الدين عادة، إن تَقَبَّله النَّاس حَسَب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يَقبلوه لم يكن دِينًا.
والواجب أن يَكُونَ الدينُ بَعيدًا عن عاداتِ النَّاسِ، بمعنى أن يَكُون الحكَمُ هُوَ الْقُرْآن والسنّة، لا ما يعتاده النَّاس فيما يَفعلونه من عباداتٍ أو غيرها، خِلافًا لبعضِ النَّاسِ الْآنَ الَّذِينَ يريدونَ أن يُتابعوا النَّاس فيما هم عليه ولو كَانَ باطلًا، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لأنَّنا لو مَشينا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أو عَلَى هَذَا المنهاجِ ما بَقِيَت حياة للإسلام، ويموت منَ الإِسْلامِ جزءٌ فِي هَذَا العصرِ، ثُمَّ يأتي عصرٌ آخرُ فيموت منه جزء آخرُ، وهَكَذَا حَتَّى يَنقضيَ، ولَكِنَّنَا إذا كنا نعمل بالإِسْلام ونجدِّد حسَب ما يَقتضيه الكتاب والسنّة -لا حسَب آرائنا- صار ذلك هُوَ القيادةَ، وَأَمَّا أن نسكت وندُسّ رُؤوسنا فِي الترابِ ونَقُول: هَكَذَا النَّاس ولا يمكن أن نخالفهم، أو نَتَهَيَّب قول بعض النَّاس: طلعتم علينا بدينٍ جديدٍ، هَذَا الدين ما عرفناه من قبلُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإن هَذَا لا يَنبغي أن يمنعَ الْإِنْسَان عن قولِ الحقّ.
ولهذَا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظ تقوم به الحجَّة عليكم، وتلاوة اتباع لا أُبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ فِي كُلّ مكان.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول الرَّسُول ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً وَشُحًّا مُطَاعًا وإِعِجْاَبَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" (١) هل ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر؟
فالإجابة: قوله: "عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" لا ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن
стр. 527
المنكرِ لِأَنَّهُ مِن خاصَّتِك، لكِن المَعْنى دَعْهُمْ، أي لا تَهْتَمّ بهم بحيثُ يَشغلونك عما يجبُ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاس يهتم بهَذَا الأَمْر حَتَّى إنَّهُ ينشغل بالنَّاسِ عن نفسه، فتجده حالَ صلاتِه يشعرُ أَنَّهُ يأمرُ فلانًا ويتصوَّر أَنَّهُ واقفٌ عند دكّانٍ ويقول له: صَلِّ، فهَذَا الَّذِي يُنهى عنه.
وأيضا قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، بعض النَّاس يفهم من هَذِهِ الآية أن الْإِنْسَان إذا أصلحَ نفسه لَيْسَ عليه من إصلاحِ غيرِه، لكِن نَقُول: إن إصلاح غيرك لا يتمَ إِلَّا بإصلاحِ نفسِكَ، فأنت مأمورٌ بالأَمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، لكِن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرُّك بَعْد أن تقومَ بما يَجِب عليك من الدَّعْوَةِ والأَمْرِ.
لكِن يجوز مراعاة النَّاس بمعنى تدريجِ النَّاسِ حَتَّى يَسْلُكُوا الصراطَ الصَّحيحَ، فمراعاة الحال يعني بالتدريج لا بأس به، ولهَذَا الَّذِي نرى أن الدعاءَ إِلَى الله بالحِكْمَة يتناولُ هَذَا الأَمْرَ، وهو: نقل النَّاس إِلَى الإِسْلام مرحلةً مرحلةً، وإن كَانَ بعضُ النَّاس يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا فِي أول الدَّعْوَة. صحيح أن الإِسْلامَ تطوّر؛ جاءت الصَّلَاة ثُمَّ الزكاة ثُمَّ الصِّيَام ثُمَّ الحج، وحُرِّمَ الخمرُ عَلَى عدَّة وجوهٍ، فالصِّيَام أوجب عَلَى عدّة وجوه، لكِن نَقُول: كما أن هَذَا فِي أوَّل الدَّعْوَة هُوَ أيضًا فِي آخرها، وبَعْثُ معاذٍ كان فِي سنةِ عشرٍ منَ الهجرةِ، ومع ذلك يقولُ: "ادْعُهُمْ أَوَّلًا إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ" (١)، فالرَّسُول رتَّب هَذَا، ما قَالَ: ادْعُهُمْ إليها جميعًا.
стр. 528
فمثلًا لو رَأَيْنا إِنْسَانًا مُنهمِكًا بفعلِ معصيةٍ، وعرفنا أنّنا لو قُلْنَا له: أَقْلِعْ عنها نِهائيًّا، أَنَّهُ لا يتمكَّن، أو أن ينفِر؛ فلا بأس أن نَنْقُلَهُ عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لِأَنَّ هَذَا كمعالجةِ المرضِ، فالمرض لا يُمْكِنُ أنْ تعالجَه مرَّةً واحدةً، فلَا بُدَّ من تَنَقُّل من شيءٍ إِلَي شيءٍ، حَتَّى يَتَمَّ استئصالُ هَذَا المرضِ.
فهَذهِ المسألةُ تعودُ إِلَى حالِ النَّاسِ، وَلَيْسَ معناهُ الاستسلام لحالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ معنى الاستسلامِ الَّذِي أنكرته قبلُ هُوَ أنْ الْإِنْسَان يَدَعُ النَّاسَ ولا يعارضهم بالحقِّ، أَمَّا هَذَا فلا يدعهم لَكِنَّهُ يُنَقِّلُهم من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ حَتَّى يَسْتَقِيموا. فمثلًا عندما نريدُ أنْ نعملَ عَمَلًا فِي الصَّلَاة لَيْسَ من عادةِ النَّاسِ، فإنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أن نُمَهِّدَ له بالقَوْلِ أوَّلًا، ثُمَّ إذا عَلم به النَّاسُ واستقرَّ فِي نُفُوسِهِم نَقَلْنَاهم بعدَ ذلكَ إِلَى الفِعْل، وهَكَذَا أيضًا غير هَذِهِ المسألةِ.
المهمّ أنّ تلاوةَ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ المُعْرِضِين ممَّا أُمِرَ به الرَّسُولُ ﵊ وأُمِرَتْ به الأمَّة كلُّها أيضًا، وتكون التلاوةُ هنا لفظًا واتِّباعًا، ولكِن الشأن كله فِي أنْ لا نتخاذلَ أمامَ الأَمْرِ الواقعِ؛ بل يَجِب علينا أن نكونَ عَلَى وجهٍ أقوى وأشدَّ.
مسألة: ما القَوْل في نقلِ الْإِنْسَانِ من معصيةٍ إِلَى معصيةٍ أُخرى أخفَّ منها؟
الجواب: لا يجوزُ إذا كانتْ منَ الجنسِ، فلو فَرَضْنا أن إِنْسَانًا مُبْتَلى بالزِّنا -والعياذُ باللهِ- وقلنا له: يا أخي مالكَ حَقّ، هَذِهِ الشهوةُ الَّتِي عندك تَستطيع أنْ تُخَفِّفَها بالاستمناءِ مَثلًا، فهَذَا منَ الجنسِ، وَلَيْسَ فِيهِ بأسٌ، فالتي من الجنسِ معناها التخفيفُ؛ لأنك لو نَقَلْتَه إِلَى شيءٍ آخرَ فاتجاهُه الأوَّلُ لا يزولُ فِي الغالبِ، لكِن لو أنَّ واحدًا يَسْرِق ونَقُول: يا أخي اتركِ السَّرِقَة واشْرَبْ خمرًا أحسن لكَ، فهَذَا لا يُمْكِن.
стр. 529
فالتدرُّج طريقٌ، وَلَيْسَ معنى ذلك أنِّي إذا نَقَلْتُه من هَذَا إِلَى أخفَّ أنِّي أُبيح له الأخفَّ؛ لَكِنَّهُ تَدَرُّج، فالتدرُّج هنا لَيْسَ معناه ثُبُوت الحكم عَلَى الدرجةِ الَّتِي نزَّلناه إليها؛ ولكِن معناه أننا نَنْقُلَه من الدرجةِ العُظْمَى إِلَى الأخفِّ، ثُمَّ إِلَى تركها بالكُلِّيَّة، وَأَمَّا قوله تَعَالَى فِي الخمرِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنَقُول: طريق الاجتنابِ هَذَا الَّذِي نَقُول.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوةً لفظيَّة تقوم بها الحُجَّة عليكم، وتلاوةً عَمَلِيَّة تَطْبِيقِيَّةً يَتَبَيَّن بها أنَّني لستُ بمُبَالٍ بمَن يُخالِفُني فِي هَذَا الأَمْرِ.
وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هُوَ هذا الَّذِي نَزَلَ عليه ﷺ .
وبعد تلاوةِ الْقُرْآنِ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له]، ولكِن عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر يَكُونُ قوله: ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى انقادَ؛ لِأَنَّ ﴿اهْتَدَى﴾ لا يَتَعَدَّى باللامِ؛ بل يَتَعَدَّى بالباءِ: اهتدى به، لكِنَّه ضُمِّن معنى انقادَ، وتَضْمِينُه معنى الانقيادِ لِيَشْمَلَ هدايةَ العلمِ وهدايةَ التَّوفيقِ.
فالذي يَهتدي وينقاد له قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي لِأَجْلِها، فإنَّ ثوابَ اهتدائِهِ لَهُ]، صحيحٌ، فمَنِ اهتدى بهَذَا الْقُرْآنِ وانقادَ له فالمصلحةُ ليستْ للهِ ؛ لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنه، وليستْ لفلانٍ ولا لفلانٍ؛ لِأَنَّ كُلّ نفسبى لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ، إذن فَهِيَ لنفسِهِ. وإن كَانَ يَنتفِع الداعي بذلك أيضًا انتفاعَ الدالِّ، فـ "إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ" (١)، لكِن أصل الثوابِ للفاعلِ، فلا يُقَال مثلًا: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَدْعُو للناسِ لِيَهْتَدُوا فيَكُون له أجرٌ،
وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المُراد بآياتِ اللهِ هنا الآياتُ الدالَّةُ عَلَى صِدْقِ ما أخبر به فِي الْقُرْآن، فتكون الآيات الكونيَّة أو هِيَ أشمل من ذلك؟
الظَّاهرُ أَنَّهَا أشملُ من ذلكَ؛ أَنَّهَا تَشْمَلُ الآياتِ الدالَّةَ عَلَى صِدْقِ ما وعدَ به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآياتُ الشَّرْعِيَّة الدالَّةُ عَلَى كمالِ شَريعتِهِ.
وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغُ مِنَ الإراءةِ؛ لأنني قد أُرِي الْإِنْسَانَ شيئًا ولكِن لا يَعْرِفه، وهنا قَالَ: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بَيَان وإرادةٌ ومعرفةٌ؛ أعلاها المعرفة، ثُمَّ الإرادة، ثُمَّ البَيَان.
قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هَذَا أنْ تقومَ عليكم الحُجَّة؛ لِأَنَّهُم إذا أُرُوا الآياتِ حَتَّى عَرَفُوها قامتْ عليهم الحُجَّة.
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَأَرَاهُمُ اللهُ يومَ بَدْرٍ القتلَ والسَّبْيَ وضربَ الملائكةِ وُجُوهَهُمْ وأدبارَهُم وعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ]، أعوذُ باللهِ! هَذِهِ من جملةِ الآياتِ الَّتِي أراهم إيَّاها، وإلَّا فقد أراهم اللهُ تَعَالَى انشقاقَ القمرِ قبلَ بَدْرٍ، فإنهم طَلَبُوا آيَةً منَ الرَّسُولِ ﷺ فأشارَ إِلَى القمرِ فانفلق فِرْقتيْنِ، حَتَّى شاهدوه بأعينهم، فقَالُوا: سَحَرَنا مُحَمَّد، فاسألوا الرُّكبان الَّذِينَ يَقْدَمُونَ مَكَّة هل شَاهَدُوا ذلك أم لا؟ فسألوهم فأَخْبَرُوهم بأنهم شاهدوا ذلك (١).
стр. 535
وقد أنكر قومٌ هَذِهِ الآيةَ انشقاقَ القمرِ، ومنهم مُحَمَّد رَشِيد رِضا، وأظنُّ شَيْخه كذلك -مُحَمَّد عَبْدُهْ- وهَذَا خطأٌ فاضحٌ والعياذُ باللهِ؛ لِأَنَّ الأحاديثَ فِيهِ مُتَوَاتِرَةٌ، وإشارةُ الْقُرْآنِ إليه ظاهرٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، هم حَرَّفوا الْقُرْآن فقَالُوا: انشقَّ القمرُ، أي: بانَ ضياءُ الحقّ والنُّور بما جاء به الرَّسُول ﷺ ، وهَذَا بلَا شَكّ تحريفٌ للقرآنِ وتكذيبٌ بما تواترتْ به السُّنَّة، فالصَّوابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ من معتقداتِ أهلِ السنَّة والجماعةِ أنَّ القمرَ انشقَّ.
وقد قالوا: إنَّهُ لوِ انشقَّ لكان أمرًا عالميًّا، وَكَانَ له ذِكْر فِي التاريخِ؛ لِأنَّهُ أمرٌ عالميٌّ، حَيْثُ إن القمر آيةٌ أفقِيَّة كُلٌّ يُشاهِدُها، وحيثُ إن هَذِهِ الحالة للقمرِ حالةٌ غريبةٌ خارجةٌ عنِ العادةِ، فالهِمَم تَتوافرُ عَلَى نَقْلِهِ، ولا بدَّ أن تُذْكَر فِي التواريخ كتاريخِ الهِنْدِ والرُّوم والفُرْس ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
فنَقُول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أَخبرَ اللهُ به مَوْضِعًا للشَّكِّ لأنَّ هَؤُلَاءِ لم يَذْكُرُوه، بل لوْ ذَكَرُوا أنَّهُ لم يَقَعْ لَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وصَدَقَ اللهُ.
وأيضا الجوابُ عَن هَذَا أن نَقُولَ: لا يَلْزَمُ إذا انشقَّ القمرُ حَتَّى رآه أهلُ مكَّة ومَن بِقُرْبِهِم أن يراه النَّاسُ جميعًا؛ لِأَنَّ نصفَ الكرةِ الْأَرْضيَّة الآخر لا يُمْكِن أن يَرَوْهُ؛ لِأَنَّهُ غائبٌ عنهم، هَذه واحدةٌ.
كذلك قد يَكُون هذا الأَمْر أتاهم فِي منتصفِ الليلِ أو فِي آخرِ الليلِ أو عندهم غيومٌ مانعةٌ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فموانعُ رُؤيتهِمْ له كثيرةٌ، ولكِن لا يُهِمُّنَا أن يَرَوْهُ أو لا يروه، أو يُدَوِّنُوه فِي تواريخهم أو لا يدوِّنوه، وتكذيب الْقُرْآن أو السنَّة المتواترة بمثل هَذِهِ الأُمُور هَذَا فِي الحقيقةِ إيغالٌ فِي العقلِ أو فِي العقليَّات كما يَقُولُونَ، فالْإِنْسَان لا ينبغي أن يَكُونَ عقلانيًّا مَحْضًا، ولا ينبغي أنْ يَكُونَ ظاهريًّا محَضًا، بل
стр. 536
يجبُ أنْ يَكُونَ عنده عقلٌ يَزِنُ به الأُمُورَ، وإذا بانَتِ الأُمُورُ الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لا مجالَ للعقلِ. إِذَنْ: أراهم الله تَعَالَى آيَاتٍ مِنْهَا انشقاقُ القمرِ، ومنها أيضًا أن النَّبِيّ ﷺ شَهِدَ النَّاسُ كلُّهم أنَّ الحجَر يُسَلِّم عليه، والشجر يُسلِّم عليه، حَتَّى إنَّهُ يَقُول: "كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَليَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ" (١).
وكذلك أيضًا منَ الآياتِ ما حصلَ يومَ بدرٍ، يوم بدر حصلَ فِيهِ منَ الآياتِ من قَتْلٍ وسَبْيٍ؛ قَتْل لِرؤساءِ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِأَطْرَافِهِم؛ لِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وقَتْلُ صناديدِ أعداءِ النَّبِيّ ﷺ آيةٌ له؛ لِأَنَّ ذلك نَصْرٌ له، ولو كَانَ ما قاله باطلاً ما كَانَ اللهُ ﵎ ليَنْصُرَهُ أبدًا؛ لِأَنَّ اللهَ لا ينصرُ الباطلَ عَلَى الحقّ نصرًا مُسْتَمِرًّا، ولكِن قد يَكُون للباطلِ صَوْلَةٌ ليُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمِنيِنَ، فيَنتصِر أهلُ الباطلِ لَكِنَّهُ انتصارٌ مؤقَّت.
كذلك أيضًا السبيُ؛ سُبِيَ منهم سبعونَ رَجُلًا وذُهِبَ بهم إِلَى المَدينَةِ، والمسبيُّون أيضًا مِن أَشْرَافِهِم.
المهم أنَّ وَقْعَة بَدْرٍ أثخَنَتْهُم تمامًا، وأذَلَّتْهُم إذلالًا بالِغًا؛ ولهَذَا سمَّاه الله تَعَالَى يومَ الفُرْقَان؛ لِأَنَّ اللهَ فَرَّقَ فِيهِ بينَ الحقّ والباطلِ، وتعلمون أن النَّاس يَنتظرون ماذا سَيَحْصُل، فالعربُ لمَّا رَأَوْا أنَّ النَّبِيّ ﷺ وأصحابه وَهُمْ قِلَّةٌ ثَلاثُمائةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رجلًا غَلبُوا حوالي ألف من قُرَيْش كاملو العُدَّة والعددِ كثير، عَرَفُوا أن أمرَ الرَّسُولِ ﷺ سَيَظْهَرُ.
وكذلك أيضًا الملائكةُ يَضْرِبون وُجُوهَهم وأدبارَهم.
стр. 537
وهل هَذَا وَرَدَ فِي بدرٍ أو وَرَدَ فِي الْكُفَّارِ مُطْلقًا؟
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، لكِن فِي بدرٍ هل ذُكِرَ أنَّ الملائكةَ تَضْرِب وجوههم وأدبارَهُم؟
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، فلَيْسَ فيها أَنَّهُ تُضْرَب الوجوهُ والأدبارُ، وفيها أنَّهُ يُضْرَب فوقَ الأعناقِ، فتُضْرَب أعناقُهم ويضرب منهم كُلّ بَنَانٍ، يَعْنِي الأيديَ، فهَذَا هُوَ الظاهِرُ.
وأمَّا ما ذهب إليه المُفَسِّر فلا أعرِفُ فِي ذلك سُنَّة أيضًا بَيَّنَتْ هَذَا، وإن كَانَ المُفَسِّر ﵀ له وِجهةُ نَظَرٍ بأن الملائكةَ تَضْرِب وُجُوهَهم إذا أَقْبَلُوا عَلَى المُسلِمينَ، وتضرب أدبارهم إذا أَدْبَروا عنِ المُسلِمينَ، لكِن ما دامَ أن هَذَا لم يَرِدْ فالأَوْلى الاقتصارُ عَلَى ما وَرَدَ، وَهُوَ أن الله قَالَ لهم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، لم يقلِ: اضْرِبوا وُجُوهَهم وأدبارهم.
إِلَّا أن يقولَ قائلٌ: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، يشمل هَؤُلَاءِ فإنهم منَ الكفارِ، فالملائكة عندَ الوفاةِ يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، فإنْ أراد المُفَسِّر بهَذَا ما يُشير إليه عُمومُ الآيةِ فَهُوَ مقبولٌ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّار]، معناه: عَجَّلَهُم الله قبلَ موتِ الرَّسُولِ ﵊، فحصل لهم هَذَا الأَمْرُ وعُجِّلُوا إِلَى النَّارِ.