِي الحقيقةِ، ولهَذَا لو داويتَ الْإِنْسَان بدواءٍ كسُمٍّ وشِبْهِهِ ما صار كفرًا، لكِن ما يقترب به من أحوالٍ شَيْطَانِيَّة واعتقاد أن هَذَا مؤثر بدونِ اللهِ ، هَذَا هُوَ الظاهِرُ. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أنا لا أَعْتَقِدُ هَذَا، بل هَذَا شَيْء لطيفُ المأخَذِ خفيُّ السَّبَب؟ وأبطل هَذِهِ العِلَّة. قُلْنَا: ظاهر الْقُرْآن الكفر، فالْقُرْآن يَدُلّ عَلَى الكفرِ وَينتهي الإشكالُ، فالآيَةُ ظاهرها أن تَعَلُّم السحر نفسه كفر، فقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: يتعلم السحرَ، وَلَيْسَ المَعْنى فلا تَكْفُر بشيءٍ ثُمَّ تَتَعَلَّم السحر. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أنَّ الحُجَّة قامتْ عَلَى فِرعونَ وقومه حَيْثُ جاءتهم الآيَةُ مُبْصِرَةً. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن آيَات الله فيها الإبصارُ. فهل هِيَ مُبْصِرَة بنفسِها -يعني باصرة -أو مُبْصِرة لِغَيْرِها؟

стр. 82

كلاهما، فهي مُبْصِرة بمعنى أَنَّهَا هِيَ باصرةٌ، وكذلك تُبْصِرُ غيرَها وتدلُّ عليه. وَفِي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ آيَاتِ اللهِ بيِّنَةٌ واضحةٌ تُوَضِّحُ الحقَّ، ولولا ذلك ما كانتْ آيَاتٍ. الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: عِظَم طُغيان فِرعون وقَومِهِ؛ لقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: مبالغة صاحبِ الباطلِ بدعواهُ، حَيْثُ قَالُوا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي بَيِّنًا ظاهرًا ما فِيهِ إشكال، وهَكَذَا المدَّعِي يأتي بالكلماتِ الَّتِي تُشَبِّه عَلَى الخلق حَتَّى يَصِلَ إِلَى ما يريد مِنَ الباطلِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا قَالَ هنا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يَقُلْ: (هَذِهِ)، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؟ فالجواب: من أجلِ أنْ يَشْمَل كُلّ ما جاء، حَتَّى يشمل موسى نفسه واتهامه بالسحر.

стр. 83

الآية (١٤) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. * * * قوله: ﴿جَحَدُوا﴾ الضَّميرُ يعودُ عَلَى فِرعونَ وقَومه، والجحْدُ: الإنكارُ، و (جحد) يَتَعَدَّى بنفسِهِ، ولكِنَّه قد يُضَمَّنُ معنى التكذيبِ فيَتَعَدَّى بـ (الباء)، ﴿وَجَحَدُوا﴾ مكذِّبين بها. فهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيبِ، ولهَذَا تعدى بالباء. وذلك لِأَنَّ الجحدَ قد يَكُونُ تكذيبًا وقد يَكُونُ مراعاةً لمصلحةٍ مِنَ المصالِحِ. والجَحْدُ أَسْبابُه مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ لَكَ قَائِل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحةٍ تريدها، لا تَكذيبًا، ولكِنَّه هنا تكذيب، أي: جحدهم هَذَا تكذيب. والدَّلِيلُ: أَنَّهُ عُدِّي بالباءِ، وَالَّذِي يُعَدَّى بالباءِ هُوَ التكذيب، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذَّبوا بها جحدًا، فهم كذَّبوا ومع ذلك ما أظهروهُ. ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لَمْ يُقِرُّوا بها]، ولم يُقِرُّوا بها معناه هُوَ التكذيب، والمُفَسِّر أتى بـ (لم يقروا) لأمرينِ: الأَمْر الأول: لأجل أن يَسْلَم التعليق بالباءِ؛ لِأَنَّ (أقر) تتعدى بالباءِ. والأَمْر الثاني - على رأيه -: لأجل أن لا يَتَضَمَّن ذلك إخفاءَها لمِن طَلَبَها، فكَأَنَّ المُفَسِّر ﵀ جعل الجَحْدَ نفيَ الإقرارِ، ولَكِنَّنا لا نُوَافِقُه عَلَى هَذَا التفسيرِ:

стр. 84

أولًا: أَنَّهُ فسَّرَ المُثْبَتَ بالمنفيِّ، وهَذَا قُصُور، (جحد) مُثبت، و (لم يقرّ): منفيّ. ثانيًا: أَنَّهُ بتفسير هَذَا يُفَوّتُ معنًى دلَّتْ عليه الآيَةُ، وهو: كِتمانهم لهَذِهِ الآيَاتِ لو سُئِلوا عنها، يعني أَنَّهُ فوَّت معنًى وَهُوَ الجحود عند السؤالِ، فَهُوَ تكذيبٌ عند العرضِ، وجحود عند الطلب؛ لِأَنَّ كون الْإِنْسَان لا يُقِرّ لَيْسَ مثلما إذا جحد وكتمَ عن غيم. فالصَّوابُ إبقاء الآيَةِ عَلَى ما هِيَ عليه، ويقالُ: إِنَّهُ عُدّيَ الجحدُ بالباءِ لِتَضْمِينِهِ معنى التكذيبِ، وَيكُون دالًّا عَلَى أمرينِ: عَلَى إخفائِها عندَ طلبِها، وَعَلَى التكذيبِ بها عند عَرْضِها. ولا حاجة أنْ نَقُولَ: إن الآيَةَ أبلغُ مما ذكر المُفَسِّر ﵀ لَكِنَّنا نَقُول: إن تفسيرَ المُفَسِّر لها فِيهِ نظرٌ من وجهينِ كما تَقَدَّمَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَ﴾ قَدِ ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، فما الَّذِي أوجبَ له أنْ يُقَدِّرَ (قدْ)؟ نَقُول: لِأَنَّ الجملةَ حالِيَّة، والجملةُ الحاليَّة إذا كانتْا فعلًا ماضيًا يُقَدَّر فيها (قد) للتحقيقِ. قال ﵀: [﴿وَ﴾ قَدِ ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: تَتقَّنُوا أَنَّهَا منْ عندِ اللهِ]، ففسَّرَ استيقنَ بِتَيَقَّن؛ إشارة إِلَى أنَّ حرفي السين والتاء زائدانِ، ولكِن الأَولى أن يبقى السين والتاء عَلَى بابهما ولا يُحْكَم بِزِيَادَتهِما؛ لِأَنَّ الاستيقانَ أبلغُ مِنَ التيقّنِ، ومنَ المعروفِ عندهم أَنَّهُم يَقُولُونَ: زيادة المبنى تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنى، فالاستيقانُ أبلغُ، فهمْ قدِ اسْتَيْقَنُوها استيقانًا كاملًا لَيْسَ عندهم فيها شكٌّ، ومعَ ذلكَ جَحَدُوا بها، فيَكُون هَذَا الجحدُ مَعَ الاستيقانِ أبلغَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ إِلَى آخرِهِ.

стр. 85

وقوله تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقلْ: واسْتَيْقَنُوها. فإضافةُ الاستيقانِ إِلَى النفسِ أبلغُ، أي: أَنَّهُ يَقِينٌ بلغ نفوسهم حَتَّى تمكَّن منها، ومعَ ذلك - والعياذُ باللهِ - جَحَدُوا بها وأَنْكَرُوها. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [تَكَبُّرًا عنِ الإِيمانِ بما جاء بما موسى]، ففَسَّرَ الكلمتينِ بكلمةٍ واحدةٍ وهي التكبُّرُ، ولكِن أيضًا لو نَظَرْنَا إِلَى الإلةِ الكَريمَةِ وَجَدْنَا أَنَّهَا أبلغُ مِمَّا فَسَّرَهَا به. قوله: ﴿ظُلْمًا﴾ الظُّلمُ فِي الأَصْلِ النقصُ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ومعنى ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ أي: لم تَنْقُص، فالأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ بمعنَى النقصِ، وكلُّ مَن نَقَصَ حَقَّ غَيْرِهِ فَهُوَ ظالم. وإذا نقصَ الْأِنْسَانُ حقَّ نَفْسِه فَهُوَ ظالمٌ لها، وإذا نقصَ حقَّ غَيْرِهِ فَهُوَ ظالمٌ له. وهنا هَؤُلَاءِ نَقَصُوا حقَّ مُوسَى ﷺ فهم ظالمونَ، وَنَقَصُوا حقَّ أَنْفُسِهِم حَيْثُ لم يقودوها إِلَى ما فِيهِ صَلَاحُها؛ فهم أيضًا ظالمونَ. ثمَّ هَذَا الظُّلْم والنَّقْص ما الحامِلُ عليه؟ قَالَ: ﴿عُلُوًّا﴾ وهَذَا معنًى غيرُ الظُّلْمِ، يَعْنِي: تَرفُّعًا عمَّا جاء به موسى ﷺ ، فلِسانُ حالهِم يَقُول: مَنْ موسى هذا الَّذِي يأتي إِلَى فِرْعَوْنَ الَّذِي يقولُ لِقَوْمِهِ: أنا رَبُّكُمُ الأعلى، ثُمَّ يَقُول: أنا رسول إليك لَا بُدَّ أن تتبعني؟ ! فبِطَبِيعَةِ البَشَرِ الفاسقُ يَتَرَفَّعُ ويقول: أبدًا. فلهَذَا جَحَدُوا ظُلْمًا لموسى وأنفسهم ﴿عُلُوًّا﴾ تَرَفُّعًا عن مُوسَى وعمَّا جاء به أيضًا، فهم - والعياذُ بالله - اتَّصَفُوا بالوصفينِ.

стр. 86

وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [راجع إِلَى الجحْد]، هذا صحيح، فإذا اسْتَيْقَنُوا أنَّ موسى صادِقٌ فهذا لَيْسَ بظُلْمٍ ولكِنَّه حَقٌّ وعَدْلٌ وتَوَاضُع، لَكِنْ هُمْ مَا اسْتَيْقَنُوا، يَعْنِي: ما انقادوا لهَذَا الاستيقانِ، إذن فَهُوَ راجِع إِلَى الجحدِ، يعني جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا. وفائدة الاعتراض بالجملة الحاليَّة ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ بين المتعَلّق ومُتَعَلَّقِه: المُبَادَرَةُ بالتشنيعِ عليهم، وبَيَان أَنَّهُم بَلَغُوا فِي هَذَا الوصف غايتَه، الَّذِي هُوَ وصف الظلمِ والعلوِّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهم يَجحَدُونَ مَعَ الاستيقانِ أشدُّ وأعظمُ، فالجاحد مَعَ الشكِّ قد يُعذَر، لكِنْ مَعَ الاستيقانِ لا وجهَ له. ثم ما إعراب ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ هل هِيَ مَفْعُول لأجلِهِ؟ يعني من أجلِ الظلمِ والعلوِّ، أو هِيَ مصدر بمعنى الحالِ، أي: ظالمين عالينَ؟ الأخيرُ أَولى؛ لِأَنَّ الظلمَ والعلوَّ إذا جعلناهما مَفْعُولا من أجلِه فَهُوَ سابقٌ عَلَى الجحدِ؛ إذ إنَّهُم ظَلَمُوا وعَلَوْا ثُمَّ جَحَدُوا، فعلى هَذَا نَقُول: إنّ ظلمًا وعلوًّا مصدرٌ بمعنى اسمِ الفاعلِ، أي: جحدوا بها حالَ كونهم ظالمينَ عالينَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّد ... ]، إِلَى آخِرِهِ. قوله: ﴿فَانْظُرْ﴾ هل المُرادُ: نظرَ اعتبارٍ أو نظرَ إبصارٍ؟ المُراد: نَظَرُ اعتبارٍ؛ لِأَنَّ نَظَر الإبصارِ هنا مُتَعَذِّرٌ لِسَبْقِ زَمَنِه، لَكِنَّهُ نظرُ اعتبارٍ. والخطاب عَلَى كلام المُفَسِّر ﵀ يعود إِلَى رسول الله ﷺ : ﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّد، والخِطاب بالمفردِ فِي الْقُرْآن لا يختصّ بالرَّسُول ﵊ إِلَّا ما دلَّ عليه الدَّليل، وإلَّا فَهُوَ عامٌّ، ويَكُون التَّقْدير: فانظرْ أيها المخاطَب، لَيْسَ يا مُحَمَّد؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بينَ أيدي كُلّ أحدٍ، فكُلّ واحد بين يديه الْقُرْآنُ.

стр. 87

أَمَّا ما دلَّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ خَاصّ بالرَّسُول ﵊ فَهُوَ خَاصّ به، مِثل قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ومثل قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. ويدلُّ عَلَى أن الخطاب المفرد عامٌّ: أولًا: ما ذكرناه من التعليل؛ أن الْقُرْآن بين أيدي النَّاس جميعًا. ثانيًا: قَالَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فخَاطَب بالإفرادِ والجمعِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. فدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ الخطاب الموجَّه إِلَى الرَّسُول ﵊ موجَّه للأُمَّة ما لم يَدُلّ الدَّلِيل عَلَى اختصاصه به، مثل ما مَثَّلنا بالمثالينِ. وكذلك منه قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، فإنَّ هَذَا خَاصٌّ بالرَّسُول ﷺ ، وهُوَ الَّذِي حَرَّمَ لكِن مَعَ ذلك الحُكْمُ عامّ. إِذَنْ: ﴿فَانْظُرْ﴾ نَقُول: أيها المخاطَب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ فِي هَذِهِ الآيَة. وهنا مسألتان: أولًا: ﴿كَانَ﴾ تَرْفَعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبر، هَذَا المعروفُ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وهنا ما نَرَى خبرًا لـ (كان) ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. ثانيًا: أَنَّهُ إذا كَانَ الفاعل مُؤَنَّثًا كَانَ الفِعْل مُؤَنَّثًا. والجواب: ﴿كَانَ﴾ هنا ليستْ تامَّة، فالخبرُ مقدَّم وَهُوَ ﴿كَيْفَ﴾. مقدَّم وجوبًا لأَنَّهُ اسْم اسْتِفْهام، والاسْتِفْهام له الصَّدارَةُ، فلا يمكن أن يأتي الاسْتِفْهامُ فِي وسط

стр. 88

الكَلام، بل لَا بُدَّ أن يَكُون متقدِّمًا. و﴿عَاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازيٌّ لا حقيقيّ، والفرق بين المؤنَّث المجازي والحقيقيّ: ما كَانَ له فَرْج فَهُوَ مؤنَّث حقيقيّ، وما لم يكن له فَرْجٌ وإنما تأنيثه لفظيٌّ فَهُوَ مؤنَّث مجازيٌّ. وقوله: ﴿عَاقِبَةُ﴾ ما معنى العاقبة؛ العاقبة فِي الأَصْل: التأخُّر، ومنه العَقِبُ فِي القَدَمِ، وعَقِبُ القدم هو العُرْقُوب المؤخَّر، فالعاقبة معناها: الأَمْرُ المتأخِّر، يَعْنِي: انظر ماذا كَانَ من أمرهم فِي النهاية. وقوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ الَّذِينَ صار شأنهم الإفساد. والمُرادُ بالإفسادِ هنا لَيْسَ إفساد العِمرانِ، فقد يَكُونُ العمرانُ فِي زمنِ فِرعونَ قد بَلَغَ غايتَه، لكِن المُراد بالإفسادِ الإفسادُ المعنويُّ؛ إفسادُ الأخلاقِ والعقائدِ، وربما يَتْبَعُه إفسادُ العمرانِ؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]. وبهَذَا التقرير، وَهُوَ أن الأَصْلَ فِي الإفسادِ الموجودِ فِي الْقُرْآن هُوَ إفساد الأخلاقِ والعقائدِ، ويتبعه فساد الأَعْمالِ، وبهَذَا نَعرِف خطأ ما يُطنطن به النَّاس الْآنَ من الرفاهية والطمأنينة والأمن ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وإذا أتوا إِلَى ذِكر الدين يَقُول: العقيدة السمحاء ولا يُذْكَرُ العَمَل. ثُمَّ كلمة (السمحاء) أيضًا تدل عَلَى ضعفٍ فِي هَذِهِ العقيدة، فمعنى سمحاء: كُلّ شَيْء تَسْمَح به.

стр. 89

صحيح أَنَّهَا هِيَ الحنيفيَّة السَّمحة لَا شَكَّ، لَكِنَّها لها أعمال ولها حَزْم، ولهَذَا التركيز عَلَى الترفيه البدنيّ والنعيم البدنيّ فِي نظري أَنَّهُ خطير؛ لِأَنَّهُ يبدأكُلّ واحد يَنْشُدُ هذينِ الأَمْرينِ: يَقُول: أنا عندي عقيدة سليمة سَمْحَاء لَيِّنة، هَيِّنة، كُلّ شَيْء تَقْبَله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهيَةَ البدنِ والأمنَ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. لكِنِ استقامة الدِّين والسعي فِي إقامته بين النَّاس بالأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ والجهادِ فِي سبيلِ اللهِ هَذَا أمر لا يكاد يُذْكَر. وفي الحقيقة أن الرفاهية إذا كانت للبدنِ وحدَه فهي فسادٌ، ولا يَدُومُ هَذَا أبدَّاَ ولا يمكن أن يَدُومَ، عَلَى أنَّ الرفاهيَةَ المطلَقَة للبدنِ لَا بُدَّ أن تكونَ مصحوبةً بقلقٍ فِي القلبِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا ضَمِنَ الحياةَ الطيِّبةَ لَمِن ﴿عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فقَرن بينَ العقيدةِ والعَمَل، وبَدأ بالعَمَل أيضًا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. حياة طيبة فِي الدُّنْيا وأجر حَسَن فِي الآخِرَة. هَذَا الَّذِي يَجِب أن يركَّز عليه، أَمَّا الرفاهيَةُ المطلَقَةُ فإنها ضَرَرٌ عظيم عَلَى الْإِنْسَان، تُوجِبُ الغفلةَ عنِ اللهِ تَعَالَى، وانشغال الْإِنْسَان بطلبِ الرفاهيةِ الجسديَّة الزائلة. يَقُول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء اللوكِ ما نحنُ فِيهِ لَجَالَدُونا عليه بالسيوف (١). قَالوا: أَعْطُونا الَّذِي أنتم فِيهِ منَ النَّعيم والسرورِ وانشراح الصدر ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

стр. 90

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُ عَلَى قوَّة الآيَات الَّتِي جاء بها موسى ﷺ لم يَسْتَفِدْ مِنْهَا هَؤُلَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ والآيَات إذا قَوِيت لا يبقى مجالٌ للجحدِ، ولكِن - والعياذُ بالله - أَعْمَى اللهُ بصائِرَهُم فجَحَدُوا بها. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أنَّ جَحْدَ هَؤُلَاءِ المرسَل إليهم كَانَ عن عنادٍ، لا عن شُبهةٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وهل هَذَا وقعَ لكفَّار قريشٍ مَعَ النَّبِيّ ﵊؟ نعم وَقَعَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وَلَا شَكَّ أنَّ هَذَا واقعٌ مِنَ الرؤساء والزعماء، لكِن عامَّة النَّاس قد لا يَكُون لديهم هَذَا الأَمْر، وإنَّما هم مقلِّدون، أَمَّا الزعماء والكبراء فلَا شَكَّ فِي هَذَا. الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: سوء أحوال آلِ فِرعونَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ولموسى، ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترَفُّعًا عنِ الحقِّ. الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: أنَّ الاتِّصافَ بهذينِ الوصفينِ يَجعلُ الْإِنْسَان من الأُمَّة الفِرعونيَّة، وهما: الظلم والعُلُوّ، وما من صفةٍ يخرج بها العبد عن سواءِ السبيلِ إِلَّا وله فيها إمامٌ من أهلِ الكفرِ، ولهَذَا أخبر النَّبِيّ ﵊ أننا سنركب سَنَنَ مَن كَانَ قَبْلَنَا (١)، فما مِن خَصلةٍ يَخرج بها العبد عن سواءِ السبيلِ إِلَّا وله فيها إمامٌ من أهلِ الكفرِ، فالجحد بالحقِّ للفاعل فِيه إمام مثل فرعونَ وقومه، والحسد للإِنْسَانِ

стр. 91

فِيهِ إمامٌ مثل اليهودِ، والرياء للإِنْسَان فِيهِ إمام كالمنافقينَ، بل إنَّهُ من المنافقين، وهَكَذَا. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: ذَمُّ الترفُّع عنِ الحقِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَعُلُوًّا﴾ ولا فرقَ بين أن يَكُونَ ذلك عن حُسْنِ نيَّة أو لا، فهَذِهِ الطريقةُ مذمومةٌ ولو عن حُسْنِ نيَّةٍ، وقولنا: (ولو عن حُسن نية) ليَدْخُلَ فِي ذلك بعضُ المقلِّدين الَّذِينَ إذا عُرِضَ عليهم الدَّليل من الكتاب والسنَّة قَالُوا: نحن نَتَّبعُ فلانًا لِا. لهُ أعلمُ منك، هَذَا عن حسن نية فيما يبدو. وجه كونه عن حسن نِيَّة؛ لِأَنَّهُم يرون أن هَذَا الإمام الَّذِي اتبعوه أعلمُ منك وَيقُولُونَ: نحن جهَّال ولا نعرِف وَلَيْسَ لنا إِلَّا أنْ نُقَلِّدَ وهَذا الرجلُ أعلمُ منك. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ إذا كَانَ هَذَا الوصفُ مذمومًا وفرعونيًّا؛ فإن عكسَه محمودٌ، والعكس هُوَ التواضُع للحقِّ وقَبُوله، هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ ممدوحٌ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى إذا أثنى بالسوءِ عَلَى وصفٍ فإنَّ ضده يُثْنَى عليه بالحُسْن. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أو يَجِب أن يتفكَّر ويتأمَّل فِي عواقب مَن سبقَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهل الْإِنْسَان ينظر فِي عواقب المفسدين أو فِي عواقب المفسدين والمصلحينَ؟ يَنْظُرُ فِي كِلَيْهِما. إِذَنْ: ما فائدة الحِكْمَةُ من التخصيصِ هنا؟ نَقُول: لِأَنَّ المَقام مَقامُ تحذيرٍ، وإذا كَانَ المقام مقام ترغيبٍ فإنَّنا نَقُول للإِنْسَان: فانظرْ كيف كَانَ عاقبة المصلحينَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦]،

стр. 92

فالمسألة تَختلف، ففِي مقامِ الترهيبِ نُحيلُ الْإِنْسَان إلَى عواقبِ المفسدينَ، وَفي مقام الترغيبِ نحيله إلَى عواقبِ المصلحينَ؛ لأجلِ أن يَحْذَر من أولئك ويرغب فِي هَؤُلَاءِ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وفيها دليل عَلَى فضيلة التأمُّل والتفكُّر فِي أخبارِ مَن مَضَى؛ وأن دراسة علم التاريخِ من الأَشْيَاء الَّتِي جاء بها الشرع، فإنَّنا لا يمكن أن ننظرَ كيف كَانَ عاقبتهم إِلَّا بدراسةِ أخبارِهِم وتَتبُعِها، فعلمُ التاريخِ إذن من الأُمُور المقصودةِ. لكِن هل من الأُمُور المقصودة ذاتيًّا أو عرضيًّا؟ عرضيًّا، إِلَّا سِيرة النَّبِيّ ﵊ وخُلَفَائه الراشدينَ فإنها مِنَ الدينِ؛ لِأَنَّهَا كلها أحكام، بخلاف النظر فِي التاريخ لأجلِ الاعتبارِ فقطْ، فلكلِّ مَقامٍ مقالٌ؛ لِأَنَّ النظر فِي التاريخ للاعتبار فقط قد يعتبر الْإِنْسَان بغيرِه فيستغني عنه، لكِن النظر فِي سير النَّبِيّ ﵊ لِأَنَّهَا أحكامٌ وفِقْهٌ، وهَذَا مقصودٌ لذاتِه، فلا يَستغني الْإِنْسَان بغيرِها عنها. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يَمْدَحُ هَذِهِ الأممَ ويُشِيدُ بقُوَّتِهم وإبداعهم ولا ينظر إِلَى عاقبتهم؟ قُلْنَا: إذا كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَفَكَّر بِعمرانهم وقوتهم ومع ذلكَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، فهَذَا لا بأسَ به، وَأَمَّا إذا كَانَ يريد أنْ يَتَفَكَّر بقوَّتهم من أجل مَدْحِهِم والثَّناء عليهم فهَذَا لا يجوزُ، ولهَذَا ما أَمَرَنَا اللهُ أنْ ننظرَ إِلَى قُوَّتِهِم إِلَّا بَعْد أنْ أَمَرَنَا أنْ نَنْظُرَ إِلَى عاقبتهم. وَعَلَى هَذَا فالَّذِينَ يذهبون إِلَى دِيَارِ ثَمُودَ لِلتَّفَرُّج والتنزُّه هَؤُلَاءِ عُصَاةٌ، فالرَّسُول ﷺ يَقُول: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ"، فلا يجوز أنْ يذهبَ الْإِنْسَانُ فِي رحلة مثلًا إِلَى ذلك المكان إِلَّا إذا كَانَ يدخل وَهُوَ باكٍ

стр. 93

"فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ" (١). والحمدُ للهِ الْإِنْسَان فِي غنى عن هَذَا، فلَيْسَ بلازمٍ أنْ يذهبَ، لكِن مَعَ الأسفِ الآنَ صارتْ آثارًا يُقْصَد مِنْهَا بَيَان قوَّة هَؤُلَاءِ وإبداعهم وإحكامهم لأمورهم، ولا يَلتفتون إِلَى ما أحلَّ اللهُ بهم منَ العقوبةِ، والعياذُ باللهِ.

стр. 94

الآية (١٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]. * * * من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: بَيَان ما مَنَّ اللهُ به عَلَى داودَ وسُلَيْمان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: ثناءُ اللهِ عَلَى نفسِه، لِأَنَّ كونَه يَتَمَدَّح بإيتاءِ داودَ وسُلَيمان علمًا فهَذَا مِنَ الثَّناء، وهل هَذَا محمودٌ بالنِّسْبَةِ للخلقِ أنْ يَتَمَدَّحَ الْإِنْسَان بفضلِه؟ لَيْسَ هَذَا مِنَ المحمودِ، إِلَّا إذا كَانَ فِي ذلكَ مصلحةٌ للغيرِ، لَيْسَ لكَ أنتَ، أَمَّا اللهُ فيمتَدِح نفسهِ للثناءِ عَلَى نفسِهِ، لكِن أنتَ لا تفعل هَذَا، أَمَّا إذا كَانَ فِيهِ مصلحةٌ للغيرِ كإِنْسَانٍ مثلًا يذكر عن نفسِه شيئًا لأجلِ أن يُقتدَى به فِي الخيرِ؛ فهَذَا لا بأسَ به، أو لأجلِ أنْ يَنتفِعَ النَّاس بما عنده، فهَذَا أيضًا لا بأسَ به، فابنُ مَسعودٍ ﵁ قالَ: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ" (١) أو كما قالَ.

стр. 95

والعُلَماءُ ما زالوا يَمْدَحُون كُتبهُم، فابنُ مالِكٍ ﵀ يَقُول (١): تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ... وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ ... فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي المهمّ عَلَى كُلّ حالٍ: أن مثل هَذَا لَيْسَ لمصلحةِ الْإِنْسَانِ، فهَذَا لمصلحةِ غيره؛ لأجلِ أن يَنتفِعُوا من هَذَا المُؤلّف مثلًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بعض المُؤَلِّفين أحيانًا يبالغُ؟ فالجواب: الكَلامُ عَلَى الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إسرافٌ، ولكِن الشَّيْء المعتدِل، مَعَ أَنَّهُ فِي الحقيقة الْإِنْسَان قد يُتَّهَم، ومهما كانت نِيَّتُه قد يُتَّهم، لكِن لا يضرّ الْإِنْسَانَ إذا أصلحَ ما بينه وبين ربِّه، فلا يُهِمُّه النَّاس. المهم أنَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ دليلًا عَلَى تَمَدُّحِ اللهِ بما تَفَضَّل به عَلَى عِبَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. الْفَائِدَةُ الْثَّالِثَةُ: فَضيلة داودَ وسُلَيْمان وأنهما أهلٌ لهَذِهِ النعمةِ؛ فإنَّ الله ﵎ يَقُول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فما من فضلٍ يُعطيه اللهُ العبدَ إِلَّا وَهُوَ فِي مكانِه؛ لِأَنَّ الله حكيم. الْفَائِدَةُ الْرَّابِعَةُ: فَضيلة العلمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، وهَذَا لَا شَكَّ فيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، لكِن يبقى النظرُ: ما هُوَ العلم الممدوح؟ هل هو هَذَا الَّذِي النَّاس الْآنَ فِيهِ فِي جدلٍ؟ ! المُرادُ بالعلمِ الممدوحِ علمُ الشَّرِيعَة، أَمَّا ما سِوَى علمِ الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ لا يُمدَح

стр. 96

إِلَّا حَيْثُ يُوصِل إِلَى أمرٍ محمودٍ، عكس ما عليه النَّاس اليومَ، كثيرٌ منَ النَّاسِ الجهَّال يمدحون العلمَ بغيرِ الشَّرِيعَةِ، وبعضُ النَّاس - والعياذُ باللهِ - يرَى أن علمَ الشَّرِيعَة تأخُّر، وأن علم الطبيعةِ تقدُّم، ولهَذَا يَمْتَدِح هَؤُلَاءِ العُلَماءَ بالصنائعِ وطبقاتِ الْأَرْضِ وغير ذلك؛ يَتَمَدَّح هَذَا بأنه أفضل العِلم أو هَذَا هُوَ العلمُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو إذا رأَى من الصناعةِ الغربيَّة قَالَ: هذا هو العلم، ولا يوجد شكّ أنَّ هَذَا الْآنَ يُفَضِّل هَذَا العصرَ عَلَى عصر الصحابةِ. وهَذَا لَيْسَ هُوَ المقصودَ، فالمقصودُ بثناءِ اللهِ علمُ الشَّرِيعَة؛ لأن علم الشَّريعة هُوَ الَّذِي يَنْفَع الخلقَ، حتى إن علم الشريعة هو الذي يَدُلهُّم عَلَى هَذِهِ العلوم الَّتِي يَتبَجَّحُونَ بها؛ لِأَنَّ الله يأمرُ بأن نسعى فِي الْأَرْض، قَالَ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فالحاصلُ: أنَّ العلمَ الَّذِي مَنَّ اللهُ به عَلَى داودَ وسُلَيْمَان وأثنَى عليهما به هُوَ علمُ الشَّرِيعَة، وهَكَذَا جميعُ ما فِي النصوصِ مِن مَدْحِ العلمِ فَهُوَ علمُ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحمَدُ لِذَاتِهِ، وما عداهُ فيُحمَد إذَا كَانَ مُوصِلًا إِلَى أمير محمودٍ؛ وإلا فَإِنَّهُ إن أوصلَ إِلَى أمرٍ مذمومٍ كان مذمومًا، وإنْ أوصلَ إِلَى أمرٍ لا يُحْمَد ولا يُذَمّ فَهُوَ لا يُحْمَد ولا يُذَمّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: غيرُ المُسلِمينَ وَصَلوا إِلَى أعماق البحارِ وإلى الفضاءِ، مَعَ أَنَّهُم لم يَقْرَءُوا علمَ الرَّسُول ﷺ ، ولا علمَ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم؟ فالجواب: هَذَا من الجهلِ، ولهَذَا عِلْمُهم هَذَا الْآنَ لَيْسَ محمودًا، إِلَّا إذا أوصلَ إِلَى أمرٍ محمودٍ، وإلا فَهُوَ غيرُ محمودٍ، فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلى أعماقِ البحارِ وإلى

стр. 97

آفاقِ الفضاءِ هم الَّذِينَ صَنَعُوا ما يدمِّر الخلقَ منَ القنابلِ والأسلحةِ، فهل هَذَا محمود؟ ! ثم نَقُول: هَذِهِ العلومُ إذا كانت لا تنافي العلمَ الشرعيَّ فنحن نتمنى أن المُسلِمين أيضًا يصلون إِلَى هَذِهِ الأُمُورِ لِيَنْفَعُوا أنفسَهم وينفعوا الخلقَ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: فضيلة داود وسُلَيْمَان أيضًا من جهةِ اعترافهما بنعمةِ اللهِ وقيامِهِمَا بشكرِ نعمةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ لم يَقُولا: إننا أُوتِينا هَذَا عَلَى علمٍ منَّا، أو لأنَّنا أذكياء أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الشكر يَكُونُ بالقَوْلِ كما هُوَ أيضًا بالفِعْل، فيَكُون بالقَوْلِ وبالفِعْل، وَيكُون أيضًا بالعقيدةِ، أي: بالاعتقادِ، فالشكرُ له ثلاثةُ مَحَلَّاتٍ: القَلْب واللسانُ والجوارحُ، قَالَ الشاعر (١): أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّيْ ثَلَاَثةً ... يدي وَلِسَانِي وَالضَّمِيْرَ المُحَجَّبَا والدَّليلُ عَلَى أن الشكرَ يَكُون فِي ثلاثةِ مواضعَ: فِي هَذِهِ الآيَةِ الشكرُ باللسانِ، وقال النَّبِيّ ﷺ وقد قيل له: كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا - وَكَانَ يَقُومُ حَتَّى تَتَوَرَّم قَدَمَاهُ - وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، فَقَالَ: "أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟ " (٢) فجعلَ الفِعْل شكرًا للهِ ، وقال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].

стр. 98

وأمَّا الاعترافُ بالنِّعَمِ بالقلبِ فَهُوَ مِنَ الشُّكْرِ، والدَّليلُ قولُه تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، هَذَا الخبرُ يريدُ اللهُ مِنَّا أنْ نَعْتَقِدَهُ، ولهَذَا ذَمَّ اللهُ ﵎ الَّذِينَ نَسَبُوا نِعْمَتَهُ إِلَى أنفسهم، قَالَ عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨]. والمواضعُ الثلاثةُ للشكرِ قَلَّ مَن يقومُ بها، فبعضُ النَّاسِ مثلًا يَعتمِد عَلَى السَّبَب فِي جَلْبِ النعمةِ إليه وينسى المسبِّبَ، فعندما يعطيه إِنْسَانٌ حاجةً من الحاجاتِ تجد أَنَّهُ يقومُ فِي قلبِه من شكرِ هَذَا المعطي أكثر ممَّا يقوم بشكرِ اللهِ، تجده يُثْنِي أيضًا عَلَى هَذَا أكثرَ ما يثني عَلَى اللهِ، فتجده يقوم بخدمةِ هَذَا أكثر مما يقوم بخدمةِ اللهِ، مَعَ أن هَذَا الَّذِي وَصَلَتِ النعمةُ عَلَى يدِهِ ما هُوَ إِلَّا طريق لِوُصُولهِا إليك فقط، وإلَّا فالذي جعلَ فِي قلبه أن يوصل هَذِهِ النعمة إليك هُوَ الله ، وَهُوَ الَّذِي يَسَّرَ هَذَا. فالحاصلُ: أنَّ النَّاسَ الْآنَ فأكثرُهم أو غالبهم يُخِلُّون فِي مَقامِ الشكرِ إمَّا بالقلب أو باللسان أو بالجوارحِ. الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الْإِنْسَانَ يُشْرَعُ له إذا مَنَّ الله عليه بنعمةٍ أنْ يَحْمَدَهُ عليها، وقد وردَ فِي النصوصِ مثل ذلك، فعندما تنتهي من الأكلِ والشربِ تقول: الحمدُ للهِ (١)، وعندَما تَسْتَيْقِظُ تَحْمَدُ اللهَ (٢)، وعندما تلبسُ ثَوبًا تحمدُ

стр. 99

الله (١)، وهَكَذَا فمِنَ الأُمُورِ المشروعةِ حَمْدُ اللهِ عَلَى النِّعَمِ. الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: تواضُع داود وسُلَيُمَان ومعرفتهما للحقيقةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما ذكرا التفضيلَ المطلَقَ عَلَى جميعِ المُؤْمِنيِنَ، بل عَلَى كثيرٍ من عبادِه المُؤْمِنيِنَ. وهل يُستفاد من ذلك وصف الأَنْبِياء بالإِيمان، يَعْنِي: هل يُشْعِر قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما من المُؤْمِنيِنَ؟ الظَّاهرُ أَنَّهُ يُشْعِرُ بهَذَا، يعني أننا شاركناهم فِي وصفِ الإِيمانِ، و ﴿فَضَّلَنَا﴾ اللهُ عَلَى كثيرٍ منهم. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلّ عَلَى أنَّ مُحَمَّداً ﷺ أفضلُ الرسُلِ؛ لِأَنَّ قولَهما: ﴿كَثِيرٍ﴾ هو يَدُلّ عَلَى أنهما عَلِما ذلك؟ قُلْنَا: هَذَا فِيهِ إشكالٌ، وَهُوَ أَنَّنا لَيْسَ عندنا علمٌ أن الأَنْبِياء عَلِموا بأن مُحَمَّدًا ﷺ سَيُبْعَثُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، كلمة (رسول) نَكِرَة لا تدلُّ عَلَى أن اللهَ عَيَّنَ مُحَمَّدًا ﷺ لهَؤُلَاءِ، وإن كَانَ قَالَ: إن الله أخذ عَلَى النبيِّين الميثاقَ لئِن بُعث مُحَمَّد، لكان هَذَا تفسيرًا منه، أَمَّا الآيةُ فلا تدلّ عَلَى هَذَا، وقد يقال: إنَّهُ يَدُلّ عليه لِأَنَّ داود ﷺ يقينًا اطلع عَلَى التوراةِ.

стр. 100

الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الْإِنْسَان إذا رأى أَنَّهُ أفضلُ من غيرِهِ بنعمةِ اللهِ عليه فإن هَذَا لا يُنافي التواضُعَ، يعني عندما تشعر أن الله أنعمَ عليكَ بالمالِ وفَضَّلَكَ عَلَى هَذَا، فهذا لا يعني أَنَّك ترَفَّعْتَ وتَكَبَّرْتَ، بل إنك لا يمكنُ أن تدركَ نعمةَ اللهِ عليك حَتَّى تعرفَ ضِدَّها فِي غيرك، فإذا رأيتَ مثلًا إِنْسَانًا مبتلى فِي بدنه والله تَعَالَى قد عافاكَ، عرفتَ فضلَ نعمةِ اللهِ، تقول: الحمد لله الَّذِي عافاني ممَّا ابتلاهُ به وفضَّلني عليه، وعندما ترَى جاهلًا وأنتَ قدْ منَّ اللهُ عليكَ بالعلمِ فإنك كذلك أيضًا ترى فضلَ نعمةِ اللهِ عليكَ بهَذَا العلم، ولا يُعَدّ هَذَا من بابِ الترفُّع والاستهانة بالغيرِ، ولهَذَا قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقد يتراءى للإِنْسَانِ أَنَّهُ إذا رأى فضلَه عَلَى غيرِه بما أنعمَ اللهُ عليه أن ذلك أمرٌ مذمومٌ، وَأَنَّهُ يتضمن الترفُّعَ والاستهانةَ بالغيرِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كذلكَ، لكِن هَذَا حَسَب نِيَّةِ الْإِنْسَان، فشعوره بعلوِّهِ بما فَضَّلَهُ اللهُ به عَلَى غيرِه قد يَكُون علوًّا وقد يَكُون ازدراءً، وقد ينظرُ إِلَى نعمةِ اللهِ عَلَى غيرِه عَلَى وجهِ الحِكْمَةِ، يَقُول: إن الله حكيمٌ، ولولا أن هَذَا أهلٌ ما أعطاهُ، ثُمَّ يَسعَى فِي تكميلِ الفضائلِ لينالَ ما نالَ، المهمُّ أن هَذِهِ المسألة ترجع إِلَى النيَّة. الفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: مشروعيَّة التحدُّث بنعمةِ اللهِ، لكِن لا عَلَى سبيلِ الافتخارِ والعلوِّ عَلَى الغيرِ، ولهَذَا جاء فِي الحديث عن الرَّسُول ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ" (١)، فالْإِنْسَانُ إذا تحدَّث بنعمةِ اللهِ غيرَ مفتخِرٍ بها فَإِنَّهُ لا بأسَ

стр. 101

بذلك، بل قد يَكُون هَذَا مشروعًا؛ لِأَنَّهُ ثناءٌ عَلَى اللهِ بما أنعمَ به عليك. الفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ علمِ اللهِ، وَجْهُه أَنَّهُ أعطَى علمًا، وفاقدُ الشَّيْءِ لا يُعْطِيهِ، فالله أَعْطَى هَؤُلَاءِ عِلمًا، ولا يُعْطِي العلمَ إِلَّا مَن كَانَ عالمًا، لِأَنَّهُ يُعَلِّمُهم بما يَعْلَمُ هو. * * *

стр. 102

الآية (١٦) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. * * * من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أنَّ سُلَيْمَان متأخِّر عن داودَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والإرثُ أنْ يَخْلُفَ الْإِنْسَانُ غيرَه فِي شيءٍ ما، عِلماً كَانَ أو مالًا. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مشروعيَّة تحدُّث الْإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هَذَا التحدُّث لا بأسَ أن يَكُون علنًا، يعني شَامِلًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداء للبعيدِ، فكأنَّ سُلَيْمَان أعلنَ ذلك فِي جميعِ النَّاسِ. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الطيرَ تَنطِق؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ نُطْقَهَا مفهومٌ ومعلومٌ، ولكِن فيما بينها معلوم، ولغيرها مجهولٌ، إِلَّا لمَن عَلَّمَهُ اللهُ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن اللهَ أَعطَى سُلَيْمَان من كُلّ شيءٍ يَتمُّ به المُلْكُ؛

стр. 103

لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وَهُوَ نظيرُ قولِه تَعَالَى عن مَلِكَةِ سَبَأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أي: ممَّا يَتمُّ به المُلْك، هَذَا إذا قَيَّدْنا من كُلّ شَيْء يتمُّ به المُلك، فـ ﴿مِنْ﴾ لبَيَان الجنسِ، وإذا قُلْنَا: إن ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عامّ لكلِّ شيءٍ فإن ﴿مِنْ﴾ تكون للتبعيضِ؛ لأنهما ما أُعْطُوا كُلَّ شيءٍ، بل بعضَ كُلّ شيءٍ. الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ما يعطيه الله تَعَالَى العبدَ منَ العلومِ والفهمِ فَهُوَ من فضلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَن عَلِمَ لغةَ غيرِه فله ميزة عَلَى غيرِه؛ لِأَنَّهُ تمَدَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. إِذَنْ: تعلُّم اللُّغةِ غيرِ العربيَّة هُوَ فِي الحقيقةِ مِن نعمةِ اللهِ عَلَى العبدِ، لكِن إنِ استعملها مكانَ اللُّغةِ العَربِيَّةِ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ، وَكَانَ عمر يَضرِب عَلَى ذلك (١)، وإنِ استعملها لمصلحةٍ دِينيةٍ فهَذَا له أجرٌ فِي ذلكَ، كما لوِ استعملها فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الله وتَفهيم الخلقِ الَّذِينَ لا يَفهمون اللُّغةَ العَربِيَّةَ، فهي وسيلةٌ. المهمُّ أَنَّهُ لَا شَكَّ أن الْإِنْسَان الَّذِي يتعلم لغة غيرِه فله ميزة عَلَى غيرِه فِي هَذَا، ولكِن كونه محمودًا أو غير محمودٍ يَرجِع إِلَى ما يَتَوَصَّلُ به بهَذِهِ اللُّغةِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سُلَيْمَان ﵇: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ هو آيَةٌ، وعليه فتعلُّم لغةِ الغيرِ لَيْسَ له ميزةٌ؟ قُلْنَا: هَذَا صحيحٌ، لكِن كونه يَتَمَدَّح أَنَّهُ عُلِّم هَذَا المَنْطِقَ هل هُوَ لأجلِ كونِه

стр. 104

آيَةً أو لِأَنَّهُ أمرٌ يخفى على غيرِه؟ صحيح أَنَّهُ آيَة ويخفى على غيره. عَلَى كُلِّ حَالٍ: المسألة ليستْ بذاك، المسألة الَّتِي تؤخَذ من هَذِهِ الآيَة أنَّ الْإِنْسَان يُمْدَح إذا عَلِمَ لغةَ غيرِه زائدة، لكِن لَا شَكَّ أَنَّهُ علم، وَأَنَّهُ إذا تُوُصِّلَ به إِلَى أمر مقصودٍ فَهُوَ محمود كما تقدَّم، وإن توصل به إِلَى أمر مذمومٍ فَهُوَ مذمومٌ. فمثلًا إذا كَانَ الْإنْسَان يَتَعَلَّم لغة غير العَربِيَّة فيُحِلّها محَلّ العربيَّة ويبدأ يخاطِب غيرَه بهَذِهِ اللُّغةِ فلَا شَكَّ أَنَّهُ مذموم ويُنهى عنه؛ لِأَنَّهُ يخالف الشرعَ من جهةٍ، ويخالف العقلَ من جهةٍ أخرى، فالأممُ الْآنَ تسعى بكل وسيلةٍ للحفاظِ عَلَى لغاتِها، بل إنَّهَا تسعى لإحياءِ لغاتها البائدةِ، مثلما يصنع اليهود الْآنَ يحاولون بشتَّى الوسائلِ أن يرجعَ قومُهم إِلَى اللُّغة العِبْرِيَّة، فكيف نُضَيِّع اللُّغةَ العربيَّة الَّتِي هِيَ لغة العالم، لغة العالم شرعًا - وليسَ قَدَرًا - ولهَذَا يَجِب عَلَى جميعِ العالمِ أن يتعلمَ اللّغةَ العَربِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن باللُّغةِ العَربِيَّةِ ولا يمكن فَهْمُه إِلَّا باللُّغة العربيَّة. ولكِن نحن الْآنَ مَعَ الأسف نرَى أن غير اللُّغة العَربِيَّةِ هِيَ العالميَّة، مثلما أننا نرى الآنَ الشهورَ غير العَربِيَّة هِيَ العالمية؛ لأنَّنا فِي الحقيقةِ ما عَرَفْنا قَدْرَ أَنفسنا، وإلَّا فالمسلمونَ هم العَالَم فِي الحقيقةِ، هم العالم فِي دِينهم، وَفِي كتابهم، وَفِي تاريخهم، يَقُول الله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ لمَن؟ ﴿لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وليس العرب وحدهم ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، متى؟ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وقد فَسَّرَهَا الرَّسُول ﵊ بهَذِهِ الأشهرِ العَربِيَّة، لكِن (١): لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ... وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لمَنْ تُنَادِي

стр. 105

فالحاصل: أنه مَعَ الأسفِ الشَّديدِ بعضُ النَّاسِ يَتَعَلَّم لغةَ هَؤُلَاءِ ويجعلها هِيَ لغةَ التخاطُبِ فيما بينهم، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ نقصٌ فِي الشرعِ والعقلِ. ولو أن النَّاس نُقلوا من اللُّغةِ العامِّيَّة إِلَى اللُّغةِ العَربِيَّةِ الفصحى فهَذَا طيِّب ومن أحسن ما يَكُون؛ لِأَنَّهُ يُعِين عَلَى فهم الْقُرْآنِ والسنّة، لكِن إذا لم يمكِن فهَذَا تغييرٌ، أي: لهجة فقط، ولو تأمَّلْتَ ما عليه النَّاس الْآنَ من اللُّغة العامِّيَّة لوجدت أن كُلّ كلماتهم لها أصول فِي اللُّغة العَربِيَّةِ، لكِن هو اختلاف لَهَجَات، فبودنا الحقيقة أن نرجع إِلَى اللُّغة العَربِيَّة الفصحى، ولكِن هَذَا يحتاج عملاً، فنحن نريد أن نَتَخَلَّى عن لُغَتِنا هَذِهِ العامِّيَّة إِلَى اللُّغةِ الفصحى، ويعجبني واحد من سيريلانكا فِي إحدى المؤسسات عندنا جاء مرَّةً يتكلم معي ويتكلم باللُّغةِ الفصحى ولا يَلْحَنُ، هَذَا العجيب، فالعجيب أَنَّهُ لا يلحن، هُوَ سيرلانكي أصلًا لَكِنَّهُ تعلم اللُّغة العَربِيَّة عَلَى اللُّغة الفصحى؛ لِأَنَّ القواميس باللُّغة الفصحى، وهو يكلمني باللُّغة الفُصْحَى تماماً ولا لحنَ وهَذَا طيِّب. * * *

стр. 106

الآية (١٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧]. * * * قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ سُلَيْمَان ﵊ آتاه اللهُ ﵎ مُلْكا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدِه، حَتَّى إنَّ الرَّسُولَ ﵊ لمَّا هَمَّ أنْ يَقبِضَ عَلَى الشيطانِ قَالَ: "ذَكرْتُ قَوْلَ أَخي سُلَيْمَان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] " (١). فمِن جُملة مُلْكِهِ هَذَا التنظيمُ العظيمُ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَحُشِرَ﴾ جُمِعَ]، والجامِعُ: النُّقبَاء والعُرَفَاء الَّذِينَ جَعَلَهُم يَجْمَعُون هَؤُلَاءِ الجنودَ، فَهُوَ قد نَظَّمَ مُلْكَه غايةَ التنظيمِ وجعلَ لكلِّ أُناسٍ قادةً وعُرَفَاءَ يَجْمَعُونهم. وقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وهل يُحشَر معهم غيرهم؟ الجِنّ واضحٌ، والإنس مُكَلَّفون، والطيرُ غيرُ مُكَلَّفِينَ، وهي تطير.

стр. 107

بَقِينا فِي الحيواناتِ الأُخْرَى الماشية والزاحفةِ، هل تدخل فِي هَذَا من بابِ أَولى ونَقُول: إنَّهُ إذا حُشِرَتِ الطيورُ الَّتِي لا يمكن السيطرةُ عليها فغيرها من باب أولى، أو نَقُول: إن سُلَيْمَان ﵊ ما كَانَ يَستعمِل إِلَّا الطيور فقط؛ لِأَنَّهُ يستخدمها لمصالحه؟ هو مَحَلُّ إشكالٍ عندنا، فالآن نَقُول: سكتَ عن بقيَّة الحيوانات، فهل هِيَ داخلة فِي جُنُودِهِ أو لا؟ قد تقولُ: إنَّهَا داخلة من باب الأَولى، وقد نَقُول: ليست بداخلةٍ. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ وجه قولنا أن نَقُول: إذا كَانَ الطيرُ وَهُوَ لا يمكن السيطرةُ عليه لِطَيَرَانِهِ يُحْشَر ويُجْمَع فغيرُه من باب أولى، وقد تقول: إنَّهُ لَيْسَ بلازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يمكن أن سُلَيْمَان ﷺ لا يستخدم من الحيوانات سِوَى الطيرِ، وإذا لم يَسْتَخْدِمْ سواها فلا حاجةَ له فِي أن يجمعَ الباقيَ. قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يُجْمَعُونَ ثُمَّ يُساقونَ]، وهَذَا أيضًا منَ التنظيمِ ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُساقون يعني منظمينَ فِي جَمْعِهِمْ وسَيْرِهِمْ، فيُجمعونَ أولًا، وبعدَ أنْ يُجْمَعُوا يُوَزَّعُون فيُساقون عَلَى وجهٍ مُنَظَّمٍ. وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ منَ التنظيمِ الَّذِي يحفظ عَلَى النَّاس الوقتَ والعَمَلَ؛ لِأَنَّ أكثرَ ما يُضَيِّعُ وقتَ الْإِنْسَانِ وعَمَلَه هُوَ عَدَمُ التنظيمِ. ولهَذَا أقول: إِنَّهُ يَنبغي أنْ يَكُونَ عندَنا تنظيمٌ لأعمالِنا اليوميَّة بِقَدْرِ المُستطاع، ولكِن لَيْسَ معنى ذلكَ أنْ نُصِرَّ عَلَى هَذِهِ الأَعْمالِ وإنْ وُجِد ما هُوَ أفضل فلا نفعله،

стр. 108

إِنَّمَا فقط يَكُون الْإِنْسَان مُرَتَّبًا مُنَظَّمًا لا يَدَع وَقْتَه فَوْضى، فيقرأ الْآنَ فِي هَذَا الكتاب سطرًا ثُمَّ يَدَعه لِيقْرَأَ فِي الكتابِ الثاني ويدعه، أو يعمل هَذَا العَمَل ويبدأ به ثُمَّ يَتْرُكه، فيَنبغي أن يَكُونَ عِنْدَه تنظيمٌ، ومنَ المُسْتَحْسَنِ أَنَّهُ كلَّما كَانَ الشَّيْء أهمّ يبدأ به أوَّلًا. وكَانَ بعض النَّاس يَقُولُونَ: إِنَّهُ من جُملةِ تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدَّى، ويَجعل قراءةَ الكتبِ الهامَّة الَّتِي تحتاج إِلَى تعبٍ بعدَ الغداءِ؛ لِأَنَّ قراءةَ الصحفِ قراءةٌ سَطحيَّةٌ مثل التحدُّث العادي، ولَيْسَ فيها تعبٌ. لكِن الكتب فيها تَعَمُّق فتحتاج إِلَى عملٍ، وهَذَا لا يناسبُ مَعَ وجودِ الشِّبَعِ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن سُلَيْمَان ﵊ قد نَظَّمَ جُنُودَهُ ورَتَّبَهُم بحيث يُجمَعون عندَ الجمعِ ويُفَرَّقُون عند التفريقِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الجنود الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُهُمْ سُلَيْمَان ثلاثةُ أصنافٍ، وهم: الجِنُّ والإنسُ والطيرُ، أَمَّا الإنس فاستصحابُه لهم ظاهرٌ؛ لِأَنَّهُ منهم، وَأَمَّا الجنُّ فلاستخدامِهِمْ فيما لا يَقْدِرُ عليه الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا الطيورُ فقال بعضُ العُلَماءِ: إنَّهَا تَصْحَبُهُ لِتُظِلَّهُ، فتكون فوق رأسِهِ ظُلَّةً منَ الشَّمْسِ، وهَذَا قد يَكُون مقصودًا، وقد يَكُون أيضاً من مقصودِ استصحابِ الطيرِ أَنَّهَا تأتيه بالأخبارِ البعيدةِ كما فِي قِصَّة الهُدْهُد. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: كمال التنظيم أيضًا، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، لِأَنَّ الوَزْعَ معناه: الجمْعُ والسَّوْق، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]، يُجْمَعُون إليها وُيساقُون إليها. وهَذَا دليلٌ أيضًا عَلَى كمالِ تَنظيمِهم.

стр. 109

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جوازُ استعمالِ الساقَةِ فِي الجُنْد والجيشِ، بأن يَكُون لهم سائقٌ كما أنَّ لهم قائدًا دليلًا، وقد كَانَ من هدي الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الساقَةِ فِي أُخريات القومِ (١)، مَعَ أَنَّهُ ﷺ رَئِيسهم وزعيمهم، لَكِنَّهُ يتأخَّر لأجلِ أنْ يُرْفِدَ من قَصَّر وُيعِين مَنِ احتاجَ، وللفوائد العظيمة الَّتِي تحصُل بهَذَا. * * *

стр. 110

الآية (١٨) * * * قَالَ اللهُ : ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. * * * قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هَذِهِ غايةٌ لمِا سبقَ، وَهُوَ قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾، وَعَلَى هَذَا فيَكُونُ فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقديرُه: وساروا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾. فبعدَ أنْ جُمِعَ الجنودُ وَوُزِّعُوا فَرُدَّ أولهم إِلَى آخرهم، ونُظِّموا، سَارُوا. قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: ﴿أَتَوْا﴾ أي: سُلَيْمَان وجنوده، أي: مَرُّوا. وقوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكَلامِ أن هَذَا الوادي معروفٌ بهَذَا اللَّقَب، أي أَنَّهُ يُسَمَّى واديَ النملِ، ويَحْتَمِل، لَكِن خِلاف الظَّاهرِ أن يَكُونَ هَذَا الوادي واديًا فِيهِ نملٌ، يعني يَكُون التَّقْدير: حَتَّى إذا أتوا عَلَى وادٍ فِيهِ نملٌ، وَلَيْسَ معروفًا بهَذَا اللَّقَب، أي بأنه: وادي النملِ، ولكِن الأَولى الأخذُ بظاهرِ اللفظِ؛ وَهُوَ أن يَكُونَ هَذَا الوادي معروفًا بكثرةِ نَمْلِهِ وَأَنَّهُ يُلَقَّب بهَذَا اللقبِ لِكَثْرَتِهِ. والنَّمْلُ معروفٌ، وَهُوَ مِنَ الحيواناتِ الَّتِي نُهي عن قَتْلِها، كما فِي السُّنَن أن النَّبِيّ ﷺ نهى عن قتل أربعٍ منَ الدوابِّ، وذكرَ مِنْهَا النَّمْلةَ (١)، وَفِي الصَّحيحِ أيضًا
следующие страницы →