وإضافته إِلَى المَفْعُول تقول مثلًا: عَجِبتُ من أكلِ الطعامِ مِن زيدٍ، وكذا: عَجِبْتُ من طَحْنِ الدقيقِ من زيدٍ، فالدقيقُ مطحونٌ، والطعامُ مأكولٌ، فَهُوَ مضافٌ إِلَى مَفْعُولهِ.
في هَذِهِ الآية: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ فاللهُ تَعَالَى صانِع، فيَكُون هنا مُضافًا إِلَى فاعله.
وقوله: [بَعْد حذف عامله] وُجوبًا وليس جوازًا، فيجبُ حذفُ العاملِ وجوبًا، وإنما وَجَبَ حذفُه لِأَنَّهُ مؤكد للجملةِ قبله، فتكون هَذِهِ الجملة بمنزلةِ العاملِ؛ أي: بمنزلةِ الفِعْل، ولا يُجْمَع بين البدلِ والمُبدَلِ منه، [أي: صنع الله ذلك صنعًا]، وَفِي إضافةِ الصنعِ إِلَى اللهِ هنا تعظيم] لهَذَا الأَمْرِ وَأَنَّهُ من الأُمُورِ العظيمةِ الَّتِي هِيَ من صُنع الله ﵎.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾] أحكمَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَنَعَهُ]، فالله ﵎ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ومن جملةِ إتقانِهِ أَنَّهُ حينما كانتِ الْأَرْضُ محتاجةً إِلَى هَذِهِ الجبالِ صارتِ الجبالُ راسيةً ورواسيَ تَرْسُو بها الْأَرْضُ، وهي أيضًا فِي نفسها ثابتة، ويوم القيامة تزولُ الحاجةُ إليها، بل تَقتضي الضَّرورَةُ زَوَالها، فتُزال هَذِهِ الجبالُ العظيمةُ، وبهَذَا نعلمُ أن اللهَ تَعَالَى صنعَ الجبالَ حينَ احتاجَ النَّاسُ إليها باقيةً، ولمَّا زالتِ الضَّرورَةُ إليها أزالها الله ﵎، وبهَذَا نعرِف الحِكْمَةَ فِي قوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فصار وجودُ الجبالِ إتقانا وزوالها يومَ القيامةِ إتقانًا أيضًا.
وقوله ﵀: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [صَنَعَه]، وينبغي ألا يقيّد بقولنا: صنعه؛ لِأَنَّ اللهَ أتقنَ كُلّ شَيْء صنعه وشَرَعَهُ، وَالَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أنْ يقيِّد ذلك بِقَوْلِهِ: صنعه؛ لِأَنَّ السياقَ فِي مَقامِ الصنعِ، فلهَذَا قَالَ: الَّذِي أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ولَكِننا نَقُول: إن الله تَعَالَى لم يَقُلِ: الَّذِي أتقنَ صُنْعَهُ، ولو كَانَ الله تَعَالَى - واللهُ أَعْلَمُ -
стр. 494
يريدُ أنْ يقيِّدَ الإتقانَ بما صَنَعَ لكانَ كما قَالَ: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ قال: الَّذِي أتقنَ صُنع، ولكِنه تَعَالَى يبيِّن أَنَّهُ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ أو شَرَعَه، فما صنعه الله من المخلوقاتِ فَهُوَ متقَنٌ، وما شرعهُ اللهُ تَعَالَى منَ الأحكامِ فَهُوَ أيضا مُتْقَن، لَيْسَ فِيهِ خَلَل، قَالَ الله ﵎ فِي سورة تَبارَكَ: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤]، وقال تَعَالَى فِي الآيَات الشَّرْعِيَّة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، فبيَّن الله فِي آيَةِ تَبَارَك وَفِي آيَة النِّسَاءِ أَنَّهُ مُتقِن لكلِّ ما صنع ومتقِن لكلِّ ما شَرَعَ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بالياءِ والتاءِ (١)]، بما يَفعلون وبما تَفعلون، أَمَّا عَلَى قراءةِ الياءِ فيقول المُفَسِّر: بما يَفعلون، [أي: أعداؤه منَ المعصيةِ وأولياؤه مِنَ الطاعةِ]، ولكِن عَلَى قراءة التاءِ: ﴿بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فالخطابُ لجميعِ النَّاسِ.
(والخبير) بمعنى ذي الخِبرة، والخبرةُ هِيَ العلمُ ببواطنِ الأُمُورِ، وَعَلَى هَذَا فهي أخصُّ مِنَ العلمِ المطلَقِ، وإذا كَانَ عالمًا بالبواطِنِ فَهُوَ عالمٌ بالظواهرِ أيضًا، فاللهُ ﵎ عَليم بالظواهرِ وبالبواطنِ.
وما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ لمَّا تحدَّث اللهُ عنه من صُنعه؟ يعني كَانَ مُقتفَى السياقِ ألّا تُخْتَم الآيَة بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بل تُخْتَم بِقَوْلِهِ: (إنه عليم حكيم) أو (إنه عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ) ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وهَذَا يَقتضي أن تختم الآيَةُ بما يَدُلّ عَلَى القُدرة والحِكْمَةِ، ولَكِنَّهَا
стр. 495
خُتِمَتْ بما يَدُلّ عَلَى العلمِ والخبرةِ؛ العلمُ بما يفعلُ العبادُ، فما هُوَ الجوابُ عن هَذَا؛ أي: عن العُدُول عن الأول إِلَى الثاني؟
الجواب: - واللهُ أَعْلَمُ - أن الحِكْمَةَ من ذلك هي أن قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جملة مُعْتَرِضة بالنِّسْبَةِ للمعنى، لا بالنِّسْبَة للإعرابِ، وأنَّ المقام يَقتضي الإخبارَ بأن الله يعلم بما يفعلونَ؛ لِأَنَّ يومَ القيامةِ هُوَ يومُ الجزاءِ، والجزاء مرتَّب عَلَى العِلم، فلهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، نظيره قوله تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، فيَكُون هنا ذِكْرُ العلمِ بما يَفْعَل النَّاسُ فِي سياقِ يومِ القيامةِ للإشارةِ إِلَى أنَّ هَذَا اليومَ هُوَ يومُ الجزاءِ الَّذِي يَجِب عَلَى المرءِ أن يعملَ له ويَحتاط له.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم فِي قوله تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَنَّهَا جملةٌ مُعْتَرِضة، ألَا يُشْكِل عَلَى هَذَا أنَّ الْقُرْآن معانيه كلها متناسِقة؟
المُرادُ بِقَوْلنا: جملةٌ مُعْتَرِضة؛ أي: من حَيْثُ المَعْنى، بمعنى أنَّ اللهَ لمَّا ذكرَ حالَ الجبالِ يومَ القيامةِ بعدَ النفخِ فِي الصُّور ثُمَّ ذكر أن هَذَا من صنعه ﵎، وأن ذلك غاية الإتقانِ حَيْثُ كانت ثابتةً، ثُمَّ لمّا زالتِ الحاجةُ إليها أُزيلت؛ خَتَمَ الآيَة يما يَكُون تحذيرًا للناسِ مَن أن يعملوا ما يخالفُ أمرَ اللهِ ، ومعلومٌ أن التناسُقَ فِي الْقُرْآن منه ما هُوَ ظاهرٌ ومنه ما لا يَظْهَر إِلَّا بالتأمُّل، مثلًا قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، مُقتضى السياقِ: فإنك أنتَ الغفورُ الرحيمُ، ومع ذلك ما كانت بل قَالَ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وعدّة آيَاتٍ من هَذَا النوعِ، يَتَوَقَّع الْإِنْسَان أن تُختَم الآيَة بكذا ثُمَّ تختم بكذا،
стр. 496
فتكون فِي ظاهرِ الأَمْرِ مخالفةً لمُقْتَضَى السياقِ، ولكِنَّه عند التأمُّل يَتبَيَّن للمرءِ أن الحِكْمَةَ هي أن تكونَ عَلَى هَذَا الوجهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: عِظَم هَذِهِ الأهوالِ وارتفاعها، فالشَّيْءُ إذا كَانَ مرتفعًا ولو كَانَ يجري بسرعة فَإِنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ واقف.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن هَذَا الأَمْرَ الَّذِي حصل لهَذِهِ الجبال هُوَ من صنعِ الله ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، فالذي جَعَلَها جامدةً فِي الدُّنْيا راسيةً عظيمةً ثقيلةً جعلها فِي الآخِرَة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وذلك صُنعٌ من صنعِ اللهِ الَّذِي لا يستطيعُ البشرُ أن يفعلوهُ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: جواز إضافة الصُّنع إِلَى اللهِ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ولكِن لا يُؤْخَذ منه إثبات اسمِ الصانعِ لله، ولكِن يُخْبَر به عن اللهِ، فيقال: إن الله تَعَالَى صانعُ كُلِّ شيءٍ عَلَى سبيلِ الخبريَّة، وَأَمَّا إثباتُ اسمِ الصانعِ فلا.
عَلَى أَنَّهُ يوجد فِي كلامِ شيخِ الإِسْلامِ ابن تَيْمِيَّةَ وكلامِ ابن القيِّم رَحَمَهُمَا اللَّهُ دائمًا كلمة (الصانع)، والظَّاهر أَنَّهُما أرادا بهَذَا مخاطبةَ أهلِ الكَلامِ بمثلِ ما يتكلمون به، كأن يُقال مثلًا: إثبات الصانع يَدُلّ عليه كذا وكذا، مَعَ أننا نرَى أن الأَولى والأفضل أن لا يُثْبَت حَتَّى بهَذَا اللفظ، بل يقال: إثبات الخالق دلّ عليه كذا وكذا، والخالق جاء فِي الْقُرْآن، وَهُوَ أبلغُ منَ الصانِعِ.
إنما عَلَى كُلّ حالٍ الإخبار عن الله بأنه صانعٌ مضافًا إِلَى التعميمِ مثل: صانع كُلّ شَيْء؛ هَذَا جائز لا بأس به، والنَّاس يَقُولُونَ فِي عباراتهم العامِّيَّة: صانع كُلّ
стр. 497
مصنوع، فهَذَا كونه خبرًا صحيحٌ، أَمَّا أن تجعلَه اسمًا من أسماءِ اللهِ فلا، لِأَنَّهُ يفرق بين الاسم وبين الخبرِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الخبر والاسمِ؟
الخبرُ ضِدّ الاسمِ، يعني الشَّيْء إمَّا أن يُخبَر به عن اللهِ أو يُسمَّى به الله، فالخبر عن الله يجوزُ أنك تُخْبِرُ عن الله تَعَالَى بكل ما ثبت له من فعل، مقيدًا إن كَانَ مقيدًا، ومُطْلَقًا إن كَانَ مطلقًا، وَأَمَّا الاسمُ فلا تُسَمِّ اللهَ إِلَّا بما سَمَّى به نفسَه، ولهَذَا يَصِحُّ أن نَقُولَ عن اللهِ : إنَّهُ مُدَبِّر الأُمُور، مُسَخِّر السَّماوَات والْأَرْض، مذلِّل الإبل لِرَاكبيها، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكِن كونك تُسَمِّيه بهَذَا الاسم لا يَصِحّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الصِّفة أليست مثل الخبر؟
فالإجابة: نعم الصفة الَّتِي يَصِحّ إضافتها إِلَى اللهِ تُخْبِرُ بها عنِ اللهِ لا مانعَ؛ ضرورةَ أنَّ المشتَقّ دالّ عَلَى صِفَتِه، فكُلّ مُشْتَقّ دالٌّ عَلَى صفتِه، ولا يمكِن أن تقولَ عن شيءٍ: إنَّهُ مُشْتَقّ ثُمَّ تنفي الصِّفةَ الَّتِي اشتُقّ منها.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذَا الأَمْر الَّذِي يقع للجبالِ يوم القيامة أمرٌ عظيمٌ، وجهُ عظمته: إضافته إِلَى الله، حَيْثُ قَالَ: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ وما أُضيف إِلَى العظيمِ فَهُوَ عظيمٌ، كما أن ما أُضيف إِلَى الحقيرِ فَهُوَ حقيرٌ.
الْفَائِدَتانِ الخَامِسَةُ والسادسةُ: أنَّ الله مُتْقِن لكلِّ شيءٍ من الأفعالِ والأحكامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما صنعَ وشَرَعَ، وَأَمَّا تقييدُ المُفَسِّر له بِقَوْلِهِ: [صَنَعَهُ] ففيه نظر، ولا يُقالُ: إن السياق فِي الكَلامِ عَلَى الصنعِ، لأنَّنَا نَقُول: الكَلام عَلَى الصنع لَكِنَّهُ جاء بَعْد ذلك تعميمٌ، لم يقل: أتقن كُلّ ما صنعَ، قَالَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾.
стр. 498
إِذَنْ: فاللهُ تَعَالَى مُتْقِن لكلِّ ما صنعَ ولكلِّ ما شرعَ.
ويُستنتَج من هَذِهِ الفائدةِ: إثباتُ الحِكْمَةِ للهِ ؛ لِأَنَّهُ لا إتقانَ إِلَّا بحِكمةٍ، فلا يمكن أنْ يُتقَنَ الشَّيْء إِلا بعلمٍ منَ المُتقِن كيف يُتْقِنه، والثاني: بحكمةٍ؛ بحيث يُنْزِل كُلّ شيءٍ منزلتَه، وإلا لفاتَ الإتقانُ، فلا يُتْقِنُ الشَّيْءَ مَن لا يَعْلَمُ كيف يتقنه، فهَذَا لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.
ولا يُتْقِنُه وَهُوَ يعلمُ كيف يُتْقِنُه ولكِنه سَفِيهٌ لا يُحْسِن أنْ يَتَصَرَّف. أيضًا لا يحصُل الإتقانُ، فلا إتقانَ إلا بعلمٍ وحكمةٍ، فمِن إتقانِ اللهِ نَستنتجُ هَذِهِ الفائدةَ: وهي إثباتُ الحِكْمَةِ والعلمِ له ضرورةَ أنه لا إتقانَ إِلَّا بعلمٍ وحكمةٍ.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: قطعُ اعتراضِ كُلّ مُعترِضٍ عَلَى ما يَحْدُث فِي الكونِ من تدبيراتٍ أو تشريعاتٍ، ووجهُ ذلك: أنَّ اللهَ أَتْقَنَه، والله ﵎ أعلمُ وأحكمُ من عبادهِ، فأنت متى عَلِمْتَ هَذَا الشَّيْء انقطعَ عنك كُلّ اعتراضٍ، سواءٌ سمِعْتَه من غيرِكَ أو أَوْرَدْتَهُ عَلَى نفسِك.
والْإِنْسَان يَعْرِضُ له أحيانًا شُبُهات يُلْقِيها الشيطانُ فِي قلبه؛ كيف كَانَ كذا؟ لم كَانَ كذا؟ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فنَقُول: متى آمنتَ بأنَّ اللهَ قد أتقنَ كُلّ شيءٍ انقطعَ عنك هَذا الاعتراضُ، وأمكنَكَ أن تقطعَ به اعتراضَ غيرِكَ أيضًا. فلو فَرَضْنا أن المطرَ جاءَ فِي غيرِ وَقته وأفسدَ الثِّمار؛ إذا علِمنا أن الله أتقنَ كُلّ شيءٍ وأن هَذَا المطرَ من فِعْلِه ومن صُنْعه، لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْتَرِضَ؛ لأنَّنا نعلمُ أَنَّهُ نتيجةُ إتقانٍ مَبْنِيّ عَلَى علمٍ وحكمةٍ، تَتَقَاصَر علومنا وحِكْمَاتُنَا عن إدراكِه. وهَذَا أمرٌ يُفيدُ الْإِنْسَانَ فِي أَشْيَاءَ كثيرةٍ؛ فِي
стр. 499
الشرعِ أحيانًا تأتي أحكامٌ يَخفى عَلَى المرءِ وَجْهُ التفريق بينها وهي ثابتةٌ عنِ الشرعِ، ولكِنك تقول: الله تَعَالَى أتقنَ كُلّ شيءٍ.
ومن ثَمَّ أحدثَ العُلَماءُ أو الفقهاءُ مسائلَ سَمَّوْهَا بالتَّعَبُّدِيَّاتِ، وهم ما أحدثوها فِي الحقيقةِ، بل هِيَ مسائلُ ثابتةٌ لكِنّهم وَضَعُوا لها هَذَا الاسمَ: (التَّعَبُّدِيّ).
وَلَيْسَ معنى التعبديّ الَّذِي لَيْسَ له حكمة؛ لِأَنَّهُ ما من شيءٍ إِلَّا وله حكمةٌ، ولكِن معناه: الَّذِي تخفى حِكمته علينا، وَلَيْسَ لنا فِيهِ إِلَّا التعبُّد؛ كعددِ الرَّكَعَاتِ فِي الصلواتِ؛ وَكَوْن الصلواتِ خَمسًا؛ وكذلك أَشْيَاء كثيرة فِي الطهارةِ يَخْفَى عَلَى المرءِ حِكْمَتُها؛ وكذلك فِي الحجِّ.
فالمهمُّ أننا متى بَنَينَا اعتقادنا عَلَى هَذِهِ المسألةِ، وهي أن الله أتقنَ كُلّ شيءٍ، زالتْ عنّا شُبُهات كثيرةٌ.
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: كمال علم اللهِ ، وذلك بالخبرةِ الَّتِي هِيَ أخصُّ من مُطْلَق العلم، لِأَنَّ الخبرةَ كما سبقَ هِيَ العلمُ ببواطنِ الأُمُورِ، مأخوذةٌ من الخَبير؛ وَهُوَ المُزارع الَّذِي يَدْفِنُ الحبَّ فِي الْأَرْض فيَخْفَى.
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: تحذيرُ المرءِ أن يعملَ ما يخالفُ حُكْمَ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
فلو أنَّ أباك قَالَ لكَ: اذهبْ وافْعَلْ ما تريدُ، أنا أعلمُ بما تفعلُ، فما الَّذِي يَقتضي هَذَا؟
يقتضي هَذَا التحذيرَ، وأن تحذر من مخالفةِ أبيك، فكيفَ باللهِ الَّذِي هُوَ خبير بكل ما نفعلُ.
стр. 500
إِذَنْ: فالجملةُ تفيد تحذيرَ المرءِ مِن المخالفةِ، وأنك عندما تُسَوِّل لك نفسُك معصية للهِ فإنك تَعْرِضُ عليها مثل هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وأشباه ذلك من الأَشْيَاءِ الَّتي يجبُ عَلَى المرءِ إذا همّ بسيئةٍ أن يَستعرضَ هَذِهِ الآيَاتِ حَتَّى تَمْنَعَهُ.
الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: أن ما يَتَعَلَّق بالهمِّ المجرَّد فَإِنَّهُ لا يُؤَاخَذ به العبدُ؛ لِأَنَّ المقصودَ من قولِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ التحذيرُ من هَذَا الفِعْل المخالِفِ، فماذا قُدِّرَ أَنَّهُ همٌّ مجرَّد، فَإِنَّهُ لَيْسَ بفعل، فلا يؤاخَذ عليه العبدُ، وهَذه الفائدةُ بعيدةٌ فِي التصوُّر ولَكِنَّهَا دلَّت عليها السنَّة (١)، وأنَّ مجرَّد الهمِّ لا يؤاخذ به العبدُ حَتَّى يفعلَ، إِلَّا الهمّ بالحسنة فَإِنَّهُ يُكتَب للمرءِ، ولكِنَّه لا يدخل فِي هَذِهِ الآية؛ لِأَنَّ الآية سِيقت للتحذيرِ، والهمُّ بالحسنةِ يُرَغَّب فيه ولا يحذَّر منه، فالهمُّ بالسيئةِ لا يعاقَب عليه العبدُ، والهمّ بالحسنةِ يُثاب عليه العبدُ، ومُقتضَى العدل أن يُعاقَب عَلَى السيئةِ وأن يُثابَ عَلَى الحسنةِ، أو أن لا يعاقب عَلَى السيئة ولا يثاب عَلَى الحسنة، ولكِن رحمة الله تَعَالَى اقتضتِ الفضلَ دونَ العدلِ، فصارَ الهمُّ بالسيئةِ لَيْسَ فِيهِ شيءٌ، والهمّ بالحسنة فِيهِ ثواب.
* * *
стр. 501
الآية (٨٩)
.• * •.
قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
.• * •.
﴿مَنْ جَاءَ﴾: (مَن) شرطيَّة، و (جاء) فعلُ الشرطِ، وجملة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ جوابُ الشرطِ.
وقوله تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لم يَقُلْ: مَن فعلَ الحسنةَ، بل قَالَ: مَن جاء بها، لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يفعلُ الحسنةَ فِي الدُّنْيا ولكِنه لا يأتي بها، لوجودِ ما يُسْقِطُها فتزول، ولكِن الشأن كُلّ الشأن فِي أن يأتيَ بها يومَ القيامةِ.
وقوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الظَّاهرُ أن المُرادَ بها الجِنس، وَلَيْسَ المُراد بها العهد، ولكِن المُفَسِّر ﵀ فَسَّرَهَا عَلَى أن المُرادَ بها العهدُ، فقال: [أي لَا إِلَهَ إِلَّا الله]، فجعلَ الحسنةَ حسنةً معيَّنة معهودةً وهي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ولكِن الصَّواب بلَا شَكٍّ خلافُ كلامِ المُفَسِّر، وأن المُرادَ بالحسنةِ الجنسُ، فأيّ حسنة يأتي بها الْإِنْسَان فله خيرٌ منها، ولهَذَا جاء فِي الحديثِ الصَّحيحِ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنهٍ فَعَمِلَهَا"، بحسنةٍ: نَكِرة تَشْمَل جميع الحسنات.
وقول المُفَسِّر ﵀: [يومَ القيامةِ]، متعلِّق بـ ﴿جَاءَ﴾ يَعْنِي: من جاءَ يومَ القيامةِ بالحسنةِ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثوابٌ ﴿مِنْهَا﴾، أي: بسببها، وَلَيْسَ
стр. 502
للتفضيل؛ إذ لا فعل خير منها]، هَذَا غريبٌ، اقرأ الآيَة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يَقُول المُفَسِّر: المُرادُ بالخيرِ هنا الثوابُ، يعني ما يُقابِل الشرَّ، و ﴿مِنْهَا﴾ ليست (مِن) المتعلِّقة باسمِ التفضيلِ ولَكِنَّهَا للسببيَّة؛ أي: فله ثوابٌ بِسَبَبِها، وهَذَا تحريفٌ ظاهرٌ للقُرْآن، بل ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: أفضل منها، وذلك بالمضاعفةِ، فأنتَ إذا أعطيتَني ريالًا وقلتُ: سأعطيك خيرًا منه وأعطيتك ريالينِ صار خيرًا منه.
إِذَنْ: قوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: أفضل منها، فَهُوَ يأتي بواحدةٍ ويُعطى عَشْرًا إِلَى سبعمائة ضِعف إِلَى أضعافٍ كثيرة.
وأما تعليل المُفَسِّر لمنعِ أن يَكُون المُرادُ بالآيةِ التَّفضيل بِقَوْلِهِ: [إذ لا فعل خير منها] فنَقُول: نعم، الحسنة حَسَنَة بلَا شَكّ، وهي خيرٌ، لكِن لَيْسَ المُراد هنا: فله فعلٌ خيرٌ مِنها، بل المُراد الثوابُ والجزاءُ، والجزاء لَيْسَ بفعلٍ للعبدِ ولكِنه منَ اللهِ يَجزي به العبدَ، فتعليل المُفَسِّر إذن عَلِيلٌ، بل ميِّت لَيْسَ فِيهِ رُوح إطلاقًا؛ لِأَنهُ لَيْسَ المقام هنا مَقام مُقابلةِ حسنةٍ بحسنةٍ منَ العدلِ، وإنما المقامُ مقامُ جزاءٍ مِنَ اللهِ، والله تَعَالَى يَجزي العبدَ بخيرٍ مِن فِعله وأفضلَ، وَفي آيَة أخرى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فهل يَصِحّ أن يَكُون معنى قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي: عشر بسببها؟ ! هَذَا يَرُدّ عليه فِي الحقيقةِ، فالآيَةُ الَّتِي أشرنا إليها تفسِّر هَذِهِ الآيَة الَّتِي ذكر الله.
فقوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ إذن عشر أمثالها، وَفي الحديث: "إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كثِيرَةٍ".
والغريبُ أنّ التفسيرَ الَّذِي نَحَا إليه المُفَسِّر لا يكادُ أحد يَفهمه أبدًا، فكُلّ مَن قرأ الْقُرْآن ولو كَانَ عامِّيًّا يفهم من قوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ جزاءً أفضلَ منه وأكثرَ،
стр. 503
ولا يفهم أنَّ المَعْنى فله ثوابٌ بِسببِ هَذِهِ الحسناتِ، أبدًا لا يَفْهَم هَذَا، وإنما يفهم أنَّ الثوابَ أكثرُ وأعظمُ وأفضلُ منَ العَمَلِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ﴾ الجاءُونَ بِها ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافةِ وكسرِ الميمِ].
قوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾: (فزَع) مضافٌ، و (يوم) مضافٌ إليه، و (يوم) مضافٌ و (إذ) مضافٌ إليه، و (إذ) مضافٌ والجملةُ المحذوفةُ مضافةٌ إليها، فيَكُون عندنا ثلاثُ إضافاتٍ.
وقوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ الفزعُ بمعنى الخوفِ، ولكِنه لَيْسَ مجرَّد خوفٍ، بل خوفٌ بقلقٍ وحركةٍ واضطرابٍ، ولهذَا يقال: فَزعَ الرجل؛ لَيْسَ مجرَّد أَنَّهُ خافَ، بل تجده قَلِقًا ثُمَّ يحاول مثلما نَقُول فِي اللُّغة العامِّيَّة: (يفز) من الفَزَع، وكلمة فزَع مفرَد مضافٌ فيَعُمّ كُلّ ما يحصلُ به الفزعُ؛ لِأَنَّ يومَ القيامةِ فِيهِ أفزاع؛ عِدَّة أَسْبابٍ للفزعِ، كأخذِ الكتبِ بالشمالِ أو باليمينِ، وكذلك أيضًا دُنُوّ الشَّمْسِ، وكذلك الميزان، وكذلك الحَوْض المَوْرُود، وكذلك أيضًا يُنَادَى عَلَى الظالمينَ: أهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله (١) ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، كُلّ هَذِهِ تُثير المرءَ وتُوجِب الفزعَ، لكِن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأتون بالحسنة آمنون.
قال: [مِنْ فزَعِ يَوْمَئِذٍ]، أضافَ الفزعَ إِلَى يومِ القيامةِ، لِأَنَّهُ فزعٌ لا نظيرَ له فِي الدّنْيا، وَعَلَى قراءةٍ أخرى يَقُول المُفَسِّر ﵀: وَفِي أخرى [بالإضافةِ وكسرِ الميمِ
стр. 504
وفتحها، وفزع منوَّنًا وفتح الميم (١)].
إِذَنْ: فيها قراءتانِ ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ و"مِنْ فَزَعَ يَوْمِئِذٍ" هَاتان القراءتان عَلَى الإضافةِ، والثَّالثة (مِنْ فَزَعٍ) مُنَوَّنًا وفتحِ الميمِ "مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" وهَذه فيها إشكالٌ؛ حَيْثُ إن (يوم) بالفتح مَعَ أَنَّهَا مضافةٌ، فيقتضي عَلَى هَذَا أن تكون مجرورةً، ونُخَرِّج هَذَا عَلَى واحدٍ منْ أمرينِ: إمَّا أن نَجْعَلَهَا مبنيَّةً عَلَى الفتحِ، يَعْنِي: (فزَع) مضاف ويوم مضاف إليه مبنيّ عَلَى الفتح فِي مَحَلّ جرّ. أو نَقُول: إنَّ (فزع) فِي الأَصْل منونة حذف التنوين تخفيفًا، وَعَلَى هَذَا فتكون (يوم) مَفْعُولا يعني ظرف زمان كما هِيَ، عَلَى قراءةِ التنوينِ (فَزَعٍ يَوْمَئذٍ).
وبالنِّسْبَة للمعنى أيّهما أبلغ: (من فزعٍ يومئذٍ آمنون) أو (من فزعِ يومئذٍ آمنون)؟
الأخير يَدُلّ عَلَى العموم، (فزعِ يومئذٍ) فكُلّ فزع فِي ذلك اليوم هم آمنون منه، وَعَلَى قراءة (فزعٍ يومئذٍ) يعني هم آمنون من فزعٍ فِي ذلك اليوم، فَهُوَ يقتضي أن يَكُون فزعًا واحدًا، إِلَّا إذا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى تقدير (من كُلّ فزعٍ)؛ أي: من كُلّ فزع آمنونَ، فتوافق القراءة الأُولى الَّتِي هِيَ للإضافةِ، ولكِن القراءة بالإضافةِ أحسنُ؛ لِأَنَّهَا لا تحتاج إِليَ تأويلٍ.
وقوله: ﴿آمِنُونَ﴾ آمنونَ منَ الفزعِ، هل المَعْنى أَنَّهُم لا يَفزَعون أو أَنَّهُم يفزعون لكِنَّهم آمنونَ؟
إِذَنْ: هم آمنونَ مِنَ الفزعِ، فيَحتمِل أن يَكُون المَعْنى أَنَّهُم لا يَفزعون إطلاقًا،
стр. 505
ويحتمل أَنَّهُم يفزعون ولكِنهم آمنونَ، فيَكُون هَذَا الفزعُ مجرَّد شعورٍ بما يُفزَع منه فقط، وليسوا يخافون منه.
كذلك عَلَى أحدِ التفسيرينِ اللذينِ أَشرنا إليهما فِي قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٨٧]، أن هَذَا الفزعَ بَعْد القيامِ؛ لِأَنَّ بعض العُلَماء يرى أن النفخَ يَكُون بالصعقِ والبعثِ، ثُمَّ النفخة الثَّالثة للفزعِ بعدَ البعثِ، ولكِن هَذَا سبقَ أننا قُلْنَا: إنَّهُ مرجوحٌ، وإن الصَّواب أن الفزعَ هُوَ الَّذِي يَكُون به الصَّعْقُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الحسناتِ يُؤتَى بها يوم القيامة؛ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يُؤتَى بالحسناتِ وهي أعمالٌ مَضَتْ، والأَعْمال معانٍ وليستْ أجسامًا؟
فيقال: إن الله ﵎ عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ، يُقَلِّبُ هَذِهِ المعانيَ إِلَى أجسامٍ، مثلما قلبَ الموتَ وَهُوَ معنًى إِلَى جسمٍ، وَهُوَ الكبشُ (١)، فالله تَعَالَى عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ. قَالَ النَّبِيّ ﵊ لأصحابِهِ: "مَنْ تَعُدّونَ المُفْلِسَ فِيكُمْ؟ ". قَالُوا: مَن لا دِرْهَمَ عنده ولا متاع. فقال: "المُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي بَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الجِبَالِ" (٢).
وأخبرَ ﷺ أن الله تَعَالَى يَقبَلُ الصدقة منَ الكَسْبِ الطيِّب بِعِدْلِ التمرةِ؛ أي:
стр. 506
ما يُعادِلها، فيربِّيها كما يُربّي الْإِنْسَانَ فَلُوَّه حَتَّى تكونَ مثل الجبلِ (١)، وهَذَا أيضًا عمل.
فالمهمّ أننا نَقُول: إن المجيءَ بالأَعْمالِ يومَ القيامةِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى عَلَى كُلّ شَيْء قديرٌ.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن العبرةَ بالمجيءِ بالحسنةِ، لا بعملها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وذلك لِأَنَّ عاملَ الحسنةِ فِي الدُّنْيا قد لا يأتي بها يومَ القيامة، حيثُ يَحْصُلُ ما يُبطِلها، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فقد يعملُ الْإِنْسَان الحسنةَ لكِن يأتي بشيءٍ يُبْطِلها فلا يأتي بها يوم القيامةِ، والمَدارُ عَلَى الإتيانِ بها يومَ القيامةِ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الجزاء أفضلُ من العَمَلِ وأعظمُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: إثبات الفزعِ فِي يومِ القيامةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَمْنُ مَن جاء بالحسنة من هَذَا الفزع.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن من جاءَ بالسيئةِ فَإِنَّهُ لا يأمنُ منها، وَهُوَ مأخوذ من مفهومِ قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾ يَعْنِي: أَمَّا مَن جاءَ بالسيئة فَاِنَّهُ لا يأمنُ، ولهذَا تُكَبّ وُجُوهُهم فِي النَّار.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: أن يومَ القيامةِ لا يُقاس بأمرِ الدُّنْيا، فهَذه الأفزاعُ العظيمة لا تُفْزع المُؤْمِنيِنَ الَّذِينَ جاءوا بالحسناتِ، وإنْ كانت عظيمةً فِي ذاتها؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى
стр. 507
فِي يومِ القيامةِ يخلُق أَشْيَاءَ يَسْتَبْعِدُها العقلُ فِي الدُّنْيا، فالشَّمْسُ تَدْنُو مِنَ الخلائقِ قَدْرَ مِيلٍ (١)، ومنَ النَّاسِ من يَكُونُ فِي ظِلٍّ منها، والعرقُ يَصِل عند بعض النَّاس إِلَى كَعبيه وإلى رُكبتيه وإلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَن يُلْجِمُه (٢) وهم فِي مكانٍ واحدٍ؛ ممَّا يَتبيَّن به قُدرة الله ، وأن النَّاس فِي هَذَا المكان الواحدِ وَفِي الزمنِ الواحدِ يَختلفون هَذَا الاختلافَ المتبايِنَ.
وفي إضافة الفزعِ إِلَى ذلكَ اليومِ دليلٌ عَلَى شِدَّته ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
.• * •.
стр. 508
الآية (٩٠)
.• * •.
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].
.• * •.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: الشِّرك]، قوله: [مَن جاء] نَقُولُ فِيهِ كما قُلْنَا فِي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يعملُ السيئةَ ولكِنه لا يأتي بها، وذلك بأنْ يتوبَ مِنْهَا أو تكون له أعمالٌ صالحةٌ تُكَفِّرها أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مجرَّد المشيئة فالغالب أَنَّهَا تُغفر يوم القيامةِ فيقرّر بذنوبِه ثُمَّ يُقَال له: غَفرناها لك.
وقوله: [أي: الشرك] فِيهِ نظرٌ، وإنما حَمَلَه عَلَى ذلك تفسيرُه الحسنةَ بأنها (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَهُوَ توحيدٌ، فقال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي الشركِ، ولكِن الصَّواب أنّ المُراد بالسيئةِ هنا الجنسُ، فيشمل كُلّ سيِّئ
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ بأن وليتها، وذُكِرَتِ الوجوهُ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الشَّرَف مِنَ الحواسّ، فغيرُها من باب أَولَى].
الذي أوجبَ للمؤلِّف أن يحملَ السيِّئ عَلَى الشركِ جوابُ الشرطِ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ فيقول: إن هَذَا لا يَكُون إِلَّا لِلكَافِرِينَ، وهَذَا فِيهِ نظرٌ أيضًا؛ لِأَنَّ مَن جاء بالسيئةِ ولو دونَ الشركِ فَإِنَّهُ إن لم يُغْفَرْ له يُكَبّ فِي النَّارِ،
стр. 509
ولكِنَّه يُعاقَب عَلَى حسَب ذنوبِه، ثُمَّ بَعْد ذلك يُخْرَج منها، إمَّا بشفاعة وَإمَّا بانتهاءِ جزائِه إذا لم يشفعْ له.
فالحاصل أننا نَقُول: إن قولَه: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ لا يَلزَم منه الخلودُ، بل قد تُكَبّ وُجوههم فِي النَّار ثُمَّ يَنْجُونَ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إذا كانوا عصاةً فإن موضعَ السجودِ لا تأكله النَّارُ، فكيف نَقُولُ: كُبَّتْ وُجُوهُهم فِي النَّار؟
قُلْنَا: إذا كُبّ عَلَى وجهِه أصابتْه النَّارُ إِلَّا موضعَ السجودِ، وهَذَا لا يَمنَع أن يُكَبّ عَلَى وجهه وتُحمَى مواضعُ السجودِ مِنَ النَّار.
وقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ جواب الشرط ماضٍ، فَكَانَ مُقتضى الأَمْر أن يَقُول: ومن جاءَ بالسيئةِ كُبَّت؛ لِأَنَّ فعل الشرط إذا كَانَ ماضيًا وجوابه كَانَ ماضيًا أيضًا فلا يحتاج إِلَى الفاء، يَقُولُونَ: إن الفاء هنا تدلّ عَلَى تقدير (قد)، يَعْنِي: (فقد كُبَّت)، وتكون دالَّة عَلَى التحقيقِ لهذَا الأَمْرِ؟ لِأَنَّ (قد) للتحقيقِ، ولَكِنَّهَا حُذفتْ لفظًا وأُشيرَ إليها معنًى، فالفاء تشير إِلَى (قد)، وحُذِفَتْ لَفظًا لِأَنَّ (قد) للتحقيق، والمسألة لم تَقَعْ، فَكَانَ فِي تحقيقها بـ (قد) وهي لم تقعْ نوعٌ من التناقضِ، فلذلك حُذفت فِي اللفظِ وأُشير إليها بالمَعْنى بالفاءِ، وكما هُوَ معلومٌ أن جوابَ الشرطِ إذا اقترنَ بـ (قد) فيجب أن يَكُونَ مَقرونًا بالفاءِ.
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ
سبعةُ مواضعَ إذا كانتْ جوابًا للشرطِ وجبَ اقترانُ الفاءِ بها.
قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾؛ أي: ما تُجْزَوْنَ، يَعْنِي أنَّ الاسْتِفْهامَ هنا بمعنى النفيِ،
стр. 510
والاسْتِفْهامُ بمعنى النفيِ أبلغُ منَ النفيِ المجرَّد؛ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى النفيِ وزيادة. فقولنا: ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كنتم تعلمون يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم لا يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانوا يعملون، لكِن قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يَدُلّ عَلَى تقريرِ هَذَا الأَمْرِ، وَأنَّهُ لا يمكن للإِنْسَانِ أنْ يُجازَى إِلَّا بما كَانَ يعمل، وَيكُون فِيهِ تقريرٌ وتقريعٌ فِي نفسِ الوقتِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ويُقال لهم تَبكيتًا]: ﴿هَلْ﴾ ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ منَ الشِّرْك والمَعاصِي]، قوله ﵀: [﴿إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾]، فِيهِ صرفٌ للفظِ عن ظاهرِه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَقتضي أن يَكُونَ العَمَلُ هُوَ الجزاءَ نفسَه ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العَمَل لَيْسَ الجزاءَ، بل الجزاء شيءٌ والعَمَل شيءٌ آخَرُ. فعندما تستأجرُ إِنْسَانًا يعمل لك، ثُمَّ تعطيه الأجرةَ، فعَمَلُه غيرُ أُجرتِهِ.
والعاملُ للهِ عَمَلُه غيرُ جزائِه، فظاهرُ الآيةِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أنَّ الْإِنْسَان يُجزى بعملِهِ، لذلك احتاج المُفَسِّر أن يقدِّر هَذَا المحذوفَ: إِلَّا جزاء ما كنتم تعملون، لكِن ما فِي الآيةِ أبلغُ؛ لِأَنَّهُ من بابِ المبالغةِ فِي العدلِ أنْ يجعلَ الجزاء هُوَ العَمَلَ، كأنَّ الجزاءَ نفسَه عَمَلُك مبالغةً فِي العدلِ، فأنت إذا كنتَ تريدُ ثوابًا كثيرًا فاعمَلْ كثيرًا؛ لأن ثوابَك عَمَلُك.
وأما قوله: [﴿هَلْ﴾ ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جَزَاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ، ففيه أيضًا ركاكة، ما تُجزون إِلَّا جزاءَ العَمَلِ! فمعلوم أن كلمةَ (تُجْزَوْنَ) يُستفاد مِنْهَا الجزاءُ، فلا حاجة إِلَى تقديرٍ.
فالصَّواب إبقاءُ الآيةِ عَلَى ظاهرها، ويُفهَم أن الَّذِي يُعْطَوْنَه هُوَ الجزاءُ مِن
стр. 511
قولِه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾. والتعبيرُ عن الجزاءِ بالعَمَلِ نفسه مبالغةٌ فِي العدلِ؛ بحيثُ يَكُون جزاؤك عَمَلَكَ.
وقوله ﵀: [مِنَ الشِّرك والمَعاصِي]، هَذَا ما ذهبَ إليه جمهورُ أهلِ العلمِ، وَهُوَ الصَّوابُ؛ أن الكافرَ يعاقَب عَلَى أصلِ الكفرِ وَعَلَى المَعاصِي أيضًا الَّتِي عَمِلها، فالمشركُ إذا زَنَا وسَرَقَ وشَرِبَ الخمرَ يُعاقَب عَلَى ذلك، فيعاقَب عَلَى الأَصْلِ والفرعِ، واستدلُّوا لذلكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٦]. فالصدقةُ ليست من الأصول، والصَّوابُ أنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الأُصُول وأن تاركها يُكَفَّر، لكِن الصَّدَقَة ليستْ منَ الأصولِ، حَتَّى الزكاة عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ لا يُكَفَّر تَارِكُها، ومعَ ذلك ذَكَرُوا أَنَّهَا من أَسْبابِ دُخُولِهمُ النَّارَ، ولولا أنَّ لها تأثيرًا فِي الجزاءِ ما صارتْ منَ الأَسْبَاب.
وهَذَا دليلٌ عَلَى أَنَّهُم يعاقَبون عَلَى فروعِ الإِسْلامِ كما يُعاقَبون عَلَى أصولِهِ، وَعَلَى هذا فيعاقبون عَلَى معاصيهم الَّتِي دونَ الشركِ، وهَذَا بلَا شَكّ كمالُ العدلِ؛ لأَنَّهُ إذا كَانَ المسلمُ يعاقَب عليها فكيف بالكافر؟ ! هل تكون للمسلمِ نِقْمَة وتكون للكافر نعمة؟ ! لا، بل أبلغُ من ذلك الكافر يعاقَب حَتَّى عَلَى المباحِ للمؤمنِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ففُهِم من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَنَّهَا لغير المُؤْمِنيِنَ ليستْ خالصةً، وأنهم سيُجازون عليها.
وهَذَا أيضًا مُقتضَى النظر؛ إذ كيف يَتَنَعَّمُ الْإِنْسَان بنِعَمِ الخالقِ وَهُوَ يَعصي الخالقَ، لَا بُدَّ أن يعاقبَه، يَقُول: أنا أحسنتُ إليكَ، أَطْعَمْتُك وسَقَيْتُك وكَسَوْتُك
стр. 512
وأَسْكَنْتُك وزَوَّجْتُكَ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فيعاقَب عَلَى هَذِهِ النعمةِ لِأَنَّهَا تحتاج إِلَى شكرٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ المَدارَ فِي العقابِ عَلَى السيئاتِ هُوَ المجيءُ بها يوم القيامة، لا مجرَّد العَمَل، قد يعمل الْإِنْسَان السيِّئة وتُكفَّر أو يتوب مِنْهَا، ولكِنَّ العبرةَ بالمجيءِ.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: إثباتُ عذابِ النَّار، لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ والعياذ باللهِ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان شدَّة العقوبةِ -والعِيَاذُ باللهِ- لهؤُلَاءِ، حَيْثُ يُكَبُّون عَلَى وُجُوهِهِم فِي النَّارِ، والوجهُ أشرفُ الأعضاءِ، وإهانته أعظمُ من إهانةِ غيرِه، فلو أنَّ أحدًا صَفَعَكَ عَلَى خدِّك أو ضَرَبَك فِي رِجْلِك أيُّهما أشدُّ إهانةً؟
الوجهُ أشدُّ، ولهذَا كَانَ إكبابهم عَلَى وجوههم فِي النَّار -والعياذُ بالله- أشدَّ وأبلغَ فِي الإهانةِ وفي العذابِ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: كمال عدل الله ، لِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويعني ما ظَلَمْنَاكم، بل أنتم الَّذِينَ ظلمتُم أنفسَكم، فعَمِلْتُم ما استحققتم به هَذَا العذابَ.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن عذابَ أهلِ النَّارِ -والعياذُ باللهِ- عذابٌ نفسيّ وبدنيّ، بَدَنِيّ حَيْثُ تُكَبّ وُجوهُهم فِي النَّارِ، نَفْسِيّ حَيْثُ يُوَبَّخُون ويُقْرَعُون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
فما ظنُّك بِمَن يُقَال له مثل هَذَا؟ ! تجده يَمتلِئ خَجَلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا،
стр. 513
يَقُول: لَيْتَنِي ما عمِلتُ، ليتَ وليتَ، ولكِن ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢]، فإذن يُجْمَع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدنيّ والعذاب النفسيّ.
وقد ذكر اللهُ تَعَالَى فِي سورةِ المؤمنونَ أَنَّهُم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وهم لو أُخْرِجُوا مِنْهَا لعادوا لِظُلْمِهِم، لَيْسَ فِيهِ إشكال، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، لكِن يَقُولُونَ هَذَا من شِدَّة ما يجدون، فكَانَ الجواب -والعياذ بالله- أعظمَ جوابٍ فِي الإهانةِ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، والعياذ باللهِ هَذَا الجوابُ فِي غايةِ الإهانةِ والصَّغار والذُّلّ، وقد ذُكر أن الله تَعَالَى لا يُكَلِّمُهُم إِلَّا بَعْد مدةٍ طويلةٍ، يكلِّمهم بهَذَا الكَلام الَّذِي لا خيرَ فِيهِ لهم، بل هُوَ تَيْئيس من كُلّ خيرٍ ومن كُلّ فرجٍ، نسألُ اللهَ العافية: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني اندحروا وذِلُّوا وتَلْحَقُكُمُ المهانةُ والإهانةُ، ومع ذلك لا تُكَلِّمُوني، فلستم أهلًا لِأَنْ تكلموني، نسأل الله العافية.
فإِذَنْ: يُجمَع لأهل النارِ بين العذابينِ: البدنيّ والنفسيّ.
.• * •.
стр. 514
الآية (٩١)
* قَالَ اللهُ : (﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١].
.• * •.
قَالَ المُفَسِّر: [قُلْ لَهُم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ أي مَكَّة]، المكان الَّذِي قَالَه النَّبِيّ ﵊ فِيهِ هُوَ مكَّة؟ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب ﴿الَّذِي﴾ ولم يقل: (الَّتي) لِأَنَّهَا صِفة لمذكَّر ﴿رَبَّ هَذِهِ﴾ ولهذَا تُعرب (الذي) عَلَى أَنَّهَا اسْم موصول مبنيّ عَلَى السكون فِي محلّ نصب، صفة لربّ، وقصدنا هنا بالذُّكُورِيَّة لَفظًا أم معناها؟ فلا نَقُول: اللَّفْظ مُذَكَّر، أَمَّا الله فلا يجوزُ وَصْفُهُ لا بهَذَا ولا بهَذَا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀ في قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: [جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا]، جعلها شرعًا حَرَمًا آمنًا.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الرُّبُوبِيَّة إليها تفيدُ الفضلَ، وأن الله تَعَالَى قد اعتنى بها وشرَّفها، ثُمَّ قَالَ ﵀: [لا يُسفَك فيها دمُ إِنْسَانٍ]، والحديث: "لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ" (١)، وأيهما أعمُّ (دم الْإِنْسَان) أو (دم) فقط؟
стр. 515
(دَم) أعمُّ، ولهذَا لا يُسفَك فيها دمُ إِنْسَانٍ ولا دَمُ صيدٍ، وَأَمَّا المواشي من الإبلِ والبقرِ والغنمِ وما أَشْبَهَهَا فإن هَذَا دلَّتْ السنَّة عَلَى جوازِه.
وقوله ﵀: [ولا يُظلَم فيها أحد]، هَذَا لَيْسَ خاصًّا بمكَّة، حَتَّى غير مَكَّة لا يجوز أن يُظلمَ فِيهِ أحدٌ؛ ولذلك ما جاء فِي الحديثِ: لا يُظْلَم فيها أحدٌ؛ بل قَالَ الرَّسُول ﷺ : "لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ"؛ فليس من خصائصِ مكَّةَ ألَّا يُظْلَم أحد، صحيح أن الظلم فِي مكَّةَ أعظمُ من غيرِه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، فقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدلّ عَلَى أن الفِعْل مضمَّن معنى العزيمةِ الصادقةِ، أَمَّا أنَّ الظلم فِي غيره مباح فلا.
مسألة: هل السيئة تُضاعَف فِي مَكَّة؟
الجواب: ما تُضَاعَف السيئة فِي مكَّة؛ تضاعف بالكيفيَّة فقطْ لا الكمّيّة، ولَيْسَ معناه أن السيئة يُجْزَى عنها سيِّئتانِ، وإنّما المَعْنى أَنَّهَا تكون أعظمَ، فكيفيَّة العقوبة تَختلِف، قد أضرِبُ هَذَا الْإِنْسَان ضربةً واحدةً وأضرب الآخرَ ضربةً واحدةً وتكون هَذِهِ الثَّانِيَة مؤلمِة والأولى غير مُؤْلمِة.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولا يُصَادُ صَيْدُها]، هَذَا صحيح، وغيرها يُصاد.
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولا يُخْتَلَى خَلاها]، صحيحٌ، وغيرها يُختلَى، والمَدينَة يختلى خلاها، إِنَّمَا يُحرم الشَّيْء الَّذِي بدون حاجةٍ فِي المَدينَةِ، وَأَمَّا الَّذِي بحاجةٍ فيجوز، وهَذَا الفرق بينها وبين مكَّة.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وذلك مِنَ النِّعم عَلَى قُرَيْشٍ وأهلها فِي رفعِ الله تَعَالَى عن بلادهم العذابَ والفِتَنَ الشائعةَ فِي جميعِ بلادِ العربِ].
стр. 516
إِذَنْ: قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فِيهِ إظهارٌ لفضلِ اللهِ ﵎ عَلَى ساكني هَذهِ القرية، حَيْثُ جعلَ الله هَذِهِ القريةَ حَرامًا، فقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي جعلها حَرَمًا وجعلها حَرَامًا، وما قلناه أعمُّ ممَّا قَالَ المُفَسِّر؛ لِأَنَّ المُفَسِّر يَقُول: [جعلها حرمًا آمِنًا]، ثُمَّ ذكر الأَشْيَاءَ، فهي حرم وحرام أيضًا، حرمٌ بمعنى أَنَّهَا مُحْترَمَةٌ، وحرام بمعنى أَنَّهَا محرَّمة، لهَذَا مَنْ قَصَدَها فَإِنَّهُ يُشْرَع له بإجماعِ أهلِ العلمِ ألَّا يدخلها إِلَّا مُحْرِمًا، وَفي وجوبه خلاف معروف.
أيضًا من جملة احترامها أن المُشركينَ لا يقربون المَسْجِد الحرامَ، فيَكُون الحرمُ كلّه محرَّمًا عليهم؛ لِأَنَّ دخولهم الحرمَ مِن قُربان المَسْجِد الحرامِ، فلهَذَا كَانَ ذلك احترامًا لهَذِهِ البلدةِ، ومع ذلك يقولُ الله : ﴿وَلَهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فَهُوَ ربُّه وخالقه ومالِكه]، الجملةُ الأخيرةُ فيها فائدة عظيمة؛ لِأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قد يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّهُ تختصُّ ربوبيَّته بهَذه البلدةِ، فأتى بَعْد ذلك بالتعميمِ؛ قَالَ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. ونظيرُ هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، قَالَ بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، حَتَّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّم أن ذلك الفضلَ خَاصّ بأولئكَ، فبيَّن أن الجزاء للجميعِ، وَهُوَ الجنَّة، وإنْ كانوا لا يَسْتَوُونَ، ففي قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ رُبُوبِيَّة اللهِ عامَّة لكلِّ شيءٍ، لكِن ربوبيَّته لهَذِهِ البلدة أخصّ مِن ربوبيَّتِه الْعَامَّة.
قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أَمَرَهُ اللهُ ، قَالَ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الرعد: ٣٦].
قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أليست العِبادَة هِيَ الإِسْلام؟
стр. 517
الجواب: بلى، العِبادَة هِيَ الإِسْلام، لكِن هناك قَالَ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، ، والعِبادَة هِيَ التذلُّل له بالطاعة، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي أن أُحَقِّق هَذِهِ العِبادَة بالاستسلام التامّ لأوامر الله ﵎، فالْإِنْسَان قد يَكُون عابدًا فِي الأَصْل لكِن الانقياد التامّ بجميع مشروعات الإِسْلام يُستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي من المنقادِين لحُكْمِ اللهِ انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار.
وفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليلٌ عَلَى أن هناك مسلمينَ، فهل اليهود والنصارى مسلمونَ؟
الجواب: حين كانتْ شرائعهم قائمةً فهم مسلمونَ، أَمَّا بَعْد أنْ نُسِخَتْ فإنهم إذا لم يَلْتَزِموا بالشَّرِيعَة النَّاسخةِ ولم يَكُونوا مسلمينَ، فالإِسْلام هُوَ الدين عند الله فِي كُلّ زمانٍ ومكانٍ، وبعد بَعثةِ الرَّسُول ﵊ لا إسلامَ إِلَّا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإِسْلام كما هُوَ معروف من الاستسلام وَهُوَ الانقياد، وهَذَا يشمل كُلّ انقياد لله ، سواء فِي عصر هَذِهِ الأمة أو قبلها، نوح ﵊ يَقُول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، مثلما قيل للرَّسُول ﵊. وقال عن يعقوب: إنَّهُ قَالَ لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقالت بِلقِيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وجوبُ إعلانِ الرَّسُولِ ﷺ بما ذكر؛ لِأَنَّهُ عَلَى تقدير: (قُل إِنَّما أمرت)، وَهُوَ واجب عليه أن يعلنَ ذلك؛ لأجل أن يَكُون قدوةً فيه.
стр. 518
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: وجوب العِبادَة عَلَى النَّبِيّ ﵊؟ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ولا ويُقَال: إن التكاليف تسقطُ عن الأَنْبِياء والأولياءِ، بل تجب عَلَى النَّبِيّ ﷺ كما تجب عَلَى غيرِه، ويجب عليه هُوَ ﵊ أن يشهد أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّهُ رسولُ الله؛ فهَذَا مُقتضى الإِسْلام.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بُطلان ما ادَّعاه أصحابُ مَن يَزْعُمونَ أَنَّهُم أَوْلِيَاء، حَيْثُ قَالُوا: إن الوليَّ يصل إِلَى درجةٍ يسقُط بها عنه التكليف، وهَذَا موجود عند الصوفيَّة وغيرهم، يَقُولُونَ: هَذِهِ العباداتُ الَّتِي نكلَّف بها وسائلُ إِلَى غايةٍ، والغاية: الْيَقينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، فإذا وصل الْإِنْسَان إِلَى الْيَقينِ سقطتْ عنه العِبادَةُ وصار لا يجبُ عليه صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا صومٌ ولا حجٌّ، ولا يحرم عليه نِكاح أحدٍ، فيتزوَّج مَن شاء من ذُكُورٍ وإناثٍ، والعياذُ باللهِ، ومن عددٍ صغيرٍ وكبيرٍ.
حَتَّى إنَّا نسمع عنهم الْآنَ فِي أفريقيا أن الواحد منهم له خمسونَ امرأةً، فتَعَدَّوُا النَّبِيّ ﵊، وأيضًا لا يَتَزَوَّج بعقدٍ، فإذا اشتهى امرأةً أرسلَ إلى أبيها وقال: أريد ابنتك زوجةً لي.
ولا أحد يتمكَّن من أن يُعارِضَهُم؛ لِأَنَّهُم يزعمون أَنَّهُم وصلوا إِلَى غايةٍ لا يحتاجون معها إِلَى تكليف .. فإذا كَانَ الرَّسول ﷺ -أُمر أن يعبدَ الله فغيرُه من باب أَولي.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس هَؤُلَاءِ كفارًا؟
فنَقُول: بلى، بل من أكفرِ الْكُفَّارِ والعياذُ بالله.
стр. 519
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: فَضيلة مكَّة من وجهينِ: من إضافةِ الرُّبُوبِيَّة إليها ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ومن كونه تَعَالَى حَرَّمَها ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ ففيه فضيلةُ مكَّة عَلَى سائرِ البلادِ، ولها فضائلُ كثيرةٌ، فلو لم يكن مِنْهَا إِلَّا أنَّ قَصْدها للعبادة من أركانِ الإِسْلامِ لَكَفَى؛ فالحجُّ رُكْن من أركانِ الإِسْلامِ، فليس هناك بلد فِي العالم يَكُونُ القَصْد إليه فرضًا أبدًا ولا سنَّة إِلَّا مَكَّة والمَدينَة والمسجد الأقصى.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الَّذِي حرَّم مَكَّة هُوَ الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ألا يعارض ذلك ما ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ -من قوله: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ" (١)؟
قُلْنَا: لا؛ لِأَنَّ معنى قوله: "حَرَّمَ مَكَّةَ"؛ أي: أَظهرَ تَحريمَها وأبانها، وإلا فالذي حَرَّمَها هُوَ اللهُ، ولهذَا نَقُول مثلًا: إنَّ الرَّسُول ﷺ حرم الميتة والخمر والخنزيرَ، يعني أظهر تحريمها وأبانه، وإنْ كَانَ الَّذِي حرَّمها هُوَ الله، فالمهم أنه لا منافاة بين قولِه تَعَالَى: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرَّسُول ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ" والجمعُ بسيطٌ وواضحٌ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل المَدينَة حرمها الله ؟
فالإجابة: نعم، حرَّمها الله .
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن كُلّ شيءٍ فَهُوَ مِلْكٌ للهِ؛ مَكَّة وغيرها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.
стр. 520
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: الردُّ عَلَى المُعْتَزِلَة والْقَدَرِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن الْإِنْسَان مُسْتَقِلّ بِعَمَلِه، فَإِنَّهُ عَلَى قولهم يَخرج بعض الأَشْيَاء عن مِلْكِ اللهِ، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: بَلاغة الْقُرْآن، لِأَنهُ لمّا قَالَ: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ فقد يَفهم منه أحد أن رُبُوبِيَّة اللهِ تَعَالَى خاصَّة فِي هَذَا المكانِ، فاحترازًا من هَذَا الفهمِ الخاطئ أعقبه بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذَا من بلاغةِ القُرْآن.
وهل تدخل مَكَّة فِي قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟
هَذِهِ المسألة مختلَف فيها عند الأُصُولِيِّينَ، يعني إذا ذُكِرَ الخاصُّ مَعَ العامِّ فهل التنصيصُ عليه مخُرِج له منَ العُمُوم، فيَكُون ذُكر مرَّةً لكِن نُصَّ عليه لِشَرَفِهِ مثلًا والعناية به، أو أَنَّهُ لا يُخرِجه من العمومِ، فيَكُون ذُكِرَ مرّتينِ؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميمِ، فما هُوَ المتبادر للذِّهن؟
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]، الرُّوح هُوَ جِبريل، لكِن يَتبادر إِلَى الذهنِ -في ذهني أنا ولا أدري عن غيري- أَنَّهُ إذا ذكر الخاصَّ بَعْد العامِّ أو قبلَه أنَّه ما أُريد دخوله فِي العامّ.
فعندما تقول: جاء الطلبة وعلي، وَهُوَ معروف أَنَّهُ من الطلبةِ، أنت تَفهم أَنَّهُ خرجَ عنهم لمّا نُصّ عليه، وكفَى بذلك فخرًا أن يُخْرَج من بين العمومِ ويُنصّ عليه فِي الحكم. لكِن أولئك يَقُولُونَ: إنَّهُ ذُكر مرتينِ؛ مرةً بطريق العمومِ ومرةً بطريق الخصوصِ، ولكِن فيما أَظُنّ ويتبادر إليّ أَنَّهُ لَيْسَ كذلك، نعم لو ذكر العموم فِي موضع آخرَ ولم يذكر الخصوصَ فلَا شَكّ أَنَّهُ داخل فِي العمومِ.
стр. 521
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ لا يجوزُ لأحدٍ أن يحكمَ بغيرِ ما أنزلَ الله، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لِأَنَّ من جملةِ الأَشْيَاءِ: الحُكْم بين العبادِ، بل هُوَ من أعظم الأَشْيَاءِ، فإذا كَانَ ذلك للهِ فلا يجوزُ لأحدٍ أن يستقلَّ به، ومَن أراد أن يستقلَّ به فقد حاول أن يَكُونَ شَريكًا لله تَعَالَى فِي ذلك، ونزل نفسه منزلةً لا يسْتَحِقّها.
إِذَنْ: أمر التحليل والتحريمِ والإيجابِ إِلَى اللهِ، لِأَنَّ له كُلَّ شيءٍ، وأمر التحسينِ والتقبيحِ الصَّوابُ أنها إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّ بعضَ الأَشْيَاءِ لا نعرِف عن حُسنها وقُبحها إِلَّا مِنَ اللهِ، لكِن أيضًا للعقلِ مجالٌ فِي هَذَا، ولذلك ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ما الَّذِي بعدها ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن العقل يحسِّن ويقبِّح؛ فإن هَذَا من القبيح.
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)
فالعقلُ يحسِّنُ ويُقَبِّحُ، لَكِنَّهُ لا يُوجِبُ ويحرِّم، فالإيجابُ والتحريمُ إِلَى الله، أَمَّا التحسينُ والتقبيحُ فيُحَسِّن وُيقَبِّح، ولهذَا يحيل الله تَعَالَى أَشْيَاءَ كثيرةً إِلَى العقلِ، فدلَّ ذلك عَلَى أن للعقلِ أن يحسِّن ويقبِّح، ولكِن مِنَ الأَشْيَاء ما لا يعلَم حُسْنَه وقُبْحَه إِلَّا بطريقِ الشرعِ، وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ فِي هَذِهِ المسألةِ -مسألة التقبيح والتحسين العقليّ- صار فيها نزاعٌ طويلٌ بين أهل السنّة والجماعةِ وبين أهلِ البدعِ، منهم مَن قَالَ: لا يحسّن ولا يقبِّح، والغريب أن هَذَا هُوَ المشهورُ من مذهب الحنابلةِ، قَالَ الفُتُوحي فِي كتاب (مخُتصَر التحرير فِي أُصول الفقهِ): "العقلُ لا يحَسِّن ولا يُقَبِّح، ولا يُوجِب ولا يحرِّم"، نَقُول: أَمَّا قوله: "لا يوجب ولا يحرِّم" فهَذَا صحيحٌ، وَأَمَّا لا يحسِّن ولا يُقَبِّح فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ويُرْوَى عن ابن مسعودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:
стр. 522
"مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ" (١).
وربما يشهد لهَذَا قولُ الرَّسُولِ ﷺ : "الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" (٢) لكِن الْإِنْسَان الَّذِي صَفَتْ سَريرته وخَلصتْ نِيَّته هَذَا لا يَطْمَئِنّ للإثمِ أبدًا، أَمَّا الْإِنْسَان الفاسقُ فالفاسق كما نعرِف أن الزبال لا تُهِمُّهُ الزبالةُ، لكِن العطَّار إذا جلسَ عند الزبالةِ فلا يمكن أن يجلس، فربما أن العقلَ يَستحسِن الزبالةَ إذا كَانَتْ طريقًا للكسبِ، لكِن نفسيَّة الْإِنْسَان لا تَرتاح لها؛ لِأَنَّ رائحتها مُؤْذِيَة، فالنَّاس الْآنَ وقبلَ الْآنَ قد يَسْتَقْبِحُونَ الحَسَنَ ويستحسنون القبيحَ.
فالحاصل: أن الْإِنْسَان الَّذِي صَفَتْ سَريرته وخلصت نيّته وعلِم اللهُ منه حُسْنَ القصدِ يُوَفَّق، وتَجِدُه إذا عمِل السيئةَ ولو أَنَّهُ لا يدري أَنَّهَا سيئة لا تطيب نفسُه ولا تستقرّ، ولهَذَا قَالَ الرَّسُول ﵊: "الْبرُّ مَا اطْمَأَنتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَترَدَّدَ فِي الصَّدْرِ" (٣) لكِن هَذَا لا نخاطب به كُلّ النَّاسِ، بل صاحب القلب الصافي والإِيمان الخالِصِ، أَمَّا النَّاس المنهمِكون فِي المعصيَة فلا يخاطَبُون بمثله.
الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: أن الرَّسُول ﵊ مأمورٌ بأن يَكُونَ من المُسلِمينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 523
الْفَائِدَة الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن الإِسْلامَ والإِيمانَ شيءٌ واحد، لِأَنَّ قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فلَا شَكَّ أن ما أُمِرَ به هُوَ أعلى الحالاتِ، وَهُوَ الإِيمانُ، ولكِن هَذِهِ المسألة -وهي: هل الإِسْلام هُوَ الإِيمان أو لا- فيها أيضًا عِراك بين أهل السنّة والجماعة أنفسهم، وبينهم وبين الأشاعرةِ، والصَّواب أن يقال: إن الإِسْلام عندَ الإطلاقِ يَشمل الإِيمانَ، والإِيمان عندَ الإطلاقِ يشملُ الإِسْلامَ، وَأَمَّا عند التقييدِ وأن يُقْرَنَ بينهما فَإِنَّ الإِيمان يَكُون ما وَقَرَ فِي القلبِ، والإِسْلام ما قامتْ به الجوارح؛ لِأَنَّ الإِسْلام منْ الاستسلام، وَهُوَ عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الَّذِينَ لا يُظهِرون معارضةً نسميهم مسلمينَ، لكِن لا نسميهم مُؤْمِنيِنَ؛ لعدم وجودِ الإِيمانِ فِي قلوبهم.
ومن النَّاس من يَكُون وسطًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، قال: لمّا يَدْخُلْ، ما قَالَ: لم يَدْخُلْ، ليفيد أن الإِيمانَ قريبُ الدخولِ فِي قلوبهم، لَكِنَّهُ لم يدخلْ، إِنَّمَا هُوَ قريبٌ.
والإِيمان منَ المنافقينَ بعيدٌ، هم يَنفِرون منه، فلو قَرُبَ إليهم نفروا منه، لكِن هَؤُلَاءِ الأعراب لم يدخلِ الإِيمانُ فِي قلوبهم إِلَّا أَنَّهُ قريب ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
إِذَنِ: الصَّواب فِي هَذِهِ المسألة: أن الإِيمانَ والإِسْلامَ إذا اقتَرَنا افتَرَقا، وإذا افتَرَقَا اجتَمَعَا، فالإِيمان إذا اقترنَ مَعَ الإِسْلامِ فُسِّرَ هَذَا بهَذَا، وهَذَا بهَذَا، أَمَّا عند الإطلاقِ فيدخل فيه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم أنَّ المنافقينَ مُسلِمون ظاهرًا، أي منقادونَ، أليس هَذَا فِيهِ إشكالٌ؟
стр. 524
فالجواب: الرَّسُول أرادَ أن يفسِّر ذلك بالأَعْمالِ الظَّاهرةِ المبنيَّة عَلَى الإخلاصِ، والأَعْمال الظَّاهرة عند المنافقينَ ليستْ مبنيَّة عَلَى الإخلاصِ، ولهذَا يأتون ويصلون مَعَ النَّاس، ويذكرون الله تَعَالَى فِي صلاتهم لكِنهم لا يذكرون الله إِلَّا قليلًا، والرَّسُول ﵊ لم يفرِّق بينهم وبين أقاربهم فِي الميراثِ وغيره، فيُوَرِّثُ بعضهم من بعض. وأخذ بهَذَا شيخ الإِسْلام ابن تَيْمِيَّة وقال: إن المنافقَ يَرِثُ من المؤمنِ، والمؤمن يرثُ منَ المنافقِ (١).
وهَذَا الَّذِي قاله صحيح إِلَّا أننا نعارضه فيما إذا عُلِمَ نفاقُه، فَإِنَّهُ إذا عُلم نفاقه لا يجوز أن يورَّث منَ المسلمِ أو يورَّث المسلمُ منه، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الرَّسُول ﷺ يعلمُ المنافقينَ؟
قُلْنَا: فيهم ناسٌ يعلمهم وفيهم ناسٌ لا يعلمهم.
.• * •.
стр. 525
الآية (٩٢)
.• * •.
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢].
.• * •.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عَلَيْكُم تلاوةَ الدَّعوى إِلَى الإِيمانِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لِأَجْلِها؟ فإنَّ ثوابَ اهتدائه له ﴿وَمَنْ ضَلّ﴾ عنِ الإِيمانِ وأخطأَ طريقَ الهُدَى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾].
قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسمُ إِلَى قسمينِ: تلاوة لفظيَّة وتلاوة معنويَّة، فالتلاوةُ الأُولى: قراءة الْقُرْآن، والتلاوةُ الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بما جاء به الْقُرْآن، مأخوذة مِن تَلَا الشَّيْءَ يَتلُوه إذا تَبِعَه وصار تِلْوًا له، فقول الرَّسُول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يَشمل هَذَا وهَذَا، أنْ أَتْلُوَه قراءةً وأن أتلوَه اتباعًا، فَهُوَ مأمورٌ بذلك، يعني كأنه يَقُول: سأتلو الْقُرْآن عليكم تلاوةَ قراءةٍ، وأيضًا سأتلو الْقُرْآن تلاوةَ اتباعٍ، ولا أُبالي بمخالفتكم وإعراضكم، وهَذَا لَيْسَ للرَّسُول ﵊ فحسْب، بل لكلِّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُول يَجِب عليه أن يتلوَ الْقُرْآنَ تلاوةً لفظيّةً.
وقد عُلِمَ أن قراءة الفاتحةِ رُكن من أركانِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ من أركانِ الإِسْلامِ.
ثانيًا: يَجِب عَلَى المسلمِ أن يتلوَ الْقُرْآن تلاوةً اتباعيةً ولا يبالي بمَن خالفه، ولو أننا راعينا شعورَ النَّاسِ ورَاعينا عصورَ النَّاسِ صارَ الدينُ لَيْسَ دِينًا، بل صار
стр. 526
الدين عادة، إن تَقَبَّله النَّاس حَسَب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يَقبلوه لم يكن دِينًا.
والواجب أن يَكُونَ الدينُ بَعيدًا عن عاداتِ النَّاسِ، بمعنى أن يَكُون الحكَمُ هُوَ الْقُرْآن والسنّة، لا ما يعتاده النَّاس فيما يَفعلونه من عباداتٍ أو غيرها، خِلافًا لبعضِ النَّاسِ الْآنَ الَّذِينَ يريدونَ أن يُتابعوا النَّاس فيما هم عليه ولو كَانَ باطلًا، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لأنَّنا لو مَشينا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أو عَلَى هَذَا المنهاجِ ما بَقِيَت حياة للإسلام، ويموت منَ الإِسْلامِ جزءٌ فِي هَذَا العصرِ، ثُمَّ يأتي عصرٌ آخرُ فيموت منه جزء آخرُ، وهَكَذَا حَتَّى يَنقضيَ، ولَكِنَّنَا إذا كنا نعمل بالإِسْلام ونجدِّد حسَب ما يَقتضيه الكتاب والسنّة -لا حسَب آرائنا- صار ذلك هُوَ القيادةَ، وَأَمَّا أن نسكت وندُسّ رُؤوسنا فِي الترابِ ونَقُول: هَكَذَا النَّاس ولا يمكن أن نخالفهم، أو نَتَهَيَّب قول بعض النَّاس: طلعتم علينا بدينٍ جديدٍ، هَذَا الدين ما عرفناه من قبلُ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإن هَذَا لا يَنبغي أن يمنعَ الْإِنْسَان عن قولِ الحقّ.
ولهذَا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظ تقوم به الحجَّة عليكم، وتلاوة اتباع لا أُبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ فِي كُلّ مكان.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول الرَّسُول ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً وَشُحًّا مُطَاعًا وإِعِجْاَبَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" (١) هل ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر؟
فالإجابة: قوله: "عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" لا ينافي الأَمْرَ بالمعروفِ والنهيَ عن
стр. 527
المنكرِ لِأَنَّهُ مِن خاصَّتِك، لكِن المَعْنى دَعْهُمْ، أي لا تَهْتَمّ بهم بحيثُ يَشغلونك عما يجبُ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاس يهتم بهَذَا الأَمْر حَتَّى إنَّهُ ينشغل بالنَّاسِ عن نفسه، فتجده حالَ صلاتِه يشعرُ أَنَّهُ يأمرُ فلانًا ويتصوَّر أَنَّهُ واقفٌ عند دكّانٍ ويقول له: صَلِّ، فهَذَا الَّذِي يُنهى عنه.
وأيضا قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، بعض النَّاس يفهم من هَذِهِ الآية أن الْإِنْسَان إذا أصلحَ نفسه لَيْسَ عليه من إصلاحِ غيرِه، لكِن نَقُول: إن إصلاح غيرك لا يتمَ إِلَّا بإصلاحِ نفسِكَ، فأنت مأمورٌ بالأَمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، لكِن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرُّك بَعْد أن تقومَ بما يَجِب عليك من الدَّعْوَةِ والأَمْرِ.
لكِن يجوز مراعاة النَّاس بمعنى تدريجِ النَّاسِ حَتَّى يَسْلُكُوا الصراطَ الصَّحيحَ، فمراعاة الحال يعني بالتدريج لا بأس به، ولهَذَا الَّذِي نرى أن الدعاءَ إِلَى الله بالحِكْمَة يتناولُ هَذَا الأَمْرَ، وهو: نقل النَّاس إِلَى الإِسْلام مرحلةً مرحلةً، وإن كَانَ بعضُ النَّاس يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا فِي أول الدَّعْوَة. صحيح أن الإِسْلامَ تطوّر؛ جاءت الصَّلَاة ثُمَّ الزكاة ثُمَّ الصِّيَام ثُمَّ الحج، وحُرِّمَ الخمرُ عَلَى عدَّة وجوهٍ، فالصِّيَام أوجب عَلَى عدّة وجوه، لكِن نَقُول: كما أن هَذَا فِي أوَّل الدَّعْوَة هُوَ أيضًا فِي آخرها، وبَعْثُ معاذٍ كان فِي سنةِ عشرٍ منَ الهجرةِ، ومع ذلك يقولُ: "ادْعُهُمْ أَوَّلًا إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ" (١)، فالرَّسُول رتَّب هَذَا، ما قَالَ: ادْعُهُمْ إليها جميعًا.
стр. 528
فمثلًا لو رَأَيْنا إِنْسَانًا مُنهمِكًا بفعلِ معصيةٍ، وعرفنا أنّنا لو قُلْنَا له: أَقْلِعْ عنها نِهائيًّا، أَنَّهُ لا يتمكَّن، أو أن ينفِر؛ فلا بأس أن نَنْقُلَهُ عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لِأَنَّ هَذَا كمعالجةِ المرضِ، فالمرض لا يُمْكِنُ أنْ تعالجَه مرَّةً واحدةً، فلَا بُدَّ من تَنَقُّل من شيءٍ إِلَي شيءٍ، حَتَّى يَتَمَّ استئصالُ هَذَا المرضِ.
فهَذهِ المسألةُ تعودُ إِلَى حالِ النَّاسِ، وَلَيْسَ معناهُ الاستسلام لحالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ معنى الاستسلامِ الَّذِي أنكرته قبلُ هُوَ أنْ الْإِنْسَان يَدَعُ النَّاسَ ولا يعارضهم بالحقِّ، أَمَّا هَذَا فلا يدعهم لَكِنَّهُ يُنَقِّلُهم من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ حَتَّى يَسْتَقِيموا. فمثلًا عندما نريدُ أنْ نعملَ عَمَلًا فِي الصَّلَاة لَيْسَ من عادةِ النَّاسِ، فإنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أن نُمَهِّدَ له بالقَوْلِ أوَّلًا، ثُمَّ إذا عَلم به النَّاسُ واستقرَّ فِي نُفُوسِهِم نَقَلْنَاهم بعدَ ذلكَ إِلَى الفِعْل، وهَكَذَا أيضًا غير هَذِهِ المسألةِ.
المهمّ أنّ تلاوةَ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ المُعْرِضِين ممَّا أُمِرَ به الرَّسُولُ ﵊ وأُمِرَتْ به الأمَّة كلُّها أيضًا، وتكون التلاوةُ هنا لفظًا واتِّباعًا، ولكِن الشأن كله فِي أنْ لا نتخاذلَ أمامَ الأَمْرِ الواقعِ؛ بل يَجِب علينا أن نكونَ عَلَى وجهٍ أقوى وأشدَّ.
مسألة: ما القَوْل في نقلِ الْإِنْسَانِ من معصيةٍ إِلَى معصيةٍ أُخرى أخفَّ منها؟
الجواب: لا يجوزُ إذا كانتْ منَ الجنسِ، فلو فَرَضْنا أن إِنْسَانًا مُبْتَلى بالزِّنا -والعياذُ باللهِ- وقلنا له: يا أخي مالكَ حَقّ، هَذِهِ الشهوةُ الَّتِي عندك تَستطيع أنْ تُخَفِّفَها بالاستمناءِ مَثلًا، فهَذَا منَ الجنسِ، وَلَيْسَ فِيهِ بأسٌ، فالتي من الجنسِ معناها التخفيفُ؛ لأنك لو نَقَلْتَه إِلَى شيءٍ آخرَ فاتجاهُه الأوَّلُ لا يزولُ فِي الغالبِ، لكِن لو أنَّ واحدًا يَسْرِق ونَقُول: يا أخي اتركِ السَّرِقَة واشْرَبْ خمرًا أحسن لكَ، فهَذَا لا يُمْكِن.
стр. 529
فالتدرُّج طريقٌ، وَلَيْسَ معنى ذلك أنِّي إذا نَقَلْتُه من هَذَا إِلَى أخفَّ أنِّي أُبيح له الأخفَّ؛ لَكِنَّهُ تَدَرُّج، فالتدرُّج هنا لَيْسَ معناه ثُبُوت الحكم عَلَى الدرجةِ الَّتِي نزَّلناه إليها؛ ولكِن معناه أننا نَنْقُلَه من الدرجةِ العُظْمَى إِلَى الأخفِّ، ثُمَّ إِلَى تركها بالكُلِّيَّة، وَأَمَّا قوله تَعَالَى فِي الخمرِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنَقُول: طريق الاجتنابِ هَذَا الَّذِي نَقُول.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوةً لفظيَّة تقوم بها الحُجَّة عليكم، وتلاوةً عَمَلِيَّة تَطْبِيقِيَّةً يَتَبَيَّن بها أنَّني لستُ بمُبَالٍ بمَن يُخالِفُني فِي هَذَا الأَمْرِ.
وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هُوَ هذا الَّذِي نَزَلَ عليه ﷺ .
وبعد تلاوةِ الْقُرْآنِ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له]، ولكِن عَلَى تفسيرِ المُفَسِّر يَكُونُ قوله: ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى انقادَ؛ لِأَنَّ ﴿اهْتَدَى﴾ لا يَتَعَدَّى باللامِ؛ بل يَتَعَدَّى بالباءِ: اهتدى به، لكِنَّه ضُمِّن معنى انقادَ، وتَضْمِينُه معنى الانقيادِ لِيَشْمَلَ هدايةَ العلمِ وهدايةَ التَّوفيقِ.
فالذي يَهتدي وينقاد له قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي لِأَجْلِها، فإنَّ ثوابَ اهتدائِهِ لَهُ]، صحيحٌ، فمَنِ اهتدى بهَذَا الْقُرْآنِ وانقادَ له فالمصلحةُ ليستْ للهِ ؛ لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنه، وليستْ لفلانٍ ولا لفلانٍ؛ لِأَنَّ كُلّ نفسبى لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ، إذن فَهِيَ لنفسِهِ. وإن كَانَ يَنتفِع الداعي بذلك أيضًا انتفاعَ الدالِّ، فـ "إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ" (١)، لكِن أصل الثوابِ للفاعلِ، فلا يُقَال مثلًا: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَدْعُو للناسِ لِيَهْتَدُوا فيَكُون له أجرٌ،