← Язык

Язык · id 1539

موت الألفاظ في العربية

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (117 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

موت الألفاظ في العربية للدكتور عبد الرزاق بن فراج الصاعدي أستاذ مساعد - قسم اللغويات كلية اللغة العربية - الجامعة الإسلامية ال مقدمة الحمد لله الحكيم الباعث والمحيي المميت، والصلاة والسلام على صفوة الخلق محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فإن من ألفاظ العربية ما يملك مقومات الحياة والبقاء فيبقى، ومنها ما يفقد تلك المقومات فيموت ويفنى، فاللغة كائن حي١ نام خاضع لناموس التطور والارتقاء، وليس فيها كسب دائم من النمو والتجديد، فكل نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، وهي ((تحاول دائماً أن تصل إلى نوع من التوازن، فهي كما تقترض ألفاظاً من اللغات الأخرى لتسعف حاجات المتكلمين بها نراها تستغني عن ألفاظ أخرى تختفي من الاستعمال)) ٢. ومن الألفاظ ما يعمر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية كقوة المعنى ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفّل الله بحفظها، وما صح من ألفاظ الحديث النبوي الشريف. أما ما دُوْنَ ذلك فإنه معرّض للتبديل والهجر والموت والانقراض، إلا أنّ هذا لا يكون أبدياً؛ فكل لفظ مات واندثر قابل للبعث لتدبّ فيه الحياة من جديد، وتجري به الألسنة بمعناه القديم أو بإلباسه معنى جديداً.

стр. 2

وفي العربية الفصحى ألفاظ هجرت في الاستعمال لأسباب عديدة فماتت، كالمِرْباع، والنَّشيطة، والفُضُول، والحُلْوَان، والصَّرورة من الأسماء١، وجَعْتَبَ، وحَنْجَدَ، وخَنَدَ، وحَبَّ، وكَهَفَ، وعَذَطَ، من الأفعال٢. وهذه مع غيرها ألفاظ أميتت في العربية منذ وقت مبكر، وقد صادفها علماء العربية عند تدوين اللغة في عصور الاحتجاج مماتة ساقطة من الاستعمال، فوردت عنهم إشارات لها متفرقة في مصادر اللغة المتنوعة؛ تدل على موتها؛ فأردت أن أجمع ما تفرق مما أميت من ألفاظ العربية زمن الفصاحة وأدرسه، أما ما هجر بعد عصور الاحتجاج منذ نهاية القرن الرابع إلى عصرنا هذا فليس مما أهدف إليه في هذا البحث، وهو كثير، ولا اعتداد بهجره من الاستعمال، ولا يعدّ من الممات في العربية، وإنما تركه المولدون لابتعادهم عن منابع اللغة وضعف سلائقهم ولما استجد من أمور الحضارة، و ((لو ذهبنا إلى المعارضة بين ألفاظ الحياة العربية الأولى وما اختصت به من المعاني وبين هذه الحياة الحضرية ومستحدثاتها، لرأينا قسماً كبيراً من اللغة يتنزل منها منزلة البقايا الأثرية)) ٣ مما يعد من فضول الحاجات كأسماء الإبل وصفاتها وأسماء الحشرات وأدوات البداوة، وأسماء النبات، وما جاءت به اللغات المتعددة، وهو كثير مستفيض، وليس هو من الممات، وإن تركه المعاصرون. وقد حافظ علماء اللغة على الممات القديم ودونوه في معجماتهم، ولعل من أبرز العوامل التي أدت إلى اشتمال العربية على هذا الثراء اللفظي أن الممات من ألفاظها كتب له البقاء، بتدوينه، وكأن احتفاظهم به إرهاص لإحيائه٤.

стр. 3

إلا أن التدوين بعامة لم يشمل اللغة كلها لسعتها، وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقول: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير"١. ويقول: "قد ذهب من كلامهم شيء كثير"٢. وقال ابن فارس: "ذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل. قال: ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاء شعر كثير وكلام كثير. وأحر بهذا القول أن يكون صحيحاً"٣. ولهذا وجب الحذر في الأحكام بموت الألفاظ، والتسليم بأن الإلمام بكل الممات في اللغة غاية لا يمكن الوصول إليها، فثمة ما أميت قديماً من العربية القديمة؛ كالثمودية والصفوية واللحيانية من العربية الشمالية، والسبئية والمعينية والقتبانية والحميرية، من العربية الجنوبية، وهي مما يسمى ((العربية البائدة)) أو عربية النقوش التي بادت قبل الإسلام بما فيها من ألفاظ وظواهر لا نكاد نعرف منها إلا القليل. وللمات في اللغة وجهان رئيسان: الأول: موت الألفاظ، وهو موضوع هذا البحث. الثاني: موت المعاني، أي أن يموت المعنى ويبقى اللفظ لتطوّر دلالته وانتقالها إلى معنى آخر، كالألفاظ الإسلامية التي تركت معانيها القديمة مثل: الصلاة، والزكاة، والصّوم، والكفر، وما أشبه هذا، وهو كثير، ولا يدخل في هذا البحث.

стр. 4

وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع ((موت الألفاظ في العربية)) أمور، من أهمها: ١- أهمّيّة البحث في الممات، لكونه أحد الظّواهر اللّغويّة الّتي تحتاج إلى درس، يفصّل فيها ويكشف عن مخبوئها ويبحث في أسبابها. ٢- دور الممات في نموّ اللّغة وإثرائها عن طريق إحيائه واستعماله، كما سيأتي بيانه في الباب الأخير من هذا البحث. ٣- دوره في وصل الحلقات المفقودة في التطوّر اللّغويّ والكشف عن تاريخ العربيّة، وإسهامه في التّعرف على أحوال العرب الغابرين، وتفهّم شؤون حياتهم الاجتماعية، فهو لا يقلّ في قيمته العلميّة عن القطع الأثريّة الّتي يُعنى بها علماء الحفريّات والآثار. ٤- جِدّة الموضوع، وطرافته، إذ لم يكتب فيه - فيما أعلم - بحث مستقلّ يجمع شتاته ويبسط القول فيه، ويبين أسبابه، ودوره في نمو اللغة، فليس في تراثنا اللّغويّ قديمه وحديثه شيء منه سوى إشارات وأقوال متناثرة في بعض الألفاظ المماتة، وعلى رأس هؤلاء: الخليل في ((العين)) وسيبويه في ((الكتاب)) وابن دريد في ((الجمهرة)) والسّيوطي في ((المزهر)) . أو مباحث قصيرة عارضة في مؤلّفات بعض المعاصرين؛ كالّرافعي في ((تاريخ آداب العرب)) ١. وأنستاس الكرملي في ((نشوء اللّغة ونموّها واكتهالها)) ٢. والدكتور حلمي خليل في كتابه ((المولّد في العربية)) ٣ وقد استلّ ماكتبه

стр. 5

في كتابه هذا فنشره في ((المجلة العربية)) ١ بعنوان: ((انقراض الكلمات)) ((وهو عنوان مطابق لفصل قصير كتبه ستيفن أولمان في كتابه: ((دور الكلمة في اللغة)) ٢ إلا أن ما كتبه ((أولمان)) لا يخصّ لغة بعينها، فهو يبحث في علم اللغة العام، مع تركيز على اللغات الأوربية، كالإنجليزية والفرنسية. وللأستاذ شفيق جبري محاضرة بعنوان ((حياة الألفاظ)) أشار فيها إلى شيء من الممات والمهجور، ومسهما مساً خفيفاً، ونشرت محاضرته في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق٣. وللشيخ عبد القادر المغربي مقالة وجيزة بعنوان ((توهم الميت حياً)) نشرها في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق٤ ناقش فيها أربع كلمات مناقشة صرفية موجهاً ما جاء فيها من شذوذ صرفي في الجمع أو اشتقاق اسم المفعول توجيهاً يستند على قاعدة سماها: توهم الميت حياً. وقد اقتضت طبيعة الموضوع أن يأتي هذا البحث في أربعة أبواب يسبقها تمهيد ويتلوها خاتمة، وفق الخطة التالية: المقدمة التمهيد: مصطلحات الممات. الباب الأول: الممات من الأسماء الفصل الأول: الممات من أسماء الأيام. الفصل الثاني: الممات من أسماء الشهور.

стр. 6

الفصل الثالث: الممات من أسماء متفرقة. الفصل الرابع: أسماء أميت مفردها. الفصل الخامس: أسماء مصغرة أميت مكبرها. الباب الثاني: الممات من الأفعال. الفصل الأول: أفعال أميتت صيغها وتصريفاتها. الفصل الثاني: أفعال اختلف في موتها. الفصل الثالث: أفعال أميت المجرد منها دون المزيد. الفصل الرابع: أفعال أميتت بعض تصريفاتها. الفصل الخامس: أفعال مبنية للمجهول أميت المبني للمعلوم منها. الباب الثالث: أسباب إماتة الألفاظ الفصل الأول: العامل الصوتي. الفصل الثاني: العامل الدلالي. الباب الرابع: إحياء الممات. الفصل الأول: الحاجة إلى إحياء الممات. الفصل الثاني: موقف العلماء من إحياء الممات. الفصل الثالث: دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات. الخاتمة. فهرس الألفاظ. فهرس المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات.

стр. 7

ولقد شغلني هذا البحث زمناً، وكان حاضراً في ذهني وأنا أكتب بحث الدكتواره، فجمعت مادّته على مُكثٍ طويل، ولا أزعم بلوغ الغاية فيه، ولكني أرجو المقاربة والسّداد، ولا أبرّئ نفسي من التقصير وسوء الفهم والعثرة والزّلّة، والمأمول مِمّن ينظر فيه أن يصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصر عنه الفهم، فالإنسان محل النسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 8

التمهيد مصطلحات الممات لظاهرة موت الألفاظ في اللّغة مصطلحات متعدّدة عند اللّغويين القدامى، كـ ((الممات)) و ((المتروك)) و ((العُقميّ)) و ((الاستغناء)) ، وهي مترادفة في مدلولاتها. وأضاف اللغويون المعاصرون مصطلحات أخرى منها: ((المنقرض)) ، و ((البقايا الأثريّة)) و ((الكلمات التاريخيّة)) . وثمّة مصطلحات قديمة ليست بعيدة في مفهومها عن الممات، أو هي تدلّ على ألفاظ في طريقها إلى الانقراض، وهي على درجات متفاوتة في الفصاحة؛ كـ ((الضّعيف)) و ((المنكر)) و ((الحوشي)) و ((النّادر)) و ((الشّارد)) و ((الغريب)) و ((المذموم)) و ((المرغوب عنه)) من اللغات، و ((الرّديء)) و ((القبيح)) و ((الخبيث)) . فمن مصطلحات الممات: ١- الممات: وهو ما كان مستعملاً من ألفاظ اللّغة، ثمّ أميت بالهجر، أو التطوّر اللّغويّ، أو النّهي عن استعماله، فاستغنت عنه اللّغة تماماً، كأسماء الأيّام والشّهور القديمة، وبعض الألفاظ الجاهليّة الّتي زالت لزوال معانيها أو لنهي الإسلام عن استعمالها. ومن أقدم من ذكر هذا المصطلح بهذا المعنى الخليل في مواضع متعدّدة من ((العين)) ومنها قوله: "عندأوة: فعللوة، والأصل أميت فعله"١.

стр. 9

وروي عن الكسائي قوله: "محبوب: من حببت، وكأنها لغة قد ماتت"١. ٢- المتروك: وهو ما ترك واستغنت عنه اللّغة تماماً فمات وحلّت محله ألفاظ أخرى جديدة٢ كأسماء الأيام والشّهور في الجاهليّة، فالمتروك مصطلح مرادف للممات ويعرّفه السّيوطي بقوله: إنه "ما كان قديماً من اللّغات ثمّ ترك واستعمل غيره"٣. قال ابن دريد: "وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: مضَّني: كلام قديم قد ترك، كأنه أراد أن أمضّني هو المستعمل"٤ ٣- العُقميّ: العقمي هو ما درس من الكلام، أو الغريب الّذي لا يكاد يُعرف، قال ابن سيده: "كلام عُقميّ: قديم قد درس؛ عن ثعلب. وسَمِعَ رجلٌ رجلاً يتكلّم، فقال: هذا عقميّ الكلام: أي قديم الكلام"٥. وقال الأزهري: "وقال ابن شُميل: إنه لعالم بعقميّ الكلام وعُقبي الكلام، وهو غامض الكلام الذي لا يعرفه الناس، وهو مثل النوادر". وقال أبو عمرو: "سألت رجلاً من هُذيل عن حرف غريب، فقال: هذا كلام عُقْمِيّ، يعني أنه من كلام الجاهلية، لا يعرف اليوم"٦.

стр. 10

٤- الاستغناء: وهو أن يستغني بكلمة عن أخرى مماتة، وقد أكثر سيبويه من استعماله، فمنه قوله: إن العرب استغنت بتركْتُ عن وَدَعْتُ١، وباشتدّ عن شَدُد٢ وباحمارّ عن حَمِرَ٣، وباستنوك عن نَوِك٤. ٥- الانقراض: هو أن تهجر الكلمة فتزول من الاستعمال وتندثر، كأسماء الأيام والشهور في الجاهلية، وهذا من اصطلاحات المعاصرين٥. ٦- البقايا الأثريّة: وهذا من مصطلحات الرّافعي٦، وهو يريد بالبقايا الأثريّة ما أراده علماء اللغة أنفسهم بمصطلحات المتروك والممات والمنكر، ومثّل له بما مثلوا له في هذه المصطلحات الثّلاثة. ٧- الكلمات التّاريخية: وهي الكلمات الّتي تزول من الاستعمال لزوال مدلولاتها واندثارها، وذكر هذا المصطلح اللغويّ الفرنسي ((درمستيتر)) (Darmesteter) في قوله: ((إنّ الكلمات الّتي تخرج من الاستعمال مع الأشياء التي نعبّر عنها تندثر لأسباب تاريخيّة، ويمكن أن

стр. 11

نسميها بالكلمات التاريخية)) ١، ومثّل لها بالأسلحة، والمعدات، والعملات، والقوانين، والأحداث الاجتماعية، التي سادت في عصر ثم زالت لزوال تلك المدلولات. ٨- المهمل: هذا من المصطلحات التي قد تلتبس بالممات، وليس هو مما يرادف الممات في دلالته، والفرق بينهما كبير، فالمهمل من الألفاظ هو ما لم يستعمل في الأصل اللغوي مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول اللغوية المتصوّرة أو المستعملة، وأكثره مهمل للاستثقال٢ لتقارب حروفه نحو: سص وظث وثظ، ومقلوبات ((خرع)) و ((هكع)) و ((خشع)) و ((خضع)) وهو كثير في الثلاثي، وأكثر في الرباعي، وكثير جداً في الخماسيّ؛ إذ تأتلف من الخماسيّ نحو ((سفرجل)) عشرون ومائة أصل يحتملها التقليب أهملت جميعاً سوى سفرجل، وكذلك في ((فرزدق)) و ((جحمرش)) فالمهمل في العربية أكثر من المستعمل، ومع ذلك فالمستعمل كثير، وهذا يدل على الطاقة الكبيرة للعربية. أمّا الممات فهو ما كان مستعملاً من ألفاظ اللّغة ثمّ أميت لعلّةٍ، كما تقدّم ذكره. ومن المصطلحات الّتي تلحق بالممات أو تدلّ على ألفاظ في طريقها إلى الانقراض، أو ممّا يتّصل بفصاحة اللّفظ. ١- الضّعيف: وهو ((ما انحطّ عن درجة الفصيح)) ٣ كقولهم للضّفدع: خُنْدَع،

стр. 12

ولغلاف القارورة أو غطاء الرأس: برصوم، وللقصير: بُعْقُوط، وللبعوض: الطَّيْثَار، وللرِّخْو: بَخْو١. ٢- المنكر: وهو أقلّ درجة من الضعيف؛ بحيث أنكره بعض أئمة اللّغة، ولم يعرفه، كقولهم: بَلَقُ الدّابّة؛ وهو سواد وبياض٢. ٣- الغريب والحوشي والنّادر والشّارد: وهي مصطلحات متقاربة، وكلّها خلاف الفصيح. وتندرج تحت الغريب الّذي لا يكاد يعرف من الألفاظ. فالحوشيّ من الكلام: ما نفر عن السّمع، كأنّه منسوب إلى الحُوش؛ وهي بقايا إبل وَبَار٣ بأرض قد غلبت عليها الجنّ، كما يزعمون٤. ويحمل النّادر والشّارد على ما في الغريب والحوشيّ من معنى، وهي الألفاظ القليلة الاستعمال الّتي توشك أن تهجر فتموت. ومن ذلك: البَرْت: الرّجل الدليل، والحَرْش: الأثر، والعَيْقَة: ساحل البحر، والوَبيل: الحُزْمة من الحطب٥.

стр. 13

٤- الرّديء والمذموم والقبيح والخبيث والمرغوب عنه: كلّ ذلك من اللّغات، وهو أقبحها وأنزلها درجة١؛ كالكشكة، والعنعنة، والفحفحة، والاستنطاء. ومنه في الألفاظ: الطَّعْسَفَةُ، قال ابن دريد: "وهي لغة مرغوب عنها؛ مرّ يطعسف في الأرض، إذا مرّ يخبطها"٢. ومنه قولهم: غَلَقْتُ الباب غلقاً، وهي لغة رديئة متروكة٣. وثحجه برجله ثحجاً: ضربه بها، مهريّة مرغوب عنها٤. ويقال: الفِصّ بالكسر - لغة في الفصّ، وهي أردأ اللّغتين٥. ويقال: مِنتن - بالكسر - وهي رَديئة خبيثة٦.

стр. 14

الباب الأول: الممات من الأسماء مدخل ... مدخل ثمة أسماء أُميتت في العربية الفصحى، وترك العرب استعمالها بعد أن كانت في لغتهم، فانقرضت وزالت، كأسماء الأيام والشّهور في الجاهلية، وما تركه العرب من ألفاظ خاصّة زالت بزوال معانيها، والمكبّر الّذي أميت ودلّ عليه مصغّره، وهو المصغّر الّذي لا واحد له، والمفرد الّذي أميت ودلّ عليه مثناه أو جمعه، وهما المثنّى الّذي لا واحد له والجمع الّذي لا واحد له من لفظه، وغير ذلك ممّا نصّ العلماء على أنه من الممات أو المتروك في اللغة، أو أشاروا إليه بطرف خفي. وأكثر هذه الأسماء أميت لفظاً، وأميت المعنى في بعضها القليل وبقي اللفظ مستعملاً في أشياء أخرى، مثل ((أول)) اسم يوم الأحد، و ((مؤنس)) اسم يوم الخميس في الجاهلية، وقد أُميتا ولكن اللفظ بقي في دلالات أخر، وقد ذكرت هذه الألفاظ القليلة لاتّصالها بأخواتها ممّا أميت اللّفظ فيها. والممات من الأسماء على النّحو التّالي:

стр. 15

الفصل الأول الممات من أسماء الأيام كانت الأيام في الجاهلية على النّحو التّالي: الأحد: أول. الاثنين: أَهْوَن وأَوْهَد، وقالوا: هذا يوم الثُّنَى - أيضاً. الثلاثاء: جُبار الأربعاء: دُبار أو دِبار الخميس: مؤنس. الجمعة: العروبة، وحَرْبَة - أيضاً. السبت: شِيار. ثم أميتت هذه الألفاظ واستخدمت مكانها الأيام المعروفة: السبت والأحد.... ألخ. وقد جمعها شاعر جاهليّ، فقال١: أُؤَمّل أن أَعِيشَ وإنَّ يَوْمِي ... بأوّلَ أو باهونَ أو جُبارِ أَوِ التَّالِي دُبارَ٢، فإن أَفُتْهُ ... فمؤنِسَ٣ أو عَرُوبةَ أو شِيارِ هِيَ الأَيَّامُ دُنيانا عَلَيها ... ممَرُّ اللَّيلِ دَأباً والنَّهارِ

стр. 16

أمّا معاني ذلك، فإنهم قالوا للأحد ((أوّل)) لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام، وقالوا للاثنين: ((أَهْوَن)) و ((أَوْهَد)) فأهون من الهَوْن وهو السّكون، ومنه قوله تعالى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوناً﴾ ١ ويدلّ ((أَوْهَدُ)) على هذا المعنى؛ لأن الوَهْدَة الانخفاض، كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العدد. وقالوا للثلاثاء: ((جُبار)) ؛ لأن العدد جُبِرَ به، وقوي إذ حصل به فرد وزوج٢، وقيل: هو من الأَرْش: ما يُهْدر، والأَرْش: الدية٣. وقالوا للأربعاء ((دُبار)) لأنه عندهم آخر العدد، وبه يتمّ العقد الأول، ودبر كلّ شيء مؤخره. أمّا الخميس والجمعة فسمّيت بأشياء تصنع فيها، فاستغنوا بها عن عددها، فقالوا للخميس ((مؤنس)) لأنّه يؤنس به لقربه من الجمعة التي يتأهّبون فيها للاجتماع. وقالوا للجمعة ((عروبة)) لبيانها عن سائر الأيّام، والإعراب في اللغة: الإبانة والإفصاح. وقيل: من العَرُوبة، وهي المتحبّبة إلى زوجها أو لأن كلمتهم اجتمعت، وبان لهم من الرأي ما كان خافياً؛ فتعربوا واتّفقوا. وتسمّى الجمعة ((حَرْبة)) أيضاً، لبياضها ونورها وتعظيمها؛ فهي في الأيام كالحَرْبة. وقالوا للسبت ((شِيار)) من قولهم: شُرت الشّيء إذا أظهرته وبيّنته٤. والعَروبة بالألف واللام، وربّما لم تدخل عليها، قال القطاميّ:

стр. 17

نَفْسِي الفِدَاءُ لأَقْوَامٍ هُمُ خَلَطُوا ... يَوْمَ العَرُوبَةِ أَوْراداً بأَوْرَادِ١ فأدخل الألف واللام، وقال ابن مقبل: وإذا رَأى الرُّوَّادَ ظَلَّ بأَسْقفٍ ... يَوْماً كَيَومِ عَرُوبةَ المُتَطَاوِلِ٢

стр. 18

الفصل الثاني الممات من أسماء الشهور كانت أسماء الشّهور في الجاهليّة على النحو التّالي١: المؤتمر: المحرم. ناجر: صفر. خَوّان أو خُوّان: ربيع الأوّل. وُبْصَان أو وَبْصَان: ربيع الآخر. الحَنين: جمادى الأولى. رُنّى٢، ويقال: رُبّى - بالباء: جمادى الآخرة.

стр. 19

الأَصَمّ: رجب. عاذِل: شعبان. ناتق: رمضان. وَعِل١ شوّال. وَرْنَة، وقيل: هُوَاع٢ ذو القعدة. بُرَك: ذو الحجة. وثمّة من خالف جمهور العلماء في أسماء هذه الشهور، فقد ذكر البيروني أنها كما يلي: المؤتمر وناجر وخوّان وصُوان وحنتم وزَبّاء والأصمّ وعادل ونافق وواغِل وهُوَاع وبُرَك٣ ونظمها الصاحب بن عبّاد في قوله٤: أَرَدْتَ شُهُورَ العُرْبِ في الجَاهِلِيَّةِ ... فَخُذْهَا عَلَى سَرْدِ المُحَرّم تشتَرِكْ فمؤتمرٌ يأتي ومِن بَعْدُ ناجرٌ ... وخَوَّانُ مع صُوَان يُجْمَعُ في شَرَكْ حَنينٌ وزَبّا والأصَمُّ وعادل ... ونافِق مَعْ وَغْلٍ وَرَنَّةُ مَعْ بُرَكْ والموازنة بين بعض هذه الأسماء، وما يقابلها في الروايتين ترجح أن ثمّة تصحيفاً أو تحريفاً في بعض أسمائها، قارن مثلاً بين وبصان وصوّان، والحنين وحنتم، ورنّى وربّى وزباء، وعاذل وعادل، وناتق ونافق، ووَعِل وواغل.

стр. 20

والتصحيف في أسماء هذه الشهور غير غريب، لإماتة هذه الألفاظ وتركها في الاستعمال مع قدمها، وقد تكون لغات لبعض القبائل. وخالف المسعودي - أيضاً - في بعض أسمائها، فهي عنده: ناتِق وثَقِيل وطَلِيق ونَاجِر وأَسْلَخ وأَمْيَح وأَحْلَك وكُسَع وزَاهِر وبُرَك وحُرَف ونُعَس، وهو ذو الحجة١. واشتقاق هذه الشهور المماتة - وفق ما ورد في الروايات المشهورة في أسمائها - على النحو التالي٢: ((المؤتمر)) (المحرم) من أحد ثلاثة؛ أحدها أنّه يؤتمر فيه الحرب والثاني أن يكون من أَمَرَ القومُ إذا كثروا؛ فكأنّهم لما حُرِموا القتال فيه زادوا وكثروا. والثّالث: أن يأتمر بكلّ شيء ممّا تأتي به السّنة من أقضيتها. وأمّا ((ناجر)) (صفر) فهو من النجر، وهو شدة الحرّ، أو لأنّ الإبل تَنْجَرُ فيه، أي: يشتدّ عطشها حتّى تيبس جُلودها. أمّا ((خوان)) (ربيع الأول) فهو من الخَون وهو النّقص؛ لأن الحرب يكثر ويشتدّ فيه فيتخوّنهم أي يتنقّصهم، وقد يكون من الخيانة. أمّا ((وُبصان)) أو ((وَبصان)) (ربيع الأول) فهو من الوبيص أي البريق، ومن قال: بُصان فهو من البصيص. واشتقاق ((الحنين)) (جمادي الأولى) من حنين الناس إلى أوطانهم؛ لأن النّاس يحنّون فيه إلى أوطانهم - كما يقول المرزوقي٣. و ((رُنّى)) (جمادي الآخرة) : (فعلى) من الشّدّة في كل شيء، قيل: يوم أَرْوَنانٌ: شديد في كل شيء ووزنه (أفوعال) من الرّنين فيما ذهب إليه ابن

стр. 21

الأعرابي، وهو عند بعضهم (أفعلان) من قولك: كشف الله عنك رونة هذا الأمر، أي غمّته وشدّته١. وأنكر بعضهم النّون - كما تقدم - وقال هو: رُبّى - بالباء، مأخوذ من الشّاة الرُّبَّى، وهي الحديثة النِّتاج؛ لأن فيه يعلم ما نتجت حروبهم إذا انجلت عنه، قال الشاعر: أتيتك في الحَنِين فقلت: رُبَّى ... وماذا بين رُبّى والحَنِينِ ٢ وقد يقال في ((رُنّى)) : ((رُنَّة)) بحذف الألف وتخفيف النّون، قال ابن منظور: "رُونة، وهي محذوفة العين، ورُونة الشيء: غايته في حَرٍّ أو بردٍ أو غيره، فسمّي به جمادى لشدّة برده، ويقال: إنهم حين سمّوا الشّهور وافق هذا الشَّهر شدّة البرد فسُمّوه بذلك"٣. وسُمِّيَ رجب: ((الأصمّ)) لتركهم الحرب فيه حتى لا تسمع صلصلة حديد. وسُمّيَ شَعبان: ((عاذلاً)) كأنّه كان يعذلهم على الإقامة، وقد حلّت الحرب والغارات. وقيل: ((عاذل)) اسم شهر شوال، أمّا شعبان فاسمه وَعِل، أي: أنّهم عكسوا٤، وأكثرهم على ما ذكرت، أي أن عاذلاً هو شعبان ووَعِلاً شوال٥.

стр. 22

وفي نَاتِقٍ كانَ اصْطِلامُ سَرَاتِهم ... لَيَالِيَ أَفْنَى القَرْحُ جُلَّ إِيَادِ نَفَوا إخْوَةً ما مِثْلَهُم كَانَ إِخْوَةٌ ... لِحَيٍّ وَلَمْ يَسْتَوْحِشُوا لِفَسَادِ وسُمِّيَ شوَال ((وَعِلاً)) لأن الغارة كانت تكثر فيه فيلتجي كلُّ قوم إلى ما يُتَحَصّنُ به، والتَوَعّل: التَّوقّل وهو العلو والاحتراز، ومنه اشتقّ الوعل والمستوعل من الحمير المتحرزة. وسُمّي ذو القعدة: ((وَرْنَة)) للتَّنَعُّم فيه، قال ابن الأعرابي: "التَّوَرُّن: كثرة التّدهّن والنّعيم"٢. أمّا ((هُوَاع)) - وهو الاسم الآخر الّذي روي لشهر ذي القعدة - فقد قيل له ذلك "لأنه كان يهوع الناس، أي: يخرجهم من أماكنهم إلى الحج، ويقال: هاع فلان يهوع هوعاً إذا قاء وتهوّع وما يخرج من حلقه هُواعة"٣. أمّا ((بُرَكُ)) وهو شهر الحج، فهو معدول عن ((بارك)) وكأنّه الوقت الذي تبرك فيه الإبل للموسم، وقد يكون مشتقاً من البَرَكة، لأنّه وقت الحجّ، فالبركات تكثر فيه، وأصل البَرَكة من الثَّبات، كأنه من قولهم: بَرَكَ البَعِير، أو هو من مبرك البَعير الّذي يثبت فيه. وقد سمّت العرب أشهرها بالأسماء المعروفة المحرّم وصفر ... إلخ، واشتقوا أسماءها من أمور اتّفق وقوعها عند تسميتها، والمتأمل لاشتقاق أسماء شهور

стр. 23

الجاهلية أوّلاً ثمّ اشتقاقها ثانياً يتبين له أنّ بين التسميتين زماناً طويلاً، لاختلاف المدلول الزمني بين التسمتين لكل شهر.

стр. 24

الفصل الثالث الممات من أسماء متفرقة ترك العرب مما كان مستعملاً في الجاهلية ألفاظاً كثيرة أماتوها بعد أن زالت معانيها، فمن ذلك١: ١- المِرباع: وهو ربع الغنيمة يكون لرئيس القوم في الجاهليّة دون أصحابه وصار في الإسلام الخمس على ما فرضه الله تعالى. ٢- النَّشِيطة: وهي من الغنيمة ما أصاب الرئيس لنفسه، مثل السّيف والفرس والجارية، قبل أن يصير إلى بيضة القوم. ٣- الصَّفايا: جمع صَفِيّ، وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه، مثل السّيف والفرس والجارية، قبل القسمة مع الربع الذي له، وبقي الصّفيّ حيناً في الإسلام، وقد خصّ بذلك النبيّ ﷺ ، فقد اصطفى ﷺ سيف منبّه بن الحجّاج المسمّى ذو الفِقار، يوم بدر، وغير ذلك، قال ابن فارس: "وزال اسم الصّفيّ لمّا توفّي رسول الله ﷺ "٢. ٤- الفُضُول، وهو ما فضل من القسمة مما لا تصحّ قسمته على عدد الغزاة كالبعير والسكين ونحوهما، قال عبد الله بن عَنَمَة الضّبّي حليف بني شيبان

стр. 25

في رثاء بسطام بن قيس: لَكَ المِرْبَاعُ مِنها والصَّفَايا ... وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ١ ٥- إتاوة، وهو الخراج أو الرّشوة، نص ابن فارس على أنه ممّا ترك من ألفاظ الجاهليّة٢، وربّما أحيي هذا اللّفظ فيما بعد. ٦- المَكْسُ، وهو الجباية، دراهم كانت تؤخذ من بائع السِّلع في الأسواق الجاهليّة، وهو ما يأخذه العشّار من ضريبة، ولهذا يقال للعشّار: ماكِس. قال جابر بن حُنَيّ٣: وفِي كُلِّ أَسْوَاقِ العِراقِ إِتَاوَةٌ ... وفِي كلّ مَا بَاعَ امْرِوٌ مَكْسُ دِرْهَمِ٤ ٧- الحُلوان: الرشوة، ومنه أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه، وهذا عار عند العرب، قالت امرأة في مدح زوجها: لا يَأخُذُ الحُلْوانَ مِن بَنَاتِنَا ٥ ٨- صَرُورة: رَوَى أبو عبيد في غريب الحديث: "لا صرورة في الإسلام"٦ وهو في الحديث: "التَّبتّل وترك النكاح؛ أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمن، وهو فعل الرُّهبان"٧.

стр. 26

وروي عن ابن مسعود: أنه قال: "لا يقولنّ أحدكم: إني صرورة، فإن المسلم ليس بصرورة"١. قال ابن دريد: "الأصل في الصّرورة أنّ الرجل في الجاهلية كان إذا أحدث حدثا ولجأ إلى الكعبة لم يُهَجْ، فكان إذا لقيه وليّ الدم بالحرم قيل له: هو صرورة فلا تَهِجْهُ، فكثر ذلك في كلامهم حتّى جعلوا المتعبّد الّذي يجتنب النّساء وطيّب الطّعام صرورة وصرورياً، وذلك عنى النّابغة الذّبياني بقوله: لَوْ أَنَّهَا عَرَضَتْ لأَشْمَطَ رَاهِبٍ ... عَبَدَ الإِلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ أي: متقبّض عن النّساء والتّنعم"٢. ومن هذا سمّيَ من لم يَحُجّ: صرورة أو صرورياً، فترك تسميتة بذلك، وأميت لفظه٣. ٩- النّوافج؛ وهي الإبل التي تساق في الصّداق، فتكثر بها إبل الرجل وتعظُم، وكانت العرب تقول في الجاهلية للرجل إذا ولدت له بنت: هنيئاً لك النّافجة، أي المعظّمة لمالك، وذلك أنّه يزوّجها فيأخذ مهرها من الإبل، فيضمّها إلى إبله فينفجها، أي يرفعها ويكثّرها٤. قال شاعرهم وقد كره ذلك: لَيْسَ تِلادِي مِن وِرَاثَةِ وَالِدِي ... ولا شَانَ مَالي مُسْتَفَادُ النَّوافِجِ٥

стр. 27

١٠- غُلامة، وهي مؤنث الغلام، كان يقال للجارية؛ قال أبو عبيدة معمر ابن المثنى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النّحوي حين أنشده شعر الأسديّ: ومِرْكَضَةٍ صَرِيحىّ أَبُوها ... تُهانُ لَهَا الغُلامَةُ والغُلامُ قال: فقلت له: فتقول للجارية: غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك١. ١١- الرَّتِيمة، وهي شيء كان يفعله الجاهليّون، كان الرّجل إذا أراد سفراً عمد إلى شجرتين متقاربتين فعقد غصنين منهما فإذا رجع من سفره نظر إليهما، فإن كان الغصنان بحالهما علم أنه لم يُخَن في أهله، وإن كانا منحلّين ظنّ بأهله ظنّ سوء٢. ١٢- عَدَوْلاة، وهو اسم موضع في البحرين، قال الخليل: "والعَدَوْلِيّة: ضرب من السفن، نُسب إلى موضع يقال له: عدولاة، أميت اسمه"٣ أي أميت لفظ ((عَدَوْلاة)) . والّذي في كتب البلدان أنّ اسم القرية ((عَدَولَى)) ٤ قال البكريّ: "عَدَوْلَى: قرية بالبحرين، والعَدَوليُّ من السُّفن منسوب إليها، قال طرفة: عَدَوْلِيّةٌ أو من سَفِين ابن يامِنٍ يَجُوزُ بها المَلاّحُ طَوْراً ويَهْتَدِي٥ وذكره سيبويه فيما جاء من الأسماء على مثال فَعَولَى، وزعم الخليل أنه موضع كانت تنسب إليه السفن، فأميت اسمه"٦.

стр. 28

١٣- الجَدَف، وهو ما لايغطّى من الشراب، ورد في حديث عمر، قال أبو عمرو بن العلاء: "الجَدَف لم أسمعه إلا في هذا الحديث، وما جاء إلا وله أصل، ولكن ذهب من كان يعرفه ويتكلم به كما قد ذهب من كلامهم شيء كثير"١. ١٤- الأرداف، وهم الوزراء في الجاهلية، قال الأزهري: "أرداف الملوك في الجاهلية الذين يخلفونهم في القيام بأمر المملكة، بمنزلة الوزراء في الإسلام"٢. وقال الجوهري: "الرِّدافة: الاسم من إردافِ الملوك في الجاهلية. والردافة: أن يجلس الملك ويجلس الرِّدف عن يمينه، فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، وإذا غزا الملك قعد الردف في موضعه، وكان خليفته على الناس حتى ينصرف، وإذا عادت كتيبة الملك أخذ الردف المرباع. وكانت الرِّدافة في الجاهلية لبني يربوع، لأنه لم يكن في العرب أحد أكثر غارة على ملوك الحيرة من بني يربوع، فصالحوهم على أن جعلوا لهم الرِّدافة، ويكفّوا عن أهل العراق الغارة"٣. فهذه كلمات متفرّقة أميتت في الجاهلية، وهجرت، وربما أحيي بعضها فاستعمل مرة أخرى في معناه القديم أو بمعنى آخر، وإحياء الممات وارد في اللغة على النحو الذي سيأتي تفصيله في الباب الرابع - إن شاء الله تعالى. ١٥- عُبسُور، وهي السريعة من النوق، وهذه الكلمة مما انفرد به المتقدمون وتركه المتأخرون؛ لاستعمالهم مرادفه. قال ابن فارس: ".. وقد كان

стр. 29

لذلك كله ناس يعرفونه. وكذلك يعلمون معنى ما نستغربه اليوم نحن من قولنا: عُبسُور، في الناقة، وعَيْسَجور، وامرأة ضِناكٌ وفرس أَشَقُّ أمقُّ خِبَقٌ ذهب هذا كله بذهاب أهله"١. ١٦- عَيْسجُور، وهي الناقة الصلبة، وقيل السريعة القوية، ذكر ابن فارس أنه مما ذهب بذهاب أهله - كما تقدم في النص السابق في الفقرة (١٥) . ١٧- ضِناك، في قولهم: امرأة ضِناك، وهي ثقيلة العجز الضخمة، ذكر ابن فارس أنه مما ذهب بذهاب أهله - كما تقدم في الفقرة رقم (١٥) . ١٨- خِبَقٌّ، في قولهم: فرس: أَشَقُّ أَمَقُّ خِبَقٌّ، وناقة كذلك، وهي السريعة، وقيل: خِبقٌّ إتباع، وذكر ابن فارس أنه مما ذهب بذهاب أهله - كما تقدم.

стр. 30

الفصل الرابع أسماء أميت مفردها وهو نوعان: الجمع، والمثنى، وهما على النحو التالي: أ – الجمع: المفرد من الأسماء هو الأصل للجمع، فلكل جمع مفرد مسموع أو مقدّر، قياساً على الكثير الغالب من كلام العرب، وثمّة جموع قليلة لم يوجد من مادّتها مفرد البتة١؛ روى اللحياني عن الأصمعيّ: "أن المطايب والأطايب والمحاسن

стр. 31

والمساوئ والمغازي والمقاليد لا يعرف لها واحد"١ وكذلك نسوة وعبابيد وعباديد ومذاكير. وأغلب الظن أن مفرداتها أميتت فانقرضت٢، وظلّت تلك الجموع دليلاً على مفرداتها، ولا خلاف بين العلماء أن المفرد من تلك الجموع مقدر، وأنه يكون عند التقدير على حسب القياس٣، ولكنه مهجور في الاستعمال لإماتته، اكتفاء - فيما نقدر - بلفظ الجمع، وهو يسمّى عند بعض العلماء ((المفرد التقديري)) أو ((الخيالي)) أو ((غير الحقيقي)) ٤ ولو سمّي المفرد الميت أو الممات أو المتروك لكان صحيحاً. أما المفردات التي لم يسمع لها جموع، نحو المرء والمرأة، والدّبور؛ وهي ريح الصبا؛ فإنه لا يصح أن يقال: إن تلك الجموع مماتة؛ لأن الجمع فرع والمفرد أصل، ووجود الأصل - وهو المفرد - لا يقتضي وجود الفرع وهو الجمع، ويصح معكوس ذلك لفظاً ومعنى؛ أي أن وجود الفرع في الاستعمال يقتضي وجود الأصل في الاستعمال ولو مرة واحدة قبل الإماتة. ومن الجموع الّتي أميتت مفرداتها وزالت من الاستعمال٥: ١- الخَلابيس، وهي الأمور التي لا نظام لها، لم يعرف البصريون لها واحداً، وقال البغداديون: خِلْبِيس - كما يقول ابن دريد٦.

стр. 32

٢- سَمادير العين، وهو ما يراه المُغْمَى عليه من حُلْم، والمفرد ممات. ٣- معاليق، وهو ضرب من التّمر، والمفرد ممات. ٤- عبابيد وعباديد، وهم الفرق من الناس، والخيل الذاهبون في كل وجه، والمفرد ممات. ٥- تَبَاشير الصّباح، وهي أوائلة الّتي تبشربه، وتباشير النخل بواكيره، والتباشير - أيضاً - البشرى، وأميت مفرده. ٦- التَّعَاشِيب في قولهم: أرض مملوءة بالتعاشيب، وقيل: هو أول ما يظهر من العشب، ويكون متفرقاً، وهو مما أميت مفرده. ٧- تضاعيف الشيء، وهو ما ضُعِّف منه، والمفرد ممات، قال ابن سيده: "ليس له واحد، ونظيره في أنه لا واحد له: تباشير الصبح ... وتعاشيب الأرض، لما يظهر من أعشابها أولاً"١. ٨- التعاجيب، وهي العجائب، وتعاجيب الدهر: ما يأتي من عجائبه. أميت المفرد. ٩- التماسي، وهي الدواهي، قال أبو عمرو بن العلاء: "لقيت من فلان التماسي، أي الدواهي، لا يعرف واحده"٢. ١٠- الهزائز، وهي الشدائد، حكاها ثعلب، قال: ولا واحد لها٣. ١١- الزآنب، وهي القوارير، ذكر ابن الأعرابي أنّه لا واحد لها٤، أي أنّ المفرد ممات.

стр. 33

١٢- مطايب اللحم وغيره: خياره وأطيبه، قال ابن منظور نقلاً عن ابن سيده: "ومطايب اللحم وغيره: خياره وأطيبه؛ لا يفرد، ولا واحد له من لفظه، وهو من باب محاسن وملامح؛ وقيل: واحدها مَطَاب ومَطَابة، وقال ابن الأعرابي: هي من مطايب الرطب، وأطايب الجزور. وقال يعقوب: أطعمنا من مطايب الجزور ولا يقال: من أطايب. وحكى السيرافي أنه سأل بعض العرب عن مطايب الجزور، ما واحدها؟ فقال: مَطْيَب، وضحك الأعرابي من نفسه كيف تكلّف لهم ذلك في كلامه"١. ١٣- المحاسن، وهي المواضع الحسنة من البدن، قال ابن سيده: "قال بعضهم: واحدها محسن، وليس هذا بالقوي ولا بذلك المعروف، إنّما المحاسن عند النحويين، وجمهور اللغويين جمع لا واحد له، ولذلك قال سيبويه: إذا نسبت إلي محاسن قلت: محاسنيّ، فلو كان له واحد لردّه إليه في النسب، وإنما يقال: إنّ واحده: حَسَنٌ على المسامحة"٢. ١٤- ملامح الإنسان: ما بدا من محاسن وجهه ومساويه مفرده: ((مَلْمَحَة)) استغنوا عنه بلمحة، فأميت٣. ب – المثَنَّى: من المثنّيات في العربيّة ما أميت واحده، وترك في الاستعمال، وهي قليلة منها٤:

стр. 34

١- اثنان، لا واحد له من لفظه، وقد أميت مفرده فيما نقدّر. ٢- المِذْروان، طرفا الأليتين، ليس لهما واحد، وقيل واحده مِذْري، وفي اللِّسان: ((قيل: المِذروان: أطراف الأليتين، ليس لهما واحد، وهو أجود القولين؛ لأنه لو قال مِذرى لقيل في التثنية مِذْريان بالياء للمجاورة)) ١. ذكره أبو الطيب اللغويّ فيما ليس له مفرد من لفظه٢. ٣- هجاجان؛ يقال هم هجاجيه، أي عن يمينه وشماله، ذكر أبو الطّيّب أنه لا واحد له من لفظه٣. ٤- دَوَاليك، ومعناه مُداولة بعد مُداولة، قال الزّجَاجيّ: ((ولا يفرد له واحد)) ٤.

стр. 35

الفصل الخامس أسماء مصغرة أميت مكبرها من الأسماء ما جرى في العربيّة مصغّراً وأميت مكبّره، مثل: كُعَيت وكُميت، وقد تناوله علماء اللغة في كلامهم في التّصغير١ على وجه من الإيجاز، ومثّلوا له بألفاظ قليلة من أبرزها: ١ - كُعَيت؛ وهو البلبل، وحُكِىَ عن المبرّد أنّه قال: يشبه البلبل ويقاربه، وقد يصغّر الشيء لمقاربة الشيء كقولهم دُوين ذلك وفويقه، ويقولون في جمعه:

стр. 36

كعتان؛ لأنّ تقدير مكبّره الممات أن يكون على كُعَت١. ٢ - جُميل، وهو البلبل - أيضاً - لا يستعمل إلا مصغّراً بعد إماتة مكبّره. ٣ - كُمَيت، لون ليس بأشقر ولا أدهم، بين السّواد والحمرة، قال سيبويه: "سألت الخليل عن كُميت، فقال: هو بمنزلة جُمَيل؛ وإنما هي حمرة مخالطها سواد، ولم يخلص؛ فإنما حقّروها لأنّها بين السّواد والحمرة، ولم يخلص أن يقال له أسود ولا أحمر، وهو منهما قريب، وإنّما هو كقولك: دوين ذلك"٢. ٤ - الثُّريّا، كواكب في السماء، سمّيت بذلك لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها، فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحلّ، لازمت التّصغير٣ بعد إماتة مكبّرها، وهو ((ثَرْوَى)) ٤. ٥ - القَصَيرى، وهي أسفل الأضلاع، وقيل: هي الضِّلع الّتي تلي الشّاكلة، وهي الواهنة، وقيل: هي آخر الضّلوع٥. استغنى بمصغّرها عن مكبّرها الممات. ٦ - ويكثر ذلك في الأعلام، مثل حُنين، موضع بين الطائف ومكّة، وأمّ حُبين؛ دويّبة على خلقة الحرباء، وهُذيل، وقُريظة، وقصيّ، وطُهيّة، وبُثينة٦. وتكاد تنحصر نظرة علماء العربيّة إلى مكبّر هذه الكلمات في أحد أمرين:

стр. 37

الأوّل: أنّ المكبّر لم يستعمل أصلاً، ولم ينطق به، وإنّما نطق بالمصغّر ابتداء، فجرى في الكلام دون غيره ((كأنهم في أصل الوضع فهموا تصغيره، فوضعوا اسمه على التّصغير)) ١ وقد نطقوا بهذه الكلمات مصغّرة؛ لأنها عندهم مستصغرة٢، والصّغر من لوازمها، فوضعوا الألفاظ على التّصغير)) ٣. قال الرّضي: "وقولهم في جُمَيل وكعيت: جِملان وكِعتان؛ كصِردان ونِغْران تكسير لمكبّريهما المقدّرين، وهما الجُمَل والكُعَت، وإنّما قُدّرا على هذا الوزن؛ لأنه أقرب وزن مكبّر من صيغة المصغّر، فلمّا لم يسمع مكبّراهما قُدّرا على أقرب الأوزان من وزن المصغّر"٤. الثّاني أن المكبّر كان مستعملاً ثم أميت وتُرِك٥، واستغنى عنه بالمصغّر، وتنوسي التّصغير فأصبح كالمكبّر. قال سيبويه: "هذا باب ما جرى في الكلام مصغّراً وترك تكبيره؛ لأنه عندهم مستصغر، فاستغنى بتصغيره عن تكبيره"٦ ولا يكادون يلفظون به٧. ومما يقوّي هذا الرأي أنّ المصغّر فرع كالجمع والمثنّى، والمكبّر أصل كالمفرد، والفرع تالٍ والأصل سابق في الوضع، فدلّ هذا على سبق المكبر في الاستعمال.

стр. 38

ويقويه - أيضاً - أن للمصغّر قياساً يتّبع في التّصغير، وهو أن يكون على وزن واحد من الأوزان الثلاثة المعروفة، وهي: فُعَيل للثّلاثي وفعيعل للرّباعي، وفعيعيل للخماسي الذي رابعه حرف لين، أو ما حذف منه وعُوّض عن محذوفه، ويتعذر اختيار أحد الأوزان الثّلاثة في التّصغير قبل معرفة المكبّر وعدد حروفه، فدلّ قولهم: جُمَيل وكُعَيت - مثلاً - على معرفتهم بأن المكبر ثلاثي وهو: جُمَل وكُعَت، وليس رباعياً أو خماسياً.

стр. 39

الباب الثاني: الممات من الأفعال مدخل ... مدخل: ثمّة أفعال كثيرة أُميتت في العربيّة، وترك العرب استعمالها بعد أن كانت في لغتهم، فانقرضت وزالت، وبقي ما يَدُلّ عليها من الأسماء أو بعض اشتقاقات الفعل. والإماتة في هذه الأفعال على أربعة أوجه: أوّلها: إماتة الفعل بكل تصريفاته وصيغه. ثانيها: إماتة المجرّد وإحياء المزيد. ثالثها: إماتة بعض التصريفات (الأزمنة) رابعها: إماتة المبني للمعلوم. وينبغي - قبل تفصيل هذه الأنواع - أن يعلم الباحث اللّغويّ في متن اللّغة أنّ علماء العربية اعتادوا في معاجمهم أن يتركوا ذكر القياسيّ من الأفعال والأسماء وتصريفاتهما اختصاراً أو استغناء بالقياس، فوجب الحذر وأخذ ذلك في الحسبان عند الحكم بالإماتة وخاصة حين لا يكون هناك نصّ صريح لأولئك العلماء المتقدّمين أو لأحدهم من غير إنكار عليه منهم، أو يكون ثمة دليل لغوي يُهتدى به، كاستعمال المضارع أو الأمر دون الماضي نحو "يَهيط" بمعنى، يصيح فإن المضارع فرع والماضي أصل له، ووجود الفرع دون الأصل دليل على إماتة ذلك الأصل، وهذا قياس لغوي. ومن علماء العربيّة الّذين يمكن للباحث أن يظفر بإشارات لهم فيما أميت من الأفعال: الخليل في "العين" وابن دريد في "الجمهرة" و"الاشتقاق" والأزهريّ في "تهذيب اللّغة" والصّغانيّ في "الذّيل والتّكملة والصّلة". وفيما يلي تفصيل الأوجه الأربعة في إماتة الأفعال:

стр. 40

الفصل الأول أفعال أميتت صيغها وتصريفاتها أمكن لي الظّفر بجملة من الأفعال المماتة بكامل تصريفاتها مستخرجة من المصادر اللّغويّة القديمة، وعلى رأسها "الجمهرة " لابن دريد الّذي عني في معجمه هذا بذكر الممات والإشارة إليه في مواضع عديدة، ولم يرد لها ذكر في معاجم الأفعال لابن القوطيّة والسّرقسطيّ وابن القطّاع أو المعاجم الكبيرة مثل "التهذيب" و"الصّحاح" و"المحكم" و"اللسان" و"القاموس المحيط" و"التاج" فدلّ ذلك على أنها مماته، كما قال ابن دريد وغيره من العلماء. وأنبه - بين يدي هذا الفصل قبل أن أعرض لعدد من الأفعال المماتة - إلى أن ثمة خلافاً بين البصريين والكوفيين في أصل المشتقات، فالبصريون يرون أن المصدر هو الأصل والفعل منه، ويرى الكوفيون أن الفعل هو الأصل والمصدر مشتق منه. واستدل البصريون على أن المصدر أصل الفعل بأمور، منها أن المصدر يدل على زمان مطلق، والفعل يدل على زمان معين، فكما أن المطلق أصل للمقيد فكذلك المصدر أصل للفعل. واستدل الكوفيون على أن الفعل أصل المصدر بأمور، منها أن المصدر يصح لصحة الفعل، ويعتل لاعتلاله، كما في قولك: قاوَم قِوَاماً وقام قياماً، فلما صح المصدر لصحة الفعل واعتل لاعتلاله دلّ على أنه فرع عليه. والخلاف في هذه المسألة مبسوط في كتب النحو والصرف١،فلا حاجة
следующие страницы →