حقيقة دعوة ابن تومرت
د. حمد بن صالح السحيباني
تمهيد:
مني العالم الإسلامي منذ عصر صدر الإسلام حتى عصرنا الحاضر بظهور
العديد من الدعوات والدول التي لبست ثوب الإسلام، واتخذته شعاراً ظاهراً لتحقيق
مطامح ومطامع خفية تهدف إلى النيل من الإسلام وحرب المسلمين بشعار الاسلام
واسمه، وما دعوات الرافضة، والقرامطة، والعبيديين، والموحدين إلا ضرباً لتلك
الدعوات والدول على مدار التاريخ الإسلامي.
وإذا كانت الدعوات والدول الثلاث الأولى قد كتب عنها كثير من المؤرخين
والكتاب المحدثين، فأبانوا حقائقها، وكشفوا للناس زيفها وبطلانها؛ فإن دعوة
الموحدين -التي أسسها ابن تومرت- كان نصيبها من الدراسات قليل [١] ، ولهذا
خفي على كثير من المسلمين حقيقتها، لاسيما وقد سماها مؤسسها بدعوة الموحدين،
فظنوا بها خيراً، ونسبوها إلى الصلاح والاستقامة [٢] ، علماً بأنها كانت خلاف
ذلك كما يوحي بهذا تراثها الفكري وتاريخ مؤسسها وداعيها الأول محمد بن تومرت
، وهذا ما دفعني إلى دراسة هذه الدعوة والتعرف على أسسها العقدية لبيان حقيقتها
وكشف زيفها، معتمداً في ذلك بعد الله على أقوال ابن تومرت
وأفعاله، وما دونه لنا المؤرخون المعاصرون لتلك الدعوة، حيث إن مؤلفات ابن
تومرت وتلاميذه من أمثال البيدق، وابن القطان، وابن صاحب الصلاة موجودة
بين أيدينا، إضافة إلى أن الفترة التي ظهرت فيها دعوة الموحدين حظيت بوجود
العديد من المؤرخين الذين عاصروا تلك الدعوة أو عاشوا قريباً منها، فكتبوا عنها،
وهم شهود عيان لما كتبوا من أمثال المراكشي وابن خلدون، وابن أبي زرع،
وغيرهم.
وسأنهج في دراستي لدعوة الموحدين أن أقوم أولاً بتتبع نشأة تلك الدعوة
وبيان المراحل والأطوار التي مرت بها، وموقف الناس منها، ثم أخلص بعد ذلك
إلى بيان أهم الأسس العقدية التي قامت عليها، ومدى قربها أو بعدها من الأسس
الإسلامية الصحيحة.
الاتجاه الفكري للدول الإسلامية التي قامت في شمال بلاد المغرب:
لعل من المناسب بادئ ذي بدء أن نبين الاتجاه الفكري للدول الإسلامية التي
ظهرت في بلاد المغرب الإسلامي -الشمال الأفريقي- منذ القرن الثاني وحتى القرن
الخامس لنعرف مكان دولة الموحدين بينها، والأرضية التي ظهرت فيها تلك الدعوة
وأصبح لها كيان سياسي يحميها، ذلك أنه بعد أن ضعفت قبضة الخلافة الإسلامية
بالمشرق على الشمال الأفريقي ظهر هناك العديد من الدول الإسلامية التي أعلن
بعضها استقلالها عنها، بينما بقي البعض منها موالياً لها ولاًء صورياً، وقد تباينت
اتجاهات ومشارب تلك الدول حيث انقسمت إلى أربعة اتجاهات رئيسة هي:
١- الاتجاه السني ويمثله دولتا الأغالبة والمرابطين، والدولة الزيرية
الصنهاجية في آخر عمرها.
٢- الاتجاه الخارجي ويمثله دولتا الرستميين والمدراريين [٣] .
٣- الاتجاه الرافضي، ويمثله دولة العبيديين.
٤- الاتجاه الاعتزالي ويمثله دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى.
وبالإضافة إلى هذه الاتجاهات الرئيسة فقد كان هناك اتجاه خامس هو اتجاه
دولة الموحدين والذي كان يجمع بين هذه الاتجاهات وغيرها من الاتجاهات الفكرية
الأخرى، إذ أن محمد بن تومرت مؤسس هذه الدولة استقى من جميع هذه المشارب
بل زاد عليها ما يرى أنه يخدم ميوله وأهدافه، ولهذا جاءت الأسس الفكرية لهذه
الدولة خليطاً مضطرباً كما سنرى.
الأسس الفكرية لدعوة ابن تومرت:
لما كانت الأسس الفكرية -العقدية- لكل دولة أو جماعة أو فرد هي الموجه
الحقيقي لحركاتها وسكناتها فإن دراسة تلك الأسس مطلب ملح قبل دراسة تاريخ
الدولة أو الجماعة أو الأفراد.
ودولة الموحدين أول من وضع أسسها الفكرية هو محمد بن عبد الله ابن
تومرت الصنهاجي، ولد في الثلث الأخير من القرن الخامس الهجري ببلاد المغرب
الأقصى، وقد اختلف المؤرخون في تحديد سنة مولده [٤] .
ادعى ابن تومرت النسب القرشي، وأنه من سلالة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وقد أقر بعض المؤرخين هذا الادعاء [٥] ، لكن طائفة أخرى من المؤرخين
أنكرت هذا الادعاء وقالت إن ابن تومرت دعيّ فيه فهو من هرغة إحدى قبائل
المصامدة البربرية حيث عرف بمحمد بن تومرت الهرغي [٦] كما قال بهذا الرأي
من الكتاب المحدثين محمد عبد الله عنان ﵀، إذ يرى أن هذا الادعاء ما
هو إلا نحلة باطلة وثوب مستعار قصد من ورائها ابن تومرت أن يدعم بها صفة
المهدي التي انتحلها أيضاً شعاراً لإمامته ورياسته [٧] .
ولا يشك المتتبع لتاريخ ابن تومرت في كذبه بهذا الادعاء وأنه إنما قال به
ليتخذه جسراً يصل عن طريقه لأغراضه وطموحاته، ويتأكد هذا إذا علمنا أن معظم
المؤرخين الذين أثبتوا له هذا النسب إنما هم من تلاميذه، أو من مؤرخي الدولة
الموحدية الذين سجلوا تاريخها بوحي من سلاطينها وأمرائها، وبتأثير من نزعتهم
العقدية الباطلة.
حفظ ابن تومرت القرآن الكريم ودرس بعض العلوم الإسلامية في بلاد
المغرب في صباه، ثم ارتحل سنة ٥٠١ هـ إلى الأندلس، ثم إلى بلاد المشرق
حيث تنقل بين عواصمه الثلاث (بغداد) و (مكة) و (القاهرة) [٨] ، وقد أفاد من هذه
الرحلة علماً غزيراً لاسيما في العلوم العقلية واللسانية [٩] ، حيث أعانه على ذلك
ذكاؤه المفرط ومثابرته وهمته العالية [١٠] .
بداية ظهور ابن تومرت:
كان وضع معظم بلدان العالم الإسلامي في مطلع القرن السادس الهجرى
مضطرباً فالخلافة العباسية بالمشرق قد دب فيها الضعف، كما أن دولة العبيديين
بمصر قد كرهها الناس بسبب غلو حكامها وأعمالهم العدائية ضد الإسلام والمسلمين
، أما بلاد المغرب والأندلس فتخضع لحكم دولة المرابطين، وكانت قبضتها قوية
واتجاهها اتجاه سني حيث كان يتولى أمرها آنذاك السلطان علي بن يوسف بن
تاشفين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) وكان سلفياً ورعاً مجاهداً وهذا ما جعل الطريق صعباً أمام
ابن تومرت الذي بدأ ظهوره في بلاد المرابطين، ولهذا جاءت سهامه مسلطة ضد
هذه الدولة وسلطانها، فبعد أن وصل إلى المغرب سنة ٥٠٥هـ بدأ يدعو الناس
إليه [١١] ، ولما كانت دعوته تقوم على أسس عقدية يشوبها كثير من الغبش
والانحراف فإنه لم يجرؤ في بادئ الأمر على إظهارها للناس صراحة، ولهذا انتحل
صفه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يذكر البيذق [١٢]-أحد تلاميذ ابن
تومرت- أنه نهج هذا الأسلوب في بادئ الأمر، وأنه كان إذا خشي بطشاً خلط في
كلامه حتى ينسب إلى الجنون [١٣] ، وهذا منهج كثير من الفرق الباطنية حيث
يلجأون إلى العبارات الموهية حتى لا تنكشف عقائدهم.
ظل ابن تومرت مدة عشر سنوات (٥٠٥ - ٥١٥ هـ) ينتقل بين أقاليم ومدن
المغرب الأقصى لعرض دعوته على الناس ونشر أفكاره بينهم فكثر أنصاره
ومؤيدوه وذاع صيته بينهم وتعارف الناس به [١٤] ، فأضحى خطره يهدد كيان
دولة المرابطين، حينئذ استدعاه السلطان علي بن يوسف وسأله: ما هذا الذي بلغنا
عنك؟ فأجابه ابن تومرت في قوة بأنه يطلب الآخرة ويأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر، وأن هذه مسؤولية الحاكم قبل غيره، ويذكر بعض المؤرخين أن السلطان
علي بن يوسف حين سمع ذلك أطرق برأسه إلى الأرض ملياً ثم أمر الفقهاء
بمناظرته واختباره [١٥] ، فلما ناظروه تبين لهم حقيقة ما يحمله ابن تومرت من
آراء ومعتقدات تخالف طريقة أهل السنة والجماعة، فأوصوا السلطان بسجنه سداً
للذريعة ودرءاً للفتنة، لكن أحد المرابطين شفع فيه فأمر السلطان بإخراجه من
مراكش ولم يسجنه [١٦] .
أدرك ابن تومرت بعد ذلك المخاطر التي تهدده من قبل المرابطين، لاسيما أن
دعوته قد وصلت إلى مرحلة الظهور والجهر بالأهداف، فقرر الانتقال الى بلاد
السوس مسقط رأسه حيث نزل على قومه وقبيلته مصمودة سنة٥١٥ هـ وذلك
لضمان الحماية اللازمة لدعوته [١٧] .
وفي بلاد السوس أسس ابن تومرت مسجداً يجتمع به مع تلاميذه وزعماء
قبيلته حيث التف حوله الكثير من المؤيدين والأنصار فاختار منهم نخبة لتكون قاعدة
لدعوته حيث شرع بتدريسهم على شكل حلقات ودروس منظمة ومن خلال تلك
الدروس بث أفكاره بين تلاميذه، وأخذ يعدهم إعداداً خاصاً، فألف لهم كتاباً سماه
كتاب التوحيد بلسانهم البربري قسمه إلى سبعة أحزاب عدد أيام الأسبوع، وأمرهم
بقراءة حزب واحد منه في كل يوم بعد صلاة الصبح [١٨] ، ويحتوي هذا الكتاب
على معظم أفكار ابن تومرت والأسس العقدية لدعوته، ولهذا يذكر ابن أبي زرع أن
ابن تومرت قال لتلاميذه: من لا يحفظ هذا (التوحيد) فليس بمؤمن وإنما هو كافر لا
تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته فصار هذا التوحيد عند المصامدة كالقرآن العزيز "
[١٩] .
وهكذا كفّر ابن تومرت من لا يتعلم مبادئ دعوته ويعمل بها ولاشك أن هذا
الشطط والمغالاة جعلت الكثير من اتباعه ينصرفون عن الأسس الإسلامية الصحيحة
إلى ما يقول به ويدعو إليه فغالوا في تعظيمه لدرجة العبودية -والعياذ بالله-.
لما شعر ابن تومرت بقبول دعوته في أوساط الهرغيين رأي توسيع إطارها
المكاني فاختار جماعة من أصحابه أرسلهم إلى القبائل القريبة من بلاد السوس
لاستمالة تلك القبائل للدعوة الموحدية [٢٠] ، وبعد أن اطمأن إلى قوة دعوته وإلى
تمكنه من قلوب أصحابه أخذ يشوقهم إلى (المهدي المنتظر) " ... فلما قرر في
نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه وقال أنا محمد بن عبد الله
... ورفع نسبه إلى النبي ﷺ وصرح بدعوى العصمة لنفسه
وأنه المهدي وبسط يده فبايعوه.. ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه
(أعز ما يطلب) .. " [٢١] .
كانت هذه هي خطوات ابن تومرت في تمهيد الطريق وجهوده في تأسيس
قواعد البناء قبل أن يدعو إلى مبايعته بالإمامة ويعلن قيام الدولة الموحدية، وقد
أعان ابن تومرت على اجتذاب المؤيدين في بلاد السوس ما كان يتمتع به أهلها من
سذاجة وجهالة وادعاءه النسب القرشي فضلاً عما يتمتع به ابن تومرت من ذكاء
وعلم وقدرة على التأثير والتنظيم [٢٢] .
مبايعة ابن تومرت بالإمامة:
لما اطمئن ابن تومرت إلى قاعدته وحسن ولائهم له دعا الناس إلى مبايعته
حيث يذكر ابن القطان أنه قام خطيباً فيهم ومما جاء في خطبته:
" ... الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا مرد لأمره ولا معقب
لحكمه، وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً
كما ملئت جوراً، يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه
بالمغرب الأقصى واسمه اسم النبي، ونسبه نسب النبي.. " [٢٣] .
وبعد هذه الخطبة قام الناس فبايعوه بالإمامة وكان ذلك في الخامس عشر من
شهر رمضان سنة ٥١٥هـ[٢٤] .
وهكذا نرى كيف أن ابن تومرت لم يجرؤ على إعلان ذلك الشطط في دعوته
إلا بعد أن وثق من ولاء عامة الناس له، وفي هذا يقول ابن خلدون: «ولما كملت
بيعته لقبوه بالمهدي وكان لقبه قبلها الإمام» [٢٥] .
وقد جاءت مبايعة ابن تومرت إماماً للموحدين قرب مراكش دون تصد
ومقاومة من قبل المرابطين أصحاب السلطة الشرعية هناك، بل ودون إحساسهم
بالخطر الداهم قرب عاصمتهم شاهداً على ضعف دولة المرابطين وقتذاك، وعلى
النجاح الكبير الذي حققه ابن تومرت لدعوته الناشئة.
أمضى ابن تومرت السنوات الثلاث التالية لسنة مبايعته في جهد متواصل
وعمل دؤوب لدعوته حيث خاطب القبائل القريبة منه يدعوهم إلى الدخول في
طاعته، ونبذ طاعة المرابطين، فاستجاب له بعض القبائل [٢٦] ، ولكي يوفر
مزيداً من الأمن لدولته ودعوته غادر جبل ايجليز في بلاد السوس سنة ٥١٨ هـ
إلى قرية تينملل ببلاد هرغة [٢٧] ، وقد جاء اختياره لها بسبب حصانتها لوقوعها
على ربوة عالية في سفح جبل درن، ولا يمكن الوصول إليها الا من طريق واحد
لا يتسع لغير فارس واحد، ويصف ابن القطان منعة تينملل بقوله: " يسد خللها أقل
عصبة من الناس " [٢٨] .
ويبدو أيضاً أن ابن تومرت أراد من ذهابه إلى تينملل الابتعاد عن زعماء
قبيلته ليتوقى مغبة تدخلهم في شئون دولته الناشئة لا سيما وهو في مرحلة وضع
الأسس الأولى لها.
أصبحت تينملل عاصمة لدولة الموحدين الناشئة حيث قسّم ابن تومرت
أراضيها وديارها على أصحابه الموحدين ليسكنوا فيها، كما بنى مسجداً وداراً له
بينهم [٢٩] ، وفي تينملل وضعت أسس دولة الموحدين ومنها انطلقت جيوشهم،
كما وزع ابن تومرت مسئوليات الدولة ووظائفها على أصحابه الموحدين حسب
ولائهم لطاعته [٣٠] ، ويذكر المراكشي أن ابن تومرت بعد أن كثر لديه المؤيدون
والأنصار سماهم بالمؤمنين وقال لهم: " ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم،
وأنتم العصابة المعنيون بقوله ﵊: " لا تزال [*] طائفة
بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " وأنتم الذين
يفتح الله بكم فارس والروم، ويقتل الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن
مريم، ولا يزال الأمر فيكم إلى قيامة الساعة ... فزادت فتنة القوم به وأظهروا له
شدة الطاعة " [٣١] ! ! .
هكذا تجرأ ابن تومرت على الله ورسوله فحرف الأحاديث الصحيحة وأقحم
دلالتها ليضل الناس فيلتفوا حوله، وقد خفيت هذه الأباطيل على قومه في بادئ
الأمر فأقبلوا على دعوته وتفانوا في خدمتها لاعتقادهم بأنه هو المهدي، حتى قال
قائلهم حينا وقف على قبر ابن تومرت بعد مماته:
سلام على قبر الإمام المجدد ... ومحيي علوم الدين بعد مماتها
أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا ... سلالة خير العالمين محمد
ومظهر أسرار الكتاب المسدد ... بقسط وعدل في الأنام مخلد [٣٢]
هكذا أصبحت بلاد السوس بالمغرب الأقصى تغلي حماساً وولاءً لدعوة ابن
تومرت لكنه توفي قبل أن يُحكم البناء ويُوسع إطار دعوته، فقد وافاه الأجل في
شهر رمضان ٥٢٤ هـ وكانت مدة حكمه حوالي تسع سنوات [٣٣] ، وقد ترك
حرباً مشتعلة بين أتباعه والمرابطين وكل من خالف دعوة الموحدين في أرض
المغرب الأقصى، كما خلف أتباعاً مؤمنين بدعوته محاربين لأجلها.
стр. 352
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
انتصار الجهاد الأفغاني
الآمال والعقبات
ما من حدث هام على مدى الأعوام العشر الماضية هيمن على مشاعر
المسلمين في أنحاء العالم وأذكى هممهم وردّ لهم الثقة في أنفسهم وأحسهم بعزة
الإسلام كما فعل جهاد المسلمين الأفغان، وما من نبأ في عصرنا الحديث أدخل
الغبطة إلى قلوب المسلمين، وشفى صدورهم كما فعل نبأ سحب الروس لقواتهم من
أراضي أفغانستان المسلمة وهي تجر وراءها ذيول الخيبة والذل مقرّة بإخفاقها التام
حتى في تحقيق جزء من الأهداف التي من أجلها دنست أراضي افغانستان،
وتبددت في ذلك أحلام الامبراطورية الروسية في جعل ذلك البلد المسلم جرماً جديداً
يدور في فلكها - على أقل تقدير - إن لم نقل ابتلاعه كلياً وضمه تحت رايتها
الحمراء إلى جانب الجمهوريات المسلمة الآسيوية الكثيرة المنسية والقابعة تحت نير
الشيوعية.
وبدخوله عامه العاشر، يكون الجهاد الأفغاني قد قطع شوطاً بعيداً في طريق
الوصول إلى أهدافه النهائية -بإذن الله-، بل لعل الفترة المتبقية لفتح باقي المدن
المحاصرة، ومنها العاصمة كابول واقتلاع النظام الشيوعي العميل لم تعد تمثل
سوى جزء يسير من مدة عقْدٍ من الزمان من القتال الضاري المتواصل.
فالمجاهدون متفائلون في تخليص البلاد من دنس الشيوعية وإقامة دولة
إسلامية -إن شاء الله-.
إلا أنه ليظهر لمن أمعن النظر جيداً في مجريات الأمور على الساحة هناك
أعداء الجهاد الكثر على اختلاف مللهم وعقائدهم ممن لا تكمن مصالحهم في وجود
حكومة إسلامية سنية قوية في كابل سوف لن يدعوا الطريق مفروشاً بالزهور
والرياحين للمجاهدين وقادتهم وهم يخوضون غمار المراحل الحاسمة من قتالهم
المرير، بل ولا حتى في المرحلة التي ستشهد قيام دولتهم -بإذن الله-، لاسيما إذا
ما أعدنا إلى الأذهان تآزر وتكاتف تلك القوى على مر السنوات العشر المنصرمة.
وتبادلها الخبرات والتجارب المختلفة في كل ما من شأنه إضعاف المجاهدين والحد
من انتصاراتهم.
ومكامن الخطر التي هددت وتهدد الجهاد لم تكن خافية يوماً ما على من دقق
النظر في أحوال ذلك البلد وما جاوره من شعوب مختلفة، فأفغانستان دولة محاطة
بدول يجمعها قاسم مشترك ألا وهو محاربة الإسلام والإبقاء على المسلمين في حالة
ضعف وتفرق، كما أنه ليس في مصلحة أية دولة من هذه الدول قيام دولة إسلامية
حقة من شأنها إيجاد موطئ قدم للمسلمين في ذلك البقعة من العالم. ولقد سبق لنا
الحديث عن خطورة الدور الذي بالإمكان أن تلعبه تلك الدول في تحديد الصورة
النهائية للجهاد، وذلك في أعداد سابقة من البيان (١) ، وكنا قد شددنا القول على
الدور الخطير الذي تضطلع به إيران الخميني للحيلولة دون انفراد المسلمين السنة
في دولة مستقلة لهم.
ولقد وجدنا من الأهمية بمكان إيراد بعض مما كنا قد حذرنا إخواننا المجاهدين
منه في الماضي لكي يتسنى للقارئ المقارنة بين ما جاء في تلك المحاذير وبين ما
آلت وتؤول إليه مجريات الأمور وتطورات الأحداث هناك، لعل ذلك يكون درساً
لأصحاب الهمم العالية والنوايا الطيبة من أبناء هذه الأمة، لاسيما الشباب منهم على
وجه الخصوص، لطرح الانقياد وراء العواطف والانفعالات جانباً ونهج طريق
الدراسة والتحليل العميقين وعدم التهوين من شأن العثرات والهفوات، ومحاولة
الاستفادة من أخطاء الآخرين، ومما جاء في " رسالة مفتوحة للمجاهدين الأفغان "،
في العدد الأول:
" ومن هؤلاء المكذبين الذين نحذر إخواننا المجاهدين من شرورهم ومكائدهم
:
١- المنافقون.
٢- الباطنيون.
لا تنتظروا خيراً أو تعلقوا آمالاً على جند عبد الله بن سبأ اليهودي، إنهم
عون للطغاة المتجبرين، وعيون للغزاة المستعمرين، قلبوا صفحات من تاريخهم
الأسود ترون فيه العجب العجاب من موالاة أعداء الله من التتار واليهود والصليبيين
وعداوتهم لأولياء الله بدءاً بأم المؤمنين عائشة ﵂، ومروراً
بالشيخين أبي بكر وعمر، وانتهاءاً بسائر الصحابة ﵃ أجمعين-،
اسألوا إخوانكم الذين اكتووا بنيرانهم وشرورهم في بعض بلدان العالم الإسلامي،
ولا تصدقوا أقوالهم ووعودهم فمن صفاتهم الغدر والكذب، ولن يتورع هؤلاء
الباطنيون عن التعاون مع الشيوعيين، كما أنهم لن يقصروا في استغلال إخوانكم
وبذل المحاولات من أجل زعزعة إيمانهم وتشكيكهم بأصول دينهم ".
وفي موضوع " جهاد المسلمين الأفغان يمر بأخطر مراحله "، الذي نشر على
صفحات العدد السادس، جاء تحت فقرة " أين مواطن الخلل " ما يلي:
١- الباطنيون الرافضة:
" لا تظنوا أن اشتراكهم (الرافضة) معكم في مجلس الشورى ومجلس الوزراء
سوف يساعد على وجود هدنة بينكم وبينهم، إنهم إن قبلوا بهذا الاشتراك فسيكون -
أي الاشتراك بحد ذاته - ميداناً جديداً من ميادين صراعهم معكم، فأنتم في نظرهم
كفار ناصبة، وليس بينهم من يعتقد بأننا مسلمون عصاة على الأقل، وسوف
يتعاونون مع السوفييت والأميركان واليهود ضدكم.. وسوف يجعلون من أفغانستان
" لبناناً " آخر بل أشد من لبنان ... فخذوا حذركم يا إخوة، وصراعكم مع هؤلاء
الغلاة لن يكون أقل من صراعكم المرير مع الشيوعيين.. واعلموا حق العلم أنهم لم
ولن يقبلوا أن يقوم للمسلمين السنة دولة في أفغانستان، ولا نشك أنكم سوف
تخوضون معركة معهم، وسوف يفرضون عليكم هذه المعركة فرضاً، والله أعلم،
وسوف يجدون من يتعاون معهم من ضعاف النفوس وطلاب الزعامات وبعض
أصحاب الاتجاهات الباطنية فانظروا ما تفعلون ".
وهاهو عام ونصف العام يمضي على كتابة تلك السطور وإيران وعملاؤها
والآخرون مشمرون عن ساعد الجد لضمان إقحام أنفسهم في المعادلة النهائية في
أفغانستان، فإيران التي تتكلم اليوم باسم المسلمين في أنحاء العالم، حتى ليظن
الأوربي في بلاد الغرب أن الخميني لدى المسلمين هو بمثابة البابا لدى النصارى،
إيران هذه لا يروق لها زوال منصبها هذا، كما أن مجاورتها لدولة إسلامية سنية
يعني بالضرورة فضحها على الملأ وكشف أساليبها في تضليل أبناء الشعوب
الإسلامية لا سيما الشباب منهم، هذا إلى جانب كون أي حكومة سنية في كابل
ستكون عمقاً لأهل السنة المقهورين في إيران، وقل مثل ذلك بالنسبة لروسيا
الجاثمة على صدور الجمهوريات الآسيوية المسلمة حيث بخارى وسمرقند وطاشقند
موطن كبار أئمة هذه الأمة.
إن فرائص قياصرة الكرملن في موسكو لترتعد لسماع كلمة جهاد أو حكومة
إسلامية في أفغانستان لا لشيء سوى ليقينهم بأن تحقق ذلك سيعني انفلات قبضتهم
الحديدية عن تلك الشعوب المسلمة، أما في الهند فيراقب الوثنيون هناك بقلق بالغ
تطورات الأحداث في أفغانستان لصالح المجاهدين وما سيجره ذلك عليهم من متاعب
من قبل المسلمين الهنود البالغ عددهم (١٥٠) مليون والذين يتوقون إلى ذلك اليوم
الذي تقوم فيه دولة الإسلام في تلك البقاع لتخفف عليهم - إن لم نقل تنقذهم مستقبلاً
- من هيمنة السيخ والهندوس.
أما باكستان فشأنها لم يعد ذاك الذي كان عليه إبّان حكم ضياء الحق، فعلى
الرغم من أن الحكومة الجديدة هناك لم يبدر منها بعد وبشكل واضح ما يعوق مسيرة
الجهاد في أفغانستان - وذلك راجع إلى حد كبير إلى النفوذ القوي الذي مازال
يحتفظ به كبار ضباط الجيش الذين كان قد عينهم ضياء الحق -إلا أن معرفة الخلفية
الفكرية والثقافية التي تنحدر منها رموز القيادة والشعارات والمبادئ التي أطلقتها
وتطلقها قبل وبعد استلامها السلطة، كافية لتحديد الصورة التي سيرتسم بها موقفها
المستقبلي إزاء مسألة قيام دولة إسلامية في أفغانستان، فإننا إذا قلنا أنها سوف لن
تلتزم موقفاً عدائياً صريحاً من النظام الجديد فإننا في الوقت ذاته نقول وبلغة الجزم
إنها لن تكون من المتحمسين لقيامه، ولا حتى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أياً
كان ثوبها، أما علاقات باكستان الإقليمية الجديدة مع الهند وإيران وتوافق وجهات
نظرها معهما فهي مما لا يُبشر بخير، وهي دليل آخر على ما نقوله، فما إن
استلمت بي نظير دفة الحكم حتى انقلبت كل العقبات التي كانت تعوق قيام علاقات
أفضل مع الهند إلى مصالح مشتركة، وتحوّل الجمود الذي كان يسود علاقات
البلدين إلى دفء.
إن محور موسكو كابل طهران نيودلهي يحيط بأفغانستان إحاطة السوار
بالمعصم، فهؤلاء جميعاً على يقين مما قد يفجره هذا الجهاد من طاقات كامنة لدى
شعوب المنطقة المسلمة وهم على دراية مطلقة من أن انتصار المجاهدين الأفغان
إنما هو انتصار لكل المسلمين، وأنه انتصار عالمي وليس محلياً، وأنه صراع
عقائدي يبن حق وباطل.
وهذا الذي قلناه في الماضي ونكرره اليوم ليس ضرباً من الخيال أو رجماً
بالغيب، فالتنسيق بين أجهزة مخابرات تلك الدول لتحقيق كل ما من شأنه عرقلة
الجهاد على مدى أعوامه العشر لم يعد مسألة تحتاج إلى برهان، فكم من مؤامرة
انكشفت كانت تستهدف طعن الجهاد وقادته من الوراء حاكتها أيادي المجرمين في
تلك الدول، وما حادث تحطم طائرة ضياء الحق عنا ببعيد.
أما في الفترة الراهنة، فإن الدور الذي تمارسه إيران وتهدف من خلاله إلى
كسب موطئ قدم لها في حكومة المجاهدين عن طريق أتباعها بات أوضح من أن
يحتاج إلى دليل، فقد أسفرت طهران هذه المرة عن وجهها الحقيقي ولم تعد تجديها
كما يبدو أساليبها الخفية، ووصل تدخلها المباشر في شؤون المجاهدين إلى درجة
محاولة فرضها لعدد مقاعد مجلس الشورى، التي يجب أن يحصل عليها الشيعة -
والذين لم يكن لهم دور يذكر في الجهاد - وزعمها أنهم يمثلون ثلث مجموع السكان
، والأكثر من ذلك وقوف سفيرها لدى إسلام آباد يتهدد ويتوعد قادة المجاهدين إن
هم لم يمنحوا الشيعة (١٢٠) مقعداً.
وفيما يلي نورد جانباً من تهديدات السفير الإيراني الموجهة للشيخ سياف كما
ذكرتها نشرة (لهيب المعركة) الصادرة في بيشاور نقلاً عن وكالة البنيان الصادرة
بتاريخ ١٣ / ٢ / ١٩٨٨: " «هدد سفير ايران لدى إسلام آباد بأن الحكومة
الإيرانية سوف لن تعترف بحكومة المجاهدين إذا لم يحصل الشيعة على (١٢٠)
مقعداً في مجلس الشورى فرد عليه الشيخ سياف - المتحدث الرسمي لائتلاف
المجاهدين -: إن أردتم مالاً حتى تعترفوا بحكومتنا فسنحاول أن نوفر لكم ذلك
لتعترفوا بنا أما إذا أردتم قطعة من أرض أفغانستان لتعترفوا بنا فلن نعطيكم هذه
الفرصة، وأنتم تعرفوننا جيداً.
ثم قال السفير: إذا لم تنصفوا الشيعة مع السنة في الشورى فسنقوم بأعمال
تخريبية داخل أفغانستان، فرد الشيخ سياف: إننا لن نعطي الشيعة في إيران أكثر
مما قررناه وذلك ليس بضغط من أحد علينا، وهذا القرار حقنا وبرضانا، فقد قررنا
ما رأيناه حق ولا دخل لكم بذلك، وتابع رده قائلاً: ثم إنكم لماذا تتدخلون هكذا
وليس ذلك من حقكم، ولماذا تتكلم بهذه الحدة معنا وأنتم تعرفون من نحن، وكرر
الشيخ سياف تحذيره للسفير الإيراني بأن لا يعاود التدخل في شؤون المجاهدين
الداخلية» .
وهكذا تثبت الأيام ما كنا قد ذكرناه من أنّ إيران وأتباعها -سيراً على خطى
ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي - لن يتورعوا في رفع السلاح ومقاتلة
المجاهدين وها هو سفيرهم ينطق بذلك وما ذاك على سجلهم تجاه المسلمين بغريب.
أما موقف الحكومة الإيرانية الرسمي تجاه الوضع في أفغانستان فيتلخص في:
- وجوب الاعتراف رسمياً بأن الشيعة يشكلون نسبة ٣٠% من مجموع
السكان.
- جود احتلال الشيعة لما لا يقل عن ٢٥% من المناصب الوزارية.
- إعطاء الشيعة حكم ذاتي كامل في الأقاليم التي يشكلون أغلبية فيها.
- منح علماء الشيعة حق النقض بشأن القرارات التي تتعلق بهم.
إن إيران تجاهر بأعلى صوتها لوقوفها وراء شيعة أفغانستان الذين لا
يتجاوزن نسبة ١٠% من مجموع السكان، أما السنة في إيران - الذي يجاوزون
ضعف نسبة الشيعة الأفغان - فما من صوت لا في داخل إيران ولا خارجها ينبئنا
بأحوالهم ولا بأخبار تمثيلهم بالبرلمان الإيراني.
إنه كلما خطى المجاهدون خطوة جديدة باتجاه قطف ثمار تضحياتهم، ازدادت
مكائد الأعداء واشتد غيظهم ومكرهم، فما أحوج المجاهدين إلى الحذر واليقظة أكثر
من أي وقت مضى لما يحيط بهم من مؤامرات وأشراك، ليست هذه الأيام القلائل
المتبقية -بإذن الله- أهون على سلامة الجهاد وقطف ثماره مما مضى فكل متربص
بهم الدوائر وكلهم يغيظه ظهورهم.
إننا لعلى ثقة أن المجاهدين الذين استطاعوا الاستقلال بقرارهم على مدى
الأعوام العشر الماضية أن يفوتوا الفرصة على أعدائهم وعلى كل من تسوّل له نفسه
التدخل في شؤونهم وإملاء رغباته عليهم، وما ذاك إلا من خلال نبذ الخلاف
والاتحاد والتآزر ضد عدوهم، وما النصر إلا من عند الله.
اللهم انصر المجاهدين على أعدائك أعداء الدين.
١- العددان الأول والسادس.
стр. 353
الانتفاضة
من وجهة نظر العدو
عندما انطلق الشعب الفلسطيني الأعزل في انتفاضته في مواجهة عساكر
اليهود المدججين بالسلاح، طلع قادة اليهود بتهديدهم ووعيدهم من أنهم سيضربون
هذه المرة يبد من حديد، وسيسحقون الانتفاضة ويستأصلونها من جذورها وأنهم
على يقين من أن " أعمال الشغب " غير المجدية هذه سوف لن تلبث أن تنطفئ في
غضون أيام معدودة، كما توجه الزعماء اليهود بالنصيحة إلى الفلسطينيين من أجل
وقف أعمالهم تلك التي لن تحقق لهم أي هدف مهما صغر، وأن هذه الانتفاضة من
المستحيل أن تؤثر في إسرائيل وقوتها.
وبعد انقضاء ما يزيد على ستة عشر شهراً على تلك التصريحات والتهديدات
، فإن الانتفاضة مازالت مستمرة وبنفس الاندفاعة الأولى إن لم تكن أشد، على
الرغم من كثرة الضحايا الذين سقطوا بالرصاص اليهودي، وبالرغم من كل المآسي
التي لحقت بالشعب الفلسطيني طوال تلك الفترة فما زال ذلك الشعب بكل فئاته،
شبابه وشيوخه ونسائه وأطفاله، واقفاً راسخ القدمين، يداً واحدة يرجم اليهود غير
آبه بعددهم ولا عدتهم.
ولنا - في هذا المقام - أن نلقي نظرة مماثلة على الطرف الآخر من معادلة
الانتفاضة هذه حتى نرى الصورة الواضحة لما يجري على أرض فلسطين.
وإلى القارئ الكريم طرفاً من تصريحات أولئك القادة والضباط والمفكرين
والعساكر، ولكن بعد مرور ستة عشر شهراً من عمر الانتفاضة، اقتطفناها من
بعض الصحف والمجلات العالمية، ونتبعها بتعليقات موجزة لمراسلي هذه الصحف
ممن وقفوا على جانب من الأحداث هناك:
" إننا في مقاومتنا للانتفاضة نعمل على تآكل طاقات الجيش البدنية والفكرية ".
يوش ساريد، عضو في الكنيست - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩
" إنه من غير الممكن القضاء على الانتفاضة، ذلك أنها تعبر في جوهرها
عن كفاح أمة ".
دان شومرون، رئيس الأركان الإسرائيلي - الإيكونومست ٢٨/١/١٩٨٩
" إن بمقدرة دولة إسرائيل التغلب على خمسة جيوش عربية، إلا أنه ليس
بمقدورها التغلب على الانتفاضة ".
موشي قعوز، بروفيسور في الجامعة العبرية -التايمز ١/٢/١٩٨٩
" إن العنف الذي نستخدمه ضد الأهالي يُذكي لدى الفلسطينيين روح
الإحساس بالقومية، ويقوي من شأن العرب، في حين أن إسرائيل آخذة بالضعف ".
جنود إسرائيليون - الإيكونومست ٢٨/١/١٩٨٩
" إنها (الانتفاضة) تمزقنا إرباً وتقوي العرب، الحل السياسي هو المخرج
الوحيد الذي ينقذنا من هذه المهانة ".
جنود إسرائيليون - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩
" إنني كإنسان أشعر بالإنهاك بسبب الانتفاضة، إنها تحطمني ".
جندي إسرائيلي - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩
" ما من شيء قد التهم قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - منذ غزو لبنان
- مثلما فعلت الأشهر الأربعة عشر الماضية من القتال المر ضد الأطفال وحجارتهم
".
" في العام الماضي صدرت توجيهات إلى الجنود:
بضرب المتظاهرين.
إسقاط الحجارة عليهم من طائرات مروحية.
ضربهم بالقنابل المسيلة للدموع.
ضربهم بالأعيرة المطاطية والبلاستيكية.
إلا أنه ما من واحد من تلك الأساليب أدى مفعوله في إيقاف الانتفاضة، حتى
إن بعضاً من أعضاء حزب (ليكود) أخذوا يشككون في جدية أية إجراءات جديدة ".
" إن الجيش لا يواجه هزيمة عسكرية، بل هزيمة معنوية ".
ماك جيري-مجلة التايم
" لاخلاف في مدى الإحساس بالقلق والاحباط المتزايدين اللذين تواجههما
إسرائيل في مواجهتها للانتفاضة ".
" يبدو أن الآمال في وضع نهاية للانتفاضة في أوساط الجيش قد انهارت ".
مراسل الايكونومست
стр. 354
الجزائر.. سقوط الاشتراكية
صوّت الشعب الجزائرى يوم ٢٣/٢/١٩٨٩ على دستور جديد للبلاد، وكان
أهم ما في هذا الدستور إسقاط لفظة " الاشتراكية " التي كانت مفروضة فرضاً، كما
كفل الدستور الجديد -في ما كفل - حرية الرأي وحرية المراسلات والاتصالات
الخاصة بكل أشكالها، وكذلك كفل حرمة المساكن وعدم انتهاكها أو تفتيشها إلا بأمر
قضائي مكتوب.
ولاشك أن ذلك مما يفرح به المسلمون في كل مكان، ولكن العبرة ليست في
النصوص المكتوبة؛ وإنما العبرة في التطبيق العملي لهذه النصوص، فكم من
الدساتير من يشيد بالحرية ويعتبرها أساس حق المواطن، ولكن ذلك لا يعدو أن
يكون حبراً على ورق.
ومن أجل انتهاك الحريات، والتسلط على رقاب الناس لا يعدم المتسلطون
وسيلة ينفذون بها ذلك تحت أنواع كثرة من التسويفات والذرائع، ويضربون
بالدساتير وموادها عرض الحائط.
والمشكلة مشكلة أخلاقية في الأساس، بل مشكلة خراب عقائدي وفراغ مبدئي
. وما لم يصلح هذا الخراب، ويسد هذا الفراغ بعقيدة صالحة فإنه لا الدساتير
المكتوبة ولا الإجماع عليها يحل المشكلة.
فمن الذي يضمن أن لا يتحول الفساد الذي كان يقترف في ظل النظام
الاشتراكي إلى فساد يمارس في ظل نظام يتجه إلى الرأسمالية؟ فالفساد هو الفساد
مهما تستر، وبأي لون ظهر، ومشكلة المفسدين أنهم أينما تميلهم الريح يميلوا،
وبما أن هذه الفترة فترة إفلاس للاشتراكية: الحقيقة والمستوردة المزورة؛ فإنه من
المرجح أن ينقلب هؤلاء الذين كانوا بالأمس يسبحون بها بكرة وعشياً إلى لعانين لها
كاشفين لسوءاتها. وإذا أردنا دليلاً على ذلك فما حدث في مصر في عهديها
الاشتراكي والانفتاحي يشكل النموذج.
إن المخرج الحقيقي من هذا العناء المتعدد الجوانب الذي تعانيه هذه الشعوب
هو أن تستمد حكوماتها شرعيتها من عقيدتها ودينها، وتقتبس ضمانات العدالة فيها
من مبادئها وتراثها، فإن المنطق الصحيح، والتجربة العملية أثبتت أن هذه
الشعوب لن تحترم شيئاً يأتيها من شرق أو غرب، ولن تدين بالولاء لأساليب
مستوردة يفرضها عليها أذناب الاستعمار وخدم أعداء الإسلام. والولاء الذي نقصد
ليس الخضوع الذليل لجبروت التسلط، فهذا ولاء كاذب غير مضمون العواقب،
ولكن الولاء النابع من القلب الذي ينتج عنه التوافق المنتج، والتطور المبدع بين
الشعب والسلطة.
стр. 355
القراء
من غرائب الصحافة العربية
عبد الحميد سعيد
بينما كنت أتصفح بعض المجلات العربية إذ شد انتباهي ظاهرة غريبة
أحسبها جديرة بالوقوف قليلاً، ذلك هو الأسلوب ونمط الحوار الذي يسلكه مندوبو
تلك المجلات في لقاءاتهم ومقابلاتهم الصحفية مع الشخصيات المختلفة.
إن القارئ ليلمس ذلك البون الشاسع بين مقابلة وأخرى - على صفحات
المجلة الواحدة - من جهة طبيعة الأسئلة التي تغيرها المجلة وكيفية طرحها بل
وحتى المستوى الخلقي الذي يظهر به مدير المقابلة. ففي الوقت الذي تحاور فيه
المجلة شخصية إسلامية - على وجه الخصوص - تجد الصحفي يتفنن في صياغة
حواره وبالشكل الذي يسيء إلى تلك الشخصية كما أنه لا يألو جهداً لإثارة كل ما من
شأنه الانتقاص من ضيف المقابلة، وليس ذلك نابعاً في ظني من موقف تقفه هذه
المجلات تجاه رجال الدين بشكل عام، بسبب النهج العلماني الذي تسير عليه مثلاً،
فإنك تجد وجه المجلة الآخر مشرقاً وهو يحاور شخصية دينية مثل البابا شنودة الذي
ينال أسمى الألقاب خلال المقابلة وينُعت بأحسن النعوت التي تبرز على أنه رجل
الدين المثالي، وهو كذلك بالنسبة لهم. إننا ندعو الصحافة العربية ألا تكيل بمكيالين
ولا تزن بميزانين.
стр. 356
وراء كل عمل دافع
عبد الله حماد حامد الجهني
إن الإنسان يتعلم إن كانت لديه رغبة في التعلم، وكانت لديه القدرة، وأتيحت
له الفرصة لذلك وقدم إليه الإرشاد فيما يتعلم، غير أن الرغبة والقدرة والفرصة
والإرشاد لا تجدي إن لم يكن لدى المتعلم ما يدفعه إلى التعلم إذ لاتعلم بدون دافع.
إذا عرفنا هذا فمن السهل أن نعرف سبب تفوق تلميذ متوسط الذكاء على تلميذ
آخر أذكى منه، إنه الدافع.
فالدافع من أهم العوامل التي تساهم في التربية بوجه عام والتعلم بوجه خاص
. فالتعليم الناجح هو التعليم القائم على إشباع دوافع التلاميذ وحاجاتهم، وكلما كان
الدافع قوياً زادت فاعلية التعليم أي مثابرة المتعلم عليه واهتمامه به، ويتسم السلوك
الصادر عن الدافع بالنشاط والاستمرار.
وتقسم الدوافع الى قسمين:
فطرية: كالجوع دافع للأكل، والعطش دافع للشرب، والتنفس دافع للحياة.
ومكتسبة: كالسيطرة وتوكيد الذات دافع إلى الظهور والغلبة، ودافع التملك
والادخار ملحوظ في المجتمعات الرأسمالية.
وللدوافع ثلاث وظائف في عملية التعلم هي:
أ- أنها تضع أمام المتعلم أهدافاً معينة يسعى لتحقيقها.
ب- تمد السلوك بالطاقة وتثير النشاط.
ج- تساعد على تحديد أوجه النشاط المطلوبة لكي يتم التعلم وتستغل هذه
الدوافع من قبل المربين بعد معرفة شخصية كل متعلم.
فالمتعلم المادي مكافئة مالية تكون دافعاً له بأن يضاعف جهده، والوعد برحلة
من أكبر الدوافع الاجتهادية لدى الأشخاص، وتخفيف مدة السجن عن السجين من
الدوافع للانضباط، ومن هذا المنطلق يجب على الدعاة والمربين معرفة أهم دافع
في الوجود وهو الدافع الذي جعل الرسول ﷺ يتحمل أذى
الكفار الذي لا يمكن تصوره، وهو الذي دعا ذلك الصحابي أن يلقي بتلك التمرات
من يده، ويقدم نفسه في سبيل الله، وهو الذي دفع جميع السلف إلى تعلم العلم
والعمل به ذلك الدافع هو الإيمان وحب الله ورسوله.
فحري بكل داعية أن يجتهد بزرع هذا الدافع في نفوس الناس بشتى الطرق
وبكل الوسائل حتى يعود للأمة مجدها.
* ومن الأخ محمد عبد الرحمن العريفي جاءتنا هذه المساهمة:
يا غافلاً تتمادى ... غداً عليك يُنادى
هذا الذي وعظوه ... وخوّفوه المعادا
هذا الذي لم يقدم ... قبل الترحل زادا
стр. 357
مكتبة البيان
إعداد: محمد الحسيني
١- (حول التفسير الإسلامي للتاريخ) للأستاذ محمد قطب الناشر: المجموعة
الإعلامية، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، ٢٧٩ صفحة.
وهو كما يقول المؤلف: " وهذا الكتيب لا يمكن بطبيعة الحال أن
يتسع لدراسة مستوعبة للموضوع، إنما هو بالأحرى دعوة للمختصين ليقوموا
بهذه الدراسة، وأن يكون في الوقت ذاته دعوة للمؤرخين المسلمين أن يعيدوا
كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي المتميزة ".
وقضية التفسير الإسلامي للتاريخ ما زالت في إطارها النظري الذي لم تتميز
معالمه، وهذا الكتاب لبنة في محاولة هذا التفسير، والذي ما زال ميداناً بحاجة إلى
الدراسة والمناقشة.
***
٢- (موقف الدين من العلم) د. علي فؤاد باشكيل: كتب في التركية وترجمه
إلى العربية أورخان محمد علي، دار الوثائق - الكويت ١٤٠٥هـ، فيه ردود على
من ينكر أهمية الإيمان للناس في حياتهم ونقد لبعض الأفكار الغربية.
... ... ... ... ... ***
٣- (الحداثة في منظور إيماني) د. عدنان رضا النحوي، الطبعة الأولى
١٤٠٩ ١٩٨٨، دار النحوي للنشر والتوزيع الرياض، (١٦٨) صفحة.
يناقش الكتاب قصة الحداثة وأنها مذهب فكري أدبي قادم من الغرب أو
صرعة من صرعاته، وما أكثر مذاهبه وصراعاته الأدبية والفكرية نتيجة الضلال
الذي يعيشه، ثم يورد نماذج من المقلدين لهم مثل أدونيس، وكمال أبو ديب، وعبد
الله الغزامي، وينقل نصوصا من أقوالهم وترتبط الحداثة بالماركسية أو بالتصرف
الغنوصي، ويدعو الكاتب في النهاية إلى تفهم المنهج غلإسلامي وفهم الواقع فهملا
صحيحا.
***
٤- (القضية الإسلامية في سياسة الشرق الأوسط) تأليف: آلن تايلور
الولايات المتحدة ١٩٨٨ ١٩٨٨، (١٥٠) صفحة.
من القضايا التي اهتم بمناقشتها قضية فشل الأنظمة القومية اللادينية في
المنطقة والمشكلات التي تقابل البحث عن البديل الإسلامي.
стр. 358
الصفحة الأخيرة
أين القدرات الفكرية ؟ !
هناك أمر ملحوظ بوضوح شديد، وهو عزوف أهل العلم والفكر عن مهمتهم
التي لا يستطيع أن يقوم بها غيرهم، وهي التوعية والقيام بأمر التبيين، وبكلمة
مختصرة: النزول من الأبراج العاجية، والانخراط يبن الناس، وقيادتهم وتبني
مشكلاتهم، والإحساس بشعورهم، ومعالجة قضاياهم.
إن الذي يجعل أهل العلم يحجمون عن ذلك أمور هي في ظاهرها حجج قد
تكون مقبولة، ولكنها في حقيقتها ليست إلا حججاً مصطنعة تأخذ أكثر من نصيبها
من الاعتبار، وتتخذ تكأة للضعف والنكوص والانسحاب من الواقع.
إن كثيراً من أهل الفكر يتعللون بفقدان الحرية، أو ضيق الوقت، أو
بالاستغراق في مهام أخرى ...
صحيح أن هناك موانع وعوائق في مجال النشر والكتابة، ولكن المؤمن
المصمم الكيس الفطن لا يعدم وسيلة يوصل بها أفكاره، إذا صح العزم وخلصت
النية، وكثير من الناس يفهمون الحرية فهماً مجتزأ كأن يتصوروا السماح لهم بسب
هذا وتجريح ذاك؛ دون أن يكلفوا أنفسهم ضرب المثل للعمل الإيجابي والجهد
المثمر وكيفية أن ننجز أمراً مهما كان صغيراً، ودون أن ننجرف في الإثارة
والغليان ولا نحقق شيئاً.
وكذلك مسألة ضيق الوقت، فلو نظر الشاكون من ضيق الوقت إلى كثير من
الأعمال التي تضيق بها أوقاتهم لوجدوها لا تستحق أن يشغل الإنسان بها وقته،
ولأزالوا من طريق العمل المثمر المبني على خطط مرسومة يُحاسَبُ عيها، فيثاب
ويكافأ من نفذها في وقتها، ويعاقب ويقصي من قصر في تنفيذها.
نزولاً إلى الساحة؛ فالساحة فارغة، واهتماماً بالأجيال الإسلامية؛ فالأجيال
متعطشة وتركاً للكسل والترهل والاستنامة إلى الفتن والشهوات، فهي مرتع وبيل لم
تجن منه الأمة الإسلامية إلا السير إلى الوراء، وسعياً في ركاب العلم النافع الذي
يبني ولا يهدم، وبعداً عن أساليب الإثارة فهي مضيعة للوقت، ومجال تتسلل منه
الفتن بشتى أنواعها،
ولمْ أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام
стр. 359
في إشراقة آية
[فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ]
د. عبد الكريم بكار
طالما وقفت خاشعاً في محراب هذه الآية وطالما غمرني ضياؤها بأشعته
الهادية حيث أودع الرحمن في كلمات قليلة من المعاني الكريمة الفياضة ما
يمدنا بالمفاهيم النيرة كلما اتسعت مساحات الوعي لدينا وكلما تعاظم رصيدنا من
التجارب.
وسأقف مع القارئ الكريم وقفات عدة في إشراقة هذه الآية نغرف من معينها
النمير.
الوقفة الأولى:
تمثل هذه الآية مظهراً من مظاهر رحمة الله تعالى حين رضي منهم أن
يطيعوه على قدر طوقهم وقدرتهم؛ وهذا الأمر أحد أهم الأسس التي يرتكز عليها
التشريع الإسلامي، وهو في الوقت ذاته أحد دعائم خلود الشريعة الغراء إذ أن
تصرف الأيام والليالي يأتي بما لا يحصى من الظروف والأحوال، وحينئذ فإن
قدرات الناس على القيام بأمر الله تتفاوت تفاوتاً كبيراً، خاصة لا يجد المفتي لها
حكماً تفصيلياً يغطيها، وتأتي هذه الآية لتمثل المنطلق الرحب والناموس الأعلى
الذي يحكم فقه الضرورات، وفقه ارتكاب أخف الضررين ودفع شر الشرين،
وتشعر هذه الآية الكريمة المسلم الذي وقع في ظروف حرجة ضاغطة بالطمأنينة
بالسلامة من الإثم ما دام اتقى الله ما استطاع، كما أنها تستنهضه لمقاومة الظرف
الطارئ وبذل الوسع في الاقتراب من المركز أكثر فأكثر، وهتو إذ يفعل كل ذلك
يشعر برقيب ذاتي منبعه خشية الله .
الوقفة الثانية:
إن دوائر الاستطاعة تتسع على صعيدي القيام والعمل كلما استطاعت الأمة أن
ترقى صعداً في سلم الحضارة. أما على صعيد القيم فإن التقدم المادي والتقني يهيئ
الظروف المناسبة لنشر القيم وحملها، وإذا أخذنا قيمة (الحرية) باعتبارها واحدة من
أخطر القيم المتفق عليها بشكل عام لوجدنا أن هذه القيمة ليست حالة يتصف بها
الفرد أو دعوى يطلقها، وإنما هي عملية مواكبة للإمكانات التي يحصل عليها؛ فإذا
ما امتلك الواحد منا ثروة كبيرة من المفردات اللغوية وجد نفسه حراً في اختيار
الألفاظ والأساليب المتعددة التي تمكنه من نقل المعلومة التي يريد إيصالها لمخاطبيه
مهما تفاوتت مستوياتهم الثقافية. ومن توفرت في بلاده فرص كبير للعمل بشروط
ميسرة وجد نفسه قادراً على رفض ما يمكن أن يتعرض له من ظلم أو حيف من
أرباب العمل وعلى رفض ما يعده مهنة شاقة أو غير مناسبة، وهو بذلك يجد أمامه
مجالات واسعة للحركة وقدراً أكبر من الخيارات المريحة، وقد عبر العرب قديماً
عن هذه الحالة بمثل شائع حين قالوا: (من أخفض تخيّر) .
وفي المقابل فكيف يمكن لمن بحث عن فرصة للعمل سنوات عدة حتى عثر
عليها أن يتصرف كما تصرف الأول، وأن يشعر بأنه قادر على أن يكون حراً يأبى
الظلم ويعيش بعيداً عن القسر والقهر؟ ! !
وأما على الصعيد العملي فإن أكثر المخترعات أعطت جوارح الإنسان نوعاً
من الامتداد في سلطانها وقدراتها؛ فالآلة مدت في سلطان اليد والطائرة في سلطان
الرجل والهاتف في سلطان السمع و (الرائي) في سلطان العين وهكذا..
ويترتب على اتساع دوائر الاستطاعة تعاظم المسئولية ووجود إمكانات جديدة
للمزيد من التقوى وبهذا الاعتبار فإن العمل لتحسين المناخ العام الذي يعيش فيه
المسلم عبادة لله تعالى تهيئ الناس لمزيد من الطاعات والعبادات، وإذا ما حدث
خلل في الارتباط بين الاستطاعة والتقوى فإن ذلك يعني نوعاً من البغي الممقوت
الذي يخل بالتوازنات العميقة بالفرد كما يستنزل المحن والعقوبات له.
وقد أشار النبي ﷺ إلى عقوبة شيء من ذلك الخلل حين
ذكر الملك الكذاب في جملة من لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر
إليهم إذ أن السلطان ذو قدرات كبيرة فإذا لم يواكبها الصدق أحدث من الضرر ما لا
تنفع معه رقابة الرقباء! ولذلك استحق العقوبة التي تتناسب مع فعله.
الوقفة الثالثة:
لكل منا طاقات محدودة، ولكل منا طموحاته وأهدافه التي يرمي إلى تحقيقها
في هذه الحياة قبل أن يرحل وتنهي الإمكانات والطموحات؛ ومهما كانت قدرات
الإنسان كبيرة فهي محدودة، ونشاهد في كثير من الأحيان أن طموحاتنا أكبر من
طاقاتنا، وكثير منا يصاب حينذاك بالعجز والإحباط ويؤدي بنا هذا إلى البقاء في
إجازة مفتوحة! !
وهذا مع علمنا أن التكليف على قدر الوسع، ولو أننا باشرنا ما هو ممكن
اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكناً غداً، ولنوضح هذا بمثال صغير، فلو أننا
عمدنا إلى طفل في الخامسة من عمره لم يدخل المدرسة، وطلبنا منه كتابة اسمه
لوجد أن ذلك بالنسبة له مستحيل، فإذا علمناه كتابة حروف اسمه حرفاً حرفاً، ثم
علمناه الوصل بينهما لوجد أن ما كان مستحيلاً قبل ساعة صار الآن ممكناً وهكذا ...
ونحن في كثير من الأحيان نطوف في المجلس الواحد في أنحاء العالم
الإسلامي متألمين لما يحدث للمسلمين، وشاكين من التآمر عليه، ثم ينفض المجلس
على نحو ما انعقد عليه دون أن يستفيد مسلم من شيء مما قلناه، وذلك لأننا لم
نباشر الممكن، وإنما أذهبنا أوقاتنا في الحديث عن أمور لا حول لنا ولا طول في
التأثير فيها! !
ولو أننا تحدثنا بما يصلح أمراً من أمور الحي أو في كيفية جعل فلان من
الناس يرتاد المسجد لكان ذلك أنفع للمسلمين وأبرأ للذمة من شيء مشغولة به.
الوقفة الرابعة:
إن النبي ﷺ تركنا على المحجة البيضاء، ووقع التكليف
من الله تعالي باتباع ذلك المنهج والتزامه على قدر الوسع والطاقة، وهذا التكليف
سنة الله تعالى في الأنبياء ﵈ وسنة أممهم؛ فقد مكث نوح -عليه
السلام- يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين، وكانت حصيلته في ذلك وصف الله تعالى: [وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ] [هود ٤٠] نعم إنهم قليل حملتهم سفينة واحدة ومع ذلك
فإن نوحاً ظل رسولاً من أولي العزم الأبرار، ذلك لأن المنزلة على مقدار الجهد
الموافق للمنهج المنزل، وليس على مقدار ما يحقق من نجاح وفلاح.
ولكن الذي يحدث في بعض الأحيان أننا نضع أهدافاً معينة نريد الوصول إليها
عاجلاً، ولو كانت هذه الأهداف تستدعي الضغط على المنهج أو القفز عليه أو
الانحراف عنه، وحين يحدث ذلك تفقد الدعوة انسجامها الذاتي كما تهتز الفلسفة
النظرية التي تستند إليها؛ وربما أدى ذلك إلى استعمال وسائل غير مشروعة.
ولا يعني هذا أن نعفي أنفسنا من عمليات المراجعة، بل يعني أن المراجعة
المطلوبة هي التأكد من موافقة أساليبنا ووسائلنا للمنهج الرباني الذي تعبدنا الله تعالى
باتباعه والحركة على هديه.
стр. 360
شوال - ١٤٠٩هـ
مايو - ١٩٨٩م
(السنة: ٣)
стр. 361
الافتتاحية
ثلاث سنوات من عمر البيان
بصدور هذا العدد: الثامن عشر؛ تكون مجلة البيان قد أكملت ثلاث سنوات
من عمرها. ومع ما وجدناه من التشجيع والشد على الأيدي، وما لمسناه من مظاهر
الاستحسان والاحتفال؛ فإننا نتطلع إلى التشجيع والاستحسان العملي، لاعتقادنا أن
مجلة (البيان) ليست منبراً تعليمياً، ولا صوتاً توجيهياً، بل انعكاس لصورة فكر
موجود في الواقع، وصدى لحقيقة لا يمكن تجاهلها أو طمسها رغم القيود
والتشويهات.
إن إصدار مطبوعة إسلامية، والمحافظة على استمرار صدورها، من أشد
التحديات التي تواجه المسلم في هذا العصر صعوبة؛ فما بالك إذا أريد لهذه
المطبوعة من المواصفات ما يضيق عليها دائرة الاختيار؟ ! .
ولكن كل الصعوبات الموجودة والمرتقبة لا ينبغى أن تثنى العزائم عن
التصميم والتفكير في الطرق التي تساعد على إيصال الفكر السليم إلى الناشئة
الإسلامية المتعطشة إلى المعرفة.
وإذا كنا قد التزمنا - خلال السنوات الثلاث الماضية - بما رسمناه لأنفسنا من
منهج فإننا نتطلع - فوق ذلك الالتزام - إلى أن نرفع من مستوى (البيان) كمًّا
ونوعًا، فمن حيث الكم سوف تتحول المجلة إلى شهرية، ومن حيث النوع؛ سوف
نحاول أن نتلافي ما يشكو منه القراء من طول المقالات وسنحرص على التنوع ما
أمكننا ذلك.
وهناك مسألة نحب توضيحها فيما يتعلق بشكل المجلة، فقد يعمد بعض
القراء -عن حسن نية- إلى مقارنة شكلها بمطبوعات أخرى تعتمد الألوان والصور
والأشكال والرسوم، وهذه المقارنة قد لا تتناسب مع واقع كل مجلة، فلكل وجهة
هو موليها، ومنذ البداية أردنا للبيان أن تنصرف انصرافاً كليًّا إلى الفكر، وتبتعد
عن التسلية والترويح لاعتقادنا أن أبواب التسلية والترويح ومجالات الترفيه عن
القارئ مخدومة بشتى أنواع الخدمة، والقارئ الذي لا تستثار شهية القراءة عنده إلا
بالحيل والبهارج والمشهيات التي لا تجدي، بل تضر أحياناً؛ ليس عندنا القدرة
على إرضاء تطلعاته، ولم ننشئ البيان - يوم أنشأناها - إلا لتخاطب العقول الجادة، والنفوس المتطلعة إلى الفكر الإسلامي الأصيل، هذا فضلاً عن موقفنا المبدئي من
الصور وتزيين الصفحات بها.
إن أي مجلة لا يمكن أن ترضى جميع الأذواق، وإن المجلات التي تحرص
على إرضاء أكبر مساحة من الناس غالباً ما تكون أهدافها تجارية خالصة تهدف
بالدرجة الأولى إلى زيادة التوزيع.
ومع أن مجلة البيان تحب وتحرص على زيادة التوزيع، ليعم نفعها، ويتعمق
طريقها؛ لكنها لا تجعل من زيادة التوزيع هدفاً يتحكم بمادتها فتنصرف من العمق
إلى السطحية، ومن المحافظة على الشخصية إلى اللهاث وراء التقليد.
وإن ما وعدنا به وطبقناه أننا سوف لن نضيق ذرعاً عن قبول أي مشاركة
جادة، دون اعتبار للأشخاص، بشرط أن يكون المحتوى متفقاً مع المنهج العام
للمجلة، والمبين في افتتاحية العدد الأول، وننبه أيضاً إلى أن ما لم ننشره مما
أرسل إلينا لا ينبغي أن يصرف عن متابعة المشاركة، فقد يكون ما أرسل صحيحاً
في ذاته، ولكن عناصر الصلاحية التي لابد من توفرها فيما ينشر ليست مكتملة،
فقد يكون الموضوع عولج بطريقة تصلح أن تكون موعظة لا مقالة في مجلة، وقد
يحتوي موضوع على عبارات يكون فيها نظر، ولا نستطيع حذفها أو الإبقاء عليها
لاعتبارات متنوعة، وقد يكون الموضوع مكرراً ومطروقاً بكثرة ...
لقد سعينا منذ البداية أن لا نضمن البيان إلا السليم من الأدلة:
قرآنا يتلى، أو سنة صحيحة عن النبي ﷺ تروى، فلئن
حدث مرة أن اختل هذا الشرط فهو من الخطأ غير المقصود، وخاصة بالنسبة إلى
توثيق الأحاديث، فالأصل أن لا نستشهد بحديث إلا إذا توفرت فيه شروط
الاستشهاد سواء ذكرنا تخريجه في الهامش أم لا، فمن وجد حديثاً غير مخرج
فالأصل أن يكون صحيحاً، فمن وجد من خلال البحث أن هذه القاعدة قد اختلت فله
أن ينبهنا إلى ذلك مشكوراً، ورحم الله امرئ أهدى إلينا عيوبنا.
وأخيراً فإننا نرجو أن نكون عند ظن الإخوة القراء بنا، ولا يسعنا إلا أن
نزجي الشكر إلى كل من شاركنا ويشاركنا سواء بالمقالات أو بالاقتراحات، قياماً
بواجب الدعوة الإسلامية وإيصال الكلمة الطيبة إلى طالبيها - والله الموفق، وهو
الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 362
في الولاء والبراء
هجر المبتدع
-٣ -
الشيخ/ بكر أبو زيد
ملخص ما سبق:
الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على هجر المبتدع ديانة، وقد ذكر آية
سورة الأنعام، والآن يشرع في الدليل الثاني.
٢ - ومنها قوله تعالى: النساء ١٤٠:
[وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذاً مِّثْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ
والْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً]
قال القرطبي رحمه الله تعالى ما محصله:
(فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن
من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله : [إنَّكُمْ
إذاً مِّثْلُهُمْ] فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر
سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على
النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية..
وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى [١] ... وروى جويبر عن الضحاك قال: (دخل في هذه الآية كل محدث في الدين
مبتدع إلى يوم القيامة) [٢] . وقال القرطبي أيضاً رحمه الله تعالى عند قول الله
تعالى: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ، ومضى في النساء، وهذه السورة النهي عن
مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: [وإذَا رَأَيْتَ
الَذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا] الآية، ثم بين في سورة النساء، وهي مدنية. عقوبة
من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: [وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ] الآية،
فألحق من جالسهم بهم.
وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات في
مجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم: أحمد بن حنبل والأوزاعي،
وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: ينهى عن
مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم، يعنون في الحكم) [٣] .
وقال الشوكانى رحمه الله تعالى:
(وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب:
دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة
الشرعية كما يقع كثيراً من أسراء التقليد...) [٤] .
٣- ومنها قوله تعالى في سورة هود/ ١١٣:
[ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ
ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
(الصحيح في معنى هذه الآية أنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصى
من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية إذ الصحبة لا تكون إلا عن
مودة، وقد قال حكيم - أي طرفة بن العبد -: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول
فيها في: آل عمران، والمائدة، وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال
الاضطرار، والله أعلم) [٥] .
٤-ومنها قول الله تعالى:
[لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ
كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم] [المجادلة: ٢٢] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
(استدل مالك رحمه الله تعالى من هذه الآية على معاداة القدرية، وترك
مجالستهم، قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله لقوله تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ] قلت: وفي
معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان) [٦] .
ثانياً - ومن السنة النبوية:
وهي كثيرة يترجم لها المحدثون في عدة أبواب:
أ - ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى: باب الهجرة وقول رسول الله -
ﷺ : لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث. وباب ما يجوز
من الهجران لمن عصى. وباب من لم يسلم على من اقترف ذنباً، ومن لم يرد
سلامه حتى تتبين توبته وإلى متى تتبين توبة العاصي؟ وقال عبد الله بن عمرو: لا
تسلموا على شربة الخمر [٧] .
ب - وفي سنن أبي داود رحمه الله تعالى: باب مجانبة أهل الأهواء أو
بغضهم، وباب ترك السلام على أهل الأهواء [٨] .
ج -وفي رياض الصالحين للنووي رحمه الله تعالى: باب تحريم الهجر بين
المسلمين إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بالفسق [٩] .
د- وفي شرح السنة للبغوي رحمه الله تعالى: باب مجانبة أهل الأهواء [١٠]
هـ- وفي الترغيب والترهيب للمنذري رحمة الله تعالى: الترهيب من سب
الأشرار وأهل البدع لأن المرء مع من أحب [١١] .
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» رواه مسلم في مقدمة صحيحه [١٢] .
قال البغوي رحمه التعالى بعده: (قد أخبر النبي لهم عن افتراق هذه الأمة،
وظهور الأهواء والبدع فيهم، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته، وسنة أصحابه رضي
الله عنهم، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلاً يتعاطى شيئاً من الأهواء والبدع معتقداً، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حياً وميتا، فلا يسلم
عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق) [١٣] .
والنهي عن الهجران فوق ثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق
الصحبة والعشرة دون ما كان كذلك في حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع
دائمة إلى أن يتوبوا) اهـ.
٢- عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا
تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
رواه أحمد، والطبراني والحاكم [١٤] .
والأحاديث بمعناه كثيرة عن حذيفة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو،
وعمر، وابن عباس، وغيرهم رواها جميعاً الإمام أحمد في مسنده، وشاركه في
رواية بعضها: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والطبراني، وغيرهم. والله أعلم..
٣-عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ
هذه الآية [هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ
ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ومَا
يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] قالت: قال رسول الله ﷺ :
(فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)
متفق عليه [١٥] .
وابتغاء المتشابه من مآخذ أهل البدع في الاستدلال، وقد حذر النبي -صلى
الله عليه وسلم- منهم بقوله: «فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» .
٤ - حديث الصحيفة المشهور عن علي ﵁ عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- وفيه: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو
آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ... » الحديث متفق عليه [١٦] .
٥ - حديث: «سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم
على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض» [١٧] رواه
الترمذي.
٦-وعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: «ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون
وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف:
يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن
جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من
الإيمان حبة خردل» رواه مسلم [١٨] .
٧ - الأحاديث المتكاثرة في: هجر النبي لأهل المعاصي حتى يتوبوا، ثبت
ذلك في وقائع متعددة، رواها عن النبي ﷺ جماعة من
الصحابة ﵃، منهم: كعب بن مالك، وابن عمرو روى حديثين،
وعائشة وأنس، وعمار، وعلي، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم رضي الله
عنهم [١٩] .
فهجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ﵃
لما تخلفوا عن غزاة تبوك، واستمر هجرهم خمسين ليلة، حتى آذن رسول الله -
ﷺ بتوبة الله عليهم (رواه الشيخان وغيرهما) .
وهجر ﷺ زينب بنت جحش ﵂ قريباً من
شهرين لما قالت أنا أعطبى تلك اليهودية - تعنى صفية ﵂. رواه أبو
داود من حديث عائشة ﵂.
وهجر ﷺ صاحب القبة المشرفة بالإعراض عنه حتى
هدمها. رواه أبو داود من حديث أنس ﵁.
وهجر ﷺ عمار بن ياسر ﵁ بتركه -صلى
الله عليه وسلم- رد السلام عليه لملابسته الخلوق حتى غسله. رواه أبو داود في
سننه والطيالسي كلاهما من حديث عمار ﵁.
وهجر ﷺ رجلاً بالإعراض عنه؛ لأنه كان متخلقاً
بخلوق.. رواه البخاري في: الأدب المفرد من حديث علي بن أبي طالب رضي
الله عنه.
وهجر النبي ﷺ رجلاً رأى في يده خاتماً من ذهب حتى
طرحه، وكان هجره له بالإعراض عنه. رواه أحمد والبخاري في: الأدب المفرد
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
ونحوه من حديث أبي سعيد الخدري رضي إلى عنه (رواه النسائي والبخاري
في: الأدب المفرد) .
وهجر النبي ﷺ رجلاً بترك رد السلام عليه وذلك لأن
عليه ثوبين أحمرين (رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي) .
فهذه الأحاديث وما في معناها نص في مشروعية هجر العاصي المجاهر بمعصيته
حتى يتوب ويفيء، وعليه: فإن الاستدلال بها على هجر المبتدع هو من باب
الأولى في الدلالة على: مشروعية هجره ديانة لاسيما وهو المخصوص بأوصاف:
البدعة في الدين، والإحداث والضلال، دون العاصي، وإلى هذا أشارت تراجم
جماعة من المحدثين على هذه الأحاديث وما في معناها كما تقدم في صدر هذه الأدلة
من السنة، والله أعلم.
٨ - توظيف الصحابة ﵃ فَمَن بعدهم لهذه السنة النبوية.
والصحابة ﵃ فمن بعدهم تقفوا أثر النبي ﷺ
في هجر المتلبس بالمعصية المجاهر بها حتى يفيء. ورد ذلك عن جمع غفير
منهم [٢٠] :
عمر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد
الله بن مسعود، وعبد الله بن المغفل المزني، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء،
وسمرة بن جندب، وشيخ من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم
﵃.
وعن سعيد بن جبير، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والحسن
البصري، وأحمد بن حنبل، وزياد بن حدير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم
رحمهم الله تعالى..
فإلى ذكر بعضها مختصراً: فهجر عمر ﵁: زياد بن حدير لما
رأى عليه طيلساناً وشاربه عافيةً، إذ سلم زياد فلم يرد عليه عمر السلام حتى خلع
الطيلسان وقص شاربه. رواه أبو نعيم في الحلية.
تنبيه:
كيف بنا اليوم، ونحن نتهلل بالحفاوة لمن يحلق لحيته ويعفي شاربه، ويتشبه
بلباسه.
وعلي بن أبي طالب ﵁. كان يعتقل أصحاب النرد غدوة ونحوها، وينهى عن السلام عليهم. رواه البخاري في الأدب المفرد، وترجم له بقوله:
باب من لم يسلم على أصحاب النرد.
وهجر عبد الله عمر ﵄. رجلاً رآه يخذف بعدما أعلمه أن النبي
ﷺ -كان ينهي عن الخذف. وقال: والله لا أكلمك أبداً. رواه
الحاكم.
وهجر عبد الله بن المفضل ﵁: رجلاً يخذف في نحو قصته.
وهجر شيخ من أصحاب رسول الله ﷺ : فتى كان يخذف. رواه الدارمي.
وعبادة بن الصامت ﵁ هجر معاوية ﵁ في مخالفته
له في مسألة ربوية وقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ
وتحدثني عن رأيك لئن أخرجنى الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، ولما
خرج شكاه إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر: لا إمرة لك عليه واحمل
الناس على ما قاله فإنه هو الأمر. رواه ابن ماجه.
ونحو هذه الرواية وقعت لأبي الدرداء مع معاوية ﵄. رواها:
مالك، والشافعي.
وهجر عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً رآه يضحك في جنازة، فقال. والله لا أكلمك أبداً. رواه أحمد في: الزهد.
*يتبع *
стр. 363
مصطلحات قرآنية
الضلال
يطلق لفظ الضلال في اللغة العربية على ثلاثة إطلاقات:
١- يطلق الضلال مراداً به الذهاب عن حقيقة الشيء فتقول العرب في كل
من ذهب عن علم حقيقة شيء: ضل عنه، وهذا الضلال ذهاب عن علم شيء ما
وليس من الضلال في الدين.
ومن هذا المعنى قوله: [قَالَ فَعَلْتُهَا إذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ] [الشعراء: ٢٠]
أي من الذاهبين عن علم حقيقة العلوم، والأسرار التي لا تعلم إلا عن طريق الوحى، لأني في ذلك الوقت لم يوح إلي، ومنه على التحقيق [ووَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى] أي
ذاهبًا عما علمك من العلوم التي لا تدرك إلا بالوحى.
ومن هذا المعنى قوله تعالى: [قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي
ولا يَنسَى] فقوله [لاَّ يَضِلُّ رَبِّي] أي لا يذهب عنه علم شيء كائناً ما كان،
وقوله تعالى: [فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن
تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى] فقوله: [أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا] : أي تذهب
عن علم حقيقة المشهود به بدليل قوله بعده [فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى] . وقوله
تعالى عن أولاد يعقوب: [إنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] وقوله: [قَالُوا تَاللَّهِ إنَّكَ
لَفِي ضَلالِكَ القَدِيمِ] على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلاً، أراها في الضلال تهيم
٢ - الإطلاق الثاني: وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن هو إطلاق
الضلال على الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر، وعن طريق الحق إلى الباطل، وعن طريق الجنة إلى النار، ومنه قوله تعالى: [غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضَّالِّينَ] .
٣ - هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال، تقول العرب ضل
الشيء إذا غاب واضمحل، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام إذا غاب واضمحل، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالاً لأن المدفون تأكله الأرض فيغيب
فيها ويضمحل.
ومن هذا المعنى قوله تعالى [وقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ] يعنون إذا دفنوا
وأكلتهم الأرض فضلوا فيها أي غابوا فيها واضمحلوا.
قال المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم:
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم
فقوله. أضلت: أي دفنت.
أضواء البيان ٦/٣٧١
стр. 364
بيان السنة للقرآن
-١ -
الشيخ مسفر الدميني
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله، وبعد.
فهده آيات من كتاب الله أسوقها، ذاكرًا ما جاء في السنة النبوية من بيان لها،
وكذا ما جاء عن أصحاب رسول الله -_- ﷺ وسلفنا الصالح من
تفسير لها، معلقاً على ذلك بما تيسر، معترفًا بين يدي ذلك بقلة بضاعتي، وضعف
صناعتى، لكنه جهد المقل.
قال تعالى [قُلْ إن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ
يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ومَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أْن يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]
[البقرة: ٩٤-٩٦] .
هذه الآيات نزلت في اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله -
ﷺ ذلك أنهم دُعُوا إلى دين الإسلام ومتابعة نبيه محمد -صلى الله
عليه وسلم- فأبوا، وادعوا أن الآخرة لهم خاصة دون بقية الناس، وأنهم أبناء الله
وأحباؤه، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم حسمًا للخلاف،
وإظهاراً للحق وهي المباهلة (من البَهْل وهو اللعن، وأصله أن يجتمع القوم إذا
اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا) بأن يدعوا بالموت على أي
الفريقين هو الكاذب، لكنهم نكلوا عن المباهلة وأحجموا عن الإقدام عليها، لما
يعلمون من كذبهم أنفسهم في دعواهم أن الجنة لهم خالصة من دون المؤمنين.
روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله
ﷺ : «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من
النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا
يجدون أهلاً ولا مالاً» [١] .
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن
رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطاً
على عنقه، قال: فقال يعني رسول الله ﷺ «لو فعل لأخذته
الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو
خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا
أهلاً» [٢] .
وعن ابن عباس قال: قال الله لنبيه ﷺ : [قُلْ إن كَانَتْ
لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ]
أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما
بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.
وقال ابن عباس أيضاً: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بِرِيقِه، ولو تمنى
اليهود الموت لماتوا [٣] .
لقد فضحهم الله بهذه الآيات، خاصة أحبارهم وعلماءهم الذين يعرفون رسول
الله كما يعرفون أبناءهم، وكأنه يقول لهم: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك
غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن
أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا
ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون من
أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المحقون ونحن
المبطلون في دعوانا، فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى
ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد
في آخرتها.
وهذه المباهلة بين رسول الله ﷺ وبين يهود لم تكن
باللعنة بل بالموت؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولأن الحياة
عند اليهود عزيزة عظيمة فهم يخافون الموت لما يعلمون من سواء مآلهم بعده، ولو
كانوا واثقين من الآخرة أنهم من أهل الجنة لما فَرَقوا من الموت وخافوه، وأيضاً لو
كانوا واثقين من صواب وصدق ما هم عليه من دين لما نكلوا عن المباهلة، لكنهم
يعلمون صدق نبوة محمد ﷺ وزيف ما يدعونه من تمسك
بالتوراة ولذا كان أملهم في الآخرة معدوماً وتمسكهم بالحياة مضرب المثل، وهذا ما
يؤكد قوله تعالى: [ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ
أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ومَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أْن يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ] نعم يحرصون على (حياة) أي حياة، سواء كانت ذليلة ومهينة أو كانت
كريمة، لا يهمهم نوع الحياة ولا صفتها بقدر ما يهمهم بقاء الحياة والسلامة من
الموت، فالموت يخيفهم ويرهبهم، فبه تنقض ملذات الحياة الدنيا ويبدءون مرحلة
جديدة في عذاب الآخرة.
لقد كانت دعوتهم تلك - بأن الآخرة لهم خالصة من دون المؤمنين -التي
أطلقوها لخلخلة الصف المسلم وإضعاف ثقة المؤمنين في نبيهم وفي دينهم وفيما
يعدهم به من الجنة والنعيم المقيم في الآخرة، فإذا كان اليهود صادقين فيما ادعوه،
ونشروه في المجتمع المسلم من أن الآخرة لهم فقط وليس للمسلمين فيها نصيب
فلماذا يخافونها؟ ولماذا نكلوا عن المباهلة بطلب موت الكاذب من الفريقين؛ لقد
كانت مباهلة رسول الله ﷺ لليهود بأن يدعوا بالموت على
المبطل حجة دامغة بهتهم بها، وألجم ألسنتهم وأظهر خزيهم وضلالهم وعنادهم،
ولو كانوا محقين في دعواهم لتمنوا الموت لكنهم يعلمون بل يتيقنون أنه لا نصيب
لهم في الآخرة، ولذا يزداد حرصهم على الحياة الدنيا مهما كان فيها من ذلة لهم
وصغار.
وحب الدنيا وكراهية الموت أمر فُطر عليه الخلق، لكن المؤمن بالله وباليوم
الآخر إذا احتيج إليه في ساحة القتال ذهب عنه ماكان يجده في نفسه من حب الحياة، وحل محله حب الجنة وما أعد الله فيها للشهداء الصادقين، فتراه يحرص على
الشهادة في سبيل الله حرص عدوه على الحياة الدنيا، ومن هنا جاءت المعادلة التي
يترجح بها الصف المسلم على ضِعْفِه من العدو الكافر، فالمؤمن بما يحمله من إيمان
بالله وحب في الفوز بما أعده الله لمن يقتل في سبيله، ويقين بأن الجنة مثوى
المؤمنين الصادقين بما عاهدوا عليه الله، يمكنه بكل ذلك أن يواجه أضعافه عدداً
وعدة.
وإذا كان حب الحياة ينزوي - عند المؤمن - في ساحات القتال ويذهب عنه
الخوف من الموت وكراهيته له، فإن هذا الخوف وهذه الكراهية للموت تذهب عن
المؤمن قبيل موته، ولو لم يكن مجاهداً وذلك عندما يبشر برحمة الله ورضوانه،
وإن ما نجده الآن في أنفسنا من خوف ورهبة وكراهية للموت سيزول عنا إن كنا
ممن آمن وعمل صالحًا وآثر الآخرة على الله الدنيا.
ونجد مصداق هذا في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -
ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره
الله لقاءه» فقالت عائشة ﵂. يا رسول الله كراهية لقاء الله أن يكره
الموت، فوالله إنا لنكرهه. فقال: «لا ليس بذاك. ولكن المؤمن إذا قضى الله عز
وجل قبضه فرج له عما بين يديه من ثواب الله وكرامته فيموت حين
يموت وهو يحب لقاء الله ، والله يحب لقاءه. وإن الكافر والمنافق إذا
قضى الله قبضه فرج له عما بين يديه من عذاب الله وهوانه
فيموت حين يموت وهو يكره لقاء الله، والله يكره لقاءه» رواه الإمام أحمد في
مسنده ٦/٢١٨. ونحوه عند النسائى وفيه قال:
«لا إنما ذاك عند موته، إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله فأحب
الله لقاءه، وإذا بشر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه» [٤] .
وإذن فكراهية الموت أمر طُبع عليه الناس، لكن المؤمن الصادق العامل
الداعي إلى الخير يبشر عند موته برحمة الله ومغفرته فيذهب عنه الخوف من
الموت وتتبدل كراهيته له حباً له إذ فيه لقاء الله الذي آمن به وأحبه واتبع دينه
ورسوله ﷺ . لكن هذا الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من ذل
ومهانة وتحكم لليهود في بلادها ومصالحها وعلاقاتها، أتراه يذهب؛ وكيف؟ ومتى؟ وماذا ينقص المسلمين من العَدَد والعُدد حتى يستردوا هيبتهم وكلمتهم، ويستلموا
قيادة العالم ليدلوه على الطريق السوي؟ .
أما ذهاب هذا الذل وهذه المهانة فهو الأمل الذي تعيش له الأجيال المسلمة،
والأمة التي لا أمل لها لا مستقبل لها، وكيف نعيش حياة لا أمل لنا في زوال الذل
عنها؛ إن الأمل في الشباب المسلم المؤمن بربه المتمسك بدينه على بصيرة؛ هو
أمل فيما عند الله من نصر وتأييد لمن صدق وصبر وسار على الدرب الصحيح.
أما كيف؟ ومتى؟ فهذا ما ستقرأه في العدد القادم إن شاء الله تعالى. وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 365
خواطر في الدعوة
ظاهرة التعلق بالأشخاص
محمد العبدة
هل صحيح أن كثيراً من المسلمين تخلوا عن نزعة التعلق بالأشخاص؟ وهل
تخلوا عن شغفهم بأن يكونوا مريدين لشيخ؟ .
نعم، تخلوا عن ذلك ظاهرياً وذهبت هذه النزعة نظريًّا على الأوراق في
الكتب والمقالات، ولكن الحقيقة التي في داخلهم تقول. لا، فهم أبداً يمارسون هذا
الدور ويحبون ممارسته، فهو مرض عضال، لقد تخلوا عن الشيخ بالمعنى
الصوفي، ولكن تعلقوا بالزعيم والقائد والحزب ولافتات وأسماء حلت محل الشيخ
في القداسة والعصمة، فهم يحنون إلى هذا الشيخ الجديد كما يحن الفصيل إلى أمه،
فتجدهم ينتظرون الكلمة والإشارة من فمه، فكل ما ينطق به صواب، ويتناقلون
كلامه وخطبه وأحاديثه أينما ذهبوا وحيثما حلوا، لاشك أنك ترى عجباً من الأمر،
وتحاول أن تردهم عن هذا ولكنهم يرجعون إليه بأساليب وأشكال أخرى، كأنهم
أطفال يلوذون بأمهم، لا يستطيعون التصرف وحدهم، نعم إنهم أطفال كبار! .
- وتسألني عن الدواء؟ الدواء هي التفكر فيما جنته هذه التربية العقيمة على
المسلمين قديمًا وحديثًا، الدواء هو استعادة الماضى القريب، ولا أقول البعيد لنرى
ما جرّ هذا المرض على الشباب، من كوارث وأخطاء، الشباب الذي يفغرون
أفواههم دهشة وغباء وإعجاباً عندما يسمعون خطبة رنانة من دعي على العلم
والدعوة، لا يفرقون بين العالم، ومن يدعي أنه عالم، ولا بين المخلص والمنافق،
ويستغلهم هؤلاء للوصول إلى مآربهم الدنيوية، ويقولون للآخرين: انظروا هذه
الجموع التي تسير خلفنا، ويفهم الآخرون هذه الإشارة فيعطونهم بعض المكاسب
الرخيصة، وإلى أجل أيضاً.
ونحن نتكلم هنا عن التعلق المرَضي بالأشخاص، الذي لا يستقيم معه حال،
ولا يرجى له مآل، لأن هذا التعلق إنما هو مؤشر على مستوى للتفكير، وعلى
مرحلة من مراحل التدرج بالإنسان، فقد يكون الإنسان ذكياً أو كبيرًا في السن ولكن
عمره الاجتماعى لا يزال في مرحلة الطفولة. ولا يعني هذا عدم المتابعة والمحبة
للعلماء العاملين والدعاة المخلصين والاستفادة من تجربتهم واحترامهم وتوقيرهم،
فهذا لا بد منه، فالحق وإن كان قوياً بذاته لكن لابد من أشخاص يحملونه.
وإذا سألتني: كيف نعرف هؤلاء من أولئك، حتى نستفيد من الدعاة العاملين؟ فأقول: من ثمراتهم تعرفهم.
стр. 366
قضايا فقهية
قواطع الأدلة
في الرد على من عول على الحساب في الأهلة
الشيخ حمود بن عبد الله التويجري
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فقد رأيت مقالاً لأحمد بن عبد العزيز اللهيب.، نشرته جريدة الرياض في
عددها ٧٢٦٤، الصادر في يوم الجمعة، الموافق للسابع والعشرين من شهر
رمضان سنة ١٤٠٨هـ، وعنوان هذا المقال (الشهر الشرعي والتقاويم الهجرية
المتداولة) .
وقد اشتمل هذا المقال على عدة أمور عظيمة الضرر على الكاتب وعلى كل
من اتبعه على قوله الباطل.
أولها: الابتداع في الدين والشرع فيه بما لم يأذن به الله.
الثاني: مخالفة النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في اعتبار دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال أو إتمام العدة ثلاثين يوماً إذا لم ... ير الهلال.
الثالث: لأخذ بما نفاه رسول الله ﷺ عن أمته من العمل بالحساب في دخول الشهر وخروجه.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن الأخذ
بالحساب أو الكتاب قد صرح رسول الله ﷺ بنفيه عن أمته
والنهي عنه. قال: وما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام
ما ليس منه فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع. انتهى.
وهو مذكور في صفحة ١٧٩ من المجلد الخامس والعشرين من مجموع
الفتاوى. وقال أيضاً في صفحة ١٨٢ من المجلد المذكور. إن الأخذ بالحساب من
زلات العلماء.
وقال أيضاً في صفحة ٢٠٧ من المجلد المذكور: لا ريب أنه ثبت بالسنة
الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم كما ثبت عنه
في الصحيح أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته» ، والمعتمد على الحساب في الهلال؛ كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في
الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا
تنضبط بأمر حسابي. انتهى.
وقال أيضاً في صفحة ١٣٢، ١٣٣ من المجلد المذكور: إنا نعلم بالاضطرار
من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير
ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه لا يرى لا يجوز، والنصوص
المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من
المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في
حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول
وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه.
فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم. انتهى.
الرابع: مخالفة السنة الثابتة عن النبى ﷺ في قبول شهادة العدول من المسلمين على رؤية الهلال في دخول شهر رمضان وخروجه والعمل بها وقد قال الله تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] . قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
الخامس: تقديم العمل بالحساب على العمل بالسنة، وهذا من الشرع في الدين بما لم يأذن به الله.
السادس: بلبلة أفكار العوام وبعض المنتسبين إلى العلم وتشكيكهم في شهادة العدول على رؤية الهلال في دخول شهر رمضان وخروجه.
السابع: الطعن في الشهود العدول ورميهم بالتسرع في تأدية الشهادة، وقد صرح بذلك في قوله: إن الشاهد حينما يرى الشهر في التقويم ناقصاً فإنه يقوى عزمه بالتسرع بتأدية الشهادة، كذا قال. وهذا من سوء الظن بالشهود الذين يشهدون على رؤية الهلال، والطعن فيهم بمجرد ظنه أنهم يعتمدون في شهادتهم على التقويم.
الثامن: الطعن في القضاة ورميهم بالتساهل في قبول الشهادة على رؤية الهلال، وقد صرح بذلك في قوله. وكذلك القاضي تزيد ثقته بالشهادة لأنه يحسب أن ذلك من توافق الرؤية مع الحساب الصحيح والواقع بخلاف ذلك. كذا قال. وهذا من سوء الظن بالقضاة، وقد قال الله تعالى: [إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] .
التاسع: الطعن في ولاة الأمر الذين - يعملون بحكم القضاة بقبول شهادة العدول على رؤية الهلال ويأمرون الرعية بالعمل بشهادتهم.
العاشر: زعمه أن العمل بالحساب أضبط وأيسر مما كان عليه الأمر في عهد السلف الصالح ومن بعدهم.
والجواب أنه يقال هذا الزعم خطأ مردود بقول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في
الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين» رواه الإمام أحمد والبخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في الرد على الذين يحسبون مسير
القمر أنه ليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلاً، بل أية طريقة سلكوها فإن الخطأ
واقع فيها فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حساباً مستقيماً، بل لا يمكن أن
يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلا الرؤية.. إلى أن قال: اعلم أن المحققين من أهل
الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى
لا محالة أو لا يرى البتة على وجه مطرد وإنما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض
الأوقات. انتهى، وهو في صفحة ١٨٢، ١٨٣من المجلد الخامس والعشرين من
مجموع الفتاوى.
وقال أيضاً في صفحة ١٧٤ من المجلد المذكور: إن أرباب الكتاب والحساب
لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر، وإنما يقربون ذلك فيصيبون
تارة ويخطون أخرى. وقال أيضاً في صفحة ٢٠٨ من المجلد المذكور: إن طريقة
الحساب ليست طريقة مستقيمة ولا معتدلة، بل خطؤها كثير وقد جرب. وهم
يختلفون كثيراً هل يرى أم لا يرى، وسبب ذلك أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم
بالحساب فأخطئوا طريق الصواب، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا
الموضع وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح.
انتهى.
الحادي عشر: إنكار ما هو ثابت بالتواتر من رؤية الهلال في أول النهار في المشرق ثم رؤيته بعد الغروب في ذلك اليوم من المغرب، وهذا يقع كثيرًا في أيام الصيف الطوال. وقد أخبرنا بعض الثقات برؤيتهم له في أول النهار وبعد الغروب في ذلك اليوم. والأخبار بهذا كثيرة ومستفيضة فلا وجه لإنكارها لأن إنكارها صريح في المكابرة.
الثاني عشر: حكايته الاتفاق على القول الشاذ الذي نقله عن ابن قتيبة والمراكشي ومفتي قطر، وهو زعمهم أنه لا يمكن أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشمس وبالعشي خلف الشمس في يوم واحد، وهذا القول الشاذ مردود بما هو ثابت بأخبار كثيرة من الثقات برؤيتهم الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشمس ثم رؤيتهم له بالعشي خلف الشمس، ومن أنكر أخبار الثقات فقوله هو المنكر في الحقيقة، وأما حكاية الاتفاق على القول الشاذ الذي ذكره صاحب المقال الباطل فلا شك أنه من المجازفة والقول بغير علم.
الثالث عشر: اعتماده على ظنه وحسابه في دخول شهر شوال في سنة ١٤٠٨ هـ فقد زعم أن القمر سيغرب قبل غروب الشمس يوم الأحد الموافق للتاسع والعشرين من رمضان، وقد ظهر خطؤه في ظنه وحسابه الذي ليس بمنضبط وذلك بثبوت رؤية الهلال في ليلة الاثنين في عدد من المدن والقرى في المملكة العربية السعودية، ورؤي أيضاً في غير المملكة العربية من البلاد المجاورة لها كما قد ذكر ذلك في بعض الإذاعات.
الرابع عشر: خطؤه في تحديد وقت صلاة الظهر ووقت صلاة العصر حيث جعل آخر وقت الظهر هو أول وقتها وجعل آخر وقت الاختيار لصلاة العصر هو أول وقتها، ومن كان بهذه المثابة من الجهل بوقت صلاة الظهر، وصلاة العصر فينبغي
له أن يعرف قدر نفسه ولا يتطاول على القضاة والشهود العدول، ولا يتكلف مالا علم ... له به من معرفة دخول الشهور وخروجها بمجرد حسابه المبني على الظن ... والتخرص، فقد قال الله تعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] وهذا نص عبارته في دخول وقت الظهر ودخول ... وقت العصر، قال: وإذا كان ظل الشيء مثله فقد دخل وقت الظهر وإذا كان مثليه فقد دخل وقت العصر. والجواب: أن يقال هذا خطأ مخالف للنص والإجماع على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس. قال الموفق في المغني: أجمع أهل العلم على أن وقت الظهر إذا زالت الشمس. قاله ابن المنذر وابن عبد البر، وقد تضافرت الأخبار بذلك. انتهى. وقال الخرقي في مختصره: وإذا زالت الشمس وجبت الظهر وإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقتها. وإذا زادت شيئاً وجبت العصر وإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت الاختيار انتهى.
ويدل لقول الخرقى ما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والشافعي وأحمد وأبو
داود والترمذي وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -
ﷺ : «أمَّني جبريل عند البيت فصلى بي الظهر حين زالت
الشمس وكانت بقدر الشراك. ثم صلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله،
ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم
صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، قال: ثم صلى بي الغد
الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء
مثليه، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء في ثلث الليل
الأول، ثم صلى بى الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء
قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين» هذا لفظه عند عبد الرزاق نحوه عند أحمد
من طريق عبد الرزاق، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن
خزيمة والحاكم وأبو بكر بن العربي المالكي، قال الترمذي. وفي الباب عن أبي
هريرة وبريدة وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري وأبي سعيد وجابر وعمرو ابن
حزم والبراء وأنس، ثم روى بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ عن
رسول الله ﷺ قال: «أمني جبريل» فذكر نحو حديث ابن
عباس بمعناه، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال: وقال محمد-يعني
البخاري - أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبى ﷺ
انتهى المقصود من كلام الترمذي ﵀. وقد روى حديث جابر النسائي وابن
حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي وقد تركت تخريج الأحاديث التي أشار إليها
الترمذي إيثاراً للاختصار وبعضها في الصحيح، وفيها مع حديثي ابن عباس وجابر
﵃ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل.
فصل في ذكر النصوص الدالة على اعتبار رؤية الهلال
في دخول الشهر وخروجه ونفي الكتاب والحساب في ذلك
وما جاء في قبول الشهادة على رؤية الهلال والعمل بها
الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا
حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له» رواه مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم
وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وفي رواية لمسلم أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» ثم عقد
إبهامه في الثالثة «فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له
ثلالين» وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي أن رسول الله -
ﷺ قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا
وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة «والشهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني تمام ثلاثين.
ولفظه عند البخاري قال: «إنا أمة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا»
يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاتين. وقد رواه الشافعي عن مالك عن عبد الله بن
دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
قال: «الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ورواه البخاري من طريق مالك بنحوه أخصر
منه. ورواه البيهقي من طرق كثيرة وفي بعضها أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: «إن الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت فإذا رأيتموه فصوموا وإذا
رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له أتموه ثلاثين» وقد رواه ابن خزيمة في
صحيحه بنحوه، وعنده في آخره «فإن غم عليكم فأقدروا له واعلموا أن الشهر لا
يزيد على ثلاثين» رواه الحاكم بنحوه وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي
على تصحيحه.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم
فصوموا ثلاثين يوماً» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، وفي رواية
لمسلم والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين» وقد رواه الترمذي بنحوه،
وقال في آخره: «فعدوا ثلاثين ثم أفطروا» ثم قال: حديث أبي هريرة حديث
حسن صحيح. ورواه الدارقطني وقال في رجاله كلهم ثقات. ورواه أيضاً من عدة
طرق وقال: هذه أسانيد صحاح. وفي رواية لمسلم: «فإن غمي عليكم فأكملوا
العدد» .
وقد رواه البخاري ولفظه: قال النبي ﷺ أو قال أبو
القاسم ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم
فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» .
الحديث الثالث: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى
تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» رواه مالك وأبو داود والنسائي واللفظ
لمالك. وفي رواية أبي داود: «فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا» وفي رواية للنسائي أن رسول الله ﷺ قال: ...
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وقد رواه الإمام أحمد ولفظه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين» . ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن خزيمة والحاكم والذهبي.
الحديث الرابع: عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄
قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال
أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» رواه أبو داود
والنسائي وابن حبان في صحيحه. ورواه ابن خزيمة في صحيحه مختصراً. وفي
رواية للنسائي عن ربعي عن بعض أصحاب النببي ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تكملوا العدة أو
تروا الهلال ثم صوموا، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين» وقد
رواه الإمام أحمد بنحوه وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الدارقطني من
طرق وقال في رجال أحدها كلهم ثقات.
الحديث الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله -
ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم
لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام» رواه الإمام أحمد وأبو داود
وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والدارقطني وقال هذا إسناد حسن صحيح. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث السادس: عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في
اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وسألتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد
شاهد فصوموا وأفطروا» رواه الإمام أحمد والنسائى والدارقطني. وفي رواية أحمد: «وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» وفي رواية الدارقطني: «فإن
شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وأنسكوا» .
الحديث السابع: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله
ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن
غمي عليكم فعدوا ثلاثين يوماً» رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
والبيهقي. قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح.
الحديث الثامن: عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين يوماً» رواه البزار والطبراني في الكبير والبيهقي قال الهيثمي وفيه عمران
بن دوار القطان وثقه ابن حبان وغيره وفيه كلام. قلت: وما تقدم من الأحاديث
الصحيحة يشهد له ويقويه.
الحديث التاسع: عن مسروق والبراء بن عازب ﵄ قالا: قال
رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم
عليكم فأتموا ثلاثين» رواه الطبراني في الكبير.
الحديث العاشر: عن طلق بن علي ﵁ قال: قال رسول الله -
ﷺ : «إن الله جعل هذه الأهلة مواقيت للناس، فإذا
رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين» رواه
الإمام أحمد والطبراني في الكبير والدارقطني، ورواه البيهقي مختصراً ولفظه قال
رسول الله ﷺ «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى
تروا الهلال فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ورواه الإمام أحمد والطبراني أيضاً
مختصراً بنحو رواية البيهقي.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن جابر اليمامي وهو صدوق ولكنه ضاعت كتبه
وقَبِل التلقين، قلت: وما تقدم من الأحاديث الصحيحة يشهد لحديثه ويقويه.
الحديث الحادي عشر: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقدموا هذا الشهر صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته
فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي، قال الهيثمي:
وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه ثقة. قلت: وما تقدم من الأحاديث يشهد له
ويقويه.
الحديث الثاني عشر: عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : «أحصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر
بصوم فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين يوماً ثم أفطروا» رواه الدارقطني.
الحديث الثالث عشر: عن ابن عمر ﵄ قال: تراءى الناس
الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس
بصيامه. رواه أبو داود والدارمي وابن حبان في صحيحه، والدارقطني والحاكم
والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
الحديث الرابع عشر: عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي
إلى النبي ﷺ فقال: أبصرت الهلال الليلة قال: «أتشهد أن لا
إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله» قال: نعم، قال: «يا بلال أذن في الناس
فليصوموا غداً» رواه أهل السنن وابن أبي شيبة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان
في صحيحيهما، والدارقطني والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد
متداول بين الفقهاء ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
الحديث الخامس عشر: عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان
فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول
الله ﷺ الناس أن يفطروا. رواه أبو داود عن مسدد وخلف بن
هشام المقرئ. قال: وزاد خلف في حديثه وأن يفدوا إلى مصلاهم. إسناده عن
مسدد صحيح على شرط الشيخين، وإسناده عن خلف صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الدارقطني من طريق أبي داود، وقال: هذا إسناد حسن ثابت. ورواه
أيضاً من طريق آخر وقال: هذا صحيح. ورواه الإمام أحمد بإسنادين صحيحين
على شرط الشيخين ولفظه عن ربعي بن حراش عن بعض أصحاب النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: أصبح الناس صيامًا لتمام ثلاثين قال: فجاء أعرابيان فشهدا
أنهما أهلا الهلال بالأمس فأمر رسول الله ﷺ الناس فأفطروا.
ورواه الطبراني في الكبير والحاكم في مستدركه من طريق إسحاق بن إسماعيل
الطالقاني حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن ربعي ابن حراش عن أبي مسعود
﵁ قال: أصبح الناس صياماً لتمام ثلاثين فجاء رجلان فشهدا أنهما رأيا
الهلال بالأمس فأمر رسول الله ﷺ الناس فأفطروا، قال
الطبراني: لم يقل أحد في هذا الحديث عن أبي مسعود إلا إسحاق بن إسماعيل
الطالقاني، قال الهيثمي: وهو ثقة.
قلت: وقد وثقه ابن معين ويعقوب ابن شيبة وأبو داود والدارقطني وعثمان
بن خرزاذ وابن حبان وابن قانع، وقال الحاكم بعد إيراد الحديث: صحيح على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الدارقطني بنحوه.
الحديث السادس عشر: عن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.
وقد رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، والدارقطني والبيهقي وقال: هذا
إسناده صحيح، وقال الخطابي: حديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب.
الحديث السابع عشر: عن أبي مالك الأشجعي عن الحسين بن الحارث
الجدلي - جديلة قيس - أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما
فسألت الحسين بن الحارث: مَن أمير مكة؟ قال: ??لا أدري، ثم لقيني بعد فقال:
هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب. ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم
بالله ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله ﷺ وأومأ بيده إلى
رجل. قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي، مَن هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال:
هذا عبد الله بن عمر وصدق، كان أعلم بالله منا، فقال: بذلك أمرنا رسول الله -
ﷺ ، رواه أبو داود وإسناده حسن. ورواه الدارقطني مطولاً
بنحو رواية أبي داود ومختصراً لم يذكر قوله في عبد الله ابن عمر ﵄
وقال في إسناد المختصر إسناده متصل صحيح.
قال ابن الأثير في جامع الأصول: النسك العبادة والمراد به ههنا الصوم.
فصل
وقد اشتملت الأحاديث التي تقدم ذكرها على فوائد كثيرة من الأحكام التي
تتعلق بصيام رمضان والفطر منه.
الأولى: تواتر الأحاديث بالأمر بصيام رمضان لرؤية الهلال، والفطر منه لرؤية هلال شوال وإتمام العدة ثلاثين يوماً إذا لم ير الهلال. وفيها، بل في كل حديث منها أبلغ رد على صاحب المقال الباطل الذي قد حاول تشكيك الناس في شهادة العدول على رؤية الهلال إذا كانت مخالفة للحساب الذي قد اعتمد عليه وخالف السنة من أجله.
الثانية: النهي عن صيام رمضان والفطر منه حتى يرى الهلال أو تتم العدة ثلاثين يوماً.
الثالثة: نفي الكتاب والحساب عن الأمة المحمدية فيما يتعلق بالأهلة. لاستغنائها عن ذلك بالرؤية أو إتمام العدة ثلاثين يوماً، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النذر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً. ويوضحه قوله: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض. ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل. وقال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف، ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف. انتهى.
وقال النووي في شرح المهذب: من قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله
ﷺ -في الصحيحين. «إنا أمة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا
وهكذا..» الحديث. قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم لأنه لا يعرف
الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فالصواب ما قاله الجمهور وما سواه
فاسد مردود بصرائح الأحاديث.. انتهى
*يتبع*
стр. 367
دراسات منهجية في النظر والاستدلال
أهمية أصول المعرفة في الإسلام
-٢-
د. عابد السفياني
إن دراستنا في المقال السابق لأصل المعرفة عند العلمانيين يدلنا على أهمية
إدراك أصول المعرفة في الإسلام، (ولا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية) بل
ويعيننا على إدراك منطلقات خصومنا، فإن الخصومة بين الفكر الإسلامي والفكر
العلماني عميقة جداً، وقد أصلها الفكر الاستشراقي وكان من خطورته أن دعم
القومية بالفكر العلماني، ولك أن تقول عنه إنه دعم الفكر العلماني بالقومية، ولا
تجد فرقاً كبيراً بينهما في هذا المجال [١] .. ?
فالحركات القومية في العالم الإسلامي حركات علمانية، والدليل على ذلك أن
القومية ألغت (الدين) [٢] من حسابها، وجعلت الاجتماع على التراب واللغة هو
الأصل، ورفضت كل ما يعارض ذلك من دين وخلق وفضيلة، فإذا قلت لهم إن الله
كرم بني آدم وجعلهم قبائل وشعوباً ليتعارفوا، وجعل أكرمهم عنده أتقاهم وأتبعهم
لشريعته، وجعل (الد ين) هو جنسية المسلم، فهو صاحب منهج وعقيدة قبل أن
يكون عبداً للتراب والقومية، إذا قلت لهم ذلك لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم
مستكبرون، وقال قائلهم كفرنا بما تدعونا إليه، وإذا حذرتهم من عذاب الله، من
جهنم التي وقودها الناس والحجارة قال قائلهم: سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً
وسهلاً بعدها بجهنم [٣] .
وإذا جاوزنا هذه المسميات: (العلمانية) و (القومية) وأردنا أن نتعرف
على طائفة ثالثة من الطوائف التي انتجتها لنا (المذاهب الحديثة) ، فإن طائفة
الحداثيين تطل برأسها علينا، وتقذف بفكرها إلى بقية بلاد العالم الإسلامي، لعلها
تصل إلى مكاسب جديدة تقوي بها شوكتها وتكثر بها سواد أتباعها. ولنضرب
صفحاً عن صراع كتَّابها ومخالفيهم على الألفاظ والأشكال، ولنهتم بقضيتنا الأساسية
التي نحن بصددها، ولنسأل زعماء الحداثة عن أصلهم المعرفي الذي يتلقون
بواسطته ويحكمون به على الأشياء والأحداث.
يقول زعيم من زعمائهم: إن أصل نظريتهم في المعرفة أن: الحجة
والشرعية إنما هي للحادث المتغير، وإن الثابت لا حجة فيه ولا شرعية له، بل
هو أسطوري، يحمل الخرافة في بنيته وأهدافه كما تحمل الأسطورة الخرافة في
بنيتها وأهدافها [٤] .
ولننظر الآن ما يترتب على هذا الأصل المعرفي عند الحداثيين:
١- إن كل ما ثبت في ذهن البشرية وفطرتها وواقعها محكوم عليه بذلك
الأصل الفاسد، دون أن يفرق أتباع هذا الأصل الفاسد بين الحق والباطل في تراث
البشرية [٥] .
٢- إن (الوحي) وهو نصوص الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء
المسلمين.. كل ذلك يدخل في إطار (الثابت) الذي لا حجة فيه ولا شرعية له،
وتنتقل الشرعية عنه، ليتسلمها كل مذهب جديد وفكر محدث يدخل في إطار (الحادث) و (المتغير) وإن تعجب فعجب قولهم: إن الشرعية مواكبة للحادث والمتغير كيف ما كان، وعلى المبادئ والمفاهيم والأحكام الإسلامية، وكل ما بقي من خير في فطرة البشرية أن يكون حداثياً، أي دائم التغير والتشكل والتبدل لكي يكتسب (الشرعية) وتكون له حجة عند (الحداثيين) ولذلك اكتسبت المبادئ المنحرفة الشرعية عندهم لأنها دائماً متغيرة متبدلة، فالكفر والشرك يتطوران، ويتغيران، والزندقة والهرطقة، ما وصفت بذلك إلا لأنها متبدلة، لا تستقر على حال، ففازت هذه كلها بالحجية عند أئمة الحداثة في أوربا وفي العالم الإسلامي. وقد أسس لفكر الحداثة أئمة الغزو الفكري فوضعوا أهم قواعده، ونشروها، وقد احتفل الفكر الاستشراقي بذلك.
يقول أحد أئمة الفكر الاستشراقي وهو (ولفرد كانتول سميث) في كتابه ...
(الإسلام في التاريخ الحديث) : (إن كل دين عند تحليله إنما تتعدد أشكاله ... بعدد معتنقيه، إنها حقيقة تاريخية أساسية لا غنى عنها لإدراك الدين وتاريخه) [٦] .
ويريد الفكر الاستشراقي من هذه المقولة أن يفهم المسلمون الإسلام ويشكلوه
على حال يلائم المدنية الغربية ذات الأصول اليونانية والإغريقية، ويتنازل الإسلام
عن مفهوم الثبات في عقيدته وشريعته، وحينئذ يفرح المستشرقون والحداثيون، فقد
زالت العوائق من طريقهم، وأصبح سهلاً عليهم أن يدعوا للجاهلية الإغريقية
واليونانية، ويخالفوا دين الرسل جميعاً ﵈، بدعوى الحداثة، وتعدد (الفهم) ، للنصوص (الدينية) و (التاريخية) ويتعدد حينئذ فهم (الدين) و (التاريخ) وتتعدد أشكاله بعدد معتنقيه.
هذا هو مراد الفكر الاستشراقي والحداثي، وهو لا يحتاج إلى جهد في كشف
انحرافه وفساده، فإن العقلاء يعلمون أن أتبا ع (الرأسمالية) و (الشيوعية) . يزيد
عددهم على الملايين، فهل يقول عاقل بأن (الشيوعية) تساوي مليون فكرة،
ويتعدد (شكلها) بعدد معتنقيها، وهل يمكن للعقل أن يتصور أن (الرأسمالية)
تساوي مليون فكرة، وتفهم بأفهام عديدة تساوي عدد معتنقيها، ويكون لها في الواقع
التطبيقي من حيث التشريع والحكم ما يساوي مليون (تطبيق) ومليون (شكل) هذه
لا يقول بها (عاقل) عند بني الإنسان، ولكنه جنون (الاستشراق) وجنون (الحداثة) .
وهكذا يريد سفهاء البشرية أن يتحكموا في فهم تراثها ونصوصها الدينية
والتاريخية، كما يحلو لهم بدون رقابة من ضوابط المنهج العلمي، وعلى أصول
المعرفة، سواء ما كان منها عند (المسلمين) أو عند (أهل الكتابين) أن تخضع لما
زعمه الفكر الاستشراقي والحداثي من أن (كل دين عند تحليله إنما تتعدد أشكاله
بعدد معتنقيه، إنها حقيقة تاريخية أساسية لا غنى عنها لإدراك الدين وتاريخه) ،
وإن في المناقشة السابقة الذكر ما يثبت لك أن هذا هراء لا حقيقة له، ولن تجد (أصلاً) معرفيًّا عند المخالفين للإسلام يقوم على أساس علمي، وعند تأمل أصولهم
السابقة يظهر لك هذا بجلاء.
- فالعلمانيون يدافعون عن أصلهم المعرفي الذي كشفنا عنه في مقال سابق
بقولهم: أنترك ما جاءت به القوانين الوضعية ونفعل في أنفسنا وأموالنا ومجتمعاتنا
ما تريده الشريعة الإسلامية؟ ! .
-والقوميون قال قائلهم:
سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلاً وسهلاً بعدها بجهنم
والحداثيون يدافعون عن (الخرافة) التي يحملونها، بمثل ما يقوله ولفرد سميث
وأضرابه.
وإذا قال لنا قائل: كيف تسقطون (العلمية والشرعية) عن كل أصل معرفي
يعارض أصلكم المعرفي؟ قلت: الجواب: إن أصلنا المعرفي لم نضعه نحن، ولم
يضعه بشر على الإطلاق، ولم نؤمن به بهذا الاعتبار، وإنما آمنا به ودعونا إليه
لأنه في الحقيقة (وحي رباني) جاءت به الرسل من عند الله، فنحن نؤمن به بهذا
الاعتبار، ولذلك لما انتفت عنه البشرية انتفت عنه طبائع البشر من الاختلاف
والاضطراب وتعدد الأسماء والشارات، فهو ليس خاصاً بقوم دون قوم، ولا بزمان
دون زمان، بل جعله الله أصلاً في المعرفة لبني الإنسان، وأمر الرسل بأن يدعوا
إليه وجعل رسوله محمداً مبعوثاً به إلى كافة الناس، وأمر بإبلاغه والتربية على
مقتضاه، وتسفيه ما يخالفه من الأصول والأفكار، فنحن إذاً ندعو إليه باعتباره دين
الله إلى البشرية كافة في جميع أحوالها وعصورها، وعلى اختلاف أجناسها وأممها.
وتسقط الشرعية عن ما يخالفه - من علمانية وقومية وحداثية -.. باعتبارها
مخالفة لدين الله، ولدعوة الأنبياء، ولفطرة البشرية التي فطهرها الله عليها.
وإذا استبان هذا الأمر واتضح فإنه مما يجب على كل إنسان أن يعلم أن
الخلاف الحقيقي بين أهل الحق وأهل الباطل إنما هو على حاكمية الشريعة على ما
سبق بيانه عند عرض أصول المعرفة، وليس الخلاف على ربوبية الله، ولا على
مشروعية صرف بعض أنواع العبادة له سبحانه، لأن أكثر أهل الملل والنحل قديمًا
وحديثًا يرتضونه إلهًا في بعض أنواع العبادة على الدوام، ومنهم من يجعلونه إلهاً
في بعضها في بعض الأحيان، ثم يفترق أهل الحق وأهل الباطل، فيقول أهل
الحق: الله هو المعبود وهو صاحب الحكم الكوني والشرعي، وشريعته هي
الحاكمة على كل حال. وخالف أهل الباطل فمنهم من يقول:
- ليس له من الحكم الكوني والشرعي شيء.
- ومنهم من يقول له الحكم الكوني لا الشرعي.
- ومنهم من يقول له الحكم الكوني، وأما الشرعي ففي حال دون حال.
ثم يقول هؤلاء المخالفون بلسان واحد: كيف نجعل الشريعة الإسلامية حكماً
على جميع تلك المتغيرات من المذاهب والمبادئ والأحكام؟ . كيف يكون الحكم
الوحيد على جميع الأحداث وفي جميع الأوضاع والأحوال هو (الشريعة
الإسلامية) ؟.
أيكون الحكم الكوني القدري لله، وكذلك الحكم الديني الشرعي له أيضاً؟ فماذا
بقي لنا؟ .
ولم لا يكون لله الحكم الكوني القدري - أي الخلق والرزق والتدبير- ويكون
لنا الحكم الشرعي الديني، فنحدد منهاج حياتنا بأنفسنا كما نشاء؟ .
أيعقل أن يكون الحكم كله لله؛ ويكون الدين هو الحكم الوحيد في أمورنا
الخاصة والعامة؟ .
ولم لا نختار فنقرر بالحكم الشرعي الديني ثم نأخذ منه ما نريد ونعرض عما
لا نريد؟ أنلتزم بكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية؟ أهذا هو (الدين القيم) الذي
لا ننجو إلا باتباعه؟ ! وماذا نصنع بهذه الأسماء (العلمانية) (القومية) (الحداثة)
(الشيوعية) (القوانين الوضعية) ... إنها أسماء ومذاهب عرفها مفكرونا وآباؤنا
الروحيون. أيعقل أن تعزل عن السلطان فلا يكون لها أمر ولا نهي ومفاهيم ومبادئ
معمول بها ومجتباة؟ ! ! .
[إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] ، [مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ
اخْتِلاقٌ] وإذا كان موقف أهل الباطل واحداً، وتعجبهم متشابهاً، فإن جواب أهل الحق واحد وموقفهم تالد، فهذا يوسف ﵇ أحد أنبياء بني إسرائيل قال لقومه: [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ
إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ
تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٣٩، ٤٠] .
وإن هذا الموقف القرآني هو موقف الرسل جميعاً وهو يوجب إسقاط الشرعية
عن جميع المذاهب والقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، وهو أشد ما يزعج أعداء
الإسلام، ويأتي على أصولهم في المعرفة بالإبطال.
стр. 368
علم النفس
دوافع الفرد
بين المنهج الإسلامي والفكر الغربي
طارق عبد الحليم
لا شك أن المسلمين اليوم هم أحوج ما يكونون للنظر في تلك القواعد والأسس
التي تبنى عليها مناهجهم، والتي تمثل القالب الفكري الذي تعالج من خلاله
مشكلاتهم، وتواجه به التحديات الحضارية المحيطة بهم.
وهذه الحاجة ليست نابعة من التشكك في تلك الأسس والقواعد، فهي أمور قد
بنيت على قطعيات الشريعة من الكتاب والسنة، وما استخلص منهما، وهي من ثمَّ
غير قابله للنقض ولا متعرضة للنقص.
كما أن تلك الحاجة ليست ناشئة من مركب نقص؛ يواجه تلك الهجمة الغربية
التي تتهم كل ما لدى المسلمين من معطيات، فنحاول بالدعاوى أن نؤكد أن ما لدى
المسلمين هو الصواب وهو الحق، كما يفعل بعض الناس؛ بل إن الحاجة لمراجعة
تلك القواعد والأسس نابعة من ضرورة أن يتعرف المسلمون أنفسهم على قوة
وعظمة تلك الشريعة الغراء ثم أن يتعرفوا على مواضع تلك العظمة بالدليل والحجة، لا بمجرد الحديث والدعوى.
وحتى تؤتي تلك المراجعة ثمارها، فلا بأس من أن نقابل تلك الأسس
والقواعد بما يقابلها مما أفرزته قرائح البشر، وهدت إليه عقولهم، وأنتجته
سلوكياتهم وأخلاقهم بمعزل عن الهدي الإلهي، فيميز الصواب من الخطأ ويمحص
الحق من الباطل، وكما قيل (بضدها تعرف الأشياء) .
من هذا المنطلق، رأينا أن نقدم في مقالنا هذا مقابلة-ولا أقول مقارنة - بين
نظرلتين في مسألة من أهم المسائل التي تنبني عليها التصرفات الإنسانية، ومن ثم
توجه النشاط البشري خلال حضارة من الحضارات ... وهي مسألة (دوافع الفرد)
التي يسعى لتحقيقها خلال سني عمره، بالنظر في تلك المقاصد التي قررتها
الشريعة، ودونها علماء أصول الفقه، ومقابلة ذلك بما قرره أحد كبار العلماء في
علم النفس الفردي، هو (إبراهام ماسلو) ، والذي قدمه في صورة نظرية في
الدوافع البشرية عام ١٩٥٤ في كتاب (الشخصية والدوافع الإنسانية) ، وهي
النظرية التي تحكمت إلى حد بعيد في فكر كل من تناول موضوعها من بعده من
العلماء أمثال: هيرتز بورج (١٩٥٩) ، والدرفير (١٩٧٢) .
متسلسلة (ماسلو) في الدوافع الإنسانية ومقاصد الفرد:
قدم (إبراهام ماسلو) نظريته في دوافع الإنسان للمرة الأولى عام١٩٤٣ في
مجلة (المراجعات السيكلوجية) ثم فصلها بعد ذلك في كتابه (الشخصية والدوافع
الإنسانية) في عام ١٩٥٤، الذي طبع في أمريكا.
وفي هذه النظرية يفترض ماسلو أن الإنسان إنما يتحرك في حياته من خلال ... (احتياجات) مادية ونفسية معينة، تمثل الحافز القاهر الذي يجعله يطلب تلك ...
الاحتياجات ويسعى لتحقيقها واحدة تلو الأخرى.
وقد وضع ماسلو تلك الاحتياجات الإنسانية التي تدفع الفرد أمامها، على هيئة
متسلسلة تتكون من خمس حلقات أو طبقات تمثل كل منها نوعين من الاحتياجات
المادية أو المعنوية، فالفرد - كما يرى ماسلو-يبدأ بالبحث لتلبية الحاجات المادية
الأولية التي تحفظ عليه الحياة، وهي الحاجات الطبيعية (Physiological
Needs) من المأكل والمشرب وهي (الاحتياجات الدنيا) فإن تحققت ... تلك الاحتياجات انتقل الفرد إلى المستوى التالي لتحقيق ما أسماه ماسلو بالحاجات الأمنية (Security Needs) وهي المسكن والدخل المقبول الذي يكفل الاستمرارية، وفي المستوى الثالث يسعى الفرد لتحقيق حاجاته الاجتماعية (Social Needs) لتكوين العائلة واتخاذ الأصدقاء وممارسة الحياة الاجتماعية بأشكالها المتعددة، فإذا تحققت الحياة الاجتماعية بقدر مرضٍ، انتقل الفرد إلى طلب ما هو أعلى، فيسعى لتحقيق حاجات معنوية واقعية كاحترام النفس، وتحقيق الذات، والإحساس بالتقدير والنجاح، وسمو المكانة، والاستقلالية ... فإن بلغ ذلك ارتقى إلى المرحلة النهائية والتي يهدف فيها إلى إبراز طاقاته الكامنة كفرد مبدع، والحرص على الترقي ومداومة التقدم، وتظهر هرمية ماسلو في الشكل المرفق:
...
وقد ذكر ماسلو أن عملية الانتقال من مستوى إلى آخر في هذه الهرمية لا يتم
إلا إذا أشبعت الحاجات المتعلقة بهذا المستوى، بمعنى أن الفرد لا يسعى لكسب
احترام، المجتمع أو لتحقيق روابط اجتماعية مالم يحقق حاجة الطعام والشراب
والسكن. وتجدر الإشارة إلى أن تلك النظرية التي تعالج الدوافع النفسية لدى الفرد، إنما هي - كما يظهر من مضمونها - وليدة الفكر الغربي الذي يجعل (الفرد)
ومصلحته العليا أولى بالتقدمة؛ إذ هو الوحدة الاجتماعية الأولية (لا الأسرة كما في
المجتمع الإسلامي) ، ونجاح الجماعة إنما يهدف أولاً إلى تحقيق صالح الفرد، وإلا
فلا عبرة ولا دافع له كي يساهم في التقدم الجماعي، فالفرد في (الغرب) إنما
يحترم الجماعة ويعمل طائعاً في إطارها لأنه يعلم بفطرته وبخبرته خلال القرون أن
تلك هي الوسيلة الناجعة لتحقيق صالحه هو ... من خلال الجماعة، كذلك فإنها
نظرية يمكن أن يقال إنها (وصفية) ؛ أعني هي تصف واقع الفرد كما هو كائن،
ولا تعالج الطموح إلى الترقي أو السمو بالحاجات، وتقديم ما هو أنفع على غيره
كما إنها-بطبيعة الحال - تعالج مقاصد الفرد ودوافعه في حيز الحياة الدنيا، إذ ليس
لدى القوم كبير اهتمام بما عساه يكون في عالم الغيب، وما يتطلبه ذلك الأمر من
ضرورة دافعة تجعله يسعى قاصداً لتحقيق احتياجات محدودة تعين على بلوخ غايته.
مقاصد الفرد في المنهح الإسلامي:
في مقابل تلك النظرية الغربية في (الدوافع Motivation) يمكن للناظر في
أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية أن يستنبط نظرية في (الدوافع) التي
تحرك الفرد المسلم وتوجه حركاته وسكناته، ذلك أن بواعث المسلم ودوافعه تنبع
من تلك الفطرة المخلوقة السوية، التي لم يفسدها الانحراف أو الضلال، تلك -
الفطرة التي تتلقى المنهج الإلهي المقرر، الذي فصلت جزئياته في الشريعة،
فيصوغ لها قالبها النفسي الذي تتحرك من خلاله في حياتها الدنيا. فالمسلم إذن حين
يتحرك من خلال تلك الشريعة، وفي قالبها ذاته، إنما تتناغم بواعثه ومقاصده مع
ما تهدف إليه الشريعة وتقصده ... فمقاصد الشرع - في الإسلام - هي بشكل عام،
(مقاصد الفرد المسلم) ، وهي دالة بطريقة اللزوم على بواعثه ودوافعه، إذ العلاقة
بين دوافع الفرد ومقاصده هي علاقة الفرع بأصله، وهي علاقة موجبة طردية،
وإن لم يكن محل الحديث عن هذه العلاقة بشكل أوسع في هذا المقام، فإننا أردنا أن
نبين أننا اتخذنا من، مقاصد الشرع [١] قواعد تهدي إلى (بواعث الفرد) في
النظرية الإسلامية.
ينبعث الفرد المسلم في حركاته وسكناته ساعياً نحو تأمين حاجته من متطلبات
خمس رئيسية، تدور حولها سائر حاجاته الإنسانية وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهذه الحاجات الخمس هي التي تبعث الفرد على إتيان أعمال
محددة لحفظها ومنع زوالها، إذ بها تتحقق أقصى مصالحه على وجه الكمال، سواء
في الدنيا أو في الآخرة،. كما أنه بعدمها يتعرض للتلف الآجل أو العاجل.
فلا عجب أن يكون الحرص على تحقيقها ومنع فواتها، هو الدافع الأصيل ...
للفرد منذ أن يبدأ وعيه وحتى النهاية، فالحرص على (الدين) هو الباعث الأول
للفرد، إذ به تتحقق هويته البشرية من حيث هو عبد لله الخالق، كما ينال ما يتمنى
من السعادة الأبدية في الآخرة.
والحرص على النفس هو كذلك أمر فطري يندفع إليه الناس دون حاجة للتعلم
أو التوجيه، والحرص على العقل دافع أصيل لدى الإنسان من حيث يحقق له
القدرة على السيطرة على مقدراته، والسعي نحو حماية الأهم من النفس أو الدين،
وحفظ النسل، الذي يؤمن للفرد شعور الاستمرارية والدوام. ورعاية النبتة التي
تحفظ له اسمه ووجوده، يمثل ولا شك دافعاً قاهراً للمرء ليحقق ما به قوام تلك
الحاجة الأساسية الأصيلة، والمال الذي هو زينة الحياة الدنيا، دافع حقيقي للمرء،
يعينه على إبقاء النفس ورعاية النسل، وإعلاء كلمة الدين.
وتختلف تلك الحاجات، في شدة أثرها على بواعث الفرد ودوافعه، قوة أو
ضعفاً، حسب رتبة العمل المقصود، في تلك الحاجة المحددة، فإما أن يكون الأمر
ضروري، فيقوى الباعث عليه حتى لا يفتأ المرء يسعى لتحقيقه ليل نهار، سراً
وعلانية، لا يجد راحة حتى يدركه، إذ كيف يتركه وهو أصل لا تستقيم الحياة -
الدنيا أو الآخرة - بدونه! أو أن يكون أمر حاجي، يرتفع به ضيق الحياة، وهي
من ثم دوافع تستحق السعي والطلب، مالم تعارض في هذا السعي بضرورة أولى
بالتقدمة، تبعث النفس على تحصيلها بعثاً. ثم أخيرًا تلك الأمور التي تسبغ على
الحياة سعتها، وتستدعي استكمال رفاهيتها ورغدها، وتحسن وجه الحياة في كافة
مناحيها، وهي لا شك دوافع للمرء تحفزه على طلبها إذ تحقق باستكمالها ما به
ضرورات بقائه، وحاجيات حياته.
وأخيراً، فإن قوة الباعث على تحصيل تلك الحاجات، تتوقف على أمور
ثلاثة أخرى، تتعلق بأثرها؛ أهي على الفرد أم الجماعة؛ أهي شاملة أم محدودة
في جزئية معينة، ثم أهي متحققة الوقوع أم موهومة، فما هو للجماعة، تميل نفس
الفرد إلى تفضيله عما فيه فائدة شخصية، وما هو شامل مقدم على ما يعالج جزئية
محددة، ثم ما هو متحقق الوقوع، لا شك فيه، تميل النفس إلى السعي نحوه أكثر
مما هو متوهم، لا يعلم: حقيقة هو أم خيال! .
من خلال ذلك العرض الموجز، لما عساه يكون قالباً للنفسية الفردية السوية،
في بواعثها ودوافعها نحو تحقيق أعمال تحقق صالحها ورضاها وتشعرها بالكفاية
والسمو الداخلي، تتم المقابلة التي أردنا إليها أولاً. ونلحظ من مقابلة تلك الحاجات
التي تمثل القالب النفسي للفرد في النظرة الإسلامية، بما قدمناه آنفاً من نظرية
الدوافع لماسلو، ذلك الفارق الشاسع سواء في هيكلها أو فرضياتها الأولية أو دقتها
وسعتها.
فالنظرة الإسلامية لدوافع الفرد تتميز بإحكام بنائها، وإحاطتها بكافة ما يعتمل
في النفس الإنسانية من عوامل، كذلك دقة تقديم الأوليات، حسب ما أدت إليه
التجربة البشرية على مدى الزمان والمكان.
وقد اعترض الكثير من الغربيين أنفسهم على متسلسلة ماسلو من حيث هي أغفلت أن الفرد في كثير- بل جل - عمله وحياته يقدم نفسه وحياته أمام حفظ كرامته أو معتقده، وأن الدراسات التطبيقية لم تدعم ذلك التسلسل المذكور.
كذلك فإن هذه النظرة تضع الفرد في محله الصحيح من الجماعة، من حيث
إن أفعاله تنبعث من الحاجة إلى تحقيق صالح الجماعة أولاً ... ثم صالحه من حيث
هو فرد فيها ثانياً، لا العكس كما ذكرنا عن النظرة الغربية الرأسمالية، ولا الترف
الشيوعي الذي يسخر الفرد لصالح الجماعة - في زعمهم - لا غير.
стр. 369
الفتاوى
وصلت المجلة هذه الأسئلة من الأخوة القراء وقد توجه بها مندوبنا إلى فضيلة
الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب عليها مشكوراً، وجزاه الله خيراً ونفع به.
ما حكم الإيداع في البنوك الربوية؟
يجوز للضرورة إذا لم يوجد غيره من البنوك الإسلامية وخيف عليها من
اللصوص ...
ما حكم المساهمة في شركات تتعامل في الربا وأصل نشاطها ليس ربويًّا؟
لا يجوز المساهمة في مثل هذه الشركات إذا كانوا يودعون عند البنوك
ويأخذون فوائد ربوية يضيفونها إلى رأس المال.
ما حكم المضاربة في المصارف الإسلامية؟
يجوز إذا تحقق أنها إسلامية ليس فيها شبهة ولا تدخل مع البنوك الربوية.
ما حكم التجارة بشراء العملات سواء عن طريق البنوك أو عن طريق شركات خاصة؟
يجوز الصرف الذي هو بيع نقد بنقد بشرط الحلول والتقابض قبل التفرقة
ويقوم قبض الشيك الذي له رصيد مقام قبض النقد.
ما الذي يفطرمن الأشياء التالية:
- القطرة: العينية، الأنفية، الأذنية؟
- الحقنة: العضلية، الوريدية، الجلدية؟
- حقن المخدر في اللثة لقلع الأسنان؟
- استعمال فرشاة ومعجون الأسنان أثناء الصيام؟
- المبخرات عن طريق الفم كاستنشاق الدواء عن طريق الفم في مرض الربو؟
- التحاميل الشرجية، الحقن الشرجية؟
- تفطر الأنفية إذا وصلت إلى الحلق، ولا تفطر العينية والأذنية وإن كانت
مكروهة..
- يفطر من الأبر ما يصل إلى الجوف كحقن الوريد وما كان مغذيًّا أو مقويًّا
من غيرها.
لا تفطر حقن المخدر حيث إن أثرها موضعي لا يتجاوز موضع الأسنان.
- استعمال الفرشاة والمعجون مكروه مخافة أن يختلط بالريق ويدخل الجوف،
وإذا تحفظ فإنه لا يفطر.
- المبخرات يكره إلا لضرورة وحينئذ فلا يفطر.
- التحاميل تفطر حيث إنها تدخل إلى الجوف.
والله أعلم.
стр. 370
منبر الشباب
عندما ينطق الرويبضة
حكمت الحريري
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ
«سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق،
ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما
الرويبضة؛ قال: الرجل التافه، يتكلم في أمر العامة» .
هذا ما أخبرنا عن وقوعه الصادق المصدوق ﵊ من البلايا
والمصائب التي تحصل في آخر الزمان.
أما الحديث فقد أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن، وأخرجه أيضاً
الإمام أحمد في مسنده، واستقصى طرقه الشيخ ناصر الدين الألباني في سلسلة
الأحاديث الصحيحة، حديث رقم١٨٨٧ وترجم له بعنوان: أليس هذا زمانه؟ .
بلى: إن هذا لزمانه، وإنها السنين الخداعة التي ينطق فيها الرويبضة.
ويتكلم في أمر العامة، فيفوض في حل المشكلات ويوكل إليه عقد الصفقات.
إذا تكلم الرويبضة الفويسق في أمر العامة، وإذا صار الأمين خائناً، والخائن
أميناً، فلا شك أن موازين القيم تغيرت، وموازين الحياة كلها تخلخلت. فلم يعد
الإنسان إنساناً لأنسه.
إنما أقول هذا ليتدارك المسلمون الأمور قبل فوات الأوان، أقول هذا لكي
تقدر الأمور بقدرها، وتستعمل الموازين الصحيحة الثابتة التي لا تقبل الاختلال ولا
تسوقنا الحوادث التي يختلقها أعداء الإسلام فنسير في مهب الريح حيث يشاء لنا
أعداء الإسلام، فنفني الأرواح ونبذل الأموال لأحداث ومشكلات يختلقونها، وتكون
الشعوب المسلمة ضحيتها، وشخصيات معتبرة قادتها، وهم لا يعلمون إلى أي نهاية
ينتهون، ولا في أي مسلك يسلكون..
أليس في هذه الأمة التي اختارها الله من رجل ألمعي؟ .
أليس في هذه الأمة من رجال ملهمون يعرفون مكامن الداء؟ .
لا شك بأنه يوجد في هذه الأمة من هؤلاء، فإن الخير لا ينقطع من أمة محمد
ﷺ إلى يوم القيامة، وهذه الأمة مثلها كمثل الغيث كما شبهها
رسول الله ﷺ ولكن لماذا لا تفتح العقول وتعود إلى رشدها
لتحدد الرويبضة فتنحيه وتعرف الرجل المؤهل للتجديد ولفعل الخير فتقدمه وتسانده؟
ولماذا أيضاً لا توحد الصفوف وتجتمع الكلمة لتبرز الشخصية الفذة التي يجعل
الله على يده عزة الأمة جميعاً؟
ولا شك بأنه من قوانين الله الثابتة المتلوة في حياة الأمة قوله : [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] وهناك بعض الأمور التي يجب التنبه لها
ومعرفتها، منها:
- الاهتمام بعلم الجرح والتعديل، فقد صنف علماء السلف رحمهم الله تعالى
في هذا العلم مجلدات ضخام، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها،
إنهم كانوا يتعرفون على من ينقلون عنه.
فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين أنه قال: (لم يكونوا
يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى حديث
أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) . [مقدمة صحيح
مسلم /١١] .
وأخرج أيضاً عن محمد بن سيرين قال: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن
تأخذون دينكم) .
وقد يقول قائل: إن هذا يخص نقل الحديث وروايته، فأقول. علم الجرح
والتعديل لا نقصره على رواة الحديث ونقلته؛ بل يجب علينا أن نعمل به في كل
المجالات التي تهم الأمة الإسلامية، فيعرف ما للرجل من حق وما عليه من مثالب
وأخطاء، وحينئذ لا نتخبط في أحكامنا على الرجال، وكذلك لا تكثر أمامنا
المفاجآت والنكسات وما أكثر هذه النكسات والمفاجآت التي أصابت الحركات
الإسلامية في هذا العصر.
فلا بد من استعمال هذا العلم بحكمة ودراية فيجرح الرجل أو يعدل بنزاهة
وأمانة، ولا نطلق للعاطفة العنان فنشرق ونغرب، فتجد هذا الرجل اليوم قائداً بطلاً
وعالماً فذاً، ونجده بعد أيام أو شهور عميلاً، وخائناً، ولذلك لم يكن في أيام ازدهار
الدولة الإسلامية ورقيها لم يكن هناك مجال للرويبضات، ولم تصعقهم المفاجآت كما
هي حالنا اليوم نتيجة لوعيهم وحرصهم وعملهم بهذا العلم من بعد توفيق الله لهم.
وهذا العلم أقول بكل أسف يعمل به اليوم عند أعداء الإسلام في دول الشرق
أو الغرب دون أن يكون لهم نصيب فيه من قبل، فمن غير الممكن أن يصل إلى
قيادة دولة من دول أوربا شخصية متآمرة على شعبها أو دولتها، هذا ما نراه رأي
العين في أمريكا وغيرها.
ولكنك لا تفاجأ بل لا تستغرب أن يقال لك اليوم حصلت ضربة قاصمة
للحركة الإسلامية في بلدة ما، فتسأل ما السبب؛ فيقال لك: لقد تبين كذا وكذا،
وفلان الذي كان ...
فلماذا لا نأخذ العبرة ونعمل بسنة الخلفاء الراشدين المهديين حيث منع أبو بكر
الصديق رضي الله تعالى عنه المرتدين من ركوب الخيل، ولم يمكنهم من حمل
السلاح.
الاهتمام بأنساب الشخصيات وقبائلهم ومواطنهم وأصولهم، وهذا علم أيضاً
أفردت فيه المصنفات للتعرف على طبائع الناس وأخلاقهم وعاداتهم، وليس في ذلك
أية مخالفة للشريعة على الإطلاق، بل هذا من الأمور التي اهتم بها الشرع وذكرها، فقد قال ﵊: (كادت المرأة أن تلد أخاها) ، وقال الله تعالى:
[وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، وغير ذلك من الآيات
الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي نبهت إلى التعرف على الأصول والاهتمام
بها.
ألا فلتعرفوا - أيها المسلمون - الرويبضة الفويسق وتكبتوه وتنحوه، وإن
رحمة الله قريب من المحسنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 371
أدب وتاريخ
من أصنام الحداثة.. يوسف الخال
-٢ -
د. وليد الطويرقي
يتابع الكاتب في هذه الحلقة كشف الدور المشبوه الذي يقوم به من يسمون أنفسهم بـ (الحداثيين) ، إنه دور الخونة الذين يريدون اقتحام قلعة (الإسلام) ويصبغون وجوههم مرة بصوفية ملحدة (الحلاج) ومرة بتقليد شعراء من الغرب كي يحوزوا إعجاب المتفرجين.
- التحرير -
مجلة (شعر) ودورها المشبوه:
بعد عودة يوسف الخال إلى لبنان من الولايات المتحدة الأمريكية أنشأ مجلة
(شعر) وتم التعارف بين منشئها وبين من تعاونوا معه مثل: نذير العظمة،
وأدونيس في منزل خليل الحاوي، وصدر العدد الأول عام ١٩٥٧ وانتظم في
الكتابة فيها محمد الماغوط وأنسي الحاج، وخالدة سعيد، وعصام محفوظ، وحول
ولاء المجلة وانتمائها يقول نذير العظمة: إن بعض مؤسسيها كانوا منتمين (للحركة
القومية الاجتماعية [١] وقد تبينت حقائق أخرى من خلال دراسة مستقلة موضوعها
(مجلة شعر ودورها في حاضر الشعر العربي) أعدها الشاعر العراقي سامي مهدي،
ونشرت في مجلة (الأقلام) العراقية، وفي جريدة الرياض عدد ٧١١٥ ونشر جهاد
فاضل مقتطفات من الموضوع في مجلة (آفاق عربية) في العدد السادس ١٩٨٧،
يقول عنها:
(حملت مجلة (شعر) منذ تأسيسها اتجاهين فكريين:
أولهما: اتجاه قومي حزبي.
وثانيهما: اتجاه إقليمي أو انعزالي لبناني. وهو الاتجاه الذي غلب عليها في
المرحلة الأخيرة من حياتها.
وينتمي إلى الاتجاه الأول: يوسف الخال، أدونيس، نذير العظمة، منير
بشور، محمد الماغوط، وآخرون، في حين ينتمي إلى الاتجاه الثاني كل من أنسي
الحاج وشوقي أبو شقرا، وعصام محفوظ، وأسعد رزق، وآخرون، وعلى الرغم
مما بين الاتجاهين (خارج المجلة) من خلافات فكرية عميقة، وخصومات سياسية
فقد تعاونا على إصدار المجلة، وكان هناك ما يجمع الاتجاهين على المستويين
السياسي والفكري، فعلى المستوى السياسي كان الاتجاهين يتفقان اتفاقاً تاماً على
معاداة فكرة (العروبة) وكل ما يمت إليها من أهداف وشعارات وقوى سياسية، ولا
يعترفان بوجود (أمة عربية) ، وينظران إلى تاريخها وتراثها نظرة مغرقة في
السلبية، أما على المستوى الفكري فقد جمع الطرفين اتجاههما ونزوعهما الشديد إلى
التغريب [٢] ، ويذكر سامي مهدي أن جميع الأسماء التي شاركت في مجلة (شعر)
كانوا ينفرون من أية دعوة للعروبة ويتبنون الفكر الغربي بحجة وحدة الحضارة
الإنسانية.
ويذكر سامي مهدي مجمل الأنشطة التي مارستها مجلة (شعر) والتي تتمثل
فيما يلي:
١- طبع مجاميع قصيدة النشر والترويج لها.
٢- القيام بحركة ترجمة مكثفة للنصوص الفرنسية المعبرة عن آرائهم.
٣ - الاتصال ببعض الشعراء الفرنسيين وتقديم أنفسهم بطريقة توحي بأنهم ...
سفراء الشعر العربي لدى الأوساط الشعرية في العالم.
وهذه الأنشطة تدل بوضوح على هوية المجلة، وانتمائها وعدائها للتراث
العربي.
ويتحدث الباحث سامي مهدي عن الأزمة المميتة لمجلة (شعر) ومن ذلك ما
قيل عن علاقات يوسف الخال بالمنظمة العالمية لحرية الثقافة وهي منظمة مشبوهة
تمول مجلات تروج لفكر معين، وكان لمجلة (شعر) دور في عقد مؤتمر الأدب
العربي المعاصر في روما عام ١٩٦١ الذي مولته وأشرفت عليه (سيمون جارجي) ...
كما كان لمجلة (شعر) دور في ترويج ما تنشره مؤسسة (فرانكلين) الأمريكية، ...
وبعد هلاك يوسف الخال كتب عابد خزندار مقالاً في جريدة الرياض قال فيه: ... (يلوب في نفسي ريبة وشكوك حول اتجاهات المجلة واتجاهات صاحبها وهي
اتجاهات أقل ما يقال عنها إنها غير عربية) [٣] .
موقفه من زملاء دربه:
في الوقت الذي يجتمع فيه زملاء يوسف الخال وشركائه في تحرير (شعر)
على عداء العربية والتنكر للتراث فإنهم يختلفون في كيفية تنفيذ ما يوكل إليهم، كما
أن المصالح الشخصية فرقتهم بعدئذ.
ويتضح هذا الخلاف في كتاب (دفتر الأيام) ليوسف الخال، الصادر في لندن، وهو مختار لمقالات كتبها يوسف الخال على مدى الثلاثين سنة الماضية، وفي
هذا الكتاب يوجه لوماً شديدًا إلى بدر شاكر السياب، وينعت سعيد عقل بأنه شاعر
فاشل، ورجاء النقاش بأنه (هِر) .
أدونيس:
شارك في البداية في تأسيس مجلة (شعر) ثم خرج منها لينشئ مجلة (مواقف)
يقول عنه يوسف الخال: (أدونيس لو كان صادقاً مع نفسه لاعترف من دون خجل
أو حياء بأنه إنما خرج من مجلة (شعر) وعليها لأنها لم تعد تفي بطموحاته وحبه
للبروز الاجتماعي، وميله إلى التفرد في العمل والرأي) [٤] .
ثم ينعت أعمال أدونيس بعد تركه لمجلة (شعر) بأنها أعمال هابطة، وأنه
أراد (تشعير) الأفكار الصوفية في إطار عربي مفتعل [٥] .
مع البياتي:
يمدح يوسف الخال عبد الوهاب البياتي مدحاً لا مثيل له، ويقول عنه:
(رائد أصيل من رواد الحركة الشعرية الحديثة، وذو عقلية مرنة ومنفتحة على الرياح الأربع) [٦] ، ثم تراجع بعد ذلك عن هذا المدح وتحول البياتي عنده
إلى شخص يعض اليد التي تطعمه، والسبب هو أن البياتي وصف الخال في حوار
مع بعض الصحف بأنه (قومسنجي) الثقافة الأمريكية، فرد عليه الخال بعنف وذكره
بفضل الثقافة الأجنبية على الثقافة العربية، ثم يقرر حقيقة عن الشاعر البياتي
الماركسي ويقول له: (إنك بالذات لم تكن رائداً من رواد الشعر الحديث لولا الثقافة
الأجنبية) .
رجاء النقاش:
نعت يوسف الخال رجاء النقاش بقوله: (أحد هررة الانتلجنسيا العربية الذين
هجموا على غالي شكري ليأكلوه) [٧] وسبب هذا الهجوم أن غالي شكري كتب
دراسة وصف فيها يوسف الخال بأنه شاعر معاصر له قضية مما دفع رجاء النقاش
وهو ناقد مصري إلى كتابة مقال طالب فيه بإقالة غالي شكري من سكرتارية مجلة
(الشعر) المصرية لأنه مدح عميلاً.
نزار قباني:
يمدح يوسف الخال نزار قباني لا لشيء إلا لأن نزارًا أدلى بحديث لمجلة
(مواقف) شتم فيها العرب والقضايا العربية، وقال: نحن نتيجة عصور الانحطاط،
والشاعر هو مصدر الشرعية وهو الحاكم المطلق الصلاحية.
نازك الملائكة:
شن يوسف الخال في كتابه (الحداثة في الشعر) حملة على نازك الملائكة،
يرد عليها على إثر صدور كتابها (قضايا الشعر المعاصر) ويقول:
(كانت خيبتنا مريرة حين أخذنا الكتاب وكدنا لا نعثر على قضية جوهرية من قضايا الشعر العربي المعاصر) [٨] .
وهذا الهجوم سببه أن نازك الملائكة نقدت الشعر الذي ليس له قواعد منضبطة.
الحداثة عند يوسف الخال:
أصدر كتابه (الحداثة في الشعر) عام ١٩٧٨ ومن خلال فصول الكتاب يمكن
التعرف على شخصية المؤلف وأهدافه، فهو يريد تبني جميع معطيات العصر
ومفاهيمه، الصالح منها والطالح حتى لا يكون عندنا قضية (إقامة مجتمع حديث
في عالم حديث) [٩] ، ويهاجم اللغة العربية لأنها رمز الصعوبة بنظره، كما يهاجم
أي شيء يمت بصلة للحضارة الإسلامية وكل قديم موروث بحجة النظرة الإنسانية،
وفي هذا الخطر كله على الأمة وآدابها وفكرها.
стр. 372
تساؤلات
محمد نموس
يا بابا: أين أحبائي ... جدي عمي وأعزائي
زمن قد طال ولم أرهم ... والشوق يفتت أعضائي
شوق للجدة يا لهفي ... شوق للحب المعطاء
كم كانت تحنو في رفق ... تعطي في جود الدأماء
كم رحت إليها ملتجئاً ... كانت أمني في الضراء
ولكم منعتني بعزتها ... وسقتني حنان الآباء
ولعماتي شوق يفري ... كبدي ويضاعف من دائي
أنا مشتاق لأحبتنا ... لصغار الحي أخلائي
أخبرني عنهم يا أبتي ... أعلمني بكل الأنباء
أنا عشت النكبة كاملة ... مأساة عمت أرجائي
أنا لست صغيراً يا أبتي ... أنا أعرف من هم أعدائي
الكفر بكل مذاهبه ... وبألوان وبأسماء
وبرايات مختلفات ... قد زخرفها للدهماء
وشعارات وأكاذيب ... وبأثواب كالحرباء
وبماذا أجيبك يا ولدي ... والقهر يمزق أحشائي
فالجد حبيس ياولدي ... فى سجن الظلم بصحراء
فى زنزانات همجية ... حرست بكلاب الأعداء
آه من تدمر يا ولدي ... فلكم ضمت من آباء
من أم ثكلى من أخت ... من شبان من أبناء
فى الخندق ألقوا يا ولدي ... بزهور الجيل المعطاء
بشباب قد كانوا أملاً ... لإعادة مجد وضاء
ودعاة الحق هم كانوا ... فى نهضتنا كالطغراء
بل عمك طود يا ولدي ... رمق الدنيا باستهزاء
وانضم لقافلة الشهداء ... ليعلو فوق الأنواء
هم قدوة قوم ما هانوا ... إذ كانوا جند الخرساء
والأهل بأرضي يا ولدي ... شم صمدوا رغم الداء
رغم الزلزال ورغم الخ ... سف وموجة حقد هوجاء
ما هانوا يوماً بل كانوا ... أبداً كجبال شماء
كجبال بلادي بعلاها ... كتراب بلادي المعطاء
أعطوا صبراً أعطوا أملاً ... بقدوم الصبح الوضاء
والليل وإن دام طويلاً ... أو صار يفوح ببلواء
فسيذهب يوما يا ولدي ... ما في هذا من شحناء
والصبح سيشرق يا ولدي ... ويضيء بهيم الظلماء
ويعود الإسلام عزيزاً ... ويزيل عروش اللعناء
стр. 373
حقيقة دعوة ابن تومرت
-٢-
د. حمد بن صالح السحيباني
(تحدث الكاتب في المقال السابق عن الأسس العقدية لدعوة ابن تومرت، وكيف قامت دولة الموحدين، ويتابع في الجزء الثاني من هذا المقال: كيف تطورت الدعوة والدولة، والمزالق التي وقعت فيها) .
- التحرير -
خلف ابن تومرت تلميذه عبد المؤمن بن علي. الكومي [١] (٥٢٤-٥٥٨ هـ)
ويعتبر عبد المؤمن المؤسس الفعلي لدولة الموحدين الكبرى - بالمغرب
والأندلس - (؟ ?) وقد حاول عبد \المؤمن العمل على نشر الدعوة الموحدية لكن انشغاله بالأمور السياسية والعسكرية جعل حماسه للدعوة الموحدية أقل من سلفه.
ومع مضي الزمن أخذ حماس زعماء دولة الموحدين يقل إزاء الدعوة، بل إن
بعض زعماء الموحدين تجرءوا فأعلنوا براءتهم مما تحمله من غلو وانحراف حيث
يذكر المراكشي أن أبا يوسف يعقوب المنصور (٥٨٠--٥٩٥هـ) ثالث أمراء
الموحدين بعد ابن تومرت قال لأبي العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري -
أحد المقربين إليه - يا أبا العباس اشهد لي بين يدي الله أني لا أقول
بالعصمة-يعني عصمة ابن تومرت -كما يذكر أبو العباس أيضاً أنه قال له يوماً وقد
استأذنه في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس أين الإمام؟ أين
الإمام؟ [٣] .
ولم يكتف المنصور بهذا، بل إنه حاول إرجاع الناس إلى الكتاب والسنة ونبذ
تعاليم ابن تومرت التي توغلت في قلوب بعض الناس بالمغرب والأندلس - آنذاك
- حيث يذكر المراكشي أن السلطان يعقوب المنصور بعد انتصاره في معركة
الأراك [٤] سنة ٥٩١هـ ذهب لمدينة جيان الأندلسية فخرج أهلها لتلقيه وتهنئته
بالنصر، فلما اقتربوا منه قدموا أحدهم ويدعى أبا بكر بن هانئ لتكليمه، يقول أبو
بكر: ( ... فسألني عن أحوال البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله على ما جرت عادته - فلما فرغت من جوابه سألني كيف حالي في نفسي فشكرت له ودعوت بطول بقائه ثم قال لي: ما قرأت من العلم؛ قلت: قرأت تواليف الإمام - أعني ابن تومرت - فنظر إلي نظ'رة المُغضَب، وقال: ما هكذا يقول الطالب إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئاً من السنة، ثم بعد هذا قل ما
شئت ...) [٥] .
ويضيف المراكشي أيضاً حين حديثه عن عقيدة العامة في ابن تومرت أن
يعقوب المنصور استخف بعقول من بالغوا في تعظيم ابن تومرت وتقديسه والعمل
بما قال به أو دعا إليه. (لأنه لا يرى شيئاً من هذا كله، وكان لا يرى رأيهم في
ابن تومرت ... ) [٦] .
وهكذا نرى أن دعوة ابن تومرت، وإن كانت قد تغلغلت في قلوب العامة
والسذج من الناس، في بعض بلاد المغرب الأقصى والأندلس، فإن ما تحمله من
باطل وزيف قد بدا لمن كان عنده شيء من العلم، مما دفع العقلاء من الموحدين
وهم حماتها إلى العمل على إزالتها، والسعى لبيان وجه الخطأ فيها، فالمنصور
ثالث أمراء الموحدين بعد ابن تومرت عمل على بيان باطلها وسعى لتقويضها ولم
يمضِ على انتشارها بين الناس سوى نصف قرن، وهي مدة قصيرة في عمر
الدعوات، لكن ما تحمله هذه الدعوة من غلو وشطط جعلت أقرب الناس منها
يسعون لتقويضها - كما بينا في السطور السابقة -.
وهنا قد يرد تساؤل وهو: لماذا لم يعلن المنصور الموحدي للناس صراحة
بطلان ما دعا إليه ابن تومرت ويعمل جاداً للقضاء على دعوته؟ .
وللإجابة على هذا التساؤل يقال: إن الكثير من الناس ببلاد المغرب الأقصى
لاسيما العامة وشيوخ الموحدين وزعماء القبائل قد تعلقوا بدعوة ابن تومرت واقتنعوا
بصحة ما قال به ودعا إليه، فلو واجههم المنصور بالنقد الصريح أو العمل الجاد
للقضاء على دعوة ابن تومرت لنشأ عن ذلك رد فعل خطير من قبل أولئك القوم،
وهذا بلا شك جعله يكتفي ببيان موقفه منها دون اتخاذ أي خطوات عملية ضدها.
وبالرغم من قلة ما قام به المنصور من عمل ضد دعوة ابن تومرت، إلا أن
عمله هذا كانت له نتائج طيبة حيث إنه بهذا العمل كسر ذلك السياج الذي أحيطت
به دعوة ابن تومرت مما دعا كثيرًا من الموحدين لا سيما المنصفين منهم إلى التمعن
في حقيقة دعوة ابن تومرت ودراستها بموضوعية وإنصاف، فبانت لهم حقيقتها وما
تحمله من زيف وباطل، فأخذوا يتحللون منها شيئاً فشيئاً حتى إذا تولى أبو العلاء
إدريس الملقب بالمأمون [٧] (٦٢٤-٦٢٩ هـ) أعلن صراحة خروجه على تعاليم ابن
تومرت، وبين ما تحمله دعوته من زيف وضلال، وقال وهو على المنبر في
مدينة مراكش يخطب الناس: (... أيها الناس لا تدعوه بالمهدي المعصوم -يعني
ابن تومرت - وادعوه بالغوي المذموم فإنه لا معصوم إلا الأنبياء ولا مهدي إلا
عيسى [٨] ، وأنا قد نبذنا أمره النحيس ... ) [٩] ، كما يذكر ابن أبي زرع أنه بعد
أن نزل من على المنبر (كتب إلى جميع بلاده بتغيير سير المهدي وما كان ابتدعه
للموحدين وجرى عليه عملهم وسير ملوكهم، وأمر بإسقاط المهدي من الخطبة
وإزالته من الدنانير والدراهم ... وقال: كل ما فعله المهدي وتابعه عليه أسلافنا فهو
بدعة ولا سبيل لإبقاء البدع ... ) [١٠] ، كما أرسل المأمون كتاباً إلى المدن المغربية والأندلسية بين لهم فيه الخطوات التي اتخذها ضد دعوة ابن تومرت، وقد جاء في ذلك: ( ... ولتعلموا أنا نبذنا الباطل وأظهرنا الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى ابن مريم ... وقد أزلنا لفظ العصمة عمن لا تثبت له
عصمة ... ) [١١] .
هكذا تجرأ المأمون تاسع أمراء الموحدين فبين للناس صراحة بطلان ما دعا
إليه ابن تومرت، وأمرهم بنبذه والعودة إلى المنهج الإسلامي الأصيل، ولم يذكر
المؤرخون أن هذا العمل لقي أي معارضة من الموحدين مما يدلنا على أنهم كانوا في
ذلك الوقت قد بدءوا يتحللون منها لما بدا لهم بطلانها.
بعض المزالق التي وقعت بها دعوة ابن تومرت:
كان هذا عرضاً تاريخياً لدعوة ابن تومرت منذ أن كانت فكرة وحتى ظهرت
إلى حيز الوجود، وأصبح لها كيان سياسي يحميها، ويدعو الناس إليها، وقد بدا لنا
من خلال هذا العرض أن دعوة ابن تومرت بالرغم من انتشارها في بادئ الأمر،
وتمكن أصحابها من القضاء على خصومهم المرابطين، فإن أسسها العقدية التي
قامت عليها لم تكن أسساً سليمة؛ بل كانت منحرفة عن الأسس الإسلامية الصحيحة، وباستقراء تاريخ هذه الدعوة وما خلفه لنا ابن تومرت من تراث فكري ندرك
المزالق التي وقع فيها الموحدون، ومن أهمها:
١-ادعى محمد بن تومرت داعية الموحدين الأول العصمة لنفسه إذ قال عن
نفسه بأنه هو المهدي المعصوم [١٢] ، كما سماه تلاميذه بهذا الاسم فأطلقوا عليه
لقب المعصوم حتى أصبح هذا اللقب من أشهر ألقاب ابن تومرت لدرجة أنهم كانوا
يطلقونه عليه دون ذكر لاسمه بسبب اشتهاره به!
والعصمة عند أهل السنة والجماعة لم تثبت إلا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة
والسلام فيما يبلغون عن الله ولم يقولوا بها لسواهم حتى لكبار الصحابة الذين خصهم
الله بالفضل: أبي بكر وعمر وغير هما [١٣] .
هكذا غالى ابن تومرت في القول بالعصمة لنفسه فنهج بذلك نهج الرافضة
الاثنى عشرية [١٤] الذين قالوا بالعصمة لأئمتهم، مما أوقعهم في انحراف عقدي
خطير لأن: ( ... من جعل بعد الرسول معصوماً يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها ... ) [١٥] ولم يكتف ابن تومرت بهذا الادعاء بل إنه كان يأمر بقتل كل من يشك [١٦] في عصمته [١٧] ، ولكي يؤصل هذا الادعاء في نفوس أتباعه ألف لهم كتابه أعز ما يطلب [١٨] .
٢- ادعى ابن تومرت أنه هو المهدي الذي وعد الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بخروجه في آخر الزمان حيث قال في خطبته حيث مبايعته إماماً للموحدين
سنة٥١٥هـ: (الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالهدى الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً، يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه بالمغرب الأقصى، واسمه اسم النبي، ونسبه نسب النبي..) [١٩] . ويلاحظ هنا كيف تجرأ ابن تومرت فكذب على الله ورسوله حيث عين مكان ظهور المهدي بالمغرب الأقصى، مع أن الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لم تشر إلى ذلك، وقد تلقى الموحدون هذ الادعاء بالقبول حيث يذكر ابن خلدون [٢٠] أنه بعد هذه البيعة أصبحوا يلقبونه بالمهدي، وكان لقبه قبلها الإمام! ! .
وهكذا يبدو لنا أن الكذب على الله ورسوله، ووضع الأحاديث ونسبتها إلى
الرسول من الأسس العقدية التي قامت عليها دعوة ابن تومرت، وهم بهذا يحذون
حذو الرافضة الذين ملئوا كتبهم بالأحاديث والأخبار المكذوبة على الرسول -صلى
الله عليه وسلم -.
٣- أنه ألف لتلاميذه كتاباً سماه كتاب التوحيد بلسانهم البربري قسمه إلى سبعة
أحزاب عدد أيام الأسبوع، وأمرهم بقراءة حزب واحد في كل يوم بعد صلاة
الصبح [٢١] ، وقد حوى هذا الكتاب الكثير من الأغاليط والشطحات في الأمور العقدية، وحتى يضمن تأصيل ما في هذا الكتاب في نفوس أتباعه فإنه ألزمهم بحفظه حيث يذكر ابن أبي زرع الفاسي أن ابن تومرت قال لأصحابه الموحدين: ( ... من لا يحفظ هذا التوحيد فليس بمؤمن وإنما هو كافر لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته فصار هذا التوحيد عند المصامدة كالقرآن العزيز ... ) [٢٢] .
بهذا جعل ابن تومرت نفسه شرعًا لأتباعه حيث ألزمهم بحفظ ما جاء به
وضمنه كتبه، وإذا كان الإسلام لم يلزم المسلم أن يحفظ من القرآن الكريم وهو
المنزل من عند الله سبحانه إلا قدر ما يقرأه في صلاته فإن ابن تومرت داعية
الموحدين الأول قد جعل مؤلفه أهم من القرآن حينما طالب الموحدين بحفظه! ! .
٤- إن ابن تومرت أخذ من كل مذهب وفرقة إسلامية ما يلائم اتجاهاته ويخدم
أهدافه، ولهذا جاء تراث الموحدين الفكري خليطاً مضطرباً متأثراً بكثير من
النزعات الفكرية الضالة، فهو في مسألة الإمامة يقول برأي الرافضة حيث ضمن
كتابه (أعز ما يطلب) هذا الرأي، فقال حين حديثه عنها: (لا يصح قيام الحق في
الدنيا إلا بوجوب الإمامة في كل زمان إلى أن تقوم الساعة، ما من زمان إلا وفيه
إمام لله قائم بالحق ... ) [٢٣] ، كما وافق الرافضة في القول بعصمة الإمام - كما
أسلفنا-.
كذلك تأثر ابن تومرت بمذهب المعتزلة [٢٤] في نفي الصفات عن الله تعالى، ولهذا سمى أصحابه بالموحدين، لأنهم في رأيه هم الذين يوحدون [٢٥] الله حقًّا
لنفيهم الصفات عن الله [٢٦] .
كما نهج ابن تومرت نهج الأشاعرة [٢٧] في تأويل بعض صفات الله سبحانه
وتعالى [٢٨] .
٥-كفر ابن تومرت من لم يؤمن بما يقول ويعتنق ما يدعو إليه، واستباح دمه
حتى ولو كان من أتباعه [٢٩] ، كما قال بكفر دولة المرابطين ووجوب جهادها،
ولتأصيل هذا المبدأ في نفوس أصحابه فقد صرح في كل مناسبة، كما ضمنه كتبه
التي ألفها لهم ورسائله التي كان يبعثها إلى الموحدين حيثما كانوا.
ومما جاء في إحدى رسائله إلى أصحابه. (واعلموا وفقكم الله أن جهادكم -
يعني المرابطين - فرض على الأعيان على كل من فيه طاقة للقتال، واجتهدوا في
جهاد الكفرة الملثمين ... ) [٣٠] .
كان هذا هو رأي ابن تومرت في دولة المرابطين، تلك الدولة السنية التي
أقامت كيانها على مذهب أهل السنة والجماعة والدعوة إلى الله على هدى من سنة
الرسول ﷺ ، فقد طعن في عقيدتهم، ووصفهم بأنهم مجسمون
وكفار، لا تجوز طاعتهم، ولا الولاء لهم، بل يجب جهادهم، ولهذا قاتل
الموحدون المرابطين قتال المسلمين للكفار حسب اعتقادهم، وما ذلك إلا بسبب غلو
ابن تومرت وتجرئه على الطعن في أعدائه دون ورع أو تقوى! ! .
وبعد هذا العرض السريع لنشأة دعوة ابن تومرت، والتعرف على بعض
الأسس العقدية التي قامت عليها- ندرك بجلاء مدى ما فيها من غلو وشطط، وما
شابها من ضلال وانحراف، وأنها كانت بعيدة كل البعد عن المنهج الإسلامي
الصحيح، ولا شك أن هذا الغلو والانحراف الواضح فيها هو الذي جعل أتباع ابن
تومرت غير متحمسين لها بعد موته، بل بعضهم حاربها وتبرأ منها - كما رأينا -
فكان هذا الموقف سبباً لأن تدفن معظم أفكار وأقوال ابن تومرت معه، ولا يقدر لها
الذيوع والانتشار كغيرها من الدعوات الضالة التي ظهرت بالعالم الإسلامي على مر
العصور.
стр. 374
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
من ينقذ السودان؟
لو لم يكن للسودان من الكوارث والنوائب سوى ما ألفه من موجات المجاعة
المتكررة والفيضانات المدمرة التي تعقب مواسم الجفاف الطويلة المهلكة، نقول لو
لم يكن للسودان من الهموم الجسام سوى الذي ذكرناه لكفى أن يكون ذلك مدعاة
لاستنفار كل طاقات المسلمين لنجدة ذلك البلد المسلم وإنقاذه من محنته التي هو فيها.
بيد أن الحالة هناك هي أسوأ من ذلك بكثير، وأن الناظر عن كثب إلى
مجريات الأحداث في ذلك البلد ليدرك جيداً أن هذا الذي ذكرناه - على الرغم من
هوله -لم يعد في حياة المواطن السوداني سوى ظواهر أخذت تعتادها الأنفس
وتتلقاها بشيء من القبول نظراً لتكرار حدوثها من جهة، ولكثرة المشاكل والمآزق
التي تلم بذلك البلد والتي ينفرد هو في مواجهتها من جهة أخرى.
لقد أصبح السودان ضحية للمتآمرين عليه في الخارج وألعوبة بأيدي النفعيين
وطلاب الزعامات من أبنائه في الداخل، ولا يظهر في الأفق أي مخرج من هذه
الأزمات طالما بقيت الأحوال السياسية على ما هي عليه واستمرت الحكومة في
انقسامها على نفسها ومضيها في علاقاتها مع بعض الأطراف الخارجية التي تقطع
الطريق عليها في الحصول على مساعدات محتملة تخفف من وطأة الأزمات التي
تعانيها والتي أثبتت الأيام أنها - أي هذه الأزمات - أكبر من السودان وإمكاناته.
فالحرب الانفصالية التي يقودها قرنق - التي تكلف الحكومة مليون دولار
يومياً - ومطالبه المتجددة كل يوم ليست وليدة الأعوام الخمس أو الست الماضية،
بل يرجع اشتعال فتيلها إلى أكثر من ثلاثين سنة، وإخفاق السودان في إخمادها دليل
على أنها مؤامرة تفوقه حجماً، وأن أصابع الأعداء الخفية تلعب، لعبتها لتركيع
ذلك البلد، والنيل منه متخذة من الهيئات الدولية أداة فعالة للضغط عليه وتمرير
مخططاته، فتارة بنك النقد الدولي، وتارة أخرى هيئات الإغاثة وثالثة مجلس
الكنائس العالمي، وهلم جرا.
وما زاد ارتماء السودان في أحضان هذه المؤسسات إلا سوءاً على سوء،
فبنك النقد الدولي أصبح ثقلاً إضافياً يضاف إلى كاهل الحكومة، فهو الذي يرسم
سياسة البلاد الاقتصادية، وهو الذي يقرر ماذا يجب أن يزرع ويحصد، وإليه
ترجع مسئولية تحديد أسعار المواد الغذائية لا سيما الأساسية منها، كالسكر والشاي
والدقيق.
ولقد جر هذا التدخل السافر في الشئون الاقتصادية إلى كوارث تمثلت
باضطرابات واحتجاجات واسعة النطاق، ومظاهرات جابت شوارع المدن الكبيرة
سقط فيها عدد من القتلى والجرحى، وأصابت الحياة اليومية بالشلل التام.
وجملة القول إن الأحوال في السودان في تدنٍّ مستمر، والحكومة منقسمة على
نفسها وعاجزة تماماً عن تقديم أي حل من شأنه أن يخفف من وطأة الأزمات التي
تعصف بالبلاد الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تزايد نقمة الشعب حتى وصل الأمر إلى
القيام بمحاولات للإطاحة بالحكومة.
وفي خضم هذه الظروف الصعبة التي يمر بها السودان تلعب المنظمات
الدولية ومن ورائها الدول الغربية دورًا خبيثاً لضمان إنجاز المخطط التآمري لهذا
البلد.
- فقرنق لم يكن بمفرده يوماً قادراً على إرغام الحكومة على قبول مطالبه
بإلغاء قوانين الشريعة على الرغم من أن منطقة الجنوب التي تتمركز فيها الأقليات
النصرانية والوثنية كانت مستثناة أصلاً من تلك القوانين، كما لم يكن بمقدوره
إرغام الحكومة على الجلوس على مائدة المفاوضات للنظر في مطالبه الأخرى،
قرنق هذا لم يكن بإمكانه قطع هذا الشوط البعيد في صراعه مع الحكومة لولا
الضغوط الخارجية التي واجهتها الأخيرة للسير بهذا الطريق.
فقد تحدثت الصحف والمجلات العالمية الصادرة في أواخر العام الماضي
ومطلع العام الحالي عن تلك الضغوط، وكشفت أن الدول الكبرى شرقيها وغربيها
وعلى رأسها روسيا وأمريكا مجمعة على ضرورة الجلوس مع قرنق والتوصل إلى
حل وسط، ومن هذه الضغوط قيام هولندا بقطع مبلغ (٢.٥) مليون دولار من
مساعدتها للسودان لتحقيق نفس الغرض.
إن قضية جنوب السودان مؤامرة عالمية تستهدف السودان كله، تغذيها دول
مجاورة كأثيوبيا وغيرها، وليست مسألة حرب أهلية كما تحاول أن تظهرها أجهزة
الإعلام العالمية.
إن من حق السودان على الدول العربية مد يد المساعدة له وهو يمر بهذه
الأزمات، ولقد أبرزت التطورات الأخيرة هناك مدى إهمال هذه الدول له. والأنكى
من ذلك أن تلتقي مصالح بعض الدول العربية في المنطقة مع مصالح القوى
الخارجبة في ضرورة قبول الحكومة السودانية لمبدأ الجلوس مع قرنق على مائدة
المفاوضات والنظر في مطالبه.
أين مواثيق جامعة الدول العربية، وأين - على وجه الخصوص - اتقاقية
الدفاع المشترك المصادق عليها من قِبل جميع الدول الأعضاء؟
وكما قلنا في الماضي: لو كانت الحرب ضد قرنق تدار تحت راية إسلامية
حقة يقودها العلماء والدعاة المتجردون، وتحرك المسلمون في البلدان المجاورة
للسودان فقط كمصر، وليبيا، والصومال، وأريتريا، والمسلمون في الحبشة
نفسها... لو كان الأمر كذلك لشعر الصليبيون بحقيقة حجمهم، وشعر أعداء الله كلهم
بصغارهم وهوانهم [١] .
стр. 375
ثورة الحجارة ... هل انتصرت ؟
د. غازي الخطيب
[إن الشعب الفلسطيني كشف للجيل الذي يشاهد تحليل الذرة على أن الذرة الإنسانية لا تحطم فعلاً وأن الأجهزة الضخمة التي تريد تحطيمه قد يصيبها العطب] . ...
مالك بن نبي
نعم ... هل انتصرت - وليس هل ستنتصر - ... نعم، فلو توقفت الحجارة
عن الحركة وعادت إلى أماكنها المعتادة، فلقد انتصرت الحجارة، ولو لم تحقق إلا
ما حققته إلى أن توقفت.
إذا كان لابد لإعلان انتصار الحجارة من أن تؤدي إلى استرجاع فلسطين
وطرد اليهود منها فهي لم تنتصر ولن تنتصر، ولكن هذا قصور في فهم حقيقة
وأبعاد الصراع بين المسلمين واليهود. فالصراع طويل الأجل، وإن عدتم عدنا.
وانتفاضة الحجارة هي مرحلة من مراحل هذا الصراع، وظاهرة من ظواهره،
وليس بالنتيجة نهايته.
إذن ... فالإجابة بالإيجاب، مناقضة لمنطق الأحداث وتسلسلها.
ولقد انتصرت انتفاضة الحجارة للأسباب التالية:
١- أنجزت الحجارة مالم تنجزه البنادق، ولعل حامل الحجارة ليس كحامل
البندقية، وليس من العدل مقارنة ما حققته الحجارة مع ما كان يجب أن أو يمكن أن
تحققه البنادق.
٢- أزالت الحجارة حجاب الخوف من اليهود الذي هيمن على قلوب أهل
الأرض المحتلة خلال السنين الماضية. فالعمل من خارج الأرض المحتلة لم يكن
ليجدي في غياب الدعم الفعلي من داخلها، فكان لابد لفعالية إعلان رفض الاحتلال
اليهودي، أن تقوم انتفاضة من الداخل، بالرغم من التضحيات الكبيرة التي تتطلبها، من قتل وسجن وتعذيب وترحيل وهدم للبيوت.
٣- حطمت الحجارة أسطورة الجندي الإسرائيلي القادر على فعل ما يشاء ولا
يزال قابعاً خلف الثكنات والمعدات، [لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ
مِن ورَاءِ جُدُرٍ] فها هي الحجارة قد جردت الجندي الإسرائيلي من سلاحه التقليدي
ووضعته أمام جوهر قوة الإنسان النابع من عقيدته الأخروية، والتي بانعدامها تفقد
أسلحة الدنيا قوتها وفعاليتها.
٤- نقت الحجارة القلوب من حجاب الوهن، فالإقبال على الدنيا والهروب من
الموت لم يكن لينجي أهل الأرض المحتلة من الذل والهوان، ولا من طغيان
الاحتلال، [وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
تَكُونُ لَكُمْ] وقد أردنا غير ذات الشوكة سنين طويلة، حتى طغى حب الدنيا ولذاتها
ورغباتها على حب الآخرة والرغبة في الجنة والشوق للقاء الله.
٥ -ردمت الحجارة الهوة بين عالمين: عالم المشقة في مجابهة العدو وعالم
الهناءة ورغد العيش بعيداً عن العدو. فالحرب النظامية كان لها ساحات هي غيرها
التي يعيشها عموم الناس أثناءها. وساحة المجابهة هي الآن ساحة واحدة متحدة تقع
في بقعة جغرافية واحدة، تلتقي فيها آلام وأحزان رامي الحجارة في الشوارع
والمنتظر الداعي في البيوت أو القابع فيها، وتتعانق فيها أحلام الصغار وآمال
الكبار، ويتفاعل فيها شوق للقاء الله وانسلاخ من حب الدنيا، وتتحد فيها رغبتان:
رغبة في المشي سوياً على صراط مستقيم، ورغبة في التخلص من اتباع السبل
المتفرقة.
وليس لأحد أن ينتقص من دور وآثار انتفاضة الحجارة. وأرجو للحجارة
استمرار الحركة، ليس فقط لرجم اليهود، ولكن أيضاً لإحياء القلوب بالإيمان عن
طريق تمزيق حجاب الخوف والوهن.
стр. 376
ليبيا ... اعتقالات بالآلاف
ذكر القادمون من ليبيا أن اعتقالات واسعة جداً جرت في أوساط الإسلاميين،
وقد تمكن عدد قليل من الشباب من الإفلات من قبضة النظام وعبور الحدود الليبية
والانتشار في أرض الله الواسعة.
وذكر القادمون أن الآلاف من الدعاة إلى الله قد زُج بهم في المعتقلات، وقد
علمنا أن عدداً غير قليل من الشباب تم تصفيتهم أثناء اعتقالهم وفي السجون الكثيرة
التي استبدلها القذافي بالسجن الذي هدمه.
والغريب في الأمر هو ذلك الصمت الرهيب الذي التزمته أجهزة الإعلام
والصحف العالمية إزاء هذه الأحداث الخطيرة.
- لو كان هؤلاء نصارى لما سكت عنهم الفاتيكان ولتمكن من تحريك أعوانه
من الدول الكبرى والصغرى.
- لو كانوا يهوداً، لتمكن اليهود من تحريك مشاعر الرأي العام العالمي،
ولأقدمت إسرائيل على عمل حربي.
- لو كانوا شيوعيين لاتخذ السوفيات موقفاً يحرج القذافي، ولقطعوا عنه
الأسلحة وأمروا خبراءهم بالعودة.
- لو كانوا باطنيين لتحركت إيران وعملاؤها في كل مكان ولاختطفوا
الطائرات واحتجزوا الرهائن حتى يتم إطلاق سراحهم.
أما هؤلاء أبناء السنة فلا بواكي لهم، وليس هناك من يحزن لحزنهم، وأن
يتفضل بالكتابة عنهم.
إن أحداثاً كهذه تبرز حقيقة الألاعيب التي يلجأ إليها نظام كنظام القذافي
لتحسين صورته القبيحة أمام الشعب الليبي. فكيف الجمع بين عمل كهذا وبين هدم
السجن الذي شارك هو فيه بنفسه؟ وكيف التوفيق بين هذه الجريمة الجديدة وبين
دعوته - في الأمس القريب - لمنظمة العفو الدولية لنقل مكاتبها إلى طرابلس؟ .
أين الصحف والمجلات العربية القومية التي ما فتئت تهاجم القذافي صباح
مساء ولا تكاد تدع صغيرة ولا كبيرة إلا وكان لها فيها كلمة؟ ما بالها هذه المرة قد
غفلت عن هذه الأحداث الخطيرة؟ أم أنها نقاط الالتقاء مع نظام القذافي؟ !
بل أين منظمة العفو الدولية وباقي منظمات الأمم المتحدة التي تعنى بحقوق
الإنسان؟ ! .
كم قلنا غير مرة إن القذافي وغيره من العسكريين لا يقرءون التاريخ، ولا
يتعظون بالأحداث فهؤلاء الآلاف سيتأثر لسجنهم عشرات الآلاف وتزداد عزلة
النظام يوماً بعد آخر، وسيتحدث الدعاة من أبناء ليبيا الذين لا يعرفون الخنوع ولا
الذل أن حاكماً عسكرياً حاول تغيير دين الله فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما أخذ
غيره من أعداء الإسلام.
стр. 377
بداية النهاية
فورين ريبورت٢٠ / ٤ /١٩٨٩ م
تمكن المجاهدون الأفغان بقيادة أحمد شاه مسعود من قطع طريق (سالانغ)
الذي يصل بين كابل والحدود السوفياتية. كما أصبح مستقبل رئيس النظام الشيوعي
الذي تكتنفه الشكوك موضع نقاش في الصحافة السوفييتية التي أخذت مؤخراً
بالحديث عن خطورة عمليات الشحن الجوي للمواد الغذائية إلى كابل، وعن
القصف الصاروخي المكثف لمدينة جلال آباد من قبل المجاهدين، وإذا ما استمر
المجاهدون بقطعهم للطريق فمن غير المتوقع أن تتمكن حكومة كابل من الصمود
أكثر من أشهر قلائل.
وتواجه العاصمة نقصاً في مخزونها من المواد الغذائية على الرغم من عمليات
الشحن الضخمة المرسلة من الاتحاد السوفييتي، وأصبح تخزين المواد الغذائية
ظاهرة منتشرة، وبات اصطفاف العامة في طوابير طويلة على المخابز أمراً مألوفاً.
وسيأتي الوقت الذي ينفد فيه صبر المدافعين عن مدينة كابل. كما أدى قطع
المجاهدين لأنبوب النفط الممتد من الاتحاد السوفييتي إلى مطار العاصمة إلى أزمة
شديدة في الوقود حالت دون استخدام الأهالي لسياراتهم، أما سيارات الأجرة - فعلى
ندرتها - فقد أصبحت أجرتها خيالية.
ومن المرتقب أن يحتفظ المجاهدون هذه المرة بسيطرتهم على الطريق
الاستراتيجي نظراً لعدم وجود تغطية جوية سوفييتية، ولقلة مهارة الطيارين الأفغان.
стр. 378
أخبار حول العالم
منع الحجاب في تركيا
شهدت شوارع مدينة استانبول ومدن تركية أخرى في الأسبوع الأول من شهر
مارس الماضي مظاهرات كبيرة نظمها الطلبة المسلمون احتجاجاً على قرار الحكومة
الدستورية بمنع الطالبات المسلمات من ارتداء الزي الإسلامي، لا سيما غطاء
الرأس في أروقة الجامعة، وقد قام رجال الشرطة باعتقال عشرات من المتظاهرين.
مجلة ميدل إيست انترناشونال ١٧/٣/١٩٨٩ م
مجاعة في بنغلاديش
تتعرض المناطق الوسطى والشمالية من بنغلاديش إلى موجة جفاف حاد، وقد
ألحقت هذه الظروف المناخية السيئة أضراراً بالغة بالدواجن والمزروعات مما
عرض حياة الآلاف من السكان إلى الخطر، وقد ناشدت المنظمات والتجمعات
الشعبية الجهات الإدارية إلى الإسراع بإيصال المواد الغذائية إلى المناطق المتضررة.
التايمز ١٢/٤/١٩٨٩ م
حملة إسرائيلية جديدة في أفريقيا
قررت كينيا استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، ويأتي قرار كينيا هذا
ثمرة أولى للجهود المستمرة التي تبذلها إسرائيل من أجل فك عزلتها في القارة
الإفريقية.
وكانت دول أفريقية أخرى: (زائير ١٩٨٢، ليبريا ١٩٨٣، ساحل العاج
١٩٨٦، الكامرون ١٩٨٦، توغو ١٩٨٧) قد وافقت على إعادة علاقاتها مع الدولة
اليهودية. ومن المعروف أن معظم دول منظمة الوحدة الإفريقية كانت قد قطعت
علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب عام ١٩٧٣ [*] .
... فورين ريبورت ١٢/ ١ /١٩٨٩ م
معونات هندية لنظام كابول
شرعت الحكومة الهندية في برنامج شحن مساعدات إنسانية! للنظام الشيوعي
في كابول، في حين أعلن المجاهدون الأفغان عن اعتقادهم أن ما يقرب من (٦٠٠)
مستشار عسكري هندي قد تم إرسالهم إلى أفغانستان لدعم نظام نجيب الله، ومن
جهة أخرى فقد أعرب مسئولون رسميون هنود لوزير الخارجية البريطانية - خلال
جولته الأخيرة لجنوب آسيا - عن تفاؤلهم ببقاء مدينة جلال آباد بيد القوات
الشيوعية إلى الأبد.
الأوبزرفر ٢/٤/١٩٨٩م
الأندبندت ٣/٤/١٩٨٩ م
أوزبكستان ... عودة إلى العربية
ذكرت وكالة أنباء أوزبكستان أن عدة آلاف من أهالي مدينة طشقند عاصمة
جمهورية أوزبكستان - التي تحتلها روسيا - خرجوا في مظاهرات طافت شوارع
المدينة يوم ٤/٣/١٩٨٩ وطالب المتظاهرون السلطات بجعل لغة البلاد المحلية هي
اللغة الرسمية بدلاً عن اللغة الروسية.
ومما يجدر ذكره أن ظاهرة جديدة تعم مختلف الجمهوريات المسلمة تتمثل في
حرص المسلمين فيها على تحقيق مطالب عدة، من بينها جعل اللغة المحلية لغة
رسمية، العودة إلى استخدام الحروف العربية بدلاً عن الروسية التي يعمل بها حالياً، بالإضافة إلى إعادة كتابة تاريخها والذي اعترته حملات التشويه والطمس من قِبل
الروس.
الجارديان ويكلي ١٩/٣/١٩٨٩ م
خسائر إسرائيل في الانتفاضة
قدرت مصادر الجيش الإسرائيلي أن ما أنفقته المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
في مواجهتها للانتفاضة قد بلغ (١٥٠) مليون دولار، وفي الوقت ذاته فقد أدت
سياسة الجيش في زج أعداد كبيرة من الجنود في محاولة منها لإرهاب الفلسطينيين
إلى الحاجة إلى استدعاء قوات الاحتياط خلال فترات متقاربة جداً مما تسبب في
إحداث فوضى وعدم انتظام في إدارة الجيش.
وفي الوقت ذاته فقد ساقت الاضرابات وقوانين حظر التجول التي تفرض
على مدن الضفة الغربية إلى ظاهرة تغيب أعداد كبيرة من اليد العاملة الفلسطينية
عن أعمالها في المصانع والشركات اليهودية، ويشكل ما يربو على (١٠٠) ألف
عامل فلسطيني عصب الحياة في كثير من الميادين لا سيما الزراعة والإنشاء.
ومن جهة أخرى فقد كانت خسارة إسرائيل لأسواقها في الأراض المحتلة
ضربة أخرى لاقتصادها، فقد أدت استجابة الفلسطينيين لدعوات مقاطعة البضاعة
الإسرائيلية إلى انخفاض حاد في مبيعات إسرائيل إلى الأراضي المحتلة والتي كانت
قد بلغت عام ١٩٨٧بليون دولار، أي المرتبة الثانية بعد أمريكا، كما خسر كثير
من أصحاب المصانع المتخصصة في صناعة سلع معينة للسوق الفلسطيني تجارتهم
بسبب قلة الإقبال عليها، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان لأحداث الانتفاضة بشكل عام
الأثر الرئيسي في تداعي العوائد التي تجنيها إسرائيل من السياحة، فبدلاً من أن
ترتفع تلك العوائد بنسبة ٢٠% كما كان مخططاً لها فقد كشفت الإحصاءات أن
خسارة إسرائيل في هذا الجانب قد بلغت (٢٠٠) مليون دولار.
مجلة ساوث، آذار/ مارس١٩٨٩ م.
أهلكناهم لما ظلموا
تواجه تايلاند كابوس انتشار مخيف لجرثومة مرض الإيدز، ففي حين كان
عدد حاملي جرثومة هذا المرض ١٩٨ شخصاً عام ١٩٨٨ إلا أن هذا العدد قفز إلى
(٤٠٠٠) في نهاية شباط (فبراير) ١٩٨٩، ومن المتوقع أن يتضاعف عدة مرات
مع نهاية هذا العام.
ومع هذا فلا يبدو أن هذه الإحصائيات ستردع مالكي أمكنة البغاء وتجار
الفاحشة.
وقد وصلت أنباء الإيدز إلى أسماع الشعب هناك في وقت متأخر، فقد عملت
الحكومات المتعاقبة على إخفاء هذه الحقائق حتى لا يتضرر مرفق (السياحة) الذي
يدر العملة الأجنبية على البلاد.
ومن المعلوم أن مصطلح السياحة يطوي تحته هذه التجارة الخبيثة وما يتعلق
بها من رقيق أبيض، وتشجيع للفواحش، وجعلها مصدراً للربح محمياً بسلطة
القانون، هذا وبلغ عدد النساء اللاتي يتعاطين مهنة البغاء في تايلاند أكثرمن
(٨٠٠) ألف امرأة.
ومن جهة أخرى فقد ارتفع عدد متعاطي المخدرات من ١% إلى ٤٠% خلال
١٨ شهراً.
الغارديان ويكلي ٩/٤/١٩٨٩
стр. 379
بأقلام القراء
نصيحة إلى المجاهدين الأفغان
عبد العزيز الشرقي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
إخواني المجاهدين:
أما وقد أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى فإني أحببت أن أنصح لكم مصداقاً
لقوله ﷺ : (الدين النصيحة) .
إن الجهاد ليس هدفاً تنتهي عنده مقاصد الإسلام، ولا حتى إقامة الدولة
الإسلامية هدف تتوقف الجهود عنده، كل ذلك وسائل لغاية أعظم وهي إقامة شرع
الله في النفوس وعبادته حق عبادته، قال تعالى: [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ
لِيَعْبُدُونِ] فجعل الغاية والمقصد هو عبادته ، وجعل الجهاد لتكون كلمة
الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا.
والنبي ﷺ أقام الدولة الإسلامية في المدينة لا للدعة
والأمن والاطمئنان، وإنما أقامها لتكون منطلقاً لجيوش تجاهد وتكسر القيود الجاهلية
المفروضة على جنس الإنسان..
وإني أريد أن تحذروا من المنافقين الذين يريدون أن يقطفوا ثمار الجهاد تحت
مسمى الديمقراطية أو تحت مسمى الوحدة التي تضمهم، ولو استعرضتم السور
المدنية في القرآن الكريم لوجدتموها مليئة بالتحذير من المنافقين الذين يوالون أعداء
الله وأتباعهم، فلقد قام الحلف الطبيعي بين المنافقين واليهود في المدينة وها هو
اليوم يقوم مرة أخرى باختلاف في الأدوار، فلا تحالف ولا توحد مع من يعادون الله
ورسوله حتى يتوبوا وينيبوا، وهم إن تابوا فهي تنفعهم عند الله، ولكن لا يولون
شيئاً من أمر المسلمين.
وأخيراً أذكركم بموقف النبي ﷺ لما دخل مكة سنة الفتح
ورأسه يكاد يلامس ظهر بعيره تواضعاً لله، وما ذلك إلا لعلمه بأن النصر من الله لا
بعدته ولا عتاده، وكما نصركم الله لما نصرتموه في جهادكم سينصركم على من
تحالف ضدكم [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] .
أسأل الله أن ينصركم ويثبت أقدامكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 380
رسالة إلى إخواني الوعاظ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
إخواني. إني أحبكم في الله ... يا من اختاركم الله لتبليغ دينه إلى أمة محمد ... وكفى بهذا ثناء ورفعة ومجداً وشرفاً.
إن أفضالكم لا تعد وحسناتكم مضاعفة إن شاء الله، فكل يوم نرى النتائج
باهرة ونسمع الأخبار سارة.
وحرصاً منا على ازدياد الثمار والحصول على أفضل النتائج.. إليكم النقاط
التالية مختصرة:
١- التعارف وازدياد التآلف ... لتأنس القلوب بين الجيران أنفسهم.
٢- الطرق على الحديد ساخناً، بعد الموعظة سيجد الأخ قلوباً مفتوحة وآذاناً
مستعدة، فليستفد من هذا.
٣- التقرب إلى أبناء جماعة المسجد والانبساط معهم ... وقد يكون هذا هو
السبيل الوحيد للالتقاء بهم.
٤- الاستفادة من أسلوب القرآن الكريم والسنة النبوية في العرض والمناقشة،
والرد بدحض الحجة، ومقارعة الخصوم، وفي الإيجاز والانتقال وفي القصة
والوصف، وغير ذلك من المواضيع في البيان والأداء والإلقاء.
٥- يجب التركيز على موضوع واحد، والاختصار قدر الإمكان ذلك أن
الإسهاب وتعدد المواضيع تتعب المستمع فيمل فيضيع الجهد ويفتقد المراد والقصد.
ومن التركيز: الوقوف عند الحادثة بعد سياقها وعند الدليل بعد إيراده بالشرح
والتوضيح وأخذ الفوائد منه ليتم الاستيعاب.
أما رأيتم إلى القرآن وأساليبه إذا أتى على النعيم ووصفه ورغب فيه، أو أتى
على العذاب ووصفه وزجر عنه.
٦- ينبغي الإكثار من ضرب الأمثلة في الوعظ فإنه يزيد من التشويق
والالتفات إلى الموضوع.. كما يجب أن يكون المثال واقعياً معروفاً قريباً من
المخاطبين.
٧- ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب ... وهنا يجب ألا يتقدم الواعظ إلا
وهو يستحضر النية الصادقة والقصد النبيل ... فعندئذ يمضي بعزيمة متوكلاً على
ربه ... ولا يحتقر من المعروف شيئاً فرب كلمة صغيرة في مبناها عظيمة في
معناها سيجدها إن شاء الله قوية تخترق أغلفة القلوب ... رقيقة تهز المشاعر ...
صادقة تزيل ما ران على القلوب.
٨- مواضيع البشارات ... لا أدري لماذا لا يتطرق إليها الوعاظ؟ إن
الإنسان ليعجب أن يرى معظم - بل جميع - مواضيع الوعظ سياطاً تلهب آذان
المخاطبين ... وإن كانوا في شك مما أقول فليرجعوا إلى القرآن وكتب السنة فهي
بين أيديهم.
٩- المجادلة الجادة للبحث عن أساليب جديدة فلكل وقت أسلوبه ... ولكل
مكان عرضه المميز ... وعند الاقتناع بتغيير الأسلوب وأهميته لن نعدم البدائل
المفيدة فكل جديد في هذه الحياة يبلى ... وكل مكرر يمل.
١٠- الاستفادة من طاقاتنا الداخلية ... أعني الجلوس المنفرد مع النفس
مباشرة وجهاً لوجه للتفكير العميق باستخراج الآراء لئلا تضيع الأعمار ونحن نتلقى
أفكار الآخرين فقط، وتمضي الدهور بتعاقب الليل والنهار ونحن واقفون مكاننا ...
والحمد لله أولاً وآخراً.
أخوكم: أبو محمد
стр. 381
ما رأيك ؟
ما رأيك أخي المسلم أن تخصص ساعة من يومك لقراءة جزء من كتاب الله،
ذلك الكتاب الذي يصلح لك دينك ودنياك ويسعدك في الدنيا قبل الآخرة. فالله
قد وضع عشر حسنات لكل من يقرأ حرفاً من كتابه، قال رسول الله
ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر
أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» رواه
الترمذي.
لماذا لا نعكف على هذا الكتاب؟ ولماذا لا نحفظ منه ولو بعض آيات
والله سبحانه يقول: [ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] ، وهذه
الآيات سوف ترفعنا درجات في الجنة لقوله ﷺ :
«يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن
منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أبو داود والترمذي.
فالحياة فرصة لن تعوض، يجب علينا استغلالها بما يعود علينا بالنفع في
الدنيا والآخرة، ولنضع نصب أعيننا قوله ﷺ : «مثل
المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن
الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو» من حديث متفق عليه.
وإذا كان أحدنا لا يحسن قراءة القرآن أو يتعتع فيه ولذلك لا يقبل عليه
فنذكره بقول رسول الله ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو
ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق
له أجران» متفق عليه.
فهذا بعض ما أعده الله لقارئ القرآن. فلماذا نضيع كل هذا
الثواب العظيم؟ .
ولماذا نترك الكتاب الذي لا مثيل له في هذه الدنيا وهو الذي يشفع لقارئه يوم
القيامة؟ .
فاللهم اجعلنا ممن يقرءون كتابك آناء الليل وأطراف النهار، وممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه.
إيهاب عبده نفادي
стр. 382
ومن الأخ إبراهيم الغامدي، جدة، مسجد الصبر جاءت هذه المساهمة:
أماه
كرهت عيش النفاق ... كرهت عيش الدجل
كرهت عيش السهول ... أريد عيش الجبل
إيمان قلبي ضعيف ... دنياي صارت ملل
أماه أرجو جهاداً ... لا تحرميني الأمل
أماه لا تعذليني ... ماذا يفيد العذل
أماه لا تمنعيني ... بالدمع أو بالقبل
أماه هيا اتركيني ... قد حان وقت العمل
أماه كفى ملاماً ... فالخطب حقاً جلل
إخواننا بانتظار ... أمى كفانا كسل
أماه لست عصيًّا ... كلا، ولا بي خبل
لن أستحيل جباناً ... أبكي وأرثى الطلل
بالدمع نهوي جميعاً ... بالسيف نبني الدول
لا تفرقي من وفاتي ... لكل نفس أجل
أماه أحيي خناساً ... والمنجبات الأول
стр. 383
قديم جديد
التجارة من أسباب امتلاك أوربا للشرق
للشيخ محمد رشيد رضا ﵀
لقد علم الأوربيون أن حرب الدراهم والدنانير، أنجح من حرب المدافع
والبواريد، وقد امتلكوا بهذه الحروب الذهبية والفضية أكثر بلاد الشرق، فالإنكليز
ما استولوا على الهند بتكتيب الكتائب، وسوق الأساطيل بالفيالق والجحافل، وإنما
هي جمعية تجارية وطأت المسالك ومهدت السبل تظلها السلطة ويؤيدها النفوذ اللذان
يقيمان حيث تقيم، وكذلك شأن شركة النيجر في أحشاء أفريقية، واليوم ينعم
الإنكليز على الحكومة المصرية بثمانمائة ألف جنيه ونيف لافتتاح السودان وتصرح
وزارتهم بأن الإنصاف يقضي عليهم بمساعدة مصر بالإنفاق على فتح السودان لأنها
شريكتها بفوائده التجارية ومعناه أن تستأثر بالتجارة وتختص دون أوربا بهذا الفتوح
المعنوي الذي يتبعه التملك اسماً ومعنى كما هو المعهود في الهند والنيجر وغيرهما، ومعلوم أن الحكومة المصرية لا تجارة لها وبهذا يحتج عليها المحتلون في إجبارها
على بيع سكك حديد السودان بعد الفتح.
يقولون إن فائدتها العسكرية تنتهي بالفتح والحكومة المصرية لا تجارة لها ولا
يليق بها التجارة فمن المصلحة أن تباع هذه السكك لشركة تجارية ويرجح الإنكليز
على سائر الأجانب بما أنفقوا من أموالهم وما أرهقوا من -رجالهم والحمد لله لا
شركات وطنية لنا فنقول إنها ترجح وتقدم حتى على الإنكليز.
ابتاع أخوان من الفلاحين عدة من الدجاج (الفراخ) لأجل تربيتها والانتفاع
ببيضها، وكان أحدهما ذكياً والآخر بليداً مغفلاً، فقال الذكي للبليد تعال نقتسم واتفقا
في القسمة على أن تكون الدجاجات للبليد وبيوضها لأخيه فكان هو يتعاهدها بالأكل
والشرب والمبيت وينفق عليها ويخلي بين أخيه وبين بيوضها ويأكل منها ما شاء،
وصار الأخوان مثلاً في بلدهما في تلك القسمة الضيزى.
كذلك شأن الإنكليز مع الحكومة المصرية في السودان وشأن سائر الأوربيين
في فتوحاتهم المعنوية يقنعون بامتلاك المنافع وثمرات البلاد ويدعون الاسم لأهلها،
ولكن إلى أجل مسمّى حتى إذا ما جاء الأجل يصرحون بالامتلاك الاسمي أيضاً.
كل هذا والشرقيون وادعون ساكنون وإذا تحركوا فإنما تكون حركتهم ميلاً مع
ريح الأجانب انخداعاً لها أو رهبة منها لاندهاشهم بعظمتها التي ما جاءتها إلا من
الشركات المالية وهي أيسر شيء عليهم لا سيما قبل تمكن الأجانب من بلادهم، لو
أن للشرقيين عقولاً ذكية وتربية وطنية لما رضوا أن تكون بلادهم بينهم وبين
الأجانب كالدجاجات بين ذينك الأخوين فكيف والأمر أعظم من ذلك) ولقاوموا جنود
التجارة الفاتحة أشد المقاومة.
اندفع الغرب على الشرق بخميس من الأزياء وكتائب من الحلي وجحافل من
الماعون النفيس وفيالق من اللذائذ فلم تجد هذه الجنود المجندة من الشرق أقل مقاومة
ولا أدنى مدافعة فطفقت تفتك في النفوس بعوامل الترف وفي الأموال بعوامل
السرف وما زال القوم يعدون هذه العوامل من علائم الشرف حتى وقفت بهم على
شفا جرف وأكبتهم على مناخرهم في مهاوي التلف.
لا ننكر أن من هذه الجنود ما لا قبل لنا بدفعه الآن كالضروري من الأدوات
والماعون والنسيج، وكلامنا إنما هو في الزخارف الكمالية كالحلي وماعون الزينة
ومادة الترف من الأشربة وغيرها فهذه هي التي تنسف ثروة البلاد وترميها بالفقر
والعجز، فرب حاكم أو مسئول ينفق على الترف والبذخ ما يكفي لإنشاء مدارس أو
معامل يحيي بها صقع من الأصقاع أو إقليم من الأقاليم.
فالترف مدعاة الدمار والفناء الاجتماعى إذا لم يقرن بتربية صحيحة تقي من
أدوائه وتعصم من بلائه، فعسى أن يتنبه الشرقيون لما ذكرنا فيحترزون من مضار
الترف وتقليد الإفرنج بما يعود عليهم وعلى بلادهم بالدمار ويجتهدون بتربية أولادهم
تربية دينية وطنية لعلهم يستردون ما فقدوا، ويسترجعون ما سلبوا، وما ذلك على
الله بعزيز.
المنار ١/١٧
стр. 384
إلى أختي المسلمة
حارسة القلعة
د. محمد محمد بدري
إلى أختي المسلمة ... إلى من رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -
ﷺ نبياً ورسولاً، إلى من رضيت بعائشة بنت الصديق، وأسماء
وفاطمة أسوة حسنة ... إلى من أعزها الله بالإسلام ووقفت وسط جاهلية القرن
العشرين تمسك بحبل الله المتين وتحرص على مرضاته، وترغب في الفرار إليه
لتفوز في الدنيا والآخرة وتكون لها الحياة الطيبة [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى
وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] إلى
شريكة العبد المسلم وحارسة قلعة العقيدة ... إليها في بيتها (بيت الدعوة) .. أهدي
هذه الكلمات، لتعلم أنها في بيتها تقف على خط الدفاع الأول ضد أعداء الإسلام،
وأن وقفتها هذه تمثل نقطة الارتكاز في دائرة امتداد هذا الدين، وأن نسيج ثوبها
الشرعي هو نسيج الراية الإسلامية في الصراع بين الإسلام والجاهلية.
أختاه ... تعلمين أنه في مكة، وحين كان الإسلام يعيش غربته الأولى، كانت
المرأة بجانب الرجل في مسيرة الدعوة أختاً وزوجاً وأمًا تعيش همه؛ بل كان ربع
المجتمع الوليد في مكة من النساء، وعاشت المرأة هذه المرحلة تحاول مع زوجها
إزالة غربة الإسلام وتحفظ السر وتكتمه ...
وتعلمين - يا أختاه - أن هذه الغربة الأولى للإسلام ... غربة النبي -صلى
الله عليه وسلم- وأسرة ياسر وبلال وغيرهم.. قد عادت للذين يقولون ربنا الله لا
قيصر، والحاكمية لله لا للبشر،.. وأن هؤلاء الغرباء مكلفون أن يصلحوا ما أفسد
الناس، فمهمتهم كمهمة الغرباء الأوائل أن يزيلوا غربة الإسلام ويمكنوا له في
الأرض!
وتعلمين - يا أختاه - أن من أهم حقائق صراعنا مع الجاهلية من حولنا أنه
صراع اجتماعى قائم بين واقع إسلامي وواقع جاهلي، وأننا في حاجة إلى سنوات
طويلة من صمود الظاهرة الاجتماعية الإسلامية في وجه الظاهرة الاجتماعية
الجاهلية الغالبة الآن، والتي تحمل بين طياتها عوامل فنائها من العفن الخلقي
والشقاء المعيشي! ! .
وتعلمين - يا أختاه - أن بيتك خلية من خلايا كثيرة يتألف منها الجسم الحي
للواقع الإسلامي، فبيتك قلعة من قلاع هذا الدين، وفي هذه القلعة يقف كل فرد
على ثغرة حتى لا ينفذ إليها الأعداء؟ ! .
وأنت - يا أختاه - حارسة هذه القلعة، ولقد أفردك الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بالمسئولية فقال: «والأم راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها» فأنت
حارسة النشء الذي هو بذور المستقبل، ... وطفلك اليوم هو رجل الغد وامرأة الغد، ولكل دوره في الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وينبغي أن يؤهل لهذا الجهاد
منذ مولده بإعطائه القدر المضبوط من الحب والحنان والرعاية بغير نقص مفسد أو
زيادة مفسدة! ! ثم حماية مبادئ الإسلام ومفاهيمه في ذهنه.
أعلمُ - يا أختاه - أنك تشعرين بثقل الوطأة الساحقة لهذا المجتمع بكل ما فيه
من مكائد ومثيرات، وبما فيه من تقاليد موروثة تأخذ في بعض الأحيان طابع
العقيدة وتضغط على حسك - يا أختاه - أضعاف ضغطها على حس الرجل، وهذا
يتطلب منك مضاعفة الجهد وأنت قادرة على ذلك - بإذن الله - فأنت صاحبة عقيدة
قوية واهتمامات عالية، ... فهدفك عبادة الله وحده لا شريك له، ورسالتك العمل
على بناء المجتمع المسلم، ومسئوليتك تربية جيل مسلم، ووجهتك رضا الله وجنته
في الآخرة! !
ولا شك - يا أختاه - أنك لكي تقومي بدورك الحضاري على أتمه لا بد أن
تعرفي واقعك، وعندها ستجدين أن دورك يتطلب قسطاً من الصفات الأخلاقية
والفكرية والعقائدية.. بل كل الصفات التي تلزم مجاهدة في معركة بين الحق
والباطل، معركة يقف فيها أمامك أكابر مجرمي قرانا ينفذون أوامر أسيادهم من
اليهود فينشرون فكراً قذراً وأدباً مريضاً يحاولون به تدمير الأسرة، بل وتدمير
جميع المعوقات الأخلاقية حتى يخرجوا أجيالاً مدمرة مهدمة لا تعرف حقوق الله،
وصدق الله العظيم [وكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ومَا
يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ومَا يَشْعُرُونَ] وصدق رسول الله ﷺ :
«صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس،
ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا
يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .
فالرسول ﷺ يربط في هذا الحديث بين الاستبداد السياسي
وبين الانحلال الخلقي! ! فاحذري - أختاه - المجرمين الذين يريدون- أن يسيروا
بك بخطى سريعة وحاسمة إلى الجاهلية الأولى أو إلى جاهلية القرن العشرين! .
إنهم يقولون لك إن الرجل قد ظلمك حين فرض عليك ارتداء الحجاب، ولا
بد من التخلص من هذا الظلم وخلع الحجاب! ! .. فقولي لهم - يا أختاه - لم يكن
الرجل هو الذي فرض الحجاب على المرأة فترفع قضيتها ضده لتتخلص من ظلمه،
إنما الذي فرض الحجاب على المرأة هو ربها وخالقها الذي لا تملك -إن كانت
مؤمنة -أن تجادل فيما أمر به، أو يكون لها الخيرة في الأمر [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا
مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ
ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] ... وقولي لهم: لقد أسلمت نفسي لله وخرجت من
إسار الشيطان ورضيت بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وارتقيت في فكري وسلوكي.. ولله
الحمد والمنة.
وهم يقولون لك - يا أختاه - أن أختك الأوربية قد حملت قضيتها وأخذت
حقوقها، وقضايا المرأة واحدة في كل بلاد العالم! ! . فقولي لهم بادئ ذي بدء لا
أخوة بيني وبين الأوربية؛ لأن المسلمة لا تؤاخي المشركة.
وأما عن الحقوق التي تزعمونها للمرأة الأوربية، ففي الحقيقة لقد كانت هذه
المرأة ضحية من ضحايا المجتمع الذي - حررها - فقذف بها إلى المصنع والمكتب، وقال لها: عليك أن تأكلي من عرق جبينك، في بيئة مليئة بالأخطار على أخلاقها، فتركها في حرية مشئومة ليس لها ولا للمجتمع فيها نفع، ففقدت الشعور بالعاطفة
نحو الأسرة، وأصبحت بما ألقي عليها من متاعب العمل صورة مشوهة للرجل
دون أن تبقى امرأة، وهكذا حرم المجتمع من هذا العنصر الأساسي في بناء الأسرة، وجنت أوربا ثمار هذه الأسرة المنحلة مشكلات كثيرة ... تلك هي الحقيقة يا من
تحاولون إعطاء كلمة (تحرير المرأة) معنى السفور والاختلاط، بينما الإسلام يرى
أن التحرر إنما هو في الحجاب، فقد كانت المحجبة هي الحرة والسافرة هي الأمة... فالسفور هو العبودية. وهم يقولون.. ويقولون.. ويقولون ... ولسان حالهم
يشير إلى اليهود والملاحدة والفاسقين إشارة الحب والرضى [هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ
الَذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً] ولما كان هذا هو ادعاؤهم واعتقادهم، فأجيبيهم - يا أختاه -
بقول الحق ﵎: [ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً]
وقولي لهم - يا أختاه - لقد ودعت مواكب الفارغات وأسأل الله لكم الهداية
ولي الثبات..
أختاه: كانت هذه بعض التحديات التي تحيط بك من خارج بيتك متمثلة في
مكر وكيد أكابر المجرمين وذيولهم فماذا عن التحديات التي تواجهك داخل البيت؟
لا شك يا أختاه أن بيتك (بيت الدعوة) لا يعرف الخراب لأنه يتكون ومعه
أسباب حمايته من الحب والرضا. وليس معنى هذا أنه بيت لا يقع فيه شقاق أو
عتاب أو خلاف فهذا أمر لا يمكن أن يتحقق في عالم البشر ولم يتحقق في بيوت
رسول الله ﷺ قدوة البشرية كلها، وإنما معناه أن الخلاف بين
المرأة المسلمة وزوجها لا يستمر بل يثوب كلاهما إلى الله سريعاً فيذهب الشقاق
ويبقى الوئام والحب والرضا.
فالزوج المسلم هو أحب الناس لزوجته، وهي أحب الناس إليه يربطهما الحب
في الله - أوثق عرى الإيمان - وتزداد مشاعر الحب بينهما باستمرار العلاقة
الزوجية، ومع ذلك فإن هذه المشاعر لا تدفع الزوج إلى الركون للبيت والزوجة،
ولا تدفع الزوجة إلى محاولة الاستئثار بزوجها، لأن كلا منهما يعلم أن من حلاوة
إيمان المرء «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» .. فكل منهما يقدم
حب الله ورسوله على أي حب، وهذا يجعل حياة الدعوة والجهاد من أجل الإسلام
منبعاً للحب لا يجف بين الزوجين، فالحياة في (بيت الدعوة) إما لحظة وداع وأمل، أو لحظة حنين وشوق، أو لحظة لقاء وفرحة ... فهي حياة طيبة وعيشة راضية
وعمر مبارك ...
وهكذا بيتك - يا أختاه - بيت يملؤه الحب وينعم بظلال الرضا بعيداً عن
ظلمات المادية الطاغية وموبقات الفساد والإباحية، فماذا عن ذريتك؟ ذرية (بيت
الدعوة) ؟ .
لا شك - يا أختاه - أن الذرية في بيتك ليست مجرد الرغبة في التناسل، بل
الرغبة في استمرار الدعوة بما في هذا الاستمرار من طاقة وإمكانية..
وبعد إتمام الرضاع وإعطاء القدر المضبوط من الحب والحنان للطفل تأتي
أولى محاولات تحقيق عبودية الطفل لخالقه عند سن سبع «علموا أولادكم الصلاة
لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ، والصلاة تؤسس
في نفس الطفل إحساس التناقض مع أي مجتمع لا يقيم الصلاة، ويبقى هذا
الإحساس في نفس الطفل حتى يأخذ صورة العمل لتمكين دعوة الإسلام حتى يسلم
المجتمع ويقيم الصلاة [الَذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ] .
وكما ينبغي تعليم الأطفال الصلاة ينبغي أيضاً الاهتمام بتكوين شخصيتهم قوية
قادرة على مواجهة الحياة من خلال طاعة الله والإيمان بالقدر، ولذلك يقول رسول
الله ﷺ لابن عباس: «يا غلام ... احفظ الله يحفظك، احفظ
الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة
لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو
اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
الأقلام وجفت الصحف» .
ومن الأمور الهامة في التربية الحث على ممارسة الدعوة إلى الله، وهذه
كانت نصيحة لقمان لابنه [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَرِ
واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ]
وفي الحقيقة - يا أختاه - أن قضية تربية الأولاد ليس هذا موضع استيفائها،
ولذا أنصحك - أختاه - بمراجعة كتاب (منهج التربية الإسلامية) للشيخ محمد
قطب، وكتاب (تربية الأولاد في الإسلام) للشيخ عبد الله ناصح علوان ...
وأخيراً.. يا أختاه.. فإن الدور الذي تقومين به هو لون من ألوان الجهاد، وأنا أعلم أن لديك من إيمانك زاداً يستعلي بك على الجاهلية، ويصمد بك في وجه مكائدها، غير أن النفس تحتاج دائماً إلى سلوى تعضدها، ولا أجد سلوى للنفس أعظم من القدوة، ولذا أدعوك - أختاه - إلى زيارة بيت قدوة من بيوت الدعوة، وهو بيت (الرميصاء) امرأة أبي طلحة وكنيتها (أم سليم) . فأما كيف تكون هذا البيت؟ فقد طلب أبو طلحة زواج الرميصاء فاشترطت عليه أن يكون صداقها إسلامه (وقد كان مشركاً) فأسلم وتزوجته.. وتكون بيت مسلم، ويجىء ضيف إلى الرسول ﷺ ولم يكن في بيته طعام، فيسأل من يستضيف ضيف رسول الله فيقول أبو طلحة: أنا يا رسول الله، ويذهب بالضيف إلى بيته ويسأل زوجته (أم سليم) عن الطعام، فتقول: لا يوجد غير طعام الأولاد، وتنيم ... أم سليم أطفالها وتضع طعامهم أمام الضيف، وتتصنع أنها تصلح السراج فتطفئه، ... وتتصنع هي وزوجها أنهم يأكلون حتى أكل الضيف وشبع! ! ويذهب أبو طلحة إلى صلاة الفجر فيستقبله رسول الله ﷺ قائلاً: «يا أبا طلحة لقد ضحك الله من صنيعكما الليلة» ، وهكذا أطعمت الرميصاء ضيف رسول الله طعام الأولاد وعلمتنا نحن معنى إكرام الضيف، ففي المعنى طعم الإيمان ورائحة الجنة، ويبارك الله تعالى كرم (الرميصاء) فيطعم بطعامها جميع الصحابة إذ صنعت الرميصاء طعاماً لرسول الله ﷺ -وبعثت ابنها (أنس بن مالك) يدعو الرسول ﷺ إلى الطعام فقال النبي ﷺ للصحابة: «لقد صنع لكم أبو طلحة طعاماً» ، وذهب جميع الصحابة إلى بيت الرميصاء، فقال أبو طلحة: ماذا نصنع؟! فقالت (الرميصاء) : رسول الله أعلم بما يفعل، فأمر الرسول الصحابة أن تدخل عشرة عشرة حتى أكلوا جميعاً ولم ينقص من طعام الرميصاء شيء! ! .
ويروي لنا أنس حادثة وفاة غلام في بيت الرميصاء:
عن أنس قال: مات ابن أبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا
طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم
تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب
منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا
عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب بما كان ابنك، فغضب أبو
طلحة وانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ -فأخبره، فقال رسول الله
ﷺ : «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» ، قال: فحملت
وأنجبت بعد ذلك عشرة أولاد كلهم يقرءون القرآن..
بل وتقاتل (أم سليم) بنفسها يوم أحد وتنقل القِرب وتفرغها في أفواه
الجرحى!!.
وكانت تلك معالم بيت من بيوت الدعوة في خير القرون، امرأة جعلت
صداقها إسلام زوجها، وأطعمت الصحابة من طعامها، وأضحكت الله بكرمها،
وقاتلت في سبيل الله بنفسها..، ربما قلت - يا أختاه - وأين نحن من هؤلاء الذين
عاش رسول الله ﷺ بين أظهرهم؟ .. وأنا أقول لك - يا أختاه
- إن هذه الدعوة ما زالت تؤتي تلك الثمار الطيبة في عصرنا اليوم، فبين أظهرنا
قام بيت من بيوت الدعوة، وقلعة من قلاع العقيدة تحرسها أخت لك هي (أمينة
قطب) ، فكيف تكون هذا البيت؟ ...
لقد تقدم لخطبتها علية القوم فآثرت أن تخطب لأحد المحكوم عليهم بالأشغال
الشاقة المؤبدة في عام ١٩٦٣ م، وهوالأخ (كمال السنانيري) وكان هذا الارتباط
في وقته قمة التحدي للحاكم الفرد الطاغية الذي قرر أو تقرر له من قبل صانعيه
القضاء على دعاة الإسلام بالقتل أو الإهلاك بقضاء الأعمار داخل السجون ! ! .
وانتظرت (أمينة قطب) زوجها عشر سنوات.. وفي عام١٩٧٣ خرج
زوجها من السجن وتكون البيت..
لعلك تدركين الآن- يا أختاه - أن تاريخ هذا الدين وقد رسم فيه ? وجوهاً
كريمة تمثله، فوجه المرأة ليس أقلها بروزاً وضوحاً ... وليس من العبث أن تاريخ
هذا الدين يحفظ في ذاكرته أسماء نساء عشن في لحظات ما قضية هذا الدين..
فلتأخذي دورك يا أختاه.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.
стр. 385
الصفحة الأخيرة
التغالي في بناء المساجد
إن بناء المساجد، وتوسيعها، والعمل على إبرازها وخدمتها ورفع شأنها كل
هذا مما حض الإسلام عليه ورغب فيه، ولكن هذا شيء، والإنفاق إلى درجة
السرف على أشياء تتعلق بالمساجد، وليست مقصودة ولا مطلوبة شرعاً من بنائها؛
شيء آخر.
إن الله يقول على لسان نبيه ﷺ : «وما أنا من المتكلفين
» والبذخ في تزيين المساجد وجعلها معارض فنية من التكلف الذي تأباه روح
الإسلام، فضلاً عن أنه إسراف وتبذير فيما لا فائدة دنيوية أو أخروية منه.
أما دنيوية: فإن هذه الأموال التي تصرف على الفن المعماري وما إليه يمكن
أن تنفق على جهات ومشاريع تغني البلاد عن الحاجة إلى الديون الخارجية ذات
الفوائد التي تتضاعف سنة بعد سنة، وتقضي على البطالة التي يعاني منها الكثير،
ولا شك أن الإنفاق على بناء الإنسان أهم بكثير من الإنفاق على بناء المعالم والآثار، لأن الإنسان هو الهدف وإلا عاش في عبودية.
وأما أخروية: فإن المساجد أمكنة يذكر فيها اسم الله في الأرض وترتفع بها
كلمته، هذا هو الهدف من إنشائها، وليس تقليد أهل الأديان الأخرى بقطع
الضروريات عن البشر من أجل التفاخر والتطاول بالحجارة؛ وإلا فما الفرق بين
الإسلام وغيره من الأديان إذا أصبحنا نسير في بناء مساجدنا على خطى من بنوا
الأهرام والمعابد البوذية الضخمة، والكاتدرائيات الباذخة وغير ذلك من المعالم
الوثنية.
وماذا أفادنا المماليك الذين حكمونا حقبة من الزمن فخلفوا لنا مساجد باذخة
تأخذ بالألباب بينما كانت المظالم من المعالم البارزة لحكمهم الأمر الذي ضرب علينا
الذلة، وقتل الحيوية في شعوبنا؟ !
وماذا تجدي عنا المساجد التي بنيت للتفاخر والتقليد واستقبال السائحين في
حين يكفي المسلمين مساجد متواضعة ولكن نظيفة، وفسيحة لكن مملوءة برجال لا
تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ ! .
стр. 386
ذو الحجة - ١٤٠٩هـ
يوليو - ١٩٨٩م
(السنة: ٤)
стр. 387
الافتتاحية
١ - الجهاد هو الجهاد
ليس شيئاً من شعائر الإسلام يثير رعب أعدائه مثل الجهاد، وليس أمراً
حرص المستعمرون وأذنابهم على تشويهه؛ وتفريغ قلوب وعقول المسلمين منه
كهذه الفريضة.
وما من مناسبة استعمل فيها المسلمون كلمة (الجهاد) إلا وكانت ناقوس خطر
يثير فيهم خليطاً من مشاعر الرهبة والغضب، يوازيه عمل دائب بشتى السبل للحد
من أثر هذه الكلمة النفسي والعملي.
وفي فترة سبات طويل اجتمعت فيها أسباب كثيرة جعلت المسلمين ينظرون
إلى كثير من مفردات دينهم نظرة خاطئة.، ويجردونها من معانيها الأصلية،
ويلبسونها معاني ليست لها، وهي في الحقيقة معانٍ تعكس ضعفهم ورضاهم بالواقع، ويتمثل فيها خداعهم لأنفسهم وتسويل الشياطين لهم. وكأن الجهاد من تلك الكلمات
التي تُلُوعِب في معناها، فالتبست على الكثيرين مع أنها من أشد الكلمات وضوحاً
وتوضيحاً، سواء في القرآن أو في السنة، فمثلاً لم يكن يتصور أحد من الصحابة
أن يحقق معنى الإسلام في نفسه دون أن يشارك في الجهاد، وهكذا اندفعوا في كل
اتجاه حاملين دين الله يبلغونه للعالمين، فكم منهم من مات في مسقط رأسه يا ترى؟ ! وهل يدرى مسلمو اليوم كم قضى من أولئك الحشد الكريم في البلاد البعيدة، وإلى
أي مدى وصلت بهم هممهم العالية، لا نقول: أقدامهم أو سنابك خيلهم؟ ! وكذلك
الأجيال الأولى في التاريخ الإسلامي.
ومع أن فقه الجهاد وما يتعلق به بقى في كتب الفقه محدداً مفصلاً، محفوظاً
ومدروساً؛ إلا أن الجهاد (العملي) لازال يتقلص وينحسر حتى أتت على المسلمين
فترة انقلب فيها فهمه رأساً على عقب، وأصبح يوصف (بالأصغر) بينما أصبح
حال المتبطلين الخانعين من الصوفية، المنعزلين عن المشاركة في الحياة الإيجابية
بعرضها وطولها، المتطلعين إلى وسم أساليب حياتهم بسمات شرعية تسوغها..
أصبحت هذه الأساليب الغريبة عن روح الإسلام (جهاداً أكبر) ! فرووا في ذلك
حديثاً ضعيفاً، بل موضوعاً لا تصح روايته إلا مقرونة بما يفيد تركها وسقوطها،
والحديث هذا عن جابر قال: قدم النبي ﷺ من غزاةٍ فقال لهم
رسول الله ﷺ : «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر= مجاهدة العبد هواه» (١) . وهو حديث ساقط روايةً ودرايةً أي سنداً ومتناً. أما
روايةً، فلأن في سنده يحيى بن العلاء، قال عنه ابن حجر: رمي بالوضع،
وضعفه أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين، وقال عنه الدارقطني: متروك، وقال
عنه أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث.
وأما دراية فلأنة معارض لصريح قوله تعالى: [لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ
المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وفَضَّلَ اللَّهُ
المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً] [النساء/٩٥] .
وكذلك فإنه لم يرد في ثواب عمل من الأعمال ما ورد في فضل الجهاد في
سبيل الله، ففضلاً عن الآيات القرآنية الكثيرة؛ إلى القارئ بعضاً من أحاديثً النبي
ﷺ في فضله:
- رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.
- إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين
الدرجتين كما بين السماء والأرض (رواه البخاري) .
- ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار (رواه البخاري) .
- رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل (رواه
الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
- رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه أجرى عليه عمله
الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتّان (رواه مسلم) .
- وعند البخاري أن رجلاً قال: يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد؟
قال: «لا أجده» ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك
فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟» . فقال: ومن يستطيع ذلك؟ .
-لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (متفق عليه) .
(والجهاد - باتفاق العلماء - أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع،
وصوم التطوع.... ونفع الجهاد لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، وهو مشتمل على
جميع العبادات الظاهرة والباطنة: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه،
وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله) [مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٥٣] .
ولقد وصل المسلمون في الأعصر الحاضرة إلى مرحلة فاصلة، وعطلت
كثير من أحكام الإسلام ومفاهيمه، وأجبر الناس جبراً، وعلى غير رضا منهم،
على العيش في ظل مفاهيم غريبة عن عقيدتهم ودينهم، وأصبح الجهاد بمعناه
الشرعي بعيداً عن أفكارهم وتوجهاتهم، وكل ذلك يهون وتمكن معالجته عند إدراكهم
لحقيقة دينهم وحقيقة واقعهم وما هم عليه من حال بعيدة عما يرضاه الله تعالى لهم،
ولكن الرضا عن هذا الواقع المؤلم؛ والاحتجاج له بالحجج الواهية المقدمة في ثياب
شرعية زائفة أصبح غير مقبول، ولا يقل خطراً وأثراً تخريبياً عن المذاهب
الهدامة، والبدع المدمرة التي يستعين مروجوها - بالإضافة إلى الحديد والنار وحيل
الاستعمار - بشراء الفتاوى الباطلة لتتقبلها الجماهير بأقل ما يمكن من التكاليف
والجهود.
إن الجهاد هو الجهاد: بذل لكل ما يمكن من الجهود في سبيل الله، ومدافعة
أعداء الله وأعداء رسوله بكل ما يستطاع من القوة، قوة البدن، وقوة السلاح، وقوة
المال، وقوة العلم والمعرفة، على هذا استقر الإسلام يوم استقر، وبعيداً عن هذا
الفهم الجامع لمعنى الجهاد نزلت بنا الكوارث، وفعلت بنا الأفاعيل.
стр. 388
٢ - الحج ذلك الموسم العظيم
إن فوائد الحج الفردية لا يمكن إنكارها أو المجادلة فيها، فهو تزكية للنفوس،
وتجريد لها من عوامل الضعف، وتزكية لها بالتصميم على الانخلاع من الذنوب
والآثام ولذة القرب من الله ومناجاته في المشاعر التي عظمها بنفسه: [وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ]
لكننا في هذه المناسبة نحب الإشارة إلى الجانب الاجتماعي والمظهر العالمي
للحج كمؤتمر للمسلمين يقفون فيه وقفة للمراجعة، شاكرين نعمة لله عليهم سائلينه
العون على تجاوز العقبات والصعاب.
وإذا ما أشرنا إلى بعض السلبيات في موسم الحج فلا يعني هذا الغفلة عن ما
لهذه الشعيرة من أثر في إصلاح أحوال المسلمين أفراداً وجماعات، بل هو مزيد
إلحاح على هذه السلبيات حتى تنمحي أو تقل ولا يكون ذلك إلا ببث الوعي عند
المسلمين المتوجهين إلى تأدية هذه الفريضة.
إن كل من أكرمه الله بأداء فريضة الحج رجع وقد رأى وشاهد أنواعاً من
التصرفات والسلوك بين صفوف الحجاج أقل ما يقال فيها أنها ليست من الإسلام في
شيء، بل إن روح الإسلام تخالفها أشد المخالفة، بل وتحاربها أشد الحرب، فهناك
جهل كبير بأحكام الحج وآدابه يؤدي إلى أضرار كبيرة بالحجاج، وإعطاء صورة
غير طيبة عن المسلمين وشعائرهم.
ولذلك وجب على العلماء وطلبة العلم كل بحسب قدرته تعليم المسلمين
ونصحهم سواء قبل سفر هؤلاء الحجاج من بلادهم أو بعد وصولهم إلى المشاعر
المقدسة، وحتى يثمر التعليم والنصح والإرشاد ثمرته المباركة ينبغي أن يصدر عن
مدارسة وتخطيط يقوم به العلماء الذين يعتبر موسم الحج مناسبة هامة لتجمعهم
لتدارس مشاكل المسلمين الحجاج سواء في أثناء تأديتهم المناسك، أو المشاكل العامة
المتعلقة بأوضاع المسلمين عامة.
إن أهم المقاصد من الحج أن يتعانق الهدفان الديني والدنيوي وينعكسان على
المسلمين خيراً وبركةً. وتتحقق السعادتان: سعادة الدنيا بتصحيح الأخطاء والقضاء
على السلبيات؛ وسعادة الآخرة بمغفرة الذنب ومرضاة الرب، أما التطلع لتحقيق
واحد من الهدفين منفصلاً عن الآخر فهذا مخالف لروح الآية الكريمة [لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ]
стр. 389
في إشراقة آية
[ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ]
د. عبد الكريم بكار
هذه آية عظيمة القدر في كتاب الله -حيث إنها تسهم إسهاماً كبيراً
في تشكيل رؤية المسلم إلى أشياء كثيرة في عالم الأحياء وترتب على عدم الاهتداء
بهدي هذه الآية كثير من الخلل في حياتنا المعاصرة.
وما اخترناه ليكون عنوانا لهذه المقالة جزء من آية هي قول شعيب عليه
السلام لقومه [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ
فَأَوْفُوا الكَيْلَ والْمِيزَانَ ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ
إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [الأعراف: ٨٥] .
وسياق الآية وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم)
هنا ما يتبادله الناس في معاملات هم من المتاع، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون
به من أخلاق وأفكار وتاريخ ... أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس
ولا بخس ولا شطط لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة
وذهاب الريح ...
ولما كانت أصول دعوات الأنبياء ﵈ واحدة فإن الأمر بإقامة
الموازين والحكم بالعدل والإنصاف ظل الوصية الخالدة التي يوجهها كل نبي إلى
قومه؛ لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض ...
وقد أوصى الله تعالى رسوله محمداً ﷺ أن يعلن لأمته
أمر الله له بإقامة العدل فيها، فقال: [وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ
لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] [الشورى: ١٥] .
وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة حتى الأعداء الذين يبغضونهم
ويحاربونهم، فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة: ٨] .
وقد كان ﷺ يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه،
وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم،
وذكر محاسنهم وميزاتهم، مهما كان انتماؤهم وحيث كان موقعهم فهذا هو يقول: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» .
مع أن لبيد وقتها كان كافراً [١] ، وكان بإمكانه ﵊ أن يثني
على شعر بعض أصحابه المملوء حكمة وهدى بدافع حصر الخير فيهم، ولكن
الالتزام بالحق والإنصاف وعدم بخس أحد حقه يأبى ذلك فأثنى على كلام رجل كافر.
ومن الجدير بالذكر هنا أن عثمان بن مظعون ﵁ سمع لبيداً ينشد
البيت فلما قال:
ألا كل شيء ماخلا الله باطل
قال له عثمان: صدقت، فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال له عثمان: كذبت نعيم الجنة ليس بزائل.
وإن المرء ليعجب لهذا الإنصاف أيضاً من عثمان المقتبس من مدرسة النبوة
حيث أثنى في النصف الأول على لبيد، ويكذبه في النصف الثاني! ! .
وجاء المسلمون بسفانة بنت حاتم الطائي في السبي، فذكرت لرسول -صلى
الله عليه وسلم- من أخلاق أبيها ونبله فقال لها:
«يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً لو كان أبوك مؤمناً لترحمنا عليه، خلوا
عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق» [٢]
لقد وقف رسول الله ﷺ من حاتم الموقف الذي تمليه
شريعته الغراء التي جاء بها فأثنى عليه وأطلق سراح ابنته وأكرمها ولكنه لم يترحم
عليه لعدم إيمانه لتهتدي الأمة بهذا الهدي النبوي العظيم! ! .
ونبه ﷺ النساء على ما يجري على ألسنتهن من انتقاص
أزواجهن وجحد معروفهم عند أدنى خلاف فقال: «أريتُ النار فإذا أكثر أهلها
النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو
أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» [٣] .
وإن هذا الحديث يبرز قضية العدل إبرازاً يقل نظيره حيث جعل عليه الصلاة
والسلام جحوده سبباً كبيراً لكثرة وجود النساء في النار، وكأن كفران العشير يحدث
في الحياة الزوجية من الشروخ والندوب ما يوازي الجرائم الاجتماعية الكبرى.
وعلى هذا المنوال نسج الصحب الكرام رضوان الله عليهم حين إصدار
الأحكام على الخصوم فضلاً عن الإخوة والرفاق، فقد قاتل علي ﵁
الخوارج وقاتلوه ثم قتلوه، ولما سئل من قبل بعض الناس عنهم أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، فقالوا: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً
- أي هؤلاء يذكرون الله كثيراً - قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين؟ قال: إخواننا
بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا! ! [٤] .
فهل بعض إنصاف أبي الحسن من إنصاف؟ وهل هنالك كلام يقوله شاهر
سيف أرق من هذا الكلام؟ ! .
وظل روح العدل والإنصاف سارياً في الأمة قروناً عديدة، وتجلى ذلك بشكل
واضح جداً في القواعد التي صاغها المحدثون في الجرح والتعديل حيث وضحوا
الجوانب المختلفة لشخصية الراوي، وحكموا على كل زاوية على حدة، ثم انتهوا
إلى حكم عام حوله، وصار عندهم من الظواهر المألوفة أن يطلب أحدهم الدعاء من
رجل فإذا جاءه حديث عن طريقه حكم على الحديث بالضعف لأن طلب الدعاء مبني
على اعتقاد الصلاح، أما قبوله روايته فيعتمد على شيء آخر كضبط الراوي وعلمه
ونباهته، وغير ذلك ...
ولكن تراجعت هذه الرؤية الموضوعية الفذة فيما تراجع من الجوانب المختلفة
من حياة المسلمين وصار المنصفون الذين يجردون الشهادة لله، ويضعون الأمور
في مواضعها دون بخس أو تزيد من القلة الذين يشار إليهم بالبنان، ولنذكر بعض
النماذج التي ضربت بجذورها في حياة المسلمين اليوم، وصارت تشكّل ظاهرة
مرضية مزمنة، وذلك نتيجة التطفيف في المكاييل وبخس الناس أشياءهم:
١- يقوم شاعر ماجن أو ملحد بنظم قصيدة عصماء تتوفر فيها كل العناصر
الفنية المجمع عليها، فيتصدى لنقده بعض أهل الخير، فيسقطه ويشنع عليه غاضاً
الطرف عن كل إبداعه الفني، وما ذاك إلا لأن اتجاه ذلك الشاعر لا يروقه فاتخذ
منه موقفاً ثابتاً، حتى لو كان مضمون تلك القصيدة لا يمس أصولنا الاعتقادية، ولا
مسلماتنا المذهبية.
والواجب في مثل هذا أن يثنى على جوانب الإبداع في القصيدة، وينتقد
المضمون إن كان فاسداً نقداً أصولياً هادئاً عفيفاً.
ومن الواجب كذلك أن يفرق بين إنتاج الرجل الواحد فيثنى على الصالح منه
وينتقد ما فيه دخن، يقدم أحد الكتاب أو الشعراء خدمة جلى للمسلمين في كتاب أو
قصيدة ويتعثر في كتاب أو كتب أخرى فيعطى حقه في كل منها دون بخس أو
شطط، وحين يكون النقد أو الخلاف في وجهات النظر على هذا المنهاج يكون
إمكان الإصلاح أقوى، ونكون أقرب من الصواب، وأقرب للتقوى.
والرؤية التي يشكلها الإسلام لدى المسلم السوي في مثل هذا أن يشجع الأعمال
الإيجابية، ويثني عليها، ويكون عوناً فيها، فإذا رأى خللا نبه عليه، وحذر منه
وقام بالبلاغ المبين، ولو جرى مثل هذا في المجتمع لساد الانطباع بالإنصاف لدى
الفريقين ومَن بينهما من الناس ولأدى ذلك إلى تفتيت كتل المتشنجين والمتحاربين
الذين لا يرون لغيرهم فضلا، ولا يظنون فيمن خالفهم إلا سوءا.
٢ - يتآخى بعض أهل الخير في الله ويسعون جهدهم لخدمة هذا الدين وأهله
صفاً واحداً، ثم تحدث اجتهادات أو أخطاء تؤدي إلى تباين وجهات النظر، فتنشأ
في الصف الواحد تيارات ومدارس، وقد يتطور الأمر فيجد بعضهم الاستمرار
مستحيلا مما يجعله يقعد أو ينحو منحى آخر يجده أجدى وأنفع.
وسرعان ما يختلف اتجاه الرياح، فيصبح الأخ الناصح أو القائد المحنك أو
الصادق المخلص جباناً، أو بخيلاً أو صاحب مصالح بل قد يصبح عميلاً أو منافقاً
... إلى آخر ما يجود به قاموس (عمى الألوان) من الأوصاف الشنيعة والاتهامات
المقذعة، ويصبح اللقاء بين الحميمين العدوين ضربا من المستحيل مع أن نظرة
متأنية منصفة في ساعة إنابة لله جل وعز كفيلة بتبديد الغيوم وإذابة الثلوج. وإنما
يحدث مثل هذا لخلل في التربية الاجتماعية وأسلوب التلقي وغياب المناهج
والمعايير الدقيقة التي يتحاكم إليها المتنازعون، وما غابت المناهج النيرة إلا كان
البديل هو الاتهام وسوء الظن وطمس الحقوق.
٣-قد يحدث أن يسوق الله طالب علم إلى أحد المدرسين فيأخذ عنه بعض ما
عنده من العلم في بعض الفنون، ويشعر الطالب في بعض الأحيان أن ما عند هذا
الشيخ في تخصص ما لا ينقع الغلة، ولا يروي الصادي فيتجه إلى شيخ آخر
يلتمس ما عنده، وهنا يشعر الأستاذ الأول أن ما فعله هذا الطالب فيه نوع من إساءة
الأدب وعدم الوفاء بل قد يشعر أن هذا الطالب يوحي بأن ما عند الشيخ في هذا الفن
ضئيل الفائدة وحينئذ يبدأ تقطيب الوجه، والتصريح والتلميح والإشادة بأقران ذلك
الطالب الذين يمثلون الأدب والوفاء والعبقرية، ثم تكون الجفوة والقطيعة....
ونحن الآن في زمان ترك فيه الحلاق الحجامة، وقلع الأضراس، وترك فيه
الطبيب الفلك والحساب بل إن إحاطة المرء بكل فن من الفنون صار متعذراً نظراً
للتراكم الثقافي العظيم، والانفجار الهائل في المعلومات.
وهذا الداء قديم عندنا، وما لم تحرر النيات لله تعالى فستقطع رحم العلم،
ويحل الجفاء موضع الدعاء، والإزورار موضع التزاور. وكم تختلف الصورة لو
أن هذا الأستاذ أرشد تلاميذه إلى أولى الاختصاص ليفيدوا منهم إذا لقارضه الثناء
الأستاذ الآخر ولاتصلت الأنساب العلمية وأثريت الحياة الثقافية، وقبل هذا وذاك
حصول الالتزام بمنهج لله تعالى الذي لا يرضى لعباده التباغض والتحاسد وبخس
الحقوق ...
والخلاصة أن هذه الآية الكريمة مما عطل به العمل عند كثير من المسلمين،
ونشأ عن هذا التعطيل مرض اسمه: (عمى الألوان) ولكنه في البصيرة دون البصر، فأطفئت ألوان كثيرة لا تكاد تحصى كانت تتوهج بين الأبيض والأسود، وكثر
النمط الذي يقرظ ب: (وحيد دهره وفريد عصره) والنمط الذي يقول فيه (الرجال)
ما رأينا منه خيرا قط ...
стр. 390
مصطلحات إسلامية
(الإحسان)
إعداد: عادل التل
تتميز اللغة العربية بسعتها وكثرة مدلولات ألفاظها وشمولها لمعان متقاربة،
وقد جاء الشرع (القرآن الكريم والسنة النبوية) بألفاظ معينة لأحكام محددة، وبين
بشكل واضح المعنى المراد من كل لفظ وحدد المقصود منها مما أغنى - في هذا
الموضع - عن الرجوع دائما إلى أصل اللغة، وأصبح هذا التخصيص هو المرجع
في فهم نصوص الكتاب والسنة، ونشأ علم المصطلح عند العلماء المسلمين ليساهم
في توضيح هذه القضية، وسنقدم خلال هذه الصفحات مصطلحات إسلامية نحتاج
إليها دائما.
المعنى اللغوي:
الإحسان: مصدر أحسن، يحسن، إحسانا. يقال على معنيين:
١ - أحدهما متعد بنفسه كقولك: أحسنت كذا أي حسنته وكملته وهو منقول
بالهمزة من حسن الشيء.
٢ - متعد بحرف الجر كقولك أحسنت إلى فلان أي أوصلت إليه ما ينتفع به.
والحسن أصل واحد في اللغة وهو ضد القبح، وهو عبارة عن كل مرغوب فيه،
ومنه الحسنة يعبر بها عن كل ما يسر النفس من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه
وأحواله، والسيئة تضادها ومنه الإحسان ضد الإساءة.
المعنى الاصطلاحي:
يجتمع الإحسان والإنعام بمعنى العطاء ولكن الإحسان أهم من الإنعام، بحيث
يكون الإحسان للنفس، بينما لا يكون الإنعام إلا للغير، وكذلك الإحسان والعدل
ولكن الإحسان فوق العدل لقوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ] فالعدل
هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل
مما له، لذلك قيل تحري العدل واجب بالشرع، وتحري الإحسان ندب وتطوع.
ولقد عرف رسول الله ﷺ الإحسان حين أجاب جبريل
﵇: «الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
أخرجه البخاري.
قال ابن الأثير في معنى الإحسان هنا: الإخلاص، وقال القرطبي: هو
راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة المكملة، ومراقبة الحق،
واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار، وأرباب القلوب في هذه
المراقبة على حالين:
أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه، ولعل النبي -صلى الله عليه
وسلم- أشار إلى هذه الحالة بقوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
وثانيهما: لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه،
ومشاهد له، وإليه الإشارة بقول الله تعالى: [الَذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ] ، بينما يعتبر ابن تيمية أن النبي ﷺ جعل الدين
ثلاث درجات، أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان؛ ويليه الإسلام، لقول الله تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ] فالإحسان يدخل في الإيمان والإيمان يدخل في
الإسلام.
من أحكام المصطلح:
١ - إن الإحسان درجة عالية في مراتب الدين يجب على الإنسان أن يسعى
إليها بنية صادقة ومجاهدة مستمرة، قال تعالى: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ
مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ] .
٢ - الإخلاص في العمل، قال سفيان بن عيينة: (كان العلماء فيما مضى
يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته،
ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه
الله أمر دنياه) .
٣ - إن الدعاة إلى الله بحاجة أن يتمثلوا بهذه الحقيقة ويكونوا في مستوى هذه
المنزلة الرفيعة، فالدعوة إلى الله تحتاج دائما إلى جيل متميز يصبر على مشاق
الدعوة، ويجتاز الصعاب، يقول تعالى: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ
وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ (٣٣) ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ
الَذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] .
٤ - أمر الإسلام بالإحسان في كل شيء، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا
ذبحتم فأحسنوا الذبحة ... ) أخرجه مسلم.
٥ - عندما يصل المسلم إلى هذه الدرجة العظيمة من الإحسان والتقوى،
وكلما أوغل قلبه في هذا الطريق، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع، ولا يبالي بعد ذلك
بما يصيبه من بلاء أو يواجهه من أهوال، ينطلق بدعوته للخير دون خوف أو
خجل ...