وقد ذكر غير واحد من علماء اللغة إماتة الفعل المجرد من هذا الفعل١.
ك ـ مجرّد (افْتَعَلَ)
أميت المجرّد من فعلي افتقر واشتدّ وبقي منهما المزيد، قال سيبويه: "ولم نسمعهم قالوا فَقُرَ، كما لم يقولوا في الشّديد: شَدُد، استغنوا باشتدّ وافتقر، كما استغنوا باحمارّ عن حَمِرَ"٢.
وذهب ابن دريد٣ إلى أن العرب أماتت الفعل المجرد من (المحن) وبقي منه في الاستعمال: امتحنه امتحاناً؛ أي ابتلاه ابتلاء واختبره.
وحكى السّرقسطيّ قولهم: "مَحَنَ الرجلَ وغيرَه: اختبره"٤ ولم يذكر أنه ممات.
وذكر بعض اللغويين أنه أميت مجرّد (اعترط) بمعنى أبعد في الأرض٥.
ل ـ مجرّد (اسْتَفْعَلَ)
أماتوا مجرّد (استنوك) والمُستنوِك هو الأحمق، وكذلك الأنوك، والجمع النوكى. قال سيبويه: "وقالوا: استنوك، ولم نسمعهم يقولون نَوِك، كما لم يقولوا: فَقُر"٦.
стр. 72
ولكن جاء في (اللّسان) ١: "نَوِكَ نَوَكاً ونَوْكاً ونَوَاكةً: حَمُقَ، وهو أنوك" ومثله في أفعال السّرقسطي٢.
م ـ مجرد (افْعَلَلَّ)
أميت الفعل الرّباعيّ (ضَمْحَل) واستُغْنِى بمزيده: (اضمحلّ) بمعنى ذهب وتلاشى٣.
وأميت الفعل الرّباعيّ (زَمْهَلَ) ٤ واستغنى عنه بمزيده (ازمهلّ) فقالوا: ازمهلّ المطر ازمهلالاً؛ وقع، وازمهلّ إذا الثلج إذا سال بعد ذوبانه٥.
ن ـ مجرد (افعلّ) و (افعالّ)
أميتت بعض الأفعال المجرّدة الدّالّة على الألوان، واستغنوا عنها بالمزيد نحو افعلّ وافعالّ. قال سيبويه: "وقد يستغنى بافعالّ عن فَعِل وفَعُل، وذلك نحو ازراقّ، اخضارّ، واصفارّ، واحمارّ، واشرابّ، وابياضّ، واسوادّ، واسودّ وابيضّ واخضرّ واحمرّ واصفرّ أكثر في كلامهم"٦.
стр. 73
الفصل الرابع
أفعال أميتت بعض تصريفاتها
يغلب في العربيّة استعمال الفعل بتصرّفاته الثّلاثة، أي أزمنته، الماضي والمضارع والأمر؛ والماضي هو الأصل، والمضارع مشتقّ منه، ومن المضارع اشتقّ فعل الأمر على مذهب الجمهور من علماء اللغة.
وثمّة أفعال قليلة لازمت صيغة واحدة؛ كالماضيّ أو المضارعة أو الأمر، مع إماتة الصيغتين الأخريين، أو لازمت صيغتين كالمضارع والأمر مثلاً مع إماتة الصيغة الثالثة، كما سيأتي بيانه، أولا لازمت صيغة واحدة، وأميت ما عداها، نحو ليس ونعم وبئس. إلا أنه ينبغي التحرّز في هذا النّوع خاصّة؛ لأنه ليس ثمّة دليل قاطع على إماتة المضارع والماضي، أي أنّهما استُخدما ثمّ أميتا؛ لأن الماضي هو الأصل والمضارع ومن بعده الأمر: فرعان، ووجود الأصل لايقتضي بالضّرورة وجود الفرع، فقد يكون الفرع مهملاً لم يستعمل قط فلا إماتة حينئذ، ويصح عكس ذلك؛ أي أن وجود المضارع - مثلاً - يقتضي وجود الماضي، مستعملاً أو مماتاً، ولا يمنع هذا أن نظن ظناً أنّ المضارع والأمر من بعده من الممات، إذا فقدناهما في الاستعمال ووجدنا ماضيهما؛ لأن الكثير الغالب في لغة العرب أن يكون للفعل في الاستعمال تصريفات ثلاثة: الماضي والمضارع والأمر، فنحمل القليل مما قصّرت تصريفاته على الكثير مما كملت تصريفاته أي أزمنته الثلاثة.
واحتمالات الإماتة في هذا كلّه على النّحو التّالي:
١- إماتة الماضي دون غيره.
٢- إماتة المضارع دون غيره.
стр. 74
٣- إماتة الأمر دون غيره.
٤- إماتة الماضي والمضارع دون الأمر.
٥- إماتة الماضي والأمر دون المضارع.
٦- إماتة المضارع والأمر دون الماضي.
وفيما يلي ما وقفت عليه ممّا أميت من هذه الأوجه الستة:
أ - إماتة الماضي دون غيره:
اشتهر عند اللّغويين والنّحاة قولهم إن العرب أماتت ماضي الفعل (يَدَعُ) وكذلك ماضي (يَذَرُ) استغناء عنهما بـ (تَرَكَ) ١ وهم يقولون: ذر ذا ودعه؛ أي: اتركه، كما يقولون: يذره ويدعه، ولا يقولون: وَذَرْتُهُ ولا وَدَعْتُهُ، ولكن تركته، ولا يقولون: واذرٌ ولا وادع ولكن تارك٢؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ أَزْوَاجاً﴾ ٣ و ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتُرُوْن﴾ ٤.
واستعملوا (فعّل) من (وَدَعَ) قالوا: ودّعته، وفي القرآن ﴿مَا وَدَّعَكَ رُبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٥.
ولم يكن حكمهم بإماتة الفعل (وَدَعَ) محلّ اتفاق عند النّحاة؛ لورود هذا الفعل في قراءة النبي – ﷺ – وعروة بن الزُّبير وأبي حَيْوَة وابن أبي عبلة ﴿مَا وَدَّعَكَ رُبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٦.
стр. 75
ولوروده في الشّعر، كقول أبي الأسود:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذي ... غَالَهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ ١
وقول الآخر:
وثُمَّ وَدَعْنَا آلَ عَمْرٍو وعَامِر ... فَرَائِسَ أَطْرَافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ٢
وجاء المصدر من (وَدَعَ) في الحديث: "لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعات"٣ وروي "الجماعات"٤.
وقد روي عن شمر قوله: "زعمت النّحويّة أنّ العرب أماتوا مصدر يدع، والنّبيّ ﵇ أفصح العرب، وقد رويت عنه هذه الكلمة"٥.
ولورود هذا الفعل في القرآن والحديث والشّعر قال الفيّوميّ: "وما هذه سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال ولا يجوز القول بالإماتة"٦.
وأرى أنّ ما قاله النّحاة صحيح، فالماضي من هذا الفعل ممات، كما قالوا، وقد يظهر الممات في الاستعمال، على قلة، كما ظهر هذا الفعل في قراءةٍ وشعرٍ وحديثٍ؛ فيكون هذا من باب إحياء الممات عند الحاجة، كما سيأتي بيانه في الباب الرابع.
أمّا ماضي الفعل الآخر (وَذَرَ) فهو من الممات عند أكثر اللّغوييّن، فلا يقال: وذرته، ولكن يقال يذرُ وذَرْهُ، قال الخليل: "والعرب أماتت المصدر من
стр. 76
يَذَرُ والفعل الماضي، واستعملته في الحاضر والأمر، فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذَرْهُ تركاً، أي اتركه"١.
ويرى بعضهم أنّه قد يستعمل على قلّة، قال الفيّوميّ: "وربّما استعمل الماضي على قلّة، ولا يستعمل منه اسم فاعل"٢.
ب - إماتة المضارع دون غيره:
أي أن يستعمل الماضي والأمر ويمات المضارع، ولم أجد لهذا النّوع شاهداً، وسبب ذلك فيما أرى أنّ استعمال فعل الأمر يقتضي - في الغالب - استعمال الفعل المضارع؛ لأنّ الأمر مقتطع من المضارع المجزوم بحذف حرف المضارعة، فثمّة تلازم بين المضارع والأمر، وقد يمات المضارع إذا أميت الماضي، فتكون الإماتة حينئذ للمضارع والماضي معاً، كما سيأتي في الفقرة (د) .
جـ – إماتة الأمر دون غيره:
أُميت الأمر - فيما نقدّر - في بعض الأفعال، نحو مازال وأخواتها، وهنّ أربعة: زال وفتئ وبرح وانفكّ، ويشترط في عملهنّ النّفي٣.
قال الأزهريّ: "يقال: مازال يفعل كذا وكذا، ولا يزال يفعل كذا؛ كقولك ما برح، وما فتئ، وما انفكّ، ومضارعه: لا يزال؛ ولا يُتكلّم به إلا بحرف نفي"٤.
ولا يستعمل منه فعل الأمر، وكذلك في أخواتها: ما فتئ وما برح وما انفكّ٥، ولعلّ فعل الأمر من هذه الأفعال من الممات.
стр. 77
وأميت الأمر في بعض أفعال المقاربة نحو كادَ وأَوْشَكَ على الصّحيح،١ أو الرجح، حكى الجوهريّ مضارع طَفِقَ، قال: "طَفِقَ يفعل كذا يطفَق طفوقاً ... وقال بعضهم طفَقَ - بالفتح - يطفِق طفوقاً"٢ وحكى الكسائيّ مضارع جعل٣.
ويعمل الماضي والمضارع من هذه الأفعال، نحو كاد ويكاد، وأوشك ويوشك وطَفِق يطفِقُ وجعل يجعل، تقول مثلاً: يَطفِق الحجيجُ يعود إلى بلاده، ولم يستعمل الأمر من هذه الأفعال فقد يكون مهملاً من الأصل، وقد يكون مماتاً.
د - إماتة الماضي والمضارع دون الأمر:
أميت الماضي والمضارع من قولهم: هَاتَى يُهَاتِي، وبقى منه الأمر، وهو: هاتِ، قال الخليل: "المُهاتاة من قولك: هاتِ، يقال: اشتقاقه منه هاتى، الهاء فيه أصليّة، ويقال: بل الهاء في موضع قطع الألف من آتي يؤاتي، ولكن العرب أماتوا كلّ شيء من فعلها إلا هاتِ في الأمر، وقد جاء قوله:
لله ما يُعْطِي وما يُهَاتِي ...
أي: ما يأخذ" ٤.
ومثل ذلك في "التهذيب"٥ و"اللّسان"٦.
ومنه في القرآن: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم﴾ ٧.
стр. 78
وقيل: إن (هاتِ) اسم فعل، كما سيأتي بعد قليل.
وقالوا في النّداء: تعالَ؛ أي: اعلّ، ولا يستعمل في غير الأمر١، وهو بمعنى الارتفاع، قال ﴿فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنا وَأَبْنَاءَكم ونِسَاءَنا ونِسَاءَكم وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُم ثمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِين﴾ ٢
والأصل في هذا الفعل أنه من مادة (العلو) من التّعالي، بمعنى الارتفاع وعلى هذا فإنّ وزن تعالَ: (تفاعَ) حذفت لامه للجزم.
والعرب تقول في النّداء للرّجل: تعالَ أو تعالَه - بها السّكت، وللاثنين: تعاليا، وللرّجال: تعالَوا، وللمرأة تعالَيْ، وللنّساء: تعالَينَ، وهم لا يبالون إن كان المدعو في مكان أعلى من مكان الدّاعي، أو في مكان دونه٣.
قال الخليل: "وأماتوا هذا الفعل سوى النداء"٤ يعني سوى الأمر، وفي هذا نظر؛ فقد جاء الماضي من هذا الفعل في القرآن بكثرة كقوله ﴿تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ٥ و ﴿تَعَالى عَمّا يَقُولُون عُلُوّاً كبيراً﴾ ٦ وقوله ﴿عُلُواً﴾ ليس مصدر (تعالى) .
و (هات) و (تعالَ) فعلا أمر على الرّاجح؛ لأن اسم الفعل لا تبرز فيه ضمائر الرّفع على مذهب الجمهور، فلماّ برزت هذه الضمائر معهما دلّ ذلك على أنّهما ليسا من أسماء الأفعال، وقد عدّهما بعض العلماء من أسماء الأفعال،
стр. 79
قال ابن هشام: "وأما هاتِ وتَعالَ فعدّهما جماعة من النّحويين في أسماء الأفعال، والصّواب أنّهما فعلا أمر، بدليل أنّهما دالان على الطّلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، تقول: هاتِي وتعالَيْ"١.
ويلحق بهذين الفعلين (هَلُمَّ) على لغة بني تميم إذ تلحقها الضّمائر البارزة، بحسب ما أسندت إليه، فتقول: هَلُمَّ، وهلمّا، وهلمّوا، وهَلْمُمْنَ، بفكّ الإدغام وسكون الّلام، وهَلُمِّي، وهي عند هؤلاء فعل أمر لدلالتها على الطلب وقبولها ياء المخاطبة، وقد أميت ماضيها ومضارعها٢.
وهي اسم فعل على لغة من ألزمها طريقة واحدة مع الواحد والمثنّى والجمع، وهي لغة أهل الحجاز، وبها جاء التّنزيل، قال تعالى: ﴿والقَائِلِينَ لإِخْوَانِهم هَلُمَّ إِلينَا﴾ ٣ أي: ائتوا إلينا.
هـ – إماتة الماضي والأمر دون المضارع:
(يَهِيط) مضارع لا ماضي له ولا أمر، قال ابن القطّاع: "وما زال يهيط مرة ويميط أخرى، لا ماضي ليهيط، والهياط: الصياح منه، والمياط الدّفاع"٤.
وفي "اللّسان"٥: "ما زال منذ اليوم يَهيط هيطاً، وما زال في هيط وميط وهياط ومياط؛ أي في ضجاج وشرّ وجلبة ... وقد أميت فعل الهياط" أي: أميت الفعل الماضي.
ومن هذا قولهم: ينبغي له أن يفعل كذا، قال تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا
стр. 80
يَنْبَغِي لَهُ﴾ ١وهو ملازم لهذه الصّيغة، أي: أميت ماضيه وأمره، وحكى اللّحياني: انبغى٢.
وذكر بعض الباحثين المعاصرين أنّ قول بعض النّحويين: "انبغى لفلان أن يفعل، أي صلح له أن يفعل؛ من قبيل الأمثلة المصنوعة، فليس له نظير في قديم فصيح يحتج به عليه، ولو أنّهم وجدوا شيئاً من ذلك ما تركوه، ومن هنا كان هذا الفعل الماضي مما حُذقت فيه الصنعة، وهوشيء مهجور"٣ أي ممات.
و إماتة المضارع والأمر دون الماضي:
أميت المضارع والأمر من بعض الأفعال الّتي ترفع المبتدأ اسماً لها وتنصب الخبر، مثل ليس ودامَ، قال ابن مالك: "وما سوى ليس ودام من أفعال هذا الباب يتصرّف؛ أي: يستعمل منه ماض ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر، إلا أنّ الأمر لا يتأتّى صوغه من ملازمات النّفي"٤.
وثمّة خلاف في إماتة المضارع من (دام) ومذهب الفرّاء وكثير من النّحاة أنّها لا تتصرّف، فلا تستعمل إلا بلفظ الماضي٥.
ولازمت أفعال المقاربة لفظ الماضي إلا (كاد) و (أوشك) عند الجمهور٦ و (طفق) عند الجوهري - كما تقدم.
ومن أقدم من نصّ على إماتة المضارع والأمر في الفعل (عسى) الخليلُ،
стр. 81
إذ قال: "ويستعمل منه الفعل الماضي، فيقال،: عسيت وعيسنا وعسوا وعسيا وعسين - لغة - وأميت ما سواه من وجوه الفعل، لا يقال يفعل ولا فاعل، ولا مفعول"١.
ومرة أخرى أذكّر بأنّ المضارع والأمر فرع، والماضي أصل، واستعمال الأصل دون الفرع لا يعني بالضّرورة إماتة الفرع - أي المضارع والأمر- إنّما نأخذه بالقياس على الكثير، وبقول العلماء، فنقول فيه بالإماتة، من غير قطع به، ولهذا قال الرّافعي في حديثه عن بعض الألفاظ المماتة: "ومن ذلك (ليس) الفعل الناقص؛ فإن بعضهم يظنّ مضارعه وأمره من الأفعال المماتة"٢.
стр. 82
الفصل الخامس
أفعال مبنية للمجهول أميت المبني للمعلوم منها
في العربية أفعال لازمت صيغة البناء للمجهول سماعاً، بعضها مجرّد وبعضها مزيد، وقد ذكر النّحاة أنّ المبني للمعلوم منها لم تستعمله العرب، أي: أنّه أميت استغناء بصيغة المبني للمجهول، مثل: سُلَّ وزُكم وجُنَّ ودُهِشَ وشُدِهَ وأُوْلِعَ به واستُهْتِر به، وأُغْرِمَ به.
ولمّا كانت صيغة المبني للمجهول صيغة فرعية، محوّلة من الصيغة الأصليّة، وهو المبني للمعلوم، فقد تبيّن أنّ فقد هذه الصّيغة الأصليّة - مع وجود الصّيغة الفرعيّة المحوّلة عنها - دليل على إماتة تلك الصّيغة الأصلية.
стр. 83
ومن أقدم من عقد لهذه الأفعال باباً، وأشار إلى إماتة أصولها، المبنيّة للمعلوم: سيبويه، إذ قال: "هذا باب ما جاء فُعِلَ منه على غير فَعَلْتُه، وذلك نحو: جُنَّ وسُلَّ وزُكم ووُرِد، وعلى ذلك قالوا: مجنون ومسلول مزكوم ومحموم مورود.
وإنّما جاءت هذه الأفعال على جَنَنته وسَلَلته وإن لم يستعمل في الكلام، كما أنّ يَدَعَ على وَدَعْتُ ويَذَرُ على وَذَرْت ُ وإن لم يستعملا، استغنى عنهما بتركت، واستغنى عن قَطِعَ بقُطِع، وكذلك استغنى عن جَنَنْتُ ونحوها بأفعلت، فإذا قالوا: جُنَّ وسُلّ فإنّما يقولون جُعل فيه الجنون والسِّل"١.
وذكر ثعلب٢ طائفة من هذه الأفعال، وأشار إلى أنَّها لا تبني للمعلوم، وتبعه جماعة من العلماء، كابن قتيبة٣، والسّيوطيّ٤، وأفردها بعض المتأخّرين بتأليف مستقلّ جمع فيه متفرّقها، ومن هؤلاء: ابن أبي السّعود بن ظهيرة القرشيّ المخزوميّ المكّيّ "من علماء القرن العاشر" في "المنهل المأهول في الفعل المبني للمجهول" وابن علان الصّدّيقي (١٠٥٧هـ) في "اتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل".
وهذه الأفعال من حيث الإماتة والإحياء على نوعين:
أحدهما: ما لازم صيغة المجهول، نحو حُمَّ الأمر، بمعنى قضي، وحُمَّ الرّجل بمعنى أصابته الحمَّى، وسُلَّ: أصيب بذات الرّئة، وامتُقِعَ لونه؛ أي: تغَيّر، من حزن أو فزع، وهذا النّوع هو الّذي أميت أصله المبني للمعلوم، وأمثلته كثيرة مذكورة في الكتابين المشار إليهما آنفاً، ولا حاجة إلى سردها هنا.
стр. 84
والآخر: ما جاء على صيغتي المعلوم والمجهول معاً، ولكن استعماله على صيغة المجهول أكثر، نحو بُهت الرّجل؛ أي: تحيّر، وزُهِيَ علينا؛ أي: تكبّر، ونُفِسَت المرأة؛ أي: وضعت حملها، وما شابه ذلك، وليس المبني للمعلوم - من هذا النّوع الثّاني - من الممات، لاستعماله.
стр. 85
الباب الثالث: أسباب إماتة الألفاظ
مدخل
...
مدخل:
تقوم اللّغة في أصل من أصولها على مبدأ الاختيار والاصطفاء، فتموت ألفاظ فتندثر، وتولد ألفاظ فتحيا وتزدهر، وموت الكلمات نتيجة مباشرة للتطوّر اللّغوي الّذي لا يتوقّف، وهذا التطوّر نتيجة لاستعمال اللّغة وحركتها الدائمة.
وقد تختفي بعض الألفاظ من الاستعمال فتموت لأسباب عديدة، تتّفق في بعضها سائر اللّغات، وتنفرد ببعضها لغات، وللعربيّة أسبابها الخاصّة الّتي أدّت إلى إماتة الألفاظ فيها ممّا حُكِمَ بموته عند تدوينها، وهي ترجع - في الجملة إلى أسباب صوتيّة ومعنويّة، وقد ربط علماء العربيّة القدماء في معرفتهم لفصاحة الكلمة، وشيوعها في الاستعمال، بين عنصرين هامّين من عناصر الكلمة، وهما:
١- العنصر الصّوتيّ.
٢- القيمة الدلاليّة.
وهذان العنصران في حقيقة الأمر هما ما يعطيان الحياة للكلمة أو يسلبانها إيّاها فتترك ويستغني عنها ثمّ تموت١، وهما كما يلي:
стр. 86
الفصل الأول
العامل الصوتي
قد تموت الكلمة لسبب داخليّ فيها، وهو ما تشتمل عليه من أصوات، فلا تمتدّ بها الحياة كثيراً كمن ولد مريضاً فلا يلبث أن يموت، وآفة الكلمة أن تتقارب مخارج الحروف فيها، ((فلا يكاد يجيئ في كلام العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم
وثقله)) ١ وحروف الحلق خاصّة يقلّ اتصالها في الكملة من غير فصل، وأمّا القاف والكاف فلا تجيئ متّصلة في كلام العرب، وندر ائتلاف القاف والجيم أو الكاف والجيم، فلم يأت عنهم: قج ولا جق، ولا كج وجك، ولا قك ولا كق، كلّ ذلك لتجنّب الثّقل الذي يعيق آلة اللسان بسببٍ من تقارب المخارج.
وبالجملة فإنّ تأليف الحروف العربيّة يأتي على ثلاثة أقسام٢:
فالأول: تأليف الحروف المتباعدة، نحو: كتب وجلس ودخل، وهو الأحسن والمختار، هو الكثير في كلام العرب.
والثّاني: تضعيف الحرف نفسه، نحو: عدّ وفكّر، أو تكريره، نحو وسوس وهمهم، وهو يلي القسم الأول في الحسن، وأقل منه في الكثرة والاستعمال.
والثّالث: تأليف الحروف المتجاورة، وهو قليل في كلامهم أو منبوذ في الاستعمال كما تقدّم.
وهذا القليل الّذي قد يقع في كلامهم هو الّذي يكون عرضة للإماتة لثقله،
стр. 87
نحو العَهْق، فإن فعله ممات، كما يقول ابن دريد١، لمجاورة الهاء العين، ومثله إماتة الفعل ((عهم)) لتجاور حرفي الحلق٢، وقد ندر مجيء الرّاء بعد النّون ولاسيّما إن كانت النّون ساكنة والرّاء متحرّكة، وهذا قليل جدّاً في العربيّة.
وقد جاء في اللّسان٣: "النّرز: فعل ممات، وهو الاستخفاء، من فزع، وبه سمّي الرجل: نَرْزة ونارزة، ولم يجىء في كلام العرب نون بعدها راء إلا هذا، وليس بصحيح".
وعلّة الإماتة واضحة؛ لأن اللّسان يميل إلى الأسهل في النّطق في العادة؛ ولأنّ الحروف المتباعدة تجري من السّمع مَجرى الألوان من البصر، ولا شكّ في أنّ الألوان المتباينة إذا اجتمعت بان حسنُها لعين النّاظر، بخلاف الألوان المتقاربة؛ ولهذا كان البياض مع السّواد أحسن منه مع الصّفرة٤، واللّغة تميل في أصل من أصول تطوّرها إلى مبدأ الاختيار والاصطفاء، فيترك ما ثقل على الألسن، وينبو عن الأسماع، فيموت.
ومن القواعد الصوتية لبنية الكلمة العربية أن الخماسي لا يخلو من حرف أو أكثر من حروف الذلاقة الستة: الراء واللام والنون والباء والفاء والميم، المجموعة في قولك: ((مربنفل)) .
وكذلك الرباعي غير المضاعف إلا في النادر، وعلة ذلك أن هذه الأحرف خفيفة في اللسان فناسب أن تأتي في الخماسي والرباعي لتعطيهما شيئاً من الخفة.
أما الثلاثي فهو خفيف بعدد حروفه، فلا يجب أن يكون فيه حرف من حروف الذلاقة.
стр. 88
فإذا وُجد كلمة خماسية أو رباعية خالية من حروف الذلاقة فإنها تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون دخيلة أو محدثة مبتدعة - كما قال الخليل١.
والآخر: أن تكون من بقايا الممات القديم.
قال الخليل: "فلما ذلقت الحروف الستة، ومذل بهنّ اللسان، وسهلت عليه في المنطق كثرت في أبنية الكلام، فليس شيء من بناء الخماسي يعرى منها أو من بعضها ...
فإن وردت عليك كلمة رباعية أوخماسية معرّاة من حروف الذَّلَق أو الشفوية، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك فاعلم أن تلك الكلمة محدثة مبتدعة، ليست من كلام العرب؛ لأنك لست واجداً من يسمع من كلام العرب كلمة واحدة رباعية أو خماسية إلا وفيها من حروف الذَّلَق والشفوية واحد واثنان أو أكثر"٢.
وقال الليث: "قلت: فكيف تكون الكلمة المولدة المبتدعة غير مشوبة بشيء من هذه الحروف؟ فقال [الخليل] : نحو الكَشَعْثج، والخَضَعثج، والكَشَعْطج، وأشباههنّ، فهذه مولّدات لا تجوز في كلام العرب ...
وأما البناء الرباعي المنبسط فإن الجهور الأعظم منه لا يعرى من الحروف الذُّلْق، أومن بعضها، إلا كلمات نحواً من عشركنّ شواذّ.
ومن هذه الكلمات: العَسْجَد والقَسْطوس والقُداحِس والدُّعشوقة ... "٣.
стр. 89
ومن الرباعي الذي خلى من حروف الذلاقة: ((تَخْطَعٌ)) وهو اسم ذكره ابن منظور في الرباعي، وقال: "قال ابن دريد: أظنه مصنوعاً، لأنه لم يعرف معناه"١.
وقد يكون مماتاً ولذلك لم يعرف معناه.
ومنه: ((العُهْعُخ)) قال الخليل: "سَمِعْتُ كلمة شنعاء لا تجوز في التأليف الرباعي؛ سئل أعرابي عن ناقته فقال: تركتها ترعى العُهْعُخ، فسألنا الثقات من علمائهم فأنكروا أن يكون هذا الاسم من كلام العرب. وقال الفذّ منهم: هي شجرة يُتداوى بورقها.
وقال أعرابيّ: إنما هو الخُعْخُع، وهذا موافق لقياس العربية"٢.
ومنه ((القُداحِسُ)) وهو الشّجاع أو السيّء الخلق أو الأسد - كما يقول صاحب ((القاموس)) ٣.
ومهما يكن من أمر فإن كلماتٍ من هذا النوع الذي خلا من حروف الذلاقة لا يكتب لها البقاء في العربية؛ لأنها ثقيلة فتهجر وتموت، وقد لا تعرف، ولعل هذه الألفاظ النادرة التي رواها بعض العلماء هي من بقايا ممات غير قليل، وهذه الألفاظ القليلة المروية معرضة للهجر والإماتة أكثر من غيرها.
стр. 90
الفصل الثاني: العامل الدلالي
المبحث الأول: زوال المعنى
...
الفصل الثاني
العامل الدلاليّ
الدّلالة عنصر فعّال فيما يتّصل بإماتة الألفاظ، وإليها يعود موت كثير من الألفاظ المشهورة في العربيّة، وللإماتة هنا عدّة أسباب، ومن أهمّها:
١ - زوال المعنى.
٢ - الاستغناء.
٣ - العامل الديني.
٤ - العامل الاجتماعي.
وهي على النحو التالي:
المبحث الأول: زوال المعنى:
قد يزول معنى الكلمة وليس لها معانٍ أخرى تتشبّث بها، فتموت؛ لتفريغها من محتواها الّذي هو سرّ بقائها، وقد أشار إلى ذلك ابن فارس في قوله: "ومن الأسماء الّتي كانت فزالت بزوال معانيها قولهم: المرباع، والنّشيطة والفضول ... "١.
وقال الجاحظ: "قال أبو عبيدة معمر بن المثنى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النّحوي حين أنشده شعر الأسدي:
ومركضةٌ صَرِيحيٌّ أَبُوهَا ... تُهَانُ لَهَا الغُلامَةُ والغُلامُ
قال: فقلت له: فتقول للجارية: غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك،
стр. 91
وأسماؤه زالت مع زوال معانيها؛ كالمرباع والنّشيطة..."١.
وقد قضى الإسلام على كثير من الكلمات الدّالّة على نظم جاهليّة، كالمِرْبَاع والصَّرورة والنَّوَافج والحُلْوَان والمَكْسُ، وغيرها، فماتت تلك الكلمات؛ لأنّ الإسلام غير من القيم الفكرية والاجتماعيّة الّتي كانت سائدة في الجاهليّة.
ولا مبرّر لوجود الكلمة في اللّغة عند ما لا تقول للعقل شيئاً، فإنّ اللّغة تهملها، كما يقول درمستيتر (Darmesteter) ٢.
وهكذا تتخلّص اللّغة من الألفاظ الّتي لم تعد كافية للتّعبير عن المعنى الّذي يناط بها؛ لأنّها ضعفت أو بليت٣.
стр. 92
المبحث الثاني: الاستغناء
قد يؤدّي التّرادف إلى ترك بعض الألفاظ استغناء بمرادف لها؛ لأنّه يؤدّي معناها، فتموت الألفاظ المتروكة، قال سيبويه: "وأمّا استغناؤهم بالشّيء عن الشّيء فإنّهم يقولون: يَدَعُ، ولا يقولون: وَدَعَ، استغنوا عنها بترك، وأشباه ذلك كثير"١ وقد استغنوا باشتدّ عن شَدُدَ٢، وباحمارّ عن حِمِر٣ وباستنوك عن نوك٤.
وقال ابن الأنباريّ: "استغنوا عن وَدَعَ بترك؛ لأنّه في معناه، وكذلك
стр. 93
استغنوا به عن وَذَرَ"١.
وقال ابن جنّي في تركهم بعض المصادر: "يقال: نَذِرْتُ بالشّيء؛ إذا علمت به فاستعددت له، فهو في معنى فهمته وعلمت به، وطَبِنْتُ له، وفي وزن ذلك، ولم تستعمل العرب لقولهم نذرت بالشيء مصدراً، كأنّه من الفروع المهجورة الأصول. ومنه ((عسى)) لا مصدر لها، وكذلك ((ليس)) .
وكأنّهم استغنوا عنه بأنْ والفعل، نحو: سرّني أن نَذِرْت بالشيء، ويسرّني أن تَنْذَر به"٢.
وقد يُمات الفعل المجرّد استغناء بمزيده، قال ابن دريد: "واللّحَك من قولهم: لَحِكَ يلحَك لَحْكاً، إذا تداخل بعضه في بعض، وقد أميت هذا الفعل فاكتفوا بقولهم: تلاحك تلاحكاً"٣.
стр. 94
المبحث الثالث: العامل الديني
كان العرب على إرث من إرث آبائهم في لغتهم وآدابهم ونسائكهم وقاربينهم -كما يقول ابن فارس١ - فلمّا جاء الإسلام حالت أحوال، ونقلت دلالات، وأميتت ألفاظ كره العرب النّطق بها في الإسلام؛ لأنّه نهى عنها للمدلول الّذي تحمله، قال عزّوجلّ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا﴾ ٢ وقد قيل: "إنّ (راعنا) كلمة كانت تجري مجرى الهزء فنهى المسلمون أن يلفظوا بها بحضرة النبي ﷺ وذلك أنّ اليهود
стр. 95
- لعنهم الله - كانوا اغتنموها فكانوا يسبّون بها رسول الله ﷺ في نفوسهم، ويتسترون من ذلك بظاهر المراعاة منها، فأمروا أن يخاطبوه بالتّعزيز والتّوقير"١.
وقال ابن تيمية: "ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار: قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قال قتادة وغيره: "كانت اليهود تقوله استهزاء؛ فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم".
وقال أيضاً: "كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : راعنا سَمْعَك، يستهزؤون بذلك. وكانت في اليهود قبيحة".
ورى أحمد عن عطية العوفي قال: قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: "راعنا سَمْعَك، حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود". وقال عطاء: "كانت لغة في الأنصار في الجاهلية".
وقال أبو العالية: "إن مشركي العرب كانوا إذا حَدَّت بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه: راعني سمعك فنهوا عن ذلك وكذلك قال الضحاك. فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نُهِي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونها، وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كانت مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وطريقهم إلى بلوغ غرضهم"٢.
ومن ذلك أنّهم أماتوا كلمة ((العَتِيرة)) وهي شاة كانت تذبح في الجاهليّة
стр. 96
في رجب يتقرّب بها، ثمّ نسخت العتيرة بالأضاحي١، وقيل إنّ العتيرة هي الشّاة الّتي كانت تذبح في الجاهليّة وتقدّم للأصنام، فيصبّ دمها على رأسها٢.
ومن ذلك ((الصّرورة)) روى عن النبي ﷺ أنّه قال: "لا صرورة في الإسلام"٣ وهو التّبتّل في الإسلام، وأصل الصّرورة أنّ الرّجل في الجاهليّة كان إذا أحدث حدثاً فلجأ إلى الحرم لم يُهَجْ، وكان إذا لقيه وليّ الدّم في الحرم قيل له: هو صرورة، فلا تَهُجه، ثم كَثُر ذلك في كلامهم حتّى جعلوا المتعبّد الّذي يتجنّب النّساء: صرورة، وصرورياً ٤، كما تقدم في الباب الأول.
وللرّافعيّ تعليل في إماتة الإسلام هذا النّوع من الألفاظ، وهو أنّهم كرهوا النّطق بها في الإسلام لخوفهم على العرب أن يعودوا في شيء من أمر الجاهليّة، فمنعوهم من الكلام الّذي فيه أدنى متعلّق٥.
стр. 97
المبحث الرابع: العامل الاجتماعي
قد تنحطّ دلالة الكلمة فتدلّ مباشرة على ما يستقبح ذكره، كدلالتها الصّريحة على قذارة أو نجس، أو عضو تناسليّ، أو غريزة جنسيّة، فيكون ذلك إيذاناً بتركها ثمّ موتها، فيبحث المجتمع عن كلمة أخرى ليس فيها ذلك المعنى المباشر، أو يلجأ إلى الكناية، ثم تستخدم الكلمة، فتحمل مع كثرة الاستعمال ما تحملته سابقتها، ومن ذلك كلمة ((الغائط)) مثلاً، فإنّها كناية عن ذلك الشّيء
стр. 98
في أصل الاستعمال اللّغوي، ومعناها اللّغويّ القديم المكان المنخفظ.
ويمكن القول: إن الأسباب الاجتماعية ((واضحة جداً في تغيّر الكلمات مراعاة للّياقة، إذ ليس من الّلائق أن يتكلّم في أحد المجتمعات عن أفعال معروفة بالفظاظة، أو بأنّها مما يجرح الحياء)) ١.
ويصل الحال إلى التّضييق من دائرة المفردات حتّى لا يتكلّم النّاس إلا تلميحاً أو بالكناية كما يحدث عادة في ألفاظ النّكاح، وهو ما يفسّر كثرتها؛ لأنّ النّاس يلجؤون٢ إلى ترك الكلمة لمجرد ما يتعلق بها ذلك المعنى، وعلى هذا ماتت كثير من الألفاظ في العربيّة، ورصدت المعاجم بعضه مع أنّه متروك في الاستعمال اللّغويّ الرّاقيّ، والأمثلة على ذلك معروفة.
وقد يكون للكلمة مدلول اجتماعي مكروه، لا يليق بمكانة الإنسان، ومن ذلك ما روي عن النّبيّ ﷺ وقد جاءه قوم من العرب، فسألهم ﵇ فقال: "من أنتم" فقالوا: "بنو غيّان"، فقال: "بل أنتم بنو رِشْدان"٣.
وعلّة ذلك ظاهرة، وهي أنّ غيّان من الغيّ؛ فكره لهم النبي ﷺ هذا الاسم، لما يحمل في طياته من دلالة اجتماعية غير مرغوبة؛ فأمر بتركه وإماتته.
стр. 99
الباب الرابع: إحياء الممات
الفصل الأول: الحاجة إلى إحياء الممات .
...
الفصل الأول
الحاجة إلى إحياء الممات
اللغة ألفاظ معدودة يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والأغراض تتجدد والمعاني تتولّد، والحضارة تقذف كلّ يوم بمخترع، والعلوم تطالب كل حين بمصطلح جديد، والألفاظ محدودة، والمعاني لا تنتهي واللغة التي لا تستوعب حاجات أهلها ولا تساير ركب الحياة تضمحل ثم تموت.
وللغات الحية وسائل تنمو بها، وطرائق تجدد بها شبابها، وللعربية وسائلها وطرائقها التي تنمو بها وتتجدد، ومن أبرز هذه الوسائل١:
١- القياس.
٢- الاشتقاق.
٣- الوضع والارتجال.
٤- النحت.
٥- القلب والإبدال.
٦- نقل الدلالة.
٧- التعريب.
٨- إحياء الممات.
وهذا الأخير لم أجد من ذكره في وسائل تنمية اللغة، وهو في رأيي المتواضع أحدها، وإن لم يكن أهمها، ويمكن اللجوء إليه والاستفادة منه عند
стр. 100
الحاجة، وبخاصة إذا أردنا أن نحافظ على نقاء اللغة ونحد من ظاهرة الاقتراض في العربية بشقيها المعرب والدخيل.
ويطيب لي أن أقول من خلال هذا البحث أن للمات دوراً في تنمية اللغة العربية يتمثل في إمدادها بألفاظ من مخزونه الثري، فلربما ماتت الكلمة واختفت زمناً طويلاً ثم بعثت من جديد لتستخدم في معناها القديم، أو في معنى جديد، كإحياء الكلمات الميتة للتعبير عن المصطلحات العلمية الجديدة، ولهذا يقول علماء اللغة المعاصرون: إنه من الخطأ أن نقول: (إن كلمة ما قد ماتت؛ إذ إنّ هناك دائماً احتمال عودتها للحياة، ولو كان ذلك بعد قرون عديدة من الهجوع والاختفاء من الاستعمال١.
وممّا أعيد استعماله من الممات "الإتاوة" بمعنى الجزية والخراج، فقد دَبَّتْ في هذه الكلمة الحياة من جديد، فذكرتها المعاجم المعاصرة الّتي تعنى بالمفردات الحية٢، وقد نصّ علماء اللّغة القدامى على إماتتها، وأنّها من ألفاظ الجاهلية٣.
وذكر ابن دريد أنّ (الغوث) من غاث غوثاً أميت مع فعله، واستعمل منه أغاثه يُغيثه إغاثة٤. وقد أحيا المعاصرون هذا الفعل الثلاثيّ الممات، واستعملوا منه قولهم: "غوث اللاجئين" وهو من تعبيراتهم المشهورة.
وأحيت العامّة في جزيرة العرب فعلاً مماتاً، وهو (قَلَطَ) فقالوا في ترحيبهم بالضّيف: اقْلُطْ؛ أي: تفضلْ بالدّخول، وصرَفوه في كافَة أزمنة الفعل
стр. 101
واشتقّوا منه اسم الفاعل. وقد ذكر ابن دريد أنّ الفعل (قَلَط) ممّا أميت من الأفعال١، ولهذا لم يرد له ذكر في معاجم اللّغة؛ كـ (العين) ، و (الأفعال) للسّرقسطيّ، و (الأفعال) لابن القوطيّة، و (الأفعال) لابن القطّاع، و (اللّسان) و (القاموس) و (التّاج) .
وإذا أمكن إحياء لفظ مهجور لمعنى مستجد مع وجود لفظ مولّد يمكن أن يؤدّي الغرض فإنّ إحياء القديم خير من استعمال المولّد، بشرط أن يكون ممّا يستساغ لفظه ويقبل تركيبه.
وذهب بعض المعاصرين إلى خلاف ذلك فرأى أنّ استعمال اللّفظ المولّد خير من إحياء اللّفظ الميّت واستبقاء المولود الجديد أولى من إحياء الميّت القديم٢.
وإحياء الممات خير من استعمال المهمل؛ لأنّ المهمل لم تأتلف حروفه من أصل الوضع اللّغوي لعلل صوتيّة في الكثير الغالب، كما يظهر ذلك من تأمّل المهمل في معاجم التقليبات، وأمّا الممات فإنّه ممّا ائتلفت حروفه وساء حينا ثمّ باد لعلل دلاليّة في الكثير الغالب، والدّلالة دائمة التّغير والدّوران.
ويتّصل بإحياء الممات واستعماله الاشتقاق منه دون إحيائه، وهذا عنصر فعال في تنمية اللّغة، وقد أكثر العرب قديماً من الاشتقاق من ألفاظ مماته نصّ عليها بعض المعجميّن، فمن ذلك اشتقاقهم (العَدَوليَة) وهو ضرب من السّفن منسوب إلى لفظ ممات، وهو (عَدَوْلاه) ٣.
стр. 102
واشتقّت العرب من (كَهَفَ) وهو فعل ممات قولهم: كَنْهَفَ عنَا، إذا تنحّى١.
واشتقوا من (هَرَلَ) هَرْوَلَ هرولة٢.
وقال اللغويّيون: إنّ اسم هذيل مشتقّ من فعل ممات، وهو (هَذَلَ) ٣.
واشتقّت العرب (العذيوط) من فعل ممات، وهو (عَذَطَ) ٤.
ومثل هذا كثير، أوردنا منه قدراً صالحاً من الأمثلة في الباب الثاني من هذا البحث وهو يدل دلالة لا لبس فيها على أنه يجوز الاشتقاق من الممات.
ويمكن - من جانب آخر - أن يعد الممات عند موته عاملاً من عوامل نمو اللغة "فكل تجديد أو نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، واللغة في هذا تشبه الكائن الحيّ"٥ الذي تتجدد خلاياه مع مرور الزمن، فليس في اللغة كسب دائم من النمو يوفر لها ثراء لا يتناهى، وليس فيها جمود وثبات مطلق، فهي تحاول دائماً أن تصل إلى نوع من التوازن الدقيق، فكما "تقترض ألفاظاً من اللغات الأخرى لتسعف حاجات المتكلمين بها نراها تستغني عن ألفاظ أخرى تختفي من الاستعمال"٦.
والممات بهذا المعنى يؤدي دورة في نمو اللغة، ويسهم مع سائر العوامل الأخرى في بقاء اللغة قوية قادرة على مواجهة مستجدات الحياة الفكرية
стр. 103
والمادية، فشأنه في هذا شأن الخلية الميتة في جسم الإنسان التي تفسح بموتها المجال للخلية الجديدة الشابة ليبقى الجسم قوياً قادراً علىالحياة.
وبالجملة فإنّ الممات عامل مهمّ من عوامل نموّ اللّغة، في إماتته وفي إحيائه، ففي إماتته إفساح المجال لتنمية اللّغة وتجديدها، وفي إحيائه حقن للّغة بألفاظ أصيلة مألوفة للّغة ومقاييسها.
стр. 104
الفصل الثاني
موقف العلماء من إحياء الممات
لعلماء العربيّة موقفان متضادّان في إحياء الممات وهم في ذلك فريقان: فريق لا يجيز إحياء الممات، وفريق يجيزه.
وممّن لا يجيزون إحياء الممات (ثعلب) فهو يَعُدُّ ماضي وَذَرَ ووَدَعَ من غير الفصيح، ولا يجوز الكلام بهما١.
ومنهم الفارابيّ إذ نقل عنه الفيّوميّ أنّه قال: "والعرب قد تميت الشيء حتّى يكون، مهملاً فلا يجوز أن ينطق به"٢ وهذا نصّ صريح الدّلالة.
ولا يجيز أبو عليّ الفارسيّ استعمال ما أميت من (يَدَعُ) و (يَذَرُ) لأنّ العرب رفضت ذلك واستغنت عنه٣، وعلى هذا يمكن أن يقال: إنّه يمنع إحياء الممات، قياساً على منعه إحياء ماضي يَدَعُ ويَذَرُ.
ويوافقه في ذلك تلميذه ابن جنّي في كلامه في باب القول على الاطّراد
стр. 105
والشّذوذ، يقول: "فإن كان الشّيء شاذّاً في السّماع مطّرداً في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
من ذلك امتناعك من: وَذَرَ ووَدَعَ؛ لأنّهم لم يقولوهما ولا غرو عليك أن تستعمل نظيرهما نحو وَزَنَ ووَعَدَ، لو لم تسمعهما، فأمّا قول أبي الأسود:
لَيتَ شِعْرِي عَن خَلِيلِي مَا الَّذِي ... غَالَهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَه
فشاذّ، وكذلك قراءة بعضهم: "ما وَدَعَك رَبُّكَ وما قَلَى"١.
وأشار إلى ذلك السّيوطيّ في "المزهر"٢.
وأمّا الفريق الثّاني فإنّه يجيز إحياء الممات واستعماله لدوره المهم في تنمية اللغة وإثرائها، ومن أقدم من قال ابن درستويه في رده على ثعلب الّذي يمنع استعمال الماضي والمصدر من وَذَرَ ووَدَعَ، قال ابن درستويه: "واستعمال ما أهملوا٣ جائز صواب وهو الأصل وقد جاء في الشّعر منه قول أبي الأسود ... وقَرَأتَ القرّاء ... واستعمال ما لم يستعمله العرب من ذلك٤ غير خطأ، بل هو في القياس الوجه، وهو في الشّعر أحسن منه في الكلام، لقلّة اعتياده؛ لأنّ الشّعر - أيضاً- أقلّ استعمالاً من الكلام"٥.
ويدلّ هذا الرّأي الجريء من ابن درستويه على فهم دقيق مبكّر لدور الممات، وأهميّته في اللّغة ونموّها.
ويبدو لي أنّ كثيراً من علماء العربيّة المتقدّمين يوافقون على هذا الرّأي وإن لم
стр. 106
يصرّحوا به، وإنّما يفهم من موقفهم من ماضي (يَدَعُ) فهم يحكمون بأنّه من الممات، مع أنّهم ذكروا بعض الشّواهد على استعماله، من دون أن يخطّئوا صاحبه، أو يضعّفوا قوله، وذكروا بعض القراءات وهم يرون الاحتجاج بالقراءات الشّاذّة في اللغة، وليس لذلك تفسير عندي سوى الإقرار منهم بأنّ الفعل المَيّت قد يظهر في الاستعمال على قلة إذا دعت الحاجة إليه في شعر أو غيره، فيكون من باب إحياء الممات.
وقد حمل الأستاذ سعيد الأفغاني على علماء العربيّة القدامي وسفّه قولهم بإماتة هذا الفعل، وقال: "والطّريف أنّ بعض المحقّقين ممّن تأخر زمانه عن أولئك صحّح خطّأهم فأثبت صاحب المصابح هذه اللّغة الفصيحة في معجمة واستنكر ادّعاءهم الإماتة ...
وبذلك ترى تسرّب الوهن إلى بعض أحكامهم إذ كانت خطّتهم ينقصها الإحكام في المنهج والكفاية في الاستقراء معاً، وكان عليهم قبل إرسالها استيعاب قراءات القرآن على الأقلّ والاحتجاج بها"١.
ولو تدبّر الأستاذ الأفغاني ﵀ في ذلك وتأمّل طريقة علمائنا في تناول هذا الفعل المتمثلة في الجمع بين قولهم بإماتته وروايتهم قدراً من الشّواهد على استعماله لربّما توصّل إلى مثل ما توصّلت إليه، وتجنب اتهامهم ﵏ بالخلل في المنهج وعدم الكفاية في الاستقراء.
ويبدو أنّ في صنيع أصحاب المعاجم دلالة قويّة على أهميّة الممات، وأعنى بذلك احتفاظهم بالممات في بطون المعاجم الكبيرة المتأخّرة، كـ (التكملة) و (العباب) و (اللسان) و (القاموس) و (التاج) ولعلّ ذلك إرهاص لإحيائه عند الحاجة، وفي هذا كانت المزية للعربيّة، إذ لا تحتفظ سائر اللّغات إلا
стр. 107
بالمستعمل، وهو مهدّد بالموت، ومعرّض لقوانين التّطور اللّغويّ والتّعبير الصّوتيّ، فإذا أميت بالترك لم يكن في طبائعها ما تعوض به المتروك الجديد بمتروك قديم، فتضطرّ إلى الاستجداء من لغات أخرى١، فقد تصاب بالتّخمة والتّسمم لكثرة ما في أحشائها من الدّخيل.
ولقد ظهرت دعوات في الأوساط اللّغويّة العربيّة المعاصرة للاستفادة من الممات وإحيائه بطريقة منظّمة، تتمشّى مع خطّة معيّنة، تمليها السّياسة اللّغويّة، وتهدف إلى التخلّص من الكلمات الأجنبية أو إلى سدّ النقص الملحوظ في الاستعمال، الّذي لا يمكن معالجته بالطّرق المألوفة، وقد شاع هذا الاتجاه في لغات أجنبيّة في القرن الثامن عشر، كاللغة الألمانية، عند ما جاهد دعاة المحافظة على اللغة وقواعدها في سبيل التّخلّص من الكلمات الفرنسيّة الدّخلية٢.
أمّا في العربيّة فقد أحيا الأدباء والعلماء في العصور الحديثة كثيراً من الألفاظ القديمة للحاجة إلى معانيها، وتبعاً للمخترعات الصناعيّة الّتي تستلزم بعض المصطلحات، ومن هنا وجدناهم يعيدون إلى اللّغة شيئاً من الألفاظ المهجورة "فكثيراً ما يلجؤون إلى ذلك للتّعبير عن معان لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبّر عنها تعبيراً دقيقاً، أو لمجرد الرّغبة في استخدام كلمات غريبة، أو في التّرفع عن المفردات الّتي لاكتها الألسنة كثيراً، وبكثرة الاستعمال تبعث هذه المفردات خلقاً جديداً، ويزول ما فيها من غرابة، وتندمج في المتداول المألوف، ولا يخفى ما لذلك من أثر في نهضة لغة الكتابة واتّساع متنها وزيادة قدرتها على التّعبير"٣.
стр. 108
وعلى الرغم من ذلك فثمة فريق من علماء العربية المعاصرين يميل إلى تجديد اللغة وتنميتها عن طريق الوسائل المشهورة كالاشتقاق والارتجال والمجاز والنحت والتعريب، ويدعو إلى ترك الغريب والحوشي والمهجور والممات وتفريغ المعاجم اللغوية مما تحويه من ذلك١.
ومن أظهر من يمثل هذا الرأي المعلم الخوري بطرس البستاني الذي عدّ اشتمال المعاجم العربية على الغريب والحوشي والمهجور والممات عيباً من عيوبها وشائبة ينبغي تخليص المعاجم منها لمكان ذلك من الغرابة أو لتوغله في الحوشية والوحشية أو لهجره، وهو يرى أن دفنه خير من بقائه ويشبه بقاءه بالدُّمَّل في جسم اللغة البهي٢.
ويتألم هذا الباحث ويتحسر لاتجاه اللغويين والمعجمين إلى الإبقاء على هذا النوع من الألفاظ في معاجم العربية، ويقول: "ومما هو جدير بالأسف أنه بات من الراسخ في وهمنا أن تلك الألفاظ المستكرهة لا بد من إثباتها في معاجمنا، وإلا اجترحنا أفظع جريرة في حق لغتنا، وأفقدناها كنزاً ثميناً لا يعوض ولا نعلم متى تسقط هذه الكلمات المنبوذة من معاجمنا"٣.
وهذه نظرة غير موفقة لهذا النوع من الألفاظ التي يمكن الاستفادة منها بإحيائها في معناها أو بإلباسها معنى جديداً كما استفادت بعض اللغات الحية من ممات اللاتينية القديم.
стр. 109
الفصل الثالث
دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات
تنطلق مجامع اللغة العربية في عنايتها باللغة وحرصها على نقائها وإثرائها بما يضمن لها النماء والحيوية ومسايرة مستجدات العصر من نظرتين متوازيتين:
إحداهما: الحفاظ على التراث اللغوي للعربية، وتقريب بعيدة، وتيسير غريبة، وإحياء مماتة.
ثانيهما: الاقتراض والترجمة.
ولهذه المجامع نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجدّ من المعاني والمصطلحات، وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحدّ من تسرّب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون الممات أحد الوسائل النافعة التي تمدّ العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر.
ولكن المجامع اللغوية التي تكاثر فيها الأعضاء المجددون اتجهت بتأثير منهم نحو اعتماد آراء أكثر جرأة في التجديد والانفتاح على اللغات الحية عن طريق التعريب والترجمة، فانعكس ذلك سلباً على نشاط المجامع في إحياء الممات أو العودة إلى الغريب والحوشي والمهجور.
ومن هذا المنطلق تعالت الأصوات الداعية إلى ترك الممات وإهمال المهجور والألفاظ الحوشية الجافية بحجة عدم الحاجة إليها أو قلة الفائدة منها.
ومن هؤلاء علي الجارم الذي ذكر أنه وجد بمجلة المجمع القاهرة ألفاظاً
стр. 110
قديمة غير مستعلمة، وقد اعتمدت للتعبير عن أشياء جديدة تختلف معانيها عن معانيها القديمة، وهو لا يستسيغ هذه الطريقة١.
وقدم الأستاذ أحمد أمين اقتراحاً يقضي بالتخفف من كثير من مفردات اللغة، وهو يرى "أن أولى الكلمات بالإعدام هي تلك الكلمات الحوشية فلا بد من استبعادها وعدم إدخالها في المعاجم الجديدة"٢.
وعلق عليه الدكتور إبراهيم أنيس مؤيداً تخليص اللغة من الألفاظ الحوشية والمهجورة٣ وأدى هذا الاقتراح للأستاذ أحمد أمين إلى صدور قرار لمجمع اللغة بالقاهرة في الدورة الثلاثين سنة ١٩٦٤م وفيما يلي نص القرار:
"من الواجب أن يكون من المعاجم ما يتضمن كل كلمات اللغة، أما وصف بعض الألفاظ بأنها حوشية فذلك اعتبار بلاغي لا لغوي، ولا يستبعد اللفظ من المعاجم بأنه حوشي"٤.
وبهذا رد المجمع الاعتبار للألفاظ القديمة وفتح الباب للإفادة منها في المصطلحات العلمية الجديدة، فأصبحت القاعدة تنص على تفضيل المصطلحات العربية القديمة على المصطلحات المستحدثة شريطة ألا تكون المصطلحات المستحدثة شائعة في الاستعمال، وأن تكون المصطلحات القديمة معبرة عن المقصود تعبيراً دقيقاً٥.
وكان لتدخل الشيخين حسين والي وأحمد الإسكندري٦ أثر ظاهر في