الافتتاحية
١ - الجهاد هو الجهاد
ليس شيئاً من شعائر الإسلام يثير رعب أعدائه مثل الجهاد، وليس أمراً
حرص المستعمرون وأذنابهم على تشويهه؛ وتفريغ قلوب وعقول المسلمين منه
كهذه الفريضة.
وما من مناسبة استعمل فيها المسلمون كلمة (الجهاد) إلا وكانت ناقوس خطر
يثير فيهم خليطاً من مشاعر الرهبة والغضب، يوازيه عمل دائب بشتى السبل للحد
من أثر هذه الكلمة النفسي والعملي.
وفي فترة سبات طويل اجتمعت فيها أسباب كثيرة جعلت المسلمين ينظرون
إلى كثير من مفردات دينهم نظرة خاطئة.، ويجردونها من معانيها الأصلية،
ويلبسونها معاني ليست لها، وهي في الحقيقة معانٍ تعكس ضعفهم ورضاهم بالواقع، ويتمثل فيها خداعهم لأنفسهم وتسويل الشياطين لهم. وكأن الجهاد من تلك الكلمات
التي تُلُوعِب في معناها، فالتبست على الكثيرين مع أنها من أشد الكلمات وضوحاً
وتوضيحاً، سواء في القرآن أو في السنة، فمثلاً لم يكن يتصور أحد من الصحابة
أن يحقق معنى الإسلام في نفسه دون أن يشارك في الجهاد، وهكذا اندفعوا في كل
اتجاه حاملين دين الله يبلغونه للعالمين، فكم منهم من مات في مسقط رأسه يا ترى؟ ! وهل يدرى مسلمو اليوم كم قضى من أولئك الحشد الكريم في البلاد البعيدة، وإلى
أي مدى وصلت بهم هممهم العالية، لا نقول: أقدامهم أو سنابك خيلهم؟ ! وكذلك
الأجيال الأولى في التاريخ الإسلامي.
ومع أن فقه الجهاد وما يتعلق به بقى في كتب الفقه محدداً مفصلاً، محفوظاً
ومدروساً؛ إلا أن الجهاد (العملي) لازال يتقلص وينحسر حتى أتت على المسلمين
فترة انقلب فيها فهمه رأساً على عقب، وأصبح يوصف (بالأصغر) بينما أصبح
حال المتبطلين الخانعين من الصوفية، المنعزلين عن المشاركة في الحياة الإيجابية
بعرضها وطولها، المتطلعين إلى وسم أساليب حياتهم بسمات شرعية تسوغها..
أصبحت هذه الأساليب الغريبة عن روح الإسلام (جهاداً أكبر) ! فرووا في ذلك
حديثاً ضعيفاً، بل موضوعاً لا تصح روايته إلا مقرونة بما يفيد تركها وسقوطها،
والحديث هذا عن جابر قال: قدم النبي ﷺ من غزاةٍ فقال لهم
رسول الله ﷺ : «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر= مجاهدة العبد هواه» (١) . وهو حديث ساقط روايةً ودرايةً أي سنداً ومتناً. أما
روايةً، فلأن في سنده يحيى بن العلاء، قال عنه ابن حجر: رمي بالوضع،
وضعفه أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين، وقال عنه الدارقطني: متروك، وقال
عنه أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث.
وأما دراية فلأنة معارض لصريح قوله تعالى: [لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ
المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وفَضَّلَ اللَّهُ
المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً] [النساء/٩٥] .
وكذلك فإنه لم يرد في ثواب عمل من الأعمال ما ورد في فضل الجهاد في
سبيل الله، ففضلاً عن الآيات القرآنية الكثيرة؛ إلى القارئ بعضاً من أحاديثً النبي
ﷺ في فضله:
- رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.
- إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين
الدرجتين كما بين السماء والأرض (رواه البخاري) .
- ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار (رواه البخاري) .
- رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل (رواه
الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
- رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه أجرى عليه عمله
الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتّان (رواه مسلم) .
- وعند البخاري أن رجلاً قال: يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد؟
قال: «لا أجده» ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك
فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟» . فقال: ومن يستطيع ذلك؟ .
-لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (متفق عليه) .
(والجهاد - باتفاق العلماء - أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع،
وصوم التطوع.... ونفع الجهاد لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، وهو مشتمل على
جميع العبادات الظاهرة والباطنة: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه،
وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله) [مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٥٣] .
ولقد وصل المسلمون في الأعصر الحاضرة إلى مرحلة فاصلة، وعطلت
كثير من أحكام الإسلام ومفاهيمه، وأجبر الناس جبراً، وعلى غير رضا منهم،
على العيش في ظل مفاهيم غريبة عن عقيدتهم ودينهم، وأصبح الجهاد بمعناه
الشرعي بعيداً عن أفكارهم وتوجهاتهم، وكل ذلك يهون وتمكن معالجته عند إدراكهم
لحقيقة دينهم وحقيقة واقعهم وما هم عليه من حال بعيدة عما يرضاه الله تعالى لهم،
ولكن الرضا عن هذا الواقع المؤلم؛ والاحتجاج له بالحجج الواهية المقدمة في ثياب
شرعية زائفة أصبح غير مقبول، ولا يقل خطراً وأثراً تخريبياً عن المذاهب
الهدامة، والبدع المدمرة التي يستعين مروجوها - بالإضافة إلى الحديد والنار وحيل
الاستعمار - بشراء الفتاوى الباطلة لتتقبلها الجماهير بأقل ما يمكن من التكاليف
والجهود.
إن الجهاد هو الجهاد: بذل لكل ما يمكن من الجهود في سبيل الله، ومدافعة
أعداء الله وأعداء رسوله بكل ما يستطاع من القوة، قوة البدن، وقوة السلاح، وقوة
المال، وقوة العلم والمعرفة، على هذا استقر الإسلام يوم استقر، وبعيداً عن هذا
الفهم الجامع لمعنى الجهاد نزلت بنا الكوارث، وفعلت بنا الأفاعيل.
стр. 388
٢ - الحج ذلك الموسم العظيم
إن فوائد الحج الفردية لا يمكن إنكارها أو المجادلة فيها، فهو تزكية للنفوس،
وتجريد لها من عوامل الضعف، وتزكية لها بالتصميم على الانخلاع من الذنوب
والآثام ولذة القرب من الله ومناجاته في المشاعر التي عظمها بنفسه: [وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ]
لكننا في هذه المناسبة نحب الإشارة إلى الجانب الاجتماعي والمظهر العالمي
للحج كمؤتمر للمسلمين يقفون فيه وقفة للمراجعة، شاكرين نعمة لله عليهم سائلينه
العون على تجاوز العقبات والصعاب.
وإذا ما أشرنا إلى بعض السلبيات في موسم الحج فلا يعني هذا الغفلة عن ما
لهذه الشعيرة من أثر في إصلاح أحوال المسلمين أفراداً وجماعات، بل هو مزيد
إلحاح على هذه السلبيات حتى تنمحي أو تقل ولا يكون ذلك إلا ببث الوعي عند
المسلمين المتوجهين إلى تأدية هذه الفريضة.
إن كل من أكرمه الله بأداء فريضة الحج رجع وقد رأى وشاهد أنواعاً من
التصرفات والسلوك بين صفوف الحجاج أقل ما يقال فيها أنها ليست من الإسلام في
شيء، بل إن روح الإسلام تخالفها أشد المخالفة، بل وتحاربها أشد الحرب، فهناك
جهل كبير بأحكام الحج وآدابه يؤدي إلى أضرار كبيرة بالحجاج، وإعطاء صورة
غير طيبة عن المسلمين وشعائرهم.
ولذلك وجب على العلماء وطلبة العلم كل بحسب قدرته تعليم المسلمين
ونصحهم سواء قبل سفر هؤلاء الحجاج من بلادهم أو بعد وصولهم إلى المشاعر
المقدسة، وحتى يثمر التعليم والنصح والإرشاد ثمرته المباركة ينبغي أن يصدر عن
مدارسة وتخطيط يقوم به العلماء الذين يعتبر موسم الحج مناسبة هامة لتجمعهم
لتدارس مشاكل المسلمين الحجاج سواء في أثناء تأديتهم المناسك، أو المشاكل العامة
المتعلقة بأوضاع المسلمين عامة.
إن أهم المقاصد من الحج أن يتعانق الهدفان الديني والدنيوي وينعكسان على
المسلمين خيراً وبركةً. وتتحقق السعادتان: سعادة الدنيا بتصحيح الأخطاء والقضاء
على السلبيات؛ وسعادة الآخرة بمغفرة الذنب ومرضاة الرب، أما التطلع لتحقيق
واحد من الهدفين منفصلاً عن الآخر فهذا مخالف لروح الآية الكريمة [لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ]
стр. 389
في إشراقة آية
[ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ]
د. عبد الكريم بكار
هذه آية عظيمة القدر في كتاب الله -حيث إنها تسهم إسهاماً كبيراً
في تشكيل رؤية المسلم إلى أشياء كثيرة في عالم الأحياء وترتب على عدم الاهتداء
بهدي هذه الآية كثير من الخلل في حياتنا المعاصرة.
وما اخترناه ليكون عنوانا لهذه المقالة جزء من آية هي قول شعيب عليه
السلام لقومه [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ
فَأَوْفُوا الكَيْلَ والْمِيزَانَ ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ
إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [الأعراف: ٨٥] .
وسياق الآية وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم)
هنا ما يتبادله الناس في معاملات هم من المتاع، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون
به من أخلاق وأفكار وتاريخ ... أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس
ولا بخس ولا شطط لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة
وذهاب الريح ...
ولما كانت أصول دعوات الأنبياء ﵈ واحدة فإن الأمر بإقامة
الموازين والحكم بالعدل والإنصاف ظل الوصية الخالدة التي يوجهها كل نبي إلى
قومه؛ لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض ...
وقد أوصى الله تعالى رسوله محمداً ﷺ أن يعلن لأمته
أمر الله له بإقامة العدل فيها، فقال: [وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ
لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] [الشورى: ١٥] .
وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة حتى الأعداء الذين يبغضونهم
ويحاربونهم، فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة: ٨] .
وقد كان ﷺ يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه،
وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم،
وذكر محاسنهم وميزاتهم، مهما كان انتماؤهم وحيث كان موقعهم فهذا هو يقول: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» .
مع أن لبيد وقتها كان كافراً [١] ، وكان بإمكانه ﵊ أن يثني
على شعر بعض أصحابه المملوء حكمة وهدى بدافع حصر الخير فيهم، ولكن
الالتزام بالحق والإنصاف وعدم بخس أحد حقه يأبى ذلك فأثنى على كلام رجل كافر.
ومن الجدير بالذكر هنا أن عثمان بن مظعون ﵁ سمع لبيداً ينشد
البيت فلما قال:
ألا كل شيء ماخلا الله باطل
قال له عثمان: صدقت، فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال له عثمان: كذبت نعيم الجنة ليس بزائل.
وإن المرء ليعجب لهذا الإنصاف أيضاً من عثمان المقتبس من مدرسة النبوة
حيث أثنى في النصف الأول على لبيد، ويكذبه في النصف الثاني! ! .
وجاء المسلمون بسفانة بنت حاتم الطائي في السبي، فذكرت لرسول -صلى
الله عليه وسلم- من أخلاق أبيها ونبله فقال لها:
«يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً لو كان أبوك مؤمناً لترحمنا عليه، خلوا
عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق» [٢]
لقد وقف رسول الله ﷺ من حاتم الموقف الذي تمليه
شريعته الغراء التي جاء بها فأثنى عليه وأطلق سراح ابنته وأكرمها ولكنه لم يترحم
عليه لعدم إيمانه لتهتدي الأمة بهذا الهدي النبوي العظيم! ! .
ونبه ﷺ النساء على ما يجري على ألسنتهن من انتقاص
أزواجهن وجحد معروفهم عند أدنى خلاف فقال: «أريتُ النار فإذا أكثر أهلها
النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو
أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» [٣] .
وإن هذا الحديث يبرز قضية العدل إبرازاً يقل نظيره حيث جعل عليه الصلاة
والسلام جحوده سبباً كبيراً لكثرة وجود النساء في النار، وكأن كفران العشير يحدث
في الحياة الزوجية من الشروخ والندوب ما يوازي الجرائم الاجتماعية الكبرى.
وعلى هذا المنوال نسج الصحب الكرام رضوان الله عليهم حين إصدار
الأحكام على الخصوم فضلاً عن الإخوة والرفاق، فقد قاتل علي ﵁
الخوارج وقاتلوه ثم قتلوه، ولما سئل من قبل بعض الناس عنهم أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، فقالوا: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً
- أي هؤلاء يذكرون الله كثيراً - قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين؟ قال: إخواننا
بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا! ! [٤] .
فهل بعض إنصاف أبي الحسن من إنصاف؟ وهل هنالك كلام يقوله شاهر
سيف أرق من هذا الكلام؟ ! .
وظل روح العدل والإنصاف سارياً في الأمة قروناً عديدة، وتجلى ذلك بشكل
واضح جداً في القواعد التي صاغها المحدثون في الجرح والتعديل حيث وضحوا
الجوانب المختلفة لشخصية الراوي، وحكموا على كل زاوية على حدة، ثم انتهوا
إلى حكم عام حوله، وصار عندهم من الظواهر المألوفة أن يطلب أحدهم الدعاء من
رجل فإذا جاءه حديث عن طريقه حكم على الحديث بالضعف لأن طلب الدعاء مبني
على اعتقاد الصلاح، أما قبوله روايته فيعتمد على شيء آخر كضبط الراوي وعلمه
ونباهته، وغير ذلك ...
ولكن تراجعت هذه الرؤية الموضوعية الفذة فيما تراجع من الجوانب المختلفة
من حياة المسلمين وصار المنصفون الذين يجردون الشهادة لله، ويضعون الأمور
في مواضعها دون بخس أو تزيد من القلة الذين يشار إليهم بالبنان، ولنذكر بعض
النماذج التي ضربت بجذورها في حياة المسلمين اليوم، وصارت تشكّل ظاهرة
مرضية مزمنة، وذلك نتيجة التطفيف في المكاييل وبخس الناس أشياءهم:
١- يقوم شاعر ماجن أو ملحد بنظم قصيدة عصماء تتوفر فيها كل العناصر
الفنية المجمع عليها، فيتصدى لنقده بعض أهل الخير، فيسقطه ويشنع عليه غاضاً
الطرف عن كل إبداعه الفني، وما ذاك إلا لأن اتجاه ذلك الشاعر لا يروقه فاتخذ
منه موقفاً ثابتاً، حتى لو كان مضمون تلك القصيدة لا يمس أصولنا الاعتقادية، ولا
مسلماتنا المذهبية.
والواجب في مثل هذا أن يثنى على جوانب الإبداع في القصيدة، وينتقد
المضمون إن كان فاسداً نقداً أصولياً هادئاً عفيفاً.
ومن الواجب كذلك أن يفرق بين إنتاج الرجل الواحد فيثنى على الصالح منه
وينتقد ما فيه دخن، يقدم أحد الكتاب أو الشعراء خدمة جلى للمسلمين في كتاب أو
قصيدة ويتعثر في كتاب أو كتب أخرى فيعطى حقه في كل منها دون بخس أو
شطط، وحين يكون النقد أو الخلاف في وجهات النظر على هذا المنهاج يكون
إمكان الإصلاح أقوى، ونكون أقرب من الصواب، وأقرب للتقوى.
والرؤية التي يشكلها الإسلام لدى المسلم السوي في مثل هذا أن يشجع الأعمال
الإيجابية، ويثني عليها، ويكون عوناً فيها، فإذا رأى خللا نبه عليه، وحذر منه
وقام بالبلاغ المبين، ولو جرى مثل هذا في المجتمع لساد الانطباع بالإنصاف لدى
الفريقين ومَن بينهما من الناس ولأدى ذلك إلى تفتيت كتل المتشنجين والمتحاربين
الذين لا يرون لغيرهم فضلا، ولا يظنون فيمن خالفهم إلا سوءا.
٢ - يتآخى بعض أهل الخير في الله ويسعون جهدهم لخدمة هذا الدين وأهله
صفاً واحداً، ثم تحدث اجتهادات أو أخطاء تؤدي إلى تباين وجهات النظر، فتنشأ
في الصف الواحد تيارات ومدارس، وقد يتطور الأمر فيجد بعضهم الاستمرار
مستحيلا مما يجعله يقعد أو ينحو منحى آخر يجده أجدى وأنفع.
وسرعان ما يختلف اتجاه الرياح، فيصبح الأخ الناصح أو القائد المحنك أو
الصادق المخلص جباناً، أو بخيلاً أو صاحب مصالح بل قد يصبح عميلاً أو منافقاً
... إلى آخر ما يجود به قاموس (عمى الألوان) من الأوصاف الشنيعة والاتهامات
المقذعة، ويصبح اللقاء بين الحميمين العدوين ضربا من المستحيل مع أن نظرة
متأنية منصفة في ساعة إنابة لله جل وعز كفيلة بتبديد الغيوم وإذابة الثلوج. وإنما
يحدث مثل هذا لخلل في التربية الاجتماعية وأسلوب التلقي وغياب المناهج
والمعايير الدقيقة التي يتحاكم إليها المتنازعون، وما غابت المناهج النيرة إلا كان
البديل هو الاتهام وسوء الظن وطمس الحقوق.
٣-قد يحدث أن يسوق الله طالب علم إلى أحد المدرسين فيأخذ عنه بعض ما
عنده من العلم في بعض الفنون، ويشعر الطالب في بعض الأحيان أن ما عند هذا
الشيخ في تخصص ما لا ينقع الغلة، ولا يروي الصادي فيتجه إلى شيخ آخر
يلتمس ما عنده، وهنا يشعر الأستاذ الأول أن ما فعله هذا الطالب فيه نوع من إساءة
الأدب وعدم الوفاء بل قد يشعر أن هذا الطالب يوحي بأن ما عند الشيخ في هذا الفن
ضئيل الفائدة وحينئذ يبدأ تقطيب الوجه، والتصريح والتلميح والإشادة بأقران ذلك
الطالب الذين يمثلون الأدب والوفاء والعبقرية، ثم تكون الجفوة والقطيعة....
ونحن الآن في زمان ترك فيه الحلاق الحجامة، وقلع الأضراس، وترك فيه
الطبيب الفلك والحساب بل إن إحاطة المرء بكل فن من الفنون صار متعذراً نظراً
للتراكم الثقافي العظيم، والانفجار الهائل في المعلومات.
وهذا الداء قديم عندنا، وما لم تحرر النيات لله تعالى فستقطع رحم العلم،
ويحل الجفاء موضع الدعاء، والإزورار موضع التزاور. وكم تختلف الصورة لو
أن هذا الأستاذ أرشد تلاميذه إلى أولى الاختصاص ليفيدوا منهم إذا لقارضه الثناء
الأستاذ الآخر ولاتصلت الأنساب العلمية وأثريت الحياة الثقافية، وقبل هذا وذاك
حصول الالتزام بمنهج لله تعالى الذي لا يرضى لعباده التباغض والتحاسد وبخس
الحقوق ...
والخلاصة أن هذه الآية الكريمة مما عطل به العمل عند كثير من المسلمين،
ونشأ عن هذا التعطيل مرض اسمه: (عمى الألوان) ولكنه في البصيرة دون البصر، فأطفئت ألوان كثيرة لا تكاد تحصى كانت تتوهج بين الأبيض والأسود، وكثر
النمط الذي يقرظ ب: (وحيد دهره وفريد عصره) والنمط الذي يقول فيه (الرجال)
ما رأينا منه خيرا قط ...
стр. 390
مصطلحات إسلامية
(الإحسان)
إعداد: عادل التل
تتميز اللغة العربية بسعتها وكثرة مدلولات ألفاظها وشمولها لمعان متقاربة،
وقد جاء الشرع (القرآن الكريم والسنة النبوية) بألفاظ معينة لأحكام محددة، وبين
بشكل واضح المعنى المراد من كل لفظ وحدد المقصود منها مما أغنى - في هذا
الموضع - عن الرجوع دائما إلى أصل اللغة، وأصبح هذا التخصيص هو المرجع
في فهم نصوص الكتاب والسنة، ونشأ علم المصطلح عند العلماء المسلمين ليساهم
في توضيح هذه القضية، وسنقدم خلال هذه الصفحات مصطلحات إسلامية نحتاج
إليها دائما.
المعنى اللغوي:
الإحسان: مصدر أحسن، يحسن، إحسانا. يقال على معنيين:
١ - أحدهما متعد بنفسه كقولك: أحسنت كذا أي حسنته وكملته وهو منقول
بالهمزة من حسن الشيء.
٢ - متعد بحرف الجر كقولك أحسنت إلى فلان أي أوصلت إليه ما ينتفع به.
والحسن أصل واحد في اللغة وهو ضد القبح، وهو عبارة عن كل مرغوب فيه،
ومنه الحسنة يعبر بها عن كل ما يسر النفس من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه
وأحواله، والسيئة تضادها ومنه الإحسان ضد الإساءة.
المعنى الاصطلاحي:
يجتمع الإحسان والإنعام بمعنى العطاء ولكن الإحسان أهم من الإنعام، بحيث
يكون الإحسان للنفس، بينما لا يكون الإنعام إلا للغير، وكذلك الإحسان والعدل
ولكن الإحسان فوق العدل لقوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ] فالعدل
هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل
مما له، لذلك قيل تحري العدل واجب بالشرع، وتحري الإحسان ندب وتطوع.
ولقد عرف رسول الله ﷺ الإحسان حين أجاب جبريل
﵇: «الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
أخرجه البخاري.
قال ابن الأثير في معنى الإحسان هنا: الإخلاص، وقال القرطبي: هو
راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة المكملة، ومراقبة الحق،
واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار، وأرباب القلوب في هذه
المراقبة على حالين:
أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه، ولعل النبي -صلى الله عليه
وسلم- أشار إلى هذه الحالة بقوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
وثانيهما: لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه،
ومشاهد له، وإليه الإشارة بقول الله تعالى: [الَذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ] ، بينما يعتبر ابن تيمية أن النبي ﷺ جعل الدين
ثلاث درجات، أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان؛ ويليه الإسلام، لقول الله تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ] فالإحسان يدخل في الإيمان والإيمان يدخل في
الإسلام.
من أحكام المصطلح:
١ - إن الإحسان درجة عالية في مراتب الدين يجب على الإنسان أن يسعى
إليها بنية صادقة ومجاهدة مستمرة، قال تعالى: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ
مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ] .
٢ - الإخلاص في العمل، قال سفيان بن عيينة: (كان العلماء فيما مضى
يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته،
ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه
الله أمر دنياه) .
٣ - إن الدعاة إلى الله بحاجة أن يتمثلوا بهذه الحقيقة ويكونوا في مستوى هذه
المنزلة الرفيعة، فالدعوة إلى الله تحتاج دائما إلى جيل متميز يصبر على مشاق
الدعوة، ويجتاز الصعاب، يقول تعالى: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ
وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ (٣٣) ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ
الَذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] .
٤ - أمر الإسلام بالإحسان في كل شيء، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا
ذبحتم فأحسنوا الذبحة ... ) أخرجه مسلم.
٥ - عندما يصل المسلم إلى هذه الدرجة العظيمة من الإحسان والتقوى،
وكلما أوغل قلبه في هذا الطريق، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع، ولا يبالي بعد ذلك
بما يصيبه من بلاء أو يواجهه من أهوال، ينطلق بدعوته للخير دون خوف أو
خجل ...
стр. 391
خواطر في الدعوة
الفرصة المتاحة
محمد العبدة
إن ما يحدث على الساحة العالمية هذه الأيام شيء يحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر، فموجة المطالبة بالحريات الديمقراطية في الحكم تجتاح أعتى الدول دكتاتورية
وقبضة حديدية، أمريكا الجنوبية ترجع شيئاً فشيئاً إلى طريق الانتخابات، الدول
الشيوعية وعلى رأسها روسيا تقوم فيها المظاهرات مطالبة بإعادة الاعتبار للشعوب
المقهورة، هل كان أحد يتوقع أن تقوم مظاهرة في موسكو؟ ! والروس هم الذين
سحقوا الشعوب التي طالبت بشيء من الحرية، وما يحدث في الصين أعجب، لقد
تظاهر المسلمون أيضاً يطالبون بحقوقهم، رغم أن العسكر رجعوا إلى عادتهم
القديمة في قمع هذا الاتجاه.
لقد أفلست الشيوعية ومن قبلها الرأسمالية رغم أن الغرب يحاول الآن استغلال
هذا الانهيار في الجانب الشيوعي ليقول للناس: إن البديل هو الليبرالية الرأسمالية، ولكن فعلهم هذا كمن يحاول تجميل وجه قبيح، أو إرجاع الشباب إلى عجوز
شمطاء، فالغرب وإن كان فيه بقية من قوة وحيوية سيتشبث بها وينفخ في نفوس
أهله النزعة الاستعمارية المتأصلة، إلا أن الخلل والانحطاط في الحضارة الغربية
باد واضح للعيان، إذن ما هو البديل العقائدي أو الفكري الذي يطرح نفسه في هذه
الأيام؟ .
إن الإنسان لا يستطيع العيش في فراغ، لابد من شيء يملأ جوانحه، لابد أن
يعبد شيئاً ما، وأصدق الأسماء على الإنسان كما قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «حارث وهمام» فلا بد له من هم يشغله، وليس هناك سوى الإسلام.
وإذا كانت اليابان سترث الغرب اقتصادياً ومالياً، كما يتوقع بعض كتاب
الغرب المعاصرين، فإنها لا تستطيع أن تملأ الفراغ، اليابان لا تملك فكراً متميزاً
تقدمه للناس.
فهل يعي المسلمون خطورة مكانهم ومكانتهم ودورهم المهيأ لهم؟ وهل
يستطيع المسلمون إعطاء صورة صادقة عن هذا الدين مما يجعل بعض النفوس
التي أراد الله لها الهداية أن تقبل على الإسلام؟ إن الأخلاق الإسلامية العالية،
واتحاد الكلمة ووضوح الفكر، من أكبر الأسباب التي تؤثر في هؤلاء الناس، إنها
فرصة متاحة لنشر الدعوة، وتوعية المسلمين الذين كانوا مقهورين تحت الحكم
الروسي أو الصيني، وتوعية الجاليات الإسلامية في كل مكان.
وإذا كان الجهاد من أساسيات الدعوة، فإذا انعقدت سوقه وفتح بابه فهو من
أسباب إظهار قوة الإسلام وعظمته والتبشير به فكذلك إذا أتاح السلام في بعض
المناطق فرصة للدعوة فيجب أن تستثمر وتستغل كما حدث في صلح الحديبية حيث
أعطيت فرصة كبيرة للمسلمين في التنقل وجلب أنصار جدد، إن الفرص كثيرة،
والمهم هو أن يهتبلها المسلمون في الوقت المناسب.
стр. 392
من أعلام أهل السنة والجماعة
عبد الله بن المبارك العالم المجاهد
د. محمد بن مطر الزهراني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فان الله اصطفى من خلقه أنبياء ورسلاً، وجعل خاتمهم أفضلهم، وإمامهم
محمداً ﷺ ، وجعل رسالته خاتمة الرسالات، ودينه ناسخاً لما
قبله.
ثم اختار لصحبته صفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام،
وقد كانوا - بفضل الله - جديرين بذلك الاختيار، فحملوا الرسالة من بعده -صلى
الله عليه وسلم- وكانوا أمناء على أدائها على الوجه الأكمل، وكانوا المجتمع
الأنموذج والتطبيق الفعلي لمبادئ تلك الرسالة، ووسيلتهم في ذلك:
١- السلوك العملي الذي هو تطبيق لمبادئ الرسالة.
٢- وتعليم الناس دين الله.
٣- والجهاد لإعلاء كلمة الله.
٤- والصبر على الأذى والمشاق في سبيل الله..
فتخرج على أيدي هؤلاء الأئمة الأعلام تلاميذ نجباء كانوا على حمل الرسالة
من بعد أشياخهم أمناء، وهكذا خرّج كل جيل جيلاً بعده يحمل الرسالة ويؤدي
الأمانة، وهذا من حفظ الله لهذا الدين الذي ختم به الأديان.
وكان من يهتدي بهدي الرسول ﷺ وصحابته من بعده
ويسلك منهجهم في كل صغيرة وكبيرة يعرفون بأهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء
أهل الحديث المشتغلون بالسنة النبوية وخدمتها قولاً وعملاً، ومن خالف منهج
الرسول ﷺ وصحابته الكرام عرفوا بأصحاب الأهواء أو (المبتدعة) ، وكان على رأس هؤلاء الخوارج والروافض والجهمية والقدرية
والمرجئة والمعتزلة وغيرهم من تلك الطوائف المنحرفة عن ذلك المنهج القويم.
وكلمة أهل الحديث أصبحت علماً - في القرون الثلاثة المفضلة - على من
اتصف بهذه الصفات:
١- الاشتغال بخدمة السنة النبوية سنداً ومتناً، حيث ظهر على أيديهم علم
الرجال، وعلم مصطلح الحديث الذي امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها من
الأمم.
٢- الالتزام بالكتاب والسنة قولا وعملاً، عقيدة وعبادة معاملات وسلوكاً،
سياسة واجتماعاً مع فهمها الفهم الصحيح على نهج رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وصحابته الكرام.
٣- عدم تأويل آيات وأحاديث الصفات، أو صرفها عن ظاهرها بغير دليل.
٤- عدم تحكيم العقل والهوى في النصوص بدون دليل صحيح، كما فعل
المبتدعة من جهمية ومعتزلة وغيرهم ممن انحرف عن منهج أهل السنة والجماعة.
٥- فضح أهل البدع والأهواء وبيان ضلالهم وانحرافهم وتحذير الأمة منهم
ومن ضلالاتهم، كل ذلك نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
٦- الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وأن يكون الدين كله لله، وذلك بالسنان
والبيان، كما فعل سلفهم الصالح من الصحابة رض عنهم.
وقد وصف الحافظ ابن حبان في مقدمة صحيحه أهل الحديث، فقال:
( ... ثم اختار طائفة لصفوته، وهداهم للزوم طاعته، من اتباع سبل ...
الأبرار، في لزوم السنن والآثار، فزين قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان،
من كشف أعلام دينه وأتباع سنن نبيه بالدُّؤوب في الرحل والأسفار، وفراق الأهل
والأوطان في جمع السنن ورفض الأهواء، والتفقه فيها بترك الآراء، فتجرد القوم
للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه، وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأصلوه، وفرعوا عليه وبذلوه ... ) [١] .
وسأعرض تحت هذا العنوان (من أعلام السنة والجماعة) نماذج من أولئك
الأئمة الأعلام مبينا حسب الإمكان جهودهم العلمية والعملية في خدمة هذا الدين
وتعلمه وتعليمه للناس، لعل شباب الإسلام اليوم يجدون في الاقتداء بهؤلاء الأئمة
ويحذون حذوهم فيحيون منهج أهل السنة والجماعة بين الناس ويكونون الأنموذج
العملي لمبادئ تلك الرسالة كما كان أسلافهم من أهل القرون المفضلة.
وأول ما أبداً به من هؤلاء الأعلام إمام أهال السنة في خراسان في زمانه،
وقدوة المتقين في وقته، العالم الرباني المجاهد: عبد الله بن المبارك أبو عبد
الرحمن التركي الأب، الخوارزمي الأم، ولد سنة ثماني عشرة بعد المائة وتوفي
سنة إحدى وثمانين ومائة [٢] .
قال الإمام الذهبي: ( ... الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في
وقته، طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، سمع من هشام بن عروة، وإسماعيل بن
أبي خالد، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وموسى بن عقبة، ومعمر بن راشد، وابن جريج، ومالك بن أنس،
والثوري، وشعبة، وخلق كثير.
وروى عنه داود العطار وابن عيينة، وأبو إسحاق الفزاري، ومعتمر بن
سليمان، ويحيى بن القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله وهب، وعبد
الرزاق الصنعاني وخلق غيرهم) [٣] .
مكانته العلمية:
قال الخطيب البغدادي: كان ابن المبارك من الربانيين في العلم الموصوفين
بالحفظ ومن المذكورين بالزهد.
وقال عبد الرحمن بن المهدي: ما رأيت أعلم بالحديث من سفيان الثوري،
ولا أحسن عقلاً من مالك، ولا أقشف من شعبة، ولا أنصح لهذه الأمة من عبد الله
بن المبارك.
وقال الأسود بن سالم: كان ابن المبارك إماماً يقتدي به، وكان من أثبت
الناس في السنة إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.
وقال سفيان بن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت
لهم عليه فضل إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه.
وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام
الناس والشجاعة. والسخاء والتجارة.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه [٤] .
هذه شهادات أئمة عدول تبين لنا تلك المكانة العالية التي كان يحتلها هذا الإمام
المجاهد، والعالم الرباني بين علماء الأمة، هذه المكانة لم يكن ينالها ابن المبارك لو
أنه آثر أن يعيش كما يعيش غيره من الناس على هامش الحياة آثر الدعة والراحة
على الجد والجهاد والتضحية والبذل..
بل كان همه ﵀ وشغله الشاغل نصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله،
فكان يبذل في سبيل ذلك نفسه وماله وعلمه وصحته ووقته ﵀ ورضي عنه.
جهوده في خدمة منهج أهل السنة والجماعة:
تلقى الإمام ابن المبارك هذا المنهج الصافي عن شيوخه من التابعين وهم تلقوه
عن الصحابة رضوان الله عليهم، فبذل ﵀ في سبيل تأصيل ونشر منهج أهل
السنة والجماعة كل غال ونفيس لديه ولقد كانت حياته كلها خدمة لهذا المنهج،
وتطبيقا عمليا لمبادئ منهج أهل السنة والجماعة، وقد عبر عن ذلك الأسود بن سالم
فيما رواه الخطيب بإسناده إليه قال: كان ابن المبارك إماماً يقتدى به، وكان من
أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على
الإسلام [٥] .
هكذا كان ابن المبارك، وهكذا كان السلف الصالح كل حياتهم وحركاتهم
وسكناتهم لدينهم الذي يدينون به لله لا مجال لغير ذلك في حياتهم كلها وليس في
حياتهم مجال لازدواج الشخصية.
وهذه نماذج من تلك الجهود التي قام بها ابن المبارك في سبيل تأصيل هذا
المنهج والدعوة إليه:
أولا: في مجال العقيدة:
كان لابن المبارك ﵀ موقف من أهل البدع والأهواء، وهو موقف
المؤمن الواعي لما يدور حوله وما يحاك من الدس والتشويه والتحريف لعقيدة هذه
الأمة عقيدة أهل السنة والجماعة، لذلك نجده يوصى أحد تلاميذه فيقول: ليكن
مجلسك مع المساكين وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة [٦] .
وهذه بعض مواقفه:
- روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية بإسناده إلى
ابن المبارك أن رجلا قال له: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله تعالى من كثرة ما
أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس
بشيء [٧] .
- وأخرج الذهبي بإسناده إلى على بن الحسن بن شقيق قال: سمعت ابن
المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام
الجهمية [٧] .
-وعنه أيضاً قال: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف يعرف ربنا قال: في السماء على العرش، قلت له: إن الجهمية تقول هذا قال: لا نقول كما تقول
الجهمية: هو معنا هاهنا.. [٨] .
قال الذهبي - معقبا - قلت: الجهمية يقولون: إن الباري في كل مكان،
والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله تعالى: [وهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ] [الحد يد: ٤] ، يعني بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه استوى، كما نطق به القرآن والسنة.
وقال الأوزاعي وهو إمام وقته: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله
تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفات وأحاديثها كما جاءت من
غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على
الكلام في الذات المقدسة، وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقة، لا
مثل لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها [٨] .
وأخرج أبو نعيم في الحلية بإسناده إلى عمار بن عبد الجبار قال: سمعت ابن
المبارك يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: الجهمية كفار، والقدرية كفار، فقلت
لابن المبارك: فما رأيك؟ قال: رأيي رأي سفيان [٩] .
- وفي كتاب السنة للإمام أحمد عن إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن
المبارك يقول: الإيمان قول وعمل، الإيمان يتفاضل [١٠] ..
- وفي كتاب الصلاة لابن القيم عن يحيى بن معين قال: قيل لعبد الله بن
المبارك: إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن
مستكمل الإيمان، فقال ابن المبارك لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة
متعمداً من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر [١١] .
- وقوله هذا والذي قبله وما سيأتي هو رد على المرجئة القائلين: لا يضر
مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
روى أبو عثمان الصابوني عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - ابن راهويه -
قال: قدم ابن المبارك الري فقام إليه رجل من العباد - الظن أنه يذهب مذهب
الخوارج - فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر، قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال: يا أبا عبد الرحمن على كبر السن صرت
مرجئيا، قال: لا تقبلنا المرجئة، المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت منى حسنة لشهدت أنى في الجنة [١٢] .
هذا هو موقف عبد الله بن المبارك من أصحاب البدع والأهواء المنحرفة إنه
موقف العالم المجاهد العارف لدينه، والناقد البصير لتلك المبادئ الهدامة التي يدعو
إليها أصحاب الأهواء، والمتيقظ لخطر تلك العقائد الدخيلة على الإسلام والمسلمين، والتي أدخلها عليهم أعداء الله ورسوله ﷺ من اليهود
والنصارى والمجوس والصابئة، وما تؤدي إليه من فساد في الاعتقاد، وفساد في
الدين، وفساد في الأخلاق.
إنه يتبرأ من عقائد الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية
والفلاسفة، ويبين فساد مقالاتهم ومذاهبهم، وفيما نقلناه من النصوص عنه يصرح ببطلان هذه العقائد المنحرفة.
ثم هو في أثناء ذلك لا يغفل عن بيان منهج أهل السنة والجماعة في الإيمان
بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله -صلى الله عليه
وسلم-، والوقوف عند نصوص الكتاب والسنة والتسليم لهما، وعدم تقديم العقل
عليهما أو تحكيمه فيهما، وفي احترام الصحابة والترضي عنهم وعدم الخوض فيما
جرى بينهم، وكان يحذر من الرواية عمن يسبهم رضى الله عنهم، روى ذلك الإمام
مسلم في مقدمة صحيحه عن على بن شقيق قال. سمعت ابن المبارك يقول على
رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف [١٣] .
стр. 393
من قضايا العلم والتعلم
حديث عن المقاصد
-١-
د. عبد العزيز القارئ
أول ما نفتتح به الكلام عن العلم والبحث، وقضايا التعلم والتعليم ومشكلات
العالم والمتعلم: هو الحديث عن المقاصد، وهو حديث ذو شجون، وأي شئون
المسلمين اليوم يخلو من الشجون؟ لِمَ نتعلم؟ تحديد الهدف والمقصد في مجال العلم
والتعليم هو المسألة الأولى، وعليها تبنى سائر المسائل، لأن كل شيء يصاغ على
ضوء الهدف والمقصد.
العلم في الإسلام يجب أن يكون لهدف واحد فقط: وجه الله والدار الآخرة،
وعلى ضوء هذا الهدف يقال: إن المؤمن إنما يتعلم ليعرف الله ويعبده ليعمر
الأرض بعبادته، حتى عمارة الأرض هي وسيلة لعبادة الله، فإذا أصبحت وسيلة
لغير ذلك أو أصبحت غاية فقد فسد المقصد. بعضهم يجلها غاية لأنه لم يفهم قوله
تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] [يونس: ١٤] ، أو قوله تعالى: [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] [هود: ٦١] ، ومعنى الآيتين: أن الإنسان جعل خليفة في الأرض ليعمرها بعبادة الله، أما
عمرانها المادي فهو وسيلة، أي هو مطلوب بمقدار ما يخدم تلك الغاية ليس أكثر،
إذ لا يتصور أن يكون هدفاً شرعياً أن يضع حجر على حجر، أو مدراً على مدر
إذا كان هذا لا يحقق غاية أخرى.
نقول هذا لنؤكد على أن الهدف المذكور هو لمجمل عملية العلم والتعلم مهما
اختلفت مجالاتها، لا نفرق في هذا بين علوم الدين وعلوم المدنية، فإن ظاهرة (التمدن) أو (العمران المادي) تتطلب علوما يلهث وراءها أكثر المتعلمين، كما أن
ظاهرة (التدين) تتطلب علوماً أخرى يسعى لنيلها آخرون.
مجمل التعلم والتعليم في هذا المجال أو ذاك يجب أن يدور حول ذلك الهدف
ظاهرة التمدن أو (العمران المادي) لما انقلبت غاية بذاتها أصبحت مشكلة في حياة
المسلمين، لأنها أصبحت انحرافاً على ضوء ما قررناه آنفاً، وهي المشكلة التي
يعبر عنها أحيان بـ (الترف) .
المؤمن يعمر من الأرض بمقدار ما يعينه ذلك على عبادة الله وأداء فرائضه
أي بمقدار ما يكنه ومعنى يكنه: أي يقيه مختلف الغوائل التي يمكن أن تعوقه عن
عبادة الله أو تعرض حياته للهلاك وبمقدار ما يستر عوراته وحرماته عن الأعين،
هذا على مستوى الفرد والمجتمع، وعلى مستوى المجتمع يضاف إلى معنى الإكنان
شيء آخر: هو الحاجة إلى ما يعينه على أداء رسالته العالمية التي تلخص في
كلمتين: الدعوة، والجهاد.
أنا أعلم أن قلمي وهو يسطر هذه الحقيقة يبتعد كثيراً عن الواقع لأن واقع
المسلمين في هذه المسألة ابتعد كثيرا عن المبدأ الإسلامي واقترب كثيرا من النظرة
الإفرنجية للحياة، و (الإفرنج) يتخذون (التمدن) غاية، لأنهم اتخذوا الحياة الدنيا
نفسها غاية، فهم لا يعرفون الله، ولذلك لا يبنون شيئاً للآخرة، [وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ
هُمْ غَافِلُونَ] [الروم: ٧] ، إنما يبنون لحياتهم الدنيا فقط.
لهذا فإن عملية التعلم والتعليم في ظلال هذه النظرة (الإفرنجية) يكون هدفها
منقطع الصلة بالآخرة.
لو سألت هذه الآلاف المألفة المحتشدة في الجامعات: لماذا تتعلمون؟ فكم منهم
من يتذكر عبادة الله وكم منهم يذكرك بالآخرة؟ تأمين المستقبل الوظيفي هو هدف
السواد الأعظم، ولا يلزم أن يصرح بذلك بلسان المقال، فلسان الحال يهتف به.
أما على مستوى التخطيط العام في المجتمع فالهدف أكثر بريقا، لكنه يحمل
نفس المعنى. الإسهام في عملية بناء الوطن، والمقصود الأول البناء المادي، فهو
الذي يستغرق معظم برامج خطط التنمية، وهذه الخطط تخضع لها كل الجوانب بما
فيها العلم والتعلم.
لم أسمع في أي بلد من بلاد المسلمين أن خطة التنمية فيها وضعت لتحقيق
عبادة الله ، قد يسخر منك المخططون! ! تضع خطة خمسية أو عشرية
لتحقيق عبادة الله؟ هل هذا يحتاج إلى خطة؟ [إن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ
كَمَا تَسْخَرُونَ] [هود: ٣٨] ، نسخر من هؤلاء الذين تدور حياتهم وخططهم
وبرامجهم وعلمهم وتعليمهم حول نفسها، تخططون من أجل الحياة؟ والحياة من
أجل ماذا؟ فلماذا لا تختصرون الطريق وتتخلصون من عقدة هذا الانحراف إلى
النظرة (الإفرنجية) فتخططون الحياة من أجل الذي وهبكم الحياة، وهو قد صرح في كتابه أنه إنما وهبكم الحياة لتعبدوه: [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ] [الذاريات ٥٦ - ٥٨] ، لو جعل المخططون والمبرمجون الأساس والمنطلق هو هذا؛ كم تتغير خططهم وبرامجهم.
من المؤسف جداً أن نقول: إن فساد العلم والتعليم في حياتنا بدأ بفساد المقاصد، فإذا عدنا إلى مجال علوم الشريعة نجدها ألصق من غيرها بذلك الهدف. ابتغاء
وجه الله والدار الآخرة.
أليست علوم الشريعة إنما يتطلبها مبدأ (التدين) ؟ وهذا المبدأ في النفوس كلها
فطرة فطر الله الناس عليها، فهذا هو روح التدين: ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فانظر كيف يكون قبح الانحراف عندما تتخذ علوم الشريعة وسيلة لغير هذا
الهدف، أي عندما تفسد النية ويفسد المقصد.
إن هؤلاء الذين اتخذوا علوم الشريعة مطية لتحقيق الرغبات الدنيوية
والشهوات الأرضية أقبح انحرافاً وأسوأ ذنباً من أولئك الذين اتخذوا علوم التمدن
مطية لذلك، لأن علوم الشريعة ألصق بذلك الهدف الشرعي من علوم المدنية.
تصور واحداً يتعلم كيف يخبز ويعجن لإشباع شهواته أليس ذلك أخف قبحاً
ممن يستعمل الحديث والفقه من أجل الشهوات نفسها؟ ! كلاهما منحرف، لكن
الوعيد لهذا أشد من الوعيد لذاك.
قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه
الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» [١] .
أما كيف يقع طلاب علوم الشريعة في فساد المقاصد، فإذا بهم يتعلمون مما
يبتغى به وجه الله لا يتعلمونه إلا ليصيبوا به عرض الدنيا فإن لذلك عوامل كثيرة
من أهمها:
١- ضغوط المجتمع الفاسد من حولهم:
طلاب علوم الشريعة جزء من المجتمع، فهل تكتب لهم النجاة والسلامة مما
أصاب الكل من تلف وفساد؟ .
المجتمع بمجموعه يلهث خلف الحياة الدنيا، إنه متشبث بها، والقلوب متعلقة
بزينتها، لا يكاد يسلم قلب منها-إلا من رحم الله-، ومن شدة تعلق القلوب بشهوات
الدنيا وزينتها أصبح هذا التعلق عبادة، وأصبحت هذه الشهوات آلهة تعبد من دون
الله. إليكم الدليل:
قد يجترئ زنديق على المساس بجناب الشرع والدين، وفي -بعض بلاد
المسلمين تصل الجرأة بالزنادقة إلى حد المساس بجناب الألوهية -ألوهية الله عز
وجل -، ومع ذلك لا يتحركون! ! المسلمون لا يتحركون حتى لو شتم الله تعالى،
قد يتململون، يستنكرون بقلوبهم، أحيانا بألسنتهم - على استحياء-، لكن لا تصل
قوة الدافع إلى الدرجة التي تحركهم، وتدفعهم إلى التعبير المؤثر عن غضبهم.
سبحان الله! ما هذا الذي أصاب الأمة الإسلامية؟ ! هذا الشلل في العواطف، في الإيمان، في العقول، مرض خطير كيف أصيبت به هذه الأمة؟ ! .
أما إذا أحسوا أن شهوة من شهواتهم ستعاني من الحرمان -خاصة شهوة
البطون - لو اعتدى على جنابها فالويل ثم الويل لمن يمس جنابها يتحركون (غريزياً) وينفجرون.. الأمثلة على ذلك كثيرة في جميع بلاد المسلمين.
في بلد أفريقي مسلم، الإسلام فيه عريق، كم خرج للأمة من علماء، ثم لما
أصيب بالمرض تحكم في مصيره طاغية خبيث، من جرأته واستخفافه بعواطف
الأمة التي يحكمها، واستخفافه بإيمانها ودينها أغلق الجامعة الوحيدة الإسلامية فيها، وبقيت مغلقة ثلاثين عاماً، ثم أسقط الصيام عن العمال، وبدأ يدخله الزهو
والكبرياء بل بدأ يتوهم أنه أصبح إلهاً، يفعل ما يفعل والشعب يرضخ ولا يقول
شيئاً، لا يعترض ولا يتململ -لماذا لا يتململ؟ - لأنه مشلول، توهم ذلك الطاغية
أنه إله فتحدى الإله الحقيقي.
سأله مرة صحفي إيطالي: أتؤمن بوجود الله يا فخامة الرئيس؟ أجاب: إذا
كان الله موجوداً فسيغفر لي شاء أم أبى.
وقرأ ذلك الشعب هذا الكفر الشنيع، بل قل هذا الاستخفاف الشنيع بعواطف
الشعب ومقدساته، قرأوا هذا الكلام ولم يتحركوا، ولو حركة عفوية، فإنها كانت
على الأقل تدل على أن ذلك الشعب موجود لم يمت، لكنه لم يتحرك، لأنه وإن
كان موجوداً فقد كان مشلولاً، واستطاع ذلك الطاغية أن يجثم على صدر هذا
الشعب المسلم ثلاثين عاماً، أي والله ثلاثين عاماً، وبعد هذا العمر الطويل تحت
ذل طاغية زنديق تحرك ذلك الشعب، ولكن احتجاجاً على رفع أسعار الرغيف! ! .
وفي بلد أخر اعتدي على جناب الدين في صفحات المجلات، وفي
المسرحيات، وفي ما أمكنهم من وسائل الإعلام، حتى سخروا من مقام النبوة ثم
صوروا سيدنا ونبينا محمداً بصورة ديك، ثم انقض فرعون ذلك الشعب المسلم على
نخبة من العلماء والشباب المسلم فصلبهم ونكل بهم، بينما الشعب يتفرج، ولا
يتحرك، كأنما هو مكبل موثق بالحبال، ولكني رأيته بنفسي عندما ثار فجأة كيف
فعل، لقد أصبحت العاصمة خلال بضع ساعات كأنها أطلال محترقة من التدمير،
لقد انطلقت الجموع تدمر كل شيء، ما هذا الذي أشعلها وأطلقها من عقالها؟ الحاكم
بأمره العصري أمر برفع أسعار الخبز والشاي والفول! ! .. لا أريد التشنيع على
هذه الشعوب، فإنها شعوب مسلمة لها تاريخ - وأي تاريخ -، ولا أريد بعث اليأس
والقنوط في نفس أحد، فإن كل متبصر يعلم ماذا يمكن أن تفعل هذه الشعوب
المسلمة، لو انطلق دافع الإيمان في القلوب، أو لو برئت تلك الشعوب من ذلك
الداء العضال، داء الشلل..
ولكن متى تشفى من هذا الداء العضال المزمن؟ الطواغيت الذين سلطوا على
رقاب هذه الشعوب المسلمة يتواصى كل منهم برعاية هذا الشلل، وبتدمير أي
محاولة لعلاجه، وبذلك أصبحت مهمة الإصلاح تتطلب جهوداً قوية ثابتة دائبة
طويلة قد تستمر أجيالا، المهم أن تكون منظمة على منهج سليم، وسائرة على
طريق مستقيم. وهل هناك إلا المنهج النبوي. والطريق القرآني؟ .
إذا كان هذا هو حال الشعوب المسلمة والمجتمعات المسلمة فكيف يكون حال
طلاب علوم الشريعة؟ الموقف الطبيعي أنهم ما داموا يعيشون في كنف المجتمع
وهم جزء منه أن يتأثروا به، أو يؤثروا فيه، ولكي يقدروا على التأثير فيه عليهم
أن يتحرروا من تأثيراته السيئة المرضية، وكيف يمكنهم ذلك؟ من هنا جاءت
الحاجة الضرورية إلى البديل، على هؤلاء أن يبحثوا عن البديل الذي يلجئون إليه
فراراً من الواقع الفاسد.
لابد أن يؤمن لهم مناخ تتوافر فيه الصحة والسلامة من عوامل التلف والشلل
الذي أصاب المجتمع الكبير، فإن لم ينشأ لهم هذا البديل، فالموقف الطبيعي الذي
تمليه سنن الله في خلقه أن ينشئوا هم البديل بأنفسهم.
وإنه لمن المستغرب أن يكون هناك عاقل يفضل إغماض عينيه ودس رأسه
في الرمال، فتراه يعيش في وهم الانتظار: انتظار أن يرق قلب الطاغوت فيتفضل
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما بالغ بعضهم في أوهامه فتوقع أن يرفع
الطاغوت راية الجهاد ضد الزنادقة والكفرة والملحدين.
إن كان هؤلاء لا يدرون فتلك مصيبة، وإن كانوا يدرون فالمصيبة أعظم،
هي سنن الله في خلقه لن تجد لها تبديلاً، أن الكافرين وعلى رأسهم الطواغيت لا
يعبدون ما نعبد، أفيبدل الله سننه من أجل جيل من الكسالى يدسون رؤسهم في
الرمال، مع أنه سبحانه لم يبدل سننه من أجل نبيه وخليله ومصطفاه محمد -صلى
الله عليه وسلم-؟ لا مطمع في ذلك.
من عليه إذن أن يتولى تهيئة هذا المناخ، حتى يأوي إليه طلاب علوم
الشريعة؟
стр. 394
نقد
قراءة في فكر مالك بن نبي
- ٥ -
محمد العبدة
الإقلاع باتجاه حضارة:
التوتر الروحي، أو الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه الإنسان، والاندفاع فيه
والحماس له حتى يأخذ عليه مجامع نفسه ويملك عليه قلبه، هو بداية الإقلاع عند
مالك بن نبي كما ذكرنا في نهاية المقال السابق، فلكي نبني حضارة، أو نعيد دورة
الحضارة لابد أن نصل إلى هذا المستوى من الاندفاع في تطبيق الإسلام..
يجب أن تعود شبكة العلاقات الاجتماعية لتربط العوالم الثلاثة (الأشخاص،
والأفكار، والأشياء) والمقصود بشبكة العلاقات هو القدرة على التعاون والتنسيق
بين هذه العوالم الثلاثة واستخدام الأفكار والأشياء في محلها -المطلوب منها،
والأخلاق العالية التي في ظلها يستطيع المجتمع إنتاج حضارته، والمؤاخاة الحقيقية
هي إحدى الدعائم الرئيسية للإقلاع، فالطاقة الروحية التي دفعت سعد بن عبادة لأن
يقول: (يا رسول الله خذ من أموالنا ما شئت، وما أخذته منها أحب إلينا مما تركت) هي التي جعلت الصحابة يحفرون الخندق حول المدينة بأدوات بسيطة، وبأيام
قليلة، وهي التي كانت وراء اعتراف المرأة الغامدية، وهي تعلم أن عقوبة
اعترافها هو الرجم بالحجارة، وعندما تاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة
تبوك فرح المجتمع الإسلامي بأسره، فهو مجتمع متماسك وشبكة العلاقات فيه قوية.
هذه الطاقة ضرورية للبدء، لأن المسلم الآن قد لا يؤثر بالوسط المحيط به
بقدر ما يتأثر هو بهذا الوسط [١] .
في المجتمع الإسلامي الأول كانت شبكة العلاقات الاجتماعية على أعلى
المستويات، وعندما أفل نجم هذا المجتمع في القرون المتأخرة كان مجتمعاً مليئاً
بالأفكار (الكتب والمكتبات) ومليئاً بالأشياء، ولكنها لم تغن شيئاً لأن شبكة العلاقات
كانت قد تمزقت وأصبح عالم الأشخاص عاجزاً عن أي نشاط مشترك، وهذا هو
الذي أشار إليه رسول الله ﷺ عندما قال: (يوشك الأمم أن
تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) [٢] .
كيف نعيد الفاعلية للمسلم؟ كيف نؤلف بين العوالم الثلاثة (الأشخاص
والأفكار والأشياء) بانسجام وتوازن؟ كيف نعالج أكبر مرض يصيب العلاقات
الاجتماعية ألا وهو مرض حب الذات أو تضخم (الأنا) عند الفرد؟ .
- لا تعود الفاعلية للمسلم إلا بعودة ذلك الاندفاع في سبيل إقامة المجتمع
الإسلامي والدولة الإسلامية، ووضع طاقات الفرد في أحسن حالاتها، وفي أقصى
توترها، وهذا معنى قوله تعالى [يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ] ، وأحسن حالاتها أن
توضع الطاقات بين حَدَّي الوعد والوعيد، بين الخوف والرجاء، فلا يأس من روح
الله، ولا أمن من مكر الله، وأن تتناسب مع التحدي المفروض عليها فلا هو أكبر
منها فتشعر باليأس، ولا هو أصغر منها فتتساهل وتسترخي ولا تقوم بالجهد
المطلوب.
جاء الإسلام فوضع طاقات العرب في موضعها المناسب، فالكرم والشجاعة
في الجاهلية كانا للفخر والاعتزاز، فوضعهما الإسلام في سبيل مبدأ، في سبيل الله، فالبطولة أصبحت مبرراتها في عالم الآخرة ولم تعد تدور حول (الأنا) [٣] .
إن المجتمع لا يتكون من (كومة) أفراد، بل بعلاقات معينة بين هؤلاء الأفراد، وإذا أخذنا نموذجا من عالم الحيوان فسنجد أنه كلما تعقدت المصلحة كلما كانت
الفاعلية أكثر، هناك حيوان يعيش بمفرده، بعيدا عن نظام الأسرة، ونشاطه يسد
فقط حاجات بيولوجية بسيطة، فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حيوان يعيش في مستوى
أعلى من هذا، فإننا نرى العش الذي يبنيه الطير يعطي صورة للنشاط الاجتماعي
في مستوى أرقى، ولكنه دون مستوى الحيوان الذي يعيش في نظام أوسع نطاقاً من
الأسرة كالنحل، فإنتاجه هنا يتسم بالفاعلية في صورتين: مادية ومعنوية، فمن
الناحية الأولى نرى أن نشاط النحل ينتج أكثر من حاجات سربه، ومن الناحية
المعنوية نرى أن هذا الإنتاج يفرض على خليته حياة منظمة خاضعة لقوانين معينة، نجد في هذا المجتمع البسيط ظاهرة تقسيم العمل، وقد تزيد مهامها على عشرة
أنواع من العمل [٤] .
إن الفرد في المجتمع الإسلامي، وبسبب ضعف العلاقات الاجتماعية لا تقدم
له الضمانات والمبررات التي تجعله يقدم أقص طاقاته، وكيف يقدمها وهو يرى
الأنانية والتنافس البغيض، وقلة التشجيع، والأهم من ذلك هو عدم وجود الخبرة
الكافية في العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الفرد
وفي مستوى المجتمع [٥] إن الذي يخطط للنهوض بالمجتمع الإسلامي يجب أن
يكون لديه أفكار. جد واضحة عن هذه الأمور، كما أن عليه أن يكون خالياً من
العقد البيروقراطية التي تنتاب الموظف، ومن أخلاق المغرمين بتملق الرأي العام [٦] فعملية بناء كيان اجتماعي ليس بالأمر السهل، لأن العقد النفسية كما يؤكد العالم
الأمريكي (مورينو) هي في العلاقة بين الأفراد فيما بينهم وليس داخل الفرد كما
يقول (فرويد) [٧] وكل علاقة فاسدة بين الأفراد. تولد فيما بينهم عقدا كفيلة بأن
تحبط أعمالهم الجماعية [٨] فالذين يستطيعون ربط العوالم الثلاثة في توافق واتزان
هم الذين يستطيعون تحريك القوى جميعاً في حركة دائمة الصعود، وهذا بطبيعة
الحال لا يأتي إلا عن صف وصفه الله بأنه [كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ
مَّرْصُوصٌ] [٩] .
توجيه الثقافة:
في هذه المرحلة المهمة من البناء يرى مالك بن نبي أنه لابد من توجيه أمور
ثلاثة:
١ - الثقافة.
٢ - العمل.
٣ - رأس المال.
فالانتقال من حالة الجمود إلى الحركة باتجاه حضارة لا يحتمل التجارب
الفاشلة، والمسلم بسبب عقدة تخلفه يظن أن تخلفه يتمثل في نقص ما لديه من
(أشياء) ولا يرده إلى الأفكار [١٠] بينما الحقيقة أن النشاط يصاب بالشلل عندما
يدير ظهره للفكرة، كما أن الفكرة تصاب بالشلل إذا ما انحرفت عن النشاط،
ونحن لا نستطيع بصفة عامة أن نعتبر عدد الكتب التي تخرجها المطبعة في عام
دليلا على الصحة العقلية في بلد معين، فلا بد من برنامج لتوجيه الثقافة [١١] .
يعرف مالك بن نبي فكرة (التوجيه) فيقول: (قوة في الأساس وتوافق في
السير، ووحدة في الهدف، فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف
نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى
فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة
والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو
أن ندبر هذا الجهاز الهائل في أحسن الظروف الزمنية [١٢]
توجيه الثقافة:
الثقافة مصطلح حديث النشأة وهي مرادفة لكلمة (Culture) الإنكليزية،
ويستخدمها كثير من الناس بمعنى (العلم) ولكن مدلولها أوسع من العلم، وقد عرفها
مالك بن نبي بأنها (مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في
الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في
الوسط الذي ولد فيه) [١٣] فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته،
وهي المحيط الذي يعكس حضارة معينه، والتعلم جزء من الثقافة، وعندما يصبح
الهدف هو الحصول على شهادات فنحن بإزاء مرض اسمه (التعالم) ونحن قد نجد
رجلا يحمل شهادات عالية ولكن ليس عنده فعالية وقدرة على حل المشكلات، بينما
نجد رجلا آخر مثله في بلد آخر عنده هذه القدرة بسبب الثقافة التي تلقاها منذ صغره، فالثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، هذه الثقافة كيف
نوجهها؟ كيف نركبها من أجزائها حتى تؤتي ثمارها؟ الشرط الأول لتحقيق
مشروع ثقافي هو الصلة بين الأشخاص، وهاهو القرآن يعطينا! فكرة عن أهمية
هذه الصلة [لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
بَيْنَهُمْ] فأساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) و (تأليف) لعالم الأشخاص طبقا
لمنهج تربوي، أي أننا نريد للثقافة أن تكون وظيفة، لبناء جيل مسلم تقوم على
أكتافه الحضارة الإسلامية (فالتعليم الفرنسي في الجزائر لم يمنح الجيل الجزائري
الفعالية لأن الثقافة لا تشكل على مقاعد الدراسة، واكن ضمن مجموع الإطار
الاجتماعي الثقافي الذي يحيط بالفرد، والمدرسة عامل مساعد من عوامل الثقافة،
ولكننا نخطئ في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحل مشكلة الثقافة
وحدها) [١٤] .
العناصر اللازمة للثقافة:
في مجال توجيه الثقافة لابد من التحديد السلبي أو تصفية أسباب التدهور
والانحطاط، ثم يأتي بعد ذلك التحديد الإيجابي، وإذا كانت عملية التصفية قد قام
بها البعض أو أنه من السهل القيام بها، فإن التحديد الإيجابي لعوامل الثقافة هو
المهم، والعناصر التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي:
١- عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية.
٢ - عنصر الجمال لتكوين الذوق العام.
٣ - منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام.
٤ - التقنية أو (الصناعة) حسب تعبير ابن خلدون.
أولاً - توجيه الأخلاق:
ونعنى بالأخلاق: قوة التماسك اللازمة للأفراد، هذه القوة التي استطاعت
بناء المجتمع الإسلامي الأول، حتى كان الرجل يعرض على أخيه المناصفة في كل
شيء، وبعض هذه الأخلاق كانت من أسباب بناء المدنية الغربية، والشباب اليوم
ينظرون إلى هذه المدنية في يومها الحالي ويضربون صفحاً عن أمسها الغابر ينسون
أنه لولا صلات اجتماعية خاصة ما قامت هذه الصناعات ولما قام هذا العلم، ونظرة
إلى جامعة من جامعاتهم ترينا أن أساسها كان دينياً قامت به جمعية خيرية دينية،
بل إن كلمة دين عندهم (Religion) تعني في أصلها اللاتيني الربط والجمع [١٥] .
ثانيا -المنطق العملي:
إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة أو العقل المجرد، فهذا متوفر فهي
بلادنا، ولكن ينقصه منطق، العمل والحركة، كيف يصرف المسلم وقته؟ كيف
ينفق أمواله؟ كيف يستغل علمه؟ مع الأسف إن جزءاً كبيراً من حياتنا يذهب عبثا، فالمسلم أحيانا لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً، بل اكثر من ذلك، فهو
أحيانا يبغض الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، ولننظر إلى الأم التي تربى ولدها فهي
إما أن تبلده بمعاملة وحشية، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه، إن الوهن
والسخف يطبعان منطق قولها [١٦] .
ثالثا: الذوق الجمالي:
إذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات،
فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته، وهو شيء مطلوب فوق الضروريات
والحاجيات، وعندما ذكر الله خلق النجوم وغاياتها ذكر منها (الزينة)
[ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ] وكذلك عندما ذكر
خلق الحيوانات [ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ] وقد ورد في
الحديث «إن الله جميل يحب الجمال» وذلك في معرض رد الرسول -صلى الله
عليه وسلم- على الصحابي الذي سأله عن اللباس الحسن والنعل الحسن هل هذا من
الكبر فالذوق الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة، فالتناسب والتناسق في
الأشكال والأشياء يعطي للإنسان راحة نفسية، والمنظر القبيح المتنافر لا يوحي
بأي خيال جميل، وقد كان الرسول ﷺ من أزهد الناس ولكنه
كان ينفر من ألوان معينة، ويشجع الناس على النظافة والاهتمام بالمظهر الحسن
وخاصة في المساجد وأيام الجمع والأعياد.
إن تربية الذوق الحسن في الأمة هو جزء من ثقافتها ومؤشر على درجة
ثقافتها.
رابعاً - الصناعة أو (التقنية) :
عرَّف ابن خلدون الصناعة بأنها: ملكة في أمر عملي فكري [١٧] وهذا
تعريف دقيق لما يسمى الآن (التقنية) فهي تحتاج إلى العلم والممارسة اليدوية حتى
ترسخ مع الزمن وتصبح (ملكة) كما عبر عنها ابن خلدون، وهذه الصناعة لا تكون
إلا في مجتمع متحضر، لأن المجتمع البدائي يحتاج إلى أمور بسيطة لا تحتاج
لتقنية، فوجودها يدل على درجة التحضر والعلم، فلابد أن يكون في المسلمين فئة
تتقن هذه (الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية، وتبتعد
عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان، وهذا يحتاج لمجلس للتوجيه الفني ليحل
نظرياً وعملياً المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعاً لحاجات البلاد [١٨] .
وإن الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على
طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز. هذه العناصر
التي يرى الأستاذ مالك بن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين
لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة، وكأن
مالك استلهم هذا التحديد من علماء الاجتماع والحضارات في أوربا، وكان الأولى
أن يذكر زيادة على هذا العناصر الخاصة بالثقافة الإسلامية، إن عنصر الأخلاق
مثلاً أو الذوق الجمالي يتبعان عقيدة المسلم وتصوراته الخاصة، فهل يقال للمسلم
يجب أن يكون عندك ذوق في الموسيقى أو النظر إلى فن التصوير؟ ! لاشك أن
للمسلم خصوصياته في هذا المجال ...
** يتبع **
стр. 395
من واقع العمل الإسلامي
رؤية نقدية
صالح علي بن الكناني
إن الناظر في مسيرة العمل الإسلامي خلال السنوات الأخيرة، يدرك الحال
التي بلغها بعض الدعاة والأتباع، حتى أراحوا أعداء الإسلام، ووفروا عليهم كثيراً
من الجهود، في تفريق الكلمة، وإلقاء بذور العداوة والشقاق بين المسلمين، وهذا
هو التفسير الظاهر لتأخر النصر عن المسلمين، بل وتتابع الهزائم عليهم كل في
كل حين.
ولقد يتهمني البعض بالتشاؤم والغض من الصحوة المباركة التي تبدو في كل
أرجاء بلاد المسلمين، فأقول: مهلا رعاك الله! ولا تعجل على وتأمل كلامي بعين
متجردة، وبصيرة نافذة، فما كان فيه من حق وصواب فما أحراك بقبوله، وأنت
المسلم الذي تعبدك الله باتباع الحق وقبوله، وما جانب الصواب من قول فاردده
عليَّ، وأرشدني إلى الحق فمثلك من نصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم، واعلم أنني ما أردت إلا خير هذه الأمة، فإن وفقت فمن الله وحده
التوفيق، وإن غير ذلك فالنفس الأمارة، والشيطان المضل، [واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ
وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] [الأحزاب: ٤] ، وقد لمست في هذه المقالة بعض مواجع
العمل الدعوي الإسلامي، ولم أُحِط بجميعها علماً ولا بياناً، فأول هذه المواجع:
١ - التحزب والحزبية:
إن كل من دعا إلى الله على بصيرة، مخلصاً القصد لله تعالى، مسلماً لله
بالغلبة والتمكين والفلاح [ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ
الغَالِبُونَ] [المائدة: ٥٦] [أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] [المجادلة: ٢٢] فلا نكران إذن لمبدأ التجمع على الحق، بل هو ركن أساسي في
العمل الدعوي الإسلامي، لا يحتاج في تأصيله إلى كبير بحث واجتهاد، ولا يفقد
من الأمة في كل عصورها وأطوارها، إلا حين لا يوجد للمسلمين جماعة ولا إمام،
حين تعم البدع والأهواء والنحل المضلة، في فترات الضياع والفتن الكبرى، حين
يغيب الحق، ويندرس الشرع، عندها يكون المسلم المتمسك بالهدى الرباني هو
وحده (حزب الله) .
ومن العجيب أن بعض المنتسبين إلى العلم، أصبحوا يفتون الناس بعدم
شرعية الانتماء جماعة إسلامية، بعدم شرعية وجود الجماعة الإسلامية أصلا، ولو
أنهم أفتوا بحرمة التعصب لجماعة بعينها، لها يوالي المسلم وعليها يعادي، لكان
لفتواهم قبولاً ووجاهة، وماذا يصنع هؤلاء بمناهج. الدعوة في القران الكريم،
وطرائق الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وأحاديث الطائفة الناجية المنصورة،
ألم يجدوا في كل ذلك ما يبرر قيام جماعة إسلامية تدعو إلى الله على بصيرة، وهل
كل هذا جهل بهذه الأصول؟ .
أيحل لكل الدعوات الأرضية، ولكل أعداء الأمة المحمدية، تكوين
التنظيمات الدقيقة، ويمنع هذا عن الأمة الربانية؟ .
أحرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس؟
إن تناصر المسلمين، وتآزرهم وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامهم بأمر
الله جماعة وفرادى، أمر لازم - لانتصار دعوتهم، وإقرار منهجهم في الأرض،
وإنما المرفوض كل. الرفض هو هذه الفرقة الحادثة بين المسلمين، المرفوض أن
تقوم جماعة فتدعي أنها وحدها على الحق، أو أن الحق لا يخرج عنها، ثم تغرس
هذا في أذهان أتباعها، وتضع لهم شارة خاصة، اسماً أو معنى، ثم توالي محليه
وتعادي، وتكرس لدى أفرادها أن (من لم يكن معنا فهو علينا) وهذه والله حزبية
بغيضة، ليست من حزب الله الكامل، بل هي إلى النوع الآخر أقرب، النوع الذي
قال الله فيه: [فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [المؤمنون: ٥٣] ، وحين تصبح الحزبية تسير على هذا المنحى تكون علة ومرضاً سرطانيا،
تجب مقاومته واستئصاله، [حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] [البقرة: ١٩٣] ، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حين نبه إلى هذا المزلق الخطير، الذي يفضي
إلى تمزيق الأمة الواحدة، ويعصف بكيانها، ويقود إلى فنائها واضمحلالها، فها هو
يقول:
(وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة،
والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل،
والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ ... ) [الفتاوى ٢٨
/ ٢٢٧] .
فكيف لو أدرك ابن تيمية زماناً لا يقبل فيه الحق والنصح إلا إذا جاء من فرد
منتسب إلى الجماعة المنصوحة، أما إذا جاء الحق والنصح من خارجها رُدَّ على
قائله ولو كان من أبر الناصحين؟ وكيف لو أدرك زمانا أصبح اسم الجماعة فيه
مقدسا أعظم تقديس؟ ! .
٢-- التأطر السياسي:
لقد كتب على أمة الإسلام في الأزمنة المتأخرة أن تعيش قطعانا متفرقة، لكل
قطيع حظيرة تخصه دون سواه، وأطلق على هذه الحظيرة اسما (وطنيا) يفصلها
عن غيرها، وحددت هذه الحظيرة بحدود سياسية، وأرضع الأطفال حبها مع لبن
أمهاتهم، ولقنوا قبل محبة الله ورسوله محبة الحظيرة، وألفت الأناشيد التي تشيد
بالحظائر وبنعيم العيش فيها، وهذا الوضع المؤلم ألقى بظلاله على كثير من
الدعوات في الجملة وفي الفروع، فصارت دعوات قُطرية، إذا حاضر علماؤها
الناس حاضروهم عن الدعوة ضمن حدود الحظيرة، أهدافها وسماتها ومشكلاتها
وملامحها...، وقليل هم الذين ينطلقون. من عالمية هذا الدين، وشمول الرسالة
الإلهية لكل الناس والأزمان والأوطان، -حتى أفتى بعض هؤلاء المتأطرين بأنه لا
يجوز أن تكون الدعوة إلا من المسجد: منه تبدأ وإليه تعود، ونحن لا ننكر دور
المسجد وأهميته، ولكننا لا ننكر أيضاً أنه قد عطل دور المسجد في بعض البلاد،
حتى أصبح من يقصده للصلاة فقط، عرضة للقتل والسجن والتشريد والتعذيب،
أفنجحد دور (دار الأرقم بن أبي الأرقم) في مثل هذه الظروف؟ وننسى ما يعيشه
إخوان لنا من حولنا، هذا عن بعض الدعاة والمشايخ، فماذا عن الصحف الإسلامية
والكتب الدعوية؟ لم يسلم شيء منها من هذه القطرية-إلا من رحم ربك، وقليل ما
هم - وهذا في نظري من أعظم مكاسب النظم التي يسوؤها أن يسود الدين، وأن
تعود الأمة إلى وحدتها وقوتها.
وإذا كان البعض ينتمي إلى لافتات كبيرة لا تختص بوطن معين، ولكن
مدلولها بقي ضعيفاً لأن نفس المرض يعتريها وهو التعصب للأشخاص والأسماء،
ومبدؤها الذي رفعته: (سلمني رايتك) يخرب عليها التعاون والالتقاء على كلمة
سواء، وكان الأمثل هو قبول مبدأ الحوار والتأصيل، وإذن لتكونت جبهة عريضة
من أهل الإسلام يحسب العدو لها ألف حساب.
٣- تشتت المناهج العلمية والتربوية:
مما يزيد في فرقة المسلمين، وتباين الجماعات التي تربي كل جماعة أفرادها
عليها، حتى أصبح بإمكان الناظر في هؤلاء الأفراد أن يميز بين أتباع جماعة
وأتباع جماعة أخرى، أحيانا بالنظر الأولي، أو بمحادثة يسيرة، مما يوحي
بتفاوت المناهج التي تلتزمها كل جماعة في دعوة أفرادها وتربيتهم، أفلا يمكن حتى
في هذه الناحية أن يتفق أئمة هذه الجماعات على مناهج موحدة في العلم والتربية،
تضمن لنا السير في طريق الوحدة المنشودة، فضلا عن كونها تحفظ كيان الجماعة
الواحدة من التمزق ونشوء المدارس المتباينة.
٤- قصور التخطيط وقصر النظر:
إن العمل الإسلامي المعاصر والقائمين عليه ينقصهم التخطيط المحكم الدقيق،
وتقوم عامة أمورهم على الارتجال، وعلى الاستجابة، الفورية العاجلة للمؤثرات
والأحداث العارضة، حيث يصبح الحدث العارض بمثابة مرور قضيب المغناطيس
بقرب كومة من برادة الحديد، فلا تلبث أن تنجذب كلها إليه لعدم تماسكها وقوتها
وثباتها، وإني ليأخذني العجب مما أرى لدى أعداء الإسلام من حسن التخطيط،
وبعد النظر، ووضع جميع الممكنات والاحتمالات في الحسبان، وأتساءل: ألا
يمكن للعاملين للإسلام أن يستفيدوا مما لدى أعدائهم من خطط وطرائق تنسجم مع
أهدافنا وديننا؟ وأين هي العقليات المفكرة لدى المسلمين التي تجعل الصعب سهلا،
والعسير يسيراً بإذن ربها؟ .
وبعد: فليست هذه كل عللنا وأمراضنا، فهناك الكثير الكثير، الذي قد يرى
النور يوما ما، ولكل أجل كتاب:
- فيا دعاة الإسلام وجماعاته: اتحدوا تنصروا.
- ويا حاملي راية السنة والجماعة: اعتصموا بالكتاب والسنة تفلحوا.
- ويا قادة الجماعات الإسلامية: لينوا في أيدي إخوانكم تصلوا.
- ويا أتباع الدعوات الإسلامية: انبذوا التعصب والفرقة تسعدوا.
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله
رب العالمين
стр. 396
الحج وأثره في تربية الضمير
عثمان جمعة ضميرية
تربية مثالية واقعية:
لقد كانت تربية القرآن الكريم للمؤمنين تربية رائعة عالية، تمد أنظار الإنسان
إلى علم المثال الطيب النظيف وتوقفه على أرض الواقع الصلبة، فكانت بذلك
تربية مثالية واقعية، يتربى عليها المسلم في صلته بربه ﵎، وفي صلته
بنفسه، وفي صلته بالناس من حوله، وفي أدائه للعبادات وقيامه بالمعاملات، -
وخضوعه للعادات، وفي كل مظهر من مظاهر حياته.
ولنأخذ مثالاً ذلك: إن الإسلام يدعو إلى العدالة الشاملة الكاملة فيرغب الناس
بذلك في المثالية التي يسعى إليها: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ] [النحل:
٩٠] ، ويدعو إلى العفو والتسامح: [وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [البقرة: ٢٣٧]
[ومَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُوراً]
[الإسراء: ٣٣] .
ولكنه في الوقت نفسه لا يهمل الجانب الواقعي الذي فطر عليه الإنسان، وهو
حب الانتصار للنفس إذا ما وقع عليها الاعتداء، وإلا فإنه يدعو إلى مثالية خيالية لا
طاقة للنفس البشرية بها، ولذلك كانت مشروعية القصاص: [ولَكُمْ فِي القِصَاصِ
حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] [البقرة: ١٧٩] ، إنها ليست دعوة إلى القصاص فحسب
دون عفو، ولا دعوة إلى العفو دون إقرار حق القصاص، وإنما شرع الله تعالى
الأمرين معاً، ها أنت على عدل وحق لو طالبت بالقصاص من المعتدي، وها أنت
على فضل عندما تعفو وتصفح.
تربية الضمير:
ولقد ارتفع النبي ﷺ إلى مستوى رائع عندما أرشدهم إلى
هذا وترك الإنسان لضميره المؤمن ووجدانه الحي، يستفتيه في كل ما يعمل وما
يترك، فقد قال ﵊. «إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن
يكون ألحن (أقوى) بحجته من فإنما أقطع له قطعة من قطعة من نار فليأخذها أو
فليدعها» [١] .
أرأيت إلى هذه التربية الوجدانية والتهذيب الخلقي للفرد؛ إنها لا تكتفي
بوسائل الإثبات المادية، ولكنها تعود بالمرء إلى ضميره، فلعل أحد الخصمين
يكون أقوى حجة من أخيه الذي يخاصمه فيحاجه بالكلام يخصمه بما قدم، ولكنه
ليس على حق ... فليحذر، فإنما هي قطعة من نار ... وحكم الحاكم لا يحل الحرام
ولا يحرم الحلال.
ثلاث محاكم أدبية ... وسبيل النجاة:
وقد وضعنا القرآن الكريم أمام ثلاث محاكم أدبية [٢] هي: محكمة الضمير
في قلوبنا، ومحكمة المجتمع من حولنا، ومحكمة السماء من فوقنا، فقال الله تعالى: [وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ
والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] [التوبة: ١٠٥] .
وسبيلنا للنجاة أمام محكمة السماء الكبرى هو تربية الشعور الديني (الحسان
وسبيل النجاة أمام المحكمة الثانية هو تربية الشعور الاجتماعي، وسبيل النجاة أمام
المحكمة الأولى (محكمة الضمير في قلوبنا) هو تربية الوجدان أو الضمير الخلقي
ليجعل من نفس الإنسان وازعاً قبل محاسبة الآخرين، ولذلك حذرنا من كل عمل
يترتب عليه تأنيب الضمير، وأمرنا أن نرجع إلى هذا الضمير نستفتيه: «استفت
قلبك ... وإن أفتاك الناس وأفتوك» [٣] .
الحج تربية للضمير:
وهذه المعاني عن التربية الوجدانية أو الضمير الحي الحساس نجدها متمثلة
في كثير من مشاعر الحج ومناسكه، منذ أن يفرض المسلم الحج على نفسه في
أشهره إلى أن يقضي مناسكه، فأنت واجد في كل شعيرة من الشعائر ما يحملك على
مراقبة الله تعالى لك، ويجل من النفس اللوامة أو الضمير حكماً أو قاضياً في كثير
مما يقوم به المسلم في الحج..
فإن الله به عليم:
ففي أعقاب الدخول في النُّسك يلتفت السياق القرآني إلى هذه الناحية التفاتة
رائعة، فيقول الله تعالى: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ
ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ] [البقرة: ١٩٧] ،
فكل خير وكل قربة وكل عبادة ... فإن الله به عليم، وعليه يجازي، وبه يرفع
المؤمن عنده درجات، وهو طريق تحلية النفس وتزكيتها وتطهيرها بعد تخليتها من
الرفث والفسوق والجدال..
والإقبال على الله تعالى بهذه الهيئة النظيفة، وهذه الصورة المشرقة الوضيئة، والتقلب في هذه المناسك والرياض ... يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها،
ويدخلها في حياة جديدة لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
ويكفي المسلم أن يشعر أن الله تعالى يعلم ما يفعله العبد من خير، ويطلع عليه
ويجازي ويثيب، ليكون ذلك حافزاً له على الإكثار من الخير والاجتهاد فيه ... فمن
ذا الذي لا يريد أن يراه ربه ﵎ على أحسن صورة في العمل.؟ ومن ذا
الذي لا تتطلع نفسه وتتشوق إلى أن يعلم الله منه الخير كل الخير...؟ فيصل بذلك
إلى درجة الإحسان التي قال عنها النبي ﷺ : «الإحسان أن
تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [٤]
أثر الذكر والدعاء والتضرع:
ولن يكون الإنسان صاحب ضمير حي، ونفس لوامة حتى يكون على صلة
طيبة بالله تعالى الذي خلقه وسيحاسبه يوم القيامة على ما اقترف، وفي الذكر
والدعاء والتضرع إلى الله تعالى بصدق وإخلاص، وفي التلبية التي يجأر بها العبد
في مناسكه ...
كل هذا وسيلة من وسائل تربية الوجدان وإعلاء قيمته، وهو يصقل النفس
ويزكيها، بما فيه من إظهار العبودية لله تعالى وصدق اللجوء إليه..
رقابة ذاتية صارمة على المخالفات:
وعندما يدخل المسلم في مناسك الحج ويشعر أنه في عبادة لله ... يفرض على
نفسه رقابة سلوكية صارمة، تحاسبه أشد الحساب على كل مخالفة تصدر منه،
كبيرة كانت هذه المخالفة أو صغيرة يسيرة. فإذا ما ارتكب محظورا من محظورات
الإحرام وجب أن يعود إلى ضميره فيكفر عن هذا المحظور الذي وقع فيه بإراقة دم
أو صدقة أو صيام، ولكن السلطة التي تضبط ذلك وتسجله هي سلطة الضمير
ومحكمته،. فليس هناك سلطة خارجية وراء ذلك ... وفي هذا تربية لهذا الضمير
وارتقاء به وإعلاء من منزلته وقيمته، فاستحق هذا الحاج المغفرة بابتعاده عن
الرفث والفسوق والجدال.
وفي الطواف وسيلة لتربية الضمير:
وإذا نظرت إلى سائر المناسك وجدتها أيضاً وسيلة لتربية هذه الرقابة الذاتية
للضمير، فالحاج يطوف حول الكعبة، ويرف حولها نسوة، وقد يكون في الطواف
شيء من الزحام مما قد يقع فيه البصر على مالا يجوز النظر إليه من النساء
الأجنبيات، وقد لا يكون هناك رقابة خارجية صارمة تضبط كل مخالفة من كل
واحد من هذه الألوف من الطائفين حول البيت ... ومع هذا كله لم يحرم الإسلام
طواف الرجال والنساء في وقمت واحد، أو لم يجعل لهن مطافاً خاصاً ... ولعل في
هذا أكبر الأثر في تربية الضمير، فالمسلم يُترك هنا لضميره ولوجدانه المؤمن الذي
يحجزه عن فعل أي محظور عندما تكون الوسيلة بهذه المثابة، ولكنه يعلم أن الله
تعالى يراقبه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن مخالفة ومعصية في
الحرم ليست كغيرها من المخالفات، فهي عظيمة جسيمة، بل هي مضاعفة، حتى
إن إرادة المعصية والهمَّ بها فيه تعتبر معصية يستحق صاحبها العذاب الأليم [وَمَن
يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] [الحج: ٢٥] ..
وفي قضاء المناسك تربية ...
فإذا ما قضى الحاج مناسكه وذكر الله تعالى في أيام معلومات وفي أيام
معدودات ثم جدد العهد مع الله تعالى على الاستقامة على منهاجه وشرعه
بتوبة صادقة من نفس مؤمنة نادمة ضارعة إلى الله، وإذا ما وضعته هذه
المناسك على طريق المسئولية فإنه يربأ بنفسه بعد ذلك أن تنحرف وتخالف منهج
الله، وإن حياءه من الله تعالى وشعوره بأهمية هذه العبادة العظيمة يربى في نفسه
هذا الضمير الحي وهذه التربية الوجدانية.
وبعد:
تلكم بعض اللمحات عن أثر الحج في تربية الضمير والوجدان، تضاف إلى
كثير من الآثار والمنافع التي يشهدها المسلمون في الحج، فهنيئاً لهؤلاء المسلمين
الطائعين، هنيئاً لهم حجهم وعبادتهم التي ترفعهم إلى هذا المستوى المشرق
الوضيء الكريم،. والتي تهذب نفوسهم وتزكيها، وتربى وجدانهم وتطهره،
وتذهب، بذنوبهم وآثامهم، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، والحمد لله رب
العالمين.
стр. 397
إرشادات طبية للحاج
د.خالد موسى
- فرض الله على عباده الحج مرة في العمر لقوله تعالى. [ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] [آل عمران: ٩٧] . والحج طاعة لله وتزكية للنفس وتطهير للعبد من الذنوب والخطايا، وهو
مؤتمر إسلامي جامع تتوافد إليه الجموع من كل بقاع الأرض.
المناسب أن نستعرض في هذه العجالة بعض الجوانب الطبية الهامة، إذ أن
هذه الجموع الهائلة من الناس، قد تكون فريسة سهلة لشتى أنواع الأمراض والأوبئة، لذا وجب على الحاج معرفة كل ما يتعلق بحمايته من الناحية الصحية.
وسنبدأ بأكثر الأمراض انتشاراً في موسم الحج يجمعها عامل مشترك هو شدة
الازدحام.
١- الرشح والزكام:
سببهما حمات راشحة (فيروسات) متنوعة، والوقاية ممكنة عن طريق تجنب
التبول الحراري المفاجئ، والابتعاد عن مواجهة التكييف والتبريد المباشر، وتجنب
العطاس والسعال في مواجهه الآخرين، وإلقاء المناديل، وإتلافها في أماكن خاصة، والابتعاد ما أمكن عن لمس المصابين بالمرض واستشارة الطبيب للعلاج.
٢-التهاب الطرق التنفسية العليا:
سواء كان صحي أو جرثومي فإن أسبابه مشابهة لما سبق ذكره غير أن
الوقاية يجب أن تطبق بصرامة أكبر، وفي حالات دقيقة قد تحصل بعض
الإصابات (بذات الرئة) وتكون هنا الإصابة أكثر شدة، وتتطلب علاجاً صارماً.
٣ - التهاب المعدة والأمعاء:
وأسبابها غذائية، طفيلية، حمية، فيروسية، جرثومية، وأعراضه غثيان
وقيء، آلام بطنية، إسهالات ومتكررة، وربما صداع وارتفاع حرارة، والوقاية
منها تكون بالاهتمام بالنظافة العامة والخاصة: غسل الأيدي، غسل الفواكه
والخضار، تجنب تناول الأطعمة غير المطبوخة جيداً والتي يشتبه بتلوثها، عدم
تناول الألبان ومشتقاتها دون التأكد من صحة تعقيمها وتواريخ انتهاء صلاحيتها،
عدم تناول الأغذية والسوائل بأوعية وأوان غير نظيفة، أو أنها استخدمت من قبل
آخرين، تناول المياه الصحية من مصادرها الرئيسية الخاضعة لرقابة صحية.
٤ -داء السماط:
ويحصل نتيجة التعرق الشديد والاحتكاك المستمر لثنيات الجلد مما يحدث
انسلاخ واحمرار الجلد خاصة عند البدينين ولا سيما بين الفخذين، وتحت الإبطين، وتحت الثديين عند النساء، وتكون الوقاية بتخفيف حالة التعرق والاحتكاك بتجنب
المشي طويلا وقت الحر ما أمكن، لبس السراويل الداخلية الطويلة لمنع الاحتكاك
(خارج أوقات الإحرام) ، استعمال المياه الباردة لغسيل المنطقة المعرضة للاحتكاك،
استعمال بعض الوصفات والمراهم الطبية.
٥ -تشقق القدمين:
يظهر نتيجة المشي المستمر بالأحذية الكاشفة للأعقاب (الصنادل) والتعرض
للأتربة والأغبرة مما يؤدي إلى جفاف الطبقة المتقرنة من الجلد ثم إلى التشقق،
والوقاية منه بغسل القدمين وتجفيفهما جيدا، لبس الجوارب (خارج أوقات الإحرام)
مما يخفف تعرضها للأتربة والأغبرة، الضغط بكل القدم على الأرض واستعمال
مراهم مطرَّية. ٦
٦-الآلام والقولنجات الكلوية:
نتيجة فقدان السوائل والحر الشديد يتعرض البعض لحدوث القولنجات الكلوية
وآلام الخاصرتين والحصى الكلوية أو ذلك لزيادة ترسب الأملاح والتبلورات
بالطرق البولية نتيجة زيادة كثافة البول لا سيما عند من لديهم استعداد لذلك،
ولتجنب هذه الآلام ينصح الحاج بشرب سوائل بكمية كبيرة لا تقل عن ٣ - ٤
لترات يومياً، تجنب التعرض للتعرق الغزير والحر الشديد قدر الإمكان، مراجعة
الطبيب بظهور الأعراض، اتباع الإرشادات الطبية لمن لديه سبب مهيأ لحدوث
الحصيات الكلوية.
٧ -متلازمات فرط ارتفاع الحرارة والإعياء والإنهاك الحراري وضربات
الشمس:
سببه المباشر الرئيسي هو التعرض للحرارة الشديدة وأشعة الشمس، وتبدأ
الأعراض عادة بالحالات الخفيفة ثم مرحلة الإعياء الحراري وهو أكثر حالات فرط
الحرارة حدوثا، وقد يرافقه صداع وضعف ودوار وغثيان وقلة شهية وربما ميل
للإغماء، أما الحالة الأشد خطورة فهي حمى الحر أو ضربة الشمس، وتبدأ
أعراضه بتوقف وتعطيل آلية التعرق نتيجة تعطل، الجهاز المنظم للحرارة، فيشكو
المريض من صداع ودوار وإغماء وآلام بطيئة، ومن ثم فقد الوعي الذي قد يحدث
من البداية وتكون الوقاية بتجنب الخروج ما أمكن أوقات الحر الشديد، استعمال
المظلات والخيم والحواجز للوقاية كل حر الشمس، شرب المياه والسوائل وخاصة
المياه الصحية الغنية بالأملاح والشوارد لتعويض ما فقد منها بالتعرق، الانتباه
لظهور أول بوادر وأمراض متلازمات الحر بالبدء بعلاجها فورا.
ومن النصائح الطبية العامة التي يجب على الحاج أخذها بعين الاعتبار:
١ - اتباع الإرشادات الصحية لاسيما من جهة النظافة العامة والخاصة.
٢ - تناول الأطعمة والسوائل والمشروبات والألبان النظيفة والمعقمة.
٣- تجنب التعرض للحر وأشعة الشمس المباشر واستعمال المظلات والاتقاء
بأماكن الظل مع محاولة التلازم بين التكييف والتبريد بشكل مناسب وبدون تعرض
لتيار المكيف المباشر.
٤- تبليل الجسم والرأس الوجه والأطراف بالماء البارد بين الفينة والأخرى.
٥ - استشارة الطبيب ومراجعة المراكز الطبية القريبة بمجرد الشعور بأي
إنهاك أو إعياء أو أعراض مرضية لأخذ التدابير العلاجية والوقائية في مرحلة
المرض المبكرة.
٦ - الانتباه والإسراع بنقل المريض لأقرب مركز صحي أو مستشفى
خاصة بحالة ضربة الشمس مع وضعه في جو بارد واستعمال كمادات باردة.
وفي الختام نسأل الله أن ييسر على الحجاج أداء الفريضة، وأن
يقيهم ويحفظهم بحفظه ورعايته، وأن يتقبل منهم عملهم ويكتب لهم به حجا مبروراً
وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً، وأن يعيدهم إلى أهليهم وذويهم سالمين غانمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 398
منبر الشباب
الفراغ وأثره في النفس والمجتمع
د. عبد الله سلطان السبيعي
اتجه العلم الحديث لأسباب تاريخية إلى فصل العلم عن الدين، والابتعاد عن
قبضة الكنيسة ورجال الدين، ولسوء حظ بلاد العرب والمسلمين فقد استورد هذا
الاتجاه بما فيه من خطر عظيم لعدم وجود البديل وهو الفكر الإسلامي.
أنا لا أدعي وأنا أكتب هذا المقال أنني أعرف في الدين أكثر مما يعرفه
الشخص العادي، وهذا نقص أعترف به، ولكنني هنا أحاول أن أعكس ما تعلمته
وأربط ما أعلمه من طب وعلم النفس مع عقيدتي الإسلامية. هذا ليس هو الطريق
لأسلمة العلم، الشيء الذي يقصد به أكثر من ذلك لعل الله أن يوفقنا لما يحبه
ويرضاه من القول والعمل.
قرأت مؤخراً آية من كتاب الله هي قوله تعالى في آخر سورة الشرح [فَإذَا
فَرَغْتَ فَانصَبْ وإلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ] . قرأت تفسير هذه الآية في أكثر من مرجع
فإذا هي مخاطبة للرسول ﷺ بأن يتوجه إلى الله بالعبادة بعد أن
يفرغ من شغله مع الناس، وأن ينصب في ذلك ويتوجه إلى الله بكل ما يفعله.
المعنى الذي استشعرته من الآية والذي ينطق على كل إنسان مهما كان هو
معنى الفراغ بمعناه الشامل، أي إذا انتهى الإنسان من أي عمل كان، ووجد نفسه
فارغاً، لا يجد شيئاً يفعله، توجهه الآية الكريمة أن يبحث عن شيء يشتغل به،
ولكن الآية لا تترك التوجيه هكذا عائماً يفسره كل حسب هواه، إنها توجهنا، ألا
يكون ما نشتغل به لمجرد شغل الفراغ ولكن يجب أن يخضع لضابطين أساسيين
هما: النصب، والنية الصالحة.
وإذا انتقلنا إلى الكلام عن الفراغ وما يجر إليه من مفاسد وذلك في ظلال هذه
الآية وهذا المفهوم؛ نجد:
أولاً: أن الفراغ سبب أساسي في الكثير من أمراض العصر النفسية
والجسمية، لا يختلف الأطباء أبداً في أثر الفراغ في الجسم البشري أو حتى
الحيواني وأنه يؤدي إلى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب
والروماتيزم والجلطات القلبية والدماغية، وهم أيضاً لا يختلفون كذلك أن الفراغ
وراء الاكتئاب والقلق النفسي والهم.
ثانياً: الفراغ يجعل الإنسان يشعر بأنه لا فائدة له، وأنه عضو مشلول في
المجتمع لا ينتج ولا يفيد. فالإنسان الفارغ لا يترقب شيئاً تهفو إليه نفسه كنتيجة
لعمله، فهو بلا هدف في الحياة وأي حياة هذه التي لا هدف لها.
ثالثا: الفراغ وسيلة من وسائل إبليس يوسوس فيها للإنسان فيثير فيه كوامن
الغرائز ويلهبها فتحرقه وتفلت من لجامها لتحرق ما حوله. وهذه حقيقة لا مراء لها.
رابعًا: الفراغ سبب للمشاكل الأخلاقية والجريمة، ويشهد بهذا علماء
الاجتماع، إذ وجد أن نسبة الجرائم والمشاكل الأخلاقية تتناسب طرداً مع نسبة
البطالة في أي زمان ومكان.
خامساً: الفراغ سبب في كسب الذنوب مثل التفكير في المعاصي والحديث في
الناس، وما إلى ذلك.
سادساً: الفراغ تعيل للطاقة وقد قال ﷺ ما معناه: أنه لا
تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ... ومنها: وعن عمره فيم أبلاه.
فلا حول ولا قرة إلا بالله ولنعد مرة أخرى إلى الشرطين الذين وضعتهما الآية
الكريمة لعلاج هذا الداء (الفراغ) ، ألا وهما:
١- النصب: (بفتح الباء) أي إن مشاهدة التلفزيون وقضاء الساعات أمامه
وقراءة الجرائد الهزيلة وما إلى ذلك ليس مما يداوي هذا المرض ويمنع الخلل الذي
يجره على الإنسان ومن خلفه المجتمع الذي هو عضو فيه. الشرط هنا هو التعب
أي أن يجهد الإنسان نفسه فالتعب وحده هو الذي يصرفه عن ما ذكرناه من عواقب
الفراغ الوخيمة.
٢- الرغبة إلى الله: أي التوجه إليه وقصده وحده بما تجهد فيه نفسك وهذا
ليس فقط لربط الدنيا بالدين كما هو هدف القرآن في كل توجيه ولكنه أيضاً الوسيلة
الوحيدة لسلسلة أخرى من المشاكل، ألا وهي التسيب وانخفاض مستوى الكفاءة
الإنتاجية في العمل، وهذا من اكبر المعضلات في علم الإدارة. لا يمكن أن يردع
الإنسان ترغيب ولا ترهيب أن لا يقصر في عمله أو يخون صاحب العمل سواء
كان فرداً أو حكومة، لكنه الخوف من الله سبحانه والعلم بأنه مطلع على كل ما
نعمله وحتى ما تخفيه الأنفس. هذا الخوف من الله هو المقصود بالآية، فالعامل
يخلص العمل ليس رغبة في تقدير صاحب العمل وحفنة من المال، ولا خوفاً من
العقاب إن هو قصر ولكن رغبة في ما عند الله، ومن ثم الجزاء نقداً (حاضراً)
بالشعور بالراحة النفسية والسمعة الحسنة والكسب المادي، ومؤجلاً بما عند الله
جزاء النية الصادقة والضمير اليقظ.
لا أجد داعياً لأعود فأتحدث عن ما يفعله التوجيه الإلهي في هذه الآية، إذ
ينقضّ على معول من معاول الهدم فيحطمه ويرى الإنسان المسلم كيف يبنى بنيانه
على أساس من الإيمان يرتبط فيه علم النفس بعلم الاجتماع بعلم الإدارة بالطب
البشري.
стр. 399
أدب وتاريخ
أدباء الحداثة
وبعض أساليبهم في حرب الأدب الإسلامي ورواده
يحيى رسام
تعليمات:
أيها الأدباء الحداثيون ... والنقاد التقدميون:
احرصوا وأنتم تخوضون معركة غرس المفاهيم الجديدة! لتغدو بديلاً عن
المفاهيم (الرجعية) و (السلفية) أن يكون همكم الأكبر، أن تحجبوا عن جماهير
القراء ما يسمونه بـ (الأدب الإسلامي) وذلك بأن تضربوا حوله أسواراً من
الحصار الإعلامي تخنقه،.. فلا تسمحوا بنشره.. ولا تتحدثوا عنه ... أو تشيروا
إليه، وحينئذ لن تجد الجماهير ما تقرؤه، إلا ما ترشحوه لها في صحفكم،
ومجلاتكم ... وتشيدوا به في منتدياتكم ومؤلفاتكم ... فإن لم تفعلوا - ولابد -
فاعملوا على نشره و (شرحه) لتحرفوه! .. فإن لم تتمكنوا فلا تتوانوا لحظة في
تشكيك الناس فيه، وتشويه صورة من يتبناه، أو يدعو إليه! وإني رأيتم في أنفسكم
الاستطاعة على السطو عليه ثم إعادة إخراجه باسمكم- طبعا- بعد صبغه بطابعكم
فلا تترددوا.. ولكن انتبهوا فهذا الطريق لا يخلو من المخاطر والمجازفة.. ولكنكم
إن نجحتم، فإن قوانا الخفية ستوفر لكم الحماية اللازمة! وستجعل منكم الأدباء
الكبار، والفلاسفة الذين لا يشق لهم غبار، والمفكرين العظام، والنقاد. المبدعين،
بل وستكونون، أنتم أصحاب النفوذ، وستتبوؤن المراكز العلمية العالية والتي من
خلالها تواصلون القيام بمهمتكم.. وسلاحكم لتحقيق ذلك وسائل الإعلام المختلفة!..
ومما يساعد على أداء دوركم. المرسوم، أن تتستروا بغطاء المنهجية!
والأمانة العلمية، والتي يجب أن لا تسأموا من تكرارها في جامعاتكم، وأنديتكم،
ومنشوراتكم، ومؤلفاتكم حتى تغدو شارة لكم، وعلامة عليكم...
لعل العبارات السابقة تمثل تلخيصاً دقيقاً لكثير من التعليمات التي يتلقاها عبيد
الغرب.. من الأدباء الحداثيين، وكل العلمانيين القدامى والمحدثين من أساتذتهم،
وسادتهم وأولياء نعمتهم..! في كيفية حربهم للأدب الإسلامي ورواده.. والأساليب
التي يجب اتباعها، وترسم خطاها ... ونحن لا نقول ذلك افتئاتاً، أو اعتباطاً،
ورمياً للأبرياء بالاتهام جزافاً.. بل إن المتتبع للأساليب والوسائل التي ينتهجها
حاملو الفكر المستورد الدخيل ... خلال القرن الحالي، والذي شارف على النهاية،
في حرب الأدب والفكر الإسلامي ورواده ومبدعيه، وحاملي لوائه، يجد مصداق ما
نقول واضحاً. لا لبس فيه ولا غموض [١] ..
جبهات ثلاث:
وسنكتفي هنا بإلقاء بعض الأضواء على أهم الجبهات التي ينضب فيها أولئك
كمائنهم لحرب الإسلاميين والتي لخصتها العبارات السابقة.
أولاً:
فحيث لم يكتفوا باتباع أسلوب حجب الإسلاميين وأدبهم عن الجماهير، عن
طريق ضرب أنواع من الحصار الإعلامي الرهيب، والذي كان بمثابة (الحكم على
الإسلاميين بالموت، وهم أحياء يراهم الناس) كما عبر عن ذلك الأديب الإسلامي
الكبير علي أحمد باكثير يوماً [٢] .
ثانياً:
فقد عمدوا إلى أسلوب أكثر خبثاً، وأعمق مكراً، وأشد خطراً، تمثل في
السطو على أعمال بعض الأدباء الإسلاميين، ومن ثم ينسبونها إلى أنفسهم، ولعل
ما شجعهم على ذلك هو غيبة أصحاب الحق الأصليين عن الساحة بالسجن تارة،
وبالإبعاد والهجرة أخرى ... وفي ظل أوضاع سياسية ترمي من يتحدث عنهم
بالعمالة لقوى الاستعمار والإمبريالية..
وقد دلت هذه الظاهرة على خبيئة نفسيات أولئك الأدباء الكبار، حيث لم يعد
فيها مكان لشيء اسمه حياد، أو خجل، أو شرف، أو احترام حقوق الآخرين
فصدق فيهم قول الرسول الكريم ﵊ في الحديث الصحيح: «إن
مما أثر من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، مع أنهم لا يفتأون
يرددون كلمات (العلمية) و (المنهجية) ! ! وينفرون الناشئة من طلبة الجامعات
من (السرقات الأدبية) في الوقت الذي يمارسونها في أبشع صورها! . ...
لقد مارس العلمانيون عمليات السطو والسرقة جهاراً نهاراً، وأمام الجميع دون
أن يمسهم سوء، أو يطالبهم عقاب، أو يضرهم ضار! ما دام أصحاب الحق
غائبين حساً ومعنًى! فحتى لو علموا ذلك فهم غير قادرين على الدفاع عن حقهم،
والمطالبة بفضح ومعاقبة الذين يسطون على أعمالهم ممن يسمون أنفسهم، ويعتبرهم
الناس، نقاداً مبدعين أو أدباء كباراً! وهم وحدهم الذين يصولون ويجولون في
الساحة الأدبية ...
ونحن لو ذهبنا، ندلل على صحة ما ادعيناه آنفا، لطال بنا الحديث، إذ أن
الوقائع التي مورس فيها السطو أكثر من أن تحصى ... ولكننا سنكتفي بضرب
بعض الأمثلة من بلدين عربيين مكاناً فقط وفي فترتين مختلفتين زماناً! .
المثال الأول:
ناقد عربي، وأستاذ في جامعة يحسب نفسه كبيراً، ويعتبره كثير من النقاد
والأدباء كذلك، يقال له الدكتور أحمد كمال زكي، هذا الأديب الحداثي الكبير!
والناقد (التقدمي) استغل وجود سيد قطب ﵀ على عهد نظام عبد الناصر
فانقض على كتاب سيد قطب المشهور (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) ، وأعاد
قراءته، ثم أجرى عليه بعض الحذف والتغيير، والإضافة، والتقديم والتأخير، مع
إعادة صياغة بعض أفكاره ومعانيه، وفي أماكن مختلفة من الكتاب، حتى غلب
على ظنه صعوبة اكتشاف عملية السطو، ثم عمل على إعادة نشر الكتاب تحت
عنوان مشابه (النقد الأدبي أصوله وأهدافه) [٣] .. وبالتالي فقد وجد الكتاب
والأدباء والنقاد، الكتاب الجديد منسوباً للناقد الكبير!
فاعتبروه من إبداعه! ! وعدوه إضافة جديدة في عالم النقد الأدبي! !
حدث ذلك يوم كان سيد قطب - وإخوانه - يؤدون ضريبة إيمانهم، وجهادهم، ورفضهم لحكم الطاغوت كما أسلفنا، ويوم كانت كتبهم مصادرة، و (كان يسيطر
على قافلة النقاد حشد من الشيوعيين المعروفين، الذين يكيدون ويدبرون، فيرفعون
المؤيدين، ويهيلون، تراب التجاهل والنسيان على أصحاب المواقف الشريفة)
على حد تعبير الأستاذ الأديب نجيب الكيلانى.
ولا أظن إلا أن بعضاً من النقاد والأدباء - من غير الماركسيين - قد أدركوا (هذه اللعبة) ولكنهم آثروا الصمت على الكلام، لأسباب معظمها معروف.
تلميذ جريء وأستاذ أكثر جرأة:
ولئن كان هذا الناقد الناشئ حينها قد سطا [٤] على ما ليس له ودعاه لنفسه!
فإنه إنما كان يسير على خطى أستاذه العميد د. طه الذي مارس هذه اللعبة من قبل
... ولكن بصورة أكثر جرأة، وأشد بشاعة، إذ أنه كان قد سرق مرتين، فعلها مرة
مع أستاذه المستشرق مرجليوث، وفعلها أخرى مع تلميذه محمود شاكر! ومع أن
حكاية سرقته بحث مرجليوث عن (الشعر الجاهلي) غدت معروفة لدى من عاصر
أحداثها، ثم الجيل الذي تلاه، إلا أننا نرى أنها فرصة مناسبة لسرد الحكاية
باختصار لأن كثرة الأحداث، وتواليها ينسي بعضها بعضاً، وحتى يرى القارئ
المعاصر الخبرة التي توفرت لأولئك، وورثها عنهم تلامذتهم ومريدوهم! .
وملخص الحكاية:
أن الدكتور طه كان قد سطا على بحث كتبه المستشرق المعروف مرجليوث
حول (الشعر الجاهلي) أنكر أو على الأقل شكك فيه بوجود شيء اسمه (شعر
جاهلي) مدعياً بأن ما يسمى (بالشعر الجاهلي) إنما هو في الحقيقة (شعر إسلامي) ابتدعه المسلمون من أتباع محمد حتى يفسروا به قرآن نبيهم! ! ويؤيدوا به دينهم! ثم قام العميد، وبجرأة نادرة يحسد عليها! ! بإلقاء البحث على طلابه! في مدرج
كلية الآداب على أنه صاحبه ومبدعه، ولسوء حظ طه حسين، فقد تنبه لهذا السطو
العلني تلميذ ذكي كان الدكتور طه قد بذل غاية جهده من قبل ليقنع هذا الطالب النبيه
للالتحاق بكلية الآداب حيث رأى فيه موهبة أدبية [٥] وميلاً ظاهراً لدراسة الآداب.. وقد كان ذلك الطالب هو محمود شاكر، الأخ الأصغر للإمام المحدث أحمد شاكر
﵀ ... ولو كان طه حسين يعلم ما يخبئ له الغيب لما عمل على إقناع التلميذ
محمود شاكر للتخصص في الآداب، لأن هذا التلميذ قد تخصص فيما بعد في كشف
سرقات أستاذه، وإن كان د. طه، لم يعدم الاستفادة من تلميذه النابغة، بطريقة أو
بأخرى كما سنرى! .
وعود على بدء نقول: بأن التلميذ محمود شاكر كان قد تنبه لفعلة أستاذه إذ أنه
نفسه كان قد اطلع على بحث مرجليوث قبل إلقاء الأستاذ لمحاضرته عن الشعر
الجاهلي فوجدها هي هي ... دون أدنى تغيير أو تبديل، أو حتى مجرد تعديل
فدهش لهذه الجرأة التي يتمتع بها أستاذه، ثم وقف مستغرباً ومتعجباً لهذا الذي يراه
أمامه، وممن؟ ! من أستاذه الذي كان يحترمه من قبل، ولعله حاول تنبيه الأستاذ،
ولفت نظره،.. إلا أنه لما رأى الإصرار! هب صائحاً، وكاشفاً لما رآه من سطو
في وضح النهار، بعد أن هاله ما حدث، وانتهت إلى الأبد تلك الهالة التي كان
أستاذه يحاط بها! فناقش أساتذته، وتحدث مع زملائه، وحاور أستاذه - بجرأة -
في قاعة الدرس، بعد أن ذهبت هيبته، وإن كلفه ذاك تعنيف الدكتور طه بعد كل
درس.. ثم لما لم يجد أدنى تجاوب لجأ لزملاء أستاذه من المستشرقين العاملين في
الجامعة، وفي كلية الآداب بالذات، ولكنه مع الأسف، ووجه بصمت مطبق،
يبعث على الريب، وبدا له وكأن الأمر قد دبر بليل، حيث وجد الجميع لا يحركون
ساكناً، ولا يفتحون فماً، اللهم إلا من كلمة تأييد، وأحياناً، لا تتجاوز الابتسامة
وهز الرأس في السر، لهذا الطالب، وكأنهم يقولون له: أن نعم! ! ، الرجل
سارق، والحق معك، والأدلة في جانبك! ولكن ماذا نفعل؟ ! لا حيلة لنا! فالرجل
يسطو لأنه صاحب صولة سطوة! ! وأمام هذا الوضع الذي أظلم في وجه هذا
الناشئ.. فضاقت عليه الأرض بما رحبت.. وهو ذو القلب الصغير، لم يستطع
تحمل وقع الصدمة ... فما كان منه إلا أن قرر لا ترك الجامعة فحسب، بل ترك
البلد أيضاً! ! فهاجر إلى حيث وجد نفسه أكثر استقراراً.. فمكث هناك فترة من
الزمان.. هدأت فيها نفسه! وأعطاها فترة استراحة، وتعبئة في نفس الوقت..
لأننا سنلاحظ أنه بعد بضع سنوات قد قرر العودة ليواصل القيام بدوره في دفع
الأذى عن أمته، وفضح أعدائها، وتعريتهم بعد أن تبين له عظم المؤامرة،
وخطورة السكوت عليها! فقام بواجبه على خير وجه، فكشف عن أبعاد المؤامرة،
وخططها، ومنفذيها ولا زال.. تلك كانت خلاصة الحكاية التي رواها الأستاذ
الكبير محمود شاكر حفظه الله في أحد كتبه [٦] .، وهي كما رأيت لا تحتاج إلى
أي تعليق.!
طه حسين ومحمود شاكر:
وأما ما فعله د. طه حسين مع محمود شاكر، فيتلخص في أن محمود شاكر
التلميذ قديماً، والأديب الكبير والمرموق فيما بعد كان قد كتب بحثاً ضخماً عن (المتنبي) الشاعر في الذكرى الألفية له، نشرته مجلة (المقتطف) في عدد خاص [٧] .. فما كان من الأستاذ الخبير في الاستفادة من جهود غيره! ! الذي أعجب بالبحث فكرة، ومادة، وجدة، إلا أن قرر إخراج البحث في طبعة جديدة.. ولكن باسمه لا باسم صاحبه، وطبعاً كالعادة كان قد أجرى بعض التغييرات كصياغة كثير من فقراته، ومواده، بأسلوبه، وأعاد ترتيب مواضيعه وزاد من الشروح والحواشي، وأضاف إلى ذلك نتفاً من كتاب عن المتنبي لمؤلف آخر، حتى ظهر له أنه صاحب الكتاب، بعد أن غدا أكبر من حجمه الأصلي، فأصدره باسمه، بعنوان (مع المتنبي) ، ولعله قصد تكريم تلميذه، ومكافئته على جرأته، وصراحته! ولكن الأديب محمود شاكر كان له بالمرصاد هذه المرة، ففضحه على الملأ، حيث كتب عدداً من المقالات في (البلاغ) بعنوان (بيني وبين طه) جعل الدكتور أضحوكة تلوكها الألسن، ويتهكم به الناس! .
وفي اليمن أيضاً:
تكررت نفس الأحداث، وإن كانت أقل خبرة، وخطراً، ومختلفة طريقة
وأسلوباً، فقد تجرأ بعضهم -وهم تلاميذ للدكتور طه حسين - وغيره ممن هم على
شاكلته، فأنكر إنتاج بعض الأدباء الإسلاميين، فهذا أحد شعراء اليمن المشهورين،
الأستاذ: عبد الله البردوني، عمل على إنكار قصيدة مشهورة للشاعر الشهيد:
محمد محمود الزبيري، وهي القصيدة السينية والتي قالها بعد أن تأزم الموقف بين
الحكومة والأحرار، في أوائل الستينات، فقدم استقالته من الوزارة [٨] وخرج إلى
القبائل، ورأى أن إصلاح اليمن لن يتحقق إلا بالتبني الواضح والصادق للإسلام،
وتحكيم شرعه، في مقابل قوانين العبيد الملفقة والمجلوبة، فأعلن الزبيري عن
تأسيس (حزب الله) ودعا كل المخلصين من أبناء اليمن إلى الانضمام إليه (انظر
ص ٢٣٧، اليمن المعاصر) للأستاذ محمد الحداد.
وكان الزبيري قد هاجم في قصيدته تلك الحكام العسكريين الذين كانوا يسيرون
ضمن الخط الناصري، والذين أرادوا صرف اليمن عن هويته، وجعله ذنباً يدور
في فلك الاشتراكية حيث دارت، فأساءوا إلى اليمن، كما أساء إليها من قبلهم،
وقال الزبيري فيها أنه سيحارب كل من يعمل ضد مصلحة اليمن ودينها، وإن
لبسوا ما لبسوا.!
بل إن الأستاذ البردوني لم ينكر قصيدة الزبيري، المذكورة فحسب، لكنه
حكم على الزبيري بالشيخوخة الشعرية، حيث قال في كتابه (رحلة في الشعر
اليمنى) ص٢٨: (فرجوعه - أي الأستاذ الزبيري - إلى اليمن من القاهرة كان
نهاية عمر شعره، فلم يرو له في عهد الثورة بيت شعر حتى استشهاده في إبريل
١٩٦٥م) .
وهذا افتراء، وجرأة على الحقيقة والتاريخ ... لا تقل عن مثيلاتها مما سبق
الإشارة إليه ... وعلى الرغم من مرور فترة من الزمن على هذه العملية.. كان
اليمنيون مشغولين بما هو أهم في نظرهم بناء اليمن، والعمل على نشر العلم
والمعرفة في أرجائه [٩] ، إلا أن أحد الأدباء اليمنيين الكبار [١٠] ممن عايشوا
الزبيري، وشاركوه في الجهاد ضد الاستبداد والظلم في بعض مراحل حياته، قد
تعرض في بعض كتبه لهذه القضية، فقال وهو يفضح البردوني، ويكشف حقيقة
دعواه. (كيف يجرؤ الأستاذ البردوني على التاريخ والأدب! ! ويقول بأنه لم
يسمع ولم يقرأ للزبيري في عهد الثورة بيتا، وهو يعلم والجميع يعلمون أنه - أي
الزبيري - قال أشعاراً كثيرة، وحسبك منها قصيدته الشهيرة التي أنشدني بعض
أبياتها عندما التقينا في أول مؤتمر للسلام في (إركويت) بالسودان عام ١٩٦٤م) .
قصيدة (الكارثة) :
ولا بأس بأن نورد بعض أبيات تلك القصيدة التي أختار لها الشهيد الزبيري
﵀ عنوان (الكارثة) ولعله يقصد بذلك أن الأوضاع في بلاده إذا استمرت
على ذلك الحال، فإنها ستؤدي حتماً إلى الهاوية، فتحل باليمن وشعبها الكارثة.
يقول في بعض أبياتها مخاطبا الحكام حينذاك [١١] :
كفى خداعا فعين الشعب صاحية ... لقد سئموا الرؤيا وقد يئسوا
يلفقون قوانين العبيد لنا ... ونحن شعب أبي مارد شرس
لم القوانين رؤياها تعاودهم ... قد ألبسوها نفاق العصر والتبسوا
قانونكم لاغتصاب الحكم مهزلة ... كترهات إمام مسه الهوس
والحكم بالغصب رجعي نقاومه ... حتى ولو لبس الحكام ما لبسوا! !
والظلم يعلنه القانون نفهمه ظلماً ... وإن زينوا الألفاظ واحترسوا
والموت من مدفع حر نقول له ... موتاً وإن أوهمونا أنه عرس
عار على صانع القانون يكتبه ... وحكمه في بحار الدم منغمس
ثم يقول مقارناً لهم من جهة ثانية بحكم الإمام السابق:
روح الإمامة تسري في مشاعرهم ... وإن تغيرت الأشكال والأسس
وأنتم عودة للأمس قد قبر ... الطغاة فيكم وعادوا بعدما اندرسوا
وأنتم طبعة للظلم ثانية ... تداركت كل ما قد أهملوا ونسوا
ثانياً: وفي اليمن كذلك:
لجاء البعض الآخر إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وتسمية الأشياء بغير.
مسمياتها، وساروا في الخط الذي رسمه الأسياد، فسعوا إلى تفسير إنتاج الأدباء
الإسلاميين تفسيراً اشتراكياً، بعد أن رأوا فشل الأسلوب السابق، فجعلوا من أدب
الإسلاميين خادما لأهدافهم العلمانية ... فعل ذلك أحد الأدباء الكبار وهو يقرأ بعض
روايات الأديب الإسلامي الكبير: علي أحمد باكثير [١٢] ﵀، وكذلك كان
شأن بعض أدباء اليمن الذين ينتمون لأفكار ومدارس فكرية شتى مع شاعر اليمن
القاضي الشهيد محمد محمود الزبيري [١٣] فقد ذهب كل أصحاب مذهب إلى،
تفسير شعر الزبيري وأدبه تفسيراً يؤيد مذهبهم وفكرهم، بل وينسبونه إليهم ونفي
صفة الإسلامية عنه.
ولا شك أن مثل هذا العمل إلى جانب كونه طمساً للحقيقة، حقيقة أدب
الزبيري الإسلامي فقد كان، دعاية لهذه الفئة أو تلك ... ولا شك أيضاً أن ذلك يعد
زيادة في التعمية، وإمعانا في الكيد، وحجبا للحقيقة عن الجماهير، والمهم أن
يطمس وجهه الإسلامي، ثم ليكن ما يكون ولكن الجميع متفقون على أنه لا صلة له
بالإسلام ... لقد أصبحوا خبراء في لي أعناق الكلام، وتشويه الحقائق [١٤] ..
إن أساليب عبيد الفكر الغربي، وتلاميذ المستشرقين أصبحت مفضوحة، وقد
آن لهم أن يعيدوا النظر في مواقفهم، ويكفروا عن أخطائهم قبل فوات الأوان.
стр. 400
حديث طاغية في القبر
مروان كجك
مضى العهد الذي يعد ... وجاء الهم والنكد
ولم أعلم بأن يدي ... غداة الروع ترتعد
وبتّ اليوم منفرداً ... فلا خلٌّ ولا ولد
أجيل الطرف ملتمساً ... فألقى الكل قد بعدوا
ويذهب بي حصاد الأمس ... مثل البرق يتَّقد
إلى ما كنت أنكره ... وأزعم أنه الفند
فأين الآن من زعموا ... بأني الخالد الفرد
وأني الفارس المقدا ... م والعمدان والوتد
وأني صانع الأمجاد ... وي أم أنهم جحدوا
أراني كنت منخدعاً ... على الأوهام أعتمد
فكم أمسيت منتفشاً ... كأني في الوغى الأسد
وكم أصبحت منتشياً ... لأن القوم قد سجدوا
فقلت لعلهم صدقوا ... بأني الموئل الصمد
ولولا ذاك ما هتفوا ... لِتَحي الدهر يا أحد
وكانت صيحة أخذت ... بلُبِّي والحجا شرد
فلم أعبأ بنصح أخٍ ... ولم أنصت لمن نقدوا
ودارت بي كؤوس الطي ... ش والآثام والمضد
فلم ألمس ولم أبصر ... ولم أسمع لمن وفدوا
فيا ليت الذي بيني ... وبين الأمس مفتقد
وأمثالي وإن عظموا ... بهذي الأرض ما ولدوا
فهذي الحفرة التعسا ... ءِ في الإيذاء تجتهد
لظاها سابغ اللمسا ... ت في أنحائها الزرد
لها فَيحٌ شديد الوط ... ء في الحلقوم ينعقد
نسيت لهوله أمسي ... وضقت لفرط ما أجد
ودالت دولة الطغيا ... ن والأذناب قد رقدوا
هنا وحدي أسير القب ... ر ضاع الزهو والغَيَد
سيوفي كنت أحسبها ... تعيش الدهر تحتَصِدُ
فخانتني وما صدقت ... وكانت دائماً تعد
فأين الآن حاشيتي ... وذاك الجمع والعدد
أراهم كلهم دخلوا ... جحور الذل واختُضِدُوا
أو ارتدُّوا على الأعقا ... ب فليجدوا الذي أجد
стр. 401
تراجم
السلطان سليمان بن محمد
محمد آمحزون
هو سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل، من سلاطين الدولة الحسنية
بالمغرب الأقصى، بويع بفاس عام ١٢٠٦ هـ (١٧٩١م) بعد وفاة أخيه اليزيد،
كان سلفياً محباً للسنة، قامعاً للبدعة، محباً للعلم والعلماء، له حواش وتعاليق على
بعض الكتب، وقد عني بإخضاع القبائل، وقمع أهل البدع والخرافات وإحياء السنة، كما عرف بالسعي إلى العودة بالناس إلى منهج السلف في صفاء العقيدة وسلامتها
واستقامة السلوك لإيجاد مغرب قوي موحد يتحدى الأطماع والمؤامرات الخارجية
التي تسعى إلى زعزعة استقراره وفقدان سيادته والإطاحة به في شراك التبعية
الفكرية والسياسية والاقتصادية.
ولقد ظل سليمان ﵀ اثنين وثلاثين سنة مثالاً للفضيلة والحكمة والرفق، وعمد إلى تركيز نظام الدولة على دعائم شرعية، فأسقط المكوس واكتفى بالزكاة
وأعشار المراسي المشتغلة من طرف اليهود المغاربة والتجار الأجانب، وكان له
اهتمام كبير بالعلم والعلماء، حتى تنافس الناس في طلب العلم في عهده، لما كان
يحظى به أهله من طرف السلطان من عناية زائدة، وعرفت البلاد في عهده حركة
معمارية مهمة من بناء المساجد والمدارس والقناطر والأسوار ومد الطرق وتجديد
القلاع والحصون رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهته..
ومن الملاحظ أن أرباب الفكر الصوفي المعادي للسلفية - وهي العودة إلى
الكتاب والسنة - والذين كانوا يؤثرون إلى حد بعيد على عقليات البربر حرضوا
هؤلاء على الانتفاضة ضد السلطان عندما رأوا مصالحهم مهددة بالزوال، هذا
بالإضافة إلى أن جهود سليمان كانت فردية مما كان له الأثر في صعوبة تنفيذ
مخططه الإصلاحي.
ومما يجب أن ينبه له أن الكتَّاب الغربيين ومن سار على دربهم من الملحدين
اليوم المتسمين بأسماء إسلامية، المقلدين للإفرنج، المتخلين عن كل خُلُقٍ وفضيلة
زاعمين بجهلهم وتقليدهم الأعمى أن هذا هو سبيل الرقي والمدنية حاولوا جميعاً
تشويه سيرة هذا الرجل والانتقاص من مكانته نظراً للافتراءات والادعاءات الباطلة
التي نشروها حول سياسة المغرب في تلك الفترة (١٢٠٦-١٢٣٨هـ/١٧٩١-١٨٢٢
م) بوصف السلطان سليمان بأنه مارس سياسة العزلة وأغلق منافذ الاتصال مع
البلدان الأوربية، وبذلك أصبح المغرب متخلفاً ولم يعد يواكب التقدم العلمي
والعصر المتطور.
وجدير بالإشارة أن هذه الحملة على السلطان سليمان وربط ما يتهمه الخصوم
به من عزلة وتقوقع باعتناقه مذهب الوهابي إنما يراد منها الطعن في الإسلام ورميه
بالتزمت والانغلاق لاسيما وأن الوهابية ليست مذهباً فقهياً بل دعوة إلى الالتزام
بالكتاب والسنة وإحياء سيرة السلف الصالح.
إن أعداء الإسلام يحاولون على الدوام وبكل ما يملكون من وسائل هدم هذا
الدين وطمس معالمه لأنه يقف جداراً منيعاً في وجه أي غزو فكري وسياسي
واقتصادي.
لست أدري كيف تجاهل هؤلاء الموتورون الحاقدون أن الإسلام دين العلم
والحضارة والتقدم ولولا انفتاح المسلمين لما استطاعت أوربا أن تصل إلى ما
وصلت إليه الآن من مدنية وتقدم علمي؛ فعلى ضوء المنجزات الإسلامية في
العصور الوسطى وعلى هديها أخذت أوربا المنهج التجريبي وبنت لنفسها الشخصية
العلمية الرائدة، وأقامت مدنيتها الحديثة، إنهم يريدون بالانفتاح أن يفتح المسلمون
أبوابهم أمام التيار الثقافي الغربي لتكريس التبعية لهم في مجالات الحياة المختلفة،
أما رفض ذل التبعية والالتزام بمقتضيات الإسلام من التميز والعزة والوقوف في
وجه الأطماع فذلك كله في نظر الأعداء عزلة وتخلف.
إن السلطان سليمان كانت له علاقات مع الدول الأوربية عن طريق القناصل
الممثلين لدولهم والمقيمين في طنجة، ولكن كان حازماً في سياسته حيث كانت
الدول الأوربية الممثلة بالمغرب تؤدي إتاوة سنوية أو هدايا. فالسويد كانت على
سبيل المثال تؤدي إتاوة قدرها (٢٥ ألف) ريال مغربي، وقد تجلت سياسة سليمان
في استغلال التنافس بين الدول الأوربية لحماية المغرب من أطماعها، كما تجلت
في التحكم في التجارة المغربية وعدم إطلاق الحرية للأوربيين في اقتناء ما يريدون
، وفي فرض الرسوم الجمركية بكل ميناء لجباية الأعشار من التجار الأوربيين،
وفي تجهيز أسطول بحري يمارس أعمال الجهاد ضد سفن الدول الأوربية التي لم
تعقد هدنة معها، علاوة على تبنى سياسة الإصلاح الداخلي عن طريق إشاعة
الوعي الإسلامي الصحيح لولا عناد وتآمر المناوئين وأهل البدع.
وهكذا إزاء هذه المواقف الدالة على اليقظة والحزم من قبل السلطان للمحافظة
على سيادة المغرب وإصلاح أوضاعه الداخلية لم يسع الصليبيين الذين أثيرت
مخاوفهم إلا تزييف الحقائق التاريخية ورميه بالعزلة والتخلف نظراً لأنه ضيق
الخناق عليهم ولم يسمح للدول الصليبية باحتواء المغرب في عهده.
стр. 402
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
الشيخ حسن خالد وأهل السنة في لبنان
خسارة كبيره تعرض لها أهل السنة في لبنان بمقتل الشيخ حسن خالد الذي
كان الرمز المتبقي لهم في بلد تسوده شريعة الغاب، بل أسوأ من ذلك، خمسة عشر
عاماً والبلد يغرق في الدماء، ولا أحد يريد أن تتوقف هذه الوحشية في التعامل،
ولا أحد ينبض له عرق من الإنسانية لوقف هذا النزيف.
كانت دار الفتوى هي ملجأ الجميع في بيروت، وكان الشيخ يداور ويتلطف
ليبقى لأهل السنة بعض الخيوط التي يستطيعون التمسك بها في أجواء (المليشيات)
وزعماء الأحياء و (الحارات) .
إن الطوائف الأخرى في لبنان ومن يساعدهم يستعملون مع أهل السنة المثل
القائل: (استضعفوك فأكلوك) فأهل السنة هم الوحيدون الذين ليس لهم مليشيات،
وهم الوحيدون الذين لا يفرضون (الخوة) و (البلطجة) على رقبة الشعب المسكين،
ولذلك أصبحوا طعمة لكل طامع، ووسيلة لتفجير الأوضاع وعدم استقرارها، فإذا
ما هدأت الأمور أو في طريقها إلى الهدوء وظهر في الأفق بعض المبشرات فإن
الضحية والتجربة هم (أهل السنة) ..
وقد يقال: ولماذا لا يكون لهم قوة تردع من يعتدي عليهم؟ هذا سؤال يوجه
إليهم ونحن لا نريد تبرير تصرفاتهم، ولكن حتى في الوقت الذي كان عندهم بعض
القوة - على خلل وضعف - ضربت هذه القوة من الطوائف الأخرى.
كان الشيخ حسن خالد ﵀ ذا شخصية هادئة، يريد الخير للبنان، وليس
عنده ما يخيف، فلماذا قتلوه؟ طبعاً لأنه ليس وراءه أحد، وبقتله تتفجر الأوضاع
وتستمر في طريقها المسدود، وأيضاً يستريحون، من شخصية كبيرة تقبل الحوار
لإنقاذ لبنان، كما استراحوا من الشيخ صبحي الصالح ﵀، الذي لم يكن عنده
مليشيات ولا عصابات، ولم يتحزب يوما مع أحد.
إن الأعداء يعلمون وإسرائيل تعلم أن أهل السنة هم في النهاية الذين يتصدون
لكيد اليهود في فلسطين، أو كيد الشيوعية في أفغانستان، ولهذا هم المستهدفون
دائماً، والكيد والحقد موجه لهم دائماً، وإنها شنشنة نعرفها من أخزم ...
стр. 403
أزمة ديون العالم الثالث
التاريخ يعيد نفسه
إن أسباب أزمة ديون العالم الثالث لم تتغير منذ مائة عام، تبدأ المشكلة بتهالك
دائنين شرهين على الإقراض، وحرص منهم على مد السكك الحديدية في
الصحاري المترامية الأطراف، وإقامة مصانع في الأدغال، هذا من جهة؛ ومن
جهة أخرى حكام دكتاتوريون يجمعون بين الفساد والجهل، تنفتح شهيتهم وشراهتهم
إلى القروض، فيحولون قسماً كبيراً منها إلى جيوبهم، أو يعيدون قسماً آخر منها
إلى حساباتهم في البنوك الغربية، وبعد وقت قصير يحين موعد تسديد هذه الديون،
وهنا تبدأ الأزمة.
وهكذا كانت بداية مثل هذه الأزمة في الثمانينيات من القرن الماضي عندما
حدث ما اصطلح على تسميته بأول أزمة ديون عالمية، وذلك بعجز الدولة العثمانية
عن تسديد ديونها المستحقة، وإعادة المفاوضات بشأنها.
وهاهي الأزمة تعيد نفسها في الثمانينيات من هذا القرن، حيث أقرض الغرب
المكسيك والبرازيل وفنزويلا وغيرها من دول العالم الثالث المفلسة التي اعتادت
الاقتراض، واستحلت طعمه.
إن ما يمكن تعلمه من دروس التاريخ العثماني؛ هو أن علاج بعض المشاكل
قد يزيدها تفاقماً وسوءاً. فالدولة العثمانية نقلتها مشكلة الديون من كونها (رجل
أوربا المريض) إلى أن تصبح (رجل أوربا الميت) ، ولم تفلح جهود الأوربيين
في إحياء الجثة إلا في خلق مشاكل جديدة.
وفي هذه الواقعة التاريخية فائدة وعبرة لوزير الخزانة الأمريكي (نيقولاس
بريدي) الذي يحاول أن يصوغ خطه لتخفيف ديون العالم الثالث، بينما كان سلفه (جيمس بيكر) مصراً على تسديد المقترضين (المفلسين) ديونهم بكاملها دون نقصان. أما الآن فإن بريدي يقترح أسلوباً أكثر ليونة وذلك بالتنازل عن جزء من هذه الديون.
إلا أن التجربة العثمانية لا توحي بأن أي من الحلين يمكن تطبيقه بسهولة!
فإذا لجأنا إلى خيار (بيكر) فإن ذلك يتطلب من المقرضين التدخل بشكل سافر
في إدارة اقتصاد الدول المقترضة.
وإذا لجأنا إلى خيار (بريدي) فإن ذلك سيؤدي إلى انهيار سمعة الدول
المقترضة أمام العالم، وفقدان الثقة بها، كما حصل لسمعة الدولة العثمانية بعد عام
١٨٧٥م.
وقد لاحظ (برنارد لويس) [١] أن الشيء الذي لم يتغير خلال قرن من
الزمن - رغم كل التغيرات التي حصلت - هو جهل المستدينين وجشع الدائنين.
وقع العثمانيون أول الأمر تحت وطأة الديون لأسباب تشبه كثيراً أسباب
استدانة دول العالم الثالث، وهي في شراء أسلحة (عصرية) ، فعندما وقعت حرب
القرم عام ١٨٥٤ لم يكن على العثمانيين ديون تذكر، ولكن السلطان عبد المجيد
الذي كان حريصاً على مساعدة بريطانيا وفرنسا ضد روسيا أصدر مرسوماً يسمح
فيه للخزينة باقتراض ٣ ملايين جنيه، وكانت تلك بداية نهم لا يشبع من قبل
الأتراك إلى الأموال الأجنبية، وذلك ببيعهم سندات ديون إلى مستثمرين أوربيين
خصوصيين، وغدا الاقتراض من الخارج لديهم عادة روتينية سهلة.
كتب المؤرخ البريطاني اللورد كنروز عن تلك الفترة من التاريخ العثماني
يقول: (أصبح الاقتراض من البنوك الغربية غاية في السهولة، فقد كان ... المستثمرون الأوربيون يتفاءلون خيراً بما يردهم من تقارير مشجعة حول المصادر الطبيعية الضخمة في تركيا، ولكنهم تناسوا حقيقة عجزها عن استثمار تلك الموارد، وقصورها الفادح في تسيير المسائل المالية) .
وكان لدى العثمانيين مرض آخر معروف لدى العالم الثالث، وهو نزعة القادة
إلى إنفاق الأموال الطائلة من مال الشعب على أنفسهم ومصالحهم الخاصة، وقد
تفاقم هذا الأمر باعتلاء السلطان عبد العزيز العرش عام ١٨٦١م، فقد كتب السير
إدوين بيرز في الكتاب السنوي لعام ١٩١٧:
(كانت الإدارة المالية فاسدة تماماً، حيث لم يكن يصل إلى خزينة الدولة من
أموال الضرائب إلا ٤٠ بالمائة) .
وطوال فترة حكم عبد العزيز كانت الديون العثمانية تتراكم، فقد ارتفعت من
(٣) ملايين جنيه عام ١٨٤٥م إلى حوالي (٢٠٠) مليون جنيه عام ١٨٧٥ وقد انهار
هذا الهرم غير الطبيعي من الديون فجأة في ٦ أكتوبر من تلك لسنة عندما عجز
العثمانيون عن الوفاء بالتزامهم للدائنين! فأعلن الباب العالي أنه سيدفع نصف
الفوائد، وتعهد بالتزامات جديدة تغطي الباقي.
وكما لاحظ كنروز فقد كان هذا عجزاً حطم سمعة الحكومة العثمانية في
الخارج، وهكذا بعد دمار رصيدها وتخبط اقتصادها في براثن الفساد عجزت الدولة
العثمانية ثانية عن الوفاء بالتزاماتها المعدلة، وانتهى الأمر بالسلطان عبد الحميد أن
ألقى السلاح، ووافق على قيام مجلس مشترك: عثماني - أوربي للإشراف على
تسديد الديون.
وكان أن فقد العثمانيون التحكم المستقل باقتصادهم، وسمحوا للتدخلات
الأجنبية فيه، فأصبحت مواردهم الطبيعية رهينة بيد القوى الأجنبية، يساعدها
عملاء محليون وطابور خامس من اليونان والأرمن، وقد كانت الاضطرابات
السياسية والاجتماعية الناجمة عن ذلك من أهم الأسباب التي ساعدت على ظهور
حركة (تركيا الفتاة) وزوال الإمبراطورية إلى درجة يمكن معها التأكيد بأن الديون
أدت إلى خنق العثمانيين.
دافيد أغناطيوس / الغارديان ويكلي ١٥ / ٥ / ١٩٨٩ م
стр. 404
الشيخ سياف يرد على الحملة الإعلامية
التي تشن على المجاهدين العرب
دأبت بعض الصحف الغربية في الآونة الأخيرة على إثارة الفتنة والضرب
على وتر العصبية المنتنة، فراحت تكتب وتحاور الأفراد من داخل أفغانستان حول
ما أسمته (العرب والوهابية) وربما يكون قد تجاوب معها بعض الجهلة المتعصبين
فراحوا يرددون هذه العبارة لإبعاد الأخوة العرب الذين يشاركون في الجهاد الأفغاني.
والأخوة العرب ومن شتى الأقطار العربية يفخرون إذا كانوا يتبعون منهج
أهل السنة، منهج السلف، وهي ظاهرة طيبة بين صفوف الشباب الإسلامي في
هذا العصر، وليس هناك شيء اسمه (الوهابية) وإنما هناك مصلح مجدد اسمه
محمد بن عبد الوهاب، كأي مصلح إسلامي أراد العودة إلى منابع الدين الصافية،
والذين يرددون هذه الكلمة ويعتبرونها تهمة معروفون في العالم الإسلامي. إن
هؤلاء الأخوة العرب ليعتبرون الإمام أبا حنيفة من أئمة أهل السنة، وهذا الإمام له
مواقف رائعة في الدفاع عن السنة ومحاربة المبتدعة الذين انشقوا عن أهل السنة
وكتب الأحناف مملوءة بالتحذير من الباطنيين.
وندعو إخواننا العرب أن ينتبهوا لهذه المكيدة، ويذكروا الناس الذين لا
يعلمون بكتاب (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة وكتب أبي يوسف ومحمد ابن الحسن، والطحاوي في الدفاع عن السنة.
وقد تنبهت -والحمد لله -وكالة البنيان الصحفية لهذا الأمر فسألت الشيخ
السياف رئيس وزراء أفغانستان عن هذا الموضوع، وذكرت مقتطفات من أقواله،
ونحن ننقل هذه المقتطفات كما جاءت رداً على مثيري الفتنة والتفرقة.
(في تصريح خاص لمجلة البنيان الناطقة بالعربية رد رئيس حكومة
المجاهدين المؤقتة الشيخ عبد رب الرسول سياف على الحملة الشرسة التي تشنها
في هذه الأيام وسائل الإعلام الغربية وخاصة إذاعة ال بى بى سي ضد المتطوعين
المسلمين الذين يعملون في الساحة الأفغانية. فقال: إن الدنيا بأسرها قد تكالبت
على أمتنا الإسلامية وأن أعداء الإسلام يتضايقون من أي مظهر يدل على وحدة
الإسلام والمسلمين) . وأضاف سياف: (لقد جعل الله الجهاد الأفغاني سبباً من
أسباب تجمع بعض أبناء أمتنا الإسلامية المخلصين الذين توافدوا إلى خنادق القتال
من شتى أقطار العالم الإسلامي والتحموا كتفاً لكتف ودماً لدم، وأصبحوا صفاً واحدا
في مقابلة من يريد اجتياح أمتنا الإسلامية واستئصال شأفتها وعقيدتها من جذورها) .
ثم تحدث الأستاذ سياف عن دور المتطوعين من المسلمين في الجهاد الأفغاني
فقال: لقد كان لهؤلاء الغرباء القادمين لمساعدة إخوانهم الأفغان والوقوف بجانبهم
أطيب الأثر في رفع الروح المعنوية لدى المجاهدين حيث شكلوا بتواجدهم نموذجاً
مصغراً للوحدة الإسلامية وجنسيتها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
ثم عرّج الشيخ سياف على ما ينشره الإعلام الغربي من تهم وأكاذيب باطلة
حول هؤلاء المتطوعين قائلاً: لقد أغاظت الوحدة الإسلامية هذه قلوب أعداء
الإسلام وضاقت بها صدورهم فلم يستطيعوا تحملها وبدءوا بإعلان حربهم الشعواء
بشتى الوسائل والأساليب، وها نحن نسمع أبواق الكفر والمنافقين تتحدث عن
هؤلاء الأخوة الذين سارعوا لخدمة هذا الجهاد ودعم إخوانهم المجاهدين وتتهمهم
وتطعن فيهم وتختلق عليهم الكذب والأقاويل.
وأردف سياف يقول: إن هدفهم الرئيسي من وراء كل هذا هو إحداث فجوة
بين أبناء الشعب الأفغاني المجاهد المسلم وبين إخوانهم في الله والعقيدة، ويهدفون
كذلك إلى النيل من طريق إعادة وحدة الأمة الإسلامية وتفريغ الساحة للمؤسسات
الكفرية والإلحادية حتى تنفرد بالإفساد داخل ساحات أفغانستان في المستقبل القريب
باسم بناء وتعمير أفغانستان.
وتحدث الشيخ سياف عن الأنصار العرب فقال: إن هؤلاء لم يدخروا من
الدنيا شيئاً بل باعوا دنياهم من أجل الدفاع عن دينهم وعن عقيدتهم وإيمانهم والذود
عن أعراض هذه الأمة وحرماتها، وبدأت أبواق الخبث والعفن تتهم إخواننا
المتطوعين العرب بأنهم، يحاربون مذهب أهل البلاد وأنهم كذا.. وكذا وكل هذه
الأمور لا أساس لها من الصحة ولا رصيد لها من الواقع. وأن استشهاد العديد منهم
لأصدق دليل على أنهم جاءوا ابتغاء مرضاة الله. وأن هذه الحملة الإعلامية الشرسة
التي تشن ضد إخواننا الأنصار الذين نعتبرهم أفلاذ أكبادنا وهم أغلى من في
الأرض من بني البشر الأحياء، كما نعتبرهم أصدق نماذج في ساحة الأخوة
الإسلامية.
ثم خاطب سياف الأنصار بقوله: (أطمئنكم بأن الأفغان متنبهون إلى هذا الأمر، ويعرفون حقائق هذه الحملة البشعة، فواصلوا عملكم بكل ثقة واطمئنان،
وواصلوا مسيرتكم في درب الجهاد درب العزة، ولن نسمح لهم بأن يفرقوا بيننا) .
стр. 405
لمحات عن إندونيسيا
تشكل جاوة وسومطرة جزيرتين اثنتين من الجزر ذات الجمال الطبيعي التي
تكون جمهورية إندونيسيا البالغ عددها (١٣٦٦٠) جزيرة (خمس جزر رئيسية،
وثلاثون أرخبيلا) ، ومساحتها (٢) مليون كيلو متر مربع، وفيها مائة بركان نشط
تخرج منها الأبخرة والغازات، ويبلغ عدد السكان (١٨٠) مليون، وبهذا التعداد
تمثل إندونيسيا خامس أكبر دولة في تعداد السكان في العالم بعد الصين والهند
والاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة.
وتمتد جزر إندونيسيا عبر (٣٢٠٠) ميلاً من المياه فاصلة المحيط الهندي عن
المحيط الهادي، وقد استغل المستعمرون الهولنديون إندونيسيا لمدة تقرب من
(٣٥٠) سنة، ولكنهم لم يوحدوا الجزر تحت إدارة مركزية مطلقاً، لذا فعندما نالت
إندونيسيا استقلالها سنة ١٩٤٩م لم ترث حكومة موحدة ولا هوية وطنية واحدة.
الشعار الوطني (الوحدة في الاختلاف) هو شعار صنع في القرن الخامس
عشر، يصف حالة البلد اليوم بشكل ملائم، وتحوي التشكيلة الإندونيسية:
الجاويبين شديدي التهذيب، والسندانيين عديمي الاهتمام، الباليين البوجيين
الملاحين، والمندانيين الصناعيين، وبقايا من البرتغاليين الذين احتلوا البلاد عام
١٥١٠ م.
بحلول سنة ١٩٦٥ كانت إندونيسيا الفتية تغرق بسبب التبذير الوطني
والإفراط السياسي من قبل الرئيس الأول (سوكارنو) وكانت البلاد تنجرف نحو
سيطرة الحزب الشيوعي الإندونيسي، أكبر حزب شيوعي في العالم خارج الصين
والاتحاد السوفييتي، فتحرك (سوهارتو) بسرعة فنحى (سوكارنو) وسيطر على
مقاليد البلاد، وكان أول عمل قام به حل الحزب الشيوعي مما أدى إلى ملاحقة
الشيوعيين وقتلهم، وكان عدد كبير من القتلى من الصينيين، وبعد مضي أربع
وعشرين سنة مازالت المدارس الصينية والأحزاب الصينية محظورة، وقد جمع
حكم (سوهارتو) بين التهذيب والمكر والقبضة الحديدية. فقد حل الأحزاب العنيدة،
وفتح أبواب إندونيسيا للمعونة الخارجية والاستثمار، وفي السبعينات بدأ الانتعاش
بسبب البترول (يقدر احتياطي إندونيسيا المعروف من البترول تسعة ملايين برميل)
واليوم تلتف الطرق الحديثة حول الجبال وعبر الأدغال في سومطرة وسليبي، وفي
إيريان وتنتشر الآن حوالي ١٣٦ ألف مدرسة ابتدائية جديدة عبر القرى البعيدة،
وقد تضاعف إنتاج الأرز، وتوجد مشاريع صناعية ضخمة في البلاد، مثل منشآت
الغاز الطبيعي.
إن أربعاً وعشرين سنة تعتبر طويلة بالنسبة للتاريخ السياسي الساخن لآسيا
الاستوائية، ويتساءل الكثير: ماذا سيحدث بعد سوهارتو؟ في الانتخابات
الإندونيسية سنة ١٩٨٧ فاز حزب سوهارتو السياسي المدعوم من الجيش بـ ٧٣% من مقاعد مجلس الشيوخ ثم عين سوهارتو مائة ضابط في الجيش في ذلك المجلس، كما عين كل أعضاء مجلس الشورى الوطني الخمسمائة، ثم انتخبه المجلسان
للمرة الخامسة كرئيس لفترة خمس سنوات، ويعتبر الرئيس الحالي كبيراً جداً في
السن إلا أنه يواجه تحديات لم يواجهها من قبل فمعدل دخل الفرد بقي (٣٥٠)
دولارا في السنة، وهذا دون مستوى معدل دخل الفرد في الفلبين،. ويبلغ عدد
العمال في وظائف دون مستواهم ٤٠% وينضم إلى العمال سنويا مليونا عامل جديد، ومع زيادة عمليات الاقتراض زادت الديون وزاد الفساد من المشاكل الاقتصادية
حيث تنتشر الرشاوى والعمولات العالمية المعقدة، ومن خلال شبكة من الاحتكارات
يتحكم الإندونيسيون الصينيون باستيراد العديد من السلع الرئيسية، محققين مكاسب
كبيرة لأنفسهم وأنصارهم، وتعتبر عائلة سوهارتو وأقاربه المختلفين ومساعديه من
المستفيدين.
وفي نقاش لي مع الرئيس (سوهارتو) نفسه تحدثت فيه عن الفساد الموجود
وعن استفادة عائلته وأصدقائه من وجوده في الحكم رفض الاعتراف بشيء من هذا، وقال: إن من يقول هذا ينظر للأشياء بعين واحدة مغلقاً الأخرى. فأجبته:
بالطبع يا سيادة الرئيس لكنك كجندي سابق تعلم انك يجب أن تغلق عيناً عندما
تصوب على الهدف. فأجابني ببرود شديد: حتى لو أغلقت عيني الاثنتين فإني
مازلت أستطيع إصابة الهدف.
ويقطن العاصمة جاكرتا ثمانية ملايين شخص، وفيها المباني الحديثة والفنادق
والسفارات بالإضافة إلى الأعشاش والبيوت والأحياء القديمة الفقيرة.
وتعتبر جاوة من أكثر المناطق القروية كثافة سكانية في العالم، ويعمل حوالي
نصف سكان جاوة بالزراعة، حيث يمتلك ثمانون بالمائة منهم أرضاً لا تكاد تكفي
لسد رمقهم،. وقد أعادت الحكومة إسكان أكثر من ٧٠٠ ألف عائلة ضمن المشروع
الحكومي للهجرة - الداخلية من المناطق المكتظة بالسكان- إلى حوالي ٦٠٠
مستوطنة في الجزر البعيدة.
إن تسعين بالمائة من السكان مسلمين، وأشدهم تمسكاً بالإسلام (الأسهيون)
الذين يقطنون السهل الساحلي شمال سومطرة، فقد أعلنوا الجهاد ضد حكومة جاكرتا
عام ١٩٥٣ ولم تهداً الحرب إلا بعد أن اعترفت الحكومة بنوع من الاستقلال
الداخلي وتطبيق الشريعة الإسلامية، وأشد الأقوام بدائية يتواجدون في إقليم (دامينا)
وينتمون إلى قبيلة ماسكونا، وأرضهم عبارة عن أدغال لا يمكن عبورها تتخللها
محاجر كلسية، ووهاد ضيقة، وقد خاضت قبيلة (الماسكونا) لعشر سنوات خلت
حروباً قبلية عنيفة وقتلوا كل أجنبي تجرأ على تحدى حرمة أراضيهم، إن الطريق
الوحيد للوصول إلى هذه القبيلة هو عن طريق الجو، وهكذا جاء المبشرون
بالنصرانية، وقد وجدت هناك أمريكيين من الكنيسة الإنجيلية يدرسون اللغة القبلية، وعندما سألت شاباً من القبيلة: كيف تعرفت الدولة عليكم، أجابني بقوله: جاءوا
منذ ثلاث سنوات وأخبرونا ألا نستقبل المنصرين، وعندما سألته إن كان يعرف من
هو رئيس إندونيسيا، قال بسرعة (باك سوهارتو) و (باك) تعني الأب، ثم قال:
إنه الكبالا الكبير، والكبالا تعنى رئيس القبيلة.
عن مجلة ناشيونال جيوغرافيك يناير ١٩٨٩
стр. 406
أخبار حول العالم
السيطرة الروسية في الاتحاد السوفييتي
في طريقها إلى الزوال
إن السيطرة الروسية في الاتحاد السوفييتي في طريقها إلى الضعف بسبب
ارتفاع معدل الولادة عند المسلمين في وسط آسيا.
فحسب تعداد يناير من هذا العام (١٩٨٩) فإن الروس يشكلون ٥١% من
مجموع السكان مقارنة بـ ٥٦% عام ١٩٥٩، و ٥٢% في إحصاء عام ١٩٦٩ في
حين بلغ مجموع السكان في آخر إحصاء ٢٨٦. ٧ مليون نسمة وكان قبل عشر
سنوات ٢٦٥ مليون نسمة.
إن نتائج هذا التعداد تعتبر تحولاً ديموغرافياً لازال يثير مخاوف الكرملين
خلال ثلاثة عقود، وإذا ظل اتجاه النمو السكاني على ما هو عليه فإن الأغلبية
الروسية ستصبح أقلية في نهاية هذا القرن ومع هذا فإن الأرقام تعطي بعض الراحة
لصانعي السياسة السوفيتية الذين يواجهون حالياً باضطرابات قومية على أطراف
آخر إمبراطورية مؤلفة من قوميات متعددة، وعلى الرغم من أن المسلمين لا زالوا
يتميزون بنسبة مواليد مرتفعة مقارنة بالسلف؛ فإن نسبة زيادتهم تراخت قليلاً منذ
آخر إحصاء، وأخطر توقعات علماء السكان الغربيين هي أن الشعب الروسي قد
يهبط إلى ما تحت ٥٠% في هذا التعداد.
في كتاب مشهور نشر منذ عشر سنوات بعنوان (سقوط إمبراطورية) تنبأ
كاتبه بأن الشعب الروسي [١] سيهبط إلى ٨ ر٤٦% في عام ١٩٩٠ والأرقام تشير
إلى أن نسبة الولادات في جمهورية روسيا خلال عشر سنوات قد ارتفعت قليلاً منذ
عام ١٩٧٩ أي إلى ٧% ولكنها لا زالت منخفضة جداً عند نسبة ٣٤% في
جمهوريات آسيا الوسطى.
وعلى المدى الطويل، فإن تناقص سكان روسيا سوف يجعل من الصعب على
السياسيين أن يستمروا في ادعاء تفوق التمثيل في اقتسام السلطة، فالآن يوجد اثنان
فقط غير روسيين ضمن الترويكا الحاكمة المؤلفة من ١٢ شخصاً، هما وزير
الخارجية (إداورد شيفارنادزة) من جورجيا، و (فلاديمير شيربتسكي) من أوكرانيا، والمسلم الوحيد [٢] الذي وصل مرة إلى الترويكا (حيدر علييف) من أذربيجان قد طرد عند تسلم (غورباتشوف) السلطة عام ١٩٨٥، واتهم بفضائح رشاوى وفساد، وأجبر على الخروج من دائرة صانعي القرار السياسي
ضمن حملة تطهير في صفوف الحرس القديم، وكذلك فإن الإحصاء يظهر استمرار الهجرة من الريف إلى المدينة، حيث بلغ تعداد أهل الريف ٣٤% مقارنة مع ٥٢% عام ١٩٥٩.
الغارديان ويكلي ١٤/٥/١٩٨٩م
بوتو.. خطوة تتبعها خطوات
جاء في مجلة الإكونومست بتاريخ ٣ / ٦ /١٩٨٩ ما يلي:
قامت بنازير بوتو بعزل الجنرال حميد غول من منصبه المهم كرئيس
للمخابرات العسكرية الباكستانية واستبدلته بالجنرال شمس الرحمن كالو الذي يعتقد
أنه أكثر تقبلاً لنصائح رئيسة الوزراء، وبعزل الجنرال غول تكون بنازير قد
نقضت عهداً بعدم التدخل في أمور المؤسسة العسكرية، ويمنح قرار عزل الجنرال
غول بنازير بوتو فرصة للتنصل من سياسة الدعم التي تبناها الرئيس الراحل ضياء
الحق تجاه المجاهدين الأفغان.. وكان ضياء الحق يؤمن أن بإمكان باكستان
والمجاهدين سوياً تحقيق نصر للإسلام، وذلك بإقامة حكم إسلامي في كابل وإنشاء
كتلة إسلامية على تخوم الحدود الروسية، وكانت فئات المجاهدين الأصوليين [٣]
تتلقى في عهده حصة الأسد من المساعدات العسكرية والمالية وقد سببت هذه
السياسة انتقادات متكررة للجنرال غول الذي كان يشرف على تنفيذها.
أما بنازير، فإن إيجاد نهاية مبكرة للحرب الدائرة في أفغانستان أهم لديها من
تحقيق نصر إسلامي، كما أنها تواقة إلى حل مسألة تواجد ما يقرب من ثلاثة
ملايين أفغاني على أرض باكستان.
ومن جهتها علقت حكومة كابل على قرار عزل الجنرال غول بقولها إن
باكستان مستعدة لمفاوضات السلام وأن تفكير الحكومة الباكستانية يدل على رغبتها
في السير في هذا الطريق.
ومن المرجح أن تقوم بنازير بدفع فئات المجاهدين وحكومتهم الانتقالية-التي
تتخذ من بيشاور قاعدة لها - على بذل جهود أكبر لكسب ثقة كل من المنظمات
الشيعية التي تتخذ من إيران قاعدة لها والعناصر غير الشيوعية في حكومة كابل
الحالية.
стр. 407
بريد القراء
قراءة ثانية في (البيان)
الأخ الفاضل رئيس تحرير مجلة البيان، حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.
فعن قناعة أكيدة بسلامة المنهج الذي تسير عليه مجلة (البيان) ومن منطلق
الشعور بالمسئولية تجاهها، اكتب إليكم عن قراءتي الثانية بعد أن فرغت من
مراجعة الأعداد الأخيرة، وزادني ذلك ثقة بالمجلة وقدرتها على التميز، ومحافظتها
على شخصيتها المستقلة بين شقيقاتها من المجلات الإسلامية التي تصدر في عالمنا، بل وعلى قدرتها الفائقة على الانتشار ودخولها إلى مكتبات الشباب المسلم -
ضمن مناطق توزيعها - رغم أننا نعرف أنه لم يكن لها سابق دعاية قبل صدورها
أو بعده.
ونحن القراء نسأل الله تعالى لكم ولأسرة البيان والمنتدى الإسلامي مزيداً من
النجاح والثبات لأداء رسالتكم التي نذرتم أنفسكم لها، ونسأله القبول وحسن القصد
والصواب.
قرأت الأعداد الأخيرة، وأعدت مراجعتها قبل الكتابة إليكم، لأعبر لكم عن
مدى ما نجده من تأثير لها في النفوس من خلال الحديث والمساءلة عن هذا (البيان) .
فقد حفلت الأعداد الأخيرة بمجموعة طيبة من البحوث المتنوعة والدراسات
الجادة في مجالات العقيدة والعبادة والثقافة الإسلامية والفكر التاريخي، إضافة
للأبواب الثابتة عن الخواطر الرائعة في الدعوة، ومشكلات المسلمين وشؤونهم في
شتى ديار الإسلام وفي ديار الغربة ... وبرزت أسماء جديدة في المجلة تؤثر على
مدى ثقة القارئ والكاتب المسلم بالمجلة التي لم تتجاوز عامها الثاني من عمرها
المبارك الميمون بإذن الله تعالى.
وحسبنا أن نشير هنا إلى الدراسة القيمة (وإذا قلتم فاعدلوا) التي نشرت
على صفحات العددين الخامس والسادس، وفيها أقام الكاتب - جزاه الله خيراً -
موازين العدالة لتكون (مفتاح الحق وجامع الكلمة) فلعله يتحفنا بدراسات أخرى.
وفي العددين السادس والسابع وجدنا بحثين في النبوة والرسالة ودور العقل
البشري، يبدو أنهما جزء من سلسلة مقالات لم تنشر بعد، فلعلها تكتمل لتعطي
صورة كاملة عن البحث، ولعل الباحث -حفظه الله - يتابع جهده في ذلك.
وكانت لفتة طيبة في العدد الثامن، بقلم الأخ مدير التحرير، إلى منهج
البحث والتحقيق، وضع فيها النسبة الصحيحة بين المتن والهامش في تحقيق
النصوص ونشرها؛ وفي الكتابة المتخصصة.
وكان إخوانكم القراء ينتظرون في المجددين المعاصرين أن يجدوا بينهم اسم
شخصية إسلامية لها مكانتها في النفوس وفي الدعوة الإسلامية، وهي شخصية
المودودي ﵀، فلا يزال التساؤل قائماً عن سبب غياب اسمه، ومكانته في
هذا المجال مرموقة.
وجميل أن تتابع المجلة نشر تعريف ببعض أعلام الفكر الإسلامي ومؤلفاتهم
الرائدة، كما-فعلتم في العدد (١٢) عن الإمام محمد بن الحسن وكتابه، وحبذا لو
تابعتم نشر مقالات أخرى في هذا الجانب لتكون منارات مضيئة أمام القراء.
ونأمل أن نرى مرة أخرى عودة بعض الأبواب التي خلت منها أعداد المجلة، من ذلك: مشاهداتي في بريطانيا، وحبذا لو تتسع الدائرة لمشاهدات من بلاد
غربية أخرى، لتتضح الصورة والوجه الآخر للحضارة الغربية الخادعة، وكذلك (من مشكاة النبوة) ، فهي زاوية تصل القارئ بمصادر دينه وتبين مكانة السنة في الهداية ... فحبذا لو كان ذلك باباً ثابتاً في المجلة ويسبقه باب آخر عن آية كريمة من نور كتاب الله تعالى.
وسبق أن نشرتم قصيدتين في موقفين رائعين لبعض شعراء الدعوة الإسلامية
فيها شيء من الطرافة والعناية بالأدب الإسلامي، فمزيداً أيها الأخوة الكرام ...
ولتكن هذه الكلمات إشارة لبعض ما لفت الأنظار في المجلة مع ما فيها من أبواب
ثابتة نافعة إن شاء الله.
وأخيراً حبذا لو أعطيتم مزيدا من الاهتمام بالإخراج الفني للمجلة، فمثلاً في
بعض (الشذرات) تبدأ القطوف بسطر واحد في أسفل الصفحة وتتمته في الصفحة
التالية، ولعل المخرج يتمكن من جعلها في صفحة واحدة، فهو أكثر جمالاً للصفحة، كما أنه لا يكون جميلاً بدء سطر ناقص في آخر الصفحة.
وقد فاتني أن أشير إلى أنني لست مع الأخ الذي يقترح عدم نشر رسائل
القراء التي فيها شيء من المدح للمجلة، بل مزيداً من ذلك، ونحن على ثقة بأنكم
لا تسعون لذلك، فليكن هذا من باب عاجل بشرى المؤمنين ...
ومعذرة إن كنت أطلت وأثقلت.. ولكم خالص دعواتنا، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
أخوكم: محمد عبد الله آل شاكر
стр. 408
استراحة البيان
إعداد: صالح الغفيلي
أولاً: قبس من النور:
قال : [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا
فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوَى واتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] [البقرة: ١٩٧] .
من مفاهيم الآية:
يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ في تفسيره (صفوة الآثار ...
والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم) : ( ... فمشروعية الله للحج وغيره من عبادات
الإسلام المتنوعة هي تحرير لعقل الإنسان من الأوهام والأضاليل التي علقت به من
مكر الدجاجلة والطواغيت، وتطهير لقلب الإنسان وتصفية له من محبة غير الله
والتعلق بغير الله، وتخليص له من وشائج الأرض والطين وعصبية الجنس المفرقة
بين البشرية.. ولهذا تجد آيات الأحكام مختومة بالوصية بتقوى الله أو بما يقتضي
التخويف من الله) .
ثانياً: نافذة على الشعر:
هذه الأبيات من شعر الإمام الشافعي ﵀:
المرء بعلمه وتقواه
اصبر على مُرَّ الجفا من مُعلِّم ... فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعاً لوفاته
وذات الفتى والله بالعلم والتقى ... إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته
ثالثا: من رجال الدعوة:
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ وغفر له:
نسبه: هو الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل
سعدي، من قبيلة تميم.
مولده: ولد بالمملكة العربية السعودية، القصيم بتاريخ ١٢ محرم عام ألف
وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية.
نشأته: توفي والده وله سبع سنين فتربى يتيماً، ولكنه نشأ نشأة حسنة، وكان
قد استرعى الأنظار منذ حداثة سنه بذكائه ورغبته الشديدة في العلوم، وقد قرأ
القرآن الكريم بعد وفاة والده، ثم حفظه عن ظهر قلب، ولما بلغ من العمر ثلاثاً
وعشرين سنة جلس للتدريس وكان يتعلم ويعلم ﵀.
ومن مصنفاته:
١- تفسير القرآن الكريم، المسمى (تيسير الكريم المنان) .
٢- الدرة المختصرة في محاسن الإسلام.
٣- القول السديد في مقاصد التوحيد.
٤- وجوب التعاون بين المسلمين.
стр. 409
الصفحة الأخيرة
مغالطة وتحريض حاقد
منصور الأحمد
هما حالتان، على اختيارك إحداهما يتوقف الحكم عليك، إما أن تكون حليقاً؛
أو ملتحياً. هكذا أفادنا الدكتور فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة والعصرنة، وحكيم هذا
الزمان، فإذا كنت حليقاً، محفوف الوجه، غليظ التقاسيم، وأضفت إلى ذلك جرأة
تتقحم بك موارد التهجم على كل من اختار الإسلام له طريقاً كنت خليقاً بوصف
المتطور التقدمي، المستنير، عاشق الحرية، والهارب من الظلام.
وإذا أعجبتك طريق الأنبياء، وبدا لك أن تنضم إلى ركب أتباعهم؛ فاخترت
سيرة محمد ﷺ وأصحابه، وآثرت الإقتداء بهم، والسير على
هديهم والتخلق بأخلاقهم - ومن هديهم إرخاء اللحية - هنا تكون قد جردت نفسك
من نعمة العقل، وحكمت على مواهبك بالتعطيل، واستوجبت الحكم القاطع غير
القابل للاستئناف من هذا الدكتور ومريديه بأنك جاهل غير قابل للتعليم.
وإذا سألتني: وهل من الإنصاف والعلمية والموضوعية التي يكثر هذا
الدكتور الحديث عنها أن يَطَّرِد حكمه هذا على كل من أطلق لحيته ولو كان في شبه
القارة الهندية، ويحكم (بقلة العقل ورثاثة الفكر) ، على رجال مثل المودودي
والندوي، مع أن هؤلاء لم يدخلوا في معركة معه، ولم يشعروا بوجوده أصلاً؟ ! ..
قلت لك: لا أدري، ولا أفهم الموضوعية التي يدعيها أمثال هذا (الدكتور) إلا
أنها ترك الحبل له على الغارب كي يقول ما يشاء، ويسب من يريد، ولك أن تعد
هذا التطرف في إطلاق الأحكام سَوْرَةَ غضب على صاحب لحية قد يكون تصدى
للرد عليه، أو حسداً للمكانة الفكرية التي يتمتع بها الندوي والمودودي بين المسلمين
عامة، لا بين مسلمي الهند فقط، بينما الدائرة التي تعرف، فؤاد زكريا في مسقط
رأسه يقلقه حجمها، لأنها دائرة ضيقة ومنبوذة في بحر متلاطم، دع عنك دائرة
أتباعه الصغيرة في دار هجرته الصغيرة.
وطمأنت محدثي: لا تغضب، ولا يؤلمك إتاحة جريدة القبس صفحتها
الأخيرة ويوم الجمعة لهذا الموتور كي ينضحها بفكره، فلعل قراءً لم يقرءوا فكر
المودودي والندوي بعد، يهرعون إليهما فيكتشفون فكراً أصيلاً، وتحليلاً عميقاً،
وعفة في الجدل، وسمواً في القصد والغاية أين منها التحريض الحاقد، والمغالطة
الثقيلة، والادعاء الممجوج التي تطبع فكر فؤاد زكريا وأمثاله، الذين اتخذوا
الهجوم على الإسلام والمسلمين مهنتهم المفضلة:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود
стр. 410
المحرم - ١٤١٠هـ
أغسطس - ١٩٨٩م
(السنة: ٤)
стр. 411
الافتتاحية
حوار الأقرباء أم البعداء؟
دعا مركز دراسات الوحدة العربية إلى ندوة في القاهرة ما بين ٢٥ - ٢٧
أيلول/١٩٨٩ وتحت عنوان (الحوار القومي - الديني) وقد حضر هذه الندوة عدد
غير قليل من الكتاب القوميين الذين يرون الصلة ما بين العروبة والإسلام، أو
بدءوا بالتكلم عن الإسلام ودوره الحضاري، كما حضرها القوميون العلمانيون
وبعض الإسلاميين والمشايخ، وكانت الموضوعات تدور حول تطبيق الشريعة
الإسلامية، ومحاور الالتقاء والتفاهم بين العروبيين والإسلاميين، والأزمة التي تمر
بها الأمة ودور الفكرين في هذه الظروف، وقد نشرت مجلة المستقبل العربي بعضاً
من الأوراق التي قدمت للندوة، كما نشرت جريدة الشرق الأوسط اليومية ملخصاً
ليوميات الندوة.
ولنا على هذه الندوة الملاحظات التالية:
١ - إن فكرة الحوار والتواصل، وسماع الأطراف من بعضها، والتعرف
على الفكر الآخر، شيء جيد ولا غبار عليه بشرط أن يكون الرائد إلى ذلك هو
التوصل إلى الحق وليس الترف الفكري. وجميل أن يتراجع الناصريون والقوميون
ويعترفوا بقصورهم السابق في دراستهم للإسلام، وأن التيار القومي عندما حكم أبعد
الإسلام وبطش بدعاته، ونرجو أن تتوضح الصورة أكثر في المستقبل ويعترفوا
بأن عبد الناصر أساء للعروبة والإسلام.
٢ - من الواضح أن كثيراً ممن شاركوا في هذه الندوة كانوا يطرحون حلولاً
توفيقية وسطية ما بين الإسلام والقومية العلمانية، وكأن لسان حالهم يقول: قربوا
خطوة ونقرب أخرى، حتى نلتقي في منتصف الطريق، فالأستاذ محمد فائق (وزير
إعلام مصري سابق) ينتقد النظرة السلفية التي تريد إعادة عجلة التاريخ إلى
الوراء!!. والأستاذ فريد عبد الكريم يدعو إلى عدم إقحام الدين كل دائرة من دوائر نشاطنا. والدكتور عصام نعمان ركز على أنه لا عصمة للفقهاء (لم يقل بعصمتهم أحد من المسلمين) ولكنه يريد أن يقول: إن باب الاجتهاد مفتوح للجميع، وبمثل هذا قال مسعود الشابي واتهم الإسلاميين بأنهم يحتكرون المرجعية الدينية. والدكتور محمد عمارة يجوز أن يتولى القضاء الإسلامي رجل غير مسلم لأنه منفذ للقانون فقط.
وقد طالب الدكتور رضوان السيد كل طرف بالتنازل: (فعلى القوميين
التقدميين أن يسقطوا من أجل الحوار شرطهم العلماني الذي يفصل أمتنا عن تاريخها، وعلى الإسلاميين أن يسقطوا من أجل الأمة شعار تطبيق الشريعة الذي يشرذ مهم
في الراهن ولا يجمع) [١] ودعا فهمي هويدي للالتقاء حول موضوع الحرية
وحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية كقضايا متفق عليها الآن بين الطرفين.
هذا الطلب حول التنازلات يأتي من طرف القوميين رغم أن موقفهم ليس هو ...
الأقوى، وهم الذين طلبوا الحوار ودعوا إليه ومع ذلك فإنهم يشترطون على الطرف
الآخر (الإسلاميين) أن يكون متنوراً ويؤمن بالديمقراطية والتعددية، أي أنهم
يريدونه إسلامياً عصرانياً يتنازل لهم ويلتقي معهم في منتصف الطريق، وإذا كانوا
جادين في الحوار فلماذا لا يسمعون من الطرف الأقوى على الساحة؟ وقد أحسن
الدكتور رضوان السيد في الرد عليهم عندما قال: (إذا كنتم تقصدون لجوء بعض
الحركات الإسلامية إلى العنف، فإن الماركسيين الجدد هم أول من دعا إلى الحرب
الشعبية الداخلية، ولم تتهموهم بالظلامية وعدم الاستنارة) [٢] .
٣ - إن شعارهم الذي رفعوه هو (الحوار القومي - الديني) ولم يقولوا
(القومي - الإسلامي) وهذا مقصود طبعاً لأن الديني تعني أي دين، وفيه أيضاً
تحجيم للإسلام على أنه (نحلة) أو مذهب يستفاد منه روحياً واجتماعياً، والكل يعلم
أن الإسلام دين شامل مهيمن، مكون للأمة من جميع جوانبها.
٤ - إن ملاحظاتنا هذه لا تعني السلبية أو النقد، فبعض المشاركين تكلموا
كلاماً جيداً - وإن من وجهة نظرهم - ولكنه يتصف بالرزانة والتعقل، وإذا كانوا
سيساعدون فعلاً في إزالة القهر المفروض على المسلمين فهذا شيء طيب، ونريد
منهم التدليل على هذا لأن الإسلاميين ذاقوا من الاتجاه القومي الويلات، وكلام
فهمي هويدي أن الإسلاميين وقعوا في أسر الماضي، وإن كان فيه شيء من الصحة
ولكن هل يريد منهم نسيان هذا والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين؟ .
٥ - بعد فترة من انتهاء هذه الندوة سئل أحد الدعاة الإسلاميين عن رأيه في
الحوار مع العلمانيين، فرحب بهذا كثيراً، بل دعا إلى الحوار مع الكل، مع
المستشرقين والفاتيكان... وليس هذا مجال التعليق على جدوى أو أهمية مثل هذه
الحوارات، ولكن أليس من الأجدى والأولى الدعوة إلى الحوار مع الفصائل
الإسلامية ودعوتهم إلى التعاون والتقارب والتنسيق، وإذا كنا غير متحفظين على
أي حوار نافع فأصحاب المنهج الواحد أولى بالمعروف.
стр. 412
من قضايا العلم والتعلم
حديث عن البديل
(٢)
د. عبد العزيز القارئ
من الذي يجب عليه أن يتولى تهيئة مجتمع مصغر داخل المجتمع الأكبر،
حتى يأوي إليه طلاب علوم الشريعة؟ إنهم العلماء الربانيون. إذا التف حولهم
أولئك الفارُّون بدينهم الباحثون عن النجاة وجدوا الكنف الطيب الحنون النابض
بالحياة الحقيقية، فينشئون فيه حتى يقوى عودهم، وينبت ريشهم، ويتهيئون
للطيران.
لقد جرت العادة أن كنف هؤلاء العلماء الربانيين يُخرج طيوراً (أبابيل) حتى
إذا تكاثرت فوجاً إثر فوج، انقضت على (أبرهة) وجيشه وخيله ورَجِله قبل أن
يبلغ الكعبة، إن (أبرهة) يعرف جيداً هذه العادة.
نعم، هذا هو شأن العلماء الربانيين، وتلك هي عادتهم، ولكن أين هم؟ !
أحياناً تكون العقوبة الشاملة ليست خسفاً ولا مسخاً ولا طوفاناً ولا صيحة -
والعياذ بالله - بل تكون حرماناً من أسباب النجاة، فتنظر إلى المجتمع المتمرد الذي
عم فيه الفساد والتلف فلا تجد فيه عالماً ربانياً واحداً، وربما ترى حشوداً من
العلماء، لكنهم ليسوا من ذلك الصنف الرباني الذي يربي الأمة بعلمه ودعوته.
ترى أصنافًا من العلماء شتى، بعضهم - بل أسوؤهم - أولئك الذين يضمهم
الحاكم إلى موكبه، فيمشون خلفه، يطبلون ويزمرون مع المطبلين والمزمرين
ويلهجون بحمد الطاغوت مع اللاهجين، ويا لَشناعة جريمة هؤلاء المعممين! ،
الذين يفعلون ذلك وهم يلبسون جبة العلماء، أي ضرر فادح يلحقونه بثلاثة مقامات: مقام الدين، ومقام العلم، ومقام الأمة؟ !
قال واحد من هؤلاء لسيده: (لو كان لي من الأمر شيء لجعلتك في مقام
الذي لا يُسأل عما يفعل!) . (علماء الحاشية) هؤلاء ينتهون أسوأ نهاية، ينتهون
إلى سخط الله وسخط الناس، وإذا سلِمت الأمة من شرهم فهو أمر عجيب، أما هم
فما أبعدهم عن النجاة والسلامة! ، أما سمعت كيف تبرأً النبي - صلى الله عليه
وسلم - من هذا الصنف من العلماء:
عن كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ
قال: (سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض) [١] .
وأخبر ﷺ أن ارتياد أبواب السلاطين فتنة فقال: (من
سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن) [٢] .
ولذلك كان السلف يحذر بعضهم بعضاً من ذلك، قال عبد الله بن مسعود -
﵁: (إن على أبواب السلاطين فتنًا كمبارك الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينكم مثله - أو قال: مثليه) ؛ هذا لأن الغالب أن السلطان يغلب من يرتاده على دينه فيهلكان معاً، لكن قلة من العلماء يغلبون السلطان بقوة الحق الذي يصدعون به عنده، فيكون ارتيادهم لهؤلاء بركة عليهم، وبركة على الأمة، ولذلك كان بعض أئمة السلف يخالطون الخلفاء ويجالسونهم ويؤثرون فيهم بعلمهم وقوتهم بالحق، فمثلاً:
أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري من فقهاء الأمة الكبار - جالس
خلفاء بني العباس وعمل في سلكهم، بينما شيخه الإمام الرباني أبو حنيفة النعمان
ابتعد عن أبوابهم، بل ورفض بشدة مخالطتهم، والعمل في سلكهم، وكل من هذين
الإمامين كان بركة على الأمة بما فعل؛ فأبو يوسف ﵀ أبرز من
صحب من خلفاء بني العباس (هارون الرشيد) ومَن مثل الرشيد من ملوك المسلمين؟!
قال الحافظ الذهبي - في ترجمته في (السير) : كان من أنبل الخلفاء وأحشم
الملوك، ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي.
وقال: وكان يحب العلماء ويعظم حرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام
ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيما إذا وُعظ [٣] .
اقرأ كتاب (الخراج) لأبي يوسف حتى تعلم ماذا صنع هؤلاء العلماء في
مجالستهم للخلفاء ومصاحبتهم للملوك، أما إذا تعمقت في دراسة آثارهم وبركاتهم
فاطلعت على شبكة القضاء القوية الرائعة في صدر الدولة العباسية والتي كان أبو
يوسف من مؤسسيها ورعاتها - فإنك حينئذ مطلع أكثر وأكثر على البركة التي
أصابت الأمة من مصاحبة أبي يوسف وأمثاله من العلماء للملوك والخلفاء.
ومن المحدثين نجد أنموذجين: (سفيان الثوري) ، ظل مقاطعاً لمجالس الخلفاء
هارباً منهم ومن العمل في سلكهم، بينما الحافظ (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) دخل على خلفاء بني أمية وجالسهم، جالس عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد
الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويا ليت كل الملوك مثل هؤلاء!
كان الزهري يأخذ من هؤلاء الخلفاء الأعطيات ويوزعها على الناس، ولا
ينتظر حتى يعطونه، يظل يسد حاجات الناس ويستدين، حتى إذا ركبته الديون
أخذ منهم فسد به أفواه الدائنين، ولذلك فإن أخذه لأعطيات الملوك لم يؤثر على
صلابته في الدين، ولا منعه من الصدع بالحق، والعادة أن من يأخذ لا يتكلم، لكن
الزهري لم يكن يأخذ لنفسه.
ذكر الذهبي في (السير) أن الخليفة هشام بن عبد الملك قال للزهري: مَن
الذي تولى كبره منهم؟ فقال: هو عبد الله بن أُبي.. قال: كذبت هو علي بن أبي
طالب، فقال الزهري: أنا أكذب لا أبا لك! فوالله لو نادى منادٍ من السماء إن الله
أحل الكذب ما كذبت، حدثني سعيد وعروة وعبيد وعلقمة بن وقاص عن عائشة:
أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي [٤] .
علماء السلف الربانيون إذن كانوا على مسلكين في هذا الصدد، وكلهم كان
نفعه للأمة عظيماً، لكن الذين اختاروا البعد عن أبواب السلاطين والخلفاء كانوا
أعظم أثراً؛ لأنهم تفرغوا لتربية الأمة، أمثال: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،
وأحمد، وسفيان الثوري، ومن بعدهم: ابن تيمية، والعز بن عبد السلام،
وغيرهم.
إن وظيفة (العالم الرباني) وظيفة (استراتيجية) أساسية، مصيرية،
ضرورية، لا حياة للأمة بدونها، وهي تتطلب قدراً كبيراً من استقلال (العالم) ، ولذلك أبى هؤلاء الذين سميناهم من (الأئمة الربانيين) أن يتولوا شيئاً من الأعمال الحكومية، لأنهم انتدبوا أنفسهم لتلك الوظيفة (الاستراتيجية) التي هي أجل أثراً وأعظم بركة.
إن أي ثمن يقبضه العالم الصادق لمصلحة الأمة مقابل التخلي عن هذه
الوظيفة (الاستراتيجية) - لا يمكن أن يبرر هذا التنازل الخطير، أو يقلل من أثر
هذه الخسارة الفادحة، وربما ظن هذا العالم الصادق أن (المصلحة) التي حققها
للمسلمين تبرر تخليه عن مهمة (العالم الرباني) لو كان أمثال هؤلاء العلماء
الصادقين ذوي (كفاية) لفتحوا أعينهم على حقائق الأمور ومجريات الحوادث في هذا
العصر - عصر الفتنة المبرمجة - ولعلموا أن الثمن الذي دفعوه وهم لا يشعرون
ثمن فادح لا تساويه تلك المصالح الجزئية القليلة التي حققوها، مصالح في الغالب
هزيلة لا يمكن أن توصف بأكثر من فُتات يلقي به أولئك المعربدون في أنحاء العالم
الإسلامي، لقد دفع أولئك العلماء من مصلحة الإسلام والمسلمين أضعاف ما أخذوا،
وذلك بتخليهم عن (الوظيفة الاستراتيجية) تماماً كما قال عبد الله بن مسعود (رضي
الله عنه) .
وهذا المآل مؤكد في ظروف مثل هذه التي يعيش فيها المسلمون اليوم، في
معظم البلاد الإسلامية هناك (استراتيجيات) وضعها المخططون والمبرمجون لا
مكان فيها لهذا الدين الذي يحمله هؤلاء العلماء، ولذلك فإن هذه الحكومات لن تسمح
لهم بأكثر مما تسمح به تلك (الاستراتيجيات) الموضوعة سلفا وكل الجهود العقيمة
التي سيبذلها هؤلاء العلماء المساكين ستذهب أدراج الرياح؛ لأنها ستظل مكبلة
موثقة بالأغلال.
مع أن كثيراً من هؤلاء العلماء لا يتوفر فيهم شرط الكفاية الذي نص عليه
الفقهاء وجعلوه شرطاً في كل من يتولى شئون المسلمين، ومعناه الحنكة والخبرة
السياسية، والدهاء والذكاء السياسي، فإدارة شئون الأمة ليست كالمداولة في مسألة
فقهية.
إذا أردنا أن نفهم تماماً معنى (الكفاية) فلنستحضر أنموذجين:
أحدهما لواحد من ملوك المسلمين العظام: إنه الخليفة العباسي أبو جعفر
المنصور، والآخر لواحد من أئمة الفقه الكبار من الربانيين: إنه أبو حنيفة النعمان
بن ثابت، كلاهما كان يتمتع بحنكة سياسية رفيعة، ودهاء سياسي عجيب، وتمت
المواجهة: المنصور مع أنه ملك فقد كان عالماً وفقيهاً ويعرف ما معنى أن يظل
مثل أبي حنيفة ﵀ خارج أغلال الدولة، معناه أنه سيربي الأمة،
وصمم أن يولي أبا حنيفة القضاء، لكن أبا حنيفة رفض، هو فقيه وإمام من أئمة
العلم، لكنه مع ذلك كان سياسياً بارعاً، إذن فهو يعلم ما معنى أن يقبل بوضع غل
المنصور في عنقه، معناه أن يتخلى عن مهمته الأساسية (التربية) ، صمم المنصور، وصمم الإمام، وتحطم عناد الخليفة أمام صلابة الإمام؛ فأظهر انهزامه بسجن
الإمام.
الحاكم دائماً كلما أحس بالهزيمة أمام العالم الرباني فإنه يسجنه، وربما يقتله،
إنها سُنة قديمة، تواصوا بها!
قد يقرأ كلامي هذا بعض المتعجلين من المتفقهين فيفهم منه أنه دعوة عامة
للشباب المتدين لمقاطعة (الوظائف الحكومية) والانعزال عن الحياة، كما يدعوهم
إلى ذلك بعض أهل البدع من (خوارج) هذا العصر أو (دراويشه) .
هذا تفكير خيالي غير فقهي ولا شرعي. أنا لا أتكلم عن الشباب ولا غير
الشباب من طلبة العلم، أنا أتكلم عن الأئمة، عن العلماء الذين يمكن أن يؤدوا مهمة
العالم الرباني، علماء يفترض أن يقودوا الأمة ويوجهوها، ويفترض أن يمسكوا
بزمام الأمور، ويحتضنوا المسلمين.
فالمقصود أن طلاب علوم الشريعة وشبابها إن لم يجدوا عالماً ربانياً يلجئون
إلى كنفه، فكيف يفرون من ضغوط المجتمع الفاسد من حولهم؟ .
الهياكل الرسمية للتعليم الشرعي:
هناك في الساحة تعليم ديني، له هياكله الرسمية ومؤسساته الحكومية، هذا
التعليم الرسمي لو رُزق إشرافاً صادقاً وتولاه أناس ذوو عدالة وكفاية - يمكن أن
يكون له أثر عظيم في مجال التعلم والتعليم، وفي مجال توجيه الشباب واستقطاب
طاقاتهم وطموحاتهم، وذلك بسبب الإمكانات الضخمة التي يمكن أن تتوافر له، لكن
المشاهَد أن هذا التعليم (الرسمي) فاشل، إنه لا يخرّج - في الغالب - إلا موظفين،
وإن خرّج أحداً من العلماء فإنه يخرج أفواجاً غير مؤثرين، كما أنه فاشل في إشباع
طموحات الشباب المسلم، أو استقطاب طاقاته المتفجرة حيوية وعنفواناً، إنه تعليم
لا مفعول له، منزوع الريش، غير قادر على الطيران، ومن ينشأ في حِضنه
أعجز عن الطيران.
وفي ظل تعليم بهذا الحال ليس غريباً أن تفسد مقاصد المتعلمين، بل ليس
مستبعداً أن توضع مناهج التعليم في ظل تلك المقاصد الفاسدة، فالمشاهَد اليوم أنه
حتى (المؤسسات الدينية الرسمية) فصّلت مناهجها لتخرج موظفين ليس أكثر،
الوظيفة أولاً وآخراً، ولذلك فشلت هذه المؤسسات الرسمية في تخريج علماء
عاملين مؤثرين، بل وفشلت حتى في إشباع تطلعات الشباب، وامتلاك الزمام
لتوجيههم وقيادتهم، ولهذا فإن أكثر الحركات البدعية في صفوف هؤلاء الشباب
والتوجهات التي يسمونها (متطرفة) إنما خرجت من تحت عباءة تلك الهياكل
الرسمية.
لو كانوا يفقهون لأدركوا أن التعليم الرسمي هو (جثة ميتة) أشد خطراً منه
وهو كيان حي وقوي!
وراح المتفقهون يبحثون عن (البديل) ، فتخبطوا في ليلٍ بهيم، والطريق
وعرة كثيرة المزالق، طريق حفت بالمكاره؛ فوقع بعض أولئك المتفقهين المساكين
فريسة (البدع) والأفكار البعيدة عن مناهج السلف، وفريسة المسالك الشوهاء
الناقصة التي لا توصل سالكيها إلا إلى مزيد من الضياع، وهذه نتيجة لازمة، لأن
الطريق التي وصفتها لا يمكن سلوكها بأمان إلا مع رائد خرِّيت [٥] .
*يتبع *
стр. 413
خواطر في الدعوة
حديث في البناء
محمد العبدة
تغص الساحة الإعلامية أحياناً بالمناقشات، والأخذ والرد، وليست الغاية من
وراء ذلك الوصول لنتائج، ثم وضعها موضع التنفيذ، فهذا ينحاز لمذهب معين في
الأدب، وهذا يخالفه، وذاك ينحاز لمدرسة فكرية معينة، وآخر يرد عليه، وتسود
الصفحات في المجلات والكتب، وتبدأ المعارك، ويرتاح البعض ظناً منهم أن هناك
حركة، وأن الدنيا بخير والحمد لله، وينام قرير العين ملء جفونه، وبعضهم يحب
هذه المعارك، كأنه يشاهد لعبة مصارعة يقضي معها وقتاً ممتعاً!
هذه المعارك وهذا السجال يذكرني بما كان يطلب منا ونحن في المرحلة
الابتدائية أن نكتب مواضيع في الإنشاء: (أيهما تفضل الصيف أم الشتاء؟) أو
(قارن بين الليل والنهار) أو (بين السيف والقلم) ... وعندما كبرنا كانت المناقشات:
هل الوحدة العربية أم الوحدة الإسلامية؟ - مع الأسف لم تتحقق واحدة منهما -
وأمثال هذه المقارنات التي تستسهل الأمور، وكأنها لا تحتاج إلى دراسة واعية
متأنية كما تحتاج إلى تفصيل وتحقيق، ومن ثم إلى تطبيق وتنفيذ.
وإنني أخشى أن يكون كل هذا من قبيل تفريغ الطاقة وإرضاء النفس، أو
الهروب من الواقع؛ لأننا بهذا نشعر أننا نتحرك، ولكنها حركة في المكان، بل
أخشى أن يتحول هذا إلى مرض (الكلامولوجيا) .
هل تُقضى الأعمار ونحن نتساجل في مواضيع تحتاج لدراسات من متخصصين أذكياء، متى - إذن - نؤسس مدرسة تربي الأجيال على
الخلق القويم والعلم المفيد، وتنقذهم من طرق التعليم التي تستهلك طاقاتهم بحفظ
معلومات ثم صبها في نهاية العام على أوراق الامتحان، ثم تنسى، والشباب ثروة
لا تقدر؟ فأين استغلال طاقاتهم؟ .
ومتى نبني مصنعاً نستغني فيه عن إنتاج الشرق والغرب، ومتى نؤسس
شركة تستثمر أموال المسلمين المكدسة التي لا يعرفون كيف يستثمرونها، وتتيح
فرص العمل لمئات من الشباب الجامعي، بل متى يكون عندنا مؤسسات علمية
تشجع الإنتاج العلمي في كل شيء، وتستفيد من طاقات العلماء والخبراء في شتى
فروع المعرفة، ويجد المبدعون بواسطتها طريقاً لتحقيق إبداعهم.
نعم، لابد من الردود والمناقشات - ولكن بقدر - كرد على مبتدع أو طالب
علم أخطأ في أمور علمية ونشرها بين الناس، أو رجل مستهتر بأخلاق الأمة
وآدابها، كما أن المناقشة العلمية الهادفة التي نصل فيها لنتائج محققة - هي شيء
طيب ومقبول، وقل مثل ذلك في الحوار الهادف، إذا حسنت النيات واستُخدمت
الأساليب المعقولة، ولم يتحول إلى جدل عقيم، القصد منه المغالبة وتسجيل
الأهداف.
هذا هو المنهج الذي جاء به القرآن الكريم، فلم يدخل في جدل عقيم مع
النصارى، بل قال: [تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ] [ال عمران: ٦٤] ،، وهذا ما
فهمه الإمام مالك بن أنس ﵀ حين رفض مناظرة أبي يوسف بحضور
الخليفة هارون الرشيد؛ لأنه ليس من منهج الإسلام أن يتحول الدين لمناظرات،
والمتفرجون يشاهدون: مَن يغلب؟ .
فالأصل هو البناء، وبناء المؤسسات.
стр. 414
دراسات منهجية في النظر والاستدلال
بيان أصول المعرفة في الإسلام
-٣-
د. عابد السفياني
لقد جاء عرض أصول المعرفة الإسلامية بما يناسب الفطرة البشرية، وفيه
احترام عظيم للعقل الإنساني يتناسب مع منزلة هذه الملكة التي هي أساس في
الاقتناع.
فلنأتِ على عرضها بما يناسب المقام، ولنتأمل كيف تكون الحجة، وكيف
يكون البيان، ولنجدد العهد بتلك المسلمات التي هي عقيدة تابعي الأنبياء من جميع
الأمم وفى جميع الأعصار.
وإليك الأسس التي جعلها الإسلام لأصوله في المعرفة:
الأساس الأول:
الكون مخلوق والإنسان كذلك، وجميع العوالم محتاجة إلى مَن أنشأها، كما
هي محتاجة إلى من يحفظها ويدبرها، ومنشئها وحافظها ومدبرها يستحيل أن يكون
محتاجاً لشيء، ولابد أن يكون له من صفات الكمال ما يكون به مستحقاً لخضوع
هذه العوالم له - عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وعالم السماوات،
وعالم الأرضين، وسائر العوالم - ولابد أن يكون قادراً على تنظيم أمرها وإبداعها
لتكون صالحة للحياة في غير اضطراب ولا تناقض، بل في ثبات وشمول وتكامل.
ولذلك كان التذكير بآيات الله في مخلوقاته قد أخذ حيزاً كبيراً في القرآن،
وكان متكرراً ومفصلاً في مواضع كثيرة جداً، ويرجع سبب ذلك إلى أن العقيدة
التي سنشير إليها - وهي ما تضمنته أصول المعرفة في الإسلام، وهو جزء من
الألوهية - لا يمكن أن تثبت بحال إلا على قاعدة كل راسخة معرفتها تتمثل في
معرفة صفات الله على وجه اليقين والجزم لينتقل أثرها المباشر فيكون هو تحقيق
توحيد العبادة [١] .
وأي عقل سويّ تعرض عليه هذه المشاهد، ثم لا يستسلم لحكم الله وينقاد؟ ،
ومن هذه المشاهد:
- مشهد السماء المرفوعة بغير عمد.
- مشهد الأرض الممهودة.
- مشهد الجبال المنصوبة.
- مشهد الزروع والثمار، والشجر والدواب والرياح والبحار، والشمس
والقمر، والليل والنهار، والأحياء والأموات، والقبض والبسط، والتصريف
والتدبير.
وكل ذلك في نظام محكم دقيق لا تديره ولا تمسكه إلا قدرة عظيمة لا يمكن
للعقل أن يتصور حدودها، وليس له إلا أن يتدبر ويتفكر في صفاتها التي دلت
عليها الآيات المخلوقة المشاهَدة، وهي كثيرة جداً، وتطارد الإنسان في كل لحظة،
وله أمام كل آية مخلوقة عبرة لو أنه تفكر وتدبر.
وإن كل من تدبر وتفكر سيعلم أنه لابد من تحقق الكمال في الصفات لمن كان
له مثل هذه المخلوقات، ومن ذلك كمال القدرة، وكمال العلم، وكمال التدبير
والحفظ، فهو القادر العليم المدبر الحفيظ، كما أنه السميع البصير ليس كمثله شي،
ولا يعجزه شيء في السماوات والأرض، وقل مثل ذلك في بقية الصفات، فإذا
اتجه القلب الإنساني إلى مَن له هذه الصفات، انتقل معه منهج التربية الإسلامية
الذي يسعى لتقرير أصول المعرفة الإسلامية ويجددها ويؤكد عليها، انتقل معه
خطوة أخرى ليعالج شبهات العقل الإنساني وقصوره، ويحمي الفطرة من احتيال
الشياطين لكي تقف أمام مسؤولياتها كاملة في الحياة الدنيا والآخرة.
الأساس الثاني:
والخطوة الثانية في هذا المنهج هي تعريف الناس بحقيقة الرسالة والرسول،
الذي يدل على الطريق الموصّل إلى خالق السماوات والأرض الموصوف بتلك
الصفات العظيمة التي يتملاها القلب فيحب المتصف بها ويخافه ويرجوه، ويتطلع
إلى رضاه، وهنا يكون ذلك التوجه للقلب البشري قد حددت له الضوابط وعرف
كيف يمضي في ذلك الطريق، طريق العبادة لله.
وهذا أساس عظيم في تلك القاعدة التي سيشيد منهج التربية والدعوة الإسلامية
عليها أصوله في المعرفة.
ولكن إذا علمنا كيف اطمأن العقل والوجدان إلى الأساس الأول، وشعرنا
بحقيقة الإيمان، فإن من حق العقل والوجدان أن يتلمس الحجة والدليل الذي يثبت
صدق الرسول الذي سيدل على الطريق، وستكون الرحلة على هذه الأرض حسب
ما يبلغه لنا، ويكون الجزاء، فيتقدم منهج التربية الإسلامية المعجز بدليل تندك
حوله الشبهات، ويزيد الذين آمنوا إيماناً فيقول:
إن مما يفرق بين الرسول الصادق والدعي الكاذب أن الأول معه معجزة من
ربه وأعظمها (القرآن) وهو كلام الله الموصوف بتلك الصفات الذي توجه إليه القلب
ليعبده ويفوز برضاه.
وللعقل الإنساني أن يتساءل فيقول: فكيف نفرق بين كلام الله وكلام غيره ولِمَ
لا يمكن أن يتقوله بشر؟ كيف نستيقن أنه كلام الله؟ فيقدم منهج التربية الجواب:
فيقول:
إن الكون - كما مر في الأساس الأول - ليس فيه إلا خالق ومخلوق، وهذا
الكلام إما أن يكون كلام الخالق وإما أن يكون كلام المخلوق، فإن كان كلام البشر
فلا يعجز المخلوقون أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله، فهل أتى أحد بمثله أو بشيء
من مثله؟ ، لنستعرض التاريخ:
المعارضون من الجاهلية الأولى وهم عرب أقحاح لا مثيل لهم في الفصاحة
والبلاغة والشعر والنثر - ولم يستطع أحد منهم أن يأتي بآية من مثله، وهم أمام
التحدي ووسط الصراع.
الزنادقة في المجتمع الإسلامي الذين حاولوا التشكيك في القرآن ومنهم مَن
اشتغل بالأدب والعربية - ولم يستطع واحد أن يأتي بآية من مثله، مع حرصهم
البالغ على معارضته وتشكيك الناس فيه.
العصر الحاضر، والتحدي مازال مستمراً لم ولن ينقطع وكثرة خصوم
الإسلام في هذا العصر لا تُحصر ولا تُعد وقد انقطعت حجتهم أمام هذا التحدي
المستمر الظاهر المعلوم.
فإذا كان كلام البشر فأين البشر؟ !
وإذا كان من الأساطير، فأين كَتَبَة الأساطير؟ !
وإذا كان شعراً فأين الشعراء؟ !
وإذا كان سحراً فأين السحرة؟ !
أين هؤلاء وهؤلاء فإنه لم يأتِ أحد بآية من مثله، ولن يأتي، ومازال التحدي
قائماً، والخصومة محتدة، والقرآن مستمر في البيان. [وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا
نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ
* فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا ولَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] [البقرة:
٢٣، ٢٤] .
ولم يبقَ أمام العقل الإنساني إذا انكسر المخلوقون وسقطوا أمام التحدي ولم
يستطيعوا، لم يبق أمامهم إلا خالقهم فهو إذاً كلامه، ووحيه إلى نبيه ورسوله،
فالرسول الذي تحدى الناس بهذا القرآن، ومازال يتحداهم، وربى أمة عليه،
ومازال أتباعه قائمين بما قام به من البيان وإظهار الحجة والتحدي - ولم يستطع
أحد أن يعارضه بشيء من مثله أو يعارض أتباعه بمثل ذلك، لا شك أنه رسول
صادق ونبي كريم، أرسله الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وهنا يصل العقل والوجدان إلى تأسيس قاعدة إيمانية بدأت من توجه القلب لله
ثم تلمسه الطريق الموصل إليه فإذا هو أمام كتاب مُعجِز، ورسول صادق، وكل
ذلك وسط آيات محسوسة مشاهدة، وأخبار معلومة ومشاهَدة أيضاً، ومازالت تلك
الآيات والمشاهد والأخبار تسير مع الحياة والأحياء، تحفظ البناء الذي شيده منهج
التربية الإسلامية، وتمده دائماً وأبداً باليقين والحجة والثبات.
وإليك الآن محاورة بين العقل المؤمن والوجدان اليقظ، تستبين بها أصول
المعرفة في الإسلام.
محاورة بين العقل والوجدان:
العقل: الآيات المخلوقة، والمشاهد العظيمة لا يمكن أن يتصور وجودها،
ويستمر حفظها إلا بعلم شامل محيط، وحكمه وإبداع وتدبير، ورحمة وعدل وقدرة
لا يعتريها نقص ولا معقب لحكمها، وليس فيه تناقض ولا اختلاف.
الوجدان: إني لأجد ذلك وأحسه، إني متوجه من قبل إلى الذي فطر
السماوات والأرض ... ولكن الشياطين تضلني وتغويني، تقول كيف تعبد ما لا
تبصر؟ ! ، فأعود وأقول: من الذي يقضي لي الحاجات، وهو ملجئي وملاذي
عند الكربات؟ ، إنه الله، فكيف لا يكون علمه محيطاً، ورحمته شاملة، وعدله
عظيماً، وقدرته لا تُحَدّ، إنه الله المعبود بحق دون سواه، لا معقب لحكمه ولا
تناقض فيه ولا اختلاف.
العقل: نعم، هذا هو الحق الصراح، ولكن لقد سمعت عجباً، مشارب كثيرة
في الفكر والنظر، واختلاف عجيب بين أهل الملل والنحل، وقيل وقالوا، وظن
وخرص يقتتل عليه الناس، مع أنه يضرب بعضه ببعض، ويكذب بعضه بعضاً،
ينتقض ويغير، ويزاد فيه وينقص، أمره جد مضطرب، وأهله في قول مختلف.
أفلا يسمعون؟ ! ، أفلا يبصرون؟ ! ، أفلا يعقلون؟ ! ، أفلا يتدبرون؟ ! ،
أين هم عن الرسول الصادق والكتاب المعجز الذي لا اضطراب فيه ولا اختلاف؟ !
فإن أرادوا خبر صدق عند الأمم السابقة وجدوه، وإن أرادوا خبر صدق عن
المستقبل ينفعهم لم يعدموه، وإن أرادوا علماً عن صفات خالقهم جاء من البيان ما
يكفيهم، وإن أرادوا بياناً عن الحلال والحرام والمباح كشف لهم عنه مفصلاً فعرفوه.
الوجدان: الحمد لله الذي ردني إلى ما شهدت به في أصل فطرتي وأقررت
[وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ برَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] [الأعراف: ١٧٢] .
وهنا يتعانق العقل المستسلم للوحي والوجدان الحي فيقولان:
أصل المعرفة في الإسلام: (الله) الموصوف بصفات الكمال المطلق المنزه عن كل ما يضاده، هو ربنا ورب كل شيء، أرسل رسوله محمداً ﷺ بالوحي - الكتاب والسنة - ليبين لنا كيف نعبده، ونتربى عليه،
ونحكم به حكماً صادقاً عدلاً على جميع الأحداث والأشياء، ويكون لنا موقف أهل
الحق في إقامة الحياة الصالحة على الأرض؛ فآمنا وصدقنا وخضعنا وعملنا بكل ما
تضمنته شريعته من العقائد والأحكام، والقواعد والأخلاق؛ ليكون ذلك منهاجاً
ربانياً ثابتاً نحيا به ونموت عليه، ونورثه مصدراً للمعرفة لمَن يقبله منا ويتبعنا
عليه، وليكون ذلك حجة لنا عند ربنا حين نلقاه جزاء أن جعلناه حجة علينا في
الدنيا في جميع الأمور والأحوال.
فأصلنا المعرفي ثابت، ثبات النوع البشري على الأرض، وثابت ثبوت
التكليف، ودائم ديمومة الحياة، لا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، ولا يتصور له
نسخ ولا تخصيص ولا تقييد ولا معارضة من فطرة سوية ولا عقل راشد، وهو
أصل لا نقبل ما يعارضه من الملل والأهواء والنحل.
هذه أصولنا في المعرفة، ندعو جميع المخالفين إليها، ونعلمهم أنه لا يثبت
قدم الإسلام إلا عليها، بها جاء رسول الإسلام محمد ﵊ من
ربه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
стр. 415
من أعلام أهل السنة والجماعة
عبد الله بن المبارك العالم المجاهد
-٢ -
د.محمد بن مطر الزهراني
ثانياً: جهاده:
كانت حياة ابن المبارك كلها جهاداً في سبيل الله بنفسه وماله وعلمه. فكان -
﵀ يرابط في الثغور كثيراً، وكان يحج عاماً ويغزو عاماً، وما نزل بلداً
في رحلته لطلب العلم ثم سمع منادي الجهاد إلا تجهز وخرج للغزو.
وكان ﵀ يدعو إلى الجهاد ويحث الناس عليه لنصرة دين الله
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.
كما كان ينعي على النساك القاعدين عن الجهاد كسلهم وخمولهم وسوء فهمهم
لمعنى العبادة، فهو يقول:
أيها الناسك الذي لبس الصو ... ف وأضحى يُعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه ... ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك مَحَل ... مناخ للقارئ الصياد [١]
وهاهو يراسل الفضيل بن عياض من ثغر من الثغور:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
لقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأه الفضيل ذرفت عيناه ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح [٢] .
وكان ابن المبارك فارساً شجاعاً ذا خبرة في فنون القتال والمبارزة مع حرصه
أن لا يُرى موقعه من القتال، كل ذلك ورعاً وحسبة لله .
روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا في
سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان
خرج رجل من العدو فدعا إلى البِرَاز، فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا
إلى البراز فخرج إليه ابن المبارك، فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس
فكنت فيمن ازدحم إليه، فإذا هو يلثّم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا
هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت - يا أبا عمرو! - ممن يشنع علينا! [٣] .
وأخرج الذهبي بإسناده إلى محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الله بن سنان قال: كنت مع ابن المبارك ومعمر بن سليمان - بطرسوس - فصاح الناس: النفير،
النفير؛ فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج علج رومي
فطلب البراز فخرج إليه رجل فشد العلج عليه فقتله ... حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إلى ابن
المبارك، فقال: يا فلان إن قُتلت فافعل كذا وكذا، ثم حرك دابته وبرز للعلج فعالج
معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة، فبرز له علج آخر فقتله، حتى قتل ستة
علوج وطلب المبارزة، فكأنهم كاعوا - أي جبنوا - عنه، فضرب دابته وطرد
بين الصفين، ثم غاب، فلم نشعر بشيء، فإذا أنا به في الموضع الذي كان، فقال
لي: يا عبد الله! لئن حدثت بهذا أحداً وأنا حي ... فذكر كلمة ... ! ! [٤] .
قال صاحب مفتاح السعادة: كان ابن المبارك يقضي جل وقته في الجهاد في
سبيل الله، وكان يقاتل ويبلي بلاءً حسناً، فإذا جاء وقت القسمة غاب، فقيل له في
ذلك، فقال: يعرفني الذي أقاتل له [٥] .
هكذا تكون النية في الجهاد، إنه لأجل إعلاء كلمة الله وابتغاء مرضاته -
لا لمنصب ولا لجاه ولا لمال، إنما يكون الجهاد لنشر دين الله
بين الناس، وإقامة العدل في الأرض بتحكيم الكتاب والسنة، حتى لا تكون فتنة
ويكون الدين كله لله، لا لمجرد تسلُّم السلطة لذاتها، ولا من أجل تغلب حزب على
حزب أو فئة على فئة.
ثالثاً: في مجال العلم:
تلقى ابن المبارك العلم على مشايخ بلده ثم رحل في طلب العلم على غيرهم
كعادة الأئمة من السلف الصالح في طلب العلم [٦] .
وكانت سنه آنذاك عشرين سنة عند رحلته، وأخذ العلم عمن أدرك من
التابعين ومن بعدهم، وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في طلب العلم
والغزو، قال الذهبي: روى العباس بن مصعب في تاريخه عن إبراهيم بن إسحاق
عن ابن المبارك قال:
حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم.. [٧]
قال الذهبى: وحدث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنه من صباه ما
فتر عن السفر.. [٧] .
وقال الحافظ ابن معين: كانت كتب ابن المبارك التي حدث بها نحواً من
عشرين - أو واحد وعشرين ألف حديث [٧] .
وقد كان لابن المبارك جهود ومشاركات في خدمة منهج أهل السنة والجماعة
من خلال مجال العلم والتعلم، ويمكن إيجاز تلك الجهود والمشاركات فيما يلي:
١- منهج التعلم والتعليم.
٢ - علوم الحديث.
٣- مؤلفاته.
أولاً: منهج التعلم والتعليم:
لسلفنا الصالح منهج في تعلم العلم، إذ لم يكن عندهم فوضى علمية كما
نشاهدها في عالمنا اليوم ضاربة أطنابها.
وهذا المنهج يقوم على أسس ومبادئ ثابتة، ومن لم يسلكها يكون تعلمه ناقصاً
قاصراً وربما كان علمه عليه لا له، وهذه بلية كثير من طلبة العلم اليوم، نسأل الله
العافية.
وهذا الإمام العالم الرباني عبد الله بن المبارك ﵀ أحد مؤسسي
ذلك المنهج وواضعي مبادئه الثابتة يوضح لنا ذلك المنهج قولاً وعملاً [٨] .
- قال ابن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة،
وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم [٩] .
-قيل له بالشام: إلى كم تطلب العلم؟ فقال: أرجو أن تروني فيه إلى أن
أموت، أليس يقال له - طالب العلم - يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء،
أفلهذا مترك؟ [١٠] .
وقال أيضاً: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا [١١] .
- قال أبو صالح الفرّاء: سألت ابن المبارك عن كتابة العلم فقال: لولا
الكتابة ما حفظنا [١٢] .
- وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: عجبت لمن لم يطلب
العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة [١٣] .
- قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لِمَ لا تجلس معنا؟
قال: أجلس مع الصحابة والتابعين أنظر إلى كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ ؛
أنتم تغتابون الناس [١٤] .
وقال ابن المبارك: إن أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ
ثم النشر [١٥] .
هذه أوجز وأدق عبارة تضمنت الأسس، والمبادئ الأساسية الثابتة لمنهج
التعلم والتعليم عند السلف، وهى نفسها عبارة الإمام سفيان الثوري - أمير المؤمنين
في الحديث - حيث قال - وهو يوجه تلاميذه -: تعلموا هذا العلم، فإذا تعلمتموه
فتحفظوه، فإذا حفظتموه فاعملوا به، فإذا عملتم به فانشروه [١٦] .
ولا غرو فابن المبارك والثوري، كلاهما تلقيا هذا المنهج عن السلف الصالح، والسلف تلقوه عن النبي ﷺ الذي بُعث معلماً للخير ومتمماً
لمكارم الأخلاق، وكل منهج للتعلم يخالف ذلك المنهج فهو منهج خاطئ.
- قال ابن المبارك: كاد الأدب يكون ثلثي العلم [١٧] .
ومر من قبل قوله: (طلبت الأدب ثلاثين سنة، والعلم عشرين سنة، وكانوا
يطلبون الأدب، ثم العلم) .
وهذه ركيزة من ركائز التعلم الأساسية عند السلف وهى البدء بالأدب أولاً ثم
العلم ثانياً، وهذا معنى قول الحسن البصري وابن سيرين والشافعي: (كانوا
يتعلمون الهَدي أولاً ثم العلم) [١٨] .
أما نحن اليوم فأحسننا حالاً الذين يعكسون هذا المبدأ، أي أنهم بعد أن يفرغوا
من طلب العلم يبدأون بطلب الأدب، والغالبية العظمى لا يعرفون أدب الطلب ولا
أدب العلم والتعلم، فضلاً عن أدب الخلاف، وأدب الفتوى وطرق الاستنباط
والاستدلال، فقد دُفن أصحاب ذلك الأدب وذلك المنهج منذ قرون خلت ﵏
وأجزل لهم الثواب) .
- وعن محبوب بن الحسن قال: سمعت ابن المبارك يقول: من بخل بالعلم
ابتلُي بثلاث: إما موت يُذهب علمه، وإما يُنسى، وإما يلزم السلطان فيذهب
علمه [١٩] .
стр. 416
هجر المبتدع
-٤ -
الشيخ بكر أبو زيد
ذكر الكاتب - فيما سبق - أدلة الهجر من الكتاب والسنة، ويكمل الآن الأدلة
بذكر دليل الإجماع.
-التحرير -
ثالثاً: الإجماع:
حكاه جماعة منهم: القاضي أبو يعلى، والبغوي، والغزالي.
قال القاضي أبو يعلى -رحمه الله تعالى-: (أجمع الصحابة والتابعون على
مقاطعة المبتدعين) .
وقال البغوي - رحمه الله تعالى - بعد حديث كعب بن مالك - رضي الله
عنه [١]-: (وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله ﷺ خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا من الخروج
معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة على
هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم) .
وقال الغزالي رحمه الله تعالى: (طرق السلف اختلفت في إظهار البغض مع
أهل المعاصي، وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظَّلَمة والمبتدعة، وكل من
عصى معصية متعدية إلى غيره) .
وقال ابن عبد البر [٢]- رحمه الله تعالى -: (أجمعوا على أنه لا يجوز
الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على
نفسه أو دنياه مضرة، فإن كان كذلك جاز، ورُب هجر جميل خير من مخالطة
مؤذية) .
وقال أيضاً - في الاستدلال من حديث كعب بن مالك وهجر النبي -صلى الله
عليه وسلم- له هو والمسلمون [٣]-: (وهذا أصل عند العلماء في مجانبة مَن
ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود ﵁ رجلاً
يضحك في جنازة فقال: والله لا أكلمك أبداً) .
المبحث السابع
إعمال الصحابة ﵃ فمن بعدهم لهذه القاعدة في حياتهم
العملية في مواجهة المبتدعة:
لما ذَرَّ قرن الفتنة بكسر قفلها، وقتل أمير المؤمنين عثمان ﵁
- وبدأ المندسون يبدون ما كانوا يضمرون من كيد للإسلام والمسلمين، أخذوا
ينفخون في كير الفتنة، وينشرون الهوى وينفثون البدعة، بدع: القدر، والخوارج
والرفض، والإرجاء، وهكذا تتوالى، كلما بعد الناس من عهد النبوة وأنوارها،
حتى داخلت البدع والمحدثات شعائر التعبد وصارت مفرداتها كحَب منثور في كف
كل لاقط.
لما كان الأمر كذلك واجه العلماء ﵃ فمن بعدهم هذه
المحدثات العقدية والعملية، بإيمان مستكمل، وعلم جم، وبصيرة نافذة فأظهروا من
أنوار الشريعة الماحية لظلمة الضلال - ما اكتسح هذه الأهواء، وقضى على نابتها، وأعملوا فيهم العقوبات الشرعية، حتى قلموهم، وأجهزوا على محدثاتهم في الدين، وكان الزجر بالهجر مما وظفوه ﵃ في حياتهم العملية ضد
البدعة ومبتدعيها تأسيساً على قاعدة (الولاء والبراء) والحب لله والبغض لله.
ومازال هذا النهج السوي شارعاً في حياة الأمة يعتمدونه في مواجهة المبتدعة، مدوناً بأسانيده في كتب السنة، وهذه جملة من المرويات في هذه الوظيفة الشرعية
بخصوصها عن جماعة من الصحابة ﵃ فمن بعدهم:
فهذا عبد الله بن عمر ﵄ لما أخبره يحيى بن يعمر عن
القدرية قال: (إذا رجعت إليهم فقل لهم: ابن عمر يقول لكم: إنه منكم بريء، وأنتم منه براء) رواه مسلم وغيره [٤] .
وعن مجاهد قال: قيل لابن عمر: إن نجدة يقول كذا وكذا؛ فجعل لا يسمع
منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء [٥] .
عن عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: (إياكم وما يحدث الناس
من البدع؛ فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعاً
حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فريضة في
الصلاة، والصيام، والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم فمَن
أدرك ذلك الزمان فليهرب.
قيل يا أبا عبد الرحمن: فإلى أين؟ ! ، قال: إلى لا أين، قال: يهرب بقلبه
ودينه، لا يجالس أحداً من أهل البدع) [٦] .
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (ما كان شرك قط إلا كان
بُدُوّه تكذيب بالقدر ولا أشركت أمة قط إلا كان بدوه تكذيب بالقدر، وإنكم ستبلون
بهم - أيتها الأمة! - فإن لقيتموهم فلا تمكّنوهم؛ فيدخلوا عليكم الشبهات) [٧] .
وعن الفضيل بن عياض قال: (من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن
جلس مع صاحب البدعة لم يُعطَ الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة
حصن من حديد، آكل مع اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل مع صاحب
البدعة) [٨] .
وعن الفضيل بن عياض: من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش
الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق [٩] .
وعنه أيضاً: في النهي عن مجالستهم [١٠] .
وعنه أيضاً: في النهي عن مجالسته ومشاورته [١١] .
وعنه أيضاً: في النهي عن مجالسته وأنها من علامات النفاق [١٢] .
وعنه أيضاً قال: أدركت خيار الناس، كلهم أصحاب سنة ينهون عن
أصحاب البدع [١٣] .
وعنه آثار أُخر كما في ترجمته من (الحلية لأبي نعيم) [١٤] .
وعن ابن المبارك: وإياك أن تجالس صاحب بدعة [١٥] .
وعن سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - أنه قال: (من أصغى بإذنه إلى
صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها - يعني إلى البدع -) . ذكره البربهاري في شرح السنة [١٦] .
وروى اللالكائي بسنده عن ابن زرعة عن أبيه قال:
(لقد رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلَق، فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، فإن جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين) [١٧] .
وعن ابن أي الجوزاء قال: لأن يجاورني قردة وخنازير، أحب إليَّ من أن
يجاورني أحد منهم - يعني أصحاب الأهواء [١٨] .
وعن طاوس: جعل إصبعيه في أذنيه لما سمع معتزلياً يتكلم [١٩] .
وعبد الرزاق: امتنع من سماع إبراهيم بن أبي يحيى المعتزلي، وقال: لأن
الغلب ضعيف وإن الدين ليس لمن غلب [٢٠] .
وعن محمد بن النضر الحارثي: النهي عن الإصغاء إلى كلام المبتدعة [٢١] .
وعن يونس بن عبيد: لا نجالس سلطاناً ولا صاحب بدعة [٢٢] .
وعن يحيى بن أبى كثير: إذا كنت صاحب بدعة في طريق فخذ في
غيره [٢٣] .
وعن إبراهيم بن ميسرة: ومن وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم
الإسلام [٢٤] .
وعبد الله بن عمر السرخسي: هجر ابن المبارك مدة لما أكل عند صاحب
بدعة [٢٥] .
وقال سلاَّم: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: أسألك عن كلمة، فولى
أيوب وهو يقول: ولا نصف كلمة، مرتين يشير بإصبعيه [٢٦] .
ومثله عن أبي عمران النخعي [٢٧] .
وعن الحسن البصري قوله: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا
تسمعوا منهم [٢٨] .
وعن محمد بن سيرين: في عدم سماع قراءتهم [٢٩] .
وعن أبي قلابة: تجالسوهم ولا تخالطوهم فإنه لا آمن أن يغمسوكم في
ضلالتهم ويلبّسوا عليكم كثيراً مما تعرفون [٣٠] .
وعنه أيضاً: ولا تمكّن أهل الأهواء من سمعك [٣١] .
وأما الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - فالروايات عنه في ذلك - من فعله،
وقوله، وفتواه - بلغت مبلغاً عظيماً.
وقال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: يكون ذلك على
سبيل التأديب لهم والتبري منهم [٣٢] .
وقال النووى: وأما المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً ولم يتب منه فلا يسلم
عليهم ولا يرد ﵈، كما قال جماعة من أهل العلم [٣٣] .
وقال أيضاً: السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم
ويقصد به المسلم، قال ابن العربي: ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السنة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظَلمة، وبمجلس فيه محب ومبغض [٣٤] .
وقال الخطابي - رحمه الله تعالى -: (إن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة
على مر الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق [٣٥] .
- يتبع -
стр. 417
ردود ومناقشات
متى نكون أعلم بأمور ديننا؟ !
سامي السويلم
ظلت السنة على مر العصور عَلماً يستهدي به سلف هذه الأمة وأئمتها في
عقائدهم وأخلاقهم، ونوراً يستضيئون به في عصور الظلام والفتن، ولم تزدها
شبهات المشككين ودعايات المضللين سوى ثباتاً ورسوخاً في قلوب أهلها، وأتباعها
مصداقاً لقول الله - تعالى -: [ومِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ
زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ
فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] [الرعد: ١٧] .
وتواجه السنة اليوم شُبهاً عديدة، منها ما هو ترديد لشبهات السابقين [١] ،
ومنها ما هو حديث العهد، قريب النشأة. وقد تكفل في السلف الصالح برد تلك
الشبه التي ثارت في عصورهم، وأما ما استجد اليوم فإنه يستوجب على المسلمين
عموماً - وعلمائهم خصوصاً - التصدي لها وبيان بطلانها، خصوصاً تلك الشبه
التي اختلط فيها الحق بالباطل؛ مما قد يروج على بعض المسلمين.
وكان من هذه الشبه الحديثة: دعوى أن النبي ﷺ
أعطى لنا الحق المطلق في تنظيم أمور دنيانا، حتى ولو كان النبي - صلى الله
عليه وسلم - قد قال فيها حكمه، اعتماداً على ما رواه مسلم في صحيحه من حديث
عائشة وأنس ﵄: أن النبي ﷺ مر بقوم
يلقحون. فقال: (لو لم تفعلوا لصلُح) ، قال: فخرج شيصاً. فمر بهم فقال: (ما
لنخلكم؟) قالوا: قلت كذا وكذا. قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) [٢] .
فجعلوا هذا الحديث سنداً لهم في رد كثير من النصوص المتعلقة بأمور
السياسة والاقتصاد والاجتماع، وشئون الحرب والسلم، بل وحتى نصوص الطب؛
بحجة: أنَّا أعلم بأمور دنيانا!
فيا ليت شعري! ما الذي يبقى بعد من شريعة الإسلام؟ ، أترى النبي -
ﷺ قد جاء ليعلِّمنا الوضوء والعبادات فحسب: [سُبْحَانَكَ هَذَا
بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] [النور: ١٦] .
وليس غريباً أن تنشأ مثل هذه الشبهة في هذا الزمان الذي قُدس فيه العقل
البشري، وأُعطي من الصلاحيات ما لم يُعطَه في أي زمان مضى، حتى أوج
زمان المعتزلة وأشياعهم.
وقد فتن كثير من المسلمين بمدنية الغرب وتنظيمهم لأمور معاشهم، وتحت
ضغط الانهزام النفسي والشعور بالتبعية، راحوا يبحثون عن كل ما من شأنه أن
يبرر لهم التملص من أحكام الإسلام، ومحاولة تقريبه من أحكام الغرب ونظمه،
وصدق فيهم قول الشاعر:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فأول خطأ قاد هؤلاء إلى هذه الدعوى هو هذا الموقف النفسي الذليل، وكأنهم
نسوا قول الله- : [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [ال عمران: ١٣٩]
أما استدلالهم بهذا الحديث، فقد أخطأوا فيه لسببين:
الأول: اقتصارهم على إحدى روايات الحديث، وإهمالهم سائر طرقه
وألفاظه. ...
الثاني: غفلتهم عن النصوص الأخرى المتعلقة بنفس الموضوع، ووجه
العلاقة بين هذه النصوص جميعاً.
ونحن نحاول في هذه العجالة أن نذكر ما تبين لنا في ذلك، وإلا فالموضوع
بحاجة لمزيد من البحث والدراسة. فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: أما روايات الحديث فقد ساق له الإمام مسلم في صحيحه [٣] عدداً من
الطرق، كما يلي:
- ساق بإسناده إلى موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله -
ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: (ما يصنع هؤلاء؟) فقالوا: ... يلقحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح. فقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (ما أظن يغني ذلك شيئاً) قال: فأُخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله -
ﷺ بذلك فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت
ظناً فلا تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به؛ فإني لن أكذب
على الله ) .
- ثم ساق بإسناده إلى رافع بن خديج ﵁ قال: قدم النبي -
ﷺ وهم يؤبِّرون النخل - يقولون يلقحون النخل - فقال: (ما
تصنعون؟) ؛ قالوا: كنا نصنعه. قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً، فنَفَضت
أو نقصت) ، قال: فذكروا ذلك له. فقال: (إنما أنا بشر. وإذا أمرتكم بشيء من
أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) ، قال عكرمة -
أحد الرواة -: أو نحو هذا.
- ثم ساق الحديث من طريق عروة عن عائشة، وثابت عن أنس، الحديث
بلفظه المذكور أول المقال.
ويلاحظ من خلال هذه الروايات ما يلي:
١ - أن الروايات وإن تعددت ألفاظها فهي تحكي قصة واحدة. إذ حاشا النبي
ﷺ أن يتكرر منه الخطأ نفسه أكثر من مرة. وعليه فإن
الروايات المذكورة يفسر بعضها بعضاً. والتعدد في الألفاظ مرجعه إما إلى الرواية
بالمعنى. كما قال عكرمة: أو نحو هذا، وإما إلى الاختصار من جهة الراوي.
٢- أن رواية طلحة ﵁ أكثر الروايات وضوحاً وتفصيلاً،
ولا غرو، فإنه قد شهد هذه الواقعة مع النبي ﷺ ، بخلاف
سائر الصحابة الرواة للقصة - رافع وعائشة وأنس ﵃ فليس في
رواياتهم ما يدل على شهودهم لها.
٣ - أن النبي ﷺ لما رأى القوم يلقحون سألهم - كما في
حديث رافع -: (ما تصنعون؟) وفي حديث طلحة: (ما يصنع هؤلاء؟) وكان
- والله أعلم - سؤال استفهام واستعلام مما يدل على أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- لم يكن يعرف التلقيح من قبل؛ خصوصاً أن سؤاله وقع أول مَقدِمه المدينة
كما أشار لذلك رافع ﵁ وهذا كسؤاله ﵇ عن الرطب: (أينقص الرطب إذا يبس؟) [٤] ، فمجموع هذا يدل على أنه -صلى الله عليه ...
وسلم- لم يكن له خبرة تامة بالزراعة، وهو أمر لا يستغرب ممن نشأ في مكة،
فإن أهل مكة كان الغالب عليهم التجارة، بخلاف أهل المدينة فإنهم أهل زرع.
وهذا يفسر قوله ﵇ في حديث عائشة وأنس: (أنتم أعلم بأمور
دنياكم) ؛ فالنبي ﷺ قال هذه العبارة فيما لم يكن له به علم تام
وخبرة تامة. وكان المخاطَبون أعلم به منه؛ ولهذا أضاف: (الدنيا) إليهم في قوله
(دنياكم) لا أنهم أعلم منه بالدنيا مطلقاً، فإنه ﵇ كان أعلم منهم
بشئون الحرب والسياسة، وتدبير الأمة، وتصريف مصالحها، وغير ذلك من
أمور الدنيا. فعلم بذلك أن المراد بالدنيا في قوله: (دنياكم) ما لم يكن عند النبي -
ﷺ منه علم تام. وليس المراد عامة أمور الدنيا. وسيأتي كيف
يمكننا التفريق بين الأمرين.
٤- أن النبي ﷺ قال للذين يلقحون النخل - كما في
حديث طلحة -: (ما أظن يغني ذلك شيئاً) فلم يكن رأيه ﵇-آنذاك
سوى ظناً، وهو كقوله في حديث رافع: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً) فهو لم
يجزم في رأيه ولم يخبر به خبر المتيقن من صوابه. بل قاله على سبيل الظن
والترجي. وقد نص هو ﵇ على ذلك في قوله: (.. فإني إنما ظننت
ظناً..) وهذا يبين أن قوله في حديث عائشة وأنس - (لو لم تفعلوا لصلح) - هو
بالمعنى، وأنه على سبيل الظن لا الجزم كما هو ظاهر العبارة. قال الإمام النووي:
(قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظناً كما بينته الروايات) [٥] .
٥- أن النبي ﷺ بين ما الذي يلزمنا الأخذ به مما لا
يلزمنا من كلامه ﷺ ، فقال في حديث طلحة: (.. فلا
تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله
) فمقتضى القسمة في هذا الحديث أن كل ما جزم به النبي -صلى
الله عليه وسلم- فهو من عند الله [٦] ، ويجب علينا الأخذ به، بخلاف ما ظنه ولم
يجزم به، فمقتضى الحديث أن ما كان كذلك فهو ليس من عند الله، ولا يجب علينا
الأخذ به. يوضح ذلك: أن النبي ﷺ : لا يجزم إلا بما يعلمه
ويتيقنه، ومن الممتنع أن يكون علمه بالشيء مخالفا لحقيقته.
أما الأول: فإن الله أدّب نبيه بقوله: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
[الإسراء: ٣٦] .
وأما الثاني: فقد عصم الله - تعالى - نبيه عن الكذب وعن إضلال الأمة.
وهو ﵇ أنصح الخلق لأمته، فإذا علم شيئاً فإنه مبلّغه لها بمقتضى
نصحه، وقياماً بواجب البيان والبلاغ. وإذا بلغ أمته شيئاً وأخبرها به جزماً،
وكان المخبر مخالفاً للخبر؛ كان ذلك كذباً وضلالاً للأمة بلا شك. وقد عصمه الله
- تعالى - من الأمرين جميعاً، إما ابتداءً وإما تسديداً بالوحي.
ويشهد لصحة القسمة المذكورة آنفاً قوله ﵇ حديث رافع: (إذا
أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) فالتنكير في قوله: (بشيء من رأي) مشعر
بأن المراد ما كان على غير وجه الجزم والإلزام، بل على وجه المشورة والاقتراح
فحسب [٧] .
يوضح ذلك أن كلمة (رأي) تستعمل فيما كان ناتجاً عن الخبرة البشرية مما
هو قابل للخطأ والصواب، كما في السيرة أن الحباب بن المنذر قال للنبي -صلى
الله عليه وسلم- يوم بدر: (يا رسول الله! ، أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله
ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الحرب والرأي والمكيدة؟) [٨] وما كان
كذلك فحاشا النبي ﷺ أن يجزم به، وهو يعلم أنه يرد عليه
الخطأ، والجزم بالشيء إنما هو لتيقن صاحبه منه - طلباً أو خبراً -والعرب لا
تسمي مثل هذا اليقين: رأياً.
فقوله ﵇: (بشيء من رأي) واضح في أن المراد ما كان
أقرب إلى المشورة والاقتراح، لا إلى الجزم واليقين.
فتحصل مما تقدم أن مقتضى القسمة في كلا الحديثين: أن كل ما جزم به
النبي ﷺ - طلباً أو خبراً - فهو من عند الله - تعالى -[٩] ،
ومن ديننا؛ فيلزمنا الأخذ به، وأما ما كان من كلامه ﷺ ظناً
أو رأياً، فقد رخَّص لنا النبي ﷺ في الأخذ به أو تركه.
وليست القسمة كما فهمها أصحاب الشبهة: أن ما كان من أمور الدنيا مطلقاً فهو إلينا، وما كان من أمور الدين فهو إليه ﵇ والله أعلم.
فإن قلت: قد أكثرت من الشرح والتقسيم، فهلاّ أتيت بمثال يوضح عبارتك
ويؤيد مقالتك! .
فالجواب: أن أقرب مثال - والأمثلة متوافرة - هو ما رواه البخاري في
صحيحه [١٠] من حديث ابن عباس ﵁ في قصة بريرة لما
خالعت زوجها مغيثاً - وكان شديد التعلق بها - وفيه أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال لبريرة: لو راجعته، قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ ؛ قال: إنما أن
أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه. قال الحافظ [١١] : وعند ابن مسعود من مرسل
ابن سيرين بسند صحيح: (فقالت: يا رسول الله! أشيء واجب عليَّ؟ قال: لا) .
فقوله ﷺ لبريرة: (لو راجعته) لا يعدو كونه مشورة واقتراحاً كما بيَّن ذلك ﷺ ، وليس جزماً فيجب عليها الأخذ به، وقارن بين قوله ﵇: (لو راجعته) وقوله: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً) كيف تجدهما يصدران نفس المصدر والله أعلم.
فإن قلت: إن تقييدك لحديث التلقيح - بما كان على سبيل الظن والرأي - هو
تخصيص للحديث بسببه، وتد تقرر في الأصول أن (العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب) ؟ .
فالجواب: أن هذه القاعدة محل نزاع عند كثير من أهل العلم، أولاً.
وثانياً: أن الفرق كبير بين مجرد ورود العام على سبب، وبين أثر السبب
والسياق والقرائن في تخصيص العام - وهو ما نحن بصدده - كما نبه على ذلك
العلامة ابن دقيق العيد.
وثالثاً: مع التسليم بالقاعدة فإن الأخذ بها مقيد بعدم قيام المعارض، فأما مع
وجوده فإن من طرق الجمع حمل العام على سببه دفعاً للتعارض وإعمالاً لكل نص
في مجاله [١٢] . ولو أخذنا بعموم لفظ حديث التلقيح، خصوصاً حديث عائشة
وأنس ﵄ دون النظر في سببه وسياقه لوجدنا نصوصاً كثيرة
متظاهرة تعارضه وتصادمه، ونحن نذكر هذه النصوص لأهميتها ولبيان وجه
العلاقة بين هذه النصوص جميعاً.
ثانياً: وأما سائر النصوص في هذا الباب فهي على نوعين: عام وخاص.
أما العام: فكقوله - تعالى -: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ
ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] الآية [الأحزاب: ٣٦] ، فبيَّن -
تعالى - أنه لا خيار لنا أمام قضائه - تعالى - في القرآن، وقضاء رسوله -صلى
الله عليه وسلم- في السنة.
وقوله - تعالى -: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور: ٦٣] .
وقوله (أمره) مفرد مضاف، فيعم كل أنواع أمره ﵇.
وكقوله ﵊: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به
فأتوا منه ما استطعتم) [١٣] .
فعلق الأمر على الاستطاعة لا على نوعية المأمور به.
وأما الخاص: فمنه ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث
عبد الله بن عمرو قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه. فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق) ، وأشار بيده إلى فمه [١٤] .
وصح عن أبي هريرة ﵁ أن الصحابة قالوا للنبي -صلى الله
عليه وسلم-: (إنك تداعبنا؟) فقال ﵇ (إني لا أقول إلا حقاً) ،
أخرجه أحمد والترمذي [١٥] .
وإذا كان كل ما يقوله ﷺ حقاً في الغضب والرضا، في
الجد والمزاح، فلا رخصة لنا حينئذ في الإعراض عنه.
فهذه النصوص أظهر وأبين في الدلالة من حديث التلقيح. ولو سلكنا سبيل
أصحاب الشبهة لأخذنا بهذه النصوص وأعرضنا عن حديث التلقيح. ولكن كلا
الطريقين خطأ.
والذي عليه سلف هذه الأمة هو الأخذ بنصوص الوحي جميعاً، والعمل بكل
منها على وجهه الذي جاء عليه. ولا يضربون كلام الله وكلام رسوله -صلى الله
عليه وسلم- بعضه ببعض.
ويقولون: [آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا] [ال عمران: ٧] .
فإن قلت: فما وجه الجمع بين حديث التلقيح وبين النصوص التي ذكرت؟ .
قلت: وجه الجمع - والله أعلم - يتلخص فيما يلي:
أولاً: أن الأصل، والقاعدة العامة هي الأخذ بأمره وقوله ﵇
مطلقاً دون استفصال، ودون الحاجة إلى البحث عن قرينة خاصة تُلزمنا بذلك
النص.
وهذا الأصل هو مقتضى العموم في النصوص الملزمة باتباع أمره - صلوات
الله وسلامه عليه - فإنها لم تفرق بين أمر وأمر، أو بين نص ونص، بل عممت
الإلزام بها جميعاً. ويقابل هذا الأصل العام:
ثانياً: ما يمكن أن يُستثنى من هذه القاعدة العامة بمقتضى حديث التلقيح وهو
ما كان منه ﵊ على سبيل الظن والرأي، لا الجزم والحكم.
ولا تعارض بين حديث التلقيح وبين حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله
عنهما - فإن النبي ﷺ إذا أخبرنا بأنه يظن كذا، فما قال إلا
الحق، وإذا أشار علينا بشيء على سبيل الرأي، فلم يعد الحق. إذ المشورة نفسها
من لحق، ولا يمكن أن يتأتى مثل هذا الجمع على مقتضى قول أصحاب الشبهة،
وبالله التوفيق.
فإن قلت: ومتى نعرف أن حديثاً ما هو على سبيل الظن والرأي أو على
سبيل الجزم؟ .
قلت: لا يحق لنا القول بأن حديثا ما هو على سبيل الظن أو الرأي إلا بعد
قيام قرينة خاصة وأمارة ظاهرة تفيد هذا المعنى. والنبي ﵇ أنصح الخلق
وأصحهم لأمته، فلو أراد أن يشير علينا برأي دون إلزام لبين ذلك. ولو أراد
إخبارنا بما يظنه لا ما يعلمه، لبين ذلك، صلوات الله وسلامه عليه. وما لم تقم
تلك الأمارة الظاهرة، وتلك القرينة البينة، فهذا كافٍ في وصف الحديث بكونه
على سبيل الجزم والإلزام، وهذا مقتضى الأصل الذي قررناه آنفاً.
هذا ما تيسر لنا في هذه المسألة، فمن كان عنده فضل علم أو تصحيح خطأ
فلا يبخل به. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله
وصحبه أجمعين.
стр. 418
فن المقالة
منصور الأحمد
المقالة فن من فنون الأدب، له أصوله، ومميزاته، وأهميته، وهذا الفن -
كما أنه يكون سبباً في شهرة بعض الكُتاب - إلا أن كثيراً منهم يسئ استخدامه،
ويفشل أن يبني بينه وبين القراء جسراً بواسطته.
أما أهمية المقالة فهي سبيل مطواع يستطيع الكاتب أن يسخره لما يريد من
الأفكار الخاصة أو العامة، العلمية أو الأدبية، ويمكن أن توصل هذه الأفكار
بسرعة ودون التواء في أكثر الأحيان.
وقد حظيت المقالة في أدبنا العربي - قديماً وحديثاً - بمكانة لا يستهان بها،
ونستطيع أن نرصد خطواتها وتطورها.
وهى كغيرها من الفنون الأدبية، أدركها ويدركها التطور حسب ما يقتضيه
تطور الأفكار والأساليب، وحسب الظروف الثقافية والفكرية السائدة، وقد ساعدت
الصحافة وحركة النشر على ازدهار المقالة.
على أننا لا نريد في هذه العجالة أن نكتب بحثاً أدبياً وافياً عن ذلك، بل نحب
أن نلفت النظر إلى أن المجلات، ومنها مجلتنا (البيان) - إنما تعتمد في جل ما
تنشر على هذا الجانب من أساليب الكتابة، ونجاحها مرهون بإدراك كُتابها لما يجب
أن تتميز به المقالة عن غيرها من فنون الكتابة.
والهدف من المقالة هو تقديم فكرة معينة إلى القارئ بأسلوب يختاره الكاتب،
وحتى تحقق المقالة الغرض منها لابد أن يتوفر فيها:
وضوح الفكرة، وضوح الأسلوب وجماله، وهذان الشرطان يلتقيان على
قاعدة سابقة في ذهن الكاتب، وهي: معرفته بمَن يخاطب.
١ - الموضوع أو الفكرة:
يعتبر موضوع المقالة المحور الأساسي لها، وهو الهدف منها، وبقدر احتفال
الكاتب به تحديداً وتوضيحاً يصل إلى هدفه في الإقناع. وأكبر الأخطاء التي
تُرتكب في المقالات الفاشلة أن لا يكون موضوعها واضحاً في ذهن كاتبها، وأن
تكون الفكرة التي تدور عليها غامضة مبهمة، أو ليست ناضجة، أو ضائعة في
خضم كلام لا يعرف كاتبه العلاقة الصحيحة بينه وبين الفكرة.
٢- الأسلوب:
الأسلوب هو القالب اللفظي الذي تصب فيه الفكرة، مضافاً إليه الروح، أو
قل: النكهة التي تُحس أو تدرك من هذا الأسلوب، والتي تميز كاتباً عن آخر،
وهي التي عناها من قال: الأسلوب هو الأديب نفسه، هي بصمته وتوقيعه الذي لا
يمكن تزويره.
فالأسلوب ليس كلمات مرصوفة رصفاً، أو منتزعة من هنا وهناك لأدنى
علاقة، أو بدون علاقة في بعض الأحيان، بل هي حصيلة دراسات الكاتب
ومطالعاته، ومجمل ثقافته، إضافة إلى سمات مزاجه وطبعه.
والأسلوب الناجح يتميز: بالوضوح والجمال.
أما الوضوح فيكون باختيار الألفاظ المطابقة للمعنى، والبعد عن تتبع
الغرائب، والحرص على طرائق التعبير العربية، والبعد قدر الاستطاعة عن العجمة التي أصبح التخلص في هذه الأيام منها هماً ناصباً.
وأما جمال الأسلوب فهو شيء يصعب تحديده؛ لأن مبناه على الذوق، وهذا
الذوق يربَّى ويصقل بالقراءة وتتبع الآثار الأدبية الراقية.
إذا عرفنا هذا اتضح لنا أن المقالة ليست خطبة ملتهبة هدفها إثارة العواطف
وشحن الخواطر بالكلمات والجمل المهيجة بعيداً عن الإقناع.
وليست بحثاً هدفه إظهار قدرة الكاتب على البحث والتنقيب والتوثيق، وإثقال
الهوامش بالمراجع والإحالات.
وليست فرضاً لمنهج علم معين في التأليف، وإرباك القارئ بمصطلحات لا
يدري عنها شيئاً، أو يدري عنها القليل!
إنها باختصار فن أدبي جميل، يشتمل على موضوع رئيسي يراد إيصاله إلى
القارئ بطريق رشيق مقنع، بعيد عن الإملال والإرهاق، ويتلطف إليه بمدخل أو
استهلال يكون بمثابة الاستئذان للدخول إلى عقله وقلبه، وأن لا يُغادَر إلا وقد
اطمأن الكاتب أن ما يريده قد وصل، فيلملم أطراف موضوعه بخاتمة تكون بمثابة
التوديع الذي لا يكون إلا عن تعارف وتصاف ووثاقة صلة.
في مكان آخر من هذا العدد وضعنا مثالاً تطبيقياً لمقالة أدت الغرض منها [١] ، فهي ليست بالطويلة، وليست بالقصيرة، واستوفت شروط سهولة الألفاظ
والتراكيب مع جمالها وقوة تأثيرها، ووضوح الفكرة الرئيسية التي صاغ الكاتب من
أجلها مقالته، وحسن استدلاله على ذلك من الواقع العملي والتاريخي للإسلام، ثم
إدراكه للأصول دون الغرق في التفاصيل التي لا تغني شيئاً وقد ذهبت الأصول،
فقد درج الكاتبون في شأن الهجرة أن يشغلوا أنفسهم ويشغلوا الناس في سرد وقائع
الهجرة، دون الخوض في دلالتها العملية العميقة التي يحتاجها المسلمون اليوم،
فأراد أن يتخذ من حادثة الهجرة دافعاً مستمراً متجدداً للإصلاح وعلاج المشاكل
المصيرية التي تكاد تعصف بالكيان الإسلامي.
стр. 419
من إلهامات الهجرة [*]
محب الدين الخطيب
﵀
[مدخل: فرق بين الإسلام وغيره من الأديان]
في الإسلام ظاهرة يمتاز بها على غيره من الأديان التي تموج أقطار الأرض
بأتباعها، فأهل الديانات الأخرى ينحصر معنى (الدين) عندهم في العقيدة والعبادة،
فإذا ضُمنتا لهم في أي نظام من أنظمة الحكم اكتفوا بهما، وأذعنوا لذلك النظام مهما
كان، ولا يعرفون دينهم إلا ساعة الاجتماع في المعابد. أما الإسلام فكما أنه دين
عقيدة وعبادة - فإنه يشمل أيضاً الآداب في المنازل والمجتمعات، والتعاون بين
الأفراد والجماعات، ويتناول العقود والمصالح والالتزامات، وتتسع دائرته فتحيط
بنظام الحكم كله.
***
حكمة الهجرة الأساسية:
والمسلمون لا يعتبرون أنفسهم عائشين في بلد إسلامي، إلا إذا ساد نظام
الإسلام بلدهم، وقامت فيه أحكامه وىدابه، كما تقوم فيه شعائره وتسود عقائده،
وإذا تعذر على المسلمين إقامة أحكام دينهم، وتأييد أنظمته الاجتماعية، وآدابه
الخلقية والبيتية - وجب عليهم الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيه بأحكام الإسلام
وآدابه، تكثيراً لسواد المسلمين، وإعزازاً لأمر الدين، واستعداداً لنصره وتأييده في
العالمين. وإذا لم يكن للمسلمين بلد تتوافر فيه هذه الشروط، وجب عليهم أن
يتجمعوا في بقعة صالحة يقيمون فيها نظام الإسلام تاماً كاملاً، ويتعاونون على
حماية دعوته، واتخاذ الأسباب والوسائل لتحقيق رسالة الإسلام كما جاء بها
صاحبها - صلوات الله عليه - وكما فهمها منه أصحابه والتابعون لهم بإحسان.
هذه هي حكمة (الهجرة) ، وهذا هو الباعث عليها والداعي لها، فالإسلام يجب
أن يكون له وطن تُقام فيه معاني الإسلام كلها، ويعمل فيه بأحكامه وأنظمته في
دواوين الدولة، ومرافق الأمة، ومعاملات الأفراد، وآداب البيوت، بقدر ما يعمل
فيه بشعائر العبادات، وبقدر ما تحمي فيه حقائق العقيدة التي لا يكون الإسلام
إسلاماً إلا بها.
***
دليل قرآني تاريخي
وقد غفل عن هذه الظاهرة من أمر الإسلام بعض الذين دخلوا فيه على عهد
رسول الله ﷺ ، فلبثوا في وطنهم (مكة) مستضعفين فيها لا
يستطيعون إعلاء كلمة الله، لغلبة الباطل يومئذ على الحق، ولا يهاجرون منها إلى
المدينة فيقوى بهم الإسلام. فنزل فيهم قول الله : [إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ
المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ] (أي بعد إقامة دينهم في بلدهم، وتخلُّفهم عن نصره وتأييده
في دار هجرته) [قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ
أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وسَاءَتْ مَصِيراً] هذه الآية
نزلت في قوم أسلموا، وكانوا يؤدون صلواتهم على النهج الشرعي في منازلهم أو
في الحرم إن استطاعوا، وكانوا صحيحي العقيدة، وغير مقصرين في العبادة، إلا
أنهم كانوا سبب ضعف الإسلام؛ بإذعانهم لنظام غير نظامه، وإحجامهم عن تقوية
الإسلام في وطنه ودار هجرته. ولما كان الإسلام دين يسر، ومن مبادئه أن تقدر
الضرورات بقدرها، وأن يعذر أهلها، كان تمام الآيات السالفة قول الله
-[إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ
سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وكَانَ اللَّهُ عَفُواً غَفُوراً. ومَن يُهَاجِرْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً] (أي مذهباً وتحولاً) [كَثِيراً وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ
مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وكَانَ اللَّهُ
غَفُوراً رَّحِيماً] [النساء: ٩٧-١٠٠] .
***
قلب الموضوع (الهدف الذي من أجله كتب الكاتب)
إن النفس الإسلامية يريدها الإسلام أن تعيش في جو من النظام والحكم يسهل
لها فهم هداية الإسلام، ويحبب إليها العمل بهذه الهداية في كل ضرب من ضروب
الحياة، وتتوفر فيه حرية الدعوة إلى كل ما ينشده الإسلام من حقيقة وخير، فيتيسر
القيام بهما جهاراً في جميع أحوال الفرد المسلم والجماعة الإسلامية، ويكون فيه
للحق قوة تقمع كل من يصد عن ذلك، أو يحُول بين المسلمين وبين الدعوة إلى
هدايتهم والعمل بها في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم ومجتمعاتهم. فإذا نشأت النفس
الإسلامية ونمت تحت جناح نظام يقيم أحكام الإسلام ويحمي دعوته ويحمل الأمة
على آدابه، كانت هذه النفس قوة للإسلام، تعمل على رفعته وتوسيع دائرته،
وكانت غصناً في دوحة الإسلام تزهر وتورق وتثمر في جناته. أما إذا نشأت
ونمت تحت جناح نظام يخالف الإسلام، ويخذل دعوته، ولا يربي الأمة على آدابه، فإن قوتها تكون معطلة عن تأييد الإسلام وتعميم هدايته.
إن (الهجرة المحمدية) من ديار الشرك إلى دار النصرة قد مضت بأهلها،
ولكن (الهداية المحمدية) لا تزال في أمانة المسلمين، وهي في عصرنا والعصور
الآتية أحوج ما كانت إلى تفكير المسلمين في صيانتها، والتماسهم الأسباب
لازدهارها وتعميم العمل بها.
لما هاجر النبي ﷺ بأصحابه من ديار الشرك إلى دار
النصرة، وكان للإسلام - على قلة أهله يومئذ - قوة بتلك القلة من أهله لا نكون
صادقين لو زعمنا أن عندنا للإسلام مثلها اليوم مع كثرتنا واتساع آفاق أوطاننا، فإن
كانت الهجرة قد مضت بأهلها فإن القوة التي توخاها النبي ﷺ
للإسلام بالهجرة، لا تزال أنظمة الإسلام وآدابه وأهدافه مفتقرة اليوم وبعد اليوم إلى
مثلها، بل هي اليوم وبعد اليوم أشد افتقاراً إلى مثل تلك القوة مما كانت في زمن
الهجرة.
***
نحن محتاجون اليوم - من معاني الهجرة وأهدافها وحكمتها - إلى أن ننخلع
في بيوتنا عن الآداب التي تخالف الإسلام، وأن نعيد إلى هذه البيوت الصدق
والصراحة والنبل والاستقامة والاعتدال والمحبة والتعاون على الخير؛ فالبيت
الإسلامي وطن إسلامي، بل هو دولة إسلامية. وقبل أن أتبجح فأنتقد ما خرج عن
دائرتي من بيئات - لا يفيدها انتقادي شيئاً - يجب عليَّ أن أبدأ بمملكتي التي هي
بيتي فأهاجر أنا ومن فيه من زوجة وبنات وبنين إلى ما يحبه الله من الصدق،
هاربين من الكذب الذي يكرهه الله ويلعن أهله في صريح كتابه.
ويجب أن أنخلع أنا وأهل بيتي عن رذيلتَيْ الإفراط والتفريط؛ فنكون معتدلين
في كل شيء، لأن الاعتدال ميزان الإسلام، ويجب أن نحب أنظمة الإسلام محبة
تُمازج دماءنا، فنتحرى هذه الأنظمة في أخلاقنا وأحوالنا وتصرفاتنا ومعاملة بعضنا
لبعض، (هاجرين) كل ما خالفها مما اقتبسناه عن الأغيار وخذلنا به مقاصد الإسلام
فضيعنا أغراضه الجوهرية.
إذا تربينا في بيوتنا على محبة الأنظمة الإسلامية، وتأصل ذلك في أذواقنا
وميولنا، وتعودنا العمل به في مختلف ضروب الحياة؛ فشا العمل به حينئذ من
البيوت إلى الأسواق والأندية والمجتمعات ودواوين الحكم، ولا يلبث الوطن كله بعد
عشرات قليلة من السنين أن يتحول من وطن عاصٍ لله، إلى وطن مطيع لله، ومن
وطن تسود فيه الأنظمة التي يسخطها الله إلى وطن تسود فيه الأنظمة التي أمر بها
الله.
***
نقد لواقع وتصحيح لما هو شائع
نحتفل بذكرى الهجرة في كل سنة ونتكلم فيها عن الماضي فلا ننتفع بها في
الحاضر. ولو أنَّا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة، وعلمنا أن كتاب
الله الذي نتلوه قد أنحى باللائمة على جماعة من أصحاب رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- كانوا في مكة يصلون ويصومون، ولكنهم ارتضوا البقاء تحت أنظمة
تخالف الإسلام - فلا قوة لهم على تغييرها، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا
من جنودها المتحفزين لتغيير تلك الأنظمة - لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله
بالصلاة والصوم، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا أنظمته وآدابه في بيوتهم
وأسواقهم وأنديتهم ومجامعهم ودواوين حكمهم، وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع
الوسائل لتحقيق هذا الغرض الإسلامي، بادئين به من البيت، وملاحظين ذلك في
تربية من تحت أمانتهم من بنات وبنين، ومتعاونين عليه مع كل من ينشد للإسلام
الرفعة والازدهار من إخوانهم، حتى إذا عم هذا الإسلام أرجاء واسعة تلاشت تحت
أشعته ظلمات الباطل، فكانت لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل الآثار التي
كانت لهجرة النبي ﷺ وأصحابه الأولين.
عود إلى الأدلة: الأدلة من السنة:
روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه عن أبي عثمان النهدي أن مجاشع
بن مسعود السُّلمي قال: جئت بأخي (أبي سعد) إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- بعد الفتح فقلت: يا رسول الله! بايعه على الهجرة، فقال -صلى الله عليه
وسلم-: قد مضت الهجرة بأهلها. قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ قال: (على
الإسلام، والجهاد، والخير) . قال أبو عثمان النهدي: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع، فقال: صدق.
وفى كتب السنن - وبعضه في الصحيحين - عن عبد الله بن عمرو بن
العاص وفضالة بن عبيد بن ناقد الأنصاري أن النبي ﷺ
قال: (المهاجر من هجر السيئات) .
وفي حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة، وفى حديث عبد الله بن
عبيد بن عمير عن أبيه عن جده، أنه قيل لرسول الله ﷺ : (..ما أفضل الهجرة؟ قال: من هجر ما حرم الله) .
وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (٦/٢١) من حديث فضالة بن عبيد بن ناقد
أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من
أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده.
والمجاهد؟ من جاهد نفسه في طاعة الله. والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب) .
***
خاتمة تحض على صرف الأنظار إلى الغرض الأساسي:
فإلى الهجرة أيها المسلمون ...
إلى هجر الخطايا والذنوب في أعمالنا، وأخلاقنا وتصرفاتنا.
إلى هجر ما يخالف أنظمة الإسلام في بيوتنا، وما نقوم به من أعمالنا.
إلى هجر الضعف والعطالة والإهمال والسرف والكذب والرياء ووضع
الأشياء في غير مواضعها.
إلى هجر الأنانية والصغائر والسفاسف مما أراد نبي الرحمة أن يطهر منه
نفوس أمته حتى تكون خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله لها.
بهذا، وبهذا وحده نحيي ذكرى الهجرة الشريفة، ونحقق مقاصدها، ونستمطر
رحمة الله على بيوتنا، وأوطاننا وممالكنا، وهذا هو (الفلاح) الذي يدعونا إليه
المؤذن خمس مرات في كل يوم عندما يدعونا إلى الوقوف بين يدي الله الكريم.
وبهذا تكون صلاتنا صلاة إسلامية تصقل نفوس المسلمين والمسلمات،
وتصفيها، وترتفع بها عن السفاسف، وتجعل هذه الشعيرة من شعائر الله - سبحانه -.
[إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ] [العنكبوت: ٤٥] .
стр. 420
قصة قصيرة
الأسرة المسلمة
أم أسامة خولة درويش
لا عجب أن تستأثر (نبيلة) بقلبي، فهي صديقة الطفولة والصِّبا، شاركتني
لهو الطفولة البريء يوم كنا نلعب ونمرح، وزاملتني في الصبا بدماثتها وحبها
للخير الذي ملأ فؤادها ومشاعرها فحظيت لديَّ بمكانة اختصت بها عمن سواها.
لقد حباها الله فضائل كثيرة فصانتها، لم تبطرها النعمة التي تقلبت بها، ولم
يطغها الغنى الذي ترعرت فيه، ولم يفسدها الجمال الباهر الذي يزري بالجميلات
من بنات جنسها، هذا فضلاً عما تمتاز به من أدب جم، وعقل راجح، ونظر سديد
رغم صغر سنها، فما إن نضج جسمها ونما عودها حتى تحلت بالحجاب الذي
فرضه الله على المؤمنات، فغدت بحق جوهرة مصونة ندر مثيلها.
ويحرص (عصام) أن يتزوج من (نبيلة) وهو جدير بذلك، إنه من خيرة
أقاربها ديناً وخلقاً، علماً وأدباً، مالاً وجاهاً.
وتمضي السنة الأولى من الزواج هانئة مطمئنة والحب الوارف يخيم على
الزوجين السعيدين، ولِمَ لا؟ ! والشرع رائدهما، يلتزمان به فيؤدي كلٌّ حق رفيقه
بصدر رحب، وحب ودود، لتظلل أسرتها سعادة نادرة، وسكن حانٍ هانئ بعيد
عن المشاكل والمنغصات.
تجد نبيلة في قيامها بواجباتها لزوجها وأهله عبادة تؤجر عليها، فلا تسأم ولا
تضجر، ولا تمن عليه ولا تبخل بجهودها المخلصة وعواطفها الفياضة، ويجد
عصام أن إعطاء كل ذي حق حقه إنما هو واجبه كمسلم يسعى للقربى من الله -
تعالى - فيحفظ في (نبيلة) وصية الرسول ﷺ : (استوصوا
بالنساء خيراً) ، فإن أخطأت أو ظهرت منها هفوة قال لها في مزاح ومداعبة ما
أشبهها بالجد: (سنرفق بالقوارير ولن أدع قارورتي تُكسر أو تُخدش) ، فتضحك
ويضحك، ويعالجان الأمور بالحكمة، فتنقشع الغيمة، وما كادت تمر السنة الأولى
من الزواج حتى بدأت التساؤلات، وهمسات نساء الحي: لِمَ لمْ تحمل نبيلة؟ !
وتقترب أم عصام من نبيلة لتحدثها بحنانها المعهود حديثها الهامس يمازجه
حرصها وشغفها لمعرفة سبب عدم الحمل: (يا بُنيتي! إنك في عمر الزهور، ...
وهذه هي السن المثلى للحمل، فلِم تؤجلين الحمل، وأنت تعلمين ثواب تربية الولد
الصالح، ولست بحاجة إلى مَن يذكّرك؟ !) .
وكانت لحظة عصيبة ومؤلمة وصدمة غير يسيرة لأم عصام عندما قالت لها
نبيلة: (إنني لا أستعمل أي عقار لتأجيل الحمل) ... بُهتت أم عصام ولم تتمالك
نفسها أن ترقرقت في عينيها دمعة حائرة حزينة على سعادة لم تكتمل. وتمر الأيام
ويزداد حديث الناس، ويزداد تحرق أم عصام وتعلقها بولد يكون وارثاً لابنها،
وذكراً له وللعائلة جميعاً، إنها وإن كانت تحب نبيلة - ولكنها تعود وتردد المثل
العامي: (ضلع أدنى من ضلع) .
وتتشجع هذه المرة للحديث مع ابنها في هذا الموضوع، بدلاً من جرح مشاعر
نبيلة، وخشية إيذاء أحاسيسها في أمر لا يد لها فيه، وبنفس مفعمة بالمشاعر
الكثيرة وفى مقدمتها الأحلام والأماني بولد يدرج في بيت ابنها قررت عرض
الموضوع على عصام، ويأتي الرد مماثلاً لما ذكرته نبيلة منذ سنتين: (إنه لا يوجد
أي عائق جسمي عندنا، وإننا ننتظر الفرج) .
وودت لو أشارت عليه بالزواج، وحارت كيف السبيل إلى إقناعه، فهي
تعلم مكانة نبيلة في قلبه، بل وفي قلوب العائلة جميعاً، قالت له وهي تغالب نفسها، وبصوت ممزوج بالأسى والمرارة -: إن الله - تعالى - يقول: [المَالُ والْبَنُونَ
زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا] ثم صمتت، ثم نظرت إليه وكأنها تريد أن تقرأ ما في ذهنه من
خواطر وما في قلبه من مشاعر، ولم يطل الصمت، فسرعان ما قطعه عصام وهو
يتمم الآية: [وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وخَيْرٌ أَمَلاً] .
اكتفت الأم بهذا الرد، ولم تحتمل الجلوس فخرجت بعزيمة مزعزعة، وقد
أظلتها سحابة من الحزن، وكأنما أُوصدت في وجهها أبواب السعادة كلها.
أما عصام فلم يستغرب طلب والدته، لقد سمعه مراراً من زوجته، نعم،
زوجته نبيلة المؤمنة ذات الرأي الصائب، كانت تعرض عليه الزواج ويُسكتها قائلاً: (إنه يرضى بقدر الله وينتظر الفرج) وها هي ست سنوات مرت على زوجين،
ترفرف عليهما السعادة والهناء.
وجاء قدر الله؛ فاليوم موعد زفاف (سامية) لعصام، إنه يوم عصيب في
حياة نبيلة لا لأن زوجها سيتزوج من امرأة غيرها، فكل امرأة تود لو أن زوجها لها
وحدها، هاهم أهلها جميعاً - والدها ووالدتها وإخوانها ... - قد جاءوا مبكرين، إذ
ما علموا بموعد الزواج إلا الليلة الماضية فقط، وما كاد ظلامها ينقشع ويلوح ضياء
الصباح حتى كانوا جميعاً عند بيت عصام، إنهم يريدون ابنتهم، نعم يريدون نبيلة ... فلا مكان لها في البيت بعد اليوم ... هذا رأيهم جميعاً. ولكن عصاماً قابلهم
بصدر رحب وابتسامة رقيقة، ودعاهم بلباقته المعهودة للدخول إلى المنزل قائلاً: (لن تروا في إلا ما يرضيكم أنتم ونبيلة فأنتم أهلي) .
وقبل أن يتمها انبرى أخوها أحمد للكلام: إننا لسنا أ.. فأسكته والده.
ولكن من يسكت الوالدة؟ إنها تتحدث وتقول لابنتها: تعالي معنا معززة
مكرمة، أن بنت الفقر التي تخاف على نفسها من الجوع هي التي ترضى بالمذلة،
ولو كان يحبك لما أراد أن يتزوج عليك، ولم يتم لنبيلة أن تسمع كل ما قالتها
والدتها، الكل يتحدى ويهدد بالخلاص والطلاق ... وأصمتهم جميعاً قول نبيلة: (وهل التعدد حرام؟ ! ، أليس ديننا يبيح التعدد؟ ، أنا مسلمة وراضية) .
وجم الجميع، لقد عقدت المفاجأة ألسنتهم، ولم يملكوا إلا أن يحملق بعضهم
في وجه الآخر ... ثم انتهت الأزمة، ومرت العاصفة، وعاد الأهل وقد أُسقط في
أيديهم؛ إذ رفضت ابنتهم ترك بيت الزوجية، ولسان حالهم يقول: (أنت
الخسرانة) ! .
وتم الزواج الثاني، ومرت ثلاث سنوات لم أَرَ نبيلة خلالها، وبقدر ما كنت
تواقة لمشاهدتها وقد عدت من سفري - بقدر ما كنت أتهيب من زيارتها خشية أن
تثير آلاماً وأحزاناً كامنة.
وكانت الغلبة للشوق نحو صديقة الطفولة والصبا؛ لأرى بعيني أغرب حياة
يمكن تصوُّرها في عصرنا، إنها تعيد لأذهاننا صورة حياة سلفنا الصالح يوم كانت
الهيمنة لشرع الله، وهدْي رسوله، فيشيع في بيوتنا الرضى والوداد، فهذه نبيلة
هي هي، لم تفارق البسمة العذبة شفتيها، ولا الكلمة الطيبة لسانها، ويلوح
في عينيها رضى من نوع عجيب يحكي سعادتها الغامرة.
و (سامية) - التي عرفتها لأول مرة - لا تقل عنها رقة ودماثة ولطفاً،
وحتى في الجمال فهي أيضاً جميلة جذابة، قد جللها نور المحبة والتسامح فزادها
قرباً من القلب، وبعد جلسة قصيرة تُعرّف نبيلة بجارتها (ضرتها) ثم تقول بزهو
واعتزاز - وهى تربت على كتف سامية -: (ما رأيك، ألست ممن يحسن
الاختيار؟ ، باختياري لسامية! لقد بحثت لعصام كثيراً فما وجدت خيراً منها ديناً
وخلقاً، والحمد لله لم يخب أملنا) .
وإني إذ سمعت هذا الكلام لم أملك إلا الابتسام وغرقت في صمت مفعم
بالإعجاب والإكبار.
وأثناء حديثها تناهى إلى سمعنا صوت بكاء طفل من غرفة مجاورة، وبلهفة
ذهبت إليه سامية لتعود حاملة طفلاً لا يتجاوز عمره بضعة أشهر، وتقول: إنه (نبيل) أخو (سامي) !
ومما قلل من حيرتي أن نبيلة ألقمت ثديها لنبيل؛ فعلمت أنه ابنها، لكن مَن
سامي هذا؟ !
إنه الطفل المرح ذو النفس المشرقة، يجر وراءه سيارة لعب صغيرة ليصل
إلى حضن نبيلة فتجلسه مع طفلها، فلم أتمالك أن قلت: الحمد لله، ما عنده من
خير لا ينفد، بارك الله لك في أولادك وأسرتك يا أخت نبيلة.
وخرجت سامية لتعد الضيافة، وهذا ما علمته من نبيلة؛ إذ قالت: نحن هكذا، كل واحدة منا تقوم بالواجب لضيوف جارتها، حتى تتيح لها فرصة الاستمتاع مع
صديقاتها. ثم اعتدلت في جلستها وكأنها تذكرت شيئاً مهماً فاتها وقالت: حقاً هذه
أول مرة ترين فيها بيتناً بعد زواج سامية، تعالى لأريك ترتيبنا الجديد للبيت.
ومشيت معها، وكنت أود لو تعفيني من هذه المهمة، لكني لم أشأ أن أرد
طلبها، سرت معها وأنا أغبطها على صبرها وأسائل نفسي: أهي راضية حقاً، أم
تمثل دور الرضا؟ !
ولم ألحظ شيئاً غير عادي في ترتيب البيت، إلى أن قالت: (هذه غرفتي،
وهذه غرفة سامية) .
وشعرت بفضول غريب يدفعني دفعاً لأعرف رأيها بصراحة ووضوح، ولم
أكتفِ بما تبديه من الرضا والابتسام، وتمنيت أن أسألها لولا أن بادرتني سائلة: ما
رأيك في ترتيب بيتنا؟ .
قلت لها: ممتاز، ذوق سليم، وإبداع مريح لكم جميعاً، فلا بكاء طفل يؤرق
الأب المتعب، ولا ضجيج يزعج الزوجين، وهنا تشجعت وسألتها مداعبة: وأنت
ما رأيك في السكن في هذا البيت؟ !
ففهمتها على التو، وقالت ضاحكة: حتى أنتِ؟ ، إنه جنتنا وبهجتنا في دنيانا
هذه، ومنه إلى جنة الخلد - إن شاء الله - وتابعت كلامها: إن سامي ونبيل إخوة
فيجب أن ينشأوا في جو المحبة الحقيقية، وإلا كانوا - والعياذ بالله - أعداءً ألداء،
يملأون البيت غماً ومشاكل.
وتأتي سامية بالضيافة وهى تردد كلمات الترحاب ووجهها يتألق سروراً
وسعادة وهى تقول: كم يستغرب الناس زواجي من عصام، حتى أهلي لم يحتملوا
أبداً سماع الموضوع، لا لعدم كفاءته، بل إنهم ينكرون أن أبدأ حياتي بأن أكون
زوجة ثانية، فقلت لهم: وهل أنا أفضل من أمهات المؤمنين؟ ! ، أليست الزوجة
الثانية زوجة معززة مكرمة؟ ! .
وتشارك نبيلة في الحديث: غريب أمر الناس، كيف يستقبلون التعدد
كاستقبال المحرمات، بل أسوأ؟ ! ، فقد يتساهل البعض في العلاقات المحرمة،
ويطلقون ألسنتهم في الحديث عن تعدد الزوجات، إنها غيبة العمل الحق بتعاليم
الشرع.
ولم أتمالك نفسي أن قلت:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وزادكما الله من فضله رضى وسعادة.
стр. 421
الفرقان.. يسكب الطُّمأنينة
د. مصطفى السيد
يحلو الإبحار ضد التيار
ضد الذين يرون الوقت عبثاً
والفكر اجترار
وانتظار ليوم بِكر لا يجئ
ينفقون الأعمار
وليوم ثامن لا يؤوب
حتى يملهم الانتظار
(٢)
تجتاحني سيرة سفيان الثوري
كإعصار فيه نار
تقتلع الزبد جفاء
وتمسك ما ينفع الناس
فيمكث
عطاء مدرارْ
ويدهشني الإمام أحمد
بزهده وهدوئه
فيحرك بغداد
من دهليزه وتتلاشى
هيمنة السلطة
أمام
طرقات الفكر الجبار
لقد ملأوا المكان
ونحن كحلقة ملقاة
بأرض فلاة
وهكذا فالمسألة
ليست
مسألة نص غائب
بل معضلة شخصية
متداعية
تختزن في أعماقها الماء
والناس
يتساقطون حولها
ظماء
(٣)
غاب الإنسان فصارت
الأرض يباباً عند (اليوت)
وغار الإيمان فصار الزمان
مفقوداً عند (بروست)
هذا ما تقوله:
قوافل المهاجرين
إلى فكر الغرب
والمهجرين إلى كفر
الشرق
إنهم يعودون
ولكن
يلِجون
من باب التصوف
(ويسربون) ولكن
من رتاج [١] القلب
بعد أن طحنتهم
هيمنة العقل
***
تصنم العقل وتوثّن
وصدأ الروح وتعفن
(الفرقان) وحده هو الذي
(يسكب) الطمأنينة في
الآبار المعطلة
والأرواح المهجرة
(٤)
آه لهذا الإنسان
فلطالما
لمعت بروق المعرفة
بأني [قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ]
ولكن طول العهد
بالعبودية
أبى عليه مفارقة
الواسطة البشرية
стр. 422
وسائل الغزو الفكري في دراسة التاريخ
محمد بن صامل السلمي
مقدمة:
قال في لسان العرب: (مادة غزا) : غزا الشيء غزواً، أراده وطلبه،
والغِزوة - بالكسر - ما غُزي وطلب، ومغزى الكلام مقصده، وعرفت ما يُغزى
من هذا الكلام: أي ما يراد منه، والغزو: القصد.
وبهذا تنحصر معاني هذه المادة: في الطلب والقصد والإرادة ومعرفة ما يراد، والغزو الفكري - بهذا التركيب الإضافي -: مصطلح معاصر يعني البحث عن
كيفية تأثر المسلمين بأفكار وخطط أعدائهم التي تضاد الشريعة الإسلامية، وتسعى
للقضاء عليها، ولتحلل المسلمين منها ذاتياً دون استخدام القوة المباشرة.
يقول الدكتور عبد الستار السعيد: (الغزو الفكري تعبير دقيق بارع يصور
خطورة الآثار الفكرية التي يستهين بها كثير من الناس لأنها تمضي بينهم في صمت
ونعومة مع أنها حرب ضروس.. لا تضع أوزارها حتى تترك ضحاياها بين أسير
أو قتيل أو مسيخ كحرب السلاح أو هي أشد فتكاً) [١] . وذلك أن الغزو العسكري
واحتلال الأرض يثير في الطرف المقابل الحمية والنخوة وروح المقاومة ورد
العدوان، في حين أن الغزو عن طريق الفكر لا يثير شيئاً من هذا عند كثير من
الناس؛ لأنه يتودد إلى النفس، ويدخل إليها من عدة مداخل تناسبها: مداخل
الشبهات من دعاوى التقدم والتطور ومسايرة ركب الحضارة والمدنية ... الخ. أو
مداخل الشهوات من حب الأموال والسلطة والجاه وحب الظهور، وتحقيق الرغبات
الهابطة من الجنس والشراب وغيرها من ألوان الفساد والانحراف الخلقي والسلوكي
وبذلك يسهل قياده، ويضمن تحوله واستمراره ذاتياً، من داخل نفسه، بل قد يصبح
داعية لمبادئ العدو وأفكاره، وهذه فتنة من أعظم الفتن، وقد قال : ... [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] .
إن الصراع بين المسلمين والكفار دائم ومستمر، وقد جرب عدونا سلاح القوة
مراراً، فما أجدى له نفعاً، مما جعل قادتهم يفكرون في وسيلة أخرى وميدان آخر
للصراع، ولقد أدركوا أن السر في صلابة المسلمين وتفوقهم هو في إسلامهم؛ ولذا
حولوا ميدان الصراع من حرب المسلمين ذاتهم إلى حرب العقيدة الإسلامية، وبهذا
تغيرت ملامح المعركة، فلم يعد ميدانها الرئيسي الأرض ولكنه الأدمغة والعقول،
ولم تعد وسيلتها السيف بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق العسكرية
ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى [٢] .
والذي يعنينا في هذا المقال هو البحث عن كيفية وقوع الغزو الفكري في علم
التاريخ الإسلامي، وكيف تأثرت دراسة تاريخنا بمناهج وخطط وأفكار أعدائنا؟ .
وسائل الغزو الفكري في تشويه التاريخ:
لقد تعرض التاريخ الإسلامي لأكبر قدر من الغزو الفكري، وركز الأعداء
على تشويه تاريخ الأمة الإسلامية، ذلك أن التاريخ - بالنسبة لأية أمة - هو مجال
اعتزازها وموطن القدوة فيها. فإذا كان تاريخ الأمة حافلاً بالأمجاد - كما هو واقع
تاريخ المسلمين - فإنه بلا شك سيكون باعثاً لهم على النهوض والتمسك بالمبادئ
والآداب والقيم التي جعلت الأجداد يحرزون هذا المجد والفخار، ويصلون إلى هذا
المستوى الراقي في بناء الأمة والحضارة، ويبحثون عن السر الذي رفعهم إلى هذا
المستوى، وأنه إيمانهم بالله وتمسكهم بدينهم وجهادهم في سبيل الله ومن ثم يسعون
جاهدين لانتشال أنفسهم من الوضع المتردي الذي وصلوا إليه، وأمامهم الصورة
الجلية. والقدوة الممتازة في شخص رسولنا ﷺ الذي أخرج الله
به الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الشرك والأهواء وتحكم الطواغيت إلى
التوحيد والعدل والأمن والطمأنينة، ومن الفقر وضيق الحال والشتات إلى الغنى
وسعة الدنيا والآخرة والاعتصام بحبل الله. وكذا أصحابه ﵃
الذين حملوا الراية وآزروه ونصروه، وأيضاً بقية الأجيال من السلف الصالح من
العلماء والزعماء والقادة والمصلحين والدعاة إلى الحق.
والنماذج الممتازة في التاريخ الصالحة للقدوة ليسوا أفراداً يمكن حصرهم،
ولكنهم أجيال وأجيال، في مجالات الحياة كافة، العسكرية والسياسية والتربوية
والعلمية والاقتصادية والاجتماعية وهذا لا يوجد في تاريخ أية أمة أخرى لما لهذه
الأمة من خاصية الاستمساك بالمنهج الرباني.
والتاريخ الإسلامي هو الذي يسجل هذه الصور السامقة ويوضح دور الأمة
وأثرها وفضلها على البشرية، ولذلك لا نستغرب إذا ركز الأعداء في غزوهم
الفكري على التاريخ الإسلامي حتى ناله كثير من التشويه والتحريف والتجهيل
والتزييف والتفسير الخاطئ لأحداثه ومزاحمته بتواريخ الأمم الجاهلية حتى يبدو
حلقة صغيرة أو كماً مهملاً في تاريخ البشرية.
ولقد قام على تشويه التاريخ الإسلامي في العصر الحديث جيش بل جيوش
من الاستشراق والتنصير ودوائر البحث ومكاتب المخابرات في الدول الغربية،
واستطاعوا أن يجندوا مجموعة من ضعاف النفوس والمغرورين والجهلة وضحايا
الغزو الفكري في العالم الإسلامي لمساعدتهم ونشر أفكارهم بين المسلمين.
ونذكر فيما يلي بعض الوسائل التي استخدموها:
١- اختلاق الأخبار وإبراز المثالب:
وهذه أولى الوسائل التي استخدمها المستشرقون والمنصرون لتشويه صورة
الحياة الإسلامية، وعقيدة المسلمين وسيرة رسولهم، ﷺ حتى
ينفّروا أبناء جلدتهم من (الدين الإسلامي، ويصورون المسلمين بأنهم وحوش وسفاكو دماء وأنهم يعيشون حياة تخلف وهمجية، ويضعون قصصاً وحكايات تؤيد ما يقولون، كما أنهم يسعون إلى تسقط الأخطاء وجمع المثالب وإبرازها على أنها الصورة المعبرة عن تاريخ المسلمين، وهذه الوسيلة كانت غالبة على الكتابات الأولى للمستشرقين الذين كتبوا عن الدين الإسلامي وعلومه وسيرة النبي ﷺ وتاريخ المسلمين، سواء كانت مؤلفات أو مقالات في المجلات التي أنشأها المستشرقون في مختلفي الدول الأوربية (هولندا - روسيا - ألمانيا - بريطانيا - فرنسا - أمريكا - إيطاليا) أو في دوائر المعارف العامة.
وقد قل استخدام هذه الوسيلة في الكتابات المؤخرة لا إنصافاً للحقيقة وإنما
تغييراً في الخطة لأن الوسيلة الأولى لم تعد صالحة ولا مقبولة حتى في المجتمعات
الغربية.
ومَن اطلع على كتب القوم وما تكتبه المجلات الصادرة عنهم ودوائر المعارف
يجد ذلك واضحاً، وهذا مثل واحد من أخف الأمثلة (كارل بروكلمان) - المستشرق
الألماني الذي يعتبر حجة عندهم بل عند بعض الباحثين المسلمين، ويعتبرونه من
المعتدلين وقد يبالغ البعض فيعتبره من المنصفين في كتابه) تاريخ الشعوب
الإسلامية (- ولكن إذا قرأت في هذا الكتاب رأيت العجب العجاب ورأيت ... التشويه , بل رأيت الجهل الثقيل ورأيت الكذب الصريح. يقول في (ص٣١) : (الكعبة بناء ذو أربع زوايا يحتضن في إحداها الحجر الأسود ولعله أقدم وثن [٣] عُبد في تلك الديار، وكانت الكعبة تضم تمثال الإله القمري هُبَل، بالإضافة إلى الآلهة الثلاثة المعبودة (اللات والعُزى ومناة)) .
وقوله هذا إما جهل حقيقي وإما كذب وتزوير ولا أظنه يجهل موقع العزى
واللات ومناة وهو يبحث في كتب الجغرافيا والبلدانيات الإسلامية التي تحدد مواقع
تلك الأصنام.
وفي (ص٨٥) وهو يتحدث عن مسيلمة وسجاح يقول -: (ففيما كان محمد
لايزال على قيد الحياة ظهر في تلك البلاد رجل اسمه (مسلمة) وقد دعاه المسلمون
مسيلمة من باب التصغير الذي يقصد به التحقير، وادعى النبوة) .
وهذه فرية ما سبقه إليها أحد ولا ضير أن ينتصر للكذاب المتنبئ؛ لأن الكفر
ملة واحدة، ومعلوم عناية العرب بعلم الأنساب وبالأسماء وكل ما لدينا من كتب
النسب والتراجم لا تذكره إلا باسم مسيلمة فمن أين جاء هذا الأفاك بهذا الاسم؛ وقد
جاء خبره واسمه في صحيح البخاري [٤] من قول - الذي لا ينطق عن الهوى -
ﷺ - فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ :
(بينما أنا نائم رأيت في يديَّ سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي ... إليَّ في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما العنسي والآخر مسيلمة) .
كما أن مسيلمة قد كتب إلى النبي ﷺ كتاباً يقول فيه: من
مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله [٥] فهو أعلم باسمه من هذا المستشرق، ثم
إن الاسم - سواء كان مكبراً أو مصغراً - لا يحكي الحقيقة ولا يحكم على الشخص
من خلاله، وإنما الحقائق والأحكام من المواقف والإيمان أو الكفر.
والحقيقة أن ما كتبه عن الرسول ﷺ وتشريعات الإسلام
وتاريخ الخلفاء الراشدين يمثل قمة السوء والحقد، فقد رمى النبي -صلى الله عليه
وسلم- بكل نقيصة، وقال عن الوحي إنه حالة من الصرع والهلوسة، وقال عن
وفاة النبي ﷺ إنه بسبب الحياة الزوجية الواسعة.
وكل الشعائر الإسلامية مقتبسة - في نظره - من اليهود أو النصارى أو
الهنود أو الفرس، ويدافع عن اليهود وينتصر لهم ويرى أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- ظلمهم، بل ينكر أصل النبوة فيقول: (نضجت في نفسه الفكرة أنه مدعو
إلى أداء هذه الرسالة) ! [٦] . ويقول في نفس الصفحة: (أعلن ما (ظن) أنه قد
سمعه كوحي من عند الله) ، ويقول عن عائشة ﵂: (أرملة النبي
الشابة المحبة للفتنة) [٧] ، ويتبنى آراء الشيعة في القرآن وأنه محرف [٨] ...
إلى غير ذلك من الترهات المبنية على الكذب والافتراء.
وإن من وسائلهم أن ينقل بعضهم عن بعض ويرددون الفكرة الواحدة في
مجموعة من الكتب والمقالات حتى إذا كثر القول بها ظُن أنها حقيقة لا تقبل النقاش.
* يتبع *
стр. 423
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
هل يعود ظاهر شاه لحكم أفغانستان ؟
عبد الرحمن نموس
وصلنا هذا التقرير من بشاور يلقي فيه كاتبه نظرة على وضع الجهاد الأفغاني
وبعض الأحداث التي تتفاعل على الساحة هناك ونحن إذ نشكر للأخ هذا الجهد
الطيب كان بودنا لو أنه توسع في بسط وجهة نظر قادة المجاهدين في هذه المشكلة.
- التحرير -
برزت للوجود من جديد احتمالات عودة ظاهر شاه وبقوة واضحة أكثر من أي
وقت مضى، فقبل ثلاثة أسابيع تكلم المهندس حكمت يار عن مؤامرة ثلاثية
الأطراف تهدف لعودة ظاهر شاه، والأطراف الثلاثة هم:
١ - ظاهر شاه نفسه.
٢- بعض المنتسبين للجهاد (جماعة جيلاني) .
٣- النظام الحاكم في كابل ممثلاً بمحافظ قندهار الجنرال (عبد الحق علومي) .
ولقد سألت المهندس حكمت يار عن تفاصيل الخطة فقال لي: تبدأ الخطة بأن
يهاجم هؤلاء المنتسبون للجهاد مطار قندهار ولا يبدي المطار إلا مقاومة ضعيفة
في هذه الأثناء أيدٍ خفية توزع الأموال من أجل تحريك الناس للقيام بمظاهرات
بحيث يسقط في أيديهم وهو صالح للاستعمال. ويستمر هؤلاء في التقدم نحو مدينة
قندهار بالاتفاق مع علومي الذي ما يلبث أن يعلن استسلامه لهؤلاء، وتكون هنالك
تطالب بعودة ظاهر شاه. وفعلاً تقوم المظاهرات وتبدأ المرحلة الثانية بالتمهيد
لاستقبال ظاهر شاه في مطار قندهار بشكل يشبه مجيء الخميني إلى إيران.
وعلى إثر ذلك توجه حكمتيار عن طريق مدينة (كويتا) الباكستانية إلى
قندهار ليدير العمليات الجهادية بنفسه ويبذل جهده في وأد المؤامرة الخبيثة، وبقي
هناك حوالي أسبوعين يحرض المجاهدين على الجهاد وينبههم على خطورة
المؤامرة المذكورة، كما وجه خطاباً إلى المدنيين يطلب منهم فيه إخلاء المدينة حتى
يتمكن المجاهدون من شن هجومهم الشامل دون المزيد من سفك الدماء.
ولكن بالرغم من كل ذلك ما تزال احتمالات عودة ظاهر شاه قائمة ولا تزال
كل الأطراف تتحرك مؤيدة لهذه العودة، وقد وصف حكمت يار الوضع أثناء عودته
من قندهار - بأنه خطر؛ حيث وقفت عدة قوى في وجه المجاهدين - سواء بشكل
مباشر أو غير مباشر - لتشكل عوامل مساعدة في عودة ظاهر شاه، وتبدو هذه
العوامل في شق منها داخلية، وخارجية في الشق الآخر.
أولاً: العوامل الداخلية:
١- إلى الآن لم يتفق قادة الائتلاف السباعي على مستقبل البلاد وعلى مَن
يحكم البلاد، فبينما أغلب القادة يرون أنهم خضَّبوا تراب أفغانستان بدماء أكثر من
مليون من أبناء شعبها لإعادة الحكم الإسلامي فيها (حكمت يار، سياف، خالص،
رباني) يرى قسم آخر أن هذا الهدف لا يتعارض مع عودة ظاهر شاه الرجل
المناسب الذي يمثل الاعتدال عندهم؛ فهو رجل مسلم أفغاني وله خبرة سياسية
طويلة في الحكم، وقد عاشت البلاد في ظل حكمه فترة آمنة ورغدة (محمد نبي
محمدي، مجددي) ويميل بعضهم إلى استشارة ظاهر شاه في كل حركة وسكنة،
وقد ساعد هؤلاء في إنشاء بيت في مدينة (كويتا) الباكستانية القريبة من جنوب
أفغانستان، ومنطقة قندهار سموه (بيت ظاهر شاه) ، وقد بدأ هذا البيت نشاطه
كمركز إعلامي للملك، فمنه توزَّع صور الملك بالزي العسكري وفيه تُصنع أعلام
أفغانستان التي كان معمولاً بها في العهد الملكي (جيلاني) .
وقد تحدث السائق عبد الحي التابع لجماعة جيلاني إلى مراسل A. M. R. C. عن هذا البيت قائلاً: (لقد قمنا بتوزيع منشورات من هنا تؤيد ظاهر شاه) ، ويضيف المراسل: لقد حصلت على واحد من هذه المنشورات كُتب بالفارسية
وفيه هجوم على قادة المقاومة، كما هاجمت منشورات أخرى من نفس المصدر
حكومة المجاهدين المؤقتة، إضافة إلى ذلك فقد نشط أتباع ظاهر شاه بإغراء بعض
المهاجرين بالعودة إلى مناطقهم الأصلية في قندهار، وقد رجع حوالي (١٠٠٠)
عائلة - حسب نفس المصدر - إلى قندهار، وأكد هذا الخبر أيضاً مصدر مسؤول
في الاتحاد الإسلامي (مكتب كويتا) ، وذكر مصدر الاتحاد أن المجاهدين لا
يهاجمون مناطق الدولة التي يستقر هؤلاء العائدون بالقرب منها، وذكر تقرير
إعلامي - يصدر عن هيئات دبلوماسية غربية في إسلام آباد - أن ما بين مائة إلى
مائتي عائلة أفغانية تقفل عائدة من مخيمات الهجرة في بلوشستان إلى كل من قندهار
وهلمند ونيمروز في الجنوب الأفغاني.
٢- بعض قادة المجاهدين فوجئوا بنتائج الانتخابات التي حصلت ضمن
مجلس الشورى بمدينة الحجاج في إسلام آباد من أجل اختيار حكومة المجاهدين
المؤقتة؛ إذ جاءت الأحزاب الأكبر حجماً والأكثر قوة في مراتب متأخرة بالترتيب
بنتيجة هذه الانتخابات؛ الأمر الذي جعل هذه الأحزاب تعدل رأيها حول موضوع
إجراء الانتخابات العامة وتنتقل من موقف المعارض لها إلى موقف المطالب بها
وبإلحاح، وبدأت مثل هذه الأحزاب بالسعي مسبقاً لكسب تأييد شعبي وسياسي
يضمن لها النجاح مستقبلاً؛ مما اضطرها إلى إعطاء وعود جعلت جهات أخرى
تطمع في المزيد من الامتيازات أو المكاسب من الحكومة.
٣- لقد اعتمد التحالف الثماني الشيعي المقيم في إيران على المكاسب المادية
فقط في تقديره للمواقف وتقييمه للمستقبل السياسي للبلاد، فقد رفض هذا الائتلاف
مشاركة حكومة المجاهدين المؤقتة في أي وزارة كما رفض الاشتراك في مجلس
الشورى الذي اختار هذه الحكومة. وعلق أي تقارب بينه وبين ائتلاف الأحزاب
السبعة والحكومة المؤقتة على تطبيق ما وعد به مجددي بصفة شخصية لهذا
الائتلاف أثناء زيارته لطهران في أواخر يناير وأوائل فبراير عام ١٩٨٩م. وكان
وعد مجددي بإعطاء الائتلاف ١٠٠ مقعد في مجلس الشورى، وسبع وزارات -
وهي نسبة تساوي حوالي ٢٠% من كامل نصاب مجلس الشورى، و٢٥% من
كامل نصاب الحكومة. علماً أن نسبة الشيعة إلى مجموع سكان أفغانستان لا تتعدى
٨% ورغم تعدد المحاولات وتكرار جنسيات المفاوضات بين ممثلين عن الائتلافين
إلى أن أي تقدم لم يحصل حيث لم يرضَ الائتلاف الثماني بكل المقترحات التي
عرضت عليه. وأصر على حقه بمائة مقعد وسبع وزارات، ثلاث منها وزارات
مهمة، في هذه الأثناء كانت هنالك محادثات سرية تدور بين ممثلين عن التحالف
الثماني وبين سلطات نظام كابل وقد وردت تقارير تفيد أن نجيب الله رئيس نظام
كابل وعد الشيعة بإعطائهم الحكم الذاتي (في مناطقهم وأهمها منطقة (هزاراجات)
كما وعد بتعيين كريم خليلي الناطق الرسمي باسم الائتلاف الشيعي في حينه رئيسا
للوزراء، وعندما سئل حكمتيار عن المفاوضات بين الشيعة والنظام أجاب:
وصلتنا تقارير بهذا الخصوص ولكننا نفضل الانتظار.
كما أن عبد الحق (أحد القادة العسكريين التابع لحزب يونس خالص في منطقة
كابل) أصدر بيانا أكد فيه حصول مثل هذه المفاوضات بين نظام كابل وممثلين عن
الشيعة برئاسة كريم خليلي.
ولما لم يحقق هذا التحالف ما يصبو إليه من مكاسب رفض الاعتراف بحكومة
المجاهدين واعتبرها لا تمثل المجاهدين كافة وبالتالي لا يمكن اعتبارها حكومة
شرعية من وجهة نظره.
٤- بعض القادة في الداخل لهم تحفظات حول هذه الحكومة، فقد أعلن أحمد
شاه مسعود (قائد قوات الجمعية الإسلامية التابعة للأستاذ رباني في بانشير والشمال)
للتلفزيون البريطاني - أن الأسس التي قامت عليها هذه الحكومة لا تمثل العدل؛ إذ
كيف تتساوى الأحزاب الصغيرة والأحزاب الكبيرة بنفس عدد الأصوات، حيث تم
تعيين ستين عضواً عن كل حزب من الأحزاب السبعة، ويعلق أحمد شاه مسعود:
ولكن رغم ذلك سنطيع هذه الحكومة ونساعدها ريثما تنتهي مدتها وتبدأ الانتخابات
العامة لاختيار حكومة أفغانستان.
كما سمعت من بعض المصادر المسئولة هنا أن بعض القادة الصغار في
الجبهات بدأوا يفكرون بترك أحزابهم والانضمام للأحزاب المؤيدة لعودة ظاهر شاه،
وفي الغالب أن اثنين من هؤلاء نفذوا ما فكروا به.
ثانياً: العوامل الخارجية:
بالإضافة إلى العوامل الداخلية التي ذكرت هنالك عوامل خارجية تساعد على
عودة ظاهر شاه، ومنها:
١- ظاهر شاه نفسه:
حيث يرى هو ومَن معه أن حكومة المجاهدين الحالية لا تمثل قطاعات الشعب
كافة، ولم يتم تأسيسها على قاعدة واسعة، ويدعو إلى ضرورة عقد (لوياجركا) في
البلاد لاختيار حكومة المستقبل وتقرير مصير البلاد، وهو موقف مضاد لموقف قادة
المجاهدين الذين يرون أن اللوياجركا - المجلس القومي الكبير - تقليد بالٍ مضى
وقته وانتهى عهده أمام النهضة الثقافية الإسلامية والحضارية.
كما دعا أحد كبار مؤيدي ظاهر شاه - وهو المدعو دكتور يوسف (رئيس
الوزراء في عهد ظاهر شاه) في موضوع كتبه لإذاعة لندن باللغة الفارسية ضمن
برنامج متسلسل تعده الإذاعة عن مستقبل أفغانستان - إلى عقد هذه اللوياجركا كحل
أمثل للقضية الأفغانية، ولوضع حد لما وصفه بالاقتتال بين الأهل بعد انسحاب
القوات الروسية.
ورغم عدم أهمية موقف ظاهر شاه ومَن معه إذ لم يشاركوا في يوم من الأيام
في هذا الجهاد حتى يكون لهم القسط الأوفى من قطف ثماره - إلا أن الجهات
الدولية تعول على هذا الموقف وترى ضرورة اعترافه بالحكومة حتى تكون محل
اعترافهم هم.
فقد أوضحت باكستان ضرورة إشراك الائتلاف الثماني الشيعي وظاهر شاه
في حكومة المجاهدين حتى تكون محل اعترافها. وهذا الموقف ينسحب على دول
أخرى في المنطقة.
٢- موقف حكومة نجيب:
ترى إدارة النظام الحاكم في كابل أنها آيلة إلى السقوط لا محالة بغض النظر
عن طبيعة وماهية النظام المستقبلي القادم؛ لذا فهي تسعى إلى أن يكون لها نصيب
في هذه الحكومة المستقبلية، وبما أن المجاهدين قد أعلنوا رفضهم وبشكل قاطع
لمشاركة الشيوعيين في الحكم - فكان لابد لهؤلاء أن يسعوا لتسليم السلطة إلى أي
قادم يضمن لهم المشاركة، وهذا الأمر متحقق بقدوم ظاهر شاه الذي لا يرى مانعاً
من تشكيل حكومة واسعة تشارك فيها كل الأنشطة السياسية في البلاد؛ لذا أعلن
نجيب الله - في افتتاحه جلسة اللوياجركا، التي انعقدت خلال يومي ٢٠، ٢١/٥/
١٩٨٩م - أن حكومته تبذل ما تستطيع من جهد لعودة ظاهر شاه إلى أفغانستان
ووصفه بأنه رجل المرحلة، وأشار نجيب أيضاً إلى أنه لابد لحزب الشعب
الديمقراطي من أن يشارك في أي حكم مستقبلي.
وكرر هذه الإشارة في معرض رده على بيان بوش وبوتو بعد زيارة الأخيرة
لأمريكا والذي طالبا فيه بتنحي حكومة نجيب عن الحكم.
وتأكيداً لمساعي نظام كابل في العمل على عودة ظاهر شاه تم تكليف الجنرال
(عبد الحق علومي) محافظ قندهار بلعب دور مهم في هذه المسألة، وبدأ الأخير فعلاً
تحركه في هذا المجال، فقد كان دوره في المؤامرة المذكورة - كما ذكرنا -أن
ينضم بسرعة للقوات المنتسبة إلى المجاهدين ويدفع زبانيته لتحريك الناس بالتظاهر
مطالبة بعودة ظاهر شاه، كما بدأ علومي يوظف مخابراته بدفع الأموال للمهاجرين
واستقدامهم إلى قندهار والمحافظات الجنوبية القريبة منها ليكونوا درعاً من أي
هجمات متوقعة لإفشال المؤامرة، وأداة في التظاهر لعودة الملك المخلوع، وعمل
نوعاً من المصالحة عندما سمح لبعض أدعياء الجهاد بالنزول إلى المدينة وزيارة من
يشاءون والتحرك بمنتهى الحرية شريطة عدم حمل السلاح، ومازال علومي
وأتباعه يدرسون هذه المؤامرة خصوصاً في مجال استقدام أكبر عدد من المهاجرين
إلى داخل أفغانستان.
٣- موقف باكستان:
بدأت باكستان تميل - منذ بداية عهدها الجديد (ما بعد ضياء الحق) - نحو
حل سياسي يرضي أكثر من طرف، وقد تجلى هذا في العديد من النقاط البارزة في
السياسة الباكستانية تجاه القضية الأفغانية.
وأولى هذه النقاط تخفيف الدعم عن المجاهدين بنسبة كبيرة، وقد ذكر بعض
القادة أن الدعم الحالي يساوي خُمس الدعم الذي كان المجاهدون يتلقونه سابقاً،
وذكر قسم آخر له علاقات أقوى مع الباكستان أن الدعم انخفض إلى الثلث.
كما عمدت الحكومة الجديدة إلى إقالة حميد غول - رئيس المخابرات
الباكستانية - الذي يمثل التيار الأكثر تأييداً ودعماً للمجاهدين، ووافقت على وجود
نقاط مراقبة تابعة لهيئة الأمم المتحدة على حدودها مع أفغانستان بينما لم تطالب
بمثل هذه النقاط على الحدود الأفغانية الروسية!
وترى الإدارة الباكستانية نفس رؤية الغرب بأن حكومة المجاهدين الحالية لا
تمثل كل فئات الشعب، ولابد أن تكون الحكومة مبنية على قاعدة واسعة، وقد ذكر
غلام إسحق ضرورة إشراك الائتلاف الثماني الشيعي وضرورة إشراك المستقلين
في أوربا (ظاهر شاه) - حتى يمكن الاعتراف بهذه الحكومة.
كما توقف وزير الخارجية الباكستانية صاحب زاده يعقوب خان في روما -
أثناء رحلته إلى أمريكا - وقابل ظاهر شاه وناقش معه بعض المسائل المتعلقة
بالقضية الأفغانية، كما قابل قبيل سفره بعض الزعماء الأفغان المؤيدين لعودة ظاهر
شاه في مدينة (كويتا) الباكستانية.
وأخيراً صرحت بي نظير بوتو في أمريكا أنها تريد تسوية سياسية في
أفغانستان حتى يستطيع ٣.٦ مليون مهاجر أفغاني في باكستان أن يعودوا إلى بلادهم، ونقلت مجلة (نيوز ويك) - الصادرة بتاريخ ٤/٦ - عن بوتو قولها: أنها لا
ترغب في حكومة أفغانية يتحكم فيها الأصوليون، ودعت إلى مفاوضات لإيجاد
حكومة موسعة، ونقلت نفس المجلة عن صاحب زاده يعقوب خان - قوله: إن
الحل العسكري غير مرغوب فيه، وإن على الأمم المتحدة أن تساعد في إنجاز
انتقال سلمي للسلطة.
٤- الموقف الأمريكي:
لم تكن سياسة أمريكا في يوم من الأيام لصالح قضية إسلامية - مهما صغرت
أو كبرت - حتى تقف لصالح الجهاد الأفغاني الذي يمكن أن يؤدي إلى قيام دولة
إسلامية - بإذن الله - لكن هذه السياسة هي اليوم أشد وضوحاً في الوقوف ضد
الخيار الإسلامي، فموظفو الإدارة الأمريكية يرون وجوب تعديل سياستهم تجاه
القضية الأفغانية وانتهاج خطة جديدة تتمحور حول كيفية إيصال نظام غربي
يسمونه (بالاعتدال) إلى السلطة وبطريق سياسي لا عسكري (نيوز ويك ٤/٦) .
كما أن الرئيس الأمريكي - الذي أعلن عن اتفاقه في وجهات النظر مع
السياسة الباكستانية تجاه حل سياسي للقضية الأفغانية - قال في مؤتمره الصحفي
الذي عقده مع بي نظير برتو: إن قضية أفغانستان لم تنتهِ بعد، ولقد تحدثنا أنا
ورئيسة الوزراء الباكستانية عن طرق وأساليب تشكيل برلمان أفغاني غير منحاز
لإحياء الأمن وتغيير الحكومة غير الشرعية في أفغانستان، كما أكد همايون خان
وكيل الخارجية الباكستانية وحدة المواقف الأمريكية الباكستانية عندما أجرى راديو
صوت أمريكا بالفارسية حواراً معه فقال: إن الولايات المتحدة والباكستان تحملان
نفس المواقف منذ البداية بخصوص مشكلة أفغانستان، وتتفقان على حل سياسي
لها ...
إضافة إلى ذلك فإن موقف الإعلام الأمريكي يعكس حقيقة الوضع في
واشنطن؛ فصحيفة (نيو يورك تايمز) - الصادرة بتاريخ ٢٢/٥/١٩٨٩ ترى أن مواصلة الدعم للمجاهدين عبارة عن مجازفة كبيرة خصوصاً بعد الانسحاب السوفييتي، وترى الصحيفة أن الأحزاب الأقوى التي يقودها مَن وصفتهم بالأصوليين يملكون أهدافاً على النقيض تماماً من أهداف أمريكا، كما دعت (نيو زويك) إلى وقف الدعم عمن وصفتهم بالثوار؛ لأن الدعم الأمريكي حقق - حسب الصحيفة - الانتصار بجعْل - القوات الروسية تنسحب من أفغانستان، أما الآن فإن هذا الدعم لا مبرر له وقد ينقلب ضد مصلحة أمريكا!
٥- موقف هيئة الأمم المتحدة:
بدأت هيئة الأمم المتحدة بزيادة نشاطها من جديد فيما يخص القضية الأفغانية، فبعد فشل كوردوفيز في حل القضية ووضوح عدائه للمجاهدين هدأت الأمور فترة
ثم عادت لتبدو بشكل اقتراحات عجيبة من قبل هيئة الأمم المتحدة.
فبعض أركان هذه الهيئة يدعو إلى عقد مؤتمر دولي لبحث مستقبل أفغانستان، ولقد كان الأَوْلى أن تتم الدعوة لمثل هذا المؤتمر أيام تواجد القوات الروسية في
أفغانستان لبحث مسألة احتلال هذه القوات لأرض الغير بشكل غير شرعي، أما
اليوم فالمسألة غدت مسألة داخلية بين حكومة غير شرعية جاءت على ظهر الدبابة
الروسية لتحكم البلد، وبين مجاهدين معهم الملايين من الشعب المهاجر من جراء
القمع الوحشي الذي يمارسه العملاء في داخل البلاد، وهؤلاء المجاهدون يطالبون
- وبحق - بتنحي الحكومة الشيوعية وقيام حكومة إسلامية تفي بمتطلبات شعب
مسلم هاجر من أجل دينه ومعتقده.
كما حاول ديكويلار ومن خلفه صدر الدين آغا خان مبعوث هيئة الأمم المتحدة
لشؤون المهاجرين سحب ورقة المهاجرين من أيدي المجاهدين باقتراح إنشاء أماكن
محايدة في أفغانستان يتم ترحيل المهاجرين إليها، وتشرف هيئة الأمم المتحدة على
أمورهم المعيشية فيها. وقد رفض المجاهدون هذا الاقتراح الذي أيدته باكستان لأنه
لا يمثل حلاً حقيقياً لمشكلة خمسة ملايين وثمانمائة ألف مهاجر يعيشون في باكستان
وإيران، ولأن المهاجرين لا يأمنون غدر الحكومة بقصف هؤلاء المهاجرين.
وأمام هذه العوامل فإنه من الواضح أن الأعداء يتكالبون على هذا الجهاد من
كل حدب وصوب يريدون له أن يكون قتالاً ضد روسيا، ويريدون له أن يكون
حرباً وطنية لطرد محتل ثم لطرد عملاء هذا المحتل، ويريدون له أن يكون كل
شيء إلا أن يكون جهاداً إسلامياً ضد إحدى أكبر قوى الطاغوت في الأرض وعمل
على رفع الراية الإسلامية وحرص عليها بكل إمكاناته.
إن استمرار الجهاد هو الذي يحبط هذه المؤامرات والهدف الأول والأخير هو
مرضاة الله - سبحانه - على كل الأحوال فإذا أخلصت النيات وصدقنا التوجه
وتسلحنا بمزيد من الصبر وتلاحم الصفوف فإن الله
[ولينصرن الله من ينصره] والحمد لله رب العالمين.
стр. 424
مسلمو كوسوفو
في مواجهة الاضطهاد الصربي
حسن علي أحمد
يشكل الصرب أكبر مجموعة عرقية في يوغسلافيا والتي تتكون من أكثر من
عشر قوميات، عانت يوغسلافيا ولا تزال - بسبب الاختلاف بينها - كثيراً من
الويلات والقلاقل.
وأحداث مقاطعة كوسوفو خلال الشهور الماضية ليست إلا حلقة في تلك
السلسلة الطويلة من الصراعات التي نشأت بين الصرب القوميين والمسلمين منذ
قيام دولة يوغسلافيا بعد الحرب العالمية الأولى، غير أنها تفاقمت واشتدت بعد وفاة
تيتو عام ١٩٨٠م، وكان العامل الأول والرئيس في الحفاظ على وحدة يوغسلافيا
رغم كل الفروق بين الجمهوريات الست في القومية وفي فهم وتطبيق الاشتراكية.
ويتكون الاتحاد الفيدرالي في يوغسلافيا من ست جمهوريات ومنطقتين هما:
مقاطعة كوسوفو، ومقاطعة فويفودينا اللتان تتبعان جمهورية صربيا إدارياً ولكنهما
تتمتعان بالحكم المحلي الذي زادت قوته بعد تعديل الدستور عام ١٩٧٤ م والذي
بمقتضاه أصبحت مقاطعة كوسوفو - عملياً - كأنها جمهورية مستقلة.
بروز القومية الصربية:
لكن الصرب الذين يطمعون في السيطرة على كل يوغسلافيا، وإعادة مملكتهم
القديمة [١] أرادوا اتخاذ خطوات عملية في تحقيق ذلك بعد ثمانية أعوام من الدعوة
الصربية العلنية إلى القومية الصربية وتفوقها العرقي، وكانت البداية في مقاطعة
فويفودينا حيث تمكنوا (وهم فيها أغلبية) بمظاهرة كبيرة شارك فيها أكثر من مائة
ألف صربي - من إسقاط جميع أعضاء المكتب السياسي الحاكم في المقاطعة،
ووضع صرب قوميين بدلاً منهم.
أما في كوسوفو - ذات الأغلبية المسلمة (يشكلون حوالي ٩٠% من عدد
السكان وهم من أصل ألباني) والذين أثبتوا أنهم لن يتنازلوا عن حقهم وأنهم
سيضحون في سبيله بأموالهم في مظاهرات عام ١٩٨١ م والتي راح ضحيتها أكثر
من ٢٠٠ مسلم - فإن الحال قد اختلف كثيراً.
وتقول مجلة (تايم) - في عددها الصادر يوم ١٩ من سبتمبر عام ١٩٨٨م -: (اجتمع أكثر من سبعين ألف من الصرب في سميدريفر (بالقرب من بلغراد) في
مظاهرة كبيرة للضغط على الحكومة المركزية ومطالبتها باتخاذ إجراءات فعلية
وضم المنطقة) ! .
هذا، ويعمل الإعلام الصربي على اختلاق الأعذار والأسباب لتهيئة الرأي
العام اليوغسلافي لقبول هذا الاحتلال للمقاطعة، فتنقل المجلة في نفس العدد - عن
راديو مير سمليانتش الكاتب الصربي المعروف - اتهامه لسكان كوسوفو بالاعتداء
على نساء وأطفال الصرب في المقاطعة، وتمضي المجلة قائلة: (إن المسؤولين
في كوسوفو نفوا أن يكون هذا قد حدث، وأن غير الصرب في الجمهوريات الخمس
الأخرى يتفقون على أن هذه الأخبار من الدعاية الصربية المغرضة) .
وفي شهر سبتمبر عام ١٩٨٨م رفضت قيادة الجمهورية الصربية - برئاسة
سلوبودان ميلوشفتش -طلباً من الحكومة المركزية الفيدرالية بإيقاف المظاهرات
والاحتجاجات، ثم أعلنت عن إرسال قوة من الشرطة الصربية إلى العاصمة
برشتينا لمساعدة القوات الحكومية في الحفاظ على أرواح وممتلكات الصرب أمام
اعتداءات المسلمين عليهم كما تدعي.
ونقلت مجلة (نيوز ويك) - ١٦ من أكتوبر عام ١٩٨٨ - تعليقاً على هذه
الأحداث لمدير إذاعة جمهورية سلوفينيا المرئية يقول فيه: (لا أحد يقولها بصوت
عالٍ، ولكن الجميع قلق ويخشى أن تقود الأزمة الحالية لحرب أهلية) .
الاستيلاء على كوسوفو:
وفى وسط الحملة الإعلامية العارمة التي تؤكد على حق الصرب القديم في
مقاطعة كوسوفو، وعلى أن المسلمين فيها قوميون متعصبون يسعون للانضمام إلى
ألبانيا - عدوة يوغسلافيا التقليدية - وعلى أنه لا بد للصرب من الدفاع عن ...
مواطنيهم والحفاظ على وحدة البلاد، وأن ذلك لن يتأتى إلا بحرمان المقاطعة من
الحكم الذاتي، وإلحاقها نهائياً بالجمهورية الصربية - اتخذت السلطات الصربية في
بلغراد المزيد من الإجراءات العملية للاستيلاء على كوسوفو، فأزالت رئيس
الحزب الشيوعي عظيم فيلاسي في ٢٧ من نوفمبر عام ١٩٨٨ بعد أن اتهمته
بالتعاون مع الانفصاليين، وجعلت ثلاثة من أكبر الموالين لها في قيادة الحزب بدلاً
عنه، وبرغم أن قوات الشرطة تمكنت من إيقاف عشرات الآلاف من المتظاهرين،
وفك الاعتصام الذي قام به بضعة آلاف من عمال المناجم في مدينة (تريبكا) في
٢١ من فبراير الماضي، وساد الهدوء المقاطعة لبعض الوقت - إلا أن الموقف قد
انفجر مرة أخرى بعد أن تمكن الصرب بقيادة ميلوشفتش من إقناع الحكومة
الفيدرالية بضم المقاطعة لهم وأعلن ذلك في يوم ٢٨ من مارس، ولا تزال المقاطعة
- بعد ثلاثة أشهر - تموج بموجات من الاحتجاج وعدم الرضا، في حين تصاعدت
إجراءات القمع الحكومي بتدخل الجيش وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول الذي
لم يتوقف حتى الآن.
وتفيد التقارير التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية أن عدد القتلى قد جاوز
(١٥٠) قتيلاً، والمعتقلين بضعة آلاف، في حين تقوم أجهزة الأمن الحكومية
ومعظمها من الصرب بحملات تفتيش واسعة للمنازل لإرهاب الأهالي وزرع مزيد
من الرعب.
أما في جمهورية صربيا فتجري الآن استعدادات هائلة للاحتفال بالذكرى
المئوية السادسة لمعركة كوسوفو الشهيرة عام ١٣٨٩م [٢] ويتوقع أن يشارك أكثر
من مليون صربي (عددهم الإجمالي حوالي ٩ ملايين) في هذا الاحتفال، وحول هذا
الحدث نقلت وكالات الأنباء العالمية تصريحاً لترايكو فيتش زعيم الحزب الشيوعي
هناك يقول فيه: (مع أن هذه المناسبة تحمل في طياتها ذكرى هزيمة الصرب أمام
القوات العثمانية، إلا أن الصرب يحتفلون اليوم لأنهم استطاعوا البقاء على قيد
الحياة رغم قرون متعاقبة من السيطرة التركية!) ومعروف أن الصرب لم يكونوا
يحتفلون بهذه المناسبة من قبل ولكنها نكاية بمسلمي كوسوفو، وتأكيداً لسيادتهم على
المقاطعة.
الإسلاميون في المواجهة:
وليست هذه التصرفات بمستغربة من الصرب الذين أعماهم تعصبهم لقوميتهم
واعتقادهم بتفوقهم العرقي على من حولهم من القوميات الأخرى، وهم إضافة لهذا
من المسيحيين الأرثوذكس الذين يتأجج في صدورهم حقد دفين على الإسلام يدفعهم
للثأر التاريخي من المسلمين، والسعي للسيطرة عليهم وإعادة مملكتهم التي قضى
عليها المسلمون مع نهاية القرن الرابع عشر.
ولذلك فقد سارعت صحيفة بوربا (الكفاح) الرسمية في بلغراد بنشر كتاب
الضِّلِّيل رشدي (آيات شيطانية) في حلقات مسلسلة حال صدوره في بريطانيا،
ولقد سعى الاشتراكيون اليوغسلاف ولأكثر من أربعين سنة متتالية لطمس شخصية
المسلمين واقتلاع عقيدتهم وبث الظلمة في آفاقها، وسخروا لذلك كل ما يملكون من
وسائل مادية ومعنوية، وكان لهذه المحاولات - ويا لَلأسف! - أثر بالغ في إفشاء
الجهل بالإسلام وحرمان أهله من إقامة شعائره التعبدية، ولقد تضاعفت مثلاً
عضوية الحزب الشيوعي في كوسوفر من المسلمين - ما بين عامي ١٩٧٢م،
و١٩٨٢م [٣] . كما أن قيادة الحزب كانت دائماً بأيدي المسلمين.
وبرغم هذا كله فإن أحداث العامين الماضيين في كوسوفو وفي جمهورية
بوسنيا وأحداث الأشهر الماضية تؤكد أن الإسلام هناك لم يُمت وأن الوعي الإسلامي
له أثره، وكان ليوغسلافيا نصيب فيه رغم طول الوأد وطول الليل المضروبين
على المسلمين فيها.
لقد شهدت السنوات الأخيرة في يوغسلافيا بناء العشرات من المساجد وبعض
مدارس القرآن، مع عودة كثير من المسلمين الذين عاشوا خارج البلاد ورجعوا
وفي نفوسهم تصميم وعزم على تغيير أحوالهم والعمل من أجل المسلمين هناك.
وفي سراجيفو تصدر اليوم صحيفة بريبورو (التجديد) الإسلامية التي يزداد
توزيعها يوماً بعد آخر، وهي وإن كانت لا تؤدي الدور المؤمل لها كاملاً في
الظروف الحالية إلا أنها قامت بدور فعال وكبير في بعث الإسلام، وربط المسلمين
ببعضهم وتبني مجموعة من قضاياهم المهمة، وها هي تعلن على صفحاتها - بعد
الأحداث الأخيرة - أن (٥٠٠) من أئمة المساجد في بوسنيا وجهوا إليها رسالة
يطالبونها فيها بالدفاع عن المسلمين في كوسوفو، وبأن يكون بُعدها أكثر ريادة من
قبل. كما قام هؤلاء الأئمة - وعلى رأسهم الدكتور صالح كولا كفتش من مسجد
الموستار في بوسنيا والشيخ سعيد سمابيك مفتي الهرسك - بنقد كثير من أساليب
الحكومة وسياستها في التعامل مع المسلمين.
والأهم من هذا هو مفاصلتهم للعلماء، والأئمة المعينين من قبل السلطة،
حيث تمكنوا من إسقاط فرحات سينا من رئاسة المجلس الاستشاري الأعلى لبوسنيا
وكرواتيا وسلوفينيا كما أنهم لا يزالون يطالبون باستقالة رئيس العلماء في يوغسلافيا
حسين موييك.
وهذه أول مرة يتحرك المسلمون فيها مجتمعين تحت قيادة واحدة معلنة، ولا
يزال الطريق أمامهم.
وكلمة أخيرة لابد لنا منها حيث الأحداث الدامية الأخيرة بدأت منذ شهور ولم
تنتهِ، فالأحكام العرفية في كوسوفو لا تزال قائمة والاعتقالات مستمرة ضد
المسلمين فيها ومع ذلك فلم تحرك الدول الإسلامية والعربية ساكناً، ولم يجرؤ أحد
على المساس بعلاقاته مع أحد أركان عدم الانحياز.
إن العلاقات تتوتر وتقطع من أجل قضايا أقل أهمية من هذه الأحداث ولنا في
علاقة الدول العربية مع بعضها البعض على هذا خير شاهد.
إن الإعلام العربي الذي عوَّدنا على الاهتمام بأخبار وأحوال كل مناضلي العالم
الثالث، بل ويحرص على ترجمة ونقل أدبياته كلها مع الإشادة بها لم نعرف منه
حيال مثل قضايا المسلمين هذه إلا الصمت ... ولا يزال!
стр. 425
السودان ودوامة التغيير
هل كُتب على السودان وأمثاله من دول العالم الإسلامي أن يعيش أبداً في حالة
ترقب وتغيير فلا يهدأ له بال ولا يستقر على حال، متى تنتهي هذه الدورة بين
المدنيين والعسكريين، فلا العسكريون - بتكوينهم وعقليتهم التي تربوا عليها -
استطاعوا تأمين الاستقرار والعيش الكريم، ولا المدنيون - بضعفهم وهشاشة
ديمقراطيتهم التي يزاولونها - استطاعوا عمل شيء كبير أو الوقوف في وجه
المؤامرات التي يتعرض لها بلد ذو أغلبية إسلامية عربية، وله عمق في داخل
إفريقية.
إن ممارسة هؤلاء السياسيين أقرب إلى البهلوانية السياسية (بوليتيكا) من
ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي، إنهم يدَّعون الديمقراطية ولكنهم يمارسون
الدكتاتورية بشكل مقنَّع، فالحزب الكبير يريد ابتلاع الأحزاب الأخرى، وبين
هؤلاء المتلاعبين (الفاشلين) وبين العسكريين يستشري الفساد وتذهب الطاقات،
وتمزق الأوطان، هذا إذا فرضنا في الطرفين الإخلاص الوطني على الأقل، فكيف
والأهواء، ومطامع الدول الأخرى هي التي تتحكم؟ .
أين دور العلماء والدعاة في تربية الشعب والاتصال به، وتكتيل الجماهير
المسلمة على ألا تخضع لهذه المؤامرات ولا تركن إلى هذا الضعف وهذا التمزيق.
إن تجمع الدعاة والعلماء وأصحاب التوجه الإسلامي أَوْلى من تجمع بعضهم
مع الأحزاب العلمانية التي تمارس اللعب على الحبال وتظهر لنفسها في كل مرة
وجهاً جديداً.
ليس هناك أمل لهذه الأمة إذا كان علماؤها ومفكروها لا يستطيعون قيادتها،
ويجب أن لا يترك السودان ذو الوجه الإسلامي العربي يتحكم به أمثال قرنق ومن
وراءه، والمسلمون هم المسؤولون.