← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

دراسات في الشريعة واجبات الأمة نحو السنة جلال راغون [*] من الملاحظ في عصرنا وجود طوائف مختلفة تسيء إلى السنة النبوية؛ فطائفة لا تتثبت عند استدلالها بالسنة مما يقودها إلى أن تستدل بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بدون علم، وطائفة ثانية تسيء فهم السنة النبوية بتأويلات فاسدة لا تستند إلى علم، وطائفة ثالثة تدعو إلى الاستغناء عن السنة وترك العمل بها لأسباب أوهن من بيت العنكبوت. ولا شك أن هذه الطوائف أساءت إلى الإسلام وساهمت في إبعاد الأمة عن دينها الذي يعتبر مصدر عزها وقوتها. وفي هذه الدراسة المتواضعة سألقي بعض الأضواء على واجبات الأمة نحو السنة؛ فعساها إن قامت بها أن تسترجع عزتها، وما ذلك على الله بعزيز. وسأتناول الموضوع من خلال أربعة مسائل: ١ - بيان مدلولات السنة لغة واصطلاحاً. ٢ - بيان الواجب الأول نحو السنة وهو التثبت والتمحيص. ٣ - بيان الواجب الثاني نحو السنة وهو حسن الفهم. ٤ - بيان الواجب الثالث نحو السنة وهو الالتزام والعمل. أولاً: تعريف السنة لغة واصطلاحاً: للسنة لغةً عدة معان [١] منها: - الطريقة والسيرة سواء كانت حسنة أو قبيحة، ومن هذا القبيل قول خالد بن عتبة الهذلي: فلا تَجْزَعَنْ من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ سُنَّةً من يسيرها - الطبيعة والسجية. وبه فسر بعضهم قول الأعشى: كريمٌ شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السنن واصطلاحاً يختلف مدلول السنة من علم لآخر [٢] : فالسنة في علم الحديث هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول وفعل وتقرير ووصف وسيرة سواء كان ذلك قبل مبعثه أو بعده. والسنة في علم أصول الفقه هي ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول وفعل وتقرير بقصد التشريع؛ فهي بهذا المعنى مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. والسنة في علم الفقه حكم من الأحكام الشرعية؛ فهي مرادفة للمندوب والمستحب؛ فالسنة ما يطلب فعله على وجه الترغيب بحيث يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. وهناك استعمالات اصطلاحية أخرى للسنة منها إطلاق السنة على العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف الأمة، والرد على عقائد المبتدعة، ومن هذا القبيل الكتب التي سميت باسم السنة ككتب عبد الله ابن الإمام أحمد، وابن أبي عاصم، والخلال، ﵏ جميعاً. بعد هذا البيان فالمقصود بالسنة في هذه الدراسة هو المعنى الأصولي أي السنة باعتبارها مصدراً للأحكام الشرعية. ثانياً: واجب التثبت والتمحيص: أول واجب على الأمة نحو السنة هو التثبت والتمحيص؛ إذ من المعلوم عند أهل العلم أنه ليس كل ما ينسب إلى رسول الله ﷺ فهو صحيح، بل هناك أحاديث ضعيفة وموضوعة، ومن ثم يجب تصفية السنة من هذه الأحاديث المردودة حتى لا ننسب إلى الرسول ﷺ ما لم يصدر عنه. وقبل أن أذكر أين يتجلى واجب الأمة في عصرنا نحو السنة بالنسبة للواجب الأول، أود أن أقدم صورة مجملة عن بعض جوانب جهود علماء الأمة في العصور السابقة نحو هذا الواجب، وسأقتصر على جانبين: الجانب الأول: علم مصطلح الحديث: وهذا العلم وضع بالأساس لتمحيص السنة وتمييز ما ثبت منها مما لم يثبت، وهو خلاصة علوم كثيرة على رأسها علم العلل، وعلم الجرح والتعديل، والدارس لهذا العلم يعلم المجهودات الضخمة التي بذلها المحدثون لتصفية السنة وصيانتها، فجزاهم الله عن الإسلام خير الحزاء. الجانب الثاني: علم تخريج الأحاديث: لما انتشرت السنة في مصنفات كثيرة وفي علوم مختلفة، ولم يقم كثير ممن ذكر الأحاديث في تآليفه بواجب التمحيص بعزو الأحاديث إلى مصادرها وبيان مرتبتها من حيث القبول والرد، كان لزاماً على علماء الحديث أن يقوموا بواجبهم بتخريج تلك الأحاديث وبيان مرتبتها حتى لا يغتر بها من لا علم له، وهكذا ظهرت وانتشرت كتب التخريج عبر العصور وما أكثرها. فهذه لمحة سريعة عن جوانب قليلة مما بذله علماء سلف الأمة نحو السنة بالنسبة لواجب التثبت والتمحيص. فما هو واجب الأمة في عصرنا الحاضر؟ حسب رأيي المتواضع وباختصار شديد يتعين على الأمة إيجاد مؤسسة علمية متخصصة على صعيد العالم الإسلامي مهمتها الأساسية جمع السنة ثم تمحيصها ونقدها من طرف أهل الاختصاص، وهذا العمل يتطلب إمكانيات بشرية ومادية ضخمة؛ إذ المطلوب جمع جميع الأحاديث الموجودة سواء في المصادر المطبوعة أو المخطوطة، ثم دراسة أسانيدها دراسة نقدية مما سيسفر عن إصدار موسوعتين للسنة: الأولى: موسوعة السنة المقبولة، والثانية: موسوعة السنة المردودة. ولا شك أن الأمة في عصرنا تمتلك الإمكانيات لتحقيق ذلك، وقد أنشئت في بعض الأقطار الإسلامية مراكز لخدمة السنة النبوية، فالمرجو أن تكون تلك المراكز اللبنة الأولى لإنشاء المؤسسة المنشودة على صعيد العالم الإسلامي؛ إذ تحقيق هذه الأمنية يتطلب المساهمة من جميع الأقطار الإسلامية. ثالثاً: واجب حسن الفهم: بعد القيام بالواجب الأول وهو التمحيص والتصفية يأتي الواجب الثاني وهو حسن فهم السنة النبوية، وقد بين الرسول ﷺ أن العلماء الصالحين سيقومون بهذا الواجب وذلك في قوله ﵊: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» أخرجه ابن جرير، وتمام في فوائده، وصححه الحافظ العلائي، وابن القيم وغيرهما [٣] . وقبل أن أذكر أين يتجلى واجب الأمة في عصرنا بالنسبة لهذا الواجب سأقدم نظرة مجملة عن بعض المجهودات العلمية التي قام بها علماء الأمة في العصور السابقة نحو هذا الواجب، وسأقتصر على أربعة جوانب: ١ - علم غريب الحديث، وهو العلم الذي يشرح الألفاظ الغامضة الواردة في متن الحديث، وهذا العلم لبنة أساسية في حسن فهم السنة النبوية، وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن حرف من الغريب فقال: «سلوا أصحاب الغريب؛ فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئ» [٤] . والمصنفات في هذا العلم كثيرة من أشهرها (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير المتوفى سنة ٦٠٦هـ. ٢ - علم مختلف الحديث، و «هو العلم الذي يبحث في الأحاديث التي ظاهرها متعارض، فيزيل تعارضها، أو يوفق بينها، كما يبحث في الأحاديث التي يشكل فهمها أو تصورها، فيدفع إشكالها، ويوضح حقيقتها» [٥] ، ويعرف أيضاً بمشكل الحديث، وهو من أهم العلوم التي وضعت لحسن فهم السنة النبوية. من أشهرها ما ألف فيه (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ، و (مشكل الآثار) للطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ. ٣ - علم ناسخ الحديث ومنسوخه. والنسخ كما عرفه الحافظ ابن حجر رحمه الله هو: «رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه» [٦] . ومعرفة ما وقع فيه النسخ من الحديث النبوي من أهم ما يساعد على حسن فهم السنة النبوية. مَرَّ الإمام علي ﵁ على قاصٍّ فقال: «تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت» [٧] ، ومن أشهر ما ألف في هذا الفن: (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) للإمام الحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ هـ. ٤ - علم أسباب ورود الحديث، «وهو ما ورد الحديث متحدثاً عنه أيام وقوعه» [٨] ، ومنزلة هذا العلم من السنة كمنزلة أسباب النزول من القرآن، «وهو طريق قوي لفهم الحديث؛ لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» [٩] ، وأوسع كتاب ألف فيه هو (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف) لابن حمزة الدمشقي المتوفى سنة ١١٢٠هـ. فهذا بعض ما قام به العلماء في العصور السابقة نحو السنة لحسن فهمها. فما هو واجب الأمة في عصرنا الحاضر؟ في رأيي المتواضع يتجلى هذا الواجب بالأساس في إخراج (موسوعة فقه السنة) التي تعتبر امتداداً لموسوعة السنة المقبولة التي تقدم الكلام عليها. وعلى ذلك فالمؤسسة المنشودة لخدمة السنة النبوية على صعيد العالم الإسلامي هي التي تناط بها أيضاً هذه المسؤولية، ولتحقيق ذلك لا بد أن يساهم الجميع لتوفير الحاجيات البشرية والمادية وما أكثرها. ولا بد من الاستفادة من التراث الضخم الذي تركه لنا أسلافنا لإنجاز هذا المشروع المهم، كما أنه لا بد من الاستفادة من المعطيات المعاصرة التي تمكننا أيضاً من حسن فهم السنة النبوية، وبالخصوص المعطيات العلمية التي تجلي الحقائق العلمية الواردة في السنة النبوية، ولا بد أيضاً أن نراعي في هذه الموسوعة لغة العصر؛ إذ الهدف تقريب السنة إلى الأمة، وقد أحسن الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله حيث قال: «إن السنة في حاجة إلى شروح جديدة تجلي الحقائق، وتوضح الغوامض، وتصحح المفاهيم، وترد على الشبهات والأباطيل؛ مكتوبة بلسان الناس ومنطقهم في هذا العصر لنبين لهم» [١٠] . رابعاً: واجب الالتزام والعمل: بعد التثبت وحسن الفهم يأتي الواجب الأساسي وهو الالتزام بسنة خير الأنام، والمقصود بذلك وجوب الرجوع إلى السنة للعمل بما دلت عليه من أحكام شرعية، فما كان واجباً من أحكامها التزمنا به، وما كان مستحباً فالأوْلى الالتزام به، وما كان محرماً اجتنبناه، وما كان مكروهاً فالأوْلى اجتنابه، وما كان مباحاً فلنا الاختيار بين الفعل والترك، وقد دل القرآن على وجوب الالتزام بالسنة في آيات كثيرة، بل لن أبالغ إذا قلت بأن هذه المسألة من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الآيات القرآنية الواردة في الموضوع قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] (النساء: ٥٩) ، وقوله تعالى: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (آل عمران: ١٣٢) . وحذرنا القرآن الكريم من مخالفة سنة الرسول ﷺ وذلك في قوله تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور: ٦٣) . وأقسم الله على نفي الإيمان عمن أعرض عن تحكيم سنة الرسول ﷺ أو لم يقبل حكمها راضياً مسلِّماً؛ وذلك في قوله تعالى: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . وقد بين الرسول ﷺ أن الالتزام بسنته طريق إلى الجنة؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» [١١] . كما أنه ﷺ حذر من دعوى الاستغناء بالقرآن عن السنة؛ فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي رافع مرفوعاً: «لا أُلفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [١٢] . فهذه الأدلة من القرآن والسنة تدل دلالة قطعية على وجوب الالتزام بالسنة النبوية. وإذا ألقينا نظرة على موقف سلف الأمة نحو السنة في هذا المجال فسنجد الحرص التام على التطبيق والالتزام، وسيطول بنا المقام إذا تتبعنا الأخبار الدالة على ذلك، ويكفي أن أشير إلى موقف عبد الله بن عمر ﵄ الذي كان من أشد الصحابة التزاماً بالسنة ولو كانت من أفعال رسول الله الجِبِلَّية. وإذا انتقلنا إلى عصر الأئمة المجتهدين فسنجدهم أيضاً من أشد الناس حرصاً على الالتزام بالسنة النبوية؛ فالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» [١٣] ، والإمام مالك ﵀ يقول: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» [١٤] ، والإمام الشافعي ﵀ يقول: «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد» [١٥] ، والإمام أحمد ﵀ يقول: «من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة» [١٦] . وبالنسبة لعصرنا الحاضر يجب أيضاً على الأمة القيام بهذا الواجب وعلى جميع مكونات المجتمع التعاون لتطبيق هذا الواجب؛ فالحكام عليهم توظيف سلطتهم لتحقيق ذلك؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. والعلماء لهم دور فعال في الدعوة إلى القيام بهذا الواجب؛ فهم قدوة الأمة ودعاتها إلى كل خير، والمؤسسات التعليمية والإعلامية عليها مسؤولية كبرى في هذا المجال لتأثيرها الكبير على الأفراد والمجتمعات. وخلاصة القول: لا بد أن تعي الأمة واجباتها نحو السنَّة، وأن تبذل ما في وسعها للقيام بها؛ لما في ذلك من خير عظيم في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين.

стр. 4307

دراسات تربوية إلى أخي المبتلى بالوسوسة محمد عيد العباسي الوسوسة داء وبيل، وكيد من الشيطان، وتنكيل، والمبتلون بها كثيرون، وشفاؤهم عسر جد عسير، وحالهم يدعو للإشفاق؛ فرغبة في إنقاذهم وتخليصهم مما هم فيه كتبت هذه الكلمة راجياً أن ينتفع بها كثير منهم، وبالله العون والسداد، ومنه التوفيق والرشاد. * أخي المبتلى بالوسوسة! * الوسوسة من عمل عدونا اللدود الشيطان: اعلم وفقني الله وإياك إلى كل خير، ووقانا من كل شر أن الوسوسة من عمل الشيطان، ومما يبغضه الله ويمقته، وليست من الدين في شيء، بل الدين حرب عليها وبراء منها؛ ذلك أن الشيطان لنا عدوٌّ مبين، وقد طفحت آيات الكتاب العزيز بذلك، وحسبنا منها قوله سبحانه: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: ٦) ، فهو يريد أن يوقع الإنسان في كل عنت وعذاب، ويسبب له كل مشقة واضطراب؛ فأمله الأعظم ومنتهى مناه أن يدخل البشر جميعاً في الكفر الأكبر فَيَصْلَوْا معه الجحيم، ويشاركوه في العذاب الأليم والهوان المقيم، فيشفي بذلك غيظه، ويروي منهم غليله. وسبب ذلك معروف، وقد أخبرنا الله تعالى عنه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وخلاصته أن الله تعالى لما خلق آدم أبا البشر ﵇ أمر الملائكة وإبليس [١] بالسجود تحية له، فسجدوا جميعاً إلا إبليس؛ فقد أبى واستكبر، وعاند وجحد، ورفض واعترض قائلاً: [أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً] (الإسراء: ٦١) ، وتبجح بأنه خير منه، فقال: [أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ] (الأعراف: ١٢) . وأصر على ذلك وتحدى خالقه العظيم، غير مبالٍ بما يجرّه عليه سفهه وحمقه من المصير الوخيم، فكان أن لعنه الله لعنة دائمة إلى يوم الدين، وتوعده بالعذاب المقيم، وطرده من الجنة إلى الأرض مسربلاً بالخزي والهوان وغضب الله ذي البطش والانتقام. ولما رأى ما حل به طلب من الله أن يمهله ويبقيه حياً إلى يوم القيامة، فأجابه الله تعالى إلى ذلك ابتلاء للناس به، واختباراً لهم، لتنكشف حقيقة كل واحد منهم: أيؤثر طاعة الرحمن، أم يحالف عدوه ويكون ظهيراً له على ربه؟ ومنذ ذلك الحين والشيطان قد أعلن على الإنسان الحرب الضروس، وآلى على نفسه أن يقعد له بكل سبيل، لإضلاله وإهلاكه، وألا يدخر وسعاً ولا جهداً ولا وقتاً ولا حيلة في سبيل إيذائه وتعذيبه والانتقام منه؛ لأنه برأيه السبب فيما أصابه من الغضب واللعنة والطرد والنقمة، وهذا سفه منه شديد، وجهل منه بالغ؛ إذ لا دخل للإنسان في ذلك، والسبب كل السبب هو نفسه الأمارة بالسوء، وتكبره وعناده، ولؤمه وغروره، ولو أنصف وفكر بعقله لا بهواه لعلم أنه عبد لله ومخلوق من مخلوقاته، عليه واجب الطاعة والعبادة والاستسلام لربه ومولاه، والتواضع لعباد الله، واتخاذ كل عبد صالح أخاً له وصديقاً، وحبيباً له ورفيقاً، ولكنه بدلاً من ذلك ركب رأسه وأصرّ على رأيه واستنفر ذريته وأتباعه، وحشد كل قواه للانتقام من آدم وذريته، يسوقه الحقد الدفين، والغضب والهياج الذي لا يضعف ولا يلين، بل يغلي ويزيد على مر السنين. وكان يود الشيطان أن يخلي الله بينه وبين الإنسان، ليقضي منه أربه، ويشفي غيظه، ولو نال ذلك لما نجا من شره أحد؛ فهو يرى الإنسان، والإنسان لا يراه، ولديه قوة في الجسم وخفة في الحركة ونشاط عجيب، ودأب وهمة وعزيمة لا تعرف اليأس والكلل والملل، ولكن الله تعالى رأفة بعباده ورحمة بهم، وخذلاناً لعدوهم منعه من ذلك، فجعل للإنسان حرساً من الملائكة، وذلك قوله سبحانه: [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه] (الرعد: ١١) [٢] ، فلا يدعون أحداً من الشياطين يؤذي الإنسان بشيء إلا بإذن الله، وحال بينهم وبينه، ولم يسمح لهم إلا بالوسوسة يتسلطون بها عليه، إلا في أحوال نادرة لله تعالى فيها حكمة. فعن ابن عباس ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة (أي رماداً) أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﵊: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة» ، وفي رواية: «الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة» ، وفي أخرى: «الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة» [٣] . * خطر الوسوسة وأنواعها: ولكن الوسوسة ليست بالأمر الهين؛ فعن طريقها يسيّر الشيطان الغالبية العظمى من البشر أفراداً وجماعات ودولاً، ويستغل ما في أنفسهم من الأهواء والحاجات، ويؤجج ما بينهم من الخلافات، ويشعل نيران الفرقة والعصبية والغضب والخصام فيسوقهم ليفني بعضهم بعضاً، ويدمروا حياتهم وأمنهم واستقرارهم بأيديهم. وهو عن طريق الوسوسة يقلب حياتهم إلى شقاء وتعاسة بصرفهم عن شريعة الله ودينه، وتزيين الدنيا وزينتها في أعينهم، وتلميع الأنظمة الكافرة المحاربة لله ورسله، فينشر بينهم الخمور والمسكرات والمخدرات ويسميها بغير أسمائها، فيعرضها على أنها مشروبات روحية تنعش الروح وتنشطها وتغذيها، كما يسمي لهم الفجور والتهتك والخلاعة وقلة الحياء والاختلاط والفاحشة بأنها تحرر وتقدم وفنون وأمور شخصية خاصة لا يجوز لأحد أن يتدخل فيها، ويسمي لهم الربا التي هي من أكبر الكبائر والتي أعلن الله الحرب على مقترفيها والمشاركين فيها يسميها فائدة، ويسمي التطاول على الذات الإلهية والتشكيك بأصول الدين ومسلَّمات الاعتقاد وثوابته حرية فكر، وهكذا. ومن أنواع الوسوسة التي يتسلط فيها الشيطان على كثير من الناس الوسوسة في أمور العبادات والمعاملات التي يكون ضحاياه فيها من المتدينين والصالحين؛ فقد يشككهم في أقدس مقدساتهم: في ربهم ﵎، وفي نبيهم والآخرة والقدر والرسل وغير ذلك، فيجعلهم يعيشون في قلق دائم وخوف شديد على إيمانهم ومصيرهم عند الله، ومصير عباداتهم وأعمالهم، وقد يتسلط عليهم في أمور الطهارة من النجاسات والغسل والوضوء وطهارة الثياب والأمكنة وغيرها، فيقضي أحدهم الوقت الطويل في الاستنجاء والاستبراء وغسل الثياب الداخلية والألبسة والفرش، ويعيد الوضوء مرات ومرات خوفاً من ألا يكون الماء قد وصل إلى بعض الأعضاء أو أخطأ في عدد الغسلات، وأما الصلاة فحدث ولا حرج عما يوقعهم فيه من المشقة والعنت في صحتها وخشوعها وعدد ركعاتها، فقد يوقعهم في شكوك لا حصر لها عن صحتها وقبولها، فيعيدون الصلاة الواحدة مرات، ويفوّت عليهم الجماعات، وقد يؤدي بهم إلى إخراجها عن وقتها بسبب تلك السلسلة الطويلة من الشبهات والتشكيكات ناهيك عن الخشوع الذي خلا تماماً من صلاة أولئك الموسوسين المساكين. وقد مثل ذلك في أمور الزواج والطلاق والحج والبيوع والأطعمة والأشربة والعقود المختلفة وهكذا. ولا شك أن هذا يوقع الإنسان في عنت ومشقة وعناء وعذاب، فيقض عليه مضجعه، ويشغل وقته، ويحرق أعصابه، ويضيع ماله، ويؤثر ذلك على عمله فيفسده بكثرة الأخطاء التي تعتريه لانشغال فكر الموسوس في وساوسه، وقد يسبب ذلك له المشاكل الكبيرة مع مسؤوليه في العمل، ومن يتعامل معهم في أمور الحياة المختلفة قد تؤدي إلى إخراجه من عمله فيعاني من الحاجة والحرمان، فتضاف مشاكل جديدة إلى مشاكله، ويؤثر على صحته وحال تكيفه مع أسرته وأقاربه وزملائه، ويستمر حاله في التدهور والانهيار والشقاء، وقد يدفعه ذلك إلى الانتحار للتخلص من هذا البؤس والعذاب، فيخسر بذلك الدنيا والآخرة. ويوهم الشيطان الموسوس بأن ذلك من الورع والتقوى والدين والصلاح، ومن الحرص على تنفيذ أمر الله وسلامة العبادة والعقيدة، وتجاه ما يعانيه من الشقاء يتوجه لأهل العلم يسأل الواحد بعد الآخر، ولكنه لا يزيد بسؤال غالبهم إلا شقاء، فيفكر في أقوالهم ويحتار في عباراتهم، ويشك في علمهم فلا يكتفي بسؤال الواحد أو الاثنين، بل تراه يعرض مسائله على الكثيرين، ولا يستقر على رأي ولا يطمئن إلى حال. وقد يزيد الطين بلة إذا صادف بعض طلبة العلم المتشددين الذين يغذون فيه الوسوسة ويكونون عوناً للشيطان عليه. ولعلاج هذا الداء الخطير والشر المستطير، وللخلاص منه يجب على كل من ابتلي به أن يعلم ما يلي: ١ - أن يعلم مما سبق بيانه أن الوسوسة من عمل الشيطان عدونا الأكبر. ٢ - أن يعلم يسر الإسلام وسماحته. إذ من المتفق عليه لدى العلماء أن من أهم صفات الشريعة الإسلامية ومزاياها أنها شريعة سمحة، وأن تكاليفها ميسرة سهلة بعيدة عن الإعنات والمشقة؛ فهذا كتاب الله يعلن ذلك بكل صراحة ووضوح ودون لبس ولا غموض فيقول: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] (البقرة: ١٨٥) ، ويقول: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) ، ويقول: [يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً] (النساء: ٢٨) ، ويصف نبيه خاتم الرسل محمداً صلى الله عليه وسلم فيقول: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (الأعراف: ١٥٧) ، والإصر: الحمل الثقيل، والأغلال: القيود الشديدة والتكاليف الشاقة؛ فقد امتن الله على أمة محمد ﷺ بأنه خفف عنهم التكاليف الشاقة التي كانت على من قبلهم، ورحمهم ويسّر لهم الدين، وأتم عليهم النعمة. ويبين الله تعالى أنه لو شاء لكلفنا ما يشق علينا ولكنه رفع عنا ذلك رحمة بنا وتفضلاً منه علينا، فقال: [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ] (البقرة: ٢٢٠) ، وقال: [مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ] (النساء: ١٤٧) ، فهو الغني عن تعذيب عباده، ولكنه يمتحنهم ويختبرهم، ويريد أن يرحمهم، وكل الذي يريده منهم أن يخلصوا التوحيد له، ويصدقوا معه، ويطيعوه، وإذا أخطؤوا أو أذنبوا تابوا وأنابوا، وهو يخبرهم أنه يغفر الذنوب جميعاً، ولو تكرر من العبد الذنب بعد الذنب ولو كان من الكبائر؛ فهو يحب عبده التواب الأواب المنيب. ويقول سبحانه معلماً لنا أن ندعوه فيقول: [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ] (البقرة: ٢٨٦) . ويؤكد النبي ﷺ هذه الحقائق ويزيدها قوة ووضوحاً فيقول: «إني بعثت بالحنيفية السمحة» [٤] ، ويقول: «إن أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة» [٥] ، ويوصي أصحابه وأمته بالتبشير والتيسير، فيقول: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» [٦] ، ويتوعد المتشددين والمتزمتين والمعسّرين فيقول: «ألا هلك المتنطعون قالها ثلاثاً» [٧] . وكان بعض الصحابة في سفر فأصابت أحدهم جراحات، وأصبح جنباً، فسأل أصحابه ماذا يفعل؟ فأمروه بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ الخبرُ النبيَّ ﷺ ، فغضب غضباً شديداً ودعا عليهم فقال: «قتلوه، قتلهم الله؛ ألا سألوا إذا لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال» [٨] . وعن ابن عباس ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. قال مروه فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» [٩] . وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُهادَى بين ابنيه، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي، فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» وأمره أن يركب [١٠] . وقد تعلم منه الصحابة الكرام هذا التوجيه الكريم؛ فها هو عمرو بن العاص ﵁ يرسله النبي ﷺ في سرية ذات السلاسل يقول: «فاحتلمت في ليلة باردة، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: ٢٩) ، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً» [١١] . والأحاديث في هذا كثيرة فأكتفي بما سبق. وقد تجلى يسر الشريعة الإسلامية في كثير من الأمور؛ فمنها وضع الصوم عن المسافر والمريض، والحامل والمرضع، والرخصة لهم في الفطر والقضاء، وللأخيرتين بالكفارة والقضاء، ومنها السماح لمن لا يستطيع القيام أو يشق عليه أن يصلي قاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب، ومنها إباحة ما حرم عند الضرورات كإباحة أكل الميتة والخنزير إذا لم يجد الطعام الحلال وخشي على نفسه الهلاك، ومنها عدم المؤاخذة في لغو اليمين، ومنها إباحة الغيبة والكذب والنميمة في بعض الحالات، ورفع الإثم والمؤاخذة عما يفعله الإنسان في حالة الخطأ والنسيان والاستكراه، قال رسول الله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [١٢] . ٣ - وعلى من ابتلي بالوسوسة إذا أراد الشفاء منها أن يعلم أنه غير مؤاخد على خواطر النفس: فقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» [١٣] ، وهذا فضل من الله عظيم، ونعمة منه سابغة؛ فكثير مما يرهق الموسوس ما يورده الشيطان على خاطره من خواطر السوء عن الله والدين والقرآن والرسول، فيخيل إليه أنه بذلك خرج من الدين، وصار من المرتدين، ويستتبع ذلك حرمة بقائه مع زوجته، وبطلان عباداته وغير ذلك من الأمور؛ فإذا علم أن ذلك لا تأثير له، ولا مؤاخذة فيه ارتاح باله وهدأت نفسه. ومثل ذلك ما يورده الشيطان على خاطره من نية طلاق زوجته أو قطع صلاته أو صومه أو وضوئه، فذلك كله غير مؤثر ولا ينبني عليه شيء، ولا إثم فيه، فعليه أن يستمر في عباداته هذه ولا يشك فيها. وانظر إلى عظم فضل الله ورحمته، فإنه لم يكتف بعدم مؤاخذة الإنسان على الوساوس والخواطر السيئة عن الدين والإله والمقدسات، بل عد استعظامه ذلك علامة على قوة الإيمان؛ فقد «جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم! قال: ذاك صريح الإيمان» [١٤] . وفي رواية: «شكَوْا إلى رسول الله ﷺ ما يجدون من الوسوسة، وقالوا: يا رسول الله! إنا لنجد شيئاً لو أن أحدنا خرّ من السماء كان أحب إليه من أن يتكلم به؟ فقال النبي ﷺ : ذاك محض الإيمان» [١٥] . وقد هوّن السلف من شأن خواطر السوء هذه، وعدوها أمراً عادياً لا تستحق الوقوف عندها؛ فقد سأل أبو زحيل [١٦] عبدَ الله بنَ عباس ﵁ فقال: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله : [فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِك] (يونس: ٩٤) ، فقال لي: إذا وجدت من نفسك شيئاً فقل: [هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (الحديد: ٣) « [١٧] . ٤ - وعلى المبتلى بالوسوسة أن يتبع إرشادات النبي ﷺ العملية للقضاء عليها: وقد سبق ذكر بعض هذه الإرشادات، وهناك إرشادات أخرى أذكر بعضها الآن، فمنها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : » لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خَلْقُ اللهِ الخَلْقَ، فمن خلقَ اللهَ؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله « [١٨] ، وفي رواية:» يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته « [١٩] . قال النووي:» معناه: إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسمى بالفساد والإغراء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها «. ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال:» هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم « [٢٠] . فهذا يفيد تحريم الزيادة في غسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاث مرات، والزيادة على مواضع الغسل أو المسح المشروعة، ووصف من يفعل ذلك بأنه مسيء ومتعدٍ وظالم؛ وكفى بذلك زاجراً لكل وسوسة لمن اتقى الله. ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ سئل عن بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنتن فقال:» إن الماء طهور لا ينجسه شيء « [٢١] ، زاد في رواية ضعيفة ولكن معناها مجمع عليه: » إلا ما غلب على لونه أو ريحه أو طعمه من النجاسة «. وحديث ميمونة أم المؤمنين ﵂ أنه ﷺ قال: » إن الماء ليس عليه جنابة، ولا ينجسه شيء « [٢٢] ، ومثله حديث ابن عباس مرفوعاً:» إن الماء لا يجنب « [٢٣] . وعن عائشة ﵂ قالت:» كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونحن جنبان « [٢٤] . وعن ابن عمر قال:» كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ من إناء واحد ندلي فيه أيدينا « [٢٥] . وهذه الأحاديث ونحوها جديرة بأن تقضي على كل وسوسة في موضوع الطهارة والمياه لمن عقل واتقى الله. ومنها أنه كان من هديه ﷺ إذا توضأ أن يأخذ كفاً من ماء فينضح به فرجه [٢٦] ، وذلك للقضاء على أي وسوسة بخروج بول بعد ذلك، فإذا أحس المرء ببلل ما نسبه إلى الماء الذي نضحه بيده، وما ذلك إلا ليقطع على الشيطان أي سبيل إليه. ومنها حديث أنس ﵁:» أن أعرابياً بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم (وفي رواية فصاح به الناس) فقال رسول الله ﷺ : دعوه ولا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلو من ماء، فصبه عليه « [٢٧] . ومعلوم أن صب الماء على البول لا يقضي عليه ولكنه يزيل نتنه ويغلب عليه، فاكتفى النبي ﷺ بذلك ولم يأمرهم بإزالة التراب الذي وقع عليه البول. ومثل ذلك أو قريب منه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور «وفي رواية:» إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورها التراب « [٢٨] . وحديث أم سلمة والمرأة الأشهلية أنها سألت النبي ﷺ فقالت: » يا رسول الله! إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: بلى، قال: فهذه بهذه « [٢٩] ولفظ حديث أم سلمة قال النبي ﷺ :» يطهره ما بعده « [٣٠] . وفي هذين الحديثين بيان سماحة الإسلام ويسره في مسائل الطهارة؛ فهذه المرأة التي تجر ذيلها على الأرض النجسة حكم النبي ﷺ بطهارته إذا مرت بعد ذلك على أرض طاهرة؛ فهل بعد هذا يبقى مجال لوسوسة الشيطان إذاً لمن عقل هذا واحتكم إلى الحجة والبرهان؟ وهذا الرجل الذي تيقن من وطئه بنعليه النجاسة اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بأمره بأن يدلكها بالأرض لتطهر، ومعلوم أن الدلك لا يزيل كل النجاسة، بل تبقى منها أشياء وذرات تتخلل في ثناياهما، ومع ذلك سامح الشارع فيها، وأجاز الصلاة فيهما، مكتفياً بزوال كيان النجاسة وكتلتها. وشكا أحد الصحابة إلى النبي ﷺ أمر الرجل: يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال:» لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً « [٣١] . هذه أخي المسلم المبتلى بالوسوسة أمثلة عملية صحيحة تبين كيف كان رسول الله ﷺ يعالج أمر الوسوسة، ويعلم أمته طريق القضاء عليها بما يزيل كل عنت، ويقضي على كل مشقة، ولو تتبعنا بقية الأحكام المشابهة لضاق المقام، فخذ من هذا منهجاً تسلكه في أمور عباداتك وحياتك وقسه على باقي الأمور، وإذا علمت هذا واعتقدته سهل عليك التخلص من الوسوسة؛ لأن الشيطان يدخل عليك من باب الحرص على صحة العبادة، واستكمالها شروطها وأركانها، وسلامتها من نواقضها ومبطلاتها، فلا تصغ إلى وساوسه، ولا تدقق في الأمور ولا تشدد، ولا تتكلف ولا تتعمق؛ فإن ذلك من سبيل اليهود الذين غضب الله عليهم ولعنهم؛ فعندما أمرهم نبيهم موسى ﵇ بذبح البقرة أي بقرة ولم يعين لها عمراً، ولا شكلاً ولا لوناً ولا علامة راحوا يسألونه أن يسأل ربه عن عمرها ولونها وشكلها وعلاماتها، فشددوا فشدد الله عليهم حتى لم يجدوا إلا بقرة واحدة بهذه الصفات، واستغل ذلك أصحابها فباعوهم إياها بأغلى الأثمان. وأما شريعة محمد ﷺ فبعيدة عن التشدد والتنطع بريئة من التكلف، يقول الله تعالى: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] (ص: ٨٦) ، وقال عمر ﵁:» نهينا عن التكلف « [٢٧] ، وقال صلى الله عليه وسلم:» ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه « [٣٢] ، وقالت عائشة ﵂:» صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ترخص فيه، وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم، وأشدهم له خشية « [٣٣] . ففي ذلك كله عبرة وأي عبرة لمن وعاه وتدبره وعمل به. ٥ - وقبل ذلك كله على المبتلى بالوسوسة أن يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ليعيذه من وساوس الشيطان: فإن الله تعالى بيده ملكوت السماوات والأرض، وبين أصابعه قلوب العباد يقلبها كيف يشاء، فإذا لجأ المسلم إلى ربه خاشعاً متضرعاً، يسأله أن يقيه من نزغات الشيطان، بكل إخلاص وصدق، وفقر وتذلل، وانتهز أوقات الإجابة وأحوالها التي بيّنها لنا رسول الله ﷺ كالثلث الأخير من الليل، وعند السجود وقبل السلام، وفي الساعة الأخيرة من الجمعة، فإنه لحريّ أن يظفر بالإجابة، ومن أحسن الأدعية والمعوذات ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، كقوله تعالى: [وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ] (المؤمنون: ٩٧-٩٨) ، وقوله سبحانه: [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: ٣٦) ، وقد تعهد الله بأن يحمي من يلجأ إليه ويستعيذ به من عباده من مكائد الشياطين، فقال مخاطباً رأس الضلال إبليس لعنه الله فقال: [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ] (الحجر: ٤٢) ، وقد انصاع إبليس لذلك مكرها، فقال: [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ] (الحجر: ٣٩-٤٠) ، وقال تعالى في الحديث القدسي عن عباده الصالحين، وأوليائه الذين يتقربون إليه بأداء الفرائض والنوافل:» ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه « [٣٤] . وقد علمنا النبي ﷺ آيات من القرآن وسوراً نتلوها وأدعية واستعاذات نقرؤها في مناسبات مختلفة لنتحصن بها من الشياطين؛ فمن تحصن بها نجا، ورد الله كيد الشيطان في نحره؛ فمنها قراءة سورة البقرة؛ فقد قال النبي ﷺ :» اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم، فإن الشيطان لا يدخل بيتاً يقرأ فيه سورة البقرة « [٣٥] . وفي حديث أبي هريرة حينما أمسك الشيطان الذي كان يحاول السرقة من بيت الصدقة فعرض عليه الشيطان مقابل إطلاق سراحه أن يعلمه كلمات ينفعه الله بها، قال:» إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح «فقال النبي ﷺ :» أما إنه صدقك وهو كذوب « [٣٦] . وقال ﷺ لعقبة بن عامر ﵁ عن المعوذتين [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ] (الفلق: ١) و [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ] (الناس: ١) : » ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ] (الفلق: ١) ، [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ] (الناس: ١) « [٣٧] وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً:» ما سأل سائل بمثلها، ولا استعاذ مستعيذ بمثلها « [٣٨] ، وقال لابن عباس ﵀:» ألا أخبرك بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون «فذكر السورتين [٣٩] ، وفي رواية:» أنزلت علي سورتان، فتعوذوا بهن؛ فإنه لم يتعوذ بمثلهن يعني المعوذتين « [٤٠] . وعن عائشة ﵂:» أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان، وأعين الإنسان؛ فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما « [٤١] . وهناك أدعية واستعاذات كثيرة في كتب السنة المختلفة؛ فمن شاء فليرجع إليها، وقد جمعت كثيراً منها كتب الأذكار والأدعية المأثورة. ٦ - وعلى المبتلى بالوسوسة أن يعتمد في تفقهه بدينه على النبع الصافي والمصادر الأصيلة وهي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهدي السلف الصالح ﵏، ويسأل العلماء المتبعين هذا المنهج القويم. ذلك لأن الفقهاء المتأخرين قد ضعفت واضمحلت فيهم ملكة الاجتهاد، وقلَّت جداً، وغلب عليهم التقليد، وصار هو ديدنهم وطريقهم، فابتعدوا عن فهم الإسلام الصحيح، وتأثروا بالثقافات الأجنبية، وانتشرت في فقههم عيوب كبيرة، ومآخذ كثيرة، ومن ذلك أنه قد انتشر فيهم التشدد والجمود، والاختلاف والتعصب، والتنطع والغلو، وكثير من الموسوسين زاد في وسوستهم وجعلها تستفحل وتقوى تعلُّمهم الدين من كتب متأخرة، وأخذهم من متفقهين مقلدين ضعيفي الصلة بالكتاب والسنة، فشددوا على أنفسهم وعلى الناس بحجة الاحتياط، وأوقعوا الناس في الحرج والوسوسة، وهيؤوا الأجواء لنمو جراثيم هذا المرض العضال في المجتمع الإسلامي، فلا بد من إعادة الصلة مع الكتاب والسنة والاهتداء بهديهما، والسير على نهجهما، وصدق القائل:» لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها «.

стр. 4308

قضايا دعوية الأوليات.. وضوابط تحديدها د. عادل بن محمد السليم [*] ** تعريف وتمهيد: أ - التعريف اللغوي: الأوّل هو: نقيض الآخر ... تقول: هذا أوّل بَيّن الأوليّة [١] . ومنه تكون النسبة: (أوَّلِيَّات) . ومؤنث الأول: الأُولى، مثل أفعل وفُعلى، وجمع الأُولى: أُولَيَات مثل الأخرى [٢] . وأوْلى اسم تفضيل، يقال: فلان أوْلى بهذا الأمر من فلان: أي أحق به، وفلان أوْلى بكذا أي: أحرى به وأجدر [٣] . ومنه تكون النسبة: (أوْلَويّات) ، يقال: له الأوْلوية في هذا العمل: أي له الأحقية [٤] . ب - التعريف الاصطلاحي: الأوليات: هي الأعمال والأنشطة التي حقها التقديم على غيرها. وتقديم الأهم على المهم والفاضل على المفضول حقيقة شرعية، وبدهية عقلية. أما كونها بدهية عقلية: فلأن العقول السليمة أجمعت على تقديم ما منفعته غالبة، أو ما مصلحته راجحة على ما منفعته ضعيفة أو مصلحته مرجوحة. أما كونها حقيقة شرعية: فلأن نصوص الكتاب والسنَّة قد دلت على ذلك، ومن هذا ما رواه عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب؛ فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [٥] . ومراتب الأعمال متفاوتة؛ فمنها ما يكون من الأركان، ودونها الواجبات، ثم دونها السنن ... وهكذا، وقد صحَّ عن النبي ﷺ قوله: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» [٦] . كما صح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله» . قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» . قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» [٧] . وكذلك مصالح العباد متفاوتة؛ فقد بيَّن الأصوليون أنها ثلاث مراتب: فأعلاها الضروريات، تليها الحاجيات، ثم التحسينيات. فإذا تعارضت الأعمال أو المصالح، أو تعسَّر الجمع بينهما؛ فإن الواجب تقديم الأوْلى فالأوْلى؛ فلا يجوز تقديم الواجب على الركن؛ كما لا يجوز تقديم النفل على الواجب. ** مفاسد غياب فقه الأوليات: غياب فقه الأوليات باب من أبواب الانحراف والاضطراب، ويؤدي إلى مفاسد عظيمة على مستوى الأفراد والمؤسسات [٨] ، ومن هذه المفاسد: ١ - سوء فهم الشريعة: حيث تُنَزَّل الشريعة في غير منازلها المأمور بها؛ وذلك «يؤدي إلى فوضى فكرية عارمة تشوِّه الشريعة وتخل بتوازنها، ولقد أرسى الشرع بين المأمورات والمنهيات توازناً لا يجوز الإخلال به؛ تماماً كنسب الدواء الواحد، قد يؤدي تغيرها إلى إفساده وإلغاء خصائصه، إن لم ينقلب إلى سم قاتل» [٩] . ٢ - ضياع الأجر: فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بالعمل قليل الأجر على حساب كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة [١٠] . ٣ - الاضطراب الدعوي: إن المتابع للواقع الدعوي اليوم يلمس قصوراً بيناً في معرفة مقاصد الشريعة وأصولها وأولياتها؛ مما أدى إلى اضطراب واسع في كثير من البرامج والأنشطة، واستهلاك كبير لكثير من الطاقات البشرية والموارد المادية في أمور غيرها أوْلى منها، وكثيراً ما نرى استغراق المؤسسات الدعوية أو الأفراد في الأعمال المفضولة على حساب الأعمال الفاضلة، وينعكس ذلك بوضوح على نتائجها التي تبدو ضعيفة. قال الدكتور سعد الدين العثماني: «فسوء فهم الشريعة واختلاط مراتب أحكامها يؤدي إلى عجز الدعاة عن البدء بما يجب البدء به؛ فإذا كان في أحكام الدين واجب ومستحب، وفاضل ومفضول؛ فإن الدعوة إلى الواجب والفاضل مقدم على الدعوة إلى ما دونها، لكننا نرى من بين شباب الصحوة الإسلامية ودعاتها من ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية، وتُبَدَّد الجهود والطاقات فيها. والأوْلى البدء بالدعوة إلى أصول العقيدة والشريعة، وبذل الجهد في معالجة القضايا المصيرية الكبرى للأمة. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد من اعتبار درجة المعروف ودرجة المنكر، حتى لا يُفسِد الإنسان بدلَ أن يُصلح، وحتى لا يُنفِّر بدل أن يُبشِّر» [١١] . ٤ - تشتيت جهود الدعاة والمؤسسات الإسلامية: إن اتفاق الدعاة والمؤسسات الإسلامية على تحديد الأوليات يقوي ثمراتها، ويرسخ جذورها، ويجعلها بإذن الله تعالى متراصة متماسكة تتعاون في تحقيق أولياتها بيسر وسهولة. أما اختلاف الدعاة والمؤسسات الإسلامية في تحديد الأوليات فإنه يضعف من أنشطتها، ويفرق من ثمراتها، ويجعلها تسير في طرق متباينة متباعدة ... ! ٥ - إهدار الأوقات: إن تقديم المهم على الأهم، والمفضول على الفاضل يطيل الطريق على الدعاة والمؤسسات الإسلامية، ويهدر أوقاتاً كثيرة كان يمكن أن تستثمر في الأصلح والأنفع للأمة. ولهذا كان من فضل الله على العبد أن يبصِّره بأفضل الأعمال، ويثبِّته عليها. وإذا أدركنا ضخامة الواجبات والأعباء التي يجب أن يتبناها الدعاة والمصلحون وتتبناها المؤسسات الإسلامية؛ تبيَّن أهمية استثمار الوقت، وشغله بالأوْلى فالأوْلى. والتميز في إدارة الوقت واستثماره من التحديات الكبيرة التي تواجه الدعاة والمؤسسات الإسلامية الجادة. ٦ - البعد عن مدارج الكمال: فكلما اشتغل المرء بالمفضول على حساب الفاضل، وبالمهم على حساب الأهم؛ ابتعد عن مدارج الكمال، ومنازل العلو والرفعة. قال الإمام أبو عبيدة: «من شغل نفسه بغير المهم أضرَّ بالمهم» [١٢] . وللإمام ابن القيم كلام متين جامع في بيان العقبات التي يسعى الشيطان للظفر بها من العبد، وذكر العقبة السادسة وهي: «عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره [الشيطان] بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسباً وربحاً؛ لأنَّه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟! فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأُوَل. فإن نجا منها بفقهٍ في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها وسافلها، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها ومرؤوسها، وسيدها ومسودها؛ فإن في الأعمال والأقوال سيداً ومسوداً، ورئيساً ومرؤوساً، وذروة وما دونها ... ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حق حقه» [١٣] . ** ضوابط تحديد الأوليات: ١ - الاعتماد على المصادر الأصيلة في الاستدلال والتلقي: لقد بليت الأمة الإسلامية بألوان وألوان من التفرق والاختلاف، وأصابها ما أصابها من الانحراف والبعد عن دين الله تعالى، ولم يسلم من ذلك بعض الدعاة والمصلحين؛ حيث راح بعضهم يُشرّق ويغرب، ويتقلب في متاهات علمية وعملية، بلا ضابط علمي أو منهجي، وأصبحت الأوليات الدعوية تُحدَّد في كثير من الأحيان بناء على الاجتهادات والأهواء الشخصية، أو بناء على تجارب ورؤى قاصرة ضيقة الأفق، فرأينا من يقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، وانعكس ذلك على كثير من الأنشطة والبرامج ... ! ولا مخرج للأمة من هذه الكبوة إلا بالعودة الصادقة إلى المصادر الأصيلة للاستدلال والتلقي، وهي الكتاب والسنة، أو ما دلَّ عليه الكتاب والسنة كالإجماع والقياس ونحوهما، ومن ثَمَّ تحدّد الأوليات الدعوية بالرجوع إلى هذه المنابع الكريمة التي لم تكدرها شوائب البدع والضلالات والأهواء. قال الله تعالى: [وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (آل عمران: ١٠١) ، وقال: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) . ٢ - النظرة الشمولية للإسلام: إن من فضل الله تعالى على أمة الإسلام أن جعل هذا الدين ديناً شاملاً لجميع شؤون الحياة، ولا يجوز بحال قصر الدين على شعبة من شعبه وإهمال شعبه الأخرى؛ ولذا قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة: ٢٠٨) ، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك» [١٤] . ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة في هذا الباب: أ - وضع الجزئيات في موضع الكليات، والاشتغال بها على حساب الكليات؛ فمن الناس من لا يعرف من الإسلام علماً وعملاً ودعوة إلا مجموعة من الفروع، مع إهمال مفرط لأصول الدين وأركانه ... ! ب - التهوين من شأن السنن، بل والواجبات أحياناً؛ بحجة أنها من الجزئيات الفرعية التي لا ينبغي الانشغال بها، وإهدار الوقت في تحصيلها ... ! وكلا هذين الأمرين خطأ بلا شك؛ فكل ما ثبت في الشرع فحقه التقدير، ووضعه في مكانه اللائق به شرعاً؛ فكما أنه لا يجوز الاشتغال بالجزئيات على حساب الكليات، أو تقديم التحسينيات على الحاجيات أو الضروريات، فكذلك لا يجوز الإعراض عن الجزئيات استخفافاً بها، وتهويناً من قدرها؛ فإن في ذلك قدحاً في الشارع الحكيم الذي سنَّها وحثَّ على فعلها. والتوازن مطلوب في إعطاء النصوص حقها علماً وعملاً ودعوة، ومن الشواهد المفيدة التي تدل على عظيم فقه الصحابة ﵃ ورسوخهم في العلم والعمل: أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينتظر أخبار فتوح الشام، فقدم عليه عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه يبشره بفتح الشام، وعليه خفان غليظان، فنظر إليهما عمر، فقال: (كم لك منذ لم تنزعهما؟ فقال عقبة: لبستهما يوم الجمعة، واليوم يوم الجمعة ثمان. فقال: أصبت السنة) [١٥] . فحِرْصُ عمر بن الخطاب على أخبار الجهاد في سبيل الله وفتح الديار، لم يمنعه من سؤال عقبة عن مسألة علمية ربما يتهاون في شأنها بعض الناس ... ! ٣ - تقديم ما قدَّمه الشارع الحكيم: إنَّ من الأصول المقررة عند علماء الإسلام قديماً وحديثاً: وجوب تقديم ما قدمه الشارع الحكيم علماً وعملاًً، وإعطاء كل أمر شرعي حقه من التعظيم والإجلال. فالدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، ونبذ الشرك والبراءة منه ومن أهله هي المنطلق والأساس الذي بدأ به جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) ، ولما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... الحديث» [١٦] . فبدأ بالدعوة إلى التوحيد الذي هو أول واجب على العبد، ثم ثنَّى بعد ذلك بالدعوة إلى بقية الأركان. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح الحديث: «وفيه دليل على أن التوحيد هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه هو أول واجب؛ فلهذا كان أول ما دعت إليه الرسل ﵈؛ كما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) ، وقال: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت] (النحل: ٣٦) » [١٧] . إنَّ الشرك والخرافة والبدع والضلالات تنتشر في العالم الإسلامي اليوم انتشاراً عظيماً، حتى أصبح التوحيد الخالص غريباً في كثير من الديار نسأل الله تعالى السلامة؛ ولهذا كان الواجب على العلماء والدعاة والمؤسسات الإسلامية أن يتصدروا الدعوة إلى الإيمان والتوحيد علماً وعملاً وتقديم ذلك على كل معروف، ويحذروا من الشرك وأهله قديمه وحديثه، ويجعلوا ذلك مقدماً على التحذير من كل منكر؛ فصلاح التوحيد سبب لكل صلاح بإذن الله تعالى، كما أن الشرك سبب لكل فساد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ ، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله» [١٨] ، وقال أيضاً: «التوحيد أصل كل خير وجماعه، والشرك أصل كل شر وجماعه» [١٩] . ومع تفوق الحضارة الغربية المادية المعاصرة واغترارها بتفوقها الصناعي غزت العالم كله المذاهب الإلحادية والمبادئ المادية التي كفرت بالله تعالى، وراحت تقدس الأهواء وتعبد المادة وتنفلت من قيود الفضيلة. ومسخت هذه المذاهب الكفرية بعض العقول المريضة في العالم الإسلامي التي انسلخت من دينها وهويتها، وسقطت مسلوبة القوى تحت أعتاب الغرب..! ويحزن المرء أشد الحزن عندما يرى بعض المؤسسات أو المراكز الإسلامية أو الدعاة يقصرون في الدعوة إلى التوحيد الخالص، ويفرطون في الرد على التيارات الإلحادية المعاصرة، ويشتغلون في المفضول على حساب الفاضل، وهذا بلا شك من نقص العلم وقلّة الفقه في دين الله تعالى. ٤ - معالجة حاجات البيئة: تختلف البيئات من حيث احتياجاتها الدعوية، ومن حيث الانحرافات السائدة فيها، ولهذا يجب أن تحدد الأوليات الدعوية التي تتصدر لها المؤسسات والمراكز الإسلامية بناء على حاجات كل بيئة. فما يجب تقديمه في البيئة العربية قد يختلف عن البيئة في أوروبا الشرقية أو الغربية أو أفريقيا ... وهكذا. نعم هناك قواسم مشتركة بين جميع البيئات يجب مراعاتها، ولكن هناك اختلافات لا ينبغي إغفالها، وهذا يؤكد ضرورة إدراك بيئة العمل التي تتحرك فيها المؤسسة أو الداعية، والفقه الدقيق في واقع الناس واحتياجاتهم؛ ولهذا كانت وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... الحديث» [٢٠] . فبصَّره رسول الله ﷺ بالواقع الذي سيبلغ فيه دين الله عز وجل؛ ليكون على بينة من أمره، ولهذا قال ابن حجر: (قوله: «ستأتي قوماً أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان) . إن توافر المعلومات الصحيحة محور أساس لسلامة التصور واستقامة التخطيط، ولهذا لا بد من حرص الدعاة والمؤسسات الإسلامية على توفير المعلومات الصحيحة عن بيئة العمل والبرامج المنفذة والمستجدات الحادثة.. ونحوها، ثم يتم تبادل هذه المعلومات وتوظيفها التوظيف الأمثل. ٥ - الموازنة بين المصالح والمفاسد: من المسائل الدقيقة المهمة التي تعين في تحديد الأوليات: الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فبعض الأعمال والبرامج قد يترتب على فعلها مصالح شرعية أكثر من بعض، والواجب الجمع بينها لتحقيق جميع المصالح قدر الإمكان، وإذا تعذّر الجمع بينها أو تعسر؛ فإن الحكمة تقتضي تقديم الأعمال الراجحة التي يترتب عليها مصلحة أكبر، وتأخير الأعمال المرجوحة التي يترتب عليها مصلحة أقل. وهكذا عندما يقترن ببعض الأعمال والبرامج شيء من المفاسد؛ فإنها تقدر بقدرها وتدرأ قدر الإمكان. قال الإمام العز بن عبد السلام: « ... لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأنَّ درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك ... » إلى أن قال: «واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد، مركوز في طبائع العباد نظراً لهم من رب الأرباب ... ولا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلا ما بين المرتبتين من التفاوت» [٢١] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدَّم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» [٢٢] . وقال الإمام ابن القيم: « ... وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده، وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدَّم أهمها وأجلَّها، وإن فاتت أدناها. وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عطل أعظمها فساداً باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالّة عليه، وشاهدة له بكمال علمه وحكمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضع من ثديها، وورد من صفو حوضها، وكلما كان تضلعه فيها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل، ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلَّم في مآخذ الأحكام وعللها، والأوصاف المؤثرة فيها إلحاقاً وفرقاً إلا على هذه الطريقة» [٢٣] . وقال أيضاً: «إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قُدِّم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشرع» [٢٤] . إنّ من السهل على أكثر الدعاة والمؤسسات الإسلامية أن يفرقوا بين الحسن والرديء، ولكن التفريق بين الحسن والأحسن يحتاج إلى فقه راسخ، وأفق واسع، وبصر عميق. والموازنة بين المصالح والمفاسد من المسائل الاجتهادية التي قد تختلف فيها الأنظار والآراء، وتقديرها يتطلب أموراً في غاية الأهمية [٢٥] ، منها: أ - فقه دقيق بالأحكام الشرعية وأدلتها ومقاصدها ومراميها. ب - تجرّد تام وورع صادق في الترجيح بين المصالح، ونبذ الأهواء والشهوات الشخصية. ج - معرفة جيدة بالواقع الذي سوف تنزل فيه تلك الأعمال. د - تجارب واسعة في العمل الميداني لمعرفة مآلات الأمور ونتائجها. هـ - أفق واسع، وقدرة على استيعاب الاجتهادات المختلفة وتمييزها. ٦ - تقديم العناية بالأعمال التي يبنى عليها غيرها: إن من دلائل الحكمة والرشد والفقه في دين الله تعالى، تقديم العناية بالأعمال والبرامج التي تبنى عليها أعمال كثيرة، ولا يحسن قيامها إلا بإتقانها وإحكامها، والأمثلة التي توضح هذا كثيرة جداً، أذكر منها ما يأتي: أ - العناية بالبناء المؤسسي المحكم: البرامج والأنشطة الدعوية المختلفة تحتاج إلى تخطيط وتنظيم، كما تحتاج إلى متابعة دائمة وتقويم مستمر من شتى النواحي المنهجية والعلمية والإدارية والمالية ... وهكذا. فإذا كان البناء المؤسسي محكماً باستيفاء جميع الآليات والأدوات العلمية؛ كانت إدارة جميع البرامج والأنشطة - بإذن الله تعالى - محكمة. أما إذا كان البناء المؤسسي ضعيفاً فإن إدارة البرامج والأنشطة ستكون في الغالب ضعيفة. ولهذا كان من الأوليات المهمة التي يجب الاعتناء بها: العناية بالبناء المؤسسي المحكم، فعلوّ البنيان وقوته مرتبطة بقوة الأساس وتماسكه. ب - العناية بإعداد الدعاة: لا يخفى أنَّ لإعداد الدعاة أهمية كبيرة جداً في النجاح الدعوي؛ فالداعية هو عماد العملية الدعوية، وبناؤه المحكم هو البداية الصحيحة لعمل سليم متين. ومهما صح المنهج وتوافرت الإمكانات المادية فإنه لا مضاء للدعوة نحو الأمام ما لم يعط بناء الدعاة أولية مطلقة. وهناك أصول علمية ودعوية عامة يحتاجها جميع الدعاة لا يصح التقصير فيها، وهناك أصول خاصة يحتاج إليها الداعية تختلف باختلاف التخصص وباختلاف البيئة التي ينشط فيها الداعية. فالداعية الذي يخاطب الخاصة يختلف عن الداعية الذي يخاطب العامة، والداعية الذي يخاطب المسلمين يختلف عن الداعية الذي يخاطب النصارى أو الوثنيين، والداعية الذي يعمل في وسط الصوفية الغلاة المتعصبة يختلف عن الداعية الذي يعمل في أوساط أخرى ... وهكذا. ولهذا فإن العناية بإعداد الدعاة وصقل قدراتهم وتدريبهم كل ذلك من الأوليات المهمة التي تفتح أبواباً من الخير كثيرة جداً. ج - العناية بالعلم الشرعي: العلم هو الطريق الصحيح للبصيرة والفقه في دين الله تعالى، وعليه تبنى كل الأعمال والأنشطة؛ فكلما رسخ العلم استقام العبد على جادة الصراط المستقيم، وسلم من الزيغ والانحراف. فالعلم مقدم على كل عمل، ولهذا قال الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه: «باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ] (محمد: ١٩) » [٢٦] . والعلم هو طريق الإيمان بالله تعالى. قال الله : [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُم] (الحج: ٥٤) ؛ فالعلم يبني الإيمان، والإيمان يبني الإخبات، ولهذا رفع الله أقدار العلماء وفضَّلهم على غيرهم. قال الله تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] (المجادلة: ١١) . إنَّ من الظواهر اللافتة للنظر في حقل العمل الإسلامي تقصير كثير من المؤسسات الإسلامية في نشر العلم الشرعي؛ مما أدى إلى خلل عريض وشرخ واسع في كثير من الأنشطة والبرامج، وأوْلى الناس بالعلم والفقه في دين الله تعالى هم الدعاة والمصلحون؛ لأنهم حملة رسالة عظيمة. قال الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . ٧ - تقديم الأعمال ذات النفع المتعدي إلى الآخرين على النفع الخاص: من تمام الفقه والبصيرة في دين الله تعالى تقديم الأعمال ذات النفع المتعدي على الأعمال ذات النفع الخاص؛ لأن فوائدها أكثر نفعاً للناس؛ فالذي يتقرب إلى الله تعالى بالعبادة الخاصة مأجور إن شاء الله؛ لكن الذي يتقرب إلى الله تعالى بالجهاد في سبيل الله والسعي في حاجات الناس أفضل عند الله تعالى. قال الله عز وجل: [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] (التوبة: ١٩-٢٠) . فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من أعمال البر المحمودة؛ لكن الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أعظم درجة عند الله تعالى لأن نفعها أعظم للأمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً» [٢٧] . ٨ - مراعاة قدرات الأشخاص: تختلف قدرات الناس وملكاتهم باختلاف أشخاصهم؛ فما يصلح لبعضهم قد لا يصلح للآخرين؛ ولهذا كان من الفقه أن يقدم المرء ما يستطيع أن يبدع فيه وينفع به الأمة على الأعمال الأخرى التي نفعه فيها أقل؛ فمن وهبه الله تعالى قوة في الفهم والحفظ وقوة في العقل والبصيرة فالمقدم في حقه طلب العلم. ومن وهبه الله تعالى شجاعة وقوة في القلب فالمقدم في حقه الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... وهكذا بقية الأعمال، وبهذا يحدث التآلف والتكامل بين أعمال الناس. ولهذا تنوعت إجابات الرسول ﷺ لأصحابه لمَّا كان يُسأل عن أفضل الأعمال، وفسر الحافظ ابن حجر سبب ذلك بقوله: «اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأن أعلم ﷺ كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره» [٢٨] . ويحسن التأكيد هنا إلى خللين يقع فيهما بعض الناس: أ - بعض المربين يريد أن يربي تلاميذه على هيئة رجل واحد دون مراعاة للقدرات والميول الفردية؛ ممَّا يؤدي إلى ضعف ظاهر في التربية. ب - بعض الدعاة قد يضخم من أهمية العمل الذي يقوم به بسبب استغراقه فيه وحرصه عليه، وقد يؤدي ذلك أحياناً إلى ازدراء الأعمال والتخصصات الأخرى والتهوين من شأنها، دون نظر فقهي وبصر علمي، وربما يكون بعض تلك الأعمال المهوَّن من شأنها أوْلى من العمل الذي يقوم به..!! والواجب أن يعطى كل عمل ما يستحقه، وكل عامل ما يتقنه ليحدث التكامل بين العاملين والأعمال. وقد كان الإمام مالك فقيهاً فطناً، فعندما كتب إليه عبد الله العمري يحضه على الانفراد والعمل، ردَّ عليه قائلاً: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له بالصوم، وآخر فتح له بالصدقة ولم يفتح له بالصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير» [٢٩] . ٩ - الإعراض عن المسائل التي لا ينبني عليها عمل جاد: الاشتغال بالمسائل النظرية التي لا ينبني عليها عمل جاد سبيل من سبل البطالين العجزة الذين يهدرون أوقاتهم وأوقات مؤسساتهم فيما لا نفع فيه للأمة، وكثيراً ما رأينا من يهدر أوقاته في قيل وقال وجدل عقيم لا فائدة من ورائه على الإطلاق. قال الإمام الشاطبي: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعاً؛ والدليل على ذلك استقراء الشريعة؛ فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملاً مكلفاً به؛ ففي القرآن الكريم: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ] (البقرة: ١٨٩) ، فوقع الجواب بما يتعلق به العمل، إعراضاً عما قصده السائل من السؤال عن الهلال....» . ثم قال الشاطبي كلاماً عظيماً يجب الاعتناء به، وهو قوله: « ... ومنها أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها؛ فما خرج عن ذلك قد يظن أنه على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العادية: فإنَّ عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعاً، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب؛ حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني؛ فذلك فتنة على المتعلم والعالم. وإعراض الشارع مع حصول السؤال عن الجواب: من أوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل ... » [٣٠] . ونحسب أن المؤسسات الإسلامية لو اشتغلت بالمسائل الجليلة التي ينبني عليها عمل مثمر، وتركت الخوض في المسائل النظرية والشكلية، لكانت ثمراتها أكثر نضجاً، وأرسخ جذوراً، وأعظم بركة بإذن الله تعالى.

стр. 4309

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة (١ ـ ٢) ما الفرنكوفونية؟ ولماذا الحديث عنها؟ الفرنكوفونية: حركة فكرية، ذات بعد أيديولوجي، تهدف إلى تخليد قيم (فرنسا الأم) في كل مستعمراتها التي انسحبت منها عسكرياً، ومدافعة التيارات القومية واللغوية الأخرى؛ وذلك من خلال اعتماد اللغة الفرنسية باعتبارها ثقافة مشتركة بين الدول الناطقة بها كلياً أو جزئياً. إنه إذا كان الحديث عن العلمانية، أو الشيوعية، أو القومية العرقية الانفصالية هو قلب الصراع في كثير من بلدان العالم الإسلامي، فإن الحديث عن الفرنكوفونية يعتبر حقاً هو قلب الصراع في الكثير من البلدان الإسلامية بإفريقيا وخاصة بلدان المغرب العربي؛ ذلك أن الأخطبوط الفرنكوني استطاع أن يحفظ الحياة لكثير من المقولات التي ماتت في الشرق بسبب التحولات العالمية الكبرى بدءاً بانهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين، وانتصاب الهيمنة الأمريكية على العالم؛ ذلك أن الماركسية اللينينية الراديكالية، وكذا (المعتدلة) منها، وما شابه ذلك من المنظمات والأحزاب التي غيرت أسماءها واتجاهاتها في بعض البلدان، استطاعت أن تجدد امتدادها في بلدان المغرب العربي، وتحفظ بقاءها، بسبب الاحتضان الفرنكوفوني لها. وكذلك التيارات الأمازيغية الانفصالية التي لم يكن يؤبه لها إبان الصراع الثنائي العالمي بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، برزت اليوم في الواجهة، لكن من خلال الاحتضان الفرنكوفوني أيضاً؛ بل لقد استطاعت الفرنكوفونية، هذا الشيطان القديم الجديد، أن تحول بعض الاتجاهات الماركسية إلى اتجاهات (ماركسية / أمازيغية) بإحياء الظهير البربري الذي أصدره الاستعمار الفرنسي بالمغرب والجزائر إبان الاستعمار، والذي كان يقتضي فصل العرب عن الأمازيغ (البربر) ، وعدم خضوع هؤلاء لما يخضع له إخوانهم العرب من جريان مناهج القضاء والتعليم الإسلامية عليهم، وأحدثوا لذلك قضاء عرفياً. ومن هنا صرنا نسمع اليوم لدى هذه التيارات الخطيرة شعارات مرفوعة باسم (كُسَيْلَةَ البربري) ، باعتباره رمزاً (وطنياً) ! وإنما كُسَيْلَةُ البربري هذا هو قاتل القائد المجاهد المسلم الذي فتح المغرب: عقبة بن نافع. إن معنى ذلك أن على الأجيال الجديدة المتخرجة من محاضن الفرنكوفونيين (الشيو / أمازيغيين) أن يعودوا إلى مغرب ما قبل الفتح الإسلامي، وهو مغرب كانت تتنازعه الوثنية والنصرانية. والمغرب في الاصطلاح التراثي القديم إنما هو مجموع الغرب الإسلامي. إن معالجة ملف الفرنكوفونية هي من الأهمية بمكان؛ بحيث تعتبر ضرباً في عمق التدافع الحضاري، ووقوفاً بثغر من ثغور الإسلام، لا عدوُّه يقل خطورة، ولا معركتُه تقل ضراوة، عما يواجهه المجاهدون في ساحات القتال هنا وهناك! إن العارفين بالخطر الفرنكوفوني يرون فيه نوعاً من الحرب يشبه إلى حد قريب ما عرف في تاريخ الأندلس بـ (معارك الاسترداد) التي خاضها النصارى الإسبان لطرد المسلمين منها. لذلك، ولأن «المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين» كان هذا الملف، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4310

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة الفرنكوفونية في سطور د. فريد الأنصاري [*] * ما هي الفرنكوفونية؟ يعود مصطلح الفرنكوفونية إلى عالم الجغرافيا الفرنسي: (أونزيم ركلو) (Reclus Onesime) الذي وضعه في أواخر القرن التاسع عشر: ١٨٨٠م؛ للدلالة على الدول التي تستعمل اللغة الفرنسية. ثم صار فيما بعد دالاً على مجموع المستعمرات الفرنسية القديمة الناطقة كلياً أو جزئياً باللغة الفرنسية؛ مما جعله يحمل كل معاني الهيمنة الثقافية والسياسية. - ١٩٠٦م تم تأسيس الجمعية العالمية للكُتّاب باللغة الفرنسية. - ١٩٤٤م ألقى الرئيس الفرنسي آنئذ الجنرال (دوجول) خطابه الرامي إلى مشروع بناء الاتحاد الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية؛ لربط مؤسسات المستعمرات الفرنسية بفرنسا الأم. - أكتوبر ١٩٤٦م تأسس الاتحاد الفرنسي، وهو يتألف من فرنسا الأم وسائر مستعمراتها؛ حيث تم إعلان أن لكل مستعمرة الحق في تسيير نفسها بنفسها لكن في إطار المجتمع الفرنسي والسيادة الفرنسية؛ وذلك لترسيخ فكرة: (فرنسا الإفريقية) عبر الثقافة الفرنسية والمدرسة والخدمة العسكرية. - ١٩٥٠م تأسس الاتحاد العالمي للصحافة الناطقة بالفرنسية. - ١٩٦٠م انعقد المؤتمر الأول لوزراء التربية والتعليم في فرنسا وإفريقيا؛ حيث تبلور مفهوم الفرنكوفونية نظرية ومنهجاً. - ١٩٦١م تأسس اتحاد الجامعات الناطقة كلياً أو جزئياً باللغة الفرنسية. - ١٩٦٢م نشرت مجلة (الفكر) الفرنسية عدداًً خاصاً حول محور (اللغة الفرنسية لغة حية) واعتبر محتوى العدد بمثابة البيان الأول للفرنكوفونية. - ١٩٦٤م تأسست فديرالية الجمعيات للانتشار الفرنسي. - ١٩٦٦م تشكلت اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسية، وأُقِرت بمرسوم جمهوري. ويرأسها رئيس الوزراء الفرنسي، وتتألف من عشرين شخصية تنتمي لعالم السياسية والأدب والفن والعلوم والإعلام والصناعة. وتحددت مهمتها في تطوير العلاقات الثقافية بين الدول الفرنكوفونية من المستعمرات وغيرها، ودراسة الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك. - ١٩٦٦م في الفترة نفسها تأسس المجلس الدولي للغة الفرنسية، وهو عبارة عن أكاديمية فرنسية دولية للبت في النزاعات اللغوية المتوقعة بين مستعملي اللغة الفرنسية من الدول الفرنكوفونية، وسائر المشتغلين بها من أهل الفكر. - ١٩٦٦م أيضاً تأسست المنظمة الدولية للبرلمانيين الناطقين بالفرنسية، بمطالبة من الرئيس السنيغالي السابق (ليوبولد سوار سنغور) ؛ حيث جعلت مقر إقامتها في بروكسيل، ومقر أمانة سرها في باريس. ثم انبثقت عنها مؤسسة (كوكبة المشاهير) التي بدأت تمنح جوائز أدبية لأفضل الكتاب والشعراء الفرنكوفونيين. - ١٩٦٩م تأسست في باريس الفيديرالية الدولية للمعلمين الناطقين بالفرنسية. -١٩٧٠م تأسست الفرنكوفونية بمفهومها الجديد، باسم (وكالة التعاون الثقافي والفني للتبادل الثقافي مع الحكومات) ، واعتبر تاريخ تأسيسها الموافق ليوم: (٢٠ مارس) بمثابة اليوم العالمي للفرنكوفونية. وقد اجتمع لذلك رؤساء ثلاث دول تحت الرعاية الفرنسية، يمثلون العرب والإسلام والمسيحية، وهم: الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، والرئيس السنيغالي السابق ليوبولد سوار سنغور، والرئيس النيجيري السابق حماني ديوري. فضمت الوكالة الفرنكوفونية ١٢ دولة أصبحت بعد ذلك ٥٠ دولة تمثل القارات الخمس، وتضم ربع دول العالم. - ١٩٧٤م تأسست الجمعية الفرنكوفونية للاستقبال والاتصال. - ١٩٨٦م انعقد المؤتمر الأول للفرنكوفونية بباريس بعدما تم التحضير له سنة ١٩٨٥م في دكار بالسنيغال. وقد ضم بالإضافة إلى المستعمرات القديمة بلداناً أخرى مثل بلجيكا واللكسمبورغ ومقاطعة الكيبك الكندية. وقد تتابعت المؤتمرات كل سنتين، في كل من كيبك، ودكار، وجزر موريس، وكوتونو، وهانوي ... إلخ، وكان آخرها حتى كتابة هذه السطور مؤتمر بيروت الذي انعقد سنة: ٢٠٠١م. - ١٩٩٢م بلغ عدد المتحدثين بالفرنسية ١٥٠ مليون نسمة. - ١٩٩٧م انعقد مؤتمر الفرنكوفونية في هانوي؛ حيث تم إحداث منصب الأمين العام للفرنكوفونية الذي يكون بمثابة سكرتير عام لها، وناطق رسمي باسمها، وممثل لها في المحافل الدولية، والمؤتمرات، والهيئات، والمنظمات؛ وقد تم انتخاب السيد بطرس بطرس غالي لشغل ذلك المنصب. - ١٩٩٨م انعقدت المناظرة الوزارية للفرنكوفونية، في بوخارست؛ حيث تم إقرار مصطلح (المنظمة الدولية للفرنكوفونية) للدلالة على مجموع هيئات الفرنكوفونية. - ٢٠٠١م، انعقد مؤتمر القمة التاسع للفرنكوفونية في بيروت. - ٢٠٠٢م مشاركة الأمين العام للفرنكوفونية السيد بطرس غالي في مؤتمر القمة العربي المنعقد أخيراً في بيروت: ٢٦/٣/٢٠٠٢م؛ حيث قدم تقريراً خطيراً عن مشاركة الفرنكوفونية في صنع القرار في عدد من الدول الإسلامية والعربية، وإشرافها على الانتخابات الرئاسية فيها. كما تحدث عن عقد معاهدات مع الدول العربية؛ لاحترام تعدد الثقافات، والتعدد اللغوي؛ تأميناً لنشاط الفرنكوفونية بها؛ وتحييداً لأي مقاومة لها. * تسيّر الوكالة الفرنكوفونية مجموعة من المؤسسات هي: ١- القمة الفرنكوفونية: وتضم رؤساء الدول والحكومات الأعضاء. تجتمع كل سنتين في إحدى العواصم، وتهتم بالقضايا السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتقنية، وتقر برامج التعاون. ٢- المؤتمر الوزاري للفرنكوفونية: يسهر على سير المنهج السياسي الذي تقره القمة، ويضم وزراء خارجية الدول الأعضاء، ويعتبر مؤتمراً للمتابعة. ٣- المجلس الدائم للفرنكوفونية: وهو الهيئة السياسية الدائمة التي تتابع تنفيذ مقررات القمة، وتتكون من الممثلين الشخصيين لرؤساء الدول والحكومات، وهي مجلس إدارة الوكالة. ٤- الأمانة العامة: الأمين العام ينتخبه رؤساء الدول والحكومات، وهو رئيس المجلس التنفيذي، والناطق الرسمي السياسي باسم الفرنكوفونية. ٥- المكاتب الجهوية: للوكالة الفرنكوفونية مكاتب جهوية. نها مكتب إفريقيا الغربية الذي أنشئ في التوغو سنة: ١٩٨٣م، ومكتب إفريقيا الوسطى الذي أنشئ في ليبرفيل سنة: ١٩٩٢م، ومكتب فيتنام الذي أنشئ سنة: ١٩٩٤م. ٦- مكاتب الاتصال: للوكالة مكاتب للاتصال مثل مكتب نيويورك للاتصال مع الأمم المتحدة، ومكتب جنيف للاتصال مع المنظمة الدولية، ومكتب بروكسيل للاتصال مع المجموعة الأوروبية. ٧- المراسلون: وللوكالة مراسلون في الدول الأعضاء، معينون من قبل حكوماتهم تحت إمرة وزارة الخارجية أو وزارة الفرنكوفونية. * مشاركات الوكالة الفرنكوفونية: - شاركت الوكالة في مؤتمر السكان بالقاهرة سنة: ١٩٩٥م، وفي القمة الدولية من أجل التنمية: ١٩٩٥م، وكذلك في المؤتمر الدولي الرابع حول المرأة والتنمية في بكين: ١٩٩٥م. وفي مؤتمر الأمم المتحدة حول الإنسان والسكن: ١٩٩٦م. وما زالت تعقد مؤتمرات للوزراء متخصصة عن الثقافة والاقتصاد والعدل والأطفال منذ سنة: ١٩٩٠م إلى اليوم؛ وذلك في كل من مدينة لييج والقاهرة وتونس ودكار ومونتريال ومراكش. - تعتبر القناة التلفزيونية الخامسة الفرنسية المؤطر الإعلامي الأساس للشعوب الفرنكوفونية، والموجهة لاستقطاب المهتمين باللغة الفرنسية، ولتعزيز الحضور الفرنسي والفرنكوفوني بصورة قوية؛ وذلك بإنشاء المسابقات اللغوية والثقافية، ورعاية كل أنماط المتحدثين بالفرنسية. - تعلن الفرنكوفونية وصايتها على الشأن السياسي في العالم بالنسبة للدول الأعضاء، وتخصص ميزانية للعون والمشورة للحكومات الفرنكوفونية؛ لمساعدتها على تنظيم الانتخابات واستيعاب بعض مشاريع التنمية الاقتصادية. كل ذلك طبعاً مع الشروط الفرنكوفونية السياسية، والثقافية واللغوية [١] .

стр. 4311

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة جوانب من تأثير الفرنكوفونية في نظام التربية والتعليم بالمغرب د. خالد الصمدي [*] مقدمة: إذا كان التعليم والتربية يضطلعان بدور خطير وحاسم في ترسيخ القيم والخصوصيات الحضارية للشعوب، فإن الاستعمار في العالم العربي والإسلامي سعى بكل الوسائل إلى تغيير بنية التعليم والتربية كجزء من مخطط واسع للفصل بين الإنسان ومقوماته الحضارية بهذه الدول [١] . وسنركز على النموذج الفرنسي بالمغرب، ومدى تأثيره كاستعمار مباشر أولاً، واستعمار غير مباشر ثانياً، في صياغة مشاريع إصلاح التعليم بهذا البلد، ومدى تأثير ذلك في تشكيل المنظومة الفكرية والثقافية به، والتي تنعكس آثارها بجلاء على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مما يتجلى تأثيره المباشر والظاهر حتى في تشكيل منظومة القيم، والذي يؤشر على أقصى درجات التحول في المجتمعات والأمم. ويمكننا أن نجمل محاور المخطط التعليمي الفرنسي بالمغرب في: - التعليم الانتقائي الطبقي. - لغة التدريس، وتدريس اللغة. - تمزيق الهوية الوطنية. - احتواء وتوجيه النظام التعليمي السائد. وبيان ذلك هو كما يلي: * التعليم الانتقائي الطبقي: ونقصد به التمييز بين طبقات المجتمع في تلقي أنماط من التعليم لا تكون بالضرورة ذات توجه واحد، بل تتميز عن بعضها في الأهداف والطرق والوسائل. والقصد من ذلك حسب ما يستفاد من النصوص خلق نخبة مثقفة تثقيفاً فرنسياً تفوض إليها على المدى المتوسط والبعيد صلاحية تنفيذ مخططات فرنسا السياسية والاقتصادية والثقافية، بمقابل شريحة متعلمة من ذوي النفوذ المتوسط وخاصة على المستوى الاجتماعي، وتبقى بعد ذلك الجماهير البدوية المبعثرة في جميع أنحاء البلاد التي ليس من الضروري تعليمها وثثقيفها إلا بقدر ما يسمح به محيطها الفلاحي والرعوي، وينفصل عن كل هذا وذاك طائفة اليهود والأوروبيون الذين يجب الحفاظ لهم على نمط خاص من التعليم يساير كلياً النظام الأوروبي دون أن يكون له تأثر بأنساق التعليم التى يراد تسويقها في البلد. وهكذا يحدد هاردي hardy الخطوط العريضة لهذا التصور في لقاء له بمكناس سنة ١٩٢٠م مع جماعة من الحكام الفرنسيين؛ إذ يقول في خطابه: «منذ ١٩١٢م دخل المغرب في حماية فرنسا، وقد أصبح في الواقع أرضاً فرنسية رغم استمرار بعض المقاومة في تخومه، تلك المقاومة التي تعرفون أنتم وإخوانكم في السلاح مدى ضراوتها، فإنه يمكن القول إن الاحتلال العسكري لمجموع البلاد قد تم، ولكننا نعرف نحن الفرنسيين أن انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل، إن القوة تبني الإمبراطوريات ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام، إن الرؤوس تنحني أمام المدافع، في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد والرغبة والانتقام، يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان. إن كانت هذه المهمة أقل صخباً من الأولى فإنها صعبة مثلها، وهي تتطلب في الواقع وقتاً أطول» [٢] . ومن أجل إخضاع هذه النفوس وجب وضع مخطط لإعادة هيكلة التعليم بالمغرب يكرس نوعاً من الطبقية التعليمية؛ وفي هذا الصدد يقول هاردي أيضاً: «وهكذا فنحن ملزمون بالفصل بين تعليم خاص بالنخبة الاجتماعية، وتعليم لعموم الشعب: الأول يفتح في وجه أرستقراطية مثقفة في الجملة توقفت عن النمو الفكري بسبب تأثير العلوم الوسيطة ... إن التعليم الذي سيقدم لأبناء هذه النخبة الاجتماعية تعليم طبقي يهدف إلى تكوينها تكويناً منظماً في ميدان الإدارة والتجارة، وهي الميادين التي اختص بها أبناء الأعيان المغاربة. أما النوع الثاني وهو التعليم الشعبي الخاص بالجماهير الفقيرة والجاهلة جهلاً عميقاً فيتنوع بتنوع الوسط الاقتصادي: في المدن يوجه التعليم نحو المهن اليدوية خاصة مهن البناء، وإلى الحرف الخاصة بالفن الأهلي. أما في البادية فيوجه التعليم نحو الفلاحة ... وأما في المدن الشاطئية فسيوجه نحو الصيد البحري والفلاحة، أما عن المواد العامة التي ستتخلل هذا التعليم التطبيقي فهي اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط التلاميذ بفرنسا» [٣] . * لغة التدريس، وتدريس اللغة: إن خاتمة كلام هاردي تكشف عن قوة العلاقة بين اللغة والثقافة والمجتمع، في مخطط التعليم الفرنسي الاستعماري بالمغرب، وخاصة في قوله: «اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط التلاميذ بفرنسا» ، ولئن كانت اللغة الفرنسية العامل الحاسم في التواصل، ونقل الثقافة؛ فإن السياسة اللغوية في النظام الاستعماري الفرنسي عرفت تخطيطاً دقيقاً تمثل في تشجيع التلقين باللغة الفرنسية، والتقليل من مساحة التلقين باللغة العربية، وعدم اعتبار هذه الأخيرة لغة علم، مع الاحتفاظ بها تدريجياً كلغة للتواصل اليومي فقط، على أن يعمل الاستعمار بعد ذلك على الفصل بين العرب والبربر في استعمال اللغة العربية، عن طريق تشجيع استخدام اللهجات البربرية إلى جانب الفرنسية كلغة للتدريس. ولا نشك أن هذا التوجه اللغوي كان القصد منه هو إضعاف الروابط القوية القائمة بين اللغة العربية والدين باعتبارها لغة القرآن، وبها دونت أغلب مصادر التراث والثقافة الإسلامية. ولم يُخْفِ المقيم العام بالمغرب رمز الاستعمار الشهير: الجنرال ليوطي هذا التوجه، حين أصدر دوريته الشهيرة بتاريخ ١٦/٦/١٩٢١م حول لغة التعليم بالمغرب؛ إذ يقول: «من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية ... فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام» [٤] . ومباشرة بعد صدور دورية ليوطي نجد (leglay maurice موريس لوجلي) ينشر مقالة مؤيدة لهذا التوجه، وذلك في السنة نفسها يقول فيها: «إن التعريب سيقود البربر إلى إسلام تام ونهائي، وإلى أن توجد بالمغرب وعلى أيدينا نحن، وهو ما نرفضه كتلة إسلامية منسجمة لا نظير لها ... والمشروع يفرض أن يتم تطوير سكان الجبال باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية وسوف يحكمون بالفرنسية ... علينا أن نُقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا.. ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالح الشعب المغربي في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضاً تحويل مصيره إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا» [٥] . وكانت هذه السياسة اللغوية والتعليمية قد جربت في الجزائر منذ نهاية القرن التاسع عشر حين أصدر والي فرنسا آنذاك الأميرال كيدون سنة ١٨٧١م أوامره إلى الآباء البيض (وهم أعضاء منظمة تبشيرية فرنسية كانت تعمل من أجل تنصير البربر في الجزائر وتونس) قائلاً: «إنكم إذا سعيتم إلى استمالة الأهالي بواسطة التعليم وبما تسدون إليهم من إحسان تكونون بعملكم هذا قد قدمتم خدمة جليلة لفرنسا؛ فليس في وسع فرنسا أن تنجب من الأطفال ما يكفيها لتعمير الجزائر، ولذلك فمن الضروري الاستعاضة عن ذلك بفرنسة مليونين من أبناء البربر الخاضعين لسلطتنا. واصلوا عملكم بحنكة ودربة وحيطة، ولكم مني التأييد، وفي إمكانكم أن تعتمدوا علينا كل الاعتماد) » [٦] . * تمزيق الهوية الوطنية: وقد توخت الدولة المستعمرة من برنامجها هذا بإعلان الظهير البربري سنة ١٩٣٠م «وهي السنة التي سيكشف فيها النقاب عن منحى آخر للسياسة التعليمية الفرنسية بالمغرب، وكان هذا الظهير يهدف إلى النيل مباشرة وبصورة خطيرة من الكيان المغربي وهويته العربية والإسلامية، وذلك بالفصل بين ما كانت سلطات الحماية تسميه بالعنصر العربي من جهة، والعنصر البربري من جهة ثانية، فصلاً حضارياً شاملاً كان المقصود منه فرنسة وتنصير القسم الأكبر من الشعب المغربي (البربر) » [٧] . وهكذا قررت فرنسا إنشاء ما سمته بالمدارس الفرنسية البربرية لتمزيق الهوية المغربية وإيجاد جيل تابع لفرنسا هجين الثقافة، مفتقد للهوية مستعد للتضحية من أجل فرنسا عند أول نداء. وقد أفصحت فرنسا بوضوح عن الهدف من إنشاء هذه المدارس. يقول (المسيو مارتي) : «لقد حصل الاتفاق بين إدارة التعليم العمومي وإدارة الشؤون الأهلية، وتحددت بذلك مبادئ سياستنا التعليمية البربرية بكامل الدقة. إن الأمر يتعلق بمدارس فرنسية بربرية تضم صغار البربر يتلقون تعليماً فرنسياً محضاً ويسيطر عليها خصوصاً اتجاه مهني فلاحي. إن البرنامج الدراسي في هذه المدارس يشتمل على دراسة تطبيقية للغة الفرنسية، لغة الحديث والكلام، بالإضافة إلى مبادئ الكتابة والحساب البسيط، ونتف من دروس الجغرافيا والتاريخ، وقواعد النظافة ودروس الأشياء ... إن المدرسة الفرنسية البربرية هي إذن مدرسة فرنسية بالمعلمين، بربرية بالتلاميذ، وليس هناك أي مجال لأي وسيط أجنبي. إن أي شكل من أشكال تعليم العربية، أو أي تدخل من جانب الفقيه، أو أي مظهر من المظاهر الإسلامية لن يجد مكانه في هذه المدارس؛ بل سيقصى منها جميع ذلك بكل صرامة» [٨] . هكذا يصبح في المنظومة التربوية الفرنكوفونية فقيه الكتاب، ومعلم القرآن، ومدرس العربية، كل ذلك (وسيطاً أجنبياً) كما عبر في النص، والحال أن الميدان الخاضع لتلك المنظومة هو وطن المسلمين وأبناء المسلمين! * احتواء النظام التعليمي السائد: وبعد هذا التصور التعليمي الذي خطه المستعمر؛ يبقى الإشكال قائماً في كيفية التعامل مع النظام التربوي والتعليمي السائد في البلد، وخاصة نظام التعليم بجامعة القرويين، ولم يكن التخطيط لمواجهة هذا الإشكال ليعزب عن بال المستعمر؛ ويتجلى ذلك واضحاً في ما كتب الميسيو مارتي من توجيهات إلى الحماية الفرنسية بالمغرب في كتابه: «مغرب الغد» الصادر سنة ١٩٢٥م حين يقول: «إنه على الرغم من أن القرويين تجتاز أزمة خانقة فإنها لن تموت، بل لا بد أن تتطور ذاتياً بتأثير الأفكار الواردة من المشرق، وفي هذه الحالة سينقلب الأمر ضد الحماية وتصبح عاجزة عن التحكم في الأحداث. ولذلك يجب أن نعمل على تجديد القرويين؛ لأنه إن لم نفعل فإن هذا التجديد الذي تفرضه الظروف؛ سيتم بدوننا وضدنا. إن تجديد القرويين سيمكننا أن نحتفظ في المغرب بأولئك الشبان النازحين من عائلات مرموقة، بدل تركهم يذهبون إلى الشرق لتلقي العلم الذي ستحرمهم منه جامعة القرويين في حالة عدم تجديدها! .. ماذا يمكن أن يأتي به هؤلاء الشبان من الشرق؟ ألا يعودون بميول إنجليزية؟ أو بروح النهضة الإسلامية والتعصب الوطني؟» [٩] . ومن هنا يتضح أن التدابير المختلفة المقترحة من أجل تجديد القرويين، والخاضعة لمراقبة فرنسية دقيقة، ليست أبداً تدابير ثورية، إنها تدابير ستمكننا من توجيه التطور الداخلي لهذه الجامعة، وهو التطور الذي بدأ يعلن عن نفسه من الآن. إن المثل القائل: (لا تحرك من لا يحرك ساكناً) هو بكل تأكيد من أحسن المبادئ السياسية، ولكن عندما يتململ النائم ويهدد بالاستيقاظ فإن الحكمة تقتضي ولا شك أن لا يترك الإنسان نفسه يفاجأ بالأحداث [١٠] . ولئن كانت جامعة القرويين تضم أسلاك التعليم كلها من الابتدائي إلى الجامعي؛ فإن المستعمر قد وضع مخططاً لبناء تعليم جامعي مواز للقرويين؛ فتم تأسيس معهد عال تحت اسم: (المدرسة العليا الفرنسية البربرية) سنة ١٩١٤م ثم تحول سنة ١٩٢٠م إلى (معهد الدراسات المغربية العليا) حيث احتلت دراسة اللهجات البربرية والإثنوغرافيا والفلكلور المغربي مكان الصدارة فيه، وقد تحول هذا المعهد إلى كلية للآداب والعلوم الإنسانية غداة الاستقلال [١١] . وقد انتقلت هذه الدراسات والأبحاث إلى الأقسام الاستشراقية المتخصصة بفرنسا بعد الاستقلال، وشجعت بشكل كبير عن طريق تخصيص المنح وإمكانات البحث والتأطير المتطورة. * موقف الشعب المغربي من السياسة التعليمية الفرنسية قبل الاستقلال: يملك الشعب المغربي هوية إسلامية ضاربة في أعماق التاريخ، فلم يكن لمثل هذه التدابير التعليمية التي لا تنفصل في العموم عن السياسة العامة للاستعمار الفرنسي أن تجد مكاناً مريحاً لها في النظام التعليمي المغربي؛ إذ كانت مقاومة هذا المخطط جزءاً لا يتجزأ من مقاومة الاستعمار بكافة أشكاله. ويمكننا أن نجمل مظاهر هذا الرفض في تجليات أساسية تتفرع عنها جزئيات تجد أثرها في مظاهر الحياة العامة، وتتمثل هذه التجليات الأساسية في: - زيادة تمسك المغاربة باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن، ووسيلة التفقه في الدين، ووسيلة لإظهار التماسك والتلاحم الوطني في وجه المستعمر. «وبذلك أصبحت المطالبة بجعل اللغة العربية لغة التعليم والإدارة، ولغة كل المغاربة بدون استثناء؛ مطلباً شعبياً، ترفع حوله الشعارات في كل المناسبات الوطنية، بل من المبادئ الأساسية التي ترى فيها الحركة الوطنية مظهراً من مظاهر الاستقلال، وهذا ما أجهض مشروع المدارس الفرنسية البربرية، ومن ثم المشروع اللغوي الذي كانت فرنسا تأمل تحقيقه بالمغرب» [١٢] . - إجهاض الظهير البربري في مهده عن طريق قيام الحركة الوطنية المنظمة التي خاضت المعارك العسكرية والثقافية ضد المستعمر، بعد أن كانت المقاومة قبل صدور الظهير البربري مقتصرة على ما يشبه حروب العصابات المتقطعة، في أنحاء البلد، بحيث لا يربطها عقد ناظم، ولا تخضع لتصور مشترك، ولا تحمل مشروعاً ثقافياً واجتماعياً يحول دون المسخ الثقافي للبلد. - وضع مبادئ أساسية لإعادة هيكلة وتحديث النظام التربوي والتعليمي بالمغرب تواجه المخطط الاستعماري، وتتمثل هذه المبادئ في اعتماد مبدأ التوحيد (توحيد أنماط التعليم) ، في مواجهة مخطط الفصل، وتعدد أنماط التعليم الذي تحدثنا عنه تحت عنوان (التعليم الانتقائي الطبقي) ، واعتماد مبدأ التعريب في مواجهة السياسة اللغوية في النظام التعليمي بالمغرب التي كانت تحاول إضعاف اللغة العربية وتشجيع اللهجات البربرية، كخطوة لتعميم استعمال اللغة الفرنسية. - إنشاء مدارس وطنية أهلية، سميت (بالمدارس الحرة) ، والتي لقيت تشجيعاً وتمويلاً من طرف الأهالي. «وقد افتُتِحت أربعون مدرسة في ظرف سنة واحدة! وهو رقم قياسي في شمال إفريقيا، بل حتى في عالم المستعمرات ... وتجددت في القرى حملة ١٩٣٠م (حول التمدرس) وسارت بوتيرة سريعة، وأعيد فتح معظم المدارس التي أقفلت في سنة ١٩٣٧م، وفتحت مدارس جديدة في بعض المداشر (أي قرى بدوية بالجبال) ، هذه الظاهرة قلما شوهد لها مثيل قبل هذا التاريخ» [١٣] . هذا بالإضافة إلى التعليم الممارس في المدارس العتيقة والمساجد والزوايا. وهكذا شكلت المسألة التعليمية ساحة للصراع بين التوجه الاستعماري الفرنكوفوني والحركة الوطنية؛ مما يجسد وعياً متقدماً لدى زعماء التحرير بخطورة المعارك الثقافية، بشكل لا يقل درجة عن المعارك العسكرية. * مشاريع إصلاح التعليم بالمغرب بعد الاستقلال بين الدعوة لتعزيز التعريب وازدواجية القرار: ككل البلدان التي تتخلص من الاستعمار العسكري، وتتوقد فيها جذوة إثبات الذات بعد الفترات العصيبة، حاول المغاربة استثمار الرصيد القومي المفعم بالحماس الوطني، واستثمار الشعور الإسلامي الذي شكل الرصيد المعنوي والروحي للحركة الوطنية، في إعادة بناء ما أفسد المستعمر، غير أن ثقل الموروث الاستعماري، جعل المغرب (على المستوى الرسمي) ، مكبلاً بقيود أملتها طبيعة المفاوضات التي كانت بينه وبين فرنسا؛ إذ لم يشهد المغرب قطيعة كلية مع نظام المستعمر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ «فطبيعة العلاقات التي سينسجها المغرب المستقل مع فرنسا فيما بعد، وكذا نوعية الحلول المرتقبة للقضايا الموروثة عن عهد الحماية، ومنها قضية التعليم بكل أبعاده، ستكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة المفاوضات السياسية التي تمت بين الطرفين في (إكسليبان) ، وبالكيفية التي تم بها نقل السلط من رموز سلطة الحماية إلى من تسلم هذه السلط بعد الاعتراف الرسمي باستقلال المغرب» [١٤] . ومن هنا كان الطابع العام الذي طبع الوضع الجديد في المغرب؛ «هو (الاستقلال في إطار الاستمرارية) على - حد تعبير الجابري - إن هذا يعني أنه كان على الحكومة أن تقبل الوضع كما هو، وأن تتسلم السلطة تدريجياً بإحلال موظفين مغاربة مكان الموظفين الفرنسيين، وأن تعالج مختلف القضايا بالتشاور مع فرنسا» [١٥] . وهذه الازدواجية بين الحماس الديني والوطني، وثقل التركة الاستعمارية، أثرت ولا زالت تؤثر في مشاريع البناء والإصلاح على جميع الأصعدة. ويمكننا أن نلمس هذا التأثير على صعيد التعليم في تعثر مشاريع الإصلاح المتوالية منذ عهد الاستقلال، والتي لم تستطع بناء نموذج تعليمي واضح المعالم، محدد المقاصد والغايات، يستمد مشروعيته من الأصالة المغربية، ويجد امتداده في المعاصرة المتوازنة؛ فكان الاضطراب هو السمة الغالبة في التعامل مع كثير من القضايا المفصلية في النظام التعليمي، وطغى هاجس التفاوض والتوافق على مشاريع إصلاح التعليم، بين التيار الفرنكوفوني الذي يجد سنده في المعاهدات المغربية الفرنسية غداة الاستقلال من جهة، وتغلغله ونفوذه في مراكز القرار والسلطة من جهة ثانية، وبين التيار الوطني المدعوم شعبياً والمفتقد لأدوات الضغط الإدارية الكافية للتأثير في صياغة المشاريع وتنفيذها. ومن مظاهر هذا الاضطراب التعامل مع مبدأ تعريب التعليم؛ فهو المبدأ الذي لا زال حتى الآن يرزح في مكانه، ويكفي أن نذكر أن أول مشروع تعليمي أقره المغرب غداة الاستقلال أكد ضرورة اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتدريس، واعتبر أن مبدأ التعريب هو أحد الأعمدة الأربعة التي سيقوم عليها إصلاح التعليم بالمغرب، والمحددة في التوحيد والتعميم والتعريب والْمَغْرَبة. وقد أعلن وزير التعليم آنذاك محمد الفاسي في ندوة صحفية في نهاية السنة الدراسية ١٩٥٥ - ١٩٥٦م أن اللغة الأساسية للتعليم هي اللغة العربية. غير أن الازدواجية ستظهر في أول خطوة تطبيقية بحيث أقرت اللجنة نفسها في اجتماعها بعد سنتين أي سنة ١٩٥٨م تدريس العلوم باللغة الفرنسية، منذ القسم الأول، ويعلق الدكتور الحسن مادي على ذلك قائلاً: «إن تدريس العلوم منذ القسم الأول من التعليم الابتدائي، وترك بعض المواد تدرس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية، والأخلاقية، وقواعد اللغة، وكل ما يتصل بالأدب؛ سيخلق لدى التلميذ إطاراً مرجعياً، ينظرون من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم، ولغة أدب، لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجي، ولغة أخرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير، وكل هذا يتم كما حددته اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، بداية من السنة الأولى بالتعليم الابتدائي، أي منذ دخول التلميذ إلى المدرسة الحكومية. إنها فعلاً ازدواجية ستصاحب هذا التلميذ خلال دراسته كلها، وتلك وضعية لم يخترها الطفل المغربي بنفسه، بل هي استمرارية لمواقف سياسية لم تحسم بشكل واضح أثناء التفاوض على الاستقلال» [١٦] . وقد بقي هذا الاضطراب سائداً في جميع مشاريع الإصلاح سواء في التصميم الخماسي ١٩٦٠ - ١٩٦٤م أو التصميم الثلاثي ١٩٦٥ - ١٩٦٧م، أو التصاميم الحكومية الموالية، أو مخططات اللجان الملكية المستحدثة لإصلاح التعليم، والتي بنيت في أغلبها على تقارير البنك الدولي التي تشخص الوضعية التعليمية بالمغرب، في ارتباطها بالمجال الاجتماعي والاقتصادي [١٧] . ويكفي أن نشير إلى أن النظام التعليمي في المغرب الآن يعرف العمل بمبدأ تدريس العلوم التجريبية والطبيعية باللغة العربية، في حدود التعليم الثانوي، مع اعتماد اللغة الفرنسية في تدريس هذه المواد بالتعليم العالي؛ مما خلق ارتباكاً واضحاً في مستوى التحصيل لدى التلاميذ، وأجهض عملية تعريب التعليم من أساسها كتجربة كان يمكن أن تنجح لو حضرت الإرادة الوطنية القوية، وخف ضغط التيار الفرنكوفوني المتنفذ الذي لا يخفي تخوفه من حملة مدروسة لتطبيق مبدأ التعريب، يتم الاستفادة فيها من التجارب الناجحة لبعض الدول العربية كسوريا والأردن. ويحمل مسؤولية التخلف العلمي والتقني إلى اللغة العربية، وكأن بلدان العالم العربي التي تدور في فلك الفرنكوفونية وتعتمد الفرنسية لغة للتدريس قد حققت بفعل ذلك طفرة نوعية في هذه المجالات، والواقع أنها فقدت هويتها، ولم تحقق ما كانت تنشد من تقدم. نحن لا نستغرب حين نجد من يقول: «وفي حالة المغرب اليوم وربما لحقبة تاريخيةٍ ما يبقى التعريب الشامل للتعليم العلمي والتقني والمهني حاملاً لخطر إقصاء ملايين الشباب من عوالم الاقتصاد، والإدارة، والتواصل، المفروض أن يحققوا فيها ذواتهم ويساهموا بمقدراتهم في الرفع من القدرة التنافسية لبلادهم ككل. بل من شأن هذا الإقصاء أن يحشرهم فيما قد يبدو مجرد مخيم هائل للفقر الثقافي، والتهميش السوسيو اقتصادي، وهو مخيم قد يواسى فيه المرء بشعور الافتخار الذاتي بالهوية اللغوية المسترجعة، لكنها في الأغلب هوية مفقرة بالأحادية اللغوية وملتبسة معها، هوية مرتجلة وممنوحة من فوق؛ ومن ثم مستلبة سلفاً بصفتها هذه، هوية لفظية مقصورة على الفم، ومستندة إلى تربية مختزلة، ومعرفة متجاوزة، هوية سرعان ما تكون مجروحة، مصدومة ومعقدة بفعل الكبت الاقتصادي والتواصلي» [١٨] . ولا أجد تعقيباً على هذا أصدق من قول الدكتور المهدي المنجرة خبير المستقبليات في أحد حواراته: «لا أقبل من أي أحد أن يقول إنها قضية بيداغوجية، وأن لنا مشاكل، وأن التعريب صعب، وصعب أن نستعمل اللغة العربية في تعليم الكيمياء والبيولوجيا. فهذا كلام لا أساس له؛ لأن التجارب في العالم بأسره برهنت أنه بدون الاعتماد على اللغة الوطنية، وبدون لغة الأم في تعليم العلوم، لن يكون هناك تقدم حقيقي، وأستطيع أن أقدم لك نماذج من كوريا وتايوان واليابان وماليزيا والصين وغير ذلك. هناك ضغط من الخارج، وتخوف من نخبة معينة لها مناصبها ووظائفها، وحياتها كلها مبنية على اللغة الأجنبية؛ فالاستعمار كان واضحاً.. راح الاستعمار وخلف أفراداً معينين قائمين بالعمل.. وأظن أنه لم يتبق وقت للكلام في هذا الموضوع؛ لأنها ليست قضية تقنية أو فنية. يجب أن نتفق أنها قضية سياسية» [١٩] . وأقول إن تشبث النظام التعليمي المغربي باللغة الفرنسية هو الذي حرم الكثير من خريجي هذا البلد من الانفتاح على سوق الشغل العربية الواسعة؛ لضعفهم في اللغة العربية أولاً، ثم لضعفهم في اللغة الإنجليزية ثانياً، ثم لتخلف البحث العلمي وأساليب التكوين في النظام الفرنسي بسنين عديدة عن النظام الأنجلوسكسوني المعتمد في بلدان المشرق العربي. ويجزم كثير من الباحثين الاقتصاديين والاجتماعيين أن هذا الخيار هو السبب المباشر في تقوقع الخريجين المغاربيين، ضمن الدائرة الفرنكوفونية الضيقة بأوروبا (فرنسا وشطر من بلجيكا) والبعيدة بعد المشرقين (كندا) ، والنامية أو المتخلفة (الدول الإفريقية الفرنكوفونية) التي تتنازعها الحروب، ولا توجد فيها أي فرص للاستثمار. وقد وعى المغرب أخيراً خطأ الرهان على الخيار الفرنسي، وارتأت اللجنة الوطنية لإعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي تعمل الدولة على صياغته الإجرائية حالياً، ضرورة تعزيز مكانة اللغة العربية، وتقوية التكوين في اللغة الإنجليزية وبها. ومع ذلك لم يسلم هذا المشروع بدوره من السقوط في فخ التوازنات. وقد أقر الميثاق الوطني للتربية والتكوين المعتمد في مشاريع إصلاح التعليم الجارية الآن إجراءاتٍ لتعزيز مكانة اللغة العربية في النظام التعليمي بصفة عامة ومنها: - تأسيس أكاديمية للغة العربية. - اعتبار مادة اللغة العربية إجبارية في جميع التخصصات. - الدعوة إلى إنشاء مسالك تعتمد التدريس باللغة العربية في كليات العلوم بالتعليم العالي. غير أن ذلك لم يمنع من إعادة التمكين للغة الفرنسية لغة للدراسة، ولغة للتدريس مع إدخال تدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من السنوات الأولى للابتدائي، إضافة إلى تدريس اللهجات الأمازيغية؛ وهو ما يعتبر تجنياً على التلميذ المغربي الذي سيجد نفسه في سنواته الدراسية الأولى أمام خيارات لغوية متعددة تحرمه من إتقان اللغة العربية، والانفتاح الموزون والمتدرج على اللغات الأخرى، كما تعتبر هذه الإجراءات ضارة بمكانة اللغة العربية في النظام التعليمي رغم ما قرر في شأنها من إصلاحات؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على طابع التوافقات السياسية، وهاجس التوازنات الذي لا زال يلقي بظلاله على الخيارات التربوية، في مجال التعليم والتربية، منذ عهد الاستقلال إلى الآن [٢٠] . وإلى جانب كل ذلك نجد أن هناك جهوداً كبيرة؛ للتمكين للنظام التعليمي الفرنسي بالمغرب، أكثر من أي وقت مضى، كالتركيز على دعم تدريس اللغة الفرنسية، وتدريسها بأغلب دور الحضانة، ورياض الأطفال، وكثير من مؤسسات التعليم الخاص، بالإضافة إلى تعزيز مكانة البعثات الفرنسية بالمغرب، والتي يرتادها أبناء الأعيان من المغاربة، والتي تعتمد برامج ومناهج فرنسية، لا تخضع لرقابة وزارة التعليم المغربية، بالإضافة إلى اعتماد اللغة الفرنسية لغة للتواصل في أغلب الإدارات المغربية والقطاعات الحيوية الاجتماعية والاقتصادية رغم القرارات الإدارية الرسمية الداعية إلى اعتماد اللغة العربية في جميع مرافق الدولة [٢١] ، مما يرشح استمرار داء الازدواجية، والصراع مع الأيديولوجية الفرنكوفونية حتى إشعار آخر في غياب إرادة قوية وحاسمة، وقرار مستقل عن التوصيات الملزمة التي تمليها المؤسسات الدولية، قرار يدعم اللغة الوطنية وينظم تعلم اللغات الحية، كلغات للتواصل مع الآخر، وسيستمر هذا الأمل قائماً في ظل التحولات التي كرست التراجع الكبير الذي تعرفه مكانة اللغة الفرنسية في قائمة اللغات الحية العالمية، وخاصة في مجال التكوين والبحث العلمي.

стр. 4312

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة الأبعاد الثقافية والأيديولوجية للفرنكوفونية بالمغرب د. محمد خروبات [*] * محاولة في تحديد الفرنكوفونية.. ما هي؟ يقول بعضٌ إن الحركة الفرنكوفونية ترتبط بقدم تسلط فرنسا على مستعمراتها، ويقول بعضٌ آخر إنها حركة فكرية وثقافية برزت بعد الاستقلال تحاول صهر كل الدول التي كانت تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية في إطار واحد. النظرة الأولى: حبست نفسها في المرحلة الاستعمارية، وهي المرحلة التاريخية التي كان فيها بلد ما تحت الاحتلال العسكري لفرنسا، وتنحصر هذه النظرة في لحظة الهجوم ولحظة الخروج العسكري وتحصيل ما يسمى بـ «الاستقلال» . وسواء كانت هذه النظرة تنطلق من لحظة الهجوم صوب لحظة الاستقلال، أو تنطلق من لحظة الاستقلال إلى لحظة الهجوم فاستنتاجها يبدو واحداً. النظرة الثانية: حبست نفسها في مرحلة الاستقلال، وهي المرحلة التاريخية التي بدأ فيها بلد كالمغرب مثلاً يحس بأنه تحرر من الاستعمار العسكري الفرنسي المباشر. وهذه النظرة تحصر نفسها بين لحظة الاستقلال إلى العهود الحالية. وسواء عليها أكانت تنطلق من لحظة تحصيل الاستقلال إلى العهد الحالي أو العكس فإن استنتاجها يبدو هو أيضا واحداً. تهمنا الإشارة إلى هاتين النظرتين؛ لأنهما من أقوى الاتجاهات في تحديد الفرنكوفونية في إطار من التاريخية والموضوعية المطلوبتين، وعند النظر يتبين أنهما غير متعارضتين؛ فالنظرة الثانية تكمل الأولى والعكس. وللتوفيق نقول: إن الفرنكوفونية حركة حديثة برزت بعد الاستقلال، لكنها تحتضن كل عوامل الماضي وسلبياته، وهي جزء من الإمبريالية الابتلاعية، غير أنها مرتبطة ببلد واحد، وبدولة غربية واحدة هي فرنسا. * الفرنكوفونية هي حلم فرنسا في تحقيق الإمبراطورية الكبرى: كانت الفرنكوفونية هي الأسلوب الحسن، والطريقة المجدية التي نجمت عن الحلم الذي ساور فرنسا طيلة مدة، وهو حلم غارق في الرومانسية والخيال، ويؤمن بتحقيق الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا، ويتحقق الحلم حين تتقابل فرنسا الأوروبية مع فرنسا الإفريقية وهي التي يطلقون عليها: La france Lautre mèr، (فرنسا الأم الأخرى) . لكن السياسة الفرنسية التي نهجتها حكومة الاستعمار في البلدان الإفريقية لم تحقق لا الإمبراطورية الفرنسية الخيالية، ولا الوحدة ولا الازدهار لإفريقيا الفرنسية إنما الذي تحقق هو الزوابع الثقافية، والهزات الفكرية، والنعرات الإقليمية الدامية، والانقلابات السياسية؛ ناهيك عن الاضطرابات الاجتماعية المتتالية. وها هي بلاد المغرب العربي ومنها المغرب الأقصى تغلي بالتيارات والأحزاب الفرنكوفونية، ذات الأيديولوجيات العنصرية، بحيث توضع الأيديولوجيا فوق مصالح القطر، والإقليم، والطائفة، والدولة، والدين. وهي كلها محاولات فجة لطمس الهوية والعروبة والتراث. وهذا كله لا يضمن الوحدة بالمعنى السياسي للكلمة. * الفرنكوفونية في المغرب: المراحل والمجالات والأهداف: المراحل التي مرت خلالها الفرنكوفونية: مرت الفرنكوفونية في المغرب بمراحل كان أولها المرحلة الثقافية، وهي المرحلة المقصودة عندنا في هذا البحث. لم تكن الفرنكوفونية في هذه المرحلة - باستثناء الدخلاء المعمرين - تتجاوز الفرد والفردين، على مستوى التعليم والتلقين والتوجيه والتكوين. وكان أسلوب التثقيف الفرنكوفوني يتم عبر جغرافيين داخل الوطن وخارجه. وبمرور الوقت تطورت الفرنكوفونية إلى تكوين معاهد ومؤسسات قادرة على تكوين أجيال. وتنوعت إلى نوعين: مؤسسات عامة هي في ملك السلطة الحاكمة، ومؤسسات خاصة يديرها أحرار لكنهم تابعون وعاملون. ثم قفزت الفرنكوفونية من ميدان اللغة والثقافة إلى ميدان السياسة والاقتصاد. والمغاربة يذكرون في تاريخ وطنهم - الذي تعتبر هذه المرحلة جزءاً منه - لجنة البحث والتقصي التي أسسها الاستعمار، وأطلق عليها: (لجنة الأبحاث البربرية) ، وهي لجنة ذات طابع فكري وثقافي، يخدم الغرض العسكري والاستعماري. كان من اللازم أن نبين أن الذي أمر بتأليف هذه اللجنة هو المقيم الفرنسي الأول: الجنرال اليوطي، وهذه الشخصية لها دلالات في ذاكرة المغاربة [١] ، وتوحي لهم بأشياء كثيرة. كان الغرض إذاً هو جمع الأبحاث المتعلقة بالقبائل البربرية، من جميع أنحاء المغرب، ثم تدرس هذه المعلومات في خطوة ثانية لتستخرج منها نتائج عملية تقدم إلى الإدارة المستعمرة لتساعدها على تنظيم القبائل البربرية وإدارتها. ولخطورة هذه اللجنة لا بد من الإشارة إلى أعضائها المتمثلين في الهيئات، والمؤسسات، واللجان، والأشخاص ذوي الخبرة الاستعمارية الفائقة؛ وذلك من خلال هذا النص الغني بالإيحاءات والإشارات. يقول النص: (تألفت هذه اللجنة في رباط الفتح، حيث القصر السلطاني، وقصر الإقامة العامة، بتاريخ ٩/١/١٩١٥م، وتألفت تحت رئاسة الكاتب العام للحماية، وبعضوية رئيس إدارة التعليم، ورئيس إدارة الأوقاف، ومدير إدارة الاستخبارات، ورئيس المكتب الحربي، ومدير المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية التي أنشأها المقيم العام اليوطي لهذا الغرض سنة ١٩١٣م، وبعضوية جميع الأساتذة الذين يدرسون في هذه المدرسة الذين انتخبهم اليوطي من خيرة دعاة السياسة البربرية في الجزائر وتونس وفرنسا. ونظرة واحدة إلى هذه العناصر، التي تكونت منها هذه اللجنة تكفي للدلالة على الغرض البعيد الذي كان يرمي إليه اليوطي من السياسة البربرية في المغرب. يضاف إلى ذلك أن الإقامة العامة قد وضعت بهذه اللجنة مبدأ «استئجار العلماء» ومن يحملون الألقاب العلمية، فاتخذت من أساتذة المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية خدمة مأجورين، وأماتت فيهم الضمائر الحية التي يمتاز بها العلماء ويبحثون في ضوئها حقائق الوجود. وأصبحت كل أبحاثهم وكتبهم عبارة عن دعاية قوية باسم العلم إلى السياسة البربرية الخرقاء) [٢] . وإلى جانب هذا يذكر المغاربة في تاريخهم الوطني الإدارة التي أنشأها الاستعمار، وسماها بـ (إدارة الشؤون الأهلية) ؛ حيث كان الهدف منها تكوين (جماعات بربرية) ، مع إيجاد أنظمة لها تدعى (الجمعيات القضائية) . وقد دعمت هذه الإدارة بعدة ظهائر وقرارات، وصدر أول تنظيم لها فيما بين سنتي ١٩٢٣م، ١٩٢٤م، ونجحت في إنشاء نحو من ثمانين جماعة بربرية، وما زال التاريخ يذكر إنشاء المجالس والمعاهد الفرنكوفونية، وتطور ذلك اليوم إلى صيغة حديثة ومعاصرة، وبدأت تختار في عضويتها بعض الأسماء المغربية اللامعة، نذكر من ذلك مثلاً (المجلس الأعلى للفرنكوفونية) الذي تأسس في فرنسا بظهير رئاسي في شهر مارس / آذار من سنة ١٩٨٤م، وكان الكاتب المغربي الطاهر بن جلون واحداً من أعضائه. وكان هذا المجلس ثمرة لجهود متواصلة سابقة بدأت بعنصر الاتصال الأول الذي تم بين المجتمع المغربي المدني، والقوات الاستعمارية العسكرية. ومنذ الوهلة الأولى بدأ الاهتمام بالإقامات العصرية، والمدارس العصرية، والإدارات العصرية، والتسيير العصري، وفي المقابل حصل تهميش ذريع لكل ما هو تقليدي؛ فالإقامات العصرية ليست كالمساكن البالية، والمدارس العصرية هي بخلاف المدارس العتيقة، غير المجهزة تجهيزاً كاملاً، والإدارات العصرية ليست كالإدارات التقليدية التي لا تقوى على الصمود أمام خدمات المواطنين المحدثين. هكذا بدأ الميل إلى كل ما هو عصري وحديث. وامتد ذلك إلى الفرش والأثاث واللباس والأكل وطرق الزينة. لا يخامر الشك أحداً في أن هذا كله هو نتيجة فكر وثقافة، يتم توصيلهما عبر لغة، تحمل في معانيها شحناً من التأثير البليغ. فمن خلالها حصل الامتداد؛ حيث اشرأبت الأعناق إلى تعلم لغة المستعمر الذي (فَرْنَسَ) كل المؤسسات، وجعل من اللازم على كل مغربي يريد ولوج سلك الإدارة المغربية، أن تجرى له اختبارات في اللغة الفرنسية، أو يكون حائزاً على شهادة تثبت مستواه اللغوي. ومما تجب الإشارة إليه أن الفرنكوفونية لم تعد حكراً على فئة معينة من المتعلمين التلاميذ؛ بل امتد ذلك إلى آبائهم وأمهاتهم؛ إذ كانت سياسة المستعمر التعليمية أن البيت إذا لم يكن ناطقاً بالفرنسية فإن هذا ينعكس سلباً على مستوى التلميذ؛ فللرقي به، وللرفع من مستواه يستدعى أولياؤه ليأخذوا حصصاً منتظمة في اللغة. ونجحت هذه العملية بشكل كبير، وكانت الحصص تعطى مجاناً، وبعد أن حققت نجاحاً باهراً بدأ التنافس على التعليم الفرنكوفوني، وفتحت المدارس والمعاهد أبوابها لتلقين اللغة بالمقابل، وهو الأمر الذي يتم اليوم وباكتظاظ شديد. وتتبع هذه المدارس سياسة التمييز الطبقي في تسجيل الأبناء؛ بحيث لا تختار سوى أولاد الطبقة البورجوازية، وأبناء الفعاليات العليا. أما أولاد الطبقة المتوسطة والفقيرة؛ فلا مكان لهم فيها، وهذه سياسة مفضوحة؛ فالاستعمار يركز على الرؤوس وأصحاب القرار النافذ أكثر من غيرهم. وإذا نجح في ذلك فإنه يمسك البلد من ناصيتها، وقد نجح فعلاً في ذلك، ولبيانه لا بد من الإشارة ولو بصفة عابرة إلى المجالات التي تنتشر فيها الفرنكوفونية. * المجالات التي تنتشر فيها الفرنكوفونية: عن أي مجال نتحدث؟ هل نتحدث عن المجال الإعلامي الذي هو فرنكوفوني في القناتين المغربيتين الأولى والثانية؟ أم نتحدث عن البحث العلمي في كليات العلوم والطب والصيدلة، وفي المدارس العليا للتجارة والمعلوميات والهندسة، هذه المدارس التي لا تقيم وزناً للغة العربية، والتدريس فيها لا يكون إلا بالفرنسية؟ أم نتحدث عن كليات الآداب والعلوم الإنسانية وشُعبها، حيث تزاحم الفرنسية العربية في كل شعبة؟ أم نتحدث عن الأنشطة العلمية الإشعاعية والتي تقام لها تغطية إعلامية واسعة، وتقدم لها إعلانات هائلة؟ إن الفرنكوفونية تنتشر في كل المجالات تقريباً، ونشير هنا إلى المجالات الحيوية التي تبني توجه البلد، وتحدد مساره. وأقوى هذه المجالات هو المجال الثقافي، والمجال العلمي، والمجال الإعلامي، والمجال الإداري. في ميدان العلوم الإنسانية تبرز الفرنكوفونية في القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، والترجمة، كما تبرز في علم الاجتماع، وعلم النفس، وفلسفة العلوم، والاقتصاد، والدراسات الحقوقية والقانونية. أما في التخصصات العلمية فللفرنسية السيادة المطلقة؛ إذ لا تنافسها سوى الإنجليزية وهي على كل حال لغة لاتينية. وللتمكين يسرت فرنسا مأمورية التلقين من جهة أخرى، فسهلت طريقة التسجيل في الجامعات والمعاهد الفرنسية، وهذه الظاهرة جديرة وحدها بالدراسة والبحث. إننا لا ندري على وجه التحديد كم هي الأعداد التي تتخرج في كل سنة من المعاهد والجامعات الفرنسية؟ ولا ندري على وجه اليقين كم عدد الطلبة والباحثين الذين يتلقون تعليماً وتربية فرنكوفونية في المغرب، وفي فرنسا؟ ويبدو أن العدد هائل، وهو يزداد سنة بعد أخرى. إذا كان هذا عن المجالين الثقافي والعلمي؛ فإن للمجال الإعلامي والإداري دوراً أكبر في هذا السياق؛ فجل الجرائد والمجلات الوطنية تكتب بالفرنسية، وتستقل القناة التلفزية الثانية بالقيام بالدور الفرنكوفوني. وهو دور يكاد يوازي القناة الفرنسية الخامسة التي تكلفت بتوسيع مدى الفرنكوفونية على أوسع نطاق في العالم التابع. أما الإدارة المغربية فلغة التواصل فيها تتم باللغة الفرنسية، وجل الوثائق تسلم للمواطنين بالفرنسية، وحتى إن القرويين الذين تخيم عليهم آثار الأمية ما زالوا يتسلمون وثائقهم الإدارية بهذه اللغة، وهذا وحده كاف في بيان عمق تغلغل الفرنكوفونية في المغرب المسلم، وهو يجري لأهداف لا بد من بيانها، وهو الأمر الذي نشير إليه في النقطة التالية. * أهداف الفرنكوفونية: من خلال الفرنكوفونية يتم نشر التغريب وتكريس التبعية المذلة، وبالفرنكوفونية يتم تشتيت الأسرة المسلمة باسم حرية المرأة وحقوقها وباسم حرية الطفل وحقوقه، وبالفرنكوفونية يتم نشر الخلاعة الفكرية المنافية للأعراف، والمخالفة للتقاليد، والمضادة للأخلاق والقيم، وباسم الفرنكوفونية يتم التضييق على الثقافة الإسلامية الأصلية، ويتم تهميش الأطر الفاعلة في هذه الثقافة، وبالفرنكوفونية يتم الإصلاح، وبها ومن خلالها وفي ضوئها تطور الأوضاع الاقتصادية والثقافية والتعليمية والتربوية. إذا كانت الفرنكوفونية قد قصدت إلى مس الشعب المغربي في وحدته الأخلاقية والدينية، وإلى زعزعة ثقته بوحدته اللغوية، فقد قصدت أيضاً إلى المس الصريح والواضح بوحدته الوطنية والسياسية. وتحقق بذلك ما رمى إليه الفرنكوفونيون الاستعماريون من أمثال ريبو في كتابه: (الجماعات القضائية البربرية) ، من أن التأثير في الوحدة السياسية إنما يحصل بالتأثير في الوحدة الثقافية، وأن هذا التأثير (لا يتم بين عشية وضحاها، وأن هذا العمل ليس عمل سنة واحدة، أو جيل واحد بل هو عمل يتم في عشرات السنين، وفي عدة أجيال) [٣] . * الفرنكوفونية في المغرب: الأساليب والأبعاد: أسلوب تدمير التقاليد والثقافة والتراث: كان من سياسة الاستعمار أنه يمانع دائماً في بناء مراكز منظمة وإدارات محترمة للمعاهد والمدارس ومراكز القضاء الإسلامي؛ فهي لا تريد أن تعترف بكل ما له صلة بالإسلام، ولا سيما في ميدان التعليم والقضاء، بينما المعاهد والمدارس ومراكز القضاء الفرنسي تنفق على أبنيتها من ميزانية المغرب بسخاء كبير، وكلها تقع في الأماكن الاستراتيجية في كل مدينة مغربية، ويراد لهذه الأبنية أن تكون شامخة البنيان تجمع بين جمال الهندسة الأندلسية، ومحاسن الهندسة الأوروبية، وتكتب على أبوابها بأحرف لاتينية غليظة، ومن معادن لامعة أسماء وعناوين تلفت النظر بنقشها عن بعد؛ وهذا كله لأجل أن تثير في زائرها شعوراً قوياً بعظمة فرنسا، وجلال قانونها، وسيادة ثقافتها، وتدفع في المقابل إلى تحقير وازدراء المدارس الدينية، والمعاهد والمؤسسات التقليدية الشرعية. فنتكلم عن البنيان والعمران دون أن ننسى الإنسان؛ فالإنسان هو المقصود بهذا كله؛ فالإنسان الذي يدخل في الحلبة الفرنكوفونية يصبح هو بدوره براقاً على هذا الطراز، وتفتح في وجهه كل الأبواب، بخلاف أخيه التقليدي والأصيل. إنه أسلوب من أساليب تدمير كل ما هو تقليدي وتراثي. ويتبع هذا أسلوب آخر لمزاحمة الثقافة الأصلية في مرحلة، وفي مرحلة أخرى تدميرها والقضاء عليها. إن سياسة فرنسا الفكرية والثقافية هي سياسة فرنكوفونية، والسياسة الفرنكوفونية هي سياسة استعمارية. تسعى إلى إدماج المغرب المغلوب في دولة فرنسا الغالبة. ويدرك الساسة الفرنسيون الاستعماريون أثر الفعل الفكري والثقافي في أي إنسان. إذ يكفي أن يكون هذا الفعل هو الباعث على الجهاد ضدهم، ويكفي أن يكون هو المحرك لمواجهتهم؛ لذلك فهم يضمرون في قلوبهم من الحقد والضغينة على الإسلام وثقافته ما يدفعهم دائماً إلى مواجهته فكرياً وثقافياً. وقد أدركوا أن أحسن سلاح لمواجهة هذا الفعل هو الفرنكوفونية؛ وقد تمكنوا من تيسير جميع السبل لتعبيد الطريق أمام الفرنكوفونية لمزاحمة المؤسسات الإسلامية بمؤسسات أخرى بديلة. وعلى مر الأيام أصبحت الثقافة الإسلامية هيكلاً لا روح فيها، وتفننوا في تهميشها وتأخيرها عن القيام بدورها الفاعل في الحياة. ونستطيع اليوم أن نتكلم عن الثقافة الإسلامية بشتى الأساليب، ومختلف الطرق دون أن نلحظ لها أثراًً على كل المستويات. * الأبعاد السلبية للفرنكوفونية في المغرب: افتعلت الفرنكوفونية في المغرب قضايا خطيرة، وأحداثاً ما زالت نارها مشتعلة إلى اليوم، وكان الغرض من افتعالها أمرين أساسيين: - الأمر الأول: اختبار قوة الثقافة الإسلامية في مواجهة هذه الأحداث، وفي الوقوف في وجهها. - الأمر الثاني: اختبار قوة الثقافة الفرنكوفونية نفسها في درجة تأثيرها في المجتمع المغربي، وفي درجة مواجهتها للثقافة الأصلية. ولنعرض لهذه القضايا والأحداث على صورة أبعاد سلبية كما يلي: البعد الأول: الأطروحة البربرية: وهي امتحان عسير أمام المغاربة، سلطه الفرنسيون الاستعماريون، وأذكته الفرنكوفونية ونمته، وأصبح حقيقة في نفوس بعضهم بعد أن كان خيالاً، كما تصوره البعض حقيقة واقعية بعد أن كان حلماً يراود الواحد والاثنين. الأطروحة البربرية هي سياسة نهجها الاستعمار، وهي بالنسبة إليه العلاج الوحيد الذي يتم به إحياء الأعراف البربربة القديمة، وإدماجها في القانون الفرنسي. وتذهب هذه الأطروحة إلى أن البربر لم يكونوا في يوم ما مسلمين، بل كانوا وما زالوا مسيحيين. ويحاول الفرنكوفونيون أن يوهموا أن البربر هم وحدهم الذين بنوا الحضارة المغربية؛ فالأرض أرضهم، وحتى الفتوحات التي قامت في أوروبا هم أصحابها [٤] . البرابرة في عرف الفرنكوفونية استعربوا لساناً ودماً وروحاً، ومن السهل جداً إخراجهم من العروبة لإدخالهم في الفرنكوفونية، كما بدا لهم أنه من اليسير إخراجهم من الإسلام وشريعته، وإدخالهم في المسيحية الكاثوليكية وقانون فرنسا. فإذا كان هذا مؤشراً فعلياً، على تمزيق وحدة المغرب؛ فإنه مؤشر مهم على زرع القطيعة، والفصل بين المغاربة وإخوانهم المشارقة، هؤلاء الذين تربطهم أواصر فكرية وثقافية وعقدية. وأقوى من تجرد لهذا الفعل تنظيراً هو أحد أعلام الفرنكوفونيين المدعومين من قبل الدولة الفرنسية، واسمه: جيرو Guiraud وذلك في كتابه المعنون بـ (العدلية الشريفة: أصولها، وظيفتها، نظامها المقبل) ، هذا الرجل وكلت إليه الحكومة الفرنسية مسؤولية إصلاح العدلية المغربية، وكانت الفكرة الأساس التي بني عليها إصلاح القضاء المغربي تدور على أن المغاربة مسيحيون، ويجب ألا يُحكَموا بالإسلام، ولم تبق هذه الفكرة مجرد خاطرة من الخواطر، بل بلورها ودافع عنها دفاعاً مستميتاً. وللتغرير بالمغاربة كتب إهداء كتابه هذا إلى (أصدقائه المغاربة) [٥] . ظل المغرب يخاصم الأطروحة البربرية الفرنسية، وكان أقوى من خاصمها هو السلطان يوسف بن الحسن، ويقولون إنه ذهب ضحية مقاومته لهذه السياسة، ثم ثار عليها بعده محمد الخامس ابن السلطان يوسف، وثار عليها الشعب المغربي مباشرة بعد عودة السلطان محمد الخامس من المنفى عام ١٩٥٥م، وأعلن السلطان محمد الخامس في مهرجان شعبي عقد بمدينة الخميسات أن ما أطلقت عليه فرنسا: (مناطق العرف البربري) هي سياسة قد أقبرت وألغيت نهائياً، ولم يبق العمل بها جارياً في المغرب الحر الموحد والمستقل [٦] ، وبدأت بعد ذلك سلسلة من النصوص التشريعية تصدر على التوالي في الجريدة الرسمية، فكان أول ظهير شريف صدر منها هو الظهير رقم ١ - ١ - ٠ - ٥٦ - ١ المؤرخ في ٢٤/٧/١٣٧٥هـ، الموافق ٧/٣/١٩٥٦م، وهذا الظهير ألغى الظهير البربري الذي أصدره المقيم الفرنسي العام هنري يونسو بتاريخ ٢٣/١٢/١٣٥٢هـ الموافق ٨/٤/١٩٣٤م. ثم توالت سلسلة من الظهائر كلها تقضي بإزالة ونسخ مقتضيات الظهير البربري. - البعد الثاني: القضية الأمازيغية: وهو بعد من الأبعاد السلبية للفرنكوفونية، وقد تحركت فكرة الاهتمام باللغة الأمازيغية، كلغة مستقلة في فرنسا بصفة خاصة، وجل الذين يحركون قضية الأمازيغية اليوم هم من الذين دربوا في فرنسا. إلا أنه يجب التفريق بين الاهتمام باللغة الأمازيغية كلغة وطنية، وبين تضخيم الاهتمام بها لغرض مكشوف ومفضوح؛ ففرنسا لم تكن هي السباقة إلى بعث الاهتمام بالأمازيغية، فالأمازيغية هي لغة قسم عريض من أبناء المغرب، وهناك شعور وطني بها، هو علمي وثقافي وحضاري ساد عند فئة عريضة من أبناء المغرب عرباً وبرابرة، على قدم المساواة. أما ما تريده فرنسا فيدخل في مقاصد الظهير البربري؛ إذ كان من غرض حكومة الاستعمار تثبيت اللغة الفرنسية بين البرابرة، فقد أصدرت الإقامة العامة بلاغاً رسمياً بتاريخ ٢٢/٩/١٩١٥م يلزم بجعل اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للجماعات البربرية، ولما لم تنجح هذه الخطوة مروا إلى خطوة ثانية، وهي الفصل بين اللغة العربية واللغة البربرية، وإذكاء فكرة الأمازيغية كرد فعل على اللغة العربية. يقول ريبو: (إذا تركنا هؤلاء البربر يستعملون العربية فإنهم سيصيرون مسلمين، وما معنى الإسلام؟ معناه هو إيقاف تقدمنا والوقوف في وجه مدنيتنا) [٧] . تلك هي الرغبة الاستعمارية، وذلك هو طموح الفرنكوفونية، وإننا لنأسف لكل من يعانق هذه الأطروحة رغبة في الانسلاخ عن العروبة والإسلام، محققاً في الوقت ذاته رغبة الآخر في تفتيت وحدة المرجعية التي كانت وما تزال الأساس الصلب لمقاومة كل اختراق. - البعد الثالث: التبشير بالنصرانية: عرف عن فرنسا أنها «الفتاة البكر للمسيحية» لوفائها للمسيحية الكاثوليكية، ولا يستبعد أن تكون المسيحية وراء الحملات الاستعمارية برمتها على بلدان المغرب العربي بصفة عامة، والمغرب الأقصى بصفة خاصة، غير أن الذي يمكن الجزم به هو أن قواد الحملة الاستعمارية؛ ضباطاً ومفكرين ومثقفين؛ جلهم من المسيحيين، ومما يمكن الجزم به أيضاً أن الدعوة إلى المسيحية الكاثوليكية، نشطت بشكل كبير، وبطريقة مكشوفة، إبان الاحتلال، ويمر ذلك عبر الأنشطة الثقافية، والتعليمية، والمساعدات الاجتماعية. وبنمط معين من الثقافة الفرنكوفونية حاولت فرنسا إخضاع المجتمع المغربي لأعراف جاهلية، لا صلة لها بعرف المغاربة. وقد ظهرت معالم وآثار التبشير بالنصرانية في المغرب من خلال الأساليب الآتية: أ - الدعوة المباشرة إلى المسيحية بحملات واسعة شملت المدن والبوادي. ب - استهداف النخبة المثقفة بنمط من الثقافة الفرنكوفونية؛ إذ من خلالها يتم التبشير بالمسيحية. ج - مضايقة الإسلام في ثقافته وعقيدته وشريعته. د - منع كل مسيحي يريد أن يدخل في الإسلام. وقد هددت فرنسا قاضي العاصمة المغربية (رباط الفتح) بالعقوبة أو العزل؛ إذا هو سهل إسلام مسيحي ابتغى الإسلام ديناً [٨] . هـ - إجبار اليهود المغاربة على البقاء على ديانتهم عوض الدخول في الإسلام. كل أسلوب من هذه الأساليب قابل لأن يكون موضوعاً برأسه، ونكتفي فقط بتقديم أدلة وشواهد على الأسلوب الأول، وهو الدعوة المباشرة إلى المسيحية. نقول إذاً: إنها كانت دعوة صريحة ومكشوفة؛ فبناء على إحصاء ورد في خريطة أصدرتها (الوكالة التبشيرية في الرباط) ووزعتها مطبوعة مجلة (المغرب الكاثوليكي) (!) في العدد الأول الصادر في مفتتح سنتها الحادية عشرة وذلك في شهر يونيو من سنة ١٩٣١م [٩] ، جاء في هذه النشرة ما يلي: ١ - ذكر لأهم المراكز ذات الكنائس المشتملة على القسس ومساعديهم، وهي تبلغ عشرين مركزاً موزعة على أهم مدن المغرب. ٢ - ذكر للمراكز الرئيسية للأعمال التبشيرية الأهلية، وتبلغ عشرة مراكز موزعة على عشر مدن مغربية مهمة. ٣ - إشارة إلى مراكز أخرى مهمة فيها كنائس وقسس، تبلغ خمسة عشر مركزاً، موزعة على مدن مغربية أخرى. ٤ - ذكر لمراكز في جهات عسكرية أخرى، تزار ما بين الحين والآخر. وهذا يقوي تحالف المؤسسة العسكرية مع مؤسسات التبشير بالمسيحية، وعددها ثمانية. ٥ - ذكر لمراكز أخرى دورية تبلغ تسعة عشر مركزاً، وقد أشارت الخريطة إلى الجهات التي توجد فيها هذه المراكز، لكننا تركنا الإشارة إليها تلافياً للإكثار. ٦ - ذكر لمراكز أخرى كانت في طور التكوين، وعددها ثمانية، تمت الإشارة إلى أماكنها وهذا حسب إحصائية ١٩٣١م، ولا شك أنها تكونت وزاد عددها بالأضعاف منذ ذلك التاريخ إلى اليوم [١٠] . هذا البعد من أخطر الأبعاد التي تقوم بها الفرنكوفونية في المغرب، وهو ما نقضت به فرنسا العهد والميثاق؛ فقد أقرت في الفصل الثاني من معاهدة الحماية مع المغرب على (أن جميع الإصلاحات التي تقوم بها داخل المغرب الأقصى لا تمس الدين الإسلامي بسوء في قليل ولا كثير، وأن جميع هذه الإصلاحات لا تجلب أي ضرر على الحالة الدينية، ولا تلحق أي أذى بنفوذ السلطان) [١١] . هذا الميثاق خرقته فرنسا خروقات متعددة، ولم تلتزم به نهائياً؛ والدليل على ذلك مضايقة المسلمين في محاربة شعائرهم الدينية، والعمل وفق شريعتهم في كل المجالات، ثم توجت هذا العداء بالدعوة إلى المسيحية بين العرب والبربر. - البعد الرابع: حرية المرأة: وهو الموضوع الذي يقدم بصيغ متلونة ومتعددة؛ فقد تطور إلى ظاهرة خطيرة قسمت المجتمع المغربي إلى فئتين: فئة تطالب بتحرير المرأة من بعض أحكام الإسلام، وهذه الفئة تريد للمرأة أن تكون على طراز المرأة الغربية لا تحكمها قيود ولا ضوابط شرعية سوى قيود ونظرية القانون الوضعي المتلون والمتقلب، والفئة الثانية تنظر إلى حرية المرأة من منظور الإسلام وشريعته. وتتباين المطالب بين الفئتين: فالأولى تطالب بحقوق المرأة على حساب الإسلام، والثانية تسعى إلى تحقيق حرية المرأة بالإسلام. وقد عاش المغرب في السنوات الماضية موجة من المسيرات والمسيرات المضادة، وذلك حين أقدمت كتابة الدولة في المملكة المغربية بوضع خطة أطلقت عليها خطة إدماج المرأة في التنمية، خالفت بها الشريعة الإسلامية بشكل سافر من وجوه كثيرة. ولم تخف الخطة الدعم الفرنكوفوني المادي والمعنوي. وإذا كانت الخطة قد أفلست في صيغتها العامة، فإن التيارات الفرنكوفونية اليوم تسعى إلى تصريفها جزءاً بجزء بصورة تدريجية، وكان من أحد وجوه هذا التصريف المطالبة بإعادة النظر في مدونة الأحوال الشخصية [١٢] . موازنة بسيطة بين المطالب النسائية المعاصرة، والمساندة الرجولية لها ذات الاتجاه الفرنكوفوني من جهة؛ مع ما تقرر نصاً في الظهير البربري، وما مورس فعلاً في التضييق على القضاء الإسلامي والشريعة الإسلامية، من جهة أخرى؛ يبين أن الفرنكوفونية تريد أن تحقق في مغرب اليوم ما أخفقت في تحقيقه بالأمس. وإذا كانت الصعاب المعاصرة لا تحتاج إلى برهنة وتدليل على حالتها من هذا الوجه؛ فإنه يحسن بنا أن نعرض ما جاء في الفصل الثاني من ظهير فرنسا البربري الذي غابت معالمه ومقاصده على النخبة المثقفة اليوم. يقول الفصل الثاني: (إن القضايا المدنية والتجارية، والمختصة بالعقارات والمنقولات؛ تنظر فيها محاكم خصوصية، تدعى بالمحاكم العرفية، ابتدائياً أو نهائياً، طبقاً للحدود التي يجري تعيينها بقرارات وزيرية، كما تنظر هذه المحاكم نفسها في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، أو بأمور الإرث، وتطبق في كل الأحوال العوائق المحلية) [١٣] . وعلقت اللجنة الشرقية في دفاعها عن المغرب، في عرضها المقدم إلى المؤتمر الإسلامي العام فقالت: (وفي هذا الفصل اعتراف بخلق محاكم خصوصية «عرفية» ابتدائية ونهائية؛ فالقبائل البربرية بهذا الفصل من الظهير أصبحت مفصولة عن كل ما يمثل سلطة السلطان، فلا صلة لها بمحكمة الاستئناف الشرعي التي تستأنف فيها أحكام القضاة، ولم يقتصر هذا التضييق على القضايا المدنية والتجارية والعقارية، بل امتد حتى إلى قضايا الأحوال الشخصية، وقضايا الإرث نفسه، وبهذا أصبح حراماً على المسلمين البرابرة أن يتناكحوا أو يتوارثوا طبقاً للشريعة الإسلامية، وأصبح تطبيق القانون الإسلامي في أية قضية من القضايا جريمة تعاقب عليها السلطة الاستعمارية بالسجن والنفي والتشريد) [١٤] ، وقبل سنتين من استعمار فرنسا للمغرب أصدر السيد مرسيل موران Morant Marcel كتاباً في موضوع (أبحاث عن القانون الإسلامي الجزائري) [١٥] ، أثبت فيه ما يلي: (مما لا نزاع فيه أن القانون الإسلامي من عدة اعتبارات هو قانون أعلى جداً من العرف البربري، وهو بالخصوص أكثر إنسانية من العرف، ومن الواضح جداً أنه يعطي للمرأة مثلاً مركزاً ممتازاً، وأنه يضمن للمرأة مادياً وأدبياً منزلة في العائلة، لا يمكنها أن تحتلها اليوم في العرف البربري) [١٦] نكتفي له بهذه الشهادة على وضعية المرأة في الشرع الإسلامي؛ لأنه بعد هذا الكلام سيذكر طاقات ذوات عدد لا حاجة لنا بها الآن. كأن مسيو موران كان يتنبأ بكل شيء مما سيقع للمرأة المسلمة فيما بعد. لكن ما تنبأ به قد وقع فعلاً، وكيف لا يحس بذلك وهو مقيم فرنسي، ومسؤول فرنسا الثقافي، وأحد أعمدة الفرنكوفونية الكبار؟ إذا فرقنا بين ما جاء في فصول الظهير البربري، وما مارسته فرنسا فعلاً من أعمال تطبيقية، وربطنا هذا كله بما وقع في المغرب من فترة الاستقلال إلى الآن، وما يرفع اليوم من شعارات حتى في مجال الإصلاح، وأدركنا أن للفئة الفرنكوفونية سلطة واسعة في اتخاذ القرار؛ إذ هي تترجم ذلك فكرياً وعملياً؛ تيقناً من عمق التأثير وشدة الغزو، ولله في أمره مقاصد، وله سبحانه عاقبة الأمور. * الخلفية الفرنكوفونية والظاهرة الجديدة: إذا كان الأسلاف بنوا الفرنكوفونية؛ فإن الأخلاف قد عانقوها، وطوروها، وهم اليوم يدعون إليها باستماتة شديدة. ولن نتتبع هنا ذكر الأسماء والنعوت، لكثرة أعدادهم، ولكن نشير إلى الظاهرة في صيغتها الحديثة عند هؤلاء مع ربطها بهم وبأدوارهم فيها. ينقسم المجتمع المغربي الحديث إلى قسمين رئيسيين: قسم من الذين يجيدون اللسان الفرنسي؛ وغالبية هؤلاء هم من أصحاب الامتيازات الكبرى، لهم الحظوة والجاه والسلطة، ويقف على رأس هذا القسم نخبة مثقفة درست في فرنسا، أو درست الفرنسية بعمق في بلدها على يد مجموعات فرنكوفونية ذات كفاءة. وهؤلاء هم أصحاب شهادات ودبلومات. ويلي هؤلاء طبقة من أصحاب المشاريع، أولئك الذين احتكوا مع الفرنسيين، ومع الإدارة الفرنسية، فاستفادوا منهم الخبرة في الأعمال التجارية الحرة. ثم يلي هؤلاء في هذا القسم طبقة من المهاجرين الذين خالطوا الفرنسيين مخالطة عميقة، وتأثروا بهم في جميع مناحي الحياة العامة. أما القسم الثاني فهم باقي فئات الشعب المغربي العريضة، وهذا القسم على طبقتين: طبقة متوسطة محدودة الدخل، وهذه تتباين درجات التأثير الفرنكوفوني عليها، وطبقة فقيرة هم من ذوي الدخل الضعيف. وظهر من القسمين بمختلف طبقاتهما نخبة مثقفة محافظة تدرك أهداف المؤامرة الفرنكوفونية على بلدها؛ فهي تراها البلاء الذي أصاب البلد وقسمه إلى قسمين، كما تحمل هذه الفئة مسؤولية الاحتلال الفكري والمسخ الثقافي إلى الفرنكوفونية، وقد تنبه لهذه الظاهرة غير واحد من الباحثين المعاصرين. يقول الدكتور المهدي المنجرة - وهو من الوجوه المغربية التي تخاصم الفرنكوفونية مخاصمة شديدة، على الرغم من أن ثقافته ثقافة فرنسية -: (وأكبر استعمار يواجه المغرب الآن هو الاستعمار الثقافي والحضاري، ووجود نخبة معينة درست في فرنسا وهي الآن تستولي على القرار في كل مكان) [١٧] . لقد أدركت النخبة الواعية المخاصمة للفرنكوفونية أن المواجهة لا بد أن تكون استراتيجية وهادفة، فبادرت إلى تأسيس جماعات، وجمعيات، وحركات دعوية وإصلاحية وتوعوية، في مختلف المجالات، كما عمدت إلى تنظيم هجرات منظمة إلى الغرب قصد توعية الجالية المغربية بالمهجر، وتنوير أفهامهم، وتقديم النصح لهم. وقد أدركت المؤسسة الملكية بالمغرب هذا النقص؛ فبادرت إلى تكوين مؤسسة خاصة لهذا الغرض، وهي مؤسسة الحسن الثاني للجالية المغربية المقيمة بالخارج. لقد عمل أنصار السياسة الفرنكوفونية على تحقيق كل ما عجز الاستعمار الفرنسي المباشر عن تحقيقه. فالدعوة إلى الأمازيغية مع الفرنكوفونية الثقافية وصلت إلى أوجها، وكذا المطالبة بتغيير أحوال الأسرة وفق المطالب النسائية التي لها صلة بمنظمات غربية، ثم تثبيت اللغة الفرنسية والتضييق على اللغة العربية، كل ذلك أمر أصبح مكشوفاً وظاهراً. وحتى (إصلاح) التعليم، والثقافة، والأحوال الاقتصادية، والاجتماعية، والرياضية، والإعلامية، لا يتم إلا من المنظور الفرنكوفوني. إنهم يجتهدون ليل نهار من خلال العمل الحزبي، ومن خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ومن خلال الجرائد والمجالات المنتشرة في كل مكان، ثم من خلال القرار السياسي النافذ الذي وصلوا إليه، من خلال هذا كله يحاولون التضييق على الشريحة الغيورة من أبناء الوطن، عامدين إلى محاولة عزلهم عن كل قرار؛ بدعوى أن ثقافتهم ثقافة أصولية متطرفة، ثقافة لا سياسية ولا حضارية، ثقافة عدوانية وظلامية، رجعية وإرهابية ... إلخ. يمكن تقسيم القسم الثاني إلى جيلين: جيل احتك بالفرنكوفونيين الاستعماريين أخذ عنهم واستفاد منهم؛ هذا الجيل كان تأثره بالفرنكوفونية مباشراً، وجيل من أبنائهم المتأثرين بهم انقلبت عليه الحقائق، وبعدت عليه المعتقدات، فلا تظهر له الفرنكوفونية على أنها ظاهرة استعمارية، أو استلابية، بل يتصورها أو هكذا صوروها له على أنها ظاهرة سليمة وصحيحة، وهي الطريق الموصلة إلى الحضارة والتقدم والعصرنة. تتكرس الفرنكوفونية اليوم في الواقع المغربي المعاصر بأسلوبين: - الأول: من خلال الحملات الثقافية الواسعة التي تقوم بها المراكز الثقافية الفرنسية، المتواجدة في المدن المغربية ذات الشأن، وهذه المراكز تفتح علاقات كبيرة وحميمية مع النخبة الفرنكوفونية في البلد، ومع المؤسسات ذات الطابع الفرنكوفوني، وتقوم بأنشطة أسبوعية مثل تقديم كتب، أو تكريم كتاب، أو القيام بمسرحيات، أو رحلات، أو عروض فنية في الرقص، أو الموسيقى، أو عرض أفلام سينمائية، مع تحليلها والتعليق عليها، مع سهرات ترفيهية، وموائد مستديرة، وندوات في موضوعات محددة ومختارة. - الثاني: أنشطة تتم في صيغة التفاعل بين الثقافة المغربية والثقافة الفرنسية، أو تحت صيغة حوار الثقافتين، أو التبادل بين الثقافتين؛ حيث يلاحظ طغيان المد الفرنكوفوني على هذا النشاط، وغالباً ما يتم بتمويل من مراكز وأجهزة فرنكوفونية، بحيث لا تكون المؤسسات المحلية إلا مستقبلة ومحتضنة لهذه الأنواع من الأنشطة. * الفرنكوفونية في المغرب: أشكال رد الفعل: مسوغات رد الفعل: الفرنكوفونية واحدة، والبلدان التي تكتسحها كثيرة ومتعددة في أوروبا وأمريكا وإفريقيا والشرق العربي. وهذا يبين أنها تريد تذويب الشعوب وصهرها في قالب واحد، على الرغم من التباينات الكثيرة والمتنوعة؛ فهي تجيد التأقلم مع المناخ العام. ولكي تتأقلم مع أي بيئة هناك أسلوب واحد تعتمده: هو تدمير المناخ الثقافي لكل حضارة في كل دولة معنية. وبالاستقراء التام فإن كل القطاعات تذوب أولاً، وتنصهر، ولكن الثقافة تبقى آخر ما يصمد؛ فالدولة تغزى في اقتصادها، واجتماعها، وسياستها، وإدارتها؛ لكن الثقافة تبقى آخر معقل للمحتل يعاني منه زماناً، ولذلك فإن ما نلاحظه اليوم هو استسلام مطلق للفرنكوفونية، في كل المجالات إلا الثقافة؛ فإنها الحرب الوحيدة التي تشن على التيار الفرنكوفوني من خصوصيات شتى، ولا تستغرب فرنسا ولا التابعون لها من مواجهة الفكر المغربي المسلم وصموده ضدها؛ لأن هذه المواجهة تنبع من موقع ما تريده فرنسا لنفسها، وما يريده (الأحرار) الفرنسيون لأنفسهم. إن مواجهة الفرنكوفونية تنبع من الغيرة على الذات، وعلى الكرامة، وتنبع من المحافظة على الهوية، ووحدة الصف والمصير، وتنبع من الرغبة في الاستقلال التام من كل استغلال واستعمار. والمواجهة ليست آنية ومعاصرة، أو محدودة، تحركها جماعة بعينها، أو حركة بعينها، أو حزب بعينه، إنها قديمة وحديثة ومعاصرة، إنها امتداد متواصل منذ أن وطئت رِجْلُ فرنسا أرض المغرب. وعلى المنخدعين أن يدركوا الأخطار المحدقة بهم، وبوطنهم وبلغتهم وبتراثهم، وعليهم أن يعلموا أن فرنسا ما فعلت فعلها في الاحتلال العسكري والفرنكوفوني حباً فيهم بالذات، ولكنها فعلت ذلك حباً في مصلحتها ومنفعتها. * موقف سلطة المخزن من الفرنكوفونية: تحاول الفرنكوفونية أن تكسر جدار كل دولة؛ لتذوب في التبعية؛ بحيث لا تبقى لها سلطة ولا قرار، وأن تجعل اللغة الفرنسية هي لغة التواصل الإداري، وتجعل الشعب غريباً على إدارته وعلى بلده. فالشعب لغته عربية وليست فرنسية؛ ناهيك أن النسبة الكبيرة منه أمية، لا تعرف القراءة ولا الكتابة، فإذا خوطب باللغة الأجنبية ازداد بعداً من الإدارة، ومن موظف الإدارة، ومن القرار السياسي، وإذا ابتعد عن الإدارة ابتعد عن حياته الوطنية بصفة عامة. هذا هو حال الشعب المغربي مع الفرنكوفونية. لقد أدرك سلطان المغرب هذه الخطورة في وقتها، فقد كان جوابه الدائم في كل مسألة من قضايا الأحكام العرفية التي جاء بها الظهير البربري، هو قول واحد: (افعلوا ما تريدونه، لكن افعلوه بأنفسكم) . وهذا الرد كانت السلطات الاستعمارية تعلمه من السلطان، وتدرك أن هذا هو جوابه في حالة إحراجه والتضييق عليه. حتى إن مستشار الحكومة الشريفة كتب إلى الكاتب العام للحماية بتاريخ ١٥ يونيو ١٩٢٧م رسالة عليها رقم ٣٨٨٨ جاء فيها: (لقد ظهر أنه ليس في الإمكان أن يدخل السلطان في هذا السبيل، وقد أعلنت لكم مرات عديدة موقف السلطان في هذه المسائل البربرية، فهو لا يريد بأي شكل من الأشكال أن يتدخل فيها، ولا أن يضع في قانون رسمي قراراً يهدم الشريعة، ولا أن يعلن بصفة من الصفات تنازله عَمّا له من الحقوق بصفته إماماً وحارساً للقانون الديني، وهذه عنده مسألة نفوذ أمام رعاياه، ومسألة شعور ديني صادق هو متعلق به شديد التعلق) [١٨] وتدور الأيام فتنقلب الكفة؛ حيث تبحث الفرنكوفونية عن جذور لها في أعماق الشعب، فيتكون لها جيش من المثقفين جلهم من أصحاب الامتيازات الكبرى؛ ومن الغريب أن ينخرط في صفوف هذا الجيش الاشتراكيون والشيوعيون المغاربة، هؤلاء الذين كانوا يخاصمون الفرنكوفونية بصفتها أحد وجوه الإمبريالية، نجدهم اليوم يعانقونها بجنون ويمثلونها بامتياز. * أزمة الفرنكوفونية في العصر الحديث: رغم النجاح الكبير الذي حققته الفرنكوفونية في المغرب، فإنها تعاني من هزات خطيرة، تهدد وجودها في البلاد التي تتواجد فيها، وبخصوص المغرب يمكن أن نسجل هذه الهزات على ثلاثة مستويات: - المستوى الأول: ظهور الحركات الإسلامية المتمثلة في الجماعات الدعوية. فهذه الحركات ساهمت في تنامي ظاهرة الصحوة الإسلامية في عموم الشعب المغربي بصفة عامة والفئة المثقفة بصفة خاصة. وعبر تنوعات هذه الجماعات، وإمكانياتها في ساحة الدعوة، فإنها مجمعة على التصدي لكل تيار تغريبي، استلابي واستعماري، كيفما كان شكله، وذلك عبر الدعوة إلى ربط الناس بالهوية، والعقيدة، والتراث. وهي الأمور التي جاءت الفرنكوفونية لتدميرها وللتضييق عليها. هذه المواجهة هي مواجهة انعكاسية وطبيعية؛ فمثلما أن الفرنكوفونية تحارب هوية الشعب وثقافته؛ فلا بد من مواجهتها بالهوية الإسلامية، وبالثقافة الإسلامية ذاتها. هناك حقيقة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الفرنكوفونية كانت وراء ظهور الحركة الإسلامية في المغرب التي جاءت لرد الاعتبار للهوية الوطنية؛ بدليل طبيعة التاريخ الذي ظهرت فيه الحركة الإسلامية بالمغرب؛ حيث كان ظهورها في السبعينيات، وهذا التاريخ يصادف مرور أكثر من عشر سنوات على استقلال المغرب، وهي مرحلة تاريخية كافية للبرهنة على أن المغرب في عهد ما بعد الاستقلال، لم يزل رهين الاحتلال الثقافي. فهل آل أمره غداة الاستقلال إلى التحرر الفعلي، أم أن الاستعمار خرج جسداً وبقي روحاً. إن الواقع يثبت أنه خرج جسداً وبقي روحاً، وروحه المتمثلة في فكره وثقافته، وعقيدته، وسياسته، واجتماعه، وأنماط عيشه، كلها أمور خيمت على التسيير الإداري، والسياسي والاقتصادي والعلمي والتربوي. ولوحظت تكتلات جمعوية، وأحزاب يسارية، وأخرى مصلحية، تستفيد منها الفرنكوفونية، ويقودها فرنكوفونيون ناجحون. ولهذا كان لا بد من إعادة الاعتبار للذات؛ لتصحيح المسار؛ فظهرت الحركة الإسلامية التي تباينت مواقفها تجاه ما يجري تبايناً تمليه ظروف الواقع وتعقداته. - المستوى الثاني: المد الهائل للغة الإنجليزية. هذا المد بدأ يقلص من فاعلية اللغة الفرنسية وثقافتها، وأصبح الفرنكوفونيون يحسون بالتراجع أمام اكتساح الثقافة الإنجليزية للساحة، لأن الجيل الجديد يفضل تعلم اللغة الإنجليزية على اللغة الفرنسية، واللغة الفرنسية اليوم هي لغة الجيل القديم، الجيل الذي ابتلعها فتعذر عليه أن يتخلص منها، كما تعذر عليه أن يضيف إليها لغة لاتينية أخرى. إن النجاح الباهر الذي حققته اللغة الإنجليزية لم يكن على مستوى اكتساح العالم الفرنكوفوني التابع لفرنسا فحسب؛ بل نجحت الثقافة الإنجليزية في جر عدد كبير من اللغويين الفرنسيين أنفسهم؛ جرياً وراء المصطلحات العلمية. فالدراسات تشير إلى أن في الإنجليزية تستحدث تسعة آلاف كلمة في السنة، في حين أن الفرنسية لا تتوفر إلا على عدد محدود جداً [١٩] . إذا كانت فرنسا نفسها تعاني من هذا في بلدها؛ فماذا نقول عن المغرب الذي يحتضن هذه اللغة؟ وماذا تقول معه سائر البلدان الناطقة بالفرنسية؟ أعتقد أن الذي زاد المغرب تخلفاً هو اعتماده على هذه اللغة، وما دامت شريحة الجيل القديم متشبثة بالفرنسية، تقرها وتقررها؛ فإن المغرب سيبقى على قدم المساواة في التخلف مع الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية. - المستوى الثالث: العولمة ظاهرة عامة ولدتها أمريكا بالذات؛ لغرض تدمير الحدود بين البلدان؛ لتصبح كل البلدان بلداً واحداً، قصد تذويب الثقافات في ثقافة عولمية واحدة، هي ثقافة النظام الدولي الجديد. لم تأت العولمة من فراغ، بل شوهد وجودها على مر التاريخ، عولمة نظام اليونان، وعولمة نظام الرومان، وعولمة نظام الفرس، وأطلقوا على نظام الإسلام في عهوده الزاهية عولمة، وهكذا. غير أن العولمة المعاصرة تختلف جذرياً عن أنواع العولمات السابقة؛ إن هذه العولمة عولمة جارفة تذيب كل الخصوصيات، وتحطم كل الحدود، ومن خرج على هذا النظام عد إرهابياً يجب استئصاله. وهذا ما يجري اليوم في الشيشان وأفغانستان وفلسطين والسودان وإيران ... إلخ. إن العولمة هي رديفة الإمبريالية، لكنها في صورة جديدة، الصورة التي كان الأحرار من المناضلين التحرريين يحذرون من مجيئها، وينبهون على الوقوع فيها. وهنا برز من يتكلم على نهاية التراث، ونهاية التاريخ، ونهاية الجغرافيا؛ لأن العولمة جاءت، وجاءت بقوانينها، وقراراتها الأممية الملزمة لكل وطن ولكل شعب. صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمه التجارة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة، كلها أدوات للتسلط والقمع. وتعاني الفرنكوفونية من نظام العولمة معاناة لا تقل عن معاناة الشعوب الأخرى. فالشعوب التي ترزح تحت نير الفرنكوفونية هي ضعيفة أمام الفرنكوفونية، لكن الفرنكوفونية أمام المد العولمي أصبحت هي بدورها ضعيفة جداً، مقزمة ومحددة؛ فلغة النظام الدولي الجديد هي الإنجليزية؛ وهذا فيه إساءة إلى الفرنسية. ومركز هذا النظام هو أمريكا؛ وهذا فيه إهانة إلى فرنسا. ووقعت العولمة ضداً للطموح الأوروبي بصفة إجمالية، ولا صوت للغرب اليوم إلا في إطار العولمة التي تقودها أمريكا، وتستفيد منها إسرائيل استفادة كبيرة. العولمة كونية، والفرنكوفونية محلية، والمغرب يعاني من الضغطين: الضغط العالمي المتمثل في العولمة، والضغط المحلي المتمثل في الفرنكوفونية، وتحاول فرنسا أن تحدث نوعاً من العصيان؛ بتحريض البلدان التابعة لها، وتحذيرها من الوقوع في تيار العولمة. وهذا من متاهات الفعل السياسي، فهل استطاعت فرنسا أن تنجو هي بنفسها من تيار العولمة؟ الجواب هو ما يجري اليوم في العالم وتشارك فيه فرنسا على الرغم منها. * خلاصة عامة: المغرب بلد مسلم، وعقيدة المغاربة هي عقيدة الإسلام. بالإسلام توحدت القبائل، والعشائر، والطوائف، والدول، والقارات. وبالإسلام عاش المغرب والأندلس في دولة واحدة، وعاش العرب والبربر تحت راية واحدة، كما عاش المغاربة والعرب القادمون من الشرق، والأوروبيون الأندلسيون في مجتمع واحد، وانصهرت كل التقاليد والأعراف والعادات، وأنماط العيش، في بوتقة واحدة، وكانت اللغة العربية هي لغة الدين، ولغة الدولة، ولغة الحضارة، والمجتمع، والقيم. ومتى فكر المغاربة في إلغاء دور الدين، أو تأخيره عن مضامير صناعة الحياة، وتقديم ضده عليه؛ فهذا لا يعني في النهاية سوى التفكك والتجزئة. ويثبت التاريخ وتثبت مختلف العلوم معه - ولا سيما تلك التي استخدمها الفرنسيون - أن الإسلام صهر القبائل العربية والبربرية، في مجتمع واحد. لا ولاء في المغرب إلا للإسلام كدين واحد، في مجتمع واحد، تحت راية وطنية واحدة. إن الإجرام الذي أقدمت عليه فرنسا في محاولات للنيل من وحدة المغرب، لا ترضاه هي لنفسها؛ فهل ترضى لنفسها أن تأتي قوة أخرى إسلامية، أو غير إسلامية، تبث النعرات داخل المجتمع الفرنسي، وتعرض أقلياته للانسلاخ عن حكومة الوحدة؛ مع ترك الدين واللغة والثقافة؛ بدعوى أن الشماليين هم أقرب إلى الألمان منهم إلى الفرنسيين، وأن الجنوبيين أقرب إلى الإسبان منهم إلى الفرنسيين، وكذلك القول بالنسبة للشرقيين مع سويسرا ... إلخ؟ إذا كانت فرنسا تقدم نفسها على أنها (المثال) في الديمقراطية وحقوق الإنسان، و (النموذج) في الحرية والعدالة والإخاء والمساواة؛ فعليها من باب أوْلى أن تحافظ على وحدة الشعوب كما حافظت هي على وحدتها، وعلى لسان الشعوب كما حافظت هي على لسانها، وعلى الثقافة والمصير كما تحافظ هي عليهما. * وبعد: فهذا بحث كشفنا فيه البعد الثقافي والفكري للفرنكوفونية في المغرب من خلال أربعة محاور: الأول: في بيان المراحل والمجالات والأهداف، والثاني: في الكشف عن الأساليب والأبعاد، والثالث: في عرض أشكال الدعم، والرابع: في بيان أشكال رد الفعل، مع مقدمة عامة وخلاصة. فإذا كنا نؤكد ضرورة التفتح والاستفادة من تجارب الغير، وإذا كنا نلح على الحوار الثقافي، والتبادل الفكري، والتلاقح الحضاري؛ فإن هذا لا يعني الذوبان في الآخر والانصهار في معارفه وأفكاره.

стр. 4313

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة الفرنكوفونية ومحنة اللغة العربية بالمغرب أ. عبد الناصر المقري [*] في ظل النظام الجديد تقدم الفرنكوفونية نفسها بديلاً حضارياً، ومشروعاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً ترعاه دولة فرنسا، وتسعى إلى توظيفه كسلاح تشهره في وجه العولمة؛ لتضمن به بقاءها على الساحة الدولية، وتفتح من خلاله فضاءات لإنعاش اقتصادها وتعزيز موقعها في وجه النزعة الأنجلو - أمريكية. ويحتل نظام التربية والتعليم ضمن هذا التوجه موقعاً أساسياً كخطة تعتمدها فرنسا لبسط فرنكوفونيتها؛ ولذلك فهي تعمل في كل المناحي، وبكل الوسائل للنهوض بلغتها وحماية ثقافتها في مختلف مَحمياتها ومستعمراتها الإفريقية التي ترى فيها امتداداً لوجودها. واجه المغرب منذ حصوله على الاستقلال سنة ١٩٥٦م ضغطاً استعمارياً يرمي لإقرار وتثبيت الوجود اللغوي الفرنسي بالمغرب المستقل، وإعطاء هذا الوجود الذي فرضته الحماية الفرنسية في عهدها صفة الشرعية والاستمرار في ميدان التعليم والتربية وتكوين الأطر؛ فقد استطاعت فرنسا بدهائها وخبرتها الطويلة، وبفضل تلاميذها الذين كونتهم، وعملائها الذين احتضنتهم اختراق نظم التربية والتعليم، وانتهاج سياسة تعليمية هدفها (فَرْنَسَةُ) الأجيال الناشئة، وإفراغُها من قيمها الدينية والحضارية ليسهل دمجها في إطار دولة (فرنكو علمانية) منعزلة تماماً عن تاريخها وحضارتها العربية الإسلامية، وتصبح من ثمَّ أداة تحكم في المجتمع المغربي، تعيد تكوينه وتقرر مصيره كجزء لا يتجزء من مستعمرات التملك الإفريقي. والواقع أن إخفاق السياسات الحكومية المتلاحقة في توطيد تعليم وطني إسلامي مستقل، وتجاهل المبادئ الأربعة التي أجمع عليها الشعب المغربي غداة الاستقلال، في أول لقاء عقدته اللجنة الملكية لإصلاح التعليم بتاريخ ٢٨/٩/١٩٩٧م وهي (التعريب، والتعميم، والتوحيد، والمغْرَبة) والتي يستحيل وضع (ميثاق وطني لسياسة التعليم) بدونها، يؤكد أن الوجود الفرنسي أصبح متغلغلاً في المجال التعليمي وأقوى مما كان عليه زمن الاستعمار، وأنه لم يتخل عن فرض نفسه شريكاً لنا في تعليمنا وثقافتنا. لقد عملت فرنسا على فرض نظام «ازدواجية لغة التعليم» على المغرب غداة استقلاله، بعدما وقَّع معها على اتفاقيات سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وثقافية، باسم (تبادل الخبرات والمصالح) ، باعتبار أن اللغة الفرنسية تمثل نموذجاً لسانياً كاملاً بذاته، قوامه التقنية والعلمية والعقلانية، وهو ما من شأنه أن يساهم في بناء المغرب الجديد.. وإذا نحن ألقينا نظرة على تاريخ الاستعمار الفرنسي، وجدناه قد ارتبط بتاريخ غزوه للبلدان التي أُفقدت سيطرتها عليها؛ فنفوذ اللغة الفرنسية بلغ ذروته في القرن الثامن عشر؛ بحيث احتلت موقع اللاتينية المتراجعة، وعمّ الاحتلال الفرنسي أقطار أوروبا مكتسحاً ألمانيا وإنجلترا وبولونيا وهولندا والسويد والنروج والدانمارك وهنغاريا. وفي هذا القرن استطاعت «لغة الملوك» كما كانوا يسمونها وقتئذ أن تغزو روسيا القيصرية، وأن تعمل على فرنستها. يقول بيير بوري Purre Burrez في كتابه «اللغات الدولية» : (إن بعض كبار الدولة الروسية القيصرية لم يكونوا يحبون فرنسا، ولكنهم يعترفون بتفوقها، ويتخذون الوسائل المؤدية إلى فرنسة إمبراطوريتهم، بمساعدة جمهور الأساتذة والتقنيين والفنانين، وهكذا أصبح السفر إلى باريس عقيدة. وتضاعفت الكتب والصحف باللغة الفرنسية، وانتشر تقليد الفرنسيين في اللباس وحلاقة الشعر، ونماذج السلوك، وأصبحت اللغة الفرنسية خلال قرن لغة تخاطب جميع هؤلاء الذين لهم مكانة في الدولة، وأصبح أطفال الطبقة البورجوازية لا يتكلمون بلغتهم الروسية إلا بصعوبة. وفي هولندا لم يكن إلا قليل من الناس يفهمون لغتهم الهولندية، وفي هولندا النمساوية، كانت النمسا نفسها هي التي تدعم انتشار الفرنسية التي كانت تحكم بها، ولم يكن بأقل مما حدث في ألمانيا وإيطاليا. وكما حدث في القرن السابع عشر فإن السياسة والحروب خلال القرن الثامن عشر لم تكن وقتئذ إلا انعكاسات لغوية وثقافية برهنت على خطورة الدور الذي تلعبه اللغة في حياة الشعوب) [١] ، نفهم من هذا الكلام أن الفرنكوفونية تحركت قبل الاستقلال وبعده ضمن الثوابت نفسها التي انطلقت بها السياسة الاستعمارية لبلدان أوروبا، وأن فلسفتها هذه قد شكلت منذ زمن بعيد؛ فهي ترى أن حضورها اللغوي والثقافي يضمن لها تلقائياً استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي، ولذلك نجدها قد أسرعت إلى توجيه عقول المغاربة عن طريق ترسيخ سياسة لغوية تعليمية قائمة على فرنسة الأجيال الصامدة، هدفها الأساسي القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة حضارة عريقة وتراثاً إنسانياً خالداً. وهكذا تم تحويل المغرب تدريجياً بفضل سياسة ازدواجية اللغة إلى مغرب فرنكوفوني بعدما حُرِم أبناؤه من الازدهار والنمو في إطار ثقافتهم العربية وهويتهم الإسلامية. لقد عملت هذه السياسة على فرنسة اتجاهين متكاملين يمثلان صورة (المغرب المتفرنس) المستقل الذي يحلم الاستعمار الجديد بأن يحل محل (المغرب المفرنس) المحمي. الاتجاه الأول: يتمثل في مدارس البعثة الثقافية الفرنسية؛ حيث تجري عملية فرنسة أبناء الطبقة البورجوازية بمن فيهم أبناء الأعيان ذوي الحظوة في المجتمع، وإعدادهم لتحصيل الشهادات الكبرى، واستلام المناصب العليا في الإدارة المغربية ليلعبوا دورهم في التنكر والعداء للحضارة العربية الإسلامية، ومحاولة ربط المغرب إلى الأبد بمصالح الغرب الاستعمارية، ودعم «البورجوازية المغربية» الجديدة بإطارات قيادية صالحة لتكون صلة وصل بين (الاستعمار القديم) و (الاستعمار الجديد) . الاتجاه الثاني: يتمثل في مدارس التعليم الرسمي العمومي الخاصة بأبناء الشعب المغربي الذين تجري عملية فرنستهم بنسبة أقل؛ لأن دورهم في (المغرب المتفرنس) ينحصر في أن يكونوا أعواناً للرؤساء في المكاتب الإدارية، مساعدين في الخدمات العامة. وهكذا اخترقت سياسة الفرنسة كل المظاهر الوطنية: الإدارة الحكومية، التعليم ووسائل الإعلام، الشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية، أسماء وإعلانات الشوارع، بطاقات الزيارات والحفلات؛ لتتحول اللغة الفرنسية تلقائياً إلى لغة التخاطب الرسمية بنسبة ١٠٠% بين أبناء الطبقة البورجوازية خريجي مدارس البعثة الفرنسية، ونسبة ٥٠% بين أبناء الطبقات الشعبية الذين درسوا بالمدارس الحكومية أو الحرة. بهذا ندرك نوع الأجيال المغربية التي أريد تكوينها في ظل هذه الازدواجية. ويا ليت الأمر تعلق فقط بفرنسة لغة التخاطب، ولكنه تعدى ذلك إلى فرنسة العواطف والقيم والمقاييس والمواقف والاتجاهات ليكون التناسب كاملاً بين الجيل الناشئ الذي تم إعداده وبين المهمة التي يراد إسنادها له في (المغرب الفرنكوفوني) الذي يحكمه الاستعمار الجديد. يقول الدكتور عبد العلي الودغيري في كتابه: «الفرنكوفونية والسياسة اللغوية والتعليمية والفرنسية» : (إن الغرض ليس هو نشر اللغة أو الثقافة الفرنسيتين ولكن هو الوصول عن طريقهما إلى التحكم في عقول ومصير مستعمريها؛ فالمسألة ليست مسألة لغة تطل بواسطتها شعوب معينة على العالم الغربي وثقافته وحضارته، ولكنها مسألة سياسية مخططة بخبث ومهارة وتستعمل طُعماً لاصطياد الشعوب) [٢] . وهكذا انتهت سياسة «ازدواجية لغة التعليم» لإعلان هزيمتها على المستوى التربوي والتعليمي؛ فنسبة الذين أنهوا بمقتضاها دراستهم لا تزيد عن نسبة ٢%، كما أنها أدت إلى انخفاض مستوى التعليم في اللغتين معاً. لقد كان من العبث أن يطلب من التلميذ أن يتكلم اللغة الفرنسية، وهو لا يستشعر أي صلة بها على الإطلاق؛ بل يعتبرها دائماً لغة القهر والإذلال والاستعمار. والمراحل التي قطعها المغرب في تعريب التدريس في تعليمه الأساسي والثانوي مكن من الوقوف على حقيقة لا جدال فيها، وهي أن التعبير الفرنسي كان أحد أكبر العوائق أمام التحصيل، وأحد أكبر أسباب الفشل والرسوب الدراسي؛ فلا غرابة إذاً أن يصل التلميذ في آخر سفره الدراسي الطويل المملوء بالعجائب والغرائب منهوك القوى قد أخذ التعب منه مأخذه؛ حتى إذا أراد الحصول على وظيفة من الوظائف يسوِّغ بها وجوده في وسطه العائلي وبين أقرانه؛ فلا بد أن يستسلم قبل كل شيء للغة أسياده، مزرياً بلغته العربية الأم، حاجباً إياها عن الأسماع، ولا يشعر بالراحة والاطمئنان إلا بتقمص لغة مستعمره الجديد. أما إخفاقها في المجال الاقتصادي، فيؤكده أن نسبة كبيرة من التجارة الخارجية للمغرب، تقام مع فرنسا؛ مما يعطي مؤشراً واضحاً على أن المغرب بفضل هذه السياسة أصبح سوقاً مفتوحة وملحقة بفرنسا. أما بخصوص إخفاقها في المجال الديني؛ فضعف القيم الخلقية والروحية بات واضحاً عند الأجيال الصاعدة التي أبعدت عن منابع الإيمان وتوجيهات الوحي، فأصبحت قلوبها خواء، وأفئدتها خلاء لا يجمعها رباط ولا توحدها غاية. ولا بأس أن ننقل هنا كلمات حسنة للدكتور فريد الأنصاري، تبين عمق الاختراق الذي أحدثته سياسة الازدواجية هذه. يقول: (لعل أهم ما يمكن رصده في المجالين التعليمي والثقافي هو السيطرة الفرنكوفونية على الوضع مطلقاً؛ فالتعليم لم يستطع أن يتخلص من عقدة اللغة الفرنسية، وإنه من العار أن تكون هذه اللغة المتخلفة لا تزال تتحكم في رقاب التلاميذ منذ عهود الاستعمار إلى يومنا هذا. وقد أصبحت هذه اللغة المتخلفة حقاً في ركام الماضي. وها هم أهلها اليوم عالة على الكلمات والمصطلحات الإنجليزية. ولست ههنا مفضلاً لهذه على تلك، وإنما أجزم أنه من الخطر التربوي والنفسي على الطفل أن تحشى ذاكرته بأي لغة غير لغته الأصلية التي تحمل هويته الثقافية والدينية في مرحلة الطفولة حتى يبلغ سن الرشد القانوني، فيتفرغ حينئذ لما شاء بعدما يكون قد أتقن لغته استعمالاً وإلهاماً وإبداعاً ... إن مناهج التعليم المزدوجة هذه هي التي خلقت لنا طبقة المثقفين المنحرفين والأدباء الإباحيين؛ فلا تقرأ في المغرب من الشعر والرواية إلا ما يُمَجّدُ السقوط ويكشف العَورات؛ حتى أصبح (الجسد) لغة في حد ذاته لا يكاد يخلو منها إبداع شعري أو سردي. ألا ترى هذا السباق المحموم نحو التعري بين المسمين (مبدعين) ؟ فبقدر جُرأتك على المحرَّمات والمقدَّسات والتعري بقدر ما تكون من العظماء والمجددين. أما العالمية فهي بين أمرين: إما أن تكتب بالفرنسية، وإما أن يقيض الله من يترجم لك إلى الفرنسية! حتى إذا طلع (السادة الفرنسيون على قدر ما (كشفت) من مخبوء؛ يكون حينئذ من الإطراء ما يكفي لرفع مستواك إلى صف العالمية طبعاً من خلال دائرة الفرنكوفونية. إن الأدب الفرنسي الذي يكتبه مغاربة أدب خائن بالمعنى الوطني والحضاري للكلمة؛ إنه يكشف لهم عوراتنا، أو في أحسن الأحوال يقدمنا لهم كمادة سياحية غرائبية مسلية لإرضاء شهوة الفرنسي المستعلية. إن اللغة الفرنسية يا سادتي! ليست لغة وكفى؛ إنها ثقافة، بل إنها نوع خاص من الثقافة، إنها ثقافة العهارة. من منكم قرأ (أمي) لجورج بطاي؟ أو قرأ (العشيق) لمارجريت دوراس؟ بل سائر رواياتها؟ أو من منكم قرأ ما يكتبه هذا التشيكي المتفرنس ميلان كونديرا؟ وهلم جراً. إن الأدب الفرنسي هو في عمومه أدب العري، وأدب العهارة. إن المثقف المغربي المفرنس يعاني من وطء الكلمات الفرنسية العارية التي تدعوه إلى ربط كل شيء في الحياة بالجنس. صحيح أن هناك مثقفين لا علاقة لهم بالفرنكوفونية يتسابقون نحو هاوية الفجور، ويتبارون في إبداء العورات، ولكني أزعم أنهم مشمولون بالظلال الفرنسية النتنة، ولو لم يكونوا من أهل الإتقان للغة؛ لأن الفرنسية في المغرب كما قلت ليست (لغة) وكفى، ولكنها طريقة حياة، إنها (موضة) الهرولة الثقافية بالمغرب المسلم. إن المشكل الثقافي الأول بالمغرب إنما يكمن في هذا الانبطاح المخزي لكل ما هو فرنسي، وها هي ذي الجهات الرسمية ما تزال أحرص ما تكون على تمجيد المنتج الثقافي الفرنكوفوني، وها هي ذي المراكز الثقافية الفرنسية بالمغرب لا تزال تتزعم حركة الإفساد الخلقي فيما تعرضه من أفلام ومسارح ومعارض تشكيلية ... إلخ. وإن هذا لمن أهم العقبات التي تواجه حركة التحرر والتطهر الحضاريين من الهيمنة الغربية الفاجرة التي تعتبر المصدر الأساسي للفجور السياسي ببلادنا) [٣] . وإننا إذا ذهبنا نبحث في خصائص اللغة الفرنسية، لندرك سر انبهار الجيل الجديد بها الذي أصبح يتنفس من هوائها ويستظل بظلها، سنجدها للأسف أنها تحمل من النقائص ما يجعل سوأتها مكشوفة أمام لغة القرآن؛ فصيغ الأفعال الفرنسية - وعددها ثمانية - تحمل كل صيغة منها عدداً من الحروف الحية يبلغ الستة أحياناً، تكتب ولا تنطق، أما الحروف الساكنة فتتبع مثنى وثلاث في أوائل الكلمات وأواخرها بصورة مزرية لا يمكن تعليلها، أما إغفال النطق بعلامات الجمع في الأدوات والأسماء فيطَّرد في هذه اللغة كما يطرد النطق بحروف كثيرة على غير ما تكتب به.. هذا فضلاً عن أنها أصبحت لغة متأخرة في المجال؛ فهي عالة على أختها الإنجليزية التي أصبحت تقتبس منها دون استحياء.. لقد أريد لناشئتنا أن تنسلخ من لغتنا العربية وتلبس لبُوس اللغة الصليبية التي يعترف أصحابها أنفسهم بقصورها، ولولا قوة أهلها ما انتشرت. إن الغرض واضح من هذا النشاط وهو حفر فجوة غائرة بينهم وبين لغة القرآن، بعد أن أدرك حماة الفرنكوفونية نوع العلاقة التي تجمعها بالإسلام، فلما كان حملها وصل القلوب الحائرة بالله، وصبغ الحياة بأحكام القرآن، وجمع الناس على أساس مشترك؛ فهم دائبون على خنقها وإقصائها بدعوى أنها لغة جامدة لا تجاري تطور المدنيات الحديثة، وتعجز عن استيعاب العلوم والفنون. كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذباً. إن التاريخ يشهد أن اللغة العربية عاشت زهاء خمسة عشر قرناً استوعبت فيها مدنيات مختلفة، وورثت حضارات متعددة كحضارة مصر والإغريق والرومان والفرس والهند، وهضمتها جميعاً، وأضافت إليها حضارة خالدة لا تزال آثارها ماثلة للعيان. إننا ننبه بكل قوة على التجني الذي يرتكب في حق لغتنا العزيزة عندما يراد ربطها بالواقع الذي يوجد عليه العالم العربي اليوم. إن اللغة العربية لم تكن في يوم من الأيام لغة قاصرة؛ فتنوع ووفرة مصطلحاتها وقدرتها على الاشتقاق، وإحداث الألفاظ والعبارات الجديدة في أي ميدان من الميادين يجعلها كفيلة لتجاري اللغات الحديثة في تطورها وارتقائها.. وها هي ذي علوم الطب والطبيعة والكيمياء تدرس في جامعة دمشق بالعربية الفصحى، وها هم طلاب سوريا يؤكدون تفوقهم في تخصصاتهم بالجامعات الأجنبية، ويحصدون أعلى الدرجات العلمية مقارنة مع باقي الطلاب العرب سجيني اللغات الصليبية. إن إماتة اللغة العربية سيتبعه حتماً موت الإسلام، والاستعمار الجديد دائب على بلوغ هذا الهدف، وها هي ذي فرنسا تراقب عملية التعريب وتطورها بحذر شديد وتعمل على إعاقتها؛ والغرض هو فصل مسلمي المغرب عن تاريخهم الروحي والثقافي وإلقاء ستار كثيف على ماضيهم المشرق المجيد. وتأسيساً على ما مضى ندرك أننا أمام حرب حضارية صليبية جديدة وظفت فيها اللغة كسلاح جديد.. والهدف هو ربط المغرب (المستقل) بتبعية دائمة لفرنسا عن طريق تحطيم أسس المقاومة الداخلية في عقيدة الشعب، ولغته، وفكره، ومنهج حياته، وترويضه؛ مما يجعله يرى في فرنسا أحد نماذج الغرب المتفوق، فيسعى إلى تقليدها، واقتفاء أثرها.

стр. 4314

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة اغتيال اللغة العربية في الجزائر يحيى أبو زكريا [*] رغم مرور أربعين سنة على استقلال الجزائر، ورغم أنّ كل الدساتير الجزائرية السابقة المنسوخة والراهنة تقرّ أنّ اللغة الرسميّة في الجزائر هي اللغة العربيّة إلا أنّ الطابور الخامس الفرنكوفوني الذي لا يؤمن بعروبة الجزائر وانتمائها العربي ظلّ يعرقل تكريس اللغة العربيّة في الواقع السياسي والتربوي والثقافي والإعلامي والاجتماعي. ومن المفارقات الجزائريّة أنّ الجزائر التي قدمت مليوناً ونصف مليون شهيد من أجل عروبتها وإسلامها يخرج منها كاتب كمولود معمري الذي كان يعتبر الفتح العربي للجزائر غزواً واستعماراً، أو كاتب ياسين الذي كان يطالب رسول الإسلام محمّداً ﷺ بالخروج من الجزائر، أو وزير التربيّة الأسبق مصطفى الأشرف الذي كان يعتبر اللغة العربية أفيون الجزائر وعاملاً من عوامل نكستها. وبعد تولّي عبد العزيز بوتفليقة الحكم في الجزائر عيّن لجنة تربوية لإعداد مشروع إصلاح المنظومة التربويّة التي حمّلها الفرانكوفونيون والشيوعيون والبربر مسؤوليّة صناعة الإرهاب وإنتاج التعصّب في نظرهم، ويدّعي أعداء المدرسة الجزائريّة أنّ اللغة العربية وجعلها لغة تدريس في المراحل التعليميّة الابتدائيّة والمتوسطة والثانوية أفضى إلى إيجاد بذور الأصوليّة والأسلمة في نفوسهم. وعيّن على رأس اللجنة التي تعدّ مشروعاً تربوياً جديداً شخصاً يدعى بن زاغو ومعه ١٦٠ شخصاً من المنتمين إلى تيار التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري بزعامة سعيد سعدي المعادي قلباً وقالباً للغة العربيّة والتيارات الشيوعيّة والفرنكوفونيّة، وتعتبر خالدة مسعودي مستشارة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والعضوة في التجمع من أجل الثقافة والبربرية والمعادية صراحة وجهراً لعروبة الجزائر وإسلاميتها الرئيسة الفعليّة لهذه اللجنة، وقد انتهت اللجنة من إعداد مشروعها قبل فترة، وتمّ تقديم المشروع لرئاسة الجمهوريّة، وقد جاء في المشروع وبصريح العبارة أنّ اللغة العربية عامل مهم من عوامل نكسة المدرسة الجزائريّة، كما أوصت اللجنة بتدريس اللغة الفرنسية والعودة إلى الوضع السابق الذي كانت عليه المدرسة الجزائرية قبل لمسات التعريب المحدودة التي أدخلها بعض المؤمنين بالثقافة العربية في مراحل زمنيّة محدودة. ولإسقاط هذه المؤامرة التي تستهدف التعريب في الجزائر قام بعض المدافعين عن اللغة العربية في الجزائر ومنهم وزير التربيّة السابق علي بن محمّد الذي كان يعمل على تعريب المدرسة الجزائريّة قبل أن يعمد الفرنكوفونيون في وزارة التربيّة إلى الإطاحة به عبر تسريب أسئلة البكالوريا (الثانوية) مما اضطرّه إلى تقديم استقالته للرئيس المغتال محمّد بوضياف. ومن خلال اللجان التنسيقيّة التي شكلها مع بعض المدرسين والمدافعين عن مدرسة جزائريّة عربية وإسلاميّة يعمل علي بن محمّد على الإطاحة بمشروع المنظومة التربويّة الجديد الذي يحتمل أن يبدأ تطبيقه مع بداية السنة الدراسية المقبلة، وتأخذ هذه اللجان على رئاسة الجمهوريّة عدم لجوئها إلى ممثلي الشعب لاستشارتهم في مثل هذا الموضوع الحسّاس، كما أنّ اللجان المذكورة احتجّت على كون معظم أعضاء لجنة إصلاح المنظومة التربويّة من المنتمين إلى التيار الفرنكوفوني والبربري والشيوعي، ويركّز هؤلاء على تغريب المدرسة الجزائريّة وجعل اللغة الفرنسية هي لغة التعليم بدل اللغة العربية، وحتى اللغة الإنجليزيّة التي هي لغة عالميّة لم يولها أعضاء اللجنة اهتماماً كبيراً، وركزوا على اللغة الفرنسية. والعجيب أنّ الجزائر وبعد أربعين سنة من استقلالها لم تحسم موضوع التعريب مما جعل موضوع الهويّة يرخي بظلاله باستمرار منذ الاستقلال وإلى اليوم. وما زالت الأقليّة الفرنكوفونيّة تفرض منطلقاتها على شعب حسم منذ ١٤ قرناً موضوع انتمائه إلى العروبة والإسلام. ويعتبر المدافعون عن التعريب في الجزائر أنّ المشروع التربوي الذي تقدمت به لجنة بن زاغو أخيراً إلى رئاسة الجمهورية وفي حال تطبيقه سيكون بمثابة الطلقة الأخيرة على اللغة العربية في ينبوعها وجذورها وخصوصاً أنّ الأمل كان قائماً على أن تنتج المدرسة الحاليّة جيلاً معرباً يعيد التوازن إلى الجزائر التي ظلّت وما زالت تتأرجح بين الفرنسة والأمزغة. وقد تعجّب المراقبون كيف فتحت لجنة بن زاغو النار على اللغة العربية وكأنّها سبب نكسة الجزائر، علماً أنّ الفرنكوفونيين الجزائريين والذين أسعفهم الحظ في أن يكونوا في دوائر القرار في الجزائر؛ ورغم أنّ كل المقدّرات كانت في أيديهم ومع ذلك ظلت الجزائر تشهد التراجع تلو التراجع؛ وكان يجب أن يدركوا أنّ البناء السليم هو ذلك البناء الذي يكون من سِنخ [١] المجتمع ومن تطلّعات الناس، وأي استراتيجيّة لا تنسجم مع النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري للأمة فمآلها الإخفاق، وربما هذا ما يفسر استمرار التشققات المذهلة في الجدار الجزائري! * فرنسا تطالب برأس اللغة العربيّة في الجزائر: على الرغم من الانهيارات الكبرى التي ألَمَّت بالجزائر في العشريّة الماضية على صعيد الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني إلا أنّ الثوابت الوطنيّة ورغم تشكيك التحالف الفرنكوفوني البربري فيها ظلّت بمنأى عن التجاذبات السياسيّة، وجمّد الخوض فيها حفاظاً على التحالفات السياسيّة القائمة في الجزائر بين السلطة القائمة ومختلف التيارات السياسيّة في الجزائر. وتعتبر اللغة العربية من أبرز الثوابت الوطنيّة التي ظلت تتلقّى الطعون تلو الطعون من فرنسا بالدرجة الأولى وامتداداتها السيّاسية في الجزائر. وتعود محنة التعريب في الجزائر إلى بداية الاستقلال في ٥/٧/١٩٦٢م؛ وذلك عندما تقدّم مجموعة من النوّاب الجزائريين بمشروع إلى حكومة أحمد بن بلة الفتيّة طالبوا فيه الحكومة بالتخلّي عن اللغة الفرنسية كلغة مسيطرة على الإدارة والتعليم وإحلال اللغة العربيّة محلّها، وكانت صدمة النوّاب كبيرة للغاية كما يقول أحد هؤلاء وهو عمّار قليل عندما رفضت الحكومة الفتيّة مشروع التعريب. وظلّ التعريب مجمّداً على امتداد عهد بن بلّة، وحاول بومدين تعريب الإدارة والتعليم إلا أنّ اللغة الفرنسية قد أصبحت سيدة الموقف في عهده في الجامعة والإدارة، وحتى هواري بومدين شخصيّاً اضطرّ أن يستحضر أبرع الأساتذة في اللغة الفرنسيّة لكي يتعلمّ لغة موليير. وفي عهد الشاذلي بن جديد حققت اللغة الفرنسية في الجزائر أبرز انتصاراتها؛ ورغم أنّ البرلمان الجزائري قبل حلّه في الجزائر أقرّ قانون تعريب الجزائر وإحلال اللغة العربية لغة السيادة في موقعها الصحيح، لكن قبل بداية تطبيق القانون تمّ حلّ البرلمان الجزائري، وتمّت إقالة الشاذلي بن جديد. وكان أول قرار اتخذه رضا مالك عند تعيينه رئيساً للحكومة خلفاً لبلعيد عبد السلام هو إلغاء قرار التعريب الذي أصدره البرلمان الجزائري بحجّة أنّ الظروف الدوليّة لا تسمح بذلك، وبمعنى آخر أنّ باريس وضعت فيتو في وجه اللغة العربية في الجزائر. وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب مستعمرة ومشتعلة بين الجيش النظامي وكافة الجماعات الإسلامية المسلحة وبمختلف مشاربها الفقهيّة والفكريّة، كان الفرنكوفونيون يحصنون مواقعهم في كل دوائر ومؤسسات الدولة الجزائرية، وكانوا معتقدين للغاية أنهم من خلال مواقعهم المؤثرة لهم أن يلغوا بجرّة قلم ما يصبو إليه الإسلاميون. وبوتفليقة الذي بدأ عروبياً وانتهى فرنكوفونياً وأخذ يستخدم اللغة الفرنسية حتى في حديثه مع الفلاحين وكبار السن في المناطق النائيّة بات يحسن استعمال الورقة الفرنكوفونيّة أحسن استعمال، فالإليزيه قصر الرئاسة الفرنسية الذي فتح مع عبد العزيز بوتفليقة أكثر من قناة وعبر وسطاء متعددين ومعظمهم أصدقاء شخصيون للرئيس الجزائري الحالي أوصلوا إليه أنّ باريس ستقف معه في صراعه البارد مع الجنرالات مقابل أن يقدم تسهيلات للغة الفرنسية؛ حيث أعادت كل المراكز الثقافية الفرنسية نشاطها بشكل مدهش في الجزائر، وبالتوازي مع هذا النشاط فإنّ اللجنة الوزاريّة التي كلّفت بوضع خطة تربوية جديدة أوصت بضرورة إعادة الاعتبار للغة الفرنسية ومعاودة تدريس المواد العلمية والدقيقة باللغة الفرنسية، وبالإضافة إلى جعل اللغة الفرنسية ضروريّة في المرحلة الابتدائيّة وإلى الجامعة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه اللجنة يسيطر عليها الفرنكوفونيون والبربر الذين قدّموا في تقريرهم أنّ اللغة العربيّة هي التي مهدّت للأصوليّة والفكر الظلامي؛ ويقصدون به الفكر الإسلامي. ويعتبر هؤلاء المنظّرون أنّ القضاء على اللغة العربية من شأنه إلغاء أهم عامل من عوامل التطرف، وفي نظر هؤلاء المنظّرين فإن اللغة العربية تفضي تلقائياً إلى دراسة النص الديني. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان قد ألغى اللجنة التحضيريّة السابقة والتي كان قوامها مجموعة من الخبراء الذين يؤمنون بدور اللغة العربية في الارتقاء بالتعليم الجزائري، وشكل لجنة جديدة قوامها فرانكوفونيون وبربر والنتيجة التي خرجت بها هذه اللجنة أنّ اللغة الفرنسية ضرورة استراتيجيّة للجزائر، وبها لا باللغة العربية ستعرف الجزائر طريقها إلى التطور والازدهار، علماً أنّ اللغة الفرنسية ظلّت مسيطرة على مفاصل الدولة الجزائريّة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، ولم تخرج الجزائر من كبوتها بل زادتها انهياراً وتراجعاً في كافة الصعد. إن الصراع الدموي في الجزائر بين الجيش النظامي وبقيّة الجماعات الإسلامية المسلحة، جعل التيار الفرانكو بربريّ يستحوذ على جغرافيا القرار في الجزائر، ويصوغ المعالم التي يجب أن تكون عليها الجزائر راهناً ومستقبلاًً، ولأجل هذا يبدو هذا التيّار من أشد المتحمسين لاستمرار الحرب الأهليّة في الجزائر، وشعارهم: فليذهب دعاة الظلاميّة ولغتهم إلى الجحيم، ولْتَحْيَ لغة فولتير في الجزائر!

стр. 4315

نص شعري شهادة صخر أحمد الخويتم في ظلام الليل في درب مخيفْ (أنْسُ من يسري به وقعٌ لخطوٍ أو حفيفْ) هزّني صوت عنيفْ صاح بي: «يا صاحبي.. عفواً.. تمهّلْ» فإذا صخر عظيم جاثم في الأرض يبكي! قلت: «يا ويلي! أيبكي الصخر أم عقلي تخيّلْ؟!» قال لي الصخر: «أتعجب؟ .. حالكم والله يا إنسان أعجب» قلت: «خيراً.. ما الذي تبغيه منّي؟» قال: «إني قد سئمت العيش وحدي كل صخر قد مضى يبني ويفدي وأنا.. - منذ قضاني الله في الأرض - هنا.. ليس لي من صنعة غير التمنّي!» قلت: «يا صخر! ألا يرضيك أن أبنيك قصرا؟» قال: «كلا.. لست أرضى أن أكون اليوم فهرا في قصورٍ آمناتِ.. وصحابي من صخور القدس تشكو.. بغي فجّارٍ طغاةِ لن أزال الدهر أبكي أو فقُدْ للقدس نصرا أو فقل كلا.. (وإن تفعل أمت في الحال قهرا) قلت:» يا صخر لك الرحمن.. حالي صِنْو حالكْ ما عساني اليوم فاعلْ؟ إن قومي بعد ردح من زمان لم يحولوا دون تقتيل الأراملْ بَلْهَ تدمير المنازلْ وبِدِين الشجب دانوا فإذا قامت يهود بالمهالكْ قام قومي نحو غربٍ أو أدانوا ومضوا خلف الوعودِ ويهود نقضت كل العهودِ كيف أمضي نحو أرض جُعلت خلف السدودِ؟ أطرَقَ الصخر قليلاً ثم قال: «يا بُني اسمع مقالي ما لصخرٍ في حياةٍ من أربْ.. أن تخلى المسلمون اليوم عن قدسٍ وولّوا شأنها أيدي العربْ إِبغني بضعاً من الفتيان في طبع الرجالْ واطرقوا رأسي وجرمي.. كسروني.. حطموني.. فتتوني وإلى القدس احملوني وارجموا كل العدى وارحموا بالرجم طفلاً بتروا منه ذراعاً أو يدا طهروا الأقصى من الأرجاسِ من كل اليهودْ» بعد هذا.. صمت الصخر مليّا ثم نادى «أي بُنيّا» قلت: «سمعاً..» قال: «إني قبل موتي لي رجاءْ.. أن تبقّى بعض شيء من جذاذي؛ سُدّ ثلماً في جدار المسجد الأقصى المجيدْ واكتب التالي على ذاك الجدار: [دون نَيل النصر بحر من دماءْ كل حلّ غير هذا فهو تضييع وقتل للجهودْ قاله الصخر الشهيدْ]

стр. 4316

نص شعري خل عني محمد عبد الحكيم القاضي جاءني يسأل: أليس لك شِعر تعبر من خلاله عن عقيدتك وآرائك في الحياة كما يفعل الشعراء؟ فزجرته قائلاً: خَلَّ عنِّي؛ ولا تقلْ: أين فَنِّي؟ ... إن فنِّي يصيحُ بي: لَسْتَ مِنِّي! خَلِّ عنِّي؛ ففي ضميرِ الليالي ... قَدْ ثوى أَلْفُ ساجعٍ ومُغَنِّ غرِقَتّ هذه الأناشيدُ في الليل ... وأَعْيَتْ ما بَيْنَ مَدٍّ وغَنِّ أتُراها قد مزقت غيهب الزو ... رِ، وشَقَّتْ غُرُورَهُ بالمِجَنِّ؟ أن تُراها قد حَطَّمَتْ فَيْلَقَ الظلمِ ... وفلَّتْ شَوْكَ الظلامِ المُسِنِّ؟ أم هيَ الآنًَ صاحِ ما فتئت تغْري ... ظلامَ النُّهى بِصُبْحِ التَّمَنِّي؟ وتثيرُ الرُّقادَ في مَيِّتِ النَّفْسِ ... بَهَجْسٍ مُوَزَّعٍ مُسْتَكِنِّ؟ خلِّ عنِّي؛ ففي أناشيدنا العُو ... جِ رُؤَى فتنةٍ، وصورةُ مَيْنِ أيُّ شِعْرٍ؟ وكلنا اليوم ملقى ... في كهوفٍ مُخَوِّفات، وسجن! حاورتْنا الأيامُ، حتى سُحِقنا ... أم أَفَقْنا على شَكَاةٍ وحُزْنِ؟ وغزوْنا الأوهامَ حتى غَنِمْنا ... بَعْدَ طُولِ الجِلادِ (خُفَّيْ حُنَيْنِ) ! في تجاعيدنا تموتُ الأغاريدُ ... كأني واريتها. وَيْ كأنّي! فتزودتُ للنهايةِ بالبَدْ ... ءِ، وآمنتُ في العُلا بالتَّدنِّي رُبَّ عالٍ، وحتفُه في علاه ... وضعيفٍ مُوَفَّقٍ مُطْمَئِنِّ فتعريتُ للجهادِ غريباً ... فَوْقَ جَمْرِ الرمضاءِ أو في الدُّجُنِّ حرمتني مواجع الدهرِ زادي ... وأتانِي الأعداءُ يبغون حَيْني وسُلبت العتادَ؛ أعزلَ فرداً ... ودعاني إلى الكريهةِ قِرْني فتسلحتُ بالصلاةِ وبالصبرِ ... ونِعْمَ السلاحُ عند التَّعَنِّي لا تلمني، وقد زجرتُك عني ... واعتذر لي بسابقاتي وسِنّي فالذي أقلقَ الدجى في صباه ... أقلقتْه الدجى زمانَ التَّفَنِّي قد منعتُ القريضَ لما تَوَجَّى ... وكمِ اسْتَقْتُهُ سحابةَ مُزْنِ فأَصِخْ للنداءِ من خالقِ الحقِّ ... وأَذِّنْ بِهِ، ورَتِّلْ، وغَنِّ وحد الله والرسالة والدين ... وَثلِّثْ ما شئتَ بَعْدُ وَثَنِّ

стр. 4317

قصة قصيرة الموت صبراً محمد علي البدوي [*] في عصر الديمقراطيات الحديثة، عصر المثاليات والشفافية الإنسانية، عصر (حقوق الإنسان) والندوات العالمية المفعمة بمثل هذه المشاعر الرهيفة النبيلة.. يموت الإنسان في (.....) ...... كل شيء يحتضر.. الماء.. الهواء.. الشمس وقد تلفعت بحمرة الشفق، وأخذت تتوارى في خجل، الليل وهو يبسط رداءه على شوارع المدينة،.. كانت عقارب الساعة تزحف نحو السادسة مساء ببطء شديد عندما عاودت الطائرات المحمومة قصفها للمدينة، بدأت صافرات الإنذار تزأر بشدة والموت يوزع هنا وهناك نُذره.. لكن الناس صاروا لا يبالون بذلك، لقد ألفوا المنظر، ألِفوا ألسنة النيران، وتساقط الشظايا، ... إنهم يقبلون على الحياة في نهم ظاهر ... أخذت الأفكار تشتعل في رأسه، وراحت الصور تتلاحق أمام ناظريه قاتمة كئيبة «.. الجثث المبعثرة، رائحة الدماء المنبعثة بين الأنقاض وقد اختلطت بنداءات الاستغاثة، الوجوه الشاحبة بفعل الفقر والعوز، الأجساد اليابسة المتهالكة، الأطفال وهم يتضاغون، الجوع الذي يفتك بالجميع بلا رحمة» ، ضغط على عينيه عنوة ثم صرخ في حدّة: - إلى متى هذا الحصار الكريه يجثم على صدورنا؟ .. يقطف أرواحنا؟ يقتل أحلامنا؟ .. لم نعد نحلم بشيء ... لم نعد نحلم بشيء ... تحجرت الدموع في عينيه وهو يشاهد جنازة صغيرة تؤم المقبرة في صمت، لم يجد بداً من المشاركة، جرّ رجليه خلفهم في تعب، وتساءل مع نفسه في مرارة: - كم هي القبور التي حفرتها؟ ... كم هي الأجساد الغضة التي أودعتها؟ ... الأطفال فقط يدفعون ثمن هذه الحرب الضروس. لاحت له المقبرة من بعيد وقد نهضت خلفها الجدران الصامتة، صمت العالم إزاء ما يحدث لهم، علق مغضباً: - تباً جدار الصامتين. كانت مراسم الدفن سريعة، قفل الناس بعدها إلى بيوتهم، بينما تكوّم هو عند جدار المقبرة، وأخذ يحدق ملياً في تلك القبور التي تراصت جنباً إلى جنب ... العشرات من أصدقائه وأقربائه قُبروا هنا ... رحلوا في صمت.. قتلهم القصف والجوع.. والحصار الكريه.. كان الليل قد أتى على المدينة المنكوبة التي قد تدثرت بالحداد، بينما أخذت الطائرات المحمومة تزرع الموت في كل مكان ... عندها آب إلى بيته موجعاً بعد أن أعدَّ مقابر جديدة لاستقبال الموتى!

стр. 4318

حوار الرئيس الشيشاني السابق سليم خان في حوار خاص مع البيان الروس يمارسون أبشع أنواع الإبادة.. والغرب يتستر على جرائمهم * ضيفنا في سطور: - ولد في سنة (١٩٥٢م) ، وحصل على الشهادة الجامعية في جروزني في اللغة الروسية وآدابها، واللغة الشيشانية وآدابها، ثم أكمل دراسته في (معهد جوركي) في موسكو. - كان عضواً في اتحاد الأدباء السوفييت، وكتب (١٥) كتاباً في الشعر والأدب والسياسة، تُرجِم بعضها إلى اللغتين الإنجليزية والتركية. - كوَّن أيام الاتحاد السوفييتي (الحزب الديمقراطي واي ناخ) ، ولكن الحكومة لم تعترف به، في أيام سقوط الاتحاد السوفييتي عام (١٩٩١م) كان الحزب من أبرز روَّاد التحرير الشيشاني. - انتخب في عام (١٩٩١م) عضواً في البرلمان الشيشاني، وفي (١٩٩٣م) عين نائباً للرئيس الشيشاني (جوهر دوداييف) ، وبعد مقتل الرئيس عام (١٩٩٦م) عين سليم خان يندر باييف رئيساً للشيشان. - في عام (١٩٩٧م) أمر بإجراء انتخابات رئاسية، فانتخب الرئيس (أصلان مسخادوف) . - استقال سليم خان من رئاسة الحكومة، واستمر نشاطه السياسي، وأصبح رئيساً لمنظمة تعنى بتوحيد الشعوب الإسلامية في منطقة القوقاز كان مقرها في جروزني، وبعد الهجوم الروسي على الشيشان خرج ممثلاً خاصاً للرئيس وللحكومة الشيشانية الشرعية في البلدان الإسلامية. * مدخل: يستمر الصراع في الشيشان بين القوات الروسية والمجاهدين الشيشان وسط تعتيم إعلامي عربي وغربي، خاصة بعد التوافق الذي بدا واضحاً بين الرئيسين الروسي والأمريكي في زيارة بوش الأخيرة إلى موسكو، والتي دعا فيها بوش إلى الاستفادة من الدروس التي قدمتها التجربة الأمريكية في أفغانستان، وكان بوتين بدوره قد دعا أمريكا قبل حربها أن تستفيد من التجربة الروسية في أفغانستان. ويتأكد هذا التوافق السياسي بعد اجتماع روما بين حلف الناتو الغربي وروسيا الذي كان من أولياته اتفاق القوى العالمية على ضرورة (الحرب على الإرهاب!) . وهكذا يمضي الشرق والغرب في تبادل الدروس في حرب المسلمين، ويتواطؤون على مواجهة المجاهدين، بينما يعاني المجاهدون في الشيشان من قلة الاهتمام العربي والإسلامي بقضيتهم، ولن نقول قلة الدعم والنصرة، بل مجرد الاهتمام الإعلامي أصبح مفتقداً رغم أن الأداء العسكري المشرف للمجاهدين في حربهم مع ثاني قوة عسكرية في العالم ينبغي أن يكون دافعاً للترويج الإعلامي لمن يرفعون رؤوس المسلمين عالياً. أضف إلى ذلك أن الحرب العالمية على الحركات الجهادية ينبغي أن تشكل دافعاً إضافياً للاحتفاء بمن بقي منهم رافعاً لواء الحق ونصرة الإسلام. ويسعدنا في مجلة البيان أن نلتقي الرئيس الشيشاني السابق (سليم خان يندر باييف) لنحاوره عن بعض المستجدات الأخيرة على الساحة الشيشانية: البيان: لعلنا نبدأ الحوار معكم بعرض موجز للوضع الحالي في الشيشان. - الجهاد ماض من الشعب الشيشاني، ويشارك فيه معظم الناس. لكن الحرب في غاية الصعوبة، وتزداد ضراوتها من الروس يوماً بعد يوم، وخاصة بعد الحرب الدولية على أفغانستان، وعلى ما يسمونه بالحرب على الإرهاب، وقد تواطأت قوى الكفر (روسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي) لمواجهة المسلمين في الشيشان. استشهد كثير من المجاهدين، وجرح آخرون. دمَّر الروس أكثر من ٧٠% من البيوت والمزارع والمدارس والمصانع، وهدمت الطرق والجسور، وانتشر الخراب في كل مكان، وامتلأت الأرض بالألغام. الأرض الشيشانية كلها تحت الحصار الروسي، والروس يمارسون أبشع أنواع الإبادة والوحشية، والعالم الغربي يدعمهم ويتستر على جرائمهم. لكن الجهاد في سبيل الله ولله الحمد مستمر، والحرب القائمة حرب عصابات، وقد استطعنا - ولله الحمد - أن نكبد الروس خسائر فادحة في كمائن عديدة، ومعنويات الجيش الروسي محطمة، فهم يُجَرُّون إلى ساحة المعركة جراً، وأما عزائم المجاهدين فهي مرتفعة، ومعنوياتهم عالية، وصفوفهم متماسكة، وهم مصممون على إخراج الروس وإقامة دولة الإسلام، ونحن واثقون بأن النصر سيكون للمسلمين بعون الله تعالى. البيان: لكن هذه الحرب الطويلة والجراحات العديدة ألم تؤثر على صمود الشعب الشيشاني ودعمه للمجاهدين؟ - لو لم يكن الشعب الشيشاني صامداً وقوياً لم يستطع المجاهدون المواصلة ولو أسبوعاً واحداً. إن دعم الشعب للمجاهدين جعل الروس يعتدون بكل وحشية على المدنيين العزّل، بل وعلى النساء والشيوخ والأطفال. البيان: كم يقدر عدد المجاهدين الشيشان؟ - الشعب بمختلف طبقاته متعاون مع المجاهدين، أما الذين يحملون الأسلحة ويرابطون في ساحة القتال فهم من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف مقاتل. الشيشان دولة صغيرة، ومتطلبات حرب العصابات مختلفة؛ فهي لا تحتاج إلى جيوش وأعداد كبيرة، وإنما تحتاج إلى رجال أشداء مدربين تدريباً قوياً، يملكون القدرة على المراوغة وسرعة الحركة، ويملكون أسلحة فعالة سهلة الحمل. البيان: وما دور المجاهدين العرب؟ - المجاهدون العرب والشيشانيون تحت قيادة واحدة، وبينهم تنسيق مشترك، وكذلك يوجد مجاهدون من القوقاز، وهذا التكاتف أكَّد البعد الإسلامي لقضيتنا، وليس البعد القومي. البيان: ولكن ما أثر إصابة شامل باسييف ومقتل خطاب ﵀؟ - شامل باسييف في صحة جيدة بعد أن قطعت رجله، وهو مستمر في مزاولة دوره القيادي في الميدان. أما خطاب فقد كان رجلاً شجاعاً مقداماً خبيراً بفنون القتال، ومتقناً لحرب العصابات، كان يحسن التعامل مع الناس، وكان محبوباً من جميع الأطراف، وقدم لنا خدمات جليلة لا تنسى، وفي نهاية الحرب الأولى لمَّا كنت رئيساً للبلاد أعطيته وساماً للبطل القومي بسبب بذله ومساعدته لنا. ولهذا فإن قتله كان خسارة كبيرة للمجاهدين، وفقده ترك فراغاً كبيراً، وندعو الله ألاَّ يؤثر هذا على عملياتنا الجهادية. لكنني أذكِّر هنا أن الجهاد الإسلامي لا يرتبط بالأشخاص، ونحن متوكلون على الله، مستعينون به، ومن اختار طريق الجهاد، وكان مخلصاً في اختياره، فإن الله سيساعده ويثبته. لقد فقدنا كثيراً من المجاهدين خلال الحربين الأولى والثانية، ومستعدون لتقديم المزيد؛ فنحن مؤمنون بقضيتنا. البيان: التقارب الروسي الغربي الذي تمثل في الاتفاقية الجديدة لروسيا مع الحلف الأطلنطي، واتفاقهم على مكافحة الإرهاب، هل له تأثير على الشيشان، وما حجم السلبيات التي يمكن أن يحدثها ذلك التقارب؟ - التقارب الروسي الغربي ليس غريباً؛ فهم على الرغم من اختلاف مصالحهم متواطئون جميعاً على تصفية المجاهدين باسم الحرب على الإرهاب. لقد تأكد لنا أن حربهم على الإرهاب إنما هي غطاء للحرب على الإسلام. إنني أؤكد أنهم هم الإرهابيون، إذا كانوا يدعون أنهم يحاربون الإرهاب؛ فإنهم يمارسون أشد أنواع الإرهاب وانتهاك الحقوق. لقد أصبح شعار: (الحرب على الإرهاب) طريقاً لتصفية المستضعفين، وعنواناً لكبت الشعوب واحتوائها. البيان: ما أثر الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، وفي جورجيا على القضية الشيشانية؟ - التأثير الأمريكي يتصاعد، بل بدأ يتجاوز الدور الروسي. بدأت روسيا المثقلة بهمومها الاقتصادية تبتعد تدريجياً عن آسيا الوسطى، وتفقد السيطرة أمام القوة الأمريكية. اخترقت أمريكا كثيراً من دول ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي، وبدأت تشتري الأنظمة الضعيفة في آسيا الوسطى وجورجيا وأذربيجان، وتقيم قواعدها العسكرية والاستخباراتية لتحكم سيطرتها على العالم، وأمريكا لها أطماعها الاقتصادية والعسكرية في المنطقة، وعلى رأس اهتماماتها الحد من النفوذ الإسلامي للشعوب التي بدأت تعود لدينها. البيان: كيف تقوِّمون علاقاتكم بدول الجوار كداغستان وجورجيا؟ - الحكومة الداغستانية الحالية حكومة عميلة لروسيا؛ لكن علاقاتنا مع الإخوة في داغستان علاقة حسنة، وعندما بدأ المجاهدون في داغستان عملياتهم ضد القوات الروسية ساعدناهم، ثم توثقت الصلات بهم، ولا زال عدد من المجاهدين الداغستان يقاتل في صفوفنا في الشيشان، ودولة الشيشان محاطة بروسيا من جميع الجهات ما عدا قطعة صغيرة لا تتجاوز ٥٠ كم على الحدود مع جورجيا، وهي منطقة جبلية وعرة جداً، وفي داخل جورجيا توجد ست قرى شيشانية، وهناك لاجئون من الشيشان. البيان: كيف ينظر الشعب الشيشاني للحكومة الشيشانية الحالية في جروزني؟ - الحكومة الحالية حكومة عميلة وضعيفة جداً لا تمثل الشعب الشيشاني، ولا يحترمها أحد، وهي غطاء لإدارة جيوش المحتلين الروس. أعضاء الحكومة أدوات طيّعة بأيدي القادة العسكريين من روسيا، يديرونهم كما تدار الدمى الجامدة في مسرح العرائس؛ ولهذا لا أتوقع لها مستقبلاً مستقراً. البيان: ولكن ما حقيقة المباحثات السلمية التي تجري مع روسيا؟ - لا توجد أي مفاوضات على الإطلاق بين المجاهدين والحكومة الروسية أو الحكومة العميلة في جروزني. المجاهدون لن يقبلوا إلا بخروج الروس من أرض الشيشان، الخروج الحقيقي الذي يمكنهم من إقامة شرع الله. البيان: لكن هل ترغب روسيا أصلاً بالتفاوض معكم؟ - الحكومة الروسية تريد فرض إرادتها على الشيشان، ولن تقبل الحل الإسلامي الذي يقدمه المجاهدون على الإطلاق. والمجاهدون الشيشانيون وشعب الشيشان لا يريدون الاستسلام للإرادة الروسية، ولن يتنازلوا عن حقوقهم، ولن يقبلوا الترويض أو الإقصاء. البيان: إذاً ما الحل في نظركم؟ - هو طريق واحد لا شك فيه.. إنه الجهاد في سبيل الله، ولا بد أن نصبر: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) . البيان: لتسمحوا لنا أن ننتقل إلى التعرف على أوضاع اللاجئين الشيشانيين؟ - اللاجئون الشيشانيون ينتشرون في أنغوشيا وداغستان وجورجيا وأذربيجان وقليل منهم في تركيا، وحالتهم الغذائية والصحية يرثى لها. ويوجد شيشانيون كثيرون هائمون في الشيشان نفسها بعد أن دمرت منازلهم وهدمت مزارعهم، وقتل رجالهم، وانتشرت الأرامل والأيتام والمعوقون. الشيشانيون في الداخل أصعب حالاً من إخوانهم في الخارج، وهم يمرون بأوضاع بائسة وحرجة جداً، ويفتقرون لأبسط الاحتياجات الإنسانية. الأسر المستضعفة التي فقدت رجالها تتجمع وتتكاتف لتسكن في أماكن ضيقة. ونحن نحاول مساعدتهم لكن الصعوبات تواجهنا كثيراً جداً. أما اللاجئون في جورجيا وأذربيجان فأحوالهم الأخيرة تزداد سوءاً؛ لأن تلك الحكومات ضيقت على المؤسسات الإسلامية الخيرية، وأخرجتها من المنطقة. وفي المناطق الخاضعة للنفوذ الروسي تتلقى الحكومة الروسية المساعدات الإنسانية من الدول والمنظمات الدولية بحجة تنظيمها، ولكن في الحقيقة تستخدمها لتمويل الجيش الروسي وتغذيته..!! البيان: كيف تقوِّمون تفاعل الشعوب الإسلامية مع القضية الشيشانية؟ - زرت بعض الدول الإسلامية، ورأيت تعاطفاً كبيراً؛ فالشعوب الإسلامية محبة لنا، وتأتينا مساعدات يسيرة مشكورة. لكن الإعلام العربي متغافل عنا، ولهذا ترى كثيراً من الناس لا يدركون حقيقة قضيتنا. البيان: إذن ما هي رسالتكم التي تودون إيصالها عبر مجلة البيان؟ - نشكر جميع المسلمين الداعمين لإخوانهم في الشيشان، ونرجو منهم الدعاء. ويجب أن يعلموا أنَّ الدين الإسلامي هو دين العزة، ولن تكون العزة إلا بالجهاد؛ فعليهم أن يعودوا إلى دينهم الحق ليس بالقول، بل بالقول والعمل. وعلى شعبنا الشيشاني أن يؤمن حقاً بدينه، ولن يكون التحرير والنصر إلا بهذا، ولن يرفع عنهم الذل إلا بهذا الطريق. كونوا معنا، ولا تنسوا الدعاء لإخوانكم ودعمهم مادياً ومعنوياً.

стр. 4319

الإسلام لعصرنا الاعتبار بمآلات معاصي الكفار أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] jaafaridris@hotmail.com خلق الله الإنسان روحاً وجسداً، ذكراً وأنثى، فرداً وجماعة. وكما جعل لجسده تركيباً معيناً ذا خصائص معينة لا يصلح لها إلا نوع خاص من الطعام والشراب والهواء ودرجات الحرارة وغير ذلك، جعل لروحه أيضاً تركيباً خاصاً لا يصلح له إلا نوع معين من المعتقدات والأحوال والأقوال والأعمال. ثم جعل بين الجسد والروح علاقة تبادل وتكامل، وكذلك بين الذكر والأنثى والفرد والجماعة. ثم جعل بين كل هذه الصور الإنسانية علاقات، ثم جعل بينها وبين عالم الملائكة والجن والطبيعة علاقات معينة لا يعلمها على حقيقتها وبكل تفاصيلها إلا هو سبحانه: [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢٣٢) . فالله يخبرنا أن بعض أعمالنا تؤثر في الطبيعة: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس] (الروم: ٤١) ، والفساد المقصود هنا هو الفساد الطبيعي المادي لا الفساد الخلقي، بل هو ناتج عن الفساد الخلقي المشار إليه بقوله تعالى: [بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس] (الروم: ٤١) ، ولأعمالنا تأثير على الملائكة لأنها كما يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» [١] ولأنها لا تدخل بيتاً فيه صورة كما يخبرنا الرسول ﷺ أيضاً. ولأعمالنا أيضاً تأثير على الجن، ولأعمال الأفراد منا تأثير على المجتمع؛ ولذلك حرم الله أشياء مثل السرقة والظلم والبغي. ولتصرفات الرجال تأثير على النساء كما لتصرفات النساء تأثير على الرجال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» [٢] . ثم أرسل رسله بشرع يحقق للناس مصالحهم الروحية والجسدية، الدنيوية والأخروية؛ لأنه شرع قائم على علم المشرِّع الخالق سبحانه علماً محيطاً بكل تلك الخصائص والعلاقات، وما يصلح لها وما لا يصلح من تصرفات الناس الاختيارية: [وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح] (البقرة: ٢٢٠) . والذين يستمسكون بشرع الله تعالى وإن لم يعلموا تفاصيل الأسس التي بناها الله تعالى عليها يجدون في تجربتهم مصداق ما وعد الله به من الآثار الحميدة لهذا الشرع في حياتهم، حتى إن قائلهم ليقول: لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وكما يعرف المؤمن بتجربته الآثار الطيبة للطاعة فإنه يعرف بتجربته أيضاً كثيراً من الآثار السيئة للمعاصي التي لا يبرأ منها أحد، وإن اختلفوا فيما يقترفون منها صغراً وكبراً، كيف و «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» [٣] . لكن الآثار العظيمة للمعاصي كبيرها وصغيرها إنما تظهر في المجتمعات الكافرة الغافلة غفلة كاملة عن شرع الله عقيدة وعبادة وخلقاً وسلوكاً وحياة اجتماعية وسياسية واقتصادية. وكلما كثرت المعاصي وكلما طال أمد مقارفتها والجهر بها واعتيادها كان ظهور آثارها السيئة أكبر وأبين. وإنه لمما يزيد إيمان المؤمن بصدق الرسالة النبوية وتحقيقها للمصالح البشرية أن يرى هذه الآثار السيئة لمخالفتها. إن الاعتبار بالواقع طبيعياً كان أم اجتماعياً منهج إسلامي أصيل ترشد إليه كثير من نصوص الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] (الأنعام: ١١) ، [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ] (النمل: ٦٩) . وذلك أن المصالح التي وضعت الشريعة لتحقيقها والمفاسد التي وضعت للتحذير منها ما هو أمر ظاهر يمكن مشاهدته، ويسهل لذلك الاعتبار به. ولذلك ندب الله تعالى عباده المؤمنين إلى الاعتبار بأحوال الكفار ومصائرهم. ونحن نعيش في عصر عمت فيه بلوى البعد عن شرع الله في مجتمعات كاملة كالمجتمعات الغربية. لذلك أرى أنه من واجبنا وخدمة لديننا وتحقيقاً لمصالحنا أن نعنى بمآلات معاصيهم وندرسها ونتدبرها وننشرها بين الناس مسلمين وغير مسلمين، بل أن نجعل هذا الاعتبار بتجارب الغربيين الكفار علماً قائماً بذاته نحشد له جهودنا جمعاً لمواده وتصنيفاً، وتفسيراً علمياً لها، ودعوة إلى الاتعاظ والاعتبار بها. ونحن لا نحتاج لتحقيق ذلك أن نقوم بإجراء بحوث ميدانية في المجتمعات الغربية؛ فقد كفونا هم مؤونة ذلك. فمن حسنات منهجهم العلمي في مجال الدراسات الاجتماعية أنهم يبحثون في الآثار المترتبة على أعمالهم، ويحاول علماؤهم أن يكونوا في ذلك محايدين لا تصدهم آراؤهم الشخصية عن نشر نتائج ما وصلوا إليه من دراسة وتجارب. فحياة الغربيين التي يمارَس فيها ما حرم الله تعالى ينبغي أن تكون بالنسبة لنا كما ذكرت في مناسبة سابقة كالتجربة التي يسميها العلماء الطبيعيون التجربة الحاكمة (experiment control) . ما أكثر المادة العلمية المتعلقة بتأثير المعاصي على حياة الغربيين، معاصي الزنا والشذوذ وشرب الخمر وتعاطي المخدرات واختلاط الرجال بالنساء والسفور، بل وحتى تولي المرأة لعمل الرجال، وتولي الرجال لأعمال النساء. ولكي يفي هذا العلم المقترح بشروط العلم فينبغي أن يكون اعتماده على الحقائق التي اكتشفها الغربيون بالوسائل العلمية، وأن توثق هذه الحقائق بذكر مراجعها، وأن لا يخلط بينها وبين الآراء التي يعبر عنها بعض الغربيين لمجرد أنها موافقة لديننا، لأن الرأي ليس له سلطان الحقيقة العلمية. والحقائق العلمية التي أعنيها تشمل كل أنواع العلوم الطبيعية والاجتماعية والنفسية. ولذلك فإنه لا بد من أن تتضافر على جمعها جهود كل المختصين أو المهتمين بهذه العلوم. وهذا يقتضي أن يكون هنالك مركز ترسل إليه هذه الحقائق لجمعها وتصنيفها ثم نشرها. ولما كانت هذه الاكتشافات مستمرة فلا بد أن يكون جمعها وتصنيفها ونشرها أيضاً مستمراً. ولهذا ربما كان الأنسب لنشرها هو المجلات، أو الكتيبات الشهرية. قد يثير هذا الاقتراح سؤالين: أولهما: إن ما تدعو إليه ليس بالأمر الجديد؛ فما أكثر ما كتب الإسلاميون في مقالاتهم وكتبهم عن الآثار التي ترتبت على ما شاع في البلاد الغربية من معاص وانحرافات. ونقول هذا صحيح. وقد كنت أنا نفسي لخصت لمجلة البيان كتاباً لفوكوياما: (الانفراط أو التفكك الحاصل في المجتمعات الغربية) وعزوه أسباب ذلك إلى تفكك الأسرة الذي كان بدوره ناتجاً عن تفشي العلاقات الجنسية خارج نطاق الزوجية. وقد كتب صديقنا أستاذ علم النفس الدكتور مالك بدري كتاباً كاملاً عن العلاقة بين مرض الإيدز والقيم المصاحبة للحداثة. لكن الذي ندعو إليه هو أن يولى هذا الأمر عناية أكبر وأن يشارك في جمع معلوماته عدد أكبر، وأن يوضع له منهج وضوابط تجعل منه علماً معترفاً به. وثاني السؤالين هو: لماذا يحصر هذا العلم في ممارسات الدول الغربية؛ مع أن الواقع هو أن كثيراً من تلك الممارسات شاعت في العالم كله بما فيه العالم الإسلامي؟ ونقول أيضاً: إن هذا صحيح؛ لكن الغرب كان أسبق إليها، وقد داوم عليها لمدة أطول، وصار يستعلن بها، ويدافع عنها، ويدعو إليها، بل يحاول عن طريق الأمم المتحدة أن يفرضها على بقية شعوب العالم. ولكن مع هذا لا بأس من تعزيز النتائج التي حدثت في الغرب بمثيلات لها في بقية بلدان العالم.

стр. 4320

آفاق كيف: مصدر هموم د. عبد الكريم بكار [*] شيء مهم أن نعرف ماذا نقول، وأن نعرف ماذا نريد؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرفون ما الصواب الذي عليهم أن يتحدثوا عنه، ولا الأشياء التي يريدون لها أن تتحقق. وأعتقد أن المفكر الذي تعود التفكير والتنظير والتعليل تنتهي مهمته عندما يشعر أنه وضع النقاط على الحروف فيما يجب أن يجلوه من مسائل، وقل نحو ذلك في الداعية الذي جعل شعاره في التبليغ: (قل كلمتك وامش) فإنه يقنع بقول ما يود قوله. والأمة بحاجة إلى هذا وذاك؛ لكن الإصلاح يتطلب في الحقيقة ما هو أكثر من ذلك: إنه يتطلب توفير الشروط والنظم والقوانين والأساليب والظروف التي تساعد الناس بطريقة أو بأخرى على الاستقامة وعلى الاستجابة لنداءات الدعاة وتوجيهات المربين ومناشدات المخلصين ... توفير الأمور التي ذكرناها يعني توفير (بيئة صالحة) بأوسع ما تحمله هذه الكلمة من دلالات. دعونا نقول: إنه على مدار التاريخ كان لدينا نقص مريع في التنظير للبرامج والكيفيات والوضعيات والأطر التي تجعلنا ننتقل من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل؛ في الوقت الذي نشكو فيه من فائض في القوة عما يجب فعله، وعما يجب تركه والإقلاع عنه، وربما كان ذلك بسبب تأثير من بعض المفاهيم الجاهلية والفلسفة اليونانية حيث الجنوح إلى الحلول النظرية وكراهة الانهماك في التقنيات وفي الأعمال اليدوية والتنفيذية، وقد تركت هذه الوضعية أسوأ الآثار في قدرتنا على التخطيط للبرامج العملية وفي رصيدنا من الأطر والشروط التي تحوّل الكلام إلى خطوط حركة يومية! وكم رأينا من الدعاة الذين ينتزعون الإعجاب عندما يتحدثون عن القيم والمبادئ والآمال والجراحات؛ لكن سرعان ما يفقدون كل ذلك عندما يقال لهم: كيف يمكن تحويل هذه الأفكار الجميلة إلى واقع معيش؟! السؤال عن (كيف) يشكّل مصدر همّ وقلق وإثارة للكبار الذين انتهوا من تحديد ملامح الوضعية التي يجب أن تكون فيها الأمة، وباتوا يشعرون بضرورة الانتقال إلى إيجاد الآليات والوسائل التي تساعد الناس على الارتقاء نحو الوضعية المنشودة. المصلحون المدركون لتكاليف ذلك ومشاقه لا يكفّون عن طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها، ومن تلك الأسئلة: - كيف نستطيع أن نحول دون استثمار التفوق المعنوي والمادي بطرق غير مشروعة؟ - كيف يمكن أن نجمع بين مستوى جيد من الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية؟ - كيف نستطيع جعل الناس يبصرون الخط الضيّق الذي يفصل بين النجاح واللصوصية، والخط الفاصل بين الزهد وبين العجز والعيش على هامش المجتمع، والخط الفاصل بين القوة والثقة بالنفس وبين البغي والأنانية ... ؟ - كيف نستطيع أن نستفيد من تقدم الغرب دون أن نغرق في ثقافته؟ - كيف نستطيع تحقيق معنى الأمة الواحدة في ظل العولمة حيث السعي إلى تمزيق كل الروابط التي تقوم على العقيدة؟ - كيف يمكن أن نوجه النقد إلى بعض إنجازاتنا التاريخية دون أن نشعر بالاغتراب وتشتت الجذور؟ - كيف يمكن للخطاب الدعوي أن يجمع بين الجاذبية والالتزام؟ - كيف يمكن الحفاظ على التألّف الروحي في ظل حياة مترفة؟ - كيف يمكن أن نضبط مقادير الضغط الاجتماعي على نحو لا يؤدي إلى شيوع النفاق والفساد الداخلي؟ إن التساؤل حول هذه الأمور هو بداية لا بد منها لتطوير حساسيتنا نحوها. ومهما ظننا أن الأجوبة والسبل العملية التي نكتشفها جيدة وموائمة فإن التطبيق وحده هو المحك الذي يكشف عن مدى صوابها ونجاعتها، وإن كل حل عملي وكل إطار تطبيقي يمكن أن يفقد مع الأيام فاعليته واتزانه، ويصبح في حاجة إلى تعديل واتزان جديد؛ وذلك لأن العناصر المشكّلة للبيئة في حالة من التغير الدائم، مما يجعل الحلول والأطر المقترحة لا تحتفظ بملاءمتها. لنحاول الخلاص من التلهي بشرح ما بات معروفاً للصغير والكبير، والضرورة إلى تحويله إلى شيء ملموس يسعد الناس بالعيش في ظلاله. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 4321

المسلمون والعالم تفعيل صراع الحضارات.. هل يبدأ من كشمير ؟ عبد العزيز كامل لم يكن (ريتشارد أرمتياج) نائب وزير الخارجية الأمريكي مبالغاً عندما قال عن كشمير: «إنها أخطر منطقة في العالم» ! ولأسباب عديدة سنوافق نائب وزير الخارجية الأمريكي في وصفه المثير للحالة في كشمير، لا بحكم قربه واطلاعه على مجريات الأحداث من موقعه بوزارة خارجية العالم فقط، بل لعوامل أخرى أظهرتها أزمات السنوات والشهور الأخيرة: - منها: أنه لا يوجد صمام أمان للقوة النووية التي تتبادل التهديد بها الدولتان النوويتان الناميتان الهند وباكستان اللتان دخلتا ثلاثة حروب في ثلاثة عقود لأسباب دينية، وهما تستنفران الجيوش بين الحين والآخر لحرب رابعة شاملة من أجل كشمير. - ومنها: أن الهند تسيطر عليها حكومة (أصولية) هندوسية متطرفة، تقترب في الشبه من الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية في الوقت الراهن، وتحوُّل الهند التدريجي عن طابعها العلماني التقليدي تحت قيادة حزب (بهارتيا جاناتا) ؛ تحاول الهند إظهاره بفرض الحكم الهندوسي الوثني على شعب كشمير المسلم. - ومنها: أن خيار الكشميريين الوحيد أصبح هو الجهاد، بكل ما أصبح يعكسه الجهاد اليوم من أصداء الاستنفار العالمي، والتحالف الأممي لمواجهته. - ومنها: أن الولايات المتحدة الأمريكية في حربها العالمية المعلنة على الإسلام باسم (الحرب على الإرهاب) جعلت من كشمير منطقة من المناطق الرئيسة المستهدفة استهدافاً أمريكياً مباشراً؛ لأنها تؤوي جماعات مجاهدة ضمتها أمريكا إلى قائمة الجماعات (الإرهابية) في قائمة المنظمات الستين التي أعلنتها بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م. - ومنها: أن أمريكا أضافت إلى خطر وجود المجاهدين في كشمير خطر انتقال عناصر من تنظيم القاعدة وحركة طالبان بنشاطهم إلى هناك، بما أصبح يعني أن مشكلة كشمير لم تعد تهم الهند فقط، بل أمريكا أيضاً، بحسب ادعاءات رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الذي صرح في الهند أن القاعدة انتقلت إلى كشمير. - ومنها أخيراً ... أن باكستان التي قادها قادتها العلمانيون إلى أضعف حالاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بعد تضحيتهم بأفغانستان؛ تنتظر دور أحد الثيران السود في فصل جديد من الحرب الأمريكية النصرانية اليهودية ضد الإسلام؛ فباكستان التي فاجأت الغرب وإسرائيل بحيازتها للقنبلة النووية، تواجه اليوم وضعاً صعباً يراد فيه أن يفرض عليها إما التخلي عن برنامجها النووي أو إخضاع (القنبلة الإسلامية) لرقابة دولية يعني أمريكية أو تركها لمواجهة مصير يائس بائس في حرب فاصلة مع جارتها العقور الهند التي ستظفر في كل الأحوال بدعم وتأييد (العدالة) الغربية، في حين لن تصمت الصين على هيمنة أمريكا التدريجية على شؤون آسيا. هل يمكن أن تنطلق تلك المخاطر على العالم من كشمير؟ يحتاج الأمر أولاً إلى استرجاع قصة تلك البقعة الملتهبة من العالم، كيف بدأت؟ كيف تطورت.. إلى أين وصلت؟ * بريطانيا.. أم المصائب! كانت الهند إحدى المناطق التي بسطت عليها بريطانيا سيطرتها الاستعمارية بعد البرتغاليين في القرن الثامن عشر الميلادي وقبل أن يرحل الاستعمار البريطاني سنة ١٩٤٧م، لجأ كعادته إلى زرع بؤر للتوتر والنزاع التي يمكن توظيفها فيما بعد بما يخدم المصالح الغربية، فقسمت بريطانيا القارة الهندية على أسس دينية بعد أن أخضعتها لأطر حكم غربية، فوُلدت دولتان أعلنتا استقلالهما عام ١٩٤٨م وهما دولة الهند الهندوسية التي قامت على معظم أرجاء القارة الهندية، ودولة باكستان الإسلامية بقسميها الشرقي والغربي على الأطراف الشمالية للقارة الهندية، وكانت بعض الإمارات الكبرى قد بقيت دون تحديد لمصيرها، وخُير حكامها بين الانضمام للهند أو باكستان أو الاستقلال، ولكن الحكومة الهندية تجاهلت هذا التخيير فاحتلت بالقوة العسكرية إمارة (جوناكره) غرب الهند، وإمارة (حيدر أباد) جنوب الهند، وكان يحكمها أمراء مسلمون، وضمت أيضاً أكثرية إمارة كشمير في الشمال الشرقي بأغلبيتها المسلمة التي تزيد على ٨٢% من السكان [١] ، وكانت بريطانيا قد فرضت على إقليم كشمير حاكماً هندوسياً، فقرر الانضمام للهند ضارباً عرض الحائط برغبة الشعب الكشميري في الانضمام لباكستان، ولم ترض الحكومة الهندية أيضاً بمبدأ الاستفتاء الذي قررته الأمم المتحدة لتخيير الشعب الكشميري بين الانضمام إلى إحدى الدولتين أو الاستقلال، وعندها لم يجد الشعب الكشميري بُداً من الانتفاض على حكم الهندوس، وهبت لنصرته القبائل الإسلامية في باكستان، وتوجت الانتفاضة بهزيمة الحاكم الهندوسي وإقامة حكومة كشمير الحرة المؤقتة في ٢٤ أكتوبر ١٩٤٧م. غير أن حكومة بريطانيا قررت ضم كشمير إلى الهند مرة أخرى، واعدةً شعبها بإعطائه حقه في تقرير مصيره بعد أن تهدأ الأحوال، ولكن الأحوال لم تهدأ منذ أكثر من خمسين عاماً، فبعد أن نصبت الهند أحد شيوخ المنافقين المدعو (محمد عبد الله) رئيساً لوزراء كشمير، ادّعى ذلك الرجل أن الشعب الكشميري كله راغب في النزول تحت حكم الهندوس [٢] ، ولم يعد شعب كشمير واقعاً في محنة مواجهة الهندوس المحتلين فقط، بل مضطراً كذلك لمواجهة فتنة أولياء الهندوس من المنافقين، وبدأت بعض الحركات الشعبية تمارس حقها في الذود عن دينها وأرضها المستباحة بدعم من الحكومات الباكستانية المتعاقبة، أما الهند أكبر ديمقراطيات العالم كما يطلقون عليها؛ فقد أصرت على عدم تطبيق الحد الأدنى من مبادئ الديمقراطية فيما يتعلق بشعب يريد الانعتاق من السبي «الحضاري» والخضوع القهري لأمة تعبد البقر وتقدس الأفاعي والقرود. كان الشعب الباكستاني دائماً في موقف التعاطف مع إخوانه المسلمين في كشمير، راغباً في تخليصهم من أغلال الهندوس، وكانت المواقف الرسمية للحكومات الباكستانية تعكس ذلك التعاطف من جهة، وتعكس من جهة أخرى حرصاً سياسياً وعسكرياً باكستانياً على عدم تمكين الهند من تفتيت وحدة المسلمين في القارة الهندية، والانفراد بالسيطرة على ذلك المثلث الاستراتيجي الواقع بين باكستان والهند والصين، ولأجل هذه الأمور قامت ثلاث حروب بين الهند وباكستان: * الحرب الأولى ... (تكريس التقسيم) : وقد اندلعت هذه الحرب بين عامي ١٩٤٧ - ١٩٤٨م بسبب كشمير، فكلا الدولتين الباكستانية والهندية رغبتا في أن يتم استقلال كل منهما مع ضم ولاية كشمير، ولكن الحرب انتهت بتقسيم كشمير بين البلدين قسمة غير عادلة، فثبتت الهند أقدامها على الجزء الأكبر والأهم من كشمير فيما يعرف بولايتي جامو وكشمير، وأما باكستان فلم تتمكن في الحرب من بسط سلطتها إلا على منطقة (آزاد كشمير) أو «كشمير الحرة» ، وبدأ الهندوس بممارسة حرب إبادة على المسلمين الخاضعين لحكمها في القسم الثاني من كشمير، وأطلقت الحكومة يد المتطرفين الهندوس للتنكيل بالمسلمين الرافضين لحكم الوثنيين، فقتل نحو مئتي ألف مسلم في مذابح جماعية قامت في شهر أغسطس من عام ١٩٤٨م، مما اضطر مئات آلاف آخرين للنزوح إلى القسم الباكستاني من كشمير، وتمت هذه النكبة في وقت كان العالم العربي والإسلامي مكبوباً على مشكلة نكبة بريطانية أخرى في فلسطين، حيث مكن الإنجليز لليهود في فلسطين بمثل ما مكنوا للهندوس في كشمير، وباسم الشرعية الدولية الظالمة، استطاعت الهند أن تضفي نوعاً من الشرعية القانونية على ثلثي كشمير تحت اسم الحكم المؤقت لولاية (جامو وكشمير) وعاصمتها (سرينغار) بينما بقيت «كشمير الحرة» بعاصمتها (مظفر أباد) تحت حكم باكستان، وتلكأ العالم في النظر إلى محنة المسلمين الواقعين تحت حكم الهندوس لعقد زمني آخر مما أعاد اشتعال الأزمة مرة أخرى. * الحرب الثانية ... (الحرمان من النصر) : كانت الاضطرابات الطائفية قد ازدادت بسبب الهوس الهندوسي الشعبي والرسمي؛ فعلى المستوى الشعبي استمرت المذابح وأعمال التهجير، وعلى المستوى الرسمي أعلنت الهند إغلاق باب التسوية السلمية للمشكلة، وألغت الوضع المؤقت للحالة الكشميرية التي كان ينتظر الاستفتاء، وتهيأت الأجواء لحرب جديدة، بدأتها الهند في أول يناير عام ١٩٦٥م بهجوم على المواقع الباكستانية في أقصى الشمال الغربي من كشمير، وتكرر الهجوم الهندي وتكرر صده من الباكستانيين، ثم بادرت باكستان بهجوم كبير استطاعت خلاله الاستيلاء على مواقع هندية بدعم أمريكي في مقابل الدعم الروسي للهند، وكان هذا أول ظهور لدور أمريكي راغب في كسب موقع نفوذ في القارة الهندية، ولكن أمريكا والغرب كما يحدث اليوم لم يكونوا راغبين في أن تتحول الباكستان إلى قوة بديلة بل كانوا يريدونها قوة عميلة، فأوعزوا إلى مجلس الأمن بإصدار قرار بإيقاف الحرب وسحب باكستان لقواتها فوراً، فاستغلت الهند القرار، وسارعت إلى شن هجوم مضاد، تمكنت خلاله من قلب الموقف لصالحها. ولكن طرفاً آخر - وهو الصين - لم يرُق لها أن تستأسد الهند في المنطقة وتستأثر بالمواقع الهامة فيها، فأصدرت إنذاراً للهند بإيقاف الحرب وإلا تدخلت هي تدخلاً مباشراً فيها؛ حيث إنها لن تسمح للهند ببلع كشمير كلها وهي تشرف على الحدود الصينية، وردت أمريكا بأن الصين لا يمكن أن تهاجم الهند دون أن تتعرض للردع الأمريكي. لقد أظهرت تلك الحرب التي فرضت الهند فيها شروطها ومواقفها، أن كشمير ليست مجرد أرض نزاع على الحدود، بل إنها ساحة من ساحات الصراع المبكر على الوجود بين الحضارات الخمس الأهم في عالم اليوم: الحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوسية، والحضارة الكونفوشيوسية الصينية، والحضارة الروسية، إضافة إلى الحضارة الغربية الراغبة في إخضاع كل تلك الحضارات أو ضرب بعضها ببعض بما لا يضر بمصالح الغرب. والواضح في تاريخ ذلك الصراع في القارة الهندية أن الطرف الإسلامي هو المرشح دائماً للتضحية به أولاً؛ ويدل على ذلك إجماع القوى الكبرى في العالم على تمرير مؤامرة تفكيك باكستان نفسها في حرب ثالثة، حتى لا تتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة في ذلك الجزء المهم من العالم. * الحرب الثالثة ... (تشطير باكستان) : بدأت تلك الحرب أيضاً بهجوم هندي على باكستان بهدف فصل قسمها الشرقي عن قسمها الغربي، وخلال عمليات حربية خاطفة استمرت أسبوعين فقط، بدءاً من ٢٣/١١/١٩٧١م استطاع الوثنيون الهندوس بدعم من الملحدين الروس وتواطؤ من حزب المنافقين (فرع باكستان) من سلخ الجناح الشرقي لباكستان عن جناحها الغربي تحت مسمى جديد وهو (بنجلاديش) ، حيث جندت الهند ميليشيات من المنافقين في تحالف للشمال البنغالي، أعلن أنه يقاتل لأجل القومية المتميزة للبنغاليين!! فكانوا شوكة في ظهر الجيش الباكستاني، وتمكن المنافقون الذين أطلقوا على أنفسهم اسم (فدائيو بنجلاديش) من تمهيد الطريق أمام عباد البقر لغزو باكستان الشرقية (بنجلاديش) ، فقطعوا خطوط السكة الحديد بين العاصمة دكا، وبين الموانئ الرئيسية لقطع الإمداد، وباغتت القوات الهندية باكستان الشرقية بعد ذلك بضربات جوية دمرت المطارات والطائرات وفرضت سيطرة جوية هندية على الإقليم، مهدت بعد ذلك لإعلان الجنرال نيازي قائد القوات الباكستانية الشرقية قبول الانسحاب والإقرار بالهزيمة، ولما طالب مجلس الأمن الهند بالانسحاب استخدم الروس حق الفيتو! فخرس المجلس، وسُمح لحكومة المنافقين أن يؤتى بها من المنفى لتتسلم السلطة بعد (الاستقلال) عن إخوانهم المسلمين، والتمتع بالهبات والمساعدات الهندية والروسية والغربية التي رشحت (بنجلاديش) لأن تحتل بجدارة لقب: أفقر دولة في العالم!! فمنذ عهد (الشيخ) مجيب الرحمن وحتى عهد (الشيخة) حسينة، لم تر بنجلاديش طعماً للكفاف والستر، فضلاً عن الرفاه والسعة، بفضل طاعة المنافقين للذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وصدق العليم العظيم في قوله: [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] (البقرة: ١٠٥) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] (آل عمران: ١١٨) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (آل عمران: ١٤٩) . * احتمالات الحرب الرابعة: نتساءل أولاً: هل اتعظ الساسة الباكستانيون بمواقف الدول الكافرة منهم في الحروب السابقة؟ وهل كان درس (بنجلاديش) كافياً لاستيعاب خطورة التغاضي عن دور الدود الناخر في الداخل على سلامة الداخل والخارج؟ الحقائق في باكستان تثبت أن في ذلك البلد رجالاً عظماء أشداء أصحاب بأس ومراس وخبرة في مواجهة الصعاب، غير أن فيها كما في كل البلدان غيرها أشباه رجال يفسدون ما يجنيه الأخيار من ثمار، وعلى مثل هؤلاء يراهن الأعداء المرة بعد المرة. والقصة واحدة يحكيها القرآن للأجيال حتى لا تتكرر المخادعة: [بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] (النساء: ١٣٨-١٤١) . نقول وفق تلك الآيات: إن خوفنا على باكستان وشعبها المسلم، وقضيته الكبرى في كشمير لا يأتي من طرف الهندوس وأنصارهم بقدر ما يأتي من طرف النصارى وأوليائهم؛ فمشكلة كشمير لو خلصت النوايا الغربية يمكن أن تحل، حتى في ظل ظلم «الشرعية» الدولية حلاً معقولاً؛ فبمقدور دول الغرب أن ترغم الهند على قبول مبدأ الاستفتاء الشعبي الذي ترفضه منذ أكثر من نصف قرن، ولكنهم لا يفعلون ذلك، فلا يفرضون على الهند عقوبات ولا يعرضونها لحصار أو ضربات، لإصرارها على الخروج على شرعيتهم الدولية. بل يتركون تلك الدولة العنيدة كما يفعلون مع (إسرائيل) لكي تفرض ما تريد وترفض ما لا تريد. والإشكال الأكبر أن العلمانيين في بلاد المسلمين لا يريدون أن يفهموا هذه الحقيقة حقيقة: عداوة الكفار للمسلمين، ولا يحبون أن يقول لهم أحد ما يقوله الله لكل أحد من المسلمين: [إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواًّ مُّبِيناً] (النساء: ١٠١) ، لهذا نخشى على باكستان من غش النصارى وخبثهم، كما نخشى عليها من غشم العلمانيين وجهلهم؛ حيث يتجه هؤلاء وأولئك بخطى منتظمة نحو توريط باكستان في حرب مدمرة قد تخسرها الهند ولكن لن تكسبها باكستان في ظل سياستها العلمانية الراهنة، ولكن الفائز الوحيد في تلك الحرب إذا جرت بحسب رغبة الغرب هم المبشرون بدمار العالم من منظري (صراع الحضارات) ومنتظريه؛ حيث يذوب هؤلاء شوقاً إلى تفعيل هذا الصراع على أرض الواقع، وبخاصة عندما يُحشر المسلمون في المواقع الأمامية منه. ورغم خفوت دقات طبول الحرب بين البلدين بعد الأزمة الأخيرة، إلا أن إلقاء نظرة على تطورات مواقف الأطراف في الظروف الراهنة يعطي انطباعاً بأن قضية كشمير يراد توظيفها في العديد من الأهداف، للعديد من الأطراف، وذلك على الوجه الآتي: * أولاً: باكستان: يخطئ برويز مشرف مرة أخرى، عندما يظن أنه سيحيد الدور الأمريكي في صراع باكستان مع الهند بتصديه للعمل الجهادي الكشميري وتقييد أنشطته؛ فمثلما دفعت باكستان ثمناً باهظاً ولا تزال بسبب تضحيتها بأفغانستان؛ فإنها سوف تدفع ثمناً أفدح لو ضحى ساستها العلمانيون بكشمير. لقد كان عدد المعسكرات الكشميرية في باكستان قبل حرب أفغانستان خمسين معسكراً، وكان في أفغانستان نفسها ثلاثون معسكراً، ولكن الأمر تغير بعد هذه الحرب بسبب الدور الأمريكي الباكستاني المشترك في الحرب ضد «الإرهاب» ؛ فقد قلب برويز مشرف قواعد الموقف الباكستاني التاريخي من قضية كشمير، بطريقة قد تكون خطراً على باكستان نفسها لا على كشمير فقط؛ فقد أفرط ذلك المشبوه (برويز مشرف) منذ جاء في إرضاء الغرب على حساب المسلمين، حتى كان الحق الذي شهد به الأعادي له، هو أنه يحقق بالفعل كل ما يتمناه أعداء هذه الأمة. وقد عبر أحد الشهود وهو اليهودي اللدود هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عن ارتياح كبير لما يقوم به «مشرف» بما لم يُشهد به لأحد آخر من الساسة والزعماء في بلاد المسلمين؛ فقد قال في مقال في صحيفة لوس أنجلوس في منتصف شهر يونيو ٢٠٠٢م: «كان مشرف حليفاً قوياً في الحرب ضد الأصولية في أفغانستان، بل وضد الأصولية الإسلامية كلها منذ ١١ سبتمبر» ! ولهذا أبدى حرصه الشديد على المحافظة عليه، مغلفاً ذلك الحرص بالخوف على مستقبل باكستان من انتقال (الإرهاب) إليها فقال: «على واشنطن أن تمنع سقوط نظام مشرف؛ لأن بن لادن خطر في كابل، ولكنه كارثة في إسلام آباد» ! ... هل سيقوم برويز مشرف في كشمير بما قام في أفغانستان إذا قررت أمريكا بدء جولة من حملتها الإجرامية إلى هناك؟ وهل سيملك من الشجاعة أن يقول لها (لا) إذا وضعته أمام معادلة الجور: (من لم يكن معنا فهو ضدنا) ؟ بوسع مشرف لو أراد موقفاً مشرفاً أن يترك الكشميريين يقومون بدور المقاومة المشروعة للمحتل الهندي دون أن يتدخل هو سلباً أو إيجاباً ممارساً سياسة سيادية لا تقبل بالتبعية لأحد، ولكن تجربة أفغانستان دلت على أن الرجل لم يتنازل عن سيادة بلده فقط بفتحها أمام الأجنبي بل تنازل بالنيابة عن سيادة أفغانستان عندما شارك ضدها في عملية من أقذر عمليات الانقلاب في التاريخ المعاصر. قد يقال إن مشرف معذور؛ لأنه يلمس بنفسه حرص الهند وأمريكا والغرب وإسرائيل على إبطال مفعول ما يسمى بـ (القنبلة الإسلامية) في باكستان، ونقول: إن السياسة المراهنة الراهنة لحكومة باكستان على كسب أمريكا تمثل أسرع الخطوات للوصول إلى ذلك الهدف الخبيث المذكور؛ لأنها مساهمة تدريجية في تقليم أظافر باكستان في مواجهة أعدائها القدامى والجدد، وحرمانها من كل أوراق القوة في يدها، وهو الخط نفسه الذي سار فيه ياسر عرفات عندما تفرغ سبع سنوات في ظل أوسلو لإضعاف المقاومة الإسلامية، فأوصل فلسطين إلى ما أوصلها إليه الآن من انكشاف خطير أمام العدو اليهودي. * ثانياً: الهند: يسير حزب (بهارتيا) «الأصولي» الهندوسي، نحو تحويل الهند عن طابعها العلماني المعهود؛ فسياسات هذا الحزب أشبه بسياسات حزب الليكود الإسرائيلي في عنصريته وأسطوريته وسياساته الخرقاء، وأهدافه التسلطية التوسعية في إنشاء دولة الهندوس الكبرى، لا تقل خطراً عن مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي يتبناه بقوة حزب الليكود الإسرائيلي؛ فللهندوس أطماع في الهيمنة على ما يحيط بالقارة الهندية من سنغافورة إلى قناة السويس، ولكن بما أن الزمان لم يعد صالحاً لتأويل هذه الأحلام في دنيا الواقع، فقد يكتفي الهندوس بحلم تحقيق السيادة المطلقة على مجموع القارة الهندية بتخومها الشمالية الواسعة، ولكن عقبة السلاح النووي الباكستاني تؤرق تلك الأحلام، ولهذا تسير الهند في تحالفات جادة مع كل شياطين الأرض، من أجل إخضاع باكستان إلى الأبد، فإلى جانب انتهازيتها في استثمار الحرب الأمريكية على الإسلام لصالحها، تنشط الهند في تنسيق دؤوب للجهد بينها وبين دولة اليهود؛ فهناك اجتماعات دورية كل ستة أشهر ذات أغراض أمنية عسكرية تقام بين الدولتين الأكثر تمرداً في العالم على القانون الدولي: الهند و «إسرائيل» مع أن العلاقة بينهما لم يرفع عنها الحظر العلني إلا بعد سماح العرب للهند بإقامة مثل تلك العلاقات الرسمية بعد مؤتمر مدريد، ومعلوم أن اليهود، ليسوا أقل حرصاً من الهنود على تدمير القوة النووية الباكستانية، بل لقد تسربت أنباء إبان تجربة التفجير النووي الباكستاني بأن «إسرائيل» كانت على وشك ضرب المفاعل النووي الباكستاني بصواريخ عابرة للقارات، على غرار ما فعلت في ضرب مفاعل (تموز) النووي العراقي، قبل قيام حرب الخليج الثانية بعقد كامل. نتصور أن الهند لن تفوِّت فرصة الحرب العالمية الأمريكية ضد الإسلام لإشعال حرب ولو تقليدية محدودة مع باكستان، لأهداف عديدة، منها: أولاً: ضرب الوجود الجهادي الإسلامي في كشمير كجزء من المشاركة بالأصالة في تلك الحرب الأمريكية المعلنة، والساسة الهنود يكررون هنا مقولة: نحن نتعرض لما تعرضت له أمريكا وتتعرض له (إسرائيل) ، وهم يؤكدون أن كشمير فيها ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مقاتل إسلامي، ولا يكفون أيضاً عن اتهام باكستان بأنها الدولة الأم الداعمة للإرهاب؛ لأنها بزعمهم هي التي صنعت طالبان التي دعمت القاعدة التي تهدد العالم «الحر» !! وهذه معادلة يسهل إقناع المجتمع الدولي المقتنع أصلاً بها، وهو سوف «يتفهم» أي محاولة أو حتى أي حرب تقوم بها الهند لهذا الغرض بشرط ألا تكون تلك الحرب معرقلة لخطط أمريكا في أفغانستان في الوقت الراهن. والهدف الثاني: من الحرب الرابعة المحدودة إذا وقعت؛ هو إيجاد أجواء دولية ضاغطة على باكستان تجبرها إما على تدمير سلاحها النووي الذي هددت به دولة الهند (المسالمة جداً) ، وإما تجيير هذا السلاح لغير صالح المسلمين، كأن تخترع له (الشرعية الدولية) إحدى الصيغ الشيطانية لوضعه تحت سيطرة «العقلاء» الغربيين! والهندوس ومعهم الأمريكان، يوهمون العالم بأن السلاح النووي الباكستاني قد يقع تحت سيطرة «الخطر الأصولي» . ويريدون من ذلك العالم أن يكون ممتناً لهم بإراحته من ذلك الخطر النووي الإسلامي. والهدف الثالث: من حرص الهند على إشعال تلك الحرب الرابعة المحدودة هو إجبار باكستان على اتخاذ موقف أكثر تنازلاً وتخاذلاً تجاه المسلمين في كشمير، عن طريق إشعار المجتمع الدولي بأن هذه البقعة من العالم لا تستحق من باكستان أن تتمسك بها إلى ذلك الحد، في حال كونها تمثل أكثر نقاط العالم التهاباً. إن حشد ما يبلغ من ١.٧ مليون جندي على الحدود بين الهند وباكستان في الأزمة الأخيرة، لم يكن مجرد مناورة لتوازن الرعب بين البلدين، بل كان رسالة واضحة للعالم تبين ما يمكن أن تؤول إليه الأمور لو اتخذ قرار الحرب الشاملة بالفعل؛ فمثل هذا العدد لم يحشر في معركة منذ الحرب العالمية الثانية، مع أن تلك المعركة لم تقم؛ فماذا لو قامت بالفعل وتطورت إلى أبعاد أخطر؟! الهند مع كل هذا لا تريد حرباً شاملة مع باكستان في ظل التوازن النووي؛ لأنها تدرك أن خسارتها قد تخرج عن نطاق التحمل، ولكن غرور الكبر والسيطرة قد يقنعها بأنها قادرة على إدارة عمليات (سريعة وقصيرة وفعالة) في كشمير كتلك العمليات التي أرادتها أمريكا في أفغانستان، ولكن بما أن عمليات أمريكا في أفغانستان لم تكن سريعة ولا قصيرة ولا فعالة، فإننا نتصور أن معركة الهندوس مع الموحدين لن تكون أسعد حظاً؛ ففي كشمير ١٢ جماعة مسلحة تقاتل من أجل إنهاء الاحتلال الوثني للبلاد، وقد سقط في قتالها الذي بدأ منذ عام ١٩٨٩م نحو ٣٣ ألف شخص في حرب غير نظامية على أراض وعرة وجبال شاهقة، ومغامرات التحالف المشترك بين عباد البقر ورعاة البقر لن تجد بإذن الله في كشمير إلا كما وجد الروس في أفغانستان والشيشان، وكما وجد الأمريكان في أفغانستان، وكما وجد اليهود في فلسطين. * ثالثاً: أمريكا: مراهنة الأمريكيين على باكستان في رعاية المصالح الأمريكية في القارة الهندية وما حولها لن تدوم طويلاً رغم تمحكات برويز مشرف، فمحور الشر الغربي قد بدأ في تشكيل ملامح محور الشر الشرقي، والهندوس هم أحد دعائم ذلك المحور إلى جانب اليهود في فلسطين. لقد استفادت أمريكا من باكستان كثيراً، قبل أحداث أفغانستان وأثناءها وبعدها، ولكن فرص المزيد من الاستفادة ستتلاشى في ظل التحالف الهندي اليهودي الأمريكي؛ لأن الهند تعرض نفسها أمام أمريكا بديلاً لباكستان، وقد بدأ عرض الخدمات الهندوسية على الأمريكيين في وقت مبكر؛ فبعد أحداث سبتمبر بثلاثة أيام، بعث رئيس الوزراء الهندي (فاجبايي) رسالة إلى الرئيس الأمريكي بوش، يعلن فيها وقوفه إلى جانب أمريكا فيما هي مقدمة عليه من حرب شاملة على (الإرهاب) ، وكانت هذه المبادرة أسبق من مبادرة «مشرف» ، وعند زيارته للهند في شهر يونيو ٢٠٠٢م، أبدى وزير الدفاع الأمريكي تعاطفه مع الهند لوقوعها «ضحية» للأعمال الإرهابية، واقترح نشر قوات برية أمريكية على حدود الهند مع باكستان، ولكن أمريكا التي تريد كسب الهند لا تريد أيضاً أن تخسر باكستان الآن قبل أن تنتهي عملياتها في أفغانستان وهي لا تزال تنتظر من نظام «مشرف» المزيد والمزيد، ليس مجرد زيادة المطاردة المخابراتية والعسكرية للمجاهدين داخل باكستان وخارجها، ولكن المطلوب فوق ذلك أن يبذل برويز جهوداً أكبر في تحويل باكستان إلى دولة علمانية شبيهة بالنظام في تركيا تمهيداً لمجيء أتاتورك أو كرزاي باكستاني آخر إذا لم يستوف برويز الشروط لذلك. أمريكا التي أخفقت إخفاقاً ذريعاً في حملتها الصليبية على أفغانستان تريد أن ترى أي انتصار آخر، ولو من أي طرف آخر على الإسلاميين المجاهدين في أي مكان آخر، ولهذا فهي تبارك خطوات إسرائيل، وتثمن جهود الهند، وتدعم جهود المنافقين في الخافقين ضد الصادقين؛ ولكن أمريكا تركز في الفترة الأخيرة على كشمير، ويرى مفكروها وساستها أن الصبر لا ينبغي أن يطول على بقاء المقاومة هناك ضد الاحتلال حتى لا تولد هناك طالبان أخرى؛ فقد قالت صحيفة الواشنطن بوست في افتتاحيتها في (٢١/٢/٢٠٠٢م) : «الخطوة القادمة في الحرب على الإرهاب يجب أن تكون في كشمير لمواجهة جماعات الإرهاب هناك» ، وأردفت تقول: «مارست الهند ضبط النفس بصورة تدعو إلى الإعجاب، وينبغي ألا يحظر عليها أحد ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تفعل أمريكا وإسرائيل» ! استقراء مثل هذه الدعوات والتصريحات يظهر أن هناك أمراً يبيت بليل ضد باكستان وكشمير، مثل ذلك الذي يدبر للعرب وفلسطين، والظاهر أن التيار اليميني الصهيوني النصراني المسيطر على أمريكا اليوم، يريد أن يجهز مسرح العالم للفصل الأول من غوائية «صمويل هنتنجتون» صدام الحضارات، التي ظن الناس أنها مجرد «نظرية» فاكتشفوا بعد أحداث سبتمبر أنها برنامج عملي مرحلي رهيب، يريد أن يصدم سكان الأرض بعضهم ببعض، لتحقيق أكبر عملية «تحديد للنسل» على مستوى العالم، لتجهيز ذلك العالم للربع الأول من «الألف السعيد» !! ولكن عزاءنا ما يقول ربنا جل من قائل: [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] (الطارق: ١٥-١٧) .

стр. 4322

المسلمون والعالم مجلس الأعيان الأفغاني (لويه جركه) طريق نحو السراب جان محمد مدني [*] كم يأسف الإنسان حينما يرى امتهان الشعوب في عقر دارهم، ومصادرة آرائهم في زمن يدَّعى فيه مراعاة حقوق البشر، واحترام الرأي الآخر. والأدهى والأمرُّ حينما تستقبل الكثرة الكاثرة من الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة ادعاءات كاذبة، وتصدقها كأنها حقيقة ثابتة. أمريكا بعنصريتها المتأصلة وعداوتها القديمة ضد الإسلام والمسلمين، بعدما ضاق ذرعها بتحمل الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وبعدما أخفقت في محاولات تضييق الخناق عليها، وبفرض الحصار تلو الحصار؛ أجلبت عليها بخيلها ورجلها، وكل ما ملكت من عدة وعتاد، وبمباركة دولية، مستغلة أحداث ١١ سبتمبر. واعتدت اعتداء آثماً على مرأى ومسمع من العالم كل العالم على الشعب الأفغاني المسلم المسالم الآمن، وألحقت به الدمار والخراب، وبمجرد الشبهة أو حتى بدونها سحقت المدن والقرى، ودفنت الأحياء تحت الأنقاض، وحولت الأبرياء إلى أشلاء، كل ذلك وهي تدعي القيم الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان. وبعد هذا الحيف والاعتداء بدأ المشهد الأمريكي الثاني، وشكلت حكومة عميلة في (بون) بمبادرة أمريكية، ومباركة من الدول الأوروبية وما يسمى بالأمم المتحدة في غياب من أهل الدار والقرار، كان منها عشرة وزراء يحملون الجنسية الأمريكية على رأسهم رئيس الوزراء (كرزاي) ، وصُدرت إلى أفغانستان مغلفة معقمة ولكنها غير طاهرة ولا مطهرة، وتربعت على عرشها لتكون موثقة للجرائم الأمريكية. وبعد مرور ستة أشهر، وإنفاق مئات الملايين من الدولارات، واستخدام التقنية الحديثة، ومساندة دول الغرب والشرق، واستدعاء ما يسمى بقوات حفظ السلام، وإحضار الملك السابق، بعد كل هذا أخفقت أمريكا وحلفاؤها إخفاقاً ذريعاً في تحقيق ما أرادوا، ولم يبسطوا سيطرتهم على أفغانستان، بل تركَّز نفوذهم في العاصمة كابل فقط، ولم يستطيعوا القضاء على المجاهدين كما زعموا. [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . * الوضع الإداري والأمني في البلاد: تحكم البلاد حكومات متعددة ومتنازعة، حكومة في مزار الشريف بميليشياتها المسلحة وإدارتها المستقلة، وحكومة في هرات، وحكومة في قندهار، وحكومة في جلال آباد، وحكومة في كابل، وفي داخلها أجنحة متصارعة كلٌّ يحاول التخلص من الآخر، وتحدث بينها مواجهات واشتباكات مسلحة من وقت لآخر. وسادت الفوضى، وانعدم الأمن، وكثر السلب والنهب وقطع الطرق، وانتشر أخذ الثارات وحب الانتقام، والنعراتُ القبلية، وعجزت القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة أن تعيد الأمن الذي كانت تنعم به البلاد أيام حكم طالبان، وأدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنها دخلت في نفق مظلم لا نهاية له. لإسكات الأصوات الداخلية، وصبغ الحكومة العميلة بصبغة وطنية انعقد ما سُمِّي بمجلس الأعيان (لويه جركه) لتوثيق القرارات المتخذة مسبقاً، وفتح الأبواب لتنفيذ المطالب الدولية، وتحقيق مآربها. * المآخذ على المجلس وما انبثق منه: ١ - المجلس بدءاً باللجنة التحضيرية، ونهاية باختيار الممثلين، لم يمثل الشعب الأفغاني على وجه الحقيقة، من حيث العلماء، وشيوخ القبائل، والقيادات الصالحة من الحضور والمرشحين. ٢ - دعاة العلمنة والسفور والتغريب يمثلون أكثر من نصف المجلس رجالاً ونساء، وقد دُعوا من الغرب لهذا الغرض، وكثير منهم يحملون الجنسيات الغربية بدءاً من (كرزاي) ، وما استطاع المجلس طوال فترة مناقشاته الصاخبة إضافة كلمة (الإسلامي) إلى اسم الجمهورية، وعلى هذا فقِسْ. ٣ - طوال أيام انعقاد المجلس لم يناقش أيُّ موضوع مهم ومصيري للبلد غير توثيق قرار تمديد فترة (كرزاي) المتخذ سلفاً. أما تشكيل الحكومة، وتوزيع الحقائب الوزارية على الأعراق، وتشكيل الجيش الوطني، والوضع الاقتصادي، ومصير أموال الدول المانحة، ومهمة ما يسمّى بقوات حفظ السلام، ومستقبل القوات الأمريكية، ومصير الميليشيات الداخلية وتجريدها من السلاح وضمها تحت وزارة الدفاع، فلم يفصل في شيء منها. ٤ - عدم تشكيل المجلس النيابي المنبثق من مجلس الأعيان لمراقبة ومحاسبة أداء الحكومة. ٥ - التدخل الأمريكي المباشر في قرارات المجلس، وأخذ التوقيع من الملك السابق ورباني مسبقاً، بعدم ترشيحهما لمنصب الرئاسة مقابل (كرزاي) الذي قدم على أنه الخيار الوحيد، وكان للممثل الشخصي للرئيس الأمريكي (زلمي خليل زاد) وهو أمريكي من أصل أفغاني التأثير الأبرز في صناعة رأي المجلس وتسيير اتجاهه!! ٦ - انتخب (قاسم يار) أميناً عاماً لمجلس الأعيان الأفغاني، وهو شيعي من هرات، لكنه ذو توجه علماني تربى في أوروبا، وله حوالي خمس وعشرين سنة لم يدخل إلى أفغانستان..!! ٧ - ناقش أعضاء المجلس حلَّ الميليشيات العسكرية الداخلية، واتفقوا على ذلك من حيث المبدأ، لكن سرعان ما حصل صراع طاحن بعد انفضاض المجلس بين قوات (عبد الرشيد دوستم) وقوات (عطا محمد) أحد القواد العسكريين لمجموعة (محمد فهيم) وزير الدفاع، مما يؤكد غلبة المصالح الشخصية، وأن التنافس على تحقيق أعلى المصالح هو الذي يحكم كثيراً من مواقف رجال القبائل والميليشيات الحزبية. ٨ - حاول بعض المجاهدين القدامى المتعاونين مع الحلف الأفغاني الشمالي أن يسعى لتحقيق بعض المصالح، ولكن تواطأ العلمانيون في المجلس على محاصرتهم وتهميشهم!! ٩ - المستفيد الوحيد من مجلس الأعيان الأفغاني هو أمريكا، ورجلها المنفذ لسياستها (كرزاي) ، والشيوعيون السابقون الذين كان لهم حضور بارز في المجلس. ١٠ - ما ظهر في المجلس أثناء المداولات من مهاترات كلامية، وتراشق بالأكواب والكراسي وما تبعه من تصريحات إعلامية ناقدة، يدل على إفرازات هذا المجلس. * قراءة في مستقبل أفغانستان: ١ - الحكومة الجديدة التي شكلها الرئيس حامد كرزاي بعد تمديد فترة رئاسته لا تختلف كثيراً عن الحكومة المؤقتة السابقة، فمعظم الوزراء ذوو نَفَسٍ علماني وولاء غربي، وقد تم إقصاء أربعة وزراء محسوبين من أنصار الملك السابق ظاهر شاه، كما تم إقصاء يونس قانوني من الداخلية، وعرض عليه لاسترضائه عدد من المناصب مثل وزارة التربية والتعليم فاضطر لقبولها بشرط أن يعين مستشاراً للأمن القومي وتم له ذلك، وهذا يدل على اتجاه كرزاي إلى إجراء تصفية أخرى تضمن رضاء أمريكا التام. ٢ - هناك تذمر واستياء كبيران للعرق البشتوني الذي يمثل ٦٠% من الشعب الأفغاني من إهمالهم والإجحاف بحقهم في تشكيلة الحكومة، وتسليم الوزارات السيادية للعرق الطاجيكي، وسحبت وزارة الداخلية عن يونس قانوني، وعين عليها تاج محمد وردك وهو بشتوني تربى وعاش مدة طويلة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع هذا لم تسلم له الوزارة إلى كتابة هذه السطور، فلا البشتون رضوا لأنهم لم يعطوا لهم شيئاً، ولا الطاجيك راضون أيضاً لأنهم يريدون كل شيء، وما (كرزاي) إلا بُوق من أبواق التحالف الشمالي، والمتوقع أن تسود الفوضى، وعدم الرضا، ولن تستطيع أمريكا السيطرة على الموقف لضعف موقفها هي في الداخل. ٣ - انقلاب (كرزاي) على الملك السابق ظاهر شاه الموعود بانتخابه رئيساً للدولة، وتهميش دوره، واستقالة أعوانه من الوزارات، سيحدث خروقات أخرى في حكومة (كرزاي) . ٤ - يشهد التحالف الشمالي انقساماً على نفسه بسبب الأهواء وتصارع المصالح، حيث شكل كل من محمد فهيم (وزير الدفاع في حكومة كرزاي والرجل الأقوى في الحلف والحكومة) حزباً مستقلاً، وشكل رباني حزباً آخر، وشكل أحمد ولي مسعود (أخو أحمد شاه مسعود) حزباً ثالثاً. ولوّح يونس قانوني بتشكيل حزب آخر، وكل ذلك ثغرة أخرى في جدار التحالف وستؤدي إلى التناحر وعدم الاستقرار. ٥ - غالبية الشعب الأفغاني يعلم علم اليقين أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها لم تأت لترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، ولم تأت لتحقيق العدالة والحرية ونحوهما من الشعارات التي يرددها ساستهم، ولم تأت من أجل تطوير أفغانستان تقنياً وحضارياً، لكن أدرك العامة فضلاً عن الخاصة مغزى الحملة الأمريكية؛ ولهذا كثر استشهاد العامة في مجالسهم ومنتدياتهم ومساجدهم بقول الله : [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] (النساء: ٨٩) ، وقوله جل وعلا: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم] (البقرة: ١٠٩) ، وقوله عز من قائل: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . وما فتح أبواب الخمور والسفور والفجور، وفتح المجال لكل منصِّر وفاجر وكافر، وفتح المكاتب للإرساليات الكنسية والمنظمات الهندوسية باسم الإغاثة والمساعدة الإنسانية، ومحاربة الدعاة والدعوة والتوعية بدعوى الحرب ضد الإرهاب إلا دليل واضح على حربهم ضد الإسلام. والمتوقع أن الشعب الأفغاني المسلم سيدافع عن دينه وعقيدته وعرضه وأرضه، والهدوء العارض ليس هو النهاية، ولا قناعة به، بل هو تهيئة للمعركة. وما العمليات الجهادية النوعية المؤثرة التي حدثت مؤخراً وسط صمت إعلامي رهيب إلا بداية المرحلة. ٦ - ستشهد أفغانستان وضعاً اقتصادياً أسوأ من ذي قبل بسبب الظروف الأمنية، ولن يكون مصير أموال الدول المانحة إلا الإنفاق لإرضاء العصابات وإسكاتها، وإشباع شهواتها ورغباتها. ٧ - تنشط زراعة وتجارة المخدرات في غياب الحكومة المهينمة، ويتزايد تسابق بعض أركان الحكومة وزعماء المليشيات على إنتاجها، وسيصلى بنارها القريب والبعيد، وتبوء بإثمها أمريكا ومن يتحالف معها. ٨ - الدول كل الدول في سباق محموم حتى التي لا ثاغية لها فيها ولا راغية [**] للتدخل في أفغانستان لتحقيق مآربها، والحصول على حظ أوفر من التركة؛ فروسيا والهند وإيران والصين وغيرها، كلها تريد النصيب الأكثر من الكعكة، والخاسر الوحيد هو الباكستان حيث بذلت كل شيء ولم تحصل على أي شيء.

стр. 4323

المسلمون والعالم دروس مستفادة من جهاد خطاب هيثم بن جواد الحداد [*] إن من رحمة الله بهذه الأمة أن جعلها مستعلية بإيمانها حتى لو توالت عليها الهزائم، وتكالب عليها الأعداء: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . ومن أهم عوامل استعلاء الأمة بإيمانها أن ترى بين أبنائها بين فينة وأخرى من يعيدون سير الأوائل، ويرسمون معالم التاريخ، عظماء تسير العظمة حيث ساروا، ويدور النصر حيث داروا. وحتى يتحقق الوعد الرباني بحفظ هذه الأمة، واستعلائها بإيمانها، يُخرِج الله لها بين حين وآخر من يجدد فيها حياتها، فيكون منها علماء أفذاذ، وكذلك مجاهدون أفذاذ. ومن بين المجاهدين الأفذاذ في هذا العصر المجاهد القائد سامر بن صالح بن عبد الله السويلم، المعروف (بخطاب) الذي اتخذه الله شهيداً نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً في أوائل شهر صفر من عام ١٤٢٣هـ من الهجرة وله من العمر ٣٣ عاماً، نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يسكنه فردوسه الأعلى، وأن يلحقنا به في عليين. هذه بعض الوقفات السريعة لاستلهام عظات وعبر من حياته، ثم من جهاده: أولاً: لقد تعرضت الأمة لحرب ضروس على شعيرة من أخص سمات عقيدتها، شعيرة الجهاد في سبيل الله، هذه الحرب التي جيشت لها كل القوى المعادية للإسلام، حتى تبناها مسلمون من أهل ديننا، حاولوا بكل وسيلة طمس معالم هذه الشعيرة في النفوس، ومحوها من حياة المسلمين، فمنعوا تدريس الأحكام المتعلقة بها في المدارس والمعاهد، وشوهوا حقيقتها، وأسقطوا من حياة العظماء الجوانب الجهادية من حياتهم، وجندوا بعض المنافقين ممن ينتسب للعلم لتغيير معانيها وحقائقها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى وصفوا كل من يدعو لها بالإرهابي استجداء لرضى أعداء الله، وتقرباً منهم؛ كل ذلك تعرضت له هذه الشعيرة على مدى سنوات متوالية دون كلل ولا ملل، ثم بعد ذلك ترى هذه الأجيال التي نشأت وقد جُففت منابع الخير عنها، واستبدلت بمنابع الفجور والرذيلة، والسخف، بإعلام ساقط ماجن يغرس الخنا، ويبعث على حب الدنيا، ويمسخ معاني العزة والإباء في النفوس، ترى هذه الأجيال تُخرِج من بين أبنائها شخصاً يتمرد على الذل، ويتخلى عن حياة الدعة والراحة، وتسمو همته إلى العلياء، ويرفع راية الجهاد، ويعيد غرس معاني العزة في النفوس. إن أمة تعاني من هذه الجراح، ثم تخرج مثل هذا الشاب ولمَّا يتجاوز العشرين من عمره، لهي أمة عظيمة، أمة لا تعرف الهزيمة، ولا تقبل الذل، ولن تذعن للاستسلام. في زمن مضى كنا نقرأ سيرة أسامة بن زيد لمَّا سيَّره الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال الروم وهو شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، فنقول: ذلك أحد الصحابة الذين رباهم النبي ﷺ بيده، ورأوا الوحي يتنزل، وعاشوا في أكناف عظماء الرجال أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. ثم إذا قرأنا سيرة محمد بن القاسم الثقفي الذي قاد جيشاً جراراً فتح به بلاداً تجاوز مساحتها مساحة أوروبا الغربية، وهو ابن الثامنة عشرة، إذا قرأنا ذلك كله، فإنما نطالع تلك الأمجاد، وكأنها حلم لا يتوقع أن يتحقق في أرض واقعنا. فإذا أنجبت أرحام نسائنا في زمن الانكسار هذا بطلاً مثل ذلك المغوار خطاب، فإنها تثبت للمسلمين أن هذه الأمجاد سرعان ما تعود، وأن سِيَرَ عظمائنا لم يطوِها التاريخ، وأن جذوة الجهاد ما زالت متوقدة حية في ضمير هذه الأمة، وبين أبنائها. التحق خطاب ﵀ بالجهاد الأفغاني عام ١٤٠٨هـ وله من العمر ١٧ عاماً فقط؛ حيث ترك دراسته في شركة أرامكو البترولية التي هي من أكبر الشركات، والتي يحلم كثير من الشباب بالالتحاق بها، رغبة في الميزات المادية التي تمنحها لطلابها والدارسين بها، وظل يشارك في الجهاد في أفغانستان حتى نهاية تلك الحقبة عام ١٤١٢هـ، حين رجع خلال تلك الفترة للعلاج من إصابته أثناء إحدى المعارك الأفغانية. لقد ظهرت طلائع حنكته وبراعته في مدينة لوجر الأفغانية ولم يكن عمره قد جاوز الثالثة والعشرين، حيث ولي قيادة «سرية أُحُد» التي أصبحت فيما بعد نموذجاً يحتذى به في سرايا المجاهدين، ثم انتقل بعد ذلك إلى طاجكستان لمدة سنة واحدة؛ حتى أصيب في إحدى معاركها، وقطع أصبعان من يده اليمنى بسبب قنبلة يدوية، واضطر للذهاب إلى الشيشان لعلاج يده فاستقر به المقام والجهاد هناك. كان ﵀ يقول: «ماذا نفرق عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هم بشر ونحن بشر: نأكل كما يأكلون، ونشرب كما يشربون؛ ولكنهم غيَّروا مجرى التاريخ؛ فلا بد أن نغير التاريخ كما غيروا حتى نشبههم وإن كنا لسنا بمثلهم» . إن هذا الشعور يعيد لأبناء هذه الأمة ثقتهم بأنفسهم، وبإيمانهم، وبحقيقتهم، وهذا من أعظم الدروس المستفادة. ثانياً: إن بروز هذا القائد بهذه الدرجة يعني أن ثمة رجالاً آخرين ساهموا في نبوغه، وساعدوا على ارتقائه؛ بحيث كانوا يمدونه بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي. وإن معرفة ذلك يبعث العزة في النفس، والثقة بها، والتفاؤل الباعث على العمل الجاد، وليعلم العالم كله بأنهم إن قتلوا خطاباً، فلنا راياتُ نصرٍ خالدية! لن تُغمد أسيافها.. وليعلموا أن أرحام نساء هذه الأمة لن تعقم عن إنجاب العظماء، ولن يتم لهم ما أرادوا وما يريدون [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) . ثالثاً: حينما يرى أبناء هذه الأمة، الشباب منهم خاصة، هذه النماذج المشرقة في هذه الأيام، حينما يرون شاباً لم يجاوز الثالثة والثلاثين من عمره رهبته روسيا، بل ربما رهبه العالم كله، عَمَرَ أوقاته كلها بالطاعة، فإما هي مجالدة للكفار، أو دعوة وتعليم وتربية وتدريب، فإنها تشحذ هممهم وترفع من طموحاتهم، وترتقي بتطلعاتهم. قال ابن الجوزي: «من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دنيء» . على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم إن ظهور مثل هذه الأمثلة يساهم وبقوة في رفع همة أبناء الأمة، حتى إذا حصل ذلك كانت الأمة قادرة على رفع راياتها فوق قمم المعالي، وركز ألويتها في طرق المجد. لم تشغله مجالدة الأعداء ولا التخطيط لحربهم عن الدعوة إلى الله جل وعلا وإعداد المجاهدين بالإيمان قبل إعدادهم بالسلاح؛ فها هو يقوم بعمل محاضن دعوية لتكوين مجموعات دعوية جهادية على النهج الصحيح؛ فأنشأ «معهد القوقاز لإعداد الدعاة» حيث يلزم كل شخص بالانضمام إليه قبل قبوله في الجهاد، فيخضع لدورة علمية مكثفة تقارب الشهرين، ثم ما لبث أن تكاثر الناس عليه يريدون العلم والجهاد حتى وصل عددهم إلى ٤٠٠ طالب جاؤوا من التتر وداغستان وطاجكستان وأوزبكستان والأنجوش وغيرها، وهذا هو الذي أفزع روسيا، ثم تطور العمل فأنشأ ﵀ داراً لتحفيظ القرآن، ووضع برنامجاً لإعداد الدعاة، وبرنامجاً آخر لإقامة محاضرات في القرى، ودورة للتعليم الأساسي، ودورة لرفع مستوى الدعاة، وكما قال ﵀: «رأينا أثر هذا العمل على مجاهدين في تضحياتهم وبذلهم» . رابعاً: الترفع عن الاختلاف من أجل المصلحة العليا؛ فقد كان ﵀ يحذر أصحابه من الخوض فيما يثير الناس في بداية جهاده في كل منطقة، بل ويمنع أصحابه من الذهاب إلى الأماكن التي تثير حفيظة الصوفية، وكان يكره الالتحام مع المخالفين ممن ينتسبون إلى الإسلام حتى لا يشغل المسلمين عن عدوهم المشترك، فكان يمنع التعرض للجماعات السنية بأي سوء حتى لا يحصل التشرذم والتفرق، ولهذا كان إذا سمع أحداً يخوض في هذا يقول له: «عجباً لبعض الناس سلم منه الملاحدة والنصارى ولم يسلم منه إخوته المسلمون» . إن كثيراً من شباب المسلمين اليوم لا همَّ لهم إلا كثرة الحديث، وإشغال النفس بخلافات سطحية تافهة، والدفاع عن حزب ضد آخر، والانتصار لشيخ، والحط من قدر آخر، وما نتيجة ذلك إلا طاقات مهدرة، وأوقات ضائعة، عمل قليل، وكلام كثير، وكأنهم لم يسمعوا حديث الرسول ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» ، بل خلافات مستطيرة، وتراجع في الأمة. لقد واجه خطاب كثيراً من الحساد، حتى وصفه أحد القادة الصوفيين في الشيشان بأنه «أمير حرب خبيث» ، بل إن بعض مشايخ الصوفية بعد إخفاقهم في استثارته وصفوه بأنه وهابي أكفر من اليهود والنصارى، وعندما كان في طاجكستان حاول أحد القادة الطاجيك التحرش به والإساءة إليه، وحين طلب منه معاونوه أن يرد عليه طلب منهم أن لا يشغلهم هذا القائد الحاسد عن هدفهم الأهم وهو قتال الشيوعيين. هكذا كان نظره البعيد المؤسس على نظرية المصلحة والمفسدة، صحيح أن خطاباً لم يكن من أهل العلم، لكن توفيق الله جل وعلا ثم فطرته السليمة وأسسه العلمية، وبُعده عن هوى النفس نحسبه والله حسيبه هو الذي قاده إلى هذا الرأي الموفق الذي كان له أكبر الأثر في جعل الجهاد الشيشاني مضرب مثل في قلة النزاعات واتحاد الكلمة، وائتلاف القلوب، وهذا الذي ساهم في تحقيق هذه الانتصارات على الرغم من قلة العدد والعتاد. خامساً: سمو الهمة يفعل بصاحبه الأفاعيل: لم تكن نشأة بطلنا الشاب نشأة فيها كثير من التدين، بل نشأ كما ينشأ كثير من أبناء جيله في هذا الزمن، ذكروا في سيرته أنه في شبابه اليافع كان يحلم بالسيارات الفارهة، والقصر الكبير، والوظيفة العالية، ولكن سرعان ما انقلب كل ذلك. انقلب إلى حياة مشردة بين جبال أفغانستان اليابسة، وسهول الشيشان القارسة، لا بيت ولا مأوى، لا سيارة فارهة، ولا وظيفة عالية. لقد باع نفسه لله فيما نحسب فكأنه يرى الجنة والنار عياناً، فاشترى الجنة بكل ما يملك، باع متاع الدنيا كلها. إنه الإيمان إذا تحركت شعلته في القلب، أوجد ناراً متأججة تتطلع إلى الفردوس الأعلى، فتسترخص كل شيء في سبيل ذلك: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١١١) . كان أبيَّ النفس، كريم الخصال، نبيل الطبع، يأبى الضيم، يحنو على الضعيف، ويساعد المحتاج. اعتاد في طفولته وشبابه أن ينفق أمواله، حتى عرف بأنه صاحب الجيب الخالي، وهكذا ظل حتى في أحلك الظروف وأصعبها في مسيرته الجهادية؛ هكذا هي النفس الكريمة، لا تحتاج إلى كثير جهد لتصحو من غفلتها. وهذا هو خطاب، سمت به همته، فأدخلته في مصاف قادة الإسلام، حتى قيل عنه: خالد عصرنا. ليس من المستحيل على شباب المسلمين أن يخرج منهم آلاف مثل خطاب إذا أراد الله ذلك، ولكن علينا أن نربي أبناءنا على هذه المعالي، وأن لا نيأس، بل نغرس جذوة الإيمان وحلاوة الشهادة في نفوس أبنائنا. سادساً: التضحية هي طريق القبول: إن دعوة الإسلام لن تجد آذاناً صاغية إلا إذا رأى الناس من دعاتها التضحية في سبيلها، فعندئذ سيستمعون، وسيسيرون في ركب الدعاة المجاهدين؛ أما إذا لم ير الناس إلا الكلام، فلن تنتشر الدعوة، ولن تجد إلى القلوب سبيلاً. وهذا من أهم الأسباب التي جعلت الناس يقبلون على خطاب ويحبونه. قاتل في أفغانستان، ولم نسمع أنه تقاتل مع أحد الأفغان لخلاف عقدي رغم انتشار التصوف فيهم، ثم قاتل في طاجكستان التي ساد فيها التصوف، وعندما وصل للشيشان دعاهم للصلاة والزكاة وقراءة القرآن، ولم يدعهم إلى أي مسألة عقدية، فلما تمكن هناك وصار حبه في قلوب الناس أنشأ المعاهد العلمية لتعليم العقيدة الصحيحة. هل أقبل الناس على أحمد بن حنبل إلا بعد أن ثبت في المحنة، وهل أصبح شيخ الإسلام شيخاً للإسلام إلا بعد أن جاهد بنفسه في ساح الوغى، وألقي في غياهب السجون مرات عديدة، وفي الأمة علماء كثيرون طواهم التاريخ لم يصنعوا لهذه الأمة مجداً، ولم يزيحوا عنها ظلماً. سابعاً: لا سبيل للتفاوض مع أعداء الله، ولا يمكن أن يجلس المجاهدون مع قتلة المسلمين على مائدة واحدة لكي يخرجوا بقرارات وهمية يذوب أثرها قبل أن يجف حبرها وهذا الدرس يُقَدَّمُ لإخواننا المرابطين في فلسطين، بل للمرابطين في كل بقعة يذكر فيها اسم الله جل وعلا. يقول خطاب رداً على احتمال التفاوض مع الروس: «لم نناقش هذا الأمر أبداً وليس لدينا وقت له، لا يفكّر المجاهدون في المفاوضات كما قال شامل باساييف: سوف يكون كل شيء طبقاً للشريعة، وأي شيء يكون هكذا سيتقبله المجاهدون، وأيّ شيء ضدّه لن يقبل، إذا غادرت جيوشهم أرضنا كان ذلك ممكنا، لكن بينما تكون جيوشهم هنا، حتّى على متر واحد لهذه الأرض، فإن الحرب لن تنتهي» . وفي مناسبة أخرى قال خطاب: «لقد حاول القادة الميدانيون من قبل حل القضية بطرق المفاوضات طبقاً لشروط دولية والنتيجة أن الحرب كانت مستمرة بشكل آخر ضد الشعب الشيشاني وشباب القوقاز المسلم في داغستان وقرتشاي وأنغوشيا وسائر الجمهوريات، وكما قال أخي شامل باساييف - حفظه الله -: إن الجميع على قناعة تامة أنه لا يوجد حل إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية ومحاكمة روسيا ومجرمي الحرب فيها ولو بعد حين» . هذه بعض الدروس المستفادة [**] بإيجاز شديد، نسأل الله الكريم أن ينفع بها المسلمين، وأن يحيي بها في نفوس الأمة حب الجهاد والاستشهاد.

стр. 4324

المسلمون والعالم قضية اللاجئين الفلسطينيين بين العرب واليهود د. محمد مورو [*] اعتبرت (إسرائيل) بكل حكوماتها من يمين ويسار ووسط: علمانيين ومتدينين، وكذا كل قواها السياسية وحتى دعاة السلام المزعومين في (إسرائيل) ، أن موضوع حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه، وكذا عبرت الإدارات الأمريكية المختلفة في مشروعاتها التي قدمتها للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عن تجاهلها لهذا الموضوع، وتبنت بالكامل إصدار حقوقهم المشروعة في العودة، وآخرها مشروع كلينتون قبيل رحيله، وإن كانت لا تمانع في المساعدة في توطينهم في أماكن غربتهم أو تعويضهم بالمال، أو تحسين ظروف حياتهم. وعلى طول مسيرة المفاوضات والاتفاقات، بل وعلى طول محطات الصراع معهم فإن قضية اللاجئين كانت هي أم القضايا وأخطرها وأكثرها إثارة للجدل، وهذا بديهي؛ فالمشروع الصهيوني برمته قائم على اغتصاب أرض من أهلها وترويعهم وتشريدهم وطردهم منها، ثم الاستيطان فوق تلك الأرض واستجلاب المهاجرين اليهود من كل مكان، ومن ثم حرمان أصحاب الأرض الحقيقيين من أرضهم وبيوتهم وبياراتهم. وهكذا فإن استيطان يهودي في أرض فلسطين تعني مباشرة طرد فلسطيني، وعودة لاجئ تعني مباشرة طرد يهودي من الأراضي التي اغتصبها، وهكذا فإن قضية اللاجئين هي أم القضايا وجوهر الموضوع. ولأنها كانت ولا تزال كذلك فإن الفكرة الصهيونية ارتبطت منذ البداية بأكذوبة كبرى وهي: (شعب بلا أرض) يريد أرضاً بلا شعب أو أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض؛ فقد قام الإعلام الصهيوني على أن أرض فلسطين خالية من البشر، وحاولوا إقناع العالم بذلك، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير رغم أنها أكذوبة واضحة المعالم، بل وصل الكذب إلى حد أنهم أحياناً صدقوا أنفسهم أو تبجحوا بالكذب رغم الحقيقة الماثلة للعيان؛ فجولدا مائير الزعيمة الصهيونية المعروفة كانت تكرر أنه لا يوجد فلسطينيون، رغم أنهم كانوا يحيطون بها من كل جانب سواء من عرب ١٩٤٨م، أو غزة والضفة أو من قامت بنفسها بتهجيرهم أو قتلهم وترويعهم حتى يهاجروا. وبناء على تلك الفلسفة التي صاغت الفكر الصهيوني، اعتمد الصهاينة دائماً على تخويف الفلسطينيين وترويعهم وتنظيم المذابح حتى يضطروهم إلى الهجرة، ومن يصمد ولا يهاجر يتم مصادرة أرضه بقوانين إدارية، أو يحارب في رزقه وعيشه، وهكذا حتى يضطر أن يهاجر. وإذا تتبعنا المدن الإسرائيلية المعروفة الآن نجد أنها قامت على أنقاض مدن وقرى فلسطينية، وعلى أراض تركها أصحابها أو تم مصادرتها، وليس هناك استثناء لهذا الأمر، أما الحديث عن أن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم طواعية إلى اليهود؛ فهو كلام لا قيمة له؛ لأن البحوث والدراسات المحترمة أثبتت أن ذلك مجرد حالات محدودة لا تصل إلى ٦ في الألف وهي نسبة لا يعتد بها أولاً، أو كانت أراضي مملوكة لإقطاعيين ليسوا فلسطينيين ثانياً، بل كانت لهم إقطاعيات في فلسطين وسوريا ولبنان وربما مصر وهكذا، وثالثاً لأن السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين وهي المؤامرة البريطانية الكبرى هو أصل المشكلة، فلمن كان سيبيع هؤلاء لو لم يوجد مهاجرون يهود؟ المذابح والترويع والطرد هي الأصل، وما عداه استثناء. وهكذا فإن قضية اللاجئين تلخص قضية فلسطين كلها، والاقتراب منها يعني فتح موضوع مشروعية قيام (إسرائيل) ذاته ومشروعية بناء كل بناية ومصنع ومدرسة وجامعة بها، ومشروعية إقامة كل فرد فيها، فضلاً عن أنه يفتح سجل الآلام الضخمة التي عاناها ولا يزال يعانيها الفلسطينيون، ولذا لجأ المفاوض الإسرائيلي إلى تأجيل البت في تلك القضية في كل مرة يتم الوصول إلى اتفاق، وذلك ضمن ثلاث قضايا شائكة هي القدس، والمستوطنات واللاجئون، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أخطر هذه القضايا هي قضية اللاجئين. وصحيح أن قضية القدس ذات أبعاد تاريخية وعقائدية ولا تخص الفلسطينيين وحدهم بل العرب والمسلمين، وتتشابك فوق خيوط إقليمية ودولية، ولكنها من وجهة نظري قابلة للعمل بطريقة أو بأخرى، ويمكن لـ (إسرائيل) أن تقبل حلاً ما يعطي السيادة للفلسطينيين على المقدسات الإسلامية مع بعض الضمانات، أو حتى يمكن لـ (إسرائيل) أن تتنازل عن منطقة الأقصى للفلسطينيين، وحتى لو أدى ذلك إلى هياج قطاع من المجتمع الإسرائيلي وهو قطاع المتشددين؛ فإنه لن يؤدي إلى نهاية (إسرائيل) مثلاً، وكذا فإن المستوطنات يمكن الوصول إلى حل بشأنها، لأنها أولاً لا تمثل إلا قطاعاً محدوداً من الإسرائيليين، وأنها ثانياً سوف تكون عبئاً كبيراً على الكيان الصهيوني في حالة الوصول إلى حل وإقامة دولة فلسطينية، فكما أنها تمثل غريقاً لتلك الدولة، فإنها أيضاً رهينة داخل البحر السكاني الفلسطيني، وفي النهاية يمكن الوصول إلى حل ما بشأنها؛ بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن (إسرائيل) تشددت بشأن قضية المستوطنات وقضية القدس لكي تجعل الاهتمام بهاتين القضيتين وتحديداً بقضية القدس يغطي على ما تريده من الحصول على صك فلسطيني ينهي قضية اللاجئين، أي ينهي القضية ويريح (إسرائيل) للأبد؛ لأن وجود كل لاجئ لم يعترف بشرعية الاستيطان والوجود الصهيوني ويريد العودة؛ يعني أن هناك قنبلة زمنية ستنفجر في أي لحظة، ولنا أن نتخيل قيام حركة بين المهاجرين، لا علاقة لها بالسلطة ولا بالقوى السياسية الفلسطينية أو العربية المختلفة ولا علاقة لها بالحكومات، ولا تهتم بغير حق العودة فقط، واستطاعت أن تثير حماس هؤلاء الـ ٧ ملايين لاجئ، لكي يتجمعوا يوماً في مكان ما الأردن أو لبنان ويزحفون بلا سلاح على (إسرائيل) ، ألن تغرق (إسرائيل) في بحر البشر الفلسطيني؟! هذه المسيرة المليونية الفلسطينية مشروعة تماماً، ولن تجرؤ قوة إقليمية أو دولية على قمعها أو منعها، هذه المسيرة ليست وحدها الإجراء الممكن، بل كذلك يمكن التحرك دولياً في الأمم المتحدة ومراكز حقوق الإنسان والتجمعات الشعبية هنا وهناك لرفع قضية اللاجئين ولكن من منظور العودة، ولا شيء سوى العودة، إنه أمر مزعج بل مرعب لـ (إسرائيل) ، و (إسرائيل) تدرك أن التسليم بحق العودة يعني نهاية (إسرائيل) ؛ لأن (إسرائيل) التي تتكون من ٤ ملايين يهودي + ١.٢ مليون عربي من عرب ١٩٤٨م بالإضافة إلى ٢.٥ مليون فلسطيني في الضفة وغزة لن تتحمل عودة ٧ ملايين فلسطيني من الشتات، ولا سيما أن هؤلاء مشهورون بكثرة الإنجاب، أي أن اليهود سيغرقون في بحر بشري فلسطيني وهو ما ينهي وجود الدولة العبرية تماماً! وهكذا فإن حق العودة هو ما ترغب (إسرائيل) في الحصول على صك من السلطة الفلسطينية بإنهائه، وإنهاء القضية وإغلاقها نتيجة لذلك، حتى لا يأتي يوم بعد عام أو عشرة أعوام ويطالب الجيل التالي من الفلسطينيين بالعودة، وبذلك يظل الوضع معلقاً فإن مطالب الأجيال لن تنتهي طبعاً وخصوصاً إذا استمر الصراع خصباً وساخناً والدماء تسيل. وإذا كنا قد استنتجنا أهمية موضوع اللاجئين، وجعلناه الموضوع الأكثر خطورة، فإنه ليس من حق السلطة ولا عرفات ولا أحد التسليم بإنهاء حق العودة للفلسطينيين؛ لأنه ليس حق الأجيال القادمة فحسب، بل هو حق المسلمين في بقاء الأرض المباركة أرضاً إسلامية، فيجب أن لا يفرط في هذا الحق، ولا يتعارض هذا، ويجب أن لا يتعارض أصلاً مع أهمية عودة القدس والمقدسات الإسلامية والنصرانية في بيت المقدس؛ فهي كلها قضايا هامة بالطبع؛ بل المفروض طبعاً عودة كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر، ومن الشمال إلى الجنوب. حق العودة هو حق بديهي، وهو حق لا يختلف عليه اثنان، وهو أيضاً ثابت بالشرعية الدولية بالقرار رقم ١٩٤ الذي ينص على العودة والتعويض؛ أي عودة كل اللاجئين في كل مكان إلى فلسطين، وعودة المهجرين داخل فلسطين إلى قراهم الأصلية وبيوتهم الأصلية، ثم تعويضهم عن تلك الفترة التي قضوها في المنافي وعن استغلال (إسرائيل) والإسرائيليين لأرضهم وبيوتهم طوال تلك المدة. وبالطبع فإن (إسرائيل) وأمريكا، ومعهما ما يسمى بدعاة العقلانية يروِّجون لمقولة أن ذلك مستحيل؛ لأن معنى عودة كل هذه الملايين نهاية (إسرائيل) وهذا غير ممكن لماذا؟! وأن الإسرائيليين قد بنوا عمارات ومرافق ومدناً ومدارس وجامعات ومصانع على الأراضي المغتصبة؛ فكيف نهدم ذلك، ونعيده إلى أصحابه؟ وأن المطالبة بالمستحيل هو نوع من العنتريات التي عفا عليها الزمن، ومن الأفضل الحديث عن حلول واقعية؛ بمعنى توطين اللاجئين في أماكن وجودهم أو البحث لهم عن أماكن أخرى، وتحسين ظروف حياتهم ومساهمة الأسرة الدولية في تعويضهم وتمويل توطينهم. وظهرت في هذا الإطار مشروعات لتوطين اللاجئين الموجودين في لبنان بها وكذا الأردن وسوريا ... إلخ ولكن الفلسطينيين الموجودين في هذه البلدان رفضوا ذلك، ورفضت حكومات لبنان وسوريا ذلك أيضاً، وهناك حديث عن توطينهم بالعراق مثلاً في مقابل رفع الحصار عن العراق وإنهاء عزلته الدولية، وهل هذا المخطط هو ما يؤخر حل المشكلة العراقية حتى الآن انتظاراً لنضوج الثمرة؟ وبالطبع فإن أحداً لن يقبل ذلك، لا الفلسطينيون ولا لبنان والعراق وسوريا ... إلخ. حق العودة هو جوهر القضية؛ لأنه يسحب شرعية وجود الدولة العبرية من أساسه، وعلينا ألا نخاف من طرح الموضوع أي موضوع تفكيك دولة (إسرائيل) وإقامة وطن حر يعيش فيه الجميع على قدم المساواة؛ ولأن الأمر كذلك فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حرصت على الحصول على اعتراف بوجود وشرعية (إسرائيل) مقابل بعض التنازلات، بل حرصت أيضاً على إلغاء ميثاق منظمة التحرير مقابل اتفاقية أوسلو، وهذا لأنها تدرك أنه بدون الحصول على صك الشرعية من العرب والفلسطينيين أنفسهم فإن الشعور بالأمان لدى كل المغتصبين سيظل منقوصاً، وحتى لو اعترف العالم كله وبقي مجموعة من الفلسطينيين أو العرب يشككون في شرعية وجود الدولة العبرية ويطالبون بتفكيكها ولا يسلمون أو يعترفون بها، فإن ذلك يعني أن الأجيال القادمة ستجد الجذوة تحت الرماد مشتعلة أو الجذور صالحة لم تمت وربما اندلع الطوفان من جديد. ما بين التمسك بالحق البديهي، والالتفاف حوله تدور قصة اللاجئين منذ عام ١٩٤٨م وحتى الآن؛ ففي عام ١٩٤٩م صدر القرار رقم ١٩٤، وقد رفضت (إسرائيل) هذا القرار وحاول معها حلفاؤها الدوليون الالتفاف على حق العودة، وطُرحت مشروعات لتوطين اللاجئين في أماكن إقامتهم في المنافي، ويقدر الباحثون عدد هذه المشروعات بـ ٣٦ مشروعاً منذ عام ١٩٤٩م وحتى الآن منها مشروع وكالة الغوث ١٩٥٢ - ١٩٥٤م، ومشروع دالاس ١٩٥٣ - ١٩٥٦م ومشروعات جونستون ١٩٥٥ - ١٩٦١م، ومشروع أنطوني إيدن ١٩٥٥م، ومشروع أيزنهاور ١٩٥٧م، ومشروع همر شولد ١٩٥٩م، والمشروعات أو المقترحات سواء كانت إسرائيلية أو من متعاطفين معها، تدور كلها حول توطين اللاجئين في أي مكان من العالم ما عدا أرضهم الأصلية؛ فقد طرح توطينهم في أمريكا وأوروبا وكندا وأستراليا وسوريا، ولبنان والأردن.. إلخ؛ ما عدا فلسطين بالذات. وحتى يتم إرضاء أو إلهاء الرأي العام العالمي فإن مساعدة الفلسطينيين اللاجئين تتم طبعاً عن طريق وكالة غوث اللاجئين «الأونروا» التي تشكلت باقتراح من الولايات المتحدة الأمريكية. والمساعدة هنا تكمن في تأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً وتعويضهم عن الأضرار أو بناء مخيمات لهم، أو تشغيلهم، ما عدا حق العودة طبعاً، وحاولت (إسرائيل) دائماً الادعاء أن الفلسطينيين ليسوا شعباً بل هم مجتمع من العرب يمكن أن يذهبوا ليعيشوا في البلاد العربية، وأنه ليس هناك دولة اسمها فلسطين، وأن الفلسطينيين جاؤوا إلى تلك الأرض كرعاة فقط وهذا منذ زمن بعيد. أما اليهود فهم شعب يتم تشكيله ويجب إعادتهم من كل مكان لتعمير تلك الأرض التي هي بلا سكان ولا صاحب، وأنهم أي اليهود متحضرون، أما الفلسطينيون فهمج وبرابرة هكذا يزعمون إفكاً وكذباً. ولا يخلو الموضوع من طرائف إسرائيلية أو أشياء تثير الغيظ في الحقيقة؛ ف (إسرائيل) تزعم مثلاً أنه يجب تعويض اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية إلى (إسرائيل) ، ورغم أن ذلك تم بإرادتهم أولاً، أو حتى رغم أنف تلك الدول التي ما أرادت أصلاً أن يخرجوا منها وربما منعتهم فهربوا، وثانياً نقول لهم تفضلوا وعودوا إلى بلادكم واتركوا فلسطين!! ومن الطرائف والعجائب أيضاً، أن جامعة هارفارد تبنت مشروعاً يقتضي اعترافاً ورقياً إسرائيلياً بالذنب وامتناع الفلسطينيين في المقابل باستحالة حق العودة!! والغريب أن رفض (إسرائيل) لحق العودة الفلسطيني، أي عودة الفلسطينيين إلى أرضهم التي طُردوا منها قسراً منذ خمسين عاماً، يترافق مع إصرار (إسرائيل) على منح حق الهجرة التي سموها العودة إلى فلسطين لأي يهودي في العالم: روسي أو مجري أو ألماني أو أمريكي أو عراقي أو يمني أو حبشي أو مغربي أو إيراني رغم عدم صلة هؤلاء بفلسطين ولا أجدادهم في أغلب الأحيان لعدة آلاف من السنين، وربما بالمرة تماماً؛ حيث إن معظم اليهود الحاليين لا علاقة لهم ببني إسرائيل الأصليين كما ذكر ذلك أكثر من باحث مرموق. حق العودة للفلسطينيين ثابت بالتاريخ والجغرافيا، رغم كل محاولات طمس الهوية، وما دام هناك شعب فهناك قضية، وخاصة أن هذا الشعب يتمسك بمفاتيح البيوت، ويحكي الأجداد للأحفاد عن مدنهم وقراهم الأصلية وبياراتهم وحقولهم، والحق ثابت؛ لأن الاحتلال لا يلغي حق الملكية، ولأن وعد بلفور وقرارات التقسيم وكل ما أدى عملياً أو رسمياً إلى قيام (إسرائيل) غير شرعي؛ لأن الفلسطينيين لم يكونوا طرفاً فيه بل هم الضحية. عدد اللاجئين وتوزيعهم في العالم يتراوح بين ٧.٥ سبعة ملايين ونصف مليون نسمة، وهم موزعون أساساً في سوريا ولبنان والأردن والضفة وغزة ومصر وأمريكا وأوروبا، ويبقى أن من الضروري كما قلنا ظهور هيئة تمثلهم ليست سياسية ولا علاقة لها بمنظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية أو أي قوى سياسية أو حكومات، تهتم فقط بتوثيق الخرائط والعقود والأوضاع والأرقام التي تؤكد حقوق اللاجئين في العودة إلى فلسطين والعمل المتواصل لتأكيد حقهم في العودة لبلادهم التي هُجِّروا منها أو هُجِّر آباؤهم وأجدادهم؛ وما ضاع حق وراءه مطالب.

стр. 4325

المسلمون والعالم الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى المبارك تؤكد أن: الأقصى في خطر نائل نخلة [*] (قضية بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى المبارك هي محل إجماع قومي وديني من كل الأطراف السياسية في المؤسسة الصهيونية، وهي دائبة على هذا المشروع بشكل تدريجي، وكل ما حدث حتى الآن من مشاريع هي عبارة عن مؤامرات لضرب المسجد الأقصى المبارك تهدف في نهاية الأمر للوصول إلى هذا الهدف المرسوم، الهدف الذي يتلخص في مقولة بن جوريون: «لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل» ) هذا ما قاله للبيان الشيخ رائد صلاح رئيس جمعية الأقصى ورئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م. وتشير كل الدلائل إلى الأخطار الحقيقية المحدقة بالمسجد الأقصى المبارك والتي تشكل تهديداً واضحاً وجلياًَ لكيان المسجد الأقصى المبارك؛ فاليهود حكومة ومؤسسات وشعباً مصممون على النيل من المسجد الأقصى المبارك وبناء هيكلهم الثالث المزعوم، زاعمين أن المسجد الأقصى مُقام على أنقاض هياكلهم المندثرة تحت أرضيته. ومن الواضح جداً أن لا فرق في الكيان الصهيوني بين يسار ويمين ومعتدل ومتطرف فيما يتعلق بالمسجد الأقصى، وبحسب الشيخ صلاح الذي تحدث عن زيارة المجرم أرييل شارون إلى ساحات المسجد الأقصى في ٢٩/٩/٢٠٠٠م، تحت حراسة ٢٠٠٠ جندي من حكومة باراك. يقول: «أؤكد أن (أرييل شارون) بشكل خاص يعاني من عقدة نفسية من المسجد الأقصى المبارك، والذي أقصده أن شارون ما زال في مخيلته التخوف والهاجس من عودة شخصية صلاح الدين الجديد إلى الأمة الإسلامية والعالم العربي، وواضح أن هذه الشخصية ارتبطت في التاريخ الإسلامي بالمسجد الأقصى المبارك، لا أقول ذلك رجماً بالغيب بل إحدى الصحافيات صحفية يهودية أجرت في أحد المرات لقاء مع (أرييل شارون) ، وباختصار كانت محررة اللقاء تسأل شارون: لماذا هذا التخوف والقلق الذي يبدو عليك وأنت صاحب الأدوار العسكرية في المكان الفلاني وفي الزمن الفلاني، وقد حصلت على المراتب الفلانية؟ فقال لها بالحرف الواحد: أخشى أن يظهر صلاح الدين جديد في العالم العربي والإسلامي. فكان ردها: ولكن العالم العربي والإسلامي هو ممزق في وضع صعب.. فكان رده: في مثل هذا التمزق ظهر صلاح الدين في الفترة السابقة في العالم الإسلامي والعربي. وثانياً: بالنسبة لأرييل شارون هو واضح جداً في موقفه الصريح من قضية المسجد الأقصى المبارك عندما سئل من قبل مجموعة من الصحفيين بعد اقتحامه الأخير للمسجد الأقصى المبارك سألوه: ما سبب دخولك إلى المسجد الأقصى المبارك؟ فكان جوابه: أنا لا أعرف شيئاً اسمه المسجد الأقصى المبارك. هو أصلاً لا يعترف حتى بهذا المصطلح، لا يعتبر نفسه أنه اقتحم شيئاً محظوراً، ولا يعتبر نفسه دخل إلى مكان للآخرين، ولذلك دخول شارون إلى المسجد الأقصى المبارك. ويعمل اليهود من أجل تحقيق ذلك المبتغى من خلال جمعيات ومؤسسات وحركات يهودية ونصرانية صهيونية؛ حيث تؤمن الأخيرة أن تمكُّن اليهود من النَّيْل من الأقصى وبناء الهيكل سيعجل في قدوم المسيح المخلص الذي سيقود هذا العالم المليء بالشرور والآثام إلى الخلاص، وتنشط هذه الجهات في مجال التنقيب عن الهيكل المزعوم تحت باحات الحرم القدسي الشريف، والاستيلاء على البيوت الإسلامية في البلدة القديمة في القدس، وطرد المواطنين المسلمين من الأحياء العربية والإسلامية، إضافة إلى عملها على دعم الاستيطان في القدس وفلسطين. ومن الواضح أن عمل هذه الجهات يحظى بدعم مالي ولوجستي من الحكومات الصهيونية المتعاقبة، ويشار إلى أن هذه الجهات تتلقى أيضاً دعماً مادياً كبيراً من جهات أجنبية يهودية ونصرانية تتركز معظمها في الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل الأخطر في موضوع الحفريات الصهيونية هو أن أخبار سيرها أو حجم خطورتها وتهديدها لكيان المسجد الأقصى المبارك، قد انقطع بنسبة حوالي ٩٥% بعد منتصف السبعينيات، فلا أحد من الشعب الفلسطيني أو من العالم العربي والإسلامي يملك معرفة ذلك بالضبط، ويعود ذلك إلى السرية والكتمان الكامل الذي تحظى به تلك الحفريات؛ وهناك عدد من الأسباب سنأتي على ذكرها لاحقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحفريات تحت المسجد الأقصى كانت قد بدأت به جهات إنجليزية سنة ١٨٧٦م بتمويل هائل من عدة جهات مثل صحيفة» تلغراف « و» بنك ميجر «إلا أنهم توقفوا عن ذلك بعد أن ثارت ثائرة المسلمين هناك، ولجؤوا إلى الحفر بشكل سري إلى أن اكتُشِفَ أمر ورشة حفر بريطانية سنة ١٩١٠م، واستؤنفت حفرياتهم مرة ثالثة بعد استعمارهم لفلسطين أوائل القرن المنصرم. أما الصهاينة فقد باشروا الحفر تحت المسجد الأقصى المبارك بعد احتلالهم للقدس الشرقية بما فيها المسجد القدسي الشريف سنة ١٩٦٧م بعد انتصارهم على الجيوش العربية في حرب ٥ حزيران من نفس العام؛ وهو ما يعكس الرغبة الصهيونية الجامحة والإرادة الصلبة القوية في القيام بأعمال الحفريات تحت الأقصى المبارك، وتسوِّغ بعض الجهات العاملة في هذا الحقل أعمالها الحفرية هذه بأنها تقوم بأعمال تنقيب عادية تهدف إلى الاستفادة العلمية ودراسة التاريخ لا أكثر. * الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى المبارك حسب المراحل التي تمت فيها: ١ - المرحلة الأولى: شرع البدء في هذه المرحلة في نهاية عام ١٩٦٧م وبداية عام ١٩٦٨م؛ حيث تركز العمل في هذه المرحلة في جنوبي المسجد الأقصى المبارك بطول ٧٠ متراً من أسفل الحائط الجنوبي والمتحف الإسلامي والمئذنة الفخرية وأبنية جامع النساء. وكان عمق هذه الحفريات ١٤ متراً. ومن الواضح أن هذه الحفريات قد أحدثت تصدعات وتشققات للأبنية المذكورة. ٢ - المرحلة الثانية: وبدأ العمل بها سنة ١٩٦٩م وهي استكمال للمرحلة الأولى، ويذكر أنها بدأت من نقطة انتهاء المرحلة الأولى، وقد اتجهت هذه الحفريات شمالاً حتى وصلت باب المغاربة مروراً بأربع عشرة بناية منها مركز الإمام الشافعي، ووصل طول هذه الحفريات إلى ٨٠ متراً، وقد أحدثت هذه الحفريات في هذه المرحلة تصدعات بجميع الأبنية التي مرت من تحتها، وقامت إسرائيل بنفس العام بجرفها جميعاً وإجلاء سكانها. ٣ - المرحلة الثالثة: وتم بها العمل في سنوات ١٩٧٠م - ١٩٧٤م، وتوقفت عام ١٩٧٤م، ثم استؤنف العمل بها سنة ١٩٧٥م، ولا زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور. ويمتد العمل في هذه المرحلة من مكان تحت المحكمة الشرعية القديمة (المدرسة التنكزية) وتتجه شمالاً مروراً بأسفل ٥ أبواب من أبواب الحرم القدسي الشريف وهي: باب السلسلة، باب المطهرة، باب القطانين، باب الحديد، وباب علاء الدين البصري. إضافة إلى مجموعة من الأبنية الدينية والأثرية والسكنية منها ٤ مساجد وسوق القطانين ومئذنة قايتباي. وتسببت هذه الحفريات في هذه المرحلة بتصدع الأبنية المذكورة إضافة إلى المدرسة الجوهرية ورباط الكرد والجامع العثماني، وبلغ عمق هذه الحفريات من ١٠ - ١٤ متراً. ٤ - المرحلة الرابعة: وبدأ العمل بها سنة ١٩٧٣م، وانتهى سنة ١٩٧٤م؛ حيث اقتربت الحفريات في هذه المرحلة إلى الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك، ووصل عمق هذه الحفريات إلى ما يقارب ١٣ متراً. ٥ - المرحلة الخامسة: وبدأ العمل بها سنة ١٩٧٤م؛ حيث توسعت الحفريات تحت الحائط الغربي للمسجد الأقصى إضافة إلى تركزها خلف الحائط الجنوبي الممتد من أسفل القسم الجنوبي للمسجد الأقصى وسور الحرم القدسي، وقد امتدت هذه الحفريات إلى شرق الحرم، وبلغ طولها ٨٠ متراً. ومن الجدير ذكره أن المرحلتين الرابعة والخامسة أدتا إلى اختراق الحائط الجنوبي والدخول عبره إلى الأروقة السفلية للمسجد الأقصى المبارك (وذلك في تموز سنة ١٩٧٤م) في أربعة مواقع وهي: أسفل مسجد عمر والجناح الجنوبي الشرقي للمسجد الأقصى. أسفل محراب المسجد الأقصى بعمق ٢٠ متراً إلى الداخل. أسفل الأروقة الجنوبية الشرقية للأقصى. ولا شك أن هذه الحفريات بدأت تهدد السور والمسجد الأقصى المبارك بخطر الانهيار. ٦ - المرحلة السادسة: شرع العمل في هذه المرحلة سنة ١٩٧٥م، وبدأت أعمال الحفريات تتركز في مكان في منتصف سور البلدة القديمة وسور الحرم القدسي الشريف، وهذا المكان يقع بين باب السيدة مريم والزاوية الشمالية الشرقية لسور البلدة القديمة. ويذكر أن اليهود قد قاموا في سبيل إتمام عملهم هذا بمصادرة الأراضي الملاصقة لمقبرة إسلامية هناك، كما أن هذه الحفريات لا زالت تهدد الكثير من المقابر الإسلامية التي تعتبر من أقدم المقابر الإسلامية في القدس والتي تحوي على رفات الصحابيين: عبادة بن الصامت وشداد بن أوس، والعديد من رجال العلم. ٧ - المرحلة السابعة: ويرجح أنها بدأت سنة ١٩٧٧م، وكانت عبارة عن مشروع تعميق ساحة البراق الملاصقة للحائط الغربي للأقصى، ووصل عمق الحفريات في هذه المرحلة إلى ٩ أمتار، وقد كانت هذه الساحة حتى عام ١٩٦٧م تضم ٢٠٠ عقار، ولكن الدولة العبرية قامت بجرفها خلال عشر سنوات (١٩٦٧م - ١٩٧٧م) ، ومن الواضح أن هذه الحفريات خطر حقيقي للعديد من الأبنية مثل: عمارة المدرسة التنكزية، عمارة المكتبة الخالدية، مسجد وزاوية أبو مدين الغوث، ٣٥ بناية يقطنها ما لا يقل عن ٢٠٠ مواطن. ٨ - المرحلة الثامنة: يذكر أن العمل قد بدأ بها سنة ١٩٦٧م خلف جدران المسجد الأقصى الجنوبية، وحملت شعار:» كشف مقابر ملوك إسرائيل في مملكة يهودا «، ولا شك أن أخطاراً عديدة تحدق بهذه الجدران. ٩ - المرحلة التاسعة: وفي هذه الفترة أعيد فتح نفق» وارن « (على اسم الإنجليزي وارن الذي اكتشف النفق سنة ١٨٨٠م) ، ويقع ما بين باب السلسلة وباب القطانين، وقد اقتربت الحفريات الصهيونية في هذه المرحلة إلى الحائط الغربي، وتوغلت أسفل الحرم على طول ٢٥ متراً شرقاً وبعرض ٦ أمتار ووصلت إلى» سبيل قايتباي «. وقد أدت هذه الحفريات كما أشير في تقرير المهندسين سنة ١٩٨١م إلى تصدع الأروقة الغربية الواقعة بين باب السلسلة وباب القطانين. ١٠ - المرحلة العاشرة: يشار إلى أن هذه المرحلة قد بدأت بالتوغل تحت أرضية المسجد الأقصى المبارك والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم. ويذكر أن الصهاينة قد ركزوا عملهم في هذه المرحلة تحت باحات الحرم القدسي الشريف؛ حيث إنهم بدؤوا بتفريغ الأتربة من تحت كل باحات الحرم القدسي الشريف، ولعل هذه الحفريات هي من أخطر المراحل؛ لأنها تقع مباشرة تحت باحات الحرم وخصوصاً تحت الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، وقد بدأ يظهر آثار ذلك؛ حيث أخذت بعض الشقوق تظهر جلياً للعيان في قطع الرخام في قبة الصخرة والمسجد الأقصى. ونستطيع أن نلخص تركز الحفريات الصهيونية جغرافياً: - غرب المسجد الأقصى. - جنوب المسجد الأقصى. - جنوب الحفريات الجنوبية. من الواضح أن حديثنا أعلاه قد تركز بشيء من التفصيل على الحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك وتحت أسواره وجدرانه، من حيث سنوات الحفريات وطول الأنفاق وعمقها وسنوات البدء بها. ولكن لوحظ أن هذه التفاصيل قد بدت شحيحة بعد منتصف السبعينيات مقارنة بالمعلومات التي كانت تتعلق بالحفريات ما بين الأعوام ١٩٦٧م - ١٩٧٥م، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: لماذا لا يتم استمرار الحديث عن نفس هذه الحفريات بنفس الطريقة أو بنفس روح ما بعد منتصف السبعينيات؟ يقول الأستاذ أحمد فتحي خليفة، الباحث في شؤون القدس والأقصى للبيان: ١ - إن الحفريات الصهيونية ابتعدت عن عيون الناس وملاحظاتهم، كما أنها ابتعدت عن شوارعهم وأزقتهم؛ وذلك لأن سير هذه الحفريات اتجه من تلك المناطق السكنية القريبة من ملاحظة الناس إلى داخل الحرم، وهي نسبياً بعيدة عن ملاحظات المواطنين. ٢ - يضاف أن الصهاينة كانوا قبل عام ١٩٧٥م يسمحون للباحثين والكتاب أن يبحثوا ويطلعوا على سير عمل تلك الحفريات، أما بعد هذا التاريخ فقد منعت المؤسسة اليهودية الحاكمة هؤلاء الكتاب والباحثين بمن فيهم من كتابهم وباحثيهم الذين كانوا يكشفون النقاب عن هذه الحفريات من الاطلاع على أدنى حد من المعلومات المتعلقة بالموضوع. ٣ - إن ما تقوم به السلطات الصهيونية من إغلاق لبوابات الحرم بعد نصف ساعة من انقضاء صلاة العشاء يمنع ملاحظة ومعرفة ما يدور من حفريات تحت المسجد الأقصى. أما الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية ورئيس مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، فقد أعرب عن استيائه ومرارته لعدم توفر معلومات واضحة موثقة بالصورة والخريطة وقال:» إنه لا يوجد أحد من شعبنا الفلسطيني أو من عالمنا العربي والإسلامي يملك الإجابة عن حجم الخطورة المحدقة بالمسجد الأقصى «ملمحاً بعدم المعرفة العميقة بسير وخطورة الحفريات الجارية أسفل المسجد الأقصى المبارك. ولكن مع كل ذلك فإن هناك الكثير من الشواهد والأدلة التي تؤكد استمرار الحفريات بالمسجد الأقصى المبارك، بل وحتى بدأت تهدد مناطق حساسة جداً مثل مسجد قبة الصخرة المشرفة. وأشار الباحث أحمد فتحي خليفة في نفس المقابلة أن الحفريات وصلت أسفل باحات الحرم القدسي الشريف ولا سيما تحت المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، ويستدل الأستاذ أحمد على ذلك بالتصدعات والشقوق التي بدأت تظهر بكل وضوح على قطع الرخام المصفحة لجدران قبة الصخرة المشرفة إضافة إلى المنطقة الشرقية الغربية وفوق المحراب مباشرة، ويجزم الأستاذ أحمد خليفة أن هذه الشقوق تعود إلى الفراغات الموجودة تحت قبة الصخرة المشرفة. وبالطبع فإن هذه الفراغات سببها الحفريات الصهيونية تحت قبة الصخرة وباحات المسجد. إضافة إلى كل ذلك يشير الأستاذ أحمد إلى أن المسجد الأقصى المبارك يحوي على ٤٣ بئراً تتصل فيما بينها منها ما يصل عمقه إلى ٢٠ - ٢٥ متراً، ويرجح الأستاذ أحمد خليفة أن اليهود قاموا بربط جميع الآبار بعضها مع بعض (أي فتحوها على بعضها البعض) ، ويخلص إلى نتيجة مفادها أن اليهود قد سيطروا سيطرة كاملة على الطبقة الجوفية للأقصى. أما الشيخ رائد صلاح فقد ذكر لنا في نفس المقابلة العديد من الأدلة والبراهين التي تؤكد بشكل لا لبس ولا ريب فيه أن المؤسسة اليهودية ماضية في تنفيذ مخططاتها ومن هذه الأدلة: ١ - ما نقله إليه المواطنون من آل الأنصاري ومن آل الدجاني الذين يقطنون في بيوت ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك ما يسمعونه من أصوات اهتزازات تنبع من تحت المسجد الأقصى المبارك. ٢ - ما نقله له الحراس من مشاهداتهم للشاحنات الكبيرة وهي تنقل أتربة من تحت المسجد الأقصى المبارك. ٣ - ويذكر الشيخ رائد صلاح ما أشارت إليه صحيفة هآرتس (البلاد) الصادرة في ١١/٨/١٩٩٩م عما اكتشفه حاخام حائط المبكى في يوليو سنة ١٩٨١م من نفق يتجه تحت قبة الصخرة. ٤ - ما نقله له أحد العاملين في سلك الآثار الفلسطينية أن إحدى ورشات عمل الحفريات الإسرائيلية قد تقدمت في الحفريات ووصلت حتى منطقة» الكأس « الواقعة بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك. ٥ - ما نقله له حراس المسجد الأقصى من أنهم يسمعون أصواتاً قوية أسفل المسجد الأقصى شبيهة بأصوات حفريات وانفجارات. ٦ - ما وصل للشيخ رائد من معلومات تؤكد أن الكيان الصهيوني يستعمل حوامض كيميائية تساعد في تفتيت الصخور. ٧ - ما نقله له أحد رجالات الوقف الإسلامي في القدس أن هناك حفريات تتم أسفل المدرسة التنكزية وتصل هذه الحفريات تحت قبة الصخرة المشرفة. ٨ - ما نقله له بعض موظفي لجنة التراث في بيت المقدس من سماع أصوات اهتزازات وضربات بالقرب من باب الرحمة؛ وذلك بتاريخ ٣/٢/٢٠٠٠م، وتبين لاحقاً أن هذه الأصوات صادرة من رجل يتبع لتنظيم جماعة» جبل أمناء الهيكل « كان يحفر في قبر (السادة المولوية) محاولاً فتح باب لنفق هناك. ويشير الشيخ رائد صلاح أن المؤسسة الإسرائيلية تهدف من وراء حفرياتها طبعاً بالإضافة إلى هدفها الاستراتيجي وهدم الأقصى وبناء الهيكل إلى السيطرة والتحكم بجميع المباني التابعة للأقصى. الشيخ صلاح كانت له تجربة مباشرة مع هذه الحفريات يحدث البيان عنها قائلاً:» أنا دخلت في الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الأقصى المبارك..، وهذه الزاوية تمثل مدخلاً إلى أحد الأنفاق التي بدأت المؤسسة الإسرائيلية بحفر نفق هناك في سنوات التسعينيات، وأنا شخصياً دخلت إلى هذا النفق بعمق تسعة أمتار، ومشيت في هذا النفق بامتداد حوالي مائتي متر باتجاه يوازي ساحة الأقصى من الجنوب ومن الغرب، ووجدت أن هذا النفق يتفرع منه عدة أنفاق صغيرة تصل إلى أساسات المسجد الأقصى المبارك «. ويتابع:» ما أؤكد عليه هنا ليس هو الشيء الوحيد الموجود من حفريات في ساحة المسجد الأقصى المبارك، وليس هو مشروع التآمر الوحيد لضرب المسجد الأقصى المبارك، بل هناك مبادرات كثيرة تحاول جهات كثيرة أن تنفذها بهدف الوصول إلى بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى المبارك «. وسألته البيان عن وجود مخطط صهيوني حقيقي لهدم المسجد الأقصى، أم أن هناك مبالغات فيما يتعلق بهذا الجانب؟ فقال:» لا أقول هناك مخطط، هناك مخططات، ولا أقول إن هناك فقط مخططات، بل هناك تنفيذ؛ فالآن يجري تنفيذ بعض جوانب هذه المخططات في ساحة المسجد الأقصى المبارك، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، إذا أردت أن أستعرض أمثلة سريعة: - في عام ١٩٩٦م عندما قام في حينه نتنياهو بدخول نفق سمي اسماً تضليلياً بنفق (الحشمو نائيم) هو جزء من مخطط موجود. - افتتاح إيهود باراك السابق لمكان تم تبليطه في الجهة الجنوبية من ساحة الأقصى المبارك. - جزء من هذه المخططات التأكيد الذي سمعناه في الماضي من رؤساء حكومات إسرائيليين سابقين بما في ذلك رئيس الحكومة الحالي وبعض وزرائه على أنهم يصرون على سيادة مطلقة على الأقصى المبارك هو تأكيد على هذه المخططات. - تأكيد الحاخامية الدينية الأولى في شخص الحاخام (لاو) والحاخام (دورون) على أن هناك سيادة مطلقة على الأقصى هي جزء من هذه المخططات. - مطلب البعض ببناء كنيس في داخل الأقصى المبارك، ومطلب البعض بتحويل المدرسة العمرية إلى كنيس وهي جزء من الأقصى المبارك. - وجزء من هذه المخططات ما تم تنفيذه حتى الآن هو إزالة مقبرة تاريخية كانت فيما مضى في الزاوية الجنوبية الغربية للأقصى المبارك. - تحويل حائط البراق الذي هو جزء ثمين من الأقصى المبارك إلى ما يسمى تضليلاً الآن بحائط المبكى وهو جزء من هذه المخططات «. ويكشف الشيخ رائد صلاح أن بعض علماء الآثار اليهود مثل (بن دوف) و (هرتزوك) يقولون بالحرف الواحد:» إنه بعد حفريات استمرت أكثر من ثلاثين عاماً لم يجدوا ولو قطعة حجر تدل على وجود أثر إسرائيلي ديني في حرم الأقصى المبارك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إسرائيل تفرض حصاراً على الأقصى؛ حيث لا يسمح بإدخال أية مواد بنائية تساعد على ترميم الأقصى «. وتعهد الشيخ صلاح بالاستمرار بكل المشاريع التي من شأنها تثبيت الحق الإسلامي في القدس والأقصى، وتساعد في منع تقدم واستمرار الحفريات الإسرائيلية. * هل تهدد الحرم بالانهيار فعلاً؟ يقول الشيخ رائد صلاح:» هذه الحفريات لها نتائج كثيرة جداً، ومن أخطر هذه النتائج أنها قد تهدد حرم المسجد الأقصى بالانهيار، بحيث تعطي الإمكانيات للمؤسسة الإسرائيلية - الدينية والسياسية - أن تفرض سيطرة على ما يوجد تحت المسجد الأقصى المبارك من تحت الأرض، ومن خلال هذه السيطرة قد تسيطر على أماكن فوق الأرض «. ويتابع:» هناك مدرسة اسمها المدرسة العمرية تقع في الزاوية الشمالية الغربية للمسجد الأقصى المبارك، هذه الزاوية يطالبون الآن أن تحول إلى كنيس يهودي، تحت هذه المدرسة هناك أنفاق تسير وتصل مباشرة إلى الصخرة المشرفة؛ فالذي يسيطر على المدرسة العمرية والذي يسيطر على هذه الأنفاق طمعه واضح في المستقبل أن يسيطر على الصخرة المشرفة التي تقع بالضبط في وسط ساحة المسجد الأقصى المبارك. ومما يشار إليه أن إسرائيل قامت منذ عام ١٩٤٨م وحتى الآن بهدم ما يقرب من ألف ومائتي مسجد واقتلاع آلاف المقابر، وقامت بتحويل كثير من المساجد إلى خمارات ومطاعم ومراقص ليلية وبيوت للدعارة وأوكار للمخدرات مثل مسجد (عين كارم) الذي يستخدم الآن وكراً لأعمال الرذيلة، ومسجد (مجدل عسقلان) الذي حول إلى متحف ومطعم وخمارة، ومسجد (البصة) الذي حول إلى حظيرة أغنام، ومسجد (العفولة) الذي حول إلى كنيس يهودي، والمسجد الأحمر في صفد الذي حول إلى ملتقى الفنانين. أما مقابر المسلمين فقد حول بعضها إلى مزابل. أما أوقاف المسلمين فإن ريعها يحول الآن إلى وزارة الأديان الإسرائيلية، ويصرف على خدمة الكنس اليهودية ورواتب الحاخامات؛ فهل هي الآن عاجزة (أخلاقياً، وأيديولوجياً، وعملياً) عن هدم المسجد الأقصى المبارك آجلاً أم عاجلاً؟

стр. 4326

المسلمون والعالم أضواء علي تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا رؤية من الداخل محمد بابنجيدا محمد [*] * توطئة: كثر الحديث في الإعلام الغربي في هذه الأيام عن الأحداث في نيجيريا وخصوصاً عن التوجه الإسلامي نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض الولايات النيجيرية الشمالية. وقد أثار الإعلام الغربي حملة شعواء ضد هذا التوجه الإسلامي أو هذه اليقظة الإسلامية التي أخذت الغرب على غفلة منه. فلم تكن نيجيريا من تلك الدول الإسلامية التي توضع في الحساب عند الحديث عما يسمى بالخطر الأصولي الإسلامي، أو ما سمته مجلة الاقتصاد اللندنية بـ (الخوف الأساسي) [١] ، علماً بأن بريطانيا ومن عاونها قد أحكموا التخطيط لمحاصرة الإسلام في نيجيريا ولمنع إمكانية أي تحرك نحو إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية كما عهدته البلاد قبل الاستعمار. وكان من أواخر قرارات بريطانيا إلغاء الأحكام الجنائية الشرعية كشرط من شروط الحصول على استقلال الدولة في عام ١٩٦٠م. ومن ثم فلا نستغرب مدى غضب الأوروبيين والغرب عموماً ونكيرهم، بل وحقدهم من أجل هذا التوجه. وقد عبروا عن هذا كله في حملات إعلامية وتهديدات وتخويفات موجهة لتلك الولايات الشرعية. وتتابعت بعد ذلك مظاهرات من هيئات الحقوق الإنسانية وجمعيات تحرير المرأة في عدة من دول الغرب. وزادوا على ذلك جمع التوقيعات من آلاف المستنكرين لتطبيق شرع الله، وكتبوا وأرسلوا الرسائل واستهزؤوا بكل مظاهر تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات الشمالية النيجيرية. وكل هذا ليس بغريب لدينا. وأعتذر إلى القارئ أن أقول: إن الذي نستغربه هو هذا الصمت من قبل الدعاة وقادة العالم الإسلامي والعربي، الصمت الذي قد يساء فهمه؛ نظراً إلى أهمية القضية بجانب واجب الدعاة في كل مكان تجاهها. نحن نعتبر هذه الأحداث قضية إسلامية تهم المسلمين في كل مكان، وإن كانت تحدث في بعض أجزاء بلد في أقصى بلاد أفريقيا. إنها أحداث تحمل في طياتها أملاً كبيراً للقضية الإسلامية. ولا نريد من هذا أن يستنتج القارئ من كلامي أن هذا التحرك جاء كمرحلة أخيرة وفقاً لمنهج حركي محكم دقيق. بل نحن نعتبرها كالنقاط الأولى للانطلاقة الكبرى نحو إحداث التغيرات الجذرية التي تمهد للعودة الحقيقية إلى النظام الإسلامي الأصيل كما كانت تسير عليه هذه البلاد لعدة قرون قبل أن يدوسها المستعمر.. فعلى هذا؛ فالمرحلة خطيرة جداً؛ إذ هي قابلة لتقلبات محيرة. وفضلاً عن بعض الأخطاء المنهجية والفكرية وغير ذلك في الهيكل العام لهذا التحرك، وهذا عندنا إنما يؤكد على ضرورة اعتناء الدعاة بالقضية، ولكي لا يعطى الأعداء الفرصة لمواراتها قبل أن تنفصم. وهذه المقالة تهدف إلى إلقاء بعض الأضواء على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا ليتسنى لقراء مجلة البيان الأعزاء الإطلاع على حقائق الأمور وليتيسر لهم إفادتنا بالنصح والتوجيه والدعاء لنا بالثبات والتوفيق. * نيجيريا وأهميتها في أفريقيا: نيجيريا دولة كبيرة تقع في غرب أفريقيا، وهي من حيث عدد السكان أكبر دولة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ إذ يزيد عدد سكانها على مائة مليون، والمسلمون يمتازون بأغلبية لا يقل عددهم عن ٧٠% بينما يكوِّن النصارى والوثنيون ٣٠%. ونيجيريا دولة بترولية ولها ثروات معدنية وأرض زراعية واسعة. وكل هذا جعلها هدفاً لأطماع الدول الغربية كما أصبحت لها مكانة عظمى واعتبار كبير من بين الدول الأفريقية؛ فكلمتها مسموعة في كل شأن يهم أفريقيا سواء الأمور السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو غير ذلك. ومن يتابع اللعبة السياسية التي تديرها أمريكا في أفريقيا لصالحها يدرك بسهولة كيف تستغل هذا الموقع الاستراتيجي لنيجيريا. * الإسلام في نيجيريا: يرجع تاريخ دخول الإسلام في هذه المنطقة إلى عدة قرون؛ فمنذ أن دخلها الإسلام في القرن الخامس الهجري أخذ في التقدم والازدهار حتى أصبح هو دين الدولة. قامت حركة جهادية بقيادة الشيخ عثمان بن فودي وتحمس لها الناس من قبائل مختلفة حتى أقيمت دولة على أساس الإسلام. عين الأمراء والقضاة في جميع الإمارات، وهي اثنتا عشرة إمارة المكونة للدولة. ونفذت الأحكام الشرعية في كل جوانبها. أسست الدواوين وجمعت الزكوات ووزعت على أهلها كما أمر الشرع، وبنيت المساجد والمدارس الإسلامية، ونشر العلم وأكرم أصحابه، ونظمت الأسواق وعين لها رؤساء وولاة للحسبة، وروعي العدل في جميع تصرفات الدولة حتى ساد الأمن وكثرت الأرزاق. صارت المنطقة تجذب إليها العلماء والتجار من شمال أفريقيا ومن مناطق إسلامية أخرى. وقامت كذلك دولة في برنو على قواعد من الإسلام. ولم يكتب لهذه المنطقة أن تستمر على هذا الخير؛ إذ بدت بعض ملامح الانحراف لدى بعض أمرائها. دخل الضعف والهوان في جسم الدولة، وفي بداية القرن العشرين وبالتحديد في عام ١٩٠٣م وقعت تحت سلطة الاستعمار البريطاني [٢] . * الأوضاع القانونية بعد الاستقلال: غادر الإنجليز ساحة البلاد عام ١٩٦٠م وتركوا ميراثاً إنما هو خليط من أهوائهم، وقوانينهم؛ مما ليس بقانون إنجليزي بأكمله، وما هو بشريعة الله، ولذلك لم ترض به الأغلبية المسلمة. عملوا على حصر دائرة تنفيذ الشريعة في حدود ما أسموه بالأحوال الشخصية، وألغوا الأحكام الجنائية الشرعية وبدلوها بما يوافق «العدل المطلق والإنسانية» بزعمهم. ومع ذلك لم يتجرؤوا على اتخاذ هذا القرار إلا بعد مدة طويلة من كيد وخديعة وعملية غسل المخ انتهاءً إلى التهديد والإجبار. ولما هاجت أمواج روح الاستقلال وكان لا بد من أن يتخلى الإنجليز عن الساحة، رأوا من الضروري أن يتخذوا القرارات النهائية لتعويق تنفيذ الشريعة الإسلامية على وجهها الصحيح الكامل. ولما كان إلغاء الشريعة كلياً أمراً غير ممكن، تحيلوا في إدخال بعض إصلاحات زعموا أنها تمكن المقاطعة الشمالية من المسايرة مع بقية العالم، فكونت لجنة لوضع القانون أعضاؤها ما بين رجل مسلم تخرج في مدارس بريطانيا كرئيس اللجنة أبو رنة من السودان، والقاضي شريف من باكستان، ورجل نصراني مثل مستير أثيموجو. فماذا عسى أن تكون نتائج هذه اللجنة؟! انتهت اللجنة إلى تقرير القانون الجنائي الذي وضعه الإنجليز لمسلمي الهند من سنة ١٨٦٢م والذي فرض بعد ذلك على السودان في سنة ١٨٩٩م كما ذكره البروفسير حارس سفيان في بحثه حول أصل القانون الجنائي في نيجيريا [٣] . قوبل هذا القانون برفض؛ ولكن الحكومة الجديدة في شمال نيجيريا تحت رئاسة الحاج أحمد بيلو، لم يكن لها مخرج أمام مضايقات حكومة بريطانيا. وفعلاً اعترف الحاج أحمد بيلو بأن قبول هذا القانون من الشروط التي وضعتها الدول الغربية للتعامل معها والحصول على الدعم المالي اللازم الذي تحتاج إليه المقاطعة الشمالية. وأما المسلمون في المقاطعة الجنوبية وهم كثيرون وخاصة بين قبيلة اليوربا، فلم يحصلوا حتى على هذا القليل. وكان عدد من علماء لاجوس في سنة ١٨٩٤م طلبوا السماح من الحكومة لإنشاء المحاكم الشرعية حتى في تلك الدائرة الضيقة، ولكن رفضت السلطة المستعمرة آنذاك، ولا يزال الوضع في الجنوب على ما كان عليه في عهد الاستعمار؛ غير أن التحرك الجديد في الشمال قد أثار كوامن الإيمان في كثير من مسلمي الجنوب وهم يطالبون بتحكيم الشريعة بينهم كما في الشمال. ولما جزئت المقاطعة الشمالية إلى عدة ولايات في سنة ١٩٧٦م احتيج إلى بعض التعديلات الإدارية للمحاكم الشرعية. كانت هناك محكمة شرعية استئنافية واحدة فقط في كادونا لجميع المقاطعة الشمالية: فصارت بعد ذلك لكل ولاية محكمة شرعية استئنافية. أما المحاكم الإنجليزية فكان لها محاكم استئنافية على المستوى الوطني Federal Court of Appeal. ومطابقة لهذا الترتيب الإداري طالب المسلمون بإيجاد محكمة شرعية استئنافية كذلك على المستوى الوطني Federal Shariah Court of Appeal وكان هذا الطلب متعلقاً فقط بالترتيب الإداري لا كُنْه الشريعة. وفعلاً وافقت الحكومة إبان حكم الجنرال مرتضى محمد على هذا الطلب، ولكن لما قتل وتولى الرئاسة آنذاك الرئيس الحالي أوباسنجو تراجع عن هذا القرار. وعندما أنشأت الحكومة المجلس الدستوري لمراجعة دستور الدولة في سنة ١٩٧٧م - ١٩٧٨م استعداداً للانتخابات الديمقراطية، دارت مناقشات حارة بين طرفي الممثلين المسلمين والممثلين النصارى حول هذه القضية. ارتفعت الأصوات وضربت المقاعد، وأثارت الصحف الغبار، وهدد النصارى بالحرب الأهلية وتمزيق البلد وإحراقه ... إلى أن وصلوا إلى مطلبهم. اتخذت الحكومة «حلاً وسطاً» وهو أن يكون هناك مكتب غير دائم في المحكمة الاستئنافية الفيدرالية يتولى الاستئناف الذي يرفع من المحاكم الشرعية الاستئنافية من الولايات الشمالية. فعند سماع الاستئناف تتكون لجنة من ثلاثة قضاة على أن يكون واحد منهم عالماً بالشريعة الإسلامية. والخطر الفاحش في هذا النظام هو إمكانية أن يكون الباقون أو واحد منهم غير عالم بالشريعة، بل وربما قد لا يكون مسلماً. ومن أجل هذا فلم يزل المسلمون يطالبون بتعديل هذا النظام في كل مرة يطرأ النقاش حول تعديل الدستور. وفي سنة ١٩٩٩م عدل دستور الدولة ولكن لم يتغير جذرياً عن دستور ١٩٧٩م، وشاء الله أن يكون هناك منفذ أو خلل في الدستور يمكن استغلاله لتوسعة دائرة أعمال الشريعة. ففي أساسه: إن قانون الدولة يعترف بالشريعة الإسلامية في حدود الأحوال الشخصية. والدستور نفسه يعترف بحق المواطنين في التدين بالدين الذي يعتقدونه من غير أن يتعرضوا لأي مانع كما في المادة ٣٦، وزيادة على ذلك فإن المادة رقم (أ) ٢٧٧ أعطت السلطة لمجلس الولاية في أن يوسع دائرة إعمال الشريعة. وهذا النص هو الذي استغلته ولاية زمفرا لتوسعة دائرة تنفيذ الأحكام الشرعية لتشمل الحدود. وأصبحت الحكومة المركزية (الفيدرالية) في حيرة من أمرها؛ إذ لا تستطيع أن تجادل في هذا التفسير في المحكمة العليا؛ إذ الظاهر أنه التفسير الصحيح لنص القانون. ولمزيد من الإيضاح فإن الحكومة في نيجيريا على ثلاث مراتب: أولاً: الحكومة المركزية (الفيدرالية) ، وثانياً: حكومة الولاية وهناك ست وثلاثون ولاية، وثالثاً: الحكومة المحلية، وهناك سبعمائة وأربع وسبعون حكومة محلية، وقد فصل الدستور لكل حكومة صلاحياتها وسلطاتها ودائرة تنفيذها. * تطبيق الشريعة في ولاية زمفرا: إن الانطلاق الجديد لتوسعة دائرة تطبيق الشريعة بدأ من ولاية زمفرا. وهي تقع في الجزء الشمالي من نيجيريا. والمسلمون يشكلون أكثر من ٩٩% من أهل الولاية. وهي محاطة بولايات كلها أغلبية مسلمة. وكأن التاريخ يعيد نفسه في المنطقة؛ حيث كانت زمفرا هي القاعدة الأولى التي انطلق منها الشيخ المجدد عثمان بن فودي قبل مائتي سنة. وهي كذلك مولد الشيخ أبي بكر جومي ﵀ أبرز علماء نيجيريا في العصر الحديث والحائز على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام. وولاية زمفرا تمتد على أرض واسعة وخصبة، ولذلك فإن أكثر أهلها يعتنون بالزراعة. وفيها عدة معادن مكنوزة تحت أرضها منع من استغلالها قلة الإمكانيات الاستثمارية. * الحاج أحمد ثاني: الرجل والفكرة: الحاج أحمد ثاني حاكم ولاية زمفرا شاب مسلم في حدود اثنين وأربعين عاماً من عمره، تخرج في جامعة بايرو - كانو - متخصصاً في علوم الاقتصاد. تولى عدة وظائف في الدوائر الحكومية، ثم ركب مطية السياسة الصعبة وخاض بحارها المتموجة. وكان له هدف أسمى وراء ذلك، فكتب الله له الفوز على رغم أنف المنافسين له فأصبح هو الحاكم المنتخب. لم يكن الرجل ممن اشتهر من الدعاة، ولم يكن ممن يذكر في الصف الأول من رجال الحركة الإسلامية، ولكن هذا لا يقدح في صدق نيته، ولا يمنع من أن يسانده الدعاة لكي يصل إلى هذا الهدف الذي كنا نسعى إليه. والذين عرفوه من رجال الدعوة عن قرب قبل خوضه في السياسة تلمسوا فيه الخير لما لاحظوا من غيرته وحماسته الدينية واهتمامه بأمور المجتمع المسلم. ولكن لقلة باعه في العلوم الشرعية فهو بحاجة إلى أن يقف بجانبه دعاة مخلصون يبصرونه بما يجب القيام به. * إعلان التطبيق: أعلن الحاكم أحمد ثاني بمجرد توليه رئاسة الحكومة أن حكومته ستنتهج السياسة الشرعية بقدر ما يسمح به دستور الدولة؛ ولذلك فإنه يعزم على إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية على وجهها الكامل تدريجياً، وأكد أنه إنما يفعل ذلك تلبية لرغبات مواطني الولاية، وأنه من واجب الحكومة الديمقراطية أن تلبي رغبات الشعب. ولأول الوهلة لم يُلق أكثر الناس لكلامه بالاً حتى بدأ سيره الحثيث نحو تنفيذ قوله. ومن هناك حاولت الحكومة الفيدرالية التدخل لمنع هذا الاتجاه، وهددت الحاكم بفرض حالة الطوارئ في الولاية وإرسال الجنود ليتبروا ما علوا تتبيراً. ولكن الرجل منّ الله عليه بالثبات فلم يتزعزع ومضى إلى أمره بأقدام ثابتة. ولحكمة سياسية عجيبة دعا الحاكم إلى حفل للإعلان الرسمي أو التقديم لبدء تطبيق الشريعة؛ وذلك يوم السابع والعشرين من شهر أكتوبر ١٩٩٩م. شهد الحفلَ جمع غفير من المسلمين من كل ولايات نيجيريا ومن الدول المجاورة مثل النيجر والكاميرون وتشاد، وكان اجتماعاً لم يُرَ له مثيل في نيجيريا؛ إذ حضره ما يقرب من مليونين من البشر رجالاً وركباناً. وكان لهذا الاجتماع وقع طيب. أدركت الحكومة الفيدرالية أن أحمد ثاني ليس وحده، وأن الأمة بأكملها متحمسة معه في تطبيق الشريعة. ومن الحكمة أن لا تقف الحكومة مباشرة بالقوة للحيلولة بين الشعب المسلم وهذا الأمل؛ ومن ثم انتهجت الحكومة أساليب أخرى ظاهرة وباطنة ولكنها لم تُجْدِ شيئاً. ومثال ذلك الإعلان الذي أصدره نائب رئيس الدولة بأنه قد تم الاتفاق بين الحكومة الفيدرالية وحكام الولايات بضرورة إيقاف هذا التوجه الجديد لتطبيق الشريعة، وأنهم جميعاً وافقوا على الرجوع إلى تلك القوانين الموروثة من الإنجليز، فتبقى الأمور كما كانت من قبل، وقوبل هذا الإعلان بين الجمهور الإسلامي بالرفض والنكير، وكادت الأمور تفلت من قبضة الحكومة. ومما قوى الموقف الإسلامي أن شخصيتين إسلاميتين ممن حكموا البلاد سابقاً وهما الحاج شيخو علي شاجاري (١٩٧٩ - ١٩٨٣م) والجنرال محمد بخاري (١٩٨٣م - ١٩٨٥م) أنكرا وجود هذه الاتفاقية المزعومة. فصار كلام نائب رئيس الدولة بعد ذلك كالرسم على الماء واستمر سير الشريعة بأقدام ثابتة. * الولايات الأخرى وأثر ولاية زمفرا: صار للنهج الذي اتخذته ولاية زمفرا دوي في الآفاق، وقامت الجماهير المسلمة تطالب بتطبيق الشريعة على المدى الأوسع؛ فكان الحديث عن تطبيق الشريعة هو الموضوع الحي والقضية الساخنة. فأصبحت منابر الجمعة وقاعات المحاضرات وساحات الاجتماعات كلها مسخرة لتأييد قضية الشريعة. ومطالبة الحكام ومجالس الولايات باقتفاء أثر زمفرا. وفي بعض الولايات أقيمت مظاهرات سلمية، ولجأ الناس إلى الأدعية والقنوت لكي يلبي الحكام الطلب بتطبيق الشريعة. تضايق بعض هؤلاء الحكام حتى صار يتهرب من حضور الاجتماعات والحفلات الرسمية المفتوحة؛ لأن الناس يقابلونهم بهذا الطلب وجهاً لوجه. وفي آخر المطاف كان لا بد من الاستجابة لرغبات الشعب. فتتابعت الولايات واحدة بعد أخرى إلى أن وصل عدد الولايات التي وافقت على تطبيق الشريعة حتى الآن إحدى عشرة ولاية غير ولاية زمفرا التي سبقت البقية. والولايات التي أعلنت نيتها تطبيق الشريعة هي: ١ - ولاية زمفرا. ٢ - ولاية نيجر. ٣ - ولاية سكتو. ٤ - ولاية كنو. ٥ - ولاية كاتسنا. ٦ - ولاية كيبي. ٧ - ولاية جيقاوا. ٨ - ولاية بوتشي. ٩ - ولاية برنو. ١٠ - ولاية يوبي. ١١ - ولاية كادونا. ١٢ - ولاية جومبي. * واقع تطبيق الشريعة في الولايات النيجيرية: تختلف الولايات في مدى جديتها في تطبيق الشريعة الإسلامية؛ والكثير من حكام الولايات لم يترجموا إعلانهم إلى التطبيق العملي الجاد. ولذلك فإعلانهم يشبه ما عهدناه في كثير من الدول الإسلامية حيث يُنَصُّ في الدستور أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للدستور والواقع يكذب ذلك. وأكثر حكام الولايات سيقوا للموافقة على تطبيق الشريعة وهم في الحقيقة غير راضين، بل قد يكون بعضهم كارهين لها؛ لكن لم يكن لهم بد من الاستجابة لرغبة الشعب فوقعوا على الأوراق وأعلنوا الموافقة وأجريت التعديلات اللازمة في القوانين وأسست الهيئات واللجان المشرفة على التطبيق، ومع ذلك لم يزل بعض هؤلاء الحكام يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى. ويستثنى من ذلك حاكم ولاية زمفرا أحمد الثاني الذي فاق الأقران بأسبقيته وتطبيقه الجاد للشريعة. ويعقبه حاكم ولاية نيجر الحاج عبد القادر كوري. وعلى كل حال فالنظرة الإيجابية تذكرنا بالحكمة العربية: «ما لا يدرك كله لا يترك جله» فهذه المرحلة التي وصلنا إليها بما فيها من قصور في التطبيق، فهي أكثر تقدماً وأوكد تمكيناً للشريعة من المرحلة السابقة. ولم تكن الأمة الإسلامية في نيجيريا أكثر يقظة لحقوقها ولا أحسن وعياً لدينها ولا أعظم تحمساً للدفاع عن الشريعة الإسلامية من هذا الوقت. وأعظم تحدٍّ يواجه الدعاة في نيجيريا اليوم هو إبقاء هذه الروح، واستغلال الفرصة لتوطئة الطريق للدعوة الإسلامية لتصل في مستقبل قريب إلى هدفها المنشود بإذن الله. * نجاحات تطبيق الشريعة: يمكن لنا القول بأن هذا التوجه لتطبيق الشريعة مع ما فيه من ضعف السير لدى بعض الحكام فإنه قد حقق بعض نجاحات على اختلاف بين جدية الولايات. ونلخصها بالآتي: ١ - تمت مراجعة القوانين الوضعية في أكثر هذه الولايات، وجعلت في صياغة تتفق والشريعة الإسلامية. والفضل الأوفر في هذا يعود لمجهودات المركز الإسلامي الوطني بزاريا National Islamic Center - Zaria. ومركز القانون الإسلامي بجامعة أحمد بيلو center For Islamic Legal Studies A.b.u. Zaria فهذان المركزان أول من قام بهذا العمل الشاق نيابة عن حكومة ولاية زمفرا. وبقية الولايات إنما بنت على هذا الأساس. ٢ - بينما كانت الأحكام الشرعية محصورة في الأحوال الشخصية تم الآن توسعة هذه الدائرة لتشمل الأحكام الجنائية. وقد نفذ هذا فعلاً في ولاية زمفرا حيث قطعت يد رجل سرق بقرة، وآخر سرق عدداً من الدراجات، وجلدت شابة زنت. وفي ولاية سكوتو حكم بالرجم على امرأة زنت؛ وهذا الذي لأجله أقيمت علينا الدنيا ولم تقعد. توالى الضغط على حكومة الولاية وعلى الحكومة الفيدرالية. ويبدو أن المحكمة الشرعية الاستئنافية Shariah Court Of Appeal في سكوتو راعت هذا الضغط من الدول الغربية فبرأت المرأة. برأتها لا على أنها لم تزن، ولكن بدعوى أنها زنت قبل إعلان تطبيق الشريعة، وأنها حين اعترفت بالزنا لم تكن تعرف معنى الزنا - وكلمة الزنا معلومة مشهورة في لغتنا لدى الكل - وأنها عند الاستئناف تراجعت عن اعترافها بالزنا، ثم بعد ذلك لم تستطع المحكمة الاستئنافية إلحاق البنت بأحد. ولكنه الاستسلام والانهزام أمام دعاة الكفر والعصيان. ولم يزل الضغط مستمراً، ففي يوم ٤/٤/٢٠٠٢م عند زيارته لدولة نيجيريا وجه رئيس الوزراء الكندي تنديده بحكام الولايات الشمالية لتطبيقهم للشريعة، وذكَّرهم بأن نيجيريا وقعت على الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، والشريعة في أحكامها الجنائية تخالف ذلك. وكان قبل ذلك قد كتب وزير العدل النيجيري إلى حكام الولايات يدعي أن تطبيق الشريعة يخالف قانون البلد، ورُدَّ عليه من عدة جوانب إسلامية بما أفحمه، فبقي قوله أو أمره كلمة ملغاة لا قيمة لها وهو لا يتجرأ على رفع المسألة إلى أية محكمة. ونقلت الصحف الردود المتعددة على هذا القول الساقط من وزير العدل، ومن ذلك رد أحمد الثاني حاكم زمفرا، وعبد القادر كوري حاكم ولاية نيجر. وكذلك رد عبد القادر أوريري الأمين العام لجماعة نصر الإسلام، وردود أخرى كثيرة. ٣ - ومن نجاحات هذا التطبيق ما حققته تلك الولايات من القيام بالإصلاحات في الدائرة القضائية، فلم يسمح بالاستمرار في القضاء إلا لمن علم كفاءته. وزيد في رواتب القضاة، وحرمت الرشوة، وأجريت إصلاحات على مباني المحاكم الشرعية. وفي الحقيقة قد واجهت حكومات الولايات عدة مشاكل خصوصاً فيما يتعلق برواتب القضاة؛ فبنص الدستور أن رواتب الدائرة القضائية كلها تأتي مباشرة من الحكومة الفيدرالية. وكثيراً ما تتأخر الرواتب أو تأتي منجَّمة غير مكتملة. فالولايات الجادة مثل زمفرا تعطي القضاة بعض المكافآت مما يسد حوائجهم بغض النظر عن الرواتب الأصلية التي تأتي من الحكومة الفيدرالية. والمخرج الأحسن من هذا كله إنما يتحقق إذا أصررنا على تعديل دستور الدولة لإرجاع حق رواتب القضاة إلى الولايات بدلاً من الحكومة المركزية. ٤ - ومن أعظم نتائج هذا التوجه لتطبيق الشريعة، بل قد نقول أعظم النتائج تحقيق عدم كون نيجيريا دولة علمانية، وقد اعترف رئيس الدولة النصراني بذلك، فأكد بأن نيجيريا ليست دولة علمانية لا علاقة لها بالدين، وإنما هي دولة ذات أديان متعددة. فهذا الاعتراف بهذا يوجب الاعتراف بحق المسلمين في تطبيق الشريعة، ونحن نقول: إن هذا الاعتراف والتطبيق لا يعني أن نيجيريا أصبحت دولة إسلامية، وعلى هذا فتطبيق الشريعة في الولايات لا يخالف دستور الدولة الذي يحذر من تبني دين من الأديان كدين للدولة، ونحن نأخذ بهذا التفسير ونسير معه حسب الظروف إلى أن تصل هذه الدعوة الإسلامية إلى كل أجزاء هذه الدولة كما كان يطمح إليه قادتنا السالفون. ٥ - تأسيس وزارات للشؤون الدينية كما في ولاية زمفرا، وهيئة شؤون الشريعة الإسلامية كما في ولايات بوشي وكاتسنا ونيجر. ولم تكن من قبل وزارة أو هيئة مختصة بالشؤون الدينية والشرعية في أية ولاية. ٦ - تأسيس هيئات ولجان لجمع وتوزيع الزكاة والإشراف على الأوقاف. وهذا يكاد يكون حاصلاً في جميع الولايات التي تطبق الشريعة. وقد سجلت بعض هذه اللجان نتائج طيبة في تنشئة روح التكافل الاجتماعي الإسلامي وخفض مستوى الفقر. ولكن العقبات لا تزال كثيرة دون الوصول إلى الغاية المطلوبة. ٧ - إنشاء المدارس والمراكز الإسلامية والاعتناء بإصلاح المناهج الدراسية لتوافق روح الشريعة. ولولايتي زمفرا وسكوتو جهودٌ مشكورة في هذا النحو. ٨ - منع المنكرات من شرب الخمر وبيوت الدعارة والمقامرة وإغلاق بيوت السينما، والمعاقبة على مخالفة هذه المحظورات. ومن الجدير بالذكر أنه مما لوحظ بيناً أن حالات الإجرام انخفضت خصوصاً في ولاية زمفرا. ومما نقلت الصحف أن امرأة نصرانية في ولاية زمفرا شكرت للشريعة؛ لأن زوجها الآن يرجع إلى البيت في أول الليل خلافاً لما كان يصنع سابقاً من قضاء أكثر الليل في حانوت الخمر، وذكرت المرأة كذلك أن أهل البيت يحصلون على قدر أكبر من المؤونة؛ لأن الزوج لا يجد الخمر حتى يصرف ماله فيها. ٩ - منع الاختلاط بين الرجال والنساء في المواصلات. والاختلاط من الظواهر السيئة المنتشرة في الأسواق والأماكن العامة، وواجهت حكومة ولاية زمفرا هذه المشكلة بشراء حافلات وسيارات أجرة (تاكسي) خاصة بالنساء. ومنعت الحكومة حمل النساء على الدراجات النارية، ولم يزل بعض المبطلين يسعون لتعطيل هذه الإجراءات الحميدة. وفي ولايتي كانو وكاتسينا أيضاً خصصت سيارات لنقل النساء، ولكن عددها دون الكفاية. والمسألة تحتاج إلى مشاركة من قبل الأثرياء المسلمين، كما أنها تحتاج إلى توعية عامة. ١٠ - وفي الجانب الاقتصادي تحققت بعض الإنجازات مثل تعيين الموازين والمكاييل اللازمة، وقد تعود التجار على استعمال موازين غير شرعية وتطفيف المكيال وتصرفات أخرى فيها الغش. ومحاولة الإصلاح في هذا الجانب قائمة في أكثر هذه الولايات على درجات متفاوتة. وهناك محاولات ضعيفة في مواجهة التعامل الربوي وإيجاد البنك الإسلامي. وقد كانت الفرصة صالحة من عدة سنوات سابقة لتأسيس البنك الإسلامي لسماح البنك المركزي بتأسيس بنك غير ربوي. والفرصة لم تزل قائمة، ويبقى التحدي أمام الولايات التي تطبق الشريعة في أن تهبّ نحو هذا الواجب، وعسى أن يستجيب لهذا النداء بعض الغيورين من أغنياء هذا البلد ومن العالم الإسلامي عموماً. ١١ - ومن حسنات هذه اليقظة والتحرك لتطبيق الشريعة أن الأمة استطاعت أن تتغافل عن الاختلافات التي تمزق شملها وتنطلق للدفاع عن الشريعة بصوت رجل واحد إلا من شذ من الطوائف المنحرفة كالشيعة والأحمدية وهما الفرقتان اللتان قامتا ضد هذا التوجه نحو تطبيق الشريعة. وأما التجانية والقادرية فقد وقف أكثر علمائهم مع علماء السنة في هذا المسلك، وحصل بينهم نوع من التفاهم. وقامت تجمعات وهيئات لمواجهة تحديات النصارى والدفاع عن الشريعة، ويتكون أعضاؤها من أهل السنة ومن المتصوفة ولا يعني هذا التنازل عن المبدأ والمنهج أو عدم إنكار بدع المبتدعين. ومن الهيئات التي تدافع عن الشريعة المجلس الأعلى للشريعة تحت رئاسة د. إبراهيم دتي أحمد، والمجلس الوطني للدفاع عن الشريعة ونشرها تحت رئاسة الأستاذ علي تكر تكر. فالشرطة مثلاً لا تخدم مصلحة الشريعة، ولا تتابع المخالفات الشرعية بجد، ولا تأبه بالقبض على المخالفين للمحظورات الشرعية. وذلك لكون الشرطة تحت رقابة الحكومة الفيدرالية في تعيين رجالها ودفع رواتبهم. والشرطة كذلك تتكون من مسلمين ونصارى كلهم تربوا تربية موحدة؛ ولذلك لا يرجى منهم أن يتحمسوا لنجاح الشريعة. وقد حاولت بعض الولايات التي تطبق الشريعة الخروج من هذه الورطة بتأسيس هيئة الحسبة كما في ولاية كانو وولاية بوشي. ومن وظيفة هذه الهيئة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلح بين الناس، والقيام بأعمال الإغاثة، ومراقبة المخالفين للأحكام الشرعية ومحاكمتهم أمام القاضي. وفي ولاية زمفرا أسست هيئة مكونة من ممثلي الجمعيات الإسلامية تقوم بواجب الحسبة. والحكومة الفيدرالية تنظر إلى هيئة الحسبة بعين من الشبهة وعدم الرضى. ومما زاد الطين بلة أن بعض القضاة أنفسهم لا يستحسنون الرجوع إلى التطبيق الجاد للشريعة لأمور شخصية. وسبحان الله لكأن الأمر كما قال العلامة ابن القيم في لاميته: أو ما سمعت بأن ثلثيهم غدا ... في النار في ذاك الزمان الخالي وزماننا هذا فربك عالم ... هل فيه ذاك الثلث أم هو خالي * المشاكل والعقبات التي تواجه تطبيق الشريعة: نذكر على وجه موجز أهم المشاكل والعقبات التي تواجه تطبيق الشريعة في الولايات الشمالية النيجيرية. ١ - مشكلة التنفيذ: إما لعدم جدية بعض هؤلاء الحكام، أو لعدم وجود الكفاءات اللازمة من القضاة والشرطة، أو لسبب الضغط الخارجي. ٢ - مشكلة الدستور: فالدستور لكونه من وضع البشر فهو دائماً قابل للتغيير، وهناك محاولة الآن لتغيير الدستور بدعوى أنه وضع في العهد العسكري. وهناك مكيدة غير خفية لتعديل تلك المواد التي اعترفت بالشريعة وإبدالها بمواد تحصر دائرة تطبيق الشريعة. وهناك جمعيات غير حكومية ممولة من الخارج تسعى إلى إدخال مواد في الدستور تفرض المساواة بين الرجال والنساء في كل شيء حتى الميراث وحق الطلاق ومنع الزواج المبكر. ومن أهم هذه الجمعيات ما تسمى بمنتدى الشعب للإصلاح الدستوري. Citizen Forum For Constitutional Reform (C.f.c.r) . وهناك جمعيات نسائية كثيرة تنحو هذا المنحى مثل جمعية women In Nigeria (Win) و national Council For Women Societies (Ncws) وغيرهما. ٣- عدم الوعي التام بمدلول الشريعة: لم يفهم كثير من الناس حتى من المؤيدين لتطبيق الشريعة أنها تعني أكثر من إقامة الحدود، فحصروا مدلول الشريعة في دائرة ضيقة. وهذا الفهم الخاطئ فتح باباً لأخطاء منهجية وتطبيقية في بعض الولايات، وحدثت تشويشات وفوضوية من قبل بعض الشباب المتحمسين مما أساء إلى سمعة الشريعة. وتبنت الصحف وأجهزة الإعلام هذا الفهم الخاطئ عمداً فيما يظهر لتقبيح صورة الشريعة ولإظهار السخرية بها ولكل ما يدعو إليه الإسلام. ٤- موقف الحكومة الفيدرالية السلبي: إن الحكومة تعادي الشريعة ولكنها في حيرة من أمرها في أسلوب المحاربة. وتعتبر القضية قنبلة في وجه الدولة إذا أسيء تناولها فإنها تنفجر، ومن ثم تمزق وحدة نيجيريا. قال المسؤولون في الحكومة الفيدرالية إن مسألة الشريعة ألعوبة سياسية دبرتها القبائل المسلمة. وزعم رئيس الدولة النصراني أن هذه انتفاخة جوفاء سرعان ما تتلاشى. استمرت الشريعة في التقدم فقالوا تسلية؛ لا بأس؛ إن الشريعة الإسلامية موجودة في أصلها في دستور الدولة كما صرح بذلك حينذاك وزير العدل النصراني كانوأ غابي. وقد اعترف كذلك وزير العدل الهالك والحاقد على الإسلام والمسلمين ميستر بولا أيجي، بأن الشريعة لم تخرج قط عن حدود القانون. وقد حاولوا استعمال ألسنة بعض المسؤولين المسلمين داخل الحكومة، ولكن انقلب الأمر عليهم. وقد قال نائب رئيس الدولة في حفلة ليلية في أحد كازينوهات لاجوس، قال: «إن الشريعة مسألة شخصية يختارها الإنسان إن شاء، وأنا اخترت أن لا أنساق للشريعة» . على حد قوله. وهذا قول خطير جداً نقلته عنه الصحف النيجيرية، ولم نسمع منه تكذيباً لذلك أو رجعة عن القول. ومثل هذا قول أحد كبار أعضاء الحزب الحاكم وله تطلع إلى رئاسة الدولة، قال: «أنا مسلم أصلي وأصوم، وقد حججت عدة مرات. والشريعة أمر شخصي، وقد أحضر حفلات في الكنيسة ولا أرى بذلك بأساً» ولما أكثر الدعاة عليه الإنكار كما أنكروا على نائب الرئيس حاول الرجوع عن هذا القول بكلمات ركيكة عفا الله عنه. ولكن المشكلة هي الفكر العلماني الذي أخذ بلبهم. ٥ - العداء النصراني: وقد قابل النصارى هذا التوجه بإنكار شديد، وأثاروا المشاجرات والفتن بين النصارى والمسلمين في محاولة لمنع الشريعة. ففي شهر فبراير سنة ٢٠٠٠م هجم النصارى على المسلمين في كادونا بقتل وتخريب، ودافع المسلمون عن أنفسهم بروح جهادية. وتابع النصارى تصرفاتهم العدائية، فقتلوا المسلمين كذلك في تفاوبليوا في ولاية بوشي. احتجاجاً على تطبيق الشريعة في تلك الولاية، وهجموا على المسلمين في جوس في وقت صلاة الجمعة، وأحرقوا السوق الكبير في جوس وهو سوق يسيطر عليه التجار المسلمون. وقد حاول المسلمون إقناع النصارى بأن الشريعة الإسلامية خاصة بالمسلمين ولا علاقة لها بالنصارى، وأنهم لا يُلزَمون بالشريعة في صغير أو كبير. وكلما زاد هذا البيان زاد العناد؛ ففي شهر فبراير سنة ٢٠٠٠م نظمت جماعة نصر الإسلام دورة وطنية وكان من أهدافها: - توعية الشعب حول مفهوم الشريعة الإسلامية. - إقناع غير المسلمين بأن الشريعة لا تتعدى على حقوقهم ولا تمسهم في شيء. - الوقوف على العقبات التي تواجه تطبيق الشريعة. - إثبات كون الشريعة حقاً دستورياً للمسلمين. - تعيين أحسن طرق سلمية لتطبيق الشريعة في مجتمع ذي أديان متعددة مثل نيجيريا. ودُعِيَ للمشاركة في هذه الدورة بعض قادة النصارى مثل القسيس بيتر باونا ورئيس القساوسة أكبيشوب جون أونيكان. وكان مما قال رئيس القساوسة هذا أمام جمهور من المسلمين وقادتهم: إن النصارى يعادون الشريعة لا لأنهم يجهلون الشريعة ولكنهم يدركون تماماً ما تعنيه الشريعة. وقال كذلك إنه من الغرور الذي لا ينفع أن يحسب أحد أن النصارى سيرضون بتطبيق الشريعة بعد تقديم البيانات الكثيرة لهم [٤] . فالرجل صريح في تبيين عداوته للشريعة وهي عداوة لا يخمد نارها الموعظة الحسنة ولا الترغيب [وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (يس: ١٠) ، [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ٦ - أقلام مستأجرة: وقفت الصحف النيجيرية من الشريعة موقف العداء، وهذا ليس بعجيب؛ فجميع تلك الصحف بأيدي الكفار إلا الشذر النادر وهي اثنتان أو ثلاث من بين عشرات من الصحف. وحتى تلك التي يمتلكها المسلمون مثل daily Trust فقد اختارت موقف المحايد كما ذكر الأخ إبراهيم آدو كوراوا في كتابه حول موقف أجهزة الإعلام من الشريعة. shariah And The Press In Nigeria (٢٠٠٠) ويردد أصحاب زوايا الصحف في نيجيريا ما يكتبه أولياؤهم في الغرب، ولا يتحاشون الكذب والتلفيق وتشويه الحقائق وإثارة العواطف. وممن خدموا هذا الموقف العدائي بعض الكتاب الذين يدَّعون الإسلام ولكنهم يثيرون الشكوك حول صلاحية تطبيق الشريعة، ويحرفون الكلم عن مواضعه ويفلسفون قول الله تعالى، ويستهزئون بقول رسول الله ﷺ ويتبعون غير سبيل المؤمنين. ومن أشهر هؤلاء رجل يسمى: «لاميطو سنوسي» وقف موقف العداء للشريعة وهو بلباقة ساقطة يظهر أنه محب للشريعة. فمقالاته كلها تنظر إلى الشريعة بالنظرة السلبية ولم يرَ لأحمد الثاني حاكم زمفرا خيراً قط. وهو يفسر الشريعة تفسيراً مادياً، ويحكم عليها بالظلم على الطبقات الأدنى للشعب، وأنها تظلم المرأة؛ لأن أكثر من يفسرون الشريعة من الرجال. وادعى الاجتهاد وهو على مستوى عال من الجهل بالشريعة. ومن أقبح ما كتب مقالته: «مذكرة الزانية» Adultress Diary كتبها مدافعاً عن زانية حكم عليها بالرجم، واعتبر الرجم من متخلفات العصر البالي. وأتى بكلمات يستحى من ذكرها. وهو من مكتبه في البنك قد سخر قلمه لمحاربة الشريعة ومن يسميهم بالمتطرفين الإسلاميين. وليس القصد هنا الرد على مقالاته؛ إذ إن جملة من الإخوة مثل الأخ أحمد جومي والأخ بشير علي عمر والأخ إبراهيم أدو وغيرهم كثير قد كفونا المؤونة في دحض أقواله ومفترياته وتطاوله على قول الله. وتقف بجانب مثل هؤلاء الكتاب منظمات غير حكومية تدعي المحافظة على حقوق الإنسان، وعدة منظمات أخرى ممولة من الدول الغربية. * انتخابات ٢٠٠٣م ومستقبل الشريعة: في السنة القادمة ٢٠٠٣م ستدخل نيجيريا في انتخابات لجميع المستويات الحكومية. وقد بدأ الجو السياسي يرتفع حرارة استعداداً لتناطح المتنافسين. ومن المتفق عليه أن موضوع تطبيق الشريعة سيكون أهم ما يُتجاذب في المناقشات السياسية. وقد عزم الشعب المسلم على أن لا يعطي صوته إلا لمن تحقق أنه مؤيد لقضية الشريعة. والحالة تحتاج إلى جهود جبارة من قبل الدعاة في نيجيريا، وتحتاج إلى تفكير عميق وتخطيط حكيم وعمل متواصل وصبر ودعاء وتوكل على الله. والله يؤيد بنصره من يشاء. ونسأله سبحانه أن يحقق لنا آمالنا وينصر ديننا. آمين.

стр. 4327

المسلمون والعالم حاخام يهودي يقول: السبي الأخير لليهود على يدي أبناء إسماعيل يوسف رشاد [*] منذ أربعمائة وخمسين عاماً أّلف أحد علماء القبالاه «فرقة يهودية» ويُدعى (حاييم فيطال) تلميذ ومفسر وشارح أعمال حاخامه الأعظم «هاري المقدس» مؤلفه التفسيري: «شجرة المعرفة» شارحاً لسفر المزامير، وفي المزمور رقم ١٢٤ كتب يقول: شهدت إسرائيل السبي إلى أربع مناطق: إلى بابل بالعراق، وإلى ماجن (بكسر الجيم والنون) بلد باليمن، وإلى اليونان (البلد المعروف الآن) ، وإلى سدوم (قرية من قرى قوم لوط، وقيل هي أرض بحلب) . إلا أنها سوف تشهد سبياً آخر في آخر الزمان، وهو سبي إسماعيل لها. وإسماعيل هو ابن إبراهيم، وهو مختتن، ولكنه يُلقَّب بالرجل المتوحش [١] ، لكنه ليس وحشياً صرفاً لأنه يختتن (يقصد أبناء إسماعيل وهم المسلمون) ولولا عناية الله لهلكت إسرائيل في مناطق النفي الأربعة هذه هلاكاً تاماً. إلا أن هناك سبياً خامساً وهو آخرها، لكنه سيكون أصعبها وهو سبي إسماعيل، وسيكون سبيه أشد عنفاً مما سبقه، وستصرخ إسرائيل في عهده صراخاً عظيماً، وسيسمعهم الرب وسيستجيب لهم [٢] ، ولذلك سمي سمع الرب (إسماعيل) ، وكانت هناك حكومة في سائر الأمم، إلا أن العرب المنتسبين إلى إسماعيل دائماً كانوا يقيمون في خيام وفي الصحارى، ولم يكن لهم اختلاط بغيرهم وسيكون إسماعيل رجلاً وحشياً، وسيضع يده على كل شيء وسيصير بعد ذلك ملكاً على العالم وعلى (إسرائيل) . * معركتنا مع يهود عقائدية: يقول حاخام مدينة تافواع بفلسطين: «وهناك الكثيرون يحاولون إغفال النقطة الدينية في النزاع العربي الإسرائيلي وتجاهلها تماماً، والكثيرون يخافون من أن يكتشفوا أن هذا النزاع غير قابل للحل لو اعترفوا بالجانب الديني في الحرب العربية الإسرائيلية التي تشن ضده، لكن هل من الممكن تجاهل الواقع؟ وهل من الممكن أن نتجاهل وصف المنتحرين وبقية منفذي العمليات التخريبية ضد إسرائيل لأنفسهم بأنهم شهداء» ، ولأنهم وقفوا عاجزين أمام العمليات الانتحارية يتساءل هذا الحاخام بخبث يهود المعهود: «فهل من الممكن أن يتحقق السلام بين دين إسرائيل وبين الدين الإسلامي؟» . وأرد عليه مسرعاً بأنه لن يتحقق هذا السلام لأنه هو نفسه يعلم ذلك، وما هذه المقالة التي نشرها في صحيفة هاآرتس إلا لكسب بعض الوقت أو لإعطاء الضوء لوقف العمليات الاستشهادية عن طريق هذا الخداع بأن يهود يريدون السلام مع المسلمين وتوراتهم تقول: «ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع، بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع؛ لأن أيديكم قد تنجست بالدم، وأصابعكم بالإثم، شفاهكم تكلمت بالكذب، ولسانكم يلهث بالشر، ليس من يدعو بالعدل وليس من يحاكم بالحق، يتكلمون على الباطل، ويتكلمون بالكذب، قد حبلوا بتعب، وولدوا إثماً، فقّسوا بيض أفعى، ونسجوا خيوط العنكبوت، الآكل من بيضهم يموت والتي تكسر تخرج أفعى، خيوطهم لا تصير ثوباً، ولا يكتسبون بأعمالهم. أعمالهم أعمال إثم، وفعل الظلم بأيديهم، أرجلهم إلى الشر تجري وتسرع إلى سفك الدماء الزكية، أفكارهم إثم، في طُرقهم اغتصاب وسحق، طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل، جعلوا لأنفسهم سبلاً معوجّة، كل من يسير فيها لا يعرف سلاماً» [٣] . هؤلاء هم يهود، وهذه توراتهم شاهدة على أعمالهم «فهي العدو اللدود للسامية» [٤] ، لذلك لن يتحقق السلام مع يهود؛ لأنهم من أشد أعدائنا كما قال الله لنا: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) . إن المعركة بيننا وبينهم هي معركة عقائدية صرفة، والذي يقول بغير ذلك فقد جهل حال القوم وحقيقتهم؛ لأن المتتبع لنشأة هذه الدويلة منذ عام ١٩٤٨م، وإلى الآن يجد تصريحات زعماء وقادة هذه الدولة اللقيطة مأخوذة من التوراة والتلمود.. فهذا مناحم بيجن يقول في كتابه: «قصة الأراجون» : «من يمت منكم وهو يحارب العرب فسوف يبقى خالداً في مُخيلة اليهود» . وهناك شعار يهودي مأخوذ معناه من التوراة والتلمود يقول: «اضرب فلسطينياً تُرهب ألف عربي، اقتل فلسطينياً يخشك العرب جميعاً، لا يهمك.. اضرب.. اقتل.. لا تهتم» . إنها شعارات وتصريحات تنم عن حقد وكراهية وعداء لكل ما هو فلسطيني، ولكل ما هو مسلم.

стр. 4328

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com الهوس الأمريكي بالإصلاح الفلسطيني يصعب علينا أن نفهم أسباب وسر الهوس الأمريكي بإصلاح الشأن الفلسطيني وإنشاء سلطة ديمقراطية محكومة بمبدأ الشفافية والمحاسبة. السلطة الوطنية فاسدة، ولا يستطيع أحد أن يجادل بغير ذلك، حتى من قبل أقرب المتحمسين لها، باستثناء قلة قليلة استفادت من هذا الفساد ووظفته لنهب قوت الفقراء والمعدمين الذين هم الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، ولكن لماذا سكتت الولايات المتحدة على هذا الفساد طوال السنوات الثماني الماضية، ولم تبدأ بالضغط باتجاه الإصلاح إلا بعد أن تبنى شارون هذا المطلب وجعله شرطاً لاستئناف التعامل مع القيادة الفلسطينية؟ الإصلاح الذي تريده الولايات المتحدة هو الإصلاح الأمني وبما يؤدي إلى مكافحة الإرهاب بفاعلية، أي أن المطلوب من أجهزة الأمن الفلسطينية في ثوبها الإصلاحي الأمريكي الإسرائيلي الجديد أن تنفذ قرارات قمة شرم الشيخ في قتل الانتفاضة، ووضع حد للمقاومة الفلسطينية، وتوفير الأمن للمستوطنين الإسرائيليين. وبمعنى آخر أن تتولى السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية إنجاز ما عجز أرييل شارون عن إنجازه، أي تحقيق الأمن للإسرائيليين والقضاء على ثقافة العمليات الاستشهادية، ورد الاعتبار لثقافة السلام التي حاول الأمريكان والأوروبيون زرعها من خلال جماعات كوبنهاغن ومفاوضات أوسلو والمؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية. [صحيفة القدس العربي، العدد (٤٠٥٢) ] ولن تروا أمناً بعد أن كانت شركات الحراسة الخاصة في إسرائيل فرعاً تجارياً صغيراً لا يزيد عدد العاملين فيه على ٥٠٠٠ عامل، تحول بعد الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة إلى أحد أكبر الفروع التجارية. ويضم اليوم ما لا يقل عن ١٠٠ ألف عامل، ويتزايد هذا العدد يومياً. فعلى الرغم من حالة الاستنفار الأمني المتواصلة تقريباً، يوماً بعد يوم، والتي ينتشر بموجبها عشرات ألوف من رجال الشرطة وحرس الحدود والمخابرات في جميع أنحاء البلاد، وخارج المدن وداخلها، وينتشر عشرات ألوف أخرى من قوات الجيش على طول الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، فإن الحكومة تفرض الحراسة الخاصة المسلحة على جميع المدارس ورياض الأطفال والجامعات والمعاهد العليا والمطاعم وقاعات الأفراح والمقاهي ودور العرض والمجمعات التجارية الكبرى وغيرها. ولم يعد الإسرائيليون يقبلون دخول مطعم أو متجر لا يكون على بابه حارس مسلح، وارتفعت الأسعار بنسبة ٢٨٠%، وتختلف الأسعار حسب المناطق؛ ففي حيفا وبئر السبع، حيث نفذ عدد قليل نسبياً من العمليات الفدائية، يبلغ سعر ساعة الحراسة حوالي ٣٠ شيكلاً (٦.٢ دولار) . أما في تل أبيب ونتانيا والقدس حيث كثرت العمليات، فيصل سعر الساعة إلى ٤٥ و٥٠ شيكلاً (٩.٢ - ١٠.٢ دولار) . وقد حاولت العديد من المؤسسات والمتاجر تحميل المواطنين قسطاً من تكاليف هذه الحراسة. فالمدارس فرضت ١٠% على أهالي الأولاد والنوادي فرضت ٥٠% من السعر على الأهالي، والشواطئ ١٠٠%، وفي المطاعم يجبون ٣ شيكلات (٨٠ سنتاً أميركياً) عن كل زبون، وبهذا تتحول الحراسة بالنسبة لهم إلى عمل للربح الإضافي. ولكن ليس كل المطاعم تفعل هذا. وحسب إحصائيات وزارة التجارة والصناعة، فإن ٥٠% منها تتحمل بنفسها نفقات الحراسة التي تبلغ ١٥ ألف شيكل (٣٣٠٠ دولار) في الشهر عن الحارس الواحد. ويشكو الحراس أنفسهم من هذا الاستغلال حيث إن شركات الحراسة تربح عن كل واحد منهم ضعفي راتبه على الأقل. ولهذا فإنهم يطالبون وزارة التجارة والصناعة بأن تفرض رقابة أسعار وتحدد لهم حقوقهم. [صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٨٥٨٠) ] من يفعل مثل البابا؟! ١ - أعلن الفاتيكان أن الحالة الصحية للبابا يوحنا بولس الثاني ربما تتسبب فى خفض عدد سفرياته المقررة فى المستقبل. وقالت شبكة (سي. إن. إن) إن هذا جاء إثر عودة البابا من جولة في كل من أذربيجان وبلغاريا استمرت خمسة أيام، حيث بدا خلال هذه الرحلة واهناً وغير قادر على السير بدون مساعدة. وأشارت إلى أن البابا زار أكثر من ١٤٠ دولة فى ٩٦ سفرة إلى الخارج وقد شهد عام ١٩٨٥م أكثر جولاته حيث زار ١٦ دولة فى حين جاءت أقل زيارات البابا فى عام ١٩٨٤م؛ حيث زار دولة واحدة في آسيا وهو الأمر الذي يعني إجمالاً أن البابا قطع في سفرياته المسافة بين الأرض والقمر ثلاث مرات. [جريدة الاتحاد، العدد (٩٨٢٣) ] ٢ - يتساءل كثيرون عن الأسباب التي تدفع البابا يوحنا بولس الثاني للقيام بزيارة بلدين مسلمين يكاد عدد الكاثوليك فيهما لا يذكر رغم وضعه الصحي الصعب، وعجزه عن المشي، والخوف المستمر على حياته. فعلى الطائرة التي نقلته إلى أذربيجان كان عدد مرافقي البابا أكثر من عدد الكاثوليك في أذربيجان ذاتها؛ ففي هذا البلد الذي يزوره بابا من الفاتيكان للمرة الأولى يبلغ عدد الكاثوليك ١٢٠ شخصاً من بين ٧ ملايين. وقد علقت صحيفة «كورييري دو لا سيرا» الإيطالية على ذلك بالقول: إنه كان أرخص لو تم نقل هؤلاء إلى الفاتيكان بدل أن يقوم البابا بزيارته المرهقة إلى أذربيجان. غير أن البابا ذهب إلى هذا البلد بعد الاعتراضات التي برزت العام الماضي بعد زيارته لأرمينيا التي خاضت حرباً مع أذربيجان سنة ١٩٩٤م حول إقليم كاراباخ، وانتهت بسقوط ٣٠ ألف قتيل وأكثر من مليون لاجئ، ووقوع خُمس أراضي أذربيجان تحت سيطرة أرمينيا، فقد اعتبرت أذربيجان أنه اتخذ في ذلك الوقت موقفاً منحازاً لأنه لم يقم بزيارتهم أيضاً. وفي بلغاريا التي زارها بعد أذربيجان لا يتجاوز عدد الكاثوليك ٦٠ ألف شخص أي أقل من ١% من السكان، لكن البابا ذهب إليها ليعلن مصالحة مع الأرثوذكس الذين كانوا يرفضون استقباله من قبل، وليؤكد للمرة الأولى أنه لا يصدق أن محاولة اغتياله التي قام بها الشاب التركي محمد علي أقجا سنة ١٩٨١م كانت وراءها المخابرات البلغارية كما قيل في ذلك الوقت. [مجلة المجلة، العدد: (١١٦٤) ] فكم عدد ترجمات القرآن؟ ذكرت جمعيات الإنجيل المتحدة أنه تم خلال عام ٢٠٠٠م ترجمة الإنجيل إلى ٣٨ لغة أخرى ليصبح عدد اللغات التي ترجم إليها ٢٢٦١ لغة، منها ١٣ لغة ترجم إليها كاملاً، كما تمت ترجمة العهد الجديد (الإنجيل) كاملاً إلى ٩٨٧ لغة منها ٢٧٤ لغة إفريقية، يعقبها من حيث العدد لغات دول أمريكا الجنوبية والوسطى (٢٤١ لغة) وتليها ٢٢١ لغة آسيوية. وعادة ما يعيش المترجمون ظروفاً صعبة في المناطق النائية لتعلم لغة ولهجة المنطقة التي يرغبون في ترجمة الإنجيل إليها، وعلى سبيل المثال قام أحد المنصرين بترجمة الإنجيل (العهد الجديد) إلى لغة غرب بوبا بعد أن عاش في المنطقة سنوات عدة ولكن هجم عليه السكان المحليون وقتلوه، فجاء من بعده جيل جديد من المنصرين أكملوا ترجمة الإنجيل ونشروه كاملاً بعد ٢٩ سنة. [مجلة الكوثر، العدد (٣٢) ] موقف فاتيكاني صريح أعلن الكاردينال روبرتو توتشي منظم رحلة البابا يوحنا بولس الثاني سنة ٢٠٠٠م إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية أن الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات انتحارية «إرهابيون» . وقال لإذاعة الفاتيكان: «لا يمكن أن نسميهم انتحاريين كما تفعل الصحف أحياناً؛ لأن التعبير استعمل لتحديد الطيارين اليابانيين الذين فجروا أنفسهم خلال الحرب العالمية الأخيرة ضد أهداف عسكرية» . وأضاف أن «الفلسطينيين الذين يقومون بعمليات انتحارية إرهابيون؛ لأنهم يضربون أهدافاً مدنية» . وأدان الكاردينال توتشي (٨١ عاماً) في حديثه إلى إذاعة الفاتيكان: «الصحف والإذاعات ومحطات التلفزيون في الدول الإسلامية التي تحض الشبان على القيام بمثل هذه الأعمال» . وقال: «مع تفهمنا لشعور الفلسطينيين بالإحباط فيما يتعلق بحقهم بأن تكون لهم دولتهم، يجب أن نتفهم أيضاً أسباب الإسرائيليين وقلقهم من غياب الأمن» . [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٣٢٣) ] لن نحرس في القدس قالت مصادر من وزارة المواصلات إنها تجد صعوبة في تجنيد الشباب للعمل في جهاز الحراسة الجديد الذي أقيم قبل عدة أشهر لتأمين السفر في المواصلات العامة، وأضافت: «إنهم يخافون ولا يريدون العمل في القدس» . وكانت قد عقدت في الآونة الأخيرة جلسة خاصة في وزارة المواصلات لبحث عدة أفكار تهدف إلى كيفية جذب الشبيبة خريجي الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي للعمل في الجهاز الجديد. وتفيد مصادر من وزارة المواصلات بأنه تم تجنيد عشرات الحراس فقط للجهاز منذ تم الإعلان عنه. وعللت بعض المصادر إلى قيام وزارة المواصلات بـ «المماطلة» بهذا الشأن. وتأمل هذه المصادر أنه في أعقاب سلسلة العمليات التفجيرية الجديدة، يتم الإسراع في اتخاذ الإجراءات المناسبة لتجنيد الحراس. ويشمل تجنيد الحراس الذي من المتوقع أن يستمر حتى شهر ديسمبر القادم إرسال الحراس للعمل في العديد من الأماكن العامة تحسباً لتنفيذ عمليات معادية. [موقع يديعوت أحرونوت، www.arabynet.com] من ثمراتهم تعرفونهم..! أظهرت إحصائية أخيرة أن معظم المواليد الجدد في إنجلترا هم غير شرعيين. وهذه هي المرة الأولى التي يتغلب فيها عدد المواليد غير الشرعيين على نظرائهم الشرعيين منذ بدء تسجيل الولادات في بريطانيا، كما ورد في أحدث تقرير لمكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا. وتشكل الإحصائية الجديدة التي بنيت على شهادات الميلاد للمواليد في عموم بريطانيا، إثباتاً قاطعاً على انهيار القيم الزوجية في إنجلترا؛ إذ إن عدد المواليد غير الشرعيين هم أكثر من الشرعيين خاصة في الشمال الشرقي من إنجلترا الذي ضرب الرقم القياسي في المواليد غير الشرعيين بنسبة ٥٠. ٥%، لكن المناطق الأخرى في إنجلترا أيضاً ليست بعيدة عن هذه النسبة وفي بريطانيا بشكل عام، حيث تتدنى نسبة الولادات، فإن نسبة المواليد خارج عش الزوجية في ارتفاع؛ فقد ازدادت من ٣٨.٨% عام ١٩٩٩م إلى ٣٩.٥% عام ٢٠٠٠م وكمقارنة فإن المعدل الوطني للمواليد غير الشرعيين في إنجلترا حالياً هو ٤١.٥ بالمائة مقارنة بنسبة ٢٨.٣% قبل عشر سنوات فقط. وتشير الإحصائية أيضاً إلى أن ٦٧٩٠٣٢٩ طفلاً ولدوا أحياء في بريطانيا عام ٢٠٠٠م منهم ٣٤٧٩٤١ من الذكور ٣٣١٠٨٨ من الإناث، بينما كان عدد المواليد عام ١٩٩٩م أكثر من ذلك بعشرين ألف مولود. وجاءت أرقام الإحصائية الأخيرة محزنة ومزعجة لجماعات الدفاع عن القيم العائلية في بريطانيا الذين أكدوا أن المؤسسة الزوجية ليست في طريقها إلى الموت بل إلى الانقراض الكامل. [صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٨٥٥٦) ] وشعب من المجرمين صدر تقرير عن الشرطة البريطانية يفيد بأن ١١جريمة يتم ارتكابها في كل دقيقة، ويتم إلقاء القبض على أربعة أشخاص خلال الدقيقة ذاتها. وقال التقرير إن الجرائم التي ترتكب خلال كل ٢٤ ساعة تجعل الشرطة تلقي القبض على ٤٤٧.٥ شخصاً في المتوسط. وفي لندن العاصمة وخلال ٢٤ ساعة يحدث ٣٣٢ اعتداء، و٣١٤ حادث سطو منزلي، و٥٣٠ حادث مرور، وتتم سرقة ١١٦ سيارة، و٢٧٣ حادث سرقة، و٣٤ اعتداء جنسياً. وقد أصدر هذا التقرير المثير السير جون استيفنز مدير الشرطة بالتضامن مع مكتب المدعي العام ورابطة مساندة الضحايا، وأوضح التقرير أن نحو ٥٠٠.٦ جريمة قد تم ارتكابها في الأول من أيار (مايو) الماضي بسبب اشتراك العديد من الأشخاص في مسيرات احتجاجية بمناسبة يوم عيد العمال. وأوردت صحيفة (إندبندنت) اللندنية التي نشرت التقرير أن مدير الشرطة قد حث القضاة على التشدد في إصدار الأحكام كما طالب بذلك رئيس القضاء، وصرح بأنه يشعر أن هذه الأرقام التي قام بنشرها ستفزع المسؤولين في وزارة الداخلية؛ لأن الحكومة كانت قد تعهدت بالعمل على مكافحة الجريمة وتقليل الإجرام. [صحيفة الزمان العدد (٢٣٥) ] علماء السودان يفتون بوجوب مقاطعة البضائع الأمريكية و (الإسرائيلية) الحمد لله الذي حض عباده على قتال الكافرين بالنفس والمال، وبشرهم على ذلك بالنصر والسؤدد فقال: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ] (التوبة: ١٤) . وصلى الله على سيدنا محمد القائل: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها المسلمون.. لا يخفى عليكم ما تتعرض له أمتنا في هذه الأيام من تحالف الدولة الظالمة (أمريكا) مع دولة (يهود) لغصب مقدساتنا، وقتل أبنائنا في فلسطين، وضرب الحصار على هذا الشعب المسلم وإعلان الحرب عليه، على مرأى ومسمع من الشرعية الدولية المزعومة. وعليه فالواجب على الشعوب المسلمة القيام بدورها تجاه قضيتها باستخدام كل الوسائل المتاحة وفي مقدمتها مقاطعة البضائع الأمريكية و (الإسرائيلية) وذلك لما يلي: أولاً: قوله تعالى: [إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (الممتحنة: ٩) . ثانياً: إقرار النبي ﷺ لثمامة بن أثال ﵁ حين قال لقريش: «والله! لا تأتيكم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ثالثاً: قال الله تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ] (الشورى: ٣٩) ، ومعلوم أنّ أمريكا بغت كثيراً وضربت حصاراً شديداً على دولٍ إسلامية وشعوب مسلمة، وما استدر عطفَها صراخُ الأطفال، ولا أنين المرضى، ولا عويل النساء، ولا موت الآلاف. رابعاً: إجماع العلماء على حرمة جلب المنفعة للكافر المحارب. وعليه فيحرم على كل مسلم شراء البضائع الأمريكية و «الإسرائيلية» من مشروبات غازية ونحوها من مطعومات وملبوسات وأجهزة وغيرها؛ فمن فعل ذلك فقد نصر الكافرين، وأعان على أذية إخوانه المسلمين، وارتكب ذنباً كبيراً وأتى إثماً عظيماً. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. وقع على الفتوى: ٧٠ من العلماء والدعاة والأكاديميين في السودان. [المركز الفلسطيني للإعلام، www.palestine-info.info] ألمانيا تحذر أفغانستان من العودة للشريعة حذرت وزيرة التعاون الألمانية هايدرماري ويزكوريك زول أعضاء اللويا جيرغا من أنهم في حال تصويتهم للعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في أفغانستان فسوف ينحرفون عن الطريق نحو الديمقراطية. وقالت في بيان: يتوجب على جميع أولئك الذين يتحملون مسؤولية سياسية في أفغانستان أن يحترموا حقوق الرجل والمرأة مضيفة أن بعودتهم مجدداً إلى الشريعة ينحرفون بذلك عن الطريق نحو الديمقراطية ودولة القانون التي تعهدوا السير بها خلال اتفاقات بيترسبيرغ. وأضاف البيان: لقد التزمنا في أفغانستان بإعادة حقوق المرأة، ولن نشارك في حال رفضت هذه الحقوق. وأوضح أن الدستور الأفغاني الجديد الذي من المفترض أن يقر خلال عامين يجب أن يتطابق مع معايير القانون الدولي. وقدمت وزارة التعاون الألمانية مساعدة لوجستية كبيرة من أجل عقد اجتماع اللويا جيرغا في كابول. [صحيفة البيان، العدد (٨٠٣٦) ] من سيكسب الحرب؟ قال الرئيس الأمريكي جورج بوش إن حكومة السودان لا يمكنها كسب حربها الأهلية ضد المتمردين في جنوب البلاد وحذرها من تقديم وعود جوفاء مع مواصلة القتال، والحرب الدائرة منذ عام ١٩٨٣م بين حكومة الخرطوم في شمال السودان الذي تسكنه غالبية من المسلمين العرب وبين المتمردين الذين يقاتلون من أجل حكم ذاتي أكبر لجنوب السودان الذي تسكنه غالبية من المسيحيين والوثنيين أودت بحياة نحو مليوني شخص وشردت أربعة ملايين آخرين. وقال بوش في بيان مكتوب أصدره البيت الأبيض: يتعين أن نرى أفعالاً لا مجرد كلمات. حكومة السودان لا يمكنها أن تقدم وعوداً جوفاء بينما تواصل شن حرب على شعبها. وأضاف بوش قائلاً: يتعين وقف التدخل في تسليم المعونات الغذائية. ويتعين وقف مهاجمة المدنيين، ويتعين أن تفي بشكل كامل بتعهداتها التي قدمتها للمبعوث الأمريكي السناتور السابق جون دانفورث، ويتعين عليها أن تقبل أنها لا يمكنها أن تكسب الحرب، ويتعين عليها أن تسعى إلى السلام. [صحيفة القدس العربي، العدد (٤٠٤٨) ]

стр. 4329

المنتدى إلى كتائب القسام (تحية إعجاب وتقدير) عبد الله العزام المطيري أشعلي النار إن كََفَاكِ القتاتُ ... كم زعيم تخر منه القناةُ عانقي الموت يا كتائب فيا ... رب موت تكون فيه الحياة واركبي الموج واستعدي لنصر ... يتنادى فأين أين الهواة عشق الشبل أن يكون شهيدا ... بتراب يعيث فيه الطغاة يا زمان الهوان رجع كلام ... مداه السيف فاستقام الحماة ما على أرضنا نفير فهيا ... يرقب الكون صيحتي والقطاة أي شعر يهيم فيك طريد ... يلبس الخوف مذ رماه البغاة فتعالى أُداعب الحلم حلواً ... يوم قامت على اليهود الحصاة أنا يا روعة الزمان سلام ... وجهاد يجود فيه الرماة فاقذفي النوم علَّ فينا فريدًا ... يوقظ الناس إن عرانا السبات واحملينا على الممات فإنا ... نِعم قوم إذا رعانا الرعاة وارقبينا على التلال وقُومِي ... ثبتي القلب إن جفاه الثبات هجر النوم مقلتيَّ فذودي ... عن بلاد أقام فيها الجفاة كيف أقوى على المنام وقومِي ... لم يبالوا بأن تقاد الفتاة أسأل الله أن تكون صلاحا ... يتحدى على مداه الأُباة

стр. 4330

المنتدى شكوى تذوب موسى بن راجح الرحيلي فلسطين يا ثلمة في الجبين ... وجرحا يمزق فينا القلوب فلسطين صبراً فإن القدير ... لا بد يوما يزيل الكروب يسود اليهود على أمتي ... وهم حفنة ليس فيهم أريب ورايات توحيدنا نكست ... وراياتهم قد حماها الصليب ألا من نفوس لها همة ... تذل اليهود بقرع الحروب فيا من خذلتم أقيموا الجهاد ... لنصرة شعب طواه النحيب فشعب يمزق في كل يوم ... ولا ناصر منكم يستجيب وفي كل يوم نرى نكبة ... تحل عليهم فهل من مجيب فهيا بنا نحو موج الردى ... نموج ونصعق كل مريب فأين الحمية يا أمتي ... وأين المدافع عند الحروب ونوروا عليهم بحمل السلاح ... فإن السلاح قرين الخطوب وناجوا الذين فوق عرش السماء ... بصوت ذليل وقلب منيب

стр. 4331

المنتدى الإرهاب محمد عبد السلام الباشا عملاق العالم أمريكا ... شربت من كأس الأخطار النار ستحرق صاحبها ... لعبت أمريكا بالنار طيران يصدم أبراجا ... ويقول لأمريكا انهاري هلع أو رعب داهمها ... أحداث مثل الإعصار آلاف القتلى قد شهدت ... وانهارت كل الأسوار يرتد الفعل على الباغي ... هذا إنذار الجبار الله سيهدم أمريكا ... وسيهدم كل الأشرار عاد وثمود تشابهها ... تحذير جاء من البار كانت أمريكا عدوانا ... وستبقى بعد الإنذار دعموا أعداء قضيتنا ... فتمادوا في قصف الدار وأذاقوا أمتنا هولاً ... في القدس عرين الأحرار (صبرا شاتيلا) ما غابت ... (شارون) قرين الأوزار كانت أمريكا سمساراً ... وشريكاً قبل السمسار

стр. 4332

المنتدى ردود وصل المجلة من الاقتراحات والملاحظات , ونحن نشكر جميع الإخوة المتواصلين معنا، والمتواصلين بالحق والخير، والمجلة تنشر في هذا العدد بعضا من هذه الرسائل التي وصلتنا سائلين الله تعالى أن يكتب الأجر والمثوبة لكل ناصح أمين. * الرسالة الأولى: إلى المسؤولين الكرام في مجلة البيان سدد الله على الحق خطاكم. السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإنني كنت من المعجبين جدًّا بهذه المجلة القيمة، ولا زالت ولكن في الآونة الأخيرة أضمحل هذا الإعجاب والشوق.. فقد لوحظ وبالتحديد بعد أحداث ١١ سبتمبر، أن توسعت المجلة بشكل مكثف في نشر المقالات والأحداث التي تهتم بالتوجه السياسي، ولا ضير في سد ثغرة في هذا الجانب وأيضًا لا بأس بالتوسع في أصداء الحديث في حينه وبعده بقليل.. لكن أن يكون ذلك هو الدائم والأغلب؛ فكل من يرى بعين الإنصاف يرى أن هذا على حساب قضايا وزوايا مهمة فقدانها في بعض الأعداد. وأنتم - سدد الله سعيكم - قد وضعتم هدفا ساميا على غلاف المجلة بأنها «جامعة» .. فكما نرغب معرفة أحوال العالم والنظرة الإسلامية حيال أحداثه، فكذلك نطمع أن تتكرموا بتحقيق النظرة الشمولية التي جعلتموها هدفكم. فالقضايا العلمية والدعوية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والأدبية والإعلامية والثقافية بل والنصوص الشعرية، نطمع ونأمل ونتمنى: أن يُعاد النظر في دراستها بحيث تكون من - الثوابت - في مجلتنا الجامعة، مما يضفي عليها رونق التنوع وجوامع الفوائد، ولكي يتم تحقيق هدفكم في ذكركم أنها جامعة، فلا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، فإن طمعتم في نشر كثير من أحوال العالم فيقترح أحد أمرين: ١- إما أن يكون رسم الخط الذي يدون به الأحداث أصغر مما هو عليه كي يستوعب المقالات بدون أن يؤثر على مساحات القضايا السابقة. ٢- وإما أن تلحقوا بالمجلة ملحقا منزوعا يتوسع فيه. ويقال ذلك حتى لا يُصدع رأس القارئ المتزب بسيل الأخبار والأحداث التي تلاحقه في جُلّ النوافذ الإعلامية. وأخيرا.. اسمحوا لي بذكر ملحوظة فوجئت بها في عدد صفر ١٤٢٣هـ في زاوية كلمة صغيرة عن ذكركم للزلزال الذي أصاب أفغانستان حيث رجحتم أن الحدث حدث بطريقة جيولوجية، ونعلم أن ذلك سبب لكن من هو المسبب ولم؟ أليست النصوص الشرعية قد كشفت سر ذلك؟ شاكرين لكم جزيل الشكر، ورحابة صدركم في تقبل كل نقد بناء , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد الرحمن عبد الكريم * الرسالة الثانية: يسرنا أولاً تهنئتكم بالشكل الجديد الذي صدرت فيه المجلة مما يعني زيادة حجم المادة المنشورة بعدما زاد قياس الصفحة، وهذا لا شك يصب في مصلحة القارئ، كما أنني سعيد أن المجلة حافظت على دورية إصدارها الشهري؛ لأن التأصيل الشرعي يحتاج إلى المزيد من الوقت لبناء المقال بشكل مقنع وثري. نود إبداء ملاحظة حول تصميم المجلة، حيث كنت شخصيا أستمتع بطباعة المجلة في السابق بلونين اثنين فقط، لأنني كنت مهتما بالمادة بالدرجة الأولى ولا تعنيني كثيرا قضية الصور، التي تتفوق فيها الصحافة اليومية والأسبوعية، وكم كنت أتمنى أن يتم المحافظة على هدوء التصميم حتى يظل يخدم المادة الدسمة المقدمة ولا تؤثر على تركيز القارئ، فمثلاً في العدد رقم (١٧٥) ربيع الأول ١٤٢٣هـ، لاحظت بعض الألوان تطغى على المادة (لاحظ مقدمة مقال: الإعصار الاستشهادي، للدكتور سامي الدلال، أو المقال الذي قبله: بنو إسرائيل والمسجد الأقصى) كما لا أجد أي سبب مقنع للتحول في بعض الصفحات من نظام العمودين إلى نظام الثلاثة أعمدة في نفس الصفحة، كما أن ترقيم الصفحات جاء بشكل ضخم مع إهمال ذكر تاريخ العدد وهو في رأيي مهم لمجلة تعنى بالبحث العميق، وأتصور أن كثرة الألوان والصور المناسبة جدا لشريحة قراء الأسرة كمجلة لكل أسرة، كما أقترح أن يتم تحديث cd المجلة الذي صدر حاويا أول ١٥٠ عددا بحيث يكون التحديث كل سنة أو سنتين أو حتى ٣ سنوات، لتعم الفائدة للإخوة الباحثين. لؤي الفداغ * الرسالة الثالثة: السلام عليكم ورحمة لله وبركاته لقد قمت بإعطاء نسخة من مقال (السهم الدرزي في ظهر العرب، للكاتب أمير سعيد في العدد ١٧٢ شهر ذي الحجة ١٤٢٢هـ لأحد الزملاء اللبنانيين وأفادني أن هناك خطأين: ١ - أن عزمي بشارة نصراني وليس درزيا. ٢ - أن عدد الدروز في لبنان يزيد عن ٤٠٠.٠٠٠ ألف وليس ٩٠.٠٠٠ ألف كما ذكر، الرجاء مراجعة صحة المعلومات والإفادة عن الصواب، والله الموفق. ذياب الغانمي * الرسالة الرابعة: الإخوة الأفاضل بمجلة البيان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فأود أن ألفت انتباهكم إلى الخطأ الذي وقع في العدد ١٧٥ من مجلتكم وذلك في مقال: (صور من المعاناة لم تلتقطها عدسات المصورين) ، وبالتحديد في (ص٩٥) حيث ذكر الكاتب العبارة التالية: (ليحمل هو الآخر على الأكتاف إلى مثواه الأخير) ، ولا يخفى علكيم خطأ هذه العبارة التي تتضمن إنكارًا لليوم الآخر؛ حيث إن المثوى الأخير يكون يوم القيامة إما إلى الجنة، نسأل الله من فضله، أو إلى النار، نعوذ بالله منها، فأرجو التنبه إلى مثل هذه الأخطاء حتى لا تنعكس سلبًا على سمعة المجلة. عبد الله العمري * الإخوة الأفاضل: واعي المقبل، جاسر عبد العزيز الجاسر، مبروك الصيعري، إبراهيم العبد الله التركي، إبراهيم عبد الرحمن، علي بن يحيى البهلكي، عبد الرحمن عبد الهادي العمري، محمد الفقيه، عبد الله بن الحسين الشقبيل، موسى راجح الرحيلي، عبد الرحيم عبد العزيز القصير، عواض بن علي علوان الشهري، عبد الله بن صالح العلي، علي عبد الله محمد زيد، ساير بن هليل المسابح، عبد الرحمن القصيمي، أبو عاصم «مشاركة بعنوان: لعلهم يعتبرون» ، أبو محمد «مشاركة: استثمار الأذكياء للنقد» : نشكر لجميع الإخوة تواصلهم مع المجلة، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد، ونأمل بموافاة المجلة بعناوين للمراسلة.

стр. 4333

الورقة الأخيرة زمن التحول للإداريين د. أحمد بن عبد الرحمن الشميمري [*] منذ زمن وكلما أردت شرح الفروق المتعددة بين المدير والقائد تجاوزت كل تلك الدراسات الإدارية الحديثة والنظريات المعاصرة، وتبادر إلى ذهني فوراً تلك القاعدة الشرعية الأصيلة لقبول العمل والتي تقرر أن العمل المتقبل لا بد أن يحقق شرطين هما: الإخلاص والمتابعة؛ فالإخلاص ومنه النية معني بالكليات والرؤية الاستراتيجية الشاملة للعمل المراد الشروع به. أما المتابعة فتتعلق بالجزئيات التفصيلية لأداء العمل وفق ما جاء به نبي الأمة ﷺ . وعندما تختلط النية ويراد بهذا العمل غير وجه الله والدار الآخرة يحبط العمل ويكون هباءً منثوراً ولو أحسن القائمون عليه الإنجاز وأتقنوا الأداء؛ فالوجهة الكلية والرؤية المستقبلية أصابها قصور النظر، فارتكست إلى الجزئيات المغرقة في الطريق الخاطئ، وفي المقابل حينما يفسد الاتباع - فيشط الأداء عن المنهج القويم والإجراءات السليمة والتطبيقات المشروعة - يفسد العمل ولو كانت الأهداف نبيلة والغايات سامية. فالقائد الناجح إذن هو الذي يعي الكليات المنهجية، ويضع الاستراتيجيات الصحيحة والحوافز البشرية المشروعة، ويدرك معنى الغايات السليمة دون الإغراق في التفصيلات والانهماك في الجزئيات. كما أن المدير الناجح ذلك الذي يضع الخطط التفصيلية، والمهام التنظيمية، والواجبات التنفيذية، والنظم الإشرافية لإنجاز الأعمال بكفاءة وفعالية. ولأننا في حاجة لكليهما في شخص واحد فقد عز هذا المطلب، وقل وجوده في واقع مؤسساتنا الدعوية ومشاريعنا الخيرية، واتسعت الفجوة المتأصلة من جراء البحث عن قائد أولاً، إلى خلل في النمو والتطبيق، وربما الديمومة المنشودة للأعمال. فكلما اتفقنا على سمو المشروع وخيريته، وعظيم نفعه وصلاحيته، تعمقنا في مستلزماته القيادية وحدها دون غيرها، تلك المستلزمات المتعمقة في صميم التربية والتوجيه، والمرتكزة على الرؤية الاستراتيجية وشمولية الوعي ومنهجية الإدراك، وهذا في حد ذاته مطلب ملح؛ لكن الأشد إلحاحاً وجود الكفاءة الإدارية القادرة على قيادة السفينة على الوجهة الصحيحة والخريطة الافتراضية الموضوعة من قبل القيادة المحنكة. ومن المسلَّم به في علم الإدارة وأدبياتها أن المنظمات في حاجة إلى مدراء أكثر من حاجتها إلى قادة؛ فقائد واحد يمكنه أن يضع تصوراً ورؤية وسياسة محكمة لمشاريع عديدة يديرها جيش من المدراء الأكفاء؛ لكنه لا يتصور أن تدار هذه المشاريع من قبل قادة فقط دون مدراء. إن الإخفاق الذي يصيب مشاريع الخير مرده في كثير من الأحيان إلى غياب المهارة الإدارية والعلم الكافي بمسلَّمات ومبادئ الإدارة؛ فالنوايا الصالحة وحدها لا تكفي لإدارة دفة العمل، كما أن الإخلاص وربما التفاني ليس سبباً كافياً لديمومة النجاح، وفوق ذلك كله فإن المكانة والوعي العلمي والثقافي ربما كانا وبالاً على العمل التنفيذي لا داعماً له. * خاتمة: ذكر جيمس كولنز في كتابه الشهير: «البناء من أجل الاستمرار» أن شركة فورد كادت في السبعينيات الميلادية من القرن الماضي أن تخرج من السوق بعد أن تكبدت خسائر فادحة، وانتكاسة مريعة في المبيعات، وبعد الدراسات المستفيضة والاستشارات العليا التي أجراها قائدها الملهم «فورد» مبتكر ومؤسس الشركة العملاقة، كانت النتيجة المفاجأة للجميع أن أوصى المستشارون بإقصائه من الشركة ، وقالوا: إن الشركة لم تعد في حاجة إلى قائد أوتوقراطي، بقدر ما هي بحاجة إلى مدير يحقق لها الاستمرار والنمو والنجاح، وبالفعل تم إقصاء فورد، ومضت الشركة تحقق النجاح تلو النجاح حتى يومنا هذا!

стр. 4334

جمادى الآخرة - ١٤٢٣هـ سبتمبر - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4335

كلمة صغيرة أرض الزيتونة.. أرض الأمل تخطئ الحكومة التونسية كثيراً عندما تعتقد أنها بسياسة تجفيف المنابع وحربها الصريحة على كل مظاهر التدين، وبعصاها الديكتاتورية الغليظة في ملاحقة العلماء والصالحين، سوف تقضي على الإسلام؛ فجذور التدين ضاربة أطنابها بعمق في أرض الزيتونة، وما أن تخف وطأة العنف الرسمي قليلاً حتى ترى كثيراً من الشباب بدأ يعود إلى المساجد، وترى آثار الحجاب الشرعي تظهر تدريجياً في شتى شرائح المجتمع، فيعود التشنج من جديد في المؤسسة الاستخباراتية، ويزداد الطغيان القمعي بصورة عشوائية تنتهك كافة الحقوق، وتزدري شتى القيم والمبادئ الإنسانية، ثم تتحول تونس إلى سجن كبير يمتحن فيه الناس، وتستباح حرماتهم، وتصادر عقائدهم وعقولهم..!! وتتواطأ الاتجاهات العلمانية (اللائكية) مع المؤسسة الرسمية في تغريب الأمة ومسخ هويتها، وتستخدم آلتها الإعلامية السينمائية خاصة في محاربة الفضيلة، وإشاعة الفاحشة، ونشر ثقافة الانحلال، وترسيخ قيم الغرب وانحرافاته الأخلاقية، وصدق المولى : [وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ] (الأعراف: ٢٠٢) . ومع ذلك كله فإننا نؤمن يقيناً بأن ليل الظلم والقهر سينجلي بإذن الله، وفي نفوسنا أمل كبير بقرب الفرج لما نراه من ثبات أبناء تونس المخلصين، وعضهم على دينهم بالنواجذ، قال الله تعالى: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (التوبة: ٣٢) . إن ظاهرة التدين في مجتمعاتنا الإسلامية ليست ظاهرة عابرة يمكن وأدها بسياط الترهيب أو التحريف، بل هي ظاهرة متأصلة في ديارنا، متجذرة في شعوبنا.. نعم! ربما تنجح السجون في قهر الشعوب وتحطيم كرامتها؛ لكنه نجاح هزيل عابر لا يصمد طويلاً أمام قوة الإيمان وصلابة أهل القرآن؛ ولهذا نذكِّر أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم بالبغي والعدوان بقول الحق - جل وعلا -: [قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداًّ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً] (مريم: ٧٥) .

стр. 4336

الافتتاحية شارون والمرحلة الأخيرة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: فلم يكن أحد يتوقع أن يصل شارون إلى سدة الحكم في دولة يهود في فلسطين على الرغم من حضوره الدائم سواء كان آمراً لكتيبة أو قائداً لجيش أو وزيراً للدفاع أو للمستعمرات؛ لأنه في كل ما سبق ينفذ سياسة محددة تتناسب مع شخصيته. أما آراؤه السياسية حول طرد العرب وإقامة دولة لهم شرق الأردن فهي وإن اتفقت مع الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية فإن الوقت لم يحن لتنفيذها؛ ولذا لم يكن يتصور أحد أن يصل لقمة الهرم حتى داخل حزب الليكود، ولكن سقوط نتنياهو المبكر وخروجه الفضائحي من الحياة السياسية فتح له المجال داخل الحزب؛ وبقدر ما كان سقوط باراك سببه الإخفاق في إيقاف الانتفاضة فإن ادعاءه القدرة على وقف الانتفاضة هو السبب الرئيس في اختياره رئيساً للوزراء، ولسان حال الناس هو أن من تسبب في إشعال الانتفاضة هو الأقدر على وقفها، وهذا يذكِّر برجل الإطفاء الأمريكي الذي قبض عليه بسبب أنه يشعل الحرائق في الغابات ثم يشارك بحماسة في إطفائها حتى يحصل على المكافآت، وحيث إن حرائق أمريكا خرجت عن السيطرة فكذلك يبدو أن الانتفاضة مؤهلة للاستمرار على الأقل حتى سقوط شارون الذي يتوقع أن يكون مدوياً. وحيث إن المرحلة الحالية من الصراع يتوقع أن تفرز أكثر من شارون بل ويمكن أن يكون هناك تيار شاروني يحاول فيه بعض القادة الصغار تقمص شخصية شارون والبروز مثله؛ فإننا نحتاج إلى معرفة كيف برز شارون وعلا نجمه بين اليهود ليُستدعى عند كل ملحمة، وكيف تحول العسكري الأهوج إلى سياسي محنك يدير مجلس الوزراء كما يدير مزرعة الأبقار التي يملكها؟ لقد بدأ حياته العسكرية وبرز في ارتكاب المجازر ضد سكان القرى الفلسطينية ثم تطور إلى ارتكاب جرائم قتل الأسرى المصريين عامي ١٩٥٦، ١٩٦٧م، وكان عذر قتل الأسرى هو عدم وجود وسائل لنقلهم!! وبين الحربين ١٩٦٧ و ١٩٧٣م تولى تصفية العمل الفدائي في غزة بأساليب عنيفة، وفي حرب ١٩٧٣م تولى قيادة القوة التي قامت باجتياز قناة السويس في عملية ثغرة الدفرسوار التي لا شك في أن الضغط والتهديد الأمريكي كان له دور كبير في الإبقاء على الثغرة واستعمالها في تقوية الجانب اليهودي في مفاوضات الكيلو ١٠١، وإلا فإن هذه العملية تعتبر مصيدة نموذجية، ويكفي الجيش المصري أن يقوم بتصفية هذه القوة ليضمن انهيار معنويات اليهود؛ ولكن بدلاً من ذلك فإنه يبدو أن هناك قراراً سياسياً لخفض معنويات المصريين المرتفعة، وقد خفف استبسال القوات الشعبية بقيادة الشيخ حافظ سلامة من آثار العملية وخرج شارون بطلاً، ولكن لا ننسى الجنود المجهولين الذين حموه ومنعوا رئيس الأركان المصري من تصفية الثغرة وخروجه من الجيش بسبب ذلك، وبعد سنوات معدودة وصل الليكود إلى الحكم لأول مرة بعد حرب ١٩٧٣م، وتولى بيجن رئاسة الحكومة، واختير شارون وزيراً للدفاع؛ وهنا كانت المغامرة الجديدة وهي غزو لبنان؛ حيث تمكن شارون من إقناع بيجن بالموافقة على اجتياح لبنان، وكان بيجن يصرح فيما بعد أن شارون خدعه. وكما هي العادة فإن شارون بدأ الحرب ودمر بيروت ومخيمات الجنوب وسهل للموارنة ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا، ولكنه ترك لغيره التعامل مع آثار الحرب، وتم إرسال قوات أمريكية وفرنسية لتثبيت الوضع كما تريد إسرائيل، واكتفت إسرائيل باحتلال الجنوب، وسرعان ما خرج شارون من الوزارة لاتهامه بمجازر صبرا وشاتيلا، وتعرضت القوات الأمريكية والفرنسية في بيروت، والإسرائيلية في صبرا لعمليات تفجير ضخمة راح ضحيتها المئات من جنود النخبة، وخرجت أمريكا وفرنسا من بيروت، وخرج اليهود من صيدا وصور وتمسكوا بما يسمى الشريط الحدودي، واستمر جيش اليهود ينزف في هذه المنطقة لمدة حوالي عشرين سنة حتى خرج أخيراً يجر أذيال الخيبة، ولكن بعد أن أدى وجود هذه القوات لظهور حزب الله. ويمكن اختصار آثار غزو لبنان بالآتي: ١ - تراجع سلطة الموارنة والسنة وارتباطهم بسورية. ٢ - خروج المنظمات الفلسطينية. ٣ - افتضاح التحالف الدرزي اليهودي حتى على حساب النصارى. ٤ - ظهور الشيعة؛ وكانت حرب الجنوب عاملاً في تثبيت نفوذهم في بيروت، وكان بروز حزب الله يعني دخول إيران إلى الساحة. ٥ - تحول لبنان إلى منطقة نفوذ سوري إيراني، وخروج القوات اللبنانية وجيش لحد الجنوبي المواليين لإسرائيل من الساحة السياسية والعسكرية. ونستطيع أن نقول إنه أياً كان الرابحون من غزو لبنان الذي رفع لواءه شارون فإن إسرائيل خرجت من لبنان وهي تحاول الآن تثبيت حدودها الشمالية. * شارون رئيساً للوزراء: إن شارون بسبب الخلفية العسكرية فإنه يملك عقلية تخطيطية قصيرة الأجل منقطعة النظير فقد استطاع أن يستميل حزب العمل المهزوم ويشركه بالحكومة، وكان نجاحه الأهم هو أنه قد نجح في تقديم طعم ابتلعه الحزب المنافس؛ فقد قدم لهم وزارات السيادة وهي وزارتا الدفاع والخارجية، وأصبح رئيس حزب العمل بنيامين إليعازر وزيراً للحرب ويداً يبطش بها شارون ويهدم بها السلطة الفلسطينية التي بناها حزب العمل، أما رئيس الوزراء السابق بيريز فهو مجرد رسول لشارون؛ فهو يقابل عرفات وليس له حق في التفاوض معه، بل ويصرح أحد الوزراء في التلفزيون أن مشاركته في أحد الوفود التي يرأسها بيريز هو لأجل التأكد من تنفيذ سياسة الحكومة، أو بمعنى آخر ضبط بيريز ولا شك أن شارون قد أحرق البديل له؛ فهل يستطيع حزب العمل الاعتراض على سياسات يقوم هو بتنفيذها؟ إنها معادلة صعبة ولكنها مطبقة بنجاح في مجالات أخرى؛ فمثلاً عندما تقبل الدول الأوروبية استقبال ١٣ مبعداً من الخليل، ويتم بذكاء توزيعهم على مختلف الدول لهدف وحيد هو لجم هذه الدول عن الاعتراض على أي عملية إبعاد مستقبلية، ولم تقف سياسة التوريط عند هذا الحد، بل إن عملية تصفية السلطة القديمة واستبدالها بأخرى جديدة بدعوى الإصلاح هي فكرة شارون ولكن عهد بتنفيذها لأمريكا وبعض دول المنطقة. إن شارون يدمر السلطة القائمة وعلى الآخرين إقامة سلطة جديدة وأجهزة أمنية جديدة بمواصفات إسرائيلية، ولكن لنتذكر لبنان وأنه إذا احتاج اليهود إلى عشرين سنة للخروج من ورطة لبنان فكم يحتاجون من الوقت للخروج من الورطة الحالية؟ وما هو الثمن الذي ستدفعه أمريكا للانسحاب من القضية!!

стр. 4337

دراسات في الشريعة مسؤولية الفتوى الشرعية ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة (١ ـ ٢) أ. د. محمد فؤاد البرازي [*] إن من أنبل ما يشتغل به المشتغلون، وخير ما يعمل له العاملون نشر علم نافع تحتاج إليه الأمة، يهديها من الضلالة، وينقذها من الغواية، ويخرج [النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (إبراهيم: ١) ، وكيف لا يكون كذلك وقد حض الله تعالى عليه بقوله الكريم: [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] (التوبة: ١٢٢) . وأوجب على أهل العلم نشره، ونهاهم عن كتمانه، فقال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . وقال رسول الله ﷺ : «من علم علماً فكتمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار» [١] . ولنشر العلم وسائل كثيرة من أهمها: التصدي للإفتاء لعموم الحاجة إليه وكثرة التعويل عليه، لا سيما في هذه الأيام التي قلَّ فيها الإقبال على العلم، واكتفى معظم المستمسكين بهذا الدين باستفتاء العلماء عما يعرض لهم، أو يؤرق بالهم، لتصحيح عبادة، أو تقويم معاملة، والقليل منهم من يلزم مجالس العلماء حتى يتخرج على أيديهم، ويصبح من ثم وارثاً لعلومهم. وما زال الإفتاء قائماً منذ فجر الإسلام، وحتى هذه الأيام، حتى خلف العلماء كثيراً من كتب الفتاوى والنوازل التي زخرت بها المكتبة الإسلامية، كانت وما تزال مصدراً من مصادر الإشعاع العلمي والحضاري الذي ترك بصماته في نهضة الأمم ورقي الشعوب. لهذا كانت منزلته عظيمة، ومكانته كبيرة؛ لأنه: «بيان حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول» [٢] . وقد تقلد رسول الله ﷺ هذا المنصب العظيم، فكان له منصب النبوة، ومنصب الإمامة، ومنصب الإفتاء. ولما كان الإفتاء بهذه المثابة، فإن من الحري بنا أن نتحدث عن الفتوى، ومنزلتها، والحاجة إليها. أ - تعريف الفتوى: الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء. والجمع: الفتاوى والفتاوي، يقال: أفتيته فَتْوى وفُتْيا؛ إذا أجبته عن مسألته. والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، وتفاتَوْا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا [٣] . وفي تفسير قوله تعالى: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ] (النساء: ١٢٧) . قال ابن عطية: أي يبين لكم حكم ما سألتم. قوله: [فِيهِن] أي يفتيكم فيما يتلى عليكم [٤] . أما الفتوى في الاصطلاح، فقد عرفها العلماء بتعريفات عديدة: - قال القرافي: الفتوى إخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة [٥] . - وقال ابن الصلاح: «قيل في الفتيا: إنها توقيع عن الله ﵎» [٦] . - وعرفها ابن حمدان الحراني الحنبلي بقوله: «تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه» [٧] . وهذا التعريف هو الذي نختاره من تلك التعريفات، لكونه متضمناً لما قبله من الإخبار عن حكم الله تعالى، ويزيد عليها: اعتماد الحكم الشرعي على دليل، وكونه مشتملاً على السؤال عن الوقائع وغيرها، لهذا كان أوْلى بالاختيار من غيره. ب - منزلة الفتوى، والحاجة إليها: تكتسب الفتوى أهمية بالغة لشرفها العظيم، ونفعها العميم، لكونها المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، حيث أفتى عباده، فقال في كتابه الكريم: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ] (النساء: ١٢٧) ، وقال أيضاً: [يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ] (النساء: ١٧٦) ، فقد نسب الإفتاء إلى ذاته، وكفى هذا المنصب شرفاً وجلالة أن يتولاه الله تعالى بنفسه. قال ابن القيم: «وأول من قام به من هذه الأمة سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] (ص: ٨٦) ، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب» [٨] . ومن فضل الله تعالى على نبيه الكريم ﷺ ، أن جمع له منصب النبوة المقتضية لنقل الأحكام بالوحي عن الله تعالى، ومنصب الإمامة المقتضية للحكم والإذن فيما يتوقف عليه الإذن من الأئمة، ومنصب الإفتاء بما يظهر رجحانه عنده، فهو سيد المجتهدين [٩] . ثم خلفه في منصب الإفتاء كوكبة من صحابته الكرام، قامت به أحسن قيام، فكانوا سادة المفتين، وخير مبلغ لهذا الدين، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى: [وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَق] (سبأ: ٦) . قال: أصحاب محمد ﷺ . ثم جاء من بعدهم التابعون، وأتباع التابعين، وكثير من الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين، فأفتوا في دين الله تعالى بما آتاهم من علم غزير، وقلب مستنير، ورقابة لله العليم الخبير، فأسدوا إلى الأمة خدمات جليلة كان لها أثر في نشر العلم، وإصلاح العمل. ومما يُظهر منزلة الفتوى أيضاً: أنها بيان لأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين؛ ولهذا شبه ابن القيم المفتي بالوزير الموقع عن الملك، فقال: «إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات» [١٠] . وقال النووي: «ولهذا قالوا: المفتي موقِّع عن الله تعالى» . وقد لجأ المسلمون إلى الاستفتاء منذ الصدر الأول للإسلام، فصدرت فتاوى سيد المرسلين، وإمام المفتين، وخلفه في ذلك علماء الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم من أئمة هذا الدين، وما ذلك إلا لأهمية الفتوى، وحاجة الأمة إليها، ولا سيما في هذه العصور التي قلَّ فيها الإقبال على العلم، واكتفى الكثير منهم بالسؤال عما يعرض لهم، أو يُشكل عليهم من أمر دينهم. ولئن كانت حاجة الأمة إلى الفتوى كبيرة فيما مضى، فإن الحاجة إليها في هذه الأيام أشد وأبقى؛ فقد تمخض الزمان عن وقائع لا عهد للسابقين بها، وعرضت للأمة نوازل لم يخطر ببال العلماء الماضين وقوعها، فكانت الحاجة إلى الإفتاء فيها شديدة، لبيان حكم الله تعالى في هذه النوازل العديدة؛ إذ لا يعقل أن تقف شريعة الله العليم الحكيم عاجزة عن تقديم الحلول الناجعة لمشكلاتهم المتسعة لكل ما يحدث لهم أو يُشكل عليهم، وهي الشريعة الصالحة لكل زمان، الجديرة بالتطبيق في كل مكان. ج - تحريم القول على الله تعالى بغير علم: بما أن الفتوى بيانٌ لأحكام الله، والمفتي في ذلك موقِّعٌ عن الله، فإن القول على الله تعالى بغير علم من أعظم المحرمات، لما فيه من جرأة وافتراء على الله، وإغواء وإضلال للناس، وهو من كبائر الإثم. أما أنه من كبائر الإثم، فلقول الحق ﵎: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٣) . فقد قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي والشرك، للدلالة على عظم هذا الذنب، وقبح هذا الفعل. قال ابن القيم: «وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، وبعد أن ساق الآية التي أوردناها قال: فرتب المحرمات أربع مراتب: - بدأ بأسهلها وهو الفواحش. - ثم ثنَّى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم. - ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريماً منها وهو الشرك به سبحانه. - ثم ربَّع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه. ومما يدل أيضاً على أنه من كبائر الإثم قول الله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النحل: ١١٦-١١٧) . فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله أحله وحرمه [١١] . هذا ما يتعلق بكونه من كبائر الإثم. - وأما كونه إغراءً وإضلالاً للناس، فَلِما روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال:» إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا « [١٢] . لهذا هاب الفتيا كثير من الصحابة، وتدافعوها بينهم لِمَا جعل الله في قلوبهم من الخوف والرقابة. - فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:» أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيردَّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول «، وفي رواية:» ما منهم من أحد يُحدِّث بحديث إلا ودَّ أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا « [١٣] . - وعن الشعبي والحسن وأبي حَصين بفتح الحاء قالوا:» إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب ﵁ لجمع لها أهل بدر « [١٤] . وقد كان كثير من السلف الصالح إذا سئل عن مسألة لا يعلم حكمها قال للسائل: لا أدري، أو قال: الله أعلم، عملاً بما: - روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوماً يتمارون في القرآن، فقال:» إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، ولا يكذب بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم منه فكِلوه إلى عالمه « [١٥] . - وقال ابن مسعود:» من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] (ص: ٨٦) « [١٦] . - وروى الحافظ ابن الصلاح بسنده إلى محمد بن عبد الله الصفار أنه قال: سمعت عبد الله بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول:» إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله «. وقد عقب ابن الصلاح على هذا الأثر بقوله:» هذا إسناد جليل عزيز جداً لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض [١٧] . - وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس ﵄ [١٨] . - وقال عبد الرحمن بن مهدي: «جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أياماً ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله! إني أريد الخروج، وقد طال التردد إليك، قال: فأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه» [١٩] . - وعن أبي بكر الأثرم قال: «سمعت أحمد بن حنبل يستفتى فيكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه» [٢٠] . - وعن الهيثم بن جميل قال: «شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري» [٢١] . - وقد سئل الإمام مالك عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قوله جل ثناؤه: [إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً] (المزمل: ٥) ، فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. - وقال: «إذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم مسائل، ولا يجيب أحد منهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رُزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة؛ فكيف بنا الذين قد غطت الخطايا والذنوب قلوبنا» [٢٢] . د - وجوب التعاون، والتحذير من التفرق والاختلاف: فإذا كان هذا حال أصحاب رسول الله ﷺ من سؤال بعضهم لبعض، والتشاور فيما بينهم مع ما رزقوا من العلم والفهم، والسداد والتوفيق، أفلا نكون مع غفلتنا وكثرة خطايانا أكثر حاجة إلى التعاون والتآزر، لا سيما في شأن الفتوى في دين الله تعالى، حتى لا تتفرق للمسلمين كلمتهم، ولا يختلفوا فيما بينهم، وإن من أشنع صور التفرق والاختلاف: الشذوذ عن فتاوى علماء الأمة، باستحداث فتاوى خاطئة في دين الله تعالى، تؤدي بالآخذين بها إلى الجرأة على اقتحام حمى الله «ألا وإن حمى الله محارمه» [٢٣] . وليكن معلوماً أن تتبع شواذ العلم ليس من العلم. - قال عبد الرحمن بن مهدي: «لا يكون إماماً في الحديث من تتبع شواذ الحديث، أو حدث بكل ما يسمع، أو حدث عن كل أحد» [٢٤] . - وقال أيضاً: «لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا إماماً في العلم من روى عن كل أحد، ولا يكون إماماً من روى كل ما سمع» [٢٥] . والخطير في الأمر أن يعتبر الشذوذ في هذه الأيام اجتهاداً، والجرأة على الإفتاء في دين الله تعالى تجديداً، ثم يعرض لذلك بعبارات معسولة حتى تقبله العقول، وتستسيغه النفوس، مع الغفلة عن قول الله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النحل: ١١٦-١١٧) ، وقال رسول الله ﷺ : «من أُفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه» [٢٦] . * مسؤولية الفتوى الشرعية: إن مهمة الفتوى خطيرة، وإن مسؤولية المؤسسات الإسلامية تجاهها جِدُّ كبيرة لما لهذه المؤسسات من دور مؤثر في توجيه الجاليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية، فلا يجوز لها أن ترد الناس إلى المتساهل في فتواه، أو المبالغ في دعواه؛ فهذا يدفع الناس إلى الجرأة على الدين، ورد أقوال العلماء العاملين. كما لا يجوز لها تبني الفتاوى الخاطئة، والآراء الشاذة، وإذاعتها بين الناس بدعوى: - التيسير تارة. - وفهم الواقع تارة أخرى. - والضرورة تارة ثالثة. - والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة تارة رابعة. فهذا منزع خطير يؤدي بالناس إلى الحيدة عن الالتزام بأحكام الشرع، والميل لما تهواه النفس ويستسيغه الطبع. إن اليسر الذي جاءت به الشريعة غير ما يدعو بعض الناس إليه، وإن فهم الواقع لا يعني تطويع الأحكام الشرعية لما درج بعضهم عليه، والقول بالضرورة لا يلجأ إليه إلا إذا تحققت شروطها، والاعتماد على الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة لا يصح ما لم تستجمع ضوابطها. إن على المؤسسات الإسلامية أن تعي دورها، وتدرك مسؤولياتها، ولا تغفل عن الواجبات الكبرى الملقاة على عاتقها، وإن من هذه الواجبات: ١ - توثيق صلتها بالمجامع الفقهية الموثوقة الموجودة في البلاد الإسلامية التي يسهم في بحوثها وفتاواها علماء متخصصون، متفرغون للبحث العلمي والغوص على درر المسائل، مهتمون بدراسة القضايا المستحدثة لإصدار الفتاوى بشأنها بعيداً عن ليِّ النصوص الشرعية، أو تحميلها ما لا تحتمل من التفسيرات القسرية. ومن هذه المجامع الفقهية الموثوقة: - المجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة. - المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة. - مجلس الفكر الإسلامي في إسلام آباد بالباكستان. - وأكاديمية الفقه الإسلامي في دلهي بالهند. ٢ - الرجوع في القضايا العاجلة إلى العلماء الأثبات المشهود لهم بسعة العلم، ودقة الفهم، ومعرفة الواقع، وإدراك مقاصد الشارع الذين لا يلتقون على الأحكام الشرعية بتعليلات وهمية، ولا يوردون على النصوص القرآنية والنبوية احتمالات جدلية، ليقولوا بعد ذلك: «إن النص إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال» . فلا يجوز لمسلم فرداً كان أو مؤسسة أن يتجاوز نصاً من نصوص الشرع لقول أحد من الناس كائناً من كان. قال الإمام الشافعي: «أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، وتواتر عن الشافعي أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط» [٢٧] . * ضوابط الفتوى: لقد سبق القول بأن الفتوى إخبار عن حكم الله، وأنها توقيع عن الله؛ لهذا كان إطلاق القول بالحل أو الحرمة من غير ضوابط افتراءً على الله القائل في محكم كتابه: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) . ويمكننا حصر أهم ضوابط الفتوى فيما يلي: ١ - الاعتماد على الأدلة الشرعية: إن أول ما يجب توافره في الفتوى لتكون محلاً للاعتبار اعتمادها على الأدلة الشرعية المعتبرة لدى أهل العلم. - وأول هذه الأدلة: كتاب الله تعالى. - وثانيها: سنة رسول الله ﷺ . فلا يجوز للمفتي أن يتعداهما إلى غيرهما قبل النظر فيهما، ثم الاعتماد عليهما، كما لا يجوز مخالفتهما اعتماداً على غيرهما، والأدلة على ذلك من كتاب الله تعالى كثيرة، منها: - قول الله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] (الأحزاب: ٣٦) . - ومنها قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (الحجرات: ١) . أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: «لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة» . وروى العوفي عنه قال: «نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه» . والقول الجامع في معنى الآية: «لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله ﷺ أو يفعل» [٢٨] . وأما الأدلة من السنة فكثيرة، نكتفي منها بالحديث الآتي: - عن ابن عباس ﵄ أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّجَ الساقين [٢٩] فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية. فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي ﷺ :» لو ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن « [٣٠] . يريد - والله ورسوله أعلم - أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به. ولكن كتاب الله فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع» [٣١] . فالفتوى الشرعية إذن يجب أن تعتمد على كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، ولهذا يحسن بالمفتي أن يبين الدليل؛ لأن جمال الفتوى وروحها هو الدليل «وقد كان رسول الله ﷺ يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال، ويشبهها بنظائرها، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله تعالى كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جداً في فتاويهم لمن تأملها. ثم جاء التابعون، والأئمة من بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبَعُدَ العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، والله المستعان» [٣٢] . هكذا قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- منذ قرون، وقد حدثت في الناس تلك الطبقة التي تخوف منها، فراحت تتحيل على النصوص الشرعية بتعليلات وهمية، وتسوق ما يروق لها من تسويغات جدلية، استسلاماً لضغوط الواقع، واستعظاماً لبعض الأحكام الشرعية، وتحاول في بعض الأحيان تأييد أقوالها بحجج واهية، ونصوص باطلة، لا تقوم بها حجة، ولا يفرح بها فقيه النفس، ولا يطمئن إليها تقي القلب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. - وثالث هذه الأدلة: الإجماع، وهو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعي في واقعة. والإجماع حجة شرعية يجب اتباعها، ولا تجوز مخالفتها، والحكم الثابت بالإجماع حكم شرعي قطعي لا مجال لمخالفته ولا إلى نسخه، وليس للمجتهدين في عصر تالٍ أن يجعلوا هذه القضية موضع اجتهاد؛ فما بالك بمخالفته ببعض الأقوال، وآراء الرجال!! والأدلة على حجيته كثيرة، منها قول الله تعالى: [وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (النساء: ٨٣) . وقوله سبحانه: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً] (النساء: ١١٥) . - ورابع هذه الأدلة: القياس، وهو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم. وهو حجة شرعية على الأحكام العملية عند جمهور الفقهاء، كما أنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنها تساوي واقعة نُصَّ على حكمها في علة هذا الحكم، فإنها تقاس بها، ويُحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكمها شرعاً، ويسع المكلف اتباعه والعمل به [٣٣] . والأدلة على حجيته كثيرة، منها قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] (النساء: ٥٩) . ولا يحسن القياس إلا فقيه النفس، أصولي الطبع، وما لم يكن كذلك فإنه تغلبه الغفلة، ويزلُّ من أول وهلة. ٢ - وثاني هذه الضوابط: تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء: إن الفتوى إذا تعلقت بموضوع الاستفتاء بلغت بالمستفتي حاجته، وحصل منها على مراده. فإذا خرجت عن ذلك فإنها لا تسد له حاجة، ولا تحل له مشكلة، ولا تنقذه من معضلة، ولم يشرع الإفتاء إلا للإجابة على التساؤلات، وحل ما يعرض للإنسان من مشكلات. غير أن المفتي إذا توقع من السائل استغراباً للحكم، فله أن يمهد له بمقدمة حتى يسلك الحكم الشرعي إلى قلبه، فيتقبله بقبول حسن؛ ويدل على ذلك قصة نسخ القبلة؛ فإنها لما كانت شديدة على النفوس جداً وطَّأ الله قبلها عدة موطئات، منها: ذكر النسخ، ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها: أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم؛ فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني كما كان صالحاً للأول [٣٤] . ويجوز أن تكون الفتوى أشمل من موضوع الاستفتاء بحيث يجيب السائل بأكثر مما سأل عنه لفائدة يرى أنها تفيد السائل؛ فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر، فقالوا له: «إنَّا نركب البحر وليس معنا ما نتوضأ به؛ أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [٣٥] . فقد أجابهم رسول الله ﷺ عن ميتة البحر رغم أنهم لم يسألوا عنها لما في ذلك من فائدة لهم في هذا البيان. وقد بوَّب البخاري لذلك في صحيحه، فقال: «باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه» ثم ساق من الحديث ما يدل على ذلك. ويجوز العدول عن موضوع الاستفتاء إلى موضوع آخر يكون أنفع للسائل مما سأل عنه، أو يكون موضوع الاستفتاء لا يترتب عليه عمل، أو لكون مدارك السائل لا تقوى على فهم ذلك الموضوع الجلل، يدل على ذلك قول الله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ] (البقرة: ١٨٩) . فقد سألوه عن سبب ظهور الهلال خفياً ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عبادتهم وهو الحج. فإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه، ولفظ سؤالهم محتمل؛ فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص؟ [٣٦] . كما يجوز العدول عن موضوع السؤال، أو الإمساك عن الجواب، إذا ترتب على الجواب فتنة للسائل؛ فقد قال ابن عباس ﵁ لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به؟ أي أنكرت هذا الحكم. ٣ - ثالث هذه الضوابط: سلامة الفتوى من الغموض: لما كانت الفتوى بياناً لحكم شرعي، وتحمل في طياتها تبليغه للسائل، وجب تقديمها بأسلوب مبين، وكلام واضح قويم؛ فقد أمر الله تعالى نبيه الكريم بالبلاغ المبين، فقال سبحانه: [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] (النور: ٥٤) . لذا كان من وضوح الفتوى: خلوها من المصطلحات التي يتعذر على المستفتي فهمها، وسلامتها من التردد في حسم القضية المسؤول عنها. غير أن هناك من يعمد إلى تضمين الفتوى عدة أقوال ليقحم فيها بعض الآراء الشاذة، وينشرها في الناس بدعوى التيسير والمرونة، فيسلط الأضواء عليها، ويلفت الأنظار إليها، ليُدخل في رُوع المستفتي أنها أقوال لا تقل شأناً عن غيرها، وله أن يختار ما شاء منها، فيدع من ثم الأقوال الصحيحة وينأى بنفسه عنها، ويعرض عما استقرت الأمة عليها، ويتشبث بما وجهت الفتوى الأنظار إليه؛ لأنه قد قيل له: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يعذب على شيء اختلفت فيه الأئمة، فيصبح الإفتاء بما تواضع أهل العلم عليه، مستهجناً تتحرج الصدور من سماعه، وتضيق النفوس من بيانه؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن آخر ما صدر من هذه الآراء الشاذة: «الفتوى الصادرة عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث التي ختمها بنقل القول بجواز بقاء المرأة على عصمة زوجها الكتابي إذا أسلمت وبقي على دينه، فقال: لا يجوز للزوجة عند المذاهب الأربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها، أو تمكينه من نفسها، ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية، إذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في إسلامه ... إلخ» [٣٧] . تصدر هذه الفتوى لتنسف كل ما عزته إلى المذاهب الأربعة من عدم جواز بقاء المرأة المسلمة عند زوجها الكتابي، أو تمكينه من نفسها، يقول المجلس: ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية إلخ، مدعماً ذلك ببعض الروايات، دون الإشارة إلى أن إعراض الأمة منذ قرون طويلة عن الأخذ بتلك الروايات الشاذة حتى ولو كانت صحيحة الإسناد يعتبر علة قادحة فيها، لا يحل نقلها إلا للرد عليها؛ فما بالك بترويجها ولفت الأنظار إليها! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٤ - ورابع هذه الضوابط: مراعاة الحال، والزمان، والمكان: إن من ضوابط الفتوى مراعاتها للحال، والزمان، والمكان؛ إذ قد تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنياً على عرف بلدٍ، ثم تغير هذا العرف إلى عرف جديد ليس مخالفاً لنص شرعي. الأول: أن يكون الحكم مبنياً على عرف، كتعارف أهل بلد على ألفاظ محددة يوقعون بها الطلاق، فتراعى هذه الألفاظ بالنسبة إلى أهل ذلك المكان، وتترتب عليها الأحكام. الثاني: أن يكون العرف الجديد الذي تغيرت بسببه الفتوى غير مخالف لنص شرعي، مثل: إهمال أهل منطقة لبعض ألفاظ تعارف أسلافهم على أنها من ألفاظ الطلاق، بحيث لو جرت على ألسنتهم لم يخطر ببالهم ولا في نيتهم أنها لفظ من ألفاظه؛ ولذلك لا تترتب عليها الأحكام التي ترتبت عليها عند أسلافهم الذين تعارفوا عليها؛ هذا إذا لم تكن من ألفاظ صريح الطلاق التي يقع فيها الطلاق في حالتي الجد والهزل؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» [٣٨] . وقد راعى الشارع أمر الزمان والمكان؛ ألا ترى أن حد السرقة هو قطع يد السارق، إلا أنها لو وقعت أثناء غزو الأعداء وفي بلادهم فإنها لا تقطع هناك، بل يلزم تأجيل إقامة الحد، لئلا يداخل صاحبَها حمية الشيطان فيلحق بالكفار؛ والدليل على عدم القطع في الغزو ما ورد عن بسر بن أرطأة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو» [٣٩] ، وعلى ذلك إجماع الصحابة. فالمنكر إذا ترتب على إنكاره ما هو أنكر منه فلا يسوغ إنكاره، وما قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة، ولجعلت لها بابين» [٤٠] إلا دليل صدق على ما نقول. قال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم» [٤١] . والمعروف أن أصحاب الإمام أبي حنيفة خالفوا إمامهم في مسائل كان مبناها على العرف، أو تغير الزمان والمكان والأحوال، لا سيما بعد وفاته، وعلل الفقهاء هذا النوع من الاختلاف بأنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان. والإمام الشافعي صار له مذهب جديد حين استقر به المقام في مصر، لأمور عديدة من أهمها: تغير الزمان، والمكان، والأحوال. ولهذا رجح الفقهاء بعض الأقوال على بعضها الآخر عند اختلافها اعتباراً للعرف، أو الحال، أو الزمان، أو المكان. قال الحصكفي: «قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح، وقد يختلفون في الصحيح، قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف، وأحوال الناس، وما هو الأوفق، وما ظهر عليه التعامل، وما قوي وجهه» [٤٢] . وعلى الفقيه مراعاة الأحوال قبل إصدار فتواه؛ إذ قد يكون الحكم مبنياً على معنى معين ثم تغير ذلك المعنى كما في صدقة الفطر؛ «فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط. وقد قال العلماء: يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أو غيرهما إذا كانت هذه الأصناف غالب أقوات البلد. وعللوا ذلك بأن الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت؛ لأنها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة، ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص» [٤٣] . والمعروف أن «الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال؛ وذلك كله من دين الله» [٤٤] ؛ «فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» [٤٥] . غير أنه لا تصح مخالفة النصوص، أو تأويلها تأويلاً متعسفاً، ولا تطويعها لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع، أو تغير الزمان والمكان؛ فهذا تحريف للكلم عن مواضعه، واتباع لما تهوى الأنفس. ٥ - وخامس ضوابط الفتوى: عدم الإجمال فيما يقتضي التفصيل: إذا كان في المسألة تفصيل فليس للمفتي إطلاق الجواب، بل عليه أن يستفصل السائل حتى يعطيه الجواب الموافق لمسألته؛ لأن إجمال الفتوى في مثل هذه الحالة تجعل الحكم واحداً لصور مختلفة تختلف الفتوى باختلافها، فيجيب بغير الصواب، ويَهلك ويُهلك، وما ذلك إلا لعدم التبين. يدل على ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله ﷺ أن يشهد على غلام نَحَله ابنَه، فاستفصله النبي ﷺ ، وقال له: أكلَّ ولدك نحلته كذلك؟ فقال: لا، فأبى أن يشهد. ويفهم من هذا أن الأولاد إذا اشتركوا في النحل صح ذلك، وإذ لم يشتركوا فيه لم يصح. قال ابن القيم: «وقد استفصل النبي ﷺ ماعزاً لما أقر بالزنا: هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر، أم هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله: بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاح استفصله: هل أحصن أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد» [٤٦] . أما إذا لم تدع الحاجة إلى الاستفصال، فيحسن بالمفتي عند ذلك الإجمال. ٦ - وسادس هذه الضوابط: التجرد من الهوى في المفتي والمستفتي: إن من أهم الضوابط لسلامة الفتوى تجردها من الأهواء، سواء كان مبعثها المستفتي أو المفتي. - أما المستفتي: فقد يدفعه هوى متبع فيزين الباطل بألفاظ حسنة ليغرر بالمفتي حتى يسوغ ذلك للناس، مع أن ما يسأل عنه من أبطل الباطل. قال ابن القيم: «فكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هو أغلب أحوال الناس» [٤٧] . ولهذا اشترط العلماء في المفتي أن يكون متيقظاً حتى لا تغلب عليه الغفلة والسهو، عالماً بحيل الناس ودسائسهم حتى لا يغلبوه بمكرهم، فيستخرجوا منه الفتاوى حسب أهوائهم. قال ابن عابدين: «وهذا شرط في زماننا، وليحترز من الوكلاء في الخصومات، فإن أحدهم لا يرضى إلا بإثبات دعواه لموكله بأي وجه أمكن. ولهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام، وتصوير الباطل بصورة الحق؛ فغفلة المفتي يلزم منها ضرر عظيم في هذا الزمان» [٤٨] . وقال ابن القيم: «ينبغي للمفتي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً، فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع. وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ» [٤٩] . - وأما المفتي فإن تجرده من الهوى أشد لزوماً من المستفتي؛ لأنه مخبر عن الله تعالى؛ فإن أفتى بهواه موافقة لغرضه أو غرض من يحابيه كان مفترياً على الله. لقول الله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النحل: ١١٦-١١٧) . لقد عشنا في زمن سمعنا فيه فتاوى ظالمة، وآراء آثمة، فيها محادة لله ورسوله، منها: القول بجواز ربا البنوك محاباةً لمن يطلب ذلك من أصحاب النفوذ مع أن الله تعالى حرم الربا بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، منها قوله سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ] (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩) ، ورغم هذا الوعيد الشديد فقد خرج على الأمة من أفتاها بجواز ربا البنوك، دون وجل أو خوف من ملك الملوك، أو خشية من عذاب الله، أو رهبة من حرب آذن بها الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال ابن القيم: «لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض؛ فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه، ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر» [٥٠] . لهذا كان من شرائط المفتي عدم تأثير القرابة والعداوة فيه، وعدم جر النفع ودفع الضرر من أجل ذلك المعنى؛ لأن المفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان في ذلك كالراوي لا كالشاهد [٥١] . وقد يداخل الهوى بعض المنتمين إلى العلم «فيتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي، بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه، وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة. وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة، فإن اتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها، والخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى، فليأخد الموفق في هذا الموضوع حذره؛ فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه» [٥٢] . ٧ - وسابع ضوابط الفتوى: أهلية المفتي: لما كان الإفتاء إخباراً عن حكم الله، وكانت الفتوى توقيعاً عن الله، فلا بد للمتصدر للفتوى أن تتحقق فيه الأهلية الشرعية. وقد اشترط الأصوليون لتحقق هذه الأهلية شروطاً معينة، وصفات محددة، نجملها فيما يلي: «أن يكون مكلفاً، مسلماً، ثقة، مأموناً، متنزهاً من أسباب الفسق ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد، حتى وإن كان من أهل الاجتهاد. ويكون مع ذلك متيقظاً، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط [٥٣] . قال ابن قيم الجوزية:» قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء، فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه؟ فقال: يجب على الرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها «. - وقيل لابن المبارك:» متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالماً بالأثر، بصيراً بالرأي «. - وقيل ليحيى بن أكثم:» متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيراً بالرأي، بصيراً بالأثر «. قال ابن القيم بعد الأثرين السابقين: يريدان بالرأي القياس الصحيح، والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام، وجعلها مؤثرة فيها طرداً وعكساً» [٥٤] . لهذا كله ذهب أكثر الأصوليين إلى أن المفتي هو المجتهد [٥٥] . قال الكمال بن الهمام: «وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، وأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد، كالإمام أبي حنيفة على وجه الحكاية، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي» [٥٦] . وقد عبر الأصوليون عن «غير المجتهد» بالمستفتي تارة، وبالمقلد تارة أخرى، ولهذا اختلفوا في جواز إفتائه: - فقال أبو الحسين البصري وغيره: ليس له الإفتاء مطلقاً. - وجوزه قوم مطلقاً إذا عرف المسألة بدليلها. قال كاتب هذه السطور: وهذا أرفق بزماننا الذي خلا عن المجتهد المطلق لئلا تتوقف الفتوى، وتتعاظم البلوى، ويشتد الحرج، وتتعطل مصالح الخلق. ولا يعني هذا أن يتصدر للفتوى من حفظ بعض الأحكام، أو أجاد تنميق الكلام. فقد جاء في البحر المحيط نقلاً عن مختصر التقريب: «وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شدا شيئاً من العلم أن يفتي» [٥٧] . وقال الجويني في شرح الرسالة: «من حفظ نصوص الشافعي، وأقوال الناس بأسرها، غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها، لا يجوز له أن يجتهد ويقيس، ولا يكون من أهل الفتوى، ولو أفتى به لا يجوز» [٥٨] . أما الخصال التي يجب على المفتي الاتصاف بها فقد أجملها الإمام أحمد بن حنبل بقوله: «لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية؛ فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. والثالثة: أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته. والرابعة: الكفاية؛ وإلا مضغه الناس. والخامسة: معرفة الناس» [٥٩] . تلك هي شروط وخصال المفتي أوردتها باختصار يتناسب مع حجم الموضوع.

стр. 4338

دراسات تربوية العادات المحرمة وطرق علاجها د. لطف الله بن عبد العظيم خوجة [*] * العادة المحرمة وهي الذنوب: الكلام فيها يدور حول: ١ - التعريف بالذنوب من حيث انقسامها إلى كبائر وصغائر. ٢ - بيان أن الذنوب قدر واقع لا محالة. ٣ - وجوب مدافعة الذنب وعدم الاستسلام له. ٤ - بيان أن الذنوب مغفورة بشرط. ٥ - خطورة التهاون بالذنب ولو صغر. ١ - التعريف بالذنوب من حيث انقسامها إلى كبائر وصغائر: دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والأئمة على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر [١] ، قال الله تعالى: [إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً] (النساء: ٣١) ، وقال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» [٢] ، فالكبائر هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، كما قال ابن عباس [٣] ، وقال الضحاك: «هي ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا، أو عذاباً في الآخرة» [٤] ، وهو في معنى قول ابن عباس، وهي غير منحصرة في عدد معين. قال ابن عباس ﵄: «هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار» [٥] ، فمحصل الأمر أن الكبيرة ما جاء فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، والصغيرة ما لم يرد فيها شيء من ذلك، إلا أن الصغيرة إذا حصل الإصرار عليها انقلبت كبيرة، كما قال ابن عباس. ٢ - الذنوب قدر واقع لا محالة: إن الأمراض من قدر الله تعالى الذي لا يسلم منه إنسان، فهي شر واقع لا بد منه ولا مفر منه، فالأرض مليئة بأسباب المرض، من جراثيم وميكروبات وأحياء لا تعيش إلا على هلاك غيرها، ولا يخلو إنسان من مرض مهما اتخذ الحيطة والوقاية، لا فرق في ذلك بين غني أو فقير، شريف أو وضيع، كبير أو صغير، ذكر أو أنثى ... وهكذا الذنوب قدر واقع لا بد منه؛ لأن الأرض مليئة بأسباب الذنب، من شيطان لا همَّ له إلا غواية البشر والقعود لهم بكل صراط، ونفس أمارة بالسوء، وهوى مضل عن سبيل الله، مردٍ في أنواع المهالك، إلى شياطين الإنس الذين يميلون بالناس إلى الشهوات ميلاً عظيماً، ويوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن يبغونها عوجاً، فمهما اتخذ الإنسان الحيطة والوقاية والحذر من الذنوب فإنه غير سالم منها؛ لأنها قدر واقع لا يمكن دفعها بالكلية، كما لا يمكن دفع الأمراض بالكلية، وإذا كان الأمر كذلك فهل هذا يعني التهاون بالذنوب وركوبها في كل خاطرة وسانحة بدعوى أنها قدر واقع لا مفر منه؟ الجواب أن نقول: بالرغم من أننا نعلم أن الأمراض قدر واقع فإننا ينبغي أن نتخذ الحيطة والحذر منها بالوقاية منها واجتناب أسبابها، وإذا ما مرضنا لا نستسلم للمرض، بل نكافحه بالعلاج والتداوي، هذا مع أننا نعلم أن من المستحيل السلامة من المرض، فهذا العلم اليقيني الصحيح بحقيقة المرض لم يمنعنا من علاجه والسعي في ذلك بكل ما نملك، وهكذا ينبغي أن نتعامل مع الذنوب، نعم هي من قدر الله تعالى، وكل إنسان مكتوب عليه حظه منها كما كتب عليه حظه من المرض، قال تعالى: [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ] (النجم: ٣٢) ، قال طاووس: «ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:» إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه « [٦] ، إلا أن ذلك لا يمنع من مكافحته وعلاجه والتخلص منه ومن آثاره، لماذا؟ لأنه كما يمكن الاحتياط من المرض، كذلك يمكن الاحتياط من الذنب، وكما أن للمرض علاجاً، فكذا للذنب علاج؛ ولأن المرض إذا ترك بدون علاج تفاقم وأهلك البدن، وكذا الذنب إذا ترك بدون علاج تفاقم وأهلك الروح، وهلاك الروح أشد من هلاك البدن، فالنجاة يوم الدين مترتبة على سلامة الروح لا سلامة البدن، قال تعالى: [يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء: ٨٨-٨٩) ، فلا بد إذن من علاج الذنب وعدم الاستسلام له، وحول هاتين الحقيقتين نجد الشرع يدندن، فهو حين يذكر أن الذنب حقيقة مقدرة على البشر، لا يفوته أن يذكر فضل المدافعين له والمتحامين منه، يقول عليه الصلاة والسلام:» كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون « [٧] ، ويقول:» لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم « [٨] ، وعن ابن عباس مرفوعاً:» ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب، يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتناً، تواباً، نسياً، إذا ذكر ذكر « [٩] . ٣ - وجوب مدافعة الذنب وعدم الاستسلام له: إن الوقوع في المعصية صغيرة كانت أم كبيرة لا يعني الاستسلام، إن العبد إذا عصى أظلم قلبه وتكدرت نفسه، وهذه فرصة للإقبال على الطاعة بصدق وندم؛ حيث يكون القلب منكسراً مخبتاً، فإحداث الطاعة في هذه اللحظة مما يقرب العبد إلى ربه، لشعوره بحاجته إليه في العفو والمغفرة والتوبة، ولأن هذا الشعور مما يورث الخشوع في العبادة والتطلع إلى الرحمة والذلة والمسكنة لله تعالى، وهذا ما يريده الله من عبده ويرضيه عنه ويوجب له القبول، ودائماً ما يخطئ العصاة عندما يقعون في الذنب فيستسلمون للشيطان بعدها، فيتركون الطاعات المفروضة والنوافل المستحبة بدعوى أنهم عصاة، وأن الله لن ينظر إليهم، وأنهم إن قاموا بالطاعة وهم عصاة لبسوا لباس المنافقين، فالشيطان بهذه الطريقة يحكم قبضته عليهم، فهو الذي أوقعهم في المعصية أولاً، ثم اليأس وإهمال الطاعة ثانياً، وكان من الحكمة أن ينتبه الإنسان إذا عصى ألاَّ يزله الشيطان ثانية كما أزله أول مرة، وقد قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ] (الأعراف: ٢٠١) ، فالمؤمن إذا زل تذكر عقاب الله وثوابه، فتاب وأناب ورجع، فإذا هو أصح مما كان [١٠] ، فلا يدع للشيطان فرصة ليزله مرة أخرى، ليتخيل العاصي عدواً أمامه طرحه أرضاً، هل يستسلم له ويمد له يديه ورجليه ليضع فيهما القيد ليكون أسيراً عنده، وفيه بقية قوة يقدر أن يدفع بها، أم أنه يحاول الخروج من تلك الأزمة بمعاودة الهجوم على عدوه أو الفرار منه؟ الواضح أن الذي يحدث أن المغلوب لا يستسلم بسهولة لعدوه، بل يصابره ويجاهده ما دام يملك من القوة ولو أقل القليل، هذا المبدأ في قتال الناس بعضهم بعضاً، وهو عدم الاستسلام من أول مرة، لا يطبقه أكثر الناس في حربهم مع الشيطان، فيستسلمون له من أول هزيمة، وإلا فالواجب إذا ما وقع الإنسان في معصية ما أن يصابر الشيطان بفعل الطاعات والتوبة، وعدم اليأس. لما شرب قدامة بن عبد الله الخمر متأولاً جلد، فكاد اليأس يدب في قلبه فأرسل إليه عمر يقول:» قال تعالى: [حم * تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ] (غافر: ١-٣) ، ما أدري أي ذنبيك أعظم، استحلالك للخمر أولاً أم يأسك من رحمة الله ثانياً؟ « [١١] ، وهذا منهج نبوي، يمنح العاصين الفرصة للعودة مرة أخرى إلى رحاب الطاعة، ويغلق دونهم أبواب اليأس، ويزرع الأمل في نفوسهم. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:» يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله ﷺ شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله بصره ثم قال: ردوه عليَّ، فردوه عليه، فقرأ عليه: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (هود: ١١٤) . فقال معاذ: يا رسول الله! أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: «بل للناس كافة» [١٢] . وعن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يذنب ذنباً، فيتوضأ فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له» [١٣] . ٤ - بيان أن الذنوب مغفورة بشرط: وبما أن الذنوب قدر واقع فإن الله تعالى برحمته يغفرها تباعاً إذا لزم الإنسان الفرائض وحافظ عليها وأقامها، كما أن الجسد الصحيح يقضي على الجراثيم التي تهاجم الجسم بما فيها من مقاومة طبيعية سببها الغذاء الصحيح السليم دون الحاجة إلى الدواء، فالطهارة والصلاة والصيام والحج تغفر الذنوب تباعاً، جاء في الأثر: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» [١٤] ، وعن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفوراً له» [١٥] ، ويقول ﵊: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» [١٦] . فهذه المفروضات تغفر الذنوب الصغائر منها لا الكبائر، فالكبائر لا بد لها من توبة خاصة أو حسنات كبيرة كالجهاد والصدقات، لأنها كبائر، ومثل ذلك لا يغفر بمجرد المحافظة على المفروضات، وهذا مثل بعض الأمراض المزمنة والصعبة لا يكفي في علاجها الحرص على الوقاية والحمية والغذاء السليم، فلا بد من تدخل خارجي ومدد يستعين به الجسم في مكافحة المرض، وكذا الكبائر لا بد لها بالإضافة إلى المحافظة على المفروضات من توبة واستغفار وحسنات عظيمة من صدقة وجهاد وإحسان إلى العباد، وهذه هي دلالة قوله: «ما اجتنبت الكبائر» ؛ أي أن الكبائر لا تكفر بمجرد فعل الواجبات، بل لا بد من التوبة والكفارات إن كان للذنب كفارة، وهذا يدل على خطر الكبائر، وعقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة أنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له [١٧] ، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء] (النساء: ٤٨) ، ومعنى: [مَا دُونَ ذَلِكَ] ، أي الكبائر، وقال تعالى: [إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً] (النساء: ٣١) ، فعلق الوعد الكريم باجتناب الكبائر، وقال تعالى: [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ] (النجم: ٣٢) ، فمدحهم على اجتناب الكبائر، وقد وصفت الكبائر بأنها موبقات، فقال ﵊: «اجتنبوا السبع الموبقات» [١٨] ، والكبائر مثل: عقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات الغافلات، وشرب الخمر، وأكل الربا، وفعل الزنا، والتبرج والسفور، والغدر والخيانة ونحوها. ٥ - عدم التهاون بالذنب ولو كان صغيراً: ولا يعني هذا التهاون بالصغائر؛ فإن الصغائر مع كونها صغائر إلا أنها إذا اجتمعت على الإنسان أهلكته، كما قال ﵊: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» [١٩] ، وقد قال ابن عباس ﵄: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» [٢٠] ، فالصغيرة تنقلب كبيرة مع الإصرار عليها، ودليل هذا القول قوله تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ] (آل عمران: ١٣٥-١٣٦) ، فلا ينظر العبد إلى صغر المعصية، ولكن لينظر إلا عظم من عصى، فالكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وهذا أمر يرجع إلى ما يقوم بالقلب، قال أنس بن مالك: «إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات» [٢١] ، فالصحابة لعلو مرتبتهم عند الله وكمالهم كانوا يعدون تلك الأعمال من الموبقات، ومَنْ بعدهم لنقصان مرتبتهم صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر، فاستصغار الذنب يكبره عند الله، واستعظامه يصغره عند الله [٢٢] . النتيجة في بيان كيفية معالجة العادات المحرمة، وهي الذنوب: ١- الوقاية من الذنوب، كما يتوقى من الأمراض. ٢- مدافعة الذنب وعدم الاستسلام له، كما يدافع المرض ولا يستسلم له. ٣- معالجة الذنب، كما يعالج المرض، وذلك بما يلي: * بالقيام بالطاعات الواجبة، كالصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والحج، لتكفيرها الصغائر ما اجتنبت الكبائر. * بالحرص على النوافل والحسنات الكبيرة الماحية، كالجهاد والصدقات. * ملازمة التوبة والاستغفار. ٤- تعظيم الرب سبحانه، وعدم التهاون بالمعصية ولو كانت صغيرة. * موقف المجتمع من أصحاب العادات المحرمة: السهام موجهة نحو العاصين، زجراً وتقريعاً وربما تشهيراً.. نعم! إن الغيرة على المحارم هي التي تدفع إلى مثل ذلك، لكن قد يكون الدافع الشماتة، وبعض الناس يبالغ في تثريب العاصين، بل ربما سدوا أمامهم أبواب الرجوع إلى رحاب الطاعة.. فهذه القضية من القضايا الحية التي تمر بنا كل حين، ولا شك أن المبالغة في زجر العاصين خلاف منهج النبوة، فكيف علاج هذه المشكلة؟ وما الطريق الصحيح لاحتواء المذنبين؟ فهم منا، ونحن منهم، وهم إخواننا ولو ارتكبوا الكبائر من الذنوب، فإن معتقد أهل السنة والجماعة في العاصي أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يحل كراهيته من كل وجه، بل يكره من حيث المعصية، ويحب من حيث الطاعة، وهذا خلاف منهج الخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر ويحكمون عليهم بالخلود في النار [٢٣] . إن حسن التعامل مع العاصين يقوم على ثلاثة أمور: ١ - عدم الرضا عن النفس. ٢ - الخوف من تقلب القلوب. ٣ - اتباع المنهج النبوي في التعامل مع أصحاب الذنوب. فأما الأمر الأول: وهو عدم الرضا عن النفس فبيانه [٢٤] : أن كل طاعة استكثرتها ورضيتها أيها الطائع من نفسك فهي عليك، وكل معصية عيرت بها أخاك المذنب فهي إليك، فرضاء العبد واستكثاره لطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية لله تعالى، وعدم عمله بما يستحقه الرب ﷻ ويليق أن يعامل به. فجهل الإنسان بحقيقة نفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به، يتولد منهما رضاه بطاعته، وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك: من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة، من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها. فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده. وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال: [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: ١٩٨-١٩٩) ، وقال تعالى: [وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] (آل عمران: ١٧) ، قال الحسن: «مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله » ، وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثاً، ثم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» [٢٥] ، وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] (النصر: ١-٣) ، ومن ههنا فهم عمر وابن عباس ﵃ أن هذا أجل رسول الله ﷺ أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه، فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء، فاجعل خاتمته الاستغفار، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل الاستغفار، وخاتمة الوضوء أيضاً أن يقول بعد فراغه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» [٢٦] ، فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها، لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم، قال بعض العارفين: «متى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أنه غير راض به» ، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟ ، بل كلما عظم المطلوب في قلبك، صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيل المطلوب، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية لله تعالى، وعرفت الله، وعرفت النفس تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت الثقلين خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضاً بكرمه وجوده وتفضله، كما في حديث أبي بن كعب: «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم» [٢٧] ، وقد قال رسول الله ﷺ : «لن يُدخِل أحداً عمله الجنة، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة» [٢٨] . أما الأمرالثاني: وهو الخوف من تقلب القلوب: فإن الأصل في المؤمن الخوف من الرب سبحانه من عذابه، ومن مكره؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فكم من رجل أصبح مؤمناً وأمسى كافراً، وكم من إنسان عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فسبق عليه الكتاب فعمل بعمل أهل النار فدخلها، فلا يضمن إنسان لنفسه النجاة وثبات الحال، وقد كان من دعاء النبي ﷺ : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [٢٩] ، وكانت يمينه: «لا، ومقلب القلوب» [٣٠] ، فالمؤمن يخاف على إيمانه من التبدل، فمن الذي يقدر أن يشهد لنفسه بالجنة، وقد كان الصحابة يخافون على أنفسهم النفاق، كما قال ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف على نفسه النفاق، ما منهم من أحد يقول: أنا على إيمان جبريل وميكائيل» ، ويقول الحسن: «ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق» [٣١] ، بل تجد المؤمن يقوم بالطاعات، وهو يخاف أن ترد ولا تقبل، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ] (المؤمنون: ٥٧-٦٠) ، قالت عائشة: «هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟» ، قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله » [٣٢] ، فالمؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً، يقول تعالى: [أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] (الأعراف: ٩٩) . فهذا هو المنهج النبوي الذي يجب اتباعه في باب الطاعة: عدم الرضا عن النفس، والخوف من تقلب القلوب، والخوف من رد الطاعات وعدم قبولها، من سار في طاعته وحياته على هذه القاعدة فهو الناجي المتبع لنهج الأنبياء والصحابة، يقول رسول الله ﷺ : «ما أدري والله وأنا رسول الله ما يفعل بي» [٣٣] ، قال تعالى: [قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُم] (الأحقاف: ٩) ، فإذا كان هذا حال رسول الله ﷺ فكيف لمن دونه أن يغتر بطاعاته ويأمن مكر الله تعالى؟ فإذا وقر هذا في القلب كانت النتيجة النظر بعين الرحمة والرأفة إلى كل من تلبس بمعصية أو زلة، فإن الزلات والمعاصي قريبة من العبد: [وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (النور: ٢١) ، ومن سلم منها فبرحمة الله وفضله، ومن وقع فيها فلأن الله وكله إلى نفسه، فإذا فهم هذا فالواجب على الإنسان أن يخاف الزلة والانتكاسة، وأن يقبل على المذنبين بقلب رؤوف ليستنقذهم من الزلة، ويرفعهم من المحنة، فهم ضحايا أعداء الإنسانية، النفس والهوى والشيطان، هذه الثلاثة هي مثلث الخطايا، ومأوى كل شر، ومصدر كل سوء، فما وقع الإنسان في الخطيئة إلا بسببها، والبشرية في عناء من كيدها، ولن ينجي منها إلا التعاون والاتحاد ضدها، لا الانضمام إليها، فمن زبر العاصين بعنف وبالغ في التثريب فإنما يكون عوناً للشيطان، ومثله كمثل إنسان رأى أحدهم وقد اجتمع عليه ثلاثة نفر يضربونه من كل ناحية فبدلاً من أن يمنعهم من العدوان صار رابعهم المعين لهم، إن العاصي محتاج إلى من يقف معه في معركته مع الشيطان وجنده، وليس بحاجة إلى من يقف مع الشيطان. وأما الأمر الثالث وهو: المنهج النبوي في التعامل مع أصحاب الذنوب: فقد كان رسول الله ﷺ في كل مناسبة يبين هذه القاعدة المهمة في التعامل مع العصاة، كان رجل يؤتى به كثيراً ليجلد في شرب الخمر، فأتي به مرة فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله» [٣٤] ، فقد شهد له بالإيمان ليحملهم على محبته، ومنعهم من لعنه؛ لأنه ليس كل معصية تستحق اللعنة؛ ولأن من الممكن أن تجتمع الحسنات والسيئات والثواب والعقاب في الشخص الواحد، وهذا قول الصحابة وأئمة الإسلام الذين يقولون بعدم خلود صاحب الكبيرة في النار إن دخلها [٣٥] ، ولما رجمت الغامدية حد الزنا تناثر دمها على خالد ﵁ فسبها، فسمع رسول الله ﷺ سبه إياها، فقال: «مهلاً! يا خالد! فو الذي نفسي بيده، لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس لغفر له» ، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت [٣٦] ، وقال بعد رجم ماعز: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: «غفر الله لماعز بن مالك» ، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» [٣٧] . ومنع ﵊ من التثريب على المذنبين إذا أقيم عليهم الحد [٣٨] ، وقد سار الصحابة على هذا المنهج، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا مع عمر في مسير فأبصرنا رجلاً يسرع في سيره، فقال: إن هذا الرجل يريدنا. فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فقال عمر: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني شربت الخمر فضربني أبو موسى وسوَّد وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أُعرَف فيه، أو ألحق بأرض الشرك. فبكى عمر رضوان الله عليه وقال: ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك. وقال: إن كنتُ لمن شرب الخمر، فلقد شرب الناس الخمر في الجاهلية. ثم كتب إلى أبي موسى: إن فلاناً أتاني، فذكر كيت وكيت، فإذا أتاك كتابي هذا فمُر الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه، وإن تاب فاقبل شهادته. وكساه وأمر له بمائتي درهم «. وعن يزيد بن الأصم:» أن رجلاً كان ذا لباس، وكان يوفد إلى عمر لباسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده، فسأل عنه فقيل: يتابع في هذا الشراب، فدعا كاتبه، فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليكم: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو [غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ] (غافر: ٣) ، ثم دعا وأمَّن وأمَّن من عنده، ودعوا له أن الله يقبله ، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: [غَافِرِ الذَّنبِ] ، قد وعدني ربي أن يغفر لي، [وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَاب] قد حذرني الله من عقابه، [ذِي الطَّوْل] والطول: الخير الكثير، [إِلَيْهِ المَصِيرُ] . فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع، فلما بلغ عمر رضوان الله عليه خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاً لكم زل زلة، فسددوه، وادعو الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه « [٣٩] . إن الرضا عن النفس والأمن من مكر الله ينتج عنه الحكم للنفس بالنجاة وعلى الآخرين بالهلاك، وهذا غاية الغرور، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:» كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر. قال: خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ قال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة. فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً؟ ! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار «قال أبو هريرة:» والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته « [٤٠] . * فائدة الذنب: إن الله كتب على عباده المعصية؛ ليبتلي الطائعين بالعاصين، والعصاة بالطائعين، كتبها وهو أعلم بعباده وما ينفعهم، وهو يعلم أن بعض الذنوب تستخرج من النفوس ذنوباً هي أكبر، فهي كالمرض الذي به يشفي المريض من أمراض أخرى، وصدق رسول الله ﷺ حين قال:» لو لم تكونوا تذنبون، لخفتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب، العجب « [٤١] .

стр. 4339

قضايا دعوية موقف السلف من نشر أو سماع شبهات أهل البدع عبد العزيز بن ناصر الجليل إن نشر وقراءة وسماع الشبهات والأفكار المنحرفة سواء كانت على هيئة حوارات، أو محاضرات، أو منتديات، أو تمثيليات.. إلخ. من غير إنكار ولا رد: إن كل ذلك مما يجب على المسلم أن يمنع قلمه وسمعه وبصره منه لكيلا يتشرب القلب ببعض هذه الشبهات، ولكي يحفظ المسلم وقته وعمره من أن يضيع فيما لا ينفعه في الآخرة. ولكي لا يتحمل وزر غيره ممن يضلّون بسماعهم أو قراءتهم لما ينشر من الشبهات. قال الله تعالى: [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ] (النحل: ٢٥) . أما من كانت لديه القدرة على رد الشبهات وتفنيد الباطل وفضحه للناس؛ فإن الأمر حينئذ يختلف ويصبح في سماع الباطل مصلحة لمعرفة من وراءه والرد عليه وفضحه للناس وحمايتهم من خطره وشبهاته. وقد حذر الله المؤمنين من حضور المجالس التي يخاض فيها بالباطل، فقال: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (الأنعام: ٦٨) . وقد جعل الله المشارك في مجالس الباطل دون إنكار لما فيها من الأقوال الباطلة من ضمن أهل الباطل؛ وذلك في قوله تعالى: [وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] (النساء: ١٤٠) . وإن مما يؤسف له اليوم تلك المواقف المتميعة من بعض الدعاة تجاه الأقوال المبتدعة والأفكار المنحرفة؛ حيث مكنوا لأهل البدع والعلمنة أن يقولوا باطلهم في مجلاتهم، ومواقعهم الإسلامية في شبكة (الإنترنت) أو في بيوتهم، ومنتدياتهم، وألقوا سمعهم إليهم بحجة الحرية الفكرية والنقاش الحر!! حتى أضحت تلك المنابر طريقاً للاختراق الثقافي العلماني والبدعي، وسلماً لتزيين الباطل وتلميع رموزه ودعاته، وأخشى أن يكون أولئك ممّن قال الله فيهم: [يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِم] (الحشر: ٢) . ففي هذا مخالفة لكتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح ﵃. أما المخالفة للقرآن الكريم فكما مر بنا في آية الأنعام وآية النساء من النهي عن مجالسة الخائضين في الباطل، إلا أن يبين باطلهم وينكر عليهم، في حالة عدم القدرة على منعهم. أما أن تفتح لهم أبواب المجلات والمواقع والبيوت فهذا منكر قد نهى الله عنه أشد النهي. يقول الشيخ السعدي - رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى في سورة الأنعام: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (الأنعام: ٦٨) ] : «المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله. فأمر الله رسوله أصلاً، وأمته تبعاً، إذا رأوا من يخوض في آيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره. فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة، كان مأموراً به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به. وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق. ثم قال: [وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ (الأنعام: ٦٨) ] أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة: [فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأنعام: ٦٨) ] يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار. فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: [وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (الأنعام: ٦٩) ، أي: ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى» [١] . ويقول الشيخ رشيد رضا - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية: «والصواب من القول في الآية أنها عامة، وأن المخاطب بها أولاً بالذات سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وكل من كان معه من المؤمنين؛ فكل ما ورد عن السلف في تفسيرها صحيح. والمعنى العام الجامع المخاطب به كل مؤمن في كل زمن:» وإذا رأيت « أيها المؤمن [الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا (الأنعام: ٦٨) ] المنزلة، من الكفار المكذبين، أو من أهل الأهواء المفرقين، [فَأَعْرِضْ عَنْهُم (الأنعام: ٦٨) ] أي: انصرف عنهم وأرهم عرض ظهرك، بدلاً من القعود معهم، أو الإقبال عليهم بوجهك، [حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (الأنعام: ٦٨) ] أي غير ذلك الحديث الذي موضوعه الكفر بآيات الله والاستهزاء بها من قِبَل الكفار، أو تأويلها بالباطل من قِبَل أهل الأهواء، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء، وتفنيد أقوال خصومهم بالجدل والمراء؛ فإذا خاضوا في غيره فلا بأس بالقعود معهم. وقيل إن الضمير في» غيره «للقرآن لأنه هو المراد بالآيات فأعيد الضمير عليها بحسب المعنى. وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم، وإغراء بالتمادي فيه، وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه. والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراءٍ أو كافر مجاهر. وفي التأويل لنصر المذاهب أو الآراء، مزلقة في البدع واتباع الأهواء، وفتنته أشد من فتنة الأول، فإن أكثر الذين يخوضون في الجدل والمراء من أهل البدع وغيرهم تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق ويخدمون الشرع، ويؤيدون الأئمة المهتدين، ويخذلون المبتدعين المضلين. ولذلك حذر السلف الصالحون من مجالسة أهل الأهواء أشد مما حذروا من مجالسة الكفار؛ إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يخشى عليه من فتنة المبتدع؛ لأنه يحذر من الأول على ضعف شبهته، ما لا يحذر من الثاني وهو يجيئه من مأمنه، ولا يعقل أن يقعد المؤمن باختياره مع الكفار في حال استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم به وطعنهم فيها كما لا يقعد مختاراً مع المجادلين فيها المتأولين لها، وإنما يتصور قعود المؤمن مع الكافر المستهزئ في حال الإكراه وما يقرب منها كشدة الضعف، ولا سيما إذا كان في دار الحرب. ولم تكن مكة دار إسلام عند نزول هذه الآيات. ويدخل في أهل الأهواء المقلدون الجامدون الذين يحاولون تطبيق آيات الله وسنن رسوله على آراء مقلديهم بالتكلف، أو يردونها ويحرّمون العلم بها بدعوى احتمال النسخ أو وجود معارض آخر ... » [٢] . أما ما ورد في السُّنة من النهي عن سماع الباطل، والخوض في آيات الله عز وجل فكما روى اللالكائي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا، وكذا؟ قال: فسمعهم رسول الله ﷺ فخرج فكأنما فُقِئَ في وجهه حب الرمان فقال: «بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم أن تضربوا القرآن بعضه ببعض؟ إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا. فانظروا الذي أُمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه» [٣] . فهذا نبي الله ﷺ غضب أشد الغضب وأمرهم بالكف، ولم يفتح لهم باب الحوار والمناظرة بحجة حرية الحوار والفكر!! لأنه صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته يخاف عليهم مما يكون سبباً في زيغهم وانحرافهم. وأما ما جاء عن السلف ﵃ من التشديد على أهل البدع وعدم السماع منهم، أو إعطائهم المجال لطرح أفكارهم وآرائهم؛ فالروايات في ذلك كثيرة ومن أشهرها: موقف عمر بن الخطاب ﵁ من صبيغ بن عِسْل: فقد روى اللالكائي بسنده قال: أخبرنا أحمد بن علي بن العلاء قال: حدثنا أبو الأشعث، قال: حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار، أن رجلاً من بني تميم يقال له صبيغ بن عِسْل قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁ فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه وجلس قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأومأ عليه، فجعل يضربه بتلك العراجين؛ فما زال يضربه حتى شجه، وجعل الدم يسيل عن وجهه، قال: حسبُك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي [٤] . فهذا هو فعل عمر ﵁ مع الخائضين في الباطل المتبعين للشبهات؛ حيث لم يمكِّنهم من قول الباطل بحجة النقاش الحر وحرية التفكير!! وكان الحسن - رحمه الله تعالى - يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم [٥] . وكان ابن طاووس جالساً فجاء رجل من المعتزلة قال: فجعل يتكلم قال: فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه. قال: وقال لابنه: أيْ بنيَّ أدخل اصبعيك في أذنيك، واشدد لا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف. وأختم هذه المواقف بكتاب أرسله سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى الشيخ العلاَّمة محب الدين الخطيب - رحمهما الله - ينبهه فيه سماحته حول ملحوظة وردت في مقال نشر في المجلة التي كان يصدرها محب الدين الخطيب. فإليك نصَّها: (من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم العلاَّمة الشيخ محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر الغراء [٦] وفقه الله آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد: فقد اطلعت على الكلمة المنشورة في مجلتكم الغراء عدد ربيع ثانٍ سنة ٧٦ صفحة ٣٥٤ للشيخ محمد الطنيخي مدير عام الوعظ والإرشاد للجمهورية المصرية؛ حيث يقول في آخرها ما نصه: «قد علمت أن الإيمان عند جمهور المحققين هو التصديق بما جاء به النبي ﷺ ؛ وهذا التصديق هو مناط الأحكام الأخروية عند أكثرهم؛ لأنه هو المقصود من غير حاجة إلِى إقرار أو غيره؛ فمن صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه، ولم يعمل بجوارحه كان مؤمناً شرعاً عند الله تعالى ومقره الجنة إن شاء الله» انتهى. فاستغربت صدور هذا الكلام، ونشره في مجلتكم الغراء الحافلة بالمقالات العلمية والأدبية النافعة من جهتين: إحداهما: صدوره من شخصية كبيرة تمثل الوعظ والإرشاد في بلاد واسعة الأرجاء كثيرة السكان. والجهة الثانية: نشره في مجلتكم وسكوتكم عن التعليق عليه، وهو كلام كما لا يخفى فيه تفريط وإفراط؛ تفريط في جانب الدين، ودعوة إلى الانسلاخ من شرائعه، وعدم التقيد بأحكامه، وإفراط في الإرجاء يظن صاحبه أنه على هدى، ويزعم أنه بمجرد التصديق قد بلغ الذروة في الإيمان، حتى قال بعضهم: إن إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر بناءً على هذا الأصل الفاسد، وهو أن الإيمان مجرد التصديق وأنه لا يتفاضل! ولا شك أن هذا خلاف ما دل عليه القرآن والسُّنَّة، وأجمع عليه سلف الأمة. وقد كتبت في رد هذا الباطل كلمة مختصرة تصلكم بطيه، فأرجو نشرها في مجلتكم، وأرجو أن تلاحظوا ما ينشر في المجلة من المقالات التي يخشى من نشرها هدم الإسلام؛ فتريح الناس من شرها والرد عليها لأمرين: أحدهما: أن نشر الباطل من غير تعليق عليه نوع من ترويجه والدعوة إليه. والثاني: أنه قد يسمع الباطل من لا يسمع الرد عليه فيَغتَرُّ به، ويتَّبع قائله، وربما سمعها جميعاً فعشق الباطل وتمكن من قلبه، ولم يقوَ الردُّ على إزالة ذلك من قلبه؛ فيبقى الناشر للباطل شريكاً لقائله في إثم من ضل به. عصمني الله وإياكم وسائر إخواننا من أسباب الضلال والإضلال، وجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وليكن على بال فضيلتكم ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» [٧] . والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) [٨] . وأقوال السلف ومواقفهم في هذا الشأن كثيرة ومعروفة. فهل بعد كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ ، ومواقف سلفنا الصالح من كلام أو اجتهاد لمجتهد يرى فتح الباب لأهل الأهواء ليقولوا باطلهم بحرية ثم يرد عليهم بعد ذلك من شاء؟! ويا ليت أن الأمر اقتصر عندهم على سماع الباطل من مواقع أهل الفساد؛ إذن لكان الخطب أهون؛ ولكن المصيبة أن يفتح بعض الإسلاميين صحفهم ومجلاتهم، ومواقعهم، وبيوتهم ومنتدياتهم، ويدعون أهل الأهواء إليها ضيوفاً مكرمين. يتصدرون المجالس، والصفحات، ليقولوا فيها باطلهم، ويُعْطون من الوقت والكتابة ما لا يعطى لأهل الحق وأتباع السلف!! إن فتح باب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن لا تعني أن تفتح الأبواب مشرعة لكل فكر دخيل ورأي سقيم يتطاول على عقيدة الأمة وثوابتها، ولا تعني التمكين له والاحتفاء به ونشره بين الخاصة والعامة، بل إن الواجب الشرعي يقتضي نصرة الحق وردّ الباطل وكشف زيوفه. وعندما ننهى عن التمكين للعلمانيين والمبتدعة في منابرنا الإعلامية فلا يعني هذا قمع المخالف والتسلط عليه كما يزعم بعضهم، ولا أن أهل الحق أضعف من أن يقيموا الحجة وأجبن من أن يناظروا غيرهم كما يزعم آخرون؛ ولكن لا بد أن تحفظ الأمة بسياج من العلم والتقى يحميانها من شبهات أهل الأهواء، وأحابيل أهل الزيغ والضلال. ومناظرة العلمانيين ورؤوس المبتدعة لها طرائقها ووسائلها العلمية التي تحقق المقصود بعيداً عن فتنة العامة وأنصاف المتعلمين الذين لا يقدرون هذه الأمور التقدير الصحيح، وصدق علي بن أبي طالب ﵁ بقوله: «ما أنت محدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» . وإنني أؤكد هنا أن الرأي الآخر الذي ينبغي أن تفتح له الأبواب، ويقدر أهله، هو الرأي الاجتهادي الذي يسوغ فيه الاختلاف عند علماء الأمة وهو الرأي الذي يبنى على الدليل والبرهان، وينطلق من ثوابت الأمة وقواعد الاستدلال العلمي، والحوار في هذه الدائرة هو الذي نص الأئمة على قبوله وسعة الصدر عند وجوده، فما زال الأئمة يجتهدون ويخالف بعضهم بعضاً في مسائل عديدة ويتحاورون محاورة علمية تثري العلوم وتحيي الملكات. أما الرأي الآخر الذي يتجاوز ثوابت الأمة، ويتمرد على أصولها وعقيدتها فحقه الهجر، ويجب الرد عليه وكشف انحرافاته. إن هذا الأمر خطير يجب الإقلاع عنه حتى لا يحمل فاعله وزر نفسه ووزر من يضلهم بأقوال المبطلين بحجة (الرأي والرأي الآخر!) وحرية الفكر كما زعموا. أسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4340

تأملات دعوية الخطاب الدعوي بين العامة والخاصة محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com الدعوة الإسلامية ليست منبراً فكرياً يخاطب الخاصة والمثقفين، وليست مجرد دعوة جماهيرية، وليست مجرد منهج تهذيب سلوكي.. إنها تتجاوز ذلك كله. إنها دعوة للناس كلهم لأن يكونوا عباداً لله ﵎؛ وهذا يقتضي قدراً من الاتساع لميادين الخطاب الدعوي لا يتحقق لأي فكرة أو دعوة. إن الصحوة الإسلامية اليوم بحاجة إلى خطاب لعامة الناس أو من يسمون بالجماهير وبحاجة لخطاب الخاصة أو من يسمون بالنخب ولكل فئة من هذه الفئات سمات وخصائص تميزها عن غيرها. فخطاب العامة يحتاج إلى أن تزيد فيه شحنة العاطفة، وإلى أن يدور حول المشكلات والقضايا التي تلامس اهتمامهم، وإلى أن يتسم الخطاب المسموع منه بسمات الجاذبية في الإلقاء والحديث. وخطاب الخاصة يحتاج إلى أن تزيد فيه اللغة الفكرية والعلمية الناضجة، وأن يرتكز على الإقناع، وإلى أن يسعى إلى تشكيل الاهتمامات وإعادة صياغتها [١] . وتمثل سعة الانتشار وأرقام توزيع المادة مقياساً مهماً لمدى نجاح الخطاب المقدم للعامة، بينما يخضع الخطاب المقدم للخاصة إلى معايير أخرى. ربما يكون إدراك هذه القضية ليس أمراً شاقاً، لكن التعامل مع نتائجها هو الأهم؛ ذلك أنه لا توجد حدود صارمة تفصل بين هذين المجالين من مجالات الخطاب. * ومن هذه النتائج: - كثير من جيل الصحوة تمثل المادة المقدمة إلى عامة الناس بما فيها من جاذبية وتفاعل مع المشاعر المصدر الأساس الذي يتعامل معه، ومن ثم فإنها تسهم بشكل كبير في تشكيل ثقافته. وهذا أدى إلى تضييق مجالات الاهتمام حول دائرة محدودة، وإلى زيادة نسبة العاطفة في التفكير، وإلى سطحية في التعامل مع الظواهر والمشكلات، وغير ذلك من الظواهر المرتبطة بنمط الثقافة، مما يفرض السعي إلى تداركه والاعتناء به. - ثمة عناصر يقتصر نجاحها على أن تجيد خطاب الجماهير واستثارة اهتمامها، إلا أن زخم الخطاب الجماهيري قد يدفع ببعض هؤلاء إلى الولوج إلى دوائر أخرى وقيمة كل امرئ ما يحسن. - صدور الآراء من أشخاص ذوي تأثير وانتشار يعطيها في الأغلب أكثر من قيمتها العلمية، ويعفيها من كثير من خطوات التأمل والتقويم لدى فئة عريضة من شباب الصحوة، وكثير من هؤلاء قد لا يجيدون التفريق بين الشخصيات التي تجيد خطاب العامة، وتلك المؤهلة لأن يبرز رأيُها في قضايا الصحوة، أو قضايا الأمة الشائكة. - تختلط الأمور لدى طائفة من المتحدثين حديثاً مسموعاً وربما مكتوباً، فيخاطبون العامة بلغة وعقلية الخاصة: «وما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» ، أو يخاطبون الخاصة بلغة وعقلية العامة، وينتظرون منهم مستوى من التلقي لا يليق إلا بالعامة. - قد نخلط في معايير تقويم الخطاب؛ فحجم الانتشار وأرقام التوزيع على سبيل المثال من أكثر معايير نجاح الخطاب المقدم للعامة وإن كانت تؤثر فيه اعتبارات أخرى كالدعاية والخلفية عن المتحدث بينما تقل قيمة هذا المعيار في تقويم الخطاب المقدم للخاصة. ومنشأ الخلط أن نقوِّم الخطاب المقدم للعامة من خلال صرامة عقليتنا الفكرية، أو أن نقوِّم خطاب الخاصة من خلال الانتشار أو التأثير العاطفي. إن استقرار الإيمان بالتخصص، وسعة المجالات، والفصل بين الحكم على ذوات الأشخاص وتقويم نتاجهم، إن ذلك سيعيننا على تجاوز كثير من إشكالات الخلط بين خطاب العامة والخاصة.

стр. 4341

نص شعري سفينة النجاة عبد الرحمن بن صالح الحمادي (.. إلى ملاحي «سفينة النجاة» الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.. الذين أبحروا بأهل الإيمان في بحر خير الأديان بعدما قادها خيرُ رُبّان صلى الله عليه وسلم: اصبروا واحتسبوا.. أنتم في عز ما تمسكتم بدينكم، ولن يضركم كيد المرجفين، ولن تُرديكم سهام الحاقدين.. إلى الله.. في سفينة النجاة..) . ... تَسَامَيْ عن الحُسّادِ، وارْسَيْ على البَحْرُِ ... ... ... ... ... ... وصُوني حِمى الإسلام يا هيئة الأمْرِ ... ... سفينةَ مَن يرجو النجاةَ ببحرهِ ... ... ... ... ... ... وجسراً لِمُرتادٍ، ونوراً لِمَن يَسْري ... ... سقى نَبْتَكِ (الفاروقُ) من ماء فضلِهِ ... ... ... ... ... ... فَفُتِّقَتِ الأكمامُ عن أينعِ الزَّهْرِ ... ... وما كُنتِ في الإسلام إلا حَصانةً ... ... ... ... ... ... تًَذودُ عن الأعراض مِن راغب الشَّرِّ ... ... تُنادين للتشريع تُرعَى حُدُودُهُ ... ... ... ... ... ... لينجُوَ مَن يخشى الإلهَ مِنَ السُّعْرِ ... ... تقوم إذا ما قُمتِ كلُّ إمارةٍ ... ... ... ... ... ... وعنكِ لَعَمْري إنْ تَخَلّتْ لَفي خُسْرِ ... ... أمَا قال ربّي إننا خيرُ أُمّةٍ ... ... ... ... ... ... نُنادي بمعروفٍ وننهى عن النُّكْرِ؟! ... ... أمَا لَعَنَ الله اليهود لأنّهم ... ... ... ... ... ... رأوا مُنكراً لم يُنكروه على الجَهْرِ؟! ... ... أمَا أُمِر الرُّوحُ الأمينُ بخَسْف مَنْ ... ... ... ... ... ... يُصلِّي بلا نَهْيٍ يقولُ، ولا أمرِ؟! ... ... لَعَمْري إذا ما الناسُ ضَلُّوا سفينَهُمْ ... ... ... ... ... ... سَتَغرَقُ بالخُسران في لُجَّةِ البَحْرِ ... ... فَسيري سفينَ الخير في ظِلِّ هيئة ... ... ... ... ... ... أقامتْ على المعروف بُنيانَها الصَّخْري ... ... على سُنّة المختار كان مسيرُها، ... ... ... ... ... ... وآيُ إلهي كان نوراً إذا تَسْري ... ... وصُدِّي إذا ما المرجفون أغاظهمْ ... ... ... ... ... ... عُلُوُّكِ، بل أرخي عليهم مِنَ السِّتْرِ ... ... رَمَوْكِ بسَهْمٍ.. ما دَرَوا أنَ سهمَهُمْ ... ... ... ... ... ... على حرصهمْ ما رِيشَ؛ بل طاش في غَدْرِ ... ... فقُل للذي رامَ الحِيادَ عن الهُدى ... ... ... ... ... ... سترجعُ في جَهلٍ إلى (نُقطةِ الصِّفْرِ) !! ... ... وتَتْبَعُ نَهْجَ الجاهليّة بعدما ... ... ... ... ... ... تَبَدّلَ ليلُ الجاهليّة بالفَجْرِ ... ... إلهي! إليكَ المُصلحون تَوَجّهُوا ... ... ... ... ... ... فَخُذْ بنواصيهمْ إلى الخير والبِرِّ ... ... وأرشِدْ إلهي مَن أضَلّ طريقَه ... ... ... ... ... ... إلى سُبُل المَدِّ الكريمِ عن الجزر ...

стр. 4342

نص شعري المخدوعون بالسلام خالد الوقيت ... حيرانةٌ تلك الخُطى ... في سيرها نحو السلام تمشي على درب الخَطا ... عجلى ويحجبها الظلام أنَّى الوصول إلى المرام؟ ... حتماً تتوه وقد سرت ... في مهمهٍ مُستسعرِ كلّ النوائب كشَّرت ... في وجهها الغض البري تُخفي لها الموت الزؤام ... ترجو الوصول إلى الهدف ... أنّى؛ ولا من مرشد؟ تأبى النصيح إذا هتف ... وتُصيخ نحو المعتدي نسيتْ معاني الانهزام ... كيف السبيلُ فأنتمُ ... أهل الحضارة والرُّقي من لم يُعلَّمْ منكمُ ... تاهتْ خطاه وقد شقي مهما تبجح بالكلام ... يا ويحها ما تفعلُ ... يُعطي العدوّ زمامَها حقاً تُراها تجهلُ ... أن الذين أمامَها أقسى العداة على الدوام ... طال المدى أم لم يطُلْ ... ظل اليهود هم اليهود كل الخلائق إن تسلْ ... فعلى خيانتهم شهود حقد وغدر وانتقام ... لا لن يُغيِّرهمْ زمن ... كلا ولو ظنّ الغبي فهمُ كخضراء الدِّمن ... حَسُنتْ ومنبتُها وبي يُغرى بها القوم الطغام ...

стр. 4343

قصة قصيرة فقيه جاهل (قصة واقعية) [١] أبو عبد الرحمن العامري [*] في إحدى قرى المسلمين الأعاجم رجل جاوز أشد العمر بخمس سنوات ومع ذلك لا يصلي؛ لكونه لا يعرف هل تصح صلاته أم لا؟ فأهل قريته يؤكدون له أنه لا تصح منه صلاة مطلقاً!! ربما اشتاقت نفسه للصلاة فيدخل المسجد يريد الصلاة معهم، فيردونه من بين صفوفهم؛ فربما صلى في مؤخرة المسجد غير متيقن بصحة صلاته، وربما خرج ولم يصلِّ مقتنعاً بقول (فقهاء قريته) الجهلاء. بعض المسلمين لا يصافحه إذا لقيه، والآخرون يجتنبونه أصلاً. عاش هذا المسلم حياة تعيسة مزدرياً لنفسه، لو كان يعاني من مرض معد لطلب علاجه مهما كلفه ثمنه لينتهي بؤسه، ولكن مشكلته أكبر من ذلك؛ فأهل قريته يعدونه من أنواع النجاسات التي يجب أن يتنزه عنها المسلمون، وللقارئ أن يستحضر منزلة النجاسات ليعلم مدى الاحتقار الذي كان يقابل به. ما أقسى هذا الشعور! صار هو الذي يبتعد عن الناس ومجالستهم قبل أن يجرحوه بابتعادهم عنه. صرخ في وجه زوجته يوماً: «دعيه؛ فلأن يعذب شهرين أهون عليه من أن يعيش مثلي معذباً طول عمره» ، زوجته المؤلفة التي أسلمت قبل ولما تعرف كثيراً عن الإسلام - صاح بها عندما عاتبته في كونه لم يكن هناك من حاجة لختان ابنهما؛ فقد مرض الولد بعد الختان شهرين كاملين. كان من رحمة الله بهذا الرجل أن مر بقريته طالب علم من بلاد العرب، بل أن يدخل المسجد وذلك الرجل منزوٍ في آخره بحالة تلفت النظر، فيسأل عن سبب ذلك، فيعرف قصته ويتقطع لها قلبه، وعند إقامة الصلاة دعاه من مؤخرة المسجد وثبته في الصف الأول والرجل يرفض ويأبى، ويُحسَم الموقف بتصميم ذلك الداعية. عيون الناس تشاهد في دهشة ماذا يجري؟! ولكن ألسنتهم لا تمتلك أن تخالف ذلك الداعية؛ فهو عندهم منسوب إلى بلاد العرب أعرف الناس بأحكام الإسلام؛ فكيف يعترضون؟! انقضت الصلاة والمصلون على دهشتهم يتوقعون تفسيراً لما يحدث. شرع ذلك الداعية بالكلام، كان مما قاله لهم: «إن مسلماً لم يختتن في صغره لظروف مر بها، ثم لم يختتن في كبره لظروف أخرى لا يكون نجساً أبداً، وإن لم تكن له أعذار صحيحة، وإنه يجب على هذا المسلم أن يختتن من فوره وإنه يأثم بتأخره» . ما أن انتهى من تعليمه لهم حتى قام المصلون نحو أخيهم المبرأ من تهمة النجاسة التي حالت بينه وبينهم دهراً يصافحونه ويعانقونه وكأنما دخل الإسلام لتوه. هكذا يظلم الجهل الناس، بل هذا بعض ما يفعله الجهل بأهله؛ فهو أكبر سلاح للشيطان في صدور أعدائه المؤمنين. ما كان أحوج هؤلاء الناس إلى حديث واحد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تنتهي به معاناة أخيهم وهجرهم له؛ هو قول الرسول ﷺ : «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس» [٢] .

стр. 4344

ندوات المنطقة العربية وتداعيات سبتمبر الأمريكية (١ ـ ٢) إعداد: وائل عبد الغني بسم الله الذي باسمه يستفتح كل خير ويستدفع كل شر، والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه ومن تبعه وسلك طريقه إلى يوم الدين. مرحباً وأهلاً بضيوفنا الكرام الذين يشاركوننا في ندوتنا هذه التي تطرح قضية الساعة ونازلة العصر، والدور الأمريكي، (كعنصر حساس ومؤثر في التوجهات السياسية العربية) في المنطقة العربية (كمجال حيوي للنفوذ الأمريكي) في ظل تداعيات سبتمبر، والتي تحاول أن تستقرئ أهم النتائج وأخطر التداعيات، وتحاول أن تجيب عن عدة تساؤلات حول هذا الموضوع: إلى أي حد تغيرت أو تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية بأحداث سبتمبر؟ وما أبعاد هذا التغير إن وجد على المنطقة العربية؟ وهل يعني ذلك تغير ثقل المنطقة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية؟ وما التحديات التي تفرضها أو تحاول أن تفرضها السياسة الجديدة نحو المنطقة؟ وما طبيعة الاستجابات على المستوى الفكري والمستوى العملي والتي يمكن أن تدفع رياح الشر القادمة والقائمة عنا؟ البيان * ضيوفنا في هذه الندوة هم: أ. د. أحمد الرشيدي: أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. أ. د. حامد عبد الماجد: أستاذ النظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. أ. طلعت رميح: رئيس تحرير جريدة الشعب المصرية. أ. د. مصطفى منجود: أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. * مقدمات منهجية: البيان: يبدو أن لضيوفنا الكرام ملاحظات مهمة بين يدي هذا اللقاء لرسم إطار عام للندوة: - أ. د. أحمد الرشيدي: أشكر مجلة البيان على هذه الدعوة الكريمة في هذه الحلقة النقاشية، وأستهل حديثي بملاحظتين رئيستين تتعلقان بتشخيص الصورة الراهنة للواقع العربي الإسلامي، من أجل مواجهة هذه الصورة المغلوطة التي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ترسخها لدى الرأي العام الأمريكي ولدى الرأي العام الأوروبي: الملاحظة الأولى: تتعلق بحقيقة أن ما حدث في ١١ سبتمبر لا يمثل في الحقيقة تاريخاً فاصلاً؛ فالأمريكيون مغرمون ببعض المصطلحات التي ترتبط بصورة وثيقة بفكرة: «الماقبليات» و «المابعديات» ، وعلى هذا فإن الموقف الأمريكي خاصة والمواقف الغربية عموماً إزاء العرب وإزاء المسلمين مواقف معروفة على الأقل منذ الحرب العالمية الأولى وليست جديدة علينا، وما حدث في ١١ سبتمبر في تقديري ربما زاد من الأمر وضوحاً، وربما كشف للبعض عمّا كانوا يحاولون إغماض الطرف عنه. الملاحظة الثانية: وفق تقديري.. أنا لست مع من يروجون ويرسخون في أذهانهم لفكرة أن الولايات المتحدة هي الآن القطب الوحيد الذي يملك عصا سحرية يوجه مسار حركة الأحداث على المستوى العالمي، وأنها ستكون كذلك على الأقل خلال المستقبل المنظور أو المتواصل.. أرى أنه من الخطأ أن نرسم حساباتنا انطلاقاً من هذه الفكرة؛ لأننا بذلك سنخسر معركتنا، وهذا يفرض علينا أن نستقل في رؤيتنا وأن ننوع مصادرنا.. أن ننوع مستويات حركتنا. نعم الولايات المتحدة الأمريكية هي قوة كبرى وهي قوة لها قدر كبير من الهيمنة. ولكن هذا لا ينفي وجود قوى أخرى موجودة أو يتوقع وجودها خلال المستقبل القريب، وأرى أن أي دولة مالكة للسلاح النووي تتساوى مع الولايات المتحدة الأمريكية في مسألة الردع. - د. مصطفى: استكمالاً للجانب المنهجي الذي بدأه الدكتور أحمد وهو جانب مهم جداً، أنطلق أيضاً من مجموعة من الملاحظات أراها على درجة كبيرة من الأهمية بالنظر إلى الحدث ككل؛ لأنه يضع البوصلة أمامنا في أسلوب التعامل مع هذه القضية الخطيرة: أولى هذه الملاحظات: كانت أحداث سبتمبر نقطة انطلاق لتداعيات خطيرة على مستوى الفكر والحركة أحدثت نوعاً من الاضطراب والبلبلة.. واختلط الكثير من الأمور، وتداخلت كثير من المقدمات، وتوصلنا إلى نتائج ربما على عكس ما نريد وعلى عكس ما نتوقع.. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة كان لها الصوت الأعلى الذي حاولت من خلاله إفهامنا أن الذي حصل ليس فقط كارثة لأمريكا فحسب وإنما للعالم ككل. الملاحظة الثانية: التحدي الذي تمخضت عنه الأزمة، بالنسبة للعرب والمسلمين هو تحدٍّ متعدد الاتجاهات ومتعدد الضربات ومتعدد الأبعاد. وأظن أن التوصيف الإسلامي الذي هو الأقرب إلى الدقة والصواب هو أن هذا ابتلاء، وابتلاء شديد؛ لكنه ربما لم يكن الأشد في تاريخ المسلمين؛ فهم قد تعرضوا لابتلاءات شديدة وكبيرة ربما فاقت ما حدث بعد أحداث سبتمبر، والذي يهمنا هنا أولاً هو أن ندير الابتلاء بشكل ينفع العرب والمسلمين. ولكن قبل أن ندير الابتلاء علينا أن يتوفر لنا إرادة الإدارة؛ وهذا يعني أن يكون لك قدر من الخصوصية وقدر من حرية الحركة في اتخاذ قرار إدارة هذا الابتلاء، ولا يسوغ أن نقف عند مرحلة تشخيص الابتلاء. الملاحظة الثالثة: إن من أخطر ما يمكن أن تتمخض عنه الأحداث أن أصبح الحاضر الغائب في تداعيات ما بعد سبتمبر هو الإرهاب الإسلامي وكأن المسألة هكذا تتحرر رغم عدم توافر الأدلة بأن المسلمين هم المتهمون، وهذا خطير؛ لأنه قد يوقع كثيراً من العرب والمسلمين خاصة على المستوى الفكري ناهيك عن مستوى الحركة في دائرة الدفاع! وقد رأينا الكثيرين من القيادات الفكرية والقيادات الحركية وهم منهمكون في نفي التهمة؛ وكأنك شئت أم أبيت مطلوب منك أن تدافع. ولهذا فمن الخطر والخطأ أن نُستهلك في قضايا الدفاع رغم أهميته دون أن يكون لنا لا أقول هجوم، وإنما يكون لدينا مبادرة. الملاحظة الرابعة: أن العولمة الآن تكاد تتركز حول أن تصير أمركة مسعورة ونهمة حكومة بداءين أساسيين: الداء الأول: هو الهيمنة، والداء الثاني: هو الرغبة في الثأر. ولكن رغم هذه الهيمنة ورغم إرادة الثأر أنا أحسب أنها عولمة أمريكية هشة وضعيفة، بمعنى أن هناك إمكانية لاختراق هذه العولمة الأمريكية.. والبعض يتكلم عن السقوط الأمريكي؛ فهناك إمكانية للحركة؛ فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء حتى في أشد الأدواء السياسية. الملاحظة الخامسة: بالنسبة للتحول في السياسة الخارجية الأمريكية: يمكن القول إنه بالفعل قد حدث تحول في كثير من أنحاء السياسات الخارجية في العالم والسياسة الخارجية الأمريكية على وجه التحديد، ولكن السياسة الخارجية الأمريكية ليست وليدة المصادفة أو الفجائية، لكن هم يخططون، وأظن أن ما وصلوا إليه الآن لم يكن بضربة حظ. ولكن السياسة الخارجية لأي دولة من الدول لها ثوابت ومتغيرات؛ والذي حدث ربما يكون أصاب المتغيرات في السياسة الأمريكية؛ بدليل أن هناك مجموعة من هذه الثوابت لم تهتز حتى في المنطقة العربية رغم ما حدث ورغم التداعيات؛ ومن بين هذه الثوابت مسألة البترول، ومسألة الدولة القائدة في المنطقة العربية، ومسألة موقف معين من القضية الفلسطينية، ومسألة دعم إسرائيل: كل هذه ثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية، وهناك داخل هذه الثوابت أمور متغيرة، وأظن أن التغير إذا كان أصاب فقد أصاب المتغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية. الملاحظة السادسة: أن فكرة الحروب الصليبية التي أثارها الرئيس بوش ليست جديدة؛ فهناك تقرير قدم في عهد الرئيس ريجان في سنة ١٩٨٤م وسُمي: «الدخول في مرحلة الحروب الصليبية الثالثة» ، هذا التقرير كان يتكلم عن التعامل مع المنطقة العربية والإسلامية؛ ولهذا لم تكن زلّة لسان من بوش ولم تكن مسألة طفرية. ويقال إن أول تقرير قرأه بوش بعد ولايته للحكم هو هذا التقرير واستدعى الكثيرين ليناقشهم فيه. الملاحظة الأخيرة: حول ما تشهده المنطقة العربية من تبديد للمفاهيم؛ وهذا التبديد يتم على مستوى الفكر ومستوى الحركة. هذا التبديد أريد منه أن يخدم التحول الذي حدث في السياسة الخارجية الأمريكية عبر تفريغ الألفاظ من معانيها ودلالتها الشرعية المعرفية والمنهجية والموضوعية كما عرفناها في تاريخنا وتراثنا وحاضرنا. - د. حامد: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد: في البداية أسجل اتفاقي حول النقطة المحورية بأن ما حدث في سبتمبر لا يمثل لحظة انقطاع؛ فالمسألة السياسة لا تعرف إلا الاستمرارية؛ لكن كل ما أستطيع أن أقوله بالنسبة لهذه اللحظة أنها ربما أضافت أمرين: ١ - أن المتغيرات فيها كانت متسارعة من الناحية الكمية، وظن كثيرٌ من الناس أنها تمثل نقلة نوعية. ٢ - أن هذه اللحظة أفصحت وأبانت عن كثير من السياسات التي كان السياسيون يحرصون على سترها في الماضي، فظن كثير من الذين لا يتعمقون وراء الأحداث أنها جديدة. وأضيف أنها لحظة تراكمت فيها المتغيرات وتسارعت بدرجة كبيرة قياساً على اللحظات السابقة؛ فالحدث لم يكن هيناً، كما أفصح فيها كثير من الأطراف عن سياساتهم بدرجة من الدرجات (أو أزالت برقع الحياء) مما جعلها لحظة أزمة حقيقية بكل معاني مفهوم الأزمة. سأركز على ثلاثة ملاحظات تؤكد على هذا المعنى: الملاحظة الأولى: أن المنطقة العربية ككل ذات أهمية استراتيجية بالغة في النظام الدولي أياً كانت القوة التي تُهيمن على النظام الدولي، ومن ثم فأي محاولة لعزل هذه المنطقة عن النظام الدولي، أو تصور تفسير أحداثها بعيداً عن القوى المهيمنة في النظام الدولي هي محاولة عابثة، وأتصور أن جزءاً كبيراً من سياسات هذه المنطقة في الوقت الراهن لا يمكن أن يُفسر بمعزل عن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، وأتصور أن هذا له على الأقل في الماضي وفي الحاضر عدة تفسيرات: الأول: أن هذه المنطقة تمثل الند الحضاري للغرب الذي قادته بريطانيا في مرحلة، وفرنسا في مرحلة، وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة أخرى. العقلية الغربية ما زالت على مستوى الشعوب والقيادات لم تنس أن هذه الحضارة هي التي تملك البديل المحتمل لها، كما أن ذكريات الصدام المرير مع هذه الحضارة ما زالت موجودة في الذاكرة الأوربية. - د. أحمد: كأن أحد مسوغات هذا الموقف الأمريكي والغربي هو إحساسهم وشعورهم بأننا أصحاب مشروع حضاري لا يقل عن مشروعهم إن لم يكن يفوقه، ومن ثم هذا تفسير لهذا الموقف تجاه العرب والمسلمين خاصةً. - د. حامد: نعم! وهو ما أفصحت عنه لحظة سبتمبر في الخطاب السياسي للقيادات، وفي الوعي لدى النخب السياسية وصُنَّاع القرار، وأكدته ممارسة المفكرين وغيرهم؛ هذا الجزء الحضاري يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة. الثاني: هو النقطة الدفاعية العسكرية، والذي يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة؛ فالمنطقة العربية تمثل خط الدفاع الأول بالنسبة لأوروبا وللولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إنها تفصلها عن الصين وأيضاً عن أفريقيا وآسيا. الثالث: الجانب الاقتصادي؛ فالمنطقة العربية تبرز أهميتها الاستراتيجية بما هي غنية به ليس فقط البترول وإنما موارد أخرى تؤكد الأهمية الاقتصادية للمنطقة العربية. وأهمية المنطقة كمنطقة وصل بالعالم القديم ككل. كل ذلك يؤكد الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية فيما مضى، وزاد إدراك ذلك وأفصح عنه أحداث سبتمبر.. هذه هي الملاحظة الأولى. الملاحظة الثانية: وهي أيضاً قديمة جديدة وتتعلق بدور الكيان الصهيوني في معادلة توازن المصالح والصراع والتوازن الاستراتيجي في المنطقة من قبل أحداث سبتمبر؛ فالصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الإسلامي الغربي في فلسطين هو في حقيقته امتداد لجهاد المنطقة ضد الاستعمار الغربي فيما مضى: ضد فرنسا وإنجلترا في مرحلة من المراحل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت هذا في مرحلة ثانية؛ ولذلك فمن الطبيعي أن قوى التحرر التي حررت بلادها في موجة التحرير الأولى هي في حقيقتها القوى التي تقف اليوم وقفة حقيقية ضد الاستعمار الأمريكي وضد إسرائيل، هذه القوى كانت تستمد مشاريعها الجهادية والتغيرية من الإسلام في الأساس؛ صحيح أن ثمرته سُرقت بعد ذلك، لكن عندما عاد الاستعمار مرة أخرى في الثياب الأمريكية، وقفت هذه القوى من جديد ضد السياسة الأمريكية، وهي تعتبر القضية المركزية لها قضية الوجود الصهيوني. أما عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في مساندة إسرائيل فإنها لم تتغير في حقيقة الأمر عما كانت تسانده القوى، بل ربما ازدادت. الملاحظة الثالثة والأخيرة: وهي تتكامل مع الملاحظتين السابقتين أن تداعيات سبتمبر كما ذكرت وعلى رأسها مسألة التحكم في الإرادة العربية وتدعيم أدوات النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولهذا فإن السياسة الأمريكية في المرحلة الحالية تسعى بشكل واضح للتحكم في الإرادة العربية والإسلامية من خلال مسالك متعددة وضعت بشكل جيد، ويجب أن نرصدها بشكل علمي لتجعل كمقدمة للتحديات التي سنتناولها. - أ. طلعت: أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وسط هذه الكوكبة اللامعة من نخبة العقول المثقفة المفكرة. ليسمح لي الأساتذة الأفاضل، بأن أطرح بعض الملاحظات التي تأتي في معظمها تعزيزاً لما ذكروه. الملاحظة الأولى: مع اتفاقي على فكرة الثوابت والأهداف والمرامي الأمريكية استراتيجياً تجاه عالمنا العربي والإسلامي، ومع اتفاقي من ناحية المبدأ على أن الاستراتيجية الأمريكية في هذه المرحلة هي امتداد لفكر استراتيجي مرتب ومبرمج قبل وقوع أحداث ١١ سبتمبر، لكن إكمال الصورة وجعل الاستنتاجات معبرة عن مختلف جوانب الموقف يتطلب تخطي فكرة «الثبات والاستمرارية» ، ويتطلب الإجابة عن سؤال رئيسي هو: هل تنطلق الولايات المتحدة في إطار (الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني) من وضع هجومي قوي، أم أنها تنطلق من وضع دفاعي، حتى ولو كانت تتحرك هجومياً؟ أو بتعبير أدق وبطريقة أخرى: هل جاءت استراتيجيتها قبل وبعد ١١ سبتمبر من موقع الهجوم الاستراتيجي في منطقتنا (والعالم) بهدف تعزيز هيمنتها وانتصاراتها، أم لقطع الطريق على تحولات استراتيجية أو ذات ملامح وأفق استراتيجي إذا ما استمرت في سيرها، فإن النتيجة ستكون الإطاحة بهيمنتها وفرض نفسها كقطب وحيد في العالم، أو كحكومة للعالم؟ إن لهذا السؤال أهمية قصوى في تقدير الموقف وفي تحديد استراتيجيات المواجهة. وأنا أرى هنا أن التحالف (الأمريكي - البريطاني - الصهيوني) ، ينطلق في مواقفه وتحركاته وخططه، من تقدير استراتيجي بتآكل سريع لوضع هيمنة القطب الواحد عالمياً، سواء بسبب الظهور المتنامي للقطب الأوروبي (أوروبا الموحدة) أو لتصاعد القدرات الاستراتيجية (العسكرية والاقتصادية) للقطب الصيني، أو لشعوره بنمو أو ما يشبه الحركة داخل العالم العربي والعالم الإسلامي، أو لمجرد أسباب ذاتية. ومن ثم فإن الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني، قبل ١١ سبتمبر لم يكن يتحرك وينطلق من موقع أو استراتيجية الهجوم، لإكمال السيطرة والهيمنة (كما كان الحال في حالة الحرب ضد العراق في عام ١٩٩٠م بشكل خاص) ولكن من موقع واستراتيجية الهجوم الدفاعي في مواجهة تراجعها كقطب مهيمن ومسيطر. الملاحظة الثانية: إن أهمية أحداث ١١ سبتمبر، وتحليلها في إطار الإجابة عن السؤال السابق لها وجهان أو اتجاهان: الأول ما أشار إليه السادة المتحدثون، أي فكرة ضرب الولايات المتحدة على أراضيها، والثاني الذي أضيفه، هو أنها تأتي تطويراً للمواجهات معها ومع الحلف الصهيوني البريطاني من الخارج لتمتد إلى الداخل في العمق الاستراتيجي، وهو ما يشير إلى الانكشاف الاستراتيجي الأمريكي - بنفس حالة الكيان الصهيوني الآن - ويؤكد ملامح التراجع الاستراتيجي للحلف، والنهوض والهجوم العربي والإسلامي وليس العكس. الملاحظة الثالثة: آتي هنا إلى ملاحظة يبدو لي أنها ذات طابع خلافي؛ حيث أرى أن ثمة تغيراً حقيقياً في التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في العالم وتجاه العرب والمسلمين على وجه الخصوص، كانت ملامحها خافتة قبل أحداث ١١ سبتمبر، وانجلت وأصبحت سافرة بعد هذه الأحداث، وأن ما نراه أمامنا من تحركات أمريكية ليس تغيراً فقط في أسلوب المواجهة، أي استخدام القوة العسكرية، ومن تدخل سافر في الشؤون العقدية والحضارية، وفي الأوضاع الداخلية ... ، وإنما هو تغير يقوم على أن هذا الحلف بات يضع الصراع مع العرب والمسلمين كهدف استراتيجي له أولوية وأكثر إلحاحاً بالمواجهة في الوقت الراهن، ينبغي تسكين الصراعات الأخرى لمصلحة تحقيق الانتصار فيه، وإن أبرز صفات هذا التغير الاستراتيجي هو اعتماد أسلوب المواجهة العسكرية والتهديد بها مع العرب والمسلمين «ككل» ، و «مجموع» وليس كدول متفرقة ينبغي كسب بعضها باستخدام الوسائل الاقتصادية لتسهيل عمليات ضرب البعض الآخر كما كان يحدث من قبل، ويتم ذلك تحت شعار عام هو مواجهة الإرهاب (الإسلامي) . * وقفة مع الحدث: البيان: ربما كان الخلاف في هذه القضية من قبيل الاختلاف الاصطلاحي، ولهذا نريد أن ننقل الكلام إلى طبيعة الآثار التي نجمت عن هذا الحدث العظيم، ولعل منها هو انقلاب موازين العديد من المفاهيم والتي على رأسها مفهوم الأمن القومي. - د. أحمد: إن ما حدث في سبتمبر لو حدث بالنسبة لأي دولة أخرى فمن الممكن أن نقلل من شأنه؛ لكن هذا الحدث بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن التقليل من شأنه. - د. حامد: لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الثانية عام ١٩٤٥م خطراً داخلياً، ولم تواجه حرباً ما أو عملاً ما على الأرض الأمريكية، وكان الذهن الأمريكي غير مهيأ على الإطلاق لأن تواجه الولايات المتحدة حدثاً بمثل هذه القوة وهذا التحدي على الأرض الأمريكية؛ وهذا هو الذي زاد من تأثير الحدث على السياسة الأمريكية وعلى الذهنية الأمريكية؛ لم تشهد في تاريخها، ولم تكن تتصور أنه سوف يحدث لها مثل ما حدث. البيان: وكأن التقنية تحولت في يد الأفراد إلى قيد كبير على سياسات الدول! - د. مصطفى: طبعاً على قدر المكان وعلى قدر المكانة كان هذا التداعي الخطير. ولهذا ينبغي ألا نقلل من شأن الحدث لا بالنسبة للولايات المتحدة ولا بالنسبة للتداعيات عندنا في المنطقة العربية، وأرصد أولاً أن الولايات المتحدة وربما الغرب تحالف معها توقفوا كثيراً عند: من الذي أحدث الحدث؟ أكثر من التوقف عند: لماذا حدث؟ وهذا في حقيقة الأمر يثير مسألة في غاية الأهمية: هل الذي حدث سببه الإرهاب كما يزعمون؟ أو هل الذي حدث مرتبط بمسألة التوزيع العادل لقيم الاقتصاد والسياسة في العالم؟ أو مرتبط بازدواجية الدور الأمريكي في مسألة حقوق الإنسان؟ هل مرتبط برفض العولمة في صورتها الأمريكية؟ هل مرتبط بالقدس والقضية الفلسطينية كما قال بعض أعضاء تنظيم القاعدة؟ هل.. هل..؟ إن هناك تعامٍياً بشكل أو آخر عن: ما السبب؟ وهذه مسألة في غاية الأهمية إلى الآن. * الملامح الأساسية للسياسة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر: البيان: وكيف نقرأ التطورات التي استجدت على السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد سبتمبر؟ - أ. طلعت: لعل مما يفسر ذلك أن هذه هي المرة الأولى منذ حركة بيرل هاربر التي تُضرب فيها الولايات المتحدة على أرضها، وهو ما يعني أن نظرية الأمن القومي الأمريكي المستقرة منذ نشأة أمريكا، قد ضربت في مقتل؛ فإن ثمة ضرورة لإدراك حجم التأثير لهذه الضربة على الوضع الدولي لأمريكا، وحجم الارتباك الاستراتيجي الحادث للخطط الأمريكية، وحجم الدمار الذي أصيب به الاقتصاد الأمريكي، وحجم الهزيمة النفسية التي أصيب بها الجيش الأمريكي والنخب الأمريكية، بعد ضرب البنتاجون ومركز التجارة وما قيل عن محاولة ضرب البيت الأبيض. ومن ثم فإن قراءة التحرك الأمريكي البريطاني الصهيوني، الهستيري والمجنون لا يفسر فقط بثوابت الأهداف والمرامي، بل يفسر أيضاً بأنها وصلت حد الارتباك في استراتيجيتها في مواجهة العالم العربي والإسلامي. إن الحالة الفاشية، والاضطرار لتخطي كل الأساليب الديبلوماسية والخداع في التعامل مع العرب والمسلمين، وصراعها المكشوف بصدد هذه القضية في بعض الأحيان وطرح شعارات مثل: (معنا أو ضدنا) ليس مؤشراً على القوة الكاسحة تكنولوجياً، بل أيضاً بأنه عنوان للارتباك والشعور المتنامي بالتراجع، بما اضطرها لاستخدام قواها الاسترتيجية العسكرية للمواجهة مع الخصوم لعدم قدرتها تحقيق النجاح بالوسائل الأخرى. - د. مصطفى: لا شك أن الحدث شديد وجديد، وأحدث هزة كبيرة، وأصاب السياسة الخارجية الأمريكية وصانعي القرار بهزة عميقة. الذي أريد أن أرصده هنا أولاً: أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر نستطيع أن تميز بين مسلكين أو قيمتين كبريين في سياستها الخارجية مع المنطقة العربية: القيمة الأولى: أنه صار ينظر إلى قضية المنطقة العربية وما يعتريها من مشاكل وقضية الصراع العربي الإسرائيلي والوضع في فلسطين على أنه ليس في أولويات السياسة الأمريكية؛ فمثلاً قضية ضرب الرئيس صدام حسين وقضية العراق في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وقضية فلسطين وما يجري في الأرض المحتلة قضية أصبحت في هامش الشعور بالنسبة لهم. البيان: كأن القضية أن استرضاء العرب ومراعاة مصالحهم هو الذي لم يعد في الأولوية! - د. مصطفى: نعم هذا الذي أعنيه! أما القيمة الثانية: (إن جاز تسميتها قيمة) أن هناك حيرة وتناقضاً في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذه الحيرة والتناقض لم يرصدها فقط المثقفون والكُتاب العرب، وإنما رصدها من في داخل البيت الأمريكي؛ فهذا فولر على سبيل المثال يسجل على الولايات المتحدة هذا التناقض وهذه الحيرة حول الموقف من فلسطين: هل نضرب عرفات ونلغيه، أم نُبقي عليه لأن الصوت العربي يقول: عرفات هو البديل وأن البدائل الأخرى ... ؟!! إلخ. هناك اضطراب وقلق وهناك تناقض، وهذا يعطي فرصة للحركة العربية. كيفية استثمار هذا التناقض إن جاز تسميته تناقضاً. البيان: ربما يرجع ذلك إلى ما أشار إليه بعض المحللين من أن أمريكا تعاني من أزمة استراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، بمعنى أنه لم يعد لديها استراتيجية واضحة وكاملة وذات هدف واحد كما كان الحال إبان الحرب الباردة، ومن ثم فهي تتعامل مع كل طرف وفق استراتيجية مفتوحة قائمة على التجريب أكثر منها قياماً على الرؤية المستقبلية. - أ. طلعت: هذا يؤكد تماماً ما أشير إليه من أن الاستراتيجية الأمريكية تعاني من حالة تخبط ودوار غير مسبوق، ومن ثم فهي تتحرك حركة مختلة تنم عن فكر مختل، ولعل من أسباب ذلك أنها تواجه عدواً هلامياً وعقدياً، يصعب ضربه أو اختراقه، ويمكن أن يتشكل في صور مزعجة ودون إمكان رصده، وهو ما يعني بالتعبير العامي: «مرغمة أنف العزة الأمريكية» . - د. مصطفى: أعود فأكمل: يمكن كذلك أن نرصد توسعاً كبيراً في مفهوم الأمن القومي الأمريكي بصورة فجة؛ هذا التوسع يطرح عدة تساؤلات: ما تكاليفه؟ وما هي تداعياته على المنطقة العربية؟ .. وهل سوف تسهم المنطقة العربية في تمويله؟ وهل سوف تشغل آلة الحرب الموجودة وتستخدم بعض الدول كقواعد ومسهلات؟ المسألة تهمنا من قريب ومن بعيد؛ فما يحدث في فلسطين يمسنا، والذي يحدث في أفغانستان يمسنا، والذي يحدث في دول (محور الشر) يمسنا، ومن الواضح أن المنطقة العربية تؤجل كل خلافاتها وصراعاتها الداخلية كي تستجيب لما يحدث، وهذا يفرض تحديات. أيضاً أرصد نقطة رابعة وهي لون من تغوُّل العولمة وهي العولمة العسكرية وما قيل إن الحرب لا تعرف الجغرافيا، ومعنى هذا أنه مسألة (Geopolitic) كما يقولون أصبحت منزوية قليلاً، لحساب الآله التكنولوجية والصناعية الغربية التي سوف تتخطى كل الحدود، وهذا يمثل أحد تداعيات العولمة وما يكمل مفهومها. لم يعد مسموحاً بفكرة ما تريده أنت؟ أو أنت ترفض أم لا؟ إنما ما أريده أنا وفقاً للتصنيف الذي يقضي بـ: (إما معي في مكافحة الإرهاب، وإما ضدي في مكافحة الإرهاب) . أيضاً أرصد ظاهرة أن هناك قدراً من تنسيق المواقف لا نقول التحالف بين رجال الفكر ورجال الحركة في العقلية الأمريكية وبالذات بعد أحداث سبتمبر وهو واضح في استدعاء فكرة مثل صراع الحضارات، وما ورد في بيان المثقفين الأمريكيين، وهذه ظاهرة نعاني من عكسها في المنطقة العربية. - الدكتور حامد: إذا كان لي أن أرصد كما فعل أخي الدكتور مصطفى بعض الملامح قبل أن أجيب عن سؤال حضرتك بعض الملامح الأساسية للسياسة فيما بعد أحداث سبتمبر فأريد أن أتطرق إلى ستة متغيرات أساسية أو ستة ملامح أساسية: الملمح الأول: الذي لاحظته بعد أحداث سبتمبر أن هناك درجة متعاظمة أو متعالية من سيادة منطق الخضوع للإرادة الأمريكية يتساوى بدرجات متفاوتة في ذلك العالم العربي والإسلامي، وحتى أوروبا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي أستطيع أن أقول إن القرار السياسي الاستراتيجي في معظم القضايا في العالم العربي والإسلامي تحدده الإرادة الأمريكية في الوقت الراهن، هذا واضح جداً بالنسبة للقضية الفلسطينية، حتى إن البعض يصف بعض بلدان هذه المنطقة كأنها مخطوفة.. بلاد مخطوفة للإرادة الأمريكية أو مستلبة أو ما شاكل ذلك. نشرت (الليموند) منذ حوالي ستة أشهر مقالاً بعنوان: (كلنا أمريكيون) هذه هي فرنسا! صحيح حدث بعد ذلك نوع من المراجعة في الفترة الأخيرة، لكن الموقف الأوروبي في فترة ما بعد أحداث سبتمبر تقارب بدرجة لم يعرفها تاريخ الحضارات الأوروبية الأمريكية خصوصاً إزاء قضايا المنطقة؛ فهناك درجة عالية جداً من الخضوع للمنطق الأمريكي. وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم خضوع السياسة البريطانية. السياسة البريطانية حتى الساسة البريطانيون يصفون (بلير) بأنه «ذيل الكلب» بنفس التعبير. الملمح الثاني: هو ازدياد دور أجهزة الأمن والمخابرات. ترصد مثلاً حجم مبيعات آلات التخابر البسيطة والتي تباع في شوارع لندن، نجد أنها تضاعفت حوالي ٢١ أو ٣١ مرة.. الميزانيات الضخمة التي تُخصص لأجهزة الاستخبارات والأمن على المستوى العالمي حتى إن القضايا السياسية أصبحت تناقش داخل أروقة المخابرات. مثلاً: كان القرار السياسي الخاص بالمنطقة العربية من قبل يصنع في الكونجرس أو في مؤسسة الرئاسة، ثم انتقلت لوزارة الخارجية الأمريكية في فترة من الفترات، ثم انتقلت من وزارة الخارجية إلى المخابرات الأمريكية، ولذلك من الذي يناقش الآن قضايا السياسة الأمريكية في المنطقة، ومن الذي يرسل سواء هنا أو هناك؟ فهذا يعكس تنامي الدور الأمني بالمعنى المباشر على حساب الدور السياسي الأمني المؤسسي. - د. مصطفى: أضف إلى ذلك أن هناك اختراقاً بشكل أو آخر لدور مخابرات الأمن الأمريكي في المنطقة العربية. - د. حامد: ليس اختراقاً. أنا أتصور أن هناك تنسيقاً من فترة طويلة.. التنسيق هذا في المرحلة الحالية وصل إلى درجة العلاقة العضوية. تراجعت السياسة لصالح الأمن؛ وهذه تداعياتها خطيرة لماذا؛ لأن الأمن بحكم العقلية الأمنية، والعقل الأمني غير العقل السياسي. العقل السياسي يمكن أن يُشغل بمنطق الحق والحقوق والعدل وكذا وكذا ... لكن العقل الأمني وقتي وآني ويهمه توازن القوى الموجودة على الأرض والمصلحة المباشرة. الملمح الثالث: هو ارتفاع حدة وموجة العداء الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت تمثل نموذج العالم الحر ونموذج القيم الديمقراطية. طرح بعد أحداث سبتمبر سؤال محوري: لماذا يكرهوننا؟ أدركت أمريكا أن الشعوب العربية والإسلامية على خلاف الأنظمة. هناك موجة عالية من الكراهية للنموذج الأمريكي لأمريكا؛ حتى إن حزب أمريكا أو مناصري أمريكا بدؤوا يتخفون. الذي حدث في هذه النقطة تحديداً نوع من الالتحام بين ما يمكن أن أسميه قوى الرأي العام العربي والإسلامي مع قوى أخرى في الغرب وفي غير الغرب لها مواقف مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية. مثلاً بقايا الاشتراكيين واليساريين، مناهضو العولمة، أضرب مثلاً: المظاهرة المليونية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية ما هي القوى التي كانت تشارك فيها؟ لا يمثل العرب والمسلمون فيها أكثر من خمس أو سدس المشاركين والباقي قوى أحزاب يربطها عداء الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه هي القوى الفاعلة في الساحة الأوروبية. حتى أنا رأيت المظاهرات الموجودة في لندن، ورأيت المظاهرات الموجودة في برلين: تشهد كلها بارتفاع موجة عداء عالمي للسياسة الأمريكية. ما حدث في دربن مثلاً في جنوب أفريقيا. إذن أيضاً أحد الصفات الأساسية التي يمكن ألا تواري خضوع الحكومات والأنظمة السياسية الأمريكية أن هناك رفضاً شعبياً حقيقياً متعدد الجذور ومتعدد المشارب للسياسة الأمريكية، وهو تنامٍ ليس وقتياً ولكنه مستمر. الملمح الرابع: أتصور أن السياسة الأمريكية سوف تقوم على نشر الصراعات المنخفضة الحدة Limited wars بمعنى أنها سوف تفجر نقاط التوتر في العالم التي كانوا يسمونها في الستينيات (حروب الوكالة) . وأنا أتصور أن هذه سمة بدأت في أفغانستان، وتسير في فلسطين، وسوف تستمر في الفترة القادمة. لا أتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتورط في حرب كبيرة أو مفتوحة؛ لكن سوف تلجأ للحروب منخفضة الحدة أو صراعات منخفضة الحدة وحروب الوكالة. وذلك له أسباب كثيرة منها أن الولايات المتحدة الأمريكية لها خبرة في الصراعات الكبرى والصراعات متوسطة الحدة، وليس لديها خبرة في الصراعات منخفضة الحدة. - د. مصطفى: أنا بالطبع هنا بين أمرين: الأمر الأول: أن هذه الحروب سوف تنفجر وهي تحاول أن تضعها في حيز الحروب المحدودة، هل لأن هذا جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ أتصور ذلك. منها إذكاء هذه الصراعات لكي يحدث نوع من الاستهلاك الذاتي للقوة الإقليمية. شيء آخر: الذي هو تجريب صناعة السلاح، بالإضافة إلى الحرص على عدم إقحام المواطن الأمريكي نفسه والتضحية به فيما لا فائدة بالنسبة له، وحرب الخليج الأولى هي نوع من أنواع حروب الوكالة. - د. حامد: الملمح قبل الأخير الذي أتصوره: أننا في طور تصفية القضية الفلسطينية، مسألة التسوية السياسية أن هناك إرادة أمريكية تتوافق مع الإرادة الإسرائيلية على تصفية القضية الفلسطينية، أتصور أن المنطقة العربية الآن في أضعف مراحلها، والإرادة العربية لديها استعداد أن تقبل أي شيء؛ فأتصور أن أمريكا وإسرائيل الآن كل ما في الأمر أنهم يعصرون هذه الإرادة وتلك القيادات حتى تقبل بأدنى سقف ممكن وهي مهيأة، وأرجو أن أكون مخطئاً في أن هذا الظرف هو ظرف مواتٍ جداً لهم. العقبة الأساسية والعقبة الحقيقية هي الانتفاضة؛ منذ فترة نشرت جريدة (الجارديان) مخططاً للتوازن بين إسرائيل والفلسطينيين من حيث القوى؛ فوضع أوجه المقارنة من حيث الأسلحة: إسرائيل رقم مثلاً ٢٣٠ والفلسطينيون صفر.. والقوات: إسرائيل رقم كذا والفلسطينيون صفر.. والقنابل النووية كذا والفلسطينيون صفر.. وفي تلك المقارنة وضع حوالي ١٦ نقطة؛ فكل ما يخص الفلسطينيين صفر. ثم وضع الاستشهاديين في المقارنة، فوضع إسرائيل صفر ووضع أمام الفلسطينيين ما يسمى عدد لا نهائي، وعلق المحلل أن هذا هو عنصر التوازن. ولهذا فالشيء الأساسي الذي يعوق على المستوى الاستراتيجي من تصفية القضية الفلسطينية هو هذا العنصر الوحيد ليس بمعنى فعله، ولكن حتى وجود إرادة لكي يظل أحد عناصر المعادلة في المنطقة كعنصر أساسي ومستمر. ولذلك سوف تجد في الفترة القادمة وبما يظهر تكالباً شديداً على أنه يُحجب، يشوه، يصفى، يلوث سواء على المستوى الرسمي أو الديني، ويحصل تبديل للمفهوم. - د. مصطفى: مسألة الاستشهاد لم تعد قاصرة على فلسطين؛ المسألة هنا أن النوع في الاستشهاد كثر، المسألة الثانية أن المنطقة في الاستشهاد تعددت، وأيضاً حركة ووجهة الاستشهاد أيضاً قد تغيرت مثلما تذكر حضرتك لا تكون الأرض المحتلة فقط هي مجال حركة الاستشهاد، بل ربما تنتقل المسألة من كونها مجرد حركة استشهاد نحو أهداف إسرائيلية سواء مدنية أو عسكرية إلى أهداف أمريكية وبريطانية، بل قد تتجاوز ذلك إلى أكثر. هذا السلاح لا يستطيع أن يواجهه سلاح نووي ولا تقليدي. - أ. طلعت: لعل الدكتور حامد يقصد بتصفية القضية الفلسطينية محاولة الحلف الصهيوني تصفية القضية، وليس تصفية القضية. - د. حامد: نعم! - أ. طلعت: ولكن أرى حتى تتزن الصورة ينبغي أن يقال إن المنطقة ليست في أضعف حالاتها، وإن القضية الفلسطينية في أقوى حالاتها رغم ما تتعرض له من مؤامرات ومحاولات لسحقها، ولتأذن لي أن أخالفك الرأي بأن الصهاينة (والحلف) ليسوا هم الذين يعصروننا، واختلافي هو أنني أرى أن المشروع الصهيوني هو الذي يتعرض الآن لأخطر درجات التهديد التي لم تحدث له منذ عام ١٩٤٨م وحتى الآن، وأنه هو المعرض للتصفية والتفكيك أو لهزيمة استراتيجية (قد لا تكون شاملة في هذه المرحلة) ، وأنه يعاني من تراجعات خطيرة، تصاعدت وتيرتها في المرحلة الراهنة، وهذا هو دافع من دوافع التحرك الهستيري الجنوني، للتحالف الصهيوني الأمريكي باستخدام الحرب المباشرة والمكثفة، ولدخول الولايات المتحدة بشكل سافر ومباشر في الصراع، بما يمثل تغييراً في استراتيجيتها السابقة في التحرك كوسيط للسلام، بل أصل لاحتمالات إشعال حرب في المنطقة باتجاه سوريا لإعادة تعديل التوازنات في المنطقة. فالمرحلة الأخيرة في الصراع شهدت انكسارات هامة للاستراتيجية الصهيونية ولنظريات الأمن والقتال؛ حيث يجري القتال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م، وداخل الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م وتحت تهديد بقصف لشمال فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م من قبل قوات حزب الله، وهو ما وجه ضربة لنظريات نقل المعارك خارج الأراضي المحتلة، وكما ذكرت فإن الوضع الراهن، حمل ملامح لتوازن الرعب بين العرب والكيان الصهيوني، بقدر معقول، وتجربة الجنوب اللبناني ماثلة، بل إن الصراع الذي يجري الآن على الأراضي الفلسطينية، كلها، هو تطور استراتيجي ولا شك يحدث للمرة الأولى منذ عام ١٩٤٨م، وباستعراض مسيرة الصراع منذ حرب أكتوبر، ومروراً بالاندحار الصهيوني من جنوب لبنان ووصولاً للقتال على الأرض الفلسطينية، فإن الصورة الاستراتيجية البالغة التعقيد والتركيب، تشير في النهاية إلى أن المشروع الصهيوني يتراجع ولا يتقدم في الصراع؛ حيث وصل الكيان الصهيوني إلى ذورة مشروعه في عام ١٩٦٧م، ومن وقتها وحتى الآن - وعبر طريق متعرج - فإنه في منحنى هابط. كما أنه وبعيداً عن لعبة الديبلوماسية والتعرجات الحادة في الصراع والشدة البالغة القسوة فيما جرى ويجري، فإن مجرد طرح فكرة قيام دولة فلسطينية تحت ضربات المقاومة وفي ظل استمرار وتصاعد الإرادة الفلسطينية على التحرير، فإنه يمثل انتصاراً «من حيث المبدأ» . وإن مقاومة هذا الطرح الصهيوني والأمريكي بأوسلو ومدريد وغزة وأريحا يظهر مدى التراجع الصهيوني، وإذا كان هذا الطرح بطبيعة الحال لا يمثل أهداف الأمة وثوابتها، فإنه يمثل تراجعاً صهيونياً وأمريكياً، أيما كانت أهداف هذا التراجع. وهو أمر يتطلب تشديد الهجوم وتطويره. - د. حامد: لكن هذا لا ينفي التهاوي على المستوى العربي والضغوط التي تمارس أمريكياً وغربياً وبصورة يومية من أجل تخفيض الاستحقاقات العربية.. ولا أطيل، وأعود إلى الملمح الأخير الذي يمكن أن يكشف لنا عن كنه التصفية المأمولة غربياً والتي تدور حول الجذر الذي تنبع منه ثقافة الاستشهاد وهو الإسلام ومن يحمل فكرة الإسلام. فأنا أتصور حتى لو سموه إرهاباً، أو أي مسمى آخر فأتصور أن العدو الأساسي في الاستراتيجية الأمريكية وفي استراتيجية الأنظمة المتحالفة معها حتى المرحلة القادمة ينكشف عنه بدرجات متفاوتة أنه هو الفكرة الإسلامية. على سبيل المثال أتصور أن هذه السياسة سيكون لها ثلاثة محاور: - د. أحمد: أعتبر أن أحداث ١١ سبتمبر في تقديري كشفت عن شيئين مهمين يجب أن نهتم بهما وهما: الشيء الأول: هو مدى قابلية الولايات المتحدة للاختراق؛ ورغم كل ما يقال إن قيل وسيقال عن تحذيرات أو غيرها إلا أن الولايات المتحدة اختُرِقت من داخلها في أحصن مواقعها، وووجهت بضربات عنيفة يمكن أن تكون لأول مرة في تاريخها، كما قال الدكتور حامد يمكن المرة الوحيدة التي تعرضت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر في ضرب (بير هاربر) في اليابان، وإنما قبل ذلك وحتى ١١ سبتمبر ظل المواطن الأمريكي يشعر بأنه المواطن الآمن الوحيد على مستوى العالم. الشيء الثاني: خاص بكشف زيف التجربة الأمريكية في الديمقراطية وحقوق الإنسان. قضية حقوق الإنسان شعارات تُصدر للخارج، وإنما داخل الولايات المتحدة صحيح هم يتمتعون لا شك بقدر من حقوق الإنسان، وإنما بعد الأحداث سمعنا من فترة قريبة عن مسؤولين أمريكيين يتحدثون عن التصنت على كل شيء؛ المكالمات التلفونية، والحسابات الخاصة، وصناديق البريد الإلكتروني ... يهمني أن أشير هنا إلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. الولايات المتحدة الأمريكية تستخدمها كإحدى الأدوات في إدارة سياستها الخارجية، وإنما سجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان هو سجل غير مشرف بالمرة؛ كيف؟ يكفي أن نستعرض موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. الولايات المتحدة الأمريكية إما رافضة للتوقيع أو التصديق والانضمام إلى تلك المواثيق، وإما ممتنعة تماماً عن اتخاذ موقف. وأذكر حضراتكم بالواقعة الأخيرة التي هي انسحاب الولايات المتحدة (سحب توقيعها) على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إذن علينا أن نبرز هذا، ولو قام أحد الباحثين بالتسجيل في هذا الموضوع فسيكشف عن حقائق مذهلة عن أن هذا الموضوع هو موضوع موجه للآخرين لكي يستخدم استخداماً سياسياً. - د. مصطفى: هذا وداخل الولايات المتحدة قضايا حقوق الإنسان حولها كلام كثير (التمييز في حقوق المرأة التمييز بين الأجناس قوانين الاشتباه الأخيرة وغير ذلك) . - د. أحمد: وما تعرض له العرب والمسلمون أيضاً.. * موقع العرب من الاستراتيجية الأمريكية: البيان: أنتقل إلى نقطة أخرى لنعالج تساؤلاً يطرح نفسه عند الحديث عن تطورات ما بعد سبتمبر وتأثيرها على موقع المنطقة العربية من الاستراتيجية الأمريكية والدولية من حيث إنها منطقة مستهدفة، هل حدث تغير؟ - د. أحمد: نحن لنا موقع أساسي ومتميز في الاستراتيجية الأمريكية باعتبار الولايات المتحدة دولة كبرى وتحكمها ثوابت أساسية، وأيضاً لنا موقعنا الجغرافي المتميز هذا، وإلى أننا نملك مشروعاً حضارياً نحن الوحيدون يمكن على مستوى العالم الذين تتوافر لدينا إمكانات ترجمة هذا المشروع إلى واقع.. إمكانات اللغة، إمكانات الدين.. إمكانات التاريخ. نحن نتحدث الآن عن أوروبا (الاتحاد الأوربي) إحدى المشكلات أو إحدى العقبات التي يمكن أن تعترض قريباً مسيرة الاتحاد الأوروبي هي قضية اللغة وقضية الهوية، ورغم أنهم أحدثوا اليورو وصعود اليمين في أوروبا وهذا رد فعل لهذا. نحن نقول إننا الوحيدون على مستوى العالم الذين لا نستخدم الترجمة الفورية في مؤتمراتنا وفي اجتماعاتنا، نحن أقصد كعرب اللغة والدين والجغرافيا والموارد. أنا أتصور أن هذه الإمكانات لها جانبان: الجانب الإيجابي: أنها تسمح لنا بأن نقف على أقدامنا وأن ننشرها إذا ما خلصت النوايا وصح لدينا العزم، ولكن هناك جانب سلبي وهو أن تجعلنا دائماً مطمعاً للغير. هذا في تصوري فيما يتعلق بالموقع العربي في الاستراتيجيات. - د. مصطفى: خبرتنا في التعامل مع الغرب عموماً هي خبرة متعمقة؛ فنحن نعد من أكثر مناطق العالم إن لم يكن أكثرها احتكاكاً بالغرب بصورة أو أخرى؛ فالغرب يدرك تماماً أن في انكسارنا معه لنا مبادئ ولنا قوانين ولنا تجربة في هزيمتنا له، أيضاً لنا تجربة. فلنا مواقف ولنا مبادئ ولنا خبرة في المهادنات، في الصلح، في الاختراق، في الاحتلال. هذه خبرة كبيرة والغرب كما قلنا وهو تكلم عن الحروب الصليبية وفي ذهنه هذه الخبرة التاريخية؛ فهو يدرك تماماً أن هذه الخبرة التاريخية، هذه الخبرة اللغوية، هذه الخبرة في المصادر والإمكانات، هذه الخبرة الاستراتيجية. حينما تتضافر تكون المنطقة المقلقة التي لديها البترول وغيره ونمط القيادات الموجودة، ونمط الشعوب.. إلخ. فهو يدرك تماماً أن هذه المنطقة لا يمكن أن تُنسى بشكل أو آخر. ندرك أيضاً أن رأس الحربة إسرائيل.. هذه المنطقة شئنا أم أبينا موجودة. ما أريد أن أقوله إنه في هذه المنطقة يتكلم البعض في الاستراتيجية الأمريكية ما بعد سبتمبر أن هذه المنطقة هي في القلب من مسألة الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، والكلام عن بترول بحر قزوين والكلام عن المحور الإسلامي الموجود في إيران والموجود في تركيا والموجود في أفغانستان و.. و.. إلخ مهم جداً جداً؛ لأن بحر قزوين فيه بترول ومدى تأثيره على الخليج العربي، وممكن أن يشكل قوة ضغط على منطقة الخليج العربي بل بعض المفكرين الأمريكيين يتكلمون عن استراتيجية بديل.. للبترول والنفط العربي. فهذه المنطقة شئنا أم أبينا سواء قبل أحداث سبتمبر أو بعد أحداث سبتمبر هي في القلب. تتغير بعض المتغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية لكن أنا أظن أنها من ثوابت ما تهتم به الولايات المتحدة في علاقتها الدولية، في سياستها الخارجية في النظام الدولي في أي من تطوراته وأي مرحلة به. - د. حامد: بالفعل المنطقة العربية والمنطقة الإسلامية عموماً منطقة جامدة استراتيجياً، ومنطقة في القلب؛ بحيث لا أتصور أن الاستراتيجية الأمريكية تقبل فيها نوعاً من المساومة.. لدينا مساحتان للصراع في إطار العربية مساحة فلسطين ومساحة منطقة الخليج.. هاتان الساحتان اللتان يمكن أن يكونا ساحات صدام مباشر.. ساحات فلسطين ومنطقة الخليج. ثم أيضاً في إطار منطقة الثبات الاستراتيجي أستطيع أن أتكلم وفي ظل أن إسرائيل حتى الآن تعتبر أنها ليس لها حدود. مفهوم الأمن الإسرائيلي يمتد حتى باكستان وهنا شبه محور أو شبه تحالف قائم حقيقة الآن بين ثلاثة: (إسرائيل، والهند، وتركيا) أتصور أن لدينا أربع دول تحديداً تهم الاستراتيجية الأمريكية، وتضع عينيها على: (مصر، العراق، إيران،الجزائر) ، ثم باكستان تلك هي الدول الخمس التي هي ذات مكانة إقليمية. ما يهم الاستراتيجية الأمريكية ويهم الاستراتيجية الإسرائيلية أنه لا يحدث فيها أي خلخلة، وعندها استعداد أن تتدخل بشكل مباشر إذا حدث في هذه الأقطار تحديداً ما يهدد الأوضاع.

стр. 4345

ملفات الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة (٢ ـ ٢) الفرنكوفونية معركة قائمة.. ولكن! لم تكن الفرنكوفونية نبتة اليوم أو الأمس، بل هي فروع شجرة خبيثة ممتدة الجذور، تعود جذورها إلى الحروب الصليبية الأولى، ثم يمتد هذا العداء للإسلام والمسلمين عبر التاريخ تاركاً صوراً كثيرة من العداء المستحكم حتى يومنا هذا: - فبذور الحروب الصليبية جرى إلقاؤها في تربة فرنسية، والذي بشر بها بابا من أصل فرنسي. - لم يتوقف سيل المقاتلين والوافدين من فرنسا لإمداد الحملات الصليبية منذ بدئها. - المملكة التي أقامها الصليبيون بالشرق كانت في جوهرها مملكة فرنسية في لغتها وعاداتها. - كما كان لفرنسا دورها المستمر في الحملات الصليبية المتتابعة منذ الحملة الأولى وحتى حملة لويس التاسع الفرنسي، إضافة إلى حملة الأطفال التي قادها الفرنسي الراعي ستيفن. - ثم حملة نابليون على مصر والشام. - ثم احتلال فرنسا بعد ذلك ما يقرب من ثلث العالم الإسلامي؛ متمثلاً في دول المغرب العربي، ودول الغرب الإفريقي، وجيبوتي، وجزر القمر، وسوريا، ولبنان. - ما نهبته من ثروات الأمة وما سفكته من دماء مئات الآلاف من المسلمين خلال تلك الحروب، ولا سيما في الجزائر. ثم ها هي ذي فرنسا تخرج علينا بوجهها الاستعماري الجديد، وتتسلل إلى العالم الإسلامي تسلل الحية إلى فريستها، واللص إلى هدفه، ولكن لا لتسرق المتاع فحسب بل لتسرق عقول أبناء الأمة، وتفترس دينها ولغتها وهويتها؛ محاولة بذلك أن تحقق أطماعها وذاتها على مستوى السياسة الدولية بإيجاد بُعد ثقافي لها على حساب ثقافة الشعوب التي احتلتها في السابق عسكرياً. إن الفرنكوفونية معركة شرسة معاصرة تخوضها فرنسا ضد العالم الإسلامي في دينه وهويته، أعدت لها عدتها، ورصدت لها الأموال، ونظمت لها المؤتمرات، وأقامت لها المؤسسات، وجندت لها الجنود، ولكن للأسف الشديد ليس هناك من يتصدى لها أو يوقفها عند حدها، إلا من رحم الله، وهم قليل، بل نجد من يفتح لها الأبواب من المنافقين والضالين، ويساعدها على دق أوتادها في جسد الأمة الإسلامية. فهل نترك عقول شبابنا ودين الأمة وعقيدتها وهويتها فريسة وغنيمة للفرنكوفونية؟ لقد تضمن ملف الفرنكوفونية في العدد السابق عدداً من المقالات التي ألقت الضوء على أهداف الفرنكوفونية وخطورتها؛ من الناحية الثقافية واللغوية والتربوية والتعليمية، ومدى ما حققته في هذه الجوانب، ونكمل في هذا العدد الحديث عن الفرنكوفونية، في عدد من المقالات التي تبين أهم الوسائط التي تتسلل عبرها إلى الشعوب لتحقيق أهدافها؛ ألا وهي: اللغة، والإعلام، والعولمة.
следующие страницы →