← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

دراسات في الشريعة مقدمة في قواعد التفسير محمد بن عبد العزيز الخضيري التعريف: القاعدة لغةً: الأصل الذي يبنى عليه غيره. اصطلاحاً: حكمٌ كلي يتعرف به على أحكام جزئياته. التفسير لغة: الكشف والبيان. واصطلاحاً: بيان معاني كلام الله تعالى. وقواعد التفسير: هي الأحكام الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط معاني القرآن الكريم، ومعرفة الراجح مما فيه خلاف. أهمية معرفة القواعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرَدُّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؛ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وظلم وجهل في الكليات، فيتولد فساد عظيم» [١] . وقال الزركشي: «أما بعد: فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة. هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حكم العدد التي وضع لأجلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه» [٢] . والحاصل أن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية ما يجل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بها من الاستنباط والفهم مع ملكة ظاهرة تصيره ذا ذوق واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير [٣] . ميزة القواعد: تتميز القواعد بالإيجاز في الصياغة مع عموم المعنى وسعة استيعابه للجزئيات وسهولة الحفظ والإشارة إلى المناط والعلة. المؤلفات في قواعد التفسير: غالب ما ألف في قواعد التفسير إنما هو في علوم القرآن الكريم ككتاب (التيسير في قواعد علم التفسير) لمحمد بن سليمان الكافيجي (ت ٨٧٩) ، و (أصول التفسير وقواعده) لخالد بن عبد الرحمن العك. أما التأليف في القواعد ذاتها جمعاً ودراسة ففيه رسالتان فريدتان: ١ - قواعد التفسير جمعاً ودراسة، لخالد بن عثمان السبت في مجلدين، وهي رسالة دكتوراه مقدمة في الجامعة الإسلامية. ٢ - قواعد الترجيح عند المفسرين، لحسين بن علي الحربي في مجلدين، وهي رسالة ماجستير مقدمة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وموضوع الثانية أخص من الأولى؛ إذ هي في القواعد الترجيحية. وقد ضمَّن الكاتبون في علوم القرآن وفي أصول التفسير كتبهم فصولاً في قواعد التفسير ككتاب البرهان لبدر الدين الزركشي (٧٩٤هـ) والإتقان لجلال الدين السيوطي (٩١١هـ) . إضافة إلى ما زخرت به مقدمات المفسرين في تفاسيرهم ك مقدمة (النكت والعيون) للماوردي، ومقدمة (التسهيل) لابن جزي الكلبي، ومقدمة (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور. ومقدمة ابن كثير في تفسيره والتي استفادها من كتابة شيخ الإسلام في أصول التفسير. أما المصدر التطبيقي الثّر فهي كتب المفسرين المؤصلة كتفسير الطبري، والمحرر الوجيز لابن عطية، وأضواء البيان للشنقيطي. أنواع القواعد: للقواعد تقسيمات باعتبارات مختلفة، ومن ذلك تقسيمها باعتبار الغاية منها، وهي على نوعين: الأول: قواعد عامة يستفاد منها في فهم القرآن؛ كقاعدة: «المفرد المضاف يفيد العموم» . كقوله تعالى: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ] (الضحى: ١١) . وقوله: [وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: ٣٤) المقصود: نعم الله. الثاني: قواعد ترجيحية يستفاد منها في الموازنة بين الأقوال، ومعرفة الراجح منها والمرجوح؛ كقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن السياق مرجح على ما خالفه» ، كقوله تعالى: [مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ] (المجادلة: ٧) أي بعلمه، قالوا: لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم [٤] ، وقوله تعالى: [كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء: ٣٠) قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: [أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء: ٣٠) من المطر والنبات. ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصواب؛ لدلالة قوله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء: ٣٠) على ذلك» . وليعلم أن الأقوال إذا كانت محتملة في الآية وبنفس القوة فإنه لا ترجيح بينها، كقوله: [اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى] (الرعد: ٨) «الله يعلم ما تحمل كل أنثى» فما يحتمل أن تكون (موصولة) والمعنى: يعلم الذي تحمله كل أنثى من ولد على أي حال كقوله: [وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ] (لقمان: ٣٤) . ويحتمل أن تكون (مصدرية) والمعنى: يعلم حمل كل أنثى كقوله: [وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ] (فاطر: ١١) . ويكون الترجيح بين الأقوال إذا تعارضت، أو عارض بعضها نصاً أو إجماعاً، أو لم يكن بينها تعارض ولا مع غيرها؛ لكن كان بعضها أوْلى من بعض. مثال الأول: خلافهم في تفسير (القُرْء) . ومثال الثاني: من ادعى جواز الجمع بين تسع حرائر مستدلاً بقوله: [مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ] (النساء: ٣) فهو خلاف إجماع الأمة وما روي عن سعيد بن المسيب: «ما سكر آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن سقته حواء من الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل» فهذا معارض لقوله تعالى: [لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ] (الصافات: ٤٧) [٥] . ومثال الثالث: قوله تعالى: [ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ] (عبس: ٢٠) قيل: طريق خروجه من بطن أمه لدلالة السياق، وقيل: طريق الخير والشر. لقوله: [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإِنسان: ٣) . تنازع القواعد: إذا تنازعت القواعد المثالَ الواحدَ؛ بحيث صار لكل قول قاعدة ترجحه فإن المعتبر به غلبة ظن المجتهد كما قال الزركشي: «واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد ما غلب على ظنه» [٦] . وقال الشنقيطي: «والمرجحات يرجع بعضها على بعض؛ وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن» [٧] . مثال ذلك: قوله تعالى: [وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ] (النساء: ٢٢) ففيها قولان: الأول: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم من النساء؛ فمنكوحة الأب حرام على ابنه و (ما) في الآية موصولة، ويدل عليه سبب نزول الآية؛ حيث إن قيس بن صيفي بن الأسلت خطب امرأة أبيه فأنزل الله الآية. الثاني: ولا تنكحوا نكاح آبائكم الفاسد الذي يتعاطونه في الجاهلية، و (ما) مصدرية؛ قالوا: لأن (ما) لا تكون إلا لغير العاقل غالباً، والقاعدة: وجوب حمل كلام الله على المعروف المشهور من كلام العرب. ولا شك أن القول الأول هو الصواب لاعتماده على سبب النزول، هذا فضلاً عن كون (ما) وردت للعاقل في غير ما آية من غير نكارة ولا شذوذ كقوله: [وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ] (النحل: ٦٢) وقوله: [إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي] (آل عمران: ٣٥) . نماذج من قواعد التفسير: القاعدة الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أي: إذا وردت الآية على سبب خاص فإنها لا تُقصَر عليه، بل يُنظر إلى عموم لفظها؛ ومثالها: قوله تعالى: [إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ] (الكوثر: ٣) قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، وقيل: نزلت في جماعة من قريش. قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال إن الله تعالى ذِكْرُه أخبر أن مبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأقل الأذل المنقطع عقبه؛ فذلك صفة كل من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه» . القاعدة الثانية: الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه. مثالها: قوله تعالى: [وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ] (البلد: ٣) . قيل: آدم وولده، وقيل: إبراهيم وولده. وقيل: بل هي عامة في كل والد وولده. وهو الصحيح، قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: أقسم الله بكل والد وولده؛ لأن الله عمَّ كل والد وما ولد. وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوص؛ فهو على عمومه كما عمه «. القاعدة الثالثة: إذا اختلف المعنى الشرعي والمعنى اللغوي فالمقدم الشرعي إلا بدليل؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة. مثالها: قوله تعالى: [وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً] (التوبة: ٨٤) فالصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشرع: صلاة الجنازة والمقدم المعنى الشرعي. فإن دل الدليل على اعتبار اللغوي دون الشرعي وجب الأخذ به كما في قوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (التوبة: ١٠٣) أي: ادع لهم؛ ودليله حديث عبد الله ابن أبي أوفى؛ حيث قال:» كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ على آل فلان! فأتاه أبي بصدقته: فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى! « [٨] . القاعدة الرابعة: تحكيم السياق عند الاختلاف. مثالها: قوله تعالى: [عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ] (البقرة: ١٨٧) قيل: هو الولد، وقيل: ليلة القدر، وقيل: ما أحله لكم ورخص لكم، والأول أرجح لمناسبته السياق؛ حيث جاء عقيب قوله: [فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ] (البقرة: ١٨٧) . القاعدة الخامسة: تحكيم الرسم عند الاختلاف. مثالها: قوله تعالى: [سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى] (الأعلى: ٦) قيل: (لا) نافية، وقيل: ناهية. والصواب الأول؛ لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بحذف حرف العلة. وكذلك قوله تعالى: [وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ] (المطففين: ٣) ففي الضمير (هم) في الفعلين قولان: ١ - أنه يعود على الناس؛ ويكون الضمير في موضع نصب. ٢ - أنه يعود على واو الجماعة في (كالوا ووزنوا) ويكون في موضع رفع مؤكداً لواو الجماعة. والراجح الأول؛ لأنه لو كانت كلمة (كالو) مستقلة و (هم) مؤكدة لأتبعت (كالو) في الرسم بألف الفرق [*] لكتبت (كالوا هم) وليس الأمر كذلك. القاعدة السادسة: يجب تفسير المعنى على الأغلب من استعمال العرب. أي دون الشاذ والقليل والمنكر. مثالها: قوله تعالى: [لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً] (النبأ: ٢٤) قيل في البرد قولان: الأول: برد الهواء الذي يبرد جسم الإنسان. والثاني: النوم. قال ابن جرير:» والنوم وإن كان يبرد غليل العطش، فقيل له من أجل ذلك: البرد؛ فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره «، وبمثله قال النحاس [٩] . القاعدة السابعة: وجوب مراعاة معهود القرآن وطريقته في البيان. والمراد: أن اختيار التأويل الموافق لطريقة القرآن ومعهوده الكلي أو الأغلبي هو المتعين: مثالها: قوله تعالى: [إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ] (الطارق: ٨) في مرجع الضمير في (رجعه) قولان: ١ - أنه يعود إلى الإنسان والمعنى: أن الله قادر على رده للحياة بعد موته. ٢ - أنه يعود إلى الماء، والمعنى: أن الله قادر على رد الماء إلى الصلب أو الإحليل؛ والصواب الأول؛ لأن المعهود في القرآن الاستدلال بالمبدأ على المعاد. وأما القول الثاني» فلم يأت لهذا المعنى نظير في موضع من القرآن « [١٠] . وأيضاً قوله تعالى: [فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ] (الواقعة: ٧٥) قيل: آيات القرآن، ومواقعها نزولها شيئاً بعد شيء، وقيل: هي النجوم المعروفة في السماء. وهو الراجح؛ لأن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد بها الكواكب؛ كما قال ابن القيم [١١] .

стр. 4237

دراسات تربوية التعليم الأجنبي.. مخاطر لا تنتهي! (١ - ٢) مهيمن عبد الجبار إن الحديث عن المدارس الأجنبية حديث يتلاقى ويتماس مع كثير من نقاط واقعنا المعقد؛ فهو يتناول التربية العقدية بمفهومنا ولفظنا، كما يتناول التنشئة السياسية من جهة أخرى، ويتناول قضية الهوية بجوانبها وتشعباتها، وهي سر من أسرار تخلف التنمية، ولها ظلالها الإعلامية والتعليمية، والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ويمس عصب الأمن القومي. ولكي نتصور القضية تصوراً صحيحاً لا بد أن نضع في اعتبارنا عدة أمور: أولها: أن التعليم الأجنبي يأتي ضمن منظومة واسعة لتغريب الأجيال وإبعادهم عن دينهم تتضمن التعليم، والإعلام والثقافة، ويتستر خلفها التبشير والاستشراق والاستعمار، وتساندها بقية الأدوات. وثانيها: أن الكلام حول التعليم الأجنبي يتناول المدارس الأجنبية ومدارس الإرساليات التبشيرية ومدارس الجاليات بالأصالة، كما يشير إلى مدارس اللغات والمدارس التجريبية التي تقفو أثر المدارس الأجنبية وإن تسمَّت بأسماء عربية بالتبعية، كما يتطرق الحديث إلى الابتعاث إلى الدول الغربية. وثالثها: أن حديثنا عن دور ومخاطر هذا النوع من التعليم يزيد من شأنه ولا يهون ما يتم للتعليم الوطني اليوم في كثير من بلادنا الإسلامية تحت مسميات التطوير والتحديث، ضمن ما يعرف بالعولمة التعليمية التي ترعاها المؤسسات الدولية وتدفع إليها الدول الغربية. ورابعها: أن التعليم في الإسلام يعني عملية إفراز وتنمية للولاء العقدي الذي هو أعلى وأوثق أنواع الولاء، كما يرتبط بقيمة وجودية للأمة الإسلامية هي الهداية كما قال تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . كما يرتبط بقيمة أخرى في الآخرة هي الوقاية من عذاب الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] (التحريم:٦) ، وهذا كما قال المفسرون يتم بالتعليم والتأديب، وفيه ملمح مهم وهو ارتباط التعليم بالإصلاح، على عكس ما يحدث اليوم في التعليم الأجنبي. وخامسها: أن دخول أطراف خارجية في العملية التعليمية يعني تعريض أمن الأمة للخطر؛ وذلك حين يتعرض دين الأجيال للتحريف وعقولهم لألوان الغزو الفكري، وهي مسألة لا تقل خطورة عن السماح للأجانب بالالتحاق بالجيش أو أجهزة الأمن التي تسهر على حماية البلاد، بل تزيد؛ لأنها تؤدي مستقبلاً إلى وجود مثل هذه الفئات داخل هذه المؤسسات دون أن ندرك حقيقة الدور الذي تقوم به. إننا كثيراً ما نلمس آثار هذه المدارس على المتخرجين فيها، لكن ما يغيب عنا أكثر، دون أن يكون لنا أفراداً أو مجتمعات دور يتفاعل مع قضية بهذه الخطورة. سادساً: إن الحديث عن التعليم الأجنبي اليوم لا يمكن التطرق إليه بمنأى عن الخريطة التعليمية القُطرية والعولمية؛ فلم تعد المدارس الأجنبية هي الخطر الوحيد في المجال التعليمي؛ بل ينبغي تصور خريطة المخاطر المحتفة بالتعليم اليوم؛ فهناك مدارس الإرساليات (علمانية، ودينية) ، وهناك المدارس الدينية التي تخص الطوائف النصرانية التي تعيش في بلداننا الإسلامية، والمدارس الخاصة التي تقتفي أثر هذه المدارس، إلى جانب التعليم العام المنجذب مغناطيسياً نحو مجال هذه المدارس كنموذج. إن نظرة الأمم إلى مسألة التعليم تنطلق من نظرتها لذاتها ودورها وهدفها الأبعد على هذه الأرض وما بعد الأرض؛ ومن ثم فإن الخريطة التعليمية لأي دولة يمكن أن تنبئنا بتطلعات هذه الدولة إلى المستقبل، ويمكن إيضاح ذلك من خلال عدد من التجارب والمواقف: * كان للتعليم الشرعي دوره الذي بهر العالم كله في نموذج طالبان وسيطرتها على الأوضاع داخل أفغانستان بسهولة، والبدء في خطط تنموية حقيقية رغم الحصار الشديد وضعف الإمكانيات؛ مما جعل التقارير العالمية توصي باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة بصدد هذا النوع من التعليم في الدول الإسلامية الأخرى، ومن ثم قامت النخب العلمانية بتصفية هذا النوع من التعليم بعدة طرق في تركيا ومصر واليمن وباكستان وغيرها، وما يحدث الآن في أفغانستان يعيد للأذهان حملة نابليون للقضاء على بواكير النهضة العلمية والحضارية التي كادت تزهر في أحضان الأزهر، وزرع التعليم البديل [١] . * كان للمدارس الدينية دورها في إنجاح الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات، كما كان للتعليم الغربي دوره اليوم أيضاً في الانقلاب السلمي على الثورة هناك. * النهضة الاقتصادية الماليزية بدأت أيضاً بالتعليم؛ ففي سنة ١٩٨٥م أقيمت مؤتمرات وطنية لقضية التعليم، وقررت أن تكون ماليزيا دولة صناعية؛ ولذا تغيرت مناهج التربية والتعليم على هذا الأساس، كما تغيرت نظم البعثات الدراسية، والهجرة والاستثمار في غضون ١٠ سنوات، وكانت النتيجة أن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في العالم سنة ١٩٩٥م. * نموذج الصين واليابان والهند وألمانيا وهي تجارب دول عانت من مشاكل أكثر عدداً وأضخم من المشكلات التي يعلق عليها العرب خيبتهم التعليمية والتنموية؛ ومع هذا استطاعت هذه الدول حين ملكت الإرادة أن تقفز من خلال تعليم هادف قفزات سريعة في فترة محدودة. * وفي كشمير المحتلة عملت الهند على محاربة التعليم الإسلامي ونشر التعليم العلماني، وتشجيع الحركات العلمانية على حساب الحركات الإسلامية؛ وخاصة بعد ظهور الحركات الجهادية لطمس هوية كشمير وإذابتها داخل المستنقع الهندي. * كان للمدارس الدينية دورها في إيجاد تيار واسع له أثره البالغ في توجه الدولة اللقيطة وتعاملها مع العرب [٢] . * وأخيراً كان للتعليم الأجنبي أثره البالغ على أمن المنطقة العربية واستقلالها من خلال تربية أجيال لا تؤمن إلا بالفكر الغربي، ولا تعرف غير الحضارة الأوروبية، وتتنكر لدينها وحضارتها وقيمها الأصيلة، وكان لهذه الأجيال العير والنفير في مختلف المجالات. إطلالة على الوجود التعليمي الغربي: في عام ١٨٦٣م اقترح المنصِّر هاملين على صديقه روتشيلد اليهودي إنشاء مدرسة ثانوية بجوار «قلعة الروملي» قائلاً: «لقد أنشأ الأتراك حصناً لفتح إسطنبول، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم» . هذه العبارة على وجازتها تلخص لنا الدور الخطير الذي لعبته المدرسة الأجنبية في تفكيك العالم الإسلامي وتفتيت ريحه؛ لقد مكر أهل الكتاب مكر الليل والنهار لرد المسلمين عن دينهم تارة بحروب صليبية وتارة بتدبير المكائد الداخلية، وفي كل مرة كان العالم الإسلامي يهب هبته ينفض عنه مسة أهل الكتاب، وفي كل مرة كان الغرب يبحث عن لبنة سنمَّار حتى ظفر بها أخيراً؛ إنه حبل التلقي الموصول بالله عبر المسجد والمدرسة والأم.. فلتكن المعركة في هذه الساحة لا بهدمها كما صنع بونابرت وإنما بتفريغها من محتواها أولاً وتبديله بمحتوى مخالف أياً كان هذا المحتوى ليفعل فعل السرطان في الجسد عندما تتغير كيميائية خلية واحدة. يقول جب في كتابه: (وجهة الإسلام) : «إن إدخال طرائق جديدة في البلاد الإسلامية كان يتطلب نظاماً جديداً في التربية من عهد الطفولة في المدارس الابتدائية والثانوية قبل الانتقال للدراسات العالية، وإن إصلاح التعليم [يسميه إصلاحاً!] على هذا النحو لم يكن في ذلك الوقت يخطر على بال السلطات المدنية الإسلامية، ولكن الفراغ ملأه هيئات أخرى؛ فقد انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر شبكة واسعة من المدارس في معظم البلاد الإسلامية ولا سيما في تركيا وسوريا ومصر؛ وذلك يرجع غالباً إلى جهود جمعيات تبشيرية مختلفة، وقد كان أكثرها عدداً المدارس الفرنسية، وقد كانت المدارس الإنجليزية في الإمبراطورية العثمانية أقل مما في الهند، وكانت المدارس الهولندية قاصرة على جزر الهند الشرقية» . وقد ارتبط التعليم الأجنبي منذ وفوده على البلاد الإسلامية كما ذكر جب بالإرساليات التبشيرية، وتنسب بداية المحاولة إلى الإسباني (ريمون لول) ، ثم أخذت الجمعيات التبشيرية في الانتشار في أواخر القرن ١٨ وأوائل الـ ١٩ التي كان أحد أهم مناشطها التعليم، خاصة مع تحول الكنائس الكبرى في أوروبا من الإطار الكهنوتي البحت إلى الإطار التعليمي بإنشاء المدارس والمعاهد التابعة لها، وقد بدأت الإرساليات تمارس نفس الدور في العالم الإسلامي خاصة حين أخفقت الأساليب المباشرة للتبشير شرعت في أداء الدور التعليمي، وخاصة بعد أن رأى المبشرون من خلال مؤتمراتهم وخبراتهم المتبادلة أن العمل في جانب الصغار أجدى بكثير من الكبار وفي جانب الفتيات أخطر منه في البنين. وقد كان الغرض الملحُّ على العقل الأوروبي من بناء المدارس كما قلنا هو حل المسألة الشرقية من الداخل بعد أن استغلق حلها من الخارج.. والناظر في تاريخ سقوط الخلافة يعلم بحق أثر هذه المدارس في الكيد لأهل الإسلام؛ فقد لعبت دوراً أعظم مما أداه جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين باعتراف الغرب نفسه. كانت الشرارة الأولى قدحت في بيروت بإنشاء مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية سنة ١٨٣٠م؛ لأن البنات سيكُنَّ أمهات؛ فإذا تربَّيْن في هذه المدارس النصرانية أثرن على أولادهن! ! وكانت تعنى ببنات الأسر والبيوت الكبيرة اللاتي سيكون لهن السيطرة على الجيل المقبل؛ ولهذا قال بعض دعاتهم: «إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني» ! ! وقد تركزت في لبنان جهود الأمريكيين، والفرنسيين، وقد كان للجامعة اليسوعية (الأمريكية فيما بعد) وجامعة القديس يوسف دور خطير في لبنان بالتقاط النابهين من نصارى الشام وبنائهم نماذج متغربة تعمل لحساب المشروع الغربي؛ حيث ارتبط كثير منهم بالمخطط الماسوني الهادف لإسقاط الدولة العثمانية وتفتيت العالم الإسلامي وغرس الدولة اليهودية في المنطقة. وفي مصر عام ١٨٤٠م من خلال البعثات التنصيرية قام الآباء بتأسيس الكلية الفرنسية بالإسكندرية والجمعية الإنجيلية البروتستانتية، وجمعية راهبات القلب المقدس عام ١٨٤٥م، ثم تلتها الإخوة المسيحيون والفرير عام ١٨٤٧م ثم الآباء اليسوعيون والجزويت ثم الفرنسيسكان ١٨٥٩م والمير دي ديو (وتعني أم الله! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) ١٨٧٧م. ثم تبعتها مدارس الآباء اليسوعيين عام ١٨٨٠م كمقدمة لاحتلال مصر في عام ١٨٨٢م، وقد بلغ عدد مجموع الطلاب من المسلمين ٧١١٧ طالباً مسلماً حتى عام ١٨٩١م، وهو رقم مذهل بمقاييس تلك الأيام وظروفها. كان انتشار المدارس الأجنبية في مصر مكثفاً ومقصوداً حتى إنها الآن تبلغ عشرات الآلاف من المدارس، وتبلغ نسبة الدارسين فيها من المسلمين ٥٢% من الطلاب بمصر، ويشير مؤرخو المدارس الأجنبية أن الجالية اليونانية كانوا كلما حلوا في بلد أنشؤوا فيه كنيسة ومدرسة كما فعلوا في الإسكندرية عام ١٨٤٣م ثم في المنصورة، وطنطا، وبور سعيد، والسويس، والقاهرة وغيرها، وهكذا الجالية الإيطالية منذ عام ١٨٦٢م، والجالية الألمانية عام ١٨٦٦م، واليهود منذ عام ١٨٧٢م، والمارونيون السوريون، وكانت أولى الجاليات الجالية الأرمنية عام ١٨٢٨م في بولاق. أما عن تعليم البنات فقد كان هناك مدرستان في أواخر العقد السادس من القرن الماضي للتعليم العام بحي الأزبكية: واحدة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية، والأخرى تابعة لكنيسة الأقباط الإنجيليين. وفي عام ١٩٠٤م أنشأت الكنيسة القبطية أول مدرسة صناعية ببولاق. وقد عملت كثير من هذه المدارس بمبدأ المواءمة واستغلال الفرص المتاحة؛ بحيث تظهر ما جاءت من أجله كلما سنحت الفرصة، وتتستر حين تضيق عليها الأمور. كما شهدت سوريا بالتزامن مع حالة لبنان ومصر جهوداً موسعة لفتح المدارس الإرسالية حتى كان نصيب سوريا وحدها من المدارس الأمريكية عام ١٩٠٩م: (١٧٤) مدرسة في المدن والقرى. وفي السودان من أنواع المدارس والبعثات التنصيرية الشيء الكثير، بل إن عدد الكنائس في الخرطوم يفوق عدد المساجد! ! وأما في جبال النوبة فقد استولت الإرساليات البريطانية على التعليم فيها منذ عام ١٩١٩م وحاصرت توسع الإسلام واللغة العربية، وأقفلت ما يفتح من المدارس الإسلامية عام ١٩٣١م. وفي العراق: في أوائل القرن العشرين الميلادي كانت أول مدرسة تبشيرية في البصرة مدرسة للبنات، ثم انتشرت مدارسهم في أنحاء العراق. وهذا ما جرى عليه الحال في سائر بلاد الإسلام خاصة البلاد التي دخلها الاستعمار. وقد كان جل اهتمام التنصير منصبّاً على مصر وباكستان تحديداً؛ ولذا نالا قسطاً أكبر من الغزو عموماً ومن خلال التعليم على وجه الخصوص. يقول (ستيف نيل) مؤرخ الكنيسة: «في العالم الإسلامي دولتان تمثلان أكبر أهمية بالنسبة للتنصير، هما باكستان ومصر، وسقوط إحداهما في قبضتنا يعني إزالة أكبر عقبتين من طريق الكنيسة» . تتوافر عن باكستان أمامنا بعض الإحصائيات حول نشاط عدد من أشهر المدارس هناك يمكن أن تعطينا صورة عن حجم النشاط وما يصبو إليه وما يمكن أن يحققه: نجد في مدرسة القديس باتريك في كراتشي (٢١٠٠) طالب مسلم و (٤٠٠) نصراني! وفي مدرسة القديس يوسف (٢١٠٠) مسلم، (١٠٠) نصراني! ومدرسة القديس لورانس (١٠٥٠) مسلماً، (١٥٠) نصرانياً! ومدرسة القديس جوز (١٠٠) مسلم، وليس فيها نصراني واحد. ومدرسة المسيح الملك (٧٠٠) مسلم، (٣٠٠) نصراني. ومدرسة القديس جون (٧٠٠) مسلم، (٢٠٠) نصراني. ومدرسة القديس بونا بونتشر في حيدر آباد (١٥٦٠) مسلماً، و (٤٠) نصرانياً. ومدرسة القديسة ماري في حيدر آباد (١٥٥٨) مسلماً، (١٣٩) نصرانياً. بالنظر في ما تقدم يتضح أن وجود النصارى عبارة عن ذر للرماد في العيون [٣] . على أن الأمر لا يتوقف عند حدود مصر أو باكستان أو بلاد الشام، وإنما زحف نحو جميع البلاد في غفلة من المسلمين. وتشير الأرقام إلى وجود ٢٦٤ مدرسة تنصيرية في ماليزيا، وفي قطر هناك أكثر من ٣٠ مدرسة، وفي مدينة مقديشو وحدها أكثر من ثلاثين مدرسة صليبية! وطبقاً لإحصائيات عام ١٩٩١م توجد ١٦٥٠٠ مدرسة نصرانية في أفريقيا وحدها. أما التعليم الجامعي فلدينا ثلاث مؤسسات كان لها أبلغ الأثر في تحول كثير من أبناء الأمة عن دينهم وهي: جامعة القديس يوسف في لبنان، وهي جامعة بابوية كاثوليكية (تعرف الآن بالجامعة اليسوعية) . والجامعة الأمريكية التي كانت من قبل تسمى (الكلية السورية الإنجيلية) ، ثم كلية بيروت، وقد أنشئت في عام ١٨٦٥م، وهي جامعة بروتستانتية. والكلية الفرنسية في لاهور، وأسست في لاهور باعتبار أن هذا البلد يكاد يكون البلد الفريد في تكوينه في شبه القارة الهندية. إلى جانب (كلية روبرت) في إستانبول، والكلية الأمريكية (الجامعة الأمريكية فيما بعد في القاهرة) . وكلية جوردن (البريطانية) في الخرطوم، وأخيراً الجامعة الأمريكية الجديدة في الشارقة، وفي قطر! وهناك الجامعة الألمانية والفرنسية في المستقبل القريب في مصر اللتان شرع في تأسيسهما مؤخراً. ومن خلال هذا الجهد المكثف نجح التعليم الأجنبي بمدارسه وجامعاته في تخريج أجيال عملت على خدمة المصالح الغربية على تفاوت فيما بينها؛ فقد تخرج فيها كثير من القيادات القومية الفكرية والسياسية من بين المسلمين والنصارى دون فرق إلى حد بعيد في كل من مصر ولبنان وفلسطين والأردن وسوريا والعراق والسودان، ومن أبرزهم: ميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق، وأنطون سعادة، ولويس عوض وغيرهم، وكان من عملاء هؤلاء المنصرين في تركيا الجنرال: أحمد وفيق باشا الذي أمَّن أرضاً للمدرسة؛ ولذا لما سئل السلطان عبد الحميد الثاني عن المكان الذي سيدفن فيه الجنرال، قال: «في قلعة الروملي؛ ليستمع الرجل الذي باع للبروتستانت أرضاً ليؤسسوا عليها أجراسهم، أصوات هذه الأجراس إلى يوم القيامة» . وقد أولت الدول المستعمرة خلال فترة ما بين الحربين اهتماماً شديداً بتثقيف أبناء الأمراء والعظماء وكبار رجال السياسة، ونقلهم إلى التعليم في المعاهد الأجنبية؛ وذلك لإعداد هذه الطبقة، وقد كان إغراؤهم عجيباً لكثير من أصحاب المراكز العلمية حتى بعض كبار المسؤولين في مجال الإسلام على تعليم أبنائهم وبناتهم، وقد أشارت تقاريرهم إلى ذلك بما أسمته: «نزوع الطبقة الراقية إلى المدارس الأجنبية» . تعليم المخاطر! نجح الغرب من خلال التعليم في أن يبث سمومه في مختلف مناشط الحياة، وحشد ضمن كل منشط منها مجموعة من المخاطر، ثم راح يؤلف بينها؛ ولهذا نرى المخاطر اليوم تتداعى وتجتمع وتتضافر، ويكمل بعضها بعضاً. إن أثر النشاط التعليمي الغربي في بلادنا لم يعد يمس زاوية دون أخرى أو يكتفي بجانب دون سواه.. بل أصبح يمثل شبكة من المخاطر كل خطر يوطئ لما بعده ويخدم جوانب أخرى غيره؛ ولهذا فإن تفنيد بعض المخاطر لا يقلل من شأن سواها، وذكر كل منها منفردة لا يعني أنها منبتَّة عما سواها في الواقع؛ فالتعليم بذاته شبكة ضمن شبكة أوسع من المخاطر والمهددات التي تتنامى مع الوقت. ومن هنا يأتي التعليم الأجنبي على رأس قائمة المخاطر وأدقها وأعمقها أثراً، ويكفي أنه لم يقع أن اتبعت الأمة بمجموعها سنن أهل الكتاب إلا بعد أن أصبحت مدارسهم تنافس مساجدنا، وقد رأينا من آثاره كيف تساق الأمة سوقاً وتقهر قهراً على اتباع سنن أهل الكتاب حذو القذة بالقذة شبراً بشبر وذراعاً بذراع كما جاءت النصوص، وأن هذا ما كان ليتحقق لولا فتح باب التلقي عنهم والانغماس في سوادهم.. وتحسين مسلكهم.. والانبهار بكل ما يأتي عنهم دون تبصر أو تفكر، ووقوع الفتنة بتوليهم ومحبتهم في مقابل خلع ولاية الإيمان. ونحن بصدد دراسة أهم المخاطر الناجمة عن الوجود التعليمي الغربي في بلادنا للدلالة على ما سواها لا بد أن ندرس أثرها على التيار العام للأمة، وألا نغفل دراسة النماذج الفردية المجلية لأثر التعليم الغربي وإن لم يتح لنا هذا بصورة قوية هنا، لكن تكفي بعض الإشارات الضمنية: الخطر العقدي: ويبدأ هذا الخطر حين تقوم هذه المدارس بترويض فكر الطالب شيئاً فشيئاً ليتشرب العقيدة النصرانية، وتنزع عنه حساسية الفطرة والإيمان، من خلال المناهج، والممارسة التربوية، والنموذج التربوي الذي تقدمه هذه المدارس (المثل الأعلى) ، وشكل البناء؛ فالمدرسة تبنى بجوار الكنيسة أو داخل فنائها، وأسلوب الإدارة، وتعويد الطفل على رؤية الكهنة والراهبات في منزلة التوقير بما يجعل لهم نفسياً سلطة لا شعورية تبدأ بالاحترام وتنتهي بقبول أفكارهم ومعتقداتهم؛ فلا يجد هذا الطفل حرجاً حين يتخرج أن يرتدي لباس الكهان، بل يظل يحلم بهذه اللحظة، وكأن المدرسة تقول له: قد هيأناك لتكون هكذا! ولا حرج أن يدخل كنيسة المدرسة ظهر كل أحد مع زملائه ليستمع إلى درس الأحد، ولا بأس بعدها أن يدخل أي كنيسة ضيفاً أو زائراً أو مهنئاً أو معزياً..! وهو في البداية كما قال هوارد ويلس رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق في بيروت: «التعليم في مدارسنا هو الطريق الصحيح لزلزلة عقائد المسلم وانتزاعه من قبضة الإسلام» . وهو في النهاية كما يقول بنروز رئيس الجامعة الأمريكية أيضاً: «أثمن الوسائل هي التي استطاع المبشرون أن يلجؤوا إليها في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان» . ومن يقرأ تاريخ الأحزاب والحركات الهدامة في العالم الإسلامي في عصرنا الحاضر يلمس دوراً خطيراً للتعليم الأجنبي في تشكيل هذه الحركات وتوجيهها. والمدرسة تبدأ بالطفل خاصة حين يغفل الأبوان عن دورهم في المتابعة، ثم تجعل منها قنطرة إلى أسرته، وهؤلاء تعد لهم المدرسة قائمة طويلة من المناسبات والحجج التي تبدو طبيعية لتوثيق العلاقات، كمجلس الآباء والحفلات الدورية وغيرها من المناسبات، ومن ثم يفتح الباب أمام الكنيسة لتمارس دورها في ربط هؤلاء بحياة الكنيسة، فتشملهم بمجموعة جديدة من الخدمات التعليمية غير النظامية، مثل مدارس القرى، وبرامج التربية الشعبية ومحو الأمية، وبرامج التدريب المهني والحرفي، وتعليم اللغات، والتدريب على الحاسب الآلي، ومجالات السياحة وأعمال مكاتب الطيران، ومراكز تنمية المجتمع، ومراكز رعاية الطفولة و ... وتحاول هذه المدارس مع من يلتحق بها أن تعزله عن التأثر بعقيدته الإسلامية ومحيطه الكبير، تارة بإثارة الشكوك. وأخرى بأساليب السخرية المقنعة والظاهرة.. والتهوين من شأن الإسلام..! وإذا لم يخضع التلميذ وأبدى بعض التمسك كان في انتظاره حزمة من عمليات الحرب النفسية الكفيلة بأحد أمرين: ترك المدرسة، أو عقدة الانطواء؛ ومن ثم تنجح المدرسة في تصوير المتمسك بإسلامه لباقي زملائه على أنه أحد اثنين: إما غير ناجح، وإما معقّد. ثم تكتمل الحلقة حين يلتحق الطالب بإحدى جامعات الغرب أو فروعها في بلادنا؛ فيجد عشرات من الكتب والرسائل التي تطعن في الإسلام طعناً صريحاً، وتخلط بين الإسلام وما سواه باسم الثقافة، ويجد الزوجة التي تكمل معه المشوار، والأستاذ الذي يأخذ بيده إلى آفاق أخرى، ولهذا لا يعجب المرء بعدها حين يسمع عن تنصر بعض هؤلاء سراً أو علناً. وكما تعمل المدارس التبشيرية على ترسيخ قيم الكنيسة التي تنتمي إليها، تعمل المدارس العلمانية على ترسيخ القيم المادية من خلال منظومتها التعليمية؛ حيث تطبق المعايير الرأسمالية البحتة على كل شيء بدءاً من عمل المدرسين وأدائهم، وانتهاء بتقييم الطلاب وتحديد أولويات حياتهم. ومن هنا يزول عجب المرء حين يجد هذا الهجوم الواسع على الإسلام من طوائف واسعة من بني جلدتنا ممن يتحدثون بألسنتنا، وحين يجد الدأب في العمل لخدمة المصالح الغربية على حساب الأمة، حين يعلم المرء أن هذا النتاج هو حصيلة قرن ونصف من العمل الدؤوب في مجال التنشئة. ومعلوم أن الإنسان يحن إلى طفولته وصباه، ومكوناتهما هي أوتار الحس في بقية مراحل العمر.. وتعلق قلب المتعلم في هذه المدارس يعد مقدمة لما بعده. فلا عجب أن يُضمَّن الشعر والنثر عقائد أهل الكتاب، ولا غرابة أن تستورد قوانينهم وأفكارهم حتى بعد إحالتها للتقاعد في بلادها، أو أن يصبح إعلامنا بوقاً لترديد ما يشتهون، ومن لم يدركه أثر التعليم مباشرة أدركته توابعه! وبهذا نجد أن أثر التعليم الأجنبي لا يقف عند حد فرد أو مجموعة وإنما تسري سمومه في جسد الأمة وهي تظن أنها تتداوى. والمتأمل في تاريخ بعض الشخصيات التي تربت في هذه المحاضن يجد أن شؤم التحاق فرد ربما عاد على الأمة كلها بالضرر الكبير، ولدينا أمثلة من حاضرنا تتمثل في أتاتورك رغم أصوله المتصلة باليهود؛ لكن طبيعة نشأته وتكوينه هو ومجموعة الاتحاد والترقي هي التي حركته في الاتجاه الذي سار فيه، و «سنجور» حاكم السنغال السابق الذي نصَّرته مدرسته بينما لا يزال أهله مسلمين وتولت إعداده ليتولى حكم دولة مسلمة بنسبة ٩٩% ويحارب فيها الإسلام، وبعد أن افتضح أمره تفرغ للتنصير، وأقيمت جامعة تحمل اسمه لإعداد المنصِّرين في بلاد المسلمين. وقل ما هو أعظم من ذلك عن إسماعيل باشا خديوي مصر الذي عاد مع أول بعثة من فرنسا وهو يحلم بتحويل مصر إلى قطعة من فرنسا، ودوره الخطير في تمكين أعضاء المحفل الماسوني من حكم مصر، والسيطرة على قطاع واسع من المنطقة العربية، والذي أغدق الهبات على بعثات التنصير الفرنسية المتعاونة مع الاستعمار من الصين إلى أعماق أفريقيا، وقد ورد في رسالة مسيو «بوجاد» قنصل فرنسا في مصر في ٢/٥/١٨٦٩م: «أن إسماعيل منح رئيس أساقفة اللاتين بمصر قطعة أرض مساحتها: ٣٥٠٠ ذراع في موضع حسن جداً (١٥٠ ألف فرنك ذهب) ، ومنح الراهبات إعانة سنوية (٦ آلاف فرنك ذهب) وهبة (٢٠٠ ألف فرنك) ، ومنح أساقفة اللاتين منحة أخرى هي أرض مساحتها ٦ آلاف ذراع» [٤] . وكانت منذ عام ١٨٦٧م قد بدأت مدارس الاستعمار الفرنسي والبريطاني في العمل في مصر، وجميع عملاء الغرب من رجال الخديوي إسماعيل إنما صنعتهم هذه المدارس. لقد كان شؤم هؤلاء الثلاثة على عقيدة الأمة وعلى عافيتها أمراً لا يمكن الإحاطة بمداه؛ لأن تبعاته ما زالت تتوالى علينا، وقد كان جهدهم ناتجاً عن عقيدة نجح التعليم في تشكيلهم عليها. ومن العجيب أن نصارى البلاد العربية أبوا أن يلحقوا أولادهم بالمدارس النصرانية الوافدة وهم أهل دين واحد غيرة على مذاهبهم وحرصاً على أبنائهم، فأقاموا مدارس خاصة بهم. أما المسلمون فلم تأنف منهم طائفة أن يسلِّموا أولادهم إلى هؤلاء وهؤلاء! يقول المبشر «تكلى» : «يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي. إن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية. إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي أمراً صعباً جداً» . لقد حفلت مناهج التعليم الغربي بجهود المستشرقين في الطعن في الإسلام، وتزيين ما عليه عقيدتهم من باطل، وتحسين مناهجهم وسيرتهم، والفتنة بتاريخهم والتأسي بعظمائهم، والفخر بما حققته مدنيتهم من تقدم مادي، والتنكر لكل ما هو إسلامي وعربي.. كل ذلك ما كان ليبلغ مداه لولا التأسيس لها عقيدياً؛ ولهذا نجد أن كثيراً من أفكارهم الشاذة قد انتقلت من كتبهم إلى بطون الدساتير والقوانين واللوائح العربية، وعبرت عن أفكارهم مئات الصحف والإذاعات، وترجمت إلى آلاف الكتب والرسائل، وأقيم من أجلها ما لا يحصى من المؤتمرات والندوات والجمعيات والهيئات، كل ذلك لم يكن ليتحقق لولا الغزو العقدي الذي مني به طائفة من المسلمين خلال تربيتهم في هذه المدارس، ويسهرون على نشره ونصره بين مجتمعاتهم اليوم. الخطر التعليمي والتربوي: إن ما قام به التعليم الأجنبي ابتداء أشبه بإنشاء جدول صغير خاص به، وتحكم فيما يدخل إلى هذا الجدول كما تحكم في مصبه؛ يسقي منه من شاء، ثم أخذ بتوسيع ذلك الجدول شيئاً فشيئاً، ثم عمد مع الوقت إلى تحويل مجرى الماء الأساسي إلى جدوله لينبع منه ويصب في مصبه هو. إن من أخطر ما قامت به المدارس الأجنبية أنها استطاعت أن تضع المعايير التي تقاس بها جودة التعليم وفقاً لمآربها هي، مع أن معايير القياس في تجردها فيها جزء مطلق وجزء آخر تحكمه عقيدة المجتمع، لكن الذي حدث أن المدارس فرضت ذلك من خلال طبع صورة الانبهار بها لدى العقل العربي ابتداء، ثم بتمكين خريجيها من توجيه المجتمعات لاحقاً؛ مما أدى إلى فرض صيغة مأزومة للمعايير التي تحكم سير العملية التعليمية الوطنية بعد أن أحاطتها بسياج من الجمود والتخلف والتبعية. ولو تفحصنا نظرة التربويين إلى عملية التربية لوجدنا أن الأمم الغربية كان لديها حساسية من استعارة معايير خارجة عن المجتمع وظروفه وأهدافه العليا حتى وإن اتفق الطرفان في جزء كبير من العقيدة واللغة والتاريخ. يقول كونانت أستاذ التربية الأمريكي الشهير في كتابه: (التربية والحرية) : «إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنكليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية» [٥] . إن استيراد نظريات التربية الغربية ومعاييرها لا يناسب حال الإنسان المسلم ولا تطلعاته خاصة مع وضوح المفاصلة التي جاء بها القرآن وامتلاء التاريخ بصفحات الكيد والمكر؛ فإذا كانت التربية تعني سعي الأمة للاحتفاظ بنظرية سبق أن آمنت بها، وأقامت عليها حياتها، وجاهدت في سبيل تخليدها.. بنقلها إلى الأجيال القادمة. ومن ثم فهي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها. ووظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكنه من الاحتفاظ بحياة الشعب وتمديدها إلى الأمام « [٦] . ومن خلال هذه الرؤية التي تزداد خصوصية ووضوحاً إذا ما تعلق الأمر بخير أمة أخرجت للناس نرى أن خطر التعليم الأجنبي لم يقتصر في مزاحمته تعليمنا الداخلي الذي أريد له التخلف والقصور، وإنما في كونه أصبح هو الذي يمسك له البوصلة التي تحدد له اتجاهاته ومساراته، وقيمه ومعاييره، وأهدافه ووسائله، وهنا مكمن الداء في أن الاختراق نجح بإشعاعاته أن يقلب كيميائية التعليم في عدد من بلادنا إلى خلايا سرطانية تتغذى بغذاء الجسد وتعمل في ذات اللحظة على هدمه.

стр. 4238

قضايا دعوية قواعد في منهج الدعوة إلى الخير د. فريد الأنصاري [*] مقدمة: العمل الإسلامي أو الإصلاحي، أو الدعوي، في كل زمان وفي كل مكان، يقوم على أصل كلي في الإسلام، وكليته استقرائية ترجع إلى عدد كثير من النصوص القرآنية والسنية. ومن هنا قلَّما تجد حركة إسلامية، سواء في التاريخ القديم أو المعاصر، إلا وهي ترجع إليه، وتؤصل لوجودها به، وذلك هو «أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ، إلا أن النظر في تحقيق مناط هذا الأصل، في ظروف الزمان والمكان، يجعلنا ملزمين بضبط توقيعه بقواعد منهجية، مشهورة عند العلماء، إن لم يحترمها الداعية صار إلى عكس المآل الذي وُضِع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجله. وهي: القاعدة الأولى: في أن (الدعوية) صفة لازمة عن الإسلامية: وهي قاعدة مبدئية؛ ولذلك فإننا ننطلق ابتداء من المقولة التالية: «أنت مسلم إذن أنت داعية» . وبيان ذلك كما يلي: ألست مسلماً؟ إن كنت كذلك حقاً؛ فقد تعلقت بك أهم صفات ما انتسبت إليه من الإسلام: الرسالية. قال ﷺ في أمر مطلق لكل الأمة: «بلِّغوا عني ولو آية» [١] . ومن هنا كان المجتمع الإسلامي حركة دعوية بطبيعته، وجماعة إصلاحية بفطرته. إنه منذ أعلن أن محمدًا رسول الله؛ تقلد بمقتضى عقيدة الاتباع مهمة الدعوة إلى الله، فليس عبثاً أن يحض النبي ﷺ بكل وسائل التحريض والتشجيع على الدعوة إلى الخير والهدى، كما في قوله: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» [٢] . ومن هنا شهادة الله بالخيرية لهذه الأمة، في قوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) إنها صفة عامة في كل من أسلم لله الواحد القهار. ومن هنا كان حديث تغيير المنكر دالاً على العموم، وليس له ما يقيده في المأمورين به إلا شرط الاستطاعة ورتبتها؛ وذلك قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [٣] . وقد بينا في كتيب (الفجور السياسي) مراتب التغيير، وطبيعة كل رتبة منها بما يغني عن تفصيله هنا، فكان أن بينا إلزامية ذلك على كل مسلم على قدر مرتبته من الاستطاعة [٤] . بل قد عزم النبي ﷺ في ذلك عزمة شديدة على المسلم؛ هي أن يتجرد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما حضره. قال ﵊: «إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة؛ حتى يسأله: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت من الناس» [٥] . فالمسلم المستقيم لا يمكن إلا أن يكون داعية إلى الخير. تلك صفته فرداً، وجماعة؛ إذ الرابط الاجتماعي القائم على الشهادتين في الإسلام يقتضي ذلك بداهة. قال : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ٧١) ، فجاءت صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المؤمنين، مقرونة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، وكل ذلك جاء نتيجة الموالاة في الله. تلك صفتهم قبل التمكين في الأرض، وتلك صفتهم بعد التمكين؛ إذ الدعوة إلى الخير هي غاية ووسيلة في الوقت نفسه، تماماً كما تحدثنا عن الصلاة، فالمجتمع المسلم لا يقوم إلا بالدعوة إلى الله، قال : [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: ١٢٥) . وإذا قام كان من أهم خصائصه الدعوة إلى الله، إلى جانب الصلاة والزكاة على سبيل التلازم، فتدبر قوله تعالى: [الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤١) ، ومن هنا رسم الله سبيل الرسول ﷺ صراطاً مستقيماً، يتبعه عليه كل المسلمين، قوامه الدعوة إلى الله على بصيرة؛ وهي سبيل ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، مستقرة كذلك أبداً، قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . فقوله تعالى: [هَذِهِ سَبِيلِي] (يوسف: ١٠٨) جملة اسمية دالة كما هو معروف عند النحاة على الثبات، وثباتها هو على ما جاء بعد لتفسير السياق: [أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] (يوسف: ١٠٨) الآية. وجاء تفسيرها جملة فعلية للدلالة على الحركة، وفي ذلك إشارة إلى ما ذكرناه من خصيصة الدعوة اللازمة للجماعة الإسلامية، قبل التمكين وبعده، وأنها صفة تابعة لإسلام المسلم متى تفاعل مع إسلامه واستقام عليه. ومن هنا جاء أمر الدعوة والإصلاح مقروناً بالأمر بالصلاة، في غير ما آية من القرآن الكريم؛ وذلك على نحو ما في وصية لقمان الحكيم لابنه، في حكاية الله عنه من قوله تعالى: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) ، وقال ﷻ في وصف جميل لمؤمني أهل الكتاب، تناسق فيه جمال تلاوة القرآن قياماً بالليل، مع جمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١١٣-١١٥) . وجعل من سننه تعالى في الخلق أن كان أمنهم الوجودي والنفسي والاجتماعي مرتبطاً باستقامة أحوالهم، وذلك الثبات على الصلاة، والصبر عليها، وحفظ البيئة الدينية الموفرة لظروفها؛ بالإصلاح والنهي عن الفساد. فإذا اختلت تلك الشروط اختل الأمن الوجودي للأمة، قال تعالى يعرض صورة شاملة لإحسان التدين: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٤-١١٧) . القاعدة الثانية: في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الخير أولاً: والخير كل الخير هو معرفة الله، فكل معروف إنما كان كذلك من حيث هو يؤدي إلى معرفة الله أو هو عين معرفة الله، وكل منكر إنما كان كذلك من حيث هو جهل بالله. فإذا اتفق أن كان أمر بمعروف ما ينتج عنه منكر أكبر منه؛ توجه حينئذ وجوب ترك الأمر بذلك المعروف. وكذلك إذا كان نهي عن منكر ما يؤدي إلى ما هو أفظع منه؛ توجه وجوب ترك ذلك النهي إلى حين، كما قرره الإمام ابن تيمية ﵀ في قوله: «وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها. . . فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته» [٦] . وربما كانت الوسائل المستعملة في ذلك سيئة، أو اختيار العبارات غير موفق، أو نحو ذلك من وسائل تحقيق المناط الفاشلة ابتداء؛ مما لم يراع فيه الزمان وأهله، فيؤدي إلى عكس النتائج المرجوة. ومن هنا كانت الآية المشهورة على ألسنة الدعاة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) من ألطف الإشارات إلى هذا المعنى العجيب الذي يجعل المرء يضع نصب عينيه تحقيق مفهوم (الخير) أولاً. فلا عبرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن تحقق الداعي من أنه يخطئ به الوصول إلى الخير. وإنما الخير كما قلنا هو التعريف بالله. هذا معنى عظيم من أسرار كتاب الله. ولذلك فقد جاءت الآية في سياق امتنان الله على المؤمنين بنعمة الإسلام، والتأليف بين قلوبهم، وإنقاذهم من النار، وإرجاع الفضل في كل ذلك إلى الله. فاقرأ السياق كله وتدبر، ثم أنصت إلى قلبك: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (آل عمران: ١٠٢-١٠٥) . إنها آيات تُشَدُّ إليها رحال المصلحين الربانيين. . فتدبر! ألا ما أبعد واقعنا المنحط عن سمائها العالي الرفيع! فالدعوة إن لم تراع أصل الاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق عنه، ولم تنضبط بقصد النجاة من النار، للداعي والمدعو سواء؛ كانت منحرفة عن (الخير) ، وإن كانت في ظاهرها أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، فلا قيمة لهذا إلا إذا صار إلى خير. فتدبر! القاعدة الثالثة: في أن اتباع السنة تزكية وتعلماً وتحلماً هو مفتاح دعوة الخير: لا سبيل إلى كل ما ذكر من بلاغات قرآنية إلا عن طريق اتباع المبلغ: محمد بن عبد الله، رسول الله إلى العالمين. هذه عقيدة، بل أصل من أصولها الكبرى، وكلي من كلياتها العظمى، لا استقامة لشيء من ذلك كله إلا به. وإن شئت فقل: هذا هو البلاغ القرآني الجامع، والضابط الكلي المانع. قال الله : [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (الحشر: ٧) ، وقال سبحانه: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ٣١- ٣٢) . والنصوص القطعية في هذا المعنى كثيرة، فهو أمر لا يماري فيه إلا جاهل بحقيقة الإسلام، أو من لا إيمان له به أصلاً. فإذن؛ كل حديثنا مما كان قبلُ لا يمكن تحقيق مناطه، وتصور تطبيقه إلا من خلال السنة النبوية، وقول النبي ﷺ في هذا واضح وضوح الآيات: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [٧] . لا نقاش في هذا، وما هو بحاجة منا إلى تقرير أو تحرير، وإنما الحاجة في بيان طبيعة الاتباع للرسول ﷺ : كيف؟ هذا الذي تخبط فيه كثير من الناس. وهذا هو مربط الفرس، وبيت القصيد: كيف نتبع السنة؟ وكيف نتأسى بالرسول ﷺ ؟ ذلك أن كثيراً من المتدينين اليوم يسيء للسنة من حيث هو يزعم أنه متبع للسنة، ويحارب السنة من حيث هو يظن أنه ينافح عن السنة. وتلك أم المصائب؛ إذ يصنع الإنسان عكس ما يعتقد أنه يصنعه. لقد اقتصر كثير منهم في السنّة على منهج التعلم دون التزكية، والتحلم. فضلوا وأضلوا. . تدبر قول الله : [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) ، وقوله : [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . فهو ﷺ بتلاوته القرآن على المؤمنين، ومدارسته معهم؛ يقوم بعمليتين اثنتين لا واحدة: التزكية والتعليم، فاقرأ الآيتين وتدبر. . فعجباً، كيف فهم بعضهم من اتباع السنة والتأسي بها مجرد استظهار بعض الأحاديث دون الرحيل إلى أخلاقها، والتزكي بمقاصدها، والانتقال إلى منازلها؟ ! أما التعليم: فهو للحلال والحرام وسائر أحكام القرآن وفقه السنة. وأما تعلم ما تحصل به الكفاية من ذلك لعبادة الله والالتزام بحدوده؛ فهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، في كل ما يهمه من شؤون العبادات والمعاملات. وأما التزكية: فهي التطهير للنفس والتربية لها، [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] (الشمس: ٩-١٠) ، فالرسول الكريم ﷺ كان حريصاً على تطهير صحابته من الأهواء، والارتقاء بهم عبر مدارج الإيمان إلى ما هو (أحسن عملاً) ، من مثل قوله لعبد الله بن عمر: «نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» [٨] . وانظر رحمك الله كيف ذكر (التزكية) قبل (التعليم) في الآيتين، مع أنه لا تزكية بغير تعليم ابتداء، على ما ترجم له الإمام البخاري ﵀ في كتاب العلم من صحيحه قال: «باب العلم قبل القول والعمل» . وقد تقدم ذكر التعليم على التزكية بناء على الأصل في قوله تعالى من سورة البقرة: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) . صحيح أن العطف بالواو في الآيات كما هو في العربية لا يفيد الترتيب، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية؛ ومن هنا جاءت التزكية في الآيتين الأوليين مقدمة على التعليم؛ من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ لشرف الغاية وعلوها، وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية؛ فيضل عنها، ويكون من الخاسرين. تقول لي: وما بال التحلم؟ أقول: ذلك أنه ﷺ ما عَلَّم ولا زَكَّى إلا بحِلْم؛ فهو الخاصية العظمى لمنهج التعليم والتزكية لديه صلى الله عليه وسلم، كما سترى بحول الله. والحِلْمُ: الرزانة، والكياسة، والرحمة، والأناة. وهو ضد الجهالة والسفه. والتَّحَلُّمُ: تخلق الحلم وتكلفه حتى يصير لك خلقاً، ومعنى (اتباع السنة تحلماً) : التخلق بأخلاقه ﷺ في ذلك. أي في حلمه، وصبره على جهالة الناس، وسفههم. قال ﷺ : «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم. ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه» [٩] . إن الاتباع العام للرسول ﷺ في كل شيء، إنما مفتاحه في التحلم بحلمه. وهذا من حيث المعنى في كتاب الله، ألم تقل عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» [١٠] ، فالعود إذن للقرآن نبحث فيه عن معنى الاتباع ومفهوم التأسي. الآية واضحة ظاهرة لكل ذي قلب شهيد، قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، وإنها لآية عظيمة، وحكمة بالغة، وصراط مستقيم؛ تدبر هذه العبارة الربانية: [أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (الأحزاب: ٢١) ؛ فأما الأسوة: فهي التَّخَلُّقُ. فالتأسي: اتباع السيرة والتخلق بما كان عليه المتأسَّى به من خلق عام. والخلق هنا هو كل الأوصاف التي كان يوصف بها في سلوكه وعمله، عدا الأوصاف الجبلِّية التي لا يمكن اكتسابها بالتأسي ولا بغيره. ووصف الأسوة بـ (الحسنة) دليل على علو شأن الخلق النبوي، وكمال سيرته وسلوكه العام والخاص، فهو لذلك كان أرقى نموذج بشري للتأسي والتخلق. أليس هو (رسول الله) المصنوع على عين الله، والمتأدب بأدب الله؟ بلى والله! فإذن من ها هنا يبدأ التأسي والاتباع، ومن أخطأ هذا المدخل للسنة النبوية فقد أخطأها كلها؛ إذ أتى البيوت من غير أبوابها. وتلك شهادة الله لرسوله ﷺ : [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (القلم: ٤) ، تلك هي الأسوة الحسنة؛ ولذلك قال بعد ذلك: [لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ؛ إذ الخلق الحسن هو باب العمل الصالح، وسبب قبوله؛ فليس عبثاً أن يصرح الرسول ﷺ بقوله العجيب: «ليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن» [١١] ، وقوله في نحو هذا أيضاً: «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة» [١٢] ؛ ولذلك فإنه: «لا يكون المؤمن لعاناً» كما صح عن النبي ﷺ [١٣] ، وقال لعائشة أم المؤمنين إذ استغربَتْ منه أنه دارى أحد الناس ممن يكره: «يا عائشة! متى عهدتني فحاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» [١٤] . والقصة كما في صحيح البخاري أنه «استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟» فقال لها ﷺ ما قال. قلت: هذا حديث تشد إليه رحال القلوب، [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) ، وإنه والله سر حُسْنِ الأسوة، وجمالها في رسول الله، فقد قال ﷺ : «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة» [١٥] ؛ ذلك خلق رسول الله، ذلك خلق القرآن، وهو قول الله تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩) ، وقوله تعالى: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . ألا ما أحوج الناس اليوم عامة، والدعاة منهم خاصة إلى استيعاب هذا البلاغ القرآني العظيم. فتعلم من السنة أخي الداعية أخلاق النبوة تكن من الراشدين. ذلك خلقه الجامع المانع؛ ومن هنا جعلنا عنوان هذا البلاغ الضابط لكل ما قبله: «اتباع السنة تزكية وتعلماً وتحلماً هو مفتاح دعوة الخير» ؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث معلماً ومزكياً، وكان كل ذلك منه على منهج الحلم والرأفة والرحمة والأناة. فما أعظمه ﷺ من نبي حليم، ورسول كريم! القاعدة الرابعة في أن الصلوات وحفظ الأوقات عمود الدعوة إلى الخير: لو أدرك المسلمون اليوم ما معنى (الصلاة) ؟ ما تركها واحد منهم إلا من أصر على ضلاله وعماه، أو كزّ على كفره وزندقته! أما أنت أيها الداعية إلى الله؛ فاعلم أن السير الدعوي من غير مسلك الصلاة ضرب في التيه! كل أعمالك في الجهاد، والدعوة إلى الله، وما تستكثره من حركات وسياسات راجع إلى مدى سلامة هذا الأصل عندك؛ قصداً، ووقتاً، وأداء. وإلا فعلى دينك السلام! [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] (النور: ٣٩) . إنك يا صاح! لن تذوق ما الإيمان وما الإسلام؛ حتى ترحل إلى الصلاة تكتشف أسرارها الممتدة إلى بحر الغيب المطلق؛ فترى عجباً. . فهي نتيجة فعلية لكل من تلا القرآن حق تلاوته، إنها أول ما يبادر إليه المحب أول ما يتذوق معنى المحبة؛ إذ يتعرف على جمال الله من خلال القرآن الكريم؛ ومن هنا أمره عز وجل بالصلاة؛ مباشرة بعد أمره تعالى بالتلاوة، على سبيل العطف المباشر المشعر بالتساوي بين الفعلين؛ مما يوحي بانعدام الفرق بينهما لما بين الاستجابتين من ارتباط وثيق. إن من تعرف على القرآن الكريم حقاً لا يملك إلا أن يصلي. قال تعالى: [اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ] (العنكبوت: ٤٥) . اعلم أن العلماء يجمعون على أن الوظيفة الوحيدة للإنسان في الكون هي عبادة الله. فكل حظوظه الدنيوية إنما هي منجرة بالتبع مع أصل العبادة، وإنما أتيح له أن ينال من حظه ما يعينه على وظيفته الأساس؛ وأصل ذلك ومستنده قوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) . إن خلاصة دين الإسلام عقيدةً وشريعةً: هي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، والصلاة منه هي مفتاح كل شعيرة من شعائره، وروحها، وغايتها؛ زكاةً، وصياماً، وحجاً، وجهاداً. . . إلى آخر ما تفرع عن هذه وتلك من سائر أعمال البر. ولذلك كانت الصلوات الخمس بعد الشهادتين هي العنوان الجامع المانع لكل أعمال الإسلام؛ إذ كل ما سواها داخل في معناها، وليس عبثاً أن يعدَّها الرسول ﷺ خير أعمال المسلم، قال ﷺ : «سددوا وقاربوا وفي رواية:» استقيموا ولن تحصوا «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» [١٦] . ولقد فصلنا هذا في غير هذا المكان من كتبنا [١٧] ، لكنا نقتصر ها هنا على ما يفيد السياق. لقد جعل الله الصلاة هي آية المسلم، والعلامة الجميلة التي تميزه في مسيرة التاريخ النبوي، قبل القرآن وبعده، فهي الفصل الذي لا يعرف إلا به، والنور الذي لا يمشي إلا به، قال : [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] (الفتح: ٢٩) ، وإنما اكتسبوا صفتيهم الأوليين: الجهادية [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ] (الفتح: ٢٩) ، والخُلُقية: [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) من كونهم رهباناً بالليل؛ أي قوله: [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) الآية؛ لأن ذلك هو المعين الصافي الذي يتزود منه المسلم الصادق المجاهد الداعية إلى الله؛ بصدق التوجه والسير؛ من حيث إن قوله تعالى: [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) فيه إشارة إلى أن ذلك هو دأبهم وحالهم المستمر في حركتهم التعبدية؛ إذ التعبير باسم الفاعل [رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) يوحي بصورة حية لقافلة المؤمنين وهم منخرطون في حركة الصلاة المتواترة، من غير فتور أو انقطاع، سيراً مستمراً حتى كان ذلك صفة ثابتة لهم، حيثما تراهم [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) . ولذلك كان تشبيه النبي ﷺ الصلاةَ في حياة المسلم التعبدية بالنهر الجاري، قال: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» [١٨] . إن الإسلام في نهاية المطاف هو الصلاة بالمعنى الذي سبق بيانه؛ وعلى هذا الوزن تُقَوّم أعماله كلها يوم القيامة، وعلى ذلك يتحدد مصيره الأخير. .! قال ﷺ في الحديث الحاكم الحاسم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر! وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك» [١٩] . وأوضح من هذا دلالة على ما نحن فيه قوله ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» [٢٠] ، فليس عبثاً إذن أن قدم النبي ﷺ الصلاة في مراتب أعمال ابن آدم على سبيل ترتيب الأولويات: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» [٢١] . إن الأمر يا صاح جدّ! وما بقي لمسلم تَرَك الصلاةَ من إيمانه إلا ما لا يخلده في النار، لا ما ينقذه منها بإطلاق. قال ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» [٢٢] ، وقال أيضاً: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة» [٢٣] ، ومثله قوله ﷺ : «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك» [٢٤] . وهذه الأحاديث وما في معناها تقتضي أن المسلم التارك لصلاته قد شابه الكفار في صفاتهم، فكفر عملاً وإن أسلم عقيدة؛ لأن المسلم إنما يتميز بصفة الصلاة التي هي عنوان إسلامه كما بيناه قبل فمن فقد عنوانه فَقَدَ هويته. ولنعد إلى جمال القرآن الكريم؛ ذلك أن الله تعالى إذ يصف جمال المؤمنين يذكر الصلاة باعتبارها أول وسام نوري بعد الإيمان يشع من قلوبهم، وهو أمر يكاد يكون مطرداً في كل آي القرآن العظيم، يقول المولى الكريم في أول سورة البقرة: [الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (البقرة: ١-٣) ومن أجمل ما ورد في ذلك فاتحة سورة (المؤمنون) ؛ إذ جعل الله أول صفاتهم الخشوع في الصلاة وآخرها المحافظة على الصلاة. وكل أعمال الصلاة من فعل الخيرات وترك المنكرات جعلها فيما بينهما؛ فاقرأ وتدبر. . واحفظها واحدة واحدة: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (المؤمنون: ١-١١) . فالخير كله فاتحته الصلاة، والخير كله خاتمته الصلاة. والخير كله غايته الصلاة، والخير كله وسيلته الصلاة. ومن أعجب العجب أن ألزم الله ﷻ المسلمين بالصلاة إلزاماً؛ حتى في أحرج الظروف وأخطرها: الحرب. . قال ﷻ : [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢٣٨-٢٣٩) . فقوله سبحانه: [فَإِنْ خِفْتُمْ] (البقرة: ٢٣٩) يعني في حال الحرب وانعدام السلم والأمن، سواء لحظة الاشتباك أو لحظة الترقب. وقوله: [فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً] (البقرة: ٢٣٩) أي فصلوا (صلاة الخوف) باصطلاح الفقهاء. وهي عندهم: الصلوات الخمس إذ تؤدى في ظروف الحرب. فتؤدى [فَرِجَالاً] (البقرة: ٢٣٩) ، أي: على أرجلكم، أو [رُكْبَانا] (البقرة: ٢٣٩) ، أي: راكبين خيولكم أو دباباتكم. وقد فصَّل الفقهاء، والمفسرون، وشراح الحديث صور صلاة الخوف وأشكالها؛ بناء على قوله تعالى: [وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً] (النساء: ١٠٢- ١٠٣) . ولصلاة الخوف صور كثيرة معروفة في كتب السنن وكتب الفقه. وإنما الغاية عندنا ها هنا العبرة من الأحكام لا نفس الأحكام؛ وذلك أن الله طلب من المسلم الصلاة على كل حال ما دام عقله سليماً، لا ينقصه جنون أو إغماء أو ما في معناهما. وأحب ها هنا وأرجو أن تصبر علي قليلاً لتعرف حجم هذه الفريضة التي ضيعها كثير من الناس اليوم، ولتعرف حجم الخسارة الواقعة بما ضيعوا؛ أن أعرض لبعض الفقه في صلاة الخوف، ليس لذات الفقه، ولكن لبيان خطورة هذه العبادة في الدين، ومقامها عند رب العالمين. جاء في حاشية السندي على النسائي: «قال النووي: روى أبو داود وغيره وجوهاً في صلاة الخوف يبلغ مجموعها ستة عشر وجهاً. وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. قال الإمام أحمد: أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، ويجوز أن تكون كلها في مرات مختلفة، على حسب شدة الخوف، ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه» [٢٥] . ومن أحرج الوجوه في صلاة الخوف ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو،، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين» [٢٦] . ومن ذلك ما رواه البخاري أيضاً؛ عن ابن عباس ﵄ قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، لكن يحرس بعضهم بعضاً» [٢٧] . ولعل أحرج صورها على الإطلاق أن يصليها كل واحد لنفسه ركعة واحدة بالإيماء؛ وذلك أنه إذا اشتد الخوف، كما هو الحال عند المسايفة، ونحوها من الاشتباك في القتال، يصلي كل واحد لنفسه ركعة واحدة، راكباً أو راجلاً، مقبلاً ومدبراً. قال القرطبي في تفسيره: «واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب، وشدة القتال، وخيف خروج الوقت، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي كيفما أمكن؛ لقول ابن عمر:» فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكباً أو قائماً يومئ إيماء «. قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها» [٢٨] ، وهذه من عجيب صورها. فانظر رحمك الله هل يبلغ شيء من أعذار الناس اليوم ما ذكره العلماء من الشدة والحرج في القتال، ولم يروا مع ذلك رخصة في تركها، أو تأخيرها عن وقتها؟ فعجيب أمر هذه العبادة العظمى. . لا تبرأ ذمة المسلم منها حتى يؤديها. وقد جاء تأكيد ربطها بالوقت في ظروف الحرب كما قرأت؛ حتى لا يؤخرها مسلم عن وقتها الذي فرضها الله فيه. فالحرب، بل الاشتباك في المعركة؛ أي ما يسمى عندهم بـ (المسايفة) ، ليس عذراً لتأخير الصلاة عن وقتها، بله أن يكون عذراً لتركها. وإنما هو يؤثر فقط في شكل أدائها لا في إسقاطها، أو إخراجها عن وقتها. صلّ على أي حال كنت، وخذ حذرك؛ [إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً] (النساء: ١٠٣) ، في السلم وفي الحرب سواء. فإلى الذين يرابطون في أسواق التجارات، أو يرابطون في أسواق السياسات والنقابات، ويفرطون أو يتكاسلون في أداء الصلوات، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ إليكم المفهوم النبوي للرباط! . . قال ﷺ في سياق التنبيه والترشيد: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ! إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. . فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط!» [٢٩] . إنه تفسير نبوي لقول الله تعالى في محكم البلاغ القرآني: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] (النور: ٣٦- ٣٨) . يا حسرة على العباد! . . لو يدركون ما هذه الصلوات؟ . . ويا حسرة ثم يا حسرة! على نابتة من أبناء الحركات الإسلامية، تعددت بهم السبل من هنا وهناك، وتفرقت بهم الأهواء، وانغمسوا في التيه من كل صوب، وأضاعوا هذه الصلوات، خشوعها ومواقيتها وجمالها؛ فصدق عليهم قوله تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ] (مريم: ٥٩) . وإن للسياسة والرياسة لشهوة لو كنتم تعقلون، وإن لأشعة الإعلام وزينة الكاميرات لشهوة لو كنتم تتفكرون، تلك آية فاصلة بين نوعين من الأجيال، بينهما ما بين النور والنار من دلالة، فللآية رهبة عظيمة لو تدبرتها، اقرأها! ها هي ذي كاملة، فتدبر: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياًّ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً] (مريم: ٥٨-٦٠) . فتدبر. . ثم تدبر عسى أن تدرك بذوقك ما هذه الصلوات في الإسلام، وتركب أوقاتها؛ لتدور بفلك العابدين سيراً إلى الله العلي الكبير. فالصلاة هي العبادة التي تدخل من خلالها إلى نسق الكون، في صحبة الكائنات السائرات من النباتات إلى المجرات، لا فوضى ولا عصيان ولا تمرد، [لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] (يس: ٤٠) . . فأين أنت من المدار؟ ذلك نص البلاغ النبوي المستمد من وحي الله رب العالمين. . فاختر لنفسك ما ينجيها إن كنت من العاقلين! القاعدة الخامسة: في اعتماد مجالس القرآن: نسمي «مجالس القرآن» مساهمة في تصحيح ما انحرفت إليه بعض الحركات الإسلامية؛ حيث تحولت مجالسهم التربوية إلى اعتماد كتاب فلان أو علان من التآليف الفكرية البشرية منهاجاً للدين والتدين. وهذا خطر كبير قد بيناه من قبل [٣٠] ؛ إذ بسببه يصيب الدعوات ما يصيبها من أنانية، وذاتية، وشركية نفسية في كثير من الأحيان، إن التربية الدعوية لا يمكن أن تستقيم على التوحيد الاعتقادي والعملي والوجداني إلا بالتعلق المصدري بكتاب الله وسنة رسول الله في المجال التربوي، بالنسبة للمربي والمتربي سواء. وقد تبين مما سبق أن عملنا يقوم على منهج واضح وبسيط: الاعتصام بالقرآن آية آية؛ مصدراً أول للتدين، والدعوة إليه، وبالشمائل المحمدية نموذجاً أعلى للتطبيق. فهو قسمان. وبيان ذلك كما يلي: القسم الأول: اُسْلُكْ نفسَكَ وصاحبك في مجلس من (مجالس القرآن) ، وسرْ من خلالها إلى الله. لا تهتم كثيراً في هذا الشأن خاصة بالتنظيمات والجماعات، فما نحن فيه أعم من وجه بكثير مما هي فيه. وهما أمران لا يتعارضان. لك أن تنتظم فيما شئت منها، ما دام فضلها يغلب على نقصها. ولكن لا تنس (مجالس القرآن) فذلك منهج النبي ﷺ في تلقين صحابته صفات الصلاح، ومقومات الإصلاح. تعلم من القرآن مباشرة دعوة الخير: (يدعون إلى الخير) . تتبع منهج القرآن كما عرضه القرآن: التلاوة، والتعلم والتعليم، والدراسة والتدارس، ثم التدبر. فاجعل مجلسك القرآني على هذه الفقرات الأربع. وبيانها كما يلي: ١ - فأما التلاوة: فبركة وزكاة في نفسها، فقد ثبت الأجر كما بيناه قبل على كل حرف تتلوه من القرآن؛ فلا تنس هذا. والله أمر بالتلاوة للقرآن في غير ما آية، قال : [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً] (الكهف: ٢٧) ، وقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ] (فاطر: ٢٩) . وقال: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ] (آل عمران: ١١٣) ، وقال تعالى: [أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] (المزمل: ٤) ، ثم قال: [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ] (المزمل: ٢٠) . وفي الحديث الصحيح: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران» [٣١] . فاقرأ كما استطعت؛ وتعلم كي تتزكى. فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله ﷺ من التزكية والتعليم، كما مر في قوله تعالى: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] (آل عمران: ١٦٤) . ٢ - وأما التعلم والتعليم: فهو لأحكامه كما ذكرنا. وهو يكون بتحصيل العلم للنفس وتلقينه للغير؛ وذلك لقول الله تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . فقد قُرِئَتْ (تَعْلَمُون) و (تُعَلِّمُونَ) فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها أوْلى: التعلم والتعليم. وأقل ذلك يا صاح! أن تكون أحَدَهما: معلماً أو متعلماً. وقد قال ﷺ : «إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً» [٣٢] ، وقال ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً؛ ولكن بعثني معلماً ميسرا» [٣٣] . ٣ - وأما الدراسة والتدارس: فهو تتبع وجوه المعاني والدلالات للمقاصد والغايات، من كل آية وسورة. ويجمع الثانية والثالثة مما ذكرنا من قوله تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) ، ويجمع المراحل الثلاث كلها ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون» . . . الحديث [٣٤] . فالتدارس هو أساس التعلم كما في هذا الحديث؛ إذ لا علم إلا به، فأنت تبحث عن وجوه المعاني وتتدارسها؛ لتتعلم أحكامها ومقاصدها. وذكر التدارس أيضاً في الحديث المشهور من قوله ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» [٣٥] . ٤ - وأما التدبر: فهو كما سبق بيانه أنك إذ تقرأ الآيات، وتدرس، وتتعلم تنظر إلى مآلاتها، وعواقبها في النفس وفي المجتمع؛ فتكتسب بذلك من الصفات الإيمانية ما يعمر قلبك، ويثبت قدمك في طريق المعرفة الربانية، ونحو ذلك من المعاني؛ مما فصلناه قبل في محله، فلا حاجة لتكراره. ذلك كله هو أساس التزكية، ومقياس التصفية، ومنهاج التربية، وسلم العروج إلى رضى الرحمن، فاقرأ القرآن، وتدارس، وتعلم، وتدبر. . . حتى يأتيك اليقين. فاصبر على هذا المنهج؛ فإن كل آية تسلمك إلى الأخرى، وتفتح لك باب أسرارها وأنوارها. فتتبع مسالك النور حتى تصل إن شاء الله. ذلك هو الاعتصام بكتاب الله، وأما الاعتصام بالشمائل المحمدية نموذجاً أعلى للتطبيق؛ فهو: القسم الثاني: وهو أن تتبع معالم سَيْرِ رسول الله ﷺ في كل ذلك، وهي مبثوثة في كل كتب السنة وعلومها؛ إلا أن أجمع علوم السنة الموضوعة لبيان هذا المنهج؛ هو (علم الشمائل المحمدية) : وهو علم يبحث في صفات رسول الله ﷺ الخِلْقية والخُلُقِية، وكيفية سيرته مع ربه، وسيرته في نفسه، وفي أهله، وفي أصحابه والناس أجمعين. وإن ذلك لهو القرآن كله مطبقاً، والإسلام كله حيا متحركاً، فادرس من الكتب في ذلك ما شئت ولا حرج، أو اجمع نصوصه من حيثما شئت ولا حرج، وإنما الشرط أن تتحرى الصحة في الخبر. ويكمل بذلك ما أردناه من معنى: (مجالس القرآن) التي كانت هي مجالس الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. خاتمة: ذلك هو المنهج التطبيقي البسيط والفعال للوصول إلى مقاصد البلاغ الرباني، وإيصالها إلى كل إنسان؛ معرفة وذوقاً. فاهتم بالقرآن والسنة، اهتم بترتيل أحكامهم على نفسك وعلى أهلك، ثم على من حواليك من الناس، واسع من أقصى المدينة إلى أقصاها؛ لتذكير المسلمين وغيرهم ببلاغات القرآن. . أعني الأصول الكبرى للدين، اعتقاداً وعملاً، كما بينا وشرحنا، اُطْرُقْ أبواب القلوب، وخاطب فطرتها؛ تجد الأسماع مصغية، والأفئدة واعية؛ عسى أن يجعل الله لك القبول في الأرض والقبول في السماء؛ فتكون إن شاء الله من الصالحين.

стр. 4239

تأملات دعوية تعميم النموذج الشاذ محمد بن عبد الله الدويش النموذج الشاذ يستهوي الأذهان ويأخذ بألباب النفوس؛ ومن ثم فهو مادة سهلة لكثير من المتحدثين إلى الناس وعَّاظاً وخطباء وكتَّاباً؛ فالصور السوية المتسقة مع القاعدة لا تستهوي النفوس ولا تستثير الانتباه، إنما يستثيرها ما يخرج عن القاعدة ويشذ عن الإطار. إنك حين تسير في الطريق تقابلك آلاف المركبات، فلا يلفت نظرك إلا التي لها ما يميزها، أو أصابها عطل أو حادث. وحين تجالس الناس فإن من يفقد حاسة من الحواس يلفت نظرك غير الذي يتمتع بسائر حواسه. وحين يتحدث خطيب أو محاضر لساعات عدة، فتبدو منه كلمة لا تليق فإنها تلفت أنظار الناس أكثر من سائر الكلام الذي قاله. لذا تتوافر الهمم على تناقل النماذج الشاذة والصور الغريبة والحديث عنها، سواء تلك التي في واقع الناس القريب، أو ما في المصنفات والكتب. ومطالبة الناس بالتخلي عن التعامل مع النماذج الشاذة أو دعوتهم إلى عدم الاحتفاء بها، كل ذلك مناقض لطبيعة الإنسان وجِبِلَّته. إلا أنه مما لا ينبغي أن يُقبل أن تؤثر هذه الطبيعة والسمة على مواقف من يفترض فيهم النضج والموضوعية. وثمة صور خاطئة في التعامل مع النماذج الشاذة، ومنها: الصورة الأولى: تعميم النموذج الشاذ وتحويله إلى قاعدة، ومن ذلك الحكم على المجتمعات من خلال صور ومواقف محدودة، ولسان حال هؤلاء كمن يقول: إن الزنا والسرقة والقتل كانت شائعة في عهد الرسول ﷺ ؛ حيث أقيم الحد على طائفة من هؤلاء، أو ما يعمد إليه سفهاء العصر فيختارون نماذج مما صح أو لم يصح من أخبار المجون واللهو المحرم فيصبغون به صبغة مجتمع الصدر الأول. ومن تعميم النموذج الشاذ الحكم على الأشخاص من خلال تصرفات محدودة لها ظروف وملابسات معينة، أو الحكم على الجماعات من خلال تتبع سقطات بعض أفرادها، والتعامل بانتقائية في ذلك. الصورة الثانية: محاكمة النفس أو المستمعين والقراء إلى النموذج الشاذ، وذلك بأن يورد المتحدث خبراً أو خبرين لا ثالث لهما ويعقب على ذلك بقوله: «أين نحن من فلان؟» . إن إبراز مواقف القدوة والتأسي بها أمر مطلوب وله أثره التربوي الذي لا يخفى، وتطلُّع النفس إلى المثل العليا والنماذج المتميزة يعلي همتها، لكن إبراز النموذج على أنه مثل يحتذى ويقترب منه يختلف عن جعله محكاً يحاكم الإنسان نفسه على ضوئه، أو يحاكم الناس إليه. ومن النتائج السلبية للإيغال في ذلك أن يصاب الشخص بالإحباط؛ نظراً لأنه إنما يقارن نفسه بهذه النماذج، وهذا أكثر ما يحصل لدى الشباب، وهم أحوج الناس إلى بعث الأمل في النفوس، وإلى غرس الثقة والشعور بالقدرة على الإنجاز والنجاح. الصورة الثالثة: وهي أكثر ما تحصل في الميادين العملية، فقد نطالب العاملين بمستوى من الأداء محتجين بأننا قد وصلنا إليه، أو أن فلاناً وفلاناً وصلا إلى هذا المستوى. إن غاية ما يمكن أن نستنتجه من هذه المواقف أن الناس يستطيعون أن يصلوا إلى هذا القدر، لكن هذا لا يعني أن كل الناس قادرون على ذلك. إن الناس مواهب وطاقات، وقدرات وإمكانات، وتفاوتهم في ذلك لا يحصيه إلا خالقهم، والتفاوت يشمل الإيمان والتقوى ويشمل القدرة البدنية والقدرة النفسية، والقدرة العقلية ... إلخ. وهذا يعني أن ما يطيقه فلان قد لا يطيقه غيره، وما ينجح فيه قد لا ينجح فيه سواه.

стр. 4240

حوار حوار مع الداعية المغربي فضيلة الشيخ محمد زحل الحركة الإسلامية بالمغرب والعمل الدعوي العام حاوره / الخلافة عبدلاوي [*] تقديم: الشيخ محمد زحل حفظه الله هو واحد من ربابنة العمل الإسلامي بالمغرب؛ بل هو من نوادر قياداته التاريخية؛ إذ يحمل في ذاكرته الحية قدراً مهماً جداً من تاريخ التجربة الدعوية بالمغرب؛ فبالإضافة إلى كونه واحداً من الرواد المؤسسين؛ فإنه ممن أسهموا في تجنيب سفينة العمل الإسلامي الغرق، بعد فتنة الشبيبة الإسلامية في المغرب، وما تبعها من أحداث. إنه من القيادات الدعوية النادرة التي نحسبها جمعت بين العلم والعمل، يتميز بصفاء العقيدة، والحرص على العمل بالسنة، مع فقه واع لقضايا العصر، يتقد حماساً وغيرة على العمل والصحوة الإسلاميين. تنبعث من حديثه ثقة كبيرة بدينه، وعزة إيمانية عالية. يحرص كثيراً على الحديث بلغة عربية فصيحة، جريء في الحق، غير متردد في إبداء أفكاره، سواء منها ما يتعلق بواقع الحركة الإسلامية بالمغرب وتاريخها الشائك، أو ما يتعلق بالصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي بشكل عام. التقته مجلة البيان في مدينة الدار البيضاء المغربية، فكان معه هذا الحوار: ورقة تعريفية: الشيخ الأستاذ محمد زحل من مواليد ١٣٦٣ هـ الموافق ١٩٤٣م، من أسرة كل أفرادها قراء وطلبة علم من قبيلة «مكنافة» إحدى قبائل «حاحا» المعروفة بإقليم الصويرة بالمغرب. - حفظ القرآن على يد والده وعمره ١١ سنة. - تلقى تعليمه الأول بالمدرسة «الجازولية» نسبة إلى محمد بن سليمان الجازولي، ثم بالمدرسة «الهاشمية» تحت إشراف الشيخ البشير بن عبد الرحمن توفيق والد الدكتور محمد عز الدين توفيق، ثم بمعهد تارودانت، ثم بمراكش في التعليم النظامي. - عمل لمدة عشرين سنة بالتعليم منذ سنة ١٩٦٥م. - اشتغل بالخطابة في عدة مساجد، إلى أن تم توقيفه سنة ١٩٨٤م. - يشرف على عدة دور قرآنية. - أصدر إلى جانب الدكتور سعد الدين العثماني وجماعة من الشباب المسلم مجلة «الفرقان» المغربية. - له عدة أشرطة من دروس ومحاضرات. - اشتغل بتأليف الرجال بدل تأليف الكتب. البيان: مرحباً بالأستاذ الشيخ محمد زحل ضيفاً على مجلة «البيان» ، وحبذا لو قدم فضيلتكم لقراء البيان نبذة عن بداية نشاطكم الدعوي، وخاصة دوركم في تنظيم الشبيبة الإسلامية [١] والتطورات التي لحقت بها؟ * بالنسبة للجواب عن هذا السؤال، فلقد تطرقت لبعض من جوانبه في حلقات ضمن جريدة «التجديد» المغربية، رغم أني لم أوفِ بعض الجهات والأشخاص حقهم، فعلاً لما دخلت إلى الدار البيضاء سنة ١٩٦٣م؛ زاوجت بين التعليم والقيام بالدعوة بشقيها: العام في المساجد، ثم جانبها التربوي في البيوت والمقرات والأندية، فتم الاتصال بعبد الكريم مطيع فتم التعاون معه، وأسسنا حركة الشبيبة الإسلامية. البيان: ولكن هل نستطيع القول إنه حدث تطور أو تغير في نظرتكم أو مفاهيمكم الدعوية؛ بحيث نستطيع القول: إنه لو استقبلتم من أمركم ما استدبرتم لبدأتم بداية أخرى؟ * لا؛ فإن بدايتنا كانت جيدة ولله الحمد، فقد كان هناك اعتناء جيد بالتربية، وتكوين مستمر للرجال، لقد كانت المساجد في ذلك الحين ملأى بالشباب، وكذلك كانت الدعوة، أما الآن فلا يشتغل في الدعوة إلا الكهول والشيوخ، وضعف جانب الشباب. لقد كانت الشبيبة الإسلامية آنئذ تتبنى منهج التربية اعتماداً على نظام الأسر والخلايا، أما الآن فقد خَفَتَ هذا. نعم! إن البداية كانت جيدة، وإنما أفسدها التوجه السياسي للقائد «عبد الكريم مطيع» الذي لم يتخلص من النزعة السياسية منذ كان عضواً في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. البيان: ولكن يلاحظ أن مجموعة من رجال تلك الحركة اختفوا عن العمل التنظيمي؛ فما سبب ذلك؟ * في الفترة الأولى كان جل رموز الحركة من رجال التعليم الذين شاركوا في الدعوة وتأسيس الحركة، وعندما وقعت الفتنة، وخرج عبد الكريم مطيع من المغرب وقع خلط كبير في الحركة، وآثر بعض عقلاء الحركة التوقف إلى حين، ولكن ما أسميته اختفاء ليس كذلك؛ فقد كانت هناك مدارسة للعمل الإسلامي وإيجاد البديل لـ «الشبيبة» بمعية الأستاذ عبد الإله بن كيران والأستاذ محمد يتيم، وكانت أول محاولة لإيجاد كيان بديل، فتم اختيار العمل الدعوي العام؛ حيث اخترنا العمل بحرية؛ لأن الداعية على وجه الخصوص، إذا «تحزب تعصب» ، ففضلت أن أكون للمسلمين جميعاً ولا أُحسَب على تنظيم معين، وكل الإخوة يرجعون إليّ في بعض المشورات، ولي علاقات طيبة مع الجميع. البيان: تواري رموز «الشبيبة» سابقاً؛ هل هو راجع إلى رؤيتها للتغيير أم إلى ضعف التكوين التربوي لديها؟ * الشبيبة وقعت في أخطاء؛ فعند غياب القيادة أسندت الأمور إلى شباب صغار أغرار، وكانوا يعبثون بالأمور ويتصرفون في الأمور بالأوامر، فحصلت تناقضات، فيأتي الأمر وعكسه، وأنشئت عدة خطوط؛ فلا تعرف ما المعتمد من القرارات، فآثرنا، ليس الاختفاء والتواري كما ذكرت، ولكن أن نراقب الأمر عن كثب، فتم إنقاذ الأمر بفضل الله، وكان (عبد ربه) من المساهمين في ذلك. البيان: فيما يخص نشأة العمل الدعوي بالمغرب بين الخصوصية المحلية والتبعية المشرقية: أستاذَنا الكريم! هل العمل الدعوي نتاج واستنبات محلي، أم هو تابع للتجربة المشرقية؟ * ليست هناك تبعية؛ فالحركة الإسلامية في المغرب لم تبايع الحركة العالمية، والصحوة الإسلامية ظهرت في وقت واحد ومتزامن، وإن سبقتها شقيقتها في المشرق ممثلة في حركة «الإخوان المسلمين» بمصر، وجماعة «أبي الأعلى المودودي» بباكستان. وجاءت هزيمة العرب سنة ١٩٦٧م، وانهزمت القومية العربية بزعامة عبد الناصر، فصحح الناس المسار، وهو الوقت الذي شرعنا فيه في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، كان الإخوة في الجزائر يباشرون الأمر نفسه، وكذلك الشأن في تونس وغيرها. البيان: إذن، فهي نبتة طبيعية؟ * نعم! ولكننا نعترف بأن الحركة الإسلامية كان لها نوع اعتماد على أدبيات حركة «الإخوان المسلمين» بمصر، مع نوع من التميز عن التجربة المشرقية أو الإخوانية؛ في بعض الجوانب السلوكية المتعلقة بالهدي الظاهر، بالنسبة لنا بالمغرب حسمنا هذه الأمور من بدء انضمام أي شخص للحركة، فيضع فاصلاً بينه وبين سابق أمره وعهد الإسلام، فيتخلى عن كل آفاته السابقة، ولشد ما كان عجبنا كبيراً، عندما يزورنا أخ من المشرق، ويحدثنا عن سبقه في الدعوة، وعلى أنه قضى بالسجن كذا وكذا من السنين؛ فكأن هذا هو المقياس لديهم، فتجده حليقاً، أو مدخناً، أو منتمياً لطريقة صوفية؛ فمنذ البدء حرصنا أن تكون النبتة طيبة ومتميزة في سلوكها ومعتقدها، حتى إن التقيد بالمذهب أو التقليد لا نعيره أي اهتمام في مناهجنا ودروسنا التربوية؛ إذ نأخذ النص من الكتاب والسنة، ولا نأبه بأقوال الأئمة إذا تعارضت مع هذه الأدلة. كما أن البناء العقدي الذي اعتمدناه في الجماعة كان يمتاح من كتب العقيدة الصحيحة ومنها: كتاب «التوحيد» للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، و «العقيدة الطحاوية» ، ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، كـ «الواسطية» ، وأذكر لك أني التقيت مرة الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي أثناء زيارتي له بمكناس، و «الشبيبة» بارزة آنذاك، فسألني عن عقيدتنا فأخبرته بمصادرنا ومعتمدنا في العقيدة، فقال لي: جزاكم الله خيراً. فسُرَّ لذلك، فكان رحمة الله عليه يسلم أنها كتب مفيدة في هذا المجال بالأساس. البيان: ولكن يشاع عن فضيلة الشيخ تقي الدين الهلالي القول ببدعية العمل التنظيمي؛ فهل هذا صحيح؟ * أبداً؛ ليس هذا صحيحاً؛ فقد عايشته إلى حد المخالطة، وكان يتفقدني، كان رأي الدكتور في الحركة سديداً سليماً، وكان جل شبابها يزورونه، بعدما علم أن منطلقها العقدي سليم، فلم تكن له أبداً نظرة سيئة للعمل التنظيمي. البيان: جدلية الدعوة والسياسة: أيهما المدخل الأصوب في منهج العمل الإسلامي؟ بصيغة أخرى: ما الأوْلى: مدخل التربية والتعليم، أم العمل الحزبي السياسي؟ * نشأت الحركة الإسلامية في كل مكان، والمغرب ليس بدعاً في هذا، نشأت للتغيير نحو الأفضل بعدما وجدنا اليسار استفحل أمره، والشيوعية خيبت الآمال، والعلمانية بعد الاستقلال، في مرحلة سابقة كان القادة يقولون: سنعتمد الإسلام وحكم القرآن في التسيير، لكن بعد الاستقلال تبخرت تلك الوعود، وخيبت الآمال؛ فأيما بلد قامت فيه الحركة الإسلامية، فإنها قامت للتصحيح، ولما أنشأنا الحركة، كان هناك مجموعة من الجمعيات، كجمعية «أنصار الإسلام» في الستينيات، وسرعان ما خَبَتْ، ثم «جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بالمغرب الشرقي، وكان لهذه الأخيرة أسلوب يستفز بعض المسؤولين، وسرعان ما توقفت، وظهرت جماعة «التبليغ» سنة ١٩٦٣م بأصولها الستة المعتمدة، وأصحابها يقومون بنوع من التربية فيه قصور، فإن كان المتعاطف أمياً وعامياً ساير تلك الأصول الستة، وإن كان مثقفاً احتاج إلى المزيد، وهؤلاء ضيقوا ذلك في أصول ستة. والحركة الإسلامية بالمغرب نشأت لتقوم بدعوة شاملة للإسلام بجميع جوانبها التربوية والاجتماعية، والاهتمام بشؤون الدين والدولة، أو شؤون الدين والسياسة ... وأخذ الإنسان بالتزام الإسلام في جميع شؤونه؛ فهي لا تقول: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر؛ فقيصر في تصورها هو نفسه لله. البيان: بعض المراقبين يقولون إن الحركة الإسلامية ذات صبغة سياسية وليست حركة دعوة إشعاعية؛ فكيف تفسرون هذا الرأي؟ * الإسلام كما سبق أن ذكرنا لا يعرف هذا الفرق وهذا الفصل، لا يعرف ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بل الكل لله، وهؤلاء يريدون أن يحتكروا السياسة وحدهم. البيان: كيف تنظرون إلى معادلة الفقيه والسياسي، من الأول: هل السياسي قائد والفقيه ناصح ومستشار، أم الفقيه والعالم هو القائد والسياسي منفذ؟ * السياسي والعالم أو الفقيه هو واحد وكل؛ فيجب ألاَّ نفرق بينهما بمقتضى المنهج العلماني؛ بل الواجب أخذ الأمر في شموليته؛ فلا نمنح مقاليد أمور الدين والدنيا لسياسي جاهل بالدين وبالإسلام، والمطلوب من السياسي أن يسير على شرع الله في سياسة الرعية. البيان: وماذا عن العمل السياسي؟ هل يصح القول: إنه الوصفة أو المفتاح للإصلاح والتغيير؟ * قلت لك في السابق: نحن دعاة قبل أن نكون طلاب حكم. نحن هدفنا أن يكون المسلم العامل يعمل لتأسيس القاعدة التي تطالب بحكم إسلامي ثم لا يهمنا أن نحكم نحن أو غيرنا؛ فغايتنا أن نعبِّد الناس لله، وأن نربطهم بالإسلام. من جهة أخرى ما نستطيع الوصول إليه بالتنفيذ لا نصله بالوعظ؛ فمرسوم ملكي بتحريم الخمر أكبر من مئات الخطب؛ فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما اشتهر عن عثمان ﵁، ولا يهمنا الحكم، ويجب ألا يأخذ وقتاً كبيراً من عملنا وتفكيرنا. البيان: هذا يعني أن المدخل التربوي التعليمي هو الأول؟ * ليس كذلك؛ كل من الأمرين وارد؛ فقد كان هناك برنامج مرحلي، كل مرحلة تسلم لأخرى في تكامل منسق. البيان: ما الذي تعنونه ببرنامج مرحلي؟ هل يعني ذلك أن للتربية مرحلة، وللعمل السياسي مرحلة أخرى منفصلة؟ * لا.. بالنسبة للعمل في عمومه، تتم مراحله بشكل متناسق ومتكامل؛ بحيث تنجز جميعها جنباً إلى جنب، وذلك يحتاج إلى مهارة في التوجيه؛ بحيث لا تطغى واحدة منها على الأخرى؛ إذ كل غلو في الجانب السياسي مثلاً تظهر آثاره جلية في الجماعة، بصورة شاذة. ولذلك فإني أرى أن لا يوجه للعمل السياسي إلا النخبة الصالحة التي تلقت تربية وتكويناً عاليين؛ بحيث يستطيع هؤلاء المحافظة على ذلك التوازن المنشود بين المراحل جميعاً. البيان: كثرة المعاهد والدور القرآنية والدينية، كيف تقوِّمون انتشارها؟ وهل ترون أن المناهج المتبعة فيها تحقق الأهداف التي أنشئت لأجلها؟ * بالعكس؛ أنا أرى ضحالة وقلة في إنشاء المعاهد الشرعية ودور القرآن، إلا أن تكون تشير إلى الجانب المراكشي في القضية؛ فهذا شيء آخر؛ فقد أتى عليّ حين من الدهر وأنا أصيح حتى بحت حنجرتي بأن الدار البيضاء مثلاً تعرف مؤسسات تبشيرية، ولكل دولة من يمثلها في هذه المؤسسات من حيث الأفكار والمعتقدات، غير القرآن وللأسف فلم نعد نرى تلك «الكتاتيب» الخاصة بتحفيظ القرآن كما كانت في الستينيات؛ وذلك راجع إلى ميل الناس إلى التعليم العصري وإلى «التوظيف» . وما تسميه زخماً وكثرة، أسميه ضحالة، نعم! بفضل الله ثم بجهود المخلصين بدأت تظهر بعض المراكز، وهي بالدار البيضاء لا تتجاوز العشرين، أشرف شخصياً على ثمانية منها، لكنها مستقلة تعتمد على إمكاناتها الذاتية لا إلى منح خارجية، وهذا خلاف الخط المشهور بمراكش الذي هو عالة على دول أخرى، واهتمامنا أن ننشئ معهداً قرآنياً، ونحن حريصون على استدراك القصور الذي يعتري مناهجنا؛ فإذا كانت بعض الدول الإسلامية تمثل فيها المواد الإسلامية ٨٠%، فإن برامجنا الدراسية بالمغرب لا تصل هذه المواد فيها إلى ٢%؛ مما يفرض على الحركة الإسلامية تدارك هذا القصور بتشجيع إنشاء مدارس قرآنية إلى جانب تلك المدارس العصرية أو «الحرة» كما تسمى، فإذا لم يتحقق ما يسد النقص فإن الحركة تكون آثمة؛ لأن الدولة والدعوة تتعطل بانعدام مناهج وبرامج شرعية. البيان: إذن فأنتم مطمئنون لهذه المعاهد وهذه الدور؟ * نحن نتبنى منهج تحفيظ القرآن الكريم، وإنشاء المعاهد الشرعية، وهذا المنهج هو الكفيل بدحر الفكر اليساري، ومقارعة الفكر العلماني الذي نعاني من حربه وتهميشه للشعوب الإسلامية، والمؤهلون لهذه المواجهة هم المتخرجون في هذه المعاهد والمؤسسات القرآنية. البيان: ارتباطاً بالعلمانية نرى أنها ساهمت في انحدار الأخلاق وترديها؛ فما هي الوصفة العلاجية التي تقدمونها للخروج من هذه الوهدة؟ * طبعاً؛ العلمانيون واليساريون والشيوعيون، هؤلاء مناهضون للدين لا ننتظر منهم أن يكونوا دعاة فضيلة وأخلاق؛ فركوب موجة الفساد هو سبيل وجودهم؛ فهم يركبون على نوازع الناس وشهواتهم ليستميلوهم؛ فهم يمارسون وظيفتهم، ولهم علاقات مع دول أجنبية، وتأتيهم تعاليمهم من الدول الكافرة اليهودية والنصرانية لتمييع المجتمع وتدمير الأخلاق، والقضاء على العقيدة؛ فالواجب أن نلوم أنفسنا؛ إذ لم نوجد وسائل للوقوف أمامهم، والتربية الدينية في الأسرة والمدارس الشرعية وسائل لمواجهة هذا الانحلال وهذه العلمنة؛ فتكثيف التربية على الأصعدة كافة بالدرس والمحاضرة والدعوة؛ كلها وسائل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما يعبث به المارقون والملاحدة والعلمانيون. البيان: بالنسبة لمدى تأثير الدعوة في البادية والمدينة بالمغرب، ألا ترون أن البادية أكثر قابلية للتدين خلاف المدينة التي طغت عليها أنماط الحياة العصرية؟ * بل العكس هو الممكن؛ إذ في المدن يتنفس الناس نسمات طيبة بوجود مساجد كبيرة، ودعاة وحركة؛ بينما البوادي والأرياف - كما يسميها إخواننا المشرقيون هي مهمشة ومحاصرة ولا يستطيع أحد التحدث في المساجد؛ فهي تشكو فقراً دعوياً، والناس يعيشون جهلاً في كل الأمور في شعائرهم؛ فلا يعرفون لماذا خلقوا، ولا نبرأ من المسؤولية نحن معاشر الدعاة كما لا نبرئ الدولة؛ لأن من أولى أولويات الحاكم المسلم أن يهتم بدين الأمة ودنياها، فيجب ألاَّ نحصر اهتمامنا بالأرياف والبوادي في مساعدتهم على العيش ولا شيء غير ذلك، بل تعريفهم بربهم وتقوية صلتهم به، وانتشالهم من أمراض الفقر والجهل وغيرهما. البيان: عُرِفَت الدار البيضاء بقيادتها للعمل الدعوي في فترة السبعينيات والثمانينيات عبر الشريط، ولكن هذه الريادة انحسرت؛ فإلامَ ترجعون ذلك: هل لأسباب ذاتية؟ أم سياسية؟ أم لأشياء غير هذه وتلك؟ * نحن المسلمين نفتقد النظام؛ تجد العالم أكاديمياً، ولا تجد له أي مؤلف بدعوى الاحتساب. فرطنا في الاحتفاظ ومن ثم الاستفادة من كثير من الدروس، وأوكلنا للعوام التكفل بجمعها، والعامي لا يعير ذلك اهتماماً؛ فهو يسجل اليوم ما يشاء ويمحوه غداً. ومن نتائج ذلك أن الدعوة أصابها فتور، ودخلتها فتن بسبب ما يسمى «بالخط السلفي الجديد» ، فصار الاهتمام الدعوي قاصراً على جوانب معينة، وضعف الاهتمام بدور الشريط السمعي. وأقول لك وخذها مني: إن رواج الشريط، ورواج الكتاب الإسلامي رهيان بحركية الدعوة ونشاطها، ورهيان بوجود دعاة على المستوى المطلوب؛ فنشاط الدعوة العامة يجعل الناس شغوفين بالكتاب والشريط الإسلاميين، والعكس، فوجود اهتمامات تافهة يؤثر على الدعوة، ويساعد في انكماشها وانحسارها. البيان: عرف العمل الإسلامي نخبة من العلماء الأجلاء كانت تمثل الجدار الضابط الواقي للصحوة الإسلامية، لكن الموت أخذ يتخطفهم تباعاً، ألا تخافون على مستقبل العمل الإسلامي؛ ارتباطاًً بوجود خلف مترهل علمياً ومعرفياً؟ * لست متشائماً. حقيقة إن العلماء الكبار الذين فقدناهم كان لهم دور كبير في ترشيد الصحوة الإسلامية وتوجيهها، كالشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه، وغيرهم كثير، ومع ذلك نقول: «إن للبيت رباً يحميه» ، فأعمالهم ومؤلفاتهم لم تمت ولم تعدم، وتلامذتهم موجودون، وسلامة الدين لا تناط بشخص أو عدة أشخاص، فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجة؛ فالله سبحانه قضى للشباب وغيرهم أن يحترموا علماءهم ويقدروهم، والأمة لا تُترك هملاً. البيان: إلامَ تُرجِعون ضحالة التكوين لدى الخلف خلافاً لأولئك العلماء؟ * هذا له أسباب كثيرة؛ فنحن في عصر السرعة، وتكوين أولئك السابقين كان متيناً؛ لأنه ارتبط بنظرتهم وحبهم للعلم الذي ملك عليهم حواسَّهم وذواتهم، وكانوا يحتسبون طلبه لله، ففرق بين من درس العلم للعلم ولله ، ومن درسه ليقضي به وطره، ليصبح قاضياً، أو مأذوناً أو أستاذاً.. ولهذا يكون تكوينهم سريعاً، كالدجاج المدجن العصري، ويكون هشاً. وحينما تكون عندنا حركة علمية، ويكون التنافس في طلب العلم فسيعود الأمر إلى نصابه، ويكون لنا مثل أولئك العباقرة، وما دمنا نحصر اهتمامنا في حفظ متون نقضي بها وطر الامتحان ثم ننساها؛ فإننا ننتج أمثال هذا الخلف المترهل علمياً ومعرفياً. البيان: وكيف السبيل لتلافي هذا الأمر؟ * أنت لفت نظرك في السابق كثرة المدارس القرآنية، وأنا أزعجني قلتها؛ فالقرآن وقع له إهمال بسبب توجيه العائلات المسلمة أبناءهم للتعليم العصري ودراسة العلوم المادية؛ فتم الإقبال على المدارس العصرية من أجل الدنيا و «الوظيفة» ، وقضى الله أن أفلس هذا التعليم سواء من حيث مردوده العلمي أو نتائجه من جحافل المعطلين المجازين، فحدث من بعض هؤلاء رجوع وصحوة لحفظ كتاب الله، مدركين أن ما معهم من العلم لا يساوي الجهد المبذول فيه، فترى من يحمل شهادات عليا يبحث عمن يأخذ عنه العلم، وهذه ظاهرة صحية تستحق التثمين، وظهرت مدارس قرآنية بالدار البيضاء والشمال، وعاد الناس إلى التعليم العتيق، وفتح «الكتاتيب القرآنية» ، وهذا يصحح المسار. البيان: ولكن، ماذا حول تشرذم الحركة الإسلامية؟ * التعدد التنظيمي قد يكون ظاهرة صحية إذا كان وجوده يثري الإسلام، وكل شُعبة تقوم بجهد: فواحدة للفقه الإسلامي، وثانية لتصحيح العقيدة، وثالثة للعمل الاجتماعي. فهذا إثراء خاصة إذا كان هناك تنسيق أو على الأقل سكوت بعضنا عن بعض، أما إذا كان الفرقاء الكلُّ يسفه الآخر، والكل يقول أنا أو الدمار، فهذا خطر على الدعوة وعلى الصحوة. البيان: يشاع حالياً مصطلح «التجديد» ؛ فما هو القول الأصح: تجديد الدين، أم تجديد التدين؟ * في الحقيقة الدين لا يجدَّد؛ فنصوصه قطعية وثوابته قارَّة، والتجديد المقصود لدى مفكري الصحوة الإسلامية هو تجديد صلة الناس بالدين. عندما يصاب التزام الناس بفتور وتقليد، فيأتي المصلحون يرجعون الناس ويرشدونهم إلى المناهل والمنابع الصافية للكتاب والسنة، حتى لا يكون الدين ثقافة أو متاعاً عقلياً، بل ممارسة حياتية. هذا هو المقصود بالتجديد؛ فالدين لا يجدَّد؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أنزل الله سبحانه عليه: [أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) فما لم يكن ديناً في ذلك الوقت كما قال الإمام مالك ﵀ فلن يكون اليوم ديناً، والذي يجدَّد هو صلة الناس بالدين وأثره في سلوكهم وتوجيه حياتهم. البيان: فما هي إذن القضايا الكبرى التي ترون أن لها الأولوية في هذا التجديد؟ هناك أولويات في هذا التجديد ولا شك. بداية علينا التركيز في هذه المرحلة على ما يمتِّن صحة المعتقد؛ لأن البناء الذي يراد له الاستمرار يجب أن يبنى على أسس متينة، والبناء المؤسس على جرف هار فمآله إلى زوال وانهيار، وهذا مبدأ أول لكل جماعة أو حركة؛ فالقرآن الكريم ركز عليه في الفترة المكية التي امتدت ثلاث عشرة سنة، وليس من العبث أن يتم هذا التركيز في ساحة كان للنِّحَل والملل فيها نفوذ؛ فكان من المفروض تمحيص العقيدة لتتجلى. ثانياً: ضرورة ربط الناس بالدين حتى يمارسوه عملياً. ثالثاً: السعي لتقليل الآفات الاجتماعية والانحرافات التي تقضي على فضيلة، ثم بعد ذلك يتم ولوج آفاق أخرى. البيان: كيف تقوِّمون مسيرة العمل الإسلامي من النشأة إلى اليوم؟ * رة الحماس التي عرفها العمل الإسلامي في السبعينيات إلى الثمانينيات هدأت؛ وللحقيقة نعترف بأن الذين يملؤون المساجد في تلك الفترة هم أنفسهم لم يزيدوا إلا ما شاء الله، وهذا يجعلنا ننظر إلى الدعاة بنوع من الريبة. إذا استحضرنا حوار هرقل مع أبي سفيان عندما سأله عن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لأبي سفيان: «هل يزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحدهم سخطاً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أجاب أبو سفيان: لا» . ولكننا عندما نلتفت في خطب الجمعة، وفي المساجد، ولا نجد إلا تلاميذنا، وجلهم صاروا كهولاً وشيوخاً، ثم لا نجد العدد الهائل من الشباب والمراهقين؛ فهذا يوضح لنا حقيقة أننا أمام آفة خطيرة يجب أن تعالج؛ لأنها تنعكس على قصور الدعاة والحركة الإسلامية، ويؤكد أنها لم تعد تهتم بالتنظيم وضم أفراد جدد، ولكنها تهتم بأمور أخرى كالبرلمان والانتخابات ... وهذا شيء لا يريحني شخصياً. البيان: في المغرب هناك ثنائية الأصالة والمعاصرة، وبعض الآراء تُرجِع عدم نجاح التنمية، أو الحداثة بالمغرب إلى الإسلام والمسلمين؛ فكيف تنظرون إلى هذه القضية؟ * هذا رأي خاطئ ما في ذلك شك؛ فليس كل شيء يقبل الحداثة والعصرنة؛ فالحداثة والعصرنة من شأن حضارة الأشياء، وليست من شأن حضارة القيم. فالقيم فيها الثابت وبعضها ذات لبوس اجتماعي استحدثها الناس نسبة للعرف، وهذه يمكن تجديدها، لكن العقائد هي أصول ثابتة؛ فإذا أراد هؤلاء بالحداثة تحضير الأشياء وتجهيز البيت بالتلفاز أو الكمبيوتر، وكل بيت فيه هاته الأشياء نقول إنه متحضر ولو كان أهله منحرفين. فإذا أرادوا منا تطوير الأشياء والإبداع المادي فنحن معهم، أما إذا أرادوا منا أن ننشغل بالحداثة وتحضير الأشياء، ونقضي مع ذلك على القيم؛ فنحن ضد هذا الرأي. البيان: هل تقصد ضد التنمية؟ * ليس هذا؛ بل ضد الرأي السابق، أما التنمية فهي مطلب إسلامي؛ فالله خلق الإنسان لعمارة الأرض وتنميتها [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] (هود: ٦١) ، وعمارتها تتم بحركة الإنتاج، وأناط بالإنسان ذلك التكليف، وهيأ له ما يمكنه من تطوير عيشه وحياته. البيان: يؤخذ على بعض الإسلاميين في نظرتهم لهذه الثنائية النزوع إلى نوع من التوفيق يسميه بعض المراقبين والمفكرين بالتلفيق؟ * ينبغي لنا في دعوتنا وعملنا الإسلامي ألا يستفزنا الآخر. نحن لسنا في الساحة لنرضي زيداً أو عمراً، أن نرضي فرنسا أو أمريكا أو الغرب وحداثته، أو بني جلدتنا من المنافقين والعلمانيين، إذا فعلنا هذا، فلسنا أهلاً لنحيا ونعيش. يجب أن تكون لنا مبادئنا وقيمنا ونتحرك وفق ضوابط وقواعد شرعية، ونعي جيداً العلاقة بين وجودنا وما يراد منا؛ فالله سبحانه خلقنا لنعبده، فعلينا أن نربط الناس بربهم ونجدد صلتهم بالله ليسيروا على هدي عقيدتهم، أما إذا أردنا أن نرضي كل ناعق، كلما انتقدنا إنسان نقول له: نحن لسنا كذلك؛ وأنا شخصياً ضد جلوس مسلم مع شيوعي بدعوى السياسة؛ فالدين دين، والإسلام إسلام، أما أن ألفِّق وأرقِّع فهذا ما لا أحبه. البيان: هل من اقتراحات لترشيد الحركة الإسلامية؟ * أن تبتعد عن النخبوية أكثر، وتتجه نحو التغلغل في جميع القطاعات الشعبية سواء الفلاحية، أو الصناعية، أو التجارية، مع عدم إهمال الجانب التنظيمي؛ فقطع الروافد يعني الزوال. البيان: كلمة أخيرة: * أشكر مجلة البيان ودورها في إثراء الثقافة والفكر الإسلاميين، ومساهمتها في تقويم الصياغة والبيان العربيين.

стр. 4241

آفاق لمن هذه الخيمة ؟ د. عبد الكريم بكار [*] في عقول كثير من الناس أفكار لأعمال خيرية وإصلاحية كثيرة، لكن الذي يرى النور منها قليل جداً، والأقل من القليل هو ذاك الذي يحقق نجاحاً ملحوظاً. كلما نشبت أزمة اكتشف كثير من المفكرين والدعاة أن لدى الأمة قصوراً أو انحباساً أو مشكلة في جانب من جوانب حياتها، ويبدأ كل واحد منهم بالتعامل مع ذلك على طريقته الخاصة: واحد يلقي محاضرة وثان يصدر فتوى، وثالث يؤلف كتاباً، ورابع يشكل لجنة وهكذا ... أصحاب الفتاوى والكتب والخطب يشعرون أن مهمتهم انتهت، وفعلوا ما عليهم أن يفعلوه. ويبقى أولئك الذين يشكلون اللجان، والمجموعات للبحث والتنظير ورسم الخطط.. إنهم كثيراً ما يشعرون أن مهمتهم كبيرة، وأن الرد على تلك الأزمة أو معالجة ذلك القصور قد يتطلب ما هو أكثر من فتوى أو خطبة، ويمضي القوم في اجتماعاتهم الأسبوعية أو الشهرية أو الفصلية، ويستفرغون جهدهم وطاقتهم في إجراء الدراسات المطلوبة، وكلما فرغوا من دراسة جزئية، نسل البحث جزئية أخرى، وفي كثير من الأحيان يُنسى الهدف الأساس الذي اجتمعوا من أجله، وتجدّ لديهم أهداف صغيرة يبحثون عن وسائل وأطر لبلوغها وهكذا.. ومع مرور الأيام تأتي الصوارف والشواغل، وتفتر العزائم، ويسود نوع من الشعور بانسداد الآفات وبعدم وجود الأهلية لمعالجة ما تصدوا لمعالجته. وربما جاءت أزمة جديدة، أنستهم القديمة، ودفعتهم للانشغال بها! كثير من أولئك المجتمعين يبحثون في مسائل خارج اختصاصهم؛ ولذلك فإنهم يبذلون جهداً هائلاً ووقتاً طويلاً حتى يسبروا أغوار الأزمة أو القضية التي تصدوا لها، وحتى يوجدوا قاعدة للفهم المشترك بينهم، وكثيرون منهم يشعرون بأنهم يحملون الكثير من الأعباء، وأنه ليس لديهم أي طاقة لتحمل أعباء جديدة؛ ولذا فإنهم يفيضون ويطوّلون في المناقشات النظرية، وفي نفس كل واحد منهم توجّس خفي من أن ينتهي البحث إلى تكليفه بشيء عملي؛ ولذا فإن تلك المناقشات تندفع بالغريزة بعيداً عن ميادين العمل، وإذا أفْضَت إلى شيء عملي؛ فينبغي أن يقوم به أشخاص من غير المجتمعين، فالمجتمعون خُلقوا للتنظير، وعلى أشخاص أقل سوية أن يتولوا التنفيذ! ثم لا يجدون أولئك المنفذين، وتنتهي العاصفة بمجموعة من الأمنيات والمقترحات التي ما تفتأ أن تسقط بالتقادم. قد يكون من المفيد أن نوضح أن أهم ما يُطلب في هذه المبادرات الخيّرة، هو أن يعتقد في كل مجموعة أو لجنة شخص واحد على الأقل أن الوصول إلى شيء عملي يُعد أولوية مطلقة بالنسبة إليه، وكأنه يقول: أنا صاحب هذه الخيمة والمسؤول عنها وحاميها، ومن أراد التعاون معي فأنا موجود، وإن لم أجد فسأتابع العمل وحدي. إنه بذلك يجعل من نفسه محوراً يجذب إليه كل أولئك الذين يشاركونه هموم ما تصدى إليه. أولوية واحدة تُخدم بشكل جيد خير من أولويات كثيرة لا يجد صاحبها أي طاقة كافية لخدمة أي منها على الوجه الصحيح. والله الموفق.

стр. 4242

المسلمون والعالم شارون ومغامرات الحل النهائي عبد العزيز كامل كان مقرراً أن يكون عام ٢٠٠٠م عام الحسم للقضايا الأكبر والأخطر في القضية الفلسطينية من خلال ما كان يسمى بـ «مفاوضات الحل النهائي» . وقد حبس الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون فريق التفاوض الإسرائيلي برئاسة باراك، مع فريق التفاوض الفلسطيني برئاسة عرفات لمدة أسبوعين في منتجع خيمة داود أو (كامب ديفيد) للوصول إلى حل نهائي. وحبس العالم أنفاسه معهم ليرى ما المصير الذي ستؤول إليه قضايا السيادة على القدس، وملكية أرض المسجد الأقصى، ومستقبل أربعة ملايين لاجئ فلسطيني، وما ستنتهي إليه حدود الدولة الفلسطينية، ومشكلة توزيع المياه بين اليهود والعرب في فلسطين. وكادت الأمور أن تُحل بشهادة كلينتون حيث قال: إن أكثر من ٩٠% من القضايا المطروحة تم التوصل إلى صيغة حل فيها. لكن نسبة الـ ١٠% الباقية كانت كفيلة بأن تفجر المحاولة المؤجلة منذ مدريد للوصول إلى حل نهائي. وكانت قضية القدس والأقصى كما هو معلوم هي الصخرة التي سقطت على مائدة التفاوض فقصمتها ملقية بيهوذا وآتية بشارون! فجاء ذئب إبليس المسمى (إرئيل) [١] ليتولى بطريقته الخاصة الوصول إلى حل نهائي بأسلوب يليق بتاريخه الدموي الإجرامي، وقد دشن عهده الأسود بزيارة الاقتحام الشهير للمسجد الأقصى التي كانت سبباً مباشراً في تفجير الانتفاضة الأخيرة، ومن يومها وشارون يلعب على سياسة الفعل ورد الفعل ليوصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن؛ فماذا يريد شارون؟ وما الذي يستطيع أن ينجزه؟ وما الذي يمكن أن يعجزه في تلك المغامرات البديلة للمفاوضات؟ أريد أولاً أن أؤكد من وجهة نظري على أن ما دفع شارون لتصعيد الأمور مؤخراً في مناطق السلطة الفلسطينية، ليس هو مجرد جلب الأمن لـ (إسرائيل) كما تلح وسائل الإعلام، ولا القضاء على السلطة لمجرد أنها سلطة، ولا عزل عرفات لـ «خطورة» عرفات؛ فالأمن الإسرائيلي قبل كامب ديفيد كان يعيش أزهى عصوره في ظل سلطة عرفات؛ فقد كان الإسرائيليون قادرين على توفير الأمن لو كان مطلبهم الوحيد بإعطاء الفلسطينيين مطالبهم المتواضعة. وأما عرفات فلم يكن ليهدد إسرائيل يوماً منذ جاء من تونس، وإلا لما جاءوا به من هناك أصلاً ليضعوه على رأس شرطة مسلحة لها حرية التحرك في الأراضي المحتلة، ولم تكن مطالبه لتهدد أمن (إسرائيل) ؛ حيث اعترف بها دولة مستقلة ذات سيادة، لها كامل الحق في أن تعيش في حدود آمنة ومعترف بها، وذلك في معاهدات رسمية دولية ملزمة. وحتى القدس التي كان ينادي بها عاصمة للدولة الفلسطينية؛ تنازل عنها عملياً من باب خلفي بقبول قرية «أبو ديس» بديلاً عنها عاصمة؛ بعد إطلاق اسم القدس عليها كما دلت على ذلك وثيقة (بيلين - أبو مازن) . أما الانتفاضة نفسها، فقد كان بوسع شارون لا عرفات أن يوقفها في أسرع وقت إذا ما أوقف إراقة دماء الفسلطينيين؛ فعندها كان العمال سينصرفون إلى أعمالهم، والطلاب إلى مدارسهم، والفلاحون إلى حقولهم؛ فمن ذا الذي يريد العيش في ظل الخوف والجوع والحرمان وهو قادر على العيش في أمان؟ ! ولكن شارون استمر في استدراج الفلسطينيين إلى دائرة رد الفعل الثأري على الفعل الاستفزازي بالقتل والهدم والتجريف والقصف براً وبحراً وجواً؛ لكي يظفر بردود فعل عنيفة يستطيع أن يوظفها لما هو مقبل عليه من إجرام أعنف، وهذا ما حصل. والآن وقد أشعل شارون فتيل الحرب كما كان متوقعاً بدءاً من فلسطين؛ فماذا يريد من الفلسطينيين؟ وما الذي يمكن توقعه من سلوكه الهمجي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها العرب؟ لا شك أننا سنشهد عالماً عربياً متغيراً في المستقبل القريب إذا ظلت الظروف مهيأة لشارون كي يكمل مخططاته ومؤامراته؛ ففي ظل الذل العربي العجيب، والسكوت الدولي المريب ستكون لشارون اليد الطولى في المنطقة إذا لم تجد من يقطعها.. ومَنْ يقطعها إلا المجاهدون الصابرون؟ ! لقد أبطل الجهاد الفلسطيني كما نتصور جزءاً كبيراً من برنامج شارون المتسارع في المنطقة، أو أجّله على الأقل، تماماً كما أبطل الجهاد في أفغانستان جزءاً كبيراً من برنامج بوش العالمي أو أجّله، فالرد الجهادي الفلسطيني كان أعنف مما تصور شارون، وأوسع مما توقع، وقد أربك هذا حساباته الموزونة بين الفعل ورد الفعل، فراح يتخبط تكتيكياً وإن كان مستمراً في خطه استراتيجياً بخطى أقل ثقة وأدنى ثباتاً، ولكن ذلك لا يمنع من أن الأمر جد خطير في العالم؛ لأن حرب مجنون (إسرائيل) قد صادفت في توقيتها وتسميتها وطبيعتها حرب مَوْتور أمريكا؛ حيث شاء الاثنان أن يطلقا على الحرب الأولى في الألفية الثالثة «الحرب على الإرهاب» ؛ بمعنى الحرب على روح المقاومة الإسلامية للهيمنة الصهيونية اليهودية النصرانية على العالم. وبجانب التشابه والتزامن في الحرب اليهودية والحرب الصليبية، هناك أسباب أخرى تؤكد خطورة المرحلة التي يمر بها العالم بعامة والشرق الأوسط بخاصة، منها: سيطرة اليمين الديني الأصولي على دفة الحكم في كل من أمريكا وإسرائيل؛ فالذي يحكم أمريكا اليوم ليس هو بوش فقط بل الذين جاؤوا به وهم أصحاب التيار الإنجيلي الأصولي المؤمن بمركزية إسرائيل في التاريخ المستقبل. والذي يحكم إسرائيل اليوم، ليس هو شارون فقط، بل الذين جاءوا به، وهم أصحاب التكتل اليميني الديني المتطرف الهادف إلى (إعادة مجد إسرائيل) بكل ما يعنيه ذلك من مخططات توراتية، ومؤامرات تلمودية، ليس آخرها ما سمح به شارون رسمياً منذ عدة أشهر لإحدى جماعاتهم بوضع حجر الأساس للهيكل الثالث في ساحة المسجد الأقصى. ومن أسباب تزايد الخطورة أن الزمن الحالي زمن استثنائي عند النصارى، فلا تزال الألفية الثالثة في بداياتها، ولا تزال المشاعر تؤجج تبشيراً بنبوءاتها، واليهود حريصون كل الحرص على استثمار ذلك السعار فيما يعود على خزائنهم بالدعم، وعلى مشاريعهم بالدفع. ومن الأسباب أيضاً: وصول النظام العربي في فلسطين وما حولها إلى الباب الأخير المسدود؛ حيث نفدت الحيل، وبطل السحر، وانكشف الخداع، ولم يعد مجدياً التظاهر بالحكمة والصمود، وفي هذا ما فيه من مزيد إغراء لغطرسة النصارى وطغيان اليهود. يريد بوش تغيير خريطة العالم لصالح استكمال نظام عالمي أمريكي جديد، كان أبوه قد أعلن عنه قبل عشر سنين، ولكن عدم التمديد الرئاسي لم يمهله لإكماله، وشارون يريد تغيير خريطة المنطقة لصالح استكمال نظام شرق أوسطي جديد، كان سلفه سابقاً وشريكه لاحقاً: (شمعون بيريز) قد بشر به اقتصادياً ولم يكمله سياسياً، فأراد شارون أن يجرب حظه في نظام أمني وعسكري شرق أوسطي يؤمِّن لدولة اليهود فترة من (الهدوء التام) في المنطقة؛ ريثما يستطيع هو أو من يأتي بعده أن يقفز خطوات واسعة نحو المشاريع المستقبلية لدولة اليهود في المنطقة؛ فالشرق أوسطية العسكرية الأمنية هي أوضح ملامح المشروع الشاروني، ودون هذا المشروع عقبات، ووراءه تطلعات، وشارون يسعى منذ مدة فيما يبدو لإزالة تلك العقبات أولاً؛ ليتمهد الطريق بعد ذلك له أو لمن يأتي بعده إلى تحقيق التطلعات، ويمكن رصد الأغراض التي يمهد لها شارون في المرحلة المقبلة فيما يلي: ١ - إبطال مفعول ما يسميه اليهود بـ (القنبلة الديمغرافية) ؛ أي الخطر المتزايد على دولتهم من الزيادة السكانية الفلسطينية التي لا يستطيع معدل النمو السكاني الإسرائيلي أن يلاحقها، عن طريق تهجير جديد للفلسطينيين. ٢ - تهيئة الأجواء وتوفير الإمكانيات لاستيعاب أفواج ضخمة من المهاجرين اليهود الجدد الذين أعلن شارون أنه بصدد استقدام مليون مهاجر منهم في الفترة المقبلة [٢] . ٣ - تثبيت سياسة توسيع المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لإيجاد واقع جديد لا يسمح للفلسطينيين بالعيش في أراضٍ خالصة لهم لا يشاركهم فيها يهود. وقد دعا شارون في شهر مايو ٢٠٠١م إلى تخصيص ١.٢ مليار شيكل (٣٠٠ مليون دولار) للمستوطنات كمساعدات حكومية. ٤ - تحقيق مسألة اعتراف العالم بالقدس بشطريها «عاصمة أبدية موحدة» للدولة الإسرائيلية، وهو ما لم يحدث إلى الآن لسبب واحد؛ وهو التأجيل الأمريكي المتكرر لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عَهدَيِ الإدارة الديمقراطية برئاسة بيل كلينتون [٣] . ٥ - اتخاذ خطوة كبيرة على طريق إعادة بناء الهيكل اليهودي الثالث مكان المسجد الأقصى، أو تقسيم ساحته ليبنى فيها كنيس مجاور للأقصى يكون مرحلة ممهدة للتوسع في البناء فيما بعد. ٦ - ضمان الأمن الإسرائيلي الداخلي والخارجي لتأمين الوصول إلى كل ما سبق، عن طريق القضاء على المقاومة في الداخل، والتوصل إلى اتفاقيات لـ (إنهاء الصراع) مع الدول المحيطة بالخارج. وهناك مسائل أخرى تدخل ضمن تلك الأهداف كانت مجال حرب تفاوضية في كامب ديفيد ٢٠٠٠م، مثل المسائل المتعلقة بالمياه والحدود واللاجئين ونحو ذلك. ولعلي أحاول تغطية ما يتعلق بالمرحلة الراهنة من تلك الأهداف المعلنة. (الترانسفير) ... ومؤامرة التهجير: «الترانسفير» مصطلح سياسي يعني في الفكر الصهيوني: طرد عناصر سكانية وتوطين أخرى، والعناصر المطرودة هنا ليست إلا العرب المسلمين، والمستوطنون مكانهم هم اليهود، وفكرة الترانسفير بالرغم من أنها في الأصل يهودية؛ فإن النصارى البروتستانت هم أول من أحيوها وطبقوها في العصور الحديثة في القارة الأمريكية والقارة الأسترالية؛ حيث أبيد أقوام وأحل مكانهم آخرون لتتأسس على ذلك الهيمنة الغربية الإنجليزية ثم الأمريكية المعاصرة التي سيطر على أصحابها الشعور بالتميز على بقية البشر لانتمائهم إلى العنصر الأبيض الإنجلوساكسوني. أما العنصر اليهودي المعاصر؛ فالبرغم من عدم مصداقية دعواه في النقاء أو الانتماء العرقي لبني إسرائيل الأوائل؛ فإنهم يتعاملون مع العرب والمسلمين على أساس دعوى التميز؛ ولهذا فإن منطق التدمير والتهجير هو الأصل في تعامل اليهود مع العرب منذ وطئت أقدامهم أرض فلسطين. واليهود الذين بنوا فلسفتهم الاستعمارية على نظرية: (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وجدوا أن هذه الأرض التي ادعوا أنها بلا صاحب هي أرض عامرة بأهلها، بل إن أهلها من أخصب الشعوب نسلاً وأسرعهم تكاثراً، فمثَّل هذا عندهم فيما بعد مشكلة مزمنة أطلقوا عليها: (القنبلة الديمغرافية) ؛ يقصدون بذلك التهديد السكاني الفلسطيني الكافي مع الزمن لإغراق اليهود في بحر الكثافة السكانية العربية؛ فماذا يفعلون؟ ! إنهم لم يجدوا حيلة في منافسة العرب الفلسطينيين بالكثرة العددية؛ فالله تعالى شاء وهو العليم الخبير أن يقلل من نسل اليهود في أصل الخلقة؛ فهم من أقل الخلق خِلْفةً، وأندرهم نسلاً، فالمرأة اليهودية لا تزيد ولادتها في الغالب عن مولود أو اثنين!! ! فسبحان من قطع دابر الإفساد فيهم على مر العصور، وإلا..... فكيف كان الأمر لو كان عدد اليهود في العالم كعدد الهنود أو كان الصهيونيون بعدد الصينيين؟ ! ! إن تعدادهم في العالم لا يزيد عن اثني عشر مليوناً، ولكنهم مع ذلك متغلبون بالقهر على حقوق اثني عشر مئة ألفِ ألفٍ من المسلمين! وإن تعدادهم في وسط العرب لا يزيد عن خمسة ملايين؛ ومع ذلك فهم مُخْضِعُون لأكثر من مئتي مليون! ومع خبث اليهود وشدة مكرهم وقدرتهم على استغلال غيرهم؛ فإن نقطة الضعف الكبرى فيهم هي العنصر البشري، وهذا ما يفسر شدة الجزع والخوف والهلع كلما أزهقت منهم روح خبيثة أو أريقت منهم دماء نجسة. وقد استشعر اليهود هذا الخطر الماحق واستحضروه منذ بدايات التفكير في وضع بذرة الشؤم لدولتهم (إسرائيل) ، وبدءوا يعملون على محورين متوازيين للتغلب على الضعف العددي وهما: التهجير والهجرة: تهجير العرب، وهجرة اليهود. قال زعيم الصهيونية الحديثة تيودور هرتزل في مذكراته التي كتبها عام ١٨٩٥م أي قبل قيام الدولة بنحو نصف قرن: «سنسعى لنقل السكان الفلسطينيين خلف الحدود دون ضجيج، بواسطة منحهم عملاً في البلدان التي سينتقلون إليها؛ إن نقل الأراضي إلى سيطرتنا وإخراج العرب من دولتنا يجب أن يتم بتدرج وحذر» ! ولما اقترب أوان قيام تلك الدولة، قال زعيمها الأول (داود بن جوريون) الذي صار أول رئيس لوزراء (إسرائيل) في رسالة وجهها بتاريخ ٥/١٠/١٩٣٧م: «لا مهرب أمامنا إلا أن نحتل الأرض بقوة السلاح؛ لأننا لا يمكن أن نتحمل بقاء مساحات شاسعة من أرضنا خالية من اليهود في حين أننا نستطيع استيعاب عشرات الألوف منهم» . وقال في مناسبة أخرى عند انعقاد المؤتمر اليهودي العالمي العشرين: «لو استطعنا تنفيذ النقل القسري للفلسطينيين لكان هذا إنجازاً كبيراً؛ فذلك هو السبيل للاستيطان في مناطق شاسعة» . وقال: «إن العراق وسوريا لن تعانيا مشكلة في استيعاب سكان إضافيين من عرب إسرائيل يعني الفلسطينيين حتى لو نقلناهم كلهم إليهما» ! وقد عقد (وايزمان) أول رئيس للدولة اليهودية [٤] نسبة عددية لما يمكن أن يظهر من نتائج على الأرض لسياسة الهجرة والتهجير فقال: «كلما استطعنا نقل نصف مليون عربي سيكون في مقدورنا توطين مليون يهودي مكانهم» وقد سار الخبثاء على هذا الصراط الشيطاني الأعوج، فكانت نتائجه مذهلة؛ فيكفي أن نعلم أن عدد اليهود في فلسطين عند صدور وعد بلفور عام ١٩١٧م كان ستين ألف يهودي فقط، ثم صار اليوم قريباً من خمسة ملايين. ومن الملاحظ أن سياسة (الترانسفير) أمر مجمع عليه بين مختلف الكتل والأحزاب في دولة اليهود، فاليمينيون واليساريون، والعلمانيون والمتدينون كلهم متفقون على أن مكان الفلسطينيين هو في الدول المحيطة بفلسطين طال الأمر أم قصر، ولم تقتصر هذه القناعة على الآباء المؤسسين لدولة اليهود، بل لا يزال هذا هاجس قادتهم وزعمائهم الحاليين. ففي كتابه (مكان تحت الشمس) يصرح نتنياهو الزعيم السابق لباراك واللاحق لشارون (على الأرجح) بأن الفلسطينيين يجب أن يهجَّروا إلى الأردن، مع أن الأردن كما قال: هي أرض إسرائيلية محتلة! ! وقال عن العرب الذين هاجروا من فلسطين عام ١٩٤٨م: «إن الإسرائيليين لم يطردوهم، وإنما هم الذين هربوا من الحرب، ثم طرد العرب اليهود من بلادهم فجاءوا بدلاً من العرب الذين هربوا» [٥] وكان باراك يردد كثيراً أن الأردن هي (الوطن البديل) للفلسطينيين. وأما شارون فهو المصدر الأصلي لمقولة (الأردن الوطن البديل) لا كشعار فقط، بل كمشروع، ويقوم مشروعه في الوطن البديل على إشعال الأرض من تحت أرجل الفلسطينيين ومن فوقهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم حتى يقولوا: النجاة النجاة.. الخروج الخروج؛ فيندفعوا طوعاً وكرهاً إلى هجرة جديدة! وهو يستعد كما شاع في الأنباء مؤخراً لاستقدام نحو مليون مهاجر يهودي، وهؤلاء إذا قدموا إلى فلسطين، سيرسلون إلى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهو بحسبة آلون السابقة محتاج لتهجير ما لا يقل عن نصف مليون فلسطيني! يحاول اليهود منذ مدة تحقيق هدف جديد في الهجرة والتهجير بالسلم أو بالحرب، فقبل سنوات تسربت أنباء عن مخطط لتهجير مليون فلسطيني إلى العراق مقابل إشراك العراق في (عملية السلام) ؛ ومن ثم رفع الحصار عنه. ولبنان أيضاً، يبدو أنه كانت هناك مساع من خارجه لتوطين اللاجئين فيه من الفلسطينيين ومنحهم الجنسية اللبنانية، ولكن تفاعلات البيان الختامي للقمة العربية الأخيرة، أظهرت أن نصارى لبنان، وعلى رأسهم رئيسهم رافضون لهذا الطلب [٦] : ظاهراً لأنه يتعارض مع (الدستور) ، وباطناً؛ لأنه يخل بالتوازن الطائفي المحسوم فرنسياً في لبنان لتظل دولة (مسيحية) في وسط الطوفان العربي المسلم؛ ليقترن وجودها بوجود الدولة اليهودية وسط هذا الطوفان. إن الأنباء تتسرب بين الحين والآخر بمعلومات عن مخططات تبحث في دوائر رسمية غربية؛ لإيجاد مخرج يخلص اليهود من خطر (القنبلة الديمغرافية) . وهذه المساعي ذات جذور قديمة قدم الاحتلال الإنجليزي لفلسطين الذي سبق الاحتلال الصهيوني، فتاريخ بريطانيا في طبخ مؤامرات الهجرة والتهجير معروف وموثق. أما بعد أن أطفأ الله نجمها ونكس رايتها من أطراف الدنيا، فقد تولت أمريكا بعدها هذه المهمة، ومساعي الأمريكيين وراء تدبير مؤامرات الهجرة أو التهجير تكاد لا تخطئها العين سواء في هجرة اليهود الروس أو يهود أوروبا الشرقية، أو يهود الفلاشا الإثيوبيين، وقد استقبلت دولة اليهود نحو مليون مهاجر يهودي على مدى السنوات العشر الماضية، جاء معظهم من الجمهوريات السوفييتية السابقة، وشارون نفسه هو ابن لمهاجريْن روسيين. ويشرف على تهجير اليهود إلى فلسطين عتاة اليهود الأمريكيين، من أمثال هنري كيسنجر الذي أدلى بتصريح في مارس عام ١٩٧٣م قال فيه معلقاً على المشكلة السكانية الفلسطينية: «الحل هو أن يصبح الفلسطينيون في لبنان، والمسيحيون في كندا أو أوروبا» . فهو يأمل في أن تفرغ الشام من النصارى الكاثوليك، وهذا يعبر عن سياسة حكومته البروتستانتية التي لا تطيق أن ترى لبابا الفاتيكان رعايا قريبين من الأرض المقدسة. ويظل الأردن (دون استبعاد لبنان أو سوريا أو مصر) في مقدمة البلدان المرشحة عند اليهود لاستقبال موجة جديدة من الهجرة الفلسطينية. وقد أظهر تتابع الأحداث أن هناك ثلاثة تصورات أو صيغ لتحقيق الحل الإسرائيلي بالترانسفير: أولاً: الترانسفير الاقتصادي: وهو تصور باراك، وكان يقترح فيه أن تقوم (إسرائيل) بفصل إجباري بين الفلسطينيين واليهود؛ بحيث يمنع الفلسطينيون من العمل في أماكن سيطرة الإسرائيليين فتضيق بهم الأحوال الاقتصادية، فيضطرون طوعاً للهجرة للخارج، والخارج عنها لن يبعد عن الأردن كثيراً لاعتبارات كثيرة تجعل من ذلك البلد بلداً ثانياً للفلسطينيين. الثاني: الترانسفير الأمني: ويقوم على تكثيف الإزعاج الأمني للفلسطينيين؛ حتى يفقدوا الراحة في البيوت أو الشوارع أو أماكن العمل بسبب كثرة الملاحقة والمراقبة والاعتقالات والاغتيالات. وهذه الصيغة هي التي حاول شارون تجريبها منذ ما يقرب من ثمانية عشر شهراً عندما تسبب في بدء الانتفاضة الحالية التي وإن أفقدت الفلسطينيين أمنهم إلا أنها لم تفقدهم إيمانهم بواجب الصبر والمصابرة ضد إجرام اليهود المغتصبين لأرضهم. الثالث: الترانسفير العسكري: وهو الخيار الأصعب والأسهل في آن؛ فهو أصعب لأنه يحتاج إلى حرب ولو محدودة يمكن أن تخسر فيها (إسرائيل) أرواحاً كثيرة، وهو أسهل لأنه يضمن وسيلة فعالة ومجربة لدفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين لمغادرة أراضيهم. الأردن ... وحرب شارون: تحمل الأردن أكبر نصيب من مشكلة لجوء الفلسطينيين إليه، وذلك في موجات ثلاث صاحبت كلاً منها نكبة أو نكسة أو كارثة عربية؛ فالمرة الأولى كانت بعد حرب النكبة ١٩٤٨م، والثانية كانت بعد حرب النكسة عام ١٩٦٧م، والثالثة كانت بعد كارثة غزو الكويت واندلاع حرب الخليج عام ١٩٩١م؛ حيث انتقل الآلاف من الفلسطينيين الموجودين في الكويت إلى الأردن. والظاهر أن شارون يعد للموجة الرابعة من خلال الحرب التي أشعلها هذه الأيام، والتي يسعى بالاشتراك مع شريكه في محور الشر جورج بوش إلى توسيعها وتكثير أطرافها. لو طالت تلك الحرب أو توسعت، فسوف يكون الهدف القريب لها تنفيذ الموجة الرابعة من هجرة الفلسطينيين، وستكون تلك الحرب خادمة بشكل أو بآخر لبقية الأهداف الستة السابق ذكرها. أما إذا انتهت بسرعة وأطفأ الله نارها؛ فإنها ستصنع من حديث النفس بالهجرة عند كثير من الفلسطينيين همّاً ثم عزماً ثم فعلاً؛ فالإنسان مهما كان فإنه خلق ضعيفاً، والسواد الأعظم من الناس يقدم الرُّخَص على العزائم، هذا إذا وجدوا على العزيمة معيناً، فكيف إذا لم يجدوا إلا الخذلان، والنسيان والنكران؟ ! شارون الذي أقنعه العرب إقناعاً بوجوب استغلال فرصة ضعفهم، لن يضيع الفرصة، وطريقه لاستغلالها أن يكمل السير في خطته على ثلاثة محاور طالما لمح وصرح بها خلال الأشهر الفائتة: أولها: إنهاء مهمة الشرطة الفلسطينية، بكسر أذرعتها ونزع أسلحتها؛ ليجد الفلسطينيون أنفسهم في العراء بلا حماية دولية أو عربية أو فلسطينية. ثانيها: تغييب أو تغيير القيادة الفلسطينية رغم هوانها حتى لا يجد الفلسطينيون من يأمر أو ينهى أو يوجه حتى إشعار آخر إلا إدارة الاحتلال. ثالثها: تدمير البنية الاقتصادية في الحياة الفلسطينية؛ حتى يجد الفلسطينيون أنفسهم في حياة أشبه بحياة إخوانهم في المخيمات؛ فيتمنوا أن يتركوا الخوف والجوع في فلسطين إلى الجوع فقط خارج فلسطين. ماذا بعد..؟ إن ما يجري هو جريمة كاملة، ومرحلة جديدة من مراحل إذلال أمة الإسلام يشهدها جيلنا، وهذا يحتم علينا نحن المسلمين عامة والإسلاميين خاصة أن نقف مع أنفسنا ومع أمتنا الوقفات الآتية: أولاً: التفاعل مع قضايا الأمة لا يزال دون المستوى، ولا تزال مواقفنا محكومة بردود الأفعال لا الأفعال، نسخن بسخونتها ونبرد ببرودها، ولا تزال أكثر الأمة قابعة في غُرف الانتظار، بانتظار ما لا يأتي، وكأن كلاً منا على موعد مع (صلاح الدين) ! يرجئ كل شيء حتى لا يضيع الموعد معه! ! يا أخي: كن أنت صلاح الدين، أعدَّ أنت صلاح الدين، تعاون أنت مع صلحاء الدين، وهم في الأمة اليوم أكثر منهم في عهد نور الدين. ثانياً: من الواجبات ما لا يقبل التأجيل؛ فإن لله تعالى عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأهلنا اليوم في فلسطين في رباط وعلى ثغر، يخافون العدو ويخيفونه، وإذا تصورنا أن رباطهم واجب عليهم فقط في هذه الظروف، فنحن لم نفقه ديننا، ولم نؤد ما علينا، ومن لم يقف اليوم مع إخوانه في محنتهم وشدتهم، فلن يجد غداً من يقف معه في محنته وشدته في الدنيا أو في الآخرة. ثالثاً: نتعذر بالمسموح وغير المسموح، والمستطاع وغير المستطاع، وقد علم الله أن المسموح أضعاف أضعاف غير المسموح، والمستطاع أضعاف أضعاف غير المستطاع، وحتى غير المسموح وغير المستطاع نستطيع لو أردنا أن نجعله مسموحاً مستطاعاً، لو جعلناه هماً شخصياً لنا؛ فكم في حياتنا الشخصية مما لم يكن مستطاعاً فشققنا طريق الاستطاعة إليه، وكم مما لم يكن مسموحاً انتزعنا السماحة به، ومع ذلك سيظل هناك ممنوع أو غير مستطاع من واجبات الدين، فلنحوله إلى نية صالحة بانتظار التيسير، فنية المرء إذا صدقت خير من عمله. رابعاًَ: لا حدود للخير في هذه الأمة، على الرغم مما يفتح عليها من أبواب الفتن وما يلاحقها من المحن، وقد رأينا ذلك في بطولات الرجال والنساء والأطفال في فلسطين والشيشان وأفغانستان، حيث ذكَّرنا هؤلاء بطولات لم نكن نراها إلا في كتب السير والتراجم، ما كنا نتصور أن تنبعث في عصرنا خنساء تقدم على تشييع ولدها وفلذة كبدها وهو ذاهب للشهادة مفتخرة به وداعية النساءَ كي يقتدين بها، وما كنا نتخيل أن تخرج من أرحام الوهن في عصرنا فتيات.. نعم فتيات.. يعلمن الرجال أن لهذا الدين نساء بعشرات الرجال، صدقن ما عاهدن الله عليه فمنهن من قضت نحبها، ومنهن من تنتظر، ما كنا نتصور أن يخرج (ملايين) من الشباب بالرغم من كل ما يراد بالشباب ليطالبوا في مظاهرات صاخبة في بلدان عربية وإسلامية بفتح باب الجهاد إلى فلسطين. خامساً: يحز في النفس أن هذا الخير في الأمة لا يجد من يوظفه ولا من يوجهه، ولكنه يجد من يُلقي عليه القنابل المسيلة للدموع ويطارده بالهراوات والمصفحات، وكأن (العساكر) في بلاد المسلمين لم تعد لهم وظائف إلا إحدى وظيفتين: قتال الإخوان في الدين، أو الدفاع عن أعداء الدين. إن هذا يضاعف المسؤولية على رجال الدعوة في هذه الأمة لاستنفار كل الجهود لرعاية هذا الخير الموجود في الأمة وحمايته من (حَمَلَة الهراوات) . سادساً: ويحز في النفس أيضاً، أن عاطفة المسلمين وحماستهم لا يزال يداخلها دَخَنُ العهود الثورية؛ فالذين خرجوا بالآلاف وهم يحملون صور (عرفات) على كل ما عُرف عنه وظهر منه، ذكَّرونا بمن خرجوا بالملايين يحملون صور عبد الناصر ويهتفون بحياته بعد هزيمته بأيام، وهذه الظواهر تجعلنا نتريث في تقويم حال الأمة ولا نعمم بالنماذج الجزئية ولا ننخدع بكل المظاهر؛ فليست كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة. سابعاً: العاطفية المدفوعة بآثار اللحظة ليست مقصورة فيما يبدو على العامة والبسطاء؛ فقد رأينا إسلاميين في فلسطين وخارجها يريدون أن يجعلوا من عرفات بطلاً، ونحن لا نصادر حق أحد في البطولة أو الترشيح لمسابقات البطولات، ولكنا أبداً لا ينبغي أن نساهم في خداع الأمة بإعادة تصنيع المزيد من الزعامات المزيفة، كفانا الزعيم أتاتورك وعبد الناصر وصدام، و.... عادل إمام! ثامناً: من حقنا على رموز الباطل أن نسألهم: لماذا تسطون في كل مرة على ما ينجزه رجال الحق فتركبون موجته وتقطفون ثمرته؟ ! إننا نعجب من قدرة المبطلين على الخداع والتمويه والكذب! هل لاحظتم معي هذه المهارة الفائقة في (تجيير) عرفات ثمرات الانتفاضة لصالحه ولصالح رجاله؟ ! هل لاحظتم أنه يكرر اليوم ما سبق أن فعله في الانتفاضة الأولى التي ركبها وهو في تونس ثم دفنها وهو في غزة؟ ! إن عرفات الذي قتل واعتقل خلال سبع سنين مضت العشرات بل المئات من إخواننا المجاهدين في فلسطين لصالح (الأمن الوقائي) لليهود؛ لا يجوز لنا ولا يليق بنا أن ننساق وراء مسعاه في مواصلة مسخ القضية الكبرى بمزيد من الصيغ العلمانية وصبغها الملوث. وأخيراً: ليست الصورة محصورة في المصير الذي ينتظر عرفات وسلطته [٧] ؛ ففلسطين موجودة قبل عرفات وبعده، ورجالها موجودون قبل السلطة وبعدها. ونحن على يقين بأن أيام الصبر التي يعيشها أهل فلسطين ستلد أيام الفرج لهم وللأمة جمعاء بإذن الله؛ فرغم قتامة وعتامة المشهد الذي نعيشه فإن هناك زخات من تباشير الأمل: - نراها في تنامي الوعي الإسلامي داخل فلسطين، بحسب ما يحكيه القادمون من أرض الرباط. - ونراها بأعيننا فيما تنقل بعضه وسائل الإعلام من بطولات شعب جدير بأن يُحترم، وجدير بأن يُعان ويُكرم، وجدير بأن ينتظر منه الخير ويثمر فيه المعروف. - ونراها في بدايات تحول (الانتفاضة) الشعبية إلى سلوك الجندية المتطورة بإذن الله إلى جهاد شرعي حقيقي موعود بنصر الله، [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . - ونراها في تحقق أمل طالما طالب به المطالبون وتظاهر لأجله المتظاهرون وهو: فتح الحدود للمجاهدين ... فبشرانا اليوم أن فتح الله للمجاهدين حدود فلسطين من الداخل، فقد كنا نتمنى إمدادهم بالمجاهدين من الخارج؛ فإذا بهم يتحولون أسوداً في الداخل، فجهادهم اليوم قائم وعددهم في تزايد، وسلاحهم في تطور، وبذلهم وتضحياتهم في انتظار من يريد أن يشاركهم أجر الجهاد والرباط. - ونرى تباشير الأمل في إثخان المجاهدين في أعداء الله على مسمع ومرأى من العالم، حتى ساؤوا وجوههم وأشاهوا سحنهم على وجه لم يسبق في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، التي كان اليهود فيها يقاتلون وهم يرقصون ويضحكون، وهم يدمرون الطائرات في المطارات قبل أن تطير، ويقتلون المقاتلين في التحصينات قبل أن يخرجوا. - ونرى هذه التباشير في أول حالة رعب عام تدب في صفوف الشعب المحتار بين طوارئ أمريكا وعمليات (إسرائيل) ، فيذهب نحو ٨٠٠.٠٠٠ ألف يهودي منهم بتقديم طلبات هجرة إلى أمريكا فترفض طلباتهم! ! - ونراها: في إفلاس كل الطروحات غير الإسلامية في معالجة القضية، بما يفسح المجال لمستقبل قوي للعمل الإسلامي في الأرض المقدسة وغيرها، لا يستطيع المزايدون أن يزايدوا عليه بالشعارات الكاذبة والوعود الزائفة. - ونراها في تزايد معرفة الناس بعامة، والملتزمين منهم بخاصة بجوانب كثيرة كانت مجهولة إلى وقت قريب مما يتعلق بالقضية المركزية الأولى، وهذا يرشح إلى مزيد من التفاعل، ومزيد من التخصص في جوانب من أداء الواجبات المتعلقة بها. - بل إني أرى من وراء شرور شارون خيراً مقبلاً، يتمثل في بواكير تأسيس (الجبهة الشرقية) التي أخبر عنها نبينا ورسولنا محمد ﷺ عندما قال: «تقاتلون اليهود أنتم شرقي النهر وهم غربيه» ؛ فَدَفْعُ الإسرائيليين للفلسطينيين المستمر منذ حرب النكبة ثم حرب النكسة من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، قد أنشأ أجيالاً وسينشئ أخرى تعيش على أمل الدخول المظفر باتجاه الغرب، بعد أن يلحق بهم في المستقبل القريب بإذن الله أبدال الشام، وعصائب العراق، ونجباء اليمن، وأبطال الجزيرة ومصر وإفريقيا وآسيا. هل نحن نحلم؟ ! لا والله! فقد وُعدنا بالغلبة على اليهود وأعوان اليهود، ولكنا كُلِّفنا قبل الوعد بموجبات الوعد: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) . وليكونن من ذلك ما شاء الله أن يكون، ولتعلمن نبأه بعد حين.

стр. 4243

المسلمون والعالم الأبعاد التاريخية والسياسية للصراع بين المسلمين والهندوس حسن الرشيدي «إن عدداً كبيراً من مسلمي اليوم كانوا في يوم من الأيام يدينون بالهندوسية ومن الممكن إعادتهم مرة ثانية إلى كنف الهندوسية» . هذا جزء من حديث موهان بهاجوات رئيس المنظمة البرلمانية الهندوسية المتشددة، وهو يلخص به جزءاً كبيراً من الصراع المتصاعد الآن بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الهندية، والذي وصل في إحدى حلقاته الدامية إلى حرق الآلاف من المسلمين في ولاية «جوجارات» الشهر الماضي كما تشير بعض التقديرات غير الرسمية. ويبقى السؤال الملح: هل ما شهدته المنطقة من أحداث ومن تطرف هندوسي جزء من مخطط حكومي وسياسة رسمية، أو وقع عرضاً واستغلته الحكومة الهندية لتحقيق أجندتها في المنطقة؟ يقول كمال ميترا شينوي رئيس منظمة «ساهمات» الهندية غير الحكومية: «إن أعمال العنف التي شهدتها ولاية جوجارات مؤخراً كان الهندوس يخططون لها بشكل مسبق» ، وأضاف أن أعمال العنف التي تركزت في أحمد آباد، أكبر مدن الولاية، تم تحديد أهدافها بشكل يجعل من المعتقد أنه قد أعد لها مسبقاً. وأضاف أن الاعتداءات شملت كذلك محالَّ يملكها مسلمون ولكنها تحمل أسماء هندوسية؛ مما يؤكد أنها كانت أهدافاً تم تحديدها من قبل. وقال: «من غير الممكن تحديد المتاجر المملوكة للمسلمين التي تحمل أسماء هندوسية خلال ٢٤ ساعة فقط، وهذا يؤكد التخطيط الدقيق لمنفذي الهجمات» . وأشار شينوي إلى أن أعمال العنف وقعت بعد يوم واحد فقط من الهجوم الذي تعرض له القطار الذي أسفر عن مصرع ٥٨ شخصاً، وأن الهندوس كانوا يحملون هواتف محمولة ومعهم عربات لينقلوا عليها ما سلبوه من بضائع. وكانت المنظمة قد أعدت تقريرها بعد إرسال بعثة تابعة لها لتقصي الحقائق في ولاية جوجارات. إذن لم يكن الصراع بين المسلمين والهندوس وليد لحظة انفعالية أو موقفاً عارضاً وسحابة صيف مرت على العلاقة بينهما، ولكن هي كما سنرى امتداد لصراع طويل عبر عدة قرون، وإن كانت أحداثه الحالية صاحبها كثير من المعطيات والمتغيرات على الساحة الدولية والإقليمية ساعدت في بروزه على السطح مرة أخرى ليتصدر محور الاهتمام في وسائل الإعلام. ولكي نتمكن من رصد هذه العلاقة بدقة بين المسلمين والهندوس، ودراسة مضامينها وأبعادها المختلفة، والسنن التي تتحكم فيها لا بد من تفكيكها من خلال مقاربتين: أولاً: مقاربة تاريخية لتتبع منشأ العلاقة بين المسلمين والهندوس، وجذور الخلاف القديم بينهما. ثانباً: بيئة الصراع الحالي، وبروز التحالف الهندوسي اليهودي البروتستانتي. أولاً: العلاقات التاريخية الهندوسية الإسلامية: يمكننا تقسيم تاريخ هذه العلاقة منذ بدايتها إلى ثلاث مراحل مختلفة: المرحلة الأولى: عند الفتح الإسلامي للهند: بلاد الهند أو شبه الجزيرة الهندية، وتطلق هذه التسميات على بلاد الهند وباكستان وبنجلاديش وسريلانكا الآن. اشتهرت الهند بتصدير الوثنيات إلى دول آسيا المجاورة، ومنها إلى بقية دول العالم مثل البوذية التي خرجت من الهند إلى الصين واليابان وغيرهما من دول الجوار الآسيوي، وفي الوقت الذي كانت تصدر فيه الهند الوثنيات جاء إليها الإسلام عبر الجزيرة العربية، ومع الأتراك أهل آسيا الوسطي من المسلمين عن طريق البحر وركاب أساطيل الصيد والتجارة حتى وصل الإسلام إلى الساحل الغربي للهند، حتى إن بعض المصادر التاريخية ترجع انتشار الإسلام في الهند إلى زمن النبوة، وبدأت الفتوحات العسكرية أيام الدولة الأموية حيث أرسل الحجاج جيشاً بقيادة محمد بن القاسم الثقفي فسيطر على السند، فكانت أول مقاطعة يسيطر عليها المسلمون في شبه القارة الهندية، وفتح مدينة «ديبل» وأقام بها مسجداً، وترك بها حامية من أربعة آلاف جندي، وأصبحت «ديبل» أول مدينة عربية في الهند؛ وهي مدينة اندثرت وكانت تقع بالقرب من كراتشي حالياً. ولكن الفتوحات العسكرية الحقيقية لم تبدأ إلا في القرن الرابع الهجري الموافق الحادي عشر الميلادي على يد السلطان محمود الغزنوي؛ إذ خاض حروباً شرسة ضد السكان الأصليين حتى استطاع إعادة فتح السند، ثم توجه إلى البنجاب وكشمير ومعظم شمال الهند، وأخضع هذه الأجزاء لحكم الإسلام. ويقول صاحب كتاب أطلس تاريخ الإسلام: «والحق أن السلطان محمود الغزنوي كان غازياً مجاهداً أخذ على عاتقه نشر الإسلام في بلاد الهند والقضاء على الوثنية فيها، وبلغ في فتوحاته إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، ولم تقل به قط سورة ولا آية، قد حصن عنها أجناس الشرك، وبنى بها مساجد وجوامع، وأقام بدلاً من بيوت الأصنام مساجد الإسلام» . وبعد سقوط الدولة الغزنوية جاءت من بعدها الدولة الغورية بزعامة السلطان محمد الغوري؛ فأعاد فتح المناطق التي احتلها الهندوس مرة أخرى، وأضاف إليها إقليم البنغال وكانت أكبر أقاليم البوذية في المنطقة حينذاك، وأعلنها بلاداً للإسلام، وتمكن الغوري من فتح بقية شمال الهند واتخذ من دهلي (دلهي القديمة الآن) عاصمة له. وإذا كان الغزنويون أصحاب الفضل في تحطيم قوى أمراء الهند وفتح معظم بلاد الهندوستان؛ فإنهم كانوا يعدون الهند امتداداً لأملاكهم في فارس وأفغانستان، فكانوا يعودون دائماً إلى عاصمتهم في غزنة خارج الهند. أما الغوريون فكانوا أصحاب الفضل في تثبيت أقدام الإسلام في الهند، وكان سلاطينهم وقادتهم يقيمون في الهند بصفة دائمة متخذين من دلهي عاصمة لهم؛ ولهذا فهم يعدون أول الدول الإسلامية في الهند، وكما يقول صاحب كتاب أطلس تاريخ الإسلام: «وبهم يبدأ تاريخ الهند الإسلامية» . وتوالت الدول الإسلامية على حكم الهند من خلجيين وآل تغلق، وانتهى بها الأمر إلى مغول الهند، وكان على رأسهم السلطان محمد بابر، ثم جلال الدين محمد أكبر الذي بلغت في عهده الدولة الإسلامية أقصاها في جنوب الهند. ويلاحظ في هذا السياق التاريخي السريع: أن هذه البلاد كان سكانها قبل الإسلام ينتمي معظمهم إلى الهندوسية، ولكن من خلال حكم الإسلام تحولت أقاليم بكاملها إلى الإسلام كإقليم البنجاب والسند والبنغال وكشمير، وبقيت الهندوسية متوطنة في جنوب الهند وأجزاء متفرقة من شمال الهند. ومما لا شك فيه أن دخول الهندوس الإسلام قد تراوح بين المد والجزر؛ ويرجع ذلك لعوامل كثيرة: منها ما يرجع إلى طبيعة الفاتحين وخصائص الدول الإسلامية التي قامت في الهند، ومنها ما يرجع إلى الطبيعة الهندوسية نفسها: فأما ما يرجع لطبيعة الفاتحين فقد تقلب على الهند أصناف شتى من الفاتحين، فمنهم من حرص على نشر الإسلام، وتعليم السنة، ومحاربة بدع وضلالات الوثنية الهندوسية، مثل محمود الغزنوي ذلك الفاتح العظيم الذي قاده حماسه لنشر الإسلام، وإبلاغ كلمة التوحيد في مجتمع وثني، وكانت تلك الحملات مسبوقة بطلب الدخول في الإسلام، وإلى هذا أشار السير توماس أرنولد في كتابه: (الدعوة إلى الإسلام) حيث يقول: «وفي الحق أن الإسلام قد عُرض في الغالب على الكفار من الهندوس قبل أن يفاجئهم المسلمون» . ومن هؤلاء الفاتحين من كان همه الدنيا وجمع المال، واستقطاع الضرائب، ومصادرة الأراضي، والتضييق على الناس في معاشهم؛ مما ألب عليه عامة أهل البلاد هندوساً ومسلمين كالسلطان علاء الدين الخلجي، فكان هو ورجاله يستولون على الأراضي الزراعية، وأثقل الناس بالضرائب والجبايات، ورأى أن كل المتحصل من المال ملك خاص له، ومنهم من كان همه الزعامة وإخضاع الناس لسلطانه حتى لو تخلى عن دينه باختراع ديانة جديدة يمزج فيها بين الإسلام والهندوسية كما فعل السلطان جلال الدين محمد أكبر أحد سلاطين دولة المغول في الهند، وذلك عندما أراد أن يقرب إليه الهندوس لتسهيل فتح جنوب الهند حيث يتمركز الهندوس بكثافة، فحاول إنشاء ما يعرف بـ «الدين الإلهي» على حد تعبيره، وحاول أن يمزج فيه بين الهندوسية والإسلام؛ فباءت محاولته بالإخفاق وتجرأ الهندوس على المسلمين بعدها. أما تأثير الهندوسية على دخول الهندوس الإسلام فالهندوسية ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، وهي مجموعة من العقائد والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر. والآريون الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية، واختلطت ديانة الفاتحين الجديدة بالديانة القديمة للهنود، بل مازجتها وتأثرت كل منهما بالأخرى، وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية على أيدي الكهنة البراهمة الذين يزعمون أن في طباعهم عنصراً إلهياً، ثم تطورت مرة أخرى في القرن الثالث قبل الميلاد عن طريق قوانين منوشاستر، وفضلاً عن الترهات التي تحتويها هذه العقيدة الوثنية؛ فإنه ما يعنينا هنا في بحثنا هو ما يتعلق بهذه العقيدة من تقسيمها للهنود إلى طبقات: ١ - البراهمة: وهم الذين خلقهم الإله براهما من فمه: منهم المعلم والكاهن، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم. ٢ - الكاشتر: وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه: يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. ٣ - الويش: وهم الذين خلقهم الإله من فخذه: يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية. ٤ - الشودر: وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم مع الزنوج الأصليين يشكلون طبقة المنبوذين، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاثة السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة، وهم أحط من البهائم وأذل من الكلاب بحسب قانون «منو» ، ومن سعادة المنبوذين أن يخدموا البراهمة وليس لهم أجر أو ثواب، وإذا مد أحد المنبوذين إلى براهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا همَّ أحد من المنبوذين بمجالسة برهمي فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد، إذا ادعى أحد المنبوذين أنه يعلّم برهمياً فإنه يسقى زيتاً مغلياً، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدع والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء. ومن هذه الطبقة الأخيرة استمد الإسلام معظم أتباعه في الهند بالرغم من أن العديد من ملوك الهند قد دخلوا في الإسلام كملك البنجاب وملك كشمير، ومن الغريب أن هذه الطبقة لا تزال تعاني الاضطهاد في الهند حتى الآن. ويقول تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية: (يعيش أكثر من سدس سكان الهند أي حوالي ١٦٠ مليون نسمة حياة غير مأمونة، ويتجنب الكثيرون في المجتمع مخالطتهم؛ لأنهم ينتمون إلى طبقة المنبوذين الذين لا تجوز ملامستهم، إنهم أبناء طائفة الداليت وهي تعني حرفياً المضطهدين التي تقع في الدرك الأسفل من نظام الطبقات الهندي، ويعاني الداليت من التمييز، ولا يسمح لهم بامتلاك الأراضي، ويرغمون على العمل في أوضاع مزرية ... وفي إطار هذا الفصل العنصري الخفي لا تزال قرى بأكملها في الكثير من الولايات مقسمة تماماً إلى طبقات) . وتبلغ نسبة المنبوذين في المجتمع الهندي ما يقرب من ٥٧ % من سكان الهند؛ لذلك يبدو القلق الهندوسي المستمر من تحول هؤلاء المنبوذين إلى خانة الإسلام كتحرير لأنفسهم من هذه الحيوانية المهينة، وأعرب عدد من القيادات الهندوسية عن قلقهم الشديد لاستمرار تحوّل الفقراء من الهندوس إلى الإسلام والمسيحية، وطالبوا بالتضامن بين الديانات المجوسية الثلاثة في الهند، وهي الهندوسية، والبوذية، والسيخ لبحث أسباب تحوّل أتباعهم إلى الإسلام وترك المجوسية. المرحلة الثانية: احتلال بريطانيا للهند: ذاعت شهرة الهند بالغنى في أوروبا، واشتهر سلاطينها بالتسامح؛ فتوافد عليها البرتغاليون والإنجليز، وثار نزاع بين الفريقين، ووقفت دولة المغول الإسلامية التي كانت تحكم سيطرتها حينذاك على شبه القارة الهندية إلى جانب الإنجليز ضد البرتغاليين، وارتكبت بذلك الخطيئة الكبرى؛ وبذلك فتح المغول بتسامحهم مع الإنجليز الطريق لهم ليستولوا على الهند قاطبة. ثم جاءت الخطيئة الثانية وهي قيام الحرب بين أمراء الدولة المغولية المتنافسين على الحكم؛ مما شجع الهندوس والسيخ بالثورة على حكم المسلمين. وفي هذه الأثناء تقدمت الجيوش الإنجليزية بتشجيع من الهندوس والسيخ نحو الولايات الهندية التي سقطت واحدة بعد الأخرى ودخل الإنجليز دلهي عاصمة المغول المسلمين عام ١٨٠٣م. وفي عام ١٨٥٨م ثار المسلمون في وقت واحد في الهند، وخاصة في الولايات التي يشكل فيها المسلمون أغلبية في ولايات البنجاب والبنغال ودلهي، ودارت معركة بين الثوار والجيش الإنجليزي الذي كانت غالبيته من الهندوس والسيخ، ولكن نظراً لتفوق الجيش الإنجليزي في المدافع والبنادق تغلبوا على المسلمين، وأنهت بريطانيا رسمياً سلطنة المغول الإسلامية، وأعلنت شبه القارة الهندية مستعمرة بريطانية يحكمها نائب للملك يقيم في مدينة دلهي الجديدة التي تم بناؤها بجوار دلهي القديمة عاصمة المسلمين. والواقع إن الإنجليز كان لهم أثر ضخم على العلاقات الهندوسية الإسلامية: فمن أجل إحكام السيطرة على الهند ونظراً للروح الصليبية التي كانت حريصة على الانتقام مما هو إسلامي اتخذوا سياسة معادية للإسلام؛ حتى أعلن اللورد آلان بورو أن العنصر الإسلامي في الهند هو عدو بريطانيا الأكبر، وأن السياسة البريطانية في الهند ينبغي أن تقوم على تقريب العناصر الهندوسية للتغلب نهائياً على سلطان المسلمين؛ لذا حرص الإنجليز على إبعاد المسلمين عن كل الوظائف ذات المسؤولية، ووضعوا مكانهم هندوساً أو سيخاً، وأصدروا قوانين لتملك الأراضي الزراعية، وجعلوا فيها حق التملك شائعاً بين الهندوس وغير الهندوس، ووضعوا أيديهم بذلك على أراض شاسعة كان المسلمون يملكونها، وطردوا المسلمين من أراضيهم وأعطوا جباة الضرائب من الهنود حق تملك الأراضي التي يستطيعون انتزاعها من أيدي المسلمين، كما عملوا على إلقاء العداوة في قلوب الهندوس والسيخ نحو المسلمين، وبدؤوا في تدريب السيخ والهندوس على القتال، واستعمال الأسلحة؛ وبذلك أصبح للإنجليز في الهند قوة قوامها مائة ألف جندي منهم عشرون ألفاً فقط من الإنجليز. لقد نجح الإنجليز في استمالة الهندوس لهم نتيجة تمييزهم بالوظائف الكبرى وغير ذلك من الامتيازات، وغذوا أسباب الحقد حتى أوجدوا حالة عدوانية بين الطرفين تحتاج إلى سنين لهدم الفجوة بين سكان المنطقة الواحدة. وبلغ الضعف بالمسلمين أنهم طالبوا الإنجليز بإقامة دولة لهم مستقلة عن الهندوس وهم في السابق أصحاب الأرض وملاكها، وبعد عدة قرون من تحكمهم فيها أصبحت كل آمالهم أن يقتطعوا جزءاً من مساحة شبه القارة الهندية ليقيموا عليها دولتهم المستقلة. المرحلة الثالثة: عقب الاستقلال وحتى الآن: يطلق على هذه الفترة التي شهدتها علاقات المسلمين بالهندوس بحقب المجارز والحروب؛ فالعلاقة الهندوسية الإسلامية تبلورت من خلال محورين: المحور الأول: وهو العلاقة بين الحكومة الهندوسية والمسلمين الواقعين تحت حكمها. المحور الثاني: وهو العلاقة بين المسلمين المستقلين بباكستان والحكومة الهندوسية. بالنسبة للمحور الأول: فمنذ الاستقلال وحتى الآن تشير كثير من التقديرات أن المسلمين في الهند تعرضوا خلال هذه الفترة إلى نحو ٤٠ ألف مجزرة، وتم خلالها هدم عشرات الآلاف من المساجد، إضافة إلى هدم وإحراق ضِعْف ذلك من منازل المسلمين ومتاجرهم، وكان كل ذلك يحدث تحت سمع الحكومة الهندية وبصرها بل برعايتها بصورة مباشرة، وما هدم المسجد البابري التاريخي في عام ١٩٩٢م، ومحاولة بناء معبد (راما) المزعوم على أنقاضه إلا دليل حي على تلك المآسي. وما هو أكثر من ذلك ما يتعرض له المسلمون في الهند من هجمة شرسة تقودها أركان الحكومة، تتمثل في محاولة قلب الموازين لدى المسلمين عبر ترسيخ قواعد الحضارة الهندوسية بدلاً من هويتهم الإسلامية، وتبديل عقائدهم الإسلامية العريقة بأخرى هندوسية؛ وذلك من خلال حملة منظمة تقف وراءها مؤسسات الدولة الهندية، كما تقف بجانبها منظمات هندوسية متطرفة، ودخل هذا المخطط حيّز التنفيذ منذ عام ١٩٤٧م، وشمل وسائل متعددة بدءاً بإحداث تغيير في المنهج التعليمي، وفرض الأفكار الهندوسية عوضاً عن الإسلامية تحت ذريعة «المنهج العلماني» ، ومروراً بتعديل المعاملات وقانون الأحوال الشخصية؛ وذلك بدمج قوانين هندوسية وإسلامية، وانتهاءً بالقضاء على الهوية الإسلامية وإظهار الولاء للدولة الهندوسية. ونشرت المجلة الهندية «صوت الداليت» أي المنبوذين التي تصدر في مدينة بنكالور الهندية في عددها الصادر في ١٦/٣/ ١٩٨٥م مقالاً حمل عنوان: «النموذج الأسباني للقضاء على المسلمين في الهند» ؛ حيث يقول كاتبه: «أصبح قتل المسلمين في الهند أمراً طبيعياً، فإذا ما طرحت القضية على المحافل الدولية اعترضت الهند على ذلك معتبرةً أن ما يحدث بها هو شأن داخلي، وأن طرحها في المحافل الدولية يعني تدخلاً في شؤونها الداخلية» . ثم يستطرد الكاتب فيقول: «.. ومما يزيد الأمر سوءاً أن مادة التاريخ قد حذفت كل أمجاد المسلمين في الهند، وأصبح أبطال المسلمين مثل السلطان تيبو، جزاري بقر ومرتكبي آثام» ، وأردف قائلاً: «كما يُحرم كبار الضباط المسلمين في الجيش والشرطة من الارتقاء في السُّلم الوظيفي، وحصر ذلك على الهندوس، ويتم إغلاق الباب أمام المسلمين لتعيينهم في وظائف حكومية، ولا سيما الدوائر الإعلامية» ، ويختم الكاتب مقاله بأن «قيادة المسلمين في الهند أصبحت خاضعة وواقعة بين الهندوس، وتتبع خطهم في كثير من المجالات» ، وتكمن أهمية هذه الشهادة في أن كاتب المقال ليس مسلماً بل هو هندوسي. ويقول الدبلوماسي الدكتور إحسان حقّي، وكان يشغل منصب سفير الجمهورية السورية بالعاصمة الهندية، في تقديمه لكتاب: «علمانية الهند» واصفاً حال المسلمين فيها: «إن المسلمين في العالم، والعرب منهم خاصة، يعيشون في برجٍ عاجي لا يعلمون شيئاً مما يجري في تلك البلاد، حيث يعاني (١٥٠) مليون مسلم في الهند، يعيشون في ظلم واضطهاد، وسبب ذلك إما الجهل بما يدور هناك أو عدم المبالاة بما يحدث» ، ثم يقول الدكتور: «ولكي تستر هندوستان استعمارها عن العيون تقول إنها بلد علماني، وهي ليست بعلمانية فقط، بل هي هندوكية متعصبة جائرة معتدية.. إن العلمانية هي غير ما هي عليه الهند تماماً، والعلمانية لا تكون بفرض عقائد خاصة على كل الناس على حدٍ سواء كما تفعله الهند» . وإذا كان الدكتور إحسان حقي يقول: إن العرب لا يعلمون شيئاً عن مصائب المسلمين في الهند ولكنهم الآن يعرفون؛ فماذا فعلوا؟ فقد صرح مندوب جامعة الدول العربية لدى الهند بأن الدول العربية ترى أن أعمال العنف الطائفي التي حدثت في ولاية كوجرات والتي أودت بحياة أكثر من سبعمائة شخص هي شأن هندي داخلي، وأنها لن تقف في طريق العلاقات التاريخية القديمة بين الدول العربية والهند! ! وأشار سفير جامعة الدول العربية لدى نيودلهي محمد حسين القذافي إلى أن الدول العربية تقف ضد الهجمات الظالمة ضد الشعوب في أي مكان، ولكن نحن نعلم أن مثل هذه الصدامات تقع لأسباب مختلفة في بلدان كثيرة. ونرجع إلى المجزرة الأخيرة في ولاية جوجارات على خلفية حادث القطار المزعوم كعينة من هذه المجازر، وفي إحدى حلقاتها قام آلاف الهندوس حوالي الساعة الثانية صباحاً وحاصروا قرية سادرابور التي تقطن فيها أقلية مسلمة لا يتعدى أفرادها ١٤٠ فرداً، ووضعوا حواجز حولها لمنع الشرطة من التدخل. وقام المعتدون بعدها بتشكيل برك الماء حول منازل المسلمين، وألقوا بداخلها أسلاكاً كهربائية ثم رموا بقنابل حارقة داخل البيوت المحيطة بالبرك المكهربة؛ بحيث عندما يحاول السكان الهروب يصعقون بالكهرباء، ومن رجع منهم احترق حياً داخل المنازل المشتعلة. وقد استطاع عدد قليل من السكان المسلمين الهرب عبر النوافذ الخلفية، بينما قتلت عشرات النساء والأطفال. وذكر مصدر في الشرطة الهندية أن عدد القتلى خلال خمسة أيام من المواجهات قد يتجاوز الألف معظمهم من المسلمين، في وقت أصبح كل مسلم (هدفاً) للمتطرفين الهندوس حسب تصريح أحدهم. وقال أحد السكان المسلمين الناجين من محرقة سادرابور إنهم اتصلوا بالشرطة قبل وقوع الهجوم؛ لكنها اكتفت بإرسال خمسة أنفار برفقة ضابط انسحبوا بعد طمأنة السكان بأنه لن يعتدي عليهم أحد. المحور الثاني: العلاقة بين باكستان والهند: تراوحت هذه العلاقة بين حروب دموية، وتهديدات بالحرب، وتسابق على التسلح وصولاً إلى النادي النووي، والصواريخ البعيدة المدى؛ فقد نشبت الحرب الأولى التي استمرت من أكتوبر عام ١٩٤٧م حتى بداية عام ١٩٤٩م، وفي يناير ١٩٤٩م أصدر مجلس الأمن الدولي بناء على طلب الهند قراراً يطالب الطرفين بوقف إطلاق النار، ثم اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو لإجراء استفتاء بين سكان الإقليم يعطيهم حق تقرير المصير، لكن الهند راوغت طويلاً في تنفيذ القرارين الدوليين، ثم أعلنت رفضها للتنفيذ وضمها للإقليم. وأدى استمرار الهند في احتلال كشمير ورفضها تنفيذ القرارات الدولية المتتالية بشأن الإقليم إلى نشوب الحرب الثانية بين الهند وباكستان عام ١٩٦٥م والتي انتهت بهزيمة الجيش الباكستاني للمرة الثانية. أما الحرب الثالثة بين البلدين فقد كانت في ديسمبر عام ١٩٧١م، ولكن أسبابها كانت بعيدة كل البعد عن كشمير وأزمتها، فقد كانت الهند خلف هذه الحرب؛ وذلك باستمرارها في تشجيع النزاعات الانفصالية لدى زعماء الإقليم الشرقي في باكستان مستفيدة من أخطاء الحكومة المركزية في التعامل مع أبناء القومية البنغالية، وانتهت الحرب بهزيمة فادحة لباكستان، وانفصال إقليمها الشرقي عنها تحت اسم «بنجلاديش» ، والتوصل لاتفاق «شيملا» في يوليو عام ١٩٧٢م الذي يتضمن مبادئ العلاقة بين الجانبين، وسبل تسوية الخلافات بينهما بالطرق السلمية، واحترام السيادة والوحدة الإقليمية، وعدم اتخاذ أية إجراءات تغير الواقع على الأرض، والالتزام بخط وقف إطلاق النار في الاقليم. واستهدفت الهند من الاتفاق منع إسلام آباد من الاستعانة بالأمم المتحدة في النزاع على إقليم كشمير من منطلق رؤية الهند له على أساس أنه شأن داخلي لها، ولم تملك باكستان سوى قبول الاتفاق في ظل ٩٠ ألف أسير لها في الهند. أما في الثمانينيات فقد اختلف نمط النزاع؛ حيث نشأت جبهة تحرير جامو وكشمير، وهذه الجبهة تتكون من الكشميريين أنفسهم، وهي تطالب بالاستقلال، ولقد ألقت بظلالها على مسرح الأحداث لتضيف اعتباراً وبعداً جديداً للقضية، فقد بدأت العمليات المسلحة بالظهور داخل الاقليم وأسفرت عن قتل ٣٠ ألفاً في عام ١٩٨٩م، وحتى وقف إطلاق النار في نوفمبر ٢٠٠٠م. في فترة التسعينيات تنامى سباق التسلح بين الهند وباكستان ووصل ذروته في مايو ١٩٩٨م من خلال التجارب النووية التي أجريت، فقد بدأت الهند بخمس تجارب نووية في ١٩٩٨م، فبادرت باكستان بدورها فوراً وقامت بست تجارب نووية مماثلة؛ وبهذا ينتقل سباق التسلح من نمط السلاح التقليدي إلى نمط جديد هو السلاح النووي الفتاك. فقد كان التسلح قبل التسعينيات مقتصراً على تجارب إطلاق الصواريخ قصيرة المدى، فمنذ عام ١٩٩٤م بدأت تجارب إطلاق الصواريخ مثل «بريتفي» الهندي و «حتف ١ و ٢» الباكستاني، ثم قامت باكستان بتجربة صاروخ «جوري ١» في ٦ ابريل ١٩٩٨م بعد فوز حزب بهاراتيا جاناتا المتطرف في الهند والإعلان عن عزمه تنفيذ أجندته تجاه باكستان وقبل التجارب النووية الهندية بـ ٣٦ يوماً؛ علماً بأن الهند كانت قد أجرت تجربة ناجحة على صاروخ «اجني ١» الذي يصل مداه إلى ١٥٠٠كم، وأعدت تجارب على «اجني ٢» المعدل والبعيد المدى والذي يمكنه ضرب جميع الأهداف الباكستانية حتى لو وضع في آخر الهند. ويعد صاروخ «شاهين» الذي أطلق بعد صاروخ «غوري ٢» بيوم واحد أساساً لبرنامج صاروخي باكستاني متفوق على البرنامج الصاروخي الهندي؛ وذلك لما يميز صاروخ شاهين عن غوري، فصاروخ شاهين يعتمد على الوقود الصلب في حين أن غوري يعتمد على الوقود السائل، فالوقود الصلب يعطي الصاروخ عمراً افتراضياً أطول، ويسمح بتطوير صناعة صواريخ أصغر حجماً وهو ما يجعل القدرة على التحكم والتوجه أكثر سهولة، كما أنه يسمح برد أسرع حيث يمكن إبقاؤه في وضع الاستعداد للإطلاق، ويمكن تبديل الوقود الصلب بسهولة وبمجرد انتهاء صلاحية الوقود الصلب، في حين تحتاج الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل إلى ملء خزان الوقود قبل إطلاقه وهو ما يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات. أما الميزة الثانية التي تميز صاروخ شاهين فهي نجاح سياسة باكستان في تشكيل هيئتين لتطوير الصواريخ وإنتاجها، وهما مختبر خان للأبحاث، ومجمع الدفاع الوطني، وكلاهما في هيئة الطاقة النووية الباكستانية، في حين أن البرنامج الصاروخي الهندي هو مسؤولية مؤسسة الأبحاث والتطوير الدفاعي. التحالف اليهودي الهندوسي البروتستانتي: تنتشر منذ فترة الكتابات عن الحلف الإسرائيلي الهندي الأمريكي، وتتنوع هذه الكتابات، وفي نفس الوقت يطعن الكثيرون فيها باعتبارها إرهاصات وخيالات لا يتوفر في كثير منها أدلة مقنعة؛ ومن ثم لا ترتقي إلى درجة اليقين والتثبت. ولكن عند وضع هذه العلاقات على محك السنن الربانية ومقياس المنهج العلمي المنضبط يمكن رصد هذه العلاقات من خلال عدة أسس: أولاً: تلاقي المصالح والأهداف: اجتمعت الطوائف الثلاث: الهندوسية واليهودية والبروتستانتية على هدف واحد وغاية مقصودة، هذه الغاية تحول بينهم وبين ما يطمحون فيه من السيطرة والزعامة العالمية ويمثل الإسلام تلك العقبة الكؤود. يقول الدكتور أليف الترابي في كتابه الشهير: «المطامع الهندوسية في العالم الإسلامي» : إن فيلسوف الهند الشهير (بي. إن. أوك) ذكر في كتابه بعض الأخطاء في البحوث التاريخية للهند: أن هناك دلائل عديدة يستنتج منها أن الجزيرة العربية خضعت لسلطان الملك الهندوسي «فيكراماديتيا» كما أن هناك أدلة أخرى تؤكد أن المعبد (الكعبة) يعود في بنائه إلى عام ٥٨ ق. م على يد الملك فيكراماديتيا، وعلى نفس الدليل يمكن إرجاع وجود شعار «المهاديف» أحد آلهة الهندوس في الكعبة ذاتها وهو ما يطلق عليها اليوم اسم «الحجر الأسود» عند المسلمين! ! إذن فهدف الهندوس هو استعادة هذه المقدسات التي اغتصبها المسلمون منهم. أما الهدف البروتستانتي اليهودي فأمريكا مثل بريطانيا ذات أغلبية بروتستانتية تغلغلت في تفكير مواطنيها الأفكار والتنبؤات التوراتية الخاصة بعودة اليهود إلى فلسطين، ومما قوّى هذه الأفكار التجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا، حينما قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين. وفي حفل أقامته على شرفه جامعة تل أبيب وضح كارتر الأمر أكثر؛ حيث ذكر أنه بوصفه نصرانياً مؤمناً بالله يؤمن أيضاً أن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة (إسرائيل) . لقد كان (كارتر) مثالاً للرئيس الملتزم بالصلاة في الكنيسة كل أحد، وكان عضواً في أكبر كنائس بلدته، وشماساً في مدرسة الأحد. أما (ريجان) فقد قال في إحدى خطبه موجهاً كلامه إلى بعض اليهود الأمريكيين: (حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة (هرمجدّون) أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً) ، وأخيراً بوش الابن الذي حفز الشعب الأمريكي لمحاربة القاعدة وطالبان والجماعات الإسلامية بقوله: «إنها حرب صليبية» . لقد عبّر الكاتب اليهودي الأمريكي (جون بيتر) عن واقع أمريكا عندما قال: (إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهاينة كما ينحني العابد أمام قبر مقدّس) ! ثانياً: صعود المتطرفين في كل من الدول الثلاث للحكم: معروف أن هنالك العديد من المنظمات الهندوسية المتطرفة أهمها منظمة (آر. إس. إس) راشتريه سويام سيفك سنغ التي تعد أشهر وأكثر انتشاراً وتأثيراً في المجتمع الهندي؛ حيث إن عدداً كبيراً من قادة الحزب الحاكم بهارتياجاناتا ينتمون إلى هذه المنظمة. تأسست المنظمة في عام ١٩٢٥م على يد مؤسسها الدكتور كيثورام بلرام هيد كيوار الذي تقلد عدة مناصب في حزب المؤتمر الهندي في وقت مبكر إلا أنه شعر بالإحباط الشديد بعد انتهاء حركة سوراج الهندوسية والمتطرفة، وازداد شعوره هذا حينما وصل غاندي إلى رئاسة المؤتمر، وازداد نشاط المسلمين في الحزب. عندئذ استقال من حزب المؤتمر وأسس منظمة (آر. إس. إس) لرعاية الشباب الهندوس والنهوض بالدولة؛ على أساس أن الهند للهندوس دون غيرهم من الديانات والثقافات. أما في إسرائيل فقد صعد شارون للحكم وهو يمثل قمة من قمم التطرف في السياسة الإسرائيلية؛ حيث صعد معه تحالف من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تطالب بترحيل العرب قسرياً من إسرائيل. وفي الولايات المتحدة صعد الحزب الجمهوري لسدة الحكم وهو يمثل اليمين الأمريكي، ويسيطر عليه التيار البروتستانتي المعروف بأفكاره التوراتية التي يريد نقلها لعالم الواقع، كما سيطر على إدارة بوش فريق تشيني نائب الرئيس، وهو فريق صهيوني متشدد ينظر إلى هيمنة أمريكا التي لا حد لها وعدم تقدير الآخرين في سبيل الوصول لتلك الهيمنة؛ في مقابل فريق باول وزير الخارجية المعتدل نسبياً عن الفريق الآخر الذي يرى ضرورة تقدير مصالح وآراء الآخرين للوصول إلى الهيمنة المطلوبة. ثالثاً: تشابه التكتيكات والأساليب: نجد أن نفس الممارسات التي تمارسها الحكومات في الهند وأمريكا وإسرائيل تتشابه، وخاصة أنها تمارس مع المسلمين الذين يقاومون مشاريع الدول الثلاث في الهيمنة والتحكم. والمثال الأقرب على ذلك ما قامت به الهند من مطالبة باكستان بتسليم أفراد من جماعات كشميرية تتهمهم بتدبير محاولة تفجير مبنى البرلمان الهندي، ورفضت في نفس الوقت تقديم أي أدلة تستند عليها في اتهام جماعات كشمير. وهذا ما فعلته أمريكا في قضية تفجيرات نيويورك؛ حيث طالبت نظام طالبان بتسليمها قيادات القاعدة الذين اعتبرتهم المسؤولين عن هذه الأحداث، ورفضت إعطاء أية أدلة تثبت بها مزاعمها. وأيضاً ما تمارسه إسرائيل مع الفلسطينيين ومطالبتها إياهم بتسليم أبطال المقاومة الفلسطينية دون توافر أدلة محددة على عملياتهم البطولية. رابعاً: التصريحات العلنية: ١ - في سنة ١٩٥٥م طالب حزب «الجان سانغ» في قرار رسمي بإقامة العلاقات مع إسرائيل، وهو الحزب الذي سبق للمتعصبين استخدامه واجهة سياسية قبل تطويره إلى حزب «بهارتيا جاناتا» الحاكم حالياً. وحين انتخب «فاجباي» نائباً في البرلمان لأول مرة سنة ١٩٥٧م طالب في أول خطاب له بالبرلمان إقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني. وحين أصبح «فاجباي» وزير خارجية بحكومة «مورارجيديساي» دعا وزير الخارجية الإسرائيلي «موشي دايان» إلى زيارة الهند (سراً) سنة ١٩٧٨م، فزارها، وتمَّ الاتفاق خلال الزيارة على إقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، إلا أن حكومة حزب جاناتا سقطت. ٢ - أكد الكاتب الهندي «جبريل لان جان» في مقال له نشره بمجلة Round Table الصادرة من نيودلهي في عدد شهر أغسطس لعام ١٩٧٠م، أن رأي رئيس الوزراء الهندي آنذاك «جواهر لال نهرو» الذي كان عليه أن يباري باكستان في كسب صداقة الدول العربية بإخفاء الاعتراف بوجود إسرائيل رسمياً كان رأياً صحيحاً وحكيماً، وهذه العلاقة الودية تنامت منذ اليوم الأول لقيام الدولتين؛ حيث سادت الأجواء عبارات الغزل والملاطفة، وهو ما دعا زوجة موشى دايان أن تقول: «أعتبر الهند بلدي الثاني» . ٣ - قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير: «إن الهند وإسرائيل صديقتان وتواجهان خطراً مشتركاً وهو الإرهاب الإسلامي، ولا بد من التعاون والتنسيق لمواجهة ذلك الخطر» . ٤ - وزير الداخلية الهندي «أدفاني» أثناء زيارته الأخيرة لإسرائيل ليزيد من عمق العلاقات الودية بين الدولتين قال: «الهند وإسرائيل كلتاهما دولتان صديقتان وتواجهان خطراً مشتركاً، وهو الإرهاب الإسلامي، فلا بد من التعاون والتنسيق بينهما لمواجهة هذا الخطر المشترك» ، وأضاف: «إن الحكومات الهندية السابقة أخفت علاقاتها مع إسرائيل نظراً لعلاقاتها مع الدول العربية ومراعاة لعواطف المسلمين الهنود، لكننا لا يهمنا هذا وسنعلنها بكل صراحة» . ٥ - تحدثت صحيفة هآرتس الإسرائيلية منذ أشهر عن ضوء أخضر أمريكي للحكومة الإسرائيلية لبيع ثلاث طائرات رادار من طراز فالكون، مزودة بتقنية استخبارية متقدمة مشابهة لتلك الموجودة في طائرة أواكس للإنذار المبكر. ٦ - في مقال نيويورك تايمز ذكر فيه أن إحجام واشنطن عن تقديم الدعم إلى الهند في حربها ضد ما تسميه الإرهاب، يعود إلى سعي الإدارة الأميركية إلى عدم إثارة العالم الإسلامي والمحافظة على التحالف الحالي ضد الإرهاب. لكن مساعدة إسرائيل للهند لن تؤثر في دور الإدارة والتحالف الذي تتزعمه ضد الإرهاب. ويعتقد بعض الخبراء بأنه جرى تبادل خبرات بين البلدين في مجالات الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية. وسيؤمن حصول الهند على طائرات أواكس سيطرة جوية مطلقة لها على ساحة المعركة ضد باكستان في المستقبل. ٧ - أعلن مسؤول تجاري هندي أن الاستثمارات الإسرائيلية في بلاده قد تضاعفت خلال السنوات الأخيرة لتصبح إسرائيل هي تاسع أكبر المستثمرين الأجانب المؤثرين في الاقتصاد الهندي. ٨ - التحالف الإلكتروني بينهم؛ حيث طالب بعض أعضاء منظمة هندوسية متطرفة، وتتلقى دعماً مالياً من المنظمات الصهيونية على الإنترنت من خلال موقعهم الرسمي بمهاجمة المسلمين بالمثل وتدمير الكعبة، مثلما تم تدمير تمثال الشرك وصنمه «بوذا» في أفغانستان من قِبَل حركة طالبان. ويحتوي الموقع الذي يدعمه موقع حركة كاهانا اليهودية المتطرفة مضامين عنصرية كريهة للدين الإسلامي، منها اتهامهم المسلمين أن ديانتهم الأصلية تعود إلى البوذية بسبب رداء الحج والعمرة الذي يرتدونه والذي يشبه رداء كهنتهم. ٩ - في افتتاحية الواشنطن بوست (٢٠/١٢) ترى أن الخطوة القادمة في الحرب على الإرهاب يجب أن تكون في باكستان قبل العراق والصومال لمواجهة جماعات الإرهاب الباكستانية التي تتهمها الهند بالاعتداء على برلمانها. كما ترى الجريدة ذات الهوى الصهيوني المتطرف أن الهند مارست ضبط النفس بدرجة تدعو للإعجاب، وينبغي ألا يُحظر عليها ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تمارسه أميركا وإسرائيل. ١٠ - كشفت مجلة «إنديا توداي» الهندية عن مباحثات بين نيودلهي وواشنطن بشأن تشكيل تحالف عسكري كبير طويل المدى. وأوضحت المجلة أن التحالف العسكري المقترح يشمل إقامة قواعد عسكرية وميادين للتدريب على إطلاق النار وشبكة اتصالات مشتركة ومنشآت تدريب لقواتها في الهند إلى جانب تأمين البحرية الهندية للمصالح الأمريكية الواقعة في منطقة المحيط الهادي. ١١ - في خلال شهر واحد فقط قام مسؤولون إسرائيليون بزيارة الهند ثلاث مرات إحداها قام بها شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي الذي صرح بأن إسرائيل تقف بجانب الهند في برامجها ضد (الإرهاب والإرهابيين) عسكرياً وسياسياً، ومن قبله كشف السفير الإسرائيلي في الهند في مقابلة أجرتها معه صحيفة «صنداي الهندية» الأسباب الرئيسة لهذا التحالف فقال: «إن قضية الإرهاب الأصولي تشكل تحدياً مشتركاً للهند وإسرائيل، وعلينا أن نستأصل هذا الخطر من جذوره» . وهكذا في ظل ابتعاد المسلمين عن دينهم، وعن رؤية واقعهم، والمخططات التي تحاك ضدهم يظل الأعداء يتربصون وينقضون حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

стр. 4244

المسلمون والعالم الأسرى بين قبرص وغوانتانامو د. عبد العزيز آل عبد اللطيف [*] مع أن ابن تيمية ﵀ قد حقق مقولته الرائعة: «المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه» ؛ حيث سُجن سبع مرات، وتعرض لصنوف شتى من البلاء والمحن، وكان في السجن أسعد الناس قلباً وأهنأهم عيشاً؛ مع ذلك كله فقد سعى سعياً حثيثاً في فك أسرى المسلمين واستنقاذهم، فخرج في شهر رجب سنة ٦٩٩ هـ إلى مخيم بولاي أحد قادة التتار واجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين؛ فاستنقذ كثيراً منهم من أيديهم [١] . وكتب ابن تيمية ﵀ رسالة مطولة إلى ملك قبرص «سراجسوان» أحد ملوك النصارى في شأن أسرى المسلمين عند ذلك الملك، ضمنها دعوة إلى دين الإسلام وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأظهر رحمته ومحبته الخير لكل أحد، كما أشار إلى مساعيه عند التتار في فك أسرى المسلمين وأهل الذمة من النصارى. إلى أن قال ﵀: «أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمان ما لا يحصي عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة؛ فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ولا ذو دين؟ ! أليس الأسرى في رعية الملك؟ ! أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء توصي بالبر والإحسان فأين ذلك؟ !» [٢] . فأنكر شيخ الإسلام على هذا الملك النصراني المعاملة السيئة لأولئك الأسرى، مع أن وصايا المسيح تنص على اللين والإحسان، ومع أن أهل الإسلام يعاملون النصارى الذميين والمستأمنين بالبر والعدل. ثم قال ﵀: «ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوماً غدراً أو بغير غدر ولم يقاتلوهم، والمسيح يقول:» من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الآخر «، وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص، سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء وضعفاء، ليس لهم من يسعى فيهم ... والله تعالى لم يأمر المسيح ولا أحداً من الحواريين لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم ... ثم في فكاك الأسير وثواب العتق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو معروف لمن طلبه» [٣] . وهكذا سلك الشيخ مسلك الترهيب من غضب الله وغضب أهل الإيمان، كما رغّب في فكاك الأسير وما فيه من الثواب، إلا أن توعد الشيخ وتحذيره لذلك النصراني تكرر في غير موضع، ومن ذلك قوله: «ثم عند المسلمين من الرجال الفداوية [٤] الذين يغتالون الملوك على فرشها، من قد بلغ الملك خبرهم قديماً وحديثاً، وفيهم الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم ولا يخيب طلباتهم، الذين يغضب الرب لغضبهم ويرضى لرضاهم» [٥] . «فما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم رب العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم، وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامهم فينالون منها [٦] ما نالوا من غيرها؟ !» [٧] . ومع تعدد أوجه التشابه بين أحوال المسلمين في القرن الثامن الهجري (عصر ابن تيمية) وبين أحوال المسلمين في هذا العصر كما نلحظه في أحوال أسرى قبرص وأسرى غوانتانامو إلا أن أسرى قبرص لقوا اهتماماً ظاهراً، ومواقف عملية صارمة من ابن تيمية، وأما أسرى المجاهدين بكوبا (غوانتانامو) ، وأسرى المجاهدين الفلسطينيين في السجون اليهودية، وأسرى المجاهدين الكشميريين في السجون الهندوسية، وأسرى المجاهدين الشيشانيين في روسيا.. وغيرهم من الأسرى المستضعفين؛ فلا بواكي لهم، فأين الاحتساب في قضيتهم؟ وأين المطالبة بحقوقهم؟ ! وأين الدعوة إلى العدل فيهم والإحسان في معاملتهم؟ ! وأين التضرع إلى الله تعالى واللجوء إليه أن يفك أسرهم ويرغم عدوهم؟ ! إن ثمة وسائل متنوعة تجاه قضية أولئك الأسرى، ولا أظن أن سرد تلك الوسائل يعوزنا أو يعجزنا، وإنما داؤنا: وَهَنٌ في الإرادة والعزيمة. إن على أهل العلم والدعوة والمؤسسات والحركات الإسلامية والمنظمات الحقوقية أن تسهم على أقل الأحوال بجهد المقل وأضعف الإيمان تجاه أولئك الأسرى المضطهدين؛ فإن نصرة أهل الإسلام من الواجبات الشرعية؛ فكيف إذا كانوا مجاهدين أو مظلومين؟ ! قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» [٨] ، ولا سيما أن الغرب نفسه ممثلاً في كثير من جمعياته التي تسمى بالإنسانية والحقوقية، والإعلاميين، وبعض السياسيين قد تذمروا من معاملة إسرائيل وأمريكا وروسيا لأولئك الأسرى المسلمين. أما أنتم معشر الأسرى فأعظم الله أجركم، وجزاكم الله كل خير على صبركم وجَلَدكم، وتذكروا أن من اتقى الله تعالى جعل له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وكان الله في عونكم.

стр. 4245

المسلمون والعالم الشعب الفلسطيني معاناة وألم بين المعابر والسجون هشام سلامة [*] وسمير سعيد ناشد الأسرى الفلسطينيون في سجن «مجدو» بتاريخ ١٧/١١/٢٠٠١م، مؤسسات حقوق الإنسان لممارسة الضغط على العدو الصهيوني لوقف المضايقات والإجراءات التعسفية التي تمارسها إدارة السجن بحقهم، وأوضح الأسرى في مناشدتهم أن الحكومة الصهيونية لا تزال تمنعهم من مقابلة ذويهم منذ ١٤ شهراً؛ مما أدى إلى ازدياد معاناتهم والتسبب في نقص حاد في الملابس والمواد التموينية، ويبلغ عدد المعتقلين في «مجدو» نحو ١٠٠٦ معتقلين، واشتكى الأسرى من النقص الحاد في الرعاية الطبية وعلى وجه الخصوص عدم وجود طبيب أسنان في السجون؛ علماً بأن العشرات من الأسرى بحاجة إلى علاج فوري لأسنانهم. وأوضح الأسرى أن عدد المعتقلين الإداريين في السجن المذكور ارتفع إلى ٣٣ معتقلاً؛ من بينهم اثنان من القاصرين، وهم أحمد قليبي وهيثم أبو الريش. الأشقاء الثلاثة المكفوفون الأسرى: كما يشعر الأشقاء المكفوفون (منذر، ومزهر، وشادي بدير) من بلدة كفر قاسم داخل الخط الأخضر بارتياح شديد بعد معاناة استمرت أكثر من خمس سنوات؛ وذلك عندما وضعت المحكمة الصهيونية المركزية في تل أبيب نهاية لمعاناتهم الناجمة عن مطاردتهم من الشرطة والأجهزة الإسرائيلية. وأصدرت المحكمة بتاريخ ١٧/١١/٢٠٠١م حكماً بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية قدرها ٧٥ ألف شيكل على منذر «٢٤ عاماً» الذي يقبع في سجن «نيتسان الرملة» منذ ٢٩ شهراً، وذلك بتهمة الإرهاب المُحَوْسب، فيما حكم على شقيقه الذي يكبره سناً مزهر «٢٥ عاماً» بالسجن مع وقف التنفيذ مدة عام ونصف، وغرامة مالية قدرها ٢٥ ألف شيكل بالتهمة ذاتها، لكن بدرجة أقل، كما قال مزهر في أعقاب صدور الحكم. وأجلت المحكمة ذاتها النطق بالحكم بحق الشقيق الأصغر شادي «٢٣ عاماً» إلى جلسة خاصة وسط توقعات بعدم إدانته؛ ذلك أن تهمة «الإرهاب المحوسب» وجهت ضده من النيابة الصهيونية العامة عندما لم يكن يتجاوز السن القانوني الذي يسمح بمحاكمته. وأضاف: إن ممثل النيابة العامة طلب في بداية جلسة النطق بالحكم إنزال أشد العقوبات بالأشقاء الثلاثة، وفي المقدمة منهم منذر الذي طالب ممثل النيابة العامة بإصدار حكم بالسجن الفعلي عليه مدة لا تقل عن ١٥ عاماً؛ بذريعة أنه يشكل خطراً كبيراً على الأمن الصهيوني وأنظمة المعلومات المحوسبة، ووجهت القاضية وفقاً لما قاله مزهر انتقادات لاذعة إلى النيابة العامة على قسوة الإجراءات التي اتخذتها على مدار السنوات الخمسة الماضية ضد الأشقاء، والتي اعتبرتها خرقاً وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. ويعتزم الأشقاء المكفوفون التقدم بشكوى رسمية ضد النيابة العامة والشرطة الصهيونية على الإجراءات العنصرية التي تعرضوا لها على مدار أكثر من خمس سنوات من الملاحقة. وكانت الشرطة الصهيونية وجهت مجموعة من التهم إلى الأشقاء الثلاثة؛ أبرزها اختراق أنظمة الدفاع الصهيونية، وسرقة ملف لعملاء الاحتلال اتهموا بتسريبه إلى جهات فلسطينية، إلى جانب تهمة تزويد منظمة حزب الله بمعلومات حول نقاط ضعف الجيش الصهيوني في المواقع التي كان يحتلها بالجنوب اللبناني قبل أن ينسحب منه، وتطوير الجهاز الخلوي الخاص بأسامة بن لادن. إدارة سجن الرملة تنقل معتقلاً إلى العزل الانفرادي: قالت مصادر حقوقية داخل الخط الأخضر تعنى بقضايا الأسرى في سجون الاحتلال أمس إن إدارة سجن الرملة أدخلت مهندساً كيماوياً تعتقله إلى قسم العزل الانفرادي؛ وذلك رغم تردي حالته الصحية جراء التحقيق العنيف والمتواصل معه. وذكرت جمعية أصدقاء المعتقل والسجين في الناصرة في بيان لها أن قوات الاحتلال اعتقلت المهندس الكيماوي مازن مصطفى ملصا من مدينة البيرة على معبر الكرامة لدى محاولته دخول الضفة الغربية، ونقلته إلى سجن الرملة؛ حيث أمضى في زنازين العزل والتحقيق ١٤٣ يوماً، ومن ثم تم نقله إلى العزل الانفرادي. وأفادت الجمعية أن محاميها «توفيق بصول» تمكن من زيارة مازن ملصا الذي أبلغ المحامي أنه يعيش أوضاع اعتقال غاية في السوء؛ حيث تمنعه إدارة السجن من التحدث مع زملائه الأسرى، وترفض تزويده بالملابس والغيارات الداخلية، وتشدد الخناق عليه لدرجة أنها حولت حياته إلى جحيم لا يطاق. وقال بصول: إن إقدام إدارة الرملة على عزل المعتقل ملصا في زنزانة انفرادية يفتقر للحد الأدنى من الشروط الآدمية، ولا تدخلها أشعة الشمس ولا الهواء؛ مما يتنافى والاتفاق الذي توصل إليه الأسرى مع مصلحة السجون العامة في أعقاب الإضراب الأخير، ويقضي جزء منه بإنهاء ظاهرة العزل الانفرادي بعد الانتهاء من التحقيق مع المعتقل. الأسيرات يعانين من نقص في الملابس: من جهة أخرى قال بصول إنه زار الأسيرات في سجن الرملة والتقى الأسيرة أحلام التميمي التي أطلعته على معاناتهن الناجمة عن ممارسات الإدارة. وقالت أحلام التميمي: إن إدارة السجن أعادت مؤخراً زميلتها «آمنة منى» من معتقل «أبو كبير» إلى سجن «الرملة» مشيرة إلى أن الأسيرات اللواتي زاد عددهن من عشرة إلى ١٣ أسيرة يعانين من نقص حاد على صعيد الملابس بمختلف أنواعها. ٨ - معتقلات صهيونية غير صالحة حتى للحيوانات: في تقرير خطير جداً عن الأوضاع السائدة في ثمانية معتقلات صهيونية أن «المعتقلين في» بيتح تكفا «و» ريشون لتسيون «والقسم العام في معتقل » هكيشون «وقسم الذين يجب حمايتهم في» أبو كبير «غير جديرة بأن تعيش فيها الحيوانات، ويجب إغلاقها على الفور» . وقال التقرير أيضاً: «تداس حقوق الإنسان للمعتقلين في (إسرائيل) بأقدام فظة بسبب ظروف الاعتقال القاسية التي يعيشون فيها. الاكتظاظ في المعتقلات يجبر معتقلين كثيرين على النوم على الأرض، وتكون الفرش أحياناً مبللة بالمياه بسبب تسرب مياه من الأنابيب، والغرف ذات رائحة كريهة، عفنة، والإضاءة سيئة. أما الظروف الصحية فأدنى من أي مستوى يمكن أن توجه انتقادات له، كما يعاني المعتقلون من حرارة خانقة، وتصدر شبكات التهوية ضجيجاً يصم الآذان» . وقال التقرير: إنه يوجد في معتقل «أبو كبير» ٤٠ شاباً يفكرون بالقيام بعمليات استشهادية، ويحتجز هؤلاء لأشهر في غرف مثل الأقفاص، ويكبل بعضهم بالأصفاد بهدف تهدئتهم وكبح جماحهم. معاناة الشعب الفلسطيني اليومية على الحدود والمعابر والحواجز في ظل انتفاضة الأقصى وما بعد أوسلو: قطاع غزة: حسب الاتفاق الموقع بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني فإن المرور بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة سيكون عن طريق واحد أو أكثر، وكذلك مرور القوافل الصهيونية والسائحين بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة قد يكون أيضاً عن طريق نقاط العبور التالية: نقطة عبور «كيسوفيم» ، نقطة عبور «كيريم شالوم» ، نقطة عبور «إيلاي سيناي» . وينص الاتفاق على أن يكون هناك ضابط اتصال فلسطيني في نقاط العبور الموجودة على الجانبين. إن معاناة المواطنين الفلسطينيين منذ اتفاق أوسلو على هذه الحواجز مستمرة، وتزادد يوماً بعد يوم، وفي انتفاضة الأقصى أصبح الوضع مختلفاً تماماً؛ حيث قامت قوات الاحتلال بتقسيم أوصال قطاع غزة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قطعت الطريق بين مدينة غزة والجنوب عند حاجز «نتساريم» أي جنوب مدينة غزة، والذي أطلق عليه لاحقاً «مفرق الشهداء» لكثرة سقوط عدد الشهداء عنده وخاصة في الأيام الأولى؛ حيث بلغ عدد الشهداء حوله في الأسابيع الثلاثة الأولى ٢٥ شهيداً بينهم الطفل محمد الدرة، وسائق الإسعاف بسام البلبيسي. القسم الثاني: من مفرق الشهداء حتى مستوطنة «كفار دارووم» على مدخل مدينة دير البلح. القسم الثالث: هو مدينتا «رفح» و «خان يونس» . وبذلك يصبح القطاع مقسماً ثلاثة أجزاء إضافة للمستوطنات الموجودة والتي تبلغ مساحتها ١٠٠ كيلو متر مربع داخل حدود القطاع التي هي في الأصل ٣٦٠ كيلو متر مربع فقط، فأين سيتحرك حوالي مليون ونصف مليون إنسان في هذه المنطقة، هذا إذا ما أضفنا الحصار والحواجز والقصف الليلي والعشوائي المستمر منذ اندلاع انتفاضة الأقصى؟ ! فالحواجز تستخدم لابتزاز الناس والتضييق عليهم، وهناك العديد من الحالات المأساوية التي حدثت على هذه المعابر منها: حالات اختناق غاز، وحالات إجهاض، وحالات وفاة للمرضى الذين يمنعون من الوصول للمستشفيات بالسرعة المطلوبة رغم ركوبهم في سيارات الإسعاف التي تتعرض للتفتيش والابتزاز، وعدم السماح لها بالعبور إلا بعد ساعات، وكذلك تعمد إيقاف الناس على الحواجز والمعابر بالساعات، وكثير منهم كان ينام على هذه الحواجز أو يعود من حيث أتى هذا إن سمح له. فالحواجز والمعابر الداخلية لا تسمح بالحركة لأحد إلا بشق الأنفس، بالإضافة إلى الاستفزازات التي يمارسها المستوطنون، والسيارات التي تنقلهم، والحراسات على هذه الحواجز والمعابر من نقاط رئيسية للعدو الصهيوني ومراكز تجمع وانطلاق، وقد شكلت نقاط تماس ومواجهة رئيسية للعدو الصهيوني في انتفاضة الأقصى. المعابر: جاء في نص الاتفاق بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني: «إن إسرائيل مسؤولة خلال الفترة الانتقالية عن الأمن الخارجي بما في ذلك على طول الحدود المصرية والأردنية؛ فإن عبور الحدود ينبغي أن يحدث طبقاً للترتيبات المتضمنة في هذه المادة، وتهدف هذه الترتيبات إلى إيجاد أسلوب ييسر دخول وخروج الأشخاص والسلع؛ مما يعكس الواقع الجديد الذي أتاحه إعلان المبادئ الإسرائيلي الفلسطيني، ويقدم في الوقت نفسه الأمن الكامل للجانبين» . ومن ضمن نصوص الاتفاق أن تطبق الترتيبات على نقاط العبور التالية: نقطة عبور اللنبي، نقطة عبور رفح. وكذلك «يطبق الطرفان الترتيبات نفسها بالتعديلات اللازمة على الموانئ البحرية، والمطارات، ونقاط العبور الدولية المتفق عليها مثل جسر الملك حسين ودامية» . وجاء في الاتفاق أنه «سيكون هناك مبنى في كل نقطة عبور يضم جناحين: الجناح الأول: يخدم السكان الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية والزوار إلى تلك المناطق. ويسمى الجناح الفلسطيني. والجناح الثاني: يخدم الإسرائيليين وغيرهم. ويسمى الجناح الإسرائيلي. وستكون هناك منطقة تفتيش إسرائيلية مغلقة، ومنطقة تفتيش فلسطينية مغلقة، كما سيأتي فيما بعد» . إن هذا النص من الاتفاق الموقع بين الجانبين لا يخدم إلا المصلحة الأمنية الصهيونية؛ حيث ركز الاحتلال الصهيوني من خلال هذه المعابر الحق له في تعقب ومراقبة كل من يدخل لهذه الحدود، وله الحق في الاعتقال فقد اعتقل المئات من القادمين سواء من معبر رفح أو مطار غزة أو جسر الملك حسين، وله الحق في مراقبة ومساءلة كل من يدخل هذه الحدود، وأهمها أهالي الأسرى والشهداء والجرحى؛ حيث يقومون بمضايقتهم المستمرة واستفزازهم هذا إذا خلا الأمر من الاعتقال، وكذلك مضايقة المواطنين وخصوصاً كبار السن منهم والنساء وإيقافهم بالانتظار بالدور. ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى قام الاحتلال الصهيوني بإغلاق هذه المعابر لفترات طويلة، وكذلك المطار، ولا يسمح بالتنقل إلا لفئات محددة من الناس، وأحياناً كثيرة لم يسلم من المضايقات أعضاء السلطة، ومنهم من أهين أيضاً على هذه المعابر. الضفة الغربية: أما في الضفة الغربية فالأمر مختلف تماماً عن قطاع غزة؛ فكل مدينة من مدن الضفة الغربية محاطة بطريق التفافي إضافة لحاجز عسكري أو أكثر على مدخل كل مدينة، وأحياناً أكثر من حاجز مثل مدينة رام الله؛ حيث يوجد على كل مداخلها حواجز فالمدخل الشمالي ومدخل بيتونيا والمدخل الجنوبي بين القدس ورام الله، فالمدينة محاطة بكل مداخلها، فالحاجز الشمالي يسمى بحاجز الموت من كثرة الإصابات عليه ومن كثرة الجرحى؛ حيث مثل هذا الحاجز منذ اندلاع الانتفاضة نقطة تماس خطيرة جداً لا تخلو يومياً من المواجهات مع قوات الاحتلال، وقد أصيب العديد من الشبان إصابات تسببت في إعاقات دائمة لهم؛ حيث يركز الجنود على هذا الحاجز إصاباتهم في المناطق الحساسة من الجسم، وقد استشهد عدد كبير أيضاً على هذا الحاجز؛ مما دفع الناس لتسميته بحاجز الموت، وهكذا حاجز حوارة في مدينة نابلس أيضاً، وكذلك جنين والخليل وبيت لحم والقدس وطولكرم وأريحا، فكل هذه المدن محاطة بطرق التفافية إضافة للعديد من المستوطنات، فيكاد لا يكون مرتفع في الضفة الغربية لا يوجد عليه جنود احتلال؛ فقد بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية حوالي ٢٠٠ مستوطنة؛ بينما بلغ عددها في القطاع الصامد حوالي ١٨ مستوطنة غير الكرافانات التي يقيمها المستوطنون من حين لآخر. وقد قطعت الضفة الغربية إلى عدة أجزاء صغيرة لدرجة يصعب معها التنقل من مدينة لأخرى إلا بموافقة الاحتلال، وقد حاول المواطنون جهدهم فتح طرق جانبية صغيرة يمشونها بالأرجل إلا أن الاحتلال يضايقهم عليها ويغلقها أيضاً. وتركيبة المستوطنات وطريقة بنائها هي أشبه بالخنادق والدشم، ومواقع التصدي للهجومات العنيفة؛ فهذه المستوطنات التي تقسم الضفة الغربية لعدة أقسام وتحيطها إحاطة كاملة ما هي إلا لتضييق الخناق على المواطنين من أجل أن يتركوا أرضهم ويهربوا. ولكن شعبنا الصامد عوَّدنا على الصمود في وجه هذه المخططات الصهيونية؛ فلموقع الضفة الغربية الاستراتيجي أهمية بالغة على المستوى الصهيوني؛ حيث يستطيع أي إنسان من رام الله أو بعض مدن الضفة الغربية أن يصل لعمق الاحتلال مشياً على الأقدام بظرف دقائق؛ فهذا الذي أربك الاحتلال، وجعلهم يقدِّمون في بداية انتفاضة الأقصى الحواجز المقامة على الخط الفاصل بين حدود ١٩٦٧م و ١٩٤٨م خمسة كيلو مترات داخل الضفة الغربية؛ ليكون أقرب لمدن الضفة وخصوصاً بعد تنفيذ إحدى العمليات الاستشهادية على أحد هذه الحواجز والتي راح ضحيتها عدد من جنود الاحتلال بين قتيل وجريح. ولو أردنا عمل إحصاءات بالمعاناة على المعابر والحدود لاحتاج كل معبر وكل حاجز لدراسة لوحده، تتضمن عدد الشهداء والجرحى وموت عدد من كبار السن وعدد من النساء اللائي أجهضن على هذه الحواجز، وأبلغني مجموعة من المسافرين من مدينة نابلس إلى جسر الملك حسين للأردن أن الطريق أخذ تسع ساعات؛ وذلك بسبب الحواجز الصهيونية المنتشرة، وقد عانوا أشد المعاناة لوصولهم إلى الحدود لكي يستطيعوا السفر للأردن. وكذلك معبر رفح؛ فالمواطنون يأخذ الطريق منهم يوماً كاملاً من مدينة غزة لعبور رفح كي يدخلوا مصر، ومن يصل مساء فإنه لا يستطيع الدخول إلا في اليوم التالي؛ مما يضطره إلى أن ينام على الحدود، وطبعاً المعاناة تكون مضاعفة؛ حيث ينام الأطفال والنساء في غرفة صغيرة تكاد لا تسعهم؛ لأن عودتهم تحتاج إلى يوم، وهكذا دواليك فالكل يفضل البقاء والنوم على الحدود عن العودة مرة أخرى، وكل ذلك مع أن الطريق من غزة إلى رفح لا تتجاوز الـ ٣٥ كيلو متراً ولا يحتاج لأكثر من نصف ساعة؛ فتأخذ يوماً مشحوناً بالإهانات والمضايقات على الحواجز والمعابر والطرق الرملية، وبرغم كل هذه المعاناة أحياناً تتوج الرحلة كلها بالرفض عند معرفة أن هذا المواطن اعتقل سابقاً أو أن أحد أقربائه له علاقة بالمقاومة أو شهيد أو أسير؛ فهم يقومون بمضايقة المواطنين، ويعرضونهم للتحقيق والمساءلة وأحياناً الاعتقال، فلقد قام الاحتلال باعتقال المئات من على الحواجز المنتشرة في الضفة والقطاع والمعابر الرئيسية والمطار، هذا ناهيك عن مضايقة المارة بشكل يومي، ومنعهم أحياناً من اجتياز هذه الحواجز.

стр. 4246

المسلمون والعالم أبعاد المقاطعة الإسلامية لليهود ولمن يدعمهم مفلح بن علي الشمري بدأت تظهر نتائج المقاطعة وتعترف بها الشركات المعنية وصنَّاع القرار في السياسة الأمريكية والخبراء؛ حيث ذكروا أنهم لا يخشون من النتائج الوقتية للمقاطعة فقط ولكن كما يقول الخبراء الأمريكان إن الخطر الحقيقي يكمن في نشأة طلاب المدارس والأطفال على الكراهية لكل ما هو أمريكي، وهذه نظرة لم ينتبه لها كثير ممن دعا لهذه المقاطعة، بل ولا من استهان بها ودعا إلى الكف عنها؛ بزعم سيطرة الشركات الأمريكية على السوق العالمية بأسرها. أقول لو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن إرادة الشعوب الإسلامية ولا أقول العربية حتى يكون العمق الاستراتيجي أوسع، والمقاطعة أكبر، والتأثيرت أبلغ لكفى، ولن أتحدث عن النِّسب والأرقام التي أشارت إليها التقارير؛ وإنما أسلط الضوء على الآثار والأبعاد التي نتوقعها ونرجوها من إعادة تفعيل المقاطعة وتوسيعها لأمة ربط صنَّاع سياستها مستقبلهم ومصالحهم بدولة اليهود / المسخ؛ الذين ينتفعون هم ودولهم بما يتعاملون به معنا من تجارة واقتصاد (ضاربين) عرض الحائط بشعور المسلمين. وإليك أخي القارئ الكريم شيئاً من ذلك: أولاً: أن فيها تحقيقاً لقوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) ومما لا شك فيه أن الاقتصاد في هذا العصر من أقوى الأسلحة، وسلاح المقاطعة استخدم قديماً وحديثاً. فقديماً: استخدمته قريش ضد النبي ﷺ فيما يسمى حصار الشِّعب «شعب أبي طالب» ، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغاً. وهدد به ثمامة بن أثال قريشاً عندما منع الحنطة من بلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي ﷺ أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة، لما قال ﵁: «والله لا يأتيكم حبة حنطة حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وشواهد التاريخ كثيرة. وأما حديثاً: فقد استخدمت المقاطعة عالمياً في الحرب العالمية بين المتحاربين واستخدمت مؤخراً ضد العراق وأفغانستان والسودان. واستخدمها العرب قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل، فكانت المقاطعة العربية بعبعاً يهدد الشركات في جميع أنحاء العالم؛ حتى تداعت هذه المقاطعة بفعل حيل اليهود وألاعيبهم بما يسمى بعملية «السلام» . وقد جاءت هذه المقاطعة المباركة شعبية؛ فهي ليست على مستوى الحكومات بل انطلقت من العلماء والخطباء والمفكرين وأبناء الشعوب الإسلامية، وهذا ما زاد من قوتها؛ فهي لا تخضع لقرار سياسي ولا ارتباط حكومي؛ مما جعل دوائر الاستخبارات الغربية واليهودية تفزع فزعاً شديداً منها، ولا تعرف طريقة لإيقافها إلا بالضغط على اليهود لتخفيف ما يفعلونه بإخواننا في الأرض المباركة، وهم وإن كانوا غير جادين في ذلك الضغط الآن؛ فلا بد لهم منه في نهاية المطاف. وإن مما يغيظهم أنها مقاطعة فعالة وشاملة وغير معقدة؛ فلا أوراق ولا مراقبة للأسواق والأفراد؛ وإنما هي موجودة عند كل فرد مسلم يعي حقيقة ما يجب عليه تجاه دينه، وعندما يضطر لشيء لا يوجد له بديل يأخذ على قدر حاجته. ثانياً: أن فيها تحقيقاً لقوله تعالى: [تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، ويتضح ذلك من ترابط المسلمين وتعاونهم؛ حتى وصل الحال إلى أهل الفن والطرب، وهم على ما عندهم من تقصير وخطأ فإن منهم من قام بمثل هذه الأدوار، ولن يعدم أجره من الله وحسابه على ربه، ونقول هذا لأننا ننتظر من أهل الخير والصلاح وقفة أكثر إقداماً على نصرة المسلمين وقضاياهم. ثالثاً: أن فيها تحقيقاً لقول الله تعالى: [وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، ومن أجل هذه المقاطعة وردّة فعل الشعوب الغاضبة في طول البلاد الإسلامية وعرضها أوقفت كثير من الدول المكاتب التي تسمى: «التمثيل والتنسيق والتطبيع» ؛ خشية غضب هذه الجماهير المسلمة. وكذلك فيها ردع لكل من يفكر أن يتعامل مع إخوان القردة والخنازير من الشركات الغربية والشرقية. رابعاً: ظهور الوعي الإسلامي والاقتصاد النوعي، وهو أن يفكر الإنسان في منشأ أي بضاعة ويختار الدول التي هي أخف عداوة في المرحلة الأولى، ثم في المرحلة النهائية لا يشتري إلا ممن لا يعادي المسلمين بل يحرص على نصرتهم ودعمهم، وهذا والحمد لله بدأ يترسخ لدى طبقة واسعة من المسلمين. خامساً: يعدُّ كما يقول بعض أهل العلم «تسجيل موقف للشعوب الإسلامية» وهذا في البداية لأنه لم يكن معلوماً مقدار التأثير، وبعد مضي عدة أشهر بدأ يتضح أنه أكثر من تسجيل موقف؛ فهو سلاح فعال ولكن يحتاج إلى وقت، وإعادة تنظيم، وتفعيل وتذكير دائم في زحمة الأحداث والمشاغل اليومية للفرد المسلم؛ ولذا ينبغي أن تأخذ الجمعيات والمؤسسات الراية ومواصلة العمل حتى تنجح المقاطعة بإذن الله. سادساً: المعركة لم تنته بعد! فلا تضع سلاحك أخي المسلم! نعم! يجب ألا تتوقف المقاطعة، وقد تكون هناك استراحة محارب ولكن كما هو معروف أن الصراعات والحروب تخضع لعامل مهم بعد توفيق الله ألا وهو «الصبر» . نحتاج إلى الصبر أكثر حتى تعلن تلك الشركات والحكومات نفورها من دولة اليهود واحترامها للشعوب الإسلامية، والأمة بإذن الله قادرة على ذلك؛ ولكن يجب على أصحاب الأقلام ووسائل الاتصال ألا يتوقفوا عن تعبئة الأمة وحشد طاقتها في هذا السبيل، وبيان الأحاديث والآثار والنصوص الدالة على عظم ما يفعلون، وكما قال العلامة الألباني تعليقاً على قوله تعالى: [ِإن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ] (محمد: ٧) ؛ قال: «هو الإيمان والاتباع لا القوة» ؛ فالله ﷻ يريد منا صدق الإيمان، وإنَّ مِنْ صدق الإيمان نصرة إخواننا بما نستطيع. سابعاً: معرفة العدو الحقيقي المستتر بجلباب أو بغير جلباب وهو ما يسمى: «راعي عملية السلام» ؛ وذلك ما حذر منه الخبير الأمريكي حينما قال: «من آثار المقاطعة أن ينشأ أطفال المدارس على كراهية كل ما هو أمريكي» . وماذا ينتظرون منا وهم الذين يدعمون اليهود ويمكنون لهم بكل ما يستطيعون، وهل تستطيع دولتهم البقاء ساعة بدون دعم أمريكا ونصرتها! ! إن هذه المعرفة يجب أن يتبعها ويكملها إعادة صياغة الأخبار والأحداث وتسميتها بمسيماتها، وذلك في الإعلام الإسلامي وخاصة في مواقع الجماعات العاملة في الأرض المباركة؛ وذلك كما يلي: «قصفت إسرائيل بالطائرات الأمريكية الصنع، وقتلت بالسلاح الأمريكي، واستخدمت الدبابات الأمريكية الحديثة، وقامت ببناء المستعمرات على أنقاض بيوت الفلسطينيين بالمال والمساعدات الأمريكية» ، وهكذا حتى يترسخ لدى كل فرد أن اليهود يُعاوَنون ويُدعَمون من قِبَل هذه الدولة «الراعية للسلام» ، وحتى يعلم العالم بما فيهم الأمريكان أن مقاطعتنا وعداوتنا لهم بسبب دعمهم للمغتصب المحتل. ثامناً: يجب أن ندرك أن هذه المقاطعة ما زالت محدودة، وتأثيرها سيكون أكبر مما نتصور لو تكاتف الجميع على تفعيلها والدعوة إليها في أوساط فئات المجتمع، والطلب من الشعوب الإسلامية كافة المشاركة فيها، ولا تقتصر فقط على العرب وفي بعض الدول دون بعض. تاسعاً: يجب ألا نظن أن سلاح المقاطعة هو الوحيد الذي يجلب النصر على الأعداء بل لا بد من الأخذ بجميع الأسباب، ولكن هذا السلاح في متناول الجميع، ويفعله كل مسلم بما يمليه عليه إسلامه ودينه؛ فالمسألة مسألة دين ونصرة، يجب أن يدركه هذا الجميع حتى من اعترض في البداية على المقاطعة. عاشراً: وأخيراً؛ يجب ألا يتوقف دورنا على الامتناع عن شراء بعض السلع الأمريكية فقط، ونظن أن هذا غاية ما يريده إخواننا منا، بل لا بد من الدعاء لهم بظهر الغيب، ولا بد من إمدادهم بكل وسيلة تعينهم على عدوهم، ومن رأى مشاهد الأطفال والشباب والرجال وهم يركضون هنا وهناك يجب ألا يتبادر إلى ذهنه أنهم يفرون.. لا والله! بل إنها مجابهة ومراوغة لعدو شديد البأس، شديد الغيظ والحنق على المسلمين، أخبرنا الله عنه في كتابه جلا وعلا. ولو أرادوا الفرار لما خرجوا من بيوتهم، ولما فتحوا صدورهم العارية أمام تلك الوحوش الضارية. وأهمس في أذن كل تاجر ومقتدر أن كل فرد في فلسطين من المسلمين بحاجة إلى الدعم؛ فعلى أي شيء تتثبت وأنت ترى البيوت تُهدم، والرجال يُقتلون، والجرحى يملؤون المستشفيات؟ ! فقدم لهم ما تستطيع ولا تبخل؛ فإن «من جهَّز غازياً في سبيل الله فقد غزا» [١] . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4247

المسلمون والعالم بوركينا فاسو.. وآمال المستقبل متوكل فياما - يعقوب سعيد جابي * دولة (بوركينا فاسو) اسمها السابق (فولتا العليا) (upper volta) تقع في قلب غرب إفريقيا، وهي دولة داخلية لا سواحل لها، بعيدة عن المحيطات والبحار، وهي إحدى أفقر دول العالم حسب إحصائية الأمم المتحدة، وتعتمد على المساعدات الخارجية. حدودها: يحدها من الشرق جمهورية النيجر، ومن الغرب كوت ديفوار «ساحل العاج» ، ومن الشمال مالي، ومن الجنوب غانا، وتوغو، وبنين. مساحتها: تبلغ مساحتها ٢٧٤. ٢٠٠ كم٢، وحصلت على الاستقلال في أغسطس ١٩٦٠م، وكانت مستعمرة فرنسية منذ عام ١٨٩٥م. عدد السكان: يبلغ عدد سكان بوركينا فاسو [١] ١٢ مليون نسمة، وسكانها ينتمون إلى عناصر عديدة منهم الموش، والساموغو، والفولاني، والمانديج «الديولا» ، والدغارا، ولوبي، وبوبو. مصادرها الاقتصادية: اقتصادها يعتمد على الزراعة وتربية المواشي، ونسبة دخل الزراعة مثلاً ٥٨% من مجموع الدخل، وتربية المواشي ٣٣%، والإنتاج الصناعي والمعدني ٨. ٥ % من مجموع الدخل. مناخها: من الطراز المداري؛ فصيفها مطير، وشتاؤها جاف، يقل المطر في الجنوب الغربي ويزداد في الشمال الشرقي، وترتفع الحرارة في الصيف وتتعرض لهبوب الرياح في فصل الشتاء. المدن الرئيسة: أوغادوغو العاصمة، وبوبو جولاسو، وكودوغو، ووهيغويا، وبانفورا، وديدوغو. عدد المناطق: خمس وأربعون، وكانت من قبل ثلاثين منطقة ثم جُزئت إلى ٤٥ منطقة من قِبَل النظام الحاكم عام ١٩٩٩م من أجل كسب الأصوات في الانتخابات. توزيع الأديان في بوركينا فاسو: المسلمون في بوركينا فاسو أكثرية وليسوا أقلية [٢] منذ فجر الاستقلال؛ ففي إحصائية قامت بها الإدارة الوطنية للإحصائيات والمؤشرات السكانية في عام ١٩٩١م كانت نسبة المسلمين ٥٢. ٣ %، ونسبة النصارى الكاثوليك ١٧. ٥ %، والبروتستانت ٣. ٥ %، ونسبة الوثنية ٢٥. ٩ %، والديانات الأخرى ٠. ٢ %، ونسبة اللادينية ٠. ٨ %. وعدد المناطق ذات الأغلبية المسلمة ٢٢ إقليماً، والمناطق ذات الأغلبية المسيحية إقليمان، والمناطق ذات الأغلبية الوثنية عددها ستة أقاليم، وتتعادل نسبة المسلمين مع المسيحيين في أربعة أقاليم. وفي آخر إحصاء سكاني في ١٩٩٨م تمهيداً لانتخابات الرئاسة لعام ١٩٩٩م، كانت نسبة المسلمين ٦٥%، والكاثوليك في حدود ٨%، والبروتستانت ٧%، والوثنيين ١٩%. بوركينا والإسلام: دخلها الإسلام عن طريق التجارة في القرن الحادي عشر الميلادي؛ وذلك عندما امتدت طرق التجارة بين تمبكتو وجني في مالي، وفي حوض النيجر إلى شمال الغابات الاستوائية [٣] . وتميزت ثلاث مناطق بدخول الإسلام في بوركينا [٤] في الشمال (Liptako) مع الفولانيين، والمنطقة الوسطى في دولة الموسى (MOAGA) ، والمنطقة الغربية، وتعتبر أسرة الحاكم «ناباد لوغوا» أول أسرة اعتنقت الإسلام، ثم انتشر الإسلام عن طريق الدعوة والموعظة الحسنة، وأصبح الإسلام ملتحماً بتراث الأفارقة، ولم يشعر الإفريقي أن الإسلام يقطعه عن ماضيه وعن مجتمعه، وكفل للمسلمين جميع حقوقهم دون نظر إلى لون أو جنس، وجعل الناس سواسية كأسنان المشط، وهذا بخلاف المسيحية التي اعتبرت الإفريقي عبداً وباعته في السوق. وفي الستينيات التحق مجموعة من الشباب بجامعة الأزهر، وتبعتها مجموعات إلى الجامعات السعودية، ثم توالت جموع الطلبة إلى كل من الكويت، وقطر، والإمارات، والجزائر، وسوريا، وتونس وليبيا، والسودان وغير ذلك، ونال كثير منهم الألقاب العلمية المختلفة، ويوجد في بوركينا عدد كبير من هؤلاء الذين يقومون بخدمة الإسلام والمسلمين في مجالات التدريس والخطابة والإمامة والوعظ، والفتوى، وكان لهم دور في تصحيح مسار الجمعيات المحلية وتوجيهها، ولكن مشاركتهم في بناء الأفراد والأشخاص والمجتمع ضعيفة؛ لأنها لم تكن تحمل برنامجاً ولا عناصر معدة لهذا العمل، وكانت أعمالهم مبعثرة يجتمعون لها بين فترة وأخرى. وبالجملة فإن الدعاة المخلصين لهم دور بارز في إنعاش الدعوة والنهوض بها الدعوة الصحيحة إلى الكتاب والسنة، ولكن الواقع الأليم الذي خلَّفه النظام الغربي والعلماني والغزو الفكري يقلل من دور العاملين في الإصلاح الاجتماعي. وفي العقد الأخير بدأت الصحوة الإسلامية الرشيدة تأخذ مجراها الطبيعي في تصحيح المفاهيم وتوضيح الأهداف وتصويب المسيرة، وذلك عن طريق: ١ - دروس المساجد وخطب الجمعة المترجمة إلى اللغة المحلية. ٢ - توزيع المصاحف المترجمة معانيها إلى اللغة الفرنسية. ٣ - التعليم في المدارس العربية النظامية. ٤ - لبرنامج الدين الإسلامي في التلفاز ولجمعية الموظفين إسهام كبير في هذا وكذلك الدعوة في الإذاعة. ٥ - تنظيم الدورات، ولمؤسسة اقرأ الخيرية جهود في هذا المجال وذلك بالتعاون مع الجمعية الإسلامية، ولجمعية الدعوة الإسلامية العالمية دور مشكور في هذا المجال أيضاً؛ فالمؤسسات الدعوية في بوركينا تشمل: المساجد، والمدارس الإسلامية، والجمعيات المحلية، والهيئات الخارجية. وهذه صيحة نداء إلى المؤسسات ذات المنهج السلفي لتضافر الهمم، وبذل الجهود في تغذية الدعوة في بوركينا فاسو، ودعمها وتصحيح مسارها. التعليم العربي والمدارس العربية: بدأ التعليم الإسلامي في بوركينا فاسو بدخول الدين الإسلامي في البلاد، لكنه كان في حيز من الركود؛ حيث لم يتطور، وكان محصوراً في الكتاتيب والمدارس القرآنية وحلقات المساجد، وعند وصول الاستعمار ١٨٩٥م حارب المستعمرون اللغة العربية ونصبوا لها العداء، وقاموا بتعذيب العلماء والأعيان، وكانوا يرفعون العمل الجبري عمن يتنصر، ووضعوا العقبات أمام الذين كانت لديهم رغبة في الالتحاق بالدول العربية للاستزادة من العلم. وبالجملة فقد وضعوا عراقيل شتى تعوق نشر اللغة العربية في إفريقيا، وأتاحوا الفرص لتعليم الفرنسية، وذللوا الصعوبات في سبيل نشرها، وقدموا المغريات للمسلمين لإرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية ومنَّوْهم بالوظائف والمناصب العالية في الدولة [٥] . المدارس الإسلامية: المدرسة دار تربية وتعليم، ومهد للتكوين والإعداد، وتعتبر من أهم المؤسسات الدعوية التي يجب على المسلمين الاعتناء بها والحرص عليها من أهل الخير والفضل والخبرة، والمبادرة بالمساهمة في تسيير المدارس، وتوجيهها وتزويدها بالمناهج والكتب والمدرسين. ولبعثة الأزهر دور عظيم في إنعاش اللغة العربية في بوركينا حيث يقومون بالتدريس والوعظ وتأطير وتأزير المدرسين، وهم موزعون في العاصمة، وبوبوجولاسو، وياكو. وأول مدرسة نظامية أسست قبل فجر الاستقلال مدرسة السلام عام ١٩٥٨م، ثم توالت بعدها المدارس العربية بعد الاستقلال مثل مدرسة الجمعية الإسلامية في العاصمة، وبوبو جولاسو، ومدرسة في نونا وأخرى في توغان، وهناك مدارس أخرى راقية مثل مدارس الجمعية الإسلامية، ومدرسة السلام وفروعها، ومعهد الإمام مالك، والمعهد العلمي، ومدرسة ابن تيمية، ومدرسة أهل السنة المحمدية، وغيرها وكلها أهلية، ويزيد عدد المدارس في بوركينا فاسو على ٤٠٠ مدرسة، وفيها أكثر من ثمان وسبعين مدرسة معترفاً بها لدى الحكومة [٦] ، والحكومة تسعى الآن لتطويرها ووضع منهج موحد لجميع المدارس وإلزامهم تدريس اللغة الفرنسية. المدارس الإسلامية اليوم في بوركينا فاسو أخذت ثوباً جديداً، وتتطورت من حيث الكم والكيف، وأصبح الإقبال يتزايد عليها بفضل الله ثم بفضل الثمار التي أعطتها في إعداد مواطنين صالحين يحبون دينهم ووطنهم. ومن أهم المشكلات التي تواجهها المدارس الإسلامية ما يلي: ١ - فقدان المدرس الكفء. ٢ - فقدان الكتب المقررة المناسبة. ٣ - ازدحام الطلاب في الفصول. ٤ - مشكلة الرواتب بالنسبة للمدرسين، وعجز أولياء الطلاب عن تسديد الرواتب الشهرية. ٥ - عدم وجود برنامج موحد في المناهج الدراسية. ٦ - عدم وجود الوسائل التعليمية وكذلك فقدان دور الإدارة المدرسية من إشراف وتنظيم. ٧ - الافتقار إلى معهد لتكوين وتدريب المعلمين. ٨ - غياب التنسيق بين المدارس. ٩ - فوضوية نظام الامتحانات في بعض المدارس. الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو: في الستينيات كانت الصورة الخارجية لفولتا العليا بوركينا فاسو حالياً أنها دولة نصرانية، وأنها الدولة المدللة في غرب إفريقيا لدى الفاتيكان [٧] ، ومع مرور الأيام بطلت هذه الدعاوى، فبدأ الإسلام ينتشر بكثرة المعتنقين، وبدأت الصحوة تدب في عروق المسلمين، وبدأ التنظيم في صفوف الجمعيات الإسلامية ووضع استراتيجية للعمل الإسلامي. وفي إحصائية لوزارة الداخلية في ١٥/٦/١٩٩٢م، تبين أنه توجد ٢٢ جمعية إسلامية في بوركينا فاسو، وأكبرها: ١ - الجمعية الإسلامية، ولها وجود في كل المناطق. ٢ - جمعية أهل السنة المحمدية. ٣ - الجمعية التيجانية. ٤ - جمعية الموظفين الإسلامية المسماة: «لجنة الدراسات والبحوث والتكوين الإسلامي CERFI» . ٥ - رابطة خريجي جامعات ومعاهد المملكة العربية السعودية. ٦ - رابطة مثقفي العربية. ٧ - جمعية إثبات الوحدة الإسلامية. ٨ - جمعية الطلاب المسلمين في بوركينا A. M. B. الهيئات الإسلامية في بوركينا فاسو: بدأ ظهور الهيئات الإسلامية في بوركينا منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك عن طريق فتح مكاتب تقوم بتسيير أعمالها، أو اختيار مشرف يشرف على الأعمال التي تتبناها من الهيئات العاملة في بوركينا: ١ - مكتب لجنة مسلمي إفريقيا. ٢ - مكتب الجمعية الإسلامية العالمية للدعوة. ٣ - مكتب منظمة الدعوة الإسلامية العالمية «السودان» فتح في ٢٠٠٠م. ٤ - مشرف لجمعية إحياء التراث الإسلامي ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة الكويت. ٥ - مشرف لمؤسسة الحرمين الخيرية. ٦ - مستوصف صغير لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية. ٧ - مستوصف لرابطة العالم الإسلامي. كما أن الشيعة فتحوا مكتباً في العاصمة والمدينة الثانية منذ ثلاث سنوات. وللأحمدية مكتب في العاصمة ولهم نشاط واسع النطاق. ٨ - لجنة الدعوة الإسلامية انبثقت من لجنة مسلمي إفريقيا يوم كان مديرها بوركينابي، وتتلقى دعماً من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، وبيت الزكاة الكويتي، ومن قطر، ومن الإمارات العربية المتحدة، وقد بنت هذه اللجنة خمسين مسجداً، وخمس مدارس، ومستوصفين، وورشتين للخياطة وما يقارب مائتي بئر، وكفالة ثلاث مائة يتيم. مجالات العمل المقترح للمؤسسات في بوركينا فاسو: ١ - بناء مركز إسلامي، حيث سيكون الأول من نوعه في بوركينا، وكذلك إنشاء حلقات قرآنية، وتشغيل مدارس، ومركز الأيتام. ٢ - إقامة الدورات التأهيلية للمعلمين والأئمة. ٣ - إقامة المخيمات الطلابية كل عطلة صيفية، والتركيز على طلبة الجامعة الفرنسية. ٤ - بناء مكتبة عامة للمطالعة. ٥ - إنشاء مدرسة إسلامية وتوفير المناهج والكتب لطلابها. ٦ - كفالة مدرسين في العلوم الإسلامية. ٧ - كفالة الأيتام وبناء مراكز لهم. ٨ - بناء مساجد وحفر الآبار. ٩ - بناء مستوصف إسلامي. ١٠ - إقامة مخيمات مكافحة العمى. ١١ - إنشاء معهد للتدريب المهني. ١٢ - تنفيد مشروعات إنتاجية تمول عبرها الأنشطة. التحديات: وجهت الكنيسة عنايتها وهمتها إلى التعليم وخاصة المهني والفني، ويوجد في حوزتهم ٢٧ ثانوية فنية في البلاد، وسبع ثانويات للدولة. ويلاحظ شدة إقبال الناس على مدارسهم لانعدام مدارس مهنية في البلاد. وهذه المدارس تستقطب ثلة من أبناء المسلمين، ورسالتها الأولى الدعاية لصالح النصرانية. وللبعثات التنصيرية دور في استقطاب الطبقة من خريجي مدارسها ومعاهدها وحتى من أبناء المسلمين الذين أرسلوا إلى مدارسهم منذ فجر الاستقلال. التنصير في بوركينا فاسو: إن النصرانية التي هزمت في بلادها تجد الملجأ والمأوى في بلاد المسلمين، ويعملون مسفرين ومقنعين أحياناً أخرى، ويدخل المنصر بلاد المسلمين بصفة طبيب أو مهندس أو مسشار فني، ومن ثم يبدأ ينفث السموم في المجتمع. ويستعملون في التنصير شتى الأساليب والضغوط، ويرفعون علناً شعار: «اخلع عنك رداء الإسلام نرفع عنك وطأة الجوع والفقر» [٨] . وللتنصير في بوركينا فاسو تواجد كبير وإمكانات ضخمة يعملون من خلالها في المجتمع، ويقومون بتقديم المساعدات للسكان كالعلاج، وبناء المستوصفات، وبناء المدارس، وتوفير اللوازم المدرسية، وتوزيع الغذاء والملابس، وبناء المشاريع الزراعية، وتوليد الكهرباء في المدن الصغيرة وبيعها للسكان عن طريق الاشتراكات. واستفاد النصارى من سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تجاه الدول الفقيرة التي هي سياسة تخصيص الشركات والمصانع، فأرغمت الدولة على بيع بعض الشركات، فبادر طبقة من رجال الأعمال النصارى لشراء الشركات والمصانع. يُقدم بعض المصانع نشرات علنية لصالح المسيحية، ويُعمق الرموز الدينية النصرانية في إعلاناتها وتصميمها عند رسم اللوائح وغيرها. من المنظمات التبشيرية العاملة في بوركينا فاسو: ١ - مكتب الدراسات والاتصالات BUREAOU DETUDEES ETDE LIAISON (B. E. L) . ٢ - منظمة كاريتاس CARITAS. ٣ - هيئة الإغاثة الكاثوليكية CATHOLIC RELIEF SERVICE (CATHWEL) . ٤ - المجلس العالمي للكنائس CONSEIL OECUMENIQUE DES EGLISES (COE) . ٥ - المكتب الإنجيلي للتنمية: OFFICE DE DEVELOPPEMENT EVAGELIQUE. ٦ - الإغاثة العالمية WORLD RELIEF. إن النصارى في بوركينا فاسو يملكون أكبر قسط من وسائل الإنتاج، وتنفيذ مشروعات إنتاجية تضمن لهم تمويل أنشطتهم مما يوفر لهم فائضاً كبيراً، ويملكون شركات مقاولات للبناء وحفر الآبار، وورشات مزودة بأحدث المعدات لصيانة السيارات، ومع كل هذا يُعتبر تأثير المنصرين محدوداً مقارنة بالجهود والمساعدات التي يقدمونها [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . من السبل المثلى للتصدي للغزو النصراني على الأمة الإسلامية: ١ - دراسة أساليب النصارى في كيفية جذب عواطف الشعوب، وتتبع جميع أنشطتهم ونوعية المساعدات التي يقدمونها في بقاع المعمورة. ٢ - السعي لتخفيف حدة البطالة في الشعوب الإسلامية، ووجود مهن للشباب لأن الفقر أدى ببعض النفوس الضعيفة من المسلمين إلى تغيير دينهم. ٣ - منافسة النصارى في الأعمال الخيرية من بناء المستوصفات والمستشفيات الإسلامية. ٤ - الاهتمام بالأقليات الإسلامية، ووضع خطط في سبيل النهوض بهم. من أهم الوسائل التي تكون خطوات عملية ومنهجاً نسير عليه: ١ - نشر الوعي الإسلامي في المجتمعات، وعرض الإسلام عرضاً نظيفاً، والاهتمام بالمناطق النائية، وهذه المناطق موضع اهتمام النصارى. ٢ - وضع خطط لبناء المدارس الإسلامية وإمدادها بالمناهج الدراسية الصحيحة. ٣ - وجود لجنة في البلاد الإسلامية تُتابع وترصد جميع أنشطة النصارى ووسائل أعمالهم في جميع الميادين. ٤ - من أساليب عرض الإسلام ومستلزماته بناء الإذاعات الدعوية الموجهة، والكنيسة التي سبقتنا في توفير وسائل التنصير بين المسلمين في إفريقيا لن تقوم لها قائمة، ولن تتمكن من الصمود أمام العرض المخلص للإسلام. ٥ - وضع خطط صادقة للارتقاء بأوضاع الدعاة وتمويلهم مادياً ومعنوياً. ٦ - التكامل الصادق بين الأقطار الإسلامية بإنشاء البنوك والأسواق الإسلامية، وسيكون رافد خير للمسلمين الذين يعيشون تحت وطأة الفقر والجهل والتخلف والحرمان. وبعد: فإن النصارى ومن لف لفهم يعملون من أجل هدم الإسلام، ويقيمون شركات ومؤسسات من أجل تنفيذ خططهم الإجرامية؛ فلا بد أن يقوم أبناء هذا الدين الإسلامي بالذود والدفاع عن الإسلام في هذه المعركة العنيفة، ولا بد أن نحاربهم بالسلاح نفسه؛ فلا يفل الحديد إلا الحديد. إن نسبة ارتفاع المسلمين في بوركينا فاسو وتقبُّل الناس مذهب «منهج» أهل السنة والجماعة، وعدم ترسخ العقائد الشيعية والأحمدية والصوفية والبهائية وانتشار الوعي بين المسلمين لعلامة خير تُبشر بمستقبل إسلامي زاهر في بوركينا، والخير لن ينقطع من أمة محمد ﷺ ما دام على الأرض من يوحد الله ويؤمن به سبحانه، وسيكون فيها بإذن الله من يبذل العطاء ليتواصل الخير، وإننا ننادي الهيئات الخيرية لمضاعفة الجهد في العمل الإسلامي، ونحن متفائلون بمستقبل مشرق للإسلام في بوركينا فاسو ما دام هناك مسلمون مخلصون يبذلون كل غال ونفيس لرفعة هذا الدين، والله سبحانه لا يترهم أعمالهم. جعلنا الله وإياكم منهم، والله من وراء القصد.

стр. 4248

المسلمون والعالم متطرف صهيوني: سيأتي اليوم الذي سيزال فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة فماذا نحن فاعلون ؟ يوسف رشاد [*] في برنامج يبثه التلفزيون الصهيوني باسم «بولوتيكان» قال رئيس حركة صهيونية سرية متطرفة تطلق على نفسها اسم «حركة بناء هيكل سليمان» : «إن المسجدين هما مبنيان غير مناسبين أقيما في مكان غير مناسب، وسوف يُزالان من هنا. وليس هناك يهودي متدين يشك في ذلك» . وحينما سأله مقدم البرنامج: «هل سيزالان بيد شخص؟ أجاب الحِبر الصهيوني رئيس العصابة ويُدعى عتسيوني:» لست أعلم إن كان ذلك سيتم على يد إنسان أم على يد عنصر آخر. وأنا أعتقد أن اليهودية ديانة كُلِّفنا بتطبيقها وتنفيذها باعتبارنا رسل الله وخلفاءه على الأرض «! وأردف مقدم البرنامج: » لكنك أعلنت من قبل عن أسفك لمحاولة نسف المسجدين! «، فأجاب حبر التطرف:» هذا غير دقيق؛ ذلك أنه من المستحيل إبداء الأسى إزاء هذا المبدأ؛ لأن المسجدين سوف يزالان حتماً، وسوف يأتي اليوم الذي سيزالان فيه حتماً «. وعاود مقدم البرنامج سؤاله:» بيد إنسان أم بطريقة قانونية؟ «فأجاب حبر التطرف هذه المرة بصراحة ودون مواربة:» بيد إنسان وينبغي أن تكون إزالتهما مهمة دولة (إسرائيل) الأولى، لقد قامت (إسرائيل) لكي تحقق حلم الأجيال، وتعد إزالتهما أولى مراحل تنفيذ هذا الحلم وتحقيقه «. ثم ختم مقدم البرنامج حواره فسأله:» وهل تعمل في هذا الاتجاه الآن؟ «فأجاب حبر التطرف:» نعم «. وكان حبر التطرف هذا قد خطط هو وأفراد عصابته منذ حوالي خمسة أعوام لتفجير المسجد الأقصى عن طريق وضع شحنات ناسفة أسفله، وقد ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض عليه بعد أن أمسك به حراس المسجد الفلسطينيون، وحوكم محاكمة صورية ثم أفرج عنه الكيان الصهيوني بعد بضعة أشهر من سجنه بعد أن » أبدى ندمه على ما فعل «. بعد إذاعة هذا البرنامج تقدم أحد أعضاء حركة» ميريتس «اليسارية العلمانية بشكوى رسمية ضد هذا الحبر طالب فيها بإلقاء القبض عليه والتحقيق معه » لأنه يحرض على ارتكاب جرائم بالمسجد الأقصى من شأنها أن تلحق (كارثة قومية) ، وأن تشعل حريقاً دينياً وسياسياً يهدد أمن المواطنين الإسرائيليين «. وبالطبع فإن هذا العضو لم يتقدم بهذه الشكوى حباً في المسجد الأقصى أو عرب القدس وإنما خوفاً وهلعاً مما سيحدث إثر هذا العمل الطائش، ولا أدل على ذلك من زيارة المأفون شارون هو وجنود الاحتلال الصهيوني إلى ساحة المسجد الأقصى؛ إذ اندلعت على إثر هذه الزيارة الانتفاضة الثانية التي أرعبت كل يهود في الأراضي المحتلة. وبعد إذاعة البرنامج سالف الذكر انبرت الصحف الصهيونية للدفاع عن حبر التطرف مرددة المزاعم نفسها وتخاريف المتطرفين الصهاينة وأساطيرهم، فتحت عنوان:» بقايا سيادة واعتراف عالمي «كتبت صحيفة» هآرتس «تقول:» لو كان من الممكن القيام بعمليات حفر من أسفل بوابة المغاربة وحتى داخل المسجد الأقصى، أو اختراق هذه المسافة بأشعة الليزر لبدت بقايا هيكل سليمان اليهودي الذي دُمر منذ ١٩٣٠ عاماً، فأنقاضه موجودة هناك، لا تحت مئذنتي الأقصى وقبة الصخرة، وإنما بينهما «. ثم تقول الصحيفة:» إن كبار الفلسطينيين الذين شككوا في ذلك في كامب ديفيد يعلمون أن هيكل سليمان موجود هناك بين المئذنتين فعلاً؛ ولذا فإنهم لن يجازفوا بالموافقة على إجراء مثل عمليات الحفر هذه «. إن ما قاله عتيسوني (المتطرف) ليس جديداً؛ فهناك حركات وجماعات في الشعب اليهودي أفقدها التطرف ودعوى رؤية هيكل سليمان صوابها إلى حد تهديد هذه الجماعات بالقيام بأعمال عنف لبناء الهيكل وبالقوة. فهذه الجماعات والحركات أرقها ولا يزال يؤرقها الحظر الذي فرضه الحاخامات في كل الأجيال على الدخول في منطقة الأقصى حتى لو كان الهدف هو اختصار الطريق الذي حال دون قيام الجماهير الدينية بالصلاة في المنطقة. إن الغالبية من الشعب اليهودي ومن المتدينين يحيون ذكرى خراب هيكل سليمان سنوياً بالصوم والبكاء والعويل يوم التاسع من أغسطس من كل عام. إنه يمكن أن نفقد القدس في حرب، لكن لا يستطيع أي حاكم عربي التوقيع على صك تنازل عنها وإلا كان ذلك إيذاناً بإنهائه. وهذا ما تعلمه ويجب أن يتعلمه عرفات؛ لذا لم يوقع على صك التنازل عن القدس في كامب ديفيد الثانية؛ لأنه يعلم مآله إذا فعل ذلك. إن هذا الكلام ليس مجرد خبر نشرته الصحف الإسرائيلية ولكنه مخطط من قِبَل الدولة اليهودية يستهدف هدم المسجد الأقصى، واليهود عندما يخططون ينفذون، وبالفعل فالأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى وفي مدينة القدس وبدعم من مليارديرات اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد استهلت جمعية» عتيريت كوهانيم « (زينة كهان المعبد الثالث) الذي سيقام بعد هدم الأقصى الصهيونية المسيحانية الخمسين عاماً الثانية في عمر الصهيونية، والتي نطلق عليها» عصر ما بعد الصهيونية «بحملة ضخمة بين الصهاينة بالكيان الصهيوني وصهاينة الولايات المتحدة وأوروبا عبر أفرعها في هذه الدول للاكتتاب وجمع التبرعات لتنفيذ مخططها الجديد لإزالة الأحياء والمنازل العربية بالحي الإسلامي والبلدة العتيقة بالقدس الشرقية تارة بحجة إجراء حفائر أثرية للبحث عن بقايا وآثار الوجود اليهودي القديم في هذه المنطقة، وتارة أخرى بحجة شراء المنازل العربية وتخليص » التراث اليهودي «من أيدي السكان العرب. وهدف هذه الحفريات تحت المسجد الأقصى وقبة الصخرة هو خلخلة أساسات الأعمدة في المسجد؛ ومن ثم يسهل انهياره، ولقد تم حفر العديد من الأنفاق؛ إذن فاليهود جادون في هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة.. فماذا نحن فاعلون؟ أنبكي على أطلاله بعد أن يهدمه لا قدر الله أولاد الأفاعي ونقول كما قال الشاعر: مزجنا دماءً بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم [١] وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شُبًَّت نارها بالصوارم [٢] وكما قال الشاعر الآخر: لتبك على القدس البلاد بأسرها ... وتعلن بالأحزان والترحات لتبك عليها مكة، فهي أختها ... وتشكو الذي لاقت إلى عرفات لتبك على ما حلّ بالقدس طيبة ... وتشرحه في أكرم الحجرات إن حالنا الآن وما نحن فيه من ذل وانكسار ليذكرني بقول الشاعر الذي يرثي ضياع القدس إبان الحروب الصليبية [٣] : أعيني لا تَرْقي من العبرات ... صِلي في البُكا الآصال بالبُكُرات [٤] لعل سيول الدمع يطفئ فيضها ... توقد ما في القلب من جمرات [٥] ويا قلب أسعر نار وَجْدِكَ كلما ... خبت، بادّكار يبعث الحسرات [٦] ويا فم بُح بالشجو منك لعله ... يروّح ما ألقى من الكُرُبات [٧] إن الفارق بيننا وبين إخواننا في الزمن الماضي أن دموعهم كانت نضية طرية وأما دموعنا فجفت ورقأت، هم لبوا نداء الجهاد فحرروا المسجد الأقصى من براثن الفرنجة الصليبيين، أما نحن فتم غسيل أدمغة الشعوب العربية ونجح مخطط اليهود الذي كتبوه في بروتوكولاتهم:» سنلهي الجماهير بأنواع شتى من الملاهي والألعاب والمزجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جراً، وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات كالفن والرياضة وما إليها «. وقد كان لهم ما أرادوا وأصبحت الجماهير العريضة من أبناء أمة الإسلام في ملهاة عن دينها وقرآنها وسنة نبيها ﷺ لدرجة وصلت بأحد الصحفيين السفهاء أن يكتب مانشيت جريدته يقول قبل مباراة مصر والمغرب:» اللهم ثبت أقدام لاعبينا وزلزل الأقدام من تحت لاعبي المغرب، اللهم انصرنا نصراً عزيزاً مؤزراً «؛ فخذلهم الله. هذا هو الحال الذي وصلت إليه الشعوب العربية والإسلامية. فهل إذا هُدِمَ الأقصى لا قدر الله ستهب الشعوب العربية والإسلامية وتثب وثبة رجل واحد لنجدة إخوانهم في القدس؟ أم أن ذنوبنا ستجعلنا نستسلم لذلك الواقع لا قدر الله. لكن يجب على المسلمين أن يجعلوا اليهود يدفعون ثمن ذلك التهور إن تم ثمناً غالياً؛ بحيث تسقط كل المعاهدات الاستسلامية، وتقفل كل السفارات والمكاتب الصهيونية، ومن يرفض ذلك فهو أخ لليهود ومتواطئ معهم، ويجب أن يعامل مثلما يعامل اليهود متى ما كان من الجبن والخور بحيث لا يحرك ساكناً مع هدم هذا المكان المقدس، وليعلم يهود أنه لثمن ربما لا يحلمون به.

стр. 4249

مرصد الأحداث يرصدها:حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com تشيني.. وزير إسرائيلي! في خطوة غير مسبوقة في التاريخ الإسرائيلي، شارك نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في جلسة خاصة للمجلس الوزاري الأمني المصغر للحكومة الإسرائيلية. وكانت تلك جلسة مثيرة للغاية. والمجلس المذكور يتخصص في بحث الأوضاع الأمنية والسياسية السرية، ويلتئم عادة في صبيحة كل يوم أربعاء، وكذلك في حالات الطوارئ. وهو يضم ستة وزراء حالياً، هم رئيس الوزراء أرييل شارون، ونائباه شيمعون بيريس (وزير الخارجية) ، وسلفان شالوم (وزير المالية) ، وقادة الأحزاب: وزير الدفاع بنيامين بن اليعزر (حزب العمل) ، وزير الداخلية ايلي يشاي شاس) ، وزير الإسكان نتان شيرانسكي (حزب اليهود الروس) ، وكان عضواً فيه أيضاً افيغدور ليبرمن، وزير البنى التحتية الذي استقال من الحكومة، وخرج حزبه اليميني المتطرف من الائتلاف. ويحضر الجلسات عادة قادة الأجهزة العسكرية والمخابرات.. افتتح المجلس رئيس الوزراء شارون، فرحب بالضيف ديك تشيني، وأشاد بتصريحاته في إسرائيل التي قال فيها: إنه جاء ليذكر العالم بأن الولايات المتحدة ملتزمة بأمن إسرائيل، وأن هذا الالتزام ثابت لا يتغير. وشدد بشكل خاص على قول تشيني إن العلاقات الإسرائيلية الأمريكية تقوم على مصالح وقيم مشتركة. [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٥١٣) ] مسيحي ماركسي إسرائيلي! ! مسيحي، يساري، فلسطيني، يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويمثل التجمع الوطني الوحدوي الديمقراطي في الكنيست الإسرائيلي، ويحث الفلسطينيين على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؛ زار سوريا عدة مرات والتقى هناك الزعماء الفلسطينيين المنشقين على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني؛ وفي مقدمتهم جورج حبش الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وخالد الفاهوم الرئيس السابق للمجلس الوطني الفلسطيني. وفي النهاية قررت إسرائيل تقديمه إلى المحاكمة بتهمة التحريض على الإرهاب والعنف؛ وذلك بعد أن رفعت عنه الحصانة البرلمانية. ومنذ ثلاثة أعوام أعلن بشارة ترشيح نفسه لمنصب رئيس وزراء إسرائيل؛ لأنه ليس في القوانين الأساسية لدولة إسرائيل ما يمنع أي فلسطيني إذا كان يحمل الجنسية الإسرائيلية من أن يرشح نفسه لرئاسة الحكومة إذا استطاع أن يجمع توقيعات ٥٠ ألف ناخب من اليهود أو المسلمين أو المسيحيين أو الدروز تزكي هذا الترشيح.. ولم يكن من الصعب عليه أن يجمع هذه التزكيات من أنصاره العرب واليهود على السواء. إلا أنه لم يلبث أن انسحب من المعركة لصالح إيهود باراك، قبل يومين فقط من موعد إجراء الانتخابات، حيث كان لا يزال يرى بعض الأمل في أن باراك وحزب العمل، سيستطيعان الوصول إلى تسوية سلمية للأزمة. وبعد الانسحاب من المعركة على رئاسة حكومة إسرائيل رشح نفسه لعضوية الكنيست الإسرائيلي ونجح، فكان واحداً من ١٣ نائباً عربياً في برلمان إسرائيل، يمثلون أحزاباً شتى. أما قبل دخوله إلى الحياة البرلمانية فإنه كان متفرغاً للعمل الأكاديمي حيث تولى تدريس الفلسفة في عدة جامعات أبرزها جامعة بيرزيت في مدينة نابلس، وكان يلقي المحاضرات باللغتين العربية والعبرية. وترجع أصوله إلى الريف الفلسطيني، فقد جاء أبوه من قرية ترشيحا حيث كان يتزعم تنظيماً لعمال الزراعة، وأمه من قرية الرام القريبة من القدس، وكانت تعمل بالتدريس، أما زوجته السيدة رنا فهي من قلب مدينة القدس، وجاء مولده مع العدوان الثلاثي على مصر، وبعد أن أكمل تعليمه الثانوي في الناصرة التحق بجامعة حيفا لدراسة الفلسفة وعلم النفس، ثم طار إلى ألمانيا لكي يحصل على الدكتوراه في الفلسفة الماركسية. [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢٥٩) ] الرحمة البريطانية! ! يتهم البعض الغربيين بعدم الإنسانية؛ لأنهم في حروبهم ضد العالم الثالث كانوا وما زالوا يبيدون القرى بمن فيها من المدنيين..! وهذا غير صحيح، والدليل على ذلك أن بعض المتطوعين البريطانيين استأجروا رافعة متخصصة، ونقلوها إلى منطقة تكثر فيها الغابات وقاموا بمد حبال مصنوعة من مواد طبيعية لتكون جسراً تعبر عليه الفئران فوق الطريق؛ لأنهم لاحظوا أنها عندما تعبر الطريق القروي الأرضي، تقتلها عجلات السيارات في منطقة براندون وود في إقليم ووركشاير في إنجلترا، ولا سيما أن هناك نوعاً من الفئران اسمه «دور ماوس» يعيش في المنطقة. نرجو أن تستخدم الفئران من نوع الدور ماوس الجسر الجديد الذي كلف آلاف الدولارات من إيجار معدات وساعات عمل ترى هل هناك جمعية غربية مستعدة للتبرع بمد حبل من غزة إلى الضفة الغربية يمر فوقه الفسلطينيون لزيارة أهاليهم حتى لا تدوسهم الدبابات الإسرائيلية؟ فقد مات في الطريق الرابط بين المنطقتين من الفلسطينيين أكثر بكثير من عدد الفئران التي لقيت حتفها في منطقة براندون وود. [مجلة الكوثر، العدد: (٢٩) ] حقوق الإنسان.. اليهودي تعهدت كندا بالدفاع عن إسرائيل في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مما أسمته «هجمات سياسية غير عادلة وأحادية الجانب ضد الدولة اليهودية» . وقال وزير الخارجية الكندي بيل جراهام: نحن سنعمل بالتشاور مع إسرائيل للتصدى لأي محاولة لإعادة التشهير بها كما حصل في مؤتمر الأمم المتحدة ضد التمييز العنصري العام الماضي في ديربان «جنوب إفريقيا» . واللافت أن كندا اختارت دور الولايات المتحدة التقليدي كمدافع عن إسرائيل في مؤتمرات حقوق الإنسان في جنيف، بعد أن أخفقت الأخيرة في الفوز بمقعد في اللجنة التي تضم ٥٦ دولة العام الماضي للمرة الأولى منذ تشكيل اللجنة عام ١٩٤٧م وللولايات المتحدة وإسرائيل حالياً صفة مراقب في المؤتمر، فيما تملك كندا حق التصويت الكامل كعضو في اللجنة. [صحيفة البيان، العدد: (٧٩٤٧) ] خطايا القساوسة اعترف بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني بأن سحابة من الشكوك تغطي معظم كهنة الكنائس الكاثوليكية، بعد سلسلة الفضائح الجنسية التي لطخت صورة الكنيسة، وشجب الذين خانوا نعمة ما أسماه برسالة الكهنوت. وفي رسالته السنوية قبل عيد الفصح (القيامة) ، قال البابا إن الكهنة «يتألمون شخصياً وبعمق لخطايا بعض من إخواننا الذين خانوا نعمة الرسالة بالإذعان إلى أفحش أشكال سر الإثم» . وقال البابا: «ينجم عن هذا فضيحة ثقيلة تلقي ظلاً قاتماً من الشك على كل الكهنة الأتقياء الآخرين الذين يؤدون خدمتهم بأمانة ونزاهة وبتضحية بطولية كثيراً» . إن الكنيسة ينبغي أن تظهر اهتمامها بالضحايا وتعمل جاهدة «للتجاوب بحق وعدل مع كل من هذه المواقف الأليمة» . يذكر أن الكنيسة الكاثوليكية تعرضت في السنوات الأخيرة لعدد من الفضائح الجنسية في بلدان عديدة مثل أيرلندا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وأستراليا، ومسقط رأس البابا بولندا. وفي إحدى أكثر تلك الفضائح ذيوعاً وافقت إبراشية رئيس الأساقفة الكاثوليك في بوسطن على دفع تعويضات بقيمة ٣٠ مليون دولار للعشرات من الأشخاص الذين تعرضوا للتحرش بهم على يد كاهن سابق، واعترف مسؤولو الكنيسة أن المتهم «جون جيه. جوجان» قد نقل من موقع إلى آخر قبل تصاعد شكاوى الوالدين من تعرض أطفالهم لاعتداءات جنسية. وحكمت محكمة في ماساتشوسيتس على جوجان «٦٦ عاماً» بالسجن لمدة تصل إلى ١٠ سنوات لتحرشه بصبي يبلغ من العمر ١٠ سنوات في التسعينيات. ورفض قاض دعوى أخرى تتعلق باغتصاب مزعوم لطفل لتأخر الادعاء في التقدم بها. [صحيفة البيان الإماراتية، العدد: (٧٩٤٨) ] كل هذا الحقد! ! مجلة ناشيونال ريفيو (national Review) وهي واحدة من أكبر المجلات الأمريكية المعبرة عن صوت الاتجاه السياسي المحافظ في أمريكا، كتب أحد محرريها وهو «ريتش لوري» على موقع المجلة الإلكتروني: أقترح أن تضرب مكة بقنبلة نووية، وهذا سوف يرسل «إشارة» للمسلمين. وقد جاءت كتابات ريتش لوري رداً على رسائل تلقاها من بعض القراء حول رد فعل أمريكا المناسب في حالة تعرضها لهجوم نووي؛ إذ ذكر أن الرسائل احتوت على «تأييد كبير لضرب مكة بقنبلة نووية» ، وأضاف أن «بغداد وطهران هما الأقرب لتلقي الضربة النووية الأولى. وأنه لو كان لدينا قنابل نظيفة تضمن حصر الدماء في نقطة الهجوم لوضعنا غزة ورام الله على القائمة أيضاً. ويجب أن نحذر دمشق والقاهرة والجزائر وطرابلس والرياض من خطر الإبادة الفورية إذا أظهروا أية علامة (اعتراض) » . كما أضاف لوري أن «مكة متطرفة، بالطبع، بالطبع، ومن ثم قد يموت بعض الناس ولكن ذلك سوف يرسل إشارة» . وحاول لوري نفي انحيازه الديني بالإشارة إلى أن الديانات الكبرى «عانت كوارث من قبل» ، موضحاً أن «الوقت حالياً هو وقت الجد» ، وأنه يجب التحرك الآن «قبل أن يقع آلاف الضحايا الأمريكيين» ، كما أشار لوري إلى عامل الردع النفسي الذي سيساور المسلمين الراديكاليين إذا علموا أن الأمريكيين شديدو الغدر لدرجة قد تدفعهم إلى تحويل مدينتهم المقدسة إلى تلال من الحطام. كما شارك في النقاش الذي دار على موقع المجلة الإلكتروني حول هذه القضية أحد كتاب الموقع والذي كتب يقول: «أعتقد أن بغداد وطهران والرباط يجب أن يشكلوا القائمة جميعهم، وربما أيضاً دمشق، وبالنسبة لمكة.. فإن (فكرة) تدميرها شعور جيد، ولكننا بذلك سوف نُغضب كل مسلم على الكرة الأرضية لعصور وعصور» . موقع مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية كير www.cair-net.org دعم الفجار ذكرت وكالة إيتار تاس المولدوفية أن السلطات المولدوفية ألقت القبض على مجموعة ضخمة من «العاهرات» المحليات في مطار مولدوفيا الدولي بكشينيوف؛ كُن في طريقهن إلى مواقع الجنود الأمريكيين في أفغانستان. وفي الوقت نفسه، قال رئيس قسم مكافحة الجريمة المنظمة بوزارة الداخلية المولدوفية الجنرال نيديريتس أن رئيسة المجموعة أكدت أنها تعاقدت مع إحدى الشخصيات المهمة التي وعدت بعائد مادي مغر مقابل سفر العاهرات بغرض تقديم المساعدة إلى الجنود الأمريكيين الذين يحاربون ضد الإرهاب في أفغانستان. وذكرت الوكالة أن السلطات المولدوفية تقوم بالتحقيق حالياً لمعرفة الشخصية المهمة التي تطوعت بتنظيم عمليات الدعم لقوات التحالف الدولي المناهض للإرهاب، وكانت منظمات نسائية أفغانية قد أبدت تخوفها بعد استيلاء تحالف الشمال على كابول على ما يتهدد المرأة الأفغانية من انتهاكات حقوقية، وصورت أن فترة حكم حركة طالبان رغم حرمانها المرأة من بعض الحقوق أرحم من فترة حكم تحالف الشمال. وأوضحت أن تحالف الشمال الذي تربع على عرش السلطة في أفغانستان له سوابق غير مشرفة في مجال قطع الطرق، واختطاف النساء، وممارسة الرذيلة، وعمليات الاغتصاب، والدعارة المنظمة؛ بما يعكس الأوضاع السيئة التي ربما تواجه بها النساء في المجتمع الأفغاني في ظل الوجود المبالغ فيه لأعضاء التحالف الشمالي في الحكومة الأفغانية المؤقتة. وانطلاقاً من سجل تحالف الشمال غير المشرف والملطخ بانتهاكات حقوق المرأة والممارسات المشينة التي نالت من كرامتها، تكهن مراقبون أن يكون المسؤول الذي قام بعملية التنسيق مع رئيسة شبكة الدعارة من أعضاء تحالف الشمال البارزين. [صحيفة السبيل، العدد: (٤٢٣) ] الرئيس صديقي غادر المنصر الأمريكي فرانكلين جراهام، صديق الرئيس الأمريكي جورج بوش، منزله في مقاطعة كارولينا الشمالية، متوجهاً بطائرته الخاصة إلى جنوب السودان، ليقيم قاعدة خاصة على بعد ٤٠ كم من مناطق القتال، ويقدم الدعم للمسيحيين هناك ضد حكومة الخرطوم حسب زعمه. ونقلت صحيفة (أخبار اليوم) السودانية عن القس الأمريكي زعمه أن الحرب في جنوب السودان ليست مسألة إنسانية فقط وإنما هي حرب بين الأصوليين الإرهابيين المسلمين الموالين لأسامة بن لادن والمسيحيين الطيبين الذين يحبون الله وأمريكا! كذا: بينما ترى الإدارة الأمريكية أن مناصرة بعض المسلمين لإخوانهم إرهاباً يستحق الاعتقال والحبس، نجد القس الأمريكي يعلن على رءوس الأشهاد مساندته للوثنيين والنصارى في جنوب السودان عبر القاعدة التي أنشأها هناك. [مجلة المجتمع، العدد: (١٤٩١) ] دعوة للإنقاذ تعاني المدارس والمعاهد الإسلامية الأهلية بجنوب تايلاند خلال هذه السنة الجديدة من مشاكل عديدة بسبب تزمت وتشدّد الحكومة البوذية، حيث ألغت كل المناهج الموجودة وطالبت بتطبيق منهج جديد يبدأ تطبيقه خلال الدخول الدراسي الجديد في شهر مايو المقبل. والمحيّر فعلاً هو دعمها للمواد الأكاديمية على حساب الدراسات الإسلامية؛ حيث كان حظ القسم الديني ١١ ساعة سنوياً، خلافاً للمنهج الملغى الذي كان نصيبه ٦٤٨ ساعة سنوياً. وبعملية حسابية بسيطة يكون نصيب تدريس المواد الشرعية دقيقتين يومياً، يدخل الأستاذ ليلقي السلام ثم يخرج! ! وأمام هذا الوضع الخطير تقف المدارس الإسلامية الأهلية البالغ عددها ١٣٧ مدرسة ومعهداً بالولايات الأربع (جالا، فطاني، وناراتيوات، وستول بجنوب تايلاند) حائرة ماذا تفعل وخائفة من تسلط الحكومة التايلاندية التي كشرت عن أنيابها، وعاجزة عن أن تفعل أي شيء، أما أولياء أمور التلاميذ البالغ عددهم ٨٧٥٦٣ تلميذ وتلميذة بالولايات الأربع بجنوب تايلاند، فيقفون موقف المتفرج عما تسفر عنه هذه الهجمة الشرسة على التعليم الديني، لضعف إدراكهم لمخططات الأعداء، وكيدهم المتواصل على هذه الأمة وأبنائها، أما الأساتذة البالغ عددهم ٣٥٩٧ أستاذاً وأستاذة، فهم الآخرون مهددون بالطرد. وحيال هذا الوضع الصعب ترفع هذه المدارس والمعاهد الدينية الأهلية بالولايات الأربع بجنوب تايلاند صوتها إلى كل المسلمين في بقاع الأرض بإمدادها بالدعم المعنوي والمادي، كي تتمكن هذه المدارس والمعاهد الإسلامية الأهلية من أداء رسالتها الحضارية في مجال التربية والتعليم، سائلين الله جلت قدرته أن يوفق الجميع لما فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة. [أحمد صبيحي، صحفي مقيم في تايلاند، رسالة بريدية لمجلة البيان] أجداد للإيجار! ! تدرس الحكومة البريطانية خطة مثيرة تقضي بدفع أجر للأجداد والجدات الذين يمضون وقتاً في رعاية أحفادهم، بهدف تشجيع الآباء والأمهات على العودة إلى سوق العمل، وينظر وزير العمل والتعويضات الاجتماعية اليستير دارلينج حالياً في تجربة رائدة تجري في نوتنجهام شاير يدفع مجلس البلدية بموجبها للأجداد والأعمام أو العمات والأخوال أو الخالات أجراً يصل إلى ٢٥ جينهاً إسترلينياً أسبوعياً عن كل طفل لقاء توفير الرعاية الأسرية للأطفال في غياب آبائهم أو أمهاتهم، وقال مسؤولون في الحكومة إن دارلينج يعي أن الحكومة ربما لن تؤيد دفع أجر للأجداد والجدات، لقاء خدمة يسر العديد منهم في تقديمها من غير مقابل مادي، لكن دارلينج يريد من الحكومة بذل جهود أكبر لمساعدة الآباء العزاب والأمهات العازبات الذين يقولون إنهم عاجزون عن الالتحاق بدورات التدريب المهنية؛ لأنهم لا يقدرون على تحمل تكاليف استئجار حاضنات مرخصات. وقد لاقت خططه الأخيرة تأييداً من قِبَل جمعية «هموم الهرم» ؛ حيث قالت الناطقة باسم الجمعية: إن الأجداد والجدات سيرحبون بأي مبادرة تقر بالدور الحيوي الذي يلعبونه في رعاية الأطفال. وأشارت الناطقة إلى أن حوالي مليون جد وجدة يقومون بمهام حضانة أحفادهم لمدة تصل إلى ١٥ ساعة أسبوعياً، مضيفة أن العديد من الأمهات والآباء ربما يضطرون إلى ترك العمل لولا مساعدة آبائهم وأمهاتهم في رعاية أطفالهم. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٢٤٥) ] إصرار على الحرب أنهى قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال تومي فرانكس جولة سريعة في منطقة القرن الإفريقي شملت الصومال وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وإريتريا واليمن. وفي جيبوتي التي كانت محطته الأخيرة التقى فرانكس بالقادة العسكريين الفرنسيين والألمان الذين ترابط قواتهم في ميناء جيبوتي استعداداً للحملة الجديدة في المنطقة التي تشير أغلب المؤشرات إلى أنها قد تبدأ من الصومال، وقد تمتد حسب بعض المصادر إلى اليمن وجزر القمر. وسبق فرانكس إلى المنطقة المبعوث الأمريكي إلى الصومال جلين وراين الذي قام بجولة داخلية لمختلف المناطق الصومالية، وأجرى لقاءات مع الحكومة الانتقالية وحكام ولايات الحكم الذاتي في شمال وشرق البلاد، في إطار الزيارات المكثفة التي قام بها خبراء عسكريون أمريكيون ومحققون من وكالة الاستخبارات المركزية للمحافظات الصومالية. واعتبر المراقبون أن زيارة الجنرال فرانكس تأتي خاتمة لهذه السلسلة من الاستطلاعات لبلورة الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة تجاه الخطوة التي تتخذها حيال الصومال. [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٥١٢) ] أهو ثمن للبقاء؟ ! في مقابلة خاصة أجراها الجنرال برويز مشرف مع صحيفة (نيوز) المعروفة بميولها الأمريكية القوية وحماسها لاعتراف باكستان بـ (إسرائيل) ، قال الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف إنه «لا اعتراض لدى باكستان لانضمام إسرائيل والهند للتحالف الدولي ضد الإرهاب» . ولكنه قال إن «باكستان لن تسمح للهند باستخدام الأجواء الباكستانية أو الأراضي الباكستانية في معركة التحالف الدولي على اعتبار أنها دولة معادية لباكستان» ، وهذا يعني ضمناً أنه لا اعتراض لديها بأن تستخدم «إسرائيل» الأجواء أو الأراضي الباكستانية. تأتي هذه التصريحات للجنرال مشرف في وقت تكثر فيه التكهنات حول نية باكستان الاعتراف بـ «إسرائيل» وانتهاج السياسة العلمانية في البلاد. [صحيفة السبيل، العدد: (٤٢٣) ] لا تحتاج إلى تكأة! لم تخرج الصين عن «قاعدة» الحرب على «الإرهاب» ؛ حيث وظفت منذ بداية الحملة الأمريكية بعد أحداث ١١ سبتمبر مسوغات الولايات المتحدة لتصفية حسابات قديمة مع مسلمي المقاطعات الغربية الشمالية للبلاد بدعوى «ممارسة الإرهاب» . وقد اتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير لها صدر مؤخراً الحكومة الصينية باعتقال الآلاف من مسلمي الأيجور منذ الحادي عشر من سبتمبر، وكانت بعض عناصر الأيجور قد شنت حملة تفجيرات على نطاق ضيق في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية إلا أن منظمة العفو قالت: إن معظم المعتقلين لم يفعلوا شيئاً على الأرجح خلافاً لممارسة شعائر دينهم أو الدفاع عن معتقداتهم. ومع نفي بكين التهم الموجهة إليها إلا أنها تفادت إثارة حالات محددة ذكرتها المنظمة، ويقول التقرير إنه على الرغم من أن إقليم شينجيانج الذي يتمتع بالحكم الذاتي، لم يشهد أعمال عنف ملحوظة خلال السنوات الماضية إلا أن السلطات الصينية اعتقلت الآلاف خلال الأشهر الستة الماضية، كما فرضت قيوداً على حرية العبادة والتعبير عن المعتقدات الثقافية، وأكثر من ذلك اتهمت المنظمة قوات الأمن الصينية بإعدام عدد من الأشخاص وحكم على آخرين بالسجن. تقول الصين إن عدداً كبيراً من مسلمي الأيجور على علاقة بأسامة بن لادن، وتلقوا تدريباً في أفغانستان التي تشترك في الحدود مع شينجيانج. ومن بين ما أشارت إليه منظمة العفو الدولية قيام السلطات الصينية بممارسة ضغوط على تلاميذ المدارس لمنعهم من صيام شهر رمضان. كما أشارت المنظمة في تقريرها إلى أن منظمات أخرى لحقوق الإنسان وجهت الاتهامات نفسها للحكومة الصينية، وتشن عناصر من الأيجور الذين كانت لهم جمهورية خاصة بهم قبل استيلاء الشيوعيين على الحكم في بكين عام ١٩٤٩م حملة ضد الحكومة الصينية في محاولة لإعلان دولتهم المستقلة التي يعتزمون تسميتها تركستان الشرقية. موقع مجلة العصر www.alasr.ws الترحيب الجورجي أبدى الرئيس الجورجي إدوارد شيفردنادزه استعداد بلاده للأخذ في الاعتبار بدء عملية أمنية مشتركة مع الولايات المتحدة «لاجتثاث الإرهابيين المختبئين» في منطقة بانكيسي (شمالاً) قرب حدودها مع الشيشان، ورفض في الوقت نفسه أي عمليات عسكرية مشتركة مع روسيا في هذه المنطقة الحدودية، وحمل بعنف على وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف. ونفى الرئيس الجورجي بشدة احتمال أن تكون بلاده عازمة على القيام بعمليات مشتركة مع القوات الروسية في وادي بانكيسي، التي يعتقد أن نحو ثمانية آلاف شيشاني لجؤوا إليها، وأكدت موسكو مراراً أن المقاتلين يستخدمونها قاعدة لتنفيذ عملياتهم في الشيشان. تزايدت الضغوط على جورجيا للحد من الجريمة وضمان الأمن، وخصوصاً بعدما صرح القائم بالأعمال الأمريكي في تبليسي فيليب ريملير لصحيفة جورجية بأن «عشرات الإرهابيين من أفغانستان موجودون في المنطقة» ، وأقر المسؤولون الجورجيون أخيراً أن بعض العرب والأفغان الذين حاربوا في الشيشان مختبئون فعلاً في وادي بانكيس. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٢١٦) ]

стр. 4250

مقالات معربة قواعد الأخلاق في الغرب اهتزت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بقلم: روبرت فيسك صحيفة الإندبندنت البريطانية ترجمة: أحمد المكاشفي [*] تزدهر في هذه الأيام زراعة نبات الخشاش في حقول أفغانستان، نعم! يحدث ذلك مع تورط الأمريكيين أكثر فأكثر في الفخ الأفغاني؛ فمن الواضح أن أمراء الحرب وقادة العصابات الذين يديرون الحكومة الأفغانية المؤقتة التي يدعمها الغرب عازمون على تزويد الأسواق العالمية بمحصول جديد من المخدرات. وقد سبق أن حذرت الأمم المتحدة من ذلك لكن تحذيراتها تلاشت في غمرة صيحات «الحرب ضد الإرهاب» التي طغت على ما عداها من أصوات، فكان من نتائج ذلك أن أصبحت طرق المرور السريع الخربة في أفغانستان تمور بالفوضى واللصوص والقتلة وقطاع الطرق. أما قوات حفظ السلام الدولية قليلة العدد والعدة فهي في حالة يرثى لها؛ إذ إنها عاجزة عن بسط سيطرتها على أنحاء العاصمة كابل، فضلاً عن بقية أقاليم أفغانستان. كما تنحصر سيطرة حامد كرزاي رئيس الحكومة الأفغانية المؤقتة وسلطته في دائرة ضيقة تكاد لا تتجاوز الأحياء المحيطة بمقر حكومته. ولا يبدي الأمريكيون الذين أصبحت الحرب ضد الإرهاب أكبر همهم، وبعد أن اكتشفوا أن أعداءهم في أفغانستان عازمون على منازلتهم، لا يبدون أي اكتراث لنزاع آخر أشد خطورة تدور رحاه على بعد ألفي ميل إلى الغرب من كابل، في شوارع مدن القدس ورام الله وتل أبيب ونابلس وجنين وغزة وأزقتها. ومن علامات هذا التجاهل أنه عندما يجتاح الجيش الإسرائيلي مخيمات اللاجئين ويقتل عشرات الفلسطينيين؛ تناشد الولايات المتحدة إسرائيل بضبط النفس، لكن حين يفجر انتحاري فلسطيني نفسه في أحد شوارع القدس فيقتل عدداً من الإسرائيليين؛ تسارع الولايات المتحدة إلى إدانة ياسر عرفات واتهامه بالإخفاق في وضع حد للإرهاب واعتقال مرتكبي أعمال العنف من الفلسطينيين. وفي غضون ذلك ينهمك أرييل شارون في تدمير السجون ومراكز الشرطة الفلسطينية حتى يمنع عرفات من تطبيق مقررات اتفاقية السلام الفلسطينية الإسرائيلية. كما تلتزم واشنطن الصمت حين يصرح شارون علناً أن على إسرائيل أن تقتل المزيد من الفلسطينيين. وقد لا يكون هذا الصمت الأمريكي عن تجاهل وعدم اهتمام، بل ربما أن مرده إلى قناعة الإدارة الأمريكية بأن هذا الرجل «شارون» الذي حملته لجنة تحقيق إسرائيلية حكومية المسؤولية الشخصية عن قتل ١٧٠٠ من المدنيين الفلسطينيين في بيروت في عام ١٩٨٢م يقف معها في خندق واحد في معركتها ضد الإرهاب. يبدو أن خللاً قد أصاب بوصلة الأخلاق الأمريكية جراء حوادث الحادي عشر من سبتمبر؛ بحيث لم يعد بوش يرى بأساً بتصرفات شارون الإجرامية. والحق أن معطيات الواقع تشير إلي أن كل الدروس التاريخية التي أفرزتها الأزمات في أفغانستان والشرق الأوسط يجري تجاهلها تماماً الآن. ألم تسمع عزيزي القارئ إلى ما صرح به كلينتون خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل حين أنحى باللائمة على عرفات؟ ! أم لم يصل إلى سمعك ما صرحت به زوجته الخرقاء هيلاري كلينتون إبان زيارتها الأخيرة لإسرائيل، حين حمَّلت ياسر عرفات المسؤولية عن حوادث العنف التي تقع؟ ! كما أعلنت أنها ومن منطلق وضعها كسيناتور أمريكي ستقف بقوة إلى جانب الشعب الإسرائيلي. نعم إلى جانب الشعب الإسرائيلي! ! ونحن نتساءل هنا: ما الذي يضر هيلاري لو وقفت بقوة إلى جانب الفلسطينيين الأبرياء أيضاً؟ ! ألأن دينهم مختلف؟ ! أم لأنهم يكتبون من اليمين إلى الشمال؟ ! أم لأن لون عيونهم مختلف؟ ! وهكذا يجري تحويل مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي إلى جزء لا يتجزأ من «الحرب ضد الإرهاب» . والحق أن لغة هذه الحرب تزداد سذاجة وتبسيطاً بمرور الأيام؛ فنحن اليوم مطالبون بأن نردد بطريقة ببغاوية بلهاء عبارات وكلمات من شاكلة: «ثأر، دورة العنف، محور الشر، القنبلة مدمرة المخابئ، وقنبلة الديزي كاتر..» إلخ، ولا تلوح في الأفق القريب نهاية لهذا السلوك الطفولي. أما آخر ما استجد من مصطلحات القتل فتتمثل في كلمتي «ترحيل» و «إعادة توطين» ؛ فقد وردت هاتان الكلمتان في أثناء مقال نشرته مؤخراً صحيفة «يو إس تودي» ، يقول كاتب المقال: «يكمن الحل الناجع للقضية الفلسطينية في الفصل التام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وإعادة توطين الفلسطينيين في الأردن؛ حيث يشكل الفلسطينيون بالفعل نسبة ٨٠% من مجموع السكان» . كما أجري استطلاع للرأي في إسرائيل لتحديد عدد الإسرائيليين الذين يؤيدون خيار حل القضية الفلسطينية بطرد العرب من ديارهم، إي والله! ! العرب وليس المستوطنين اليهود الذين يقيمون بطريقة غير مشروعة في الأرض العربية المحتلة. إنه بحق أمر غريب ومحيّر، فالترحيل والطرد من ضروب التطهير العرقي والتطهير العرقي من جرائم الحرب كما ينص القانون الدولي. وإذا كانت الصحف الأمريكية لا تمانع من نشر مثل هذه الآراء المتطرفة وترويجها، وإذا كانت آراء الإسرائيليين تُستطلع لمعرفة حجم التأييد الذي يلقاه خيار ترحيل الفلسطينيين؛ فلماذا بربك يُحاكم ميلسوفيتش في لاهاي؟ إننا والحق يقال على أعتاب سقوط أخلاقي مريع، تأمل مثلاً في التخفيف الذي طرأ على لهجة آخر تقرير أمريكي عن حقوق الإنسان في العالم. ففي تقريرها عن حقوق الإنسان في العالم عام ٢٠٠٠م ذكرت الحكومة الأمريكية أن المحاكم العسكرية في مصر لا تضمن حصول المتهمين المدنيين على محاكمات عادلة أمام محاكم مستقلة. إلا أن هذه الجملة حذفت من ذات التقرير عام ٢٠٠١م، وسبب ذلك بالطبع هو أن جورج بوش نفسه منهمك الآن في تشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة الأسرى المحتجزين في قاعدة غوانتانامو دون توفر أي ضمان لحصولهم على محاكمات عادلة. وبالإضافة إلى تعمدهم تحريف طبيعة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يمارس المسؤولون الأمريكيون الكذب الصريح في غالب ما يصدر عنهم من تقارير وتصريحات عن الحرب في أفغانستان. إليك ما قاله الجنرال فرانكس، رئيس القيادة المركزية الأمريكية، في معرض تعليقه على قتل ١٦ أفغانياً عن طريق الخطأ في منطقة «هازار كادام» الأفغانية، يقول فرانكس: «لن أصف تلك الحادثة بأنها وقعت نتيجة لخطأ أو إخفاق» . وهو تصريح يدل على أحد أمرين: فإما أن فرانكس لم يطلع على الحقائق، أو أنه رجل حقير لا يقيم وزناً لأي مُثُل أخلاقية. كما رفض رئيسه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي استخدام كلمة «خطأ» أو حتى كلمة «تحري» في حديثه عن مقتل الآلاف من الأفغان الأبرياء جراء القصف الأمريكي؛ وذلك لما تتضمنه هذه الكلمات من إشارة إلى احتمال «اتخاذ إجراء رسمي أو عقابي في حق مرتكبي ذلك الخطأ» . وإذا كان كبار العسكريين الأمريكيين يمارسون هذا القدر من الخداع والتضليل فليس بمستغرب إذن أن يفتح الإسرائيليون نيران دباباتهم ومدافعهم الرشاشة على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، أو أن يطلقوا الصواريخ المدمرة على سيارات تحمل أطفالاً فلسطينيين بحجة أن إسرائيل تطالب برؤوس آبائهم، ودون أن يصدر عن واشنطن ما يفيد الشجب أو الاعتراض. لقد آن الأوان لأوروبا أن تتحرك؛ وذلك بعقد مؤتمر قمة تشارك فيه جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للتداول بشأن هذه الأزمات الخطيرة. إن علينا نحن الأوروبيين أن نعمل على توسيع صلاحيات قوات حفظ السلام الدولية المرابطة في كابل وحجمها وإمكانياتها؛ بحيث تتمكن من نزع أسلحة المليشيات الأفغانية، ثم نترك أمريكا لتغرق، إن شاءت، في مستنقع حرب العصابات، وحالة شبه الاحتلال التي تفرضها على أفغانستان حالياً. كما يتعين علينا أيضاً مطالبة إسرائيل بتعويض مبلغ عشرة ملايين دولار التي جاد بها دافعو الضرائب الأوروبيون، والتي بددها الجيش الإسرائيلي بتدميره للمنشآت والبنى التحتية الفلسطينية التي ساهم الأوروبيون في تمويلها. وما دام أن الأمريكيين يرفضون التحدث إلى ياسر عرفات؛ فمن واجبنا نحن أداء هذه المهمة. وإذا كانت أمريكا لا تأبه كثيراً لهذه الحرب الضروس التي تدور رحاها بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ فمن واجب الأوروبيين التحرك بقوة لإيقافها. فمثلما أننا نطالب بتمويل السياسات الرعناء والمفلسة التي تنتهجها حكومة الولايات المتحدة من حر مالنا؛ فمن حقنا أيضاً أن نطالب بأن يكون لنا حق إبداء الرأي في هذه السياسات. لكن ما يبعث الأسى في النفس هو أننا عوضاً عن ذلك نرى أن بعض الحكومات الأوروبية، كالحكومة البريطانية، تغذي أوهام وشطحات جورج بوش؛ وذلك بتأييد خطته الحمقاء لمهاجمة العراق. وفي نهاية هذه الكلمة أقول إنني بدأت أحس بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد طفقت تتحول شيئاً فشيئاً إلى لعنة أبلغ ضرراً وأشد بشاعة من الدمار الذي ألحقته الهجمات الانتحارية بمبنى البنتاغون ومركز التجارة العالمية، كما يوشك الأثر العميق الذي خلفته تلك الأحداث في نفسية الأمريكيين أن يطمس كل مبادئ الأخلاق وقواعدها في أمريكا. كما أنني أتساءل هنا قائلاً: تُرى، هل تريد أمريكا أن تجعل من الفوضى التي تضرب أفغانستان، والقتل المستمر في الشرق الأوسط نصباً تخلّد به ذكرى ضحايا حوادث الحادي عشر من سبتمبر من الأمريكيين؟ !

стр. 4251

في دائرة الضوء واقع العالم الإسلامي (٢ - ٢) د. أحمد بن عبد الله الزهراني [*] في العدد الماضي أشار الكاتب إلى إخلال العالم الإسلامي اليوم بالكليات الخمس التي أجمعت عليها الشرائع وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. ثم ذكر أن من سنن الله تعالى في خلقه استمرار الصراع بين الحق والباطل حتى قيام الساعة، وقد أفاض في الحديث عن شعيرة الجهاد واستمراريته بنوعيه: جهاد الكلمة، وجهاد السيف. - البيان - إنهم اتبعوا سنن الغرب القائم، ومالت أعناقهم وأفئدتهم إليه فأعطوه العهود والمواثيق على المتابعة وعدم المخالفة، ودخلوا معه في عقد الندوات والمؤتمرات، واستجابوا له في دفع الميزانيات، واستجلاب انتاجياته كما تلقفوا أفكاره وثقافاته، وساروا في ركابه ليل نهار، ولجؤوا إليه في السراء والضراء، فاحتكموا إليه في الخلافات، ونصبوا لهم جميعاً صنماً طاغوتياً يحتكمون إليه، ويحكم بينهم ويرضون ويسلمون له بذلك، وأصدروا ميثاقاً عاماً أسموه «ميثاق هيئة الأمم المتحدة» عام ١٩٤٥م جاء في مقدمته: «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت أحزاناً على الإنسانية مرتين من خلال جيل واحد يُعجز وصفها، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة، واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في مكان أفسح من الحرية، وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش جميعاً في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحافظ على السلم والأمن الدوليين، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها أن تستخدم الأداة الدوليّة في تطوير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعاً وقد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض. ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرنسيسكو الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشروط قد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا، وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تسمى: هيئة الأمم المتحدة» [١] . ولقد اشترك في هذا الميثاق بما فيه من العُجَر والبُجَر مائة وتسعة وخمسون دولة؛ مع دفع مساهمات مالية سنوية تعتبر ميزانية سنوية لهيئة الأمم، ومع الأسف انتظمت دول العالم العربي والإسلامي في سلك تلك الهيئة، ومن أقدم دول العالم العربي دخولاً في هذه الهيئة: سوريا، والعراق، ولبنان، ومصر؛ حيث كان تاريخ دخولها في بداية عقد هذه الهيئة عام ١٣٦٥هـ ١٩٤٥م. ثم اليمن الشمالي التي دخلت عام ١٣٦٧هـ ١٩٤٧م. ثم الأردن وليبيا عام ١٣٧٥هـ ١٩٥٥م ثم تونس، والسودان، والمغرب عام ١٣٧٦هـ ١٩٥٦م. ثم الجزائر عام ١٣٨٢هـ ١٩٦٢م. ثم الكويت عام ١٣٨٣هـ ١٩٦٣م. ثم اليمن الديمقراطية عام ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م. ثم دولة الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وعمان، وقطر، عام ١٣٩١هـ ١٩٧١م. وعلاقة هذه الدول بهيئة الأمم وبالمنظمات الدولية الأخرى علاقة مودة، ودعم ومؤازرة منطلقة في ذلك كله من مقاصد الميثاق الأممي لهيئة الأمم المتحدة. إن ميثاق هيئة الأمم والمنظمات الدولية الأخرى يتعارض مع مبادئ الإسلام وقيمه، ومع غايات الجهاد الإسلامي وأهدافه كل التعارض؛ فهو ميثاق جاهلي يعارض المبادئ والقيم الإسلامية يجب الكفر به وعدم الإيمان به، إنه نصب نفسه مصدراً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها، كما جاء في الفقرة الرابعة من المادة الأولى، وكما جاء في الفقرة الرابعة والخامسة من المادة الثانية. بل يريد من الدول غير العضوة فيه أن تسير وفق مبادئه؛ كما جاء في الفقرة السادسة من المادة الثانية [٢] . وقد أخذ التعهد على الأعضاء المشتركين في قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، كما جاء في المادة الخامسة والعشرين من الميثاق الأممي [٣] . كما أخذ التعهد عليهم بأن يضعوا تحت تصرف مجلس الأمن كل ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين، ومن ذلك حق المرور، كما جاء في المادة الثالثة والأربعين الفقرة الأولى [٤] . ومن خبث هذا الميثاق الأممي أن صنع له محكمة قضائية سماها «محكمة العدل الدولية» ، وجعل لها نظاماً منبثقاً من ميثاق هيئة الأمم، كما في المادة (٩٢) ، وأخذ التعهد على كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة أن يقبل بحكم تلك المحكمة في أي قضية هو طرف فيها، كما جاء في المادة الرابعة والتسعين منه [٥] . كما أصدر وثيقة [الإعلان العالمي لحقوق الإنسان] عام (١٩٤٨م) جاء في ديباجته ما نصه: «ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح، ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها. ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد، فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم؛ حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة قومية وعالمية؛ لضمان الاعتراف بها، ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانه» [٦] . وبناء على هذا التصور الجاهلي جاء في المادة الثانية من نظامه ما يلي: «لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر دون أية تفرقة بين الرجال والنساء» [٧] . انظر إلى هذا الكفر الصراح الذي ألغى المبادئ الإسلامية وألزم الإنسانية بشرعة الكافر وقانونه الجاهلي من خلال التعليم والتربية وغير ذلك. لقد فرق الإسلام بين المسلم وبين الكافر وجعل لكل منهما أحكاماً غير الآخر، وحذر المسلم من العيش مع الملحدين الكافرين، وأمر بمجاهدتهم وقيام الحد على من ارتد عن الإسلام، كما جعل للأنثى أحكاماً تفارق فيها أحكام الرجل، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، ولكن نقول لهم كما قال ربنا سبحانه: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (الأعراف: ١٥٨) . وقوله تعالى: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] (الممتحنة: ٤) . يقول د. محمد محمد حسين ﵀: «ها هنا مسألة دقيقة يشكل فهمها على كثير من الناس، وهي عالمية الإسلام وإنسانيته، والخلط بينها وبين الدعوات العالمية والإنسانية بمعناها المقصود في الليبرالية والعلمانية التي تسقط الدين من حسابها جملة ولا تقيم له وزناً، فعالمية الإسلام تعني أن دعوته موجهة إلى البشر كافة، وليست محصورة في جنس بعينه، كاليهودية التي هي ديانة عنصرية خاصة ببني إسرائيل مغلقة عليهم بوصفهم شعب الله المختار، فالمسلمون على اختلاف أجناسهم وألوانهم إخوة في الدين، سواسية في الحقوق والواجبات، لا تفرقة بينهم بسبب الجنس أو اللون. وإنسانيته تعني أنه يدعو إلى العدالة بين خلق الله على اختلاف مللهم وأجناسهم ومعاشرتهم بالمعروف؛ مع رعاية حق الضعيف والمريض والشيخ الهرم والطفل الصغير ورجل الدين. ولكن المسلمين مع ذلك كله يظلون» أمة واحدة من دون الناس «كما جاء في نص كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه بين المسلمين واليهود عندما قدم إلى المدينة. وهم مطالبون بالتمسك بشعائرهم وسننهم ومناسكهم التي تميزهم بطابع خاص، ومنهيون عن التشبه بغيرهم في أزيائهم أو عاداتهم، حتى لا يفقدوا هذا الطابع المتميز المستقل، ومطالبون بالحفاظ على استقلالهم وسيادتهم والدفاع عنها حتى الموت. وللمسلم على المسلم من الحقوق والواجبات ما ليس لغير المسلم» [٨] . وقد جعلت هيئة الأمم السلم والأمن الدوليين هما المنطلق لها في الميثاق الذي أصدرته ووقع عليه جميع الأعضاء؛ فمن أخل بالسلم والأمن الدوليين يجب الوقوف ضده واتخاذ التدابير اللازمة لمنعه [٩] . والغرب له رصيد تجربة قديمة مع جيوش وجحافل الجهاد الإسلامي؛ ولذلك يخافون من ظهور الجهاد الإسلامي لأنه يقوض عروشهم ويكسر شوكتهم. يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «يخاف الغربيون لا سيما الإنجليز من ظهور فكرة الجهاد في أوساط المسلمين حتى لا تتوحد كلمتهم فيقفوا أمام عدوانهم؛ ولذلك يحاولون الترويج لفكرة نسخ الجهاد، وصدق الله العظيم إذ يقول فيمن لا إيمان لهم: [فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] (محمد: ٢٠) . ولقد قابلت المستشرق الإنجليزي» أندرسن «في مساء الجمعة ٣/ ٦/١٩٦٠ م فسألته عن رأيه في هذا الموضوع فكان من نصيحته لي أن أقول: إن الجهاد اليوم ليس بفرض بناء على مثل قاعدة» تتغير الأحكام بتغير الأزمان «؛ إذ إن الجهاد في رأيه لا يتفق مع الأوضاع الدولية الحديثة؛ لارتباط المسلمين بالمنظمات العالمية والمعاهدات الدولية؛ ولأن الجهاد هو الوسيلة لحمل الناس على الإسلام، وأوضاع الحرية ورقي العقول لا تقبل فكرة تُفرض بالقوة» [١٠] . إن الغرب جلب بخيله ورجله لتشويه الإسلام وشعائره وخاصة شعيرة الجهاد وأثار حولها كثيراً من المغالطات والشبهات؛ لكي يقضي على هذه الشعيرة في نفوس المسلمين [١١] ، وصدق الله القائل: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٢-٣٣) . والقائل: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف: ٨-٩) . لقد نجح الغرب في القضاء على شعيرة الجهاد الإسلامي في نفوس المسلمين فنصب لهم الكمين القاتل بإنشاء المنظمات والمعاهدات الدولية، وطلب منهم الانضواء تحت مظلات تلك المخططات الجاهلية؛ فاستجابوا له فسامهم سوء العذاب من الذل والهوان، وصدق الله العظيم القائل: [وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً] (النساء: ٣٨) . والسبب وراء هذه الدوافع من العدو الغادر والله أعلم خوفه من صيحات «الله أكبر» التي ذاق طعم سيوفها في المعارك التي وقعت بين الفريقين، فأخذ يمكر ويفكر ويعد العدة لتشويه هذه الشعيرة الغالية عند الله وعند عباده المؤمنين، بل يسعى إلى إلغائها بالكلية. يقول د. البوطي: «ولن تعجب من الدوافع إلى حصر كل همهم في مشروعية الجهاد بخصوصه، إذا علمت بأن أخطر ركن من أركان الإسلام في نظر أعدائه يخيفهم ويرعبهم إنما هو (الجهاد) » ! فهم يدركون أن هذا الركن إذا استيقظ في نفوسهم وأصبح ذا أثر في حياة المسلمين في أي عصر من الزمن فلن تقف أي قوة بالغة ما بلغت من الأهمية في وجه الدفع الإسلامي؛ ولذا ينبغي أن يكون البدء في القيام بأي عمل بغية إيقاف المد الإسلامي من هذه النقطة ذاتها « [١٢] . لقد وضع العدو الغادر مقدمات ووسائل لإلغاء مبدأ الجهاد في نفوس المسلمين بل جوّز فكرة النسخ للجهاد بالكليّة، وتشبعت الدول بتلك الفكرة الخاطئة، كما اتفقوا جميعاً على محاربة من ينادي به ويدعو إليه، ووصموه بالإرهاب والتطرف والانشقاق والمروق من الدين والإجرام، وأسرجوا خيولهم في مطاردة عناصر الجهاد والقضاء عليهم. إن طوفان الغرب قد تسلط على عالمنا الإسلامي فاخترق جدرانه الحسية والمعنوية فاستوطنها بثقافته وإرسالياته وممثلياته ومعاهداته ومنظماته الكافرة، فصار عالمنا الإسلامي لا يتحرك إلاّ في إطاره، وبتوجيهه وأمره. جاء في المادة الخامسة والخمسين من ميثاق هيئة الأمم المتحدة ما يأتي: » رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلميّة وديّة بين الأمم، مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها؛ تعمل الأمم المتحدة على: أ - تحقيق مستوى أعلى للمعيشة لتوفير أسباب الاستخدام المتصل لكل فرد، والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي الاجتماعي. ب - تيسير الحلول للمشكلات الدولية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وما يتصل بها، وتعزيز التعاون الدولي في أمور الثقافة والتعليم. ج - أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع؛ بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء؛ مع مراعاة فعلية لتلك الحقوق والحريات. المادة السادسة والخمسون: «يتعهد جميع الأعضاء بأن يقوموا منفردين أو مجتمعين بما يجب عليهم من عمل بالتعاون مع الهيئة لإدراك الأهداف المنصوص عليها في المادة الخامسة والخمسين» [١٣] . نعوذ بالله من الكفر وأهله، وصدق الله القائل: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠) . والقائل: [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (البقرة: ١٠٥) . والقائل: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢١٧) . والقائل: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (البقرة: ١٠٩) . إن العالم الإسلامي وصل إلى حالة من التخلف والفرقة والشتات والضعف والهوان قبل سقوط الخلافة وبعد سقوطها. ومقابل هذا الضعف والشتات والافتراق انتعش الغرب الأوروبي، وربط شتات أحزمته وانقض على عالمنا الإسلامي فغزاه في عقيدته، وثقافته وأخلاقه وتعليمه، وسياسته واقتصاده ونظمه وتشريعاته، وربط معه العهود والمواثيق، وتربص به حتى قيده وحاصره ووعده ومناه، وفتح له الأبواب لكي ينهل من معينه الملوث ويشرب منه زبده المحطم، ويمشي في ذيل قافلته المسمومة بعد أن كان قائداً له في يومٍ من الأيام. يقول سيرج لاتسن [١٤] في وصف الاستعمار الجديد: «لم يعد تعظيم الغرب في خلق تواجد ملموس، أو في قوة تذل الناس بخشونتها وعجزها؛ لكنه يقوم على قوى رمزية هيمنتها المعنوية أكثر مكراً إلا أنها أقل قابلية لإثارة المنازعات، وهذه العوامل الجديدة للهيمنة هي: العلم، التقنية، والاقتصاد، والتصور، والخلاف الذي تقوم عليه، لقد أصبحت التقنية وسيلة لخلق إيماني عالمي، فهي الأثر المادي والتواجد المتطور للآلة الجديدة (العلم) . ولقد ساهم المبشرون المسيحيون المنصرون كثيراً في نشر هذه العبارة الدنيوية» . ويقول أيضاً في وصف الغزو الثقافي: «تنطلق موجات فيض ثقافية ذات مذاق متميز من أقطار مركز الحضارة الغربية، وتغمر الكرة الأرضية في شكل صور وكلمات وقيم أخلاقية، وضوابط قانونية ونظم سياسية، كما تتدفق نحو العالم الثالث معايير للخبرات والضوابط الفنية التي أبدعتها وحدات خلاقة؛ وذلك عن طريق وسائل الإعلام من صحافة، وراديو، وتلفزيون، وأفلام، وكتب، وأسطوانات، وأجهزة فيديو. إن هذا الفيض المتدفق من الإعلام لا يمكنه إلا أن يشكل رغبات المستقبلين له وحاجاتهم وأنماط سلوكهم وعقلياتهم ونظم التعليم عندهم وأساليب حياتهم، إن هذه الدعاية الماكرة وهي منحة لا تقاوم تشهد على الحيوية الفياضة للمجتمعات فائقة التنمية، إلا أنها تخنق كل الإبداعات الثقافية عند المستقبلين السلبيين لتلك الرسائل الإعلامية ... إن الإنسان يمكنه أن يتحدث هنا عن هيمنة ثقافية تمارسها الدول الغنية، وأنه عن طريق المنح وليس غصباً أن أصبح مركز الحضارة في الغرب يمارس سلطة غير عادية من الهيمنة والسيادة» [١٥] . ويقول الشيخ بكر أبو زيد شفاه الله وعافاه في كتابه القيم (المدارس العالمية) ص ٥، ٦: «أما بعد: فإن المسلمين بعد انحلال وحدتهم عام (١٣٤٢هـ) عاشوا بين نازلتين حربيتين استعماريتين: الأولى: استعمار الكفار لبلاد المسلمين في معركتهم الحربية الدموية وسلاحهم المصلت على رقاب المسلمين؛ حتى احتلوا عامة ديار الإسلام ولم يبق منها رقعة إلا دخلها الاستعمار سوى حرم الإسلام قلب جزيرة العرب فقد حماها الله منه؛ إذ لم يحتلها استعمار كافر منذ طلوع فجر الإسلام حتى يومنا هذا بحمد الله تعالى، وأمام هذا الاستعمار كان المسلمون بحمد الله صوتاً واحداً ضده، واستمرت جهودهم في الجهاد والدفاع حتى أنقذ الله البلاد والعباد من استيلاء الكافرين، وكتب الله عليهم الجلاء من بلاد المسلمين. أما الثانية: فإن أعداء الله عباد الصليب وغيرهم من الكافرين أنزلوا بالمسلمين استعماراً من طراز آخر: هو (الاستعمار الفكري) وهو أشد وأنكى من حربهم المسلحة؟ فأوقدوها معركة فكرية خبيثة ماكرة وناراً ماردة وسيوفاً خفيفة على قلوب المسلمين باستعمارها عقيدة وفكراً ومنهج حياة؛ ليصبح العالم الإسلامي غربياً في أخلاقه ومقوماته، متنافراً مع دين الإسلام الحق، وكان أنكى وسائله جلب (نظام التعليم الغربي) والمدارس الاستعمارية الأجنبية العالمية إلى عامة بلاد العالم الإسلامي، ولم يبق منها بلد إلا دخلته هذه الكارثة سوى حرم الإسلام قلب جزيرة العرب فقد حماها الله منها» . ولقد أبانت المبشرة أثا مليجان عن هذا التوجه الغربي في قولها: «إن المدرس أقوى قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم المسيحي، وهذا التأثير يستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون يوماً ما قادة أوطانهم» . وتقول عن كلية البنات بالقاهرة: «في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشاوات وبكوات، وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة» . ويقول المبشر تكلي: «يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زُعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً» . يقول الشيخ محمود شاكر ﵀ معقباً على هذا القول الماكر: «وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة التي أرادوها، والتي أرادها دنلوب وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه ﷺ والذي عبر عنه وليم جيفورد بلجروف فيما ذكرته آنفاً: » متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلاّ محمد وكتابه «وخسئ المبشر التالف» [١٦] . ومصداق هذا ما كتبه المنصرون عن نشاط الجمعيات التنصيرية ودورها الفعّال في بلاد العالم الإسلامي. يقول المسيو ساتليه: «ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبنياً قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية ليتسنى لها توسيع نطاق هذا العمل والتثبت من فائدته، ويجدر بنا لتحقيق ذلك بالفعل أن لا نقتصر على المشروعات الخاصة التي يقوم الرهبان المبشرون وغيرهم بها؛ لأن لهذه المشروعات أغراضاً اختصاصيّة، ثم ليس للقائمين بها حول ولا قوة في هيئتنا الاجتماعية التي من دأبها الاتكال على الحكومة وعدم الإقبال على مساعدة المشروعات الخاصة التي يقوم بها الأفراد؛ فتبقى مجهوداتهم ضئيلة بالنسبة إلى الغرض العام الذي نحن نتوخاه، وهو غرض لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنساوية نظراً لما اختص به هذا التعليم من الوسائل العقلية والعلمية المبنية على قوة الإرادة، وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيّز الفعل ليبثّ في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنساوية» [١٧] . ويقول أيضا: «إن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال وفيرة وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تثبت الأفكار الأوروبية» . ثم يقول: «ولا شك أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس معتقديها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوروبية فتنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية بحيث يحتك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها إلا بعزلتها وانفرادها» . ثم يقول: «إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث خططهم في الهدم؛ فإن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم للجهود التي تبذل في سبيل التربية النصرانية. والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإسلام سيمهد السبل لإعمال المدنية الأوروبية؛ إذ من المحقق أن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية، ولن يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوروبية» . يقول الشيخ محمود شاكر ﵀ معلقاً على كلامه: «تأمل! ! هذا كلام دارس خبير ينبغي أن تقرأه لفظاً لفظاً لأنه تخطيط شامل في ألفاظ قليلة» [١٨] . ولقد حذر الشيخ محمود ﵀ كثيراً من معاول الهدم الثلاثة التي هي الاستشراق، والاستعمار، والتنصير، وهي وإن اختلفت في المسميات فالآثار واحدة، والأهداف واحدة، والغايات واحدة، والوسائل واحدة وإن تنوعت؛ حيث يقول: «فهذه الثلاثة متعاونة متآزرة متظاهرة وجميعهم يد واحدة؛ لأنهم إخوة أعيان أبوهم واحد وأمهم واحدة ودينهم واحد وأهدافهم واحدة ووسائلهم واحدة ... مرة أخرى لا تنسى ما حييت أن هذه الثلاثة إخوة أعيان لأب واحد وأم واحدة لا تفرق قط بين أحد منهم» [١٩] . ولقد نجحت معاول الهدم الماكرة الخبيثة في بث إرسالياتها ومنصريها ومدرسيها، وتشييد مدارسها في أقطار العالم الإسلامي؛ فغيروا من بنيته العقلية، وأفسدوا روحانيته، ومسخوا هويته الإسلامية رويداً رويداً إلا من رحم الله، وجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم فشاركوهم في الأموال والأولاد والإعلام والتعليم والتقنية والتخطيط؛ حتى أصبحنا نلهث ونلهف خلفهم في ميادينهم العلمية والعملية. يقول محب الدين الخطيب ﵀ عندما وصل إلى العاصمة «إستنبول» «هال صاحب الترجمة عند وصوله إلى هذه البيئة الجديدة أن جميع أبناء العرب من سوريين وفلسطينيين وعراقيين وحجازيين وغيرهم يجهلون قواعد لغتهم وإملاءها فضلاً عن آدابها وثقافتها، ويتكلمون حتى فيما بينهم باللغة التركية، وليس فيهم إنسان واحد له رسالة سامية في الحياة، ولا لأحدهم مطمع إلا أن يحذف الكلام والكتابة باللغة التركية ويندمج في أهلها، ثم يكون مستعبداً للوظيفة التي يرجو أن يحصل على المنزلة من طريقها» [٢٠] . ويقول عن تغريب مصر الفكري والثقافي: «وكان جوّ القاهرة الفكري والثقافي في ذلك الحين متشبعاً برطوبة الأخذ بثقافة الغرب بكل ما فيها من خير وشر وجد وهزل، وأكثر القائمين على الأندية والعاملين في الصحافة والمترددين على الأندية والمجتمعات يعدُّون كل نزعة إسلامية رجعية وجموداً، وكان العالم الإسلامي أصيب حينئذ بظهور الدعوة الكمالية إلى الفصل بين الدين وشؤون الدنيا، وتردد صدى ذلك في مصر على صفحات كتاب» الإسلام وأصول الحكم «لعلي عبد الرازق، وأنصاره الكثيرين في حزب الأحرار الدستوريين، وجمعية الرابطة الشرقية، ونادي القلم، وفي كلية الآداب التي أعلن زعيمها طه حسين:» آن للقرآن أن يقول، وللتوراة أن تقول ... والعلم غير مقيد بما يقولان «» [٢١] . وقد أحدث الغزو الثقافي والفكري صراعاً بين أبناء العالم الإسلامي حين تنكَّر بعضهم لبعض، وكفَّر بعضهم بعضاً، وتحزب بعضهم ضد بعض، وقتل بعضهم بعضاً؛ كل ذلك من دسائس الاستعمار الخفية وأساليبه الماكرة الخبيثة، فشتت وحدة المسلمين، ولوّث ثقافتهم، وأفسد عقولهم، وجعلهم شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون. يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: «كنا يومئذ في زمان صراع، وذلك منذ نحو من خمسين سنة، نشأت طفلاً في صراع ثقافي، وصراع اجتماعي، وصراع فكري، وصراع ديني، وصراع سياسي، وكان لكل صراع طابعه وألفاظه وكتّابه وجماهيره، قلّت أو كثرت، وتمادت بي الأيام حتى عقلت، وذلك في مطلع الثورة التي شملت مصر والسودان في سنة ١٩١٩م، وأظن أنه قد بقي في ذاكرتي شيء من الألفاظ التي كانت تدور في هذا الصراع الضخم ... وعاصر هذا الصراع صراع آخر بين الحضارة الغازية، وهي الحضارة الأوروبية المسيحية الوثنية، وبين بقايا الحضارة الإسلامية العربية المتمثلة في السلفيين، وأهل البدع، وأهل الأهواء من كل لون ونحلة، وكان هذا الصراع قائماً في الميادين كلها، في الميادين الاجتماعية، والفكرية، والثقافية، والدينية، والسياسية جميعاً، وكان محرك هذا الصراع هو الغازي المحتل بمدارسه وفرائضه التي فرضها علينا في مجتمعنا برمته؛ أعني أنه كان يستخدم وسائله السياسية الظاهرة، وهي هيئة» الاستعمار « ووسائله الخفية، وهي» التبشير «بالمعنى الذي شرحته مرات، ودللت على أنه ليس أمراً دينياً، بل كانت وسائله الثقافية والسياسية هي الغالبة عليه؛ لأنهم وجدوا أن الثقافة التي ينتسبون إليها نابعة من الكنيسة في جميع أطوارها وممثلة للدين المسيحي وللوثنية التي تسربت في خلاله على طول القرون، فالإلحاح على نشرها نشراً منظماً عميقاً نشر لخلاصة المسيحية الأوروبية الوثنية بلا تحد كتحد الدعوة إلى الدين صراحة وبلا مواربة، وهذه الخطة نفسها هي من نتاج النظام الكنسي الذي عاشته الحضارة الأوروبية في جميع أطوارها السالفة» [٢٢] . إن هذا الطوفان من الغرب هدفه الأول والأخير القضاء على الإسلام في عقر داره ومهد رسالته حتى لا ترفع له راية للجهاد تقوض عروش الباطل، وتنير الطريق للمضللين وتنشر العدل في ربوع المعمورة وتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فنثر الغرب كنانته الموبوءة في بلاد الإسلام، فقدَّم رجلاً وأخَّر أخرى، وفكَّر وقدَّر ثم فكَّر وقدَّر، وأرسل سهامه الملوثة والمتمثلة في معاول الهدم الثلاثة: «الاستشراق، والتنصير، والاستعمار» ذات الوجوه الثلاثة المتماثلة، ولكل معول أساليبه المتنوعة وأهدافه ووسائله وغاياته إلا أنها ذات غاية واحدة، وأعظم شيء حققه في عالمنا الإسلامي زعزعة العقيدة في نفوس المسلمين، وتنحية الشريعة عن واقع الحياة، وإحلال القانون محلها، وتشويه المفهومات والمبادئ الشرعية في نفوس المسلمين، وصنع رجالاً على وفق ما يريد، ينفذون له كل أساطيره القديم منها والجديد. يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: «فانظروا إلى ما فعل بنا أعداؤنا المبشرون المستعمرون! لعبوا بديننا وضربوا علينا قوانين وثنية ملعونة مجرمة، نسخوا بها حكم الله وحكم رسوله، ثم ربوا فينا ناساً ينتسبون إلينا، أُشربوا في قلوبهم بغض هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمة الكفر: أن هذا حكم قاس لا يناسب هذا العصر الماجن عصر المدنية المتهتكة! وجعلوا هذا الحكم موضع سخريتهم وتندرهم، فكان عن هذا أن امتلأت السجون في بلادنا وحدها بمئات الألوف من اللصوص، وبما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة ولن تكون أبداً رادعة، ولن تكون أبداً علاجاً لهذا الداء المستشري» [٢٣] . نعم لقد أقصيت الأحكام الشرعية في حياة الناس في عالمنا الإسلامي بسبب كيد الغرب الصليبي للإسلام والمسلمين، ووضع الخطط والأهداف والمراحل الزمنية لتنفيذ ما يريد، كما وضع الوسائل المتعددة والمتنوعة لتحقيق أهدافه وتنفيذ برامجه، ويبدو والله أعلم أن الغازي الصليبي «نابليون» هو أول من بدأ يتلاعب بالشريعة في العصر الحاضر، عندما وصل إلى بلاد الإسلام «مصر» عام ١٧٩٨م حيث خطا عدة خطوات، ثم تتابعت الخطوات بعده فيمن تولى من الإنجليز والمسلمين؛ حيث أنشؤوا مدارس لدراسة تلك القوانين الكافرة، وأرسلت البعثات إلى بلاد الكفر من أجل ذلك، حتى أبرزوا قيادات من أبناء المسلمين درست تلك القوانين ورضيت بها وصارت تدافع عنها بل وتسعى لتحقيقها في أوساط المسلمين، كما عقدوا المؤتمرات والندوات في داخل البلاد الإسلامية وخارجها لدراسة القانون والفقه الإسلامي حتى يتم التواؤم بينهما، وأنه لا تعارض بين الأمرين [٢٤] . يقول سيد عبد الله علي: «لما كانت هذه القوانين دخيلة على أخلاقنا وعاداتنا وقواعد ديننا لا سند لها في وجودها في بلادنا، وكان من أحدثوها يريدون لها الدوام أنشؤوا لها مدرسة الحقوق لتفرخ وتربي عقولاً تهيئها لاعتناق هذه القوانين والدفاع عنها، فتم لهم ذلك، ولكي يُقبل الناس عليها حرصوا كل الحرص على تقليد خريجيها مناصب القضاء والنيابة، بل والمناصب الرئيسية في الدولة؛ فسار هذا الحال على هذا المنوال ليومنا هذا، فنسي الناس بل والمتخرجون من جامعة الحقوق قوانين بلادهم، وظنوا أن الدين الإسلامي للصلاة والزكاة والحج!» [٢٥] . ولقد نجح الغرب الكافر في أمور كثيرة في عالمنا الإسلامي من أهمها: ١ - تقليص وحدته الجغرافية بعد أن كان وحدة واحدة أصبح دويلات متنافرة بل متناحرة، وزرع بينهم العداوة والبغضاء تحت سمعه ورعايته؛ وذلك بزرع الحركات الهدامة كالبهائية والبابية والقاديانية والإسماعيلية وغيرها، وزرع القوميات العربية وغيرها، والجمعيات والأحزاب السرية في قلب العالم الإسلامي [٢٦] . ٢ - تسلط على أفكارهم بواسطة أمرين مهمين: الأول: التعليم. والثاني: الإعلام بجميع وسائله المتعددة [٢٧] . ٣ - نجح في سن قوانين زينها لهم وهو يهدف من وراء ذلك إلى إقصاء الشريعة الإسلامية؛ فتقبلوا قوانينه وأُشربوها وطبقوها [٢٨] . ٤ - سيطر على ثروات بلاد العالم الإسلامي، وأرهق دوله المغفلة بالديون، ومن كان من دول العالم الإسلامي لديها ثراء اقتصادي فهو متحكم فيه لا يصرفون منه إلا وفق رؤية الغرب وبأمره؛ ففي حالة نزاع بين دوله بعضهم ضد بعض فإن الغرب الكافر يصدر أمراً بتجميد أرصدة تلك الدول، ولا يسمح لها أن تأخذ من رصيدها شيئاً، كما حدث في أزمة الكويت والعراق فإن مجلس الأمن جمد أرصدة الكويت ولم يسمح لها أن تصرف دولاراً واحداً. ٥ - كما نجح الكافر من خلال إرسالياته المتعددة والمتنوعة في تشكيك المسلمين في عدم صلاحية الشريعة الإسلامية لتطور الحياة، وأنها سبب في تأخرهم وعدم تطورهم وتقدمهم، وأنه لا بد من الفصل بين شؤون الدين وشؤون الدنيا [٢٩] . ٦ - ونجح الغرب الكافر في فك الترابط والتكاتف والتعاون بين دول العالم الإسلامي؛ بحيث لو اعتدى على أي دولة من دول العالم الإسلامي فلا تستطيع دولة أو الدول الأخرى أن تعينها أو تقف ضده، بل وصل الغرب الكافر إلى كسب أصوات بعضهم ضد بعض، وما نراه ونسمع به ونقرؤه اليوم في واقعنا أكبر دليل على ذلك. ٧ - ونجح الغرب في رصد العمل الإسلامي فأخذ الحيطة والحذر من تمدده، وكتب التقارير السرية عنه، وأخذ في تجفيف منابعه، ورصد تحركاته؛ فأخذ يحذر منه، ويشوه حامليه والداعين إليه، واستعان في ذلك بالمنتسبين من أبناء جلدته، والمتكلمين بلغته. إن هذه الصورة المختصرة التي عرضناها لواقع العالم الإسلامي اليوم لهي صورة محزنة ومؤثرة في النفوس، وإن القلب ليحزن، والعين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤٧) . ومع هذا كله فإنني أذكّر نفسي وإخواني المسلمين في جميع أنحاء الأرض أن المستقبل للإسلام، وأنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وأن الأزمة كلما اشتدت انفرجت، وأن الأحداث مهما كانت لا تزيد المؤمنين إلا إيماناً وثباتاً على المبادئ في طريقهم إلى الله، ولنا في رسول الله ﷺ ومن سبقه من إخوانه الأنبياء ﵈ الأسوة الحسنة، وأن الابتلاء سواء كان تمحيصاً أو عقاباً سنّة من سنن الله لعباده [فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] (فاطر: ٤٣) . قال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) . وقال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤٢) . وقال تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . وقال تعالى: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف: ٩) . وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله زوى أي جمع وضم لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» [٣٠] . وقال ﷺ : «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» [٣١] . وقال أيضاً: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت» [٣٢] .

стр. 4252

في دائرة الضوء الإسلام والغرب تعاون أم مواجهة ؟ د. محمد مورو هناك الآن أكثر من اتجاه بشأن العلاقة بين الإسلام والغرب، أو الإسلام وأمريكا باعتبارها الممثلة الكبرى للحضارة الغربية. فهناك الغرب وأمريكا وبعض القوى المحلية عندنا تدعونا إلى الالتحاق بالركب الحضاري الغربي، والاندماج في الحضارة الغربية والتخلي عن ديننا وحضارتنا وقيمنا، أو على الأقل قصر علاقتنا به على العبادة الفردية ودعوى الضمير، وهؤلاء يقولون إنه قد ثبت أن الحضارة الغربية حضارة عظيمة ويجب أن تسود العالم، أو يقولون إنه لا أمل ولا فرصة للمواجهة ومن الأفضل أن ننصاع لها، وهؤلاء فيما أحسب مخادعون؛ فلا الحضارة الغربية حضارة عظيمة، ولا هي حضارة ذات أخلاق، ولا هي قدر مقدور لا يمكن الفكاك منه، فهؤلاء بالتحديد يدعوننا إلى الاستمرار في أداء دور الضحية والذبيحة؛ وخاصة بعد أن شحذ الجزار سكينه وأصيب الآكلون بنهم شديد، وفضلاً عن أننا سنكون مجالاً للنهب فإنهم يطلبون منا أن نتخلى عن قيمنا وذاتيتنا ومبادئ ديننا وحضارتنا؛ وهذا بالطبع مرفوض. واتجاه آخر يقول إن الحضارات تتفاعل بعضها مع بعض أو تتزاوج، وإن الحضارة الغربية ليست غربية فقط بل إنسانية؛ أي أنها استفادت من كل الحضارات التي سبقتها وتفاعلت وتزاوجت معها وخرجت في النهاية لتكون حضارة الإنسانية كلها، وهذا الرأي خطير وبراق ولكنه خطأ، ولكي نعرف أنه خطأ ينبغي علينا أن نفرق بين أمرين أحدهما «التفاعل والتزاوج» والآخر «التعاون» ؛ فالتفاعل والتزاوج لا يتم إلا بين حضارات أو إبداعات حضارية من عائلة واحدة مثل الحضارة الرومانية واليونانية والإغريقية والجرمانية والسكسونية وهكذا.. وهذا التفاعل والتزاوج لا يتم بين حضارات من عائلات مختلفة؛ أي مختلفة نوعاً وكماً، فلا يمكن مثلاً الحديث عن تمازج وتزاوج حضاري بين حضارة تقوم على الوثنية كالحضارة الغربية وأخرى تقوم على التوحيد كالحضارة الإسلامية، والأمر هنا أشبه بعمليات التطعيم التي تتم في النباتات، فلا بد لكي تنجح عملية التطعيم هذه أن تكون بين أنواع معينة من النباتات تنتمي إلى عائلة واحدة، أو عائلات متقاربة، ولكن هذا التطعيم يخفق تماماً إذا ما تم بين شجرتين لا تنتميان إلى عائلة أو عائلات نباتية متقاربة. وفي الحقيقة فإن إمكانية التزاوج والتفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية أمر مستحيل؛ لأن أي دراسة متعمقة للأساسات التي قامت عليها كل من عائلة الحضارة الإسلامية وعائلة الحضارة الأوروبية لا تترك مجالاً للشك في أن لكل منهما طريقاً مختلفاً وسياقاً خاصاً؛ ولهذا يهدف الحديث عن التواصل الحضاري أو التفاعل أو التزاوج الحضاري إلى الإلحاق والتبعية الحضارية باعتباره جزءاً أساسياً في عملية الإلحاق الاقتصادي والثقافي والسياسي والسيطرة العسكرية. وينبغي في هذا الصدد أن نلتفت إلى مجموعة من النقاط؛ فالداعون إلى الاندماج في الحضارة الغربية ينسون نقطة أساسية، وهي أن الحضارة الغربية لن تقبل الاندماج بها، وأن يصبح غيرها جزءاً منها يستمتع بالحقوق الحضارية معها، إنهم فقط يعنون بالاندماج أن نظل تابعين، وأن نظل مجالاً للنهب دون مقاومة، ففرنسا مثلاً التي أدمجت الجزائر فيها وجعلتها جزءاً من فرنسا لم تقبل أن تعطي الجنسية الفرنسية للجزائريين مثلاً، ولم تقبل أن يكون لهم حقوق الانتخاب نفسها التي للفرنسي مثلاً! والداعون إلى التزاوج والتفاعل الحضاريين مع الحضارة الغربية ينسون الظروف المشبوهة التي ظهرت فيها مثل هذه الدعوة، فهذا الموضوع لم يطرق بعيداً عن غايات ذات علاقة بالصراع الدائر بين القوى الاستعمارية والشعوب المقهورة والمستضعفة، فعندما طرح منظرو أوروبا هذا الموضوع كانوا في أغلبهم يرمون إلى سيادة الحضارة الأوروبية على العالم بكل ما تحمل من فلسفات وقيم ومعايير ومفهومات؛ وذلك من خلال الترويج للحضارة الأوروبية وضرب الحضارات الأخرى، أو طمسها، أو الإنقاص من قدرها أو خلطها بما يلغيها، وهو أمر يؤدي بالشعوب إلى فقدان هويتها ومقومات شخصيتها الأساسية، وإلى ضرب عوامل وجودها المادي والثقافي المستقل، فتصبح مكشوفة أمام طغيان المستعمرين ثم تتحول إلى تابع ذليل تلتقط الفتات، وتقف على العتبات دون السماح لها بالدخول إلى صدر البيت. والشيء الوحيد الممكن في العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ولو من الناحية النظرية هو «التعاون» على أساس استقلال كل منهما، وعلى أساس انفراد كل منهما بخصائصها الذاتية المتميزة دون أن تحاول السيطرة أو ظلم أو نهب الأخرى، والإسلام بالطبع يرحب بالتعاون ويدعو إليه في إطار الاحترام المتبادل والعلاقات المتكافئة، ولكن هل تقبل الحضارة الغربية التخلي عن النهب والظلم والعنصرية والعنف من أجل هذا التعاون؟ ! لنأخذ مثلاً مجال العلوم الطبيعية، وهذه الأطروحة تنقسم إلى قسمين: قسم خاص بالحقائق العلمية والمكتشفات العلمية، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين؛ أي لإنتاج سلعة ضرورية مثلاً أو كمالية؛ للقضاء على مرض أو لنشر مرض، لإنتاج أدوات تسعد الإنسان أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها. أي أن هناك شقاً علمياً وشقاً قيمياً، والحضارة الإسلامية مثلاً عندما كانت متقدمة علمياً، كانت توجه هذه العلوم لإسعاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر، بل كانت تسعى سعياً لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين؛ لأن حبس العلم جريمة في الفقه الإسلامي. أما الحضارة الغربية فإنها عندما تقدمت علمياً استخدمت منجزات العلم في تحقيق أكبر وسائل النهب وقهر الشعوب الأخرى وظلمها، بل إنها أيضاً تحجب العلم عن الشعوب الأخرى، بل تحاكم من يجرؤ على نقل شيء منها لبلاده «قضية الدكتور المهندس عبد القادر حلمي مثلاً» ، بل تغتال كل من ينجح علمياً في البلاد الأخرى. على أي حال من الناحية النظرية يمكن التعاون في الاستفادة من العلوم الطبيعية ونقلها، دون ربط ذلك بغايات وأهداف استخداماتها؛ أي في الشق العلمي دون الشق القيمي، ولكن هل تقبل الحضارة الغربية ذلك وهي التي تغتال العلم، وتحرم نقل العلم وتحاكم من يفعل ذلك، بل تضرب أي نهضة علمية في أي مكان خارج دائرتها الحضارية؟ ! نؤكد مرة أخرى أن الإسلام يحض على التعاون، ويحرص عليه، ولكن التعاون ليس الاندماج والتزاوج والإلحاق، التعاون يقوم على استقلال حضاري كامل؛ فالحضارة الغربية عندما نقلت العلوم الطبيعية من الحضارة الإسلامية أخذتها دون شقها القيمي، أخذتها وهضمتها ووجهتها وفقاً لمعاييرها الحضارية، وجهتها للتدمير والتلويث والإفساد وتحقيق أكبر قدر من آليات النهب، أما نحن فمن المفروض أن نأخذ العلوم الطبيعية من الغرب دون شقها القيمي فنهضمها، وتصبح جزءاً من شخصيتنا الحضارية المستقلة فنوجهها طبقاً لمعاييرنا وقيمنا الحضارية في إسعاد الإنسان وتحقيق الرفاهية لكل البشر وليس لنا وحدنا. هل هناك فرصة للتعاون مع الغرب؟ قلنا: إنه لا يمكن ولا نقبل لا الإلحاق الحضاري مع الغرب، ولا التزاوج والتفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؛ لانتمائهما إلى عائلتي حضارتين مختلفتين، ولأن هذا في النهاية يعني التحول إلى تابع ذليل يظل خاضعاً للنهب والسيطرة. وقلنا إن العلاقة الصحيحة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية هو التعاون على أساس الاستقلال الحضاري الكامل والشخصية الحضارية المستقلة؛ ولكن هل هناك فرصة للتعاون؟ هل يقبل الغرب هذا التعاون؟ هل تاريخنا معه يسمح بذلك؟ وهل تركيبة الحضارة الغربية تسمح بذلك؟ إن تركيبة الحضارة الغربية تقوم على النهب والقهر والعنصرية، ورخاء ورفاهية أهل الحضارة الغربية جاء من نهب ثروات الشعوب الأخرى واسترقاق أهلها، ولكي تستمر هذه الرفاهية لا بد أن يستمر النهب والقهر، فهل أهل الحضارة الغربية مستعدون للتوقف عن النهب والقهر؛ والعنصرية؟ هل هم مستعدون للتخلي عن رفاهيتهم القائمة على ثروات الآخرين من أجل التعاون معنا أو مع غيرنا؟ أعتقد أن ذلك صعب، بل يبدو مستحيلاً، ومن ثم فإمكانية التعاون بشروطها الصحيحة صعبة أيضاً، بل تبدو مستحيلة، حتى إذا حدثت المعجزة وتخلى أهل الشمال عن القهر والعنف والعنصرية؛ فماذا يبقى من الحضارة الغربية؟ إنهم يسقطونها تماماً، إنهم يفقدونها سماتها الأساسية؛ أي يقبلون الاندماج في نمط حضاري آخر، وفي حالة دخولهم في النمط الحضاري الإسلامي مثلاً، فإننا لن نعاملهم معاملة التابع، بل معاملة الإسلام التي تقول إنهم أصبحوا مثلنا تماماً لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وإذا كانت تركيبة الحضارة الغربية لا تسمح بالتعاون إلا بانتفاء خصائص الحضارة الغربية ذاتها، ومن ثم فالتعاون هنا صعب ويكاد يكون مستحيلاً، ورأي أهل الحضارة الغربية فينا وموقفهم منا لا يسمح بقيام مثل هذا التعاون؛ فهم ينظرون إلينا نظرة صليبية عنصرية حاقدة لا تقبل بأقل من تدمير حضارتنا تماماً. وفي قول لا يخلو من الدلالة يقول المعلق السوفييتي فاسلييف: «إن أمريكا الآن تنظر إلى العالم الإسلامي بوصفه إمبراطورية الشر الجديدة التي حلت محل الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان إمبراطورية الشر القديمة، والتي تركزت كل الجهود الأمريكية خلال أكثر من أربعين عاماً للقضاء عليها» . وهذا المعلق السوفييتي فاسلييف استخدم في الحقيقة المصطلح المستخدم دائماً من قبل الأوروبيين والأمريكيين تجاهنا؛ فالبابا أوربان الثاني الذي فجر الحروب الصليبية قال في مجمع كلير مونت في سنة ١٠٩٥م: «إن إرادة الرب تحتم على المسيحيين تخليص بيت المقدس من أيدي إمبراطورية الشيطان» ، وعندها خر الكهنة الحاضرون راكعين تحت قدمي البابا! والبارون دي كارافو يقول: «أعتقد أن علينا أن نعمل جاهدين على تمزيق العالم الإسلامي وتحطيم وحدته الروحية مستخدمين من أجل هذه الغاية الانقسامات السياسية والعرقية، دعونا نمزق الإسلام بل نستخدم من أجل ذلك الفِرَق المنشقة والطرق الصوفية، وذلك لكي نضعف الإسلام؛ لنجعله عاجزاً إلى الأبد عن صحوة كبرى» [١] . ويقول بوجين روستو اليهودي: «إن الحوار بين المسيحية والإسلام كان صراعاً محتدماً على الدوام، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب؛ أي خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي، وتركت هذه آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية» [٢] . يقول لورانس براون: «لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مسوغاً لهذا الخوف، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأصفر وبالخطر البلشفي إلا أن هذا التخويف كله لم نجده كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهِد لهم عدونا اللدود، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر» الصين، اليابان «فإنها ليست خطيرة لهذه الدرجة، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي» [٣] . ويقول مورو بيرجر في كتابه «العالم العربي» : «لقد ثبت تاريخياً أن قوة العرب تعني قوة الإسلام؛ فليدمروا العرب ليدمروا بتدميرهم الإسلام» [٤] . ويضيف مورو بيرجر: «إن الخوف من العرب واهتمامنا بالأمة العربية ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، ويجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوة العرب؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره» [٥] . ويقول ج. سيمون: «إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التخلص من السيطرة الأوروبية» [٦] . ويقول سالازار دكتاتور البرتغال السابق: «إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم» ! ولما سأله أحد الصحافيين: ولكن المسلمين مشغولون بخلافاتهم عنا، أجابه: «أخشى أن يخرج من بينهم من يوجه خلافهم إلينا» [٧] . ويقول ريتشارد هرير دكمجيان: «إن قلة فقط خارج نطاق العالم الإسلامي كانت قادرة على توقع انبعاث إسلامي في البيئة المعاصرة، وإن ضعف البصيرة في مجال التصور الذي أحدثته المادية الغربية والماركسية قد أعمى بقوة كل العلماء ورجال الدين الذين مالوا إلى استبعاد قوة الإسلام أو التقليل من شأنها» [٨] . ويحذِّر المفكر الألماني باول شمتز قائلاً: «سيعيد التاريخ نفسه مبتدئاً من الشرق، عوداً على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها، إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها، وستقلب موازين القوى لأنها قائمة على أسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية» [٩] . ويقول المفكر الإنجليزي هيلد بيلوك: «لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين، وتتماسك أطرافها تماسكاً قوياً، وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب بل ستكون أيضاً خطراً على أعدائه» [١٠] . وما بين الحقد على الإسلام، وكراهيته، والدعوة إلى تدميره والقضاء عليه أو التخويف منه ومن خطره التي تسود الروح الفكرية الأوروبية على اختلاف مدارسها؛ هل هناك فرصة للتعاون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؟ الإجابة: هذا صعب بالطبع. وإذا تركنا كل ما سبق والتفتنا قليلاً إلى التاريخ، نجده مفعماً بالصراع الدامي الذي خاضته الحضارة الأوروبية ضد الإسلام للقضاء عليه، وخاضه الإسلام دفاعاً عن نفسه، ونشراً لقيمه، وإنقاذاً للعالم من الظلم والطغيان. خاض الإسلام معارك شرسة ضد الحضارة الأوروبية المتوحشة منذ اللحظة الأولى، واستطاعت جيوش الإسلام أن تنتصر في اليرموك وعمورية وحطين، ثم بدأت أوروبا تستعيد المبادرة فظهرت الحروب الصليبية بدءاً من سنة ١٠٩٥م وحتى ١٢٩٤م في المشرق العربي، أما في المغرب العربي فإن الإسلام استطاع أن يفتح إفريقيا والأندلس. واستمرت المعارك مع الحضارة الغربية في الأندلس ثمانية قرون، وفي بلاد المغرب العربي ألف عام [١١] قبل دخول الأندلس وأثناء الحكم الإسلامي للأندلس وبعد سقوط الأندلس، ولم يتوقف الصراع مع الحضارة الغربية لا في الشرق ولا في الغرب، ففي الشرق ظهرت الخلافة العثمانية واستطاعت أن تنقذ العالم الإسلامي من السقوط، ودخلت في معارك طاحنة مع أوروبا انتهت بفتح القسطنطينية ١٤٥٣م على يد محمد الفاتح، وانتشرت جيوش الإسلام في أوروبا مرة أخرى تعاود الهجوم، وتعرضت الخلافة العثمانية إلى ضغط رهيب انتهى بسقوطها، وقبل ذلك بقليل بدأت أوروبا حملتها الصليبية الثانية على العالم والمسماة باسم الاستعمار بدءاً من هجوم نابليون ١٧٩٨م وانتهاء بسقوط معظم بلاد العالم الإسلامي في قبضة الاحتلال الأوروبي، وفي المغرب العربي ظلت أوروبا ترسل حملاتها الصليبية إلى المغرب بعد سقوط الأندلس، فتعرضت الجزائر وحدها إلى ١٠٠ حملة صليبية في أقل من ٣٠٠ عام؛ بعضها برتغالي والآخر فرنسي أو إنجليزي أو إسباني أو ألماني أو بلجيكي بل وأمريكي، وانتهى الأمر بسقوط الجزائر في يد الاستعمار الفرنسي عام ١٨٣٠م، ثم تبعها المغرب وتونس. إذن فبرغم أننا لا نرفض التعاون مع الحضارة الأوروبية في إطار الاستقلال الحضاري لكل منا، فإنه لا التركيبة الحضارية الغربية تسمح بذلك، ولا رأي قادتها فينا وأهدافهم تجاهنا تسمح بذلك، ولا تداعيات التاريخ القديم والحديث تسمح بذلك؛ وعليه لكي نعيش، ولكي لا نخضع ونذوب وننتهي لا بد من المواجهة. حرب شاملة في مواجهة حرب شاملة: إذن فالمعركة حتمية، ولا سبيل هناك إلا المواجهة، أو الموت، حتى المواجهة مع الهزيمة ربما تعطينا الفرصة في الصمود والحفاظ على البذور صالحة تحت التربة؛ لتعود من جديد لتثمر في مرحلة أخرى، ولكن الانصياع والخضوع لا يعني فقط خسائر هائلة في الحاضر بل يعني تدمير المستقبل؛ لأنها تطال البذور الكامنة تحت التربة. والمعركة هنا معركة حضارية شاملة، أي سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية، والغرب يستخدم معنا كل الوسائل السياسية والعسكرية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية أيضاً، وما دام الغرب يشن علينا حرباً شاملة فلا بد من مواجهته بحرب شاملة: نواجهه بالكفاح؛ حتى إذا سلمنا بصحة مقدمة هؤلاء وهي أن الغرب وأمريكا أقوياء بدرجة لا يمكن مواجهتها، فإن النتيجة التي توصلوا إليها خطأ؛ لأن معنى مثل هذه القوة الهائلة للغرب وأمريكا أن الخضوع لهم سيؤدي إلى النهاية والموت والاندثار، وأن الخضوع لن ينقذنا ولن يحقن دماءنا، بل إن الخضوع سيتسبب في خسائر أكثر من المواجهة حتى لو كانت غير متكافئة، على الأقل فالمواجهة سوف تقلل الخسائر، وسوف تسمح للبذور الكامنة تحت التربة بالبقاء بعيداً عن يد الغرب؛ فتعود لتثمر في فرصة أخرى مستقبلية. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحضارة الغربية تحمل في داخلها الكثير من نقاط الضعف التي ينبغي الصمود واستثمارها أو الصمود وانتظار أن تؤدي تلك المواقع الضعيفة في جسد الحضارة الغربية إلى انفجار داخلي، فالإنسان في الحضارة الأوروبية مثلاً يفتقد التوازن بين حاجاته المختلفة، ويفتقد التوازن في علاقاته مع الجماعة، وهذا يؤدي إلى انتشار الأمراض النفسية، والجريمة، والانحراف والشذوذ الجنسي، وزيادة استهلاك الخمور والمخدرات إلى حدود أصبحت تهدد حياة مئات الملايين من سكان أوروبا وأمريكا، وهو ما يمكن أن يؤدي على المدى المتوسط أو الطويل إلى انهيار الحضارة الغربية من داخلها. أضف إلى ذلك أن الرغبة في تحقيق أقصى قدر من النهب وعدم التورع عن استعمال أقصى قدر من العنف، ومع تزايد قوة الأسلحة الفتاكة يجعل العجلة العسكرية تدور بلا توقف؛ مما يجعلها في النهاية قابلة للانفجار من داخلها أو بالتصادم بعضها مع بعض، وإذا كانت الحرب العالمية الثانية التي نشأت بسبب التنافس على الربح بين دول كلها تنتمي إلى الحضارة الغربية إذ كانت قد أدت إلى قتل ٦٢ مليون إنسان معظهم من الأوروبيين؛ فكم يا ترى سوف يقتل في المعركة المسلحة والحرب الشعبية؟ وعلينا أن نواجهه بالوسائل السياسية، ونواجهه برفض الخضوع لوسائل النهب التي يمارسها من خلال بناء نمط اقتصادي مستقل وغير تابع يعتمد على قوانا الذاتية، ويقطع تماماً خيوط التبعية مع الغرب، ونواجهه أيضاً بتصفية كل مراكز الثقافة المغتربة وكل أشكال الاختراق الثقافي، ونواجهه بثورة ثقافية شاملة تعتمد على تأكيد قيمنا الحضارية، ونواجهه بالوحدة ورفض التجزئة التي فرضها علينا، ونواجهه بتعبئة شعبية شاملة، ونواجهه بحرب حضارية شاملة في مواجهة حرب حضارية شاملة. ويجب أن ننتبه هنا إلى نقطة خطيرة، وهي أن أخطر هذه المواجهات هي على الجانب الثقافي؛ لأن الاختراق الثقافي يدمر حياتنا من الداخل، ويقلل قدرتنا على المواجهة، ويضرب فينا قيمنا الإيجابية مثل الجهاد والوحدة والرفض، ويجعلنا عاجزين عن المواجهة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولا بد أن ننتبه إلى أنه ما دامت الحرب حضارية وشاملة فليس من المعقول مثلاً أن نستخدم قيماً ووسائل واستراتيجيات مستمدة من الغرب لمحاربته بها، ومهما كانت برَّاقة فإنها لن تجدي في مواجهته، فكيف أواجهه على أرضيته الثقافية والحضارية؟ لا بد أن أواجهه بأساليب وتكتيكات وقيم ووسائل واستراتيجيات مستمدة من ذاتنا حتى تظل قادرة على الاستمرار. هناك من يروجون أنه لا قدرة ولا سبيل إلى مواجهة الغرب وأمريكا، وأن توازن القوى مختل تماماً لصالحهم، وأنه لا داعي للمواجهة لأنها لن تفيد، وأنه من الأفضل الخضوع أو البحث عن سبيل للتفاهم، وإذا كنا ندرك أنه لا سبيل للتفاهم فإن المتاح وفقاً لمنطق هؤلاء هو الخضوع فقط، مع العلم أن القدرات التدميرية لتلك الدول أصبحت هائلة بالمقارنة بمثيلتها أثناء الحرب العالمية الثانية، وبالإضافة إلى ذلك فإن الرغبة في الربح دون وازع أخلاقي ولا مراعاة للتوازن البيئي يمكن أن تؤدي إلى كارثة تهدد كوكب الأرض بأكمله. ويلخص الأستاذ منير شفيق في كتابه: «الإسلام في معركة الحضارة» نقاط الضعف في الحضارة الغربية كما يلي: «١ - التطور العام غير المتوازن بالنسبة إلى مختلف المجالات؛ فقد تكثف في المجالات المادية، واختل على مستوى العلاقات الإنسانية والأخلاقية؛ مما يؤدي في النهاية إلى الإسراع بسقوطها؛ لأن حالها يصبح كحال الذي يقف على قدم واحدة، فمهما بلغت قدمه من القوة إلا أنها ضعيفة حين يتعرض الجسد كله إلى هزة قوية. ٢ - اتسعت الهوة بين أصحاب تلك الحضارة والغالبية العظمى من شعوب العالم؛ مما دفع بها إلى مواجهة قوى لا قبل لها بها، فالأقلية الظالمة مهما قويت وتمكنت تظل ضعيفة أمام قوة الأغلبية المظلومة صاحبة الحق، فالتضاد مع حقوق غالبية الشعوب ومصالحها يؤدي إلى انهيار تلك الحضارة مهما طال الزمن. ٣ - التآكل الداخلي يشكل سمة أساسية مميزة لمجتمعات الحضارة الفرنجية سواء أكان ذلك على مستوى المجتمع منفرداً أم على مستوى صراع تلك المجتمعات فيما بينها، إن الصراع على امتلاك القوة والسيطرة والتنازع لامتلاك الثروة يؤديان بالإسراع بعملية التآكل الداخلي. ٤ - إن إطلاق الغرائز والنزعات البهيمية وانتشار الفساد والانحلال قد يصل في تلك الحضارة إلى ضعف داخلي شديد يجعلها غير قادرة حتى على الاستفادة من قوتها المادية؛ مما قد يكرر صورة الجندي الروماني الذي ربط بالسلاسل لكي لا يفر في معركة اليرموك، على الرغم من الكثرة العددية للرومان في تلك المعركة، وقوة دروعهم، وطول رماحهم، ومضاء سيوفهم، وفراهة خيولهم. وقد يقول قائل: إن الحضارة الغربية يمكن أن تعالج نقاط ضعفها أو تتخلص منها ومن ثم تجدد نفسها، وهذا القول يعكس جهل أصحابه بطبيعة الحضارة الغربية وجوهرها، وطبيعة نقاط الضعف فيها وجوهرها؛ لأن نقاط الضعف هنا هي من صميم الحضارة الغربية وجوهرها وليس عارضاً عليها ولا ناشئاً من عوامل جانبية أو إهمال من القواد أو غيرها؛ إنها تنبع من داخلها ومن صميمها بطريقة تلقائية وحتمية؛ بحيث إنه من المستحيل عليها معالجتها أو التخلص منها، وإذا حاول أهل الحضارة الغربية التخلص من تلك العيوب فإنهم سيتخلصون من الحضارة الغربية ذاتها. فمثلاً إن السعي لتحقيق أقصى درجات القوة العنيفة المادية من أجل السيطرة على العالم ونهب ثرواته بلا حدود يجعل تلك الحضارة تدوس على كل القيم والمعايير التي تتعارض مع هذا السعي، أو بتعبير آخر إن ذلك السعي يسخر كل شيء من أجله، وهذا في حد ذاته يسمح بالتفوق في مجالات محدودة، وهذه نقطة قوة أساسية في الحضارة الغربية، وهي أيضاً سبب انهيارها المتوقع في مجالات أخرى، المجالات الأخلاقية والنفسية والإنسانية واندلاع أشد الصراعات الداخلية والخارجية؛ مما يشكل بدوره نقطة الضعف المركزية في هذه الحضارة. إن نقطتي القوة والضعف المتولدتين عن تلك السمة الأساسية في الحضارة الغربية سيصلان في نهاية المطاف إلى تدميرها إن لم يعرضا مستقبل الإنسانية كلها إلى خطر قريب من شبه الإبادة الجماعية» [١٢] . ومثل آخر إنه إذا حاول نظام حكم عنصري التخلص من عنصريته، فإنه في الحقيقة يتخلص من نفسه؛ لأن العنصرية هنا هي التي شيدت بناءه، وهي التي تسمح له بالاستمرار، فلولا النهب والاسترقاق والفصل العنصري لما كان هذا النظام العنصري قد نشأ، ولما كان حقق لنفسه هذا الرخاء، ولما استطاع أن يستمر لحظة بعد التخلص من العنصرية.

стр. 4253

دراسات إعلامية نحن والمكر الإعلامي خالد أبو الفتوح في مقال سابق نشر بعنوان (هنا واق الواق) [١] كنت قد استعرضت صورة من صور المكر الإعلامي المنتشرة في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، ثم ذيلت المقال بشهادة لأحد المفكرين الغربيين على افتقار أجهزة الإعلام الغربي إلى الحياد والنزاهة، موجهاً كلامي إلى المخدوعين بهذا الإعلام من المصابين بداء التلقي من الغرب والثقة العمياء به. منذ ذلك الحين وصور هذا المكر تشاغبني بين الفينة والأخرى آبية ألا أهنأ بسلامة صدر تجاه وسائل الإعلام التي تصدر عنها هذه الصور، ولا تجاه القائمين عليها ومن خلفهم من علمانيين ومتغربين مجاهرين أو مستترين. ومنذ ذلك الحين أيضاً بدا لي أن (مساحة) المخدوعين بهذا الإعلام ممتدة أكثر من مدى الواق ع الافتراضي (في ذهني على الأقل) ؛ حيث تبين أنها تتجاوز دائرة (المصابين بداء التلقي من الغرب والثقة العمياء به) لتتعداهم إلى أفراد يفترض أنهم محصنون ضد الحمَّى الإعلامية الخبيثة. مكر أم مؤامرة؟ وقبل أن أستعرض بعض نماذج لصور هذا المكر وأساليبه أطرح تساؤلاً يثار كثيراً في مثل هذه الموضوعات، وفحواه يقول: ألا يمكن أن يكون هذا (المكر الإعلامي) ما هو إلا نتاج خيالات ذهن الكاتب الذي قد تؤثر عليه تفسيرات نظرية المؤامرة؟ وبداية أستطيع القول: إن نفي وجود المؤامرة على الإسلام وأهله كليةً هو نوع من المؤامرة، وإن من الوعي المتقدم الانتباه إلى ما يحيكه ويخطط له أعداء دين الله.. ولكن في الوقت نفسه فإن تحول هذا (الوعي!) إلى نوع من الأوهام والهواجس المحضة التي لا تؤسس على حجج عقلية أو قرائن مادية، والتي لا ينظمها إطار منطقي.. هو نوع من المرض الذي قد يصيب هذا الوعي في مقتل. والقرآن الكريم يسجل لنا رسوخ المؤامرة في سلوك النخب الكفرية، ليس فقط تجاه المسلمين بل حتى تجاه أقوامهم وأتباعهم، وهذا ما ينطق به مستضعفو الكافرين عندما يتبرأ منهم مستكبرو قومهم في الآخرة بقولهم لهؤلاء المستضعفين: [أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ] (سبأ: ٣٢) ؛ فيلمس المستضعفون الحقيقة بعد فوات الأوان: [بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا] (سبأ: ٣٣) . فهذا المكر الذي نسميه (المؤامرة) صفة ثابتة راسخة في هذه النخب: [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ] (إبراهيم: ٤٦) ، [وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً] (نوح: ٢٢) ، [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ] (النمل: ٦٩-٧٠) ، وقد يخرج هذا المكر في صورة خطط وأعمال فعلية كيدية: [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً] (الطارق: ١٥- ١٦) ، [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] (آل عمران: ١٢٠) . إدارة الكذب والتضليل: ويشهد التاريخ القديم والحديث والمعاصر أن هذه النخب لم تتخل يوماً عن الانخراط في مؤامرة لتحقيق مآربها، ولم تخلع عنها يوماً رداء ذلك المكر.. ومن أقرب ما قرأناه حول ما نحن بصدده (المكر الإعلامي) ما سبق أن نشرته وسائل الإعلام [٢] حول تشكيل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) مكتباً باسم (مكتب التأثير الاستراتيجي) ، وهو مكتب أنشئ بعد أحداث سبتمبر في أمريكا، ويحيط به الغموض والسرية، وقد قدرت ميزانيته بمئات الملايين من الدولارات (يدخل فيها بالطبع شراء ذمم إعلامية) ، ومهمته كما ذكرها مسؤولون أمريكيون: «تزويد وسائل الإعلام الأجنبية بالأنباء؛ حتى لو كانت كاذبة، وذلك كجزء من حملة جديدة للتأثير على المشاعر العامة وصناع القرار! في الدول الصديقة! وغير الصديقة على حد سواء» . وكان هذا المكتب قد بدأ توزيع مقترحات سرية تدعو إلى حملات شرسة لا تقتصر فقط على استخدام وسائل الإعلام الأجنبية والإنترنت وإنما تشمل كذلك (العمليات السرية!) ، وأحد هذه المقترحات كان ينص على دس المواد الإخبارية وإرسالها إلى وسائل الإعلام الخارجية عبر جهات أخرى لا صلة لها بالبنتاجون! وقد أثارت (التسريبات) التي نشرت عن هذا المكتب حفيظة بعض الصحفيين والمسؤولين الذين أطلقوا عليه اسم: (مكتب التضليل الإعلامي) أو (مكتب استراتيجية تخطيط الكذب) ، كما اتهم المعهد الدولي للصحافة في تقرير أعد في فيينا أمريكا بالتلاعب بالأنباء، وحذر من قيام النظم الديمقراطية باستغلال حرب مكافحة الإرهاب من أجل كَمِّ أفواه وسائل الإعلام؛ مما حمل وزير الدفاع الأمريكي في النهاية على الإعلان عن إغلاق هذا المكتب لاحقاً، وهو الإعلان الذي عده بعض المراقبين جزءاً من إجراءات سرية المكتب الغامض. بالطبع فإن الكذب والتضليل الإعلامي لم يكن معدوماً قبل الإعلان عن وجود هذا المكتب، ولم يتوقف بعد الإعلان عن إغلاقه، ولكن مغزى وجود هذا المكتب هو أن دفق الكذب والتضليل بلغ حداً في هذا الظرف استلزم معه أن تتفرغ جهة موحدة ومتخصصة لإدارة تلك الأكاذيب وتنظيمها؛ حتى تصب بفاعلية لتحقيق الهدف المنشود للطاقم السياسي الأمريكي. فن تزييف الحقائق: هذا على مستوى المصدر الأول للمادة الإخبارية الإعلامية، فإذا ما افترضنا أن هذه المادة خرجت بدون تزييف، فإن المكر الإعلامي لا يختفي؛ حيث تتولى وسائل الإعلام المشبوهة انتقاء المادة المعروضة على جمهورها، أو إعادة صياغة هذه المادة، أو إبراز بعض الجوانب فيها والتركيز عليها، أو إهمال جوانب أخرى وتهميشها، أو استخدام صور فوتوغرافية ذات دلالة واضحة أو خفية للتأثير على المتلقي ... وغيرها من أساليب إعلامية معروفة؛ لتوجيه هذا المتلقي وجهة محددة، والتأثير عليه في توجهاته وقناعاته، بل وحتى في انفعالاته وقراراته. ويحسن في هذا المقام إيراد بعض النماذج لهذه الأساليب الشائعة، انتقيت جلها من اجتهادات صبيان الإعلام الغربي في بلادنا، محاولاً التركيز على إحدى قضايانا المركزية، وهي قضية فلسطين، ليتضح كيف يمكن للإعلام أن يتلاعب بقضايا الأمة في مكر وخبث: * في صدر الصفحة الأولى نشرت إحدى الصحف (غير الصفراء) خبراً بعنوان: (دارين أبو عيشة الفدائية الفلسطينية الثانية.. فقدت شقيقها وخطيبها برصاص الإسرائيليين) .. بالطبع فإن خبر العنوان صحيح، ولكن لماذا تبرز الجريدة هذا الخبر وتلفت النظر إليه وتغفل الإشارة إلى معطيات أخرى لـ (دوافع) دارين في قيامها بعمليتها، تلك المعطيات التي تظهر جلية في صورتها وهي رافعة إصبعها بعلامة التوحيد، والحجاب الذي يلف وجهها، والعصابة التي تحيط بها رأسها مكتوباً عليها (الشهيد عز الدين القسام) ؛ وهو رمز لجهاد اليهود من منطلق إسلامي؟ الهدف من ذلك الإبراز واضح في تصوير هذه العمليات على أنها عمليات انتقامية ضمن إطار (العنف المتبادل) وليست بدافع إسلامي ولا حتى بحس وطني، ومع تكرار مثل ذلك التوجيه الخفي ينصرف ذهن القارئ (غير المنتبه) عن حقيقة الصراع في فلسطين، ويتهيأ نفسياً لقبول حلول (تعايشية) إذا خفتت جذوة الانتقام في نفوس هؤلاء المظلومين على أيدي (حكومة متطرفة غاشمة!) . * وقد اعتاد الإعلام العربي غالباً على إطلاق وصف (عملية) أو (هجوم) على مثل تلك الأفعال، مع إلحاق وصف (استشهادي) أو (فدائي) أو (انتحاري) حسب موقف كل نظام بالوصف الأول، ولكني سمعت وصفاً فريداً غريباً في إحدى نشرات أخبار إذاعة عربية مهاجرة (إلى العرب!) ، حيث وصفت إحدى العمليات بأنها (اعتداء استشهادي) .. والمعنى واضح أن هذه العمليات هي اعتداء (غير مشروع) ولكنه بطريقة (استشهادية) لا يملك الفلسطينيون غيرها، وذلك في مقابل (اعتداء) اليهود عليهم بالدبابات والطائرات وسائر العمليات الحربية، فهو اعتداء مقابل اعتداء، يستوي الطرفان في حقيقة الجرم وإن اختلفا في طريقة التنفيذ. * وفي عنوان صحفي لصحيفة مهاجرة (إلى العرب أيضاً! !) جاء على النحو التالي: (حكومة شارون تبت الأحد قرار السماح لليهود بدخول الأقصى) .. المفترض أن شارون هذا لا يملك (شركة سياسية) أطلق على مجلس إدارتها اسم (حكومة) ، ولكنه جاء إلى موقعه هذا لأن (شعب إسرائيل) انتخبه ديمقراطياً ليكوِّن له (حكومة دولة إسرائيل) ، فالأفعال والقرارات التي تصدر عن هذه الحكومة تصدر عن حكومة إسرائيل، فلماذا تتلاعب الصحيفة بالمسميات وتزيف الحقائق؟ .. المغزى واضح، وهو نسبة هذه التصرفات إلى شارون (المتطرف) وحكومته (اليمينية) وليس إلى الشعب اليهودي ولا الدولة الصهيونية. ومع التكرار (والتكرار يعلم الشطار كما يقولون) يرسخ في ذهن القارئ (الشاطر) أن المشكلة تكمن في (شارون وحكومته) ، فإذا ذهبوا تنفس هذا القارئ ارتياحاً، وحمد الله على زوال الهم، وانتظر الفرج من (حكومة شالوم) ! أطلب من القارئ بعد انتهائه من قراءة الفقرة الحالية أن يصمت قليلاً، ثم يقرأ العنوان المقترح التالي ويقارنه بعنوان الصحيفة الأصلي، ويلحظ مدى الفرق في أثره على نفسه ... (حكومة العدو الصهيوني تبت الأحد قراراً يمكِّن اليهود من دخول الأقصى الشريف) . * وفي نطاق آخر نشرت الصحيفة نفسها العنوان التالي: (السودان وحركة قرنق يوقعان اتفاقاً لوقف النار في جبال النوبة) .. (السودان) اسم لدولة وليس اسماً لحزب ولا لحركة ولا لجبهة ولا حتى لحكومة (فالسودان لا يمثل حكومة ولكن الحكومة قد تمثله) ، و (حركة قرنق) حركة تمرد مسلح خارجة على النظام السوداني والحكومة السودانية، وهي في حقيقتها حركة انفصالية تريد اقتطاع أجزاء (الجنوب) من الوطن الأم والانفراد بحكمه وإدارته أو الاستقلال به.. والمفترض أن كلمة (السودان) لا تطلق إلا على المستوى الدولي الخارجي نظيراً لدول أو منظمات دولية خارجية تكافئها في هذه الصفة، فبدهي لا يصح القول مثلاً في أخبار السودان الداخلية: (السودان وحزب الأمة يتفاوضان على كذا) أو (نقابات العمال تطالب السودان بكذا..) ؛ لأن الطرف الآخر هو (حكومة السودان) وليس (السودان) الذي ينضوي فيه هذا الحزب وتلك النقابات. فصياغة العنوان على النحو الذي أوردته هذه الجريدة يضفي الصفة الانفصالية المغايرة عن دولة السودان على حركة قرنق، ويجعل هذه الحركة في مصاف الندِّية الدولية للسودان؛ أي أن العنوان يحمل في طياته جراثيم اعتبار انفصال جنوب السودان (حركة قرنق) عن دولة السودان أمراً واقعاً، ويرسخ في شعور القارئ هذا المعنى. * نعود إلى القضية الفلسطينية مرة أخرى: على إحدى صفحات الموقع الإنترنتي لصحيفة يديعوت أحرنوت (الإسرائيلية) جاء خبر بالعنوان التالي: (عرفات أصدر تعليمات لشن موجة عمليات إرهابية غير مسبوقة) .. إذا تجاوزنا مغزى حرص اليهود على وضع ياسر عرفات موضع العدو لهم وغير المرضي عنه منهم رغم كل الخدمات التي أسداها إلى (القضية الصهيونية) فإن العنوان ليس فيه ما يلفت النظر، وكلمة (إرهابية) متسقة مع كون الصحيفة (إسرائيلية) ، ولكن الموقع أرفق مع الخبر صورة صغيرة لياسر عرفات.. كان المنتظر أن تكون هذه الصورة محايدة تظهر وجه عرفات مثلاً، أو تكون لمناسبة العنوان تظهره في صورة (ثورية) من تلك الصور الدعائية الكثيرة له التي يحمل فيها السلاح.. ولكن الصورة لم تكن هذه ولا تلك، بل كانت صورة دعائية أخرى لياسر عرفات وهو يرفع يديه بالدعاء! ! .. والمغزى واضح، وهو ربط (الإرهاب) بـ (الإسلام) ، فكلما اقترب الشخص من (الإسلام) اقترب من الإرهاب، وعليه فإن التخلي عن الإرهاب والتقدم في طريق السلام مرهون بالتخلي عن الإسلام ومحاصرته، وهذا هو المطلوب من عرفات وسلطته.. (شغل يهود! !) . لا تنقضي صور المكر الإعلامي، ولا نستطيع تتبعها وذكرها جميعاً.. ولكن المقصود أن المتلقي من وسائل الإعلام هذه مستهدف بالتأثير والتشكيل، وإذا لم ينتبه إلى ما يقرؤه أو يسمعه أو يشاهده فإن وعيه يتشكل من غير شعور منه وقد يكون على غير إرادة منه. الدعاة على الخط: لم يقف المكر الإعلامي عند حد التضليل والتزييف بشتى الطرق، بل تعدى ذلك إلى محاولة استخدام بعض المشايخ والدعاة والرموز السياسية الإسلامية للمشاركة في تشكيل الرأي العام بالصورة التي يريدها هذا الإعلام الماكر على حساب الصورة الدعوية التي يريدها هؤلاء الدعاة والمشايخ والرموز، وعلى حساب صورتهم هم ومرجعيتهم هم بالنسبة لأتباعهم ومريديهم. ولا أقصد هنا المشايخ الرسميين الذين يطلقون الفتاوى المفصلة على مقاس رغبات النظم العلمانية لتسويغ مواقفها وسياساتها وتوجهاتها، فهؤلاء أمرهم معروف، وهم (محروقون) على مستوى أجهزة الإعلام العلمانية نفسها، ولكني أقصد التوجه إلى الزج بدعاة ورموز لهم رصيدهم المعروف من الاستقلالية والأتباع المخلصين في معترك المنظومة الإعلامية العلمانية بـ (فتح) المجال أمامهم للحديث عن قضايا عامة في منابر إعلامية رسمية أو مشبوهة. وقبل أن أسطر وجهة نظري في جانب المكر في هذا التوجه الإعلامي أحب أن أوضح بعض الحقائق: أولاً: أن جل الخطاب الدعوي كان إلى حد ما خطاباً نخبوياً في رسالته الإعلامية وفي الشريحة المستهدفة منه، وفي الغالب لم يحدث أن انفتحت الحركة الإسلامية بخطابها الدعوي والسياسي على جميع شرائح المجتمع وجميع فئاته؛ وذلك فيما عدا بعض فصائل هذه الحركة التي تبذل جهداً مشكوراً في هذا الانفتاح، ولكنها للأسف تتسم بضعف وقصور في الوعي يؤثر على رسالتها التي تنفتح بها على فئات المجتمع العامة.. ولا شك أن هذه النخبوية صفة سلبية في خطابنا الدعوي العام. بالطبع هناك أسباب داخل الحركة وأسباب خارجها أدت إلى اكتساب هذا الخطاب هذه الصفة (النخبوية) ، ولكن الحاصل أن هذا الواقع يطرح على أي غيور على دينه حريص على مجتمعه التفكير في وسائل جديدة يمكن من خلالها الوصول إلى أكبر عدد من أفراد المجتمع.. ومن هنا بدت إتاحة المجال لاستخدام وسائل الإعلام العامة فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف. ثانياً: أن الوسائل الدعوية ما زالت تتقلص بصفة مستمرة في وجه هؤلاء الدعاة والرموز، فمن مصادرة المساجد والمنابر، إلى تعطيل الصحف والمجلات، إلى إيقاف الدعاة والعلماء، إلى التضييق على الشريط الإسلامي.. ما زالت هذه الوسائل تتقلص غالباً في معظم البلدان، خاصة بعد أحداث سبتمبر الأخيرة، وباستثناء مجال الإنترنت (وهو مجال نخبوي) لم تشهد وسائل الدعوة انفراجاً حقيقياً في السنوات الأخيرة؛ لذا: كان إتاحة الفرصة بالظهور في منابر إعلامية عرضاً مغرياً لأي صاحب هم دعوي. ثالثاً: ظهرت في الأفق بعض الدراسات التي تتناول الثوابت والمتغيرات للصحوة الإسلامية بحسب اجتهاد أصحاب تلك الدراسات، ولكننا لم نعلم بمحاولات لرصد ودراسة الثوابت والمتغيرات لدى الأطراف الأخرى، وفي الواقع فإن متغيرات محلية وأخرى دولية طرأت على الموقف تجاه الدعوة، ولا شك أن علينا مواكبة هذه المتغيرات سلباً أو إيجاباً، إقداماً أو إحجاماً، توسعاً أو تقلصاً، وفي نظري فإن تحديد الموقف تجاه تلك المتغيرات ينبغي أن ينبني على عدة عوامل ومعطيات، منها: الفهم الدقيق للثوابت والمتغيرات لدى جميع الأطراف. رابعاً: أن كل جهاز إعلامي له رسالته المحددة وأهدافه الواضحة في ذهن القائمين عليه والموجهين له، كما أن له خططه طويلة المدى وقصيرة المدى التي يحقق من خلالها هذه الأهداف، وعلى أساس هذه الرسالة وهذا الهدف وتلك الخطط ترسم الخطوط العامة للبرامج والأساليب وأحياناً المواد التي ينبغي أن يراعيها المنفذون والعاملون في هذا الجهاز أو تلك الوسيلة الإعلامية، وليس بالضرورة أن يدرك هؤلاء المنفذون والعاملون أبعاد تلك الخطط أو كل تفاصيلها، بل قد يكونون على المستوى الشخصي لا يتفقون مع هذه الأهداف ولا يوافقون على تلك الخطط إذا علموا بجميع تفاصيلها، ولكن مع ذلك يشاركون في تنفيذها بكفاءة ونجاح بحسب المطلوب منهم، وبحسب إمكاناتهم التي تهيأت أو هيئت لهم وفق الآلية الإدارية التي تحكمهم وتسيرهم.. وهذا ما نجده في أي منشأة ذات إدارة منظمة. والمقصد: أنه ينبغي علينا ألا ننخدع بآراء أو توجهات المنفذين الشخصية، ويغيب عنا وضع تصور ولو تقريبياً لأهداف القائمين على هذا الجهاز أو تلك الوسيلة والموجهين لها وخططهم التنفيذية لتحقيق تلك الأهداف. فإذا ما فرغنا من ذكر تلك الحقائق يبرز سؤال جدير بالنقاش: هل أتاح القائمون على هذه الأجهزة الإعلامية العلمانية والمشبوهة الفرصة لبعض الدعاة والمشايخ والرموز الإسلامية بالظهور في تلك المنابر من أجل الخروج بالدعوة من نخبويتها بمخاطبة أكبر قطاع من الأفراد، ومن أجل التوسيع على رموز الصحوة بتمكينهم من وسائل دعوية جديدة وفعالة وإيصال الخير إلى الناس؟ أم أن لهؤلاء القائمين على تلك الأجهزة أهدافهم الخاصة التي رأوا أن تحقيقها من خلال هذا النوع من الدعاة والمشايخ أجدى وأنفع؟ ثم نطرح تساؤلات أخرى لا تقل أهمية عن السابق: وما الذي يمنع من قيام هؤلاء الدعاة والرموز بدورهم من خلال هذه المنابر الإعلامية حتى ولو كانت أهداف القائمين عليها خبيثة؟ ألا يبلغ هؤلاء كلمة حق أو موعظة مخلصة كانوا سيقولونها من على منابرهم الدعوية؟ أليس ذلك خيراً من ترك هذه المنابر بالكلية للفاسدين والمفسدين يصولون فيها ويجولون؟ ثم: ألم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يذهب إلى منتديات المشركين في مكة ليبلغهم رسالة الله؟ بداية أحب أن أوضح أنني هنا لا أتحدث عن الحكم الشرعي في هذا المسلك، ولكني أريد فقط أن أستكشف الجانب الذي يخص هذا المقال، وهو لفت الانتباه إلى بعض أساليب المكر الإعلامي فيما يخص قضايانا، وهذا الجانب في هذا المسلك لا يتبين إلا بعد أن ندرك طبيعة تكوين التأثير الإعلامي لدى الجماهير، فصاحب أي رسالة إعلامية والدعوة في أحد جوانبها رسالة إعلامية أيضاً لا يلقي بمادة رسالته الإعلامية إلى الجماهير دفعة واحدة، ولكنه يلقيها جزءاً بعد جزء، مستهدفاً تكوين الصورة الكلية لرسالته الإعلامية لدى هذه الجماهير على المدى الطويل بطريقة تراكمية ولكنها موجهة من طرفه، وهذه الطريقة أشبه بتكوين لوحة من الفسيفساء (الموزاييك) التي تتكون من أجزاء صغيرة ولكن تركيبها متجاورة متلاصقة يعطي في النهاية صورة عامة كلية من خلال هذه الأجزاء. وقد يتداخل في التأثير على الجماهير المستهدفة أكثر من صاحب رسالة إعلامية مختلفة أو متباينة من أكثر من مصدر، وحينها قد تكون الصورة النهائية لدى الأفراد غير مقتصرة على مصدر واحد ورسالة واحدة، بل قد تحمل نوعاً من اختلاط الصور التي قد تخرج صورة أخرى، ربما تكون مختلفة عن الصور المبثوثة جميعاً، ولكن الغلبة ستكون لصاحب التأثير الأقوى في الساحة الإعلامية؛ لذا: نجد محاولات من يريدون تشكيل الرأي العام الوصول ما استطاعوا إلى جميع منافذ التأثير الإعلامي كالمدارس والصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون ومنابر المساجد.. وأخيراً مواقع الإنترنت واحتكارها ومنع أصحاب الرسائل الإعلامية المخالفة لهم من استخدامها، أو ممارسة نوع من الإغراق الإعلامي تجاههم، أو التشويش عليهم وعلى رسالتهم على الأقل. في حالتنا هذه: تجدر الإشارة إلى أن من الخطأ الاعتقاد بأن العلمانية المنتشرة في معظم بلادنا هي علمانية ملحدة؛ فتاريخ هذه البلاد وطبيعة شعوبها تقيد العلمانيين من المجاهرة بالمناداة بذلك النوع من العلمانية؛ لذا نرى أن الدين (بمفهمومه العلماني!) أحد مفردات الخطاب الإعلامي في هذه البلاد، كما أن هذا التاريخ وهذه الطبيعة تجعل الأنظمة الحاكمة لهذه البلاد حريصة على إصباغ مشروعيتها بنوع من الصبغة الدينية حتى ولو كانت زائفة كل بحسب درجة وضوح علمانيته وذلك إلى جانب مشروعية الوجود الأساس (دستورية، أو ثورية، أو تاريخية، أو دينية ... ) وتجعلها حريصة أيضاً على تسويغ مواقفها دينياً من رموز لهم قبول شعبي في هذا الجانب. أرى أنه الآن بدأ يتضح خط المكر فيما نحن بصدده، فالصورة الإعلامية التي يريد الإعلام العلماني تكوينها لدى الرأي العام تحتوي على بعض أجزاء تتشابه مع أجزاء أخرى من الصورة الإعلامية التي يريد الإعلام الدعوي إيصالها؛ لذا: يستغل الإعلام العلماني هذا التشابه في تطبيق ما يمكن أن نطلق عليه (نظرية الصور المتقاطعة) لصالحه، ووجه المكر هنا هو أن هذه الأجزاء عندما تنتزع من صورة لتوضع في صورة أخرى فإنها حينئذ لا تخدم ولا تكون معبرة عن الصورة الأولى، بل تتماهى في الصورة الثانية لتصبح جزءاً من نسيج صورة كلية منبتة الصلة عن الصورة الأولى التي قد تصبح صورة مشوهة، ومع ذلك: يظل هؤلاء الذين ساهموا عن غير قصد في بناء هذه الصورة الإعلامية (العلمانية) يظنون أنهم عندما يتحدثون في هذه الجزئية إنما يرسمون صورتهم الدعوية التي يريدونها، وهذا غير صحيح واقعاً. أزيد الأمر وضوحاً ثم أضرب له مثالاً: من المعلوم أن الدعاة والرموز الذين يخرجون في هذه المنابر هم (ضيوف) عليها يعرفون حدود (الضيف) ، بمعنى أن هذه المنابر الإعلامية هي الطرف الأقوى في تحديد أو الموافقة على الموضوعات المطروحة، وفي توجيه اتجاه الحديث، وفي استضافة آخرين في الوقت نفسه أو في غيره لوضع الرتوش المناسبة على جزئية الصورة المطروحة؛ ومن ثم: فإن هؤلاء الدعاة لا يتمكنون من استكمال صورتهم الدعوية التي يريدون إيصالها من خلال هذه المنابر. وهنا تأتي مناسبة القول: إن رسول الله ﷺ كان يذهب إلى منتديات المشركين ليدعوهم فيها، صحيح أن الرسول ﷺ كان يفعل ذلك، ولكنه مع ذلك كان يبلغ رسالة الله كاملة غير منقوصة كما يريد هو وكما يقتضيه (البلاغ المبين) وليس كما يمليها عليه المشركون، ولم يكن ﷺ يضع رغبات هؤلاء المشركين ولا النقاط المشتركة بينه وبينهم معياراً لاختيار طبيعة الموضوع الذي سيتحدث فيه.. فهل يستطيع أن يفعل ذلك من يخرج الآن في منابر الإعلام العلماني؟ هل يستطيعون إذا شاؤوا أن يعيبوا من فوق هذه المنابر اللات والعزى وهبل المعاصرين، فيبينوا على سبيل المثال حقيقة العلمانية والعلمانيين، وعمالتهم لأعداء الأمة، وحكمهم في دين الله؟ هل يستطيعون تجلية أصل الولاء والبراء والموالاة والمعاداة، وإلى من ينبغي أن تصرف هذه المشاعر في الواقع..؟ هذه واحدة. وأخرى: هي أن هذه المنابر لها جمهورها المختلف عن جمهور هؤلاء الدعاة والرموز؛ أي أن من يتلقى من الدعاة هذه الجزئية التي تحدثوا فيها سيكمل عليها أجزاء أخرى من هذه المنابر نفسها بمعزل عن تصور هؤلاء الدعاة والرموز وتوجهاتهم، كما أنه يصعب على هؤلاء الدعاة والرموز الوصول إلى هؤلاء المتلقين مرات أخرى لتصحيح التشويه الذي يمكن أن يحدث للمعاني التي يريدون إيصالها من حديثهم، أو لاستكمال بقية أجزاء الصورة الدعوية كما يريدونها وليس كما يريدها العلمانيون القائمون على هذه المنابر، وذلك بعكس جمهورهم المريد لهم أو الذي يستطيعون الوصول إليه بسهولة، فهو إن لم يستكمل الصورة الإعلامية الدعوية من تتابع الحضور لهم استكملها من شريط مسجل أو من رسالة مطبوعة أو من مقال منشور أو حتى من داعية أو رمز آخر.. وبذلك تتجمع هذه الجزئيات وتوضع في سياق واحد. ونضرب لذلك مثالاً أعرف أنه ذو حساسية: فلو أن أحد المنابر الإعلامية هذه استضافت رمزاً إسلامياً للحديث عن موضوع يدور حول (مشكلة الغلو والتكفير) ، فالمتوقع أن تدور محاور الحديث حول عناوين فرعية، مثل: (أصل هذه المشكلة وصلتها بالخوارج) ، (انحراف أصحابها عن منهج أهل السنة) ، (أسباب هذه المشكلة) ، (خطورة هذه المشكلة على المجتمع) ، (مقترحات لمعالجة هذه المشكلة) ... طبعاً سوف يتحدث هذا الرمز من منطلق حرصه على الشباب وعلى توضيح منهج أهل السنة، وضمن إطار كلي (في ذهنه) ينتظم فيه هذا الحديث وتستكمل صورته، وهذا الإطار وهذه الصورة تشمل أجزاء أخرى، مثل: - خطر الإرجاء (المقابل للغلو والتكفير) وأثره في الأمة. - أن التكفير في الأصل يقول به كل دين. - أن الحديث هو عن خطر تكفير المسلمين، وليس عمن لم يحقق أصل دين الإسلام. - الفرق بين التكفير بالمعصية كما هو معتقد الخوارج ومقالات المتكلمين، والتكفير بنواقض الإسلام. - أن الخطأ في التكفير إذا كان الاجتهاد حسب أصول أهل السنة هو خطأ فقهي وليس اعتقادياً. - أن الغلو صفة غير محصورة بالمسلمين، بل موجودة في كل دين وكل فكر فهي مشكلة نفسية في الأساس ... إلى آخر هذه المسائل الجزئية التي يعرفها هذا الرمز بلا شك، ولكنها مع ذلك لن تطرح في هذه (الاستضافة) . بينما المنبر الإعلامي الذي يتحدث من خلاله هذا الرمز لا يشغله منهج أهل السنة ولا أهل البدعة، بل تشغله أمور أخرى يريد تثبيتها في ذهن الجمهور مستغلاً هذه الجزئية ومستكملاً عليها أجزاءً أخرى من الصورة التي تخصه هو والتي يبثها سابقاً أو لاحقاً، مثل: - أن معارضي النظام العلماني الحاكم من الإسلاميين يكفرون المسلمين (ولو افتراءً عليهم) . - أنهم خوارج منحرفون لا يمثلون أهل السنة والإسلام الصحيح (بل إن بعض النظم شبههم بالذين خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه) . - أنهم منحرفون أخلاقياً وسلوكياً. - أن الوسطية والاعتدال هي التي يمثلها هذا النظام. - أن مواجهتهم واجب على كل مواطن؛ لأنهم خطر على المجتمع كله. وهكذا.. فبينما الرمز الإسلامي يتحدث في إطار علمي ضمن صورة دعوية كلية (ولكنها غائبة) ، يستغل المنبر الإعلامي حديثه هذا ويضعه ضمن جزئيات صورة كلية أخرى ضمن إطار دعائي سياسي، مستهدفاً تثبيت شرعية النظام العلماني الذي يتحدث باسمه ودعم استقراره، وخلع الغطاء الديني عن معارضيه السياسيين الذين يصرح بعضهم بعدم الاعتراف بشرعية النظام من منطلق إسلامي. ومن هنا كانت أهمية الحرص على تحديد محاور الحديث مع الرمز الإسلامي بالشكل السابق واستبعاد المحاور الأخرى التي سوف تفسد عليه هدفه، والتي لن يستطيع الرمز استكمالها أمام هذا الجمهور الذي تلقى منه هذا (الطعم) ! ، وهو طعم لا يصلح لإلقائه طبيب ولا إعلامي ولا أي مفكر.. بل لا بد أن يكون عالماً دينياً ولا سيما إن كان رمزاً دعوياً. وهكذا نرى أن الإعلام العلماني والقائمين عليه ومن وراءهم أصابوا من وراء ذلك الأسلوب عدة أهداف برمية واحدة: ١ - اكتسب مشروعية هو في حاجة إليها وثقة فيه يفتقر إليها بمشاركة هؤلاء الدعاة والمشايخ والرموز. ٢ - وبمقدار نمو هذه المشروعية المكتسبة تتآكل مرجعية هؤلاء الدعاة والمشايخ والرموز لدى جمهورهم الدعوي الذي سوف ينظر بعضه إليهم على أنهم مهادنون، خاصة إذا تطاول أفراد من هذا الجمهور عليهم، وهذا مطلب علماني! ٣ - أصبغ على نفسه وعلى النظام السياسي الذي يمثله صبغة تعددية (ديمقراطية) زائفة. ٤ - كوّن بعض أجزاء صورته الإعلامية بدقة ومهارة وبشكل دعائي عن طريق متخصصين موثوق في كلامهم لدى الجماهير. ٥ - استهلك جهود بعض أصحاب الرسائل الإعلامية الأخرى المنافسة له بما يؤثر على أدائهم لهذه الرسائل، ويصرفهم عن بذل الجهود الخاصة بها. ٦ - وهناك مكاسب عرضية ولكنها مهمة، منها: هز بعض المسلَّمات المختارة بقصد والتشكيك فيها بزعم عرضها على ساحة النقاش والتمحيص، وهذا بالنسبة لهؤلاء العلمانيين مكسب في حد ذاته حتى ولو انتهى الحديث إلى نصرة الرأي الذي قال به الداعية أو الشيخ أو الرمز، ففي النهاية تصبح هذه المسلمة (محتملة) حتى وإن ذُكر أن (الراجح) فيها هو القول المسلَّم به قبل المناقشة، وهذه خطوة مهمة يرضى بها العلمانيون الآن. ومنها: تهميش القضايا المهمة وإلهاء الجماهير وصرفهم إلى قضايا أخرى يكثر فيها الكلام وتتضخم لتأخذ حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، وإقحام الدعاة وإشغالهم في معارك تدور حولها. ومنها: ضرب بعض فصائل الحركة ببعضها الآخر؛ وذلك بإتاحة الحديث لرموز فصيلٍ ما عن رموز فصيل آخر أو آرائه واجتهاداته التي يتبناها. ومنها: تحول بعض مشاركات هؤلاء الرموز إلى حلبة صراع كلامي يستعرض فيها المشاركون (عضلاتهم الكلامية والفكرية) ، وهم وإن (انتصروا) في النهاية إلا أن الأثر المنطبع في ذهن المتلقي يظل أثراً بارداً لا يؤدي غالباً إلا إلى إثارة ذهنية كلامية جدلية، وهذا ما ينعكس سلباً على المعاني والقيم التي يلقيها هؤلاء الرموز من هذا المنبر، بعكس حديث هذه الرموز نفسها من منابرها؛ حيث توجد علاقة تفاعل إيجابي بين الملقي والمتلقي، تجعل هذا الأخير يتلقى رغبة في الالتزام بما يسمع وفي المشاركة في حركة إيجابية في المجتمع. ومنها: مشاركة هؤلاء الدعاة والمشايخ والرموز من حيث لا يقصدون أو ينتبهون في ترسيخ معنى العلمانية في شعور المتلقين؛ وذلك عندما يرى هؤلاء المتلقون انفصالاً حاداً وواسعاً بين طبيعة الخطاب (الديني) الذي يظهر من خلاله هؤلاء وطبيعة المواد الأخرى التي يتابعونها والتي لا تمت للدين بصلة، بل قد تخاصمه أو تهاجمه صراحة أو خفية. لا شك أن هناك أبعاداً أخرى في هذا الموضوع تؤيد وجهة النظر هذه أو تعارضها، ومع قناعتي بضرورة الانفتاح الدعوي على الجماهير فإني أرى شخصياً أن هذا الانفتاح ينبغي أن يكون بطريقة منهجية مدروسة تحسب فيها بدقة: المصالح والمفاسد، والوسائل المتاحة، والأساليب المختارة، والحلول المقترحة، والضوابط المراعاة.. وذلك حتى لا نشارك من حيث لا ندري في عمليات تزييف وتضليل تحاك ضد هذه الأمة. ومن هذا المنطلق فإني أقدم بعض الضوابط المقترحة لمن يرى من الدعاة أن المصلحة في ظهوره في هذه المنابر، وهي الآتي: ١ - أن يكون متأكداً من أن الموضوع الذي سيتناوله لا يساهم في تكوين الصورة الإعلامية العلمانية ولا يخدمها من قريب أو بعيد. ٢ - ألا يتحدث في قضايا اجتهادية خلافية بين فصائل العمل الإسلامي، أو يهاجم رموزاً لهذه الفصائل تلميحاً أو تصريحاً من فوق هذه المنابر. ٣ - أن يشير إلى عناوين الموضوعات الأخرى المرتبطة بالموضوع الرئيس والتي لن يستطيع التحدث فيها. ٤ - أن يحيل المتلقي إلى مصادر أو مراجع أو برامج أو روابط أو ملتقيات أخرى ... يمكن للمتلقي أن يستكمل الموضوع منها إن أراد. ٥ - ألا يكون الظهور في هذه المنابر شاغلاً له عن نشاطه الدعوي أو التربوي أو التعليمي الأساس. ٦ - العمل على إنشاء منابر إعلامية جماهيرية مستقلة عن الجهات العلمانية؛ تتبنى الخطاب الدعوي الصحيح في خطها العام ومادتها الإعلامية. هذه مقترحات لا شك أنها قابلة للنقد والتمحيص، والزيادة والنقصان.. أدعو الله أن يهدينا إلى الرشد، وينير لنا السبيل.

стр. 4254

المنتدى من ثمرات المنتدى الإسلامي ويتجدد اللقاء مع ثمرات المنتدى الإسلامي؛ حيث نضع بين أيديكم بعضاً من ثمرات جهده خلال الفترة من ١/١١/١٤٢٢ هـ حتى٣٠/١/١٤٢٣ هـ؛ سائلين المولى أن يبارك في الجهود، ويجزل العطاء لكل من ساهم في رعاية هذا الغرس. كسروا الصنم الذي كانوا يعبدونه ما زالت كثير من القرى الإفريقية تتخبط في ظلام الوثنية؛ ولذا يحرص المنتدى الإسلامي على إنقاذهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور من خلال القوافل الإغاثية الدعوية التي كان آخرها القافلة التي سيرها مكتب المنتدى في توجو إلى إحدى القرى النائية، صحبها اثنان من الأطباء وعدد من الدعاة، ومن فضل الله تعالى كان من ثمراتها إسلام أغلب من في القرية وعددهم (١٩٦) شخصاً، وبعد أن منّ الله تعالى عليهم بالإسلام قاموا بتكسير الصنم الذي كانوا يعبدونه ويقدمون له القرابين. وما أن سمعت قرية مجاورة بما فعلت أختها حتى فتحت أبوابها لدعاة المنتدى فتوجهت القافلة المباركة إليها فجاءت النتائج أكبر وأعظم بفضل الله؛ حيث أسلم (٢٥٣) شخصاً آخرون، فلله الحمد والمنة. المنتدى يفتتح أكبر مراكزه في مالي على شرف رئيس دولة مالي، وبحضور الأمين العام للمنتدى الإسلامي الدكتور عادل بن محمد السليم، وإمام الحرم المدني الشيخ عبد المحسن القاسم، وسفير المملكة العربية السعودية في مالي الأستاذ خالد عبد ربه، ولفيف من الشخصيات ورجال الأعمال افتتح مكتب المنتدى الإسلامي في مالي صبيحة يوم الجمعة ٢٢/١/١٤٢٣ هـ أحد أكبر المراكز الإسلامية في الدولة. والمركز يقع في العاصمة «باماكو» على أرض مساحتها ٣٨٦٠ متراً مربعاً ويضم بين جنباته مسجداً جامعاً يتسع لـ ١٠٠٠ مصل، ومعهداً لما بعد الثانوية، ومدرسة نسائية، ومكتبة عامة كبيرة، وقاعة فسيحة للمحاضرات، بالإضافة إلى مبنى يحتوي مكاتب لإدارة المركز. ويأمل المنتدى أن يكون هذا المركز منارة هدى للمسلمين في مالي، وملتقى للدعاة والمدعوين من خلال البرامج المتنوعة التي يعتزم المنتدى إقامتها في هذا المركز. إنشاء ١٥ مسجداً في ٧ دول استمراراً لمسيرة المنتدى الإسلامي، وحرصاً منه على نشر دعوة الإسلام، وتعليم المسلمين أمور دينهم يحرص المنتدى الإسلامي على بناء المساجد وتهيئتها لتكون جاهزة للعبادة، وتعلم أحكام الإسلام؛ فقد أنشأ المنتدى الإسلامي خلال الأشهر الثلاثة الماضية (١٥) مسجداً في ٧ دول هي: (السودان، كينيا، نيجيريا، تشاد، اليمن، إندونيسيا، الهند) . دعاة المنتدى يدعون إلى الله في الحج اغتنم المنتدى الإسلامي فرصة اجتماع الناس في الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج وتقربهم إلى الله فقام بتنفيذ برنامج (الدعوة في الحج) ؛ وذلك من خلال مرافقة عدد من دعاة المنتدى المختارين لوفود بلدانهم ودعوتهم إلى العقيدة الصحيحة، وبيان شيء من أحكام الشريعة عامة والحج خاصة، ودعوتهم إلى السنة والاستقامة والصلاح، وتوزيع الكتيبات عليهم بلغاتهم المختلفة. وقد شارك في المشروع ٨٤ داعية، شاركوا حجاج تسع دول، وقد أعد المنتدى لهم مادة علمية متنوعة بلغات مختلفة ليفيدوا منها في دعوتهم، وقد كانت للمشروع ثمرات طيبة، نسأل الله تعالى أن يبارك فيها. أصداء بلاغ بعد أن وزع مكتبا المنتدى الإسلامي في أمريكا وبريطانيا ١٥٠. ٠٠٠ نسخة مجانية من عدد شوال من مجلة الجمعة (صوت المنتدى باللغة الإنجليزية) الذي خصص لدعوة الغرب إلى الإسلام، وتوضيح صورته المشوهة توالت الردود والتساؤلات تطلب المزيد عن الإسلام، وإليك أخي الكريم مقتطفات من هذه الردود: (أنا أدين بالنصرانية ونشأت مؤمنة بأن النصرانية واليهودية هما الطريق الوحيد إلى الله. ولكن مجلة الجمعة علمتني أن المسلمين أقرب إلى ربهم من النصارى إليه. أنا سعيدة لقراءتي هذه المجلة، وأنا متأكدة أن العديد من الأشخاص سوف يستفيدون منها) . رسالة هاتفية من امرأة. (أشكر لكم كثيراً إرسالكم نسخة مجانية إلى «مكتبة كوستون العامة» . فقد أخذتها إلى منزلي خلال عطلة نهاية الأسبوع فوجدتها جذابة ومفيدة جداً. وسأضعها في قسم الدوريات ليستخدمها رواد المكتبة) . خالص الشكر. فيرونيكا. (شكراً على إرسال نسخة مجلة الجمعة إلى مكتبة الجامعة. سوف نضعها في ملفاتنا عن الإسلام) . بيتي مارتين أمين المكتبة، جامعة فلوريدا. نظراً لما لمسناه ولمستموه معنا من الحاجة الملحّة والمستمرة لمثل هذه الأعمال الهادفة إلى التعريف بالإسلام والدعوة إليه والذب عنه، فسوف يتبع إصدار عدد شوال بإذن الله تعالى كتاب يتضمن موضوعات أخرى متميزة تعرِّف بالإسلام لغير المسلمين، وتدعو إليه وتذب عنه. نسأل الله تعالى أن ينفع به المسلمين وغير المسلمين، وأن يتقبل من كل من ساهم في دعمه، وأن يجزل له الأجر والمثوبة، وتلك هي المهمة التي اختارنا الله لها، مهمة تبليغ هذا الدين إلى العالمين: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] (البقرة: ١٤٣) . (٧٣٠) بئراً يتدفق منها الماء قد لا يشعر كثير منا بما يعانيه أكثر من سدس سكان العالم من صعوبة في الحصول على الماء النقي معظمهم من المسلمين، وقد حرص المنتدى الإسلامي على المساعدة في تخفيف جزء من هذه المعاناة، فقام بحفر ما يقارب (٧٣٠) بئراً كان آخرها حفر (٢٨) بئراً في كل من السودان وتشاد وإندونيسيا خلال أشهر ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم. ٤٠. ٠٠٠ أضحية يوزعها المنتدى الإسلامي تخفيفاً لمعاناة فقراء المسلمين، وشعوراً بمعنى الأخوة الإسلامية والجسد الواحد يمد المنتدى الإسلامي يد العون والمساعدة لهؤلاء الفقراء في مناسبات متعددة على مدار العام، ومن ذلك مشروع توزيع الأضاحي الذي يقيمه المنتدى كل عام؛ بحيث بلغت في السنوات العشر الماضية أربعين ألف أضحية. واستمراراً لهذا المشروع فقد قدم المنتدى الإسلامي خلال موسم عام ١٤٢٢هـ ٤٢٠٠ رأساً من الأضاحي؛ بتكلفة إجمالية قدرها ٢٠٠. ٠٠٠ دولار، وتم تنفيذ المشروع في ٢٢ دولة؛ منها ١٤دولة في قارة أفريقيا، و ٨ دول في آسيا، وقد استفاد منها أكثر من ١٥٠. ٠٠٠ من فقراء المسلمين، وأسلم بسببها بعد فضل الله عدد غير قليل.

стр. 4255

المنتدى ردود وصل إلى المجلة عدد من الاقتراحات والملاحظات، ونحن إذ نشكر الإخوة الذين أرسلوها وتواصلوا مع المجلة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياهم من المتواصين بالحق والخير، ولقد كانت الملاحظات والاقتراحات كما يلي: الأخ: عبد العزيز بن عبد الله الغماس: خطر في بالي موضوع قد يكون في نظري أنه مهم من جهة، وهو عندكم غير ذلك. وهو وجود زاوية تعنى بالفتاوى المهمة التي يكثر السؤال عنها من قِبَل قراء المجلة أو غيرهم، سواء في الاعتقاد أو غيرها مما يحتاجه الناس. وقلت في نفسي لو كان هناك طرح أسئلة يرى القائمون على المجلة أنها مما يسأل عنها، أو أنها هي المهمة في هذا الزمن أو وقت من الأوقات؛ ومن ثم يجيب عنها أهل العلم الموثوقون في بلادنا أو غيرهم ممن ترونهم أهلاً لذلك، أعتقد أن هذا الموضوع جيد وفيه نشر للعلم والدعوة معاً. حقيقة أنا لا أدري هل طُرِحَ هذا الموضوع من قبل أم لا؟ لكن يعلم الله كم سعدت بهذه الفكرة وأرجو أن يكون السبق لي لأحوز الأجر العظيم؛ لأنني بهذا أكون دللت على هدى. الأخ: الباعث بن أحمد التومي بن ساعد: تحية إلى إخوان الإسلام، وإلى من أراد الإسلام على التحقيق، وإلى المشرفين على مجلة البيان؛ راجياً من الله لكم التوفيق، فقد سرني عملكم هذا فأردت مراسلتكم في أقرب وقت للاطمئنان على أحوالكم، وفي نفس الوقت أستسمح منكم أن تراسلوني بمجلتكم، ولأن اختياري لم يقع إلا على مجلتكم التي رأيت فيها ما قد يفيدني، وهذا راجعٌ إلى أن عالمنا اليوم يعرف أساليب غربية سلبية لا دَخْلَ لها بالإسلام، فأرجو أن تساعدوني وفي أقرب وقت، وأريد التعرف على ما يجري في مجتمعنا اليوم من أحداث دولية وهذه بعض الكلمات أكتبها إلى مجلة البيان التي كرست جهدها في خدمة الإسلام والمسلمين: ماذا أقول لمدح الشمس والقمر؟ ... وما أفيد بمدحي روعة السحر؟ قد أجعل الحجَر المدفون لؤلؤةً ... لكنني لن أضيف الضوء للقمر لا لن أزيد جمالاً زهرة نقشت ... بهاءها في عيون الطير والبشر وما أفيد بمدحي درَّة سَلبت ... عيون ناظرها في غفلة النظر؟ فإن مَدحت شريفاً زادني شرفاً ... وإن ذكرت عظيماً زدت من أثري يزيد مدحك بالممدوح منزلةً ... ويأخذ النور منها قارئ السور إن يُذكر الخير كنتم أهله أبداً ... أو يذكر الحب كالأمطار ينهمر وأرجو منكم أن لا تنسونا بمجلتكم هاته التي تستحق كل الاحترام والتقدير؛ لأنها درة في أعين المسلمين وتفكيرهم وشكراً لكم، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم. الأخ: يوسف بن إبراهيم الزين: يسعدني أن أقدم لكم ولسائر العاملين والمشرفين على مجلة البيان جزيل الشكر والتقدير على الجهود الطيبة في سبيل نشر منهج أهل السنة والجماعة، والفكر السلفي الصحيح، والتحليل السياسي الدقيق، والطرح التربوي المتميز؛ أشكركم على هذا كله وغيره مما تزخر به هذه المجلة الرائعة، رزقنا الله جميعاً الإخلاص في القول والعمل. وأسوق بين يدي هذا الشكر اقتراحاً حول جانب من الاستفادة من هذه المجلة؛ خلاصته في أن المجلة تزخر كل عدد بمجموعة من المقالات المتميزة، وقد دأبت المجلة على إخراج بعض المقالات وخاصة ذات الحلقات المتعددة على هيئة كتاب، لكن ما حال المقالات المتميزة والتي تعالج أحياناً قضايا ملحة لكنها لا تصل بحجمها أن توضع في كتاب ومن ذلك: ١ - حقيقة شركات التأمين (د. سليمان الثنيان) . ٢ - بعض ما ينسب للسلف يؤدي للإحباط (سليمان بن خضير) . وغير هذين المقالين كثير في هذه المجلة، والذي أقترحه إزاء هذه المقالات أن تخرج على هيئة مطويات تبث في أوساط فئات المجتمع المختلفة، ويمكن الاستفادة من دار القاسم أو دار الوطن في هذا الجانب، وخصوصاً أن الملاحظ على المطويات عموماً اقتصارها على جانب الوعظ والأحكام. آمل أن يجد هذا الاقتراح صدى طيباً في صدوركم، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا جميعاً لمرضاته، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره. الإخوة والأخوات: محمود محمد البرمبالي، يوسف..! صالح السالم، وليد محمد سمكري، رحاب بنت عبد الله: نشكر لكم تواصلكم الكريم مع مجلتكم، ونرجو التكرم بإرسال عنوان بريدي نتمكن من الرد عليكم من خلاله.. وجزاكم الله خيراً.

стр. 4256

الورقة الأخيرة حقيقة الفتاوى العصرية أ. د. محمد يحيى [*] يسود الساحة العربية الآن اتجاه يحبذ إطلاق ما يمكن تسميته بالفتاوى «العصرية» ، وهي تلك التي تتعامل مع مسائل وقضايا حديثة معاصرة؛ من زاوية توضيح حكم الإسلام فيها وتبصير الناس بهذا الموقف. وتجد هذه النوعية من الفتاوى التحبيذ والتشجيع بل المديح؛ لأنها عند بعضهم تثبت صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، كما أنها توجد مصالحة بين الناس وواقعهم المعاش، وترفع الحرج عن أي تصور يرى تصادم الدين و «العصر» . وقد اتسع هذا الاتجاه في بعض البلدان العربية إلى حد أنه بدأت تنشأ مشكلاته الخاصة؛ وأبرزها التناقض في بعض الفتاوى، ثم الترخص الزائد الذي بدأ يطل برأسه فيها. والحق أن المسألة في حاجة إلى «التحرير» حسب المصطلح الأصولي وليس السياسي، وأول ما يلاحظ في هذا الصدد أن هناك تصوراً خاطئاً وخطيراً عند بعضهم يربط بين الإفتاء بحكم الدين في شتى القضايا الحديثة المعاصرة (وهو أمر طيب وضروري) ، وبين ضرورة الخروج بحكم يوافق ويمرر هذه المسائل مُكسباً إياها المشروعية الدينية، ومُقراً لها بصرف النظر عن الأبعاد المختلفة الكامنة فيها؛ ذلك أنه تكثر الآن الضغوط الشديدة والمتنوعة على القائمين بالإفتاء لكي تخرج فتاواهم مبيحة بل محبذة للعديد من التوجهات القيمية الوافدة من المجتمع الغربي النصراني العلماني أو الناشئة بتأثيره؛ مع إكسابها مشروعية إسلامية باعتبارها متوافقة مع الشريعة أو حتى محققة لأغراضها ومقاصدها الكبرى! ويحدث ذلك عبر النظر المتعمد إلى هذه التوجهات القيمية في مستوياتها السطحية المجردة، وتصديق مزاعمها الدعائية حول تحقيقها لسعادة المجتمع وخير الناس، وهي مزاعم تنهار إذا ما حدث تدبُّر وفحص كامل ومتعمق لخلفيات هذه التوجهات القيمية ومنطلقاتها ومبادئها وسياقاتها الثقافية الأصلية، وهي في الغالب الأعم إن لم يكن في كل الأحوال غربية نصرانية علمانية، وفي هذه الحالات يفرض دور معين على «المفتي العصري» لا يسمح له بأن يتعداه؛ فكل ما عليه هو التعامل مع المسألة أو القضية أو التوجه القيمي العصري حسب تكييف طارحيه وتصورهم له، وحسب المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء (في الغالب للتمويه والتعمية) ، ولا يجوز له مناقشة هذا التوجه أو التعامل معه بالنقد الفاحص أو حتى التعديل؛ بل عليه أن يخرج «بحكم الدين» فيه حسب هذا التعامل السطحي ووفق طرح أصحابه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إن الفقيه أو المفتي يقع تحت ضغط تقبل هذا التوجه أو المسألة وتسويغها شرعياً، وتحت طائلة الاتهام بالجمود وعدم الفهم، وعدم مواكبة العصر، والتضييق على الناس، بل ومصادمة الشريعة ذاتها التي تدعو إلى التيسير ورفع الحرج. وهنا ينحصر دور المفتي في مجرد إيجاد تكييف وتسويغ شرعي بلغة المصطلح الفقهي الإسلامي لقضية جاهزة صاغها الآخرون بالفعل قبل ذلك بلغة المصطلح الفكري العلماني، وألقوها إلى المفتي طلباً للتسويغ والصياغة الشرعية الموافقة فقط؛ وليس طلباً لحكم الدين فيها بعد التمحيص والفحص الذي قد ينتهي بالرفض. والواقع أن المفتي الذي تلقى إليه تلك المسائل والقضايا طلباً للحكم الديني يجد أنه من السهل الانصياع لضغوط التحرير والتسويغ الشرعي لها؛ لأنه مفروض عليه أن يتعامل فقط حسب صياغة أصحابها لها (وهي صياغة تزعم لها من الإيجابية والخير ما ليس فيها بالضرورة) ، وعلى المستوى السطحي فقط؛ أي مستوى الشعارات الدعائية التي تهدف بالطبع إلى «تحلية البضاعة» (حسب التعبير المصري الدارج) . ومن هنا سيصعب على المفتي أو الفقيه أن يرفض توجهات وقيماً يفرضها أصحابها بمصطلحهم الخاص ووفق تكييفهم؛ زاعمين أنها تحقق الخير والمصلحة والسعادة والتقدم للفرد والمجتمع؛ أَوَ ليس هذا هو مقصد الشريعة الإسلامية النهائي؟ ! وهكذا تنتهي أغلب الفتاوى العصرية إن لم يكن كلها إلى القبول والتمرير لكل المسائل المعروضة على القائم بالإفتاء؛ مما يخلق الانطباع (الصادق) بالترخص الذي يخفي وراءه حقيقة مرة هي أن «المفتي» لم يعد مفتياً بالمعنى الصحيح؛ بل تحول إلى مجرد صائغ لفتوى كل مهمته أن يتلقى المسألة أو القضية أو التوجه دون التدخل في طرحه، ودون تمحيصه والتعمق في أبعاده؛ بل «فقط» كي يعيد صياغته بلغة الشريعة ومصطلحها تسويغاً له؛ بحجة متابعة الشريعة للعصر. دور المفتي يصبح مجرد دور واضع الختم على أوراق تتناول أخطر الأمور أو تتعلق بملايين الدنانير دون أن يكون له يد أو حتى مصلحة فيها، والنتيجة بطبيعة الحال وكما تشهد عشرات الأمثلة هي استبطان التوجهات القيمية العلمانية والغربية (والمسماة خطأً وغرضاً بالعصرية) داخل كيان القيم الإسلامية، بل وإضفاء المشروعية الإسلامية الكاملة عليها وتحويلها إلى غير مقاصد الشريعة. هذا أبرز محاذير توجه الفتاوى «العصرية» لكنه ليس الوحيد؛ لأن الأمر ينتهي إلى إهدار كامل أو انهيار لعملية الاجتهاد الفقهي ودور الفقيه فيها؛ ليتحول إلى مجرد عملية تسويغ سطحي، وتمرير لمسائل وقضايا من شأنها أن تدمر البنية القيمية الإسلامية بعد استبطانها فيها؛ إنها خدعة «عصرية» وليست فتوى!

стр. 4257

ربيع الأول - ١٤٢٣هـ يونيو - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4258

كلمة صغيرة وتحققت إحدى أمنيتَيْ خطَّاب أعلنت وزارة الأمن الروسية عن وفاة القائد المجاهد (سامر السويلم) المعروف بـ (خطاب) الذي وصفته بأنه (أحد منظِّري الإرهاب العالمي) ، وأن ذلك تم عبر عملية عسكرية! وهذا ما تأكد بالفعل من مصادر الجهاد الشيشاني، وقد ظهرت صورة جسده المسجى وكان سليماً من أي إصابات؛ مما يشير إلى أنه استعمل ضده وسيلة اغتيال بالسم أو الخنق عبر عميل مدسوس ممن يُلجأ إليهم في مثل هذه الظروف، وهذا وارد عبر هؤلاء العملاء الذين يبيعون ذممهم بثمن بخس؛ والشيء من معدنه لا يستغرب. والحقيقة أن ذلك المجاهد الذي ترك الراحة والنعيم في أسرته أدى واجبه الجهادي حتى أصبح قائداً يشار له بالبنان، فقد كان محتسباً دوره هذا؛ حيث قضى شرخ شبابه في ساحات الجهاد في أفغانستان، ثم في الشيشان حيث أوقع في الأعداء مقاتل كبيرة، فأُعلنت بعدها المطالبة به حياً أو ميتاً، وأنجاه الله من كثير من الكمائن، وهو مع جهاده كان داعية ومعلماً، وكان كغيره من المجاهدين الصادقين يؤدي دوره الجهادي لنصرة إخوانه المستضعفين استجابة لقول الله - تعالى -: [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] (الأنفال: ٧٢) ، فكان يحمل روحه على راحته، وأسمى أمانيه كانت نيل الشهادة في سبيل الله في أي لحظة، ونحن نحسب أن (خطاب) ورفاق الجهاد الذين آلوا على أنفسهم نصرة دينهم وعقيدتهم قد أسهموا في رفع الإثم عن الأمة التي طالبها الله بنصرة إخوانهم في الدين في وقت حورب فيه الجهاد والمجاهدون. ونحسب أن من أهم خصائص (خطَّاب) ﵀: أنه نأى بنفسه ومن معه عن الصراعات الحزبية، والخلافات الشخصية، وتوجه بكليته إلى الجهاد والتربية، وحرص على رص الصفوف وتقويتها علمياً وتربوياً. ونعتقد أن غياب هذا القائد وغيره لن يفُت في عضد المجاهدين؛ فلئن مات خطاب فإن من ورائه رجالاً كثيرين باعوا نفوسهم للملك الديَّان؛ ومن ثَمَّ لن يتوقف التيار الجهادي الصادق ضد المعتدين والغاصبين، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن ندعو له بالرحمة والغفران، وعلى المجاهدين الحذر كل الحذر من مكائد الأعداء وغدر العملاء، وأن يكون جهادهم لإعلاء كلمة الله؛ فالجهاد ماضٍ في الأمة حتى قيام الساعة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق ﷺ . ورغم الحرب المعلنة ضد الإسلام والمسلمين، ورغم الجهود الانهزامية من المطبعين والعلمانيين؛ فالجهاد قدر هذه الأمة وسبيل نصرها وعزتها. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4259

الافتتاحية من فقه المرحلة القادمة أثارت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما تبعها من تداعيات كثيراً من الأسئلة التي ما زالت في حاجة إلى الإجابة عنها، وكشفت عن كثير من الأزمات العالمية والإقليمية، كما كشفت عن كثير من جوانب القوة التي تملكها الصحوة الإسلامية بمختلف قنواتها وداوئرها، كما أنها أظهرت أيضاً كثيراً من الأدواء والمشكلات في أوساطها، ثم تلاحقت أحداث الاجتياح اليهودي البشع للأراضي الفلسطينية في ظل كئيب من الصمت العالمي والعجز العربي لتكشف مزيداً من الأزمات المزمنة! وإن من دلائل الفقه والرشد استيعاب الأزمة وتوظيف دروسها لإعادة الكرَّة والانطلاق من جديد لإحياء الأمة وبنائها بنفسية عزيزة وثَّابة لا يصيبها الخور أو الضعف.. نعم! ربما تطغى ظلال الانكسار على النفس الكليلة، وتنطفئ شعلة الحيوية فيها، ويقذفها اليأس إلى آخر الصفوف، وتنسحب من ساحة العطاء، وتتوقف في منتصف الطريق منهكة القوى. وربما ترى أن أحاديث النصر وبشارات التمكين لا حقيقة لها في هذا الجيل، وأن الأمة هلكت [١] ؛ فتؤثر العزلة والهروب إلى الوراء..! ! ولكن المؤمن الصادق الواثق بنصر الله وقوته يظل مرفوع الرأس عالي الهمة، شامخاً بدينه وعقيدته لا يضره من خذله ولا من خالفه، مهتدياً بقول الحق - جل وعلا -: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ؛ ولهذا نهض الصحابة ﵃ بكل صدق بعد انكسارهم بادئ الأمر في غزوة أحد متحاملين على جراحهم مقبلين على الله تعالى بكليتهم، يحدوهم قول الله - تعالى -: [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] (النساء: ١٠٤) . إن الصحوة الإسلامية في حاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أوراقها من جديد، ودراستها بعمق، دراسة تتلاءم مع المتغيرات المتسارعة التي طغت على الساحة السياسية والفكرية، ومدركة للمعطيات والإمكانات المتاحة، ومكتشفة لمكامن القوة والتأثير، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها أخذوا عهداً على أنفسهم بالقضاء على الحركات الإسلامية الجهادية منها خاصة ولهذا تواطأ الغرب والشرق على تمهيد الطريق لليهود من أجل ضرب الانتفاضة الفلسطينية وتصفية رجال الجهاد بكل صلف وجبروت وطغيان، والأيام القادمة حبلى بكثير من الهجمات الضارية التي ينبغي أن نقدر لها قدرها! ! ونحسب أن من أهم أولويات المرحلة القادمة: * أولاً: إحياء الإيمان في نفوس الناس وترسيخه في قلوبهم: فالإيمان الراسخ يعطي الإنسان قوة عظيمة تثبته على الحق، وتعصمه من نزغات الأهواء، وشبهات الأعداء، ومكائد المنافقين. قال الله - تعالى -: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ] (إبراهيم: ٢٧) . وقال - تعالى -: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ] (يونس: ٩) . ولن ترتفع هذه الأمة ويعلو شأنها إلا بترسيخ التوحيد والإيمان الخالص بالله تعالى، إيماناً يشرق نوره في القلوب، ويظهر أثره في الجوارح، ويصبح عقيدة راسخة في النفس رسوخ الجبال الرواسي. ويتطلب ذلك تربية جادة، وحرصاً صادقاً من الدعاة والمصلحين على البناء الحي المعطاء، وجعله من أولى أولويات الصحوة الإسلامية ومحاضنها التربوية؛ فهذه هي ثمرة الدعوة وحقيقة الرسالة. قال الله - تعالى -: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) . ويحزن المرء حزناً شديداً حينما يرى أن التربية الهشة الهزيلة هي التي يكثر انتشارها في كثير من المحاضن الدعوية المعاصرة، وأن طاقات الأمة تُستهلك في أمور تُذهب حلاوة الإيمان وتُضعف جذوره. وكيف نتطلع إلى النصر وتغيير واقع الأمة بنفوس كليلة لم تذق طعم الإيمان على حقيقته، ولم تتفيأ ظلاله الكريمه اليانعة؟! * ثانياً: إحياء الوعي في الأمة: كشفت الأحداث أزمة عريضة في الفهم، وتجلَّت آيات هذه الأزمة في قراءة الأحداث بقواعد مضطربة غير متزنة، وبأبجديات سطحية لا تتجاوز النظر إلى التطبيل الإعلامي الذي يدير آلته المضللة أعداء الأمة، كما تجلَّت في الخلط العريض الذي برز في معظم الدوائر العامة والخاصة، سواء ذلك في التوصيف للواقع الذي يعيشه العالم ومعرفة أبعاده، أو في التكييف الشرعي للأحداث المتعاقبة، أو في تحديد ردود الأفعال وبناء المواقف الواجب اتخاذها. ورأينا وقوع كثير من الصالحين في طرفي الإفراط والتفريط: فالفريق الأول: غلب عليه التشنج والانفعال، واستسلم لدواعي الغضب، ولم يلجمه بلجام الشرع والعقل، ولم يقدر المصالح والمفاسد بميزان الشريعة وقواعدها المحكمة، وربَّما غلَّب النظر إلى بعض المصالح والمفاسد القريبة العاجلة، وقصَّر في دراسة المصالح والمفاسد البعيدة الآجلة. والفريق الثاني: غلبت عليه الانهزامية والضعف، واستسلم لأهواء الأقوياء، وللضغوط الإعلامية والفكرية التي علا صوتها، وراح يُفسّر النصوص الشرعية بعقلية المنكسر الضعيف، حتى أتى على بعض الثوابت الشرعية المجمع عليها. لقد درجت الآلة الإعلامية الغربية بكل قنواتها وأشكالها وخاصة في الأحداث الأخيرة على تزييف الوعي وإثارة اللبس وإشاعة الشبهات بكل خبث ودهاء، ووقف كثير من الناس حيارى أمام ذلك الطوفان الجارف من التحريف والتزييف.. ولقد آن الأوان لأن ننهض بجد لاستنقاذ العقول وإحياء البصيرة وإعادة الوعي تحقيقاً لقول الله - تعالى -: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . وقوله : [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] (النساء: ٧١) . انظر مثلاً إلى الهمجية اليهودية في الأراضي الفلسطينية كيف يصورها الإعلام العربي؛ فكثير منهم يفسر هذه الأحداث بناء على تطرف شخصي من (شارون) ، وربما ازداد الأفق قليلاً عند بعضهم فعده تطرفاً من حزب الليكود، وهذه قضية يرسخها العلمانيون من بني جلدتنا من أجل تبرئة حزب العمل وغيره من الأحزاب الديمقراطية المعتدلة بزعمهم، وتسويغ دعوات السلام التي يبشرون بها، مع أن وزير الدفاع (بنيامين إليعازر) الذي يباشر بنفسه أعمال الإبادة الوحشية من أبرز قادة حزب العمل، ووزير الخارجية العمالي (شمعون بيريز) هو الذي ينافح عن هذه الوحشية في المحافل الدولية ويدافع عنها؛ فهم جميعاً من صناع الحرب والخيانة. ثم انظر أيضاً إلى التفسير العلماني للعلاقات الأمريكية اليهودية؛ فهي بزعمهم علاقات اقتصادية ومصالح سياسية فحسب أملتها ظروف المرحلة، مع تغييبهم المتعمد للبعد الديني العميق الذي يرسخ العلاقة بين اليهود والصهاينة الإنجيليين! ! أوَ ليس عجيباً أن يبقى كثير منا أسرى لحملات التضليل وتغييب الوعي بسذاجة مفرطة؟ ! أَوََ ليس عجيباً أن نبقى نفكر بطريقة بدائية خارج نطاق الواقع الذي نعيشه على الرغم من الأعاصير والرياح العاتية التي تحاول أن تقتلع كثيراً من خصوصياتنا وثوابتنا العقدية والفكرية..؟ ! أَوَ ليس عجيباً أن تفتقر كثير من فصائل الصحوة الإسلامية إلى مراكز متخصصة للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ومراكز الأبحاث السياسية التي تعين في استكشاف مكامن القوة والضعف، وترصد خطوات المكر والكيد، وتستشرف آفاق المستقبل برؤية علمية ناضجة؟ ! إنَّ إحياء الوعي الشرعي والفكري والسياسي يتطلب رؤية شاملة محددة الأهداف، واستقراء دقيقاً للمعطيات المتاحة، والعقبات المحتملة، ومن ثم تُرسم خطط بعيدة المدى تخاطب شتى شرائح المجتمع الفكرية والاجتماعية. ولا بد أن ندرك أن الصحوة الإسلامية مقبلة على مرحلة حرجة شديدة التعقيد، فيجب علينا أن نتجاوز العشوائية والاجتهادات المرتجلة؛ لنتخذ المنهج العلمي أساساً في هذا السبيل. يصف المفكر الاستراتيجي الدكتور حامد ربيع حالة الغيبوبة التي نعاني منها بقوله: (نحن قد مضى علينا وقت لم نقتصر فيه على عدم القدرة على التوقع، بل وأضحينا نتهرب من رؤية الواقع، بل ونصل في بعض الأحيان إلى الكذب على أنفسنا والتضليل في حقيقة ذلك الواقع. نريد الحقيقة كما هي دون أي مغالطة ودون تغليف الحقيقة بما يجردها من مضمونها الواقعي) . * ثالثاً: رصُّ الصفوف: أكدت الأحداث الأخيرة أن جسم الصحوة الإسلامية يعاني من تمزقات محزنة، وخلافات حزبية مفرقة أنهكت الأمة وأدخلتها في مفازة مقفرة من التنابذ والتهارش، وأشغلتها بالتدافع وبالقيل والقال، وبالصراعات الجدلية العقيمة التي تستنزف الجهود وتقتل الطاقات. ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا: إن من أشد أدواء الصحوة الإسلامية تأثيراً داء التفرق والتنازع، ولن يجد أعداء الأمة داءً يخترقون به الصفوف، ويحطمون به قوتها، أفضل عندهم من هذا الداء، وصدق المولى الحق: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) . إن المرحلة القادمة ليست مجالاً لتحقيق منجزات أو مكاسب حزبية محدودة، وليست وقتاً للتفاخر وتلميع الذات على حساب الأمة؛ وإنما هي مرحلة أحوج ما نكون فيها إلى الفقه العميق بضرورة التآلف، ورصِّ الصفوف، وتجاوز الخلافات الاجتهادية بفقه وحلم. وصَدَق الرافعي إذ يقول: (أضيع الأمم أمة يختلف أبناؤها؛ فكيف بمن يختلفون في كيف يختلفون!) . ونذكِّر هنا بالدور الريادي للعلماء الربانيين والدعاة المخلصين؛ فالأمانة في أعناقهم عظيمة.. عظيمة؛ فهم أقدر الناس على إيجاد المناخ الملائم الذي يزيل ضغائن النفوس، ويملؤها بإذن الله - تعالى - بالتجرد والإقبال على الله - تعالى -، ويدفعها إلى المبادرات المحمودة التي تعقد القلوب بعضها ببعض بعلم ومحبة ورحمة. قال الله - تعالى -: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) . * رابعاً: توظيف الطاقات: تملك الصحوة الإسلامية بحمد الله - تعالى - طاقات متعددة هائلة في شتى المجالات الفكرية والشرائح الاجتماعية، لكنها مع الأسف الشديد لم تحسن استثمار تلك الطاقات، ولا توظيفها توظيفاً مناسباً، وصدقت في حقها القاعدة الإدارية (٢٠/ ٨٠) التي تقول بأن ٢٠% من الطاقات فقط هي التي تنجز ٨٠% من الإنجازات، وهذا يعني: أن نسبة كبيرة جداً من الطاقات الموجودة تعد طاقات معطلة غلبت عليها البطالة، ولم تستوعبها الصحوة الإسلامية..! ! ونستطيع من حيث الجملة أن نقسم هذه الطاقات المعطلة أربعة أقسام: الأول: طاقات عاملة دون طاقاتها الإبداعية، فلم تنجز إلا القليل الذي لا يتناسب مع قدراتها وملكاتها. الثاني: طاقات عاملة، لكنها لم تدرّب ولم تصقل قدراتها الفكرية والعملية؛ فتوقفت عند حد معين لا تقوى على تجاوزه. الثالث: طاقات مستهلكة في الأعمال المفضولة دون الفاضلة، فحجبها ذلك عن الترقي في درجات العطاء والنفع للأمة. الرابع: طاقات مهملة، أهملها المربون، وتركت بدون رعاية أو استثمار، فأصابها الوهن، وتردَّت مع مرور الوقت، فاستسلمت لدواعي العجز والكسل، وتآكلت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت أثراً بعد عين..! إنَّ من التحديات الكبيرة التي تواجه قادة الرأي وأولي النهى: إيجاد المحاضن التربوية والمجالات العلمية المتعددة التي يمكن من خلالها استيعاب شتى الطاقات، وتنمية ملكاتها الإبداعية المنتجة؛ فالمرحلة القادمة مرحلة عزيمة وجد، والزمن زمن الأقوياء، ولا مكان فيه للعجزة البطَّالين..! !

стр. 4260

دراسات تربوية التعليم الأجنبي مخاطر لا تنتهي! (٢ - ٢) مهيمن عبد الجبار تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن التعليم الأجنبي في بلادنا أنه قد أتى ضمن منظومة واسعة لتغريب الأجيال وإبعادهم عن دينهم، وخاصة بدخول أطراف أجنبية في هذا المجال، ثم تحدث عن أثر التعليم الشرعي والمدارس الدينية الإسلامية في كثير من بلاد المسلمين. كما أشار إلى تأثير المدارس الأجنبية في العالم العربي والإسلامي في خروج أجيال علمانية تتنكر لثوابت الأمة، وضعت المعايير التي تقاس بها جودة التعليم، وفي هذا المقال يتابع مناقشة الأخطار الناجمة عن ذلك. - البيان - * الخطر على الهوية: خرَّجت المدارس الغربية عشرات الأجيال من المتغربين: منهم من خلع عن نفسه ربقة الإسلام كلية واستبدل بها ما دونها، ومنهم من تشبع بانهزامية وانسحاق أمام الغرب، ومنهم من لم تكن العقيدة ذات بال عنده فانسلك في سياق مادي وقدم نفسه عميلاً أينما وضعه الغرب وجده، ومنهم من انكمش داخل ذاته، ومنهم من رفض كل ذلك لكنه بقي مخترَقاً ببعض القيم الغربية التي تحول بينه وبين الحركة الصحيحة، ومنهم من رفض ذلك علانية فأُقحم في سلسلة من الإهانات والعواصف النفسية التي جعلت منه أنموذجاً مأزوماً منطوياً على نفسه. هذه المدارس صاغت أخلاق التلاميذ وكونت أذواقهم، والأهم أنها علمتهم اللغات الأوروبية التي جعلت التلاميذ قادرين على الاتصال المباشر بالفكر الأوروبي، فصاروا مستعدين للتأثر بالمؤثرات التي احتكوا بها أيام الطفولة (أي التعليم على الطريقة المسيحية) [١] . إضافة إلى أثر اللغة التي يتعلم بها؛ فثمة علاقة قوية بين اللغة والتكوين العقلي والنظرة إلى الوجود أثبتتها الدراسات الحديثة في علم اللسان، (فأسلوب الاستجابات والمواقف في مجتمع من المجتمعات يرتبط ارتباطاً وثيقاً باللغة والفكر؛ وعلى هذا فإن الصيغ تؤثر في الذهن وتنظم التفكير بشكل معين) . والبناء اللغوي الذي يتلقاه الفرد من محيطه مسؤول مسؤولية مباشرة عن الطريقة التي ينظم بها نظرته إلى العالم [٢] . إن إحدى كبريات المعضلات التي يخلفها التعليم الأجنبي هو غرس بذرة القابلية للاستعمار لدى نفوس أتباعه. يقول المستشرق جب: [إن التعليم هو أكبر العوامل الصحيحة التي تعمل على الاستغراب، وإن انتشار التعليم (أي على الطريقة الغربية) سيبعث بازدياد في الظروف الحاضرة على توسيع تيار الاستغراب وتعميقه، ولا سيما لاقترانه بالعوامل التعليمية الأخرى التي تدفع الشعوب الإسلامية في نفس الطريق] ، وقد أشارت بعض الصحف والمجلات إلى ضعف قضية الولاء لدى خريجي هذه المدارس والجامعات، سواء على مستوى الدين أو على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع. وأخطر من الاستعمار السياسي والاقتصادي ما يعرف بالاستلاب العقدي؛ لأنه يجعل الإنسان يدور في فلك وإطار حياتي رسم له ولا يرى له وضعاً غير وضعه، ويلجأ إلى ما يسميه بعض المثقفين بالتماهي؛ وهو انبناء الشخصية تبعاً لأنموذج معين حتى يصبح الشخص هو الآخر بأن يكتسب صفاته وهويته دون إدراك منه. وقد حرصت كثير من الكنائس الشرقية القديمة على بناء المدارس إلى جنب الكنيسة؛ بل في حضن الكنيسة في كثير من الأحيان إشارة منها إلى سلطة العقيدة على الحياة. ويقول المستشرق (شاتلي) : (إن أردتم أن تغزوا الإسلام وتخضدوا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة؛ فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم المعنوي وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتهم وتاريخهم، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء منهم لكفانا؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها) [٣] . ومع أن لهذه المدارس جوانب لا تنكر في طريقة العرض، وفي جاذبية المناهج، وفي متابعة الطالب، وإدارة العملية التعليمية، ولكنها بمثابة ما في الخمر من فوائد؛ لأنها وهي كذلك تعطي مفاتيح مغلوطة للعلم من حيث كنهه وهدفه ووسائل تحصيله ومجالات استثماره خاصة حين يصب في خدمة أعداء الله. نعم! هي تعمل على تنمية الفرد ثقافياً وتجعله يفكر بطريقة منظمة لكن في إطار ما تريد هي، وينتفي هذا النظام إذا تعلق الأمر بالإسلام أو الثقافة أو الحضارة العربية. إذن هي لا تعطيه قيماً تعليمية أو تربوية مطلقة يمكنه من خلالها التفكير المستقل عن الإطار الذي رسم له [٤] . ولا يخفى خطرها في إعادة تشكيل الهوية من خلال توظيفها لكل متاح لديها ليخدم في هذا المجال من خلال: - منظومة القيم التي تحتكم إليها المدرسة نصرانية كانت أو علمانية في إدارتها وفي حكمها على الأمور وكأنها تعوِّده على الرجوع إليها، حتى إذا ما أصبح هذا الخريج في يوم من الأيام مفاوضاً عرفوا كيف يوظفون مواقفه لصالحهم، بل إن قناعته بكثير مما يطمح الغرب إليه يصبح أمراً ذاتياً لديه. - رسم خريطة الأحلام المستقبلية للطالب؛ بحيث يوضع في اعتباره القيمي مجموعة من الأهداف المستقبلية والطموحات التي ليس من بينها طبعاً العيش في بلاد الإسلام ولا خدمة مصالحها. - توظيف مناهج هذه المدارس وهي وافدة تدرس بلغة بلدها الأصلي، وتعرض تاريخه وتطوره وثقافته ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ ومن ثم تتجذر قضية الهوية المغايرة في شعور الطالب دون أن يستطيع فهم طبيعة مشكلات مجتمعه هو ولا ينشغل بقضاياه. وتصبح اللغة الأجنبية لديه لغة العلم والحضارة والتحدث، وتُجعل قالباً للخبرة القيمية؛ لأن اللغة حين تنتقل بتعبيراتها ومضامينها إلى الطالب يتشرب تلك المضامين دون وعي منه. - الجوانب الأدبية والتاريخية، وهي عنصر إلهام؛ فالتاريخ الذي يدرسه الطالب في هذه المدارس ليس هو تاريخ الإسلام، وإنما تاريخ القومية التي تتبعها المدرسة؛ وفي هذا ترسيخ لمفهوم الشعوبية والقومية؛ فعلى سبيل المثال تصور الحروب الصليبية على أنها حملات تنوير، أو أن أسبابها ليست عقيدية وإنما سياسية أو اقتصادية، وأنها نتيجة لخلاف سياسي ناتج عن تنازع المصالح أو عدم تقدير الجانب العربي لمصالح الجانب الغربي؛ ومن هنا تتشكل معالم تذوق جديدة للخير والحق والجمال. - المعايشة. ومعلوم أثر المعايشة والجو التربوي في بناء الشخصية؛ لأن كثيراً من المستعصيات يمكن أن تحل عن طريق المعايشة. - وما تقوم به من حملات التشهير المغرضة ضد الإنسان العربي المسلم، ورموزه، ومعطياته الحضارية عبر التاريخ الطويل. - تعويد الطالب على الفوضى الفكرية باسم التحرر الفكري والحوار؛ حتى يمكنه أن يغير أفكاره كما يغير ملابسه، ولو ذهبنا نتتبع الموضات الفكرية والسياسية المطلة علينا من الغرب لاكتشفنا الصلة المباشرة والقوية لها بالتعليم الأجنبي. لقد زاد من اتساع الهوة بين الشباب وبين هويته الأصلية أن هذه المدارس ربطت نفسها بمنظومة مستمرة لا تدع للإنسان قراراً منذ أن يقرع بابها إلا على الموت؛ فهي بعد تنشئته تغرس فيه الطموح إلى السفر إلى الغرب لاستكمال التعليم، كما تضمن له غالباً وظيفة مرموقة في شركة من الشركات الأجنبية براتب مرتفع لتزداد العلاقة بالمجتمع تصرماً وانقطاعاً، ثم تفتح له باب الزواج من غربية، ثم تحيطه بإطار واسع ومتشعب من الصداقات والعلاقات الاجتماعية في إطار أعرافها الاجتماعية والثقافية [٥] . * الخطر الأمني [٦] : يتسع مفهوم الأمن ليشمل إلى جانب أمن النظام كمظلة وأمن المجتمع كمحضن ليشمل أمرين سابقين مقدمين عليهما وهما: العقيدة بوصفها أساساً يقوم عليها النظام والمجتمع، والولاء باعتباره صلة تربط بين مكونات المجتمع والدولة. والمفترض أن تعريض واحد من هذين الأمرين للخطر حتى ولو على مستوى فرد يعني تعريض أمن الأمة للخطر. وللأسف فإن نظرية الأمن القومي الأمريكي قد راعت هاتين المسلَّمتين بينما أغفلت في الحس العربي ولكن بنظرتها المخالفة؛ لكنها تقيم لفكرها المنحرف وإنسانها مهما كان وأين كان هذا الاعتبار الأمني. ومن ثم فإن خطر التعليم الأجنبي على أمن الأمة لا بد أن توضع فيه هذه الاعتبارات، ويوضع على رأس أولويات الأمن القومي للدولة؛ فمجرد ضعف أو إضعاف التعليم الوطني هو تهديد للأمن القومي، ومحاولة جهة ما السيطرة عليه أو التأثير فيه يمثل خطاً أحمر لا يجوز السكوت عنه. بل إن هذه المدارس في مسألة الأمن قد تخطت هذا إلى ما هو أخطر بكثير إلى التأثير في إعادة صياغة وتشكيل مفهوم الأمن القومي حتى لا تثار ضدها أدنى حساسية؛ فالإعلام والثقافة مدرجان ضمن دائرة الأمن دون أن يُدرَج هذا النوع من التعليم مع أنه أهم وأخطر. بل على العكس نجد التعليم الإسلامي بكل صوره مدرجاً ضمن مخاطر الأمن القومي في كثير من بلادنا؛ بينما لا نجد أي حساسية من وجود المدارس الأجنبية وانتشارها وهي الدخيلة الزنيمة، والسبب في ظني أن الاختراق التعليمي المبكر لعقل النخبة التي بيدها مقاليد الأمور قد نجح في إقصاء نشاط هذه المدارس من حس العقلية الأمنية ومن حساسيتها؛ وبهذا يقال إن هذه المدارس قد نجحت في توجيه سهامها إلى مقومات الأمن الحقيقية للمجتمعات، ولنا أن نقارن بين دور خريج من خريجي الجامعات يعمل في علن على اختراق عقل الأمة أو تخريب اقتصادها، وبين متهم بالتخابر مع جهة أجنبية في نفس المجالات التي يعمل فيها الخريج: كيف ستكون النظرة إلى الطرفين؟ إن عشرات النماذج في طول بلادنا وعرضها لتخبرنا بما لم يكن متصوراً في حق هؤلاء بل ربما قُدموا للأجيال على أنهم رواد فكر وحضارة دون أن تشعر الأجيال بالخطر الحقيقي الماثل في صنيع هؤلاء، بل لم تثر ضدهم أي شبهات. أما إذا أضفنا بعداً جلياً ومحسوساً دون كلفة منا وهو الدور المعلوماتي والاستخباري الذي تقوم به كثير من هذه المدارس والمؤسسات التعليمية فإن الأمر يزداد ثقلاً. إن إحدى كبريات المعضلات التي يخلفها التعليم الأجنبي هو غرس بذرة القابلية للاستعمار لدى نفوس أتباعه، ولو أطلق الإنسان عين البحث في تاريخ هذه المدارس لأمكنه أن يمسك بحبل الصلة بين المدارس الأجنبية وبين الماسونية من خلال أنها تمثل سلطة كونية تعمل على إخضاع العالم لأدواتها. ولا يقف الخطر الأمني عند غرس مفاهيم بعينها ضمن النظرية الأمنية، بل يمتد إلى جوانب أخرى أشار إليها عدد من الباحثين في هذا المجال والتي منها تمييع قضية الولاء والبراء، وتفتيت هذا الولاء بين ولاءات شتى كل حسب مشربه؛ فالذي تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية تجد عموم ولائه لفرنسا، ومن تعلم في مدارس أمريكية نجد أن أحلامه أمريكية وهكذا.. وفي هذا إذهاب لريح الأمة وتبديد لطاقاتها بل استثمارها فيما يعود عليها بالضرر. يقول اللورد سالسبوري: (إن مدارس المبشرين أول خطوة من خطوات الاستعمار؛ فهي تحدث في البلاد التي تنشأ فيها انقساماً وتفريقاً بين أهلها، يفقدون بها وحدتهم، فيكونون عوناً للمستعمر على أنفسهم. وقد سجل بعض المؤرخين ملاحظة مهمة تخص هذا النوع من التعليم؛ وهي أنه لم يكن بين الوجود التعليمي البريطاني ١٨٨٠م والوجود العسكري البريطاني ١٨٨٢م في مصر سوى عامين فقط) [٧] . لقد أشار عدد من الباحثين إلى نجاح التعليم الأجنبي في اختراق جميع مؤسسات الدولة من القمة إلى القاع مرة بالفكر الذي لقنه دائرة واسعة من الناس، ومرة أخرى حين نجح في دعم مجموعة ممن تبناهم بعد تخرجهم وعمل على إبرازهم من خلال وسائل الإعلام؛ لأنه نجح في اختراق الفكر الذي يحكم حركة هذه المؤسسات؛ وذلك حين نجح في زلزلة معاني العقيدة الراسخة داخل المجتمع عن طريق طائفة رباها ثم نجح في تسليط الضوء عليها والسعي في التمكين لها داخل المؤسسات [٨] . ومن هنا فإن السماح بدخول أطراف خارجية إلى ساحة التعليم خاصة في المراحل الأولية يعني وجود خلل في إدراك النظرية الأمنية التي تحكم الاستراتيجية المستقبلية للدولة. كما تعني وجود خطر كامن لا يمكن معرفة أبعاده لالتباسه بالحقيقة الداخلية للمواطن، والتي يصعب في كثير من الأحيان تقدير أثرها؛ ولمحلل أو مدقق أن يجري مقارنة بين مسيرة ألف عام في تطور الشخصية الإسلامية على المستوى الفردي والجمعي؛ وبين مسيرة هذه الشخصية خلال مائة عام. وكلي ثقة أن الفارق بين منحنيي التسارع في التغير أجلى من أن ينبه عليه؛ بالإضافة إلى أن مجمل التغير خلال مائة عام فاق بكثير مجمل التغير على مدى ألف عام، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة. * الخطر الاجتماعي: لقد اهتمت هذه المدارس بتعليم المرأة المسلمة لإخراجها من دينها شيئاً فشيئاً، ولنزع ثوب الحياء عنها. تقول الصليبية (آنَّا مليجان) : (ليس هناك طريق لهدم الإسلام أقصر مسافة من تعليم بنات المسلمين في مدارس التبشير الخاصة. إن القضاء على الإسلام يبدأ من هذه المدارس التى أنشئت خصيصاً لهذه الغاية، والتي تستهدف صياغة المرأة المسلمة على النمط الغربي الذي تختفي فيه كلمة الحرام والحياء والفضيلة) ! ويوافقها زويمر في ذلك فيقول: (إن أقصر طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مدارسهم بكل الوسائل الممكنة؛ لأنها هي التي تتولى عنهم مهمة تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه من مقومات دينه..) ، وقد تنبه الغرب لدور المرأة منذ وقت مبكر، فأقام لها مدارس ذات طابع نصراني بنظام الإقامة الكاملة، واحتضن مجموعة منهن كمشاريع رائدات تغرير (تحرير) لأن المرأة أسلس قياداً لكونها مجبولة على التبعية. ولأسباب أخرى نجح الغرب في تكوين إطار نسوي كانت بواكيره في تلك المدارس المغلقة لتصبح المرأة معول هدم بعد أن كانت أداة بناء خاصة حين تتبنى الرؤى الغازية لقضية المرأة والمجتمع. إن مفاهيم تحرير المرأة قد نمت بذرتها في محاضن التعليم الأجنبي من خلال شبهات المستشرقين المبثوثة في المناهج مرة ومن خلال الأمور المكملة من مسرحيات وقصص ونماذج غربية و.. و.. و.. ومن كان يتصور مثلاً أن تصدر في بلادنا العربية سلسلة من القوانين تمكن للمرأة وتسحق الرجل، أو تفسح المجال أمام الشذوذ وتضيقه أمام الزواج، وما يصبغونه على مسالك الغواية من القداسة ضمن تسويق فني وطرح إعلامي يستأثر به صنائع هذه المدارس ليكمل الطوق، ثم تأتي سلسلة القوانين لتفرض مظلة وترسخ لعرف ما كان له أن يشيع بين المؤمنين لولا المكر الكُبَّار؛ فالباليه يُقدَّم على أنه من الثقافة، والرقص ثقافة، والنحت ثقافة، والجنس أيضاً ثقافة. * ترسيخ الطبقية وتفتيت المجتمعات: وإلى جانب هذا فقد ساهم التعليم الأجنبي في ترسيخ الطبقية داخل المجتمعات؛ حيث إن نظام الالتحاق به كان مبنياً على ذلك؛ فرسوم الالتحاق بهذه المدارس باهظ جداً ولا يستطيعه إلا الأغنياء وهم الطائفة التي تريدهم هذه المدارس وتعطيهم الأولوية حتى يمكنها أن تقيم علاقة مع هذه الطبقة (وهي طبقة الصفوة الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية تبعاً) لتحقق من وراء ذلك عدة أهداف: - أن الاتصال بهذه الطبقة يسهل عمل هذه المدارس ويفتح لها مغاليق الأبواب. - أن تربية أبناء هؤلاء مضمون العائد نظراً لأنهم هم الأقرب من امتلاك زمام الأمور سياسياً واقتصادياً وفكرياً في المستقبل. - أن هؤلاء الأولاد غالباً ما يكون الترف قد أكل منهم وشرب؛ وعليه يسهل إقناعهم بأي شيء، ولعلنا لا نمل إذا رددنا أن عبدة الشياطين كانوا من أبناء هذه المدارس ومن نفس الطبقة المستهدفة. - غالباً ما تكون هذه الأسر في حال تفكك لانشغال الأبوين عن الأولاد؛ ومن ثم فلا توجد سلطة تربوية أو رقابية يمكن أن تفسد ما تغرسه هذه المدارس. - أن وجود هؤلاء الصفوة يفتح المجال أمام طبقات أخرى أقل في المستوى والمكانة، لكنها مصابة بداء المحاكاة وحب التقليد؛ فتسعى إلى إلحاق أولادها تشبهاً بغيرها؛ وكأن هذا يكسبها مكانة في عين الناس! وساعد في هذا عدد من الأفلام والمسلسلات. لهذه الأسباب توجهت المدارس الأجنبية لهذه الطبقة فحولتهم إلى نموذجها ورسخت فيهم الشعور بالاغتراب، والنظر إلى المجتمع بنظرة التنقص والنفور، والشعور بالانتماء إلى الغرب بحضارته وقيمه ونظمه، وربما بما هو أكثر: بعقيدته سواء العلمانية أو النصرانية. * المخاطر الأخلاقية: كثيرة هي المفاسد الأخلاقية التي تورثها الدراسة بهذه المدارس، وأثرها ظاهر فاشٍ؛ ومن أخطرها زوال الحساسية الإيمانية (وازع الإيمان) ؛ إذ يقترف الإنسان كثيراً من المنكرات دون أن يهتز منه قلب، بل إننا نرى في كثير من الأحيان مفاخرة ومجاهرة بالحرام. وبالإضافة إلى ما تبثه من شرور مقصودة، فإنها تعد قناة مباشرة لنقل أمراض المجتمعات الغربية إلى مجتمعاتنا؛ ومن ذلك الانتحار والجرائم الأخلاقية والجريمة المنظمة، ولم يكن من عجب أن يسجل لنا أحد الباحثين المطلعين على أوراق قضية عبدة الشيطان التي تفجرت في منتصف عام ١٤١٧هـ أن المنتمين إلى هذه الفئة كانوا جميعاً من منتسبي المدارس الأجنبية وخريجيها! ومن بينها الاختلاط والتبرج، ونزع الحياء، وإقامة العلاقات المحرمة باسم الحب والصداقة، ومثل هذه المباذل يرسخ التعليم في نفس الطالب أنها من حقوقه، وأنه لا بد أن يمارسها حتى يتخلص من عقدة النقص؛ أي أنهم ركبوا في صورة الإنسان الكامل عشرات من الذنوب والمنكرات من الكذب والغش والخداع، والنفاق والتملق، وأكل الربا والحرص على متاع الدنيا، وترسيخ قيم الفردية والأنانية وعدم الاهتمام بمشاعر الغير، وتفسير كل شيء تفسيراً مادياً؛ والنتيجة ما نرى فضلاً عما نقرأ ونسمع من نمط غربي في الحياة حتى في أدق المسائل حساسية لدى الإنسان العربي. لقد تحدث بعض المطلعين على مثل هذه الأوساط فقال: لقد أصبح من الشائع حتى بلغ درجة العرف بينهم أنه من العيب في حق الشاب حين يتزوج أن يسأل عن عفة زوجته " بكارتها "؛ وكأن الأصل عندهم هو الماضي أي أن لكل فتاة ماضياً ومن العيب أن يسأل عنه كما هو الحال مع الشباب. نسأل الله العصمة والسلامة. ويتناسق هذا ويتناغم مع موضة الثقافة الجنسية وآلاف المواقع والقنوات الاستباحية. وهكذا نرى أنه كلما نجح هؤلاء في ترسيخ مبدأ جديد في نفوس الأبناء قطعوا شوطاً في إبعاد هؤلاء عن الالتحام مع مجتمعهم والتفاعل مع هويتهم. أما باقى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية فالمخاطر فيها تابعة بالضرورة للجوانب التي ذكرت آنفاً، وإن بدا أنها هي التي تؤثر في غيرها؛ لأنه عند التجريد نجد أن السياسة حين تؤثر سلباً على الهوية الاجتماعية أو على الحالة الاجتماعية أو على التعليم فإنها تكون في ذلك الحين قد افتقدت دورها العقدي الأصيل واستبدلته بعقيدة مغايرة كما افتقدت بُعدها القيمي والاجتماعي، كالعضو من الجسد حين يهمل فيعود ضرره على سائر الجسد. وبعد هذا لم نذكر ما ذكرنا لنيأس من العلاج، ولكن لنشخص ما أصابنا كي يسهل إدراك الدواء؛ والدواء مركب على قدر تركيب الداء، والعافية لا تدرك إلا بتجرع الصبر، وذوق المر والفطام عن أسباب السقام. * الحلول: إن النظر في حلول أي مشكلة لا بد أن ينبع من معاناة واقعية لعقيدة معينة؛ وحين ذلك تتحول المعاناة من مجرد بحث عن حلول لمشكلات مزمنة إلى بناء حضاري، وهذا ما ينبغي التفكير في إطاره؛ لأنها حين إذن تخرجها من كونها عملية آلية للتغيير إلى عملية إنسانية، وهذا واجب المسلم أينما كان؛ لكن المسألة أكبر من طاقة فرد أو مجموعة، ولا بأس أن يدلي كل بدلوه وينافس غيره، ويتعاون الكل على البر والتقوى. وما سُجّل هنا من حلول قد سبق إليه أفاضل وأكابر ضم إليه غيره وهو في افتقار إلى زيادة، والجميع في حاجة إلى مبادرة وريادة، وكما قص علينا القرآن: [قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (المائدة: ٢٣) . ومن بين هذه الحلول: ١ - توعية الآباء وأولياء الأمور بمخاطر هذه المدارس؛ فهي تجمع المعاني التي حرم الخمر والميسر من أجلها، وما الخمر والميسر إلا إحدى ثمارها الخبيثة، وفيها معنى مسجد الضرار، ومجالس الخوض في آيات الله والكفر به، كما أن تقديم الوالدين ولدهما إلى هذه المدارس يجعلهما ضمن من قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه،أو ينصرانه، أو يمجسانه) [٩] ، ولو لم يكن في ذلك إلا فقد الولد الصالح الذي يدعو له لكفى؛ فكيف وفيها تبعة الدنيا والآخرة؟ ! ولو أخذنا نموذجاً واحداً من صنائع هذه المدارس لوجدنا أن من دفع بهم إلى هذه المدارس شريك لهم في التبعة، ولا يصح التعلل بوجود رقابة ومتابعة في البيت؛ لأنه لا يدري ما يحدث من ورائه، والقلوب ليست في يده، ولا يدري من يكون أقوى أثراً، وقد قال النبي ﷺ : (لا يورِدَنَّ على مُصِحٍّ ممرض) [١٠] وقال: (فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد) [١١] . والمرض البدني أهون في شره من أمراض القلوب والعياذ بالله، وقد كان السلف ﵏ يشددون النكير في مجالسة أهل البدع؛ فكيف بأهل الكفر الذين يعدون الكيد لنا ديناً؟ ! وكيف يسلم الأب ابنه إلى قسيس في ثياب معلم، أو معلم بقلب زنديق ثم يرجو له السلامة؟ ! وإن على الأب ألاَّ يتصور أن هؤلاء ناصحون مخلصون له في ولده؛ فإنهم وإن أعطوه ما يريد فلن يعطوه إلا بعد أن يأخذوا منه ما أرادوا هم، وهذه شهادة من المبشر هنري هريس جسب يقول فيها: (إن التعليم في الإرساليات التبشيرية إنما هو وسيلة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس وتعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحية، ولكن حينما يخطو التعليم وراء هذه الحدود ليصبح غاية في نفسه، وليخرج لنا خيرة علماء الفلك، وعلماء طبقات الأرض، وعلماء النبات، وخيرة الجراحين في الزهو العلمي.. فإننا لا نتردد حينئذ في أن نقول إن رسالة مثل هذه قد خرجت عن المدى التبشيري إلى مدى علماني محض، إلى مدى علمي دنيوي..) [١٢] . وقد أشرنا إلى أن المدرسة ليست مناهج أو مدرساً وحسبُ، ولكنها نظام يصبغ الطفل مع الوقت بصبغته؛ فإذا أخذنا في الاعتبار فساد الزمان وقلة الناصح ومحاربة سنن الهدى؛ فكيف يمكن أن يفلح في الجمع بين صلاح دينه ونيل دنياه، وقد نهينا عن اقتحام السبل؟ ! وحتى نكتشف حجم الخديعة في هذه المدارس يمكن لأي منا أن يجري إحصاء سريعاً حول تعليم النوابغ في بلادنا ليجد أنه لا صلة بين التعليم الأجنبي ونبوغ هؤلاء، بل إن غالبهم من التعليم النظامي. وقد ذكرنا المخاطر الكامنة في إلحاق الأولاد بهذه المدارس والتي منها فقدان دينه أو تشويه شخصيته إذا ما أبى إلا التمسك بدينه عبر عشرات الإجراءات، والتي منها الاضطهاد، وتشويه صورته أمام زملائه. والغريب أن هؤلاء المنصِّرين لم تشغلهم أموالهم وأهلوهم عن قضيتهم التي جاؤوا من أجلها؛ بينما نجد من بيننا من شغل أولاده بهمِّ هؤلاء، فضلاً عن اشتغاله بهمِّ دنياهم عن همِّ دينه ودينهم. ٢ - نشر فتاوى أهل العلم في تحريم الالتحاق بهذه المدارس، وتحريم تأجير الأماكن لها أو بيع الأراضي لبنائها، أو الترويج لها، والعمل فيها أو معاونتها، وفي وجوب التضييق عليها ووجوب مجابهتم وصدها والتحذير من مخاطرها، ونقلت الفتاوى في ذلك عن اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وقرار هيئة كبار العلماء بالأزهر برئاسة شيخ الأزهر، وفتاوى عدد من العلماء والدعاة ومقالات للمفكرين ومن هؤلاء: الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر، والشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الرحمن الدوسري، والشيخ رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ أبو الحسن الندوي - رحمة الله عليهم جميعاً -، وغير هؤلاء كثيرون، وكان لفتاواهم صدى في أوقاتها؛ لكنْ مع إلف الواقع وقلة الناصح وقلة الاحتساب ضعفت الهمم وغاب الوعي ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ ففي فتاوى هؤلاء تعرية لحقيقة هذه المدارس وبيان لمخاطرها وبيان لحكمها، ويمكن مراجعتها في كتاب: (المدارس الأجنبية) للدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد. ٣ - بيان حكم هجرة علماء الأمة إلى خارج بلاد الإسلام والإقامة هناك؛ وهو التحريم إذا لم يكن لطلب العلم، ولا لاستكمال البحث والدراسة، ثم العودة فور انتهاء مهمتهم؛ وذلك لاحتياج أمتهم إليهم خاصة في حال الحاجة إليهم، وخاصة أن جهودهم اليوم تصب صراحة في دعم العدوان الصريح على الإسلام وأهله، ويشمل هذا جميع الطاقات والتخصصات التي لم تسد حاجة الأمة فيها من بين أبنائها. ٤ - تبني الأقسام التربوية والإعلامية والدعوية في الجامعات لخطة بحثية شاملة للخروج بحلول عملية ليس لإنهاء الاستعمار التربوي فقط، وإنما لتلافي الآثار الفكرية والنفسية والسلوكية لهذه المدارس على الأجيال المتخرجة وانعكاساتها السياسية والثقافية على المجتمع. ٥ - التخطيط التربوي للتعامل مع التحديات القائمة والقادمة؛ فالساحة تحتاج إلى ذوي الخبرات والباحثين في ميدان التربية لوضع خطط متوازية تصلح كل منها للتطبيق في ظل الظروف العالمية الراهنة؛ ومن هنا يمكن إيجاد طبيعة تربوية مرنة تسمح بالتطبيق حتى في ظل التجفيف المستمر لينابيع الإسلام. وأمامنا تجارب متوافرة يمكن الاستفادة منها مثل تجربة الفترة المكية.. تجربة مصر في ظل الحكم العبيدي.. والمسلمين في آسيا الوسطى في ظل الحكم الشيوعي.. وفي تركيا في ظل الكمالية.. وفي الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي.. وفلسطين في ظل الاحتلال الصهيوني.. وتجارب الأقليات الإسلامية والجاليات التي نجحت في بناء هيكلية تربوية وتعليمية خاصة بها. ٦ - دراسة حالات النهوض التعليمي المختلفة الشهيرة في العالم، والاستفادة منها مثل التجربة اليابانية والصينية والماليزية والاستفادة منها في إنهاض التعليم الرسمي. ٧ - إقامة مجموعة من المواقع الإلكترونية التي تتنوع وتتكامل في نشاطها لتصب في مواجهة الخطر القائم والقادم من قبل التعليم الأجنبي، فتتوزع الأدوار فيما بينها وفق تخصصات مدروسة إما موضوعية أو جغرافية؛ لبيان خطر هذه المدارس في مختلف أركان العملية التربوية، (المناهج، الممارسة، سلوك الإدارة، النظم، الوقائع اليومية، وسائل التأثير، الأدوات المكملة) بما يمهد لمقاطعتها وتحجيم مخاطرها. ٨ - علاج أسباب الإقبال على مثل هذا النوع من التعليم وعلاجها ومنها: أ - تخلف التعليم الرسمي وفقدان الثقة فيه مع أنه على ما فيه من مثالب وعيوب قد خرَّج لنا فطاحل في كل مجال، والمشكلة تكمن في أعراض يمكن علاجها رسمياً، كما يمكن الاستعاضة عن نقصها بتكميلات مجتمعية. ب - نيل المكانة الاجتماعية التي فرضها واقع هذه المدارس وحين ينافس التعليم الإسلامي والمحلي في الجودة التعليمية؛ فإن مسألة المكانة ستصبح لا قيمة لها خاصة عندما تتلقف الأسواق الخريجين من ذوي الكفاءة والخبرة العالية. ج - التقليد الأعمى نتيجة ضغط الواقع والأعراف التي تقرن بين الانتساب إلى هذه المدارس وبين المستويات الاجتماعية العالية؛ وعلاجها: إيماني نفسي دعوي. د - فتح مجالات التوظيف أمام خريجي تلك المعاهد والجامعات الأجنبية بعد عودتهم، وقد نجحت هذه الجامعات الأجنبية أن توفر لخريجيها فرصاً للعمل؛ إذ تعد شهادتها بمثابة وثيقة ضمان لنيل الوظيفة. هـ - المظهر البراق لأداء تلك المدارس سواء من جهة: الاسم.. البناء.. الملبس.. ومستوى الإدارة.. كفاءة المدرسين.. والرسوم المرتفعة.. والمواصلات. و قبول الأطفال في سن مبكرة عن سن التعليم النظامي؛ حيث تقبل الصغار في سن الروضة والابتدائي بحد أقصى يقل شهوراً عن التعليم العام، وهو سبب مهم يجعل أولياء الأمور يلجؤون إليها لاختصار سنة من سنوات التعليم. ز - تقديم المادة التعليمية بطريقة منظمة ومرتبة، وجودة المناهج من حيث الإخراج والصياغة لا من حيث المادة. ومثل هذه الأسباب تحتاج إلى نظم خطاب دعوي خاص بهذه الحالة، والاستفادة من بعض أصحاب التجارب في كشف عوار هذه المدارس مع تقديم البديل وعلاج القصور ما أمكن. ٩ - ويحتاج إلى نهوض بالتعليم الإسلامي العام الخاص، والعمل على زيادة عدد المدارس ما أمكن. والمراد هنا المدارس الخاصة التي تحل المشكلة وتحقق معايير الجودة الحقيقية للتعليم، وهذا يحتاج إلى رؤوس أموال للاستثمار في هذا المجال وهو مجال مربح جداً على ألا يكون الربح المادي هو الباعث الوحيد للاستثمار؛ لأن الاستثمار في مجال التعليم استثمار بشري في المقام الأول، وقد أثبتت النماذج الإسلامية حينما توفق إلى إدارة جيدة ونماذج تربوية ناجحة تفوقاً على ما سواها من المدارس الأخرى، ومراعاة أحوال المجتمعات وظروف الدول خاصة مع الغزو الإمبريالي المكثف لمجال التعليم في السنوات القليلة الماضية، وقد يكون السمت الإسلامي محارَباً في بعض البلدان لكن يمكن إبقاؤه عند أدنى حد. ١٠ - جعل قضية رفع مستوى التعليم في المدارس الحكومية همّاً يومياً من هموم الآباء، وجزءاً لا يتجزأ من خطاب الدعاة. ١١ - عودة وظيفة المؤدب التي عرفتها الخبرة الإسلامية، ويمكن ذلك عن طريق تشجيع أصحاب المواهب التربوية على سلوك هذا السبيل وتنمية مهاراتهم وخبراتهم وكفالتهم مادياً، حتى لو كفلت كل مجموعة من الأسر شاباً ممن يلتمس فيهم الربانية والنبوغ في الجانب السلوكي والتربوي في مقابل تأديب أولادهم بآداب الشرع على أن ينمى تربوياً ويكفل مالياً، وإطلاق الملكات الإبداعية في هذا المجال؛ أي أننا نريد أن نخرج دور المؤدب من العمل الهامشي إلى ممارسة دور رئيس في إطار منتظم يكتسب استمرارية، ويلقى احتراماً من المجتمع، هذا العمل في صورته الصغيرة يمكن أن يحقق طفرات يصعب قطفها أو اجتثاثها، أو حتى إعاقتها. ومعلوم تاريخيا أن كل مرحلة تاريخية يمكن أن تولد وظائف وأدواراً جديدة تلقى رواجاً واحتراماً؛ وهذا ما يراد لوظيفة المؤدب بأن يصبح لها إطارها العام وأدبيات الممارسة، ويمكن الاستفادة في هذا من تراث الأمة الضخم في هذا المجال والبناء عليه؛ بحيث يُرعى من خلال الأسر التي يقوم على تربية أولادها، وبهذا نضمن وجود مؤسسة تربوية جانبية يصعب عرقلتها تحت أي ضغوط. ١٢ - منهجة التربويات والعلوم المختلفة بحيث يقدم خبراء التعليم والمناهج خبراتهم إلى المربين والمعلمين من النوع المشار إليه سابقاً في صورة مناهج قابلة للتدريس. وختاماً: فإن المواجهة اليوم ضد الإسلام شاملة؛ ولهذا فهي تحتاج إلى نفير شامل؛ وإصلاح الخلل لن يكون إلا بتلمس مواطن الأقدام، ووضعها على الطريق الصحيح؛ والتعليم اليوم هو بؤبؤ العين وحجر الزاوية.

стр. 4261

الإسلام لعصرنا الإنصاف في معاملة غير المسلمين أ. د جعفر شيخ إدريس [*] أصبح من بدهيات عصرنا أننا نعيش اليوم في عالم تشابكت فيه مصالح الأمم؛ فلم يعد من الممكن لواحدة منها بلغت من القوة ما بلغت أن تنعزل مستقلة عن غيرها مستغنية بنفسها. فنحن إذن محتاجون إلى معالم نهتدي بها في تعاملنا مع غيرنا معاملة نحقق بها مصالحنا ولا نساوم بها على ديننا. أول معلم يهدينا إليه كتاب ربنا هو أن معاملتنا لغيرنا يجب أن تؤسس على الحقائق، حقائق الدين المتلوة، وحقائق الواقع المشهودة. من أمثلة الحقائق الواقعية التي يخبرنا بها ربنا ويأمرنا أن نبني عليها تعاملنا قوله - تعالى -: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: ٦) . أي إنه إذا كان الشيطان عدواً فيجب أن تكون معاملتك له مبنية على هذه الحقائق، لا على أمور عنه تتوهمها. والحقائق الواقعية يمكن أن يدركها البشر إدراكاً مباشراً، كما يمكن أن يعرفوها بخبر الله - تعالى - في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وأخبار الله - تعالى - صادقة، والخبر الصادق هو المطابق للواقع، وإلا فهو كاذب. فما الحقائق المشهودة التي يخبرنا بها ربنا أو نشاهدها بأنفسنا عن غير المسلمين ممن يساكنوننا هذه الأرض في عصرنا هذا؟ أول ما نتعلمه من ديننا ويؤكده لنا واقعنا أنهم وإن كانوا جميعاً غير مسلمين لكنهم ليسوا سواء في قربهم وبعدهم من حقائق الدين، وليسوا سواء في معاملتهم للمسلمين. وإذا كانت هذه حقيقة فيجب أن لا نغفلها في تعاملنا معهم. يجب أن نعامل كل فرد أو جماعة منهم بحسب ما نعرفه من حالهم. وهذا ليس إنصافاً لهم فحسب لكنه أمر ضروري لتحصيل كثير من المصالح ودفع كثير من المفاسد. لكننا كثيراً ما نجنح إلى التعميم حيث يكون التمييز هو الأنسب، وكثيراً ما نذكر آيات تدل على هذا العموم ونغفل الآيات التي تخصصه أو تقيده. من القريب منا ومن البعيد من اليهود والنصارى وسائر المشركين؟ سيسارع بعضنا إلى تذكيرنا بمثل قول الله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ويريد أن يستدل بهذا على أن ما قال ربنا سبحانه ينطبق على كل فرد فرد منهم، وأن معاملتنا لهم يجب إذن أن تكون كلها مرتكزة على هذه الحقيقة، لكن كتاب ربنا نفسه يدلنا على خطأ هذا الفهم. إن صيغة الآية صيغة عموم ما في ذلك شك، لكنها مخصوصة بآيات أخرى، وبواقع نشاهده. فكتاب ربنا يخبرنا ان بعض النصارى يسلمون. [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ] (المائدة: ٨٣) . فهؤلاء نصارى لكنهم لم يكونوا من النوع الذي لا يرضى عنا إلا إذا اتبعنا ملته، بل اعترف بأن ملتنا هي الحق، وهداه ربه إلى قبول هذا الحق. وما أخبرنا به ربنا في القرآن الكريم ما نزال نشاهده في أفراد من النصارى يسلمون ويبكون حين يسلمون. وما يقال عن النصارى يقال أيضاً عن اليهود، فإن منهم أيضاً من هداه الله تعالى إلى الإسلام من أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن سلام الذي شهد له الرسول ﷺ بأنه من أهل الجنة. وما يقال عن تلك الآية يقال أيضاً عن آيات أخرى عمومها الظاهري مخصوص. من ذلك قوله - تعالى -: [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ] (التوبة: ٣٠) . كنت أفهم هذه الآية الكريمة على عمومها الظاهري هذا، فكتبت كتيباً باللغة الإنجليزية منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً استدللت فيه بها على أن اليهود يؤلهون عزيراً كما النصارى يؤلهون عيسى. فعجبت عندما أخبرني الإخوة الناشرون بأنه جاءتهم احتجاجات من بعض اليهود على ما نسبته إليهم، وطالبوني بالدليل. ولم يكن لدي من دليل غير القرآن الكريم. لكن أحد إخواننا السودانيين الدكتور إبراهيم الحاردلو ممن درسوا العبرية وتاريخ اليهودية، أخبرني أن أستاذه اليهودي نفسه كان قد استغرب مما ذكره القرآن الكريم، لكنه ذهب وراجع كتب تاريخهم، ثم جاء ليقول للأخ إنه كان بالفعل هنالك جماعة من اليهود في المدينة في ذلك الوقت يؤمنون بأن عزيراً ابن الله. وعندما راجعت كتب التفسير وجدت ما فيها مطابقاً لما قال، فابن كثير مثلاً يقول بعدما ذكر عن السدي قصة طويلة عن عزير: (فقال بعض جهلتهم إنما صنع ذلك لأنه ابن الله) . ويقول صاحب التحرير والتنوير: (والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة وتبعهم كثير من عامتهم) ، كل هذا يدلك على أنه من الخطأ أن تفهم الآية الكريمة على عمومها الظاهري فيظن أنها تنطبق على كل فرد ينتسب إلى اليهودية؛ لأن من اليهود المحدثين من لا يعلم أن بعضاً من سلفه كان يقول هذا. فكيف ينسب إليه قولهم؟ وقد أعجبني في هذا الصدد إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية حين فرق بين من حرف ومن لم يحرف من أهل الكتاب فقال: (وعلى هذا فإذا كان بعض أهل الكتاب قد حرفوا بعض الكتاب، وفيهم آخرون لم يعلموا ذلك فهم مجتهدون في اتباع ما جاء به الرسول، لم يجب أن يجعل هؤلاء من المستوجبين للوعيد) [١] . بل إن في واقعنا اليوم ما هو أغرب من هذا، فهنالك اليوم آلاف مؤلفة ممن ينتسبون إلى النصرانية في أمريكا لكنهم لا يؤمنون بأن عيسى ابن الله! أسوق كل هذا لأقول إننا يجب أن نعامل الناس بحسب الحقائق التي نعرفها عنهم، ولا نلزمهم باعتقاد ينكرونه مستدلين على ذلك بالقرآن الكريم. كيف أفعل مع إنسان يزعم أنه نصراني لكنه يصرح بأنه لا يعتقد بأن المسيح ابن الله؟ هل أقول له ما دمت نصرانياً فلا بد أن تؤمن بأنه ابن الله؛ لأنه هكذا أخبرنا كتاب ربنا؟ في مقابل هذا إذا وجدت من يزعم أنه يهودي أو نصراني لكنه لا يؤمن بضرورة الذبح مثلاً فلن آكل طعامه؛ لأن طعامه إنما أحل لنا بسبب أنهم يذبحون. أما الذي نعلم أنه لا يذبح فطعامه حرام حتى لو كان مسلماً؛ فكيف إذا كان يهودياً أو نصرانياً؟ وبمثل هذا السبب لم يعامل المسلمون نصارى بنى تغلب معاملة النصارى؛ لأنهم كما قال عنهم أمير المؤمنين علي ﵁: (لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر) [٢] . نعم إذا وجدت فرداً أو جماعة من اليهود أو النصارى يتصفون بمثل صفات اليهود والنصارى الذين قال الله - تعالى - عنهم إنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، أو أنهم شديدو العدواة لنا، فلن أصدق إنكارهم لهذا؛ لأن هذه حالات قلبية يمكن أن يكونوا فيها كاذبين. بل لا بد أن يكونوا كاذبين إذا كان حالهم الظاهري يشبه حال الذين تحدث عنهم القرآن الكريم. إذا أردنا أن نعامل غيرنا معاملة منصفة، والمعاملة المنصفة هي دائماً في مصلحتنا، فلا بد لنا من معرفة مثل هذه الحقائق وتذكرها والالتزام بها في معاملتنا لهم ولا سيما في القضايا الكبيرة مثل قضية فلسطين. إن بعض اليهود وإن كانوا قلة هم معنا في عداوتهم للحركة الصهيونية، بل وفي إنكارهم لقيام دولة إسرائيل؛ فهل من الإنصاف لهم، وهل من مصلحتنا أن نقول لهم إننا لا نفرق بين يهودي وصهيوني في حربهم لنا؟ إن من الأمريكان ومن الأوروبيين من يهودهم ونصاراهم ومشركيهم من هم مع الحق الفلسطيني وضد الاعتداء الصهيوني، وهم لا يستخفون باعتقادهم هذا بل يستعلنون به كلاماً وكتابة ومواقف عملية، أفليس من حقهم علينا أن نشكرهم على هذا، بل ونكافئهم إن استطعنا؟ ثم أليس من مصلحتنا أن تنشق صفوف المعتدين ويكثر عدد المنصفين؟ كيف إذا سمع أمثال هؤلاء أن بعض المتدينين منا هم الذين لا يقدرون لهم هذا المعروف، وهم الذين لا يميزون بين معتد ومنكر للاعتداء ومحايد لا هو معنا ولا ضدنا. أليس في هذا فتنة لهم؟ ما هكذا كان يفعل رسولنا الكريم ﷺ . ألم يقل يوم بدر عن أسارى المشركين: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) كان سيفعل هذا مكافأة له لأنه كما قال الحافظ ابن حجر: (كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب) [٣] . إن الذي ينبغي أن نتذكره نحن المسلمين أن ديننا يخبرنا بأن كل إنسان يولد حين يولد على الفطرة، وأن الشر الذي يتلبسه طارئ عليه. والشر الطارئ يختلف قوة وضعفاً من إنسان لإنسان. وقل أن تجد إنساناً فقد كل الخير الذي فطره الله عليه، فعاد لا يرى المعروف إلا منكراً والمنكر إلا معروفاً. كلاَّ؛ فعامة الناس فيهم شيء من نبض الفطرة؛ ولذلك يسلم بعضهم حين تتبين له الحقيقة. ولذلك تجد فيهم الكريم والمنصف والشجاع في قول الحق. فعلينا أن نستثمر هذه الصفات الحسنة في الناس ونجازيهم عليها؛ فذلك خير لنا، وهو من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

стр. 4262

آفاق الاستثمار في الإعلام د. عبد الكريم بكار [*] كان المفترض أن يقود المسلمون ثورة الاتصالات في العالم حتى يتمكنوا من تبليغ الرسالة، وحتى يتمكنوا من التواصل والتعاون فيما بينهم، ولا سيما أنهم موزعون على أرجاء العالم كافة؛ لكن بما أن ذلك لم يحدث - لأسباب معروفة - فلا أقل من أن نستفيد من الإمكانات الهائلة التي وفرها التقدم التقني على صعيد الاتصالات والبث الفضائي وشبكات المعلومات. إنني لا أعني ابتداء بالاستثمار استثمار المال فحسب؛ فالمال ضروري وجوهري ومن دونه لا نستطيع القيام بالكثير من الأعمال، لكن هناك أمور كثيرة أيضاً لا تحل بالمال، إنني أعني بالاستثمار في الإعلام إيجاد الاهتمام أولاً بهذا القطاع الحيوي والمهم جداً حيث إن أي مجال أو قطاع لا يرتقي إلا من خلال كثرة المهتمين به، كما أعني بالاستثمار في الإعلام بذل الجهد والوقت في تفعيل دور الإعلام الإسلامي في النهوض بالأمة وحل مشكلاتها؛ فبناء مواقع إسلامية على (الإنترنت) يتطلب المال، ولكنه يتطلب الجهد والتعب أكثر من حاجته إلى المال، وطبيعة ممارسة الإعلام والدعوة إلى الله - تعالى - على الشبكات المعلوماتية تتسم بالمرونة، ويمكن أن يسهم في إثرائها الكثير الكثير من الشباب والأشبال بعد القليل من التدريب والخبرة، إننا بالمال نستطيع إيجاد بنى وهياكل إعلامية لكن بناء الإعلامي اللامع المحترف يحتاج إلى وقت وقد يكون عليك أن تصبر عشرين سنة حتى تحصل على إعلامي ممتاز؛ ففهم البيئة الإعلامية واستيعاب الفرص والتحديات الموجودة فيها وشق طريق خاص متميز بين شعابها ووهادها يحتاج إلى الممارسة والمعاناة والانخراط في لجة العمل الإعلامي، والزمن عامل مهم في بلوغ كل ذلك. اليهود يتمتعون بالإدراك العميق لأحوال عصرنا، وبالخبرة الواسعة بمكامن القوة فيه، وقد كانوا يقولون: من يملك الذهب يملك العالم، وهم يقولون اليوم: من يملك الإعلام يملك العالم. وهذا القول عميق الدلالة؛ فالإعلام اليوم من خلال الإتقان الفائق للبرامج التي يقدمها، ومن خلال ما يتمتع به من قدرة كبيرة على التأثير بات قادراً فعلاً على أن يصنع شيئاً من لا شيء؛ إنه قادر على أن يوجد بيئة كاملة من الأفكار والمشاعر والقيم والاهتمامات والاتجاهات لأمور تافهة أو هامشية مثل الرياضة والفن والطبخ والأزياء.. والملاحظ - مثلاً - أن بعض منتجات (هوليود) من الأفلام والأعمال الفنية بات يركز على إظهار (البوذية) بوصفها الديانة الأعمق روحانية والأكثر إنسانية، وقد اقتنع كثير من الناس في الغرب على الأقل بذلك، والسبب هو أن اليابانيين اشتروا أسهماً في (هوليود) بعشرات المليارات من الدولارات، وباتوا يتحكمون في إنتاجها، وقد قدموا بذلك خدمة لديانتهم كان من الصعب أن تحظى بها لولا عمليات الشراء تلك! والإعلام في المقابل قادر من خلال تجاهله وتعاميه أن يسدل الستار على أكثر القضايا والأزمات والنكبات حيوية وشناعة؛ ففي عالم مهموم ومشغول ومشتت يصبح إرباك الوعي وصرف الانتباه أمراً في غاية السهولة، وأكبر دليل على ذلك ما جرى ويجري ساعة كتابة هذا المقال في فلسطين السليبة؛ حيث بلغت المأساة حداً جعل وزير خارجية العدو الإسرائيلي يقول: ما جرى في مخيم جنين مجزرة، وجعل بعض موظفي الصليب الأحمر يقولون إن وضع مخيم جنين يشبه وضع برلين عام ١٩٤٥م عقب الحرب العالمية الثانية! إن أمة الإسلام غنية بالأحزان وبالصور والمشاهد المؤلمة والمفجعة؛ وعصرنا - كما يقولون - هو عصر الصورة، لكن أين الإعلاميون المسلمون الذين ينقلون صور مآسينا للعالم الذي ضلله الإعلام الصهيوني والإعلام المتحالف معه؟ ! بالإضافة إلى ما ذكر نحن بحاجة إلى تكثيف الاستثمار في الإعلام لسببين جوهريين: الأول هو: تأدية أمانة التبليغ وإيصال رسالة الإسلام إلى الناس كافة، والحقيقة أن البث الفضائي المتوفر الآن إلى جانب شبكات المعلومات قد وفرا وسائل للتبليغ كان أسلافنا عاجزين حتى عن الحلم بها؛ فقد أمكن الآن مخاطبة مئات الملايين من البشر في آن واحد، وإيصال ما نريد إليهم، على حين كان الناس في الماضي يغبطون العالم إذا جلس في حلقته ألف من طلاب العلم. إن هذه السهولة في التواصل العالمي جاءت في الوقت المناسب؛ حيث إن معظم سكان الأرض قد فقدوا اليوم الإحساس بالأهداف الكبرى والإحساس بالغاية من الوجود، والمسلمون وحدهم هم الذين يملكون الرؤية والمنهج اللذين يحتاج إليهما العالم. الأمر الثاني هو: مقاومة شرور الإعلام الماجن الذي دخل كثيراً من البيوت، وباشر عملية تخريب واسعة النطاق من خلال إفساد الأعراف والأذواق والمفاهيم، إنه فعلاً يعيد صياغة العقول والمشاعر من جديد على نحو بالغ السوء وليس هناك من حل اليوم سوى إيجاد إعلام إسلامي قادر على المنافسة والاستيلاء على جزء من الجماهير، إن الإعلام يشكل شيئاً جوهرياً في عصرنا، وإن التقدم على صعيده يعد من الشروط المهمة لفهم روح العصر والتأثير فيه؛ وقد قال أحد المفكرين: (إذا لم يكن لك روح عصر كانت لك كل شروره) . الإعلام الإسلامي يواجه تحديات لا يواجهها أي إعلام آخر؛ حيث إن عليه أن يجمع بين الجاذبية والالتزام؛ ولذا فإنه لا يستطيع أن يتغذى على شهوات الناس ورغباتهم، كما لا يستطيع مخادعة الناس واستغلالهم - كما يفعل الإعلام الآخر - ولكن مع هذا فإن ترسيخ وجوده في الساحات العالمية ليس بالأمر المستحيل إذا توفر لدنيا ما يكفي من الوعي والإخلاص والعزيمة. إن أغنياء المسلمين مطالبون ببذل الأموال ووقف العقارات من أجل إنشاء المؤسسات الإعلامية، وإن الدعاة والمثقفين مطالبون بأن يسعوا في بناء الأطر الإعلامية وتأسيس مؤسسات الإنتاج الإعلامي وتوجيه الطاقات الشابة من أجل العمل في هذا المجال المهم، أما جمهور المسلمين فإن دعمهم للإعلام الإسلامي يتمثل في شراء منتجاته وقراءتها وفي الإعلان في وسائله، وفي التفاعل مع الرسالة الإعلامية التي يقدمها لهم. والله الموفق.

стр. 4263

البيان الأدبي قراءة في كتاب المرايا المقعرة علي عليوه على مدى العقود الأخيرة ظل العلمانيون يبذلون كل ما في وسعهم للترويج لمذهب (الحداثة) المنقول عن الغرب باعتباره في زعمهم كشفاً جديداً وتياراً أدبياً يقدم رؤية نقدية تكفل تحديث حياتنا الأدبية والفكرية، وجعلوا أنفسهم سدنة وكهاناً في معبد الحداثة رغم أنها دعوة لنبذ التراث الموروث والقطيعة معه، والانفلات من القيم والثوابت العقدية، والتقليل من إنجازات العقل المسلم طوال قرون ازدهار الحضارة الإسلامية. واستطاع العلمانيون السيطرة على مجمل النشاط الأدبي والثقافي في كثير من البلاد العربية، وتبوؤوا أعلى المناصب، وتقدموا الصفوف وكأنهم الصفوة المختارة التي امتلكت ناحية الحقيقة ناظرين لمن ليس على مذهبهم نظرة استعلاء واستكبار وغطرسة، وفي هذه الأثناء خرج من داخل موقعهم الفكري ناقد مرموق استطاع قلب المائدة عليهم وإنزالهم من عليائهم، وكشف حقيقتهم وحقيقة حداثتهم. الناقد هو الدكتور عبد العزيز حمودة عميد (كلية الآداب جامعة القاهرة) الأسبق، وأستاذ الأدب الإنجليزي، والمستشار الثقافي السابق لمصر في الولايات المتحدة الأمريكية لعدة سنوات. والكتاب الذي نزل كالصاعقة على رؤوس دعاة الحداثة العرب فزلزل كيانهم وأصابهم بالدوار، وكشف حقيقتهم هو (المرايا المقعرة) الذي صدر ضمن سلسلة كتب عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت. وقد سبق كتاب (المرايا المقعرة) كتاب صدر قبله بعدة شهور للدكتور حمودة يحمل عنوان: (المرايا المحدبة) ، وقد شن الكتاب الأول (المرايا المحدبة) هجوماً حاداً على المذهب الحداثي تضمَّن نقداً علمياً موضوعياً للمذهب من ناقد تلقى تعليمه وتكوينه الثقافي من داخل البيئة الثقافية الغربية نفسها، واستطاع المؤلف بالحجة والبرهان إثبات أن الحداثة التي يتبناها العلمانيون العرب ما هي إلا بضاعة راكدة لفظها الكثير من مفكري ونقاد الغرب أنفسهم. والفكرة التي أراد المؤلف توصيلها للقراء من خلال (المرايا المحدبة) هي أن الحداثيين العرب والغربيين على السواء وقفوا أمام (مرايا محدبة) زادت من أحجامهم وضخمتها، وحينما طالت وقفتهم أمام تلك المرايا صدقوا أن إنجازاتهم النقدية بهذا الحجم المتضخم على غير الحقيقة، وأن هؤلاء الحداثيين حين نقلوا عن الحداثة الغربية بتلك الصورة كانوا يفتحون الطريق أمام التبعية للثقافة الغربية، ويحاولون تكريس تلك التبعية، واستنبات ثقافة تتناقض مع الخصوصية العقدية والحضارية في التربة العربية. وكتاب (المرايا المقعرة) يقع في (٥١٢) صفحة، ويحتوي على تمهيد وخاتمة، وبينهما الجزء الأول الذي يحمل عنوان: (الحداثة والقطيعة مع التراث) ، ويضم فصلين الأول: (ثقافة الشرخ) ، والثاني: (من النتائج إلى المقدمات) ، أما الجزء الثاني: (وصل ما انقطع: نحو نظرية نقدية عربية) فيتضمن المدخل ثم الفصل الأول بعنوان: (النظرية اللغوية العربية) ، والفصل الثاني: (النظرية الأدبية العربية) ، وبعد الخاتمة توجد الهوامش والمراجع. * الشرخ الثقافي: يرى المؤلف أن المثقف العربي يعيش ثقافة الشرخ أو الفصام بين موروثه الديني الذي تربى عليه، وبين اقتناعاته التي اكتسبها من خلال احتكاكه (بالآخر) الثقافي تجعله يتساءل: من أنا؟ بل من نحن؟ وأن المؤسسات الثقافية العربية منذ الاتصال بثقافة الغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أو منذ السنوات الأخيرة من القرن السابق عليه منذ الحملة الفرنسية على مصر عجزت عن تطوير مشروع ثقافي خاص بنا يوقف الشرخ ويرأب الصدع، مشروع يحقق الهوية الثقافية الخاصة بنا، ويحافظ عليها ضد محاولات الاقتلاع الثقافي وسلب الهوية التي تحاصرنا بها ثقافة التغريب القادمة عبر العولمة. المشروع الثقافي العربي المفقود من شأنه تحديد الهوية الثقافية للجماعة، والحفاظ عليها من الذوبان في ثقافة أو ثقافات الآخر في أثناء تفاعلها معه أو احتكاكها في عصر أصبح الاحتكاك بين الثقافات أمراً محتوماً؛ مما يعني ضرورة وجود درجة من التحكم في التغيرات الاجتماعية التي هي أساس الأنشطة الثقافية، وبخاصة أن كثيراًَ من البلاد العربية عاشت عقوداً طويلة بعد الاستقلال تطبق مبادئ مستوردة من الشرق تارة والغرب تارة أخرى بزعم التنمية والنهوض الاقتصادي، وهي مبادئ ونماذج كانت بعيدة عن اقتناعات وهوية الشعوب العربية؛ ولذلك لم يكتب لها النجاح. واستمر الشرخ الثقافي وأخذت الأسئلة تلح بقوة على كثير من أعضاء الصفوة المثقفة، وكان السؤال المحوري: من نحن؟ هل نحن شرقيون أم غربيون؟ هل نعيش حالة المجتمع الحديث أم حالة المجتمع القديم؟ هل ننتمي إلى التراث العربي أم إلى التراث الغربي؟ ولا شك أن العودة إلى الأصول باعتبارها المدخل الوحيد لتحديد الهوية الثقافية القومية سوف ينهي حالة الفصام، ويضع حداً للشرخ ويرأب الصدع، وهكذا نعود إلى درجة من التوحد الصحي والكلية التي راوغتنا لما يقرب من قرنين من الزمان، عندئذ سنكون أسعد حالاً بعد أن نخرج من الدائرة الجهنمية الحالية التي ندور حولها مغمضي العيون مسلوبي الإرادة تتقاذفنا تيارات القديم والجديد دون أن ننجز شيئاً، ولن نجد أنفسنا نعيش ذلك التناقض المؤلم الذي يريده لنا الحداثيون. * السؤال الصعب؟ ويطرح الدكتور عبد العزيز حمودة سؤاله الصعب حول السبب في حدوث هذا الشرخ الثقافي والفصام المؤلمين؟ ويجيب قائلاً: لقد وصل الحال بالبعض منا في انبهاره بالغرب والثقافة الغربية إلى درجة العمى الكامل الذي أفقدهم القدرة على الاختلاف، وبلغ انبهارهم بالعقل الغربي وإنجازاته إلى درجة احتقار العقل العربي وإنجازاته، وهذه الحال لم تكن الحداثة وما بعد الحداثة هما السبب فيها. لقد كان ارتماء العلمانيين العرب في أحضان الحداثة وما بعدها نتيجة وليس سبباً؛ صحيح أنهما يمثلان ذروة الارتماء في أحضان الثقافة الغربية، لكنها ذروة سبقتها عملية اتجاه واعية ومدركة نحو الغرب وثقافته بدأت في أثناء حكم محمد علي لمصر، وتمثلت في تحديث التعليم وابتعاث الشباب إلى أوروبا مع الإبقاء على نظام التعليم التقليدي، ومن هنا بدأت الازدواجية والثنائية والشرخ. ثم أصبح جسر التأثير الغربي في الثقافة العربية طريقاً واسعاً ممهداً عن طريق الاستعمار الغربي، فلم يعد الأمر مقصوراً على فئة محدودة من الأفراد يبتعثون إلى أوروبا لتعود بانبهارها إلى الثقافة العربية لتحاول تحديث العقل العربي، أو مجرد اقتباس أنظمة تعليم أوروبية حديثة تطبق في عدد محدود من المدارس، بل تعداه إلى غزو بشري عسكري يؤكد التفوق العسكري والثقافي للمنبهرين ويفرض التبعية على المترددين. إنه لا يمكن الفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة من ناحية وبين العولمة التي يقودها الغرب أو ما يسمونه بالكونية الجديدة، واتفاقية الجات التي تحكم السيطرة على اقتصاديات دول العالم لصالح الغرب من ناحية ثانية، ثم الغطرسة الغربية المهيمنة التي تريد فرض نموذجها الصناعي الرأسمالي الاستهلاكي والثقافي أيضاً على الدول المغلوبة على أمرها من ناحية أخرى. ليست مقولة المؤامرة هنا تعبيراً عن حالة مرضية بل هي حقيقة واقعة يؤكدها عقلاء الفكر الغربي - ومنهم المفكر (تورين) - وهؤلاء العقلاء يرون الخطر الواضح بين العقلية والكونية التي تعد الحداثة أحد مظاهرها وبين السيطرة الغربية على دولة وشعوب العالم الثالث. ويخلص المؤلف إلى نتيجة هامة وهي أن تبني الحداثة وما بعد الحداثة الغربيتين مصاحباً بكل الانبهار الذي رافق ذلك يعني في بساطة مؤلمة أن بعض الحداثيين العرب قد مهدوا لعمليات الاختراق الثقافي، وسهلوا عملية السيطرة والهيمنة للحداثة شرقيها وغربيها، وهذا هو حجم الخطأ الذي يحدد بالقطع حجم اللوم المناسب. * المؤامرة الموثقة: ويتطرق الدكتور عبد العزيز حمودة إلى أهم جزء في كتابه وهو تفاصيل (المؤامرة) الموثقة في (٥٠٩) صفحات من القطع الكبير هي حجم كتاب (من دفع أجرة العازف؟) للباحثة البريطانية (سورين سوندرز) التي استقت وثائقها من ملفات أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية بعد الإفراج عن تلك الملفات بعد مضي المدة الزمنية المقررة، وشملت الوثائق لقاءات مطولة مع المؤسسات والأشخاص المستهدفين، ثم أجهزة التمويل أو (الغطاء) - في لغة المخابرات - الذي استخدم في ذلك، وكشفت علاقة كل ذلك بالحداثة الغربية والحداثة العربية خاصة. وفي مقدمة كتابها أوضحت أهداف تدخل أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية في الأنشطة الثقافية في المنطقة العربية وتمويل تلك الأنشطة، وأهم هذه الأهداف الترويج للحداثة باعتبارها سلاحاً ضد الثقافات المحلية للشعوب، وقالت بالنص ص (٢) : (لقد قامت مؤسسة التجسس الأمريكية دون أن يردعها أو يكتشفها أحد لأكثر من عشرين عاماً بإدارة واجهة ثقافية متطورة جيدة التمويل في الغرب ومن أجل الغرب باسم حرية التعبير بعد أن اعتبرت الحرب الباردة (معركة حول العقول) جمعت المؤسسة ترسانة ضخمة من الأسلحة الثقافية من الصحف والكتب والمؤتمرات وحلقات النقاش والمعارض الفنية والحفلات الموسيقية والجوائز) . إن كلمات (توم برادن) وهو من أبرز رجال المخابرات البريطانية الذين قادوا (الحرب الثقافية) الواردة بكتاب سوندرز تؤكد بما لا يترك مجالاً للشك أن عمليات الغواية لجذب المثقفين إلى المعسكر الغربي لم تكن بريئة كلية؛ لكنها في الوقت نفسه تبرز مفارق جوهرية؛ فالمخابرات من منطلق تشجيع ما يسمى بـ (حرية التعبير) كانت تقوم أولاً بشراء حرية التعبير، ثم تقوم بالتحكم فيها وتقييدها، وتعلق سوندرز على ذلك بقولها: (لم يكن سوق الأفكار بالحرية التي تظاهر بها) وأخذت فروع رابطة (حرية الثقافة) وهي الواجهة المخابراتية للغزو الثقافي تنتشر في البلاد العربية، إن سوندرز تؤكد من خلال الوثائق أن المخابرات الغربية شجعت عن طريق التمويل التيارات الحداثية في الفنون والآداب والنقد، ولم تكن الحداثة الغربية بالبراءة التي تصورها البعض، وإنما كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب المقهورة والتمهيد لسيطرة الثقافة الغربية، والمفارقة التي تبرزها سوندرز أن أمريكا التي رفعت شعار (حرية التعبير) أو (الحرية الثقافية) واستخدمته سلاماً مبدئياً في حربها الباردة مع المعسكر الشرقي كانت في تلك السنوات المبكرة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي على وجه التحديد تقهر حرية التعبير داخل الولايات المتحدة، بل إن الذوق الأمريكي ممثلاً رسمياً في رئيس الجمهورية وبعض أعضاء مجلس الشيوخ كان يعتبر الفن الحداثي فناً هابطاً منحلاً، وقد وصل الأمر إلى درجة اتهام أحد أعضاء الكونجرس للفنانين الحداثيين بالتجسس لحساب الاتحاد السوفييتي؛ ولكن ذلك لم يمنع من تشجيع نشر الحداثة لضرب ثقافات الشعوب الأخرى. لقد بدأ النشاط الحداثي في العالم العربي مع مجلة (حوار) التي افتتحت في القاهرة في أوائل الستينيات وهي بتمويل كامل من المخابرات الغربية التي افتتحت عدداً من المجلات والدوريات المماثلة، ومنها مجلة (شعر) في بيروت عام ١٩٥٧م ولكن مجلة (حوار) أغلقت بعد ذلك بعد افتضاح أمرها، وكان ظهور مجلة (شعر) مرتبطاً بعلاقة وثيقة بـ (رابطة حرية الثقافة) الواجهة الظاهرة للمخابرات الغربية، وكان مؤسس المجلة (يوسف الخال) يدعو للاندماج التام في الثقافة الغربية. * العزلة: ويرى الدكتور عبد العزيز حمودة أن العقل العربي الحداثي تحرك في اتجاه الثقافة الغربية في ظرف تاريخي شعر فيه العربي بالحاجة المصيرية للتحديث، ومع كثير من الانبهار بمنجزات العقل الغربي واحتقار للعقل العربي وبمنجزاته تحول الحداثيون من (التعلم) إلى (الاندماج) دون أن يدركوا الاختلاف أو يستشعروا الخطر، وتقبل هؤلاء الحداثيون المقولة الإمبريالية بكونية الحداثة، وأن ما يناسب الآخر الثقافي، الحضاري يناسبنا بالضرورة، وإذا ارتفع صوت ينبه إلى الاختلاف سارعت (النخبة الحداثية) إلى اتهامه بالأصولية والانعزالية! ! والنتيجة الأخرى التي ترتبت على موقف الحداثيين العرب هي تحولهم المحزن إلى (نخبة) يكتب بعضهم لبعض ويحاورون أنفسهم ويخاطبون أنفسهم؛ مما أدى إلى عزلتهم المبكرة عن الجماهير ووضعهم في موقف مناقض (لثورية الحداثة) ، ووقع الحداثي العربي في مأزق مزدوج وهو العزلة عن الجماهير بسبب لجوئه في أعماله الأدبية إلى الغموض والتغريب والتجريب ثم تحالفه مع النخبة السياسية الحاكمة التي اتصفت بالفساد والديكتاتورية في أغلب الأحوال. لقد رفع الحداثيون العرب شعار (الاستنارة) و (التنوير) ، وبدلاً من أن يعتمدوا على العقلانية المقبولة تحولوا إلى تبني الفكر الغربي بعدته وعتاده؛ وبذلك زادوا الأمور إظلاماً بدلاً من إنارتها، وبلغت المأساة ذروتها عندما وضعوا (الدين) باعتباره فكراً غيبياً من وجهة نظرهم في مواجهة (العقلانية) و (التفكير العلمي) ، وأدت طريقة تعامل المثقفين العرب مع العلوم الجديدة القادمة من الغرب خلال العقدين الأخيرين إلى نتائج سلبية خطيرة زادت الظلام إظلاماً في النفق المسدود الذي دخلوا فيه. ويطالب مؤلف (المرايا المقعرة) بضرورة مراجعة (أرشيفنا الثقافي) حتى نستطيع أن نحدد أين نقف؟ حتى نصل في النهاية إلى معرفة من نحن؟ وأن نعيد صياغة خياراتنا بعد أن وصلنا إلى المنحى الحالي الخطير في علاقتنا بالغرب، وتحولنا عن الاستفادة منه إلى الاندماج فيه؛ مما جعلنا مهددين بالانمحاء. ومن الضروري أيضاً التحذير من ارتباط الحداثة العربية بالهيمنة والسيطرة الغربية، وأنها تسعى لجرنا إلى السقوط في هاوية التبعية التي لا يعلم سوى الله - تعالى - وحده كيف نخرج منها.

стр. 4264

قصة قصيرة وكان بطلاً ممدوح القديري [*] عندما اختلط الزمان وفقد ذاكرته، وهوى المكان وفقد هويته، برز ضابط مسلم برتبة رائد - من بين جموع الأسرى - فأرجع للزمان ذاكرته، وللمكان هويته. كان ذلك في وقت الانتكاس والارتكاس في حزيران ١٩٦٧م. كانت الشمس تكوي الأجساد نهاراً؛ وصقيع ليل الصحراء في النقب يجمد الروح ويحبس الأنفاس، وجنود العدو تنعم بالظلال في أبراجهم نهاراً، وبالدفء ليلاً في غرفهم، أما جموع الأسرى فكانت تلعق الحرارة الممزوجة بالغبار والإحباط وأحياناً الألم في معتقل التجميع الميداني المكشوف القريب من بئر السبع؛ حيث في داخله المئات من ضحايا الحرب، وسط ذهول لم يبرح الوجوه من المفاجأة التي لم يتوقعوها. كانت الأرواح تتفكك إلى حد سلب ذواتها حتى الموت والقطيعة. وفي صباح باهت مكفهر كانت العيون تشرب الحزن الدفين في النفوس، والرشاشات الأتوماتيكية تعزف (كونشرتو) الدمار، والموت فوق الرؤوس الشُّعْث التي تبحث عن مجهول ما جرى. زعق ضابط من الأعداء مغرور غَدَوْدَن يتشبه بالرجال، ونادى على جميع المقهورين - داخل المعتقل - لكي يقفوا لتحية علم دولته، وبدأ جندي يرفع ذلك العلم بغطرسة واضحة، همهم بعضهم خوفاً وهم يتحركون بتثاقل عنيد ليقفوا، كان ضابط العدو يتيه بوقفته أمام الضعفاء - ومسدسهُ يحميه - بتفاخر النصر المجاني الرخيص.. طار صوابه حين شاهد الضابط المسلم الذي ما زال في ملابسه العسكرية، بعد أيام قليلة من الحرب المباغتة جالساً لم يقف، وكان ينظر حوله وعيناه تتحديان الموقف.. كنت بجانبه واقفاً.. قلت له وقلبي مفعم بالمرارة مختون النفس: هل أنت متعب أو مريض؟ نظر إليَّ.. فعرفت أنه صحيح الجسد.. رغم زمن القهر.. فصمتت جوارحي.. وضابط العدو يأمره بجنون أن يقف.. لم يتحرك الضابط ابن الحضارة العريقة.. كان يرفض الهزيمة رغم كل شيء.. تشجعت مرة أخرى وقلت له هامساً: إنهم في دائرة الوهم العظيم.. وتصرفهم طائش زنيم.. لم يرد عليَّ وبقي جالساً، شعرت بجريان نفسي وانثيالها.. ونسيج عواطفي تدب فيه حياة جديدة خلتها أنها ضاعت مني.. تقدم بعض جنود العدو بسرعة.. جذبوه بعنف وقوة.. قال بصوت كأنه الرعد أذهل الجميع: لن أقف إلا للملك الديان! ! انهال عليه الجنود بكعوب رشاشاتهم.. حاول المقاومة.. بقي صامداً فوق الأرض العربية.. ممدداً وقد بدا عليه الإعياء.. لم يقف.. تمت تحية علمهم وسط هرج ومرج وتمرد مكتوم في الصدور.. سحبه الجنود بلا رحمة، كانت خطواته غير منتظمة، لكن روحه المعنوية رغم كل شيء بقيت عالية، علت أصوات احتجاج هنا وهناك.. انطلق الرصاص فوق الرؤوس.. وعلت الأصوات عندما أوقفوه في مكان معروف لدينا.. كنا نطلق عليه (مقصلة الباستيل) مع فارق المكان والزمان.. كانت عبارة عن مصطبة صخرية.. مضرجة بالدماء الجافة القانية المائلة إلى السواد من أثر الشمس.. هكذا وقف.. خُيل إلينا أنه عملاق ازداد طولاً وعرضاً.. وبدا حوله جنود العدو أقزاماً قميئة.. كان يمسح بعض الدماء والعرق عن وجهه الوضيء.. لم يهتز بقي واقفاً شامخاً كالجبل.. تقدم منه الضابط الذي أمر بتحية العلم.. لطمه.. فبصق عليه بطلنا الجسور فملأ البصاق وجهه.. رأينا ذلك وانتشينا.. أخرج الإسرائيلي مسدسه وأطلق الرصاص على رأس البطل الشجاع.. لدهشتنا أنه لم يسقط.. بقي واقفاً بعض الوقت.. ظننا أن روحه مباركة لم يؤثر فيها الرصاص الإسرائيلي.. شعور بالمرارة والأسى تملكنا جميعاً.. حين هوت جثته بكل شمم.. وبدأت طقوس معروفة لنا تماماً.. مجموعة من الأسرى تحفر الأرض لتواري القتيل.. كنت هذه المرة واحداً منهم.. كانت ضربات الفأس بالأرض تقدح شرراً حزيناً.. والأرض تفتح رحمها بحنان الأم.. تستقبل البطل بحفاوة واعتزاز.. كانت دموعنا تغسله ونحن نواريه التراب.. لقد نبه فينا روح المقاومة.. رغم ما نحن عليه.. كان الجميع منا في مأتم كبير يدعون له؛ وكيف لا وقد علمنا كيف نختار باستمرار ونسلك طريق الزمان الذي تناثرت فيه أشلاء الحق منذ أن بدأ الدمار وفقدنا بعض أشيائنا الثمينة؟ ! .. كان مثالاً يُحتذى.. لا يحتاج إلى وعظ.. فقد كان يكفي وجوده.. فهو نداء ودعوة.. لقد كان أحد أسرار الحياة المخبوءة.. علّمنا كيف نموت من أجل حقائق قد لا نجسر على السير فيها في حياتنا والواقع المرير.. أجلت بناظري في المكان.. أحسست بأن روحه ترفرف فوقنا كان ﵀ رمزاً للكون كله.. فقد كان بطلاً، وحسبه أنه ضحى بنفسه في مواجهة العدو المغتصب.

стр. 4265

نص شعري الفجر آتٍ يا جنين ! مروان كُجُك مَاذَا جَنَى الْعُرْبُ الْعِرَابُ مِنَ الصَّمَم ... نَصَبُوا لَنَا فِي كُلِّ عَاصِمَةٍ صَنَمْ صَرَعُوا كِيَانَ الْعِزِّ فاحْتُضِرَ الْمَدَى ... كَمَداً بِلا ذَنْبٍ جَنَاهُ وَلا هَرَمْ قَالُوا لَنَا: العَقْلُ الْحَصِيفُ وِقَايَةٌ ... لا يُسْتَفَزُّ، وَلا يَثُورُ، وَلا يَهِمّ فَدَعُوا جِنِينَ لأَهْلِهَا وَادْعُوا لَهَا ... بِالنَّصْر وَالتَّأْيِيدِ وَالْخَيْرِ الأَعَمّ أَرْضُ الْفِدَاءِ يَجُولُ فِي أَنْحَائِهَا ... قَوْمٌ أَشَاوِسُ كَالأُسُودِ ذَوُو لِمَمْ *** لا تَحْزَنِي فَالْفَجرْ آتٍ يَا جِنِيـ ... نُ وَطَيْفُهُ يَرْنُو إلَيْكِ عَلَى الأَكَمْ يَصْبُو إلَى مَجْدٍ أَثِيلٍ طَالَمَا ... حَلُمتْ بِهِ الأجْيَالُ مِنْ جَدٍّ وَعَمّ يَا بِنْتَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالعُلا ... وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى الْمُبَارَكِ وَالْحَرَمْ يَا رَوْعَةَ الْبَذْلِ الَّذِي أَحْيَا بِنَا ... رُوحَ الْفِدَا، وَسَمَا بِنَا نَحْوَ الْقِمَمْ يَا أَنْتِ يَا أخْتَ الْفِدَاءِ الْفَذِّ، يَا ... جِيلَ الشَّهَادَةِ قَد بَعَثْتِ بِنَا الْهِمَمْ وَصَفَعْتِ كُلَّ مُهَرِّجٍ فِي أَرْضِنَا ... بَاعَ الرُّجولَةَ والشَّهَامَةَ وَالْقِيَمْ طَوَّقْتِ جِيدَ الّمُؤْمِنَاتِ بِحِلْيَةٍ ... لأْلاؤُهَا بَهَرَ الْبَصَائِرَ وَالذِّمَمْ زَوَّجْتِهِنَّ مَلائِكَ الْقُدْسِ الطَّهُو ... رِ بِجَنَّةٍ مَهْراً؛ فَيَا طِيبَ النِّعَمْ وَأَعَدْتِ ذِكْرَى السَّالِفِينَ بَسَالَةً ... وَغَسَلْتِ أَوْضَارَ التَّرَدُّدِ وَالْوَهَمْ وَأَثَرْتِ فِينَا شَهْوَةَ الْعَلْيَاءِ لا ... كِبْراً عَلَى أَحَدٍ وَلا أَشَراً يُذَمّ أَنْتِ الَّتِي أَزْكيتِ فِينَا هِمَّةً ... وَبَنَيْتِ مِنْ رُوحِ الشَّهَادَةِ مَا انْهَدَمْ أَحْيَيْتِ فِي العُرْبِ النِّيَامِ نَبَاهَة ... كَانَتْ لَهُمْ سِيمَا تُهَابُ وَتُحْتَرَمْ سَادُوا بِهَا الدُّنْيَا غَدَاةَ جَمِيعُهُمْ ... لاذُوا بِشَرْعِ الله، نِعْمَ الْمُعْتَصَمْ وَتَسَابَقُوا نَحْوَ الشَّهَادَةِ، كُلُّهُمْ ... يَرْجُو الشَّهَادَةَ مُقْبِلاً لا مُنْهَزِمْ طُوبَى لِتُربَتِكِ الْحَبِيبَةِ إنَّهَا ... مُزِجَتْ بِأَسْمَى صَرْخَةٍ حَرَّى وَدَمّ *** طِفْلٌ هُنَا وَبُنَيَّةٌ عَاشَا مَعاً ... لَعِبَا مَعاً، نَامَا مَعاً عَنْ كُلِّ هَمّ قَتَلَ الْغُزَاةُ الْمُجرِمُونَ أَبَاهُمَا، ... صَرَخَا مَعاً قَالا: أَبَانَا لا تَنَمْ وَتَقَدَّمَا: هَذِي تُقَبِّلُهُ وَذَا ... كَ قَدِ ارْتَمَى ضَمّاً وَشَمّ (بَابَا) أَفِقْ؛ إنَّا ظَمِئْنَا فَاسْقِنَا ... لَفَظَ الشَّهَادَةَ، عَانَقَاهُ، وَلَمْ يَقُمْ صَعدَتْ إلَى الْعَلْيَاءِ رُوحُ أَبِيهِمَا ... لَمْ يَدْرِيَا شَيْئاً وَمَا خَطَّ الْقَلَمْ وَتَحَجَّرَ الْقَلْبُ الْيَهُودِيُّ الْجَبَا ... نُ، تَفَجَّرَتْ فِيهِ النِّقَمْ أَهْوَى عَلَى الطِّفلَيْنِ يَرْوِي غِلَّهُ ... أَرْدَاهُمَا أَرْضاً، وَزَمْجَرَ وَاقْتَحَمْ فَهُنَا يَدٌ تَهْتَزُّ أُسْرِعَ قَطْعُهَا ... وَهُنَاكَ عِنْدَ الْبَابِ تَرْتَقِصُ الْقَدَمْ *** تَبّاً لأَبْنَاءِ الأَفَاعِي إنَّهُمْ ... مَهْمَا عَلَوْا فِي الأَرْضِ شِرْذِمَةٌ وَخَمْ نَقَضُوا الْعُهُودَ وَمَزَّقُوا رَايَاتِهَا ... لَمْ يَحْفَظُوا وُدّاً، وَلَمْ يَرْعَوْا حَرَمْ إلاَّ فُنُونَ الْحِقْدِ والْعُهْرِ الَّذِي ... بَزُّوا بِهِ حَذَقاً زَنَادِقَةَ الأمَمْ فَلْيَفْعَلُوا كُلَّ الَّذِي يَحْلُو لَهُمْ ... وَلْيَنْعَمُوا حَظّاً بِحَاضِنَةٍ وَأُمّ لَكِنَّهُمْ لَنْ يُفْلِتُوا أَبَداً فَلا ... شَيْءٌ سَيَحْمِيهِمْ إذَا الْجَمْعُ انْتَظَمْ فَالْفَجْرُ آتٍ يَا جِنِينُ وَلَوْ بَدَا ... طُولُ الْمَدَى، أَوْ لَيْلُ مِحْنَتِنَا ادْلَهَمّ وَسَيَعْقُبُ اللَّيْلَ البَهِيمَ بَشَائِرٌ ... وَسَتَنْطَوِي عَنْ قُدْسِنَا شَرُّ الظُّلَمْ

стр. 4266

نص شعري اسحبوه علي بن جبريل صورة طفل فلسطيني لم يتجاوز العاشرة! يقتاده جنديان مدججان من جنود الاحتلال الصهيوني في وحشية وعنجهية وجبن يهودي! ! اسحبوه! وإلى زنزانة الموت خذوه مثخناً.. في قاعها - فرداً - ذروه شسش ... وبقيد الذل - جهراً - ... قيدوه! اسحبوه! ... وعلى سارية التاريخ ... - بالجرم - أسيراً.. ... أوقفوه وعلى حبل القرارات.. ... اشنقوه وارفعوه! وارفعوا هاماتكم ... ولترفعوها.. ... فوق هام السحب ... رفعاً.. ... واصلبوه! ! ... وبباب العالم الموبوء! ... - وغداً - ... علقوه! ... وعلى هندامه ... فلتكتبوا تحذيركم للعرب ... كيما يقرؤوه ... اكتبوه.. ... بمداد الدم: ... هذي عبرة الدهر لكم ... فاعتبروه! ... * * * اسحبوه! ... كل أهل الحجر الدامي ... ذووه! ! ... اسحبوه! ... قائد الركب إلى الحرب.. ... أبوه! وأخو المقلاع.. ... في وجه ابن صهيون.. أخوه! ... ذاكم الأطفال ... ليسوا - في الوغى - أنداده ... بل هم بنوه! ... هو.. ... للجالس خلف الصف - من عجزٍ - ... شبيه! ! ... اسحبوه! ... كلهم قد درّبوه! ... كلهم خوض المنايا عوّدوه ... بربرياً.. ... في الوغى قد قذفوه ... اسحبوه! ... * * * ويلكم! ... لا تتركوه ... حجر القبضة.. ... رشاشٌ سفيه! ... قذفة المقلاع ... قذفٌ مدفعيٌّ! ... وفم المقلاع.. ... فوه! ... عبوة ناسفةٌ قنبلة! كيف..؟ ... لا! ... لا تدعوه ... اسحبوه.. ... واقتلوه! ... * * * اسحبوه يا بني صهيون ... طفلاً.. اسحبوه ... أنا.. ... أقسمت يميناً ... - يا حصون الجبن - ... أن الطفل يوماً ... سوف لن يفلت منه ساحبوه! ! ... اسحبوه.. ... مزّقوه.. ... في دماه أغرقوه ... وعلى خارطة الإذلال ... صفراً.. ... فاكتبوه! ... سيريكم يومَكم.. ... يجترّ بالقهر بنوه! ... لهباً.. ... بالموت يأتي! ... أنتم من أوقدوه! ... اسحبوه! ... سوف يأتي ... جمرةً! ! ... بلظاها.. ... يصطلي من أشعلوه! ... اسحبوه.. ... وافعلوا ما شئتُمُ ... كل ما يحلو لكم ... فلتفعلوه! ... سوف لن يقدم فرداً ... هو ودْقٌ وحده! ... من خلفه.. ... يزحف - سيلاً - ... صانعوه! ! ... * * * اشنقوه.. ... أنتمُ لن تشنقوه! ... بل على بوابة الأمجاد ... وعداً.. ... فانقشوه

стр. 4267

نص شعري على خط النار مبارك بن عبد الله المحيميد أيُّ سِلْمٍ والقدسُ أمستْ جُحُورا ... وبنو قينُقاع جاسَت غُرُورا أيُّ سِلْمٍ والقدسُ من حولِه الأن ... يابُ حمراءُ كشَّرَتْ تكشيرا أيُّ سِلْمٍ والطفلُ كالعِهْنِ يَفْرِي ... ـه اليهُوديُّ ضاحكاً مسرورا أيُّ سِِلْمٍ سلامُهم حينَما الجرَّ ... افُ يعوي وسط القُرى مسعُورا نَحْنُ إمَّا الْحَيَاةُ والعِزُّ والإسْ ... لامُ أو ضَرْبَةٌ تَقُدُّ المَصِيرا يَرْضَعُ الطفْلُ عِزَّةَ الحَقِّ والأظْف ... فَارُ في كَفِّهِ تُبيدُ النُّسُورا سَائِلاً أيْنَ حَتْفهُ؟ هذهِ الأكْ ... فانُ من تَحتِهِ تَفُوْحُ عُطُورا مُقْبلٌ والرَّصاصُ يَرسِمُ في عَيْ ... نَيْهِ نَهْرَاً وجَنَّةً وَقُصُورا ومَضَى للنِّزَالِ في سَاحَةِ المَوْ ... تِ مُضِيَّ الشِّهَابِ ناراً ونورا يقْذِفُ القَهْرَ بالحِجَارَةِ، والمَوْ ... تُ مَرُوعٌ يَزْدَاد مِنْهُ نفورا واليَهُوديُّ عادَ أدراجَهُ في ... هلع مقسِماً بأنْ لَنْ يَحورا يَحْتَمِي بالجِدَارِ - من خَلْفِهِ الرَّشَّ ... اشُ - يرنُو من كُوَّةٍ مَذْعُورا للطَّرِيقِ الَّذيْ تَجَمَّعَتْ الآ ... سادُ فيه تواثُباً وزَئيرا ذاكَ طيفُ الفاروقِ يسْعَى إلى الأقَْ ... صى يشُقُّ الوِهَادَ لَيْثَاً هصورا لابساً ثوبَهُ المُرَقَّع والبَغْـ لُ عليهِ الغلامُ يقفو الأميرا نَحْنُ قَوْمٌ أعزَّنا الله بالإس ... ... لامِ لو أنَّنا عقلنا الأمورا إنَّه الدِّينُ يا بني الدِّينِ يشْكُو ... رقّةً منكمُ ويشكو فتورا حينَ ألْصَقْتُم إلى الأرْضِ واثَّا ... قَلْتُمُ تجْمَعُونَ فيها الدُّنُورا ذهبتْ ريحهُ وضاعَ صداهُ ... وخبا ضَوؤهُ فَخِبْتُمْ دُهُورا خَافِقي خافقٌ مِنَ الشَّوْقِ يَا أقْ ... صى وفي صَدْرِهِ غدا مَأْسُورا يَرْمُقُ الوَاقِفِينَ في (حَائطِ المبْ ... كى) يَهُزُّوْنَ في الصَّلاةِ الظُّهُورا قائمٌ تحتَهُ (خَنَافِسُهُ السَّو ... داءُ) مُصطفَّةً تَفُوحُ شُرورا ويَرَى في العَرَاءِ أمّاً وأطْفَا ... لاً كزُغْبِ القَطَا وشَيْخاً وقُورا خَرجُوا مُكْرَهِينَ والبَيْتُ أنْقَا ... ضٌ ومِنْ حَوْلِهِمْ يرى خِنْزيرا ويرى قاصِفاً من الرِّيحِ للظُّ ... لْمِ ويَوْمَاً على العِدا قَمْطريرا ويَرى في الغِيُومِ رَعْداً وبرقاً ... آذنتْ أنْ تَفِيضَ سَيْلاً غَزِيرا ويَرَى في السَّماءِ وَعْداً معَ الأيَّـ ... ـامِ يَنْمو حتَّى رآهُ كبيرا فهُوَ القُدْسُ قُدْسُنا.. ولنا الله نَصِيْرٌ.. ونِعْمَ مولىً نَصِيرا

стр. 4268

المسلمون والعالم بنو إسرائيل والمسجد الأقصى تاريخ ووقفات د. إبراهيم بن ناصر الناصر تمثل قضية فلسطين أحد أهم قضايا المسلمين، بل هي الرئيسة والقضية المحورية، لأنها تقع في قلب مركز الأمة المسلمة وتضم ثالث المسجدين وأولى القبلتين، وأنها الأرض المباركة، وأن الطائفة المنصورة ستكون في أكنافها في بعض مراحلها، أضف إلى ذلك أن المغتصبين لها هم الأشد عداوة للذين آمنوا، وأنهم اغتصبوا فلسطين بدعوى الحق الديني والحق التاريخي؛ فطبيعة الصراع معهم لا بد من تصحيحها فهي ليست ذات طبيعة سياسية أو عسكرية ضد ظاهرة استعمارية فقط، وإنما أساس الصراع فيها هو البعد الديني، الذي يأخذ بُعده عند المسلمين بسبب أنها أرض لمقدساتهم وتاريخهم ومستقبلهم، ومن هنا كان من المناسب عرض تاريخ بني إسرائيل مع بيت المقدس ومع أنبيائهم لمعرفة ما آل إليه حال هؤلاء القوم مما بينه الله في كتابه العزيز. أولاً: تاريخ بني إسرائيل والمسجد الأقصى [١] : - قبل الميلاد بنحو ٠٠٥٢ سنة هاجرت قبائل عربية من شبه الجزيرة العربية إلى الشمال واستقرت على ضفة نهر الأردن الغربية منسابة إلى البحر المتوسط، وأشهر هذه القبائل قبائل اليبوسيين من الكنعانيين، وسميت هذه الأرض بأرض كنعان وهو اسم يكثر وروده في التوراة، وقاموا بإنشاء بلدة باسم «أور سالم» وهذا اسم الإله عندهم أو هي كلمة تعني مدينة السلام، وتحرف الاسم فيما بعد إلى أورشاليم، وقد تكرر ذكره في التوراة أيضاً. - بعد ذلك هاجرت قبائل من جزر في البحر المتوسط إلى سواحله الشرقية تسمى قبائل «فلستين» وتم اختلاط بين الكنعانيين والمهاجرين الجدد، وشكلوا خليطاً يغلب عليه الدم العربي، وعاشوا في تلك المنطقة التي سُميت فلسطين. - في تلك العصور ولد وعاش إبراهيم ﵊ في العراق (بابل) ثم هجرها بعد اعتزاله لقومه بسبب شركهم إلى حران ثم عبر نهر الفرات وبادية الشام إلى أرض كنعان (فلسطين) ومعه زوجته سارة (ابنة عمه) وابن أخيه لوط وذلك في حدود سنة ٠٠٠٢ ق. م واستقروا هناك، ويقال إنه بسبب هذا العبور سُمي بنو إسرائيل فيما بعد بالعبرانيين. - في فترة استقرار إبراهيم ﵊ في أرض كنعان (فلسطين) خرج منها مرتين، الأولى إلى مصر بسبب القحط ولكنه عاد إلى أرض كنعان بعد أن نجى الله زوجته سارة من اعتداء ملك مصر الذي أهداها جارية اسمها هاجر، فأهدتها إلى إبراهيم فولدت له إسماعيل. - عندما دبت الغيرة عند سارة من هاجر نقلها إبراهيم وولدها إسماعيل بأمر من الله - تعالى - إلى مكة في جزيرة العرب [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ] (إبراهيم: ٣٧) ثم رفع إبراهيم وإسماعيل - ﵉ الكعبة [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ] (البقرة: ١٢٧) بعد أن أعمله الله مكانها، [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ] (الحج: ٢٦) . - ظل إبراهيم مقيماً في أرض كنعان بعد بناء الكعبة، وأصبحت هذه البقعة من أرض الشام مهجراً له بعد أن نشأت له فيها ذرية طيبة، فاتخذ فيها مكاناً يعبد الله فيه، وكان هذا المكان يمثل المرحلة المبكرة الأولى لتقديس هذه البقعة واتخاذها مكاناً للعبادة والمسماة بالمسجد الأقصى، وكان ذلك بعد بناء الكعبة بأربعين سنة، ففي الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة « [٢] ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الفترة هي ما بين بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت، وبناء يعقوب لتلك البقعة، وقيل أن أول من وضع المسجدين هو آدم وأولاده وبينهما أربعون سنة، وأن إبراهيم وأبناءه الأنبياء هم الذين بنوا المسجدين وجددوهما. - كرم الله إبراهيم بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب أنزل الله على نبي من الأنبياء بعده فعلى أحد ذريته، فهو والد الأنبياء الثاني بعد نوح ﵉، قال الله - تعالى -: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ] (الحديد: ٢٦) . - ولد لإبراهيم إسحاق من زوجته سارة بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة في قصة تعد من المعجزات لإبراهيم ذُكرت في القرآن في أكثر من سورة، ثم تزوج إسحاق ﵇ وولد له ولدان هما يعقوب وعيصو، وكانت النبوة في نسل يعقوب وهو إسرائيل والذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، ومنه يبدأ تاريخ بني إسرائيل. - تزوج يعقوب الذي كان مقيماً في أرض حران من ابنتي خاله - كان ذلك سائغاً في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة - وأهدت كل واحدة منهما ليعقوب جارية؛ فولدن هؤلاء الأربع ليعقوب اثني عشر ولداً هم أسباط بني إسرائيل، وكان يعقوب في طريق رحلته إلى خاله في أرض حران رأى في المنام موضع المعبد الذي اتخذه إبراهيم ﵇ فوضع عليه علامة، ونذر إذا رجع إلى أهله أن يبني في هذا الموضع معبداً لله. - رجع يعقوب مع أهله إلى أرض كنعان (فلسطين) فمر على قرية أورشليم فنزل واشترى هناك أرضاً وابتنى فيها مذبحاً ومعبداً وهو مكان القرابين لله والعبادة حيث أمره الله بذلك، وهو بيت المقدس الذي اختاره إبراهيم أولاً ثم جدده يعقوب ثم بناه سليمان بعد ذلك وهو موضع الصخرة وما حولها التي أعلمها عندما رآها في المنام في طريقه إلى أرض حران، واستمرت هذه البقعة مقدسة لدى المؤمنين من بني إسرائيل ثم لدى أتباع النبي محمد ﷺ . - خرج بنو إسرائيل مع أبيهم يعقوب إلى مصر في زمن يوسف - عليه السلام - حوالي سنة ٠٣٦١ ق. م، وكانوا سبعين رجلاً، وظلوا فيها أربعمائة سنة وثلاثين سنة شمسية - حسب سفر الخروج -، وخرجوا منها مع موسى - ﵇ وكانوا ستمائة ألف رجل عدا الذراري، وقيل إنهم خرجوا سنة ٤٠٢١ ق. م، ليدخلوا الأرض المقدسة التي استوطنها الوثنيون من العمالقة الكنعانيين المسمين في القرآن بالجبارين، ولكن بني إسرائيل تخلوا عن الجهاد ورفضوا دخول الأرض المقدسة حتى عوقبوا بالتيه، وقد قص الله علينا الحوار الذي جرى بينهم وبين موسى في ذلك: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ] (المائدة: ٢٠-٢٥) ، ويعتبر اليهود المفترون موسى ﵇ أول زعيم صهيوني حاول العودة باليهود إلى فلسطين. - ظل بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة توفي فيها هارون ثم موسى - ﵉، وحصل فيها أمور عجيبة من المعجزات لموسى، وهناك نزلت التوراة، وشرعت الأحكام، وهناك عملت قبة العهد، ويقال لها قبة الزمان أو خيمة الاجتماع كالكعبة لهم، فهم يصلون فيها وإليها، وهي التي نصب فيها» تابوت الشهادة «الذي يتبرك به بنو إسرائيل لينصروا على الأعداء، فيه شرائع لهم وأحكام وبقايا من التوراة، وهو المذكور بقوله - تعالى -: [وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (البقرة: ٢٤٨) . - بعد وفاة موسى وهارون ﵉ تولى أمر بني إسرائيل نبي آخر وهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى المذكور في سورة الكهف كما ثبت في البخاري، [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً] (الكهف: ٦٠) ، فسار ببني إسرائيل من الجيل الثاني بعد انتهاء التيه قاصداً بيت المقدس والتي سماها» مدينة يبوس «نسبة لليبوسيين من الكنعانيين فحاصرها ففتحها عصر الجمعة حيث دعا الله أن يحبس الشمس عن الغروب حتى يفتح المدينة، وذلك أن القتال محرم عليهم يوم السبت فحبسها الله له. وأمر يوشع بن نون أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس سجداً وأن يقولوا حطة أي حط عنا ذنوبنا فبدلوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة، وقد جاء في القرآن ذلك عنهم بقوله وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، ولما دخل يوشع بن ن (البقرة: ٥٨-٥٩) ون بيت المقدس نصب القبة على الصخرة فكانوا يصلون إليها فلما اندثرت صلوا إلى مكانها، وصارت قبلة الأنبياء بعده إلى زمن محمد ﷺ قبل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة. - بعد يوشع بن نون مر على بني إسرائيل عهد سمي في التاريخ الإسرائيلي بعهد القضاة حيث كان يحكمهم القضاة من اثنى عشر سبطاً، وكان القيم على أمور بني إسرائيل بعد يوشع أحد أصحاب موسى وزوج أخته يدعى كالب بن يوفنَّا وهو مع يوشع بن نون المقصودان بقوله - تعالى -: [قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (المائدة: ٢٣) ثم جاء بعده رجل يقال له: حزقيل بن بوذي وهو الذي دعا الله أن يحيى [الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] (البقرة: ٢٤٣) ، ثم بعد ذلك كثرت الأحداث وعبد بعضهم الأوثان ومنها بعل الذي عبده أهل بعلبك من بني إسرائيل، فبعث الله إليهم إلياس، ثم بعث إليهم بعده اليسع ﵉، وبعد موت اليسع عظمت الأحداث، وكثرت فيهم الجبابرة، وقتلوا الأنبياء فسلط الله عليهم الجبابرة من غيرهم. - اجتاح الجبابرة من أهل غزة وعسقلان من الكنعانيين مرة أخرى أرض بني إسرائيل بعد ضعف القضاة وعجزهم عن تسيير أمور بني إسرائيل، فأخذوا منهم تابوت الشهادة الذي كان يتبرك به بنو إسرائيل لينصروا في حروبهم، فبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع فعمدوا إلى نبي لهم يقال له» صموئيل «وطلبوا منه أن ينصب عليهم ملكاً لدفع الجبابرة عن أرضهم، فكانت القصة التي وردت في سورة البقرة: [أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ] (البقرة: ٢٤٦) ، وكانت المدة من وفاة يوشع بن نون حتى بعث الله النبي صموئيل أربعمائة سنة وستين سنة على أكثر الروايات وهي فترة عهد القضاة، وقد استجاب لهم هذا النبي بأمر الله، وبعث لهم طالوت ملكاً ولم يقبلوه إلا بعد جدال ومماحكة، وكان داود ﵇ أحد رجاله، وبرز في الجيش المعادي جالوت فبارزه داود وقتله فأصبح داود هو الملك الثاني بعد طالوت واجتمع فيه الملك والنبوة وكانت قبله كل واحدة في سبط، وفتح داود بيت المقدس وذلك عام ٧٩٩ ق. م بعد ٠٠٢ سنة من حكم العمالقة الذي أصبح اسمها مدينة داود، ونقل التابوت إليها، وأعد العدة ليشيد المسجد المسمى عند اليهود بالهيكل على قاعدة سداسية الشكل، ويقال إن هذا هو أصل اتخاذ اليهود للنجمة السداسية شعاراً لهم، ولهذا ينسب إلى داود أحياناً فيقال مسجد داود كما سماه عمر ﵁ عندما دخل القدس، ثم إن داود لم يمهله الأجل فعهد بمهمة البناء إلى ابنه سليمان، وقد جاء في الطبراني من حديث رافع بن عميرة: إن داود ﵇ ابتدأ ببناء بيت المقدس ثم أوحى الله إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان. - تولى سليمان بعد داود ﵉، حيث استمر في ملكه أربعين سنة، بنى خلالها المسجد المسمى بالهيكل بناءً محكماً ضخماً يتلاءم مع عظمة ملك سليمان وما سخر له، فكان أول بناء للهيكل بهذه الضخامة، ولذا نسب إليه فيقال هيكل سليمان، وهو الهيكل الأول، وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح (س) مرفوعاً: إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثة الحديث، ولعلاقة الماسونية باليهود المفترين، يصرح الماسونيون بأن هيكل سليمان كان المحفل الماسوني الأصلي، وأن الملك سليمان كان رئيس المحفل، ويسمونه الملك لأن اليهود لا يعترفون بنبوته ونبوة والده داود ﵉، بل إن طوائف من بني إسرائيل خاصة السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون لأنه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه. - بعد وفاة سليمان ﵇ سنة ٥٣٩ ق. م تولى ابنه رحبعام الملك لكن بني إسرائيل تمردوا عليه ولم يبق معه سوى سبط (يهوذا) ، وأما بقية الأسباط فنصبوا عليهم ملكاً آخر هو يربعام بن ناباط فانقسموا إلى مملكتين، مملكة يهوذا عاصمتها أورشليم ومملكة إسرائيل (السامرة) وعاصمتها نابلس، وهذا أصل تسمية اليهود للضفة الغربية بـ (يهوذا والسامرة) ، وقد حصل منهم في هذه الفترة فساد عريض، فوعظهم نبي لهم اسمه أشعياء وذكرهم وأنذرهم بأمر الله فلم يستجيبوا وتمادوا بالانحراف حتى بلغ أوجه بقتلهم قاتلهم الله هذا النبي ونشروه بالمنشار، ثم بعث الله إليهم نبياً آخر هو أرميا فحذرهم من أن الله سيسلط عليهم جباراً يدمرهم إذا لم يستجيبوا له، لكنهم كذبوه واتهموه فقيدوه وسجنوه، وهذا هو الإفساد الأول على ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله - تعالى -: [وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً] (الإسراء: ٤) . - في حدود سنة ١٢٧ ق. م استولى سرجون الأشوري على مملكة إسرائيل وقتل وشرد بعض شعبها، وفي سنة ٨٠٦ ق. م استولى فرعون مصر على مملكة يهوذا ثم واصل زحفه حتى استولى على مملكة إسرائيل في الشمال وانتزعها من الأشوريين فثار لذلك ملك بابل الجديد بختنصر الذي آل إليه السلطان على آشور، فزحف بخنتصر على فلسطين بمملكتيها وهزم المصريين فيها، ونهب أورشليم، ودمر الهيكل، وجاس خلال الديار، وحرق التوراة، وسبى أكثر السكان إلى بابل، وقتل بعضهم وفر بعضهم إلى مصر والمغرب والحجاز واليمن، وأنهى بذلك ملك بني إسرائيل في فلسطين من خلال حوادث متسلسلة هي الأسر الأول سنة ٦٠٦، والأسر الثاني سنة ٨٩٥، والأسر الثالث سنة ٨٨٥ ق. م، عرفت تاريخياً بالسبي البابلي، وتحقق فيهم ما حذرهم منه نبيهم أرميا وعرف هذا التدمير بالتدمير الأول للهيكل، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا السبي والتدمير هو المقصود بقوله - تعالى - في سورة الإسراء [فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً] (الإسراء: ٥) . - كان من بين السبي دانيال وهو أحد أنبياء بني إسرائيل على أحد الأقوال، وقد ألقاه بختنصر في بئر وألقى فيها أسدين فلم يضراه، ولما فتح المسلمون تُستَّر وجدوا رجلاً ميتاً على سرير وعند رأسه كتاب فأخذ الكتاب إلى عمر بالمدينة فنسخه كعب الأحبار إلى العربية فسئل أبو العالية الذي روى القصة: ماذا في الكتاب؟ قال: سيركم وأموركم وما هو كائن بعد. ثم دفنوه وأخفوا قبره لتعميته على الناس فلا ينبشونه لأنهم كانوا يستسقون به، وقد سئل أبو العالية: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، وإسناد القصة صحيح إلى أبي العالية، وقد روي أن دانيال دعا ربه أن تدفنه أمة محمد. - ظل بيت المقدس في خراب تام وظل بنو إسرائيل في الأسر لأكثر من أربعين سنة حتى جاء كورش الأخميني ملك فارس والذي يميل بعض الباحثين إلى أنه هو ذو القرنين المذكور في سورة الكهف وهزم البابليين، ثم جاء بعده داريوس فاستولى على بابل سنة ٨٣٥ ق. م وآل إليه حكم أرض فلسطين، فسمح لبني إسرائيل الذي أصبح اسمهم اليهود بالعودة إلى فلسطين لوقوفهم مع الفرس في حربهم للبابليين، وذلك قوله تعالى: [ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً] (الإسراء: ٦) ، عند بعض المفسرين، فعمد العائدون إلى إعادة بناء الهيكل مرة أخرى بناءً محدوداً وهو الهيكل الثاني، وظلوا تحت حكم الفرس إلى أن احتل أرضهم الإسكندر الأكبر المقدوني اليوناني تلميذ أرسطو سنة ٠٢٣ ق. م فرحب به اليهود هروباً من تسلط الفرس، واستمروا تحت حكم الإسكندر حتى آل الأمر في فلسطين إلى البطالسة ملوك مصر، فظلوا تحت حكمهم إلى سنة ٦٦١ ق. م. - حاول اليهود بعد ذلك الاستقلال عن البطالسة المحتلين فقاموا بعدة محاولات لاستعادة ملكهم تحت قيادة سبط اللاويين منهم فحكموا في ظل صراع ظل قائماً بينهم وبين أعدائهم حتى استغل الرومان الوضع المتأزم فاستولوا على فلسطين عام٤٠ ق. م، وحاول الرومان أن يهدئوا الأحوال ويسترضوا اليهود فأقاموا عليهم أمراء منهم كان أشهرهم هيردوس الذي أكمل بناء الهيكل الثاني على نسق هيكل سليمان، ورمم ما تهدم منه قبل ذلك عام ٠٢ ق. م، وظل الهيكل قائماً حتى جاء زكريا وابنه يحيى وابن خالته عيسى ﵈. - كان زكريا رئيس الهيكل وهو الذي كفل مريم المنذورة لخدمة الهيكل، وفي محراب الهيكل كان يأتي الرزق إلى مريم وهو من نوع كرامات الأولياء. وفيه أيضاً دعا زكريا ربه بالذرية الطيبة قال - تعالى -: [فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِياًّ مِّنَ الصَّالِحِينَ] (آل عمران: ٣٩) ، واستمر الحال في الهيكل هكذا حتى قتل اليهود زكريا ونشروه بالمنشار، ثم قتلوا ولده يحيى ﵉ لأنه رفض الفتيا لهم بجواز البغاء لأحد ملوكهم، وكان هذا هو الإفساد الثاني المذكور في سورة الإسراء على ما ذهب إليه بعض المفسرين في قوله - تعالى -: [وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً] (الإسراء: ٤) . - جاء آخر أنبياء بني إسرائيل وهو عيسى ﵇ وكان معاصراً ليحيى وابن خالته وقد سماه اليهود: ابن البغية، وذلك قوله - تعالى -: [وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً] (النساء: ١٥٦) ، وقد سمي بالمسيح لمسحه الأرض وسياحته فيها فراراً بدينه من الفتن لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه، وكانت أحوال بني إسرائيل في غاية الفساد فعقائدهم قد طمست وأخلاقهم قد رذلت، وسيطرت عليهم المادية الجشعة حتى إنهم اتخدوا من المسجد المسمى بالهيكل سوقاً للصيارفة والمرابين وملهى لهم، وقد أنذرهم زكريا ويحيى ومن تبعهم من أنبيائهم وحذرهم عيسى من العقوبة قائلاً لهم: (مكتوب أن بيتي بيت للصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص) ، ولما استيأس منهم حذرهم من أن الهيكل سوف يهدم وقال: (الحق أقول لكم، إنه لا يترك ها هنا حجر على حجر لا ينقض) ، وكانت تعاليم عيسى الروحانية تنتشر بين جماهير غفيرة من السكان، مما أغاظ زعماء اليهود الماديين وكهنتهم المنتفعين، وخوفاً من اليهود على مصالحهم وكرهاً لعيسى وأتباعه من الحواريين حرضوا السلطة الرومانية على عيسى ﵇، وقررت مجالس اليهود الدينية الحكم عليه بالموت، ولما تبين للحاكم الروماني براءته نادى اليهود عليه بقولهم:» اصلبه اصلبه، دمه علينا وعلى أولادنا «، ولما أحكموا المؤامرة وحان القتل كان قدر الله سبق بأمر آخر قال الله - تعالى -[وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] (النساء: ١٥٧-١٥٨) . - ظل الهيكل قائماً بعد عيسى ﵇ حتى عام ٠٤ م، حيث حاول اليهود التمرد على الحكم الروماني، فأرسل قيصر روما القائد طيطس الذي أقدم على قتل الألوف وأسر الألوف من اليهود إلى روما بما سمي» الأسر الروماني «، وقام على إحراق المدينة المقدسة وتدمير الهيكل التدمير الثاني، وتحققت نبوءة عيسى ﵇ فلم يبق فيه حجر على حجر كما قال لهم من قبل، ولعل هذا هو الانتقام الإلهي من اليهود على الإفساد الثاني لهم بقتلهم الأنبياء والصالحين مثل زكريا ويحيى ومحاولتهم قتل عيسى ﵇ وإيذائهم لأتباعه من الحواريين كما ذهب إلى ذلك طائفة من المفسرين في قول الله - تعالى -: [فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً] (الإسراء: ٧) . - استطاع اليهود أن يستعيدوا المدينة بعد حروب وقد بقي منهم شرذمة قليلة بها إلى أن وافاهم القائد الروماني أدريانوس فهدمها وخربها ورمى قناطر الملح على أرضها حتى لا تعود صالحة للزراعة، وأكمل تخريب الهيكل وشرد اليهود وشتتهم في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وحرم عليهم العودة إلى القدس والسكن فيها وذلك سنة ٥٣١م، وبذلك انتهى أمر اليهود وانقرض في الأرض المقدسة وتفرقوا في الأرض. - اختلف أصحاب عيسى ﵊ فيه بعد رفعه على أقوال: منهم من قال: هو عبد الله، ومنهم من قال: هو الله ومنهم من قال: هو ابن الله، وهذا قول الله - تعالى -: [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ] (مريم: ٣٧) ، كذلك اختلفوا في نقل الأناجيل فالذين نقلوه أربعة متى ويوحنا وهما ممن أدرك المسيح ورآه، ولوقا ومرقس وهما من أصحاب أصحابه، وبينها اختلاف كبير من حيث الزيادة والنقص. ثم حدثت الطامة الكبرى بعد أكثر من ثلاثمائة سنة من رفع المسيح عندما اختلف القساوسة والبطارقة والأساقفة في المسيح على أقوال متعددة، فتحاكموا إلى قسطنطين ملك الروم وباني القسطنطينية في المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثرهم وأبعد من عداهم، وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن أديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد الله ورسوله فسكنوا البراري ولم يخالطوا أصحاب تلك الملل والنحل، وأما الآخرون فبنوا الكنائس وصوروها ولم تكن مصورة من قبل، ووضعوا القوانين والأحكام المخالفة للتوراة، وأحلوا أشياء هي حرام بالتوراة مثل الخنزير، ووضعوا لهم عقيدة يسمونها بالأمانة وهي أكبر الكفر، وقد وافقت عليها جميع المجامع النصرانية وإن اختلفوا في تفسيرها. - لما تنصرت الدولة الرومانية رسمياً بالنصرانية المحرفة في عهد الإمبراطور قسطنطين بعد مجمع نيقية المجمع الأول سنة ٣١٣م، قامت أم الإمبراطور بزيارة أورشليم (القدس) وكانت متصلبة في النصرانية، وقد أُشربت بغض اليهود بما تعتقده من قتلهم المسيح، فأمرت بتصفية أطلال الهيكل وأن ينقل ما بقي من الأساطين ونحوها فتبنى بها كنيسة على قبر المصلوب وهو القبر المزعوم للمسيح، فسميت كنيسة القيامة أو القمامة، وأمرت أن يجعل موضع الهيكل مرمى أزبال البلد وقماماته، فصار موضع الصخرة مزبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها وانحدرت على درجها، وهذا السر في أنه رغم حفريات اليهود الكثيرة والعميقة لم يعثروا على أي أثر للهيكل. - ظل مكان الهيكل فضاءً خالياً من أي بناء بقية عهد الرومان النصارى، وقد حدث الإسراء والمعراج بالنبي ﷺ في عهد الحاكم الروماني هرقل عام ١٢٦م، وكان المكان ما زال خالياً من أي بناء، إلا أنه محاط بسور فيه أبواب داخله ساحات واسعة هي المقصودة بالمسجد الأقصى في قوله - تعالى -: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (الإسراء: ١) . وقد ظل المكان معروفاً مقدساً في داخله الصخرة رغم زوال الآثار. - جاء الفتح الإسلامي لبيت المقدس صلحاً في عهد عمر ﵁ سنة ٦١ هـ / ٧٣٦م، وهي تسمى يومئذ» إيليا «وهو اسم لحقها قبل الميلاد نسبة إلى أحد قادة الرومان، أو نسبة إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل ولم يكن لليهود وجود بها وقت الفتح؛ حتى إن بطريرك النصارى اشترط في عقد تسليم المدينة عدم دخول أحد من اليهود إليها، ثم طلب عمر من البطريرك أن يدله على مسجد داود، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على درج الباب، فتجشم عمر حتى دخل ونظر، فقال: الله أكبر، هذا والذي نفسي بيده مسجد داود الذي أخبرنا رسول الله ﷺ أنه أسري به إليه، ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها، ولما استشار عمر كعب الأحبار وكان يهودياً قد أسلم، وكان مع جيش فتح بيت المقدس، أين يضع المسجد، قال: ضعه خلف الصخرة، فقال له عمر: ضاهيت اليهودية، وفي رواية يابن اليهودية، بل نجعله في صدر المسجد يقصد صدر الساحة، وجعل الصخرة في مؤخرته، وبعض المؤرخين يرى أن عمر لم يبن مسجداً هناك، وسؤاله لكعب الأحبار عن تعيين مكان الصلاة، وليس عن مكان للبناء. - بقي المسجد الأقصى على حالته بعد الفتح الإسلامي إلى أن جاء الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فبدأ بناء المسجد الأقصى سنة ٦٦ هـ على صورته القائمة اليوم، ووكل على بناءه رجاء بن حيوة، ثم أتم البناء ابنه الوليد بن عبد الملك، وأما الصخرة فأول من بنى فوقها مسجداً في العصر الإسلامي عبد الملك بن مروان، وهو المسجد المعروف بمسجد الصخرة، والمشهور بقبته الذهبية على المبنى المثمن، ويبدو أن هدف عبد الملك بن مروان من هذا البناء الضخم هو مواجهة ضخامة كنائس بلاد الشام خاصة كنيسة القيامة القريبة منه، فأصبح المسجد الأقصى يحوي مسجد عمر المشهور بالمسجد الأقصى، ومسجد الصخرة، والساحات المحيطة، وهذه الصخرة وما حولها التي بُني عليها المسجد كانت قبلة الأنبياء بعد موسى ﵇، وقد صلى النبي ﷺ والمسلمون إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة مدة ستة عشر شهراً من الهجرة حيث قال الله تعالى: [فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] (البقرة: ١٤٤) ، وهكذا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبإمامته للأنبياء في المسجد الأقصى ليلة الإسراء وبتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، تحول الاختيار الرباني من بني إسرائيل إلى هذه الأمة المحمدية قال الله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) ، وبفتح بيت المقدس زمن الخليفة الراشد عمر انتقلت الولاية على المسجد الأقصى إلى أتباع محمد ﷺ . - ظل الخلفاء في الدول الإسلامية المتعاقبة يعتنون ببيت المقدس ترميماً وتجديداً وتجهيزاً حتى نشب الصراع بين الفاطميين والسلاجقة على القدس فاستغل الصليبيون النصارى الفرصة وشنوا حرباً مقدسة ضد المسلمين دعت إليها المجامع النصرانية فسقطت القدس في أيديهم وذلك سنة ٢٩٤هـ، حيث عملوا مذبحة رهيبة يوم دخولهم بلغت نحواً من سبعين ألفاً، وظلوا فيها يعيثون فساداً مدة إحدى وتسعين سنة، حتى حررها منهم السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - وذلك سنة ٣٨٥هـ بعد معركة حطين الشهيرة، وبذلك طهر الله على يديه المسجد الأقصى وحمى به الحرمين الشريفين من تهديد الصليبيين النصارى؛ حيث كان قائدهم» أرناط «عازماً على الهجوم على مكة والمدينة، وقد وصل إلى سواحل الحجاز، فما كان من صلاح الدين إلا أن أعدمه حال تمكنه منه. - استمر المسجد الأقصى في حوزة المسلمين أيام الأيوبيين ثم المماليك ثم العثمانيين إلى أن ضعفت الدولة العثمانية فاحتل الإنجليز فلسطين سنة ٧١٩١م وهو العام الذي صدر فيه وعد بلفور المشؤوم بإعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين، وبدأت بريطانيا خلال انتدابها لفلسطين وهي ثلاثون عاماً بتهيئة الظروف لهجرة اليهود إلى فلسطين وتهيئة الأجواء لإعلان دولة اليهود، وقد أعلن اليهود دولتهم في نفس توقيت إلغاء الانتداب على فلسطيين سنة ٨٤٩١م، وقامت دولة إسرائيل وسيطرت على القدس الغربية وهو الجزء الغربي الحديث من مدينة القدس وليس فيه شيء من الأماكن المقدسة الموجودة فيما سمي بالقدس الشرقية والذي بقي جزءاً من الضفة الغربية التي ضمتها الأردن إليها. - بقي المسجد الأقصى تحت الإدارة الأردنية كجزء من الضفة الغربية حتى قامت حرب ٧٦٩١م وهزم العرب فيها هزيمة منكرة، استولى فيها اليهود على الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية والمسجد الأقصى، وما زال الأقصى يئن تحت وطأة قتلة الأنبياء بالرغم من اتفاقيات السلام وقيام الحكم الذاتي الفلسطيني. ثانياً: وقفات مع تاريخ بني إسرائيل والمسجد الأقصى: - إن القرآن الكريم عرض لأهم الأحداث في تاريخ بني إسرائيل أو أشار إليها وكذلك السنة النبوية، وهي الأحداث التي فيها العبرة لهذه الأمة وما لم يرد في الكتاب والسنة فلا حاجة إليه، وإنما أذن الشارع في نقله إذا لم يخالف الكتاب والسنة وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب فيذكر على سبيل التحلي والاستئناس، وما يذكره المؤرخون من هذا التاريخ مما لم يرد في الوحيين معظمه منقول من تواريخ أهل الكتاب، حكمه حكم غيره من التواريخ إلا إذا خالف الكتاب والسنة فيرد، مع الحذر من بعض فصول ذلك التاريخ الذي سجله اليهود في التوراة المحرفة، لأنه تاريخ محرف ومزور كتبوه لمصلحتهم وفصلوه على مقاسهم. - أن بني إسرائيل عندما كانوا أتباع الأنبياء كانوا الأمة المختارة على أهل عصرهم، كما قال - تعالى -: [يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٤٧) ، ومنهم من قال الله فيهم: [وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ] (الدخان: ٣٢) ، وقال سبحانه: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) ، وقال - تعالى -: [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا] (الأعراف: ١٣٧) ، ومنهم الفئة القليلة التي ثبتت مع طالوت حتى النصر، ولذا كان موسى من أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح، ونحن المسلمين أولى ببني إسرائيل المؤمنين وبأنبيائهم من الطائفة الكافرة وهم الغالبية منهم الذين خرجوا على ملة موسى وتنكبوا طريق الأنبياء، والذين كشف الله أساليبهم من الغدر والخيانة وأشركوا بالله وقتلوا أنبياءه، وأفسدوا في الأرض، وحكم الله عليهم بالغضب والذل والهوان، وكذلك أحفادهم من يهود المدينة الذين حاولوا قتل محمد ﷺ ونكثوا عهوده معهم، ومن جاء بعدهم من اليهود المشركين الملاحدة الذين يعيثون فساداً في الأرض عموماً وفي الأرض المباركة خصوصاً. - إن لبني إسرائيل تاريخاً حقيقياً ثابتاً مع بيت المقدس عندما كانوا مسلمين، وإن المسجد الأقصى الإسلامي هو امتداد لمسجد أنبياء بني إسرائيل المسمى عندهم بالهيكل، وهذا ما يؤكد أن الصراع مع مدعي هذا الحق التاريخي اليوم هو صراع ديني؛ حيث إنه صراع بين أصحاب دعوى حق وهم المسلمون وأصحاب دعوى باطلة وهم اليهود، وقتالنا لليهود وجهادنا لهم واجب شرعي وملحمة مستقبلية لحسم هذه الدعوى [قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى] (طه: ١٣٥) . - إن المسجد الأقصى على مر التاريخ كان مسجداً إسلامياً من قبل أن يوجد اليهود ومن بعد ما وجدوا فإبراهيم ﵇ أول من اتخذ تلك البقعة مسجداً، وقد قال الله تعالى عنه: [مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] (آل عمران: ٦٧) ، أو أنه آدم أو بعض أولاده على قول آخر فليس لبني إسرائيل علاقة بالمسجد الأقصى إلا في الفترات التي كانوا فيها مسلمين مع أنبيائهم المسلمين، أما بعد كفرهم بالله وسبهم له وقتلهم الأنبياء فقد انبتت علاقتهم بهذا المسجد الذي تحول إلى إرث المسلمين المؤمنين بجميع الأنبياء، وهم أتباع محمد ﷺ ، وكان الإسراء إلى المسجد الأقصى إيذاناً بهذا التحول والذي تحقق على أرض الواقع في فتح المسلمين له في عهد الخلفية الراشد عمر بن الخطاب ﵁. - إن تاريخ بني إسرائيل يبدأ مع يعقوب ﵇ وأبنائه الأسباط الاثنى عشر، وأما تاريخهم السياسي فيبدأ مع موسى ﵇، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل، ومن أكثر الأنبياء تبعاً بعد محمد ﷺ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وشريعته من أعظم الشرائع وفيها شرع الجهاد ولم يكن شرع قبل، وكان أول امتحان لهم بالجهاد أمر الله لهم بدخول الأرض المقدسة التي كانت تحت سلطان الكفرة الجبارين، وكانت رسالة موسى خاصة ببني إسرائيل، ووجد فيهم بعد موسى أنبياء وعلماء وعباد وزهاد وملوك وسادات لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا كما بدلت شريعتهم، ومسخ بعضهم قردة وخنازير، وجرت عليهم خطوب بسبب ظلمهم وبغيهم وإفسادهم. - إن الله كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل عندما كانوا أتباع الأنبياء حتى مع فسقهم ونكوصهم وتخاذلهم عن الجهاد وإيذائهم لموسى ﵇ كما قال الله عنهم في سورة المائدة، لكنهم لم يكفروا بعد حتى دخلوا الأرض المقدسة مع يوشع بن نون بعد موسى ﵇، وذلك بعد مماحكة ورفض وتبديل لأوامر نبيهم كما ذكر الله عنهم في سورة البقرة ومع ذلك كانوا أحق بها من الوثنيين الجبارين لأنهم أقرب إلى الحق منهم. - إن الله قضى عليهم بأنهم سيكونون أهل فساد وإفساد عندما يتنكبون طريق الأنبياء، وأن الله سيسلط عليهم أعداءهم عقوبة لهم من الله، وقد حصل هذا مرتين مع البابليين والرومان أو حصل مرة مع البابليين وسيحصل مرة أخرى في المستقبل، وحذرهم الله بالعقوبة كلما عادوا للفساد والإفساد كما قال تعالى: [وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا] (الإسراء: ٨) . - إن بني إسرائيل كانت تنحرف عقائدهم عبر الزمان، فيرسل الله لهم الأنبياء فيتبعهم طائفة وتحاربهم طائفة حيث كانوا أكثر الأمم أنبياء وذلك لكثرة أمراضهم، وانحراف فطرهم، وقد روي عن النبي ﷺ أن الأنبياء في بني إسرائيل كالعلماء في هذه الأمة. - إن انحراف بني إسرائيل ازداد عبر الزمن حتى وصل إلى سب الله - تعالى - بادعاء الولد له وبأن يده مغلولة، وحتى وصل إلى قتلهم الأنبياء، وقد بلغوا قمة الفساد والإفساد في عهد عيسى بن مريم آخر أنبيائهم عندما حاولوا قتله، وقتلوا يحيى وزكريا وحولوا المسجد إلى سوق للمرابين وملهى لهم. - بمحاولتهم قتل عيسى ﵇ آخر الأنبياء بني إسرائيل وإبطال الله لكيدهم، انتهت قصة بني إسرائيل (اليهود) الدينية، وانتهت علاقاتهم بالمسجد الأقصى، ولم يعودوا صالحين لحمل رسالة سماوية، وصاروا أفسد الناس بعد أن كانوا أفضل أهل زمانهم قال الله - تعالى - عنهم: [وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً] (المائدة: ٦٤) ، ووصمهم الله بالكذب وبأنهم قتلة الأنبياء قال الله - تعالى -: [أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ] (البقرة: ٨٧) ، وبأنهم كفرة وقتلة للأنبياء وأتباعهم، قال الله - تعالى -: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] (آل عمران: ٢١) . - بعد مبعث عيسى ﵇، وإيمان طائفة من بني إسرائيل به كما قال الله - تعالى -: [فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ] (الصف: ١٤) ، تحول إرث أنبياء بني إسرائيل إلى أتباع عيسى ﵇ من الذين قالوا إنا نصارى ومن ذلك المسجد الأقصى الذي دمر بعد ميلاد عيسى بأربعين سنة كما تنبأ له ﵇ بسبب إفساد اليهود وفسادهم فيه، ولم يعترف اليهود بنبوته ﵇، وحاولوا قتله صغيراً وكبيراً وسموه ابن البغية. عليهم لعائن الله المتتابعة. - لما كان النصارى هم أتباع النبي الخاتم لأنبياء بني إسرائيل في أول الأمر وهو عيسى ﵇ الذي لم يعترف اليهود بنبوته ناصبهم اليهود العداء حيث اتخذوا من حرب أتباع الأنبياء سلوكاً لهم، وبذلك تحول النصارى إلى خصوم لليهود يسومونهم سوء العذاب كلما سنحت الفرصة لهم كما حصل عبر التاريخ في أوروبا النصرانية وروسيا القيصرية، وعندما دخلوا الأندلس وعندما احتلوا القدس عام ٢٩٤ هـ بل إنهم حولوا المسجد الأقصى إلى مزبلة عندما تنصر الرومان بالنصرانية المحرفة بغضاً لليهود؛ لأنهم يعتقدون أنهم صلبوا المسيح ﵇ واستمر هذا حال النصارى مع اليهود، حتى اختراق اليهود للمسيحية عبر حركة مارتن لوثر التجديدية وتحول بعض أتباع هذه الطائفة إلى مناصرين لهم بما يسمى بالإنجيليين البروتستانت التي أفرزت اليوم» الصهيونية المسيحية «، وأما الكاثوليك فبعد أن برأ المجمع المسكوني سنة ٣٦٩١م اليهود من دم المسيح في هذا العصر، وتحققت صور جديدة من معاني قول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (المائدة: ٥١) . - عندما بدأ الانحراف يدب في النصرانية بواسطة الأحبار والرهبان، وأدخلوا الشرك عليها بادعائهم ألوهية عيسي ﵇ وتحريفهم للكتاب المقدس حكم الله عليهم بالضلال وسماهم بالضالين، وحكم عليهم بالكفر: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] (المائدة: ١٧) ، وقال سبحانه: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ] (المائدة: ٧٣) . - عندما أذن الله ببعث هذا النبي الخاتم محمد ﷺ من الفرع الثاني لإبراهيم ﵇ إسماعيل وكانت رسالته خاتمة الرسالات، تحول إرث الأنبياء السابقين إليه وصار أولى الناس هو وأتباعه بالأنبياء قبله قال الله تعالى: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا] (آل عمران: ٦٨) ، وقال - تعالى -: [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] (آل عمران: ٥٥) ، والذين اتبعوا عيسى هم النصارى قبل التحريف ثم الأمة المسلمة، والذين كفروا هم اليهود وكذلك النصارى بعد التحريف، ومثل قول النبي ﷺ بمناسبة صوم عاشوراء:» نحن أحق بموسى منهم « [٣] أي من اليهود، وكذلك قول الرسول ﷺ :» أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة « [٤] ، فأصبح أتباع هذا الدين هم أولى بالأنبياء السابقين وبالأماكن المقدسة. - قام اليهود والنصارى بتحريف كتبهم المقدسة (التوراة والإنجيل) وجحدوا ما فيهما من البشارة بمحمد ﷺ قال الله - تعالى -: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ] (الأعراف: ١٥٧) ، وقال - تعالى -: [وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] (الصف: ٦) ، فلم يعترفوا بنبوة محمد ﷺ وتحولوا إلى خصوم لهذا الدين واتباعه. - بالرغم من هذا التحريف فقد بقيت بعض البشارات بهذا النبي الخاتم وأمته في كتب أهل الكتاب، من ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو قال في التوراة: ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين ... الحديث [٥] ، وكذلك عن عبد الله بن سلام بنحو ما ورد عن عبد الله بن عمرو [٦] ، ومن ذلك أن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇ يأمره بأن يمد بصره وينظر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض، وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة المحمدية بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة، يؤيد ذلك قول الرسول ﷺ :» إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن إمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها « [٧] ، ومن ذلك: لما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم أنه بارك عليه وكثره، وأنه سيجعله رئيساً لشعب عظيم، ومن ذلك أيضاً: لما حملت هاجر بشرت بأنها ستلد ولداً يكون سيد الناس ويملك جميع بلاد أخوته، وهذه البشارة تحققت على يد ولده محمد ﷺ ودعوته وأتباعه، فهم الذين ملكوا جميع البلاد غرباً وشرقاً وآتاهم الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم يؤت أمة من الأمم قبلهم. - إن اليهود يعرفون صدق محمد ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا وقد روي أن سبب مجيء اليهود إلى المدينة ما ورد في كتبهم من وصف مهجر نبي آخر الزمان أنه في نخل بين حرتين، لكن الكفر والحسد أعماهم عن اتباعه: [فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ] (البقرة: ٨٩) ، وبذلك تحولوا إلى أعداء أشداء للمسلمين كما قال - تعالى -: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) . - ولعداوة اليهود للمسلمين ولنبيهم محمد ﷺ وخطرهم على الإسلام حفل القرآن بذكر قصصهم مع أنبيائهم وضلالاتهم وكفرهم بالله حتى بلغت السور التي جاء فيها ذكرهم تصريحاً أو تلميحاً نحواً من خمسين سورة، وكانت قصة موسى مع بني إسرائيل من أكثر القصص في القرآن، وقد بين الله في القرآن طبيعتهم ونفسيتهم في عدد من الآيات مثل قوله - تعالى -: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ] (البقرة: ١٠٠) ، ومثل قوله - تعالى -: [وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً] (المائدة: ٦٤) ، ومثل قوله تعالى: [وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ] (البقرة: ٩٦) ، ومثل قوله - تعالى -: [وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧٨) . وبين حكمه فيهم في مثل قوله : [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ] (الأعراف: ١٦٧) ، ومثل قوله - تعالى -: [وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ] (المائدة: ٦٤) ، ومثل قوله - تعالى -: [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ] (آل عمران: ١١٢) . وبين مكرهم ومؤامراتهم ضد هذا الدين في مثل قوله - تعالى -: [وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] (آل عمران: ٧٢) ، وقوله - تعالى -: [وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧٨) ، ومثل قوله - تعالى -: [وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا] (المائدة: ٤١) . - إن وصف القرآن لبني إسرائيل وأخلاقهم ونفسياتهم وانحرافاتهم وأمراضهم ينطبق على تلك الأجيال من بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى ويوشع والأنبياء من بعدهم، ويستثنى من ذلك طوائف من المؤمنين من أتباع هؤلاء الأنبياء لم تنحرف انحراف الغالبية منهم، وينطبق وصف القرآن هذا أيضاً على اليهود الذين عاثوا فساداً في المدينة قبل قتلهم وإجلائهم منها من قبل المسلمين، وينطبق أيضاً على اليهود بعدهم عبر القرون، وينطبق تماماً على اليهود المعاصرين الذين اغتصبوا فلسطين في العصر الحديث. - إن الصراع بين عقيدة التوحيد التي جاء بها إبراهيم وجددها محمد عليهما الصلاة والسلام وسيجددها عيسى بن مريم آخر الزمان وبين عقيدة الشرك والخرافة والفرية التي أسسها الأحبار والرهبان بما اقترفوه من الكذب الذي يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله هو صراع مستمر لن ينتهي حتى ينزل مسيح المسلمين ابن مريم ويقتل مسيحهم الدجال كما وعد بذلك محمد ﷺ .

стр. 4269

المسلمون والعالم الإعصار الاستشهادي هل يعصف بالإرهاب الشاروني د. سامي بن محمد الدلال منذ الثامن والعشرين من مارس (آذار) ٢٠٠٢م شرعت القوات اليهودية الشارونية بتنفيذ مخطط واسع لإعادة اجتياح الضفة الغربية وغزة، مدناً وقرى ومزارع وممتلكات. ونريد في هذه الدراسة المقتضبة تسليط الأضواء على هذه الهجمة الشرسة، وسبر أغوار خلفياتها، واستشراف نتائج مآلاتها. * الآمال الشارونية: إن الآمال الشارونية هي حصيلة ثلاثة مركبات: التكوين الشخصي: إن الدارس لشخصية شارون يتضح له أن هذا البدن الممتلئ يضم بين دفتيه شخصية متعجرفة متكبرة مستعلية قد أعماها ذلك عن تلمس الحقائق وإدراك مكونات الواقع؛ مما دفعها إلى اتباع أسلوب حرق المراحل بغية الوصول إلى الهدف النهائي بأسرع وقت ومن أقصر طريق. لذلك تراه امتطى صهوة الغاية تسوِّغ الواسطة؛ فصال من فوقها وجال. ومع أنه شديد الاندفاع نحو تحقيق مآربه فإن ذلك لم يكن على حساب مراوغاته المخادعة وأساليبه الدنيئة وقلبه للحقائق وتلاعبه بالألفاظ، وهو في كل ذلك مقبل غير مدبر، لا يكل ولا يمل، دؤوب على تحقيق باطله، مكار في وضعه خططه، داهية في ترويض مناوئيه، أقرب ما يكون في كل ذلك من شخصية اليهودي المشهور حيي بن أخطب الذي ضربت عنقه على عهد رسول الله ﷺ في خندق الموت الذي احتفره النبي ﷺ في سوق المدينة؛ حيث امتلأ بالرؤوس المتطايرة من فوق أعناقها من يهود بني قريظة الذين نقضوا عهدهم معه في أحلك ظرف وأدقه، يبتغون طعن المسلمين في خاصرتهم ليتمكن منهم أعداؤهم من قريش وغطفان والأحابيش. تشابهت الشخصيتان؛ فهل تتشابه النهايتان؟ ! ! وقد ذكرت صحيفة (صنداي إكسبرس) أن أفرام هاليفي رئيس الموساد تقلقه كراهية شارون الحادة لعرفات، وأنها شخصية متهورة للغاية بحيث لا تتيح الفرصة للتفكير الهادئ، وأن حدة توجهات شارون بدأت تشوش على قدرته لإصدار أحكام واضحة في هذه الأوقات الخطيرة، وأنه يعاني عمى لا يجعله يشعر بعمق المشاعر في أوروبا بسبب ما يقدم عليه من أفعال، وأنه يعاني توترات عقلية متزايدة، ولديه تقلبات خطيرة في المزاج، وأنه يكاد لا ينام، ولا يأكل بطريقة منتظمة، وتنتابه حالات من الإزعاج؛ فهو يتصرف كقائد دبابة وليس كسياسي [١] . الرصيد التاريخي: إن القاسم المشترك لجميع سني عمر هذا السفاح هو ولوغه في الدم واستمتاعه بالقتل، وعشقه للتدمير وحرصه الشديد على ذكر اسمه مع كل مجزرة تخليداً لذكراه العفنة. ولذا فإن مآثره لا تخرج عن هذا الإطار، وهو فخور بكل ذلك، فِرِحٌ بتاريخه الذي مر عليه لغاية الآن أربع وسبعون سنة ممتلئة بكل ما يجلب الخزي والعار ويضاعف الذم والشنار بما اختزن فيها من المساوئ والآثام، وبما احتمل وزره من الضحايا والآلام. إن الكتلة اللحمية لشارون هي سليلة عصابة الهاغاناه الإجرامية الإرهابية الوحشية حيث انضم إليها عندما كان عمره سبعة عشر عاماً، وقد تلقى دروس الهمجية والافتراس من أساتذته الأبالسة، ومن أشهرهم بن غوريون وشامير ورابين. وهو من الذين ولغوا في دماء المسلمين في مذبحتي دير ياسين واللد عام ١٩٤٨م في فلسطين، وفي مذبحتي صبرا وشاتيلا عام ١٩٢٨م في لبنان، وهو الذي شكل (الوحدة ١٠١) وأسماها (الشياطين) ، واختار بنفسه جميع أفرادها ممن عرفوا بالسوابق واللصوصية والقتل؛ حيث قام هذا الوغد باستخدام هذه الوحدة الفاسدة المفسدة بارتكاب خمس مجازر بشرية بين عام ١٩٥٣م و ١٩٥٦م، كانت مذبحة (قبية) من أشهرها! ! إن آمال شارون هي امتداد لهذا الرصيد الإجرامي. لذا فإن كل ما ينتظر منه لن يكون سوى إفرازات سامة من هذا المختزن التاريخي. توظيف النبوءات. يؤمن شارون بأن دولة اليهود ينبغي أن تمتد من الفرات إلى النيل. ونظراً إلى أن هذا التطلع مبني على نبوءات توراتية (لا يهم بالنسبة له أن تكون حقيقية أو مزيفة) فإن برامجه السياسية وممارساته التنفيذية كلها تنطلق من هذا التصور. وبحسب تطور الأحداث فإنه بعد أن درس الحقوق في الجامعة العبرية في القدس انضم إلى الماباي ثم الحزب الليبرالي ثم استقر به المطاف في تكتل الليكود المتطرف، وذلك منذ حوالي ربع قرن. إن تكتل الليكود يتسابق في تطرفه مع الأحزاب اليمينية، ويتسابق في مراوغاته السياسية مع حزب العمل، غير أن جميع هؤلاء تضمهم بوتقة واحدة هي استغلال النبوءات بحق أو بباطل للوصول إلى تحقيق حلم إسرائيل الكبرى. هذه هي المركبات الثلاثة (التكوين الشخصي، الرصيد التاريخي، توظيف النبوءات) التي تصيغ الآمال الشارونية. وهي في جوهرها نفس المركبات التي تصيغ وتصبغ أي حكومة يهودية بغض النظر عن من هو رئيس وزرائها. بل إن هذا الحكم يوشك أن يمتد أيضاً ليطول كل يهودي في الأرض المحتلة أو خارجها (ولا عبرة بالأقلية المخالفة) ، ومن أدلتنا على ذلك التاريخ الأسود لحزب العمل المنافس لتكتل الليكود، وكان قد حكم الدولة اليهودية لعقود. فإذا كانت المركبات الثلاثة المذكورة تصنع الآمال الشارونية فما هو مخطط تحقيق تلك الآمال؟ ! المخطط الشاروني: إن الخطوط العريضة للمخطط الشاروني حسب تتابعها الزمني هي كالآتي: ١ - تجاوز اتفاقيات أوسلو واعتبارها شيئاً من الماضي. ٢ - إيقاف الانتفاضة الفلسطينية باستخدام جميع الوسائل. ٣ - هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه. ٤ - إيجاد وضع سكاني في الضفة الغربية وغزة يصب في النهاية في تعزيز وتكثيف الوجود اليهودي فيهما. ويتم ذلك عن طريق: أ - بلورة سلطة فلسطينية تخدم المخطط اليهودي بوضوح. ب - إيجاد ظروف مبرمجة مرحلياً لإجبار سكان الضفة الغربية وغزة (أو أغلبهم) على الهجرة إلى الأردن ومصر وغيرهما من الدول العربية والأجنبية. ج - التوسع في إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وغزة وزيادة عدد المهاجرين بشكل مكثف. ٥ - تحطيم القوى العسكرية في المحيط الجغرافي لدولة اليهود، ويشمل ذلك كلاً من سوريا ولبنان والعراق وإيران والسعودية، كما يشمل مصر والأردن لاحقاً (بعد إلغاء إتفاقيات السلام) . ٦ - بلع أراض جديدة وضمها إلى الدولة اليهودية، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: شرق الأردن، جنوب لبنان، جنوب سوريا، صحراء سيناء. ٧ - توقيع اتفاقيات تطبيع مع الدول العربية والإسلامية. تلك أهم الخطوط العريضة في المخطط الشاروني، وهو مخطط يعبر عن الآمال العريضة للصهيونية اليهودية؛ وعلى ذلك فإن مناط تحقيقه لا يرتبط بالوجود الشخصي لشارون بقدر ما يرتبط بالوجود المؤسسي (سياسياً واقتصادياً وعسكرياً) المتبني لهذا المخطط فكراً وممارسة. إن هذا المخطط يحتوي ضمناً أربع قضايا رئيسة: ١ - الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ٢ - إقفال ملف عودة المهاجرين الفلسطينيين. ٣ - القدس كلها عاصمة لإسرائيل. ٤ - اعتبار الوجود السكاني الحالي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، واتفاقيتي السلام مع مصر والأردن، حالة مؤقتة أملتها الظروف وسيتجاوزها المخطط الشاروني. فما هي المرتكزات التي ينطلق منها تنفيذ هذا المخطط؟ * المرتكزات الشارونية: إن المخطط الشاروني الذي ذكرت خطوطه العريضة لا يتحرك من فراغ، بل يستند إلى دعائم قوية، من أهمها ما يلي: أولاً: الدعم الأمريكي المطلق: لقد وفرت الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة رئيسها بوش جميع أنواع الدعم لشارون ليمضي قدماً في تنفيذ مخططاته. إن الدعم المذكور يتألف من خمسة عناصر: ١ - الدعم الاقتصادي، وحجمه مفتوح. ومن أراد التفصيل فليطلع على التقرير الذي أعده أعضاء ولجنة الكونغرس (خدمة الأبحاث النيابية) CRS، بعنوان: (المساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل - قسم العلاقات الخارجية والدفاع والتجارة -) . ٢ - الدعم العسكري؛ حيث إن ما تقوم به الدولة اليهودية الآن من أعمال الإجرام يتم معظمه بالسلاح الأمريكي الحديث جداً وذي التقنية العالية، وخاصة طائرات F-١٦ وهوليكوبترات أباتشي. ٣ - الدعم السياسي؛ حيث تقوم الولايات المتحدة باستعمال حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن إزاء أي قرار فيه إدانة للأعمال الوحشية لدولة اليهود، كما أنها تقوم بالضغط السياسي على مختلف دول العالم للوقوف مع اليهود في إجرامهم وإفسادهم. إن الإدارة السياسية الحالية للولايات المتحدة قد وضعت كل ثقلها في دعم المخطط الشاروني، إلى الدرجة التي جعلت الرئيس الأمريكي بوش يقدم الغطاء السياسي لممارسات الدولة اليهودية الحالية؛ وذلك بتصريحه أنه يتفهم ما تقوم به الدولة اليهودية، وأن ما تفعله لا يتجاوز الدفاع عن النفس، متجاهلاً تماماً الحقائق الكبرى والتي من أهمها أن اليهود هم المعتدون مرتين: الأولى عام ١٩٤٨م، والثانية عام ١٩٦٧م، وأن الفلسطينيين لم يفعلوا أكثر من محاولة الدفاع عن أنفسهم. فالإدارة الأمريكية تمارس دور قلب الحقائق ونشر الزيف وافتراء البهتان، وتحمل دول العالم على تصديق هذه السلسلة المتوالية من الأكاذيب المحضة والدجل السياسي المغرض. وتقوم وزارة خارجيتها ممثلة بوزير الخارجية كولن باول بالاتصال بزعماء العالم، وبتنشيط سفرائها في مختلف الدول لجعلها منخرطة في الركب الأمريكي، خدمة لإسرائيل. وقد بلغ الصلف الأمريكي والعجرفة أن السفير الأمريكي في البحرين المدعو رونالد نيومان طلب من الحاضرين الوقوف دقيقة حداداً على القتلى الإسرائيليين، وذلك في حفل دعي إليه شاركت فيه ٢٥ مدرسة حكومية، وخاصة في يوم الأربعاء الموافق ٣ إبريل ٢٠٠٢م. ٤ - الدعم الإعلامي: إن الإعلام الأمريكي يقوم بدور دنيء في التغطية الإعلامية للأحداث، حيث يمارس الكذب على نطاق واسع جداً، ويظهر المعتدي الغاشم، وهم اليهود، بمظهر الحمل الوديع الذي انقض عليه الذئب المفترس، وهم الفلسطينيون. إن هذا الإعلام المضلل يعمل بشكل متناغم جداً من التوجه السياسي الأمريكي؛ حيث جعل من نفسه بوقاً للعهر اليهودي، مما جعل شارون يجلس مرتاحاً يمط ذراعيه ويمد رجليه! ! إن ما تفعله القوات اليهودية الآن من قتل للرجال والنساء والأطفال والعجزة والمسنين والمعوقين والمسجونين، ومن بقر للبطون وتمثيل بالجثث، وهدم للمنازل وتجريف للأراضي والمزروعات، وتدمير للمستشفيات على من فيها، وقصف للمساجد ولكافة المنشآت والمراكز الأمنية الفلسطينية، وحصار للمدن والقرى، وقطع للكهرباء والماء والغذاء وكافة الخدمات الإنسانية، وانتهاك للأعراض ونهب للمتلكات، ومصادرة لسيارات الإسعاف بعد قتل الأطباء والممرضين الذين فيها، وعدم سماحها بإسعاف المصابين وتركهم ينزفون حتى الموت، وعدم السماح للفلسطينيين لدفن قتلاهم في المقابر، وسلسلة الإعدامات والقتل بدم بارد، لمجرد حب القتل لا أكثر، إن هذا الذي فعله اليهود في فلسطين مستخدمين أعتى أنواع الأسلحة من طائرات وصواريخ ودبابات وقنابل عنقودية، وسواها كثير، أقول: إن كل هذا الإجرام لم يحظ بأية إدانة من الإعلام الأمريكي الذي رضي لنفسه أن يكون في أحضان اليهود. بل إن بوش قد جعل من نفسه أداة إعلامية رئاسية ليدعي بملء فيه أن كل تلك الوحشية ما هي إلا للدفاع عن النفس. ٥ - الدعم اللاهوتي: نعم، لقد حظيت الدولة اليهودية بالدعم الكنسي الأمريكي! وصال وجال رجال الكنيسة ليروجوا مقولة إن دعم إسرائيل والوقوف معها هو المعجل لعودة المسيح، ومن أبرز هؤلاء القس جيري فولويل؛ حيث يعتبر أن (إعادة تأسيس إسرائيل عند المسيحيين الأصوليين هو إيفاء بالنبوءات) ، والقس بات روبرتسون الذي يركز في برامجه على أن (إعادة مولد إسرائيل هي الإشارة الوحيدة إلى أن العد التنازلي لنهاية الكون قد بدأ) ، والقس جورج أوتيس الذي يقول: ( ... ونعتقد أن اليهود في أي مكان ما زالوا هم شعب الله المختار، وأن الله يبارك من يباركهم..) والأصولي النصراني مايك إيفانز الذي يقول: (ونحن نؤمن بأنه يتوجب على أمريكا الوقوف بجانب إسرائيل.. وكلمة الله تعترف بالقدس، وعلينا واجب الاعتراف بكلمة الله) . هذا سوى الدور اللاهوتي الذي تقوم به جماعات الضغط النصرانية الأصولية، من أمثال: (السفارة المسيحية الدولية) ، و (المائدة المستديرة الدينية) ، و (مؤتمر القيادة المسيحية الوطنية لأجل إسرائيل) وهو تجمع صهيوني نصراني أسسه فرانكلين ليتبل، و (مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل) وغيرها من مجموعات الضغط الذين تعج بهم الساحة الأمريكية. إن هذه العناصر الخمس، والتي تبين الدعم المطلق للدولة اليهودية، تمثل قدرة اليهود على تحويل الرياح لصالحهم؛ وذلك من خلال المثابرة والجد والتخطيط والمتابعة، وهم بهذا يكونون قد قلبوا الصفحة التاريخية التي أراد تثبيتها الزعيم الأمريكي السابق بنجامين فرانكلين - أحد واضعي دستور عام ١٧٨٩م - عندما حذر من اليهود ومن سطوتهم وذلك في وثيقة أودعها في معهد فرانكلين بفلادلفيا؛ حيث قال مخاطباً الشعب الأمريكي: (أيها السادة! في كل أرض حل بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقي، وأفسدوا الذمة التجارية فيها) إلى أن قال: (إذا لم يبعد هؤلاء من الولايات المتحدة بنص دستوري فإن سيلهم سيتدفق إلى الولايات المتحدة في غضون مائة سنة، إلى حد يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا ويدمروه، ويغيروا شكل الحكم الذي بذلنا في سبيله دماءنا وضحينا بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية، ولن تمضي مائتا سنة حتى يكون مصير أحفادنا أن يعملوا في الحقول لإطعام اليهود على حين يظل اليهود في البيوتات المالية، يفركون أيديهم مغتصبين! !) ، وقريب من هذا الكلام ذكره (جورج واشنطن) الرئيس الأول للولايات المتحدة (١٧٨٩م - ١٧٩٧م) حيث قال عن اليهود: (إنهم يعملون ضدنا بشكل أكثر فعالية مما تفعله جيوش العدو، وهم أخطر منه مائة مرة على حرياتنا وقضيتنا العظيمة التي ننخرط فيها، وإنه لمن المحزن جداً أن كل ولاية لم تعمد منذ أمد بعيد إلى ملاحقة اليهود والقضاء عليهم باعتبارهم آفة على المجتمع، وأعظم عدو يهدد استقرار الولايات المتحدة وأمنها وسعادتها) ، غير أن الرؤساء الأمريكيين الذين جاؤوا بعد ذلك ضربوا بتلك التوصيات عرض الحائط، حيث أخذ التواجد اليهودي في الولايات المتحدة مداه. وللذكرى فقط، فإن الرئيس الأمريكي هاري. أس. ترومان قد ذكر في رسالته إلى الملك عبد العزيز بن سعود ملك المملكة العربية السعودية، والمؤرخة في ٨ شعبان ١٣٦٥هـ الموافق ٨ يوليو ١٩٤٦م ما خلاصته: (وإني أعتقد مخلصاً أن السماح لمائة ألف يهودي بدخول فلسطين لن يعد تعدياً على حقوق العرب في فلسطين، ولا يؤدي إلى تبديل في الوضع الحالي، وإني لمقتنع بأن فلسطين تستوعب المائة ألف ساكن بحسب أحوالها الاقتصادية الموجودة بها من دون تأثير في بقية السكان الحاليين. وقد عينت ثلاثة أعضاء من وزارتي لضمان النظر بدقة في هذا التقرير، وسيتصلون في مباحثاتهم بالحكومة الإنجليزية) [٢] . نعم! نجح اليهود في قلب تلك الصفحة الأمريكية التاريخية، واستبدلوها بصفحة أمريكية جديدة هم الذين يكتبون نصوصها ويصيغون مفرداتها. ثانياً: القوى اليهودية الذاتية: هي واحدة من أهم مرتكزات تحقيق المخطط اليهودي الشاروني. إن القوى اليهودية الذاتية كثيرة جداً؛ فهي قوى سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية، منها ما هو في داخل الدولة اليهودية ومنها ما هو خارجها. غير أن الذي يعول عليه شارون وحكومته في تحركهم الحالي هو القوى الذاتية اليهودية في داخل كيان الدولة، ذلك أنه وفق الإحصاءات المعلنة فإن الدولة اليهودية تملك من المؤسسات في جميع المرافق ما يفوق في كل واحد منها مجموع مثيلاته في كل الدول العربية مجتمعة. ويشمل ذلك المؤسسات الاقتصادية والبحثية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والاعلامية وغيرها. إن جميع هذه المؤسسات تعمل بشكل متناسق لتصب في النهاية في بحيرة صناعة إسرائيل الكبرى. فإذا ما أضفنا إليها المؤسسات اليهودية في العالم أو الداعمة لها، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن هذا الكيان المحدود جغرافياً سيضحى كياناً متخماً بعوامل القوة والسطوة التي لا تستخدم إلا في التدمير والإفساد في الأرض. ولعل قوله - تعالى -: [وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً] (الإسراء: ٤) ينطبق حالياً على هذه الدولة التي شاع إفسادها وتمادى علوها. وفي وقتنا الحاضر قد توافق وجود القوى اليهودية المؤثرة والفاعلة مع وجود القيادة الحازمة والحاسمة؛ مما شكل دعماً مضطرداً لتحقيق الآمال والغايات الشارونية. ثالثاً: التغلغل في السلطة الفلسطينية: هذا هو المرتكز الثالث في تحقيق الآمال الشارونية؛ فمنذ البداية كانت أصابع الاتهام تتجه نحو هذه السلطة ذات المواقف المريبة والتصرفات العجيبة والغريبة، لقد قادت هذه السلطة الشعب الفلسطيني من هزيمة إلى أخرى ومن سيئ إلى أسوأ، فمن هزيمة ١٩٦٧م إلى أيلول الأسود عام ١٩٧١م إلى احتلال لبنان ١٩٨٢م إلى إجهاض الانتفاضة الأولى عام ١٩٩٢م إلى محاولة إجهاض الانتفاضة الثانية التي انطلقت في ٢٨ أيلول عام ٢٠٠٠م والتي لا يزال أوراها مستعراً وشعلتها متأججة، لقد حققت السلطة الفلسطينية لليهود ما عجزوا هم عن تحقيقه، ومن أهم ذلك: ١ - استطاعت أن تنأى بالصراع من الساحة العقدية وتدلف به إلى الساحة القومية ثم الوطنية، وبذلك حجمت ساحة الصراع لتختزله من ترامياته الإسلامية إلى محدوديته الفلسطينية؛ مما أفقد الزخم الفلسطيني الطاقات الإسلامية، ثم العربية. ٢ - حاصرت السلطة الفلسطينية حالات المواجهة مع الكيان اليهودي في مسمى (النضال) و (الكفاح) لتبعده عن مصطلح (الجهاد) ؛ مما أبعد عن الأنظمة الحاكمة الضغط الجماهيري الذي سيكون قوياً وضاغطاً فيما لو كانت حالات المواجهة خلال العقود الماضية تحت مسمى الجهاد. ٣ - دأبت السلطة الفلسطينية على ممارسة حالات القمع الوحشي ضد كل فلسطيني يتعدى الحدود المسموح بها (والمتفق عليها) مع اليهود. ٤ - توجت السلطة الفلسطينية كل ذلك بعقدها اتفاقيات أوسلو التي اعترفت لليهود بسيادتهم على الأراضي المحتلة قبل عام ١٩٦٧م، والتي لم تعط للفلسطينيين سوى ١٠% من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م (المنطقة A) ، ليس باعتبارها منطقة مستقلة، بل باعتبارها منطقة ذات حكم ذاتي تخضع للقانون الإسرائيلي. ٥ - ساهمت السلطة الفلسطينية في القضاء على الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام ١٩٨٧م التي استمرت خمس سنوات، وذلك بتوقيعها على اتفاقيات أوسلو التي تضمنت أن تعمل السلطة الفلسطينية كرجل أمن لقمع أي تحرك فلسطيني ضد الكيان اليهودي، كما تضمنت إخضاع القضايا الأساسية للتفاوض بعد مرور خمس سنوات على بدء تنفيذ الاتفاقية (القضايا الأساسية هي: دولة فلسطين المستقلة، القدس، اللاجئون، المستوطنات) . ٦ - وقفت السلطة الفلسطينية بحزم ضد الانتفاضة الحالية، فقامت بتوفير كل ما تستطيعه من إجراءات الحماية للكيان اليهودي لتحول دون تسربها إلى داخل أراضي الخط الأخضر (حدود ١٩٤٨م) ولحصرها داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م بقصد بذل الممكن لإخمادها، وقد تضمنت هذه الإجراءات اعتقال ما أمكنها من قادة وقواعد كل من (حماس) و (الجهاد الإسلامي) و (الجبهة الشعبية) وفصائل أخرى ومحاكمتهم بتهمة التعرض للكيان اليهودي (تنفيذاً لاتفاقيات أوسلو) ؛ إضافة لممارستها عمليات التعذيب والتصفية الجسدية للمعتقلين. كما عمد بعض رموزها والمنافقون إلى تزويد أجهزة الأمن اليهودية بكل المعلومات التي تخص تحرك نشطاء الانتفاضة، وقد أدت مواقف السلطة الفلسطينية إلى قيام قواعد الفصائل المنضوية تحت عباءتها بالخروج من تلك العباءة وممارسة الانتفاض ضد الكيان اليهودي، وقد شمل ذلك كثيراً من قواعد (فتح) و (الجبهة الشعبية) . ٧ - عندما أخفقت السلطة الفلسطينية في قمع الانتفاضة الحالية، وذلك بسبب تجاوز الانتفاضة إمكانات قدرة السلطة للقضاء عليها، باشر الكيان اليهودي ممارسة مواجهتها بنفسه بالتنسيق التام مع بعض دوائر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. ٨ - كان من الطبيعي أن تؤدي المواقف السابقة للسلطة الفلسطينية إلى احتراق أوراقها وإلى افتضاح كبار شخصياتها، ومن أبرزهم أحمد قريع (أبو علاء) ومحمود عباس (أبو مازن) وصائب عريقات، ومحمد دحلان، وجبريل الرجوب، ومحمد الهندي. ويدعى هذا الطاقم بـ (الفريق الإسرائيلي في السلطة الفلسطينية) حسب ما ذكرته مجلة الوطن العربي [٣] . لقد رجح كثير من المحللين السياسيين أن أحد أهداف تجديد الاجتياح اليهودي الأخير للضفة الغربية وقطاع غزة هو تلميع هذه الرموز، وخاصة ياسر عرفات؛ حيث إن تشديد الحصار حوله مع المحافظة على حياته سيقلده وسام البطولة القومية بعد انحسار الأزمة، مما يمنحه أوراقاً شعبية قوية في أية تسويات مستقبلية، كما أن تسليط الأضواء على تمثيلية القضاء عليه سيصرف الأنظار الفلسطينية والعربية والدولية عما تقترفه القوات اليهودية من إبادة جماعية للشعب الفلسطيني. صحيح أن قتل ياسر عرفات سيصعد الموقف على كافة المستويات المحلية والعالمية، لكن الصحيح أيضاً أن إسرائيل لا تعير أي اهتمام للوزن الدولي فيما لو أرادت تصفيته، خاصة بعد أن وضعت الدعم الأمريكي في جعبتها (بما في ذلك احتمال الإجهاز على عرفات أو نفيه) ، والصحيح أيضاً أن الكيان اليهودي قد حافظ على سلامة ياسر عرفات في مواقف شتى، من أشهرها استخراجه من حصار بيروت عام ١٩٢٨م مع كامل طاقمه، تماماً كما تستل الشعرة من العجين. لقد أثبت جدارة المحافظة عليه، فهو الذي كان حادياً لركب أوسلو ٣٩٩١م وما تمخض عنها عبر واي بلانتيشن وواي ريفر وكامب ديفيد (٢) وباريس وشرم الشيخ، ثم أخيراً إقراره بتوصيات ميتشيل وموافقته على تفاهمات تينت. إن اعتبار التغلغل في السلطة الفلسطينية ركيزة من ركائز تحقيق المخطط الشاروني ليس فيه أي افتئات عليها؛ حيث إن الواقع والوقائع تدعم كلامنا جملة وتفصيلاً، وإلا فكيف نفسر توزيع صور بعض رموزها على الجنود الصهاينة كي لا يقعوا في الوزر الكبير وهو قتل أحدها خطأً؟ ! إن كلامي هذا لا يعني الدعوة إلى تصفية السلطة الفلسطينية، بل إدراك حقيقتها وسبر غورها للتعامل معها من هذا المنطلق؛ فهي حالياً بمثابة الموسى في الحلق: لا يمكن بلعه، ولا استخراجه! ! ومن الملاحظ أن كلاً من شارون وبوش لا يوجهان هجومهما على السلطة الفلسطينية، بل على ياسر عرفات وحده. وإن استبقاءه حياً إلى الآن يعتبر ورقة في يد الحكومة اليهودية؛ حيث تقوم حالياً بمراقبة اتجاه الرياح السياسية، فإن وجدت مصلحتها في استمرار بقائه حافظت على حياته، وإن كان العكس فلن تتوانى عن تصفيته. لكن يغلب على ظني أن استبقاءه ربما يكون من مصلحة شارون؛ فإن قتل برصاصة طائشة فسيحاسب شارون الذي أطاشها أيما محاسبة! ! ومما يؤكد ذلك ما نشره الكاتب الصحفي فؤاد الهاشم في زاويته في صحيفة (الوطن) الكويتية بتاريخ ٥ أبريل ٢٠٠٢م حيث ذكر بالنص: (قال لي أحد الزملاء: إن عرفات طالما اشتكى لإسرائيل ومصر والأردن من كونه لا يستطيع السيطرة على العمليات الاستشهادية التي تقوم بها حركة حماس وكتائب الأقصى والجهاد الإسلامي، وبأن هؤلاء يعارضونه ويعرقلون عملية السلام، لكنه لا يستطيع إبادتهم حتى لا يظهر أمام شعبه بمظهر الخائن؛ لذلك اتفقت معه إسرائيل على تمثيلية الحصار عليه حتى تقوم هي بالعمل القذر وبتصفية عناصر هذه الحركات. وفي نفس الوقت تبقى صورة أبو عمار كبطل وصامد ونبي هذه الأمة الجديد! ! كما وصفه أحد مستشاريه قبل أيام على قناة الجزيرة (سبحانك هذا كفر شديد وبهتان عظيم) ، ليوقع بعدها ما شاء من تواقيع على أي ورقة سلام تقدمها له واشنطن وتل أبيب) ، جاء هذا اللقاء في حفل العشاء الذي أقيم بتاريخ ٣ أبريل ٢٠٠٢م على شرف وكيل المجلس الأعلى للصحافة في مصر الأستاذ صلاح منتصر. رابعاً: عجز الأنظمة العربية والإسلامية: هذا هو المرتكز الرابع لتحقيق المخططات الشارونية (اليهودية) ، لقد اخترت كلمة (عجز) لتلطيف الحقيقة التي هي بمثابة العاصفة. إنها تعصف بكل مسعىً حميد لمجابهة الكيان الصهيوني. لقد تبارت هذه الأنظمة في تكديس جميع أنواع الأسلحة الحديثة وجيشت الجيوش وأحكمت المخابرات، لكنها جميعها وجهتها وجهة واحدة، هي حماية الأنظمة وقمع المعارضة، مع المحافظة على استعراضها وهي تشع لمعاناً في المناسبات الوطنية (ومن أهمها سيطرة النظام الحاكم على السلطة) . لقد قدمت تلك الأنظمة أراضي فلسطين عام ١٩٤٨ م إلى اليهود على طبق من ذهب ليقيموا عليها دولتهم، وكان شعار: " ماكو أوامر " هو الراية التي رفرفت فوق رؤوس الجيوش العربية المجرجرة. وبعد أن تباهت تلك الأنظمة بإعادة بنائها لجيوشها الجرارة على كافة المستويات القتالية بحراً وجواً وبراً، تفاجأت الجماهير العربية بأن كل ذلك لم يكن سوى نمر من ورق، بمجرد أن هبت عليه ريح اليهود في ٥ حزيران عام ١٩٦٧م حتى أحالته هباءً منثوراً، فاندحرت تلك الجيوش وباءت بالهزيمة الماحقة، واحتلت دولة اليهود كلاً من سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان من خلال معركة صورية لم تدم حقيقة أكثر من أربع ساعات، لكنهم قالوا ستة أيام، فسميت بحرب الأيام الستة. ثم جاءت حرب التحريك في ١٠ أكتوبر عام ١٩٧٣م لتفرخ اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، ثم تلتها اتفاقيات السلام مع الأردن. إن الأنظمة العربية عجزت تماماً عن قيادة الجماهير في صراعها التاريخي مع الكيان اليهودي، ولم تتمخض مؤتمراتها إلا عن بيانات الاستنكار والشجب، وتقديم التنازلات تلو التنازلات. لقد علمت الحكومات اليهودية بهذا العجز الذي أثبتت الأحداث ترسخه واستفحاله، فباتت تعد الخطط وتصيغ البرامج وهي في مأمن تام من أي تحرك عربي جاد. وقد جاءت الأحداث الأخيرة التي ابتدأت في ٢٨ مارس ٢٠٠٢م لإعادة احتلال كامل الضفة الغربية وغزة، في خضم اجتماع مجلس القمة العربي في بيروت، فلم تستطع تلك القمة تحريك ساكن أو التأثير على أي موقف خاص بالقضية الفلسطينية، مع العلم أن أولئك المجتمعين كانوا على علم مفصل بكل المآسي الحاصلة من جراء الاجتياح اليهودي للأرض المحتلة، فقد ورد في نص البيان الختامي للقمة (بند ٩) ما يلي: (استعرض القادة الوضع البالغ الخطورة الذي يعيشه الشعب الفلسطيني جراء الحرب التدميرية المبرمجة والشاملة التي تشنها عليه قوات الاحتلال الإسرائيلية بشتى الأساليب وكافة الأسلحة بغية تدمير مؤسساته وإخضاعه وإخماد جذوة مقاومة الاحتلال في نفوس أبنائه، إلى جانب استمرارها في سياسة الاستيطان والاغتيالات وهدم المنازل وإقامة مناطق عازلة وتدمير البنية التحتية وإحكام الحصار الاقتصادي والإبعاد والتهجير، في خرق صارخ للقانون الدولي وللاتفاقات والأعراف والمواثيق الدولية، ويحملون إسرائيل المسؤولية الكاملة لعدوانها ولممارستها الوحشية على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، وما أحدثته من دمار وخسائر في البنية الأساسية للمدن والقرى والمخيمات والمؤسسات والاقتصاد الوطني والفلسطيني، ويؤكدون ضرورة إلزام إسرائيل بمسؤولية التعويض عن جميع هذه الأضرار والخسائر ... ) [٤] . إذن هناك استحضار واضح لحجم المأساة لدى القادة المجتمعين، ومع ذلك فلم يتجاوز الفعل أكثر من حبر على ورق، حتى بات لسان حال الأسلحة الفتاكة العربية يشكو بثه وحزنه إلى الله تعالى، ويدعو على الذين حولوه إلى حديد خردة - سكراب -، ولو كان لهذه الأسلحة عيوناً لملأت دموعها المتدفقة الوديان والسهول ولجرت أنهاراً وأضحت بحاراً. لقد حازت الأنظمة العربية جميع أوسمة العجز والشلل، ومن أهمها: ١ - العجز السياسي. ٢ - العجز العسكري. ٣ - العجز الاقتصادي. ٤ - العجز الإعلامي. ٥ - العجز التعبوي. وأخيراً عجزها عن فك الحصار عن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات؛ عندما كان محاصراً، أليس هو عضو في جامعة الدول العربية وفي منظمة المؤتمر الإسلامي ورئيس دولة فلسطين في مؤتمر القمة الذي لم يحضره بسبب الحصار. لقد حطم هذا العجز السمعة العربية في جميع أنحاء العالم وأمام كافة حكوماته وشعوبه، حتى بات يضرب به المثل ومثاراً للتندر! ! وبعد.. فتلك باختصار هي المرتكزات الأربعة الرئيسة التي يرتكز عليها المشروع اليهودي الصهيوني الشاروني لبلوغ أهدافه وتحقيق غاياته وتثبيت مقاصده والوصول إلى مآربه. * إجهاض الآمال اليهودية الشارونية: للوهلة الأولى، فإن المتمعن في كيفية إجهاض الآمال اليهودية الشارونية التي ذكرناها سيصل إلى نتيجة واحدة هي أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بإجهاض المرتكزات التي ذكرناها والتي يرسي المشروع اليهودي الشاروني عليها دعائمه ويقيم فوقها بنيانه. وعند التحقيق فإن جميع تلك المرتكزات يمكن التأثير عليها أو زعزعتها أو اجتثاثها بالكلية إذا توفرت الجدية مع العزم والتصميم وفاعلية الإرادة. لكن هذا الأمر فيه تفصيل أوجزه فيما يلي: ١ - إجهاض مرتكز العجز العربي والإسلامي: إن القادة العرب والمسلمين تحت أيديهم إمكانات واسعة سوى التوسل يمكن توظيفها مباشرة في حلبة الصراع مع الكيان اليهودي، ومن أهمها: أ - إعلان أن مقاتلة اليهود هو جهاد في سبيل الله؛ يتبع ذلك وضع كافة الجيوش العربية والإسلامية في حالة استنفار شاملة، إضافة إلى إعلان حالة التعبئة الشعبية الجهادية. ب - إعادة النظر في العلاقات السياسية مع كافة بلدان العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي بحسب موقفهم من الصراع مع دولة الكيان اليهودي. ج - فرض المقاطعة الاقتصادية الشاملة على دولة الكيان اليهودي وجميع الدول والشركات المتعاملة معه. د - استعمال البترول كسلاح مؤثر ومباشر في الصراع. هـ - إلغاء اتفاقيات السلام الموقعة مع الكيان اليهودي. و توظيف رؤوس الأموال العربية والإسلامية في الاستحواذ على المنابر الإعلامية العالمية لإيصال حقيقة الصراع إعلامياً إلى كافة شعوب الأرض. وقف فلسطيني على تلة في الأرض المحتلة فقرأ هذه البنود الستة، فعلم أنها مجرد خيالات وتمنيات لن يتحقق منها شيء، غير أنه تذكر المظاهرات التي تجوب أنحاء البلاد العربية والإسلامية والأجنبية فارتفعت روحه المعنوية شيئاً ما، لكنه أدرك أن ذلك بمجرده لن يجدي شيئاً، وأن هذا المرتكز، على المستوى المنظور، سيبقى ولن يجهض. فانهمرت دموعه ثم ضرب كفاً بكف، لكنه أضمر في نفسه شيئاً! ! ٢ - إجهاض مرتكز الدعم الأمريكي: إن إجهاض هذا المرتكز حالة صعبة بالفعل؛ وذلك بسبب التداخل العضوي الحالي القائم بين دولة الكيان اليهودي والولايات المتحدة الأمريكية. إن فك التشابك بينهما متعذر حقيقة؛ إذ لو أطلقت على الولايات المتحدة الأمريكية اسم دولة اليهود الأمريكية لما كنت قد جانبت الصواب. إن الموقف الأمريكي المساند لليهود بشكل مطلق ليس هو مجرد رغبة شخصية للرئيس بوش، بل هو بتأييد مطلق من المؤسسات الفيدرالية وخاصة الكونغرس. كما أن جميع المؤسسات الفاعلة في أمريكا تقف في صف إسرائيل. ولذلك فإن إزالة هذا المرتكز غير مقدور عليه الآن، لكن يمكن التأثير على هذا التشابك ومحاولة تفكيك تماسكه بالوسائل الآتية: ١ - المقاطعة الشاملة للبضائع والصناعة الأمريكية. ٢ - المطالبة بتصفية قواعدها العسكرية وبسحب جيوشها من المواقع الحالية المنتثرة في أراضي المنطقة العربية والإسلامية ومياهها. ٣ - التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، أو بخفض مستواها. ٤ - مواصلة طلب تخليها عن الدعم بأنواعه لدولة إسرائيل. ٥ - إيجاد قوة ضغط عربية وإسلامية في داخل الولايات المتحدة لا تقل عن قوة جماعات الضغط اليهودية. ٦ - التأثير بشكل فاعل على توجهات الرأي العام الأمريكي ليرى الحقيقة ويبصر الواقع. ذلك الفلسطيني الواقف على تلة في الأرض المحتلة، قرأ هذه البنود الستة، فعلم أنها مجرد خيالات وتمنيات لن يتحقق منها شيء، فانهمرت دموعه مرة أخرى، ثم ضرب كفاً بكف، لكنه أضمر في نفسه شيئاً! ! ٣ - إجهاض مرتكز السلطة الفلسطينية: ما المطلوب؟ ! ! هل المطلوب إسقاط السلطة الفلسطينية؟ ! الجواب: في الظروف الحالية لا؛ ذلك أن السلطة الحالية رغم الموبقات الشديدة التي تكتنف تحركاتها المشبوهة فإنها تعتبر رمزاً للشعب الفلسطيني، سواء في داخل الأرض المحتلة أم أمام دول العالم أجمع. وبغض النظر عن رأينا الخاص في هذا الرمز إلا أن الواقع هو ما ذكرنا. هل المطلوب دعم السلطة الفلسطينية؟ ! الجواب: في الظروف الحالية (وقبل الحالية) لا؛ ذلك أن دعم السلطة الفلسطينية حالياً سيسهم في تلميع وجوه شخوصها المشبوهة، مما يضفي عليها صفة القوة والدعم الشعبي الذي لن يتمخض إلا عن دخولها في مفاوضات استسلام جديدة مع حكومة شارون بعد أن تكون قد ساهمت بشكل فعال في إجهاض الانتفاضة متلفعة برداء المنجد من حالة العسرة والمنقذ من حالة الغرق. * إذن! ما هو المطلوب؟ ! في رأينا المطلوب ثلاثة أمور: الأول: فك حالة التداخل بين القيادات الميدانية للانتفاضة وبين السلطة الفلسطينية قدر الإمكان وبقدر ما تسمح به الظروف وتتحقق المصلحة، إن الأثر الإيجابي لذلك هو تحجيم سيطرة السلطة الفلسطينية على دفة الانتفاضة ثم عزلها بعد ذلك كلية عن تلك الدفة. الثاني: إفراز سلطة فلسطينية ميدانية وذلك بعد انكفاء الظروف الحالية تمارس الاهتمام بشؤون الانتفاضة على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية، ثم مع اتساع دائرة هذه السلطة الميدانية شيئاً فشيئاً تتقلص مساحة نفوذ السلطة الفلسطينية الحالية إلى أن تبلغ حالة العجز، فتسقط تلقائياً، وتحل بدلها السلطة الجديدة الميدانية تلقائياً. إن شارون يخشى كثيراً من إمكانية حدوث ذلك؛ ولهذا فهو أمام خيارين: إما التمسك بالسلطة الحالية بعد أن تكون قد أجهدت وأضعفت وقُزِّمت بسبب الأحداث الحالية. أو استلال سلطة جديدة من جوف السلطة الحالية مطعمة بعناصر أخرى من المنافقين يحقق من خلالها أهدافه في المرحلة المقبلة. الثالث: لا بد من رفع شعار الإسلام في هذه المواجهة؛ ذلك أنه المعبر عن حقيقة الصراع على أرض الإسراء، ثم هو الشعار الذي يفرض نفسه على كافة الفصائل؛ فإن لم يكن على قيادييها فعلى قواعدها في أقل الحالات. ثم إن هذا التوجه هو الذي يستمطر النصر من الله - تعالى - لقوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) ، ولذلك فإن السلطة الميدانية لا بد أن تكون معبرة عن هذا المفهوم ومتحركة به. ذلك الفلسطيني الواقف على تلة في الأرض المحتلة قرأ هذه الاقتراحات، فاستوعبها عقله وارتاحت إليها نفسه، لكنه قال: إن هذا أمر دونه الشهور والسنون، ونحن في حالة مواجهة تلاحمية على مدار الليل والنهار، ثم استدرك فقال: سنبدأ في هذه، ولكن أكلها بعيد، وستبقى الدولة اليهودية الشارونية متخذة من السلطة الفلسطينية الحالية مرتكزاً من مرتكزاتها، فانهمرت دموعه مرة ثالثة، ثم ضرب كفاً بكف، لكنه أضمر في نفسه شيئاً! ! ٤ - إجهاض مرتكز القوى اليهودية الذاتية: إن دولة الكيان اليهودي هي البقعة المركزية التي تنتهي مآلات القوى اليهودية في العالم إلى الصب فيها فتوطد أركانها وتعلي بنيانها. إن التحرك اليهودي باستخدام هذه القوى الجبارة أرعب جميع القوى المخالفة، وأقصد بها الدول العربية والإسلامية؛ ذلك أن تلك القوى ليست وهمية أو متخيلة، بل هي من الناحية العسكرية صواريخ تدك، وقاذفات تدمر، ودبابات تزمجر، وتقنية حربية متطورة، وقنابل ذرية مخزنة لكنها جاهزة. ومن الناحية السياسية هيئة دستورية ديمقراطية مستقرة، وحدت المرحلة أهدافها وجمعت تطلعاتها. ومن الناحية الاقتصادية مؤسسات وشركات ذات رؤوس أموال أسطورية متوزعة عنكبوتياً في جميع أنحاء العالم، وفعلها في الاقتصاد العالمي كفعل الأخطبوط عندما يطبق على فريسته. ومن الناحية الإعلامية شبكة معقدة قد سيطرت بشكل واسع جداً على كثير من أدوات التأثير في الرأي العام العالمي، سواء عن طريق الصحافة أو المجلات أو البث الفضائي أو تقنية الإنترنت وسواها. غير أن هذه القوى لا يمكنها الاستمرار والتطور إلا إذا توفر لها عنصران: الأمن والهجرة. ونظراً لكون الهجرة لا تزدهر إلا بتوفر الأمن، وبعدمه تقف الهجرة الوافدة وتنشط الهجرة المغادرة؛ فإذن " الأمن " هو بيت القصيد. فإذا ضرب الأمن في الكيان اليهودي من داخله فلن تفلح الركائز الأخرى في منع اضمحلال بنيان ذلك الكيان وتهاوي أركانه؛ ذلك أن حاله كالخيمة: عمودها المركزي هو قواه الذاتية، والأساس الأسمنتي الذي يثبت هذا العمود هو الأمن، فإذا اجتث الأساس سقط العمود المركزي وانهارت الخيمة. لقد جاءت الانتفاضة وفق هذا المفهوم، وبدأت آثارها في تفتيت الأمن الإسرائيلي؛ إذ إنها دفعت بالصراع إلى النقطة المركزية مباشرة. في هذه المرحلة بالذات لم يكن أمام دولة الكيان اليهودي إلا استخدام أعتى حالات القمع من تقتيل وتشريد وتتبير وتجريف وحصار وغير ذلك من الوسائل الشمولية التدمير بغية المحافظة على استدامة صمود العمود المركزي. غير أن شعب الانتفاضة لا يملك ما يقابل به تلك القوى الطاغية والعاتية؛ فهو مجرد من السلاح يفتقر إلى أدنى الخدمات، يغلب عليه الفقر، ويعشش في أوساط مخيماته البؤس، لكنه يملك سلاحاً ذا شقين: الشجاعة والإرادة، فقرر تفعيل هذين السلاحين، فكانت الانتفاضة الثانية في ٢٨/٩/٢٠٠٠م ٢٨/٦/١٤٢١هـ، ولا يزال هذا السلاح يثبت قوته وجدارته في ساحات المنازلة إلى ساعة كتابة هذه السطور، محافظاً على مضائه مزعزعاً ومزلزلاً أركان عدوه بعد أن عصف بالأمن الإسرائيلي وبدده أدراج الرياح. ذلك الفلسطيني الواقف على التل في الأرض المحتلة قرأ هذا الكلام، ثم أخرج مفكرة من جيبه وشرع يسترجع بعض الأرقام التي أفرزتها الانتفاضة، فكان مدوناً فيها ما يلي: * الخسائر على الجانب الإسرائيلي: * بلغ عدد القتلى اليهود على يد المقاومين الفلسطينيين أكثر من ٤٥٠ قتيلاً وأكثر من ٣٢٠٠ جريح. * خلال العام الأول من الانتفاضة بلغت خسائر الكيان اليهودي حوالي ملياري دولار، وانخفض معدل الإنتاج بمقدار ٦%، وقلصت ٤١% من المصانع إنتاجها، و٣٥% قلصت عملها، و ٤٠٠ أغلقت أبوابها. * انخفض عدد السياح القادمين إلى الكيان اليهودي بنسبة ٥٠% مما أدى إلى إغلاق ٢٥ فندقاً، وإقالة ٧٠ ألف موظف من مختلف المؤسسات السياحية، وخسارة ٣ مليارات دولار. * بلغ العجز في التجارة الخارجية للكيان اليهودي ٣ مليارات في الربع الأول من عام ٢٠٠١م، والعجز في الميزانية ٥ مليارات دولار. * انخفض الاستثمار الأجنبي من ١١,٥ مليار دولار إلى ٤,٥ مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من عام ٢٠٠١م. * بلغ عدد الشركات التي شطبت من سوق الأوراق المالية وقيمتها السوقية ١٢ مليار دولار ٥٩ شركة. * انخفضت قيمة الشيكل بنسبة ١٠%. * أقامت ٤٥٠ شركة بناء يهودية دعوى ضد السلطة الفلسطينية لتعويضها بمائة مليون دولار قيمة ما نجم من أضرار بسبب الانتفاضة. وقد فعل أصحاب الفنادق والمطاعم مثل ذلك خوفاً من العمليات الاستشهادية. وقد تسببت الانتفاضة في انخفاض إيجارات المطاعم بنسبة ٣٠%. * ارتفعت البطالة إلى ربع مليون عامل، وانخفض الدخل ٦ % وتقلصت الميزانية بقيمة ١,٢مليار دولار. * تراجع عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة بمعدل النصف على الأقل عام ٢٠٠١م وبلغت نسبة المستوطنات التي فرغت ٢٦%. * تراجعت الهجرة إلى الكيان اليهودي عام ٢٠٠١م بمقدار ٥٠%، وبلغت الهجرة المعاكسة ١٣ ألفاً. * بلغت خسائر شركة العال اليهودية ٨٣ مليون دولار خلال النصف الأول من عام ٢٠٠١م. * ارتفعت نسبة المضربين عن الخدمة العسكرية خلال عام ٢٠٠١م بمقدار ٠٣%، وبلغ عدد الجنود والضباط الذين تمت محاكمتهم بسبب تهربهم من الخدمة العسكرية ١١٢٠٠ فرد. * بلغ عدد الجنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم ٢٠ ألفاً بكلفة يومية قدرها ٣ ملايين دولار. * معدل التحذيرات اليومية التي ينبغي التعامل معها في آن واحد ٦٠ تحذيراً. * وأرقام أخرى ... * على الجانب الفلسطيني: * إلى نهاية مارس ٢٠٠٢م بلغ عدد الشهداء (نحسبهم كذلك والله حسيبهم) أكثر من ١٥٠٠ شهيد، وعدد الجرحى أكثر من ٣٠ ألف جريح. وبلغ عدد المعوقين في أحداث الانتفاضة ١٣٩٨ معوقاً، منهم ٤٣٧ طفلاً دون الثامنة عشرة. * ارتفعت نسبة الأسر التي تقع تحت خط الفقر إلى أكثر من ٦٤% والتي فقدت دخلها بالكلية بعد الحصار ١٤%. * بلغت الخسائر التجارية من جراء الحصار حوالي ٧٠٠ ألف دولار يومياً، وبلغت في القطاع الزراعي ٣٤٥ مليون دولار، حيث شملت خسائر تجريف الأشجار والمحاصيل والتربة وخسائر الثروة الحيوانية والسمكية وغيرها. * بلغ عدد الأشجار التي اقتلعها اليهود ٤٠ ألف شجرة. * بلغ عدد المخازن الزراعية المهدمة ١٣٤مخزناً، وعدد مزارع الدواجن التي أتلفها اليهود مع معداتها ٤٥ مزرعة، وتم تدمير ٢٣٩٥ خلية نحل، وإتلاف ٥٧٧١ دونماً من شبكات الري، وهدم ٤٤٢ بركة وخزان مياه. * بلغ عدد البيوت المتضررة من القصف اليهودي حوالي ٥ آلاف منزل، منها ٥٨٠ منزلاً دُمرت تدميراً كاملاً، وألحقت الأضرار في ٤٠٠٠ مبنى و ٣٠ مسجداً و ١٢ كنيسة. * بلغت الخسائر الاقتصادية منذ اندلاع الانتفاضة ٣. ٧ مليار دولار. * بلغ عدد الذين فقدوا أعمالهم ٨٢ ألف شخص، إضافة إلى وجود ٧١ ألف شخص دون عمل قبل بدء الانتفاضة. * أدت إقامة المستوطنات اليهودية إلى تدمير الأحراش والبيئة الطبيعية. مثال ذلك إقامة مستعمرة يهودية في غابة أم الريحان قرب جنين (عمرها ٢٥٠٠ عام) مما أدى إلى تدمير جزء كبير من الغابة مما أثر في الاتزان والتنوع الطبيعي. وكذلك تدمير أحراش النبي صالح في أم الصفا. كما أن اليهود ينشئون طرقاً التفافية لأجل تجنيب المستوطنين المرور في المدن الفلسطينية مما نتج عنه تدمير مساحات واسعة من النباتات والأشجار والبيئات الطبيعية. * تقوم السلطات اليهودية بنقل المصانع ذات التلوث البيئي من الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م إلى الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، وتشيد المصانع الجديدة ذات التلوث البيئي في هذه الأراضي المحتلة (الضفة الغربية وغزة) ، كمصنع البطاريات الذي أنشئ شمال أريحا، وإنشاء المقالع والمحاجر في بيت لحم والخليل وإنشاء مصنع كيماوي له مخلفات شديدة التأثير قرب طولكرم، وفتح مجاري المستوطنات اليهودية لتصب في المناطق الفلسطينية المجاورة. وقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع نسبة الأمراض السرطانية بشكل حاد بين المواطنين الفلسطينيين. * كانت الخسائر البشرية في مخيم جنين البالغ عدد سكانه حوالي ١٣ ألف نسمة فادحة وتفوق الخيال، فكم ستكون تلك الخسائر فيما لو اجتاحت القوات اليهودية مخيم جباليا شمالي غزة والذي يبلغ تعداد سكانه ١٠٢ ألف نسمة، أو مخيم الشاطئ ذا الـ ٧٦ ألف نسمة، أو مخيم النصيرات ذا الـ ٦٢ ألف نسمة أو مخيم دير البلح ذا الـ ٧٠ ألف نسمة أو مخيم خان يونس ذا الـ ٦٠ ألف نسمة أو مخيمات رفح ذات الـ ٩٠ ألف نسمة، وإذا كان الجيش اليهودي قد مارس سياسة الإبادة الجماعية في أحياء غزة المكتظة بالسكان، مثل حي الشجاعية، أو حي الشيخ رضوان، أو حي الزيتون والتفاح! ! . وكم سوف تبلغ أعداد الشهداء؟ ! * بلغت أعداد اللاجئين خارج فلسطين والموزعة في بعض الدول العربية كما يلي: سوريا ٣٩٢ ألفا، لبنان ٣٨٢ ألفاً، الأردن ١٦٤٠ ألفاً، وأما المرابطون في الضفة الغربية فقد بلغوا ٦٠٨ ألفاً، وفي غزة ٨٥٣ ألفاً. كما بلغت أعداد المخيمات الفلسطينية في سوريا ١٠ مخيمات، لبنان ١٢ مخيماً، الأردن ١٠ مخيمات، الضفة الغربية ١٩ مخيماً، غزة ٨ مخيمات. * وأرقام أخرى ... [٥] . تمعن الفلسطيني في تلك الأرقام، ثم طوى مفكرته وأرجعها إلى جيبه، وقال: حسناً قد أثخنوا فينا بالباطل، وأثخنا فيهم بالحق، والحرب سجال، ولا سواء! ! قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.. ثم أضمر في نفسه شيئاً! ! * الانتفاضة تحقق توازن المواجهة: بعد أن تبين أن (الأمن) هو بؤرة مرتكز قوى الكيان اليهودي، وأن الإطاحة به هي الطريق للعصف بوجوده، فلنُعد النظر في أرقام الخسائر على الجانبين: اليهودي، والفلسطيني: ١ - الجانب البشري: إذا لا حظنا أن عدد القتلى اليهود عامل أساس في خوفهم وهلعهم وهربهم وهجرتهم المعاكسة، وفي تقلص أعداد المهاجرين الجدد، في حين عدد الشهداء الفلسطينيين عامل أساس في استثارة إيمانهم وفي تحفيزهم واشتداد عزمهم للأخذ بثأرهم، فإن مفاد هذه الملاحظة أن عدد القتلى اليهود يصب في تقلص سيطرتهم على ساحة الصراع، وأن عدد شهداء فلسطين يصب في تمدد سيطرتهم على ساحة الصراع. وهذا يعني أن وقوع القتلى من أي طرف يصب في كفة ترجيح ميزان الانتفاضة. ٢ - الجانب النفسي: أوضحت الأرقام أن اليهود تنتابهم حالة انهيار نفسي شديدة؛ وذلك من خلال تراجع أعداد المستوطنين الجدد وهروب كثير من المستوطنين حالياً، وارتفاع نسبة المضربين عن الخدمة العسكرية، وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، في حين أن الانتفاضة أفرزت مزيداً من التشبث بالأرض، وارتفاعاً عظيماً في الروح المعنوية، وإقبالاً لا نظير له في التضحية والفداء. ٣ - الجانب الاقتصادي: صحيح أن الانتفاضة أثرت سلبياً على الاقتصاد في الكيان اليهودي، غير أن هذا التأثير يمكن تعويضه بسهولة من خلال الدعم الأمريكي والمؤسسات والشركات اليهودية الكبرى المنتشرة في أنحاء العالم. أما الفلسطينيون فخسائرهم الاقتصادية الفادحة لا يوجد من يعوضها! ! (أقر اجتماع القمة الأخير تخصيص ٥٥ مليون دولار شهرياً لصالح السلطة الفلسطينية ولمدة ستة أشهر فقط، ولو افترضنا أن جميع هذا المبلغ سيوزع على الفلسطينيين لكانت حصة الفرد الفلسطيني ثلث دولار في اليوم! !) . ٤ - الجانب السياسي: أضفته هنا رغم عدم تعلقه بالأرقام المذكورة لإتمام الكلام في الموضوع، إن حكومة شارون الائتلافية (حكومة حرب) تحظى بتأييد شعبي يهودي عارم، مما أفلت العنان ليد شارون في اتخاذ ما يراه من قرارات دون تحفظ أو خوف من السقوط في الانتخابات القادمة، أي هناك التحام بين الحكومة اليهودية ومستوطنيها. فقد أفاد استطلاع للرأي اليهودي نشرته صحيفة (جيروزاليم بوست) اليهودية بتاريخ ٤ أبريل ٢٠٠٢م أن ٧٢% من الإسرائيليين يدعمون عملية (سور الدفاع) - أي عملية الإبادة الحالية - وأظهر استطلاع آخر نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) اليهودية بنفس التاريخ ارتفاع شعبية شارون بـ ١٧ نقطة وأن ٦٢% من الإسرائيليين يثقون به، ومعلوم أن (الحرب) هي الشعار الانتخابي الذي أوصل شارون إلى كرسي رئاسة الوزارة بفوزه بـ ٦٣% من الأصوات! ! أما في الجانب الفلسطيني فهناك فجوة كبيرة من الشك بين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني؛ ذلك أنها متهمة لديه بالمزايدة على تطلعاته، إما لأنها تريد تحقيق مكاسب ذاتية أو لتمييع القضية أو للاثنين معاً، خاصة أن تاريخها عبر العقود السابقة حافل بهذه المساومات التي دفعت بالقضية الفلسطينية إلى وديان التقهقر والتراجع، إذا ما أخذنا هذه العناصر الأربعة بعين الاعتبار والنظر، فإننا سنجد أن المواجهة بين الفلسطينيين وبين الكيان اليهودي في بوتقة الانتفاضة هي في حالة (توازن) مع شيء ما من الثقل لصالح الانتفاضة؛ مما يفيد إمكان استمرار المواجهة لفترة طويلة. لكننا نجزم أن (مكاسرة ثني الذراع) على المدى المستقبلي ستكون لصالح الفلسطينيين؛ وذلك إذا حافظوا على تأكيد المنطلق الإسلامي في المواجهة مع استبقاء إرادة التصدي والتحدي والتضحية والفداء في أعلى درجاتها، وإذا تم تحييد السلطة الفسلطينية وتجريدها من أسلحة إجهاض الانتفاضة، وخاصة الدخول في المفاوضات والعودة إلى مقبرة أوسلو. * السلاح الجديد يقلب الحسابات: ذلك الفلسطيني الواقف على تلة في الأرض المحتلة الذي كلما استعرض مرتكزاً من مرتكزات الكيان اليهودي ودقق في كيفية إجهاضه، انهمرت دموعه، وضرب كفاً بكف، ثم أضمر في نفسه شيئاً! ! فماذا أضمر؟ ! لقد أضمر أن يستخدم سلاحاً جديداً مرعباً وفتاكاً يدافع به عن نفسه وشعبه ولا يستطيع الكيان الصهيوني أو من يدعمه توفير مثله، إنه سلاح (العمليات الاستشهادية) إنه بيع الدنيا بالآخرة، ملبياً قول الحق - تعالى -: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١١١) . هذا السلاح له ميزات من أهمها: ١ - إمكان استعماله في أي موقع من مواقع العدو اليهودي، سواء في تجمعاته داخل الحزام الأخضر أو خارجه. ٢ - لا يتعلق استخدامه بزمان معين، فهو حزام ناسف يلفه الاستشهادي حول جسده أو عبوة ناسفة مدمرة يحملها في حقيبة في يده أو على ظهره أو في سيارته، ثم يفجر ذلك كله في الوقت الذي يريد. ٣ - يمكن باستخدام هذا السلاح تخطي جميع الحواجز الأمنية اليهودية والتحايل على إجراءاتها مهما كانت شديدة. ٤ - إنه يبث الهلع والرعب في قلب العدو اليهودي بشكل دائم؛ لأنه لا يعلم أين ستكون العملية الاستشهادية، ولا كيف ومن أين ستأتيه الضربة؟ حيث شملت هذه العمليات حواجزه العسكرية والأمنية ومستوطناته ومجمعاته التجارية ومقاهيه ومسارحه وقاعات حفلاته وأسواقه وحافلاته ومنشآته العامة والخاصة ومنتجعاته السياحية وغيرها؛ مما جعل اليهود يتوقعون أن يأتيهم الموت في أي مكان وأي زمان. ٥ - هذا السلاح يستطيع أي شخص استعماله، سواء كان رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، منظماً في جماعة - كحماس أو الجهاد الإسلامي أو كتائب الأقصى - أو غير منظم. ٦ - هذا السلاح متوفر بكثرة لافتة؛ إذ إن الطريقة الوحشية التي يعامل بها الكيان اليهودي الفلسطينيين جعلت كل فرد منهم سلاحاً استشهادياً. ٧ - لا يحتاج هذا السلاح إلى تدريب، أو مدربين، فهو سهل الاستعمال جداً. ٨ - وهو سلاح ليس بحاجة إلى معامل لتصنيعه؛ إذ إن معامل الإيمان تقوم بتصنيعه ذاتياً. ٩ - إنه سلاح غير مكلف مادياً، حيث يستطيع أي فرد القيام بأعبائه مهما كان فقيراً. ١٠ - وهو سلاح ينقل مستعمله إلى الجنة دفعة واحدة باستشهاده في سبيل الله. قال تعالى: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٦٩-١٧١) . ١١ - عطَّل هذا السلاح الاستشهادي فاعلية جميع أسلحة الكيان اليهودي البرية والبحرية والجوية، المنقولة منها والمحمولة، في التصدي له بأي منها. ١٢ - أوقع هذا السلاح الرعب والحيرة في قلب القيادة السياسية والعسكرية والأمنية اليهودية؛ حيث أفسد نظامها الأمني بالكلية، وأظهرها ضعيفة أمام شعبها اليهودي لعدم قدرتها على تأمين الحماية له. لقد أثبت استعمال هذا السلاح البسيط والمتطور أن الكيان اليهودي قد أصيب في الصميم، وأن استفحال استخدام هذا السلاح سيزعزع أصل كيان دولته الباغية ويقوض أساسات مقومات وجودها؛ فعليها أن تعيد النظر في هيكلة مؤسساتها قاطبة؛ لأنها لم تكن مهيكلة لمثل هذا النوع من المواجهات. تلك اثنتا عشرة ميزة متفردة لهذا السلاح الاستشهادي. فما هو رد الفعل اليهودي على ذلك؟ ! ١ - شن الكيان اليهودي حملة ضغط قاسية جداً على السلطة الفلسطينية لتضطلع بدورها المناط بها في محاربة هذا السلاح الاستشهادي، لكن السلطة أخفقت بعد أن استنفدت قدراتها لتحقيق ذلك. ٢ - قام الجيش اليهودي بعمليات حربية واسعة رداً على كل عملية تمت من هذا النوع، وقد تضمنت تلك العمليات القصف بالطائرات وبالدبابات وتجريف الأراضي وهدم المنازل وتدمير الممتلكات واقتحام المدن والقرى والمخيمات ومحاصرتها والإمعان في القتل العشوائي، علماً أنه كان يقوم بكل ذلك من قبل رداً على الانتفاضة ومن قبل استعمال السلاح الاستشهادي، إلا أنه ازداد همجية ووحشية بعد استعماله. إلا أن توسيع العمليات العسكرية اليهودية أدى إلى توسيع العمليات الاستشهادية نوعاً وكمّاً؛ مما أدى إلى اتخاذ الصراع مساراً تصاعدياً حاداً وعنيفاً جداً. ٣ - عندما أسقط في يد شارون وزبانيته قررت هذه العصابة الدموية إعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة لوضع حد للانتفاضة، ولإبطال استعمال هذا السلاح الجديد، وللقيام بما عجزت السلطة عن القيام به من تصفية الحركات الجهادية حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى وغيرها فباشرت مشروعها الإجرامي في ٢٨ مارس ٢٠٠٢م، ولا يزال القتال محتدماً لغاية اللحظة في ٨ أبريل ٢٠٠٢م. * آفاق المستقبل: لا يعلم الغيب إلا الله - تعالى -. لكننا من معطيات الواقع سنحاول استشراف المستقبل. والذي أتوقعه والله - تعالى - أعلم: ١ - إخفاق المخطط الشاروني الذي ذكرناه في أول المبحث ما عدا تجاوز اتفاقيات أوسلو؛ حيث تجاوزه الطرفان كل من وجهة نظره. وإذا نجح شارون في إقامة منطقة عازلة بين الخط الأخضر والضفة الغربية فإن ذلك لن يمنع من مواصلة العمليات الاستشهادية؛ أي أن هذا الجدار الأمني لن يحقق الأمن للكيان اليهودي. ٢ - استمرار تكاسر الإرادات، وستغلب الإرادة الفلسطينية الإرادة اليهودية في نهاية الأمر بإذن الله - تعالى -. ٣ - الوضع النفسي اليهودي لا يتيح له مواصلة استمرار القتال الالتحامي لفترة طويلة. ولذلك فإن انسحاب الجيش اليهودي من المدن الفلسطينية لا بد منه؛ لأنه لا يستطيع مواصلة البقاء فيها حيث سيتعرض إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة وبشكل يومي. ٤ - عندما تنكسر الإرادة اليهودية وتنسحب آلتها الحربية من المدن الفلسطينية سيطلب شارون الدخول في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية، والتي في الأغلب ستكون بهيئتها الحالية، وقد ينقص منها ياسر عرفات وقد لا ينقص. ٥ - الانتفاضة ستستمر وفي ظلها ستكون المفاوضات. ٦ - الانتفاضة فرضت نفسها على السلطة الفلسطينية. ولذلك فإن هذه السلطة لن تستطيع تجاهل الانتفاضة وإفرازاتها؛ فليس أمامها إلا تبني مطالب الانتفاضة. ٧ - في حال محاولة السلطة الفلسطينية فرض توصيات ميتشيل وتفاهمات تينت وورقة زيني على الشارع الفلسطيني فإنها لن تنجح رغم الدعم الأمريكي والأوروبي لذلك. ٨ - المفاوضات الجدية والحقيقية والتي سوف تفرزها فيما بعد الانتفاضة والعمليات الاستشهادية سيكون محورها الاستقلال وإزاحة الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. وأما سقفها فغير محدد الآن؛ إذ سيتناسب ارتفاعه مع المعطيات المستقبلية في ساحة الصراع، سواء منها العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية. ٩ - لا يستبعد أن تلجأ الحكومة الشارونية عندما تخفق في الخروج من مأزق الانتفاضة إلى الدخول في حرب إقليمية، لكنها إن فعلت تكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ ليس بسبب قوة الجيوش العربية وتعاظم قدراتها القتالية، ولكن بسبب عدم قدرة الجيش اليهودي على خوض معركتين فاصلتين في آن واحد: معركة مع انتفاضة الفلسطينيين، ومعركة على جبهات القتال. ١٠ - لا نستطيع الفصل بين الاستعدادات الأمريكية لضرب العراق عن النتائج المتوقعة في المواجهة الحالية بين الكيان اليهودي والانتفاضة؛ حيث إن ضرب العراق وتدمير جيشه شرط أساس لدخول الكيان اليهودي في أية حرب إقليمية مع جاراتها. وختاماً: نقول: إن المسلمين يقاتلون على موعود الله لهم بالنصر، واليهود يقاتلون وهم يعلمون بحسب ما في كتبهم أنهم مهزومون في نهاية المطاف. فليعلموا [إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ] (البروج: ١٢) . وإن كيدهم مردود إلى نحورهم، [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] (إبراهيم: ٤٦- ٤٧) ، [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) ، [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . أسأل الله - تعالى - أن ينصر دينه، ويعز أولياءه، ويهزم أعداءه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4270

المسلمون والعالم الشيخ جمال أبو الهيجا أحد قادة حماس في حوار خاص مع البيان حاوره: نائل نخلة [*] رفض منذ اللحظة الأولى للاجتياح الصهيوني لمدينته جنين ومخيمها - حيث يقيم - أن ينزل تحت الأرض كما فعل غيره من قادة ومسؤولي التنظيمات الفلسطينية، أو أن يهرب من المخيم، وهو المطلوب رقم واحد لسلطات الاحتلال في المدينة، كما أن اسمه على رأس قائمة الاغتيالات، وأصر على أن يكون في أول الصفوف مع أبطال المقاومة في مخيم جنين، يقاتل كما يقاتلون، يضمد جراحهم، يشحذ هممهم، يخطط ويشرف على الكثير من عمليات الكر والفر، وذلك رغم إدراج اسمه على قوائم الاغتيال التي أعلنت عنها الأجهزة الأمنية الصهيونية، مما أدى إلى إصابته برصاصة من نوع دمدم أدت إلى بتر يده اليسرى ليحتسبها عند الله. بطريقة أو بأخرى تمكن الشيخ من الإفلات من قبضة الاحتلال، واستطاع وعدد غير بسيط من مجاهدي المخيم فك الطوق الذي فرض عليهم والوصول إلى مكان آمن. ولد الشيخ جمال أبو الهيجا في مخيم جنين عام ١٩٥٩م، وهو ينحدر من بلدة عين حوض في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وهو أب لستة أولاد. يقول الشيخ جمال: لقد التحقت بجماعة الإخوان المسلمين في الأردن عام ١٩٧٩م، على يد أستاذي الشيخ المجاهد الشهيد عبد الله عزام، ولم يخف الشيخ جمال تعلقه الشديد بهذا العلم الإسلامي وأثره البارز على مسير حياته، انتقل الشيخ بعد ذلك إلى اليمن حيث عمل مدرساً هناك ما بين الأعوام ١٩٨١ - ١٩٨٤م ليغادرها إلى السعودية مدرساً حتى عام ١٩٩٠م موعده مع العودة إلى فلسطين، حيث التحق منذ عودته إلى مخيم جنين بحركة المقاومة الإسلامية حماس ليكون شعلة الدعوة في هذا الموقع المتقدم في جبهة المقاومة، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة المعاناة والمصابرة، فقد اعتقل أكثر من ست مرات تنقل خلالها بين الاعتقال الإداري وأقبية التحقيق في مجدو وعزل الرملة والنقب، ليتجاوز مجموع ما قضاه في سجون الاحتلال ثلاث سنوات، ومع قدوم السلطة الفلسطينية إلى جنين لم يسلم من ملاحقتها؛ إذ تعرض للاعتقال والمساءلة أكثر من مرة على أيديها، وقد سجن نتيجة لذلك ستة أشهر، وقد حاولت الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقاله أكثر من مرة في انتفاضة الأقصى الحالية، إلا أنه يقول أن وقوف أهالي المخيم ببسالة في التصدي للاعتقالات السياسية حال دون ذلك. ولم تكن عائلة الشيخ جمال بمعزل عن هذه المعاناة فعدا رحلة فقدان الزوج والأب والمعيل وهو يتنقل من سجن إلى آخر، أصيب ابنه البكر عبد السلام خلال هذا الاجتياح لمخيم جنين برصاصة في الظهر اقتربت من العمود الفقري، كما أنه أصيب قبل نحو شهرين برصاص الشرطة الفلسطينية عندما حاول وإخوانه التصدي لعمليات الاعتقال السياسية التي شنتها السلطة الفلسطينية؛ مما أدى إلى تقطع أوتار يده، وكاد أن يقتل في حادثة أخرى لولا أن الله سلم؛ وذلك عندما أصيب واثنان من إخوانه باختناق شديد أثناء إطلاق كثيف لقنابل الغاز داخل منزلهم في المخيم، لقد تقلد الشيخ أبو الهيجا عدة مناصب إدارية في حركة حماس في جنين، وتنقل ما بين عمله ناطقاً رسمياً باسم الحركة في جنين إلى ممثل حماس في لجنة التنسيق للفصائل خلال الانتفاضة الأولى، إلا أن أخطر مرحلة في معاناة الشيخ كانت قبل عدة أشهر عندما وضعت (إسرائيل) اسمه على قوائم الاغتيالات، وذلك ضمن القائمة التي سلمتها C. I. A إلى السلطة الفلسطينية حيث اتهمته المخابرات الصهيونية بقيادة الجناح العسكري لحماس في جنين وتجنيد استشهاديين. قال الشيخ جمال إنه تفاجأ كثيراً بإدراج اسمه على هذه القوائم معتبراً أن إسرائيل تريد تصفية القادة السياسيين تحت حجج واهية. لقد عانينا كثيراً قبل ترتيب هذا اللقاء بسبب الظروف الأمنية المحيطة بالشيخ، مع العلم إنني أجريت المقابلة على ثلاث دفعات، عن طريق الهاتف النقال، حتى لا يتم ضبط المكان الذي يختبئ فيه الشيخ المجاهد. وكان لنا هذا اللقاء. البيان: نرحب بكم باسم مجلة البيان ونقول: حمداً لله على سلامتكم، ووفقكم الله من نصر إلى نصر، نود أن تحدثنا بحسب رؤيتك لتأثير الحملة العسكرية الصهيونية الاخيرة على الانتفاضة الفلسطينية؟ * بسم الله الرحمن الرحيم، وكل التحية إلى إخواننا في مجلة البيان، ووفقكم الله لخير الإسلام والمسلمين. في الحقيقة أرى أن الحملة العسكرية الشاملة التي لم يسبق لها مثيل على الشعب الفلسطيني كان لها تاثيرها بلا شك على الانتفاضة بأمرين: الأول على المدى القريب والذي نرى أنه قد يؤثر على فعاليات الانتفاضة سلبياً، بإضعاف بعض مجموعات المقاومة نظراً لشدة الحصار المفروض حول المدن والقرى والمخيمات، إضافة إلى سقوط عدد من القادة الميدانيين للتشكيلات العسكرية الفلسطينية المختلفة. أما الأثر الثاني وهو على المدى البعيد، فسيكون التأثير بإذن الله إيجابياً وقوياً جداً؛ لأن هذه الحملة الإجرامية تركت حقداً وكرهاً تعمق وتجذر في قلوب كل أبناء الشعب الفلسطيني، وزاد من إصرارهم على الانتقام؛ وبالذات أنه الآن يبعث الحرارة عند أجيال فلسطينية كاملة للانتقام، وبدل أن يكون هناك العشرات ممن يطلبون أن يكونوا استشهاديين فإن الأرقام تصل الآن إلى مئات الاستشهاديين، ونسبة كبيرة منهم من الفتيات اللواتي يتسابقن للعمليات الاستشهادية للانتقام من العدو الصهيوني الذي لم يترك بيتاً فلسطينياً إلا وترك فيه مأساة. البيان: كيف تنظرون في حركة حماس إلى جولة باول الاخيرة للمنطقة وإلى الموقف الأمريكي بشكل عام من الأحداث الدموية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية؟ * نظرتنا لم تتغير، وإن أمريكا ليست فقط منحازة إلى (إسرائيل) بل هي مشاركة ومساندة وداعمة لهذا العدوان الصهيوني في جرائمه ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وإننا في حركة حماس كنا وما زلنا لا ننخدع بفكرة أن أمريكا تمثل شريكا نزيهاً وراعياً لما يسمى السلام في الشرق الأوسط، وما جولة بول الأخيرة وما رافقها من تصريحات لبوش إلا التعبير الحقيقي عن الموقف الأمريكي المتواطئ مع (إسرائيل) منذ نشأتها وحتى اليوم، ولهذا لم نتفاجأ بهذا الموقف ولم ننتظر أصلاً منهم شيئاً لصالح الشعب الفلسطيني. البيان: ما هي رؤيتكم لمستقبل المقاومة الفلسطينية بعد الضربات التي تلقتها مؤخراً؟ * حقيقة أن الضربات لا تميت حركات المقاومة أو الشعوب التي تسعى إلى التحرر؛ فسرعان ما تنهض من كبوتها وتزداد قوة وصلابة، ونحن نرى أن المقاومة سوف تتصاعد وقد وصلت الى خط اللارجعة، وهي أكبر وأقوى - بإذن الله - من كل الضربات والحملات العسكرية والمؤامرات التي تحاك ضدها، ولن يستطيع أي شخص في هذا العالم أن يوقفها، ولن تزيدنا إلا إصراراً وتمسكاً بالمقاومة وخاصة إننا نرى أجيالاً هم أكثر حباً وحرصاً على التضحية بأرواحهم من أجل قضيتهم. البيان: كيف - برأيكم - يجب أن يكون الرد الفلسطيني على مجازر شارون في جنين ونابلس؟ * يجب أن يكون الرد متعدداً وعلى عدة أوجه: منه رد مقاوم من الأبطال والمجاهدين في فلسطين، وهنا أقول إنه يجب أن تتواصل العمليات الاستشهادية حتى نُشعِر العدو بأن حملته العسكرية وجرائمه ومجازره ضد المدنيين والأطفال والنساء لن تؤثر على الشعب الفلسطيني ولن تضعف من عزيمته. أما عربياً فيجب على كل المؤسسات والمنظمات الفاعلة في العالم أن تتحرك وبسرعة لكشف جرائم الاحتلال في مخيم جنين ونابلس وفضح بربرية دولة العصابات العبرية والعمل على تقديم المسؤولين فيها إلى محاكم دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب. البيان: ألا ترون أن القضية الفلسطينية الآن تمر بأخطر مراحلها؟ * نعم! وأرى أن القضية الفلسطينية أقرب الآن من أي وقت مضى الى النصر وتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني في التحرر وكنس الاحتلال، والآن على الشعوب العربية والإسلامية أن تقدم الدعم الغالي والنفيس لنصرة هذا الشعب وعدم التباطؤ او التراخي في مد يد العون والمساعدة له لتعزيز صموده، ويجب أن يترافق الدعم المالي والمعنوي مع الدعم في السلاح والعتاد وتزويد الفلسطينيين بكل الوسائل بالأسلحة ليكون قادراً على الدفاع وصد العدوان. البيان: كيف تنظرون إلى ردة فعل الشارع العربي وأيضاً الغربي على المجازر الصهيونية؟ * الشارع العربي اليوم مطلوب منه أكثر من أي وقت مضى أن يقرر مصيره بنفسه ولا ينبغي أن يبقى أسيراً للأنظمة العربية والتي أثبتت أنها لا تملك من أمرها شيئاً أمام الغطرسة الأمريكية والصهيونية، يجب أن تسعى الشعوب العربية وتطالب بحقها في أداء واجبها. ونرى أن المطلوب اليوم من الأمة شعوباً وأفراداً ومؤسسات وحركات فاعلة أن تخرج لتلبي نداء الواجب، النداء الذي يقتضي منهم أن يدعموا المقاومة بالمال والسلاح والدم وخاصة أن الشعب الفلسطيني يقدم أنهاراً من الدم والشهداء من خيرة أبنائه للحفاظ على مقدسات المسلمين وقبلتهم الاولى. واليوم هناك استحقاق كبير على عاتق إخواننا العاملين من الجالية العربية والإسلامية في الغرب وذلك بالتحرك الدؤوب والمتواصل لدعم الشعب الفلسطيني؛ وتحريك الشارع الغربي ضد المجازر الصهيونية والضغط على حكوماتهم لوقف دعمهم للإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. البيان: ما هي الرسالة التي خرج بها مخيم جنين بصموده إلى الأمة العربية والإسلامية؟ * الرسالة الأولى: هي فضح وتعرية الأنظمة العربية التي رفعت شعار تحرير فلسطين منذ عقود، ونهبت وسرقت كل مقدرات الأمة لتسليح جيوش جرارة تحت شعار تحرير فلسطين، واليوم تجد مخيماً بسيطاً لا يتجاوز عدد سكانه ١٣ ألف نسمة يصمد على مدار تسعة أيام متتالية من القصف الجوي والبري وبالمدافع والدبابات وبمشاركة أولية من المشاة تم استبدالهم ثلاث مرات تحت شعار (إعادة إنعاش القوات) وبإشراف من رئاسة هيئة أركان الجيش ثم وزير الحرب حتى يتمكنوا من اجتياح المخيم من خلال الجرافات، وسحق أحياء كاملة وتسويتها بالأرض ليتمكنوا من السيطرة عليه. الرسالة الثانية: هي أن الفئة القليلة المقاتلة المخلصة لربها ودينها وقضيتها إذا وقفت وقاتلت ستنتصر بإذن الله تعالى لا محالة، قال الله - تعالى -: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] (العنكبوت: ٦٩) ، وقال: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ انَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . والرسالة الثالثة: مفادها أن الجيش الصهيوني الذي قيل عنه الكثير من الأساطير تبين في مخيم جنين أنه جيش من ورق، ويجب على الأمة أن تبعد عن تفكيرها تلكم الحسابات الخاصة بحكامها الذين يرون إسرائيل قوة لا تقهر، وأن المقاومة ستنتصر - بإذنه تعالى - وأن هذا الكيان إلى زوال لا محالة. البيان: تلقت حماس عدة ضربات خلال الاجتياح الأخير سواء باغتيال عدد من القادة الميدانيين أو اعتقال عدد آخر من المسؤولين، هل سيترك هذا أثره على فاعلية حماس بالانتفاضة؟ * لم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها حماس للضربات، ونذكر أنه في انتفاضة عام ١٩٨٧م مرت حماس في ظروف ومراحل صعبة جداً، ولكنها عادت الى زخم المقاومة وتصدرت عمليات الجهاد، وإني أطمئن الأمة الإسلامية والعربية في كل مكان أن حماس ستتجاوز وستتدارك هذه الأزمة بسرعة كبيرة - بإذن الله - تذهل العدو، والصديق، وستعود إلى واجهة المقاومة مع هذا العدو الغاصب المجرم. البيان: شيخنا المجاهد! أنت كنت وسط مخيم جنين أثناء اجتياحه؛ فكيف تمكنت من الخروج؟ وكيف تصف لنا المقاومة التي عاشها مخيم الصمود؟ * أعمال المقاومة داخل المخيم كانت رائعة جداً وبطولية وكان الملائكة كانت تقاتل مع إخواننا، وفي كثير من الأحيان كان أبطال المقاومة يقتحمون مواقع الاحتلال المحصنة ويسيطرون عليهم، وبعد أن يصادروا أسلحتهم يقتلونهم ثم يغادرون بسلام، وهناك عشرات المواقف المشرفة والبطولية، وفي إحدى المرات تمكن المجاهدون من اقتحام أحد المنازل التي تحصن بها عدد من الجنود وأخذوا منهم خمسة عشر بندقية وتم تصفيتهم جميعاً وهم يصرخون ويبكون. أما بالنسبة لخروجي: نعم! فقد تمكن عدد غير بسيط من المقاتلين من الخروج من المخيم خاصة في الأيام الأخيرة، ولا شك أنه سقط عدد من الشهداء من بينهم قادة، واعتقل عدد آخر؛ لكن في اللحظات الأخيرة تمكن عدد كبير من المقاتلين من الخروج من المخيم وهم الآن في مكان آمن؛ ولا شك أن هذا الأمر انعكس إيجابياً على معنويات المقاومة والمواطنين الذين يتصلون بنا يطمئنون فيها علينا قبل أن يتفقدوا منازلهم وأسرهم ومحلاتهم. البيان: علمنا أن منزلكم دمرته الطائرات الإسرائيلية فهل من معلومات عن أسرتك التي كانت بداخله لحظتها؟ * نعم! بالفعل قصفت طائرات أباتشي الأمريكية الصنع منزلي في المخيم قبل اجتياحه بأيام بعدة صواريخ، ولكن العناية الإلهية أنقذت أسرتي التي تمكنت من الخروج بمساعدة السكان ولم يصب أحد بأذى بحمد الله. البيان: (إسرائيل) تضعك على قائمة الاغتيالات في منطقة جنين فما تعليقكم على ذلك؟ * لست الوحيد، ولا الأول ولن أكون الأخير؛ فقد سبقني الكثير؛ فالعدو الصهيوني لا يفرق بين مسؤول سياسي أو عسكري وبين شيخ أو طفل أو امراة أو رجل وكل فلسطيني هو مستهدف، وأقول: بالرغم من كل الملاحقات والتهديدات فلن نلقي السلاح، وسنواصل طريق المقاومة حتى دحر الاحتلال وتحرير القدس أن شاء الله. البيان: ما هي رسالتكم إلى الشعوب العربية، والإسلامية توجهونها عبر البيان؟ * أن أفيقوا من سباتكم، وانفروا إلى قدسكم، إلى أقصاكم، إلى نصرة إخوانكم في فلسطين، أنتم اليوم مع عهد الجهاد، بعد أن ذهب وولى عهد الشعارات التي طالما تغنينا بها، أنتم اليوم على موعد مع كرامة الأمة وعزتها ونصرة دينها، فأين ستقفون؟

стр. 4271

المسلمون والعالم أمريكا وإسرائيل وعقدة الدم عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com خاض الإسرائيليون بالاشتراك مع الأمريكيين الجولة الثانية ضد ما أسماه الطرفان بـ (الإرهاب) ؛ حيث شُنت الحرب هذه المرة ضد مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي بدلاً من طالبان والقاعدة، وباشر الأمريكيون الحرب فعلاً بأسلحتهم وبدعمهم المفتوح لدولة اليهود، لتقاتل بالنيابة عنهم وبالأصالة عن نفسها كما قاتل الأمريكيون نيابة عن إسرائيل في حرب الخليج الثانية. والمصلحة مشتركة على كل حال بين أمريكا واليهود في خوض حرب استئصال ضد أي حركة إسلامية مجاهدة في أي مكان من العالم، ولكن لأسباب معلومة كانت الحكومة الإسرائيلية أوْلى بخوض هذه الجولة من الحرب (الطويلة) التي أعلنتها الإدارة الأمريكية. إن الحلف القائم اليوم بين (إسرائيل الشرقية) الرابضة وسط البلدان العربية و (إسرائيل الغربية) القابعة في القارة الأمريكية، هو أجدر الأحلاف بأن يسمى (محور الشر) . أما سبْق الأمريكيين بإطلاق هذا المسمى على (العراق، وكوريا، وإيران) التي لا يربط بينها رابط، فهو من قبيل التعمية على الهدف الأصلي من الحرب الأمريكية اليهودية على الإسلام وأهله في العالم. نحن نعلم والناس يعلمون دوافع وخلفيات العداء اليهودي للعرب والمسلمين وللبشرية جمعاء؛ فعقدة التفوق العنصري الموهوم لما يسمى بـ (الشعب المختار) لا تزال مسيطرة على عقليات ومعتقدات اليهود الذين يكذبون دائماً ويصدقون أنفسهم، وما حدث على مر التاريخ اليهودي قديماً، وخلال تاريخ ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) حديثاً من صفحات سوداء دامية، يجلِّي لنا بصورة عملية الكيفية التي ترجمت بها عقدة التفوق الإسرائيلي؛ حيث تنفك هذه العقدة دائماً عن عقدتين أخريين: إحداهما شدة الاستهانة بدماء الآخرين من (الأمميين) أو (الأغيار) أو (الجوييم) أو (العامة) أو (الكوفريم) التي تعني في كل تلك المترادفات، الأصناف البشرية الأخرى غير اليهود. والعقدة الأخرى: شدة الحرص على قطرة الدم اليهودي، بل على حفنة التراب من رفات اليهودي، إلى الحد الذي جعل الإسرائيليين في مرات عديدة يقايضون رفات بعض الأموات، برقاب عشرات الأحياء من العرب السجناء! لا أريد هنا أن أفيض في الحديث عن مظاهر وخلفيات عقدة الدم اليهودي؛ فكل هذا أصبح معروفاً بالمعايشة، ومكروراً بالمراقبة ومعروضاً على الأسماع والأبصار والأفئدة. أما ما لم يعرف كله أو ينتظر جُله، فهو ما كان يصدر ولا يزال عن النصارى الأنجلوساكسون [١] ، من مواقف عدائية ضد جميع الأجناس البشرية، لا ضد المسلمين وحدهم؛ حيث بدا بجلاء أن أبرز من يمثلون الأنجلوساكسون وهم الإنجليز والأمريكان لديهم عقدة أخرى تسيطر على تصرفاتهم تقترب كثيراً في الشبه من عقدة التفوق العنصري اليهودي. وقد وجدت بعد شيء من البحث والتأمل أن العقدتين اللتين تتحكمان في أكثر تصرفات كفار أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وبالذات نصارى البروتستانت، تتصلان بدعوى الانتساب إلى ما يسمى بـ (البقية المختارة) من أبناء يعقوب أو بني إسرائيل، حيث تتنافس الطائفتان الضالتان في احتكار الانتساب إلى بقية (الشعب المختار) من سلالة أسباط بني إسرائيل [٢] . تلك السلالة التي يعتقدون أنها لن تنقرض حتى يخرج منها جيل الخلاص الذي سيشهد أحداث نهاية العالم. سأتجاوز التفصيل الآن عن خلفيات عقدة التفوق لدى العنصر الأبيض الساكسوني من نواحيها التاريخية والدينية، لأعود إليها بعد استعراض بعض مظاهرها من الناحية العملية السلوكية على مر التاريخ، وسأركز في ذلك على الجانب الأمريكي؛ لأنه المسيطر الآن على المسرح العالمي في كل الميادين العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بعد ضمور القوة البريطانية التي كانت سابقة على القوة الأمريكية في السيطرة على العالم في العصور الحديثة. أما الدولة الطاغوتية الحقيرة (إسرائيل) فإنها إحدى سيئات الأنجلو ساكسون، وكل ما يصدر عنها من جرائم فهو مدون في صحيفة السوابق الإنجليزية الأمريكية. إن المراقب للتاريخ الأمريكي تصدمه وقائع الطريقة التي تعامل بها الأمريكيون مع شعوب العالم الأخرى؛ إذ سرعان ما يكتشف المرء ألا فرق كبيراً بين نظرة اليهود إلى (الجوييم) أو الأمميين العوام المستباحي الأرواح والدماء والأعراض، وبين نظرة الأنجلوساكسون إليهم، فكلا النظرتين تنطلقان من مقولة أن هناك جنساً متفوقاً لا بد أن تخضع له الشعوب وتركع تحت رجليه الأمم بحيث لا تكون لحياتها قيمة إلا بقدر ما تخدم (الشعب المختار) ، ولا تكون لأرضها أهمية إلا بقدر ما تمد ذلك الشعب بالخيرات، أما إذا تعارضت حياة أولئك (الأغيار) مع المصالح العليا للشعب المختار، فلا ضرورة لهذه الحياة أصلاً، وأما إذا ما تجرأ أحد منهم على تهديد حياة أحد من أبناء الشعب المختار، فإن قيامته لا بد أن تُعجَّل بإحراق أو إغراق أو استرقاق أو أي وسيلة من وسائل الإزهاق. وسنلاحظ هنا أن عقدة الدم الأنجلو ساكسوني الأمريكي لا تختلف عن عقدة الدم اليهودي من حيث تفرعها إلى عقدتين: عقدة الاستهانة الشديدة بدماء (الأغيار) ، وعقدة الحرص الشديد على دماء (الشعب المختار) . * الهنود الحمر: التدمير أسهل من التنصير: - في عام ٤٦٦١م، صدر كتاب بعنوان: (العملاق) كتبه (يوردجاك) تضمن نصائح للقيادات الأنجلو ساكسونية المتزعمة للمهاجرين البروتستانت إلى القارة الأمريكية الجديدة، جاء فيه: «إن إبادة الهنود الحمر والخلاص منهم أرخص بكثير من أي محاولة لتنصيرهم أو تمدينهم؛ فهم همج، برابرة، عراة، وهذا يجعل تمدينهم صعباً. إن النصر عليهم سهل، أما محاولة تمدينهم فسوف تأخذ وقتاً طويلاً، وأما الإبادة فإنها تختصر هذا الوقت، ووسائل تحقيق الانتصار عليهم كثيرة: بالقوة، بالمفاجأة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد، وفي المرحلة الأخيرة: المطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تخيفهم؛ لأنها تنهش أجسادهم العارية» ! - في عام ١٧٣٠ م، أصدرت الجمعية التشريعية (البرلمان) لمن يسمون أنفسهم: (البروتستانت الأطهار) تشريعاً يقنن عملية الإبادة لمن تبقى من الهنود الحمر، فأصدرت قراراً بتقديم مكافأة مقدارها ٤٠ جنيهاً مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر، و٤٠ جينهاً مقابل أسر كل واحد منهم، وبعد خمسة عشر عاماً ارتفعت المكافأة إلى ١٠٠ جنيه! ثم وضع البرلمان البروتستانتي (تسعيرة) جديدة بعد عشرين عاماً من صدور القرارات الأولى: فروة رأس ذكر عمره ١٢ عاماً فما فوق: ١٠٠ جنيه، أسير من الرجال: ١٠٥ جنيهات، أسيرة من النساء أو طفل: ٥٥ جنيهاً، فروة رأس امرأة أو فروة رأس طفل: ٥٠ جنيهاً. - في عام ١٧٦٣ م أمر القائد الأمريكي، البريطاني الأصل (جفري آهرست) برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري في أماكن تجمعات الهنود الحمر، لنقل مرض الجدري إليهم بهدف نشر المرض بينهم؛ مما أدى إلى انتشار الوباء الذي نتج عنه موت عشرات الألوف منهم. وبعد عقود قليلة انتهى أمر السكان الأصليين في القارة الأمريكية إلى ما يشبه الفناء، بعد الإبادة المنظمة لهم على أيدي المبشرين بالمحبة، والسلام للبشرية جمعاء! - بعد فراغ القارة الأمريكية من العبيد (الحمر) قرر الأمريكيون استيراد عدة ملايين من العبيد (السمر) لخدمة (الشعب المختار) فتحول رعاة البقر إلى بحارة يجوبون السواحل الإفريقية لاصطياد «العبيد» وحشرهم في سفن الشحن، في عمليات إجرام أخرى يعالجون بها آثار الجريمة الأولى في حق الهنود الحمر! ! حيث لم يبق لديهم ما يكفي من الأيدي العاملة لبناء صرح الحضارة الجديدة! وقد جلب الأوربيون والأمريكيون في أول الأمر ما لا يقل عن ١٢ مليوناً من الأفارقة المسترقين، جاؤوا بأفواجهم في الأصفاد، وكانت البرتغال أكثر الدول الأوروبية توسعاً في جلب هؤلاء إلى أراضي العالم الجديد في أمريكا، دون توفير أدنى الضمانات لتلك (المخلوقات) الإفريقية التي لم يَرْق التعامل معهم إلى مستوى التعامل مع فئران المعامل؛ فقد صدر عن منظمة اليونسكو عام ٧٨٩١م تقرير يحكي فظاعة ما حصل للأفارقة وهول الكارثة الإنسانية التي حلت بهم لهم من أجل «تعمير» أمريكا؛ فقد جاء فيه أن إفريقيا فقدت من أبنائها في تجارة الرقيق نحو ٢١٠ ملايين نسمة، وذكرت التقارير أن ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليوناً من الأفارقة الذين تم شحنهم من أنحاء القارة في أفواج من (جزيرة جور) الواقعة في مواجهة العاصمة السنغالية (داكار) ؛ قد هلك أكثرهم قبل أن يصلوا إلى العالم الجديد مما لقوا في رحلات العذاب داخل سفن شحن المواشي! ويذكر هنا أن أمريكا، وأمريكا بالذات. . . هي التي أحبطت في مؤتمر (دوربان) عام ٢٠٠٠م مطالب الأفارقة بالتعويض عما حدث لهم، بل رفضت أن يقدم لهم مجرد اعتذار! ومع كل هذا لا يزال كثير من المغفلين أو المغرضين يرفعون عقيرتهم قائلين: إن أمريكا محررة العبيد! - وقد بقي الأمريكيون مشغولين عن التدخل في شؤون العالم ثلاثة قرون، تاركين ذلك للجزء الأصلي من الشعب الساكسوني المختار (بريطانيا) ثم قرروا بعد نشوب الحرب العالمية الثانية أن ينفتحوا على العالم، وكانت بداية ذلك الانفتاح دموية قاتلة. * الثأر النووي: بالرغم من أن الحرب العالمية الثانية أفقدت العالم ما لا يقل عن خمسين مليوناً من البشر فإن خسارة الأمريكيين لخمسة آلاف جندي، بعد الهجمات اليابانية بطائرات (الكاميكازا) على (ميناء هاربر) الأمريكي عام ١٩٤٥م أفقدت الأمريكيين عقلهم؛ فلأول مرة يخسر الشعب الأمريكي (المختار) هذا الكم الهائل من الدماء في معركة واحدة، فكان لا بد أن يكون الرد حقداً يصب على رؤوس اليابانيين المدنيين منهم قبل العسكريين، وهذا ما حدث؛ فمقابل دماء الخمسة آلاف جندي أمريكي، أقبل الأمريكيون الأنجلو ساكسون على الانتقام المجنون، فأمر الجنرال (جورج مارشال) رئيس الأركان الأمريكي في ذلك الوقت، بتنفيذ عمليات قصف تدميري واسع النطاق للمدن اليابانية الكثيفة السكان، فتم إطلاق ٣٣٤ طائرة أمريكية لإلقاء القنابل الحارقة لتدمر ما مساحته ١٦ ميلاً مربعاً، ولتقتل في ساعات نحو ١٠٠ ألف شخص، وتشرد نحو مليون آخرين، في عمليات جحيم مستعر شمل طوكيو و ٦٤ مدينة يابانية أخرى، ثم ختم ذلك المشهد الدموي، بمشهد آخر أكثر دموية لم يكن للبشرية به عهد قبل مجيء العهد الأمريكي؛ فقد أقدم الأمريكيون وهم القوة المتظاهرة اليوم بالدعوة إلى التعقل في استعمال أسلحة الدمار الشامل إلى استعمال هذا السلاح، وكانوا أسبق البشر إلى استعماله عندما أسقطوا قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناجازاكي، حصدت بسببها عشرات الآلاف من الأرواح بلا أدنى تفريق بين مدني وعسكري، أو رجل وامرأة وطفل. - بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وقعت أزمة بين أمريكا وكوريا الشمالية بسبب خوف الأمريكيين من انتشار النفوذ السوفييتي في جنوب شرق آسيا، فتدخلوا بسبب ذلك في الأراضي الكورية، وعزل الأمريكيون الحكومة الشعبية، وأغرقوا البلاد في حروب طاحنة أشاعت ناراً ودماراً، ولكنها بعثت في الوقت نفسه نوعاً من الارتياح النفسي في قلوب زعماء (الشعب المختار) . يقول ناعوم تشومسكي، الكاتب الأمريكي المعروف، واصفاً نتائج تلك الحرب: «أشعلنا حرباً ضروساً، سقط خلالها ١٠٠ ألف قتيل. . وفي إقليم واحد صغير سقط ٣٠ ألفاً إلى ٤٠ ألفاً من القتلى أثناء ثورة قام بها الفلاحون» ، ويصف ذلك الكاتب كيف أن حكومة بلاده تدوس على «القيم» الديمقراطية إذا ما تبين أنها تحول بين أمريكا وبين مصالحها الذاتية. يقول: «لم يُثر انقلاب فاشي في كولولمبيا إلا قليلاً من احتجاج حكومة الولايات المتحدة، بينما لم تهتم بانقلاب عسكري في فنزويلا، ولا بعودة السلطة للمعجب بالفاشية في بنما، ولكن المرارة والعداوة التهبت في حكومتنا عندما صعدت للسلطة أول حكومة ديمقراطية في تاريخ جواتيمالا» [٣] وبينما لم تأبه أمريكا بقيام أنظمة ديكتاتورية معادية للديمقراطية ما دامت تخدم الأغراض الغربية، فقد أطاح الأمريكيون - كما قال تشومسكي - بالعديد من الحكومات (الديمقراطية) عندما ظهر لهم أن تلك الأنظمة الديمقراطية لا تخدم مصالحهم الإجرامية. . . يقول: «أعاقت حكومتنا بعض الحكومات البرلمانية، وأسقطت بعضها، كما حدث في إيران عام ١٩٥٣م، وجواتيمالا عام ١٩٤٥م، وتشيلي عام ١٩٧٢م، ولم تكن أساليب الإسقاط طبيعية جداً، فلم يكن القتل العادي هو عمل القوات التي حركناها في نيكاراجوا، أو عمل وكلائنا الإرهابيين في السلفادور أو جواتيمالا، ولكنه كان بصفة واضحة قتل القسوة والتعذيب السادي: تعليق النساء من أقدامهن، بعد قطع أثدائهن، وفض بكارتهن، وقطع الرؤوس وتعليقها على خوازيق، ورطم الأطفال بالجدران حتى يموتوا. . .» ! واقعة قتل (خمسة آلاف جندي) أمريكي على يد اليابانيين في حادثة ميناء هاربر أثناء الحرب العالمية الثانية مشهورة جداً، ومشهورة أكثر قصة الخسارة التي مني بها الأمريكان في فيتنام وهي: ٥٥ ألف قتيل من الغزاة العسكريين، مما سبب عند الأمريكيين عقدة مزمنة اسمها (عقدة فيتنام) . أما سبب الشهرة فمعروف، وهو أن القتلى أمريكيون بيض. . . أنجلو ساكسون! في غالبيتهم، ومنتسبون للشعب المختار! لهذا فمثلما انتقم الأمريكيون من اليابانيين فأسرفوا في الانتقام، فقد ثأروا من الفيتناميين فأفرطوا في الثأر؛ فقد بلغ عدد القتلى الفيتناميين عند انتهاء الحرب عام ١٩٥٧م أكثر من مليون هذا هو الرقم المشهور ولكن مجلة نيويورك تايمز نشرت في (٨/١٠/١٩٩٧م) أن العدد الحقيقي بلغ ٣.٦ مليون قتيل، ولكن هذا لم يكن كافياً لإرواء الظمأ الدموي فقد كشفت السلطات الأمريكية في أول مارس ٢٠٠٢م، أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون قال في مكالمة هاتفية مع كيسنجر في شهر أبريل ٢٧٩١م: «إنني أفضل استخدام القنبلة النووية، فرد عليه كينسنجر:» أعتقد أن هذا خيار خطر جداً «فقال نيكسون بغضب:» هل تزعجك هذه الفكرة؟ أنا أريدك أن تكون أكثر جرأة « [٤] ، أما ما حدث بين عامي ١٩٥٢م، ١٩٧٣م، فلا يستحق الشهرة أيضاً؛ لأن القتلى لا تجري في عروقهم دماء (مقدسة) ، أمريكية أو إنجليزية أو إسرائيلية، لقد قتل الأمريكيون بين العامين المذكورين زهاء عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامي وروسي وكمبودي، وفي بداية الحرب الفيتنامية، تسببت تلك الحرب حتى حلول منتصف عام ١٩٦٣م في مقتل ١٦٠ ألف شخص، وتعذيب وتشويه نحو ٧٠٠ ألف شخص، واغتصاب نحو ٣١ ألف امرأة، وبقر بطون نحو ثلاثة آلاف شخص وهم أحياء، وإحراق أربعة آلاف آخرين حتى الموت، ومهاجمة ٤٦ قرية بالمواد السامة، وتسبب قصف مدينة هانوي عام ١٩٧٢م في إصابة أكثر من٣٠ألف طفل بالصمم الدائم، وفقدان ٣٠٠ ألف عائلة لعائلها أو أحد أفرادها، وفي جواتيمالا قتل الجيش الأمريكي صاحب الكفاءة والشجاعة أكثر من ١٥٠ ألف مزارع في الفترة ما بين ١٩٦٦ إلى ١٩٨٦م. * القتل بالوكالة. . والعمالة: بتواطؤ أمريكي شبه فعلي، قُتل مئات الآلاف من الأشخاص في مجازر عديدة في أندونيسيا ونيكاراجوا والسلفادور وهندرواس، وقتْل هؤلاء وإن كان بأيد غير أمريكية، إلا أنه كان بأسلحة أمريكية، ومشورة أمريكية وتدريب أمريكي مثلما يحدث الآن في فلسطين وأفغانستان والفلبين وغيرها. وتكررت المجازر أيضاً في أنجولا وموزمبيق وناميبيا وغيرها من دول القارة الإفريقية، وعرف العالم في السنوات الأخيرة عدداً من الطغاة الملفوظين من شعوبهم، والمدعومين من (الشعب المختار) من أمثال: (سوموزا) في نيكاراجوا، و (بينوشيه) في تشيلي، و (ماركوس) في الفلبين، و (بوتو) في باكستان، و (باتيسيتا) في كوبا و (دييم) في فيتنام و (دوفاليه) في هايتي و (سوهارتو) في إندونيسيا، و (فرانكو) في إسبانيا، وهناك زعماء آخرون رفضهم العالم واحتضنهم الأمريكيون، وهم زعماء المافيا الإسرائيليون من بن جوريون إلى شارون حيث لم يعدّ (أحرار) أمريكا واحداً من هؤلاء السفاحين إرهابياً، ولم يطالب شعبها باعتقال أي منهم لتقديمه للعدالة كي يحاكم عن جرائمه ضد الإنسانية، أو يحاسب على سجلاته الإرهابية. * إيران والعراق. . و» محور الشر «الوهمي: كانت إيران إحدى العِزَب الأمريكية في آسيا في عهود الإمبراطورية البهلوية، وبعد قيام الثورة الشيعية عام ١٩٧٩م، اعتبر الأمريكان هذا التطور ضاراً بمصالحهم؛ فقد حاولت الثورة الإيرانية أن تظهر ثوريتها (بمعاكسة) الثور الأمريكي بخرقة حمراء عرفت آنذاك بعملية (احتجاز الرهائن) ، ولكن الأمريكيين لم يرق لهم ذاك المزاح الثقيل، فوجهوا ثماني طائرات هليوكوبتر تابعة للبحرية الأمريكية، وست طائرات نقل (هيروكيوليز) مع قوة من الكوماندز ورجال المظلات في الجيش الأمريكي إلى (صحراء طبس) الإيرانية، في محاولة لإنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين، وكان ذلك في عهد الرئيس كارتر، ولكن العملية أخفقت، وتحول الإخفاق إلى رعب عندما سالت دماء ثمانية (فقط) من الجنود الأمريكيين، بعد اصطدام طائرة النقل التي نقلتهم بطائرة أمريكية أخرى، وهنا ثار الشعب الأمريكي لدمه (المقدس) ، فأسقط القس كارتر، وجاء بالكاهن ريجان الراعي السياسي الرسمي للأصولية الإنجيلية الأمريكية الحديثة، وقرر ريجان علناً الانتقام لاستعادة الهيبة الأمريكية، بطريقة لا تكلف الأمريكيين إلا عناء الصبر على إحصاء آلاف القتلى من الإيرانيين، وقد حدث هذا في حرب الخليج الأولى، حيث نشبت هذه الحرب بتواطؤ أمريكي أمدت أمريكا فيها الطرفين المتحاربين - إيران والعراق - بكل ما يحتاجانه من أسلحة التقتيل والتدمير، وأظهرت أمريكا ميلاً سياسياً نحو مساندة العراق لضمان مساعدته من الدول الصديقة لها. ولكنها في الوقت ذاته، كانت تضمر الشر للعراق قبل إيران كما ظهر بعد ذلك وكان جوهر الموقف الأمريكي من تلك الحرب هو ما كان يردده اليهودي الأمريكي المخضرم (هنري كيسنجر) :» سياستنا تجاه تلك الحرب أن لا تهزم العراق، وألا تنتصر إيران « [٥] ! حقق العراق - بانحياز أمريكي تكتيكي - نصراً صعباً وغير مكتمل على إيران، ولكنه خرج قوياً بعد تلك الحرب، وهذا ما لم يستطع الأمريكيون الصبر عليه بسبب قرب العراق من حليفتهم (إسرائيل) ، وكان لا بد من إجراء يشبع الرغبات السادية لدى الأمريكيين والإسرائيليين في رؤية دماء أحفاد البابليين وهي تسيل قرب ضفتي دجلة والفرات، فثْأر اليهود والنصارى مع العراق قديم قدم التوراة المحرفة، وواسع اتساع أرض السبي، وغض الأمريكيون الطرف عن نية البعث العراقي في غزو الكويت؛ حيث لم يكترث هذا البعث بخطورة ما يدبر له وللعرب جميعاً من وراء ذلك العبث. وقامت الحرب، وكان الانتقام مروعاً، وإن كان بأثر رجعي يعود إلى مئات القرون. يصف الإنجليز حقيقة تلك الحرب بكلمات أوردتها صحيفة التايمز البريطانية بعد إعلان وقف إطلاق النار، حيث جاء فيها:» كانت الحرب نووية بكل معنى الكلمة، وجرى تزويد جنود البحرية والأسطول الأمريكي بأسلحة نووية تكتيكية، لقد أحدثت الأسلحة المطورة دماراً يشبه الدمار النووي، واستخدمت أمريكا متفجرات وقود الهواء المسماة (BLU-٨٢) وهو سلاح زنته ١٥٠٠٠ رطل وقادر على إحداث انفجارات ذات دمار نووي حارق لكل شيء في مساحة تبلغ مئات الياردات «. واستخدمت أمريكا وبريطانيا قنابل اليورانيوم المستنفد [٦] لأول مرة؛ حيث أطلقت الدبابات ستة آلاف قذيفة يورانيوم، بينما أطلقت الطائرات عشرات الآلاف من هذه القنابل، وقدر أحد التقارير السرية لهيئة الطاقة الذرية البريطانية كما قالت الصحيفة مقدار ما ألقي على العراق بأربعين طناً من اليورانيوم المنضب، وألقي من القنابل الحارقة ما بين ٦٠ إلى ٨٠ ألف قنبلة، قتل بسببها ما لا يقل عن ٥٢ ألف شخص حسبما أعلنت السلطات الأمريكية نفسها، أما الأمريكيون فلم يسل لهم دم يذكر على أرض العراق؛ لأنهم كانوا يقاتلون من الجو، بعد أن شلوا سلاح الطيران العراقي على الأرض، وقد راقت هذه النتائج لأمزجة الأنجلوساكسون الذين راحوا يتلمظون الدماء العراقية ويتشهون مناظرها وينشرون أخبارها (السارة) على شعوبهم الحرة. فقد نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في شهر ديسمبر ١٩٩١م تقريراً بعنوان: (دفن الجنود العراقيين أحياء) نقلت فيه عن العقيد الأمريكي (بانتوني مارينوم) قائد الوحدة الثانية في الجيش الأمريكي قوله وهو يصف عمليات طمر العراقيين في الخنادق أحياء:» من المحتمل أن نكون قد قتلنا بهذه الطريقة آلاف الجنود العراقيين. . . لقد رأيت العديد من أذرع الجنود وهي تتململ تحت التراب وأذرعها ممسكة بالسلاح «! ويبدو أن الاهتمام بالكيف غطى على الاهتمام بالكم في رصد الأمريكيين لمجريات عمليات القتل؛ حيث كان السؤال المطروح دائماً، ليس هو كم سقط من القتلى؟ وإنما: كيف سقطوا وبأي سلاح (ناجح) قتلوا؛ فقد سئل (كولن باول) الذي كان وقت الحرب رئيساً لأركان الجيش الأمريكي عن عدد القتلى من العراقيين فقال:» لست مهتماً به إطلاقاً «! ! نعم! لم يكن مهماً عند باول أن مئتي ألف قتلوا من جراء تلك الحرب، وأن منهم آلافاً قتلوا أثناء انسحابهم، وإنما كان المهم عند رئيس أركان الحرب في أمريكا سابقاً ورئيس الدبلوماسية لاحقاً أن يعرف مدى (فاعلية) الأنواع المختلفة من وسائل القتل الأمريكية. قصف الطيران الأمريكي أرتالاً من القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت، فقتل منهم الآلاف، حتى سمي الطريق الذي سلكوه في الانسحاب: (طريق الموت) ، ووصف أحد الطيارين المشاركين في عمليات قصف القوات ما حدث بقوله:» كان الأمر كأنني أطلق النار على سمك في برميل، فأين يهرب؟ ! وكيف نحصي الصيد والضربة الواحدة تصيب عشرات الأهداف؟ «! ولم يكن الأمر مقتصراً على العسكريين؛ فقد قتل نحو ثمانية آلاف من المدنيين، منهم أربعمائة قضوا تحت الأرض في ملجأ العامرية، أثناء اختبائهم من القصف الهمجي. أطلق الأمريكيون على تلك الحرب وصف: (الحرب النظيفة) لا لشيء إلا لأنها كما يقولون تقوم على استراتيجية التصويب العسكري الدقيق باستخدام أدوات التسليح الإلكتروني (الذكي) الذي يجنب الأمريكيين الاحتكاك العسكري المباشر! ! الذي (قد) يسفر عن سقوط ضحايا عسكرية (بريئة) ! لقد أدمنوا هذه النظافة القذرة بعد تلك الحرب؛ لأنها تحقق رغباتهم الدموية في إشباع النهم الأنجلوساكسوني من دماء (الأمميين) وتجنبهم الارتعاب والارتعاد من سيلان قطرات من دماء (الشعب المختار) ! وقد تبع هذه الحرب حرب أخرى، كانت أكثر أمناً للأمريكيين، وأكثر فتكاً بالعراقيين، وهي حرب الحصار التي قتل بسببها من الأطفال فقط ما لا يقل عن مليون طفل، لم تحرك دماؤهم المتجمدة نبضاً من إحساس في عروق الأمريكيين ومنظماتهم (الإنسانية) بل إن وزيرة الخارجية الأمريكية اليهودية السابقة (مادلين أولبرايت) لما سئلت عام ١٩٩٦م عن ضحايا الحصار - وكانوا وقتها نصف مليون طفل (فقط) - وهل هناك مسوغ مشروع لهذا القتل الجماعي في الشرعية الدولية؟ أجابت:» قرار الحصار كان صعباً؛ لأنه يستدعي ثمناً باهظاً من الضحايا، ولكن هذا الثمن كان من الضروري دفعه «! ! ولهذا استخدموا الأسلوب نفسه في حروب البوسنة وكوسوفا التي ادعى الأمريكان أنهم خاضوها من أجل تحرير شعوب البلقان من الطغيان الصربي، مع أنهم في الحقيقة أرادوا أن يحلوا محل الصرب في السيطرة الاستراتيجية على منطقة البلقان، وإلا فإن شكاية أهالي تلك البلدان من آثار تلك الحرب الأمريكية تدمي القلوب؛ فقد ألقت أمريكا على سكان البلقان - أثناء» تحريرهم «- أكثر من عشرة أطنان من اليورانيوم المنضب، والأنباء تتحدث عن أن حالات سرطان الدم قد قفزت إلى مستويات مخيفة؛ حيث بدأ سكان كوسوفا والبوسنة يشعرون - بعد (التحرير) الأمريكي - أنهم أصبحوا فرائس الإشعاعات التي لا يمكن الفرار منها. * لبنان والصومال وأفغانستان. . وحل العقدة: باستقراء تاريخ المغامرات العسكرية الإنجليزية والأمريكية والإسرائيلية، تبين أن عقيدة الاستهانة بدماء الآخرين لا تبطلها إلا عقدة الهلع من نزف دماء (المختارين) المزعومين فليس الحل في كل الأحوال أمامهم أن يثأروا وينتقموا؛ فهذا لا يكون إلا إذا سمحت الظروف لهم بانتقام آمن من خلال (حرب نظيفة) أو عمليات عسكرية (جراحية) ، أو ضربات جوية خاطفة؛ أما إذا تيقن هؤلاء أن هناك ثمناً يتعين دفعه من بورصة الدم (المقدس) فعندها يتراجعون وينسحبون ويفرون؛ لأن الحياة عندهم أغلى من الثروة، وأهم من الشرف، وأوْلى من كل مشروعات السيطرة والمصالح، [وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا] (البقرة: ٩٦) . ولا تزال الأمثلة التاريخية القديمة والمعاصرة تفسر هذه الآية تفسيراً عملياً. - عندما تعرض السفير الإسرائيلي في بريطانيا عام ١٩٨٢م، إلى عملية اغتيال اتهمت (إسرائيل) الفلسطينيين بالعملية، وكان الرد اليهودي أن اجتاح الجيش الإسرائيلي أرض لبنان واحتل العاصمة بيروت؛ وذلك بعد أن أخذت (إسرائيل) الضوء الأخضر من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك (ألكسندر هيج) ، وباستخدام السلاح الأمريكي قتل اليهود في لبنان نحو ١٧ ألف شخص من اللبنانيين والفلسطينيين معظمهم من المدنيين؛ لأنهم لم يجدوا وقتها إلا صمتاً عربياً مطبقاً، وسكوتاً دولياً مريباً، واستأثر اليهود بالفلسطينيين كما يحدث اليوم، وصمموا على إنهاء المقاومة وإخراجها من لبنان، ولم يكن اليهود وحدهم في المعركة؛ فإلى جانب التواطؤ الظاهر من نصارى الغرب مع اليهود؛ فقد انضم نصارى العرب إلى تلك المعركة، فنفذ حزب الكتائب اللبناني النصراني بالتنسيق مع السفاح اليهودي شارون مذبحة صابرا وشاتيلا التي حصدت أرواح نحو ١٨٠٠ فلسطيني أعزل. والمقصود هنا هو الإشارة إلى الدور الأمريكي الذي اكتفى طوال شهري الدم في لبنان بمراقبة المذابح بالبرود المعهود، مع بعض (المناشدة) بين حين وآخر لليهود بـ (ضبط النفس) ! ثم أرسل الأمريكيون قواتهم إلى لبنان فيما يشبه الاحتلال باسم حفظ السلام كما هي العادة الأمريكية. ولكن شيئاً واحداً عكَّر على الأمريكيين الوجود الآمن هناك؛ إذ فجرت فتاة لبنانية نفسها في معسكر قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) ، فقتل منهم المئات. وهنا دفعت دواعي (عقدة الدم) إلى اتخاذ أسرع قرار بالفرار؛ إذ انسحب الأمريكيون بسرعة قياسية من لبنان حاملين معهم دُماههم الدامية، تاركين لبنان لسوريا كي تحل مشكلتها سياسياً، وإلى (إسرائيل) كيف تتصرف فيها عسكرياً. . . ويذكر هنا أن (عقدة الدم) وحدها في جانبها الخاص بالإسرائيليين هي التي دفعتهم أيضاً بعد ذلك إلى الانسحاب شبه الكلي من الجنوب اللبناني المحتل بعد أن خسروا كثيراً من الجنود رغم ضآلة هذه الخسارة مقارنة بخسائر اللبنانيين. - أما في الصومال فإن الحال كان أعجب؛ فالولايات المتحدة عندما أرادت أن تؤمِّن لنفسها موطئ قدم في القرن الإفريقي البالغ الأهمية استراتيجياً لها ولدولة اليهود؛ تعللت بالفوضى التي حلَّت في الصومال برحيل العميل الهزيل سياد بري، وحشدت قوات التدخل السريع التي راحت تمارس القتل على الطريقة الأمريكية المعهودة، فقتل من الصوماليين باسم تهدئة الأوضاع وإطعام الجوعى في عملية (إعادة الأمل) ما لا يقل عن ألف صومالي. وهو ثمن كان لا بد من دفعه على مذهب أولبرايت بل كان هناك استعداد لدفع المزيد من دماء الصوماليين؛ لأن الأمر كان يتعلق بمصلحة استراتيجية أمريكية إسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، كما يتعلق أيضاً بمصالح اقتصادية مستقبلية في تلك المنطقة الغنية رغم فقرها بمخزون استراتيجي من الماس، كما أظهرت التقارير وقتها. إلا أن رائحة الدم الأمريكي انبعثت من ثماني عشرة جثة أمريكية، سُحل بعضها في شوارع مقديشو، فأنسى ذلك الأمريكان وساوس الشيطان على أرض الصومال، فقرر الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إعادة النظر في عملية إعادة الأمل، ثم ألغاها إلى غير رجعة! - وتجيء أحداث أفغانستان لتثبت بما لا يقبل التشكيك؛ أن عقدة الدم الأنجلوساكسوني لا تزال تتحكم في التحرك الأمريكي سلباً أو إيجاباً؛ فالأمريكيون قاتلوا وقاتلوا بكل شراسة وجرأة وجسارة عندما أمنوا من فوق السحاب وقوع أي خسارة من الدم، فاستمر القصف الجوي الجبان على المدن الأفغانية المكشوفة طوال شهر بعد بدء الحرب، حتى أوقع الأنجلو ساكسون ما لا يقل عن عشرين ألف أفغاني جُلهم من المدنيين، ثأراً لـ (٢٧٠٠) قتيل أمريكي من ضحايا هجمات سبتمبر التي يعلم الأمريكيون جيداً أن ليس للمدنيين الأفغانيين فيها ناقة ولا جمل. لقد استمر القصف الرهيب، وكان مقرراً له أن يستمر أكثر حتى لا يُبقي في أفغانستان شيئاً قائماً على أصوله، لولا ما ألهم الله - تعالى - به قادة طالبان من قرار الانسحاب من المدن، الذي فوت الفرصة على الأمريكيين لإكمال عملية (العدالة المطلقة) التي أطلقوا فيها العنان لسعار دموي جديد لا يريد أن يرتوي. لكن الأمر اختلف كثيراً عندما وجد الأمريكيون أنفسهم مضطرين إلى النزول إلى الأرض في مواجهات برية لاستكمال عملية (العدالة) ، حيث دفعتهم العقدة الدموية إلى تعديل خططهم العسكرية؛ بحيث لا تسمح هذه الخطط أبداً بأن يظهر الجندي الأمريكي على الرجال، بل يظل محتجباً في الصفوف الخلفية وراء أشباه الرجال، من المنافقين الأفغان الذين ارتضوا إضاعة دينهم بدنيا غيرهم. ومع كل هذا التحرز والتحوط والأخذ بكل أسباب الحماية للدم (المقدس) إلا أن شؤم العقدة حل على الأمريكيين، فخسروا خسائر بشرية كبيرة وفق حساباتهم بالطبع اعترفوا ببعضها، وتركوا أكثرها للوثائق السرية في وزارات الخارجية، حتى لا يتكرر الهلع الشعبي الأمريكي الغاضب كما حصل في أحداث الصومال، ولبنان، وكما رأينا عقدة الدم في أول الحرب تدفع الأمريكيين إلى مزيد من الإسراف في القتل - لأن الدم ليس دمهم - فقد رأيناها في أحداث معركة (غرديز) الأخيرة تصيب الأمريكيين بالخلل في التفكير والشلل في الحركة؛ فما أن كُشف عن مقتل ثمانية من (معصومي) الدم في ساحة الوغى أو الغي الأمريكي، حتى جاء القرار السريع والمفاجئ في اليوم التالي بسحب نصف القوات الأمريكية المشاركة في تلك المعركة، فانسحب نحو ٦٠٠ جندي من مجموع ١٢٠٠ جندي، ثم انسحب الباقون، وتركوا لمغاوير الشمال إكمال مهمة مناطحة الجبال. العجيب هنا أن أمريكا التي أعلنت الحرب العالمية على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب. أبت أشد الإباء، منذ بداية الحرب وإلى الآن، أن تتولى الإدارة أو المشاركة في القوات الدولية العاملة في كابل المكلفة بحماية الحكومة العميلة الأفغانية الأمريكية؛ فمع أن الحملة حملة أمريكا والحرب الإجرامية حربها، والراية الصليبية رايتها، إلا أنها لا تريد منصب الرئاسة في شيء يمكن أن يجر عليها صب مزيد من قطرات الدم الساكسوني، والأعجب من هذا أن كلا من بريطانيا وألمانيا وهما بالمناسبة من الدول ذات الأغلبية البروتستانتية الساكسونية، تمنعتا أيضاً من قبول منصب الرئاسة للقوات الدولية، ويبدو أن قبول (شرف) الرئاسة في تلك القوات الغازية سيقوم به المنافقون نيابة عن الكافرين كما جرت العادة في تلك الحرب منذ بدأت؛ فالكلام الآن متوجه إلى تسليم القوات التابعة للحكومة التركية (الخلافة الإسلامية سابقاً) إدارة القوات الصليبية في المحطة الأولى من المعركة ضد الإسلام! ماذا يمكن أن يحدث في الفصول القادمة من تلك المعركة؟ ! نتوقع أن تكون عقدة الدم التي جاءت بالأمريكان إلى أفغانستان، هي نفسها التي ستخرجهم منها في قريب الأيام؛ فعندما يرى الأمريكيون (الشارة الحمراء) قد أضاءت في الأفق المنظور من طريقهم المظلم في أفغانستان، فلا نظن أنهم سيكملون المضي فيه مهما كانت المكاسب والغنائم المتوقعة بعده؛ فالذي نعرفه أن ما جبل عليه اليهود من الحرص على الحياة، قد ورثه عنهم النصارى المتهودون (البروتستانت) : [يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أْن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] (البقرة: ٩٦) . وما يقال عن الحرب الأمريكية في أفغانستان يمكن أن يقال عن الحرب الإسرائيلية في فلسطين؛ فلن يوقف نزيف الدم الفلسطيني إلا نزيف مقابل من الدم الإسرائيلي. * ونعود إلى» الإثني عشرية «الكتابية: قد لا يعرف كثير من الناس أن اليهود والنصارى يؤمنون بـ (الإثني عشرية) لكن لا على ما تعتقده الطائفة الشيعية الإثنا عشرية في انحصار الإمامة في اثني عشر إماماً من آل البيت، بل على وجه آخر مختلف؛ حيث إن الكتابيين يؤمنون بأن أبناء يعقوب الاثني عشر (الأسباط) قد تركوا ذرية لا يمكن أن تنقرض تمثلها اثنتا عشرة قبيلة، وستظل (بقية) من هذه القبائل موجودة حتى تسود العالم تحت قيادة المخلص في آخر الزمان. لقد ظل اليهود على هذا المعتقد في أسباط بني إسرائيل، منتظرين أن يخرج منهم من نسل يعقوب ومن ذرية داود؛ نبي آخر الزمان، حتى أُرسل عيسى - ﵇، فلم يؤمنوا به، ولكن آمن به النصارى الذين أصبحوا يمثلون امتداداً للمؤمنين من بني إسرائيل وقتها؛ بينما ثبت على اليهود وصف كفار بني إسرائيل، وهذا مطابق لإخبار الله - تعالى - عن إرسال عيسى في بني إسرائيل؛ حيث آمن به من بني إسرائيل قسم هم النصارى، وكفر قسم هم اليهود [فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ] (الصف: ١٤) . ولكن القسم النصراني من بني إسرائيل كفر أيضاً بعد ذلك بادعاء الألوهية في عيسى، وظل من بقي من بني إسرائيل من يهود ونصارى كفاراً إلا من دخل منهم في الإسلام بعد البعثة الخاتمة، وهنا يمكننا القول، وفق نصوص القرآن، إن بقايا سلالة الأسباط ظلت موجودة حتى زمان تنزل القرآن في شكل يهود ونصارى من كفار بني إسرائيل؛ فقد خاطبهم الله - تعالى - في أكثر من موضع من الوحي مرة بعبارة: (يا بني إسرائيل) حين يكون الخطاب ألصق باليهود، ومرة بعبارة: (ياأهل الكتاب) عندما يعم الخطاب اليهود والنصارى من بني إسرائيل أو من غير بني إسرائيل ممن تهودوا أو تنصروا من سائر الأمم. ومن المواضع الدالة على بقاء بني إسرائيل حتى زمان تنزل القرآن قول الله- تعالى -: [يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] (البقرة: ٤٠) . وقوله - تعالى -: [سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (البقرة: ٢١١) . وقوله - تعالى -: [أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ] (الشعراء: ١٩٧) . وقوله - تعالى -: [إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ] (النمل: ٧٦) . فالقرآن إذن قص، وسيظل يقص على (بني إسرائيل) من يهود ونصارى أكثر الذي هم فيه يختلفون. لقد ظل النصارى ينافسون اليهود على احتكار النسبة إلى» الشعب المختار « و» البقية الصالحة «من بني إسرائيل، وظل هذا التنافس في القرون التالية لظهور الإسلام. وكان الأساس الذي استند إليه الطرفان، نصوصاً من التوراة تشير إلى استمرار تلك البقية من الشعب المختار، جاء في سفر أشعيا: (ويكون في ذلك اليوم، أن بقية إسرائيل، والناجين من بيت يعقوب، لا يعودون يتوكلون على ضاربهم، بل يتوكلون على قدوس إسرائيل بالحق، ترجع البقية، بقية يعقوب إلى الله القدير، لأنه وإن كان شعبك يا إسرائيل كرمل البحر، ترجع بقية منه) [٧] . وعندما حدث الاختراق اليهودي للنصرانية الكاثوليكية بعد حركة (الإصلاح الديني) في القرن السادس عشر للميلاد التي أدخل بموجبها (مارتن لوثر) » إصلاحات «جذرية على الديانة النصرانية، أصبحت بها النصرانية المخترقة قريبة جداً من الديانة اليهودية؛ حيث جعل مارتن لوثر كتاب التوراة مرجعاً حرفياً للنصارى، فأصبح كل ما يدين به اليهود من النصوص الحرفية للتوراة يدين به النصارى الذين أطلق عليهم بعد ذلك التحريف اسم: (البروتستانت) ، وصاغ (جون كالفن) الفكر البروتستانتي ليصبح متمرداً على الفكر الكاثوليكي، واستطاع به أن يسحب البساط من تحت أقدام الكاثوليك بدعوى التميز البروتستانتي عرقياً ودينياً، وتمكن من نقل معتقد (الشعب المختار) بشكله التوراتي الحرفي إلى الديانة البروتستانتية الجديدة، حتى أصبحت الشعوب التي تدين بهذا المذهب وفي طليعتهم الإنجليز يستشعرون أنهم وحدهم يمثلون الامتداد الطبيعي لـ (شعب الله المختار) المسؤول وحده عن قيادة العالم والوصاية عليه باسم الأنجلوساكسونية البروتستانتية. ولهذا قصة غريبة لا تخلو من الطرافة! لقد بدأ بعض الباحثين منذ القرن السابع عشر للميلاد يجرون أبحاثاً تاريخية لاهوتية لإثبات أن الشعوب (الأنجلو ساكسونية) هي الامتداد الطبيعي لمن تبقى من أسباط بني إسرائيل، وأنهم ليسوا إلا بقية من بعض قبائل الأسباط المختارة، وحاول هؤلاء إثبات فرضية هجرة بقايا بني إسرائيل ممن آمن بعيسى - عليه السلام - إلى أوروبا فراراً من بطش الأعداء، وأنهم تكاثروا حتى أصبحوا شعباً، وكان أول من حاول إثبات ذلك؛ الباحث الأكاديمي (جون سادلر) من جامعة كمبردج عام ٠٥٦١م. وبعد قيام الثورة الفرنسية ومواجهتها للكنيسة الكاثوليكية، ساد اعتقاد في أوروبا بأن الشعب البريطاني (الأنجلو ساكسوني) يمثل الشعب المختار؛ لأنه ينحدر كما يزعمون من سلالة أفرايم بن يوسف بن يعقوب - عليهما السلام- من زوجته المصرية، وبُني على ذلك الوهم يقين بأن الشعب الأنجلو ساكسوني البروتستانتي سيظل في بريطانيا وغيرها أميناً على رسالة عيسى حتى يعود فيملك العالم، وقد أصَّل لهذا المعتقد (جون ويلسون) المتوفى سنة ١٧٨١م، وبنى على ذلك عملياً أنه يجب على الشعب البريطاني أن يعيد السيطرة على (أرض الميعاد) لأنها مكتوبة للصالحين من بني إسرائيل بحسب التوراة [٨] ، وفي أواخر القرن التاسع عشر تحرك هذا المعتقد عملياً من خلال ما سمي بالحركات » الأنجلو إسرائيلية «مثل (جمعية أنجلو إسرائيل) وجماعة (أنجلو أفرايم) وجماعة (ميتروموليتان) الأنجلو إسرائيلية. وعندما هاجرت أفواج من الأنجلو ساكسون إلى القارة الأمريكية إبان اكتشافها، ساد اعتقاد بأن بين المهاجرين مجموعات من سبط (منسَّى) وهو الأخ الثاني لإفرايم بن يوسف ﵇، وحاول باحثون أمريكيون معاصرون إثبات تلك المقولة من خلال المعلومات المستمدة من الآثار الفرعونية الهيروغليفية في الهرم الأكبر بمصر. أما اليهود فظلوا في المقابل يحتفظون بدعوى انحدار بعضهم من نسل (يهوذا) الذي تمثل قبيلته السبط المختار الذي بسببه سمي اليهود يهوداً وتتعلق به نبوءات آخر التاريخ، وخصوا اليهود الذين قدموا إلى أوروبا من إسبانيا بذلك، ولذلك ظلوا يزايدون على دعاية الاصطفاء، ويجادلون عليها الإنجليز على الرغم من كل ما قدمه الإنجليز لهم من خدمات [٩] . أما الإنجليز أنفسهم؛ فقد انتعش لديهم الاعتقاد بأن الأنجلو ساكسون هم الشعب المختار حقاً؛ لأنهم قادوا طائفة البروتستانت في العالم نحو السيطرة على الأرض المقدسة التي ستُترك» مؤقتاً «لليهود في حماية البروتستانت ريثما يعود المسيح؛ حيث سيكون هؤلاء اليهود أو جزء منهم في طليعة أنصار المسيح عندما يعود! ! ولكن بريطانيا أفل نجمها كقوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية، فتسلم الشعب الأمريكي المنتمي أيضاً في أغلبيته إلى هوية وعرقية الرجل الأبيض الأنجلو ساكسوني البروتستانتي، تسلم راية المسؤولية عن سيادة ذلك الجنس على العالم باعتباره الوريث الشرعي لدور (الشعب المختار) . هل نتجنى على الأمريكيين عندما نذكِّر ببعض تاريخهم المعبر عن الوجه الآخر من حضارتهم؟ . . . وهل هو حتم علينا أن نكذب على أنفسنا لنصدق حتمية (نهاية التاريخ) على الوجه» السعيد «الذي يريده الأمريكيون، بعد مرحلة سوداء من (صراع الحضارات) ؟ ! وهل من الواجب على البشرية كلها أن ترى في الموقف الأمريكي انعكاساً» للاختيار الإلهي «للأنجلوساكسون ثقافياً وحضارياً وسياسياً وعسكرياً كما يريد مثقفو أمريكا أن يفهمونا؟ ! صحيح أن الشعب الأمريكي ليس واحداً. . ومواقف الشرائح المختلفة منه ليست واحدة، ولكنا نستطيع أن نقول بملء الفم. أن الموقف الأمريكي الرسمي في التعامل مع العالم تمثله سياسة واحدة هي سياسة الإجرام. . فعلى أساسها يقاتل.

стр. 4272

المسلمون والعالم قطرة دم اليهودي أهم من الجُوي [*] ترجمة: حسام رشاد قال وزير الداخلية الإسرائيلي (إلياهو سويسا) وهو من حزب شاس الذي يتزعمه الحاخام المتطرف عوفاديا يوسف رئيس حزب اليهود الشرقيين: (على إسرائيل أن تقتحم مناطق (A) [١] ، وأن تبقى فيها لفترة طويلة لكي تكافح الإرهاب؛ إذ إنه ينبغي مكافحة الإرهاب في أي مكان يوجد فيه. إنني لا أفزع من احتمال إعادة احتلال الضفة الغربية وغزة، ولكن هناك الكثير مما يمكن عمله أولاً: فينبغي الذهاب إلى نابلس ومحاصرتها وإدخال كتائب عسكرية فيها وتدمير كل بيت يوجد فيه سلاح، إن كل قطرة دم من دماء اليهودي أهم من الجُوي [٢] . علينا أن نتعلم من الولايات المتحدة التي تعمل بلا تردد في أفغانستان، ولذا يتعين على إسرائيل ألا تبحث عن أعذار وحجج عندما يتعين عليها العمل. ينبغي العمل عسكرياً في أراضي (A) بشكل متوال ومستمر والبقاء فيها دوماً، لا ينبغي علينا اقتحامها ثم الانسحاب منها بعد أسبوعين عندما يأتي زيني، وبهذا ينشأ ضغط على السلطة الفلسطينية يُمكِّن إسرائيل من جني ثمرات في الميدان السياسي. إنني أعتقد أن (إسرائيل) ليست في حاجة إلى إجراء مفاوضات عن طريق الاتصالات التي يقوم بها بيريز مع الفلسطينيين وهو ما يتعارض مع قرار الحكومة بعدم إجراء مفاوضات في ظل إطلاق النار. إن هناك بلا شك غض طرف من جانب رئيس الحكومة إزاء المفاوضات التي تجري في ظل إطلاق النار. لقد حصل الفلسطينيون على نسب كبيرة من الأراضي، إلا أنهم فشلوا في الالتزام بالاتفاقيات؛ ولذا ينبغي علينا ألا نتقدم معهم وألا نتوصل معهم إلى أية اتفاقيات، وبالطبع من المستحيل أن نتحدث حالياً عن اتفاقية دائمة، وربما مضت عشرات الأعوام حتى نتوصل إلى مثل هذه الاتفاقية. إن الجدار [٣] الفاصل يعد فكرة غير واقعية؛ فهذا الجدار لن يمكنه صد أو وقف إطلاق نيران الهاونات وله جانب سياسي حيث سيتسبب في تفجر حروب لا حصر لها حول قضية المكان الذي سينصب فيه هذا الجدار. ولست أعرف إذا ما كان الوضع سوف يتحسن إذا ما رحل عرفات عن الساحة السياسية وعن الحكم؛ ذلك أن (إسماعيلي) [نسبة إلى سيدنا إسماعيل ﵇] آخر سوف يأتي ليحل محله، وربما كان من الأسهل التعامل مع هذا الإسماعيلي الجديد لكنه لن يحدث تغييراً كبيراً، إن عرفات هو رمز النضال الفلسطيني منذ عدة أعوام، وأي تهاون منه وتصالح حول مشكلة مبدئية جداً مثل حق العودة أو مسألة القدس سوف يتسبب في خسران نضاله بالنسبة له، وسوف يعطيه إحساساً بأن نضاله هذا ذهب سُدى؛ لذلك فإنه لا يبدو أنه سوف يكون من الممكن التوصل معه إلى تقدم. ووفقاً لليهودية، فإن مجيء المسيح فقط سوف يحل النظام والأمن، وسوف يأتي بالسلام الحقيقي.

стр. 4273

المسلمون والعالم حقيقة الدوافع الأمريكية في صراع فلسطين حسن الرشيدي «إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهاينة كما ينحني العابد أمام قبر مقدّس» . هكذا عبّر الكاتب اليهودي الأمريكي جون بيتر عن واقع أمريكا سابقاً ولاحقاً، وتكشف هذه الكلمات القليلة في عباراتها الكثير من المعاني الخاصة بالصراع الدائر الآن على أرض فلسطين، ولعل الصورة الملتقطة لجورج بوش الابن وهو واقف في خشوع يصلي أمام ما يسميه اليهود بحائط المبكى في القدس لأكبر دليل على صدق هذه العبارة، وعلى مدى العلاقة العقيدية بين اليهود والأمريكيين؛ خاصة أن هذه العلاقة أضحت حلفاً غير مقدس ضد كل من يحاول المساس به. ولكي نتفهم حقيقة الموقف الأمريكي من التطورات الأخيرة التي تمر بها الانتفاضة الفلسطينية، وندرك أبعاد رد فعل الإدارة الأمريكية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني لا بد من دراسة أمرين اثنين: ١- الاستراتيجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط عامة، والصراع الدائر حالياً بأرض فلسطين بصفة خاصة. ٢ - السياسات الأمريكية التي يتم بها تنفيذ هذه الاستراتيجية وتطبيقها على أرض الواقع. الأمر الأول: الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية: بانتهاء الحرب الباردة كانت نهاية عصر ثنائية القطبين، وتهيأت الظروف للولايات المتحدة الأمريكية لتكون تقريباً القوة العظمى الوحيدة في العالم؛ فلم تعد تواجه الآن أي منافس عالمي، ولا أي تحالف معاد ذي شأن، ولكن غياب أي قوة منافسة عالمية جعل صناع القرار في واشنطن يعيدون النظر في خياراتهم وتوجهاتهم في العالم، وتبلورت ثلاث نظريات استراتيجية أمام أمريكا: الاستراتيجية الأولى: وتتلخص في انعزال أمريكا بحيث تنطوي على نفسها لمواجهة مشكلاتها الداخلية. والاستراتيجية الثانية: هي تعدد القطبية ويعتمد هذا الخيار على إحداث توازن بين عدة قوى للحيلولة دون ظهور قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة الأمريكية، وحين تتناوب هذه القوى على التنافس والتعاون فإنها ستحول دون نشوب حرب عالمية، كما تؤدي إلى تخفيض الأعباء الدفاعية للولايات المتحدة. أما الاستراتيجية الثالثة: فهي الزعامة العالمية حيث تمنع الولايات المتحدة ظهور منافس لها، وفي الوقت ذاته تحول دون تعدد الأقطاب، ويبدو أن هذا الخيار الأخير هو الذي تتبناه الإدارة الأمريكية الحالية وتسعى لتحقيقه. هذا بخصوص التوجه العام للاستراتيجية الأمريكية. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط تركزت الاستراتيجية الأمريكية على ثلاث دوائر متداخلة: ١ - ضمان أمن إسرائيل. ٢ - تأمين منابع وإمدادات النفط. ٣ - مكافحة الإرهاب. أولاً: ضمان أمن إسرائيل: يعتقد كثير من الناس أن الانحياز الأمريكي لإسرائيل نابع من مصلحة أمريكية في علاقتها الخاصة بإسرائيل، ولا شك أنه يحقق لها مصالح كثيرة، ويُبْقِي على أطماعها في المنطقة، ولكن في الوقت نفسه يضع مصالح هذه الدولة في خطر كبير؛ لأنه يزيد حجم العداء لهذه الدولة. ومن أجل هذه المصالح نجد دولاً مثل فرنسا وإيطاليا تغير موقفها من الصراع، وتصبح أكثراً توازناً من ذي قبل. فأي مصلحة اقتصادية أو عسكرية أو سياسية ستعود على أمريكا من نقل سفارتها إلى القدس؛ على الرغم من إدراك صانعي القرار في أمريكا بالمكانة الخاصة للقدس في قلوب ملايين العرب والمسلمين والنصارى؟ بالطبع لا توجد أي مصلحة؛ حيث إن هذا القرار كغيره من القرارات الأمريكية السابقة سيلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي أيضاً عاجلاً أم آجلاً. ويقول آخرون: إن سيطرة اللوبي اليهودي في أمريكا على الحياة السياسية والاقتصادية الأمريكية له أثر كبير في ظل النظام الانتخابي الأمريكي على انحياز الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإسرائيل وتضخيم الصوت الانتخابي اليهودي في الانتخابات الأمريكية أمر مبالغ فيه. نعم إن الجالية اليهودية نشطة ولها تأثير؛ ولكن القول إنها تحكم أمريكا ليس صحيحاً؛ فلم يحدث أبداً أن كان الرئيس أو نائبه يهودياً، ونسبة اليهود في الكونجرس لا تزيد إلا قليلاً عن نسبة اليهود في أمريكا أي ٢ - ٣% حيث يبلغ تعدادهم حوالي ٦ ملايين نسمة تقريباً، أي أن أصواتهم الانتخابية لا تتعدى ٢ - ٣% من نسبة الأصوات الانتخابية في أمريكا، وهذه النسبة ليست بالنسبة الكبيرة التي تمكن اليهود من التأثير على الانتخابات، ولو كان لهذه النسبة أي تأثير لكان للمسلمين والعرب في أمريكا أثر في تشكيل السياسة الأمريكية؛ لأن تعدادهم يزيد على تعداد اليهود هناك. كما أن السود يشكلون نسبة كبيرة من السكان بالإضافة إلى أقليات أخرى؛ وبالرغم من ذلك لم نسمع عن أي أثر لأصواتهم الانتخابية، ولم نسمع عن أي رئيس أمريكي سعى لاسترضائهم كما يفعل مع اليهود. إذاً فالقضية ليست قضية صوت انتخابي فحسب. إذاً ما هو السر في هذا الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل؟ إن الإجابة تكمن في العلاقة بين البروتستانتية واليهودية؛ حيث يستمد التراث الديني في أمريكا أصوله من المذهب البروتستانتي في إنجلترا؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر في القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما. ولقد أحدثت حركة الإصلاح الديني تغييراً جوهرياً بالمقارنة مع موقف الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأخرى في موقفها من اليهود؛ وبذلك أسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد. بالنسبة للعهد القديم التوراة فقد كان مهمَلاً قبل حركة الإصلاح الديني؛ حيث كان الاعتماد على العهد الجديد الإنجيل - المحرّف- ورسائل البابوات في تفسيره، وكانت اللغة العبرية لغة ميتة يرى الكاثوليك أن تعلمها بدعة. ثم جاء البروتستانت في القرن السادس عشر، ودعا مارتن لوثر إلى وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم رجال الدين لها، فأصبح كل بروتستانتي حراً في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره؛ وهذا أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب البدع والضلالة؛ وأدى هذا إلى تعدد الفرق البروتستانتية التي وصلت إلى أكثر من ٢٠٠ فرقة في فترة أربعة قرون فقط. في ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم التوراة تحت شعار: العودة إلى الكتاب المقدس؛ باعتباره مصدر العقيدة النقية، مع عدم الاعتراف بالإلهامات والتعاليم غير المكتوبة التي يتناقلها الباباوات. وإذا كان العهد القديم يتكون من ٣٩ سِفْراً؛ فإن أغلب الباحثين يذهبون إلى أنه لا يمكن نسبة إلا خمسة أسفار تجاوزاً إلى موسى ﵇. أما البقية فهي عبارة عن سجل لتاريخ بني إسرائيل في فلسطين بالإضافة إلى بعض التنبؤات التي كتبها أحبار اليهود على فترات متفاوتة. وفي ظل هذا الوضع رسخ لدى البروتستانت تاريخ فلسطين مستمداً فقط من العهد القديم، بحيث لا يبدو فيه وجود للشعوب الأخرى في فلسطين، وأنه لا بد من عودة اليهود إلى وطنهم الذي أُخْرِجوا منه طبقاً لتنبؤات العهد القديم. وهذا أدى إلى إحياء اللغة العبرية لفهم العهد القديم؛ ولذلك كانت الكنيسة الكاثوليكية تصف مارتن لوثر بأنه يهودي أو نصف يهودي. وكثير من الباحثين في التاريخ يذهبون إلى القول بأن المذهب البروتستانتي من صنع اليهود، والماسون. إن أهمية الأفكار التي جاءت بها حركة الإصلاح الديني على يد لوثر تعود إلى أنها مهدت الطريق أمام الأفكار التي نادت بها الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، فهذه الأفكار التي أكدتها البروتستانتية لا تختلف كثيراً عن اليهودية التي تنطوي في جوهرها على دعوة اليهود للعودة إلى صهيون؛ أي: إلى أرض إسرائيل بحدودها التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة لدى اليهود. وهكذا تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض المقدسة للنصارى إلى أرض الشعب المختار، ومن الملاحظ أن بعض البروتستانت قد آمن بضرورة اعتناق اليهود للنصرانية تمهيداً لقدوم المسيح، وآمن بعضهم بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه. ومما قوّى هذه الأفكار التجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا حينما قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين. فكثير من البروتستانت فر من الاضطهاد الديني؛ ولذلك عندما واجه المهاجرون مقاومة أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر؛ فإنهم تذكروا اليهود ومقاومة أهل فلسطين القدماء لهم. لقد كان هؤلاء المستوطنون بحاجة إلى شيء يسوّغ أفعالهم هذه، ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية، فلم يجدوا هذا التسويغ إلا في العهد القديم. بل إنهم ادعوا أن الله اختار العنصر الأنجلو - سكسوني البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم، كما جعل الله اليهود شعبه المختار. بل وصل تطرفهم أن زعم أحد الكتاب ويدعى ريتشارد بروتزر في كتابه: (المعرفة المنزلية للنبوءات والأزمنة) أن الإنجليز من أصل يهودي؛ على أساس أنهم ينحدرون من سلالات الأسباط التي ادّعى اليهود أن أفرادها فُقدوا بعد اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد. وفي نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر بدأ التعاطف الأمريكي مع اليهود يتحول إلى عمل ملموس من خلال جماعات وأفراد؛ فعلى صعيد الأفراد في عام ١٩٨٥م قام وارد كريون القنصل الأمريكي في القدس بتأسيس مستوطنة زراعية في منطقة القدس، وخطط لتأسيس مستوطنات أخرى ولكن لم يجد الدعم المطلوب من اليهود. كما ظهر القس وليم بلاكستون الذي طالب بعمل شعبي لإعادة اليهود إلى فلسطين، وألف كتاب: (عيسى قادم) الذي بيع منه عام ١٨٧٨م أكثر من مليون نسخة، وتُرجم إلى ٤٨ لغة، ويتحدث فيه عن عودة اليهود لفلسطين باعتبارها المقدمة لعودة المسيح. وعلى صعيد الجماعات ظهرت جماعة «أخوة المسيح» وجماعة «بناي بريث» أي: أبناء العهد، «وشهود يهوه» ، ثم جاء دور الرؤساء الأمريكيين في دعم الحركة الصهيونية، وزاد هذا الدعم في بداية الأربعينيات مع انتقال مركز الثقل في النظام العالمي إلى الولايات المتحدة. فالرئيس روزفلت اتخذ نجمة داود شعاراً رسمياً للبريد، والخوذات التي يلبسها الجنود، وعلى أختام البحرية، وجاء بعده ترومان الذي أصدر بياناً طالب فيه بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، وكان له دور مشهود بجانب اليهود في حرب ١٩٤٨م، لقد عارض ترومان في سياساته الصهيونية كثيرٌ من المستشارين الحكوميين الذين كانوا يرسمون سياسة بلادهم الخارجية بناءً على مصالح بلادهم القومية؛ ولكن ترومان كان ينظر بمنظار مختلف قائم على أساس الدين؛ فعندما قدّمه زعماء اليهود الحاضرون في إحدى الاحتفالات ووصفوه بأنه الرجل الذي ساعد على تأسيس دولة إسرائيل رد ترومان قائلاً: وماذا تعني بقولك: ساعد على تأسيس ... إنني قورش ... إنني قورش؛ حيث شبه نفسه بقورش ملك فارس الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى فلسطين. ولتوضيح أثر العقيدة البروتستانتية في دفع رؤساء أمريكا إلى الانحياز لإسرائيل نسوق موقف الرئيس الأمريكي جون كنيدي الذي كان الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ أمريكا، حيث قال: «إن الانحياز الأمريكي في النزاع العربي الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب بل يهدد العالم بأسره» ، فالأفكار والتنبؤات التوراتية لم تكن في وجدانه أو عقله مثل سابقيه ولاحقيه. فالرئيس جونسون الذي قدم الدعم لإسرائيل أثناء حرب ١٩٦٧م صرح بعدها قائلاً في إحدى الاحتفالات للحاضرين: «إن بعضكم - إن لم يكن كلكم - لديه روابط عميقة بأرض إسرائيل مثلي تماماً؛ لأن إيماني النصراني ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد» . ويقول الرئيس كارتر أمام الكنيست الإسرائيلي: «إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة؛ لأنها علاقة متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه» ، وفي حفل أقامته على شرفه جامعة تل أبيب وضح كارتر الأمر أكثر؛ حيث ذكر أنه باعتباره نصرانياً مؤمناً بالله يؤمن أيضاً أن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة إسرائيل. لقد كان كارتر مثالاً للرئيس الملتزم بالصلاة في الكنيسة كل أحد، وكان عضواً في أكبر كنائس بلدته، وشماساً في مدرسة الأحد. أما ريجان فقد قال في أحد خطبه موجهاً كلامه إلى بعض اليهود الأمريكيين: «حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة هرمجدّون أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً» . بهذا تحدد الهدف الاستراتيجي الأمريكي في هذا الصراع، وهو ضمان وجود دولة يهودية لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى تمهيداً لنزول مسيحهم. ثانياً: مكافحة الإرهاب: أعلنت الولايات المتحدة الحرب ضد ما أسموه «الإرهاب» منذ عقدين على الأقل؛ وتأكيداً لمتابعتها لهذه الحرب حرصت على إصدار قوائم سنوية تتضمن أسماء دول داعمة للإرهاب وقوائم بأسماء منظمات وشخصيات «إرهابية» مطلوبة للعدالة الأمريكية، ورغم إعلانها عن هذه الحرب، وما رصدته لها من إمكانات، وما بذلته من جهود مالية وعسكرية، وما نفذته من عمليات مضادة؛ فقد كان حصادها قليلاً جداً كما تأكد ذلك خلال الزلزال الجوي الذي دمر برجي مركز التجارة العالمية وجزءاً من مبنى البنتاجون والذي كاد يعصف بأبنية مهمة أخرى. وتقول الإدارة الأمريكية: إن الأولوية المطلقة في سياستها الخارجية هي محاربة الإرهاب، وكرر المسؤولون الأمريكيون مقولة: إن محاربتهم للإرهاب، لن تنحصر في أفغانستان، بل سيتسع وتتفرع عنه أهداف أخرى، لتشمل الحملة على الإرهاب عشرات التنظيمات الإسلامية من إندونيسيا والفليبين إلى كشمير وأفغانستان وآسيا الوسطى، وصولاً إلى المشرق العربي (حماس والجهاد) والقرن الإفريقي. ويكشف تقرير قدمه خبراء للإدارة الأمريكية في منتصف العام الماضي أي قبل أحداث سبتمبر أن الإرهاب هو الخطر الأكبر في منطقة الشرق الأوسط ومنه سيصدر إلى غيرها من المناطق؛ لذلك يجب على الإدارة - كما يقول التقرير - أن تدرس قصص النجاح التي شهدتها المنطقة في مجال مقاومة الإرهاب، وأهمها تجربة مصر في التعامل مع الجماعات الإسلامية. كما يجب على الإدارة تشجيع أوسع لتعاون دولي وإقليمي ممكن لمواجهة خطر الإرهاب خصوصاً من شبكات التطرف الإسلامي والتدخّل بدور نشيط في مقاومة الإرهاب بواسطة التنسيق بين أجهزة المخابرات، وتشجيع تبادل المعلومات سراً؛ لأن هناك دوائر في العالم العربي والإسلامي على استعداد للتعاون، لكنها لا تريد لأحد أن يسمع ما تقول أو يرى ما تفعل. ثالثاً: تأمين منابع النفط وضرب العراق. تقوم الاستراتيجية النفطية الأمريكية على عدة مبادئ: - تعدد مصادر النفط والطاقة عموماً، بمعنى عدم الاعتماد بصفة أساسية على بترول الخليج الذي يشكل حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط، وهنا نجد أن نفط بحر قزوين الذي يقدر مخزونه بحوالي ٢٠٠ مليار برميل هو الداعم الأساسي لأمن طاقتها. - تعدد طرق النقل وخطوط الإمداد؛ إذ لا يكفي تعدد المصادر بل يجب تعدد المسارات لتقليل احتمال تعرضها للمخاطر، ومن هنا كان رفض واشنطن القاطع لمرور خط بترول قزوين بإيران رغم قلة تكاليفه؛ لأنه في النهاية سيصب في الخليج العربي ليمر بناقلاته مع بترول الخليج عبر مضيق هرمز، فتزداد مخاطر تأثير أي صراعات أو تغييرات في الخليج على إمدادات المصدرين معاً، وللسبب ذاته رفضت واشنطن مروره بروسيا فالبحر الأسود فمضيق البوسفور. - الحصول على النفط بأسعار مناسبة رخيصة، وهو ما يوفره تعدد المصادر وتعدد الطرق الآمنة، وقد كان لضخامة تقديرات بترول قزوين الأثر في دفع الدول المنتجة إلى المسارعة بزيادة إنتاجها قبل دخول بحر قزوين حلبة الإنتاج فتنخفض الأسعار. - حرمان أعداء واشنطن من تكنولوجيا النفط. - استخدام النفط ورقة مساومة لفرض الهيمنة الأمريكية على بقية الدول الكبرى كالصين واليابان وأوروبا. أدركت الولايات المتحدة أن الاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة؛ خصوصاً أن منطقة الشرق الأوسط والخليج تشهد تصعيداً بفعل القضية الفلسطينية وانعكاساتها على المنطقة والسياسة العربية ومنها الخليجية. من هنا جاء الاهتمام الأمريكي خاصة والغربي عامة بمفهوم أمن الطاقة والسعي للعثور على مناطق بديلة للخليج العربي لإنتاج الطاقة، وظهر الاهتمام ببحر قزوين في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وقد أشارت التقارير الأمريكية أن احتياطيه من الطاقة يكفي لعشرات الأعوام المقبلة. ويزيد من الاهتمام الأمريكي وفق مصادر كثيرة أن حاجة الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية للنفط تزايدت؛ ففي عام ١٩٩٨م بلغت حاجة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان ٣٧ مليون برميل من البترول يومياً، استوردت منه ٢٥ مليون برميل بمعنى أن هذه الدول حصلت على ٦٨% من احتياجاتها من النفط عن طريق الاستيراد. وتصدر دول الخليج ١٨ مليون برميل من إنتاجها النفطي الذي يبلغ ٤٠ مليوناً في اليوم إلى هذه الدول، وحسب تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية فإن حصة دول الخليج من تصدير النفط العالمي التي بلغت ٤٥% عام ١٩٩٨م سترتفع إلى ٦٥% في عام ٢٠٢٠م. والأمريكيون يريدون إيجاد مصادر بديلة عن نفط الشرق الأوسط الذي يشكل أكثر من ٥٠% من استيراداتهم، فيما أكد خبير النفط لدى معهد الطاقة في لندن محمد علي زيني أن الغرب لن يتمكن من تعويض النفط العربي لا بالاستيراد من روسيا ولا من غيرها. في هذا الشأن قال ريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق في محاضرة له في دبي بنادي دبي للصحافة: إن المصالح الأمريكية في المنطقة تتمثل في أمرين: الأول: ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة بهدف الهيمنة، والأمر الثاني: ضمان أمن إسرائيل. الأمر الثاني: السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط: بعد أن يتم تحديد الاستراتيجيات الأساسية التي لا تحيد عنها أي إدارة أمريكية سواء كانت جمهورية أو ديموقراطية يبدأ الفريق التنفيذي داخل كل إدارة في رسم السياسات الخاصة به لتنفيذ تلك الاستراتيجية، وبتتبع السياسات الأمريكية بالنسبة للصراع بين العرب واليهود نجد أنها لا تخرج أو لا تتجاوز خيارين: الخيار الأول: هو التدخل الكامل لإيجاد إطار أو آلية يمكن التوفيق بمقتضاها بين أطراف الصراع، وذلك مثل ما حدث في كامب ديفيد عام ١٩٧٨م في عهد إدارة كارتر عندما نجح في إقناع السادات ليوقع ما يسمى بمعاهدة كامب ديفيد مع مناحيم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي حينئذ، وهو أيضاً ما فعله جورج بوش الأب في مؤتمر مدريد عام ١٩٩١م في أعقاب حرب الخليج الثانية وهو نفسه خيار كلينتون في كامب ديفيد الثانية عام ٢٠٠٠م عندما قام بجمع إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي وياسر عرفات رئيس ما يعرف بالسلطة الوطنية الفلسطينية. الخيار الثاني: هو الانعزال الجزئي عن مجريات أحداث الصراع اليومية والاكتفاء بالمراقبة عن بعد والإبقاء على مستوى معين من التصعيد، التدخل إذا تجاوز الصراع حداً معيناً. وتمثل ذلك الخيار واضحاً في زمن حكم ريجان في الثمانينيات وبعض الفترات في رئاسة كلينتون، وهذه الأيام أثناء تولي بوش الابن مقاليد الأمور في السياسة الأمريكية. كما تمثل في جولات هنري كيسنجر بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م وجولات المبعوث الأمريكي فيليب حبيب إبان الغزو الاسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢م وجولات باول الآن. ولكن ما هي المحددات التي تجعل الإدارة الأمريكية تميل لأي خيار منهما؟ بتتبع السلوك السياسي للإدارات الأمريكية المتعاقبة تبين أن هناك محددين على ضوئهما يتضح ميل الإدارة الأمريكية لاستعمال أحدهما عند تطبيق سياستها على أرض الواقع. ١ - إعادة خلط الخيارات الاستراتيجية بالنسبة لأمريكا في المنطقة: فقبل أحداث ١١ سبتمبر كانت نصيحة اللجنة التي شكلها بوش لرسم خياراته الاستراتيجية وأولويات السياسة الأمريكية تدور حول ضرورة الفصل بين التوجهات الاستراتيجية الثلاث: النفط، والإرهاب، والصراع العربي الإسرائيلي؛ لأنه لا بد أن يظل كل منهم مستقلاً بذاته وبعيداً عن الآخر: الخليج وما حوله من ناحية، وفلسطين وما حولها ناحية أخرى، والإرهاب كوجهة ثالثة؛ لأن المزج بين الثلاثة يخلق تفاعلات تنشأ عنها شحنات خطر يصعب تقديرها. يضاف إلى ذلك أن الفصل بين هذه النطاقات هو الضمان لإحكام السيطرة على إدارة كل واحد منهما في حدوده المعينة وفي إطاره المحسوب. أما بعد أحداث ١١ سبتمبر فقد تنامى الاتجاه داخل الإدارة الأمريكية لجعل موضوع مكافحة الإرهاب في سلم أولويات هذه الإدارة لاستعادة الهيمنة المفقودة وتنفيذ أجندات مؤجلة؛ إذ شكلت تلك الأحداث صدمة أمنية نالت من هيبة أمريكا، وشكلت إطاراً عاماً لرسم السياسة الخارجية بل والداخلية وأعادت رسم أولويات الإدارة الأمريكية الحالية. لقد شكلت أحداث سبتمبر الماضي إطاراً نظرياً وفكرياً جديداً يتم الاسترشاد به في رسم السياسة الخارجية الامريكية وبعلاقات أمريكا بأشخاص المجتمع الدولي، وعليه فقد قسم بوش الدول إما معنا أو ضدنا، وبذلك فقد أعاد للعلاقات الدولية أطر الحرب الباردة بما تضمنته تلك التصورات من تأزيم للعلاقات الدولية وتفجير الصراعات الدولية وهيمنة ظاهرة الصراع الدولي على مظاهر التعاون في العلاقات الدولية، كما أسهمت تلك النظرة بتأجيج حدة التوترات الدولية لا سيما في البؤر المشتعلة أصلاً والتي أهمها على الإطلاق بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي. وأسهمت هذه الأحداث كثيراً في تعظيم الدعم المقدم لاسرائيل في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني وعلى أعلى المستويات. فعلى مستوى الرئاسة فإن الرئيس الأمريكي لم يتورع عن إظهار تحيزه السافر للسياسات الإرهابية الصهيونية، كما أنه لم يتوقف عن كيل التهم ضد الشعب الفلسطيني واصفاً أعمال المقاومة بالإرهاب، ولعل ما يفسر ذلك المرارة التي مني بها من جراء أحداث سبتمبر الماضي وتعثر جهود مقاومة «الإرهاب» في أفغانستان واستئصال جذوره، أما على المستوى الشعبي فأصبح الأمريكيون لا يريدون سماع عمليات انتحارية، حتى لو كانت موجهة ضد العسكريين الإسرائيليين؛ لأنها تذكرهم بـ ١١ سبتمبر. وسربت جهات أمنية أمريكية أن بن لادن قد قام بتدريب عشرات الآلاف من أنصاره، وأن هؤلاء ينتشرون في أكثر من ستين دولة! ووصف بوش هؤلاء بأنهم قتلة خطرون ينتشرون في مختلف أنحاء العالم، ويمثلون قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة. وما دام هؤلاء موجودين فإن الحرب على الإرهاب لا تزال في بدايتها. وستواصل أمريكا تعقب هؤلاء الإرهابيين في كل مكان في العالم.. وعلى جميع الدول أن تساعدها في هذه المهمة، وفي مقدمتها بالطبع تلك الدول التي يوجد فيها «الإرهابيون» . وأضاف مهدداً: إذا لم يتحركوا فإن أمريكا ستتحرك! ! وبذلك تعطي الولايات المتحدة لنفسها حرية التدخل في أكثر من ستين دولة تفترض أمريكا وجود جماعات إسلامية «متطرفة» على أراضيها إذا لم تقم هذه الدول بتصفية تلك الجماعات بالطريقة التي تراها واشنطن مقنعة! وهكذا فإنه إذا لم يتحرك عرفات لتصفية حماس والجهاد فإن واشنطن ستطلق يد تل أبيب في تخريب البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، وقتل كوادر تنظيمات المقاومة والمواطنين الأبرياء والأطفال والشيوخ على السواء. ويأتي في هذا الإطار قول شارون أثناء زيارة باول الأخيرة للمنطقة: إن إسرائيل تقوم بحملتها في إطار الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وإنه يرحب بالسيد كولن باول في القدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل، فما كان من الوزير الأمريكي إلا أن قال مبتسماً إنه يتحدث كصديق مقرب لإسرائيل، ثم أطلق تصريحه؛ مما يعني أن المخطط الأمريكي قارب مداه بالتناغم مع المخطط الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه القدس، مسقطاً بذلك ما يقال حول القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، بل ومسقطاً ما جاء باتفاقيات أوسلو. وارتبط بأحداث سبتمبر الماضي ادعاءات أمريكا أنها لا تستطيع أن تضغط على إسرائيل لوقف حربها ضد ما أسمته بالإرهاب طالما أن أمريكا تفعل ذلك، ولديها التزام ليس فقط بدعم الدول التي تواجه الإرهاب، بل والإسهام ميدانياً في المعارك الجارية ضد الارهاب كما هو الحال في الفلبين وكشمير وفلسطين وغيرها، وبالطبع فان مسرح العمليات دائماً البلاد العربية والإسلامية والأقليات المسلمة حيثما كانت، وبذلك فإنه وبالرغم من معارضة العالم أجمع لما يحدث من قمع وإرهاب بحق الشعب الفلسطنيي تأتي أمريكا وتجد لها المسوغات الكافية للاستمرار في عدوانها؛ كما تعطيها الغطاء السياسي والدبلوماسي والمادي والعسكري اللازم لتنفيذ مخططاتها. واختلطت أوراق الصراع الدائر بين اليهود والمسلمين في فلسطين بأوراق النفط أيضاً بعد أحداث ١١ سبتمبر؛ فالاعتماد الأميركي على النفط العربي تحول، في أذهان القادة الأميركيين إلى معضلة قومية واستراتيجية منذ حرب تشرين الأول اكتوبر عام ١٩٧٣م؛ فبعد الحرب أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عزم إدارته على تنفيذ سياسة نفطية جديدة خلال السبعينيات، بحيث تكون بلاده قد وفرت قدرات كافية لتأمين حاجاتها من النفط من دون الاعتماد على أي مصدر أجنبي. بالطبع أخفق نيكسون في تحقيق هذه الغاية، كما أخفق في تحقيقها كافة الرؤساء الذين جاؤوا من بعده. فلقد أنشأ جيرالد فورد الاستراتيجي الاحتياطي النفطي وأنشأ جيمي كارتر وزارة الطاقة. وفي عام ١٩٩١م استطاعت الإدارة الأمريكية تحت إدارة جورج بوش الأب تأليب الرأي العام العالمي ضد العراق، وأعلنت أنه يملك رابع قوة عسكرية في العالم، وحشدت في مواجهته أكبر حشد عسكري بعد الحرب الكونية الثانية، كما تقول بذلك أدق مصادر المعلومات الغربية، واستخدمت تلك القوة لقهر العراق وإبعاده عن التحكم في النفط أو طرق إمداداته. ونفذ بيل كلينتون قانون سياسة الطاقة الذي وضع في عهد سلفه جورج بوش الأب، إلا أن هذه التدابير والسياسات لم تنجح في تحقيق هدف تحرير الولايات المتحدة من الاعتماد على النفط العربي. الدليل الحاسم على هذا الإخفاق قدمه الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن خلال شهر أيار مايو من العام الماضي عندما أعلن سياسة الطاقة القومية وقدم لها بقوله: الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، خصوصاً أي مصدر أجنبي، يتركنا عرضة لتقلبات الأسعار المفاجئة، وانقطاع التموين، وفي أسوأ الأحوال للابتزاز. ولقد أوضحت سياسة الطاقة القومية الجديدة حجم الابتزاز الذي تخشاه إدارة بوش؛ إذ جاء فيها أن الولايات المتحدة تستورد حالياً قرابة ٥٣% من حاجاتها من النفط من الخارج. ولهذه المستوردات النفطية أهمية بالغة لتأمين حاجات المواصلات ولتشغيل حوالي ٢٠٠ مليون سيارة وشاحنة يملكها ويستخدمها الأميركيون. ونسبة الاعتماد على النفط العربي في تزايد مستمر نظراً لما هو معروف من تضاؤل حجم احتياط النفط في الدول العربية التي تستورد منها الولايات المتحدة نفطها. ويجدر بالذكر أن البلد العربي الذي يحتل المصدر الثاني في صادراته النفطية إلى الولايات المتحدة بعد المملكة العربية السعودية، هو العراق. وهذا يكفي وحده لتفسير المخاوف الأميركية من انقطاع أو عرقلة مستورداتها النفطية من المنطقة العربية. الاستراتيجية النفطية الأمريكية تسعى إلى معالجة هذه الأوضاع الخطرة، من وجهة نظر أميركية، ابتداء من التسليم باستحالة تحقيق الهدف الذي وضعه نيكسون أي تحقيق الاكتفاء الذاتي النفطي، وصولاً إلى تحقيق هدف أكثر واقعية ألا وهو محاولة ضمان حاجات الولايات المتحدة من الطاقة عن طريق تنمية المصادر الداخلية وتنويع المصادر الخارجية. وعلى رغم الآمال الكبرى التي يعقدها مخططو السياسة الأميركية النفطية على تنمية المصادر الداخلية إلا أن التوقعات لا تتوازى هنا مع حجم الآمال والأماني، مما يدفع بأصحاب القرار في واشنطن إلى الاهتمام الحثيث بتنويع المصادر الخارجية وهي - فضلاً عن المصادر العربية نفسها - المناطق الأربع الآتية: دول حوض بحر قزوين، إفريقيا، أميركا اللاتينية، وروسيا. حققت الولايات المتحدة بعض النجاح في إيجاد الأجواء والظروف الملائمة لتنمية وارداتها من النفط ومن الغاز الطبيعي من دول هذه المناطق. فالعلاقات السياسية بين واشنطن ودول هذه المناطق، خصوصاً روسيا وبعض دول بحر قزوين، في تحسن مستمر. كذلك تنمو علاقات واشنطن مع بعض دول حوض بحر قزوين. إلا أن هذه النجاحات تبقى محدودة الأثر بالمقارنة مع الهدف الذي تتوخاه الولايات المتحدة وهو ضمان تدفق النفط الأجنبي من دون أي عقبات تذكر. فحتى تتمكن واشنطن من تحقيق هذا الهدف مع تنويع مصادر النفط فإن عليها أن تذلل صعوبات أمنية وسياسية واقتصادية وفنية متعددة. فعلى الصعيد الأمني تواجه الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية صعوبة في ضمان تدفق النفط من كولومبيا بسبب الصراع المسلح بين الحكومة الكولومبية والحركات المسلحة المعارضة. ولقد دأبت تلك الحركات على توجيه ضربات مباشرة إلى منشآت النفط. وفي إفريقيا فإن مساعي الولايات المتحدة للحصول على النفط الأنغولي تصطدم بالمعارك المسلحة بين الحكومة الأنغولية، من جهة، وحركة أونيتا المعارضة التي دعمتها واشنطن. إن مقتل سافيمبي، زعيم أونيتا قد يفتح الباب أمام تخفيف حدة النزاع العسكري بين الطرفين. ولكن إلى أن تستتب الأمور في ذلك البلد الأفريقي الغني بالنفط، وكذلك في نيجيريا التي تعاني من عدم الاستقرار؛ فإنه من الصعب أن تشكل القارة الأفريقية مصدراً آمناً لواردات النفط الأميركية. أخيراً لا آخراً تواجه الولايات المتحدة متاعب أمنية تعرقل ضمان تدفق النفط عبر دول بحر قزوين وجمهوريات آسيا الوسطى. فالأوضاع في أفغانستان لم تستتب بعد، كما أن العديد من دول المنطقة التي تمر عبرها أنابيب النفط تواجه مصاعب أمنية. كذلك تواجه الولايات المتحدة مصاعب سياسية في تلك المناطق. ففي دول أميركا اللاتينية النفطية الرئيسية المكسيك، فنزويلا وكولومبيا توجد تقاليد سياسية قديمة. وهذه التقاليد تمنع واشنطن من التدخل في الشؤون النفطية في هذه البلاد، بينما يرى الأميركيون أن مثل هذا التدخل ضروري من أجل تنشيط القطاعات النفطية فيها وتنمية قدراتها الإنتاجية على نحو يمكنها من تلبية حاجات السوق الأميركية. وما يقال في هذا المجال عن أميركا اللاتينية يقال أيضاً عن روسيا وعن دول بحر قزوين. ثم إنه على واشنطن التي تريد تحصين أمنها القومي ضد ما تسميه بعض الدوائر الغربية الابتزاز النفطي العربي، أن تفكر بالحصول على مثل هذه الضمانات ضد الابتزاز الروسي. فروسيا هي الأخرى لها مصالح ومطالب وثأرات عند واشنطن. وبوتين اكتسب شعبية في روسيا؛ لأنه بدا مؤهلاً للوقوف في وجه التبعية للغرب، ولأنه أقصى أصدقاء الولايات المتحدة وإسرائيل عن بعض القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية. فإذا بدا بوتين متساهلاً على هذا الصعيد اشتدت المعارضة ضده بيمينها ويسارها. ومن الصعب أن يخلو الجو لواشنطن في حوض بحر قزوين حتى تحوله إلى البديل الموعود عن الخليج. فإذا كانت واشنطن قد حققت بعض التقدم فلأسباب من بينها النزاع بين دول الحوض على تقاسم نفط البحر. وهذا النزاع يتجه إلى التراجع. فستجتمع دول الحوض ومن بينها روسيا وإيران لكي تتوصل إلى تسوية هذا الأمر. ثم إن لروسيا مصالح وذكريات في هذه المنطقة ليس من السهل تناسيها والتغاضي عنها، كما أن بكين تمد بصرها ومطامحها إلى هذه المنطقة أملاً بالحصول على نفطها أيضاً. وهي ستكون منافساً عنيداً لواشنطن. كل ذلك لا يعني أن واشنطن لن تنجح في تنمية مستورداتها النفطية من مصادر عربية. إنها تحقق بعض هذا الغرض، وستحقق المزيد منه في المستقبل، كما جاء في سياسة النفط القومية التي تتبناها إدارة بوش. لكن مثل هذا التطور لن يمكنها من التحرر من العرب ولا من الخلاص من الابتزاز العربي في نظرها، وستبقى تعتمد بصورة رئيسية على مستورداتها من النفط العربي. وبحكم هذا الاعتماد ومن أجل ضمان مصالحها العربية وأمنها النفطي فإنها ستكون مضطرة إما إلى استخدام الهراوة مع العرب، كما تفعل الآن بصورة مباشرة أو عبر الإسرائيليين، وإما إلى أن تمد لهم يد الصداقة والتعاون وهو ما تهرب منه واشنطن وتأباه. ويشكل العراق هاجساً أمريكياً يحول دون سيطرتها على النفط العربي؛ فحرب الخليج الثانية لم تقض نهائياً على ذلك الخطر؛ لذلك جاءت أحداث سبتمبر وما صاحبها من تدمير أفغانستان لتفتح الشهية العسكرية الأمريكية لتكرار نفس السيناريو الأفغاني في العراق ولتنهي مشكلته المزمنة للأبد، ولقد وجهت صحيفة (يو. إس. إيه توداي) نقداً للتعنت الإسرائيلي قائلة إنه يعطل سير الخطط الأمريكية لتوجيه الضربة المقبلة للعراق، وأن الطريق الأمريكي إلى بغداد أصبح طويلاً؛ لأنه سيمر من خلال القدس، بمعنى أنه لا بد من حل المشكل العربي الاسرائيلي أولاً ولو مؤقتاً، ثم الانتقال إلى قصف العراق، وإلا تصور العرب أي هجوم أمريكي على العراق على انه هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك، وأذاعت الصحيفة على لسان مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية، لم يفصح عن هويته، أن عدة دول عربية موالية لأمريكا أعربت عن رفضها لأي تعاون مع أمريكا في شأن العراق ما لم تقم أمريكا أولاً بلجم رعونة شارون. ولذلك جاءت جولة تشيني الأخيرة قبل الاجتياح الإسرائيلي ليعقد صفقة مع الدول المعنية بالشأن العراقي بخصوص عدم إعاقة التدخل الأمريكي في العراق نظير تهدئة شارون، وعندما وجد الاستجابات ضعيفة من الجانب العربي أعطى الضوء الأخضر لشارون لتنفيذ حملته الهمجية. ٢ - طبيعة الفريق المكون للإدارة: يقول هيمي شاليف الكاتب في صحيفة معاريف الإسرائيلية: «لقد كانت وجهة نظري دائماً أن الديمقراطيين أقل تبدلاً للمواقف بينما الجمهوريون يتغيرون وفقاً لمصالح الولايات المتحدة، وأما الديمقراطيون فهم أكثر وجدانية وأقل ميلاً للتبدلات. ويمكن للإسرائيليين أن يروا أفضل شاهد على تلك الاختلافات في نهج آخر رئيسين أميركيين قبل بوش الابن: الأول يتمثل في إدارة بوش الأب التي تذكر على أنها وجهت أكبر ضغط سياسي على إسرائيل. والثاني يتمثل في الرئيس السابق بيل كلينتون الذي يخلد على أنه أبدى أسمى آيات الإخلاص لرئيس وزراء إسرائيل الراحل إسحاق رابين. أما الإدارة الحالية بوش ومن حوله، رامسفيلد وتشيني بالذات وكولن باول إلى حد ما يعتبرون أن رئاسة كلينتون كانت مرحلة انتقال بين سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بالعالم، وأن رئاسة بوش هي بداية الانفراد الحقيقي بالقوة في العالم. والمؤكد الآن أن هناك قوتين رئيسيتين تدفعان هذه الإدارة نحو مواقف أكثر تأييداً ودعماً لإسرائيل: أولاهما: الأصوليون البروتستانت وخاصة أولئك الممثلين بشكل جيد في الحزب الجمهوري بالكونغرس وفي المناصب العليا في الإدارة والذين يساندون إسرائيل بقوة وثبات. وفي حوار دار بين بعض أفراد هذه المجموعة حول ضرورة مساندة حكومة شارون؛ لأن الإنجيل يقول إن تلك الأرض تعود لليهود، ولكن اللافت ان هناك العديد من السياسيين المنتخبين الذين يعتقدون أن العودة إلى تقسيم الإنجيل ليهودا والسامرة هو الحل المنطقي الوحيد. ويتم تعزيز الصورة الشعبية المحافظة لإسرائيل من خلال جماعة ضغط قوية أقل تأثراً بالمعطيات الدينية، يطلق عليها اسم المحافظون الجدد ويمثلها في الإدارة الأميركية أشخاص مثل بول ولف ويتز نائب وزير الدفاع الأميركي وديك تشيني نائب الرئيس. وحجتهم في دعم الدولة العبرية بسيطة؛ فإسرائيل هي حليف أميركا الاستراتيجي في المنطقة، وهي الدرع الواقية من المتطرفين الإسلاميين المعادين للولايات المتحدة من بحر العرب، حتى البحر المتوسط. أما التهديد الديمغرافي طويل المدى لإسرائيل نتيجة تباين معدلات الولادات الجديدة بين الفلسطينيين واليهود فتحتاج وفقاً لوجهة نظر هذا الفريق إلى تثبيت دعائم الدولة اليهودية من خلال المزيد من الدعم والحماية الأميركيين. ويقوم المحافظون الجدد الذين يسيطرون على جزء لا يستهان به من وسائل الإعلام الأميركية بمتابعة كل خروج عن السياسة الأميركية المعلنة؛ حيث يسارعون إلى مهاجمته وعزله؛ ولعل المثال الأكبر لاحتقارهم وازدرائهم هو وزير الخارجية كولن باول الذي يتم ربط نفوذه بكل تصريح يدلي به الرئيس الأميركي أو أحد مساعديه، ويحمل نقداً ولو خفيفاً لإسرائيل. ويقول برنامج الرئيس بوش الرسمي الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية: » من المتوقع ألاّ يحصل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين على نفس الاهتمام الشديد الذي كرسته له إدارة كلينتون. إن انفجار العنف الذي بدأ في أواخر أيلول/سبتمبر من عام ٢٠٠٠م، بالإضافة إلى رفض ياسر عرفات قبول مقترحات السلام التي تجاوزت بنسبة كبيرة أية مقترحات قُدمت في السابق، يُعطي برهاناً واضحاً لعدم رغبة القيادة الفلسطينية في إنهاء النزاع مع إسرائيل. وفي هذه الظروف سوف تكون المهمة الرئيسية لإدارة بوش منع تزايد وتيرة أعمال العنف بحيث تتحول تلك إلى حرب؛ وذلك حتى تراجع العنف؛ بحيث يصبح بالإمكان عقد شكل من أشكال المفاوضات المؤقتة. خلال هذه الفترة من المهم أيضاً إظهار الدعم الثابت لإسرائيل بغية إحباط أي تفكير من قبل أعدائها العرب المتشددين بأنهم قد يتمكنون من الانتصار عليها، مع المحافظة على تواصل فعال مع القادة العرب. وهذه الإدارة مطمئنة إلى أنها تملك أوراق اللعبة، ومن ثم فأمريكا لن تنفض يدها أبداً من المنطقة؛ ولكنها تعلم أنها تستطيع أن تحصل على ما تريد دون أن تدفع شيئاً يذكر، ومن ثم فهي ليست على استعداد لأن تدفع ثمناً أكثر مما هو ضروري. ولكن على الرغم من مظاهر التحرك السريع لتغيير البنية السياسية في المنطقة بالتحالف بين تل أبيب وواشنطن، باستخدام فعال لخيار القوة العسكرية، فإن الحقائق على الأرض تكشف عن معوقات جدية تقف بوجه هذا السيناريو؛ فمقاومة الشعب الفلسطيني للاجتياح الإسرائيلي على الرغم من قساوتها بسبب اختلال توازن القوة، فتحت الأبواب الواسعة أمام حائط جديد بدأ أساسه يلوح في الأفق يصنعه أبطال، وترويه دماء، وتغذيه نفوس بدأت تتحرر من الوهن: تكره الدنيا وتحب الموت.

стр. 4274

المسلمون والعالم القضية الفلسطينية عندما تتحول إلى مسألة مخابراتية أمريكية أمير سعيد (أفهم أن تضطلع وزارة الخارجية الأمريكية برعاية مفاوضات السلام بيننا وبين (الإسرائيليين) ، ولكني لا أستطيع أن أفهم كيف تسند هذه المهمة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وهي جهة توكل إليها (عادة) الأعمال القذرة) الكاتب اللامع محمد حسنين هيكل في برنامج: (من قلب الأزمة إلى قلب الأمة) الذي بثته الفضائية المصرية دريم. وما لم يفهمه هيكل فهمه بوش، وهو أن القوى العظمى وقد انفردت بقيادة العالم لا يعنيها على الساحة الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً كثير مفاوضات ولا تعدد حوارات ولا تبادل أفكار، وإن ما يعنيها هو إلقاء أوامر، وتسيير الأجهزة الأمنية في العالم العربي على هواها، لذا فقد حددت هدفها (من ليس معنا فهو ضدنا) ، وبنت استراتيجيتها: هي العولمة ذات الصوت الواحد، يمسك القائد الأوحد (ميكروفونه) فيتكلم بصوت عال فيخرس الجميع. أمس كان الساسة يتقدمون بمبادراتهم ويتوارى الجواسيس، واليوم تغير الحال؛ فكل فترة يأتينا رئيس الـ A. C. I فيلقي لنا ورقة فيها من أوامره وتعليماته ما الله به عليم، وعلينا إذن أن نبادر على الفور إلى تنفيذها. لا تبالوا أتضمنت تلك الورقة أوامر اعتقالات لكل المجاهدين والمناضلين، أم تفتيشات أو نقاط مراقبة أمنية للوكالة أو الجيش الصهيوني أو الموافقة على تقديم المزيد من التنازلات كالتفريط في القدس وحق العودة للاجئين؟ . وإلا فسيكون مصيركم - إذا فكرتم مجرد التفكير في مناقشة تلك الورقة - تماماً مثل هذا العبد الآبق عرفات. فلأول مرة في التاريخ الحديث ترعى الاستخبارات المفاوضات في الوقت الذي تشرف فيه على تنفيذ المجازر جنباً إلى جنب ... كيف حدث هذا؟ تعالوا نقر أولاً أن دون تلك المنزلة في فلسطين، والشرق الأوسط التي ارتقت إليها الـ A. I. C سعياً حثيثاً ودوراً خبيثاً أنيط بها فنفذته. * لمحات حول الـ C. I. A في المنطقة العربية ودورها ومحاور اهتماماتها: منذ فترة طويلة كان للولايات المتحدة الأمريكية اهتمام كبير بالمنطقة العربية، نظراً لكونها مهد الإسلام، (العدو الرئيسي للولايات المتحدة) ، ولموقعها الجغرافي المتميز بين قارات العالم، وتحكمها في أبرز وأهم المضايق البحرية في العالم، ولاستحواذها على النصيب الأوفر من الثروة النفطية في العالم. لذا فقد عملت الولايات المتحدة منذ خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية على أن تضرب بأطنابها في كل دولة عربية، مولية اهتمامها الأكبر نحو الدول العربية التأثيرية في المنطقة. ومن خلال وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مدت الولايات المتحدة الأمريكية أرجلها الأخطبوطية في مصر باعتبارها أكبر وأقوى دولة عربية والتي يعد سكانها نحو ربع العرب تقريباً، وتملك أكبر جيش عربي ملاصق للدولة الدخيلة (إسرائيل) الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في العالم، ثم تمدد الأخطبوط إلى سوريا ثم إلى لبنان ذي الموقع المتميز والفسيفسائية الطائفية التي تجعله مركزاً متميزاً للاستخبارات الإقليمية والدولية، ثم إلى الخليج عموماً كمخزن هائل للنفط في العالم. وأيضاً إلى فلسطين سواء بشقيها المحتل عام ١٩٤٨م أو ١٩٦٧م لتقديم التواصل مع طرفي القضية الفلسطينيين واليهود.. والآن تكاد تكون جميع أرجل الأخطبوط قد امتدت إلى جميع الدول العربية كاليمن والسودان والجزائر وغيرها. وتلعب السفارات الأمريكية دوراً هاماً في تسهيل مهام الوكالة؛ حيث كانت مقار الـ A. I. C هي أماكن السفارات قبل أن تستقل هذه المقرات بشكل علني في ثلاث أو أربع عواصم لأبرز الدول العربية. وفي هذه السفارات (المقرات) أو تلك المكاتب يتولى ضابط استخباري رفيع المستوى إدارتها. وتناط بهذه (الممثلية) الاستخباراتية مهام مراقبة الحكومات وقادة الرأي وأنشطة المعارضين، ومد الجسور مع الصالح لـ (التعاون) منهم، وإعداد تقارير دورية عن أوضاع الحركات الإسلامية بأنواعها، وفي دولة كمصر تسعى الـ A. I. C إلى تتبع تطورات التسليح واتجاهات كبار الضباط بها، والسعي للتواصل معهم من خلال الدورات العسكرية التدريبية، ومناورات النجم الساطع وغيرها، وقد بدأ الدور الاستخباري الأمريكي ينشط إبان اشتعال انقلاب عبد الناصر عام ١٩٥٢م، وفي سوريا كانت اليد الاستخباراتية الأمريكية الخفية حاضرة في معظم الانقلابات العسكرية السورية، وتدخلت الـ A. I. C أثناء النكسة في حمل حافظ الأسد عندما كان وزيراً للدفاع على الاعتراف بسقوط القنيطرة قبل أن تطأها أقدام اليهود، في إطار صفقة تمنح الوزير صلاحيات أوسع فيما بعد للأقلية النصيرية. أما في العراق فلا تخفي المعارضة المسلحة وغير المسلحة في معظم الأحيان صلاتها واتصالاتها بعناصر من الاستخبارات الأمريكية، وفي بعض دول الخليج العربي تراقب الوكالة نشاط الحركات الإسلامية التي شبت عن طوق المؤسسات الدينية الرسمية بشكل لافت. أما لبنان فهو وكر الجواسيس الأمريكيين، وقد أقامت A. I. C شبكة تخابرية كبيرة مدت جسوراً بين اليهود والموارنة وساهمت في تكوين جيش لحد الجنوبي، وتعمل على مراقبة تحركات وأنشطة حزب الشيعة اللبناني، والفصائل الفلسطينية في المخيمات اللبنانية. وأما في فلسطين وهي موضع اهتمامنا هنا فعلاقة وكالة الاستخبارات الأمريكية بالكيان الصهيوني وثيقة جداً، وعلاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية قديمة وربما قدم نشأة المنظمة نفسها. وإذا كان من الضروري إماطة اللثام عن الدور الاستخباري الذي تقوم به A. I. C لدعم الكيان الصهيوني الدخيل، والجسور التي مدتها الوكالة الاستخباراتية الأمريكية مع منظمة التحرير الفلسطينية، فإنه من اللازم قبل ذلك كشف جانب من العلاقة الخفية (العلنية أحياناً) التي تربط A. I. C بالموساد. * علاقة الـ C. I. A بالموساد (الإسرائيلي) : ليس سراً أن أغلبية المسؤولين الأمريكيين هم إما يهود ديانةً أو يهود ولاءً، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ليست بدعاً من هذه المسلَّمة، فهناك عدد معتبر من قادة ومسؤولي الوكالة هم أيضاً يهود ديانةً وولاءً، أما البقية من هؤلاء فلا يجدون كبير غضاضة في وضع كثير من أسرار الوكالة تحت تصرف جهاز التجسس (الإسرائيلي) (موساد) نظراً للعلاقة المتينة التي تربط بين أمريكا والكيان اليهودي [١] . إلا أن هذه العلاقة لا تحدها مجرد التصريحات و (الإعجابات) ؛ فعلاقة الولايات المتحدة بـ (إسرائيل) ليست خافية على أحد، وحسبك أن تسأل طفلاً عربياً عنها ليصمَّ سمعك بما هو معلوم بالضرورة من السياسة العالمية، أو تسأل نصف مثقف ليحدثك عن الاعتراف بدولة الكيان الغاصب فور إعلانها، ويحدثك عن ١٩٤٨م، ١٩٥٦م، ١٩٦٧م، ١٩٧٣م، ١٩٧٨م، ١٩٨٢م، ١٩٩١م، ٢٠٠٢م. وحين يكون الحديث عن الـ A. I. C فحسب من دون بقية الأجهزة الأمريكية الحاكمة، فلن نعدم حيلة أن نجد العديد من المحطات التي أسدت فيها الوكالة الاستخبارية المركزية الأمريكية دعماً ملموساً للكيان الصهيوني. * صور لدعم الـ C. I. A للكيان الصهيوني: في حرب الأيام الستة (عام ١٩٦٧م) استفاد الجيش الصهيوني بتزويد الـ A. I. C له بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية التجسسية لمواقع منصات الصواريخ والقواعد العسكرية والمطارات الحربية، وهو ما حسم المعركة قبل أن تبدأ. وفي حرب ١٩٧٣م: أسهمت المعلومات التي جعلتها الوكالة تحت تصرف الكيان الصهيوني في ترجيح كفة الجيش اليهودي، وسهل له حصار الجيش المصري، واختراق قوات شارون للحدود المصرية حتى الكيلو ١٠١ من القاهرة. وفي اجتياح لبنان ١٩٨٢م: زودت الـ A. I. C الجيش الصهيوني بمعلومات دقيقة لقواعد منظمة التحرير الفلسطينية، وأماكن واستعدادات الجيش اللبناني، وخطط عملاؤها في لبنان: سمير جعجع [٢] ، وإيلي حبيقة [٣] ، وإيتان صقر زعيم عصابة حراس الأرز خططوا ونفذوا مذابح صبرا وشاتيلا الرهيبة بتورط مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي آرييل شارون. وفي عملية ضرب مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ١٩٨٦م: بمساندة مباشرة عن مساعد وزير الخارجية الأمريكية (ساهم هذا الجزار أيضاً في مذبحة صبرا وشاتيلا) وتدخل من جانب A. I. C، نجحت (إسرائيل) في اغتيال العشرات من كوادر المنظمة، ولعل أبرز من أسهمت A. I. C في اغتياله بعد ذلك المناضل أبو جهاد الذي تشابه دوره إلى حد كبير في الانتفاضة الأولى ١٩٨٧م مع دور المناضل مروان البرغوثي في الانتفاضة الثانية الذي اعتقلته (إسرائيل) مؤخراً في رام الله. في اتفاقية واي بلانتيشن ١٩٩٨م: جرى الاتفاق بين الجانبين الفلسطيني و (الإسرائيلي) على أن تُمنح الـ A. I. C دور المراقب على أداء السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية المتعددة في قمع الحركات المعارضة لعملية الاستسلام (أبرزها قوى إسلامية) وغير خاف أن الولايات المتحدة الأمريكية قد خصصت في ميزانيتها مؤخراً مليار دولار للعمل الاستخباري للـ A. I. C الذي يستهدف الحركات الإسلامية) . * علاقة الـ C. I. A بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية: قدم فرانك أندرسون الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط في الـ A. I. C شهادته حول علاقة الوكالة بمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال الحوار الذي أجرته معه صحيفة هآرتس اليسارية الصهيونية في خريف ١٩٩٨م، وكانت هذه النقاط هي أبرز ما استخلصناه من هذه المقابلة: * بدأت العلاقات بين الطرفين قبل نحو ٣٠ عاماً، وأسفر أول تنسيق في عام ١٩٧٤م عن اتفاق بإيقاف المنظمة لأي عمل عسكري يستهدف (إسرائيليين) خارج فلسطين مقابل اعتراف أمريكي بالمنظمة (لم يحدث إلا متأخراً جداً) ، وكان مسؤول الجانب الأمريكي ضابط الاستخبارات (إيمز) ، ومسؤول الجانب الفلسطيني علي حسن سلامة [٤] . * في الحرب اللبنانية المعروفة اصطلاحاً باسم الحرب الأهلية التي اندلعت في ربيع ١٩٧٤م، دافعت المنظمة عن السفارة الأمريكية وعن مساكن الدبلوماسيين. * بعد مقتل سلامة تولى الأخوان: هاني، وخالد الحسن فتح قناة مع الـ A. I. C مجدداً في أواسط الثمانينيات. عطفاً على ذلك كانت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية يضمان دائماً أطيافاً مختلفة من المنتسبين إلى النضال، بعضهم كان مناضلاً فعلاً بالمعنى الشائع، وإن لم يكن ينطلق من رؤية إسلامية. وللأسف كان هؤلاء دائماً عرضة للتهميش الداخلي في المنظمة، والوشاية بهم أحياناً من قبل العملاء وما أكثرهم، وأحياناً يتعرضون للتصفية والاعتقال كما حدث مع أبو جهاد وأبو علي مصطفى، والبرغوثي وغيرهم. وبعضهم تنتهي حبالهم السرية عند A. I. C أو الموساد أو على الأقل تحوم الشبهات حولهم كثيراً، ومن أبرز هؤلاء: الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نفسه: فقد نجا من العديد من محاولات الاغتيال ليس بحرفة عسكرية وأمنية منه ولا بطولة على ما يبدو؛ ففي أيلول (الأسود) وفي حصار بيروت، وفي قصف مقر المنظمة في تونس، وفي حصار رام الله الأخير.. في كل هذه المرات تمكن (أعداؤه) منه فلماذا لم يقتلوه؟ يقول أندرسون: (لست أملك أية معلومات حول خطة (إسرائيلية) لاغتياله) . ويقول الصحفي الأمريكي ديفيد أغناطيوس (درس جيداً عقد السبعينات في المنطقة) : (إن أتباع عرفات ساعدوا الأمريكان على منع الهجمات على السفارة الأمريكية في زائير وروما، وبطلب من إدارة كارتر طبخ عرفات عملية إطلاق سراح ١٣ رهينة في طهران في العام ٧٩، وكذلك أعاد جثث ثمانية جنود أمريكيين قتلوا وهم يحاولون تخليص الرهائن، عرفات أحبط أيضاً خطة خطف الملحق العسكري الأمريكي في بيروت، وكذلك منع هجمات منظمة التحرير الفلسطينية على الأمريكيين خلال الحرب اللبنانية) لكن أخطر ما قام به عرفات هو الوشاية برفقاء دربه للجماعات المنشقة عن فتح أو للكيان الصهيوني، وجهوده السوداء لسحق حركة حماس والجهاد الإسلاميتين مشهورة في أعقاب استشهاد المهندس يحيى عياش قائد القسام الفذ. * قائد الأمن الوقائي في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب: من أهم وأبرز رجال الـ A. I. C في فلسطين، يقوم بدور محوري في خيانة مسلمي فلسطين، أحد الجلاوزة الذين لم يستطع أحد في السلطة حتى عرفات تحديد صلاحياته وقد تلقى هو ومن بعده رجاله تدريبات على أيدي ضباط الاستخبارات الأمريكية سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها على قمع الإسلاميين وحركاتهم المقاومة، تعده A. I. C رجلها الأول في فلسطين، وتعتبر جهازه - هي والموساد - الأقدر على تلبية الاحتياجات الأمنية لـ (إسرائيل) ، أصبح يعد الآن بشكل علني لمرحلة ما بعد عرفات (بعد أن سبه عرفات بأقذع الشتائم وصفعه، وأشهر في وجهه مسدسه، لكن المسكين عرفات لم يستطع أن يقيله من منصبه رغم إصداره أمراً بذلك!) ، وتقول مصادر فلسطينية أن الـ A. I. C كانت تمارس ضغوطاً شديدة لحمل عرفات على تقزيم منافسي الرجوب، وتضيف تلك المصادر أن الرجوب أضحى يخشى ثأر الانتفاضة أكثر مما تخشاها (إسرائيل) ، إنه يتقن هو ورجاله فنون التعذيب وانتزاع الاعترافات تحت التهديد، وذلك في مقر قيادة الأمن الوقائي في بيتونيا (سابقاً) وهو مقر مكون من ٧ طوابق منها ٣ تحت الأرض، وزنازين تتسع لـ ١٠٠ معتقل (اتسعت لـ ٤٠٠ شخص سلمهم الرجوب في صفقة قذرة مع الحكومة " الإسرائيلية " أثناء حصار المقر الذي منع أثناءه المعتقلين من حماس والجهاد وفتح من مبارحة مكانهم أو الدفاع بالسلاح عن أنفسهم) . نذكر أخيراً أن أفراد جهازه يتلقون راتبين وامتيازات خاصة (سيارة مرسيدس لكل ضابط ومسؤول في الجهاز) بينما القوة ١٧ والشرطة يكاد أفرادها لا يتقاضون ما يكفيهم. * أين الـ C. I. A من التطورات الأخيرة؟ حين بدأت (إسرائيل) اجتياحها الدموي للضفة الغربية، وتنفيذها للمجازر في جنين ونابلس وغيرهما، وبدا أن الولايات المتحدة الأمريكية تغض الطرف عنها، بل توجه أحياناً فيها شرع المراقبون يطلقون عيونهم للبحث عن أصابع الـ A. I. C الخفية في إدارة الصراع أو توجيهه. ولم يخب ظنهم طويلاً؛ فقد أورد موقع ديبكا الأمني (الإسرائيلي) تقريراً جاء فيه: إن هناك مراقبين أمريكيين يراقبون عن كثب ما يحدث على أرض المعركة في الأراضي المحتلة من انتشار قوات المدرعات والمشاة، ومدى سرعة اجتياح مدينة سكنية في زمن قياسي، وكيفية نشر قوات الاحتياط واستدعائهم خلال ساعات معدودة وتوزيعهم على وحداتهم؛ كل هذا تراقبه شخصيات أمريكية هامة جداً كي تضع نتائجه في النهاية على مكتب رئيس الأركان الأمريكي استعداداً لتنفيذه في العراق حيث يقوم الجيش (الإسرائيلي) حاليا بمناورة مدفوعة الأجر لصالح الجيش الأمريكي. وسوف يلاحظ المراقبون قريباً أن هدف الجيش (الإسرائيلي) ليس البقاء في المدن التي يقتحمها ولكن الهدف الأول هو التدريب على الاقتحام والانتشار والقبض على العناصر المطلوبة، ورسم خط سير المعركة طبقاً للهدف الاستراتيجي الذي يرنو إليه الجيش وكل هذا ضمن خطة أمريكية لغزو العراق في إطار الحملة ضد ما تسميه بالإرهاب، تؤكد الشواهد أن كل تعاون عسكري أمريكي (إسرائيلي) هو نتاج تعاون استخباري، وهو كذلك محل رقابة استخباراتية. ورشح من مصادر إسلامية أن هناك حالياً في غزة تحركات كثيرة ومشبوهة لعناصر الاستخبارات المركزية الأمريكية، تمهد فيما يبدو لتحرك مشابه لما جرى في رام الله، حيث يتوقع أن تهدف حملة كهذه إما إلى قتل أو اعتقال أو حصار كهذا الذي يضربه الجيش الصهيوني حول مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور محمود الزهار والشيخ إسماعيل أبو شنب والشيخ إبراهيم المقادمة (وهو أكثر هؤلاء توقعاً لدى المراقبين بقرب تعرضه للقتل لصلته المفترضة بالجناح العسكري للحركة) . نفس الشيء قيل عن النشاط الملحوظ الذي رصد لعناصر من وكالة الاستخبارات حلت مؤخراً في العاصمة اللبنانية بهدف مراقبة تحركات (حزب الله) الموالي لطهران، وتزامنت تلك التحركات مع زيارة خاطفة لرئيس الديبلوماسية الإيرانية كمال خرازي أسفرت عن الحد من نشاط حزب الشيعة في قصف مزارع شبعا الحدودية [٥] . الجبهة الشمالية لفلسطين ما زالت نشطة؛ فحين اخترقت طائرة تجسس أمريكية المجال الجوي السوري، وظلت في أجواء سوريا لمدة طويلة، ظن البعض أن الأمر سيقف عند هذا الحد، إلا أن ما شهدته الجبهة الشمالية لفلسطين من تحركات واسعة لعناصر الاستخبارات الأمريكية ينم عن أحداث عظام ربما يجري الإعداد لها الآن. ووفقاً للتقرير الأمني ذاته فإن (إسرائيل) تستعد في الأيام المقبلة لتوجيه ضربة عسكرية ضد سوريا ولبنان وضد القوات العسكرية والمنظمات التي تزعم أنها منظمات " إرهابية " والتي تمتلك قواعد عسكرية في لبنان، ويقول التقرير إن الضربة العسكرية سوف تكون موجهة ضد الجيش السوري في لبنان والذي يضم ٢٠ ألف جندي، كما ستشمل الضربة قوات حزب الله التي تضم ما بين ثمانية إلى عشرة آلاف مقاتل بالإضافة الى عناصر مجهولة من أعضاء رجال الثورة الإيرانية المقيمين في لبنان، وكذلك عدد من ضباط الجيش الإيراني الذين يشغلون مهام إشراف وتدريب لأعضاء حزب الله في لبنان والذين يبلغ قوامهم ثلاثمائة ضابط إيراني. وكذلك سوف تهاجم القوات الجوية (الإسرائيلية) - بحسب التقرير - مواقع المطارات التابعة لتنظيم أحمد جبريل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهي المنظمة التي تزعم (إسرائيل) أنها تقوم بدور الجاسوس للمخابرات السورية. كما ستشمل الضربة أهدافاً أخرى في معسكرات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب ووسط لبنان والتي تزعم المخابرات (الإسرائيلية) أن بها عدداً من أعضاء تنظيم القاعدة وتتبعها في ذلك الاستخبارات الأمريكية التي لا تستبعد أن تقدم قوات تابعة للبنتاجون على ضرب قواعد مناهضة لها في كل من سوريا ولبنان بعد أن ضمتها مؤخراً لمحور الشر. وتقول المصادر إن الهدف (الإسرائيلي) هو شل البنية العسكرية السورية في لبنان وخاصة في منطقة سهل البقاع، وتدمير قواعد صواريخ الكاتيوشا التابعة لحزب الله في جنوب لبنان، (وتضيف الولايات المتحدة الأمريكية لهذا الهدف تدمير قواعد تنظيم عصبة الأنصار، وهو التنظيم السني الوحيد ذو المنهج الجهادي، وملاحقة قائده المتخفي أبي محجن) . وإلى تقرير ديبكا (الإسرائيلي) هناك تقرير آخر أمريكي سربته A. I. C قبل ما يزيد على شهرين يتحدث عن تدخل أمريكي محتمل في لبنان بهدف قطع قناة الدعم اللوجيستي للفلسطينيين، وإزالة أي تهديد شمالي للكيان الصهيوني، وتصفية الجيوب المناهضة لوجوده، التقرير تحدث باستفاضة، وأجملناه في نقاط أبرزها: ١ - يتم تنفيذ خطة إنزال وحدات كوماندوز من مظليي القبعات الخضر والمارينز تضم نحو ٥٠٠ جندي في سهل البقاع لتكون رأس جسر لإنزال قوات أكبر حسب الحاجة تهدف إلى تدمير معسكرات مفترضة في دير الغزال ودير زنون. ٢ - تتوقع A. I. C عدم تصدي القوات السورية واللبنانية لعملية الإنزال على خلفية عجزها عن صدها. ٣ - رصدت A. I. C معسكرات تدريب في منطقة العبدة بالشمال اللبناني، ويتحدث التقرير عن عملية إنزال مشابهة لتلك المحتملة في البقاع. ٤ - يعطي التقرير حلاً مفترضاً لمشكلة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بتوطين بعضهم في لبنان، وتهجير الآخرين في أستراليا وكندا تحت وطأة الغزو الأمريكي. ٥ - يكشف التقرير عن اتصالات سرية تجريها الوكالة وجهات نافذة أمريكية مع العراق تضع فيها مسألة " المساهمة " في حل مشكلة اللاجئين شرطاً من ضمن شروط تضعها الولايات المتحدة لإبعاد شبح الحرب عنه. ٦ - كشف التقرير عن تعاون استخباري ومعلوماتي بين الولايات المتحدة الأمريكية وسوريا فيما يخص تنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية في المخيمات الفلسطينية وحزب الله، وأن ذلك التعاون ورجاء أمريكا فيه قد أخرت لأجل إدراج سوريا في محور الشر، إلا أن عدم تعاون سوريا الكامل، وتبنيها لحزب الله، جعل الولايات المتحدة تدرج سوريا لاحقاً في محور الشر لممارسة مزيد من الضغط على سوريا، ولبنان لتقديم المزيد من التنازلات في هذا الصدد. ٧ - حسب الـ A. I. C فإن تعاون سوريا لم يرق إلى تعاون إيران مع الولايات المتحدة التي اعتقلت ٢٥٠ من منسوبي تنظيم القاعدة في الأراضي الأفغانية، وأن واشنطن كانت تأمل في أن تحذو دمشق حذو طهران في مدى استجابتها للحملة الأمريكية التي تستهدف ملاحقة الإرهابيين في العالم. ٨ - يزعم التقرير أن قد بدأ في تصدير تجربته للمقاومة إلى المناطق الشيعية في أفغانستان، ورصدت A. I. C تنظيماً مسلحاً أفغانياً جديداً يدعى (حزب الله الأفغاني) تحديداً في مزار الشريف وحيرات وباميان يرنو إلى محاربة الأمريكان في أفغانستان. ٩ - يؤكد التقرير الاستخباري وجود مئات من تنظيم القاعدة في حماية العقيد منير مقدح (قائد منشق عن فتح ذو لحية كثة وتعاطف نوعي مع الإسلاميين) وعصبة الأنصار (أشرنا آنفاً إليه) في مخيم عين الحلوة الفلسطيني في لبنان. ومهما كان الهدف من تسريب هذا التقرير فإن له دلالة مهمة، وهي أن الدولة الأقوى في العالم قد بدأت تتحرك أو تفكر في التحرك للدفاع عن الكيان الصهيوني بنفسها غير واثقة بقدرة الكيان وحده بالوقوف في وجه مناوئيه. وتظل A. I. C تعمل في المنطقة لخدمة مسعى الولايات المتحدة في وضع كل إمكانياتها المهولة في حماية الصهيونية، وتظل A. I. C تتحرك بكل طاقتها، وفي هذا الوقت بالذات، تستظل بمكافحتها لـ (محور الشر) بينما هي تمثله عينه، ويظل يفرض وجودها علينا مزيداً من الإذعان عبر استراتيجيات محكمة وحروب ومجازر يثبت التاريخ دوماً تورطها في التخطيط لها، وتظل تدافع عن الكيان الغاصب وتقدم له أبداًَ المساندة والدعم، ويظل أناس منسوبون لهذه الأمة يفسحون لها الطريق لكي تغمرنا بمؤامراتها الخبيثة. ويظل قدر هذه الأمة أن تحذر، ولا تغفل عن أعدائها طرفة عين.

стр. 4275

المسلمون والعالم معذرة فلسطين أنه زمن الهوان حسن قطامش (نحن لا نريد أن تدافعوا عنا، فلا ترسلوا جيوشكم إلينا، ولا تبعثوا لنا بالسلاح، ولا نريد صدقاتكم وأموالكم.. فقط أرسلوا لنا حبوب منع الحمل حتى لا ينبت في أحشائنا أبناء الصرب! !) . كانت هذه الكلمات المريرة لامرأة بوسنية مزجتها بطعم الألم والحسرة والخيبة التي ارتوت منها العروق، والتي كانت شاهداً على أعلى صور الخزي والهوان الذي ضربنا في ذلك الوقت، والتي حسبنا وقتها أن الأمة لن تمر بتلك الصورة من التخاذل المخزي مرة أخرى. وظننا أن بُعد الشُّقة بيننا وبين البوسنة، وقطيعة الرحم الإسلامية معها أدت إلى جزء من ذلك التخاذل؛ فما الذي كانت تعرفه الأمة عن البوسنة قبل حروبها، وما هي صور التواصل التي كانت بيننا وبينها؟ لا شيء. واليوم نخشى أن تخرج علينا امرأة أخرى بالنداء المرير الأليم نفسه؛ ولكن.. ليس من البوسنة هذه المرة وإنما نخشى أن تصلنا تلك الرسالة من فلسطين.. من بغداد.. من عمان.. من القاهرة.. من دمشق، من أي بلد عربي أو إسلامي ليس بعيداً عنا، لنا معه روابط ووشائج، نحفظ تاريخه، نعرف حتى أسماء أزقته ودوربه. وما يمنع من ذلك؟ فها هي فلسطين قد رأينا فيها المقابر الجماعية التي كنا نسمع عنها في البلاد البعيدة في البوسنة، في كوسوفا، في جزر الملوك! وما يمنع من ذلك وها هي فلسطين قد رأينا فيها الدمار والخراب الهائل الذي رأيناه في كابول، في جروزني، في كشمير؟ ما يمنع من ذلك والرسائل الموجعة كتلك الرسالة البوسنية تأتينا كل يوم، وهاهو مناديهم ينادي: أعيرونا مدافعكم ليوم.. لا مدامعكم. ... أعيرونا وظلوا في مواقعكم. ... ألسنا إخوة في الدين قد كنا.. وما زلنا. ... فهل هنتم وهل هُنَّا؟ ! ... أيعجبكم إذا ضعنا. ... أيسعدكم إذا جعنا. ... وما معنى قلوبكم معنا؟ ... رأينا الدمع لا يشفي لنا صدراً. ... ولا يبري لنا جرحاً. ... أعيرونا رصاصاً يخرق الأجساد. ... لا نحتاج لا رزاً ولا قمحاً. ... أعيرونا وخلوا الشجب واستحيوا. ... سئمنا الشجب والردحا [١] . ... هُنّا وما هُنتم: في فلسطين اليوم المدينة تلو المدينة تنتظر دورها في الذبح، وأمتنا تقف موقف المشاهد، ورغم وضوح الصورة وقوة الصوت وبشاعة المشهد، ورغم أن العيون لم يصبها العمى بعد، والآذان ما زالت تسمع، فإن الاستجابة مخزية، وكأن القوم يرون مشهداً سينمائياً مؤلماً، أو يسمعون أغنية عاطفية مؤثرة كالتي أشربوها من قنواتهم ومذاييعهم. ماذا نقول لربنا عن خذلاننا لإخوتنا في الدين وقد استنصرونا وهو القائل : [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] (الأنفال: ٧٢) ؟ ! ماذا نقول لنبينا محمد ﷺ وهو القائل: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله) [٢] ، وهو القائل: (ما من امرئ يخذل أمرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله) [٣] ؟ ! ماذا نقول وهم ليسوا بعيداً عنا فنعتذر بطول السفر؟ ! ماذا نقول وقد ذبحوا في فصل الربيع فنعتذر عن عدم النفرة لشدة الحر؟ ! ماذا نقول وليس بيننا وبينهم إلا.. أسلاك شائكة؟ ! ماذا فعلنا لتلك الدموع المنهمرة التي تستغيث بنا ليلاً ونهاراً، فما زادنا ذلك إلا فراراً.. فمعذرة فلسطين.. قد فُجِعْتِ بنا ولم نُفْجَع بك، عندنا صَمَتَ كل شيء، وعندكم حركتم الأرواح تبذلونها رخيصة في سبيل الله، نحن الذين متنا جبناً في جلودنا، وأنتم الذين تصنعون الحياة بموتكم، فمعذرة فلسطين. معذرة أيتها النائحة الثكلى على والد أو زوج أو أخ أو ولد؛ فما عادت نخوتنا كما كانت، وما عادت شهامتنا كما كانت، وما عاد الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى تراق على جوانبه حتى قطرة من دمع! ! ومعذرة بني! أيها الصغير حين لم تجد فينا رجالاً يضمونك إليهم، يهدئون روعك، يؤمِّنون خوفك، يشبعون جوعك، أو حتى يمسحون دمعك! ! ومعذرة أخي المجاهد! خذلناك وما خلفناك في أهلك ومالك بخير، خذلناك وما أمددناك ولا نصرناك، ولا حتى واسيناك! ! أما (آيات) وصويحباتها.. فألف معذرة ومعذرة، وألف أسف على أمة يدافع عنها نساؤها، يحمي أعراضها نساؤها، تجود بأرواحها نساؤها، حماية للقاعدين، حماية للمتثاقلين إلى الأرض، حماية للمخلفين، فمعذرة فلسطين! ! ولك شيخنا [*] أن تقول بملء فيك: وافضيحتاه كما أطلقتها مدوية؛ فقد صدقت حين قلت: (هل تعلمين يا أمة المليار ونصف المليار أن أهلنا في فلسطين قد تردت أوضاعهم، وكثر عدد شهدائهم إلى درجة أن ثلاجات الموتى ما عادت تتسع للمئات من شهدائنا؟ هل تعلمين يا أمة المليار! أن غاية أهلنا في فلسطين أن يجدوا ثلاجات موتى إضافية لحفظ الشهداء؟ وها هم بدؤوا يستغيثون كل ضمير حي وميت، وكل قلب يقظ ونائم أن يغيثهم.. لا بالطعام والشراب والدواء بل بتوفير ثلاجات موتى كي يحفظوا الشهداء. هل تعلمين يا أمة المليار أن غاية أهلنا في فلسطين أن يتمكنوا من دفن المئات من الشهداء الذين تمزقت أجسادهم، وتقطعت أطرافهم، وانتشروا في الطرقات وتحت أنقاض البيوت، وإلى الآن لا يستطيعون دفنهم؟ ألا يحق لي أن أقول صارخاً: وا فضيحتاه! ! هل تعلمين يا أمة المليار ونصف المليار أن قوات الاحتلال عندما طردت أهلنا من بيوتهم في مخيم جنين قد أجبرت الرجال على أن يخرجوا حفاة عراة كما ولدتهم أمهاتهم؟ تصوري يا أمة المليار ونصف المليار شعور الأب وهو يمشي عارياً على مرأى من زوجته وأبنائه وبناته؟ ! طبعاً لقد سمعتِ عن ذلك وعلمتِ بذلك يا أمة المليار ونصف المليار! لا بل أقول صراحة: إن كنت سمعت وعلمت به فوافضيحتاه! ! وإن لم تسمعي ولم تعلمي به فوافضيحتاه وافضيحتاه وافضيحتاه! ! نداءاتٌ كثيرة سمعناها، أهوال كثيرة رأيناها؛ فما الذي تحرك فينا؟ تحركنا في تظاهرات صوتية، وارتدينا (الكوفية) الفلسطينية، ومن حرك منا يده، فبالقلم أو بالهتافات والشعارات المنبرية، أو بالدعوة للإضراب عن الطعام تضامناً مع القضية الفلسطينية، وفي هذه الأحوال النكدة نؤمِّن على دعاء من دعا بعودة هتلر ليذهب باليهود إلى المحرقة مرة أخرى! ! بين التسول السياسي والاستنكار الدبلوماسي: وإن تردت حال عامة الأمة إلى تلك الدركات السحيقة من الهوان؛ فإن الحالة السياسية أشد بؤساً وأنكد حالاً وأضل سبيلاً، وحسبنا أن نقف مع حالتنا السياسية في عدد من الأسئلة: ١ - إن كانت الدندنة والشنشنة القديمة من أن فلسطين هي قضيتنا الأولى ما زالت تتردد في جوانب المؤتمرات الصحفية والبيانات الرسمية؛ فلماذا لا يريد أحد أن يقدم لها أي تضحية عملية أو يتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه ما يجري في (أولى القبلتين وثالث المسجدين) ؟ أم أن هذه القضية لم تجد لها لدينا أولوية؟ ٢ - في كل يوم نسمع التأكيدات العربية على أن العدو الصهيوني لا يريد السلام، وأنهم قوم متعنتون، وأن مستقبل السلام مظلم مظلم مظلم، وأن ما تقوم به دولة الكيان الصهيوني إجرام يفوق التصور، وبربرية عصرية، وأن خيار السلام ما زال بعيداً، إن كنا نسمع هذا الكلام (الواقعي) فلماذا الإصرار على السير في هذا الطريق (المظلم) ؟ ! لماذا الإصرار على أنه لا مجال للحرب في أجندتنا السياسية وأننا أمة السلام، ويدنا ممدودة بالسلام رغم كل ما يحدث؟ ! ٣ - لماذا الإصرار كذلك على توحيد المرجعية في حل القضية الفلسطينية وقصرها على الحلول الأمريكية، رغم ما نسمعه عن القناعة بأن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيس والمساعد الرئيس والساكت الرئيس والفاعل الرئيس في كل ما تقوم به الدولة الصهيونية، لماذا الإصرار على جعل الذئب راعياً للغنم؟ ! ٤ - لماذا هذا الضعف الشديد أمام دولة الكيان الصهيوني على الرغم من أن بقاءها في أسوأ أحوال المقاومة متوقف على الاعتراف السياسي العربي بها؛ فعدم اعترافكم بها دون إطلاق رصاصة واحدة يفقدها شرعية البقاء. ٥ - ثم لماذا هذا الخوف الشديد من حرب دولة الكيان، وما هذه الفطنة والحنكة التي تدفعنا إلى عدم الانجرار وراء شَرَك شارون في إيقاعنا في الحرب ... لماذا نخاف الحرب.. أمن العدد نخاف أم بالعدة نكترث؟ فإن كان عدد القوات العربية فقط يبلغ (٨٣٠ , ٣٤٤ , ٢) جندياً في حين يصل تعداد الجيش الإسرائيلي إلى (٥٠٠ , ١٧٢) جندي! ! وفي حين يمتلك جيش إسرائيل (٤٤٦) طائرة يمتلك العرب (٣٣٦٢) طائرة حربية مقاتلة، ويبلغ عدد المصفحات لدى العرب (٣٠١٩٧) مصفحة، ولدى إسرائيل (٣٦٠٠) مصفحة، والدبابات لدى العرب (١٦٩١٩) دبابة، ولدى إسرائيل (٣٨٠٠) دبابة، والمروحيات - الهيلوكوبتر - لدى العرب (٦٥٣) طائرة، ولدى إسرائيل (١٣٣) طائرة، أما المدافع العربية فتبلغ (١٢٤٥٢) مدفعاً، ولدى إسرائيل (١٥٣٧) [٤] . فلا العدد ولا العدة هي التي تمنعنا من حرب دولة اليهود، ولا نرى أن هناك سبباً لصمت كل هذه الأسلحة التي صدئ بعضها والبعض الآخر في الطريق إلى ذلك إلا ضعفنا وهواننا وذلنا وجبننا. ٦ - وماذا نحن فاعلون بحكمتنا هذه ويقظتنا العالية إن قامت تلك الدولة بالاعتداء علينا من تلقاء نفسها ودون أن نستفزها، فهل سنكون وقتها مستعدين لصد العدوان، أم أن أسلحتنا ستُدمَّر في مرابضها كما فُعل بها سابقاً؟ ٧ - إن كانت لدينا القدرة على إخراج مظاهرات مليونية، يتصدر بعضها الرئيس أو نائب الرئيس أو رئيس الوزراء، وبعض الوزراء، وهي مظاهرات بلا شك سلمية كما هو خيارنا الاستراتيجي، أَوَ ليس لدينا القدرة على إخراج عشرة آلاف جندي يقاتل ويحمي المسلمين في فلسطين؟ ٨ - نتساءل عن هذه البزّات العسكرية والنياشين والأوسمة اللامعة.. أميدانها العروض العسكرية والمقابلات التليفزيونية أم ميادين القتال، وساحات الوغى؟ ٩ - إن لم تكن لدينا القدرة على حرب الصهاينة المعتدين، ولا الحرب خيارنا ولا طريقنا؛ فهل خيارنا هو الاستئساد على المتظاهرين المساكين الذين خرجوا ينفثون بعض غيظ قلوبهم بصيحات وهتافات، وضربهم وقتلهم؟ ! وماذا يعني إلغاء المظاهرات الشعبية حقناً للدماء! ! دماء من؟ ١٠ - ماذا يعني أن نقوم بحماية سفارة دولة الكيان الصهيوني في إحدى العواصم العربية بعشرين ألف جندي [٥] ، وماذا يعني تكثيف الحراسة على المعابد اليهودية، هذا فضلاً عن حماية الحدود.. اليهودية؟ ١١ - ما هذا الخداع؟ وما هذه المراوغة في عدم استخدامنا لأضعف الأسلحة في مواجهة دولة الكيان اليهودي؟ ماذا يعني أن يكون عدم قطع العلاقات الدبلوماسية هو خدمة للقضية الفلسطينية؟ ! ماذا يعني أن يكون عدم إغلاق السفارات اليهودية في بعض بلادنا هو كذلك لمصلحة القضية الفلسطينية؟ ! ماذا يعني أن يكون إلغاء المظاهرات الشعبية هو خدمة للقضية الفلسطينية؟ ! ماذا يعني أن يكون عدم قطع الإمدادات النفطية هو أيضاً لخدمة القضية الفلسطينية؟ ! ١٢ - ألم نسمع عن أن الحكومة الهولندية قد استقالت بكاملها؛ لأن أحد التقارير أثبت أن بعض جنودها لم يقوموا بواجب الدفاع عن مدينة سربرنيتسا عندما كانت ملاذاً آمناً.. ألم نشعر حتى بوخز الضمير لتقصيرنا وخذلاننا ليس لسربرنيتسا.. ولكن لفلسطين؟ ! ١٣ - ألم نسمع أن حكومة دولة تسمى (النيجر) في قارة اسمها (إفريقيا) قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب أحداث فلسطين؟ ١٤ - لماذا لم يبق لدينا إلا (الاستنكار الدبلوماسي) وأظنه بعد إنكار القلب، وإن كنا قد صبرنا على تحويل (الجهاد) إلى (الجهادية) ثم إلى (وزارة الحربية) ، ثم إلى (وزارة الدفاع) ؛ فهل نقبل كذلك بأن تكون الدول التي لديها كل مقومات التغيير لا تنكر إلا بما هو بعد أضعف الإيمان؟ ١٥ - لماذا تحول الخطاب الاستئسادي الشاجب والدائن والنادب والنائح على أفعال يهود إلى مجرد تقديم (اقتراح) بإدانة إسرائيل؟ ١٦ - وأخيراً لماذا حالتنا السياسية كانت السبب الأهم في تحول أمتنا من (أمة الخيرية) إلى (أمة الظاهرة الصوتية) ثم إلى (الحالة الغثائية) ؟ ! فشعوبنا ما زال فيها من به حياة، وفيها من ألجمه خوف الساسة والسياسة، وإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. إن علينا أيها السادة! أن نقوم بعملية (استنجاء سياسي) يطهرنا مما أصابنا! ! إننا نخشى أن يتحول حرص كل دولة على حدودها إلى أن يُستفرد بها وتؤكل وحيدة وتستصرخ البقية ولا مجيب، وتتحول الأرض العربية والإسلامية إلى أندلس أخرى، ويومها لن نستغرب أن تأتي نساؤنا يقلن لنا: ابكوا كالنساء أرضاً لم تحافظوا عليها كالرجال. الجهاد باق: فلسطين هي الدولة الوحيدة التي لم يجرؤ العرب حتى الآن على أن يطلقوا على الحركة الجهادية فيها صراحة لفظ الإرهاب، وإن أسموها كثيراً مقاومة، وإن ألمحوا إلى ذلك بعض مرات. وما أعز وما أفرح الناس إلا تلك العمليات الاستشهادية التي أوجعت العدو اليهودي كثيراً؛ ففي الوقت الذي صمتت فيه كل الأسلحة، عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، نطقت أحجار فلسطين، نطقت أرواح الشهداء في فلسطين لتسمع العالم كله أن أمتنا لن تموت موت الخراف، ولن تذل ولن تخنع، ولن تساوم، وستقاوم كل الجهود التي تعمل على إيجاد موطئ قدم لدولة يهودية في أرض الإسراء. في فلسطين لن تحل القضية المحورية في مجلس الأمن ولا في الأمم المتحدة، ولا في البيت الأبيض ولا بالدبلوماسية العرجاء، ولا بالتسول السياسي، قضيتنا حسمها الله فقال: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ] (التوبة: ١٤) . وقال رسول الله ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [٦] ، وكما قال خير البشر ﷺ : (.. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) [٧] . هذا كلام رب العالمين وكلام سيد المرسلين ﷺ ، أنجيبه؟ ! وننقاد له؟ ! ونعمل به؟ ! أم نتركه لقول الأمريكيين بأن جهادنا في فلسطين إرهاب ما بعده إرهاب؟ انتفضْ أو مُتْ إذا شئتَ شُهيداً ... فحديد الموت قد فلَّ الحديدا فجِّر الأرض ودعها شعلةًً ... قطِّع الباغي وريداً فوريدا دُسْ على هامات أذيال الخنا ... بائعي الزور ولا تبقِ يهودا سمِّها إن شئت عنفاً أو فداء ... أو قصاصاً أو دفاعاً أو صمودا أيها المسلم أطلق صرخةً ... تضع الحاملُ بالهول الوليدا يا شهيد الحق أيقظ أمتي ... فالإذاعات غناء ونشيدا خُذْ دمي حبراً وجلدي دفترا ... واكتبه فيه خلوداً يا شهيدا [٨]
следующие страницы →