شكوى ونجوى
صالح بن علي بن الكناني
هذا زمان سفاهة الأحلام ... وسيادة الغلمان والأقزام
هذا زمان الذل دِيست عنده ... حرية الأحرار بالأقدام
ما عاد فينا نخوة عربية ... ما عاد فينا عزة الإسلام
كم راكع كم ساجد متألِّه ... لحثالة البلدان والأقوام
علماؤنا في غفلة عن أمرنا ... شغلوا بأوهام تُرى وحطام
باسم السلام يسوقنا جزَّارنا ... باسم السلام نسام كالأنعام
حذفوا " البراء " وكل لفظ مثله ... ما عاد ثَمَّ عبادة الأصنام
يا رب قد ضاقت علينا أرضنا ... وسماؤنا من شدة الإظلام
فأذنْ بغارتك التى تمحو بها ... عن جبهة الإسلام كل قتام
وتعيد للإسلام عزته التي ... طُمست معالمها مع الأيام
стр. 72
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
باكستان أمام التحديات
إعداد: محمد أحمد عبد الله
شهدت باكستان أحداثاً دامية خلال شهر ربيع الثانى من هذا العام،
وذلك عندما قامت قوات الأمن بتفتيش منطقة (سوهراب جوت) في مدينة كراتشي (كبرى المدن الباكستانية، والتي يزيد عدد سكانها على سبعة ملايين نسمة) وقد شاركت قوات الجيش في حملة التفتيش التي أسفرت عن ضبط ٣٠٠ كيلو غرام هيروين، و٦ أطنان من الماريجوانا، وكميات أخرى كبيرة من الحشيش والأفيون، قُدرت قيمتها بنصف مليار دولار - كما ذكرت وكالات
الأنباء - وهذا الرقم لا يساوي شيئاً أمام الأرقام التي يملكها تجار المخدرات
من البضائع والأموال.
وتعد منطقة (سوهراب جوت) من أكبر مراكز تهريب المخدرات في العالم، ...
ومنها يجري تصدير المخدرات إلى آسيا، ودول أوربا الغربية، والولايات المتحدة
الأميركية، ودول أميركا اللاتينية.
وعندما عجز تجار المخدرات عن مقاومة السلطة - كما كانوا يفعلون كل
مرة - صبوا جام غضبهم على (المهاجرين) ، (والمهاجرون هم الذين قدِموا من
الهند عند تقسيمها عام ١٩٧٤ يتكلمون لغة (الأردو) ؛ لأنهم يتهمون المهاجرين ... بأنهم وراء تحريش السلطة ضدهم، وأخذت المعركة شكلاً آخر. لقد كانت بين السلطة وطائفة (الباشتون) (وطائفة الباشتون قدموا كراتشي من الإقليم الشمالى ... الغربي للبلاد ومن أفغانستان، وأصلهم واحد، ويتكلمون لغة تسمى (بالبوشتو)) . فأصبحت المعركة بين الباشتون والمهاجرين، وتدخلت السلطة، وفرضت ...
حظر التجول على بعض أحياء المدينة، ورغم ذلك فقد أسفرت هذه المعارك عن قتل حوالي ١٨٠ شخصاً، وجرح ما يزيد على ٧٠٠ آخرين، واعتقال ما يقارب ضِعف هذا العدد.
ووقفت وكالات الأنباء العالمية والصحف الشرقية والغربية من الأحداث موقفاً عدائياً ليس فيه عدل ولا موضوعية. لقد صورت الأحداث وكأنها ثورة شعبية
سياسية تتزعمها (بي نظير بوتو) ابنة (علي بوتو) ، وحاولت (بي نظير)
استغلال الأحداث وراحت تصْدر التصريحات والبيانات، وتراهن على قطاع
الطرق وتجار المخدرات ...
وأخيراً تمكنت السلطة بعد عدة أيام من وقف نزيف الدم، وتم ترحيل ٢٥ ألفاً
من اللاجئين الأفغان عن كراتشي إلى مخيم قريب منها؛ لأن قوات الأمن اتهمتهم
بتزويد المقاتلين بالأسلحة، وخذل الشعب المسلم في باكستان (بي نظير) فيما دعت
إليه من مظاهرات، وعلم الغرب والشرق أن باكستان ليست كالفلبين، وليست (بي
نظير) مثل (أكينو) ، ولو كانت بي نظير مخلصة لوطنها لوقفت مع السلطة ضد
تجار المخدرات وقطاع الطرق، ولكنها مثل أبيها و (الولد سر أبيه) - كما
يقولون -، ولقد كان أبوها أحد الأسباب المهمة في انفصال (بنغلاديش) عن باكستان.
ومع هذا فقد تمكنت السلطة من السيطرة على الموقف خلال بضعة أيام، وها
قد مضى شهر على الأحداث.. ومع ذلك فإننا نعتقد بأن المؤامرات التي يدبرها
أعداء الإسلام ضد باكستان المسلمة - لم تنتهِ.
ومن منطلق المحبة والخوف على مستقبل إخواننا المسلمين في باكستان أحببنا أن نضع النقاط على حروفها، ونميط اللثام عن المتآمرين في الداخل ... والخارج، ونحذر إخواننا العلماء والدعاة من نقاط الضعف التي يتسلل من خلالها العدو إلى صفوفنا، ومما لا شك فيه أن فهم المشكلة جزء مهم من حلها، وعدم فهمها كارثة وخيمة العواقب.
وهناك جهات كثيرة تتآمر على باكستان أهمها وأخطرها:
١ - الاتحاد السوفياتي:
الذي احتلت جيوشه أفغانستان المسلمة منذ سبعة أعوام، وظن أن احتلال أفغانستان سوف يكون كاحتلال بُخارى وطشقند وغيرهما من بلاد المسلمين،
وفوجئ الشيوعيون الحمر بمقاومة لم يكونوا يتصورونها، ولقد تحولت سهول
أفغانستان وهضابها ووديانها إلى مقبرة للشيوعيين الروس، وحرك جهاد المسلمين
همم إخوانهم المسلمين في المناطق الواقعة جنوب الاتحاد السوفياتي فانطلقوا
يقاومون ومنهم من سارع إلى الانضمام إلى قوات المسلمين المجاهدين الأفغان،
ومنهم من يعمل ويدعو إلى الله بصورة سرية، ومنهم من أخذ يشارك في مظاهرات
ضد السلطة ... ويخشى السوفييت أن يعم الجهاد الإسلامي فيشمل أفغانستان
والبلدان الإسلامية التي ترزح تحت الاحتلال الشيوعى، وإذا عمت الثورة ووقف
المسلمون في مختلف بلدان العالم إلى جانبها، فلسوف تسقط أسطورة الدولة
الشيوعية العظمى، وتقوم دولة إسلامية عظمى تشمل باكستان وأفغانستان والبلدان
الإسلامية الواقعة جنوب الاتحاد السوفييتى، كما تشمل بنغلاديش والهند.
ومن جهة أخرى يعلم الاتحاد السوفييتى أن باكستان سبب مهم من أسباب
استمرار الجهاد الإسلامي الأفغاني؛ لأنها استقبلت اللاجئين الأفغان، وسمحت
للمجاهدين منهم أن ينطلقوا من أرضها ... ولهذا فهي تحاول إقناع باكستان بالتخلي
عن دعم المجاهدين الأفغان، وتسعى - عن طريق الامم المتحدة - إلى الوصول
إلى حل مع باكستان حول المشكلة الأفغانية، ولن يكون هذا الحل في مصلحة
المجاهدين، ومن شاء مزيداً من التفاصيل فليراجع (رسالة مفتوحة إلى المجاهدين
الأفغان) في العدد الأول من مجلتنا (البيان) .
ومن جهة ثالثة يعمل قادة موسكو من أجل تفجير معارك داخلية في باكستان
مستغلين التناقضات الإقليمية، والمشكلات الاقتصادية، والأحزاب العلمانية
الجاهلية، ولهذا الغرض فهم يوزعون الأموال والسلاح على عملائهم داخل
باكستان، وعلى حدودها الشمالية والشمالية الغربية، ومن المؤسف أن الاتحاد ... السوفياتي ضم بعض أجزاء أفغانستان إليه وأصبح من الدول المجاورة لباكستان
في حدودها القريبة من الصين.
٢ - الهند:
منذ عام ١٩٤٧ والهند تتآمر على باكستان، وتحاول تمزيق وحدتها،
وإضعاف كيانها، والسيطرة على أجزاء من أرضها بالقوة.
ومن الأمثلة على ذلك: كشمير التي تسيطر الهند على معظمها في حين يتبع جزء منها باكستان، والمثال الثاني المؤامرة التي انتهت بفصل بنغلاديش عن
باكستان، ولقد خاض الجيش الهندي معركة طاحنة ضد الجيش الباكستانى من أجل
تنفيذ هذه المؤامرة.
وفي كل مرة تعتدي فيها الهند على باكستان تتذرع بأعذار واهية، ومن ذلك
قولها: إن باكستان تدعم طائفة السيخ، وتدربهم على السلاح.. وقولها: إن
المفاعل النووي الباكستانى يشكل خطراً على الهند.
والحقيقة أن باكستان لا تتآمر على الهند، وليست المشكلة في المفاعل الذري
الباكستاني ولا في تدريب السيخ وغيرهم وإنما المشكلة أن الهند تخشى من أن
تصبح باكستان دولة كبرى، كما تخشى من مجىء حكم إسلامي صحيح، ينجح في
جمع شتات المسلمين في جنوب الهند ومشرقها، ويعجز عُبَّاد البقر عن مواجهة
الرجال الذين يعبدون الواحد القهار.. ومن أجل هذا يضطهد عباد البقر إخواننا
المسلمين في الهند، ويحرصون على استمرار سيطرتهم على كشمير.. ومن أجل
هذا أيضاً خاضت الهند حرباً ضروساً مع باكستان من أجل سلخ (بنغلاديش)
عنها.. ومن أجل هذا تتعاون الهند مع الاتحاد السوفياتي وغيره، ويجري جيشها مناورات على حدود باكستان.
٣ - الولايات المتحدة الأميركية:
من الخطوط العريضة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في دول العالم
الإسلامي أن لا يجتمع المسلمون في دولة كبرى، حتى ولو كانت هذه الدولة لا
تُحكِّم شرع الله.. ومن أجل هذا تحرص الولايات المتحدة على تحجيم دور
باكستان، وعندما وقف الاتحاد السوفياتي إلى جانب الهند في حربها مع باكستان
التي انتهت بانفصال بنغلاديش عنها - لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً، رغم أن
هذه الحرب تجري داخل مناطق لها سيطرة عليها.. لكنها كانت تعلم أن نتائج هذه
الحرب تخدم سياسة الدول الكبرى كلها.
ومن أجل تحجيم دور باكستان كانت الولايات المتحدة تفرض على هذا البلد
أنظمة عسكرية همها البطش بالجماعات الإسلامية، والتنكيل بها، ومن الأمثلة
على ذلك حكم أيوب خان، ويحيى خان.. وإن نسينا فلا ننسى أن السفير الأميركي (جيفرسون كافري) - الذي لعب دوراً مهماً في مصر ضد الإسلاميين - نقلته الولايات المتحدة إلى باكستان بعد انتهاء دوره في مصر (التي تحتل أهمية كبرى في البلدان العربية، ويشكل الإسلاميون فيها قوة لا ينكرها أحد) ، وبعد وصوله إلى باكستان بزمن يسير قام أيوب خان باعتقال الإسلاميين في باكستان (وباكستان تمثل - كما قلنا قبل قليل - دوراً مهماً في أواسط آسيا وجنوبها الشرقي) .
وقد يقول القائل ولكن الولايات المتحدة تساعد باكستان وتمدها بالمال والسلاح، وجوابنا على ذلك: إن للولايات المتحدة الأميركية مصالح من استمرار القتال في
أفغانستان، ولن تقبل - إن استطاعت - بحال من الأحوال أن يكون الحكم في
باكستان وأفغانستان للإسلاميين، وها هي تتآمر من خلال مفاوضات جنيف على
الجماعات الأفغانية الطيبة التي تنادي باستمرار الجهاد.. وبعد رضوخ الاتحاد
السوفياتي لمطالبها، سوف تعمل على إنهاء القتال، وتقطع المساعدات التي تقدمها
لأتباعها، وقد تغير موقفها من النظام القائم في باكستان، فقبل احتلال السوفييت
لأفغانستان كانت العلاقات متوترة بين الرئيس الباكستاني، والولايات المتحدة
الأميركية، وكان الرئيس الأمريكي السابق كارتر يتهم الرئيس الباكستانى بانتهاك
حقوق الإنسان مع أنه إذا كان الأخير ينتهك حقوق الإنسان في باكستان فزعماء
البيت الأبيض يضطهدون الأفراد والأمم في العالم كله.. وعلى كل حال فقد قلنا ما
فيه الكفاية عن الولايات المتحدة في رسالتنا (رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان) .
٤- (إسرائيل) :
رغم تعدد الانقلابات العسكرية وتباين سياسة الحكومات، فقد كان للحكومات
الباكستانية المتعاقبة موقف ثابت من العدو الصهيونى في فلسطين المحتلة، وهذا
الموقف نابع من مشاعر المسلمين في باكستان، وكانت أية حكومة لا تجرؤ على
الاصطدام مع مشاعر المسلمين الذين لا يقبلون إقامة علاقات دبلوماسية مع نظام
العدو الصهيونى.. ومن المؤسف أن بعض الأنظمة العربية كانت تقف إلى جانب
الهند في نزاعها مع باكستان، أو مع الاتحاد السوفياتي في احتلاله لأفغانستان..
ولهذا كانت (إسرائيل) تدعم كل عدو لباكستان، وقد تحدث وزير خارجية العدو
الصهيوني السابق (موشي دايان) في مذكراته عن التعاون السري بين الهند
و (إسرائيل) كما تحدث غيره.. وتحاول (إسرائيل) ضرب المفاعل النووي في باكستان.
أيها الإخوة المسلمون في باكستان - من علماء ودعاة، وشيب وشباب -:
إننا نتوجه إليكم بهذا النداء - لأنكم أملنا بعد الله فصمودكم
نصر مبين، ووعيكم صخرة تتحطم عليها المؤامرات والمتآمرين.
أيها الإخوة! نحن لا نثق بزعماء الانقلابات العسكرية، ولا نعلق عليهم آمالاً
مهما زعموا ووعدوا، فحكمهم ابتداءً يقوم على الغدر، ولا يعرف الاستقرار وإن
طال أمده وكثر أنصاره.. ونحن - يا إخوة! - الذين نكتوي بنار المؤامرات، أما
زعماء الانقلابات فيهربون ويهرِّبون معهم الأموال.
اسمعوها منا - أيها الإخوة! - صريحة واضحة: إن الزلازل والبراكين
تكثر في الأرض التي تكثر فيها الشقوق، والشقوق في أرضكم كثيرة ومن أهمها ما
يلي:
١- أليس من المخجل أن تكون باكستان من أكثر بلدان العالم اهتماما بتجارة
المخدرات، وماذا نقول عن نظام زعم أن مهمته تحكيم شرع الله، وها قد مضى
على استلامه السلطة بضع سنين، وهو يعرف حجم تجارة المخدرات، ومن الذين
يعملون بهذه التجارة، كما يعرف الأوكار التي يجري تخزين المخدرات فيها، فلماذا
لم يضع حداً لهذه المأساة؟ !
هذا عن المخدرات، أما السرقة والتزوير والنصب فلا تقل أهمية المخدرات.
٢ - مَن المسؤول عن تغلغل الشيوعية وعملائها في بلدكم؟ !
لقد أهمل العلماء والدعاة منطقة (بلوشستان) التي تحدها أفغانستان من
الشمال، وإيران من الغرب، وعاصمتها (كويتا) ، واهتم الشيوعيون بهذه المنطقة، فاستقبلت موسكو أعداداً كبيرة من الطلبة من أبناء (بلوشستان)
يدرسون مجاناً في معاهد وجامعات الاتحاد السوفييتي، ولهذا صار مَن يمشي
في مدينة (جمن) يشاهد بضع مئات من أعلام الحزب الشيوعى في حين ... يشاهد بضعة أعلام للدولة، وبضعة أعلام لجماعات العلماء المسلمين.. كما يسمع من يسير في هذه المنطقة الأطفال وهم ينشدون أناشيد تشيد بدولة (بشتونستان) المزعومة وهذا يعني أنه حتى الأطفال في هذه المنطقة يعلمون ويتطلعون ويتغنون بذلك اليوم الذي تنفصل فيه (بلوشستان) عن ... ...
باكستان، وفضلاً عن ذلك، فالمنطقة تزخر بالجواسيس الذين يتجسسون
للاتحاد السوفياتي ضد المجاهدين الأفغان.. فماذا صنعت السلطة في باكستان
ضد هذه المؤامرة؟ !
هنالك (بنغلاديش) ثانية فماذا فعلتم يا إخواننا في باكستان؟! ...
وليس ما ذكرناه عن (بلوشستان) كل ما عند الشيوعيين السوفييت من
نشاط، فهناك نشاط للشيوعيين في جميع أنحاء باكستان، ويمدهم السوفييت
بكل دعم مادياً كان أو معنوياً، وهناك أحزاب علمانية تتعامل مع الاتحاد ... السوفييتي أمثال الحزب الوطنى الديموقراطي الذي يتزعمه خان عبد الولي خان، ويدعو هذا الحزب إلى إقامة وطن خاص يشمل الذين يتكلمون لغة
(البشتو) . والحزب الوطني الاشتراكى، ويتزعمه (غوث بخش بزنجو) ويدعو ... كذلك إلى إقامة وطن خاص بالذين يتكلمون لغة (البشتو) ، وله صلات قديمة مع الاتحاد السوفييتي، غير أن الذي يميزه عن الشيوعيين إيمانه بالقومية البلوشية، ولكن من منطلق اشتراكى علمانى.
وهناك أحزاب علمانية مستعدة للتحالف مع أي عدو خارجي يساعدهم في
الوصول إلى السلطة، لا فرق في ذلك عندهم بين الاتحاد السوفييتي أو الولايات
المتحدة الأميركية أو غيرهما، ومن أبرز هذه الأحزاب، حزب الشعب الذي
تتزعمه (بي نظير بوتو) .
وهذه الأحزاب تشن دعاية سيئة ضد المجاهدين الأفغان، وتضغط على
السلطة من أجل إخراجهم من باكستان.. وتستغل النزعات الإقليمية ضد إخواننا
الأفغان الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل الله - تعالى -، ولا يجوز
أن نستهين بخطر هذه الأحزاب وآثارها.. ولا ندري لماذا تتركهم السلطة ... يسرحون ويمرحون، وبشكل أخص في مثل هذه الأجواء الخطيرة؟ !
فإذا قيل لنا هكذا يكون الحكم في البلاد الديمقراطية! ! قلنا: ليس للخائن حق في التآمر على بلده، ولا يعطيه القانون حرية الاتصال والتعاون مع
دولة أجنبية عدوة، ولا تسمح أية دولة في العالم بمثل هذه الحرية المزعومة. ...
٣ - أما الحديث عن أنشطة الباطنيين المريبة في باكستان فيثير في نفوسنا الأشجان، ويحرك في قلوبنا وجوارحنا الأحزان.
هل من قبيل المصادفة أن يصل إلى أعلى المراتب في باكستان - ومنذ بداية تأسيسها عام ١٩٤٧م - ثلاثة من الباطنيين؟ !
وهل من قبيل المصادفة أن يتعاقب هؤلاء الثلاثة على الحكم، وأن يتصرفوا في شؤون البلاد كما يشاءون طيلة عهد الاستقلال؟ !
وهل من قبيل المصادفة أن يكون أحدهم رمزاً كبيراً جداً من رموز الاستقلال، وهو الذي رفض تحكيم شرع الله في هذا البلد المسلم الطيب الذي انفصل عن الهند [١] ليتسنى له ممارسة حرية العبادة والاعتقاد والتشريع كما أمر الله ، وكما نصت عليه سنة المصطفى-صلى الله عليه
وسلم -؟!
وهل من قبيل المصادفة أن تضطهد هذه الأنظمة الباطنية قادة الجماعات
الإسلامية، الذين يكرهون العنف والإرهاب، ويدعون إلى الله - تعالى - بالحكمة
والموعظة الحسنة؟!
وقد يقول قائل ما لنا والعصور السوالف، وهل عندكم شيء تقدمونه عن
واقعنا المعاصر؟ !
نقول: إن الحاضر يرتبط بالماضي أشد الارتباط وأوثقه، والذين لعبوا دوراً
في العصور السوالف - كما تقولون - لا يزال أبناؤهم وأحفادهم يعملون، وآثارهم
الظاهرة تدل عليهم، ونؤكد أن لهم أهدافاً يسعون بمختلف الوسائل والأساليب من
أجل تحقيقها، ودعونا نسألكم بعض الأسئلة:
من الذين يحركون دفة الاقتصاد في كراتشي وعدد آخر من المدن الباكستانية وهذا التخطيط هل جاء مصادفة أم أن هناك عقولاً باطنية بل ومن غلاة الباطنية
تخطط في باكستان كما خطط الموارنة في لبنان، وكما خطط اليهود في فلسطين
المحتلة؟ !
أنشأ الباطنيون جامعات حديثة في بلدكم، فيها مختلف الاختصاصات العلمية،
ولديها إمكانات مادية كبيرة، وتجذب إليها عدداً غير قليل من أبناء المسلمين من
باكستان وغيرها من دول جنوب شرق آسيا، ودول الشرق الأقصى، ويبثون
سمومهم في هذه الجامعات وكأنهم في عالم آخر لا يمتّ إلى بلدكم بصلة، وتعلمون
أن الذين ينتسبون إلى هذه المعاهد والجامعات مستعدون لتقبل كل ما يقال لهم من
أكاذيب وأباطيل الباطنيين، فهل اطَّلعتم على حقيقة هذه المعاهد والجامعات وأهداف
القائمين عليها؟ !
ومن الذين احتجوا على قانون الأحوال الشخصية الإسلامي عند صدوره؟ !
من الذين قادوا مظاهرات الاحتجاج، وعقدوا ندوات الاستنكار، وقالوا بكل
وقاحة: إن شريعتنا تختلف عن شريعتكم، وكانت الأوامر تصدر إليهم من العاصمة
إياها المتخصصة بخلق الفتن والاضطرابات في مختلف بلدان العالم الإسلامي؟ !
إن للباطنيين - يا إخوة! - على مختلف فرقهم وانتماءاتهم أوكاراً كثيرة
وكثيرة جداً في باكستان، ومن هذه الأوكار:
المكتبات، والنوادي، والمراكز الثقافية، والبعثات الدبلوماسية، ودور النشر، والشركات، والمؤسسات التجارية.. وابحثوا إن شئتم عن كتبهم التي تطبع في لاهور، وما تحويه من شتم مقذع للشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله
عنهما -، ولأم المؤمنين عائشة ﵂، ولذي النورين الخليفة
الثالث عثمان بن عفان ﵁ ولعدد كبير من أصحاب رسول الله ﷺ .
أليس في نشر مثل هذه الكتب تحدٍ لمشاعر مائة مليون مسلم؟ ! ولا ندري من
الذي أجاز نشر هذه الكتب، ولو كان الحكم لشريعة الله حقاً لأقيم الحد على هؤلاء
الجناة المجرمين!!
ابحثوا عن دسائس وخطط الباطنيين، واكشفوا أوكارهم، واهتكوا أستارهم،
قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.
٤ - لقد اعتدنا عندما نتعرض لهزيمة أن نقول: تآمر علينا الأعداء،
واجتمعت علينا قوى الكفر شرقية كانت أو غربية.. وقلما ننتبه لأخطائنا التي أدت
إلى هذه الهزيمة.
إننا - والحق يقال - أمة تكره النقد، ولهذا تتكرر الهزائم، ونلدغ من جحر
واحد مرات ومرات. فعندما انفصلت (بنغلاديش) عن باكستان قلنا: جاء هذا
الانفصال نتيجة مؤامرة رسم خيوطها الطابور الخامس في بنغلاديش (مجيب
الرحمن وحزبه) ، والهند، والاتحاد السوفييتي، وغيرهما من الدول الاستعمارية..
ونحن لا ننكر مثل هذه المؤامرة لاسيما وجيش الهند خاض معركة شرسة من أجل
تحقيق هذا الانفصال.. ولكن لماذا لا نبحث عن نقاط الضعف التي تسلل من خلالها
العدو؟!
لم تكن هناك مساواة بين المواطنين في باكستان الغربية، وإخوانهم في
باكستان الشرقية، وكانت صيحات الاستنكار ترتفع وتصم الآذان في كل مدينة
وقرية من قرى باكستان الشرقية، وحزب (عوامي) - الذي كان يتزعمه مجيب
الرحمن - كان ينادي بإقامة دولة خاصة بالبنغاليين، ولم تكن مثل هذه الدعوة سراً
من الأسرار، لقد خاض الانتخابات وحاز على الأغلبية في باكستان الشرقية، وكان
جمهور البنغاليين ينظرون إليه كمنقذ لهم مما يعانون من حرمان وجهل وفقر،
وساعده على تحقيق أهدافه أمور كثيرة، أهمها:
١ - الظلم وعدم المساواة.
٢ - فقدان الحكومة الإسلامية التي تحقق العدل، وتحاكم مجيب الرحمن
بتهمة الخيانة العظمى بسبب تعاونه مع النظام الهندوسي في دلهي، والنظام
الشيوعي في موسكو.
٣- لم يكن العلماء والجماعات الإسلامية في مستوى حاجة المسلمين في قسمي
باكستان، ولم يكن بينهم حد أدنى من التعاون الذي يمكّنهم من مواجهة المؤامرة
والمتآمرين.
ولهذه الأسباب مجتمعة نجح الخونة المتآمرون، وانفصلت باكستان الشرقية
عن الغربية، ولم تتغير الأحوال بعد الانفصال؛ فالمسلمون في (بنغلاديش) -
وكل الشعب فيها من المسلمين - يعدون من أفقر شعوب العالم، وقتل مجيب
الرحمن - غير مأسوف عليه - ولم ينعم بزمن طويل من الحكم، ولم ينقذ بلده من
الفقر والجهل والتخلف.
وإن ما حدث في باكستان الشرقية قد يتكرر في (بلوشسشان) وغير
بلوثسستان، فالمشكلة لا تزال قائمة وتحتاج إلى حل سريع.
ففي بلوشستان -وكما ذكرنا قبل قليل-: فقر وجهل وتخلف، وفيها أحزاب
علمانية جاهلية تنادي بإقامة دولة خاصة بالذين يتكلمون لغة (البوشتو) .. وليس
في هذه المنطقة قوة إسلامية -تستحق الذكر- تكبح جماح المتآمرين، بل وليس
هناك حد أدنى من التعاون بين العلماء والجماعات الإسلامية، والنظام ليس متهماً
بما يجري، ولعله واثق بقوته لأن الجيش بيده، والتغيير يبدأ من الجيش، وربما
كان هذا هو السبب الذي جعل الأغلبية العظمى من الجيش من (البنجاب) ، وبشكل
أخص كبار الضباط الذين لا تقل نسبتهم عن ٨٠ %.
وكذلك كبار المسؤولين في السلطة فمعظمهم من أهل البنجاب، ومما لا شك
فيه أن الناس يعرفون مثل هذه الأمور، وهي مثار نقد عندهم، ويشعرون أن
غيرهم مقدم عليهم، ويستغل أعداء الإسلام مثل هذا الظلم أسواً استغلال.. ومن
المؤسف أن تقديم وتفضيل أهل منطقة على بقية المناطق ظاهرة لها وجود في كثير
من بلدان العالم الإسلامي، مع أن أبسط المعانى الإسلامية تؤكد وجوب المساواة بين
المسلمين، فلا فضل لأسود على أبيض ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أو
العمل الصالح.
ومن جهة أخرى فليس الجيش كل شيء، وانفصال (بنغلاديش) دليل على
خطأ حسابات الذين يعتقدون بأن أي تغيير لا يكون إلا عن طريق الجيش.
وقصارى القول فإن الأسباب التي تسلل من خلالها العدو إلى (بنغلاديش) لا
تزال موجودة في معظم مناطق باكستان وتحتاج إلى إعادة نظر من قبل المصلحين.
٥ - لا ندري لماذا لا تكون هناك لغة واحدة لجميع المواطنين في باكستان؟ !
فلغة الأوردو لا ينطق بها جميع الناس في باكستان، ومن جهة اخرى
فالحكومات المتعاقبة ليست جادة في فرض هذه اللغة، ودليلنا على ذلك أن اللغة
الإنكليزية أكثر منها أهمية في معظم مؤسسات الدولة ومعاهدها وجامعاتها، ويبدو
أن هذه اللغة - أي الأوردو - ليست البديل المناسب، ولهذا فلكل منطقة لغة خاصة
بها، ومثل هذه اللغات تعمق الانقسامات بين أبناء البلد الواحد.
وإذا كانت اللغة عاملاً مهماً من عوامل وحدة الأمة وتآلفها، فاللغة العربية هي
اللغة الوحيدة التي يجب أن يجتمع عليها المسلمون في باكستان، لأنها لغة القرآن
الكريم، ولأن كل مسلم في باكستان يصلي باللغة العربية، ويؤذن بها، وبها يقراً
القرآن، بل وهناك استعداد جيد عند الناس لتعلمها. وقد أحسنت الحكومة صنعاً
عندما جعلت اللغة العربية مادة إجبارية في جميع المعاهد والثانويات الرسمية،
وحال دون تنفيذ هذا القرار بشكل فعال - عجز الدولة عن التعاقد مع عدد كبير جداً
من المدرسين العرب لأسباب اقتصادية، ووقوف البلدان العربية من هذا القرار
موقفاً سلبياً، إذ لم تمد لباكستان يد المساعدة والعون.. لهذا لجأت الدولة إلى تعيين
مدرسين باكستانيين لتعليم العربية، وهم - أنفسهم - بحاجة إلى من يعلمهم العربية، ومن بدهيات الأمور أن فاقد الشيء لا يعطيه.
إن الولايات المتحدة الأميركية لم تسمح بتعدد اللغات فيها، مع أن المواطنين
فيها وافدون إليها من مختلف البلدان الأوربية وغيرها، ولهم لغاتهم الخاصة بهم،
ومع ذلك نجحت الحكومة في فرض اللغة الإنكليزية، والحال في باكستان يختلف
تماماً؛ لأن تعلم العربية أمر مرغوب فيه عند كل مسلم، وحاجة دينية ملحة،
يضاف إلى هذا وجوب توحيد اللغة، وأن لغة (الأوردو) ضعيفة، وعمرها قصير
ومن اللغات المستحدثة.
وليعلم إخواننا في باكستان أننا لا ننطلق في هذا الاقتراح من نزعة قومية
وإنما من منطلق إسلامي بحت لأننا أمة واحدة، وما يقلق إخواننا يقلقنا ويقض
مضاجعنا.
٦- سيذكر المسلمون في كل مكان لإخوانهم في باكستان حسن ضيافتهم
للمجاهدين الأفغان، ووقوفهم إلى جانبهم، ومثل هذا الفضل يجب أن يستمر بعزيمة
وثابة، ووعي يقف كالسد المنيع أمام المتآمرين والخائنين مهما كان عدد هم، واشتد
بأسهم.. وهناك أصوات ترتفع كأنها فحيح الأفاعي تزعم أن إيواء اللاجئين الأفغان
خطر يجب أن تتخلص منه باكستان، ويوماً بعد يوم يكثر عدد الذين يرددون هذه
الأقاويل، وهؤلاء إما أن يكونوا جهلة أو خونة، ولو كانوا يملكون الحد الأدنى من
الوعي والغيرة الإسلامية لما رددوا مثل هذه الأباطيل؛ لأن احتلال الاتحاد
السوفياتي لأفغانستان خطر يهدد كل مسلم في أي مكان كان من المعمورة، وإذا
توقف القتال، ونجح البلاشفة الشيوعيون في السيطرة على أفغانستان فلن يتوقفوا
عند الحدود الأفغانية الباكستانية، وإنما سيحاولون احتلال باكستان، ودليلنا على
ذلك أنهم احتلوا أفغانستان بعد بضعة عقود من احتلالهم لبخارى وطشقند وغيرهما
من البلدان الإسلامية وأصبحت جزءاً من الاتحاد السوفياتي. وإذن فالمجاهدون
الأفغان يقاتلون نيابة عن المسلمين عامة، وبشكل أخص نيابة عن جميع المسلمين
في باكستان.
ومن جهة ثانية، فهناك مؤامرة بدأت تتكشف خيوطها، وسوف تتضح أبعادها
خلال الأيام القليلة القادمة. نعم بدأت تتكشف خيوط هذه المؤامرة عندما أعلن عدو
الله الذي سماه أبوه نجيب الله أنه أمر بوقف القتال، ودعا المجاهدين الأفغان إلى
العودة إلى بلدهم، وزعم أنه سيشكل حكومة وطنية مشتركة، ولن يكون هناك
حزب واحد بل أحزاب متعددة، ومما لا شك فيه أن عدو الله وسادته في الكرملين
ليسوا صادقين فيما يرددون، وإنما يريدون من وراء ذلك أمرين:
الأول: الوصول إلى حل سياسي مع باكستان يتبعه إخراج المجاهدين من
باكستان.
والثاني: إذا صدق بعض المنسوبين للجهاد دعاوى الشيوعيين، وعادوا إلى
أفغانستان، وتعاونوا مع عدو الله؛ فسوف ينجح الشيوعيون في إحداث فتنة بين
المسلمين الأفغان، وسيبقى الجيش بأيديهم، وسوف يعود السوفييت - إذا خرجوا -
إذا اقتضى الحال وفي هذا كله خسارة كبيرة للمسلمين جميعاً، سواء كانوا من
الأفغان أو من الباكستانيين أو من غيرهم..
ولعلكم - يا إخوة! - تشعرون معنا بالخجل والإحراج عندما نتحدث عن
الباكستانيين والأفغان، فعدونا لا يكيد لنا ويحاربنا لأننا من هذا البلد أو من ذاك..
وإنما يحاربنا لأننا مسلمون، فلماذا لا نتحرر من الولاء للقوم أو القبيلة أو الوطن،
ونكون كما وصفنا - تعالى - في قوله: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] .
وبعد..
فإن الذي دفعنا إلى تسجيل هذه الخواطر ما يلي:
١- أهمية هذا البلد المسلم الذي يحتل حبه مكاناً مهماً في قلوبنا، فعدد
المسلمين في باكستان يزيد عن مائة مليون مسلم، وهو مرشح لجمع شمل المسلمين
في الهند وبنغلاديش وأفغانستان، وعندئذ سيصبح سكان هذه الدولة أكثر من ٤٠٠
مليون مسلم، أي ضعف سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ولن يسمح الشرق ولا
الغرب - إن استطاعوا - بقيام مثل هذه الدولة.
٢- شعورنا بأن باكستان مهددة، وتتآمر عليها دول كبرى من أهمها: الاتحاد
السوفياتي، والهند، والولايات المتحدة الأميركية وغيرها.. ولهذه الدول جيوب
خطيرة داخل باكستان تعمل في وضح النهار، ويتعاون هؤلاء الأعداء فيما بينهم.
٣ - نريد من العلماء وقادة الجماعات الإسلامية وسائر الدعاة إلى الله -
أن ينتبهوا إلى هذه المخاطر، ويحذروا أشد الحذر من الباطنيين
الذين يفعلون الأفاعيل داخل الصف الإسلامي، ولا يخدعوا أنفسهم بقول بعضهم:
لقد فشل حزب الشعب ولم يعد قادراً على تضليل الجماهير، أو قول بعضهم: ليس
للباطنيين ثقل في باكستان..
نريد من إخواننا أن يعلموا أن الهدم غير البناء، وأهل الشر ينبلون عن قوس
واحدة، ولا يستطيع إخواننا أن يؤدوا دورهم إلا إذا كان بينهم تعاون وتنسيق وثقة.
ونسأل الله أن يجعلنا من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 73
هدم المسجد الجامع
بوسط أكرا
كتب إلينا الدعاة والعلماء في " أكرا " عاصمة غانا يشكون موقف السلطة
الظالم، وكيف أقدمت على هدم المسجد الجامع في (أكرا) ، من أجل تحويل أرضه
إلى مواقف للسيارات.
والشيء الجدير بالذكر أن خطة هدم المسجد لم تكن ضمن خطة بناء مواقف
للسيارات، وأن هذا الأمر قد حصل بشكل مفاجئ.
وقالت أطراف مقربة من السلطة إن الحكومة اتخذت هذا الموقف بعد أن
أصبح المسجد مركزاً يعج بالنشاط الإسلامي، وكثر الشباب الذين يترددون عليه
وخشيت السلطة من تطور هذه الظاهرة وازدياد قوة المسلمين، ورؤوس النظام
الغاني يعلمون علم اليقين أن العقائد الأخرى التي يَدينون بها أضعف من أن تواجه
المد الإسلامي إذا كانت هناك حرية، وإذا سمح للمسلمين بما أوجبه الله عليهم من
حرية تبليغ الدعوة إلى الله.
وزعمت السلطة - فيما زعمته - أن جهات أجنبية تتدخل في شؤون المسلمين
في غانا عن طريق القائمين على المسجد، ويعنون بذلك جهات باطنية معروف
عنها الشغب والفتنة ونحن المسلمون نشكو من هذه الجهات المشبوهة ونتهمها بأنها
تفتعل مشكلات لا أصل لها لتجر فتناً وويلات على المسلمين في غانا وغيرها..
ولو كانت حكومة غانا جادة لمنعت هذه الجهات ولوضعت حداً لها لأنها جهات
أجنبية ليس لها صلات عقائدية مع المسلمين في المسجد أو غيره.
وإقدام السلطة على هذه الجريمة النكراء أثار المسلمين فاحتلوا المسجد في ١٤
من أكتوبر من عام ١٩٨٦ وأقاموا فيه يومين.. وأخيرًا تعاون مع السلطة ضعاف
النفوس من زبانية السلطة الذين يتاجرون بالإسلام ويزعمون بأنهم ممثلون له.. وتم
أخيراً هدم المسجد الذي كان يحتل مكاناً مرموقاً في مدينة أكرا.
إن الحرب المعلنة على الإسلام تتخذ أشكالاً متعددة، وتبرز في مظاهر
متنوعة، فبالإضافة إلى حمى التبشير القائمة في بقاع كثيرة من آسيا وإفريقية،
وتنصير كثير من المسلمين استغلالاً لظروف الفقر والمرض والجهل التي تحيط بهم هناك أيضاً العمل الدؤوب على محو معالم الإسلام بشتى الحجج مهما كانت واهية، وهذا مثال على ذلك.
وإزالة معالم الإسلام، وتجريد المسلمين من كل ما يميزهم ومن كل ما
يساعدهم على جمع شملهم وشعورهم أنهم جماعة - هدف تلتقي عليه الحكومات
المدعومة من التبشير أو الحكومات العلمانية اللادينية، فسواءً كانت هذه الحكومات
ديموقراطية أو عسكرية - تستمد سلطانها من الغرب أو من الشرق - فكلها تجد في
الإسلام حجر عثرة، وترى في المسلمين طائفة مستباحة مهدورة الحقوق! .
فلو أن كنيسة كانت تحتل وسط أكرا فهل كان في حكومة غانا من يجرؤ على
الكلام حول نشاطها بكلمة، فضلاً عن أن يقرر إزالتها من الوجود، لو أن أحداً فعل
ذلك لكان الفاتيكان استنكر ذلك أشد الاستنكار ولكان -مجلس الكنائس العالمي - بما
له من نفوذ - وصح من يصدر عنه ذلك بانتهاك حقوق الإنسان وبمصادرة حق
الناس في الحفاظ على مقدساتهم والقيام بحقهم في العبادة وهو حق ضمنته لهم كل
الشرائع والدساتير.
إن هناك ممالك كبيرة كانت تحكم بالإسلام وتدين به وتتخذه منهاجاً لها تمتد من غرب إفريقية إلى شرقها إلى وسطها، كلها تقريباً أزيل من الوجود، وحل محلها حكومات علمانية همها إضعاف المسلمين والتمكين للنصارى وغيرهم، وأصبح المسلمون أقليات في بلاد كانوا فيها أكثرية، وذلك كله بسبب شدة الوطأة الاستعمارية التي شملت هذه البلاد وجعلتها ترزح تحت نير الغرب وظلمه ونهبه ونشره مبادئه التيتربط هذه الشعوب برباط التبعية للغرب المسيطر.
إخواننا العلماء والدعاة في غانا:
نحن معكم بقلوبنا ومشاعرنا نغضب لما يغضبكم، ونسر لما يسركم، وقد
آلمنا هدم المسجد وضاعف من ألمنا أن مثل هذه الكارثة لم يتفاعل معها المسلمون -
بكل أسف -مع أننا نعلم أن صرخاتكم وصيحات استنكاركم وصلت الجميع..
وعزاؤنا الوحيد أن الله سيحفظ دينه، ونحن بهذا الإسلام أقوى من الدنيا وما عليها.
فوحدوا صفوفكم واصدقوا مع ربكم، وأبشروا بنصر الله
وسوف تعود إفريقية كما كانت حصناً من حصون الإسلام الراسخة [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] .
стр. 74
عندما يبيع الآباء أبناءهم! !
منذ ما يزيد عن أحد عشر عاماً ولبنان يعاني من ويلات الحرب والدمار بل
أصبح لبنان حقلاً خصباً تُجرى فيه التجارب على ما تنتجه مصانع الغرب والشرق
من أسلحة جديدة فتاكة، ويستفيد هؤلاء وهؤلاء فائدتين:
الأولى: تجربة سلاحهم الجديد.
والثانية: الربح المادي من بيع هذه الأسلحة، ويجني لبنان خراب البيوت
وإزهاق الأنفس ونساء رملت وأطفالاً يتامى وجوعاً وغلاءً ومرضاً، فبعد أن كان
الدولار في بداية الحرب عام ١٩٧٥ يعادل ٣٥ ر ٢ ليرة، أصبح في نهاية عام
١٩٨٦ يعادل (٧٠) ليرة، وارتفع معدل التضخم إلى ١٠٠%، ففي هذه الظروف
المعيشية الصعبة انتشر بيع الدم للمستشفيات، وهذا يدل على كثرة الجرحى من
جهة، ومن جهة أخرى يدل على ضيق العيش الذي دفع المحتاجين إلى أن يبيعوا
دماءهم ويعيشوا على ثمنها، بل ذهب الأمر أبعد من ذلك حيث نقلت إلينا الصحافة
خبراً مفاده أن لبنانياً من قرية عربصاليم بجنوب لبنان عرض أبناءه الثمانية للبيع
وقال إنه يريد عناية لأولاده أفضل مما يقدمه لهم! ، وأضاف: لو أردنا أن نطعم
الأولاد أكلة (مجدَّرة) فإنها تكلف ٢٠٠ ليرة، وتتراوح أعمار الثمانية - وهم ٧
بنات وصبى - بين ٤ أشهر و ١٤ سنة وهذا ثاني لبنانى يعرض أولاده للبيع خلال
أسبوع! (جريدة القبس ٢٥/١١/١٩٨٦) .
أي لوعة وأي حسرة وأي ندامة ستحل بهذا الأب حين يفارقه أبناءه الثمانية! لا شك أنه فكر في ذلك كثيراً، فعاطفة الأبوة التي جعلها الله -حتى في الحيوان- موجودة عنده، لكن ما يعانيه من ويلات الحرب ونتائجها طغت على عاطفة
الأبوة ولثمانية أبناء، فيعيش هو بثمنهم ويذهبوا هم إلى مكان أفضل كما يتصور
هو! .
قد نقول في هذه الحادثة هذا رجل، وقد تغلب على عاطفة الأبوة برجولته،
أما أن يحدث ذلك من الأم فهذا مما يزيد الأمر هلعاً، فقد ذكرت (جريدة الشرق
الأوسط) - بتاريخ ١٧/١/١٩٨٧ -: أن قوات الأمن اللبنانية ألقت القبض على امرأة بتهمة بيع أطفالها الأربعة لعدد من الأجانب، واعترفت المتهمة بأنها حملت أربع مرات وباعت أولادها تباعاً للأجانب وكانت آخر مرة عندما باعت طفلتها لموظفة في السفارة البريطانية في بيروت مقابل ألفي جنيه
إسترليني! .
بقي أن نعرف أن أكثر مَن تدور عليهم رحى الحرب في لبنان هم من
المسلمين السنة دون غيرهم سواء كانوا فلسطينيين في المخيمات، أو من سكان
لبنان الأصليين.
стр. 75
مختارات من كلام الشافعي
ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع.
تفقه قبل أن ترأس، فإذا ترأست فلا سبيل إلى الفقه.
لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهَّدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغّبهم
الله فيه.
فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهال فقر اضطرار.
طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد.
مَن غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها.
لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته، ولو كنت اليوم
ممن يقول الشعر لرثيت المروءة!
ما أكرمتُ أحداً فوق مقداره إلا اتضع من قدري عنده بمقدار ما زدت في
إكرامه.
ليس بأخيك مَن احتجت إلى مداراته.
لو أن رجلاً سوّى نفسه حتى صار مثل القِدْح لكان له في الناس مَن يعانده.
من سام نفسه فوق ما يساوي رده الله - تعالى - إلى قيمته.
من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرضَي فلم يرضَ فهو شيطان.
стр. 76
الحضارة المعاصرة.. الوجه الآخر
مشاهداتي في بريطانيا
«إنها ملكة! !»
د. عبد الله مبارك الخاطر
كانت جارتنا عجوزاً يزيد عمرها على سبعين عاماً.. وكانت تستثير الشفقة
حين تشاهَد وهي تدخل وتخرج وليس معها من يساعدها من أهلها وذويها.. كانت
تبتاع طعامها ولباسها بنفسها.. كان منزلها هادئاً ليس فيه أحد غيرها ولا يقرع بابها
أحد.
وذات يوم قمت نحوها بواجب من الواجبات التي أوجبها الإسلام علينا نحو
جيراننا، فدهشت أشد الدهشة لما رأت، مع أننى لم أصنع شيئاً ذا بال، ولكنها
تعيش في مجتمع ليس فيه عمل خير ولا يعرف الرحمة والشفقة، وعلاقة الجار
بجاره لا تعدو - في أحسن الحالات - تحية الصباح والمساء! .
جاءت في اليوم الثاني إلى منزلنا بشيء من الحلوى للأطفال، وأحضرت
معها بطاقة من البطاقات التي يقدمونها في المناسبات، وكتبت على البطاقة عبارات
الشكر والتقدير لما قدمناه نحوها.
وشجعتها على زيارة زوجتي، فكانت تزورها بين الحين والآخر، وخلال
تردادها على بيتنا علمت بأن الرجل في بلادنا مسؤول عن بيته وأهله، يعمل من
أجلهم، ويبتاع لهم الطعام واللباس، كما علمت مدى احترام المسلمين للمرأة -
سواء كانت بنتاً أو زوجة أو أماً، وبشكل أخص عندما يتقدم سنها حيث يتسابق
ويتنافس أولادها وأبناء أولادها على خدمتها وتقديرها.. ومن أعرض عن خدمة
والديه وتقديم العون لهما كان منبوذاً عند الناس.
كانت المرأة المسنة تلاحظ عن كثب تماسك العائلة المسلمة. كيف يعامل
الوالد أبناءه، وكيف يلتفون حوله إذا دخل البيت، وكيف تتفانى المرأة في خدمة
زوجها. وكانت المسكينة تقارن بما هي عليه وما نحن عليه.. كانت تذكر أن لها
أولاداً وأحفاداً لا تعرف أين هم، ولا يزورها منهم أحد، قد تموت وتدفن أو تحرق
وهم لا يعلمون، ولا قيمة لهذا الأمر عندهم! ، أما منزلها فهو حصيلة عملها
وكدحها طوال عمرها.. وكانت تذكر لزوجتي الصعوبات التي تواجه المرأة الغربية
في العمل وابتياع حاجيات المنزل ثم أنهت حديثها قائلة:
إن المرأة في بلادكم (ملكة) ولولا أن الوقت متأخر جداً لتزوجت رجلاً مثل
زوجك، ولعشت كما تعيشون!
ومثل هذه الظاهرة يدركها كل من يدرس أو يعمل في ديار الغرب، ومع ذلك
فلا يزال في بلادنا من لا يخجل من تقليد الغربيين في كل أمر من أمور حياته، ولا
تزال في بلدان العالم الإسلامي صحف ومجلات تتحدث بإعجاب عن لباس المرأة
الغربية، وعمل المرأة الغربية والأزياء الغربية، والحرية التي تعيش في ظلها
المرأة الغربية!
اللهم لك الحمد أن أنعمت علينا بنعمة الإسلام.
قال - تعالى -: [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الحجرات: ١٧] .
стр. 77
عندما تصبح الأعياد مآتم ...!
سنتعرض في هذه الدراسة لبعض ما يحدث في أعياد الغرب المسيحي من
غرائب، وللأصول الوثنية التي تستند إليها هذه الأعياد، وليكن مجال بحثنا ما
يسمى بعيد ميلاد المسيح ﵇ [١] ، وعيد رأس السنة الميلادية كأكبر
مناسبة في الغرب النصراني.
فالاحتفالات بهذا العيد تقام في يوم وليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر
(كانون الأول) في المجتمعات النصرانية الغربية، وبعد ذلك بحوالي أسبوعين عند
النصارى الشرقيين.. حيث تغلق جميع الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها،
وكذلك المستشفيات والمحلات التجارية وتتوقف كثير من وسائل المواصلات
كالحافلات والقطارات عن العمل. وفي العموم فإن حركة الحياة تتوقف في ذلك
اليوم كما لو كان الناس قد نزلوا إلى ملاجئهم إثر غارة جوية معادية!
لكن لعل المقيم في تلك البلاد أو الزائر في ذلك اليوم والليلة يرى أن نوعين
من المحلات لا تغلق أبوابها، بل يزدهر سوقها ويكثر روادها، وهما: حانات
الخمور والبارات التي يشرب فيها الخمر والمسكرات؛ حيث يفرط الناس بشربها
إلى حد فقدان العقل وفقدان السيطرة على السلوك مما حدا بالشرطة البريطانية إلى
إصدار قرار بتخفيض النسبة المسموح بها من الشراب لمن يقود السيارة إلى خمسين
بالمائة [٢] وذلك قبيل عيد الميلاد السابق.
ومن عجائب المفارقات أن أحد رجال الشرطة المكلفين بحفظ الأمن في تلك
الليلة قاد سيارته وهو في حالة سُكر، بعد أن خرج من حفلة شراب للشرطة
بمناسبة عيد الميلاد! ؛ مما تسبب في اصطدامه بسيارة أخرى، وذلك بعد ساعات
من إصدار قرار التخفيض السابق! ! ؛ مما جعل مدير الشرطة يصدر أمراً لجميع
أفراد الشرطة يحرم فيه عليهم الشرب قبل قيادة السيارة!
(صحيفة (ستار) The Star ٢٧/١٢/٨٦ وصحيفة (صن) The Sun
٢٧/١٢/٨٦م) .
ورغم تفاؤل الشرطة البريطانية بقانون التخفيض الجديد والذي قد يكون قلل
من عدد الوفيات نتيجة حوادث السير في عيد الميلاد السابق مقارنة بأعياد الأعوام
السابقة.. إلا أنه من لم يمت بالسيف مات بغيره.، فمن الحوادث الطريفة في ليلة
العيد السابق أن شاباً سقط من ارتفاع أربعين قدماً على شابة تبلغ العشرين من العمر؛ مما أدى إلى إصابتها بالشلل المزمن.. الشاب المخمور قال لأصدقائه: لقد كنت
في غيبوبة تامة ولا أستطيع أن أتذكر كيف سقطتُّ كل هذه المسافة! ! (صحيفة
(صن) The Sun ٢٧/١٢/٨٦) .
وإذا كان المعنى اللغوي للعيد أنه الذي يعود بالفرح والمرح والسرور فإن
العقلية البناءة (! !) للحضارة المعاصرة أبت إلا أن تجعل منه شيئاً آخر.. ونحن
وإن كان بين أيدينا عدد من حالات الخطف والقتل والاغتصاب التى حدثت في ليلة
العيد السعيد! إلا أننا لسنا بحاجة إلى سردها - وليس هذا موضعها - ويكفي
القارئ العزيز أن يعلم أن الخمر أم الخبائث.. وأن يعرف أنه كما أغلقت الدوائر
والمحال التجارية أبوابها في ذلك اليوم والليلة فإن من تربوا منذ نعومة أظفارهم
على أفلام العنف والجريمة وأفلام المجون والخلاعة قد استنفروا طاقاتهم القصوى
في سبيل تحقيق تلك الشهوات وإشباع تلك الغرائز.. ولك أن تتصور أي سعادة
وسرور يعيشها طفلان لم يتجاوزا الخامسة من عمرهما، وأى معانٍ من معاني ميلاد
المسيح تبقى في ذهنيهما بعد أن شاهدا وحشاً كاسراً يهجم - تلك الليلة -على أمهما
وجدتهما ويحيلهما إلى جثتين هامدتين تسبحان في بركة من الدماء؟ ! ويولي هارباً.. بقي أن تعرف - أخي القارئ - أن هذا الوحش هو (والدهما الحنون) !
(صحيفة (صن) ٢٧/١٢/٨٦) .
وإذا كان كثير من الناس في ليلة عيد الميلاد ويومه يمكثون في بيوتهم أو في
خماراتهم يعربدون.. إلا أنهم وفي ليلة رأس السنة الجديدة يخرجون إلى الاحتفالات
بسكرهم وعربدتهم، فقد أعلنت الشرطة البريطانية أنه قد تم إلقاء القبض على ما
يزيد على (١٥٠) شخصاً في منطقة ميدان (الطرف الأغرّ) بوسط لندن والتي
تتركز فيها عادة الاحتفالات بحلول العام الجديد.. وكانت معظم الحوادث التي
وقعت قد جاءت نتيجة للسكر والإخلال بالنظام العام والتعدي على الناس.. وقد
عالجت سيارات الإسعاف (١٩٥) شخصاً من بين المحتفلين بالمناسبة بسبب
إصابتهم بجروح نتيجة تهشم زجاجات الشراب! وقد نُقل نحو خمسين آخرين إلى
المستشفيات للعلاج، وقد قُدر عدد رجال الشرطة الذين أصيبوا في هذه الحوادث
بنحو أربعين رجلاً (جريدة الشرق الأوسط، ٢٩/١٢/٨٦) .
وها هنا نوع آخر مما ابتُلي به أهل هذه الحضارة:
ففي روما أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية عن الحصيلة النهائية لضحايا
استخدام المفرقعات والألعاب النارية الملونة في احتفالات رأس السنة الجديدة،
وقالت مصادر الوزارة: إن مواطناً كهلاً قُتل في مدينة نوشيرا في الجنوب الإيطالي
بفعل دخان مفرقعة، وجرح (٦٠٠) شخص آخرون في روما ونابولي وغيرهما من
المدن الإيطالية، ومعظم المصابين يعانون من حروق في اليدين والوجه بسبب
انفجار المفرقعات بأيديهم، أو بسبب عدم احترام الشروط القانونية أثناء تصنيع هذه
المفرقعات.. وتعتقد أوساط الداخلية أن عدد الجرحى أكبر من الرقم المعلن؛ لأن
العديد ممن أصيبوا بجروح لم يلجأوا إلى المستشفيات العامة وفضَّلوا الصمت.
وكانت صحيفة (كورييري ديلاسيرا) الإيطالية قد ذكرت أن ثلاثة أشخاص
قتلوا وأصيب أكثر من (٥٠٠) في هذه الاحتفالات (الشرق الأوسط ٣/١/٨٦) .
ومصائب أعياد رأس السنة الميلادية لا تقتصر على أوربا وأمريكا بل
تنسحب على كل الذين يحيون تلك الاحتفالات.. ففي مانيلا (عاصمة الفلبين) لقي
اثنان وعشرون شخصاً حتفهم وأصيب المئات من جراء الألعاب النارية وإطلاق
النار في أجواء العاصمة، وذكرت مصادر الشرطة الفلبينية أنه رغم الحظر
الحكومي على استخدام الألعاب والقذائف النارية إلا أن هؤلاء لم يبالوا به، وأن
المستشفيات تستقبل مئات المصابين من جراء هذه الألعاب والطلقات الطائشة، ومن
بين الضحايا خمسة من أعضاء أسرة واحدة كانوا نائمين داخل منزلهم الخشبي الذي
احترق من جراء الألعاب النارية (الشرق الأوسط ٣/١/٨٦) .
تكاليف عيد الميلاد من منظور آخر:
اطلعنا حتى الآن على شيء من التكاليف البشرية والصحية والاجتماعية
والأخلاقية لأعياد الميلاد في بلدان الحضارة المعاصرة.. فلننظر إليها الآن من
زاوية أخرى.. زاوية التكاليف المادية.. فكما أسلفنا القول إن المجتمعات الغربية
تتناول من الخمور في تلك الأيام ما لا تتناوله في غيرها ... فمصانع الخمور
والمشروبات الكحولية تعمل بطاقاتها القصوى قبل حلول العيد.. ومحلات بيعها
تظل مشرعة أبوابها حتى ساعات الصباح المتأخرة.. ويقتنيها الناس على هيئة
خزانات صغيرة في البيوت انتظاراً لتلك الليلة حيث يجتمع فيها الأقارب المقربون
ذلك الاجتماع اليتيم! ! وكأن هذه العربدة المفرطة هي الاحتفال اللائق بذكرى ميلاد
المسيح ﵇ ! !
إن كل هذه الحشود الكحولية تكلف ميزانية الفرد ومن ثم المجتمع الغربى ما لا
يحصى من الأموال.. وهى في نفس الوقت تكلف ميزانية الدولة في المحافظة على
الأمن ومواجهة حوادث السير والشغب ومعالجة المرضى والمصابين والبحث عن
الجناة القاتلين أو عن الخاطفين والمخطوفين! !
* ومن مظاهر البذخ في احتفالات أعياد الميلاد لدى المجتمعات المتحضرة ما
أسلفنا ذكره من الألعاب النارية والمفرقعات وهى بلا شك تكلف الكثير.. الكثير..
ولها من الآثار - غير المادية - ما أسلفنا الحديث عنها.
* ومن تلك المظاهر أيضاً ما يسمى بشجرة الميلاد وهى من الأشجار
المخروطية دائمة الخضرة، تزرع خصيصاً لهذا الغرض.. حيث يقتنيها أغلب
الناس في الغرب، ويضعونها في منازلهم أو متاجرهم، ويزينونها بالأضواء
الملونة والتماثيل واللعب الصغيرة.. كما يضعون تحتها الهدايا التي أهداها بعضهم
لبعض.. ثم يفتحونها ليلة عيد الميلاد! ! وقد بِيع منها في أمريكا في عيد الميلاد
السابق حوالى (٣٢) مليون شجرة (جريدة الأهرام ٣/١/٨٧) ولا يزيد هذا العدد
بكثير عن مثيله في البلدان الأوربية.
* ومظهر آخر من مظاهر هذا الإنفاق ما يسمى ببطاقات عيد الميلاد.. حيث
يرسل كل فرد عشرات البطاقات إلى أهله وأصدقائه أو زملائه في العمل يتمنى فيها
لهم عيداً مرحاً بهيجاً وسنة جديدة سعيدة.. وهذه البطاقات تعتبر معيار ومحك
الصداقة بين الناس.. فيكفي الابن العاق - وما أكثر العقوق في تلك المجتمعات! [٣] الذي لم يَرَ والديه منذ سنوات وهو يعيش معهم إن لم يكن في نفس البلدة ففي
نفس القطر - يكفيه أن يرسل بطاقة تهنئة لوالديه بهذه المناسبة كى يصبح ابناً باراً
واصلاً لرحمه! !
وهكذا تنهال قبيل حلول العيد بأيام ملايين البطاقات على مصلحة البريد، مما
يحدوها إلى توجيه طاقاتها لتوزيع هذه البطاقات كى تصل قبل حلول العيد وتأجيل
الرسائل العادية مهما تكن أهميتها..
* ومن المظاهر التي يشاهدها رجل الشارع في احتفالات أعياد الميلاد الأنوار
والأقواس التي تتزين بها واجهات المحلات والشوارع الرئيسية العامة والتي ينفق
عليها الكثير من الأموال التي لو وُجهت لمصلحة الفقراء الذين يعيشون تحت
مستوى الفقر (راجع البيان عدد (٢)) أو للذين ينامون في العراء تحت درجة
التجمد في الشتاء القارس فيفترشون ويلتحفون ما ترميه المحلات التجارية من
أوراق ونفايات - لا أقول في إفريقية الجائعة ولا في بعض المناطق الفقيرة من
القارة الآسيوية - وإنما في أكثر عواصم العالم تمدناً وتقدماً، في لندن وباريس
وواشنطن ونيو يورك وغيرها من كبريات المدن الأوربية والأمريكية.. إن هذه
الأموال - التي تنفق في مثل هذه المظاهر التي أسلفنا ذكرها وغيرها الكثير - لو
وُجهت في مثل هذه المصالح لحفظت حياة الكثيرين بل وأخلاقهم وشرفهم الذي
كثيراً ما تجري المساومة عليه بسبب الفاقة والحاجة!! لكنها الرأسمالية الظالمة! !
هذا غيض من فيض مما تنفقه الدول والشعوب في عواصم الإسراف
والفوضوية.. ولعل هذه الشعوب قد أسرفت في فهم قصيدة الشاعر الإنجليزي)
توماس تاسِّر Tusser " عام حيث يقول:
(خذ في عيد الميلاد بأسباب المرح والابتهاج؛ فعيد الميلاد لا يجىء إلا مرة في العام) .
على أننا لم نتعرض بالذكر لما ينفق على الهدايا عشية الميلاد وغيرها مما
ليس له آثار سلبية واضحة على المجتمع.. وهكذا تنتهى مواسم الأعياد
والاحتفالات فيفتقد كل فرد رصيده فإذا هو قد أفلس أو كاد! ! هذا إن كان ممن
حالفهم الحظ فلم يقضِ أيام العيد على الأسرَّة البيضاء، أو خلف أستار الحزن على
ابن أو بنت اختطفت أو قريب أو صديق وقع ضحية للعنف أو لحوادث السير..
وإني لأجد التشابه جلياً واضحاً بين هذه الشعوب في أعيادها وبين قوم إبراهيم -
﵇ حين رجعوا من عيدهم فرحين مبتهجين فوجدوا آلهتهم قد حُطمت..
فأصيبوا بخيبة أمل وعادت عليهم أعيادهم وبالاً وخزياً.. إلا أن الفارق الوحيد هو
أن ما حُطم هو الكفر والضلال بيد إمام الموحدين الخليل ﵇ أما هؤلاء
فقد حطموا أنفسهم وأموالهم بأنفسهم وصدق الله العظيم إذ يقول في إخوانهم اليهود:
[يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] [الحشر: ٢] .
حقاً، إنها لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. ألا فليعتبر أبناء
المسلمين الذين يريدون أن ينحوا بأعيادنا هذا المنحى الخطير بحجة التطور والرقى! وها قد تبين آثار البذخ والإسراف بكل أنواعه على الأفراد والمجتمعات فهل
ترضي هذه الآثار والنتائج رجلاً مخلصاً لأمته ومجتمعه؟ ! وهل يرضى عاقل أن
يرى هذا السموم تفتك بأهله وقومه؟ ! .. ألا فلنلتزم حدود ما أبيح لنا في أعيادنا
من لهو ولعب يسير فإن فيه الكفاية لما نتطلع إليه من مرح وفيه الملجأ مما
نخشاه من آثار وعواقب وخيمة.
خرافة سانتا كلوز أو ما يسمى بابا نويل:
ويتمثل في رجل عجوز سمين مرح ذي لحية بيضاء طويلة وملابس حمراء
زاهية.. يقولون إن أصله يرجع إلى القديس (نيكولاس) الذي عاش في أوربا في
القرن الرابع الميلادي وكان يعطف على الأطفال ويوزع عليهم الهدايا.. وقد تحول
الآن إلى أسطورة كبيرة يصدقها كثير من الأطفال (بل في استفتاء أجرته إحدى
شبكات التلفاز الأمريكية في عيد الميلاد السابق - قال ٩٠% من الكبار أيضاً إنهم
يؤمنون بوجود سانتا كلوز) .
وتقول الأسطورة الحالية: (إن سانتا كلوز يعيش في القطب الشمالي مع زوجته وأعوانه يديرون مصنعاً كبيراً للُعب الأطفال، وفي ليلة الميلاد يسافران معاً على زحافة ثلجية يجرها ثمانية غزلان، وتمر الزحافة على سطح كل منزل لينزل منها سانتا كلوز من خلال المدخنة إلى غرفة الطعام ليضع الهدايا في جوارب خاصة يتركها للأطفال معلقة بجوار المدفأة.. وعادة ما يضع الأهل تلك الهدايا بدلاً من سانتا كلوز وقت نوم الأطفال، فإذا ما استيقظوا تيقنوا أن سانتا كلوز حقيقة لامراء فيها) (الأهرام ٣/١/١٩٨٧م) .
هكذا يتربى أطفال الحضارة المعاصرة على الخرافة والكذب! ! والأعجب
من ذلك أن تظل هذه الخرافة في عقول مَن تجاوزوا سن الطفولة! ! .
هل حقاً يحتفل النصارى بعيد ميلاد المسيح؟ !
يقول المؤرخون: إن المسيح ﵇ لم يولد في هذا الموعد الذي
يحتفل به اليوم في البلاد النصرانية.. حيث يؤكد آباء الكنيسة في القرنين الثاني
والثالث الميلاديين أن ما يسمى بعيد ميلاد المسيح ما هو إلا صورة طبق الأصل لما
كان يحتفل به الوثنيون في أوربا قبل ميلاد المسيح بوقت طويل (دائرة المعارف
البريطانية ج١٦، ص٣٦٤ Britannica Encyclopedia) .
وتقويم الأعياد المسيحية مأخوذ من (تقويم يوليوس الشمسي) وهو التقويم الذي
أدخله يوليوس قيصر إلى روما عام ٤٦ قبل الميلاد.. والذي جعل أيام السنة ٣٦٥
يوماً (المرجع السابق) .. حيث كان الوثنيون يحتفلون (يوم ٢٥ من ديسمبر) بما
يسمونه " عيد ميلاد الشمس التي لا تقهر " أو ما يسمى " بيوم الانقل ابالشتوي
الصيفي الروماني" (المرجع السابق) ، ولقد أقيم أول احتفال بعيد ميلاد المسيح -
كما يزعمون - سنة ٣٣٦ ميلادية في روما وذلك في اليوم السادس من شهر يناير.. ثم ثبَّتت الكنائس الغربية في نهاية القرن الرابع الميلادي الاحتفال بميلاد المسيح
في يوم (٢٥ من ديسمبر) إلا أن الكنيسة في أرمينيا لم تعترف بهذا التغيير واستمر
الاحتفال به في السادس من شهر يناير (دائرة المعارف البريطانية ج٤ ص٢٨٣) ..
كما هو الحال الآن في معظم الدول الشرقية.. إلا أن المؤرخين يؤكدون أن المسيح ﵇ لم يولد في أي من هذين الموعدين! ! .
أصل شجرة الميلاد:
أول من استخدم الشجرة هم الفراعنة والصينيون والعبرانيون كرمز للحياة
السرمدية، ثم إن عبادتها قد شاعت بين الوثنيين الأوربيين وظلوا على احترامها
وتقديسها حتى بعد دخولهم في المسيحية فأصبحوا يضعونها في البيوت ويزينونها
كي تطرد الشيطان أثناء عيد الميلاد (دائرة المعارف البريطانية، ج٣، ص٢٨٤) .
ولم يطلق عليها شجرة الميلاد إلا في القرن السادس عشر الميلادي - في ألمانيا الغربية - حيث تحولت مما يسمى (بشجرة الجنة) في الاحتفال الدينى
بذكرى آدم وحواء في ٢٤ من ديسمبر إلى شجرة الميلاد، حيث أصبح الناس
يعلقون عليها الشموع التي ترمز إلى المسيح - بزعمهم - ولم تدخل فكرة الشجرة
إلى إنجلترا إلا في القرن التاسع عشر (المرجع السابق) .
هذه هي الجذور الوثنية لهذه الأعياد التي يحتفل بها النصارى اليوم
ويعتبرونها أكبر مظاهر دينهم، وينفقون فيها ملايين الدولارات.. وما مثلهم إلا
كمثل من وصفهم القرآن بقوله: [إنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ
يُهْرَعُونَ] [الصافات: ٦٩-٧٠] . على أنك لو سألت كثيراً ممن يحتفلون بهذه
المناسبة عن سبب احتفاله بها فإنه لن يعرف أكثر من كونه لا يذهب يومها إلى
العمل، ويشرب فيها الخمر بشراهة، ويتناول ليلتها الديك الرومى!
وإنه لمما يؤسف له أن ينخدع بعض من أبناء المسلمين بمظاهر هذه الأعياد
الزائفة، فصاروا يحتفلون بها في بلدانهم الإسلامية، ويتبادلون بطاقات التهاني أو
يتبادلونها مع النصارى ويهنئونهم بهذه المناسبة.. وكأنهم يقرونهم على دينهم!!
بل الأدهى من ذلك أنها أصبحت عطلة رسمية في كثير من بلدان المسلمين!
بل الأعجب من ذلك أن تبتدع بعض العواصم الإسلامية بدعة لم تسبق إليها،
وليس لهذه البدعة ما يقرها من شرع أو عقل أو قانون أو عرف، ألا وهي خروج
السفهاء في منتصف الليلة - التي سيتمخض عنها العام الميلادي الجديد - بأسلحتهم
النارية وما إن تقترب الساعة من الثانية عشرة ليلاً حتى تنطلق عاصفة من إطلاق
الرصاص الذي يقوم به موظفون رسميون من جنود وميليشيا، على مسمع الدولة
التي سلحتهم وبصرها، وهكذا تستمر هذه المظاهر النارية التي ليس لها ما يبررها، فكم من حوادث مؤسفة في هذه الليلة، وكم رصاص يهدر ونفوس ترعب،
وحوامل تسقط، بلا رادع يردع هؤلاء عن هذا الفعل الشائن الذي يتحدى - بلا
حياء -مشاعر المجتمع وعقائده وآدابه العامة.
وعلى غرار هذا الاحتفال بعيد ميلاد المسيح - على زيفه كما بينا سابقاً -
انتشرت بدعة عيد مولد الرسول محمد ﷺ هذه البدعة التي
يحتفل بها الصوفية وغيرهم في أغلب بلدان العالم الإسلامي حيث تقام الاحتفالات
وتزين المساجد والزوايا وتتلى القصائد والأشعار في المدح والعشق ثم الرقص
والغناء وما قد يصاحب ذلك من اختلاط الرجال بالنساء.. ثم تناول عشاء المولد
الذي يقدم فيه الدجاج والديك الرومي! ! تماماً كعشاء ميلاد المسيح - عند النصارى - وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: (لتتبعن سنن من كان قبلكم
حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود
والنصارى؟! قال: فمن؟ ! أي: فمَن غيرهم؟ (متفق عليه) .
وليس المقام هنا مقام الرد على أهل هذه البدعة، وإنما يكفينا هنا أن نعلم أن
هذه البدعة لم تظهر إلا في القرون المتأخرة.. فلم يحتفل بها جيل الصحابة ولا
القرون المفضلة بعدهم ولسنا بأكثر حباً لرسول الله ﷺ منهم
ولا شك. ولو كان هؤلاء يحبون رسول الله ﷺ كما يزعمون
لوقفوا عند قوله عن أعياد الجاهلية: " قد أبدلكم الله - تعالى - بهما خيراً منهما يوم
الفطروالأضحى " (رواه النسائي وابن حبان بإسناد صحيح) لم يقل عيد مولدي..
ولا عيد الاستقلال.. ولا عيد العمال.. ولا عيد الثورة.. ولا عيد الشجرة.. ولا.. ولا.. الخ.
إنها دعوة لأبناء المسلمين أن يرفضوا كل ما هو دخيل على دينهم وعقيدتهم
الصحيحة.. وأن يعلموا أن للبدع شؤماً تنعكس آثاره على الأفراد والمجتمعات كما
هو واقع في مجتمعات الحضارة المعاصرة.. والسعيد مَن اتعظ بغيره.
стр. 78
بأقلام القراء
مرحباً بهذا البيان
نقل إليَّ أخ كريم العدد الأول من مجلة (البيان) وكم كان سروري بها عظيماً، وفرحتي بها غالية، فنحمد الله - تعالى - على أن وفق ال قائمين عليها إلى إصدارها، ونسأله أن يهب لهم التوفيق والنجاح، وإن العدد الأول من ... (البيان) يبشر بخير كثير، ففيه الرصانة والجدية والموضوعية في معالجة ... الأحداث، والدراسات التأصيلية التي حفلت بها.
ونريد من (البيان) وهي في بداية الطريق:
١- أن تكون - كما قالت عن نفسها -: (مجلة كل مسلم، مهما كان لونه أو جنسه، وأياً كان موقعه) ، بلسان أهل السنة تنطق وإلى طريقهم تدعو، ... تطرح الحزبية البغيضة، التي جعلت المسلمين محاور متنافرة، وكتلاً متناحرة، همَّ أحدهم أن يضع العواثير والعوائق في طريق الآخر، فلاحول ولا قوة إلا ... بالله.
٢- أن تتجنب ذكر الأشخاص بأعيانهم، ما لم تدعُ إلى ذلك ضرورة، وفيما
عدا ذلك أن تبتعد عن أسلوب التجريح الذي لا يزيد نار الفرقة إلا اشتعالاً، ولهيب
العداوة إلا استعاراً.
٣- نريد منها أن تجمع المسلمين حول راية السنة، وحول منهج أهل السنة،
وذلك بعرض هذا المنهج في صورته الصحيحة، ونبذ ما سواه من المناهج
المنحرفة، وكشف عوارها، وبيان زيفها وبطلانها، وهذا يقتضي ألا يكون بين
كُتابها إلا من يحمل هذا المنهج عن قناعة، ويذب عنه، ويحسن عرضه، وهي مع
هذا مطالَبة بأن تسمع الرأي الآخر، مهما كان مخالفاً، وتناقشه، فإن كان حقاً
قبلته، وإن كان غير ذلك بينته.
٤ - نريد منها - في حدود قدرتها - أن تكشف عن أوضاع المسلمين كل
المسلمين، في بلادهم، وتستقصي أخبارهم، وتنصر قضاياهم بالحق لا بالباطل.
٥- نريد منها أن تقدم حسن الظن بالمسلمين، حتى يظهر منهم ما لا يُستراب
فيه، وفيما عدا ذلك فالتماس العذر للمسلم حق، في غير مداهنة ولاتحيز. ...
٦- وأخيراً نريد منها إخلاص القصد لله - تعالى - وصدق المتابعة لرسوله ﷺ .
وفق الله القائمين عليها إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.. آمين.
أبو عبد الرحمن صالح بن علي بن الكناني
(البيان)
نشكر الأخ أبا عبد الرحمن صالح بن علي بن الكناني على عواطفه الطيبة
نحو (البيان) ، ونرحب به كاتباً من كُتاب المجلة؛ فأسلوبه في الرسالة يدل على
أن لديه قدرات ومواهب، وهذا موضعها المناسب إن شاء الله.
ونسأل الله - يا أخي! - أن يساعدنا على الالتزام بما قلناه في العدد الأول
(كلمة في المنهج) ، وبما يريده الأخ ويطلبه منا في رسالته القيمة.
стр. 79
الأخ الكريم مدير تحرير مجلة " البيان "
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
كم سررت عندما اطلعت على العدد الأول من هذه المجلة الغراء.. وكم
طربت لمقدمتها التي تبين فيها منهاجها، وخاتمتها التي تطالب فيها جميع المسلمين
- بلا تفريق بينهم - بالمشاركة في المجلة، وتفتح أبوابها للجميع، وهي نغمة
جديدة لم نتعود سماعها، ولذلك فكلنا أمل أن تستمر هذه المجلة على هذا الطريق،
وأن تلقى من المسلمين المحل الذي تستحقه..
كان خير مقالات المجلة - في نظري - ال رسالة المفتوحة إلى المجاهدين
الأفغان، وآمل أن تكثر هذه النوعية من المقالات..
هنالك ملاحظات لابد منها - وإن كان ذلك لا يقلل من قيمة المجلة - خاصة
وأن المجلة في بدايتها الأولى، فالأولى والأحرى أن نشدد عليها الآن؛ كي يستقيم
عودها وتشق طريقها على أحسن وجه:
١- المجلة - فيما يظهر - مترددة بين أن تكون مجلة مقالية، يطالع فيها
القارئ وجهات نظر شخصية لكاتبيها، أو أبحاثاً متخصصة تتميز بالطابع العلمي،
ولا تمس الواقع المعاصر - أعني الأحداث السياسية الجارية - هذه وجهة..
والأخرى أن تكون مجلة خفيفة تعالج مشاكل المسلمين دون أن تتوجه نحو البحث
العميق، وتنشر الأبحاث القصيرة.. من مثل: الرسالة المفتوحة أو موضوع
المجاعة.. والذي أراه أن كلا الجانبين مهم، لكن لكل النوعين قراؤه الراغبون فيه، والذي أخشاه أن يعرض عنها الأكاديميون العلميون؛ لأنها صحيفة المقالة الخفيفة، وأن يعرض عنها كذلك عامة الناس؛ لأنها جافة تتحدث بمنطق علمي لا صلة له
بالواقع.
٢ - ذكر أن المجلة تصدر كل شهرين مؤقتاً، والذي نرجوه أن تصدر كل
أسبوع في أقرب فرصة - بإذن الله - فإن حاجة الساحة الإسلامية لمثل هذا العمل
شديدة جداً.
٣ - إخراج المجلة لم يعطَ من العناية ما يستحق.. فإن في الساحة مجلات
سياسية لها طابعها في الإخراج، وفيها أيضاً مجلات علمية لها أيضاً طابعها المميز.. والمجلة لم تسلك هذا الطريق أو ذاك بل ظهرت أشبه بكتاب دوري! !
٤ - من مظاهر عدم العناية بالإخراج نوعية الحرف المستخدم في الطباعة..
فقد استخدم حرف كبير، بحيث يستهلك المقال القصير العديد من الصفحات.. وذلك - في نظري - عيب لا شك فيه، فالذي أراه أن يعاد النظر تماماً في الإخراج وأن تخرج بطريقة تشبه - مثلاً - الكثير من المجلات الثقافية المشهورة (العربي أو غيرها) ، كما أرى أن يزداد من عدد صفحات المجلة وأبوابها، ويزداد من تنوع المواضيع وطريقة صياغتها.. مع استخدام العناوين الجانبية، والتنسيق بالكلمات ذات البنط العريض.. إلخ، ويستعان في ذلك بالأشكال والزخارف التي تزيد من وضوح الفكرة، وتزيل السأم عن القارئ، مع عدم مخالفتها للشرع حسب اجتهادكم.
٥ - عنوان المقال في كثير من الأحوال يدفع الناس لقراءته أو لعدم قراءته..
ولقد كانت عناوين مقالات العدد الأول ذات طابع تقليدي غير مشوق، وأرجو
أن لا يغضبكم هذا، فإنما هي النصيحة، فعناوين مثل: الإرجاء، مفهوم الحرية،
والبلاغة والبيان ... إلخ، ليس لها وقع في النفوس، مثل وقع: قضايا معاصرة،
مع القراء، المنتدى الأدبي، لكل مشكلة حل.. إلخ.. ثم وضع هذه العناوين على
شكل (فهرس) في صفحة كاملة في مدخل المجلة، كل ذلك من الأشياء التي لا
تعطي انطباعاً بالتشويق والتجديد..
وختاماً - إخوتي الأحبة! - ليست هذه الكلمات تثبيطاً لكم، ولا هي استهانة
بجهودكم، ولا استخفافاً بقيمة عملكم.. كلا.. كلا، لكنها كلمات المحب المخلص
الغيور، الذي يطمع أن يرتقي بالجهود إلى القمة المنشودة.
ومَن يتهيب صعود الجبال ... يَعِشْ أبد الدهر بين الحُفَر!
أخوكم عبد العزيز الخليفة
البيان:
جزى الله الأخ عبد العزيز الخليفة كل خير على ما جاء في رسالته الكريمة،
ونؤكد للأخ بأن المجلة ليست مترددة بين نوعين من المقالات، وقد درست هذه
الأمور بعناية قبل إصدار المجلة، والحرف الذي استُخدم في الكتابة ليس كبيراً كما
وصفه الأخ.. وبقية نصائحك وملاحظاتك سوف تكون موضع اهتمامنا، ونحن لا
نستغني عن مشاركتك ومشاركة كل مخلص قادر على الكتابة، والمجلة مجلتك -
ياأخى! - لأن أهدافنا واحدة والحمد لله.
стр. 80
أليس عجيباً ؟ !
أليس عجيباً: أن نهدر الساعات الكثيرة في الثرثرة غير المجدية، وأحياناً في
الغيبة المحرمة ثم نمنّ بعد ذلك على الله - تعالى - بسُويعات ندعو فيها الله - تعالى - نعوذ بالله أن نكون ممن قال فيهم: [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ
إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الحجرات: ١٧] .
أليس عجيباً: أن نهدر الأموال الكثيرة في سفاسف لا نحتاج إليها، أو أن
حاجتنا إليه قليلة، حتى إذا جاء الإنفاق في سبيل الله بَخِلْنا [هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ
لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ]
[محمد: ٣٨] .
أليس عجيباً: أن يدَّعي المرء حب الله ورسوله ثم يتردد كثيراً في التضحية
في سبيله وإن فعل ذلك فعله وهو متذمر متألم، يود لو يتخلى عن ذلك فوراً! [قُلْ
إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] [آل عمران: ٣١] .
أليس عجيباً: أن يدَّعي المرء الخوف من الله - تعالى -، وهو يوافيه
بالمعاصي ليل نهار، ولا يتردد لحظة واحدة في التكاسل عن القيام بحق الله تعالى
في كل مجالات الحياة! .
أليس عجيباً: أن تقلِّب أشرطة الشباب المسلم فلا ترى إلا أشرطة رديئة أو
رتيبة، وأشرطة العلماء تئن تحت طبقات الغبار لا تجد من يشتريها!
أليس عجيباً: أن تقلب كتب الشباب المسلم - الدعاة! ! -فلا تجد فيها إلا
حكم التدخين؟ ! وأدعية الصباح والمساء؟ ! ومواعظ من النوع الذي يوزع مجاناً!!، ... والمطابع تقذف باستمرار بآلاف الكتب وفيها الكثير الطيب الذي يستحق
القراءة.
عبد العزيز محمد الحويطان
стр. 81
رحلة طويلة
لم يخفَ على رموز الجاهلية ما انطوت عليه الدعوة الجديدة التي قام بها محمد
ابن عبد الله ﷺ ؛ لذا فقد جندت كل قواها لصد هذه الدعوة واتخذت
كل الطرق للنيل منها ومن صاحبها.
وأصبح الانضمام إلى معسكر الإيمان جد الجد، لا يتقدم إليه إلا مَن هانت
عليه نفسه في سبيل هذه الدعوة. وأقبل فتية من قريش لا يستخفهم طيش الشباب
ولا تستهويهم الجِدة، أقبلوا على هذا الدين، وآمنوا برب واحد، وكفروا بغيره
وارتضوا رسول الله ﷺ معلماً وهادياً. ونالوا من الأذى ما
تعجز عنه الأبدان، وصبروا على ما أصابهم وكيف لا يصبرون وقدوتهم -صلى
الله عليه وسلم- يدلق على ظهره سلا الجَزور، ويسمع من طواغيت قريش أفحش
الكلام.
وهو - في أثناء ذلك - يربي أصحابه التربية الإيمانية التي تؤسس العقيدة
على أرض صلبة لا تجرفها السيول، ولا تحتملها الرياح والأنواء. كان - عليه
الصلاة والسلام - يربى فيهم الحماسة لهذه العقيدة، والتضحية لهذا الدين، ولما
أكثروا عليه قال: (قد كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيوضع المنشار على ... مفرق رأسه فيشق نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه) .. أو كما قال.
لقد رضعوا حب الحرب والقتال وكأنهم وُلدوا مع السيف، ولعبوا مع الرماح، وكان من أيامهم داحس والغبراء والبسوس، وما يوم الفجار ... منهم ببعيد. فكيف يصبرون على الأذى والظلم وهم على الحق؟ ! وكلما شكوا إلى رسول الله ﷺ قال لهم: كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة، ولم نؤمر بقتال، كان ينمي فيهم روح التلقي من الله وحده،
فلا قتال؛ لأن الله لم يأمرنا بالقتال ولكن أمرنا بالصلاة التي هي تربية
روحية تعمق العلاقة بين العبد وخالقه.
حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم، بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم
ولم يبق في قلوبهم إلا الامتثال التام لأوامر الله أمرهم الرسول -
ﷺ بالهجرة إلى المدينة، واستكمل بناء التربية الإيمانية،
وتمثلت الأخوة على أساس العقيدة في أروع صورها بين المهاجرين والأنصار،
وأصبح للمسلمين دولة، وللإسلام صولة واستطاع هؤلاء الفتية - الذين رباهم
رسول الله ﷺ على عينه - أن يدمروا في غضون ٣٠ سنة
طواغيت الكفر، لا في مكة أو الجزيرة العربية فحسب وإنما في كل بقعة وصلتها
أقدامهم وهم يرددون القولة الخالدة: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله
وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا
والآخرة.
إنها حقًا رحلة طويلة تلك التي خاضها فتية مكة من الجاهلية إلى الإسلام،
طويلة كبعد الجاهلية عن الإسلام.
إبراهيم الهزاع - مانشستر
стр. 82
شعبان - ١٤٠٧هـ
أبريل - ١٩٨٧م
(السنة: ١)
стр. 83
الافتتاحية
انجُ سعد، فقد هلك سُعَيْد ..!
الذل: الهوان الذي يلحق الفرد أو الجماعة، ونقيضه العز. وإذا أردنا أن
نحلل هذا ونبحث عن أسبابه وطبيعته، نجد - أولاً - أنه حالة نفسية تعتري الفرد
نتيجة لعوامل متعددة تحيط به.
فمن طبع النفس الإنسانية حب الحياة، والتشبث بها، والإخلاد إلى نعيمها،
والركون إلى شهواتها.
ومن طبعها أيضاً أن تعيش لهدفٍ سامٍ، تعمل على تحقيقه، ولا تبالي
المصاعب التي تعترضها من أجل ذلك. وعند هذا المفترق يتمايز الناس، فمنهم
من يفضل أن يهين جسمه، ويتحمل المصاعب، ولو أدى به ذلك إلى الحرمان من
الحياة أو الحرية، في سبيل أن تبقى القضية - التي نذر لها نفسه - حية، ومنهم
من يؤثر السلامة، وتغلبه ضرورات الحياة، ولو أدى به ذلك أن تداس كرامته،
وتسحق تطلعاته، في سبيل أن يبقى على قيد الحياة، متمتعاً بمستوى معيشي معين.
فهاهنا موقفان، كل منهما يعبر عن فهم خاص للحياة، ويتخذ الموقف الملائم
الذي يتفق وهذا الفهم، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى بقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ لنفسه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صباً
فحبُّ الجبانِ النفس أورثه التقى [١] ... وحب الشجاع النفسَ أورثه الحربا
وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة: هل الذل موروث أم مكتسب؟
والذي نميل إليه هو أن هذا الخلق - كغيره من الأخلاق - مكتسب عن طريق
التربية التي تأتي انعكاساً للظروف الخارجية المحيطة بالإنسان. فإذا استمر هذا
الخلق، يلقنه جيل سابق لجيل لاحق أصبح وكأنه طبع موروث لا حيلة للفكاك منه.
فالذل الاجتماعي - ونعني به: الذل الذي يصيب جماعات وشعوباً، ويصبح
ظاهرة مرئية محسوسة - ينتج عن تراكم حالات فردية تنتهج نهجاً ذليلاً في حياتها، ومن خلال اعتيادها لهذا النمط من العيش؛ يصبح الذل وكأنه سمة بارزة تشتهر
بها، وذلك عندما تفتقد المثل الأعلى، والفكرة السامية، والعقيدة الدافعة، التي
تتجمع حولها، ويشعرها ذلك التجمع بسوء الحال الذي تردت فيه، فيبعث فيها
روح التمرد على هذه الحال، لتنشط من عقالها، وتنتفض من الموت الذي خُيِّل
إليها - في فترة - أنه حياة، وما هو -عند التحقيق - إلا حياة خالية من المعنى،
ونعني به: الحياة في ظل الذل والاستكانة.
إن لله سنناً لا تتخلف، تجري على الأفراد كما تجري على المجتمعات،
وعلى ضوء هذه السنن يمكننا فهم كثير من الحقائق التاريخية التي تكتنف الشعوب
والأمم في مسيرتها [٢] ، ومن هذه السنن أن الله تعالى - أحياناً كثيرة - يعاقب
الناس ويبتليهم مقابل ذنوبهم جزاء ما فرَّطوا، فيضرب عليهم الذل والسكينة،
ويسلط عليهم ما لم يكونوا يتوقعون، كل ذلك من أجل أن يرجعوا عن غِّيهم ويثوبوا
إلى رشدهم، ويتخلوا عن التقصير، بعد أن ركنوا إلى الأرض واستحبوا القريب
العاجل على الخير الآجل.
عوامل الذل:
ما الذي يجعل شخصاً ما، أو شعباً من الشعوب، ذليلاً؛ خاضعاً، مكسور
الشوكة، مهيض الجناح؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً، أو أسباباً أدت إليه.
أما الأسباب الذاتية: فهي قابلية وأهلية للخضوع، تكبر مع الزمن، في ظل غلبة الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل.
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة، وتجعل هدفاً رئيسياً لها:
(تحقيق الرفاه المادي) ، بأي شكل تحقق هذا الرفاه؛ تكون قد دخلت طور الانهيار
والاضمحلال من بابه الواسع. قد تعيش سنوات - تطول أو تقصر - في ظل هذا
العبث، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها، ويخدعها كل ذلك عن النهاية
المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما، ولكن ريحها ستذهب، ودولتها ستدول لا
محالة، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة لفئة قليلة تميل
بها ذات اليمين وذات الشمال، وقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز هذه الحالة،
ممثلة في قوم فرعون فقال، : [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً
فَاسِقِينَ] [سورة الزخرف ٥٤] .
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير
صرعى الشهوات والمطامع، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق، وعدم
الالتفات إلى هدي الله والتمسك بحبله، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان، أما
المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية، ويَزِنون لأمور بميزان الإيمان،
فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل - الاستخفاف بهم، وتوجيههم الوجهة التي
تجعلهم (غشاء كغشاء السيل) .
وأما الأسباب الخارجية: فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية، ارتباط النتيجة،
بالسبب.
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون
إلا الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به قطاع
الطرق، من الجرأة على سفك الدماء، وعند ذلك تكمل الدائرة، وتتواصل حلقات
السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها، وبعد أن كانت حالة الذل
الأولى مجرد قابلية، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا الخلق الذميم،
فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في النفوس.
فالقوانين، التي تشرع، والعادات التي تشجع، والثقافة التي تسود،
والأجهزة والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها، كل ذلك
يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع، وتجريد الأفراد من كل معاني
عزة النفس والعفة، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية، والبعد
بها عن كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية، والعمل، ليل نهار، من أجل اقتلاع
أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها، وأمسكت عليها وجودها مميزاً، وذلك بالتشكيك
تارة، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى، وبالجرأة الوقحة التي يُغالي في
الإنفاق عليها، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من يتولون كِبْرَها، في الوقت
الذي تهدر فيه الكرامات، وتداس فيه الحريات، وتكمُّ فيه أفواه الحق، وتطلق فيه
ألسنة الباطل، وتنقبض فيه الأيدي عن البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
وإذا بقيت - بعد كل هذا - بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على
(غسل مخها) والتخلي عما تعتقده وتراه، ووقفت - ما أمكنها ذلك - صابرة مرابطة
محتسبة؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات، حيث يؤخذ
بالشدة والعنف، ويحارب في رزقه، وحريته، وسمعته.
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و (تسويقه) وانتشاره على أوسع
مساحة من الناس، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة، إن كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر - ولو بصمت - بطريقة تخالف منطق
الاستبداد والقهر، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً؛ والتعبير عما يبدو له
بشكل يتعارض ونية قاهريه، سيجد أمامه - أنّى التفت، وحيثما توجه -لافتة
مكتوباً عليها: (انج سعد، فقد هلك سُعيد) [٣] .
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه، وإن ما يصيبها من
الظلم، وما تُرمى به من صنوف البلاء: كالفقر، وانعدام الأمن، وهدر الحقوق،
وتسلط الرعاع والسِّفْلة، و ... كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله، وعقوبة منه على
التفريط، وحب الدنيا، ونسيان الآخرة، وصدق الله العظيم إذ يقول: [ظَهَرَ
الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ] (الروم ٤١) .
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر -
﵁ خالد بن الوليد، غداة مسيره لمحاربة المرتدين: (احرص على
الموت توهب لك الحياة) ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة عملية لهذه الوصية، مما جعله يقول لهرقل، قبيل معركة اليرموك: (.. لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت - الحياة) .
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة - كهذه الفترة أو أشد - مستهم فيها
البأساء والضراء وزلزلوا، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي، ضج السهل
والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين، وأشفق المؤرخون من هول ذكره،
وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل، من المغول، يأمر الرجل،
فيضع خده وعنقه على الأرض، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال، بلا حراك،
ومن غير ما حارس يحرسه، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته! ! .
وفي كل مرة زحف - ويزحف - فيها التتار والمغول وأشباههم؛ يعملون
على قذف الرعب، واستلال روح المقاومة من النفوس، ولم يوقف زحف المغول
الأصفر إلا هتاف: (وا إسلاماه) ، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت.
ولن يوقف المغول والتتار، ومن في حكمهم، إلا مثل هذا الهتاف: ... (واإسلاماه) .
стр. 84
التجديد في الإسلام
(٥)
الإمام أحمد بن حنبل
(ناصر السنة)
كان آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث من فترات الاضطراب الفكري،
التي تركت آثاراً ضخمة في الحياة الإسلامية.
فقد كان لنشوء البدع - المتقدم على هذه المرحلة - ثم ترجمة الكتب الفلسفية
واشتغال المسلمين بها وحث الخلفاء الناس على تعريبها، حيث وجد أهل البدع فيها
سنداً لهم، فأصّلوا مذاهبهم على ضوئها، وتوسعوا بشكل سافر في إدخال النظريات
الفلسفية إلى صميم العقيدة الإسلامية، أن صار ذلك العصر هو عصر النضج
واكتمال بناء المذهب بالنسبة للمعتزلة، وفيه برز عدد كبير من فلاسفتهم ومنظري
مذهبهم كأبي الهذيل العلاّف - شيخ المأمون وأستاذه -، وإبراهيم بن سيّار النظام،
ومعمر بن عباد السلمي، وبشر بن المعتمر وغيرهم.
وقد علا شأن الرافضة - لما بينهم وبين المعتزلة من الأواصر العقدية -
وبدءوا يجهرون بآرائهم في الإمامة والولاية والرجعة وغيرها.
وفي وسط هذا المناخ المضطرب نشأت كثير من الحركات السرية الإلحادية
والتي عرفت بحركات الزنادقة، وكان يقف خلفها الباطنيون المتربصون بالإسلام.
وبالجملة فلقد كان ذلك العصر هو الذي وصفه الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بقوله في الحديث: (ثم ينشد الكذب) [١] .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في وصف ذلك العصر: (وفي هذا الوقت
ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها،
وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً، ولم يزل
الأمر في نقصٍ إلى الآن، وظهر قوله ﷺ : (ثم ينشد الكذب)
ظهورا بيناً، حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان) [٢] .
وكان الخلفاء أنفسهم - ولأول مرة في الإسلام - يعتقدون البدع ويعلنونها
فكان المأمون موافقاً للمعتزلة في معظم عقائدهم، وكان إلى ذلك مرجئاً، وجاء من
بعده: المعتصم، فالواثق، فكانا على نهجه.
وقد عمل المأمون بعد ولايته على نصر مذهب المعتزلة، فقرب رؤوسه
كأحمد بن أبي دؤاد، وعقد مجال المناظرة بين المعتزلة وخصومهم من أهل السنة،
فلما لم تجد شيئاً بدأ بالتضييق على الناس وإلزامهم بالقول بخلق القرآن ونفي الرؤية، حتى أصبح القول بذلك شرطاً عنده لتولي المناصب بما فيها القضاء!
وحين كان بالرقة استطاع وزراؤه المعتزلة أن يقنعوه بحمل الناس على
المذهب بالقوة، فكتب إلى واليه على بغداد بجمع العلماء وامتحانهم في مسألة خلق
القرآن وحمل من يرفض هذه العقيدة مقيداً مصفداً إلى المأمون.
فأجاب العلماء أجوبة تتراوح بين التقية وحسن التخلص إلا أربعة أصّروا
على عقيدة أهل السنة والمجاهرة بها، وهم: القواريري، وسجادة، ومحمد بن
نوح، والإمام أحمد.
ثم أجاب الأوّلان تحت ضغط التعذيب والإرهاب، وحمل الآخران إلى
المأمون مكبَّلين بالقيود، فتوفي محمد بن نوح في الطريق، وبقي الإمام أحمد وحده
في الطريق!
ثم مات المأمون، فرد أحمد إلى بغداد، وأخذت الفتنة مدى أوسع في عهد
المعتصم، حيث سجن الإمام أحمد مقيداً نحواً من ثلاثين شهراً، وكان يصلي وينام
والقيد في رجله!
وفي كل يوم كان ينفذ إليه المعتصم من يناظره ويهدده إن لم يجب بأشد مما
هو عليه، ثم يزاد في قيوده، وقد جهد المعتصم في التأثير على موقف الإمام
بالملاينة والعطف وإظهار الفضل، والترغيب والوعد.. فكانت كلمة الإمام واحدة
لا تتغير. حتى إذا استفرغوا وسعهم أضمروا الشدة والقسوة، وشعر الإمام بذلك
فكان يشد عليه سراويله وينتظر الضرب، فيأتي المعتصم يناظره ويناظرونه، حتى
يثور غضبه فيشتم الإمام ويأمر بسحبه وتخليعه، وظلوا على هذه الحال يأتي
الجلادون بالسياط الغليظة فيردها المعتصم. ليطلب أغلظ منها ويأخذ الجلادون
دورهم فيضربه كل واحد منهم سوطين، والمعتصم يحرضهم وهو واقف على
رؤوسهم حتى أغمي على الإمام أحمد، فلما أفاق جاؤوا إليه بسويق، فقال: لا
أفطر! وصلى ﵀ والدماء تسيل في ثوبه.
قال الإمام أحمد: ذهب عقلي مراراً، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إليَّ
نفسي، وإن استرخيت وسقطت رفع عني الضرب.
وقال أحد الجلادين: لقد ضربت أحمد ثمانين سوطاً لو ضربتها فيلاً لهدته.
وكان الإمام أحمد ينتظر الشهادة في سبيل الله، فحين نخسه أحد الحراس
بسيفه فرح وقال: جاء الفرج، يضرب عنقي وأستريح، فقال ابن سماعة [٣] : يا
أمير المؤمنين: اضرب عنقه ودمه في رقبتي، فقال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير
المؤمنين، إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذوه إماماً،
وثبتوا على ما هم عليه ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجاً عن منزلك شكّ الناس
في أمره.
فأخرج الإمام أحمد وفي كل موضع منه جراحة حتى إن أحداً لمّا هم بمساعدته
على النزول من الدّابة وقعت يده على بعض تلك الجراحة وهو لا يشعر فصاح
الإمام أحمد فنحى يده عنه. وجاءه بالطبيب فكان يدخل الميل في بعض الجراحات، وكان يأتي بالحديدة فيعلق بها بعض لحمه ليقطعه بالسكين وأحمد صابر يحمد الله.
ولما مات المعتصم وولي الواثق فرض الإقامة الجبرية على الإمام أحمد، فلا
يخرج حتى للصلاة، ولا يجتمع إليه أحد، حتى هلك الواثق، ثم جاء بعده المتوكل، فرفع المحنة، ونصر السنة، وقرّب أهلها.
لقد كان انتصار الإمام في تلك المحنة الرهيبة القاسية انتصاراً للتيار الأثري
الملتزم بما كان عليه سلف هذه الأمة في جميع نواحي الاعتقاد، وليس في مسألة
القرآن فحسب، فثبت الناس على ما هم عليه بفضل الله، ثم بفضل وجود القيادة
التي تتحطم عندها أمواج البدعة، وهذا كان رد الإمام أحمد على المروزي حين
طلب منه التقية فقال له: اخرج فانظر! قال: فخرجت فرأيت خلقاً لا يحصيهم إلا
الله تعالى، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم: أي شيءٍ تعملون؟
قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه!
يقول الشيخ أحمد شاكر تعليقاً على موقف الإمام أحمد:
(أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى
ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا الرخصة
لضل الناس من ورائهم؛ يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية، وقد أُتي المسلمون
من ضعف علمائهم في مواقف الحق.. لا يجاملون الملوك والحكام فقط! بل
يجاملون كل من طلبوا منه نفعاً أو خافوا ضرّاً في الحقير والجليل من أمر الدنيا..، ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين: (كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية
كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى: [إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] ، ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك..) [٤] .
لقد صار الإمام أحمد علماً شامخاً يقتدى به ويقتفى أثره، وارتبط به مذهب
أهل السنة أيما ارتباط حتى ليقال: عقيدة الإمام أبي عبد الله، ولا شك أن جماهير
العلماء والأئمة في زمنه كانوا على ذات العقيدة، ولكنها عرفت به لما بذل في
سبيلها وتحمّل من أجل إقرارها. قال بعض العلماء عشية دفن أحمد: (دفنا اليوم
سادس خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد
بن حنبل [٥] ) .
وقيل لآخر: لو تكلمت يوم ضُرب أحمد؟ ! قال: أتأمروني أن أقوم مقام
الأنبياء؟ [٦] . وقال إسحاق بن راهويه: لولا أحمد وبذل نفسه لما بذلها له لذهب
الإسلام [٧] . وقال الحارث بن عباس: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ
على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شابٌ في ناحية المشرق، يعني أحمد
بن حنبل [٨] . وقال علي بن المديني: إن الله أعز هذا الدين بأبي بكر الصديق
يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة. وقال أبو حاتم: إذا رأيت الرجل يحبُ
أحمد فاعلم أنه صاحب سنة [٩] .
ولقد مر زمان والإمام أحمد أعزل من كل شيء، وحيد فريد، لا يجلس إليه
أحد، ولا يعضده في موقفه أحد.. وكان لأعدائه الجاه والسلطان والدولة، فكان
يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز! . فلم تمض أويقات قليلة حتى علا
شأنه، ﵀، وذاع صيته، وانتشر مذهبه، وعظم قدره، حتى تضايق هو
من ذلك، وتمنى الموت لكراهيته للشهرة وحبِّه للخمول. أما في الموت فإن أقل ما
حرزت به جنازته سبعمائة ألف إنسان! .
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: (وقد صدق الله قول أحمد في هذا؛ فإنه
كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه، أحمد بن أبي دؤاد وهو قاض من قضاة
الدنيا لم يحتفل أحدٌ بموته، ولم يلتفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان
السلطان، وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته
نفسه في خطواته وحركاته لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس، وكذلك بشر
بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جداً، فلله الأمر من قبل ومن
بعد) [١٠] .
ولم يكن هذا هو الجانب الوحيد الذي قاد فيه الإمام أحمد معسكر أهل السنة
فخرج ظافراً منصوراً، بل إن ثمة جوانب أخرى كثيرة نشير إشارة سريعة إلى
واحدٍ منها ألا وهو وقوفه ﵀ في وجه طغيان المادة، وسريان روح
الترف القاتل في أوساط المسلمين.
فقد كان في نفسه ﵀ مثلاً أعلى في الزهد والورع والتعفف
والإعراض عن زخارف الدنيا ومباهجها، ولقد رفض أموال السلاطين، ولم يقبل
عطايا المتوكل، كما فرض على بنيه وقرابته عدم أخذ شيءٍ من ذلك، فكان
المتوكل يصلهم سراً! وله في الزهد والورع حكايات عجيبة عجيبة، ولا ندري
والله ما نأخذ منها وما ندع، فليراجعها من شاء في مظانّها؛ فهي مما يحرك في
النفس عزيمة الاقتداء.
ولقد صنف ﵀ -في ذلك كتابي: (الزهد) و (الورع) .
وإن كنّا من وراء هذه المفاوز البعيدة نقراً سيرته فنتطلع إلى الإقتداء والاتباع
والاهتداء، فما بالك بالناس في عصره وهم يرون بأعينهم - على الدوام - ما
نسمعه نحن سماعاً، فلا يكاد يستقر في الأفهام؛ بل ما بالك بتلاميذه وأقرانه وأبنائه
وجيرانه..
أيّ روحٍ يشيعه وجود مثل هذا الصديق بينهم؟ [١١] .
(يتبع)
стр. 85
القضاء والقدر ومسئولية الإنسان
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله
الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ
الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: في هذه المقالة سنبحث في أمر مهم، يهم جميع المسلمين، ألا وهو: قضاء الله وقدره، الذي ما زال النزاع فيه بين الأمة قديماً وحديثاً، فقد روي: أن
رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر
فنهاهم عن ذلك وأخبر أنه إنما أهلك من كان قبلهم هذا الجدال.
ولكن فتح الله تعالى على عباده المؤمنين - السلف الصالح - الذين سلكوا
طريق العدل فيما علموا وفيما قالوا، وذلك أن قضاء الله وقدره هو من مقتضى
ربوبيته ﵎ التي هي أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي قسم أهل العلم ألا
وهى:
توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
وتوحيد الربوبية: وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير.
وتوحيد الأسماء والصفات: وهو توحيد الله بأسمائه وصفاته.
فالإيمان بالقدر من مقتضى ربوبية الله ، ولهذا قال الإمام أحمد:
القدر قدرة الله، لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك وهو أيضاً سر الله تعالى
المكتوم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وبحمده؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ في
الكتاب المكنون الذي لا يطلع عليه أحد، ونحن لا نعلم بما قدره الله تعالى لنا أو
علينا، أو بما قدره في مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه.
إن فرق الأمة - هذه الأمة الإسلامية - انقسموا في القدر إلى ثلاثة أقسام:
فقسم غالوا في إثباته وسلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد ليس له قدرة ولا اختيار، إنما هو مسير لا مخير، ولا فرق بين فعل العبد الواقع
باختياره، وبين فعله الواقع بغير اختياره، ولا شك أن هؤلاء ضالون، لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين فعل الاختيار وبين فعل الإجبار.
قسم آخر غالوا في إثبات قدرة العبد واختياره، حتى نفوا أن يكون لله تعالى
مشيئة أو اختيار أو خلق فيما يفعله العبد، وزعموا أن العبد مستقل بعمله، حتى
غلا طائفة منهم وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العباد إلا بعد أن يقع منهم
وهؤلاء أيضاً غلوا وتطرفوا تطرفاً عظيماً في إثبات قدرة العبد واختياره، فهدى الله
الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، وسلك القسم الثالث أهل السنة والجماعة في
ذلك مسلكاً وسطاً قائماً على الدليل الشرعي والدليل العقلي، وقالوا: إن الأفعال التي
يحدثها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
ما يجريه الله ﵎ من فعله في مخلوقاته لهذا لا اختيار لأحد فيه،
كإنزال المطر وإنبات الزرع وكالإحياء والإماتة والمرض والصحة وغير ذلك من
الأمور الكثيرة التي تشاهد في مخلوقات الله، فإن هذه بلا شك ليس لأحد فيها اختيار
وليس لأحد فيها مشيئة، وإنما المشيئة فيها لله الواحد القهار.
والقسم الثاني:
ما يفعله الناس بل ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فإن هذه - أعني
هذه الأفعال - تكون باختيار فاعليها وإرادتهم؛ لأن الله ﵎ جعل ذلك
إليهم، قال الله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ] وقال تعالى: [مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] . والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختيار،
وبين ما يقع منه باضطرار وإجبار، الإنسان ينزل من السطح في السلم نزولاً
اختيارياً يعرف أنه مختار، ولكنه يسقط هاوياً من السطح ويعرف أنه ليس مختاراً
لذلك، ويعرف الفرق بين الفعلين، وأن الثاني إجبار والأول اختيار، وكل إنسان
يعرف ذلك، كذلك الإنسان يعرف أنه إذا أصيب بمرض سلس البول فكان البول
يخرج منه بغير اختيار، وإذا كان سليماً من هذا المرض فإن البول يخرج منه
باختياره، ويعرف الفرق بين هذا وبين هذا،، ولا أحد ينكر الفرق بينهما، وهكذا
جميع ما يقع من العبد يعرف فيه الفرق بين ما يقع اختيارياً وبين ما يقع اضطراراً
وإجباراً، بل إن من رحمة الله أن من الأفعال ما هو من جنس ما يقع
باختيار العبد ولكنه يكتب بغير اختياره، أي أنه لا يلحقه منه شيء كما في فعل
الناسي والنائم، يقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف: [ونُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ
وذَاتَ الشِّمَالِ] وهم الذين يتقلبون ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه؛ لأن النائم لا
فعل له ولا اختيار له، فنسب فعله إلى الله ، ويقول النبي - صلى الله
عليه وسلم -: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله ...
وسقاه) ، فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله ؛ لأن الفعل وقع منه بغير ذكر فكأنه صار بغير اختياره.
كلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من ألم بغير اختياره، وما يجده من
خفة في نفسه أحياناً بغير اختياره، ولا يدري ما سببه، وبين أن يكون الألم هذا
ناشئاً من فعل هو الذي اكتسبه أو هذا الفرح ناشئاً من فعل هو الذي اكتسبه، وهذا
الأمر ولله الحمد أمر واضح لا غبار عليه.
إننا لو قلنا بقول الفريق الأول - الذين غالوا في اثبات القدر - لبطلت
الشريعة من أصلها، لأنه في الحقيقة إذا قلنا: إن فعل العبد ليس فيه اختيار صار
لا يحمد على فعل محمود، ولا يلام على فعل مذموم؛ لأنه في الحقيقة بغير اختياره
وبغير إرادة منه، وعلى هذا فالنتيجة إذاً أن الله ﵎ يكون ظالماً لمن
عصاه إذا عاقبه وعذبه على معصيته؛ لأنه عاقبه على أمر لا اختيار له فيه ولا
إرادة، وهذا بلا شك مخالف للقرآن صريحاً. يقول الله ﵎: [وقَالَ
قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
مُّرِيبٍ (٢٥) الَذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ
رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ولَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ
إلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ومَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ] ، فيبين سبحانه أن
هذا العقاب منه ليس ظلماً بل هو كمال العدل؛ لأنه قدم إليهم بالوعيد، وبين لهم
الطرق، فبين لهم الحق وبين لهم الباطل، ولكنهم اختاروا لأنفسهم أن يسلكوا
طريق الباطل، فلم يبق لهم حجة عند الله . لو قلنا بهذا القول الباطل
لبطل قول الله تعالى. [رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ] ، فإن الله ﵎ نفى أن يكون للناس حجة بعد إرسال الرسل،
لأنهم قامت عليهم الحجة بذلك، ولو كان القدر حجة لهم لكانت هذه الحجة باقية
حتى بعد بعث الرسل؛ لأن قدر الله لم يزل ولا يزال موجوداً قبل إرسال الرسل
وبعد إرسال الرسل: إذن فهذا القول تبطله النصوص ويبطله الواقع، كما فصلنا
في الأمثلة السابقة.
أما من غالوا في إثبات فعل العبد وأنه مستقل به فإن هؤلاء أيضاً ترد عليهم
النصوص والواقع، ذلك لأن النصوص صريحة في أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة
الله [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
العَالَمِينَ (٢٩) ] ، [ورَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَخْتَارُ] ، [واللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ
السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] ، والذين يقولون بهذا القول هم في
الحقيقة مبطلون لجانب من جوانب الربوبية، وهم أيضاً مدعون بأن في ملك الله
تعالى ما لا يشاء ولا يخلقه، والله ﵎ شاء لكل شيء، خالق لكل شيء،
مقدر لكل شيء، وهم أيضاً مخالفون لما يعلم بالاضطرار من أن الخلق كله ملك لله
، ذواته وصفاته لا فرق بين الصفة وبين الذات، ولا بين المعنى وبين
الجسد، إذن فالكل لله ، ولا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يريده تبارك
وتعالى، ولكن يبقى علينا إذا كان الأمر راجعاً إلى مشيئة الله ﵎ وأن
الأمر كله بيده. فما طريق الإنسان إذن وما حيلة الإنسان إذا كان الله تعالى قد قدر
عليه أن يضل ولايهتدي؟ نقول - الجواب عن ذلك -: إن الله ﵎ إنما
يهدي من كان أهلاً للهداية، ويضل من كان أهلاً للضلالة؛ يقول الله ﵎: [فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ] ، ويقول تعالى: [فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
وجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ونَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ] .
فبين الله ﵎ أن أسباب إضلاله لمن ضل إنما هو بسبب من العبد
نفسه، والعبد كما أسلفنا قريباً لا يدري ما قدر الله له؛ لأنه لا يعلم بالقدر إلا بعد
وقوع المقدور فهو لا يدري هل قدر الله له أن يكون ضالاً، أم أن يكون مهتدياً، فما
باله يسلك طريق الضلال، ثم يحتج بأن الله قدر له ذلك، أفلا يجدر به أن يسلك
طريق الهداية ثم يقول: إن الله تعالى قد هداني للصراط المستقيم، أيحق له أو
أيجدر به أن يكون جبرياً عند الضلالة، وأن يكون قدرياً عند الطاعة؟ ! كلا لا
يليق بالإنسان أن يكون جبرياً عند الضلالة والمعصية، فإذا ضل أو عصى الله قال: هذا أمر كتب عليّ، وقدر عليّ، ولا يمكنني أن أخرج عما قضى الله وقدر، وإذا
كان في جانب الطاعة ووفقه الله تعالى للطاعة والهداية زعم أن ذلك منه، ثم منَّ به
على الله وقال: أنا أتيت به من عند نفسي فيكون قدرياً في جانب الطاعة ويكون
جبرياً في جانب المعصية. هذا لا يمكن أبداً؛ فالإنسان في الحقيقة له قدرة وله
اختيار، وليس باب الهداية بأخفى من باب الرزق وبأخفى من أبواب طلب العلم،
والإنسان نحن نعرف جميعاً أنه قد قدر له ما قدر من الرزق ومع ذلك هو يسعى
بأسباب الرزق، يسعى بها في بلده وخارج بلده ويميناً وشمالاً، ليس يجلس في بيته
ويقول: إن قدر لي رزق فإنه يأتيني، تجده يسعى بأسباب الرزق مع أن الرزق
نفسه مقرون بالعمل، كما ثبت عن النبيّ ﷺ من حديث ابن
مسعود ﵁: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين
يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد) .
هذا الرزق أيضاً مكتوب كما أن العمل من صالح أو سيئ مكتوب، فكذلك
الرزق فما بالك أنت تذهب يميناً وشمالاً وتجوب الأرض والفيافي لطلب الرزق ولا
تعمل عملاً صالحاً لطلب رزق الآخرة بدار النعيم، إن البابين واحد وليس بينهما
فرق، فكما أنك تسعى لرزقك، وتسعى لحياتك وامتداد أجلك، إذا مرضت بمرض
ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الذي يداوي مرضك ومع ذلك فإن لك ما قدر
من الأجل لا يزيد ولا ينقص، لست تصمت على هذا وتقول: سأبقى في بيتي
مريضاً طريحًا، وإن قدر الله لي أن يمتد الأجل امتد، نجدك تسعى بكل ما تستطيع
من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ترى أنه أقرب الناس إلى أن يقدر الله
الشفاء على يديه، إذاً لماذا لا يكون طريقك في عمل الآخرة وفي العمل الصالح
كطريقك فيما تعمل للدنيا، وقد سبق أن قلنا: إن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم
عنه، فأنت الآن بين طريقين: طريق يؤدي بك إلى الفوز والسلامة، وطريق
يؤدي بك إلى الهلاك والعطب، وأنت الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من
يمنعك من هذا الطريق اليمين، ولا من هذا الطريق الشمال، وإذا شئت ذهبت إلى
هذا، وإذا شئت ذهبت إلى هذا، فما بالك تسلك الطريق الشمال ثم تقول: إنه قد
قدر عليّ، أفلا يليق بك أن تسلك طريق اليمين وتقول: إنه قد قدّر لي، لو أنك
أردت السفر إلى الرياض، وكان أمامك طريقان، أحدهما معبد قصير، والثاني
غير معبد وطويل لوجدنا أنك تختار المعبد القصير المستقيم، ولا تذهب إلى
الطريق الذي ليس بمعبد وليس بمستقيم، هذا الطريق الحسي إذن، فالطريق
المعنوي موازن له ولا يختلف عنه أبداً، ولكن النفوس وأهواءها هي التي تتحكم
في العقل وتغلب على العقل، والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالباً على هواه، وهو
إذا حكم عقله فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه
ويسره.
بعد هذه المقدمة التي تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيراً
اختيارياً ليس إجبارياً ولا اضطرارياً، وأنه كما يسير لعمل دنياه سيراً اختيارياً،
وهو إن شاء جعل هذه السلعة تجارته أو السلعة الأخرى أو الثالثة أو الرابعة،
فكذلك أيضاً هو في سيره إلى الآخرة يسير سيراً اختيارياً، بل إن طريق الآخرة
أبين بكثير من طريق الدنيا، لأن الذي بيّن طريق الآخرة هو الله تعالى في كتابه
وعلى لسان رسوله ﷺ ، فلا بد أن تكون طرق الآخرة أكثر
بياناً وأجلى وضوحاً من طرق الدنيا، ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا
التي ليس ضامناً لنتائجها.. ويدع طريق الآخرة التي نتائجها مضمونة؛ لأنها ثابتة
بوعد الله، والله ﵎ لا يخلف الميعاد.
بعد هذه المقدمة نقول:
إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوه عقيدتهم ومذهبهم. إن الإنسان
يفعل باختيار وإنه يسير كما يريد، ولكن إرادته واختياره تابعة لإرادة الله ومشيئته،
ثم يؤمن أهل السنة والجماعة بأن مشيئته تعالى تابعة لحكمته، وأنه
ليست مشيئته مشيئة مطلقة مجردة، ولكنها مشيئة تابعة لحكمته؛ لأن من أسماء الله
تعالى: [الحكيم] ، والحكيم هو: الحاكم المحكم الذي يحكم الأشياء كوناً وشرعاً
ويحكمها عملاً وصنعاً، والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها، لمن يعلم
أنه يريد الحق وأن قلبه يريد الاستقامة، ويقدر الضلالة لمن لم يكن
كذلك، لمن إذا عرض عليه الإسلام يضيق صدره كأنما يصعد في السماء، فإن
حكمة الله ﵎ تأبى أن يكون هذا من المهتدين، إلا أن يجدد الله له عزماً
ويقلب إرادته إلى إرادة أخرى، فالله تعالى على كل شيء قدير، ولكن حكمة الله
تأبى إلا أن تكون الأسباب مربوطة بها مسبباتها.
يقول أهل السنة والجماعة: إن قضاء الله وقدره أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة العلم:
وهى أن يؤمن الإنسان إيماناً جازماً بأن الله ﵎ بكل شيء عليم،
وأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض جملة وتفصيلاً، سواء كان ذلك من فعله
أو من فعل المخلوقات، وأنه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.
وأما المرتبة الثانية: فهي مرتبة الكتابة:
وهي أن الله ﵎ كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء،
وقد جمع الله بين هاتين المرتبتين في قوله: [أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ إنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ] . فبداً بالعلم وقال: إن ذلك في
كتاب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء في الحديث عن رسول الله -
ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: ربي،
ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم
القيامة) . ولهذا سئل النبي ﷺ : عما نعمله، أشيء مستقبل أم
شيء قد قضي وفرغ منه. فقال: (إنه قد قضي) قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع
العمل ونتكل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . فقال لهم الرسول - صلى
الله عليه وسلم -: (اعملوا) . فأنت يا أخي اعمل؛ فأنت ميسر لما خلقت له. ثم
تلا قوله تعالى. [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى (٥) وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى (٧) وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى (٨) وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى] .
هاتان المرتبتان: العلم والكتابة.
أما المرتبة الثالثة: فهى مرتبة المشيئة:
بمعنى: أن الله ﵎ شاء لكل موجود أو معدوم في السموات أو في
الأرض، فما وجد موجود إلا بمشيئة الله، ولا عدم معدوم إلا بمشيئة الله، وهذا
ظاهر في القرآن الكريم، وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله، ومشيئته في فعل
العباد؛ فقال الله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ
اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ] . وقال تعالى: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ] [ولَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
فَعَلُوهُ] أية أخرى، وقال تعالى: [ولَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] ، فبين تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته، وأما فعله تعالى فتعليقه بالمشيئة كثير، قال الله تعالى: [ولَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا] ، [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً] . إلى آيات كثيرة تثبت المشيئة في فعله ﵎، فإذن لا
يتم الإيمان بالقدر إلا أن نؤمن بأن مشيئة الله عامة وشاملة لكل موجود أو معدوم فما
من معدوم إلا وقد شاء الله عدمه، وما من موجود إلا قد شاء الله تعالى وجوده ولا
يمكن أن يقع شيء في السموات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله.
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق:
أي أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السموات
والارض إلا الله خلقه، حتى الموت يخلقه الله ﵎، وإن كان هو عدم
الحياة، يقول تعالى: [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] ، فكل
شيء في السموات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه، ولا خالق إلا الله، وكلنا
يعلم أن ما يقع من فعله تعالى فإنه مخلوق له، فالسموات والأرض والجبال والأنهار
والشمس والقمر والنجوم والرياح كلها نعرف أنها مخلوقة من مخلوقات الله، وكذلك
ما يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات، أحوال كلها مخلوقة لله ،
ولكن قد يشكل على المرء كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري: إنه
مخلوق لله ، نقول: نعم، يصح أن نقول ذلك؛ لأن فعلنا وقولنا ناتج عن
أمرين، أحدهما: القدرة، والثاني: الإرادة، فإذا كان فعل العبد ناتجاً عن إرادته
وقدرته فإن الذي خلق هذه الإرادة، وجعل قلب الإنسان قابلاً لهذه الإرادة هو الله
، وكذلك أيضاً الذي خلق فيه القدرة هو الله ، ويخلق السبب التام
الذي يتولد عنه المسبب، نقول: إن خالق السبب التام خالق للمسبب. أي أن خالق
المؤثر خالق للأثر، خالق السبب خالق للمسبب، فوجه كونه تعالى خالقاً لفعل العبد
نقول: إن فعل العبد وقوله ناتج عن أمرين هما: الإرادة، والقدرة؛ لولا الإرادة لم
يفعل، ولولا القدرة لم يفعل؛ لأنه إذا أراد وهو عاجز لم يفعل، وإذا كان قادراً ولم
يرد لم يكن الفعل، فإذا كان الفعل ناتجاً عن إرادة جازمة وقدرة كاملة، فالذي خلق
الإرادة الجازمة والقدرة الكاملة هو الله، وبهذا الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول:
إن الله تعالى خالق لفعل العبد، وإلا فالعبد هو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر،
وهو المصلي، وهو الصائم، وهو المزكي، وهو الحاج، وهو المعتمر، وهو
العاصي، وهو المطيع، ولكن هذه الأفعال كلها كانت وجدت بإرادة وقدرة مخلوقتين
لله ، وبهذا علم كيف يكون الإنسان، وكيف يكون فعل الإنسان مخلوقاً لله
. والأمر - ولله الحمد - واضح، ولولا أن التساؤلات كثرت، ولولا أن
الأمر اشتبه على كثير من الناس لكنا نقول: إن الخوض في هذا، نوع من فضول
القول، ولكن نظراً إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت، وصار الفاسق يريد أن يبرر
فسقه بشيء يقدره في ذهنه، ولو تدبر الأمر لوجد أنه على خلاف ما قدره في ذهنه، لولا هذا ما تكلمنا في هذا الأمر.
إذن القدر والإيمان بالقدر يكون له مراتب أربع، المرتبة الأولى: العلم،
والثانية: الكتابة، والثالثة: المشيئة، والرابعة: الخلق، كل هذا يجب أن يثبت لله
، وهذا لا ينافى أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوي الإرادة، كما أننا
نقول: النار تحرق، والذي خلق الإحراق فيها هو الله بلا شك، ليست محرقة
بطبيعتها، بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة، ولهذا النار التي أُلقي فيها
إبراهيم لم تكن محرقة؛ لأن الله تعالى قال لها: [كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ] ، فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم، فالنار لذاتها لا تحرق، ولكن لأن الله خلق
فيها قوة الإحراق، قوة الإحراق هي مقابل فعل العبد، كإرادة العبد وقدرته،
فبالإرادة والقدرة يكون الفعل، وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق فلا فرق
بين هذا وهذا، ولكن العبد لما كان له إرادة وشعور واختيار وعقل صار الفعل
ينسب إليه حقيقة وحكماً، وصار مؤاخذاً بالمخالفة، معاقباً عليها؛ لأنه يفعل
باختيار ويدع باختيار، وأخيراً نقول: إن على المؤمن أن يرضى بالله تعالى رباً،
ومن تمام رضاه بالربوبية أن يؤمن بقضائه وقدره، ويعلم أنه لا فرق في هذا بين
الأعمال التي يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها، وبين الآجال التي يدافعها، الكل
بابه سواء، والكل مكتوب، والكل مقدر، والإنسان ميسر لما خلق له..
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأن
يكتب لنا ولكم الصلاح في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
стр. 86
أعلام الإسلام
الإمام البغوي
إعداد: سليمان الحرش
الإمام الحافظ، الفقيه، المجتهد، محي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود
بن محمد الفراء البغوي، ويلقب أيضاً بركن الدين. أحد العلماء الذين خدموا الكتاب
العزيز، والسنة النبوية، دراسة وتدريساً، وتأليفاً.
والفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها.
والبغوي: نسبة إلى بلدة يقال لها: (بغ) وبَغْشو، وهي بلدة بخراسان بين
مرو وهراة.
شيوخه:
من شيوخه: القاضي حسين بن محمد المروزي الشافعي، وعبد الواحد
الهروي، وأبو السن الجويني، وحسان بن سعيد المنيعي، وأبو بكر المروزي،
وأبو القاسم القشيري، وأبو بكر الصيرفي , وأبو صالح أحمد بن عبد الملك
النيسابوري، وعبد الباقي بن يوسف المراغي الغريزي الشافعي، وأبو الحسن
البوشنجي، وعمر بن عبد العزيز القاشاني، وأبو الحسن الشيرزي، وأبو جعفر
محمد بن عبد الله الطوسي، وأبو طاهر الزرّار، ومحمد بن عبد الملك السرخسي،
وغيرهم.
صفاته وثناء العلماء عليه:
كان البغوي شافعي المذهب - بحكم البيئة التي نشأ فيها، والعلماء الذين أخذ
عنهم - إلا أنه لم يتعصب لإمامه، بل كان يتتبع الدليل، وينظر في أقوال العلماء
وأدلتهم، وأخذ يدعو إلى الاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه
وسلم-.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (كان البغوي سيداً، إماماً عالماً، علامة،
زاهداً، قانعاً باليسير) .
وقال السيوطي في طبقات الحفاظ: (وبورك له في تصانيفه، لقصده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، ذا تعبد ونسك، وقناعة باليسير) .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (وكان علامة زمانه، ديِّناً، ورعاً،
زاهداً، عابداً، صالحاً) .
آثاره:
ترك الإمام البغوي مؤلفات كثيرة مفيدة في التفسير والحديث، والفقه كان لها
الأثر النافع والعظيم فيمن جاء بعده، وتتصف بموضوعاتها القيمة، وبكلماتها
السهلة، وبطريقتها المفيدة.
ومن أهم كتبه:
١- معالم التنزيل، في التفسير، وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسري
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال عنه ابن تيمية: (والبغوي تفسيره مختصر من
تفسير الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة)
[الفتاوى ٣/ ٣٥٤، ٣٨٦] .
٢- شرح السنة، جمع البغوي فيه بين الرواية والدراية.
٣- مصابيح السنة، جمع فيه المؤلف طائفة من الأحاديث، محذوفة الأسانيد، معتمداً على نقل الأئمة، وقسم الأحاديث إلى صحاح وحسان، وعنى بالصحاح ما
أخرجه الشيخان، وبالحسان ما أورده أبو داود والترمذي، وما كان فيه من ضعيف
أو غريب أشار إليه، وأعرض عما كان منكراً أو موضوعاً. وهو كتاب مشهور،
اعتنى به العلماء. ومن أهم شروحه: (مشكاة المصابيح للشيخ ولى الدين محمد ... بن عبد الله الخطيب) فقد أكمل (المصابيح) وذيّل أبوابه؛ فذكر اسم الصحابي الذي روى عنه الحديث، وذكر الكتاب الذي أخرجه، وهو كتاب مخدوم مطبوع بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني.
وفاته:
توفي ﵀ بـ (مرو الرّوذ) في خراسان، في شوال سنة ٥١٦ هـ، ودفن جانب شيخه. القاضي حسين، وعاش بضعاً وسبعين سنة، ﵀.
стр. 87
خواطر في الدعوة
بين الدفاع والأصالة
محمد العبدة
لا يزال بين المسلمين اليوم من يعيش بعقلية الأربعينات والخمسينات، حين
كانت الهجمة على الإسلام والمسلمين على أشدها, وكان الذي يتولى كبرها
المستشرقون والمبشرون والأحزاب العلمانية، وكان موقف كثير من المسلمين هو
موقف المدافع عن نفسه دفاع المتهم الذي بداخله شيء من الانهزامية، أو عنده عقدة
نقص تجاه كل ما يأتى من الغرب أو الشرق أو من الأحزاب التي تسمي نفسها:
(تقدمية) .
يومها قالوا عن الإسلام: إنه استبدادي النزعة، فرد عليهم البعض بأنه
(ديمقراطي) فيه كل مبادئ الديموقراطية، وقالوا: إن بلاد الإسلام فتحت بالسيف
والقوة، وأن المسلمين كانوا أصحاب ولوغ في الدماء، فقيل لهم: لا.. إننا لا
نهاجم أحداً ولا نفتح البلدان، بل ندافع عن أنفسنا فقط إذا ما هوجمنا من الخارج،
وها هي بلاد أندونيسيا وماليزيا، ودول وسط أفريقيا قد دخلها الإسلام بواسطة
التجارة أو الدعاة.
وقيل عن تعدد الزوجات والطلاق ومشاكل المرأة الكثير الكثير.. وكتبت
المجلدات، وحررت المقالات في الرد على هذه الاتهامات ولكن بمنطق المنهزم أمام
هذا الهجوم الماكر، وكان الرد أن التعدد فقط للضرورة، وأن الإسلام أعطى كل
شيء للمرأة وأنها نصف المجتمع.. الخ. هذا الكلام الذي بعضه صحيح وبعضه
خطل.
ولا يزال المسلمون - ممن يعيشون بيننا - إذا عرضوا الإسلام على الآخرين
يعرضونه على استحياء. وقد يتكلم أحدهم عن تقارب الأديان إذا ما دخل في مناقشة
مع نصراني مثلاً، أو أن الإسلام لا يكره أو يحرم بعض الأشياء المكروهة أو
المحرمة فعلاً.. إذا ما دخل في جدال مع أصحاب الترخص والتساهل.
هذا الموقف الضعيف، كنا نعتقد أنه انتهى أو يجب أن ينتهي ولا حاجة
لإعادة الردود واجترار هذه الأشياء، لقد انتقل المسلمون إلى الشعور بالثقة
وبالأصالة وبموقف المهاجم وليس المدافع، وقد كان للعلماء والدعاة في هذا العصر
أثر في توليد هذه الثقة، ومن أبرزهم: الداعية الشهيد سيد قطب ﵀،
ولكن سمعت وقرأت أخيراً لبعض الإسلاميين في موضوع الأسرة والمرأة ما يعود
بنا القهقري إلى الوراء، وكأننا متهمون بظلمها، ومتهمون بأننا لا نعطيها الحرية
التي يريدها أعداء الإسلام، فيقدم طيبوا القلب ليعطوها أكثر مما جبلت عليه
وخلقت له، ونحن ليس عندنا مشكلة اسمها مشكلة المرأة، فالله سبحانه خلق الخلق
لعبادته وكل ميسر لما خلق له، وكل له مهمة في هذه الحياة ورحم الله امرأً عرف
قدر نفسه، أما معاكسة الفطرة التي خلق الله الخلق عليها فسيكون من بعدها الدمار.
أما الموضوع الآخر الذي يخجلون منه فهو الجهاد، وينسون أنه ذروة سنام
الإسلام، وقد شرعه الله لنا وحضنا عليه، وهو من خصائص هذه الأمة، وهو
جزء من الدعوة، وبالجهاد والفتح يتعرف الناس على الإسلام عملياً ونظرياً. فهو
رحمة وليس قسراً، وأكثر البلاد الإسلامية اليوم فتحت بالجهاد، فهل نخجل من
شرع شرعه الله لنا، والناس يفتخرون بزبالة أفكار ماركس وأمثاله.
إن القرآن الكريم علمنا كيف نرد على الكفار اتهاماتهم وكيف نهاجمهم بدل أن
نضع أنفسنا في قفص الاتهام. قال تعالى راداً على قريش قولها: إن المسلمين
انتهكوا حرمة الشهر الحرام وقتلوا وأسروا - وقد وقع هذا في سرية عبد الله بن
جحش عندما أرسله رسول الله ﷺ في مهمة استطلاعية للتعرف
على أحوال مكة وما حولها - قال تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ
قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ
عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ... ] الآية [البقرة: ٢١٧] .
ومعنى الآية: إذا كان القتال في الشهر الحرام كبيراً فعلاً ولا يجوز فأنتم فعلتم
أكبر من هذا، أخرجتم المسلمين من البلد الحرام، بل فعلتم ما هو أشنع وهو الكفر
بالله، والصد عن سبيله، وفتنة المؤمنين عن دينهم، هذا هو أدب القرآن في
مناقشة الخصوم، ولكن بعض الناس يحرفون النصوص الواضحة كي لا يغضب
غير المسلمين وحتى نظهر أننا في غاية التهذب والرقة والمسكنة! ! .
سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 88
وإذا قلتم فاعدلوا
بقلم: عبد العزيز بن ناصر السعد
أهمية الموضوع:
إن أهمية هذا الموضوع تأتي من أنه مفتاح الحق وجامع الكلمة، والمؤلف
بين القلوب، لأن من أقوى أسباب الاختلاف بين العباد هو الظلم والاعتداء وفقدان
العدل والإنصاف. ولو جاهد المسلم نفسه لتحقيق صفة العدل على نفسه ومع الناس
فإن كثيراً من المشاكل التي تحصل بين المسلمين سواء منها الفردية أو الجماعية
ستزول وتحل بإذن الله.
وذلك لأن سبب الانحراف عن الحق والإصرار على الأخطاء إما الجهل وإما
الظلم، فالجهل علاجه العلم، والظلم علاجه العدل والإنصاف والقسط. ولقد كان
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كثيراً ما يرجع أسباب الفرقة والتعدي
والتعصب إلى الأمرين المذكورين سابقاً، فتراه يقول:
(الإنسان خلق ظلوماً جهولاً، فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه
من الشر، فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه،
ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وأكله وشربه، ونومه ويقظته،
وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم
يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل؛ وإلا كان منه من الجهل والظلم ما
يخرج به من الصراط المستقيم، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ بعد
صلح الحديبية وبيعة الرضوان: [إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً] إلى قوله تعالى
[ويَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً] ، فإذا كان هذه حاله في آخر حياته أو قريباً منها فكيف
حال غيره) أهـ[١] .
ويقول ﵀:
(والعدل هو الاعتدال، والاعتدال هو صلاح القلب، كما أن الظلم فساده، ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالماً لنفسه، والظلم خلاف العدل، فلم يعدل على نفسه بل ظلمها، فصلاح القلب بالعدل، وفساده في الظلم، وإذا ظلم العبد نفسه فهو الظالم والمظلوم، كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه، فمنه العمل، وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر، قال تعالى: [لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] .
إلى أن قال في نفس الجزء ص ٩٩:
(مع أن الاعتدال المحض السالم من الإخلاص لا سبيل إليه، لكن الأمثل
فالأمثل، فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل ومرضه من الزيغ والظلم
والإعراض والعدل المحض في كل شيء متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل. ولهذا يقال: هذا أمثل، ويقال للطريق السلفية: الطريقة المثلى.
وقال تعالى: [ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ] [الأنعام
١٥٢] وقال تعالى: [وأَوْفُوا الكَيْلَ والْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] ،
والله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط. وأعظم القسط عبادة
الله وحده لا شريك له، ثم العدل على الناس في حقوقهم، ثم العدل على ...
النفس. اهـ[٢] .
وهنا نرى أن شيخ الإسلام قد بين أهمية العدل، وأنه أساس النجاة في الدنيا
والآخرة، وقد قسمه حسب الأهمية إلى أعظم العدل وهو عبادة الله وحده لا شريك
له، ثم العدل على الناس، ثم العدل على النفس وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في
ثنايا هذا البحث.
وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أيضاً أهمية العدل مع الخصوم
والمفارقين لأهل السنة حيث يقول:
(وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق، ويرحمون الخلق، ويتبعون
الرسول ﷺ ، ولا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأً يعذره فيه
الرسول ﷺ عذروه.. إلى أن قال: والله يحب الكلام بعلم
وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم، كما قال النبي- ﷺ : (القضاة ثلاثة. قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، رجل قضى للناس على جهل
فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى خلافه فهو في النار، ورجل علم الحق
وقضى به فهو في الجنة) ، وقد حرم الكلام بلا علم مطلقاً، وخص
القول عليه بلا علم بالنهي؛ فقال تعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ
والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] وقال تعالى: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] وأمر بالعدل على أعداء
المسلمين فقال تعالى: [كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [٣] .
إذن مما سبق ذكره من كلام شيخ الإسلام يتبين لنا أهمية العدل في القول
والعمل وأن الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها
لا يستطيع أن يحملها الإنسان إلا بأن يتغلب على صفة الجهل بالعلم والتفقه في دين
الله ، وبأن يتغلب على صفة الظلم بالعدل والإنصاف، ومع ذلك - كما
أشار شيخ الإسلام - فلن يستطيع أن يكمل العدل كله ولا أن ينفك عن الجهل كله،
وكذلك فهو في حاجة لأن يتوب الله عليه ويغفر له تقصيره وضعفه، وهذا هو ما
يفهم من آية الأمانة في سورة الأحزاب حيث ذكر الله لنا صنفين من
الناس:
الصنف الأول: المؤمنون الذين بذلوا جهدهم في طلب العلم المنافي للجهل،
والعدل المنافي للظلم، فاستحقوا من الله أن يتوب عليهم ما لم يستطيعوا
تحقيقه من العلم والعدل.
الصنف الثانى: أولئك المشركون المنافقون الذين أعرضوا عن دين الله
فلم يتعلموه، وأعرضوا عن العدل والقسط فأركسوا في ظلمات الجهل والظلم، ووقعوا في الشرك والنفاق فاستحقوا العذاب الأليم. يقول الله تعالى: [إنَّاعَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ والْمُنَافِقَاتِ والْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكَاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ وكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً] [سورة الأحزاب: ٧٢ - ٧٣] .
نسأل الله أن يجعلنا من الذين أعانهم على حمل الأمانة وغفر لهم
تقصيرهم.
تعريف العدل ومنزلته في الكتاب والسنة:
قال في لسان العرب: العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد
الجور. عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً، وهو عادل من قوم عدول.. وفي أسماء
الله الحسنى (العدل) وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم. والعدل: الحكم
بالحق. وكتب عبد الملك إلى سعيد بن جبير يسأله عن العدل فأجابه: إن العدل
على أربع أنحاء: العدل في الحكم، قال الله تعالى: [وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم
بِالْقِسْطِ] ، والعدل في القول؛ قال تعالى: [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] ، والعدل في
الفدية؛ قال تعالى: [لا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ] ، والعدل في الإشراك؛ قال تعالى:
[ثُمَّ الَذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ] ، أي: يشركون. وفلان يعدل فلاناً: أي يساويه،
وعدّل الموازين والمكاييل: ساواها، وتعديل الشيء: تقويمه، والاعتدال:
توسط حال بين حالين في كم وكيف، كقولهم: جسم معتدل، من الطول والقصر، وجو معتدل، من الحر والبرد.. الخ، والمعادلة. الشك في أمرين، يقال: أنا في عدال في هذا الأمر، أي: في شك منه أأمضي عليه أم أتركه. أهـ
(باختصار) .
والآيات والأحاديث الواردة في ذكر العدل والحث عليه والتحذير من ضده كثيرة جداً لكننا نقتصر على بعضها مع نقل أقوال علماء التفسير والحديث حولها.
الآيات الواردة في ذلك:
الآية الأولى:
يقول الله في سورة آل عمران: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ
والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [ال عمران ١٨] .
* يعلق شيخ الإسلام على قوله تعالى [قَائِماً بِالْقِسْطِ] ج ١٤ ص ١٧٩بقوله:
(فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن كان قوله وعمله بالقسط كان ...
مستقيماً، ومن كان قوله وعمله مستقيماً كان قائماً بالقسط، ولهذا أمرنا الله أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وصراطهم هو العدل والميزان ليقوم الناس بالقسط والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك معاصيه، ... فالمعاصي كلها ظلم مناقض للعدل مخالف للقيام بالقسط والعدل) [٤] . ... * ويعلق سيد قطب ﵀ على هذه الآية في ظلال القرآن المجلد
الأول ص ٥٥ بقوله:
(وتدبير الله لهذا الكون والحياة متلبس دائماً بالقسط وهو العدل،
فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون التي
يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر.. لا يتحقق هذا
إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس وبينه في كتابه وإلا فلا عدل ولا قسط
ولا استقامة ولا تناسق ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان، وهو الظلم إذن
والتصادم والتشتت والصراع) .
إلى أن قال ﵀ في الصفحة نفسها (وأنه حيث حكم في حياة الناس منهج آخر من وضع البشر لازمه جهل البشر وقصور البشر، كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور. ظلم الفرد للجماعة، أو ظلم الجماعة للفرد، أو ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة أو جيل لجيل. وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء، وهو إله جميع العباد، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء [لا إلَهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ] . اهـ[٥] .
الآية الثانية:
قوله : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ
عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا
الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] [سورة
النساء: ١٣٥] .
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (يأمر تعالى عباده المؤمنين أن
يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم
في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين
متعاضدين متناصرين، يقول: (شُهَدَاءَ لِلَّهِ) كما قال تعالى: [وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ] ، أي: أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من
التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: [ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ] ، أي: اشهد بالحق
ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عاد ضرره عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه، وقوله: [أَوِ
الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ] ، أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم
فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد الضرر عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد.
وقوله: [إن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا] ، أي: لا ترعاه لغناه، ولا
تشفق عليه لفقره، فالله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما.
وقوله: [فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا] ، أي: لا يحملنكم الهوى والمعصية
وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على
أي حال كان كما قال تعالى: [ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] ، ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه الرسول -صلى الله
عليه وسلم- على أهل خيبر يخرص عليهم ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه
ليرفق بهم فقال: والله لقد جئتكم من أحب الخلق إليَّ ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم
من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم،
فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض) اهـ[٦] .
ويعلق سيد قطب (٥٤٩/٢) على الآية نفسها بقوله: (إنها أمانة القيام بالقسط
على إطلاقه في كل حال وفي كل مجال. القسط الذي يمنع البغي والظلم في
الأرض، والذي يكفل العدل بين الناس، والذي يعطي كل ذي حق حقه، من
المسلمين وغير المسلمين، وفى هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون
وغير المؤمنين، ويتساوى الأقارب والأباعد، ويتساوى الأعداء والأصدقاء،
والأغنياء والفقراء..
والمنهج الرباني يجند النفس في وجه ذاتها وفي وجه عواطفها تجاه ذاتها أولاً
[ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ] وتجاه الوالدين والأقربين ثانياً، وهي محاولة شاقة أشق بكثير
من نطقها باللسان ... ) إلى أن قال: (ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها
الفطرية.. أو الاجتماعية حين يكون المقصود له أو عليه فقيراً تشفق النفس من
شهادة الحق ضده، وتود أن تشهد له معاونة لضعفه. أو من يكون فقره مدعاة
للشهادة ضده بحكم الرواسب الاجتماعية كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية،
وحين يكون المشهود له أو عليه غنيا تقتضي الأوضاع الاجتماعية مجاملته أو قد
يثير غناه وتبطره النفس ضده فتحاول أن تشهد ضده..
الآية الثالثة:
قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ] [سورة المائدة: ٨] .
يعلق سيد قطب ﵀ على هذه الآية بقوله:
(لقد نهى الله الذين آمنوا قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن
المسجد الحرام على الاعتداء، وكانت هذه قمة ضبط النفس والسماحة، يرفعهم الله
إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم، وهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن
يميلوا عن العدل، وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق، فهي مرحلة
وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده، تتجاوز إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره
والبغض..) إلى أن قال - رحمه الله تعالى -: (إن النفس البشرية لا ترتقي هذا
المرتقى قط إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله حين تقوم لله
متجردة عن كل ما عداه، وحين تستشعر تقواه وتحسُّ أن عينه على خفايا الضمير
وذات الصدور) اهـ باختصار [٧] .
الآية الرابعة:
قوله تعالى: [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] [الأنعام: ١٥٢] .
يعلق سيد قطب ﵀ على هذه الآية فيقول:
(وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه بالله ابتداءً - إلى مستوى
سامق رفيع على هدى من العقيدة في الله ومراقبته.. فهنا مزلة من مزلات الضعف
البشري، الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكافل
والامتداد، بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل وفى قوة القرابة سند لضعفه وفى
سعة رقعتها كمال لوجوده، وإن امتدادها جيلاً بعد جيل حماية لامتداده، ومن ثم
يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم أو القضاء بينهم
وبين الناس، وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة
الحق والعدل على هدى من الاعتصام بالله وحده، ومراقبة الله وحده، إكتفاءً به من
مناجزة ذوي القربى وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه وهو سبحانه أقرب
إلى المرء من حبل الوريد) اهـ[٨] .
أما الأحاديث الواردة في الحث على العدل وتجنب الظلم والبغي فكثيرة جداً
نقتصر على بعضها:
الحديث الأول:
ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ أنه قال:
(نحلني أبي نحلاً، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه
رسول الله ﷺ ، فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: أكل ولدك
نحلت مثله؟ فقال: لا. فقال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، وقال: إني لا أشهد
على جور. قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة [٩]
الحديث الثاني:
روى البخاري عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -
ﷺ : (كل سُلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع
فيه الشمس، يعدل بين اثنين صدقة) [١٠] .
الحديث الثالث:
ثبت في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا
رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في: العسر واليسر،
والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن
نقول الحق أينما كان، لا نخاف في الله لومة لائم) وزاد النسائى: (وعلى أن نقول
بالعدل أين كنا) [١١] .
الحديث الرابع:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -
ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور على ... يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما
ولوا) [١٢] .
الحديث الخامس:
روى النسائي والحاكم في مستدركه عن عمار بن ياسر ﵁
قال: سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء: (اللهم بعلمك
الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت
الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق
والعدل في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا
ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد
الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء
مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين) [١٣] .
أقسام العدل:
ينقسم العدل حسب متعلقاته إلى الأقسام التالية:
١-أعظم العدل:
وهو توحيد الله لا شريك له، وهو الحق الذي قامت به السموات
والأرض، ومن أجله خلق الله الخلق، قال الله : [ومَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ
والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ]
[الدخان: ٣٨ - ٣٩] . وقال تعالى: [مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا إلاَّ
بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُّسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ] [الأحقاف: ٣] .
ويقابل هذا القسم من العدل: أعظم الظلم، وهو الإشراك بالله ،
والكفر به، حيث قال الله : [وإذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] . ومثله قول الله تعالى: [الَذِينَ
آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] .
وقوله تعالى: [والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [سورة البقرة: ٢٥٤] .
٢ -العدل مع النفس:
ويدخل في هذا العدل: قيامه بالأمانة التي كلفه الله بها، وذلك فيما
بين العبد وربه من الالتزام بأوامره واجتناب نواهيه من غير إفراط ولا تفريط،
ويقابل هذا القسم من العدل: ظلم العبد لنفسه بارتكابه ما حرم الله مما
هو دون الشرك -، أو تركه ما أمر الله مما يتعلق به نفسه، ولا يتعدى
إلى غيره، وهذا النوع من الظلم من أخف أنواع الظلم؛ حيث إن صاحبه قد يتوب
منه فيتوب الله عليه، ولو مات عنه بدون توبة فإنه تحت المشيئة، بينما الظلم
العظيم - وهو الشرك بالله - لو مات عليه فلن يغفر الله له، كما قال تعالى: [إنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] [النساء: ٤٨] . وهو
أخف من ظلم العباد؛ لأنه يشترط في التوبة من ظلم العباد رد الحقوق إلى أهلها
واستباحتهم منها.
٣-العدل مع العباد:
وهذا النوع من العدل هو الذي يهمنا في هذا البحث، والقسمان السابقان ليس
هنا موضع تفصيلهما، ويقابل هذا القسم من العدل ظلم العباد واعتداء بعضهم على
بعض، سواء في القول أو الفعل، وسنذكر في هذا القسم - إن شاء الله - بعض
مقتضيات ولوازم هذا العدل، مع الإشارة في أثناء ذلك إلى بعض المواقف المؤسفة
التي تنافي العدل والإنصاف، مع ذكر المنهج الشرعيّ الذي ينبغي سلوكه حيال هذه
المواقف.
ويحسن بنا قبل ذكر هذه اللوازم أن نقدم لها بكلام نفيس للإمام ابن القيم -
﵀ في مدارج السالكين حول (منزلة الخلق) . يقول ﵀:
(وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها:
الصبر، العفة، الشجاعة، العدل.
فالصبر: يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وعدم الطيش والعجلة.
والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على
الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من: الفحشاء، والبخل، والكذب، والغيبة،
والنميمة.
والشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى
البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته،
وتحمله على كظم الغيظ والحلم. فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها
بلجامها عن النزع والبطش. كما قال النبي ﷺ : (ليس الشديد
بالصرعة، إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب) ، وهو حقيقة الشجاعة،
وهو ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.
والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط
والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقِحة،
وعلى خلق الشجاعة، الذي هو التوسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي
هو التوسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من
هذه الأربعة.
ومنشأ جميع الأخلاق السافلة، وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم،
والشهوة، والغضب.
فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن. والكمال
نقصاً والنقص كمالاً.
والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع
الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في
موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في
موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.
والشهوة. تحمله على الحرص والشح والبخل، وعدم العفة والنَّهمة والجشع،
والذل والدناءات كلها.
والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد، والعدوان والسَفَه.
ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة. وملاك هذه
الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة فيتولد في إفراطها
في الضعف: المهانة والبخل، والخسة واللؤم، والذل والحرص، والشح وسفساف
الأمور والأخلاق.
ويتولد من إفراطها في القوة الظلم والغضب والحدة، والفحش والطيش.
ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر أولاد غيَّة كثيرون. فإن النفس قد تجمع
قوة وضعفاً. فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر، ظالم عنوف
جبار، فإذا قهر صار أذل من امرأة: جبان عن القويّ، جريء على الضعيف.
فالأخلاق الذميمة: يولد بعضها بعضاً، كما أن الأخلاق الحميدة: يولد بعضها بعضاً.
وكل خلق محمود مكتنفٌ بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما. وطرفاه خلقان
ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه خلقا: البخل والتبذير. التواضع: الذي يكتنفه خلقا: الذل والمهانة والكبر والعلو [١٤] .
*يتبع *
стр. 89
تعريف الملأ في الفكر الإسلامي
(من صفات الملأ)
عثمان جمعة ضميرية
لو عدنا إلى القرآن الكريم، وتتبعنا الآيات الكريمة، التي يتحدث الله تعالى
فيها عن أولئك الملأ ومواقفهم من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لوضعنا أيدينا
على مفتاح شخصية أولئك الملأ وتعرفنا على صفاتهم، وسنشير فيما يلي إلى
أهم هذه الصفات، ولعلّ الحديث - فيما يأتي - عن وسائل الملأ في محاربتهم لدعوة الرسل والصَّد عنها، يعطينا ملامح أخرى لشخصية الملأ وصفاتهم أيضاً.
أولاً - الملأ يستكبرون في الأرض بغير الحق:
وتلك شنشنة قديمة نعرفها من الملأ، الذين نصبوا أنفسهم دعاة للضلال
والصد عن الدعوة ولمعاداة الأنبياء والكفر بهم، فقد أخذتهم، العزة بالإثم عندما
بعث الله تعالى لهم رسلاً من البشر، يدعونهم إلى الله تعالى وتوحيده وعبادته،
فاستنكفوا عن ذلك، وقعدوا بكل صراط يوعدون ويكذبون، ويصدون عن سبيل الله
من آمن ويبغونها عوجاً، فاستحقوا - بذلك - الخلود فى النار:
[إنَّ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا واسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ولا
يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ] ... [الأعراف: ٤٠] .
وقد وصف الله تعالى أولئك الملأ بالاستكبار، حتى أصبح ذلك وصفاً لازماً
لهم، وها هي الآيات القرآنية الكريمة تحدِّثنا عن موقف أولئك الملأ من أنبيائهم،
عليهم الصلاة والسلام، واستكبارهم عن اتباع الهدى:
أ - فالأشراف والسادة المستكبرون من قوم نوحٍ ﵇، يكذِّبون
نوحاً؟ لأن أتباعه من البشر، بل هم من فقراء البشر وأراذل القوم - بزعمهم -
من أصحاب المهن البسيطة، كالباعة والحاكة، وغيرهم، ولذلك فالسادة
المستكبرون يأنفون أن يكونوا معهم فى دعوة واحدة، وفي صف واحد يجمعهم:
[ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥) أَن لاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ
إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ
بَشَراً مِّثْلَنَا ومَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ومَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن
فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] [هود: ٢٦ - ٢٧] ، [قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ]
[الشعراء: ١١١] .
وكأنهم طلبوا من نوح ﵇ أن يطرد المؤمنين عنه؛ احتشاماً
ونفاسة منهم وأنفة أن يجلسوا معهم -تماماً كما طلب سفهاء قريش من النبي - صلى
الله عليه وسلم - أن يطرد عنه جماعة من الضعفاء، ويجلس معهم مجلساً خاصاً -
ولكن نوحاً ﵇ أجابهم بما حكاه الله تعالى عنه، فقال:
[ومَا أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا إنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ...
(٢٩) ويَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إن طَرَدتُّهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ] [هود: ٢٩-٣٠] .
[ومَا أَنَا بِطَارِدِ المُؤْمِنِينَ (١١٤) إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] [الشعراء: ١١٤- ١١٥] .
ب -وبعث الله تعالى هوداً ﵇ إلى عاد، وكانوا ذوي شدة وبأس
وقوة، وكأنهم قد وصلوا إلى قمة الإبداع المادي والحضارة الصناعية والرفاه -
وقتذاك - إلى حد الترف والإسراف، فاتخذوا من البناء على جوادِّ الطرق المشهورة
ما يبهر العقول، ومن البروج المشيدة والبنيان المخلد ومآخذ الماء ما يثير الإعجاب، وكل ذلك لا لحاجةٍ لهم، بل هو يفيض عن حاجتهم، فيتخذونه عبثاً وتكاثراً ولهواً
ومفاخرة:
[أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ] ...
[الشعراء: ١٢٧-١٢٨] .
فكان ذلك الثراء العريض والتقدم الصناعي، الذي أُتخموا فيه، سبباً من
أسباب استكبارهم وغرورهم واستعلائهم.. فوقفوا ضد هود ﵇،
وانطلق الملأ الكافر منهم -إذ كان فيهم من قد آمن بهود ﵇ يكذِّب
ويصد عن الدعوة، وينشر الأراجيف والشائعات الكاذبة، بحجة أن هوداً - عليه
السلام - من البشر، وكيف يؤمنون لبشر مثلهم؟ :
[وإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ
(٦٥) قَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ] ، [الأعراف: ٦٥-٦٦] .
[وقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ويَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) ولَئِنْ
أَطَعْتُم بَشَراً مِّثْلَكُمْ إنَّكُمْ إذاً لَّخَاسِرُونَ] ، [المؤمنون: ٣٢-٣٤] .
[فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً] ، ... ... [فًصِّلت: ١٥] .
ج - وهاهم أولاء الملأ من قوم صالح ﵇ يدفعهم الكبر إلى
الاستعلاء والتكذيب والكفر: [قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
(٧٥) قَالَ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ] ، [الأعراف: ٧٦] .
فهم كفروا بما آمن به هؤلاء المؤمنون المستضعفون، استكباراً أن يكونوا
مثلهم مؤمنين، وكأنها نكاية بهم أو مشاكسة ومعاكسة لأولئك المؤمنين المستضعفين! وكيف يرضون لأنفسهم أن يطيعوا رجلاً من البشر؛ ويصيروا مرءوسين له؟
وهم أصحاب الزعامة والسيادة والمال والثراء:
[كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًاً مِّنَّا واحِدًاً نَّتَّبِعُهُ إنَّا إذًاً لَّفِي ضَلالٍ
وسُعُرٍ (٢٤) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ] ، [القمر: ٢٣ - ٢٥]
وكما كانت عاد في قمة التقدم الصناعي والرفاه والوفرة حتى أهلكهم الله تعالى
بسبب تكذيبهم، كذلك كانت ثمود، فقد جاءت بعدها تخلُفُها في هذا المتاع الذي أنعم
الله تعالى به عليهم وكان سبباً لاستكبارهم وكفرهم:
[واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن
سُهُولِهَا قُصُوراً وتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ
مُفْسِدِينَ] [الأعراف: ٦٧] .
[كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ (١٤١) إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢)
إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ (١٤٤) ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي
جَنَّاتٍ وعُيُونٍ (١٤٧) وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ
بُيُوتاً فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ (١٥٠) ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ (١٥١)
الَذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إنَّمَا أَنتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ
(١٥٣) مَا أَنتَ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] ، [الشعراء:
١٤١-١٥٤] .
د -وكذلك وصف الله تعالى الملأ من قوم شعيب ﵇ بالكبر،
فقال:
[قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ
مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً
إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ومَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ
رَبُّنَا وسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ
وأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ (٨٩) وقَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إنَّكُمْ إذاً
لَّخَاسِرُونَ] [الاعراف: ٨٨-٩٠] .
هـ - وهي الصفة بعينها، يصف الله تعالى بها الملأ من قوم فرعون:
[ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا
وكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ] ، [يونس: ٧٥] .
[ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٤٥) إلَى فِرْعَوْنَ
ومَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وقَوْمُهُمَا لَنَا
عَابِدُونَ] ، [المؤمنون: ٤٦-٤٧] .
[فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ والْجَرَادَ والْقُمَّلَ والضَّفَادِعَ والدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ ...
فَاسْتَكْبَرُوا وكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ] [الأعراف: ١٣٣] .
[ولَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ ومَا كَانُوا سَابِقِينَ] ، ...
[العنكبوت: ٣٩] .
و والملأ من العرب، زعماء قريش وصناديدها، كانوا يستكبرون عن
آيات الله، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال:
[اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنتُمْ عَنْ
آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ] ، [الأنعام: ٩٣] .
وفي المدينة كان المنافقون يأنفون أن يؤمنوا برسالة محمد - صلى الله عليه
وسلم -؛ لأن المؤمنين حوله هم من السفهاء بزعمهم:
[وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ
السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ] ، [البقرة: ١٣] .
وقد كانوا إذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله صدوا وأعرضوا عما
قيل لهم استكباراً عن ذلك واحتقاراً لما قيل لهم، وكان يمثل ذلك الطاغية رأس
المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول [١] ، قال الله تعالى عنهم:
[وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ
وهُم مُّسْتَكْبِرُونَ] ، [المنافقين: ٥] .
* ونجد في السيرة النبوية نماذج لاستكبار الملأ من قريش، فيما كانوا
يطلبونه من رسول الله ﷺ أن يجعل لهم مجلساً خاصاً،
يجلس فيه معهم وحدهم، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار، وصهيب
وخباب، وابن مسعود، ﵃، وليُفْرِد أولئك بمجلس على حده، فهم
يأنفون أن يجلسوا مع هؤلاء الضعفاء، ويتكبرون عليهم، فحذَّر الله تعالى نبيه -
ﷺ أن يميل إلى ذلك ونهاه عنه وأمره أن يصبر نفسه في
الجلوس مع هؤلاء المؤمنين الأتقياء [٢] .
[واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ
وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] ، [الكهف: ٢٨] .
وعن سعيد بن أبى وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي - صلى
الله عليه وسلم - ستة نفر، فقال المشركون للنبي: اطرد هؤلاء، لايجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث
نفسه. فأنزل الله : [ولا تَطْرُدِ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وجْهَهُ] [الأنعام: ٥٢] [٣] .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: مرَّ الملأ من قريش على رسول
الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار. فقالوا: يا محمد
أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: [وأَنذِرْ بِهِ الَذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى
رَبِّهِمْ] إلى قوله: [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] [الأنعام: ٥١ -٥٣] [٤] .
وأخرج الإمام ابن جرير الطبري عن ابن مسعود ﵁ قال:
مرَّ الملأ من قريش بالنبي ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال
وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؛ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؛ أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؛ اطردهم عنك!
فلعلك - إن طردتهم - أن نتبعك! فنزلت هذه الآية: [ولا تَطْرُدِ الَذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ] إلى قوله تعالى: [وكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ] إلى آخر الآية [٥] .
وأخرج أيضاً عن خباب - رضى الله عنه- في قوله تعالى:! ولا تطرد
الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) إلى قوله: معم فتكون من
الظالمين،، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ،
فوجدوا النبي ﷺ قاعداً مع بلال وصهيب وخباب، في أناس
من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حَقَروهم، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن
تجعل لنا منك مجلساً تعرف العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن
ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد. فإذا نحن جئناك فاقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد
معهم إن شئت! قال. نعم!
قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا علياً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية: [ولا تَطْرُدِ الَذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ومَا مِنْ
حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مَنَ الظَّالِمِينَ] ، ثم قال: [وكَذَلِكَ فَتَنَّا
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] ،
ثم قال: [وإذَا جَاءَكَ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ] ، فالقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: [سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] ! فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: [واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا]
[الكهف: ٢٨] . قال: فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد،
فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم [٦] .
وعن عكرمة، ﵀، في قوله تعالى: [وأَنذِرْ بِهِ الَذِينَ يَخَافُونَ أَن
يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ] الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم
بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من
بني عبد مناف من الكفار، إلى أبي طالب قالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك
يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا [٧] ، كان أعظم في
صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتًّباعنا إياه، وتصديقنا به! قال: فأتى أبو
طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن
الخطاب: لو فعلتَ ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلامَ يصيرون من قولهم؟
فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية: [وأَنذِرْ بِهِ الَذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى
رَبِّهِمْ ...] إلى قوله [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] ، قال: وكانوا: بلال، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح مولى أسيد. ومن الحلفاء: ابن مسعود،
والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاريّ، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن
عبد عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في
أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: [وكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا
أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا] الآية. فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر
من مقالته، فأنزل الله تعالى ذكره: [وإذَا جَاءَكَ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ] الآية [٨] .
.. تعليل وتحذير
وفي تعليل موقف النبي ﷺ واجتهاده في دعوة أولئك
الملأ وما أعقب ذلك من توجيهات ربانية يقول الباحث محمد عزة دروزة -رحمه
الله-:
ولقد أدرك النبي ﷺ أن موقف الزعماء هو المؤثر في
الجمهور، وأن نطاق دعوته سوف يبقى ضيقاً، وأنها سوف تتعثر، وأن الأذى
سوف يشتدُّ على المؤمنين مادام الزعماء في هذا الموقف. وكان بعضهم معتدلاً، أو
أقل اندفاعاً في المناوأة والكيد والصدّ من بعض، فأدَّاه اجتهاده إلى بذل الجهد في
تألُّفِهم وإقامة الصِّلات معهم، بل ومسايرتهم شيئاً ما، ولو كان في ذلك بعض
الغضِّ أو الإهمال لأصحابه، على أمل كسبهم للدعوة وكسر الطوق المضروب
حولها.
وكان هذا الاجتهاد خلاف الأولى في علم الله ، فاقتضت حكمة الله
تنبيهه إلى ذلك، وإلى أن مهمته هي: الإنذار والتبشير والدعوة، والاهتمام بالذين
آمنوا به وانضووا إليه، وعدم المبالاة بالزعماء الذين امتنعوا عن الاسستجابة أو
وقفوا موقف الصدِّ والأذى؛ بسبب استكبارهم، وخبث نياتهم، وسوء أخلاقهم،
واعتباراتهم الشخصية والأسرية. وأن كل ما عليه هو أن يتلو القرآن ويدعو إلى
الله ومكارم الأخلاق. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضل عليها،
وأنه ليس هو وكيلاً عليهم ولا مسؤولاً، ولا جبَّاراً ولا مسيطراً، وإنما هو منذر،
على ما جاء في آيات عديدة في سُوَرٍ عديدة، منها هذه الآيات كمثال:
١ -[قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ومَا أنَا
عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ] [الأنعام: ١٠٤] .
٢-[قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
ومَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ومَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (١٠٨) واتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ
واصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] [يونس: ١٠٧ - ١٠٩] .
٣ -[إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَذِي حَرَّمَهَا ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (٩١) وأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن
ضَلَّ فَقُلْ إنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ (٩٢) وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ومَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] [النمل: ٩١-٩٣] .
٤ -[نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ومَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ
وعِيدِ] [ق: ٤٥] .
٥ -[فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ (٢٢) إلاَّ مَن تَوَلَّى
وكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ (٢٤) إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ] [الغاشية: ٢١ - ٢٦] [٩] .
هؤلاء أتباع الأنبياء ... سنة ثابتة:
قال الإمام ابن كثير ﵀[١٠] :
إن رسول الله ﷺ كان غالب من اتبعه في أول بعثته
ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوحٍ لنوح: [ومَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ]
الآية (هود: ٢٧) ، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، حين سأله عن تلك
المسائل، فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؛ فقال: بل ضعفاؤهم.
فقال: هم أتباع الرسل [١١] .
والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذِّبون
من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؛ أي: ما
كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إليه خيراً، ويدعنا، كقولهم:
[لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ] [الأحقاف: ١١] ، وكقوله: [وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وأَحْسَنُ نَدِياً]
[مريم: ٧٣] .
قال الله تعالى في جواب ذلك: [وكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً
ورِءْياً] [مريم: ٧٤] . وقال في جوابهم، حين قالوا: [أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] [الأنعام: ٥٣] أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له
بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات
إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: [جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] .
وفي الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر
إلى قلوبكم وأعمالكم» [١٢] .
فتاريخ الرسالات السماوية وسنة الله في الدعوات، يدلان على أن الذين
يبادرون قبل غيرهم، ويسارعون إلى تصديق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، فى
غالبيتهم من أولئك الفقراء والعبيد والمستضعفين، وهؤلاء هم الفئات المهضومة
حقوقهم، أو الذين حرموا من الامتيازات الاجتماعية أو السياسية، التي احتكرها
لأنفسهم الملأ المستكبرون الطاغون، الذين أوقعوا عليهم الظلم والاضطهاد بفعل
النظام السائد الذي يهدر آدمية الفقراء ويجعل الملأ الكبراء سادة بالفطرة، لهم على
العبيد حق السمع والطاعة والخضوع.
ويقول صاحب المنار: مضت سنة الله تعالى أن يسبق الفقراء المستضعفون
من الناس إلى إجابة دعوة الرسل واتباعهم وإلى كل دعوة إصلاح، لأنه لا يثقل
عليهم أن يكونوا تبعاً لغيرهم، وأن يكفر بهم أكابر القوم المتكبرون، والأغنياء
المترفون، لأنه يشق عليهم أن يكونوا مرؤوسين، وأن يخضعوا للأوامر والنواهى
التي تحرم عليهم الإسراف الضار، وتوقف شهواتهم عند حدود الحق ... والاعتدال [١٣] .
ومن الواقع التاريخي:
وإذا كانت هذه قاعدة عامة في الدعوات السماوية، كما حكاها الله تعالى في
القرآن الكريم، فإننا نجد لها أمثلة أخرى فى تاريخ البشر وواقعهم:
فقد كان في مقدمة الذين سارعوا في الدولة الرومانية إلى اعتناق المسيحية،
هم الأرقاء، لأنها وعدتهم بملكوت السماء، وأعلنت أنه ليس مقصوراً على السادة،
بل إنها أخبرتهم أن دخول الأغنياء الجنة هو أصعب من أن يلج الجمل في سم
الخياط، والمفروض أنه الغني الباغي الظالم المستكبر..
وفي التاريخ الجاهلي الحديث، كان من أكبر المؤيدين للثورة الفرنسية:
الفلاحون؛ كي تخلصهم من القيود الاقتصادية والاجتماعية التي فرضها عليهم
المُلاَّك الإقطاعيون، وأرباب الحرف والصنائع؛ لتحررهم من سيطرة نقابات
الطوائف، والعامة كي يكون لهم نصيب من الحكم الذي كان مقصوراً على الملوك
والنبلاء والفئات العليا ورجال الكنيسة [١٤] ، ولعل هذا يفسر شعار تلك الثورة
المعروف، وهو: (الحرية والإخاء والمساواة) الذي أطلقوه ليخدعوا به الناس
وليكسبوا الجماهير إلى صفهم.
.. جاهلية قديمة جديدة..
ورغم الدعوات التي يطلقها كثير من الناس في الشرق والغرب، يزعمون
فيها أنهم دعاة تحرر الإنسان وأنهم جاؤوا لينقذوا الضعفاء والمهضومة حقوقهم،
وأنهم أنصار حقوق الإنسان، وأنهم سند لحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن
أجل ذلك أنشئت المنظمات الدولية وما تفرع عنها من مجالس ومنظمات.. رغم هذا
فإنهم هم الذين يكرسون الظلم والعدوان ويزدرون الضعفاء حتى ولو كانوا يجلسون
بجانبهم في مقعد من مقاعد منظماتهم التي اصطنعوها لتكون أداة سيطرة على
الآخرين.
يقول صاحب: (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله) :
ومازال لهذه الطبقية الشاذة الهمجية جذور راسخة في عصرنا الذي يسمى
بعصر التقدم والمدنية:
-فبعض المنسوبين إلى أهل العلم يتطاولون على الذين لا علم عندهم! .
- والأغنياء المترفون - الرأسماليون والإقطاعيون - يحتقرون العمال
الكادحين والفقراء المدقعين، ولو كانوا أصحاب مواهب فذة! ! .
- وأرباب الوظائف الكبيرة يزدرون عامة الناس، ويتخذون من أنفسهم أرباباً
من دون الله! ! .
وهذه كلها مقاييس جاهلية، مهما نعق دعاتها بالمساواة والعدل.. ولله سبحانه
وتعالى مقياس ثابت لا يتزعزع: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] .
إن المتقين أعزُّ خلق الله، وأرفعهم شأناً، ولو كانوا شعثاً غبراً لا يملكون مالاً
أو جاهاً.. فهم مؤمنون أتقياء وكفاهم ذلك نسباً وشرفاً ...
درس للدعاة..
وإذا كان الاستكبار في الأرض بغير الحق، والاستعلاء على الناس، عقبة
أمام كل دعوة وإصلاح، وجسراً إلى النار، وسبباً للهلاك والبوار، فينبغي على
المؤمنين عامة، والدعاة خاصة، أن يكونوا على حذر من الكبر والغرور، وأن
يرتقوا إلى أفق مشرقٍ وضيء، فيكونوا من الموطئين أكنافاً الذين يَأْلَفُون ويُؤْلفون،
وأن يطامنوا من كبريائهم، وأن يخفضوا جناحهم لإخوانهم المؤمنين، فيدخلون في
زمرة عباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هوناً، وعندئذ يمدون أبصارهم للدار
الآخرة التي جعلها الله تعالى للمؤمنين المتواضعين: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ ولا فَسَاداً والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] .
وما أعظم ما أدبَّنا الله تعالى به، عندما اقتلع من نفوسنا كل بذرة تنبت الكبر
في نفس صاحبها! وما أعظم أدب الإسلام عندما جعل في نفس كل إنسان وازعاً
ونوراً يستضيء به، وحكماً عدلاً لا يخطئ الصواب يقضي بأن الكبر تزوير
للحقيقة وتعالٍ على الناس بدون حقٍ.. إذ لا شيء، مما يتيه به الإنسان فخراً على
الآخرين، ويتكبر عليهم بسببه، يسوِّغ له ذلك ويبرره.
* أرأيت العلم الذي تُفاخِر به وتتكبر؟ إنه من عند الله سبحانه، ومهما أوتيت
منه فلن تبلغه كله:
[وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] [البقرة: ٣١] .
[وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] [يوسف: ٧٦] .
[ومَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً] [الإسراء: ٨٥] .
* أرأيت إلى الملك والسيادة والزعامة؟ إنها بقدر من الله تعالى، وهو
ينزعها منك متى شاء:
[قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن
تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [ال عمران: ٢٦] .
* أرأيت إلى الرزق والمال والمتاع المادي كله؟ إنك لم تخلق منه شيئاً، فهو
كله من عند الله، وليس لك فيه إلا الكسب:
[أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ
لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)
أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ
نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ] [الواقعة: ٦٣ - ٧٠] .
* وحتى الطاقة التي تستخدمها وتُسَخّرها لتيسير سبل الحياة لديك.. إنها هبة
من الله تعالى ومنحة للبشر:
[أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ
(٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ومَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ] [الواقعة: ٧١ - ٧٣] .
* وماذا بقي لديك؟ الحسب والنسب؟ فهل لك في ذلك إرادة واختيار؟ هل
كنت بمحض إرادتك من
بني فلان أو من بنى فلان آخر ... ؟ وما الذي يميزك عن غيرك، والكل
يمتون بالنسب إلى أصل واحد.. إلى آدم ﵇:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] ، «والناس كلهم لآدم وآدم من تراب» [١٥] .
فماذا بقي بعد هذا كله؟ ماذا بقي لك تتكبر به على الآخرين إلا العجز
والضعف ومعرفة الأصل الذي كنتَ والنهاية التي إليها تصير؟ .
فلتعد إلى نفسك، ولتضعها في مكانها، ولا ترفعها إلى ما لا تستحق، وليكن
لك برسول الله ﷺ أسوة حسنة.
стр. 90
الإسلام
قول وعمل واعتقاد
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه مشتمل على أقوال
وأعمال واعتقادات، بالإسلام بعث الله جميع النبيين، قال تعالى: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ
الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] . وقال: [إنَّ الدِّينَ عِندَ
اللَّهِ الإسْلامُ] . وقال نوح: [يَا قَوْمِ إن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا
إلَيَّ ولا تُنظِرُونِ (٧١) فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ وأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ] .
وأخبر الله عن إبراهيم ﵇ أن دينه الإسلام فقال تعالى: [ومَن
يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وإنَّهُ فِي الآخِرَةِ
لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ (١٣١) ووَصَّى
بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم
مُّسْلِمُونَ] . وقال تعالى: [ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ
مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً واتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً] وبمجموع هذين الوصفين: إسلام
الوجه لله والإحسان في العمل علق السعادة فقال تعالى: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ
وهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ] ، كما علقها
بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح فقال -: [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَادُوا
والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ] ، وهذا يدل على أن الإسلام الذي هو
إخلاص الدين لله مع الإحسان وهو العمل الصالح الذي أمر الله به هو والإيمان
المقرون بالعمل الصالح متلازمان.
فالإسلام أن تعبد الله وحده لا شريك له مخلصاً له الدين، وهذا دين الله الذي
لا يقبل من أحد ديناً سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، ولا تكون عبادته مع
إرسال الرسل إلينا، إلا بما أمرت به رسله، لا بما يضاده، فإن ضد ذلك معصيته، وقد ختم الله الرسل بمحمد ﷺ فلا يكون مسلماً إلا من شهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في
الإسلام.
ثم لابد من التزام ما أمره به الرسول من الأعمال الظاهرة كالمباني الخمس:
الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، ومن ترك من ذلك شيئاً نقص إسلامه
بقدر ما نقص من ذلك كما في الحديث: «من انتقص منهن شيئاً فهو سهم من
الإسلام تركه» .
والدين: مصدر دان يدين ديناً، إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه
الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، وهو الخضوع له والعبودية له، قال
أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم. فمن استكبر عن عبادة الله، أو عبده وعبد معه
إلهاً آخر لم يكن مسلماً، وجميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام.
ويدخل في مسمى الدين أيضاً عند الإطلاق الاعمال الباطنة وهي أعمال
القلوب؛ كالحب والخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل
والمعرفة واليقين والصدق، وعلم القلب وتصديقه؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
كما يدخل فيه جميع الأعمال الظاهرة، كالنطق بالشهادتين والصلاة وأداء
الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام وبر الوالدين والإحسان إلى الأقارب
والجيران والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه أيضاً: إفشاء السلام
وإطعام الطعام والجهاد في سبيل الله وطاعة أولي الأمر في طاعة الله ونصح
المسلمين وتعليمهم وإرشادهم، ولهذا قال ﷺ في آخر حديث
جبريل الطويل: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» بعد أن شرح درجة الإسلام
ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله ديناً.
وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام ومسمى الدين كالزنا والرياء
والسرقة وشرب الخمر وأكل مال اليتيم وإيذاء الجار بقول أو فعل.
فالخلاصة أنه يدخل في مسمى الدين ومسمى الإسلام عند الإطلاق: فعل
جميع الواجبات القولية والفعلية، وترك جميع المحرمات القولية والفعلية.
والأدلة على ارتباط أعمال الدين بالقلب واللسان والجوارح كثيرة منها حديث
جبريل المشهور فإنه سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان
والإحسان، فأما الإسلام فقد فسره النبى ﷺ بأعمال الجوارح
الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت
من استطاع إليه سبيلاً، وهي منقسمة إلى عمل بدني، كالصلاة والصوم، وإلى
عمل مالي وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما كالحج، ومن الأدلة أيضاً
قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول:
لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق» فدل هذا الحديث على أن
الإيمان أصل له شعب، وشعبه هي أعمال القلوب وأعمال الجوارح، قال - صلى
الله عليه وسلم -: «الحياء شعبة من الإيمان» وكذلك التوكل والخشية والإنابة
من شعبه، وكذلك الصلاة من الإيمان والزكاة والصوم والحج، حتى تنتهي هذه
الشعب إلى: إماطة الأذى عن الطريق، وبين شعبة الشهادة وشعبة الإماطة للاذى
عن الطريق شعب متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من
شعبة الإماطة، ومن الأدلة أيضاً قوله ﵇: «من أحب لله وأبغض لله
وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيما» ن، فأدخل أعمال القلوب - وهو:
الحب والبغض - في الإيمان، كما أدخل أعمال البدن في الإيمان - وهو: الإعطاء
والمنع - ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : «المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده» ، فسمى المسلم من ترك أذية الناس بلسانه ويده، ومن
ذلك قوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ،
ويدل على هذا أيضاً ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض
بن سارية ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ضرب
الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى
الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا
الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح
شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط:
الإسلام، والسوران: حدود الله ، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك
الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من جوف الصراط: واعظ الله
في قلب كل مسلم» ، زاد الترمذي: «والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم» ، ففي هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ :
أن الإسلام هو: الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه، ونهى عن
مجاوزة حدوده، وإن ارتكب شيئاً من المحرمات فقد تعدى حدوده، ومن الأدلة ما
في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً سأل النبى -
ﷺ : أي الإسلام خير؛ قال: «أن تطعم الطعام وتقراً السلام
على من عرفت ومن لم تعرف» ، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على أن
أعمال الدين مرتبطة بالقلب واللسان والجوارح، ومن نطق بالشهادتين ولم يصدق
بقلبه ولم يعمل بجوارحه فمن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشارع -
صلوات الله وسلامه عليه - لم يجعل الإيمان حاصلاً بمجرد قول اللسان؛ فإن
المنافقين يقولون: لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل
من النار، وقد نفى الله الإيمان عنهم في القرآن الكريم كما قال تعالى: [وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ] ، وقال: [إذَا جَاءَكَ
المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ
لَكَاذِبُونَ] ، وقال عن المنافقين: [يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ] ، وقال
عن المشركين: [يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] ، فلا يكون
الإنسان مؤمناً مسلماً حتى يتواطأ قلبه ولسانه على النطق بالشهادتين، ويعمل
بجوارحه وقلبه بمقتضاهما من المحبة والطاعة والانقياد وخوف الله ورجائه
والصلاة والصيام وغير ذلك، فإنه من المعلوم بالضرورة أن الشارع الحكيم رتب
الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما، كما قال -
ﷺ في حديث عتبان: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله
إلا الله، يبتغي بذلك وجهه الله» ، ولما سأل أبو هريرة النبي - صلى الله عليه
وسلم -: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال: لا إله إلا الله
خالصاً من قلبه» ، وفي رواية: «مخلصاً من قلبه» ، وفي رواية: «صادقاً من
قلبه دخل الجنة» ، وفي حديث آخر: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من
دون الله» ، إذن فلابدّ من قول: لا إله إلا الله مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة
أهلها وبغض من خالفها ومعاداته، فإن هذه الكلمة هي كلمة التقوى وهى العروة
الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم ﵇ باقية في عقبه لعلهم يرجعون،
وهو ﵇ يتبرأ من الشرك وأهله، كما قال تعالى: [وجَعَلَهَا كَلِمَةً
بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] .
ومن امتنع عن العمل بجوارحه وقال: الدين في القلب محتجاً بقوله - عليه
السلام -: «التقوى ههنا» وأشار إلى صدره، فيقال له: إن الإيمان الذي في
القلب لابد أن تصدقه الجوارح بأعمالها، فإن التصديق يكون بالأفعال كما يكون
بالأقوال، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ...
«العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني
وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» ، وقال الحسن البصري ﵀ ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما ... وقر في الصدر وصدقته الأعمال) ، وأما قوله ﵇: «التقوى ههنا - ... ويشير إلى صدره ثلاث مرات» ، ففيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى، فرب من يحقّره الناس لضعفه وقلة حظه من الدنيا وهو أعظم قدراً عند الله ممن له ... قدر في الدنيا، كما قال بعد هذه العبارة: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم» وقال قبلها: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا
يحقره» ، فإن الناس إنما يتعاونون بحسب التقوى، كما قال تعالى: [إنَّ ... أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، وسئل النبي ﷺ من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم لله تعالى» ، وفي حديث آخر: «الكرم التقوى» ، والتقوى أصلها في القلب، كما قال تعالى: [وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى
القُلُوبِ] ، وكما قال الله في الحديث القدسي، حديث أبي ذرّ الطويل. «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً» . وفي هذا دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب، فإذا برّ القلب واتقى برّت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح، ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، كما قال ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً.
ومن امتنع عن النطق بالشهادتين مع قدرته على ذلك، فلا شك أن الإسلام
يزول بفقد الشهادتين إذ المراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله، والشهادتان عَلَم
الإسلام، وبهما يصير الإنسان مسلماً إذ من أقر بالشهادتين صار مسلماً حكماً، فإذا
دخل الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، وقد ضرب العلماء مثل الإيمان
بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال
شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة، وإنما يقال هي شجرة ناقصة
وغيرها أتم منها، وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى: [ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] ، والمراد بالكلمة
كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب، وأُكُلها هو: الأعمال الصالحة
الناشئة فيها، وضرب النبي ﷺ مثل المؤمن والمسلم بالنخلة، ولو زال شيء من فروع النخلة ومن ثمرها لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية.
وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر، فمن ترك الشهادتين خرج من الإسلام، إذ يعلم
من مراد الرسول ﷺ علماً ضرورياً أن من لم يتكلم بلسانه
بالإيمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ولا رسوله ولا خاف
الله أن هذا ليس بمؤمن وإن ادعى أنه عارف بقلبه صدق رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، فإن معرفته بقلبه لا تنفعه والحالة هذه؛ إذ أن الشارع رتب الفلاح
والفوز على النطق بالشهادتين مع العمل بمقتضاهما، والأدلة على ذلك كثيرة
مشهورة عند العلماء، من ذلك: حديث جبريل المشهور الطويل في سؤاله للنبى -
ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأجابه بأن الإسلام: أن
تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،
وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. ومن ذلك: حديث عبد الله
بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ
يقول: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» ، رواه البخاري
ومسلم، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل
تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم
رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم» ، وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» .
ومن أجل هذه الكلمة خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق
الجنة والنار، قال تعالى: [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ، وقال تعالى:
[ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] ، وقال
تعالى: [ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] وقال
تعالى: [واذْكُرْ أَخَا عَادٍ إذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ
خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ] وهذا معنى كلمة الإخلاص الذي اجتمعت عليه الرسل.
فمن نطق بهذه الكلمة عارفاً لمعناها صادقاً من قلبه عاملاً بمقتضاها فهو المسلم، ومن امتنع عن النطق مع قدرته ولم يعمل بمقتضاها فليس بمسلم وإن ادعى
الإسلام.
وفق الله المسلمين لتحقيق إسلامهم وإيمانهم، إنه سمع مجيب.
стр. 91
الحرية العرجاء
طارق عبد الحليم
في إحدى قاعات الدراسات.. العليا بجامعة بريطانية عريقة، ثار نقاش بين
جمع من الطلاب الإنجليز حول التركيبة الاجتماعية الحالية للمجتمع في هذه البلاد،
وعلاقتها بالنظم السياسية والاقتصادية. وقد اشترك في بداية النقاش بعض الطلبة
العرب، ثم آثروا ترك المجال لأبناء البلد ليدلي كل منهم بدلوه في ذلك الأمر.
وقد آثرت أن أثبت - بإيجاز - ذلك الحوار لما فيه من صدق وتلقائية.. وكما
قيل «من فمه ندينه» .
أبدى أستاذ القسم ملاحظة حول تكوين النقابات العمالية ونشأتها، وما يتعلق
بنظام الأجور القومي الذي اتفق عليه بين أرباب العمل، وبين النقابات، وارتباطه
بنوعية العمل، وبيّن أن ذلك يرتبط بعدة أمور - عدا كمية العمل ونوعيته - كعمر
العامل وجنسه! أي رجل أم امرأة..
وعند تلك النقطة تدخّل أحد الطلبة قائلاً: إن ذلك الأمر لمن غرائب هذا
المجتمع، إذ لا يوجد أي سبب يبرر ذلك التمييز في الأجر؟ ! فالمرأة التي تعمل
في وظيفة ما، تتقاضى أقل من الرجل الذي يشغل الوظيفة نفسها، ويؤدي الجهد
نفسه، ويقضي ساعات العمل نفسها [حوالى ٧٥% من أجر الرجل] .
وأبدى أن ذلك يتناقض مع ما يدعيه المجتمع الإنجليزي من حرية ومساواة،
خاصة في مجال المرأة وحقوقها..
وكان ردّ أحد الطلبة البريطانيين - والذي تجاوز الخمسين من العمر - قائلاً:
إن ذلك يرجع إلى أصل ما كان عليه المجتمع الغربي قبل عدة عقود من تقاليد
ومبادئ تتخذ العائلة كوحدة اجتماعية للبناء الاجتماعي، فالرجل كان هو المسؤول
عن العائلة، بما فيها المرأة والولد، وهو الذي عليه أن يوفر ما يحتاجه البيت،
والأسرة، والمرأة محلها داخل البيت كزوجة، وأم للأولاد، فيحتفظ المجتمع
بتوازنه لاحتفاظ الخلية العائلية بتوازنها، أما من بعد الثورة الصناعية، والتطورات
الأخيرة في العقلية الأوربية من اختلال للمعايير والموازين، وبزوغ فكرة الحرية
الفردية وعلو شأنها حوالي منتصف القرن الماضي - بما تحمله تلك الكلمة من حق
وباطل - فإن الوحدة الرئيسية للمجتمع لم تعد العائلة، بل صارت «الفرد» رجلاً
كان أم امرأة.. ومن ثم.. وبعد أن تبدلت القيم والمفاهيم، وشاعت الحرية -
صارت المرأة لا تعني الزوجة أو الأم للرجل، بل زميلة العمل أو الصديقة والخليلة، ولم يعد الرجل بحاجة إلى الزواج وإقامة العائلة كوحدة اجتماعية-في غالب
الأحيان - فحاجاته الطبيعية ملباة دون مسؤوليات تلقى على عاتقه، وهو حر في
التنقل بين امرأة وامرأة، كما أن المرأة حرة في التنقل بين رجل ورجل، كما
تقتضيه دفعة الجسد العمياء ولقد كان من المنطقي، وليتناسق النظام، أن تتساوى
الأجور، إلا أن ذلك لم يحدث، وظل القانون يحتفظ بتلك الصورة القديمة الكامنة
في الفطرة الإنسانية، والتي تجعل من الرجل المسؤول عن تأمين احتياجات العائلة، ومن المرأة زوجة وأماً..
وساد صمت على القاعة لعدة دقائق راح فيه كل طرف يقلب الأمر على
جوانبه بين مؤيد ومعارض. وكنت أعجب من ذلك الحوار الذي أنطق الله فيه أحد
عقلاء الإنجليز بالحق، وأظهر فيه ذلك التعارض القائم بين ادعاء الحرية والمساواة
- خاصة في مجال المرأة - وبين ما هو واقع الحال من تفرقة عجيبة لا أساس لها
من المنطق العادل بحال - إن حاكمناهم على أصولهم في الحكم على الأمور -
تجعل المرأة في الصف الثاني مهما بذلت من جهد وعرق، مثلما يبذل الرجل..
وإن كان عجبي كبيراً من ذلك المنطق الأعوج، وانحراف الفطرة عن
طبيعتها لمّا تركت الهدي الإلهي، وزاغت في طريق الضلال.. فإن عجبي لأكبر
ممن هم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ويدعون إلى تلك الفوضى الاجتماعية
التي يلبسونها ثوب الحرية زوراً وبهتاناً، وينادون في كل ناد أن: اعطوا المرأة
المسلمة حقها أسوة بالمرأة الأوربية! ! بل ويقف بعض المسلمين الطيبين موقف
الدفاع على أساس أن المرأة المسلمة لها حقوق كذلك في الإسلام أسوة بالمرأة ... الغربية؟! .
ونحن نرد عليهم دعواهم، وندعي خلافها: أن المرأة الغربية لم تنل حريتها
حقاً وصدقاً.. ويالها من حرية تلك التي تشقى بها المرأة في الكد والعمل خارج
البيت، وبالوحدة واحتمال الولد - غير الشرعي - ومسؤولياته، ومواجهة الحياة
دون رفيق يعين على ذلك العناء.. ثم تتقاضى أجراً أقل من مثيلها من الرجال..
والقانون الإنجليزي لم يحتفظ بتلك الصورة ورعاً وتقوى! إنما احتفظ بها
لأنها تخدم أصحاب رؤوس الأموال، في مجتمع رأسمالي يؤمن بالنفعية كأساس
للتعامل، فالمرأة تحتاج إلى العمل بعد أن تخلق عن دورها الطبيعي، وبعد أن
تخلى عنها الرجل، ولا بأس إذن من تحقيق فائض من الربح عن طريقها.
ونحن - وإن كنا لا ندعي أن حضارة الغرب شر كلها لا يشوبه خير؛ قط إذ
أن ذلك لا يكون في أمر من أمور الدنيا التي خلقها الله سبحانه على امتزاج الأمرين
معاً، فخير غالب يشوبه بعض الأذى، أو شر غالب يسري فيه بعض الخير - قد
قصدنا إلى بيان أحد أوجه النقص وأكثرها أهمية في المجتمعات الغربية وغيرها،
التي ارتضت طريقة عيشها ليعلم المسلمون أي خير هم عليه، وأي حق هيأ لهم..
ويا ليتهم يعلمون فيعملون.
стр. 92
أدب وتاريخ
معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي
(٥)
النقد التاريخي
عند ابن تيمية وابن خلدون
محمد العبدة
لا شك أن من المهمات الرئيسية للمؤرخ بعد الاطلاع على المرويات
التاريخية، تمحيص الخبر وبيان صحته أو زيفه، وذلك بعد عرضه على منهج واضح محدد المعالم يرتضيه هو لنفسه، ذلك أن الخبر بطبيعته يتطرق إليه الوهم والغلط أو الكذب أحياناً، وقد تكلم ابن خلدون في مقدمته عن الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار فذكر منها:
١- التشيعات للآراء والمذاهب، لأن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في
قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه.
٢ - الثقة بالناقلين. وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح.
٣ - الجهل بالقوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية.
٤ - الجهل بطباع العمران [١] .
والمقصود بالظواهر ظواهر علم الفلك والكيمياء والطبيعة والحيوان والنبات.. وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين الذين ليس عندهم إلمام بهذه العلوم، فيقبلون
الأخبار التي تتناقض تناقضاً تاماً مع القوانين العلمية كالخبر الذي ذكره المسعودي
عن بناء الإسكندرية [٢] .
والمقصود بطبائع العمران الظواهر الاجتماعية، كالعادات، والتقاليد،
والغنى، والفقر، والعلم، والجهل، وكثرة السكان، أو قلتهم، وطبيعة الدول ...
إلخ، ضمن كل هذه العوامل هل من الممكن وقوع الحادثة أم لا؟ وسنرى كيف
يطبق ابن خلدون هذا المنهج في نقده لبعض الأخبار، وكيف يعتبر أن العلم بطبيعة
العمران هو أهم سلاح يوجه للخبر التاريخي: وهو أحسن الوجوه وأوثقها في
تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم
أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة للنظر في
التعديل والتجريح) [٣] .
وهذا الكلام وإن كان مقبولاً بشكل عام، ولكنه يحتاج إلى شيء من التحفظ؛
فهناك روايات صحيحة ينقلها ثقاة عدول يعلمون ما ينقلون عن أمور خارقة للعادة،
وبالشروط المطلوبة لوقوع الكرامة فنحن نصدقها، ولا نقبل من أحد أن يقول: هذه
لا يمكن وقوعها، كحادثة العلاء بن الحضرمي ﵁ في فتح إقليم
فارس زمن عمر بن الخطاب ﵁ وإن كان الأصل هو الأخذ
بالأسباب وجريان الأمور على سنن كونية لا تتخلف مع أن الخبر التاريخي يختلف
من بعض الوجوه عن نقل حديث رسول الله ﷺ ، ولكن يبقى
أن منهج الجرح والتعديل الذي قام به أهل الحديث هو من أعظم العلوم التي برز
فيها المسلمون، ونقدوا فيها الروايات التي تتعلق بحديث رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - واتخذوا في ذلك منهجاً صارماً للغاية، ذباً عن السنة أن يدخل فيها ما
ليس منها، وإن تطبيق هذا المنهج على الروايات التاريخية - إن أمكن ذلك - لهو
في غاية الأهمية، ولكن هناك صعوبات تعترض هذا التطبيق، منها:
١ - لم تؤلف الكتب في جرح وتعديل رواة التاريخ كما وقع لرواة حديث
رسول الله ﷺ ، ولا شك أن الاهتمام بالسنة هو الأولى
والمقدم، والمقصود: معظم الروايات التاريخية، وإلا فهناك رواة للتاريخ يمكن
معرفة حالهم من كتب الجرح والتعديل.
٢ -إن البحث والتفتيش عن الرواة انتهى في القرون الأولى بعد أن اطمأن
علماء الحديث إلى حفظ سنة رسول الله ﷺ ، ولكن التاريخ
حركة دائبة، فكيف العمل في الأحداث التي جاءت من بعد؟
٣ - تتدخل عوامل كثيرة في الحدث التاريخي غير الرواية، مما يساعد على
التأكد أو الشك في الخبر، كالآثار التاريخية والعوامل الجغرافية.. إلخ.
لهذه الأسباب ولغيرها لابد من الجمع بين منهج أهل الحديث، وما ذكره ابن
خلدون من عدم مخالفة الخبر لسنن الاجتماع، أو عدم مخالفته للعقل الصريح، مع
الاستفادة أيضاً من مناهج النقد الحديثة عند دارسي التاريخ، مما يتفق والأصول
العامة للإسلام.
وسنعرض لنموذجين من تحليل الحديث التاريخي، ونقد الخبر، وعرضه
على منهج قواعد علم الاجتماع.
أولا: ناقش ابن تيميه الذين يطعنون في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان -
رضى الله عنهم - ويقولون: إن المسلمين خالفوا الوصية التي يزعمون أن رسول
الله ﷺ أوصى بها لعلي بن أبي طالب -رضى الله عنه-.
قال:
(نقدر أن الأخبار المتنازع فيها لم تكن، فنرجع إلى ما هو معلوم بالتواتر،
أو بالعقل والعادات، أو ما دلت عليه النصوص المتفق عليها فنقول:
من المتواتر أن أبا بكر لم يطلب الخلافة برغبة ولا برهبة، فلا بذل فيها مالاً
ولا شهر عليها سيفاً، ولا كانت له عشيرة ضخمة، بل ولا قال: بايعوني، ومن
تخلف عن بيعته لم يؤذه، ولا أكرهه عليها، كسعد بن عبادة، فلما جاءه اليقين
خرج منها أزهد مما دخل فيها، لم يستأثر منها بشيء ولا آثر بها قرابة، بل نظر
إلى أفضلهم في نفسه (عمر بن الخطاب) فولاه عليهم فأطاعوه ففتح الأمصار، وقهر
الكفار، وبسط العدل، حتى خرج منها شهيداً لم يتلوث لهم بمال، ولا ولى أحداً من
أقاربه ولاية، هذا أمر يعرفه من يعرف وينصف، ثم بايعوا عثمان كلهم طوعاً
منهم، فسار وبنى على أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وكرم ولين، ولكن لم تكن
فيه قوة عمر، ولا سياسته التي بهرت العقول، فطمع فيه الناس بعض الطمع،
وتوسعوا في الدنيا، وكثرت عليهم الأموال، وتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا
وضعف خوفهم من الله تعالى، ومن ضعفه هو بالنسبة إلى كمال الذين سبقوه، ما
استحكم به الشر، وحرك الفتنة، حتى قتل مظلوماً. فتولى عليٌّ -رضى الله عنه-
والفتنة قائمة ولم تصف قلوب كثير منهم، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه، ولا
اقتضى رأيه الكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه أمره، كما أشار عليه ولده
الحسن، ثم افترقت عليه الخوارج، وقاتلوه - قاتلهم الله -فكان آخر الخلفاء
الراشدين الذين ولايتهم خلافة النبوة.
طريق آخر: وهو أن يقال: دواعي المسلمين بعد موت نبيهم كانت
متوجهة إلى اتباع الحق قطعاً، وليس لهم ما يصرفهم عن الحق، وهم قادرون
على ذلك، وإذا حصل الداعي إلى الحق وانتفى الصارف مع القدرة وجب الفعل. فعلم أن المسلمين خير القرون بايعوا أبا بكر تديناً لا لرغبة ولا لرهبة، فلو فعلوا بموجب الطبع لقدموا علياً أو العباس، لشرف بني هاشم، ولما قيل لأبي قحافة: إن ابنك ولي الخلافة، قال: ورضيت بنو أمية وبنو هاشم وبنو مخزوم؛ قالوا: نعم، فعجب، وقال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» .
طريق آخر: تواتر أن الرسول ﷺ قال: «خير هذه
الأمة قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» فخير الأمم، بلا نزاع، القرن
الأول، ومن تأمل حال المسلمين في القرن الثاني بالنسبة إلى الأول، علم تباين ما
بينهما، فإن كان القرن الأول جحد حق الإمام المنصوص عليه، ومنعوا عادلاً عالماً
عناداً ودفعاً للحق، فهؤلاء شر الخلق وهذه الأمة شر الأمم أخرجت للناس.
طريق آخر: عرف بالتواتر الذي لا يخفى أن أبا بكر وعمر وعثمان كان لهم
بالنبي اختصاص عظيم وخلطة وصحبة ومصاهرة، وما عرف عنه أنه كان يذمهم، فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهراً وباطناً معه وبعده، أو لا. فالأول هو
المطلوب، والثاني إما أنه علم وداهنهم، أو لم يعلم، وأيهما قدر فهو من أعظم
القدح في الرسول ﵇. وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من
الله لنبيه في خواص أمته، ومن وُعد أنه يظهر دينه على الأديان كيف يكون أكابر
خواصه مرتدة؟ ! هذا من أعظم القدح في الرسول والطعن فيه) [٤]
وبنفس هذه الروح من مناقشة الروايات يرد ابن تيميه على من يقول: إن
عمر بن الخطاب ﵁ كان سيولي بعده سالماً مولى أبي حذيفة لو كان
حياً، ويترك تولية أحد من أهل الشورى يقول:
(فكيف يظن بعمر أنه يولي مولى، بل من الممكن أنه كان يوليه ولاية
جزئية، أو يستشيره فيمن يولي ونحو ذلك من الأمور التي يصلح لها سالم مولى
أبي حذيفة، فإن سالماً كان من خيار الصحابة) [٥] .
ثانياً - طبق ابن خلدون منهجه في نقد الخبر وهو: هل يثبت هذا الخبر أولاً
إذا عرض على قواعد علم الاجتماع، أو أنه يتناقض مع طبيعة العصر وطبيعة
العلاقات الاجتماعية يومها؛ وذكر أمثلة على منافاة الأخبار لطبيعة قواعد علم
الاجتماع نذكر منها:
أ- قصة العباسة أخت الرشيد قال: (ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما
ينقلونه كافة عن سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن
يحيى بن خالد مولاه، وأنه لِكَلَفه [٦] بمكانهما أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة
حرصاً على اجتماعهما في مجلسه، وأن العباسة تحيلت على التماس الخلوة،
فحملت من جعفر ووشي بذلك للرشيد فاستغضب ...
ويتابع ابن خلدون نقده لهذا الخبر: (وهيهات ذلك من منصب العباسة في
دينها، وأبويها، وجلالها، وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربع
رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده، والعباسة بنت محمد المهدي بن
أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ترجمان القرآن، ابنة
خليفة، أخت خليفة، محفوفة بالملك العزيز، قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة [٧] ... الدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش، وكيف يسوغ من الرشيد أن
يصهر إلى موالي الأعاجم على همته وعظم آبائه؛ وإنما نكب البرامكة ما كان من
استبدادهم على الدولة، واستنكاف الرشيد عن الحَجْر والأنفة..) [٨] .
ب-كثيراً ما يقع المؤرخون في الوهم والغلط عندما يكون الخبر متعلقاً بالأرقام
والإحصائيات، كإحصاء الجيوش، أو أموال الخراج، وبعض الناس عندهم ولع
بتضخيم الأرقام، فيذكرون أشياء تصادم العقل والبديهيات، وتصادم قانون النمو
السكاني، وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين قبله لوقوعهم في هذه الأغلاط، واعتمد
في نقده، على علم الإحصاء، وتكاثر السكان ضمن البيئة الجغرافية التي يعيشون
فيها. يقول:
(وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل،
وأن موسى ﵇ أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح
خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون) .
يعلق ابن خلدون على هذه الرواية: (ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام
واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش، ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من
ملك بني إسرائيل، ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريباً منه، وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرون ألفاً كلهم متبوع، وكانوا في
أتباعهم أكثر من مائتي ألف، وعن عائشة والزهري أن جموع رستم التي زحف بها
لسعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا.
وأيضاً، فالذي بين موسى وإسرائيل (يعقوب ﵇ إنما هو أربعة آباء
على ما ذكره المحققون، وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى -عليه
السلام- إلى التيه مائتين وعشرين سنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال
إلى مثل هذا العدد « [٩] .
لا شك أنها نظرة متقدمة جداً من ابن خلدون وهي اكتشافه لقانون التكاثر
والنمو السكاني.
لقد كان الهدف الرئيسي عند ابن خلدون من كتابة المقدمة هو تخليص
الروايات التاريخية من الخطأ والكذب، ووضع القوانين التي تساعد المؤرخ على
عدم الوقوع في الأخطاء، ولذلك تكلم عن العمران البشري والقوانين التي تحكم
سكونه وحركته. ولكنه فوجئ بأنه أتى بعلم جديد هو بحد ذاته هدف ثمين.
ولكن رغم أهمية ما جاء به ابن خلدون لابد من التأكيد على أن منهج أهل
الحديث في نقد الخبر هو من أعظم المناهج، وإذا استطعنا الجمع بين هذا المنهج
ومنهج النقد الاجتماعي والعقلي عند ابن خلدون وغيره من دارسي التاريخ -مع
بعض التحفظات على هذه المناهج- فسوف نؤدي بعملنا هذا خدمة جليلة للتاريخ
الإسلامي.
стр. 93
أدب وتاريخ
الحلم
للشاعر: معن بن أوس المزني [*]
١- وذي رَحِم قلَّمتُ أظفار ضِغْنِه ... بحلمىَ عنه، وهو ليس له حِلم
٢- يحاول رَغْمي لا يُحاولُ غيره ... وكالموت عندي أن يَحُلَ به الرَّغْمُ
٣- فإن أعفُ عنه أُغض عيناً على قَذىً ... وليس له بالصَّفْح عن ذنبه علمُ
٤- وإن أنتصر منه أكُن مثل رائشٍ ... سهامَ عدوٍّ يُستهاضُ بها العظمُ
٥- صبرتُ على ما كان بيني وبينه ... وما تستوي حرب الأقاربِ والسِّلمُ
٦- وبادرتُ منه النأيَ والمرءُ قادرٌ ... على سهمه ما كان في كفه السهم
٧- ويشتم عِرضي في المغيب جاهداً ... وليسَ له عندي هَوَانٌ ولا شتم
٨- إذا سُمتُه وَصلَ القرابة سامنى ... قطيعتَها، تلك السفاهةُ والإثمُ
٩- وإن أدعه للنِّصف يَأبَ إجابتي ... ويَدعو لحكم جائرٍ غيرهُ الحُكم
شرح الأبيات [**]
١ - رب صاحب قرابة كان ذا ضغينة وحقد عليً، أزلت أضغانه بحلمي
وصبري، مع أنه ليس عنده حلم وإنما هو غضوب نفور.
٢ - ومن صفاته أنه يحب قهري وإنزال الأذى بي، وقد وقف جهده على هذا، في حين أنني أكره مساءته ونزول أي أذى به كراهيتي للموت.
٣ - وأنا في حيرة من أمري معه، فإنني إن أصبر على أذاه وأعف عنه،
أتحمل مشقة عظيمة بذلك، وهو لا يدري المعاناة التي أعانيها بالصفح عن ذنبه،
وليس يدري حتى بالصفح نفسه.
٤ - ويؤلمني أن أقابل إساءته بمثلها أشد الألم، إذ أنني سأكون كمن يجهز
السهام لعدوه ليرمي بها من جهزها.
٥ - لكن فضلت الأولى وهي الصبر على ما بدر منه تجاهي، لأنني وجدت
أن حرب الأقارب مر الأثر، ففضلت مسالمتهم.
٦ - ووصلته بعد أن نأى وتباعد عني، مع أنني قادر على قطيعته.
٧ - وفعلت ذلك مع جده واجتهاده في شتم عرض وأنا غائب، في حين لم
يخب مني ما يسوءه من شتم ولا إهانة.
٨ - وإذا ما عرضت عليه التواصل وترك التقاطع والتدابر بحق القرابة
والرحم كان جوابه القطيعة، فياللسفاهة، وياما أشد جراءته وحرصه على كسب
الإثم.
٩ - وإن دعوته للإنصاف، وأن يحل كل منا صاحبه يرفض هذه الدعوة،
ويختار الاستمرار في الغي والجور عن القصد.
١٠- فلولا اتقاءُ الله والرَّحم التي ... رعايتها حقٌّ وتعطيلها ظلم
١١- إذاً لعلاه بارقي وخَطَمتُهُ ... بوسْمِ شَنَارٍ لا يشابهه وسم
١٢- ويسعى إذا أبني ليهدمَ صَالِحي ... وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
١٣- يودُّ لو أتِّي مُعدِمٌ ذو خصاصة ... وأكرهُ-جهدي-أن يخالطه العدم
١٤-ويعتدُّ غنماً في الحوادث نكبتي ... وما إن له فيها سَناءٌ ولا غُنم
١٥- فما زلتُ في ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو على الوَلَدِ الأمُّ
١٦- وخفضي له مني الجناح تألفاً ... لتدنيهُ مني القرابةُ والرَّحمُ
١٧- وصبري على أشياء منه تريبني ... وكظمي على غيظي، وقد ينفع الكظمُ
١٨- لأستلَّ منه الضِّغنَ حتى استللتُه ... وقد كان ذا ضِغن يضيق به الحزم
١٩- رأيتُ انثلاماً بيننا فرقَعتُه ... برفقي أحياناً، وقد يرقع الثَّلمُ
٢٠- وأبرأت غِلَّ الصدر منه توسُّعاً ... بحلمي كما يشفى بالأدوية الكلمُ
٢١- فأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلمُ
١٠-١١- فلولا تقوى الله، والخوف من قطع الرحم التي أوجب الله وصلها،
وعدَّه - سبحانه - ظلماً وأي ظلم؛ لناجزته العداوة، ولعلوته بالسيف، وللحقه مني
عار دائم لا يفارقه.
١٢ - إنه يصر على هدم ما أبنيه، وإفساد ما أصلحه، وشتان ما بين بان
وهادم ومصلح ومفسد.
١٣ -وأنا وإياه على خطتين مختلفتين: فبينما هو يتمنى لي الخصاصة
ويحب لي الفقر، فإنني أكره له ذلك وأعمل جهدي على تجنيبه ما يضر به.
١٤ - لقد أعمى الحقد بصيرته، وقلب بغضه لي الموازين في نظره، حتى
أصبح يعد ما يصيبني من نكبات ومصائب مغنماً له، وزيادة في ربحه، مع أنه في
الحقيقة لا تعود مصائبي عليه برفعة قدر، أو بمنفعة مادية.
١٥ - ولم أمل من مداراته وملاينته، كما تفعل الأم الرؤوم في حنوها على
ولدها.
١٦ - ولقد بلغت معه الغاية في التواضع وخفض الجناح، أتألف قلبه ليتذكر
القرابة التي تربط بيننا والرحم التي تجمعنا.
١٧ - وصبرت على أفعاله المريبة، وكظمت غيظي على ما يثيرني من
تصرفاته الغريبة، لاعتقادي أن نتيجة كظم الغيظ محمودة في النهاية.
١٨ - كل هذا فعلته من أجل أن أداوي مرضه، وأستل منه حقده، وأروض
نفسه الشموس التي امتلأت حتى ضاقت بهذا الضِّغن.
١٩ - وكانت علاقتنا مثلومة معيبة، فعالجت هذا الثلم بترفقي وحكمتي،
والفساد قد يصلح، والخرق قد يرقع.
٢٠ - وكان مريض الصدر بالغل فداويت هذا الغل بحلمي كما يداوى الجرح
بالأدوية فيشفى.
٢١ - لقد كان بيني وبينه حرب مشتعلة، فما زلت أداريه، وأترفق به،
حتى حولته عن تلك العداوة، وأطفأت تلك النار، وصار لنا سلماً بعد أن كان حرباً.
حول القصيدة
هل عانيت العناء من جراء سلوك أحد أقربائك، وهل آلمك أن يقابل معروفك
بالتجاهل، وإحسانك بالإساءة، وهل صبرت على علاج من هذه حاله، ومنيت
نفسك بتغيره حيث كل الدلائل تشير إلى العكس، وهل جوبهت بالصد والسَّفهِ
وصنوف الجحود وأنت كاظم صامت، تعتمل في داخلك براكين الغضب المكتوم،
تجللها بسمة رضيَّة، ومرةً إثر مرة تواترت الإساءات، وتتابعت الإثارات، وأنت
في كل ذلك كأنك محتبس في زنزانة ضيقة، وأفعى ذات فحيح ليس لك منها فكاك،
ولا عنها مهرب، ومازلت تداورها في حسن تأتٍ وصبرٍ حتى استللت سُمُّها،
وخضدت شوكتها، فأسلست قيادها بعد طول نفار.
إذا كان لك عهد بهذه التجربة، أو سمعت من اشتكى مما يشبهها؛ فإن الشاعر
«معن بن أوس المزني» خلّد لنا ذلك في هذه القصيدة.
وقد امتازت هذه القصيدة بثلاث ميزات.
١ - سهولة وبساطة، في جزالة وقوة أسر:
وهذه معادلة صعبة المرتقى، إذا تحققت في أسلوب شخص فقد حقق البقاء له، وأن تتسع مساحة الإعجاب به إلى مدى لا يرام.
فقد يظن بعض الناس أن السهولة تعني الضحالة، وأن الجزالة تعني الجفاء
والوعورة، وهذا ظن خاطئ تدحضه هذه القصيدة، فعلى الرغم من أنها من عصر
متقدم، (إذ أن قائلها شاعر مخضرم) إلا إنها -فى سهولتها وانسياب ألفاظها - تدخل
العقل والنفس دونما عناء، وتثبت لنا أن في أدبنا القديم نصوصاً خالدة محجوبة عنا
بغبار ما يثيره أعداء هذا الأدب، وخصوم هذه اللغة من أضاليل ودعاوى الصعوبة
والخشونة، ويكفي دليلاً على هذا أن تقراً هذه القصيدة بهدوء وروية، فتجد أنها
تتسلل إلى الوجدان رويداً رويداً، وتتابع ألفاظها وجملها رخية ندية، راسمة بدقة
حدود شخصيتين مختلفتين أشد الاختلاف، متباينتي السلوك والطبع أبعد التباين،
دون إسفاف وهبوط حين تصف الشخصية السيئة، ودون إسراف في الفخر،
وإمعان في الخيلاء، حين تصف قائلها.
٢ - صدق في التعبير، وسمو في المقصد:
فالشاعر مر بتجربة شخصية، صورها أصدق تصوير، واستهدف من وراء
ذلك إبراز محاسن الحلم وكظم الغيظ ومداراة ذوي الأرحام والرفق بهم، والتنفير
من الحمق والقطيعة، والرد على الإساءة بمثلها، والانتصار للنفس، كل ذلك
بعبارة نظيفة عالية، تتناسب مع هذا المقصد النبيل، بعيداً عن أسلوب الوعظ
المباشر الذي تستثقله النفوس، وتمله القلوب.
٣- حكمة وعمق في تصوير النفس الإنسانية:
ها هو ذا الشاعر يبدو وكأنه يبوح لأحد جلسائه بتجربته، مضطجعاً في كِسر [١] بيته، هادئ النفس، مطمئن السريرة، لم يحجب الغضب بصيرته ط لباً للثأر، مقدماً بكلمة (ذي رحم) لتكون بمثابة «الحيثية» التي بنى عليها سلوكه الآتي، حتى لا يقال له - وقد أكثر من تصبره وتذلله إزاء هذا الذي لا يستحق كل ذلك -:
لقد أتعبت نفسك، وألزمتها ما لا يلزم؛ فإن الرحم تستحق ذلك وأكثر منه، (ويبدو أن الشاعر قد قال قصيدته في الإسلام، وهذا ظاهر من تأثره بقوله تعالى: [واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ] في قوله: ولولا اتقاء ... الرحم ... ) .
ويستمر في تصوير الأخلاق المتقابلة في هاتين النفسين المتباعدتين. حلم
وطيش، وحرص على الإغاظة وبعد عنها، ومعاناة عند العفو وتجاهل له،
واقتراب من هذا، وابتعاد من ذاك، وشتم مقذع بظهر الغيب وتنزه عنه في كل
حال، وصلة للرحم وقطيعة لها، وهدم يقابله بناء، وحرص على نزول المكروه
بشخص يحرص على حب الخير ... الخ، في عمق وحكمة تتوالى إلى آخر
القصيدة، في موجات متساوية متراخية، يذوب في خلال حروف المد فيها،
وفى ثنايا «أسباب وأوتاد البحر الطويل» توتر نفس الشاعر وغيظه المكبوت، إلا موجة واحدة تعلو عن أخواتها، حاملة لنا قدراً وافراً من شحنة الغضب والضيق والتبرم التي لا يمنعها من الانفجار إلا تقوى الله الذي حض على صلة الأرحام والصبر على أذاهم، وحذر من قطيعتهم، وهي هذان البيتان:
١٠- فلولا اتقاءُ الله والرَّحم التي رعايتها حقٌّ وتعطيلها ظلم
١١- إذاً لعلاه بارقي وخَطَمتُهُ بوسْمِ شَنَارٍ لا يشابهه وسم ثم تعود الموجات إلى هدوئها واستقرارها.
وبين البداية:
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
والخاتمة:
فأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
تنتظم روح شعرية واحدة، استلهمت البساطة والبعد عن التعقيد للتعبير عن
نوازع النفس الإنسانية وأهوائها المتناقضة في بناء شامخ وصلب، فالتحم البدء
والختام.
لكل هذا لا نستغرب إعجاب عبد الملك بن مروان بمعن بن أوس، حيث عدّه
- بهذه القصيدة - أشعر الناس، عندما سأل في ليلة كان يسمر فيها مع ولده وأهله
وخاصته، عن أحسن ما قيل من الشعر، فأنشدوا وفضلوا، وقال بعضهم: امرؤ
القيس، وقال بعضهم: النابغة، وقال بعضهم: الأعشى، فلما فرغوا قال: أشعر
الناس - والله - من هؤلاء جميعاً الذي قال: ... (وأنشد هذه القصيدة) [٢] .
стр. 94
أدب وتاريخ
مفهوم الجاهلية في
الشعر الجاهلي
(٥)
محمد الناصر
ملخص الحلقة السابقة:
في الحلقة السابقة تحدث الكاتب عن بعض أيام العرب المشهورة كحرب
البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وما جرى في هذه الحروب
من ثارات وما قيل فيها من شعر، وفي هذه الحلقة يدخل الفترة الإسلامية، أثر
الإسلام في تلك البيئة.
التمهيد:
من خلال دراستنا للحياة السياسية في الشعر الجاهلي لا حظنا أن لهذه الحياة
مقومات أساسية نوجزها فيما يأتي:
١- القبيلة: هي البنية الاجتماعية والسياسية لتلك المجتمعات، ففيها يجد
العربي الحماية والطمأنينة، ولها يتعصب، والرباط الأقوى فيها هو العصبية التي
تنسي أصحابها كل تعقل وتوازن، فلا رأي ولا حرية للفرد أمام عادات القبيلة
وتقاليدها، وإلا تعرض للخلع والطرد.
ولقد نفخت العصبية في أفرادها نيراناً لاهبة من اعتزاز بالنسب، فهم أفضل
الناس، وآباؤهم أشرف آباء، حتى أن الشاعر كان ينسى نفسه ويتصور أنه وقومه
ملوك الدنيا المتصرفون الباطشون بلا رادع، وقد افتخروا بكثرة العدد والعدة،
فكثرت المنافرات بينهم، وبالقوة والشجاعة، بل بالجبروت والغطرسة وهي من
أهم خصائص تلك الجاهلية..
ولقد وجدنا خلال دراستنا للشعر الجاهلي شواهد كثيرة في هذا الشأن.
٢- العادات والتقاليد: وكان للتقليد عندهم سطوة الدين والمعتقد، فلا يستطيع
الفرد مهما أوتي من مكانة أن يخرج عليها، لقد تاهوا في ضلالات الجهالة والتقليد، وعطلوا فكرهم وعقولهم، ولذلك سفه الإسلام أحلامهم وحاول تحرير عقولهم،
حتى تمكن من تخليصهم من رواسبها.
٣- التفرق والشتات: لم يعرف العرب وحدة سياسية في تاريخهم الجاهلي،
حتى أن الإمارات التي تشكلت كانت لا تزيد عن كونها قبائل متصارعة مع أمثالها،
ولم تنفذ إلى فكرة الأمة أو الجنس، بحيث يجمعون العرب تحت لواء واحد، إنما
اتخذت صورة اتحاد قبلي له رئيس ليس غير.
لقد كوَّن المناذرة والغساسنة إمارتين اصطنعتهما فارس والروم لضرب القبائل
العربية الأخرى في الجزيرة، وكثيراً ما وقعت الحروب الطاحنة بين هاتين
الإمارتين. ولقد أدتا دورهما في خدمة سادتهما خير أداء من بطش بالقبائل ... العربية، وقتل وتخريب..
وفى مؤتة حارب مع الروم من قبائل العرب مثل: لخم وجذام وبلي وغيرهم
ما يزيد عن مائة ألف بالإضافة إلى مثلهم من الروم [١] .
أما إمارة كندة، ومدن الحجاز، فما كانت إلا تجمعات قبلية سكنت الحاضرة
ولم تخرج على عادات القبائل وصراعاتها.
٤- الحروب والأيام: إن العربى في البادية شجاع، يفضل الموت تحت
ظلال السيوف، على حياة الذل والضيم، فحياته حرب ضروس لا تهداً، وقد
زخرت موضوعات الشعر في تصويرها كما مر معنا في الأعداد السابقة، إذ مدح
الشعراء الشجاعة والشجعان، والفروسية والفرسان، والحياة للقوي، وهذا ما عبر
عنه زهير إذ يقول:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وكثر الهجاء وشارك في المعارك مصوراً الفرار والهزيمة، وبكى الشعراء
قتلاهم، وندبت النساء الموتى، وعرف الشعر العربى عدداً من أصحاب ... المراثي..
آثار الحرب: وكان من آثارها كثرة الأسرى والسبايا، وما رافق ذلك من
تأريث للعداوة، ومحاولات مستمرة لتخليص الأسرى والسبايا.
أما عادة الثأر فقد كانت متأصلة في نفس العربي وكثيراً ما سببت حروباً لا
تنطفئ، ولم تمنع القرابة من الثأر بين أفراد القبيلة الواحدة.
وقد تلجاً القبائل في هذه البيئة الحربية، التي يشع فيها الفزع والهول، إلى
التحالف مع القبائل الأخرى لترد عن نفسها العدوان.
ولقد صورت لنا أيام العرب هذه الحياة الحربية، وذلك الصراع الدامي، وإذا
تصفحت الجزء الأول من كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير مثلاً يهولك هذا الجو
الصاخب من الحروب والضغائن.
إنها الجاهلية بكل مقوماتها، انطلقت صاخبة لا تقف عند حد، مادامت لا
تحتكم إلى دين، وإنما تتبع ما وجدت عليه الآباء والأجداد..
لقد كان العربي فيً وثنيته مستعبداً لعدد من الأرباب والمعبودات، فبالإضافة
إلى عبادة الأصنام والكواكب كان الفرد ينصاع إلى استعباد القبيلة والعرف، ... والعادة، ثم إلى الهوى والشهوات..
كلمة في المنهج:
فى القسم الأول من هذه الدراسة، كنت قد اعتمدت على الشعر الجاهلي؛ لأنه
خير مصدر لتصوير حياة العرب في تلك الفترة، إذ قد اهتم به علماء اللغة تدويناً
ودراسة، أكثر من اهتمام المؤرخين، فدراستهم كانت ظنية تعتمد على الحدس
والتخمين، أو دراسة الآثار..
وفى هذا القسم كان اعتمادي على القرآن الكريم؛ لأنه صور حياة الجاهلية
تصويراً دقيقاً، حياً معبراً بالأحداث، والسنة النبوية المطهرة -وصراع النخبة
المؤمنة مع ذويهم ومعاصريهم - حيث صورت هذا الصراع كتب السيرة والتراجم، ثم شعراء الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام.
إننا نعيش الآن في غربة، غربة جديدة للإسلام، تجعل محاولة العودة صعبة
وشاقة، وفيها عنصر الجدة.. لابد من عودة جادة إلى المنابع الأولى الصافية،
منابع العقيدة، ودراسة السنة وكيف ربى الرسول ﷺ
أصحابه.
قال ﷺ : «بداً الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بداً،
فطوبى للغرباء» أخرجه مسلم.
«لقد دار الزمن دورته وعاد الإسلام كما بداً، كما أخبر بذلك الرسول -
ﷺ ، هذه الغربة تجعل محاولة العودة كأنها جولة جديدة ...
وسيتوفر لها عنصر الجدة ... فيكون حافزاً لها على بلوغ القمة» [٢] .
وفي سبيل هذه العودة نتلمس المنهج في طريقة تربية الجماعة الأولى،
جماعة الرسول ﷺ وكيف كانت من الاستعلاء بإيمانها على
حياة التمزق والتيه والضياع ... إن حياة الإلف والعادة للمسلم قد تجعله ينقض عرى
الدين، يروى أن عمر ﵁ قال: «ينقضُ الإسلام عروة عروة؛
إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» .
ومن أجل خطوة في طريق التربية الإيمانية، ومن أجل العبرة، ومقارنة
الواقع بما فيه، مع ماضي هذه الأمة الناصع، بعد جاهلية مظلمة، نقدم هذه
الدراسة..
وسوف أركز الحديث حول المباحث التالية:
١ - التربية العقدية: ودورها في تربية الجماعة الأولى.
٢- العصبية القبلية: وكيف عمل الإسلام على تذويبها.
٣- وحدة الأمة: بعد التفرق والشتات.
٤ - اتباع التقاليد وتحكيم الأهواء.
٥- الجهاد في سبيل الله: بعد الحروب الدامية.
أولاً - التربية العقدية:
كيف واجه الإسلام الجاهلية؟ كيف انتشل العرب من أوضارها؛ كيف رباهم
رسول الله ﷺ حتى ينخلصوا من القيم التي كانوا يقدسونها
والعادات التي كانوا يخضعون إليها؟ .
للإجابة على هذه الاستفسارات لابد من العودة إلى منهج التربية الذي ربى
عليه محمد بن عبد الله ﷺ أصحابه فهو قدوتنا، وواجب
علينا أن نتبع منهجه [لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] .
أ- طريقة الإسلام في التربية: (التوحيد الخالص) .
كانت البداية الأولى في التربية هي تصحيح العقيدة في الله، ومنذ اللحظة
الأولى، منذ أن يعلن المسلم (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يصبح انتماء المسلم
لدينه، ويتبرأ بعدها من كل معبود أو متبوع أو مطاع سوى الله [٣] .
[فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى] [البقرة:٢٥٦] .
وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول
الله ﷺ : «إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها
بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال
فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان
التي تدفع بأنفها النتن» [٤] .
بهذا التصوير والتنفير، بداً الرسول ﷺ ينفر أصحابه
من رواسب الجاهلية ومفاخرها وعصبياتها
«لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته ماضيه في
الجاهلية، كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام، أنه بداً عهداً جديداً،
منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية.. كان يقف منها موقف
المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام،
وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام..» [٥] .
نعم هكذا كان مفهوم التوحيد يسيطر على مشاعر المسلم فيتحول إلى واقع حي
متحرك، يملأ عليه شغاف قلبه، بعيداً عن المفاهيم الذهنية المجردة، والمعرفة
العقلية البحتة، كما يحلو لبعض الناس أن يفهموا التوحيد في عصور التقهقر
والتبعية.
إنّ «المعرفة النظرية الذهنية الباردة الميتة شيء، والمعرفة الحية التي تنبع
من الوجدان فتنفعل بها النفس كلها، وتعطي تأثيراً معيناً في السلوك الواقعي شيء
آخر، هي ما يطلبه الإسلام بالذات ويستنبته في قلوب المسلمين ليصبحوا ... مسلمين» .
«والحادث الآن في الأجيال القائمة هو هذه الجهالة بالمعنى الحقيقي للا إله
إلا الله.. وصلتها الوثيقة التي لا تنفصم بالحكم بما أنزل الله» .
«وعندما تستقر هذه الحقيقة في الأذهان ينبغي أن تعمل على تحويل حياتنا
كلها لتستقيم على منهج الله في كل شيء: في سياسة الحكم، في سياسة المال، في
سياسة المجتمع..» [٦] .
إن المسلم إذا تمكنت عقيدة التوحيد وحقيقة لا إله إلا الله من نفسه لابد أن
يتبرأ من المشركين وما هم عليه.
«إنه لا يستقيم للإنسان إسلام -ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة
المشركين والتصريح لهم بالعداوة [٧] ، كما قال تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ] [المجادلة ٢٢] .
وفي الصحيحين:» أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا لحق
الإسلام وحسابهم على الله» .
قال أبو بكر - رضى الله عنه-: «إن الزكاة من حقها، والله لو منعوني
عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه» [٨] .
(إن بني حنيفة من أشهر أهل الردة وأعظمهم كفراً وهم مع هذا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويؤذنون ويصلون ...) [٩] .
«ولو كانت كلمة لا إله إلا الله مجرد كلمة لقالتها قريش في الجاهلية، إلا
أنها تعلم أن لها مقتضياتها.. فكفار مكة قد علموا مراد النبي - صلى الله عليه ... وسلم - من هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فأبوا واستكبروا ولم ينفعهم إيمانهم بأن الله واحد رازق محي مميت (توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية) ولما قال لهم النبي: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً واحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] ... [ص: ٥] [١٠] .
إن الرسول ﷺ عمل على اجتثاث نخوة الجاهلية وتعلق
قلوب العرب بها، في أحاديثه الشريفة، وخطبه الكريمة.. فها هو يضع بعد فتح
مكة كل مآثر الجاهلية تحت قدميه:» ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت ... قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. « [١١] .
وفي فصل لا إله إلا الله منهج حياة يتحدث المرحوم سيد قطب عن هذا
المفهوم إذ يقول:» ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها فلا تقوم هذه الحياة قبل
أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه ... القاعدة « [١٢] .
[إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] [يوسف: ٤٠] .
إن الإصرار على صفاء التوحيد، ونقاء العقيدة، مع انتزاع رواسب الجاهلية، كان من أهم مقومات التربية المحمدية في دار الأرقم، ومدينة الرسول - صلى
الله عليه وسلم - وما تزال هي الطريق الوحيدة، لكل تربية جادة لا تريد العبث
واللهو والتسول على فتات الشرق والغرب، باسم الإسلام، وضغوط العصر
الحاضر ومدنيته المادية..
ب - الحب في الله والبغض في الله:
لقد تشكل المجتمع الوليد في مكة المكرمة، على أنقاض مجتمع الجاهلية،
واكتملت صورة هذا المجتمع الإسلامي بعد الهجرة إلى المدينة المنورة ...
تشكل مجتمع العقيدة، على الحب بين المؤمنين والأخوة بين المسلمين إن
الحب بين المؤمنين هو الذي كان» يحرك حياة المؤمن كلها.. هو مفتاح التربية
الإسلامية ونقطة ارتكازها ومنطلقها الذي تنطلق «» والأخوة هنا.. حيث لم تكن
هناك - أي في الجاهلية -.. إنها الأخوة.. إنه الترابط الصادق.. كانت الخطوة
الأولى في التربية هي حب الله ورسوله، والخطوة الثانية هي الالتقاء على حب الله
ورسوله «» يلتقي الناس على العقيدة في الله.. لأن كلاً منهم يحب الله ورسوله
فلا تكون ذواتهم بارزة.. إنما يكون الجانب البارز هو الحب.. بل إن الإنسان
المؤمن يحب أن يؤثر أخاه على نفسه.. وذلك من معجزات العقيدة ومعجزات
التربية على العقيدة [ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] [الحشر ٩] .
«وكان يغيظ قريشاً ويثير عجبها محبة أصحاب محمد لمحمد حتى قال أبو
سفيان:» ما رأيت أحداً يحبه الناس كحب أصحاب محمد محمداً « [١٣] .
إن هذه المحبة بين المؤمنين من لوازم لا إله إلا الله، والبراء من المشركين
من لوازمها أيضاً [١٤] .
يقول تعالى: [لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ] [ال عمران: ٢٨] .
وقال ﵊:» أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله
المعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله « [١٥] .
وما رواه الإمام إحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله بايعه على
أن:» تنصح للمسلم وتبرأ من الكافر « [١٦] .
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال:» المرء
مع من أحب « [١٧] .
» إن أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض؛ وينشاً عنهما من أعمال
القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة.. كالنصرة والأنس
والمعاونة والجهاد والهجرة ونحو ذلك « [١٨] .
» ويتضح مما سبق أن الولاء في الله هو محبة الله ونصرة دينه، ومحبة
أوليائه ونصرتهم، والبراء هو البغض لأعداء الله ومجاهدتهم.. « [١٩] .
إن موالاة المشركين خطيرة، ما كان الجيل الأول يقترب منها، وإن موالاة
المؤمنين ومحبتهم من علامات الإيمان، ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ :» إن الله يقول يوم القيامة: أين
المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي « [٢٠] .
دعوة الأنبياء:
وهذه هي دعوة الرسل جميعاً، توحيد خالص، كلمة واحدة يرددها كل ... رسول:» لا إله إلا الله اعبدوا الله ما لكم من إله غيره «.
وبراءة خالصة من الشرك في جميع أشكاله. وهذا أبو الأنبياء إبراهيم -
﵊ يتبرأ من عبادة قومه:
[قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ
مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ] [سورة الممتحنة: ٤] .
ولابد أن نتأسى بخاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ : ... [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب: ٢١] ، فرسول الله وإخوانه
الأنبياء - عليهم أفضل الصلاة والسلام - كانوا نماذج الهدى لجميع الناس في كل
أمر من أمور حياتهم ومماتهم، وأوجب الله طاعتهم واتباع أوامرهم، قال تعالى: ... [ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ] [النساء: ٦٤] [٢١] .
стр. 95
أدب وتاريخ
وكسرت رمحي ...
شعر: علي محمد
بكت الديار لفرقة الأحباب ... ومصائبي أوهت عصيَّ شبابي
وغدا التشرد خبزنا وطعامنا ... يا طيب خبز الفارس الجواب
هذا يدرس في الخليج وغيره ... يسعى ويطرق أبعد الأبواب
حتى إلى الأفغان شرق نجمنا ... وأضيء ليل الغرب بالأغراب
وبقيت وحدي لا أباً لك حائراً ... بين " الخليل " وبدعة "السياب "
أغدو إلى النسمات أسأل بعضها ... علّ النسائم قابلت أحبابي
وأسائل الركبان علَّ مسافراً ... يشفي الغليل بجملة وجواب
بي رغبة في أن أعيش همومكم ... وأبثكم همي وسر عذابي
فلقد خرجت من الكنانة ضائعاً ... بعد الهوان وعيشة السرداب
وأضعت في أرض الشام قضيتي ... وكسرت رمحي في ربيع شبابي
وغراس دعوتي الحبيبة أودعت ... سجناً غليظاً مُوصَدُ الأبواب
وعلى ذُرى لبنان ثمة شاهد ... أني فريسة أكلب وذئاب
ويدوسني علج وأزعم أنه شهم ... يخفف لوعتي ومصابي
أمشي ويتبعني الهوان ودمعتي ... والذل والبلوى وصوت غراب
ولقد تركت العز عز محمد ... أملاً ببارق خلب كذاب
وغرقت في لبس الأنيق وغرني ... حسن الحضور بمجلس النواب
أنسى عداء المجرمين سياسة ... وأغيظ أهلي من بذيء سبابي
للظالمين تحيتي ومودتي ... ولأهل ديني طعنتي وحرابي
هذا جحيم لا يطاق ومنطق ... يأباه وحش قابع في الغاب
إن الذين تذوقوا طعم الهدى ... ويسوؤهم حال الهوى الغلاب
سيوحدون صفوفهم لينوروا ... درب الحياة بسنة وكتاب
стр. 96
نصيحة من عالم لخليفة
أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي [*]
يا أمير المؤمنين، إن الله - وله الحمد - قد قلدك أمراً عظيماً؛ ثوابه أعظم
الثواب، وعقابه أشد العقاب. قلدك أمر هذه الأمة، فأصبحت وأمسيت وأنت تبني
لخلق كثير قد استرعاكهم الله، وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم، وولاك أمرهم،
وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد، فيهدمه
على من بناه، وأعان عليه. فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية،
فإن القوة في العمل بإذن الله.
* لا تؤخر عمل اليوم إلى غد، فإنك إذا فعلت ذلك أضعت.
* إن الأجل دون الأمل، فبادر الأجل بالعمل، فإنه لا عمل بعد الأجل.
* إن الرعاة مؤدون إلى ربهم ما يؤدي الراعي إلى ربه. فأقم الحق فيما ولاك
الله وقلدك ولو ساعة من نهار، فإن أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راع سعدت به
رعيته.
* ولا تزغ؛ فتزيغ رعيتك.
* وإياك والأمر بالهوى، والأخذ بالغضب.
* وإذا نظرت إلى أمرين أحدهما للآخرة والآخر للدنيا، فاختر أمر الآخرة
على أمر الدنيا، فإن الآخرة تبقى، والدنيا تفنى.
* وكن من خشية الله على حذر، واجعل الناس عندك في أمر الله سواء
القريب والبعيد، ولا تخف في الله لومة لائم. واحذر فإن الحذر بالقلب، وليس
باللسان، واتق الله فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقيه.
* واعمل لأجَلٍ مفضوض وسبيل مسلوك، وطريق مأخوذ، وعمل محفوظ،
ومنهل مورود، فإن ذلك المورد الحق، والموقف الأعظم الذي تطير فيه القلوب،
وتنقطع فيه الحجج لعزة ملك قهرهم جبروته، والخلق له داخرون بين يديه،
ينتظرون قضاءه، ويخافون عقوبته، وكأن ذلك قد كان. فكفى بالحسرة والندامة
يومئذ في ذلك الموقف العظيم لمن علم ولم يعمل، يوم تزل فيه الأقدام، وتتغير فيه
الألوان، ويطول فيه القيام، ويشتد فيه الحساب. يقول الله ﵎ في ... كتابه: [وَإنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ] ، وقال تعالى: [هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ والأَوَّلِينَ] وقال تعالى: [إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ] ، وقال تعالى: [كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ] ، وقال: [كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا] . فيالها من عثرة لا تقال، ويالها من ندامة لا تنفع، إنما هو اختلاف الليل والنهار: يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، ويجزي الله كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب.
* فالله الله، فإن البقاء قليل، والخطب خطير، والدنيا هالكة وهالك من فيها، والآخرة هي دار القرار. فلا تلق الله غداً وأنت سالك سبيل المعتدين، فإن ديان
يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم، ولا يدينهم بمنازلهم.
وقد حذرك الله فاحذر، فإنك لم تخلق عبثاً، ولن تترك سدى. وإن الله سائلك
عما أنت فيه وعما عملت به، فانظر ما الجواب.
واعلم أنه لن تزول غداً قدما عبد بين يدي الله ﵎ إلا من بعد
المسئلة؛ فقد قال ﷺ :
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن علمه ما عمل فيه، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسده فيم
أبلاه» ، فأعدد - يا أمير المؤمنين - للمسئلة جوابها، فإن ما عملت فأثبتَّ فهو
عليك غداً يقرأ، فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد.
وإنى أوصيك - يا أمير المؤمنين - بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما
استرعاك الله، وأن لا تنظر في ذلك إلا إليه وله. فإنك إن لا تفعل تتوعر عليك
سهول الهدى، وتعمى في عينك وتتعفى رسومه، ويضيق عليك رحبه، وتنكر منه
ما تعرف، وتعرف منه ما تنكر، فخاصم نفسك خصومة من يريد الفلج [١] لها لا
عليها، فإن الراعي المضيع يضمن ما هلك على يديه مما لو شاء رده عن أماكن
الهلكة بإذن الله، وأورده أماكن الحياة والنجاة.، فإذا ترك ذلك أضاعه، وإن
تشاغل بغيره كانت الهلكة عليه أسرع، وبه أضر، وإذا أصلح كان أسعد من هنالك
بذلك، ووفاه الله أضعاف ما وفى له.
فاحذر أن تضيع رعيتك، فيستوفي ربها حقها منك، ويضيعك - بما أضعت - أجرك، وإنما يدعم البنيان قبل أن ينهدم. وإنما لك من عملك ما عملت فيمن
ولاك الله أمره، وعليك ما ضيعت منه، فلاتنس القيام بأمر من ولاك الله أمره،
فلست تُنسى، ولا تغفل عنهم وعما يصلحهم، فليس يُغفل عنك. ولا يضيع حظك
من هذه الدنيا في هذه الأيام والليالي كثرة تحريك لسانك في نفسك بذكر الله تسبيحاً
وتهليلاً وتحميداً، والصلاة على رسوله ﷺ ، نبي الرحمة،
وإمام الهدى ﷺ .
وإن الله بمنه ورحمته جعل ولاة الأمر خلفاء في أرضه، وجعل لهم نوراً
يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم، ويبين ما اشتبه من الحقوق
عليهم. وإضاءة نور ولاة الأمر إقامة الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها بالتثبت
والأمر البين.
وإحياء السنن التي سنها القوم الصالحون أعظم موقعاً، فإن إحياء السنن من
الخير الذي يحيا ولا يموت.
وجور الراعي هلاك للرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة.
فاستتم ما أتاك الله - يا أمير المؤمنين - من النعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة
فيها بالشكر عليها، فإن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: [لَئِن شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ] .
وليس شيء أحب إلى الله من الإصلاح، ولا أبغض إليه من الفساد، والعمل
بالمعاصي كفر بالنعم، وقلّ من كفر من قوم قط النعمة ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا
سلبوا عزهم، وسلط الله عليهم عدوهم. وإنى أسأل الله - يا أمير المؤمنين - الذي
منَّ عليك بمعرفته فيما أولاك، أن لا يكلك في شيء من أمرك إلى نفسك، وأن
يتولى منك ما تولى من أوليائه وأحبائه، فإنه ولي ذلك والمرغوب إليه فيه.
وقد كتبت لك ما أمرت به، وشرحته لك، وبينته، فتفقهه، وتدبره، وردد
قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك والمسلمين نصحاً،
ابتغاء وجه الله وثوابه وخوف عقابه.
وإني لأرجو - إن عملت بما فيه من البيان - أن يوفر الله خراجك من غير
ظلم مسلم ولا معاهد، ويصلح لك رعيتك، فإن صلاحهم بإقامة الحدود عليهم،
ورفع الظلم عنهم، والتظالم فيما اشتبه من الحقوق عليهم. وكتبت لك أحاديث
حسنة، فيها ترغيب وتحضيض على ما سألت عنه، مما تريد العمل به إن شاء الله. فوفقك الله لما يرضيه عنك، وأصلح بك، وعلى يديك.
стр. 97
أين بواكيكم يا أهل المخيمات ؟ !
إعداد. محمد أحمد عبد الله
نقلت جريدة التايمز البريطانية في عددها الصادر في ١١/٢/١٩٨٧ تقريراً -
كان قد مضى عليه أكثر من أسبوع - لأحد مراسليها عن الوضع في المخيمات
الفلسطينية المحاصرة في لبنان، تقول فيه:
(على بعد أقل من ٢٠٠ ياردة من الخط الأمامي الذي يفصل بين الفلسطينيين
الذين يموتون جوعاً وبين أتباع حركة أمل الذين يتمتعون بمستوى مرض للمعيشة
في برج البراجنة، كان يقف بائع متجول عارضاً انبرتقال والبطاطس وأنواعاً
أخرى من الفواكه والخضار للبيع.
ومن المحتمل أن يكون الفلسطينيون قد سمعوا صوت البائع وهو ينادي على
سلعه على وتيرة واحدة، وإذا كان زعماؤهم المسلمون قد أفتوهم بجواز أكل اللحوم
االبشرية كملجأ أخير، فإن المواد الغذائية اللازمة لسد رمقهم لم تكن أبعد من مكان
تلك العربة القديمة. وباستثناء إطلاق النار المتقطع، فإن الحياة في المحيط المجاور
للمخيم الفلسطيني المحاصر طبيعية تماماً) .
وجاء في تقرير وقع من جانب فريق طبي أجنبي يعمل في داخل المخيم: ... (الوضع حرج وغير إنساني. فلا يوجد هنا دقيق ولا طعام طازج، ولذلك فإن
النساء الحوامل والأطفال يعانون من سوء التغذية. ويتناول الناس هنا أطعمة قديمة
مما يجعلهم يتقيأون ويصابون بالإسهال.. والمياه يتم الحصول عليها من خلال
حنفيات في الشوارع مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر بسبب تبادل إطلاق النار،
والعديد من النساء أصبن بالرصاص على أيدي القناصة أثناء محاولتهن الحصول
على الماء لأفراد أسرهن) .
ونذكِّر هنا كل مسلم بأن إسرائيل والولايات المتحدة هما وراء حرب لبنان منذ
البداية، وأن حزب الكتائب كان أحد عملاء إسرائيل في تنفيذ المؤامرة، وأن
المسلمين السنة بشكل عام، والفلسطينين منهم بشكل خاص هم المستهدفون في هذه
المؤامرة.
وقد خرجت إسرائيل بعد اجتياح لبنان عام ١٩٨٢، وأخذت أطراف طائفية
محسوبة على الإسلام تنفذ ما تريده إسرائيل في لبنان. ومنذ ذلك التاريخ، وحتى
الآن والاعتداءات الوحشية على المخيمات لم تنقطع.
ولا شك أنك - أخي المسلم - على ذكر من المذابح التي ارتكبت في: تل
الزعتر، وصبرا، وشاتيلا، والبداوي، ونهر البارد، وطرابلس.. غير أن هذه
المذابح تجددت قبل أربعة أشهر في مخيمات شاتيلا، وبرج البراجنة، والرشيدية
التي يقطنها حوالي ٤٠ ألف فلسطيني بحصار أصبح فيه سكان المخيمات معزولين
تماماً عن الحياة وعن العالم الخارجي وبلا مأوى أو كهرباء أو ماء أو أدوية أو مواد
غذائية.
وبذلك أصبح الوضع في المخيمات الفلسطينية المحاصرة مأساوياً بكل معنى
الكلمة. وأخذت أنباء الرعب تصل إلى دول العالم، التي لا تكاد تصدق ما يحدث
للمدنيين العزل من نساء وأطفال وشيوخ.
وطبقاً لتقديرات المصادر الرسمية اللبنانية فإن حرب المخيمات الفلسطينية في
لبنان أسفرت حتى نهاية الأسبوع الثاني من فبراير عن مقتل أكثر من ٨٥٠ شخصاً
وإصابة حوالي ١٨٠٠ آخرين بجروح.
وكما تقول التايمز (١١/٢/١٩٨٧) : (فقد تسربت تقارير تبعث على الرعب،
عن الحياة داخل المخيمات المحاصرة، سواء عن طريق اللاسلكي، أو قصاصات
الورق التي جرى تهريبها عبر خطوط الميليشيات المحاصرة. ولم يدخل أي
مراسل صحفي أجنبي أو لبناني المخيمات من أجل التحقق من التقارير الخاصة
بالأطفال الذين يتضورون جوعاً) .
وهكذا امتد الحصار إلى التعقيم الإعلامي وعدم السماح بدخول المراسلين
الصحفيين، وبرغم قلة ما تسرب من أخبار عن هول الفاجعة التي نقلها بعض
المراسلين الأجانب؛ فإنها أذهلت العالم مما يحدث من تجويع الآلاف وإهلاك العزل
من الأطفال والنساء والشيوخ. وهؤلاء الذين كتبوا التقارير من المراسلين الأجانب - كتقرير جريدة التايمز- ليسوا متعاطفين مع الفلسطينيين لكنها فضولية صحفي أو
إنسانية، كما يقولون.
وقد أدت الأعمال الوحشية التي حدثت لسكان المخيمات الفلسطينية إلى
استنكار عالمي؛ حيث قام الكثير من الهيئات الدولية الإنسانية والحكومية من
جميع أنحاء العالم تطالب بإنهاء هذه المأساة بأي شكل من الأشكال.
ففي نيويورك دعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف حرب المخيمات فوراً وإنهاء
الحصار والسماح لشاحنات الأمم المتحدة المحملة بالأغذية بدخول المخيمات فوراً
[فرانكفورتر الجماينة ١٤/٢/١٩٨٧] .
وفي باريس طلب الرئيس الفرنسي من حكومته إرسال مساعدات غذائية
وطبية فورية للمخيمات. وفي بون قدمت الحكومة الألمانية الغربية مذكرة احتجاج
ضد مذبحة المخيمات في لبنان إلى سفير إحدى الدول العربية التي تجمع حول
سفارتها ٥٠ نائباً برلمانياً ومسؤولاً من أحد الأحزاب الألمانية مطالبين بفك الحصار
عن المخيمات الفلسطينية في لبنان [القبس الدولي ١٢/٢/١٩٨٧] .
كما استنكرت بريطانيا استمرار محاصرة المخيمات الفلسطينية ودعت كافة
الأطراف إلى وقف القتال الدائر حول المخيمات.
وأعلن المستشار النمساوي أن بلاده سترسل معونة غذائية وطبية عاجلة إلى
مخيمات لبنان.
ومن المضحك المبكي أن إسرائيل التي تدعم الأطراف المحاصرة للمخيمات
الفلسطينية أعربت عن استعدادها لإرسال مساعدات لسكان المخيمات المحاصرة!
وطالب أحد أعضاء المعارضة في الكنيست الإسرائيلي بإرسال مواد إغاثة فورية
إلى المخيمات الفلسطينية [فرانكفورتر الجماينة ١٤/٢/١٩٨٧] .
ومن المحزن أننا لا نجد مواقف جادة في بلادنا العربية والإسلامية لإنقاذ
إخواننا في المخيمات. وما يطلق من تصريحات لا يقصد بها سوى مواقف سياسية!
ولكي نقف على الجحيم والكابوس المتصل لإخواننا في المخيمات -كما تقول
[لبراسيون الفرنسية ١٠/٢/١٩٨٧] : ننقل فيما يلي روايات الناجين من هذه المذبحة:
امرأة تقول: أتمنى أن لا يعيش أي إنسان الأيام التي عشناها؛ كنا نموت
ببطء، هل تعلم ما معنى الحصار؟ الجوع والقصف اليومي والموت والجثث
والروائح المميتة؟ [القبس الدولي ١٩/٢/١٩٨٧] .
فارس علي الخطيب طفل في العاشرة من عمره قال وهو يتحدث بلهجة
حزينة وبريئة ومؤلمة: «لم أعد أحتمل الجوع ولم أعد أحتمل صراخ وبكاء
إخوتي الصغار الذين أصبحوا أشبه بهياكل عظمية، ولم أعد أحتمل أصوات
انفجارات القنابل والقذائف التي تتساقط علينا كالمطر» وأضاف قائلاً: «لقد
حاولت مع بعض الأطفال الآخرين الهرب من الحصار، ولكن اثنين من الجنود
أوقفونا ومنعونا من الخروج، وقالا لنا: (كلوا أصابعكم فلن نسمح لكم بالخروج) .
وفي اليوم التالي سمح لقلة من الأطفال وأنا من بينهم بمغادرة المخيم المحاصر حيث
رافقنا عدد من رجال الميليشيات المدججين بالسلاح، وأيدينا مرفوعة إلى أعلى،
وتوجهنا إلى أحد المستشفيات في منطقة مار إلياس في بيروت الغربية.
ويبدو أن أحد رجال الميليشسيات تعرف عليّ لأنه كان أحد المسلحين اللذين
حالا دون هروبنا من المخيم في اليوم السابق، ولهذا اقترب مني وأخذ يمعن النظر
كما لو أنه تذكر هو الآخر شخصيتي، ولكن بحركة عفوية اختبأت وراء أحد
الجدران وأنا أرتعد من الخوف ومن شدة البرد ومن الجوع والألم، وتنفست
الصعداء حين اضطر هذا المسلح إلى التوجه إلى مكان آخر لمراقبة عملية إيصال
بعض العائلات الفلسطينية إلى مار إلياس.
ويقول الطفل محمد قصاب البالغ من العمر ٩ سنوات، والذي نجح مع زميله
فارس في الهرب من الحصار المفروض على المخيم:» لقد اضطرنا الحال إلى
قتل الكلاب والقطط، وقمنا بطبخها كما لو أنها لحوم البقر أو الغنم لسد جوعنا.
وأضاف: إن الجوع جعلنا لا نفرق بين البقر ولحم الكلاب باستثناء أن طعم لحم
الكلاب والقطط كان مالحاً بعض الشيء « [القبس الدولي ٢٣/٢/١٩٨٧عن دير
شبيغل] .
وتقول زينة المغربي (١٩ عاماً) وهى ترقد على سرير بأحد المستشفيات:
» أصابتني رصاصة في معدتي ولولا ضرورة إجراء جراحة لما كنت تركت ...
المخيم «.
وقالت كاملة عبد السيد (٢٠ عاماً) :» إن رصاصة قنص أصابتها أثناء
قيامها بنقل مياه من أحد الآبار إلى المخبأ الذي تقيم فيه داخل برج البراجنة.
وأضافت قولها: لم أستطع أن أخرج سوى واحدة فقط من بناتي الصغيرات الثلاث
من المخيم. والاثنتان الأخريان لا تزالان هناك «.
وقال الطفل بسام البالغ من العمر سبع سنوات وقد اغرورقت عيناه بالدموع:
» لا أريد أن ألعب. إنني جائع لم يكن في المخيم ما نأكله سوى الحشائش «.
ويصف محمد نصار (١٥ عاماً) محنة إخوانه في مخيم برج البراجنة فيقول:
» كنت جائعاً ورأيت بعض الأشخص يأكلون كلباً. لم أستسغ الفكرة ولكن لم يكن
أمامي خيار يذكر «ويمضي قائلاً: غلينا الكلب ثم ألقينا بالمياه بعيداً وشوينا
الحيوان في العراء. كان مذاقه مراً للغاية ولكن..» [القبس الدولي ١٦/٢/١٩٨٧] .
وقال كريم عوني وهو في العاشرة من العمر: «بينما كانت عناصر
الميليشيات المحاصرة لنا يوزعون عليهم فطائر بالزعتر، كنا نقتات بالحشائش من
الأحواض الصغيرة» وأبلغت والدته الصحفيين: «الكلام عن أن بعضنا أكل لحم
القطط والكلاب صحيح. لقد شاهدنا رؤوس هذه الحيوانات وسط النفايات» .
وكان فريق طبي أجنبي يعمل في مخيم برج البراجنة قد ذكر أن الفلسطينيين
اضطروا لأكل الجرذان والقطط والكلاب للبقاء على قيد الحياة بسبب الحصار
الطويل. وقالت حسنة الخليل وهي أم لثمانية أطفال: «عندما ينتهي مخزون عائلة
من الحليب فإنها تشارك جارتها ما لديها من حليب حتى لا يبقى عند العائلتين أي
شيء» [القبس الدولي ١٤/٢/١٩٨٧] .
ويقول أحد الأطباء الكنديين العاملين في مخيم شاتيلا: إن وسط المخيم أصبح
أشبه ما يكون بمزبلة هائلة. واللجان المسؤولة عن إدارة شؤون المخيم أرغمت
الجميع على قص شعورهم ورش أنفسهم بمادة (د. د. ت) من أجل قتل البراغيث. ...
ولا يوجد هناك أي غذاء. ومياه الشرب ملوثة بمياه المجاري مما أدى إلى
ظهور حالات من مرض «التيفوئيد» .
وقال أحد الفلسطينيين: «هناك مجاعة كاملة في مخيم الرشيدية فالسكان لا
يجدون أي شيء داخل المخيم. وحتى الأعشاب قد نفدت، فقد أكلوها. وهم
يحاولون الآن التسلل إلى خارج المخيم من أجل التقاط بعض النباتات الخضراء.
ولكن الثمن الذي يدفع في هذه الحالة يكون دم الصبية الصغار الذين يحاولون التسلل
بين الأشجار» [الغارديان ٧/٢/١٩٨٧] .
نحن نستنكر الإرهاب وخطف أساتذة الجامعات ورجال الدين وغيرهم
وغيرهم من أي جهة كانت، ولكن لماذا يهتم العالم وتقوم الدول لإنقاذ هؤلاء
الرهائن ولا يتحركون من أجل الفلسطينيين المسلمين، وربما تكشف لنا الأيام بعد
فترة على أن هذه الدول التي تزعم محاربة الإرهاب وهي ضالعة فيه أنها
والمتأمرون كانوا يفتعلون قضايا من أجل إبادة الفلسطينيين المسلمين. إن الذين
سيبوءون بجريمة قتل الفلسطينيين وحصارهم حتى الموت صنفان من الناس:
صنف يشارك في هذه الجريمة فعلياً بجسمه وعقله وماله وسلاحه، تخطيطاً
وتنفيذاً.
وصنف واقف متفرج يراقب كل ذلك، وهو قادر على أن يفعل شيئاً، ولا
يفعل، إما تخاذلاً وإما تجاهلاً وتآمراً. والذي يخامر على المجرم شريك له في
الجريمة، هكذا قررت هذا المبدأ البسيط جميع الشرائع، سماوية كانت أم أرضية.
وليس ما يحدث إلا محنة للمسلمين، ودروس لهم، ليستخلصوا منها العبرة،
فيثوبون إلى رشدهم، وتنكشف الغشاوة عن عيون كثير منهم، ويستطيعون بعدها
تمييز الصديق من العدو.
وبعد ذلك فالظلم مرتعه وخيم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
стр. 98
تركيا المسلمة تتحدى أتاتورك
إعداد. محمد أحمد عبد الله
أراد كمال أتاتورك قبل ستين عاماً أن تكون تركيا دولة علمانية، لا تدين
بدين من الأديان.. وكان بعمله هذا ينفذ مؤامرة يهودية صليبية خطط لها قبل عدة
قرون، وتحطمت مخططاتهم طوال تلك المدة حتى جاء اليهودي «أتاتورك»
وتستر وراء شعارات كاذبة، كالتقدمية، والقومية، والتحضر، وفي غيبة الوعي
الإسلامي، وغيبة الرجال الأفذاذ الذين يتجمعون على الحق، ويعرفون كيف
يحبطون مؤامرات ومكائد العدو.. أقول في غيبة هؤلاء الرجال أقدم أتاتورك
وزبانيته على هدم الخلافة الإسلامية، واستبدال الحروف العربية بحروف لاتينية،
وأمر الناس بحلق لحاهم، كما أمر النساء بخلع الحجاب، ونكل بالعلماء والدعاة إلى
الله، ومنع الأذان بالعربية، وبعد هلاك الطاغية كمال أتاتورك سار إخوانه
وتلامذته من الاتحاديين وقادة الجيش وصنائع الغرب على نهجه..
وظن الطغاة أنه لن تقوم للإسلام قائمة في تركيا المسلمة بعد الآن، ولكن الله
أبطل كيدهم وأضل سعيهم.
ويحدثنا القادمون من تركيا عن مظاهر طيبة يرونها تثلج صدور المؤمنين
وتبعث الأمل في النفوس.. يحدثنا القادمون عن تمسك الشباب بدينهم ومحافظتهم
على صلاة الجماعة في المساجد، وعن التزام الفتيات بالحجاب الإسلامي في
الجامعات والمعاهد، كما يحدثنا القادمون عن عواطف الأتراك الجياشة نحو إخوانهم
العرب الذين يزورون تركيا، وبشكل أخص الملتحين منهم الذين يترددون على
المساجد.
وباتت اللحية والحجاب من أشد المخاطر التي تهدد زبانية أتاتورك، وقد
صدرت الأوامر بمنع الحجاب في الجامعات التركية، بل ومن شروط الالتحاق
بالجامعة حلق اللحى بالنسبة إلى الرجال، ووجوب سفور الفتيات، وقد واجه
المسلمون هذه الظواهر الخطيرة بحزم وقوة، ولنترك المجال لصحيفة «ديرشبيجل
الألمانية» الصادرة في أوائل شهر فبراير الماضي تتحدث عن الصحوة الإسلامية
في تركيا تحت عنوان «إنهم يتحدون أتاتورك» .
«إن موجة التجديد الإسلامي باتت تتحدى تراث أتاتورك، وقالت سعاد مير
الطالبة في الاستشراق التركي، بجامعة اسطنبول: (إن الله أمرنا بتغطية الرأس،
ولا يجوز أن يظهر غير الوجه والقدمان وكفا اليد، ولهذا السبب من واجبنا الديني
أن نضع غطاء الرأس، وفي حال حظره علينا سوف أغادر الجامعة) . وانبرت
صديقتها حنيفة أوجلو، الطالبة في الفلسفة لتأييدها بالقول: إني أحب الدراسة لكن
إذا منع غطاء الرأس يجب أن أمضي في سبيلي.
إن الشابات التركيات ساخطات على مرسوم منع الحجاب وغطاء الرأس في
حرم ٢٨ جامعة تركية، وابتداء من أول هذا العام، ولا يسمح للطلبة الذكور
بولوجها بلحية؛ لأن هذه علامة ظاهرة على التزمت الديني الإسلامي.
وكل من يخالف هذا المنع يتلقى إنذاراً في البداية، ثم يحظر عليه حضور
المحاضرات الجامعية، ويفصل من الجامعة.
ويستند المرسوم الجديد لقرار من المحكمة الإدارية العليا مفاده أن التحجب
بكل أنواعه مخالف للدستور؛ لأنه موجه ضد النظام الاجتماعي العلماني للجمهورية
التركية.
وقد اعترف الرئيس التركي كنعان إفرين بانتشار الحجاب واللحية في
الجامعات يقول:» توجد أصولية في تركيا هي خطرة على جمهوريتنا العلمانية
مثل الشيوعية والفاشية «..
وقد اتضحت عودة الروح الدينية إلى تركيا المسلمة بمعدل ٩٩ بالمائة من
سكانها عندما تظاهر خمسة آلاف شخص بعد صلاة الجمعة في جامع بايزيد في
اسطنبول في منتصف الشهر الماضي، وهتفوا من أجل (تركيا إسلامية) وحملوا
على أكتافهم نجم الدين أربكان رئيس حزب الخلاص الوطني. إن المطالبة بإعادة
الدولة الدينية تستهدف صرح تركيا الحديثة التي أسسها كمال أتاتورك عندما فصل
بلاده عن الماضي العثماني لكي تلحق بركاب العالم (الحديث) ، فألغى الخلافة،
وفصل الدولة عن الدين، واستعاض عن الخط العربي بالحروف اللاتينية، وقام
بثورة ثقافية، وفرض تحديثاً متطرفاً قضى على الحجاب واللحية والطربوش الذي
كان إلزامياً لكل موظفي الدولة. ومنذ ذلك الحين يعتبر الجيش نفسه حارساً لتراث
الرفيق العسكري أتاتورك، وكلما ساوره الظن بأن الدولة والدستور في خطر
استولى على الحكم، وأعاد النظام إلى النصاب الذي يفهمه هو.
لكن العسكريين بالذات ساعدوا التجديد الإسلامي هذه المرة على الظهور
الحاسم عندما وافقوا عام١٩٨٢ على بند دستوري أوكل إلى الدولة الإشراف على
تعليم الدين للمرة الأولى منذ أتاتورك، وسرعان ما شقت الروح الدينية المكبوتة
طريقها وزاد عدد المعاهد الدينية من اثنين عام ١٩٨٠، إلى ثمانية معاهد. وتريد
حكومة تورجوت أوزال المحافظة إنفاق ٨٠ مليون دولار هذا العام على تدريس
القرآن الكريم، وينبغي منذ بداية الشهر القادم أن يرتاد الأطفال المسيحيون أيضاً
دروس الدين الإسلامي، وبعد أتاتورك بستة عقود زمنية يتبين الآن أن مؤسس
تركيا الحديثة استخف بمتطلبات شعبه الدينية، وقد حقق المثقفون الأتراك اللحاق
الفكري بأوربا لكن جماهير الشعب لم تستطع اللحاق بهم، وقامت العلمانية في تركيا
فوق فراغ أدى في السنوات الأولى للجمهورية إلى أزمة في الهوية، بسبب رفض
الفكر الإسلامي المتراكم؛ لأن الإسلام كان جزءاً جوهرياً من تفهم الذات التركية،
فالشعر والفولكلور متطبعين ببيئة إسلامية، والموسيقى ظلت شرقية، وقوانين
الآداب والأعراف بقيت إسلامية، ولاسيما في الأرياف.
إن دور رئيس الحكومة في الخلاف حول تراث أتاتورك العلماني هو على
الأقل موضع شك، فهو ينكر وجود رجعية إسلامية على الرغم من أنها ملموسة في
كل مكان من البلاد. وهو نفسه مسلم متعبد وكان المعلمون في دروس القرآن يلقنون
الأطفال بأن الصداقة بين الفتيات والفتيان من الموبقات التي تسد باب الجنة.
ويرفض موظفو الوزارات الصعود في مصعد كهربائي واحد مع نساء داخل
مباني حكومية، فهذا أيضاً خطيئة في نظر الأصوليين. وفى غضون شهر رمضان
لا يوجد في الوزارات والدوائر طعام وشاي وقهوة، وقد وافقت الحكومة على مبلغ
من المال لبناء جامع في الحديقة أمام البرلمان ليقوم من يريد من النواب بتأدية
الصلاة فيه، وكان النواب المتدينون في زمن أتاتورك يتسللون إلى غرف منزوية
للصلاة. إن عدد الجوامع في البلاد ازداد بأكثر من من ثلاثة أضعاف في العقود
الأخيرة وارتفع إلى ٧٢ ألف جامع وهناك أكثر من ٦٠٠ قرية بدون مدارس لكن
في كل واحدة منها جامع خاص بها. وقد أصبح تعلم مهنة إمام أو خطيب في
الجامع مرغوباً فيه بشكل لا مثيل له. وكان ٤٢٠٠ طالب فقط يتعلمون هذه المهنة
في ١٩ مدرسة عام ١٩٦١، فقفز عددهم إلى٢٢٩ ألف طالب في ٧١٦ مدرسة عام
١٩٨٥. ولم يعد الجيش نفسه في مأمن من العدوى الإسلامية، ففي جامعة أضنة
كشف الرئيس إفرين النقاب مؤخراً أمام الطلبة عن تسريح ٩٦ طالباً من معهد
الضباط بسبب ميول دينية متطرفة كانوا بين ٨١٣ طالباً من أفقر فئات الشعب في
المعهد، وفسر إفرين هذا التشريب الديني بأبعاده المتفشية على نطاق واسع بين
العوائل الفقيرة التي ترسل الأبناء الأذكياء إلى مدارس ومعاهد دينية حيث يتلقون
العلم والمأوى مجاناً، وحذر إفرين بقوله: إذا لم تطفأ النار في وقت مبكر فإن من
الممكن أن يلتهم الحريق الدار كلها.
وهذا هو رأي عسكريين قياديين منذ أمد قصير، وقد اجتمع الجنرالات
الأعضاء في مجلس الأمن القومي لتركيا مؤخراً في نادي الجيش بأنقرة، وكانوا
يرتدون ملابس مدنية، وحرروا برئاسة رئيس هيئة الأركان العام (نجدات أورك)
رسالة تحذير موجهة إلى قيادة الدولة جاء فيها:
إن القوات المسلحة قلقة للغاية من زحف الأصوليين المسلمين وتتوقع أن يتم
بسرعة وقف الرجعية الدينية المتنامية. ووجه أورك تحذيراً لا التباس فيه إلى
الشعب بقوله: (توجد في هذه البلاد قوانين وحكومة ودستور وجيش يعرف ما
ينبغي القيام به) .
إن ما يفهمه الجنرالات الأتراك كواجب عليهم قد أظهروه عام ١٩٦٠ و١٩٧١
و١٩٨٠؛ فقد تسلموا السلطة المدنية بأيديهم وعطلوا الدستور، وفعلاً، تتهامس
الأوساط السياسية في تركيا حول تكهنات بانقلاب عسكري قريب، ويتناقل الناس
في كل مكان بهمس (إن الجزمات العسكرية تمسح الآن ثانية في الثكنات لكي يتم
الزحف على الحكم دون عوائق) .
وإذا كان القادة العسكريون يهددون بانقلاب جديد يقتلع البرلمان، ويحكمون
البلاد من خلال قانون الطوارئ.. فهذه الأساليب لا تخيف الدعاة الصادقين ولا
ترهبهم.. ومنذ ستين عاماً والانقلابات العسكرية مستمرة، والهيمنة لقانون
الطوارئ، ومع ذلك فقد عاد الناس إلى كنف ربهم، وأعرضوا أشد الإعراض عن
أتاتورك ودينه ودستوره، والجيش الذي يستخدمه الطغاة هو من هذا الشعب المسلم، وسوف يختار أخيراً الإسلام وينهض من سبات نومه، ولن ينسلخ الابن عن أبيه
وأمه وإخوانه وأساتذته.
أما قول الرئيس التركي: [اذا لم تطفأ النار في وقت مبكر، فإن من الممكن
أن يلتهم الحريق الدار كلها] وقوله أيضاً: [توجد أصولية في تركيا هي خطرة على
جمهوريتنا مثل الشيوعية والفاشية] . فالخطر كل الخطر في بعد تركيا عن الإسلام
واستبداله بدين جديد اسمه العلمانية، وفي ظل هذا الدين الجديد أصبحت تركيا
محمية من محميات الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت أكبر دولة في العالم،
وكان الغرب والشرق يرتعد خوفاً وهلعاً من السلاطين الأتراك الذين كانوا يفتحون
البلدان، وينشرون الإسلام، ويحطمون الطغيان.
والذي ننصح به إخواننا في تركيا أن يستفيدوا من أخطاء إخوانهم في بقية
البلدان الإسلامية، وأن لا يستدرجوا إلى معارك جانبية تستنزف طاقاتهم..
وليحذروا أشد الحذر من الباطنية ودعاتها وأجهزة إعلامها، ويبدو أن مجلة (دير ...
شبيجل) قد اعتمدت على مصادر باطنية أو على مصادر متعاونة مع ... الباطنيين، وليستعرضوا تاريخنا القديم والحديث أو على الأقل تاريخ تركيا منذ عدة قرون، وسوف يعلمون أن هؤلاء الباطنيين كانوا يتحالفون مع كل عدو كافر ضد تركيا المسلمة، والتاريخ يعيد نفسه، والباطنيون لا يقبلون أن تعود تركيا كما كانت دولة مسلمة قوية تدافع عن الإسلام والمسلمين.. وكل الذي يبحثون عنه أن يبثوا سمومهم في هذا البلد الطيب، ويجندوا ضعاف النفوس ليقيموا حلفاً بينهم وبين غلاة الباطنية في تركيا، ويكون هذا الحلف المشبوه ستاراً لنشر أفكارهم وتفريق الصف الإسلامي..
ونعتقد أن المحاولات التي بذلوها، والفتن التي روجوها خلال عدة سنين
كافية للاقتناع لمواجهة هذا الأخطبوط الباطني، فليراجع إخواننا الدعاة في تركيا
حساباتهم، وعندئذ سيعلمون صدق وأهمية ما ننصحهم به.
стр. 99
الظلم مرتعه وخيم
إعداد. محمد أحمد عبد الله
نشرت صحيفة الشرق الأوسط اليومية في عددها الصادر بتاريخ ٢٢ جمادة
الآخرة عام ١٤٠٧ هـ الخبر التالي:
«فرغت لجنة حصر منزل [رئيس عربي أفريقي سابق] بمقر القيادة العامة
للقوات المسلحة من أعمالها، وأدلى مصدر موثوق بمعلومات خاصة لـ[الشرق
الأوسط] تنشر لأول مرة عن محتويات المنزل، فأوضح أنها قد وضعت في ثمانية
عشر صندوقاً، يبلغ طول الواحد حوالي ستة أمتار، وحمولته تحتاج إلى رافعة،
وقال: إن فساتين زوجه قد بلغت ٤٠٠ فستان، عدا الفساتين التي لم تستعمل بعد،
إضافة إلى ٣٨٢ ثوباً و ٢٠٠ ثوب جديد آخر لم يستعمل، وأكثر من ٣٠٠ حذاء،
وكميات كبيرة من العطور. وأشار المصدر إلى أن في المنزل محطة أقمار صناعية، وجهاز التقاط لقنوات التلفزيونات الأجنبية، وقبانية خاصة، ومخبأ للطوارئ
وسلماً كهربائياً، ومهبطاً لطائرة هليوكبتر، بالإضافة إلى جهاز تصوير يعمل على
التقاط صور الأشخاص الذين يقتربون من المنزل.
وأضاف المصدر بان هناك كميات كبيرة من المسابح، والحصر، والأباريق، مشيراً إلى أن هناك غرفة طبية مجهزة بأحدث الأدوات الطبية، وكميات كبيرة
من الأسلحة والبطاطين والسجاجيد التي لم تستعمل. وقال: بأن هناك كميات من
الوثائق الأمنية، والدبلوماسية، موضحاً أن هناك أيضاً عشرين سيفاً من الذهب
الخالص، بالإضافة إلى الدروع، والأواني الذهبية.
وأضاف: إن مفاتيح المنزل أشبه بمفاتيح قارون -على حد وصف المصدر-
من كثرتها، كما توجد التلفزيونات والفيديوهات بعدد الغرف والصالات» .
ولنا على هذا الخبر الملحوظات التالية:
١- ذكرت صحيفة الشرق الأوسط اسم الرئيس السابق واسم زوجه.. وآثرنا
عدم ذكر الاسمين، تقديراً لمشاعر أهل وأقرباء العائلتين، ومن جهة ثانية، فليس
المقصود عندنا الاسم، وإنما المقصود معالجة هذه الظواهر المرضية التي يكثر
تكرارها في أماكن متعددة، مع أننا لم نكن في يوم من الأيام من المعجبين أو
المؤيدين لهذا الرئيس.
٢- مما ينبغي التأكيد عليه أن الشعب الذي كان يحكمه هذا الرئيس كان - ولا
يزال - يعاني مجاعة مات بسببها عدد كبير جداً من الأطفال والشيوخ والنساء، وقد
امتدت يد المحسنين لهذا الشعب من جميع أنحاء العالم.. وبكل أسف لم يكن هذا
الرئيس وبطانته أمناء في توصيل المساعدات للمنكوبين الجائعين، وكان قد زعم،
عندما قام بانقلابه العسكري الذي جاء به إلى الحكم، أنه جاء ليحقق العدالة
الاجتماعية والمساواة بين أفراد شعبه، ولكن الذي حققه لشعبه: مجاعة وفقراً
وظلماً واحتكاراً.
وبداً الحكم فقيراً لا يملك غير مرتبه، وخرج من الحكم بعدد كبير من ملايين
الدولارات، كما تحدثت وكالات الأنباء والصحف العالمية والعربية، وهذه الملايين
مودعة في بنوك أوربا الغربية، وهذا يعني أن محتوى منزله لا يساوي شيئاً أمام
رصيده النقدي في البنوك الغربية، ومع ذلك فقد كان يتظاهر بالزهد والعفة والورع
والتقوى.
٣- مصيبة المصائب أن آخر ورقة كان يتاجر بها الرئيس المخلوع هي
«تحكيم الشريعة الإسلامية» ، ونصب نفسه خليفة للمسلمين، وأول القوانين التي
وضعها تضمنت عقوبات صارمة ضد الذين يعارضون نظامه ويحاولون
الإطاحة به.
وخلال الفترة «الإسلامية المزعومة» كان الرئيس السابق دمية تحركها
الولايات المتحدة كما تشاء، وقد أمرته في أواخر عهده بالحكم أن يخفف من إصدار
القوانين الإسلامية فاستجاب، وأمرته بالبطش بالدعاة الذين كانوا يتعاونون معه
ففعل ... وأمرته بتدبير هجرة «يهود الفلاشا» إلى فلسطين المحتلة ففعل ...
وهناك فضائح أخرى ليس هذا موضع الحديث عنها.
٤- وهناك سؤال يفرض نفسه بإلحاح: كيف نجمع بين المسابح والحصر
والأباريق - وهذا يعني أن الصلاة كانت تقام في قصره - وبين الترف والإسراف
اللذين جاوزا كل حد، لدرجة أن المصدر الذي نقلت عنه الشرق الأوسط قال:
«إن مفاتيح المنزل أشبه بمفاتيح قارون.. كيف نجمع بين هذا وذاك؟ ! ...
وجوابنا على ذلك:
إن الرئيس السابق كان لا ينكر إعجابه وإيمانه بالصوفية، وكانت الصحف
التي تجري معه مقابلات تنقل عنه مثل هذه التصريحات، وأكثر من هذا، فقد كان
الرئيس السابق شديد الإيمان بالخرافيين والسحرة والمشعوذين، وجاء في المذكرات
التي كتبها أحد بطانته -من الذين كان يستعين بهم - أموراً في غاية الغرابة.
ومن جهة أخرى فقد أقنعه مساعدوه ومستشاروه بأن للاتجاه الصوفي ثقلاً في
بلده، ويستطيع أن يستعين بهم ضد الدعاة الذين كان يتوجس منهم خيفة.
ومن جهة ثالثة فالصوفيون - عبر شيوخهم - مستعدون لخدمة أمثال هذا
الرئيس، بل وخدمة من هم أشد سوءاً منه، وتاريخهم الأسود في القديم والحديث
يشهد على ذلك، ومطالبهم بسيطة لا تتجاوز المال والمصالح المحدودة، وحلقات
الرقص والغناء التي يسمونها ذكراً.
وفوق هذا وذاك فقد كان الرئيس المخلوع متناقضاً، مزاجياً، محدود المدارك
العقلية، وغير مستبعد أنه ما كان يرى تعارضاً بين التحف التي يملكها، والمسابح
التي يوزعها على شيوخ الصوفية الذين يرتادون قصره.
٥- لا أدري كيف يتمادى الظالمون في غيهم وظلمهم.. ولا يفكرون بأوراقهم
التي ستكشف، وأستارهم التي سوف تهتك، وأسرارهم التي سوف تفتضح؟ !
وكان هذا الرئيس المخلوع قد نجا من الموت أكثر من مرة، وتآمر عليه شركاؤه في
الحكم، ومن طبيعة هؤلاء الناس أنهم لا يثقون بمن حولهم من المساعدين
والمستشارين والأعوان، ومن الأدلة على خوفه من سوء المصير وجود مخبأ
للطوارىء في قصره..
ومن جهة أخرى فقد ابتلاه الله بعدة أمراض، والمرض يذكر الإنسان بقرب
أجله، وقصر عمره.. فكيف كان هذا الرجل غير مبال لا يفكر بيوم لا ينفعه فيه
قصره ولا ماله ولا حكمه؟ ! .
لقد نُحي هذا الرئيس عن الحكم، ومضى إلى حيث يمضي كل ظالم. وإذا
كان لابد من نصيحة للدعاة في هذا الموضع فنقول:
لن يشيد أركان هذا الدين إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصبروا
على الأذى والابتلاء، وجاهدوا في سبيل الله، وزهدوا في نعيم الدنيا وشهواتها ...
أما النكرات، وأصحاب الأمزجة، والأهواء والمصالح فنرجوا لهم الهداية، ونسأل
الله أن يرزقهم التوبة وحسن الخاتمة.. وإذا تبدلت أحوالهم فجأة فلا نكذبهم بدون
دليل، ولكن لا نثق بهم، ولا نصفق لهم، ونسارع في التجمع حولهم والاستجابة
لأمرهم، إذا طلبوا البيعة لأنفسهم، وزعموا أنهم أصبحوا أئمة وخلفاء في هذه
الأرض.
لقد تركت تجربة هذا الرئيس آثارا سلبية استغلها أعداء الإسلام أبشع ... ... استغلال، وبكل أسف لم تكن التجربة الأولى في هذا العصر، ولكن نرجو أن تكون التجربة الأخيرة، ولا يسمح العاملون للإسلام للانتهازين مرة أخرى استغلال الإسلام والمتاجرة به.
стр. 100
بأقلام القراء
إبراهيم الهزاع
من الأخ إبراهيم الهزاع.. جاءت هذه ال خاطرة:
إن ما نرى من فرقة واختلاف بين المسلمين من أسبابه انعدام الثقة بينهم،
تعيش مع الرجل السنين الطوال، ويعرف عنك دقائق أمورك، فيأتيه ناعق من
غربان الفساد فيوحي له بكلمات لا أصل لها ولا منبت، فيعرض له الشك، وبدلاً
من أن يأتيك ويسألك عن الأمر تأكيداً أو نفياً؛ فإنه يعرض عنك، ويصرم حبلك،
ولا يكلف نفسه - بما لك من حق عليه - بالنصح والإرشاد، بل قد يكون هو ممن
ينقلون هذه الفرية وينشرها بين الناس.
فليكن لنا مقياساً نقيس به هذه الأمور قوله تعالى: [لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ] [النور ١٢] .
فلنحسن الظن بالناس، ولا نجعل الإشاعات وأحاديث الإفك تدور بيننا،
ولنكن مقبرة لكل إشاعة، ولا نبني أحكامنا إلا على حقائق نعلمها؛ فإن مقام الشهادة
على الناس مقام عظيم. ولنذكر قوله ﷺ لمعاذ: «وهل
يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» .
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 101
شوال - ١٤٠٧هـ
يونيو - ١٩٨٧م
(السنة: ١)
стр. 102
الافتتاحية
رمضان.. موسم المراجعة
بحلول شهر رمضان المبارك من هذا العام؛ تكون مجلة (البيان) قد أشرفت
على نهاية عامها الأول، وفي هذه المناسبة الكريمة - مناسبة حلول هذا الشهر
الكريم - يستطيب للمسلم أن يجعل من رمضان علامة يقف عندها في مسيرته،
فيحاسب نفسه، ويضع خطة العمل للمستقبل.
وإنها لعادة حسنة، وعرف طيب للمسلمين، أن يتخذوا من رمضان
مغلاقاً لفترة مضت، ومفتاحاً لفترة أقبلت، فعلى حين يختم غير المسلم سنة من عمره ويفتتح سنة أخرى بالعربدة، والاستغراق في الشهوات والمعاصي، ومحاربة الله تعالى، وتعدي حدوده ومحارمه فإن المسلم شأنه شأن آخر: خشوع وإخبات، وقيام بحق الله من العبادة والشكر، وتضرع إليه تعالى ليتقبل الطاعات، ويتجاوز عن السيئات، ويسدد الخطا، وينير السبيل لعباده فيما يستقبلون من أيام.
وقد كان رمضان - ومازال - موسماً من مواسم الخير يغتنمه الأتقياء
للاستزادة من صالح العمل، ويلقي بظله الظليل على العصاة والغافلين، فيتوبون،
ويعاهدون ربهم على الإقلاع عما هم فيه، وقد يصدقون العهد، وقد يفشلون ويقعون
في مهاوي الغفلة والنسيان، فالسعيد السعيد من جعل رمضان مجدداً للعزم والطاعة، وحافزاً للتمسك بحبل الله، وفرصة يتزود فيها بزاد التقوى، والشقي الخاسر من
مرَّ به رمضان كغيره من الشهور، لم يُعِرْهُ التفاتاً، ولم يتعرض لنفحات الله -عز
وجل- فيه.
وكما وعدنا قراءنا الكرام، عند صدور العدد الأول من هذه المجلة، فإننا
نريد أن نشركهم في تجربتنا، ونطلعهم على طرف من معاناتنا.
وانطلاقاً من ذلك فإننا سنبوح لهم ببعض الصعوبات التي واجهتنا،
وتواجهنا.
١- أول هذه الصعوبات أننا نعمل في ظروف غير طبيعية، حيث لم
نستكمل بعد كثيراً مما يتطلبه مثل هذا العمل.
٢- إن مخاطبة القارىء العربي من وراء الحدود، تربو في صعوبتها
على مخاطبته من داخل الحدود في مثل هذه الظروف الشاقة التي تحيط بنا، حيث قد وضعنا نصب أعيننا هدفاً، هو الحرص على أن تصل (البيان) إلى كل عربي، وتخاطب كل معنِيٍّ بالدعوة الإسلامية أينما وجد.
وقد حاولت تحقيق الغاية المرجوة قلباً وقالباً، شكلاً ومضموناً، ولذلك فقد
مارسنا رقابة ذاتية مضنية لتجنب مواقع الخلل ومواطن الضعف، حتى تصل
الكلمة المخلصة النظيفة التي تكون لبنة بناء لا معول هدم.
٣-إن حمى الفرقة والانشطار قد ضربت كل شيء في العالم الإسلامي، ولم
ينج منها [إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ] ، وانعكس هذا الداء الخطير على العاملين في حقل
الدعوة الإسلامية، وذلك بسبب غياب المنهج الصارم، والنظرة الواضحة المحددة
التي تقوّم بها الأمور، فما يكاد صوت يرتفع بهذه الدعوة حتى تتعالى الصيحات
والاستفسارات مشككة أو مشاغبة دون دليل أو برهان.
قد وجدنا - وسنجد - صعوبة واضحة وبسيطة، وهي: أننا لسنا دعاة
تعصب وتحزب، وليس من همنا مهاجمة هذه الجهة، أو تلك، ولا نعتقد أن
إضاعة الجهود في مثل ذلك مما يعود على المسلمين بالعزة والمنعة، وأن مجال
عملنا هو الدعوة إلى الله على بصيرة متمثلة بمنهج أهل السنة والجماعة الذي نعتقده
أنه هو المنهج الوسط الذي لا إفراط فيه، ولا تفريط، لا تطرف، ولا تهاون،
وكل دعوة أو منهج - بخلاف ذلك - فهو حائد إلى إحدى الجهتين: غلو، أو تحلل.
وإننا - على الرغم من كل الصعاب والمشكلات التي تواجهنا - ماضون
بعون الله في طريقنا، تحدونا آمال كبيرة، ويدفعنا التفاؤل إلى الأفضل، ولعل
القارئ الكريم يلحظ أن هناك تطوراً ملموساً في المجلة شكلاً ومضموناً، ونسأل
الله أن يأخذ بيدنا كي تصدر المجلة كل شهر، فالساحة الإسلامية تدعو إلى ذلك، وعلى الرغم من سوء الواقع، وكثرة المشاكل التي يرزح تحتها الجسم الإسلامي؛ فإن هناك ما يدعو إلى مضاعفة الجهد من أجل بث الوعي الإسلامي
والتعريف بالإسلام.
فالحضارة الغربية بشقيها -الرأسمالي والشيوعي- تبدو مفلسة لا معنى لها،
والمؤمن الذي يبصر بنور الله يرى ذلك ماثلاً للعيان، فشبح الزوال يحيط بهذه
الحضارة التي تفننت في ابتكار وسائل الرخاء المادي تفننها في ابتكار وسائل
التدمير، ولكنها لم تكتف أن عجزت عن تقديم شيء يداوي الروح المريضة،
ويبعث في النفس القلقة السكينة والراحة؛ بل قتلت هذه الروح، وعاشت جسماً
ضخماً يبعث الرهبة والفزع، ويحيط به العبث والخواء.
ومن جهة أخرى، فالعالم الإسلامي يتطلع إلى البديل الذي ينقذه مما عانى -
ويعاني- في ظل الأفكار غير الإسلامية، فقد مل الكبت والقهر الذي فرض عليه
من قِبل القوى الغاشمة ورموزها، وأدرك أن الأمم التي تستورد الأفكار مصيرها أن
تستجدي الغذاء والكساء وأسباب البقاء ممن لا يجود به لله، بل ابتغاء مطامع
ومكاسب، وإلا فمصيرها الاندثار والزوال، وأنه لا عاصم لهذه الأمم من هذه
النهاية البائسة، إلا أن ترجع إلى ربها، تطلب منه العون والسداد، وتثوب إلى
عقيدتها المهجورة، تستمد منها دليل العمل.
وإننا لنرى أصداء العودة تتردد في كل الجهات: على لسان الأصدقاء،
مشجعين مستبشرين، وعلى لسان الأعداء، محذرين ومتذمرين. [وإن تَصْبِرُوا
وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] [ال عمران: ١٢٠] .
стр. 103
التجديد في الإسلام
صحوة الجهاد
(٦)
التجديد الجماعي:
كانت النتيجة التي خلص إليها الأخ الباحث الذي كتب الحلقات الأولى من هذا
الموضوع: أن التجديد بعد عمر بن عبد العزيز هو في الغالب تجديد جماعي،
فالذي يقوم به ليس رجلاً واحداً بل أكثر من واحد في كل عصر، ونقل ترجيح
الإمام ابن حجر لذلك، وهو ما رجحه الذهبي أيضاً وابن الأثير، كما نقل كلام ابن
الأثير بأن التجديد لا يلزم أن يكون من جانب الفقهاء خاصة، بل إن الأُمة تنتفع
أيضاً بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقرّاء ...
وهذا الرأي هو الصواب -إن شاء الله- وخاصة في العصور المتأخرة التي
يصعب أن يقوم رجل واحد بأمر التجديد فيها، والعجيب أن الذين تكلموا في التجديد
لم يذكروا الولاة بعد عمر بن عبد العزيز، بل اقتصروا على العلماء، بل اقتصر
بعضهم على علماء مذهبه، وإذا كان التجديد جماعياً فما المانع أن يقوم ولاة
بالتجديد في ناحية ويقوم علماء بالتجديد في ناحية أخرى، فقد يكون تجديد الولاة
ببعث روح الجهاد في الأمة وإعادتها إلى عز بعد ذل، وهيبة وكرامة بعد إهانة،
مع أن الجهاد لابد يستتبع العلم ودراسة سيرة السلف من الصحابة والعلماء
والمجاهدين، فتعود للأمة روحها.
ما قبل الإفاقة:
ومن الأمثلة البارزة على التجديد الذي يكون ببعث روح الجهاد في الأمة
وإعادة الثقة إلى نفسها: ما قام به الملك الصالح المجاهد نور الدين محمود بن عماد
الدين زنكي، وما قام به بعده الملك المجاهد صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن
السادس الهجري.
وحتى نعلم قيمة ما أتى به هذان الرجلان لا بأس من أن نطل إطلالة على
العصر السابق لهما.
في أواخر القرن الخامس الهجري كان قد انتهى دور السلاجقة الكبار الذين
كان لهم دور كبير في إعادة القوة للمسلمين ومعركة (ملاذ كرد) التي انتصر فيها
(ألب أرسلان) على الروم انتصاراً ساحقاً جعلت الروم يفكرون طويلاً قبل محاولة
الاستيلاء على أي بلد من بلاد المسلمين. وجاء بعد هؤلاء أولادهم وأحفادهم
وتمزقت الدولة شرّ ممزق، وتحولت كل مدينة، بل كل حصن أو قلعة إلى دولة،
وكلٌ يحاول امتلاك أكبر عدد ممكن من الحصون، ويستنجدون بالبعيد والقريب
والعدو والصديق لحماية أنفسهم وزيادة ملكهم، فلا حصلوا دنيا ولا أقاموا ديناً،
وجاءت الحملات الصليبية إلى بلاد الشام، ولكنها لم تحرك فيهم ساكناً، بل استنجد
ملك دمشق بالصليبيين خوفاً من عماد الدين زنكي، وكذلك فعل (شاور) وزير
العبيديين في مصر، طلب الحماية من الصليبيين خوفاً من نور الدين محمود، وأما
الخلافة العباسية في بغداد فقد كانت من الضعف بمكان، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً
في هذا السبيل.
هذه هي الحالة المؤسفة التي آلت إليها بلاد المسلمين في مطلع القرن السادس، وهي حالة تمر بها الشعوب أحياناً، فتصبح أسيرة الذل والأوهام والنظر القاصر
والأنانية المفرطة التي تؤدي إلى التكالب على الدنيا دون النظر إلى العواقب.
بعد هذا التفرق وهذا الضعف؛ جاء نور الدين محمود ومن بعده صلاح الدين، فأعادا الثقة إلى الأمة بجهادهما وإخلاصهما.
التجديد الجهادي:
إن العلامة البارزة في شخصية هذين الملكين هي الجهاد، وإن كانت لهما
مميزات أخرى من حب العلم وإقامة العدل وفتح المدارس، ومن صفات شخصية
مثل: التواضع والحلم والشجاعة، ولكن استئناف الجهاد في حياة الأمة، الذي
أصبح همهما وديدنهما هو موضع التجديد.
قال المؤرخ أبو شامة عن نور الدين: «وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة
فلم أدركها، فقال له قطب الدين النيسابوري الفقيه الشافعي: بالله لا تخاطر بنفسك
وبالإسلام والمسلمين فإنك عمادهم، فقال: يا قطب الدين، ومن محمود حتى يقال
له هذا؟» [١] . ومن حبه للجهاد أنه طلب من أمراء الجزيرة النجدة للوقوف في
وجه الفرنج، فأجابه البعض وتلكأ أحدهم ثم عزم، وعندما سئل عن السبب قال:
«لقد كاتب نور الدين الصلحاء والعلماء في الدعاء له ودعوة الناس للجهاد،
فإن لم أساعده أخذ ملكي مني» [٢] .
وقال لصاحب الروم (قلج أرسلان) : «أنت مجاور الروم ولا تغزوهم وبلادك
قطعة كبيرة من بلاد المسلمين، ولابد من الغزاة معي» [٣] . وأما تفاصيل غزواته
وجهاده للصليبيين وانتصاره عليهم في أكثر المعارك، واستعادة كثير من البلدان
والحصون منهم، فهو مثبت في كتب التاريخ لمن أراد الرجوع لذلك، وكان رحمه
الله يقدّرُ في نفسه أن يفتح القدس، وقد طلب تهيئة المنبر لليوم الذي يستعاد فيه
المسجد الأقصى، ولكن فاته الأجل وقدر الله ذلك للسلطان صلاح الدين. وأما
أعماله الأخرى العظيمة: فهو الذي أمر صلاح الدين بإنهاء الدولة العبيدية في مصر
وقطع الخطبة للعاضد، وأن يخطب للخلافة العباسية، وألح عليه في ذلك حتى
استجاب له [٤] .
«وهو الذي جدّد للملوك اتباع سنة العدل والإنصاف وترك المحرمات،
فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية، همة أحدهم بطنه وفرجه، حتى جاء الله بدولته
فوقف مع أوامر الشرع، وبنى داراً للعدل، وخاف الأمراء من إحضارهم لهذه الدار
فأنصفوا من أنفسهم، وأنصفوا الناس خوفاً من أن يعلم بهم نور الدين» [٥] .
وإذا كان صلاح الدين هو الذي أكمل هذا الاتجاه وقام به على أكمل وجه،
فإن الذي بنى هذا ومهّد له، وولّى أمثال صلاح الدين على مصر وغيرها، هو
نور الدين محمود ﵀.
التجديد الجهادي عند صلاح الدين:
كان أول عمل عظيم قام به هذا السلطان هو إنهاء الدولة العبيدية بمصر،
وعَزَل قضاتهم، وحوَّل سجونهم إلى مدارس لطلبة العلم، وبعد وفاة السلطان نور
الدين محمود لم يخلفه رجل قوي، مع أن المرحلة حرجة وتحتاج إلى مثل هذا
الرجل لمواجهة الصليبيين، فتصدى صلاح الدين لهذه المسؤولية، وكانت الخطوة
الرئيسية هي توحيد بلاد الشام ومصر وضم أكبر عدد ممكن من الأقاليم إلى هذه
الوحدة، فضمت اليمن والحجاز وبعض أقاليم الجزيرة، حتى يتسنى حشد الطاقات
لمقارعة الفرنجة، وجاءت سريعة نتائج هذه الوحدة مع إضافة النوايا الصادقة،
فانتصر المسلمون في (حطين) انتصاراً ساحقاً، وكان الهم الأكبر لدى السلطان هو
تخليص المسجد الأقصى من الكفرة، ففتح كل المدن الداخلية في فلسطين، وتم بعد
ذلك فتح القدس بعد أن بقيت أسيرة ما يقارب تسعين سنة. وبعد هذه الانتصارات
استولى حب الجهاد على قلبه، فأصبح شغله الشاغل وهمه القائم القاعد، فلا حديث
له إلا الجهاد، وفنون الحرب، وكيفية استصلاح القلاع، وصناعة أدوات القتال،
وألف العلماء في الجهاد وأصبح هو حدث الساعة.
وصف المؤرخ عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الملقب بأبي شامة، وصف
صلاح الدين فقال: «كان ﵀ شديد المواظبة على الجهاد، عظيم
الاهتمام به، ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً
إلا في الجهاد وفي الإرفاد لصدق وبرَّ في يمينه، ولقد هجرَ في محبة الجهاد في
سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة
تهب بها الرياح يمنة ويسرة» [٦] .
وقال عنه القاضي الفاضل: «وأما صبره في الجهاد، فقد رأيته بمرج عكا
وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دمامل كانت ظهرت عليه من وسطه
إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس، ومع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى
صلاة الظهر يطوف على الأطلاب، ومن العصر إلى المغرب، وهو صابر على
شدة الألم، وكان يقول: إذا ركبتُ يزول عنِّي ألمها حتى أنزل» [٧] .
وكان السلطان قد عانى الأهوال في حصار عكا الذي استمر أكثر من سنتين،
ومع ذلك صابر الكفار كل هذه المدة (ويكون هو أول راكب وآخر نازل. ومرض
وأشرف على التلف ثم عوفي) . ويضيف الذهبي: (ولعله وجبت له الجنة برباطه ...
هذين العامين) [٨] . وكان في حصار القدس يحمل الحجارة بنفسه حتى اضطر
من حوله من الأمراء والوزراء إلى القيام بنفس العمل. بل تطلعت نفسه إلى أبعد
من هذا، تطلعت إلى مهاجمة هؤلاء الصليبيين في عقر دارهم، يقول لصديقه
الحميم القاضي الفاضل: «متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسمت البلاد
وأوصيت، وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم، أتبعهم فيها حتى لا أبقي
على وجه الأرض من يكفر بالله، أو أموت» [٩] .
بهذه النية الصالحة يسر الله استرجاع القدس، وفتح كل المدن الداخلية، ولم
يبق للصليبيين سوى بعض المدن الساحلية. وبعد الحصار الدامي حول عكا، رجع
إلى دمشق مستريحاً بعض الوقت، فوافاه الأجل صبيحة يوم الأربعاء من شهر
صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وبوفاته ﵀ انتهت هذه الفترة من
الزخم الجهادي وتجميع قوى المسلمين وصهرهم في بوتقة عمل موحد، ولم يأت
بعده من استطاع إكمال المهمة، رغم مدافعة أولاد أخيه العادل للصليبيين، وخاصة
في مصر. ولم يتحرر بقية الساحل من الأعداء إلا في عهد المماليك.
العلماء مع صلاح الدين:
إذا كان الشغف بالجهاد وحمل هموم المسلمين وتحرير أرضهم من الكفرة هي
أبرز صفات صلاح الدين، إلا أنه حُبَي بصفات أخرى جعلته موضع احترام ومحبة
المسلمين، بل موضع احترام أعدائه من الصليبيين، وجعلت أهل دمشق يحزنون
على فراقه ما لم يحزنوا على ملك قبله.
قال كاتبه العماد الأصفهاني: «ومحافله آهلة بالفضلاء، ويؤثر سماع
الحديث بالأسانيد، حليماً، مقيلاً للعثرة، نقياً تقياً، ما ردّ سائلاً، ولا خجّل ... قائلاً» [١٠] .
وقد ارتحل هو وأخوته وأمراؤُه إلى المحدث أبو طاهر السَّلفي المقيم
بالإسكندرية، وسمع منه الحديث. وقد اقترح عليه أن يسمع الحديث وهو في
المعركة بين الصفين فاستجاب لذلك.
وقد هيأ الله له بطانة صالحة من العلماء ينصحونه ويستمع لهم، منهم الشيخ
علي ابن إبراهيم بن نجا الأنصاري الحنبلي، قال أبو شامة عنه: «كان كبير
القدر معظماً عند صلاح الدين، وكان واعظاً مفسراً» [١١] ..
ومنهم الحافظ القاسم بن علي بن الحسن بن عساكر، جمع كتاباً كبيراً في
الجهاد، وسمعه منه كله السلطان في سنة ست وسبعين [١٢] .
ومن العلماء المجاهدين مع السلطان، الفقيه عيسى الهكاري، قاتل يوم
(الرملة) قتالاً شديداً وأُسر، ثم افتداه صلاح الدين بستين ألف دينار.
ومنهم الشيخ أبو عمر المقدسي، وهو من العلماء الصالحين المجاهدين،
وكان لا يترك موقعة إلا حضرها، والشيخ عبد الله اليونيني الملقب بأسد الشام.
وكان أمّاراً بالمعروف، لا يهاب الملوك، وما فاتته غزاة.
ومن العلماء الكبار الذين عاصروا صلاح الدين ثم أخاه العادل بعدئذ والذين
يمثلون التيار العلمي المكمل للتيار الجهادي الحافظ الكبير عبد الغني المقدسي،
والعالم المجتهد الرباني ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب (المغني) ، كما هيأ الله لهذا
السلطان وزير صدق، وكاتباً بليغاً مجدداً في الكتابة، وناصحاً مشفقاً على الأمة
الإسلامية، ألا وهو: عبد الرحيم بن علي البيساني الملقب بالقاضي الفاضل، قال
العماد الأصفهاني: «والسلطان له مطيع، ما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه،
ومقاليد غناه وغَنائه، وكانت كتابته كتائب النصر ... » [١٣] . وقال العماد يصفه: «وكان قليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، يشتغل بالتفسير والأدب» [١٤] وقال الذهبي عنه: «وقد انتهت إليه براعة الترسل، وبلاغة الإنشاء، وله في ذلك اليد البيضاء والمعاني المبتكرة والباع الأطول» [١٥] .
وكان ناصحاً للسلطان، وإذا رأى شيئاً من المنكرات في جيشه بيَّن له ذلك
وطلب منه إزالتها، كما فعل في حصار عكا.
ومع حب صلاح الدين للعلماء وتقريبه للفضلاء، لابد أن نذكر مأثرة أخرى
له وهى: زهده وعدم اشتغاله بتثمير الأموال والضياع. قال ابن شداد كاتب سيرته: «لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً وديناراً واحداً، ولم يخلف ملكاً لا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا مزرعة» [١٦] .
رحم الله صلاح الدين ونور الدين، وجزاهما الله عن الإسلام والمسلمين خير
الجزاء.
стр. 104
دعوة كريمة
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
عثمان جمعة ضميرية
قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمنوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [سورة البقرة، الآية ٢٠٨] .
* عجيب أمر هذا الإنسان! إن الله تعالى قد وهبه ما يبصر به الأمور كاملة
على حقيقتها، ولكن بعض الناس يأبون ذلك، ويعطلون مواهبهم كلها أو بعضها،
فينظر أحدهم بإحدى عينيه، ويغمض الأخرى، فيرى الأشياء أجزاء وتفاريق،
ويحكم عليها حكماً جزئياً قاصراً.
* ومن ذلك: ما روي: أن ثلاثة ممن فقدوا نعمة البصر، جمعهم مجلس
واحد، وأرادوا أن يتعرفوا على فيلٍ بجانبهم، ولما كانوا لا يبصرون؛ فقد
استعملوا أيديهم ليتحسسوا الفيل ويتعرفوا عليه، وعلى شكله وهيئته؛ فأما الأول
منهم، فقد وقعت يده على إحدى قوائم الفيل، فقال: إنه يشبه الاسطوانة، وأما
الثاني فقد وقعت يده على أذن الفيل، فاعترض على الأول قائلا: إنه يشبه القربة،
وسخر الثالث من أخويه قائلاً: إنه يشبه الرمح، لأنه مسّ نابه. وبالتأكيد: لم يكن
الفيل شيئاً مما ذكروا، ولكنهم ما استطاعوا أن يعطوا حكماً صحيحاً، لأنهم ما
استطاعوا أن يحكموا إلا على جزءٍ منه.
* وبعض الناس يريد أن يعيد قصة هؤلاء النفر، ولكن مع الدين.. فترى
بعض الناس يأخذ جانباً واحداً من جوانب هذا الدين، ويظن أنه قد أخذ الدين كله
من جميع جوانبه: فهذا تستغرقه آيات الأخلاق في القرآن الكريم وأحاديثها في سنة
النبي الكريم ﷺ ، والثاني تستغرقه بعض الجوانب السياسية،
فلا يجاهد إلا في سبيلها، والثالث لا يعرف الدين إلا عبادات خاشعة يتقرب بها إلى
الله تعالى، ورابع يضع نصب عينيه بدعة من البدع، لا يحارب من مظاهر
الانحراف سواها، وخامس يقف عند جانب العقيدة لا يتعداه إلى شيء سواه ...
ومرة أخرى - بكل تأكيد - ليس الإسلام واحداً من ذاك كله فقط، ولكنه ذلك
كله بأجمعه، بل هو أكثر من هذا كله.
* إن الإسلام عقيدة في القلب، عقيدة حية متحركة دافعة، وينبثق عن هذه
العقيدة عبادة تتحدد فيها صلة الإنسان بربه- ﵎، ويقوم عليها منهج
متكامل للحياة، ينظِّم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقته بالكون من حوله،
ويضع معالم العلاقة بين الأمة المسلمة وغيرها من الأمم الأخرى، هو هذا الدين
الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ ، فأكمله وأتم به النعمة
ورضيه لنا ديناً:
[اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً]
[المائدة: ٣٠] .
* ولذلك أمر الله بالدخول في الإسلام كله، فقال: [يَا
أَيُّهَا الَذِينَ آمنوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] .
إنها دعوة للمؤمنين كافة أن يدخلوا في «السلم» كافة، «والسلم هو السلام، وهو هنا: الإسلام، لأنه هو الذي يتمثل فيه السلام الكامل في داخل النفس،
حيث تصطلح كلها، بعضها مع بعض، وتنتظم كلها في طريق واحد وغاية ... واحدة.. هو الطريق إلى الله» [١] .
ويتحقق هذا عندما يأخذ المسلمون بجميع عُرى الإسلام وشرائعه، والعمل
بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك [٢] .
* وأول مفاهيم هذه الدعوة: أن يستسلم المؤمنون بكليّاتهم لله، في ذوات
أنفسهم، وفي الصغير والكبير من أمرهم، أن يستسلموا الاستسلام الذي لا تبقى
بعده بقية ناشزة من تصور أو شعور، ومن نية أو عمل، ومن رغبة أو رهبة،
لا تخضع لله ولا ترضى بحكمه وقضائه، استسلام الطاعة الواثقة المطمئنة،
الاستسلام لليد التي تقود خطاهم، وهم واثقون أنها تريد بهم الخير والنصح والرشاد، وهم مطمئنون إلى الطريق والمصير في الدنيا والآخرة سواء..
والمسلم حين يستجيب لله هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلام، عالم كله
ثقة واطمئنان، وكله رضىً واستقرار، لا حيرة ولا قلق، ولا تردد، ولا ضلال. سلام مع النفس والضمير، سلام مع العقل والمنطق، سلام مع الناس والأحياء،
سلام مع الوجود كله، ومع كل موجود، سلام يرفّ في حنايا السريرة، وسلام
يُظِلُّ الحياة والمجتمع ... سلام في الأرض، وسلام في السماء [٣] .
وهذه قاعدة عظيمة، وكلمة جامعة، تفيد وجوب أخذ الإسلام بجملته، بأن
ينظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسالة من نص قولي وسنة متَّبعة، ونفهم
ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر،
وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ،
بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل! !
ومن آيات العبرة في هذا المقام: أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى
ونوراً، لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة، ووصلت إلى الحقيقة، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق.
ولذلك نعى الله تعالى ووبَّخ أولئك الذين جعلوا القرآن عضين، فجزّؤوا كتبهم
المنزلة عليهم، فآمنوا ببعضها وكفروا ببعض:
[الَذِينَ جَعَلُوا القرآن عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الحجر: ٩١-٩٣] . [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا
اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] . [البقرة: ٨٥] .
وإنه لإنكار شديد على أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض،
أي: يعملون ببعض منه على أنه الدين، ويتركون بعضاً منه، بتأويل أو غير
تأويل، كشأن من لم يصدِّق بأنه من الله.
فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته وفهمُ هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء
به أمر مقرر في ذاته، سواء فُسِّرت به الآية أم لا، لأن الآيتين اللتين تقدمتا آنفاً
في جعل القرآن عضين، وفي الإيمان ببعض، والكفر ببعض، وما في معناهما
من النصوص، تثبت ذلك وتوضحه وتؤكده [٤] .
* ولا يدرك معنى هذا السِّلم حق إدراكه مَنْ لا يعلم كيف تنطلق الحيرة؟
وكيف يعربد القلق في النفوس التي لا تطمئن بالإيمان؟ ، في المجتمعات التي لا
تعرف الإسلام، أو التي عرفته ثم تنكّرت له، وارتدَّت إلى الجاهلية، تحت عنوان
من شتى العنوانات في جميع الأزمان ... هذه المجتمعات الشقية الحائرة، على
الرغم من كل ما قد يتوافر لها من الرخاء المادي والتقدم الحضاري، وسائر
مقومات الرقي في عُرف الجاهلية الضّالةِ التصورات، المختلة الموازين.
وحسبُنا مثلٌ واحد مما يقع في بلد أوربي من أرقى بلاد العالم كله مادياً، وهو
(السويد) ، حيث يخص الفرد الواحد من الدخل القومي ما يساوي خمسمائة جنيه في
العام، وحيث يستحق كل فرد نصيبه من التأمين الصحي، وإعانات المرضى التي
تُصْرَف نقداً، والعلاج المجاني في المستشفيات، وحيث التعليم المجاني في جميع
مراحله، مع تقديم إعانات ملابس وقروض للطلبة المتفوقين، وحيث تقدم الدولة
حوالي ثلاثماثة جنيه إعانة زواج لتأثيث البيوت.. وحيث.. وحيث من ذلك الرخاء
المادي العجيب. [٥]
ولكن ماذا وراء هذا الرخاء المادي والحضاري وخلوِّ القلوب من الإيمان بالله؟ والطلاق بمعدل واحد لكل ست زيجات بسبب انطلاق النزوات وتبُّرج الفتن
وحرية الاختلاط! والجيل الجديد ينحرف فيدمن على المخدرات والمسكرات،
ليعوِّض خواء الروح من الإيمان وطمأنينة القلب بالعقيدة، والأمراض النفسية
والعصبية والشذوذ بأنواعه تفترس عشرات الآلاف من النفوس والأرواح
والأعصاب.. ثم الانتحار.. والحال كهذا في أمريكا.. والحال أشنع من هذا في
روسيا..
إنها الشقوة النكدة المكتوبة على كل قلب يخلو من بشاشة الإيمان وطمأنينة
العقيدة، فلا يذوق طعم السِّلْم الذي يُدْعَى المؤمنون ليدخلوا فيه كافة، ولينعموا فيه
بالأمن والظل والراحة والقرار. [٦]
وبعد هذا الاستطراد، نعود لنرى كيف كان النبي ﷺ
يدعو الناس لأخذ هذا الدين بجملته؛ لأنه «لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من
جميع جوانبه» [٧] .
فقد جاء وفد ثقيف إلى النبي ﷺ ومكثوا أياماً يفدون على
النبي ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام.. فقال له عبد ياليل: هل
أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ [٨] فقال: إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم،
وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم. فقال عبد ياليل: أفرأيت الزنا؟ فإنّا قوم
نغترب ولأبُدَّ لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام، فإن الله تعالى يقول: [ولا تَقْرَبُوا
الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً] [الإسراء: ٣٢] . قالوا: أفرأيتَ الربا؟ قال:
هو عليكم حرام. قالوا: فإن أموالنا كلها ربا؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، إن الله
تعالى يقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمنوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [البقرة: ٢٧٨] . قالوا: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، ولابد لنا منها!
قال: إن الله قد حرمها، وقراً: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمنوا إنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ
والأَنصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ... [المائدة: ٩٠] [٩] .
وبعد إسلامهم سألوا النبي ﷺ أن يدع لهم الطاغية، وهي
الّلات، لا يهدمها، ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ أن يدعها
لهم شيئاً مسمَّىً، وإنما كانوا يريدون بذلك -فيما يظهرون -أن يسلموا بتركها من
سفهائهم ونسائهم وزراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها، حتى يدخلها
الإسلام - وما زالوا يسألونه أن يتركها لهم سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا:
شهراً واحداً، بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى، فسألوه أن يعفيهم من
هدمها بأيديهم، فأعطاهم ذلك. وقد كانوا سألوه، مع ترك الطاغية، أن يعفيهم من
الصلاة، فقال رسول ﷺ : «إنه لا خير في دين لا صلاة ... فيه» [١٠] .
وهكذا كان هذا الموقف صورة تطبيقية عملية للأمر بالدخول في السلم كافة،
فالإسلام كُلٌّ لا يتجزأ ينبغي أن يؤخذ جملة، وإلا فما هو بدين الله الذي أراده الله
ورضيه للبشر ديناً.
* يقول الإمام الشاطبي ﵀: «إن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين
إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كليّاتها
وجزئياتها المرتَّبِة عليها، وعامّها المرتَّب على خاصِّها، ومطلقها المحمول على
مُقَيَّدها، ومجملها المفسَّر، إلى ما سوى ذلك من مناحيها.
فإذا حصل للناظر من جملتها حكمٌ من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين
استنبطت، وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون
إنساناً حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها، ولا بالرجل وحدها، ولا بالرأس
وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمّي بها إنساناً، كذلك الشريعة: لا
يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أيَّ دليل كان،
وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل» .
* ولكن شياطين الإنس والجن، هم الذين يزينون لبعض الناس أن يأخذوا جانباً واحداً من هذا الدين، وأن ينصرفوا عن سائر الجوانب، فيزعمون أن نظم الحياة كلها.. من تعليم وجهاد وعقوبات ومعاملات.. لا ينبغي أن تكون من الدين.. العلم كذلك لا علاقة له بالدين.. فالدين صلة روحية بين العبد وربه، ومن يحاول أن يحكِّم دين الله في أي جانب من تلك الجوانب السالفة فهو - بزعمهم - متطرف متعصب، بل جاهل بأحكام الدين ومفسد في الأرض! ! .. وعندئذ يجب أن تُوَجَّه إليه كل التهم، وأن تستعمل ضده كل الأسلحة التي تفتّق عنها العقل البشري في العصر الحديث.. فقد تبدلت القيم والموازين، إذ صار الدعاة إلى الله فاسدين ومفسدين، عابثين لاهين! ! وأصبح الطغاة والمنحرفون دعاة للدين ومفتين، وغدا الذين يحاربون الدين ويقعدون للمؤمنين كل مقعد، غدوا حُماةَ الإسلام المدافعين عنه وعن أهله! !
ولكن، لا عجب في ذلك، ألم يسبق فرعون الذي عاصره موسى-عليه
السلام- إلى ذلك عندما قال: [ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ
دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر: ٢٦] ..؟
ونعود إلى ما أسلفنا الإشارة إليه عن خطوات شياطين الإنس والجن الذين
يحرفون المرء عن دينه، ويزينون له تجزئة بعض الأحكام ليؤمن ببعضها ويكفر
ببعض، إن الإنسان لن يصل إلى ذلك دفعة واحدة، وإنما يسير مع الشيطان في
ذلك خطوة خطوة، فإذا سار معه الخطوة الأولى فقد تهيأت له الأسباب والبواعث
النفسية للمسيرة كاملة، ليصل إلى نهاية الطريق بالانخلاع من هذا الدين والخروج
عنه بالكلية، بل هو قد انخلع عنه حقيقةً عندما ترك جانباً من جوانبه.
ولذلك جاء التحذير من اتباع خطوات الشيطان، لأنه يسير مع الإنسان خطوة
خطوة، وينقله على طريقه نقلة نقلة، ويدخل عليه من مداخل شتى؛ لأنه لو أراده
على الخروج من دينه والانسلاخ منه دفعة واحدة، أبى عليه ما في قلبه من إيمان
وما في نفسه من حمية للدين، ومعرفة للعداوة الأبدية بين الشيطان والإنسان..
[ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [البقرة: ١٦٨] .
وحذرنا الله ، من الزلل في طريق الإسلام، وبيَّن عاقبة ذلك
ومآله فقال: [فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]
[البقرة: ٢٠٩] .
стр. 105
وإذا قلتم فاعدلوا
(٢)
بقلم: عبد العزيز بن ناصر السعد
من لوازم العدل ومقتضياته:
هذا الباب هو بيت القصيد من هذا البحث، لأن المقصود من إثارة هذا
الموضوع هو التعرض للجوانب العملية التي يفرضها العدل على المسلم، وخاصة
في واقعنا المعاصر، وما نشأ فيه من تفريط في هذه الجوانب، ونقتصر فيها على
ما يلي:
١- التثبت من الأمر قبل الحكم عليه:
إن من العدل والإنصاف أن يتثبت المسلم من كل خبر أو ظاهرة، قبل الحكم
عليها، وإن من الظلم والاعتداء الحكم على أمر بمجرد الظنون والأوهام، وقبل
التثبت التام منه، ولقد بيّن الله لنا في سورة الإسراء، وفي آية
واحدة، المنهج الصحيح الذي ينبغي سلوكه في مثل هذه الأمور، يقول -عز
وجل-: [ولا تقف مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْؤُولاً] [الإسراء ٣٦] .
وحول تفسير هذه الآية يقول الإمام ابن كثير ﵀: «قال علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لا تقل. وقال العوفي: لا ترم أحداً بما ليس لك
به علم. وقال محمد ابن الحنفية: يعني: شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل:
رأيت، ولم ترَ، وسمعتُ، ولم تسمع، وعلمتُ، ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك
عن ذلك كله» ، ومضمون ما ذكروه: أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل
بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: [اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ
بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] اهـ[١] .
وحول ظلال هذه الآية يقول سيد قطب -رحمه الله تعالى-:
«والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة، فلا يقوم شيء
فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة، [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ
والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] ، وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجاً
كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثاً جداً، ويضيف
إليه استقامة القلب، ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة.
والتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة، قبل الحكم عليها؛
هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على
هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن
والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية
والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم.
الأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث، ليست سوى طرف
من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعيتها الكبرى، ويجعل الإنسان مسؤولاً
عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد. إنها أمانة الجوارح
والحواس والعقل والقلب، أمانة يسأل عنها صاحبها، وتسأل عنها الجوارح والعقل
والقلب جميعاً، أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة،
وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكماً على شخص أو أمر أو حادثة.
[ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] .. ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، وما لم
تتثبت من صحته؛ من قول يقال ورواية تروى، ومن ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل، ومن حكم شرعي، أو قضية اعتقادية.
في الحديث:» إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث « [فتح الباري ٩/ ٥١٤٣] ، وفي سنن أبي داود (بئس مطية الرجل: (زعموا) » [عون المعبود ١٣ / ٤٥٩١] ، وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفرى أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا» [مسند أحمد ٨ / ٦٦] . وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل، الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه والتثبت في استقرائه؛ إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكماً، ولا يبرم الإنسان أمراً إلا وقد تثّبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها، [إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] حقاً وصدقاً اهـ[٢] .
٢-العدل في النقد ومعالجة الخطأ:
هذا الجانب من جوانب العدل يحتاج إليه في كل حال من أحوالنا الفردية
والجماعية، وذلك في حل مشاكلنا ومعالجة أخطائنا معالجة شرعية تسيطر عليها
روح المحبة والإخلاص. ويجدر بنا أن نذكر هنا المنهج العادل والطريقة المثالية
لمعالجة الخطأ، وذلك حسبما رسمه لنا من أمرنا الله ، بأن تكون لنا
أسوة حسنة فيه- ﷺ ، وما أكثر المواقف العادلة في سيرته -
ﷺ ، بل إن سيرته ﷺ كلها عدل، ونكتفي
هنا بمثال واحد: ألا وهو موقفه ﷺ من صنيع حاطب بن أبي
بلتعة ﵁ في فتح مكة، ويحسن أن نذكر القصة بتمامها، ليتضح لنا
ذلك القسطاس المستقيم الذي انتهجه الرسول ﷺ في معالجة هذا
الخطأ، رغم شناعته وخطورته:
روى الإمام البخاري ﵀ في (صحيحه) ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه ... وسلم - وأبا مرثد والزبير - وكلنا فارس-، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة ... خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معنا من كتاب، فأنخناها، فالتمسنا
فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ ؛ لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها - وهى محتجزة بكساء - فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله؛ قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال ﷺ : صدق، ولا تقولوا
إلا خيراً. فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو: فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم» اهـ[٣] .
من هذه الحادثة نستطيع أن نحدد ثلاث مراحل للمعالجة العادلة للخطأ، مهما
كانت ضخامته
١-المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ، وفي هذه الحادثة قد تم
التثبت عن طريق أوثق المصادر، ألا وهو الوحي، حيث أوحى الله
إلى الرسول ﷺ بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة،
وأين هي المرأة.
٢-المرحلة الثانية: مرحلة التثبت وتبُّين الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب
الخطأ، وهذا الأمر متمثل في قوله في ﷺ لحاطب: (ما حملك
على ما صنعت؟) ، وهذه المرحلة مهمة، لأنه قد يتبين بعد طرح هذا السؤال أن
هناك عذراً شرعياً في ارتكاب الخطأ، وتنتهي القضية عند هذا الحد، فإذ لم تنته
عند هذا الحد مثل ما ظهر في قضية حاطب، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله -
ﷺ لم يكن مقنعاً، ولكنه طمأن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- على صدق حاطب وأنه لازال مسلماً، نقول: إذا لم يكن العذر مقنعاً من
الناحية الشرعية فإنه يصار إلى:
٣-المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ، وحشدها إلى جانب خطئه، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته،
وهذا هو الذي سلكه الرسول ﷺ مع حاطب ﵁، حيث قال ﷺ لعمر عندما استأذن في قتل حاطب: «أليس
من أهل بدر؟ فقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد
وجبت لكم الجنة-أو: غفرت لكم -» .
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ كلاماً جيداً حول هذا الموضوع، حيث
قال في رده على من قال: إن الله يعافي الجهال مالا يعافي العلماء؟ ...
(فالجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق لا ريبة فيه، ولكن من قواعد الشرع
والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر،
فإنه يحتمل له ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن
المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه
يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي ﷺ لعمر: (وما يدريك
لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وارتكب مثل
ذلك الذنب العظيم، فأخبر ﷺ أنه شهد بدراً، فدل على أن
مقتضى عقوبته قائم، لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم،
فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات. ولما حض النبي
ﷺ على الصدقة، فأخرج عثمان ﵁ تلك
الصدقة العظيمة، قال: (ما ضرَّ عثمان ما عمل بعدها) ، وقال لطلحة لما تطأطأ
للنبي ﷺ حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: (أوجب طلحة) . وهذا موسى كليم الرحمن ألقى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه
له، ألقاها على الأرض حتى تكسرت، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه
ليلة الإسراء في النبي ﷺ ؛ وقال: شاب بعث بعدي يدخل
الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي؟ وأخذ بلحية هارون وجره إليه وهو نبي
الله، وكل هذا لم ينقص من قدره شيئاً عند ربه، وربه تعالى يكرمه ويحبه، فإن
الأمر الذي قام به موسى، والعدو الذي برز له، والصبر الذي صبره، والأذى
الذي أوذي به في الله أمر لا تؤثر فيه أمثال هذه الأمور، ولا تغير في وجهه، ولا
تخفي منزلته، وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أنه من له ألوف من
الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليختلج داعي عقوبته
على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب داعي الشكر داعي العقوبة، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وقال آخر:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن كثير
والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته، فأيهما غلب كان
التأثير له، فيفعل بأهل الحسنات الذين آثروا محابه ومراضيه، وغلبتهم دواعي
طبعهم أحياناً من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم) اهـ[٤] . خلاصة ما سبق حول هذا اللازم:
أن العدل في القول والفعل، ومعالجة الأخطاء لو سلكنا فيها ذلك المسلك
النبوي السابق تفصيله لما وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه اليوم من كيل التهم، والتشهير، وتتبع العثرات، والذي لا يستفيد منه إلا الشيطان وأولياؤه، ولا يفرح
الشيطان بشيء كفرحه بالفرقة والاختلاف بين المسلمين، فقد روى الإمام مسلم-
﵀ في (صحيحه) عن جابر ﵁ -قال: قال رسول الله -
ﷺ : «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه،
فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، فيجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا؟ فيقول:
ما صنعتَ شيئاً، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين
امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) ، قال الأعمش: أراه قال:
يلتزمه [٥] . فإذا كان فرح الشيطان بالفرقة بين الزوجين بهذه الدرجة فكيف يكون فرحه بالفرقة بين دعاة المسلمين؟ ولو أن أحدنا إذا سمع شائعة عن مسلم أو طائفة ما قام بالتثبت منها، فإنه يصبح أمام أحد أمرين: إما أن تكون الشائعة لا أصل لها، وأنها مجرد ظنون وأوهام كاذبة، فيقضى عليها في مهدها؛ وإما أن يكون الأمر صحيحاً بعد التثبت، فيصار إلى المرحلة الأخرى، ألا وهي: البحث عن الأسباب والدوافع التي أدت إلى وجود هذا الخطأ، إما من صاحب الشأن، إن كان ذلك ممكناً، أو سؤال من يعرفه، أو من التمعن فيما كتبه، إن كان ذلك ... مكتوباً ... الخ.
وهذا هو مراد الرسول ﷺ عندما قال لحاطب: (ما حملك
على ما صنعت؟) ، وإذا اتضح الدافع المؤدي إلى وجود هذا الخطأ وكان مقنعاً من
الناحية الشرعية، فإن الأمر ينتهي عند ذلك.. وإن لم يكن مقنعاً فإنه يصار إلى
المرحلة الثالثة، ألا وهي النظر إلى حسنات هذا الشخص وبلائه وجهاده، لعل له
حسنات عظيمة ينغمر فيها هذا الخطأ ويصبح ضئيلاً في الوقت الذي يسعى لتعديل
الخطأ والمناصحة فيه بمحبة وإخلاص وحكمة.
ولعله قد تبين لنا الآن من الحديث حول هذا اللازم المهم من لوازم العدل،
وتبين لنا الفرق بين العدل في القول والعمل، وأثر ذلك في النصيحة والإصلاح
والائتلاف، وبين الاعتداء في القول والعمل، وما ينتج عنه من تشهير وفرقة
واختلاف، وذلك في وقت نحن معاشر أهل السنة والجماعة بحاجة شديدة إلى
الوحدة والائتلاف لا إلى الفرقة والاختلاف.
٣- الفرح بإصابة الغير للحق والحزن على مجانبتهم له:
ولعل هذا اللازم من أصعب لوازم العدل تحقيقاً، لأنه يمثل -في نظري- قمة
العدل والتقوى والورع، حيث نرى الكثير من دعاة المسلمين اليوم فضلاً عن
عامتهم إذا رأوا غيرهم قد أخطأ فإنهم يفرحون بذلك، حتى يحسبونه غلبة، بل إنك
ترى الكثير منهم يتتبع الكتابات والمقالات التي قالها غيرهم وهمهم الوحيد هو تتبع
العثرات، والفرح باصطيادها، في الوقت الذي لو وجدوا خلاف ذلك (من إصابة
غيرهم للحق) فإنهم يحزنون لهذه الإصابة، وهذا -والعياذ بالله- هو الظلم والحقد
والحسد والذي لا يلتقي مع العدل وحب الخير للناس، وما أحسن الحكاية التي
ذكرها ابن رجب ﵀ حول هذا الأمر حيث قال: (وقد استحسن الإمام
أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما
ناظرك أحد إلا قطعته؛ فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث، أفرح إذا أصاب
خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه أو معنى هذا، فقال أحمد: ما أعقله من رجل) [٦] .
٤- الشهادة للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته:
ومن المواقف المؤسفة التي تنافي هذا اللازم: أننا نرى اليوم كثيراً من الناس
يفرطون في محبتهم أو كرههم، فإذا أحبوا شخصاً أو طائفةً ما، فإنهم يفرطون في
هذا الحب، ولا يعدلون فيه، حيث إنهم لا يرون إلا الحسنات، ويغمضون أعينهم
عن الأخطاء والسيئات ويبررونها ويؤولونها، وكأن من أحبوه لا يجوز عليه الخطأ، وهذا غلو واعتداء في الحب، قد يؤدي إلى الغلو في الرجال وتقديسهم، وفرق
بين التقدير والتقديس.
وفي مقابل ذلك إذا أبغضوا شخصاً أو هيئة ما فإن هذا الكره ينسيهم كل
الحسنات والإيجابيات، أو أنهم يشككون في نوايا فاعليها، في الوقت الذي لا
يذكرون إلا الأخطاء مع التضخيم والتهويل لها، ومعلوم ما في ذلك من ظلم واعتداء
ومجانبة للعدل والإنصاف، وما أظن أحداً من المسلمين يوافق على هذا المنهج
الجائر، لكن القناعات النظرية شيء والتزامها في الواقع شيء آخر! !
بقي أن نعرف المنهج الشرعي في مثل هذه المواقف، ألا وهو: الشهادة
للمحسن أنه محسن، ويذكر له ذلك بتجرد وإنصاف، والشهادة للمسيء بأنه مسيء، والنصح له في ذلك، وتلمس العذر، إن كان ثمة عذر شرعي لإساءته (كما سبق
في المنهج الشرعي لمعالجة الخطأ) والانتباه إلى أن كل بني آدم خطاء، وكل يؤخذ
من قوله ويرد إلا المعصوم ﷺ ، وأن الاعتدال في الحب
والكره من لوازم قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمنوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ
لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ] الآية [النساء ١٣٥] .
ويا ليتنا نرجع إلى سيرة سلفنا الصالح ﵃، وكيف كانوا في
مواقفهم مع المخالفين؟ ، وكيف كانوا يقوِّمون الرجال؟ . فلقد روى الإمام مسلم في
(صحيحه) عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء، ... ... فقالت: من أنت؟ فقال رجل من أهل مصر، فقالت: كيف صاحبكم لكم في غزاتكم؟ فقال: ما نقمنا منه شيء، إن كان ليموت للرجل البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أن أخبرك: سمعت رسول الله ﷺ يقول وفي بيتي هذا:» اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به «.
ويعلق الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث بقوله: (وفيه أنه ينبغي أن يذكر ...
فضل أهل الفضل، ولا يمنع منه سبب عداوة ونحوها) [٧] .
وهذا الإمام ابن كثير ﵀ يقول في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية
بعد كلام طويل: (وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء، وممن ... يخطىء ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه ... أيضاً مغفور له، كما في (صحيح البخاري) : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) فهو مأجور، وقال الإمام مالك بن أنس: (كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر ﷺ ) اهـ[٨] . ...
ويقول الإمام ابن رجب ﵀ في كتابه (الفرق بين النصيحة ... والتعيير) :
(ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني
عليه، ويقول: وإن كان يخالف في أشياء فإن الناس لم يزل بعضهم يخالف بعضاً. وكما قال وكان كثيراً ما يعرض عليه كلام إسحاق وغيره من الأئمة ومأخذهم من
أقوالهم، فلا يوافقهم في قولهم، ولا ينكر عليهم أقوالهم ولا استدلالهم، وإن لم يكن
هو موافقاً على ذلك كله) اهـ[٩] .
ويذكر ابن الجوزي ﵀ -في كتابه (سيرة عمر) (٢٠٢) قول عمر -
﵁: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن
بكلمة خرجت من أخيك المسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وما كافأت من
عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه) اهـ[١٠] .
ونختتم هذا اللازم من لوازم العدل ببعض آراء مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ من مخالفيه سواء في الفروع أو الأصول:
يقول ﵀ في ج ٣ ص ٣٤٨ في جوابه عن قوله -صلى الله عليه
وسلم-: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ما الفرق؟ ، وما تعتقده كل فرقة
من هذه الصنوف؟ ، فقال في معرض جوابه:
( ... ومما ينبغي أيضاً أن يعرف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في
أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول
عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على
غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من
الباطل وقال من الحق؛ لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق، وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها؛ ورد باطلاً
بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل
هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه
ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل
ذلك.
ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها؛ بخلاف من والى
موافقه وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون
موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من
أهل التفرق والاختلافات) اهـ[١١] .
٥- الابتعاد عن النجوى:
إن مما يفرضه العدل على المسلم أن يبتعد عن النجوى التي من شأنها إحزان
المسلمين وإثارة العداوة والبغضاء بينهم، وهى عامل مهم في ترويج الشائعات.
يقول الله : [إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَذِينَ آمنوا ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ
شَيْئاً إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] [المجادلة ١٠] والنجوى لا تأتي
بخير إلا في أحوال ثلاثة ذكرها الله في سورة النساء حيث قال سبحانه:
[لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ ... النَّاسِ] ؟ وما سوى ذلك فهو شر وتفريق بين المؤمنين.
والناس إزاء الشائعات التي تثار حول شخص أو هيئة ما، ينقسمون، حسب
تعاملهم مع هذه الشائعات إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: من يقبل هذه الشائعات على علاتها، ويكتمها في نفسه،
ويرتب عليها أموراً ومواقف من غير تثبت ولا تبين.
الصنف الثاني: من يقوم بالتناجي بها، بعيداً عن صاحب الشأن فيها،
ومعلوم ما في ذلك من الوقوع في الغيبة، وإذكاء الشائعة وانتشارها.
الصنف الثالث: من يسارع إلى التثبت من الشائعة ممن أثيرت حوله مباشرة، ولا يذهب مع الظنون والوساوس النفسية أو المناجاة التي تحزن المسلم.
ولو حاكمنا معاملة هذه الأصناف الثلاثة إلى كتاب الله وسنة نبيه -
ﷺ لاتضح لنا أن الصنف الأول والثاني مخالفون للشرع، وأن
طريقة الصنف الثالث هي الطريقة الشرعية التي تقوم على التثبت وحب الخير
للمسلمين ورعاية حقوقهم وأعراضهم والتماس الأعذار لهم. وهذه الطريقة هي
الطريقة الشرعية في عتاب المسلم لأخيه المسلم، إذا وصله من أخيه ما يسوءه.
٦-سلامة القلب:
يقول الله : [يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ] [الشعراء ٨٨ - ٨٩] ، وقد ورد في تفسير ابن كثير حول هذه الآية أن
القلب السليم هو السالم من الشرك، وهو قول مجاهد والحسن وغيرهما،
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن. اهـ[١٢] .
وعلق القرطبي في تفسيره ١٥ / ٩١ عن عوف الأعرابي قال: سألت محمد
بن سيرين ما القلب السليم؟ قال: الناصح لله في خلقه. اهـ.
وروى البخاري في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال: (بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل ... مسلم) [١٣] . وعلق ابن حجر ﵀ بقوله: ورواه ابن حبان في صحيحه وزاد: (فكان جرير إذا اشترى أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذناه منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر) .
من ذلك يتبين أثر سلامة القلب في العدل مع الناس، حيث أن صاحب هذا
القلب مطمئن البال هادئ النفس يحب الخير للناس ويبذل النصح لهم وهذه هي
صفات أصحاب رسول الله ﷺ الذين مدحهم الله بقوله:
[والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: ٢٩] .
ومثل هذا يلقى له القبول بين الناس حتى وهو يرد على الأخطاء والانحرافات
فإنه يصاحبه في ذلك شعور بالشفقة وحب الهداية للغير، لا مجرد الرد والخصومة
والجدال، كما هو الحال في كثير ممن يتصدى للمخالفين له أو لشيخه، حيث إن
الأمر يصل به إلى الاعتداء في كلامه لمن يخالفه في الفروع التي يسعها الخلاف
فضلاً عن الأصول لا لشيء إلا لأنه خالفه أو خالف شيخه وكفى.
وخلاصة القول في (سلامة القلب) أنه أصل للوازم السابقة كلها، فبسلامة
القلب، والنصح لله في الخلق، يتم العدل في جميع الأمور السابقة،
وصاحب القلب السليم لا يؤذي المسلمين ولو آذوه، ولا ينقم لنفسه. وقد ذكر الإمام
ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين أحد عشر مشهداً فيما يصيب المسلم من أذى
الخلق وجنايتهم عليه، نكتفي بمشهد واحد حيث يقول ﵀:
(المشهد السادس: مشهد (السلامة وبرد القلب) وهذا مشهد شريف جداً لمن
عرفه، وذاق حلاوته. وهو أن لا يشغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب
الوصول إلى درك ثأره، وشفاء نفسه. بل يفرغ قلبه من ذلك. ويرى أن سلامته
وبرده وخلوه منه أنفع له. وألذ وأطيب، وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا
اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده، وخير له منه. يكون بذلك مغبوناً والرشيد لا
يرضى بذلك. ويرى أنه من تصرفات السفيه. فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل
والوساوس، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام) اهـ[١٤] .
ولقد اطلعت على رسالة كتبها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى
تلامذته بدمشق، وفيها تبرز هذه الصفة بجلاء، ولولا خشية الإطالة لنقلتها بتمامها، ولكن نكتفي بمقاطع منها، يقول ﵀ بعد السلام والأشواق إلى تلامذته:
» وتعلمون من القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين تأليف القلوب،
واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] ويقول: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر
بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف وأهل هذا الأصل: هم أهل
الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة «إلى أن قال في نفس الرسالة:
» وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بي، فتعلمون -رضي الله عنكم- إني لا
أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين -فضلاً عن أصحابنا- بشيء أصلاً، لا
باطناً، ولا ظاهراً، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي
من الكرامة والإجلال والمحبة، والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه ولا
يخلو الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول مشكور،
والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله، ولسائر المؤمنين فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل: فلان
قصر، فلان ما عمل، فلان أُوذى الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية،
فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله بل مثل هذا يعود
على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة، وممن يغفر الله له إن شاء الله. وقد
عفا الله عما سلف «إلى أن قال ﵀ في نفس الرسالة:» فلا أخب أن
ينتصر من أحد بسبب كذبه علي، أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم. وأنا
أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي. والذين
كذبوا وظلموا منهم في حل من جهتي «اهـ[١٥] .
٧- الصدق والوضوح:
إن هذا اللازم يعتبر أيضاً سبباً من أسباب حصول العدل فهو نتيجة وسبب في
نفس الوقت، لأن الصدق يؤدي إلى العدل، والعدل يستلزم الصدق والوضوح في
الأقوال والأفعال. وأردت من إيراد هذا اللازم الإشارة إلى ما يقع في زماننا هذا
من الأساليب الغامضة في تعامل المسلمين بعضهم مع بعض، وعدم الوضوح في
المقاصد والوسائل، وهذا كله يؤدي -شئنا أم أبينا- إلى مجانبة الصدق والوقوع في
الكذب الصريح.
وهذا الغموض وعدم الوضوح وسوء الظن بالمسلمين من الأمراض الخطيرة
التي تؤدى إلى إذكاء العداوة والفرقة بين المسلمين، وعدم اطمئنان بعضهم إلى
بعض في الوقت الذي يفترض الصدق في المسلم، وأن لا يُساء الظن به، أو أن
مراده من كلامه كذا وكذا.. الخ. ولقد مرَّ بنا في الطريقة التي عالج بها الرسول -
ﷺ خطأ حاطب ﵁، كيف أنه -صلى الله عليه
وسلم- عندما سمع من حاطب عذره قال: صدق لا تقولوا إلا خيراً. ولم يذهب إلى
سوء الظن به، واتهامه بالكذب، أو باللف والدوران كما يقولون. وإن الصدق
منجاة وخير كله في الدنيا والآخرة. والصدق في الحديث أمر لازم لاطمئنان القلوب
بعضها ببعض، وطريق إلى التآلف وحصول البركة، فلقد روى البخاري ومسلم
وغيرهما عن حكيم بن حزام ﵄ أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال:» البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا
بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما « [١٦] .
فإذا كان الصدق سبباً لحصول البركة للمتبايعين على سلعة، والكذب والكتمان
يمحق بركة بيعهما، أقول: إذا كان الأمر كذلك في أمر من أمور الدنيا فكيف يكون
الحال إذا كان الصدق أو الكذب على أمر من أمور الآخرة لأن الدعوة عبادة يراد بها
الدار الآخرة، فلأن يصدق هذا الحديث على ذلك من باب أولى والتجربة أكبر شاهد، حيث أن الصدق والوضوح بين أصحاب الدعوة وحسن الظن فيما بينهم ينتج عنه
نتائج طيبة، ويبارك الله في جهودهم وتعاونهم، والعكس بالعكس فإن
الكذب والأساليب الملتوية لم ينتج عنها إلا الفرقة وسوء الظن وتشتيت الشمل.
وهنا يجب إيضاح أن لا تعارض بين وجود الصدق والوضوح وبين الكتمان فإن
كان لابد متحدثاً فليكن صادقاً وواضحاً وإلا فليصمت. ثم إننا نقصد بكل ما سبق
أهمية هذا اللازم بين المسلمين بعضهم مع بعض، أما الكافرون والمنافقون فإن
التعامل معهم يجب أن يكون بحذر، وتقدير ما ينبغي أن يقال، وأن لا يطلعوا على
أسرار المسلمين بحجة الصدق.
الخاتمة:
ولعلنا في هذه الخاتمة نجمل ما تم تفصيله في ثنايا هذا البحث حيث طرحت
فيه النقاط التالية:
١- إن الإنسان في طبيعته كان ظلوماً جهولاً.
٢- إن الأمانة العظيمة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض لن يستطيع
أن يحملها الإنسان إلا بالعلم والعدل.
٣- إن العدل كلمة يراد بها التوسط في الأمور وذلك بين الإفراط والتفريط،
فالجافي والغالي كلاهما قد جانب العدل.
٤- للعدل صور كثيرة مردها إلى ثلاثة أقسام: العدل الأعظم وهو توحيد الله
، والعدل مع النفس، والعدل مع العباد.
٥- كان التركيز في هذا البحث على العدل مع العباد وذلك للحاجة الماسة إليه، خاصة في هذا العصر الذي بغى بعض الناس فيه على بعض.
٦- للعدل مقتضيات ولوازم كثيرة لا يمكن استيعابها في مثل هذا البحث، وقد
ركزت على أهمها وخاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الناس من إقالة العثرات،
وإحسان الظن، وقطع الطريق على الشيطان الذي يسعى إلى إيجاد الإحن والأحقاد
والظلم بين المسلمين.
٧- إن سبب الاختلاف والتفرق بين المسلمين يرجع إلى أمرين مهمين:
أ- لجهل الناشئ من فقدان أو قلة العلم بدين الله والذي يؤدي بدوره إلى الأخذ
بالباطل محسوباً أنه هو الحق.
ب- الظلم الناشئ من الهوى وعدم العدل والإنصاف، ومثل هذا قد يعلم
صاحبه أن الحق مع مخالفه، ولكن التعصب والهوى ومجانبة العدل يجعله يصر
على الباطل، ولو علم أنه باطل.
٨- إن وسائل رفع الجهل عن النفس يتم بتعلم دين الله وحدوده،
كما بلغها الرسول ﷺ لأصحابه وسار عليها سلف الأمة من
التابعين وتابعيهم من أئمة هذا الدين وأعلامه.
أما وسائل رفع الظلم والتحلي بالعدل والإنصاف فإنه لا يتم بالتعلم فقط، فقد
يعلم الإنسان بتلك الوسائل ولا يعمل بها، وللعدل مفاتيح وعلامات وتباشير أجملها
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- بقوله:
» وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، ... وأما التباشير فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر باباً، ويسر لكل باب مفتاحاً،
فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد. والاعتبار: ذكر الموت بتذكر الأموات
والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد: أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأدية
الحق إلى كل أحد له حق، ولا تصانع في ذلك أحداً «اهـ[١٧] .
خلاصة القول في مفتاح العدل أنه تقوى الله ، والتجافي عن دار
الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، حيث يقول الله : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] حيث إنه لا مفتاح للعدل إلا
بالتقوى، والتقوى فقط.
وتبقى كلمة أخيرة في هذه الخاتمة أنصح نفسي وإخواني الدعاة من أهل السنة، بأن نتقي الله ، ونصلح ذات بيننا، وان نلزم أنفسنا بالعدل في أقوالنا
وأعمالنا، وأن نحذر من نزغات الشيطان، فكما أسلفنا في ثنايا البحث إن أعظم
فرحة للشيطان يوم أن يفرق بين المسلمين، ويخالف بين كلمتهم، فهو ما يألو
يسعى للتحريش بين المسلمين كما جاء ذلك في صحيح مسلم عن جابر -رضي الله
عنه- قال: قال رسول الله ﷺ » إن الشيطان يأس أن يعبده
المصلون في جزيرة العرب ولكن رضي بالتحريش بينهم « [١٨] .
وإن الواجبات الملقاة على أهل السنة اليوم أكبر وأضخم مما تستطيعه طائفة
واحدة من طوائف أهل السنة، فإن لم يسعَ المصلحون والمتقون من أهل السنة
لجمع الكلمة وتأليف القلوب فإن فساداً كبيراً لاشك نازل كما قال :
[والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ]
[الأنفال ٧٣] أي إلا يوالى المسلمون ويعادي الكافرون تكن فتنة للناس. [١٩] .
أسأل الله أن يجمع دعاة الإسلام على الحق، وأن يؤلف بين قلوبهم
ويسدد آراءهم، وأن ينصرهم على أعدائهم، إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين.
стр. 106
خواطر في الدعوة
خطأ الواحد ... وصواب الجماعة
محمد العبدة
«خطأ الواحد في تدبير الأمور، خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها
واحد، لأن الواحد في ذلك يستدرك، وصواب الجماعة يضرّي على استدامة
الإهمال، وفي ذلك الهلاك» .
هذا الكلام النفيس للإمام ابن حزم الأندلسي، وقد ذكرني ببعض أحداث
تاريخنا الإسلامي، لأرى مصداق ما ذكره: فئة معها الحق، أو هي أقرب إلى
الحق، ومعها كل مقومات النجاح سواء في القيادة أو التضحية، والحماس والثقة
بالنفس وبالحق التي هي عليه، ومع ذلك فقد فشلت، فمن أين جاء الخلل؟ .
لم يكن قائد هذه الفئة يطلب الطاعة العمياء من رعيته، ولكن بعضهم لا
يستحق هذا التكريم، فتمادوا في إساءة استعمال هذه الحرية المتاحة لهم، وأصبحوا
كلهم فقهاء وساسة وقادة، فلم يرضوا برأي قائدهم في أول الأمر، ولا في آخره،
جاء الخطأ من حيث يجب أن يكون هو الصواب، وأعنى احترام الآخرين
وإعطاءهم حرية الشورى والكلام.
ولكنهم استخدموا هذا الحق في غير محله، بل أن بعضهم لا يستأهل هذا
الحق.
إن شبكة الترابط والالتفاف حول القيادة في صف كهذا تكون ضعيفة ولذلك
يخسر الذي معه الحق، فهل نستفيد من هذه التجربة أم يتكرر الخطأ، ولا يقوى
المسلمون ولا يتمكنون، وذلك لاستدامة الإهمال كما عبر ابن حزم، هذا الإهمال
الذي يكون أحياناً بسبب عدم المعرفة بشبكة العلاقات بين الناس، وتداخل الأمور
الشخصية مع ما يتعلق بالمصلحة العامة، وما يترتب على ذلك من نظرات صائبة
أو خاطئة لأن هذا التداخل يكون طبيعياً أحياناً، وشاذاً أحياناً أخرى
والمجتمع المسلم سواء كان صغيراً أو كبيراً ليس هو مجتمع الأطهار الأبرار، الذي ليس فيه أي خطأ، أو ضعف بشري، أو تطلعات يختلط فيها الإخلاص
التام ببعض الهوى، وليس هو بالطبع المجتمع المادي المتكالب على الدنيا وشهواتها
ولكنه المجتمع الذي يتطلع دائماً إلى الأفضل، إلى تطهير النفس من أدران الجاهلية، فالذي يحاسب الناس على أنهم يجب أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض
سيخسر الجولة، لأنه لا يعلم كيف تكون العلاقات الاجتماعية.
وسبب آخر للفشل هو الفوضى التي درج عليها البعض بسبب التكريم الذي
أعطوه، فظنوا أنهم فقهاء ساسة ولأنهم تعودوا على الأوامر والخضوع، فإذا أريد
منهم أن يرتفعوا عن هذا المستوى دبت الفوضى في أوصالهم، وظنوا أنهم لم
يكرموا إلا لأنهم على مستوى عال من التمرس بالدعوة.
بهذه العقليات، وبهذه النفسيات تتشتت الجهود، ولو كانت النوايا صادقة،
ويشعر المسلم بالأسى كما شعر أمير المؤمنين علي -رضى الله عنه- عندما وصف
أتباعه من أهل الكوفة الذين يدعون محبته فقال:
«فيا عجباً من جِدِّ هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم، ولوددتُ أن
الله أخرجني من بين ظهرانيكم، وقبضني إلى رحمته من بينكم، والله لوددتُ أني
لم أركم ولم أعرفكم. معرفةً والله جرّت ندماً. قد ورّيتم صدري غيظاً،
وجرعتموني الموت أنفاساً، وأفسدتم علىّ رأيي بالعصيان والخذلان» [١] .
стр. 107
مجال العقل البشري
وحاجة البشر إلى الرسالة
د. سليمان العايد
غالت البشرية في نظرتها للعقل، ولاسيما بعد أن فتح الله للعقل مجالات
رحبة في علوم الفضاء والذرة، واكتشفوا سراً من أسرار الكون التي كان يجهلها
وظنت أن بإمكانها أن تستغني عما جاء به الأنبياء، فطرحوا الشرائع السماوية
جانباً، وسنوا لأنفسهم الأنظمة، وشرعوا لحياتهم القوانين، وأحلوا ما اشتهته
أنفسهم، وحرموا ما اشمأزت منه نفوسهم، استناداً على ما تمليه عقولهم القاصرة
وخيالاتهم الممرورة، فحاربوا الدين السماوي بحجة تحرير العقل من قيوده وإفساح
المجال له ليقوم بواجبه، من وضع الأنظمة وسن القوانين، ولم يسبق هؤلاء في
مقالتهم إلا طائفة وثنية في بلاد الهند تدعى البراهمة، وهم من عُبّاد البقر.
والعقل في التصور الإسلامي له وضع يليق به، لا يرتفع ليكون إلهاً، ولا
يمتهن ليكون صاحبه كسائر الحيوانات، إذ من المسلم أن العقل له قدرة في معرفة
ما يصلحه وما يضره، وقدرة في معرفة الحسن من القبيح معرفة فطرية، ولكن
هذه المعرفة وهذا الإدراك من العقل أمامه إشارات تجعله لا يقدر على تسيير الحياة
وحده دون وحي، ومن هذه:
١- معرفة الغيب الذي أخفاه الله عن خلقه على حقيقته، كمعرفة صفات الله،
والملائكة والجن والنار والجنة، وما أعده الله لعباده من الثواب والعقاب، ونحو
ذلك من الأمور التي لا تقع تحت الحس.
٢- إدراكات العقل مجملة لا مفصلة، فقد يدرك أن هذا الفعل حسن مثل
العدل، ويدرك أن هذا الفعل قبيح مثل الجور، وقد يعجز عن تحديد عمل من
الأعمال: هل هو عدل أو جور؟
٣- أن العقول قد لا تقدر على معرفة الحسن من القبح، وخاصة إذا تَضّمْن
الفعل مصلحة ومفسدة، أو كان ظاهره الفساد وباطنه المصلحة.
قال ابن تيمية: «الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما
تعلم العقول بطلانه، فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول» [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام ٢/٣١٢] .
٤- اختلاف العقول الإنسانية ومستوى إدراكها، فقد يستحسن عقل مالا
يستحسنه آخر، ويستقبح عقل مالا يستقبحه آخر، مما يوقعها في متناقض الآراء،
ويحيل هذه الآراء فرضيات لا حقائق مقطوعاً بها.
٥- العوامل التي تؤثر في إدراك العقل البشري تبذر بذور الشك في صحة ما
تنتهي إليه العقول.
دور العقل البشري:
ولنا بعد هذا أن نتساءل عن عمل العقل، وعما يمكن أن يقدمه للبشر؟
إن عمل العقل هو التفكر في مخلوقات الله. واستخراج كنوز الأرض
وخيراتها، بما يتوصل إليه من علوم في الطبيعة، وأما الأمور التي لا تقع تحته
فليس له أن يبحثها، كالأمور التي وراء الطبيعة، كما أن ليس له أن يستعبد العقول
الإنسانية الأخرى، وعليه أن يذعن للوحي ويخضع له، ويجتهد في فهمه وتدبره،
واستنباط ما لم يصرح الوحي به، ويخفى على بعض العقول، مع التواضع لله،
والتسليم لوحيه، وعدم إنكار ما يستوعبه العقل، أو تكذيبه.
وقد آن الأوان لنشرع في تفصيل أوجه حاجة البشرية إلى الرسالة السماوية
فنقول:
لا يمكن إنكار فضل العقل في إدراك الحسن والقبح، ولكن هل يكفي إدراكه
لتحمل تبعة التكليف والمسؤولية، وهل يكفي لاستحقاق الثواب أو العقاب، وهل
يغني العقل عن الرسالات السماوية؟
هذه أسئلة دار حولها جدل قديم يحسن بنا أن نلم بخلاصة وافية عنه، فنقول:
قد ثبت في الصحيح عن عياض ابن حمار، عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا
بقايا من أهل الكتاب» والمقت هو البغض بل هو أشد البغض.
وبجانب هذا المقت نجد أن الله لا يعذب إلا ببعث رسول، قال تعالى: [ومَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] وقال: [ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا
رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونَخْزَى] [طه ١٣٤] ،
[ومَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ومَا كُنَّا
مُهْلِكِي القُرَى إلاَّ وأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] [القصص ١٥٩] ، وقال قبلها: [ولَوْلا أَن
تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ
ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] [القصص ١٤٧] ، وقال: [لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ] .
فالعذاب مرتب في الآيات على بعث الرسل، وقيام الحجة بهذا البعث، وإن
كان مقتضى تعذيب الأمم موجوداً، لأن الله مقتهم، وبين استحقاقهم للعذاب، ولكن
الله سبحانه رؤوف بعباده يحب العذر منهم، ويقبله، لما ورد في الصحيحين عن
النبي ﷺ أنه قال: «ما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذاك أرسل الرسل، وأنزل الكتب» ، وفي رواية: «من أجل ذلك بعث
الرسل مبشرين ومنذرين، وما من أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح
نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما
بطن» .
وقد اختلف الناس هل يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها بالعقل أم لا؟ وهل
يرتب على ذلك ثواب وعقاب أم لا؟
ويمكن حصر هذه الأقوال في ثلاثة مذاهب:
أولها: مذهب القائلين بأن ذلك لا يعرف إلا بالشرع وحده دون العقل، وهذا
قول الجهم بن صفوان وإخوانه، وقول أبي الحسن الأشعري واتباعه كالقاضي أبي
بكر بن الطيب، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبى يعلى، وأبى المعالي وأبي
الوفاء بن عقيل، وغيرهم.
وثانيها: أن العقل قد يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها، والذي يخالف ما
يتوصل إليه العقل يستحق عذاب الآخرة بمجرد مخالفته للعقل، وإليه ذهب المعتزلة
والحنفية، وأبو الخطاب محفوظ بن أحمد.
وثالثها: أن العقل قد يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها، ولا تقوم به الحجة
وحده، ولا يستحق العذاب من خالفه إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل -
صلى الله عليهم وسلم-، ويقول هؤلاء: لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول كما دل
عليه الكتاب والسنة. لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها،
ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم
رسولاً، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما تقدم:
«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن
ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم. قلت: إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة،
قال: إني مبتليك ومبتلٍ بك، ومنزل عليك في كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً
ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأَنفق أُنفق
عليك»
وقال: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما
أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
وقال النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» وفي
رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة
بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة -رضي الله
عنه -: (اقرأوا إن شئتم: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] قيل: يا رسول ...
الله أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) .
ومع مقت الله لهم، فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولاً،
وهذا يدل على إبطال قول من قال: إنهم لم يكونوا مسيئين، ولا مرتكبين لقبيح،
حتى جاء السمع. وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع، إما لقيام الحجة
بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية، وإما لمحض المشيئة كما يقوله الجبرية.
والأصول التي جاء بها الأنبياء - ولا سبيل للعقل وحده إلى إدراكها حق
الإدراك- هي:
١- ما جاءوا به من إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أخبار الرسل مع
الأمم وغيرها.
٢- الشرائع المفصلة بالأمر والنهي وبالإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه.
٣- الثواب والعقاب، ويوم القيامة، وحياة الدار الأخرى.
وليس المقصود أن يميز الإنسان بين ما ينفعه وما يضره بالحس، فإنه واقع
للحيوانات، إذ يستطيع الحمار والجمل التمييز بين التراب والشعير، فيأكل الثاني
ويدع الأول، وإنما المقصود التمييز بين النتائج المترتبة على الفعل في المعاش
والمعاد، وما يحصل بسببها من ثواب وعقاب، وهذا لا يهتدي إليه إلا بالرسالة، (ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن
أعظم نعم الله على عباده وأشرف مننه عليهم: أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم
كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل
أشر حالاً منها) .
وخلق الله البشرية ودينها دين الفطرة، دين التوحيد، الدين الذي ارتضاه الله
لها، [ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] ، [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] ، وقال: [وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ
أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ] [الأعراف١٧٢-١٧٣] ، وقال تعالى: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ
المُشْرِكِينَ * مِنَ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ]
[الروم ٣٠-٣٢] .
وقال رسول الله ﷺ : يقول الله: «إني خلقت عبادي
فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم» .
فكانت البشرية أول أمرها مؤمنة بربها، موحدة له، ثم طرأ الشرك عليها،
فأرسل الله الرسل يعيدونهم إلى الفطرة، ويردونهم إلى جادة الصواب، ويذودونهم
عن حياض الشرك، قال تعالى: [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى
فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] .
وكانت الرسل تقوم بالبشارة والنذارة، وتقيم الحجة على الخلق، وتبين لهم
منهج الله وشرعته، ذلك أن الله خلق البشر وطلب عبادتهم له، وشرع لهم ديناً
أبلغه إليهم بواسطة رسله من الملائكة والناس، [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً
وَمِنَ النَّاسِ] ، واختارهم من أفضل البشر، [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] ،
وطلب منهم دعوة الناس إلى دين الله، ولم يدع البشر لأنفسهم يضعون المناهج،
ويشرعون الشرائع، ويقررون المعتقدات، ويفسرون العوالم، لأن هذا من التكليف
بما لا يطاق، [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] ، [لا تُكَلَّفُ نُفْسٌ إلاَّ وسْعَهَا] ،
ودعا المؤمنون ربهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم، [رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا ... بِهِ] فقال الله: (قد فعلتُ) .
وأنَّى للإنسان أن يضع لنفسه تصورات صحيحة عن الله وما يجب له، وعن
الكون، والملائكة والجن والحياة الآخرة.. ولو ترك البشر وشأنهم يجتهدون في
وضع هذه التصورات لسمعنا بالمضحكات، وقد سمعنا بعض تصورات الفلاسفة
الساذجة التي تدل على ضحالة في الفكر، وقلة في الإدراك، وكيف لعقل لم يؤت
من العلم إلا قليلاً كيف له أن يحيط بكل شيء علماً؟ ، وكيف لعقل قد خلق لأمر أن
يبدع في مجال ليس له؟ .
ومن ناحية الشرائع: لو وكَّل البشر إلى أنفسهم يضعون المناهج، ويشرعون
الشرائع، ويسنون القوانين والأنظمة، فإن عملهم هذا لا يمكن أن يسلم من الهوى
البشري، والضعف الإنساني، وقصور العلم والإدراك، علاوة على ما يقوم عليه
من الشرك، وتعدد الآلهة، وخضوع الإنسان لأخيه الإنسان، وتشريع بعض البشر
لبعض، وما يقوم عليه من تصورات قاصرة عن الإنسان ذاته، وعما حوله من
عوالم، وما يكتنفه من أسرار، وما يلحقه من حياة، قد لا تراعى في وضع مثل
هذه الأنظمة والشرائع والتصورات.
لهذه الأسباب جميعاً وجب على البشر اتباع منهج يضعه رب العالمين يتعبدهم
به، ويحققون بلزومه رضاه، وينجون من عذابه ومقته، ويفوزون بجناته الوارفة، مع ما يتحقق لهم في الحياة الدنيا من عودة بهم إلى دين الفطرة التي فطر الله
الناس عليها، دين الإسلام، إسلام الوجه لله وإفراده بالألوهية، وتحقيق العبادة له
دون سواه وبذلك يتحدد اتجاه الإنسان، ويسلك طريقه الذي أريد له، فالإنسان حين
يخضع لغير الله، ويتعبد بغير دينه ومنهج غير منهجه إنما يمزق نفسه بهذا العمل،
قال تعالى: [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [الزمر ٢٩] .
فالإنسان حين يبعد عن الله يمزق نفسه التي تخضع لله في جوانب كثيرة ليس
للإنسان فيها أدنى تحكم، إذ لا يستطيع أن يحدد أجله وحياته، وأبويه وجيله،
وصورته الخلقية، ومواهبه الفردية، ولا يستطيع أن يتحكم بالدورة الدموية وسائر
وظائف الأعضاء.
ويلقى الأمرين حين يخرج عن فطرته، ويقهر نفسه على أشياء ليست مجبولة
عليها، فيعيش حياته باضطراب وقلق، قال تعالى: [وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] .
وقال تعالى: [كَذَّبَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ *
فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]
[الزمر: ٢٥، ٢٦] .
فتتصارع الدوافع والجواذب داخل النفس البشرية، تحاول أن توفق بين
الفطرة والنزعات الطارئة، وتحاول أن توفق بين الرغبات المختلفة، رغبات
الآلهة والأهواء والنفس، [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ
القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ] [يوسف٣٩، ٤٠] .
ويعيش الإنسان نتيجة هذا الصراع في اضطراب وقلق، ولا تكاد قدمه تثبت
معه على حال، ولا يكاد بصره يستقر على نظر، ولا تطمئن نفسه إلى قرار، ولا
تسكن روحه إلى شيء، ولا يرفع هذا كله إلا العودة إلى منهج الله ليصلح هذه
النفس، ويربيها على أقوم منهج [أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي
سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [الملك: ٢٢] .
[فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى * ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وقَدْ كُنتُ
بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى * وكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ
أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقَى] [طه ١٢٣-١٢٧] .
стр. 108
أدب وتاريخ
مفهوم الجاهلية في الشعر الجاهلي
(٦)
الجاهلية والإسلام
محمد الناصر
ملخص الحلقة السابقة:
في الحلقة السابقة خلص الكاتب إلى العصر الإسلامي، بعد أن أوجز القول
مرة أخرى في مقومات الحياة السياسية من خلال الشعر الجاهلي، وبدأ في الحديث
عن ملامح ومقومات تلك الفترة الفضلى مبتدئاً بمنهج التربية الإسلامية.
ج- آثار هذه التربية:
وكان من فضائل هذه التربية العقدية، أن تخرج عليها جيل فريد من الصحابة، ارتفعوا فوق جواذب الجاهلية، وأصبح ولاؤهم لمجتمع العقيدة، سواء في مكة
المكرمة حيث التعذيب والابتلاء والصبر، وتعميق أسس البنيان المبارك، أم في
المدينة المنورة حيث الأخوة والإيثار والجهاد في سبيل الله.
إنها تربية واقعية، طبقت، وتحقق بسببها ميلاد جيل جديد من البشر، ترى
ماذا لو فكر الدعاة في عصرنا الحاضر في تطبيقها، وغرسها من جديد في نفوس
الناشئة، أفلا يتخلصون مما هم فيه من خلل واضطراب؟ ألا يعيدون للمسلمين
واقعاً حياً نظيفاً؟
وحتى لا نتكلم في فراغ فلنستعرض بعض النماذج من سيرة السلف الصالح،
وكتب السيرة ممتلئة بعطرها الفواح، عسى أن تكون لأجيال اليوم نبراساً يضيء
لها ظلمة الطريق.
كان سعد بن أبي وقاص ﵁ من السابقين الأولين للإسلام،
وكان باراً بأمه حمنة بنت أبي سفيان، قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟
والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد
الدهر، يقال: يا قاتل أمه! ، وبعد يومين وليلتين من امتناعها عن الطعام
والشراب جاء إليها سعد وقال: يا أماه: لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً،
ما تركت ديني، فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت،
فأنزل الله هذه الآية: [وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] [سورة لقمان: ١٥] .
وأمر بعدم طاعتهما في الشرك: «لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية ... الخالق» [١] .
لقد ارتفع سعد ﵁ بإيمانه رغم بره بأمه، وضحى بها لو
ماتت جوعاً وعطشاً على أن يساوم على عقيدته..
وأبو بكر ﵁ خير نموذج لتربية دار الأرقم، يرد جوارَ ابن
الدغنة ليبقى في جوار ربه، ويكاد يشرف على الموت، إذ ضرب ضرباً شديداً
وتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ ورفض الطعام والشراب حتى يطمئن
على رسول الله، وعندما رآه ﵊ صحيحاً معافى في دار الأرقم
اطمأنت نفسه [٢] .
رجل يشرف على الموت مثخناً بالجراح، يرفض الطعام والشراب حتى
يطمئن على حياة رسول الله..
وأبو سفيان زعيم قريش وسيدها: (قدم على ابنته أم حبيبة، أم المؤمنين،
﵂، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه، فقال:
يابنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ فقالت: بل هو
فراش رسول الله، ﵊ وأنت رجل مشرك نجس، فقال: والله لقد
أصابك يا بنية بعدي شر) [٣] .
هكذا تتبرأ أم المؤمنين من أبيها، وتقول له بكل صراحة: إنك مشرك نجس..!
ما أجدر بنات اليوم، وأمهات الأجيال المعاصرة، بالقدوة ومفاصلة الشرك
وأهله. وقصة الصحابي الجليل عبد الله ابن حذافة السهمي وموقفه من ملك الروم
حيث أغراه بمشاطرة ملكه فرفض، وهدده بالقتل والحرق، فأبى أن يتنصر وهو
الأسير المجاهد.. كل ذلك بسبب عزة الإيمان، في تلك النفوس العظيمة [٤] .
ما الذي جعل هذا الصحابي الجليل يتعالى على ملك الروم، وقد كان
(بالأمس) كل عربي يتمنى أن يحظى بالدخول إليه؟
وموقف أبي عبيدة أعجب وأعظم، لقد قتل أباه في بدر، كان كافراً محارباً لله
ورسوله، ولم تكن صلة الأبوة لتمنعه من ولائه ونصرته لله ورسوله والمؤمنين،
وفيه نزلت الآية الكريمة: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ
اللَّهَ ورَسُولَهُ] [٥]
إن الصبر والابتلاء كان سمة الفترة المكية، وما التعذيب الذي لقيه خباب،
وصهيب، وبلال، وآل ياسر ﵃ جميعاً) عن أذهاننا ببعيد..
والمقاطعة في الشِّعب وحصار المسلمين ومَنْ ناصرهم من بني هاشم.. عبر آلام
وتضحيات لحمتها التربية القرآنية، وحب الله ورسوله..
هذا الجيل كان منهجه التلقي من الكتاب والسنة للتنفيذ والعمل، أما منهج
التلقي للدراسة والمتاع فهو الذي خرج الأجيال اللاهية المتخاذلة.
بهذه الصورة تكونت قاعدة صلبة من المؤمنين، حتى استطاعت أن تقاوم
الجاهلية بكل أوضارها وتفاهاتها ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة، وهذه الدروس
(في العقيدة) لحمة التربية فيها..
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: [٦]
وفي المدينة المنورة، استقبل الأنصار المهاجرين وشاطروهم الديار
والأموال، وبذلوا لهم النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله، وقد أصبح حب الأنصار ... من عقيدة الإسلام وبغضهم نفاق؛ ففي الحديث الصحيح: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» . قال تعالى: [والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [الحشر٩] .
لقد تكون المجتمع الإسلامي في العهد المدني، فمن الهجرة إلى المؤاخاة، إلى
قيام الدولة المسلمة، إلى الجهاد في سبيل الله وهيمنة الشرعية الإسلامية.
بهذه الأخوة تكون المجتمع المسلم، وضرب مثلاً رائعاً في التكافل الاجتماعي، وبناء الجماعة المسلمة.
(ولقد أبدى الأنصار كرماً وسخاء في معاملتهم للمهاجرين، وكانت المؤاخاة ...
رباطاً قوياً متيناً جمع المهاجرين والأنصار بما يترتب على ذلك من حقوق ... وصلت بل تساوت مع حقوق الأخوة في النسب) [٧] .
(هكذا نلاحظ أن الإسلام صنع من العرب نماذج فريدة، أنكر الفرد نفسه، ...
وقطع صلته بأبيه وبابنه، وهجر المال والمتاع، وأصبح له طريق جديد ووجهة
جديدة، أصبح يسعى لتوه بالافتراق عن مجتمعه الجاهلي، أو أنه يسير في طريقه
المحدد والمجتمع يهيم في غير طريق، وتنقطع الأواصر بينه وبين ذاك المجتمع
ولو كانت أواصر القربى، ويتجه قلبه لتوه إلى كيان آخر يلتصق به ويحس أنه
أصبح قطعة منه، ذلك هو رسول الله والقلة المؤمنة « [٨] .
د- شعر الدعوة الإسلامية:
وقد ساهم الشعراء في هذا العصر في شعرهم بمعانٍ وقيم مستمدة من التصور
الجديد، ولتعاليم الدعوة الإسلامية، مسخرين مواهبهم للدفاع عن قيم هذا المجتمع
الوليد..
إن أغراض الشعر من فخر وهجاء ورثاء وحماسة، تغير مفهومها، وسمت
قيمها..
فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يفتخر بالسبق إلى الإسلام [٩] :
سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيراً ما بلغت أوان حِلمي
ويفتخر سعد بن أبي وقاص ﵁ بأنه أول من رمى بسهم في
الإسلام [١٠] :
ألا هل أتى رسولَ الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذياداً ... بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رامٍ في عدوٍٍ ... بسهم يا رسول الله قبلي
ويصبح فخر حسان بن ثابت ﵁ بالإسلام ونبيه ووحيه،
وبكتيبة المؤمنين من المهاجرين والأنصار، يقول قبل فتح مكة [١١] :
عدمنا خيلنا إنْ لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء
وجبريل أمين الله فينا وروح ... القدس ليس له كفاء [١٢]
والهجاء يتحول نحو المشركين، دفاعاً عن رسول الإسلام وصحابته الكرام،
فيقول حسان ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث وهو من قريش.. من
بني هاشم، لأنه من الشعراء المشركين، وقد اشترك في هجاء الرسول -صلى الله
عليه وسلم-:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخِبٌ هواء [١٣]
بأن سيوفنا تركتك عبداً ... وعبد الدار سادتها الإماء [١٤]
هجوتَ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت مباركاً براً حنيفاً ... أمين الله شيمته الوفاء [١٥]
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعِرض محمد منكم وقاء
رضي الله عن حسان، لقد كان شاعر الخزرج في الجاهلية يدافع عن أحساب
قومه، وهاهو يفدي نبيه بالنفس والعرض والأهل..
أبو سفيان هذا أسلم، وحسن إسلامه، ثم ندم على ما فرط في جاهليته، ... فقال [١٦] :
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلبَ خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي
إن الإسلام يجبُّ ما قبله، إلا أنه الشعور بثقل الماضي، ورهافة حس
الشعراء..
والرثاء: بكى فيه شعراءُ الدعوة الإسلامية شهداءَ المجتمع الجديد، مجتمع
العقيدة، ولنستمع إلى أبيات من قصيدة كعب بن مالك الأنصاري ﵁
يرثي فيها شهداء مؤتة، إذ يقول [١٧] :
نام العيون ودمع عينك يهمل سحا ... ً كما وكفَ الطِّبابُ المخْضَلُ [١٨]
في ليلة وردتْ عليّ همومها ... طوراً أخِنُّ وساعة أتململُ [١٩]
واعتادني حزْنٌ فبتُّ كأنني ... ببنات نعشٍ والسّمال موكلُ
وجداً على النفر الذين تتابعوا ... يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صبروا بمؤتةَ للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
الرثاء للقادة، للشهداء جميعاً وبألم وحزن، لأن المصاب واحد، والمشاعر
واحدة، لقد أصبح» المثل الأعلى للرجل المسلم في عصر صدر الإسلام هو السبق
إلى الإسلام والهجرة، وملازمة المصطفى وصحبته والتقوى والورع.. ثم الشجاعة
والذياد عن حياض الإسلام « [٢٠] .
وأخيراً: تبين لنا أن التربية الإيمانية أساس كل تغيير، ولابد من تطبيقها،
وليس لدينا خيار في هذا الأمر، لابد من العودة العميقة، والمعايشة الحية مع إخوة
الإيمان.. إن هذه التجربة، صنعت المعجزات، صنعت الجيل الأول، الذي
تخلص من جاهلية جائرة، واستعلى على ضغوط المجتمع وأعراف الآباء والأجداد.
ما أجدر الدعاة اليوم أن يتعالَوْا على أعراف فرقت ومزقت وليس لهم فيها سَنْدُ
شرعي!
ما أجدرهم أن يهتموا بتربية دار الأرقم، ومدينة الرسول الكريم -عليه
الصلاة والسلام -، وأن يعلموا ثقل المسؤولية، وعظم الأمانة في هذا العصر.
إن مسلم اليوم (مهمته خطيرة؛ لأنه لا يطلب منه أن يكون مجرد مسلم عادي، إنما يطلب منه أن يكون نموذجاً يحتذى.. يلزمه تدريب من نوع خاص، يتعود
فيه على التخفف من جواذب الأرض.. والمطلوب لدور البناء والتأسيس: أن
يكون المسلم على الدرجة العليا من الإيمان.. المطلوب نماذج فائقة من البشر..
تستطيع أن تتجرد لله، وأن تحتمل المشقة في سبيل الله) [٢١] .
إن هذه التربية، وهذا الإيمان، هو الذي خلص العرب من الشرك واستعباد
القبيلة، وحرر عقولهم من الهوى والخرافة، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس،
وقد غيرت مجرى التاريخ.
стр. 109
نافذة للأمل
علي بن الجهم
عرض وتعليق: د. مصطفى السيد
١- قالت: حُبِسْتَ، فقلت ليس بضائرٍ ... حبسي، وأي مُهَندٍ لا يغمدُ
٢- أوَ ما رأيتِ الليثَ يألفُ غِيلَه ... كِبراً وأوباشُ السباعِ تَرَدَّدُ
٣- والشمسُ لولا أنها محجوبةٌ ... عن ناظريك لما أضاءَ الفرقدُ
٤- والبدرُ يُدرِكُهُ السِّرار ُفتنجلي ... أيامُهُ وكأنهُ متجدِّدُ
٥- والنارُ في أحجارها مخبوءةٌ ... لا تُصْطَلَى إن لم تُثرها الأزنُدُ
٦- والزاعبيةُ لا يقيم كُعوبَها ... إلا الثقافُ وجَذوةٌ تتوقَّدُ
٧- غِيَرُ الليالي بادئات عُوَّدٌ ... والمال عاريةٌ يعادُ وينفَدُ
٨- ولكل حالٍ مُعْقِبٌ ولربما ... أجلى لك المكروه عما يُحْمَد
٩- كم من عليلٍ قد تخطاهُ الردى ... فَنَجَا ومات طبيبُه والعوَّدُ
١٠- والحبسُ ما لم تغشَهُ لدنيةٍ ... شنعاءَ نعم المنزلُ المتَوَرَّدُ
١١- بيتٌ يُجَددُ للكريم كرامةً ... ويُزارُ فيه ولا يزورُ ويُحْفَدُ
١٢- لو لم يكن في السجن إلا أنَّها ... يستذلُّك بالحجابِ الأعبُدُ
شرح الأبيات:
١- عيرتني أن أصبحت رهين الحبس، ولكن كما أن السيف لا عار عليه إذا
أدخل في غمده؛ فكذلك أنا لا يضيرني أن دخلت السجن.
٢- ولئن صرت نزيل السجن فلا تعجبين من ذلك، فالأسد قد يأوي إلى غيله، بينما ضعاف السباع وأوباشها تروح وتغدو حرة طليقة.
٣- وحتى يرى الناس ضوء الفرقد (وهو نجم صغير) لابد من غياب الشمس، وإلا لما عُرف ضوء هذا النجم. (يشبِّه نفسه بالشمس المحجوبة، وأعداءه
بالفرقد) .
٤- وعندما يعود البدر هلالاً آخر الشهر، فليس معنى هذا أنه سيستمر إلى
آخر الدهر هكذا، وإنما سيرجع ليكون بدراً من جديد.
٥- والنار، وهى عنصر ضروري للحياة، لا تنبعث شرارتها من الحجر إلا
بعد استثارتها وضربها بالزند.
٦- والرماح المستوية لا تصبح هكذا، إلا بعد عملية شاقة، حيث يقوِّم
اعوجاجها الثقاف، وتزال عقدُها بالحك والقطع، ويشحذ نصلها بإحمائه في النار
المتوقدة.
٧- ومصائب الأيام ليست مقصورة على أحد، بل تبدأ بواحد وتثني بآخر،
والمال الذي يتباهى به كثير من الناس إن هو إلا عارية مستردة، (وقد أخذ الشاعر
وصف المال من كلمة أبي طالب حين خطب السيدة خديجة ﵂ للنبي
ﷺ حيث قال: وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل،
وعارية مسترجعة) .
٨- إن مجيء الليالي بالسراء مرة وبالضراء مرة أخرى سنة ثابتة، وربما
كان الخير فيما تكرهه من الملمات والمصائب.
٩- كم من مريض أشرف على الهلاك، ولكنه أبَّل من مرضه، وعوفي من
علته، بينما مات قبله الطبيب الذي عالجه، ومن عاده أثناء مرضه.
١٠- والحبس منزل كريم، وعنوان فخر لنازله، إن كان دخوله بسبب رأي
أو عقيدة، لا بسبب فعلة شنيعة.
١١- فهو بيت يحفز الكريم على التمسك برأيه ويجدد له صبره وصموده،
ويزوره فيه أصحابه ويكرم فيه. (وهذا كان عندنا في العصور الوسطى -التي
يسميها الجهلة: عندنا عصور الظلام-، حيث يكرم سجين الرأي ويزار، أما في
سجوننا التي شيدت في القرن العشرين، هل بنا حاجة إلى وصف إكرام نزلائها؟ !
وهل يجرؤ أهلهم وذووهم على السؤال عنهم فضلاً عن طلب زيارتهم؟ !) .
١٢- وللسجن ميزات كثيرة عند الشاعر، ولو لم يكن للسجن من فائدة إلا أنه
يكفيك شر الحجاب وسفاهتهم وغلظتهم حيث يدفعون الناس عن الوصول إلى أولي
الأمر، لكانت فائدة عظيمة.
حول الأبيات:
تفردت بالألم العبقري ... وأنبغ ما في الحياة الألم
التحدي مستنبط كوامن العبقرية، ومنبع خبء [١] الذكاء، وكم نازلة حلت
بأمة فكانت نقطة تحول في تاريخها، ومبعث رقدتها من مجثمها [٢] ، وكثيرة هي
الروائع الأدبية التي كان الباعث عليها السجن أو المرض، أو ما سواها من
مكدرات العيش ومنغصات الحياة.
والقصيدة التي نقدمها اليوم تسايلت معانيها من ذلكم الوادي، وسُقِيَتْ ... صوب [٣] ذاك الغمام.
فمن وراء القضبان أرسل الشاعر علي بن الجهم هذه التأملات المعمقة عن
السجن، وإذا ما سُجنت الأُسْد فهي مخوفة، لا خائفة، وكم من طليق سجين، وكم
من سجين طليق! .
وعلي بن الجهم من فحول شعراء العصر العباسي الأول، تميز عن شعراء
ذلك العصر بعقيدة سليمة، على ندرة ذلك في أقرانه الذين تقاسمت أكثرهم ساحة
الاعتزال مع حلبات اللهو والمجون والانحلال.
وهو أحد رجال الطبقة الأولى من طبقات الحنابلة، وعلى الرغم من أن
المعتزلة والروافض قد انخفض صوتهم في عهد المتوكل، ولم تعد لهم تلك الصولة
التي كانت لهم زمن المأمون والمعتصم والواثق، إلا أن بقاياهم ظلت في دوائر
الحكم بعد ذلك، واستمر تأثيرهم من وراء حجاب، وكانوا لا يفتأون يدبرون المكائد
لخصومهم من أهل السنة، وما حصل لعلي بن الجهم مثال على ذلك، فقد ائتمر به
«بعض ندماء المتوكل وبعض المعتزلة وأصحاب البدع، واجتمعوا على الإغراء
بقتله» [٤] .
واختلاب الفرص من قِبَل أهل البدع خُلقٌ ثابت لهم، شأنهم في كل عصر
ومَصر، ولهم أسلوبهم المميز في التخلص من كل حاجز من الحواجز التي تحول
بينهم وبين بدعهم.
وبسبب من هذا الحقد البدعي الأعمى وجد علي بن الجهم نفسه نزيل السجن،
فلم يتضعضع لهذه الصدمة القاسية، بل نجده يضيء السجن بمصابيح عبقريته،
ويمتعنا -على بعد الشقة- بنبل هذا الموقف.
وبالرغم من انحسار المد الاعتزالي، وعودة الأمور إلى نصابها في خلافة
المتوكل، إلا أن ذلك لايعني أن دوائر الحكم العباسي قد كنست كلها، أو صفيت
جلها من عقابيل هذا الفكر التفتيتي التقزيمي، بل بقيت زمرٌ تعمل وراء الكواليس
لتصفية الحساب مع بعض رموز أهل السنة.
ولعل في ذلك إيماءةً تاريخية، وإشارة فقهية لمن يتصدون للبحث التاريخي،
وهي: أن سقوط هيكلية أي فكر لا تعني زواله تماماً.
وفي ضوء هذه المقولة نفهم كيف تمكن أعداء الاتجاه السني من الزج بابن
الجهم في غياهب السِّجن.
وبسبب من شعلة الإيمان التي لم تخبُ جذوتها في فؤاده، وعدالة موقفه،
وشعوره بالظلم الفادح النازل به، اجتمعت هذه الأمور لتكون مصهراً لشاعريته.
إن سجنه كشخص، لم يحبس عواطفه شاعراً، بل أطلق لهذه الأخيرة العنان، لتصوغ لنا هذه الدرة اليتيمة التي تعد من أدب المقاومة للظلم، ومن أدب
الدفاع عن حقوق الإنسان، كما في سطورها من (الحداثة) الحقيقية -وليست الوهمية الغائبة أو المغيبة كما في شعر مُدَّعى الحداثة في هذا الزمن-، فيها
من الحداثة الدائمة التأثير والصادقة التعبير ما يضمن لها حضوراً متجدداً ... وتأثيراً متصلاً.
كما تقول لنا -القصيدة- بوضوح: إن السجن -على ضيقه- بوابة إلى عالم
أوسع، ومرقاة إلى مرتبة أرفع، فقد يكون إحدى مراحل اختبار الإيمان، وتوضيح
الرؤية، وجزى الله الشدائد كل خير ففيها تعرضٌ لثواب الصبر، وإيقاظٌ للقلب من
الغفلة، وادِّكارٌ للنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة، وفي قضاء الله وقدره بَعْدُ
الخيار.
стр. 110
سأحزن ما بقيتُ مع الزمان
شعر: مالك فيصل الضيغمي
سأحزن ما بقيتُ مع الزمان ... لما ألقاه من كُرَبٍ وآنِ [١]
فشعري كله مرآةُ شعبٍ ... كسيرِ العظم محزونِ الجنَانِ
فلا تعجب إذا أرسلتُ شعراً ... يصور ما أعاني أو يعاني
فإني أمة كانت بخير ... فأسلمها الطغاة إلى الهوان
وإني أمة نشرت فأحيت ... وحررت العوالم بالقُران
وكان الناس في زمن تعيس ... يذوقون المذلة بالسنان
فصار الناس عُبَّاداً لرب ... يعامِلُ بالسماحةِ والحنان
فما أرضى أخا الشيطان دينٌ ... يقوم على الأمانةِ والأماني
ويزرع في النفوس بذور خير ... لتعلو في المكان وفي الزمان
فلا تعجب إذا أكثرت شعراً ... وقولاً غيرَ مقرونٍ بقان [٢]
فعذري أمةٌ نامت طويلاً ... وغالت بالفصاحة والبيان
معاذَ الله أن أهوى حياةً ... يدغدغها الأراذلُ بالقيان [٣]
وتوحيدُ الصفوف رأيت فيه ... دواءً للتنازع والشَنان [٤]
وجدٌ في الأمور، وليتَ جمعاً ... دَرَوْا من قبلُ هاتيك المعاني