← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إندونيسيا تضطهد المسلمين لازالت حكومة (سوهارتو) تضطهد المسلمين، وتكيل لهم الإهانة تلو ... الأخرى، في الوقت الذي فتحت فيه الأبواب على مصاريعها لكافة المنظمات التنصيرية، لتعمل على ردة المسلمين في البلد الذي يضم أكبر عدد من المسلمين في العالم. وقد جاءت الأخبار في الآونة الأخيرة تبين وجهاً آخر لحرب الحكومة ضد الإسلام، حيث صرح المسؤولون عن نية الحكومة في إلغاء التعليم الديني الأمر الذي أثار سخط المسلمين ونقمتهم، وسرت موجة احتجاجات عامة، وهاجمت نقابة المعلمين الإندونيسية هذه التصريحات، ودعت إلى ترسيخ التعليم الديني الذي هو أهم مادة بدلاً من إلغائه. كما أنكر ذلك أيضاً رئيس مجلس العلماء المسلمين الشيخ حسن بصري. ولازالت الحكومة تعمل بدأب لاستئصال الإسلام واستبداله بالدين الذي وضعه نظام سوهارتو والذي لا يبعد عن الماسونية. حيث ينص هذا الدين الجديد المسمى (باكسيلا) على خمسة مبادئ هي الإيمان برب واحد، الإنسانية، الوحدة الوطنية، الديموقراطية، والعدل الاجتماعي، وكان المسلمون المعارضون لهذا الدين الجديد قد قاموا بمظاهرات في سبتمبر عام ١٩٨٤، وكان ٣٠ شخصاً قد قتلوا عندما فتح جنود الحكومة النيران على تجمع أكثر من ١٥٠٠ من المسلمين واعتقل عدد كبير منهم، تعرضوا لألوان شتى من التعذيب الوحشي الأمر الذي دعا منظمة (أمنستي) Amnesty لحقوق الإنسان والتي مقرها لندن توصية نداء استغاثة إلى حكومة إندونيسيا، تناشدها فيه رفع الإهانات والتعذيب الوحشي عن المعتقلين المسلمين والذين يمنعون أيضاً من أداء الصلاة أو أي مظهر تعبدي، وقد أجبروا على حلق رؤوسهم، وناشدت المنظمة الحكومة الاستجابة لمطالبهم الإنسانية البسيطة كزيارة أقاربهم أو مقابلة أي أحد.

стр. 37

مجاعة وخيراتنا نهب لغيرنا كلما تناقلت وسائل الإعلام أخبار المئات بل والآلاف من الذين يموتون جوعاً في السودان أو الحالة الاقتصادية المنهارة في أكثر الدول العربية تذكرت مقالة ذلك اليهودي الحاقد: (جوناثان هيلغي) حيث يقول: (هل أوصانا الله بأن نقود هذا العالم أم نأكله) إن رائحة الحقد والكراهية على بني البشر تفوح من مقالة هذا اليهودي، وقد كان اليهود يطبقون هذه المقالة عمليا ولسان حالهم يقول: فلتسحق البشرية، وليعيش شعب الله المختار، ويطلق هذا الساخر مقالة أخرى حيث يقول: (تصوروا لو أن عدد اليهود يساوي عدد سكان الصين؟) ويترك هذا التساؤل بدون إجابة ونترك للقارئ تصور ما سيحدث للعالم لو أن عدد اليهود يساوى عدد سكان الصين!. أعود مرة أخرى إلى اقتصاد الدول العربية، التي حباها الله بالموارد الاقتصادية الضخمة من نفط، ومعادن وأرض خصبة، ومصادر للحياة، وأيدى عاملة رخيصة، وقد تتوفر كلها في بلد واحد والنتيجة: ديون خارجية تبلغ (١٠٠) مليار دولار. (نقلاً عن جريدة القبس ٢١ - ٧ - ٨٦) . وسواء أكانت هذه الديون لبنوك غربية أو للبنك الدولي، ففي نهاية المطاف تصب في جعبة اليهود، وحين تعجز أي دولة عن تسديد الديون في الزمن المتفق عليه تبدأ عملية ما يسمى جدولة الديون وتأجيل التسديد مع زيادة الفائدة على الدين، وحين تتأزم الأمور وتعجز الدولة عن تسديد الدين يتدخل صاحب الدين ويرسم خطة اقتصادية للدولة يكون أهم بنودها تخفيض العملة وزيادة الضرائب ورفع الدعم عن السلع المدعومة، وبالذات الغذائية منها، وتتكرر هذه الصورة مع كل دولة من دول العالم الثالث المدينة. ومع كل هذا تعد أية جهة تنجح في الحصول على قرض من بنك غربي أو من البنك الدولي، أو تنجح في إعادة جدولة الديون القديمة تعد ذلك انتصاراً ونجاحاً مع أنه - والله - قيد جديد يضاف إلى القيود التي سبقته ليبقى الاقتصاد مكبلاً بأغلال ثِقال، مفاتيحها في جنيف ولندن وفرانكفورت وواشنطن وسواها من عواصم ومدن المال في العالم الغربي وتبقى هذه السياسة سنين طويلة وتطبق بحذافيرها، بحيث يصبح الناس ويمسون على هاجس: هل يجدون خبزاً أم لا؟ . فأنى قلبت البصر في العالم من حولك وجدت كل بلدٍ يشكو من ضائقة اقتصادية معينة مع وجود هذه الثروات والإمكانات التي سبق ذكرها آنفاً وأصبح يصدق فينا قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول وقبل هذا صدق فينا قول الله : [وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] [سورة النحل: ١١٢] ما ذاك إلا لانسلاخنا من ديننا الذي هو عصمة أمرنا وهو ما صنعته أيدينا، واليهود يخططون لمثل هذا الوضع الاقتصادي المزري لإحكام السيطرة على الشعوب وإذلالها، حيث يعود هيلغي مرة ثالثة فيقول: (الجوع هو أفضل وسيلة لقيام الصلح بين العرب وإسرائيل) . وبعد ما تقدم هل صحيح أن اقتصادنا بأيدينا؟ ! ! .

стр. 38

جرح في الجنوب حسب اتفاقيات وسياسات الشرق والغرب، فإنه من مصلحتهم جميعاً أن تبقى نقاط ساخنة في العالم وتكاد تكون كل قارة من القارات النامية (النائمة) آسيا، أفريقيا، أمريكا الجنوبية تعاني من حروب أهلية أو حروب على الحدود بين دولتين، تستنزف خيرات هذه القارات إلى مصانع السلاح في الشرق والغرب، وتحتكر القرار السياسي في عواصم السلاح نفسها. ولعل من هذه النقاط التي يُراد لها أن تُصبح ساخنة في القارة الإفريقية هي جنوب السودان. فبعد أن أُغلق مجلس الشعب الإقليمي بجوبا عام ١٩٨٠ تأسست بمدينة طرابلس الليبية في سبتمبر ١٩٨١ جبهة تحرير السودان بقيادة عثمان إبراهيم طويل، واتخذت منطقة جنوب السودان ميداناً للصراع المسلح ضد النظام السابق، ثم انقسمت هذه الجبهة وانفصل عنها عقيد نصراني اسمه جون قرنق بما يسمى الحركة الشعبية لتحرير السودان، واتخذ من الأراضي الحبشية مقراً له، انفصل عن رفاقه الذين اتفق معهم في أول الأمر على تحرير السودان من نميري وتسلطه والرقي بالمجتمع والاقتصاد السوداني قُدماً، وعارض كذلك تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ولو كانت حسب عقلية النظام السابق، مدفوعاً من كونه نصرانياً، ولكن بعد زوال نميري، وقيام حكومة مدنية أخرى لم يرجع قرنق، وأعلن أن الجنوب السوداني نصراني على الرغم من أن النصارى لا يشكلون الغالبية في الجنوب،. ويريد تخليصه من الشماليين المتسلطين عليه بل ذهب أبعد من ذلك حيث أباد قبيلة (منداري) إبادة كاملة لأنها كانت موالية للحكومة المركزية في الخرطوم، وكشر عن أنيابه الحاقدة كيف لا! والهيئات الكنسية العالمية عاونته على انشاء إذاعة في الأراضي الحبشية، والاتحاد السوفيتي بدوره كالعادة مده بالسلاح عن طريق النظام الحبشي ذي الميول اليسارية. ونقلت إلينا الأخبار نبأ إسقاط طائرة مدنية بعد إقلاعها من مطار ملكال الواقعة في الجنوب على بعد ٤٠٠ كيلو متر من الخرطوم، وقد أسفر هذا الحادث الذي تعرضت له طائرة من طراز فوكر من طائرات الخطوط الجوية السودانية عن مقتل ٤٥ - ٦٠ شخصاً وعُلم أن من بين ضحايا الحادث عدداً من رجال الإغاثة الدولية (القبس الكويتية ٢٨/٨/٨٦، والعرب ١٨/٨/٨٦) وكانت حجة قرنق أن الحكومة السودانية تستغل الطائرات المدنية لنقل الجنود والسلاح إلى الجنوب وتُعد هجوماً للقضاء عليه، وازداد الأمر سوءاً حيث حذر جيمس انفرام مدير برنامج الغذاء العالمي في روما (٢٧/٨/٨٦) بأن ما يقرب من مليوني شخص مهددون بالموت جوعاً في جنوب السودان، وأضاف: إن جسراً جوياً أنشئ في ١٥ أغسطس الحالي قد توقف بعد ثلاث رحلات جوية بسبب إسقاط الطائرة المدنية بالقرب من ملكال. وذكر أن المتمردين الجنوبيين في السودان قد أغلقوا معظم المعابر في جنوب السودان التي كانت تستخدمها وكالات الإغاثة لنقل الأغذية والمؤن، وحذر المتمردون بأنهم سيسقطون أية طائرة تحلق فوق المناطق التي يسيطرون عليها، وذكرت جريدة القبس قول العاملين في مراكز الإغاثة في كينيا إن أوغندا أوقفت إرساليات ومعونات الإغاثة إلى مناطق المجاعة في جنوب السودان، لاتهام أوغندا السودان بمساعدة المتمردين الأوغنديين في شمال أوغندا، فيبقى الجنوب السوداني بين سندان الورع ومطرقة الحرب. لعله مما تقدم نستطيع تفسير مدى اهتمام حملات التنصير - على اختلاف كنائسها - بجنوب السودان منذ زمن بعيد حيث إنهم يقومون بنشاط واسع بين القبائل الوثنية والمسلمة في الجنوب ويقيمون المدارس والمستشفيات ومراكز لتجميع أطفال الفقراء وبالتالي تنصيرهم لإعداد كوادر نصرانية للدولة المزمع إقامتها في جنوب السودان على يد جون قرنق، أو غيره. ولعلنا تتاح لنا فرصة في المستقبل القريب للحديث عن حملات التنصير المحمومة في جنوب السودان.

стр. 39

رجل فقدناه انتقل الدكتور يوسف زين العابدين إلى جوار ربه الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأحد ٢٦ ذي الحجة الموافق ٣١ آب إثر عملية جراحية أجراها في أحد مستشفيات برلين بعد إصابته بجلطة في قلبه، وبقي ﵀ أكثر من أسبوعين قبل وفاته وهو في حالة غيبوبة كاملة. ودفن الفقيد ﵀ في برلين، في مقبرة الأتراك يوم الأربعاء ٢٩ ذي الحجة الموافق ٣ سبتمبر بعد صلاة العصر، وبعد أن صلى عليه جمع غفير من المسلمين يربو عددهم على ٥٠٠ شخص حضروا من مناطق مختلفة من ألمانيا وتركيا. والدكتور يوسف زين العابدين تركي الأصل عراقي النشأة والولادة، ولد عام ١٩٣٧ في مدينة كركوك، ودرس الطب في تركيا، وبعد تخرجه من كلية الطب انتقل إلى ألمانيا ليتابع دراسته العليا، وقد تخصص في الجراحة العامة، ثم في جراحة الأوعية الدموية، ومكث في ألمانيا خمسة وعشرين عاماً. كان فقيدنا ﵀ دمث الأخلاق طيب القلب، محباً للخير.. كما كان من الدعاة إلى الله، وكان ينفق وقته. وماله في سبيل دعوته وفضلاً عن هذا وذاك كان همزة الوصل بين الدعاة إلى الله من العرب والأتراك والألمان. وأسرة تحرير البيان تتقدم بأحر التعازي لأرملة الفقيد وابنتيه، وتسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان. اللهم اغفر لفقيدنا وأحسنْ مثواه اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 40

ربيع الآخر - ١٤٠٧هـ ديسمبر - ١٩٨٦م (السنة: ١)

стр. 41

كلمة في المنهج عود على بدء التحرير اتصل بنا بعض القراء، طالبين أن نعيد نشر افتتاحية العدد الأول (كلمة في المنهج) . ونحن إذ نقدر لهم هذه الثقة، ونشكر منهم هذا الظن الحسن، ولكن لما كان المنهج من أكثر الأمور التي يحتاجها المسلمون في هذه الأيام أهمية، فهو يحتاج إلى مزيد من التفصيل والتوضيح، هذا مع توفر العدد الأول، وإمكانية الرجوع إليه. وأول ما يحسن بنا أن نقف عنده طويلاً هو حال الدعوة الإسلامية في هذه الآونة، ويجب أن لا نغفل عن أن هناك نقاط قوة، ونقاط ضعف في هذا المجال. فأول نقاط القوة أن الله قد كفل البقاء والخلود لهذا الدين، وضمنه القدرة الكامنة التي تجعله يقارع الخطوب، ويتصدى للقوى الظاهرة والخفية التي تقف بالمرصاد، وتحاربه بشتى الوسائل. ومن نقاط القوة أيضاً أن هذا الدين لا يزال يبعث الخوف والرعب في قلوب أعدائه - على قوتهم، وضعف حال أتباعه وتفرقهم - مصداقاً لقول الرسول - ﷺ : (.. ونصرت بالرعب مسيرة شهر..) (متفق عليه) . وهذا ما يفسر لنا " الهيستيريا " الإعلامية التي يصاب بها أعداء الإسلام كلما أحسوا نبأة تدل على تباشير عودة صادقة إلى حظيرة الدين في أي بلد من بلاد المسلمين. ومن نقاط القوة أن الأجيال الإسلامية تتكشف لها عيوب الحضارة الأوربية وعوراتها يوماً بعد يوم، وأن فترة الانبهار بها قد ولَّت بعد أن كاد يصمنا صراخ دعاتها، ونقيق عبيدها: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت! ! وهناك نقطة قد تكون نقطة من نقاط القوة، مع أنها نقطة من نقاط الضعف تصيب الدعوة الإسلامية في هذا العصر، وفي كل عصر، ألا وهي النفاق. فنحن نعلم أن النفاق - كظاهرة - لم يعرف إلا إبان فترة صعود المسلمين نحو القوة، في مجتمع المدينة، ولم يكن له وجود - فيما نعلم - في فترة الاستضعاف. وفي هذا الوقت الذي نرى فيه ازدياد الوعي بين صفوف المسلمين - وخاصة الأجيال الفتية، والتي يفترض أنها لاتعرف شيئاً من قيم الإسلام وخصائصه، نتيجة للتربية التي تلقتها، والأجواء التي عاشت فيها - والعمل الدائب في سبيل الدعوة، سواء داخل بلدان العالم الإسلامي، أو خارجها، نرى - مع الأسف الشديد- إلى جانب ذلك ملامح هذه الظاهرة بادية من خلال محاربة بعض العاملين للإسلام لبعضهم الآخر، من غير دليل أو برهان، يجيز لهم هذه الحروب، متنكبين أدلة الكتاب والسنة التي لا تكاد تحصى في الحض على وحدة الصف، والتنفير من التفرق وأسبابه، ومستمسكين برأي الرجال الذى قد لا يكون بريئاً من الجهل، إن برئ من الهوى وسوء القصد. وليس من المفترض، ولا من الممكن، أن يتجمع العاملون في مجال الدعوة تحت قيادة رجل واحد، يصدرون عن أمره في شتى أعمالهم، فلكل أناس ظروفهم ومشاكلهم التي تحدد نشاطهم، ولا من المعقول أن يتبنى قوم رفع راية الإسلام في بلد، فإذا ما سمعوا بأناس آخرين يدعون للإسلام في مكان ما هرعوا إليهم وطالبوهم بالانضواء تحت رايتهم، وإلا فهم مخربون! ! ولكن المعقول أن يتعاون المسلمون فيما بينهم على تذليل الصعاب، على قدر ما يمكنهم التعاون، وأن يرتضوا لأنفسهم ما رضيه لهم الله ورسوله في مجال الأصول: كتاب الله والسنة الثابتة عنه ﷺ ، وإجماع الصحابة، فإذا اختلفوا بعد ذلك، تصل بهم الحال إلى حد التشهير والكيد، بل والاستعانة بأهل الكفر والابتداع على بعضهم أحياناً. [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٩] . فمن نقاط الضعف الرئيسية في الدعوة الإسلامية المعاصرة الاختلافات المنهجية التي تحتاج إلى دراسة ومناقشه بعمق وصبر. ففي ظل الظروف العاصفة التي عاشتها الدعوة في العصر الحديث، تسربت أمراض كثيرة إلى الفهم الإسلامي، بعضها يمت بصلة إلى ما ورثه المسلمون من عصور توالى عليهم فيها حكم العسف والجور، وبعضها كان نتيجة لمؤثرات غريبة تأثر بها المسلمون بأصناف من الثقافات والمناهج الوافدة، بعيداً عن القرآن والسنة، وبعضها كان ردة فعل لصنوف من الضغط والقهر والوحشية، عومل بها من يرفع كلمة لا إله إلا الله في الأرض، فدفعهم ذلك أن يخرجوا على الناس بآراء غريبة غلوا فيها، وحادوا عن جادة الاعتدال، وأفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا، مع أن المسلم شأنه التوسط والقصد في الرضا والغضب، وله في هذا الشأن من كتاب ربه عاصم ومرشد، فقد قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [سورة المائدة: ٨] . وقد ذم الله الغلو في غير موضع من كتابه الكريم، فقال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ] [سورة المائدة: ٧٧] . وفي تاريخنا أمثلة واضحة شاهدة على عواقب (الغلو) الوبيلة، فإن أثر الخوارج والرافضة وأمثالهم - في بث البلبلة وتفريق الكلمة، وإضاعة الجهود، وتحطيم قوة المسلمين، وذهاب ريحهم، وإعطاء أسوأ الصور عن تاريخ المسلمين - أثر معروف ومشهور. وفي هذا العدد ألمحنا إلى ألوان من الحرب المعلنة التي يتعرض لها أهل السنة في مناطق مختلفة من العالم، وهذا من الأسباب التي تفرض عليهم - الآن، أكثر من أى وقت مضى - التعاون، والألفة، ووحدة الكلمة، ومعرفة ما يراد بهم، وتبيّن طريقهم من خلال الأخطار المحدقة. وهذا الأمر ينبغي أن يؤخذ بجدية بالغة، وأن يكون العمل على تحقيقه من خلال منهج محدد لا يخضع للعواطف والأهواء. ونحن - بدورنا - نلتزم بجماعة أهل السنة، لأنها الجماعة الأم، التي لا يسع أحداً من المسلمين الخروج عليها، أو مناصبتها العداء. ومن أباح لنفسه ذلك كان مرتداً، أو مبتدعاً. فالذي ينكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ويجحد أمراً ثابتاً في الشرع، ويتنقص الإسلام وأحكامه الثابتة، يكون مرتداً، والذي يزعم - مثلاً - أن العقل مقدم على النقل، يكون مبتدعاً، مع أنه من أهل القبلة. والتزامنا بمنهج أهل السنة يعصمنا من التخبط والترنح ذات اليمين وذات الشمال، لأنه المنهج القائم على أصول، لها من كتاب الله، وسنة رسوله أساس راسخ، ولها من استقراء حوادث تاريخ المسلمين، وعلاقاتهم ببعضهم، وعلاقاتهم بأعدائهم - قديماً وحديثاً - أدلة تنير لهم مسلكهم عندما تشتبه السبل وتتشابك الموارد والمصادر. وإننا نورد مثالاً، هو ثمرة لتطبيق منهج أهل السنة في النظر إلى ... الأمور، فمعلوم أن لأهل السنة موقفاً من الدعوات التي ترفع اللافتات الإسلامية، للوصول إلى أهداف لا علاقة لها بالإسلام، هذه (اللافتات) التي ينطبق عليها قو ل ... علي ﵁: (كلمة حق يراد بها باطل) ، مثل موقفهم من الرافضة وأشباههم من أصحاب الدعوات الباطنية. فعندما خدع الكثير من البسطاء بشعارات طرحها فريق من هؤلاء، واستطاعوا أن يزيحوا بشعاراتهم وثورتهم طاغية من طغاة هذا القرن، كان للعقلاء - وقليل ما هم - موقفهم النابع من فهمهم لمنهج أهل السنة، وعندما كانوا ينبهون كثيراً من هؤلاء الذين غلو في المضي وراء هذا السراب، وانطقوا - دون تحفظ - يهللون ويكبرون لشمس الإسلام التي بزغت من خلف هضاب وجبال فارس! ظانين أنهم قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من بسط ظل الإسلام على ديار المسلمين من جديد بفضل (آيات الله) ! عندما كان يقال لهؤلاء: يا قوم! اربعوا على أنفسكم، وتريثوا، فالعجلة مهلكة، وإن كنتم تجهلون موقف علمائنا من أمثال هؤلاء ودعواتهم، وتجهلون، أو تتجاهلون مواقفهم المشينة من المسلمين على مدار التاريخ، وتظنون أن هؤلاء قد تبرؤوا من مواقف أجدادهم - وهم والله، لا يزالون عاكفين عليها، يفتخرون بها. وإذا كانت بعض المواقف الاستعراضية لهؤلاء، مثل ذكر فلسطين، وما يشبه ذلك من ذكر (الصهيونية) و (قوى الاستكبار العالمي) قد جعل على أعينكم غشاوة، فلم تعد تبصر الحقائق، فاعلموا أن هؤلاء سوف يشتمون اليهود في النهار، ويتآمرون معهم في الليل، وسوف يبتسمون في أوجه الفلسطينيين، في الوقت الذي يعدون العدة ليطعنوهم من الخلف، وإذا كنتم لا تمتلكون الرؤية التي ينبغي أن يتسلح بها المسلم، فيقيس ما لم يقع على ما وقع، ويقارن الأشباه بنظائرها، ويعرف المجهول بالمعلوم، ويهتدي بتجارب الماضي لتحديد خطواته في المستقبل، حتى لا يكون سيره فيه خبط عشواء، أو قفزاً في الهواء ... إذا كنتم في شغل عن كل ذلك، فلا أقل من التريث والصبر قليلاً، فإن المستقبل القريب، فيه مصداق ما نقول، ونحن لا ندعي علم الغيب، ولكن المنهج الصحيح يعطي الإنسان الرؤية التي تساعده على معرفة ما لم يكن بما قد كان. ها نحن الآن بعد سنوات قليلة من عمر الإسلام الراجع من خلف هضاب خراسان! فماذا نرى؟ ! صورة كالحة يحجم القلم عن رسم خطوطها، فالشيطان الأكبر يمد (الثورة الرسالية) بالأسلحة، واليهود الذين يتصدى لهم (المحرومون) في جنوب لبنان يعملون على نقل هذه الأسلحة إلى من يتاجرون بسبابهم (والردح) عليهم، ثم، ويالهول الاكتشاف! ! يكتشف سَدَنة (الثورة الرسالية) فجأة! أن الفلسطينيين الموجودين في لبنان هم الذين قتلوا الحسين في كربلاء، ولابد من الثأر منهم! ومن يدري؟! فربما لم يكن هذا اكتشافاً مفاجئاً، بل وحياً تلقوه عن (صاحب الزمان) عجل الله فرجه وقرب مخرجه! وأن الفلسطينيين، لذلك يستحقون القصف، والتقتيل، والمحاصرة، والتجويع، والموت صبراً، ثم التشريد من جديد. وكل ذلك يرتكب حتى تكون الطريق ممهدة نحو فلسطين! ... ... ... لا نريد أن نسترسل وراء هذه الصورة المرعبة من الصور التي تحيط بنا، بل نريد أن نرفع عقيرتنا بالبحث عن مخرج، وكفانا لهاث وراء السراب اللامع تارة من هنا، وتارة من هناك. ونعتقد أن الطريق الصحيح لمواجهة الأوضاع الحرجة، التي تحيط بنا من كل جانب، هو منهج أهل السنة المتمثل بالكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة. وليس أحد من الناس، أياً كان، جديراً بأن يؤخذ كلامه مأخذ التسليم، ماعدا رسول الله ﷺ والصدق مع الله في حمل دعوته، وتبليغ منهجه، ثم الصدق مع الناس، في إخلاص النصح ووضوح المقصد من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة. ربنا اجعلنا من الذين هُدوا إلى الطيب من القول، وهُدوا إلى صراط الحميد. [ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً] [الطلاق: ٣]

стр. 42

التجديد في الإسلام (٣) شروط المجدِّد: نستطيع أن نصف المجدِّد بأنه يعيش في قمة عالية، وأمته تعيش في سفحٍ هابط وهو يعمل لانتشال هذه الأمة من سفحها لتحاول الصعود إلى القمة. فهو مثل أعلى في صحة العلم ووفرته واتساعه، وفي صدق العمل وإخلاصه،رجل كهذا أقل ما يوصف فيه أنه (سالمٌ) من علل الأمة وأمراضها، ناج من الآفات والانحرافات التي تنخر فيها، (متحلِّ) بالصفات التي يدعو إليها. ولقد تحدثنا قبل قليل عن مجالات التجديد، ومنها يمكن معرفة صفة المجدِّد وشرطه. ولكن بعض الذين كتبوا في تعيين المجددين من المصنفين دأبوا على ذكر أسماء بعض العلماء الذين لا يُسَلَّم لهم كونهم من المجددين. بل بلغ الحال أن عد بعضهم أحد الخلفاء من المجددين، في حين عده البعض الآخر من البلايا التي ابتليت بها الأمة على رأس المائتين والتي يبعث المجددون لمحو آثارها ومقاومتها! ودأب آخرون على سرد أسماء علماء مذهبهم عبر القرون من المشتغلين بفروع الفقه وعدهم - هم - المجددون. وما ذلك إلا لعدم وجود الضابط الواضح الذي يوزن به الرجال فيطيش أقوام، ويرجح آخرون. لذلك فنحن بحاجة إلى وضع بعض الضوابط والاحترازات المفيدة في هذا الباب. ونحن بحاجة إليها -أيضاً - من ناحية علمية بحيث نستطيع - في واقعنا - تمييز الأصوات المحقة من الأصوات المبطلة، ولا يلتبس علينا هذا بذاك. ولذا فسوف نقتصر على ما نرى أنه ضروري في هذا المجال غير متعرضين للصفات الأخرى التي يسهل عدُّها والحديث عنها: أ- فالتجديد مهمة (الفرقة الناجية) ، وهم (أهل السنة والجماعة) : والفرقة الناجية هي السائرة على نهج الرسل - عليهم الصلاة والسلام - في الاعتقاد وفي غيره، وهي فرقة من ثلاث وسبعين فرقة، وقد سبق بيان بعض خصائصها وصفاتها قبل صفحات، ومن هذا المنطلق نقول: ليس للفرق التي تشايعت على الباطل، وتآلفت علي الهوى، من التجديد نصيب، وكيف وهي تهدم الدين وتشوِّه حقيقته وتلبسه ثوباً غير ثوبه؟ . إن التجديد لابدّ أن ينطلق من وضوح في الاعتقاد: في الإيمان، والأسماء والصفات، والولاء والبراء، والعبادة، والتشريع، بحيث يكون مذهب أهل السنة والجماعة في جميع ذلك هو المنطلق الأساسي للتجديد. والدين عندنا ليس عاطفة هوجاء غامضة تقول: لا تفرقوا الصف، ولا تكفروا المسلمين! الدين عندنا ليس تصفيقاً لكل من هتف باسم الإسلام، ولو كان يرفع راية الإسلام بيد، ويسعى للإجهاز عليه باليد الأخرى. الدين عندنا وحي منزل مضبوط محفوظ يحتكم إليه في تقويم الناس، ومن اضطرب في يده هذا الميزان ضاع في التيه البعيد! ومن الغريب أن أقواماً في زماننا عدّوا الشيعة الرافضة مجددين للإسلام، ولا ندرى ما هذا الإسلام الذي جدَّدوا؟ ! وأغرب من ذلك أن يُدخلهم عالم مشهور كابن الأثير في عداد المجددين، فيعدُّ أصحاب المذاهب الأربعة والإمامية! [١] وما أجمل ما ردّ عليه صاحب عون المعبود حيث قال: ولا شبهة في أن عدهما من المجددين خطأ فاحش، وغلط بيّن، لأن علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، وبلغوا أقصى المراتب من أنواع العلوم، واشتهروا غاية الاشتهار، لكنهم لا يستأهلون المجددية! كيف وهم يخربون الدين فكيف يجددونه؟ ويميتون السنن فكيف يحيونها؟ ويروجون البدع فكيف يمحونها؟ وليسوا إلا من الضالين المبطلين الجاهلين، وجلّ صناعتهم التحريف والانتحال والتأويل لا تجديد الدين، ولا احياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة " [٢] وليست المسألة مقصورة على الرافضة فحسب، فالصوفية الذين اعتنقوا الفلسفات اليونانية، ومارسوا الطقوس الهندية الوثنية، وقتلوا روح الجهاد، لا يقلّون خطراً عنهم. وأصحاب المدرسة الكلامية في أبواب الاعتقاد ممن عارضوا نصوص الكتاب والسنة بخيالات وشبهات عقلية فاسدة هم حجر عثرة في طريق التجديد. وهذا المجدِّد الأول عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: (من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التحول " [٣] . وهذا مجدد آخر وهو الشافعي ﵀ يقول: (لأن يبتلى الله المرء بكل ذنب نهى الله عنه - ماعدا الشرك - خير له من الكلام) [٤] . وأقوال الأئمة المجددين في ذلك مأثورة مشهورة. وهكذا يبقى التجديد محصوراً في أفراد الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي سلمت من البدع المحدثة في الدين وخاصة البدع الاعتقادية. ب - ولابدّ من العلم الشرعي الصحيح، بل اشترط بعضهم " الاجتهاد " كشرط أساسي للمجدد [٥] . قال السيوطي: بأنه في رأس كل مائة ... يبعث ربنا لهذي الأمة مناً عليها -عالم يجددُ ... دين الهدى لأنه مجتهدُ وقال ضمن الشروط: يشار بالعلم إلي مقامه ... وينصر السنة في كلامه وأن يكون جامعاً لكل فن ... وأن يعم علمهُ أهل الزمن [٦] واشتراط الاجتهاد ليس عليه دليل. أما كونه طويل الباع في العلوم، واسع الخطو في جميعها فهذا ضرورة للتجديد، لأن من مهمات التجديد إحياء العلم الشرعي، ونشر العمل بالسنة، وتعليم الناس دينهم، والذين يتصدون لذلك لابد أن يكونوا على جانب من العلم متين، إلى جانب معرفة أوضاع الحياة المدنية وما يناسبها. ج - ومن لفظ " التجديد " يظهر جلياً أن المجدِّد صاحب إرادة في التغيير فاعلة وثابة، فهو ينطلق بالأمة من واقعها المرفوض المنحرف صُعُداً في طريق الصلاح والنجاح، أما أولئك الذين يرتضون الواقع السيء ويباركونه، ويرون أنه من أزهى عصور الأمة فهيهات أن يكونوا من التجديد في شيء. ولذلك سمى الرسول ﷺ الفئة المتمسكة بـ (الطائفة المنصورة) ، وفي هذا إشارة إلى أنها تجاهد في سبيل الله، وتناضل عن السنن، وتقارع المبتدعة الضالين فيعينها الله وينصرها، ولذلك فهي (منصورة) . وأشار الرسول، ﷺ ، إلى هذا المعنى بقوله (ظاهرين) ، ... وفي بعض الألفاظ: " لعدوهم قاهرين " فهو ظاهر غلبة بالحجة والبرهان، وظهور قهرٍ للأعداء ومكابدة لهم. وفي رواية ثالثة: (لا يضرهم من خالفهم ولامن خذلهم إلا ما يصيبهم من اللأواء) . ومن مجموع هذه الروايات ندرك أن التجديد: أولاً: إدراك واعٍ لحال هذه الأمة وما تعانيه. وثانياً: إرادة مصممة على التغيير. وثالثاً: إمضاء لهذه الإرادة وتحقيق عملي لها. إن اللأواء والجهد لا يصيب إلا من جاهد، وطريق التجديد والإحياء ليس مفروشاً بالورود بل هو طريق البذل والمحاولة والتصميم. [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت آية: ٦٩] . إلمامة تاريخية بالحركة التجديدية: حين بعث رسول الله ﷺ إلى هذه الدنيا كانت الحياة قد أصابها الفساد والانحراف في جميع مجالاتها، وكانت الدعوات السماوية السابقة في حالة احتضار وكرب شديد على أيدي أتباعها الذين لعبوا بها وشوهوها، وأساؤوا إليها أكثر من إساءة أعدائها المعلنين. فكانت بعثته ﷺ انتصاراً للرسالات السماوية، وإنقاذاً للجماعة البشرية، وحرباً على جميع ألوان الشرك والجاهلية. وبدأ ﷺ بدعوته فرداً واحداً غريباً في عالم مظلم مضطرب يسوده قانون الغاب وتتعاوى فيه الذئاب، ويفترس القوي فيه الضعيف، فكيف يتحرك فردٌ أعزل في مثل هذه الحال؟ كيف يتحرك وهو يقف ضد هذا العالم كله؟ في عقيدته وشريعته ومنهجه؟ والمبعوث برسالة السماء لا يمكن أن يقف مهما كانت العقبات.. ومن هنا بدأ الرسول ﷺ تلك البداية المحرقة، وليتصور كلٌ منا.. تلك اللحظات التي شعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها بأنه النبي المختار من عند الله لإنقاذ البشرية.. أي مشاعر كانت تتحرك في قلبه العظيم ﵊؟ ! رجل واحد في مكة في وسط هذه الصحراء الملتهبة الممتدة يحمل هم تغيير العالم كله من أقصاه إلى أقصاه! يا للهمم القعساء! وبدأت تلك الرحلة الطويلة المضنية بخطوة واحدة، فأسلم أبو بكر وعلي وخديجة وبلال وزيد بن حارثة فكان الواحد منهم يعد أحياناً ربع الإسلام أو خمس الإسلام! ولم تمض فترة وجيزة حتى أُمر ﷺ بمخاطبة قريش علناً بالدعوة، وخاصة عشيرته الأقربين وهنا تأخذ الدعوة خطاً جديداً لا يصبر عليه إلا أشداء الرجال، فيجهر ﷺ بدعوته أمام الملأ، ومن هذا الموقف بدأت الحرب الضارية تشن ضده وضد أتباعه: حربٌ سلاحها كل سلاح، سلاح الدعاية، سلاح التهديد، سلاح الضرب سلاح التجويع، سلاح المقاطعة، سلاح السخرية اللاذعة، وبدأت هذه القلة تمارس الصبر الجميل أمام حرب شعواء لا يهدأ لها أوار ولا يقرُّ لها قرار. ولكن الحق لابد أن يجد آذاناً صاغية حتى في أحط البيئات وأفسد المجتمعات فها هي دعوة الإسلام المحصورة في بعض بيوتات مكة تستقطب فرداً من هنا وفرداً من هناك ممن لم تصرفهم الدعايات المضللة المغرضة حتى تكاثر الأتباع وتجاوزت الدعوة نطاق مكة بصورةٍ فردية. ومع تكاثر الأتباع كان القرشيون يشعرون بالخطر الحقيقي من وراء هذه الدعوة فيزدادون في عدوانهم وطغيانهم ويصممون على محاولة إيقاف هذا المد وحصره في أضيق نطاق. حتى كان إسلام الأنصار وبيعة العقبة الأولى ثم الثانية، فكان هذا أول انطلاق حقيقي خارج مكة، وبه أخذت الدعوة مدى أوسع وانعتقت من سلطة مكة فلم يعد بإمكانها القضاء عليها. ولكنها كانت تعمل للحيلولة دون قائد هذه الدعوة - عليه صلوات الله وسلامه أبداً أبداً - وبين أن يلحق بهؤلاء المدنيين بحيث يشكل القوة التي تخافها قريش وتخشاها، إذا انطلق ليمارس دعوته بدون قيود ولا معوقاتٍ تذكر. ولذلك ائتمرت عليه لتمنع هجرته حتى خططت لقتله والخلاص منه، وهذا يدل على حدة شعور القرشيين بالخطر المحدق، وإلا فلم يكن قتله ﵇ بالأمر اليسير، وربما كان يؤدي إلى حرب أهلية طاحنة. ولكن الله تعالى كان يحفظه ﷺ وقد كتب له أن يؤدي دوره في المدينة المنورة الزهراء، فيسبق ﵊ تخطيطهم - ويخرج ومعه بعض أتباعه.. وبهذا يفلت الزمام من قريش وتصبح معركتها معه - ﷺ في ميادين القتال فحسب. وفي المدينة ينشط المسلمون في نشر الإسلام بين أهلها نشاطاً كبيراً، ويشيع وجوده بينهم ﷺ جواً قوياً من الثقة والاطمئنان والحماس، حتى يدخل في الإسلام عدد كبير من الأوس والخزرج بعضهم من علية القوم وكبرائهم. وتبدأ المؤسسات اللازمة تتكون شيئاً فشيئاً: المسجد وهو مدرسة للتوجيه والتربية ثم الجيش.. وهكذا.. خطوات جبارة حقاً.. وكيف لاتكون كذلك وهي نقلة نوعية بل قفزة من مرحلة التضييق والاضطهاد في مكة والتي كان المسلمون غير مأذونين فيها برد العدوان ولا قادرين، إلى مرحلة بناء الدولة بأجهزتها الكبيرة مع الاستعداد للجهاد ومنازلة الأعداء المعتدين. وظلت الدولة الفتية تنازل أعداءها بجندها العقائديين فتجهز عليهم واحداً بعد الآخر وتختط لنفسها طريقاً سالكة عبر المصاعب والمحن والآلام الجسام. ولم يقبض الله نبيه ﷺ حتى أقر عينه بقيام دولة الإسلام، وإعزاز أهله، فكمل الدين، وتمت النعمة، وتفيأ الناس ظل الإيمان الوريف. وحين نزلت هذه الآية: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [سورة المائدة: ٣] بكى عمر بن الخطاب! فقال له النبى ﷺ : ما يبكيك؟ قال: أبكانى أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيءٍ إلا نقص! فقال: صدقت [٧] . ولقد كان الصحابة يعلمون أن من سنة الله أن هذا الوضع الذي يعيشونه في حياته ﷺ لن يدوم، فكانوا يتطلعون إلى معرفة ما يكون بعد، وإلى الموقف السليم الذى يواجهون به التغيرات المخوفة المرتقبة، حتى قال حذيفة -رضى الله عنه -: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: نعم.. . الحديث [٨] . ولا تظن أن ثمت شكاً في أن لوفاة الرسول ﵊ الأثر العظيم فى حياة المسلمين فقد كان أول خلاف خطير حصل بين المسلمين في قضية كبرى هو اختلافهم بعد وفاته بقليل على الخليفة من بعده يوم السقيفة. هذا - وكان موته - عليه صلوات الله وسلامه بعد نزول آية المائدة بإحدى وثمانين يوماً! وقد كان لوفاة الخليفتين من بعده أثر آخر يدل عليه حديث حذيفة - ﵁ حين سأله عمر عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال له: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها باباً مغلقا! ً قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: بل يكسر. قال: ذلك أحرى ألا يغلق أبداً! قال قائل لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة؛ إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب، فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: عمر [٩] . ثم كان لانتهاء فترة الراشدين الأربعة أثر ثالث يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: (الخلافة في أمتي ثلاثون عاماً، ثم يكون بعد ذلك الملك) . قال سفينة مولى رسول الله ﷺ : " أمسك خلافة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- سنتين، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين، وخلافة عثمان ﵁ اثني عشر سنة، وخلافة على -رضي الله- عنه ست سنين) [١٠] . وكان لانخرام جيل الصحابة، ثم لانخرام جيل التابعين، ثم لانخرام جيل تابعي التابعين آثاراً أخرى يدل عليها قوله ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. . الحديث) [١١] . وإلى هنا تنتهي القرون المفضلة التي شهد النبي ﷺ بخيريتها وفضلها، وصار ما سارت عليه من العقائد والخلائق بل والاحكام هو الهدي الصحيح الذي لا يسع مؤمناً من المؤمنين أن يخالف عنه، وصار لزاماً على كل مؤمن أن يحبهم بحب الله ورسوله ويحب ما كانوا عليه من أمر الدين، ولا يرى الصلاح إلا في الرجوع إلى ما كانوا عليه، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها - كما قال الإمام مالك ﵀. ثم يظل الخط العام للأمة يسير تدريجياً باتجاه الضعف والنقص والبعد عما كان عليه رسول الله ﷺ كما قال أنس -رضى الله عنه-: (لا يأتيكم زمان إلا والذي بعده شرٌ منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته عن نبيكم - صلى الله عليه وسلم-) [١٢] . فلا تزال الأمة كلما بعد عهدها بنبيها في استئخار عن منهجه. هذا من حيث الجملة والعموم، ولكنه لا يعني الاطّراد الحتمى في كل عصرٍ بالنسبة للذي قبله، بل من الثابت شرعاً وواقعاً أن ثمة عصوراً تكون خيراً من التي قبلها وأفضل وأصدق مثلٍ لذلك زمان المهدي ثم عيسى بن مريم -عليه الصلاة والسلام-، ومثله عهد عمر بن العزيز ﵀. ولذلك لا يزال الله يمن على هذه الأمة بتصديق موعود نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيها ببعثة المجددين الذين يحيون ما اندرس من أمر الدين، ويعيدون إلى الأمة حياتها الحقيقية بإعادتها إلى نهج الإسلام الصحيح. فحين تمر فرقة على الأمة يصيبها في دينها ما يصيبها فيخرج المجدِّد ليعيدها إلى حالٍ قريب من الحال الأول، ثم تبدأ آثار المجدِّد في الزوال والتلاشي حتى لا يأتي القرن الآخر إلا والأمة قد بلغت من الضَعة والضعف أشد مما بلغت قبل حركة التجديد الأولى، فيأتي المجدِّد فيعيد الأمة إلى حال قريب من حالها في عهد المجدِّد الأول.. وهكذا يتلاءم خط سير الأمة المنحدر مع خط التجديد والإحياء التصاعدي. ولا يكاد المجدِّد التالي يكون خيراً من سابقه إلا في حالات نادرة، كما في ظهور المهدي ونزول عيسى ﵉، فإنهما يجددان الدين أي تجديد. مع أن الأمة كلما امتد بها الزمن وزاد انحرافها كانت حاجتها إلى المجدِّد الأقوى أشدُّ وآكد، ولهذا رجحنا فيما مضى أن التجديد مهمة الطائفة الناجية المنصورة، وليس مهمة فرد بعينه، وأنه إن جاز أن يقال في مجدد القرن الأول أنه عمر بن عبد العزيز ﵀، فإن ذلك لا يجوز في غيره، مع قناعتنا التامة بظهور آحادٍ من الناس يختصهم الله بمزيد فضل من عنده، فيكون لهم من التجديد أوفي نصيب. وفي الصفحات التالية نعرض لحركات التجديد التاريخية البارزة لتكون أنموذجاً يحتذى للدعاة الصادقين المتطلعين إلى تجديد الدين لهذه الأمة. أ- الحركة التجديدية الأولى.. [في عهد عمر بن عبد العزيز] ٩٩-١٠١هـ يشهد المتتبع لكلام عامة العلماء في شأن المجددين أن هناك ما يشبه الإجماع على اعتبار عمر بن عبد العزيز هو مجدد القرن الأول. وكان أول من أطلق ذلك الإمام محمد بن شهاب الزهري، ثم تبعه الإمام أحمد حتى لم يكد أحدٌ يخالف في ذلك. ونحن نسلم بذلك، ولكننا نقول: ما كان لعمر بن عبد العزيز أن يقوم بهذه الحركة الواسعة المتعددة الجوانب لولا وجود عددٍ كبير من أجلاء التابعين وساداتهم وهم كانوا ساعده الأيمن في تنفيذ مشاريعه التجديدية العظيمة. ولكي ندرك قدر الإصلاح والتجديد الذي أحدثه عمر نرسم الخطوط العريضة للانحراف الذي عانته الأمة، والذي كانت حركة عمر الإصلاحية تغييراً له، ... فنقول: إن قيام الدولة الإسلامية الأموية على يد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄ جاء في وقت كان المسلمون أحوج ما يكونون فيه إلى وحدة الصف وجمع الكلمة، فجمعهم الله على معاوية بعد تنازل الحسن في (عام ... الجماعة) وكان ذلك سنة ٤٠ هـ. وليس يعنينا الآن " تقويم " الدولة من حيث الجملة، بل الذي نقصده هو الإشارة إلى أن مجيئها بعد عصر الخلفاء الراشدين له أثر كبير في نظرة المسلمين آنذاك إليها حيث كان الخطأ الذي نراه نحن اليوم عادياً، يعد عندهم شيئاً كبيراً.. وهذا ملحوظ لديهم حتى في تقويمهم للأفراد، وكلامهم فيه مأثور مشهور. عمر بن عبد العزيز يرشح للخلافة: لما عزم سليمان على كتابة كتاب بولاية العهد من بعده استشار بعض كبار التابعين فأشاروا عليه بعمر بن عبد العزيز، فسماه، ثم سمى بعده يزيد بن عبد الملك. وكان عمر بن عبد العزيز رجلاً عاقلاً ديناً صيناً ولم يعرف قبل ذلك بمزيد فضل عن نظرائه وأشباهه ولذلك اختاره هؤلاء التابعون ورشحوه، فلما قرىء كتاب سليمان بعد موته كان عمر في آخر الناس فلما سمع اسمه اسف واسترجع - في حين استرجع غيره لفوات الخلافة - وتباطأ في القيام، فقام إليه ناس فأخذوا بعضديه وذهبوا به إلى المنبر، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورةٍ من المسلمين، وإني قد خلعت ما قي أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم! " فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فلِ أمرنا باليمن والبركة [١٣] . فكان هذا أول عمل تجديدي قام به عمر حيث أعفي الناس من الملك العضوض وأعاد الأمر شورى، وحين اختاره الناس وألزموه ... بتولي الخلافة ناء به ثقل المسؤولية حتى " عُقِرَ به " [١٤] وضاق بها ذرعاً، وبان الهم على محياه، فقال له أهل مواليه: يا أمير المؤمنين! كأنك مهتم؟ فقال: لمثل الأمر الذي نزل بي اهتممت، إنه ليس أحدُ من أمة محمد في مشرق ولا مغرب إلا له قِبَلي حقٌ علي أداؤه إليه، غير كاتب إليَّ فيه، ولا طالبه مني [١٥] . ثم بدأ عمر في عمل الاصلاحات بجدٍ يتناسب مع هذا الشعور بالمسؤولية، فتنحى عن المواكب الفخمة التي كانت تعمل للخلفاء من قبل، واسترد الامتيازات التي وصلت إلى أيدي بعض قرابته، وقد بدأ بزوجته فاطمة فخيرها بين نفسه وبين حليّها ومتاعها فاختارته هو، فأخذ الحلي ووضعه في بيت المال. ثم بدأ حركة تغيير واسعة في المسؤوليات والولايات فولى الفقهاء والمشهود لهم بالصلاح وأبعد من يٌزَنُّ بأدنى شبهة، ثم تعاهد هؤلاء الولاة بالنصح والتوجيه والرقابة والمتابعة، ووسع على الناس بإلغاء الضرائب، وتوزيع الثروة بالعدل وتنظيم إيراد الزكاة وصرفها حتى لم يوجد من يأخذ الزكاة، غنىً وورعاً. ثم عمل على تزكية نفوس الناس وأخلاقهم وبيئاتهم من الأمراض والنقائص الاجتماعية والخلقية، وإعانتهم على السمّو والارتفاع بشتى الوسائل، فكانت مجالسه عامرة بالعلم والتربية وذكر الموت، ومن ثم - تفشى ذلك في الناس، ولم يأل العلماء جهداً في نشر العلم وإحياء السنة، ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام. وحارب عمر المفاسد الموروثة عمن قبله، فقضى على العصبية المقيتة، ومنع سبّ أحدٍ من السالفين أو لعنه كائناً من كان، وحارب البدع المحدثة والآراء الضالة كبدعة القدرية والخوارج والمرجئة والمعتزلة. وأنصف أهل الذمة وردّ إليهم حقوقهم، ووضع الجزية عمن أسلم منهم. وعمل على تدوين السنة، فكلف بعض العلماء بكتابة حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وآثار الصحابة من بعده، فكانت أول حركة تدوين منظمة ترعاها الدولة.. وكان لهذه الإصلاحات آثار عميقة في المجتمع الإسلامي، بل وفي غيره من المجتمعات، حتى ليصح أن يكون عمر هو رجل الدنيا وسيدها وأعظم مصلحٍ جاء إليها بعد الخلفاء الراشدين. وقد كان عمر يخطط لجعل الخلافة شوريةً من بعده، أو الوصية بها إلى كفئها المستحق لها، ولذلك قال عند موته: " لو كان لي من الأمر شيءٌ ما عدوت به لقاسم ابن محمد وصاحب الأعوص اسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص " (وكان عابداً منقطعأ قد اعتزل فنزل الأعوص!) فبلغ ذلك القاسم فترحم عليه ثم قال: إن القاسم ليضعف عن أهيله فكيف يقوم بأمة محمد - صلى الله عليه ... وسلم -؟ ! [١٦] . وبمثل هذا الدور الجبار الضخم استحق عمر مجددية القرن الأول، وإن كان بعضهم يضيف إليه آخرين من التابعين كالقاسم من محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري، والزهري، وغيرهم [١٧] . * يتبع *

стр. 43

كتاب في مقال منصور الأحمد لاشك أن كل موضوع يكتبه الكاتب، وكل مقالة يخطها قلمه، يكون وراءهما أسباب ودوافع تدفعه إلى اختيار ما اختار. فما الذي دعاني إلى اختيار هذا الموضوع، وما الشيء الذي يحسن التنويه به، والذي ألحّ عليّ لأقدم هذه الكلمة حول كتاب: (النبأ العظيم) ؟ . هناك سببان رئيسيان: ١- شخصية الكاتب. ٢- وموضوع الكتاب. أما الكاتب، فهو الدكتور محمد عبد الله دراز، ﵀، وهو عالم غني عن التعريف، من حملة لواء الثقافة الإسلامية المعاصرة. وفي حياة هذا العالم مواطن للعبرة، يحسن بنا أن نقف عندها ونقدمها للشباب المسلم في كل مكان. فأول ما يفجؤك في هذه الشخصية هذا التزاوج الفذ، والتلاقح الغني بين ثقافتين متباينتين، عادت نتيجته بالخير العميم على الثقافة الإسلامية. وفي مجال الصراع الفكري والثقافي الذى خاضه المسلمون في العصر الحديث، وجدنا ألواناً متعددة من التأثر. _ فهناك طائفة خضعت خضوعاً كاملاً وذليلاً للثقافات الغازية. - وطائفة شعرت بشراسة الهجمة الفكرية ووطأتها، فاستعصمت بخطط دفاعية، إن نفعت في رد عادية الغازي الواغل (الذي يدخل في القوم وليس منهم) مؤقتاً، فهي لن تنفع أمام فكر لا يزال يستخدم كل أساليب الحيلة والمكر، وينصب كل أحابيل الشيطان الكرة بعد الكرة ليستأنف هجومه عوداً على بدء. - وطائفة ثالثة أغمضت عيونها، وأصمت آذانها عن كل ما هو غريب عن الإسلام والمسلمين، متجاهلة أن هذه الأرض يعيش عليها المؤمن والكافر، ويتجاور فيها البر والفاجر، وأنها -بفضل المكتشفات العلمية الحديثة، والسرعة الخيالية التي تطورت فيها وسائل الاتصال- قد ضاقت رقعتها، وتضامَّت أطرافها، فكان من شأن هذه الطائفة - مع توفر النيات الطيبة- أن عزلت نفسها في عالم خاص اصطنعته لنفسها، ورضيه لها من يفرضون على أمتنا فكرهم وطريقة حياتهم، فصار يُنظر إلى هذه الفئة نظرة منكرة، وكأنها خارجة للتوِّ من تحت أطباق القرون، مع أنها تعيش في هذا العصر، ولكن بجسمها، بينما فكرها ملتفت إلى الوراء فحسب، وقد خلقه الله ليلتفت إلى الجهات الست. - وهناك طائفة رابعة، تشبعت بالثقافة الإسلامية الأصيلة، ولم يشفها ذلك، حيث رأت نفسها تعيش في عالم تمور فيه الأفكار من كل لون، والثقافة التي تشبعت بها قد زوحمت وحوصرت وأُقصيت من مجالاتها الحيوية، فلم يفتَّ ذلك في عضدها، بل رأت أن الأمر جد، وأنه لابد من معرفة كنه هذه الثقافة الغازية، ولابد من سبر غورها، وذلك لا يكون إلا بأخذ العدة لها، وخوض غمارها، فأقبلوا على ذلك، غير مدخرين جهداً، بنفوس واثقة لا تعيقها عن غايتها عقدة نقص، ولا يفتنها عن دينها بهرج الحضارة الغربية. ومن هذه الفئة الأخيرة مؤلف هذا الكتاب محمد عبد الله دراز، فبعد أن حاز أعلى الدرجات العلمية من الأزهر سافر إلى فرنسا، فقضى هناك حوالي أحد عشر عاماً درس فيها مناهج البحث عند الغربيين، حتى هضمها وتَمَثَّلها أحسن تمثُّل، وليس هذا القول من قبيل الدعاوى العريضة، فنظرة إلى ما ترك من آثار علمية تجعلنا نستيقن ذلك. وإن ما يستوقف النظر في شخصية هذا العالم أنه حينما يتناول ثقافة الغرب تراه ناظراً إليها من عَلٍ، مشرفاً عليها من قمة الفكر الإسلامي، واضعاً لها في الموضع الذي يجب أن تكون فيه، ثقافةً أرضيةً مبتوتةَ الصلة عن وحي السماء، قامت على مبادئ الهيمنة، وبلغت أشدها في ظل الظلم والغرور، قصارى أهلها والمفتونين بها أنهم [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] [الروم: ٧] . والثقافة (الموسوعية) لهذا الرجل تغري الإنسان أن يلتفت حوله في أرجاء العالم الإسلامي ليرى كثيراً من علماء المسلمين من يقف نفسه على كتب سلفنا الصالح - ونعمت - لا يغادرها إلى غيرها، وينقضي عمره بالبحث عن دقائق ما اختلفوا فيه من المشكلات، لا ليستخلص من ذلك منهجاً يعالج به مشكلات الحاضر، بل ليقنع نفسه ومن حوله بأن العلم هو هذا، وأن ما وراءه لا يعدل شيئاً. نعم، إن هذا من العلم، ولكن بمقدار أن لا يشغلنا الماضي عن الحاضر وبمقدار ما يفيدنا في حل المعضلات التي تأخذ منا بالنواصي والأقدام، وبمقدار ما نتسلح منه بما نناضل به في ساحة صراع شرس، وحرب معلنة شُنت علينا مستهدفة عقيدتنا وفكرنا وثقافتنا ووجودنا كله، وأي بقاء لأمة تذوب في غيرها؟ ! . ومن أعجب العجب أنك تجد العالم في علم النحو والبلاغة والتفسير والفقه والحديث لا يشق له غبار، إلا أنه قد يجهل أين تقع قدمه من خريطة العالم، ومن الذى يتحكم بمصيره ومصير أمته ومن يتصرف بالنيابة عنه في أخص خصوصياته، بل قد يجهل من الذى ضيّق مجال علمه، وأبعده من واقع الحياة، حتى جعله مقصوراً على حلقات بحث - إن وجدت - أشبه بمراجعة آثار بائدة، ومن أعجب العجب كذلك من تراه يريد تطبيق ما فعله رسول الله ﷺ مع وفد نصارى نجران على الغرب الصليبي وعلى أمريكا! . إنه قد يكون استظهر حادثة وفادة وفد نصارى نجران على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقارن بين الروايات، ووازن بين أقوال العلماء فيها ورجَّحَ.. ولكنه يجهل حال الغرب الصليبي العقائدية، ولا يعرف عن التطورات التي انتابت المسيحية عبر تاريخها، لا من حيث بدايات التأثير الوثني، ولا من حيث تلاعب الأهواء البشرية، بل وتلاعب اليهود بها حتى وقتنا الحاضر، فأين حال من حال، وأين نصارى من نصارى؟ ! . وهذا مثال ضربته لأشير من خلاله إلى أن تغيير حال المسلمين لا يكون إلا بحسن فهم لثقافتهم، واعتزاز عميق بها مع معرفة عميقة ونظر وتحليل للظروف الداخلية والخارجية التي تؤثر فيهم، أو يمكن أن تؤثر فيهم في المستقبل القريب أو البعيد. منهج المؤلف في التأليف: نستطيع أن نتبين منهج المؤلف في التأليف من كلمة أحد العلماء (شمس الدين البابلي، ت ١٠٧٧ هـ) ، وصدر بها كتابه: (دستور الأخلاق في القرآن) ، وهي: (لا يؤلف أحد كتاباً إلا في أحد أقسام سبعة، ولا يمكن التأليف في غيرها، ... وهي: - إما أن يؤلف من شيء لم يسبق إليه يخترعه، - أو شيء ناقص يتممه، - أو شيء مستغلق يشرحه، - أو طويل يختصره، دون أن يخل بشيء من معانيه، - أو في شيء مختلط يرتبه، - أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبينه، - أو شيء مفرق يجمعه ". ومن هنا فإنه يتحدد مقصده من موضوعه هذا، وليس أكثر من الكتب المؤلفة حول القرآن الكريم، تفسيراً، وأسباب نزول، وبيان إعجاز، ولكن كتاب " النبأ العظيم " على صغر حجمه يظل معلمة بارزة تقف شامخة بين كل الدراسات القرآنية، وسر ذلك يكمن في: ١ - الوحدة الموضوعية: فالقضية الأساسية التي يدور عليها الكتاب، والمحور الذي أدير عليه البحث هو بيان مصدر القرآن هل هو الوحي الإلهي، أم أن محمداً ﷺ ابتدعه وألفه؟ . حول هذه القضية تحتشد الأدلة المنطقية من أول البحث إلى منتهاه سواء ما تعلق بشخصية الرسول ﷺ ، أو ما تعلق بظاهرة الوحي، أو ما تعلق منها بنص القرآن الكريم نفسه. ففيما يتعلق بشخصية الرسول ﷺ يعرض شواهد من سيرته تجاه القرآن " لها شواهد ناطقة بصدقه في أن القرآن لم يصدر عنه بل ورد إليه وأنه لم يفض من قلبه بل أُفيض عليه " ص٣٢. وكذلك يستنبط من سيرته العامة مجموعة من الأخلاق العظيمة، كأمثلة تصور لنا هذا النبي ﷺ " إنساناً الطهر ملء ثيابه، والجد حشو إهابه، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه، ويأبى سمعه أن يصغي إلى غلو المادحين: تواضع هو حلية العظماء، وصراحة نادرة في الزعماء، وتثبت قلما تجده عند العلماء " ص ٣٢. ويفنِّد الاحتمالات التي يثيرها الملحدون والمعاندون خلال محاولاتهم القديمة والحديثة للتشكيك في مصدر القرآن، ماراً خلال تفنيده بالفروق الجوهرية بين القرآن والحديث، واستحالة أن تكون المعلومات التي تضمنها القرآن الكريم مما يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور. ثم يخلص إلى شبهة أن يكون رسول الله ﷺ قد تلقى هذا القرآن من معلم وبعد مناقشة مستفيضة لهذه الشبهة ودحضها بالبراهين الدامغة يقول لمن يزعم أن محمداً كان يعلمه بشر: " قل لنا ما اسم هذا المعلم؟ ومن الذي رآه وسمعه، وماذا سمع منه، ومتى كان ذلك، وأين كان؟ ... " ص ٦٣. وبعد أن أثبت استحالة أن يكون للقرآن مصدر إنساني، لا في نفس صاحبه ولا عند أحد من البشر، انتقل إلى المرحلة الثالثة ليبحث عن ذلك المصدر في أفق خارج عن هذا الأفق الإنساني جملة، وذلك بدراسة الأحوال المباشرة التي كان يظهر فيها القرآن على لسان محمد بن عبد الله ﷺ ، فاستعرض الكيفيات التي كان الرسول ﷺ يستقبل فيها الوحي ، وأنها لم يكن فيها شىء متكلفاً مصنوعاً، وأنها " " مباينة للأعراض المرضية، والنوبات العصبية التي تصفرُّ فيها الوجوه، وتبرد الأطراف، وتصطك الأسنان، وتتكشف العورات، ويحتجب نور العقل، ويخيم ظلام الجهل " ص٧٢. وبعد أن درس الطريق التي جاء منها القرآن، ولم يجد " في اعترافات صاحبه، ولا في حياته الخلقية، ولا في وسائله وصلاته العلمية، ولا في سائر الظروف العامة والخاصة، ولا في وسائله وصلاته العلمية التي ظهر فيها القرآن إلا شواهد ناطقة بأن هذا القرآن ليس له على وجه الأرض أب ننسبه إليه من دون الله " ص ٧٦، تقدم مع الذين لا يعلمون عن تلك الحياة النبوية إلا قليلاً، ويريدون أن يأخذوا حجة القرآن لنفسه من نفسه، تقدم معهم خطوة أخرى، فبين لهم أن هذا الكتاب يأبى بطبيعته أن يكون من صنع البشر، فدرس نواحي الإعجاز القرآني الثلاثة: الإعجاز اللغوي، والإعجاز العلمي والإعجاز الإصلاحي. فمن ناحية الإعجاز اللغوي فند الشبهة الممكنة حول هذه القضية، وهي: - شبهة القدرة على محاكاة القرآن. - وشبهة من ينسب هذه القدرة إلى غيره. - وشبهة أن عدم معارضة العرب للقرآن لم تكن بسبب عجزهم بل بسبب انصراف هممهم. - وشبهة من يظن أن إعجاز القرآن لم يكن من الناحية اللغوية. - وشبهة من يقول: إن عدم قدرة الناس على مجاراة أسلوب القرآن ليست بسبب خصوصية القرآن، بل لأن أسلوب كل قائل أو كاتب صورة لنفسه لا يستطيع أحد غيره أن يجاريه فيه. وهنا يصل إلى إبراز بعض أسرار الإعجاز القرآني، فينظر أولاً في القشرة السطحية للفظ القرآن، ثم يقدم نظرات في لب البيان القرآني وخصائصه التي امتاز بها عن سائر الكلام، سواء في الفقرة التي تتناول شأنا واحداً، أو في السورة التي تتناول شؤوناً شتى، أو فيما بين سورة وسورة، أو في القرآن جملة. ويطبق هذه النظرات على آية يختارها من عرض القرآن، فيبلغ القمة ويحلق إلى أجواء لم يسبق إليها. ثم يختم الكلام على الوحدة الموضوعية لسور القرآن، ممثلاً لذلك بأطول سورة منه: " سورة البقرة ". ٢ - امتلاك المؤلف أدوات البحث والهيمنة عليها: ويظهر هذا الأمر- بادىء ذي بدىء - من تحديده للموضوع الذي يطرحه، فيحرر محل النقاش -شأنه شأن علمائنا القدامى - ويستبعد مالا يدخل تحت التساؤل، انظر إليه كيف يدخل إلى المشكلة: " لقد علم الناس أجمعون علمأ لا يخالطه شك، أن هذا الي الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد، لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. أما بعد، فمن أين جاء به محمد ﷺ ؟ أمن عند نفسه، ومن وحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟ ص٢٠. وأنت، إذا قرأت الكتاب بروية، وجدت فصوله وفقراته، كلاً منها يسلمك إلى ما بعده، ويأخذ بعضها بأكناف بعض، وقد انتظمت حججه وأدلته، فبعضها يستنبط من البديهيات العقلية، وبعضها متضمن للقواعد المنطقية، وبعضها مأخوذ من المعلومات التاريخية والأدبية، ويغذي كل ذلك خلفية علمية بادية في أسلوبه واستحضار مدهش لآيات القرآن الكريم والمسائل المطروحة حوله يقول بعد أن أنهى الكلام على ٩١ من سورة البقرة (ص ١١٩ وما بعدها) : ولو ذهبنا نتتبع سائر ما في هذه القطعة من اللطائف لخرجنا عن حد التمثيل والتنبيه الذي قصدنا إليه. فلنكتف بتوجيه نظرك فيها إلى سر دقيق، لا نراه في كلام الناس، ذلك أن المرء إذا أهمه أمر من الدفاع أو الاقناع أو غيرهما بدت على كلامه، مسحة الانفعال بأغراضه، وكان تأثيره بها في نفسك على قدر تأثره هو، طبعاً وتطبعاً، فتكاد تحس بما يخالجه من المسرة في ظفره ومن الامتعاض في إخفاقه، بل تراه يكاد يهلك أسفًا لو أعرض الناس عن هداه إذا كان مؤمنًا بقضيته، مخلصاً في دعوته، كما هو شأن الأنبياء ﵈. أما هنا فإنك تلمح وراء هذا الكلام قوة أعلى من أن تنفعل بهذه الأغراض؟ قوة تؤثر ولا تتأثر، تصف لك الحقائق خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر. هذا الطابع من الكبرياء والعظمة تراه جليًا من خلال هذا الأسلوب المقتصد في حجاجه أخذاً وردًا، المقتصد في وصفه مدحاً وقدحاً ص١٢٧. ٣- التوفيق بين الدقة العلمية وإشراق الأسلوب: إنها معادلة صعبة، أن يوفق الكاتب بين هذين الأمرين: دقة علمية بالغة، وأسلوب يملك عليك فكرك ويأسرك بإشراقه وحيويته. وكثيرا ما ضحى علماء كبار بجمال الأسلوب ونصاعته في سبيل تحديد الفكرة التي يعالجونها وإيضاحها، وعلى النقيض من أولئك جاءت أساليب بعض العلماء فارغة جوفاء حينما ولوّا وجوههم شطر التجويد في الأسلوب، والتنميق في الشكل، فسوّدوا صحائف يحسبها الظمآن ماءً، وما هي إلا سراب. أما هنا، فتجد هذه الميزة - ميزة عدم طغيان أحد طرفي هذه المعادلة على الآخر - واضحة جلية، وكأنما ذاك نتيجة للميزة الثانية للكتاب: (امتلاك المؤلف لأدوات البحث) . ومما عزز ذلك -والله أعلم - تشبعه بأسلوب القرآن الكريم ومنهجه، فلا تكاد تجد فقرة من فقرات الكتاب لا يظهر فيها انعكاس الأسلوب القرآني على أسلوب الرجل، واستخدام الجملة القرآنية استخداماً أخاذاً في مطابقته للفكرة، ومناسبته وامتلاكه لشعور القارىء. وإنه ليصعب على الدارس أن يختار مثالاً على هذه الميزة من الكتاب، وذلك لأنه كله دليل على ذلك، وأية فقرة اخترتها فأنت واجد في غيرها ما قد يكون أدل على ذلك. ولكن خروجاً من هذه الحيرة فإننا نثبت هنا تعقيبه على موضوع الآيات (١٣٥ - ١٦٢) من سورة البقرة: (أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل، كيف رتبها مرحلة مرحلة، وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة؟ فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها، لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين، وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين متنائيين، فهي في جملتها مناجاة من الله للنبي ﷺ والمؤمنين في خاصة شأنهم وفيما يعنيهم من أمر دينهم، ولكنه جعل هذه النجوى طرفين، لوّن كل طرف منها بلون المقصد الذي يتصل به، فالتقى المقصدان على أمر قد قدر. ألم تر كيف بدأها بأن قصّ على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام، وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها، حتى جلاها بيضاء للناظرين، فكانت هذه البداية - كما ترى- نهاية لتلك المعارك الطويلة التي حورب فيها الباطل في كل ميدان ثم رأيت كيف ساق الحديث فجعل يثبت أقدام المؤمنين على تلك الحقائق النظرية والعملية، ويحرضهم على الاستمساك بها في غير ما آية.. أفلا تكون هذه النهاية بداية لمقصد جديد بعدها يراد به هداية المؤمنين إلى تعاليم الإسلام مفصلة؟ . بلى.. إن ذلك هو ما توحي به سياقة هذه النجوى المتواصلة، التي مدت في خطاب المؤمنين مداً، وحولت مجرى الحديث معهم رويداً رويداً، حتى صار كل من ألقى سمعه إليها ملياً، يسمع في طيها نداء خفياً: أن قد فرغنا اليوم من الأعداء جهاداً وأقبلنا على الأولياء تعليماً وإرشاداً، وأن قد طوينا كتاب الفجار، وجئنا نفتح كتاب الأبرار، وأن هذه الصفحة الأخيرة من دعوة بني إسرائيل لم تكن إلا طليعة من كتائب الحق، تنبئ أن سيتلوها جيشه الجرار، أو شعاعة من فجر الهدى سيتحول الزمان بها من سواد الليل إلى بياض النهار. ألا ترى الميدان قد أصبح خالياً من تلك الأشباح الإسرائيلية التي كانت تتراءى لك في ظلام الباطل تهاجمها وتهاجمك، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟) ص ١٨٩. وبعد؛ فإن لم أكن قد وفيت هذا الكتاب حقه من التعريف، فلا أقل من أن أكون قد أغريت القارئ بقراءته، وذلك حسبي.

стр. 44

مفهوم السببية عند أهل السنّة (٢) طارق عبد الحليم كان من أهم وأبرز النتائج التي ترتبت على ردة فعل الأشاعرة تجاه التطرف الاعتزالي في مسائل خلق الأفعال، والتحسين والتقبيح، وحدود الإرادة والقدرة الإنسانية إلى جانب المشيئة والإرادة الإلهية، ما سبق أن ذكرناه في الجزء الأول من المقال عن نفي الأشاعرة للحكمة الإلهية التي تصدر عنها أفعال الله سبحانه. فالله سبحانه - كما قالت الأشاعرة - (لا يفعل شيئاً لشيء، ولا يأمر لحكمة، ولا جعل شيئاً سبباً لغيره، وما ثم إلا مشيئة محضة، وقدرة ترجح مثلاً على مثل، بلا سبب ولا علة. كان ذلك ردًّا على الآراء الاعتزالية التي أكدت على الحكمة الإلهية و (أوجبت) على الله -سبحانه- فعل الأصلح لعباده، فأهدرت عموم المشيئة لصالح الحكمة، وأهدرت الأشاعرة الحكمة الإلهية لأجل عموم المشيئة، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [١] . وقد ترتب على ذلك النظر الأشعري في الحكمة والتعليل، أمران هامان كان لهما أكبر الأثر في صياغة العقلية الإسلامية خلال القرون اللاحقة. أولهما: الفصل بين العلة الشرعية والعلة العقلية [٢] : ذلك أن الكثير من أحكام الشرع قد ورد معللاً بعلل منصوص عليها، كما في قوله تعالى: [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً] [المائدة ٣٢] ، وقوله تعالى: [فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً] [الحاقة١٠] وفي الحديث عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ " من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء، فلما كان في العام المقبل قالوا: يارسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: " كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها " متفق عليه [٣] . (ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع) [٤] . ولذلك، كان من الصعب على الأشاعرة - بل على الظاهرية - إنكار العلة بإطلاق، فساروا في ذلك كل حسب ما أدته إليه مقدماته: - فالظاهرية: أقروا بالعلل المنصوصة وأنكروا العلل المستنبطة بطرق استنباط العلة المعتمدة في مناهج أهل السنة - والتي تنبنى على مفاهيم شرعية - إعمالاً لمبدئهم في الأخذ بظواهر النصوص. - والمعتزلة: قبلوا التعليل في الشرع والعقل جميعاً، وأطلقوه إطلاقاً عاماً ليس منه فكان إعمالاً لمبدئهم في عموم الحكمة الإلهية، وإهدارهم لمبدأ عموم المشيئة الإلهية. - والأشاعرة: أقروا بالعلة الشرعية المنصوصة والمستنبطة، على أنها ليست سبباً أو علة للفعل، بل على أنها " باعث " على الفعل، وأمارة دالة عليه وإن لم يكن سبب له [٥] ، وأنكروا العلل العقلية مطلقاً إعمالاً لمبدئهم في عموم الفعل مطلقاً - إلا بذلك الكسب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع - من جهة ولعموم الحكمة الإلهية من جهة أخرى. وتد تصور بعض الكتاب المحدثين أن الأشاعرة قد انطلقوا في تصورهم ذاك من الموقف القرآني الذي توهموه أنه " في مواضع عديدة منه ينكر العلة ويتحدى الأسباب، وينكر الصعود إليها) [٦] (كذا) ! إلا أننا نرى أن ذلك التصور لا يتوافق ... مع ما رأيناه من نشأة تلك المباحث أصلاً، وما أثر في الفكر الأشعري حتى وصل به الى تلك النتائج المؤسفة.. إذ إن القرآن كله - على عكس قول القائل - دال على إثبات الحكمة والسبب إثباتاً لا ينكره أحد من المنصفين. الثاني: تفسير العلل والأسباب بحكم " العادة ": ذلك أن التلازم الذي لا تنكره الفطر السوية بين السبب ونتيجته لا يمكن جحده جحداً ظاهراً إلا من أخرق أو سوفسطائي مشكك.. أما الأشاعرة فقد ذهبوا في إنكار تلك العلاقة بين السبب ونتيجته - أو العلة ومعلولها - إلى أن ذلك التتابع بينهما إنما هو من تصورنا لاغير، فهو " تلازم في الحدوث " وليس تلازماً ناشئاً عن الارتباط بينهما وبمعنى آخر هو إلف العادة التي نشأنا عليها أن نرى النار تشتعل في الورق ثم نرى الورق يحترق، فالاحتراق ليس ناشئاً عن النار، بل هو حادث عند حدوثها فقط (كذا) ! ! . والنار لا دخل لها بالإحراق إنما الله -سبحانه- يخلق الاشتعال، ويخلق عنده الاحتراق كلٌ منفصل عن الآخر، لا الاحتراق ناشيء عن النار، ولا النار تسبب الاحتراق! وهكذا في سائر الظواهر الطبيعية كتلازم الشرب والري، والأكل والشبع. وقد كانت أدلة الأشاعرة على ذلك الأمر، أغرب من أقوالهم ذاتها، إذ قالوا: أليس الله -سبحانه- يقدر على خلق الشبع في الإنسان، دون أن يأكل وأن يحرق إنساناً دون أن تشتعل فيه نار، أو أن يشعل ناراً دون أن يحرق بها الناس.. ألم يحدث ذلك مع إبراهيم ﵇! ؟ فهذا يعني - بالضرورة عندهم - أنه لاسبب ولا علة للحوادث بل هو مجرد التلازم وإلف العادة، وإثبات المشيئة الإلهية والقدرة الربانية العامة المرافقة للخلق في كل صغيرة وكبيرة على حساب الحكمة الإلهية التي شاءت فعل الأحكم والأصلح، لكمال الذات الإلهية التي يناسبها فعل الأحكم والأصلح عن عدم فعله أو عن الفعل غير المعلل ابتداء. وقد نقل علي النشار قول الغزالي في تهافت الفلاسفة - مؤيداً له - حيث قال: (واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى ترسخ في أذهاننا جريانها على ... وفق العادة الماضية ترسخاً لا تنفك عنه) . (إن من المسلم به أن النار خلقت بحيث إذا تلاقت مع قطنتين متماثلتين أحرقتهما ولم تفرق بينهما، طالما كانتا متماثلتين من جميع الوجوه، ولكن مع هذا يجوز أن يلقى شخص في النار فلا يحترق، فقد تتغير صفة النار أو تتغير صفة الشخص) . والملاحظ أنه قوله، فقد تتغير صفة النار أو صفة الشخص، رجوع عن مبدئه كلية، إذ في هذا إقرار بأن صفة الشخص الأساسية هي أن يحترق بالنار وأن صفة النار الأساسية أنها تحرق الشخص، ولا يعني هذا إطلاقاً أن النار أساساً لم تخلق لتحرق، أو الناس لا يحترقون ابتداءً بالنار، كما أنه لا يعني أن الله - سبحانه- لم يخلق فعل الاحتراق في الشخص، أو فعل الإحراق في النار رغم أن ذلك ممكن عند إرادة الله -سبحانه- أن يحدث معجزة أو كرامة ولكن ذلك يكون خرقاً مقصوداً مؤقتاً للنواميس العادية التي جبلت عليها المخلوقات.. ونحن نرى أن النشار قد اندفع وراء أشعريته بعيداً عن النهج القويم في النظر والاستدلال الذي تناوله بالبحث والدرس في " مناهج بحثه " التي استقصاها عند مفكري المسلمين! ! ومما لاشك فيه أن إهدار مفهوم النتائج عن أسبابها أدى إلى أبشع النتائج وأخطرها على العقلية الإسلامية خلال القرون الماضية، لما في ذلك من إهدار عام لقيمة العلم التجريبي بل والنظري معاً، كما سنرى في حديثنا عن الآثار التي ترتبت على انتشار مثل تلك المفاهيم. الصوفية والأسباب: لم يكن الأشاعرة أو المعتزلة وحدهما الذين خاضوا معترك الحديث في الأسباب والعلل، أو الكلام في القدر وحدود الإرادة الإنسانية وحريتها وما ترتب على ذلك من قضايا، بل شاركت في ذلك فرقة واكب ظهور أوائل روادها حوالي منتصف القرن الأول الهجري، ثم تطورت مفاهيمها بعد ذلك -من منتصف القرن الثاني -إلى أن وصلت حد الغلو والتطرف - بل في بعض آرائها التي دعا إليها نفر من كبار مشايخها - إلى حد الكفر والمروق ونعني بها فرقة الصوفية، التي أدلت بدلوها في موضوع العلة والسبب بما يتناسب مع الخط العام لفكرها ومنهاجها، فكانت تلك الآراء من أهم العوامل التي أدت إلى إهدار قيمة الأخذ بالأسباب في المجتمع الإسلامي، وبالتالي من عوامل الهدم التي عملت في ... جنبات الحياة الإسلامية حتى أدت بها إلى الانحطاط والركود والتخلف. تناولت الصوفية مفهوم السبب من منطلق تصوراتها لثلاثة أمور: أولاً: مفهوم القدر. ثانياً: مفهوم التوكل. ثالثاً: مفهوم الركود والولاية. أولاً: القضاء والقدر عند الصوفية: استغرق الصوفية في معاني توحيد الربوبية، والتأمل في الأسماء والصفات حتى شذوا في تلك المعاني، وخرجوا بها عن المقصود منها كتعبير عن كمال الله سبحانه وجوانب عظمته وقدرته وسائر صفاته، وما تضفيه تلك المعاني على المسلم من مشاعر المحبة والتوكل والخضوع وتمام الاطمئنان لحكمة الله وقدرته -سبحانه- وهو ما يستلزمه توحيد الألوهية والقيام بحق العبادة على وجهها الأكمل في كافة جنبات الحياة الإنسانية. كان لذلك الاستغراق في معانى توحيد الربوبية والشطط والغلو في مفاهيمها ومراميها، أن خلطت الصوفية في مسألة القدر الإلهي وحدود الإرادة الإنسانية التي أتاحها الله للإنسان ليجعله بها مكلفاً، ومعرضاً للثواب والعقاب، ولم يميزوا بين إرادة الله النافذة التي لا يقع شيء في الكون مخالفاً لها، وبين إرادته التي بيّنها في أمره ونهيه، حسب ما يحبه ويرضاه، أو يكرهه ويأباه، فأخذوا بقول الجبرية في أن الإنسان كالريشة في مهب الريح، مسيّر بإرادة الله تعالى دون إرادة منه أو استطاعة، والمؤمن الحق - عندهم - هو من يشهد هذه الحقيقة، ويرى قدر الله النافذ فيه وفي الناس حين يفعلون الخير أو يأتون الشر، بل تطرف بعضهم فذهب إلى أن الكافر حين يكفر فهو يسير علي القدر الإلهي السابق، وهو مطيع لله بكفره! والكوارث والمجاعات والمصائب والمظالم التي تصيب الناس، لا داعي للتخلص منها أو إزالتها، والاستسلام لها هو عين الاستسلام لقدر الله النافذ والخضوع لمشيئته، وهو قمة الإيمان والتوحيد، ولا يخفي ما في هذا التصور من ابتعاد عن الله، وتهديد للوجود الإسلامي أصلاً. ثانياً: الصوفية ومفهوم الكرامة: كان لإلغاء دور العقل في الحياة الإنسانية- بما زعموه من أن تربية الروح هي مقصودهم الأول والأوحد - أثر واسع في التعلق بالكثير من الخرافات والخروج بالعديد من الظواهر الدنيوية أو الشرعية عن حدودها المعلومة والصحيحة، استنامة للأحلام التي يهيم فيها (العاشقون) المتدرجون في مراتب الشوق والدهشة والانبهار وما إلى ذلك من مسالك لا يدركها إلا السالك! ومن تلك ال ظواهر ظاهرة الكرامة التي يختص الله - سبحانه - بها بعضاً من عباده الأتقياء الأولياء على الحقيقة، فيجري على أيديهم ما يخرق العادة الجارية والعلل السائرة إكراماً لهم، وتثبيتاً لإيمان بعض من يحتاج إيمانه إلى ذلك التثبيت، وإظهاراً لعموم القدرة الإلهية التي خلقت النواميس، والتي تقدر على خرقها في أي وقت شاءت. والصوفية -ولله الحمد من قبل ومن بعد - أولياؤهم عديدون، ودرجة الولاية تنال عندهم بلبس الخرق والمرقعات، والسلاسل والرقص في الحضرات، وحفظ الأوراد المبتدعة والإتيان بالأفعال الشاذة.. والكرامة متاحة للعديد منهم بمناسبة وبدون مناسبة، بحق أو بباطل، لوليّ أو دعيّ طالما هو سائر على دربهم ذاك. هذا يخطو خطوة فينتقل من الشام إلى الكعبة فيزور البيت ويعود إلى مجلسه من ساعته، وذاك يخرج إلى الصحراء دون عدة أو عتاد فيلاقي الوحش فينفخ فيه فيكون كالقط الأليف وذاك يخرج للحج فإذا به يرى الكعبة قادمة في الطريق فيسألها إلى أين هي ذاهبة (أي الكعبة؟) فتقول (الكعبة كذلك!) إلى فلانة العابدة لتطوف بي ثم أعود! ! وهناك إحدى الروايات التي يرددها أهل بعض القرى في صعيد مصر عن عائلة من العائلات التي يتوارث أولادها الولاية عن آبائهم، وكيف أن أحد أطفال هذه العائلة أوقف قطاراً مندفعاً بيده ليركب فيه! ! أي والله يحكيها الكبير المتعلم قبل الغر الجاهل! وليرجع القارىء - إن شاء- إلى رسالة للقشيري أو إحياء علوم الدين للغزالي أو غير ذلك من الكتب المملوءة بمثل تلك الروايات. إذن فما حاجتنا للسيارات والطائرات؟ ! وما الداعي لاقتناء آلات الحرب أو الدفاع؟ ! وما الدافع إلى الخروج بحثاً عن الرزق والزاد وعمارة الدنيا، والبحث عن مكنونات الطبيعة وأسرارها المودعة فيها لصالح المسلمين وإعلاء كلمة الدين.. الأمر أهون من ذلك، فإنما هي صفقة باليد فإذا التخت ممدودة والموائد معمورة والمسافات قد قصرت، والأفكار قد اندفعت.. فحسبك أن تلبس الخرقة، وترقص بالحضرة! ! ! قل لي بالله عليك - أيها القارىء العزيز - أي إهدار لقيمة اتخاذ الأسباب أكبر من ذلك؟ وأي محاولة للقضاء على الكيان الإسلامي أبعد أثراً من تلك المحاولة. ثالثاً: الصوفية والتوكل: كان من نتيجة ما رأينا من الأفكار الصوفية عن مسائل القدر والكرامات والاستغراق في توحيد الربوبية بجهل وابتداع دون النظر إلى ما يستلزمه من حق العبادة، أن اضطرب لدى الصوفية مفهوم التوكل على الله.. واستحال إلى التواكل والاستنامة والبعد عن العمل واتخاذ السبب، فصحة التوكل - عندهم - لا تكتمل إلا بالنظر إلى مسبب الأسباب -سبحانه-، وقطعوا النظر إلى الأسباب ذاتها والانفضاض عنها.. وكلما ترقى المسلم الصوفي في مدارج الطريق كلما ازداد بعداً عن الأخذ بالسبب مطلقاً، بل إن النظر إلى الأسباب هو تلبيس من الشيطان على أهل التفرقة، فيجعلهم يعدّدون في المصدر والسبب، ويرون أن للأفعال أسباباً ظاهرة ناشئة عنها فالري لا يحدث إلا بالشرب مثلاً.. وهو وهم من أهل التفرقة، وتلبيس عليهم فالري يحدث بالشرب أو بدونه كما في الكرامة، أو إذا صح التوكل - دون اكتساب لذلك - كما أن فعل الطاعات أو الإقامة عليها ليس نتيجة عمل الشخص بل هي منسوبة لله تعالى، سواء فعله أو الإثابة والعقاب عليه، وإضافة فعل الطاعة للعبد تلبيس على أهل التفرقة! وغير ذلك كثير من الخلط والاضطراب والابتداع الذي كان له ولاشك أكبر الأثر في صياغة تلك العقلية الإسلامية التي يعاني منها الوجود الإسلامي في العصر الحاضر، والتي كانت سبباً مباشراً- ولو كره نفاة الأسباب! - في تلك الأمراض، والعلل التي يعاني منها المسلمون في هذا العصر.

стр. 45

خواطر في الدعوة بين القوة والضعف أبو أنس من السهولة على كثير من الناس معرفة الخير والشر، فإن الفرق بينهما واضح لكل ذي فطرة سليمة، بل إن اتباع الخير أيسر على النفس من تعمد الشر، ولكن معرفة خير الخيرين واتباع أعلاهما، ومعرفة شر الشرين والسكوت أو الاضطرار لفعل أدناهما دفعاً لأعلاهما فهذا هو الفقه الدقيق الذي يحتاجه المسلم، خاصة إذا كثر الدَّخَن، واضطربت المفاهيم، وكثرت الاجتهادات دون علم ينير الطريق ويوضح المحجة.. والمسلم مضطر للعيش في هذه الأجواء، التي يختلط فيها الحق والباطل ويكثر فيها الشر مع وجود الخير، فكيف يكون منسجماً مع نفسه ومع مبادئه التي يحملها ولا يقع في التناقض والحيرة، ويصبح ممزق الشخصية بين الواقع والمثال. هنا يظهر مصداق حديث رسول الله ﷺ : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " فالفقيه حقاً هو من يجنب نفسه والمسلمين الالتفاف حول النصوص والأخذ بالرخص الملفقة، كما يجنب نفسه والمسلمين العنت والحرج المتعارض مع الحنيفية السمحاء. إن سهولة انتشار كتب العلم في هذا العصر، جعل بعض الناس يقرأ الكتاب والكتابين، ثم يستنبط ويستخرج الأحكام من غير أن يكون على دراية تامة ومعرفة بأسرار الشريعة وحكمتها في التدرج بالناس ومراعاة المصالح ومعرفة أسباب اختلاف العلماء، ومن غير أن ينظر بعين البصيرة إلى تطور مراحل الدعوة والدولة، وكيف كانت تتنزل الأحكام. والذي يطالب المسلمين بتطبيق تفاصيل الشريعة، كالتميز عن الكفار في كل شيء أو تطبيق ما جاء في سورة براءة من قتال المشركين كافة والمسلمون في حالة ضعف، فهذا لم يفقه الإسلام الفقه الصحيح. ومن الأدلة على أن بعض الأحكام تختلف بين حال القوة والضعف: ١- ما جاء في قصة صبيغ بن عِسل أنه كان يسأل عن تفسير [وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وقْراً ... ] الآيات، يفتش بذلك عن المعضلات ويتتبع المتشابه، وسمع به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فدعا الله أن يمكنه منه، فلما حضر بين يديه وتأكد له أنه يسأل عن هذه الأشياء أمره بوضع عمامته فإذا له وفرة، فقال له: (لو رأيتك محلوقاً لضربت عنقك) ، لقد خشيَ عمر أن يكون هذا الرجل من ... الخوارج الذين وردت الأحاديث بذمهم وأن من علاماتهم التحليق، وكان عمر سيقتله لو تأكد له أنه من هذه الفئة مع أن الرسول ﷺ لم يقتل ذي الخويصرة التميمي عندما انتقد قسمته لغنائم حنين وقال له: (إنك لم تعدل) فقال ﷺ : (ويلك من يعدل إذا أنا لم أعدل!) ، فيُعلم أن العفو عن الخوارج كان في حالة الضعف والاستئلاف [١] .. ٢- إن الحال التي أخبر الله -سبحانه- أن المسلمين يسمعون أذىً من الذين أوتوا الكتاب والمشركين نسخت عند بعض العلماء بحال القوة والأمر بقتالهم، وبعض الناس يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال، ولاخلاف أن النبي ﷺ كان مفروضاً عليه لما قوي أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب والمشركين ومظهري النفاق من العفو والصفح إلى قتالهم وإقامة الحدود عليهم سواءً سميّ هذا نسخاً أو لم يُسَمَّ) [٢] . ٣- احتمل الرسول ﷺ من المنافقين أذاهم قبل نزول براءة ما لم يحتمل من أذى الكفار وهو بمكة ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة [٣] . ٤- إن الآيات مثل [وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً] [الفرقان: ٦٣] ، [وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [البقرة: ٢٣٧] ، [وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ] [القصص: ٥٥] ، إن هذه الآيات لا دليل على نسخها بالآيات التي تدعو إلى قتال المشركين والغلظة عليهم، وأمثال ذلك مما وردت به السنة النبوية، ولا يقول بالنسخ إلا من يتوهم التعارض في ذلك، ممن خفي عليه حسن اختلاف الأمرين عند اختلاف الحالين، ولذلك أنزل الله الكتاب والحديد وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة والملحمة [٤] . ولا يظن ظان أن اختلاف الأمرين عند اختلاف الحالين هو تغيير لأحكام الله أو انحراف بها عما وضعت له، فالأحكام الثابتة المفروضة لا تتغير إلى يوم القيامة، ويبقى هناك أمور يراعى فيها حال المسلمين من الضعف أو القوة في كل عصر، ولا يعقلها إلا العالمون..

стр. 46

الخصائص الأخلاقية والسلوكية لأهل السنة والجماعة اختيار: محمد المصري تمهيد: هذه مختارات مما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية، توضح بعض خصائص أهل السنة والجماعة، والمميزات الاعتقادية، والأخلاقية، والسلوكية لهم، اختيرت بعناية، وعلّق عليها بتعليقات ربطت بين فقراتها، وألقت بعض الضوء على مناسباتها ومواطن الاستشهاد بها. وسنعرض للمواصفات العامة لأهل السنة والجماعة في حلقة قادمة إن شاء الله. التحرير أهل السنة والجماعة هم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولا شك أن أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة - من الرحمة ومحبة الخير للناس واحتمال أذاهم، والصبر على دعوتهم إلى آخر ذلك.. - هي المنبع الذي يستقي منه أهل السنة خصائصهم السلوكية والأخلاقية، والتي لا تقل أهمية - في منظور الحق - عن ميراث العلم والهدي الذي اختص به الله هذه الفرقة الناجية بفضله ورحمته. الرسول ﷺ بعثه الله تعالى هدىً ورحمةً للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية.، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله فبعثه بالعلم والكرم والحلم: عليم هاد، كريم محسن، حليم صفوح. فهو يعلم ويهدي ويصلح القلوب، ويدلّها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض، وهذا نعت الرسل كلهم وهذه سبيل من اتبعه، وكذلك نعت أمته بقوله: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون - يبذلون أنفسهم وأموالهم - لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك لجهلهم، كما قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! .. إلى آخر كلامه. وهو يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها، وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، وقد قيل أيضاً: وقد يحب الشجاعة ولو على قتل الحيات، ويحب السماحة ولو بكف من التمرات) ج ١٦ ص ٣١٣-٣١٧. وأهل السنة والجماعة في أخلاقهم وسلوكهم يأتمون بالكتاب والسنة، سواء في علاقتهم مع بعضهم، أو مع غيرهم. (يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمرِّ القضاء ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا "، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه من هذا أو غيره، فإنّما هم فيه متَّبعون للكتاب والسنة) ج ٣، ص ١٥٨. وأهل السنة لذلك هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا هو الأصل الأول والقاعدة العظيمة التي جعلتهم خير أمة أخرجت للناس، ولكنهم يقومون بذلك على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في الوقت نفسه أملاً آخر وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف القلوب واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف. (يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحجج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء - أبرارًا كانوا أم فجارًا - ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمّة، ويعتقدون معنى قوله - ﷺ : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " وشبّك بين أصابعه ﷺ وقوله ﷺ : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ج٣، ص١٥٨. (ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عمّا نهى الله عنه ورسوله ﷺ ) ج ٣، ص ٤٢٣. (ويزن جميع ما خاض الناس فيه، من أقوال وأعمال، في الأصول والفروع الباطنة والظاهرة بكتاب الله وسنّة رسوله غير متبعين لهوى: من عادة أو مذهب أو طريقة أو رئاسة أو سلف، ولا متبعين لظن: من حديث ضعيف أو قياس فاسد - سواء كان قياس شمول، أو قياس تمثيل - أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله وعمله، فإنّ الله ذم في كتابه الذين يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم من الهدى) ج ١٢ ص٤٧٦. فأهل السنة والجماعة، إذن، ولاؤهم الأول للحق وحده، ومن هذا المنطلق فإنهم ينظرون إلى كل فرد، أو طائفة، أو تجمع، على هذا الأساس وحده، وليس على أساس من التعصب الجاهلي للقبيلة، أو المدينة، أو المذهب، أو الطريقة، أو التجمع، أو الزعامة. (وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علّق الله بها ذلك، مثل: أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته، من أي صنف كان. ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان. ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، بمنزلة الفساق في الإيمان والدين، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة) ج ٢٨، ص ٢٢٧- ٢٢٩. وأهل السنة والجماعة لذلك يوالي بعضهم بعضًا، ولاءً عامًا -بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة لحزب، أو جماعة، أو اتجاه، أو اجتهاد معين- بل الأصل أن يكونوا جميعًا، يدًا واحدةً، ويعذر بعضهم بعضًا، ولا يسارعون إلى اتهام أو تضليل بعضهم بعضًا. (الواجب أن يقدّم من قدّمه الله ورسوله، ويؤخّر من أخّره الله ورسوله ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي به الله ورسوله، وأن يكون المسلمون يدًا واحدةً، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين؛ فليس كل من أخطأ يكون كافرًا، ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة الخطأ والنسيان) ج ٣، ص٤٢٠. وأهل السنة والجماعة لا يمتحنون الناس بأمور ما أنزل الله بها من سلطان ولا يتعصبون لأسماء، أو شعارات، أو تجمعات، أو زعامات، بل يوالون ويعادون على أساس الدين والتقوى، ولا يتعصبون إلا لجماعة المسلمين، بمعناها الحقيقي، وهي الجماعة التي ترفع راية القرآن والسنة، وهدي السلف الصالح -رضي الله عنهم-. ( ... بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها - مثل انتساب الناس إلى إمام، كالحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخٍ، كالقادريِّ والعدويِّ ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل، كالقيسيِّ، واليمانيِّ، وإلى الأمصار، كالشاميِّ، والعراقيِّ، والمصريِّ- فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء، ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم، من أىِّ طائفةٍ كان) ج ٣، ص ٤١٦. (فكيف يجوز - مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفةً ويعادي أخرى، بالظن والهوى، بلا برهانٍ من الله تعالى وقد برّأ الله نبيه ﷺ ممّن كان هكذا فهذا فعل أهل البدع كالخوارج، الذين فارقوا جماعة المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم. وأمّا أهل السنة والجماعة، فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه! ... وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة، لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! وهذا التفريق الذي حصل من الأمة: علمائها، ومشايخها، وأمرائها، وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله. فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب) ج ٣، ص ٤١٩ -٤٢١. وأهل السنة والجماعة يعملون دائمًا في إطار من الاجتماع والتآلف ومحبة الخير لكل المسلمين، والعفو والتجاوز عن إساءة المسيء، وخطأ المخطيء، ودعوته إلى الصواب، والدعاء له بالهداية والرشاد والمغفرة. (تعلمون أن من القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: [فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة. وجماع السنة، طاعة الرسول. وإني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين -فضلاً عن أصحابنا- بشيءٍ أصلاً؛ لا باطنًا، ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال، والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كلٌ بحسبه، ولا يخلو الرجل، إمّا أن يكون مجتهدًا مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً. فالأول؛ مأجور مشكور، والثاني؛ مع أجره على الاجتهاد، فمعفوٌ عنه، مغفورٌ له، والثالث؛ فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين ... وتعلمون أنّا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجبٌ علينا نصر بعضنا البعض، أعظم مما كان وأشد.. وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم) ج ٢٨، ص ٥٥-٥٧.

стр. 47

مواقف " الملأ " من الدعوة إلى الله عثمان جمعة ضميرية عندما تأذّنت إرادة الله تعالى أن يجعل هذا الإنسان خليفة في هذه الأرض، وأهبط آدم إليها، زوّده الله تعالى بكل ما يحتاجه لعمارة هذه الأرض للقيام بأعباء الوظيفة التي خلقه الله تعالى من أجلها، ورسم له منهج حياته ليحقق له السعادة الكاملة، وليقوم بالقسط والعدل: [وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] [الحديد: ٢٥] . وبذلك رسم الله تعالى لهذا الإنسان طريق الهداية المستقيم، فقد خلقه الله تعالى في أحسن تقويم: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] [التين: ٤] وفطره على التوحيد والإسلام، وأخذ عليه العهد والميثاق ليؤمننَّ بالله ربه: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْق اللهِ] [الروم: ٣٠] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسّون فيها من جدعاء؟) ، ثم يقول أبو هريرة رضى الله عنه [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] [١] .. وألهمه - سبحانه - طريق الخير ليسلكه، وعرّفه طريق الشر ليجتنبه: [ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٧-١٠] . وبذلك جعل الله تعالى للإنسان هاديًا في داخل نفسه يميز فيه بالإلهام الإلهي بين الأفكار الصالحة والسيئة، والأعمال الصحيحة والباطلة، ويهدي الإنسان إلى الطريق السوي في الأفكار والأعمال. ولكن لما كانت هداية الفطرة غير كافية، وكانت - لاقترانها بكثير من القوى الفكرية والخارجية التي تعمل على ترغيب الإنسان في أعمال الشر والمعصية، وتزينها في نظره، وتجذبه إليها جذباً عنيفاً - غير كافية في جعل الإنسان يميّز بين صراط الحق المستقيم وبين الطرق المعوجّة المتعددة ويسلكه آمنا مطمئنًا، فإن الحق أراد الرحمة بالإنسان وتدارك فيه هذا النقص من الخارج، بأن أرسل إليه رسله ليساعدوا هاديه الباطني بنور العلم والمعرفة، ويوضحوا له بالآيات البينات ذلك الإلهام الفطري المبهم الذي يتضاءل نوره في ظلمات الجهل وهجمات القوى الضالة في داخل النفس البشرية وخارجها [٢] . ومن رحمة الله - سبحانه - بعباده أنه لا يحاسبهم بمقتضى هذه الفطرة العامة وإنما يحاسبهم بعد إرسال الرسل: [رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] [النساء: ١٦٥] . [ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] [الإسراء: ١٥] وبذلك تنقطع حجة أولئك الذين يريدون الاعتذار عن شركهم أو عدم التزامهم بدين الله تعالى ومنهجه: [أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ (١٧٣) وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] [الأعراف: ١٧٢-١٧٤] . أعلام الدعوة إلى الله: وتتابعت رسل الله تعالى إلى البشرية تدعوها إلى دين الله ومنهجه، وتجعلها على الجادة من الطريق: [ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ] [المؤمنون: ٤٤] وتضافرت جهود الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، على الدعوة إلى دين الله الذي لا يقبل من الناس سواه، وحملوا كلهم راية التوحيد، وهتفوا جميعاً بقومهم: [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: الآيات ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥] . وقد قرر الله هذه الحقيقة قاعدة عامة في دعوة كل الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، بعد أن ذكرها على لسان كل منهم [٣] ، فقال: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٢٥] [ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] [النحل: ٣٦] طبيعة دعوة الرسل وآثارها: وهذه الدعوة التي جاء بها رسل الله تعالى هي دعوة إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة بكل أنواعها، لله الواحد الأحد، وهي تنديد بالكفر والشرك وأهلهما، ودعوة إلى اجتناب الأوثان والطواغيت، مهما تعددت أشكالها وألوانها وصورها، ودعوة إلى إسقاط الأقنعة الزائفة التي يتستر وراءها أولئك الذين يتسلطون على رقاب العباد وأموالهم، ويزعمون لأنفسهم حق السيادة عليهم، وحق التشريع لهم والطاعة والاتباع. وإن هذه العقيدة، وهذا الإيمان بالله -سبحانه- وبأنه هو وحده الإله الحق الذي ينبغي أن يعبد وأن يطاع وأن يكون له الأمر والنهي، لأنه وحده هو الخالق: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف: ٥٤] . وأن كل ما عداه، من الآلهة التي يعلق الناس عليها آمالهم ويعكفون حولها، إنما هو زيف وباطل، وأن الله هو مالك الملك المتصرف بكل شيء: [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ٢٦] . وأنه هو وحده القادر الرازق المحيي المميت، مقدّر الآجال، وإليه المرجع والمصير، وأن ما عداه، مما يدعو الناس من آلهة وما يخافون في الأرض من دون الله إنما هو زيف وضلال وغثاء [٤] : [لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِن ظَهِيرٍ] [سبأ: ٢٢] . هذه العقيدة الواضحة الناصعة، تكشف الحقيقة، وتزيل الغشاوة عن العيون، وتهتك الأقنعة التي يختبئ وراءها الطغاة، وتقوّض عقائدهم، وتزلزل عروشهم، وتكشف زيفهم، فهي خطر عظيم يهدد سيادتهم، ويقلق أمنهم وراحتهم، ويقلب الأوضاع التي تعارفوا عليها، والقيم والتقاليد التي توارثوها عن آبائهم وأسلافهم جيلاً بعد جيل، وتنزع منهم السلطان الذي يتسلطون به على رقاب العباد فيذلونهم ويحتقرونهم، ويتسلطون به على أرزاقهم وأموالهم، فيأكلون بالباطل والإثم والعدوان. هذه العقيدة تجعل الناس كلهم سواسية أمام الله تعالى، لا يتمايزون بالأنساب ولا يتخايلون بالألقاب.. السادة والعبيد سواء.. لا يتفاضلون إلا بالإيمان والتقوى ولا يتمايزون إلا بالسبق والبلاء، فالكل خلقوا من أصل واحد ويعبدون رباً واحدًا: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً] [النساء: ١] . [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] . من الواقع التاريخي: ولقد عبر عن تلك المعاني كلها ربعي بن عامر، وحذيفة بن محصن، والمغيرة بن شعبة ﵃، وظهر في كلامهم لرستم قائد الفرس أثر هذه الدعوة في النفوس: قال رستم لربعي بن عامر ﵁: ما جاء بكم؟ . قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبداً، حتى نُفْضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات على قتال مَنْ أبى، والظفر لمن بقي. ولما سأله رستم، بعد نقاش: هل أنت سيد قومك؟ . قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم. وفي اليوم الثاني بعثوا اليهم حذيفة بن محصن ﵁، فجاء حتى وقف على بساط رستم، فقال له: ما جاء بكم؟ . قال: إن الله منّ علينا بدينه وأرانا آياته، حتى عرفناه، وكنا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء (الجزية) ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة.. فلما كان من الغد أرسل رستم إلى المسلمين: ابعثوا لنا رجلاً، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة، فأقبل المغيرة والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غلوة (قدر رجعة السهم) لا يصل إلى صاحبهم، حتى يمشي غلوة.، وأقبل المغيرة حتى جلس على سريره ووسادته فوثبوا عليه وأنزلوه وضربوه ضرباً ليس شديداً، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أَسْفَه منكم! إنّا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضاً إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض. وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول. فقال السِّفْلَة [٥] : صدق والله العربي، وقال الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أوّلينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغِّرون أمر هذه الأمة. ثم تكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه، ورد على رستم كلامه.. ثم ذكر مثل الكلام الأول [٦] . تلكم هي كلمات ربعي وإخوانه، ﵃، صدى على طريق الدعوة إلى الله، تنير الطريق أمام الناس وتفتح عقولهم وقلوبهم، فلا عجب أن ينزع إليها العبيد وعامة الناس في فارس من بطانة رستم، وأن يخافها دهاقين فارس، أي الرؤوساء فيها المتسلطون على أولئك العبيد! الناس أمام الدعوة أصناف: ولو رحت تستقرىء أخبار الرسل ودعواتهم، وتتقص تاريخ حركات الإصلاح، لوجدت أن مواقف الناس من الدعوة لا تخرج عن ثلاثة مواقف لثلاثة أصناف من الناس: أ- الصنف الأول: وهم أولئك الذين طهّر الله تعالى نفوسهم من الكبر والغرور، وفتح قلوبهم للهدى والخير فعقلوا ذلك عن الله ورسوله، وأبصروا أمام الطريق، وآمنوا بالحق المبين وعاشوا من أجله، وضحوا في سبيله بالنفس والنفيس، فإن الحق قد ملك عليهم نفوسهم، فهم لا يتحركون إلا بدافع الحق الذي آمنوا به وعاشوا به وله وهذا الإيمان هو النور الذي يضيء لهم الطريق في الحياة فيسلكونه آمنين مطمئنين، [الَذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ١٨٢] . وهؤلاء هم الذين تولاهم الله برعايته وبصرهم الطريق، فأخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان: [اللَّهُ ولِيُّ الَذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ] [البقرة: ٢٥٧] . فلا عجب بعد هذه العناية والرعاية من الله تعالى لما رأى منهم الاستعداد للإيمان أن يكونوا من السابقين الذين يسارعون إلى الإيمان بدعوات الرسل ويناصرونها، وأولئك هم المقربون، فضلاً من الله ونعمة: [والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ] [الواقعة: ١٠-١٢] . وقد نوه الله تعالى بمواقف أولئك المصدقين المسارعين إلى الإيمان السابقين إليه، فقال عن الذين آمنوا بصالح ﵊: [قَالَ الملأ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ] [الأعراف: ٧٥] . وقال عن لوط عندما سارع إلى تصديق أبي الأنبياء والإيمان به، عليهما السلام: [فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إلَى رَبِّي إنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [العنكبوت: ٢٦] . وقال عن الحواريين الذين آمنوا بعيسى ﵇، وأسلموا معه لله رب العالمين: [وإذْ أَوْحَيْتُ إلَى الحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ] [المائدة: ١١١] ، [كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَت طَّائِفَةٌ] [الصف: ١٤] ، وقد امتدح الرسول ﷺ مواقف السابقين إلى دعوته، المسارعين إلى الإيمان به، فقال مثلاً عن أبي بكر الصديق ﵁: (يا أيها الناس إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي) [٧] . وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش " [٨] . ب -الصنف الثاني: أولئك الذين امتلأت نفوسهم كبراً وغروراً، ومردوا على الشقاق، واستعلوا في الأرض بغير الحق.. أولئك هم الذين ماتت ضمائرهم، وقست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فأشربوا الكفر والعناد بطغيانهم، فوقفوا بكل عناد يعارضون دعوات الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ويحاربونها بكل وسيلة يمكن أن تتفتق عنها عقولهم الشيطانية الماكرة، ولن تستطيع نفوسهم هذه أن تصغي إلى كلمة الحق المجردة، ولن يسمحوا لها أن تطرق آذانهم، وقوم نوح مثلٌ صارخ على ذلك: [وإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً] [نوح: ٧] بل إنهم يصرفون الآخرين عن الدعوة، وعن الحق، لئلا ينعموا به: [وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت: ٢٦] . إنهم يتآمرون ويمكرون ويكيدون: [ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وداً ولا سُوَاعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً] [نوح: ٢٢ - ٢٣] ، [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وأَكِيدُ كَيْداً] [الطارق: ١٥-١٦] . أولئك هم الملأ الذين يتصدون لدعوات الرسل، عليهم الصلاة والسلام بالإعراض والتكذيب والحرب المشبوبة المتنوعة الوسائل والأهداف، هم ومن يتبعهم من الرعاع: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [الصف: ٨] . ج - الصنف الثالث: وهم الذين لم يكن لهم إيمان الصنف الأول وأخلاقه العالية ونفسه الطيبة التي تدفع إلى الإيمان، ولم يكن لهم جرأة الصنف الثاني المكذبين للدعوات، ولكنهم شر منه، يشتركون معهم في خبث النفس وفساد الفطرة والطوية والحنق على الرسل، ويمتازون عنهم بالجبن والخور وضعف القلب، فلا يستطيعون أن يصارحوا بأنهم العدو اللدود، ولا أن يظهروا أمام المؤمنين بذلك المظهر فيضطرهم ض عف عقيدتهم وفقدانهم للجرأة أن يداروا ويواربوا، فيكونون بين الصديق والعدو والمناصر والمحارب، إذا رأوا المؤمنين أظهروا لهم الإيمان، وإذا لقوا الكافرين قالوا لهم: إنّا معكم [٩] . وأولئك هم المنافقون الذين قال الله تعالى عنهم: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ * وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ] [البقرة: ٨ - ١٦] الصنف الثاني فريقان: وإذا عدنا إلى الصنف الثاني الذي يكذب بدعوة الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ويناصبها العداء نجد أنه ينقسم إلى فريقين: اً - السادة والأشراف أو الملأ من القوم. ب -الأتباع أو الضعفاء الذين يتبعون الملأ المستكبرين. كلاهما يكذب بدعوة الرسول، ويصد عنها ويعرض، ولكن الذي يأخذ زمام المبادرة ويحمل راية التكذيب والعصيان ويلوحون بها للناس لينضموا إليهم، هم الملأ والسادة. أما الأتباع والضعفاء، فإنهم ينقادون لهم ويسيرون في القطيع، يهتفون باسم السادة ويصفقون لهم، ويؤمنون على كلماتهم، ويطيعونهم فيما يأمرون، ويصدقونهم فيما يخبرون ويفترون، ويؤمنون بما يزيفون لهم ويزورون، فإنهم اعتادوا على الذل والخنوع، فلن يجرؤوا على رفع رؤوسهم عالية أمام السادة والكبراء، ولن يرتفعوا بنفوسهم إلى آفاق عالية لأنهم اعتادوا العيش في السفح، واستمرؤوا الذل والعبودية الخانعة، وكرهوا الحرية. ولكنهم لا يلبثون طال الوقت أم قصر أن يتحسسوا الحقيقة، ويتعرفوا السبيل، ويشعروا بأنهم غارقون في عبودية ذليلة، ينبغي أن يرتفعوا عنها، ليكونوا عبيداً لله تعالي وحده، وهذه العبودية الكريمة لله وحده تبعث في نفوسهم العزة والكرامة وعندئذ يتحررون من جديد، بل يولدون من جديد، ويشعرون بإنسانيتهم من جديد، فإن دعوة الإسلام تحررهم من كل عبودية لغير الله عندما تجعلهم عبيداً لله تعالى وحده. وبذلك يستعلون على أولئك الملأ والطواغيت، ويهزؤون بكل جبروتهم ومتاعهم المادي وسلطانهم ووعيدهم وتهديدهم [١٠] . وإن موقفاً رائعاً كهذا الموقف، وقفه السحرة من فرعون وملئه عندما لامس الإيمان شغاف قلوبهم، وصاغهم صياغة جديدة، لما رأوا البينات من ربهم، وهم أنفسهم الذين كانوا قبل قليل يطلبون من فرعون - بكل ذلة وطمع - أن يجعل لهم شيئاً من الأجر والمال إن كانوا هم الغالبين لموسى وهارون! وفرعون يمتنُّ عليهم فيعدهم بذلك، ويزيد تفضلاً عليهم ومنة، فيعدهم أيضاً بالقرب منه، كأن يجعلهم من حاشيته وبطانته ومستشاريه الخاصين! ! ولو كان عنده إذاعة وتلفزيون وصحف ومجلات، كما يمتلك ذلك طغاة العصر، لكانوا أول من يظهر على شاشة التلفزيون بجانب فرعون وهامان، أما الإذاعة فتخصص الساعات الطوال لتبث عنهم ولهم الأحاديث من زخرف القول، ولظهرت الصحف والمجلات محلاة بصورهم الملونة، ولتسابق الصحفيون لإجراء المقابلات والأحاديث الصحفية مع أولئك الأبطال، الذين غدوا من أركان الدولة، ولهم الفضل في تثبيت كرسي الحكم لفرعون.... .! ولكن ذلك كله لم يحدث، فإرادة الله تعالى وقدره شاءت غير ذلك، فتغيرت الصورة كلها، وتغيرت النفوس، واختلف الموقف ووقع ما لم يكن بالحسبان، وانقضت كلمات المؤمنين -لما آمنوا- كالصاعقة على رأس فرعون. ويحكي الله تعالى لنا الموقف في كتابه الكريم، فيقول: [وجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إنَّ لَنَا لأَجْراً إن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وإنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَن تُلْقِيَ وإمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ وجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * ومَا تَنقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ] [الأعراف: ١١٣ -١٢٦] [قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ومَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأَبْقَى * إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يَحْيَى * ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى] [طه: ٧٢ -٧٥] . ذاك هو شأن العامة، والأتباع أو الضعفاء.. ولكن ما هو شأن الملأ؟ هذا ... ما نريد أن نقف عنده وقفة متأنية متأملة، نعود فيها إلى كتاب الله الكريم وسنة نبيه المصطفى ﷺ ، وسيرته العطرة، وسيرة الأنبياء السابقين، لنتبين معالم شخصية هؤلاء (الملأ) الذين أكثر القرآن الكريم من ذكرهم وبين مواقفهم وأساليبهم المتنوعة التي يحاربون بها كلمة الحق ودعوة السماء على مدار التاريخ، ثم نلتفت إلى الحاضر لنرى هل كانت مواقف الملأ تلك فلتة عابرة أو أمراً طارئاً، أم أن الأمر سنة إلهية ومنهج ثابت في الدعوات؟ وعندئذ ينبغي للعاملين في حقل الدعوة ألا يغيب ذلك عن بالهم، وأن يعرفوا: أن الملأ هم الملأ.. في كل زمان وفي كل مكان وأمام كل دعوة.. يقفون الموقف ذاته.

стр. 48

أدب وتاريخ مفهوم الجاهلية في الشعر الجاهلي (٣) محمد الناصر ملخص ما سبق نشره: في الحلقة السابقة عرض لنا الكاتب طرفاً من حياة العرب في الجاهلية، من خلال استعراض شعرهم الذي حفل بدقيق حياتهم وجليلها، فذكر المصنفات من القصائد ومشاركة الهجاء والرثاء في إذكاء نيران الحروب المشبوبة، وكذلك ما حفل به الشعر الجاهلي من وصف تفصيلي لطرق القتال وأدواته كالسيوف والرماح والخيل، وهو غالب أغراض شعر الشعراء الفرسان، وفي هذا الجو كانت تكثر الأسرى والسبايا، وكذلك وجد من الشعراء من يغلب عليه جانب الحكمة والأناة، فيضمن شعره الدعوة إلى نبذ الحروب ووصفها الوصف الذي ينفر الناس منها ويجعلهم يطيلون التفكير قبل خوض غمارها. ٤ - الأحلاف: وفي هذه البيئة الحربية التي كان يشيع فيها الفزع والهول، ويعم فيها الاضطراب، كان الفرد يبحث عن الأمن في ظل القبيلة، وكانت هذه القبيلة تلجأ إلى التحالف مع القبائل الأخرى، إذ تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة لتحميها وترد عنها العدوان. وربما آثرت القبيلة بدافع المصلحة أو الجوار أو الضعف هذا الحلف، بمجرد أن تدخل القبيلة في حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق فهم ينصرونها على أعدائها، ويردون كيدهم عنها، وكثيراً ما كنا نجد أحلافاً تضعف لتحل محلها أحلاف أخرى، وقبائل قليلة لم تدخل في أحلاف لقوتها وسميت لذلك باسم جمرات العرب، منها: بنو عامر بن صعصعة، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة، وبنو عبس، فإذا تحالفت أطفئت [١] . وكانت هذه القبائل تتفاخر بنفسها لأنها لا تعتمد على حليف يدافع عنها لقوتها وكثرة عددها. وكانت بعض القبائل تشرك مواليها معها في حروبها كما فعلت مذحج في يوم الكلاب، وإلى ذلك يشير ربيعة بن مقروم في حرب مذحج مع تميم: [٢] وساقت لنا مذحج بالكُلاب ... مواليها كلها والصّميما وكذلك فعلت قريش عندما فُتحت مكة المكرمة إذ استعانوا بالأحابيش لمعاونتها. والأحلاف مأخوذة من الحلِف وهو اليمين، إذا كانوا يوثقون هذا الحلف بالدم أحياناً ليحل محل النسب، ومن هؤلاء حلف لعقة الدم [٣] . وأحياناً كانوا يوثقون بالماء كما حصل في حلف الفضول [٤] ، وسببه أن رجلاً من اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل ولم يعطه الثمن فوقف على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس ونادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نأئي الدار والنفر ومحرِمٌ أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحِجر والحَجر فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا وتعاهدوا ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه، ثم مشوا إلى العاص بن وائل وانتزعوا منه سلعه الزبيدي فدفعوها إليه. وفي السيرة النبوية لابن هشام: أن طلحة بن عبيد الله ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الإسلام لأجبت) ويعتبر هذا الحلف من خير أحلاف الجاهلية لأنه كان نصرة للمظلوم وردعاً للظالم. أما حلف المطيبين فقد غمسوا أيديهم بجفنة فيها طيب، وهم القبائل التي ناصرت بني عبد مناف ضد بني عبد الدار ومن حالفهم، إلا أنهم اصطلحوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبني عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بني عبد الدار فانبرم الأمر على ذلك واستمر [٥] . وكانوا أحياناً يتحالفون على النار، ولعل ذلك سرى إليهم من المجوسية الفارسية، ومن هؤلاء حلف المحاش، كما فعلت قبائل مرة بن عوف الذبيانيين حينما تحالفوا عند نار ودنوا منها حتى محشتهم فسموا بذلك [٦] . ونجد الشعر الجاهلي عند كبار الشعراء، مخلداً هذه الأحلاف مبيناً أهميتها. فالنابغة الذبياني يدافع عن حلف قومه ذبيان مع بني أسد، إذ حاول عيينة ابن حصن زعيم ذبيان أن ينقض هذا الحلف ويتعاون مع خصومهم من عبس فقال النابغة قصيدة طويلة يخاطب فيها عيينة منها [٧] : إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لستُ منك ولستَ مني ثم يمدح بني أسد ويعدد مآثرهم ويكون وفياً لحلفائه إذ يقول: فهم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النّسار وهم مجنّي وهم ساروا لحِجرٍ في خميس ... وكانوا يوم ذلك عند ظني إلى أن يقول: ولو أني أطعتك في أمور ... قرعت ندامة من ذاك سنّي وبشامة بن الغدير يحرض قومه بني سهم بن مرة على ألا يخذلوا حلفاءهم الحْرقة وألا يتركوهم وحدهم أمام غطفان.. وأكد الحلف وشده الحصين بن الحمام المري.. وذكر بشامة هذا الحلف في قصيدة منها [٨] : فإمّا هلكتُ ولم آتهم ... فأبلغ أماثلَ سهم رسولا بأن قومكم خيروا خصلتين ... كلتاهما جعلوها عدولا خزي الحياة وحرب الصديق ... وكلٌ أراه طعاماً وبيلا ويعتبر الحصين بن الحمام المري من أوفياء العرب وكان سيد قومه وذا رأي وقيادة.. وفي نصرته لحلفائه وجيرانه يقول [٩] : ولما رأيت الود ليس بنافعي ... وأن كان يوماً ذا كواكبَ مظلما صبرنا وكان الصبر فينا سجية ... بأسيافنا تَقطَعن كفاً ومِعصَما يفلِّقن هاماً من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما لقد أعز العرب حلفاءهم، إذ كان الحليف يعتبر من العشيرة حتى أن قريشاً كانت تترفع عن تزويج بناتها من غيرها إلا إذا كان من حلفائها. وافتخروا بحماية الجار حتى قالوا: فلان منيع الجار حامي الذمار [١٠] لأنها دليل على القوة والرهبة. قال عبيد ابن الأبرص [١١] : نحمي حقيقتنا ونمنع جارنا ... ونلف بين أرامل الأيتام ولم يكن من السهل أن ينقض حامٍ ذمة عقدها لجاره فإنهم كانوا إذا غدر فيهم أحد رفعوا له لواء بسوق عكاظ ليشهروا به، وفي ذلك يقول قطبة بن أوس بن محصن (الحادرة) : أسُمَيُّ ويحك هل سمعت بغدرةٍ ... رفع اللواء لنا بها في مجمع إنا نعف فلا نُريب حليفنا ... ونكف شح نفوسنا في المطمع [١٢] ويذكر الميداني أنهم كانوا يقولون: الدم الدم والهدم الهدم، يعني أبايعك على أن دمي دمك وهدمي هدمك [١٣] . وهكذا كانت أحلافهم مظهراً من مظاهر الدفاع عن النفس، في بيئة الحرب والقتال، وسط صحراء ملتهبة وقبائل متناحرة، ونادراً ما كانت الأحلاف دفاعاً عن المظلوم، كما هي الحال في حلف الفضول. ٥ - أيام العرب: كان العرب يسمون حروبهم أياماً، لأنهم يتحاربون نهاراً، فإذا حل اليوم الثاني عادوا إلى القتال، وتسمى هذه الحروب والأيام غالباً بأسماء الأماكن التي وقعت فيها مثل يوم الكلاب، وعين أباغ، وذي قار، وبأسماء الأشخاص أو الحوادث البارزة فيها، كيوم البسوس، ويوم حليمة، وأيام داحس والغبراء، أو باسم الصفة التي تميزت فيها كيوم تحلاق اللمم، ويوم الفجار. وأيام العرب كثيرة بحيث يقال [١٤] : إن أبا عبيدة معمر بن المثنى (توفي ٢١١ هـ) ألف كتاباً جاء فيه ذكر مائتين وألف يوم، ولم يصل إلينا هذا الكتاب، ولكن كتابه شرح النقائض حفظ طائفة كبيرة من تلك الأيام، وفي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزء الأول طائفة كثيرة منها وكذلك كتاب الأغاني والعقد الفريد. (تعتبر هذه الأيام في الجاهلية مصدراً خصيباً من مصادر التاريخ، وينبوعاً صافياً من ينابيع الأدب، ونوعاً طريفاً من أنواع القصص بما اشتملت عليه من الوقائع والأحداث وما روي في أثنائها من نثر وشعر) . (وهي مرآة صافية لأحوال العرب وعاداتهم، وأسلوب الحياة الدائرة بينهم.. في الحرب والسلم، والاجتماع والفرقة والفداء والأسر) [١٥] . لقد امتلأت كتب الأدب، ودواوين الشعر، بشعراء ندبوا الصرعى والقتلى من أشرافهم، وذبوا عن أحسابهم، أو هجوا خصومهم، كعنترة بن شداد، وعامر بن الطفيل، والمهلهل بن ربيعة وغيرهم. إن الحروب الدامية كانت سمة العصر الجاهلي، وهي كثيرة، وسوف نشير إلى الأيام المشهورة بين قبائل العرب المختلفة، كنماذج توضح لنا القصد، وتجلو لنا العبرة. ١ - فمن أيام العرب والفرس: أ - يوم الصفقة [١٦] : (ويسمى أيضاً يوم المشقّر) . وكان لكسرى على تميم، حيث إن كسرى أصفق على بني تميم الباب في حصن المشقّر، وهو حصن في البحرين إذ خُدع الناس بالميرة وصاروا يدخلون رجلاً رجلاً إلى عامل كسرى على البحرين (المكعبر) وهو فارسي ... حتى انتبه أحد بني تميم وقال: يا قوم أين عقولكم فوالله ما بعد السلب إلا القتل وضرب بسيفه سلسلة كانت على باب الحصن فقطعها وانفتح الباب، وإذا الناس يُقتلون فثارت بنو تميم وفي ذلك يقول الأعشى يمدح هوذة وهو رجل من بني حنيفة أشار على كسرى بفكرة الميرة وحيلة الحصن [١٧] : سائل تميماً به أيام صَفقَتهم ... لمّا أتوهُ أَسارى كلهم ضَرعَا وسطَ المشَقَّر في عيطاءَ مظلمةٍ ... لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتَنَعا أصابهم من عقاب الملك طائفةٌ ... [١٨] كل تميم بما في نفسه جُدِعا وهي قصيدة طويلة يمدح فيها هوذة ابن علي الحنفي، ويعتبر أنه خلص مائة من خيارهم ... وذلك عندما علم هوذة بدخول بني تميم الحصن. ب- يوم ذي قار [١٩] : وهو من أهم الأيام بين العرب والفرس، وذو قار ماء لبني بكر بن وائل قريب من الكوفة، ومن أسبابها: أن كسرى كان قد غضب على النعمان بن المنذر، أمير الحيرة، بسبب عدي بن زيد الذي قتله النعمان، في قصة طويلة ثم فر بعدها النعمان وحاول أن يلتجيء إلى قبائل العرب، إلى أن استودع ودائع عند العرب، ووضع أهله وسلاحه ودروعه عند هانيء بن قبيصة بن هانيء بن مسعود الشيباني، ثم جاء رسول كسرى بالأمان على النعمان، فخرج الأمير حتى أتى كسرى في المدائن فأمر به فحبس فمات في حبسه، أو قتل تحت أرجل الفيلة، وعين بدلاً منه على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي. بعث كسرى إلى هانيء الشيباني: إن أموال عبدي النعمان عندك فابعث بها إلى، فاعتذر هانيء بأنها أمانة ولن يسلمها. جهز كسرى عندها جيشاً عقد فيه للنعمان بن زرعة التغلبي على تغلب والنمر، ولخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة الطائي على بقية العرب، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهافَرز على ألف من الأساورة [٢٠] . وبعث كسرى معهم اللطيمة [٢١] ، وكانت تخرج بالبضائع، وأمرهم إذا شارفوا بلاد بكر ودنوا منها أن يبعثوا النعمان التغلبي يخيرهم بين ثلاث: إما أن يعطوا السلاح وما بأيديهم ويحكم فيهم الملك بما شاء، وإما أن يتركوا الديار، أو أن يأذنوا بحرب. وكان كسرى قد أوقع ببني تميم يوم الصفقة والعرب خائفة منه وجلة. اجتمعت قبائل بكر في بطحاء ذي قار، وعينوا حنظلة بن ثعلبة العجلي قائداً على حربهم، وأخرجت الدروع وفرقت في القوم المحاربين. ولما تقارب الزحفان قام حنظلة وقطع وضن الهوادج [٢٢] فسقطن على الأرض.. . وقال: ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته، ثم ضرب على نفسه قبة في بطحاء ذي قار، وآلى لا يفر حتى تفر القبة. ثم احتدم القتال بين العجم ومن معهم من العرب وبين قبائل بكر بن وائل ومنهم بنو شيبان وبنو عجل وغيرهم. وقتل الحوفزانُ الهامرزَ مبارزة، ثم أرسلت قبيلة إياد إلى بكر تخيرها إما أن تهرب وتترك جيوش كسرى، أو تفر حين ملاقاة القوم، فعندما التقى الناس انهزموا وفتوا في عضد الأعاجم ومن والاهم، وانهزمت الفرس وأحلافهم. واتبعتهم بكر يقتلون بقية يومهم وليلتهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ثم دخلوه في طلب القوم. وقد ذُكر أن الرسول ﷺ لما بلغه نبأ انتصار ربيعة قال: (اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا) [٢٣] . وفي هذا اليوم يقول أعشى قيس مفتخراً [٢٤] : لما التقينا كشفنا عن جماجمنا ... ليعلموا أننا بكرٌ، فينصرفوا وجند كسرى غداةَ الحِنْو [٢٥] صبحهم ... منا كتائبُ تزجي الموت فانصَرفُوا لو أنّ كل مَعَدٍ كان شاركنا في يوم ذي قار ما أخطاهمُ الشرفُ فالحرب إذن كانت قبلية، لا عربية فارسية، بكر بن ربيعة وليست قبائل معدّ كلها التي ساهمت في هذا القتال وفي جانب الفرس كانت قبائل عربية كبيرة كتغلب وطيء قد شاركت في هذا اليوم، متزلفة لكسرى، ومنتقمة من بكر العربية. وقال الأعشى أيضاً يمدح بني شيبان لأنهم كانوا من أحسن الناس بلاء قصيدة طويلة منها [٢٦] : فدى لبني ذهل بن شيبانَ ناقتي ... وراكُبها يومَ اللقاء وقَلّتِ [٢٧] همُ ضربوا بالحنو، حنوِ قُراقر ... مقدمةَ الهامَرْز حتى تولّتِ [٢٨] تناهتْ بنو الأحرار إذ صبرتْ لهم ... فوارسُ من شيبانَ غُلبٌ فولَّتِ [٢٩] وفي الأصمعيات قصيدة طويلة قالها عمرو بن الأسود تحدث فيها عن ذي قار، ووصف حومة الحرب وتساقط الفرسان ثم سرد أسماء القبائل المشتركة في هذه الحرب [٣٠] . ٢- أيام القحطانيين فيما بينهم [٣١] : أ- ما بين المناذرة والغساسنة: كانت أيامهم كثيرة لأنهم صنائع للفرس والروم من جهة، ولأنهم قبائل متناحرة من جهة أخرى، حسب النظام القبلي السائد بينهم آنذاك، ومن أهمها: يوم عين أُباغ: وهي واد وراء الأنبار، التقى فيه الحارث الأعرج بن جبلة ملك الغساسنة بالمنذر بن ماء السماء ملك المناذرة في الحيرة، حيث أن المنذر كان قد سار في قبائل معدّ كلها، إلى الحارث، بعد أن أرسل إليه يطلب منه الفدية لينصرف بجنوده، أو أن يأذن بحرب، ثم التقى الجيشان، وبدأت الحرب بالمبارزة إذ أخرج المنذر وقدم علم الحارث بالخدعة، وانهزم جيش المناذرة بعد أن قتل المنذر في هذا اليوم، ثم سار الحارث وجيوشه إلى الحيرة فنهبها وأحرقها. وقد وصف هذه الحرب عدىُّ بن رعْلاءَ الغساني إذ يقول: [٣٢] ربما ضربةٍ بسيفٍ صقيل ... دونَ بصرى وطعنة نجلاء [٣٣] وغموسٍ تضل فيها يدُ الآ ... سيِ ويعيا طبيبها بالدواء [٣٤] فصبرْن النفوس للطعن حتى ... جرتِ الخيلُ بيننا في الدّماء إلى أن يقول في شأن من تركته الحرب سليماً معافى في ثياب من الذل فحياته ليست إلا موتاً، وسار البيتان مسير الحكمة لكل حياة ذليلة رخيصة: ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ ... إنما المَيْتُ ميِّتُ الأحياء إنما المَيْتُ من يعيشُ ذليلاً ... سيئاً بالهُ قليلَ الرجاءِ حاول المنذر بن المنذر أن يثأر لأبيه فكان يوم حليمة، وفي هذا اليوم ضرب المثل: ما يوم حليمةَ بسرّ والتقى الجيشان في مرج حليمة، ومكثت الحرب أياماً ينتصف بعضهم من بعض إلى أن دعا الحارث ابنته واسمها حليمة وكانت من أجمل النساء، وأعطاها طيباً لتطيب مَنْ يمر بها من جنده ثم نادى: يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي.. وانهزمت لخْم وجيش المنذر، وقتل المنذر على يد لبيد بن عمرو الغساني ثم قُتل هو أيضاً، وانصرفت غسان بأحسن الظفر بعد أن أسروا كثيراً ممن كانوا مع المنذر من العرب، وكان منهم مائة من بني تميم فيهم شأس بن عبدة، ولما سمع أخوه علقمة الفحل وفد إلى الحارث الغساني مستشفعاً وأنشده قصيدة. طويلة مطلعها [٣٥] : طحا بك [٣٦] قلبٌ في الحسان طروبُ ... بُعيْدَ الشبابِ عصر حان مشيبُ ثم يمدح النعمان ويُنَوِّه بمواقفه في الحرب، وذكر الشؤم الذي أصاب أعداءه بسبب التقتيل والهزيمة ومن ثم طلب إنقاذ أخيه من الأسر يقول منها: فوالله لولا فارسَ الجَوْن منهم ... لآبوا خزايا، والإياب حبيبُ [٣٧] فقاتلتَهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروبُ [٣٨] وفي كل حي قد خبطتَ بنعمة ... فحُقَّ لشأس من نداك ذَنوبُ [٣٩] ولما بلغ قَولَه: فحق لشأس من نداك ذنوب.. . أمر الملك بإطلاق شأس وسائر أسرى بن تميم. ب- الحروب ما بين الأوس الخزرج: كانت الحروب كثيرة بين هاتين القبيلتين ومن أهمها: حرب سُمَيْر: وسببها أن رجلاً من ذبيان اسمه كعب من بني ثعلبة نزل على مالك بن العجلان الخزرجي وحالفه وأقام معه. ثم خرج كعب إلى سوق بني قينقاع فرأى رجلاً من غطفان معه فرس وهو يقول: ليأخذ هذه الفرس أعز أهل يثرب. فقال الناس فلان أو فلان حتى قال كعب: مالك بن العجلان أعز أهل يثرب، وكثر الكلام، ثم قبل الرسول قول كعب الثعلبي ودفع الفرس إلى مالك بن العجلان الخزرجي.. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي أفضلكم؟ فغضب رجل من الأوس يقال له: سمير بن يزيد وشتمه ثم افترقا: قصد كعب سوقاً لهم بقباء فقصده سمير وقتله.. طالب مالك بن العجلان بقتل سمير أو بدية حليفه.. رفضت الأوس أن تدفع إلا دية الحليف وهي النصف.. حكموا بينهم عمرو بن امرئ القيس جد عبد الله بن رواحة ﵁ وهو خزرجي فقضى بنصف الدية.. رفض مالك واستنصر قبائل الخزرج.. وزحفت الأوس بمن معها من حلفائها من قريظة والنضير والتقوا قرب قباء واقتتلوا قتالاً شديداً وانصرفوا ثم التقوا ثانية واقتتلوا حتى حجز الليل بينهم وكان الظفر للأوس على الخزرج. واستمرت الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال، وكثرت أيامهم ومواطنهم.. كيوم حاطب [٤٠] ، ويوم كعب، ويوم بعاث، وغيرها. وأخيراً حكموا بينهم ثابت بن المنذر بن حرام والد حسان بن ثابت - رضي الله عنه- وحكم بأن يؤدي حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنُّة فيهم بعده ما كانت عليه؛ الصريح على ديته، والحليف على ديته، وأن تعد القتلى وتعطى الديات لمن زاد قتلاهم فرضى مالك وسلمت الأوس وتفرقوا. ومن أواخر أيامهم المشهورة: يوم بُعاث: وسببه أن سيد الخزرج وهو عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه: إن أباكم أنزلكم منزلة سوء والله لا يمس رأسي ماء حتى أنزلكم منازل قريظة والنضير، وأقتل رهنهم [٤١] وأرسل إلى يهود في ذلك، وهموا بالخروج من ديارهم حتى نهاهم كعب بن أسيد القرظي، واعترض عبد الله بن أبي بن سلول على هذا الأمر ثم التقت الأوس ومعها حلفاؤها من اليهود، مع الخزرج ومعها حلفاؤها من أشجع وجهينة، وكان القتال شديداً دارت الدائرة فيه على الخزرج وأُحرقت دورهم ونخيلهم من قبل الأوس وأجار سعد بن معاذ أموال بني سلمة جزاء معروف سابق لهم يوم الرعل. وفي هذا اليوم يقول أبو قيس بن الأسلت (وهو من شعراء الجاهلية المجيدين وسيد الأوس وصاحب حربها في يوم بعاث) ، وقد عاد إلى امرأته بعد أن مكث في الحرب أشهراً حتى شحب لونه وتغير فدق الباب، ولما فتحت له زوجته أنكرته وقال: أنا أبو قيس، فقالت: والله ما عرفتك حتى تكلمت. قال قصيدة طويلة منها [٤٢] : قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلاً فقد أبلغت إسماعي [٤٣] أنكرته حين توسمِته ... والحربُ غولٌ ذاتُ أرجاعى [٤٤] لا نألمُ القتل ونجزي به ... الأعداء كيل الصاعِ بالصاعِ ولقد سطر لنا الشعر حروب الأوس والخزرج، ونظرة في جمهرة أشعار العرب نجد أن المُذْهبات السبع لشعراء هاتين القبيليتين كلها قيل في هذه الحروب. وفي حرب سُمَيْر قال مالك بن العجلان يعتب على قومه من بني الحارث لأنهم رفضوا نصرته غضباً لرده قضاء عمرو بن امرئ القيس ويحرض بني النجار على نصرته [٤٦] : إنّ سمُيراً أرى عشيرته ... قد جدبوا دونه وقد أنِفُوا لكنّ موالَّي قد بدا لهمُ ... رأيٌ سوى ما لديّ أو ضعُفوا ثم يفتخر بقوتهم في الحرب وبعزتهم إذ يقول: نحن بنو الحرب حين تشتجرُ ال ... حربُ، إذا ما يهابُها الكشُفُ [٤٧] ما قصرّ المجدُ دون محتدنا ... بل لم يزل في بيوتنا يكفُ [٤٨] إنّ سميراً عبدٌ بغى بطراً ... وأدركتهُ المنية التُّلَفُ [٤٩] ويشير قيس بن الخطيم شاعر الأوس إلى حرب حاطب، وكذلك حرب بعاث في قصيدة طويلة منها [٥٠] : دعوت بني عوف لحقْن دمائهم [٥١] ... فلما أبَوْا سامحتُ في حرب حاطب ضربناكم بالبيض حتى لأنتمُ ... أذلُّ من السُّقبان بين الحلائب [٥٢] ويوم بعاثٍ أسلمتنا سيوفُنا [٥٣] ... إلى حسبٍ في جذْمِ غسانَ ثاقب رضينا لعوفٍ أن تقول نساؤهم ... ويهزأنَ منهم: ليتنا لم نحارب ومما قاله حسان بن ثابت الخزرجي ﵁ في هذه الحروب، ويرد على شاعر الأوس قيس بن الخطيم [٥٤] : فلا تعجلن يا قيسُ واربَعْ فإنما ... قصاراك أنْ تُلقى بكل مهندِ [٥٥] فقد لاقت الأوس القتالَ وطُرِّدتْ ... وأنتَ لدى الكنّاتِ في كل مَطْردِ [٥٦] فغنِّ لدى الأبيات حُوراً كواعباً ... وحجّرْ مآقيكَ الحسان بإثمِدِ [٥٧] ويقول عبد الله بن رواحة ﵁، وهو من الخزرج مفتخراً وذاكراً حرب قومه مع الأوس (في قصيدة من المذهبات وهي الثانية) : إذا ندعى لسيب أو لجارٍ ... فنحن الأكثرون بها عديدا زعمتم أنما نلتم ملوكاً ... ونزعم أنما نلنا عبيدا أي أن الأسرى من الأوس هم كالعبيد الأذلة بخلاف الأسرى من الخزرج. هذه حالة الأوس والخزرج قبل الإسلام، حروب وتناحر وانقسام، وتفاخر ومباهاة، وضغائن يشترك في إشعالها اليهود، تتحول بعد الهجرة إلى مدينة طيبة، ودار الهجرة، إنه الإيمان الذي يصنع في النفوس الأعاجيب، هو الذي جعل حسان بن ثابت ﵁ يقول قبل فتح مكة [٥٨] : وقال الله: قد أرسلتُ عبداً ... يقول الحقّ إن نفعَ البلاء شهدتُ به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقومُ ولانشاء فإن أبي ووالدَه وعرضي ... لعِرض محمدٍ منكم وقاءُ وقوله: هجوت محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاكَ الجزاء يخاطب أبا سفيان بن الحارث وبقية قريش، ويفدي الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- بنفسه وأهله وعرضه، لقد ذابت العصبيات التي رأينا نماذج منها في القصائد السابقة، عند شعراء الأوس والخزرج قبل الإسلام.. ووقف حسان في صف الإسلام والإيمان مع الأوس وقريش وبقية المؤمنين ضد معسكر الشرك وأهله.

стр. 49

معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي (٣) محمد العبدة تمهيد: كان الحديث في المقال الأول عن أهمية التاريخ، والحاجة الملحة لكتابة تاريخنا من جديد تحقيقاً وصياغة بعيداً عن التعصب أو الحقد، ونظرة الإسلام - من خلال القرآن والسنة - إلى أحداث التاريخ نشوءاً وتعليلاً، والسنن التي تسير عليها هذه الأحداث. وتحدثنا في المقال الثاني عن الأمة الإسلامية وخضوعها لهذه السنن كما هي حال الأمم الأخرى، ولكن هناك مميزات خاصة بها. وفي هذه العدد نتكلم عن بعض النقاط التي نريد توضيحها من خلال الأحداث العامة لتاريخنا. نقلة أخرى: دأب أكثر الذين يكتبون في التاريخ الإسلامي أو الذين يكتبون عن الإسلام بشكل عام، دأبوا على إظهار حالة العرب قبل الإسلام بصورة مظلمة قاتمة، وأنهم شعب همجي متناحر لا أهمية له بين الأمم، وله عادات سيئة في كذا وكذا، وأخلاق سيئة في كذا وكذا ونية هؤلاء الكتاب في الغالب حسنة لأنهم يريدون إظهار محاسن الإسلام وكيف انتقل بهذه الأمة إلى عز بعد ذل وعلم وتقدم بعد جهل وتخلف، ولكن هذا التصوير غير صحيح في بعض جوانبه، والإسلام لا يحتاج إلى مثل هذا الدفاع للأسباب - التالية: أولاً: لم يكن العرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام على ما يصوره هؤلاء الكتاب، ولا نريد أن نتكلم عن عادات العرب الجاهلية وعبادتهم للأوثان، فهذا شيء معروف مشهور، ولكن نريد أن نبرز بعضاً من صفاتهم وعاداتهم التي هي من خصال الخير، وأحرى أن تكون من الأخلاق التي تنهض بها الأمم أو ما يسمى (الأخلاق الأساسية) مثل: أ- صدق اللهجة والبعد عن خلق الكذب والمراوغة، أو الغش والخداع، تلك الأخلاق التي تتصف بها الشعوب التي عاشت ردحاً من الزمن تحت الذل والقهر، فهي ترضى بالدون وتلجأ إلى المكر والخضوع للحصول على مطالبها، بينما نجد رجلاً مثل أبي جهل وهو في أشد المواقف حاجة للكذب يُسأل عن رسول الله - ﷺ فيتكلم صادقاً معبراً عما في نفسه وذلك قبيل معركة بدر، ويُسأل أبو سفيان صخر بن حرب قبل إسلامه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصدق في حديثه ويربأ بنفسه عن الكذب. فإذا كان هذا وهم في جاهلية فكيف بعد إسلامهم، ولذلك يحق للإمام الزهري أن يغضب بعد أن اتهم في مجلس من المجالس بالكذب فقال: والله لو أن نازلاً من السماء نزل بِحِلِّ الكذب ما كذبت! ب- الوفاء والإقامة على العهد: وقد قاموا بهذه الصفة أحسن قيام، فما نقضوا عهداً لمن حافظ عليه ويرون الغدر والإخلاف من أقبح العيوب، ولا ينسون فضل من أحسن إليهم، والأمة التي لا تكون فيها هذه الصفات كيف تأمل في النهوض؟ والأمة التي تعودت على اللؤم والغش والخداع لا تفلح أبداً، والرجل الذي لا يعطي للكلمة حقها ولا يفي بعهوده ووعوده هو معول هدم وإن صلى وصام. ج- الغيرة: وهي صفة محمودة جعلها الله في الإنسان سبباً لحفظ الأنساب، وقد مدحها رسول الله ﷺ عندما قال: «أتعجبون من غيرة سعد أنا أغير منه والله أغير مني» [١] . وقد قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها، وقد بلغ العرب من الغيرة شيئاً جاوز الحد وبالغوا في ذلك [٢] . ومن طباعهم الحميدة الكرم وهي صفة تدل على جودة معدن ونبل نفس، والبخل والشح من أسوأ صفات الإنسان ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع» [٣] والذي يضحي بماله قد يضحي بنفسه، وقصص العرب في الكرم أشهر من أن تذكر ويكفي أن نعلم أن رسول الله ﷺ أطلق سفانة بنت حاتم الطائي من الأسر لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وأما جودهم بعد الإسلام فهو أتم وأعظم، ومن يتصفح أخبارهم من أمثال عبيد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص وقيس بن سعد فسيجد العجب العجاب. كما اشتهروا بالحلم الذي يدل على وفرة العقل، وأما حبهم للشجاعة وتمدحهم بها فشيء يفوق الوصف حيث أغنوا رسول الله ﷺ عن تعليمهم وتدريبهم على هذه الصفات، بل وجدها مطبوعة فيهم فلما جاء الإسلام كانت (نور على نور) . وشىء آخر: فقد كانت لهم عادات وأعراف أقرها الإسلام أو هي من الفطرة السليمة لأنها من بقايا إبراهيم وإسماعيل ﵉، وقد لا يتفطن لهذا الأمر بل لا يظن أن هذه العادات والأعراف كانت فيهم، ومنها: كانوا يفعلون أشياء من طهارات الفطرة كالاغتسال من الجنابة والختان وتقديم الأيمن في الشرب، بل عاداتهم في المأكل والمشرب من أوسط العادات ولم يكونوا يتكلفون تكلف الأعاجم. كانت قريش تقوم على سدانة الكعبة كما تقوم بالسقاية والرفادة فأقرها الإسلام. كانوا يعتبرون " القسامة " وهي أيْمان معينة عند التهمة بالقتل على الإثبات أو النفي وقد أقرها الإسلام. كانوا يعظمون الأشهر الحرم حتى يمر الرجل بقاتل أبيه فلا يحرك له ساكناً. ... ثانياً- إن السنن التي وضعها الله في الكون تأبى أن يكلف شعب خسيس في أخلاقه، وضيع في تصرفاته، بمهمة تبليغ الدعوة وقيادة الأمم بعدئذ وأن يكونوا أصحاباً لنبيه ﷺ ، فإن الطالب الغبي الكسول لا يستطيع المدرس الناجح أن يصنع منه عالماً كبيراً أو قائداً فذاً، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة ومن العبث وضياع الوقت أن يُفكّر بتحويل أردأ المعادن إلى أعلاها وأنفسها، ولكن رغم وجود هذه الاستعدادات لدى العرب فإنهم لولا الإسلام لم يكونوا شيئاً مذكوراً، فالإسلام نقلهم نقلة أخرى، نقلة بعيدة المدى، لقد تحولوا إلى أمة تحمل رسالة وتنقل حضارة، والصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يعلمون هذه النعمة ويشكرونها وقد قاموا بواجبها. تجمع القوى في تناسق داخلي: انساح المسلمون في الأرض يبلغون دعوة نبيهم، سواء كان هذا التبليغ بالكتاب أو الكتائب، وفتح المشرق والمغرب بسرعة مذهلة لا تزال تحير المؤرخين الغربيين فيعللونها بالعلل الواهية، ولكننا نحن نعلم الأسباب التي جعلت هؤلاء الفاتحين يصلون إلى جنوب فرنسا بعد قرن من وفاة نبيهم ﷺ . نعلم أن سبب ذلك وحدة الوجهة ووحدة الهدف والفطرة السليمة لهذا الشعب الذي لم يكن بحاجة كبيرة لتعليمه الشجاعة وفنون القتال أو تعليمه الصبر والصدق والوفاء، والمسلمون اليوم كثير يصلون ويصومون ويحجون ولكنهم يفتقدون هذه الصفات الأصيلة. ولكن بعد هذه الفتوحات العظيمة كيف يصهر هذا المجتمع الجديد، ويتكيف مع قواعد الإسلام وعادات هؤلاء الفاتحين، أم يكون التأثير عكسياً فتنتقل عادات البلاد المفتوحة وبعض عقائدهم إلى المجتمع الجديد، وأظن أن هذا ما كان يتخوف منه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقد روي عنه أنه قال: «يا ليت بيني وبين فارس جبل من نار» لقد كان بعبقريته الفذة يحمل هموم اندماج هذه الشعوب في الإسلام، وهذا أمر لاشك في صعوبته كما تفطن لهذا عمر بن عبد العزيز ﵁ حين أمر جيش مسلمة بن عبد الملك بالقفول وترك حصار القسطنطينية لأن الحصار قد طال وخشي عمر من فناء الجيش، وحفظ المسلمين أولى من جلب أتباع جدد، وعلى ضوء نظرات العمرين هذه نستطيع فهم حديث رسول الله ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم» [٤] . وعلى حسب فهمي للحديث - والله أعلم - إما أن يكون المقصود ترك الترك ابتداءً حتى يهضم المجتمع الإسلامي العناصر الجديدة قبل الانتشار إلى بلاد الترك، أو كان تركهم بعدئذ والمقصود عدم التحرش بهم وكأنه إشارة إلى الغزو المغولي المدمر لأن الخوارزميين هم الذين تحرشوا بهم وحصل بعدئذ ما حصل من قدر الله الغالب. فرض اللغة العربية: فرض الفاتحون الأوائل اللغة العربية في كل مكان وصلوا إليه، سواء كانت لغة للعلم الثقافة أو لغة للتخاطب اليومي، وسواء كان حباً بها لأنها لغة الدين الجديد الذي اعتنقوه ولغة الذين كانوا وسيلة لهدايتهم، أو مجاملة لهؤلاء الفاتحين الذين كان عندهم من الاعتزاز بدينهم وشخصيتهم ما يمنعهم من قبول رطانة الأعاجم، بل يجب على هؤلاء الاعاجم أن يتعربوا كي يفهموا دينهم، وأقبل المسلمون الجدد على تعلمها فعلاً وبشغف ونهم، ولم تمض سنوات حتى كان منهم أكابر العلماء في شتى فنون المعرفة الإسلامية، ولكن الدول التي جاءت بعدئذ تساهلت في هذا الموضوع، بل إن مسؤولية هذا التساهل تقع على العلماء والمسلمين بشكل عام، وعادت الأقاليم البعيدة إلى لغتها الأولى ونسيت اللغة العربية شيئاً فشيئاً، وهذا شيء خطير لأنه من أقوى الأسباب في ضعف الروابط بين المسلمين، بل إن وجهة الثقافة ستبتعد أيضاً لأنه لا يفهم الإسلام فهماً صحيحاً بغير العربية. إن اكبر خطأ ارتكبته الدولة العثمانية هو عدم تبنيها اللغة العربية كلغة ثقافة وعلم وتخاطب يومي، بل إن هذا الخطأ يعبر من مقاتل هذه الدولة. ونتيجة لذلك ضعف العلم والإبداع، بل وصلت الأمور في أواخر عهدها إلى حالة مزرية من الجهل والتخلف وهذا الأمر وإن كان قد تنبه له بعض العلماء والمؤرخين أو ممن كتب عن الدولة العثمانية ولكنه لم يعط الأهمية المناسبة عند من يكتبون في التاريخ الإسلامي، فنراهم يبرزون حسنات هذه الدول ولا يحبون ذكر أخطائها لما قامت به من جهود للدفاع عن العالم الإسلامي، ولكن هذا شيء لابد من ذكره. حضارة إسلامية: انقسم الناس بعد الاستقرار والهدوء اللذين أعقبا الفتوحات إلى الأقسام التالية: ١- الفاتحون وأكثريتهم من العرب وهم قسمان: أ- قسم يعتزون بإسلامهم ولغتهم ويعتبرون أنفسهم رسل هداية وليس عندهم نظرة قومية للشعوب الأخرى مع احتفاظهم بأنسابهم وقبائلهم واعتزازهم بها لأن ذلك لا يتعارض مع دينهم. ب- قسم ضيق الأفق رجعت إليهم بعض نعرات الجاهلية فهم لا يعتزون بأنسابهم وقبائلهم فقط بل يحتقرون الآخرين لمجرد أنهم غير عرب ولو كانوا من أصحاب الفضل والدين. ٢- الشعوب الأخرى من الفرس والترك والبربر ... وهؤلاء ثلاثة أقسام: أ- أناس أسلموا عن طواعية واختيار وأصبح الإسلام هو نسبهم وهو الشرعة والمنهاج، وهم مع ذلك لا ينكرون فضل العرب الذين بلغوهم الدعوة، وهم أنفسهم تعربوا باللسان حباً في هذا الدين وأهله وطمعاً في فهم الشريعة. ب- أناس أسلموا ولكن نعرة الاعتزاز بتراثهم القديم والفخر بحضارتهم السابقة لا تزال فيهم. ج- والبعض منهم تظاهر بالإسلام وهو يبطن الزندقة والمجوسية ويكره الإسلام والعرب ولذلك بدأ يبث سمومه بخبث ومكر ودهاء. ولاشك أن أكثرية المجتمع كانت من الأقسام المعتدلة التي انصهرت بالإسلام وعاشت به ومن أجله سواء كانوا من العرب أو العجم ولكن البعض عندما يتكلم عن الدولة الأموية يضخم مشكلة (الموالي) وأنهم كانوا مضطهدين وينظر لهم بازدراء، نعم هناك بعض العبارات من الأمراء والكبراء تدل على هذا أو تصرفات خاطئة ظالمة مثل تصرفات الحجّاج، ولكنني أعتقد أن الدولة الأموية ما كانت لتستطيع في ظروفها تلك إلا أن يكون كبار الأمراء وقواد الجيوش من العرب، وعندما رفعت الدولة العباسية شعار المساواة استغل الفرس الشعوبيون هذا الشعار أحسن استغلال وأرادوا الهدم من الداخل، وقد تنبه الخليفة الرشيد لهذا فكانت ضربته المشهورة للبرامكة، فإذا كانت هناك مشكلة الموالي ففي المقابل هناك شيء أخطر وهو ما سمي بمشكلة (الشعوبية) ، وهم الذين تنغل صدورهم بالحقد على الإسلام ومن أتى بهذا الإسلام ويعنون بذلك العرب واستعملوا شتى الأساليب والوسائل من فكرية وأخلاقية فألفوا الكتب والرسائل [٥] وحاولوا إفساد الشخصية الإسلامية بإشاعة الفاحشة والمجون [٦] وأخيراً استعملوا الإرهاب فلجأوا إلى الاغتيال، فهل خطورة مشكلة الموالي كخطورة الشعوبية التي جُنّد العلماء والجيوش للرد عليها [٧] ، واضطر المعتصم العباسي لتجييش العساكر لمقاومة حركة بابك الخرمي. ولكن النظرة الإسلامية الواسعة التي تقبل الحق من أي مصدر كان، هي التي انتصرت أخيراً على النغمة الشعوبية الحاقدة الضيقة، وغلب تيار الفقهاء والمحدثين وأخذوا بالنظرة الواقعية رغم أنهم مقتنعون بأن (الأئمة من قريش) كما جاء في الحديث الصحيح، فتولى قيادة المسلمين رجال من أمثال نور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس الذين تصدوا للهجمات الصليبية والمغولية، ورجال قادوا الفتوحات لنشر الإسلام من أمثال محمود الغزنوي ومحمد الفاتح وهؤلاء كلهم يمثلون الحضارة الإسلامية بأوسع معانيها دون تعصب وانغلاق، ومثلهم الأعلى الصحابة الذين خرجوا من الجزيرة العربية يبشرون بالإسلام. * يتبع *

стр. 50

علماء معاصرون الشيخ محمد الخضر حسين (١٢٩٣-١٣٧٣) هـ أحمد عبد العزيز أبو عامر يحفل تاريخنا الإسلامي في القديم والحديث بنماذج مشرفة للعلماء الذين ضربوا المثل الأعلى في الفضل والعلم والجهاد، وكثير من هؤلاء مغمورون، وقليل من الناس من يعرفهم. وسأحاول في هذه المقالة عرض حياة علم من هؤلاء العلماء الأعلام، وسترى فيه أخي القارئ، نموذجاً للصبر على العلم والتحصيل والتبليغ والجهاد والمواقف الجريئة. فما أحوجنا لأمثاله من العلماء العاملين الذين هم بحق ورثة الأنبياء. هو: محمد الخضر حسين الذي ينتسب إلى أسرة عريقة في العلم والشرف، حيث تعود أسرته إلى البيت العمري في بلدة (طولقة) جنوب الجزائر، وقد رحل والده إلى (نفطة) من بلاد الجريد بتونس بصحبة صهره (مصطفى بن عزوز) حينما دخل الاستعمار الفرنسي الجزائر، ومما يدل على عراقة أسرته في العلم أن منها جده (مصطفى بن عزوز) وأبو جده لأمه (محمد بن عزوز) ، من أفاضل علماء تونس، وخاله (محمد المكي) من كبار العلماء وكان موضع الإجلال في الخلافة العثمانية. وسنتتبع حياة عالمنا في مراحل ثلاث: الأولى: في تونس: حيث ولد الشيخ بنفطة عام ١٢٩٣، وعلى أرضها درج ونشأ، وهو - كأي عالم مسلم - تبدأ حياته في أجواء البيت المسلم، والأسرة المسلمة، ثم أخذ العلم في نفطة وكان لا يتعدى مبادئ علوم الدين ووسائلها، وقد ذكر أن والدته قد لقنته مع إخوانه (الكفراوي) في النحو و (السفطي) في الفقه المالكي، وفي عام ١٣٠٦ انتقل مع أسرته إلى العاصمة، فتعلم بالابتدائي، وحفظ القرآن مما خوله الانتظام بجامع الزيتونة فجد واجتهد وثابر على مواصلة العلم، حتى صار مثار إعجاب أساتذته وعارفيه، حيث درس على أستاذه (سالم أبو حاجب) صحيح البخاري، وعنه أخذ ميوله الإصلاحية وأخذ التفسير عن أستاذيه (عمر بن الشيخ) و (محمد النجار) ، وفي عام ١٣١٦ نال شهادة (التطويع) التي تخول حاملها إلقاء الدروس في الزيتونة تطوعاً وكانت هذه الطريقة درباً للظفر بالمناصب العلمية وميداناً للخبرة والتدريب على مهنة التعليم، فعظمت مكانته في نفوس زملائه، وذاع صيته في البلاد حتى صار من قادة الفكر وذوي النفوذ، وأعجب به طلبة الزيتونة وكانت الحركة الفكرية هناك في حاجة لإبراز نشرة دورية تنطق بلسانها، ولم يكن يوجد آنذاك بتونس سوى الصحف. فقام بإنشاء مجلته (السعادة العظمى) فنالت إعجاب العلماء والأدباء وساء بعضهم صدورها لما اتسمت به من نزعة الحرية في النقد واحترام التفكير السليم، ولتأييدها فتح باب الاجتهاد حيث قال الشيخ عنه في مقدمة العدد الأول: (.. إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق دعوى لا تسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد) . وكان منهج المجلة كما جاء في المقدمة أيضاً يتمثل في: ١- افتتاحية لكل عدد تحث على المحافظة على مجدنا وتاريخنا. ٢- تعرض لعيون المباحث العلمية. ٣- ما يكون مرقاة لصناعة الشعر والنثر. ٤- الأخلاق كيف تنحرف وبم تستقيم. ٥- الأسئلة والمقترحات. ٦- الخاتمة ومسائل شتى. وهكذا صدرت هذه المجلة فملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية وتسابق العلماء والكتاب للمشاركة فيها حتى أغلقها المستعمر الفرنسي حينما تعرض لهجومها عام ١٣٢٢ هـ أي بعد مضي عام واحد فقط على صدورها، فاتجهت إلى الشيخ الجمعيات الرسمية وغيرها للاشتراك في أعمالها، ثم تولى قضاء (بنزرت) عام ١٣٢٣ مع الخطابة والتدريس بجامعها، وحدثت اشتباكات بين المواطنين المستعمر، فتطور الأمر، وأعلنت الأحكام العرفية وعطلت الصحف، وسجن أو نفي معظم ذوي الشأن من القادة والمفكرين فأصبحت كل حركة تبدو من الطلاب محمولة عليه. فنظر إليه المسؤولون شذراً، خصوصاً بعد إضراب الطلاب عن التعليم. وفي هذا الجو المكهرب والمحبوك بالمؤامرات دفع به الضيق إلى طلب حياته الفكرية والعملية في خارج تونس، خصوصاً وأنه من أنصار (الجامعة الإسلامية) الذين يؤمنون بخدمة الإسلام خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان. فقام بعدة سفرات متوالية بادئاً بالجزائر عام ١٣٢٧ لإلقاء المحاضرات والدروس فلقي ترحيباً من علمائها، وكانت هذه الرحلة بداية جديدة شرع بعدها في إعداد نفسه وأفكاره الإصلاحية. ثم عاد إلى تونس لمزاولة التدريس. واشترك في مناظرة للتدريس من الدرجة الأولى، فحرم من النجاح فحز ذلك في نفسه لسيطرة روح المحاباة على الحياة العلمية في بلده. وفي عام ١٣٢٩ وجهت إليه تهمة بث العداء للغرب، ولاسيما فرنسا، فيمم وجهه صوب الشرق، وزار كثيراً من بلدانه، وزار خاله في الآستانة ولعل هذه الرحلة لاكتشاف أي محل منها يلقي فيه عصا الترحال. ثم عاد لتونس فلم يطب له المقام والمستعمر من ورائه. المرحلة الثانية: عدم الاستقرار: وصل دمشق عام ١٣٣٠ مع أسرته ومن ضمنها أخواه العالمان المكي وزين العابدين، فعين الشيخ (محمد الخضر حسين) مدرساً بالمدرسة السلطانية، وألقى في جامع بني أمية دروساً قدّره العلماء عليها، وتوثقت بينه وبين علماء الشام الصلة وبخاصة الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، ولما كانت آنذاك سكة الحديد الحجازية سالكة إلى المدينة المنورة زار المسجد النبوي عام ١٣٣١ وله في هذه الرحلة قصيدة مطلعها: أحييك والآماق ترسل مدمعاً ... كأني أحدو بالسلام مودعاً وفي هذه الفترة شده الحنين إلى تونس الخضراء، فزارها وله في ديوانه ذكريات في الصفحات ٢٦، ١٣٤. وكان الشيخ دائماً ما يدعو للإخاء بين العرب وإخوانهم الأتراك حينما بدأت النعرة القومية تفرقهم. وقد ذهب إلى الآستانة، ولقي وزير الحربية (أنور باشا) فاختير محرراً للقلم العربي هناك فعرف دخيلة الدولة، فأصيب بخيبة أمل للواقع المؤلم الذي لمسه ورآه رؤيا العين، فنجد روحه الكبيرة تتمزق وهي ترى دولة الخلافة تحتضر وقال في قصيدة (بكاء على مجد ضائع) : ... أدمى فؤادي أن أرى ال ... أقلام ترسف في قيود وأرى سياسة أمتي ... في قبضة الخصم العنيد وفي عام ١٣٣٣ هـ أرسله (أنور باشا) إلى برلين في مهمة رسمية، ولعلها للمشاركة في بث الدعاية في صفوف المغاربة والتونسيين داخل الجيش الفرنسي والأسرى في ألمانيا لحملهم على النضال ضد فرنسا، أو التطوع في الحركات الجهادية. وظل هناك تسعة أشهر أتقن فيها اللغة الألمانية وقام بمهمته أحسن قيام، وقد نقل لنا من رحلته هذه نماذج طيبة مما يحسن اقتباسه، لما فيه من الحث على العلم والجد والسمو. نجدها مفرقة في كتبه ففي كتاب (الهداية الإسلامية) ص١٥٥، ١٦٤، ١٧٥، وفي كتابه (دراسات في الشريعة) ص ١٣٥، ولما عاد للآستانة وجد خاله قد مات فضاقت به البلد، وعاد إلى دمشق، فاعتقله (جمال باشا) عام ١٣٣٤ بتهمة علمه بالحركات السرية المعادية للأتراك، ومكث في السجن سنة وأربعة أشهر برئت بعدها ساحته، وأطلق سراحه فعاد للآستانة فأرسل في مهمة أخرى لألمانيا. ثم عاد إلى دمشق، وتولى التدريس بثلاثة معاهد هي: (المدرسة السلطانية - المدرسة العسكرية - المدرسة العثمانية) ثم نزح عن دمشق التي أحبها حينما أصدر ضده حكم غيابي بالإعدام - لما قام به ضد فرنسا من نشاطات في رحلاته لأوربا - وذلك بعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية، وكان أمله أن يعود إلى تونس، ولكن إرادة الله شاءت أن تكون مصر هي مطافه الأخير، وبهذا تتم المرحلة الثانية. المرحلة الثالثة: مصر: وقد وصلها عام ١٣٣٩ فوجد بها صفوة من أصدقائه الذين تعرف عليهم بدمشق ومنهم: (محب الدين الخطيب) ونظراً لمكانته العلمية والأدبية اشتغل بالكتابة والتحرير، وكان العلامة (أحمد تيمور) من أول من قدر الشيخ في علمه وأدبه. فساعده وتوطدت العلاقة بينهما. ثم كسبته دار الكتب المصرية. مع نشاطه في الدروس والمحاضرات وقدم للأزهر ممتحناً أمام لجنة من العلماء اكتشفت آفاق علمه، فاعجبت به أيما إعجاب فنال على أثر ذلك (العالمية) فأصبح من كبار الأساتذة في كلية (أصول الدين والتخصص) لاثنتي عشرة سنة، وفي عام ١٣٤٤ أصدر كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) رد فيه على الشيخ (علي عبد الرزاق) فيما افتراه على الإسلام من دعوته المشبوهة للفصل بين الدين والدولة، وفي عام ١٣٤٥ أصدر كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) رداً على طه حسين فيما زعمه في قضية انتحال الشعر الجاهلي وما ضمنه من افتراءات ضد القرآن الكريم. وفي عام ١٣٤٦ هـ شارك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وفي السنة نفسها أسس جمعية (الهداية الإسلامية) والتي كانت تهدف للقيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع وأدب رفيع مع السعي للتعارف بين المسلمين ونشر حقائق الإسلام ومقاومة مفتريات خصومه، وصدر عنها مجلة باسمها هي لسان حالها، وفي عام ١٣٤٩ هـ صدرت مجلة (نور الإسلام - الأزهر حالياً) وتولى رئاسة تحريرها فترة طويلة. وفي عام ١٣٥١ منح الجنسية المصرية ثم صار عضواً بالمجمع اللغوي. ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (لواء الإسلام) مدة. وفي عام ١٣٧٠ تقدم بطلب عضوية جمعية كبار العلماء فنالها ببحثه (القياس في اللغة) وفي ٢١/١٢ /١٣٧١ هـ تولى مشيخة الأزهر وفي ذهنه رسالة طالما تمنى قيام الأزهر بها، وتحمل هذا العبء بصبر وجد وفي عهده أرسل وعاظ من الأزهر إلى السودان ولاسيما جنوبه، وكان يصدر رأي الإسلام في المواقف الحاسمة، وعمل على اتصال الأزهر بالمجتمع واستمر على هذا المنوال، ولما لم يكن للأزهر ما أراد أبى إلا الاستقالة. ولابد من ختم هذا المقالة بذكر بعض من المواقف الجريئة التي تدل على شجاعته، وأنه لا يخشى في قول الحق لومة لائم شأنه شأن غيره من علماء السلف الذين صدعوا بالحق في وجه الطغيان في كل زمان ومكان. ١- حينما كان في تونس لم تمنعه وظيفته من القيام بواجبه في الدعوة والإصلاح بالرغم من أن الاستعمار ينيخ بكلكله على البلاد، فقد ألقى في نادي (قدماء مدرسة الصادقية) عام ١٣٢٤ محاضرته (الحرية في الإسلام) والتي قال فيها: (إن الأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد وننفي عنها لقب الحرية) . ثم بيّن حقيقتي الشورى والمساواة، ثم تحدث عن حق الناس في حفظ الأموال والأعراض والدماء والدين وخطاب الأمراء. ثم بيّن الآثار السيئة للاستبداد وهذه المحاضرة من دراساته التي تدل على شجاعته وعلى نزعته المبكرة للحرية المسؤولة وفهمه لمنهج الإسلام فهماً راقياً سليماً. ٢- وفي عام ١٣٢٦ عرضت عليه السلطة المستعمرة الاشتراك في المحكمة المختلطة التي يكون أحد طرفيها أجنبياً. فرفض أن يكون قاضياً أو مستشاراً في ظل الاستعمار. ولخدمة مصالحه وتحت إمرة قانون لا يحكم بما أنزل الله. ٣- ولا أزال أذكر ما قصه علينا أستاذ أزهري كان آنذاك طالباً في أصول الدين إبان رئاسة الشيخ للأزهر، حين دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث، ولما علم الشيخ بذلك اتصل بهم وأنذرهم إن لم يتراجعوا عن ما قيل فإنه سيلبس كفنه ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله، فكان له ما أراد. أواخر حياته: واستمر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ في أواخر حياته يلقي المحاضرات ويمد المجلات والصحف بمقالاته ودراساته القيمة، بالرغم مما اعتراه من كبر السن والحاجة إلى الراحة وهذا ليس غريباً عمن عرفنا مشوار حياته المليء بالجد والاجتهاد والجهاد. وكان أمله أن يرى الأمة متحدة ومتضامنة لتكون كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس، وحسبه أنه قدم الكثير مما لانجده عند الكثير من علماء هذا الزمان. وفي عام ١٣٧٧ هـ انتقل إلي رحاب الله، ودفن في مقبرة أصدقائه آل تيمور جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، ورحمه رحمة واسعة، وعفا الله عنا وعنه، وأرجو أن يكون لنا لقاء آخر مع وقفات عند علم الشيخ وما طرحه من أفكار في الدعوة والإصلاح.

стр. 51

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته لبنان.. والإرهاب حقائق يجب أن تعرف عن الحرب اللبنانية المسلمون السُنَّة هدف للإرهاب في لبنان وغيره عجيبة هي الأخبار المتلاحقة التي تشهدها الساحة اللبنانية، وأعجب منها القلوب الجامدة التي يمتلكها أباطرة الطوائف في هذا البلد المنكوب ... فأنت تقرأ في الصحف أخبار المجاعة التي يئن من وطأتها جميع اللبنانيين وأن قيمة الدولار تزيد على ٧٠ ليرة لبنانية، وأن أكثر من رب أسرة في الجنوب حاول بيع أولاده لأنه لا يجد من القوت ما يسد به رمقهم.. كما تقرأ في هذه الصحف أخبار تجارة المخدرات التي تدر " المليارات من الدولارات " على قادة الطوائف، وتشبه هذه الأخبار الأساطير، لكنها بكل أسف حقيقة ليس فيها شك ولاريب. وإذا كانت الحرب قد ضاعفت استيراد المخدرات وزراعتها، فهي موجودة قبل الحرب، وتعرف الحكومات المتعاقبة منذ القديم مَنْ من زعماء الطوائف يزرع المخدرات وفي أي أرض يزرعها، ولكنها (أى الحكومات) أعجز من أن تتخذ موقفاً بل هي ليست أحسن حالاً منهم. ورغم الفقر والمجاعة والبؤس فلا تزال الحرب في لبنان تلتهم الأخضر واليابس، وبينما كنا نعد مادة هذا العدد كانت أجهزة الإعلام العالمية تتابع أخبار الحرب الضروس التي تدور رحاها حول المخيمات في بيروت وجنوب لبنان. إن ما يجري في هذا البلد يهم كل المسلمين لأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وقد رافق هذه الحرب الآثمة اختراق تشكيل من المقاتلات الإسرائيلية حاجز الصوت في العاصمة اللبنانية على ارتفاعات شاهقة، كما حلقت هذه الطائرات في طلعات استطلاعية فوق منطقتي الجبل والبقاع وجنوب لبنان، أي فوق أرض المعركة لمراقبة القتال، بل وشاركت الزوارق الإسرائيلية المسلحة في قصف مساكن الفلسطينيين في مخيمات صيدا وصور! كما رافق هذه الحرب العدوانية أيضاً اعتداءات من جيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل على المخيمات الفلسطينية. ومما ينبغي التأكيد عليه أن هذه الحرب ليست حدثاً عابراً نتج عن أخطاء عادية، وقد تسوى هذه الأخطاء وتطوى هذه الصفحة، وتتصافى القلوب، ويلتقي الطرفان على قتال العدو الصهيوني.. لا، ليس الأمر هكذا ولا يستطيع القارئ فهم طبيعة هذه الحرب إلا إذا علم الحقائق التالية: الحقيقة الأولى: هناك مؤامرة عالمية رهيبة ضد لبنان وقد شاركت الدول الكبرى وإسرائيل في رسم خيوط هذه المؤامرة، والحديث عن المؤامرة قبل الحرب كان يتطلب أدلة وبراهين، وبعد أكثر من إحدى عشرة عاماً أصبحت الأدلة واضحة لكل ذي بصيرة لقد كشفت وثائق ومخططات، ونشرت مذكرات واستطلاعات صحفية كافية لفضح أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد السوفييتي وغيرها من الدول الكبرى. لقد قرأنا فيما قرأنا أن (بن غوريون) رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق، و (موسى شاريت) وزير خارجيته، كانا قد تحدثا فيما كتباه من مذكرات عن ضرورة تقسيم لبنان إلى دويلات طائفية، وتحدث العالم أجمع عبر وسائل إعلامية عن جولات (هنرى كيسنجر) وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية السابق بين عدد من عواصم دول الشرق الأوسط، وقل مثل ذلك عن لقاءات قادة العدو الصهيوني أمثال: بيغن، وبيريز، وشارون مع معظم زعماء الطوائف في لبنان. ونتيجة لهذه المؤامرة انفجرت الحرب في لبنان، وكانت إسرائيل طرفاً فيها ضد المسلمين السنة وحدهم، وعندما اجتاحت لبنان عام ١٩٨٢ م استمرت في حصار بيروت حتى اضطرت منظمة التحرير إلى مغادرة لبنان.. ودبر اليهود وحلفاءهم مذابح صبرا وشاتيلا، ومما يجدر ذكره أن إسرائيل أصرت على مغادرة (الميليشيات) السنية في بيروت الغربية مع أنهم لبنانيون.. وجملة القول فإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وجميع الدول الكبرى لا يزالون يحركون هذه الحرب عبر عملائهم من الطوائف اللبنانية. الحقيقة الثانية: منذ بداية هذه الحرب وحتى كتابة هذه الأسطر هناك خطوط حمراء لا تستطيع أية جهة تجاوزها، ومن الأمثلة على ذلك أن لإسرائيل خطاً أحمر في الجنوب لا تسمح بتجاوزه، وبيروت الشرقية خط أحمر، وكذلك زغرتا، والضاحية الجنوبية، والشوف وبعلبك، والبقاع، والجبل.. أما مناطق أهل السنة، فهي هدف لكل من يتدرب على استعمال الأسلحة، ونذكر من الأمثلة على ذلك: طرابلس، مخيم البداوي، ونهر البارد، وتل الزعتر، وصبرا، وشاتيلا، وبرج البراجنة، والكرنتينا، ومخيم عين الحلوة، والرشيدية، والمية ومية، وبيروت الغربية، وأحياء السنة في صيدا والجنوب.. وكانت الطوائف مع إسرائيل تتناوب الاعتداء على مدن ومخيمات أهل السنة، وكان غير اليهود أكثر يهودية [إن صح هذا التعبير] من اليهود. قد يحصل خلل ويقع اعتداء على منطقة لغير أهل السنة.. والذي يحدث أن الاعتداء يتوقف فوراً، ويجلس الطرفان على مائدة المفاوضات، أما مناطق أهل السنة فلا يتوقف القتال إلا بعد الإبادة والتشريد أو الاستسلام التام. وتفسير هذه الظاهرة لا يحتاج إلى تفكير طويل.. فالدول الكبرى التى اتفقت على دمار لبنان وتقسيمه حددت خطوطاً حمراء، والذين ينفذون المؤامرة ملتزمون بالأوامر الصادرة إليهم. الحقيقة الثالثة: الدويلات الطائفية حقيقة قائمة في لبنان، لكنها غير معلنة بشكل رسمي ومنذ بضعة سنين والدول الكبرى تتعامل مع زعماء الطوائف كما لو كانوا رؤوساء دول، وفي طليعة هذه الدول الاتحاد السوفييتي الذي يمد بعض الطوائف كما يمد المليشيات الشيوعية واليسارية بأحدث الأسلحة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.. ونقول: الاتحاد السوفييتي شريك في المؤامرة لأن من بني جلدتنا من لا يفهم الأمور إلا بعد فوات الأوان، وربما لا يفهمها لا قبل الأوان ولا بعده، أما دور الولايات المتحدة وإسرائيل فمعروف عند الجميع.. ويتعامل أباطرة الطوائف مع بعضهم على هذا الأساس، وكل امبراطور يعرف حدود دولته، وإذا حدث خلاف ذلك تنشب حرب بين الدولتين ثم يتدخل الوسطاء. وسبب الاعتداءات على المخيمات الفلسطينية هو حرص زعماء الطوائف على تنفيذ آخر بنود الاتفاقية، وآخر هذه البنود يقتضي أن لا يقوم لأهل السنة قائمة، وأن لا تكون لهم دولة. الحقيقة الرابعة: الأحزاب والحركات والهيئات العلمانية واليسارية التي يتزعمها قادة العلمانية واليسارية التي يتزعمها قادة ولدوا من أسر سنية. هؤلاء لا يثق بهم أباطرة الطوائف ولا يطمئنون إليهم رغم توددهم لأعداء الإسلام، وهذه عقوبة من الله لهم في الدنيا، فالذين سلموا من إسرائيل بَطَشَ بهم عملاُء إسرائيل عند احتلال بيروت الغربية، ومن سلم منهم من القتل أو السجن خرج هائماً على وجهه في بلاد الله الواسعة. وكذلك حال الفلسطينيين الذين تآمروا على قومهم في ساعات المحنة.. إنهم يعيشون حياة لا يحسدون عليها، لكنهم فقدوا المروءة والنخوة، وقبلوا حياة الذل والخيانة. إن أعداء الإسلام يعرفون بأن السني، قد يتوب إلى الله من العلمانية والإلحاد ويقف في الصف المعادي لهم، ولهذا فهم لا يثقون به مهما نافق وداهن لهم. الحقيقة الخامسة: إن هؤلاء الأباطرة يحاربون أهل السنة بالأصالة عن أنفسهم، ونيابة عن إسرائيل والولايات المتحدة، وبقية الدول الكبرى، ولهذا فهم يتقاضون راتباً لكل جندي من جنودهم، كما يتقاضون مساعدات وأسلحة ثقيلة وخفيفة، فضلاً عن تجارة المخدرات وممارسة سياسة السلب والنهب.. ومن يعتقد غير ذلك كيف يتصور أن تستمر هذه الطوائف أكثر من أحد عشر عاماً مع أن دولة من الدول تعجز عن الاستمرار في القتال والاستنفار طيلة هذه المدة. وكيف يتصور إنسان يحترم عقله استمرار حصولهم على السلاح والذخيرة إذا كانوا مستقلين ولا يتلقون مساعدات من حكومات وأنظمة خارج لبنان.. وعلى كل حال فكل شيء في لبنان واضح بالأدلة والأرقام، والأباطرة فقدوا الحياء والخجل وأصبحوا لا يخجلون مما كانوا يتسترون عليه. الحقيقة السادسة: إن أباطرة الطوائف يتكتلون ضد أهل السنة رغم ما بينهم من تناقضات وخلافات، ويستطيع المنصف أن يتبين صحة ما نقول إذا استعرض الأحداث منذ بداية الحرب، وإذا كان لا يريد أن يتعب نفسه، فليقراً وليسمع ما نشرته وكالات الأنباء وأجهزة الإعلام عن موقف الأباطرة في الأحداث الأخيرة، وعن موقف العدو الصهيوني من هذه الأحداث. الحقيقة السابعة: إن أهل السنة يدافعون عن أنفسهم في ظروف لا يحسدون عليها.. إنهم يلتفتون حولهم فيجدون العدو يحيط بهم من كل جانب داخل لبنان وخارجه وفي معظم الحالات يحققون انتصارات مهمة، ولكن مساعدات الآخرين ووقوفهم إلى جانب العدو يغير مسيرة المعركة.. وبعد أيام أو أشهر تنتهي الذخيرة، ولا يجدون من يمدهم بها.. أو قد يُمْنَع عنهم التموين، أو الماء، أو المساعدات البشرية، نعم قد تمنع هذه الأمور كلها لأنه لا طريق للوصول لأهل السنة المحاصرين إلا عبر اجتياز دولة طائفية، وهذه الدولة ترفض الحياد إذا كان أهل السنة طرفاً في معركة من المعارك، وتسارع إلى الانضمام لخصومهم، ولهذا السبب سقط تل الزعتر، والكرنتينا، والمسلخ، ومحيت هذه المناطق من الوجود، كما سقطت طرابلس وبيروت الغربية، وبرج البراجنة، وصبرا وشاتيلا، ومخيم نهر البارد، ومخيم البداوي، وسجل المجاهدون صفحات من البطولة لا تنسى، كانوا يقاومون جيشاً غازياً، كما يقاومون المليشيات الطائفية التي انضمت للغزاة، ومنعت عنهم الماء والكهرباء والعلاج والغذاء، ويقاومون أيضاً الخونة وضعاف النفوس الذين جندهم الغزاة منهم.. وقد حدث هذا في بيروت الغربية عند حصار الجيش الصهيوني لها، كما حدث في طرابلس والمخيمات عموماً. * * * وبعد: هذه هي الحقائق التي نستطيع على ضوئها فهم طبيعة الحرب اللبنانية قديماً وحديثاً، حاضراً ومستقبلاً. ومن هنا نستطيع أن نفهم أسباب الاعتداءات المتلاحقة ضد أهل السنة، وآخر الذين تم اغتيالهم الشيخ صبحي الصالح ﵀، وما كان يملك (ميليشيا) ، ولا كان زعيماً سياسياً، وعلى نقيض ذلك كان يمثل الاعتدال بين أهل السنة، وكانت له علاقات جيدة مع النصارى وغيرهم، ومع ذلك لم يسلم، وجاء اغتياله بعد محاضرة ألقاها خلال زيارة له في المغرب العربي تحدث فيها عن الإرهاب والإرهابيين، وأنكر تبني الإسلام لمثل هذه الأساليب، والذين قتلوه مشوا بجنازته وكتبوا في صحفهم يشيدون بمآثره، وينددون بالقتلة المجرمين، وكم في لبنان من المضحكات المبكيات! ! . ونقرأ في الصحف، ونسمع في نشرات الأخبار من يتهم المسلمين بالإرهاب، والحقيقة نحن هدف للإرهاب الذي تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، ومن يدور في فلكهم من الدول والطوائف، وهذه هي حالنا في: لبنان، وفلسطين المحتلة، والحبشة، وأرتيريا، وتشاد، وأوغندا، وفي الهند وأفغانستان، وداخل الاتحاد السوفييتي والفلبين، وفي مناطق أخرى كثيرة من العالم الإسلامي. نحن الذين من حقنا أن نطالب بوضع حد للإرهاب ومكافحة الإرهاب حقاً، ويجب أن تسمى الأمور بمسمياتها الصحيحة فالخائن لا يمكن أن يكون بطلاً، والسارق ليس شجاعاً والمعتدى عليه الآمن ليس إرهابياً. ولا يزال بيننا بكل أسف من يخجل من قول الحقيقة لأنه -كما يزعم - لا يريد تقسيم الإسلام إلى سني وغيره، ولا يريد أن نتهم بالطائفية، أو لأنه لا يزال يحسن الظن بالذين يقولون له بكل خبث: ماذا تريد فالعلمانيون يقاتلون علمانيين.. كذبوا والله فالبائسون الآمنون من الشيوخ والنساء والأطفال والشباب في طرابلس وبيروت الغربية والمخيمات ليسوا علمانيين، وهؤلاء الذين يرددون هذه الشعارات ليسوا حياديين، ومن جهة أخرى فعدونا يقاتلنا لأننا من أهل السنة، وبعض الأغبياء من أهل السنة يريدون منا أن نموت ونحن صامتون حتى لا نتهم بالطائفية.

стр. 52

أوقاف المسلمين..آخر الحصون هذا مثل آت من فلسطين، وهو في سياقه هكذا - ليس مفاجئاً لأحد، لا لخصوم الإسلام، ولا لأنصاره، يوضح باختصار ودون تعقيد - كيف يجهد اليهود، ويحرصون على القضاء على كل المقومات التي تمثل أدلة على هوية فلسطين الأصلية، ويضعون الخطط التي تمحو كل البصمات التي تدل على انتماء سكان البلاد الشرعيين. فقد زار مفتي فلسطين مصر أواخر شهر ١٠/١٩٨٦ ليعرض على علماء الأزهر، ويتدارس معهم أوضاع المسلمين في فلسطين المحتلة، والصعوبات والمشاكل الناجمة عن سيطرة اليهود المباشرة على أوقافهم، وكثير من مساجدهم، والتدخل السافر في كل أمر مما يخص إدارة شؤونهم الدينية، حتى البسيط منها، وإمكانية عرض هذه القضايا في المؤتمرات الدولية، وفي الهيئات الإسلامية العالمية. وقد ذكر مفتي فلسطين أن المسلمين لم يتمكنوا إلى الآن من استعادة أوقافهم الإسلامية، ومساجدهم المصادرة منذ عام ١٩٤٨، والتي حولت إلى متاحف! ! وذكر، كذلك، أن كثيراً من مقابر المسلمين لا تزال تنبش وتقام عليها الملاهي الليلية، والمستوطنات، وأن المسلمين -وحدهم من بين جميع الطوائف الموجودة في فلسطين - هم الذين تخضع شؤونهم الدينية للإدارة اليهودية، ما جل منها، وما صغر؛ حتى لو كان تعيين " مؤذن " أو " فراش "، في حين أن للطوائف اليهود ية مجلساً مستقلاً عن الدولة هو " المجلس الرباني " وللطوائف المسيحية المختلفة مجالسها التي تتولى الإشراف على أنشطتها، دون تدخل، أو رقابة من أحد. وذكر من المساجد التي هدمت في فلسطين مساجد: المزيدل، ومعلومة وصفورية، ولوبيا، وحطين، وتمرين وشجرة، وعين حوض، والطيرة، وجبع، والطنطورة، وكفر لام. وكذلك أغلقت المدارس الإسلامية في حيفا، والنصارية، وعكا، ويافا. وألغيت أيضاً جميع الوظائف الحيوية للمسلمين، مثل: مفتش المحاكم العام ومراقبة الدعوة والإرشاد. وبيّن أن أساليب المماطلة والتواطؤ التي تسلكها المحكمة العليا فيما يخص الدعاوي التي يقيمها المسلمون، مطالبة بحقوقهم، وكيف تدفع هذه الدعاوي وترد بحجة عدم الاختصاص.. وهناك دلالات لابد من الإشارة إليها وردت في هذه الشهادة لمفتي فلسطين: ١- أول هذه الدلالات: التدخل السافر في شؤون المسلمين، مهما صغرت، وعدم إتاحة الفرصة لهم، ليقوموا بأي نوع من التجمع، وعلى أي أساس كان والحرص على ضرب كل ما يجعلهم يشعرون بكيان عقائدي يربطهم، ويستمدون منه الأمل في مستقبل أفضل. ولا يصرفنك عن هذه الحقيقة ما يتشدق به أعداء الإسلام من كلمات مثل: حقوق الإنسان، وحرية العقيدة والديموقراطية.. فكأن هذه المصطلحات وضعت ليفهم منها أن الإنسان المسلم مستثنى منها بداهة. فالإنسان المسلم - عند أغلب الناس غير المسلمين - لم يصل - ولن يصل، مادام مسلماً - إلى مرتبة الإنسانية أبداً! والإنسان المسلم ليس حراً، لا في فهم عقيدته، ولا في تطبيقها، وإذا ما حاول ذلك، فإنه يُرمى عن قوس واحدة، من كل الجهات، حتى ولو كان بين هذه الجهات ما بينها من الخلافات والعداء، فإنها تتفق على حربه والكيد له، يرمى بشتى أنواع التهم من تخلف، وتطرف، وتعصب وسير بالناس إلى الوراء، ومحاولة فرض أفكاره على الناس، وإرهابهم فكرياً - مع أنه هو الذي تطبق عليه هذه المفهومات، ويرهب فكرياً، ويغتال جسدياً، ويسلب أبسط حقوقه ألا وهو حق الدفاع عن النفس.. ماذا أقول؟ ! بل حق الهمس بالشكوى والتوجع والأنين من هول ما يلاقي في سبيل قوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وقد طلب كاتب مسلم من بعض الناس أن يعرف له الديموقراطية، فأجاب هذا: إن الديموقراطية هي: حكم الشعب بالشعب. فأجابه الكاتب المسلم: لقد نسيت استثناءً مكملاً لهذا التعريف، اتفق عليه الشرق والغرب، ولعله محذوف للعلم به - حتى صار ذكره أو حذفه سواء - وهو أن الديموقراطية حكم الشعب بالشعب، إلا أن يكون هذا الشعب مسلماً! فحتى هذه الديموقراطية، التي هي وليدة مجتمعات وبيئات لها خلفيات ثقافية مغايرة للإسلام في أهدافه ووسائله؛ أصبحت حقاً مشاعاً لكل بني البشر، واستثني المسلمون بقسوة من حق المشاركة فيها، لا لشيء، إلا لأنها تعطيهم الحق في أن يقولوا: هذا نريده، وهذا نرفضه. ٢- الدلالة الثانية: مأساة الأوقاف الإسلامية، ي أغلب بقاع العالم الإسلامي، فقد سلُطِّ على هذه الأوقاف سيفان ماضيان، بل ذئبان جائعان، يفتكان فتكاً ذريعاً في هذه الأوقاف المكشوفة! أول هذين الذئبين: كثير من متولِّي شؤون الأوقاف، والقائمين على تدبيرها في القديم والحديث، ممن فسدت ذممهم، وخربت نفوسهم، وباعوا دينهم بِعَرَضٍ من الدنيا قليل، فكم من مال نهب، وكم من بيوت موقوفة أخفيت أو أتلفت صكوكها وحججها، ليستولي عليها من يسكنها، أو تباع بثمن بخس لمن لا يستحق، وكم من مدارس تحولت إلى بيوت، ومساجد تحولت إلى متاجر وأربطة تحولت إلى أملاك شخصية وإلى ما شاء المسؤولون عنها، وكم من فقراء معدمين أثروا من أموال الأوقاف، واختالوا، واستطالوا على الناس، ففسدوا وأفسدوا.. وكم.. وكم.. مما يطول ذكره، ويؤلم تعداده أما الذئب الثاني: فهو ذئب قديم حديث أيضاً، ولكنه كان في القديم يعدو على هذه الأوقاف بين الفينة والفينة، ولا يعدم من يصرخ به أحياناً، أو ينهره، فيرجع متخفياً موتوراً يتحين غفلة من الحراس لينزو ثانية، لعله ينشب أظفاره بصيد جديد. أما الآن.. فقد أمن الهجوم متخفياً بعد أن آلت إليه وراثة حقوق المسلمين المعنوية والعينية، وأصبح هو الذي يبت في أمر تدبير شؤون هذه الأوقاف، وصرفها، وتعيين من يحق له أن يطلع على أسرارها، ويكون له حق القوامة عليها. وهكذا، بعد أن أصبح للأوقاف وزارات، صار طبيعياً أن يكون من بين المسؤولين عنها أناس لادين لهم أصلاً فالمسلم الذي خربت ذمته، وانهارت نفسه لمطمع مادي، قد يشعر في حين من الأحيان - بذنبه، فيتوب، ويكفّر أو يعمل على إصلاح هذا العيب بالعمل الصحيح في مجال آخر. أما من لادين له فالأمر عنده لا يتعلق بنهمة يسدها بمطمع مادي، ولا بنفس شرهة يحرص على تلبية رغباتها، وإنما المشكلة عنده انحراف عقائدي يريه الأمر أمر أموال لو صرفت إلى مصارفها المحددة لها بأمانة، ووجهت حسب رغبة واقفيها المسلمين باستقلالية وتجرد، لجعلت المسلمين أعزة في ديارهم، يتمتعون باستقلالية في اتخاذ قراراتهم، وجعلت علماءهم لا يتكففون من يذلونهم ويسومونهم ويسومون دينهم الخسف والهوان، ولجعلت المسلمين يعرفون مواطئ أقدامهم على خريطة العالم، وذلك بتعليم أولادهم دينهم وعقيدتهم، وتنشئهم التنشئة التي تتفق وإرثهم الثقافي والحضاري، بدل تلقينهم ما يقطعهم عن جذورهم، ويجعلهم مشوَّهي الفكر، فاقدي أهم واكرم ما يمتاز به الإنسان. ولهذا، فإن هذا وأمثاله، ممن وسدت إليهم هذه الأمانة التي ليسوا أهلاً لها، يجهدون في أن يسيروا في أموال الأوقاف سيرة سلفهم " محمد علي باشا " في أوقاف مصر، «الذي أخذ ما كان للمساجد من الرزق، وأبدلها بشيء من النقد يسمى [فائض رزنامة] لا يساوي جزءاً من الألف من إيرادها، وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة وقرر له بدل ذلك ما يساوي نحو ٤ آلاف جنيه في السنة.. وقصارى أمره (أي: محمد علي) في الدين، أنه كان يستميل بعض العلماء بالخلع (الملابس) أو إجلاسهم على الموائد لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا عليه في سخط ماتوا عليه» [١] . ٣- الدلالة الثالثة: ظاهرة تحويل مساجد المسلمين إلى متاحف، فقد كان المعتاد أن تتحول المساجد إلى كنائس في ظل السيطرة النصرانية على كثير من بلاد المسلمين وكانت الرموز الإسلامية في هذه المساجد تقتلع أو تطمس، كما حصل في الأندلس، أما في ظل الظروف الحالية، عندما عزف أهل الكنائس عن ارتياد كنائسهم، وعندما وقع كثير من المسلمين تحت الملاحدة وعندما لا يوجد الجمهور الذي يملأ فراغ هذه المساجد، فيما إذا حولت إلى كُنُسٍ ومعابد لليهود - كما في حالة فلسطين - يُلجأ إلى تحويل هذه المساجد إلى متاحف، لئلا يتعرض العاملون على ذلك لاستنكار بعض الجهات الدولية، مثل " اليونيسكو " وغيرها، فيما لو هدوا هذه المساجد. وليجتذبوا بواسطتها السائحين، بعد أن يكونوا قد عطلوا دورها الذي قامت من أجله، وجعلوها مثابة للمتبطلين والفارغين الذين يقصدون هذه الأماكن بقصد الترويح والفرجة. ٤- الظاهرة الرابعة: وهي ذات معنى يؤسف له، فكم من الجهات - في أرجاء العالم الإسلامي الواسعة - نستطيع أن نشير إلى ما يصنع بأوقاف المسلين فيها - غير فلسطين المحتلة -؟ فإذا كنا نستطيع أن نرفع أصواتنا مستنكرين منددين بما يفعل بحقوق الإنسان على أيدي اليهود في فلسطين؛ فهل نستطيع أن نفضح الممارسات المشابهة في بقاع وبلاد أخرى؟ مع أن هذه الممارسات إن لم تكن أشد خبثاً وأكثر التواءً فهي لا تقل بحال عما يفعله اليهود من اغتصاب، ومماطلة، وتخطيط دائب من أجل تجريد المسلمين من كل شيء له فاعلية.. ــ (١) من المقال الشهير الذي كتبه الشيخ محمد عبده عام ١٩٠٥، بمناسبة مرور مائة سنة على تولي محمد علي وأسرته حكم مصر.

стр. 53

زيارة غورباتشوف للهند الخبر: قام الرئيس السوفيتي (ميخائيل غورباتشوف) بزيارة للهند استغرقت أربعة أيام [من ٢٥/١١ إلى ٢٨/١١] وأعلن الجانبان عن إجراء محادثات بينهما حول الأمن الآسيوى، ونزع الأسلحة، والسلام العالمي، وقال غاندي [رئيس وزراء الهند] في حفل الاستقبال مخاطباً غورباتشوف: إنك تحترم حيادنا، ونحن نحترم التزامك بالسلام. وعقد الزعيمان اجتماعين منفردين. التعليق: أي حياد هذا الذي يتحدث عنه الزعيم الهندي؟ ! . وأي سلام هذا الذي التزم أو سيلتزم به غورباتشوف؟ ! . وماذا دار في الاجتماعين المغلقين الذين عقدهما الزعيمان السوفيياتي والهندي؟! . وللإجابة على هذه الأسئلة علينا أن نستحضر بأذهاننا تهديدات غاندي لباكستان قبل الزيارة بأيام، وأما حياد الهند ودعوتها إلى السلام فالأدلة على بطلان هذا الادعاء واضحة في موقف الحكومة الهندية من فصل باكستان الشرقية عن الغربية، وفي احتلالها لمعظم أرض كشمير، وفي اضطهادها المسلمين في الهند. أما السلام الذي يدعو إليه الزعيم السوفيياتي فآثاره جلية لكل ذي بصيرة في أفغانستان المسلمة التي احتل الشيوعيون السوفيت أرضها منذ بضع سنين مما اضطر خمسة ملايين من الأفغان إلى الالتجاء إلى باكستان، ومن أراد دليلاً على هذا السلام المزعوم فليقم بزيارة مخيمات المسلمين الأفغان في منطقة (بيشاور) الباكستانية. أما الأحاديث التي دارت في الاجتماعين المغلقين الذين عقدهما الزعيمان السوفيياتي والهندي فيجب أن يتنبه إليها المسلمون في باكستان، وعلى العلماء والدعاة أن يحذروا من الخطط التي يرسمها قادة السوفييات والهند.. وقد كانوا في جميع المؤامرات السابقة يداً واحدة ضد المسلمين في باكستان.

стр. 54

زيارة البابا لبنغلاديش الخبر: زار بابا روما بنغلادش بتاريخ ١٩/١١/١٩٨٦ واستمرت زيارته يوماً واحداً، ورافق البابا في زيارته وفد من الفاتيكان يتألف من ٣٥ عضواً، ويضم كاردينالين بينهم وزير خارجية الفاتيكان " كاساريلي ". وتوجه البابا فور وصوله إلى " دكا " مباشرة من المطار لإقامة قداس في استاد تريب اكتظ بنحو ٥٠ ألف شخص، ودعا في موعظته إلى الحرية والعدل واحترام معتقدات الغير. التعليق: بنغلادش أو باكستان الشرقية من أفقر بلدان العالم، وطالما استصرخ المسلمون فيها مشاعر إخوانهم في مختلف بلدان العالم الإسلامي فما وجدوا استجابة تستحق الذكر، وفي المقابل نشطت المؤسسات التبشيرية في بنغلادش فشيدوا المدارس والمستشفيات والشركات والمؤسسات الاقتصادية التي عرف القائمون عليها كيف يستغلون حاجة المعدومين ويتلاعبون بعواطفهم، ومن الأمثلة على ذلك أن هناك شركات اقتصادية تبتاع السمك من الصيادين بثمن بخس ولكن البائعين لا يعرفون لولا هذه الشركات كيف يبيعون السمك، وهذه الشركات تعلب السمك ثم تصدره فتربح أضعاف التكلفة، وهذه الأرباح ترصد لتنصير المسلمين، وبالفعل يتزايد عدد الذين يتنصرون في بنغلادش، كما يحدث في معظم دول أفريقيا وجنوب آسيا وشرقها، ولعل الله ييسر لنا تقديم دراسة عن أنشطة المبشرين في بنغلادش في أعداد قادمة إن شاء الله. فمتى ينهض الدعاة والعلماء والمحسنون من سبات نومهم، ويؤدون دورهم المطلوب؟ ولن يؤدوا دورهم إلا إذا وحدوا صفوفهم، وصدقوا مع ربهم ونبذوا الأهواء والأطماع والشقاق والنفاق. وأما احترام معتقدات الغير والحرية والعدل، فلا وجود لهذه الشعارات في الدول التي يتمكن فيها النصارى، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

стр. 55

اليهود.. حقد موروث نقلت وكالات الأنباء بتاريخ ٦/١١/١٩٨٦ خبراً من القدس مفاده أن المجندين اليهود يتدربون في أحد مراكز الجيش الإسرائيلي على إطلاق النار على أهداف يعلوها غطاء الرأس (الكوفية) وهو الغطاء التقليدي العربي ويصدر إليهم الأمر على هذا النحو: (صوب النار على محمد) أو (أطلق النار على محمد) . عندما يقراً المسلم هذا الخبر يتذكر قوله تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا] [سورة المائدة ٨٢] . ولو تأملنا في ما يشير إليه هذا العمل - بعيداً عن التأثر بالعواطف - بشقيه: البَصَري، وذلك بوضع " الكوفية " على الهدف أو العقلي المتمثل بصيغة الأمر المعُطَى: (أطلق النار على محمد) ، لعرفنا أن هذا العمل بشقيه؛ ... يذكي روح الحقد والكراهية التي يكنها اليهود للعرب خاصة، وللمسلمين عامة، ويزيدهم فاعلية في تحديهم وخططهم، وهم يكرهون العرب لأن أغلبيتهم مسلمة تدين بهذا الدين الذي له رأيه ورؤيته المحددة باليهود، ولهم من وحي ربهم غنية وبلاغ عن كل التحليلات والاكتشافات لخصائص العقلية اليهودية، ومميزات المكر والالتواء التي عرف بها. ويكرهون المسلمين ونبي المسلمين ويجعلونه هدفاً يشحذون [١] به غيظهم وكراهيتهم، وينفسون بذلك عن أحقادهم الدفينة، وذلك لأنهم يعلمون من التاريخ أن الجماعة الإسلامية الفتية، القليلة العدد، بقيادة هذا الرسول العظيم، محمد بن عبد الله ﷺ ، لم يخدعها ظاهر اليهود عن باطنهم، ولم تنحن لخطط اليهود وأحابيلهم، ولم تقع تحت إغرائهم، ولم يَسِلْ لعابها لما يملكون من وسائل، وما يبذلونه من مطامع، واستعصت هذه الجماعة على خطط اليهود وكيدهم، في الوقت الذي نرى فيه أعتى أمم الأرض، وأملكها لأسباب القوة المادية، - من أسلحة فتاكة، واقتصاد قوي، وأعداد بشرية كبيرة، وعقول خبيثة، مَرَنت على رسم خصص الشر، ودربت على الإفساد في الأرض؛ نرى هذه الأمم العاتية وقد وقعت في شباك اليهود، وسقطت تستجدي نفوذهم، وتتملقهم بشتى صنوف الاسترضاء. لذلك كله يكره اليهود المسلمين، ومع أنهم يكرهون البشر جميعاً، ويؤمنون أن كل البشرية يجب أن تكون بهائم لليهود، وأنهم شعب الله المختار، لكن كراهيتهم تزداد طرداً حسب تنبه الناس لهم، ومعرفتهم لأساليبهم، وتتناقص عكسياً بقدر استنامة الأمة لهم، والغفلة عما هم بصدده، أو موافقتهم ابتغاء عَرَض من الدنيا قليل تملكه أيديهم. وتبقى كلمة نوجهها لبني قومنا من العرب ممن لا يزالون يفرقون بين الصهيونية واليهودية، وتنطلي عليهم هذه الخرافة التي يروِّجها الملاحدة وأشباههم من أصدقاء اليهود وأوليائهم فنقول: إن الذي مكن لليهود في فلسطين هو امتلاء نفوسهم - قيادة وجماهير - بهذه العقيدة التي يؤمنون بها، والتي وحدت هدفهم وجددت طريقهم، في الوقت الذى واجهوا فيه قيادات ترفع مئات الرايات، وقلوباً خفتت فيها أصوات العقيدة بل وجدوا قيادات في جانب وشعوباً في جانب آخر، فأي خذلان أكبر من هذا الخذلان، وأي فرصة مناسبة للأعداء أفضل من هذه الفرصة؟ ! ومع أن الحقائق تثبت يوماً بعد يوم، أن لاخيار للعرب في رجوعهم إلى ما فيه عزهم ومنعتهم وهيبتهم - ألا وهو الإسلام - وأن أحوالهم المؤسفة، وأمراضهم المستعصية لا علاج لها إلا بذلك؛ إلا أننا لانزال نرى من تفرق الكلمة، وكثرة الرايات وتوجيه الأسلحة إلى صدور وظهور المسلمين من قبل أبناء المسلمين، ورفع كل راية، ماعدا الراية الإسلامية، ما يدمي القلب، ويستمطر الدمع. إن اليهود يعلمون حق العلم أن الإسلام هو المحتوى العقائدي والفكري للعرب، وبهذا المحتوى فتحوا فلسطين وغيرها وأرسوا فيها معالم حضارته، وبه أيضاً طردوا الصليبيين الذين هجموا هجمتهم على فلسطين وغيرها من بلاد الشام في ظرف هو أشبه بهذا الظرف البائس، ولم يُردوا على أعقابهم خائبين إلا حين جوبهوا بقوة يقودها مثل عماد الدين، ونور الدين [٢] ، وصلاح الدين، بعد فترة من التمزق تسلط فيها أصناف من الملاحدة والزنادقة وأصحاب الأهواء والمبتدعة على رقاب المسلمين، وعاثوا في بلاد الإسلام فساداً.

стр. 56

مشاهداتي في بريطانيا من طلب رضا الناس بسخط الله د. عبد الله مبارك الخاطر عرفته في بريطانيا شاباً طموحاً يتدفق حيوية وحركة.. جل همه أن يحصل على شهادة (دكتوراه) ثم يعود إلى بلده ليكون مدير جامعة أو وكيل وزارة أو وزيراً. كان يحدثنا عن ثقته بنفسه وقدرته على استمالة الناس إليه.. فهذا المسؤول أقنعه بوجهة نظره، وذاك المدير أقام معه أطيب العلاقات وأمتنها.. وخلال إقامته في بريطانيا نهج طريقه المعروف، فأخذ يتقرب إلى مشرفه ويتملق له، ويحاول إرضاءه بمختلف الوسائل والأساليب ولم يقصر " دكتور المستقبل " في إقناع أستاذه بأنه ليس رجعياً، ولا متديناً، وفضلاً عن هذا وذاك فهو معجب أشد الإعجاب بالإنكليز وجامعاتهم وتقدمهم العلمي. وذات يوم أراد الأستاذ أن يمتحن مصداقية أقوال تلميذه، فدعاه إلى وكر من أوكار الخمور، وسارع (دكتور المستقبل) إلى تلبية الدعوة.. وظن الأحمق أن استجابته لطلب المشرف سوف تساعد على اختصار الوقت. شرب (دكتور المستقبل) حتى الثمالة، وفقد توازنه، ولم يعد قادراً على ضبط أقواله وأفعاله.. أما المشرف فكان يشرب قليلاً ويتمتع برؤية تلميذه وهو يشرب لأول مرة. وهب أنه شرب كثيراً فلا فرق عنده بين الماء والخمرة، لقد اعتاد شرب الخمر. أما " دكتور المستقبل " فقد أخذ يعبر عن مشاعره الحقيقية نحو الإنجليز، وراح يلصق بهم أبشع النعوت وأحطها، والمشرف ينظر إليه ويؤمن على كلامه ويبتسم له ويخفي في نفسه ما لا يبديه. ومضت الأيام، وكلما قدم (دكتور المستقبل) فصلاً أخّره المشرف مدة طويلة ومملة، ثم يعيده لتلميذه طالباً حذف بعض الأمور وإضافة أمور أخرى وإعادة الصياغة لأن لغة الكاتب ركيكة.. وكان المشرف يغلّف حقده بقوله: أريدك أن تكون دكتوراً ناجحاً، وسوف تستفيد كثيراً من هذه الفترة الطويلة التي تمكثها بيننا، ولا يتخرج من جامعاتنا إلا الأفذاذ من الرجال. وأخيراً بقي الطالب الطموح ضعفي المدة المحددة، وذاق الويلات، وأصبح يشك بمواهبه وقدراته.. وبعد التي واللتية نال شهادة الدكتوراه، وقبل سفره جلس مع أستاذه المشرف يحدثه عن إعجابه بالإنكليز وجامعاتهم وتقديره لكل ما رآه عندهم، فأجابه المشرف بكل خبث ودهاء: إن حقيقة رأيك بالإنكليز وأخلاقهم وعاداتهم سمعته منك في الخمارة قبل ثلاث سنين، فحاول (الدكتور الجديد) أن يعتذر ولكنه أخذ يتكلم ويهذر ولكنه يعرف أن كلامه ليس مقنعاً ومن كان عاجزاً عن إقناع نفسه فكيف يقنع غيره. أدرك الدكتور الجديد ورجل المستقبل في بلده لماذا غيّر المشرف أسلوبه ولماذا تضاعفت مدة الدراسة لكنه بكل أسف لم يدرك الأمور التالية: من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. ولم يدرك أنه [ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً *ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ] . ولم يفهم - وهو المسلم - أن التنافس يكون على الأعمال الصالحة وليس على حطام الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة. وليت هذه العقوبة الدنيوية تكون سبباً في هداية الدكتور وتوبته.. وليت أمثاله يتعظون.

стр. 57

أطفال الحضارة المعاصرة ... نحو الهاوية إن ظاهرة الاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال في دول الحضارة المعاصرة تكاد تملأ سمع العالم وبصره منذ سنوات، وخصوصاً من يقدر له أن يعيش في مثل هذه الدول المتحضرة! ! .. هذه الاعتداءات تشمل الضرب الجسمي الوحشي، التعذيب بالآلات الحادة، إطفاء السجائر بأجسام الأطفال الرقيقة، السجن في أماكن مظلمة، ربط الطفل في زاوية من زوايا البيت لفترات قد تتجاوز الأشهر، بل أحياناً السنوات! ! هذا عدا الترك والإهمال بكل معانيه [الصحية-التغذية - التعليم والتربية.. الخ] ، والإهانات العاطفية، بيع الأطفال مقابل مبلغٍ من المال، الطرد والإبعاد عن المنزل في سن مبكرة جداً.. إلى آخر هذه الأساليب الوحشية المفزعة.. وقد يدهش المرء عند سماع مثل هذه الحالات المذهلة من التعذيب، وقد يصف هذه المجتمعات بالوحشية والبهيمية.. لكنه سرعان ما يتضح له خطأ هذا الوصف والتشبيه إذا علم أن ما يتعرض له أطفال الحضارة المعاصرة من أساليب التعذيب والتفنن فيها إنما يحدث من أقرب المقربين منهم، ممن يقوم على رعايتهم وتربيتهم، بل - وفي كثير من الحالات -من آبائهم وأمهاتهم.. نعم إن الوحوش الكاسرة لتعطف على صغارها بدافع الفطرة التي فطرها الله عليها، والرحمة التي أودعها في قلوبها تجاه صغارها.. بل وأحياناً تجاه أبناء جنسها. فليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضاً عياناً إن هذه الوحوش لتدفع عن صغارها كل سوء، وتكدح من أجل تأمين الرزق لها، وتوفر لها المكان الآمن، وهي مع ذلك مستعدة للتضحية بحياتها من أجل أن يبقى صغارها، وهذا الأمر لا يحتاج إلى دليل ولا إلى كثير من الإيضاح.. ولكن ما لا تتقبله العقول السليمة، ولا الفطر القويمة أن يقوم من كرمه الله بالعقل والفهم والإدراك بمثل هذه الأساليب الوحشية - مع التحفظ على هذه الكلمة - ويصب صنوف العذاب على من؟ على أطفاله وفلذات كبده.. ولو كان الأمر متعلقاً بأطفال غيره أو بأطفال من دول العالم الثالث لهان الأمر، خصوصاً إذا تذكرنا العقلية الاستعمارية التي يتمتع بها كل من الغرب الرأسمالي، والشرق الملحد، والتي لا تزال كثير من الشعوب تعاني منها أو من آثارها. ولنأخذ أعرق هذه المجتمعات مدنية وتحضراً، كشريحة من شرائح المجتمع الغربي المتحضر نجري عليها هذا البحث - أعني المجتمع الإنجليزي - فالحكومة البريطانية تستعد الآن لإصدار (كتاب أبيض) يتعلق بمشروع قانون حماية الطفولة المزمع طرحه على مجلس العموم، وقد وعدت الحكومة بأن تأخذ في الاعتبار اقتراحات وصفت بأنها (دراماتيكية مثيرة) لأنها تعطي الطفل الحق في أن يطلب قضائياً الانفصال عن أبويه إذا تعرض للإساءة من جانبهما [الشرق الأوسط ٤/١١/ ١٩٨٦] . ولا تظن - أخي القارئ - أن حضارة القرن العشرين المبدعة عجزت أن تبتكر أساليب جديدة أكثر تقدماً - نحو الهاوية - في هذا المجال.. ويحق لك أن تسأل: وأي جريمة بقيت لم ترتكب في حق هؤلاء الأطفال الأبرياء؟ . لكن إن كنت ممن تابع الصحافة الغربية، والبريطانية منها على وجه أخص، في الآونة الأخيرة فإنك لابد أن تكون أدركت ما أرمي إليه.. هذا الأسلوب الجديد هو ما يسمى (بالاعتداء الجنسي على الأطفال) .. فلقد أنشئ خط هاتفي جديد في مدينة ليدز البريطانية لمساعدة الأطفال الذين تعرضوا لمثل هذا النوع من الاعتداء، ولقد تلقت محطة تلفزيون B. B. C البريطانية ما يتراوح بين ٣٠ - ٥٠ ألف مكالمة هاتفية خلال الاثنتي عشرة ساعة الأولى التي فُتحت فيها الخطوط الهاتفية للأطفال.. لكن ألفي مكالمة فقط تمكنت المحطة من الإجابة عليها.. ورغم أن أكثرهم كانوا من البالغين الذين أبدوا استعدادهم للمساعدة في هذا المجال إلا أن ٣٠٦ ممن خابروا المحطة كانوا من الأطفال الذين يشكون من وقوعهم تحت هذه المأساة، وقد أحيل عشرة منهم إلى أقسام الرعاية الاجتماعية، أو المكاتب المدعومة من المتطوعين أو الشرطة [الأوبزيرفر ٢/١١/١٩٨٦] . ويتبين حجم هذه المشكلة، والتي أثيرت بمناسبة إنشاء هذا الخط الهاتفي من خلال تصريح الدكتورة جلاسر Dr Glaser والتي تعمل في إحدى مستشفيات لندن حيث تقول: إن الوحدة التابعة لها والمختصة بالأطفال المعتدى عليهم، والتي تخدم إدارة صحية واحدة فقط.. إن هذه الوحدة تتلقى الآن ٨٠ حالة جديدة سنوياً والتي قد تكون مؤشراً لوجود ١٦ ألف حالة جديدة سنوياً في إنجلترا أو مقاطعة ويلز. إن أقسام الرعاية الاجتماعية غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الأطفال المعتدى عليهم، وإن بيوت رعاية الأطفال والتي كان مقرراً إغلاقها ستبقى ... مفتوحة الآن، في مدينة ليدز.. لقد اكتشف الأطباء مثل هذه الاعتداءات منذ أربع سنوات، فلقد زاد عدد هذه الحالات من عشر حالات في عام ٨٣ م إلى ٤٠٠ حالة في هذه السنة ٨٦) [الاندبندنت البريطانية ٣/١١/٨٦] . يقول الدكتور (كوستوفر هوبز) والذي يقود مجموعة مختصة بهذا النوع من الاعتداء على الأطفال في المستشفي التابع لجامعة ليدز: لقد دربنا أساتذة المدارس والحضانات ورجال الشرطة والزائرين الصحيين للتعرف على مؤشرات الاعتداء عند الأطفال، ولقد أنشأنا أعداداً كبيرة من بيوت الحضانة، وسنبحث عن عدد كبير من العوائل كي تأخذ هؤلاء الأطفال.. ولكن المشكلة التي تواجهنا أن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى عوائل ذات خبرات في التعامل مع مثل هذه الحالات لأن لديهم كثيراً من المشاكل الاجتماعية والنفسية، حيث يتصرفون تصرفاتٍ غير ملائمة) [الاندبندنت ٣/١١/ ٨٦] . كما ذكر ناطق باسم المنظمة المذكورة بتاريخ ١٣/٧/٨٦ (إن أكثر من ٣٠٠ طفل في مدينة ليدز يتلقون علاجاً نفسياً بعد أن تعرضوا لاعتداءات من بعض أفراد عوائلهم أو من بالغين آخرين. ولنر الآن ما موقف القانون البريطاني من هذه المشكلة، وما مدى مساهمته في حلها، والقضاء عليها؟ يقول «ميرسي هوكر Maurice Hawker» مدير الخدمات الاجتماعية في مجلس مقاطعة اسكس: إن المشكلة تكمن في أن القانون لا يحمي هؤلاء الأطفال.. حيث إننا نخسر كثيراً من الحالات عندما نحاول أخذ هؤلاء الأطفال للعناية بهم، وذلك بسبب عبء الإثباتات الهرقلية (القاسية) .. وعلى عموم المجتمع أن يأخذ حقوق الأطفال في حساباته [الأوبزيرفر ١٢/١١/٨٦] . ويقول الدكتور هوبز: «إنه من الصعوبة بمكان اتخاذ أي إجراء ضد الشخص المغتصب؛ إلا إذا اعترف بذلك.. حتى لو كان التشخيص الطبي يثبت هذا الشيء، إن القانون أصبح حصانة للمغتصب.. والشرطة تعرف ذلك وقليل جداً من الحالات ترسل إلى المحكمة» [الأندبندنت ٣/١١/٨٦] . هذا هو إسهام القانون في حل المشكلة.. حماية المجرم.. ووضع العراقيل أمام المصلحين والعقلاء.. والنتيجة زيادة الجريمة والانحطاط الخلقي والاجتماعي، وتفشي الأمراض، والمزيد من النفقات الاقتصادية لعلاج ذلك كله.. وهذه المشكلة لم تنشاً من فراغ، بل إنها جاءت نتيجة انحراف موجه في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وثالثة الأثافي تساهل القانون في القضاء على الجريمة. وإن لوسائل الإعلام حصة الأسد من إشاعة مثل هذه الجرائم فما يُعرض في قنوات التلفاز من أفلام ولقطات تحرض على الجريمة الجنسية، وما يعرض في أشرطة الفيديو والمسارح والمجلات التي تعرض وتباع على مسمع ومرأى بل وبحماية من القانون والسلطات.. كل هذا مما يزيد معدل هذه الجريمة.. وليست الخمور والمخدرات من الساحة ببعيدة في مثل هذه الجرائم.. إذاً، كل شيء في بلدان الحضارة المعاصرة يحرض على الجريمة وبصفة قانونية رسمية يحارب القانون نفسه من يحارب الجريمة أو يحاول أن يقف في طريقها.. إنه القانون الوضعي القائم على مثل نظرية فرويد الحيوانية.. إنه البعد عن منهج الله.. إنه الضياع.. وإلى أبناء أمتنا نسوق هذه الأمثلة التي تعكس الوجه المظلم للحضارة المعاصرة مستهدفين أن يزداد أبناء هذه الأمة تمسكاً بما لديهم من منهج حكيم ومن شرع إلهي - أنزله الله الحكيم الخبير بما يُصلح عباده - فهو الملجأ والعاصم من أمثال هذه الجرائم. وصدق الله القائل: [ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] [سورة الأنبياء ١٠٧] . إن القوانين الوضعية الجاهلية قد ثبت فشلها وعجزها عن محاربة الجريمة بأنواعها، فهي - كالصانع الأخرق - كلما عالجت أمراً أفسدت أموراً كثيرة بل إن هذه القوانين مهما بلغت من الحكمة في التقنين والحدة والشدة في التنفيذ والعقوبة فالجريمة باقية في النفوس. انه الإسلام.. والإسلام وحده الذي يعالج النفوس قبل أن يحد الحدود والعقوبات.. إنه المنهج الرباني. فيامن وليتَ أمراً من أمور التعليم والتربية أو وسيلة من وسائل التوجيه في عالمنا الإسلامي: اتق الله فيما وليت، ولتكن هذه الأمثلة ماثلة أمامك، وأنت تضع الخطط والبرامج، ولا يغرنّك خبراء التعليم والإعلام في العالم الغربي أو الشرقي، فالنتيجة كما ترى مزعجة مفزعة ولو كان عندهم خبرة شاملة كاملة لاستفادت منها بلادهم. ولقد خاطبنا ربنا قائلاً: [وسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ] [سورة إبراهيم ٤٥] والعاقل من اتعظ بغيره.

стр. 58

مسمار جديد في نعش الشيوعية جاء في تقرير قدمه (اليكسي شكولنيكوف) رئيس لجنة الرقابة الشعبية أنه بعد ٢٠ شهراً من تولي (ميخائيل جورباتشوف) سلطات الحكم لا يزال الاقتصاد المحلي عرضة لانعدام الانضباط، وأنه تم طرد (١٣) ألف مسؤول اقتصادي في غضون عام واحد بتهمة استغلال النفوذ. وقال (شكولينكوف) في كلمة أمام مجلس السوفييت الأعلى أنه تمت إدانة (١٠٠) ألف مسؤول آخر خلال الفترة نفسها بتهمة عدم الانضباط وتزوير الأوراق الرسمية والاختلاس. وتضم لجنة الرقابة (٤٦٠٠) خلية تضم بدورها مليونين من العاملين. وأنشئ هذا الجهاز في إبريل عام ١٩٨٤. وقال شكولينكوف: إنه تفقد في العام الماضي نشاط ٧ محطات إقليمية للسكك الحديدية حيث اكتشف تزويراً في الأوراق الرسمية تتعلق بحوالي ٧ ملايين طن من البضائع. وأضاف: إن عدداً كبيراً من موظفي هذا الفرع قد عزلوا من مناصبهم. وأنتجت المصانع ٣٥٠ ألف طن من المعادن من بينها (٣٨) ألف كيلومتر من الكابلات بيد أنها لم تسجلها في الدفاتر مما شجع على حدوث سرقات على نطاق واسع. وندد واضع التقرير باستغلال النفوذ في توزيع المساكن ونوعية البناء التي تدعو إلى الأسف فقال: إنه في مدينة الماتا [كازاخستان] استغلت إحدى لجان البلدية ٢٦ عمارة سكنية، بينما كانت تنقصها تركيبات الغاز والكهرباء. وأشار شكولينكوف الى أن إنتاج ملابس الأطفال انخفض خلال الخطة الثانية عشرة [١٩٨١ - ١٩٨٥] بعد أن رأى الصناع أن هذا النشاط لا يدر أربحاً وفيرة، وفيما يتعلق بأدوات المنزل فإن انتاجها انخفض في العام الماضي بنسبة ٣٧ مليون وحدة عنه منذ عشرة أعوام. نشرت الصحف هذا التقرير في ٢٠/١١/١٩٨٦ نقلاً عن وكالة الأنباء: ا. ف. ب. ونشرت الصحف [عن وكالات الأنباء] في ٢٣/١١/١٩٨٦ الخبر التالي: أعلن مسؤولون سوفييت أن ما يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين عامل سيفتتحون مشروعات عمل خاصة بهم العام القادم بعد الموافقة على قانون جديد يسمح للعامل السوفييتي بالعمل لحسابه الخاص.. وختم المسؤولون السوفييت حديثهم بقولهم: ليست هناك قيود على العمل الخاص في وقت الفراغ. تعليق: المسؤول الذي لا يؤمن بالله ولا يخشاه سوف يسرق، ويغش، وينهب، ولن يخشى صرامة القانون لأن الذين يشرفون على تنفيذ هذا القانون مثله، لصوص، وقطاع طرق، والأرقام التي ذكرها " اليكسي شكولينكوف " متواضعة وغير صحيحة ومع ذلك فإنها تدل على أن النظام السوفييتي يعاني مشكلات مزمنة، وتتفاقم هذه المشكلات يوماً بعد آخر، ورغم السرية والكبت والإرهاب فقد اضطر المسؤول السوفيتي إلى الاعتراف بتراجع الإنتاج وكثرة الاختلاس. والسماح لملايين العمال بالعمل في القطاع الخاص فيه دليل آخر على هزيمة النظام السوفييتي أمام الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. ولا نقول: إن النظام الشيوعي قد فشل، لا نقول هذا لأن الشيوعية التي تحدث عنها كارل ماركس لم تطبق في الاتحاد السوفييتي، رغم الأخاديد التي حفرت والمجازر التي ارتكبت، وملايين الأرواح التي أزهقت. فالملكية الخاصة والبنوك والادخار وما إلى ذلك موجود في السوفييت منذ القديم، وهذا الذي ذكرناه دليل جديد نتمسك به ونواجه به الشيوعيين الملاحدة في عالمنا الإسلامي، الذين لا يفكرون إلا بعقول قادة الكرملين ... ومثل هذه الهزائم تأتي بعد تراجع الصين عن النظام الشيوعي، وبعد فشل نبؤات ماركس وتروتسكي ولينين ويضاف إلى هذا كله ازدياد نشاط المسلمين في الاتحاد السوفييتي رغم سياسة الكبت والاضطهاد التي تمارس ضدهم.

стр. 59

جمادى الآخرة - ١٤٠٧هـ فبراير - ١٩٨٧م (السنة: ١)

стр. 60

الافتتاحية مهمة العلماء إن المكانة التي ينالها العلماء بين صفوف المسلمين لا تعدلها مكانة أبداً، وإن عناية المسلمين بتسجيل دقائق حياة علمائهم مشهورة ومشهودة، تشهد بها آلاف كتب التراجم والطبقات التي حفظت هذا المقدار الهائل من أسماء العلماء على مدار العصور، وعلى اختلاف مناحي المعرفة. وسبب ذلك أن النظرة إلى العلم والعلماء قضية داخلة في صلب العقيدة الدينية، فقد ترسخت هذه المكانة للعلماء من يوم أن اعتبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء، ومنذ تفرق الصحابة ﵃ في البلدان، ينشرون الدين، ويعلمون الناس ما جاء به محمد بن عبد الله ﵊ من العلم والنور والهدى. وقد كان المنصب العلمي غير منفصل عن منصب القيادة السياسية في حياة الرسول ﷺ ، وفي حياة خلفائه الراشدين، بل وفي حياة بعض الخلفاء الذين تحول الأمر على أيديهم إلى ملك عَضوض. وبعد ذلك بدأت العلاقة بين المكانة العلمية والمنصب السياسي تتراخى، حتى أصبحت طبقة العلماء متمايزة تقريباً عن طبقة الحكام، إلا في استثناءات يسيرة. ومع هذا، فإن عامة الناس ازداد التفافها حول علمائها، فبينما كانت العلاقة بينهم وبين القادة السياسيين - في الغالب - تحكمها الأمور الرسمية، وتحيط بها مشاعر الرهبة والخوف لأنها كانت ناتجة عن استخدام القوة والإكراه، كانت علاقتهم بالعلماء علاقة قلبية تقوم على مشاعر الولاء الداخلي الصادق النابع من عقيدتهم، وذلك لأنهم كانوا يجدون في هؤلاء العلماء الملاذ من قسوة الظروف، وكانوا يلتمسون عندهم الحلول لمشاكلهم، والنور الذي يهتدون به حينما كانت تشتد عليهم الأحوال الداخلية أو الخارجية. وحينما حصل الانفصال بين العلم وبين القيادة، وتسلط على الناس مَن لا يبالي ولا يقيم وزناً لمثل هذه المؤهلات - أصبحت هيبة العالِم تزداد، وأثره يترسخ بقدر بُعده عن أبواب هؤلاء السلاطين، وكان هذا نوعاً من المقاومة السلبية لهذه الحال غير الطبيعية. ولو أننا أردنا أن نستخلص مميزات للعلماء الذين بقوا في ذاكرة الأمة، واستمر أثرهم حياً بعد موتهم، من خلال استعراضنا لتاريخ العلم والعلماء لأمكننا أن نعثر على كثير من الصفات التي كفلت لهؤلاء العلماء جميل الذكر وعميق الأثر في حياتهم وبعد مماتهم، ومن ذلك: ١- العلم الصحيح النابع من توجيهات القرآن الكريم، وما صح من سنة المصطفى ﷺ . ٢- الإخلاص في طلب هذا العلم، وفي تبليغه، وعدم الحرص على فضول الدنيا وحطامها الزائل. وإننا لنجد العجب العجاب في سيرة علمائنا حول هذا المعنى، ولقد سن هؤلاء لمن بعدهم نهجاً واضحاً في التقلل والصبر والبعد عن إذلال النفس وإهانتها في سبيل تحصيل فضول العيش، وضربوا أروع الأمثلة في ذلك، بل إنهم كانوا لا يستنكفون عن القيام بأي عمل يدوي مهما كان؛ ليعيشوا في غناء عن الحاجة لأحد، أعزة يقولون كلمة الحق في وجه من يحيد عنها، لا يخشون قطع جراية أو مرتب، فكان منهم الفرَّاء والعطار والزجَّاج والإسكاف و ... ٣ - الالتصاق بالجماهير، فالعلماء الذين أحدثوا أثراً مدوياً هم الذين لم ينعزلوا في بيوتهم، أو في حلقات ضيقة حصروا أنفسهم فيها ولم يدروا ما يموج به المجتمع من مشاكل، وإنما تناولوا قضايا الناس الملحة، ونظروا فيما له أثره وانعكاساته على حاضر الناس ومستقبلهم. وإنني سأكتفي بضرب مثالين من أمثلة كثيرة على هذا الأمر من حياة إمامين جليلين هما: الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية. ففيما يتعلق بالإمام أحمد فإنه وقف موقفاً جريئاً وثابتاً من قضية شغلت الناس في عصره، وبدعة استظهر على القول بها جماعة من أهل الأهواء بقوة السلطان، وامتحنوا الناس بها، وأرادوا أن يحملوهم عليها قسراً، ألا وهي بدعة القول (بخلق القرآن) . وقد يظن بعض الناس - لأول وهلة - أن موقف الإمام أحمد ليس له ما يبرره، وأن القضية التي تصدى لها ليس لها ذلك الخطر الذي نصب نفسه لمجابهته، ولكن هذا الظن قد تدفع إليه العجلة أو الجهل بالحقائق، فقد وجد الإمام أحمد في هذه المقالة - من حيث المبدأ - أمراً لا أصل له، ولا دليل عليه، ومن جهة ثانية كانت هذه المقالة بتأثير من الأفكار الوافدة والفلسفات الدخيلة التي تسربت من خلال الترجمة لبعض آثار الأمم غير الإسلامية، بتصوراتها الوثنية، ولوثاتها التي تصادم ما عليه المسلمون من عقيدة ومنهج. وليس هذا مقام تحليل ظروف المحنة، وما كانت ستؤدي إليه النظريات الاعتزالية والعقلية، فيما لو هيمنت على أسس النظر والاستدلال عند المسلمين، ولكن نقول: إن بقاء الإمام أحمد صابراً محتسباً، يسام العذاب في سبيل عقيدته، لا يزلزله الترهيب، ولا يستخفه الترغيب - أمر لا يدعو إلى الإعجاب فقط، بل يدعو للتساؤل عن سبب هذا الثبات على الرأي، على الرغم من أن كثيراً من علماء عصره آثروا السلامة، ووافقوا ما يريده الخليفة وبطانته تقيَّة. وقد يقال: أَمَا كان أحمد بن حنبل مندوحة فيما سلكه علماء عصره من لتَّقِيَّة؛ وأن يداري الخليفة وبطانته بقول وقلبه مطمئن بخلافه، ويجني من وراء ذلك الموقف رضا السلطة عنه واستمرار دروسه وانتفاع الناس بعلمه؟ ولكن مع أن التقية في دار الإسلام - حيث تستقر الأحكام - تناقض مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف بمن هو مثل الإمام أحمد أن يقف هذا الموقف المتخاذل الذي يمكن أن ينتج عنه افتتان كثير من العامة به، وقد كان هذا المعنى حاضراً في ذهن الإمام أحمد حينما دخل عليه بعض الناس، وهو محبوس بالرقة، فجعلوا يذاكرونه ما يُروى في التقية من الأحاديث، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: «إن من كان قبلكم كان ينشر بالمناشير ثم لا يصده ذلك عن دينه» ؟ وقال له المروزي لما أرادوا أن يقدموه للضرب: يا أستاذ! قال الله - تعالى -: «ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ» [النساء: ٢٩] ، فقال: يا مروزي! اخرج انظر أي شيء ترى؟ ؛ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقاً من الناس لا يحصي عددهم إلا اللهُ ، والصحف بأيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم. فقال لهم المروزي: أي شيء تعملون؟ ، فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه. فقال المروزي: مكانكم، فدخل إلى أحمد وقال له: رأيت قوماً بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه. فقال: يا مروزي! أُضل هؤلاء كلهم؟ ! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم. قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله فبذلها [١] . وهنا يتضح معنى شهادة علي بن المديني التي قال فيها: (إن الله - عز وجل - أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة) [٢] . أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد عاش مشاكل عصره بعمق ومعاناة جعلاه مميزاً من بين العلماء في تفاعله مع القضايا المصيرية التي كانت راهنة يومذاك. ولقد كان يسعه ما وسع كثيراً من غيره من العلماء، فيقنع بالرتابة التي لفت وتلف الكثيرين، وتمضي حياته بين وظيفة رسمية يتقلدها فتستعبده، وإن آثر الابتعاد عن ذلك فحسبه أن يكتفي بدروس يلقيها على طلبة العلم، وغوص في غمار المسائل الدقيقة خلال جماعة معدودة، اختصت به، ورضي بها، ولكن - مع أن التبحر في العلم، والتعمق به من لوازم صفات العالم - إلا أنه أدرك أن العلم الذي لا يحرك الجماهير، ولا يبصرها بواقعها ويستحضر لها المخاطر التي تتهدد كِيانها من جذوره علم ساكن، يعيش صاحبه ويموت ويزول أثره كحلم لذيذ بين أجفان متعب وسْنان، سرعان ما يُنسى تحت وطأة اليقظة وتكاليفها الثقيلة. فاختار الطريق الشاق، ورمى بنفسه في أتون قضايا عاصفة، فها هو قد فتح عينيه على الحياة وقد قوض التتار الخلافة العباسية، وزحفوا كالطاعون فأزالوا مدناً وممالك من الوجود، وعاثوا فساداً في كل أرض وطئوها، ووجدوا في طريق زحفهم قوى إسلامية مبعثرة، تفتك فيها الفرقة، ويعيش في ظلالها أهل الأهواء، على اختلاف منازعهم ومللهم، وفرقاً باطنية تنخر كالسوس في هذا الكيان الذي كان يوماً تحت سلطة مهيبة الجانب، وعلماء ركنوا إلى الدنيا، وجمدوا على التقليد، ولقنوا أتباعهم التعصب، وبدل أن ينفقوا جهودهم في إحياء الأمة من رقادها، أنفقوها في الكيد لبعضهم، وفي التسابق في طريق الوشاية عند السلطان، وأعداءً قدامى لهذا الدين انتهزوا هذه الفرص ليرصوا صفوفهم من جديد، ويجهزوا على مكامن القوة فيه ... وشيئاً كثيراً من السلبيات تضيق هذه المقالة عن ذكره. فخاض ﵀ في كل اتجاه، حتى تألب عليه بسبب ذلك من لا يسامونه في همته، ولا يساوونه في غيرته، فحارب التتار، وبين حكم الله فيهم، بعد أن نكل عن ذلك كبار علماء عصره، وحرض الناس على التصدي لهم، حتى سرت فيهم نفحة جهادية كفت عنهم هذا الوباء الأصفر، وتصدى للعاملين على إشاعة الجمود والخرافة والتحلل من ربقة الشريعة، فلم يبالِ بما لهم من كلمة نافذة في صفوف العلماء والأمراء والعامة، وعمل على إرساء أصول النظر الصحيح من خلال إعادة الناس إلى فهم الكتاب والسنة، ونبذ الأفكار الدخيلة التي فرقت الأمة، وكادت تعصف بما يميزها من عقيدة صحيحة، ولم يجمجم - بينه وبين نفسه - برأي يقوله في أصحاب الفرق الضالة، والمذاهب المنحرفة، بل قالها صريحة واضحة في وجوههم، وبين حكم الإسلام وما استقر عليه رأي العلماء الذين يعتد بهم في الفرق الباطنية وجذورها وأساليبها الملتوية في خديعة المسلمين والمكر بهم، وبطلان أدلتها القائمة على الشُّبه والهوى والظلم. ولم تهن له عزيمة، ولم تلن له قناة وهو يواجه هذا الجم الغفير من أعداء الداخل والخارج، وتحمل من أجل ذلك ما تحمل من الكيد والوشاية التي أودت به إلى السجن ثلاث مرات.. حتى مات في السجن صابراً محتسباً ﵀. ونحن حين نقول هذا في ابن تيمية لا ندعي له ولا لغيره من العلماء العصمة، ولا ننزههم عن الخطأ في السلوك أو الاجتهاد، ولكن نود أن نستخلص فكرة محددة من خلال كل هذا ألا وهي أن العالم الذي يبقى صداه مدوياً مجلجلاً هو ذاك الذي يدفعه التحرق والتألم على واقع أمته إلى المشاركة الفعلية في مشكلاتها والاكتواء بنار هذه المشكلات، فهذه هي وظيفة القادة الذين يمثلون روح الأمة، والرواد الذين يسيرون بها نحو الغاية، حين تشتبه السبل، وتعم الفتن، وتكثر الدعوى، ويعجب كل ذي رأيه برأيه.

стр. 61

التجديد في الإسلام (٤) الإمام الشافعي لا خلاف بين من يعتد برأيه من المسلمين أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو معلمة بارزة من معالم ثقافتنا الإسلامية، وإذا جاز لنا أن نباهي الثقافات والأمم الأخرى بعالم نعتز به، هو نتاج خالص لديننا وحضارتنا، وهو نبت أصيل للفكر الإسلامي وللعبقرية الإسلامية في الفقه والتشريع، وفي وضوح الفكرة وسمو التعبير عنها؛ فليس ثَم إلا الإمام الشافعي. وُلد الشافعي بغزة سنة ١٥٠هـ، وغزة ليست موطن آبائه، وإنما خرج أبوه إدريس إليها في حاجة، فمات هناك، وولد له ابنه محمد، وبعد سنتين من ميلاده حملته أمه إلى موطن آبائه (مكة) ، وبها نشأ يتيماً في حجر أمه، فحفظ القرآن صغيراً، ثم خرج إلى هذيل بالبادية فحفظ كثيراً من شعرهم، ثم عاد ولزم مسلم بن خالد الزنجي، وهو شيخ الحرم ومفتيه، وقد قال له شيخه - وهو ابن خمس عشرة سنة -: (أفتِ يا أبا عبد الله، فقد - والله - آن لك أن تفتي) . ثم طلب الشافعيّ من شيخه أن يكتب له إلى مالك بن أنس - إمام دار الهجرة ومحدثها - فكتب له، فرحل إلى المدينة، حتى أتى مالكاً، وكان قد حفظ الموطأ، فقرأه عليه، وكان مالك يعجب بقراءته. اكتسب الشافعي خلال هذه الفترة فقه مسلم بن خالد، وحديث إمامين عظيمين، إليهما انتهى حديث أهل الحجاز وهما: سفيان بن عيينة في مكة، ومالك بن أنس في المدينة. قدم الشافعي العراق ثلاث مرات: * المرة الأولى عام ١٨٤ هـ، حيث حمل - بأمر الرشيد - إلى العراق بتهمة التشيع، وفي هذه القَدْمة اختلط الشافعي بفقهاء العراق، واطلع على طرائقهم، والتقى بمحمد بن الحسن الشيباني (صاحب أبي حنيفة ﵀) ، وله مناظرات معه، اطلع الرشيد على بعضها فسُر بها وأعجب بها وأكثر هذه المناظرات موجود في كتب الشافعي. * ثم عاد إلى الحجاز، وبقي بمكة مدة، ثم عنَّ له أن يقدم العراق ثانية، وكان ذلك عام ١٩٥هـ، بعد أن مات الرشيد، وفي هذه المرة كان ... صيته قد ذاع وانتشر، ولُقب (بناصر السنة) وعظمت منزلته حتى انضم إليه جماعة من العلماء، وصاروا يأخذون عنه، وتركوا ما كانوا عليه من طرائق سابقة، وهناك أملى عليهم كتبه التي كتبها في مذهبه القديم، وأقام سنتين، ثم عاد إلى الحجاز. * وفي عام ١٩٨هـ قدم العراق للمرة الثالثة، ولم يلبث إلا أشهراً ومن هناك سافر إلى مصر، فدخلها سنة ١٩٩هـ، " فأقام بها إلى أن مات، يعلم الناس السنة وفقه السنة والكتاب، ويناظر مخالفيه ويحاجهم، وأكثرهم من أتباع شيخه مالك بن أنس، وكانوا متعصبين لمذهبه، فبهرهم الشافعي بعلمه وهديه وعقله، رأوا رجلاً لم تر الأعين مثله، فلزموا مجلسه، يفيدون منه علم الكتاب، وعلم الحديث، ويأخذون عنه اللغة والأنساب والشعر، ويفيدهم في بعض وقته في الطب، ثم يتعلمون منه أدب الجدل والمناظرة، ويؤلف الكتب بخطه، فيقرؤون عليه ما ينسخونه منها، أو يملي عليهم بعضها إملاءً، فرجع أكثرهم عما كانوا يتعصبون له، وتعلموا منه الاجتهاد ونبذ التقليد، فملأ الشافعي طباق الأرض علماً) . ... (مقدمة تحقيق الرسالة للشيخ أحمد محمد شاكر ص٧) . وخطوات حياة الشافعي، وتفصيلات سيرته ودقائقها قيدها العلماء الذين أفردوا مؤلفات في سيرته ومناقبه ﵀ ومن أشهرهم: البيهقي، والفخر الرازي، وابن حجر العسقلاني. ومن أفضل من ترجم له ترجمة مختصرة وافية كافية بعيدة عن الفضول النووي في كتابه: تهذيب الأسماء واللغات. على أن الذي يعنينا الآن هو أثر الشافعي في التشريع الإسلامي، والإضافة التي أضافها، فاعتبر - بحق - مجدد المائة الثانية وخير ما يمثل الأساس الذي بنى عليه الشافعيّ فقهه هو رسالته الأصولية، التي تعتبر أول مؤلف في أصول الفقه، واعتبر الإمام الشافعيّ بسببها الواضع الأول لهذا العلم. قال تلميذه المزني في الرسالة: (قرأت الرسالة خمسمائة مرة، ما من مرة إلا ... واستفدت منها فائدة جديدة) . وقال أيضاً: (أنا أنظر في الرسالة من خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيها مرة إلا استفدت منها شيئاً لم أكن عرفته) . سبب كلام الشافعي في أصول الفقه: بيّن ذلك العلامة شاه ولي الله الدهلوي ﵀ في رسالته (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف) (ص٥٢) - فقال: (.. إن الأوائل كان يجتمع عند كل واحد منهم أحاديث بلده وآثاره، ولا تجتمع أحاديث البلاد، فإذا تعارضت عليه الأدلة في أحاديث بلده حكم في ذ لك التعارض بنوع من الفراسة بحسب ما تيسر له. ثم اجتمعت في عصر الشافعي أحاديث البلاد جميعها فوقع التعارض في أحاديث البلاد ومختارات فقهائها مرتين: * مرة فيما بين أحاديث بلد وآخر. * ومرة في أحاديث بلد واحد فيما بينها. واقتصر كل رجل بشيخه فيما رأى من الفراسة، فاتسع الخرق، وكثر الشغب، وهجم على الناس - من كل جانب - من الاختلافات ما لم يكن بحساب، فبقوا متحيرين مدهوشين، لا يستطيعون سبيلاً، حتى جاء تأييد من ربهم، فألهم الشافعي قواعد جمع هذه المختلفات، وفتح لمن بعده باباً، وأي باب) اهـ. وهكذا كتب الشافعي (رسالته) التي تعتبر من أعظم الآثار الإسلامية، ولو لم يكن للشافعي إلا هذا الأثر لكفاه لكي يوضع في سجل الخالدين، ويكفي دليلاً على ذلك اهتمام العلماء " بالرسالة " وحرصهم على اقتنائها ودرسها قديماً وحديثاً. أسس فقه الشافعي: الشافعي يحتج بظواهر القرآن حتى يقوم دليل على أن المراد بها غير ظاهرها، ثم السنة، وقد دافع دفاعاً شديداً عن العمل بخبر الآحاد، ما دام راويه ثقة ضابطاً، وما دام متصلاً برسول الله ﷺ ، وقد نال بنصره السنة المكانة العظيمة عند أهل الحديث حتى أطلقوا عليه لقب (ناصر السنة) ، وهو يرى أن السنة الصحيحة كالقرآن في وجوب اتباعها، وعبارته في ذلك مشهورة: (وأن من قَبِلَ عن رسول الله ﷺ فعن الله قبِل) . ويقول بالإجماع، ومعناه عنده عدم العلم بوجود خلاف، فإذا لم يكن هناك دليل منصوص عمد إلى القياس. وقد أبطل الاستحسان، وردّ على من قال به بشدة، وما أحسن قولة الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمة تحقيق الرسالة (ص٥٥) : (إن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام، في فقه الكتاب ... والسنة، ونفوذ النظر فيهما، ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة، وإفحام مُناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة. تأدب بأدب البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، حتى سما عن كل عالم قبله وبعده. نبغ في الحجاز، وكان إلى علمائه مرجع الرواية والسنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القرآن، ولم يكن الكثير منهم أهل لَسَنٍ وجدل، وكانوا يعجزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يناظر وينافح، ويعرف كيف يقوم بحجته، وكيف يلزم أهل الرأي وجوب اتباع السنة، وكيف يثبت لهم الحجة في خبر الواحد، وكيف يفصّل للناس طرق فهم الكتاب على ما عرف من بيان العرب وفصاحتهم، وكيف يدلهم على الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وعلى الجمع بين ما ظاهره التعارض فيهما، أو في أحدهما. حتى سماه أهل مكة (ناصر الحديث) ، وتواترت أخباره إلى علماء الإسلام في عصره، فكانوا يفدون إلى مكة للحج، يناظرونه ويأخذون عنه في حياة شيوخه) . ومن الأمور التي يمتاز بها الشافعيّ عن غيره من العلماء أنه هو الذي أصّل أصول مذهبه، وكتب الكتب التي تعتبر متناً لفقهه. (وأما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهداً مطلقاً، ومجتهداً في المذهب، وأكثر المذاهب أصولياً ومتكلماً، وأوفرها مفسراً للقرآن وشارحاً للحديث، وأشدها إسناداً ورواية، وأقواها ضبطاً لنصوص الإمام، وأشدها تميزاً بين أقوال الإمام ووجوه الأصحاب، وأكثرها اعتناءً بترجيح بعض الأقوال والوجوه على بعض، وكل ذلك لا يخفى على من مارس المذاهب واشتغل بها) (رسالة الإنصاف للدهلوي، ص٨٥) . وقد غلب في عرف العلماء المتقدمين والفقهاء الخراسانيين على متبعي مذهبه لقب (أصحاب الحديث) في القديم والحديث، كما قال النووي، لكنه اعترف - أعني النووي - بأن أكثر متأخري الشافعية لم يلتزموا طريق الشافعي في التزامه بالأحاديث الصحيحة، وتركه الضعيفة والواهية. (تهذيب الأسماء واللغات ١/٥١) . تجديد الشافعي: * إن المأثرة الكبرى للشافعي هي رد الناس إلى السنة بعد أن اختلط الأمرعلى كثير من العلماء، وتمايزوا إلى طبقتين متنافرتين متباعدتين، ... على ما في كل منهما من الحاجة إلى الأخرى، وهم أصحاب الحديث، وأهل الفقه والنظر. * والمأثرة الثانية: التزامه بالدليل، ودورانه معه حيث دار، ونبذه للتقليد، فقد قال لأحمد بن حنبل: (أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه؛ كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً) (حجة الله البالغة، ١/ ١٤٨) . وقال أيضاً: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . وقال أيضاً: (إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي الحائط) . وقال تلميذه المزني: (اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراد، مع إعلامه نهيه عن تقليده، وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه) (مختصر المزني على هامش الأم، ١/٢) . ... وقد كانت آراء الشافعي وفقهه تطبيقاً عملياً لهذه الميزة، قال ابن تيمية في الفتاوى (٢٠/٣٣٢) : (.. ثم إن الشافعي ﵁ لما كان مجتهداً في العلم، ورأى من الأحاديث الصحيحة وغيرها من الأدلة ما يجب عليه اتباعه - ... وإن خالف قول أصحاب المدنيين - قام بما رآه واجباً عليه، وصنف الإملاء على مسائل ابن القاسم، وأظهر خلاف مالك فيما خالفه فيه، وقد أحسن الشافعي فيما فعل، وقام بما يجب عليه، وإن قد كره ذلك من كرهه وآذوه، وجرت محنة مصرية معروفة) . الميزة الثالثة: أنه لما رأى أن أصول الآراء ليست مضبوطة عند الفقهاء قبله، وكان يتطرق إليها الخلل بسبب ذلك؛ وضع أصول الفقه، ودوّن ... (الرسالة) . الميزة الرابعة: تفريقه بين الرأي والقياس: فقد (رأى قوماً من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوّغه الشرع بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحداً منها من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان - وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم، وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم - فأبطل هذا النوع أتم إبطال وقال: (من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعاً) . وبالجملة، فلما رأى الشافعيّ في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسّس الأصول، وفرع الفروع، وصنف الكتب، وأفاد وأجاد، واجتمع عليها الفقهاء، وتصرفوا اختصاراً وشرحاً واستدلالاً وتخريجاً، ثم تفرقوا في البلدان (حجة الله البالغة للدهلوي، ١/١٤٧) . الميزة الخامسة: أن الشافعي لم يحصر نفسه في دائرة علم الحديث وحده، أو الفقه وحده، بل كان محدثاً فقيهاً وفقيهاً محدثاً، بل تعداهما إلى أن يكون حجة في غيرهما، كاللغة، والشعر، والأنساب، قال الإمام أحمد بن حنبل: (الشافعيّ فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، المعاني والفقه) (مناقب الشافعيّ للبيهقي، ٢/٤٢) . وهذا ما أكسبه سعة الأفق، وعمق البحث، وقوة العارضة والذي نحب أن نشير إليه هنا هو عدم اكتفائه بفصاحته الموروثة، فهو (عربي الأصل، عربي اللسان) ، بل نراه أقام على العربية وأيام الناس عشرين سنة، وقال: ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه (مناقب الشافعيّ، ٢/٤٢) . وفصاحة الشافعي في مناظراته وكتبه مما لا تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، ولكننا نشير إلى هذه الميزة وننوه بها؛ لما نراه من تقصير - من الدعاة وطلبة العلم وورثته في هذا العصر - في تعلم العربية، وزهدهم بها، وعدم إحلالها المحل الذي تستحق من اهتماماتهم، بل وإشاحتهم عن التزود بما لا يحسن جهله منها شأن علمائنا السابقين الذين كانوا يرون تعلم لغة القرآن ديناً، وما لا يتم الواجب به فهو واجب. فعندما نقرأ قول الشافعي: (أروي لثلاثمائة شاعر مجنون) وأنه أخذ عنه كبار علماء العربية شعر هذيل لا نطالب حَمَلَة الدعوة الإسلامية اليوم بما يشبه ذلك، ولا بعشر معشاره، ولكن نطالبهم أن يحبوا لغة قرآنهم، ولغة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وحاوية ثقافتهم، وعنوان هويتهم. وأن يبتعدوا عن كل ما من شأنه تنقص هذه اللغة، وأن ينبذوا الأفكار الشعوبية التي أطلت برأسها من جديد، مسلحة بإعلام قوي تنفق عليه مئات الملايين، فألقت بظلالها على فكر كثير من المسلمين، الذين أصبحوا ينشدون الإسلام من المصادر الأعجمية، غير مبالين بما لذلك من مردود مرذول، سيعلمون نبأه بعد حين. بعض أقوال العلماء في الإمام الشافعي: إن أقوال العلماء في بيان فضل الشافعي، وشهاداتهم له تعز عن الحصر، وقد اخترنا بعضها إشارة بالجزء على الكل، واكتفاءً بالقليل عن الكثير. قال الزعفراني: (كان أصحاب الحديث رقوداً، فأيقظهم الشافعي فتيقظوا) . وقال الإمام أحمد: (ما أحد مس بيده محبرة ولا قلماً، إلا وللشافعي في رقبته منّة) ، وبعث إليه أبو يوسف (صاحب أبي حنيفة) يقرئه السلام ويقول: (صَنف الكتب، فإنك أولى من يصنف في هذا الزمان) . وقال أبو حسان الرازي: (ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم تعظيمه للشافعي ﵀) . وقال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم: (ما رأيت أحداً أعقل ولا أورع ولا ... ... أفصح ولا أنبل رأياً من الشافعي) . وقال الكرابيسي: (ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان ... يحضره أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل الشعر، وكان يأتيه كبار أهل ... اللغة والشعر، فكلٌّ يتكلم فيه) ﵁.

стр. 62

نصيحتي لأهل السنة مقبل بن هادي الوادعي قال البخاري ﵀ (ج١٣، ص١٩٣) حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا سيار، عن الشعبي، عن جرير بن عبد الله قال: (بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فلقنني ما استطعت، والنصح لكل مسلم) . قال الإمام مسلم ﵀ (ج١، ص٧٤) : حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا سفيان، قال: قلت لسهيل: إن عمراً حدثنا عن القعقاع عن أبيك، قال: - ورجوت أن يسقط عني رجلاً - قال: فقلت: سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقاً له بالشام. ثم حدثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) . نصيحتي لأهل السنة أن يتباعدوا عن أسباب الفُرقة والاختلاف؛ فعقيدة أهل السنة واحدة، واتجاههم واحد، وليس هناك مسوغ للفرقة والاختلاف إلا الجهل والبغي والشيطان، وفي صحيح مسلم أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. والخلاف شر، كما قال عبد الله بن مسعود، ﵁، عندما صلى عثمان، ﵁، بمِنى بالناس أربعاً فاسترجع عبد الله، ﵁، ثم قال: صليت مع رسول الله، ﷺ ، بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي ركعتان متقبلتان (رواه البخاري) زاد أبو داود - كما في الفتح - فقيل لعبد الله: عبت عثمان ثم صليت أربعاً! فقال: الخلاف شر. ورب العزة يقول في كتابه الكريم [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . وفي الصحيح عن جندب، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه) وفي مسند الإمام أحمد - ما معناه - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ أن جماعة من الصحابة جلسوا عند حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعلوا يتنازعون، هذا يستدل بآية، وهذا يستدل بأخرى، فخرج النبي ﷺ مغضباً وقال: ما بهذا بُعثتم، لا تضربوا القرآن بعضه ببعض، ألا تكونوا كهذين الرجلين؛ يعني عبد الله بن عمرو وصاحباً له، وكانا قد جلسا بعيدين عن الجالسين. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال: كلاكما محسن، فاقرآ - أكبر علمي قال - فإن من كان قبلكم اختلفوا. وأما حديث: اختلاف أمتي رحمة، فهو حديث باطل، لا سند ولا متن، فالسند معضل، والمتن يدفعه ما تقدم من الأدلة، وقوله تعالى: [ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ] [هود: ١١٨، ١١٩] . فمفهوم الآية الكريمة أن المختلفين ليسوا ممن ﵏، والله أعلم. ولست أستدل عليكم - يا أهل السنة! - بقول الله : «إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» [الأنعام: ١٥٩] ؛ فأنتم - بحمد الله - ما فرقتم دينكم، وإنما اختلفتم في بعض المسائل التي اختلف فيها سلفنا ﵏ في أكبر منها، وما كان ذلك سبباً لهجر ولا قطيعة. إن مَن يقرأ في المحلَّى لأبي محمد بن حزم ﵀، أو في كتاب اختلاف العلماء لمحمد بن نصر المروزي ﵀، أو في كتاب الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر ﵀، أو في فتح الباري، أو في تفسير الحافظ ابن كثير - يرى أن سلفنا ﵏ قد اختلفوا في كثير من مسائل العبادات والمعاملات، وما أدى ذلك إلى هجران بين العلماء، وأما الأتباع فربما حصل بينهم بسبب الجهل والتعصب. إن أهل السنة - بحمد الله - ليسوا كغيرهم، يختلفون في العقيدة؛ فالخوارج يكفر بعضهم بعضاً، وهكذا رؤوس الاعتزال يكفر بعضهم بعضاً، كما في المِلل والنِّحل، أما أهل السنة فالحمد لله غالب اختلافهم في مفهوم حديث أو في عبادات وردت عن الشارع متنوعة، أو في حديث اختلفت أنظارهم في تصحيحه وتضعيفه، إلى غير ذلك من أسباب الاختلاف التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أنتم تعلمون - يا أهل السنة! - أن أعداءكم يشمتون بكم، وأن أعداء الإسلام لا يهابون إلا إياكم فهم يحرصون على تشتيت شملكم بأي وسيلة. إن الواجب على أهل السنة أن يكونوا مهيَّئين لحل مشاكل العالم كله، فهم أهل لذلك وأحق به، فهم الذين أعطاهم الله فهم كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الصحيح. إن أهل السنة يعتبرون أكثر العالم الإسلامي، ولكن تفرقهم واختلافهم وجهل أهل كل شعب بأحوال الآخرين جعلهم يذوبون في المجتمعات، وإنا لنرجو أن يوفق الله (مجلة البيان) لتفقُّد أحوال أهل السنة، والنشر عنهم وعن أحوالهم وعسى الله أن يجمع شملهم. أو لستم أحق الناس - يا أهل السنة! - بجمع الشمل، ووحدة الكلمة؟ ورب العزة يقول في كتابه الكريم: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] ، والنبي ﷺ يقول -كما في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) . ويقول، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . فالرافضة شغلت العالم بإعلامها، وأضلت كثيراً من الناس، بل شغلتهم عن أداء مناسك الحج، فالناس يأتون من كل فج عميق، ليؤدوا مناسكهم، وليذكروا الله في تلك الشعائر المباركة، فما يشعرون إلا بخروج الرافضة بالمظاهرات الجاهلية يهتفون: (خميني.. خميني) ، فمن الذين يستطيع أن يفرق هذه الجموع التي عتت عن أمر ربها، وجعلت الحج شعاراً للفوضى والصخب والدعوات الجاهلية، لا يستطيع - بإذن الله - إلا أهل السنة إن اجتمعت كلمتهم وكانوا أهل سنة حقاً. إن هذه اليقظة الإسلامية التي أرادها الله تحتاج إلى رعاية، ومن يقوم برعايتها إلا أهل السنة؟ ! . علاج الاختلاف الناشئ بين أهل السنة المعاصرين: إن الاختلاف الناشئ بين أهل السنة يزول بإذن الله بأمور: * منها: تحكيم الكتاب والسنة، قال الله : [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] ... [النساء: ٥٩] ، وقال تعالى: [ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ] [الشورى: ١٠] ، وقال : [وإذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً] [النساء: ٨٣] . * ومنها: سؤال أهل العلم من أهل السنة، قال الله : [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُون] [النحل: ٤٣] ، ولكن بعض طلبة العلم رضي بما عنده من العلم، وأصبح يجادل به كل من يخالفه، وهذا سبب من أسباب الفرقة والاختلاف. روى الإمام الترمذي في جامعه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ... ثم قراً: [مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ] [الزخرف٥٨] . * ومنها: الإقبال على طلب العلم، فإذا نظرت إلى قصورك بل إلى أنك لست بشيء إلى جانب العلماء المتقدمين، - كالحافظ ابن كثير، ومن تقدمه من الحفاظ المبرزين في فنون شتى - إذا نظرت إلى هؤلاء الحفاظ شُغلت بنفسك عن الانتقاد على الآخرين. * ومنها: النظر في اختلاف الصحابة ﵃ فمن بعدهم من العلماء المبرزين إذا نظرت إلى اختلافهم حملت مخالفك على السلامة، ولم تطالبه بالخضوع لرأيك، وعلمت أنك بمطالبته بالخضوع لرأيك تدعوه إلى تعطيل فهمه وعقله، وتدعوه إلى تقليدك، والتقليد في الدين حرام، قال الله سبحانه وتعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] [الإسراء: ٣٦] إلى غير ذلك من الأدلة المبسوطة في كتاب الشوكاني " القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) . * ومنها: النظر إلى أحوال المجتمع الإسلامي، وما تحيط به من الأخطار أعظمها جهل كثير من أهله به، وإنك إذا نظرت إلى المجتمع الإسلامي شغلت عن أخيك الذي يخالفك في فهمك، وقدمت الأهم فالأهم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (أول ما تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ) . متفق عليه من حديث ابن عباس. وبعد.. فإنا قد نظرنا في المسائل التي يختلف فيها أهل السنة المعاصرون الذين لا يختلفون عن هوى فوجدناها تقارب ثلاثين مسألة، وزعناها على إخواننا أهل السنة، يذكرون إن شاء الله الأحاديث بأسانيدها، وينظرون في أقوال الشراح في فهم هذه الأحاديث، وإن اُحتِيج إلى نظر في كتب الفقهاء ﵏ نظر فيها، فإن كان إخواننا أهل مجلة البيان - بارك الله فيهم - سيفتحون صدورهم لهذا فقد بلغني أن أهل السنة الذين يهمهم أمر المسلمين في غاية من الشوق إلى هذا، فإن شاء الله سيرسل كل موضوع ولا مانع من أن يجزئوه وبعدها إن شاء الله يخرج كتاباً، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى والاهتمام بأمر المسلمين وقطع ألسنة الحاقدين على أهل السنة الذين يسخرون منهم، ويقولون: إنهم يختلفون في الشيء التافه، وينفرون عنهم، ويلمزونهم بما ليس فيهم، شأن المبتدعة وذوي الأهواء في كل مكان وزمان أنهم ينفرون عن أهل السنة، وقد ساق عنهم ابن قتيبة ﵀ في كتابه (تأويل مختلف الحديث) الشيء الكثير من السخرية بأهل السنة، وقد مات النظام، وأبو الهذيل، وغيرهما من أعداء السنة، وبقيت سنة رسول الله ﷺ بيضاء صافية لم يضرها سخريتهم، وسيموت أعداء السنة المعاصرون وتبقى سنة رسول الله ﷺ لأن الله تضمن بحفظها فقال: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ ... لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] والذكر يشمل الكتاب والسنة؛ إذ كلاهما (وحي) من عند الله : [ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى] [النجم: ٣، ٤] . وقال النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) . هذا، ولسنا نطالب أهل السنة المعاصرين ألا يختلفوا في صحة الحديث وتضعيفه، وألا يختلفوا في فهم الأدلة، فإن هذا أمر قد اختلف فيه سلفهم، رحمهم الله، كما هو معروف من سيرتهم. فهذه نصيحتى لإخوانى في الله - أهل السنة - وأسأل الله لهم النصر والتوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 63

تعريف الملأ في الفكر الإسلامي عثمان جمعة ضميرية كانت الحلقة السابقة من هذا البحث تمهيداً عاماً ومدخلاً لدراسة موقف الملأ والزعماء من دعوات الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، حيث تعرفنا على طبيعة دعوتهم التي بعثهم الله تعالى بها إلى الناس، وأثر هذه الدعوة في النفوس، ثم أصناف الناس أمام هذه الدعوة ومواقفها. وفي هذه الحلقة وما يتلوها، إن شاء الله تعالى، نعرض لتعريف الملأ وصفاتهم ونتتبع أساليبهم ووسائلهم في التصدي للدعوة، ومن ثم نعرض لموقف القرآن الكريم من هؤلاء الملأ، والرد عليهم في كل ما استعملوه من وسائل وتسويغ لمواقفهم العدائية، ونوازن بين مواقف الملأ في تاريخ الدعوات قديماً، ومواقف الملأ من الدعوة الإسلامية المعاصرة، مما يظهر أن هذا الموقف سنة طبيعية في الدعوات، وبالله التوفيق. تعريف الملأ: نعرض فيما يلي طائفة من أقوال أهل اللغة وعلماء التفسير عن معنى الملأ، نتبين من خلالها الصفات البارزة لهؤلاء الملأ ومعالم شخصيتهم، ونرتب هذه التعريفات بحسب الترتيب التاريخي لحياة من نعرض أقوالهم، مما يساعد على معرفة تأثر كلٌ منهم بمن سبقه، وتطور استعمال هذا المصطلح. ١- أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠١هـ) : في تفسير قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ] [البقرة:٢٤٦] . قال: الملأ من بني إسرائيل، وجوههم وأشرافهم، ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من بدر سمع رجلٌ من الأنصار يقول: (إنما قتلنا عجائز صلعاً) ، فقال النبي ﷺ : (أولئك الملأ من قريش، لو احتضرت فعالهم - أي حضرت - احتقرت فعالك مع فعالهم) [١] . ٢- الأزهري (ت ٣٧٠هـ) : قال الإمام أبو منصور محمد ابن أحمد الأزهري في كتابه " تهذيب اللغة " [٢] : الملأ: أشراف الناس ووجوههم؛ قال الله : [أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ] [البقرة: ٢٤٦] ، وقال: [قَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ] [الأعراف: ٦٠] . ورُوي عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً من الأنصار - مرجعه من غزوة بدر- يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (أولئك الملأ من قريش، لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك) . والملأ أيضاً: الخُلُق: يقال: أحسنْ مَلأك أيها الرجل، وأحسنوا أملاءكم، وفي حديث أبي قتادة: أن النبي ﷺ لما تكابُّوا على الماء في تلك الغزاة - خيبر - لعطش نالهم، قال: (أحسنوا أملاءكم فكلكم سيروى) [٣] أي أحسنوا أخلاقكم. ومنها قول الشاعر: تنادَوا يالَ بُهثة إذ رأَوْنا ... فقلنا أحسِني مَلأً جُهيِنا ويقال: أراد: أحسني ممالأة، أي معاونة، من قولك: مالأتُ فلاناً، أي عاونته وظاهرته. وفي حديث عمر ﵁ أنه قتل سبعة نفر بصبي قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به [٤] . والملأ: الرؤساء، سُمُّوا بذلك لأنهم مِلاء بما يحتاج إليه. قال أبو إسحاق: الملأ: الخَلْق. قال أبو عبيد: يقال للقوم إذا تتابعوا برأيهم على أمر: قد تمالؤوا عليه. وقال شَمِر: يقال: فلان أملأ لعيني من فلان، أي: أتم في كل شيء، منظراً وحسناً. وهو مالىء للعين، إذا أعجبك حسنه وبهجته. وقال ابن الأعرابي: (مالأه، إذا عاونه) . ٣ - وقال الإمام الخطابي (ت ٣٨٨هـ) : الملأ: الرؤساء والأشراف. يقال: هؤلاء ملأ بني فلان: أي ساداتهم، ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم عليك الملأ من قريش) [٥] يريد الرؤساء منهم، وهم الملأ ... بالقصر والهمز. فأما الملأ مقصوراً غير مهموز فالمتسع من الأرض، قال الشاعر: ألا غنِّياني وارفَعا الصوتَ بالمَلا ... فإن الملا عندي يَزيدُ المدى بُعدا [٦] . وقال أيضاً، في شرح قول عمر ﵁: (لو تمالأت عليه أهل صنعاء..) . تمالأ: مهموز من الملأ: أي لو صاروا كلهم ملأً واحداً في قتله، ويقال: مالأتُ الرجل على الشيء إذا واطأتُه عليه [٧] . مامالأت: معناه طابقت وساعدت، وأصله مالأتُ - مهموزاً - من ملأ القوم، يريد أنه لم يدخل في مِلأئهم، ولم يطابقهم على رأيهم. ويقال: ما كان هذا الأمر عن ملاء منا: أي تشاور واجتماع عليه [٨] . ٤ - وقال العلامة اللُّغوي ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) : الملأ: الميم واللام، يدل على المساواة والكمال في الشىء.. ومنه: الملأ: الأشراف من الناس؛، لأنهم مُلِئُوا كرماً. فأما قول الشاعر: تنادوا يال بهثة إذ لقونا ... فقلنا أحسني ملأ جهينا فقال قوم: أراد به الخُلُق، وجاء في الحديث: (أحسنوا أملاءكم) والمعنى فيه: أن حسن الخلق من سجايا الملأ، وهم الشِّراف الكرام [٩] . ٥ - وقال الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ) : الملأ: جماعة يجتمعون على رأي، فيملؤون العيون رواءً ومنظراً، والنفوس بهاءً وجلالاً، قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ] [البقرة: ٢٤٦] وقال: [وقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ] [المؤمنون: ٣٣] ، [إنَّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ] [القصص: ٢٠] ، [قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ] [النمل: ٢٩] .. إلخ. يقال: فلان مِلء العيون: أي مُعظَّم عند من رآه، كأنه ملأ عينه من رؤيته، ومنه قيل: شاب مالىء العين. والملأ: الخَلق المملوء جمالاً، قال الشاعر: فقلنا أحسني ملأ جهينا.. ومالأته: عاونته وصرت من ملئه: أي جمعه، نحو شايعته: أي صرت من شيعته [١٠] . ٦- وقال الإمام محيي السنة البغوي، ت (٥١٦هـ) : الملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ: الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط.. وجمعه أملاء [١١] . ٧ - وقال الإمام مجد الدين بن الأثير (ت ٦٥٦هـ) : تكرر ذكر الملأ في الحديث. والملأ: أشراف الناس ورؤساؤهم، ومُقدَّموهم الذين يرجع إلى قولهم، وجمعه أملاء.. ومنه حديث عمر عندما طُعن: (أكان هذا عن ملأ منكم؟) ، أي: تشاور من أشرافكم وجماعتكم [١٢] . ٨ - وقال القرطبي (ت ٦٧١هـ) : الملأ: الأشراف من الناس، كأنهم ممتلئون شرفاً. وقال الزجاج: سُمُّوا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم. والملأ في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ] [البقرة: ٢٤٦] القوم؛ لأن المعنى يقتضيه. والملأ: اسم للجمع كالقوم والرهط. والملأ أيضاً: حسن الخلق [١٣] . ٩ - وقال العلامة اللُّغوي ابن منظور (ت: ٧١١هـ) : الملأ: الرؤساء، سموا بذلك لأنهم مِلاء بما يُحتاج إليه. والملأ مهموز ومقصور: الجماعة. وقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم، ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم.. والجمع: أملاء. وحكى أحمد بن يحيى قال: رجل مالىء: جليل العين بجُهرته، وشابّ مالىء العين: إذا كان فخماً حسناً، ويقال: فلان أملأ لعيني من فلان: أي أتمُّ في كل شيء، منظراً وحسناً. وهو رجل مالىء العين: إذا أعجبك حسنه وبهجته. وحكى: ملأه على الأمر يملؤه ومالأه. وكذلك الملأ: إنما هم القوم ذوو الشأن والتجمع للإدارة. والملأ على هذا صفة غالبة. وقد مالأته على الأمر ممالأة: ساعدته عليه وشايعته، وتمالأنا: اجتمعنا، والملأ في كلام العرب: الخُلُق. والملأ: العِلْيَة. وما كان هذا الأمر عن ملاً منا: أي عن تشاور واجتماع [١٤] . ١٠- وقال أبو حيّان الغِرناطي الجيّاني النحوي المفسر (ت ٧٥٤هـ) : الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسم جمع، ويُجمع على أملاء. قال الشاعر: وقال لها الأملاءُ من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها وسموا بذلك؛ لأنهم يملؤون العيون هيبة، أو المكان إذا حضروا، أو لأنهم مليؤون بما يُحتاج إليه. وقال الفرّاء: الملأ من الرجال في كل القرآن لا تكون فيهم امرأة، وكذلك القوم والنفر والرهط. وقال الزجاج: هم الوجوه وذوو الرأي [١٥] . ١١- وقال الفيروز آبادي (ت ٨١٧هـ) : الملأ: التشاور. والأشراف والعلية والجماعة والطمع والظن. والقوم ذوو الشارة والتجمع والخُلُق [١٦] . ١٢ - وقال العلاَّمة الآلوسي (ت ١٢٧٠هـ) : الملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه، وأصل الباب: الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد. وإنما سمي الأشراف بذلك؛ لأن هيبتهم تملأ الصدور، أو لأنهم يتمالؤون: أي يتعاونون بما لا مزيد عليه [١٧] . ١٣ - ومن الكُتاب المعاصرين: وممن عرض لمعنى الملأ وموقفهم من الدعوات عدد من الكُتاب المعاصرين، نذكر فيما يلي نماذج لما يمكن استخلاصه من آرائهم في ذلك. قال الشيخ محمد أحمد العدوي: عن الملأ: الأشراف والسادة الذين امتلأت نفوسهم بحب الجاه والسمعة والرياسة والاستئثار، وهم المترفون الذين قال الله - تعالى - فيهم: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] [سبأ: ٣٤] [١٨] ، وهم الذين تحدث عنهم الكاتب والمؤرخ محمد عزة دروزة ﵀ في بحثه عن معركة النبوة مع الزعامة في مكة والذين سماهم بجمهورية زعماء الأسر العريقة، حيث كان يتولى هؤلاء الزعماء شؤون مكة العامة على اختلافها في نطاق ما يسمى بدار الندوة، فوصفهم بأنهم: الزعماء والأغنياء في مكة - بصورة عامة - يتمتعون بالنفوذ والسيادة، يأمرون فيُطاعون، ويُدعون فيُستجابون، ويسنّون فيُتبعون، وتكون لهم الكلمة الفاصلة في المشاكل والقضايا العامة الداخلية والخارجية والدينية والسياسية والاجتماعية [١٩] . وقال الشيخ محمد سرور زين العابدين في كتابه (نهج الأنبياء في الدعوة إلى الله) [٢٠] : الملأ: هم بطانة الحكام الظالمين وأعوانهم، وأصحاب المصالح والأغنياء المترفون، وزعماء المناطق والقبائل.. ومن سنن الله الثابتة في خلقه أن يكون هؤلاء جميعاً في طليعة مَن يتصدى لأنبياء الله؛ لأن نفوسهم امتلأت بحب المال والجاه، وقلوبهم قد أُشربت كُره كل من يدعو إلى دين الله.. وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] [سبأ: ٣٤] . والخلاصة: أننا نريد من (الملأ) الذين ورد ذكرهم في كتاب الله - تعالى - لبيان موقفهم من الدعوة إلى الله - تعالى -: أولئك العلية من القوم، وجوههم وأشرافهم، ساداتهم وزعمائهم المستكبرين في الأرض بغير الحق، يريدون عُلوًا في الأرض وفسادًا، يجتمعون على رأي واحد، هو الصد عن دين الله - تعالى - والتصدي للأنبياء والرسل، وحرب الدعاة إلى الله - تعالى - فيتمالأون على ذلك ويجتمعون ويتعاونون مع بطانة سوء لهم. امتلأت نفوسهم بما يحتاجون إليه، إلى درجة لا مزيد عليها، فقد أُبْشِمُوا [٢١] بالمال والترف، والجاه والشرف، والزعامة والسيادة والمكانة بين قومهم، فأصبحوا يملؤون العيون رواءً ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالاً، ونادي القوم أو المجلس - إذا حضروه وتصدروه - هيبةً ومكانة، ويعظمون في عيون من يرونهم، إليهم ترجع العامة في القول والرأي، وعليهم تعقد الخناصر، وتشير الأصابع إليهم، فأصبحت كلمتهم كلمة الفصل المسموعة، ورأيهم رأيًا سديدًا مطاعاً، وإشارتهم أمراً نافذاً. يقولون فلا معقب على قولهم، ويتكلمون فتلجم أفواه غيرهم وتنعقد الألسنة. يرون الرأي فليس لأحد وراء رأيهم رأي في قضيةٍ ما صغيرةٍ أو كبيرة، داخلية أو خارجية. يظلمون غيرهم فيكون ظلمهم عدلاً، ويتسلطون على أرواح الناس وعقولهم وأجسادهم وأموالهم، فيكون هذا كله حقاً لهم، وديناً في أعناق غيرهم، تحقيقاً لمصالحهم الشخصية ودوافعهم الذاتية وأهوائهم الجامحة ومطامعهم الكثيرة.. أولئك هم الملأ من كل قوم، الذين ينبغي أن نتعرف على سمات شخصياتهم ومعالمها وعلى أساليبهم في الصد عن الدعوة ومحاربتها، والدوافع التي تدفعهم لذلك، ثم نتبين موقف القرآن الكريم وموقف الرسل - عامةً - منهم؛ لنكون على بينة من الأمر في موقفنا منهم. والله الموفق.

стр. 64

خواطر في الدعوة قرار صائب ثم يأتي النصر محمد العبدة لا نكون مغالين أو مجرحين إذا قلنا إن المسلمين في الأعصر الأخيرة يفتقدون القرار الصائب والحاسم في اللحظات الحرجة أو اللحظات التاريخية. القرار الذي يُتخذ دون تردد أو خوف من النقد ولوم الشباب أو الشيوخ، ودون إرضاء لطرف على آخر. وهو القرار المناسب وليس القرار التلفيقي الذي يظن أنه يرضي الجميع وهو في الحقيقة لا يرضي أحدًا، وقبل هذا كله لا بد أن يحسب حساب الشورى وتقليب وجهات النظر، وملاحظة واقع المسلمين والمصلحة الشرعية وما يراه العلماء في القديم والحديث، عند ذلك يأتي الفرج بعد الشدة، ويفرح المؤمنون بنصر الله، وفي القرآن والسنة وواقع المسلمين أمثلة لذلك: ١- جاء في سورة البقرة أن بني إسرائيل - وفي يقظة من يقظات الإيمان - [إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [البقرة:٢٤٦] وأراد هذا ... النبي التأكد من صدق عزيمتهم ربما لأنه يعلم ما هم عليه من الخور والتردد: [قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا] [البقرة:٢٤٦] ؛ فأظهروا تصميمهم على القتال، فاستجاب الله لنبيه وبعث لهم طالوت ملكاً يقودهم لقتال أعدائهم، وقد ذكر لنا القرآن عن هذا القائد الحكيم أنه لم يستخفه حماس هذا الشعب، فراح يختبرهم المرة تلو المرة، ولم يصمد معه أخيراً إلا فئة قليلة. واتخذ القرار الصعب وقاتل بهذه الفئة وجاء النصر: [وقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ والْحِكْمَةَ] [البقرة: ٢٥١] . ٢- بعد تكالب الأحزاب على المسلمين في غزوة الخندق رأى رسول الله - ﷺ أن يخفف عن المسلمين هذا الضيق رحمة ورأفة بهم، فاستدعى زعماء البدو من غطفان وغيرها وطلب منهم الرجوع عن المدينة وترك حصارها ويعطيهم ثلث ثمارها، وقبل تنفيذ هذا الرأي استشار السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، قالا: يا رسول الله! ، أمراً تحبه فنصنعه أم شيئاً أمرك الله به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ ، قال: بل شيء أصنعه لكم؛ لأن العرب رمتكم عن قوس واحدة، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! ، قد كنا وهؤلاء على الشرك وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قِرًى أو بيعاً، أحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ! ، والله لا نعطيهم إلا السيف، فقال النبي ﷺ أنت وذاك. وكان وفد غطفان يسمع هذا الكلام فتزلزلت أركانه، ورجعوا إلى معسكرهم ثم جاء النصر ريحاً وجنوداً لم يروها وانهزم الأحزاب خائبين. ٣- كان رسول الله ﷺ قد أعد جيشًا بقيادة أسامة بن زيد ووجهته شمالي الجزيرة والروم، ولكن الجيش لم يمضِ بعد سماع أنباء مرض رسول الله ﷺ ، وتوفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر ﵁، ورأى الصحابة إرجاع جيش أسامة بعد أن ارتدت العرب، ولكن أبا بكر قال كلمته الحاسمة الجازمة: " لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، وأنفذ جيش أسامة. فقالت العرب: لو لم يكن بهم قوة وطاقة لقتال الروم لما أرسلوا لهم هذا الجيش وأصابهم الوهن والرعب بسبب ذلك، وجاء النصر من عند الله على يد قامع المرتدين خالد بن الوليد - ﵁. ٤- عندما بلغت المدن الأندلسية في منتصف القرن الخامس الهجري - الغاية من الضعف والتفرق، واستعان بعض ملوكهم بالنصارى على بعض، اجتمع علماء أشبيلية وقرروا أنه لابد من الاستعانة بالمسلمين في المغرب، وبخاصة المرابطون وعلى رأسهم يوسف بن تاشفين وعلم ملك أشبيلية المعتمد بن عباد بذلك فوافق على هذا الرأي، ولكن بعض الناس حذروه مخوفين له من أن ابن تاشفين إذا جاء لمساعدته فسيأخذ الأندلس أيضاً، ولكن ابن عباد اتخذ القرار الصعب وقال قولته المشهورة: (لأن أكون راعي إبل خير لي من أكون راعي خنازير) ، ويقصد - ﵀ أنه يفضل أن يرعى الإبل عند ابن تاشفين ولا يؤسر عند ملك النصارى، فقدم مصلحة المسلمين وبلاد المسلمين على مصالحه الشخصية، وجاء ابن تاشفين، وكانت معركة " الزلاَّقة " مع نصارى أسبانيا وانتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً، وتملك ابن تاشفين الأندلس فعلاً، وأُقصى ابن عباد ﵀ وعاش بعيداً عن أشبيلية، ولكن مأثرته هذه لا تُنسى.

стр. 65

مفهوم السببية عند أهل السنة (٣) طارق عبد الحليم ينطلق أهل السنة في تصوراتهم كافة من أصول ثابتة في النظر والاستدلال، مبنية على وحدة المصدر والوسيلة، فالمصدر هو كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ ، أما الوسيلة فهي المنهج المستقى منهما، والذي نهجه صحابة رسول الله ﷺ والتابعون، سلف الأمة الصالح في القرون الثلاثة الفضلى، حيث يُنزلون كل دليل صحيح منزله، ويفهمون منه مقصوده، ويجمعون بينه وبين غيره، ولا يعارضون عاماً بخاص، ولا مطلقاً بمقيد، ولا كلياً بجزئي، بل يعرضون هذا على ذاك، كما لا يَدَعون مبيناً لمجمل، ولا محكماً لمتشابه، ولا شرعياً لعقلي، ولا يغالون في اتباع الظاهر حتى يذهلهم عن المقاصد والنيات، كما لا يسيرون وراء البواطن حتى يعميهم ذلك عن الحق الجلي الظاهر. وهم لا ينكرون على العقل مكانته التى بها كرمه الله - سبحانه - على سائر مخلوقاته، إلا أنهم يدركون مواضع قوته، ومواطن ضعفه، فلا يقدمون بين يدي الله ورسوله بحكم عقلي مظنون. وليس هذا موضع الاسترسال في الحديث عن ذلك المنهج السوي السديد، نسأل الله - تعالى - أن يلهم المسلمين كافة اتباعه والعدول عن غيره من المناهج التي لم تورث ذلك الكيان الإسلامي - على مر العصور- إلا الضعف والوهن والبلاء. من ذلك المنهج - إذن - استقى أهل السنة آراءهم في المسائل التي ذكرنا فيها اختلاف المُفْرِطين والمفَرِّطين، وسنبين في هذا المقام - بإيجاز لا يخل بالقصد - مفهوم أهل السنة عن تلك المسائل التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة السببية. أهل السنة والقدر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء " رواه مسلم. كما جاء في حديث جبريل - الذي رواه البخاري عن أبي هريرة - قال: ( ... وأن تؤمن بالقدر كله) . يؤمن أهل السنة إيماناً راسخاً بالقدر خيره وشره وأن (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ؛ ذلك أن الله - سبحانه - قد (جبل) الناس على صفات ... وِفطَر - كما خلق الأشياء على طبائع وقوى - لحكمة بالغة له في ذلك كما قال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك خُلُقين يحبهما الله ال حِلم والحياء، قال: جبلاً جُبلت عليهما أم خُلقا فيَّ؟ ، قال: بل جبلاً جبلت عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله) [خلق ... أفعال العباد للبخاري/٣٩] . ولفظ (الجِبِلّ) غير لفظ (الجبر) الذي لم يرد به كتاب أو سنة، فالجبل: هو أصل الخلق على صفة من الصفات، أما الجبر فهو الإكراه على الفعل، كما يجبر الأب ابنته على النكاح، والله - سبحانه - لا يجبر عباده على فعل من الأفعال بل كل عبد يأتي ما يفعل - حسب جبلته الأصلية - مختاراً مريداً، لهذا فقد تشدد الأئمة في المنع من إطلاق لفظ الجبر لما فيه من إجمال وإشكال، فان أراد أحد أن يقول أن في الجبل معنى للجبر، قلنا إن ذلك صحيح في أصل الخلقة لحكمة الله - تعالى - فيما اختاره من جبلة كل عبد حين خلقه، أما أن يجبره على الفعل حين الفعل فهذا المعنى غير صحيح. ثم إن الله - سبحانه - قد علم - بواسع علمه وشموله - ما سيكون من أفعال العباد على وجه التفصيل والإحاطة، [لا يعزب عنه من ذلك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك:١٤] ... وكتب ذلك في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق الخلق، فما من شيء إلا وهو مدون في أم الكتاب: [إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُّبِينٍ] [يس: ١٢] ، كما أنه لا يقع من تلك الأفعال - التي قد علم (سبحانه) بوقوعها وكتبها في أم الكتاب - إلا حسب مشيئته وإرادته؛ فإنه - سبحانه - (تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه وأنه لو شاء ما عُصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة، فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع لعدم مشيئته) [شفاء العليل ابن القيم، ٤٤] . ولابد في هذا المقام من التمييز بين أمرين على غاية الأهمية، لم يلحظهما المخالفون لأهل السنة، فكان ما كان من زللهم الذي بيناه. ذلك أن الإرادة الإلهية نوعان: ١- الإرادة الكونية: وهي الإرادة الشاملة لله - سبحانه - والتي لا يكون أمر من الأمور على خلافها، فالطاعة والمعصية، والخير والشر يقع كلاهما على مقتضى تلك الإرادة، وهو إن شاء منع المعصية والكفر، إلا أنه - سبحانه - أراد وقوعها إرادة كونية، ولم يرد وقوع خلافها، وإلا لكان خلافها هو الواقع فعلاً، ولا مدخل لمحبته - سبحانه - ورضاه في تلك المشيئة. ٢- الإرادة الشرعية: وهي محل أمره ونهيه - سبحانه - والتي بها نزلت الشرائع وفصلتها الرسالات، فإنه سبحانه أراد من العبد أن يفعل ما أمر بفعله وأحبه منه ورضي عنه به، كما أنه لم يرد من العبد فعل ما نهاه عنه وكرهه عليه إلا أنه يقع من العبد على خلاف الإرادة الشرعية، والله -سبحانه - لا يجبر عبداً على فعلها أو على إتيانها، إنما الإرادة هنا مقرونة بالمحبة والرضى كما في قوله - تعالى -: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] وقوله: [واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ] [البقرة:٢٠٥] فعدم محبة الله للفساد لا تستلزم عدم وقوعه، كما أنها لا تعني أنه يقع في الكون ما يخالف الإرادة الإلهية، فعدم المحبة هنا يعني المحبة الشرعية وليس الإرادة الكونية التي بها يقع الفساد وغير الفساد. بالتمييز بين الإرادتين يتضح خطأ قول مَن قال: إن الطاعة والمعصية تقعان حسب إرادة الله ومشيئته، لعموم قدرته التامة، ولجأ إلى نفي الحكمة. كذلك فإن الله - سبحانه - قد خلق الأشياء في عالم المادة - ومنها الأفعال غير الاختيارية لبني آدم - وأودع فيها قوى وطبائع وصفات [شفاء العليل، ١٨٨] وسيَّرها حسب قوانين وسنن عامة تتلاءم مع تلك الطبائع بحيث لا تتخلف، إلا أن يشاء الله (سبحانه) أمراً - كما في حالة المعجزة أو الكرامة - وذلك بإيقاف عمل السنن أو القوى الجارية، أو أن يخلق مانعاً يمنعها من العمل حسب تلك السنن، كما في حادثة إحراق الخليل إبراهيم ﵇ وتلك السنن والطبائع والصفات في الأشياء هي من قدر الله - سبحانه -: [إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] [القمر: ٤٩] وإنكارها إنكار لقدر من قدر الله - سبحانه - وواجب العبد إزاء القدر أن يكون على حالين: " حال قبل القدر، وحال بعده، فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه ويرضى به، وإن كان بفعله - وهو نعمة - حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبًا استغفر إليه من ذلك " [الفتاوى لابن تيمية، ٨/٧٦، شفاء العليل، ٣٤] . أهل السنة وخلق الأفعال: وقاعدة أهل السنة في ذلك أن الله سبحانه " خالق كل شيء "؛ فهو خالق للعبد، وخالق لفعله، وخالق لقدرته التي يفعل بها الفعل، والعبد لا يتصف بالخلق بشكل من الأشكال إنما هو فاعل بتلك القدرة المخلوقة له. وخلْق الله للفعل لا يعني أن الله - سبحانه - هو الذي فعله أو أنه ينسب إليه فعله، أو أن قدرة العبد ليس لها عمل أو تأثير في إيجاد الفعل، وإلا فكيف يعاقب الله - سبحانه - العبد على ما فعله هو - سبحانه -، أو أن يثيبه على ما لم يفعله؟! والجواب على ذلك أن العبد فاعل مختار بقدرته المخلوقة [شفاء العليل: ٥٢] ، وأما عن أثر قدرته فإن كلمة " التأثير " فيها اشتراك، أي تحمل عدة معانٍ: ١- إما أن يكون أثر القدرة الإنسانية هو الانفراد بالفعل، دون القدرة أو الإرادة الإلهية، وهو باطل متفق على بطلانه. ٢ - أو أن يكون أثر القدرة الإنسانية هو في معاونة القدرة الإلهية على إخراج الفعل للوجود، وهو كسابقه من أقوال أهل البدع. ٣- أن يكون التأثير في إخراج الفعل من العدم إلى الوجود بواسطة القدرة الإنسانية المحدثة، بمعنى أن القدرة الإنسانية التي خلقها الله - تعالى - للعبد هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه - للفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، والغيث بالسحاب. وقد قال تعالى: [قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ] [التوبة:١٤] فبيَّن أنه المعذب، وأن أيدينا أسباب ووسائط لهذا التعذيب [عن الفتاوى لابن تيمية: ٨/٣٨٩] . ومن هنا يتضح أنه لا تعارض بين أن الله - سبحانه - خالق لأفعال العباد، وأن العباد فاعلون لها مختارون بقدرتهم المخلوقة لهم، والتي وجهوها كما أرادوا لذلك الفعل. ومن هنا كذلك تنسب الأفعال للعباد؛ فيقال: إنهم (مصلّون) أو (سائرون) أو (عاصون) أو غير ذلك من أفعال، وأن أفعالهم ... قائمة بهم لا بالله، وأنها فعل لهم لا لله، كما في القرآن من قوله تعالى: «يعملون» ، «يؤمنون» ، «يكفرون» . وهنا ينبغي التفطن إلى أمر آخر، وهو أن الله - سبحانه - إذا أحب عبداً هيأ له أسباب الخير وعاونه عليه منة منه وفضلاً، فهو يوفقه إلى ما فيه الطاعة، ويبعده عما فيه العصيان بفتح أبواب تلك وإغلاق أبواب ذاك، كما أنه إذا أبغض عبداً منع عنه أسباب الهداية ولم يوفقه إليها حكمة منه وعدلاً، فهو يمد له في أسباب العصيان والكفر مداً، ويمهله رويداً؛ حتى يأتيه وعده بغتة وهو لا يشعر، كل ذلك والعبد نفسه هو الفاعل لأفعاله المختار لها، وإنما الهداية من الله بمقتضى الفضل والرحمة، والإضلال منه بمقتضى العدل والحكمة [شفاء العليل: ٣١] . أهل السنة والتحسين والتقبيح: رأينا فيما سبق كيف اشتط القدرية المعتزلة في إثبات الحسن والقبح العقليين (اللذيْن يدركان بالعقل) فأثبتوا للأفعال صفات لازمة لها، وليس للشرع من دور إلا الكشف عنها، كما أن الشرائع لا تأتي إلا وفقاً لتلك الصفات، تابعة لها، فما يحسّنه العقل يأتي الشرع بحسنه والعكس. كما أننا رأينا كيف أفرط مناقضوهم في إنكار أن يكون للفعل صفات أصلاً! ؛ حتى يدركها العقل، والأفعال متعادلة في الحسن والقبح حتى يأتي الشرع فيحسن ذلك ويقبح تلك بمطلق الإرادة الإلهية، ولو قبح الحسن لقُبح، ولو حسن القبيح لحسن! . والحق - الذي عليه أهل السنة - هو أن الله - سبحانه - قد خلق الأفعال، وخلق لها صفات، كما خلق الأشياء وخلق فيها طبائع وقوى، والأفعال تحسن وتقبح بتلك الصفات المخلوقة لها، وقد يعلم هذا الحسن أو القبح بالعقل أو بالشرع، وكثير من الأمم الضالة التي لم تهتدِ بهدْي النبوة قد وجد فيها تقبيح الظلم وكراهته، وتحسين العدل ومحبته، وما سن القوانين التي عُرفت منذ القديم إلا دليل على ذلك، بما اشتملت عليه من مبادئ تتوافق مع مبادئ الشرع في بعض ما تأخذ به من أحكام. إلا أن مدار الأمر في هذه المسألة هو أن الثواب والعقاب لا يترتبان على الفعل إلا بعد ورود الأمر الشرعي، وهو ما غلطت فيه القدرية الذين جعلوا الثواب والعقاب والتكليف بحسب العقل، كذلك فإن الله - سبحانه - قد يأمر بشيء ليمتحن به العبد، ولا يكون مراده هو الفعل بذاته، ولكن امتثال الأمر هو المطلوب لمعرفة طاعة العبد لله، كما أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه، وهنا يتضح قسم آخر ورد فيه الأمر الشرعي بما هو قبيح في أصله لحكمة إلهية تقتضي ذلك، فذبح الولد ليس حسناً وإنما كان لحكمة الابتلاء، وأصل الأحكام الشرعية ليست من هذا القبيل، وإنما هذا يبين خطأ المعتزلة الذين أنكروا أن يأمر الله بخلاف ما هو حسن عقلاً، وخطأ الأشاعرة الذين اعتقدوا أن الأحكام الشرعية كافة من هذا الباب للامتحان والابتلاء دون أن تحتوي بذاتها على حسن أو قبح أو مصلحة أو مفسدة للعباد [انظر: الفتاوى، ٨/٤٢٨ وبعدها] . أهل السنة والحكمة والتعليل: ينطق كتاب الله المقروء، وكون الله المشهود، كلٌّ بآياته وأسلوب دلالاته - بتلك الحِكم البالغة التي لأجلها شرع ما شرع للناس من أحكام، وبنى ما بنى في الوجود من عوالم وأكوان، ففي كتاب الله ما يكاد يخرج عن الحصر من أدلة تثبت حكمة الله - سبحانه - في أفعاله، وأنها كلها معللة بعلل تتلاقى في أنها لصالح العباد والبلاد، ولإقامة حال الدنيا وما فيها ومَن فيها على أحسن ما يكون لهم، فما يظهر فيها من خير فهو من رحمة الله وفضله، وما يبدو من شر- ليس إليه سبحانه - فهو من عدله وحكمته. وإليك بعض ما اجتزأنا من أدلة سردها ابن القيم فيما يبلغ ثلاثة وعشرين وجهًا: الأول: التصريح بلفظ الحكمة، كقوله - تعالى -: [حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ] [القمر: ٥] ، [وإنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ] [النمل: ٦] . ثانياً: إخباره عن فعل كذا لكذا، كقوله - تعالى -: [ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ] [المائدة: ٩٧] . ثالثًا: لام التعليل، كقوله - تعالى -: [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ] [الأنفال: ٤٢] . رابعًا: كي التعليلية، كقوله - تعالى -: [كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ] [الحشر: ٧] . خامساً: (أنْ) والفعل المستقبل بعدها، كقوله - تعالى -: [أَن تَقُولُوا إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا] [الأنعام: ١٥٦] . سادساً: ما هو من صريح التعليل، كقوله - تعالى -: [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ] [المائدة: ٣٢] . سابعاً: التعليل بلعلّ، وهى تفيد العِلّية في كلام الله - تعالى - كقوله: «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» . ثامناً: إنكاره - سبحانه - التسوية بين المختلفين والتفرقة بين المتساويين كقوله تعالى: [أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ] [القلم: ٣٥] . تاسعاً: أمره - سبحانه - بتدبر كلامه والتفكر في مغزى أوامره ونواهيه، وهو يدل دلالة صريحة على ما تتضمنه تلك الأوامر والنواهي من حكم بالغة ومصالح وغايات مطلوبة. وإلا ما كان هناك داعٍ للتفكر والتدبر بها [شفاء العليل لابن القيم، ص١٩٠ وما بعدها] . ويا سبحان الله العظيم! أن تحتاج مثل هذه القضية إلى أدلة وبراهين للمحاجة عنها: ألم يسمِّ الله نفسه حكيماً؟ ! وكيف يليق بالرب - سبحانه - أن يقال: إن أفعاله ليست لدواعٍ أو أسباب أو حكم، إنما هي محض مشيئة ترجح مثلاً على مثل بلا داعٍ لذلك! في حين أن مجرد وصف أحد الناس بمثل تلك الصفة هو سمة عار ومظهر نقص في قواه العقلية التي تدفعه للعمل دون مبرر إلا أنه أراده هكذا لا غير!! أما إذا ذهبنا نتتبع كون الله المشهود لنرى مواطن حكمته في خلقه؛ لخرجت الآيات الدالة على ذلك عن الحصر بلا جدال. أهل السنة والسببية: كان نفي الحكمة وادعاء عدم عِلّية الأحكام الشرعية، وانتفاء مقصد المصلحة فيها باباً لنفي الأسباب جملة في حياة الناس وتصرفاتهم، وفي ظواهر الحياة المادية وحركاتها، وادعاء أن الله لم يجعل شيئاً في الدنيا سبباً لشيء ولا رتب شيئاً على شيء، بل كل ذلك من أوهام العقل الذي لم يصل إلى منتهى التوحيد ليشهد أن الله هو الفاعل وحده، فما ثمة سبب إلا الله -سبحانه -! وكان ذلك التقرير إهداراً للعقل والفطرة معاً، بل هو أكبر من ذلك؛ إذ إن الشرع قد ربط الأسباب بمسبباتها في الأحكام والقدر وأفعال العباد، بل كل ما في الكون هو مبني على التسلسل السببي شرعاً وقدراً، فالإنسان سبب في أفعاله، إذ هو الذي يسببها، وعليها يثاب أو يعاقب، وهو ينال ما قُدر له بالسبب الذي أُقدر عليه ومُكّن منه وهُيئ له، فإذا أقر بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب [شفاء العليل لابن القيم، ٢٥] وكلما ازداد اجتهاداً في تحصيل الأسباب ازداد قرباً من الله، ومما هو مقدور في الكتاب، وقد كان من حسن فقه الصحابة أنهم قد ازدادوا عملاً لما فهموا القدرحق الفهم، وعرفوا أن مصالح الدنيا والآخرة ترتبط ارتباطاً تاماً بما يكتسبونه في حياتهم. فالصلاة أخذ بالسبب الموصل إلى رضا الله - سبحانه - وهو قد جعلها سبباً لرضاه، كما أن السعي للرزق سبب للحصول عليه، والقعود في الدار وانتظار أن تمطر السماء غذاءً وكساءً لن يُنتج إلا الحسرة والفاقة. ومن هنا فحق التوحيد أن تسعى عن طريق الأسباب التي خلقها الله - سبحانه - لتصل إلى النتائج التي أرادها الله - سبحانه -، لا أن تُعْرض عن أسبابه مدعياً الوصول إلى النتائج دونها. وما سبق أن ذكرناه في باب إثبات الحكمة والتعليل هو بذاته دليل على أن الله - سبحانه -بنى الدنيا على قاعدة ربط الأسباب بمسبباتها في الظواهر المادية أو التصرفات الإنسانية أو الأحكام الشرعية. ففي التصرفات الإنسانية قال - تعالى -: [فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً] [الحاقة: ١٠] . وفي الظواهر المادية قال - تعالى -: [ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ] [ق: ٩] . وفي الأحكام الشرعية قال - تعالى: [والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ] [المائدة: ٣٨] وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء كما في قوله -تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً] [الأنفال: ٢٩] . ولا فرق في ذلك بين الأحكام الشرعية - التي هي حكم الله تعالى في خلقه الإنسانى - وبين السنن الكونية الطبيعية - التي هي حكم الله تعالى في خلقه المادي ولعل ما كتبه ابن القيم في (مدارج السالكين) - عن منزلة (الأسباب) في الدين - فيه غناء عن كثير مما قد يقوله غيره، فلنثبتْه هنا كموقف لأهل السنة في هذه المسألة: (ونحن نقول: إن الدين هو إثبات الأسباب، والوقوف معها، والنظر إليها والالتفات إليها، وإنه لا دين إلا بذلك، كما لا حقيقة إلا به ... فإن الوقوف معها فرض على كل مسلم، لا يتم إسلامه وإيمانه إلا بذلك ... وهل يمكن حيواناً أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب؛ فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها. ويرعى في خصبها دون جدبها، ويسالمها ولا يحاربها فكيف وتنفسه في الهواء بها، وسعادته وفلاحه بها، وضلاله وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها، فأسعد الناس في الدارين أقومهم بالأسباب الموصلة إلى مصالحها. وأشقاهم في الدارين أشدهم تعطيلاً لأسبابهما؛ فالأسباب محل الأمر والنهي والثواب والعقاب والنجاح والخسران " [مدارج السالكين لابن القيم، ٤٠٧ وما بعدها] . ... ... ... ذلك هو فقه أهل السنة في الأخذ بالسبب وفي مرتبته التي بُنيت عليها الدنيا، ولعل فيما نقلناه غناءً عن الإطالة. وماذا عن واقع المسلمين: لو اقتصر أمر ما عرضنا آنفاً من آراء منحرفة - على الجانب النظري البحت في الكتب والمناظرات، وفي النطاق العلمي المحدود - لهان الخطب، ولما تجشمنا عناء الرد عليها إلا إعذاراً إلى الله - تعالى - ببيان وجه الحق فيها، ولكن شأن تلك الأفكار المنحرفة عن جادة الصواب أن تتسرب شيئاً فشيئاً إلى واقع الناس وحياتهم، خاصة إن كُتب لها أن تنتشر بواسطة انتشار مذاهب من يحملونها في المكان والزمان، فتعمل عملها في تشكيك العقلية الإسلامية، ومن ثم التأثير في مجريات الحياة الإسلامية، حتى تصبح جزءاً من النسيج العقلي الذي ينسج الناس على منواله دون معرفة لمصدره أو تحديد أسبابه. وإننا حين استعرضنا ما ذكرناه من آراء يأخذ بعضها برقاب بعض، ما قصدنا أن نروي تاريخاً فات، أو أن نثير في النفوس حزازات، ولا أن يكون بحثنا متاعاً عقلياً لمن يفتنه ذلك النوع من المتعة العقلية، بل إلى النظر في الواقع الحالي للمسلمين، وكيف أثرت فيه تلك الأقوال حتى أسلمته إلى ما هو عليه من وهن وضعف، ومن تخلف وانحطاط. كيف نريد لعلم أن ينشأ؟ أو لأمة أن تتقدم وتترقى؟ أو لقوة أن تنمو وتزداد، بينما تلك الأفكار الخبيثة تعمل عملها في الفرد والمجتمع فتثبط الهمة، وتفل العزم، وتهدر الجهد. لقد عملت تلك المفاهيم - عن القدر والسببية - عملها في الأمة الإسلامية خلال قرون متطاولة، فكان من جرائها - إلى جانب أسباب أخرى عديدة - أن أهمل المسلمون العلوم التجريبية بلا شعور أو وعي، وكان هذا هو المعول الأول الذي جر بهم إلى حضيض التخلف والضعف، في عالم عرف قيمة العلم التجريبي الذي يبني أول ما يُبنى على قاعدة ربط الأسباب بنتائجها، وأن السنن الكونية عاملة في الوجود بحسب ما أجراها الله - سبحانه - في حكم العادة الجارية. وكيف يندفع المسلم إلى محاولة اكتشاف علاقة بين أمرين، وهو أصلاً يؤمن بأنه لا رابطة بينهما، وأن أحدهما لا ينشاً عن الآخر، بل - في أحسن الأحوال - ينشأ عند حدوث الآخر لا غير؟ ! لقد سن الله - سبحانه - سنناً كونية، أجرى عليها أمر الناس والأشياء والمادة، هذه السنن تعمل بشكل دائم منتظم سواء في حياة الناس الاجتماعية، أو الفردية، وسواء في مبناهم الجسدي أو عالمهم المادي، وسواء في الأمم التي اهتدت بهدي النبوة، أو التى كفرت بها. والآخذ بالأسباب الصحيحة التامة، والمراعى لتلك السنن الكونية الإلهية هو الموفق إلى العلو والارتقاء في هذه الدنيا، وإن من رحمة الله وفضله على المسلمين أن أتاح لهم الأسباب التي توصلهم لخير الدارين بأن هداهم للإيمان ووفقهم لاتباع الهدي النبوي، ودلهم على ما لم يدل عليه الكافرين من أسباب خاصة تعاونهم على النجاح والظفر في الدنيا والآخرة كالدعاء والعبادة وإفراد التوحيد، كذلك الأسباب التامة التي تقيم حياتهم المادية على خير نسق سواء في معاملاتهم المادية أو علاقاتهم الاجتماعية. وبقدر ما يحصل الفرد المسلم، والمجتمع المسلم من الأخذ بالأسباب، ومراعاة تلك السنن، بقدر ما يتقدمون في الدنيا على أعدائهم، فإن تخلوا عن الأسباب الموصلة لخير الدنيا أو الآخرة، فهم وغيرهم سواء، والظفر لمن نال أسباب القوة والغلبة. كيف يأمل المسلمون أن يتغلبوا على تلك القوى الهائلة التي تحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وتترصد بهم في كل لحظة لتقضي عليهم قضاءً مبرماً، وهم لا يملكون - بل ولا يحاولون - وسائل التقدم والغلبة سواء منها الحربية أو الاقتصادية أو غيرها؟ ! كيف يأمل المسلمون أن تتحرر إرادتهم في أوطانهم، وأن يكون لهم أمر أنفسهم في ديارهم دون أن يتخذوا بالأسباب الكفيلة بأن يسيطروا على العالم الاقتصادي والسياسي والعسكري؟ ! ولقائل أن يقول: إننا نحاول جهدنا باتخاذ بعض الأسباب دون بعض، أو جزء من الأسباب الناقصة دون التامة، إلا أننا ننبه إلى نفيسة من النفائس التي ذكرها الشاطبي وابن القيم من أن الإتيان بالسبب على كماله، وانتفاء أي مانع يمنعه، تنشأ النتيجة عنه لا محالة، كما أن الفاعل إن قصد أن لا تقع النتيجة بعد الأخذ بالسبب التام فهو عابث، كذلك فإن أخذ بجزء السبب أو بسبب ناقص لم يوصله إلى النتيجة المرجوة وإن أراد ذلك [الموافقات، ١/٢١٨] . فالسبب يجب أن يؤخذ على الوجه الأكمل حتى يتم المقصود منه، وتترتب عليه نتائجه حتى يتخطى المسلمون تلك العقبات، وحتى يتخلصوا من المأزق التاريخي الذي وقعوا فيه - بما كسبت أيديهم - فإن عليهم الأخذ بالأسباب التامة كافة في جميع المجالات دون استثناء، في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والعسكري والسياسي، وأن يكون همهم تدارس كيفية تقدم الأمم الأخرى، ووسائل اللحاق بها والأخذ عنها بما لا يتعارض مع شرعنا الحنيف، فإنه ليس كل ما عند الكافرين كفر، بل فيه حق وباطل، ونحن أحق بالحق الذي عندهم منهم. إن من سنن الله الجارية في الأمم كافة: أن تقوى الله سبب العلو، والمعصية والبدعة سبب للذلة. وأن الاجتماع سبب للنصر، والتفرق سبب للهزيمة. وأن العلم سبب للتفوق، والجهل سبب للتخلف. وأن المال سبب للقوة، والفقر سبب للهوان. وأن الوعي سبب النجاة، والذهول عن الحقائق سبب للهلاك. وأنه بالعمل تتقدم الأمم، وليس بالشعوذة، وبالصناعة تترقى المجتمعات، وليس بالتواكل وترك الأسباب. إن البشرية قد قطعت شوطاً طويلاً سبقت فيه المسلمين سبقاً كبيراً ولابد للمسلمين من أن يسرعوا الخطى في الطريق السديد.. ليلحقوا بالركب أولاً.. ثم يقودونه للهدى ثانياً. وإن العودة لمنهج السلف الصالح هو سبب الاجتماع فالنصر، والإصرار على التحزب والمكابرة هو سبب التفرقة فالهزيمة. والحرص على النفع الشخصى والسعى وراءه - حتى وإن كان في الإطار الإسلامي - لا يُغني غناءً كثيراً؛ إذ إن السبب يجب أن يؤخذ على كماله وبوجهه الصحيح وإن تقديم النفع الجماعي والمصلحة العامة - وعدم الحرص على التوفيق المعتسف بينهما وبين الاعتبارات الشخصية - هو سبب الاندفاع للأمام، ونمو القوة الإسلامية من جديد. وإن اعتقد المسلمون أنه يمكنهم النصر، والخروج من المأزق وهم على تلك الحال فيما بينهم وبين أنفسهم، أو بينهم وبين أعدائهم، فهم واهمون فالأسباب لابد منها، وليدرك من يقصر عن اتخاذ الأسباب أنه يفت في عضد ذلك الكيان الإسلامي.. مهما اتخذ من أعذار أو قدم من مبررات لنفسه أو لمن حوله.. إنه لابد من النهضة العلمية، والتخصص في مجالات العلوم كافة لأعلى درجات التخصص، حتى ينبغ من المسلمين من يهيئ لهم أسباب استخدام تلك الطاقات الهائلة المتاحة لأعدائهم، والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسبابها. ولابد من النهضة الاقتصادية، وبناء اقتصاد إسلامي مستقل متكامل يلجأ إليه المسلمون دون خوف من القوى المعادية، التي ستمنع عنهم ثرواتهم إن عاجلاً أو آجلاً.. والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسبابها. ولابد من الوعي السياسي، والوعى الإعلامي، حتى يفهم المسلمون حقيقة ما يدور حولهم، وما يراد بهم من شتى الجبهات العدائية.. والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسباب ذلك. ولابد من الدراسات الاجتماعية المتخصصة، التي تتناول تلك التركيبة الإسلامية الحالية، أفراداً ومجتمعات، وما يؤثر فيها؛ حتى يكون الدواء مناسباً للداء، فالبشر لهم سمات مشتركة خلقها الله - تعالى - فيهم ولابد من الالتفات إلى تلك العوامل النفسية والاجتماعية التي تعمل عملها وتسّبب الكثير من المشاكل في الواقع الإسلامي المعاصر ... والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسباب تلك الدراسات. وأخيرا.. هي دعوة ليستفيق المسلمون (المخلصون) مما هم فيه من غفلة عن الداء، ومن إعراض عن الدواء، قبل فوات الأوان. وهي أمانة في عنق كل مسلم واعٍ يحملها إلى أخيه؛ أن أدرك مَن حولك بالتربية والتوعية، واسعَ للائتلاف ونبذ الخلاف والأخذ بالأسباب التامة لنصل إلى النتائج المرجوة ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 66

الأعياد والمناسبات المعتبرة في الإسلام محمد عثمان الأعياد جمع عيد. والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع أو بعود الشهور، أو نحو ذلك. فالعيد يجمع أموراً، منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة. ومنها: اجتماع فيه. ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات وقد يختص ذلك بمكان بعينه. وقد يكون مطلقاً وكل من هذه الأمور قد يسمى عيداً [١] . فالزمان كقوله ﷺ ليوم الجمعة: (إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً) (رواه ابن ماجه) . والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس: (شهدت العيد مع رسول الله - صلى ... الله عليه وسلم -.. (متفق عليه) . والمكان كقوله ﷺ : (لا ... تتخذوا قبري عيداً) . وقد يكون لفظ العيد اسماً لمجموع العيد والعمل فيه وهو الغالب كقوله - ﷺ : (دعهما يا أبا بكر! ؛ فإن لكل قوم عيداً وإن هذا عيدنا) (متفق عليه) . لقد أكثر الناس القول في اعتبار المناسبات في الإسلام وعدم اعتبارها، ووقع فيها الإفراط والتفريط، وإذا نظرت إلى شريعة الإسلام وأحداثه عامة وخاصة؛ تجد المناسبات أو الأعياد على قسمين: مناسبة معتبرة عني بها الشرع لما فيها من عظة وذكرى تتجدد مع تجدد الأيام والأجيال وتعود على الفرد والجماعة بالتزود منها. ومناسبة لم تعتبر، إما لاقتصارها في ذاتها، أو عدم استطاعة الأفراد مسايرتها. فمن الأول يوم الجمعة، وقد عني بها الإسلام في الحث على القراءة المنوه عنها في صلاة الفجر، وفي الحث على أدائها والحفاوة بها من اغتسال وطيب وتبكير إليها، ولكن من غير غلو ولا إفراط. فقد جاء النهي عن صوم يومها وحده دون أن يسبق بصوم قبله أو يلحق بصوم بعده. كما نهى عن إفراد ليلتها بقيام، والنصوص في ذلك متضافرة ثابتة معلومة. فكان يوم الجمعة مناسبة معتبرة مع اعتدال وتوجه إلى الله بدون إفراط أو تفريط. وذلك أن يوم الجمعة هو يوم آدم ﵇، فيه خلق، وفيه خلقت فيه الروح، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تِيبَ عليه، وفيه تقوم الساعة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى - بهذه المناسبة: (إن قراءة سورة السجدة وسورة الإنسان معاً في يوم الجمعة لمناسبة خلق آدم في يوم الجمعة ليتذكر الإنسان في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - مبدأ خلق أبيه آدم، ومبدأ خلق عموم الإنسان، ويتذكر مصيره ومنتهاه ليرى ما هو عليه من دعوة الرسول وهل هو شاكر أو كفور؟) [أضواء البيان] . وكما قيل يوم الجمعة يوم آدم، قيل في يوم الاثنين يوم محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم - أي فيه وُلد، وفيه أنزل عليه، فقد جاء عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن صيام يوم الاثنين. فقال: (هذا يوم ولدت فيه وعليَّ فيه أنزل) [٢] وكان يوم وصوله المدينة في الهجرة. أما ما يفعله كثير من الناس في هذه الأزمنة من احتفالات ومظاهر فقد حدث ذلك بعد أن لم يكن لا في القرن الأول ولا الثاني ولا الثالث وهي القرون المشهود لها بالخير كما جاء الحديث عن النبي ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) . والذين أحدثوا هذه البدعة هم الفاطميون في القرن الرابع. يقول الشيخ محمد أمين الشنقيطي - رحمة الله عليه -: (وقد افترق الناس في هذا الأمر إلى فريقين: فريق ينكره وينكر على من يفعله، لعدم فعل السلف إياه ولا مجيء أثر في ذلك. وفريق يراه جائزاً لعدم النهي عنه، وقد يشدد كل فريق على الآخر في هذه المسألة ولشيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) كلام وسط في غاية الإنصاف. نورد موجزه ... لجزالته والله الهادي إلى سواء السبيل. قال ﵀ في فصل قد عقده للأعياد المحدثة فذكر أول جمعة من رجب، وعيد غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة حيث خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحث على اتباع السنة وأهل بيته ثم أتى إلى عمل المولد. وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في عيد ميلاد المسيح، وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيماً له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولده ﷺ عيداً مع اختلاف الناس في مولده أي في ربيع أو في رمضان فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع له. يضيف شيخ الإسلام: (ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف - ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سننه باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تراهم حرصاء على أمثال هذه البدع - مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة - تجدهم فاترين في أمر الرسول ﷺ عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة - التي لم تشرع - ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها) اهـ (اقتضاء، ص٢٩٥) . وليس بصحيح ما يزعمه بعض المبتدعة من تسمية المولد إحياءً لذكر الرسول ﷺ ؛ فالله أحيا ذكر الرسول ﷺ حيث قرن ذكره مع ذكره - تعالى - في الشهادتين ومع كل أذان وكل إقامة لأداء صلاة وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة. ومن المناسبات المعتبرة شهر رمضان المبارك بكامله لكونه أنزل فيه القرآن: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًًى لِّلنَّاسِ] [البقرة: ١٨٥] . ومن المناسبات ليلة القدر لبدء نزول القرآن فيها لقوله - تعالى -: [إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ (١) ومَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ (٢) ] [القدر: ١-٢] ، ثم بين مقدارها [لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) ] وبين خواصها [تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (٤) ] ، وكان رسول الله ﷺ يحتفي بها ويلتمسها في العشر الأواخر وفي الوتر من العشر الأواخر، فكان- ﷺ يعتكف العشرة كلها التماساً لتلك الليلة. روى ... البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول ... الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) . ومن المناسبات يوم عاشوراء، فلقد كان لهذا اليوم تاريخ قديم، وكانت العرب تعظمه في الجاهلية وتكسو فيه الكعبة، ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومونه؛ فقال لهم: لِمَ تصومونه؟ فقالوا: يوماً نجى الله فيه موسى من فرعون فصامه شكراً له، فصمناه. فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) . روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسُئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه نبي الله موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه تعظيماً له. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه. إن نجاة نبي الله موسى من عدو الله فرعون مناسبة عظيمة، نصرة الحق على الباطل وانتصار جند الله وإهلاك جند الشيطان. وهذا بحق مناسبة يهتم لها كل مسلم؛ ولذا قال ﵊: (نحن أحق بموسى منكم؛ نحن - معشر الأنبياء - أبناء علاّت، ديننا واحد) . وقد كان صيام عاشوراء فرضاً حتى نُسخ بفرض رمضان وهكذا مع عظيم مناسبته من إعلان كلمة الله ونصرة رسوله كان ابتهاج موسى ﵇ به في صيامه شكراً لله. ومن هذه المناسبات المعتبرة عيد الفطر وعيد الأضحى وهما مناسبتان ... عظيمتان لحديث أنس بن مالك الذي رواه أبو داود في سننه: (قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى) (رواه أبو داود والحديث على شرط مسلم) . ومما يعتبر ذا صلة بهذا المبحث في الجملة ما نقله الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣]- قال عندها: (روى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا - معشر اليهود - نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية؟ قال: قوله: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ؛ فقال عمر: والله إنى لأعلم اليوم الذين نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها عشية عرفة في يوم الجمعة) (رواه البخاري ومسلم) . وروي عن كعب قوله: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه. الأعياد غير المعتبرة في الإسلام: عيد الميلاد: يحتفل النصارى بيوم ولادة عيسى ويظهرون الأفراح والسرور ويعطلون الدوائر والأعمال، ويهنئ بعضهم بعضاً، ويتزاورون ويظهرون شعار دينهم، وقد قلدهم وشابههم كثير من جهال المسلمين وذوي الرئاسة والسياسة. ففي أعمال كثير من المسلمين في هذا العيد أنهم يعطلون الدوائر الحكومية والشركات وبعض التجار الكبار تعظيماً لهذا اليوم، احتراماً له ويزورون أصدقاءهم النصارى ويرسلون لمن كان منهم بعيداً بطاقات تهنئة. والرؤساء والملوك يرسلون برقيات تهنئة للدول التي تزعم أنها تدين بالمسيحية. وهذا العيد وغيره من الأعياد التي ابتلي بها كثير من البلاد الإسلامية - كعيد الوطن، وكعيد العلم، وعيد الأم وعيد الشجرة وعيد النظافة، وعيد الولادة، وعيد الأسرة، وعيد الأولياء -كلها محرمة في دين الإسلام؛ لمشابهتها الكفار في أعيادهم ولا شك أن في هذا إحياءً لسنن الجاهلية، وإماتة الشرائع الاسلامية في قلوب المسلمين، وإن كان أكثر الناس لا يشعرون بذلك لشدة استحكام ظلمة الجاهلية في قلوبهم، ولا ينفعهم ذلك الجهل عذراً بل هو الجريمة التي تولّد عنها كل الجرائم من الكفر والفسوق والعصيان. قال شيخ الإسلام: إن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: ١- أحدهما: أن فيها مشابهة للكفار. ٢- والثانى: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر؛ وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب من وجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات؛ فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد.. فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد. وشر الأمور محدثاتها. وكل بدعة ضلالة) (اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٦٦) . وحديث أبي سعيد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال: فمَن؟!) بدع الشهور: هناك بدع كثيرة يصعب حصرها في هذه العجالة ولكني أذكر نبذة منها: ١- استقبال الرافضة شهر محرّم بالحزن والهم والخرافات والأباطيل، فيصنعون ضريحاً من الخشب مزيناً بالأوراق الملونة يسمونه ضريح الحسين أو كربلاء. وخلال هذا الشهر تمنع الزينة فتضع النسوة زينتهن ولا يأكل الناس اللحوم وتشعل النيران ويتواثب الناس عليها والأطفال يطوفون الطرقات يصيحون: يا حسين! .. يا حسين! . ٢- بدع صفر: كان بعض الناس يمتنعون فيه عن السفر أو إقامة أي حفل، ويظهرون التشاؤم والتطير. ٣- ربيع الأول: بدعة المولد، أي إقامة احتفالات لمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك ما يسمونه بليلة الإسراء والمعراج فتقام الولائم وتضاء الشموع وتصلَّى النوافل. ٤- وفي شعبان: ما يسمونه ليلة النصف من ليلة البراءة؛ حيث يعتقدون غفران الذنوب وإطالة الأعمار وزيادة الأرزاق. ٥- بدع شهر رمضان: اهتمام الناس بالجمعة الأخيرة منه فيصلي مَن كان لا يصلي بقية أيامه. والصواب - الذي عليه المحققون من أهل العلم - النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل تعظيم لهذا اليوم من صنع الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام وحتى لا يكون له مزيَّة أصلاً. الخلاصة: خلاصة القول أننا نستفيد من هذه العجالة أموراً: * منها أن الإسلام لم يشرع الاحتفال بولادة أو بموت أحد. * ومنها: أن هذه المناسبات قد تعددت حتى غدا الإسلام احتفالات وأعياداً. فقد يقول قائل: أنا أحتفل بيوم ولادة النبي ﵊ وقد يقول آخر: أحتفل بيوم الهجرة؛ لأنه بالهجرة فرَّق الله بين الحق والباطل واعتز المسلمون وصارت لهم دولة؛ فتستحق الاحتفال بها، وإظهار التعظيم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -. وقد يقول آخر: أنا أحتفل بيوم بدر؛ لأنه يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أن نصر الله المسلمين على المشركين. وقد يقول آخر: أنا أحتفل بيوم فتح مكة يوم دخل الناس في دين الله أفواجاً. وقد يقول آخر: أنا أحتفل بيوم وفاته يوم انتقل إلى الرفيق الأعلى ... وهكذا تتعدد الآراء ويتفرق الناس على غير هدى، ومن غير دليل شرعى يحسم النزاع، ويوفر الجهد.

стр. 67

أوصاف المفارقين لأهل السنة والجماعة اختيار: محمد المصري المفارقون للسنة يدفعهم إلى ذلك أمران رئيسيان: الأول: هو الجهل بالحق فيحكمون بالظن بلا علم. والثاني: الهوى فيحكمون بالظلم بلا عدل. (وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله ﷺ ، فلما رأى قسمة النبي ﷺ قال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل، فقال له النبي ﷺ : لقد خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه يخرج من ضِئضىء هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم) الحديث. فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه [ج٣، ص٣٥٠] ، والمفارقون للسنة يدفعهم الجهل والهوى إلى ... كثرة الآراء وتضاربها واختلافها من جهة، وإلى التفرق والشقاق والمعاداة من جهة أخرى. إن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة، والفقه فيهما، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها، وناتج المقاييس وعقيمها. مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء، وكثرة الآراء، وتغلظ الاختلاف والافتراق، وحصول العداوة والشقاق. فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب (قوة الجهل والظلم) اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: [وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] [الأحزاب: ٧٢] . فإذا منَّ الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال [ج٣، ص٣٧٨] . والمفارقون للسنة قد يدفعهم إلى ذلك الغلو الذى ذمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-. " فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتالهم فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام والسنة، حتى يدعي السنة مَن ليس من أهلها، بل قد مرق منها وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمه الله - تعالى - في كتابه حيث قال: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ..] الآية [النساء: ١٧١] وقال النبي ﷺ : (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وهو حديث صحيح. ومنها التفرق والاختلاف الذي ذكره الله - تعالى - في كتابه العزيز. ومنها أحاديث تُروى عن النبي ﷺ وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه. (وأضل الضلال) اتباع الظن والهوى، كما قال - تعالى - في حق من ذمهم: [إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ ومَا تَهْوَى الأَنفُسُ ولَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى] [النجم: ٢٣] وقال في حق نبيه ﷺ : [وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى (٢) ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى] فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم: فالضال هو الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذى يتبع هواه، وأخبر أنه ما ينطق عن هوى نفسه، بل هو وحي أوحاه الله إياه، فوصفه بالعلم، ونزهه عن الهوى) [ج٣، ص ٣٨٣] . والمفارقون للسنة: منهم قوم جهال بالدين ومنهم قوم منافقون، ومنهم قوم سماعون للمنافقين يقبلون منهم، وكل من هذه الأصناف قد يكون فتنة للصنف الآخر. (قد يقع التنازع في تفصيل الكتاب فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في (مسائل الاجتهاد) ، وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين، أو منافقون، أو ... سماعون للمنافقين. فقد أخبر الله - سبحانه - أن فينا قوماً سماعين للمنافقين يقبلون منهم.. وكثيراً ما يضيع الحق بين الجهال الأميين وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق.. فإما أن تضل الطائفتان، ويصير كلام هؤلاء فتنة على أولئك حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين، ويصيروا على طرفي نقيض، وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم. وهذا من أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ) [ج٢٥، ص١٢٨-١٣١] . والمفارقون للسنة مغالون في التعصب للأشخاص بلا علم ولا عدل، ومغالون في التعصب في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد مع البغي والعدوان على المخالف لهم. (فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق " [ج٣، ص٣٤٧] . (ومن والى موافِقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين، وكفّر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلاف " [ج٣، ص٣٤٩] . (إن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا في كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل. ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقاً أو اعتقاداً زعم أن الإيمان لا يتم إلا به. مع العلم بأن الرسول لم يذكره، وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين.. ويروى عن مالك ﵀ أنه قال: (إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء) . ولهذا تجد قوماً كثيرين يحبون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولة نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها. وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يدعى إليها، ويوالى ويعادى عليها، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: (إن أصدق الكلام كلام الله.. إلخ (فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول. وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي ﷺ ، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة. بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون. والخوارج إنما تأولوا آيات القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافراً؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالاً ليس لها أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافراً كان قوله شراً من قول الخوارج) [ج ٢٠، ص١٦٣-١٦٤] . فالمفارقون للسنة إذن يقدمون بين يدي الله ورسوله: فيخرجون عن السنة أولاً، ثم يبادرون أهل السنة بالبغي والظلم والعدوان، فيخرجون عن الجماعة ... ثانياً، وهذا هو الأصل الذي تدور حوله وتتولد منه البدع والأهواء! ... ... (أول البدع ظهوراً في الإسلام وأظهرها ذماً في السنة والآثار: بدعة الحرورية المارقة.. ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم: - إحداهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، وهذا الوصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة، فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة وينفي ما أثبتته السنة، ويحسّن ما قبحته السنة أو يقبح ما حسنته السنة، وإلا لم يكن بدعة، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأً في بعض المسائل، لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة. والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه.. - الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول جمهور الرافضة، وجمهور المعتزلة، والجهمية، وطائفة من غلاة المنتسبين إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم فهل أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله ﷺ وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفراً. فينبغي للمسلم أن يحذر هذين الأصلين الخبيثين، وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم. وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة، فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة، ومن كفر المسلمين بما رآه ذنباً، سواء كان ديناً أو لم يكن ديناً، وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة. وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين. أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو القياس الفاسد: إما حديث بلغه عن الرسول لا يكون صحيحاً، أو أثر عن غير الرسول قلده فيه ولم يكن ذلك القائل مصيباً، أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله ﷺ صحيح أو ضعيف، أو أثر مقبول أو مردود، ولم يكن التأويل صحيحاً، وإما قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صواباً وهو خطأ. فالقياس والرأي والذوق هو عادة خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من المتفقهة وتأويل النصوص الصحيحة أو الضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة. وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سني فهو مذهب الخوارج. والتكفير باعتقاد سنى مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم. وأما التكفير باعتقاد بدعي فقد بينته في غير هذا الموضع [ج١٢، ص٤٦٤ وبعدها] . ودون التكفير قد يقع من البغض والذم والعقوبة - وهو العدوان - أو من ترك المحبة والدعاء والإحسان - وهو التفريط - ببعض هذه التأويلات مما لا يسوغ، وجماع ذلك ظلم في حق الله - تعالى - أو في حق المخلوق. كما بينته في غير هذا الموضع، ولهذا قال أحمد بن حنبل لبعض أصحابه: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس) [ج١٩، ص٧١-٧٥] . والمفارقون للسنة منهم المغالون المعتدون ومنهم المفرطون الجاهلون: صار كثير من أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية والممثلة - يعتقدون اعتقاداً هو ضلال يرونه هو الحق، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، فيصير منهم شوب قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق. ولعل أكثر هؤلاء المكفرين يكفر (بالمقالة) التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها. وبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذماً مطلقاً، لا يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. وما يقوله أهل البدعة والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المفارقين للسنة الذين سقطوا في هذه البدع وفي غيرها لأنهم يقرنون بين الخطأ والإثم. (فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا ما اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم، ويقولون إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون. ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال) [ج٣٥، ص٦٩-٧٠] .

стр. 68

الدعوة إلى الله بين الأسلوب والمضمون د. صلاح عبد الفتاح الخالدي وجوب الدعوة إلى الله: يتفق المسلمون على أهمية الدعوة إلى الله، ويتحدث كثيرون عن وجوبها على المسلمين، ونحن مع هؤلاء في وجوب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وتذكير الناس ووعظهم ونصحهم ... إن هذا واجب على جميع المسلمين، على اختلاف مستوياتهم، ولكن هذا الواجب يتفاوت بتفاوت المسلمين علماً وفطنة وأسلوباً ومركزاً وعملاً ووقتاً.. وهذا الوجوب مستفاد من آيات كثيرة صريحة في القرآن.. كما في قول الله - سبحانه -: [ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] ، وقوله سبحانه -: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران: ١١٠] وقوله - سبحانه -: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي] [يوسف: ١٠٨] وقوله - سبحانه -[ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ... ١٢٥] ، وقوله - سبحانه -: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَرِ واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ] [لقمان: ١٧] . من أصناف المدعوين واستقبالهم للدعوة: استقبال المدعوين للدعوة إلى الله ليس على صورة واحدة مطردة، ولكنهم ينقسمون إلى أصناف عديدة: فمنهم من يرضى بها ويُقبل عليها ويتفاعل معها، ويستجيب لأصحابها، ويثني عليهم ويتقبل كلامهم، ويدعو لهم، وهذا الصنف الطيب الخيِّر موجود بكثرة بين جماهير المسلمين. ومنهم من يغلق قلبه أمامها، ويصمّ أذنيه عن سماعها، ويعرض ويدبر ويتولى، ويرفض أن يتفاعل معها. ومنهم من يرفضها ويتوجه إلى الداعين بالاتهام والسخرية والاستهزاء والانتقاد، ويجعلهم هم السبب في رفض الدعوة، ويتهمهم في أسلوبهم ومنطقهم وتعاملهم مع المدعوين.. يتهمهم بالتزمت والتعصب والعنف والقسوة والإيذاء. ومنهم - وبخاصة إذا كان صاحب مركز أو سلطان - مَن يرفض الدعوة ويتهم أصحابها، ثم يوقع بهم من الإيذاء والتعذيب والاضطهاد ما يوقع، ويصدر في حقهم من الاتهامات والانتقادات والإشاعات ما يصدر.. إنهم متعصبون.. متطرفون.. يصدون الناس عن الدين.. نصائح في عرض الدعوة: يقوم بعض المسلمين -وبخاصة ممن يشغلون مراكز إسلامية رسمية - بتقديم نصائح للدعاة بخصوص عرض الدعوة، ومخاطبة المدعوين بها، ويظهرون فيها حرصهم على توصيلها وحسن تقديمها.. ويستشهدون في هذه النصائح بآيات من القرآن تدل على أسلوب الدعوة، وبعض هؤلاء الناصحين لا ينقصه حسن النية ونبل الباعث، ولكنه قد ينقصه حسن الاستدلال والاستشهاد والفهم لمعانى الآيات.. الآيات التي يستشهدون بها: يعتمد هؤلاء الناصحون على آية صريحة في أساليب الدعوة إلى الله، وهي قول الله - سبحانه: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] ويستخرجون منها أساليب عرض الدعوة على المدعوين، ويقولون إنها ثلاثة أساليب: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.. ويطالبون الدعاة بالتزامها في مخاطبة المدعوين.. وهذا حق وواجب، لا مرية فيه.. فهم بعضهم للمقصود بالحكمة والموعظة الحسنة: والعجيب أن بعضهم يفهم المقصود بالحكمة والموعظة الحسنة فهماً خاطئاً يفرغ به الدعوة من جوهرها ومضمونها وغايتها، ويخلطون فيه خلطاً شديداً بين أساليب عرض الدعوة وبين جوهرها ومضمونها، فيعممون الأسلوب على المضمون والجوهر. يستخدم بعضهم هذه الآية في أساليب الدعوة في اتهام دعاة صريحين جريئين في دعوتهم، ويعتبرون هذه الصراحة والجرأة منافية للحكمة والموعظة الحسنة، ويصنفون هذه الفضائل ضمن المعوقات، ويجعلون صاحبها متصفاً بالتطرف والتزمت والتشدد والعنف والحدة والقسوة والانفعال والإساءة.. أما المتصف ... بالحكمة والموعظة الحسنة - عند هؤلاء - فهو الذي يقبل بالانحرافات، ويرضى بتصرفات أصحابها، ويرتاد الأماكن والمجالس والمحافل التي تجري فيها مخالفات شرعية، ويتباسط مع المخالفين فيها، ويسكت عن البيان والدعوة والنصح.. أما إذا قام بالنصح في هذه المجالس والمحافل، والتذكير والوعظ لأصحابها، فإنه مجانب لأساليب الدعوة الحكيمة، متصف بالغلظة والشدة والقسوة.. أما إذا قام بالإنكار وغادر المجلس، أو لم يحضره أصلاً، فإنه متصف بالتزمت والتعصب والتطرف.. والإسلام بريء من كل هذا والدعاة لا يتصفون بهذا! ! . الدعوة بين الأسلوب والمضمون: إن هؤلاء - كما قلنا - يخلطون بين أسلوب عرض الدعوة وطريقة الاتصال بالمدعوين، وبين جوهر الدعوة ومضمونها وما يقال للمدعوين عنها. وإن الخلط بين هذين الأمرين، وعدم التمييز والتفريق بينهما يوقع بعض المسلمين في خطأ في فهم الآيات، وخطأ في التعامل مع الآخرين، وخطأ في توصيل الدعوة لهم، وخطأ في تقديم الدعوة لهم، وخطأ في النتائج التي قد يحققونها من خلال ذلك. وهي - كما قلنا - مبنية على خطأ أساسي وهو المتعلق بفهم آيات الدعوة وإدراك معانيها واستخراج دلالاتها.. الفرق بين الأسلوب والمضمون: هناك فرق واضح بين الأمرين، بين الأسلوب والمضمون. بين المنهج والطريقة، بين جوهر الفكرة وأسلوب تقديمها، بين الموضوع وكيفية تقديمه.. فرق بين ماذا نقول للناس وبين كيفية هذا القول للناس، وآداب تقديمه للناس.. وأي خلط بين هذه الأمور في موضوع الدعوة يوقع الدعاة والمدعوين، والناصحين الموجهين، والناقدين المنظِّرين في نتائج خاطئة. الأسلوب أو الطريقة أو الكيفية إنما في آداب الدعوة وعرضها وتقديمها للناس. في الصورة التي نقدم الدعوة من خلالها. والإطار الذي نضعها فيه، والآداب التي نراعيها فيها.. في شكل الداعية الخارجى في مظهره وهندامه وتصرفاته وحركاته.. في طريقته في العرض والكلام.. في نبرة صوته وقسمات وجهه وحركات يديه وانفعالات كيانه.. في طريقة اتصاله بالمدعوين وتعامله معهم وتقديم نفسه ودعوته لهم.. أما المضمون والجوهر فهو في نفس الكلام الذي يقوله وليس طريقة قوله.. في الحقيقة التي يقررها وليس في طريقة تقريرها.. في الموضوع الذي بينه وليس في طريقة بيانه والتعبير عنه.. وبعض الناس يجعل المضمون والجوهر والحقيقة والفكرة من الأسلوب ... والطريقة، فيقع في تحريف وتمييع في هذا المضمون والجوهر، ولا يقدم الحقيقة كما يريد الله، فيخطئ في تقديم الدعوة، ويقصر في تبليغها.. ... هدي الرسول ﷺ في هذا: كل من أمعن في سيرة رسول الله ﷺ وطريقته في تبليغ الدعوة ومخاطبة الآخرين، يرى الفرق واضحاً بين أسلوبه في عرض الدعوة ومضمونها الذي بلّغه للناس، يرى الفرق واضحاً بين طريقته في مخاطبة الناس في الدعوة وكيفية هذه المخاطبة، وبين الموضوع الذي خاطبهم فيه.. أساس دعوته ومضمونها وجوهرها: أن يوحدوا الله، ويؤمنوا برسوله - ﵊، هذا لم يتغير في أي ظرف أو زمان أو مكان. هناك حقائق وقواعد وأسس لم يتنازل عنها أو يتراجع، ولم يفاوض حولها أو يهادن أو يساوم: إن المؤمنين هم أهل الجنة، وإن الكافرين هم أصحاب النار، إن الكافرين ليسوا على دين، وإن الحق حق والباطل باطل، وإن المعروف مطلوب والمنكر مذموم متروك.. إلى غير ذلك من الحقائق الثابتة والقواعد الراسخة.. أما أسلوبه في تقديم هذه الحقائق، والصدع بهذه الأوامر، فقد كان متصفاً بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.. ودوا لو تدهن فيدهنون: لقد أزعج الكافرين ثبات الرسول ﷺ على مضمون الدعوة وجوهرها. وعدم تراجعه عنها ومساومته عليها، ونجاحه في سلوك الأسلوب الناجح في عرض هذه الحقائق وتقديمها للناس.. أزعجهم تفريقه بين الأسلوب والمضمون، وفصله بين ما يجب أن يقال وكيفية وطريقة أن يقال.. ولهذا أرادوا أن يساوموه ويداهنوه، أرادوا منه أن يتراجع عن موقفه، ويتنازل عن خصائصه.. [ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] [القلم: ٩] أرادوا أن يضيعوا المضمون ويميعوا الحق، فعرضوا عليه الالتقاء في منتصف الطريق: نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوماً! ؛ فجاء الحسم من الله في عدم المساومة على الحقائق [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (٤) ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ (٦) ] [سورة الكافرون] . أرادوا أن يحرفوه عن الحق الذي معه، وأن يفتنوه عن الذي أوحاه الله إليه: [وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً] [الإسراء: ٧٣-٧٥] . نماذج من الحقائق التي بلّغها: أمر الله رسوله ﷺ أن يبلغ كل ما أمره به، وأن لا يخفي من جوهره ومضمونه شيئاً، وأن لا يخشى في الحق لومة لائم؛ فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ] [المائدة: ٦٧] . ولاحظ التعبير باسم الموصول [مَا أُنزِلَ إلَيْكَ] واسم الموصول يفيد العموم والشمول والاستغراق.. يعني بلغ الناس كل الذي أنزل إليك من ربك، وإن أخفيت بعضه فما بلغت رسالته.. [واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ] [المائدة: ٤٩] . وقد كلف الله رسوله ﷺ بتبليغ حقائق دينه وموضوع دعوته بكلمة (قل) ، وهي (قل التكليفية التلقينية) وقد وردت هذه الكلمة التكليفية ... ثلاثمائة واثنتين وثلاثين مرة في القرآن الكريم (انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي: ٥٧-٥٧٥) وكثرة ورودها دليل على أهمية تبليغ مضمون الدعوة وكثرة الحقائق التي يجب تقديمها للناس.. ونختار فيما يلى بعض هذه الحقائق التي كلف الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببيانها، والتي يظن بعض الناس أنها مما تخضع للإخفاء والمداهنة ... ... ... ... والمساومة، والتي قد يكلف تبليغها جهداً ومشقة وعنتاً وإرهاقاً، والتي قد يصيب المبلّغ فيها أذى وضراً.. والتي قد يعتبر تبليغها نوعاً من الغلظة والعنف والقسوة مما لا يتفق مع الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة: [قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهَادُ] [آل عمران: ١٢] . [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ] [المائدة: ٥٩] . [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ ومَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وكُفْراً] [المائدة: ٦٨] . [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ] [الأنعام: ١٩] . [قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهُوَاءكُمْ] [الأنعام: ٥٦] . [فَإن رَّجَعَكَ اللَّهُ إلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ولَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُواً إنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ] [التوبة: ٨٣] . [وقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً] [الكهف: ٢٩] . [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (١٠٣) الَذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً] [الكهف: ١٠٣-١٠٤] . [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] [سورة الكافرون: ١-٣] . موسى أمام فرعون والقول اللين: وكما نجد التفريق واضحاً في طريقة الرسول ﷺ في تبليغ الدعوة، بين الأسلوب والمضمون، نجد هذا واضحاً في هدي الأنبياء السابقين ﵈ ونختار منهم موسى ﵊؛ فقد كلفه الله بالذهاب إلى فرعون: [اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى * وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى] [النازعات: ١٧-١٩] . وكلفه في سورة طه مع أخيه هارون ﵉: [اذْهَبْ أَنتَ وأَخُوكَ بِآيَاتِي ولا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] [طه: ٤٢-٤٤] . ونفهم من هذه الآيات أنها تدل على أسلوب تقديم الدعوة إلى فرعون، وطريقة توصيلها له ولقومه، واستخدام أسلوب الترغيب والحث والتحضيض: [هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى * وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى] .. هل لك؟ بهذا اللطف والترغيب وحسن العرض والإقناع. [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً] ، القول اللين إنما هو في طريقة القول وكيفيته ودرجته وحالته.. إن هذه الآيات لا تتحدث عن جوهر الدعوة، ولا مضمونها، وإنما عن طريقة عرضها وأسلوب تقديمها.. ماذا قال موسى لفرعون؟ ، ما هي الحقائق التي قدمها له بالأسلوب اللين الهادئ؟ [قَالَ فِرْعَوْنُ ومَا رَبُّ العَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ ورَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ومَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] [الشعراء: ٢٣-٣١] . هل تنازل موسى في هذه الآيات عن الأسلوب الهادئ والقول اللين في عرض الدعوة؟ كلا. وهل خلط بين الأسلوب والمضمون، بين ما قال وكيف قال؟ كلا. عندما اتهم فرعون موسى بأنه مسحور، وهاجمه في دعوته، هل سكت موسى ﵇ من باب القول اللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؟ نستمع إلى آيات الاسراء.. [ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ بَصَائِرَ وإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً] [الإسراء:١٠١- ١٠٢] . بماذا نصف موسى ﵇ عندما قال ذلك لو لم يكن موسى نبياً؟ ولو كان داعية يعيش في هذا الزمان، وقال هذا الكلام نفسه، ماذا يقولون عنه؟ وبماذا يصفونه؟ ومع من يصنفونه؟ مع المتزمتين المتشددين المتطرفين ... المتعصبين أصحاب الغلظة والشدة والقسوة والعنف؟ ! ! . مضمون الدعوة لا يتغير: مضمون الدعوة وجوهرها لا يتغير، وحقائق الدعوة ومبادئها لا تتبدل، بل تبقى ثابتة على اختلاف الزمان والمكان والظروف والأشخاص.. إن هذه الأمور غير خاضعة للتغيير أو التبديل أو الاجتهاد أو النسخ، لأننا لسنا نحن الذين فردناها أو اخترناها، بل إن الله رب العالمين - سبحانه - هو الذي تكفل بأفرادها واختيارها وبيانها لنا، وطالبنا أن نلتزم بها وأن لا نخرج عنها. والداعية مطالَب أن يبلغها كلها للناس، وإن لم يفعل فما قام بالمطلوب ولا بلّغ الرسالة.. ويحرم عليه أن يخفي منها واحدة، أو يجبن عن بيان واحدة، أو يفاوض ويداهن على واحدة، ويساوم على حساب واحدة، أو يؤجل أو يعطل واحدة، أو يحرف في معنى واحدة، أو يستحي من الجهر بواحدة.. إن الداعية مطالب بالصدع بالأمر، والجهر بالحق، والقيام بالواجب.. مضمون الدعوة ثابت، وحقائقها راسخة.. وكل من اعتدى عليها لينال رضاء الناس والقبول لديهم فقد خان الأمانة ونقض العهد وباء بسخط من الله [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ] [البقرة: ٧٩] . من حقائق الدعوة الثابتة التي لا تغيير فيها ولا تبديل: بيان الحق والباطل، وبيان الطريق إلى الله، وبيان الدين عند الله، وبيان أوصاف الذين يحبهم الله، وأوصاف الذين يبغضهم الله، وبيان الوظيفة والغاية وبيان الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، وبيان ما يقرره الإسلام، وما يبطله في حياة الأفراد والأمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسلوكية والإيمانية، وبيان أوصاف الكافرين والظالمين والمعتدين.. والداعية في هذه الموضوعات وغيرها ليس مجتهداً ولا مبتدعاً، وإنما هو ملتزم بما ورد منها في الكتاب والسنة، فواجبه هو أن يتدبرهما ويستخرج منهما بيان هذه الحقائق وتحديدها وتفصيلها.. [وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] [الأنعام: ٥٥] . وجوب تحسين الأسلوب ومراعاة آداب الدعوة: الداعية الناجح - الذي يريد أن يوصل الدعوة إلى قلوب الآخرين، ويوجد عندهم القناعة بها والقبول لها - يعمل باستمرار على تحسين أسلوبه في عرضها وتقديمها، وطريقته في التعامل مع الآخرين، ويستخدم أفضل الأساليب وأجودها وأجملها، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، ويقدم مضمون الدعوة وحقائقها في غاية اللطف والرقة واللين، بحيث يكون أسلوبه سبباً في قبولها، لو كانت مُرَّة شديدة! والداعية يجدد في الأساليب، ويلون في وجوه البيان، وينوع في طرق الخطاب والأداء، ويضيف إلى ذلك كل نافع وجديد وناجح ومؤثر.. وعلى الداعية أن يراعي آداب الدعوة، وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الدعوة للناس، وطريقة الصحابة والعلماء في تقديمها للناس. ويلتزم بهذه الآداب من مثل التواضع والحِلم والأناة واللين والرفق والصبر والسماحة والبشاشة والرقة والمحبة والصدق.. ويتجنب أضداد هذه الأمور، فلا يكون فظاً غليظ القلب، ولا يكون متكبراً متعالياً، ولا قاسياً ولا عنيفاً ولا غَضوباً ولا متهوراً ولا نزقاً ولا نكداً ولا معسراً. وخلاصة هذه المسألة أن على الداعية أن يفرق بين الأسلوب والمضمون فيطور في الأول وينوع ويجتهد، أما الثاني فإنه ملتزم فيه بالأصول وَقَّاف عند النصوص.

стр. 69

أدب وتاريخ معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي محمد العبدة مصادر أساسية لفهم التاريخ الإسلامي: أولاً: القرآن الكريم: تكلمنا في المقال الأول عن السنن العامة التي وضعها الله والتي تحكم سير التاريخ، وأنها سنن لا تتخلف إلا أن يشاء الله. وأن القرآن فيه منهج واضح ومستقل لتفسير أحداث التاريخ، بل هو يحرض ويدعو الناس إلى السير في الأرض وملاحظة هذه السنة، وما يفعل الله بأهل طاعته وأهل معصيته، واكتشاف القوانين العامة التي تؤثر في سير المجتمعات والأمم، ونضيف هنا أن القرآن من المصادر الأساسية في فهم وتعليل بعض أحداث السيرة النبوية كالغزوات الكبار مثل أحد وبدر والخندق وحنين وتبوك، فقد شغلت غزوة أحد حيزاً كبيراً من سورة آل عمران، وكذلك غزوة تبوك في سورة (براءة) . كما يحدثنا القرآن وبصورة مفصلة عن نفسيات وأخلاق المشركين وأهل الكتاب وخاصة اليهود، ولا يخفى ما لليهود والنصارى من دور في الأحداث العالمية، ولا شك أن الذي يُخدع بهؤلاء لم يتمكن من فهم القرآن من قلبه، ولم يستوعب دروسه، كما يحدثنا بشكل مفصل عن فئة قد توجد في كل عصر ويكون لها دورها في المجتمعات الإسلامية وهم المنافقون، الذين يخربون من الداخل. هذه الفئة وصفها القرآن حتى كأن صورة كل منافق ترتسم أمامنا شاخصة تلوح، وإن دراسة هذه الأصناف من البشر لهي جديرة أن تعطي للمؤرخ نظرة دقيقة ورحبة عما جرى ويجري من حوادث التاريخ. ثانياً: السنة: ورد في السنة أحاديث صحيحة تذكر أحداثاً ستقع أو تحذر المسلمين من أمور يجب عليهم ألا يفعلوها، أو تصف عصراً بصفة معينة، كل هذا يلقي أضواءً تعيننا على تحليل وفهم أحداث التاريخ الإسلامي. ١- روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (هلكة أمتى على يدي غلمة من قريش) [١] ، وكان أبو هريرة إذا روى هذا الحديث يتعوذ من سنة ستين فيقول: (اللهم لا تدركني سنة ستين) [٢] والذي حكم سنة ... ... ستين هو يزيد بن معاوية، وقد توفي أبو هريرة ﵁ سنة تسع وخمسين، والمراد بالأمة هنا أهل ذلك العصر ومَن قاربهم لا جميع الأمة إلى يوم القيامة [٣] . وإذا كان رسول الله ﷺ يحذر أمته رأفة بهم ورحمة فيصف بعض الأسر أو الأشخاص بما هم فيه فهذا لا يعني أن يوصف العصر كله أو الدولة بشكل عام بصفات سلبية، ولكن نستطيع القول إن الحديث يصف واقعاً يساعد المؤرخ على الحكم الصحيح المعتدل فلا يغالي في المدح أو الذم والمنقصة. ٢ - وصفت العصور الإسلامية الأولى بالإيجابية، ولكن بشكل عام وليس تفصيلياً كما جاء في الحديث: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، كلهم من قريش، ثم يكون الهرج) [٤] . وقد قال بعض العلماء: إن هذا العدد ليس من الضروري أن يكون متتابعاً، بل الأغلب أنه يكون مفرقاً بين أكثر من دولة. وتد ذكر منهم ابن كثير: الخلفاء الأربعة وبعض ملوك بني أمية، وبعض بني العباس، ثم قال: والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث [٥] . وناحية أخرى وهى أن كلمة (دين) قد ترد بمعنى الملك والسلطان، أي أن سلطان المسلمين وقوتهم وملكهم لا يزال قوياً. كما جاء في حديث آخر: (تدور رحى الإسلام في خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً. قلت: يا رسول الله! ، مما مضى أو مما بقي؟ ، قال: مما بقي) [٦] . قال الخطيب البغدادي - في شرح هذا الحديث -: (تدور رحى الإسلام) يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف لذلك على أهله الهلاك - كأنه إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة - قوله: يقم لهم دينهم: أي ملكهم وسلطانهم، ومنه قوله - تعالى -[مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ] ... [يوسف: ٧٦] [٧] . ٣- حذر رسول الله ﷺ المسلمين من الفتن، ودلهم على الطريق الأسلم فقال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» [٨] . فإذا كان المقصود بالحي من قريش بعض ملوك الدولتين الأموية والعباسية الذين كانوا من الضعف أو السفاهة ما ينطبق عليه أنهم ضيعوا المسلمين في عصرهم، فالرسول ﷺ ينصح المسلمين باعتزال الفتن؛ لأن هاتين الدولتين إسلاميتان رغم ما حصل فيهما من تقصير أو ظلم أو تشجيع لبعض البدع. ثالثاً: العلماء: هناك علماء لم يصرفوا جُل عنايتهم للتاريخ، ولكن لهم آراء وتعليقات على بعض الأحداث، أو نظرات عامة لبعض العصور والدول، وآراؤهم هذه لها قيمة كبيرة، لأنهم أشد الناس إنصافاً وتحرياً للحق. وليس لهم غرض عند الحكام أو المحكومين يقول الإمام أحمد بن حنبل - عن الذي يتوقف في خلافة علي (رضي الله عنه) ويقول: لا أدري هل كان الحق معه أو مع غيره؟ ، ويظن أن هذا من شدة تحرّيه، يقول عنه: (هو أضل من حمار أهله) ! . ويقول ابن تيمية - موضحاً رأي أهل السنة في ملوك الدولتين الأموية والعباسية -: (ما قال أهل السنة أن الواحد من هؤلاء كان هو الذي تجب توليته وطاعته في كل ما أمر به، بل كذا وقع، فيقولون تولى هؤلاء وكان لهم سلطان وقدرة؛ فانتظم لهم الأمر، وأقاموا مقاصد الإمامة من الجهاد وإقامة الحج والجُمَع والأعياد وأمن السبل ولكن لا طاعة في معصية الله) [٩] . وعندما طعن العلماء في نسب العُبيديين الذين كانوا بمصر والذين تسموا (بالفاطميين) . وقالوا: ليس لهم أي صلة بنسب علي بن أبي طالب، وأنهم مجوس ملحدون، فهذا الطعن له أهمية كبيرة، ويساعدنا على فهم تصرفات هذه الدولة. فهؤلاء العلماء من أمثال أبي حامد الإسفراييني وأبو الحسن القدوري والبيضاوي وابن الأكفاني وغيرهم لا يمكن أن يشهدوا هذه الشهادة تقرباً وتملقاً للخليفة العباسي ببغداد، كما يريد أن يصورهم البعض، وهؤلاء أجلّ من أن يشهدوا زوراً من أجل الخليفة [١٠] . ويبدي ابن تيمية رأيه في خلفاء بني العباس من ناحية إقامتهم للصلوات فيقول: (وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهداً للصلوات في أوقاتها من بني أمية) [١١] . ويقول أيضاً ذاكراً بعض سلبيات الدولة العباسية: (وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: (الفتنة ها هنا) وظهر حينئذ كثير من البدع وعرّبت أيضاً إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيماناً؛ فصار يتتبع المنافقين الزنادقة) [١٢] . ويقول أحد علماء المغرب المعاصرين - موضحاً حرص العباسيين الأوائل على نشر السنة: (ولما أراد بنو العباس نقل عاصمة الملك إلى بغداد لم يجدوا في العراق ما يكفي لنشر السنة إلا بأن أتوا من المدينة بعلماء مهدوا السبيل كربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد وارتحل إليهم هشام بن عروة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومحمد بن إسحاق، ومن حينئذ بدأ ظهور السنة هناك) [١٣] . رابعاً: علماء مؤرخون: من أمثال الطبري وابن كثير والذهبي وابن الأثير والسخاوي؛ فهؤلاء يجمعون بين علم الحديث والفقه من جهة والتاريخ والكتابة التاريخية من جهة أخرى. ولا شك أنهم مقدمون في توثيقهم للحدث التاريخي أو فهمهم له على المتخصصين في التاريخ الذين لا يهتمون إلا بجمع المادة التاريخية سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة. فعندما يبدي ابن كثير رأيه في الحجاج بن يوسف ويقول عنه: (وقد كان ناصبياً يبغض علياً في هوى آل مروان، وكان جباراً عنيداً، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة) [١٤] . عندما نسمع هذا لا نلتفت إلى ما يحاوله بعض المعاصرين من الدفاع عن الحجاج دفاعاً بارداً؛ فهو ظالم لا شك في ذلك، وكلام ابن كثير هو الحق. ويقول الذهبي عن أمير مصر - زمن الوليد بن عبد الملك - (قرة بن شريك) : (ظالم جبار، عاتٍ فاسق، مات بمصر بعد أن وليها سبعة أعوام) [١٥] . وكيف يكون عمر بن عبد العزيز، ﵁، مجدداً إذا لم يكن هذا الظلم قبله؟ ! ، ويقول الذهبي أيضاً عن أبي مسلم الخراساني: (كان بلاءً عظيماً على عرب خراسان فإنه أبادهم بحد السيف) [١٦] . وهؤلاء العلماء المؤرخون معتدلون منصفون يرجعون بالحق إلى نصابه إذا طاشت الكفة هنا أو هناك، فغُلُوّ الروافض يقابله أحياناً غلو من جهلة أهل السنة، وتأتي أقوال هؤلاء العلماء هي الحَكَم الفصل، خاصة عندما يغلب على الناس قلة الإنصاف، يقول ابن كثير - معلقاً على حديث (خلافة النبوة ثلاثون عاماً ثم يؤتي الله ملكه من يشاء) -: (هذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب الذين ينكرون خلافة علي بن أبي طالب [١٧] ) . ويقول الذهبى عن معاوية ﵁: (حسبك بمَن يؤمّره عمر، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطه ويقوم به أتم قيام، فيرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه وأفضل، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وقوة دهائه وله هنات وأمور والله الموعد) [١٨] . خامساً: دارسو التاريخ: وعلى رأسهم مؤسس علم الاجتماع وعالم نقد التاريخ عبد الرحمن بن خلدون الذي حاول في مقدمته المشهورة أن يضع الأسس التي تساعد المؤرخ على تفهم أحوال الدول وتقلباتها وأسباب اضمحلالها، والمجتمعات وأسباب رقيها وانخفاضها، وليس هذا موضع تفصيل نظريات ابن خلدون في مقدمته ولكن نضرب مثالاً واحداً للأسس التي وضعها لفهم حقائق التاريخ. نبه ابن خلدون في مقدمته إلى ناحية مهمة جداً يذهل عنها أكثر الناس وهي تبدل أحوال الناس وتطورهم من حالة إلى حالة، في كثير من العادات والتقاليد أو طريقة التفكير وتناولهم للأمور، أي يجب أن نفهم طبيعة العصر الذي عاش فيه فلان أو قامت فيه الدولة الفلانية، ولا نقيسه على عصرنا تماماً، فالبيئة العلمية التي تكون في عصرٍ ما هي التي تساعد على ظهور علماء مجتهدين، والذي يظن أنه يجب أن يكون بيننا الآن من أمثال هؤلاء العلماء دون أن يكون هناك بيئة علمية فهو واهم، وقس على ذلك البيئة الجهادية التي بدأها عماد الدين زنكي وابنه نور الدين والتي كان من نتائجها صلاح الدين الأيوبي. الذي لا يتفطن لهذا يظن أن الأمور متشابهة من كل الوجوه. وقد يرى ما عليه الصحابة والتابعون من قيامهم بالأعمال الجليلة، سواء في قيادة الجيوش أو التعليم، فيظن أنه يمكن أن يتأتى له هذا دون تدريب وتعلم، ولا يعلم أن العرب - لأول عهدهم بالرسالة - كانوا من صفاء الذهن والذكاء والفصاحة ما جعل هذه الأمور سهلة عليهم. فهم يعلمون طبيعة الناس والمجتمعات دون أن يدرسوا علم النفس وعلم الاجتماع مثلاً، وقد يرى ما عليه بعض العلماء في العصور المتأخرة من التصنع في اللباس والهيئة فيظن أن العلماء السابقين كانوا هكذا. يقول ابن خلدون: (من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. ومن هذا الباب ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ، إذ سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرياسة في الحروب، فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرتب، يحسبون أن الشأن في خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل..) [المقدمة ١/٣٢٠-٣٢٣] ، كما أن الذي لا يتفطن إلى موضوع التطور البطيء يظن أن الأمور تنتقل فجأة من حال إلى حال؛ لأنه يدرس المجتمعات كأنها (ساكنة) ، وهذا عكس طبائع العمران كما يسميه ابن خلدون، فهناك بين الخلافة الراشدة والملك مرحلة وسط هي مزيج من هذا وذاك. وللمؤرخين من غير المسلمين - وخاصة الغربيين - نظريات في التحليل التاريخي يجب أن لا تُهمل، بل نستفيد منها مع الحذر لما فيها من تعميم أو نظريات مادية أو غير صحيحة. فالمؤرخون الغربيون لهم جهود كبيرة في علم التاريخ، بل نستطيع القول إن اهتمامهم بهذا الفن قد بلغ مبلغاً عظيماً، وذلك لما رأوه من أثر دراسة التاريخ في معرفة الحاضر والتخطيط للمستقبل. كما أن الدراسات النفسية والاجتماعية التي تقدمت وتطورت كثيراً في هذا العصر - هي من المصادر التي يُعتمد عليها مع التنبه إلى عدم المغالاة فيها وفي حشرها في كل شيء.

стр. 70

مفهوم الجاهلية في الشعر الجاهلي (٤) محمد الناصر ملخص ما سبق نشره: ساق لنا الكاتب في الحلقة السابقة نبذة عن التحالفات القبلية التي كان عرب الجاهلية يعقدونها فيما بينهم، وضرب أمثلة، من تلك الأحلاف، ثم ذكر المعارك المشهورة التي وقعت بين العرب وغيرهم كالفرس، وبين العرب أنفسهم والتي تسمى عندهم أياماً، واستشهد على ذلك بأمثلة من شعر شعرائهم، وها هو ذا في هذه الحلقة يتابع الحديث عن بقية أيام العرب المشهورة. ٣ - حرب البَسوس: [١] وكانت بين قبائل ربيعة إذ اشتعلت الحرب بين قبيلتي بكر وتغلب في أواخر القرن الخامس الميلادي. وكان سببها اعتداء كليب سيد تغلب على ناقة للبسوس، اسمها سراب، وكانت البسوس خالة جساس بن مرة سيد بني بكر وكانت خالته من تميم نزلت بجواره. واسم كليب: وائل بن ربيعة، لُقِّب بكليب لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر بروضة أو بموضع يعجبه ضرب الكلب ثم ألقاه وهو يصيح في ذلك المكان ويعوي فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنب ذلك الموضع، وكان يقال له كليب وائل ثم اختصروا فقالوا: كليب، فغلب عليه. وكان كليب قائد معدّ يوم خزازى، ففض جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته، وبقي زمان ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه، حتى أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ولا يورد أحد مع إبله. وعندما رأى كليب ناقة البسوس رمى ضلعها بسهم فاختلط لبنها بدمها، ولما علم جساس بالأمر وسمع صياح البسوس وهي تصيح: واذلاه! ، انتقم من كليب وطعنه بالرمح وقتله على حين غِرَّة. واشتدت الحرب بين الطرفين، وقاد عدي بن ربيعة - الملقب بالمهلهل - جموع تغلب ضد بني بكر بعد أن رفضت المساعي، واستمرت رحى الحرب أربعين سنة وكثرت أيامها مثل: يوم عنيزة ويوم واردات، ويوم الحنو ويوم القصيبات ويوم تحلاق اللمم الذي حضره الحارث بن عباد. وقُتل في هذه الحروب جساس بن مرة وأخوه همام، وبجير ولد الحارث بن عباد، وخلق كثير، وملّ الناس الحرب، ثم عرض المهلهل على قومه أن يغادرهم، ونزل في حي من اليمن اسمه جنب ثم أجبره القوم على زواج ابنته وساقوا إليه صداقها جلوداً من أدم فقال في ذلك [٢] : أنكحها فقدُها الأراقمَ في ... جنبٍ وكان الحباء من أَدَمِ [٣] لو بأبانَينِ جاء يخطبُها ... رُمِّلَ ما أنفُ خاطبٍ يدمِ [٤] ثم انحدر إلى قومه، فلقيه عوف بن مالك - وهو أبو أسماء صاحبة المرقِّش الأكبر - فأسره ومات في أسره. قال المهلهل كثيراً من الشعر في هذه الحرب منها هذه القصيدة التي قالها بعد أن أدرك بثأر أخيه [٥] : فإن يكُ بالذنائبِ طال ليلي ... فقد يُبكى من الليل القصيرِ [٦] فلو نُبشَ المقابرُ عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زيرِ [٧] فلولا الريحُ أسمعَ أهلَ حَجرٍ ... صليلَ البَيْضِ يُقرعُ بالذكورِ [٨] ومن جيد شعر المهلهل - بطل هذه المعارك - قصيدة ذكرها صاحب جمهرة أشعار العرب واعتبرها من المنتقيات [٩] . وقد قالها يهدد بني بكر، ويتوعدهم بالثأر لأخيه، ويتحدث عن ظلم بني بكر وجساس بن مرة، وما كان من قتله لكليب (سيد العرب من معدّ) وقائدها يوم خَزازى ضد جموع اليمن، إذ قَهرتْ ربيعة ومضر أعداءها، ثم يهددهم بالذبح، ذبح الشياه ومن هذه القصيدة: جارت بنو بكر، ولم يعدلوا ... والمرءُ قد يعرف قصد الطريقْ [١٠] حطتْ ركابُ البغي من وائلٍ ... في رهطِ جساسٍ ثقال الوسوقْ [١١] يا أيها الجاني على قومه ... ما لم يكن كان له بالخليقْ [١٢] جنايةً لم يدرِ ما كُنهها ... جانٍ ولم يصبح لها بالمطيقْ [١٣] من عرفتْ يوم خزازى له ... عَلْيَا معدٍّ عند جذب الرتوق [١٤] إن امرءاً ضرَّجتم ثوبه ... من عاتكٍ، من دمِهِ كالخَلوقْ [١٥] لم يكُ كالسيد في قومه ... بل ملكٌ، دِينَ له بالحقوقْ [١٦] إن نحن لم نثأرْ به فاشحذوا ... شفاركم منا لحزّ الحلوقْ [١٧] ذبحاً كذبح الشاةِ لا تتقي ... ذابحَها إلا بشخْب العروقْ [١٨] هذه الحروب بين بكر بن وائل وتغلب - وكلها قبائل من ربيعة - استمرت عداوتها، وطالما ذكرها شعراء القبيلتين في شعرهم وهو كثير. نذكر على سبيل المثال عمرو بن كلثوم في معلقته - وهو من سادات تغلب -: [١٩] إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعرفوا منا اليقينا ألما تعلموا منا ومنكم ... كتائب يطّعِنّ ويرتمينا ومعلقة الحارث بن حلزة اليشكري التي يرد فيها على عمرو بن كلثوم وهى طويلة وذلك أمام عمرو بن هند ملك الحيرة: [٢٠] أيها الناطق المرقشُ عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاءُ ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... لٌ عليه إذا تولى العفاءُ ٤ - حرب داحس والغبراء: [٢١] وهي من أيام قيس فيما بينها، كانت في أواخر العصر الجاهلي بين قبيلتي عبس وذبيان، وسببها رهان على الخيل، منها فرسان اسمهما داحس والغبراء، سميت الحرب باسمهما، كان سيد بني عبس: قيس بن زهير قد اشتراهما من أهل مكة.. بعد خلاف مع الربيع بن زياد (وهو من سادة عبس أيضاً) على درع موصوفة لقيس اشتراها من المدينة المنورة ليحارب بني عامر ويثأر لأبيه. نزل قيس بن زهير في جوار حذيفة بن بدر، وأخيه حَمَل بن بدر من سادة ذبيان.. وكان حذيفة يحسد قيساً على خيوله ويكتم ذلك في نفسه. استغل حذيفة بن بدر غياب قيس للعمرة، فراهن أحد بني عبس على السباق بين فرسين لقيس: داحس والغبراء، مقابل فرسين لحذيفة: الخطَّار والحنفاء. ولما رجع قيس أراد فك الرهان فرفض حذيفة، وكان على مائة من الإبل، ثم أجريا السباق، وكمن رجل من بني أسد في الطريق ليرد داحساً إن جاء سابقاً.. وفعلاً نفذ الأسدي خطة حذيفة ولطم وجه داحس فألقاه وفارسه في الماء ثم جاءت الغبراء سابقة وتبعها الخطار ثم الحنفاء ثم داحس، وندم الأسدي لما كان منه واعترف بما صنع، وأنكر حذيفة ذلك وطلب الرهان المضروب.. حاول الناس أن يتوسطوا بالأمر، ورضي بنو عبس بجزور واحدة يطعمونها أهل الماء ومَن حضر وقالوا: إنا نكره القالة في العرب، فأبى بنو فزارة (من ذبيان) وقال أحدهم: مائة جزور وجزور واحدة سواء. لجّ حذيفة في ظلمه وأرسل ابنه ندبة يطالب بالسبق، هنا تناول قيس الرمح وطعنه فقتله، ورحل بمن معه من عبس، وأرسل لأخيه مالك ليلحق به، إلا أن حذيفة بعث من يقتل مالك بن زهير، وعلم الربيع بن زياد بذلك فجزع على مقتل مالك وقال قصيدة منها: [٢٢] من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأتِ نسوتنا بوجه نهارِ [٢٣] يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطِمْن أوجهَهن بالأسمارِ [٢٤] يضربن حُرّ وجوههن على فتًى ... عفِّ الشمائلِ طيبِ الأخبارْ واجتمعت عبس كلها على حرب ذبيان، وأحلافها من أسد وتميم وكان قد انضم إلى عبس بنو عامر. واستمرت الحرب - فيما يقال - أربعين عاماً. وكان من أهمها وأشهرها: يوم المريقب وفيه قتل عنترة بن شداد ضمضماً والحارث بن بدر وإلى هذا يشير في معلقته: [٢٥] ولقد خشيت بأن أموت ولم تدرْ ... للحرب دائرة على ابني ضمضم [٢٦] إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزَراً لخامعة ونسر قشعم [٢٧] ومنها يوم جفر الهباءة، وفيه قُتّل حذيفة وحمل ابنا بدر ورثاهما قيس بن زهير رثاءً حاراً، وكنا قد أشرنا إلى ذلك خلال حديثنا عن الثأر. وكانت عبس قد تعرضت لترحال كثير، وحروب شديدة مع العديد من قبائل العرب أمثال شيبان وأهل هَجَر، وكلب، وبني ضبة وتيم الرباب، ومع بني عامر حلفائهم السابقين. وكان عنترة العبسي من أبطال هذه الحروب وقد سجلها في ديوانه [٢٨] . وكان قيس بن زهير قد قال لقومه بعد أن ملّ الحرب وأُنهكت عبس: ارجعوا إلى قومكم فهم خير لكم.. فأما أنا فلا والله لا أجاور بيتاً غطفانياً أبداً، فلحق بعُمان وهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس وقال في ذلك: [٢٩] حرّقَ قيس عليَّ البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما جنيةُ حرب جناها فما ... تُفِرِّجُ عنه وما أُسْلِمَا ولما تفانى الحيان عندها رغبت عبس في الصلح واستجاب لذلك سيدان من بيان هما الحارث بن عوف المري، وهرم بن سنان، وتحمل السيدان المذكوران الديات وكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين. وفي هذه الحرب ووصفها،تصوير شدتها وبشاعتها قال زهير بن أبى سُلمى معلقته الشهيرة، وفيها يمدح هذين السيدين ومن قوله: [٣٠] سعى ساعياً غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم عظيمين في عُليا معدّ هديتما ... ومن يستبح كنزاً من المجد يعظم هذه صورة موجزة عن حرب داحس والغبراء، وقد عرفنا سببها وملابساتها، وقد تتكرر أمثال هذه الخلافات على رهان آخر على سباقات متنوعة، وألعاب تتلون بلون العصر الحاضر، وظروفه من سباق السيارات، ومباريات رياضية، تُشد إليها الأعصاب، ويتحزب من أجلها الفرقاء. ٥ - حروب الفجار: [٣١] الفجار (بالكسر) معناه المفاجرة، كالقتال والمقاتلة، وذلك لأنها وقعت في الأشهر الحرم، وهي الشهور التي كان العرب يحرمون القتال فيها، إلا أنهم فجروا فيها بسبب هذه الحرب. وهي فجاران: الفجار الأول ثلاثة أيام، والفجار الثاني خمسة أيام في أربع سنين، وقد حضر النبي ﷺ يوم عكاظ مع أعمامه، كان يناولهم النبل، وانتهت هذه الحروب سنة (٥٨٩م) . أيام الفجار الأول: اليوم الأول: كان سببه أن بدر بن معشر الغفاري (ينتهي نسبه إلى كنانة) كان رجلاً منيعاً يستطيل على مَن يرد سوق عكاظ، وفي أحد المواسم جلس ومد رجله، وقال: أنا أعز العرب فمَن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف! ، وثب رجل من بني نصر من هوازن، وضربه على ركبته بالسيف فخدشها خدشاً يسيراً، واختصم الناس ثم اصطلحوا. وسبب اليوم الثاني: يقال: إن شباباً من قريش وكنانة قعدوا إلى امرأة من بني عامر، وكانت وضيئة عليها برقع، وذلك في سوق عكاظ، وقالوا لها: أسفري عن وجهك! ، فرفضت، ثم قام غلام منهم وربط ذيل درعها إلى ظهرها وهي لا تشعر، فلما قامت انكشفت درعها عن ظهرها فضحكوا وقالوا: منعتِنا النظر إلى وجهك، وجدتِ لنا بالنظر إلى ظهرك؟ ! ، نادت المرأة: يا بني عامر فُضحت، فساروا إليها وحملوا السلاح، وحملته كنانة وقريش، واقتتلوا، ووقعت بينهم دماء يسيرة، ثم توسط حرب بن أمية واحتمل دماء القوم وأرضى بني عامر عن مُثلة صاحبتهم [٣٢] . أما اليوم الثالث: فسببه أن رجلاً من كنانة كان عليه دَين لرجل من بني نصر (من هوازن) ، جاء النصري سوق عكاظ بقرد وقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان، فعل ذلك تعييراً للكناني وقومه، ولما مر به رجل من كنانة ضرب القرد بالسيف وقتله أنفة مما قال النصري، عندها صرخ كل من الرجلين يا آل كنانة، يا آل هوازن تجمع الحيان ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم قتلى، وأصلح عبد الله بن جُدعان بين الناس. أيام الفجار الثاني: [٣٣] هاجت الحرب بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان وسببها: أن عروة الرجال وهو من بني عامر كان قد أجار لطيمة للنعمان بن المنذر، ولما قال له البرّاض بن قيس الكنانى [٣٤] : أتجيرها على كنانة، قال: نعم وعلى الخلق كلهم. خرج في اللطيمة عروة الرجال، وتبعه البراض يطلب غفلته، وفي تيْمُن من أرض نجد، غفل عروة، فوثب عليه البراض وقتله في الشهر الحرام، علمت قريش بالخبر وهم في عكاظ، وانسلت، وهوازن لا تشعر بها، ولما علمت هوازن تبعتهم وأدركتهم قبل أن يدخلوا الحرم واقتتل الفريقان حتى جاء الليل ودخلت قريش الحرم وأمسكت عنها هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياماً عدة، منها يوم شمطة، ويوم العبلاء، ويوم عكاظ وهو أشدها. ويذكر ابن هشام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد شهد بعض أيامهم؛ إذ أخرجه أعمامه معهم وقال ﵊: (كنت أنبل على أعمامي) . أي أرد عليهم نبل عدوهم إذ رموهم بها. ... كان حرب بن أمية قائد قريش وكنانة وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة. قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة. ويروي ابن الأثير: أن الحيين بعد يوم عكاظ تداعوا إلى الصلح، واصطلحوا على أن يعدوا القتلى وتدفع الديات، ورهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان يومئذ في ديات القوم حتى يؤديها، ورهن غيره من الرؤساء، ثم وضعت الحرب أوزارها. وقد ذكر الشعراء هذه الحروب مثل ضرار بن الخطاب الفهري: [٣٥] ألم تسأل الناس عن شأننا ... ولم يُثْبِتِ الأمر كالخابرِ غداةَ عكاظ إذ استكملت ... هوازن في كفها الحاضرِ ففرت سُليم ولم يصبروا ... وطارت شَعاعاً بنو عامرِ [٣٦] وفرت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسرِ [٣٧] وفي يوم العبلاء يقول خداش بن زهير: ألم يبلغك ما قالت قريش ... وحي بني كنانة إذ أُثيروا دهمناهم بأرعن مكفهر ... فظل لنا بعقوتهم زئيرُ [٣٨] هذه الحروب كانت بين قريش وأحلافها ضد قبائل قيس عيلان من هوازن وثقيف، ومن قريش كان الرسول ﵊ والمهاجرون من أصحابه، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، حملوا مشعل الهداية والنور، إلى العالم كافة.

стр. 71

شكوى ونجوى صالح بن علي بن الكناني هذا زمان سفاهة الأحلام ... وسيادة الغلمان والأقزام هذا زمان الذل دِيست عنده ... حرية الأحرار بالأقدام ما عاد فينا نخوة عربية ... ما عاد فينا عزة الإسلام كم راكع كم ساجد متألِّه ... لحثالة البلدان والأقوام علماؤنا في غفلة عن أمرنا ... شغلوا بأوهام تُرى وحطام باسم السلام يسوقنا جزَّارنا ... باسم السلام نسام كالأنعام حذفوا " البراء " وكل لفظ مثله ... ما عاد ثَمَّ عبادة الأصنام يا رب قد ضاقت علينا أرضنا ... وسماؤنا من شدة الإظلام فأذنْ بغارتك التى تمحو بها ... عن جبهة الإسلام كل قتام وتعيد للإسلام عزته التي ... طُمست معالمها مع الأيام

стр. 72

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته باكستان أمام التحديات إعداد: محمد أحمد عبد الله شهدت باكستان أحداثاً دامية خلال شهر ربيع الثانى من هذا العام، وذلك عندما قامت قوات الأمن بتفتيش منطقة (سوهراب جوت) في مدينة كراتشي (كبرى المدن الباكستانية، والتي يزيد عدد سكانها على سبعة ملايين نسمة) وقد شاركت قوات الجيش في حملة التفتيش التي أسفرت عن ضبط ٣٠٠ كيلو غرام هيروين، و٦ أطنان من الماريجوانا، وكميات أخرى كبيرة من الحشيش والأفيون، قُدرت قيمتها بنصف مليار دولار - كما ذكرت وكالات الأنباء - وهذا الرقم لا يساوي شيئاً أمام الأرقام التي يملكها تجار المخدرات من البضائع والأموال. وتعد منطقة (سوهراب جوت) من أكبر مراكز تهريب المخدرات في العالم، ... ومنها يجري تصدير المخدرات إلى آسيا، ودول أوربا الغربية، والولايات المتحدة الأميركية، ودول أميركا اللاتينية. وعندما عجز تجار المخدرات عن مقاومة السلطة - كما كانوا يفعلون كل مرة - صبوا جام غضبهم على (المهاجرين) ، (والمهاجرون هم الذين قدِموا من الهند عند تقسيمها عام ١٩٧٤ يتكلمون لغة (الأردو) ؛ لأنهم يتهمون المهاجرين ... بأنهم وراء تحريش السلطة ضدهم، وأخذت المعركة شكلاً آخر. لقد كانت بين السلطة وطائفة (الباشتون) (وطائفة الباشتون قدموا كراتشي من الإقليم الشمالى ... الغربي للبلاد ومن أفغانستان، وأصلهم واحد، ويتكلمون لغة تسمى (بالبوشتو)) . فأصبحت المعركة بين الباشتون والمهاجرين، وتدخلت السلطة، وفرضت ... حظر التجول على بعض أحياء المدينة، ورغم ذلك فقد أسفرت هذه المعارك عن قتل حوالي ١٨٠ شخصاً، وجرح ما يزيد على ٧٠٠ آخرين، واعتقال ما يقارب ضِعف هذا العدد. ووقفت وكالات الأنباء العالمية والصحف الشرقية والغربية من الأحداث موقفاً عدائياً ليس فيه عدل ولا موضوعية. لقد صورت الأحداث وكأنها ثورة شعبية سياسية تتزعمها (بي نظير بوتو) ابنة (علي بوتو) ، وحاولت (بي نظير) استغلال الأحداث وراحت تصْدر التصريحات والبيانات، وتراهن على قطاع الطرق وتجار المخدرات ... وأخيراً تمكنت السلطة بعد عدة أيام من وقف نزيف الدم، وتم ترحيل ٢٥ ألفاً من اللاجئين الأفغان عن كراتشي إلى مخيم قريب منها؛ لأن قوات الأمن اتهمتهم بتزويد المقاتلين بالأسلحة، وخذل الشعب المسلم في باكستان (بي نظير) فيما دعت إليه من مظاهرات، وعلم الغرب والشرق أن باكستان ليست كالفلبين، وليست (بي نظير) مثل (أكينو) ، ولو كانت بي نظير مخلصة لوطنها لوقفت مع السلطة ضد تجار المخدرات وقطاع الطرق، ولكنها مثل أبيها و (الولد سر أبيه) - كما يقولون -، ولقد كان أبوها أحد الأسباب المهمة في انفصال (بنغلاديش) عن باكستان. ومع هذا فقد تمكنت السلطة من السيطرة على الموقف خلال بضعة أيام، وها قد مضى شهر على الأحداث.. ومع ذلك فإننا نعتقد بأن المؤامرات التي يدبرها أعداء الإسلام ضد باكستان المسلمة - لم تنتهِ. ومن منطلق المحبة والخوف على مستقبل إخواننا المسلمين في باكستان أحببنا أن نضع النقاط على حروفها، ونميط اللثام عن المتآمرين في الداخل ... والخارج، ونحذر إخواننا العلماء والدعاة من نقاط الضعف التي يتسلل من خلالها العدو إلى صفوفنا، ومما لا شك فيه أن فهم المشكلة جزء مهم من حلها، وعدم فهمها كارثة وخيمة العواقب. وهناك جهات كثيرة تتآمر على باكستان أهمها وأخطرها: ١ - الاتحاد السوفياتي: الذي احتلت جيوشه أفغانستان المسلمة منذ سبعة أعوام، وظن أن احتلال أفغانستان سوف يكون كاحتلال بُخارى وطشقند وغيرهما من بلاد المسلمين، وفوجئ الشيوعيون الحمر بمقاومة لم يكونوا يتصورونها، ولقد تحولت سهول أفغانستان وهضابها ووديانها إلى مقبرة للشيوعيين الروس، وحرك جهاد المسلمين همم إخوانهم المسلمين في المناطق الواقعة جنوب الاتحاد السوفياتي فانطلقوا يقاومون ومنهم من سارع إلى الانضمام إلى قوات المسلمين المجاهدين الأفغان، ومنهم من يعمل ويدعو إلى الله بصورة سرية، ومنهم من أخذ يشارك في مظاهرات ضد السلطة ... ويخشى السوفييت أن يعم الجهاد الإسلامي فيشمل أفغانستان والبلدان الإسلامية التي ترزح تحت الاحتلال الشيوعى، وإذا عمت الثورة ووقف المسلمون في مختلف بلدان العالم إلى جانبها، فلسوف تسقط أسطورة الدولة الشيوعية العظمى، وتقوم دولة إسلامية عظمى تشمل باكستان وأفغانستان والبلدان الإسلامية الواقعة جنوب الاتحاد السوفييتى، كما تشمل بنغلاديش والهند. ومن جهة أخرى يعلم الاتحاد السوفييتى أن باكستان سبب مهم من أسباب استمرار الجهاد الإسلامي الأفغاني؛ لأنها استقبلت اللاجئين الأفغان، وسمحت للمجاهدين منهم أن ينطلقوا من أرضها ... ولهذا فهي تحاول إقناع باكستان بالتخلي عن دعم المجاهدين الأفغان، وتسعى - عن طريق الامم المتحدة - إلى الوصول إلى حل مع باكستان حول المشكلة الأفغانية، ولن يكون هذا الحل في مصلحة المجاهدين، ومن شاء مزيداً من التفاصيل فليراجع (رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان) في العدد الأول من مجلتنا (البيان) . ومن جهة ثالثة يعمل قادة موسكو من أجل تفجير معارك داخلية في باكستان مستغلين التناقضات الإقليمية، والمشكلات الاقتصادية، والأحزاب العلمانية الجاهلية، ولهذا الغرض فهم يوزعون الأموال والسلاح على عملائهم داخل باكستان، وعلى حدودها الشمالية والشمالية الغربية، ومن المؤسف أن الاتحاد ... السوفياتي ضم بعض أجزاء أفغانستان إليه وأصبح من الدول المجاورة لباكستان في حدودها القريبة من الصين. ٢ - الهند: منذ عام ١٩٤٧ والهند تتآمر على باكستان، وتحاول تمزيق وحدتها، وإضعاف كيانها، والسيطرة على أجزاء من أرضها بالقوة. ومن الأمثلة على ذلك: كشمير التي تسيطر الهند على معظمها في حين يتبع جزء منها باكستان، والمثال الثاني المؤامرة التي انتهت بفصل بنغلاديش عن باكستان، ولقد خاض الجيش الهندي معركة طاحنة ضد الجيش الباكستانى من أجل تنفيذ هذه المؤامرة. وفي كل مرة تعتدي فيها الهند على باكستان تتذرع بأعذار واهية، ومن ذلك قولها: إن باكستان تدعم طائفة السيخ، وتدربهم على السلاح.. وقولها: إن المفاعل النووي الباكستانى يشكل خطراً على الهند. والحقيقة أن باكستان لا تتآمر على الهند، وليست المشكلة في المفاعل الذري الباكستاني ولا في تدريب السيخ وغيرهم وإنما المشكلة أن الهند تخشى من أن تصبح باكستان دولة كبرى، كما تخشى من مجىء حكم إسلامي صحيح، ينجح في جمع شتات المسلمين في جنوب الهند ومشرقها، ويعجز عُبَّاد البقر عن مواجهة الرجال الذين يعبدون الواحد القهار.. ومن أجل هذا يضطهد عباد البقر إخواننا المسلمين في الهند، ويحرصون على استمرار سيطرتهم على كشمير.. ومن أجل هذا أيضاً خاضت الهند حرباً ضروساً مع باكستان من أجل سلخ (بنغلاديش) عنها.. ومن أجل هذا تتعاون الهند مع الاتحاد السوفياتي وغيره، ويجري جيشها مناورات على حدود باكستان. ٣ - الولايات المتحدة الأميركية: من الخطوط العريضة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في دول العالم الإسلامي أن لا يجتمع المسلمون في دولة كبرى، حتى ولو كانت هذه الدولة لا تُحكِّم شرع الله.. ومن أجل هذا تحرص الولايات المتحدة على تحجيم دور باكستان، وعندما وقف الاتحاد السوفياتي إلى جانب الهند في حربها مع باكستان التي انتهت بانفصال بنغلاديش عنها - لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً، رغم أن هذه الحرب تجري داخل مناطق لها سيطرة عليها.. لكنها كانت تعلم أن نتائج هذه الحرب تخدم سياسة الدول الكبرى كلها. ومن أجل تحجيم دور باكستان كانت الولايات المتحدة تفرض على هذا البلد أنظمة عسكرية همها البطش بالجماعات الإسلامية، والتنكيل بها، ومن الأمثلة على ذلك حكم أيوب خان، ويحيى خان.. وإن نسينا فلا ننسى أن السفير الأميركي (جيفرسون كافري) - الذي لعب دوراً مهماً في مصر ضد الإسلاميين - نقلته الولايات المتحدة إلى باكستان بعد انتهاء دوره في مصر (التي تحتل أهمية كبرى في البلدان العربية، ويشكل الإسلاميون فيها قوة لا ينكرها أحد) ، وبعد وصوله إلى باكستان بزمن يسير قام أيوب خان باعتقال الإسلاميين في باكستان (وباكستان تمثل - كما قلنا قبل قليل - دوراً مهماً في أواسط آسيا وجنوبها الشرقي) . وقد يقول القائل ولكن الولايات المتحدة تساعد باكستان وتمدها بالمال والسلاح، وجوابنا على ذلك: إن للولايات المتحدة الأميركية مصالح من استمرار القتال في أفغانستان، ولن تقبل - إن استطاعت - بحال من الأحوال أن يكون الحكم في باكستان وأفغانستان للإسلاميين، وها هي تتآمر من خلال مفاوضات جنيف على الجماعات الأفغانية الطيبة التي تنادي باستمرار الجهاد.. وبعد رضوخ الاتحاد السوفياتي لمطالبها، سوف تعمل على إنهاء القتال، وتقطع المساعدات التي تقدمها لأتباعها، وقد تغير موقفها من النظام القائم في باكستان، فقبل احتلال السوفييت لأفغانستان كانت العلاقات متوترة بين الرئيس الباكستاني، والولايات المتحدة الأميركية، وكان الرئيس الأمريكي السابق كارتر يتهم الرئيس الباكستانى بانتهاك حقوق الإنسان مع أنه إذا كان الأخير ينتهك حقوق الإنسان في باكستان فزعماء البيت الأبيض يضطهدون الأفراد والأمم في العالم كله.. وعلى كل حال فقد قلنا ما فيه الكفاية عن الولايات المتحدة في رسالتنا (رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان) . ٤- (إسرائيل) : رغم تعدد الانقلابات العسكرية وتباين سياسة الحكومات، فقد كان للحكومات الباكستانية المتعاقبة موقف ثابت من العدو الصهيونى في فلسطين المحتلة، وهذا الموقف نابع من مشاعر المسلمين في باكستان، وكانت أية حكومة لا تجرؤ على الاصطدام مع مشاعر المسلمين الذين لا يقبلون إقامة علاقات دبلوماسية مع نظام العدو الصهيونى.. ومن المؤسف أن بعض الأنظمة العربية كانت تقف إلى جانب الهند في نزاعها مع باكستان، أو مع الاتحاد السوفياتي في احتلاله لأفغانستان.. ولهذا كانت (إسرائيل) تدعم كل عدو لباكستان، وقد تحدث وزير خارجية العدو الصهيوني السابق (موشي دايان) في مذكراته عن التعاون السري بين الهند و (إسرائيل) كما تحدث غيره.. وتحاول (إسرائيل) ضرب المفاعل النووي في باكستان. أيها الإخوة المسلمون في باكستان - من علماء ودعاة، وشيب وشباب -: إننا نتوجه إليكم بهذا النداء - لأنكم أملنا بعد الله فصمودكم نصر مبين، ووعيكم صخرة تتحطم عليها المؤامرات والمتآمرين. أيها الإخوة! نحن لا نثق بزعماء الانقلابات العسكرية، ولا نعلق عليهم آمالاً مهما زعموا ووعدوا، فحكمهم ابتداءً يقوم على الغدر، ولا يعرف الاستقرار وإن طال أمده وكثر أنصاره.. ونحن - يا إخوة! - الذين نكتوي بنار المؤامرات، أما زعماء الانقلابات فيهربون ويهرِّبون معهم الأموال. اسمعوها منا - أيها الإخوة! - صريحة واضحة: إن الزلازل والبراكين تكثر في الأرض التي تكثر فيها الشقوق، والشقوق في أرضكم كثيرة ومن أهمها ما يلي: ١- أليس من المخجل أن تكون باكستان من أكثر بلدان العالم اهتماما بتجارة المخدرات، وماذا نقول عن نظام زعم أن مهمته تحكيم شرع الله، وها قد مضى على استلامه السلطة بضع سنين، وهو يعرف حجم تجارة المخدرات، ومن الذين يعملون بهذه التجارة، كما يعرف الأوكار التي يجري تخزين المخدرات فيها، فلماذا لم يضع حداً لهذه المأساة؟ ! هذا عن المخدرات، أما السرقة والتزوير والنصب فلا تقل أهمية المخدرات. ٢ - مَن المسؤول عن تغلغل الشيوعية وعملائها في بلدكم؟ ! لقد أهمل العلماء والدعاة منطقة (بلوشستان) التي تحدها أفغانستان من الشمال، وإيران من الغرب، وعاصمتها (كويتا) ، واهتم الشيوعيون بهذه المنطقة، فاستقبلت موسكو أعداداً كبيرة من الطلبة من أبناء (بلوشستان) يدرسون مجاناً في معاهد وجامعات الاتحاد السوفييتي، ولهذا صار مَن يمشي في مدينة (جمن) يشاهد بضع مئات من أعلام الحزب الشيوعى في حين ... يشاهد بضعة أعلام للدولة، وبضعة أعلام لجماعات العلماء المسلمين.. كما يسمع من يسير في هذه المنطقة الأطفال وهم ينشدون أناشيد تشيد بدولة (بشتونستان) المزعومة وهذا يعني أنه حتى الأطفال في هذه المنطقة يعلمون ويتطلعون ويتغنون بذلك اليوم الذي تنفصل فيه (بلوشستان) عن ... ... باكستان، وفضلاً عن ذلك، فالمنطقة تزخر بالجواسيس الذين يتجسسون للاتحاد السوفياتي ضد المجاهدين الأفغان.. فماذا صنعت السلطة في باكستان ضد هذه المؤامرة؟ ! هنالك (بنغلاديش) ثانية فماذا فعلتم يا إخواننا في باكستان؟! ... وليس ما ذكرناه عن (بلوشستان) كل ما عند الشيوعيين السوفييت من نشاط، فهناك نشاط للشيوعيين في جميع أنحاء باكستان، ويمدهم السوفييت بكل دعم مادياً كان أو معنوياً، وهناك أحزاب علمانية تتعامل مع الاتحاد ... السوفييتي أمثال الحزب الوطنى الديموقراطي الذي يتزعمه خان عبد الولي خان، ويدعو هذا الحزب إلى إقامة وطن خاص يشمل الذين يتكلمون لغة (البشتو) . والحزب الوطني الاشتراكى، ويتزعمه (غوث بخش بزنجو) ويدعو ... كذلك إلى إقامة وطن خاص بالذين يتكلمون لغة (البشتو) ، وله صلات قديمة مع الاتحاد السوفييتي، غير أن الذي يميزه عن الشيوعيين إيمانه بالقومية البلوشية، ولكن من منطلق اشتراكى علمانى. وهناك أحزاب علمانية مستعدة للتحالف مع أي عدو خارجي يساعدهم في الوصول إلى السلطة، لا فرق في ذلك عندهم بين الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة الأميركية أو غيرهما، ومن أبرز هذه الأحزاب، حزب الشعب الذي تتزعمه (بي نظير بوتو) . وهذه الأحزاب تشن دعاية سيئة ضد المجاهدين الأفغان، وتضغط على السلطة من أجل إخراجهم من باكستان.. وتستغل النزعات الإقليمية ضد إخواننا الأفغان الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل الله - تعالى -، ولا يجوز أن نستهين بخطر هذه الأحزاب وآثارها.. ولا ندري لماذا تتركهم السلطة ... يسرحون ويمرحون، وبشكل أخص في مثل هذه الأجواء الخطيرة؟ ! فإذا قيل لنا هكذا يكون الحكم في البلاد الديمقراطية! ! قلنا: ليس للخائن حق في التآمر على بلده، ولا يعطيه القانون حرية الاتصال والتعاون مع دولة أجنبية عدوة، ولا تسمح أية دولة في العالم بمثل هذه الحرية المزعومة. ... ٣ - أما الحديث عن أنشطة الباطنيين المريبة في باكستان فيثير في نفوسنا الأشجان، ويحرك في قلوبنا وجوارحنا الأحزان. هل من قبيل المصادفة أن يصل إلى أعلى المراتب في باكستان - ومنذ بداية تأسيسها عام ١٩٤٧م - ثلاثة من الباطنيين؟ ! وهل من قبيل المصادفة أن يتعاقب هؤلاء الثلاثة على الحكم، وأن يتصرفوا في شؤون البلاد كما يشاءون طيلة عهد الاستقلال؟ ! وهل من قبيل المصادفة أن يكون أحدهم رمزاً كبيراً جداً من رموز الاستقلال، وهو الذي رفض تحكيم شرع الله في هذا البلد المسلم الطيب الذي انفصل عن الهند [١] ليتسنى له ممارسة حرية العبادة والاعتقاد والتشريع كما أمر الله ، وكما نصت عليه سنة المصطفى-صلى الله عليه وسلم -؟! وهل من قبيل المصادفة أن تضطهد هذه الأنظمة الباطنية قادة الجماعات الإسلامية، الذين يكرهون العنف والإرهاب، ويدعون إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة؟! وقد يقول قائل ما لنا والعصور السوالف، وهل عندكم شيء تقدمونه عن واقعنا المعاصر؟ ! نقول: إن الحاضر يرتبط بالماضي أشد الارتباط وأوثقه، والذين لعبوا دوراً في العصور السوالف - كما تقولون - لا يزال أبناؤهم وأحفادهم يعملون، وآثارهم الظاهرة تدل عليهم، ونؤكد أن لهم أهدافاً يسعون بمختلف الوسائل والأساليب من أجل تحقيقها، ودعونا نسألكم بعض الأسئلة: من الذين يحركون دفة الاقتصاد في كراتشي وعدد آخر من المدن الباكستانية وهذا التخطيط هل جاء مصادفة أم أن هناك عقولاً باطنية بل ومن غلاة الباطنية تخطط في باكستان كما خطط الموارنة في لبنان، وكما خطط اليهود في فلسطين المحتلة؟ ! أنشأ الباطنيون جامعات حديثة في بلدكم، فيها مختلف الاختصاصات العلمية، ولديها إمكانات مادية كبيرة، وتجذب إليها عدداً غير قليل من أبناء المسلمين من باكستان وغيرها من دول جنوب شرق آسيا، ودول الشرق الأقصى، ويبثون سمومهم في هذه الجامعات وكأنهم في عالم آخر لا يمتّ إلى بلدكم بصلة، وتعلمون أن الذين ينتسبون إلى هذه المعاهد والجامعات مستعدون لتقبل كل ما يقال لهم من أكاذيب وأباطيل الباطنيين، فهل اطَّلعتم على حقيقة هذه المعاهد والجامعات وأهداف القائمين عليها؟ ! ومن الذين احتجوا على قانون الأحوال الشخصية الإسلامي عند صدوره؟ ! من الذين قادوا مظاهرات الاحتجاج، وعقدوا ندوات الاستنكار، وقالوا بكل وقاحة: إن شريعتنا تختلف عن شريعتكم، وكانت الأوامر تصدر إليهم من العاصمة إياها المتخصصة بخلق الفتن والاضطرابات في مختلف بلدان العالم الإسلامي؟ ! إن للباطنيين - يا إخوة! - على مختلف فرقهم وانتماءاتهم أوكاراً كثيرة وكثيرة جداً في باكستان، ومن هذه الأوكار: المكتبات، والنوادي، والمراكز الثقافية، والبعثات الدبلوماسية، ودور النشر، والشركات، والمؤسسات التجارية.. وابحثوا إن شئتم عن كتبهم التي تطبع في لاهور، وما تحويه من شتم مقذع للشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، ولأم المؤمنين عائشة ﵂، ولذي النورين الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ ولعدد كبير من أصحاب رسول الله ﷺ . أليس في نشر مثل هذه الكتب تحدٍ لمشاعر مائة مليون مسلم؟ ! ولا ندري من الذي أجاز نشر هذه الكتب، ولو كان الحكم لشريعة الله حقاً لأقيم الحد على هؤلاء الجناة المجرمين!! ابحثوا عن دسائس وخطط الباطنيين، واكشفوا أوكارهم، واهتكوا أستارهم، قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم. ٤ - لقد اعتدنا عندما نتعرض لهزيمة أن نقول: تآمر علينا الأعداء، واجتمعت علينا قوى الكفر شرقية كانت أو غربية.. وقلما ننتبه لأخطائنا التي أدت إلى هذه الهزيمة. إننا - والحق يقال - أمة تكره النقد، ولهذا تتكرر الهزائم، ونلدغ من جحر واحد مرات ومرات. فعندما انفصلت (بنغلاديش) عن باكستان قلنا: جاء هذا الانفصال نتيجة مؤامرة رسم خيوطها الطابور الخامس في بنغلاديش (مجيب الرحمن وحزبه) ، والهند، والاتحاد السوفييتي، وغيرهما من الدول الاستعمارية.. ونحن لا ننكر مثل هذه المؤامرة لاسيما وجيش الهند خاض معركة شرسة من أجل تحقيق هذا الانفصال.. ولكن لماذا لا نبحث عن نقاط الضعف التي تسلل من خلالها العدو؟! لم تكن هناك مساواة بين المواطنين في باكستان الغربية، وإخوانهم في باكستان الشرقية، وكانت صيحات الاستنكار ترتفع وتصم الآذان في كل مدينة وقرية من قرى باكستان الشرقية، وحزب (عوامي) - الذي كان يتزعمه مجيب الرحمن - كان ينادي بإقامة دولة خاصة بالبنغاليين، ولم تكن مثل هذه الدعوة سراً من الأسرار، لقد خاض الانتخابات وحاز على الأغلبية في باكستان الشرقية، وكان جمهور البنغاليين ينظرون إليه كمنقذ لهم مما يعانون من حرمان وجهل وفقر، وساعده على تحقيق أهدافه أمور كثيرة، أهمها: ١ - الظلم وعدم المساواة. ٢ - فقدان الحكومة الإسلامية التي تحقق العدل، وتحاكم مجيب الرحمن بتهمة الخيانة العظمى بسبب تعاونه مع النظام الهندوسي في دلهي، والنظام الشيوعي في موسكو. ٣- لم يكن العلماء والجماعات الإسلامية في مستوى حاجة المسلمين في قسمي باكستان، ولم يكن بينهم حد أدنى من التعاون الذي يمكّنهم من مواجهة المؤامرة والمتآمرين. ولهذه الأسباب مجتمعة نجح الخونة المتآمرون، وانفصلت باكستان الشرقية عن الغربية، ولم تتغير الأحوال بعد الانفصال؛ فالمسلمون في (بنغلاديش) - وكل الشعب فيها من المسلمين - يعدون من أفقر شعوب العالم، وقتل مجيب الرحمن - غير مأسوف عليه - ولم ينعم بزمن طويل من الحكم، ولم ينقذ بلده من الفقر والجهل والتخلف. وإن ما حدث في باكستان الشرقية قد يتكرر في (بلوشسشان) وغير بلوثسستان، فالمشكلة لا تزال قائمة وتحتاج إلى حل سريع. ففي بلوشستان -وكما ذكرنا قبل قليل-: فقر وجهل وتخلف، وفيها أحزاب علمانية جاهلية تنادي بإقامة دولة خاصة بالذين يتكلمون لغة (البوشتو) .. وليس في هذه المنطقة قوة إسلامية -تستحق الذكر- تكبح جماح المتآمرين، بل وليس هناك حد أدنى من التعاون بين العلماء والجماعات الإسلامية، والنظام ليس متهماً بما يجري، ولعله واثق بقوته لأن الجيش بيده، والتغيير يبدأ من الجيش، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الأغلبية العظمى من الجيش من (البنجاب) ، وبشكل أخص كبار الضباط الذين لا تقل نسبتهم عن ٨٠ %. وكذلك كبار المسؤولين في السلطة فمعظمهم من أهل البنجاب، ومما لا شك فيه أن الناس يعرفون مثل هذه الأمور، وهي مثار نقد عندهم، ويشعرون أن غيرهم مقدم عليهم، ويستغل أعداء الإسلام مثل هذا الظلم أسواً استغلال.. ومن المؤسف أن تقديم وتفضيل أهل منطقة على بقية المناطق ظاهرة لها وجود في كثير من بلدان العالم الإسلامي، مع أن أبسط المعانى الإسلامية تؤكد وجوب المساواة بين المسلمين، فلا فضل لأسود على أبيض ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أو العمل الصالح. ومن جهة أخرى فليس الجيش كل شيء، وانفصال (بنغلاديش) دليل على خطأ حسابات الذين يعتقدون بأن أي تغيير لا يكون إلا عن طريق الجيش. وقصارى القول فإن الأسباب التي تسلل من خلالها العدو إلى (بنغلاديش) لا تزال موجودة في معظم مناطق باكستان وتحتاج إلى إعادة نظر من قبل المصلحين. ٥ - لا ندري لماذا لا تكون هناك لغة واحدة لجميع المواطنين في باكستان؟ ! فلغة الأوردو لا ينطق بها جميع الناس في باكستان، ومن جهة اخرى فالحكومات المتعاقبة ليست جادة في فرض هذه اللغة، ودليلنا على ذلك أن اللغة الإنكليزية أكثر منها أهمية في معظم مؤسسات الدولة ومعاهدها وجامعاتها، ويبدو أن هذه اللغة - أي الأوردو - ليست البديل المناسب، ولهذا فلكل منطقة لغة خاصة بها، ومثل هذه اللغات تعمق الانقسامات بين أبناء البلد الواحد. وإذا كانت اللغة عاملاً مهماً من عوامل وحدة الأمة وتآلفها، فاللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي يجب أن يجتمع عليها المسلمون في باكستان، لأنها لغة القرآن الكريم، ولأن كل مسلم في باكستان يصلي باللغة العربية، ويؤذن بها، وبها يقراً القرآن، بل وهناك استعداد جيد عند الناس لتعلمها. وقد أحسنت الحكومة صنعاً عندما جعلت اللغة العربية مادة إجبارية في جميع المعاهد والثانويات الرسمية، وحال دون تنفيذ هذا القرار بشكل فعال - عجز الدولة عن التعاقد مع عدد كبير جداً من المدرسين العرب لأسباب اقتصادية، ووقوف البلدان العربية من هذا القرار موقفاً سلبياً، إذ لم تمد لباكستان يد المساعدة والعون.. لهذا لجأت الدولة إلى تعيين مدرسين باكستانيين لتعليم العربية، وهم - أنفسهم - بحاجة إلى من يعلمهم العربية، ومن بدهيات الأمور أن فاقد الشيء لا يعطيه. إن الولايات المتحدة الأميركية لم تسمح بتعدد اللغات فيها، مع أن المواطنين فيها وافدون إليها من مختلف البلدان الأوربية وغيرها، ولهم لغاتهم الخاصة بهم، ومع ذلك نجحت الحكومة في فرض اللغة الإنكليزية، والحال في باكستان يختلف تماماً؛ لأن تعلم العربية أمر مرغوب فيه عند كل مسلم، وحاجة دينية ملحة، يضاف إلى هذا وجوب توحيد اللغة، وأن لغة (الأوردو) ضعيفة، وعمرها قصير ومن اللغات المستحدثة. وليعلم إخواننا في باكستان أننا لا ننطلق في هذا الاقتراح من نزعة قومية وإنما من منطلق إسلامي بحت لأننا أمة واحدة، وما يقلق إخواننا يقلقنا ويقض مضاجعنا. ٦- سيذكر المسلمون في كل مكان لإخوانهم في باكستان حسن ضيافتهم للمجاهدين الأفغان، ووقوفهم إلى جانبهم، ومثل هذا الفضل يجب أن يستمر بعزيمة وثابة، ووعي يقف كالسد المنيع أمام المتآمرين والخائنين مهما كان عدد هم، واشتد بأسهم.. وهناك أصوات ترتفع كأنها فحيح الأفاعي تزعم أن إيواء اللاجئين الأفغان خطر يجب أن تتخلص منه باكستان، ويوماً بعد يوم يكثر عدد الذين يرددون هذه الأقاويل، وهؤلاء إما أن يكونوا جهلة أو خونة، ولو كانوا يملكون الحد الأدنى من الوعي والغيرة الإسلامية لما رددوا مثل هذه الأباطيل؛ لأن احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان خطر يهدد كل مسلم في أي مكان كان من المعمورة، وإذا توقف القتال، ونجح البلاشفة الشيوعيون في السيطرة على أفغانستان فلن يتوقفوا عند الحدود الأفغانية الباكستانية، وإنما سيحاولون احتلال باكستان، ودليلنا على ذلك أنهم احتلوا أفغانستان بعد بضعة عقود من احتلالهم لبخارى وطشقند وغيرهما من البلدان الإسلامية وأصبحت جزءاً من الاتحاد السوفياتي. وإذن فالمجاهدون الأفغان يقاتلون نيابة عن المسلمين عامة، وبشكل أخص نيابة عن جميع المسلمين في باكستان. ومن جهة ثانية، فهناك مؤامرة بدأت تتكشف خيوطها، وسوف تتضح أبعادها خلال الأيام القليلة القادمة. نعم بدأت تتكشف خيوط هذه المؤامرة عندما أعلن عدو الله الذي سماه أبوه نجيب الله أنه أمر بوقف القتال، ودعا المجاهدين الأفغان إلى العودة إلى بلدهم، وزعم أنه سيشكل حكومة وطنية مشتركة، ولن يكون هناك حزب واحد بل أحزاب متعددة، ومما لا شك فيه أن عدو الله وسادته في الكرملين ليسوا صادقين فيما يرددون، وإنما يريدون من وراء ذلك أمرين: الأول: الوصول إلى حل سياسي مع باكستان يتبعه إخراج المجاهدين من باكستان. والثاني: إذا صدق بعض المنسوبين للجهاد دعاوى الشيوعيين، وعادوا إلى أفغانستان، وتعاونوا مع عدو الله؛ فسوف ينجح الشيوعيون في إحداث فتنة بين المسلمين الأفغان، وسيبقى الجيش بأيديهم، وسوف يعود السوفييت - إذا خرجوا - إذا اقتضى الحال وفي هذا كله خسارة كبيرة للمسلمين جميعاً، سواء كانوا من الأفغان أو من الباكستانيين أو من غيرهم.. ولعلكم - يا إخوة! - تشعرون معنا بالخجل والإحراج عندما نتحدث عن الباكستانيين والأفغان، فعدونا لا يكيد لنا ويحاربنا لأننا من هذا البلد أو من ذاك.. وإنما يحاربنا لأننا مسلمون، فلماذا لا نتحرر من الولاء للقوم أو القبيلة أو الوطن، ونكون كما وصفنا - تعالى - في قوله: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] . وبعد.. فإن الذي دفعنا إلى تسجيل هذه الخواطر ما يلي: ١- أهمية هذا البلد المسلم الذي يحتل حبه مكاناً مهماً في قلوبنا، فعدد المسلمين في باكستان يزيد عن مائة مليون مسلم، وهو مرشح لجمع شمل المسلمين في الهند وبنغلاديش وأفغانستان، وعندئذ سيصبح سكان هذه الدولة أكثر من ٤٠٠ مليون مسلم، أي ضعف سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ولن يسمح الشرق ولا الغرب - إن استطاعوا - بقيام مثل هذه الدولة. ٢- شعورنا بأن باكستان مهددة، وتتآمر عليها دول كبرى من أهمها: الاتحاد السوفياتي، والهند، والولايات المتحدة الأميركية وغيرها.. ولهذه الدول جيوب خطيرة داخل باكستان تعمل في وضح النهار، ويتعاون هؤلاء الأعداء فيما بينهم. ٣ - نريد من العلماء وقادة الجماعات الإسلامية وسائر الدعاة إلى الله - أن ينتبهوا إلى هذه المخاطر، ويحذروا أشد الحذر من الباطنيين الذين يفعلون الأفاعيل داخل الصف الإسلامي، ولا يخدعوا أنفسهم بقول بعضهم: لقد فشل حزب الشعب ولم يعد قادراً على تضليل الجماهير، أو قول بعضهم: ليس للباطنيين ثقل في باكستان.. نريد من إخواننا أن يعلموا أن الهدم غير البناء، وأهل الشر ينبلون عن قوس واحدة، ولا يستطيع إخواننا أن يؤدوا دورهم إلا إذا كان بينهم تعاون وتنسيق وثقة. ونسأل الله أن يجعلنا من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 73

هدم المسجد الجامع بوسط أكرا كتب إلينا الدعاة والعلماء في " أكرا " عاصمة غانا يشكون موقف السلطة الظالم، وكيف أقدمت على هدم المسجد الجامع في (أكرا) ، من أجل تحويل أرضه إلى مواقف للسيارات. والشيء الجدير بالذكر أن خطة هدم المسجد لم تكن ضمن خطة بناء مواقف للسيارات، وأن هذا الأمر قد حصل بشكل مفاجئ. وقالت أطراف مقربة من السلطة إن الحكومة اتخذت هذا الموقف بعد أن أصبح المسجد مركزاً يعج بالنشاط الإسلامي، وكثر الشباب الذين يترددون عليه وخشيت السلطة من تطور هذه الظاهرة وازدياد قوة المسلمين، ورؤوس النظام الغاني يعلمون علم اليقين أن العقائد الأخرى التي يَدينون بها أضعف من أن تواجه المد الإسلامي إذا كانت هناك حرية، وإذا سمح للمسلمين بما أوجبه الله عليهم من حرية تبليغ الدعوة إلى الله. وزعمت السلطة - فيما زعمته - أن جهات أجنبية تتدخل في شؤون المسلمين في غانا عن طريق القائمين على المسجد، ويعنون بذلك جهات باطنية معروف عنها الشغب والفتنة ونحن المسلمون نشكو من هذه الجهات المشبوهة ونتهمها بأنها تفتعل مشكلات لا أصل لها لتجر فتناً وويلات على المسلمين في غانا وغيرها.. ولو كانت حكومة غانا جادة لمنعت هذه الجهات ولوضعت حداً لها لأنها جهات أجنبية ليس لها صلات عقائدية مع المسلمين في المسجد أو غيره. وإقدام السلطة على هذه الجريمة النكراء أثار المسلمين فاحتلوا المسجد في ١٤ من أكتوبر من عام ١٩٨٦ وأقاموا فيه يومين.. وأخيرًا تعاون مع السلطة ضعاف النفوس من زبانية السلطة الذين يتاجرون بالإسلام ويزعمون بأنهم ممثلون له.. وتم أخيراً هدم المسجد الذي كان يحتل مكاناً مرموقاً في مدينة أكرا. إن الحرب المعلنة على الإسلام تتخذ أشكالاً متعددة، وتبرز في مظاهر متنوعة، فبالإضافة إلى حمى التبشير القائمة في بقاع كثيرة من آسيا وإفريقية، وتنصير كثير من المسلمين استغلالاً لظروف الفقر والمرض والجهل التي تحيط بهم هناك أيضاً العمل الدؤوب على محو معالم الإسلام بشتى الحجج مهما كانت واهية، وهذا مثال على ذلك. وإزالة معالم الإسلام، وتجريد المسلمين من كل ما يميزهم ومن كل ما يساعدهم على جمع شملهم وشعورهم أنهم جماعة - هدف تلتقي عليه الحكومات المدعومة من التبشير أو الحكومات العلمانية اللادينية، فسواءً كانت هذه الحكومات ديموقراطية أو عسكرية - تستمد سلطانها من الغرب أو من الشرق - فكلها تجد في الإسلام حجر عثرة، وترى في المسلمين طائفة مستباحة مهدورة الحقوق! . فلو أن كنيسة كانت تحتل وسط أكرا فهل كان في حكومة غانا من يجرؤ على الكلام حول نشاطها بكلمة، فضلاً عن أن يقرر إزالتها من الوجود، لو أن أحداً فعل ذلك لكان الفاتيكان استنكر ذلك أشد الاستنكار ولكان -مجلس الكنائس العالمي - بما له من نفوذ - وصح من يصدر عنه ذلك بانتهاك حقوق الإنسان وبمصادرة حق الناس في الحفاظ على مقدساتهم والقيام بحقهم في العبادة وهو حق ضمنته لهم كل الشرائع والدساتير. إن هناك ممالك كبيرة كانت تحكم بالإسلام وتدين به وتتخذه منهاجاً لها تمتد من غرب إفريقية إلى شرقها إلى وسطها، كلها تقريباً أزيل من الوجود، وحل محلها حكومات علمانية همها إضعاف المسلمين والتمكين للنصارى وغيرهم، وأصبح المسلمون أقليات في بلاد كانوا فيها أكثرية، وذلك كله بسبب شدة الوطأة الاستعمارية التي شملت هذه البلاد وجعلتها ترزح تحت نير الغرب وظلمه ونهبه ونشره مبادئه التيتربط هذه الشعوب برباط التبعية للغرب المسيطر. إخواننا العلماء والدعاة في غانا: نحن معكم بقلوبنا ومشاعرنا نغضب لما يغضبكم، ونسر لما يسركم، وقد آلمنا هدم المسجد وضاعف من ألمنا أن مثل هذه الكارثة لم يتفاعل معها المسلمون - بكل أسف -مع أننا نعلم أن صرخاتكم وصيحات استنكاركم وصلت الجميع.. وعزاؤنا الوحيد أن الله سيحفظ دينه، ونحن بهذا الإسلام أقوى من الدنيا وما عليها. فوحدوا صفوفكم واصدقوا مع ربكم، وأبشروا بنصر الله وسوف تعود إفريقية كما كانت حصناً من حصون الإسلام الراسخة [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] .

стр. 74

عندما يبيع الآباء أبناءهم! ! منذ ما يزيد عن أحد عشر عاماً ولبنان يعاني من ويلات الحرب والدمار بل أصبح لبنان حقلاً خصباً تُجرى فيه التجارب على ما تنتجه مصانع الغرب والشرق من أسلحة جديدة فتاكة، ويستفيد هؤلاء وهؤلاء فائدتين: الأولى: تجربة سلاحهم الجديد. والثانية: الربح المادي من بيع هذه الأسلحة، ويجني لبنان خراب البيوت وإزهاق الأنفس ونساء رملت وأطفالاً يتامى وجوعاً وغلاءً ومرضاً، فبعد أن كان الدولار في بداية الحرب عام ١٩٧٥ يعادل ٣٥ ر ٢ ليرة، أصبح في نهاية عام ١٩٨٦ يعادل (٧٠) ليرة، وارتفع معدل التضخم إلى ١٠٠%، ففي هذه الظروف المعيشية الصعبة انتشر بيع الدم للمستشفيات، وهذا يدل على كثرة الجرحى من جهة، ومن جهة أخرى يدل على ضيق العيش الذي دفع المحتاجين إلى أن يبيعوا دماءهم ويعيشوا على ثمنها، بل ذهب الأمر أبعد من ذلك حيث نقلت إلينا الصحافة خبراً مفاده أن لبنانياً من قرية عربصاليم بجنوب لبنان عرض أبناءه الثمانية للبيع وقال إنه يريد عناية لأولاده أفضل مما يقدمه لهم! ، وأضاف: لو أردنا أن نطعم الأولاد أكلة (مجدَّرة) فإنها تكلف ٢٠٠ ليرة، وتتراوح أعمار الثمانية - وهم ٧ بنات وصبى - بين ٤ أشهر و ١٤ سنة وهذا ثاني لبنانى يعرض أولاده للبيع خلال أسبوع! (جريدة القبس ٢٥/١١/١٩٨٦) . أي لوعة وأي حسرة وأي ندامة ستحل بهذا الأب حين يفارقه أبناءه الثمانية! لا شك أنه فكر في ذلك كثيراً، فعاطفة الأبوة التي جعلها الله -حتى في الحيوان- موجودة عنده، لكن ما يعانيه من ويلات الحرب ونتائجها طغت على عاطفة الأبوة ولثمانية أبناء، فيعيش هو بثمنهم ويذهبوا هم إلى مكان أفضل كما يتصور هو! . قد نقول في هذه الحادثة هذا رجل، وقد تغلب على عاطفة الأبوة برجولته، أما أن يحدث ذلك من الأم فهذا مما يزيد الأمر هلعاً، فقد ذكرت (جريدة الشرق الأوسط) - بتاريخ ١٧/١/١٩٨٧ -: أن قوات الأمن اللبنانية ألقت القبض على امرأة بتهمة بيع أطفالها الأربعة لعدد من الأجانب، واعترفت المتهمة بأنها حملت أربع مرات وباعت أولادها تباعاً للأجانب وكانت آخر مرة عندما باعت طفلتها لموظفة في السفارة البريطانية في بيروت مقابل ألفي جنيه إسترليني! . بقي أن نعرف أن أكثر مَن تدور عليهم رحى الحرب في لبنان هم من المسلمين السنة دون غيرهم سواء كانوا فلسطينيين في المخيمات، أو من سكان لبنان الأصليين.

стр. 75

مختارات من كلام الشافعي ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع. تفقه قبل أن ترأس، فإذا ترأست فلا سبيل إلى الفقه. لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهَّدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغّبهم الله فيه. فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهال فقر اضطرار. طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد. مَن غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها. لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته، ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة! ما أكرمتُ أحداً فوق مقداره إلا اتضع من قدري عنده بمقدار ما زدت في إكرامه. ليس بأخيك مَن احتجت إلى مداراته. لو أن رجلاً سوّى نفسه حتى صار مثل القِدْح لكان له في الناس مَن يعانده. من سام نفسه فوق ما يساوي رده الله - تعالى - إلى قيمته. من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرضَي فلم يرضَ فهو شيطان.
следующие страницы →