← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

الباب المفتوح حروبهم وحروبنا د. عوض بن خزيم الأسمري وزير الدفاع الأمريكي (رامسفيلد) يعلن على الملأ رغبته الأكيدة في قتل طالبان والأجانب في أفغانستان، حتى لو تم استسلامهم. يا ترى ما هو السر في استمتاع الوزير بحمامات الدماء؟ هل لأنه اكتشف أن دماء المسلمين رخيصة «ما يحصل في فلسطين خير دليل على ذلك» ؟ أم لأن قلبه مليء بالحقد على أبناء الأمة العربية والإسلامية «فأطفال العراق دليل آخر على ذلك» ؟ أم أنه يريد أن يجعلهم عبرة للآخرين «كما يفعل في أرض أفغانستان الآن» ؟ أم هناك شيء آخر لم نفهمه بعد؟ الرجل يعبر عن السياسة الأمريكية؛ إذ إنه ركن من أركانها، بل من أهم أركانها. هل هذا قانون جديد لأسرى الحرب يندرج تحت مسمى النظام العالمي الجديد الذي بدأ بوضع أركانه بوش «الأب» ؟ من أين أتت أمريكا بهذا القانون، ولماذا؟ هل نسيت أمريكا أنه كما تدين تُدان، أم نسيت أن الحرب دول: مرة لك ومرة عليك؟ أم نسيت أن قوتها العظمى الحالية لن تدوم؟ أم نسيت أمراً مهماً في القوانين الدولية التي هي أيضاً ركن من أركانه والمسيرة له في معظم الأحيان وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته عن طريق المحاكمة العادلة؟ أمريكا لم تستطع إلى هذه اللحظة إعطاء إثباتات مقنعة للرأي العام «المحايد» يدين القاعدة التي يزعمون أنها وراء أحداث ١١ سبتمبر. بل هناك في الإعلام لأمريكي من يشكك في ذلك، ولكن التعتيم الإعلامي الذي فرضته أمريكا على وسائل الإعلام بلد الحرية «الزجاجية التي تكسرها حذفة حجر» هو الذي يخفي الحقائق والنقاشات المنطقية لهذا الحدث؛ فهناك آراء مخالفة في أمريكا عن الأحداث التي تطالعنا على الإنترنت فقط؛ مما حدا بأمريكا وبريطانيا إلى النظر في كيفية القضاء على مثل هذا الآراء المخالفة عن طريق التحكم في الإنترنت. اسمح لي بأن أعرج قليلاً على تاريخ أمريكا مع الحروب السابقة؛ ومن ثم مقارنته مع الحضارة العربية والإسلامية التي يسخر منها الإعلام الغربي أحياناً. عندما انتصر المسلمون على الصليبيين في فلسطين سأل قادة الغرب في ذلك الحين قادة المسلمين عن مصيرهم ومصير جنودهم بعدما تمكن منهم المسلمون. ماذا كان رد القائد المسلم آنذاك «صلاح الدين الأيوبي» ؟ أخرج السيف، ثم وضع عليه قطعة قماش قائلاً: هكذا. يعني لن نمسكم بسوء ولن نؤثر عليكم إلا كما أثر السيف على قطعة الحرير؛ من شاء منكم أن يبقى فلا ضير، ومن شاء منكم أن يرحل فله ذلك. رغم ما فعله الصليبيون بالعرب في فلسطين «كما يذكره مؤرخو الغرب في كتبهم» . هذا قانوننا يا أيها الوزير «من أكثر من خمسة عشر قرناً» ولكن قد تكون متأثراً بحادثة أصحاب الأخدود، عندما أحرق اليهودُ النصارى جميعاً؛ لأنهم خالفوا عقيدتهم؛ فهذا مذهب قديم يدين به اليهود تجاه من خالفهم. يا ترى لماذا أثر فيك هذا المذهب؟ بل لماذا أصبح عقيدة واضحة للساسة الأمريكيين؟ هل لأن المذهب اليهودي (العقيدة الشارونية حالياً) أصبحت عقيدة غالبية أصحاب القرار السياسي في أمريكا هذه الأيام؟ سبق أن تبجح شارون في الكنيست بأن أمريكا لا تحكم اليهود بل اليهود هم الذين يحكمون أمريكا [١] . أم أن تجربة القنبلة الذرية (الإرهاب النووي) على دولة اليابان فتحت شهية أمريكا إلى إخضاع مزيد من دول العالم للغطرسة الأمريكية في القرن الجديد؟ ما هو السبب في تبني أمريكا لقوانين الثنائيات بالنسبة لمحاربة الإرهاب مثلاً «١» أو «صفر» ، «أبيض» أو «أسود» ، «معي» أو «ضدي» ؟ ولماذا لا ترغب مع الأسرى في أفغانستان إلا بتطبيق القانون الأحادي فقط مثل «صفر» ، «أسود» ، «ضدي» ، «موت» ؟ أما عندما تأتي المصالح العربية أو قضية فلسطين فيتغير المقياس العددي ليصبح مقياساً رمادياً يبدأ من «الصفر» وينتهي إلى ما لا نهاية! وعلى العرب حك رؤوسهم لكي يجدوا الرقم المناسب لإسرائيل أولاً ومن ثم أمريكا؛ إذ إن العرب لم ينجحوا في معرفة هذا الرقم السري منذ أكثر من خمسين سنة، ولكن أعتقد بأن المفتاح المشفر أصبح مكشوفاً للأمة الإسلامية والعربية وخصوصاً بعد أحداث أفغانستان المصطنعة (حسب رأيي الشخصي) وما رافقها من أحداث مشابهة في الوقت نفسه وبنفس الشراسة في فلسطين من دولة بني صهيون. ألا ترى يا معالي الوزير أن المفتاح المشفر أصبح واضح المعالم لأمتي؟ اسمح لي يا أيها الوزير بأن أقول لك الحقيقة المرة والتي يجب أن تعرفها أمريكا وهي أن معظم دول العالم يشبِّهون هذه القوة التي بأيديكم كمسدس بيد مجنون؛ ذلك لأنكم تعتقدون أن لغة القوة هي لغة التفاهم الوحيدة مع من خالفكم الرأي. هل تذكرون ما فعلتموه بالهنود الحمر عندما كنتم تهدون لهم البطانيات المسممة في الشتاء؟ ما أشبه ذاك بحاويات الطعام (الحديدية) التي أسقطتموها على منازل الأفغان فتسببت في الهدم والقتل والتدمير والتشريد! «إضافة إلى نوع الطعام ولونه وما يتعلق بها من قصص ليس هذا مجالها» . هل تذكر أيها الوزير المعاملة العنصرية التي كنتم تعاملون بها الأمريكيين ذوي البشرة السوداء في أمريكا بلد الحرية والسلام؟ ! وكذلك أثناء الحرب العالمية وقصص السجون الجماعية والتعذيب لليابانيين؟ بل في هذه الأيام هل سمعت عن عمليات الاعتقالات غير المسوغة للمسلمين في أمريكا العظمى؟ بل هل سمعت عن المداهمات والاحتجازات والتعذيب والقتل للمسلمين وخصوصاً العرب في بلد الحرية؟ بل بلغ الأمر بأن تغير كثير من القوانين لأجل التضييق على المسلمين والعرب في أمريكا. لماذا هذه الحرب الموجهة ضدنا نحن المسلمين والعرب؛ بحيث لا يقتلنا إلا السلاح الأمريكي في كل مكان؟

стр. 4202

قضايا ثقافية قصور العقل د. عبد الكريم بكار [*] كان من أشد ما يهلك بني البشر على مدار التاريخ احتقارهم لأشياء كبيرة، وتعظيمهم لأمور صغيرة، وقد كان العقل البشري من جملة الأشياء التي أخطأت الحضارة الحديثة في تعاملها معها؛ حيث إن الغرب بعد أن نفض يديه من إصلاح النصرانية ومن جعلها مصدراً يعتدُّ به لتغطية عالم الغيب عمدت إلى (العقل) تستنجد به في توفير مظلة روحية ومادية لكل شؤون البشر واحتياجاتهم. واليوم ينسج على منوال الغرب في هذا العلمانيون الجدد الذين يشنون حملات منظمة ضد التدين والمتدينين، ويحاولون تفتيت مرجعية الوحي، واختزالها بطرق عديدة. وأود هنا أن أوضح في مسألة «قصور العقل» النقاط الآتية: ١ - العقل البشري عقل محدود، وهو يوفر بيئة لنمو الدلالات والمفاهيم، كما أنه قادر على استخدام ما تنقله إليه الحواس في محاولته الوصول إلى بعض الأشياء المجهولة؛ لكن العقل غير قادر على الخوض في مسائل لا تتوفر له عنها معلومات جيدة؛ فهو لا يستطيع تحديد الغاية من الخلق: أي لماذا نحن هنا كما لا يستطيع سن تشريعات تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الناس وأوضاعهم دون أن يقع حيف على بعض منهم. أضف إلى هذا أنه لا يستطيع أن يخبرنا عن الأمور المهمة في حياتنا والأمور التافهة؛ حيث ليس فيه أبواب ندخل منها إلى مجالات كل منها. والعقل البشري بعد هذا وذاك بنية يسهل خداعها؛ فحين نزوده بمعلومات خاطئة فإنه يقع في الخطأ بسهولة؛ إنه عقل قادر على البحث في الأدوات والأشكال والأساليب وكل الأمور المحدودة؛ لكنه غير قادر على البحث في مصيره الذاتي. وهو على مقدار ما يبدي من البراعة في التعامل مع (الكم) يبدي القصور في التعامل مع (الكيف) أو ما يسمى (الصفات) . وتجاهل كل هذه الأمور المحددة لقدرة العقل على العمل يؤدي إلى حدوث أخطاء فاحشة تتعلق بمصير الإنسان على هذه الأرض. ٢ - العقل البشري ليس بنية مكتملة متميزة منحازة معزولة عن السياقات المعرفية أو عن المشكلات والقضايا التي يعالجها أو يشتغل عليها. وإنما هو إمكانات ومفاهيم وبدهيات ملتبسة بالمعطيات المعرفية ومتفاعلة معها، كما أنها ملتبسة بالمشكلات الوجودية المختلفة، ومتفاعلة معها أيضاً وهذا يعني أننا ونحن نحاور نؤثر ونتأثر، كما أننا حين نعلِّم نتعلم، كما أن عقولنا تتأثر بالمعلومات التي تعالجها والمشكلات التي تسعى إلى حلها. وهذا كثيراً ما يؤدي إلى اضطراب العقل وتراجعه عن كثير من مقولاته وطروحاته؛ ولهذا فإنه ليس هناك أي ضمان لاطِّراد تقدم أي مفكر في خط واحد مهما كان ألمعياً ومتمكناً من الأفكار والمفاهيم التي يتبناها، والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى، هذا (هوسرل) بعد أن كتب ألوف الصفحات في استجلاء علم (الظاهريات) محاولاً الوصول إلى البُنى الموضوعية للماهيات المحضة نراه يتحول من رجل يبشر بمنهج جديد إلى واعظ يحذر أوروبا من المخاطر التي تنتظرها إذا هي استمرت في منهجيتها العلمية والفكرية؛ بل إنه يهاجم (العقل) ويتساءل في محاضرة له عام ١٩٣٥م: هل استقال العقل وفقد دوره في الحياة، أم أنه خلافاً لذلك كشف عن وجهه الحقيقي الانتهازي الماكر والنفعي؟ هذا يعني أن تفويض كل شؤون الحياة للعقل وسدنته يشتمل على مخاطرة كبرى، وليس هناك أي حل سوى العودة بالعقل إلى وظيفته الأصلية في الحركة ضمن أطر ومسلَّمات كبرى يؤمنها الوحي بما يصوغه من أصول ومبادئ، وبما يرسمه من خطوط عريضة لترشيد حركة الإنسان وعلاقاته. ٣ - العقل البشري أبدع حلولاً كثيرة لمشكلات الناس، وأسهم في توفير الراحة لهم، وفي تخليصهم من الكثير من أشكال العناء، وهذا موضع تقدير منا جميعاً، ولكن علينا أن نقول: إن إبداعات العقل أوجدت مشكلات كثيرة مثل تلوث البيئة ومخاطر الطاقة النووية وسيطرة الآلة على حياة الإنسان وفشو أمراض الحضارة.... وعقولنا غير قادرة على إبداع الحلول للمشكلات التي أوجدتها؛ إنها تكشف دائماً عن مساحات فاصلة بين وجود المشكلات والقدرة على حلها؛ وما ذلك إلا لأن منتجات العقول تدخل في تعقيدات وملابسات يعجز العقل عن فك رموزها والتحكم بها. وماذا يمكن للعقل أن يفعل لشخص أدمن الجلوس إلى (التلفاز) واستسلم لرغباته فأضاع الكثير من واجباته؟ وهذا يعني أن الاعتماد على العقل في تصحيح مسار البشرية بعيداً عن القيم والمبادئ التي يوفرها الوحي مجافٍ للصواب وباعث على خيبة الأمل والخذلان. ٤ - أكثر الناس استخداماً لعقولهم واستثماراً لها هم الفلاسفة؛ حيث إن صياغة المفاهيم بواسطة العقل هي شغلهم الشاغل؛ ومع ذلك فإن كل المشتغلين بالفلسفة يعترفون أنه ليس من شأنها أن تمنحنا اليقين، أو تحدد لنا موطن الداء في قضية من القضايا، أو تصف لنا الدواء، أو تقدم لنا مفاتيح حلول المشكلة من المشكلات، إنها نشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة، وإعادة صوغ المشكلات؛ إنها أشبه بمسلسل ليس له نهاية، وهي دائماً في حركة مستمرة من إشكال إلى إشكال أعمق وأكثر تعقيداً من سابقه. ولست أقصد هنا إلى الإزراء بالفلسفة؛ وإنما أريد أن أقول: إن الناس بحاجة إلى اليقين وإلى أطرٍ مهما تكن واسعة إلا أنها في النهاية موجودة وواضحة. وتلك الأطر تضع حداً لكثير من الأسئلة التي يطرحها العقل، كما ترشد إلى المسار الذي يمكن أن يسلكه في الإجابة على الأسئلة المطروحة. وهذه الأطر لن يجدها الناس إلا في الدين الذي جعله الله جل وعلا مستوعباً لكل الخير الذي جاءت به الأديان السابقة. ٥ - العقل البشري عاجز عن التنبؤ الدقيق بما يمكن أن يقع في المستقبل؛ وقد حاول بعض مفكري أوروبا أن يستعينوا على معرفة ما يمكن أن يقع في المستقبل ببلورة رؤية شاملة للكون: بنيته، وعناصره، ونواميسه، على قاعدة: إذا أردت أن تعرف ما سيحدث في المستقبل فانظر إلى ما حدث في الماضي. والحقيقة أنه لا يعرف الغيب إلا الله تعالى، وأن عقولنا تستطيع أن تتوقع حدوث أمور صغيرة في المستقبل القريب. أما توقع الأحداث الكبيرة في أزمنة متباعدة فهذا ما يكون غالباً غير ذي جدوى، ويظل في دائرة الظن أو الوهم؛ وما ذلك إلا لأننا عاجزون عن معرفة كل التغييرات التي ستقع في المستقبل، والتي ستؤثر في نوعية الأحداث والتحولات التي يمكن أن تقع. أما قراءة التاريخ لاستخراج النواميس والسنن الكونية منه، فإن عقولنا تكشف عن قصور مدهش في هذا الجانب؛ والسبب في ذلك أن معرفتنا بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى ولادة أحداث التاريخ الكبرى تظل دائماً معرفة ناقصة. وحين نحاول حصر أسباب الأحداث الكبرى، ونوفق في ذلك فإن المشكلة التي تنتظرنا تكمن في تحديد وزن كل سبب وحجم تأثيره في وقوع تلك الحوادث، لكن حين نتأمل سنن الله تعالى في الخلق كما وردت في نصوص الكتاب والسنة، فإن دائرة خطئنا تضيق، ودرجة اليقين لدينا تكون أكبر. ٦ - لا يملك العقل البشري أي عتاد حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة وقبولها. ولست أبالغ إذا قلت: إن البنية العميقة لعقول معظم الناس هي بنية خرافية؛ حتى كأن الخرافة هي الأصل لديهم؛ إذ بمجرد حدوث ضعف في التثقيف الجيد أو وقوع الناس في حالات استثنائية من الشدة والكرب تطفو تلك البنية على السطح. لو تساءلنا: من أين تأتي قابلية عقولنا للسقوط في مستنقع الخرافة؟ لوجدنا أننا تجاه حالة لا تخلو من الغموض؛ لكن يبدو لي أن مصدر ذلك يعود إلى أمرين جوهريين: الأول: هو جهلنا بمعظم ما يقع في الوجود من أحداث؛ فإذا قلنا: إنه يقع على الكرة الأرضية في الدقيقة مئة مليون حدث، فإن الواحد منا قد لا يشاهد منها سوى خمسة أو عشرة؛ والباقي يقع بعيداً عن النظر، أضف إلى هذا أن خبرتنا بما حدث في الماضي أيضاً محدودة جداً. ولدى الناس إحساس بأن هناك عوالم لا تغطيها حواسنا؛ ونحن المسلمين مثلاً نعتقد بوجود عالميِ الجن والملائكة؛ فإذا ما حُدِّثنا عن حصول بعض الأمور الخارقة أو غير المألوفة، فإن عقولنا كثيراً ما تتقبلها على أنها تنتمي إلى عالم من العوالم التي لا يراها الإنسان، أو تتصل بالأحداث التي لم يشاهدها، وتكون تلك الأمور من الخيال أو من الكذب المحض. الثاني: هو أن عقولنا تتقبل الأخبار التي نسمعها ما دامت تقع في دائرة المعقول، وترفضها إذا خرجت عن تلك الدائرة؛ فإذا ما قيل لنا: إن الناس في البلد الفلاني رأوا شخصاً يحمل عشرة قناطير على ظهره، فإننا نرفض ذلك، ونعده من قبيل الخرافة؛ لأنه يقع خارج دائرة المعقول بالنسبة إلينا؛ لكن المشكلة هنا أن الذي يرسم دوائر المعقول وغير المعقول في غالب الأمر ليس العقل، وإنما الثقافة والخبرة؛ فإذا ما قال لك شخص: أعطني ألف دينار لأتاجر لك به، وستربح مائة ألف في آخر السنة فإن القناعة بذلك وعدم القناعة به لا يقودان إلى العقل وإنما إلى الخبرة والمعرفة بالتجارة وأحوال السوق في تلك السنة؛ فصاحب الخبرة ربما يقول لك: لا تصدق ذلك؛ فأمهر التجار لا يستطيع اليوم مضاعفة رأس ماله مرتين أو ثلاثاً في العام فضلاً عن أن يضاعفه مئة مرة؛ لكن يأتي شخص آخر عديم الخبرة، أو له خبرة مختلفة بأحوال السوق، فيقول: كلام ذلك الرجل معقول، وقد حدث مثل ذلك في العام الفلاني مع الشركة الفلانية، ولا مانع من أن يحدث الآن، وهكذا فمضاعفة رأس المال مئة مرة في السنة تعد من قبيل المعقول في خبرة شخص معين، وتعد من قبيل الخرافة والاحتيال في خبرة شخص آخر؛ ولهذا فطالما انقسمنا تجاه بعض الأخبار والأحداث إلى فريقين: فريق يقول: هذا معقول، وفريق يقول: هذا غير معقول. وهكذا فقد ظُلم العقل مرتين مرة من قِبَل المشعوذين والمخرِّفين الذين ألغوا دور العقل، ومرة من قِبَل الذين حرموا نعمة الهداية بأنوار الوحي، فألهوا العقل، وطلبوا منه أموراً ليس من شأنه الاشتغال بها. والله ولي التوفيق.

стр. 4203

في دائرة الضوء نعمة الألم د. ماهر عباس جلال [*] galalmaher@hotmail.com لقد أنعم الله على الإنسان بنعمه الوفيرة، فقال سبحانه: [وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: ٣٤) . وقد يكفر الإنسان ببعض هذه النعم جاهلاً أو غافلاً؛ إذ قد يبدو الشيء في ظاهره نقمة لكنه في حقيقته نعمة. ومن الألم ما له وجهان، ونحن قد لا نرى إلا وجهاً واحداً منهما فقط، وهو جانب الشقاء والعذاب. تعريف الألم: يعرّف أهل اللغة الألم بأنه الوجع [١] ، أما عند الفلاسفة فهو «حالة نفسية يصعب تعريفها، وتتميز بإحساس مادي أو معنوي بعدم الراحة أو بالضيق أو بالمضض» [٢] . ويرجع السر في تعريف حالة الألم إلى كون الألم إحساساً شخصياً إلى حد كبير؛ فالإصابة مثلاً التي تسبب ألماً حاداً لأحد الأشخاص قد تسبب ألماً أخف لشخص آخر [٣] . وأحياناً يكون الألم عند بعض الناس متضخماً، فيبدو أكبر من أسبابه [٤] . والألم في الطب «إحساس مرهق يتسبب عن تنبيه نهايات عصبية ميكروسكوبية تختلف عن سواها من النهايات الحساسة بكونها عارية» [٥] . أسباب الألم: تتنوع أسباب الألم؛ فبعضها بدني مادي، والآخر نفسي. أما الأسباب الجسمية المادية فنحو: الجوع، والعطش، والجروح، والحروق.... إلخ. والأسباب النفسية مثل: القلق، والهم، والمخاوف ... إلخ [٦] . والناس عادة ما يقرنون الألم بالإصابات البدنية أو المرض متناسين أن الأحاسيس أو العواطف يمكن أن تسبب ألماً أيضاً، فالإزعاج على سبيل المثال يمكن أن يسبب توتراً مؤلماً في عضلات الرقبة [٧] . وأحياناً تبدو بعض الآلام مجهولة السبب، مثل: الألم العصبي، والألم العضلي للالتهاب الدماغي النخاعي [٨] . ولا شك أن تحديد سبب الألم ومعرفة مصدره بدقة من الأمور الضرورية لعلاج الألم أو الوقاية منه مستقبلاً، وإن كان يصعب أحياناً تحديد مصدر الألم، وأحياناً يلتبس على المريض تحديده؛ فالمريض مثلاً بالذبحة الصدرية لا يشعر بالألم في قلبه، بل يشعر به في ذراعه اليمنى أو في رقبته أو مقدم صدره [٩] . وهذه الآلام المجهولة السبب أو المصدر من أخطر أنواع الآلام؛ فقد تتحول إلى آلام مزمنة تهدد راحة الإنسان زمناً طويلاً. أنواع الآلم: تتنوع الآلام حسب شدتها أو ضعفها، وكذلك حسب مدتها الزمنية. (أ) أنواع الآلام حسب الشدة والضعف: تنقسم الآلام حسب شدتها وضعفها إلى آلام ضعيفة، وآلام متوسطة، وأخرى حادة. (ب) أنواعها من حيث المدة الزمنية: تنقسم الآلام حسب المدة الزمنية إلى آلام قصيرة الأجل، وهذه تزول بمجرد زوال السبب أو المؤثر، وغالباً ما تكون حادة [١٠] ، وآلام مزمنة تدوم وقتاً طويلاً وتعاود صاحبها كل فترة زمنية. وهذا النوع الأخير من الآلام يعد من أخطر أنواع الآلام؛ وذلك لأنه يصعب علاجه بصورة نهائية، مثل أنواع معينة من السرطان، والتهاب المفاصل، كما أنه يقاوم العلاج، وقد يؤدي إلى انهيار عقلي وإدمان العقاقير المخدرة. وحتى التدخل الجراحي في مثل هذه الآلام قد لا يكتب له النجاح [١١] . ويدخل المريض الذي يعاني من هذه الآلام المزمنة في دوامة ودائرة متصلة من الآلام؛ فتوقعه للآلام وانتظاره لها يسبب له آلاماً نفسية ريثما تعاوده الآلام المزمنة مرة أخرى، وهكذا تصبح حياته عبارة عن سلسلة من الآلام المتصلة يسلم بعضها إلى بعض. هل الألم شَرٌّ خالص؟ يقرن كثير من الناس الألم بالشر والإحساس بالبغض أو الكُره، ويتضح هذا في تعريف التهانوي للألم؛ حيث يقول: «الألم إدراك ونَيْل لما هو عند المدرك آفة، وشر من حيث هو كذلك» [١٢] . ويعرف بعضهم الألم بأنه إحساس مرهق [١٣] ، أو بأنه إحساس بغيض [١٤] . فهل يعني هذا كله أن الألم في جميع أحواله شر خالص؛ فلا يرتجى من ورائه نفع أبداً؟ إن النظرة العجلى والتفكير السطحي يمكن أن يسلما إلى إجابة متسرعة وهي أن الألم فعلاً شر خالص؛ لكن النظرة المتأنية والتفكير العميق الذي يقلب الأمور على جميع أوجهها، ويبحث عن الحقيقة من جميع وجوهها - يثبتان عكس ذلك؛ فالله سبحانه هو خالق كل شيء. والألم شيء من الأشياء، ومن صفاته سبحانه أنه حكيم وخبير، ومقتضى حكمة الله ألا يخلق الشيء عبثاً دون نفع أو جدوى؛ فمن المؤكد إذن أن ثمة منفعة من ورائه للبشر عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلها. وما علينا إلا أن نتريث ونتأمل هذه الآلام، وندرسها بشيء من المثابرة والتعمق لنعرف ثمارها وفؤائدها أو الحكمة منها. فوائد الألم: إن الحديث عن فوائد الألم متشعب؛ وذلك أن فوائد الألم متنوعة، بعضها مادي، وبعضها نفسي معنوي، وبعضها يتحقق للفرد، وبعضها يتحقق للجماعة أو الأمة. وأبرز هذه الفوائد: ١ - الألم ذو فائدة بيولوجية؛ فهو بالرغم من أنه إحساس غير مرغوب فيه يشبه ناقوس الخطر، ويؤدي إلى أعمال عصبية انعكاسية تهدف إلى حماية الجسم من المؤثر الخارجي أو الداخلي الذي قد يتلف الأنسجة، فضلاً عن أن الألم يجبر الإنسان على الراحة وعلى استشارة الطبيب؛ مما لا يترك الفرصة للمرض حتى يستفحل وحينئذ يصعب علاجه [١٥] . فبذا يكون الألم وقاية للإنسان من آلام أكبر. هذا بالنسبة للألم المادي. وكذلك الحال بالنسبة للألم النفسي، فإن الألم النفسي الناشئ عن خوف العبد من عذاب الله يقيه من وقوع العذاب الأليم به في الدنيا أو الآخرة؛ ومن ثم فإننا نرى أن العذاب وُصِف بكلمة (أليم) في القرآن الكريم في اثنين وسبعين موضعاً [١٦] . ٢ - الألم ذو فائدة دينية عظيمة؛ فهو ابتلاء، والابتلاء مع الصبر نعمة تستوجب الشكر، فيطهِّر الله به الإنسان من الآثام والذنوب، بل إن الله إذا أحب عبداً واصطفاه ابتلاه، وأشد الناس بلاءً هم الأنبياء؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، فيُبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤُه، وإن كان في دِينه رِقَّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركهُ يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» [١٧] . فالألم يصهر مَعْدِن الإنسان المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خلقه، وتَطْهُر نفسه؛ فألم الابتلاء سبيل إلى لذة التقوى ونعيم القرب من الله، وهل يبرق الذهبُ إلا إذا ذاق آلام النار؟ ! ٣ - الآلام قد تصحح مسار المسلم، وتفيقه من غفوته، فيرجع عن سالف عهده من الذنوب والمخالفات، فمن رحمة الله أنه جعل الآلام نذيراً لخطر داهم وعقوبة شديدة. فإذا أفاق العبد وتضرع إلى الله رفع عنه الضر. قال سبحانه: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ] (الأعراف: ٩٤) . فإذا لم يفقه المسلم حكمة الله في هذا الابتلاء، وتمادى في غيه حقت عليه كلمة العذاب. قال عز من قائل: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الأنعام: ٤٢-٤٥) . ٤ - الألم قرين الإحساس، والإحساس آية الحياة، ولا يمكن أن تُتصور حياة خالية من الإحساس؛ فأنا أتألم إذاً أنا موجود. فمن أراد أن يعيش بلا ألم ومعاناة فقد اختار لنفسه الموت لا الحياة؛ فأنا موجود إذاً لا بد أن أتألم، وقد خلق الإنسان في كبد ونصب كما قال سبحانه مقسماً: [لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ] (البلد: ١-٤) . ٥ - الآلام تربي فينا نعمة الإحساس بالآخرين، فنقدم لهم يد العون والمساعدة، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعي؛ فالغني يتألم للفقير فتكون الصدقة والزكاة، والمقتدر يتألم للمعوزين فتكون المشروعات الخيرية، والقوي يتألم للضعيف فيكون العون والمساعدة، والعالم أو المخترع يتألم لمأساة مجتمعه ومعاناته فتكون الاختراعات والاكتشافات العلمية، وهكذا. ٦ - الآلام تقوي العزيمة والإرادة، وتثبت دعائم الرجولة الحقة، فيكتسب المسلم حصانة من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة صعوبات الحياة وظروفها القاسية؛ فألم الإخفاق يبصر صاحبه بطريق النجاح، وألم القهر والتسلط يدفع صاحبه إلى البحث عن طريق الحرية، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغنى والثراء. ولا غرو إذا علمنا أن الأعمال الشاقة تزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، ولنا في أنبياء الله أسوة؛ فإدريس ﵇ كان خياطاً [١٨] ، ونوح كان نجاراً [١٩] وداود كان حداداً [٢٠] ، وموسى كان راعياً للغنم [٢١] ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم راعياً للغنم كذلك، مع ما في الرعي من تعلم الصبر وتعوُّد حسن سياسة الرعية. قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» ، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [٢٢] . ٧ - تسهم الآلام في صنع مستقبل الشعوب وقيام حضاراتها؛ فكثير من الأمم عانت آلام التخلف والفوضى ردحاً من الزمان، فما كان منها إلا أن تحسست خطاها نحو العلم والحضارة، مثل أوروبا كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطى، ثم ما لبثت أن قامت الثورة الصناعية ثم الحضارة الغربية التي يزهو العالم بها اليوم، وكثير من الدول عانت آلام الذل والاستعمار، فكان ذلك سبباً في سعيها لاسترداد حريتها ونيل استقلالها، مثل جنوب أفريقيا في ظل الحكومة العنصرية؛ فهي حرية حمراء مقرونة بدماء الشعوب كما قال شوقي: وللحرية الحمراء بابٌ ... بكلِّ يدٍ مُضَرَّجةٍ يُدَقُّ [٢٣] وعندما تعاني الشعوب ويلات الحروب وآلامها، تسعى جاهدة إلى السلام والوئام؛ فإذا كان الإيلام لطرفي النزاع معاً، كان السلام رغبة مشتركة بينهما، أما إذا كان السلام من طرف واحد وهو الذي يحس بالإيلام الحقيقي، فهو استسلام وإذعان. متى يكون الألم نعمة؟ الألم يمكن أن يكون نعمة لصاحبه، كما يمكن أن يكون نقمة عليه؛ شأنه في هذا شأن كثير من الأحاسيس والمشاعر؛ فمتى يكون الألم نعمة؟ يمكن للألم أن يكون نعمة إذا توافرت فيمن ابتلي به بعض الشروط الضرورية، وهي: ١ - الإيمان بالقضاء والقدر، وبأن هذه الآلام من قضاء الله وقدره. قال تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (التغابن: ١١) . وقال سبحانه: [وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً] (النساء: ٧٨) . ٢ - التحلي بالصبر؛ فإن ذلك من عزم الأمور. قال سبحانه على لسان لقمان واعظاً ولده: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) . والصبر على آلام البلاء عاقبته خير؛ فها هو موسى يوصي قومه بالصبر على أذى فرعون وآله ليورثهم الله الأرض من بعدهم. قال سبحانه: [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (الأعراف: ١٢٨) . وأيوب ﵇ لما صبر على الآلام والمرض والابتلاء جعل الله عاقبته خيراً. قال سبحانه: [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (ص: ٤١-٤٣) . وقد مدحه سبحانه بقوله: [إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ] (ص: ٤٤) . ٣ - قوة الإرادة، حتى يمكن تحمل الآلام؛ فلو استسلم لآلامه لدب اليأسُ في قلبه، وتحول الألم إلى نقمة عليه، فنراه يقنط من رحمة الله، وتُثبَّط همته. ولذا على المسلم دائماً العناية بتربية إرادته وتقويتها، وتدريب نفسه على تحمل آلام الحياة وصعابها، ثم عليه أن يتخطى هذه الآلام ويتناساها ليتجه إلى العمل النافع والإنتاج المثمر. ٤ - الأخذ بالأسباب في معالجة الألم والتخلص من أسبابه إذا استطاع؛ وذلك للحيلولة دون استفحال الألم؛ فإهمال الألم سيؤدي حتماً إلى اشتداده واستفحاله، وحينئذ قد لا يجدي معه علاج، ولا تنفع معه أية مقاومة، فتخور قوى المسلم، ويتحول إلى طاقة معطلة فيعجز عن مواصلة الكفاح وأداء رسالته في الأرض. ٥ - حسن التقدير وُبعد النظر؛ فينبغي على المسلم أن يحسن تقدير آلامه وتشخيصها، وكذا تقدير الوسيلة والوقت اللازمين لعلاج الألم ومقاومته، والإنسان من طبعه التعجل. قال سبحانه: [خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ] (الأنبياء: ٣٧) . ثم عليه أن يتحلى ببعد النظر؛ فالشفاء من الآلام بقدر معلوم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً؛ فعلى المرء أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح. فإذا ما توافرت هذه الشروط فعندئذ يكون الألم نعمة، ويثاب عليه المسلم، ويصبح الألم باعثاً للهمم، ومحركاً للطاقات البناءة، ومثيراً للعقول المفكرة المبدعة، ويصير أداة بناء في المجتمع الإسلامي لا معول هدم، وسيوصف حينئذ بأنه نعمة الحياة وسر من أسرار النجاح فيها.

стр. 4204

الورقة الأخيرة تيار النسوية في الفكر الغربي د. رقية طه جابر العلواني برز التيار النسوي تاريخياً في المجتمع الليبرالي الرأسمالي على أنه حركة لتحرير المرأة في القرن التاسع عشر باعتباره من ردة الفعل لأوضاع المرأة المتردية أثناء الثورة الصناعية وما تلاها. وعلى الرغم من تعاقب المحاولات لتغيير وضع المرأة في المجتمع الغربي إلا أنها لم تكلل بالنجاح إلى القرن العشرين؛ حيث تبلورت مطالب ذلك التيار بشكل أكثر تحديداً من خلال إنشاء بعض الجمعيات هناك. وفي عام ١٩٦٦م تم إنشاء الجمعية الوطنية للمرأة في الولايات المتحدة The National Organization for Women للمطالبة بحقوق المساواة للمرأة. وقد اتسم هذا التيار منذ بداية نشأته باتهام الدين بتكريسه لفكرة الأبوية، كما قام بدور مضاد للكنيسة ورجالاتها على اعتبار أن الكنيسة كانت وراء تردي أوضاع المرأة وتخلفها عبر التاريخ الأوروبي. فقد تفجرت العديد من الممارسات الممقوتة تجاه المرأة الغربية بناءً على قواعد راسخة في الذهنية الغربية وطدت دعائمها جذور الأساطير اليونانية والتقاليد الرومانية من جهة، وما جاء فيما يسمى على لسان بولص من جهة أخرى. وتضايفت تلك العوامل لتشكل في الذهنية الغربية تصوراً سلبياً عن المرأة ودورها في الحياة والمجتمع. كما استعرت نيران تلك التصورات السلبية بشكل ممارسات اتسمت بالوحشية والعنف تجاه المرأة. وتعد حملات القمع التي وقعت في نهاية القرن الخامس عشر حلقة في سلسلة الاضطهادات التي تعرضت لها المرأة في المجتمع الأوروبي، واستمرت تلك الحملات إلى عام ١٦٨٠م تحت دعوى محاربة الساحرات والمتشيطنات التي راح ضحيتها من النساء بقدر ما راح في حروب أوروبا قاطبة حتى عام ١٩١٤م [١] . وسرت رياح التيار النسوي إلى عدد من بلدان العالم خاصة تلك التي وقعت تحت الاحتلال الغربي في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، وقد لاقت تلك الدعوى دعماً واسع النطاق من قبل منظمة الأمم المتحدة التي أعلنت في عام ١٩٤٥ م أول وثيقة عالمية معاصرة تبنت فيها حقوق المساواة بين المرأة والرجل. ولم تفرق تلك الحركات الناشئة في مختلف بلدان العالم بين البيئة التي تمخض عنها التيار النسوي في الغرب وما واجهته المرأة في الغرب من ممارسات عنيفة، وبين موقع المرأة وظروفها المغايرة في مجتمعاتهم المحتضنة لتلك التيارات. فقد قام أصحاب هذا الاتجاه ببناء تصورات حول المجتمع الغربي تعبر عن الحرية الظاهرية التي تتمتع بها النساء هناك. إلا أنهم في الواقع لم يدركوا حجم الانتهاكات التي تعاني منها النساء في أوروبا كما لم يدركوا جسامة تورط النساء هناك [٢] . كما أغفلوا الخلفية التاريخية التي نشأت في أعقابها تلك الحركات والتيارات التي جاءت تعبيراً صارخاً عن معاناة المرأة ووضعها الاجتماعي هناك. لقد جاء التيار النسوي في الغرب ثورة على تعاليم دينية محرفة وأقوال وسلوكيات بشرية تحكم فيها الجهل والأثرة. وعلى هذا قامت بمحاولات عديدة للانفكاك من مختلف الموروثات الدينية والاجتماعية المتراكمة؛ مما أدى في النهاية إلى اتساع البون والشقة بين الحركات النسوية في الغرب من جهة، وبين الدين والكنيسة من جهة أخرى. إن إغفال الوعي بالخلفية التاريخية والظروف الاجتماعية التي قارنت ظهور التيار النسوي في المجتمع الغربي يمكن أن تسوق إلى الوقوع في مزيد من عمليات تقمص الآخر والسير على طريقه دون إدراك كاف لما يمكن أن ينجم عن ذلك من مغالطات وثغرات.

стр. 4205

المحرم - ١٤٢٣هـ أبريل - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4206

كلمة صغيرة نقلة جديدة الأعمال الجادة أياً كانت طبيعتها تحتاج إلى ثلاث قوى متكاملة يتمم بعضها بعضاً: قوة تمكنها من تجاوز عقبات البداية، وقوة تعينها على الاستمرار والمواصلة، ثم قوة للإبداع والتجدد التي تكسب العمل حيوية وجاذبية. ونحرص في مجلة البيان قدر طاقتنا على التجدد شكلاً وموضوعاً؛ وها نحن نُخرج المجلة في ثوب جديد نتمنى أن يجد فيه القارئ جاذبية جديدة تزيد من صلته بمجلته. لقد حرصنا ألا نخطو هذه الخطوة إلا بعد أن نستطلع آراء كثير من كُتَّابنا وقرائنا فرأيهم مقدر، ورضاهم محل حرصنا وعنايتنا فأظهرت لنا نتائج الاستبانة أن ٧٨. ٦% أيدوا تغيير الإخراج وزيادة عدد الألوان. ومع ذلك فقد ترددنا كثيراً؛ لأنه يعزُّ علينا مخالفة بقية الآراء، لكننا تجرأنا على المبادرة في التغيير متوكلين على الله تعالى، ثم معتمدين على سعة صدور إخواننا وتقديرهم لاجتهاد إخوانهم. وممَّا زاد في ترددنا أننا سنضطر إلى رفع سعر العدد قليلاً في بعض الدول، خاصة أننا لا زلنا نبيع المجلة في دول أخرى بأقل من سعر التكلفة، ونحسب أن قراءنا الفضلاء سبَّاقون بعون الله تعالى لدعم مسيرتنا الدعوية، حريصون على الوقوف معنا في هذا الثغر لإيصال كلمة الحق. ومع حرصنا على الشكل الفني الهادئ الذي يتناسب مع طبيعة المجلة، إلا أن ذلك لن ينسينا بإذن الله تعالى الحرص على تقديم المادة العلمية الجادة التي يتطلع إليها الدعاة والمثقفون وطلبة العلم؛ فهي الأصل والثمرة. ويسعدنا كل السعادة أن نسمع اقتراحات القراء وملحوظاتهم؛ فبالمحبة والتناصح يستقيم العمل، وتنضج الثمرة. قال الله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (َالعصر: ١-٣)

стр. 4207

الافتتاحية من يمثل «الموقف الإسلامي الصحيح» ؟ للمرة الثانية خلال عقد واحد تسقط الأمة في هاوية اختلاف عميق على جميع مستوياتها بسبب حدث من الأحداث، وللمرة الثانية في حيز زمني لا يزيد عن عشر سنين تجد الأمة نفسها مفتقدة حيال أزمة واحدة لوحدة الكلمة والرأي؛ فضلا عن وحدة الهدف والوسيلة. كانت المرة الأولى عندما وقعت أزمة الخليج الثانية التي قسمت الأمة بشعوبها وحكوماتها وعلمائها ودعاتها ومثقفيها إلى شطرين متضادين في الرؤية، ومتناقضين في التقويم ومختلفين في الموقف، ولعل تفاصيل ذلك لا تزال في الذاكرة الجمعية دون أن تنسخ أو تنسى. ومن أبرز الظواهر العالقة في الذهن حول المواقف من تداعيات ذلك الحدث وقتها هو شيوع التساؤل لدى عامة الناس في أنحاء العالم الإسلامي بعد تنافر الآراء: «من يمثل الموقف الإسلامي الصحيح» ؟ فقد كان هؤلاء الناس يسمعون من أهل العلم والفتوى، فضلاً عن غيرهم آراء تتخالف إلى حد التضارب أوجدت نوعاً من الشقاق على مستوى الجماعات والشعوب. لن نعيد الكلام هنا بداهة عن تلك المعمعة الفكرية التي شوهت ما تبقى من مظاهر الوحدة الشكلية للأمة وقتذاك، ولكن نتجاوزها إلى هذه القعقعة الجديدة التي حقنت أمتنا في صميم شرايينها بمادة خلافية جديدة، ستظل تسري في العروق إلى حين، نرجو أن يكون إلى أمد لا إلى أبد. فها نحن أمام وقائع تتوالى منذ أحداث سبتمبر في أمريكا، يتكرر بشأنها السؤال نفسه كلما تباينت الآراء: «من يمثل الموقف الإسلامي الصحيح» ؟ ! لقد برز عدد من المستجدات والتفاعلات تعددت بشأنها الرؤى، واختلفت لأجل ذلك المواقف، وتناقضت الفتاوى. وأطل من بين الركام عدد غير محدود من علامات الاستفهام والتعجب التي تحوَّل بعضها إلى علامات استهجان وترقب، تتجمع كلها محاوِلة تكوين جملة مفيدة تجيب عن السؤال الكبير: «أين الحقيقة» ؟ إنه سؤال واحد يتكرر بصيغ متعددة: حيناً بلسان المقال، وأحياناً بلسان الحال، ثم لا يلبث جمهور المسلمين أن يُخلد إلى التناوم أو التناسي هرباً من ضغوط الإحباطات والصدمات من جرَّاء التعارض والتناقض بين ما يسمع وما يرى. إننا ومنذ وقعت أحداث أمريكا وما تلاها من أحداث في أفغانستان وباكستان نجد الجميع يتكلمون بتنديد أو تأييد، ولكن يبقى أن كلام الجميع غير ملزم للجميع، فلْيتكلم من شاء بما شاء؛ فسوف يواجه بسؤال يُقذف عليه من كل جانب: «هل أنت تمثل الإسلام» ؟ ! تأمل معنا هذه المواقف المعلنة باسم (الموقف الإسلامي الصحيح) في عدد من القضايا والأحداث في الفترة الأخيرة، لتكون على ذكر بمدى الخطر المحيق بالأمة بسبب اختلاف الكلمة بين علمائها ودعاتها، دعك من مفكريها ومثقفيها: - فبدءاً من أحداث نيويورك وواشنطن التي تنوع بشأنها الخلاف إلى حد التضاد، جاءت مسألة الاستجابة للمطالب الأمريكية المفروضة على حكومة أفغانستان قبل الحرب بشأن تسليم المطلوبين لأمريكا بلا قيد أو شرط! وقبل أن تثبت التهمة، لقد رأى فريق أنه كان على الحكومة الأفغانية وقتها أن تستجيب للطلب الأمريكي ارتكاباً لأخف الضررين، ولإخراج الأمة كلها من محنة عامة. بينما رأى آخرون أن تلك الاستجابة لو وقعت لكانت إهانة وخيانة للأمة الإسلامية وتضحية بمبادئها التي تحرِّم وتجرم تسليم المسلمين للكفار في قضية يمكن إجراء التقاضي بشأنها في إحدى بلدان العالم الإسلامي القريبة من ستين دولة. - وعندما قبلت حكومة طالبان التحدي الأمريكي المعلن بالحرب الصليبية مع انعدام التكافؤ بين القوتين؛ برزت آراء علماء تكلموا باسم الموقف الإسلامي الصحيح تقول إن الإقدام على دخول تلك الحرب سيكون بمثابة تضحية بالشعب الأفغاني وتفريط في مكاسب حكومته، وتعريض لجيشها ودولتها للتدمير وشعبها للتشريد والتهجير، بينما رأى آخرون كثيرون من أهل العلم أن الحركة على صواب فيما فعلت، وأن في الإسلام شيئاً يمثل ذروة سنامه اسمه الجهاد، وأن على المسلمين جميعاً أن يكونوا مع المعتدَى عليه ضد المعتدي، وقالوا: إذا سلمنا لأمريكا بما تريد في أفغانستان فعلينا أن نسلم لروسيا بما تريد في الشيشان، وللهند بما تريد في كشمير، ولليهود بما يريدون في فلسطين. - وعندما شرع التحالف الشمالي المعارض في عرض خدماته على أمريكا، كان هناك رأي وهو الغالب بين الآراء أن ما أقدم عليه التحالف الشمالي هو خيانة لله ورسوله والمؤمنين، مع أن كثيراً من أصحاب ذلك الرأي كانوا لا يرون شرعية لما قامت به طالبان من قبول المواجهة، بينما ذهب آخرون وباسم الموقف الإسلامي الصحيح أيضاً بتصحيح موقف تحالف الشمال باعتبار أن في ذلك إنقاذاً لأفغانستان من مصير مظلم على يد حكومة طالبان، وباعتبار أن طالبان في رأيهم هي التي بدأت فصائل الشمال بـ (الخروج) عليهم وشق عصاهم، مع كونهم ولاة الأمر الشرعيين في البلاد؛ بدليل أن أكثر بلدان العالم الإسلامي كانت لا تزال تعترف بحكومتهم! - ثم ثارت الأحداث في باكستان تفريعاً على ما حدث في أفغانستان، فاختلفت الآراء حول موقف الحكومة الباكستانية من المشاركة في ضرب الحكومة الأفغانية تحت الغطاء الأمريكي. لقد رأى بعضهم باسم العلم والدين أن موقف الحكومة الباكستانية كان حكيماً، أو هو على الأقل موقف يأخذ حكم الاضطرار؛ لأن البديل كان تعريض باكستان لخطر الحرمان من سلاحها النووي على يد الأمريكيين أو الإسرائيليين، ورأى آخرون أن الموقف الباكستاني الرسمي كان مداناً إلى حد الخيانة؛ لأنه يأخذ حكم التولي الظاهر للكفار ضد المسلمين في عدوان صريح، وعدوا لذلك هذا الفعل من أفعال الردة، وإن لم يحكموا بذلك على الأعيان. - وتكررت أزمات أخرى في باكستان، بعد التصعيد الهندي للحرب ضدها، بعد حادثة البرلمان الهندي التي اتهم فيها إسلاميون من كشمير، وأصبح مطلوباً من باكستان أن تفعل ما سبق أن طُلب من أفغانستان: تسليم المطلوبين المتهمين بلا بينة ولا دليل، إضافة إلى قائمة من المطالب الهندية المضافة للمطالب الأمريكية بضرب الحركة الإسلامية في باكستان، واعتقال زعمائها وتجفيف منابعها وإغلاق مكاتب المجاهدين الكشميريين وحل جماعاتهم، وهنا تكررت المواقف نفسها لتتحدث باسم «الموقف الإسلامي الصحيح» : ماذا يملك «مشرف» أن يفعل غير ذلك، إنه مضطر! فأجابهم الآخرون: وهل لا تجوز التضحية في كل مرة إلا بالإسلام وأهله..؟ ! إنه ليس اضطراراً، ولكنه الفرار أمام زحف الكفار من دولة تملك سلاح الردع النووي، فما فائدته إذن؟ ! يستطيع المراقب أن يرصد مثل تلك التناقضات الحادة في عدد كبير آخر من القضايا التي تفاعلت في الآونة الأخيرة قبل أحداث أفغانستان وبعدها؛ فقد حدث التضارب في الآراء بشأن واقعة تحطيم أصنام بوذا، وثار لغط عندما أعلنت فتاوى بشأن جواز التبرع بالدم للأمريكيين المصابين في واشنطن ونيويورك، وجرى اختلاف في مسألة تجويز قتال الأمريكي المسلم إخوانه المسلمين في أفغانستان أداءً لـ «واجب» المواطنة! أو نحو ذلك. أما قضية المسلمين الأولى في فلسطين، فكأنها كانت وليدة الأمس القريب؛ حيث تخالف الناس في قضايا عديدة بشأنها، بدءاً من اعتبار اليهود المدنيين أعداء، ومروراً بجواز الاعتراف بدولتهم والتطبيع مع عصابتهم وعقد الصلح الدائم معهم، وانتهاء بحكم الأعمال الجهادية التي تستلزم التضحية بالنفس ضدهم، والتي أسماها بعضهم (انتحارية) ! وعدها آخرون (استشهادية) . إن ما مثَّلنا به من وقائع قد يكون أكثرها سياسياً لكنه لا ينفي وجود العشرات من مسائل النوازل في مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية، فضلاً عن المعضلات الناشئة عن الشبهات الاعتقادية، وكل هذا يحتاج إلى صفوة تنظر للأمة بمجموعها فيما يصلح شأنها. وهنا لا بد أن نعترف أن من يدلون بآرائهم علانية في أكثر هذه القضايا قلة قليلة من أهل العلم والفتوى، أما الكثرة الكثيرة إلا من رحم الله فهي تؤثر الصمت، وتسكن إلى السكوت. لمن تسمع الأمة إذن؟ إن الجميع من المنسوبين للعلم وطلب العلم في بلدان العالم الإسلامي يمكنهم التحدث في تلك القضايا، ولكن أحداً لا يسلِّم لأحد، ولا جهة تسلم لجهة، ولا جماعة تسلم لجماعة بأن له، أو لها، أو لهم الحق الأخير بالكلام في شيء من ذلك. - فإذا تكلم الحكوميون وجدوا من يقول لهم: مَنْ تمثلون؟ هل تمثلون الأنظمة والحكومات؟ ! لا حاجة لنا بكم؛ لأنكم لا تستطيعون قول كل ما تعلمون ولا يمكنكم الجهر بما تقتنعون؛ ولهذا كانت آراؤكم في مثل تلك المسائل تفتقر إلى ركن مهم في الفتوى وهو حرية من يفتي ... أنتم لا تمثلون في هذه المسائل الموقف الإسلامي الصحيح! - وإذا تكلم المستقلون أو شبه المستقلين، قيل لهم: من أوكلكم بالفتوى التي لا يُسمح بها إلا لمن أذن له بذلك من أهل الدراية بما يدور في الخفاء، ولا يطلع عليه إلا الرسميون القريبون من الساسة، والجديرون بشمول الرأي ودقة النظر، إن فتاواكم لا تمثل الموقف الإسلامي الصحيح! - وإذا تكلم الدعاة وطلاب العلم في حال سكوت هؤلاء وهؤلاء، قيل لبعضهم من أعطاكم حق الفتوى وأنتم لم تتأهلوا لها ولم تصلوا لدرجتها، ولم تعطوا منصباً يخوِّلكم بالكلام في الأمور العظام؟ ... أنتم أيضاً لا تمثلون الموقف الإسلامي الصحيح! - وإذا تكلم مفكرون ومنظِّرون من غير أهل العلم أو طلبة العلم، كان الرد السابق عليهم أبلغ، والمأخذ عليهم أقرب؛ لأنهم ليسوا من المتخصصين الملمين بأمور الشريعة، وكذا إذا تكلم مؤهلون متخصصون ولكنهم محسوبون على اتجاهات أو جماعات؛ نُظر إلى اجتهاداتهم نظرات ريبة، خشية أن يكونوا ممثلين لآراء حزبية معينة ذات خلفيات فكرية محددة. لقد أظهرت الأحداث الأخيرة ظاهرة غياب (ولاية الأمر العلمية العامة) وعندما نقول إن الأحداث أبرزتها، لا نقول إنها أفرزتها، فهي موجودة منذ أن افترق السلطان والقرآن في أكثر بلدان المسلمين. وغياب الولاية العلمية لا يعني بالطبع غياب أفرادها أنفسهم؛ فهم موجودون لم يخلُ منهم زمان، لقول الصادق المصدوق ﷺ : «سألت ربي ألا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» [١] . فالأمة لا تجتمع على ضلالة لوجود أهل العلم بالحق فيها. ولكن.... إذا كان العلماء في هذه الأمة لا يجتمعون على ضلالة؛ فأين اجتماعهم على الحق في عصرنا؟ بل أين نجد صوت (الجمهور) منهم على ذلك الحق في أزمنة الأزمات والفتن التي نعيشها؟ ! السؤال المهم هنا: هل هذا الاجتماع المطلوب لولاية الأمر العلمية العالمية للمسلمين هو مطلب شرعي، أم أمل قدري؟ ! بمعنى: هل هناك وسائل أخرى غير الأماني والآمال يمكن أن توصل إلى هذا المطلب العادل العاجل الذي يطالب به جميع المسلمين الصادقين؟ ! لا نجافي الحقيقة إن قلنا بأنه لم تبذل حتى الآن محاولة ترقى في شمولها وعمومها وقوتها وقوامتها إلى مستوى هذه المسؤولية العامة المتطلبة للشمول والقوة والقوامة. صحيح أن هناك محاولات بذلت ومحاولات لا تزال تبذل لإيجاد قيادة شرعية علمية تمثل مرجعاً للمسلمين السُّنة في العالم وهي محاولات مشكورة مأجورة بإذن الله لكننا نرى أن هناك ضمانات تتضمن بعض المحاذير يجب أن يستصحبها أصحاب تلك المساعي؛ لأنها يمكن أن تتيح فرصاً أوفر لنجاح مساعيهم، ولعل منها ما يلي: ١ - استشراف شمول الولاية العلمية أو المرجعية الموحدة لأكثر بلدان العالم الإسلامي؛ بحيث تغطي بتمثيلها الحد الأوسع من الأوطان الإسلامية، بما يصلح أن ينتج (إجماعاً) بالمعنى الشرعي، إذا ما احتاج الأمر إلى هذا الإجماع. ٢ - الانتباه إلى خطر النزوع إلى الحزبية أو الفئوية التي فتكت آفاتها بالكثير من مشروعات التوحد في الحقل الإسلامي، حيث سيبرز هذا النزوع حتماً، وسيحاول فرض نفسه على فرص الأداء الراشد لفريضة إعادة الولاية العلمية العامة. ٣ - التخفف من ضغوط الإقليمية والمحلية التي تختزل العالم الإسلامي الرحب إلى نمط بقعة واحدة من بقاعه، دون نظر إلى التنوع الفكري الطبيعي أو القسري في أرجائه وأنحائه. ٤ - اليقظة أمام الولوع بالاحتواءات «الرسمية» للعمل الإسلامي في بعض البلدان؛ حيث إن مثل تلك الاحتواءات سوف تضفي بلونها الباهت وضوئها الخافت ظلالاً رمادية من شأنها أن تطفئ بريق أي مسعىً جاد للخروج بالأمة من أزمتها المزمنة والمتمثلة في تفرق الكلمة. ٥ - قد تحاول نزعات فردية نحت صيغ جماعية، تؤول في النهاية إلى (تجمع فرداني) لن يستطيع أبداً أن يضطلع بمهام أمة مليارية، عانت الفردانية في كثير من شؤونها. ٦ - اقتضاء العلم العمل شرط لا يصح التغاضي عنه؛ فمرجعية العلم تحتاج إلى رجَّاعيين علماً وعملاً، وإلا فلا أمل في علم ولا عمل. ٧ - فصائل الحركة الإسلامية بعلمائها ودعاتها هي من أكبر الممثلين للواقع الإسلامي، ولكنها ليست الممثل الوحيد؛ ففي الأمة شرائح عريضة غير منتمية إلى تلك الحركات، وفيهم علماء فضلاء كثيرون، ومن الغبن أن يوضع هؤلاء خارج الدائرة. ٨ - ويرتبط بالنقطة السابقة أمر هام، وهو ضرورة الالتزام المنضبط والواقعي بالمنهجية الوسطية؛ وذلك بالتشبث بمنهج السلف دون التفاف عليه أو التفات عنه انسياقاً وراء أوهام التقارب مع الفرق الضالة قديمة أو حديثة؛ فالمرجعية العلمية ميزان ولا يصلح الوزن إذا اختلت الموازين. ٩ - المرجعية لا تنفك عن المصداقية، وإذا فُقدت المصداقية لم تعد هناك فائدة للمرجعية. ١٠ - سيأبى الشيطان لعنه الله كما هو دأبه، إلا أن يأخذ بحظ وافر من كل جهد خالص لوجه الله تعالى، فليكن التحرر من حظوظ النفس جسر العاملين للتحرز من حظوظ الشياطين، ولا يكون ذلك إلا بالتجرد وخلوص القلب في النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين خاصتهم وعامتهم. والله من وراء القصد،

стр. 4208

دراسات في الشريعة سجود السهو يوسف بن عبد الله الأحمد [*] إن حاجة الناس إلى معرفة أحكام سجود السهو ظاهرة؛ ولا أدل عليه من كثرة أسئلتهم؛ فهذا الموضوع ١ - عن عَبْداللَّهِ بن بُحَيْنَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ؛ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» [١] . ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ أي الظهر أو العصر قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا. قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ! فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ أي محمد بن سيرين: ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» [٢] . ٣ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلاثِ رَكْعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلى النَّاسِ. فَقَالَ: أَصَدَقَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ! فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ « [٣] . ٤ - عن عَبْد اللَّهِ بن مسعود ﵁ قال:» صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم - قَالَ إِبْرَاهِيم لا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ - فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدَثَ فِي الصلاة شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ؛ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ « [٤] . وفي رواية لهما:» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ «. وفي رواية لمسلم بلفظ:» صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا؛ فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ زِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: لا. قَالُوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْن «. ٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى: ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؛ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ « [٥] . ٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:» إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ: ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ: ثلاثاً صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ « [٦] . ومن فوائد هذه الأحاديث: أولاً: أن سجود السهو واجب على من سها في صلاته بزيادة أو نقص أو شك في الأركان والواجبات. قال ابن تيمية بعد أن أورد الأدلة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره في السجود:» وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة، وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك « [٧] . ثانياً: مشروعية التكبير لسجود السهو. قال ابن الملقن:» يشرع التكبير لسجود السهو، وهذا مجمع عليه « [٨] . ثالثاً: إذا تكرر السهو في الصلاة فإنه يكفيه بسجود السهو مرة واحدة؛ فالنبي ﷺ ترك التشهد الأول، والجلوس له ولم يكرر سجود السهو، كما في حديث عبد الله بن بحينة. قال ابن دقيق معلقاً على هذا الحديث:» فيه دليل على عدم تكرار السجود عند تكرار السهو؛ لأنه قد ترك الجلوس الأول والتشهد معاً، واكتفى لهما بسجدتين « [٩] . رابعاً: إذا كان سجود السهو بعد السلام، فيشرع له سلام آخر بعده. وهو الراجح من قولي العلماء لظاهر حديث أبي هريرة وعمران وابن مسعود رضي الله عنهم. خامساً: من شك في صلاته فعليه أن يتحرى الصواب أولاً؛ فإن ترجَّح له أحد الأمرين عمل به، وإن لم يترجح له شيء بنى على اليقين وهو الأقل؛ ويدل عليه مجموع حديث عبد الله بن مسعود، وحديث أبي سعيد، وابن عوف رضي الله عنهم» . سادساً: هل يكون سجود السهو قبل السلام أو بعده؟ هذا الأمر فيه خلاف بين العلماء على أقوال: القول الأول: أن محل السجود كله قبل السلام. وهو مذهب الشافعية، وقول الزهري، ومكحول، والأوزاعي، والليث بن سعد. القول الثاني: أن محل السجود كله بعد السلام. وهو مذهب الحنفية، وقول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثوري. القول الثالث: أن الأصل في السجود أن يكون قبل السلام، إلا ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد السلام؛ فإنه يسجد بعده. وهو المشهور عن الإمام أحمد. القول الرابع: أن الأصل في السجود أن يكون بعد السلام، إلا في حالين فيكون المصلي مخيراً فيهما بالسجود قبل السلام أو بعده: إذا نسي الجلوس للتشهد الأول، وإذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً. وهو قول ابن حزم. القول الخامس: أن ما ثبت في السنة من السجود قبل السلام أو بعده فإنه يفعل كما ورد، وما عدا ذلك فإن المصلي مخير بين السجود قبل السلام وبعده. وهذا قول الشوكاني. القول السادس: أن المصلي مخير بين السجود قبل السلام وبعده مطلقاً. وهو قول بعض الشافعية، واختيار الصنعاني. القول السابع: إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام، وإن كان عن زيادة سجد بعد السلام. وهو مذهب المالكية. وهذا القول جزء من القول الذي يليه. القول الثامن: إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام [١٠] . وإذا كان عن زيادة سجد بعد السلام. وإذا كان عن شك فإنه يتحرى الصواب؛ فإن غلب على ظنه شيء عمل به وسجد بعد السلام، وإن لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين وهو الأقل، وسجد قبل السلام. وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا أرجح الأقوال وأقربها إلى الصواب وبه تجتمع الأدلة ولا تتعارض. فالنبي ﷺ سجد قبل السلام جبراً للنقص حين ترك التشهد الأول؛ كما في حديث عبد الله بن بحينة. وسجد بعد السلام حين زاد في الصلاة ركعة خامسة كما في حديث عبد الله بن مسعود، وسجد بعد السلام أيضاً حين زاد سلاماً بعد الثانية في صلاة الظهر كما في قصة ذي اليدين. وأمر بالسجود قبل السلام عند الشك في عدد الركعات بعد البناء على اليقين كما في حديث أبي سعيد، وحديث ابن عوف ﵄ وأمر بالسجود بعد السلام إذا شك ثم تحرى وعمل بما ترجح له بعد التحري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص» [١١] . مناقشة الأقوال الأخرى: أما القول الأول فهو مخالف لأمر النبي ﷺ بالسجود بعد السلام. والقول الثاني مخالف أيضاً لأمر النبي ﷺ بالسجود قبل السلام. والقول الثالث جعل الأصل في السجود قبل السلام، وهذا يحتاج إلى دليل خاص. والقول الرابع جعل الأصل في السجود بعد السلام، ودليلهم حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «لكل سهو سجدتان بعدما يسلم» [١٢] . وعلى فرض صحته فإنه محمول على الأحوال التي يكون السجود فيها بعد السلام جمعاً بينه وبين الأحاديث الأخرى التي ثبت فيها السجود قبل السلام من فعل النبي ﷺ وأمره. وتتمة القول الرابع: أنه ذكر حالين يكون المصلي فيهما مخيراً بعد السلام. وكيف يكون مخيراً والنبي ﷺ سجد قبل السلام في الحال الأولى، وأمر بالسجود قبل السلام في الحال الثانية، والصواب الاقتداء بفعله وامتثال أمره. والقول الخامس شبيه بالقول الراجح إلا أنه جعل المصلي مخيراً بالسجود قبل السلام أو بعده في كل صورة لم يرد فيها دليل خاص. فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثلاثاً وسلم، ولما نُبه أتى بركعة وسجد بعد السلام كما في حديث عمران ﵁ فلو صلى الإمام ركعة في صلاة الفجر ثم سلم ناسياً، ثم نُبه؛ فهل يسجد بعد إتيانه بالركعة بعد السلام إلحاقاً بنظيرها في حديث عمران وقصة ذي اليدين، أو يكون مخيراً؛ لأنها صورة جديدة؟ ! الأقرب أن يسجد بعد السلام وهو الراجح كما سبق لأن إلحاق النظير بنظيره أوْلى من إفراده بحكم آخر من غير دليل صريح عليه. أما القول السادس وهو القول بالتخيير مطلقاً؛ فضعيف أيضاً؛ إذ كيف يكون المصلي مخيراً والنبي ﷺ أمر بالسجود قبل السلام في أحوال، وأمر به بعد السجود في أحوال أخرى؟ ولم يثبت أن النبي ﷺ خير بالسجود، أو أمر بالسجود قبل السلام وبعده في حال واحدة، أو أنه فعل ذلك. قال شيخ الإسلام: «ولم ينقل عنه في صورة واحدة أنه سجد تارة قبل السلام وتارة بعده، ولو نقل ذلك لدل على جواز الأمرين» ثم قال: «الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق، فلا يجعل بعض السجود بعده، وبعضه قبله، إلا لفرق بينهما» [١٣] . أما القول السابع فهو جزء من القول الثامن. سابعاً: ثبت أن النبي ﷺ في الأحاديث السابقة أنه تكلم بعدما سلم وقبل أن يأتي بما بقي من صلاته وسجود السهو. وغيَّر مكانه، وخرج من المسجد، وأن الصحابة تكلموا، وتشوشوا، وخرج بعضهم من المسجد وهم يتكلمون قبل أن يتموا صلاتهم مع النبي ﷺ . ثم أتم النبي صلى الله عليه وسلم ما أخل في صلاته، ولم يجعل هذا الفصل بالكلام والخروج من المسجد وبمضي قدر من الوقت مبطلاً للصلاة بل أتم عليه. وقد اختلف العلماء في من سها في صلاته وسلم ناسياً ثم خرج من المسجد أو تكلم أو طال الفصل قبل أن يتم صلاته ويسجد للسهو: هل يبدأ من جديد لطول الفصل، أو يتم صلاته ويسجد للسهو ولو طال الفصل؟ وفي هذا خلاف بين العلماء على أقوال: القول الأول: أن الضابط هو البقاء في المسجد فإذا خرج وجب عليه إعادة الصلاة. وهذا القول لا دليل عليه، ثم هو مردود بفعل النبي ﷺ والصحابة الذين خرجوا من المسجد. القول الثاني: أن الضابط هو الكلام؛ فإذا تكلم في غير مصلحة الصلاة وجب عليه الإعادة. وهذا القول لا دليل عليه أيضاً، ثم إن الصحابة تشوشوا، وخرج السَّرَعان وهم يتكلمون، والنبي ﷺ دخل بيته، كل ذلك قبل أن يسجدوا للسهو، ويبعد جداً أن يدخل النبي ﷺ بيته ويخرج الصحابة من المسجد بصمت تام دون مخاطبة الآخرين. ثم لو كان الكلام في غير مصلحة الصلاة قبل السجود مبطلاً لها لبينه النبي ﷺ ، ولسأل الصحابة الذين شوشوا وخرجوا من المسجد أن من تكلم في غير مصلحتها فعليه الإعادة. فلما لم يحصل شيء من ذلك كان مؤكداً لضعف هذا الضابط. القول الثالث: أن الضابط هو طول الفصل، فإذا طال الفصل وجب عليه الإعادة، وطول الفصل ضابطه العرف. وهذا القول أيضاً لا دليل عليه. والقاعدة أن ما ورد في الشرع ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف. أما اعتبار طول الفصل فلم يرد في الشرع أصلاً حتى يضبط بالعرف. والذي يظهر من الأدلة أن النبي ﷺ لم يعتبر طول الفصل لمنع الإتمام على ما سبق من صلاته وسجود السهو؛ فدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيته، وخروج السرعان من المسجد يأخذ وقتاً ليس بالقليل، ولو كان طول الفصل معتبراً في منع البناء لبينه النبي ﷺ . القول الرابع: أنه يتم صلاته ويسجد للسهو ولو طال الفصل أو تكلم أو خرج من المسجد. وهذا أقرب الأقوال كما يظهر من مناقشة الأقوال السابقة. قال ابن تيمية: «وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد وإن خرج من المسجد وتباعد، وهو قول للشافعي وهذا هو الأظهر؛ فإن تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع، لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط؛ فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ولم يدل على ذلك دليل شرعي ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه، بل قد دخل هو ﷺ إلى منزله وخرج السرعان من الناس كما تقدم» [١٤] . وقال أيضاً عن خروج السرعان من المسجد: «لا ريب أنه أمرهم بما يعملون. فإما أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد، فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد، وقولهم قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وإما أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة، وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير، والخروج من المسجد. وأما أن يقال: إنهم أمروا باستئناف الصلاة: فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل، ولا ذنب لهم فيما فعلوا» [١٥] . ثامناً: هذا التفصيل في السجود قبل السلام وبعده هل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ قال شيخ الإسلام ﵀: «ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة إلى أن النزاع إنما هو في الاستحباب، وأنه لو سجد للجميع قبل السلام، أو بعده جاز. والقول الثاني: أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله، وما شرعه بعده لا يفعل إلا بعده. وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة وهو الصحيح.. فهذا أمر فيه بالسلام ثم بالسجود، وذلك أمر فيه بالسجود قبل السلام، وكلاهما أمر منه يقتضي الإيجاب ... ولكن من سجد قبل السلام مطلقاً، أو بعده مطلقاً متأولاً فلا شيء عليه، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له، ولا إعادة عليه» [١٦] . مسألة: من نسي التشهد الأول وذكره أثناء الصلاة، فلا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يتذكر التشهد الأول بعدما استتم قائماً في الركعة الثالثة. فهذا يتم صلاته، ويسجد للسهو قبل السلام جبراً لنقص هذا الواجب. الحال الثانية: أن يتذكره أثناء النهوض، وقبل أن يستتم قائماً؛ فالواجب عليه أن يرجع فيجلس للتشهد، ولا يلزم في هذه الحالة سجود سهو. والدليل على هذا التفصيل ما رواه قيس بن أبي حازم قال: «صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام من الركعتين قائماً، فقلنا: سبحان الله! فأومأ وقال: سبحان الله! فمضى في صلاته؛ فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله فاستوى قائماً من جلوسه فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائماً فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائماً فليمض في صلاته وليسجد سجدتين وهو جالس» [١٧] . قال: «حدثنا ابن مرزوق (وهو إبراهيم بن مرزوق بن دينار الأموي) قال: حدثنا أبو عامر (وهو عبد الملك بن عمرو العقدي) ، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم به» [١٨] . مسألة: قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن ليس على من سها خلف الإمام سجود. وانفرد مكحول وقال عليه» [١٩] . ولم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا ينفردون بسجود السهو خلف إمامهم وهو النبي ﷺ ، والسهو في الصلاة لا يسلم منه البشر، مع كثرة المصلين خلف النبي ﷺ من الصحابة، واستمرار الصلاة خلفه أكثر من عشر سنوات؛ فيبعد جداً أن لا يقع من أحدهم سهو وهو مؤتم. ولو سجدوا لنقل إلينا لتوافر دواعي النقل. مسألة: إذا سجد المصلي للسهو بعد السلام؛ فإنه يسلم بعد سجود السهو، ولا يتشهد على الصحيح من قولَيِ العلماء؛ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في سجود السهو من قوله وفعله وليس في شيء منها حديث صحيح أنه تشهد أو أمر به. قال النووي عن التشهد بعد سجود السهو: «لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء» اهـ. أما حديث عمران بن حصين ﵁: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» [٢٠] . فإن قوله: «ثم تشهد» زيادة شاذة تفرد بها أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين. وقد رواه جمع من الثقات عن ابن سيرين دون هذه الزيادة. وممن حكم بشذوذها البيهقي وابن عبد البر وابن حجر، ومن المعاصرين الألباني في الإرواء [٢١] . قال ابن حجر: «وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووَهَّموا رواية أشعث لمخالفته غيرَه من الثقات عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصة: قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئاً. اهـ فصارت بزيادة أشعث شاذة؛ ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت. لكن ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح عن ابن مسعود من قوله. أخرجه ابن أبي شيبة» [٢٢] . فالتشهد عند ابن المنذر والعلائي محتمل للتحسين، لكنهما لم يجزما به. والأصل في العبادات هو المنع حتى يتبين ثبوت الدليل. مسألة: قال ابن قدامة: «ولا يشرع السجود للسهو في صلاة جنازة.. ولا في سجود تلاوة.. ولا في سجود سهو. نص عليه أحمد. وقال إسحاق: هو إجماع» [٢٣] .

стр. 4209

دراسات في الشريعة نكهة التمرد [*] فهد التميمي tmimi@ayna.com إذا كان للمأكولات والمشروبات نكهات فإن للأطروحات الفكرية نكهاتها أيضاً ولقد ولقد جذبتني إحدى هذه النكهات إلى تذوقها و (تشمم) رائحتها في منظومة من الأطروحات ولا سيما أن رائحتها قد تشم بمجرد قراءة الأسطر الأولى. فإن شئت أن تتذوق معي تلك النكهة وتشم هذه الرائحة فإليك جملة تعاملات تعرفك بها، ومنها: ١ - التعامل في تفسير النصوص من القرآن الكريم أو السنة الشريفة بحسب فهم المتحدث أو الكاتب دون أن يُكلف نفسه الرجوع إلى كتب التفسير أو شروح السنة، ودون أن يُكلف نفسه النظر إن كان ذلك مما يحتمله النص أو لا. ذلك أنه لا سلطة لديه إلا للنص (المجرد) ، وما عداه لا يعدو أن يكون جملة من التراكمات التاريخية، أو الأقوال المحكومة بالجمود والتقليد. ٢ - التعامل مع كتب الفقه، بوصمها (كلها!) بالجمود (واجترار!) ما كان من المسائل الميتة والتي (عفا عليها الزمن!) .. إلخ. ٣ - التعامل مع بعض القواعد الشرعية؛ حيث يتناولها بعضهم بتلك الخلفية (المشحونة) والنفسية (المتمردة) فلا يلبث أن يسقط هذه القاعدة أو يشكك فيها أو يُحيلها أو يفرغها من معناها إلى غير المعنى ذاته. ٤ - التعامل مع التاريخ الإسلامي؛ حيث يتناوله الناقد المثقل بهذه النفسية، فيجعل منه سحابة سوداء من الأخطاء لا يرى الصواب فيها إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. ولا بأس لديه من مصادرة جميع روايات التاريخ أو جلها بدعوى وقوع كاتبها تحت ضغط التوجه العام لمجتمعه، أو السلطة السياسية في زمنه؛ كما فعل آخرون بالنتاج الفقهي مدعين أنه (وتأمل هذا التعميم) انعكاس للواقع الذي فرضه السياسيون. ٥ - التعامل مع تفسير التاريخ وتحليل وقائعه؛ فمن خلفية ردة الفعل ضد فكر معين (والتي بدورها تشكل نوعاً من التمرد) يقوم بعضهم بتفسير جميع أحداث التاريخ تفسيراً سياسياً فلا تشذ عنده واقعة، ولا تفلت حادثة من منظوره السياسي الضيق طارحاً بذلك سائر التفسيرات والتحليلات الأخرى التي قد تشكل في بعض الحوادث نسبة عالية ربما ينعدم معها التفسير السياسي، ولو أنه جعل التفسير السياسي ضمن تفسيرات أخرى وأعطى النسبة التي يستحقها بحسب الحادثة لكان ذلك تفسيراً منطقياً معقولاً. ٦ - التعامل مع الأئمة السابقين والعلماء المتقدمين بنوع من التشنج تارة، أو بالازدراء (ولعله غير المقصود) تارة، أو وصمهم (بعبارات التعميم) بالوقوع تحت ضغط سلطة ما سياسية أو غير سياسية، وعلى أقل الأحوال أن تساق أقوالهم بالصيغة التي تنتهي بالقارئ إلى إسقاط أو سل عباءة الاحترام منهم أو من أقوالهم (وليس القول المنتَقَد فحسب) . وقفات: وإزاء هذه التعاملات أقف بعض الوقفات: ١ - إن راية التمرد هذه سوف يتناولها آخرون ليقولوا لهؤلاء: إنكم إن اقتحمتم بها معسكر الجمود والتقليد والتراكمات التاريخية (كما يسمونها) فإننا بدورنا سنقتحم بها معسكركم الذي تأخذون فيه (بالنص) من السنة إذا صح ولو كان من أحاديث الآحاد؛ إذ لا يؤخذ من السنة إلا المتواتر. ويرفع تلك الراية من يسمون أنفسهم القرآنيين ليطرحوا السنة كلها (ويتمردوا) عليها. ويرفعها الرافضون لعامة الصحابة ﵃. بل ويرفعها الناقمون على الإسلام كله بما فيه. ولن يعجز كل هؤلاء أن يجدوا من بقايا أسلحة (المتمردين) ما يخوضون به معاركهم. فإذا كان الإسلام هو أن نأخذ النصّ مجرداً عن كل شيء، ومقطوعاً من كل فهم سوى فهمنا نحن؛ فمن السهل جداً على من لا يأخذ بحديث الآحاد (ويمثل النسبة العظمى من السنة) أن يطرح كل عناية الأئمة بالإسناد وتحرّيهم في الرجال؛ لأن ذلك ليس بـ (نصّ) . ومن السهل جداً على من لا يأخذ بالسنة جُملةً أن يشكك فيما سوى القرآن؛ لأنه ليس بـ (نصّ) فحتى قبول الحديث المتواتر ليس إلا محض آراء؛ لأن (المتواتر) سيدَّعى أنه غير منضبط في تعريفه ولا فيما يشمله من أحاديث. ومن السهل جداً على رافضي الصحابة أن يرفضوهم بالحجة ذاتها؛ فليس الدين إلا (النصّ) وما عداه قابل للنقد وإن كان صحابياً وإن بلغ النقد ما بلغ. ومن السهل جداً أن يفسر (النصّ) بما لا يمت إلى (النصّ) بصلة؛ لأن كل ما يمكن الاعتماد عليه من آليات تفسيره قابل للنقد (وإن شئت قل للنسف) ؛ ولذا فما على الرافض للإسلام والناقم عليه من أي ملة كان أو من منابذي الأديان إلا أن يفسر (النصّ) وفق مرامه ومبتغاه. ٢ - إننا بحاجة إلى التفاعل مع واقعنا، وتنزيل الأحكام على مستجدات عصرنا ومعاملاته الحادثة، ونحن نعارض الوقوف عند حد الأمثلة الواردة في كتب الفقه التي مثل بها مؤلفوها من واقعهم، وندعو إلى أن يتجاوزها الفقيه مفتياً أو معلماً أو باحثاً إلى أمثلةٍ من صميم واقعنا؛ بل لا ينبغي إهدار الوقت في أمثلة ذكرها السابقون ربما اندثرت في واقعنا أو أضحت نادرة الوقوع. ولكن كل ذلك لا يعني أن ننقلب على من سبقونا، وأن نتنكر لهم، وأن نصمهم بالخوض في تشقيقات لا واقع لها ... إلخ. إن الاجتهاد باق، وبابه مُشرَع لأهله ولله الحمد إن كلياً أو جزئياً؛ بيدَ أني لا أظن أن من أمارات التوفيق والاجتهاد لطالب العلم أن ينبتَّ عن اجتهادات سابقيه أو يتعالى على نتاجهم وعطائهم فلا ينظر إليه ولا يرفع به رأساً؛ بل الفقه كل الفقه أن يكون لديه من سعة المدارك ووفور العقل ما يدعوه إلى النظر في فهم من سبقه؛ ليضيف فهماً إلى فهمه، وعلماً إلى علمه، وعقلاً إلى عقله. روى ابن عبد البر ﵀ في جامع بيان العلم [١] عن قتادة أنه قال: من لم يعرف الاختلاف لم يشمّ الفقه بأنفه. ونحوه عن سعيد بن أبي عروبة، وروى أيضاً عن عطاء قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه. وأظن أن من السهل جداً أن نعفي أنفسنا من النظر في فقه من سبقنا وعلمه، وأن نأخذ (مباشرةً) من النص.. لكن: هل هذا بالفعل هو (فقه النص) و (فهم النص) ؟ ! ! كم من القضايا المعاصرة (معاملات اقتصادية وغيرها) لم يهتد المجتهدون إلى تكييفها الفقهي الدقيق ومن ثم تنزيل الحكم الشرعي عليها بعد توفيق الله تعالى إلا بعد تأملهم في أقوال الفقهاء المتقدمين في مسائل مشابهة! بل ربما كان الشبه في بعض صور المسألة أو بعض جوانبها فقط، ولكن توارد التفقه في تلك المسائل أنتج خيوطاً من الفقه تذكّر الناظر فيها بما قد يكون غافلاً عنه، وتصقل الملكة الفقهية لديه، فيهتدي إلى الصواب فيما بين يديه. فرحمة الله على أولئك الأعلام الذين أفنوا أعمارهم في خدمة العلم وأهله: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (الحشر: ١٠) ٣ - قد نفهم النقد للخلل الواقع من بعضهم (وليس الكل) في تطبيق قاعدة ما أو تنزيلها على واقعة ما، وما أجمله إذا سلم من (نكهة ما) ، لكننا لا ندري ما ذلك النقد الذي ينتهي بنا إلى الإسقاط التام أو شبه التام أو التعميم للتجاوزات أو التعميم لكل من كتب في القاعدة أو استند إليها. ٤ - ستشرئب أعناق لتقول باستغراب: وهل ملكتَ حق إغلاق باب النقد؟ ! وهل من نافحتَ عنهم معصومون؟ ! وهل كل ذلك (التراث) مبرأ من الخطأ؟ ! فأقول: وهل لا نقد إلا بالتمرّد؟ ! ولكن عفواً: إن النقد بغير تمرد لن يضيف جديداً في نظر بعضهم، ولن يثير شهية القراء، وهذا السر في تطعيمه بنكهة التمرد؛ فنقد بغير هذه النكهة لا طعم له لديهم ولا ذوق، وإلا فالنقد لم يزل موجوداً؛ فإنه ولد حيث ولدت تلك العلوم التي يحلو لبعضهم تسميتها بـ (التراث) ، وما زال عطاء تلك الأجيال يحمل لنا الفكرة ونقدها، ومناقب الرجل وما قيل فيه. فما لنا نزعم أن النقد من روائع هذا العصر؟ إن قوماً لا يحترمون (رموزهم) وصانعي (تراثهم) خليق ألا يهتدوا لمعرفة كلامهم. وإنك مهما بلغت بالنقد فلست بحاجة إلى الازدراء أو التنقص أو التهكم أو الإسقاط. إن الاحترام والتقدير لا يستلزم التسليم لكنه يستلزم الاعتدال الذي يعني أنني كما لا أفترض فيهم العصمة فكذلك لا أفترض الخطأ من أول وهلة وأدنى نظرة بله التوارد على الخطأ حتى لم يعد للإجماع معنى ولا لقول عامة العلماء وزن. لك أن تحقق أن مسألة ما لم يثبت فيها الإجماع، ولك أن تحقق أيضاً بالبرهان أن قولاً ما ليس هو قول عامة أهل العلم، لكن ليس لك أن تضرب بحجية الإجماع أصلاً عرض الحائط، وليس من اليسير وأقول: من اليسير ألا تعتبر قول العامة من أهل الشأن ما دمت مسلِّماً بأنه قول العامة. هذا أمر، والأمر الأهم: هب أنك أدركت خطأ قول ما (واكتشفت هوة سحيقة) فلا حاجة للتعميم، ولا داعي للتطاول، ولك ألف مندوحة ومندوحة عن أن تصوغ نقدك بقالب التمرد. خلطات أخرى: ويمكن أن ينضاف إلى نكهة التمرد هذه عند بعض الناس شيء من الخلطات الأخرى، منها: ١ - انتحال الأفكار والطروحات: تقرأ لبعضهم أو تستمع إليه فتجده يتحدث عن أفكار وطروحات وكأنها من بنات أفكاره وأبكار طروحاته. نعم! إن الفكر والعلم مشاع للجميع، ولكن ثمة أفكار يكون لها كيان ونسق منتظم فطرحها بكيانها ونسقها دون عزوها لصاحبها نوع من التدليس الذي لا يحبذه أرباب الإنصاف والتجرد لا سيما إن كان في هذا الطرح ما يُشعر أنها مبتكرة من قبل هذا المتحدث أو الكاتب [٢] . (أما إذا اشتمل حديث المتحدث على أفكار من هنا وهناك ولا سيما بصياغة منه فلسنا نشترط له العزو) . ومن سنة الله الماضية أنه ما من منتحل إلا ويقيض الله له من يكشف انتحاله فمستقل ومستكثر. ٢ - دعوى الحياد بلا حياد: إنني أستطيع أن أدعي تناولي لقضية ما بالتجرد والحياد المطلقين لكنني أول الموقنين بكذب الدعوى؛ لأني أعتقد (حسب رأيي القاصر) أن التجرد المطلق والحياد المطلق كمدينة أفلاطون الفاضلة حبيس التصور العقلي فقط. وإنما وصفت التجرد والحياد بوصف (المطلق) لأن هذا الذي أحسب أن لا أحد يستطيعه، ولكننا لو اشترطنا تجرداً وحياداً ما فهذا معقول ومقبول، والفرق بينهما أن الحياد المطلق يستلزم عدم استصحاب فكر ما حول القضية المطروحة في حوار أو كتاب أو نحو ذلك، وهذا الذي أدّعي أنه متعذر أو متعسّر، إلا أن يكون الشخص خِلواً من كل فكر حول القضية المطروحة؛ وهذا ما ليس مفترضاً هنا. وأما التجرد المقيد والحياد المقيد فلا ينافيه استصحاب ذلك الفكر المشار إليه، وإنما يشترط له أن يكون لدى الشخص استعداد لقبول الحق إذا تبين له الحق، حتى وإن اقتحم الحوار أو شرع في الكتاب مقتنعاً بما يعتقده. وبعضهم مع هذا قد يدعي الحياد الأول ويدعو إليه مع تعذره ثم هو في حقيقة الأمر لا يلتزم الوفاء بالحياد الثاني الواقعي. ٣ - النقد لذات النقد: إذا كان من الناس من يحترف المعارضة لذات المعارضة لا لخدمة مبدأ ما، فإن ثَمّ من ينتقد لذات الانتقاد، ومن كان هذا شأنه فما أسرع أن يهوي به نقده، وما أبعده من منهج النقد السوي. ولئن كان هذا مستبعداً، فإنه واقع ويدل عليه لحن القول، وقد تدل عليه (نكهة التمرد) . ٤ - النقد من غير أرضية للنقد: «إن لنا على المفهوم التقليدي للسنة تحفظات» ، أما الأرضية في علم السنة التي انطلق منها هذا الناقد فهي أنه يعزو الحديث إلى (مسلم) ويقول: انظر (المحلى) . إن رجل الشارع بل الأستاذ في أي علم سوى الطب لو قال: إن لي على تعريف مرض السرطان أو حتى الرشح (الأنفلونزا) تحفظات. لضحك منه الناس؛ فكيف بشخص لم يكلف نفسه معرفة البدهيات في علم السنة أن ينتقد تعريف الأئمة للسنة، إنني أجزم أن لو درس السنة كما ينبغي لعرف كيف يكتب. كأني بك تقول: وهل ستضع للنقد قيوداً من قِبَلك؟ وهل ستلزم الناس بها؟ فأقول: إنني حين أتحدث عن الأرضية الصحيحة للنقد فإنني مع ذلك لست مقنِّناً ولا ملزماً؛ لأني لا أملك على الناس ذلك، غير أني ألمح بهذا إلى خطأ ذلك الناقد الذي ينتقد من غير ما أرضية ينطلق منها (على الأقل في العنصر المنتقد) تماماً كذاك الذي ينتقد الطبيب من غير خلفية عن المرض الذي انتقده فيه، مع أن الناس لا يقبلون منه ما لم يكن طبيباً حتى وإن ملك الخلفية عن ذات المرض؛ فما لنا لا نطبق ذلك على تخصصات أخرى؟ ! إن مجرد الإسلام واشتراك أهله فيما أوجبه الله عليهم تعلماً وعملاً لا يؤهل كل من كان مسلماً أن يخوض فيما لا علم له به من أمر الدين لمجرد كونه مسلماً، كما أن اشتراكهم في العلم بأساسيات الصحة لا يؤهل كل أحد أن يتناول من مسائل الطب ما شاء كيف شاء. إنني أرمي إلى ترسيخ هذه القاعدة إذا اتفقنا عليها في مثال الطب لتعميمها على غيره، ولا يعنيني الاتفاق على ضوابط وقيود تفصيلية، ولكن حسبي أن تتفق معي أن ثمَّ ضوابط لا بد منها، وأن الناقد الذي ينتقد ما يشاء كما يشاء قد أخطأ السبيل، والبرهان العقلي الذي يدعم هذا الادعاء القائل بضوابط ما للنقد هو الاتفاق على تخطئة ذلك المنتقد للطبيب في المثال السابق. وليس الفرق بين هذا المثال وبين غيره في وجود ضوابط أو عدم وجودها وإنما الفرق بين الماديات والأدبيات؛ فالعلم المادي المحسوس تكون الضوابط فيه أوضح وأدق بخلاف العلم النظري فلن تكون الضوابط فيه بتلك الدقة لكنها موجودة لا تنكر، وهذا هو المقصود. أما أن ينطلق النقد بغير خطام ولا زمام ولا احترام فليس ذلك من منهج الإسلام. ٥ - اضطراب المنهج: بينما تجد بعض الناس يتلمس الأقوال الشاذة للأخذ بها لملابسات يدعيها إذا هو يطرح بعض الآراء مجلجلاً بأنها ليست إلا رواية في مذهب ما، وتكون تلك غاية حجته. وبينما هو لا يقدِّر للعلماء قدرهم إذا به يرفع أحدهم ويبجِّله؛ لأنه (تمرد) حسب فهمه على ذهنية التقليد، ولو في قضية ما، مع أنه ربما شنع عليه في مواطن أخرى بما لا يتناسب مع ذلك التبجيل. ٦ - بناء النتائج على مقدمات هشة: ومرد ذلك في نظري إلى طائفة من الأسباب، منها: عدم الفهم والفقه العام للنص أو القصور فيهما أو اختلال منهجية الاستدلال؛ حتى إنها أحياناً تبقى لدى بعضهم مضطربة بحيث لا يمكن بلورتها ضمن منهج محدد مطرد. ومنها حمل عبارات عالم أو مؤلف على غير محملها ومن ثم الحكم عليه من خلال هذا الإسقاط. ومنها عدم تكامل التصور لمنهجية مؤلف أو عالم، أو للمؤلفات في فنٍّ من الفنون، أو القصور في إدراك العلاقة الترابطية لمسائل علم من العلوم، وكل ذلك يحمل الكاتب على استنتاجات لا تخلو من غرابة. وأخيراً: فهذه معالم نكهة التمرد، وتلك إشارة لبعض الخلطات المرافقة أحياناً والرأي لك أخي القارئ إن كنت ترى أن تلك النكهة تستحق أن تكون من النكهات الصناعية المصرح بها في (المنتجات) الفكرية أو لا؟

стр. 4210

دراسات في الشريعة علماء الشيعة والنسب الهاشمي د. سلمان الظفيري كنت في جلسة مع بعض الأساتذة الشرعيين قبل سنوات فقلت: لماذا لا نحقق وندقق في قضية النسب الهاشمي التي كثرت كثرة فاحشة عند علماء الشيعة ولا سيما العجم منهم؟ وهذه القضية مهمة؛ لأن تفنيدها وكسر أضلاعها مما يساهم في تفتيت كثير من باطل الشيعة ولا سيما هذه التكأة أعني أهل البيت وتسترهم خلف هذا الاسم الشريف اللامع. غير أن هؤلاء الإخوة منهم من سكت، ومنهم من قال الأمر فيه صعوبة؛ وذلك لأن النسب الهاشمي لا يعدو أن يكون نسباً يملكه صاحبه فقط فلا توجد سجلات عامة يمكن للباحث الاستفادة منها وتحقيق الدخيل في النسب. وقفات مع هذا الادعاء: أولاً: العادة المعروفة عند علماء الشيعة أن من كان هاشمياً فإنه يلبس العمامة السوداء، ومن كان من غير بني هاشم فإنه يلبس العمامة البيضاء. وهذه العادة سارية مثل القانون في جميع البلاد التي يكون فيها للشيعة علماء مثل إيران والعراق وغيرها من البلاد. ولكننا نجد هؤلاء الهاشميين فيما زعموا ألقابهم منسوبة إلى مدن من مدن البلاد الأعجمية مثل الميلاني والأردبيلي والخميني والخوئي. وهؤلاء أحدهم لا يعرف نسب أجداده وإلا لانتسب إليهم بدل أن ينتسب إلى أسماء المدن. وهذه الحقيقة المرة يقف الباحث إزاءها ويتعجب من كثرة من ينتسب إلى النسب الهاشمي بهذه الكثرة العظيمة من علماء الشيعة؛ ثم بعد ذلك هم ينتسبون إلى مدينة من مدن إيران؛ مما يدل على عدم قناعة أحدهم بهذا النسب. ثانياً: من شعارات الشيعة المعروفة: (التقية ديني ودين آبائي، ومن لا تقية له لا دين له) ، فإذا عرف هذا لاح لنا أن الكذب في هذه القضية له نصيب كبير. ثالثاً: مما يشكك بهذه الدعوى رغبة علماء الشيعة في اللغة الفارسية واهتمامهم العظيم بها حتى إن الخوئي كان بالنجف يدرس باللغة الفارسية، وبنو هاشم هم عرب ولغتهم اللغة العربية وسيدهم ﷺ هو أفصح من نطق بالضاد؛ فكيف لا يدعوهم هذا إلى الاهتمام بلغة القرآن الكريم ولغة سيدهم (سيد بني هاشم) والإنسان ميال إلى أصله؟ ! رابعاً: من المضحكات في هذه الدعوى أن المدعو التيجاني التونسي مؤلف كتاب (ثم اهتديت) الذي زعم أنه كان تيجانياً صوفياًَ ثم صار شيعياً جلداً قال وهو يتكلم عن مذهب الشيعة وعن ترجيحه الفاشل له: «وأبي أخبرني بأننا أصولنا من العراق، وأن نسبنا ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁ » . أقول وبهذه السهولة بحث في ذكرياته القديمة ودفاتره العتيقة إن كان صدق فإذا به سيد هاشمي يستطيع أخذ الخمس، وتأوي إليه كل راغبة ببركة المتعة لعلو أرومته ونصاعة نسبه! ! خامساً: شكك الدكتور موسى الموسوي بنسب الخميني (النسب الهاشمي) ؛ وذلك لأن أصله من الهند؛ فقد جاء جده من الهند واستقر في مدينة خومين وتديرها؛ فلماذا قطع الخميني صلته بأقاربه؛ والعهد ليس ببعيد؛ فلا يعرف له صلة بقومه وأقاربه؛ فعلامَ يدل هذا؟ [١] . أقول: يدل هذا على سر سعي الخميني إلى إخفائه تلك الصلة، وأن وراء الأكمة ما وراءها. سادساً: ذكر الأستاذ أحمد الكاتب أن الخوئي كان أبوه يلبس العمامة البيضاء فلما صعد الخوئي بدأ يلبس العمامة السوداء [٢] ! وهذا معناه أنه زوَّر نسبه وادعى الهاشمية. سابعاً: ومما يزيد الشبهة قوة ما وقع من حوادث وقعت في النجف كشفت المغطى بستور غليظة؛ وقد سجلها بعض علماء الشيعة العائدين؛ إذ يقول: «توفي أحد السادة المدرسين في الحوزة النجفية، فغسلت جثمانه مبتغياً بذلك وجه الله، وساعدني في غسله بعض أولاده، فاكشتفت أثناء الغسل أن الفقيد الراحل غير مختون» [٣] . والختان شائع عند المسلمين واليهود ولا يعمله النصارى، وهذا السيد الفقيد محسوب على بني هاشم؛ فهل بعد هذا التزوير في الدين والنسب تُصدَّق دعواهم؟ ! ويقول أيضاً: «وهناك بعض السادة في الحوزة لي عليهم ملاحظات تثير الشكوك حولهم والريب؛ وأنا والحمد لله دائب البحث والتحري للتأكد من حقيقتهم» [٤] . أي حقيقة: حقيقة الدين، أم حقيقة النسب؟ لا شك أنه يريد حقيقة الدين: هل هم يهود، أم نصارى، أم مجوس؟ فهؤلاء أساتذة الحوزة من السادة (من بني هاشم) هذه حقيقتهم؛ فماذا تكون حقيقة السادة السياسيين؟ اعترافات خطيرة: في السنوات الأخيرة تاب ثلة من علماء الشيعة من أباطيلهم، واعترفوا بفساد العقيدة الشيعية، ومن هؤلاء الشيخ حسين الموسوي مؤلف كتاب: (لله ثم للتاريخ) حيث ذكر أحوالاً سافلة في تزوير النسب الهاشمي بأبخس الأثمان وأحط الأحوال. ويحسن بي أن أنقل كلامه حول النسب الهاشمي وتزويره في النجف إذ يقول: «ويحسن بنا أن ننبه إلى أن الفقهاء والمراجع الدينية يزعمون أنهم من أهل البيت؛ فترى أحدهم يروي لك سلسلة نسبه إلى الكاظم ﵇ . اعلم أنه يستحيل أن يكون هذا الكم الهائل من فقهاء العراق وإيران وسوريا ولبنان ودول الخليج والهند وباكستان وغيرها من أهل البيت، ومن أحصى فقهاء العراق وجد أن من المحال أن يكون عددهم الذي لا يحصى من أهل البيت؛ فكيف إذا ما أحصينا فقهاء البلاد الأخرى ومجتهديها؟ لا شك أن عددهم يبلغ أضعافاً مضاعفة؛ فهل يمكن أن يكون هؤلاء جميعاً من أهل البيت؟ وفوق ذلك فإن شجرة الأنساب تباع وتشترى في الحوزة؛ فمن أراد الحصول على شرف النسبة لأهل البيت فما عليه إلا أن يأتي بأخته أو امرأته إذا كانت جميلة إلى أحد السادة ليتمتع بها، أو أن يأتيه بمبلغ من المال وسيحصل بإحدى الطريقتين على شرف النسبة وهذا أمر معروف في الحوزة. لذلك أقول لكم: لا يغرنكم ما يضعه بعض السادة والمؤلفين عندما يضع أحدهم شجرة نسبه في الصفحة الأولى من كتابه ليخدع البسطاء والمساكين كي يبعثوا له أخماس مكاسبهم» [٥] . وبعد فإن نبينا ﷺ نهانا عن الطعن في الأنساب، وأنها من الجاهلية وأخلاقها؛ غير أن الأمر هنا يتعلق بالدين والافتراء عليه، والتعلق بالنسب الهاشمي الشريف لتضليل العباد وتكفيرهم وهدم الإسلام والتفريق بين أبنائه؛ فكان على من علم أن ينصح ويحذر المسلمين، وعسى أن تكون هذه الكلمات طليعة لأقلام أخرى تساهم في إماطة اللثام عن وجه الحقيقة في هذه القضية الخطيرة.

стр. 4211

دراسات تربوية تعبير الأحلام والاستسلام لخدرها سامي بن عبد العزيز الماجد [*] فيما تعاني الأمة أنواعاً من المآسي والنكبات تتنوع الطرائق في مواجهة هذه المحن ولكل وجهة هو موليها. والذي يعنينا في هذه الكليمة فريقٌ وجد ملاذه في تتبع الرؤى والأحلام وتعبيرها بطريقة حالمة أيضاً ثم الاستسلام لِخَدَر هذه الأحلام وترقُّب تعبيرها. إنّ شدة المعاناة والضعف، وثقل الهزيمة، وخور العزائم، وغلبة اليأس آلام محرقة تبعث النفوس التي تعانيها على التعلل بالأماني الكواذب والهروب من الواقع المأزوم إلى أطياف الأحلام؛ لتجد فيها سلوى عن آلامها وهزائمها وما هي إلا أوهام لا تغني من الواقع شيئاً. فما أضغاث الأحلام إلا سراب من الأوهام يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. وهذا الهروب الموهوم من الواقع المأزوم إلى أطياف الأحلام هو صورة أخرى من صور الهزيمة النفسية، وشاهد آخر من شواهد غيبة الوعي وسذاجة التفكير التي إن غطت على العقول، فلا يؤمَن عليها حينئذ التياثها بدجل الشعوذة، وأساطير الخرافات، ونبوءات أهل الكتاب الكاذبة، ولا تقوم إلا فيمن هان عليه أن يعيش بغير عقل وازع يزعه عن شطط الضلال والظنون الذي كان يرجع إليه في أكرم مقاصده وأعزها عليه، ومن هان عليه أن يعيش بغير هذا العقل الوازع الحصيف لم يكن ليعز عليه أن يكون محلاً لخديعة الأحلام والمنامات، وأكاذيب النبوءات. إن الذي يعيش عالم الأحلام الموهوم، فيؤثره على واقع الحياة المشهود لجدير أن يقول ما لا يفعل، وأن يفعل ما لا يقتضيه عقل صريح، ولا يقضي به شرع صحيح؛ لأنه يريد أن يحقق بها أحلامه، ويرضي بها وساوس منامه، وإنْ أسْخطَ بها الرحمن وأجلب على نفسه وعلى غيره المفاسد والفتن؛ فمنهجه وسلوكه يصبح نهباً لعواطفه وأحلامه، توجهه إلى العمل بمقتضاها، أو تؤثر في منهجه وعمله إيحاءاتها ودلالتها، فتزج به إلى مخالفة المنهج السوي والهدي المحمود، وتعرضه لفتن ومحن لم تكن أصلاً في طريقه لولا اغتراره بتلك المنامات والنبوءات. وما أكثر هؤلاء في أمتنا اليوم الذين غرتهم الأحلام، فاستجرَّتهم إلى مزالق مهلكة، واجتالتهم عن هدي النبي ﷺ ، كأنما يريدون أن يعيدوا تجارب السابقين، وأن يعيشوا حاضراً غير موصول بأي سبب إلى الماضي، فتعيد المأساة نفسها، وتصبح تجارب الآخرين صدى لتجارب الأولين، وبالمزالق نفسها ... وهكذا يذهب الاتعاظ والاعتبار مع غياب الوعي وتعطيل العقول. وما أشقى الأمة التي لا تحنكها التجارب ولا تزعها الحوادث. وما زلنا نذكر سلفاً ومثلاً قريباً لهؤلاء اتخذوا الأحلام هادياً ومبشراً ونذيراً، فأعملوها في منهجهم وسيرتهم؛ فهم يسيرون في ظلها ويتفقدون إيحاءاتها ودلالاتها، قد اطمأنوا بها، واستناموا إليها لا يبغون عنها مَصْرفاً، فأعقبهم ذلك أن فُتنوا بها وفتنوا، ورأوا أنهم قد ضلوا يوم جعلوا تلك المنامات هادياً لهم يزاحمون به هدي الرسول ﷺ . وما أُتي هؤلاء يوم استهوتهم الأحلام فأردتهم في المهالك إلا من قلة الفقه في سيرة الرسول ﷺ وغلبة العاطفة على العقل. وهذان شاهدان من سيرته ﷺ تمنعان الرؤى مهما بلغ صدقها ومهما حوت من المبشرات، أن يكون لها سبيلٌ إلى توجيه العمل وتصريفه، أو سلطان على المنهج تحيله عن جادته، أو تشترع له جديداً، أو تصرف رجاله عن السعي في تحقيق ما تقتضيه مقاصد الشرع وتبليغ رسالاته. إن نبينا ﷺ كان قبل النبوة لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وأما بعد النبوة فرؤياه ﷺ وحي يوحى، وهو المعصوم ﷺ من تلاعب الشيطان، وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه، ومع هذا كله فهذه شواهد من تعامله مع الرؤيا: أما الشاهد الأول: فإنه لما حشدت قريش رجالها، وخرجت في غزوة أحد لتثأر لقتلاها ببدر: استشار رسول الله ﷺ أصحابه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وأخبرهم أنه قد رأى رؤيا، وما رؤياه إلا من الوحي، فقال: «رأيت بقراً تُنحَر، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْماً، ورأيت أني قد أدخلت يدي في درع حصينة» . فتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة. فكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها؛ فإن دخلها المشركون قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت. فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وقال بعض الأنصار: «والله ما دخلت علينا في الجاهلية؛ أفتدخل علينا في الإسلام؟ !» . وأبى أكثرهم إلا الخروج، فقال ﷺ : «فشأنكم إذن!» . ثم نهض، ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم، فقالوا: «أكرَهْنا رسول َالله على الخروج. فقالوا: يا رسول الله! إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل. فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» . فنجد ها هنا أن رسول الله ﷺ قد اعتمد المشورة ثباتاً منه على المنهج الذي ارتضاه له ربه، وترك العمل بإيحاءات رؤياه تلك ودلالاتها فلم تثنه عن الخروج للقتال، ولم تُغرِهِ به. وإنما دفعه للخروج مشورة أصحابه لما استشارهم، ومشايعة منه لرغبتهم في الخروج، وترك ﷺ الرؤيا تدور مدار الإنذار والتبشير. إنه الثبات الذي لم تصرفه الرؤى عن التزام المنهج الصحيح والانقياد له. وأين عن هذا الثبات أولئك الذين جعلوا الأحلام والرؤى هادياً لهم لا يريمونه وإن هداهم إلى ما لا تقتضيه مقاصد الشرع، أو إلى ما يخالف هدي الرسول ﷺ . وأما الشاهد الآخر: فإنه ﵊ أُري في المنام وهو بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصّر بعضهم، فأخبر بها النبي ﷺ أصحابه، ففرحوا بها فرحاً عظيماً؛ فهي تلك الرؤيا التي عناها الله بقوله: [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً] (الفتح: ٢٧) . ثم إنه ﵊ خرج بأصحابه عام الحديبية إلى مكة يريد العمرة وما كانوا يشكُّون أنهم سيعتمرون عامهم ذلك تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقع من أمر الصلح مع المشركين بالحديبية ما وقع، وما اقتضاه ذلك الصلح من أن يرجع المسلمون عامهم ذلك من غير عمرة على أن يعودوا من قابل ثقل ذلك على المسلمين كثيراً، وعزَّ عليهم أن يرجعوا إلى المدينة من غير أن يطوفوا بالبيت الحرام؛ حتى ذهب عمر يراجع رسول الله ﷺ في ذلك حتى قال له: «أوَلستَ تحُدِّثنا أنَّا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال: بلى! أفأخبرتك أن تأتيه العام هذا؟ فقال: لا. فقال: فإنك آتيه ومطوِّف به» . ونجد في هذا الشاهد كذلك أن رؤياه تلك لم تكن لتصرفه عن منهجه الذي ارتضاه لنفسه، وأراد أن يربي عليه أصحابه وأمته، ومن ذلك حسن النظر في العواقب، وتقدير المصالح، واهتبالها إذا سنحت، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة في الصلح رضي به وانقاد له غير آبه بشيء، ولم تكن الرؤيا هي همه، ولا غاية يسعى لتحقيقها، بل ولم تكن أفعاله خاضعة لدلالتها ومقتضاها، وإنما ترك تأويل رؤياه يأتي تباعاً في الطريق الذي نهجه والتزم سلوكه. وهكذا أخذ الرسول ﷺ الرؤيا في حدودها ومكانها اللائق بها فهي عنده مُبشرة لا موجهة. هذا، ورؤياه ﵊ جزء من الوحي؛ فكيف برؤيا غيره التي ربما اختلطت بأضغاث الأحلام وتحديث الشيطان! ! ! وإذا كان من الخطأ في المنهج اتخاذ الرؤى هادياً ودليلاً يترسَّم به المرءُ الطريق، ويتبصر به الحق، فإن من الخطأ كذلك أن يسارع المرء إلى التصديق بكل ما يحكى من الرؤى، أو يغترَّ بتأويلها؛ لا سيما في هذا الزمان الذي رق فيه الإيمان، وكثر فيه الكذابون المتفيهقون، وأصبح اشتغال الناس بالرؤى وتأويلها أكثر من اشتغالهم بالعمل الذي يواجهون به حقائق الواقع الأليم. إننا لمن الموقنين بقوله ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» متفق عليه. وبقوله ﷺ : «لم يبقَ بعدي من النبوة إلا المبشرات» ، فقالوا: وما المبشرات؟ فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له» متفق عليه. ولكننا نرتاب كثيراً أن تكون كل المرويات من أحلام الناس اليوم هي من جملة تلك الرؤى الصالحة المبشرة. فثمة أمور تدفعنا للتريث كثيراً، وتبطئنا عن المسارعة إلى تصديق كل ما يروى من الأحلام وبما يحكى من تأويلها. الأمر الأول أن يكون المرء الذي نسبت إليه تلك الرؤيا كاذباً، قد تحلَّم بحلم لم يره. وهذا احتمال وارد، والوعيد في ذلك شديد. يقول ﷺ : «من تحلَّم بحلم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» رواه البخاري. ثم إذا فرضنا صحة الرؤيا وصدق صاحبها؛ فثمة أمر آخر يرد عليها، وهو كون ذلك الحلم من قبيل حديث النفس؛ فإن بعض المنامات تتأثر بالهموم الشخصية والحالة النفسية؛ وقد أثبت الرسول ﷺ هذا في قوله: «الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدِّث به الرجل نفسه» أخرجه الترمذي بسند صحيح. ثم إن سلمنا أن الرؤيا ليست من حديث النفس، فثمة وارد يمنع أن تستخفَّنا تأويلات تلك الأحلام فنسارع إلى تصديقها واستظهار الغيب بها. وهذا الوارد هو احتمال خطأ المُعبِّر؛ فليس لزاماً أن يوافق تأويله عين الحقيقة؛ لأن تأويله اجتهاد يحتمل الخطأ والوهم، كما يحتمله كل اجتهاد. وقد أخطأ في تأويل بعض الرؤى صحابة رسول الله ﷺ ، فأوْلى أن يخطئ غيرهم ويهم. ومن ذلك أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، وقال: إني رأيت رؤيا. ثم قصّها عليه في حديث طويل، فقال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت، لتدعني فأعبرها. فأذن له، فعبرها، ثم قال: فأخبرني يا رسول الله! أصبتُ أم أخطأت؟ فقال ﷺ : «أصبتَ بعضاً، وأخطأت بعضاً» . وقد وجدنا شيئاً من تأويل المعبِّرين اليوم تخالف سنناً ربانية لم تخرمها قرون متطاولة، أفيخرمها حلم حالم؟ وقد تسامع الناس في هذه الأيام برؤى عُبرت بنصر من الله وفتح قريب يقع في فلسطين محدد باليوم والشهر في مدة قريبة جداً! ! وإننا لنوقن أن ذلك ليس على الله بعزيز، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض. ولكن أين نحن من سنن الله التي ذكّرنا بها، وأمرنا أن نتدبرها؟ ! أين نحن من قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) ، وهذه سنة جارية في الخير والشر جميعاً. وأين نحن من قوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) مع قوله [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) ؟ ! ولسنا في شك من أن الله سينصر دينه ويُعلي كلمته، ولكن هل نحن بواقعنا اليوم أهل لاستحقاق هذا النصر والتمكين؟ وهل تحديد يوم النصر ذلك بيوم بعينه هو مما تحتمله تلك الرؤى بصورها ومدلولاتها؟ ألا فلنربأ بأنفسنا وعقولنا عن هذا الإسفاف والاستخفاف، والقصدَ القصدَ في الاشتغال بالرؤى والانسياق لتأويل المعبرين؛ فإنه ليس يجدينا الآن الفزع إلى المنامات والأحلام، ومحاولة تنزيلها على الواقع. إنما الذي يجدينا تلك الحلول الواقعية العملية التي تأخذ سنن الله الثابتة وتستهدي بنورها، والتوجه إلى الإيجابيات من الأعمال التي تستفرغ التفكير والجهد؛ وإن ذلك لجدير أن يطرد عنا هذا الوهم والانخداع.

стр. 4212

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون مناهجنا.. آخر الحصون أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟) [١] ، وفي رواية للترمذي والبيهقي ( ... أو يشركانه..) والحديث يشير إلى دور التنشئة الاجتماعية التي يقوم بها الأبوان لإحداث تحولات جذرية في عقيدة النشء الجديد وإيمائه، تلك التحولات التي تحدث عن طريق الفعل المقصود الذي قد يصل إلى مرحلة القسر غير المحسوس (يهودانه) و (ينصرانه) و (يمجسانه) و (يشركانه) .. وإذا كان الأبوان في الماضي هما اللذان يقومان بالدور الأكبر في إحداث هذه التحولات فإن طبيعة المجتمعات المعاصرة جعلت لهما شركاء في إحداث هذه التحولات، تتمثل في المدرسة ووسائل الإعلام والمنتديات والبيئة الاجتماعية ... ولكن يبقى الأبوان دائمًا هما المسؤولان الأساسيان عن هذه التحولات، إذ إنهما هما اللذان يوجهان وليدهما أو يدفعانه أو يلقيان به إلى هذه (البدائل الأبوية) الجديدة لتعيد تشكيل عقله وصياغة عاطفته وقلبه. وقد فطن أعداؤنا إلى أهمية هذه (البدائل الأبوية) فاعتنوا بها وركزوا عليها ففتحوا في بادئ الأمر مدارس الإرساليات التبشيرية (التنصيرية) واستقطبوا فيها أبناء الطبقات المؤثرة في المجتمع، ثم عملوا على شطر نظم التعليم إلى شقين: تعليم ديني وتعليم أسموه تعليمًا مدنيًا، مع احتواء الأخير على بعض المناهج الشريعة، ثم علموا بعد ذلك على إضعاف هذه المناهج الشرعية في هذا التعليم المدني بعدة طرق، منها: طريقة وضع المنهج، وطريقة تدريسه، وموقع حصصه في اليوم الدراسي، ومنها: الحط من مدرسية وإهمالهم، ثم عملوا بعد ذلك على تخفيض عدد ساعات هذه المناهج، وفي مرحلة لاحقة عمدوا إلى تعديل هذه المناهج بما يتوافق مع الاتجاهات العلمانية والعولمية. أما التعليم الديني فلم يسلم هو الآخر من أذاهم، فباسم التطوير أدخلوا فيه مناهج لبعض المواد غير الشرعية، لا لتوسيع أفق الطالب ولكن لمزاحمة مناهج المواد الشرعية، وبعد ذلك طالبوا - تخفيفًا على الطالب - تخفيض حجم المواد الشرعية. وفي حقبة ما بعد ١١ سبتمبر ازدادت الهجمة شراسة ووضوحًا وصراحة على المناهج الشرعية في التعليم الديني وغيره بدعوى أن هذه المناهج هي المسؤولة عن تفريخ الإرهاب بزعمهم، بل طالت هذه الهجمة الإسلام نفسه ومصادره الأصلية كما صرح بذلك بعض المسؤولين الغربيين، ووضعوا الخطط للتدخل في هذا التعليم كما يظهر في عدة بلدان وتعد باكستان واليمن أبرز نموذجين لذلك. فما هي جذر هذه الهجمة، وما هو واقعها؟ وما حقيقة العلاقة بين التعليم الديني والإرهاب؟ وما أثر تغيير هذه المناهج على حياتنا وحياة أبنائنا، وفي المقابل: ما هو موقع التعليم الديني وحجمه عند الطرف (الآخر) ؟ كل ذلك وغيره نحاول الإجابة عنه في هذا الملف الذي نرجو أن يكون إسهامًا في توضيح هذه القضية المهمة.

стр. 4213

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون حاجتنا إلى منهاج إسلامية د. سعد الشدوخي [*] التربية عملية شاملة يتم بها الانتقال بالفرد أو المجتمع من الواقع الذي هو عليه إلى المثل الأعلى الذي ينبغي أن يكون عليه، وهي وفق هذه الرؤية عملية تغيير مستمرة تتكامل مؤسسات تربوية اجتماعية كثيرة في تحقيقها؛ فالأسرة والمدرسة والمسجد ونحوها تشترك في وظائف تربوية كثيرة، وقد يتميز بعضها عن بعض في أدائها لبعض وظائفها التربوية، كما قد يستقل بعضها بأداء وظائف لا يشاركه فيها مؤسسات أخرى. وهذه المؤسسات التربوية تتكامل أيضاً مع مؤسسات اجتماعية أخرى غير معنية بالتربية كالمؤسسات الإعلامية والثقافية؛ وأدنى درجات التكامل الذي تتوقعه المؤسسات التربوية من المؤسسات الاجتماعية الأخرى هو عدم المناقضة أو الإعاقة: أي أن لا تعوق تلك المؤسسات الاجتماعية المؤسسات التربوية في أداء وظائفها. والمدرسة واحدة من أكثر المؤسسات التربوية أهمية، وهي تضطلع بوظائف تربوية كثيرة منها ما هو اجتماعي ثقافي ميدان التغيير فيه هو المجتمع، ومنها ما هو تربوي نفسي ميدان التغيير فيه هو الفرد المتلقي للتربية. والمنهج هو وسيلة المدرسة لتحقيق أهدافها ووظائفها التربوية وكثير من وظائفها الاجتماعية، ويعرّف المنهج بأنه «مجموع الخبرات والنشاطات التي تقدمها المدرسة تحت إشرافها للتلاميذ بقصد احتكاكهم بها وتفاعلهم معها، ومن نتائج هذا الاحتكاك والتفاعل يحدث تعلّم أو تعديل في سلوكهم، ويؤدي هذا إلى تحقيق النمو الشامل المتكامل الذي هو الهدف الأسمى للتربية» وهو بهذا التعريف لا يقتصر على الكتاب المدرسي وإنما يمتد ليشمل عناصر كثيرة منها الخطة الدراسية، وطرق التدريس، والمواقف التعليمية والتربوية، والنشاطات الصفية وغير الصفية، وكثير من عناصر البيئة المدرسية. أسس بناء المنهج: إن عملية بناء المنهج حينما تتم على أسس علمية تربوية عملية معقدة نوعاً ما بحيث تتضمن عمليات فرعية دقيقة ومتداخلة في أحيان كثيرة، تضع في الحسبان المجتمع وقيمه ومعتقداته وتطلعاته ومشكلاته والتحديات التي تواجهه من جهة، والتلميذ وخصائص مرحلة نموه ولغته وطرائق تفكيره واحتياجاته ومشكلاته وتوقعات مجتمعه منه من جهة ثانية، والمعرفة وطبيعتها وخصائصها من جهة ثالثة حتى يصير المنهج نسيجاً متكاملاً محكم الحياكة وليس مجرد خيوط مهلهلة. ومن أكثر مدخلات هذه العملية أهمية تحديد الأسس التي يبنى عليها المنهج. ويتفق كثير من التربويين على تصنيف هذه الأسس بالنظر إلى مجالاتها في أربعة أنواع: الأسس العقدية، الأسس المعرفية، الأسس الاجتماعية، الأسس النفسية. الأسس العقدية: أشرت في بداية هذه المقالة إلى أن التربية عملية تغيير يتحقق بها الانتقال بالفرد والمجتمع من الواقع الذي هو عليه إلى المثل الأعلى الذي ينبغي أن يكون عليه، وهذا الوصف للتربية وإن كان يصدق على جميع التربيات سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية إنما تتحدد فيه هوية التربية بتحديد تصورها للمثل الأعلى الذي ينبغي أن يصار إليه سواء في تربية الفرد أم في تربية المجتمع. ولكل أمة من الأمم رؤيتها الخاصة بها للإنسان الأمثل، ولذا فإن من نافلة القول أن المثل الأعلى للإنسان في المجتمعات الاشتراكية مثلاً مغاير للمثل الأعلى للإنسان في المجتمعات الرأسمالية، والمثل الأعلى للإنسان في الإسلام يختلف عنه في كل من اليهودية والنصرانية. والتصور عن الإنسان في وضعه الأمثل (فرداً أو مجتمعاً) لا يمكن فصله عن التصور عن الكون والوجود والحياة. إن التصور عن هذه القضايا الكلية الكبرى يشكل جزءا من الأسس العقدية التي يبنى عليها المنهج، وتتحدد على أساسها مع بقية الأسس الأخرى أهدافه ووسائله ومحتواه؛ وعلى هذا الاعتبار فإنه لا يمكن أن يُتصور منهجٌ تربوي لأمة من الأمم دون أن يكون مبنياً على معتقداتها وتصوراتها عن الوجود والكون والإنسان والحياة، ومن ثم فإنه لا يمكن أيضاً أن يُتصور إمكان استعارة أمة من الأمم مناهج تعليمية من أمة أخرى أو أن تبني أمة مناهجها أو تطورها وفق مواصفات تحددها أمة أخرى. ولا يتسع المقام هنا للحديث المفصل عن الأسس العقدية للمنهج في المجتمعات المسلمة، ولكن أقتصر على الإشارة إلى بعض منها: الإنسان في وضعه الأمثل هو الإنسان الذي تحققت فيه غاية وجوده، وهي تحقيق العبودية لله . يقول الله سبحانه: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) ، وعلى هذا الأساس تتحدد رسالة التربية في المجتمع المسلم بأنها العمل على مساعدة الإنسان على إدراك غاية وجوده ومن ثم تحقيقها، وفي هذا الإطار تفعّل التربية في الإنسان خصائصه الفكرية والوجدانية والحركية على نحو يجعله قادراً على التفاعل مع الأشياء والأحياء بما يحقق هذه الغاية، ويجعله منتجاً في عمارة الأرض وفق منهج الله. وكل هذا يقتضي إثراء المنهج بالمعارف والخبرات التي من شأنها أن تعرّف الطالب بغاية وجوده، وتنمي فيه الاتجاه لتحقيقها. - الله خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه، وهو وحده المستحق للعبادة؛ وبناء المنهج على هذا الأساس يقتضي في جملة أمور أخرى تعريف الطالب بربه وحق ربه على نحو يجعله يدرك استحقاقه سبحانه للعبادة دون سواه، ويجعله يعبد الله مخلصاً له الدين. - أن محمداً رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين يطاع فيما أمر، ويصدَّق فيما أخبر، ويُنتهى عما نهى عنه، وقد وصفه الله بأنه لا ينطق عن الهوى. - أن الكون خلق لله، وأنه ليس إلهٌ ولا أي من أجزائه كذلك، كما أنه ليس عبداً للإنسان، وأن العلاقة بينه وبين الإنسان إنما هي علاقة تسخير؛ حيث سخّر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض؛ يقول تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (الجاثية: ١٣) ، وأن الإنسان مستخلف في الأرض ليعمرها وفق منهج الله، وأن الله يسيّر هذا الكون وفق سنن ونواميس سنّها لتستقيم بها حياة الإنسان على هذه الأرض، وهي مظاهر من مظاهر التسخير لكنها ليست حدوداً لقدرة الله. وهذه السنن والنواميس الكونية يمكن أن تكون مجالاً للبحث والدراسة وكلما تمكّن الإنسان من اكتشاف المزيد منها أمكنه توسيع دائرة استفادته من التسخير على نحو يسهّل عليه أمر معاشه ويعينه في تحقيق عبوديته لله وعمارته للأرض وفق منهج الله. - أن الحياة ميدان للابتلاء؛ يقول الله تعالى: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ] (الملك: ١-٢) ، وجعل من طبيعة الحياة أنها مليئة بعناصر الابتلاء بالخير والشر، وجعل الأصل في الإنسان الخيرية. يقول الله سبحانه: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] (التين: ٤) ، وجعله ذا طبيعة مزدوجة فيها استعداد لتمييز الخير والشر، وللاستجابة لنوازع الخير ودواعي الشر؛ يقول الله تعالى: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] (الشمس: ٧-١٠) ، ويتم تفاعل النفس الإنسانية مع عناصر الابتلاء في الحياة من خلال ما ركّب في النفس من دوافع وغرائز فطرية تتأثر بما ركّب في الحياة من عناصر الابتلاء بحيث يمثل عنصر الابتلاء «مثيراً» ، ويمثل السلوك الذي يصدر عن الإنسان في مواجهة عنصر الابتلاء «استجابة» . ومن أمثلة عناصر الابتلاء في الحياة ما زيّنت به من مال وبنين وأزواج ومنازل ومراكب وغبرها؛ يقول الله تعالى: [المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً] (الكهف: ٤٦) . وقد ركّب الله في النفس الإنسانية القابلية لإدراك جانب الزينة (الجمال) في هذه العناصر والقابلية للانجذاب إليها والسعي لتحصيلها؛ وذلك ليتحقق بها الابتلاء، ولو لم تفطر النفس الإنسانية على ذلك لما كان ثمة فرق بين رؤية الفتاة الجميلة اللعوب الطروب وبين رؤية القرد أو الحجارة مثلاً. يقول الله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ] (آل عمران: ١٤) ، وجاء الشرع لينظم للإنسان منهج التعامل مع عناصر الابتلاء متضمناً الاعتراف بالدافع الفطري وتنظيم إشباعه ببيان ما يحل وما يحرم، وتوجيه الإشباع بربطه بغاية وجود الإنسان (عبادة الله) ، وترتيب الجزاء على سلوك الفرد في مواجهة الابتلاء بناء على مدى قرب ذلك السلوك أو بعده من أن يكون مظهراً لتحقيق تلك الغاية. وقد أورد الله في كتابه الكريم نماذج كثيرة لمواقف ابتلاء اختلفت استجابات الذين مروا بها باختلاف نظرتهم إلى الحياة ومدى ارتباط مناشطهم فيها بغاية وجودهم، ولا يتسع المقام هنا لذكر أمثلة لهذه المواقف. الأسس المعرفية: بالنظر إلى أن المعرفة تشكّل جانباً مهماً من محتوى المنهج فإن بناء المنهج أو تطويره يتأثر بالموقف الذي يُنطلق منه فيما يتعلق بالمعرفة من حيث غايتها وطبيعتها وموضوعها ومصادرها وحدودها وعلاقتها بالمنهج وإحلالها فيه ووضع المعرفة في عصر الانفجار المعرفي ووحدات المعرفة ومستوياتها في المنهج. إن من أهم ما يميز «المعرفة» في المنظور الإسلامي مصادرها؛ ففي حين تنحصر المصادر الرئيسة للمعرفة في كثير من الفلسفات في مصدرين رئيسين هما: الحس والعقل، نجد أن المنظور الإسلامي للمعرفة يتفق مع تلك الفلسفات على اعتبار كل من الحس والعقل مصدراً رئيساً من مصادر المعرفة، لكنه يضيف إليهما مصدراً ثالثاً أكثر أهمية وهو (الوحي) المتمثل في القرآن الكريم كلام الله والسنة النبوية الصحيحة، والوحي يستقل بمصدريته للمعرفة في مجال الغيبيات، ويشترك مع كل واحد من المصدرين الآخرَيْن في مجاله ويهيمن عليه فيه. وما جاء عن طريق الوحي مما ينتمي في موضوعه إلى أي من المجالين فهو ضابط للمعرفة في ذلك المجال. والمعرفة في الإسلام لا تنفصل عن التصور الإسلامي للكون والوجود والحياة والإنسان، وإنما تستند إليه وترتكز عليه، ومن ثم فهي مبنية على مسلَّمات عقديه من أهمها: - أن الله خالق كل شيء وإرادته ماضية في خلقه، وأنه ذو العلم المطلق، وأن القرآن الكريم كلام الله، وأن محمداً رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن قوانين السببية جزء من النواميس الكونية التي سنها الله لتستقيم بها حياة الإنسان، وهي جزء من إرادة الله وتقديره وليست حداً لها؛ يقول تعالى: [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] (يس: ٨٢) . كما يمتاز المنظور الإسلامي للمعرفة بتفسيره لغاية المعرفة؛ إذ إن غاية المعرفة في التصور الإسلامي معرفة الله، ومعرفة حق الله، ومعرفة كيفية أداء ذلك الحق وأداؤه فعلاً؛ ويتضح هذا عند التأمل في سياق ذكر الحقائق الكونية أو النفسية أو التاريخية أو غيرها في القرآن الكريم. إن تلك الحقائق لا ترد في القرآن لمجرد العلم والمعرفة، وإنما ترد في سياق التعريف بالله وبحق الله. انظر مثلاً في مثل هذه الآيات المتضمنة لحقائق كونيه غايتها التعريف بالله وبحق الله: [وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَباًّ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] (يس: ٣٣-٤٠) . وانظر مثلاً في مثل هذه الآيات المتضمنة لحقائق تاريخية وردت في سياق التعريف بالله وبحق الله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً] (الأحزاب: ٩- ١٧) . ثم إن معرفة الله ومعرفة حقه ومعرفة كيفية أداء ذلك الحق لا تكفي وحدها، بل لا بد من أداء حق الله فعلاً؛ ولذلك عاب الله على الذين يعلمون ولا يعملون؛ فقال تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (الجمعة: ٥) كما بيّن رسول الله ﷺ أن من أوائل من تسعّر بهم النار يوم القيامة: « ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيهكِ القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم ليقال عالم، وقرأتَ القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمربه فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» [١] . ولا يُفهم من قولنا إن غاية المعرفة في التصور الإسلامي هي معرفة الله ومعرفة حق الله ومعرفة كيفية أداء ذلك الحق وأداؤه فعلاً أن هذا يقتضي قصرها على ما يسمى بالمعرفة الدينية أو على علوم الشريعة، بل هي أعم من ذلك وأشمل؛ وذلك بالنظر إلى أن عمارة الأرض وفق منهج الله داخلة في عموم حق الله، وعمارة الأرض هذه تتطلب العلم بكل الميادين المشروعة سواء ما كان منها موضوعه الشريعة أو ما كان منها موضوعه الطبيعة؛ ولذا فإن المنظور الإسلامي للمعرفة تتكامل فيه علوم الشريعة وعلوم الطبيعة على أساس أن الوجود الموضوعي للأشياء والأحياء خلق لله والقرآن الكريم كلام الله، ومحمد ﷺ مبلّغ عن الله، وكل خبر من الله عن خلقه جاء في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يخالف حقيقة المخلوق، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن العلم بسنن الله في الأنفس والآفاق وحياة الأمم والمجتمعات يزيد في معرفة الإنسان لله، كما يزيد في قدرة الإنسان على الاستفادة من التسخير ومن ثم عمارة الأرض وفق منهج الله. الأسس الاجتماعية: بالنظر إلى كون المدرسة مؤسسة اجتماعية وتتولى تربية أفراد ينتمون إلى مجتمع يرتبط مستقبله بمستقبلهم، ويتطلع إليهم من حيث هم حملة هويته وعدّته في مواجهة التحديات المحيطة به وحل مشكلاته، كانت الأسس الاجتماعية من أهم الأسس التي يبنى عليها المنهج. ويقصد بالأسس الاجتماعية المقومات والقضايا ذات العلاقة بالمجتمع الذي يعيش فيه الطلاب التي يجب على مخططي المنهج أو مطوريه أن يأخذوها بالحسبان. وفي هذا الإطار لا بد أن يراعى في بناء المنهج ما يلي: - ثقافة المجتمع: لكل مجتمع ثقافته التي يتميز بها عن غيره، ومن خصائص الثقافة أنها متجددة، وتختلف المجتمعات في درجات الثبات والتغير في ثقافاتها، وثقافة المجتمع المسلم شأنها شأن غيرها من الثقافات فيها عناصر ثابتة وعناصر متغيرة، والعناصر الثابتة هي القيم والمقومات التي تشكل هوية المجتمع، ومن ثم تضطلع المدرسة بالتكامل مع مؤسسات اجتماعية أخرى بوظيفة الحفاظ على ثقافة المجتمع ونقلها إلى الأجيال الجديدة، ويتم ذلك من خلال المنهج الدراسي حيث يجب أن يعنى بتأصيلها أي بربطها بأصولها التي تنامت منها، وبتسهيلها وتيسيرها حتى يفهم الطالب عناصرها ويتشربها وينصبغ بصبغتها ويعتز بحمله لها وانتمائه إليها. أما المتغيرات فهي تلك العناصر ذات العلاقة بمظاهر الحياة التي تتشكل بالقيم والمقومات؛ فهي أشكال تدور حول القيم والمقومات وتنضبط بها. وتسهم عوامل كثيرة في حركة هذه المتغيرات كالاحتكاك الثقافي والتقدم العلمي وغيرهما. وفي إطار مهمة المدرسة في الحفاظ على ثقافة المجتمع وتجديدها يجب أن يعنى المنهج بهذه المتغيرات؛ وذلك بتقويمها على أساس من الثوابت؛ وأي متغير يحقق مصلحة ولا يعود على ثابت بضرر فإنه يمكن للمنهج أن يسهل اندماجه في ثقافة المجتمع. وعلى العكس فإن المتغيرات التي لا تحقق مصلحة أو تعود على الثوابت بالضرر يتوقع من المنهج أن يبصّر الطلاب بجوانب عوارها، وأن يكسب الطلاب المعايير، وينمي لديهم القدرات ومهارات التفكير التي بها يستطيعون أن يواصلوا مهمة التقويم بأنفسهم في ميادين الحياة الاجتماعية الواسعة. ولبناء المنهج على ثقافة المجتمع وعنايته بها سواء في تأصيل ثوابتها أو تقويم متغيراتها أهمية كبيرة في تنمية الشعور بالانتماء الاجتماعي والثقافي عند الطلاب، والاعتزاز بالهوية، ومن ثم تنمية الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند الطالب، كما أن لعناية المنهج بتأصيل الثوابت الثقافية وإكساب الطالب معايير التقويم الثقافي أهمية كبيرة في تحقيق التجانس الاجتماعي الذي يعدّ شرطاً للأمن الداخلي للمجتمع؛ إذ إن هناك علاقة طردية بين التجانس الاجتماعي والأمن الداخلي للمجتمع. - التحديات الثقافية والحضارية: تواجه المجتمعات المسلمة في هذا العصر تحديات حضارية وثقافية كثيرة، ومن أكثرها أهمية التحديات ذات العلاقة بالعولمة وأدواتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية والمعلوماتية، وحينما تراعى الأسس الاجتماعية في بناء المنهج أو تطويره فإن الطالب يُعدّ ليكون جزءاً من مشروع الأمة لمواجهة هذه التحديات. - المشكلات الاجتماعية: لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات من وجود مشكلات اجتماعية يعاني منها، وتختلف هذه المشكلات من مجتمع إلى آخر، والمجتمعات الإسلامية ليست استثناء وإنما لديها مشكلاتها التي يتوقع من المنهج أن يسهم في تربية أبنائها ليكونوا جزءاً من حلولها. وتعاني كثير من المجتمعات الإسلامية من مشكلات مثل ارتفاع معدلات البطالة ومعدلات الطلاق ومعدلات حوادث المرور، وتفشي المخدرات وانخفاض معدلات الإنتاج وغيرها؛ وبناء المنهج على الأسس الاجتماعية يقتضي أخذ مشكلات المجتمع بالحسبان. ونختم حديثنا حول الأسس الاجتماعية للمنهج وأهمية أخذها بالحسبان عند بناء المنهج أو تطويره بالتأكيد على أن لكل مجتمع هويته التي تميزه عن غيره من المجتمعات، كما أن لكل مجتمع ظروفه ومشكلاته وتطلعاته والتحديات التي تواجهه وطريقته في المواجهة، وكل هذه الأمور تُعدّ من الخصوصيات الاجتماعية التي ينفرد بها المجتمع عمّا سواه، ومن ثمّ تقتضي بناء مناهجه التعليمية والتربوية على ما يعزز هويته ويُعدّ أبناءه وبناته ليكونوا عُدّته في بناء مستقبله على نحو يحقق التوازن بين ثبات مقوماته وتغيّر أدواته، وأي إخلال بهذا التوازن أو تجاهل له يُنتج مجتمعاً مأزوماً تتوالد مشكلاته حتى تقعد به ليس فقط عن أن يكون له موقع صدارة بين الأمم وإنما عن أن يكون جديراً بأي احترام. الأسس النفسية: إن كل ما سبق أن ذكرناه في سياق حديثنا عن الأسس السابقة إنما ينبغي أن يتجلى أثر العناية به في سلوك الطالب وفكره ووجدانه من حيث هو مُنتَجٌ للعملية التعليمية والتربوية، وقد سبقت الإشارة في بداية المقالة إلى أن التربية عملية تغيير ميدانها الإنسان، ومن ثم فإن تحقيق التغيير في الإنسان يتوقف على مدى فهم المربين له وإدراكهم لمراحل نموه ومجالات ذلك النمو وسماته وخصائص كل مرحلة نمائية، وإدراكهم لعملية التعلم ذاتها وكيف تتحقق، وإدراكهم لاحتياجات المتعلمين ومشكلاتهم وسبل تحقيق ذواتهم، ونحو ذلك من المعلومات التي تمثل معطيات يقدمها علم النفس للتربية وتشكل أسساً نفسية ينبغي لمعدي المنهج ومطوريه أخذها بالحسبان عند تنظيم محتوى المنهج وبيئة التعلم وتصميم المواقف التعليمية والتربوية سواء في الكتاب المدرسي وبقية المواد التعليمية أو في مكان التعلم أو زمانه. إن المعرفة المضمّنة في المنهج المدرسي ليست مقصودة بذاتها، وإنما المقصود تنمية شخصية الطالب بها وبالسياق النفسي والاجتماعي الذي تقدّم من خلاله، وبالخبرات التي يهيئها المنهج، وذلك كله ينبغي أن يتتوّج بتحقيق النمو السليم للطالب في جميع مجالات النمو حسب طبيعة المرحلة النمائية التي يمر بها الطالب وخصائصها. إن كل ما سبق ينبغي توظيفه في إحكام حياكة المنهج على نحو يمكن أن يتجسد مُخرَجُه في سمات الطالب من حيث انتماؤه إلى دينه واعتزازه بهوية مجتمعه وتمكنه من مهارات التفكير بأنماطه المختلفة بما يتناسب مع سنه وميوله واستعداده، وتمكنه من مهارات الاتصال الاجتماعي والثقافي وتمكنه من مهارات التعلم الذاتي، وشعوره بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، وتقديره للعمل والإنتاج والتزامه بقيمه وإدراكه لأهمية الوقت وحفاظه عليه وحسن استثماره له.

стр. 4214

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون هل لمناهجنا صلة بالتطرف والإرهاب ؟ محمد بن عبد الله الدويش [*] أفرزت أحداث أمريكا الأخيرة توجهاً غربياً وأمريكياً بدرجة أولى نحو مواجهة الإرهاب، وقد اتسعت دائرة التعامل مع ظاهرة الإرهاب رغبة في اجتثاث مصادره، وكان من الطبيعي أن تلتفت الأنظار إلى مناهج التعليم بحثاً عن مسؤوليتها في تفريخ الإرهاب. وشنت الدوائر الرسمية ووسائل الإعلام في الغرب حرباً ضروساً على مناهج التعليم في العالم الإسلامي متهمة إياها بأنها المسؤول الأول عن ظاهرة الإرهاب. وتبع هذه الحملة وسار وراءها طائفة من المستغربين من بني جلدتنا، وكثر الحديث حول ذلك في الصحف والفضائيات وشبكة الإنترنت. ومع وجود مشاركات من عديد من الغيورين إلا أنها لا تتناسب مع حجم هذه الحملة الشرسة. ومن ثم كان لزاماً على من لهم مشاركة في الدعوة إلى الله أن يسهموا في الحديث عن هذه الظاهرة، ويزداد الأمر تأكيداً في حق المتخصصين في هذا الميدان. محاور الهجمة: ركزت محاور هذه الهجمة على محورين أساسين: المحور الأول: المدارس والمعاهد الشرعية: وقد جاء على رأس هذه القائمة المدارس الإسلامية في باكستان، باعتبارها المصدر الذي خرجت منه طالبان. وبناء على ذلك قدمت الحكومة الأمريكية دعماً لباكستان مقداره ١٠٠ مليون دولار لبناء بنك معلومات عن طلاب المدارس القرآنية يهدف لتأمين معلومات أساسية عن كل طالب ومدرس في هذه المدارس. وسيكون من أهداف هذه البرنامج أيضاً الرقابة على منشورات هذه المدارس ودور النشر التابعة لها. هذا المبلغ سيستخدم أيضاً في إيجاد برامج دراسية جديدة في هذه المدارس التي لم تكن تدرس سابقاً سوى القرآن، وسيكون على المدرسين أن يوافقوا على الخضوع لدورات تدريبية لمتابعة البرامج الجديدة؛ في حين سيفقد المعارضون منهم وظائفهم. المحور الثاني: المقررات الشرعية: لم يقف الأمر عند حدود المدارس والمعاهد الشرعية؛ بل تجاوز ذلك إلى المقررات الشرعية التي يدرسها طلاب التعليم العام؛ على أساس أن الكمَّ الذي يدرسه الطالب من العلوم الشرعية كما يرى أهل الهجمة يفوق احتياجاته، ويسهم في تغذية روح التدين؛ كما أن محتوى هذه المناهج يحوي ما يغذي التطرف والإرهاب. الحملة ليست جديدة: إن الحملة على المناهج وتوجيه أصابع الاتهام إليها ليست وليدة هذه الأحداث وتزايُدُ حدتها هذه الأيام إنما هو لحرارة الحدث وضخامته. ومن أبرز مواقف الحديث عن المناهج: ١ - الصراع العربي الإسرائيلي: ارتبط الحديث عن ضرورة تغيير المناهج بالصراع العربي الإسرائيلي ارتباطاً وثيقاً، وفي جميع مشروعات السلام كان اليهود يطالبون بمراجعة المناهج وإزالة كل ما يؤدي لغرس الكراهية فيهم، ويعكر على مسيرة السلام والمصالحة. وفيما يلي نماذج من محاولات تغيير المناهج المرتبطة بمسيرة السلام: أ - السلام المصري الإسرئيلي: عقدت ندوة في جامعة تل أبيب عنوانها: (دراسة تأثير القرآن الكريم في عرقلة التطبيع مع إسرائيل) وشارك فيها مصطفى خليل رئيس وزراء السادات السابق، وبطرس غالي. ثم طالب بيجن بإغلاق دور القرآن الكريم في مصر وتأميم المساجد. وقد تم من ذلك الكثير على المستوى العملي؛ فجرى حذف بعض آيات القرآن الكريم من المناهج التي يدرسها الطلاب كما سيأتي بيانه. ب - السلام الفلسطيني الإسرائيلي: تتهم الدوائر الإسرائيلية الفلسطينيين بأنهم غير جادين في السلام، ومن منطلقات هذه الاتهامات المناهج الدراسية. وقد أفادت دارسة أنجزتها منظمة أميركية غير حكومية نشرت يوم الاربعاء ٢١ /١١ /٢٠٠١م أن البرامج الدراسية الجديدة التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة «لا تدرس مبادئ السلام والمصالحة مع إسرائيل» . واعتبر نائب مدير الفرع الإسرائيلي لهذه المنظمة يوهانان مانور أن «النصوص الجديدة لا تدرس مبادئ السلام والمصالحة مع إسرائيل حتى إنها ترفض وجودها؛ » مضيفاً «أن المنحى التعليمي للسلطة الفلسطينية ليس متطابقاً مع المبادئ التي حددتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) » . وأعربت الدراسة عن الأسف؛ لأن اللغة العبرية لا تعتبر من اللغات المستخدمة في البلاد، وأن توصف إسرائيل بالدولة «المغتصبة» و «المحتلة» منذ قيامها سنة ١٩٤٨م، وأنها لا تظهر على أي خارطة. وشددت الدراسة على «أنه لم يشر إلى أي من الأماكن المقدسة اليهودية، وأن القدس تظهر وكأنها ملك للفلسطينيين وحدهم، وأن الكفاح من أجل تحرير فلسطين موضوع عسكري محض» . وأكدت أيضاً على أن الكتب الدراسية «تقدس الشهيد والجهاد» مع أنها «لا تعرب مباشرة عن دعمها للإرهاب» [١] . ٢ - أعمال العنف في الدول العربية: أدى انتشار أعمال العنف في بعض الدول العربية إلى المطالبة بمراجعة مناهج التعليم، وقد أجريت دراسات عدة وعقدت ندوات ومؤتمرات للبحث عن مدى صلة مناهج التعليم بالإرهاب. ونادى عدد من التربويين إلى تنقية المناهج من كل ما يغذي الإرهاب ويزيد جذوته، بل قطعت خطوات عملية في ذلك؛ ففي الجزائر أصدر وزير التربية قراراً بحذف التعاليم والأذكار التي تلازم عملية غسل الميت، وآيات وأحاديث الترهيب بعذاب القبر وفقه الجهاد. كما استبدلت الرسومات والصور التي كانت تظهر الطفل الذي يتوضأ أو يؤدي الصلاة مرتدياً العباءة أو القميص الإسلامي بصورة أخرى تظهره بسروال جينز [٢] . ٣ - الأقليات المسلمة: تعاني كثير من الأقليات المسلمة من مضايقات وانتهاك لحقوقها في التعليم، وتفرض كثير من الحكومات قيوداً صارمة على التعليم شعوراً منهم بمخاطره. وقد «شددت السلطات الصينية الرقابة على التعليم الإسلامي في إقليم سينغيانغ ذي الأغلبية المسلمة. وتقول السلطات إنها تعمل على إصلاح وتوحيد الفصول الدراسية لتأهيل الأئمة المحليين» [٣] . ٤ - الحكومات العلمانية في العالم الإسلامي: شنت بعض الحكومات العلمانية في العالم الإسلامي هجوماً على التعليم الشرعي. نماذج من التطرف المزعوم في المناهج: حين نعود إلى ما يقوله من يصم المناهج بالإرهاب نرى أن من صور الإرهاب والتحريض عليه ما يأتي: ١ - تكفير غير المسلمين. ٢ - الولاء والبراء. يقول أحدهم متحدثاً عما يدرجه ضمن قائمة الإرهاب: «من الواجب على المسلم أن يكون مخلصاً للآخر المسلم وأن يعتبر الكفار أعداء له» «ويركز المتدينون جل اهتمامهم على الأمور الاجتماعية عن طريق توزيع مطويات وكتيبات في صالات التسوق؛ وفي إحدى تلك المطويات كتب:» إن قضاء الإجازة في الغرب ذنب. كما انتقد آخر تهنئة غير المسلمين بأعيادهم. ونفس هذه الدروس يتردد صداها في حوالي عشرين صفحة من الكتاب المدرسي المقرر على المرحلة الثانوية تحت موضوع الولاء والبراء. ويقول الكتاب الدراسي: إن تجاهل الطقوس والأعياد الخاصة بالكفار وإظهار العداوة لهم أحد المتطلبات الأساسية لكره الكفار. ثم ينتهي هذا الجزء بتوصية الشباب السعودي بعدم تقليد الغرب في لباسهم وأكلهم وشربهم « [٤] . ٣ - الجهاد في سبيل الله: يقول أحدهم» فقه الموت هو الذي ما زال يدرسه أبناؤنا في مدارس العالم الإسلامي وجامعاته باستثناء تركيا وتونس «؛» لأن برامج التعليم العتيق غسلت أدمغتهم ولقنتهم منذ نعومة أظفارهم فقه الحروب الصليبية القائل: الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا غزت الحربُ دارَ الإسلام سواء كانت ظالمة أو مظلومة « [٥] . ٤ - أحكام الزواج والأسرة: تقول إحدى الكاتبات في النيويورك تايمز:» هل تتصور أن المرأة في السعودية ليس من حقها أن تتزوج على زوجها؛ في الوقت الذي يتزوج الزوج عليها؟ «» هل تتصور أن الرجل في السعودية يطلق امرأته؛ بينما المرأة لا تستطيع أن تطلق زوجها؟ «» هل تتصورون أن الرجل في السعودية يتزوج من كتابية، ولكن المرأة السعودية لا تستطيع أن تتزوج من كتابي؟ «، وتطالب السيدة الأولى في أمريكا أن تتدخل لدى الدول العربية والإسلامية لإنصاف المرأة كما تدخلت لإنصاف المرأة الأفغانية. ٥ - الحجاب: وارتداء الحجاب أو الدعوة إليه مظهر من مظاهر التطرف والإرهاب. يقول أحد الباحثين:» في مقرر اللغة العربية لطلاب الفرقة الثالثة الإعدادية وفي مادة النصوص، طبعة عام ٩١/١٩٩٢م، قصيدة بعنوان: (يا بنيتي) للشاعر علي الجارم، وهذه القصيدة مكرسة كلها إلى تمجيد الحجاب بوصفه فضيلة الفضائل. والسؤال: ما موقف الطالب والطالبة المسيحية الذي يجب عليه أن يحفظ تلك القصيدة. وما موقف الطلاب من غير المحجبات؟ ! أسئلة كثيرة تطرح نفسها وكان يجب أن تكون هذه القصيدة للدراسة وليس للحفظ صوناً لوحدة الوطن « [٦] . وإذا كان وجود فتاة غير محجبة يفرض علينا ألا نثني على الحجاب ونعده فضيلة لاحظ أن الأمر لا زال في دائرة الثناء والحث حتى لا يسيء النظرة تجاهها؛ فكيف نذم التدخين والمجتمع مليء بالمدخنين؟ بل هناك من يمارس الفواحش فلِمَ نذمها ونعيبها؟ ويقول آخر:» خذ إليك هذا المظهر أو هذا المثال: عندما تلمح سيدة أو آنسة تغطي وجهها بما يشبه العباءة ولا تترك من نقابها إلا فتحتين صغيرتين كفم العصفور أمام عينيها، من أين جاءت بهذا الزي العجيب؟ « [٧] . ٦ - الثناء على زوجات النبي ﷺ : حتى الحديث في أخبار خير النساء وتعليم الطلاب والطالبات سيرتهن مما يغذي الإرهاب ويذكيه. يقول أحد التربويين:» أيضاً في مقرر اللغة العربية للصف الثاني الإعدادي في مادة النصوص في طبعة عام ٩١/١٩٩٢م موضوع بعنوان: «المرأة العربية» وفي هذا الموضوع تمجيد وتركيز مبالغ فيه على زوجات الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. والسؤال: أليس هناك نماذج أخرى من تاريخنا الممتد عبر الآلاف من السنين سواء في الحقبة الفرعونية أو الحقبة القبطية تحدث توازناً ما بين تلك النماذج المقدمة في فترة معينة؟ « [٨] . ٧ - آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ : لا يقف الاعتراض على المغالطة بأن هذا فهم بشري لنصوص القرآن والسنة بل يمتد للنصوص نفسها فيطالَبُ بحذف ما لا يروق لأهوائهم مما يدرسه الطلاب. قال بيجن لوزير التربية المصري:» كيف تريد أن أصدق أن هناك نية عندك للتطبيع وطلاب مصر ما زالوا يقرؤون الآية التي تقول: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ] (المائدة: ٧٨) . ويقول محمد طبل (خبير بوزارة التربية المصرية) عن دليل لمنهج الدين للتعليم الأساسي أرسل له من قبل مركز التطوير (الذي كان يشرف عليه خبراء أمريكان) : «وعندما تصفحت الموضوعات موضوعاً موضوعاً وجدت أنها لا توضح حقيقة الإسلام، كما وجدتها قد حذفت منها كل الآيات والوقائع التاريخية عن اليهود والغرب» [٩] . وحين اعترض علي إسماعيل على باحثة أمريكية في لجنة تطوير المناهج في مصر دعت إلى حذف آيات قرآنية وأحاديث وأحداث تاريخية فوجئ باستبعاده من لجنة تطوير التربية الدينية [١٠] . ومما تم حذفه في بعض المناهج الدراسية قوله تعالى: [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ] (النور: ٣١) ، وقوله: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] (المجادلة: ٢٢) ، وحديث: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» [١١] . ٨ - أحداث السيرة: بعض أحداث السيرة تدرج عند هؤلاء ضمن الأعمال الإرهابية؛ ومن ثم فهم بين أحد خيارين: إما وصم الرسول ﷺ بأنه يمارس الإرهاب، أو الطعن فيما ثبت منه. يقول أحدهم معلقاً على ما رود من أحاديث اغتيال كعب بن الأشرف وغيره من رؤوس الكفر: «ومع أننا ضد الدعوى التي بدأت تظهر وتشيع زاعمة أن التاريخ الإسلامي كله قد زيف وحرف، إلا أننا نعتقد أنه يتعين على كل مسلم أن يترفع بالنبي ﷺ عن الموافقة على هذه الواقعات، بل والأمر بها صراحة أو ضمناً، كما أنه ينبغي على كل إنسان أن يطهر تاريخ الدين من مثل هذه الواقعات مهما قيل عن دوافعها وأسبابها، ورائدنا في ذلك طبيعة النبوة وصفات النبي ﷺ نفسه، وما جاء في القرآن الكريم وما تضمنته كتب التاريخ الإسلامي ذاتها؛ فطبيعة النبوة صفاء وتسامح وعفو ومغفرة، ولم تكن النبوة أبداً وما كانت لتكون غدراً أو غشاً أو خيانة أو اغتيالاً، وتاريخ النبوات كلها شاهد بذلك، وصفات النبي ﷺ تقطع بأنه كان دائم العفو شديد التسامح نافراً من الخيانة بأي صورة من صورها، يقابل خصومه مواجهة ليقارعهم الحجة بالحجة أو يدفع عنهم أذاهم سيفاً بسيف» [١٢] . ولئن لم يتجرأ الكاتب على وصم الرسول ﷺ بالإرهاب واستبدل ذلك بتكذيب النصوص الثابتة في سيرته، فقد تجرأ على علماء الأمة؛ ومن صور تجرئه عليهم قوله عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «وبهذا التشدد الصارم، والاتجاه الإرهابي، والألفاظ المطاطة، والتعبيرات الغامضة والنزعة الانفصالية، وبمعارضة الحكام ومحاربة المجتمعات، استطاع ابن تيمية أن يؤثر تأثيراً بعيد المدى على بعض الحركات والتيارات الإسلامية خلال القرنين الماضيين حتى اليوم. وقد أثر ابن تيمية كذلك على بعض الحركات الإصلاحية التي تثير مشكلة العودة إلى أصول الإسلام لتحقيق تعاليمه واتباع تقاليده وتنفيذ منهجه، بأسلوب عسكري واتجاه حربي، في نزعات انفصالية وممارسات سياسية» [١٣] . وفي أحد كتب المرحلة الإعدادية يوجه للطالب السؤال الآتي: «اذكر قصة الثلاثة المتطرفين الذين نهاهم النبي ﷺ عن التطرف» [١٤] . كما يعد بعضهم مجرد تدريس أحداث السيرة أمراً يغذي الإرهاب، فيقول: «وفي مقرر النصوص والبلاغة والأدب طبعة ٩٠/١٩٩١م مليء بقصائد لشعراء المدح ويمجد الشعر في صدر الإسلام؛ وهو شعر مليء بالروح الانفعالية تجاه العقيدة الإسلامية دون سواها من العقائد الأخرى» [١٥] . ٩ - إنشاء المدارس الدينية: إن مجرد إنشاء مدارس تعنى بتعليم الدين وأحكامه، وتربي الطلاب عليه يعد عاملاً مهماً من عوامل انتشار الإرهاب. وها هو أحد الباحثين يقول: «إن إنشاء مدارس للروابط والهيئات الدينية والخيرية باسم الإسلام أمر غير مطلوب، حيث يتم اختيار الطلاب والمعلمين الذين يقومون بالتدريس على أساس ديني صرف» [١٦] . ومن هنا جاءت الحملة على المدارس والمعاهد الشرعية في باكستان، واليمن، والسعودية، وقبل ذلك كله تركيا. وقد وصف الرئيس اليمني المدارس الدينية قبل هذه الحملة بأنها (الجيل الطاهر، الجيل النظيف، الجيل المخلص. درع حماية الثورة والمبادئ والمنجزات العقدية) [١٧] . ١٠ - أحاديث افتراق الأمة: أطبق عامة علماء أهل السنة والجماعة على الاستشهاد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» ، وجعلوه في مقدمة تصنيفهم في الاعتقاد والفرق، إلا أن هذا الحديث قد لا يروق لبعضهم. يقول أحد عمداء الكليات الشرعية مستشهداً على تضمن المناهج ما يدعو إلى التطرف والإرهاب: «في العقيدة مثلاً هناك تركيز على مسألة الفرقة الناجية، فيجري التركيز على أن الأمة تختلف على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية، والفرق الأخرى كلها في النار، والطالب عندما يدرس هذا الشيء يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة والصواب المطلق، وأن الآخرين كلهم على ضلال وجهل، فينشأ على ذلك» [١٨] . ١١ - الدين والتدين: وينتهي الأمر إلى الدعوة إلى الإلحاد والخروج من الدين؛ فها هي منظمة الإسلام والغرب (وهي منظمة عالمية يرأسها اللورد كارادون وتتكون من خمسة وثلاثين عضواً عشرة أعضاء منهم من المسلمين، وقد نشأت برعاية اليونسكو وأصدرت دستورها في ٣/١٠/١٩٧٩م وفيه: «إن مؤلفي الكتب المدرسية لا ينبغي لهم أن يصدروا أحكاماً على القيم سواء صراحة أو ضمناً، كما لا يصح أن يقدموا الدين على أنه معيار أو هدف» وفيه «أن المرغوب فيه أن الأديان يجب عرضها ليفهم منها التلميذ ليس خصائصها الأساسية ولكن أيضاً ما تشترك فيه مع غيرها من الأديان» وفيه: «يلزم فحص الكتب الدراسية التي قامت بتقديم الظاهرة الدينية على أن يقوم بذلك علماء من كافة التخصصات وكذلك أعضاء من أصحاب العقائد الأخرى وكذلك اللادينيون» [١٩] . إذاً فهذه هي حقيقة المطالبة، وعلى أولئك الذين يظنون أن الأمر سيتم بمجرد تعديل عدة عبارات من محتوى المنهج تزيل حساسية الآخرين وغضبهم، عليهم أن يدركوا أن الأمر لن ينتهي إلا عند انخلاع الأمة من دينها؛ وقد وصفهم لنا تبارك وتعالى وبين حقيقة موقفهم منها فقال: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . وقال مخاطباً لنبيه ﷺ : [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) . ثغرات في المطالبات بالتغيير: ثمة ثغرات علمية ومنهجية في المطالبة بالتغيير في المناهج لتنقيتها مما يولد التطرف والإرهاب، وتشمل هذه الثغرات: ١ - غموض مفهوم التطرف والإرهاب: رغم الحديث المستفيض حول التطرف والإرهاب إلا أنه لا يوجد تعريف محدد يمكن الاحتكام إليه، وتحديد التعريف المتفق عليه هو الخطوة الأولى. وها هو أحد المتعاملين مع ظاهرة الإرهاب وهو اللواء الدكتور أحمد جلال عز الدين مساعد وزير الداخلية ومدير مركز بحوث الشرطة في مصر يقول: «الإرهاب في تعريفه يمثل إشكالية قانونية وسياسية بالغة التعقيد لاختلاف وجهات النظر حيال الفعل الواحد؛ حيث يعتبره البعض إرهاباً، وينظر إليه الآخرون باعتباره عملاً من أعمال النضال الوطني، وقد أخفق المجتمع الدولي في الوصول إلى تعريف للإرهاب، والذي يتابع مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة في اللجنة السادسة القانونية منذ عام ١٩٧٣م وحتى الآن، يستطيع أن يتبين بوضوح مدى اختلاف وجهات نظر الدول نحو الإرهاب والتي تتوقف على النظرة المصلحية للدولة بصرف النظر عن المبادئ والقيم الأخلاقية» [٢٠] . ولذا فقد دعا أحد الكتَّاب إلى العدول عن مصطلح الإرهاب إلى مصطلح الظلم معللاً ذلك بقوله: «أما الإرهاب فإنه حمّال أوجه ومتعدد المفاهيم، لم يتفق له على معنى محدد، أو تعريف جامع مانع بعد ... والظلم مفهومه واضح، لا لبس فيه ولا غموض، يدركه الإنسان بفطرته، بينما الإرهاب لا تزال مفاهيمه غامضة، ودوافعه متعددة، يسمح تحالف الناس على مكافحته بسوقهم إلى حرب مدمّرة يخوضونها باسمه، ثم سرعان ما يكتشفون أنهم خدعوا بشعارات براقة تخفي وراءها تحقيق مصالح خاصة تنطلق من رغبة بالاستئثار والتسلط» [٢١] . ومع عدم وجود تعريف دقيق للتطرف والإرهاب فهو أيضاً معنى نسبي يتأثر بالشخص نفسه وموقفه من الدين. ويؤكد هذا المعنى كاتب غير مسلم فيقول: «وهو معنى نسبي يختلف من زمن إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، وفقاً لنسق القيم السائدة فيه؛ فما يعتبر تطرفاً في زمن قد لا يكون مقبولاً في زمن آخر، وما ينظر إليه على أنه تطرف في مجتمع ما قد يكون مألوفاً في مجتمع آخر، والاعتدال يتغير مفهومه بتغير البيئات والحضارات والثقافات والديانات» [٢٢] . كما يؤكد هذا المعنى باحث آخر فيقول: «وبذلك يمكن القول بأنه التطرف وصف معياري، حيث لا يمكن تحديد التطرف دون تحديد الحد المعياري الذي ينبغي تجاوزه لنطلق على الفعل أو الشخص لفظ متطرف» [٢٣] . ومن ثم فحين يَرفع لواء مواجهة التطرف والإرهاب قوم لا صلة لهم بالدين، أو ممن رق دينهم فسيكون واقعهم هو المعيار الذي يتخذونه للحكم على التطرف؛ ذلك أن «مقدار تدين المرء وتدين المحيط الذي يعيش فيه من حيث القوة والضعف له أثره في الحكم على الآخرين بالتطرف أو التوسط والتسيب. فمن المشاهد أن من كانت جرعته من التدين قوية، وكان الوسط الذي يعيش فيه شديد الالتزام بالدين يكون مرهف الحس لأي مخالفة أو تقصير يراه، حتى إنه ليعجب أن يوجد مسلم لا حظَّ له من قيام الليل، أو صيام النهار، وفي مقابل هذا نجد الشخص الذي قل زاده من التدين علماً وعملاً، أو عاش في محيط تجرأ على محارم الله وتنكر لشرائعه يعتبر التمسك بالحد الأدنى من الدين ضرباً من التعصب أو التشدد» [٢٤] . ومن الأمثلة على ذلك أن أحد الباحثين التربويين عدَّ إجبار الطلاب على الوضوء وصلاة الظهر، وإجبار الفتيات على لبس الحجاب أمثلة على قيام بعض المدرسين بالدعوة للأفكار المتطرفة [٢٥] . وفي البحث المذكور كان من وسائل نشر الفكر المتطرف أن إدارة المدرسة تترك الطلاب يعظ بعضهم بعضاً، وتفصل البنين عن البنات، وتجبر الطلاب على عادات معينة، وتغلق دورات المياه، وتمنع الأكل في الفسح وتغلق الكافتيريا في رمضان [٢٦] . ٢ - أين الدراسة العلمية؟ وإذا اتفقنا على مفهوم واضح ومحدد للتطرف والإرهاب، مفهوم يستند على أسس موضوعية وعلمية فحينئذ نحتاج إلى أن نقوم باشتقاق معيار من هذا المفهوم، ونقوم بتطبيق هذا المعيار على المناهج الدراسية لمعرفة مدى صلتها بالتطرف والإرهاب. فأين هذه الدراسة؟ وأين الخطوات العلمية المتخذة في ذلك؟ إن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة تحوير أجزاء من محتوى المنهج دون خطوة علمية موضوعية تنظر إلى المنهج بكافة عناصره نظرة شاملة. ٣ - الحملة لمصلحة من؟ حين يتحدث الغرب عن تنقية المناهج مما يغذي الإرهاب فإنه يتحدث عن نوع محدد من الإرهاب؛ إنه يتحدث عن الإرهاب الذي يتهدد مصالحه، أو بعبارة أخرى يسعى إلى تنقية كل ما يعارض مصالحه ونفوذه. فقد تم استبعاد عضوين من لجنة تطوير التربية الدينية في مصر نتيجة خلاف وقع بينهما ومقررة اللجنة (ليندا لامبرت) الأمريكية الجنسية حول المحرمات الإسلامية؛ فقد رأت ليندا أن منهج التربية الدينية يصور الغرب بالنسبة للأطفال تصويراً سيئاً في مثل موضوعات الخمور والربا وغيرها من المحرمات، وعندما اعترض الباحثان على ذلك بسبب تحريم القرآن للخمور والربا تم استبعادهما من اللجنة [٢٧] . ورغم أن أمريكا تمارس التدخل في خصوصيات المجتمعات الأخرى، إلا أنها لا ترضى ذلك لنفسها وهي القائلة قبل عشرين عاماً: «لو قامت قوة بفرض نظام تعليمي علينا لكان ذلك مدعاة لإعلان حرب» . ٤ - الظروف الحالية: ترتبط المناهج بهوية الأمة، وتشكل عاملاً مهماً في إعدادها وتربيتها، ومن ثم فالتعامل معها لا يسوغ أن يخضع لظروف طارئة؛ فالظروف تتغير وتتبدل؛ فكيف بمثل هذه الظروف التي أحدثت ضخامتها هزة في طريقة التفكير والتعاطي معها؛ فلا عجب أن صدرت تصريحات طائشة ومواقف مندفعة. ولئن عظم الخطب في قرارات ومواقف اتخذت استجابة لهذا الاندفاع غير المتزن مع الحدث؛ فالخطب سيكون أعظم حين يمتد إلى مناهج التعليم التي تحتاج إلى أن يُتَعامل معها في ظل أوضاع هادئة بعيداً عن التشنج والانفعال، وبعيداً عن الاستجابة لردود الأفعال. ٥ - هل الدين يغذي الإرهاب أم يعالجه؟ تنطلق الحملة على المناهج الشرعية والمدارس الدينية من فرضية مؤداها أن التعليم الشرعي يغذي الإرهاب؛ لكن هناك من رجال التربية من يعكس الأمر فيقول: إن زيادة الجرعة الشرعية هي التي تقي من التوجه للإرهاب والتطرف. ويسجل أحد الذين درَّسوا في كل من جامعة الأزهر والقاهرة وعين شمس والزقازيق والمنصورة هذه الملاحظة فيقول: «وقد لاحظت ملاحظة هامة وهي أن الطلبة في جامعة الأزهر لا ينتسبون أو يتصفون بالتطرف على الإطلاق، وإنما هم طلاب معتدلون في أفكارهم يقبلون الأمور ببساطة، ويفهمون دينهم فهماً واسعاً عميقاً وشاملاً مختلطاً بالعلوم المدنية الحديثة. وعلى الجانب الآخر كنت أجد في الجامعات الأخرى كثيراً من التطرف ربما يكون سببه من وجهة نظري مظاهر الاستفزاز الموجودة داخل هذه الجامعات من بهرجة قد تستفز بعض الطلاب. وربما يكون افتقاد دراسة الدين الصحيح في هذه الجامعات؛ ذلك لأن طلابها بصفة عامة لو أجريت إحصائية ستجد أنهم أكثر تطرفاً. أما طلاب جامعة الأزهر فأقل تطرفاً» [٢٨] . وقد أيد هذا الرأي دراسة علمية نشرها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية [٢٩] . ويقول في موضع آخر: «ولا أجد سوى زيادة الجرعة الدينية التي تعتبر عاصماً من التطرف» [٣٠] . ٦ - هل الطالب مُخْرَجٌ للمدرسة وحدها؟ حين تبدو من فئة من طلاب المدارس مظاهر من التطرف ويمارسون أعمالاً تصنف على أنها إرهابية فهل مصدر هذه الأعمال هو مناهج التعليم؟ إن الطالب مخرج لعوامل ومؤثرات عدة: في الأسرة، والرفقة، والمجتمع، ووسائل الإعلام، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ فهل من المقبول علمياً أن نختار طائفة من سماته وأعماله لنحيلها إلى المدرسة؟ إننا حين نتأمل في واقع طلاب المدارس فنرى أن ثمة أعداداً وقعت في جرائم جنائية، وأخرى وقعت في المخدرات، وأن هؤلاء أضعاف أولئك الذين اتهموا بالقيام بالأعمال الإرهابية، فلِمَ يقال بأن الإرهاب من مخرجات مناهج التعليم، ولا يقال إن الجريمة والانحراف وتعاطي المخدرات والبطالة هي من مخرجات مناهج التعليم؟ وها هي الدولة التي تنصِّب نفسها حامية للعالم من شرور الإرهاب تتعرض لأعمال العنف والإرهاب في مدارسها، ويمارس طلابها أعمال الإرهاب البشعة قبل أن يتجاوزوا أسوار المدرسة؛ ففي ١١/٣/٢٠٠٠م قُتِل شاب رمياً بالرصاص وأصيب اثنان آخران بجروح قرب إحدى المدارس الثانوية في ولاية جورجيا الأمريكية. وفي أبريل من العام نفسه قَتَلَ طالبانِ ١٢ من زملائهما وإحدى المدرسات بعد أن راحا يطلقان النار بشكل عشوائي في إحدى مدارس دينفر بولاية كولورادو. وفي مايو/ أيار التالي أصاب طالب ستة من زملائه بجروح حين أطلق النار عليهم في مدرسة ثانوية قرب بلدة كونييرز في ولاية جورجيا. ومنذ عشرة أيام أطلق صبي في العاشرة من العمر النار على زميلة له فأرداها قتيلة في إحدى مدارس ولاية ميتشيجان « [٣١] . ٧ - كم نسبة المتهمين بقضايا الإرهاب؟ إن من يتهمون اليوم بالضلوع فيما يصنف على أنه أعمال إرهابية لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جداً من ملايين طلاب المدارس الذين يدرسون المناهج نفسها، ويعلمهم المعلمون أنفسهم؛ فلِمَ لم يظهر أثر هذه المناهج إلا على هذه الفئة المحدودة جداً من التلاميذ؟ وهل يتناسب هذا مع ما يقال حول حجم ما يؤدي إلى الإرهاب ويغذيه؟ وقد كانت مناهج التعليم كما هي عليه اليوم، والتغيرات التي طرأت عليها لا تخرجها من دائرة ما يوصف بأنه تغذية للإرهاب فلِمَ لم يظهر أثرها إلا اليوم وفي هذه الظروف بالذات؟» لو أن المناهج والمقررات الدراسية هي التي تخرج «الإرهابيين» لكان هؤلاء الإرهابيون بمئات الألوف، بل لربما كانوا و «كُنَّ» بالملايين، ولكانت الأوضاع غير الأوضاع والأحوال غير الأحوال « [٣٢] . بل إن معظم المتهمين بالضلوع في هذه الأعمال هم ليسوا من خريجي المعاهد الشرعية، ونسبة منهم ممن لم يكملوا تعليمهم، وقليل منهم كانوا متفوقين في دراستهم. فلِمَ لا يقال إن هناك عوامل أخرى أدت إلى نشوء هذه الظاهرة غير تأثير المناهج والمعاهد الشرعية؟ بل لو جزمنا بنفي تأثير المناهج والمعاهد الشرعية من خلال حجم المتهمين بذلك لكنا أكثر منطقية وموضوعية من نسبة التأثير إليها. ٨ - الكيل بمكيالين: الإرهاب تهمة تتركز غالباً نحو المسلمين، أما غيرهم ممن يمارس أبشع صور الإرهاب فهم بريئون منه، وعلى رأس هؤلاء قطبا الإرهاب في العالم: أ - القطب الأول: أمريكا: لا تحتاج أمريكا أن تدافع عن نفسها؛ فقد تطوع بالدفاع عنها أحد عمداء الكليات الشرعية، وهو ممن شن حملة شعواء على المناهج متهماً إياها بالإرهاب، بل نادى بإتلاف كتاب الكبائر وإحياء علوم الدين؛ لأنهما يهينان المرأة. وهذه المطالبة تمثل قمة التسامح والتعايش مع الآخر واحترام المخالف، وهو أسلوب لم يَرْقَ إليه المتحجرون الذين يطالبون بمنع الروايات التي تسب الله تعالى أو تسب رسوله ﷺ ؛ فيقتلون الإبداع والأدب! ! يقول هذا الأستاذ عن أمريكا:» وقد أكدت الحكومة الأمريكية مراراً وتكراراً احترام الإسلام والمسلمين وبخاصة الرئيس بوش الذي يعد أكثر رئيس متحمس للدفاع عن الإسلام إلى أبعد مما نتصور « [٣٣] . ويقول أيضاً:» ليس من العدالة أن نصف الرد الأمريكي بالإرهاب؛ إذ بذلك نقع في خطأ خلط المفاهيم بين الإرهاب والدفاع عن النفس، أو رد العدوان في الوقت الذي نطالب فيه المجتمع الدولي بعدم الخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، وما وقع في أمريكا إرهاب متفق عليه، والرد الأمريكي رد للعدوان بإجماع دولي، ولا معنى لوصفه بالإرهاب « [٣٤] . والسبب تتحمله كما يقول الكاتب طالبان:» إننا نحزن حقاً للأبرياء ونترحم عليهم؛ ولكن ذلك جناية طالبان عليهم وعلى المسلمين في كل مكان؛ فهي عدوة للمسلمين وعدوة لنفسها وعدوة لشعبها «أما أمريكا فهي تحترم الإسلام والمسلمين كما قال ورئيسها أكثر الرؤساء احتراماً للإسلام، ولعل الكاتب نسي أن يذكر أن من مظاهر احترام أمريكا للإسلام دعمها لرجل السلام المتميز شارون الذي يقتل الأطفال ويهدم البيوت؛ لأنها تمثل بؤرة خطيرة للإرهاب تهدد السلام العالمي والأمم المتحضرة. كما نسي أن يشير إلى الأسلوب الحضاري المتميز الذي عاملت به أمريكا أسرى طالبان والقاعدة، وأن العالم الغربي الذي استنكر هذا الأسلوب واستنكر أيضاً قتل أسرى» جانجي «المتخلفين المتحجرين لم يَرْقَ إلى مستوى العقلية الأمريكية المتسامحة مع الآخر. وانتشار المدارس الدينية اللاهوتية في أمريكا لا يعد مشكلة، ولا أثر له في الإثارة ضد الآخر، أو تحريك النزعات الدينية؛ ففي عام ١٩٥٤ ١٩٥٥م كان عدد المدارس الدينية اليومية في الولايات المتحدة الأمريكية لا يزيد عن ١٢٣ مدرسة تضم ١٣ ألف تلميذ، وفي عام ١٩٨٠م وصل إلى ١٨ ألف مدرسة تضم أكثر من مليوني تلميذ [٣٥] . أما عقلية العنف والإرهاب في المجتمع الأمريكي فيعبر عنها كاتبان أمريكيان كان عنوان أحد فصول كتابهما (أكثر دول العالم عنفاً في العام) ومما جاء في المقابلات التي أجراها هؤلاء مع شريحة من المجتمع الأمريكي: (أحب قتل الناس من أجل الترفيه والتسلية فقط، وذلك بنسفهم بالمتفجرات) (أشعر بحاجة للقضاء على كل الناس المزعجين الذين يضايقونني) (أشعر برغبة في ضرب الناس لأني لا أحبهم) (أريد أن أبيد العالم وأبدأ من جديد، أريد أن أقتل كل الناس) [٣٦] ومهما قيل بشذوذ هذه الحالات فهي حالات موجودة فلِمَ لا تصنف ضمن دائرة الإرهاب؟ ب - القطب الثاني إسرائيل: في إسرائيل يتعلم الطالب كل ما يغذي الإرهاب لكن ذلك لا يعد مشكلة تستحق النظر. تبلغ نسبة المنتسبين من التلاميذ في إسرائيل إلى التعليم الديني الحكومي في المرحلة الابتدائية ٢١. ٦% كما تبلغ نسبة المنتسبين إلى المدارس التابعة للأحزاب الدينية الأرثوذكسية ٩. ٩%. [٣٧] أي أن ٣١% من طلاب المرحلة الابتدائية يدرسون في مدارس دينية، ولا يوجد في العالم الإسلامي دولة تبلغ نسبة الملتحقين بالتعليم الشرعي هذا الرقم. ومع انتشار التعليم الديني في إسرائيل فمناهجهم تطفح بما يغذي الإرهاب ويُذْكي جذوته، ويقضي على أي انفتاح في النظر للآخر أو التعايش معه. وهناك دراسة أجريت على ٣٨٠ كتاباً ألحقت العرب بالمهن الآتية: لصوص: (٤٢) كتاباً، مخربون: (٣٦) ، قناصون وقتلة: (٢٧) ، مختطفو طائرات (٣١) ، مغتصبو أملاك: (٤١) ، يحرقون الحقول والأشجار: (١٧) أعمال قاسية دون تحديد: (١٨١) [٣٨] . كما أثبت البروفيسور كوهين في بحثه المنشور بالعبرية تحت عنوان: (بانيم مخوعارت بمرآة) أي وجه قبيح في المرآة، أنه في تحليله لمضامين ألف كتاب عبري تظهر صورة العربي في شكل قاتل أو مختطف للأطفال، وأن هذه الصورة مستقرة لدى ٧٥% من أطفال المدارس الابتدائية [٣٩] . ومما ورد في بعض الكتب المدرسية في إسرائيل:» كل ما مر بالقدس ليس سوى غزوات عابرة حتى سعدت بعودتنا لتصبح عاصمة لإسرائيل مرة أخرى « (كتاب: هذا موطني، تأليف ش. شكيد) . وفي كتاب وقائع شعب إسرائيل للصف الخامس تستخدم أسطورة فيها صورة حجارة تتساقط من السماء على الكنعانيين. وفي مقرر الصف السابع هجوم سيئ على النبي ﷺ ووصفه بالغارق في الأحلام، وأنه يأمر أتباعه بنشر الدين بقوة السلاح، وأنه يستعمل المكائد والمؤامرات في حربه مع اليهود. وفي كتاب علم التربية المدنية المقرر على طلبة المدارس الثانوية أن العرب يعدون لحرب إبادة ضد إسرائيل بحيث يقذفون بالسكان اليهود في البحر، وأنهم إذا لم ينفذوا هذا الوقت تهديداتهم فلعدم القدرة لا لعدم الإرادة [٤٠] . في لقاء أجراه مركز مراقبة تداعيات السلام مع طالب عمره سبعة عشر عاماً يدعى (دانيال بافوليجي) وجاء فيه:» إن تلك الكتب تعلمنا أن كل ما يفعله اليهود صحيح وشرعي، بينما تصور العرب بأنهم دائماً على خطأ ويحاولون إرهابنا «، وذكر أن أحد أصدقائه بادله الرأي بقوله إنه شعر بسخط شديد في أعقاب محاضرة له بالمدرسة، وأحس برغبة شديدة في قتل أول عربي يقابله وقال: يعلموننا التباغض بدل التسامح، والكثير من مدرسينا يثيرون سخطنا نحو العرب» . ومن العبارات التي تزخر بها الكتب المدرسية في إسرائيل: «من الصعب على أبناء إسماعيل التخلي عن رغبتهم في السرقة» . إننا لن ننتظر من اليهود إلا ما هو اسوأ من ذلك، لكن القصد من إبراز هذه النماذج الإشارة إلى الانتقائية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، والواجب إبراز هذه النماذج وغيرها من الواقع الأمريكي والإسرائيلي في وجه الاستعماريين الجدد. التوصيات: وبعد هذا العرض لهذا الموضوع يؤكد الكاتب على التوصيات الآتية: ١ - الاعتناء بالتخصصات التربوية: نحن اليوم في عصر التخصص، وقد مضى الوقت الذي يمكن أن نجد فيه من يعرف كل شيء ويتحدث في كل فن أو لا نجد أحداً، وحتى العلوم الشرعية لم تعد فرعاً واحداً يدركه المتخصص، إنما اتسعت لتشمل فروعاً عدة في التخصص الواحد. ومع خطورة التربية بوجه أخص، والدراسات الإنسانية بوجه أعم فهل يليق أن تلقى الجفاء والإهمال من الإسلاميين؟ إن النابغين والمتفوقين يوجهون في الأغلب إلى التخصصات العلمية التطبيقية (الطب، الحاسب، الهندسة ... ) أما التخصصات الإنسانية فيتجه إليها أولئك الذين لم تسعفهم معدلاتهم. بل إنك تجد طائفة من الخيرين وحملة العلم الشرعي بحاجة إلى أن يقنع بأهمية الدراسات التربوية والاعتناء بها. أحد الأفاضل من حملة الدكتوراه في تخصص شرعي كان يناقشني بأنه لا ضرورة للتخصصات التربوية، فيكفينا ما في فتح الباري وكتب الحافظ ابن رجب وابن القيم! ألسنا إلى وقت قريب نناقش في جدوى دراسة علم النفس وغيره، وننظر إليه بريبة وانتقاص؟ وهل لا زلنا نعتقد أن مجرد تحصيلنا الشرعي رغم ضحالته يؤهلنا لأن نتكلم في كل فن، وأن نخوض كل بحر نحسنه أو لا نحسنه؟ ٢ - توثيق الصلة بالخيِّرين: ثمة فئام من الخيِّرين في مواقع القرار في المؤسسات التربوية، أو من أهل الاختصاص في ذلك، لكن لديهم قصور في التدين، وربما رددوا بعض ما يسمعونه من أفكار. ونحن نمارس مع كثير من هؤلاء ألواناً من القطيعة، بل ربما المعاداة والمواجهة، ونصنف كثيراً منهم في دائرة حملة الفكر السيئ لمجرد أنه اختلف معنا في رأي من الآراء، ولو اتسع أفقنا لرأينا أن كثيراً ممن يخالفنا في الآراء والأفكار ليسوا أهل علمنة وفجور. إننا بحاجة إلى أن نبحث عن نقاط الاتفاق مع هؤلاء أكثر من نقاط الاختلاف وعلى أن نبحث عن فرص التعاون أكثر من فرص الصراع، وسيبقى هؤلاء في مجتمعاتنا يدرِّسون ويحاضرون ويتخذون قرارات عملية ربما كانت مصيرية في حق مجتمعاتنا، وصراعنا معهم لن يلغي دورهم بل سيزيد الهوة ويوسع دائرة الخلاف، بل ويقربهم من التيار العلماني المتطرف. ٣ - تفعيل المجتمعات: إن التربية ليست قضية النخبة، ولا همَّ المثقفين والمتخصصين وحدهم، بل هي همُّ المجتمع كله، وكل فرد من أفراد المجتمع يعنيه مستقبل المؤسسات التربوية، وعدم التأهل لتناول هذه القضايا وفهم الجانب المتخصصي فيها لا يلغي كونها تعنيه وتهمه. ومن ثم فلا بد من تفعيل اهتمام المجتمع بقضايا التربية، ودعوته لممارسة حقه الطبيعي والشرعي في الاحتساب على ما يراد بها من سوء، والإسهام في تطويرها نحو ما يحقق مصلحة المجتمع بأسره في الآخرة والدنيا. وهذا يتطلب منا أن نحدِّث الناس بما يعرفون، وأن يرتقي خطابنا وأسلوب حديثنا، وألا نقف عند مجرد مطالبة الآخرين للاستماع لما نقول لكوننا متدينين. ٤ - المشاركة الإعلامية الفعالة: تسهم وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وكثير من المشروعات والقرارات المصيرية في حق المجتمع كانت بذرتها قد انطلقت مما يثار في وسائل الإعلام. ومع ذلك كله فحضور الإسلاميين في وسائل الإعلام لا يزال دون المستوى المطلوب، ولا تزال المسافة واسعة بين الحديث عن أهمية الحضور الإعلامي وممارسة ذلك على أرض الواقع. إننا نطيل الحديث في المجالس الخاصة، ونتحدث عن الكيد والتآمر على مجتمعات المسلمين، وتبدو منا غيرة وتفاعل؛ لكن الأمر يقف عند هذا الحد، ولا يتناسب مطلقاً تفاعلنا العملي مع مشاعرنا وحديثنا. ٥ - دفع المتخصصين للمشاركة: مع أهمية المشاركة في الرأي والحديث؛ فنحن بحاجة إلى أن نتجاوز الوقوف عند مستوى المطالبة عن بعد بالمشاركة الفعلية في صنع القرار، وهذا يتطلب الدفع بالمتخصصين من الخيرين والغيورين إلى العمل في هذه المواقع المهمة، والتعاون معهم في ذلك وتذليل الصعوبات أمامهم. ٦ - الاعتناء بالبحث العلمي: لقد راجت سوق البحث العلمي اليوم، وصار له أثره البالغ في صنع القرار وتوجيهه، وتضاءلت تبعاً لذلك أهمية الآراء والانطباعات الشخصية. ومع كثرة القضايا التربوية التي تمثل لدينا حساسية وأهمية، إلا أننا نتعامل معها بطريقة بدائية؛ فنتناولها من خلال الآراء والانطباعات الشخصية ونحول ذلك كله إلى حقائق لا تقبل الجدل. كما أننا نتعامل مع نتائج البحث العلمي التي لا تتفق مع اقتناعاتنا بالرفض والتهوين من شأنها بعيداً عن المنهج العلمي الموضوعي. إننا بحاجة إلى الاعتناء بتوجيه البحث العلمي في هذه التخصصات نحو ما يخدم مجتمعاتنا، وبحاجة إلى تكوين قاعدة معلومات تجمع البحوث العلمية التي بذلت فيها جهود من متخصصين، وبحاجة إلى أن نناقش البحوث العلمية الأخرى وننقدها نقداً علمياً بعيداً عن الانطلاق من الآراء والانطباعات الشخصية. كما نأمل أن نرى مؤسسات ومراكز للبحث العلمي التربوي؛ فالأعمال والجهود الفردية لن تكفي في ظل هذا السيل الطامي. ٧ - تشكيل جمعيات للمعاهد الدينية: تنتشر المعاهد والمدارس الشرعية في أنحاء شتى من العالم الإسلامي، ويغلب عليها الطابع الخاص؛ فكثير منها ليست مدارس حكومية؛ وبقدر ما يعطيها ذلك من استقلالية في القرار ومرونة في التغيير، إلا أنه يزيد من الصعوبات والعقبات الفنية أمامها. ومع اتفاق كثير منها في الهموم والمشكلات، إلا أنه يندر أن توجد جمعيات ومؤسسات تنسق الجهود بين هذه المدارس. ووجود هذه الجمعيات والمؤسسات له أثره في الارتقاء بها، وفي تبادل الخبرات والتجارب، وفي تنسيق المعادلة بين شهاداتها، وفي التقليل من تكرار الجهود وازدواجيتها. والتحدي الذي تواجهه اليوم يزيد من أهمية التعاون والتكاتف، ومن ثم فهي بحاجة إلى أن تتداعى للتنسيق والتعاون، وتشكيل مؤسسات تعنى بذلك. ٨ - تواصل المعاهد والمدارس الشرعية مع المجتمع: إن المنتظر من حملة العلم الشرعي ودارسيه أن يسهموا في التغيير في مجتمعاتهم، وأن يكون لهم حضورهم الفاعل فيها. وهذا يتطلب من المدارس والمعاهد الشرعية أن تعيد النظر في مدى صلتها بالمجتمع ومشاركتها في بنائه. وليس صحيحاً أن يكون هدف هذه المعاهد تخريج العديد ممن يكتفون بعدم الرضى عن واقع مجتمعاتهم، وممن يضعون حول أنفسهم أطراً من العزلة، بعيداً عن الروح التي تسعى للدخول في مؤسسات المجتمع، والتأثير الإيجابي. وهذا يدعو إلى التغيير في عقلية الانعزال التي تسود لدى المنتمين لهذه المؤسسات التربوية من عاملين ودارسين، وإلى تفعيل الأنشطة الاجتماعية لهذه المؤسسات، وإلى التفكير الجاد العملي في برامج تسهم في خدمة المجتمع. وما لم نخطُ هذه الخطوات التصحيحية فينبغي ألاَّ ننتظر تفاعل المجتمع ووقوفه معنا، وهو لا يزال يشعر أننا كائن غريب عنه، مهمته تخريج أفواج من العاطلين [٤١] . ٩ - الارتقاء بالتعليم الشرعي: رغم انتشار مدارس التعليم الشرعي ومعاهده في العالم الإسلامي، ورغم آثاره الحميدة في نشر العلم الشرعي والحفاظ عليه، إلا أنه يعاني من ضعف وقصور، ويتسم بالنمطية والتقليدية، ويدار بطريقة بدائية. ومخرجات التعليم الشرعي اليوم دون تحديات الواقع ومتطلباته، ومعلمو العلوم الشرعية بحاجة إلى نقلة في طريقة أدائهم وتفكيرهم. وكثير من مطالب التغيير في التعليم الشرعي التي يثيرها الآخر منطلقها المعلن على الأقل الواقع الفعلي لهذا التعليم وحاجته إلى التطوير. وما لم يتم التطوير من الداخل، وما لم تكن الأصوات المطالبة به صادرة من العاملين فيه الغيورين عليه فلن يكون التطوير في مصلحة التعليم الشرعي. إننا بحاجة إلى أن يقتنع القائمون على هذا التعليم ومؤسساته بأن الحملة التي يشنها الآخر عليه لا تعفينا نحن من التقويم والمراجعة الجريئة، وإلى أن يقتنعوا بضرورة احترام التخصص، وأن مجرد تخصص المرء في العلم الشرعي، ومشاركته في تعليمه لسنوات ليس كافياً لتأهيله بأن يعد المناهج ويرسم السياسة التربوية، وأنه ثمة فرق شاسع بين محتوى العلم الشرعي، وبين طريقة تقديمه للناس وتدريسه لهم. وتشمل متطلبات التطوير بوجه أخص: ١ - تطوير أداء المعلمين؛ فنحن بحاجة ماسة إلى الارتقاء بكفايات وقدرات معلمي العلوم الشرعية في مجتمعاتنا، حتى يسهموا في تضييق الفجوة بين إمكانات التعليم ومخرجاته. ٢ - تطوير المناهج والأخذ بالمفهوم الحديث للمنهج؛ ومن ثم فالتطوير يجب أن يشمل كافة عناصر المنهج من أهداف ومحتوى وطرق تدريس ووسائل وتقنيات وأنشطة وكتاب مدرسي. ٣ - تطوير الأداء الإداري والبيئة المدرسية للمعاهد والمدارس الشرعية.

стр. 4215

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون مناهج التعليم وخطيئة التبديل محمد أحمد منصور مع أن قضية تغيير المناهج التعليمية في المنطقة الإسلامية لم تفتر منذ معاهدة كامب ديفيد، مروراً باتفاقيات مدريد وما تلاها، إلا أنها طفت على السطح وازدادت زخماً في ظل أحداث سبتمبر الشهيرة، وذلك من خلال الربط الأمريكي بين المناهج التعليمية المقررة في عدد من الدول من بينها مصر والسعودية وباكستان وبين ما تسميه الولايات المتحدة إرهاباً، وزاد حجم التركيز خاصة على التعليم الديني، ورأت الدول الغربية الفرصة مناسبة من أجل إجراء عمليات تغيير واسعة في المناهج وفقاً لما كانت تطالب به تلك الدول سراً من قبل. وقد رأينا بعض الأقلام التي تتكلم بكلامنا كيف قلبت الأمور في الوقت الذي انكشف المستور، وبان وجه العداء وهدفه. وازدادت مطالب الدول الغربية حدة وصراحة بتغيير المناهج، والتلويح بالاتهام بالمروق في وجه الدول التي تأبى التغيير. لقد أصبح جلياً أن قضية المناهج التعليمية لم تعد شأناً داخلياً ترتبه الحكومات متى وكيف شاءت، وتهمله أو تؤجله متى فترت، وإنما أصبحت شأناً عالمياً في ظل ثقافة العولمة وبفعل أدواتها، وأصبحت في منطقتنا العربية والإسلامية قضية ذات أبعاد ثقافية واقتصادية وسياسية بل وربما عسكرية إن لزم الأمر. صحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي تكتسب فيها هذه الأبعاد لكنها هذه المرة كانت الأكثر وضوحاً، والتي حشدت كل الأبعاد فيها دفعة واحدة، بحيث لم تعد مسألة تغيير المناهج التعليمية وفق الجداول المطلوبة شأناً داخلياً بل أصبح إدارة عالمية وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط. والأبعاد المختلفة: سياسية يطرحها مندوبو الدول على طاولة المفاوضات. واقتصادية تشترطها الجهات المانحة على تعدد انتماءاتها من أجل منح قروض ومعونات أو إسقاط بعض الديون [١] . ودينية تطرح ضمن أوراق حوار الأديان، بل تعدى الأمر ذلك إلى تلويح بالقوة من أجل تغيير المناهج وفقاً للهوى الأمريكي، وربما اكتست ثوب البحث العلمي حيناً آخر، فتقام من أجلها المؤسسات وتخصص لها الموازنات. لقد عملت منظمة اليونسكو من قبل في هذا المجال، لكنه لم يكن عملاً ملزماً للحكومات لوجود الصراع القطبي، لكنه مع تغير معادلة النظام الدولي بدأ الأمر يأخذ شكل الإلزام. والأمر كما هو مطروح ضمن برامج المساعدات والمنح، مطروح أيضاً ضمن بنود اتفاقيات السلام مع اليهود، ويطالب به اليهود باستمرار ضمن مشروع الشرق أوسطية. ومطروح أيضاً ضمن شروط البنك الدولي لمساعدة الدول في برامج التنمية، ومطروح في مباحثات الشراكة البحر متوسطية، واللجان البحثية المشتركة، إلى جانب عشرات أو ربما مئات الندوات والمؤتمرات المختلفة المشارب والتوجهات التي تستعلن حيناً وتستخفي حيناً، وتُجمل حينا وتُفصل حيناً. كما لم يعد سراً أن تغيير المناهج وفقاً للمنظور العولمي مدرجة ضمن البنود الثقافية لاتفاقية تحرير التجارة العالمية التي تتبناها الدول الكبرى، والتي يتم مناقشتها باستمرار في المنتديات الاقتصادية التي أصبحت تعقد بصورة منتظمة؛ وفي أحد هذه المؤتمرات قال وزير خارجية مصر السابق (عمرو موسى) : «إن الوقت قد حان لوضع تصور جديد لمنطقة الشرق الأوسط في حقبة ما بعد انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي أعاق المنطقة بصورة كبيرة عن تحقيق التقدم» ، ويضيف: «إن عنوان منتدى دافوس للعام الحالي:» هو بدايات جديدة «، لذلك لا بد من إعداد الأرضية المناسبة للمفكرين والمثقفين وأصحاب الرأي والشعوب للإسهام في وضع تصور جديد لمنطقة الشرق الأوسط» ومن ثم أصبحنا أمام عشرات الطرق التي تؤدي إلى تحفيز الدول أو دفعها في اتجاه علمنة أو عولمة المناهج التعليمية، ومن لم تُجْدِ معه هذه الأساليب فهناك أساليب أخرى ليست عن واقعنا المشهود ببعيدة. الخطير في الأمر أن المطالب الغربية الأخيرة صادفت قلباً عربياً خالياً بل مخلىً لهذا الغرض، وقراراً مسكوناً بحلم التغيير، فسهل لهم ما أرادوا وبصورة فجة في عدد من التجارب كما حدث في باكستان واليمن والأردن مؤخراً، وقد اعترف سياسيون في الأردن واليمن أن عملية تبديل المناهج تخضع لإشراف البنك الدولي. لقد جاء صوت التغيير هذه المرة أكثر وضوحاً وأعلى صوتاً وأكثر جرأة، وطاول مرتقى صعباً من مكنون بيضة التعليم الإسلامي؛ إذ فُتح باب التغيير على مصراعيه، وشمل مجاله زوايا كانت بادي الرأي في مأمن من أن يتطرق لها الحديث، وكانت الطامة في بوادر الاستجابة التي أبداها البعض هنا أو هناك، على طريقة و «بيدي لا بيد عمرو» «عض قلبي ولا تعض رغيفي» ، والرغيف في التعبير هنا حمال أوجه لما يكون من نصيب أو عرض زائل من متاع الدنيا. وهنا تجدر المقارنة بين التطوير الذي يجري هنا والذي يجري في إسرائيل؛ فالتعليم في إسرائيل يسير وفق الخط البياني المرسوم له منذ قيام الدولة لا يخطئ قدر أنملة، بل يتقدم على المرسوم والمستهدف في قفزات تطويرية ضمنت للدولة اللقيطة التفوق العلمي والتقني على مجموع الدول العربية. وفي الوقت الذي يطالَبُ فيه المسلمون بتصفية المدارس الدينية يزداد التعليم الديني في إسرائيل رواجاً وانتشاراً ويحظى أصحابه بمزايا عديدة تمنحها لهم الدولة لا يحظى بها خريج التعليم العلماني هناك، على أن ما يسمى بالتعليم العلماني هناك ما زال يحمل بوضوح الحلم اليهودي بأفكاره وقيمه التلمودية وأساطيره الصهيونية، وتاريخه التوراتي. تبديل المناهج: تتم عملية التغيير تحت مسميات براقة يجعل منها صنم عجوة يقدس حيناً وتنزع القداسة عن سواه، ثم لا يلبث أن يؤكل أمام جوعة من الجوعات ليصنع صنماً جديداً مثل ألفاظ التطوير والتنمية والثورة العلمية؛ فالعملية لا بد أن تتم بأسماء براقة. والحقيقة أن التطوير لم يكن تطويراً بشهادات الواقع، واعترافات المسؤولين، وتقويمات المتخصصين من أهل الشأن، وإنما هي واقعة ضمن التبديل، بدلالته القرآنية. أما لفظ «المنهج» فهو يتخطى حقيقة مادة المقرر التعليمي إلى خلفيات العقدية والتربوية؛ لأن المنهج لا يحمل مادة معلوماتية مجردة، وإنما يحمل إلى جانب حقائق العلم أو أغاليط التصور؛ منهجية الحكم، وأسلوب التعامل، وطريقة الحياة.. وهذه التي يسعى الغرب إلى تغييرها، ومن ثم فإن حذف عبارة معينة من منهج مقرر للدراسة قد لا تعني مجرد تغيير ألفاظ بغيرها فقط، ولكن تعني لوناً من التحريف والتبديل الذي يراد به ما بعده، ومن هنا نجد أن عملية التبديل التي تمت في المناهج إنما عمدت إلى طريقة بعينها، فقامت على طمسها بعناية يعوزها في كثير من الأحيان اللياقة. ولا يعني وصفنا له بالتبديل هنا أن الأصل سالم مبرأ.. لا! .. وإنما للإشارة إلى أمر خطير هو أن التبديل إنما عمد إلى معاني الكمال فمحاها، وكثيراً ما أبقى ما سواها، والتتبع لهذه المسألة أمر يطول، ولكن يمكن ببعض الأمثلة من النموذج المصري بما يمثله من تجربة لها ريادتها وخبرتها في هذا المجال أن يطلع القارئ الكريم على قدر العناية التي كانت تصفى بها مادة الإسلام من مقررات التعليم، ربما للأمور التي ذكرناها وربما لمآرب أخرى. تجربة التغيير في مصر: بين عام ١٩٧٩ إلى ١٩٨١ تغيرت مناهج التربية في مصر، مواد التاريخ والقراءة، وحذفت كل النصوص التي تتعلق بالحروب بيننا وبين إسرائيل [٢] . ففي مقررات الثانوية العامة قررت هذه العبارة حول ردود الأفعال على معاهدة السلام المصرية مع اليهود: «رحبت جميع دول العالم المتحضرة باتفاقية السلام في هذه المنطقة الهامة بالنسبة لدول العالم، أما الدول العربية التي عجزت عن فهم المتغيرات الدولية واختلال ميزان القوى في العالم، فإنها لم ترحب بالاتفاقية» يعني سبب إحجام العرب هو تخلفهم وضيق أفقهم فلم يقبلوا بهذا السلام، في حين أن الدول المتحضرة هي التي استوعبت التطور الجديد «! ثم تتابع التغيير بمعدل بطيء، حتى أواخر الثمانينيات. ثم بدأت مرحلة جديدة في أواخر الثمانينيات بتولي الدكتور أحمد فتحي سرور وهو قانوني تعلم في فرنسا حقيبة التعليم في مصر، فقام بقفزة واسعة في تصفية المناهج وفقاً للمطالب الصهيونية، وكانت المرة الأولى منذ تمصير التعليم التي يشرف على تغيير المناهج لجان أجنبية ضمن مراكز التطوير، ويشارك في وضعها أسماء أجنبية. ثم تسلم الحقيبة بعده د. حسين كامل بهاء الدين طبيب أطفال معروف بعلمانيته الشديدة، فأكمل ما بدأه الدكتور سرور وكان من أعماله: - تصفية مادة الدين تماماً من معاني العبودية وإبقاؤها في ثوب التعاليم الأخلاقية والإرشادات التي تسير على الطريقة الفلسفية في الأخلاق، كما هو الحال تماماً في الخطاب النصراني. - زيادة جرعة الإفساد في مناهج اللغات، من خلال تضمين الكتب عبارات ماجنة، وإشاعة حياة الرقص والاختلاط والموسيقى والغناء، وقد احتوت المناهج الحديثة على عدد من المغنين، والشعراء والقصاصين الذين ألبسوا ثوب العالمية، وقدموا للطلبة نماذج تحتذى للنجاح في الحياة العملية. - تم تقرير مادة الثقافة الجنسية على طلبة وطالبات السنة الأولى والثانية من المرحلة الثانوية أي في سن المراهقة، وقد أشار بعض الطلبة إلى أن طلبة السنة الأولى لا ينتظرون حتى ينقلوا للسنة الثانية، وإنما يقومون باستعارة مقرر السنة الثانية لقراءته! وقد أكدت الدراسات الاجتماعية إلى شيوع عدد من المنكرات الشرعية من جراء شؤم هذه المادة ومنها انعدام الحياء وخصوصاً لدى النساء كالحديث عن أدق قضايا الفراش على الملأ وفي المجالس العامة، والتي يستحيي المرء العف في كثير من الأحيان أن يصرح بها حتى لزوجته أو الزوجة لزوجها، ومنها انتشار ظاهرة الزنا المقنن المسمى زوراً بالزواج العرفي داخل دور العلم، هذا فضلاً عن شيوع ثقافة العشق، إلى غير ذلك من زيادة في معدلات ألوان أخرى من المعاصي والفواحش. - تقرير اللغة الإنجليزية من السنة الأولى الابتدائية، أي أن الطالب سيتعلم مبادئ اللغتين معاً، كما أن هناك توجهاً لتعميم سياسة المدارس التجريبية (اللغات التابعة للوزارة) في تدريس شطر المواد أو غالبها باللغة الإنجليزية. - السعي إلى إلغاء مادة الدين (التربية الإسلامية للمسلمين، والتربية المسيحية للنصارى) وتقرير مادة الأخلاق والتي تختلط فيها نصوص الكتاب والسنة، بعبارات التوراة والإنجيل، وأقوال الفلاسفة، وربما حوى نصوصاً من التعاليم البوذية، ليصبح التعليم في مصر كما قال سعد زغلول عن الجامعة:» لا دين لها إلا العلم «ليضع الرئيس الرتوش الأخيرة في شكل الدولة العلمانية. - وتشهد هذه الأيام مرحلة جديدة من التغيير وتصفية المناهج، بل من المتوقع في هذه المرحلة أن تتضمن الكتب ثقافة العولمة ومفاهيمها صراحة. التغيير القادم في المناهج الذي بدأ الحديث عنه الشهر الماضي قبيل مؤتمر الدول المانحة مباشرة من المتوقع أن يوظف كلية لصالح الرؤى الصهيونية، وقد سألت الهيرالد تريبيون مستشاري التعليم المصريين عن شكل التغيير القادم في المناهج، فقالوا: سنغير مناهج التربية والتعليم بما يعكس عملية السلام، وبما يزيل الكثير من أسباب العداوة في الشرق الأوسط. وإننا نتساءل: أتحت شعار» التربية من أجل السلام «، وهو الشعار الذي تسرب إلى مؤسساتنا التعليمية في ضوء التطبيع مع اليهود، أم هو سلام آخر أبعد مدى؟ ! حقائق حول التطوير: وهكذا كلما زاد الحديث في بلادنا عن التطوير أو قطع فيه شوط علمنا يقيناً أن التعليم قد فقد من التطوير بنسبة ما تم من حديث؛ لأن بوصلة التطوير في بلادنا لم تزل متوجهة عكس الاتجاه الصحيح، والمشكلة خلاف ما يخال المرء منا ليست مادية إذ تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التربية والعلوم» اليونسكو «إلى أن الدول العربية تنفق على التعليم مبالغ باهظة لا تقل عن التي تنفقها الولايات المتحدة أو دول أوروبا واليابان، إلا أن الغرب ينهض بينما العرب يتراجعون؛ فالولايات المتحدة الأميركية تنفق على التعليم ٥. ٥% من الناتج القومي الأميركي، وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة الإنفاق على التعليم في الدول العربية إلى ٥. ٨% من الناتج القومي (مع الفارق بين الناتج القومي لدى الجانبين) ، واستبعاداً لفارق الناتج القومي، فإن ما تنفقه مصر على كل ١٠٠٠ طالب أكثر مما تنفقه الولايات المتحدة على نفس العدد [٣] . وإذا أخذنا في الحسبان حجم النفقات الشعبية على التعليم علمنا حجم الكارثة؛ فالإحصاءات تشير إلى أن ما ينفقه المصريون على الدروس الخصوصية يصل إلى ٤ مليارات جنيه في السنة لتقوية الضعف الراهن في أساليب التعليم داخل المدارس، كما أن حجم المواد التي يدرسها طلاب التعليم في مصر أضعاف ما يدرسه الطالب الأمريكي، وأن ما يقضيه الطلبة المصريون في المذاكرة يفوق أضعاف ما يقضيه الطلبة الأمريكيون، وإذا ما قورنت بما يدرسه الطالب في اليابان أو سنغافورة المتقدمتين تعليمياً؛ فالأمر يزداد فداحة. ورغم هذا ما زال التطوير سائراً والتخلف سارٍياً.. رغم الإمكانيات الكبيرة المتاحة لوزارة التعليم؛ إذ أصبحت من بين أهم الوزارات الأوْلى بالرعاية في برنامج المعونة الأمريكية، وتعد أول وزارة أدخلت نظام الإدارة عن بعد بنظام (الفيديو كونفرانس) ، إلى جانب العديد من المزايا المادية التي توفرت للوزارة ربما لأول مرة في تاريخها، ومع هذا فالجميع متفقون على أن التعليم في بلادنا لم يزل متخلفاً بمعدلات خطيرة؛ لأن التطوير باختصار وبشهادة القائمين عليه أنفسهم قد نحا منحى بعيداً عن مصالح الأمة المسلمة؛ إذ إن قوة التعليم لا بد أن ترتكز إلى عقيدة يدين بها المجتمع وسياسات هادفة ومناهج بانية بغض النظر عن حجم هذه المناهج لدرجة أن أحد الأساتذة التربويين المتخصصين في التخطيط التربوي كتب شهادته على برنامح التطوير تحت عنوان:» إنهم يخربون التعليم «. نماذج من السياسات التعليمية المتخبطة: وحتى يظهر قدر التخبط نعرض فقط لنموذحين مما يتم باسم التطوير الذي يعاني منه الطلبة وأولياؤهم أشد معاناة، وتعاني من ورائه الأمة كلها: * الأول خاص بالشهادة الابتدائية: فمنذ أكثر من عقد ألغي الصف السادس من المرحلة الابتدائية، وحمّل عقل الطالب فاتورة هذا التقليص الذي تم باسم تخفيف الأعباء عن ميزانية التعليم وتتبع خطى الدول المتقدمة! وإذا بنا نفاجَأ بعد أربع سنوات فقط بإعلان يقول: إن التجربة قد أخفقت؛ لأنها أرهقت ذهن الطالب دون أن تؤدي إلى تقوية مستواه. وعاد الحديث عن مزايا السنوات الست من جديد وشق طريقه للتطبيق بعد ذلك بسنوات أربع أخرى. * والثاني خاص بالشهادة الثانوية: ما زال نظام الثانوية يشهد تجريباً في شكل الشهادة وطريقة الامتحانات منذ حوالي ثماني سنين، وفي كل عام تتراجع الوزارة عن بعض قراراتها السابقة، مما يصيب أولياء الأمور بحالة من الدهشة حين يتحول مستقبل أبنائهم إلى حقل تجارب لقرارات لم تأخذ حقها من التفكير ودراسة الآثار المستقبلية قبل اعتمادها. وقفات مع التطوير: ولنؤكد أن هذين النموذجين يعبران تعبيراً صحيحاً عن مزاجية التطوير في مجال التعليم نعرض لأهم خصائص هذا التطوير في عدة نقاط: ١ - كون التطوير جاء لتحقيق رغبات خارجية، من أجل تخدير الشعوب الإسلامية وشغلها عن واقعها بالتفاهات، جعله لم يسر في الاتجاه الذي يطمح إليه المجتمع؛ فعملية التطوير لم تنبع من اختيار المتخصصين ولا وفق إرادة شعبية، فضلاً عن تعبيرها عن إرادة الأمة ومصالحها حتى يمكن القول بأن التطوير قد انبثق ولو جزئياً من أرضية المجتمع، وإنما هو أمر عهد به غير متخصص إلى غير مختص. ٢ - إن تضخيم الجانب النظري في المواد الدراسية على حساب الجانب التطبيقي العملي، فضلاً عن الجانب السلوكي العقدي، لا يخدم إلا مخططات اليهود وغيرهم من أعداء الأمة الذين يرمون إلى جعل التعليم في بلادنا تعليماً نظرياً وليس تعليماً تطبيقياً، وقد حذفت كثير من التجارب والتطبيقات العلمية من كتب الفيزياء والكيمياء التي تنمي في الطالب روح البحث والتطوير، وحب الابتكار والإبداع، أو التي تلفت نظره إلى الاستفادة من ظواهر الكون المحيطة به، وتسخير قوانينها لخدمة الإسلام. ٣ - زيادة الحشو في الكتب نظراً لأن التطوير كان يعني من قبل زيادة المادة التعليمية فقد سعى إلى مضاعفة المقرارت الدراسية في التعليم العام والأزهري، وبعد مضي عشر سنين نظراً لتبني التطوير لرؤية المناهج المخفضة فسوف تخضع المناهج للاختزال والحذف. والخطير أن المعيار في الحالين لم يراعِ حقيقة النهضة العلمية وسبلها؛ فالآن تجري مناقشة تخفيض المواد من الحشو بنسبة الثلث؛ فهل سيكون هذا الحشو هو ما زيد في التطوير السابق، أم سيحذف ما تبقى من أبواب وعبارات تشير ولو من بعيد إلى الإسلام والعروبة؟ ٤ - تفريغ المقررات من الموضوعات التي تعزز الروح الإسلامية، أما ما يوجد فهو ما يعبر عن القيم الفردية التي لا تتعارض مع أهداف العلمنة، مع حشو المناهج بمفاهيم الفكر الغربي، وما يتعلق به من مفاسد وسلبيات، وإشاعة للتفسخ والانحلال. ٥ - تعبئة المؤلفات بالقيم المادية التي تربط بين حركة الإنسان، وزيادة الأفكار التي تدعو إلى الخرافة، كالتعامل مع العرافين الكهنة، ومعرفة الأبراج، والحظ. ٦ - إشاعة روح التفسخ والانحلال بين الأجيال، وقد لِيمَ أحد وزراء التعليم في ذلك، فقال: سأجعلكم لا تفرقون بين البنت والولد. ٧ - إذابة مفاهيم الولاء، وتشتيت نطاق الهوية؛ فنجد أن المقررات قلقة لا ترسخ معنى معيناً للهوية ولا لوناً واحداً من ألوانها؛ وإنما نجد الهوية داخل المقررات تتنوع وتتوزع توزعاً عجيباً جداً بين هوية فرعونية في المقام الأول، عربية في المقام الثاني، إنسانية عالمية في المقام الثالث، إسلامية في المقام الرابع، ثم تأتي الانتماءات الأخرى الشرق أوسطية، والبحر متوسطية، الأفريقية، والمسيحية أخيراً لتزيد من تشتت الهوية، وهذا يؤدي بدوره وبمساعدة عوامل أخرى ضمن المقررات مثل تكثيف دراسة اللغات الأجنبية، وزيادة التعبيرات العامية في المقررات إلى قتل قضية الولاء والبراء لدى الشباب، ضمن شعار التربية:» من أجل السلام «. وأصبحت الهوية الإسلامية بعد أن كانت الأكثر حضوراً أصبحت هي الأقل حضوراً. نعم! قد تفرض الوظيفة الحيوية لمصر أن تلعب دوراً على كل هذه المستويات أو أغلبها؛ لكن شتان بين أن تلعب دوراً من منطلق العقيدة الأصلية لأهل البلاد على كل هذه المجالات، وبين أن تصبح عقيدتها خليطاً من هذه الدوائر. ٨ - أشار بعض الباحثين في مسألة التطوير إلى أن التطوير نتيجة لتبيته بليل بعيداً عن مشورة المتخصصين ورأيهم، وبعيداً عن قياسات الرأي العام أن هذا التطوير وقع في أخطاء فادحة لا يمكن أن تصدر عن جهات متخصصة قد أخذت فرصتها من الوقت والتفكير لإقرار التغييرات. ٩ - تركيز المقررات على الترويج لثقافة السلام وإقحام مفرداتها بأسلوب فج ومثال ذلك ما جاء في مقرر الفصل الدراسي الثاني من مادة القراءة الصف الثاني الابتدائي - أي بعد أن يتعلم الطفل القراءة مباشرة - ضمن موضوع (قرية السلام) وهو موضوع يكاد يحتل نصف المقرر ويدور حول قصة ثلاثة جيران هم: حمدان صاحب الأرض، وسمعان صاحب الساقية، وعواد صاحب البقرة، وتحدثت عن الشيخ الذي يبدو أقرب إلى هيئة راهب نصراني جاء ليعظ سكان القرية بأهمية السلام، وبعد أن ذهب إلى ثلاثتهم ووعظهم اكتشف الثلاثة أن الموانع من التعاون هي عداوات تاريخية موروثة لا يعرفون عنها شيئاً، ولم يشارك في صنعها أحد منهم، ومن ثم فالمصلحة تقتضي أن يتناسى الثلاثة العدوات التاريخية، ويبدؤوا صفحة جديدة ليعمل الجميع في القرية» قرية السلام «كما سماها المؤلفون، ويتقاسمون ثلاثتهم أرض حمدان العربي بالطبع؛ لأنهم تعاونوا جميعاً في زراعته! حمدان» العربي «.. وسمعان» المسيحي «صاحب الساقية.. وعواد صاحب البقرة الذي يوحي اسمه بفكرة العودة المقدسة لدى اليهود أصحاب البقرة، ولتكبر ثقافة القرية مع الطفل ليتعامل من خلال رؤاها في القرية الأكبر الشرق الأوسط. وقد وضعت هذه المادة في مؤخرة الفصل الدراسي الثاني لتظل راسخة في ذهن الطفل، فمعلوم تربوياً أن معلومات هذه الفترة الدراسية من كل عام هي من أكثر المعلومات رسوخاً في الذاكرة. نماذج أخرى مما فعله التطوير: التبديل الذي حدث للمناهج منذ أن شرع في التطوير يكاد لا يصدقه عقل كمّاً وكيفاً؛ فكما عملت مقصات الرقيب عملها في كتب ولأبواب كاملة، عملت مناقيشه داخل بقية الأبواب، ولم يدع الحذف كتاباً من الكتب حتى الرياضيات إلا وحذف منها ما يذكِّر الطالب بدينه وتاريخه، ولو ذهبنا نستقصي لما أسعفنا المقام، ولهذا نقدم نماذج تعبر عن حجم المصيبة التي رزئت بها الأمة في تربية أجيالها: * فمن بين النماذج التي نزعت فيها جمل وعبارات: ١ - حذف حديث:» خيركم من تعلم القرآن وعلمه «من كتاب القراءة للصف الأول الابتدائي. ٢ - موضوع (أهلاً وسهلاً) حذف عبارة السلام عليكم، بعدما كانت العبارة » إذا مررت بجماعة أقول لهم السلام عليكم «، حل محلها:» إذا مررت بجماعة ألقي عليهم التحية «. ٣ - موضوع: (الأصدقاء السعداء) الصف الثاني الابتدائي جاء فيه عبارة » الخصام لا يحبه الله ولا يحبه رسول الله «، تم حذف جملة:» ولا يحبه رسول الله «. ٤ - في الصف الثالث في موضوع: (النظافة من الإيمان) حذف منه حديث الرسول ﷺ :» تسوكوا؛ فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب «، وحديث:» بركة الطعام الوضوء قبله وبعده «. ٥ - ومن موضوع: (طبيب الأسنان) حذفت عبارة:» سوف ألتزم بنصائح معلمنا في استعمال السواك مع كل صلاة «. ٦ - موضوع (الشمس) حذفت عبارة:» التي تذكر بأوقات الصلاة «. ٧ - ومن الصف الرابع من موضوع شجاعة مصرية عن حرب العاشر من رمضان مع اليهود:» العدو المحتل كان اليهود احتلال الأراضي المصرية لا أرضى به.. «. كما حذفت عبارة:» ويرتبط العرب بالتاريخ واللغة والدين «. * وحذفت عدة أناشيد كلها إسلامية من الصف الثالث، فعلى سبيل المثال حذف نشيد الصلاة الذي أوله: بني توضأ وقم للصلاه ... وصل لربك تكسب رضاه ونشيد رباه الذي أوله: رباه أنت خلقتني ... ومنحتني سر الحياة * ومن بين الموضوعات الإسلامية والتربوية الأخرى التي حذفت بكاملها: ١ - موضوع (البطل الصغير) وهو موضوع يحث على الجهاد في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام ومن عباراته قول قائد الجيش:» إن جيشاً فيه مثل هذا الغلام لا يمكن أن يهزم، ولا بد أن ينتصر بإذن الله «. ٢ - موضوع (فاعل خير) : يحض الطلاب على إماطة الأذى عن الطريق. ٣ - قصة الولد الشجاع: وهي تحكي القصة الشهيرة بين عبد الله بن الزبير مع عمر بن الخطاب ﵄. كما حذفت قصته أيضاً التي بعنوان: » ذكاء وحسن تصرف «من الصف الثالث. * ألحقت كتب الموضوع الواحد في مراحل التعليم الثانوي والأساسي مثل كتاب عبقرية عمر بكتب القراءة لضغط النفقات؛ بينما بقيت كتب الموضوع الواحد الخاصة باللغة الإنجليزية رغم أن تكاليفها المالية أكبر لطباعتها الفاخرة وصورها الملونة، أما مقررات الموضوع الواحد في اللغة العربية فغيرت تماماً بحجة أن دراستها تثير فتنة طائفية. * تم حذف اسم فلسطين من الخرائط واستبدالها باسم إسرائيل، في الوقت الذي يرفع فيه من شأن اليهود وتخفى فيه سوءاتهم وعدوانهم المستمر على ديارنا، وإلغاء موضوعات الجهاد والتضحية والشجاعة وغيرها مما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسير الأبطال. * من بين المواضيع التي قررت بدلاً عن الموضوعات المحذوفة: موضوع (التاجر والعفريت) للصف الخامس الابتدائي، وهي مقتبسة من قصص ألف ليلة وليلة، وموضوع بعنوان: (نجيب محفوظ وجائزة نوبل) للصف الأول الإعدادي، وموضوع آخر له بعنوان: (أنا ابن حضارتين) للصف الثالث الإعدادي. * أما بالنسبة للتاريخ فإنا نجد أن الطالب أصبح لا يدرس من تاريخ أمته إلا قشوراً شوهاء: فتلميذ المرحلة الابتدائية لا يدرس من تاريخه الإسلامي إلا بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونشر الإسلام، ويتوقف الأمر على ذلك دون ذكر للغزوات التي حدثت في حياة الرسول ﷺ ، اللهم إلا ذكراً عابراً في قصة عبد الرحمن بن عوف. ويستمر الحال خلال المرحلة الإعدادية، فلا يأخذ من التاريخ الإسلامي إلا نشأة بعض الدول مثل نشأة الدولة الإخشيدية، ثم نشأة الدولة الأيوبية، ثم نشأة الدولة المملوكية، ولا يعرف بعد ذلك عن هذه الدول أي شيء. ثم لا يدرس الطالب الملتحق بالقسم العلمي من التاريخ الإسلامي إلا ما سبق ذكره في الصف الثاني الإعدادي فقط؛ إذ يتم التركيز على التاريخ الفرعوني والبطلمي والروماني، خلال مراحل التعليم (الرابع الابتدائي، الخامس الابتدائي، الأول الإعدادي، الأول الثانوي) . * أما عن كتب اللغات التي تصدر في شكل جذاب وتؤلف بعناية، فهي مليئة بالصور الجنسية الفاضحة وبالعبارات التي تكرس لثقافة الجنس، وبالاهتمام بالرقص والطرب. * أما كتاب الفلسفة المقرر على طلبة المرحلة الثانوية القسم الأدبي، فقد كان الكتاب يحوى في الحاشية تعليقات أشعرية على ما جاء في مسالك الفرق المذكورة في الكتاب، وقد كانت في مجملها لا تشفي في الرد على الفرق، فجاء التطوير فحذف التعليقات وأبقى على المذاهب والأقوال الفلسفية ليدرسها الطالب على علاتها، والنتيجة أن يحيا الطالب مشتتاً لا يدري أين الحق إلا أن يوفقه الله إلى من يبصره خارج نطاق التعليم، وهذا الأمر بدوره يراد لأجل أن تنشأ نسبية فكرية تسمح بوجود ما يطلقون عليه: (الآخر) أياً كان هذا الآخر، والسماح هنا يتجاوز حد السكوت بالطبع إلى التعايش والتفاهم، وربما ما هو أكثر من ذلك [٤] .

стр. 4216

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون مناهج التعليم الديني في العالم الإسلامي كمال حبيب عرف العالم الإسلامي منذ وجوده الأول المدارس الدينية التي قامت بتفسير القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، صحيح أن ذلك بدأ بشكل فردي حيث كان الصحابة يقومون ينقل ما سمعوه عن النبي ﷺ شفاهة ثم جاء التابعون من بعدهم لنقل ما أثر عن الصحابة ثم تكونت المدارس الفقهية واللغوية والأدبية، وكان كل نشاط العقل المسلم يدور حول الإسلام والقرآن والسنة، علماء التفسير والبيان والسنة والجرح والتعديل جميعهم كان نشاطهم العقلي والفكري يستلهم الإسلام ويدور حوله من أجل بيانه وشرحه والحفاظ عليه، ولم تكن المدارس الفقهية أو اللغوية أو الحديثية أو البيانية، ذات بيان ولها رسوم مقررة، لكنها في أغلبها عمل تطوعي وأهلي ومجتمعي. فأبو حنيفة مثلاً كان تاجراً لكنه متوافر على تأسيس مدرسة فقهية عريقة تعود بجذورها إلى الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ﵁ الذي كان يحكم ويقضي ويجتهد؛ هذه المدرسة الفقهية هي تلامذته الذين نقلوا العلم عنه «كأبي يوسف» و «محمد بن الحسن الشيباني» وغيرهم من المجتهدين والعلماء والقضاة، ثم تبلور في النهاية «المذهب الحنفي» الذي هو طريقة في المنهج لفهم الشريعة، وكذا الشافعي وكذا «الإمام مالك» إمام أهل المدينة بلا منازع ثم الإمام «أحمد بن حنبل» . وكان يحدث في هذه المدارس الإسلامية تلاقح فكري وقواعد في الفهم والاجتهاد وهي آية في التضلع الفكري والعلمي العقلي بمعناه الواسع؛ فالنشاط العقلي والفكري للحضارة الإسلامية هو بالأساس نشاط حول الإسلام وعلومه، وهذا الذي مثل النسق المعرفي الإسلامي بالأساس، ثم ظهرت جماعات من شذاذ الفكر الذين تلوثوا بالفكر اليوناني الوثني، والأفكار النصرانية والخوارجية البدعية، وكان ذلك في الواقع جزءاً من محاولة العدوان على الفكر الإسلامي الأصيل، لكن هذا الفكر الشاذ ظل هامشياً، وكان أهله محاصرين بحكم الشعور الإسلامي العام وبحكم علو الشريعة فكراً وسلطة. كما أن طبيعة العصر التي لم تكن تحقق التواصل، وكان كل عالم يعيش وحده، وهو ما جعل آثار هذا التفكير محدودة وليس لها واقع في حياة الأمة والناس؛ لكنه مع نهاية القرن السابع عشر ومع هزيمة الدولة العثمانية عسكرياً أمام الجيوش النصرانية الغربية، بدأت السفارات إلى الغرب، وبدأ استقدام متخصصين في العلوم البحتة ذات الطابع العسكري بالأساس، ولأول مرة جرى استقدام غير مسلمين للتخطيط والتدريس في الجيوش الإسلامية؛ كما بدأ إرسال المبعوثين، وهنا جرى أول اختراق حقيقي للعالم الإسلامي؛ حيث تكونت البذور الأولى داخل المؤسسات الإسلامية والتي تحمل أشواقاً لعالم الأعداء، وتؤمن أن تقليدهم في القيم والأفكار يمكن أن يحقق النهوض للعالم الإسلامي، ثم صار الإيمان بهذا الفكر الوافد قيمة للعمل من أجل تحطيم العالم الإسلامي وليس النهوض به. ومن المثير أن يكون الجيل الأول من العلمانيين في العالم الإسلامي قد اشتد عوده وقويت شوكته في مؤسسات الدولة العثمانية حاملة راية الإسلام في هذا الوقت، بل إن السلاطين أنفسهم كانوا من الذين حملوا الترويج لهذه الأفكار منذ منتصف القرن التاسع عشر. نعم كانت هناك ضغوط غربية من الخارج! لكن نمط التعليم الغربي اخترق أعلى مؤسسات الدولة كما حدث في الدولة الأموية والعباسية والتي جرى اختراق مؤسسة صنع القرار فيها عبر تبني الخلفاء والملوك للمذاهب القدرية والباطنية، وتسلط على مؤسسة الخلافة ذاتها المعتزلة والمبتدعة. ثم انتقل الأمر من عاصمة الإسلام إلى مصر؛ حيث رحل طلاب العلم إلى أوروبا في كافة الشُّعَب لكن أخطرهم كان «رفاعة الطهطاوي» إمام أول هذه البعثات، وجاء من بعده «محمد عبده» ومن قبله «الأفغاني» وتأسست مدرسة يمكن وصفها بالمصطلحات المعاصرة «مدرسة التفسير الاستعماري للإسلام» . ومن المدهش أن يكون سعد زغلول، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق وغيرهم تلامذة في هذه المدرسة التي كانت وثيقة الصلة بالإنجليز. لكن التعليم الإسلامي استرد عافيته بهبة الأمة من أجل الدفاع عن دينها وإسلامها وتعليمها. تدمير الأزهر: وظل الأزهر في مصر المدرسة التي تحمي التعليم الديني، وكان لها تقاليد صارمة علمية في الضبط والتحرير والإنتاج العلمي، ثم ظهرت مدرسة «دار العلوم» التي تخرج فيها الشيخ حسن البنا، والأستاذ سيد قطب، ودار القضاء الشرعي التي تخرج فيها الشيخ جاد الحق، وكان القصد منها ضرب الأزهر، لكنه ظل قوياً. ثم جاء انقلاب يوليو وأصدر قانون «تطوير الأزهر» حيث فصل أوقافه عنه، واستولت عليها وزارة الأوقاف، كما جعل شيخه تابعاً لوزير يساري في هذا الوقت هو كمال رفعت، وأدخل التعليم المدني فيه مثل الطب وغيره بقصد تخريج كوادر دعوية لمواجهة التبشير. وهنا أصبحت المؤسسة الأزهرية التي هي بالأساس مؤسسة أهلية علمية لها أوقافها المستقلة وتمارس الاجتهاد، ولها تقاليدها بعيداً عن يد الدولة أصبحت في قبضة الدولة، وحدثني «الشيخ الشعراوي» الذي كان يعمل مديراً لمكتب الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر أنه أي الشيخ حسن مأمون لم يكن يستطيع أن ينقل الفراش من مكتبه؛ أي نزعت من الأزهر كل أسلحته، وصار شيخ الأزهر الذي كان يمثل ضمير الأمة كلها مجرد موظف لدى المؤسسة الحاكمة لا يخرج قيد أنملة عما تطلب منه رغم أن العلماء في التقاليد الإسلامية هم بالأساس مراقبون للسلطة وضابطون لسلوكها، وهم معبرون عن الأمة من مواجهة السلطة. ثم مضى التطوير قدماً حالياً حيث جرى تقصير مدة الدراسة في الفترة الثانوية لتصبح ثلاث سنوات بدلاً من أربع مثل الثانوية العامة، وتم إلغاء دراسة المذاهب الفقهية تماماً والتي هي حافظة لطريقة فهم الشريعة وهي ناقلتها عبر الأجيال، ثم منع الطلاب الراغبون من خارج الأزهر من الالتحاق به وكانوا يمثلون دماءاً فيه لتجديد روح الأزهر وشبابه، ثم رفع سن القبول في المرحلة الابتدائية، وتضاءلت دراسة القرآن الكريم؛ كما حوصرت الكتاتيب، وضعف مستوى طلاب العلوم الشرعية والقسم الأدبي، رغم أن الشيخ الشعراوي قال لي: إن إصلاح الأزهر يكون عن طريق دعم القسم الأدبي والتخلي عن القسم العلمي تماماً للتعليم العام فدعاة الأزهر هم خريجو العلوم الشرعية بالأساس؛ وكل ذلك يجري في إطار ما أطلق عليه: «علمنة الأزهر» أي نزع صفة كونه معهداً لتدريس العلوم الشرعية وتخريج متخصصين في العلوم الشرعية الإسلامية. وخالف الأزهر عبر شيخه الحالي أعز تقاليده في تحمل الاختلاف الفقهي، فحوصر المخالفون لشيخ الأزهر وحوكموا وعزلوا وشردوا في الآفاق، وظن شيخه أن المركز الذي منحته السلطة له يتيح له أن يستخدم سلطة الإكراه في مواجهة خصومه رغم أن سلطة العلماء بالأساس هي سلطة معنوية لا تستند إلى الإكراه؛ والمتأمل في الاجتماع الإسلامي يلاحظ بوضوح أن السلطة السياسية كانت تعمد إلى فرض الرأي الواحد عبر القوة بينما كان العلماء يعمدون إلى إعطاء الفرصة لكافة الآراء الاجتهادية لا يحتكرها عالم واحد أو مجتهد واحد؛ وموقف الإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة واضح حين عرض عليه المنصور أن يجعل من «الموطأ» دستوراً فقهياً موحداً للأمة لكنه رفض. كان كل ذلك يتم في إطار علمنة ثقافة الأمة وتحطيم هويتها عبر مصطلحات مثل «تجفيف الينابيع» ؛ فبما أن الأزهر رصيد لتخريج علماء الدين فليجفف، وطالما أن الطلبة الذين يرغبون في الالتحاق به من خارجه يشتبه في أن يكونوا متطرفين فليمنعوا، وهكذا. وطالما أن مادة الدين في التعلم العام يمكن أن تكون مصدراً لتدين الشباب فلتجعل مادة للثقافة المشتركة مع غير المسلمين حفاظاً على الوحدة الوطنية. لم يكن كل ذلك تحت قصف النيران الخارجية أو في إطار خطة مفروضة من الخارج، بل كان من يقومون بكل هذا ينكرون أن يكون للخارج أي تدخل في فرض أجندته التي تريد أن تفرض التبعية الثقافية على عالمنا الإسلامي وخاصة دول القلب والمركز فيه، لكن أحداث سبتمبر جاءت لتقلب الأمور رأساً على عقب. ما بعد سبتمبر والقصف الأمريكي لمناهج التعليم: كما هو معلوم أن العقل الأمريكي ذي الطابع البراجماتي لا يملك القدرة على الغوص في الأمور لفهمها وتحليلها وهو يعتمد منهج التجريب فيما ينهيه إليه أقرب نظرة له أو أقرب طرفة عين عقلية، فإن ثبت خطأه جرب غيره، وهكذا.. وهذا وصناع القرار فيه اتهموا «بغير بينة» ما يطلق عليهم «فوكوياما» الأصوليين، وفي ظن الأمريكيين أن هؤلاء الأصوليين إسلاميون درسوا علوم الشريعة؛ وإذن فالمدارس الدينية في باكستان هي التي أخرجت طالبان والمدارس الدينية في السعودية هي التي تخرج أصوليين، ومناهج التعليم الديني هي التي تحفظ للإسلام قوامه؛ إذن تجب محاصرة هذه المدارس والمناهج، والضغط من أجل ذلك، ومن هنا فما كانت تقوم به الحكومات المحلية في السابق على استحياء أصبحت أمريكا رأساً هي التي تقوم بذلك، وهي تقوم به بعصبية شديدة وانفعال وقلة خبرة تحت تأثير ضربة سبتمبر، وهي تجهل أنها تدخل في قلب الوجود الإسلامي وفي قلب هوية الأمة، وهو ما يعد عدواناً قاسياً وخطيراً يصل إلى حد الحرب. بيد أن أمريكا لم تكتف بذلك، بل إن مسؤولين كباراً في وزارة الخارجية اقترحوا تمويل أئمة المسلمين الذين يعارضون الإرهاب على حد زعمهم ويؤيدون الحرية الدينية. وقالت وكيلة وزارة الخارجية للشؤون العالمية أمام اجتماع «لجنة الحريات الدينية» المعنية بمتابعة الحالة الدينية في العالم وفق الرؤية الأمريكية: «يتحدث كثير من المسلمين عن معارضة الإرهاب لكن ذلك غير كاف، وعلينا أن نواصل القيام بالمزيد لحث المسلمين في الخارج على التحدث علناً عن قيم دينهم التي تعلي من شأن الحياة، وأوضحت أنه» يجب التفكير خارج الإطار التقليدي وتوظيف وسائل خلاقة للنهوض بالحرية الدينية، وهنا علينا التفكير في تمويل علماء مسلمين وأئمة وأصوات أخرى للمسلمين «وزادت توضيحاً بالقول: » علينا أن نضم المزيد من علماء المسلمين إلى برامج التبادل الثقافي والأكاديمي التي تمولها أمريكا، إننا نريد الوصول إلى جمهور أكبر في المجتمعات الإسلامية؛ وذلك بهدف دعم أصوات التسامح في الدول الأخرى وعودة الناس للتسامح «. أي أن أمريكا تريد من المسلمين» إعلاء القيم الدينية التي تحافظ على قيمة الحياة «ويستبطن هذا المعنى إلغاء كل ما يتصل بالقتال في القرآن الكريم والسنة النبوية باعتبار أن آيات القتال في التصور الأمريكي تهدد حياة الآخرين، كما أن إعلاء قيمة الحياة تعني منع العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة ضد الصهاينة باعتبار أن اليهودي في التصور الأمريكي هو إنسان محفوظ الدم والحياة؛ لأنه لم يعتد على أرض لهم بل هو صورتهم في الاعتداء على الآخرين. وأفكار التسامح تعني إلغاء كل ما يتصل بمفهوم الولاء والبراء والتمايز على أساس العقيدة؛ فهم ينظرون» للإنسان «من وجهة نظرهم باعتبار الإنسان الغربي ابن الحضارة الأمريكية والغربية أو التي تصله بها آصرة الثقافة والدين كاليهود. وهم يروجون لفكرة» الإنسان الكوني «أي الإنسان الذي لا يشعر بأي انتماء خاص لدين أو لوطن أو لعقيدة أو لقضية، وحين يكون إنسان» العالم الإسلامي « أو الإنسان الشرق أوسطي» كما يزعمون بهذه الحالة فإنه سيكون نهباً وعبداً لكل ما يطلب منه. وتبقى العقيدة الإسلامية والدين الإسلامي هي حصانة العالم الإسلامي في مواجهة الهيمنة الأمريكية الثقافية. إن أمريكا تسعى اليوم عبر التدخل في مناهج التعليم الديني على وجه الخصوص للتأثير على الأجيال القادمة للأمة الإسلامية، أي أنها تعمل للسيطرة على المستقبل في العالم الإسلامي، وهي تشعر أنها لا يمكنها السيطرة على هذا المستقبل إلا عن طريق السيطرة على عقول شبابه وأبنائه، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق العبث بمناهج التعليم الديني خاصة. إن الأمة الإسلامية بحكم صفتها هي أمة روحها هو الدين وتاريخها وثقافتها ونشاطها كله بالأساس حول الدين، ونزع دينها أو التلاعب به من قبل قوة خارجية هو خطر لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من شأنه؛ لأنه خطر وقصف موجه إلى العقل والروح، هو قصف موجه إلى الجذور، وهو خطر يستهدف اغتيال الأمة، ونحن نثق أن الله «غالب على أمره» وحافط دينه [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) وأن هجمة أمريكا ومكرها سيمتد إلىها [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) . لكن الأمة كلها بحاجة إلى تدبر طبيعة الحرب التي تواجهها: إنها حرب صليبية، الإجلاب فيها بالخيل والرجل من جانب، وبالغزو الفكري والثقافي لهدم قواعد الأمة وأسسها من ناحية أخرى. أمريكا وتغيير خصائص الشعوب: دارسو السياسة الخارجية الأمريكية يعلمون أنها تعتمد على المدرسة السلوكية وما بعد السلوكية، وهي في جوهرها تقوم على ما يعرف بـ «الخصائص القومية للشعوب» أي تغيير الطبيعة القومية والنفسية للشعوب، وقد نجحت في ذلك مع ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تشن حرباً نفسية على العالم الإسلامي عن طريق محاولة تغيير خصائصه؛ لكن العقيدة الإسلامية هي التي تحفظه وتقف به صلباً أمام موجات العولمة الحديثة كما وقفت أمام موجات الحرب الصليبية والتبشير والاستشراق والاستعمار «الاستخراب» ومن ثم فالحرب الحضارية بين أمريكا والغرب من جهة والعالم الإسلامي من جهة أخرى هي حرب عقيدية حول الأساس وحول القضايا الثابتة، وهي حرب تضرب في الجذور، وسوف تسعى أمريكا بشكل أساسي لتجنيد العملاء، لكنهم هذه المرة من قلب المحتل الذي تريد أن تحطمه كما قال «زويمر» من قبل: «الشجرة لا يقطعها إلا أحد أبنائها» فالعملاء لن يكونوا يساريين أو علمانيين؛ لكنهم سيكونون من علماء الدين والمتخصصين في العلوم الشرعية من المفتين والقضاة والرؤوس في علوم الإسلام، وأمريكا سوف تمنح وتعطي وتغري وتخاتل وتبدو كالمسيخ الدجال الذي يتلاعب بظواهر الأشياء ويقلب المسميات ويصور للناس أنه يملك الجنة والنار، وهي تقول: «من ليس معنا فهو ضدنا» ؛ لذا فالأمر خطير؛ وليحذر كل امرئ وخاصة العلماء من فتنة أمريكية عمياء، القابض فيها على دينه وعلى الحق كالقابض على الجمر. إن الدهشة سوف تلجمنا إذا علمنا أن مؤسسة تسمى «كير» تتبع المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تقوم بالتخطيط للمناهج في وزارة التربية والتعليم المصرية. والدهشة ستمسك بتلابيبنا إذا علمنا أن وفد الـ F. B. I قد التقى شيخ الأزهر، ووفود الكونجرس تلتقيه للاطمئنان على مناهج الأزهر. ونورد ما قاله وزير التعليم المصري في حوار مع إحدى الصحف قال: «المناهج الدينية تتم صياغتها بإشراف شيخ الأزهر وهو رجل لا يستطيع أحد التشكيك في استنارته وتقدمه، وهو يعلن مسؤوليته دائماً عن كل ما يدرس من تربية دينية داخل وزارة التربية والتعليم، وشارك بنفسه في دورة تدريبية لمدرسي التربية الدينية بالوزارة؛ وبالفعل تم تغيير الكثير من هذه المناهج حتى يمكن صياغة عقل الإنسان الجديد غير المتطرف؛ وذلك لأننا نعتقد أن العقل هو جوهر الإسلام وعشرات الآيات تحض على العقلانية وإعمال العقل والفكر وقبول الآخر والتسامح والأخلاق والتكامل والرحمة» وهذا بالفعل هو ما تريده أمريكا، ونحن نندهش ونتساءل: وهل كانت الوزارة قبل هذا الوزير ومنذ وجدت وزارة التعليم في داهية عمياء بلا عقل ولا فكر ولا قبول الآخر ولا التسامح معه؟ وهل كان الطلاب لا يعرفون كل هذا؟ لكنها الأجندة الأمريكية الجديدة، حين يرتبط العقل والتسامح بها فإنها تعني عقلاً خاصاً وتسامحاً خاصاً تجاه أعداء هذه الأمة وتجاه تاريخها. ومن الإنسان غير المتطرف؟ «أي الإنسان الأمريكي، الإنسان الشرق أوسطي الذي لا يشعر بالهوية ولا يعترف بالقيم وإنما يؤمن فقط بالمصلحة إنسان البراجماتية والنفعية. وتدرك أمريكا ويدرك الغرب معها أن التعليم في أوروبا كان المدخل للسيطرة على الفرد وعلى الأمة، وكان أساس بناء الدولة القومية العلمانية في أوروبا؛ ففكرة العلاقة بين الهيمنة والتعليم في الغرب أساسية؛ لذا فهم يحاولون الهيمنة والسيطرة والإخضاع عبر التعليم، عبر تغيير مناهج التعليم الديني في مصر والسعودية وباكستان واليمن؛ وعبر القضاء على المدارس الدينية والجمعيات الخيرية التي تدعمها. وذلك يعني محاولة تدجين المجتمع الأهلي الإسلامي الذي يمثل قاعدة نبض الأمة وحيويتها. ويغري أمريكا بهذا صداقتها لهذه البلدان؛ لأنها تحاول توظيف هذه الصداقة عبر ترويج فكرة السلام، في اختراق وتسميم هذه المجتمعات الإسلامية. وهنا فالخطر داهم على الأمة حكاماً وشعوباً؛ ولذا يجب على الكل أن يستيقظ ويرفض المساومة على الثوابت أو التلاعب بالعقائد، وعلى الجميع أن يعرف أن روح الأمة أقوى من كل شيء، والحمد لله أن هذه الهجمة الأمريكية واكبت في الأمة حياة ووعياً مؤثراً، وأجيالاً جديدة حية تدرك وتسعى. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4217

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون أزمة التعليم الديني في باكستان فيض الرحمن العثماني [*] E.mailiisi@isb.paknet.com.pk قبل أن نتكلم عن التعليم الديني في باكستان يحسن بنا أن نعرف نبذة من تاريخ التعليم الديني في شبه القارة الهندية بشكل عام. ولفهم هذا التاريخ فهماً صحيحاً لا بد أن نضع نصب أعيننا ثلاثة أمور: أ - أن الهند موطن لأقدم الحضارات الوثنية ولها تقاليدها الحضارية العتيدة وعاداتها وأساليبها الاجتماعية الراسخة التي تميزها عن غيرها من الحضارات؛ مما يجعل تأثيرها الحضاري بالغ الأثر حيث يصهر الأمم الوافدة إليها، ولذا سميت بآكلة الأمم. ويلاحظ أن المسلمين استطاعوا تغيير العادات والأساليب الاجتماعية في البلدان الأخرى التي فتحوها أو وصلوا إليها حتى إنهم تمكنوا من تغيير لغات بعض الشعوب؛ إلا أن تأثيرهم في هذه المنطقة ذات الميزات الخاصة (الهند) كان ضئيلاً، بل نستطيع القول: إن الحياة الإسلامية التي عاشها المسلمون في الهند تأثرت بالمؤثرات المحلية، وما زالت تلك التأثيرات واضحة جلية في حياة مسلمي القارة إلى الآن. ب - لم يأت الإسلام إلى القارة الهندية من جزيرة العرب مباشرة، وإنما أتى ماراً بديار العجم، مما جعله يصل مشوباً بالاتجاهات الفكرية التي كانت سائدة في تلك الديار. ج - لم يبذل السلاطين المسلمون في الهند جهوداً كافية في نشر القرآن والسنة مما كانت تحتاج إليها تلك المنطقة ذات المؤثرات المذكورة آنفاً. ولهذه الأسباب المذكورة بقيت الهند بعيدة عن منابع القرآن والسنة الصافية حتى قيض الله لها الإمام الجليل أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الشهير بشاه ولي الله الدهلوي (١١١٤هـ ١١٧٦هـ) وأولاده من بعده وأحفاده. الهند بين منهجين: وفي حياة الإمام الدهلوي وضع العلاَّمة نظام الدين الأنصاري (م ١١٦١هـ) منهجاً للعلوم العربية والإسلامية وهو ما اشتهر بالدرس النظامي نسبة إليه، واستمر تدريس هذا المنهج طوال حكم المسلمين المغول في الهند، وكان التركيز فيه منصبّاً على علم الصرف والنحو والمنطق والفلسفة والفقه وأصول الفقه وعلم الكلام دون إعطاء القرآن والسنة ما يستحقانه من الاهتمام. وقد أعطى الإمام الدهلوي وأبناؤه من بعده أهمية خاصة لتدريس القرآن والسنة في مقابل المنطق والفلسفة وعلم الكلام. وعلى كل حال فالدرس النظامي مع أن فيه ما فيه من سلبيات وإيجابيات ظل يمد الهند الإسلامية بالمفتين والقضاة وقادة الجيش والشرطة وغيرهم من رجال الدولة إلى أن دهمها المحتل الإنجليزي، وتمكن من بسط سيطرته على البلاد، وأعلن تغيير نظام التعليم عام ١٨٣٥م، وكان يهدف من ذلك إلى نشر الثقافة الإنجليزية الغربية، أو بمعنى آخر تغريب المجتمع الهندي، وقد قدم واضع النظام الجديد اللورد ميكالي تقريراً إلى الحكومة البريطانية حول هذا المنهج قال فيه: «نريد من هذا التعليم تكوين جيل من الهنود لونه ودمه هندي، وفكره وذوقه وأخلاقه إنجليزية» . ثم تقدم المحتل نحو تحقيق هدفه خطوة أخرى معلناً في عام ١٨٤٤م أن الوظائف الحكومية حكر على المتخرجين من المدارس التي أقامها، وقد كتب أحد المسؤولين الكبار في أواخر عهد الإنجليز معلقاً على هذه الخطوة في كتابه المعروف بـ (شهاب ناما) «وباتباع هذه السياسة وإحلال الإنجليزية محل الفارسية لغة رسمية أصبح آلاف العلماء والفضلاء من المسلمين غير متعلمين عند الحكام الجدد» . وعندما رأى علماء الهند هذه الحال أدركوا الخطر الذي يتمثل في هذه الخطوة الماكرة على العلوم الدينية حيث خافوا من اندثارها والقضاء عليها، فبدؤوا بإنشاء مدارس غير رسمية، ففي عام (١٢٨٣هـ ١٨٦٣م) افتتحت مدرسة على هذا النمط وهي مدرسة دار العلوم بمدينة ديوبند أسسها الشيخ محمد قاسم نانوتوي، وأسس الشيخ سعادة علي مدرسة أخرى تعرف بـ (مظاهر العلوم) بسهارنفور، وتعد هاتان المدرستان هما الأهم من بين كثير من المدارس والحلقات التي بدأت تنتشر بجوار المساجد في أرجاء الهند، واستمر تدريس المنهج النظامي في هذه المدارس مع التركيز على القرآن والسنة وعلومهما، حيث يلزم الطالب بدراسة الصحاح الستة حتى سنة التخرج ومن ثم يرسله أساتذته إلى المكان المناسب حتى يخدم الدين. وإذا قلنا إن الإسلام في شبه القارة الهندية ظل حياً بفضل الله ثم بفضل هذه المدارس فلا نكون مجانبين للحقيقة، فلولا هذه المدارس لامَّحى الوجود الإسلامي من هذه المنطقة، أو نشأت صورة مشوهة للدين لا تمت إلى الإسلام الحق بأدنى صلة. التعليم الديني في باكستان: ظل الوضع على ذلك المنوال حتى تقسيم شبه القارة الهندية عام ١٩٤٧م إلى دولتين هما الهند وباكستان، فاستبشر العلماء بأن الدولة المسلمة الناشئة ستقيم مدارس إسلامية تدرس فيها المناهج العصرية والإسلامية جنباً إلى جنب، إلا أنهم صدموا بالواقع التعليمي الذي لم يتغير وخاصة الفئة التي ناصرت إقامة الدولة؛ ولذلك قرروا إنشاء مدارس أهلية على نمط (دار العلوم) بديوبند و (مظاهر العلوم) بسهارنفور في كل أرجاء البلاد، فأصبح لكل اتجاه أو فرقة رئيسية مدارسها الخاصة بها (الديوبندية، والبريلوية، وأهل الحديث، والجماعة الإسلامية، والشيعة) ، ثم نشأت بعد ذلك خمس لجان عليا للمدارس، لكل طائفة لجنة تشرف على مدارسها؛ حيث تعقد امتحانات تحت إشراف كل لجنة من هذه اللجان الخمس، ويمنح الدارس بعد امتحان التخرج شهادة تسمى (شهادة العالمية في العلوم العربية والإسلامية) ، وتعترف بها الحكومة كماجستير في العلوم العربية والإسلامية وتقبل في المجال الديني فقط، وتمكن حاملها أن يكمل تعليمه في مجاله فقط حتى درجة الدكتوراه، وبحكم أنها لا تؤهل صاحبها للسير في مجالات الحياة الأخرى ظل الوضع الوظيفي والاجتماعي كما كان في عهد الإنجليز مع بُعد شاسع بين (الملا) و (المستر) ، وهذا الوضع بدوره يتسع يوماً بعد يوم. الحاجة إلى تطوير المنهج النظامي: لقد كانت تجرى بعض التعديلات على المنهج النظامي من حين لآخر دون إدخال تعديلات أساسية كان المنهج النظامي يفتقر إليها، ومن المسلَّم به أنه لا يمكن التغيير في القرآن ولا السنة إلا أن بعض الكتب المقررة لتعليم الفنون الأخرى قد تضعف الحاجة إلى تدريسها الآن، كما أن متغيرات العصر تقتضي إدخال مقررات دراسية حديثة تواكب متطلبات الحياة المعاصرة؛ فعلى سبيل المثال يمكن إضافة مادة اللغة العربية الوظيفية والإنجليزية وتعليم مقدمات العلوم التجريبية، بل يمكن أن تدرس جميع المناهج الأدبية المقررة في المدارس الحكومية من الابتدائية إلى الجامعة (بعد التنقيح) ولنا في ذلك تجربة خاصة سأذكرها في حينها، ولقد بدأت بعض المدارس بتطبيق بعض ما ذكر إلا أن المسألة ستأخذ وقتاً لتعميمها على مستوى المدارس كلها، ولا أظن أن علماءنا سيغضُّون الطرف عن هذه الضرورة لوقت طويل. المحاولات المعاصرة للسيطرة على التعليم الديني: بدأ الصراع بين العقيدة الإسلامية والفكر العلماني منذ بدء إقامة الدولة الباكستانية عام ١٩٤٧م، وهو مستمر إلى الآن. ولكن لم تهاجم منابع تعليم العقيدة الإسلامية (المدارس الدينية) بهذه الصورة المنظمة والشرسة قبل الأحداث الأخيرة؛ فقد بدأ هذا الهجوم المنظم بعد خطاب الجنرال برويز مشرف يوم ١٢/١/٢٠٠٢م، وتعد هذه الحملة جزءاً من مخطط عالمي للقضاء على العقيدة الإسلامية النقية والتصور الصحيح للإسلام أو ما يطلقون عليه: تجفيف منابع التطرف، والذي خصصت له مبالغ طائلة، وكان يتوقع تنفيذ المخطط على مهل، غير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجوم على البرلمان الهندي عجل خروجه قبل أوانه المنتظر. ويمكن القول منذ سنوات مضت إن الجو لتنفيذ هذا المخطط يهيأ عبر وسائل الإعلام المختلفة التي يسيطر علىها الاتجاه العلماني، وقد استطاعت هذه الوسائل أن تضع في أذهان العامة عبر الدعاية المسمومة التشكيك في الهيئات والجمعيات الإسلامية والمنتمين إليها؛ مما هيأ هذه الأذهان للترحيب بخطاب الجنرال مشرف بشكل عام، وإن كان عدد لا يستهان به من الشعب استاء من خطوات الحكومة غير أن ردة فعلهم لم تظهر في الإعلام لضعف الإعلام الإسلامي داخل البلاد. الآثار المتوقعة لهذه الحملة: ويظهر أن أكبر أهداف هذه الحملة وكما يبدو من خطاب الجنرال مشرف هو السيطرة على المدارس الدينية وخاصة مدارس الديوبندية التي كانت منطلقاً لكثير من الحركات الإسلامية في الماضي من حركة المناديل الحريرية، وحركة ختم النبوة التي استهدفت تكفير القاديانية، وحركة نظام المصطفى، إلى حركة طالبان أخيراً، ولكن يبدو أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد؛ لأن وراء هذه المدارس أفراداً وجماعات تتعاون معها، وكذلك المنظمات الجهادية التي أسسها بعض المتخرجين من هذه المدارس والجماعات الدينية السياسية؛ فهم ينظرون إلى مدارس التعليم الديني على أنها معامل تفريخ لهذه المنظمات؛ ومن ثم فإن القضاء على هذه المنظمات وإضعافها يبدأ من السيطرة على هذه المدارس. ففي رأيي أن المخطط الذي يستهدف المدارس الدينية يريد أصحابه منه تحقيق هدفين رئيسين هما: ١ - إماتة الروح الجهادية أو إضعافها. ٢- فصل الدين عن السياسة تماماً وحصره في المساجد. وفي تصوري أن الهدفين المذكورين لا يمكن تحقيقهما بيسر في باكستان للأسباب المذكورة قبل هذا، ثم إن (الملا) في شبه القارة الهندية شيء قوي الشكيمة لا ينثني، يقف صامداً رغم الرياح العاتية، فلا يسهل القضاء على (الملا) وإخماد صوته في هذه المنطقة، ودول الكفر كانت ولا تزال تدرك ذلك: ولفهم المخططات المستقبلية للحكومة، وتصور رد الفعل المناسب على هذه الخطوات من قبل المتأثرين بها.. لا بد لنا أن نعرف العناصر التي ستتأثر بالقرار الحكومي ومدى حجمها؛ ومن ثم رد فعلها المتوقع على هذه الخطوات. فالعناصر التي يمكن أن تتأثر بالخطوات الحكومية يمكن ذكرها فيما يأتي: ١ - المنظمات الجهادية ضد المحتل الهندي في كشمير. ٢ - المنظمات السنية والشيعية المتهمة بإثارة النزاعات الطائفية والتقاتل فيما بينها. ٣ - المنظمات الدينية الثورية الجهادية داخل الدولة الباكستانية والتي لا ترى صحة العمل الديمقراطي أو جدواه لتطبيق الشريعة، وتؤمن بالعمل المسلح لتحقيق ذلك، مثل منظمة تنفيذ الشريعة المحمدية في مالاكند برئاسة الشيخ صوفي محمد وشعارها الشريعة أو الشهادة. ٤ - الجماعات الإسلامية السياسية والتي تعتمد على العمل السياسي والديمقراطي لتطبيق الشريعة، ومن أهمها: جمعية علماء الإسلام ويرأسها الشيخ فضل الرحمن، والجماعة الإسلامية وأميرها القاضي حسين أحمد، وجمعية علماء باكستان (البريلوية) وأميرها شاه أحمد نوراني، وجمعية أهل الحديث وأميرها البروفيسور ساجد مير. ٥ - جماعة التبليغ والدعوة. ٦ - أئمة المساجد وخطباء الجوامع. ٧ - المدارس الدينية. الآثار المتوقعة لهذه الحملة على العناصر الإسلامية المذكورة: وبعد هذه المقدمة يطيب لنا أن نذكر العناصر المتأثرة بالخطوة الحكومية ومدى تأثرها وردة فعلها المتوقعة بشيء من التفصيل. ١- المنظمات الجهادية: يقول المثل السائر: «السياسة لا تحمل في صدرها قلباً رحيماً» ، وتصدق هذه المقولة على الرئيس الباكستاني الذي كان بالأمس يدافع عن هذه المنظمات بقوله: «إن هناك فرقاً بين الإرهاب وحرب التحرير، وهؤلاء يحاربون دفاعاً عن الحرية وليسوا بإرهابيين» وفجأة تغيرت الظروف فتغير خطاب مشرف وظهر في يوم ١٢/١/٢٠٠٢م على شاشات التلفاز معلناً للعالم أن هذه المنظمات منظمات إرهابية يجب أن تحظر ويلقى قادتها وأعضاؤها العقاب، وبالفعل أُودِع كثير من قادة وأفراد هذه المنظمات خلف القضبان الحديدية، ولنا أن نترقب الخطوة القادمة ضد هذه المنظمات، وأتصور أن هناك احتمالين حول مصير هذه المنظمات: الأول: إذا رضيت الهند بالمفاوضات حول كشمير بسبب الضغوط الدولية عليها وبإجراءات مشرف الأخيرة، ونتج عنها حل سياسي لقضية كشمير والذي في غالب الظن يتمثل في تقسيمها فستفقد هذه المنظمات مسوِّغ وجودها، ويطوى بساطها، وسيفرج عن قادتها وأعضائها مع مراقبة تحركاتهم من قبل الحكومة، وهذا أقوى الاحتمالين. الثاني: ألا تعقد مفاوضات بين الدولتين أو لا تفلح بعد عقدها في إيجاد حل مرضٍ لقضية كشمير، فسيصعب على الحكومة عندها السيطرة على هذه المنظمات، وستتجه هذه المنظمات إلى العمل السري لتشارك بقوة في حركة تحرير كشمير. ٢ - المنظمات السنية والشيعية المتقاتلة: أعتقد أن الحكومة جادة في القضاء على هذه المنظمات وإبقاء الحظر على نشاطها وعقد محاكمات خاصة لأعضائها، وقد أنشئت لهذا الغرض محاكم خاصة تتكون من قاضيين وضابط من الجيش لا تقل رتبته عن عقيد. ٣ - المنظمات الإسلامية الثورية: هذه المنظمات تريد تطبيق الشريعة عن طريق الثورة والعمل المسلح دون اللجوء إلى العمل السياسي، وأعتقد أن الحكومة ستقضي عليها وستبقي عليها الحظر، وستواجه مصير المنظمات السنية والشيعية. ٤ - الجماعات الإسلامية السياسية: أظن أن حكومة مشرف لا تريد التورط في صراع مع هذه الجماعات في الوقت الراهن على الأقل، ولا تريد فتح عدة جبهات في وقت واحد خاصة أنه لا توجد أي ضغوط لفرض حظر عليها؛ واعتقال قادة بعض هذه الجماعات التي ساندت حكومة طالبان أمر مؤقت في رأيي. ٥ - جماعة التبليغ: نشاط هذه الجماعة لا يطالها أي قانون، ولا تشكل أي مصدر إزعاج للسلطات، ولا يتوقع معارضة الجماعة للخطوات الحكومية المتخذة ضد العناصر المذكورة قبل هذا. ٦ - أئمة المساجد وخطباء الجوامع: يبدو أن الحكومة قررت الضغط على هؤلاء وسلب حقهم في حرية التعبير عن الرأي وتريد منهم ألا يتحدثوا أمام الناس إلا بما تمليه عليهم، وتريد توحيد خطبة يوم الجمعة، وسأذكر ردة فعلهم على الإجرءات الحكومية فيما بعد إن شاء الله. ٧ - المدارس الدينية: الإجرءات التي تنوي الحكومة اتخاذها في حق المدارس هي: أ - تسجيل المدارس الدينية. ب - إضافة المواد العصرية إلى مناهجها. ج - ضمان عدم تدريب هذه المدارس لأفرادها على الإرهاب حسب تعبيرهم. د - ألا تؤسَّس المساجد والمدارس إلا بموافقة مسبقة من الحكومة. ويمكن ذكر الموقف من هذه الإجراءات على النحو الآتي: ١ - التسجيل: أظن أن تسجيل المدارس شيء طيب، وأغلب المدارس مسجلة مسبقاً، وكل مدرسة تود ذلك، ولكن الحكومة كانت تماطل في ذلك، وأعرف شخصياً كثيراً من المدارس في إسلام آباد تسعى للتسجيل منذ سنين لكن الحكومة لم تسجلها؛ فإن أرادت الحكومة أن تسجل هذه المدارس وفق القوانين العامة للمدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى فأظن أن القائمين عليها لن يمانعوا في ذلك. وأثناء كتابة هذه السطور ورد خبر مفاده أن مجلس اتحاد المدارس الإسلامية أبدى تعاونه في مجال تسجيل المدارس وفق قانون المؤسسات التعليمية للدولة المعمول به سابقاً دون التعديل فيه. وأظن أن الحكومة إذا أرادت تسجيل المدارس حسب قانون جديد أو لوائح خاصة فإن القائمين على هذه المدارس سيقاومون هذه الخطوة ويحق لهم ذلك. ٢ - أما إضافة المواد العصرية في مناهج المدارس الدينية، فإن المدارس الدينية أدخلت سابقاً التعليم العصري بصورة أو بأخرى في مناهجها وحسب ما تسمح لها ظروفها ومواردها المالية؛ فجامعة دار العلوم بكراتشي من أكبر المؤسسات التعليمية الدينية في باكستان تشترط في القبول والتسجيل أن يكون الطالب مجتازاً اختبار الثانوية الحكومية على الأقل. وفي معهدنا معهد العلوم الإسلامية بإسلام آباد تدرس المناهج العصرية المقررة لدى الحكومة إلى جانب المواد الدينية من الصف السادس إلى درجة البكالوريس. فإذا كانت الحكومة تهدف من هذا الإجراء ما ذكرناه؛ فإنه من الممكن أن تضع قانوناً لذلك بعد أن تكسب ثقة اللجان التعليمية الخمسة للمدارس الدينية. ٣ - المدارس الدينية والإرهاب: في الحقيقة دأب الإعلام الحكومي والعلماني منذ سنوات على شن حملة مغرضة على المدارس الدينية، حيث يتهمها بدعم الإرهاب وتدريب الإرهابيين. ورغم أن أكثر هذه المدارس يقع داخل الأحياء السكنية وهي مفتوحة للجميع، فإن أي حكومة باكستانية لم تستطع إثبات صحة هذه المزاعم؛ وعلى العكس من ذلك فإن كل مسؤول في الدولة زار هذه المدارس صرح بأنها لم تتورط في الإرهاب، ورغم ذلك لم يتوقف الإعلام العلماني عن هذه الحملة المغرضة. فإن كانت الحكومة صادقة في محاربة الإرهاب فلتحارب تلك الجماعات العرقية وتضيق عليها الخناق والتي ثبت بما لا يدع مجالاًَ للشك أنها أقامت حكوماتها داخل الدولة، وأنشأت أماكن لتعذيب من يعارض اتجاهاتها، فلا يمر يوم دون أن نسمع خبراً عن جرائمها البشعة من خطف وقتل وسرقة للسيارات وسطو على البيوت وترويع للآمنين في الطرقات. ٤ - الترخيص لبناء المساجد أو المدارس (N. O. C) : إن كانت الحكومة تهدف من هذا الإجراء منع إقامة وبناء المدارس والمساجد في أراض ليست مخصصة لبنائها فهذا أمر لا يعارضه أحد. أما إن كانت تريد من ذلك أن لا تقام مدرسة أو مسجد إلا بإذنها المسبق فالذين يعرفون الوضع الاجتماعي الباكستاني يدركون أن الهدف من وراء هذا الإجراء يكون هو منع إقامة المدارس والمساجد؛ لأن أكثر من ٧٥% من الشعب الباكستاني يعيشون في قراهم أو أراضيهم الزراعية التي لا تطالها قوانين البلديات، وكذلك الأمر بالنسبة للأراضي المحيطة بالمدن والتي يمتلكها الأفراد؛ فإن الإنشاءات عليها لا تحتاج إذناً مسبقاً من الحكومة؛ فكيف إذا أراد شخص إقامة مسجد أو مدرسة في أرضه التي يمتلكها؟ فالذي يجب أن يكون عليه الحال بالنسبة للمدارس والمساجد أن تيسر لها القوانين أو على الأقل تطبق عليها قوانين بناء المنشآت الأخرى، فإذا أصرت الحكومة على تطبيق قانون أو لوائح خاصة لبناء المدارس والمساجد على أراض لا يطبق فيها نفس القانون على المنشآت الأخرى، فإن العلماء سيقاومون هذه الخطوة الحكومية أيضاً. الموقف من هذه الخطوات: إن أقدمت الحكومة الحالية أو أي حكومة أخرى قادمة على هذه الخطوات أو بعضها فإن ردة الفعل المتوقعة في تقديري على النحو الآتي: ١ - قيام جبهة موحدة وقوية من اللجان الخمسة للمدارس الدينية، وقد تكونت باسم (مجلس الدفاع عن باكستان) التي سترفض جميع الإجراءات الحكومية التي تهدف إلى السيطرة على الدعوة الدينية. ٢ - ستتعاضد جميع العناصر الإسلامية التي ذكرت من أجل الدفاع عن حرية التعبير واحترام المساجد والمدارس الدينية؛ لأنهم ورغم اختلافهم في كثير من الأمور يتفقون في هذا الهدف المشترك. ٣ - إن عامة الشعب بمختلف مستوياته الاجتماعية والذي يدعم هذه المدارس من أيام الاحتلال الإنجليزي ولا يزال يزداد تعداده يوماً بعد يوم رغم الدعاية المضادة، سيقف مع المدارس إن شاء الله، بل نتوقع أن يتمخض عن هذه الإجراءات الحكومية ضد المدارس تعاطفاً شعبياً معها. ٤ - الجبهة القائمة باسم مجلس الدفاع عن باكستان ستقاوم (وقد بدأت بالفعل) الخطوات الحكومية بالوسائل السلمية؛ فإن فرضت الحكومة الإجراءات الجديدة بالقوة فإن ردة الفعل ستكون وخيمة وقوية ولا يمكن تصورها الآن، وستشترك في المقاومة جميع المنظمات الجهادية والمنظمات الإسلامية الثورية والجماعات الإسلامية السياسية، والحركات السنية والشيعية وجميع الأئمة وخطباء المساجد وبعض أفراد جماعة التبليغ، وكذلك بعض المنتمين إلى الجماعات السياسية الأخرى الذين لديهم قدر من التوجه الديني، بالإضافة إلى الكثير من أفراد الشعب غير المنتمين إلى الجماعات، ويحملون في قلوبهم الود والاحترام للمدارس الدينية والمساجد. ٥ - وفي ضوء ما ذكر فإن الساسة العقلاء والحريصين على مصلحة باكستان يرون أن على الحكومة الباكستانية أن لا تضغط على العناصر الإسلامية التي لا أحد يشك في أنها مخلصة ومحبة للوطن أكثر من غيرها، وأكاد أجزم أن الحكومة لو اتخذت سبيل التفاوض وأرادت حل القضايا بطرق هادئة فإن (الملاَّ) الباكستاني لن يرفض أي حل مناسب للقضية، فقد نشر خبر بتاريخ ٢٠/١/٢٠٠٢م في الجرائد، أن جلسة عقدها «مجلس اتحاد المدارس العربية بباكستان» في ملتان أصدرت قراراً ينص على أن الحكومة إذا اتخذت أي قرار بالتشاور مع اللجان الخمسة للمدارس الدينية فإننا سنقبل الحل الحكومي برضى تام. ولكنني أشك في نية الحكومة، فإن كانت الحكومة جادة في توحيد التعليم الديني والعصري فلماذا لا تدرس المواد الدينية في مناهج المدارس الحكومية بالكثافة المستحقة لها؟ ! ٦ - وهناك فرضية تبرز إذا تخيلنا أن الحكومة سيطرت لبعض الوقت على التعليم الديني في باكستان بالقوة، والمتوقع حينئذ أن تكون هذه السيطرة على المنشآت والمباني فقط؛ لأنها لا تستطيع أن تدير المدارس الدينية وإن نجحت في مدرسة أو مدرستين فإن الشعب الباكستاني لن يقبل بالخطباء والأئمة المتخرجين منها. وسيدِّرس العلماء الطلاب في بيوتهم كما كان الأمر قبل إنشاء المدارس بهذه الكثرة الموجودة الآن، فإنني وكثيراً من زملائي درسنا في بيوت المشائخ وكنا نعيش على الأرزاق التي تأتينا من بيوتات الحي؛ فالبنايات الحديثة هي نتاج سنوات قليلة ماضية؛ إذ إن المدرسة ليست هي البناية أو المنشأة فحسب، بل إن المدرسة تتكون في الأساس من طالب وكتاب وأستاذ؛ فمدرسة دار العلوم ديوبند بدأت بأستاذ وكتاب وطالب واحد فقط تحت شجرة الرمان. هذا الاحتمال وارد ويمكن أن لا تعود المدارس على النطاق الواسع إذا سيطرت الحكومة عليها؛ ولكن رجال العلم سيزدادون، فإني أرى المدارس الدينية وأتباعها منذ ما يزيد على خمس وثلاثين عاماً وهي تزداد عدداً، إلا أن عدد العلماء المخلصين المتبحرين في العلوم قليل، فلعل البنايات والخدمات الجديدة أحرقت وأتت على مزرعة الإخلاص ومع نهايتها سيعود الربيع إلى هذه المزرعة إن شاء الله.

стр. 4218

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون التعليم الإسلامي في الغرب إلى أين ؟ د. عبد الرحمن الجمهور [*] إحدى ثمار العولمة البغيضة تتمثل في السيطرة التامة على الأمم والشعوب، ومصادرة الحقوق، وتبديل المعتقدات والمفاهيم والأعراف، ونشر معتقدات ومفاهيم وأعراف مصدّري العولمة. ومقولة: «أنت ضدي إن لم تكن معي» صورة من صور تصدير العولمة على أساس ومبدأ القوة والإرهاب، وبهذه المقولة وبهذا المفهوم خاطب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن العالَمَ متهماً المسلمين بالإرهاب. وعلى أساسها دشن مشاريعه وبرامجه المعادية للإسلام؛ فشملت هذه المشاريع ميادين عديدة بما فيها التعليم. ولا يخفى على ذي بصيرة أن الأمم الغربية تكيل للمسلمين بمكيال يختلف عن الأمم الأخرى؛ حتى لو كان هذا المسلم أمريكياً أو يعيش في بلاد غير إسلامية. ومن المعلوم أن عدداً من المسلمين يقيمون في دول الغرب إقامة دائمة، وينخرطون في مجتمعات هذه الدول، ولا ريب أن لهذه المجتمعات تأثيراً على مستوى المعتقد والثقافة والأخلاق والمفاهيم. ويحاول كثير منهم تخفيف حدة تأثير هذه المجتمعات الدينية والثقافية من خلال إقامة المدارس الإسلامية التي تعنى بتربية النشء وتعليمهم أساسيات الدين، وتغرس في نفوسهم أصول التربية الإسلامية والأخلاق الكريمة المستمدة من القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة، وتسعى هذه المجتمعات إلى ربط أبنائها بثقافتهم الأم. وأهم قضية تؤرق المسلمين في المجتمعات غير المسلمة هي قضية الحفاظ على الهوية الإسلامية، والحفاظ على تميز الأبناء والبنات عن أقرانهم الغربيين؛ ولذلك اشتدت الرغبة لدى السواد الأعظم من المسلمين في البلاد الغربية في التعليم الإسلامي، وارتداء الحجاب، وارتياد المراكز والمساجد الإسلامية، رغبة في حفظ الهوية والبعد عن مسببات المسخ الغربي. وينظر الغرب إلى قضية حفاظ المسلمين على هويتهم بمنظارين مختلفين: فمنهم من يرى أن هذا الإجراء إجراء سليم يتطلبه الولاء للدين والثقافة ولا يمكن التخلي عنه بأي حال من الأحوال؛ فاليهود والهندوس والصينيون يقيمون مدارسهم ومعابدهم لتحقيق الأهداف نفسها التي يسعى إليها المسلمون؛ بل لقد برز اليهود في قضية التعليم الديني في أمريكا وبريطانيا وبقية الدول الغربية بصورة جعلتهم يتفوقون على المسلمين وغيرهم في مسألة الحفاظ على الهوية والتمايز الديني من خلال فتح مدارس منظمة ينخرط فيها مربون ومعلمون متمكنون في مجال التربية والتعليم، ومختصون في دراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية للجالية اليهودية في المجتمعات الغربية. وقد دافع أصحاب هذا الرأي عن المسلمين وغيرهم من الثقافات الأخرى، وشجعوا هذا الاتجاه وطالبوا الحكومات الغربية بتقديم العون لهم وإمدادهم بالمقررات والمناهج والمعامل ومساعدتهم في تحقيق رغباتهم؛ لأنهم جزء من المجتمع العام، ولهم حقوق كما أن عليهم واجبات. وقد ذهب بعض أصحاب هذا الرأي إلى مطالبة المدارس العامة في البلاد الغربية بتبني منهج يقوم على احترام الثقافات الأخرى ويركز على: ١- إعطاء الثقافات الأخرى الحق من التقدير والاحترام وعدم الازدراء. ٢ - تشجيع تعليم اللغات الأخرى في المجتمعات التي تكثر فيها الجاليات التي تتحدث لغة غير اللغة الرسمية. ٣ - تطعيم الكتب الدراسية بأحداث وتاريخ الثقافات الأخرى مثل الإسلام ورموزه ومقدساته. ٤ - التركيز على مبدأ المساواة وعدم التفرقة العنصرية. ومن المناصرين لهذا الرأي عالم الاجتماع البريطاني جون ريكي الذي وجه تحذيراً من خلال دراسات جادة ومستفيضة بيَّن فيها مغبة الوقوف أمام هجرة المسلمين ومناهضة قدومهم إلى بريطانيا؛ مما قد يسبب حنق هذه الطائفة ويشعرها بأنها مضطهدة فتتصرف على هذا الأساس فيحدِث خللاً في التركيبة السكانية. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن تنامي تيار تشجيع التمايز العرقي في المجتمعات الغربية؛ واهتمام الآباء المسلمين بحفظ أبنائهم ساعد في انتشار المدارس الإسلامية في الغرب عامة وفي أمريكا الشمالية بصفة خاصة؛ لدرجة أنك تجد في مدينة مثل شيكاغو وحدها أكثر من ٤٢ مدرسة إسلامية. وتقوم المدارس الإسلامية في الغرب على ثوابت وأهداف عليا تتمثل في: ١ - تعليم أبناء المسلمين أمور دينهم. ٢ - ترسيخ القيم والأخلاق الإسلامية الكريمة. ٣ - حفظ أبناء المسلمين من الذوبان في الثقافات الغربية. ٤ - إمداد الطالب المسلم بتعليم أكاديمي رفيع المستوى. ٥ - تمثيل المسلمين في المجتمعات الغربية. أما الرأي الآخر فيرى في انتشار المراكز والمدارس الإسلامية خطراً كامناً يهدد المجتمعات الغربية ويمثل فيروساً داخلياً ينخر في بنيان المجتمع الغربي الذي يقوم على ثوابت وأسس لا تتوافق مع النظرية الإسلامية، بل هما نقيضان من الدرجة الأولى؛ ولذلك لا بد من التصدي لأي تمثيل للمد الإسلامي داخل المجتمعات الغربية وتقزيمه، ومن أجل ذلك ظهرت تقارير تشجع الحكومات الغربية على الضغط على المراكز والمدارس الإسلامية وتحديد أدوارها بحجة أنها مفرخة للإرهاب ومصدر له؛ فهذا جهاز المخابرات الهولندي BVD يعد تقريراً حول نشاط ٣٢ مدرسة إسلامية في المدن الهولندية الرئيسة مثل: أمستردام، وايندهوفن يؤكد فيه أن هذه المدارس تمارس أنشطة إرهابية، وتلقن فكراً متطرفاً يشكل تهديداً مباشراً لبنية المجتمع الهولندي، وأن مناهج هذه المدارس تحتوي على نصوص متشددة تنظر إلى الغرب على أنه عدو يستحق القتل والتشريد. ودعا هذا التقرير إلى التدخل السريع والمباشر في مناهج هذه المدارس وتقنين سياسة توظيف الأساتذة والمربين. وكانت ردود الفعل عند مسؤولي التعليم في هولندا على ضوء هذا التقرير عنيفاً؛ إذ صرحت نائبة وزير التعليم: أنه «لن يسمح لهذه المدارس بالاستمرار في نشاطها وترويج الفكر المتطرف، وأننا سنضرب هؤلاء بيد من حديد» . بل ذهب بعض الكتاب إلى أن التعليم الإسلامي في الغرب يمكن أن يسبب أزمات سياسية بسبب تطرفه ونظرته للغرب وتأصيله للارتباط العرقي بين المتعلمين وأوطانهم الأصلية، وطالب بعض الكتاب بالحد من انتشار المدارس الإسلامية، وبالتدخل العاجل في مناهج ومقررات المدارس الإسلامية، وتقنين اختيار المدرسين والمشرفين على هذه المدارس للحد من ظواهر تصدير الإرهاب وتجفيف منابعه. وذهب بعض المفكرين الغربيين أمثال أنتوني هاريكي إلى أن المسلمين لا يتوافقون مع إيقاع الحياة الغربية؛ فحاجاتهم تسبب تعطيلاً للحياة الغربية؛ فهم يريدون أماكن للعبادة وأطعمة خاصة وألبسة معينة، حتى إنهم يتمايزون في المقابر؛ لذلك لا بد من التخلص منهم والتضييق عليهم، [وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) . وما تصوره الآية الكريمة واضح منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفهمناه بصورة جلية عندما وقع انفجار أكلاهوما، ونادى الإذاعي الأمريكي الشهير (رش لمبو) بطرد المسلمين من أمريكا بصورة عاجلة؛ لأنهم إرهابيون وأعداء حضارة. ومن فضل الله تعالى أنه بعدها بساعات قلائل أعلن عن القبض على مرتكب الجريمة وأنه من أبناء أمريكا النصارى. والمنادون بتقليص دور المدارس الإسلامية يدركون طبيعة التربية الإسلامية، وأن عمودها الفقري يتمثل في توجيه الأجيال وتسليحها بالأهداف النبيلة الصحيحة المعتمدة على القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة التي تكفل بإذن الله حفظ المسلم من التأثير الغربي. وخرج تيار آخر يخوِّف من تنامي التيار الإسلامي في الأوساط السياسة، لكن هذا الرأي واضح الأهداف والمساعي؛ إذ يحاول الالتفاف على المجتمع المسلم في الغرب، ويؤلب عليه لقمعه، وهذا ما أكده الدكتور آغا سعيد، أستاذ العلوم السياسة في إحدى الجامعات الأمريكية عندما وصف هذا الرأي بالسخف؛ لأن التيار الإسلامي لا يملك تأثيراً يذكر في المجال السياسي. إن وضع المسلمين السياسي والتعليمي في البلاد الغربية لا يزال في بدايته، ويفتقر إلى الكثير؛ فلا يوجد لهم تمثيل سياسي في المحافل السياسية بصورة تبين ثقل هذا المجتمع، والمدارس الإسلامية تفتقر إلى الأساسيات المهمة مثل تأهيل المعلمين، والاعتماد على مناهج تعليمية مبنية على أسس نفسية واجتماعية تتناسب والتركيبة السكانية لمسلمي الغرب؛ مما أفقد هذه المدارس الثقة عند كثير من أولياء الأمور المسلمين؛ إذ بلغت نسبة طلاب المدارس الإسلامية ١٢% إلى ٢٠% من مجموع أبناء المسلمين في الغرب ممن هم في سن الدراسة النظامي. وهذا يعني أن نسبة ٨٠% من أبناء المسلمين على الأقل في المدارس الغربية، ولا يتلقون تعليماً مبنياً على الأسس الإسلامية إلا من خلال مدارس عطلة نهاية الأسبوع، وغالباً ما تكون لساعات قليلة وتفتقر إلى كثير من الأسس التربوية. ويمكن حصر مشاكل المدارس الإسلامية في الغرب في النقاط الآتية: ١ - ضعف تأهيل مدرِّسي المدارس الإسلامية وخصوصاً مدرسي العلوم الشرعية واللغة العربية. ٢ - ضعف المناهج الشرعية والعربية، وانعدامه في بعض المدارس، أو الاعتماد على مناهج شرعية من دول إسلامية لا تتناسب والأسس النفسية والاجتماعية؛ لأن هذه المناهج بنيت لتناسب مجتمعات إسلامية وبيئة خاصة. ٣ - ضعف الإدارات في المدارس الإسلامية لعدم توافر المدير المؤهل القادر على تحقيق الأهداف العليا للمدرسة الإسلامية. ٤ - انعدام التخطيط وبروز العشوائية في قرارات المدارس. ٥ - غياب دور التنسيق بين المدارس الإسلامية في الدولة الواحدة. ٦ - قلة الموارد المالية للمدارس الإسلامية واعتماد كثير منها على التبرعات المباشرة من الآباء أو الدول والمجتمعات الإسلامية الأخرى. وبهذا يمكن تشخيص الوضع العام للمدارس الإسلامية في الغرب بأنها دون المستوى المأمول. وتتأكد حقيقة لا شك فيها، أن مستقبل المدارس الإسلامية في الغرب مليء بتحديات كثيرة تتطلب جهوداً مضاعفة من التربويين والدعاة والجمعيات الإسلامية لينهضوا بها من عثراتها، وخاصة أن أمامهم طريقاً طويلاً لتحقيق أهدافهم التي يرمون إليها. ومما يجدر الإشارة إليه أن المنادين بتقزيم المدارس الإسلامية وتقليل فاعليتها يرمون إلى تقليل الاعتماد على المناهج الشرعية من البلاد الإسلامية كدول الخليج وباكستان؛ لأن غالبية المسلمين في البلاد الغربية هم من الهنود والباكستانيين، ويعتمدون على المناهج الشرعية الباكستانية والخليجية، وهذه المناهج حسب تقرير المخابرات الأمريكية متطرفة وتدعو إلى الإرهاب بجميع صوره. أما طبيعة المدارس الإسلامية في الغرب فتبدو كما يلي: - ٧٣% من المدارس الإسلامية ابتدائية. - ١٢ - ٨٠٠ أعداد الطلاب في المدرسة الواحدة. - ١٢٦ متوسط طلاب المدرسة الواحدة. - ٥٠% من المدارس فيها ٦٥ طالباً. - ٢١% من المساجد فيها مدارس نظامية. تعداد المسلمين في الغرب: - أمريكا ٩ ملايين. - بريطانيا ٣ ملايين. - فرنسا ٣. ٥ ملايين. - ألمانيا ١. ٩ مليون. - بلجيكا ٨٥٠ ألف. - هولندا ٢٠٠ ألف.

стр. 4219

ملفات مناهجنا.. آخر الحصون هكذا يربي اليهود أبناءهم نائل نخلة [*] يقول يوري إيفانوف في كتابه: «الصهيونية حذار!» : إن دائرة الأفكار التي يسمم بها الصهاينة عقول أطفالهم والتي يرجى منها أن تستقر في أفهامهم تبدأ عادة بالتوراة. ويؤكد أندريه شوراكي في كتابه: «دولة إسرائيل» أن جميع اليهود يعمدون إلى الرجوع في كل مناسبة إلى الماضي الذي تضمنته التوراة وروح الأنبياء، وإلى الدور التاريخي والروحي للشعب اليهودي؛ أي إنهم يرجعون إلى قلب التراث الضخم الروحي والفكري والأخلاقي والقانوني للتاريخ العبري. أما فيكتور مالكا فيرى في كتابه «مناحيم بيغن: التوراة والبندقية» أن اليهود استقوا من توراتهم تعليمات في أعمال العنف واستخدام القوة. فقد جمعت قوانين الحرب في العهد القديم في سفر التثنية، وهي تحدد لهم أسلوب الاستيلاء على المدن، وأسلوب التعامل مع أهلها، وهذه القوانين يعدها القادة الإسرائيليون مصدراً للوحي وشريعة مقدسة لاستئناف البعث اليهودي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب. ولعلنا نستشف من هذا الكلام المصدر الذي ينهل منه الصهاينة أفكارهم وأسلوب حياتهم وهو التوراة؛ ولكن الوسيلة التي تتم من خلالها عملية نقل هذه الأفكار والتي تنتج الاحتلال والتمييز والتفرقة والعنصرية والتعصب هي مناهج التعليم في المدارس والجامعات الإسرائيلية؛ وهو ما أجملته الدكتورة الإسرائيلية تسيبورا شاروني في مقدمة حديثها عن التوجه القومي في برامج التدريس في المدرسة العبرية ضمن يوم دراسي في الكلية الأتوثوذكسية بمدينة حيفا في عام ١٩٨٨م بالجمل الآتية: «إن جميع الجنود ممن يؤدون الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة ... أولئك الشباب الذين يسكنون أور يهودا ... حيث عمليات إحراق العمال العرب ... إن ذلك كله نتاج مدرستنا ... نتاج البرامج التعليمية ... نتاج التربية الرسمية وغير الرسمية ... ولكن للتربية الرسمية نصيب الأسد في ذلك. إذ لم ترد كلمة واحدة في البرنامج التعليمي لليهود حول التطلع للسلام بين إسرائيل وجاراتها ... فمثلاً من منا يذكر كتاباً واحداً في الجغرافيا فيه اسم جبل باللغة العربية؟ لا وجود لهذا على الإطلاق؛ فالطلاب يتعلمون ذلك، وكأنه خلق هكذا ... الأسماء العربية لا وجود لها على الإطلاق ... أنا لا أتكلم عن قرى عربية تم محوها.. لا يذكرونها قطعاً ... هل هذه تربية؟ ... وماذا يعني كل هذا؟ ... لا يوجد في الصفوف إطلاقاً خارطات تشمل الخط الأخضر ... أرض إسرائيل الكاملة في جميع الخارطات بما فيها القدس والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة بوصفها جزءاً من دولة إسرائيل» . الصهيونية والدين اليهودي علاقة وثيقة: ليس تأثير الدين اليهودي والمتدينين طارئاً على دولة إسرائيل؛ فمنذ انطلاقة الحركة الصهيونية وهذا التأثير ملازم لها؛ إذ يشير ناجي علوش في كتابه: «الأساطير والوقائع الصهيونية والأمة العربية» أن اليهود في أوروبا الغربية عندما نشأت الحركة الصهيونية كانوا يمرون بنوع من الانعتاق؛ ولكن الانعتاق أخافهم؛ لأنه يقود إلى الاندماج. ولكن يهود أوروبا الشرقية كانوا متدينين وأكثر تمسكاً بالتوراة وطقوسها. ولم يجد رواد الصهيونية السياسية إشكالاً في ذلك، ووجدوا الحل بدمج الصهيونية السياسية، بالصهيونية الدينية. وهذا ما قاد الصهيونية السياسية إلى تبني الأفكار والرموز الدينية المألوفة لدى الجماهير وتحويلها إلى رموز وأفكار قومية في صياغة شبه دينية للبرنامج الصهيوني ليكون محل قبول من كافة التنوعات الاجتماعية والعرقية والحضارية والثقافية ليهود أوروبا. وطبيعي أن يقود هذا إلى علاقة وثيقة بين الصهيونية والدين اليهودي. ويضيف العلوش أنه على الرغم من أن الصهيونية بدأت من رجال يبدون علمانيين إلا أن رواد الحركة الصهيونية اندفعوا إلى الدعوة للتمسك بالدين وإحياء علومه ولغته ومحاربة الزواج المختلط. التربية العبرية تحفظ اليهودية! يقول الباحث الفلسطيني فارس عودة: لعل الدارس لطبيعة المجتمع الإسرائيلي يلاحظ تلك الملاءمة والتوافق القوي بين أهداف التربية اليهودية من جهة وأهداف الحركة الصهيونية وحاجات المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، فلقد كانت التربية اليهودية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم الصهيونية العدوانية، هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الصهاينة في إنشاء دولة إسرائيل وبقائها. لقد جعلت الصهيونية التربية أحد الأسس والركائز التي تعتمد عليها لبناء جيل يهودي ووطن صهيوني. وهو ما أشار إليه مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل في يومياته حين خصص التربية باعتبارها أسلوباً لتحقيق هدفه، فأشار إلى بعض المواد التي يركز عليها في مقدمة منهاجه واعتبرها ضرورية لذلك وهي الأناشيد الوطنية والدين والمسرحيات البطولية. أما القيادي اليهودي إلياهو كوهين فرأى في المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين (١٩٥١م) أن مصير إسرائيل يرتبط بإيجاد جهاز حقيقي لتنفيذ التعليم والتربية حسب المبادئ الصهيونية. بينما أكد دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل في المؤتمر الصهيوني الرابع والعشرين والمنعقد عام ١٩٥٦م أنه لن يكون للحركة الصهيونية مستقبل بدون تربية وثقافة عبرية لكل يهودي بوصفه واجباً ذاتياً. واعتبر أن معرفة التوراة كفيلة بتزويد الفرد اليهودي بجذوره وأصله وعظمته ومستقبله، ويضمن ارتباطه بشعبه في مملكة إسرائيل. ثم يسأل بن غوريون: ما الذي سيحفظ اليهودية؟ ! ويجيب: «إنها التربية العبرية» . ويحدد وزير المعارف والثقافة الإسرائيلي السابق زبولون هامر أهمية التربية في المجتمع الإسرائيلي بقوله: «إن صمودنا أمام التحدي الكبير الذي يواجهنا يتمثل في مقدرتنا على تربية قومية مرتبطة بالتعاليم الروحية اليهودية، تربية يتقبلها الطفل راغباً وليس مكرهاً؛ ولهذا فإن على جهاز التعليم الرسمي والشعبي أن يتحمل التبعية الكبيرة للصمود أمام التحديات التي تواجه إسرائيل. الهجرة والاستيطان ... التوسع والاحتلال ... التميز والتعصب: ويميز الدكتور وائل القاضي أستاذ التربية في جامعة النجاح الوطنية والذي أجرى بحثاً حول التربية في إسرائيل بين الأهداف المعلنة للتربية في إسرائيل وغير المعلنة؛ حيث يشير إلى أن الأهداف المعلنة للتعليم الحكومي في إسرائيل والتي حددتها المادة الثانية من قانون التربية والتعليم الإسرائيلي لعام ١٩٥٣م هي إرساء الأسس في التعليم الابتدائي على قيم الثقافة اليهودية ومنجزات العلم، وحب الوطن، والإخلاص والولاء للدولة والإعداد الطلائعي، والسعي لتشييد مجتمع قائم على الحرية والمساواة والتساهل والتعاون المتبادل، وحب الغير من الجنس البشري. وقد أعرب اليهود عن قلقهم من أنهم لم يشددوا على القيم القومية بما فيه الكفاية، فشرعوا بإدخال موضوع الوعي اليهودي الذي صادقت عليه الكنيست في عام ١٩٧٧م وجاء فيه:» في التعليم الابتدائي والثانوي والعالي ستهتم الدولة بتعميق الوعي اليهودي بين صفوف الشبيبة الإسرائيلية وتجذيره في تاريخ الشعب اليهودي وتراثه التاريخي وتقوية انتمائه الخلقي لليهودية من خلال إدراك المصير الواحد والمشترك والواقع التاريخي الذي يوحد يهود العالم عبر مختلف الأجيال والأقطار «. وهكذا نجد أن الدراسة الدينية تحتل مكاناً بارزاً في مناهج التعليم عموماً. وكثير من الموضوعات التي تعالج تحت أسماء مختلفة ك» الوطن والتاريخ والجغرافية واللغة العبرية «تدرس من الزاوية الدينية، وتؤكد هذه المناهج على تنمية الوعي والحسّ اليهودي لدى الأطفال بقصد زيادة التركيز على صلة الطالب اليهودي بتراثه القديم من خلال دراسته الدينية. ويتم التركيز في هذه المناهج على زرع الأفكار الدينية في عقول الناشئة لتسويغ وجود رابطة دينية بينهم وبين أرض فلسطين؛ ممّا يعطيهم الحق في بناء دولة لهم فيها، ويروِّجون أن إقامة دولة يهودية في فلسطين هو تحقيق لما جاء في التوراة؛ فالرب قد اختار الشعب اليهودي واختار الأرض. وما دام هذا الاختيار إلهياً فإنه يعطي امتيازاً للأرض وللشعب الموعود بها أيضاً. وبذلك تكون (أرض إسرائيل) مخصصة لبني إسرائيل وحدهم دون غيرهم. كما يتم التركيز أيضاً على أن الحياة اليهودية في فلسطين لم تنقطع منذ أيام الرومان إلى العصور الحديثة، وأن دولة الكيان هذه أنشئت في بلاد قطنها المحتلون والغزاة العرب طوال ١٣٠٠ سنة، وأن عودة المهجرين اليهود من كافة أنحاء العالم وتوطينهم في فلسطين تحت ستار العودة إلى أرض الوطن التاريخي ليس باعتبارهم غرباء عن هذه الأرض بل باعتبارهم سكانها الأصليين الذين ظلوا بعيدين عنها طوال العهود السابقة. ووفقاً لما أورده الدكتور القاضي فإن الأهداف الرسمية للتربية والتعليم في إسرائيل تتمثل بما يلي: أولاً: تكوين مجتمع عضوي موحد. ثأنباً: بناء دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية. ثالثاً: الحفاظ على التراث اليهودي ونشره وتعميقه. رابعاً: دعم مركزية إسرائيل بين يهود العالم والالتزام نحوها باعتبارها دولة اليهود. وقد حددت السلطات التعليمية في إسرائيل هذه الأهداف لإرساء الأسس التربوية الآتية: ١ - تعميق الوعي اليهودي الصهيوني. ٢ - التربية على قيم القومية اليهودية الصهيونية. ٣ - الاهتمام بدور اللغة العبرية من أجل الحفاظ على التراث اليهودي وبعثه وتعميقه بين الشباب الإسرائيلي؛ ولهذا فقد أصبح دورها يفوق كافة أدوار التدريس؛ إذ تحتل مكاناً بارزاً في مناهج المدارس الإسرائيلية. ٤ - ترسيخ جذور الشباب الإسرائيلي في ماضي الشعب اليهودي، وتراثهم التاريخي؛ وذلك لخلق أجيال إسرائيلية تؤمن بالمعتقدات الصهيونية التي اعتنقها جيل المؤسسين (الرواد) ، للتأكيد على (الريادة) وتصوير الرواد الأوائل مؤسسي الدولة نماذج للاقتداء بهم. ٥ - التعلق بالأرض: ويرتبط هذا الهدف مع ضرورة تكوين مجتمع موحد فيه الشتات اليهودي ويلتصق به. ٦ - فلسفة» دين العمل «ويرتبط مع الهدف السابق بوصفه أحد أركان الثقافة اليهودية والهدف من التعلق بالأرض. وفلسفة دين العمل بها هو تحقيق الاستيطان اليهودي في النهاية على أرض إسرائيل. أما الأهداف غير المعلنة للتربية الصهيونية فيحددها الدكتور وائل القاضي بالآتي: * الإيمان المطلق بحق شعب إسرائيل في» أرض إسرائيل «وملكيتهم لها والاستيطان فيها من خلال التكرار والتأكيد بالحديث عن الحق التاريخي في » أرض إسرائيل التاريخية «. * تحقيق التضامن اليهودي داخل إسرائيل وخارجها لضمان استمرار الهجرة اليهودية والدعم المادي لإسرائيل خاصة من يهود المهجر. * تكوين الاستعداد لدى الأجيال الإسرائيلية اليهودية للتوسع والاحتلال والعنف، وكراهية العرب؛ وذلك بحجة إنقاذ الأرض. * تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالاضطهاد عند الأجيال اليهودية المتعاقبة، لضمان عدم اندماج وانصهار هذه الأجيال في أي مجتمع آخر غير» إسرائيل «. * إظهار التفوق العبري الحضاري عبر العصور لتكوين الإحساس بالتمايز والتفوق، والشعور بالاستعلاء عند الأجيال الإسرائيلية الجديدة، وعودة الشعب المختار إلى» الأرض الموعودة «. * تشويه وتقزيم الصورة العربية في نظر الطالب الإسرائيلي مقابل التأكيد على صورة» السوبرمان «الإسرائيلي الذي لا يقهر. * تربية وتنشئة أجيال صهيونية متعصبة جداً لصهيونيتها ودولتها بكل ممارساتها مؤمنة بذلك إيماناً مطلقاً. على كل تلميذ حفظُ مقاطع من التلمود وتشرُّب روحها. ويؤكد رئيس مركز الدراسات المعاصرة في مدينة أم الفحم الدكتور إبراهيم أبو جابر على أن الديانة اليهودية تعتبر مصدراً هاماً من مصادر الفلسفة التربوية عند اليهود؛ فلقد اعتمدت التربية اعتماداً كبيراً على الدين في سبيل تشكيل أجيال متشبعة بتعاليم التوراة والتلمود، من أجل ترسيخ مفاهيم معينة في نفوس الناشئة اليهودية. وتهدف التربية الدينية إلى تربية الطفل جسدياً واجتماعياً وانفعالياً وعقلياً عن طريق قصص من التوراة وأسفارها. وفي هذا يقول حاييم وايزمن أول رئيس لدولة إسرائيل:» عندما بلغت ما لا غنى عنه لأي طفل يهودي، وخلال السنوات التي قضيتها في مدارس الدين تلك، كان عليَّ أن أدرس أشياء من أصول الديانة اليهودية، والذي ملك عليَّ لبي هو سِفْر الأنبياء «وما يمكن ملاحظته وفقاً لأبي جابر هو الاهتمام الكبير بتدريس المواد الدينية في جميع مراحل التعليم لأبناء اليهود أينما وجدوا؛ حيث تأتي مادتا التوراة والتلمود في مقدمة الدراسات، وتعتبر المادتان أساساً وإطاراً للغايات التربوية؛ حيث يقول مائير بار إيلان أحد مفكري التربية اليهودية:» إن روح التلمود ومعرفة عامة شرائعه وآدابه يجب أن يكون جزءاً من دراسة كل يهودي متعلم، حتى وإن لم يكن سيجعل من حقل الدراسة هذا مجالاً للعمل، والأمر شبيه بتعليم الفيزياء والرياضيات؛ فمع أنه ليس كل تلميذ يتخصص فيهما، ولا يستخدم جميع ما يتعلمه فيهما في حياته العملية، إلا أنهما ضروريتان له؛ كذلك بالنسبة للتلمود يجب أن يحفظ كل تلميذ مقاطع معينة منه وأن يتشرب روحها. ونورد هنا بعض التعاليم والأحكام التي يحتويها التلمود؛ حيث صيغت بمهارة فائقة: «اليهودي لا يخطئ إذا اعتدى على عرض الأجنبية، فإن عقود الزواج عند الأجانب فاسدة؛ لأن المرأة غير اليهودية بهيمة ولا تعاقد مع البهائم. يجوز لليهودي أن يُقسِم زوراً ولا جناح عليه إذا حوَّل اليمين وجهة أخرى. إن أخطأ أجنبي في عملية حسابية مع يهودي فعلى اليهودي أن يقول له: (لا أعرف) لا أمانةً، ولكن حذراً؛ إذ من الجائز أن يكون الأجنبي قد فعل ذلك عمداً لامتحان اليهودي وتجربته. من يقتل مسلماً أو مسيحياً أو أجنبياً أو وثنياً، يكافأ بالخلود في الفردوس وبالجلوس هناك في السراي الرابعة» . يقرر التلمود أن اليهودي يعتبر عند الله أفضل من الملائكة؛ لأن اليهود جزء من الله مثلما الابن جزء من أبيه. ولا نستطيع قراءة كل ما جاء في كتب التدريس، ونكتفي بذكر الآتي وهو وجود كتاب لتعليم القراءة تحت عنوان: «مكريؤت إسرائيل» للصفوف الدنيا من الصف الثالث وحتى الثامن. وقد قام الدكتور دانئيل بارتنا محاضر علم النفس في قسم التربية بجامعة تل أبيب بدراسة تطرَّق فيها إلى هذا الكتاب قائلاً بأنه بواسطة الكتب التعليمية تمت عملية غسيل دماغ للطلاب ليكرهوا العرب مما ينطوي على أبعاد مزعجة؛ إذ تصور العرب بملامح سلبية: إنهم وحوش وغير إنسانيين؛ فلا يمكننا تجاهل النتائج التي يستنتجها طفل لدى قراءته الخلاصة والأحكام التي يخرج بها عن العرب كلهم. وفي كتاب آخر لتعليم اللغة أصدرته دار النشر «هكيبوتس همؤحد» في السبعينيات وما زال يدرس حتى يومنا. جاء في ص ٢٧٧: «جلب اليهود روح التقدم والازدهار إلى الشرق الأوسط؛ بينما زاول العرب أعمال النهب والسطو والقتل» . وقد استطاعوا بث هذه القيم في نفوس طلابهم وتحقيق هذه الأهداف عن طريق مناهج التعلم الموجهة بدقة، فإذا اطلعنا على حجم دراسة مواد الدين اليهودي واللغة العبرية في مناهج الصفوف الابتدائية الدنيا (٢ - ٤) كمثال على ذلك نجد أن نسبة عدد ساعات دراسة هذه المواد تبلغ ٣٥% في التعليم المدني بينما تبلغ ٥١ % في التعليم الديني في الصفوف الابتدائية المشار إليها. وكما أنهم ركزوا جهودهم لتحقيق هذه الأهداف عن طريق (الكم) فإنهم اعتنوا أيضاً بنوع المادة المطروحة في المناهج، فمنذ نعومة أظفار الطفل اليهودي تركز التربية التي يتلقاها على أهداف محددة واضحة، ويذكر مؤلفا كتاب (فلسفة وأهداف تربية الطفل اليهودي في فلسطين) أن أهداف التربية في مرحلة رياض الأطفال تندرج تحت منظومة عامة من الأهداف تتلخص في «الهدف الرئيس وهو تكوين مجتمع موحد ويرتبط أفراده بثقافة ومشاعر مشتركة، ويتخاطبون باللغة العبرية، ويذكر المؤلف أن إسرائيل عنيت بتعليم الأطفال اللغة العبرية والديانة اليهودية باعتبارهما الأساس لقيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وثمة أهداف أخرى للعملية التربوية منها: بناء دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية، والمحافظة على التراث اليهودي ونشره وتعميقه بين الناشئة اليهود. ولذلك أقامت إسرائيل الجامعة العبرية في القدس، وسعت إلى اتباع أحدث الاتجاهات الغربية في التعليم. وبالنسبة للمصادر التي تستمد إسرائيل منها هذه الأهداف فإنها تشمل: الديانة اليهودية، الحضارة الغربية كحضارة عقلانية علمية، الحركة الصهيونية كخلاصة للتفاعل بين المصدرين الأول» الدين اليهودي «، والمصدر الثاني» الحضارة الغربية «، والناتجة عن قيم معينة تتلخص بالريادة والعمل. وعن الغايات المنشودة من وراء رياض الأطفال فإنها وفقاً للمؤلف تدور حول تهيئة الأطفال للتعامل الرشيد مع عالمهم المادي والاجتماعي، وتثقيفهم بالثقافة العبرية، وإعدادهم لتحمل المسؤولية في المستقبل» [١] . وفي الحقيقة فإن الأهداف التي تبلورت عبر التطور التاريخي للمؤسسة التعليمية (الإسرائيلية) «قد عبرت عنها المناهج بشكل واضح، وبخاصة كتب الديانات والتراث والتاريخ واللغة والأدب، حيث تتمحور حول المنطلقات التالية: - هناك شعب يهودي كان في الماضي البعيد يعيش في وطنه» أرض إسرائيل «موحداً، ثم تشتت بفعل الاحتلال الأجنبي لهذا الوطن. - خلال سنوات» الدياسبورا/ الشتات «كان الشعب اليهودي يحلم بالعودة إلى وطنه، وعكست تعبيراته الدينية وموروثاته الثقافية الاجتماعية هذا الحلم. - مع بدء التفكير في العودة إلى الوطن، كان» الجوييم «الأغيار لا يزالون يقيمون في هذه البلاد، يسيطرون عليها أو يحتلونها. - ونظراً إلى أن الوطن» القديم الجديد «مأهول بالأغيار، فثمة ضرورة للقيام بعدة اقتحامات في وقت واحد، أبرزها: اقتحام الأرض اقتحام العمل والإنتاج اقتحام الحراسة ... إلخ. - إن الروابط الدينية والتاريخية بين اليهود و» أرض إسرائيل «هي روابط أزلية/ أبدية؛ الأمر الذي يجعل العرب في البلاد وكأنهم غير موجودين. ويظهر من خلال الدراسة التي قام بها البروفسور أدير كوهين رئيس قسم التربية بجامعة حيفا والتي تضمنت تحليلاً علمياً لأهم ما ورد في (٤٢) من كتب الأطفال العديد من تلك المعالم والمنطلقات؛ إذ يكثر في هذه الكتب الحديث عن مملكة داود وسليمان، وعن حروب الرومان واليهود، وعن الغزو الأجنبي للبلاد، وفي كل هذه الأمور وسواها تتناول الكتب أحداثاً مثيرة تركز على ما يسمى (بطولات يهودية) ودفاعهم المستميت عن الوطن» [٢] . (نحن) فقط، وسوانا صفر: وقد شهد غريبون بل يهود أيضاً بالنتائج البغيضة لهذه السياسة التعليمية التي أثمرت العنصرية والإرهاب في أوساط اليهود، ففي عام ١٩٤٦م زارت فلسطين لجنة تحقيق إنجليزية أمريكية حول أساليب التربية الصهيونية، وخلُصت من التحريات التي أجرتها بأن المدارس اليهودية، وهي تحت إشراف الطائفة اليهودية وتدار بأموالها، قد أصبحت مشبعة بروح قومية ملتهبة، وغدت وسائل فعالة بالغة الأثر لبث روح القومية العبرية العدوانية. وفي عام ١٩٥٩م وجَّه المجلس الأمريكي لليهودية في مؤتمره السنوي الخامس عشر المؤسسات التعليمية اليهودية لتجرد مناهجها من الطابع الصهيوني والقومية اليهودية المتطرفة التي تنادي بها الصهيونية. وخلال مناقشات الكنيست في عام ١٩٧٥م وصف النائب مائير فلنر التربية الصهيونية في إسرائيل بقوله: «إن التربية الصهيونية في إسرائيل تسعى إلى ترسيخ مشاعر التعالي القومي والعنصرية، ومعاداة العرب، والروح العسكرية وإنكار حقوق الآخرين ... إن كل سياسة الحكومة الإسرائيلية غير إنسانية بما في ذلك سياستها تجاه تربية أولادنا» . ولعل المحامية الإسرائيلية فيليتسيا لانغر عبرت بصدق عن خلاصة واقع التربية الصهيونية وهي تخاطب الشباب اليهودي الذي يهدم بيوت العرب في الأراضي المحتلة إذ قالت: «لقد علموك منذ كنت صغيراً فن الحرب، وزرعوا فيك مشاعر التعصب القومي، والحقد على العرب، وأرادوا لك أن تحقد بكل ما أوتيت من قوة على العرب الذين أعدوك لمحاربتهم، لكي لا ترتجف يداك عندما تضغط على الزناد، وعندما دخلت المدرسة الابتدائية كان هناك من قرر بعد اثنتي عشرة سنة أنك ستكون جندياً؛ لذلك ستتركز تربيتك منذ الآن على تعلم الحرب، وبدأ ذلك بتنمية مشاعر التفوق القومي فيك مع رصيد لك في ماضيك من إهانة لقيم الشعب الآخر. » نحن فقط ... وسوانا صفر «هذا ما استنتجته بحق من مادة التدريس» ، وهذا الشيء في مجال السياسة معناه: «لنا كل البلاد ومن سوانا لا وجود لهم. ما أتفه العرب: هكذا بدوا في عينيك بالقياس إلى كل هذا المجد. وعندما بلغت سن الرشد علموك عن الطبيعة السيئة للعربي الذي لا يفهم إلا لغة القوة والقسوة، والمستعد دائماً أن يقضي عليك بلا رحمة، فرددت وراءهم عبارة حكمائنا:» الذي ينوي قتلك سارع إلى قتله «؛ لأنه لا يوجد لك خيار طبعاً؛ لهذا فإن السلام سيأتي فقط بعد أن ننتصر على العرب في الحرب؛ لأنهم لا يفهمون إلا لغة القوة» . إقبال شعبي: لم يكن الاهتمام بالقيم التوراتية والتلمودية في التعليم الصهيوني اتجاهاً رسمياً وحسب، بل إنه أيضاً يعبر عن رغبة شعبية متنامية في الاتجاه إلى إلحاق الناشئة بالتعليم الديني التوراتي إيماناً منهم بالنص التوراتي الذي يقول: «من كان له ولد فليعلمه التوراة» . وهذا الاتجاه المتنامي حقيقةٌ تشير إليه الإحصائيات والأرقام الرسمية خاصة في الفترة الزمنية الأخيرة، حيث تشير معطيات نشرتها وزارة التعليم الإسرائيلية بمناسبة بدء اليهود العام الدراسي الماضي أن عدد التلاميذ اليهود الملتحقين بمؤسسات ومدارس التعليم الديني في إسرائيل ازداد بأكثر من ١٣٠% خلال العقد الماضي. وبحسب المعطيات الرسمية التي نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» فقد ارتفع عدد التلاميذ في أطر التعليم الديني من ٤٨ ألف عام ١٩٩٠م إلى ١١١ ألفاً عام ٢٠٠٠م. ويتضح أيضاً أن عدد الطلاب في مدارس تعليم الشريعة اليهودية (التوراة) ازداد في نفس الفترة بحوالي ٨٨%؛ حيث ارتفع عدد الطلاب الدارسين فيها من ١٧ ألف طالب قبل عشر سنوات إلى ٣٢ ألفاً في السنة الحالية. وأشار مسؤولون في وزارة التعليم الإسرائيلية إلى أن اتجاهات الزيادة القائمة في عدد الطلاب في أطر ومؤسسات التعليم الديني ستستمر في السنة الدراسية المقبلة، ويعزو المسؤولون أسباب ازدياد الإقبال على هذه المؤسسات والمدارس إلى حملات الدعاية، وتخفيضات الرسوم التي تقوم بها شبكات التعليم الخاصة التابعة لأحزاب المتدينين المتزمتين، ولا سيما الشبكة التي يديرها حزب «شاس» الديني الشرقي. ووفقاً للمعطيات الرسمية ذاتها فقد سجل في مقابل هذا الارتفاع الكبير في عدد طلاب مؤسسات التعليم الدينية انخفاض في نسبة طلاب وتلاميذ جهاز التعليم الحكومي في إسرائيل من ٧٣% عام ١٩٩٠م إلى ٦٧% في العام قبل الماضي. هكذا يربى اليهود أبناءهم، وهكذا يقبل اليهود على تعلم دينهم، فما موقفنا نحن من التعليم الديني في بلادنا؟ حقائق عن إسرائيل: يتكون المجتمع اليهودي في إسرائيل الآن من يهود متدينيين وغير متدينين. وبين مختلف الفئات هناك الأرثوذكس المتطرفون، وهم يغالون في التدين ويناوئون الصهيونية، وهناك من يعتبرون أنفسهم علمانيين. ومهما يكن من أمر فليس هناك خطوط واضحة بين هذه الفئات. وبصورة عامة يمكن القول إن٢٠% من السكان اليهود ملتزمون بالفرائض والشعائر الدينية، وعلى هذا الأساس هم أرثوذكس. وهناك حوالي٦٠% يلتزمون بقسم من الفرائض والشعائر، حسب ميولهم وتقاليدهم السابقة في حين يعتبر ٢٠% غير متدينين إطلاقاً. وهناك مقاييس أخرى يمكن استخدامها لتحديد مدى التزام جمهور معين بأسلوب حياة متدين، منها التحاق الأطفال بالتيار التعليمي المتدين (٣٠%) ، أو تصويت الناخبين لصالح الأحزاب المتدينة (١٠ ١٥%) . المتدينون ينقسمون من حيث الالتزام الديني والعلاقة مع الدولة لشرائح وأنواع: ١ - المتدينون المتزمتون (الأرثوذكس أو الحريديم) : وهم الذين يحملون أفكاراً معارضة لمبدأ تأسيس الدولة، ويشكلون غالبية التيار المتدين، ويسكنون أماكن خاصة بهم، ولهم أنماط حياة أيضاً خاصة، منهم من يتعاملون مع الدولة ومؤسساتها ويشارك هذا التيار في الانتخابات انطلاقاً من مبدأ المصلحة أمثال (شاس، ديغل هتوراة، حباد) . وقسم آخر يرفض ذلك جملة وتفصيلاً، بل يتهم دعاة الصهيونية بالزندقة والكفر، ولا يحمل بعضهم الهوية الإسرائيلية، أمثال جماعة ناطوري كارتا. ٢ - المتدينون الوطنيون: وهم جزء من المتدينين اقتنعوا بطروحات الحركة الصهيونية ومبادئها، فخلطوا التدين والوطنية، فهم يشاركون منذ قيام الدولة في الحكم، ويخدم أبناؤهم في الجيش جنباً إلى جنب مع الآخرين غير المتدينين، وهؤلاء ينتمون لحركة (المفدال) . ٣ - المتدينون الإصلاحيون: وهؤلاء وجودهم قليل في إسرائيل لكون مقرهم الولايات المتحدة الأمريكية. وهم أشبه بالتيار التحريري لدى النصارى (البروتستانت) ، وعلى صراع مرير مع المتدينين المتزمتين بحكم تحررهم في المسائل التعبدية، وتجاوزهم لكثير من المعتقدات لدى اليهود الأرثوذكس. أهداف تعليم الدين كما ينعكس في المنهج التعليمي لليهود وللعرب ... ... ... ... الأهداف لليهود ... ... الأهداف للعرب التربية للهوية * أن يتعرف الطالب على ما كتب ... * تنمية شعور الانتماء والانتماء القومي في التوراة عن الشعب، وعلى آبائه ... القومي عند المتعلم وأجداده وعلى رجاله وتاريخه وعلى ... دينيا وتاريخًا ... ... صراعه المستمر من أجل الاستيطان ... وحضاريًا. ... ... ... في أرض إسرائيل والتمسك بها. ... ... · أن يتعرف الطالب على قيم مثل: الشعب ... ... المختار الأجنبي. ... ... · أن يتعرف على مكانة أرض إسرائيل في ... ... الكتاب المقدس، وعلى العلاقة بين الشعب ... ... وأرضه ومناظر البلاد وأثرها. التربية للتعايش ... لا يوجد ... ... ... * أن يعرف الطالب أن الإسلام ... ... ... ... ... ... ... يدعو إلى التعايش بين البشر ... ... ... ... ... ... ... على اختلاف ... ... ... ... ... ... ... ... أجناسهم وألوانهم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وعقائدهم الدينية. ... ... ... ... ... ... ... * أن يتعرف المتعلم على ... ... ... ... ... ... ... الديانات الأخرى واحترامها. ... ... ... ... ... ... ... * تنشئة المتعلم اجتماعيًا ... ... ... ... ... ... ... ... ليتفاعل ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... مع المجتمع بفئاته المختلفة ... ... ... ... ... ... ... حيث تكون ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... علاقاته مع أفراد مجتمعه ... ... ... ... ... ... ... ... ... علاقة أخذ وعطاء وتأثير ... ... ... ... ... ... ... ... ... متبادل. ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 4220

نص شعري رسالة.. من حراس المسجد الأقصى د. عبد الغني بن أحمد التميمي [*] أعيرونا مدافعَكُمْ ليومٍ ... لا مدامعَكُم أعيرونا وظلُّوا في مواقعكُمْ بني الإسلام! ما زالت مواجعَنا مواجعُكُمْ مصارعَنا مصارعُكُمْ إذا ما أغرق الطوفان شارعنا سيغرق منه شارعُكُمْ يشق صراخنا الآفاق من وجعٍ فأين تُرى مسامعُكُمْ؟ ! * * * ألسنا إخوةً في الدين قد كنا.. وما زلنا فهل هُنتم، وهل هُنّا أنصرخ نحن من ألمٍ ويصرخ بعضكم: دعنا؟ أيُعجبكم إذا ضعنا؟ أيُسعدكم إذا جُعنا؟ وما معنى بأن «قلوبكم معنا» ؟ لنا نسبٌ بكم والله فوق حدودِ هذي الأرض يرفعنا وإنّ لنا بكم رحماً أنقطعها وتقطعنا؟ ! معاذ الله! إن خلائق الإسلام تمنعكم وتمنعنا ألسنا يا بني الإسلام إخوتكم؟ ! أليس مظلة التوحيد تجمعنا؟ ! أعيرونا مدافعَكُمْ رأينا الدمع لا يشفي لنا صدرا ولا يُبري لنا جُرحا أعيرونا رصاصاً يخرق الأجسام لا نحتاج لا رزّاً ولا قمحا تعيش خيامنا الأيام لا تقتات إلا الخبز والملحا فليس الجوع يرهبنا ألا مرحى له مرحى بكفٍّ من عتيق التمر ندفعه ونكبح شره كبحاً أعيرونا وكفوا عن بغيض النصح بالتسليم نمقت ذلك النصحا أعيرونا ولو شبراً نمر عليه للأقصى أتنتظرون أن يُمحى وجود المسجد الأقصى وأن نُمحى أعيرونا وخلوا الشجب واستحيوا سئمنا الشجب و (الردحا) * * * أخي في الله أخبرني متى تغضبْ؟ إذا انتهكت محارمنا إذا نُسفت معالمنا ولم تغضبْ إذا قُتلت شهامتنا إذا ديست كرامتنا إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ فأخبرني متى تغضبْ؟ إذا نُهبت مواردنا إذا نكبت معاهدنا إذا هُدمت مساجدنا وظل المسجد الأقصى وظلت قدسنا تُغصبْ ولم تغضبْ فأخبرني متى تغضبْ؟ عدوي أو عدوك يهتك الأعراض يعبث في دمي لعباً وأنت تراقب الملعبْ إذا لله، للحرمات، للإسلام لم تغضبْ فأخبرني متى تغضبْ؟ ! رأيت هناك أهوالاً رأيت الدم شلالاً عجائز شيَّعت للموت أطفالاً رأيت القهر ألواناً وأشكالاً ولم تغضبْ فأخبرني متى تغضبْ؟ وتجلس كالدمى الخرساء بطنك يملأ المكتبْ تبيت تقدس الأرقام كالأصنام فوق ملفّها تنكبْ رأيت الموت فوق رؤوسنا ينصب ولم تغضبْ فصارحني بلا خجلٍ لأية أمة تُنسبْ؟ ! إذا لم يُحْيِ فيك الثأرَ ما نلقى فلا تتعبْ فلست لنا ولا منا ولست لعالم الإنسان منسوبا فعش أرنبْ ومُت أرنبْ ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الذلِّ ألم يخجلك ما تجنيه من مستنقع الحلِّ وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتل ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالهول وتغضب عند نقص الملح في الأكلِ! ! * * * ألم تنظر إلى الأحجار في كفيَّ تنتفضُ ألم تنظر إلى الأركان في الأقصى بفأسِ القهر تُنتقضُ ألست تتابع الأخبار؟ حيٌّ أنت! أم يشتد في أعماقك المرضُ أتخشى أن يقال يشجع الإرهاب أو يشكو ويعترضُ ومن تخشى؟ ! هو الله الذي يُخشى هو الله الذي يُحيي هو الله الذي يحمي وما ترمي إذا ترمي هو الله الذي يرمي وأهل الأرض كل الأرض لا والله ما ضروا ولا نفعوا، ولا رفعوا ولا خفضوا فما لاقيته في الله لا تحفِل إذا سخطوا له ورضوا ألم تنظر إلى الأطفال في الأقصى عمالقةً قد انتفضوا تقول: أرى على مضضٍ وماذا ينفع المضضُ؟ ! أتنهض طفلة العامين غاضبة وصُنَّاع القرار اليوم لا غضبوا ولا نهضوا؟ ! * * * ألم يهززك منظر طفلة ملأت مواضع جسمها الحفرُ ولا أبكاك ذاك الطفل في هلعٍ بظهر أبيه يستترُ فما رحموا استغاثته ولا اكترثوا ولا شعروا فخرّ لوجهه ميْتاً وخرّ أبوه يُحتضرُ متى يُستل هذا الجبن من جنبَيْك والخورُ؟ متى التوحيد في جنبَيْك ينتصرُ؟ متى بركانك الغضبيُّ للإسلام ينفجرُ فلا يُبقي ولا يذرُ؟ أتبقى دائماً من أجل لقمة عيشكَ المغموسِ بالإذلال تعتذرُ؟ متى من هذه الأحداث تعتبرُ؟ وقالوا: الحرب كارثةٌ تريد الحرب إعدادا وأسلحةً وقواداً وأجنادا وتأييد القوى العظمى فتلك الحرب، أنتم تحسبون الحرب أحجاراً وأولادا؟ نقول لهم: وما أعددْتُمُ للحرب من زمنٍ أألحاناً وطبّالاً وعوّادا؟ سجوناً تأكل الأوطان في نهمٍ جماعاتٍ وأفرادا؟ حدوداً تحرس المحتل توقد بيننا الأحقاد إيقادا وما أعددتم للحرب من زمنٍ أما تدعونه فنّا؟ أأفواجاً من اللاهين ممن غرّبوا عنّا؟ أأسلحة، ولا إذنا بيانات مكررة بلا معنى؟ كأن الخمس والخمسين لا تكفي لنصبر بعدها قرنا! أخي في الله! تكفي هذه الكُرَبُ رأيت براءة الأطفال كيف يهزها الغضبُ وربات الخدور رأيتها بالدمّ تختضبُ رأيت سواريَ الأقصى لكالأطفال تنتحبُ وتُهتك حولك الأعراض في صلفٍ وتجلس أنت ترتقبُ ويزحف نحوك الطاعون والجربُ أما يكفيك بل يخزيك هذا اللهو واللعبُ؟ وقالوا: كلنا عربٌ سلام أيها العربُ! شعارات مفرغة فأين دعاتها ذهبوا وأين سيوفها الخَشَبُ؟ شعارات قد اتَّجروا بها دهراً أما تعبوا؟ وكم رقصت حناجرهم فما أغنت حناجرهم ولا الخطبُ فلا تأبه بما خطبوا ولا تأبه بما شجبوا * * * متى يا أيها الجنديُّ تطلق نارك الحمما؟ متى يا أيها الجنديُّ تروي للصدور ظما؟ متى نلقاك في الأقصى لدين الله منتقما؟ متى يا أيها الإعلام من غضب تبث دما؟ عقول الجيل قد سقمت فلم تترك لها قيماً ولا همما أتبقى هذه الأبواق يُحشى سمها دسما؟ دعونا من شعاراتٍ مصهينة وأحجار من الشطرنج تمليها لنا ودُمى تترجمها حروف هواننا قمما * * * أخي في الله قد فتكت بنا علل ولكن صرخة التكبير تشفي هذه العللا فأصغ لها تجلجل في نواحي الأرض ما تركت بها سهلاً ولا جبلا تجوز حدودنا عجْلى وتعبر عنوة دولا تقضُّ مضاجع الغافين تحرق أعين الجهلا فلا نامت عيون الجُبْنِ والدخلاءِ والعُمَلا * * * وقالوا: الموت يخطفكم وما عرفوا بأن الموت أمنية بها مولودنا احتفلا وأن الموت في شرف نطير له إذا نزلا ونُتبعه دموع الشوق إن رحلا فقل للخائف الرعديد إن الجبن لن يمدد له أجلا وذرنا نحن أهل الموت ما عرفت لنا الأيام من أخطاره وجلا «هلا» بالموت للإسلام في الأقصى وألف هلا

стр. 4221

قصة قصيرة وقفة مع الجموح عبد الخالق بن حمود القحطاني جلست يوماً إلى طاولة المكتب أُقلِّب بعض الأوراق هنا وهناك، ثم إنني أخذت أُحرِّك القلم الذي في يدي وأعبثُ به؛ وبينا أنا كذلك أَخَذَتْ تَعْرِض لفكري أمور كثيرة؛ فلا يكاد الذهن يشتغل بفكرة إلاّ وينتقل إلى غيرها. وفجأة ... إذا بشبحٍ يتراءى لي، ويقفُ بين يديّ. - أهذا أنتِ؟ قُلْتُ لَها. فأجابتْ بغرور وهي شامخةُ الأنف، مُصَعِّرةُ الخَد: - نعم! فماذا تريد؟ لقد كُنْتَ تُفكِّر فيَّ منذُ هُنَيْهة، أليس كذلك؟ ! - بلى أنتِ مُحِقّة؛ فهناك أشياء أُحبُّ أن أكلِّمَكِ بشأنِها. أجابت وهي تَزُمُّ شفيتها: - إذن قُلْ أَسْمعْ. قُلتُ لها: - لقد أتعبتني، بل أهلكتني! ردَّت متعجبة: - وكيف ذاك؟ ! اعتدلتُ في جلستي وقلت: - إن طلبتكِ في مواطن الذكر لم أجدكِ، وإن أردت المعونة منك على خير ألفيتك كارهة مثبطة؛ تثقلين عن الصلاة، وتكرهين الصوم، ولا تصبرين على ترديد الأذكار. وتسمعين من الآيات ما لو تُلِيَ على الصخر الأصمّ لَفَلَقَه، أو على الجبال لضَعْضَعَهَا. في الصلاة آيات، ومن أفواه القراء آيات. وليتك إذ غفلت عن تدبر الآيات أقمت باقي الصلاة بخشوع، بل حشفٌ وسوء كيلة! وأنت مع كل ذلك راغبة في اللهو، ناشطة فيه. إذا لاحت الدنيا تطيرين لها طيراناً، ويخفق لها قلبك، وتجتمعين عليها بكُليِّتكِ. فأين العدل بالله عليكِ؟ ! طأطأت رأسها وهي تفكر فيما قلته. فلما رأيت كبرياءها قد انكسرت أردفتُ قائلاً: - وأين حفظكِ لحدود الله؟ تقترفين الذنب تلو الذنب وتقولين: صغيرة لا تضر! وأنت تعلمين أن صغار العيدان إذا اجتمعت أنضجت اللحم. فكم من نظرة لا تحلُّ قَارَفْتِهَا، وكم من كلام محرم أرخيتِ له سمعكِ، وكم من كلمة زل بها لسانكِ فلم تلقي لها بالاً! ثم إنني سكت هُنَيْهةً وأخذتُ أنظر في فعل حديثي معها، فلما رأيتها مُنصِتَة واجمة تابعت: - ثم الطاعات التي عملتها، كم منها يسلم لك ِمن شائبة رياء أو عجب؟ ! إن طلبتِ علماً فَلِتَبُزِّي به أقرانكِ، وليقال مثقفة! وتزخرفين الألفاظ ليُقال مفوهة! وإن دونتِ فائدة فليقال كاتبة! وإن اشتغلتِ بعمل فليقال داعية! وإن أطرقتِ فليقال خاشعة! وقد قيل! ! يرى الناس عليك زينة الصالحين فيظنون أنك من أصلحهم وأتقاهم، وما صلح إلا الثوب! وجوفك خرب، كنخلة تبدو للناظر سامقة باسقة، وقد امتلأ بطنها بالسوس والديدان. ثمَّ أنت مع كل ما سبق ترجين مراتب الكبار، ومنازل السابقين المقربين، وجنات ونهراً، وحوراً عيناً، وأنهار الخمر والعسل! ! وإن هذا لعين الغرور، ولا يستوي الظل ولا الحرور [١] ! ثم إنني أخذت أنظر إلى وجهها وقد علاه الحزن والكآبة، وإذا هي تقول بصوت خفيض: - أتوب! - كم مرة قلتِ ذلك، ثم لا تلبثين أن تنقضي غَزْلَكِ؟ ! - أعدُكَ بأن تكون توبتي صادقة هذه المرة.. - قد قلتِ ذلك فيما مضى. - وي.. ويلكَ! إن الله يتوب على من تاب. - أجل هو يغفر لمن تاب سبحانه، ولكن ليس من تاب وحسب، بل [لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى] (طه: ٨٢) . -.... .! - يا نفسي! والله إني لأخاف عليك؛ فعذاب الله شديد، وأنت أول من أُمِرتُ بوقايته من النار؛ فهل من عزمة صادقة تقهرين بها هواك، وتغسلين بها عنك تلك الأقذار، حتى تنطلقي بعد ذلك في مدارج السالكين سبل السلام، العارفين بالله، السائرين إليه؟ ! أجابت.. - أجل.. أفعل إن شاء الله. - فليرحمك الله يا نفسي! ثم إنني أخذت أرمقها وهي تبتعد متلاشية عن ناظرَيَّ.

стр. 4222

حوار مع: الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين المحتلة حاوره: نائل نخلة [*] تزداد الأحداث في فلسطين حدة وتفاعلاً يوماً بعد يوم بل ساعة بعد ساعة؛ يتعرض فيها إخواننا المسلمون هناك لممارسات أليمة ومآس مفجعة على أيدي المحتلين اليهود؛ دون تمييز بين رجل وامرأة، أو كبير ووليد، أو شيخ وشاب. ورغبة من مجلة البيان في الوقوف على تطورات الأحداث هناك، والتعرف على مسيرة الانتفاضة من مصادر موثوقة؛ بعيداً عن التضليل الإعلامي الغالب على كثير من أجهزة الإعلام؛ تلتقي المجلة أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية في الحوار الآتي: البيان: في مقابلة مع صحيفة (له رببليكيه) الإيطالية قال عرفات: «هل تسمعون بالقسَّام.. صواريخ، إنها نكتة! هذه الأدوات البدائية لم تجرح إنساناً أبداً؛ حتى القطط لا تخشاها. ووصفها أنها صواريخ هذه دعاية إسرائيلية كي تسوِّغ عدوانها على الشعب الفلسطيني، لن ننسى أن حركة حماس هي من صنع إسرائيل» . سؤالي إليكم دكتور: ما هو ردكم على ذلك، وهل حماس بالفعل صنيعة إسرائيل؟ * إن كان السيد عرفات قال ذلك فإنما نشكوه إلى الله، مذكراً بقول الحق ﵎: [وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً] (النساء: ١١٢) . إنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تجري فيها محاولة النيل من حركة حماس، ولكنها محاولات باءت بالهزيمة؛ لأن شعوبنا العربية والإسلامية تعيش واقعاً ملموساً يتمثل في قيام سلطة حكم ذاتي فلسطينية تم الاتفاق على إقامتها مع العدو الصهيوني في أوسلو، وبناءً على الاتفاق تمت موافقة العدو الصهيوني على كل كوادر وعناصر السلطة، فاختار من شاء ورفض آخرين، ولم يكن ذلك إلا لأن السلطة المشكَّلة التزمت بضرب الحركة الإسلامية التي كانت تؤرق مضاجع العدو. وكانت منظمة التحرير في تونس تقول للصهاينة: إن لم تتفاوضوا معنا فلن يكون أمامكم إلا مواجهة حركة حماس. وأتمنى أن يعود القراء إلى هذه التصريحات قبل أوسلو، وهذه «كونداليزا رايس» مستشارة الأمن القومي الأمريكي تقول: «القضية لا تتعلق بما يجب أن تفعله أمريكا، وإنما بما يجب أن يفعله عرفات؛ إنه يعلم ما يجب أن يقوم به» ، وتضيف قائلة: «إن اتفاقية أوسلو لا تتفق مع الإرهاب وتهريب الأسلحة إلى الشرق الأوسط، وكذلك أنشطة حماس» . إذن هذا القول من السلطة يوافق المثل القائل: «رمتني بدائها وانسلَّت» ، ناهيك عن أنه يفتقر لا أقول إلى دليل ولكن يفتقر إلى شبهة دليل، ولا نملك أمام هذه الهجمات التي تستهدف (حماس) بدعوى الاستجابة للضغوط الأمريكية إلا أن نقول: [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ] (آل عمران: ١٧٣) . البيان: اتخذت حماس قراراً وُصِف (بالتاريخي) بوقف تعليق العمليات الاستشهادية، وإطلاق قذائف الهاون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ م؛ فهل ما زال القرار ساري المفعول؟ * أنتم تعلمون أن أرض فلسطين وقف إسلامي استولى عليها اليهود عام ١٩٤٨م بقوة السلاح، ثم تمكن اليهود من الاستيلاء على مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ١٩٦٧م، ولقد أدركت حماس أن استرداد ما اغتُصب بالقوة لن يتم إلا بذات الشوكة؛ أي لن يتم على طاولة المفاوضات؛ ولذا فإن خيار حماس هو خيار المقاومة، وحماس لا تتجاهل المتغيرات الدولية، ولكنها أيضاً لا تغمض عينها عن ثوابتها الوطنية، ومن خلال هذا الوعي يأتي قرار حماس المتعلق بتعليق شكل من أشكال المقاومة إلى حين، و «إلى حين» هذه تعني أن باب العمليات الاستشهادية وإطلاق قذائف الهاون لم يغلق. البيان: ما هو موقف حماس من الأنباء التي تحدثت عن عزل عرفات وإيجاد قيادة بديلة له ... ؟ وإذا حصل ذلك فكيف سيكون موقف حماس حينها؟ * أما العزل فله هدف واحد وهو ممارسة الضغط للإذعان للإرادة الصهيونية وأما البحث عن قيادة بديلة فأمر غير وارد في حسابات أمريكا ولا أوروبا ولا الكيان الصهيوني؛ فالقيادة البديلة ستكون أضعف من أن تقوم بتقديم التنازلات المطلوبة. وعلى أية حال فإن لحماس استراتيجية ثابتة لا تتأثر بتغير القيادات الفلسطينية، وتستطيع بفضل الله أن تتعامل مع أي طارئ يحدث بما يناسبه دون الدخول في صراع يلهيها عن مقاومة المحتل. البيان: هل هناك تنسيق بينكم وبين مختلف التنظيمات الفلسطينية؟ وما هي الأسس المشتركة القائمة بينكم؟ * نعم هناك تنسيق بين كافة القوى الوطنية والإسلامية في إطار لجنة المتابعة العليا للانتفاضة؛ هناك تنسيق حول فعاليات الانتفاضة، مع احتفاظ كل فصيل باستراتيجيته الخاصة به، ولكن هناك أيضاً محاولات جادة لوضع برنامج سياسي يُجمِع عليه الجميع، وما زالت هذه المحاولات المخلصة مستمرة. البيان: ما هي طبيعة العلاقة بينكم وبين السلطة الفلسطينية؟ * من جانبنا نحرص دائماً على تنقية الأجواء بيننا وبين السلطة مع احتفاظنا باستراتيجيتنا وبرنامجنا في مقاومة الاحتلال، ولا أنكر أن استجابة السلطة أحياناً للضغوط التي تمارس عليها من قبل الاحتلال تعكر الأجواء، إلا أننا بصبرنا وتحديد بوصلتنا بوضوح أفسدنا على العدو كل محاولاته الرامية إلى شق الصف الفلسطيني. البيان: هل يوجد لكم اتصالات أمنية مع قادة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية؟ وإذا كان ذلك، فما هي طبيعة هذه الاتصالات؟ * نحن نحرص على بقاء قنوات الاتصال مع الأجهزة الأمنية مفتوحة؛ حيث إننا نراجعهم باستمرار بخصوص ما يقومون به من اعتقالات رأي، أو اعتقالات بسبب الضغوط الصهيونية، وكذلك فإننا نبادر لإحاطتهم علماً بأي معلومة نحصل عليها أو نتوصل إليها بخصوص العملاء، ونترك لهم بعد ذلك المتابعة، وتطبيق القوانين المعمول بها. البيان: كيف تنظرون إلى مسألة الاعتقال السياسي، وكيف يؤثر برأيكم على وحدة الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال؟ * ما يسمى بالاعتقال السياسي في فلسطين له طعم آخر يختلف عن الاعتقال السياسي في أي مكان في العالم؛ والسبب في ذلك أن التهمة الموجهة للمعتقلين هي (مقاومة الاحتلال) وليس مخالفة النظام، والقوانين لا تسمح بهذا الاعتقال، ولكن اتفاق أوسلو ألزم السلطة بممارسة هذه الاعتقالات، ويعتبر ما يسمى بالاعتقال السياسي من أخطر العوامل على وحدتنا الوطنية، ومن أسوأ العقبات التي تعرقل مقاومة الاحتلال؛ فأي مقاوم فلسطيني يقوم بعمل ضد الاحتلال يصبح ملاحَقاً من قِبَل السلطة؛ مما يعيق حركته ويشل قدرته على مواصلة العمل المقاوم. البيان: باعتقادكم ما سبب نجاح الأجهزة الأمنية الصهيونية في اغتيال عدد من كوادر العمل المسلح لحركات المقاومة الفلسطينية؟ * يجب ألا ننسى أننا في مواجهة مستمرة مع العدو الصهيوني، وفي الوقت الذي تنجح فيه المقاومة باختراق كل الحصون والحواجز الأمنية للعدو وضربه في العمق والمستوطنات والطرقات والحواجز، لا يمكن ألا نتعرض لرصده؛ ومن ثم وصوله إلى بعض أهدافه، والله يقول في كتابه: [فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ] (التوبة: ١١١) ، فللعدو عيونه التي تعينه على ما يحقق من نجاح، وملاحقة السلطة للمجاهدين وإرباكهم من أهم العوامل التي تساعد العدو في تحقيق تلك النجاحات، ناهيكم عن أن عدداً لا بأس به ممن تم اغتيالهم كانوا في معتقلات السلطة وبعد خروجهم لساعات قلائل تم اغتيالهم من قِبَل العدو. البيان: كيف تقيِّمون معالجة السلطة الفلسطينية لملف العملاء المتورطين في اغتيال نشطاء الانتفاضة؟ * ملف العملاء من الملفات المؤرقة للمقاومة الفلسطينية، وفي اعتقادنا أن القضاء عليهم وتفكيك شبكاتهم وسد الأبواب المشرعة لإسقاط المزيد من أصحاب النفوس المريضة في أوحال العمالة أمر ممكن جداً لو أُولي هذا الملف ما يستحق من الاهتمام من قِبَل السلطة؛ فالسلطة لا تعمل عادة إلا بعد تورط أحد العملاء في عملية اغتيال، والأوْلى أن تتم الملاحقة قبل ذلك كإجراء وقائي، ولا أدري إن كانت اتفاقية أوسلو تسمح بذلك أم لا؟ البيان: في حال عودة الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) إلى طاولة المفاوضات، وتم التوصل إلى اتفاقية سلام قائمة على إقامة دولة فلسطينية في حدود عام ١٩٦٧م بعاصمتها القدس الشريف؛ فأين ستتجه حماس خاصة إذا حظيت المعاهدة بموافقة أغلبية الشعب الفلسطيني؟ * لن تجهد حماس في التفكير في هذا الأمر؛ لأننا جميعاً علينا أن ندرك أن العدو الصهيوني الذي لا زال يحتفظ على واجهة الكنيست بخارطة «إسرائيل الكبرى» المزعومة، وينقشها كذلك على عُمْلته، ولا زال يرفرف علمه بخطين أزرقين أحدهما يمثل الفرات والآخر يمثل النيل، بينهما نجمة داود، هذا العدو وقد أثبتت ذلك عشر سنوات من المفاوضات لن يقبل بما طرحتم من تصور للحل، لن يقبل هذا العدو بالتفريط بالقدس ولا بالمسجد الأقصى، ويوم يقبل بذلك سنكون في وضع لا يسمح له بالوجود في شبر من فلسطين المغتصبة منذ عام ١٩٤٨م. أما إذا أردنا أن نفترض حدوث المستحيل، فنقول بوضوح: سنواصل مقاومتنا للاحتلال حتى استرداد كامل التراب الإسلامي المغتصب، ولن تلزمنا اتفاقيات غير شرعية تأباها عقيدة المسلمين باحترامها والتقيد بها، ونقول بوضوح: إذا لم يكن اليوم في مقدورنا تحرير فلسطين فعلينا ألا نتنازل عن شبر منها. البيان: ما هو المطلوب (حسب رأي حماس) من القمة العربية في بيروت المزمع عقدها في نهاية شهر آذار القادم؟ * المطلوب من القمة أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وأن تسخر الإمكانات المتاحة وما أكثرها من أجل تحرير فلسطين؛ فإن كانت الظروف لا تسمح لهم بدخول الحروب فعليهم ألا يسمحوا بالتفريط بشبر من فلسطين. ومن خلال هذه الرؤية الواضحة لحركة حماس نتمنى عليهم دعم المقاومة الفلسطينية إعلامياً، ومالياً، ولوجستياً، وعسكرياً، ومعنوياً، وتوفير الغطاء الدبلوماسي المطلوب للمقاومة، مع قطع كل أشكال العلاقة القائمة بين عواصمنا العربية والكيان الصهيوني، من سفارات وقناصل ومكاتب تجارية، ووقف كل أشكال التطبيع، وقطع الزيارات المتبادلة واللقاءات، ووقف التنسيق والتعاون الأمني القائم بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني، ثم على الدول العربية أن تعد لمعركة قادمة ستفرض عليها، وعليها أن تخلق حالة من التكامل الاقتصادي والأمني الإعلامي على كل الصُّعُد فيما بينها، وعليها أن تتصدى للعربدة الأمريكية بعدم تأمين مصالحها في العالم العربي ما دام أنها تدعم هذا الكيان الصهيوني المسخ. البيان: كيف تنظرون إلى المواقف السياسية من الجانب الرسمي (العربي والإسلامي) تجاه الشعب الفلسطيني وانتفاضته؟ * لقد كانت القضية الفلسطينية في السابق قضية عربية إسلامية، والآن أصبحت قضية فلسطينية، وهذا ظلم فادح بحق هذه القضية، وما لم تعد القضية الفلسطينية لتتبوأ مكانتها باعتبارها قضية الأمة فلن نكون راضين عن أي موقف لا يرتقي إلى هذا المقام؛ لأنه سيكون فقط من باب العطف والمساندة، مع أن المطلوب هو موقف الشراكة، ولا ننسى أن بعض الدول العربية تتخذ موقف الوسيط بيننا وبين العدو؛ مع أن قضية القدس وفلسطين ينبغي أن تكون قضيتها المركزية. البيان: هل أنتم راضون عن مستوى الدعم العربي الإسلامي الشعبي للانتفاضة الفلسطينية والشعب الفلسطيني؟ * إننا نعذر الشعوب العربية والإسلامية؛ لأننا ندرك أنها عندما أعطيت مساحة واسعة للتحرك لم تتباطأ، ولكن عندما ضيق عليها حدث تراجع في دعمها للانتفاضة والشعب الفلسطيني، وفي الوقت الذي نلتمس العذر لهم فإن ذلك لا يعني أننا راضون عن مستوى الدعم، ولكننا نثق بصدق نواياهم ونشعر بتحرقهم شوقاً للوقوف معنا، وأملنا كبير في عدم التضييق عليهم من قِبَل القادة. البيان: ينظر إلى تدمير الدبابة (مركافا ٣) التي توصف على أنها الأكثر تطوراً في العالم، على أنه تطور نوعي في المقاومة الفلسطينية، مع أن حماس لم تكن وراء العملية؛ فهل تتفق مع هذا الرأي؟ وهل حماس لديها القدرة العسكرية على إلحاق الأذى بالدبابات الإسرائيلية؟ * أتفق مع هذا القول بالتأكيد، وحماس فخورة جداً بهذا العمل، وحماس بالتأكيد لديها القدرة العسكرية إن شاء الله لفعل ما هو أكبر من ذلك؛ لأن المسألة لم تكن في تقنية العبوة، ولكن في التوفيق في زراعتها واعتلاء الدبابة لها، والإخوة الذين قاموا بهذه العملية الرائعة قادرون أيضاً على صناعة عبوة أقوى من العبوة التي استخدمت، وفي تقدير الخبراء أن عبوة أقل منها لو قدر لها أن تزرع بنفس الطريقة فستؤدي والله أعلم إلى نفس النتائج. البيان: بعض المراقبين يقولون إن قذائف الهاون ثبت ضررها أكثر من نفعها على الشعب الفلسطيني؛ فما ردكم على ذلك؟ * يقول الحق ﵎: [وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ] (النساء: ٧٢) ، فإذا كان هؤلاء يعنون أن ردة الفعل من الاحتلال تكون قاسية، فنقول لهم: إذن لأنه يتألم منها، ناهيكم عن أن معظم جرائم العدو ومنها اقتحام المدن كما حدث في الخليل، وجنين، ونابلس، وطولكرم، ورام الله وغيرها، لم يكن بسبب الهاون، ولن يهدأ بال المراقبين الذين ذكرت حتى نلقي السلاح ونرفع الراية البيضاء؛ فعند كل عمل تثبت قدرته التأثيرية على العدو الصهيوني ترتفع أصوات هؤلاء مطالبة بوقفه، تماماً كما ارتفعت أصواتهم ضد العمليات الاستشهادية. البيان: ما موقف حركة حماس من وثيقة (بيرس - أبي علاء) التي طرحت مؤخراً؟ * هناك موقف ثابت لحركة حماس وهو موقف ينبع من عقيدتها الإسلامية، ويتمثل في عدم التنازل عن أرض المسلمين إذا اغتصبت؛ ولذلك رفضنا أوسلو، والوثيقة المذكورة تتحدث عن قيام دولة اسماً وليس مضموناً على ٤٢% من أرض الضفة الغربية؛ أي ما يقارب ٩% من أرض فلسطين المحتلة، ثم التنازل مع الزمن عن حق العودة، وعن عودة القدس، وعن إزالة المستوطنات، وعن السيادة، والمياه وغيرها، فإذا كنا قد رفضنا أوسلو بقوة فرفضنا لهذه الوثيقة سيكون أشد. البيان: اليوم العالم يصف المقاومة الفلسطينية على أنها إرهاب؛ فما موقفكم من ذلك؟ وهل ترى حماس في هذا الموقف خطراً على الانتفاضة الفلسطينية؟ * يقول الحق ﵎: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، فنحن لا نكترث بهذه الأوصاف؛ لأنهم ليسوا أهلاً للشهادة ليعطوا الفرصة بالحكم على جهادنا. هذا من جانب، ومن جانب آخر فهم لا يخفون دعمهم لأعدائنا؛ مما يجعلهم في صف العدو، ومن العدو لا أتوقع المديح والثناء. نحن باعتبارنا مسلمين أصحاب التقييم العادل، ونحن نقول بأن ما يقوم به اليهود هو الإرهاب عينه، ولما كانت أمريكا هي أكبر دولة داعمة لليهود المفسدين في الأرض فهي في تقييمنا أكبر دولة داعمة للإرهاب، ربما لا يؤثر في أمريكا تقييمنا هذا لها الآن، ولكن سيكون له أثره ولو بعد حين بإذن الله تعالى. البيان: هل هناك صقور وحمائم في القيادة السياسية لحركة حماس؟ * كلنا صقور في وجه الأعداء حمائم في وجه المسلمين، ومنهجنا في ذلك كتاب الله : [أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ] (المائدة: ٥٤) ، وقوله سبحانه: [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) . البيان: هل هناك اتصال بينكم وبين حزب الله فيما يتعلق بتبادل الأسرى مع الجانب الإسرائيلي؟ * نحن نُزوِّد حزب الله بقوائم الأسرى، وكذلك تفعل باقي الفصائل الفلسطينية ونترك لحزب الله باقي الجهد، واثقين أنه سيبذل قصارى جهده في تحقيق ما يسعد الأسرى الفلسطينيين وذويهم، شاكرين لحزب الله موقفه الواضح والقوي في تبنيه لقضية الأسرى الفلسطينيين. البيان: هل ما زالت حماس تمثل رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة؟ * هذا صحيح وستبقى بعون الله كذلك. البيان: البعض يقول إن عمليات حركة حماس الاستشهادية داخل فلسطين المحتلة عام ٤٨ تصب في ماكينة الدعاية الصهيونية في العالم والتي تصور مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال على أنها إرهاب يجب مقاومته من كل الدول الحرة في العالم؟ * الدعاية الصهيونية ضد الفلسطينيين لن تتوقف حتى إذا توقفت العمليات الاستشهادية، وبدلاً من الاستجابة للدعاية الصهيونية التي تستخدم ضد أطفالنا الأسلحة الأمريكية المتطورة من طائرات حربية ودبابات وزوارق حربية وصواريخ، علينا أن نقوم بدعاية مضادة ندافع فيها عن شرعية المقاومة ونفضح فيها إرهاب الصهاينة وعدوانهم. البيان: هل تؤكد أو تنفي الأنباء التي تحدثت عن اعتقال السلطة الفلسطينية للمسؤول الأول في الجهاز العسكري للحركة محمد الضيف وبعض معاونيه؟ * أنفي اعتقاله بالتأكيد؛ فهو حر والحمد لله، ويعمل ليل نهار في التخطيط لضرب العدو، وأسأل الله ألا تتمكن السلطة من الوصول إليه، هذا وقد تمكنت السلطة من اعتقاله في السابق ولكنه تمكن من الفرار من المعتقل والحمد لله. البيان: هل يمكنك أن تطمئننا على الأوضاع الصحية للشيخ أحمد ياسين، وهل ما زال تحت الإقامة الجبرية؟ * الشيخ أحمد ياسين والحمد لله بخير وعافية، وهذا لا يعني عدم مروره بأيام يعاني فيها من انتكاسات في صحته، ولكنها جميعها من الوعكات التي يمكن السيطرة عليها، ولا تشكل خطراً على حياة الشيخ حفظه الله، وهو الآن لا يخضع للإقامة الجبرية التي فرضت عليه سابقاً من قِبَل السلطة. البيان: كيف تنظر حماس إلى نسب جورج بوش العراق وإيران لمحور الشر؟ * المحور الحقيقي للشر هو المحور الصهيو - أمريكي، وأنا على ثقة بأن الشر في العالم بأسره سيبقى ما بقي الكيان الصهيوني موجوداً، وما بقيت أمريكا قوية، وما بقي العالم الإسلامي في سكرة. البيان: ما هو موقفكم من الإعلان الذي خرج به رجال دين مسيحيون ويهود ومسلمون عقد في الإسكندرية يقولون فيه: (قتل المدنيين باسم الدين إساءة إلى اسم الرب) ؟ * لا يقتل أحد منا مدنيين باسم الرب؛ ولذلك هؤلاء إنما أرادوا تشويه صورة جهادنا العادل ضد الاحتلال المجرم، وكيف يمكن أن نسمي من ترك وطنه الأصلي، وحمل السلاح واغتصب بيتي وطردني منه منذ أكثر من خمسين عاماً عانينا فيها الحرمان والقهر والذل والعدوان المتواصل؟ ! كيف يمكن أن نسمي هذا مدنياً أو بريئاً؟ ! ولماذا لم يخرج هذا المؤتمر الصهيوني ببند يقولون فيه إن اغتصاب فلسطين باسم الرب إساءة إلى اسم الرب؟ أم أنهم يجهلون العدوان المتواصل على شعبنا باسم الرب؟ ! وصدق الله إذ يقول: [قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (التوبة: ٣٠) . البيان: ستة عشر شهراً مضت على انتفاضة الأقصى؛ فكيف تنظرون إليها وهل باعتقادكم أن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؟ * الانتفاضة الفلسطينية تمثل في حقيقتها إرادة شعب يرفض ذل الاحتلال، ويصر على تحرير وطنه مهما عظمت التكاليف وبلغت التضحيات، ولقد تكسرت على صخرة هذه الإرادة الفولاذية على مدى ستة عشر شهراً من المواجهة كل المحاولات المحمومة لاحتواء الانتفاضة والالتفاف عليها بهدف تجاوزها أو القفز فوقها، ومن هنا فقد فرضت إرادة الشعب الفلسطيني معادلة جديدة على الساحة الدولية تقول بأن الانتفاضة والمقاومة ستستمران ما استمر الاحتلال، وقد احتلت هذه المعادلة مكانها في أذهان كل المهتمين والمتابعين للحالة الفلسطينية من شرق وغرب، حتى غدت مسلمة تفرض نفسها عند التطلع لوضع الحلول للقضية الفلسطينية. ولما كانت المفاوضات العقيمة مع العدو الصهيوني أحد أهم الأسباب في ترسيخ الاحتلال، وتثبيت أركانه، وإضفاء الشرعية عليه، وتوفير الأجواء الملائمة لاستمرار عدوانه على شعبنا، من تمدد استيطاني كبير، وتهويد للقدس والمقدسات، وخلق وقائع جديدة على الأرض أدت إلى تقطيع أوصال الشعب الفلسطيني، ومحاصرته في كانتونات صغيرة، ناهيك عما تمخضت عنه المفاوضات من تعاون أمني أهم أهدافه أن تصبح السلطة أداة قمع في يد العدو الصهيوني يستخدمها لملاحقة الشرفاء من أبناء شعبنا المجاهد؛ مما يعني توفير الأمن والاستقرار للصهاينة الغاصبين، وما تمخضت عنه أوسلو من تمزيق للصف الفلسطيني ووضعه على حافة الحرب الأهلية لولا فضل الله أولاً ثم حكمة المخلصين والشرفاء من أبناء هذا الشعب. من هنا ندرك أن أهم إنجازات الانتفاضة بلا منازع كانت وقف التداعيات الناجمة عن المفاوضات، وخلق رأي عام شعبي واع لمخاطرها على مستقبل القضية؛ فلولا الانتفاضة لقضت المفاوضات قضاء مبرماً على كافة حقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه الذي أخرج منه ظلماً وعدوانًا، ولولا الانتفاضة لتمكن العدو من تهديد الوجود الفلسطيني في الضفة والقطاع؛ مما يمكنه من تصفية القضية برمتها لصالحه. كما أن من إنجازات الانتفاضة تلك النقلة النوعية التي أحدثتها في وجدان الشعب الفلسطيني، حيث إن التعبئة الإعلامية وغيرها لصالح المفاوضات كادت أن تقتل فيه روح الجهاد وحب الشهادة، وكادت أن تسلخه عن انتمائه لوطنه الذي أخرج منه بقوة السلاح. وما من شك في أن هذه التعبئة الجهادية قد شقت طريقها في كل من الشارع العربي والإسلامي؛ مما سيكون له عظيم الأثر في صياغة مستقبل هذه الأمة على أسس جديدة من العزة والكرامة. ومن جهتنا نؤمن إيماناً قاطعاً أن المقاومة هي الخيار الوحيد أمام شعبنا الفلسطيني، ونحن أصحاب حق يجب أن يحق، واليهود على باطل يجب أن يُبطَل، والله سبحانه يقول: [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] (الأنفال: ٧-٨) . البيان: هل ماتت أوسلو، برأيكم؟ * أوسلو من وجهة نظرنا ولدت ميتة؛ فهي تفتقر إلى العدل، وتركن إلى فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني بقوة السلاح الصهيوني، مستثمرة اختلال موازين القوة لصالحه، والموقف الصهيوني العدواني الواضح على شعبنا الفلسطيني يؤكد أن أوسلو أصبحت أثراً بعد عين.

стр. 4223

الإسلام لعصرنا يا فوكوياما! نحن مع التحديث وأبعد الله التغريب أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] إنَّ أمر بعض الكتاب الغربيين لعجب. إنهم يعترفون بأن بلادهم تعاني من مشكلات أخلاقية واجتماعية توشك أن تهوي بها في مكان سحيق؛ لكنهم يودون مع ذلك من كل عباد الله في سائر بلاد الله أن يتبنوا قيمهم التي توشك أن توردهم موارد الهلاك، وإلا كانوا أعداء للحداثة مكتوباً عليهم أن يعيشوا ويموتوا متخلفين. إن توهم اللزوم بين القيم الغربية في الأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع الذي بدأ يشيع في عصرنا منذ زمن طويل، والذي جعل بعض المفسدين ينادي بأخذ كل شيء من الغرب حتى الديدان التي في بطونهم! إن هذا التوهم أسطورة تقوم على عدم التمييز بين الأسباب الفاعلة والملابسات العارضة، كالذي يقول لك إنك لا يمكن أن تأخذ التقنية منهم وتترك رقصهم وأغانيهم وتحريمهم الزواج بأكثر من واحدة، وينسى أو يتناسى أن هذه كانت سيرة القوم قبل أن يكون لهم علم طبيعي أو تكون لهم تقنية، فلا علاقة لهذا بذاك ولا بالعصر الذي نعيش فيه. لقد كتب فوكوياما كتاباً أسماه بـ (الانفراط العظيم) ذكر فيه كما قلت في تلخيص له بهذه المجلة المباركة أن الدول الصناعية كلها تعاني من تفكك اجتماعي عزا معظمه إلى تفكك في الأسرة، وذكر أن من أسباب تفكك الأسرة اختلاط النساء بالرجال في أماكن العمل، وانتشار حبوب منع الحمل، ونظريات جعلت الإباحية تحرراً، وأن هذا كله أدى إلى ازدياد في معدلات الخيانات الزوجية، ومعدلات الطلاق. وأن تفكك الأسرة أدى إلى سوء تربية الأطفال، وإلى نقص في ما يسمونه بالرأسمال الاجتماعي: نقص في الثقة في الزعماء السياسيين، ورجال الدين، وازدياد في معدلات الجريمة، وتعاطي المخدرات. أَلِمِثْلِ هذا يدعونا فوكوياما اليوم إذ يدعونا إلى تبني القيم الغربية، وإذ يزعم أن دعوته هذه ليست ناتجة عما يسمى بالعمى الثقافي؛ وإنما لأن القيم الغربية هي القيم العصرانية الصالحة لأن تكون عالمية، وأننا إذا لم نأخذ بها فلا أمل لنا في تحديث مجتمعاتنا؟ إن لم يكن هذا عمى ثقافياً فلست أدري ما العمى الثقافي؟ ! ولكن ماذا نقول لفوكوياما؟ نقول: أولاً: إن التحديث في جوهره إنما هو الأخذ بكل الوسائل العلمية والتقنية والإدارية التي يتطلبها العصر والتي لا تكون الأمة بغيرها أمة قوية في اقتصادها وسلاحها وإعلامها؛ فهل وجد فوكوياما في الإسلام ما يتناقض مع شيء من هذا؟ ألم يأخذ المسلمون في تاريخهم بكل ما تطلَّبته عصورهم المختلفة في هذه المجالات حتى صاروا إلى نهاية القرن السادس عشر الميلادي القوة العالمية الأولى في مجال التقدم العلمي والتقني والسلاح البري والبحري؟ فإذا كانوا قد حققوا كل هذا في الماضي مع استمساكهم بدينهم فما الذي يمنعهم من تحقيقه تارة أخرى من غير ترك لهذا الدين؟ إن تخلف المسلمين المعاصر في هذه المجالات إن عزي إلى أي شيء فلا يمكن أن يعزى إلى دينهم؛ إذ ما الذي يجعلهم يَعْمَوْنَ فجأة عن حقيقة دينهم فيرونه متناقضاً مع أمور كانت من أسباب قوتهم واستعلائهم؟ لكن فوكوياما كأمثاله من الغربيين والمستغربين يريد أن يقول لنا إن للتحديث شرطاً آخر ضرورياً يتناقض مع ديننا: إنه العلمانية، فصل الدين عن الدولة، وجعل الدين أمراً فردياً خاصاً. ثانياً: إن فصل الدين عن الدولة في بلادكم شيء اخترتموه طائعين، لم يفرضه عليكم أحد. ونحن اخترنا غير ما اخترتم. فلماذا تريدون أن تفرضوا علينا ما لا نريد؟ ثالثاً: إن اختياركم كان لظروف خاصة بتاريخكم وطبيعة دينكم والحروب التي نشأت بينكم، ومنها الحرب التي تذكرونها دائماً أعني حرب الثلاثين عاماً ونحن أصحاب تاريخ مختلف عن تاريخكم، ودين مختلف عن دينكم ولم يحدث عندنا ما حدث عندكم. رابعاً: إنكم تقولون إن السلم المدني لا يتأتى إلا في نظام علماني لا يكون للدين فيه نصيب. لكن تاريخكم يحدثنا بأن العلمانية لم تحقق هذا السلم على المستوى العالمي، بل إن أول حربين عالميتين في تاريخ البشرية حدثتا عندكم وبين بلاد علمانية، ونتج عنهما من الضحايا البشرية والدمار والفساد ما لم يكن له مثيل في تاريخ البشرية. خامساً: إنه إذا كان دينكم لا يقبل العيش مع الأديان الأخرى، فإن ديننا يقبل مثل هذا التعايش ويعطي غير المسلمين من حرية العبادة وتسيير شؤونهم الخاصة ما لا تعطيه العلمانية. نعم إن هنالك مناطق مستثناة من هذا التعايش، لكن ليس من شرط التعايش أن تفتح أراضي المسلمين كلها لغير المسلمين. فالقول بأن «التسامح» لا يتحقق إلا في دولة علمانية دعوى لا سبب لها إلا العمى الثقافي. سادساً: وإذن فالقول بأن مشكلة المسلمين مع الحضارة الغربية هو تسامحها الديني، أو ديمقراطيتها ليس بصحيح. لماذا يعادي المسلمون نظاماً يسمح لهم بأن يدعو إلى دينهم؟ لماذا ودينهم بسبب تلك الحرية هو أكثر الأديان نمواً في الولايات المتحدة؟ ليس المسلمون هم الذين يكرهون هذا ويريدون إيقافه، وإنما هم المتعصبون المتشنجون من بعض المتدينين وبعض الملحدين؛ فرجاء لا تخلطوا الأوراق كما يقولون. سابعاً: إن كثيراً من الغربيين أنفسهم يرون أن العلمانية سبب أساس إن لم تكن السبب الأول لتلك الأمراض التي ذكر فوكوياما أن المجتمعات الصناعية كلها تعاني منها، والتي سرت عدواها إلى العالم كله بما فيه عالمنا الإسلامي بسبب إصرار بعضنا على التقليد الغبي لكل ما هو غربي. ثامناً: عجباً لأمر الغربيين الذين يقولون إن ديننا هو سبب ضعفنا وتخلفنا. أفتراهم حريصين على أن نكون أقوياء؟ كيف وهم يعدوننا العدو الأول بعد سقوط الشيوعية؟ كيف وهم يرون أن الصدام بين الحضارات قادم لا محالة؟ أفيريدون لعدوهم أن يملك من القوة ما يملكون؛ ولذلك فهم ينصحونه أن يأخذ بأسبابها التي منها إقصاء الدين؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. تاسعاً: إن فصل الدين عن الدولة لا يكون إلا بتحريف الدين أو عدم الإيمان بشيء منه. لكن الكفر بشيء مما أنزل الله هو كفر بالله؛ لكنه مع ذلك أمر مرد عليه اليهود والنصارى منذ أزمان سحيقة؛ فلا عجب أن يسهل عليهم اليوم وهم يقرؤون كتباً دلتهم دراساتهم الحديثة أنها ليست قطعاً بالكتب التي أنزلها الله على رسله، وبرهنت لهم أن فيها أقوالاً مخالفة للحقائق التي اكتشفتها العلوم التجريبية. بل إن المتحررين منهم وهم الأغلبية الآن يعتقدون أنه إنما كتب هذه الكتب بشر عاديون، وأنهم تأثروا في كتابتها بالظروف الثقافية السائدة في عصورهم، وأنه ما دامت ظروفنا الثقافية اليوم مختلفة عن ظروفهم فلا يلزمنا أن نلتزم بكلام كتب في زمان غير زماننا. وهم لهذا السبب يبيحون أموراً كالشذوذ الذي تعده كتبهم من الجرائم. لكننا - نحن المسلمين - مختلفون عنهم في هذا كله؛ فنحن موقنون بأن الكتاب الذي بين أيدينا هو كلام الله الذي أنزل على رسولنا، نقرؤه بلغته التي أنزل بها ولا نجد فيه رغم تطاول الزمن ما يخالف حقيقة من ملايين الحقائق العلمية التي اكتشفت بعد نزوله. بل إننا لنرى في كل يوم مصداق ما به أخبر، والحكمة في ما عنه نهى أو به أمر؛ فلماذا نترك حقنا لباطلكم؟ أقول هذا مع أنني أعلم أن أمثال فوكوياما لا يمثلون رأي المتدينين في تلك البلاد، بل إن فيهم من يخالفه خلافاً جوهرياً في أساس منطلقاته التي لا تعطي للدين اعتباراً. هذا، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

стр. 4224

آفاق لماذا لا نتساءل ؟ د. عبد الكريم بكار [*] طالما حدثت نفسي عن الأسباب التي تجعل شهيتنا للتساؤل ضعيفة؛ مما أدى إلى تراكم المشكلات وضعف خبرتنا العامة في التحليل والوقوف على العلل الخفية التي دفعت بالأمة إلى الوضعية التي تعاني منها الآن، وقد بدا لي أن ذلك يعود إلى عدد من الأسباب، أذكر منها: ١ - سيطرة الموروثات والتقاليد الشعبية على مداخل التفكير لدى معظم الناس؛ وتلك الموروثات تنظر إلى الإكثار من طرح الأسئلة على أنه دليل الجهل وقلة الخبرة. كما أن المبادرة إلى الإجابة على أي سؤال يُطرح تعطي انطباعاً معاكساً؛ ولذا فإن من الملاحظ أنه حين يطرح سؤال يتعلق بالصحة مثلاً وفي المجلس طبيب فإن أكثر من شخص يجيب قبل أن يتمكن الطبيب من إبداء رأيه! وهذه الوضعية ذاتها تشجع الناس أيضاً على أن يجيبوا أنفسهم على التساؤلات التي تثور في أذهانهم بعيداً عما في الكتب، وعما لدى أهل العلم، وهذا يؤدي بهم إلى أن يشعروا بنوع من الامتلاء الكاذب، ويكونون بذلك كمن يتجشأ من غير شبع! ٢ - طريقة التعليم السائدة في المدارس تكرس ما تشيعه الثقافة الشعبية؛ حيث إن أسلوبنا في تلقين المعلومات يجعل المعلم يظهر في موقف الإنسان الذي يعرف كل شيء، أو موقف الفارس الذي يجول ويصول في الحلبة وحيداً دون أن يحسب حساب أي شيء. وتتجلى المعلومات التي يسوقها في شكل معطيات قطعية، تجاوزت مرحلة الجدل والنقاش. وبعض المعلمين يزيد الطين بلة، فيمنع الطلاب من إلقاء أي سؤال؛ لأن ذلك قد يشير إلى أنه لا يشرح بطريقة وافية، أو لأنه قد يوقعه في الحرج مما يدفع الطلاب إلى الصمت المطبق! ٣ - في المجتمعات الإسلامية جماهير غفيرة يعشقون الغرائب ويروجون لها لأسباب مختلفة منها إمتاع السامعين، وإظهار العلم بما يجهله غيرهم، والتسويق لشخص أو جماعة أو فكرة أو طريقة.... والارتزاق من وراء الإثارة التي تحدثها القصص والحكايات العجيبة! من طبيعة الغرائب أنها لا تعرف الوقوف عند أي حد؛ ولذا فإنها تتطور في كثير من الأحيان لتأخذ شكل الخرافة، ولتبني من ثم عقولاًَ خرافية. من مخاطر الغرائب والخرافات أنها تمحو في أذهان الناس الفروق بين الطبيعي وغير الطبيعي، والجائز والممنوع، والقريب والبعيد، والممكن والمستحيل ... ومن خلال زوال الفروق بين هذه الثنائيات تتهيأ أذهان الناس لقبول أي شيء والاستسلام للوضعية الراهنة بوصفها شيئاً لا بديل عنه. ٤ - اليأس والإحباط بسبب سوء الأحوال وتدهور مكانة الأمة بين الأمم الأخرى؛ مما يؤدي إلى الإحجام عن التساؤل حيث يفقد المحبط الحيوية الذهنية، كما يفقد روح الانفتاح والتفاعل التي كثيراً ما تتمظهر في التساؤل، فتؤول الأمور إلى السكون التام وانتظار المصير المحتوم. ٥ - جفول الوعي الإسلامي في وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة من (الفلسفة) بسبب تجاوز بعض فلاسفة المسلمين للعديد من الأصول والثوابت الشرعية، وقد أدى ذلك إلى ضعف صناعة المفاهيم لدينا، وإصابتنا بقصور مريع في عدد كبير منها. وحين يتضاءل مفهوم ما عن المستوى الذي ينبغي أن يبلغه، ينحط مستوى العمل ورد الفعل؛ مما يجعل الانحدار نحو القاع أمراً مقبولاً أو غير مستنكر، ومن ثم فلا يثار حوله أي تساؤل. إذا أردنا لشهية التساؤل لدينا أن تنفتح من جديد، فلا بد من معالجة الأسباب التي أدت وما زالت تؤدي إلى اضمحلالها. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 4225

المسلمون والعالم رايات النفاق.. والحرب المعلنة علي الإسلام عبد العزيز كامل الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الإسلام في أنحاء العالم، والتي أسماها الإعلام الغربي وبوقه العربي: (الحرب على الإرهاب) لم تكن هي الأولى في طبيعتها وتسميتها؛ فقد سُبقت أمريكا بمنافقين في بلدان المسلمين أعلنوا الحرب على الإسلام باسم (محاربة الإرهاب) . والجدل الثائر منذ مدة حول التساؤل عن طبيعة الحرب الأمريكية، وهل هي ضد الإرهاب أم ضد الإسلام؛ إنما هو في حقيقته مجرد جدل (بيزنطي) سبق أن أُثير مرات عديدة كلما حورب الإسلام وأهله تحت أي ذريعة من الذرائع. وإلا فأين هي أمريكا وحلفاؤها من محاربة الإرهاب اليهودي في فلسطين، ومحاربة الإرهاب الهندوسي في كشمير، والإرهاب الروسي في الشيشان، والإرهاب النصراني في الفلبين وإندونيسيا وغيرها من بلدان المسلمين؟ ! ثم ... أين هو الإرهاب عند الجماعات التي عدتها أمريكا إرهابية وهي تدافع دفاعاً مشروعاً عن حقوقها الإنسانية والدينية في فلسطين ولبنان وكشمير والشيشان والفلبين؟ إن حرب أمريكا المعلنة على الإسلام قد شملت كل طائفة مسلمة مضطهدة تنافح عن دينها وأرضها وعرضها في مشارق الأرض ومغاربها، وشملت كل مظهر من مظاهر التمسك بما تبقى من عُرى الإسلام في الحكم والتحاكم، والشعائر والشرائع، والإعلام والتعليم، فهي حرب (المواجهة الشاملة) كما سبقت تسميتها في بعض البلدان العربية. ولكن السؤال هنا: هل تستطيع أمريكا وحدها أن تقوم بهذه الحرب؟ بالطبع لا؛ وبالقطع لا؛ فلا بد أن يقوم معها أو عنها نواب مخلصون لها، ليحققوا كل مستطاع مما تريده هي وما يريدونه هم قبلها. فالحرب المعلنة من أمريكا على الإسلام؛ ما كان لها أن تُعلن وتُنفذ بهذة الجراءة والشراسة والشمول، لولا استنادها إلى مواقف أكثر جراءة وشراسة وشمولاً من المنافقين، وإلا فمن لأمريكا بالتدخل المباشر في الأحوال الداخلية للدول لإعادة صوغ مناهجها والتحكم في إعلامها وتوجيه الرأي العام بها ومحاصرة الدعوة والإصلاح فيها؟ ! ومن لأمريكا بجعل البلدان الإسلامية أرضاً مستباحة للأغراض العسكرية والمخابراتية والاقتصادية؟ أقول: نحن نعيش حرب الغرب على الإسلام مند عقود طويلة في الكثير من بلدان المسلمين؛ حيث ناب ولا يزال ينوب عنهم فيها منافقون ظاهرون، أو مستخفون مستترون يحاربون الدين وأهله تارة باسم الحرب على الرجعية، وتارة على أعداء التقدمية، وتارات ضد المتطرفين والظلاميين والمهووسين الدينيين والأصوليين، وأخيراً استقر اصطلاح المجرمين على تسمية الحرب ضد الإسلام بـ (الحرب على الإرهاب) ! ! والمستقرئ لتاريخ تلك الحرب يرى أنها شُنت في الأصل منذ عقود الخمسينيات والستينيات الميلادية ضد اتجاهات إسلامية مسالمة لم تكن تحمل سلاحاً أو تستطيع رد كيد أو ردع عدو؛ اللهم إلا إذا كان عدواً خارجياً يحاول المخلصون التصدي له حين يجبن عن لقائه المرجفون المنافقون. ولكن المنافقين في العديد من بلدان المسلمين استمرؤوا اللعبة في العقود التالية، وكرروها ضد الإسلامين لمجرد أنهم إسلاميون يحملون برنامجاً إسلامياً إصلاحياً، دون حمل سلاح أو توجه إلى أعمال سرية أو جهادية، وكان النموذج الصارخ لذلك ما حدث في الجزائر؛ حيث انقض المنافقون على الإسلاميين بعد أن خسروا أمامهم معركة سلمية في صناديق انتخابية، وحولوها إلى حرب ضروس قُتل فيها حتى الآن ما لا يقل عن مائة ألف قتيل. وكانت دول الغرب وفرنسا على وجه الخصوص تقف بكل إصرار وعناد مع الهمجية الإنقلابية العسكرية ضد التجربة السياسية السلمية البرلمانية (الديمقراطية) ؛ فأين كان الإرهاب هنالك؟ ! صحيح أن فظاعة الأحداث، وجسامة الصدمة ولَّدت نوعاً من الغلو والتشدد لدى بعض الشرائح الإسلامية هناك، ولكن يبقى السؤال: من المتسبب في هذا؟ ولماذا لم يستجب المنافقون لرغبات شعب أجمع على اختيار النهج الإسلامي في شكل سلمي؟ إن الدنيا كلها أصبحت تعلم أن مطلب الإسلاميين الأول والأخير من أنظمة المنافقين منذ أكثر من خمسين عاماً، هو العودة بالأمة إلى دينها بتطبيق شريعتها والحفاظ على هويتها لضمان سعادة الدنيا ونجاة الآخرة؛ فلماذا ... ولماذا ... ولماذا ... ثم لماذا، يصر المنافقون في كل مرة على الصدام مع هذا المطلب صداماً ثقافياً وقانونياً وسياسياً وإعلامياً وبوليسياً وعسكرياً، بل.. ووعظياً رسمياً؟ ! لماذا لم تقطع طوائف المنافقين حجج وأعذار من يطالبونهم بأن يعودوا بالأمة إلى الدين؟ ! لماذا هذا الصدام العنيد العنيف مع من ينوبون عن الأمة في كل مرة؟ لماذا هذه الحرب المعلنة (فقط) ... وأكرر (فقط) على الإسلاميين في أكثر بلدان المسلمين؟ ! إذا كان الإسلاميون (أصوليين) ولا يدركون الفهم الأصيل ولا التطبيق الصحيح للدين؛ فلماذا لا يطبقه (المتفقهون) من المنافقين؟ ! وإذا كان الإسلاميون (يشوهون) سمعة الإسلام ويسيئون إليه؛ فلماذا لا يحسِّنها أصحاب الطهر المزعوم؟ ! لقد رفع الإسلاميون على اختلاف طوائفهم رايات إسلامية طوال مراحل تصدر المنافقين لزمام الأمور، منذ إسقاط الخلافة؛ بحيث ظلت تلك الرايات تمثل شعاراً من شعارات الإسلام إلى طريق من طرق الإصلاح. فالإخوان المسلمون، والتبليغيون، والسلفيون، والجهاديون وغيرهم من فصائل الإسلاميين كانوا ولا يزالون متلزمين بالسعي إلى رفع راية من رايات الإسلام لغاية من من غايات الإصلاح؛ فماذا رفع المنافقون العلمانيون على اختلاف طوائفهم أو فصائلهم أو أوأنظمتهم؟ ! رفعوا رايات (القومية العربية) أو (الاشتراكية الثورية) أو (الرابطة الوطنية) أو (البعث العربي) أو (اليسار التقدمي) أو (اليمين الليبرالي) أو (الديمقراطية الرأسمالية) ! وقد علم المنافقون أن كل تلك الرايات رايات جاهلية بحكم محكمات الدين وفتاوى علماء المسلمين؛ فلماذا لا يزالون مصرين عليها، بعضها أو كلها في أكثر بلدان المسلمين؟ ! وهل هناك سر في ذلك الإصرار؟ خزان الكراهية: لا نستطيع أن نرجع ذلك السلوك المعادي للدين وأهله عند مؤسسات النفاق المعاصر وكياناته وأدواته المعبرة عنه في الصحافة والإعلام والفكر العلمانيين إلا لسبب واحد هو: (كراهية ما أنزل الله) ؛ ذلك السبب الذي تتفرع عنه أسباب أخرى كالاستكبار، وتقديم الهوى، وإيثار الدنيا، وسوء الظن، وفساد الطوية؛ فكراهية ما أنزل الله خُلقٌ دائم للكافرين، وتبعهم فيه المنافقون بدرجات تتفاوت بحسب دركات النفاق عندهم. فعندما تمرض القلوب بالشهوات أو الشبهات أو بهما معاً، تفسد تلك القلوب، وينتج عن فسادها انحراف في الفطرة، وانكفاف في البصيرة، فيصبح المرء محباً لما أبغض الله، ومبغضاً لما أحب الله، وقد يبلغ هذا البغض والكره حداً من الغلو يصل بالمرء إلى أن يكره كل داع إلى الله وكل دعوة إلى سبيل الله؛ بل يكره أن يذكر أمامه شيء يذكِّر بالله [وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ] (الزمر: ٤٥) ، فلا عجب ممن هذه أحوالهم أن نرى البغضاء قد طفحت من قلوبهم على ألسنتهم لتعبر عن مدى كراهيتهم لدين الله وشرعه والمتمسكين به والمنافحين عنه والمضحين في سبيله، [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] (آل عمران: ١١٨) ، يكفيك أن تطالع الأعمدة اليومية والأسبوعية لكثير من أعمدة النفاق لترى مصداق ذلك من أقوام جُل همهم فيما يتقيؤون على أوراق الصحف والمجلات أن يحزُن الذين آمنوا وألا ينقلب المؤمنون بأهليهم إلى سلامة أبداً، وألا يمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم أو يبدلهم من بعد خوفهم أمناً. ولفرط كراهية المعرضين والمنافقين لما أنزل الله، فإنهم يكرهون إحقاق الحق وإبطال الباطل، ويكرهون أن يتم الله نور الإسلام على العالمين، ويكرهون أن يظهر الله دينه على الدين كله؛ ولهذا بادلهم الله تعالى كرهاً بكره، وبغضاً ببغض، فعاملهم بما يكرهون، وأعلمهم بأنه سيجري سننه على غير ما يشتهون [لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] (الأنفال: ٨) ، [وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] (يونس: ٨٢) . إن للمعرضين من المنافقين سلوكاً شائناً تجاه دين الله وشرعه، يضاهون به الكفار الصرحاء الظاهرين الذين قال الله تعالى فيهم: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ] (محمد: ٨-٩) ، وحتى لو ادعى هؤلاء وأولئك أنهم يريدون حقاً ما؛ فيرفعون بسببه الشعارات والرايات، فإنهم يريدون حقاً مصلحياً دنيوياً نابعاً من الأهواء المحضة، أما الحق باعتباره قيمة مجردة، فهو مرفوض ومكروه، وبخاصة إذا جاءهم عن طريق الدين [لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ] (الزخرف: ٧٨) ، وكراهية الحق المطلق تستتبع عند المنافقين وأوليائهم كراهية أتباعه: [وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] (هود : ٢٧) ، وتستتبع كراهية التضحية من أجله: [فَرِح المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (التوبة: ٨١) ، وتستتبع كراهية الإنفاق في سبيله: [وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ] (التوبة: ٥٤) ، وتستتبع مع كل ذلك محبة المحادِّين لهذا الحق، وإظهار احترامهم والتعهد بتنفيذ أوامرهم: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ] (محمد: ٢٦) . صحيح أن كراهية ما أنزل الله عمل قلبي، ولكن آثاره تنعكس على المواقف في صور شتى، لا يسعنا وقد كُلفنا بالظاهر أن نتكلف لها محامل حسنة مع تكرارها وتنوعها بصور مختلفة مع الإصرار عليها وكأنها مبادئ ثابتة تتخذ بشأنها سياسات معلنة واضحة الجوهر وإن كانت خدَّاعة المظهر، مثل تلك السياسات الثابتة في الصد عن سبيل الله، ومحاربة أولياء الله، والطعن في شريعة الله، أو السماح بذلك عن طريق إفساح المجال لكل مستهزئ بشعائر الله، متهكم على حدود الله، ساع في أذى المؤمنين بأنواع الأذى؛ إنها صور شتى تعكس آثار الكراهية الواضحة لما أنزل الله، وتظل الصورة التي أشارت إليها سورة محمد: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ] (محمد: ٢٦) ، تظل هذه الصورة هي أخطر الصور إقلاقاً في أحوال الأمة الراهنة؛ لأنها تضيف إلى خطر النفاق الكافي وحده للإضرار بالأمة خطر الاستعانة بالكفار أو الإعانة لهم، فتتعدد الحراب على الصدور، وتجتمع السيوف على الرقاب. فإذا وصلت كراهية المنافقين لما أنزل الله إلى حد أن يقولوا علناً للذين كرهوا ما نزل الله: [سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ] (محمد: ٢٦) ، فالأمر يحتاج إلى موقف إيماني واضح وصريح، يُسأل فيه هؤلاء: أنتم مع الإسلام، أم مع أعداء الإسلام في الحرب المعلنة على الإسلام؟ ! لقد اختلف المفسرون في تعيين مَنْ نزلت بشأنهم الآية المذكورة، فقيل: هم اليهود، وقال آخرون: هم المنافقون أنفسهم [١] ، وإذا تجاوزنا الخلاف في تعيين من نزلت بشأنهم الآيات، وسرنا مع عموم اللفظ الذي يُقدم الاعتبار به على خصوص السبب، لوجدنا أن حكم الآيات عامٌّ في كل من يتناوله لفظها، وبخاصة في أوقات الخطر وأزمنة المحن التي يتضاعف فيها جُرم التعاون مع الكفار ضد المؤمنين. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير هذه الآية: «اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد؛ لأن كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزَّل الله على رسوله محمد ﷺ ، وهذا هو القرآن وما يبينه به النبي ﷺ من السنن؛ فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: [سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ] (محمد: ٢٦) فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: (سنطيعكم في كل الأمر) كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله؛ فإن هؤلاء لا شك ممن تتوفاهم [المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ] (الأنفال: ٥٠) » [٢] . ماذا بقي لأمريكا: في جولتها الأولى من الحملة الصليبية المعاصرة، لم تستطع أمريكا أن تنجز شيئاً من أهدافها المعلنة حتى الآن في أفغانستان أو غيرها إلا بمعونة المنافقين، لا بل إنهم يدافعون عنها، ويضحون بدلاً منها، وينبري متشدقوهم للتبشير بانتصارها، في حين ينبزون وينبذون من يتجرأ على الجهر ببغضها ومحاولة التصدي لحربها..! ! أجهزة إعلام مسخرة، وأجهزة أمنية وعسكرية مستنفرة، من أجل خدمة أمريكا ودعم جهود الحرب التي تقودها أمريكا. فماذا بقي لأمريكا أن تفعله سوى أن تتفضل بتجريب أحدث أسلحتها وتدريب كوادرها العسكرية ومعالجة مشاكلها الاقتصادية بالمزيد من الابتزاز والاغتصاب لأموال الشعوب باسم مساعدتها على التخلص من (الإرهاب) ؟ ! مواقف مخجلة وتصرفات مزرية أقبلت على ارتكابها فئات من المنافقين في الشهور القليلة الماضية. خذ مواقف الحكومة العسكرية في باكستان مثلاً، تلك الحكومة التي أبدى رئيسها في مبدأ ظهوره العلني إعجابه الشديد بتجربة وشخصية (مصطفى كمال أتاتورك) عميد مؤسسة النفاق المعاصر، لقد خنع أتاتورك باكستان لأمريكا إلى حد أزرى بالمسلمين، فأصبحنا مقتنعين بأن العلمانيين جبناء ولو كانوا يملكون أسلحة نووية، ورعاديد وإن كانت صدورهم مغطاة بالنياشين العسكرية. وإن عرضاً لجردة الإجراءات التي اتخذتها حكومة (برويز مشرف) نيابة عن أمريكا في باكستان لتزيدنا يقيناً بأن الأمريكيين قد وجدوا في بلاد المسلمين من يتبرع لهم بأكثر مما يطلبون؛ فبعد تسخيره أجواء باكستان وقواعدها لعمليات الحملة الصليبية على الجارة المستجيرة (أفغانستان) وقبل يومين فقط من خطابه المشؤوم المشهور في (١٢/١/٢٠٠٢م) كان (برويز مشرف) قد تلقى طلباً من (كولن باول) وزير خارجية أمريكا يستعجل فيه إظهار جديته في الانضمام إلى تحالف أمريكا على المستوى الداخلي الشعبي كما أظهره على المستوى الخارجي الدولي، فجاءت الاستجابة السريعة بما لم تقر به أعين الأمريكيين فقط، بل أدخل السرور على الروس والهندوس والأوروبيين. لقد ألقى برويز خطاباً مليئاً بالتهديد والوعيد لمن وصفهم بأنهم (قلة معزولة لا تمثل الشعب الباكستاني) ، وتضمن خطابه إعلاناً عن عدد من القرارات التي تحولت من الغد إلى إجراءات، تم بموجبها اعتقال نحو ٢٠٠٠ من نشطاء وزعماء الجماعات الإسلامية الباكستانية والكشميرية، وحظر نشاط خمسة أحزاب إسلامية، هي الوحيدة التي تحمل برنامجاً إسلامياً من بين نحو خمسة وعشرين حزباً. وصدرت تعليمات بعدم قانونية تغيير أسماء الأحزاب حتى لا تتمكن الأحزاب المقفلة من العودة بمسميات أخرى، وتم إغلاق ١٣٧ مكتباً من مكاتب جماعات الجهاد في كشمير التي تُعد قضيتها للباكستانيين كقضية القدس للفلسطينيين، ويُعد مجاهدوها لدى الشعب الباكستاني كمجاهدي حماس والجهاد لدى الشعب الفلسطيني. وقام برويز بعملية (تطهير) في الجيش الباكستاني من العناصر المتدينة فأخرج عدداً من الضباط والقادة العسكريين من الخدمة ليبقى الجيش لا دينياً. ولم يخرج (برويز) عن الإطار الذي رسمه بنفسه أو رسم له في التعامل مع الإسلاميين المتعاطفين مع محنة أفغانستان، فقامت سلطاته بتسليم العشرات منهم لأمريكا يداً بيد، وأقبل على إجراء مخالف لكل الأعراف الإنسانية فضلاً عن القيم الإسلامية حين رفضت أجهزته إعطاء السفير الأفغاني السابق لدى باكستان (عبد السلام ضعيف) حق اللجوء السياسي بعد أن تقدم به، ولم يكتفوا بذلك، بل سلموه للأمريكيين في إجراء خسيس ورخيص يجعلنا نعيد تثمين مواقف من انقلب عليهم برويز واتهمهم بالتخلف والسطحية. فإذا تركنا المنطقة الساخنة في باكستان وأفغانستان، وجئنا إلى البقعة المشتعلة في فلسطين، لوجدنا حرباً تُشن على الإسلاميين المجاهدين هناك، وهي وإن كانت حرباً معلنة بشكل أو بآخر منذ جاءت سلطة عرفات، إلا أنها الآن أصبحت فيما يبدو جزءاً لا يتجزأ من الحرب الأمريكية واليهودية على الإسلام في المنطقة العربية؛ فالسلطة (الوطنية) الفلسطينية التي جاءت في الأصل بعد (أوسلو) لغرض أمني إسرائيلي بحت، جعلت توفير الأمن والأمان لدولة اليهود هدفاً أصلياً، وظنت أنها من ورائه أنه يمكنها الوصول إلى (سلام الشجعان) الذي يوصل بدوره إلى دولة فلسطينية عاصمتها القدس ورئيسها عرفات. ولكن أوهام السلام التي تبخرت أمام أعين السلطة؛ لم تتبخر معها إجراءات ومستلزمات السلام التي كان على رأسها (الأمن الوقائي) لليهود من هجمات مجاهدي فلسطين، فلا تزال اعتقالات الشرطة الفلسطينية للعناصر الجهادية مستمرة، بل إن عرفات الذي أدمن على التنازلات بدون مقابل، لم يتخل عن تلك العادة حتى بعد أن ظهر أمامه تحول (الحمائم) الإسرائيلية إلى ذئاب مفترسة و (الصقور) تحولت إلى ديناصورات، ومع ذلك لا يزال الرجل يتحدث عن أوسلو ومدريد وسلام الشجعان، ويسارع إلى إدانة كل عملية تنفذ ضد الإسرائيليين في (أرضهم) المعترف بها من العرب! ! وإذا أحب أن يهدد اليهود أو يتوعدهم تحدث عن (شعب الجبارين) الذي يدرك عرفات جيداً أنه وصف للوثنيين الذين كانوا يسكنون فلسطين، وكأن تاريخ فلسطين خلا من شيء يعتز به عرفات إلا الحقبة الوثنية! ! وبالرغم من أن أمريكا وإسرائيل تتعاملان الآن مع عرفات باعتبار أنه يعيش فترة ما بعد انتهاء تاريخ الصلاحية سياسياً إلا أنهما يعلمان أن بوسعه فعل المزيد لدفن القضية التي تصدى لزعامتها منذ أن أسس حركة (حتف) [٣] التي تحولت إلى (فتح) ! فلا تزال فتوح عرفات تتوالى، حتى بعد أن تم حبسه على يد شارون في مربع صغير محاط بالدبابات الإسرائيلية في رام الله، لقد تعهد عرفات بإجراءات لمحاربة (الإرهاب) الفلسطيني، وبدأ هذه الإجراءات بتحديد إقامة الشيخ أحمد ياسين في منزله مع قطع كل وسائل الاتصال عنه، وثنَّى ذلك باعتقال نحو مئتين من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي، وأغلقت سلطته مكاتب تلك الحركات بالشمع الأحمر، وحاصرت أنشطتها السلمية الاجتماعية والثقافية بدعوى التحرز من (تفريخ) الإرهاب! ! فهنيئاً لدولة اليهود بعد ذلك بصروحها التعليمية التوراتية التي تشمل كافة المراحل التعليمية والتي ستفرخ لأحفاد عرفات مخلوقات تلمودية أسطورية ستكون في طلائع جيش الدجال! عرفات المشغول منذ مدة بسبل إنهاء الانتفاضة للمرة الثانية لا يحارب العناصر الجهادية فقط، بل يحارب الإرادة الشعبية الفلسطينية كلما حاولت الخروج عن الخط العلماني الصارم، وعندما خرجت تظاهرات تلقائية في رمضان الفائت تعاطفاً مع الشعب الأفغاني أثناء تعرضه للتنكيل الأمريكي، أطلقت قوات عرفات عليهم الرصاص الحي، وَأرْدَتْ عدداً منهم قتلى، وعندما تدافعت جموع من المواطنين الفلسطينيين العزل لاقتحام أحد سجون الشرطة أو السلطة الفلسطينية للإفراج عن أقاربهم وذويهم المعتقلين، غضب عرفات غضباً شديداً إلى حد أن صفع أحد أعوانه وهو (جبريل رجوب) رئيس جهاز الأمن الوقائي على وجهه متهماً إياه بالإهمال في القيام بدوره (الوطني) و (الوقائي) ! لا ينبغي أن يظن أحد أن سلطة عرفات تخطط لإجراءات ضرب الحركات الجهادية أو تنفيذها بمفردها، بل إنها تأتي نتيجة (تنسيق أمني) لم يتوقف تحت أي ظرف من الظروف حتى في أحلك أوقات التضحيات؛ فمع كل الأخبار التي نسمعها عن استمرار اليهود في الاغتيالات والتصفيات والهدم والقصف من البر والبحر والجو، نسمع عن استمرار الاجتماعات الأمنية (المشتركة) التي لم يسفر اجتماع أمني واحد منها عن اعتقال (إرهابي) إسرائيلي واحد، ولو باعتبار أن اللجان مشتركة! ! يؤسفنا أن نقول إن عرفات ليس مسؤولاً وحده عن جريمة ضرب الإرادة الإسلامية في فلسطين، ولكن يشاركه في ذلك كل من ساهم في جعله الممثل الوحيد للقضية الفلسطينية في العقد الأخير. بماذا كوفئ عرفات مقابل كل هذا الذل والتنازل؟ ! .. إنه يكافأ بمزيد من الإذلال، وسبحان الله! فهذا دأب اليهود والنصارى دائماً مع من يتخذونهم أولياء من دون المؤمنين، منذ ابن العلقمي وحتى الشريف حسين! ولكن المؤسف أن جزاء (سنمَّار) لا يلقاه عرفات وحده، أو يقتصر على من معه، ولكن يعود أكبر ضرره على شعبه الذي وثق به وسلمه قياده ... فكلما أبدى عرفات مذلة واستكانة، دفع الإسرائيليون بمزيد من الدبابات إلى أرض السلطة، وكلما أعلن الالتزام بقرارات السلام، مضى الإسرائيليون في الاقتراب من طريق الحرب الشاملة، وكلما استجدى لقاءً ببوش أو شارون لتحقيق (أمل العودة) إلى المفاوضات، قال له شارون: تأدب! ! .. انتظر.. برهن على أنك تحب السلام ولو بأسبوع واحد من الهدوء التام وسط قصف الأباتشي في جنح الظلام! إن شارون الذي يعلم أن عرفات لم يعد بوسعه أن يمنع ثورة الغضب الفلسطيني، ظل طوال الانتفاضة يطالبه بتلك البنود المحددة لكي يبرهن على أنه مع (إسرائيل) في حملتها الخاصة بها ضد الإرهاب، في ظل يكرر تلك المطالب: - القيام بمزيد من حملات الاعتقال حتى لا يبقى من يحمل حجراً أو يشعل إطاراً. - تجريد كل من يحمل السلاح من السلاح، إلا من يحمل هذا السلاح لحماية أمن إسرائيل. - تدمير ما يُجمع من السلاح بإشراف إسرائيلي وتنفيذ فلسطيني. - التعهد بتحمل المسؤولية عند حدوث أي أعمال فدائية أو استشهادية. - الاشتراك في وضع خطط أمنية جديدة تنفذها السلطة بإشراف الأمن الإسرائيلي. - إنهاء كل أشكال التحريض على الدولة العبرية في الإعلام والتعليم والوعظ! وسواء استطاع عرفات وسلطته تحقيق (استحقاقات السلام) هذه أو عجز عنها وسواء أراد ذلك أم لم يرده، فإن الحقيقة الثابتة التي لا ندري أيعرفها عرفات ورفاقه أم لا؛ هي أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنه، حتى يتبع ملتهم، فشارون وبرغم كل ما فعله عرفات قال: «إن عرفات أصبح خارج اللعبة» ولهذا عقد اجتماعات مع كل من محمود عباس (أبو مازن) أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، وأحمد قريع (أبو العلاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، دون أن يمن على عرفات بقبول دعوة واحدة لعودة واحدة إلى (مائدة المفاوضات) التي طال حنينه إليها! وإضافة إلى هذا الحرمان التأديبي، ظهر مؤخراً من خلال مواقف الزعامات العربية من اعتقال (الرئيس) عرفات، أن هناك ما يشبه الاتفاق على أن زمان عرفات فات! ! لأن هذا الموقف (السلبي) من إهانة شارون لعرفات على ذلك الوجه المخزي، لا يمكن إلا أن يكون صادراً عن معرفة بأن تصريحات الأمريكيين ومواقفهم الأخيرة من عرفات ليست مجرد مشاعر سخط عليه، بقدر ما هي بوادر إنهاء للمشهد الأخير من مسلسل تاريخه (النضالي) المستمر منذ ما يقرب من أربعين عاماً دون تحقيق هدف فلسطيني واحد. وهذا ما أظهرته تصريحات كبار أركان الإدارة الأمريكية بدءاً من بوش الذي رفض مقابلة عرفات حتى عندما كان في واشنطن، والذي صرح بعد قصة تهريب سفينة الأسلحة أن أمله خاب في عرفات، ومروراً بنائب بوش (ديك تشيني) الذي قال عن عرفات: إنه كذاب لا يمكن تصديقه، وانتهاء بأنتوني زيني (مبعوث السلام إلى الشرق الأوسط) الذي وصف عرفات بأنه (زعيم مافيا) ! ما سبق ذكره عن الأحوال في باكستان وفلسطين، إنما يعطي مثالين فقط لما يمكن أن تكون عليه مواقف الأنظمة العلمانية في أثناء الحرب الأمريكية المعلنة على الإسلام، وإلا فإن أقوال وأفعال ومواقف المنافقين، لا تزال تصم الآذان وتأخذ بالأبصار. وإن من مزيد التغرير بالأمة، والإغراق في إغرائها بالأوهام؛ أن يقال لها عن أصحاب الرايات العلمانية رايات النفاق العتيدة، أنها ستكون أهلاً لحفظ الأمانة الآن، بعد أن ضيعتها منذ أزمان، فيقيننا أن المنافقين لم ولن يكونوا يوماً مع مصلحة الأمة ضد أعدائها، بل العكس هو الصحيح، فهذا درس التاريخ المتكرر. نعم قد يحاربون باسم المصلحة الوطنية أو الرابطة القومية أو غيرها من الرايات العِمِّية؛ ولكنهم سيكررون الفضائح والهزائم ما داموا مستكبرين عن رايات الإسلام معتزين بها. حتى لا نختلف: أعرف أن مثل هذا الكلام سيثير نقاشاً وربما اختلافاً في شأن قضية النفاق ومدى انطباقها أو عدم انطباقها على كثير من الأوضاع في عالمنا العربي والإسلامي، فليكن ... فمتى توقفت الأمة عن الاختلاف في شأن المنافقين؟ فهذا من بلائهم وشؤم سيرتهم في كل زمان ومكان؛ لكني أكرر ما سبق قوله من أن المقصود هنا ليس الكلام عن أحكام أعيان وأشخاص، وإنما الكلام على رايات ترفع ومناهج تعتمد، لا يستطيع أحد أن يزعم أنها إسلامية ولا حتى أصحابها، والأمر هنا ليس قاصراً على أنظمة ترفع تلك الرايات العِِمِّية مصرة عليها، ولكنه يشمل هيئات ومنظمات ومنابر وتشمل شخصيات ثقافية وصحافية تخرج على الأمة كل حين بكلمات تكتب بمداد من السم لا تهدف لشيء إلا لإشاعة الإحباط واليأس والنفور من كل شيء يتعلق بالعمل الإسلامي والأمل الإسلامي بنصرة الإسلام. لقد اختلفنا كثيراً في شأن رايات النفاق، اختلفنا في توصيفها وفي الموقف منها وفي كيفية التعامل معها، ووقعنا في حبائل المنافقين التي ينصبونها باختيار أسماء وصفات لهم، نظل نلف وندور حول معناها ومبناها وحكمها وحكم من يدعو إليها، ومن ذلك أوصاف: (العلمانية) (الحداثة) (العصرانية) (الاستنارة) وغير ذلك، ولا يتوقع أن يخف هذا الخلاف إلا باتفاق على اعتبار النفاق بدرجاته المختلفة وصفاً جامعاً يجمع أصحاب كل الرايات غير الإسلامية، أما التفصيلات في أحكام ما يُخرِج وما لا يُخرِج من الملة من أفعال وأقوال المنافقين في الواقع فسيظل الاختلاف فيه دون حسم، ولكن هذا الخلاف الواقع أو المتوقع في أمر المنافقين ينبغي أن تكون له حدود، أدناها ما يأتي: * ألا نخرجهم وقد شهدوا على أنفسهم بالنفاق بالأعمال والأقوال عن وصف المنافقين على مستوى الرايات. * وهذا يستلزم ألا نختلف في وجوب عدم إسباغ الشرعية على أوضاعهم المنحرفة عن الدين. * ألا يمنعنا وصف تلك الرايات بالنفاق بشكل عام، ومن وصف بعضها بالردة الصريحة إذا توافرت الدواعي الشرعية لذلك. * ألا نختلف عند ظهور علامات النفاق الأكبر من بعضهم أنهم محل لإنكار المحتسبين أو جهاد المجاهدين بحسب ما تمليه الأحكام والأحوال. * ألا نحلهم محل المخلصين في إحسان الظن بهم أو جمع الأمة حولهم؛ لأن حالنا وقتها سيكون حال من يعالج الداء بالداء، أو من يبغي العمار ببذل أسباب الدمار. ودون هذه الحدود الدنيا في التعامل مع المنافقين، سنكون واقعين شئنا أم أبينا في محذور قرآني عظيم، حذر الله تعالى فيه الأمة من الاختلاف الضار في شأن المنافقين، عندما قال سبحانه: [فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً] (النساء : ٨٨) وهذه الآية، حكى المفسرون في سبب نزولها نحو سبعة أقوال [٤] ، ولكن أقواها كما رجح الطبري ﵀ أنها نزلت في شأن قوم كانوا قد نزلوا المدينة مسلمين، ثم عادوا إلى مكة والتحقوا بالمشركين بحجة عدم الصبر على جو المدينة المليء بالأوبئة [٥] ، فاختلف الصحابة في الموقف الواجب اتخاذه منهم: فريق رأى وجوب التبرؤ منهم لموالاتهم للمشركين، وفريق قالوا: إخواننا يتكلمون بكلمتنا؛ فمالوا إليهم ودافعوا عنهم، فأنزل الله تعالى قوله: [فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا] (النساء: ٨٨) . قال القاسمي في تفسيرها: «أي: فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين (فئتين) أي فرقتين، ولم تتفقوا على التبرؤ منهم، والاستفهام للإنكار، والخطاب لجميع المؤمنين، لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم، وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة كانت تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك، وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ منهم» [٦] . وتعليل التعجيب في الآية من موقف الملاينة من بعض المؤمنين تجاه المنافقين أن الله تعالى قد أظهر نفاق أولئك المنافقين بأمور ما كان ينبغي أن يختلف في شأنها، وأوضحها ارتكاسهم مردودين إلى جانب الكفار موالاة لهم أو هجرة إليهم بحسب سبب نزول الآية، وهذا واضح الدلالة على ضلالتهم، ولهذا قال سبحانه للمؤمنين الذين أحسنوا الظن بهم والأمر كذلك: [أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ] (النساء: ٨٨) أي: يعني: «أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام» [٧] «ثم استُؤنف الكلام بإيضاح علامة تدل على نفاق المنافقين بوجه عام، وهي علامة (إرادة الضلال) الملازمة لهم، والمميزة لهم عن سائر العصاة، فإرادة إضلال الأمة بإغراقها في الشبهات والشهوات، هي من سمات المنافقين البارزة التي تبدأ في الشبهات من البدع حتى تنتهي إلى الكفر وتبدأ في الشهوات بالتهاون في المعاصي حتى تنتهي إلى محبة نشر الفواحش، ولهذا قال الله تعالى بعد آية النساء المذكورة آنفاً: [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا] (النساء: ٨٩) ؛ فقطع الولاية عنهم حتى يقطعوا ولايتهم عن الكفار الظاهرين، ولم يكن ذلك ممكناً وقتها إلا بالهجرة من بين المشركين. فإرادة الإضلال بالشبهات من سبيل المنافقين، وإرادة الإغواء بالشهوات من سبيلهم أيضاً، كما قال سبحانه: [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً] (النساء: ٢٧) ، وقال: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النور: ١٩) ، إن الآيات المذكورة من سورة النساء، في قوله تعالى: [فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ] (النساء: ٨٨) توجب على الصف الإسلامي أن يكون له موقف متميز غير متميع من النفاق وأهله.. لهذا قال الرازي في تفسير تلك الآية:» دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا بعموم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ] (الممتحنة: ١) ، والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين؛ لأن ذلك هو الأمر الذي يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلاً فيه [٨] . إننا نحن الإسلاميين لا نزال مختلفين في شأن المنافقين إلى فئتين؛ فمنا من يرى شرعاً وجوب احترامهم وطاعتهم والتجمع حولهم مهما بدا أو خفي من أمرهم، ومنا من لا يرى ذلك كذلك، بل يرى أن هناك تكاليف شرعية متوجبة علينا تجاههم، لم تأخذ حقها من النظر أو العمل. وعلى كل حال فإن الإسلاميين مهما اختلفوا في شأن المنافقين، فإن ذلك لن يغير من حقيقة عدم اختلاف المنافقين في شأنهم، نظريًا أو عمليًا ولن يغير من حقيقة عدم اختلاف المنافقين في شأنه نظريًا أو عمليًا، ولن يغير من حقيقة أن الدنيا تتجه بسرعة في أزنتها المقبلة إلى انقسام حاد وجاد بين معسكرين متميزين لا ثالث لهما: معسكر إيمان وصبر لا يصبر على البقاء فيه إلا المؤمنون الصادقون، ومعسكر كفر وفجر سيتتابع إلى اللحاق به المنافقون والخائنون، وهذا ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ عندما حدث أصحابه عن تتابع الفتن التي ذكر منها (فتنة الأحلاس) ثم (فتنة السراء) ثم ذكر (فتنة الدهيماء) التي وصفها بقوله: (لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) [٩] . ولا حل في التعامل مع النفاق وأهله إلا بذلك الهدي النبوي العظيم (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان) [١٠] .

стр. 4226

المسلمون والعالم باكستان إلى أين ؟ عبد الغفار عزيز [*] ينص الدستور الباكستاني على أن اسم الدولة هو: «جمهورية باكستان الإسلامية» ليس هذا فحسب؛ بل ينص في مقدمته على أن: «الله هو الحاكم المطلق لهذا الكون، ولا شريك له في ذلك، وأن حق السلطة وصلاحياتها الذي حصل عليه شعب باكستان أمانة مقدسة لديه» . وأن: «شعب باكستان يرغب في تشكيل نظام تستخدم فيه الدولة صلاحياتها وسلطاتها عبر ممثلي الشعب المنتخبين لتسود فيه مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة والتسامح والعدل الاجتماعي، ويهيأ فيه المسلمون لأن يعيشوا حياتهم الفردية والجماعية وفق التعاليم والمقتضيات الإسلامية كما حددها القرآن والسنة» . ثم ينص الدستور في بند ٢٢٧ على أن «جميع قوانين الدولة تسن وفق الأحكام الإسلامية، ولا يمكن سن أي قانون يتنافى مع هذه الأحكام» . وفي بند ٢٢٨ ينص الدستور على تشكيل مجلس يسمى «مجلس الفكر الإسلامي» يعينه رئيس الدولة ووظيفته أن يقدم توصياته إلى البرلمان المركزي والبرلمانات الإقليمية حتى تصبح الحياة الفردية والجماعية لمسلمي باكستان وفق مبادئ القرآن والسنة تماماً، وصفة المجلس صفة دستورية رسمية. المجلس المشار إليه يعمل منذ عام ١٩٧٣م، وتمكن أعضاؤه العلماء والقضاة من إعداد توصيات شاملة لأسلمة جميع مجالات الحياة، ولا تفتقر إلا لإرادة الحكام وقوتهم التنفيذية لتصبح باكستان دولة إسلامية مثالية يضرب بها المثل، وتتخلص من جميع التخلف والرجعية والإرهاب التي يزعم الرئيس برويز مشرف أنه بخطواته الأخيرة سوف يتخلص منها، ويجعل من باكستان دولة متقدمة. جاء خطاب الرئيس الشهير وخطواته التاريخية في خضم الصراع والتوتر بين باكستان والهند، وبعد انتظار وضجة إعلامية كبيرة، وقال عنه رئيس الوزراء البريطاني قبل خمسة أيام من بثه: «إن الخطاب سوف يغير مجرى التاريخ الباكستاني» . ودعت الإدارة الأمريكية مخاطبة الحكومة الهندية أن «تلتزم الصبر والتأني وتنتظر كلمة الرئيس التي ستجد الهند فيها ما يخفف من قلقها» وقال المسؤولون في إدارة بوش: «إننا على علم بما يأتي في خطاب الرئيس وعلى اتصال دائم به» . ثم كان الخطاب وكان ذا شقين: الجانب الكبير منه كان حول الأوضاع والسياسات الداخلية، والآخر كان حول قضية كشمير والوضع العسكري المتأزم. أما القضية الكشميرية فكان الموقف منها سليماً ومبنياً على المبادئ والذي أكسب الرئيس نوعاً من التعاطف الشعبي الذي استغله الرئيس أو أوجده لتمرير ما يريده من التغييرات الداخلية. هذا الجانب كان منصبّاً على «التزمت» الديني وعلى «الإرهاب» باسم الجهاد والمدارس الدينية التي لا تنتج إلا «المطاوعة» ، و «أئمة المساجد» ، يخطبون في الناس وأوداجهم منتفخة (حسب وصف الرئيس) وعلى أننا نحتاج إلى «الجهاد الأكبر» والانصراف عن الجهاد «الأصغر» وعلينا بأنفسنا أولاً، نبني دولتنا وننمي اقتصادنا ولا «نحشر أنوفنا» في قضايا العالم الإسلامي كله. ثم شرع بإعلان الخطوات الهامة التي سوف تضمن التنمية للبلاد حسب اعتقاد الرئيس، وأهم هذه الخطوات هي: * تسجيل المساجد والمدارس في مدة أقصاها نهاية شهر آذار مارس القادم. * إدخال التعديلات في مناهج المدارس الدينية. * حظر خمس منظمات: اثنتان منها جهادية وهما: جنود طيبة (السلفية) وجيش محمد (الديوبندية سنة) ، وثلاثة منها شبه سياسية هي: جيش الصحابة (سنية ديوبندية) الحركة الجعفرية (شيعية) وحركة تنفيذ الشريعة (حركة ناشئة في المنطقة القبلية من ولاية الحدود الشمالية والتي ذهب زعيمها وآلاف من أتباعها إلى داخل أفغانستان لدعم حركة الطالبان أثناء الهجوم الأمريكي وقتل منها حوالي ألف شخص) . * عدم إثارة الناس أو حثهم على دعم الجهاد أو المشاركة فيه. * عدم جمع التبرعات لصالح الجهاد. * عدم استخدام مكبرات الصوت إلا للأذان أو خطبة الجمعة. * تسجيل الطلبة والأساتذة الأجانب قبل ٢٣ من (آذار) مارس المقبل بعد الحصول على شهادة «لا مانع» من سفارات دولهم ومن الداخلية الباكستانية، وإلا فسوف يطردونهم بعد ذلك. لو كان هذا الخطاب وهذه الخطوات قبل أحداث ١١ سبتمبر لكان له وقع آخر وتأثير مختلف، ولكن لأنه يأتي بعد تلك الأحداث، ويسبقه اهتمام بالغ من الحكومات الغربية وتتبعه إشادة وتشجيع وتصفيقات دولية متتالية تثير عديداً من الاستفسارات حوله فالناس مستغربون بين هذا الربط بين القضية الكشميرية والتوتر العسكري بين الهند وباكستان وبين التشديد على المدارس والمساجد الدينية مع الإصرار على أنه ليس هناك أي ضغط خارجي علينا في هذا الصدد! توقعت الحكومة الباكستانية أن هذه الإعلانات أو هذه الاستجابة للمطالب الأمريكية الهندية المشتركة سوف تخفف علينا من الضغوط العسكرية التي تسببها الحشودات الهندية، ولكن دون جدوى، بل زادت لهجة الخطاب الهندي حدة وضراوة، وتجاوزت التهديدات العسكرية من حشود القوات إلى تجارب جديدة للصواريخ البالستية القابلة لحمل الرؤوس النووية، وبدأت الحكومة الهندية تعد قوائم جديدة للمطلوبين لديها واللاجئين (حسب زعمها) إلى باكستان، تحت رعاية رسمية من الوكالات الاستخباراتية. ولم تجن باكستان من وراء هذه التنازلات سوى كلمات مدح عقيمة من الإدارة الأمريكية وإشادة الرئيس بوش بخطوات الجنرال برويز مع المطالبة بمزيد من الخطوات العملية «لقمع الإرهاب والإرهابيين» وتصريحات السفيرة الأمريكية لدى إسلام آباد بأننا قد أعددنا خطة بعيدة المدى «لتنمية» باكستان، وأننا لن نتخلى عن «صداقة» باكستان، وأن أولوياتنا في باكستان هي المساعدة على تصحيح مسار التعليم ودعم القطاع النسوي حتى يحصل على حقوقه وتوفير الخدمات الصحية. وفي الجانب الآخر استفادت الهند من حظر الأحزاب الدينية، ووجدت مادة سياسية ودبلوماسية وإعلامية دسمة لدعم هجومها ضد «الإرهاب الباكستاني» في الهند وفي كشمير، وقالت إن الجنرال برويز قد اعترف بنفسه بأن هذه المنظمات منظمات إرهابية بعد أن كان ينفي ذلك، كما استغلت الهند خطاب الجنرال وخطواته لكسب مزيد من التعاطف الغربي معها. ومن هنا يبرز عديد من الأسئلة حول ما كان يقال عن الجنرال برويز بأنه جندي محترف ووطني مخلص ولا يتنازل أمام التهديدات الهندية، وثبت ما كان يتداول عنه في الأوساط الشعبية من أنه علماني يتلهف إلى علمنة البلاد، ويعتبر كمال أتاتورك قدوته وأنه قيادة نموذجية يحتذى بها، ويريد أن ينال من الثوابت الوطنية والدينية لصالح حكمه. بعد خطابه هذا وخطواته تجاه المدارس والمناهج التعليمية اتجه الرجل نحو ما سماه الإصلاحات السياسية والتعديلات الانتخابية، وأعلن أحد جنرالاته «تنوير حسين النقوي» تعديلات هامة في العملية الانتخابية رفع فيها عدد المقاعد في البرلمان، واشترط على المرشحين أن يكونوا من حملة شهادة البكالوريوس؛ ولكن أهم هذه التعديلات هي: * إلغاء نظام الفصل بين المسلمين وغيرهم في التصويت وفي الترشيح، وفرض نظام التصويت المخلوط، وبذلك أصبحت الأقليات صاحبة تصويت وترشيح عامٍّ بعد أن كان للأقليات مقاعد معينة تملأ عن طريق الأقليات. * تخصيص ٦٠ مقعداً للنساء بعد أن كان العدد عشرين مقعداً. فهذان التعديلان كانا من أهم ما كان يطالب به الغرب وأذنابه، وكانوا يتهمون باكستان بأنها تمارس الفصل بين رعاياها على أساس المذهب والجنس. وكان ردنا عليهم بأن المقاعد المنفصلة للأقليات تحفظ لها حقوقها وتضمن وصولهم إلى البرلمان، وأن إلغاء هذا النظام قد لا يمكِّن أحداً من أبناء الأقليات أن يصل إلى البرلمان. ولكن دعاة الاختلاط في التصويت يستهدفون أمرين أساسيين: أولهما: القضاء على «نظرية الشعبين أو نظرية الأمتين التي تؤكد على أن المسلمين أمة وغير المسلمين أمة؛ وهذه النظرية هي التي أوجدت باكستان دولة منفصلة عن دولة الهندوس. وثانيهما: أن هدف التصويت المخلوط هو التستر على القاديانيين الذين يصرون دائماً على أنهم مسلمون ولا بد أن يعاملوا بوصفهم مسلمين. بهذا التعديل الجديد أصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه أمامهم لأن يدخلوا في صفوف المسلمين للتأثير على النتائج الانتخابية لصالح من يضمن لهم مصالحهم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن زعيم القاديانية» ميرزا طاهر «المقيم في لندن كان أبرز من رحب بتولي برويز مشرف مقاليد الحكم في باكستان، وأن هناك إشاعات قوية حول عدد من كبار المسؤولين في حكومة برويز بأنهم ذوو أصول قاديانية. ومن بين من يقال عنه بكل تأكيد وإصرار إنه ذو أصول قاديانية زوجة الرئيس» صهبا برويز «. كما تجدر الإشارة إلى أن زعيم القاديانية ومؤسسها» ميرزا غلام أحمد « القادياني هو أهم من تبنى وروج نظرية» أن أيام الجهاد المسلح قد تولت، وأنه وضع عن المسلمين فريضة الجهاد بالسيف؛ لأنه هو المسيح الذي من اختصاصاته أنه يضع الجهاد عن المسلمين «، ولم يخف» ميرزا غلام «أنه يؤدي بذلك خدمة للاستعمار الإنجليزي وفاءً له؛ لأنه أفضل من حكم البلاد ولا بد من رد الجميل. أما الإعلان الأخير الذي توفر له الوسائل الإعلامية الحكومية كثيراً من أوقاتها ومساحاتها فهو إعلان الجنرال بأنه سيستمر في رئاسة الدولة حتى بعد الانتخابات المزمع إجراؤها في أكتوبر القادم. وأنه يعتبر وجوده في الحكم ضرورياً وحتمياً للحفاظ على مصالح البلاد وتنميتها. التعديلات الانتخابية الجديدة يحتاج تنفيذها إلى تعديلات في الدستور الأساسي والتعديل في الدستور الأساسي يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء البرلمان؛ ولا يوجد في الدولة أي برلمان، ورغم ذلك فإن الجنرال مصرٌّ على أن التعديلات الانتخابية سوف تنفذ ولا أحد يستطيع أن يحول دون ذلك. إن هذا يعني أن الجنرال سوف يجري بنفسه تعديلات في الدستور وهو بذلك يؤدي دور البرلمان أيضاً بعد أن تولى مهام الرئيس ورئيس الحكومة ورئيس الجيش ورئيس مجلس الأمن الوطني. أما الولايات المتحدة الأمريكية التي تتغنى دائماً بالديمقراطية وللديمقراطية وبحقوق الشعب فتعتبر الجنرال برويز» أملها الأخير في باكستان «كما وصفه أحد المسؤولين في إدارة بوش، ولا يجد الرئيس بوش في كلمته السنوية سوى الجنرال برويز وحامد كرزاي ليشيد بهما، في حين كان يعتبر نصف العالم عدواً له وراعياً للإرهاب. علماً بأن الجنرال برويز هو نفس الجنرال الذي رفض الرئيس كلينتون أثناء زيارته» التاريخية «لباكستان والتي استغرقت» ست ساعات كاملة «بعد زيارة للهند دامت عدة أيام، رفض أن يصور وهو يصافح برويز مشرف؛ لأنه لا يمثل إرادة الشعب ولم يأت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع. فهل هذا يعني أن المنصب الجديد أي المنصب الجامع لكل المناصب الدستورية والتنفيذية والعسكرية أصبح شفيعاً للجنرال لدى الأمريكان، رعاة الديمقراطية والحقوق؟ لكن ماذا عن الأوساط الداخلية؟ اعتبر القاضي حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية أنه لا توجد لدى الحكومة أية حجة قانونية لإلقاء القبض عليه، ولكن الجنرال برويز لا يريد أن يعطي لمعارضيه حق التعبير عن الرأي، وهذا هو السبب الوحيد الذي من أجله اعتقلته الحكومة مرة أخرى بعد أن أكد المدعي العام أمام المحكمة العليا أن الحكومة تطلق سراحه. نعم أطلقت سراحه لكن دون أن تسمح له بأن يبرح مكانه؛ وبعد بضع دقائق أعادت اعتقاله بحجة قضية سجلت ضده قبل ثلاث سنوات عند زيارة رئيس الوزراء الهندي لباكستان واحتجاج الجماعة على زيارته قبل إعطاء الشعب الكشميري حق تقرير المصير. اعتبرت الجماعة الإسلامية وغيرها من الأحزاب الدينية والسياسية إعلان الجنرال باستمرارية رئاسته حتى بعد الانتخابات أنه بداية التزوير الانتخابي. علماً بأن رئيس الدولة لا ينتخب إلا عن طريق البرلمان؛ فكون برويز مشرف يعلن أنه يستمر في رئاسة الدولة لمدة أقلها خمس سنوات فهذا يعني أنه يريد أن يضمن البرلمان الذي ينتخبه رئيساً بلا منازع. سياسة برويز مشرف في هذا الصدد هي سياسة تقسيم الأحزاب وسياسة التلويح بالعصا تارة وبالجزرة تارة أخرى. بدأ الجنرال تقسيم حزب الرابطة بزعامة نواز شريف، واستطاع أن يفصل عنه عدداً كبيراً من الإقطاعيين الذين أصبحوا يشكلون حزب الرابطة (مجموعة قائد أعظم جناح) والآن يحاول تقسيم حزب الشعب. مقابل السياسة البرويزية هذه بدأت الأحزاب السياسية المختلفة تعيد ترتيب صفوفها، فاجتمعت الأحزاب الدينية الرئيسية: الجماعة الإسلامية (قاضي حسين أحمد) جمعية علماء باكستان (شاه أحمد نوراني) جمعية علماء الإسلام (مولانا فضل الرحمن) جمعية أهل الحديث (بروفيسور ساجد مير) جمعية علماء الإسلام (مولانا سميع الحق؛ لتشكل مجلس العمل الموحد، وتوفر نواة تجتمع حولها أحزاب سياسية مختلفة، وتخوض الانتخابات مجتمعة لا متفرقة. والأحزاب السياسية المرشحة لأن تنضم إلى هذه الكتلة هي حزب الرابطة (نواز شريف) ، وحزب جمهوري (نواب زاده نصر الله خان) ، وحزب جمهوري وطن (سردار أكبر بكتي) ؛ علاوة على عديد من الشخصيات العسكرية والسياسية البارزة. ويتوقع أن تأخذ الانتخابات صورة تظهر أنها بين الكتلة المؤيدة للجنرال برويز مشرف وبين الكتلة المعارضة له، وهناك فجوات سياسية محايدة تتم من خلالها اتفاقات محلية بين الأحزاب المختلفة من الكتلتين. مهما كانت النتائج، فإن الأمر الذي يُجمِع عليه المراقبون أن وضع برويز مشرف السياسي يتوقف على النتائج الانتخابية، وبعد ذلك لا يمكن للجنرال أن يستمر في سياساته كما يشاء؛ بل يكون البرلمان الذي لا بد أن يحاول إثبات وجوده مهما تمكن الجنرال من تقليم أظافره أو تحديد ملامحه حسب هواه أثناء الانتخابات وبعدها.

стр. 4227

المسلمون والعالم الجنوب.. مدخل الصليبية إلى السودان مصعب الطيب بابكر [*] قد يبدو غريباً أن نعلم أن جنوب السودان الذي يمثل الآن قاعدة صليبية حيوية لفرض النصرانية وصد انتشار الإسلام إلى أعماق إفريقيا هو نفسه جنوب السودان الذي دخله الإسلام قبل النصرانية بعدة قرون [١] ؛ بل إن مملكة الفونج الإسلامية «السلطة الزرقاء» (١٥٠٠ ١٨٢١م) كانت من أصول جنوبية [٢] ، كما أن قبائل الجنوب كانت أكثر تجاوباً مع حركة المهدي الإسلامية (١٨٨٥ ١٨٩٨م) ؛ إذ أخذت بعض القبائل بتقليد لباسها وأعلامها وصيحاتها في الحرب بصورة عفوية، وهاجرت إليه قبائل أخرى لمبايعته طوعاً [٣] ؛ في حين أن تلك القبائل قابلت الإرساليات التنصيرية الأولى بتوجس ونفور شديدين؛ إذ لم تفلح تلك الإرساليات منذ مقدمها عام ١٨٤٦م ولمدة خمسة عشر عاماً في تنصير فرد واحد مع أنها فقدت في سبيل ذلك أكثر من أربعين مُنصِّراً، وقد كتب القس (رفيجو أنطوني ماريا) عام ١٩٠١م قائلاً: «حينما بدأ مع الأب تابي العمل وسط الشلك لم يكونوا يريدوننا وسطهم، كانوا يكرهوننا، وحاولوا مرتين أن يقتلونا» [٤] . غير أن هذه الغرابة ستتبدد تماماً حين ندرك مقدار المؤامرة والمكر الكبير الذي أعاد تشكيل ذلك الإقليم، وأعده للعب دور فعال ومؤثر في صياغة هوية كل السودان، وفي تكوين حائط ضد التوجهات العربية الإسلامية. الجنوب: الجغرافيا والسكان: تقدر مساحة المديريات الجنوبية بربع مساحة السودان تقريباً؛ كما يقدر سكانها بربع مجموع السكان الكلي، ومجموع سكان السودان هو (٢٤. ٩٩. ٠٠٠ حسب تعداد ١٩٩٣م) ، وتعيش في الجنوب أكثر من ستين قبيلة لكل قبيلة لهجتها وتقاليدها الخاصة وعقيدتها التي تدين بها؛ إلا أن ثلثي سكان الجنوب ينتمون إلى «القبائل النيلية» وهي (الدينكا، والنوير، والشلك) ، بينما يتشكل الثلث الباقي من القبائل الأخرى ك (الأنواك، والأشولي، والزاندي، واللاتوك) وغيرها. إن معظم أفراد تلك القبائل يدينون بما يعرف بـ «المعتقدات الإفريقية» التي تتضمن الإيمان بالأرواح والسحر والشعوذة والحراب المقدسة والأوثان. أما البقية الأخرى فلا تدين بأي عقيدة أو مبدأ سوى تلك الحياة البدائية البسيطة. البداية: لم تحظ مجاهل السودان الجنوبية البعيدة باهتمام معتبر من قِبَل الممالك النصرانية القديمة (كممالك النوبة ونبتة وكوش) ، ولا من الممالك الإسلامية (كمملكة الفور والفونج) فيما قبل القرن التاسع عشر، كما انشغلت حركة المهدي بالتوسع واستقرار الدولة في الشمال عن الزحف باتجاه الجنوب الذي كان يعيش في حالة أقرب إلى الفوضى وانعدام السلطان، وباستنثاء التوافد التجاري لبعض الأوروبيين فإن إرساليات التنصير لم تبدأ بصورة جدية إلا بعد إنشاء دائرة إفريقيا الوسطى بأمر من البابا جريجوري السادس عشر عام ١٨٤٦م، في محاولة لاستباق البروتستانت والتجار المسلمين إلى المنطقة، ثم توالت بعد ذلك الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية والأنجليكانية والأمريكية وغيرها في سباق شره ومحموم للاستحواذ على تلك الأقاليم [٥] . إن نشاط الهيئات التنصيرية في جنوب السودان طوال تاريخه وبمختلف طوائفه وانتماءاته يهدف إلى عدة أمور يمكن من خلالها أن نفهم سر ذلك الحماس المسعور الذي يقف خلف تلك الجهود، ومن أمثلة تلك الأهداف أو المسوغات: ١ - نظرة الحق الديني: تميزت مناطق الجنوب ببيئة جغرافية ومناخية قاسية تسببت في هلاك عشرات القساوسة والمنصرين مما ألهب حمية الآخرين، وأكسب القضية بعداً جديداً لتحفيز العمل الصليبي وليس تثبيطه. لقد أخذ المنصِّر الإيطالي الشهير «دانيال كمبوني» العهد على نفسه وهو يشهد احتضار أحد القساوسة بأن ينذر حياته لتنصير إفريقيا أو الموت على درب من سبقوه، وبدأ القس «ليوللن قوبي» تأسيسه للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية بشعار (إعادة نصب راية المسيح التي سقطت) ويقول: «إن على الكنيسة ألا تخلد إلى الراحة حتى تستعيد ما كان لها مرة أخرى» [٦] ، إن دوائر التنصير تتحدث عن إقليم الجنوب السوداني كما لو أنه ملك لهم وحدهم لا يسع أحداً أن يزاحمهم فيه رغم أن تلك الكنائس لم تقدم لأهل الجنوب طوال قرن ونصف ما يصلح أن تنبني عليه حضارة. إن تلك المقاطعات الآن هي أكثر مناطق السودان جهلاً وتخلفاً وبدائية مع أن تلك الكنائس كانت تستأثر بالسلطة والدعم الحكومي والإمداد الأجنبي لفترات طويلة كانت كافية لإحداث تغيير كبير إن أريد له ذلك! ٢ - محاربة الإسلام: إن الضغينة والحنق على الإسلام والرغبة العنيفة لإقصائه هي أهم أهداف تلك الحملة الصليبية على المنطقة، إنها تدرك أنه لو نفذ الإسلام إلى هناك فإن ذلك مدعاة لانتشاره في كامل القرن الإفريقي ومنابع النيل ومنطقة البحيرات، وهي مناطق استراتيجية مهمة ومفصل حركة القارة، وهذه ميادين لا مساومة فيها؛ ومن ثم سعت الكنيسة إلى نفي كل أثر يتعلق به من الجنوب، لقد كتب اللورد كتشنر عام ١٩٨٢م قائلاً: «ليس من شك في أن الدين الإسلامي يلقى ترحيباً حاراً من أهالي هذه البلاد فإذا لم تقبض القوى النصرانية على ناصية الأمر في إفريقيا فأعتقد أن العرب سيخطون هذه الخطوة، وسيصبح لهم مركز في وسط القارة يستطيعون منه طرد كافة التأثيرات الحضارية إلى الساحل، وستقع البلاد في هذه العبودية» [٧] . ويشرح القس «أرشيد كون شو» الأمر فيقول عام ١٩٠٩م: «إن لم يتم تغيير هذه القبائل السوداء في السنوات القليلة القادمة فإنهم سيصيرون محمديين؛ إذْ هذه المنطقة منطقة استراتيجية لأغراض التبشير، إنها تمتد في منطقة شرق إفريقيا في منتصف الطريق بين القاهرة والكاب» . ثم يقول: «إن كانت الكنيسة في حاجة إلى مكان لإيوائها فهو هنا لصد انتشار الإسلام، والقضاء على تعاليم النبي الزائف» . ونحن نقول: وهو تماماً ما تمت التوصية به في المؤتمر الإرسالي العالمي بأدنبرة عام ١٩١٠م: «إن أول ما يتطلب العمل إذا كانت إفريقيا ستكسب لمصلحة المسيح أن نقذف بقوة تنصيرية قوية في قلب إفريقيا لمنع تقدّم الإسلام» [٨] . ٣ - فصل الجنوب: إن مجمل السياسات الجنوبية المصيرية في عهد الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري) كانت تصنع في الكنيسة؛ إذ إنها تملك الحضور الفاعل في الميدان، وتملك المعلومات الاستخباراتية من شبكات كنائسها المنتشرة في كل النواحي، وتملك أدوات التأثير والضغط على الإدارة الحكومية، وتملك كذلك التمويل اللازم لتنفيذ سياساتها؛ ولذا كانت توجهات الإدارة الاستعمارية تسير باتجاه فصل الجنوب [٩] ؛ يتحدث عن ذلك السكرتير الإداري (ماكمايكل) فيقول: «إنه من المعلوم أن تلجأ البعوث النصرانية خوفاً من التغلغل الإسلامي المتزايد إلى استخدام نفوذها في اتجاه فصل الجنوب» ، وعلى إثر ذلك أصدرت سياسة الجنوب والمناطق المقفولة، كما كانت المؤسسات الإدارية الشمالية تقام بمعزل عن رصيفاتها الجنوبية، وعملت الكنائس على إيجاد أبعاد أخرى لمسوغات الانفصال بعد تحويل ديانة الجنوب إلى النصرانية كتعميق العنصرية، وإثارة الضغائن ضد المسلمين من أهل الشمال، وتقوية اللهجات المحلية مع جعل الإنجليزية هي لغة التواصل والثقافة. غير أن الإدارة الاستعمارية لأمر ما قد عدلت آخر أمرها عن فصل الجنوب، فأصدر السكرتير الإداري (جيمس روبرتسون) في ديسمبر عام ١٩٤٦م أمراً بإلغاء سياسة الجنوب، وأقام مؤتمر جوبا عام ١٩٤٧م، ليرفع بعده توصياته للحاكم العام بأن الجنوبيين يفضلون الوحدة مع الشمال، ولم تكن مطالب الحركات الجنوبية أيام الاستقلال تتعدى الحكم الذاتي، وبعض المشاركة في الحكومة المركزية. ومهما يكن من أمر فإن قضية انفصال الجنوب قضية معقدة لا يخلو أي خيار فيها من خسائر؛ لكن اليقين الوحيد هو أن القوى الصليبية لا تدعم وحدة راية إسلامية ولا وحدة تمكن الإسلام من التغلغل في الجنوب. أما حين يكون الانفصال فإن تلك القوى ستضغط باتجاه كسب حدود أوسع كثيراً بصورة تكفي لتحويل ميزان الموارد الاستراتيجية ك «النفظ والثروة الحيوانية والمراعي» لصالح الجنوب، ثم تقوم هي بباقي مهام بناء إمبراطورية صليبية هناك [١٠] . ٤ - الدستور والشريعة: من خلال الأرضية المتينة التي توفرها الهيئات الكنسية والصليبية للحركات الجنوبية تمكنت عبرها من عرقلة أي محاولة لإقامة دستور إسلامي أو تطبيق الشريعة الإسلامية، ورغم أن كل الأحزاب السودانية الكبيرة لا تستصحب أي نية جادة في تطبيق حقيقي للشريعة الإسلامية، كما أنها تلتزم باستثناء المديريات الجنوبية منها. إلا أن مجرد إدراج عبارات فضفاضة بإسلامية الدستور أو الشريعة يعد سبباً كافياً لإثارة حملة شعواء ضدها وضد كل من يتبناها؛ فقد اعترضت المجموعات الجنوبية على النص بأن الإسلام دين الدولة والعربية لغتها في محاولة عام ١٩٥٧م لكتابة الدستور، وحينما تكونت اللجنة القومية للدستور في إبريل عام ١٩٦٧م كتبت الأحزاب الجنوبية مذكرة حذرت فيها اللجنة من خطورة أي توجه نحو تضمين مواد إسلامية في الدستور، ومن داخل الجمعية التأسيسية في يناير ١٩٦٨م اعترض الجنوبيون على المواد المتعلقة بالإسلام، وقال عنها العضو (وليم دينج) : «إنها الجزء المتعفن الذي يجب إزالته حتى لا تتعفن به البقية» . لقد كانت حركة التمرد (الحركة الشعبية) تتمسك بصلابة في كافة مفاوضاتها مع أحزاب الحكومات الانتقالية والمنتخبة بإلغاء قوانين الشريعة التي أعلن عن تطبيقها العقيد جعفر محمد نميري في سبتمبر ١٩٨٣ م. والعجيب أن حركات التمرد الجنوبية ومن ورائها المنظمات التنصيرية تريد أن تفرض رؤيتها الدينية على الشمال والجنوب في الوقت الذي ترفض بشدة أن يطبق الشمال رؤيته حتى في داخل حدوده الشمالية وحدها إن كان خياره الإسلام! ! ٥ - تشكيل الهوية السودانية: لقد كانت الحركة التنصيرية تستهدف تنصير كل السودان ابتداءً من الوثنيين والذين لا عقيدة لهم من أهل الجنوب والنوبة وحتى تنصير المسلمين في شتى أنحاء السودان. جاء في خطط أعمال مؤتمر كولورادو عام ١٩٧٨م: «لقد أوقفنا انتشار الإسلام في جنوب ووسط إفريقيا، وما نحتاج إليه هو العمل لإيجاد منافذ إلى داخل الإسلام» [١١] ، لقد عملت الكنائس بجد على إيجاد مراكز لها في الشمال رغم أن القوانين الحكومية كانت تمنع أي إرساليات تنصيرية شمال خط عرض ١٠، وحتى الحكومة الإنجليزية نفسها لا تسمح لتلك الإرساليات بالعمل في الشمال [١٢] إلا من خلال المدارس والمعاهد التعليمية؛ إلا أن الكنيسة أفلحت في تكسير تلك الحواجز ومد سلطانها إلى أبعد ما تبلغه ركابها. إن من المدهش أن نعلم أن نتاج هذا الجهد هو فقط ٥% من مجموع ثلاثين مليون نسمة؛ بينما المسلمون ٧٠%، وأصحاب المعتقدات المحلية ٢٥% كما قدرته منشورة (CIA The world Fact back) وسوى مثل هذه التخمينات؛ فليس ثمة أي إحصائيات موثوقة لظروف الحرب والنزوح. أما الذي حققته الكنيسة في هذا المضمار فهو إيجاد صفوة جنوبية ذات ثقافة غربية حانقة على الإسلام بدرجة أكبر من حنق الكنيسة ذاتها. يقول الكاتب الإنجليزي (ساندرسون) : «تحاول الكنيسة السودانية أن تستند إلى مقاومة الإسلام مقاومة إيجابية؛ أما المقاومة السلبية فهي عند الصفوة الجنوبية من خريجي مدارس الإرساليات تمثل واجباً دينياً مسيحياً [١٣] . هذه الصفوة هي التي يراد لها أن تقود جموع الجنوبيين وتسيِّر حركتهم الاجتماعية والسياسية إلى حيث تريدهم القوى الصليبية؛ ففي بوادر حركة الإرساليات النصرانية صرح القس» دانيال كمبوني «بهذه الاستراتيجية قائلاً: » سيتم توفير التعليم العالي للعناصر الأكثر كفاءة، والمأمول أن يتسلموا مقاليد القيادة في بلادهم « [١٤] ، وهذا عين ما يحدث الآن. لقد استطاعت الكنيسة أيضاً أن تحدث شرخاً غائراً في وجدان الإنسان الجنوبي تجاه الإسلام والعروبة، وكل من يتبناها بشكل يمكن استغلاله دائماً في إثارة القلاقل وصناعة حركات تمرد جديدة. إن الكنيسة تعمل بجهد لكسب ولاء الجنوبيين لصالحها، وتنصِّب نفسها حارساً لمصالحهم، ومدافعاً مخلصاً عن حقوقهم ضد ما تسميه باضطهاد الدولة والهوس الإسلامي والاستعمار الشمالي. إن المحصلة النهائية التي تسعى لها الصليبية في السودان هي طمس كل معالم الإسلام والعربية على مستوى التشريع والدولة، ومستوى الهيئات والمؤسسات الاجتماعية، ومستوى قطاعات الشعب والأفراد، إنها تطمح فعلاً (لسودان جديد) ، جاء في ورقة عمل قدمها مجلس الكنائس السوداني ضمن اجتماع مجلس عموم كنائس إفريقيا في لومي عام ١٩٨٧م بعنوان (إنقاذ السودان) :» المناداة بضرورة إيجاد السودان الجديد الخالي من السيطرة العربية «، ثم طالبت الورقة بدعم مجلس الكنائس الإفريقي والعالمي لإيجاده. هذا السودان الجديد هو مطلب الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي تردده دائماً في بياناتها الرسمية، وهو أيضاً مطلب الحزب الشيوعي الذي من أجل تكوينه تحالف مع حركة التمرد، ولو أصبح بأيديهم سلطة فلن يتأخروا أبداً في فرضه وتحقيق أمل (جون قرنق) في طرد العرب المسلمين من السودان كما طُردوا قديماً من الأندلس؛ إنه مصداق قوله تعالى: [كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً] (التوبة: ٨) . لقد سلكت المؤسسات الصليبية كل السبل التي تحقق أطماعها بلا حدود أو حقوق أو تسامح، وتصرفت وكأنها تأخذ ثأراً قديماً لها مع الإسلام، وهذه الأساليب نوجز منها ما يلي: ١ - سياسة الجنوب: بدأ التنفيذ الصارم لما يعرف بسياسة الجنوب في يناير ١٩٣٠م [١٥] ، إلا أن البدايات العملية لها استؤنفت قبل ذلك التاريخ بكثير؛ ففي عام ١٩١٧م استُبدل كل الجنود الشماليين بجنوبيين، وفي ١٩١٨م اعتُمدت الإنجليزية لغة رسمية وجعل الأحد عطلة أسبوعية، وفي ١٩٢٢م وما بعدها أصدر قانون المناطق المقفولة الذي مُنِع بموجبه الشماليون المسلمون من دخول المناطق الجنوبية، وبموجب تلك السياسة فإن الإدارة الاستعمارية عملت على: ١ - محاربة اللغة العربية والأسماء الإسلامية وقصر التعامل على الإنجليزية. ٢ - محاربة الشعائر والعادات الإسلامية وكل ما يتعلق بها من زي أو هندام. ٣ - طرد الشماليين تجاراً وإداريين. ٤ - إعادة العمل بالأحكام القبلية وإحياء اللهجات المحلية. لقد كانت الحكومة تعاقب بشدة كل من يضبط وهو ينطق العربية أو يؤدي شعائر إسلامية؛ كما كانت تفضل أن يظل الجنوبيون عرايا على أن يلبسوا أزياءً إسلامية أو شمالية، وكانت تستعمل أرقاماً معينة لمناداة كل من يرفض تغيير اسمه إلى اسم غربي أو قبلي [١٦] ، لقد أخليت تلك المناطق تماماً إلا من النفوذ الكنسي الذي أسندت إليه شؤون الإدارة والتشريع والتعليم والتوجيه، والانفراد الكامل لربع قرن بتشكيل ثقافة ذلك المجتمع وتوجهاته.» إن الحكمة وراء سياسات المناطق المقفولة تكمن في نشر الجهد التمديني التنصيري على كل ميادين جنوب السودان الممتد «كما يقول» روبت هاو «حاكم السودان العام في تلك الفترة [١٧] . إذن فهو غزو صليبي تقوده الحكومة الإنجليزية، وليست القضية تراتيب إدارية أو أطماعاً اقتصادية أو أي شيء آخر، ولا يمكن لعاقل أن يدّعي بأن هذا الاضطهاد والتطهير العرقي، هو نوع من الديمقراطية والتسامح الذي يجب على الإسلام وحده أن يتحلى بهما. ٢ - إثارة الحقد والبغضاء ضد الإسلام: لقد دُجّن الطلاب الجنوبيون باعتبارهم مسيحيين في المدارس الإرسالية التي كان وحدها في الساحة، وكانت المسيحية تُمَثَّل بأنها ديانة متفوقة، ولم يكن من الصعب بناء أحقاد جنوبية ضد الشمال في مدارس الجنوب التي كانت يدرس في تاريخها دوْر العرب في شراء وبيع الأفارقة كرقيق [١٨] ؛ وهذه شهادة الوزير السابق وأحد قادة التمرد السياسيين (بونا ملوال) ، وهو نفس ما أكدته لجان التحقيق في اضطرابات أغسطس ١٩٥٥م [١٩] التي كانت بداية التمرد المسلح. لقد عملت الكنيسة بخبث على ربط الإسلام بتجارة الرق؛ في حين أن التجار الغربيين هم أصحاب هذه التجارة [٢٠] ، وعملت على إذكاء نار التفريق العنصري وإلصاقه بالإسلام؛ بينما لا تتحدث مطلقاً عما في كتابهم المحرف (الكتاب المقدس الإصحاح التاسع) : عن حام جد الأفارقة:» فلما استيقظ نوح من خمرة علم به ابنه الصغير فقال: عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك إله سام وليكن كنعان عبداً لهم «. لقد صورت الكنيسة الدعوة إلى الإسلام على أنها حرب عنصرية ضد الجنوبيين، وأنه لا مناص من الانضمام إلى صف الكنيسة من أجل بقائهم، وأن كل جنوبي هو بالضرورة مضطهد من المستعمرين الشماليين الذين تعمل الكنيسة على محاربتهم من أجله [٢١] . وهكذا استطاعت الكنيسة أن تضمن تشبث تلك المجموعات بها بنفس القدر الذي تضمن به شحنها ضد أي نشاط دعوي يمكن أن يبذله المسلمون. ٣ - رسل الحرب والسلام: تمارس الكنيسة والمنظمات التنصيرية لعبة الحرب والسلام، كلاعب محترف لا يفرط أو يتهاون في مكاسبه أو مبادئه، ولكنه أيضاً لا يضيّع فرص تكريسها وتأمينها؛ فمنذ عام ١٩١٠م، أسس الجنرال» ونجت «الحاكم العام» الفرقة الاستوائية «على أساس ديني وعنصري [٢٢] ؛ بحيث تكونت فقط من الجنوبيين المتنصرين من أبناء الإرساليات لتكون أساساً لجيش يمكن استعماله ضد أي انبعاث يحمل توجيهات الإسلام الجهادية في الشمال، كما يقول الكاتب الإنجليزي » روبرت كولنس «، وهي نفس الفرقة التي تمردت في أغسطس ١٩٥٥م بعد أن اجتمع بهم القس» بلم تري «وبارك مساعيهم لذبح الشماليين [٢٣] . ثم استمرت الكنيسة من بعد في احتضان كل حركات التمرد الجنوبية من رابطة السودان المسيحية (SCA) إلى الاتحاد الوطني للمناطق المقفولة بالسودان الإفريقي (SACDNU) إلى الاتحاد الإفريقي» سانو « (SANU) ومنظمة الأنانيا ثم أخيراً الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) والفصائل المنشقة عنها. توفر الكنائس لهذه الحركات الدعم المباشر والدعم الحكومي عبر جماعات الضغط التي تمثلها، كما توفر لها الخبراء العسكريين والتغطية الإعلامية، وهناك أكثر من ١٦٠ منظمة وهيئة إغاثية تعمل بهذا الاتجاه الذي يشمل أيضاً التسليح والإمداد التقني المساعد. نشرت مجلة (نيوزويك) في ١٠/٤/٢٠٠١م تقريراً عن جنوب السودان بعنوان» جنود المسيح «قالت فيه: إن الحرب في جنوب السودان أصبحت حرباً صليبية، وذكرت أن منظمة واحدة فقط هي » الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «:» قد وفرت بلا علم الحكومة السودانية طبعاً مبلغ ١٧ مليون دولار للجهات التي تعمل في السودان، ثم ذكرت أن أكثر تلك المنظمات حظوة هي «برنامج المساعد الشعبي النرويجي» الذي وصفه تقرير طلبته الحكومة النرويجية بأنه «يتجاوز حدود ما يعتبر أعمالاً إنسانية» ! ! إذن ما تقوم به هذه الإغاثات الموجهة ليس إلا خط إمداد حربي وإدارة تجسس استخباراتية تلعب دورها في الحرب، كما تلعب دورها في السلام. أما السلام فلم يكن يعني أكثر من محاولة الحصول على المزيد من الفرص لتمكين المشروع الصليبي في السودان. إن المجالس الكنسية تكاد لا تغيب عن أي من المفاوضات مع حركات التمرد كراعٍ لها أو مراقب فيها. وحينما أبرمت اتفاقية (أديس أبابا) في فبراير ١٩٧٢م برعاية الإمبراطور النصراني هيلاسي لاسي كانت قد خرجت تلك المجموعات التي مهدت لهذه الاتفاقية بضمانات كافية بعدم نشر الثقافة العربية والإسلامية في الجنوب [٢٤] ، وعلى إثر هذه الاتفاقية أقام السودان لأول مرة علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان في أغسطس عام ١٩٧٢م، وقد بدا حينها أن الاتفاقية لا تعدو أن تكون (صفقة) تتنازل الحكومة بموجبها عن الجنوب للكنائس؛ ومن ثم تتم إعادة إنتاج نسخة أخرى من (سياسة الجنوب) التي نفذت إبان الحكم الثنائي. الحركة الشعبية المتمردة والأحزاب السودانية: ظهرت «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في يونيو ١٩٨٣م بتمرد الكتيبة «١٠٥» في بور والبيبور، وانضم إليها فيما بعد العقيد «جون قرنق» الذي انفرد بزعاماتها، وقد هدفت الحركة من حين إنشائها إلى توحيد كل القطر تحت كيان «السودان الجديد» ، وعرفت الحركة يومئذٍ بتوجههم الشيوعي [٢٥] ؛ فقد كانت تعتمد على دعم نظام «منجستو هايلا مريم» الماركسي، كما كانت تدرّب مقاتليها في كوبا، وكان لها عدة مواقف عدائية ضد الإرساليات في تلك الفترة، إلا أن الحركة أخذت في اتباع نهج نفعي «براجماتي» متلون بلون ظروف الخطاب وميزان القوى؛ ومن هنا خرج التحالف المقدس «بينها وبين الكنائس والمنظمات الصليبية العالمية والذي كان لا بد له أن يحدث حتى تحقق أطراف المؤامرة مراميها وأهدافها التي تتوازى إن لم تتطابق باتجاه القضاء على الإسلام، وهو ما صرح به العقيد المتمرد» جون قرنق «أكثر من مرة أحدها في مقابلة له في» نيويورك تايمز «بتاريخ ٣/٣/١٩٩٦م مجيباً عن سؤال مراسلها عن سبب طول أمد الحرب؟ قال:» إن الأجندة العربية والإسلامية تأتي في مقدمة الأسباب «. وعداء الحركة الشديد لهذه الأجندة هو سمت أصيل في نهج الحركة لا يغيب أبداً عن خطاباتها التعبوية لمقاتليها، ولا عن نمط الأدبيات التي تنشرها، ولا عن جولات التفاوض التي تخوضها. أما الأحزاب السودانية فلها شأن آخر تماماً، شأن يشبه التنافس والتفنن في التملق للحركة ومن يقف وراءها؛ إذ إنها تبدي شجاعة نادرة في عقد الاتفاقيات والمبادرات ومذكرات التفاهم مع حركة التمرد لمجرد كسب مناورة سياسية أو تكتيك ظرفي أو مكايدة حزبية كأنما ليس لتلك الأحزاب أي مبادئ أو ثوابت يمكن أن تخسرها؛ فهي على استعداد دائم للمساومة على أي شيء مهما بلغت درجته؛ فبعد سقوط نظام (مايو) توصل (التجمع الوطني لإنقاذ الوطن) لاتفاق مع حركة التمرد في مارس ١٩٨٦م سمي بـ» إعلان كوكادام «نص على ضرورة إلغاء قوانين الشريعة التي أعلن عنها النميري، وفي نوفمبر ١٩٨٨م أبرم الحزب الاتحادي الديمقراطي ما عرف بـ» مبادرة السلام السودانية «واتفق فيها على تجميد العمل بأحكام الشريعة الإسلامية أيضاً، ومن المفارقات المدهشة أن الحزب الاتحادي حينما كان يمجد (المبادرة) ويتغنى بمحاسنها كان طرفها الآخر يقيم ندوة في» مركز بروكنز «بواشنطن بتاريخ ٩/٦/١٩٨٩م تحت عنوان:» الحرب الأهلية في السودان وآفاق الثورة «قال فيها العقيد المتمرد» قرنق «:» إن هدف الحرب في الجنوب هو القضاء على الأقلية العربية المزيفة «، وقال عن اتفاقيتي كوكادام والميرغني:» إنها تكتيكات مكملة للثورة «. وعندما سأله أحد الصحفيين: لكن هذه الزعامات الشمالية وقعت معكم على اتفاق السلام؛ فلماذا الحرب إذن؟ أجاب قرنق:» لا خيار لهم سوى ذلك؛ هذه حركة التاريخ: إما أن يذعنوا لها، أو سوف يسحقون! «. أما حزب الأمة فقد وقع أيضاً مع الحركة» اتفاق شوكدوم «عام ١٩٩٤م، وكان فصل الدين عن الدولة أحد بنوده، ثم خرج بعد ذلك» إعلان أسمرا «في يونيو ١٩٩٥م بين فصائل» التجمع الوطني «والتمرد تضمن هو الآخر فصل الدين عن الدولة ومنع قيام أي حزب على أساس ديني، وفي أكتوبر ١٩٩٦م تولى » قرنق «رئاسة قوات التجمع الوطني الديمقراطي، ولكن الأمر أخذ بعداً جديداً بعد توقيع» مذكرة تفاهم «بين التمرد والمؤتمر الشعبي الذي يقوده الدكتور حسن الترابي في ١٩/٢/٢٠٠١م، والذي صرح في مؤتمر صحفي عقب إعلانه لهذا الاتفاق:» إن الخلاف بين المؤتمر والحركة الشعبية في قضية فصل الدين عن الدولة ليس خلافاً استراتيجياً «، وقال:» إن جون قرنق ليس بذلك العلماني المتطرف «، وهذا الموقف هو نتاج طبيعي لأزمة حادة في البناء الفكري والأداء السياسي، وفي فقه الوسائل والغايات عند كثير من الحركات التي ترفع شعارات إسلامية.» أزمة حقيقية «أن تعيش تلك الحركات للحظتها وظرفها فقط مبتورة عن الماضي الذي تهتدي به والمستقبل الذي تبني له،» مصيبة «أن تحسم القضايا الكبيرة بعقلية الثأر الشخصي والكيد للآخرين، وبغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وجملة القول أن الرابح الوحيد من هذه الاتفاقيات هو حركة التمرد بينما تتسابق الأحزاب في تكميل برنامج الحركة الثوري، والإذعان التام لمطالبها، وإصدار شهادات الإشادة لها حيناً بعد حين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. الدور اليهودي: من الناحية التاريخية كان السودان من بين الدول المرشحة لتوطين اليهود قبل فلسطين؛ فقد كتب اليهودي» واربورت «الخبير بشؤون الفلاشا عام ١٩٠٠م اقتراحاً إلى اللورد» كرومر «في القاهرة بذلك، وقدّم يهودي آخر هو» أبراهام جلانت «نفس الاقتراح عام ١٩٠٧م إلى رئيس (المنظمة الإقليمية اليهودية J. T . O) [٢٦] . إذن فقد كان السودان محط اهتمام يهود منذ الشتات ولكن كان من المؤكد أن الاهتمام اليهودي بالسودان سينهمر على الجنوب، على صنيعة القوى الصليبية هناك؛ حيث ستجد الأرضية المهيأة لتحقيق أطماعها في السيطرة على منابع النيل وإيفاء وعد إسرائيل الكبرى، وقد أدركت الحركة الشعبية لتحرير السودان ذلك جيداً، فتفانت في نسج خيوط التقارب والتعاون معها، وبدأت زيارات زعمائها تتكرر إلى إسرائيل، واستطاعت إسرائيل أن تدرب حوالي عشرين ألف مقاتل متمرد على حدود أوغندا الشمالية، وأن تقيم جسراً جوياً إلى مناطق التمرد في مارس ١٩٩٤م، كما أنها توفد باستمرار خبراءها العسكريين لمساعدة المتمردين. إن أواصر هذا التعاون تظهر بصورة أكبر حين نعلم أن من بين قادة التمرد (ديفيد بسيوني) اليهودي الأصل [٢٧] ، والذي كان مرشحاً لرئاسة حكومة » الجنوب «التي أعلن عن تكوينها التمرد في أبريل من هذا العام ٢٠٠١م، وفي أواخر العام الماضي أعلن متحف محرقة ضحايا النازية» الهولوكوست «في نيويورك تضامنه مع الجنوبيين المسيحيين وقال: إنهم يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وكون لجنة تعرف بـ» لجنة الضمير «يرأسها اليهودي » جيري فاولر «لهذا الغرض، وأقامت اللجنة معرضاً ملحقاً بالمتحف عن» مآسي حرب الجنوب «كما يبذل اللوبي اليهودي مع اليمين الديني ضغطاً منظماً على الإدارة الأمريكية ومجلس الشيوخ لتبني مشروع حركة التمرد. بقي أن نشير هنا إلى طرفة سياسية إن صح التعبير تسوِّغ أو تدعم هذا التحالف مع اليهود وهي عبارة عن دراسات ومقالات منها ما كتبه جنوبي اسمه » بول فاك «بعنوان:» نظرة تاريخية لثقافات الدينكا وتراثهم «تتحدث عن أن القبائل النيلية ترجع إلى أصل» جيل Jiel «الذي ربما ينحدر من نسل يعقوب ﵇؛ ومن ثم فهي قبائل سامية ذات أصل إسرائيلي! ! [٢٨] ؛ وبغضِّ النظر عن ثبوت هذه الدراسات فإن حركة التمرد تعمل بجد على الفوز بوضع يماثل وضع إسرائيل على خريطة الدعم والمساندة الأمريكية وإن لم يتم قبلوهم بوصفهم ضمن شعب الله المختار! الدور الأمريكي المنتظر: يبتدئ دور أمريكا البارز مع حركة التمرد عندما انهار الاتحاد السوفييتي وسقط» نظام منجستو «وتخلت الحركة عن مشروعها الشيوعي عام ١٩٩١م [٢٩] ، وهو يتمثل على صعيدين: أولاً: من خلال المؤسسات والمنظمات الطوعية وأيدي العمل الخفية، والدعم السري للحركة، وهو عطاء سخي لم ينقطع، ويجري برضى الإدارة الأمريكية وتحت بصرها. ثانياً: عبر الدبلوماسية الرسمية والسياسات العلنية للحكومة؛ وهذه تقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني واليمين الديني المتشدد الذي يرعى سيادة الصليب على العالم، ويحمي الحقوق النصرانية بآلة الدمار الأمريكية. لقد أعلن بوش الابن في ٢٢ مارس من هذا العام قائلاً:» سنتصدى لحفظ كرامة الإنسان وضمان الحريات الدينية في كل مكان في العالم من كوبا إلى الصين إلى جنوب السودان «. وقال أيضاً في ٣ /٥/٢٠٠١م:» إن الحريات الدينية هي أكثر ما يتعرض للانتهاك في السودان «. ومن غير المعقول ولا المعهود أن يقصد بـ» الحريات الدينية «أي دين آخر غير النصرانية، وهي لهجة صليبية متعصبة ربما لو صدرت عن أحد الحكام أو القيادات المسلمة لأثارت زوبعة انتقادات عنيفة، وعدت خروجاً سافراً عن مهام الدولة وأدب الدبلوماسية. إن ما هو منتظر من أمريكا لن يخرج عن صميم دينها وثقافتها التي تحرص بكامل عتادها على نشرها والتمكين له، وإن لبست مسوح الزهاد وتظاهرت بالحياد. إنها لا تجرؤ على تخطي مؤسسات الضغط الصليبية والصهيونية والخط العريض من النصارى الملتزمين، وهي لا تملك أن تتخلى عن المسؤولية التاريخية في نصرة أتباع ملتها الذين يمثلون الامتداد الطبيعي لمصالحها ومشاريعها في أنحاء الأرض، ولن تكون أمريكا أبداً أقل تعصباً لدينها أو حمية لنصرانيتها من مورثتها بريطانيا التي عقدت مشكلة الجنوب وحرفتها إلى حرب صليبية ضد الإسلام يوم كانت تملك كل أوراق الحل؛ فكيف بأمريكا اليوم وهي لا تملك إلا بعضها؟ ومما لا ريب فيه أن القوى الصليبية التي تبدو كأنها تدق أجراس حرب جديدة لن تكتفي أبداً باستثناء أقاليم الجنوب من تطبيق الشريعة ولو كان تطبيقها أصلاً على نحو متساهل، ولن تكتفي باستضافة زعماء الكنائس العالمية كما حدث للبابا في ١٠/٢/١٩٩٣م الذي أقام في السودان لمدة تسع ساعات، واجتمع بالنصارى في ساحة المناسبات الرسمية بوسط العاصمة، وأدوا طقوسهم بكامل الحرية، ولن تكتفي تلك القوى بإلغاء قانون الهيئات التبشيرية في ٤/ ١٠/١٩٩٤م، وهو قانون أصدره الرئيس السابق إبراهيم عبود للحد من النشاط الكنسي ونفوذ الإرساليات، ولن ترضى أيضاً بإقامة مؤتمر حوار الأديان في ٧/١٠/١٩٩٤م وما تمخض عنه من جمعيات ودراسات تدعو» للمذهب الإبراهيمي «، ولن يرضيها إدخال القسس والنصارى في قيادة الحزب الحاكم والدولة. لن ترضى عن كل ذلك وأكثر من ذلك لسبب بسيط هو أن ذلك سيغدو» خطوات استعراضية «ليس إلا، ووزير الخارجية الأمريكية كولن باول» يريد خطوات عملية جادة وليست خطوات استعراضية «كما صرح في أواخر أبريل من هذا العام الفائت، ولم يبق للوزير الأمريكي إلا أن يقرأ علينا قوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، وحينها فقط يمكن أن نضع النقاط على الحروف، ونبحث عن أطراف المؤامرة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 4228

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com بوش الراهب منذ لقائنا في العام الماضي انصرف ملايين الأمريكيين إلى الصلوات فصلوا طلباً للمواساة في أوقات الحزن، وللتفهم في أوقات الغضب، وللحماية في وقت اتسم بعدم اليقين. وكثيرون، ومن بينهم أنا، سجدنا (للصلاة) . وصلوات هذه الأمة هي جزء من الخير الذي يأتي من أعمال الشر التي ارتكبت في ١١/٩/٢٠٠١ م، بل من خير أكثر مما كان يمكننا أن نتوقعه. إن الإيمان يسلحنا بالتأكيد بأن لأرواحنا ولتاريخنا أهدافاً أخلاقية. وكأفراد فإننا نعلم أن المعاناة مؤقتة ولكن الأمل أبدي. ونحن كأمة نعي بأن الذين يفتقرون إلى الرحمة لن يرثوا الأرض. والإيمان يعلمنا التواضع، ومعه التسامح، وحالما نشاهد صورة الله في أنفسنا علينا أن نشاهده في كل إنسان. فالاحترام لكرامة الآخرين يمكن أن يتبين خارج الدين تماماً كما يمكن للتعصب أن يوجد فيه. لكن بالنسبة لملايين الأمريكيين فإن ممارسة التسامح هي إحدى وصايا الدين. وفي الوقت ذاته، فإن الإيمان يعلمنا حقيقة الخير وحقيقة الشر. فلبعض الأعمال والخيارات في هذا العالم تبعات أبدية. فمن الخطأ دائماً وفي كل مكان، أن يستهدف المرء الأبرياء لقتلهم، ومن الخطأ دائماً وفي كل مكان، أن يبدي المرء قساوة وحقداً، أو استعباد الناس وقمعهم. ومن الصائب دائماً وفي كل مكان أن يكون المرء لطيفاً وعادلاً وأن يصون أرواح الآخرين وأن يضحي بحياته من أجل صديق. إن الإيمان يبين لنا طريق التضحية ومحبة جيراننا كما نرغب نحن أن يحبنا الآخرون، وخدمة للآخرين أننا نلمس إنجازاً بشرياً عميقاً، ومع تكاثر أعمال الخدمة تصبح أمتنا مكاناً أكثر ترحيباً بالضعفاء ومكاناً أفضل لأولئك الذين يقاسون ويكمدون. على مدى نصف قرن كانت صلاة مأدبة الفطور القومي رمزاً للموقع الحيوي للإيمان في حياة أمتنا، وأنتم ذكرتم أجيالاً من القادة بغاية، وبقوة أعظم من قوتهم. وفي فترات الهدوء وفي فترات الأزمات دعوتمونا للصلاة، وفي هذا الوقت من الاختبار لأمتنا أمدتني أنا وعائلتي بالنعمة صلوات عدد لا يحصى من الأمريكيين. فقد شعرنا بقوتهم الداعمة ونحن لهم شاكرون بصورة هائلة. وتنتظر هذه الأمة تحديات هائلة وستمثل أمامنا مصاعب. والإيمان لن يجعل مسارنا أقل وعورة بل سيمنحنا القوة لهذه المسيرة، إن وعد الإيمان لا يعني غياب المعاناة بل إنه وجود البركة. وفي كل خطوة، فإننا متأكدون من أن المقاساة تولد المثابرة، والمثابرة تولد الشخصية، والشخصية تولد الرجاء، والرجاء لا يخيب. ليبارككم الله، وليستمر الله في مباركة أمريكا. الرئيس الأمريكي جورج بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic قندهار الجديدة في حجرة مظلمة خلف مقهى صغير وسط مدينة قندهار التي يلفها الغبار وقف لطيف (٢٣ عاماً) فاغراً فاه وقد أخذ يقهقه بعصبية وهو يحدق في فيلم إباحي. إنها القنوات التلفزيونية الفضائية الإباحية وقد غزت هي الأخرى المعقل السابق لحركة طالبان. بعد سقوط الحركة انتشرت على أسطح المنازل أطباق التقاط الإرسال التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، وفي المنازل والمطاعم ودور الضيافة يقبل الأفغان بأعداد متزايدة على القنوات التي تبث مواد إباحية. ويدير «عبد وصي» متجراً لبيع أطباق التقاط الإرسال التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية التي ظهرت في قندهار سريعاً منذ رحيل طالبان. يبيع أطباقاً مستوردة من باكستان بأسعار تتراوح بين مئة و ٢٥٠ دولاراً. وقال في متجره الذي تحيط به عشرات الأطباق: «إنني في السوق منذ شهر وقد بعت نحو ٤٠٠ طبق تقريباً. متجري دائماً مزدحم. الجميع يريدون مشاهدة القنوات الأجنبية» . [جريدة الرياض، العدد (١٢٢٨٩) ] والله غالب على أمره يبدو الرئيس بوش واعياً بصورة «غريزية» بأن هذه الحرب ستكون بمثابة الكارثة. ولا يهم كم نقتل وحجم الخسارة التي سنلحقها بالخصم، لكن لا يمكن أن نقضي على الإسلام مثلما قضينا على النازية والفاشية والروح العسكرية اليابانية والبلشفية السوفييتية. لقد استطاع الإسلام البقاء على مدى ١٦٠٠ سنة تقريباً، كما أنه العقيدة المهيمنة على ٥٧ بلداً. إنه غير قابل للتحطيم. وبينما كان المسيحيون غارقين في الأمية، انتشر الإسلام طيلة ٧٠٠ عام إلى أن هيمن على البلقان، وعلى سهول هنغاريا، وعلى جميع المناطق الأخرى باستثناء أوروبا الغربية نفسها محطماً معقل المسيحية بفعل تفوقه المادي والعلمي. لكن إذا كان صدام الحضارات قادماً، فكيف سيكون توازن القوى؟ من حيث المادة، الغرب متفوق، مهما قلنا إن التفوق المادي لم يمنع انهيار الإمبراطوريات الغربية، كما لم يمنع سقوط الإمبراطورية السوفييتية. وإذا كان عامل العقيدة حاسماً، فإن الإسلام نضالي حركي بينما المسيحية جامدة، والإسلام ينمو والمسيحية تذبل. المحاربون المسلمون مستعدون لمواجهة الهزيمة والموت، بينما يتحاشى الغرب تكبد الخسائر. لا تستهينوا بالإسلام إنه الديانة الأسرع انتشاراً في أوروبا وقد تجاوز المسيحية عبر العالم؛ بينما تقترب المسيحية من نهايتها في الغرب، وحيث الكنائس فارغة تتوسع وتمتلئ المساجد. لكي تهزم عقيدة فإنك تحتاج إلى عقيدة؛ ما هي عقيدتنا نحن؟ النزعة الفردية، الديمقراطية، التعددية، الحياة الرغيدة؟ هل بإمكانهم التفوق على عقيدة لها ١٦ قرناً من الوجود وهي الآن تنهض مرة أخرى؟ باتريك بوكانان، المرشح السابق للرئاسة الأمريكية، موقع مجلة العصر www.alasr.ws الخروج من التيه إن الأمة اليوم أشبه بمن فروا مع نبي الله موسى من عذاب فرعون، فأنجاهم الله إلى سيناء، ولكنهم عجزوا عن أن يتحولوا من جيل هزيمة إلى جيل نصر، فرفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة بحجة أن فيها قوماً جبارين. لقد تغلب لديهم وهم النجاة في الواقع على عزيمة تحقيق الممكن والمطلوب. وألف بنو إسرائيل آنذاك أن يكونوا ضحية لكل فرعون، فحتى عندما أنجاهم الله لم يمتلكوا إرادة الرغبة في النصر، وسيطرت عليهم الرغبة في النجاة. واليوم يغلب على أبناء الأمة الرغبة في النجاة على السعي إلى النصر، أو تحمل تبعاته. فنحن قد ننصر الدعوة بالكلام ولكن ليس بالفعل، وكأننا اليوم نقول: [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة: ٢٤) . ولذلك لا بد أن يحكم على الأمة بالتيه في صحراء الحضارة الغربية المقفرة حتى يخرج جيل جديد لا يعاني من عقدة الضحية، ويرى النصر ممكناً، وعندها فقد يمكن أن تتحرك الأمة نحو فجر جديد من الحضارة الإسلامية التي يحتاج إليها العالم أجمع. أما اليوم فسيشهد العالم الإسلامي مرحلة قاسية من التيه وفقدان الهوية وتزعزع المسلَّمات، ولكن ستبقى دائماً طائفة من الأمة ظاهرة على الحق، ولن يضرها من يخذلها وستبقى المواجهة سواء فكرياً أو حضارياً أو حتى عسكرياً هي الخيار الوحيد المتاح للأجيال القادمة، ليس لأن هذه الأجيال ستختار بالضرورة هذا الخيار، ولكن لأنها ستجبر على المضي قدماً فيه من قبل أمريكا التي اختارت المواجهة، وسيفرز المستقبل جيلاً جديداً من الإسلاميين ممن يمكن أن نطلق عليهم «إسلاميو ما بعد التيه» ؛ ممن سيحملون على أكتافهم هموم الأمة في مرحلة ما بعد التيه، وستخرج إلى العالم حضارة إسلامية تجمع القوة في حمل الأمانة، والمعاصرة في الآليات والوسائل، والأصالة في الغايات والمقاصد، وستشرق شمس الإسلام من جديد على سماء العالم شرقه وغربه، وستتوقف مآذننا عن البكاء على أمتنا، وستنطلق من مناراتها أشعة الحضارة لتنير للعالم الطريق نحو النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة. د. باسم خفاجي، موقع جريدة الشعب http://alarabnews.com/alshaab هناك من يتذمر! ! أوصى تقرير سياسي أعده خبراء ومسؤولون سابقون بالاتحاد الأوروبي قادة أوروبا بالتزام التعقل السياسي وعدم المغامرة والانسياق وراء الولايات المتحدة الأمريكية في توسيعها للحرب ضد الإرهاب. وأكد التقرير الذي وضعته المفوضية الأوروبية أمام قادة الاتحاد الأوروبي أن لدول أوروبا مصالح لا تتحقق إلا بالسلام، وحسن الجوار، وكذلك وجود علاقات دبلوماسية جيدة ومقنعة، فأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تسعى للحفاظ على علاقات تحقق المصالح لكافة الأطراف في شعوب العالم، وأوروبا لا تريد بناء عداء وكراهية مع شعوب العالم كله سواء المسلمون أو غيرهم لأن ذاكرة الشعوب لا تنسى، قد نكون اليوم في موقف الأقوى والأكثر تقدماً، لكن لا يستطيع أحد التكهن بما يخبئه التاريخ في المستقبل. ويتساءل التقرير: «هل من الصواب أن تدور حروب جديدة ضد دول إسلامية أو غيرها بسبب أفراد لهم عقائد دينية مخالفة؟ أو أيديولوجيات سياسية غير التي نتبعها في الغرب؟ ويختتم التقرير بأن الإدارة الأمريكية تهدف من حربها ضد الإرهاب في العالم أخطر من مجرد الهدف المعلن وأكثر من حرب ضد الإسلام، بل تهدف إلى تثبيت سياسة القطب الواحد، وإجبار شركائها الأوروبيين على البقاء في دور التابع، تلك العمليات العسكرية الأمريكية التي تتحول تدريجياً من الحرب الجوية إلى استراتيجية جديدة، تهدف لزرع قوات عسكرية وقواعد أمريكية في دول إسلامية توجد بها مصالح أمريكية حالياً وعلى المدى البعيد، وكذلك تتحول العملية برمتها من شرعية الانتقام للضربات الجوية على المباني الأمريكية في ١١/٩/٢٠٠١م إلى الانتقام من شرعية وحقوق السيادة في دول إسلامية متفرقة بجميع أنحاء العالم حيث تأتي الفلبين، ومن غير المستبعد أن تتبعها أكبر الدول الإسلامية في العالم إندونيسيا، ثم يأتي الدور على ماليزيا الدولة التي تتقدم علمياً في صناعة البرمجيات وتكنولوجيا علوم الكمبيوتر. [جريدة البيان، العدد (٩٧٠٥) ] التوبة الليبية! ! قطع التطبيع الليبي الأمريكي خطوات حاسمة من خلال اتصالات بين مسؤولين من الجانبين على خلفيتي التعاون الاستخباراتي في مكافحة التنظيمات والعناصر التي تتهمها واشنطن بـ» الإرهاب «، وفيما يتكتم الليبيون على مضمون الاتصالات اعتبر الأمريكيون أن رسالتهم كانت» صريحة وواضحة « وهي تتعلق بدفع تعويضات تقدر قيمتها بستة بلايين دولار لضحايا تفجير الطائرة الأمريكية فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام ١٩٨٨م، ووعد الأمريكيون بفتح الباب أمام تفاعلات واتصالات دولية مختلفة مع ليبيا» إذا وفت بتعهداتها «. وتوقعت مصادر ليبية أن يسير التطبيع قدماً مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الرؤية الأمريكية» الإيجابية «لحصاد اللقاءات الأخيرة بين الجانبين، ففي أول تقويم على لسان مسؤول أمريكي للقاءات التي أجريت في لندن بين مسؤولين ليبيين وممثلين عن الحكومتين الأمريكية والبريطانية، اعتبر مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويليام بيرنز أن المحادثات» كانت بناءة ومركزة في شكل واضح جداً «، وأفاد في محاضرة أمام» نادي هنيبعل «في واشنطن أن المحادثات كانت تهدف إلى » إيضاح المطلوب من ليبيا القيام به للوفاء بالتزاماتها تجاه مجلس الأمن «، ملمحاً للمرة الأولى إلى أن» رفع العقوبات الدولية عن ليبيا أمر ممكن «. إلا أن الانعطاف الحقيقي أتى في أعقاب أحداث سبتمبر الماضي والتي شكلت اختباراً لنيات الليبيين من المنظور الأمريكي بعدما أرسلوا إشارات إلى تخليهم عن دعم المنظمات التي تصنف» إرهابية «. وفي معلومات مصادر مطلعة أن الأمريكيين استحسنوا الإدانة الليبية الشديدة لتنظيم» القاعدة «وحركة» طالبان «، واعتبار الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أن الحملة الأمريكية في أفغانستان بمثابة» دفاع شرعي عن النفس «؛ مما أدى إلى تسريع خطوات التقارب التي شملت تسليم المعلومات التي تملكها ليبيا عن» القاعدة «، و» طالبان «، و» حركة أبو سياف «في الفلبين إلى الأمريكيين، فيما وضعت واشنطن» المجموعة الإسلامية المقاتلة «في ليبيا على لائحة الجماعات الإرهابية في العالم. [جريدة الحياة، العدد (١٤٢٠٣) ] الهدف التالي رجح رئيس وكالة المخابرات الأمريكية (سي. آي. إيه) أن تكون حركات المقاومة الفلسطينية هي الهدف المقبل للحرب الأمريكية على ما يسمى » الإرهاب «؛ وذلك في تقرير قدمه تينت إلى الكونجرس مؤخراً. وحدد تينت في تقريره كلاً من حركات» حماس «و» الجهاد الإسلامي «و» الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «كأهداف محتملة للضربة الأمريكية القادمة ضد ما يسمونه» الإرهاب «، إضافة إلى حركات ومنظمات أخرى خارج فلسطين والعالم العربي، على الرغم من أن أياً من المنظمات التي ذكرها جورج تينت لم تقم بتهديد أمن أو مصالح الولايات المتحدة. يذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أدرجت على قوائم الإرهاب لديها كلاً من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، استجابة لضغوط الكيان الصهيوني على واشنطن. [جريدة السبيل، العدد (٤٢٢) ] ذيل أمريكا أمريكا لن تبقى كما كانت أبداً. وقد أثبتت لنفسها وللآخرين أنها بحق القوة العظمى الوحيدة، هذه القوة التي تتمتع بالفعل بمستوى من التفوق على خصومها الفعليين أو المحتملين، وهو تفوق لا توازيها فيه أية أمة في العصور الحديثة. وفي الوقت نفسه فإن العالم خارج أمريكا يجب أن لا يبقى على حاله أيضاً. وبطبيعة الحال ستظهر تهديدات من اتجاهات مختلفة، لكن طالما عملت أمريكا على المحافظة على تقدمها التقني، فلن يكون هناك سبب يدعو لنجاح أي تحد للهيمنة الأمريكية، وهذا بالمقابل سيساعد على ضمان الاستقرار والأمن في العالم. بيد أن جورج دبليو بوش أكد للأمريكيين أنه لا يوجد مجال للاسترخاء، فأمريكا وحلفاؤها، وبالفعل العالم الغربي ومبادئه، ما يزالون يتعرضون لتهديد مميت. وهذا التهديد يجب إزالته، وقد حان الوقت الآن للعمل بقوة. من أوجه عديدة يعد تحدي الإرهاب الإسلامي فريداً، ولذا فإن الصعوبة التي تواجهها استخبارات الغرب تتمثل في محاولة توقع أو منع الاعتداء على المجتمعات الغربية، لقد توجب أن يتمثل الفصل الأول من هذه الاستراتيجية في حرب أفغانستان، وأعتقد أنه بينما تستحق الحكومة المؤقتة هناك الدعم، فإن الولايات المتحدة محقة في عدم السماح لنفسها بالتورط في طموحات بناء دولة في تلك المنطقة المخادعة. أما الفصل الثاني من الحرب ضد الإرهاب فيجب أن يتمثل في ضرب مراكز الإرهاب الإسلامي الأخرى والتي استوطنت في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وغيرها من الأماكن، وهذا سيتطلب معلومات استخبارية من الدرجة الأولى، إضافة إلى دبلوماسية فعالة والتزام عسكري شديد، فلقد توفرت لأعدائنا سنوات لكي يحصنوا أنفسهم، ولن يخرجوا من مخابئهم بدون مقاومة شديدة ودموية. إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تذكرنا بقوة أن الحرية تتطلب يقظة لا محدودة، بيد أننا منذ فترة طويلة للغاية تخلينا عن يقظتنا ووفرنا ملاجئ لأولئك الذين يكرهوننا، وتسامحنا مع أولئك الذين هددونا كما تغاضينا عن أولئك الذين أضعفونا. [مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، جريدة الشرق الأوسط، العدد (٨٤٧٩) ] الشرف العسكري كشفت صحيفة» واشنطن بوست «أن الولايات المتحدة قدمت لعشرات من الزعماء الأفغان مساعدات مالية قيمة كل منها ٢٠٠ ألف دولار، وهواتف تعمل بالأقمار الصناعية لمساعدتهم في الحرب الدائرة في أفغانستان. وقالت الصحيفة نقلاً عن مصرفيين ومكاتب صرافة وآخرين مقربين من التحويلات النقدية أن أكثر من ٣٥ قائداً أفغانياً قاموا نهاية العام الماضي بعمليات تحويل نقدية لمبلغ ٢٠٠ ألف دولار، وأن بعضها حدث بعد اجتماعهم بمسؤولين أمريكيين. وجاء في التقرير أن إجمالي التحويلات زاد على سبعة ملايين دولار. [جريدة البيان، العدد (٧٩٠٥) ] كابول - تل أبيب كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن أن (إسرائيل) تجري منذ فترة اتصالات سرية مع الحكومة الأفغانية الانتقالية الحالية، وأن الجانبين يدرسان احتمال إقامة علاقات دبلوماسية بينهما. وقالت الصحيفة إن عدة لقاءات عقدت في هذا الإطار بين دبلوماسيين إسرائيليين وأفغان بينها اجتماع سري عقد في طوكيو. وأضافت: إن الاجتماع شارك فيه ممثلون عن الحكومة الإسرائيلية وعدد من أعضاء الوفد الأفغاني الذي شارك في مؤتمر الدول المانحة لأفغانستان الذي استضافته العاصمة اليابانية. [جريدة السبيل، العدد (٤٢١) ]

стр. 4229

في دائرة الضوء واقع العالم الإسلامي (١ - ٢) د. أحمد بن عبد الله الزهراني [*] إن الله تعالى يقول: [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] (الأنعام: ١١٥) . أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً فيما أمر ونهى. فالمراد بالكلمات القرآن العظيم الذي تمت دلائله وحججه وأوامره ونواهيه وأحكامه وبشارته ونذارته وأمثاله [١] . إن العالم الإسلامي اليوم قد أخل بما اجتمعت عليه الشرائع السماوية من الكليات الخمس التي هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فإذا نظرت إلى واقع الدين في حياتهم رأيته مقصوراً على بعض الشعائر التعبدية تؤدى في صورة وهيئة غير التي وردت إلينا شرعاً، مشوبة بالانحراف والابتداع، وإذا نظرت إلى عقائده وجدتها عقائد باهتة ومحرّفة! وإذا نظرت إلى محاكمه ونظمه التي يسير عليها، وجدتها محاكم غير شرعية بل قانونية، كما أن نظمه التي يسير عليها ويتحاكم إليها نظم قانونية وضعية مستمدة من القوانين البشرية الجاهلية إلا ما ندر؛ والنادر لا حكم له. أمّا النفوس البشرية فجاءت الشرائع السماوية لتحريرها والحفاظ عليها. فإذا نظرت إليها في العالم الإسلامي وجدتها مسترقة لغير الله، وعقدت عدة مؤتمرات ومعاهدات للحفاظ عليها في الظاهر لكنهم كذبوا فيما زعموا؛ فقد قرروا في مؤتمراتهم إباحة الزنا والإجهاض، بل قتل الأجنة في بطون الأمهات، كما كانت الجاهلية الأولى تفعل في وأد البنات. وسلّطت عليها الإباحية المنظمة، من خلال القنوات والأطباق الفضائية، حتى أصبح الأطفال يشبّون ويشيبون عليها. (لقد ذكرت وزارة العدل الأمريكية في دراسة لها أن تجارة الدعارة والإباحية الخلقية تجارة رابحة جداً يبلغ رأس مالها ثمانية مليارات دولار، ولها أواصر وثيقة تربطها بالجريمة المنظمة. وإن تجارة الدعارة هذه تشمل وسائل عديدة كالكتب والمجلات وأشرطة الفيديو والقنوات الفضائية الإباحية والإنترنت. وتفيد الإحصاءات الاستخبارية الأمريكية (F. B. I) أن تجارة الدعارة هي ثالث أكبر مصدر دخل للجريمة المنظمة بعد المخدرات والقمار حيث إن بأيديهم ٨٥% من أرباح المجلات والأفلام الإباحية) [٢] . وإذا نظرت إلى العقول فقد فسدت بسبب ما سلط عليها من اللوثات الفكرية دون حماية لها، وأبيح لها تعاطي المسكرات بجميع أنواعها، ويعتبر هذا من الحرية. وإذا نظرت إلى المال فقد لعبت به الأيادي العابثة، واستولى عليه من لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، وأنهكت الشعوب بالفقر؛ لأن القائمين عليها أنهكوا بالديون من قبل الأعداء؛ مما زاد في الفقر والتردي وذهاب الخيرات من بلادهم إلى بلاد الأعداء، فأصبحت الشعوب في بؤس وفقر شديد. وإذا نظرت إلى العرض فقد عقدت المؤتمرات من أجل حرية المرأة وإخراجها إلى النوادي العامة من غير حشمة ولا وقار باسم الحرية والدعوة إلى مساواتها بالرجل في كل شيء، كما لها الحق في اتخاذ الصديق والخدين؛ مما نتج عنه الوقوع في الزنا، وكثرة أولاد الزنا، وظهور الأمراض والأوبئة في المجتمع. وصدق الرسول ﷺ في قوله: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» [٣] . وإن أقل ما قلنا كلمة الحق في مواقف الرجال، وما أكثر ما قصرنا في ذلك، إن لم يكن خوفاً فضعفاً، ونستغفر الله ونتوب إليه مما قصرنا فيه، وقد آن الأوان لنقولها ما استطعنا، كفارة عما سلف من تقصير، وعما أسلفنا من الذنوب؛ فليس لها إلاّ عفو الله ورحمته، والعمر يجري بنا سريعاً والحياة توشك أن تبلغ منتهاها. نعم! لقد آن الأوان أن نقول كلمة في شؤون المسلمين كلها، وأن ننافح عن الإسلام ما استطعنا بالقول الفصل والكلمة الصريحة والعمل الجاد، لا نخشى فيما نقول أحداً إلاّ الله، وذلك كلّه في حدود ما أذن الله لنا به، بل ما أوجب علينا أن نقوله بهدي كتاب ربنا وسنة رسولنا ﷺ . إن بلاد عالمنا الإسلامي تنحدر في مجرى السيل إلى هوّة لا قرار لها، هوّة الإلحاد والإباحية والانحلال؛ فإن لم نقف منهم موقف النذير، وإن لم نأخذ بحجزهم عن النار انحدرنا معهم وأصابنا من عقابيل ذلك ما يصيبهم، وكان علينا من الإثم أضعاف ما حملوا. لقد آن الأوان أن نحارب الوثنيّة الحديثة والشرك الحديث اللذين شاعا في عالمنا الإسلامي، كما حارب سلفنا الصالح الوثنية القديمة والشرك القديم. إننا نريد أن نثابر على ما دعونا وندعو إليه من العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في قضائنا كلّه في كل بلاد الإسلام، وهدم الطاغوت الإفرنجي الذي ضرب على المسلمين في عقر دارهم في صورة قوانين، والله تعالى يقول: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً] (النساء: ٦٠-٦١) . ويقول أيضاً: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . إننا نريد أن نتحدث في السياسة، السياسة العليا للأمم الإسلامية التي تجعلهم أمة واحدة كما وصفهم الله في كتابه، نسمو بها على بدعة القوميات، وعلى أهواء الأحزاب، نريد أن نبصر المسلمين بموقعهم من هذه الدنيا بين الأمم، وتكالب الأمم عليهم بغياً، وعدواناً، وعصبية، وكراهية الإسلام أولاً وقبل كل شيء، كما نريد أن نعمل على تحرير عقول المسلمين وقلوبهم من روح التهتك والإباحيّة، ومن روح التمرد والإلحاد، وأن نحارب النفاق والمجاملات الكاذبة التي اصطنعها كُتَّاب هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون! يظنون أن هذا من حسن السياسة ومن الدعوة إلى الحق (بالحكمة والموعظة الحسنة) اللتين أمر الله بهما! وما هذا منهما قط، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق، والحرص على عرض الحياة الدنيا. إننا نريد أن نمهد للمسلمين سبيل العزة التي جعلها الله لهم وهي إحدى الحسنيين كما قال تعالى: [قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ] (التوبة: ٥٢) . وأن نوقظهم وندعوهم إلى دينهم بصوت العزة والكرامة صوت (حم لا ينصرون) حتى يدوِّي هذا الصوت في أرجاء المعمورة فيملأ العالم الإسلامي، ويبلغ أطراف الأرض بما اعتزمنا من نيّة صادقة نرجو أن تكون خالصة لله وحده جهاداً في سبيل الله إن شاء الله، فإن عجزنا أو ذهبنا فلن يعدم الإسلام رجلاً أو رجالاً خيراً منّا يرفعون هذا اللواء فلا يزال خفاقاً إلى السماء بإذن الله [٤] . ومن سنن الله تعالى في خلقه أن جعل الصراع بين الحق والباطل مستمراً حتى تقوم الساعة، وقد بدأ هذا الصراع ثنائياً بين آدم ﵇ وإبليس اللعين، من يوم خلق الله أبا البشرية آدم ﵇ وأمر الملائكة أن تسجد له، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر، وأخذته العزة بالإثم عن تنفيذ وتطبيق ما أمر به حسداً وبغياً، ودخل في نقاش وحوار مع ربه، كانت نتيجته وجوب اللعنة عليه إلى يوم الدين، والطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى. قال تعالى: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ] (البقرة: ٣٤) . وقال تعالى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ] (الأعراف: ١١-١٨) . وانتقل هذا الصراع من الثنائية إلى الجماعية، فصار في الأرض حزبان: حزب الحق: يقود مسيرته رسل الله تعالى وأنبياؤه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، كما قال تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحديد: ٢٥) . وحزب الباطل: يقوده إبليس الذميم، ومن تبعه من أهل الكفر والضلال إلى يوم الدين، فصار التدافع بين الحزبين قائماً مستمراً بالليل والنهار، والحرب بينهما سجال. قال تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٢٥١) . وقال تعالى: [لَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . إنً الصراع بين الحق والباطل أبديٌّ حتى تقوم الساعة، كما أنَّ التدافع بين الناس أبديٌّ حتى تقوم الساعة، وقد قاد الأنبياء ورسل الله الكرام ﵈ مسيرة الحق، وأعلنوا الجهاد في سبيل الله نصرة للحق ودفعاً للباطل، ومن آخرهم نبي الرحمة والملحمة الضحوك القتَّال ﷺ القائل: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم» [٥] . وهذا خبر منه ﷺ بحمل السيف على من لم يوحِّد الله وحده، من بداية بعثته، كما أخبر سبحانه أنه بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فجمع الله لرسوله ﷺ من بداية بعثته بين أمرين: الكتاب الهادي، والسيف الناصر له؛ ومصداق ذلك في قوله تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحديد: ٢٥) . فهذه الآية خبر من الله تعالى مفاده أن الله سبحانه أرسل الدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، مع رسله إلى خلقه، وأنزل عليهم كتاب هداية وصدق لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، ولا تشوبه أيَّة شائبة، كما أنزل عليهم الميزان الذي هو الحق والعدل، من أجل أن يكون هو الحكم بين الناس في حياتهم، وجعل لأمور الهداية المذكورة في سورة الجمعة وغيرها حامياً وناصراً، وهو السيف الذي هو من الحديد الذي اجتمع فيه أمران: المنافع، والبأس الشديد، من أجل نصرة الله تعالى؛ وذلك بتحقيق العبودية له وحده، وعدم صرف شيء منها لغيره سبحانه، ومن أجل نصرة رسله ﵈؛ وذلك باتباع ما أمروا، واجتناب ما عنه نهوا، فإن امتثل الناس لهذا وإلا كانت النصرة والحماية لهذا المنهج الرباني بحمل السيف في وجه كل من عاند وطغى وتجبر، ولم يذعن للحق وينصاع له. يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: « [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ] (الحديد: ٢٥) : أي بالمعجزات والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات، [وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ] (الحديد: ٢٥) وهو النقل الصدق، [وَالْمِيزَانَ] (الحديد: ٢٥) وهو العدل، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة، [لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] (الحديد: ٢٥) أي بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ] (الحديد: ٢٥) أي وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده، بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكيَّة وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات؛ فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذَّب به وعاند، [فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ] (الحديد: ٢٥) يعني السلاح والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها، [وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] (الحديد: ٢٥) أي في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار، ... وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك، [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ] (الحديد: ٢٥) أي من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله، [إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحديد: ٢٥) أي هو قوي عزيز، ينصر من نصره، من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض» [٦] . ولقد جاء الخبر عن الجهاد في سبيل الله في العهد المكي في أوائل السور التي أنزلت على النبي ﷺ في سورة المزمِّل في قوله تعالى: [وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (المزمل: ٢٠) ، إلاَّ أن القتال لم يشرع بعد؛ لأن النبيَّ ﷺ لما بايع أصحابه ليلة العقبة استأذنوه في الميل على الأعداء، فقال لهم: لم أومر بعد، أو كما قال ﷺ . وشعيرة الجهاد في سبيل الله تمتاز بالاستمراريَّة حتى قيام الساعة؛ لأن الجهاد هو الحامي والناصر للكتاب الهادي؛ فالقرآن والسيف متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. يقول ابن القيّم ﵀: «فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والعنان، فكلاهما في نصره أخوان شقيقان» [٧] . وقد عاب النبي ﷺ على من وضع السلاح، واستبعد أن يكون هناك جهاد بعد أن وضعت الحرب أوزارها. عن سلمة بن نفيل ﵁ قال: «كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله! أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، قالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: كذبوا، الآن جاء القتال، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحى إلي أني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام» [٨] . فأفاد هذا الحديث استمراريَّة القتال مع العدو حتى قيام الساعة، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّة» [٩] . ففعل (لا تزال) في الحديثين يفيد الاستمراريَّة، وفعل (يقاتلون) يفيد التجديد، كما أفاد حديث عروة البارقي ﵁ في البخاري قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِر حَدَّثَنَا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَم» . وهذا المعنى استنبط منه البخاري ﵀ هذا فقال: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر [١٠] . ولما شرح ابن حجر ﵀ هذا الحديث قال: «وفيه أيضاً بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن مِنْ لازمِ بقاء الجهاد بقاء المجاهدين، وهم المسلمون، وهو مثل الحديث الآخر:» لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق «. الحديث [١١] . يقول السرخسي ﵀:» فاستقر الأمر على فرضيّّة الجهاد، وهو فرض قائم إلى قيام الساعة، قال النبي ﷺ : «الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال» [١٢] . ويقول ابن الهمام ﵀: «ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لم ينسخ، فلا يتصور نسخه بعد النبي ﷺ » . ويقول الخرقي ﵀: «والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين» . فيفهم من كلامه أنه إذا لم يقم به قوم فينتقل حكمه من الكفاية إلى العينيَّة، وقد فسر ابن قدامة الكفاية فقال: «معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس؛ فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات في قول عامة أهل العلم» ثم قال: «ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض قوم يكفون في قتالهم، إمّا أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم» [١٣] . والله سبحانه فرض على عباده المؤمنين الجهاد في سبيله بنوعيه: جهاد الكلمة، وجهاد السيف؛ من أجل نصرة الدين، وإعلاء كلمة الحق، والذب عن ديار المسلمين، ودمغ الباطل وأهله، كما أمر عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، والاعتصام بحبل الله المتين، والاتباع لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: ٢) . قال الله تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (آل عمران: ١٠٣) وهذا خطاب من الله تعالى لعباده المؤمنين ورد في صيغة الأمر، وهو يشتمل على أمور مهمة جداً منها: الأول: التعاون فيما بينهم على كل خير فيه فلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة. الثاني: النهي لهم عن التعاون في أي عمل يوقعهم في إثم أو عدوان. الثالث: الاعتصام بحبل الله العظيم؛ لما في ذلك من النجاة. الرابع: النهي عن التفرق والاختلاف؛ لما في ذلك من الهلكة والدمار. الخامس: الأمر بالجماعة والإتلاف، وهو لازم الأمرين السابقين. السادس: الاعتبار بما كانوا عليه قبل الإسلام من التفرق والتحزب والعداوة والبغضاء والضلال المبين؛ لما في ذلك من التفكر والتدبر والاعتبار، وذلك يؤدي إلى الهداية. السابع: التذكير بنعمة الإخاء الإيماني؛ فلا بد من المحافظة عليه؛ لأنه إحدى الركائز التي يقوم عليها المجتمع المسلم. الثامن: الأخذ بالأسباب، وعدم الاستسلام للواقع المرير؛ حيث أمرهم بالاعتصام بالدين، ونهاهم عن التفرق فيه، وهذا من الأخذ بالأسباب. إن هذه الأمور الشرعية تمثلت في الكيان المسلم في عصر النبوة وما بعد ذلك حتى أخذت تضمحل رويداً رويداً في العصر الحاضر؛ حيث قضت عليها الجاهلية المعاصرة، فتلاشى الاعتصام بحبل الله، وحل محلّه الاعتصام بقانون البشر، وصار التفرق والاختلاف في صفوف المسلمين سمة بارزة يندى لها الجبين، ويرجف منها الفؤاد، ولم يصبح للمسلمين عموماً جماعة ولا قيادة تحمي حماهم، وتحفظ بيضتهم وترد عنهم كيد الأعداء، وانعدم الاعتبار بمن سبق بسبب قطع صلة الحاضر بالماضي، وحلّ محل الإخاء الإيماني الإخاء العنصري، والقومي، والعرقي، وقل الاعتبار والتذكر لنعم الله تعالى، وداهية الدواهي الوقوف في وجه من يدعو إلى ما تضمنته هذه الآية من تلك الأمور الجليلة، ويوصم بالتطرف والتزمت والإرهاب والتخلف والرجعية، وغير ذلك من الألقاب [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً] (الكهف: ٥) . إن أعظم شيء وقع فيه عالمنا الإسلامي اليوم عدم تحقيق التوحيد الذي افترضه الله على العباد، والذي هو أساس العبادة ورأسها، وهو الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل ﵈، وبتحقيقه تكون النجاة من النار ويحصل الفلاح والفوز بالجنة، وهو الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، وشرع الجهاد من أجله، فأريقت الدماء وسبيت الأعراض، واستُحلّت الأموال. وهذا التوحيد أصبح غريباً في بلاده، حتى وصل الحال بالناس أنهم لا يعرفون ما يضاده من الشرك الأكبر؛ فكيف بما هو دونه، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. يقول د. علي بخيت الزهراني: «إن الدارس لهذه الفترة التي نعنى بها ليصاب بدهشة عظيمة فيما حل بالمسلمين من شرك تعددت مظاهره واختلفت أشكاله؛ حتى لكأنما عقيدة التوحيد قد قضي عليها تماماً، وأن الموحدين قد انعدموا من الأرض؛ فلم يعد هناك إلا من أشرك بالأولياء في عبادة الله؛ فهو يدعوهم رغباً ورهباً. إننا لا نغلو إذا قلنا إن الأمة في هذين القرنين كانت غارقة في كثير من مظاهر الشرك والبدع والخرافات، وأنها انحرفت في توحيد الألوهية انحرافاً رهيباً وغشيها موج من الظلام والجهل حجب عنها حقيقة الدين وطمس فيها نور التوحيد، وعدل بها عن صراطه المستقيم، لقد ضرب الشرك الأكبر بأطنابه في ديار الإسلام، وانتشر في غالب القرى والبلدان، فشيدت القباب على الأضرحة، وأنشئت المساجد على القبور، وأقيمت مزارات ومشاهد، وزينت بالسرج والقناديل، وزخرفت بأنواع الزخارف، وكسيت من غالي الديباج ونفيس الستارات، وحليت أبوابها ونوافذها بسبائك الذهب والفضة وطلائها، وأهديت عقود من اليواقيت واللآلئ والزبرجد وغيرها، فقصدها القاصي والداني، ولجأ إلى رحابها المسافر والمقيم، وهرع نحوها العلماء قبل الجهال، والكبار قبل الصغار، والجميع يرتمون بساحاتها، ويتمرغون في جنباتها، ويلثمون أعتابها، فتراهم من حولها يطوفون، وبأصحابها يستغيثون ويستعينون، وفي عرصاتها يهرقون دماء نذورهم وقرابينهم، وكل هذا من الشرك الأكبر، وصورة من صور الوثنية، وإن اختلفت الأسماء وتبدلت الهيئات والأشكال» [١٤] . ولقد تألم الإمام الشوكاني ﵀ عندما تفكر في حال أهل اليمن وما حل بهم من المحن والفتن من بُعدهم عن معرفة أحكام دينهم، بل بُعدهم عن أداء ما افترضه الله عليهم، من مباني الإسلام الخمسة وغيرها، مع أن البلاد اليمنية كانت متميزة بأهل العلم والفقه، وكان كثير ممن يطلبون العلم يذهبون إليها، لكن يبدو والله أعلم أنهم أهل تقليد وطرق صوفية منحرفة، وأهل فرق منحرفة كالزيدية والباطنية وغيرها، واسمع إليه رحمه الله تعالى وهو يصف حال أهل بلاده فيقول: «فكرت في ليلة من الليالي في هذه الفتن التي قد نزلت بأطراف هذا القطر اليمني، وتأججت نارها، وطار شررها حتى أصاب كل فرد من ساكنيه منها شواظ وأقل ما قد نال من هو بعيد عنها ما صار مشاهداً معلوماً من ضيق المعاش، وتقطع كثير من أسباب الرزق، وعقر المكاسب حتى ضعفت أموال الناس، وتجاراتهم، ومكاسبهم، وأفضى إلى ذهاب كثير من الأملاك، وعدم نفاق نفائس الأموال، وحبائس الذخائر، ومن شك في هذا فلينظر فيه بعين البصيرة حتى تدفع عنه ريب الشك بطمأنينة اليقين، هذا حال من هو بعيد عنها لم تطحنها بكلكلها، ولا وطأت بأخفافها. وأما من قد وفدت عليه وقومت إليه، وخبطته بأشواظها، وطوته بأنيابها، وأناخت وقرت بناحيته كالقطر اليماني وما جاوره؛ فيا لله! كم من بحار دمٍ أراقت، ومن نفوس أزهقت، ومن محارم هتكت، ومن أموال أباحت، ومن قرى ومدائن طاحت بها الطوائح، وصاحت عليها الصوائح، بعد أن تعطلت وناحت بعرصاتها المقفرات النوائح، فلما تصورت هذه الفتنة أكمل تصور، وإن كانت متقررة عند كل أحد أكمل تقرر، ضاق ذهني عن تصورهم، فانقلبت إلى النظر في الأسباب الموجبة لنزول المحن وحلول النقم من ساكني هذا القطر اليماني على العموم، من دون نظر إلى مكان خاص أو طائفة معينة؛ فوجدت أهلها ما بين صعدة وعدن ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: رعايا يأتمرون بأمر الدولة وينتهون بنهيها، لا يقدرون على الخروج عن كل ما يرد عليهم من أمر ونهي كائناً ما كان. القسم الثاني: طوائف خارجون عن أوامر الدولة متغلبون في بلادهم. القسم الثالث: أهل المدن كصنعاء وذمار. وهم داخلون تحت أوامر الدولة، ومن جملة من يصدق على غالبهم اسم الرعية، ولكنهم يتميّزون عن سائر الرعايا بما سيأتي ذكره: فأما القسم الأول: وهم الرعايا فأكثرهم بل كلهم إلاّ النادر الشاذ لا يحسنون الصلاة ولا يعرفون ما لا تصلح إلاّ به ولا تتم بدونه من أذكارها وأركانها وشرائطها وفرائضها، بل لا يوجد منهم من يتلو سورة الفاتحة تلاوة مجزئة إلا في أندر الأحوال؛ ومع هذا فالإخلال بها والتساهل فيها قد صار دأبهم ودينهم، فحصل من هذا أن غالبهم لا يحسن الصلاة ولا يصلي. وطائفة منهم لا تحسن الصلاة وإنما تصلي صلاة غير مجزئة فلا فرق بينه وبين من تركها، وأما من يحسنها ويواظب عليها فهو أقل قليل، بل هو الغراب الأبقع، والكبريت الأحمر، وقد صح عن معلم الشرائع أنه لم يكن بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة؛ فالتارك للصلاة من الرعايا كافر، وفي حكمه من فعلها وهو لا يحسن من أذكارها وأركانها ما لا تتم إلا به؛ لأنه أخل بفرض عليه من أهم الفروض، وواجب من آكد الواجبات، وهو لا يعلم ما لا تصلح الصلاة إلا به مع إمكانه ووجود من يعرفه بهذه الصلاة، وهي أهم أركان الإسلام الخمسة وآكدها، وقد صار الأمر فيها عند الرعايا هكذا. ثم يتلوها الصيام وغالب الرعايا لا يصومون، وإن صاموا ففي النادر من الأوقات، وفي بعض الأحوال؛ فربما لا يكمل شهر رمضان صوماً إلا القليل، ولا شك أن تارك الصيام على الوجه الذي يتركونه كافر. وكم يعد العاد من واجبات يخلّون بها، وفرائض لا يقيمونها، ومنكرات لا يجتنبونها، وكثيراً ما يأتي هؤلاء الرعايا بألفاظ كفرية: فيقول هو يهودي ليفعلن كذا وليفعل كذا. ومرتد تارة بالقول وتارة بالفعل وهو لا يشعر. ويطلق امرأته حتى تبين منه بألفاظ يديم التكلم بها: كقوله: امرأته طالق ما فعل كذا أو لقد فعل كذا. وكثير منهم يستغيث بغير الله تعالى من نبي أو رجل من الأموات أو صحابي ونحو ذلك. ومع هذه البلايا التي تصدر منهم والرزايا التي هم مصرون عليها لا يجدون من ينهاهم عن منكر ولا يأمرهم بمعروف. وإذا قد تقرر لك أحوال هذا القسم الأول من الثلاثة الأقسام التي قدمنا لك ذكرها فلنبين لك حال القسم الثاني وهو حكم أهل البلاد الخارجية عن أوامر الدولة ونواهيها كبلاد القبلة والمشرق ونحو ذلك: اعلم رحمك الله أن جميع ما ذكرنا لك في القسم الأول وهم الرعايا من ترك الصلاة وسائر الفرائض الشرعية إلاّ الشاذ النادر على تلك الصفة فهو أيضاً كائن في البلاد الخارجية عن أوامر الدولة ونواهيها، بل الأمر فيهم أشد وأفظع فإنهم جميعاً لا يحسنون الصلاة ولا القراءة، ومن كان يقرأ فيهم فقراءته غير صحيحة، ولسانه غير صالح. وبالجملة فالفرائض الشرعية بأسرها من غير فرق بين أركان الإسلام الخمسة وغيرها مهجورة عندهم متروكة، بل كلمة الشهادة التي هي مفتاح الإسلام لا ينطق بها الناطق منهم إلاّ على عوج؛ ومع هذه ففيهم من المصائب العظيمة والقبائح الوخيمة والبلايا الجسيمة أمور غير موجودة في القسم الأول، منها: أنهم يحكمون ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم، في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده، ولا يخافون من أحد بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليهم من الرعايا ومن كان قريباً منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه، وهو أشهر من نار على علم، ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله سبحانه وتعالى وبشريعته التي أمر بها على لسان رسوله، واختارها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم ﵇ إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب، وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها، ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية، ومع هذا فهم مصرون على أمور غير الحكم بالطاغوت والتحاكم إليه، وكل واحد منها على انفراده يوجب كفر فاعله وخروجه من الإسلام، ومن ذلك إطباقهم على قطع ميراث النساء، وإصرارهم عليه وتعاضدهم على فعله، وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعي وجاحده والعامل على خلافه تمرداً أو عناداً أو استحلالاً أو استخفافاً كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله تعالى لعباده، ومع هذا فغالبهم يستحل دماء المسلمين وأموالهم ولا يحترمها ولا يتورع عن شيء منها، وهذا مشاهد معلوم لكل أحد لا ينكره جاهل ولا عاقل ولا مقصر ولا كامل، ففيهم من آثارالجاهلية الجهلاء أشياء كثيرة يعرفها من تتبعها. فمن ذلك: إقسامهم بالأوثان كما يسمع كثير منهم يقول قائلهم: أي وثن إذا أراد أن يحلف والمراد بهذا الوثن هو الوثن الذي كانت الجاهلية تعبده، وقد ثبت عن الشارع صلى الله عليه وسلم أن من حلف بملة غير ملة الإسلام فهو كافر. وبالجملة: فكم يعد العاد من فضائح هؤلاء الطاغوتية وبلاياهم، وفي هذا المقدار كفاية، ولا شك ولا ريب أن ارتكاب هؤلاء لمثل هذه الأمور الكبيرة من أعظم الأسباب الموجبة للكفر السالبة للإيمان التي يتعين على كل فرد من أفراد المسلمين إنكارها، ويجب على كل قادر أن يقاتل أهلها حتى يعودوا إلى دين الإسلام، ومعلوم من قواعد الشريعة المطهرة ونصوصها أن من جرد نفسه لقتال هؤلاء واستعان بالله وأخلص له النية فهو منصور وله العاقبة؛ فقد وعد الله بهذا في كتابه العزيز: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] (الحج: ٤٠) ، [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) . [وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (القصص: ٨٣) . [فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ] (المائدة: ٥٦) . فإن ترك من هو قادر على جهادهم فهو متعرض لنزول العقوبة مستحق لما أصابه، فقد سلط الله على أهل الإسلام، طوائف عقوبة لهم حيث لم ينتهوا عن المنكرات، ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة، كما وقع من تسليط الخوارج في أول الإسلام، ثم تسليط القرامطة والباطنية بعدهم، ثم تسليط الترك حتى كادوا يطمسون الإسلام، وكما يقع كثيراً من تسليط الفرنج ونحوهم؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. أما القسم الثالث من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها وهم الساكنون في المدن؛ فهم وإن كانوا أبعد الناس من الشر وأقربهم إلى الخير لكن غالبهم وجمهورهم عامة جُهّل يهملون كثيراً مما أوجبه الله عليهم من الفرائض جهلاً وتساهلاً. فمن ذلك: أنهم يصلون غالب الصلوات في غير أوقاتها، فيأتون بصلاة الفجر حال طلوع الشمس وبعدها، وبصلاة العصر قرب الغروب، وبصلاة العشائين إمّا جمعاً في وقت الأولى، أو في وقت الأخرى، ومع هذا فهم لا يحسنون أركان الصلاة ولا أذكارها إلاّ الشاذ النادر منهم، ويتعاملون في بيعهم وشرائهم معاملات يخالفون فيها المسلك الشرعي، وكثيراً ما يقع منهم الربا، ويتكلمون بالألفاظ الكفرية، وينهمك كثير منهم في معاصي صغيرة وكبيرة، وهم أقرب الناس إلى الخير وأسرعهم قبولاً للتعليم إذا وجدوا من يعزم عليهم عزيمة مستمرة دائمة غير منقوصة في أقرب وقت كما يقع ذلك كثيراً» [١٥] . وننتقل إلى رأي الإمام الأمير الصنعاني ﵀ وهو يصف حال البلاد الإسلامية، وما جاورها فيقول: «وبعدُ: فهذا (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) وجب عليّ تأليفه، وتعيّن علي ترصيفه، لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأنداد، في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيّبات والمكاشفات، وهو من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجداً، ولا يُرى لله راكعاً ولا ساجداً، ولا يعرف السنة ولا الكتاب، ولا يهاب البعث ولا الحساب، فوجب عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره» [١٦] . ثم ذكر أصولاً خمسة وأعقبها بفصول شرح فيها التوحيد وما يضاده، وبيَّن فيها مذهب أهل القبور الباطل، وأجاب على كثير من الاعتراضات ببيانٍ شافٍ كاف. ثم قال في وصف حال أهل القبور: «فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهّال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلاّ في الله، وجعلوا لهم جزءاً من المال، وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة، وطافوا حول قبورهم، وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقرباً إليهم. وهذه هي أنواع العبادات التي عرّفناك ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيماً له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبله وصدقوه» [١٧] . وقال أيضاً: «وكل قومٍ لهم رجل ينادونه؛ فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل التهائم لهم في كلٍ بلدٍ ميّت يهتفون باسمه يقولون: يا زيلعي، يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس، وأهل مصر: يا رفاعي، يا بدوي، والسادة البكرية، وأهل الجبال يا أباطير، وأهل اليمن: يا ابن علوان، وفي كل قريةٍ أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية: ... أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وودٍ ليس ذلك من ودي وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم نحروا في سوحها من بحيرة ... أهلت لغير الله جهلاً على عمد وكم طائف حول القبور مقبلاً ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي» [١٨] لقد سادت الفوضى عالمنا الإسلامي، وصار الطوفان الجاهلي هو المسيطر عليه في جميع أمور حياته، وأصبحت أمتنا المسلمة غثاء لا عبرة بها، ولا يأبه لها، بل لا يقام لها قدر؛ فنهبت خيراتها، واستعمرت أوطانها، وتهدمت أركان حضارتها، وغزيت في عقيدتها وثقافتها، وانطبق عليها خبر الصادق المصدق ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» [١٩] . واسمع إلى يراع الداعية المفكر الأستاذ محمد قطب فيما سطره عن حالة الواقع المعاصر: «لا يحتاج الإنسان إلى كبير جهد ليدرك أن الواقع المعاصر للمسلمين هو أسوأ ما مر بهم في تاريخهم كله، ولا يحتاج إلى كبير جهد كذلك ليدرك أن أوضاع المسلمين من السوء بحيث تجعلهم أسوأ كثيراً حتى من الجاهلية المحيطة بهم، بل تبدو الجاهلية المعاصرة قمة شامخة يعيش المسلمون إلى جوارها في الحضيض؛ فإلى جانب التخلف المزري في كل جوانب الحياة السياسية والحربية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والمادية والفكرية والخلقية، يوجد الضعف المزري لا أمام القوى العالمية وحدها، بل أمام أصغر القوى وأضألها في الدويلات الآسيوية والأفريقية المتخلفة في ذاتها، الضعيفة في كيانها، ولكنها تستأسد على المسلمين، فتقيم لهم المذابح بين الحين والحين، وتجتاح أرضهم، وتخرب ديارهم، وتنتهك أراضيهم، وكأنهم حمى مباح لكل معتد أثيم. وإلى جانب هذا وذلك، الضياع الفكري والروحي الذي جعل الأمة الإسلامية لأول مرة في تاريخها تنظر إلى الجاهلية على أنها أفضل منها، وتنظر إلى الإسلام على أنه رجعية وتخلف ينبغي الانسلاخ منه واتباع الجاهلية!» . ثم يقول: «وفي النهاية تحقق النذير، تداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، بينما هم كثير كثير.. ألف مليون من البشر.. أكبر عدد وصلوا إليه في التاريخ.. وفي القرنين الأخيرين كانت الكارثة التي لا تزال تعيش الأمة عقابيلها إلى هذه اللحظة ظلت الصليبية الصهيونية تتآمر على الدولة العثمانية حتى قضت عليها في النهاية وأسقطتها. وفتتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة هزيلة ضعيفة، تتصارع فيما بينها وتتشاحن بما يحقق مصالح الأعداء دائماً، ويحقق لهم السيطرة على مقدرات المسلمين! وانتزعت فلسطين، واستولى الأعداء على بيت المقدس التي ثارت من أجلها الحروب الصليبية الأولى، وتحركت من أجلها الحروب الصليبية الثانية، ولكنها أعطيت في هذه المرة للشعب الشيطان، واكتفت الصليبية بإرواء حقدها بنزعها من يد المسلمين. ونحيت الشريعة الإسلامية عن الحكم في كل البلاد التي دنستها أقدام الصليبيين تشفياً وحقداً من ناحية، وزعزعة للدين من أصوله من ناحية أخرى. فهم يعرفون أنهم حين ينقضون عروة الحكم تنقض بعدها بقية العرى، كما أخبر الصادق الصدوق ﷺ :» لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة « [٢٠] . ولم يكتف الأعداء بتنحية الشريعة عن الحكم.. فقد كانوا أخبث من ذلك وأنكى عداوة؛ فقد أقاموا المتاريس التي تمنع عودتها إلى الحكم مرة أخرى، من الأجيال التي ربوها على الغزو الفكري عن طريق مناهج التعليم ووسائل الإعلام، أجيال لا تعرف الإسلام على حقيقته، بل هي نافرة منه منسلخة عنه، مسممة الأفكار تجاهه، تدعو بدعوات الغرب، وتعتنق أفكاره، وترفض أن تُحكَم بشريعة الله بعد أن قيل لها إنها رجعية وجمود وتأخر! وتقف للدعوة الإسلامية بالمرصاد سواء منها الحكام، والمفكرون، والكتاب! والسينمائيون، والإذاعيون، والتلفزيونيون، والقصاصون، والمسرحيون والفنانات، والفنانون.. والأولاد والبنات التقدميون المنحلو الأخلاق، وكانت الطامة في الجولة الأخيرة في طائفة من الحكام العسكريين، جيء بهم ليسحقوا الإسلام سحقاً، وأضيفت عليهم البطولات الكاذبة، وهم يذبحون المسلمين وتقطر دماؤهم من أيديهم، ويُعبّدون شعوبهم لمصالح الصليبية الصهيونية لقاء شهوة السلطة وشهوة الطغيان.. ويفقرون شعوبهم ويستنزفون طاقاتها، فتركبها الديون وتهبط عملاتها، ويزيد تحكم الأعداء فيها، وهم جالسون بغلظ أكبادهم يتسلون بمصائب شعوبهم! وفي كل حين تهجم الصليبية هجمة أو تهجم الصهيونية هجمة، فيعيدون تفتيت الدويلات التي فتتوها من قبل، ليحيلولها إلى تراب تسحقه أقدامهم! ويفتعلون الأزمات لتحقيق أهدافهم، والأبطال جالسون على مقاعدهم، يكذبون على شعوبهم ويموّهون عليها، في ظل البطولات المزعومة.. حتى تنفذ أغراض السادة فيركلوا الأبطال الزائفين بأقدامهم ويستهلكوهم، ولا يعتبر منهم أحد بما فُعل بمن سبقه من الأبطال!» [٢١] . لقد تبعت الشعوب الإسلامية سنن الغرب في أكثر أحواله وأعماله، وانطبق عليهم معنى الحديث في العصر الحاضر: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع؛ حتى لو دخلوا جُحر ضَبٍّ تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ !» [٢٢] .

стр. 4230

الورقة الأخيرة امرأة في اللحظات الأخيرة عبد الرزاق المبارك [*] Almubarak_a@yahoo.com هذه قصة أشبه بالخيال منها بالحقيقة.. ولو حدثني بها أحد لأكثرت عليه وأكثرت الاستيثاق منه. فقد كنت أجلس في مكتبي بعد أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة في إحدى الليالي الطويلة من شتاء (أوريجن) الطويل في شمال غربي القارة الأمريكية بالولايات المتحدة في شهر شوال من عام ١٤١٩هـ. وفي مدينة (يوجين) حيث كنت طالباً في جامعة (أوريجن) أمسيت مستغرقاً للدرس، وبينا أنا كذلك والهدوء مخيم والصمت مطبق لا يقطعه إلا صوت ابنتي الصغيرة وهي تلعب.. وإلا صوت زخات المطر المتقطع وإن كنت أستأنس بذلك كله ويبعث فِيَّ روحاً من النشاط جديدة.. وبينما أنا كذلك إذا برنين الهاتف يتسلل بين تلك اللحظات الساكنة؛ وها هو أخ لي في الله جزائري اسمه (شكيب) . وبعد التحية والسلام.. أخبرني بحادثة جد غريبة.. وسعيدة في آن واحد! ! فقد كان لزوجته الأمريكية المسلمة (كريمة) خالة على ديانة الصليب والتثليث، وقد أُخذت الخالة تلك إلى مستشفى سيكرت هارت الذي يبعد عن منزلي مسير ثلاث دقائق وبعد تشخيص حالتها لم يستطع الأطباء إخفاء الحقيقة.. فالمرأة ميئوس من حياتها.. وإنها مفارقة لا محالة.. والأمر ساعة أو ساعتان أو أكثر أو أقل والعلم عند الله وحده. ثم ذكر لي ما جرى له ولزوجته وأنا في ذهول تام أستمع إلى نبرات صوته يتهدج وكأني أحس بنبضات قلبه وحشرجته تعتري صوته بين الحين والآخر، وقد قال لي بالحرف الواحد: تحدثت مع زوجتي في حال خالتها، وتشاورنا في إجراء محاولة أخيرة ندعوها فيها إلى الإسلام ولو بقي في عمرها ساعة ما دامت لم تغرغر الروح. قال صاحبي: فاستعنت بالله، وصليت ركعتين، ودعوت الله لها بالهداية وأنا في السجود، وأن يشرح صدرها لدين الهدى والحق.. وذلك لعلمي أن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد. ثم اتجهت كريمة إليها في المستشفى وعرضت عليها الإسلام وأخبرتها أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وأن الله يغفر لها ما قد سلف من عمرها إن هي قالت: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) خالصةً من قلبها. غير أن تلك المرأة المريضة قد فقدت القدرة على الكلام، فطلبت زوجة صاحبي بفطانة وحسن تصرف من خالتها المريضة أن تنطق بالشهادتين في نفسها إذ كانت عاجزة عن النطق بلسانها، وأنها إن فعلت ترفع يدها إشارة لذلك. وبعد أن أوضحت لها معناها بالإنجليزية قالت لها: قولي بقلبك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ثم كانت لحظات حرجة على كريمة؛ فكم تتمنى لخالتها النجاة من نار وقودها الناس والحجارة، ومع دقات قلب متسارعة مرت ثوان بطيئة متثاقلة لا يشبه تثاقلها إلا حركة يد المرأة المريضة التي بدأت ترفع يدها بعد أن سمعت تلقين الشهادة أكثر مما كانت تستطيع أن ترفعها من قبل، وتبسمت معلنة رضاها واختيارها وقبولها دين الإسلام. فما كان من (كريمة) وهي في قمة الفرحة والسرور إلا أن بدأت تبشرها وتقرأ عليها سورة يس.. بينما ظلت ترتسم على محيا تلك المرأة ابتسامة سرور بسماع القرآن إعلاناً منها برضاها التام بما تسمع من آيات الذكر الحكيم. وإذا بالممرضة الأمريكية التي كانت تتابع ما يحدث دون أن يشعر بها أحد تتقدم لتعرض تبرعها بأن تكون شاهداً رسمياً على إسلام خالة كريمة إن احتيج إلى ذلك.. أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. لا إله إلا الله! ! وها هو صديقي شكيب يسألني عما يجب علينا تجاه هذه المرأة التي ما زال لها عرق ينبض ونفس يجري. أجبته: إنها أخت لنا في الإسلام لما ظهر لنا من شأنها، ونَكِلُ سريرتها إلى الله . قلت له ذلك وأنا في غاية الذهول، وقلبي يخفق فرحاً لإسلام هذه المرأة وهي في مراحل متقدمة من المرض وقد أيس الأطباء من شفائهاً. وذكَّرت أخي قول الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه في أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد؛ فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها» [١] . ثم وضعت سماعة الهاتف.. أطرقت لحظة، وضعت كفي على خدي؛ فما شعرت بنفسي إلا وأنا أجهش بالبكاء تأثراً واستبشاراً، وكذلك كان حال من حولي عندما رويت لهم القصة تلك الليلة وكانت لحظات معطرات بالخشوع والدموع حامدين فيها لله تعالى، مهللين له ومسبحين لما تفضل به على هذه المرأة من الهداية.. أما صاحبي فقد أخبرني عندما التقيت به في المسجد فيما بعد أنه كلما ارتسمت في خياله صورة هذا الموقف، غلب عليه شعور غريب من الدهشة وأحس في جسده بقُشَعْرِيرة، ثم لا يجد في نفسه إلا مزيداً من الرغبة في الصلاة وطول السجود والمكث في المسجد. مهلاً؛ فالحكاية لم تنته بعد.. ففي الليلة نفسها التي أسلمت فيها هذه المرأة وما مضت ساعات على محادثتي معه وعندما هاتفت صاحبي لأخبره بأن عليها أن تصلي المغرب والعشاء على ما يتيسر لها ولو إيماءً؛ وإذا به يخبرني بأن الأجل المحتوم قد سبق الجميع إليها، فأسلمت روحها لباريها مسلمة هكذا نحسبها والله حسيبها راضية بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً؛ وما صلت لله صلاة واحدة. فاللهم بحق الإسلام وأُخُوَّته نسألك أن ترحمها وأن تتقبلها بأحسن القبول. اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة.. يا أرحم الراحمين.

стр. 4231

صفر - ١٤٢٣هـ مايو - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4232

كلمة صغيرة الزلزال القادم شهد شمال أفغانستان (معقل التحالف العميل) عدة هزات أرضية متتابعة، كان آخرها زلزال احتفالات (النيروز عاشوراء) الشهر الماضي الذي أسفر عن عدة آلاف من القتلى، وأضعافهم من الجرحى والمشردين، إضافة إلى تدمير مدن وقرى بأكملها. هناك من يقول: إن سبب هذه الزلازل المتتابعة هو وجود قوات التحالف الغربي الصليبي على أرض أفغانستان، ليس فقد بسبب (بركاتها) التي حلت على الشعب الأفغاني المكلوم، ولكن أيضًا بسبب أطنان المتفجرات والقنابل والصواريخ التي تلقيها من السماء هدية لأرض أفغانستان لأن قواتها تجبن عن المواجهة على الأرض. وقد لا يحتاج الأمر إلى كل هذه التفسيرات - رغم عدم استبعادنا لها - لأن أفغانستان تقع في نطاق حزام شمال الصين الزلزالي النشط، ومن المعروف أن الزلازل تقع غالبًا عند حواف الصفائح الأرضية التكتونية (plate tectonic) نتيجة احتكام هذه الصفائح الذي يولد ضغوطًا شديدة وطاقة كبيرة، وحينها يزيد الشحن أو الضغط على قدرة هذه الصخور على الاحتمال؛ فلا يكون بوسعها سوى إطلاق هذه الطاقة فجأة في صورة موجات حركة قوية تنتشر في جميع الاتجاهات، وتهدد بتدمير ما فوقها. على سطح الأرض نشاهد احتكاكها أيضًا ولكن من نوع آخر، يمكن أن نسميها احتكاكات صفائح حضارية، فمنذ أن بدأت أمريكا وحلفاؤها ما أسمته بالحرب على الإرهاب أخذت على عاتقها إعلان الحرب على القلاع الحضارية للعالم الإسلامي متمثلا في الهجوم على هوية هذا العالم وخصوصيته في مجالات العقيدة، المرأة والأسرة والتعليم والأخلاق، ظهر ذلك جليًا في أفغانستان نفسها، وفي أنحاء عديدة من العالم الإسلامي إضافة إلى سعي محموم في الفراغ من القضايا المعلقة في هذه المجالات وغيرها، كقضية فلسطين مستخدمة ما استطاعته من وسائل الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي، وربما العسكري. وعلى سطح الأرض أيضًا نشاهد في المقابل طاقة كبيرة مكبوتة في صدور أبناء هذا العالم، تظهر نذرها هنا وهناك في صورة حوادث يسيرة ولكنها ذات دلالات عميقة على حجم الشحن والغيظ المكبوتين، وقد كان من آخر ذلك ما حدث للاعب فريق كرة السلة الأمريكي الذي كان يلعب في كابل، ووقع بالخطأ بين أفراد الجمهور الأفغاني (ليس من طالبان ولا القاعدة) ، فما كان من أحد المتفرجين إلا أن قام بركل رأسه، ثم تجمع عليه حشود المتفرجين يوسعونه ضربًا إلى أن تدخلت الشرطة وفرقتهم بإطلاق النار، وليس بعيدًا من ذلك تلك المظاهرات العارمة التي اندلعت في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي تزامنًا مع مؤتمر القمة العربية الأخيرة. إن أمريكا وحلفاءها وعملاءها من العلمانيين المحليين لا يأبهون بهذه التفاعلات وآثارها على المنطقة؛ لأنهم حين يحسون بالخطر سيحزمون حقائبهم جميعًا، ويرحلون تاركين أهل البلاد يواجهون وحدهم تبعات الزلزال القادم.. هكذا يتمنون!

стр. 4233

الافتتاحية الخطاب الإسلامي والقضية الكبرى.. دعوة إلى الثقة بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الخطاب الإسلامي كثيراً ما يُتهم ظلماً بأنه «محدود» .. «سطحي» .. «اختزالي» ... «عاطفي» ! وكثيراً ما تجنى عليه مناوِئوه بأنه لا يملك نظرة معمقة للقضايا أو تفسيراً واقعياً للأحداث. ولكن الأحداث تثبت يوماً بعد يوم أن هذا الاتهام فيه من الإجحاف بقدر ما فيه من الإسفاف؛ لأن الإسلاميين لم يخصهم الله دون خلقه بالحرمان من رجاحة العقل أو بُعد النظر كما يريد خصومهم أن يشيعوا، بل هم مثل بقية خلق الله في البناء الإنساني، إلا أن الله اختص من يفهم دينه منهم بمخزون هائل من الحقائق المودعة في مصادر هذا الدين، يستطيع بها وفي ضوئها كل إنسان أن يرى الصورة أوضح والحقيقة أظهر. صحيح أن هناك مساحات للاجتهاد والرأي، تتفاوت فيها وجهات النظر، إلا أن هذا التفاوت أو الاختلاف يبقى، أو ينبغي أن يبقى في إطار اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد. إن المسلم الحق تحكمه في تصوراته وتصرفاته ثوابت من حقائق يقينية جاء بها الوحي الخاتم، وقررها في صورة سنن كونية قدرية، وسنن شرعية دينية لا يمكن للإنسان إذا جهلها أو تجاهلها أن يكون ذا بصيرة أبداً. تجيء الأحداث بعد الأحداث لتثبت على ساحات الواقع ومآلات الأمور أن التصور الإسلامي للقضايا، والطرح الإسلامي للمشكلات هو الأقرب للصواب، والأجدر بالتطبيق لو كان له من يسمعه، وآخر الشواهد على ذلك ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من انتكاسة مخزية على الأصعدة الرسمية، عالمياً وإسلامياً وعربياً وإقليمياً ومحلياً. نستطيع أن نقول: إن ذلك لم يكن ليكون كذلك لولا ما حدث وما يزال يحدث من تجاهل للثوابت الإسلامية في التعامل مع تلك القضية المصيرية منذ أن كانت قضية إسلامية عالمية، حتى حولوها إلى قضية عربية قومية، ثم قضية إقليمية تخص دول (الطوق) المجاورة للأراضي الفلسطينية، ثم ما تلا ذلك من اختصارها في قضية «سلطة فلسطينية» . كان الإسلاميون بمختلف فصائلهم في العالم العربي والإسلامي يُلحون على ضرورة أن تلتزم الأنظمة العربية بالمحكمات الإسلامية في إدارة ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) ، ثم عندما أصبح يُسمى بـ (النزاع الفلسطيني الإسرائيلي) ؛ كان الإسلاميون داخل فلسطين يلحون أيضاً على السلطة الفلسطينية ألا تفرط في تلك المحكمات والثوابت أثناء ممارستها للإدارة الرمزية لبعض الأراضي المحتلة، ولكن العناد الموجه للطرح الإسلامي، كان هو الموقف التقليدي لكل من تصدر لإدارة الصراع في مراحله المختلفة، وكأن هذا الصراع ليس للإسلام فيه كلمة، أو ليست له بأرضه المقدسة صلة، وكأن أمة الإسلام ليس فيها علماء يُرجع إليهم في قضايا الصراع المصيرية، وكأن الشعوب أيضاً ليس لها رأي فيما ينبثق من عقول الزعامات الملهمة بين الحين والآخر في غرف المباحثات السرية التي تنتقل بالقضية بين النقيض والنقيض. لقد تشبث المعاندون للخطاب الإسلامي بالشعارات الحمراء أيام المد الثوري عازمين على (تحقيق النصر) ، وتحرير آخر حبة رمل من فلسطين بفضل التضامن مع «الرفاق» في موسكو وبكين ونيودلهي، ثم لما بدا لهم افتراق الرفاق عنهم إلى مصالحهم الخاصة التي منها التقارب مع تل أبيب ومَنْ وراءها، انقلبوا إلى النقيض الآخر وعقدوا الآمال على من صنعوا «إسرائيل» وزرعوها وعملوا على رعايتها وحمايتها. لقد تجاهل العرب هذه البدهية العقلية التي دلت عليها الثوابت الشرعية في قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ] (آل عمران: ١١٨) ؛ فولاية النصارى لليهود حقيقة قرآنية لم تجد من الساسة مَنْ يستحضرها أو يصدق من ينبهون إليها، وقاد هذا الخطأ إلى خطأ أفدح، وهو تصديق أن النصارى يمكن أن ينصفوا المسلمين من اليهود، فأوكلوا إلى هؤلاء النصارى (رعاية) عملية السلام مع اليهود متجاهلين أن السلام الدائم والشامل مع جميع النصارى أنفسهم وهم كبير؛ فما البال باليهود! ألم يقل الله تعالى عن هاتين الطائفتين: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ألم يخبرنا الله عن نقمتهم علينا ورغبتهم في زوال النعمة عنا [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ] (المائدة: ٥٩) ، [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] (البقرة: ١٠٥) . إن أكثر ساسة العرب والمسلمين ألقوا بهذه الحقائق عرض الحائط مطلقين على كفار أهل الكتاب وصف «شركاء السلام» بل إن اليهود الذين قال الله تعالى عنهم: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) وجدوا من يقول عن زعمائهم القتلة والفجرة الكفرة: «صديقي بيجن» «شريكي رابين» ، ووجدوا من يصف شعبهم المجرم المغتصب بأنهم (أبناء العمومة) ، وأنهم جزء من (نسيج الشرق أوسطية) ، بل دعا بعضهم إلى ضم إسرائيل إلى جامعة الدول العربية، لتصلح أن تسمى (عسرائيل) ، أو تدمج مع الفلسطينيين في كيان واحد اسمه (إسراطين) ! ! أما القدس، فخدعوا الأمة بعودتها القريبة في عملية حلول واتحاد بقرية (أبو ديس) التي كان سيطلق عليها سراً القدس عاصمة فلسطين! وأما المسجد الأقصى فقد صدرت بشأنه مبادرة (جريئة) في القمة العربية قبل الأخيرة على مسمع من الجميع في الجلسات الخاصة، قال المبادر بها: (مش عاوزين المسجد.. المسجد في ستين داهية.. نقدر نصلي في أي أرض «! ! ولم تكن مثل تلك المواقف المناهضة لهدي الإسلام في التعامل مع الأعداء مجرد مواقف شخصية نظرية، بل إن أصحابها حرصوا على أن يحولوها إلى مواقف جماعية عملية، فبنيت على أكثرها السياسات، واتخذت من أجلها الخطوات، ورسمت لأجل تحقيقها الاستراتيجيات، وأصبحنا نسمع ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً طوال ما يزيد عن عشر سنين عما يسمى بـ (الخيار الاستراتيجي للسلام) ، والذي اعتبر بعد ذلك (الخيار الوحيد) مع أن اليهود لم يقولوا - يوماً ونتحدى -: إن السلام خيارهم الاستراتيجي أو الوحيد. جاءت الأحداث الأخيرة في فلسطين لتثبت أن وهم السلام الشامل والعادل الذي طالما بشرونا به في (كامب ديفيد) الأولى وحتى (كامب ديفيد) الثانية، مروراً بمدريد وأوسلو ووادي عربة وواي ريفر وغيرها، ما هو إلا سراب بقيعة، وما تصديق دعواه إلا كمثل صفوان عليه تراب تسفيه الريح ويذهب به المطر، فماذا بقي اليوم من السلام الذي طُبِّعت لأجله العلاقات في بعض الدول العربية وغيرت لأجله المناهج، وغُيب المعارضون في السجون أو أُخرجوا إلى المنافي؟ ! لقد أثبت اليهود أنهم لا يريدون كما قال مناحيم بيجن إلا سلام القبور؛ ولذا راحوا يتحققون من ركون العرب إلى الدنيا وإيثارهم للسلامة، ويشجعونهم على ذلك مدركين أن الأمن بل التأمين سيأتيهم من العرب مصوناً مضموناً، عندما يصلون إلى مرحلة» حب الدنيا وكراهية الموت «، فعندها سيحولهم الوهن إلى موتى في صورة الأحياء، فيكون سلام القبور معهم أمراً واقعياً؛ لأنهم لا يتحركون ولا يريدون لأحد أن يتحرك دونهم. إن العرب والمسلمين، وبعد ربع قرن من كامب ديفيد الأولى، ونحو عقد من مدريد، وسبع عجاف من أوسلو، يواجَهون بحقيقة السلام اليهودي الأمريكي؛ لا في فلسطين وحدها، بل في الأردن التي طالما ردد شارون أنها (الوطن البديل) للفلسطينيين، وفي سوريا ولبنان اللتين هُددتا أكثر من مرة على لسان شارون بضربة تأديبية، وفي مصر التي هدد أحد وزراء شارون بإغراقها في مياه النيل بضرب السد العالي ... وأخيراً وليس آخراً نسمع أصواتاً من بعيد، من» إسرائيل الغربية «المسماة أمريكا تنادي بضرب مكة حماها الله ورعاها بقنبلة نووية! ! فهل هذا هو الجواب الصهيوني والغربي على الإلحاح العربي بسلام (الشجعان) ؟ ! يبدو أن جوابهم قد بدأ بالفعل من فلسطين، في وقت عجز فيه العرب حتى عن تدبير مسرحية هزلية لتسويغ الرد الإسرائيلي الصريح جداً على دعوة مؤتمر القمة العربي للسلام. الأحداث تجري الآن على أراضي العرب بغير ما يشتهون، ونتائج السياسات (الحكيمة) تظهر عاقبة ما كان الإسلاميون منه يحذرون. - فهل كان الإسلاميون مخطئين عندما كانوا يحذرون من أوهام السلام مع اليهود؟ ! - هل كانوا» عاطفيين حماسيين «وهم يدعون الأمة للإعداد للجهاد والاستشهاد لمواجهة عدو لا يريد إلا قتلهم وإذلالهم؟ ! - هل كانوا» غير واقعيين «وهم يقولون إن الغرب بعامة وأمريكا بخاصة لن ينصفونا من أعدائنا لأنهم بعض أعدائنا؟ - هل كانوا» سطحيين «وهم يقولون: إن» المعادلة الدولية «تستثني العرب والمسلمين من أن يكونوا قوة عالمية أو إقليمية على أي مستوى سياسي أو عسكري أو اقتصادي حاضراً أو مستقبلاً؟ - وهل كان الخطاب الإسلامي اختزالياً أو اعتزالياً وهو يدعو الحكومات والأنظمة إلى جمع الكلمة على الإسلام، وإعداد الأمة به لمواجهة طويلة وصعبة مع عدو لم يؤت به من أصقاع الأرض إلا لتصفية حسابات تاريخية ودينية؟ - وهل كان الخطاب الإسلامي (غير عقلاني) وهو يقول: إن معركة اليهود معنا دينية وينبغي أن تدار من طرفنا دينياً أيضاً؟ - وهل كان الخطاب الإسلامي» خطاباً تسطيحياً «وهو يقول: إن الاعتراف بـ (إسرائيل) كدولة، هو اعتراف بحق اليهود في أرض الإسراء للأبد، واعتراف بأن الشطر الغربي للقدس هو ملك شرعي لهم سيتبعه لا محالة اعتراف عالمي بالضم الرسمي للشطر الشرقي منها؟ بما يستتبع ذلك من خطر ماحق على المسجد الأقصى وما حوله؟ على كل حال، لسنا بصدد البكاء على الأطلال، أو الندب على اللبن المسكوب، ولسنا أيضاً بسبيل الشماتة أو الشكاية، ممن عرضوا أنفسهم وأمتهم للخطر بحسن الظن في عهود الأعداء مع سوء الظن في موعود الله، لسنا بصدد ذلك؛ لأن الشماتة ليست من خُلق عباد الله، والشكاية إنما تُشكى إلى الله. ولكننا ندعو إلى رقع ما انخرق، ورتق ما انفتق من أحوال الأمة باستدراك ما فَرَط من شؤونها وقضاياها مجددين الدعوة إلى الثوابت التي نعلمها من ديننا، والتي تشكل ركيزة الإدارة الصحيحة للمعركة الطويلة مع اليهود، لا على أرض فلسطين وحدها، وإنما على كل أرض إسلامية يضعها اليهود في برامجهم المستقبلية من فرات العراق إلى نيل مصر، ومن جنوب تركيا إلى شمال الجزيرة. إن الدائرة قد عادت إلى نقطة الصفر في مسيرة إدارة المعركة تحت الرايات العلمانية، وآن للراية الإسلامية بثوابتها الاعتقادية وصبغتها الإيمانية أن تجابه الخطة اليهودية بثوابتها الاعتقادية وطريقتها الدينية، آن لها ألا تمكن العلمانيين مرة أخرى بالانفراد بقضايا الأمة أو تخديرها أو شل قواها في مواجهة أعدائها، ولن يكون ذلك إلا من خلال الإصرار على إعادة قضية فلسطين إلى وجهها الإسلامي، والإلحاح على ترسيخ ذلك فهماً وعملاً بما ينبني على الحقائق الآتية: * عداء اليهود للمسلمين في كل زمان ومكان عداءٌ أبدي دائم ومنطلق في الأساس من خلفيات دينية اعتقادية منحرفة. * مؤازرة النصارى لهم منبعث كذلك من قناعات دينية وقواسم مشتركة يؤمن بها أهل الكتاب فيما يتعلق بالزمان والمكان الذي نعيشه. * أرض فلسطين مقدسة بنصوص محكمة من الكتاب والسنة؛ وهي أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منها. * حرمة دماء المسلمين المراقة في فلسطين أعظم عند الله من حرمة الأرض المقدسة، وحرمة المسجد الأقصى، بل ومن حرمة الكعبة كما قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسكب العبرات في الملتزم مخاطباً الكعبة:» ما أطيبك وما أطيب ريحك! وما أعظمك وأعظم حرمتك! ولكن حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتك « [١] . * حكم الجهاد في سبيل الله والمستضعفين من النساء والولدان هو الوجوب على التعيين ما دُهمت أرض من أراضي المسلمين؛ فكيف إذا كانت من أقدس أراضيهم؟ ! * التنازل عن هذه الأراضي المقدسة لأنجس المخلوقات البشرية بعد اغتصابهم لها بحيث تكون ملكاً دائماً لهم، هو خيانة لله ورسوله والمؤمنين بحكم فتاوى العدول من علماء المسلمين. * اعتماد النهج العلماني اللاديني في مواجهة النهج الصهيوني الديني، هو تزييف لإرادة الأمة، فوق أن تلك العلمانية بمناهجها وزعاماتها ورموزها لم تفَّوض تفويضاً شرعياً صحيحاً، ولا حتى قانونياً سليماً بأن تنفرد بتصميم وتنفيذ خطط التعامل مع عدو الأمة الأول سلماً أو حرباً. * انصراف الإسلاميين أو صرفهم خلال عقود الصراع، عن المشاركة الجدية في مواجهة اليهود، كان أكثره بسبب إصرار الأنظمة العلمانية على الإبقاء على إبعاد الدين عن المواجهة، وكان أيضاً بسبب إنشغال الإسلاميين أو إشغالهم بمعارك جانبية شغلتهم عن التعامل بجدية مع القضية المصيرية التي قُدر للجيل المعاصر أن يشهدها، وأن يتحمل أمام الله مسؤوليتها. إننا ندعو في ظل الأحداث الجسيمة الأليمة في الأرض المقدسة، والتي نعدها بداية مرحلة جديدة من الصراع إلى ما يلي: ١ - العمل على إيجاد آلية مناسبة لعقد (مؤتمر قمة) لعلماء المسلمين، لتقرير الأصول الشرعية الصحيحة التي ينبغي أن يسير وفقها المسلمون لأداء واجبات المرحلة في تلك المواجهة المرشحة للاستمرار. ٢ - تفعيل دور الدعم المباشر للجهاد الفلسطيني الذي آن له أن يتحول من مسمى (الانتفاضة) إلى مسمى الجهاد. ٣ - إضافة بند خاص إلى برامج ومناهج الجماعات والجمعيات والهيئات والفصائل الإسلامية العاملة في العالم، يكون خالصاً لأداء المستطاع من الواجب العيني لإنقاذ فلسطين وشعبها وقدسها وأقصاها من الضياع. ٤ - وأخيراً ... دعوة كل مسلم على المستوى الشخصي بأن يعد القضية قضيته، ويبرئ ذمته إن لم يكن برأها بعد بأداء واجبه نحو إخوانه المستضعفين المستنصرين. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 4234

دراسات في الشريعة المسائل المحكمات و «الآخر» دراسة تطبيقية في السيرة النبوية أ. د. عابد السفياني [*] قال الله تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) . [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ] (المائدة: ٤٩) . [وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ] (المؤمنون: ٧١) . المُحكمات هي البيناتُ الواضحاتُ والأسس التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وهي أصل يُردُّ إليه ويُبنى عليه، ومنها ما أجمعت عليه الشرائع الإسلامية من وجوب عبادة الله وحده وتحريم الكفر والشرك والنفاق، والظلم، والربا، والفواحش، وإبطال أحكام الجاهلية ووجوب الحكم بالشريعة الإسلامية، واعتبارها المصدر الوحيد للتشريع في جميع القوانين الأصلية منها والفرعية. وقد دلت على ذلك الآيات السابقة كما دلت السنةُ المُطهَّرةُ، وعلى ذلك إجماع الأمة المسلمة في جميع العصور من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا، ومن ذلك الإجماع على إبطال أهواء الكفار والمشركين والمنافقين والمبتدعة، وتحريم اتباع أحكامهم وقوانينهم وشرائعهم وهديهم. وقصدت الشريعة الإسلامية من وراء ذلك إلى تحقيق مقاصد عملية في الدنيا والآخرة نذكر منها مقصدين عظيمين: المقصد الأول: المحافظة على الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والنجاة من النار ودخول الجنة. المقصد الثاني: المحافظة على الأنفس والدماء والعقول والأعراض والأموال وإبعاد الناس مسلمهم وكافرهم عن جميع أسباب الظلم والبغي، والإباحية والفساد. والمقصد الأول لا يحصله إلا من أسْلَمَ وكان من عداد المسلمين. والمقصد الثاني يشمل المسلمين، والكفار الخاضعين لسلطان الشريعة الإسلامية. وعلى هذا تدور مقاصد الدعوة، والجهاد في الإسلام، وهو يشمل ثلاث خصال: الخصلة الأولى: الدعوة إلى الإسلام؛ فمن أسلم تحقق له المقصدان السابقان. والثانية: إخضاع الكفار لسلطان الإسلام، فإذا رغب أهل الذمة الخضوع لسلطان الإسلام حُرم قتالهم وإكراههم على تغيير معتقدهم، ويتحقق لهم المقصد الثاني. والثالثة: إذا رفضوا الدخول تحت سلطان الإسلام وبقي الكفارُ متسلطين يفسدون في الأرض بالظلم والبغي والإباحية والفساد، فلا بد من العمل بالوسائل الشرعية لكف شرهم وفتنتهم. وبهذا المنهج المتميز في العقيدة والشريعة حقق المسلمون على طول التاريخ الإسلامي مقاصد الإسلام في الأرض. وقد يقول قائل: إذا كانت الشريعة الإسلامية تُقر أهلَ الذمة على كفرهم ولا تكرههم على تغيير معتقدهم، [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة: ٢٥٦) ؛ فأوْلى أن تقرهم على إباحيتهم، وظلمهم، وتتركهم ينشرون الشرك والخرافة والربا والرأسمالية؛ لأن هذه آراؤهم وحقوقهم، والعالم المعاصر الكافر أقر «حقوق الآخر» وأتاح له عن طريق الحريات أن يُعبّر عن رأيه. فالجواب: أن الشريعة الإسلامية أقرت «الذميّ» على كفره؛ لأنه مُعتقَدٌ خاص به، وأوجبت كَفَّه عن الإباحية كالزنا واللواط ووسائلهما، وعن الرأسمالية الاقتصادية كالربا وعن الظلم والبغي، وجعلته والمسلمين سواءً في هذه الأحكام، وهذه مُحكمات يجب المحافظة عليها أمام الرأي المخالف لها سواء كانت المخالفة من الكفار أم من المسلمين، وهذه المُحكمات كما نرى تتصف بأنها بيّنة واضحة، وهي أساس تُبنى عليه فروع كثيرة، وعليها دين الرسل ﵈، وهي عاصم للمجتمع والعامة من الانحراف والفساد والاختلاف والفرقة بسبب الآراء المنحرفة عند «الآخر» ، كما أن هذه المحكمات تتصف بأنها حجة على الخصوم [١] . فإذن إقرار أهل الذمة على كفرهم لا مانع منه بشرطه، والسماح «للآخر» بنشر الكفر والزندقة، والإباحية، والانحراف والفساد ومخالفة الشريعة الإسلامية ممنوع منه أشد المنع، وتبقى حرية «الآخر» فيما سوى ذلك. وهذه «المحكمات» هي أصول العلم: وهي من أولويات وقواعد الدعوة الإسلامية، وهي حجةٌ على الخصوم من «العلمانيين» والمنافقين والمشركين، ولا يجوز التنازل عنها من أجل «الآخر» ؛ لأن ذلك مودٍ إلى إفساد الدين والدنيا، ولا يجوز للعلماء والدعاة التنازل عنها، أو تأخير منزلتها في البيان والدعوة، وكل دعوة إسلامية تضعف أمام «الآخر» وتعطلُ شيئاً من هذه المحكمات، أو تؤُخرها في البيان هي دعوة مخالفة لدعوة النبي ﷺ ، وقد ثبت في السيرة النبوية أن هذه الدعوة لم تتمكن إلا بسبب المحافظة على تلك المُحكمات، سواء أمام الكفار أم بين المسلمين، وسواء في حالة الضعف أم في حالة التمكن، وسواء في حالة الحرب أم في حالة السلم. وإليك الأدلة والأمثلة التطبيقية على موقف المسلمين من «الآخر» . المثال الأول: موقف كفار قريش من الدعوة الإسلامية؛ حيث قالوا لرسول الله ﷺ : تعبدُ معبودنا سنة ونعبد معبودك سنة. المثال الثاني: موقف الفرق الضالة من الإسلام؛ حيث أرادت أن تغيِّر بعض معتقداته وشرائعه. المثال الثالث: موقف التتار من الشريعة الإسلامية؛ حيث غيروا مفهوم تحكيم الشريعة الإسلامية وخلطوها بغيرها من الشرائع البشرية. وقد نشأت الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج. . على حين تَفَرُّقِ جماعةِ المسلمين مع قتالٍ فيما بينهم أضعفَ شوكتهم، وكذلك التتار قاموا على حين ضعف من المسلمين؛ فجميع هذه الشواهد تدل على أن المسلمين لم يتنازلوا من أجل «الآخر» عن محكمات دينهم وشريعتهم، بل قاوم الرسولُ صلى الله عليه وسلم الكفار، وقاوم أهل السنة الفِرَق الضالة، وقاوم المسلمون التتار، كل حسب قدرته، وحافظوا في جميع الأحوال على المحكمات وحققوا البراءة من العمل الذي يعمله «الآخر» سواء من المشركين أو أهل الأهواء، أو المرتدين من التتار. قال ابن كثير ﵀ في تفسير سورة الكافرون وهي مكية وآياتها ست: (بسم الله الرحمن الرحيم [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] (الكافرون: ١-٦) . هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص في قوله تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ] (الكافرون: ١-٢) يعني من الأصنام والأنداد، [وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] (الكافرون: ٣) وهو الله وحده لا شريك له؛ ف «ما» ها هنا بمعنى «من» ، ثم قال: [وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] (الكافرون: ٤-٥) ؛ أي ولا أعبد عبادتكم؛ أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: [وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] (الكافرون: ٥) أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئاً من تلقاء أنفسكم كما قال: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى] (النجم: ٢٣) ، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه؛ فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه؛ فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أي لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ . والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] (الكافرون: ٦) . كما قال تعالى: [وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ] (يونس:٤١) ، وقال: [وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] (البقرة: ١٣٩) . ومن جنس ذلك ما صنعته الجهمية وغلاة المبتدعة لما غيروا العقيدة الإسلامية، وقالوا لعلماء السنة نحن وأنتم سواء في محاربة «الزندقة» ، فأنكر عليهم أهل السنة ما غيروه من صفات الله سبحانه، كما أنكروا ما غيرته المعتزلة والخوارج والشيعة وعباد القبور والزنادقة من عقائد المسلمين وشرائعهم، ولم يستطع هذا «الآخر» المنحرف أن ينشر أفكاره المنحرفة ويحقق لها شرعية بين المسلمين، ولما حاول «المأمون العباسي» وسعى إلى «تطبيع» آراء «الآخر» العقدية، قاومه أهل السنة، وصبروا حتى ردوا الناس إلى السنة، وأسقطوا بدع «الآخر» وانحرافاته. وكذلك التتار لما دخلوا في الإسلام كما صنع ملكهم «جينكيز خان» ، وحاول تغيير مفهوم تحكيم الشريعة؛ حيث أراد هذا «الآخر» أن يخلط بالشريعة الإسلامية غيرها من القوانين الوضعية كما يصنع العلمانيون اليوم وقف علماء السنة ليبيّنوا للناس أن الحكم بالشريعة واجب، ولا يجوز أن يشاركها منهج آخر مهما أصر ذلك «الآخر» ، وأن إفرادها بالحكم والتحاكم والشرعية هو دين الإسلام، وأن ضد ذلك هو الكفر والفساد في الأرض. وهكذا أعلن الصادقون من أهل الإسلام في هذه المراحل على طول التاريخ الإسلامي، أنه لا مجال ولا مساومة على محكمات هذا الدين، وأنّ «الآخر» الذي يريد الخروج عليها لا مجال لقبول شركه وكفره وبدعه وقوانينه، ولم يَفُتّ في عضد هؤلاء الدعاة الصادقين ضعفُ الأمة ولا تكالب الأعداء عليها، وقد اخترت هذه الشواهد التطبيقية حتى لا يعتذر بعض الدعاة بحال الضعف والهوان الذي تمر به الأمة؛ فإنه لا طريق لتثبيت العامة من المسلمين وجمعهم على الشريعة إلا إذا ثبت الدعاة والعلماء من المسلمين وجمعهم على الشريعة إلا إذا ثبت الدعاة والعلماء على الحق، وبيّنوا المحكمات للناس، كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المثال الأول، وكما صنع أهل السنة في المثال الثاني، وكما صنع العلماء الربانيون في المثال الثالث، [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] (الأنعام: ١٥٣) . إنّ الدعوة اليوم على مفترق طرق، فإما أن يثبت الدعاة على المحكمات ليكونوا دعاة مخلصين لله الدين، وإما أن يشتروا بها ثمناً قليلاً، أو يهنوا ويضعفوا أمام «الآخر» ولن يُغني عنهم شيئاً كما قال تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ] (الجاثية: ١٨-١٩) . وهذا توجيه لرسول الله ﷺ وأصحابه حالة الضعف وهم في مكة لا يملكون من أمرهم شيئاً، وقد ثبتوا ونصروا هذا الدين فنصرهم الله وأغناهم عن «الآخر» ، وإذا لم يثبت الدعاةُ اليوم كما ثبت من سبقهم، فإنهم سينحسرون، ونسأل الله العافية من الفضيحة في الدنيا والإخفاق والبوار في الآخرة [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) . ومما يجب التنبيه عليه أن الصراع مع «الآخر» والاختلاف معه ليس خاصاً بالدعوة الإسلامية المعاصرة، بل تعرض له الدعاة والمسلمون عامة من عهد النبوة إلى يومنا هذا، ومرت بالمسلمين أحوال من القوة والضعف، وحاول الأعداء فيها أن يُدخلوا على المسلمين فكرة «الآخر» حتى يتمكنوا من نشر أفكار هذا «الآخر» الكفرية والشركية والبدعية، ولكن المسلمين تنبهوا لهذا «الغزو الفكري» وهذا التخطيط الخبيث وردوا العقائد والأفكار والقوانين التي يمثلها فكر «الآخر» ما دامت مخالفة للشريعة الإسلامية، وأسقطوا الشرعية عن تلك الأفكار، ولو لم يثبت أهل السنة في هذا الصراع العقدي والتشريعي لأدى ذلك إلى اكتساب تلك العقائد البدعية والخرافية، والقوانين الوضعية التترية، صفة الشرعية. ومن المعلوم أن التعددية في «التشريع» و «العقائد» نشأت عند الأمم الكافرة بسبب عدم وجود أصل صحيح تَرْجِعُ إليه، فأصبح «التشريع» ديدناً للجميع: الكنيسةُ تشرعُ وتحللُ وتحرمُ بغير إذن من الله، وتفتري الكذب عليه، والمعارضون من الملاحدة الذين سمو أنفسهم بـ «الآخر» يشرعون ويُحرمون ويُبيحون حسب ما يريدون. وإذا كان الجميع يشرعون من دون الله، فليس أحد منهم يتقدم على «الآخر» ، فنشأت فكرة الآخر في الغرب على نمط التفكير الجاهلي قديماً؛ فجاهلية العرب قبل الإسلام وُجدَ فيها من يعبد الأوثان، ووُجِدَ في ديانات الجزيرة من يعبد الملائكة، ومن يعبد الأنبياء، وسواء لهم كتاب أم لا، وتفرق الناس في جزيرة العرب، واختلفوا في العبادات، والتشريع والأحكام، واشتركوا جميعاً في «حقوق» مشتركة بينهم وهي حل الربا، والزنا عند كثيرين والخمر، و «الخرافة» ، وتغيير ملة إبراهيم ﵇، وعلى هذا تدور فكرة «العولمة» و «العلمانية» في هذا العصر. وكل منهم يمثل عند نفسه الحق، وغيره هو «الآخر» وكانوا جميعاً في جاهلية مثل جاهلية أوروبا مع الاعتراف فيما بينهم بحقوق الآخر التي قاعدتها الخرافة في العقيدة والرأسمالية والربا في الاقتصاد والخمر في المشروبات المحرمة وأكل الميتة في الأطعمة والإباحية والسفاح لمن أراد العلاقات الجنسية وهذا قاسم مشترك بين الجاهليات على اختلاف أسمائها. ولقد أراد المشركون في عهد رسول الله ﷺ أن يكتسبوا الشرعية لحقوق الآخر، كما يصنع المشركون والكفار في أوروبا، وكما يريد العلمانيون في العالم الإسلامي. والسؤال هو: كيف واجه النبي ﷺ هذا الأمر في حالة القوة وهل اختلف منهجه عن المرحلة المكية حينما رد على المشركين طلبهم في «وحدة الأديان» ؟ والجواب: أن منهج النبي ﷺ في حالة الضعف وحال القوة واحد لم يتغير، وهو رد «انحرافات الآخر» عليه، وبيان بطلانها، وإقامة الحق والهدى في الأرض وإليك الأدلة على ذلك. نماذج تطبيقية: وفد ثقيف: جاء وفد من الطائف بعد سنة تسع إلى الدولة الإسلامية في المدينة يطالب بحقوق «الآخر» ويريد أن يُسْلِمْ وتكون له حرية في «الربا» و «الخمر» و «الزنا» و «الخرافة» ، ونلاحظ هنا أن هذه تمثل قاعدة «حقوق الإنسان» في الغرب، وتمثل مطالب العلمانيين باسم «الآخر» في العالم الإسلامي. وإليك نص الحوار بين الرسول ﷺ و «الآخر» قال ابن القيم: «قدم عليه ﷺ وفد ثقيف. . . فقال كنانة بن عبد ياليل لرسول الله ﷺ :. . . أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغتربُ، ولا بد لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام فإن الله يقول: [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً] (الإسراء: ٣٢) . قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم إن الله تعالى يقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (البقرة: ٢٧٨) . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: إن الله قد حرمها. وقرأ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: ٩٠) . فارتفع القوم، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوماً كيوم مكة انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الرَّبَّة ماذا نصنعُ فيها؟ قال: اهدموها. قالوا: هيهات لو تعلم الرَّبَّةُ أنك تريد هدمها، لقتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل! ما أجهلك، إنما الرَّبَّة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب. وقالوا لرسول الله ﷺ : تولَّ أنت هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبداً. قال: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها، فكاتبوه» [٢] . وفد الصليب: وفي سنة تسع جاء وفد نصارى نجران إلى الدولة الإسلامية وفيهم العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يفاوضاه في شأن عيسى ﵇. وقد روى القصة الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ورواها البيهقي مطولة في دلائل النبوة، وابن إسحاق في السيرة، وموضع الشاهد فيها: أن وفد نجران، وعددهم ستون راكباً فيهم أربعة عشر من أشرافهم، قدموا إلى المدينة، يقولون إنهم على الحق في اعتقادهم في عيسى ﵇، ونزل القرآن يُبين لهم في سورة آل عمران: [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] (آل عمران: ٥٩) . فلما كلم الحَبْرانِ رسول الله ﷺ قال لهما: «أَسْلِمَا» . قالا: قد أسلمنا قال: «إنكما لم تُسلِمَا فَأسْلِمَا» . قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» [٣] . وفيهم قوله تعالى: [فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ] (آل عمران: ٦٣) ، فانتهى هذا الحوار مُحكماً من المحكمات بصورة واضحة تبين فيها المفسد من المصلح، ورجع الوفد الصليبي خائباً يجر أذيال الخيبة، وقد علمهم رسول الله ﷺ كيف يتحقق الإسلام والإيمان. ويمكن أن نذكر بعض الفوائد المستنبطة من التطبيقات في السيرة النبوية ومنها: ١ - أن المحكمات هي أساس الدعوة الإسلامية، وهي قوة معنوية للعمل الإسلامي، يجب الاجتماع عليها والقيام بها. ٢ - لا يجوز التنازل عنها لا في حالة القوة والجهاد، ولا في حالة الضعف. و «السلم» في الشريعة الإسلامية إنما هو وضع للحرب بين المسلمين والكفار، وليس تنازلاً عن المحكمات وتطبيعاً للعلاقات مع المجرمين. ٣ - أن التنازل عن شيء من المحكمات من أجل «الآخر» فتنة للبشرية؛ لأن فيها إفساداً للمسلمين، وتلبيساً على الكافرين. وهكذا أبطل رسول الله ﷺ «حقوق الآخر» التي هي في حقيقتها فساد وخرافة وشر، وإن حاول هذا «الآخر» أن يُغلِّفَها بـ «المصلحة» و «الضرورة» و «الحاجة» و «الخصوصية» . وهذا المنهج النبوي الدعوي يمثل الإسلام عقيدةً وشريعةً ويدافعُ عن «المحكمات» ، ويكشف بالحوار أن ما يدعيه «الآخر» من حقوق إنما هو فتنة وفساد وظلم وبغي. ونستطيع أن نقرر هنا أن سبب ضعف المسلمين في العالم، وذهاب مقدساتهم، واختلاف كلمتهم، إنما هو بسبب مخالفتهم لهذا المنهج النبوي، وكذلك بالنسبة لكثير من «الدعاة» إنما أصبحوا فريسة «للآخر» لما وهنوا وضعفوا وانهزموا أمام أفكاره ووسائله، وأصبحوا يستحيون من الصدع بالمنهج النبوي أمام الانحرافات التي صنعها «الآخر» ، وزينها بوسائله وكيده ومكره، و «الديمقراطية» التي صنعها لنفسه. ولهذا السبب طمع الكفار فينا وفي مقدساتنا، وتدخل الكونجرس بعد أن قرر تعطيل الشريعة الإسلامية لتحل محلها شرائع «الآخر» العلمانية، وهكذا يُدعمُ «الآخر» تشريعياً، كما دُعِمَ فكرياً بنشر «حقوق الإنسان» ، ولا يزال يُدعمُ عسكرياً أكثر من خمسين سنة باسم «حقوق إسرائيل» و «حقوق الآخر» في الأرض والسلام والأمن العالمي، و «الآخر» المسلمُ يُسحق ويُقتل على الطريقة الأمريكية لكن مع مزيد من ضبط النفس! ! وتحت إشراف القانون الدولي أو إن شئت فقل «القانون الأمريكي» ، وكل ذلك لمصلحة «الآخر» الذي تارة يكون «صليبياً» ، وتارة «يهودياً» ، وتارة «علمانياً» ، وعلى الآخر «المسلم» أن يتنازل تارة عن «شريعته» ؛ لأنها إسلامية، وتارة عن مقدساته، وتارة عن تحريم الربا، والزنا، والخمر، وكذلك يجب على المرأة أن تتنازل عن حجابها، بل قد يُضيّق على المسلم في صلاته، كل ذلك من أجل الاعتراف بـ «الآخر» . وفي هذه الأيام يُفيق بعض العلمانيين من سكرتهم ويقولون: لماذا تُهدر أمريكا «حقوق الآخر» أين الحريات؟ ! وتجيب أمريكا نيابة عن العلمانية في العالم وتقول: كفرنا بالحريات إذا لم تكن مصنوعة من أجلنا، كل شيء ينبغي أن يكون من أجلنا ومن أجل «حروبنا الذكية» . أما «الآخر» فكلما أراد أن يكون مسلماً متحاكماً إلى شريعته ودينه، متميزاً في هذا العالم داعياً إلى الفضيلة والأخلاق مدافعاً عن مقدساته، فلا بد أن يُسحقَ، ويُهاجمَ، ويُخرجَ من «القرية العالمية» «القرية الظالمة» ، ويوصف بالتطرف والفساد والإفساد، وتقول الجاهلية العلمانية كما قالت الجاهلية من قبل: [أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) ، [وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ] (القمر: ٩) ، [بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ] (القمر: ٢٥) ، [إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] (غافر: ٢٦) . وبعد: فهل تجتمع كلمة العلماء والدعاة والعامة والخاصة على نصر المحكمات والعمل بها والدعوة إليها، وهل نكون على بصيرة من الأمر ونقف موقفاً شرعياً من «الآخر» الذي يخالف المحكمات، ويرفع راية «الحريات» أو «التنوير» أو «السلام» أو «حقوق الإنسان» ، وهو يطعن المسلمين من الخلف في دينهم وشريعتهم ومقدساتهم، بل أصبح اليوم يطعن من جميع الجهات، وما زال كثير منا يتوسل إليه ليكون مقبولاً عنده وليحظى برضاه، [مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: ٤١) .

стр. 4235

دراسات في الشريعة هل الأجر على قدر المشقة أم على قدر المنفعة ؟ فايز سعيد الزهراني الشق والمشقة هي الجهد والعناء، ومنه قوله تعالى: [إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ] (النحل: ٧) ، ومنه الشقة وهي السفر البعيد، والشقة: بعد مسير إلى الأرض البعيدة والسفر الطويل [١] . والنفع ضد الضر [٢] وهو ما يستعان به على الوصول إلى الخير، ولعله يتبادر إلى الذهن أن المنفعة هي ما كانت متعدية فقط وليس كذلك؛ بل تشمل إضافة إلى كونها متعدية: ما يعود على العامل من تأس بالنبي ﷺ ، وصلاح للقلب وغير ذلك من الأمور التي تتشوف إليها الشريعة. والسؤال هنا: هل مقدار الأجر يكون على المشقة والجهد المبذول في العمل أم هو على ما ينتج عن العمل من منفعة وخير وصلاح؟ وإن كانت المسألة في كتب القواعد الفقهية ونحوها إلا أن لها علاقة كبيرة بالدعوة إلى الله والعمل لهذا الدين، وهذه هي ثمرة الفقه: إعماله فيما نسعى إليه من عبادات ودعوة إلى الله وعمل لهذا الدين. كما أن هذا من البصيرة التي أمر الله نبيه ﷺ ومن اتبعه أن يدعو إلى الله عليها، قال سبحانه: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ] (يوسف: ١٠٨) ، وبإعمال القواعد الفقهية وغيرها. وتكمن أهمية هذه المسألة في جوانب، من أهمها: خطورة العمل الارتجالي سواء كان فردياً أو جماعياً على العامل وعلى الدعوة؛ حيث تبذل جهود كبيرة في الدعوة وتنفق أموال طائلة كذلك، ولكن مع انعدام فقه هذه المسألة. ويرى هذا العامل أو المنفق أنه كلما ازداد عملاً ومشقة ازداد أجراً دون أن ينظر إلى ما يمكن أن ينتجه العمل من ثمار ودون أن يقيّمه، فيقل الأجر أو قد يفسد من حيث يريد الإصلاح. والحاصل أن هناك لبساً في المسألة أدى إلى مفاسد كإهدار الجهود، والفوضوية، وفقد التوازن وغيرها ... وللتفصيل فيها نبيّن أقوال أهل العلم فيها. القول الأول: إن الأجر على قدر المشقة، وهو منسوب إلى القرافي [٣] والسيوطي رحمهما الله تعالى، قال القرافي: «والأصل أن قاعدة كثرة الثواب كثرة الفعل، وقاعدة قلة الثواب قلة الفعل؛ فإن كثرة الأفعال في القربات تستلزم كثرة المصالح غالباً» [٤] . وقال السيوطي في القاعدة التاسعة عشرة: «ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً» [٥] ؛ ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من الوصل لزيادة النية والتكبير والسلام، وصلاة النفل قاعداً على النصف من صلاة القائم، ومضطجعاً على النصف من القاعد، وإفراد النسك أفضل من القِران. وأشار السعدي [٦] إليها وذكر أدلة القائلين بذلك: أولاً: قول الله تعالى: [مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٢٠-١٢١) . ثانياً: قوله ﷺ لعائشة ﵂: «أجرك على قدر نصبك» [٧] . ثالثاً: قوله ﷺ لما سئل عن أي الأعمال أفضل؟ قال: «أحمزها» [٨] ، وأحمزها: أقواها وأشدّها. رابعاً: عن جابر ﵁ قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد فنهانا رسول الله ﷺ ؛ فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» [٩] . خامساً: عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول الله ﷺ : «قد جمع الله لك ذلك كله» وفي رواية: «إن لك ما احتسبت» [١٠] . القول الثاني: إن الأجر على قدر المنفعة. وبه قال العز بن عبد السلام وابن تيمية والمقري والشاطبي وابن حجر رحمهم الله تعالى. قال العز بن عبد السلام: «قد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وليست المشقة مصلحة، بل الأمر بما يستلزم المشقة بمثابة أمر الطبيب المريض باستعمال الدواء المرّ البشع، فإنه ليس غرضه إلا الشفاء» [١١] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومما ينبغي أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء؛ لا ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعته أمر الله ورسوله؛ فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل؛ فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل» [١٢] . وقال: «ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع ولصاحبه أنفع» [١٣] ، قال المقري: «الأجر على قدر تفاوت جلب المصالح ودرء المفاسد؛ لأن الله لم يطلب من العباد مشقتهم، ولكن الجلب والدفع» [١٤] . وقال الشاطبي: «ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظراً إلى عظم أجرها؛ فإن المقاصد معتبرة في التصرفات فلا يصلح منها إلا ما وافق الشارع. فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذن من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه بل فيه الإثم إن ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة: قصد مناقض» [١٥] . وقال ابن حجر معقباً على النووي في قوله: (ظاهر الحديث «أجرك على قدر نصبك» أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة) : «وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطرد، فقد يكون بعض العبادة أخف من بعض وهو أكثر فضلاً وثواباً بالنسبة إلى الزمان كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليالٍ من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعتين في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية كصلاة الفريضة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو أطول من قراءتها ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر من التطوع» [١٦] . ما استدل به أهل هذا القول: أولاً: الاستقراء؛ حيث استقرأ العلماء مصادر الشريعة ومواردها فوجدوا أنها لا تقصد الأمر بالشاق، ولا ترتب عليه كثرة الأجر بالدرجة الأولى [١٧] . والاستقراء قطعي ضروري لا يُناهض بأقل منه. ثانياً: الأحاديث، ومنها: ١ - عن عقبة بن عامر أنه قال: نَذَرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فقال ﷺ : «إن الله لغني عن نذرها، مُرها فلتركب» [١٨] . ٢ - حديث جويرية ﵂ في تسبيحها بالحصى أو النوى وقد دخل ﷺ عليها ضحى، ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال، فقال لها: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لرجحت» [١٩] . ٣ - قوله: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» [٢٠] . ٤ - أن النبي رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم. فقال: «مروه فليجلس وليتكلم وليتم صومه» [٢١] . وناقش الفريق الثاني أدلة القائلين بأن الأجر على قدر المشقة، وكانت ردودهم كما يلي: ١ - وجَّه المقري الحديثين «أجرك على قدر نصبك» و «أفضل العبادات أحمزها» بأن ما كثرت مشقته قلَّ حظ النفس منه، فكثر الإخلاص فيه، وبالعكس فالثواب في الحقيقة مرتب على الإخلاص لا المشقة « [٢٢] . ٢ - رد الشاطبي وغيره على من استدل على أن الشريعة تقصد إلى التكليف بالشاق [٢٣] بأمور: أولاً: أن الأخبار الواردة في ذلك أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، والظنيات لا تعارض القطعيات. ثانياً: هذه الأحاديث لا دليل فيها على قصد المشقة؛ فحديث جابر جاء بما يفسره عند البخاري في زيادة مفادها» أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريباً من النبي ﷺ ، قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعروا المدينة، فقال: «ألا تحتسبون آثاركم؟ !» [٢٤] ، قال ابن حجر: «نبه بهذه الكراهة على السبب من منعهم من القرب من المسجد، لتبقى جهات المدينة عامرة بساكنها» [٢٥] . ثالثاً: إن ما أوردوه معارض بنهي رسول الله ﷺ للذين أرادوا التشديد بالتبتل حين قال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر» ، وقال الآخر: «أما أنا فأقوم ولا أنام» ، وقال الثالث: «أما أنا فلا آتي النساء» ؛ فأنكر ذلك عليهم وأخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك كله، وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» [٢٦] . وفي الحديث: «رد التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا» [٢٧] [٢٨] . ٣ - أمر آخر يضيفه الشاطبي وهو التدليل على أن الشرع لم يقصد من التكليف بالمشاق الإعنات فيه بما يلي: أولاً: النصوص الدالة على ذلك، كقوله تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) . ثانياً: ما ثبت أيضاً من مشروعية الرخص، كالقصر والفطر ونحوهما. ثالثاً: الإجماع على عدم وقوعه وجوداً في التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه، ولو كان واقعاً لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف [٢٩] . ٤ - تطبيق قاعدة «الأجر على قدر المنفعة لا المشقة» على الفروع الفقهية المقررة عند الفريقين، ومنها: أ - حديث «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» [٣٠] ب - قوله تعالى: ﴿لّيًلّةٍ پًقّدًرٌ خّيًرِ [لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ] (القدر: ٣) .. إلخ الفروع. الترجيح: مما سبق عرضه من الأدلة والأقوال والاعتراضات الواردة عليها يتبين أن الراجح هو القول الثاني، للأمور الآتية: الأدلة العامة القوية التي أفرزت استقراءً قطعياً عند أهل العلم، بأن الشريعة تهدف إلى جلب المصالح ودرء المفاسد بوسائل ليس فيها تعنت وتشديد على العباد، منها قوله تعالى: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] (البقرة: ١٨٥) . سلامة أدلة القائلين بهذا القول من الاعتراضات؛ حيث لم يعترض القائلون بأن الأجر على قدر المشقة على أدلتهم. أن القائلين بأن الأجر على قدر المشقة، يتضح من استقراء كلامهم وفحصه عدم التفضيل مقارنة بالمنفعة، وإنما بيان أن المشقة في طريق العبادة تكون في ميزان حسنات العامل وأنها لا تضيع، كما قال النبي ﷺ : «أجرك على قدر نصبك» ، فكلامهم ابتدائي وليس مقارناً، وتفصيل ذلك: أن القرافي في بداية الفرق الذي ذكر فيه قاعدة الثواب على كثرة العمل، قال: «اعلم أن الأصل في كثرة الثواب وقلّته، وكثرة العقاب وقلّته أن يتبعا كثرة المصلحة في الفعل وقلّتها» [٣١] . وفي كلامه الذي ذكرناه أولاً. كما أن كلام السيوطي ونص قاعدته: «ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً» [٣٢] ليس فيه مقارنة بالأنفع؛ ولذلك أخرج من هذه القاعدة اثنتي عشرة صورة فقهية تتفرع عنها غيرها [٣٣] . والسعدي مثلهما، ودليل ذلك أنه لما ذكر القاعدة عقب عليها بقوله: «ويبين مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مننه وإحسانه، وأنها لا تنقص الأجر شيئاً» [٣٤] ، ثم إنه في شرحه لهذه القاعدة بيَّن أن ما تفضي إليه هذه المشقات هو خير ومصلحة أعظم من المشقة في العمل. ويفهم من خلال ذلك أن ما أوردوه لا يدخل أصلاً في محل النزاع، ففي المسألة أمور تجدر الإشارة إليها: أولاً: إذا كان في العمل مشقة فالثواب على تحمل المشقة لا على عين المشاق؛ إذ لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب ، وليس عين المشاق تعظيماً ولا توقيراً، نص على ذلك العز بن عبد السلام رحمه الله [٣٥] . ثانياً: أن الأعمال الصالحة قد لا تحصل إلا بمشقة: كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم، فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة، كما قال النبي ﷺ لعائشة ﵂ لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: «أجرك على قدر نصبك» ؛ نص على ذلك ابن تيمية ﵀ [٣٦] ؛ فالمراد الأول حصول العمرة، فتعبها في سبيل الحصول على العمرة هو الذي أجرت عليه. ثالثاً: يتفرع من القاعدة أن المشقة لا تكون سبباً لفضل العمل ورجحانه [٣٧] ولذلك قال ابن تيمية: «إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقة، فهذا فساد والله لا يحب الفساد، ومثال ذلك ما في الدنيا؛ فإن من تحمل مشقة لربح كثير أو دفع عدو عظيم، كان هذا محموداً، وأما من تحمل كلفاً عظيمة ومشاقاً شديدة لتحصيل يسير من المال أو دفع يسير من الضر، كان بمنزلة من أعطى ألف درهم ليعتاض بمائة درهم، أو مشى مسيرة يوم ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيراً منها في بلده» [٣٨] . ومثال ذلك: من حج ماشياً ورفض وسائل الترفيه في الحج من مركب وتكييف ونحوهما؛ فإن ذلك فيه جهد ومشقة تستلزم منه مفاسد كالحاجة إلى الراحة من شدة التعب، وفقدان الخشوع لضيق النفس، بينما لو ركب واستعمل هذه الوسائل لأغنته عن الحاجة إلى الراحة الكثيرة، ولوجد الطمأنينة وانشراح الصدر لذكر الله والدعاء ونحوهما من مقاصد الحج. رابعاً: يستثنى من ذلك ما ذكره العز بن عبد السلام: «إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسنن والأركان، وكان أحدهما شاقاً فقد استويا في أجرهما لتساويهما في جميع الوظائف، وانفرد أحدهما بتحمل المشقة لأجل الله سبحانه وتعالى، فأثيب عليها [٣٩] ، كالاغتسال في الصيف والربيع بالنسبة إلى الاغتسال في شدة برد الشتاء فإن أجرهما سواء، ويزيد أجر الاغتسال في الشتاء لأجل تحمل مشقة البرد؛ فليس التفاوت في نفس الغسلين وإنما التفاوت فيما لزم عنهما [٤٠] . بينما لو قدر على استعمال الماء الدافئ فهو أفضل له من تركه إياه واستعمال الماء البارد؛ لأن البارد قد يفوت عليه بعض المصالح كاستشعار عظمة العبادة وإسباغ الوضوء، وقد يؤدي إلى ضرر؛ ولذلك لما كره فقهاء الحنابلة التطهر بالماء الذي اشتد حره أو برده؛ عللوا ذلك بأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة» [٤١] . خامساً: وهي مهمة جداً بل تمثل أصلاً يبنى عليه البحث: أنه لا ينبغي تسمية الأعمال الصالحة تكليفاً؛ لأن النصوص لم تورد هذا اللفظ إلا في موضع النفي قال تعالى: [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا] (البقرة: ٢٨٦) ولما يشعر هذا اللفظ بقصد المشقة في الشريعة، بل إن أوامرها هي قرة العيون وقوام الحياة وصلاحها [٤٢] . وأخيراً: فما أجدر الدعاة إلى تفهم هذه القاعدة، وتلقينها لكل من سلك طريق الدعوة؛ حيث يطغى الحماس أحياناً خدمة لدين الله سبحانه ونشراً لدعوة الله، فيرى السالك أنه كلما بذل جهداً ازداد أجراً دون النظر إلى العائد الذي يعود به على الدعوة، فيقع في الخبط والفوضى، وأحياناً يفسد أكثر مما يصلح. فكانت هذه القاعدة لتبين لهذا الصنف أنه ليس المقصود أن يتعب نفسه بل المقصود نشر الدين، وإن أدى ذلك إلى جهد ومشقة فلن يحرم أجرها، [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٢٠-١٢١) . كما أن هذه القاعدة تحتاج إلى اجتهاد في تحقيق المناط والموازنة بين المشقة المصاحبة للعمل والمنفعة العائدة من العمل، فإنه كثيراً ما تبذل جهود عظيمة لخدمة دين الله ونشر الدعوة، وبمقارنة مع المنفعة تكون إهداراً للطاقات والجهود في غير المكان المناسب، وهذا لا ينبغي في دين الله. لذا وجب الرجوع إلى العلماء العاملين الربانيين أهل الفقه في دين الله، والبصيرة بالدعوة إلى الله، والخبرة في ميدان العمل، فهم أهل الاجتهاد في هذا الباب، ويجب الرجوع إليهم والانتظام معهم؛ لتتوجه الطاقات والجهود المهدرة إلى المكان المناسب، في الظرف المناسب، للمرحلة المناسبة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه، ومن تبعهم إلى يوم الدين.

стр. 4236

دراسات في الشريعة مقدمة في قواعد التفسير محمد بن عبد العزيز الخضيري التعريف: القاعدة لغةً: الأصل الذي يبنى عليه غيره. اصطلاحاً: حكمٌ كلي يتعرف به على أحكام جزئياته. التفسير لغة: الكشف والبيان. واصطلاحاً: بيان معاني كلام الله تعالى. وقواعد التفسير: هي الأحكام الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط معاني القرآن الكريم، ومعرفة الراجح مما فيه خلاف. أهمية معرفة القواعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرَدُّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؛ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وظلم وجهل في الكليات، فيتولد فساد عظيم» [١] . وقال الزركشي: «أما بعد: فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة. هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حكم العدد التي وضع لأجلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه» [٢] . والحاصل أن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية ما يجل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بها من الاستنباط والفهم مع ملكة ظاهرة تصيره ذا ذوق واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير [٣] . ميزة القواعد: تتميز القواعد بالإيجاز في الصياغة مع عموم المعنى وسعة استيعابه للجزئيات وسهولة الحفظ والإشارة إلى المناط والعلة. المؤلفات في قواعد التفسير: غالب ما ألف في قواعد التفسير إنما هو في علوم القرآن الكريم ككتاب (التيسير في قواعد علم التفسير) لمحمد بن سليمان الكافيجي (ت ٨٧٩) ، و (أصول التفسير وقواعده) لخالد بن عبد الرحمن العك. أما التأليف في القواعد ذاتها جمعاً ودراسة ففيه رسالتان فريدتان: ١ - قواعد التفسير جمعاً ودراسة، لخالد بن عثمان السبت في مجلدين، وهي رسالة دكتوراه مقدمة في الجامعة الإسلامية. ٢ - قواعد الترجيح عند المفسرين، لحسين بن علي الحربي في مجلدين، وهي رسالة ماجستير مقدمة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وموضوع الثانية أخص من الأولى؛ إذ هي في القواعد الترجيحية. وقد ضمَّن الكاتبون في علوم القرآن وفي أصول التفسير كتبهم فصولاً في قواعد التفسير ككتاب البرهان لبدر الدين الزركشي (٧٩٤هـ) والإتقان لجلال الدين السيوطي (٩١١هـ) . إضافة إلى ما زخرت به مقدمات المفسرين في تفاسيرهم ك مقدمة (النكت والعيون) للماوردي، ومقدمة (التسهيل) لابن جزي الكلبي، ومقدمة (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور. ومقدمة ابن كثير في تفسيره والتي استفادها من كتابة شيخ الإسلام في أصول التفسير. أما المصدر التطبيقي الثّر فهي كتب المفسرين المؤصلة كتفسير الطبري، والمحرر الوجيز لابن عطية، وأضواء البيان للشنقيطي. أنواع القواعد: للقواعد تقسيمات باعتبارات مختلفة، ومن ذلك تقسيمها باعتبار الغاية منها، وهي على نوعين: الأول: قواعد عامة يستفاد منها في فهم القرآن؛ كقاعدة: «المفرد المضاف يفيد العموم» . كقوله تعالى: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ] (الضحى: ١١) . وقوله: [وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: ٣٤) المقصود: نعم الله. الثاني: قواعد ترجيحية يستفاد منها في الموازنة بين الأقوال، ومعرفة الراجح منها والمرجوح؛ كقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن السياق مرجح على ما خالفه» ، كقوله تعالى: [مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ] (المجادلة: ٧) أي بعلمه، قالوا: لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم [٤] ، وقوله تعالى: [كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء: ٣٠) قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: [أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء: ٣٠) من المطر والنبات. ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصواب؛ لدلالة قوله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء: ٣٠) على ذلك» . وليعلم أن الأقوال إذا كانت محتملة في الآية وبنفس القوة فإنه لا ترجيح بينها، كقوله: [اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى] (الرعد: ٨) «الله يعلم ما تحمل كل أنثى» فما يحتمل أن تكون (موصولة) والمعنى: يعلم الذي تحمله كل أنثى من ولد على أي حال كقوله: [وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ] (لقمان: ٣٤) . ويحتمل أن تكون (مصدرية) والمعنى: يعلم حمل كل أنثى كقوله: [وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ] (فاطر: ١١) . ويكون الترجيح بين الأقوال إذا تعارضت، أو عارض بعضها نصاً أو إجماعاً، أو لم يكن بينها تعارض ولا مع غيرها؛ لكن كان بعضها أوْلى من بعض. مثال الأول: خلافهم في تفسير (القُرْء) . ومثال الثاني: من ادعى جواز الجمع بين تسع حرائر مستدلاً بقوله: [مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ] (النساء: ٣) فهو خلاف إجماع الأمة وما روي عن سعيد بن المسيب: «ما سكر آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن سقته حواء من الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل» فهذا معارض لقوله تعالى: [لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ] (الصافات: ٤٧) [٥] . ومثال الثالث: قوله تعالى: [ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ] (عبس: ٢٠) قيل: طريق خروجه من بطن أمه لدلالة السياق، وقيل: طريق الخير والشر. لقوله: [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإِنسان: ٣) . تنازع القواعد: إذا تنازعت القواعد المثالَ الواحدَ؛ بحيث صار لكل قول قاعدة ترجحه فإن المعتبر به غلبة ظن المجتهد كما قال الزركشي: «واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد ما غلب على ظنه» [٦] . وقال الشنقيطي: «والمرجحات يرجع بعضها على بعض؛ وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن» [٧] . مثال ذلك: قوله تعالى: [وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ] (النساء: ٢٢) ففيها قولان: الأول: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم من النساء؛ فمنكوحة الأب حرام على ابنه و (ما) في الآية موصولة، ويدل عليه سبب نزول الآية؛ حيث إن قيس بن صيفي بن الأسلت خطب امرأة أبيه فأنزل الله الآية. الثاني: ولا تنكحوا نكاح آبائكم الفاسد الذي يتعاطونه في الجاهلية، و (ما) مصدرية؛ قالوا: لأن (ما) لا تكون إلا لغير العاقل غالباً، والقاعدة: وجوب حمل كلام الله على المعروف المشهور من كلام العرب. ولا شك أن القول الأول هو الصواب لاعتماده على سبب النزول، هذا فضلاً عن كون (ما) وردت للعاقل في غير ما آية من غير نكارة ولا شذوذ كقوله: [وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ] (النحل: ٦٢) وقوله: [إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي] (آل عمران: ٣٥) . نماذج من قواعد التفسير: القاعدة الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أي: إذا وردت الآية على سبب خاص فإنها لا تُقصَر عليه، بل يُنظر إلى عموم لفظها؛ ومثالها: قوله تعالى: [إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ] (الكوثر: ٣) قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، وقيل: نزلت في جماعة من قريش. قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال إن الله تعالى ذِكْرُه أخبر أن مبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأقل الأذل المنقطع عقبه؛ فذلك صفة كل من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه» . القاعدة الثانية: الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه. مثالها: قوله تعالى: [وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ] (البلد: ٣) . قيل: آدم وولده، وقيل: إبراهيم وولده. وقيل: بل هي عامة في كل والد وولده. وهو الصحيح، قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: أقسم الله بكل والد وولده؛ لأن الله عمَّ كل والد وما ولد. وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوص؛ فهو على عمومه كما عمه «. القاعدة الثالثة: إذا اختلف المعنى الشرعي والمعنى اللغوي فالمقدم الشرعي إلا بدليل؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة. مثالها: قوله تعالى: [وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً] (التوبة: ٨٤) فالصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشرع: صلاة الجنازة والمقدم المعنى الشرعي. فإن دل الدليل على اعتبار اللغوي دون الشرعي وجب الأخذ به كما في قوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (التوبة: ١٠٣) أي: ادع لهم؛ ودليله حديث عبد الله ابن أبي أوفى؛ حيث قال:» كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ على آل فلان! فأتاه أبي بصدقته: فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى! « [٨] . القاعدة الرابعة: تحكيم السياق عند الاختلاف. مثالها: قوله تعالى: [عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ] (البقرة: ١٨٧) قيل: هو الولد، وقيل: ليلة القدر، وقيل: ما أحله لكم ورخص لكم، والأول أرجح لمناسبته السياق؛ حيث جاء عقيب قوله: [فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ] (البقرة: ١٨٧) . القاعدة الخامسة: تحكيم الرسم عند الاختلاف. مثالها: قوله تعالى: [سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى] (الأعلى: ٦) قيل: (لا) نافية، وقيل: ناهية. والصواب الأول؛ لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بحذف حرف العلة. وكذلك قوله تعالى: [وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ] (المطففين: ٣) ففي الضمير (هم) في الفعلين قولان: ١ - أنه يعود على الناس؛ ويكون الضمير في موضع نصب. ٢ - أنه يعود على واو الجماعة في (كالوا ووزنوا) ويكون في موضع رفع مؤكداً لواو الجماعة. والراجح الأول؛ لأنه لو كانت كلمة (كالو) مستقلة و (هم) مؤكدة لأتبعت (كالو) في الرسم بألف الفرق [*] لكتبت (كالوا هم) وليس الأمر كذلك. القاعدة السادسة: يجب تفسير المعنى على الأغلب من استعمال العرب. أي دون الشاذ والقليل والمنكر. مثالها: قوله تعالى: [لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً] (النبأ: ٢٤) قيل في البرد قولان: الأول: برد الهواء الذي يبرد جسم الإنسان. والثاني: النوم. قال ابن جرير:» والنوم وإن كان يبرد غليل العطش، فقيل له من أجل ذلك: البرد؛ فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره «، وبمثله قال النحاس [٩] . القاعدة السابعة: وجوب مراعاة معهود القرآن وطريقته في البيان. والمراد: أن اختيار التأويل الموافق لطريقة القرآن ومعهوده الكلي أو الأغلبي هو المتعين: مثالها: قوله تعالى: [إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ] (الطارق: ٨) في مرجع الضمير في (رجعه) قولان: ١ - أنه يعود إلى الإنسان والمعنى: أن الله قادر على رده للحياة بعد موته. ٢ - أنه يعود إلى الماء، والمعنى: أن الله قادر على رد الماء إلى الصلب أو الإحليل؛ والصواب الأول؛ لأن المعهود في القرآن الاستدلال بالمبدأ على المعاد. وأما القول الثاني» فلم يأت لهذا المعنى نظير في موضع من القرآن « [١٠] . وأيضاً قوله تعالى: [فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ] (الواقعة: ٧٥) قيل: آيات القرآن، ومواقعها نزولها شيئاً بعد شيء، وقيل: هي النجوم المعروفة في السماء. وهو الراجح؛ لأن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد بها الكواكب؛ كما قال ابن القيم [١١] .

стр. 4237

دراسات تربوية التعليم الأجنبي.. مخاطر لا تنتهي! (١ - ٢) مهيمن عبد الجبار إن الحديث عن المدارس الأجنبية حديث يتلاقى ويتماس مع كثير من نقاط واقعنا المعقد؛ فهو يتناول التربية العقدية بمفهومنا ولفظنا، كما يتناول التنشئة السياسية من جهة أخرى، ويتناول قضية الهوية بجوانبها وتشعباتها، وهي سر من أسرار تخلف التنمية، ولها ظلالها الإعلامية والتعليمية، والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ويمس عصب الأمن القومي. ولكي نتصور القضية تصوراً صحيحاً لا بد أن نضع في اعتبارنا عدة أمور: أولها: أن التعليم الأجنبي يأتي ضمن منظومة واسعة لتغريب الأجيال وإبعادهم عن دينهم تتضمن التعليم، والإعلام والثقافة، ويتستر خلفها التبشير والاستشراق والاستعمار، وتساندها بقية الأدوات. وثانيها: أن الكلام حول التعليم الأجنبي يتناول المدارس الأجنبية ومدارس الإرساليات التبشيرية ومدارس الجاليات بالأصالة، كما يشير إلى مدارس اللغات والمدارس التجريبية التي تقفو أثر المدارس الأجنبية وإن تسمَّت بأسماء عربية بالتبعية، كما يتطرق الحديث إلى الابتعاث إلى الدول الغربية. وثالثها: أن حديثنا عن دور ومخاطر هذا النوع من التعليم يزيد من شأنه ولا يهون ما يتم للتعليم الوطني اليوم في كثير من بلادنا الإسلامية تحت مسميات التطوير والتحديث، ضمن ما يعرف بالعولمة التعليمية التي ترعاها المؤسسات الدولية وتدفع إليها الدول الغربية. ورابعها: أن التعليم في الإسلام يعني عملية إفراز وتنمية للولاء العقدي الذي هو أعلى وأوثق أنواع الولاء، كما يرتبط بقيمة وجودية للأمة الإسلامية هي الهداية كما قال تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . كما يرتبط بقيمة أخرى في الآخرة هي الوقاية من عذاب الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] (التحريم:٦) ، وهذا كما قال المفسرون يتم بالتعليم والتأديب، وفيه ملمح مهم وهو ارتباط التعليم بالإصلاح، على عكس ما يحدث اليوم في التعليم الأجنبي. وخامسها: أن دخول أطراف خارجية في العملية التعليمية يعني تعريض أمن الأمة للخطر؛ وذلك حين يتعرض دين الأجيال للتحريف وعقولهم لألوان الغزو الفكري، وهي مسألة لا تقل خطورة عن السماح للأجانب بالالتحاق بالجيش أو أجهزة الأمن التي تسهر على حماية البلاد، بل تزيد؛ لأنها تؤدي مستقبلاً إلى وجود مثل هذه الفئات داخل هذه المؤسسات دون أن ندرك حقيقة الدور الذي تقوم به. إننا كثيراً ما نلمس آثار هذه المدارس على المتخرجين فيها، لكن ما يغيب عنا أكثر، دون أن يكون لنا أفراداً أو مجتمعات دور يتفاعل مع قضية بهذه الخطورة. سادساً: إن الحديث عن التعليم الأجنبي اليوم لا يمكن التطرق إليه بمنأى عن الخريطة التعليمية القُطرية والعولمية؛ فلم تعد المدارس الأجنبية هي الخطر الوحيد في المجال التعليمي؛ بل ينبغي تصور خريطة المخاطر المحتفة بالتعليم اليوم؛ فهناك مدارس الإرساليات (علمانية، ودينية) ، وهناك المدارس الدينية التي تخص الطوائف النصرانية التي تعيش في بلداننا الإسلامية، والمدارس الخاصة التي تقتفي أثر هذه المدارس، إلى جانب التعليم العام المنجذب مغناطيسياً نحو مجال هذه المدارس كنموذج. إن نظرة الأمم إلى مسألة التعليم تنطلق من نظرتها لذاتها ودورها وهدفها الأبعد على هذه الأرض وما بعد الأرض؛ ومن ثم فإن الخريطة التعليمية لأي دولة يمكن أن تنبئنا بتطلعات هذه الدولة إلى المستقبل، ويمكن إيضاح ذلك من خلال عدد من التجارب والمواقف: * كان للتعليم الشرعي دوره الذي بهر العالم كله في نموذج طالبان وسيطرتها على الأوضاع داخل أفغانستان بسهولة، والبدء في خطط تنموية حقيقية رغم الحصار الشديد وضعف الإمكانيات؛ مما جعل التقارير العالمية توصي باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة بصدد هذا النوع من التعليم في الدول الإسلامية الأخرى، ومن ثم قامت النخب العلمانية بتصفية هذا النوع من التعليم بعدة طرق في تركيا ومصر واليمن وباكستان وغيرها، وما يحدث الآن في أفغانستان يعيد للأذهان حملة نابليون للقضاء على بواكير النهضة العلمية والحضارية التي كادت تزهر في أحضان الأزهر، وزرع التعليم البديل [١] . * كان للمدارس الدينية دورها في إنجاح الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات، كما كان للتعليم الغربي دوره اليوم أيضاً في الانقلاب السلمي على الثورة هناك. * النهضة الاقتصادية الماليزية بدأت أيضاً بالتعليم؛ ففي سنة ١٩٨٥م أقيمت مؤتمرات وطنية لقضية التعليم، وقررت أن تكون ماليزيا دولة صناعية؛ ولذا تغيرت مناهج التربية والتعليم على هذا الأساس، كما تغيرت نظم البعثات الدراسية، والهجرة والاستثمار في غضون ١٠ سنوات، وكانت النتيجة أن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في العالم سنة ١٩٩٥م. * نموذج الصين واليابان والهند وألمانيا وهي تجارب دول عانت من مشاكل أكثر عدداً وأضخم من المشكلات التي يعلق عليها العرب خيبتهم التعليمية والتنموية؛ ومع هذا استطاعت هذه الدول حين ملكت الإرادة أن تقفز من خلال تعليم هادف قفزات سريعة في فترة محدودة. * وفي كشمير المحتلة عملت الهند على محاربة التعليم الإسلامي ونشر التعليم العلماني، وتشجيع الحركات العلمانية على حساب الحركات الإسلامية؛ وخاصة بعد ظهور الحركات الجهادية لطمس هوية كشمير وإذابتها داخل المستنقع الهندي. * كان للمدارس الدينية دورها في إيجاد تيار واسع له أثره البالغ في توجه الدولة اللقيطة وتعاملها مع العرب [٢] . * وأخيراً كان للتعليم الأجنبي أثره البالغ على أمن المنطقة العربية واستقلالها من خلال تربية أجيال لا تؤمن إلا بالفكر الغربي، ولا تعرف غير الحضارة الأوروبية، وتتنكر لدينها وحضارتها وقيمها الأصيلة، وكان لهذه الأجيال العير والنفير في مختلف المجالات. إطلالة على الوجود التعليمي الغربي: في عام ١٨٦٣م اقترح المنصِّر هاملين على صديقه روتشيلد اليهودي إنشاء مدرسة ثانوية بجوار «قلعة الروملي» قائلاً: «لقد أنشأ الأتراك حصناً لفتح إسطنبول، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم» . هذه العبارة على وجازتها تلخص لنا الدور الخطير الذي لعبته المدرسة الأجنبية في تفكيك العالم الإسلامي وتفتيت ريحه؛ لقد مكر أهل الكتاب مكر الليل والنهار لرد المسلمين عن دينهم تارة بحروب صليبية وتارة بتدبير المكائد الداخلية، وفي كل مرة كان العالم الإسلامي يهب هبته ينفض عنه مسة أهل الكتاب، وفي كل مرة كان الغرب يبحث عن لبنة سنمَّار حتى ظفر بها أخيراً؛ إنه حبل التلقي الموصول بالله عبر المسجد والمدرسة والأم.. فلتكن المعركة في هذه الساحة لا بهدمها كما صنع بونابرت وإنما بتفريغها من محتواها أولاً وتبديله بمحتوى مخالف أياً كان هذا المحتوى ليفعل فعل السرطان في الجسد عندما تتغير كيميائية خلية واحدة. يقول جب في كتابه: (وجهة الإسلام) : «إن إدخال طرائق جديدة في البلاد الإسلامية كان يتطلب نظاماً جديداً في التربية من عهد الطفولة في المدارس الابتدائية والثانوية قبل الانتقال للدراسات العالية، وإن إصلاح التعليم [يسميه إصلاحاً!] على هذا النحو لم يكن في ذلك الوقت يخطر على بال السلطات المدنية الإسلامية، ولكن الفراغ ملأه هيئات أخرى؛ فقد انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر شبكة واسعة من المدارس في معظم البلاد الإسلامية ولا سيما في تركيا وسوريا ومصر؛ وذلك يرجع غالباً إلى جهود جمعيات تبشيرية مختلفة، وقد كان أكثرها عدداً المدارس الفرنسية، وقد كانت المدارس الإنجليزية في الإمبراطورية العثمانية أقل مما في الهند، وكانت المدارس الهولندية قاصرة على جزر الهند الشرقية» . وقد ارتبط التعليم الأجنبي منذ وفوده على البلاد الإسلامية كما ذكر جب بالإرساليات التبشيرية، وتنسب بداية المحاولة إلى الإسباني (ريمون لول) ، ثم أخذت الجمعيات التبشيرية في الانتشار في أواخر القرن ١٨ وأوائل الـ ١٩ التي كان أحد أهم مناشطها التعليم، خاصة مع تحول الكنائس الكبرى في أوروبا من الإطار الكهنوتي البحت إلى الإطار التعليمي بإنشاء المدارس والمعاهد التابعة لها، وقد بدأت الإرساليات تمارس نفس الدور في العالم الإسلامي خاصة حين أخفقت الأساليب المباشرة للتبشير شرعت في أداء الدور التعليمي، وخاصة بعد أن رأى المبشرون من خلال مؤتمراتهم وخبراتهم المتبادلة أن العمل في جانب الصغار أجدى بكثير من الكبار وفي جانب الفتيات أخطر منه في البنين. وقد كان الغرض الملحُّ على العقل الأوروبي من بناء المدارس كما قلنا هو حل المسألة الشرقية من الداخل بعد أن استغلق حلها من الخارج.. والناظر في تاريخ سقوط الخلافة يعلم بحق أثر هذه المدارس في الكيد لأهل الإسلام؛ فقد لعبت دوراً أعظم مما أداه جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين باعتراف الغرب نفسه. كانت الشرارة الأولى قدحت في بيروت بإنشاء مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية سنة ١٨٣٠م؛ لأن البنات سيكُنَّ أمهات؛ فإذا تربَّيْن في هذه المدارس النصرانية أثرن على أولادهن! ! وكانت تعنى ببنات الأسر والبيوت الكبيرة اللاتي سيكون لهن السيطرة على الجيل المقبل؛ ولهذا قال بعض دعاتهم: «إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني» ! ! وقد تركزت في لبنان جهود الأمريكيين، والفرنسيين، وقد كان للجامعة اليسوعية (الأمريكية فيما بعد) وجامعة القديس يوسف دور خطير في لبنان بالتقاط النابهين من نصارى الشام وبنائهم نماذج متغربة تعمل لحساب المشروع الغربي؛ حيث ارتبط كثير منهم بالمخطط الماسوني الهادف لإسقاط الدولة العثمانية وتفتيت العالم الإسلامي وغرس الدولة اليهودية في المنطقة. وفي مصر عام ١٨٤٠م من خلال البعثات التنصيرية قام الآباء بتأسيس الكلية الفرنسية بالإسكندرية والجمعية الإنجيلية البروتستانتية، وجمعية راهبات القلب المقدس عام ١٨٤٥م، ثم تلتها الإخوة المسيحيون والفرير عام ١٨٤٧م ثم الآباء اليسوعيون والجزويت ثم الفرنسيسكان ١٨٥٩م والمير دي ديو (وتعني أم الله! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) ١٨٧٧م. ثم تبعتها مدارس الآباء اليسوعيين عام ١٨٨٠م كمقدمة لاحتلال مصر في عام ١٨٨٢م، وقد بلغ عدد مجموع الطلاب من المسلمين ٧١١٧ طالباً مسلماً حتى عام ١٨٩١م، وهو رقم مذهل بمقاييس تلك الأيام وظروفها. كان انتشار المدارس الأجنبية في مصر مكثفاً ومقصوداً حتى إنها الآن تبلغ عشرات الآلاف من المدارس، وتبلغ نسبة الدارسين فيها من المسلمين ٥٢% من الطلاب بمصر، ويشير مؤرخو المدارس الأجنبية أن الجالية اليونانية كانوا كلما حلوا في بلد أنشؤوا فيه كنيسة ومدرسة كما فعلوا في الإسكندرية عام ١٨٤٣م ثم في المنصورة، وطنطا، وبور سعيد، والسويس، والقاهرة وغيرها، وهكذا الجالية الإيطالية منذ عام ١٨٦٢م، والجالية الألمانية عام ١٨٦٦م، واليهود منذ عام ١٨٧٢م، والمارونيون السوريون، وكانت أولى الجاليات الجالية الأرمنية عام ١٨٢٨م في بولاق. أما عن تعليم البنات فقد كان هناك مدرستان في أواخر العقد السادس من القرن الماضي للتعليم العام بحي الأزبكية: واحدة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية، والأخرى تابعة لكنيسة الأقباط الإنجيليين. وفي عام ١٩٠٤م أنشأت الكنيسة القبطية أول مدرسة صناعية ببولاق. وقد عملت كثير من هذه المدارس بمبدأ المواءمة واستغلال الفرص المتاحة؛ بحيث تظهر ما جاءت من أجله كلما سنحت الفرصة، وتتستر حين تضيق عليها الأمور. كما شهدت سوريا بالتزامن مع حالة لبنان ومصر جهوداً موسعة لفتح المدارس الإرسالية حتى كان نصيب سوريا وحدها من المدارس الأمريكية عام ١٩٠٩م: (١٧٤) مدرسة في المدن والقرى. وفي السودان من أنواع المدارس والبعثات التنصيرية الشيء الكثير، بل إن عدد الكنائس في الخرطوم يفوق عدد المساجد! ! وأما في جبال النوبة فقد استولت الإرساليات البريطانية على التعليم فيها منذ عام ١٩١٩م وحاصرت توسع الإسلام واللغة العربية، وأقفلت ما يفتح من المدارس الإسلامية عام ١٩٣١م. وفي العراق: في أوائل القرن العشرين الميلادي كانت أول مدرسة تبشيرية في البصرة مدرسة للبنات، ثم انتشرت مدارسهم في أنحاء العراق. وهذا ما جرى عليه الحال في سائر بلاد الإسلام خاصة البلاد التي دخلها الاستعمار. وقد كان جل اهتمام التنصير منصبّاً على مصر وباكستان تحديداً؛ ولذا نالا قسطاً أكبر من الغزو عموماً ومن خلال التعليم على وجه الخصوص. يقول (ستيف نيل) مؤرخ الكنيسة: «في العالم الإسلامي دولتان تمثلان أكبر أهمية بالنسبة للتنصير، هما باكستان ومصر، وسقوط إحداهما في قبضتنا يعني إزالة أكبر عقبتين من طريق الكنيسة» . تتوافر عن باكستان أمامنا بعض الإحصائيات حول نشاط عدد من أشهر المدارس هناك يمكن أن تعطينا صورة عن حجم النشاط وما يصبو إليه وما يمكن أن يحققه: نجد في مدرسة القديس باتريك في كراتشي (٢١٠٠) طالب مسلم و (٤٠٠) نصراني! وفي مدرسة القديس يوسف (٢١٠٠) مسلم، (١٠٠) نصراني! ومدرسة القديس لورانس (١٠٥٠) مسلماً، (١٥٠) نصرانياً! ومدرسة القديس جوز (١٠٠) مسلم، وليس فيها نصراني واحد. ومدرسة المسيح الملك (٧٠٠) مسلم، (٣٠٠) نصراني. ومدرسة القديس جون (٧٠٠) مسلم، (٢٠٠) نصراني. ومدرسة القديس بونا بونتشر في حيدر آباد (١٥٦٠) مسلماً، و (٤٠) نصرانياً. ومدرسة القديسة ماري في حيدر آباد (١٥٥٨) مسلماً، (١٣٩) نصرانياً. بالنظر في ما تقدم يتضح أن وجود النصارى عبارة عن ذر للرماد في العيون [٣] . على أن الأمر لا يتوقف عند حدود مصر أو باكستان أو بلاد الشام، وإنما زحف نحو جميع البلاد في غفلة من المسلمين. وتشير الأرقام إلى وجود ٢٦٤ مدرسة تنصيرية في ماليزيا، وفي قطر هناك أكثر من ٣٠ مدرسة، وفي مدينة مقديشو وحدها أكثر من ثلاثين مدرسة صليبية! وطبقاً لإحصائيات عام ١٩٩١م توجد ١٦٥٠٠ مدرسة نصرانية في أفريقيا وحدها. أما التعليم الجامعي فلدينا ثلاث مؤسسات كان لها أبلغ الأثر في تحول كثير من أبناء الأمة عن دينهم وهي: جامعة القديس يوسف في لبنان، وهي جامعة بابوية كاثوليكية (تعرف الآن بالجامعة اليسوعية) . والجامعة الأمريكية التي كانت من قبل تسمى (الكلية السورية الإنجيلية) ، ثم كلية بيروت، وقد أنشئت في عام ١٨٦٥م، وهي جامعة بروتستانتية. والكلية الفرنسية في لاهور، وأسست في لاهور باعتبار أن هذا البلد يكاد يكون البلد الفريد في تكوينه في شبه القارة الهندية. إلى جانب (كلية روبرت) في إستانبول، والكلية الأمريكية (الجامعة الأمريكية فيما بعد في القاهرة) . وكلية جوردن (البريطانية) في الخرطوم، وأخيراً الجامعة الأمريكية الجديدة في الشارقة، وفي قطر! وهناك الجامعة الألمانية والفرنسية في المستقبل القريب في مصر اللتان شرع في تأسيسهما مؤخراً. ومن خلال هذا الجهد المكثف نجح التعليم الأجنبي بمدارسه وجامعاته في تخريج أجيال عملت على خدمة المصالح الغربية على تفاوت فيما بينها؛ فقد تخرج فيها كثير من القيادات القومية الفكرية والسياسية من بين المسلمين والنصارى دون فرق إلى حد بعيد في كل من مصر ولبنان وفلسطين والأردن وسوريا والعراق والسودان، ومن أبرزهم: ميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق، وأنطون سعادة، ولويس عوض وغيرهم، وكان من عملاء هؤلاء المنصرين في تركيا الجنرال: أحمد وفيق باشا الذي أمَّن أرضاً للمدرسة؛ ولذا لما سئل السلطان عبد الحميد الثاني عن المكان الذي سيدفن فيه الجنرال، قال: «في قلعة الروملي؛ ليستمع الرجل الذي باع للبروتستانت أرضاً ليؤسسوا عليها أجراسهم، أصوات هذه الأجراس إلى يوم القيامة» . وقد أولت الدول المستعمرة خلال فترة ما بين الحربين اهتماماً شديداً بتثقيف أبناء الأمراء والعظماء وكبار رجال السياسة، ونقلهم إلى التعليم في المعاهد الأجنبية؛ وذلك لإعداد هذه الطبقة، وقد كان إغراؤهم عجيباً لكثير من أصحاب المراكز العلمية حتى بعض كبار المسؤولين في مجال الإسلام على تعليم أبنائهم وبناتهم، وقد أشارت تقاريرهم إلى ذلك بما أسمته: «نزوع الطبقة الراقية إلى المدارس الأجنبية» . تعليم المخاطر! نجح الغرب من خلال التعليم في أن يبث سمومه في مختلف مناشط الحياة، وحشد ضمن كل منشط منها مجموعة من المخاطر، ثم راح يؤلف بينها؛ ولهذا نرى المخاطر اليوم تتداعى وتجتمع وتتضافر، ويكمل بعضها بعضاً. إن أثر النشاط التعليمي الغربي في بلادنا لم يعد يمس زاوية دون أخرى أو يكتفي بجانب دون سواه.. بل أصبح يمثل شبكة من المخاطر كل خطر يوطئ لما بعده ويخدم جوانب أخرى غيره؛ ولهذا فإن تفنيد بعض المخاطر لا يقلل من شأن سواها، وذكر كل منها منفردة لا يعني أنها منبتَّة عما سواها في الواقع؛ فالتعليم بذاته شبكة ضمن شبكة أوسع من المخاطر والمهددات التي تتنامى مع الوقت. ومن هنا يأتي التعليم الأجنبي على رأس قائمة المخاطر وأدقها وأعمقها أثراً، ويكفي أنه لم يقع أن اتبعت الأمة بمجموعها سنن أهل الكتاب إلا بعد أن أصبحت مدارسهم تنافس مساجدنا، وقد رأينا من آثاره كيف تساق الأمة سوقاً وتقهر قهراً على اتباع سنن أهل الكتاب حذو القذة بالقذة شبراً بشبر وذراعاً بذراع كما جاءت النصوص، وأن هذا ما كان ليتحقق لولا فتح باب التلقي عنهم والانغماس في سوادهم.. وتحسين مسلكهم.. والانبهار بكل ما يأتي عنهم دون تبصر أو تفكر، ووقوع الفتنة بتوليهم ومحبتهم في مقابل خلع ولاية الإيمان. ونحن بصدد دراسة أهم المخاطر الناجمة عن الوجود التعليمي الغربي في بلادنا للدلالة على ما سواها لا بد أن ندرس أثرها على التيار العام للأمة، وألا نغفل دراسة النماذج الفردية المجلية لأثر التعليم الغربي وإن لم يتح لنا هذا بصورة قوية هنا، لكن تكفي بعض الإشارات الضمنية: الخطر العقدي: ويبدأ هذا الخطر حين تقوم هذه المدارس بترويض فكر الطالب شيئاً فشيئاً ليتشرب العقيدة النصرانية، وتنزع عنه حساسية الفطرة والإيمان، من خلال المناهج، والممارسة التربوية، والنموذج التربوي الذي تقدمه هذه المدارس (المثل الأعلى) ، وشكل البناء؛ فالمدرسة تبنى بجوار الكنيسة أو داخل فنائها، وأسلوب الإدارة، وتعويد الطفل على رؤية الكهنة والراهبات في منزلة التوقير بما يجعل لهم نفسياً سلطة لا شعورية تبدأ بالاحترام وتنتهي بقبول أفكارهم ومعتقداتهم؛ فلا يجد هذا الطفل حرجاً حين يتخرج أن يرتدي لباس الكهان، بل يظل يحلم بهذه اللحظة، وكأن المدرسة تقول له: قد هيأناك لتكون هكذا! ولا حرج أن يدخل كنيسة المدرسة ظهر كل أحد مع زملائه ليستمع إلى درس الأحد، ولا بأس بعدها أن يدخل أي كنيسة ضيفاً أو زائراً أو مهنئاً أو معزياً..! وهو في البداية كما قال هوارد ويلس رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق في بيروت: «التعليم في مدارسنا هو الطريق الصحيح لزلزلة عقائد المسلم وانتزاعه من قبضة الإسلام» . وهو في النهاية كما يقول بنروز رئيس الجامعة الأمريكية أيضاً: «أثمن الوسائل هي التي استطاع المبشرون أن يلجؤوا إليها في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان» . ومن يقرأ تاريخ الأحزاب والحركات الهدامة في العالم الإسلامي في عصرنا الحاضر يلمس دوراً خطيراً للتعليم الأجنبي في تشكيل هذه الحركات وتوجيهها. والمدرسة تبدأ بالطفل خاصة حين يغفل الأبوان عن دورهم في المتابعة، ثم تجعل منها قنطرة إلى أسرته، وهؤلاء تعد لهم المدرسة قائمة طويلة من المناسبات والحجج التي تبدو طبيعية لتوثيق العلاقات، كمجلس الآباء والحفلات الدورية وغيرها من المناسبات، ومن ثم يفتح الباب أمام الكنيسة لتمارس دورها في ربط هؤلاء بحياة الكنيسة، فتشملهم بمجموعة جديدة من الخدمات التعليمية غير النظامية، مثل مدارس القرى، وبرامج التربية الشعبية ومحو الأمية، وبرامج التدريب المهني والحرفي، وتعليم اللغات، والتدريب على الحاسب الآلي، ومجالات السياحة وأعمال مكاتب الطيران، ومراكز تنمية المجتمع، ومراكز رعاية الطفولة و ... وتحاول هذه المدارس مع من يلتحق بها أن تعزله عن التأثر بعقيدته الإسلامية ومحيطه الكبير، تارة بإثارة الشكوك. وأخرى بأساليب السخرية المقنعة والظاهرة.. والتهوين من شأن الإسلام..! وإذا لم يخضع التلميذ وأبدى بعض التمسك كان في انتظاره حزمة من عمليات الحرب النفسية الكفيلة بأحد أمرين: ترك المدرسة، أو عقدة الانطواء؛ ومن ثم تنجح المدرسة في تصوير المتمسك بإسلامه لباقي زملائه على أنه أحد اثنين: إما غير ناجح، وإما معقّد. ثم تكتمل الحلقة حين يلتحق الطالب بإحدى جامعات الغرب أو فروعها في بلادنا؛ فيجد عشرات من الكتب والرسائل التي تطعن في الإسلام طعناً صريحاً، وتخلط بين الإسلام وما سواه باسم الثقافة، ويجد الزوجة التي تكمل معه المشوار، والأستاذ الذي يأخذ بيده إلى آفاق أخرى، ولهذا لا يعجب المرء بعدها حين يسمع عن تنصر بعض هؤلاء سراً أو علناً. وكما تعمل المدارس التبشيرية على ترسيخ قيم الكنيسة التي تنتمي إليها، تعمل المدارس العلمانية على ترسيخ القيم المادية من خلال منظومتها التعليمية؛ حيث تطبق المعايير الرأسمالية البحتة على كل شيء بدءاً من عمل المدرسين وأدائهم، وانتهاء بتقييم الطلاب وتحديد أولويات حياتهم. ومن هنا يزول عجب المرء حين يجد هذا الهجوم الواسع على الإسلام من طوائف واسعة من بني جلدتنا ممن يتحدثون بألسنتنا، وحين يجد الدأب في العمل لخدمة المصالح الغربية على حساب الأمة، حين يعلم المرء أن هذا النتاج هو حصيلة قرن ونصف من العمل الدؤوب في مجال التنشئة. ومعلوم أن الإنسان يحن إلى طفولته وصباه، ومكوناتهما هي أوتار الحس في بقية مراحل العمر.. وتعلق قلب المتعلم في هذه المدارس يعد مقدمة لما بعده. فلا عجب أن يُضمَّن الشعر والنثر عقائد أهل الكتاب، ولا غرابة أن تستورد قوانينهم وأفكارهم حتى بعد إحالتها للتقاعد في بلادها، أو أن يصبح إعلامنا بوقاً لترديد ما يشتهون، ومن لم يدركه أثر التعليم مباشرة أدركته توابعه! وبهذا نجد أن أثر التعليم الأجنبي لا يقف عند حد فرد أو مجموعة وإنما تسري سمومه في جسد الأمة وهي تظن أنها تتداوى. والمتأمل في تاريخ بعض الشخصيات التي تربت في هذه المحاضن يجد أن شؤم التحاق فرد ربما عاد على الأمة كلها بالضرر الكبير، ولدينا أمثلة من حاضرنا تتمثل في أتاتورك رغم أصوله المتصلة باليهود؛ لكن طبيعة نشأته وتكوينه هو ومجموعة الاتحاد والترقي هي التي حركته في الاتجاه الذي سار فيه، و «سنجور» حاكم السنغال السابق الذي نصَّرته مدرسته بينما لا يزال أهله مسلمين وتولت إعداده ليتولى حكم دولة مسلمة بنسبة ٩٩% ويحارب فيها الإسلام، وبعد أن افتضح أمره تفرغ للتنصير، وأقيمت جامعة تحمل اسمه لإعداد المنصِّرين في بلاد المسلمين. وقل ما هو أعظم من ذلك عن إسماعيل باشا خديوي مصر الذي عاد مع أول بعثة من فرنسا وهو يحلم بتحويل مصر إلى قطعة من فرنسا، ودوره الخطير في تمكين أعضاء المحفل الماسوني من حكم مصر، والسيطرة على قطاع واسع من المنطقة العربية، والذي أغدق الهبات على بعثات التنصير الفرنسية المتعاونة مع الاستعمار من الصين إلى أعماق أفريقيا، وقد ورد في رسالة مسيو «بوجاد» قنصل فرنسا في مصر في ٢/٥/١٨٦٩م: «أن إسماعيل منح رئيس أساقفة اللاتين بمصر قطعة أرض مساحتها: ٣٥٠٠ ذراع في موضع حسن جداً (١٥٠ ألف فرنك ذهب) ، ومنح الراهبات إعانة سنوية (٦ آلاف فرنك ذهب) وهبة (٢٠٠ ألف فرنك) ، ومنح أساقفة اللاتين منحة أخرى هي أرض مساحتها ٦ آلاف ذراع» [٤] . وكانت منذ عام ١٨٦٧م قد بدأت مدارس الاستعمار الفرنسي والبريطاني في العمل في مصر، وجميع عملاء الغرب من رجال الخديوي إسماعيل إنما صنعتهم هذه المدارس. لقد كان شؤم هؤلاء الثلاثة على عقيدة الأمة وعلى عافيتها أمراً لا يمكن الإحاطة بمداه؛ لأن تبعاته ما زالت تتوالى علينا، وقد كان جهدهم ناتجاً عن عقيدة نجح التعليم في تشكيلهم عليها. ومن العجيب أن نصارى البلاد العربية أبوا أن يلحقوا أولادهم بالمدارس النصرانية الوافدة وهم أهل دين واحد غيرة على مذاهبهم وحرصاً على أبنائهم، فأقاموا مدارس خاصة بهم. أما المسلمون فلم تأنف منهم طائفة أن يسلِّموا أولادهم إلى هؤلاء وهؤلاء! يقول المبشر «تكلى» : «يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي. إن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية. إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي أمراً صعباً جداً» . لقد حفلت مناهج التعليم الغربي بجهود المستشرقين في الطعن في الإسلام، وتزيين ما عليه عقيدتهم من باطل، وتحسين مناهجهم وسيرتهم، والفتنة بتاريخهم والتأسي بعظمائهم، والفخر بما حققته مدنيتهم من تقدم مادي، والتنكر لكل ما هو إسلامي وعربي.. كل ذلك ما كان ليبلغ مداه لولا التأسيس لها عقيدياً؛ ولهذا نجد أن كثيراً من أفكارهم الشاذة قد انتقلت من كتبهم إلى بطون الدساتير والقوانين واللوائح العربية، وعبرت عن أفكارهم مئات الصحف والإذاعات، وترجمت إلى آلاف الكتب والرسائل، وأقيم من أجلها ما لا يحصى من المؤتمرات والندوات والجمعيات والهيئات، كل ذلك لم يكن ليتحقق لولا الغزو العقدي الذي مني به طائفة من المسلمين خلال تربيتهم في هذه المدارس، ويسهرون على نشره ونصره بين مجتمعاتهم اليوم. الخطر التعليمي والتربوي: إن ما قام به التعليم الأجنبي ابتداء أشبه بإنشاء جدول صغير خاص به، وتحكم فيما يدخل إلى هذا الجدول كما تحكم في مصبه؛ يسقي منه من شاء، ثم أخذ بتوسيع ذلك الجدول شيئاً فشيئاً، ثم عمد مع الوقت إلى تحويل مجرى الماء الأساسي إلى جدوله لينبع منه ويصب في مصبه هو. إن من أخطر ما قامت به المدارس الأجنبية أنها استطاعت أن تضع المعايير التي تقاس بها جودة التعليم وفقاً لمآربها هي، مع أن معايير القياس في تجردها فيها جزء مطلق وجزء آخر تحكمه عقيدة المجتمع، لكن الذي حدث أن المدارس فرضت ذلك من خلال طبع صورة الانبهار بها لدى العقل العربي ابتداء، ثم بتمكين خريجيها من توجيه المجتمعات لاحقاً؛ مما أدى إلى فرض صيغة مأزومة للمعايير التي تحكم سير العملية التعليمية الوطنية بعد أن أحاطتها بسياج من الجمود والتخلف والتبعية. ولو تفحصنا نظرة التربويين إلى عملية التربية لوجدنا أن الأمم الغربية كان لديها حساسية من استعارة معايير خارجة عن المجتمع وظروفه وأهدافه العليا حتى وإن اتفق الطرفان في جزء كبير من العقيدة واللغة والتاريخ. يقول كونانت أستاذ التربية الأمريكي الشهير في كتابه: (التربية والحرية) : «إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنكليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية» [٥] . إن استيراد نظريات التربية الغربية ومعاييرها لا يناسب حال الإنسان المسلم ولا تطلعاته خاصة مع وضوح المفاصلة التي جاء بها القرآن وامتلاء التاريخ بصفحات الكيد والمكر؛ فإذا كانت التربية تعني سعي الأمة للاحتفاظ بنظرية سبق أن آمنت بها، وأقامت عليها حياتها، وجاهدت في سبيل تخليدها.. بنقلها إلى الأجيال القادمة. ومن ثم فهي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها. ووظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكنه من الاحتفاظ بحياة الشعب وتمديدها إلى الأمام « [٦] . ومن خلال هذه الرؤية التي تزداد خصوصية ووضوحاً إذا ما تعلق الأمر بخير أمة أخرجت للناس نرى أن خطر التعليم الأجنبي لم يقتصر في مزاحمته تعليمنا الداخلي الذي أريد له التخلف والقصور، وإنما في كونه أصبح هو الذي يمسك له البوصلة التي تحدد له اتجاهاته ومساراته، وقيمه ومعاييره، وأهدافه ووسائله، وهنا مكمن الداء في أن الاختراق نجح بإشعاعاته أن يقلب كيميائية التعليم في عدد من بلادنا إلى خلايا سرطانية تتغذى بغذاء الجسد وتعمل في ذات اللحظة على هدمه.

стр. 4238

قضايا دعوية قواعد في منهج الدعوة إلى الخير د. فريد الأنصاري [*] مقدمة: العمل الإسلامي أو الإصلاحي، أو الدعوي، في كل زمان وفي كل مكان، يقوم على أصل كلي في الإسلام، وكليته استقرائية ترجع إلى عدد كثير من النصوص القرآنية والسنية. ومن هنا قلَّما تجد حركة إسلامية، سواء في التاريخ القديم أو المعاصر، إلا وهي ترجع إليه، وتؤصل لوجودها به، وذلك هو «أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ، إلا أن النظر في تحقيق مناط هذا الأصل، في ظروف الزمان والمكان، يجعلنا ملزمين بضبط توقيعه بقواعد منهجية، مشهورة عند العلماء، إن لم يحترمها الداعية صار إلى عكس المآل الذي وُضِع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجله. وهي: القاعدة الأولى: في أن (الدعوية) صفة لازمة عن الإسلامية: وهي قاعدة مبدئية؛ ولذلك فإننا ننطلق ابتداء من المقولة التالية: «أنت مسلم إذن أنت داعية» . وبيان ذلك كما يلي: ألست مسلماً؟ إن كنت كذلك حقاً؛ فقد تعلقت بك أهم صفات ما انتسبت إليه من الإسلام: الرسالية. قال ﷺ في أمر مطلق لكل الأمة: «بلِّغوا عني ولو آية» [١] . ومن هنا كان المجتمع الإسلامي حركة دعوية بطبيعته، وجماعة إصلاحية بفطرته. إنه منذ أعلن أن محمدًا رسول الله؛ تقلد بمقتضى عقيدة الاتباع مهمة الدعوة إلى الله، فليس عبثاً أن يحض النبي ﷺ بكل وسائل التحريض والتشجيع على الدعوة إلى الخير والهدى، كما في قوله: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» [٢] . ومن هنا شهادة الله بالخيرية لهذه الأمة، في قوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) إنها صفة عامة في كل من أسلم لله الواحد القهار. ومن هنا كان حديث تغيير المنكر دالاً على العموم، وليس له ما يقيده في المأمورين به إلا شرط الاستطاعة ورتبتها؛ وذلك قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [٣] . وقد بينا في كتيب (الفجور السياسي) مراتب التغيير، وطبيعة كل رتبة منها بما يغني عن تفصيله هنا، فكان أن بينا إلزامية ذلك على كل مسلم على قدر مرتبته من الاستطاعة [٤] . بل قد عزم النبي ﷺ في ذلك عزمة شديدة على المسلم؛ هي أن يتجرد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما حضره. قال ﵊: «إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة؛ حتى يسأله: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت من الناس» [٥] . فالمسلم المستقيم لا يمكن إلا أن يكون داعية إلى الخير. تلك صفته فرداً، وجماعة؛ إذ الرابط الاجتماعي القائم على الشهادتين في الإسلام يقتضي ذلك بداهة. قال : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ٧١) ، فجاءت صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المؤمنين، مقرونة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، وكل ذلك جاء نتيجة الموالاة في الله. تلك صفتهم قبل التمكين في الأرض، وتلك صفتهم بعد التمكين؛ إذ الدعوة إلى الخير هي غاية ووسيلة في الوقت نفسه، تماماً كما تحدثنا عن الصلاة، فالمجتمع المسلم لا يقوم إلا بالدعوة إلى الله، قال : [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: ١٢٥) . وإذا قام كان من أهم خصائصه الدعوة إلى الله، إلى جانب الصلاة والزكاة على سبيل التلازم، فتدبر قوله تعالى: [الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤١) ، ومن هنا رسم الله سبيل الرسول ﷺ صراطاً مستقيماً، يتبعه عليه كل المسلمين، قوامه الدعوة إلى الله على بصيرة؛ وهي سبيل ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، مستقرة كذلك أبداً، قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . فقوله تعالى: [هَذِهِ سَبِيلِي] (يوسف: ١٠٨) جملة اسمية دالة كما هو معروف عند النحاة على الثبات، وثباتها هو على ما جاء بعد لتفسير السياق: [أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] (يوسف: ١٠٨) الآية. وجاء تفسيرها جملة فعلية للدلالة على الحركة، وفي ذلك إشارة إلى ما ذكرناه من خصيصة الدعوة اللازمة للجماعة الإسلامية، قبل التمكين وبعده، وأنها صفة تابعة لإسلام المسلم متى تفاعل مع إسلامه واستقام عليه. ومن هنا جاء أمر الدعوة والإصلاح مقروناً بالأمر بالصلاة، في غير ما آية من القرآن الكريم؛ وذلك على نحو ما في وصية لقمان الحكيم لابنه، في حكاية الله عنه من قوله تعالى: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) ، وقال ﷻ في وصف جميل لمؤمني أهل الكتاب، تناسق فيه جمال تلاوة القرآن قياماً بالليل، مع جمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١١٣-١١٥) . وجعل من سننه تعالى في الخلق أن كان أمنهم الوجودي والنفسي والاجتماعي مرتبطاً باستقامة أحوالهم، وذلك الثبات على الصلاة، والصبر عليها، وحفظ البيئة الدينية الموفرة لظروفها؛ بالإصلاح والنهي عن الفساد. فإذا اختلت تلك الشروط اختل الأمن الوجودي للأمة، قال تعالى يعرض صورة شاملة لإحسان التدين: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٤-١١٧) . القاعدة الثانية: في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الخير أولاً: والخير كل الخير هو معرفة الله، فكل معروف إنما كان كذلك من حيث هو يؤدي إلى معرفة الله أو هو عين معرفة الله، وكل منكر إنما كان كذلك من حيث هو جهل بالله. فإذا اتفق أن كان أمر بمعروف ما ينتج عنه منكر أكبر منه؛ توجه حينئذ وجوب ترك الأمر بذلك المعروف. وكذلك إذا كان نهي عن منكر ما يؤدي إلى ما هو أفظع منه؛ توجه وجوب ترك ذلك النهي إلى حين، كما قرره الإمام ابن تيمية ﵀ في قوله: «وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها. . . فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته» [٦] . وربما كانت الوسائل المستعملة في ذلك سيئة، أو اختيار العبارات غير موفق، أو نحو ذلك من وسائل تحقيق المناط الفاشلة ابتداء؛ مما لم يراع فيه الزمان وأهله، فيؤدي إلى عكس النتائج المرجوة. ومن هنا كانت الآية المشهورة على ألسنة الدعاة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) من ألطف الإشارات إلى هذا المعنى العجيب الذي يجعل المرء يضع نصب عينيه تحقيق مفهوم (الخير) أولاً. فلا عبرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن تحقق الداعي من أنه يخطئ به الوصول إلى الخير. وإنما الخير كما قلنا هو التعريف بالله. هذا معنى عظيم من أسرار كتاب الله. ولذلك فقد جاءت الآية في سياق امتنان الله على المؤمنين بنعمة الإسلام، والتأليف بين قلوبهم، وإنقاذهم من النار، وإرجاع الفضل في كل ذلك إلى الله. فاقرأ السياق كله وتدبر، ثم أنصت إلى قلبك: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (آل عمران: ١٠٢-١٠٥) . إنها آيات تُشَدُّ إليها رحال المصلحين الربانيين. . فتدبر! ألا ما أبعد واقعنا المنحط عن سمائها العالي الرفيع! فالدعوة إن لم تراع أصل الاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق عنه، ولم تنضبط بقصد النجاة من النار، للداعي والمدعو سواء؛ كانت منحرفة عن (الخير) ، وإن كانت في ظاهرها أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، فلا قيمة لهذا إلا إذا صار إلى خير. فتدبر! القاعدة الثالثة: في أن اتباع السنة تزكية وتعلماً وتحلماً هو مفتاح دعوة الخير: لا سبيل إلى كل ما ذكر من بلاغات قرآنية إلا عن طريق اتباع المبلغ: محمد بن عبد الله، رسول الله إلى العالمين. هذه عقيدة، بل أصل من أصولها الكبرى، وكلي من كلياتها العظمى، لا استقامة لشيء من ذلك كله إلا به. وإن شئت فقل: هذا هو البلاغ القرآني الجامع، والضابط الكلي المانع. قال الله : [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (الحشر: ٧) ، وقال سبحانه: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ٣١- ٣٢) . والنصوص القطعية في هذا المعنى كثيرة، فهو أمر لا يماري فيه إلا جاهل بحقيقة الإسلام، أو من لا إيمان له به أصلاً. فإذن؛ كل حديثنا مما كان قبلُ لا يمكن تحقيق مناطه، وتصور تطبيقه إلا من خلال السنة النبوية، وقول النبي ﷺ في هذا واضح وضوح الآيات: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [٧] . لا نقاش في هذا، وما هو بحاجة منا إلى تقرير أو تحرير، وإنما الحاجة في بيان طبيعة الاتباع للرسول ﷺ : كيف؟ هذا الذي تخبط فيه كثير من الناس. وهذا هو مربط الفرس، وبيت القصيد: كيف نتبع السنة؟ وكيف نتأسى بالرسول ﷺ ؟ ذلك أن كثيراً من المتدينين اليوم يسيء للسنة من حيث هو يزعم أنه متبع للسنة، ويحارب السنة من حيث هو يظن أنه ينافح عن السنة. وتلك أم المصائب؛ إذ يصنع الإنسان عكس ما يعتقد أنه يصنعه. لقد اقتصر كثير منهم في السنّة على منهج التعلم دون التزكية، والتحلم. فضلوا وأضلوا. . تدبر قول الله : [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) ، وقوله : [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . فهو ﷺ بتلاوته القرآن على المؤمنين، ومدارسته معهم؛ يقوم بعمليتين اثنتين لا واحدة: التزكية والتعليم، فاقرأ الآيتين وتدبر. . فعجباً، كيف فهم بعضهم من اتباع السنة والتأسي بها مجرد استظهار بعض الأحاديث دون الرحيل إلى أخلاقها، والتزكي بمقاصدها، والانتقال إلى منازلها؟ ! أما التعليم: فهو للحلال والحرام وسائر أحكام القرآن وفقه السنة. وأما تعلم ما تحصل به الكفاية من ذلك لعبادة الله والالتزام بحدوده؛ فهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، في كل ما يهمه من شؤون العبادات والمعاملات. وأما التزكية: فهي التطهير للنفس والتربية لها، [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] (الشمس: ٩-١٠) ، فالرسول الكريم ﷺ كان حريصاً على تطهير صحابته من الأهواء، والارتقاء بهم عبر مدارج الإيمان إلى ما هو (أحسن عملاً) ، من مثل قوله لعبد الله بن عمر: «نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» [٨] . وانظر رحمك الله كيف ذكر (التزكية) قبل (التعليم) في الآيتين، مع أنه لا تزكية بغير تعليم ابتداء، على ما ترجم له الإمام البخاري ﵀ في كتاب العلم من صحيحه قال: «باب العلم قبل القول والعمل» . وقد تقدم ذكر التعليم على التزكية بناء على الأصل في قوله تعالى من سورة البقرة: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) . صحيح أن العطف بالواو في الآيات كما هو في العربية لا يفيد الترتيب، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية؛ ومن هنا جاءت التزكية في الآيتين الأوليين مقدمة على التعليم؛ من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ لشرف الغاية وعلوها، وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية؛ فيضل عنها، ويكون من الخاسرين. تقول لي: وما بال التحلم؟ أقول: ذلك أنه ﷺ ما عَلَّم ولا زَكَّى إلا بحِلْم؛ فهو الخاصية العظمى لمنهج التعليم والتزكية لديه صلى الله عليه وسلم، كما سترى بحول الله. والحِلْمُ: الرزانة، والكياسة، والرحمة، والأناة. وهو ضد الجهالة والسفه. والتَّحَلُّمُ: تخلق الحلم وتكلفه حتى يصير لك خلقاً، ومعنى (اتباع السنة تحلماً) : التخلق بأخلاقه ﷺ في ذلك. أي في حلمه، وصبره على جهالة الناس، وسفههم. قال ﷺ : «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم. ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه» [٩] . إن الاتباع العام للرسول ﷺ في كل شيء، إنما مفتاحه في التحلم بحلمه. وهذا من حيث المعنى في كتاب الله، ألم تقل عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» [١٠] ، فالعود إذن للقرآن نبحث فيه عن معنى الاتباع ومفهوم التأسي. الآية واضحة ظاهرة لكل ذي قلب شهيد، قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، وإنها لآية عظيمة، وحكمة بالغة، وصراط مستقيم؛ تدبر هذه العبارة الربانية: [أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (الأحزاب: ٢١) ؛ فأما الأسوة: فهي التَّخَلُّقُ. فالتأسي: اتباع السيرة والتخلق بما كان عليه المتأسَّى به من خلق عام. والخلق هنا هو كل الأوصاف التي كان يوصف بها في سلوكه وعمله، عدا الأوصاف الجبلِّية التي لا يمكن اكتسابها بالتأسي ولا بغيره. ووصف الأسوة بـ (الحسنة) دليل على علو شأن الخلق النبوي، وكمال سيرته وسلوكه العام والخاص، فهو لذلك كان أرقى نموذج بشري للتأسي والتخلق. أليس هو (رسول الله) المصنوع على عين الله، والمتأدب بأدب الله؟ بلى والله! فإذن من ها هنا يبدأ التأسي والاتباع، ومن أخطأ هذا المدخل للسنة النبوية فقد أخطأها كلها؛ إذ أتى البيوت من غير أبوابها. وتلك شهادة الله لرسوله ﷺ : [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (القلم: ٤) ، تلك هي الأسوة الحسنة؛ ولذلك قال بعد ذلك: [لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ؛ إذ الخلق الحسن هو باب العمل الصالح، وسبب قبوله؛ فليس عبثاً أن يصرح الرسول ﷺ بقوله العجيب: «ليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن» [١١] ، وقوله في نحو هذا أيضاً: «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة» [١٢] ؛ ولذلك فإنه: «لا يكون المؤمن لعاناً» كما صح عن النبي ﷺ [١٣] ، وقال لعائشة أم المؤمنين إذ استغربَتْ منه أنه دارى أحد الناس ممن يكره: «يا عائشة! متى عهدتني فحاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» [١٤] . والقصة كما في صحيح البخاري أنه «استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟» فقال لها ﷺ ما قال. قلت: هذا حديث تشد إليه رحال القلوب، [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) ، وإنه والله سر حُسْنِ الأسوة، وجمالها في رسول الله، فقد قال ﷺ : «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة» [١٥] ؛ ذلك خلق رسول الله، ذلك خلق القرآن، وهو قول الله تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩) ، وقوله تعالى: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . ألا ما أحوج الناس اليوم عامة، والدعاة منهم خاصة إلى استيعاب هذا البلاغ القرآني العظيم. فتعلم من السنة أخي الداعية أخلاق النبوة تكن من الراشدين. ذلك خلقه الجامع المانع؛ ومن هنا جعلنا عنوان هذا البلاغ الضابط لكل ما قبله: «اتباع السنة تزكية وتعلماً وتحلماً هو مفتاح دعوة الخير» ؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث معلماً ومزكياً، وكان كل ذلك منه على منهج الحلم والرأفة والرحمة والأناة. فما أعظمه ﷺ من نبي حليم، ورسول كريم! القاعدة الرابعة في أن الصلوات وحفظ الأوقات عمود الدعوة إلى الخير: لو أدرك المسلمون اليوم ما معنى (الصلاة) ؟ ما تركها واحد منهم إلا من أصر على ضلاله وعماه، أو كزّ على كفره وزندقته! أما أنت أيها الداعية إلى الله؛ فاعلم أن السير الدعوي من غير مسلك الصلاة ضرب في التيه! كل أعمالك في الجهاد، والدعوة إلى الله، وما تستكثره من حركات وسياسات راجع إلى مدى سلامة هذا الأصل عندك؛ قصداً، ووقتاً، وأداء. وإلا فعلى دينك السلام! [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] (النور: ٣٩) . إنك يا صاح! لن تذوق ما الإيمان وما الإسلام؛ حتى ترحل إلى الصلاة تكتشف أسرارها الممتدة إلى بحر الغيب المطلق؛ فترى عجباً. . فهي نتيجة فعلية لكل من تلا القرآن حق تلاوته، إنها أول ما يبادر إليه المحب أول ما يتذوق معنى المحبة؛ إذ يتعرف على جمال الله من خلال القرآن الكريم؛ ومن هنا أمره عز وجل بالصلاة؛ مباشرة بعد أمره تعالى بالتلاوة، على سبيل العطف المباشر المشعر بالتساوي بين الفعلين؛ مما يوحي بانعدام الفرق بينهما لما بين الاستجابتين من ارتباط وثيق. إن من تعرف على القرآن الكريم حقاً لا يملك إلا أن يصلي. قال تعالى: [اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ] (العنكبوت: ٤٥) . اعلم أن العلماء يجمعون على أن الوظيفة الوحيدة للإنسان في الكون هي عبادة الله. فكل حظوظه الدنيوية إنما هي منجرة بالتبع مع أصل العبادة، وإنما أتيح له أن ينال من حظه ما يعينه على وظيفته الأساس؛ وأصل ذلك ومستنده قوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) . إن خلاصة دين الإسلام عقيدةً وشريعةً: هي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، والصلاة منه هي مفتاح كل شعيرة من شعائره، وروحها، وغايتها؛ زكاةً، وصياماً، وحجاً، وجهاداً. . . إلى آخر ما تفرع عن هذه وتلك من سائر أعمال البر. ولذلك كانت الصلوات الخمس بعد الشهادتين هي العنوان الجامع المانع لكل أعمال الإسلام؛ إذ كل ما سواها داخل في معناها، وليس عبثاً أن يعدَّها الرسول ﷺ خير أعمال المسلم، قال ﷺ : «سددوا وقاربوا وفي رواية:» استقيموا ولن تحصوا «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» [١٦] . ولقد فصلنا هذا في غير هذا المكان من كتبنا [١٧] ، لكنا نقتصر ها هنا على ما يفيد السياق. لقد جعل الله الصلاة هي آية المسلم، والعلامة الجميلة التي تميزه في مسيرة التاريخ النبوي، قبل القرآن وبعده، فهي الفصل الذي لا يعرف إلا به، والنور الذي لا يمشي إلا به، قال : [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] (الفتح: ٢٩) ، وإنما اكتسبوا صفتيهم الأوليين: الجهادية [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ] (الفتح: ٢٩) ، والخُلُقية: [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) من كونهم رهباناً بالليل؛ أي قوله: [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) الآية؛ لأن ذلك هو المعين الصافي الذي يتزود منه المسلم الصادق المجاهد الداعية إلى الله؛ بصدق التوجه والسير؛ من حيث إن قوله تعالى: [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) فيه إشارة إلى أن ذلك هو دأبهم وحالهم المستمر في حركتهم التعبدية؛ إذ التعبير باسم الفاعل [رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) يوحي بصورة حية لقافلة المؤمنين وهم منخرطون في حركة الصلاة المتواترة، من غير فتور أو انقطاع، سيراً مستمراً حتى كان ذلك صفة ثابتة لهم، حيثما تراهم [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] (الفتح: ٢٩) . ولذلك كان تشبيه النبي ﷺ الصلاةَ في حياة المسلم التعبدية بالنهر الجاري، قال: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» [١٨] . إن الإسلام في نهاية المطاف هو الصلاة بالمعنى الذي سبق بيانه؛ وعلى هذا الوزن تُقَوّم أعماله كلها يوم القيامة، وعلى ذلك يتحدد مصيره الأخير. .! قال ﷺ في الحديث الحاكم الحاسم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر! وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك» [١٩] . وأوضح من هذا دلالة على ما نحن فيه قوله ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» [٢٠] ، فليس عبثاً إذن أن قدم النبي ﷺ الصلاة في مراتب أعمال ابن آدم على سبيل ترتيب الأولويات: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» [٢١] . إن الأمر يا صاح جدّ! وما بقي لمسلم تَرَك الصلاةَ من إيمانه إلا ما لا يخلده في النار، لا ما ينقذه منها بإطلاق. قال ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» [٢٢] ، وقال أيضاً: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة» [٢٣] ، ومثله قوله ﷺ : «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك» [٢٤] . وهذه الأحاديث وما في معناها تقتضي أن المسلم التارك لصلاته قد شابه الكفار في صفاتهم، فكفر عملاً وإن أسلم عقيدة؛ لأن المسلم إنما يتميز بصفة الصلاة التي هي عنوان إسلامه كما بيناه قبل فمن فقد عنوانه فَقَدَ هويته. ولنعد إلى جمال القرآن الكريم؛ ذلك أن الله تعالى إذ يصف جمال المؤمنين يذكر الصلاة باعتبارها أول وسام نوري بعد الإيمان يشع من قلوبهم، وهو أمر يكاد يكون مطرداً في كل آي القرآن العظيم، يقول المولى الكريم في أول سورة البقرة: [الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (البقرة: ١-٣) ومن أجمل ما ورد في ذلك فاتحة سورة (المؤمنون) ؛ إذ جعل الله أول صفاتهم الخشوع في الصلاة وآخرها المحافظة على الصلاة. وكل أعمال الصلاة من فعل الخيرات وترك المنكرات جعلها فيما بينهما؛ فاقرأ وتدبر. . واحفظها واحدة واحدة: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (المؤمنون: ١-١١) . فالخير كله فاتحته الصلاة، والخير كله خاتمته الصلاة. والخير كله غايته الصلاة، والخير كله وسيلته الصلاة. ومن أعجب العجب أن ألزم الله ﷻ المسلمين بالصلاة إلزاماً؛ حتى في أحرج الظروف وأخطرها: الحرب. . قال ﷻ : [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢٣٨-٢٣٩) . فقوله سبحانه: [فَإِنْ خِفْتُمْ] (البقرة: ٢٣٩) يعني في حال الحرب وانعدام السلم والأمن، سواء لحظة الاشتباك أو لحظة الترقب. وقوله: [فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً] (البقرة: ٢٣٩) أي فصلوا (صلاة الخوف) باصطلاح الفقهاء. وهي عندهم: الصلوات الخمس إذ تؤدى في ظروف الحرب. فتؤدى [فَرِجَالاً] (البقرة: ٢٣٩) ، أي: على أرجلكم، أو [رُكْبَانا] (البقرة: ٢٣٩) ، أي: راكبين خيولكم أو دباباتكم. وقد فصَّل الفقهاء، والمفسرون، وشراح الحديث صور صلاة الخوف وأشكالها؛ بناء على قوله تعالى: [وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً] (النساء: ١٠٢- ١٠٣) . ولصلاة الخوف صور كثيرة معروفة في كتب السنن وكتب الفقه. وإنما الغاية عندنا ها هنا العبرة من الأحكام لا نفس الأحكام؛ وذلك أن الله طلب من المسلم الصلاة على كل حال ما دام عقله سليماً، لا ينقصه جنون أو إغماء أو ما في معناهما. وأحب ها هنا وأرجو أن تصبر علي قليلاً لتعرف حجم هذه الفريضة التي ضيعها كثير من الناس اليوم، ولتعرف حجم الخسارة الواقعة بما ضيعوا؛ أن أعرض لبعض الفقه في صلاة الخوف، ليس لذات الفقه، ولكن لبيان خطورة هذه العبادة في الدين، ومقامها عند رب العالمين. جاء في حاشية السندي على النسائي: «قال النووي: روى أبو داود وغيره وجوهاً في صلاة الخوف يبلغ مجموعها ستة عشر وجهاً. وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. قال الإمام أحمد: أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، ويجوز أن تكون كلها في مرات مختلفة، على حسب شدة الخوف، ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه» [٢٥] . ومن أحرج الوجوه في صلاة الخوف ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو،، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين» [٢٦] . ومن ذلك ما رواه البخاري أيضاً؛ عن ابن عباس ﵄ قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، لكن يحرس بعضهم بعضاً» [٢٧] . ولعل أحرج صورها على الإطلاق أن يصليها كل واحد لنفسه ركعة واحدة بالإيماء؛ وذلك أنه إذا اشتد الخوف، كما هو الحال عند المسايفة، ونحوها من الاشتباك في القتال، يصلي كل واحد لنفسه ركعة واحدة، راكباً أو راجلاً، مقبلاً ومدبراً. قال القرطبي في تفسيره: «واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب، وشدة القتال، وخيف خروج الوقت، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي كيفما أمكن؛ لقول ابن عمر:» فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكباً أو قائماً يومئ إيماء «. قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها» [٢٨] ، وهذه من عجيب صورها. فانظر رحمك الله هل يبلغ شيء من أعذار الناس اليوم ما ذكره العلماء من الشدة والحرج في القتال، ولم يروا مع ذلك رخصة في تركها، أو تأخيرها عن وقتها؟ فعجيب أمر هذه العبادة العظمى. . لا تبرأ ذمة المسلم منها حتى يؤديها. وقد جاء تأكيد ربطها بالوقت في ظروف الحرب كما قرأت؛ حتى لا يؤخرها مسلم عن وقتها الذي فرضها الله فيه. فالحرب، بل الاشتباك في المعركة؛ أي ما يسمى عندهم بـ (المسايفة) ، ليس عذراً لتأخير الصلاة عن وقتها، بله أن يكون عذراً لتركها. وإنما هو يؤثر فقط في شكل أدائها لا في إسقاطها، أو إخراجها عن وقتها. صلّ على أي حال كنت، وخذ حذرك؛ [إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً] (النساء: ١٠٣) ، في السلم وفي الحرب سواء. فإلى الذين يرابطون في أسواق التجارات، أو يرابطون في أسواق السياسات والنقابات، ويفرطون أو يتكاسلون في أداء الصلوات، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ إليكم المفهوم النبوي للرباط! . . قال ﷺ في سياق التنبيه والترشيد: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ! إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. . فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط!» [٢٩] . إنه تفسير نبوي لقول الله تعالى في محكم البلاغ القرآني: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] (النور: ٣٦- ٣٨) . يا حسرة على العباد! . . لو يدركون ما هذه الصلوات؟ . . ويا حسرة ثم يا حسرة! على نابتة من أبناء الحركات الإسلامية، تعددت بهم السبل من هنا وهناك، وتفرقت بهم الأهواء، وانغمسوا في التيه من كل صوب، وأضاعوا هذه الصلوات، خشوعها ومواقيتها وجمالها؛ فصدق عليهم قوله تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ] (مريم: ٥٩) . وإن للسياسة والرياسة لشهوة لو كنتم تعقلون، وإن لأشعة الإعلام وزينة الكاميرات لشهوة لو كنتم تتفكرون، تلك آية فاصلة بين نوعين من الأجيال، بينهما ما بين النور والنار من دلالة، فللآية رهبة عظيمة لو تدبرتها، اقرأها! ها هي ذي كاملة، فتدبر: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياًّ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً] (مريم: ٥٨-٦٠) . فتدبر. . ثم تدبر عسى أن تدرك بذوقك ما هذه الصلوات في الإسلام، وتركب أوقاتها؛ لتدور بفلك العابدين سيراً إلى الله العلي الكبير. فالصلاة هي العبادة التي تدخل من خلالها إلى نسق الكون، في صحبة الكائنات السائرات من النباتات إلى المجرات، لا فوضى ولا عصيان ولا تمرد، [لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] (يس: ٤٠) . . فأين أنت من المدار؟ ذلك نص البلاغ النبوي المستمد من وحي الله رب العالمين. . فاختر لنفسك ما ينجيها إن كنت من العاقلين! القاعدة الخامسة: في اعتماد مجالس القرآن: نسمي «مجالس القرآن» مساهمة في تصحيح ما انحرفت إليه بعض الحركات الإسلامية؛ حيث تحولت مجالسهم التربوية إلى اعتماد كتاب فلان أو علان من التآليف الفكرية البشرية منهاجاً للدين والتدين. وهذا خطر كبير قد بيناه من قبل [٣٠] ؛ إذ بسببه يصيب الدعوات ما يصيبها من أنانية، وذاتية، وشركية نفسية في كثير من الأحيان، إن التربية الدعوية لا يمكن أن تستقيم على التوحيد الاعتقادي والعملي والوجداني إلا بالتعلق المصدري بكتاب الله وسنة رسول الله في المجال التربوي، بالنسبة للمربي والمتربي سواء. وقد تبين مما سبق أن عملنا يقوم على منهج واضح وبسيط: الاعتصام بالقرآن آية آية؛ مصدراً أول للتدين، والدعوة إليه، وبالشمائل المحمدية نموذجاً أعلى للتطبيق. فهو قسمان. وبيان ذلك كما يلي: القسم الأول: اُسْلُكْ نفسَكَ وصاحبك في مجلس من (مجالس القرآن) ، وسرْ من خلالها إلى الله. لا تهتم كثيراً في هذا الشأن خاصة بالتنظيمات والجماعات، فما نحن فيه أعم من وجه بكثير مما هي فيه. وهما أمران لا يتعارضان. لك أن تنتظم فيما شئت منها، ما دام فضلها يغلب على نقصها. ولكن لا تنس (مجالس القرآن) فذلك منهج النبي ﷺ في تلقين صحابته صفات الصلاح، ومقومات الإصلاح. تعلم من القرآن مباشرة دعوة الخير: (يدعون إلى الخير) . تتبع منهج القرآن كما عرضه القرآن: التلاوة، والتعلم والتعليم، والدراسة والتدارس، ثم التدبر. فاجعل مجلسك القرآني على هذه الفقرات الأربع. وبيانها كما يلي: ١ - فأما التلاوة: فبركة وزكاة في نفسها، فقد ثبت الأجر كما بيناه قبل على كل حرف تتلوه من القرآن؛ فلا تنس هذا. والله أمر بالتلاوة للقرآن في غير ما آية، قال : [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً] (الكهف: ٢٧) ، وقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ] (فاطر: ٢٩) . وقال: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ] (آل عمران: ١١٣) ، وقال تعالى: [أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] (المزمل: ٤) ، ثم قال: [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ] (المزمل: ٢٠) . وفي الحديث الصحيح: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران» [٣١] . فاقرأ كما استطعت؛ وتعلم كي تتزكى. فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله ﷺ من التزكية والتعليم، كما مر في قوله تعالى: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] (آل عمران: ١٦٤) . ٢ - وأما التعلم والتعليم: فهو لأحكامه كما ذكرنا. وهو يكون بتحصيل العلم للنفس وتلقينه للغير؛ وذلك لقول الله تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . فقد قُرِئَتْ (تَعْلَمُون) و (تُعَلِّمُونَ) فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها أوْلى: التعلم والتعليم. وأقل ذلك يا صاح! أن تكون أحَدَهما: معلماً أو متعلماً. وقد قال ﷺ : «إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً» [٣٢] ، وقال ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً؛ ولكن بعثني معلماً ميسرا» [٣٣] . ٣ - وأما الدراسة والتدارس: فهو تتبع وجوه المعاني والدلالات للمقاصد والغايات، من كل آية وسورة. ويجمع الثانية والثالثة مما ذكرنا من قوله تعالى: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) ، ويجمع المراحل الثلاث كلها ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون» . . . الحديث [٣٤] . فالتدارس هو أساس التعلم كما في هذا الحديث؛ إذ لا علم إلا به، فأنت تبحث عن وجوه المعاني وتتدارسها؛ لتتعلم أحكامها ومقاصدها. وذكر التدارس أيضاً في الحديث المشهور من قوله ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» [٣٥] . ٤ - وأما التدبر: فهو كما سبق بيانه أنك إذ تقرأ الآيات، وتدرس، وتتعلم تنظر إلى مآلاتها، وعواقبها في النفس وفي المجتمع؛ فتكتسب بذلك من الصفات الإيمانية ما يعمر قلبك، ويثبت قدمك في طريق المعرفة الربانية، ونحو ذلك من المعاني؛ مما فصلناه قبل في محله، فلا حاجة لتكراره. ذلك كله هو أساس التزكية، ومقياس التصفية، ومنهاج التربية، وسلم العروج إلى رضى الرحمن، فاقرأ القرآن، وتدارس، وتعلم، وتدبر. . . حتى يأتيك اليقين. فاصبر على هذا المنهج؛ فإن كل آية تسلمك إلى الأخرى، وتفتح لك باب أسرارها وأنوارها. فتتبع مسالك النور حتى تصل إن شاء الله. ذلك هو الاعتصام بكتاب الله، وأما الاعتصام بالشمائل المحمدية نموذجاً أعلى للتطبيق؛ فهو: القسم الثاني: وهو أن تتبع معالم سَيْرِ رسول الله ﷺ في كل ذلك، وهي مبثوثة في كل كتب السنة وعلومها؛ إلا أن أجمع علوم السنة الموضوعة لبيان هذا المنهج؛ هو (علم الشمائل المحمدية) : وهو علم يبحث في صفات رسول الله ﷺ الخِلْقية والخُلُقِية، وكيفية سيرته مع ربه، وسيرته في نفسه، وفي أهله، وفي أصحابه والناس أجمعين. وإن ذلك لهو القرآن كله مطبقاً، والإسلام كله حيا متحركاً، فادرس من الكتب في ذلك ما شئت ولا حرج، أو اجمع نصوصه من حيثما شئت ولا حرج، وإنما الشرط أن تتحرى الصحة في الخبر. ويكمل بذلك ما أردناه من معنى: (مجالس القرآن) التي كانت هي مجالس الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. خاتمة: ذلك هو المنهج التطبيقي البسيط والفعال للوصول إلى مقاصد البلاغ الرباني، وإيصالها إلى كل إنسان؛ معرفة وذوقاً. فاهتم بالقرآن والسنة، اهتم بترتيل أحكامهم على نفسك وعلى أهلك، ثم على من حواليك من الناس، واسع من أقصى المدينة إلى أقصاها؛ لتذكير المسلمين وغيرهم ببلاغات القرآن. . أعني الأصول الكبرى للدين، اعتقاداً وعملاً، كما بينا وشرحنا، اُطْرُقْ أبواب القلوب، وخاطب فطرتها؛ تجد الأسماع مصغية، والأفئدة واعية؛ عسى أن يجعل الله لك القبول في الأرض والقبول في السماء؛ فتكون إن شاء الله من الصالحين.

стр. 4239

تأملات دعوية تعميم النموذج الشاذ محمد بن عبد الله الدويش النموذج الشاذ يستهوي الأذهان ويأخذ بألباب النفوس؛ ومن ثم فهو مادة سهلة لكثير من المتحدثين إلى الناس وعَّاظاً وخطباء وكتَّاباً؛ فالصور السوية المتسقة مع القاعدة لا تستهوي النفوس ولا تستثير الانتباه، إنما يستثيرها ما يخرج عن القاعدة ويشذ عن الإطار. إنك حين تسير في الطريق تقابلك آلاف المركبات، فلا يلفت نظرك إلا التي لها ما يميزها، أو أصابها عطل أو حادث. وحين تجالس الناس فإن من يفقد حاسة من الحواس يلفت نظرك غير الذي يتمتع بسائر حواسه. وحين يتحدث خطيب أو محاضر لساعات عدة، فتبدو منه كلمة لا تليق فإنها تلفت أنظار الناس أكثر من سائر الكلام الذي قاله. لذا تتوافر الهمم على تناقل النماذج الشاذة والصور الغريبة والحديث عنها، سواء تلك التي في واقع الناس القريب، أو ما في المصنفات والكتب. ومطالبة الناس بالتخلي عن التعامل مع النماذج الشاذة أو دعوتهم إلى عدم الاحتفاء بها، كل ذلك مناقض لطبيعة الإنسان وجِبِلَّته. إلا أنه مما لا ينبغي أن يُقبل أن تؤثر هذه الطبيعة والسمة على مواقف من يفترض فيهم النضج والموضوعية. وثمة صور خاطئة في التعامل مع النماذج الشاذة، ومنها: الصورة الأولى: تعميم النموذج الشاذ وتحويله إلى قاعدة، ومن ذلك الحكم على المجتمعات من خلال صور ومواقف محدودة، ولسان حال هؤلاء كمن يقول: إن الزنا والسرقة والقتل كانت شائعة في عهد الرسول ﷺ ؛ حيث أقيم الحد على طائفة من هؤلاء، أو ما يعمد إليه سفهاء العصر فيختارون نماذج مما صح أو لم يصح من أخبار المجون واللهو المحرم فيصبغون به صبغة مجتمع الصدر الأول. ومن تعميم النموذج الشاذ الحكم على الأشخاص من خلال تصرفات محدودة لها ظروف وملابسات معينة، أو الحكم على الجماعات من خلال تتبع سقطات بعض أفرادها، والتعامل بانتقائية في ذلك. الصورة الثانية: محاكمة النفس أو المستمعين والقراء إلى النموذج الشاذ، وذلك بأن يورد المتحدث خبراً أو خبرين لا ثالث لهما ويعقب على ذلك بقوله: «أين نحن من فلان؟» . إن إبراز مواقف القدوة والتأسي بها أمر مطلوب وله أثره التربوي الذي لا يخفى، وتطلُّع النفس إلى المثل العليا والنماذج المتميزة يعلي همتها، لكن إبراز النموذج على أنه مثل يحتذى ويقترب منه يختلف عن جعله محكاً يحاكم الإنسان نفسه على ضوئه، أو يحاكم الناس إليه. ومن النتائج السلبية للإيغال في ذلك أن يصاب الشخص بالإحباط؛ نظراً لأنه إنما يقارن نفسه بهذه النماذج، وهذا أكثر ما يحصل لدى الشباب، وهم أحوج الناس إلى بعث الأمل في النفوس، وإلى غرس الثقة والشعور بالقدرة على الإنجاز والنجاح. الصورة الثالثة: وهي أكثر ما تحصل في الميادين العملية، فقد نطالب العاملين بمستوى من الأداء محتجين بأننا قد وصلنا إليه، أو أن فلاناً وفلاناً وصلا إلى هذا المستوى. إن غاية ما يمكن أن نستنتجه من هذه المواقف أن الناس يستطيعون أن يصلوا إلى هذا القدر، لكن هذا لا يعني أن كل الناس قادرون على ذلك. إن الناس مواهب وطاقات، وقدرات وإمكانات، وتفاوتهم في ذلك لا يحصيه إلا خالقهم، والتفاوت يشمل الإيمان والتقوى ويشمل القدرة البدنية والقدرة النفسية، والقدرة العقلية ... إلخ. وهذا يعني أن ما يطيقه فلان قد لا يطيقه غيره، وما ينجح فيه قد لا ينجح فيه سواه.

стр. 4240

حوار حوار مع الداعية المغربي فضيلة الشيخ محمد زحل الحركة الإسلامية بالمغرب والعمل الدعوي العام حاوره / الخلافة عبدلاوي [*] تقديم: الشيخ محمد زحل حفظه الله هو واحد من ربابنة العمل الإسلامي بالمغرب؛ بل هو من نوادر قياداته التاريخية؛ إذ يحمل في ذاكرته الحية قدراً مهماً جداً من تاريخ التجربة الدعوية بالمغرب؛ فبالإضافة إلى كونه واحداً من الرواد المؤسسين؛ فإنه ممن أسهموا في تجنيب سفينة العمل الإسلامي الغرق، بعد فتنة الشبيبة الإسلامية في المغرب، وما تبعها من أحداث. إنه من القيادات الدعوية النادرة التي نحسبها جمعت بين العلم والعمل، يتميز بصفاء العقيدة، والحرص على العمل بالسنة، مع فقه واع لقضايا العصر، يتقد حماساً وغيرة على العمل والصحوة الإسلاميين. تنبعث من حديثه ثقة كبيرة بدينه، وعزة إيمانية عالية. يحرص كثيراً على الحديث بلغة عربية فصيحة، جريء في الحق، غير متردد في إبداء أفكاره، سواء منها ما يتعلق بواقع الحركة الإسلامية بالمغرب وتاريخها الشائك، أو ما يتعلق بالصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي بشكل عام. التقته مجلة البيان في مدينة الدار البيضاء المغربية، فكان معه هذا الحوار: ورقة تعريفية: الشيخ الأستاذ محمد زحل من مواليد ١٣٦٣ هـ الموافق ١٩٤٣م، من أسرة كل أفرادها قراء وطلبة علم من قبيلة «مكنافة» إحدى قبائل «حاحا» المعروفة بإقليم الصويرة بالمغرب. - حفظ القرآن على يد والده وعمره ١١ سنة. - تلقى تعليمه الأول بالمدرسة «الجازولية» نسبة إلى محمد بن سليمان الجازولي، ثم بالمدرسة «الهاشمية» تحت إشراف الشيخ البشير بن عبد الرحمن توفيق والد الدكتور محمد عز الدين توفيق، ثم بمعهد تارودانت، ثم بمراكش في التعليم النظامي. - عمل لمدة عشرين سنة بالتعليم منذ سنة ١٩٦٥م. - اشتغل بالخطابة في عدة مساجد، إلى أن تم توقيفه سنة ١٩٨٤م. - يشرف على عدة دور قرآنية. - أصدر إلى جانب الدكتور سعد الدين العثماني وجماعة من الشباب المسلم مجلة «الفرقان» المغربية. - له عدة أشرطة من دروس ومحاضرات. - اشتغل بتأليف الرجال بدل تأليف الكتب. البيان: مرحباً بالأستاذ الشيخ محمد زحل ضيفاً على مجلة «البيان» ، وحبذا لو قدم فضيلتكم لقراء البيان نبذة عن بداية نشاطكم الدعوي، وخاصة دوركم في تنظيم الشبيبة الإسلامية [١] والتطورات التي لحقت بها؟ * بالنسبة للجواب عن هذا السؤال، فلقد تطرقت لبعض من جوانبه في حلقات ضمن جريدة «التجديد» المغربية، رغم أني لم أوفِ بعض الجهات والأشخاص حقهم، فعلاً لما دخلت إلى الدار البيضاء سنة ١٩٦٣م؛ زاوجت بين التعليم والقيام بالدعوة بشقيها: العام في المساجد، ثم جانبها التربوي في البيوت والمقرات والأندية، فتم الاتصال بعبد الكريم مطيع فتم التعاون معه، وأسسنا حركة الشبيبة الإسلامية. البيان: ولكن هل نستطيع القول إنه حدث تطور أو تغير في نظرتكم أو مفاهيمكم الدعوية؛ بحيث نستطيع القول: إنه لو استقبلتم من أمركم ما استدبرتم لبدأتم بداية أخرى؟ * لا؛ فإن بدايتنا كانت جيدة ولله الحمد، فقد كان هناك اعتناء جيد بالتربية، وتكوين مستمر للرجال، لقد كانت المساجد في ذلك الحين ملأى بالشباب، وكذلك كانت الدعوة، أما الآن فلا يشتغل في الدعوة إلا الكهول والشيوخ، وضعف جانب الشباب. لقد كانت الشبيبة الإسلامية آنئذ تتبنى منهج التربية اعتماداً على نظام الأسر والخلايا، أما الآن فقد خَفَتَ هذا. نعم! إن البداية كانت جيدة، وإنما أفسدها التوجه السياسي للقائد «عبد الكريم مطيع» الذي لم يتخلص من النزعة السياسية منذ كان عضواً في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. البيان: ولكن يلاحظ أن مجموعة من رجال تلك الحركة اختفوا عن العمل التنظيمي؛ فما سبب ذلك؟ * في الفترة الأولى كان جل رموز الحركة من رجال التعليم الذين شاركوا في الدعوة وتأسيس الحركة، وعندما وقعت الفتنة، وخرج عبد الكريم مطيع من المغرب وقع خلط كبير في الحركة، وآثر بعض عقلاء الحركة التوقف إلى حين، ولكن ما أسميته اختفاء ليس كذلك؛ فقد كانت هناك مدارسة للعمل الإسلامي وإيجاد البديل لـ «الشبيبة» بمعية الأستاذ عبد الإله بن كيران والأستاذ محمد يتيم، وكانت أول محاولة لإيجاد كيان بديل، فتم اختيار العمل الدعوي العام؛ حيث اخترنا العمل بحرية؛ لأن الداعية على وجه الخصوص، إذا «تحزب تعصب» ، ففضلت أن أكون للمسلمين جميعاً ولا أُحسَب على تنظيم معين، وكل الإخوة يرجعون إليّ في بعض المشورات، ولي علاقات طيبة مع الجميع. البيان: تواري رموز «الشبيبة» سابقاً؛ هل هو راجع إلى رؤيتها للتغيير أم إلى ضعف التكوين التربوي لديها؟ * الشبيبة وقعت في أخطاء؛ فعند غياب القيادة أسندت الأمور إلى شباب صغار أغرار، وكانوا يعبثون بالأمور ويتصرفون في الأمور بالأوامر، فحصلت تناقضات، فيأتي الأمر وعكسه، وأنشئت عدة خطوط؛ فلا تعرف ما المعتمد من القرارات، فآثرنا، ليس الاختفاء والتواري كما ذكرت، ولكن أن نراقب الأمر عن كثب، فتم إنقاذ الأمر بفضل الله، وكان (عبد ربه) من المساهمين في ذلك. البيان: فيما يخص نشأة العمل الدعوي بالمغرب بين الخصوصية المحلية والتبعية المشرقية: أستاذَنا الكريم! هل العمل الدعوي نتاج واستنبات محلي، أم هو تابع للتجربة المشرقية؟ * ليست هناك تبعية؛ فالحركة الإسلامية في المغرب لم تبايع الحركة العالمية، والصحوة الإسلامية ظهرت في وقت واحد ومتزامن، وإن سبقتها شقيقتها في المشرق ممثلة في حركة «الإخوان المسلمين» بمصر، وجماعة «أبي الأعلى المودودي» بباكستان. وجاءت هزيمة العرب سنة ١٩٦٧م، وانهزمت القومية العربية بزعامة عبد الناصر، فصحح الناس المسار، وهو الوقت الذي شرعنا فيه في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، كان الإخوة في الجزائر يباشرون الأمر نفسه، وكذلك الشأن في تونس وغيرها. البيان: إذن، فهي نبتة طبيعية؟ * نعم! ولكننا نعترف بأن الحركة الإسلامية كان لها نوع اعتماد على أدبيات حركة «الإخوان المسلمين» بمصر، مع نوع من التميز عن التجربة المشرقية أو الإخوانية؛ في بعض الجوانب السلوكية المتعلقة بالهدي الظاهر، بالنسبة لنا بالمغرب حسمنا هذه الأمور من بدء انضمام أي شخص للحركة، فيضع فاصلاً بينه وبين سابق أمره وعهد الإسلام، فيتخلى عن كل آفاته السابقة، ولشد ما كان عجبنا كبيراً، عندما يزورنا أخ من المشرق، ويحدثنا عن سبقه في الدعوة، وعلى أنه قضى بالسجن كذا وكذا من السنين؛ فكأن هذا هو المقياس لديهم، فتجده حليقاً، أو مدخناً، أو منتمياً لطريقة صوفية؛ فمنذ البدء حرصنا أن تكون النبتة طيبة ومتميزة في سلوكها ومعتقدها، حتى إن التقيد بالمذهب أو التقليد لا نعيره أي اهتمام في مناهجنا ودروسنا التربوية؛ إذ نأخذ النص من الكتاب والسنة، ولا نأبه بأقوال الأئمة إذا تعارضت مع هذه الأدلة. كما أن البناء العقدي الذي اعتمدناه في الجماعة كان يمتاح من كتب العقيدة الصحيحة ومنها: كتاب «التوحيد» للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، و «العقيدة الطحاوية» ، ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، كـ «الواسطية» ، وأذكر لك أني التقيت مرة الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي أثناء زيارتي له بمكناس، و «الشبيبة» بارزة آنذاك، فسألني عن عقيدتنا فأخبرته بمصادرنا ومعتمدنا في العقيدة، فقال لي: جزاكم الله خيراً. فسُرَّ لذلك، فكان رحمة الله عليه يسلم أنها كتب مفيدة في هذا المجال بالأساس. البيان: ولكن يشاع عن فضيلة الشيخ تقي الدين الهلالي القول ببدعية العمل التنظيمي؛ فهل هذا صحيح؟ * أبداً؛ ليس هذا صحيحاً؛ فقد عايشته إلى حد المخالطة، وكان يتفقدني، كان رأي الدكتور في الحركة سديداً سليماً، وكان جل شبابها يزورونه، بعدما علم أن منطلقها العقدي سليم، فلم تكن له أبداً نظرة سيئة للعمل التنظيمي. البيان: جدلية الدعوة والسياسة: أيهما المدخل الأصوب في منهج العمل الإسلامي؟ بصيغة أخرى: ما الأوْلى: مدخل التربية والتعليم، أم العمل الحزبي السياسي؟ * نشأت الحركة الإسلامية في كل مكان، والمغرب ليس بدعاً في هذا، نشأت للتغيير نحو الأفضل بعدما وجدنا اليسار استفحل أمره، والشيوعية خيبت الآمال، والعلمانية بعد الاستقلال، في مرحلة سابقة كان القادة يقولون: سنعتمد الإسلام وحكم القرآن في التسيير، لكن بعد الاستقلال تبخرت تلك الوعود، وخيبت الآمال؛ فأيما بلد قامت فيه الحركة الإسلامية، فإنها قامت للتصحيح، ولما أنشأنا الحركة، كان هناك مجموعة من الجمعيات، كجمعية «أنصار الإسلام» في الستينيات، وسرعان ما خَبَتْ، ثم «جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بالمغرب الشرقي، وكان لهذه الأخيرة أسلوب يستفز بعض المسؤولين، وسرعان ما توقفت، وظهرت جماعة «التبليغ» سنة ١٩٦٣م بأصولها الستة المعتمدة، وأصحابها يقومون بنوع من التربية فيه قصور، فإن كان المتعاطف أمياً وعامياً ساير تلك الأصول الستة، وإن كان مثقفاً احتاج إلى المزيد، وهؤلاء ضيقوا ذلك في أصول ستة. والحركة الإسلامية بالمغرب نشأت لتقوم بدعوة شاملة للإسلام بجميع جوانبها التربوية والاجتماعية، والاهتمام بشؤون الدين والدولة، أو شؤون الدين والسياسة ... وأخذ الإنسان بالتزام الإسلام في جميع شؤونه؛ فهي لا تقول: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر؛ فقيصر في تصورها هو نفسه لله. البيان: بعض المراقبين يقولون إن الحركة الإسلامية ذات صبغة سياسية وليست حركة دعوة إشعاعية؛ فكيف تفسرون هذا الرأي؟ * الإسلام كما سبق أن ذكرنا لا يعرف هذا الفرق وهذا الفصل، لا يعرف ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بل الكل لله، وهؤلاء يريدون أن يحتكروا السياسة وحدهم. البيان: كيف تنظرون إلى معادلة الفقيه والسياسي، من الأول: هل السياسي قائد والفقيه ناصح ومستشار، أم الفقيه والعالم هو القائد والسياسي منفذ؟ * السياسي والعالم أو الفقيه هو واحد وكل؛ فيجب ألاَّ نفرق بينهما بمقتضى المنهج العلماني؛ بل الواجب أخذ الأمر في شموليته؛ فلا نمنح مقاليد أمور الدين والدنيا لسياسي جاهل بالدين وبالإسلام، والمطلوب من السياسي أن يسير على شرع الله في سياسة الرعية. البيان: وماذا عن العمل السياسي؟ هل يصح القول: إنه الوصفة أو المفتاح للإصلاح والتغيير؟ * قلت لك في السابق: نحن دعاة قبل أن نكون طلاب حكم. نحن هدفنا أن يكون المسلم العامل يعمل لتأسيس القاعدة التي تطالب بحكم إسلامي ثم لا يهمنا أن نحكم نحن أو غيرنا؛ فغايتنا أن نعبِّد الناس لله، وأن نربطهم بالإسلام. من جهة أخرى ما نستطيع الوصول إليه بالتنفيذ لا نصله بالوعظ؛ فمرسوم ملكي بتحريم الخمر أكبر من مئات الخطب؛ فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما اشتهر عن عثمان ﵁، ولا يهمنا الحكم، ويجب ألا يأخذ وقتاً كبيراً من عملنا وتفكيرنا. البيان: هذا يعني أن المدخل التربوي التعليمي هو الأول؟ * ليس كذلك؛ كل من الأمرين وارد؛ فقد كان هناك برنامج مرحلي، كل مرحلة تسلم لأخرى في تكامل منسق. البيان: ما الذي تعنونه ببرنامج مرحلي؟ هل يعني ذلك أن للتربية مرحلة، وللعمل السياسي مرحلة أخرى منفصلة؟ * لا.. بالنسبة للعمل في عمومه، تتم مراحله بشكل متناسق ومتكامل؛ بحيث تنجز جميعها جنباً إلى جنب، وذلك يحتاج إلى مهارة في التوجيه؛ بحيث لا تطغى واحدة منها على الأخرى؛ إذ كل غلو في الجانب السياسي مثلاً تظهر آثاره جلية في الجماعة، بصورة شاذة. ولذلك فإني أرى أن لا يوجه للعمل السياسي إلا النخبة الصالحة التي تلقت تربية وتكويناً عاليين؛ بحيث يستطيع هؤلاء المحافظة على ذلك التوازن المنشود بين المراحل جميعاً. البيان: كثرة المعاهد والدور القرآنية والدينية، كيف تقوِّمون انتشارها؟ وهل ترون أن المناهج المتبعة فيها تحقق الأهداف التي أنشئت لأجلها؟ * بالعكس؛ أنا أرى ضحالة وقلة في إنشاء المعاهد الشرعية ودور القرآن، إلا أن تكون تشير إلى الجانب المراكشي في القضية؛ فهذا شيء آخر؛ فقد أتى عليّ حين من الدهر وأنا أصيح حتى بحت حنجرتي بأن الدار البيضاء مثلاً تعرف مؤسسات تبشيرية، ولكل دولة من يمثلها في هذه المؤسسات من حيث الأفكار والمعتقدات، غير القرآن وللأسف فلم نعد نرى تلك «الكتاتيب» الخاصة بتحفيظ القرآن كما كانت في الستينيات؛ وذلك راجع إلى ميل الناس إلى التعليم العصري وإلى «التوظيف» . وما تسميه زخماً وكثرة، أسميه ضحالة، نعم! بفضل الله ثم بجهود المخلصين بدأت تظهر بعض المراكز، وهي بالدار البيضاء لا تتجاوز العشرين، أشرف شخصياً على ثمانية منها، لكنها مستقلة تعتمد على إمكاناتها الذاتية لا إلى منح خارجية، وهذا خلاف الخط المشهور بمراكش الذي هو عالة على دول أخرى، واهتمامنا أن ننشئ معهداً قرآنياً، ونحن حريصون على استدراك القصور الذي يعتري مناهجنا؛ فإذا كانت بعض الدول الإسلامية تمثل فيها المواد الإسلامية ٨٠%، فإن برامجنا الدراسية بالمغرب لا تصل هذه المواد فيها إلى ٢%؛ مما يفرض على الحركة الإسلامية تدارك هذا القصور بتشجيع إنشاء مدارس قرآنية إلى جانب تلك المدارس العصرية أو «الحرة» كما تسمى، فإذا لم يتحقق ما يسد النقص فإن الحركة تكون آثمة؛ لأن الدولة والدعوة تتعطل بانعدام مناهج وبرامج شرعية. البيان: إذن فأنتم مطمئنون لهذه المعاهد وهذه الدور؟ * نحن نتبنى منهج تحفيظ القرآن الكريم، وإنشاء المعاهد الشرعية، وهذا المنهج هو الكفيل بدحر الفكر اليساري، ومقارعة الفكر العلماني الذي نعاني من حربه وتهميشه للشعوب الإسلامية، والمؤهلون لهذه المواجهة هم المتخرجون في هذه المعاهد والمؤسسات القرآنية. البيان: ارتباطاً بالعلمانية نرى أنها ساهمت في انحدار الأخلاق وترديها؛ فما هي الوصفة العلاجية التي تقدمونها للخروج من هذه الوهدة؟ * طبعاً؛ العلمانيون واليساريون والشيوعيون، هؤلاء مناهضون للدين لا ننتظر منهم أن يكونوا دعاة فضيلة وأخلاق؛ فركوب موجة الفساد هو سبيل وجودهم؛ فهم يركبون على نوازع الناس وشهواتهم ليستميلوهم؛ فهم يمارسون وظيفتهم، ولهم علاقات مع دول أجنبية، وتأتيهم تعاليمهم من الدول الكافرة اليهودية والنصرانية لتمييع المجتمع وتدمير الأخلاق، والقضاء على العقيدة؛ فالواجب أن نلوم أنفسنا؛ إذ لم نوجد وسائل للوقوف أمامهم، والتربية الدينية في الأسرة والمدارس الشرعية وسائل لمواجهة هذا الانحلال وهذه العلمنة؛ فتكثيف التربية على الأصعدة كافة بالدرس والمحاضرة والدعوة؛ كلها وسائل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما يعبث به المارقون والملاحدة والعلمانيون. البيان: بالنسبة لمدى تأثير الدعوة في البادية والمدينة بالمغرب، ألا ترون أن البادية أكثر قابلية للتدين خلاف المدينة التي طغت عليها أنماط الحياة العصرية؟ * بل العكس هو الممكن؛ إذ في المدن يتنفس الناس نسمات طيبة بوجود مساجد كبيرة، ودعاة وحركة؛ بينما البوادي والأرياف - كما يسميها إخواننا المشرقيون هي مهمشة ومحاصرة ولا يستطيع أحد التحدث في المساجد؛ فهي تشكو فقراً دعوياً، والناس يعيشون جهلاً في كل الأمور في شعائرهم؛ فلا يعرفون لماذا خلقوا، ولا نبرأ من المسؤولية نحن معاشر الدعاة كما لا نبرئ الدولة؛ لأن من أولى أولويات الحاكم المسلم أن يهتم بدين الأمة ودنياها، فيجب ألاَّ نحصر اهتمامنا بالأرياف والبوادي في مساعدتهم على العيش ولا شيء غير ذلك، بل تعريفهم بربهم وتقوية صلتهم به، وانتشالهم من أمراض الفقر والجهل وغيرهما. البيان: عُرِفَت الدار البيضاء بقيادتها للعمل الدعوي في فترة السبعينيات والثمانينيات عبر الشريط، ولكن هذه الريادة انحسرت؛ فإلامَ ترجعون ذلك: هل لأسباب ذاتية؟ أم سياسية؟ أم لأشياء غير هذه وتلك؟ * نحن المسلمين نفتقد النظام؛ تجد العالم أكاديمياً، ولا تجد له أي مؤلف بدعوى الاحتساب. فرطنا في الاحتفاظ ومن ثم الاستفادة من كثير من الدروس، وأوكلنا للعوام التكفل بجمعها، والعامي لا يعير ذلك اهتماماً؛ فهو يسجل اليوم ما يشاء ويمحوه غداً. ومن نتائج ذلك أن الدعوة أصابها فتور، ودخلتها فتن بسبب ما يسمى «بالخط السلفي الجديد» ، فصار الاهتمام الدعوي قاصراً على جوانب معينة، وضعف الاهتمام بدور الشريط السمعي. وأقول لك وخذها مني: إن رواج الشريط، ورواج الكتاب الإسلامي رهيان بحركية الدعوة ونشاطها، ورهيان بوجود دعاة على المستوى المطلوب؛ فنشاط الدعوة العامة يجعل الناس شغوفين بالكتاب والشريط الإسلاميين، والعكس، فوجود اهتمامات تافهة يؤثر على الدعوة، ويساعد في انكماشها وانحسارها. البيان: عرف العمل الإسلامي نخبة من العلماء الأجلاء كانت تمثل الجدار الضابط الواقي للصحوة الإسلامية، لكن الموت أخذ يتخطفهم تباعاً، ألا تخافون على مستقبل العمل الإسلامي؛ ارتباطاًً بوجود خلف مترهل علمياً ومعرفياً؟ * لست متشائماً. حقيقة إن العلماء الكبار الذين فقدناهم كان لهم دور كبير في ترشيد الصحوة الإسلامية وتوجيهها، كالشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه، وغيرهم كثير، ومع ذلك نقول: «إن للبيت رباً يحميه» ، فأعمالهم ومؤلفاتهم لم تمت ولم تعدم، وتلامذتهم موجودون، وسلامة الدين لا تناط بشخص أو عدة أشخاص، فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجة؛ فالله سبحانه قضى للشباب وغيرهم أن يحترموا علماءهم ويقدروهم، والأمة لا تُترك هملاً. البيان: إلامَ تُرجِعون ضحالة التكوين لدى الخلف خلافاً لأولئك العلماء؟ * هذا له أسباب كثيرة؛ فنحن في عصر السرعة، وتكوين أولئك السابقين كان متيناً؛ لأنه ارتبط بنظرتهم وحبهم للعلم الذي ملك عليهم حواسَّهم وذواتهم، وكانوا يحتسبون طلبه لله، ففرق بين من درس العلم للعلم ولله ، ومن درسه ليقضي به وطره، ليصبح قاضياً، أو مأذوناً أو أستاذاً.. ولهذا يكون تكوينهم سريعاً، كالدجاج المدجن العصري، ويكون هشاً. وحينما تكون عندنا حركة علمية، ويكون التنافس في طلب العلم فسيعود الأمر إلى نصابه، ويكون لنا مثل أولئك العباقرة، وما دمنا نحصر اهتمامنا في حفظ متون نقضي بها وطر الامتحان ثم ننساها؛ فإننا ننتج أمثال هذا الخلف المترهل علمياً ومعرفياً. البيان: وكيف السبيل لتلافي هذا الأمر؟ * أنت لفت نظرك في السابق كثرة المدارس القرآنية، وأنا أزعجني قلتها؛ فالقرآن وقع له إهمال بسبب توجيه العائلات المسلمة أبناءهم للتعليم العصري ودراسة العلوم المادية؛ فتم الإقبال على المدارس العصرية من أجل الدنيا و «الوظيفة» ، وقضى الله أن أفلس هذا التعليم سواء من حيث مردوده العلمي أو نتائجه من جحافل المعطلين المجازين، فحدث من بعض هؤلاء رجوع وصحوة لحفظ كتاب الله، مدركين أن ما معهم من العلم لا يساوي الجهد المبذول فيه، فترى من يحمل شهادات عليا يبحث عمن يأخذ عنه العلم، وهذه ظاهرة صحية تستحق التثمين، وظهرت مدارس قرآنية بالدار البيضاء والشمال، وعاد الناس إلى التعليم العتيق، وفتح «الكتاتيب القرآنية» ، وهذا يصحح المسار. البيان: ولكن، ماذا حول تشرذم الحركة الإسلامية؟ * التعدد التنظيمي قد يكون ظاهرة صحية إذا كان وجوده يثري الإسلام، وكل شُعبة تقوم بجهد: فواحدة للفقه الإسلامي، وثانية لتصحيح العقيدة، وثالثة للعمل الاجتماعي. فهذا إثراء خاصة إذا كان هناك تنسيق أو على الأقل سكوت بعضنا عن بعض، أما إذا كان الفرقاء الكلُّ يسفه الآخر، والكل يقول أنا أو الدمار، فهذا خطر على الدعوة وعلى الصحوة. البيان: يشاع حالياً مصطلح «التجديد» ؛ فما هو القول الأصح: تجديد الدين، أم تجديد التدين؟ * في الحقيقة الدين لا يجدَّد؛ فنصوصه قطعية وثوابته قارَّة، والتجديد المقصود لدى مفكري الصحوة الإسلامية هو تجديد صلة الناس بالدين. عندما يصاب التزام الناس بفتور وتقليد، فيأتي المصلحون يرجعون الناس ويرشدونهم إلى المناهل والمنابع الصافية للكتاب والسنة، حتى لا يكون الدين ثقافة أو متاعاً عقلياً، بل ممارسة حياتية. هذا هو المقصود بالتجديد؛ فالدين لا يجدَّد؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أنزل الله سبحانه عليه: [أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) فما لم يكن ديناً في ذلك الوقت كما قال الإمام مالك ﵀ فلن يكون اليوم ديناً، والذي يجدَّد هو صلة الناس بالدين وأثره في سلوكهم وتوجيه حياتهم. البيان: فما هي إذن القضايا الكبرى التي ترون أن لها الأولوية في هذا التجديد؟ هناك أولويات في هذا التجديد ولا شك. بداية علينا التركيز في هذه المرحلة على ما يمتِّن صحة المعتقد؛ لأن البناء الذي يراد له الاستمرار يجب أن يبنى على أسس متينة، والبناء المؤسس على جرف هار فمآله إلى زوال وانهيار، وهذا مبدأ أول لكل جماعة أو حركة؛ فالقرآن الكريم ركز عليه في الفترة المكية التي امتدت ثلاث عشرة سنة، وليس من العبث أن يتم هذا التركيز في ساحة كان للنِّحَل والملل فيها نفوذ؛ فكان من المفروض تمحيص العقيدة لتتجلى. ثانياً: ضرورة ربط الناس بالدين حتى يمارسوه عملياً. ثالثاً: السعي لتقليل الآفات الاجتماعية والانحرافات التي تقضي على فضيلة، ثم بعد ذلك يتم ولوج آفاق أخرى. البيان: كيف تقوِّمون مسيرة العمل الإسلامي من النشأة إلى اليوم؟ * رة الحماس التي عرفها العمل الإسلامي في السبعينيات إلى الثمانينيات هدأت؛ وللحقيقة نعترف بأن الذين يملؤون المساجد في تلك الفترة هم أنفسهم لم يزيدوا إلا ما شاء الله، وهذا يجعلنا ننظر إلى الدعاة بنوع من الريبة. إذا استحضرنا حوار هرقل مع أبي سفيان عندما سأله عن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لأبي سفيان: «هل يزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحدهم سخطاً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أجاب أبو سفيان: لا» . ولكننا عندما نلتفت في خطب الجمعة، وفي المساجد، ولا نجد إلا تلاميذنا، وجلهم صاروا كهولاً وشيوخاً، ثم لا نجد العدد الهائل من الشباب والمراهقين؛ فهذا يوضح لنا حقيقة أننا أمام آفة خطيرة يجب أن تعالج؛ لأنها تنعكس على قصور الدعاة والحركة الإسلامية، ويؤكد أنها لم تعد تهتم بالتنظيم وضم أفراد جدد، ولكنها تهتم بأمور أخرى كالبرلمان والانتخابات ... وهذا شيء لا يريحني شخصياً. البيان: في المغرب هناك ثنائية الأصالة والمعاصرة، وبعض الآراء تُرجِع عدم نجاح التنمية، أو الحداثة بالمغرب إلى الإسلام والمسلمين؛ فكيف تنظرون إلى هذه القضية؟ * هذا رأي خاطئ ما في ذلك شك؛ فليس كل شيء يقبل الحداثة والعصرنة؛ فالحداثة والعصرنة من شأن حضارة الأشياء، وليست من شأن حضارة القيم. فالقيم فيها الثابت وبعضها ذات لبوس اجتماعي استحدثها الناس نسبة للعرف، وهذه يمكن تجديدها، لكن العقائد هي أصول ثابتة؛ فإذا أراد هؤلاء بالحداثة تحضير الأشياء وتجهيز البيت بالتلفاز أو الكمبيوتر، وكل بيت فيه هاته الأشياء نقول إنه متحضر ولو كان أهله منحرفين. فإذا أرادوا منا تطوير الأشياء والإبداع المادي فنحن معهم، أما إذا أرادوا منا أن ننشغل بالحداثة وتحضير الأشياء، ونقضي مع ذلك على القيم؛ فنحن ضد هذا الرأي. البيان: هل تقصد ضد التنمية؟ * ليس هذا؛ بل ضد الرأي السابق، أما التنمية فهي مطلب إسلامي؛ فالله خلق الإنسان لعمارة الأرض وتنميتها [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] (هود: ٦١) ، وعمارتها تتم بحركة الإنتاج، وأناط بالإنسان ذلك التكليف، وهيأ له ما يمكنه من تطوير عيشه وحياته. البيان: يؤخذ على بعض الإسلاميين في نظرتهم لهذه الثنائية النزوع إلى نوع من التوفيق يسميه بعض المراقبين والمفكرين بالتلفيق؟ * ينبغي لنا في دعوتنا وعملنا الإسلامي ألا يستفزنا الآخر. نحن لسنا في الساحة لنرضي زيداً أو عمراً، أن نرضي فرنسا أو أمريكا أو الغرب وحداثته، أو بني جلدتنا من المنافقين والعلمانيين، إذا فعلنا هذا، فلسنا أهلاً لنحيا ونعيش. يجب أن تكون لنا مبادئنا وقيمنا ونتحرك وفق ضوابط وقواعد شرعية، ونعي جيداً العلاقة بين وجودنا وما يراد منا؛ فالله سبحانه خلقنا لنعبده، فعلينا أن نربط الناس بربهم ونجدد صلتهم بالله ليسيروا على هدي عقيدتهم، أما إذا أردنا أن نرضي كل ناعق، كلما انتقدنا إنسان نقول له: نحن لسنا كذلك؛ وأنا شخصياً ضد جلوس مسلم مع شيوعي بدعوى السياسة؛ فالدين دين، والإسلام إسلام، أما أن ألفِّق وأرقِّع فهذا ما لا أحبه. البيان: هل من اقتراحات لترشيد الحركة الإسلامية؟ * أن تبتعد عن النخبوية أكثر، وتتجه نحو التغلغل في جميع القطاعات الشعبية سواء الفلاحية، أو الصناعية، أو التجارية، مع عدم إهمال الجانب التنظيمي؛ فقطع الروافد يعني الزوال. البيان: كلمة أخيرة: * أشكر مجلة البيان ودورها في إثراء الثقافة والفكر الإسلاميين، ومساهمتها في تقويم الصياغة والبيان العربيين.
следующие страницы →