← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 526–538 · переход к 531.

стр. 526

الدين عادة، إن تَقَبَّله النَّاس حَسَب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يَقبلوه لم يكن دِينًا. والواجب أن يَكُونَ الدينُ بَعيدًا عن عاداتِ النَّاسِ، بمعنى أن يَكُون الحكَمُ هُوَ الْقُرْآن والسنّة، لا ما يعتاده النَّاس فيما يَفعلونه من عباداتٍ أو غيرها، خِلافًا لبعضِ النَّاسِ الْآنَ الَّذِينَ يريدونَ أن يُتابعوا النَّاس فيما هم عليه ولو كَانَ باطلًا، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لأنَّنا لو مَشينا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أو عَلَى هَذَا المنهاجِ ما بَقِيَت حياة للإسلام، ويموت منَ الإِسْلامِ جزءٌ فِي هَذَا العصرِ، ثُمَّ يأتي عصرٌ آخرُ فيموت منه جزء آخرُ، وهَكَذَا حَتَّى يَنقضيَ، ولَكِنَّنَا إذا كنا نعمل بالإِسْلام ونجدِّد حسَب ما يَقتضيه الكتاب والسنّة -لا حسَب آرائنا- صار ذلك هُوَ القيادةَ، وَأَمَّا أن نسكت وندُسّ رُؤوسنا فِي الترابِ ونَقُول: هَكَذَا النَّاس ولا يمكن أن نخالفهم، أو نَتَهَيَّب قول بعض النَّاس: طلعتم علينا بدينٍ جديدٍ، هَذَا الدين ما عرفناه من قبلُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإن هَذَا لا يَنبغي أن يمنعَ الْإِنْسَان عن قولِ الحقّ. ولهذَا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظ تقوم به الحجَّة عليكم، وتلاوة اتباع لا أُبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ فِي كُلّ مكان. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول الرَّسُول ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً وَشُحًّا مُطَاعًا وإِعِجْاَبَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" (١) هل ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر؟ فالإجابة: قوله: "عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" لا ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن

стр. 527

المنكرِ لِأَنَّهُ مِن خاصَّتِك، لكِن المَعْنى دَعْهُمْ، أي لا تَهْتَمّ بهم بحيثُ يَشغلونك عما يجبُ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاس يهتم بهَذَا الأَمْر حَتَّى إنَّهُ ينشغل بالنَّاسِ عن نفسه، فتجده حالَ صلاتِه يشعرُ أَنَّهُ يأمرُ فلانًا ويتصوَّر أَنَّهُ واقفٌ عند دكّانٍ ويقول له: صَلِّ، فهَذَا الَّذِي يُنهى عنه. وأيضا قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، بعض النَّاس يفهم من هَذِهِ الآية أن الْإِنْسَان إذا أصلحَ نفسه لَيْسَ عليه من إصلاحِ غيرِه، لكِن نَقُول: إن إصلاح غيرك لا يتمَ إِلَّا بإصلاحِ نفسِكَ، فأنت مأمورٌ بالأَمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، لكِن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرُّك بَعْد أن تقومَ بما يَجِب عليك من الدَّعْوَةِ والأَمْرِ. لكِن يجوز مراعاة النَّاس بمعنى تدريجِ النَّاسِ حَتَّى يَسْلُكُوا الصراطَ الصَّحيحَ، فمراعاة الحال يعني بالتدريج لا بأس به، ولهَذَا الَّذِي نرى أن الدعاءَ إِلَى الله بالحِكْمَة يتناولُ هَذَا الأَمْرَ، وهو: نقل النَّاس إِلَى الإِسْلام مرحلةً مرحلةً، وإن كَانَ بعضُ النَّاس يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا فِي أول الدَّعْوَة. صحيح أن الإِسْلامَ تطوّر؛ جاءت الصَّلَاة ثُمَّ الزكاة ثُمَّ الصِّيَام ثُمَّ الحج، وحُرِّمَ الخمرُ عَلَى عدَّة وجوهٍ، فالصِّيَام أوجب عَلَى عدّة وجوه، لكِن نَقُول: كما أن هَذَا فِي أوَّل الدَّعْوَة هُوَ أيضًا فِي آخرها، وبَعْثُ معاذٍ كان فِي سنةِ عشرٍ منَ الهجرةِ، ومع ذلك يقولُ: "ادْعُهُمْ أَوَّلًا إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ" (١)، فالرَّسُول رتَّب هَذَا، ما قَالَ: ادْعُهُمْ إليها جميعًا.

стр. 528

فمثلًا لو رَأَيْنا إِنْسَانًا مُنهمِكًا بفعلِ معصيةٍ، وعرفنا أنّنا لو قُلْنَا له: أَقْلِعْ عنها نِهائيًّا، أَنَّهُ لا يتمكَّن، أو أن ينفِر؛ فلا بأس أن نَنْقُلَهُ عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لِأَنَّ هَذَا كمعالجةِ المرضِ، فالمرض لا يُمْكِنُ أنْ تعالجَه مرَّةً واحدةً، فلَا بُدَّ من تَنَقُّل من شيءٍ إِلَي شيءٍ، حَتَّى يَتَمَّ استئصالُ هَذَا المرضِ. فهَذهِ المسألةُ تعودُ إِلَى حالِ النَّاسِ، وَلَيْسَ معناهُ الاستسلام لحالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ معنى الاستسلامِ الَّذِي أنكرته قبلُ هُوَ أنْ الْإِنْسَان يَدَعُ النَّاسَ ولا يعارضهم بالحقِّ، أَمَّا هَذَا فلا يدعهم لَكِنَّهُ يُنَقِّلُهم من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ حَتَّى يَسْتَقِيموا. فمثلًا عندما نريدُ أنْ نعملَ عَمَلًا فِي الصَّلَاة لَيْسَ من عادةِ النَّاسِ، فإنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أن نُمَهِّدَ له بالقَوْلِ أوَّلًا، ثُمَّ إذا عَلم به النَّاسُ واستقرَّ فِي نُفُوسِهِم نَقَلْنَاهم بعدَ ذلكَ إِلَى الفِعْل، وهَكَذَا أيضًا غير هَذِهِ المسألةِ. المهمّ أنّ تلاوةَ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ المُعْرِضِين ممَّا أُمِرَ به الرَّسُولُ ﵊ وأُمِرَتْ به الأمَّة كلُّها أيضًا، وتكون التلاوةُ هنا لفظًا واتِّباعًا، ولكِن الشأن كله فِي أنْ لا نتخاذلَ أمامَ الأَمْرِ الواقعِ؛ بل يَجِب علينا أن نكونَ عَلَى وجهٍ أقوى وأشدَّ. مسألة: ما القَوْل في نقلِ الْإِنْسَانِ من معصيةٍ إِلَى معصيةٍ أُخرى أخفَّ منها؟ الجواب: لا يجوزُ إذا كانتْ منَ الجنسِ، فلو فَرَضْنا أن إِنْسَانًا مُبْتَلى بالزِّنا -والعياذُ باللهِ- وقلنا له: يا أخي مالكَ حَقّ، هَذِهِ الشهوةُ الَّتِي عندك تَستطيع أنْ تُخَفِّفَها بالاستمناءِ مَثلًا، فهَذَا منَ الجنسِ، وَلَيْسَ فِيهِ بأسٌ، فالتي من الجنسِ معناها التخفيفُ؛ لأنك لو نَقَلْتَه إِلَى شيءٍ آخرَ فاتجاهُه الأوَّلُ لا يزولُ فِي الغالبِ، لكِن لو أنَّ واحدًا يَسْرِق ونَقُول: يا أخي اتركِ السَّرِقَة واشْرَبْ خمرًا أحسن لكَ، فهَذَا لا يُمْكِن.

стр. 529

فالتدرُّج طريقٌ، وَلَيْسَ معنى ذلك أنِّي إذا نَقَلْتُه من هَذَا إِلَى أخفَّ أنِّي أُبيح له الأخفَّ؛ لَكِنَّهُ تَدَرُّج، فالتدرُّج هنا لَيْسَ معناه ثُبُوت الحكم عَلَى الدرجةِ الَّتِي نزَّلناه إليها؛ ولكِن معناه أننا نَنْقُلَه من الدرجةِ العُظْمَى إِلَى الأخفِّ، ثُمَّ إِلَى تركها بالكُلِّيَّة، وَأَمَّا قوله تَعَالَى فِي الخمرِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنَقُول: طريق الاجتنابِ هَذَا الَّذِي نَقُول. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوةً لفظيَّة تقوم بها الحُجَّة عليكم، وتلاوةً عَمَلِيَّة تَطْبِيقِيَّةً يَتَبَيَّن بها أنَّني لستُ بمُبَالٍ بمَن يُخالِفُني فِي هَذَا الأَمْرِ. وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هُوَ هذا الَّذِي نَزَلَ عليه ﷺ . وبعد تلاوةِ الْقُرْآنِ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له]، ولكِن عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر يَكُونُ قوله: ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى انقادَ؛ لِأَنَّ ﴿اهْتَدَى﴾ لا يَتَعَدَّى باللامِ؛ بل يَتَعَدَّى بالباءِ: اهتدى به، لكِنَّه ضُمِّن معنى انقادَ، وتَضْمِينُه معنى الانقيادِ لِيَشْمَلَ هدايةَ العلمِ وهدايةَ التَّوفيقِ. فالذي يَهتدي وينقاد له قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي لِأَجْلِها، فإنَّ ثوابَ اهتدائِهِ لَهُ]، صحيحٌ، فمَنِ اهتدى بهَذَا الْقُرْآنِ وانقادَ له فالمصلحةُ ليستْ للهِ ؛ لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنه، وليستْ لفلانٍ ولا لفلانٍ؛ لِأَنَّ كُلّ نفسبى لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ، إذن فَهِيَ لنفسِهِ. وإن كَانَ يَنتفِع الداعي بذلك أيضًا انتفاعَ الدالِّ، فـ "إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ" (١)، لكِن أصل الثوابِ للفاعلِ، فلا يُقَال مثلًا: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَدْعُو للناسِ لِيَهْتَدُوا فيَكُون له أجرٌ،

стр. 530

بل قصده ﵊ الأوَّل هُوَ نَفْعُ الخَلْقِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ وإنْ كَانَ النَّبِيّ ﵊ يَنْتَفِع باهتدائِهِ، فَهُوَ تَبَع. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عنِ الإِيمانِ وأخطأَ طريقَ الهُدَى ﴿فَقُلْ﴾ له: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾]، المُفَسِّر قَدَّر [له]، فِي قولِهِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾، وقدَّر هنا كذلك: [﴿فَقُلْ﴾ له]، والسَّبَب أَنَّهُ يُقَدِّر هنا لأجلِ أنْ يرتبطَ الجوابُ بالشرطِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأيِّ شيءٍ؟ للقرآنِ الَّذِي أَتْلُوه أو بالْقُرْآن الَّذِي أتلوه، وَفِي قوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ (مَن) شرطية ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ لا يمكن أنْ يَكُونَ ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ جوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إِلَّا إذا كَانَ فِيهِ ضَميرٌ يعودُ عليه، ولهَذَا قدَّره بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ﴾ له: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. فَإِذَا قَالَ قَائِل: ما هِيَ الحِكْمَةُ فِي حَذْفِه؟ قُلْنَا: الحِكْمَةُ فِي حذفِه العمومُ، يعني فقلْ له ولغيرهِ: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الجملةَ الَّتِي هِيَ وصفٌ ثابت للرَّسُولِ ﷺ ليستْ خاصَّةً بمَن يَضِلّ، بل مَن يَضِلّ ومَن لا يضلّ؛ يُقَال له: إن الرَّسُول ﵊ مِنَ المنذِرِينَ، ومعنى المنذِر المُخَوِّف، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [المُخَوِّفِينَ، فليسَ عَلَيَّ إِلَّا التبليغُ]. وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذَا يفيد اختصاصَ الرَّسُولِ ﷺ بالإنذارِ، مَعَ أن الله يقولُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]. قُلْنَا: لكِن لكلِّ سِيَاق ما يُناسبه منَ اللَّفظ، فهنا المُخَاطَبُ قومٌ مُنْكِرُونَ، فَكَانَ ذِكْر جانب التخويفِ فِي حَقّهِم أَوْلَى مِنَ الجمعِ بينه وبين التبشيرِ.

стр. 531

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وهَذَا قبلَ الأَمْرِ بالقتالِ]، المُفَسِّر ﵀ يَسْلُكُ هَذَا المَسْلَكَ كثيرًا فِي مثلِ هَذِهِ الآيةِ ويقول: إنَّهُ قبل الأَمْرِ بالقتالِ، وهَذَا يَتَضَمَّن أنْ تكونَ الآيَةُ منسوخةً لا يُعْمَل بها، ولكِن هَذَا قولٌ فِي غايةِ الضعفِ، والصَّواب أنَّ هَذَا يُقَال حَتَّى بعدَ الأَمْرِ بالقتالِ، فالنَّبِيّ عَيةَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عليه الإنذار والتبليغ وَلَيْسَ عليه الهدايةُ، والرَّسُول ﵊ يقرأ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غالبًا أو كثيرًا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] (١)، وكيف تكون مثل هَذِهِ الآيات الَّتِي تَتكَرَّر عَلَى المُسلِمينَ فِي جُمُعَاتهم منسوخة. ثم إنَّ دَعْوَى النسخِ لَيْسَتْ بالأَمْرِ الهَيِّن؛ لِأَنَّ معناها إبطال دلالةِ الآيَةِ أو الحديثِ، وهَذَا يَتَضَمَّن الاعتداءَ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، ولهَذَا يَجِب عَلَى الْإِنْسَان أنْ يَحْتَرِزَ غايةَ الاحترازِ منْ دعوى النسخِ، وإذا عَجَزَ عنِ الجمعِ فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، لكِن المُفَسِّر ﵀ وغيره كثير منْ أهلِ العلمِ إذا عَجَزُوا عنِ الجمعِ قَالُوا: هَذَا منسوخٌ، وهَذَا مَسْلَكٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَلَيْسَ بِسَديدٍ، وَلَيْسَ بصوابٍ، بل هُوَ خطيرٌ. وقد ذكرَ ابنُ القَيِّم ﵀ أنَّ المنسوخَ فِي الشَّرِيعَةِ لا يَتَجَاوَزُ عَشَرَةَ أحكامٍ (٢)، ولو سَلَكْنَا ما سَلَكَه المُفَسِّر لكانَ المنسوخُ عشراتِ الأحكامِ أو ربما يَبْلُغُ المِئَةَ، وَفي هَذَا خطأٌ عظيمٌ. فالصَّوابُ أنَّ هَذَا القَوْل ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حَتَّى الْآنَ وحتى

стр. 532

بَعْد الأَمْرِ بالقتالِ، فَهُوَ مُنْذِر لكِن هَذَا الإنذار لا يَقتضي ألَّا يقومَ بما يَجِب عليه منَ الجهادِ، يَقُول: أنا مُنْذِرٌ فليسَ عليَّ هُدَاكم، وهداكم عَلَى اللهِ ، وَأَمَّا مسألة الأَمْر بالقتالِ فهَذَا شيءٌ يمكِن حَتَّى مَعَ هَذَا القَوْلِ. فالصَّوابُ فِي هَذِهِ المسألة: أن الآيَةَ محُكمَة، وغيرها من أمثالها محُكم، ولا يَجُوزُ دَعْوَى النسخِ فيه؛ لِأَنَّ مِن أهمّ شروطِ النسخِ تَعَذُّر إمكانِ الجمعِ، وإذا أمكنَ الجمعُ فلا نسخَ؛ لِأَنَّ النسخَ -كما تَقَدَّم- هُوَ عبارةٌ عن إبطالِ مدلولِ الآيَةِ أو الحديث، وهَذَا أمرٌ لَيْسَ بالهيِّن، فمعنى نسخ الحديثِ أن يأتيَ حديثٌ ونَضْرِب عليه! لَوْ قَالَ قَائِل: هل من شروطِ النسخِ وجودُ قرينةٍ تدلُّ عليه؟ فالجواب: هَذَا لَيْسَ بشرطٍ، المهمُّ إذا تَعَذَّرَ الجمعُ وعُلِمَ التاريخُ فالمتأخِّر ناسخٌ. يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هل هِيَ بالكسرِ أو بالفتحِ؟ الجواب: بالكسرِ؛ لِأَنَّهَا اسمُ فاعلٍ، فَهُوَ منذِر، والنَّاس مُنْذَرُون. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب تلاوةِ الْقُرْآنِ بِنَوْعَيْهِ، والنوعانِ هما: اللفظيّ والعَمَليّ، فواجبٌ عَلَى المرءِ أنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ تلاوةً لفظيَّةً وعمليَّة، سواء عن ظهرِ قلبٍ أو نَظَرًا. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: فَضيلة الْقُرْآن وشَرَفه، حَيْثُ كَانَ مأمورًا بتلاوتهِ. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: وجوبُ تحكيمِ الْقُرْآن؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: وجوبُ تبليغِ الْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾.

стр. 533

الآية (٩٣) .• * •. * قَالَ اللهُ : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣]. .• * •. قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معطوفٌ عَلَى قولِه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ فَإِنَّهُ عَلَى تقديرِ (قُلْ) يعني: وقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذه الجملةُ للثناءِ عَلَى الله ﵎. وقد أثنى اللهُ عَلَى نفسِه فِي ابتداءِ الخلْقِ وَفي انتهائِهِ وَفي ابتداءِ إنزالِ الْقُرْآنِ، وَفي مَقامِ التعظيمِ للرَّسُولِ ﵊ فِي إنزالِ الْقُرْآنِ وما أَشْبَهَهُ، فهنا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى كمالِ صِفَاتِهِ وبَيَان آياتِه، ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، قال: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءةُ أبلغُ منَ البَيَان؛ لِأَنهُ قد يَكُونُ الشَّيْءُ بَيِّنًا وتُعْمَى عنه الأبصارُ، ولكِن الإراءة أبلغ؛ إذ كُلُّ مَرْئيٍّ فَهُوَ بَيِّنٌ، وَلَيْسَ كُلُّ بَيِّنٍ مَرْئِيًّا. والسين فِي قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ تفيد فائدتينِ: الأُولى: قُرْب هَذَا الأَمْرِ. الثَّانِيَة: تحَقُّقُه. فهي تفيد التحقيقَ والتقريبَ. وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ الإراءةُ هنا بَصَرِيَّة، وهي لما كانتْ مُعَدَّاة بالهمزةِ تَنْصِب مَفْعُولينِ، فالمَفْعُول الأوَّل: الكَافُ، والمَفْعُول الثاني: ﴿آيَاتِهِ﴾.

стр. 534

وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المُراد بآياتِ اللهِ هنا الآياتُ الدالَّةُ عَلَى صِدْقِ ما أخبر به فِي الْقُرْآن، فتكون الآيات الكونيَّة أو هِيَ أشمل من ذلك؟ الظَّاهرُ أَنَّهَا أشملُ من ذلكَ؛ أَنَّهَا تَشْمَلُ الآياتِ الدالَّةَ عَلَى صِدْقِ ما وعدَ به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآياتُ الشَّرْعِيَّة الدالَّةُ عَلَى كمالِ شَريعتِهِ. وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغُ مِنَ الإراءةِ؛ لأنني قد أُرِي الْإِنْسَانَ شيئًا ولكِن لا يَعْرِفه، وهنا قَالَ: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بَيَان وإرادةٌ ومعرفةٌ؛ أعلاها المعرفة، ثُمَّ الإرادة، ثُمَّ البَيَان. قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هَذَا أنْ تقومَ عليكم الحُجَّة؛ لِأَنَّهُم إذا أُرُوا الآياتِ حَتَّى عَرَفُوها قامتْ عليهم الحُجَّة. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَأَرَاهُمُ اللهُ يومَ بَدْرٍ القتلَ والسَّبْيَ وضربَ الملائكةِ وُجُوهَهُمْ وأدبارَهُم وعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ]، أعوذُ باللهِ! هَذِهِ من جملةِ الآياتِ الَّتِي أراهم إيَّاها، وإلَّا فقد أراهم اللهُ تَعَالَى انشقاقَ القمرِ قبلَ بَدْرٍ، فإنهم طَلَبُوا آيَةً منَ الرَّسُولِ ﷺ فأشارَ إِلَى القمرِ فانفلق فِرْقتيْنِ، حَتَّى شاهدوه بأعينهم، فقَالُوا: سَحَرَنا مُحَمَّد، فاسألوا الرُّكبان الَّذِينَ يَقْدَمُونَ مَكَّة هل شَاهَدُوا ذلك أم لا؟ فسألوهم فأَخْبَرُوهم بأنهم شاهدوا ذلك (١).

стр. 535

وقد أنكر قومٌ هَذِهِ الآيةَ انشقاقَ القمرِ، ومنهم مُحَمَّد رَشِيد رِضا، وأظنُّ شَيْخه كذلك -مُحَمَّد عَبْدُهْ- وهَذَا خطأٌ فاضحٌ والعياذُ باللهِ؛ لِأَنَّ الأحاديثَ فِيهِ مُتَوَاتِرَةٌ، وإشارةُ الْقُرْآنِ إليه ظاهرٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، هم حَرَّفوا الْقُرْآن فقَالُوا: انشقَّ القمرُ، أي: بانَ ضياءُ الحقّ والنُّور بما جاء به الرَّسُول ﷺ ، وهَذَا بلَا شَكّ تحريفٌ للقرآنِ وتكذيبٌ بما تواترتْ به السُّنَّة، فالصَّوابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ من معتقداتِ أهلِ السنَّة والجماعةِ أنَّ القمرَ انشقَّ. وقد قالوا: إنَّهُ لوِ انشقَّ لكان أمرًا عالميًّا، وَكَانَ له ذِكْر فِي التاريخِ؛ لِأنَّهُ أمرٌ عالميٌّ، حَيْثُ إن القمر آيةٌ أفقِيَّة كُلٌّ يُشاهِدُها، وحيثُ إن هَذِهِ الحالة للقمرِ حالةٌ غريبةٌ خارجةٌ عنِ العادةِ، فالهِمَم تَتوافرُ عَلَى نَقْلِهِ، ولا بدَّ أن تُذْكَر فِي التواريخ كتاريخِ الهِنْدِ والرُّوم والفُرْس ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟ فنَقُول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أَخبرَ اللهُ به مَوْضِعًا للشَّكِّ لأنَّ هَؤُلَاءِ لم يَذْكُرُوه، بل لوْ ذَكَرُوا أنَّهُ لم يَقَعْ لَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وصَدَقَ اللهُ. وأيضا الجوابُ عَن هَذَا أن نَقُولَ: لا يَلْزَمُ إذا انشقَّ القمرُ حَتَّى رآه أهلُ مكَّة ومَن بِقُرْبِهِم أن يراه النَّاسُ جميعًا؛ لِأَنَّ نصفَ الكرةِ الْأَرْضيَّة الآخر لا يُمْكِن أن يَرَوْهُ؛ لِأَنَّهُ غائبٌ عنهم، هَذه واحدةٌ. كذلك قد يَكُون هذا الأَمْر أتاهم فِي منتصفِ الليلِ أو فِي آخرِ الليلِ أو عندهم غيومٌ مانعةٌ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فموانعُ رُؤيتهِمْ له كثيرةٌ، ولكِن لا يُهِمُّنَا أن يَرَوْهُ أو لا يروه، أو يُدَوِّنُوه فِي تواريخهم أو لا يدوِّنوه، وتكذيب الْقُرْآن أو السنَّة المتواترة بمثل هَذِهِ الأُمُور هَذَا فِي الحقيقةِ إيغالٌ فِي العقلِ أو فِي العقليَّات كما يَقُولُونَ، فالْإِنْسَان لا ينبغي أن يَكُونَ عقلانيًّا مَحْضًا، ولا ينبغي أنْ يَكُونَ ظاهريًّا محَضًا، بل

стр. 536

يجبُ أنْ يَكُونَ عنده عقلٌ يَزِنُ به الأُمُورَ، وإذا بانَتِ الأُمُورُ الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لا مجالَ للعقلِ. إِذَنْ: أراهم الله تَعَالَى آيَاتٍ مِنْهَا انشقاقُ القمرِ، ومنها أيضًا أن النَّبِيّ ﷺ شَهِدَ النَّاسُ كلُّهم أنَّ الحجَر يُسَلِّم عليه، والشجر يُسلِّم عليه، حَتَّى إنَّهُ يَقُول: "كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَليَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ" (١). وكذلك أيضًا منَ الآياتِ ما حصلَ يومَ بدرٍ، يوم بدر حصلَ فِيهِ منَ الآياتِ من قَتْلٍ وسَبْيٍ؛ قَتْل لِرؤساءِ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِأَطْرَافِهِم؛ لِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وقَتْلُ صناديدِ أعداءِ النَّبِيّ ﷺ آيةٌ له؛ لِأَنَّ ذلك نَصْرٌ له، ولو كَانَ ما قاله باطلاً ما كَانَ اللهُ ﵎ ليَنْصُرَهُ أبدًا؛ لِأَنَّ اللهَ لا ينصرُ الباطلَ عَلَى الحقّ نصرًا مُسْتَمِرًّا، ولكِن قد يَكُون للباطلِ صَوْلَةٌ ليُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمِنيِنَ، فيَنتصِر أهلُ الباطلِ لَكِنَّهُ انتصارٌ مؤقَّت. كذلك أيضًا السبيُ؛ سُبِيَ منهم سبعونَ رَجُلًا وذُهِبَ بهم إِلَى المَدينَةِ، والمسبيُّون أيضًا مِن أَشْرَافِهِم. المهم أنَّ وَقْعَة بَدْرٍ أثخَنَتْهُم تمامًا، وأذَلَّتْهُم إذلالًا بالِغًا؛ ولهَذَا سمَّاه الله تَعَالَى يومَ الفُرْقَان؛ لِأَنَّ اللهَ فَرَّقَ فِيهِ بينَ الحقّ والباطلِ، وتعلمون أن النَّاس يَنتظرون ماذا سَيَحْصُل، فالعربُ لمَّا رَأَوْا أنَّ النَّبِيّ ﷺ وأصحابه وَهُمْ قِلَّةٌ ثَلاثُمائةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رجلًا غَلبُوا حوالي ألف من قُرَيْش كاملو العُدَّة والعددِ كثير، عَرَفُوا أن أمرَ الرَّسُولِ ﷺ سَيَظْهَرُ. وكذلك أيضًا الملائكةُ يَضْرِبون وُجُوهَهم وأدبارَهم.

стр. 537

وهل هَذَا وَرَدَ فِي بدرٍ أو وَرَدَ فِي الْكُفَّارِ مُطْلقًا؟ قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، لكِن فِي بدرٍ هل ذُكِرَ أنَّ الملائكةَ تَضْرِب وجوههم وأدبارَهُم؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، فلَيْسَ فيها أَنَّهُ تُضْرَب الوجوهُ والأدبارُ، وفيها أنَّهُ يُضْرَب فوقَ الأعناقِ، فتُضْرَب أعناقُهم ويضرب منهم كُلّ بَنَانٍ، يَعْنِي الأيديَ، فهَذَا هُوَ الظاهِرُ. وأمَّا ما ذهب إليه المُفَسِّر فلا أعرِفُ فِي ذلك سُنَّة أيضًا بَيَّنَتْ هَذَا، وإن كَانَ المُفَسِّر ﵀ له وِجهةُ نَظَرٍ بأن الملائكةَ تَضْرِب وُجُوهَهم إذا أَقْبَلُوا عَلَى المُسلِمينَ، وتضرب أدبارهم إذا أَدْبَروا عنِ المُسلِمينَ، لكِن ما دامَ أن هَذَا لم يَرِدْ فالأَوْلى الاقتصارُ عَلَى ما وَرَدَ، وَهُوَ أن الله قَالَ لهم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، لم يقلِ: اضْرِبوا وُجُوهَهم وأدبارهم. إِلَّا أن يقولَ قائلٌ: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، يشمل هَؤُلَاءِ فإنهم منَ الكفارِ، فالملائكة عندَ الوفاةِ يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، فإنْ أراد المُفَسِّر بهَذَا ما يُشير إليه عُمومُ الآيةِ فَهُوَ مقبولٌ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَعَجَّلَهُمُ اللهُ إِلَى النَّار]، معناه: عَجَّلَهُم الله قبلَ موتِ الرَّسُولِ ﵊، فحصل لهم هَذَا الأَمْرُ وعُجِّلُوا إِلَى النَّارِ.

стр. 538

قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالياءِ والتاءِ]، أي: "عما يَعملون" و ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قراءتانِ سَبْعِيَّتانِ (١) [وإنما يُمْهِلُهُم لِوَقْتِهِم]. قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذه الجملةُ المقصودُ بها التحذيرُ والتسليةُ؛ تحذيرُ هَؤُلَاءِ المُكَذِّبِينَ وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ ، وفيها من صفاتِ اللهِ أَنَّهَا صِفَةٌ منَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّة، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصِّفَات السَّلْبِيَّة تَتَضَمَّن أمرينِ: نَفْيَ الصِّفةِ المذكور، وإثباتَ كمالِ ضِدِّها، فالله تَعَالَى لا يَغْفَلُ لكمالِ عِلْمِهِ ومُرَاقَبَتِهِ، كاملُ العلمِ وكاملُ المراقبةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]. .• * •.