نص شعري
سفينة النجاة
عبد الرحمن بن صالح الحمادي
(.. إلى ملاحي «سفينة النجاة» الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر..
الذين أبحروا بأهل الإيمان في بحر خير الأديان بعدما قادها خيرُ رُبّان صلى الله
عليه وسلم: اصبروا واحتسبوا.. أنتم في عز ما تمسكتم بدينكم، ولن يضركم كيد
المرجفين، ولن تُرديكم سهام الحاقدين.. إلى الله.. في سفينة النجاة..) .
... تَسَامَيْ عن الحُسّادِ، وارْسَيْ على البَحْرُِ ...
... ... ... ... ... وصُوني حِمى الإسلام يا هيئة الأمْرِ ...
... سفينةَ مَن يرجو النجاةَ ببحرهِ ...
... ... ... ... ... وجسراً لِمُرتادٍ، ونوراً لِمَن يَسْري ...
... سقى نَبْتَكِ (الفاروقُ) من ماء فضلِهِ ...
... ... ... ... ... فَفُتِّقَتِ الأكمامُ عن أينعِ الزَّهْرِ ...
... وما كُنتِ في الإسلام إلا حَصانةً ...
... ... ... ... ... تًَذودُ عن الأعراض مِن راغب الشَّرِّ ...
... تُنادين للتشريع تُرعَى حُدُودُهُ ...
... ... ... ... ... لينجُوَ مَن يخشى الإلهَ مِنَ السُّعْرِ ...
... تقوم إذا ما قُمتِ كلُّ إمارةٍ ...
... ... ... ... ... وعنكِ لَعَمْري إنْ تَخَلّتْ لَفي خُسْرِ ...
... أمَا قال ربّي إننا خيرُ أُمّةٍ ...
... ... ... ... ... نُنادي بمعروفٍ وننهى عن النُّكْرِ؟! ...
... أمَا لَعَنَ الله اليهود لأنّهم ...
... ... ... ... ... رأوا مُنكراً لم يُنكروه على الجَهْرِ؟! ...
... أمَا أُمِر الرُّوحُ الأمينُ بخَسْف مَنْ ...
... ... ... ... ... يُصلِّي بلا نَهْيٍ يقولُ، ولا أمرِ؟! ...
... لَعَمْري إذا ما الناسُ ضَلُّوا سفينَهُمْ ...
... ... ... ... ... سَتَغرَقُ بالخُسران في لُجَّةِ البَحْرِ ...
... فَسيري سفينَ الخير في ظِلِّ هيئة ...
... ... ... ... ... أقامتْ على المعروف بُنيانَها الصَّخْري ...
... على سُنّة المختار كان مسيرُها، ...
... ... ... ... ... وآيُ إلهي كان نوراً إذا تَسْري ...
... وصُدِّي إذا ما المرجفون أغاظهمْ ...
... ... ... ... ... عُلُوُّكِ، بل أرخي عليهم مِنَ السِّتْرِ ...
... رَمَوْكِ بسَهْمٍ.. ما دَرَوا أنَ سهمَهُمْ ...
... ... ... ... ... على حرصهمْ ما رِيشَ؛ بل طاش في غَدْرِ ...
... فقُل للذي رامَ الحِيادَ عن الهُدى ...
... ... ... ... ... سترجعُ في جَهلٍ إلى (نُقطةِ الصِّفْرِ) !! ...
... وتَتْبَعُ نَهْجَ الجاهليّة بعدما ...
... ... ... ... ... تَبَدّلَ ليلُ الجاهليّة بالفَجْرِ ...
... إلهي! إليكَ المُصلحون تَوَجّهُوا ...
... ... ... ... ... فَخُذْ بنواصيهمْ إلى الخير والبِرِّ ...
... وأرشِدْ إلهي مَن أضَلّ طريقَه ...
... ... ... ... ... إلى سُبُل المَدِّ الكريمِ عن الجزر ...
стр. 4342
نص شعري
المخدوعون بالسلام
خالد الوقيت
...
حيرانةٌ تلك الخُطى ... في سيرها نحو السلام
تمشي على درب الخَطا ... عجلى ويحجبها الظلام
أنَّى الوصول إلى المرام؟ ...
حتماً تتوه وقد سرت ... في مهمهٍ مُستسعرِ
كلّ النوائب كشَّرت ... في وجهها الغض البري
تُخفي لها الموت الزؤام ...
ترجو الوصول إلى الهدف ... أنّى؛ ولا من مرشد؟
تأبى النصيح إذا هتف ... وتُصيخ نحو المعتدي
نسيتْ معاني الانهزام ...
كيف السبيلُ فأنتمُ ... أهل الحضارة والرُّقي
من لم يُعلَّمْ منكمُ ... تاهتْ خطاه وقد شقي
مهما تبجح بالكلام ...
يا ويحها ما تفعلُ ... يُعطي العدوّ زمامَها
حقاً تُراها تجهلُ ... أن الذين أمامَها
أقسى العداة على الدوام ...
طال المدى أم لم يطُلْ ... ظل اليهود هم اليهود
كل الخلائق إن تسلْ ... فعلى خيانتهم شهود
حقد وغدر وانتقام ...
لا لن يُغيِّرهمْ زمن ... كلا ولو ظنّ الغبي
فهمُ كخضراء الدِّمن ... حَسُنتْ ومنبتُها وبي
يُغرى بها القوم الطغام ...
стр. 4343
قصة قصيرة
فقيه جاهل
(قصة واقعية) [١]
أبو عبد الرحمن العامري [*]
في إحدى قرى المسلمين الأعاجم رجل جاوز أشد العمر بخمس سنوات ومع
ذلك لا يصلي؛ لكونه لا يعرف هل تصح صلاته أم لا؟ فأهل قريته يؤكدون له أنه
لا تصح منه صلاة مطلقاً!! ربما اشتاقت نفسه للصلاة فيدخل المسجد يريد الصلاة
معهم، فيردونه من بين صفوفهم؛ فربما صلى في مؤخرة المسجد غير متيقن
بصحة صلاته، وربما خرج ولم يصلِّ مقتنعاً بقول (فقهاء قريته) الجهلاء.
بعض المسلمين لا يصافحه إذا لقيه، والآخرون يجتنبونه أصلاً.
عاش هذا المسلم حياة تعيسة مزدرياً لنفسه، لو كان يعاني من مرض معد
لطلب علاجه مهما كلفه ثمنه لينتهي بؤسه، ولكن مشكلته أكبر من ذلك؛ فأهل
قريته يعدونه من أنواع النجاسات التي يجب أن يتنزه عنها المسلمون، وللقارئ أن
يستحضر منزلة النجاسات ليعلم مدى الاحتقار الذي كان يقابل به. ما أقسى هذا
الشعور! صار هو الذي يبتعد عن الناس ومجالستهم قبل أن يجرحوه بابتعادهم عنه.
صرخ في وجه زوجته يوماً: «دعيه؛ فلأن يعذب شهرين أهون عليه من
أن يعيش مثلي معذباً طول عمره» ، زوجته المؤلفة التي أسلمت قبل ولما تعرف
كثيراً عن الإسلام - صاح بها عندما عاتبته في كونه لم يكن هناك من حاجة لختان
ابنهما؛ فقد مرض الولد بعد الختان شهرين كاملين.
كان من رحمة الله بهذا الرجل أن مر بقريته طالب علم من بلاد العرب، بل
أن يدخل المسجد وذلك الرجل منزوٍ في آخره بحالة تلفت النظر، فيسأل عن سبب
ذلك، فيعرف قصته ويتقطع لها قلبه، وعند إقامة الصلاة دعاه من مؤخرة المسجد
وثبته في الصف الأول والرجل يرفض ويأبى، ويُحسَم الموقف بتصميم ذلك الداعية.
عيون الناس تشاهد في دهشة ماذا يجري؟! ولكن ألسنتهم لا تمتلك أن تخالف
ذلك الداعية؛ فهو عندهم منسوب إلى بلاد العرب أعرف الناس بأحكام الإسلام؛
فكيف يعترضون؟!
انقضت الصلاة والمصلون على دهشتهم يتوقعون تفسيراً لما يحدث.
شرع ذلك الداعية بالكلام، كان مما قاله لهم: «إن مسلماً لم يختتن في
صغره لظروف مر بها، ثم لم يختتن في كبره لظروف أخرى لا يكون نجساً أبداً،
وإن لم تكن له أعذار صحيحة، وإنه يجب على هذا المسلم أن يختتن من فوره وإنه
يأثم بتأخره» .
ما أن انتهى من تعليمه لهم حتى قام المصلون نحو أخيهم المبرأ من تهمة
النجاسة التي حالت بينه وبينهم دهراً يصافحونه ويعانقونه وكأنما دخل الإسلام لتوه.
هكذا يظلم الجهل الناس، بل هذا بعض ما يفعله الجهل بأهله؛ فهو أكبر
سلاح للشيطان في صدور أعدائه المؤمنين.
ما كان أحوج هؤلاء الناس إلى حديث واحد من أحاديث النبي صلى الله عليه
وسلم تنتهي به معاناة أخيهم وهجرهم له؛ هو قول الرسول ﷺ :
«سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس» [٢] .
стр. 4344
ندوات
المنطقة العربية وتداعيات سبتمبر الأمريكية
(١ ـ ٢)
إعداد: وائل عبد الغني
بسم الله الذي باسمه يستفتح كل خير ويستدفع كل شر، والصلاة والسلام على
النبي وآله وصحبه ومن تبعه وسلك طريقه إلى يوم الدين.
مرحباً وأهلاً بضيوفنا الكرام الذين يشاركوننا في ندوتنا هذه التي تطرح قضية
الساعة ونازلة العصر، والدور الأمريكي، (كعنصر حساس ومؤثر في التوجهات
السياسية العربية) في المنطقة العربية (كمجال حيوي للنفوذ الأمريكي) في ظل
تداعيات سبتمبر، والتي تحاول أن تستقرئ أهم النتائج وأخطر التداعيات،
وتحاول أن تجيب عن عدة تساؤلات حول هذا الموضوع:
إلى أي حد تغيرت أو تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية بأحداث سبتمبر؟
وما أبعاد هذا التغير إن وجد على المنطقة العربية؟
وهل يعني ذلك تغير ثقل المنطقة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية؟
وما التحديات التي تفرضها أو تحاول أن تفرضها السياسة الجديدة نحو
المنطقة؟
وما طبيعة الاستجابات على المستوى الفكري والمستوى العملي والتي يمكن
أن تدفع رياح الشر القادمة والقائمة عنا؟
البيان
* ضيوفنا في هذه الندوة هم:
أ. د. أحمد الرشيدي:
أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
أ. د. حامد عبد الماجد:
أستاذ النظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
أ. طلعت رميح:
رئيس تحرير جريدة الشعب المصرية.
أ. د. مصطفى منجود:
أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
* مقدمات منهجية:
البيان: يبدو أن لضيوفنا الكرام ملاحظات مهمة بين يدي هذا اللقاء لرسم
إطار عام للندوة:
- أ. د. أحمد الرشيدي: أشكر مجلة البيان على هذه الدعوة الكريمة في
هذه الحلقة النقاشية، وأستهل حديثي بملاحظتين رئيستين تتعلقان بتشخيص الصورة
الراهنة للواقع العربي الإسلامي، من أجل مواجهة هذه الصورة المغلوطة التي
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ترسخها لدى الرأي العام الأمريكي ولدى الرأي
العام الأوروبي:
الملاحظة الأولى: تتعلق بحقيقة أن ما حدث في ١١ سبتمبر لا يمثل في
الحقيقة تاريخاً فاصلاً؛ فالأمريكيون مغرمون ببعض المصطلحات التي ترتبط
بصورة وثيقة بفكرة: «الماقبليات» و «المابعديات» ، وعلى هذا فإن الموقف
الأمريكي خاصة والمواقف الغربية عموماً إزاء العرب وإزاء المسلمين مواقف
معروفة على الأقل منذ الحرب العالمية الأولى وليست جديدة علينا، وما حدث في
١١ سبتمبر في تقديري ربما زاد من الأمر وضوحاً، وربما كشف للبعض عمّا
كانوا يحاولون إغماض الطرف عنه.
الملاحظة الثانية: وفق تقديري.. أنا لست مع من يروجون ويرسخون في
أذهانهم لفكرة أن الولايات المتحدة هي الآن القطب الوحيد الذي يملك عصا سحرية
يوجه مسار حركة الأحداث على المستوى العالمي، وأنها ستكون كذلك على الأقل
خلال المستقبل المنظور أو المتواصل.. أرى أنه من الخطأ أن نرسم حساباتنا
انطلاقاً من هذه الفكرة؛ لأننا بذلك سنخسر معركتنا، وهذا يفرض علينا أن نستقل
في رؤيتنا وأن ننوع مصادرنا.. أن ننوع مستويات حركتنا. نعم الولايات المتحدة
الأمريكية هي قوة كبرى وهي قوة لها قدر كبير من الهيمنة. ولكن هذا لا ينفي
وجود قوى أخرى موجودة أو يتوقع وجودها خلال المستقبل القريب، وأرى أن أي
دولة مالكة للسلاح النووي تتساوى مع الولايات المتحدة الأمريكية في مسألة الردع.
- د. مصطفى: استكمالاً للجانب المنهجي الذي بدأه الدكتور أحمد وهو
جانب مهم جداً، أنطلق أيضاً من مجموعة من الملاحظات أراها على درجة كبيرة
من الأهمية بالنظر إلى الحدث ككل؛ لأنه يضع البوصلة أمامنا في أسلوب التعامل
مع هذه القضية الخطيرة:
أولى هذه الملاحظات: كانت أحداث سبتمبر نقطة انطلاق لتداعيات خطيرة
على مستوى الفكر والحركة أحدثت نوعاً من الاضطراب والبلبلة.. واختلط الكثير
من الأمور، وتداخلت كثير من المقدمات، وتوصلنا إلى نتائج ربما على عكس ما
نريد وعلى عكس ما نتوقع.. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة كان لها الصوت الأعلى
الذي حاولت من خلاله إفهامنا أن الذي حصل ليس فقط كارثة لأمريكا فحسب وإنما
للعالم ككل.
الملاحظة الثانية: التحدي الذي تمخضت عنه الأزمة، بالنسبة للعرب
والمسلمين هو تحدٍّ متعدد الاتجاهات ومتعدد الضربات ومتعدد الأبعاد. وأظن أن
التوصيف الإسلامي الذي هو الأقرب إلى الدقة والصواب هو أن هذا ابتلاء،
وابتلاء شديد؛ لكنه ربما لم يكن الأشد في تاريخ المسلمين؛ فهم قد تعرضوا
لابتلاءات شديدة وكبيرة ربما فاقت ما حدث بعد أحداث سبتمبر، والذي يهمنا هنا
أولاً هو أن ندير الابتلاء بشكل ينفع العرب والمسلمين. ولكن قبل أن ندير الابتلاء
علينا أن يتوفر لنا إرادة الإدارة؛ وهذا يعني أن يكون لك قدر من الخصوصية وقدر
من حرية الحركة في اتخاذ قرار إدارة هذا الابتلاء، ولا يسوغ أن نقف عند مرحلة
تشخيص الابتلاء.
الملاحظة الثالثة: إن من أخطر ما يمكن أن تتمخض عنه الأحداث أن أصبح
الحاضر الغائب في تداعيات ما بعد سبتمبر هو الإرهاب الإسلامي وكأن المسألة
هكذا تتحرر رغم عدم توافر الأدلة بأن المسلمين هم المتهمون، وهذا خطير؛ لأنه
قد يوقع كثيراً من العرب والمسلمين خاصة على المستوى الفكري ناهيك عن
مستوى الحركة في دائرة الدفاع! وقد رأينا الكثيرين من القيادات الفكرية والقيادات
الحركية وهم منهمكون في نفي التهمة؛ وكأنك شئت أم أبيت مطلوب منك أن تدافع.
ولهذا فمن الخطر والخطأ أن نُستهلك في قضايا الدفاع رغم أهميته دون أن يكون
لنا لا أقول هجوم، وإنما يكون لدينا مبادرة.
الملاحظة الرابعة: أن العولمة الآن تكاد تتركز حول أن تصير أمركة
مسعورة ونهمة حكومة بداءين أساسيين: الداء الأول: هو الهيمنة، والداء الثاني:
هو الرغبة في الثأر. ولكن رغم هذه الهيمنة ورغم إرادة الثأر أنا أحسب أنها
عولمة أمريكية هشة وضعيفة، بمعنى أن هناك إمكانية لاختراق هذه العولمة
الأمريكية.. والبعض يتكلم عن السقوط الأمريكي؛ فهناك إمكانية للحركة؛ فما
أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء حتى في أشد الأدواء السياسية.
الملاحظة الخامسة: بالنسبة للتحول في السياسة الخارجية الأمريكية: يمكن
القول إنه بالفعل قد حدث تحول في كثير من أنحاء السياسات الخارجية في العالم
والسياسة الخارجية الأمريكية على وجه التحديد، ولكن السياسة الخارجية الأمريكية
ليست وليدة المصادفة أو الفجائية، لكن هم يخططون، وأظن أن ما وصلوا إليه
الآن لم يكن بضربة حظ. ولكن السياسة الخارجية لأي دولة من الدول لها ثوابت
ومتغيرات؛ والذي حدث ربما يكون أصاب المتغيرات في السياسة الأمريكية؛
بدليل أن هناك مجموعة من هذه الثوابت لم تهتز حتى في المنطقة العربية رغم ما
حدث ورغم التداعيات؛ ومن بين هذه الثوابت مسألة البترول، ومسألة الدولة
القائدة في المنطقة العربية، ومسألة موقف معين من القضية الفلسطينية، ومسألة
دعم إسرائيل: كل هذه ثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية، وهناك داخل هذه
الثوابت أمور متغيرة، وأظن أن التغير إذا كان أصاب فقد أصاب المتغيرات في
السياسة الخارجية الأمريكية.
الملاحظة السادسة: أن فكرة الحروب الصليبية التي أثارها الرئيس بوش
ليست جديدة؛ فهناك تقرير قدم في عهد الرئيس ريجان في سنة ١٩٨٤م وسُمي:
«الدخول في مرحلة الحروب الصليبية الثالثة» ، هذا التقرير كان يتكلم عن
التعامل مع المنطقة العربية والإسلامية؛ ولهذا لم تكن زلّة لسان من بوش ولم تكن
مسألة طفرية. ويقال إن أول تقرير قرأه بوش بعد ولايته للحكم هو هذا التقرير
واستدعى الكثيرين ليناقشهم فيه.
الملاحظة الأخيرة: حول ما تشهده المنطقة العربية من تبديد للمفاهيم؛ وهذا
التبديد يتم على مستوى الفكر ومستوى الحركة. هذا التبديد أريد منه أن يخدم
التحول الذي حدث في السياسة الخارجية الأمريكية عبر تفريغ الألفاظ من معانيها
ودلالتها الشرعية المعرفية والمنهجية والموضوعية كما عرفناها في تاريخنا وتراثنا
وحاضرنا.
- د. حامد: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على
رسول الله ومن والاه، وبعد: في البداية أسجل اتفاقي حول النقطة المحورية بأن ما
حدث في سبتمبر لا يمثل لحظة انقطاع؛ فالمسألة السياسة لا تعرف إلا الاستمرارية؛
لكن كل ما أستطيع أن أقوله بالنسبة لهذه اللحظة أنها ربما أضافت أمرين:
١ - أن المتغيرات فيها كانت متسارعة من الناحية الكمية، وظن كثيرٌ من
الناس أنها تمثل نقلة نوعية.
٢ - أن هذه اللحظة أفصحت وأبانت عن كثير من السياسات التي كان
السياسيون يحرصون على سترها في الماضي، فظن كثير من الذين لا يتعمقون
وراء الأحداث أنها جديدة.
وأضيف أنها لحظة تراكمت فيها المتغيرات وتسارعت بدرجة كبيرة قياساً
على اللحظات السابقة؛ فالحدث لم يكن هيناً، كما أفصح فيها كثير من الأطراف
عن سياساتهم بدرجة من الدرجات (أو أزالت برقع الحياء) مما جعلها لحظة أزمة
حقيقية بكل معاني مفهوم الأزمة.
سأركز على ثلاثة ملاحظات تؤكد على هذا المعنى:
الملاحظة الأولى: أن المنطقة العربية ككل ذات أهمية استراتيجية بالغة في
النظام الدولي أياً كانت القوة التي تُهيمن على النظام الدولي، ومن ثم فأي محاولة
لعزل هذه المنطقة عن النظام الدولي، أو تصور تفسير أحداثها بعيداً عن القوى
المهيمنة في النظام الدولي هي محاولة عابثة، وأتصور أن جزءاً كبيراً من سياسات
هذه المنطقة في الوقت الراهن لا يمكن أن يُفسر بمعزل عن استراتيجية الولايات
المتحدة الأمريكية، وأتصور أن هذا له على الأقل في الماضي وفي الحاضر عدة
تفسيرات:
الأول: أن هذه المنطقة تمثل الند الحضاري للغرب الذي قادته بريطانيا في
مرحلة، وفرنسا في مرحلة، وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة أخرى.
العقلية الغربية ما زالت على مستوى الشعوب والقيادات لم تنس أن هذه
الحضارة هي التي تملك البديل المحتمل لها، كما أن ذكريات الصدام المرير مع هذه
الحضارة ما زالت موجودة في الذاكرة الأوربية.
- د. أحمد: كأن أحد مسوغات هذا الموقف الأمريكي والغربي هو إحساسهم
وشعورهم بأننا أصحاب مشروع حضاري لا يقل عن مشروعهم إن لم يكن يفوقه،
ومن ثم هذا تفسير لهذا الموقف تجاه العرب والمسلمين خاصةً.
- د. حامد: نعم! وهو ما أفصحت عنه لحظة سبتمبر في الخطاب السياسي
للقيادات، وفي الوعي لدى النخب السياسية وصُنَّاع القرار، وأكدته ممارسة
المفكرين وغيرهم؛ هذا الجزء الحضاري يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة.
الثاني: هو النقطة الدفاعية العسكرية، والذي يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه
المنطقة؛ فالمنطقة العربية تمثل خط الدفاع الأول بالنسبة لأوروبا وللولايات المتحدة
الأمريكية؛ حيث إنها تفصلها عن الصين وأيضاً عن أفريقيا وآسيا.
الثالث: الجانب الاقتصادي؛ فالمنطقة العربية تبرز أهميتها الاستراتيجية بما
هي غنية به ليس فقط البترول وإنما موارد أخرى تؤكد الأهمية الاقتصادية للمنطقة
العربية. وأهمية المنطقة كمنطقة وصل بالعالم القديم ككل. كل ذلك يؤكد الأهمية
الاستراتيجية للمنطقة العربية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية فيما مضى، وزاد
إدراك ذلك وأفصح عنه أحداث سبتمبر.. هذه هي الملاحظة الأولى.
الملاحظة الثانية: وهي أيضاً قديمة جديدة وتتعلق بدور الكيان الصهيوني في
معادلة توازن المصالح والصراع والتوازن الاستراتيجي في المنطقة من قبل أحداث
سبتمبر؛ فالصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الإسلامي الغربي في فلسطين هو
في حقيقته امتداد لجهاد المنطقة ضد الاستعمار الغربي فيما مضى: ضد فرنسا
وإنجلترا في مرحلة من المراحل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت هذا في
مرحلة ثانية؛ ولذلك فمن الطبيعي أن قوى التحرر التي حررت بلادها في موجة
التحرير الأولى هي في حقيقتها القوى التي تقف اليوم وقفة حقيقية ضد الاستعمار
الأمريكي وضد إسرائيل، هذه القوى كانت تستمد مشاريعها الجهادية والتغيرية من
الإسلام في الأساس؛ صحيح أن ثمرته سُرقت بعد ذلك، لكن عندما عاد الاستعمار
مرة أخرى في الثياب الأمريكية، وقفت هذه القوى من جديد ضد السياسة الأمريكية،
وهي تعتبر القضية المركزية لها قضية الوجود الصهيوني. أما عن سياسة الولايات
المتحدة الأمريكية في مساندة إسرائيل فإنها لم تتغير في حقيقة الأمر عما كانت
تسانده القوى، بل ربما ازدادت.
الملاحظة الثالثة والأخيرة: وهي تتكامل مع الملاحظتين السابقتين أن
تداعيات سبتمبر كما ذكرت وعلى رأسها مسألة التحكم في الإرادة العربية وتدعيم
أدوات النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولهذا فإن السياسة الأمريكية في المرحلة
الحالية تسعى بشكل واضح للتحكم في الإرادة العربية والإسلامية من خلال مسالك
متعددة وضعت بشكل جيد، ويجب أن نرصدها بشكل علمي لتجعل كمقدمة
للتحديات التي سنتناولها.
- أ. طلعت: أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وسط هذه الكوكبة اللامعة
من نخبة العقول المثقفة المفكرة. ليسمح لي الأساتذة الأفاضل، بأن أطرح بعض
الملاحظات التي تأتي في معظمها تعزيزاً لما ذكروه.
الملاحظة الأولى: مع اتفاقي على فكرة الثوابت والأهداف والمرامي
الأمريكية استراتيجياً تجاه عالمنا العربي والإسلامي، ومع اتفاقي من ناحية المبدأ
على أن الاستراتيجية الأمريكية في هذه المرحلة هي امتداد لفكر استراتيجي مرتب
ومبرمج قبل وقوع أحداث ١١ سبتمبر، لكن إكمال الصورة وجعل الاستنتاجات
معبرة عن مختلف جوانب الموقف يتطلب تخطي فكرة «الثبات والاستمرارية» ،
ويتطلب الإجابة عن سؤال رئيسي هو: هل تنطلق الولايات المتحدة في إطار
(الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني) من وضع هجومي قوي، أم أنها تنطلق
من وضع دفاعي، حتى ولو كانت تتحرك هجومياً؟ أو بتعبير أدق وبطريقة أخرى:
هل جاءت استراتيجيتها قبل وبعد ١١ سبتمبر من موقع الهجوم الاستراتيجي في
منطقتنا (والعالم) بهدف تعزيز هيمنتها وانتصاراتها، أم لقطع الطريق على
تحولات استراتيجية أو ذات ملامح وأفق استراتيجي إذا ما استمرت في سيرها،
فإن النتيجة ستكون الإطاحة بهيمنتها وفرض نفسها كقطب وحيد في العالم، أو
كحكومة للعالم؟
إن لهذا السؤال أهمية قصوى في تقدير الموقف وفي تحديد استراتيجيات
المواجهة. وأنا أرى هنا أن التحالف (الأمريكي - البريطاني - الصهيوني) ،
ينطلق في مواقفه وتحركاته وخططه، من تقدير استراتيجي بتآكل سريع لوضع
هيمنة القطب الواحد عالمياً، سواء بسبب الظهور المتنامي للقطب الأوروبي
(أوروبا الموحدة) أو لتصاعد القدرات الاستراتيجية (العسكرية والاقتصادية)
للقطب الصيني، أو لشعوره بنمو أو ما يشبه الحركة داخل العالم العربي والعالم
الإسلامي، أو لمجرد أسباب ذاتية.
ومن ثم فإن الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني، قبل ١١ سبتمبر لم يكن
يتحرك وينطلق من موقع أو استراتيجية الهجوم، لإكمال السيطرة والهيمنة (كما
كان الحال في حالة الحرب ضد العراق في عام ١٩٩٠م بشكل خاص) ولكن من
موقع واستراتيجية الهجوم الدفاعي في مواجهة تراجعها كقطب مهيمن ومسيطر.
الملاحظة الثانية: إن أهمية أحداث ١١ سبتمبر، وتحليلها في إطار الإجابة
عن السؤال السابق لها وجهان أو اتجاهان: الأول ما أشار إليه السادة المتحدثون،
أي فكرة ضرب الولايات المتحدة على أراضيها، والثاني الذي أضيفه، هو أنها
تأتي تطويراً للمواجهات معها ومع الحلف الصهيوني البريطاني من الخارج لتمتد
إلى الداخل في العمق الاستراتيجي، وهو ما يشير إلى الانكشاف الاستراتيجي
الأمريكي - بنفس حالة الكيان الصهيوني الآن - ويؤكد ملامح التراجع الاستراتيجي
للحلف، والنهوض والهجوم العربي والإسلامي وليس العكس.
الملاحظة الثالثة: آتي هنا إلى ملاحظة يبدو لي أنها ذات طابع خلافي؛
حيث أرى أن ثمة تغيراً حقيقياً في التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في العالم وتجاه
العرب والمسلمين على وجه الخصوص، كانت ملامحها خافتة قبل أحداث
١١ سبتمبر، وانجلت وأصبحت سافرة بعد هذه الأحداث، وأن ما نراه أمامنا
من تحركات أمريكية ليس تغيراً فقط في أسلوب المواجهة، أي استخدام القوة
العسكرية، ومن تدخل سافر في الشؤون العقدية والحضارية، وفي الأوضاع
الداخلية ... ، وإنما هو تغير يقوم على أن هذا الحلف بات يضع الصراع مع
العرب والمسلمين كهدف استراتيجي له أولوية وأكثر إلحاحاً بالمواجهة في الوقت
الراهن، ينبغي تسكين الصراعات الأخرى لمصلحة تحقيق الانتصار فيه، وإن
أبرز صفات هذا التغير الاستراتيجي هو اعتماد أسلوب المواجهة العسكرية والتهديد
بها مع العرب والمسلمين «ككل» ، و «مجموع» وليس كدول متفرقة ينبغي
كسب بعضها باستخدام الوسائل الاقتصادية لتسهيل عمليات ضرب البعض الآخر
كما كان يحدث من قبل، ويتم ذلك تحت شعار عام هو مواجهة الإرهاب
(الإسلامي) .
* وقفة مع الحدث:
البيان: ربما كان الخلاف في هذه القضية من قبيل الاختلاف الاصطلاحي،
ولهذا نريد أن ننقل الكلام إلى طبيعة الآثار التي نجمت عن هذا الحدث العظيم،
ولعل منها هو انقلاب موازين العديد من المفاهيم والتي على رأسها مفهوم الأمن
القومي.
- د. أحمد: إن ما حدث في سبتمبر لو حدث بالنسبة لأي دولة أخرى فمن
الممكن أن نقلل من شأنه؛ لكن هذا الحدث بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا
يمكن التقليل من شأنه.
- د. حامد: لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الثانية عام
١٩٤٥م خطراً داخلياً، ولم تواجه حرباً ما أو عملاً ما على الأرض الأمريكية،
وكان الذهن الأمريكي غير مهيأ على الإطلاق لأن تواجه الولايات المتحدة حدثاً
بمثل هذه القوة وهذا التحدي على الأرض الأمريكية؛ وهذا هو الذي زاد من تأثير
الحدث على السياسة الأمريكية وعلى الذهنية الأمريكية؛ لم تشهد في تاريخها، ولم
تكن تتصور أنه سوف يحدث لها مثل ما حدث.
البيان: وكأن التقنية تحولت في يد الأفراد إلى قيد كبير على سياسات الدول!
- د. مصطفى: طبعاً على قدر المكان وعلى قدر المكانة كان هذا التداعي
الخطير. ولهذا ينبغي ألا نقلل من شأن الحدث لا بالنسبة للولايات المتحدة ولا
بالنسبة للتداعيات عندنا في المنطقة العربية، وأرصد أولاً أن الولايات المتحدة
وربما الغرب تحالف معها توقفوا كثيراً عند: من الذي أحدث الحدث؟ أكثر من
التوقف عند: لماذا حدث؟ وهذا في حقيقة الأمر يثير مسألة في غاية الأهمية: هل
الذي حدث سببه الإرهاب كما يزعمون؟ أو هل الذي حدث مرتبط بمسألة التوزيع
العادل لقيم الاقتصاد والسياسة في العالم؟ أو مرتبط بازدواجية الدور الأمريكي في
مسألة حقوق الإنسان؟ هل مرتبط برفض العولمة في صورتها الأمريكية؟ هل
مرتبط بالقدس والقضية الفلسطينية كما قال بعض أعضاء تنظيم القاعدة؟ هل..
هل..؟ إن هناك تعامٍياً بشكل أو آخر عن: ما السبب؟ وهذه مسألة في غاية
الأهمية إلى الآن.
* الملامح الأساسية للسياسة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر:
البيان: وكيف نقرأ التطورات التي استجدت على السياسة الخارجية للولايات
المتحدة بعد سبتمبر؟
- أ. طلعت: لعل مما يفسر ذلك أن هذه هي المرة الأولى منذ حركة بيرل
هاربر التي تُضرب فيها الولايات المتحدة على أرضها، وهو ما يعني أن نظرية
الأمن القومي الأمريكي المستقرة منذ نشأة أمريكا، قد ضربت في مقتل؛ فإن ثمة
ضرورة لإدراك حجم التأثير لهذه الضربة على الوضع الدولي لأمريكا، وحجم
الارتباك الاستراتيجي الحادث للخطط الأمريكية، وحجم الدمار الذي أصيب به
الاقتصاد الأمريكي، وحجم الهزيمة النفسية التي أصيب بها الجيش الأمريكي
والنخب الأمريكية، بعد ضرب البنتاجون ومركز التجارة وما قيل عن محاولة
ضرب البيت الأبيض.
ومن ثم فإن قراءة التحرك الأمريكي البريطاني الصهيوني، الهستيري
والمجنون لا يفسر فقط بثوابت الأهداف والمرامي، بل يفسر أيضاً بأنها وصلت حد
الارتباك في استراتيجيتها في مواجهة العالم العربي والإسلامي. إن الحالة الفاشية،
والاضطرار لتخطي كل الأساليب الديبلوماسية والخداع في التعامل مع العرب
والمسلمين، وصراعها المكشوف بصدد هذه القضية في بعض الأحيان وطرح
شعارات مثل: (معنا أو ضدنا) ليس مؤشراً على القوة الكاسحة تكنولوجياً، بل
أيضاً بأنه عنوان للارتباك والشعور المتنامي بالتراجع، بما اضطرها لاستخدام
قواها الاسترتيجية العسكرية للمواجهة مع الخصوم لعدم قدرتها تحقيق النجاح
بالوسائل الأخرى.
- د. مصطفى: لا شك أن الحدث شديد وجديد، وأحدث هزة كبيرة،
وأصاب السياسة الخارجية الأمريكية وصانعي القرار بهزة عميقة.
الذي أريد أن أرصده هنا أولاً: أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث
سبتمبر نستطيع أن تميز بين مسلكين أو قيمتين كبريين في سياستها الخارجية مع
المنطقة العربية:
القيمة الأولى: أنه صار ينظر إلى قضية المنطقة العربية وما يعتريها من
مشاكل وقضية الصراع العربي الإسرائيلي والوضع في فلسطين على أنه ليس في
أولويات السياسة الأمريكية؛ فمثلاً قضية ضرب الرئيس صدام حسين وقضية
العراق في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وقضية فلسطين وما يجري في
الأرض المحتلة قضية أصبحت في هامش الشعور بالنسبة لهم.
البيان: كأن القضية أن استرضاء العرب ومراعاة مصالحهم هو الذي لم يعد
في الأولوية!
- د. مصطفى: نعم هذا الذي أعنيه!
أما القيمة الثانية: (إن جاز تسميتها قيمة) أن هناك حيرة وتناقضاً في
السياسة الخارجية الأمريكية، وهذه الحيرة والتناقض لم يرصدها فقط المثقفون
والكُتاب العرب، وإنما رصدها من في داخل البيت الأمريكي؛ فهذا فولر على
سبيل المثال يسجل على الولايات المتحدة هذا التناقض وهذه الحيرة حول الموقف
من فلسطين: هل نضرب عرفات ونلغيه، أم نُبقي عليه لأن الصوت العربي يقول:
عرفات هو البديل وأن البدائل الأخرى ... ؟!! إلخ.
هناك اضطراب وقلق وهناك تناقض، وهذا يعطي فرصة للحركة العربية.
كيفية استثمار هذا التناقض إن جاز تسميته تناقضاً.
البيان: ربما يرجع ذلك إلى ما أشار إليه بعض المحللين من أن أمريكا تعاني
من أزمة استراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، بمعنى أنه لم يعد لديها
استراتيجية واضحة وكاملة وذات هدف واحد كما كان الحال إبان الحرب الباردة،
ومن ثم فهي تتعامل مع كل طرف وفق استراتيجية مفتوحة قائمة على التجريب
أكثر منها قياماً على الرؤية المستقبلية.
- أ. طلعت: هذا يؤكد تماماً ما أشير إليه من أن الاستراتيجية الأمريكية
تعاني من حالة تخبط ودوار غير مسبوق، ومن ثم فهي تتحرك حركة مختلة تنم
عن فكر مختل، ولعل من أسباب ذلك أنها تواجه عدواً هلامياً وعقدياً، يصعب
ضربه أو اختراقه، ويمكن أن يتشكل في صور مزعجة ودون إمكان رصده، وهو
ما يعني بالتعبير العامي: «مرغمة أنف العزة الأمريكية» .
- د. مصطفى: أعود فأكمل: يمكن كذلك أن نرصد توسعاً كبيراً في مفهوم
الأمن القومي الأمريكي بصورة فجة؛ هذا التوسع يطرح عدة تساؤلات: ما تكاليفه؟
وما هي تداعياته على المنطقة العربية؟ .. وهل سوف تسهم المنطقة العربية في
تمويله؟ وهل سوف تشغل آلة الحرب الموجودة وتستخدم بعض الدول كقواعد
ومسهلات؟
المسألة تهمنا من قريب ومن بعيد؛ فما يحدث في فلسطين يمسنا، والذي
يحدث في أفغانستان يمسنا، والذي يحدث في دول (محور الشر) يمسنا، ومن
الواضح أن المنطقة العربية تؤجل كل خلافاتها وصراعاتها الداخلية كي تستجيب لما
يحدث، وهذا يفرض تحديات.
أيضاً أرصد نقطة رابعة وهي لون من تغوُّل العولمة وهي العولمة العسكرية
وما قيل إن الحرب لا تعرف الجغرافيا، ومعنى هذا أنه مسألة (Geopolitic)
كما يقولون أصبحت منزوية قليلاً، لحساب الآله التكنولوجية والصناعية الغربية
التي سوف تتخطى كل الحدود، وهذا يمثل أحد تداعيات العولمة وما يكمل مفهومها.
لم يعد مسموحاً بفكرة ما تريده أنت؟ أو أنت ترفض أم لا؟ إنما ما أريده أنا
وفقاً للتصنيف الذي يقضي بـ: (إما معي في مكافحة الإرهاب، وإما ضدي في
مكافحة الإرهاب) .
أيضاً أرصد ظاهرة أن هناك قدراً من تنسيق المواقف لا نقول التحالف بين
رجال الفكر ورجال الحركة في العقلية الأمريكية وبالذات بعد أحداث سبتمبر وهو
واضح في استدعاء فكرة مثل صراع الحضارات، وما ورد في بيان المثقفين
الأمريكيين، وهذه ظاهرة نعاني من عكسها في المنطقة العربية.
- الدكتور حامد: إذا كان لي أن أرصد كما فعل أخي الدكتور مصطفى بعض
الملامح قبل أن أجيب عن سؤال حضرتك بعض الملامح الأساسية للسياسة فيما بعد
أحداث سبتمبر فأريد أن أتطرق إلى ستة متغيرات أساسية أو ستة ملامح أساسية:
الملمح الأول: الذي لاحظته بعد أحداث سبتمبر أن هناك درجة متعاظمة أو
متعالية من سيادة منطق الخضوع للإرادة الأمريكية يتساوى بدرجات متفاوتة في
ذلك العالم العربي والإسلامي، وحتى أوروبا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي
أستطيع أن أقول إن القرار السياسي الاستراتيجي في معظم القضايا في العالم
العربي والإسلامي تحدده الإرادة الأمريكية في الوقت الراهن، هذا واضح جداً
بالنسبة للقضية الفلسطينية، حتى إن البعض يصف بعض بلدان هذه المنطقة كأنها
مخطوفة.. بلاد مخطوفة للإرادة الأمريكية أو مستلبة أو ما شاكل ذلك.
نشرت (الليموند) منذ حوالي ستة أشهر مقالاً بعنوان: (كلنا أمريكيون)
هذه هي فرنسا! صحيح حدث بعد ذلك نوع من المراجعة في الفترة الأخيرة، لكن
الموقف الأوروبي في فترة ما بعد أحداث سبتمبر تقارب بدرجة لم يعرفها تاريخ
الحضارات الأوروبية الأمريكية خصوصاً إزاء قضايا المنطقة؛ فهناك درجة عالية
جداً من الخضوع للمنطق الأمريكي. وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم خضوع
السياسة البريطانية. السياسة البريطانية حتى الساسة البريطانيون يصفون (بلير)
بأنه «ذيل الكلب» بنفس التعبير.
الملمح الثاني: هو ازدياد دور أجهزة الأمن والمخابرات. ترصد مثلاً حجم
مبيعات آلات التخابر البسيطة والتي تباع في شوارع لندن، نجد أنها تضاعفت
حوالي ٢١ أو ٣١ مرة.. الميزانيات الضخمة التي تُخصص لأجهزة الاستخبارات
والأمن على المستوى العالمي حتى إن القضايا السياسية أصبحت تناقش داخل أروقة
المخابرات. مثلاً: كان القرار السياسي الخاص بالمنطقة العربية من قبل يصنع في
الكونجرس أو في مؤسسة الرئاسة، ثم انتقلت لوزارة الخارجية الأمريكية في فترة
من الفترات، ثم انتقلت من وزارة الخارجية إلى المخابرات الأمريكية، ولذلك من
الذي يناقش الآن قضايا السياسة الأمريكية في المنطقة، ومن الذي يرسل سواء هنا
أو هناك؟ فهذا يعكس تنامي الدور الأمني بالمعنى المباشر على حساب الدور
السياسي الأمني المؤسسي.
- د. مصطفى: أضف إلى ذلك أن هناك اختراقاً بشكل أو آخر لدور
مخابرات الأمن الأمريكي في المنطقة العربية.
- د. حامد: ليس اختراقاً. أنا أتصور أن هناك تنسيقاً من فترة طويلة..
التنسيق هذا في المرحلة الحالية وصل إلى درجة العلاقة العضوية. تراجعت
السياسة لصالح الأمن؛ وهذه تداعياتها خطيرة لماذا؛ لأن الأمن بحكم العقلية الأمنية،
والعقل الأمني غير العقل السياسي. العقل السياسي يمكن أن يُشغل بمنطق الحق
والحقوق والعدل وكذا وكذا ... لكن العقل الأمني وقتي وآني ويهمه توازن القوى
الموجودة على الأرض والمصلحة المباشرة.
الملمح الثالث: هو ارتفاع حدة وموجة العداء الشعبي للولايات المتحدة
الأمريكية بعد أن كانت تمثل نموذج العالم الحر ونموذج القيم الديمقراطية. طرح
بعد أحداث سبتمبر سؤال محوري: لماذا يكرهوننا؟ أدركت أمريكا أن الشعوب
العربية والإسلامية على خلاف الأنظمة. هناك موجة عالية من الكراهية للنموذج
الأمريكي لأمريكا؛ حتى إن حزب أمريكا أو مناصري أمريكا بدؤوا يتخفون.
الذي حدث في هذه النقطة تحديداً نوع من الالتحام بين ما يمكن أن أسميه قوى
الرأي العام العربي والإسلامي مع قوى أخرى في الغرب وفي غير الغرب لها
مواقف مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية.
مثلاً بقايا الاشتراكيين واليساريين، مناهضو العولمة، أضرب مثلاً:
المظاهرة المليونية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية ما هي القوى التي كانت
تشارك فيها؟
لا يمثل العرب والمسلمون فيها أكثر من خمس أو سدس المشاركين والباقي
قوى أحزاب يربطها عداء الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه هي القوى الفاعلة في
الساحة الأوروبية. حتى أنا رأيت المظاهرات الموجودة في لندن، ورأيت
المظاهرات الموجودة في برلين: تشهد كلها بارتفاع موجة عداء عالمي للسياسة
الأمريكية.
ما حدث في دربن مثلاً في جنوب أفريقيا. إذن أيضاً أحد الصفات الأساسية
التي يمكن ألا تواري خضوع الحكومات والأنظمة السياسية الأمريكية أن هناك
رفضاً شعبياً حقيقياً متعدد الجذور ومتعدد المشارب للسياسة الأمريكية، وهو تنامٍ
ليس وقتياً ولكنه مستمر.
الملمح الرابع: أتصور أن السياسة الأمريكية سوف تقوم على نشر
الصراعات المنخفضة الحدة Limited wars بمعنى أنها سوف تفجر نقاط التوتر
في العالم التي كانوا يسمونها في الستينيات (حروب الوكالة) .
وأنا أتصور أن هذه سمة بدأت في أفغانستان، وتسير في فلسطين، وسوف
تستمر في الفترة القادمة. لا أتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتورط
في حرب كبيرة أو مفتوحة؛ لكن سوف تلجأ للحروب منخفضة الحدة أو صراعات
منخفضة الحدة وحروب الوكالة.
وذلك له أسباب كثيرة منها أن الولايات المتحدة الأمريكية لها خبرة في
الصراعات الكبرى والصراعات متوسطة الحدة، وليس لديها خبرة في الصراعات
منخفضة الحدة.
- د. مصطفى: أنا بالطبع هنا بين أمرين:
الأمر الأول: أن هذه الحروب سوف تنفجر وهي تحاول أن تضعها في حيز
الحروب المحدودة، هل لأن هذا جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ أتصور ذلك.
منها إذكاء هذه الصراعات لكي يحدث نوع من الاستهلاك الذاتي للقوة الإقليمية.
شيء آخر: الذي هو تجريب صناعة السلاح، بالإضافة إلى الحرص على
عدم إقحام المواطن الأمريكي نفسه والتضحية به فيما لا فائدة بالنسبة له، وحرب
الخليج الأولى هي نوع من أنواع حروب الوكالة.
- د. حامد: الملمح قبل الأخير الذي أتصوره: أننا في طور تصفية القضية
الفلسطينية، مسألة التسوية السياسية أن هناك إرادة أمريكية تتوافق مع الإرادة
الإسرائيلية على تصفية القضية الفلسطينية، أتصور أن المنطقة العربية الآن في
أضعف مراحلها، والإرادة العربية لديها استعداد أن تقبل أي شيء؛ فأتصور أن
أمريكا وإسرائيل الآن كل ما في الأمر أنهم يعصرون هذه الإرادة وتلك القيادات
حتى تقبل بأدنى سقف ممكن وهي مهيأة، وأرجو أن أكون مخطئاً في أن هذا
الظرف هو ظرف مواتٍ جداً لهم.
العقبة الأساسية والعقبة الحقيقية هي الانتفاضة؛ منذ فترة نشرت جريدة
(الجارديان) مخططاً للتوازن بين إسرائيل والفلسطينيين من حيث القوى؛ فوضع
أوجه المقارنة من حيث الأسلحة: إسرائيل رقم مثلاً ٢٣٠ والفلسطينيون صفر..
والقوات: إسرائيل رقم كذا والفلسطينيون صفر.. والقنابل النووية كذا
والفلسطينيون صفر.. وفي تلك المقارنة وضع حوالي ١٦ نقطة؛ فكل ما يخص
الفلسطينيين صفر. ثم وضع الاستشهاديين في المقارنة، فوضع إسرائيل صفر
ووضع أمام الفلسطينيين ما يسمى عدد لا نهائي، وعلق المحلل أن هذا هو عنصر
التوازن.
ولهذا فالشيء الأساسي الذي يعوق على المستوى الاستراتيجي من تصفية
القضية الفلسطينية هو هذا العنصر الوحيد ليس بمعنى فعله، ولكن حتى وجود
إرادة لكي يظل أحد عناصر المعادلة في المنطقة كعنصر أساسي ومستمر.
ولذلك سوف تجد في الفترة القادمة وبما يظهر تكالباً شديداً على أنه يُحجب،
يشوه، يصفى، يلوث سواء على المستوى الرسمي أو الديني، ويحصل تبديل
للمفهوم.
- د. مصطفى: مسألة الاستشهاد لم تعد قاصرة على فلسطين؛ المسألة هنا
أن النوع في الاستشهاد كثر، المسألة الثانية أن المنطقة في الاستشهاد تعددت،
وأيضاً حركة ووجهة الاستشهاد أيضاً قد تغيرت مثلما تذكر حضرتك لا تكون
الأرض المحتلة فقط هي مجال حركة الاستشهاد، بل ربما تنتقل المسألة من كونها
مجرد حركة استشهاد نحو أهداف إسرائيلية سواء مدنية أو عسكرية إلى أهداف
أمريكية وبريطانية، بل قد تتجاوز ذلك إلى أكثر. هذا السلاح لا يستطيع أن
يواجهه سلاح نووي ولا تقليدي.
- أ. طلعت: لعل الدكتور حامد يقصد بتصفية القضية الفلسطينية محاولة
الحلف الصهيوني تصفية القضية، وليس تصفية القضية.
- د. حامد: نعم!
- أ. طلعت: ولكن أرى حتى تتزن الصورة ينبغي أن يقال إن المنطقة
ليست في أضعف حالاتها، وإن القضية الفلسطينية في أقوى حالاتها رغم ما
تتعرض له من مؤامرات ومحاولات لسحقها، ولتأذن لي أن أخالفك الرأي بأن
الصهاينة (والحلف) ليسوا هم الذين يعصروننا، واختلافي هو أنني أرى أن
المشروع الصهيوني هو الذي يتعرض الآن لأخطر درجات التهديد التي لم تحدث له
منذ عام ١٩٤٨م وحتى الآن، وأنه هو المعرض للتصفية والتفكيك أو لهزيمة
استراتيجية (قد لا تكون شاملة في هذه المرحلة) ، وأنه يعاني من تراجعات
خطيرة، تصاعدت وتيرتها في المرحلة الراهنة، وهذا هو دافع من دوافع التحرك
الهستيري الجنوني، للتحالف الصهيوني الأمريكي باستخدام الحرب المباشرة
والمكثفة، ولدخول الولايات المتحدة بشكل سافر ومباشر في الصراع، بما يمثل
تغييراً في استراتيجيتها السابقة في التحرك كوسيط للسلام، بل أصل لاحتمالات
إشعال حرب في المنطقة باتجاه سوريا لإعادة تعديل التوازنات في المنطقة.
فالمرحلة الأخيرة في الصراع شهدت انكسارات هامة للاستراتيجية الصهيونية
ولنظريات الأمن والقتال؛ حيث يجري القتال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة
عام ١٩٦٧م، وداخل الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م وتحت
تهديد بقصف لشمال فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م من قبل قوات حزب الله، وهو ما
وجه ضربة لنظريات نقل المعارك خارج الأراضي المحتلة، وكما ذكرت فإن
الوضع الراهن، حمل ملامح لتوازن الرعب بين العرب والكيان الصهيوني، بقدر
معقول، وتجربة الجنوب اللبناني ماثلة، بل إن الصراع الذي يجري الآن على
الأراضي الفلسطينية، كلها، هو تطور استراتيجي ولا شك يحدث للمرة الأولى منذ
عام ١٩٤٨م، وباستعراض مسيرة الصراع منذ حرب أكتوبر، ومروراً بالاندحار
الصهيوني من جنوب لبنان ووصولاً للقتال على الأرض الفلسطينية، فإن الصورة
الاستراتيجية البالغة التعقيد والتركيب، تشير في النهاية إلى أن المشروع الصهيوني
يتراجع ولا يتقدم في الصراع؛ حيث وصل الكيان الصهيوني إلى ذورة مشروعه
في عام ١٩٦٧م، ومن وقتها وحتى الآن - وعبر طريق متعرج - فإنه في منحنى
هابط. كما أنه وبعيداً عن لعبة الديبلوماسية والتعرجات الحادة في الصراع والشدة
البالغة القسوة فيما جرى ويجري، فإن مجرد طرح فكرة قيام دولة فلسطينية تحت
ضربات المقاومة وفي ظل استمرار وتصاعد الإرادة الفلسطينية على التحرير، فإنه
يمثل انتصاراً «من حيث المبدأ» . وإن مقاومة هذا الطرح الصهيوني والأمريكي
بأوسلو ومدريد وغزة وأريحا يظهر مدى التراجع الصهيوني، وإذا كان هذا
الطرح بطبيعة الحال لا يمثل أهداف الأمة وثوابتها، فإنه يمثل تراجعاً صهيونياً
وأمريكياً، أيما كانت أهداف هذا التراجع.
وهو أمر يتطلب تشديد الهجوم وتطويره.
- د. حامد: لكن هذا لا ينفي التهاوي على المستوى العربي والضغوط التي
تمارس أمريكياً وغربياً وبصورة يومية من أجل تخفيض الاستحقاقات العربية..
ولا أطيل، وأعود إلى الملمح الأخير الذي يمكن أن يكشف لنا عن كنه التصفية
المأمولة غربياً والتي تدور حول الجذر الذي تنبع منه ثقافة الاستشهاد وهو الإسلام
ومن يحمل فكرة الإسلام. فأنا أتصور حتى لو سموه إرهاباً، أو أي مسمى آخر
فأتصور أن العدو الأساسي في الاستراتيجية الأمريكية وفي استراتيجية الأنظمة
المتحالفة معها حتى المرحلة القادمة ينكشف عنه بدرجات متفاوتة أنه هو الفكرة
الإسلامية.
على سبيل المثال أتصور أن هذه السياسة سيكون لها ثلاثة محاور:
- د. أحمد: أعتبر أن أحداث ١١ سبتمبر في تقديري كشفت عن شيئين
مهمين يجب أن نهتم بهما وهما:
الشيء الأول: هو مدى قابلية الولايات المتحدة للاختراق؛ ورغم كل ما يقال
إن قيل وسيقال عن تحذيرات أو غيرها إلا أن الولايات المتحدة اختُرِقت من داخلها
في أحصن مواقعها، وووجهت بضربات عنيفة يمكن أن تكون لأول مرة في
تاريخها، كما قال الدكتور حامد يمكن المرة الوحيدة التي تعرضت فيها الولايات
المتحدة بشكل مباشر في ضرب (بير هاربر) في اليابان، وإنما قبل ذلك وحتى
١١ سبتمبر ظل المواطن الأمريكي يشعر بأنه المواطن الآمن الوحيد على مستوى
العالم.
الشيء الثاني: خاص بكشف زيف التجربة الأمريكية في الديمقراطية وحقوق
الإنسان. قضية حقوق الإنسان شعارات تُصدر للخارج، وإنما داخل الولايات
المتحدة صحيح هم يتمتعون لا شك بقدر من حقوق الإنسان، وإنما بعد الأحداث
سمعنا من فترة قريبة عن مسؤولين أمريكيين يتحدثون عن التصنت على كل شيء؛
المكالمات التلفونية، والحسابات الخاصة، وصناديق البريد الإلكتروني ...
يهمني أن أشير هنا إلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي فيما يتعلق بقضايا
حقوق الإنسان. الولايات المتحدة الأمريكية تستخدمها كإحدى الأدوات في إدارة
سياستها الخارجية، وإنما سجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان هو سجل
غير مشرف بالمرة؛ كيف؟ يكفي أن نستعرض موقف الولايات المتحدة الأمريكية
من الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
الولايات المتحدة الأمريكية إما رافضة للتوقيع أو التصديق والانضمام إلى تلك
المواثيق، وإما ممتنعة تماماً عن اتخاذ موقف. وأذكر حضراتكم بالواقعة الأخيرة
التي هي انسحاب الولايات المتحدة (سحب توقيعها) على النظام الأساسي للمحكمة
الجنائية الدولية. إذن علينا أن نبرز هذا، ولو قام أحد الباحثين بالتسجيل في هذا
الموضوع فسيكشف عن حقائق مذهلة عن أن هذا الموضوع هو موضوع موجه
للآخرين لكي يستخدم استخداماً سياسياً.
- د. مصطفى: هذا وداخل الولايات المتحدة قضايا حقوق الإنسان حولها
كلام كثير (التمييز في حقوق المرأة التمييز بين الأجناس قوانين الاشتباه الأخيرة
وغير ذلك) .
- د. أحمد: وما تعرض له العرب والمسلمون أيضاً..
* موقع العرب من الاستراتيجية الأمريكية:
البيان: أنتقل إلى نقطة أخرى لنعالج تساؤلاً يطرح نفسه عند الحديث عن
تطورات ما بعد سبتمبر وتأثيرها على موقع المنطقة العربية من الاستراتيجية
الأمريكية والدولية من حيث إنها منطقة مستهدفة، هل حدث تغير؟
- د. أحمد: نحن لنا موقع أساسي ومتميز في الاستراتيجية الأمريكية
باعتبار الولايات المتحدة دولة كبرى وتحكمها ثوابت أساسية، وأيضاً لنا موقعنا
الجغرافي المتميز هذا، وإلى أننا نملك مشروعاً حضارياً نحن الوحيدون يمكن على
مستوى العالم الذين تتوافر لدينا إمكانات ترجمة هذا المشروع إلى واقع.. إمكانات
اللغة، إمكانات الدين.. إمكانات التاريخ. نحن نتحدث الآن عن أوروبا (الاتحاد
الأوربي) إحدى المشكلات أو إحدى العقبات التي يمكن أن تعترض قريباً مسيرة
الاتحاد الأوروبي هي قضية اللغة وقضية الهوية، ورغم أنهم أحدثوا اليورو
وصعود اليمين في أوروبا وهذا رد فعل لهذا.
نحن نقول إننا الوحيدون على مستوى العالم الذين لا نستخدم الترجمة الفورية
في مؤتمراتنا وفي اجتماعاتنا، نحن أقصد كعرب اللغة والدين والجغرافيا والموارد.
أنا أتصور أن هذه الإمكانات لها جانبان:
الجانب الإيجابي: أنها تسمح لنا بأن نقف على أقدامنا وأن ننشرها إذا ما
خلصت النوايا وصح لدينا العزم، ولكن هناك جانب سلبي وهو أن تجعلنا دائماً
مطمعاً للغير. هذا في تصوري فيما يتعلق بالموقع العربي في الاستراتيجيات.
- د. مصطفى: خبرتنا في التعامل مع الغرب عموماً هي خبرة متعمقة؛
فنحن نعد من أكثر مناطق العالم إن لم يكن أكثرها احتكاكاً بالغرب بصورة أو أخرى؛
فالغرب يدرك تماماً أن في انكسارنا معه لنا مبادئ ولنا قوانين ولنا تجربة في
هزيمتنا له، أيضاً لنا تجربة. فلنا مواقف ولنا مبادئ ولنا خبرة في المهادنات، في
الصلح، في الاختراق، في الاحتلال. هذه خبرة كبيرة والغرب كما قلنا وهو تكلم
عن الحروب الصليبية وفي ذهنه هذه الخبرة التاريخية؛ فهو يدرك تماماً أن هذه
الخبرة التاريخية، هذه الخبرة اللغوية، هذه الخبرة في المصادر والإمكانات، هذه
الخبرة الاستراتيجية. حينما تتضافر تكون المنطقة المقلقة التي لديها البترول وغيره
ونمط القيادات الموجودة، ونمط الشعوب.. إلخ.
فهو يدرك تماماً أن هذه المنطقة لا يمكن أن تُنسى بشكل أو آخر.
ندرك أيضاً أن رأس الحربة إسرائيل.. هذه المنطقة شئنا أم أبينا موجودة.
ما أريد أن أقوله إنه في هذه المنطقة يتكلم البعض في الاستراتيجية الأمريكية ما بعد
سبتمبر أن هذه المنطقة هي في القلب من مسألة الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى،
والكلام عن بترول بحر قزوين والكلام عن المحور الإسلامي الموجود في إيران
والموجود في تركيا والموجود في أفغانستان و.. و.. إلخ مهم جداً جداً؛ لأن بحر
قزوين فيه بترول ومدى تأثيره على الخليج العربي، وممكن أن يشكل قوة ضغط
على منطقة الخليج العربي بل بعض المفكرين الأمريكيين يتكلمون عن استراتيجية
بديل.. للبترول والنفط العربي. فهذه المنطقة شئنا أم أبينا سواء قبل أحداث
سبتمبر أو بعد أحداث سبتمبر هي في القلب. تتغير بعض المتغيرات في السياسة
الخارجية الأمريكية لكن أنا أظن أنها من ثوابت ما تهتم به الولايات المتحدة في
علاقتها الدولية، في سياستها الخارجية في النظام الدولي في أي من تطوراته وأي
مرحلة به.
- د. حامد: بالفعل المنطقة العربية والمنطقة الإسلامية عموماً منطقة جامدة
استراتيجياً، ومنطقة في القلب؛ بحيث لا أتصور أن الاستراتيجية الأمريكية تقبل
فيها نوعاً من المساومة.. لدينا مساحتان للصراع في إطار العربية مساحة فلسطين
ومساحة منطقة الخليج.. هاتان الساحتان اللتان يمكن أن يكونا ساحات صدام مباشر..
ساحات فلسطين ومنطقة الخليج. ثم أيضاً في إطار منطقة الثبات الاستراتيجي
أستطيع أن أتكلم وفي ظل أن إسرائيل حتى الآن تعتبر أنها ليس لها حدود. مفهوم
الأمن الإسرائيلي يمتد حتى باكستان وهنا شبه محور أو شبه تحالف قائم حقيقة الآن
بين ثلاثة: (إسرائيل، والهند، وتركيا) أتصور أن لدينا أربع دول تحديداً تهم
الاستراتيجية الأمريكية، وتضع عينيها على: (مصر، العراق، إيران،الجزائر) ،
ثم باكستان تلك هي الدول الخمس التي هي ذات مكانة إقليمية. ما يهم الاستراتيجية
الأمريكية ويهم الاستراتيجية الإسرائيلية أنه لا يحدث فيها أي خلخلة، وعندها
استعداد أن تتدخل بشكل مباشر إذا حدث في هذه الأقطار تحديداً ما يهدد
الأوضاع.
стр. 4345
ملفات
الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة
(٢ ـ ٢)
الفرنكوفونية معركة قائمة.. ولكن!
لم تكن الفرنكوفونية نبتة اليوم أو الأمس، بل هي فروع شجرة خبيثة ممتدة
الجذور، تعود جذورها إلى الحروب الصليبية الأولى، ثم يمتد هذا العداء للإسلام
والمسلمين عبر التاريخ تاركاً صوراً كثيرة من العداء المستحكم حتى يومنا هذا:
- فبذور الحروب الصليبية جرى إلقاؤها في تربة فرنسية، والذي بشر بها
بابا من أصل فرنسي.
- لم يتوقف سيل المقاتلين والوافدين من فرنسا لإمداد الحملات الصليبية منذ
بدئها.
- المملكة التي أقامها الصليبيون بالشرق كانت في جوهرها مملكة فرنسية في
لغتها وعاداتها.
- كما كان لفرنسا دورها المستمر في الحملات الصليبية المتتابعة منذ الحملة
الأولى وحتى حملة لويس التاسع الفرنسي، إضافة إلى حملة الأطفال التي قادها
الفرنسي الراعي ستيفن.
- ثم حملة نابليون على مصر والشام.
- ثم احتلال فرنسا بعد ذلك ما يقرب من ثلث العالم الإسلامي؛ متمثلاً في
دول المغرب العربي، ودول الغرب الإفريقي، وجيبوتي، وجزر القمر،
وسوريا، ولبنان.
- ما نهبته من ثروات الأمة وما سفكته من دماء مئات الآلاف من المسلمين
خلال تلك الحروب، ولا سيما في الجزائر.
ثم ها هي ذي فرنسا تخرج علينا بوجهها الاستعماري الجديد، وتتسلل إلى
العالم الإسلامي تسلل الحية إلى فريستها، واللص إلى هدفه، ولكن لا لتسرق المتاع
فحسب بل لتسرق عقول أبناء الأمة، وتفترس دينها ولغتها وهويتها؛ محاولة بذلك
أن تحقق أطماعها وذاتها على مستوى السياسة الدولية بإيجاد بُعد ثقافي لها على
حساب ثقافة الشعوب التي احتلتها في السابق عسكرياً.
إن الفرنكوفونية معركة شرسة معاصرة تخوضها فرنسا ضد العالم الإسلامي
في دينه وهويته، أعدت لها عدتها، ورصدت لها الأموال، ونظمت لها المؤتمرات،
وأقامت لها المؤسسات، وجندت لها الجنود، ولكن للأسف الشديد ليس هناك من
يتصدى لها أو يوقفها عند حدها، إلا من رحم الله، وهم قليل، بل نجد من يفتح لها
الأبواب من المنافقين والضالين، ويساعدها على دق أوتادها في جسد الأمة
الإسلامية. فهل نترك عقول شبابنا ودين الأمة وعقيدتها وهويتها فريسة وغنيمة
للفرنكوفونية؟
لقد تضمن ملف الفرنكوفونية في العدد السابق عدداً من المقالات التي ألقت
الضوء على أهداف الفرنكوفونية وخطورتها؛ من الناحية الثقافية واللغوية والتربوية
والتعليمية، ومدى ما حققته في هذه الجوانب، ونكمل في هذا العدد الحديث عن
الفرنكوفونية، في عدد من المقالات التي تبين أهم الوسائط التي تتسلل عبرها إلى
الشعوب لتحقيق أهدافها؛ ألا وهي: اللغة، والإعلام، والعولمة.
стр. 4346
ملفات
الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة
الفرنكوفونية استعمار أم استخراب ؟
د. عمر النمري [*]
* تمهيد: اللغة والثقافة والهوية:
أردت أن أمهد للحديث عن الفرنكوفونية ببيان العلاقة الوطيدة بين اللغة
والثقافة والهوية؛ ذلك أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب والتواصل فحسب؛ بل
هي أداة لنقل الثقافة، ووعاء لجميع ما تشمله هذه الثقافة من تقاليد وأعراف وعادات،
وعقائد وتصورات، وقيم ومناهج للحياة، وطرق للتفكير، وأساليب للتعبير؛
فاللغة بهذا المعنى وعاء للثقافة والتاريخ، والمشاعر والأحاسيس، وهي الأداة
الأساسية في عملية التطبيع والتنشئة الاجتماعية التي يتم في ضوئها بناء الفرد
وإعداده بما يتلاءم وتاريخه، وانتماءه، وواقعه، ومستقبله. فاللغة إذاً ذات علاقة
وثيقة بالثقافة، والثقافة ذات رباط متين بالهوية والشخصية الوطنية؛ ومن فقد لغته
فقد هويته وتاريخه، وتعثر في بناء مستقبله. ويتأثر الفرد باللغة التى يتكلمها
ويتواصل بها أبلغ تأثير، ويمتد هذا التأثير ليشمل تفكيره وتصوراته وعقائده،
ومشاعره وعواطفه، وسلوكه وإرادته وجميع تصرفاته. ولقد وعت فرنسا هذه
الحقيقة وعملت بمقتضاها في غزوها وبغيها على دول المغرب العربي الإسلامي
وغيره من المستعمرات الفرنسية، كما يحلو لهم تسميتها، وكلمة «الاستعمار»
تحمل في ثناياها معنى الخير وإرادة الإعمار؛ وكأنما هذه الدول التي غزتها فرنسا
وبغت عليها في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إنما كانت تعيش
في ظلام دامس، وجهل مطبق، وفراغ ثقافي، وتخلف حضاري كثيف، وإنما
بغت فرنسا عليها بغية تحضيرها وتثقيفها ورفع التخلف عنها؛ ويؤشر ذلك على
احتقار فرنسا لثقافات وحضارات الشعوب المستعمرة والحط من قيمتها، ووسمها
بالدونية، والتخلف؛ في مقابل شعورها بالاستعلاء، والتفوق، والرغبة في نفي
الحضارات الأخرى. ولما كانت اللغة هي أداة الثقافة والحضارة، وعنوان التمدن
والعمران كان لزاماً على هذه الدول المستعمرة في نظر فرنسا أن تتخلى عن لغتها
وثقافتها وتتعلم لغة المستعمِر وتتشرب ثقافته. ولما كانت الثورة الفرنسية إنما قامت
على أساس استبعاد الدين ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية، بما حقق لفرنسا
التقدم والرقي كان لزاماً على هذه الدول أيضا أن تتخلى عن دينها (إسلامها) حتى
ترقى في سلم المدنية، وتنعم بإنجازات الحضارة الحديثة؛ ومن مستلزمات هذا
وذاك أن تتخلى عن لغتها الأصلية أي عن دينها وثقافتها الوطنية. وهكذا فقد شكلت
اللغة، والدين، والهوية: الشخصية والوطنية، أهم المستهدفات لبرامج فرنسا
الاستعمارية في الدول المغاربية وغيرها من المستعمرات الفرنسية. وهذا ما
سيتضح للقارئ الكريم جلياً في ثنايا الحديث عن الفرنكوفونية إن شاء الله. فهل
صدقت فرنسا في دعواها إرادة الخير للشعوب المستعمرة، ورفع التخلف عنها، أم
أنها كانت تخفي وراء ذلك أهدافاً سياسية واقتصادية واستراتيجية «استخرابية» ؟
* نشأة الفرنكفونية:
(يعتبر «أونيسيم ريكلوس» (Reclus Onesime) الجيولوجي
الفرنسي أول من نحت مصطلح «الفرنكوفونية» وذلك في العقد الأخير من القرن
التاسع عشر الميلادي. ثم أتى عليه حين من الدهر ظل خلاله مغموراً إلى أن ظهر
من جديد على الساحة السياسية وذلك سنة ١٩٦٢ على يد أشد الزعماء الأفارقة
تحمساً للفكر الفرانكفوني وهو الرئيس السنغالي «ليوبولد سنغور» . غير أن
الحركة الفرنكوفونية عرفت انطلاقتها الحقيقية غداة استقلال الدول الإفريقية التي
كانت تحت السيطرة الفرنسية؛ إذ ظهرت مع بداية الستينيات كثير من المنظمات
الفرنسية الإفريقية الهادفة إلى تقوية العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الطرفين.
وليس غريباً أن يعمل كثير من الزعماء السياسيين آنذاك مثل الرئيس التونسي
«الحبيب بورقيبة» والسنغالي «سنغور» والنيجيري «حماني ديوري»
على الدعوة إلى الفرنكوفونية بمباركة خفية من وزارة الخارجية للدولة الفرنسية)
[١] .
ويعتبر الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الأب الروحي والمؤسس الحقيقي
للفرانكفونية؛ وقد تحدث بورقيبة عن ذلك مفتخراً، في معرض حديثه عن تاريخه
ومسيرته الشخصية؛ فقال في لقاء صحفي له مع إحدى الصحف الفرنسية: «إن
مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عموماً ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة ...
ونحن نتجه اليوم من جديد إلى فرنسا. إنني أنا الذي تزعمت الحركة المنادية
بالفرنكوفونية؛ فالرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الأقطار الإفريقية أمتن من
روابط المناخ أو الجغرافيا» . وقال في مقابلة أخرى له مع صحيفة ليفيغارو:
« ... إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله،
متضامنون بصورة أخص مع فرنسا. وتدعيم الروابط مع فرنسا وبصورة أخص
في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرنكوفونية تولدت هنا» [٢] .
هكذا يفتخر بورقيبة بلغته الفرنسية وأساتذته الفرنسيين وثقافته الفرنسية وبحبه
ووفائه لفرنسا الذي دفعه إلى رد الجميل بتزعم حركة الفرنكوفونية وتأسيس رابطة
الشعوب الناطقة بالفرنسية.
وقد عرفت الفرنكوفونية تكيفات عدة في صورة: بعثات، وجمعيات،
واتحادات، ومجالس عالمية، ومعاهد، وكليات، وجامعات، ومؤتمرات وقمم؛
توجت بإيجاد أمانة عامة للفرانكفونية، وتعيين ناطق رسمي سياسي وممثل لها على
الصعيد الدولي، وإنشاء الوكالة الفرنكوفونية العامة [٣] .
* تطور الفرنكوفونية:
إن المتتبع للتطورات التى مرت بها الفرنكوفونية يستطيع أن يلمح بوضوح
وجود طورين أساسيين للفرانكفونية: يتمثل الطور الأول في «الاستعمار القديم» ؛
بينما يمثل الطور الثاني «الاستعمار الحديث» في غمرة الصراع بين عمالقة
العالم القديم والمتجدد، وبيان ذلك على النحو الآتي:
- طور الاستعمار القديم:
لا شك عندي في أن الفرنكوفونية إنما استهدفت تنحية اللغة العربية ومن ثم
استبعاد الثقافة الأصلية للشعوب المستعمرة؛ لا بل استبعاد الدين الإسلامي
والحضارة الإسلامية لهذه الشعوب؛ ولا سيما أن أغلب الشعوب الإفريقية تدين
بالإسلام وتنتسب إلى الحضارة الإسلامية؛ وذلك بهدف إحلال الفرنسية محلها
وتحقيق الإلحاق الثقافي والحضاري، لا بل الإلحاق الجغرافي أيضاً كعزمهم السابق
على إلحاق الجزائر بالقطر الفرنسي؛ وهذه بعض الشواهد:
١ - أرسل أول وأبرز المقيمين العامين، الجنرال ليوطي دوريته الشهرية
(تاريخ ١٦/٦/١٩٢١) إلى ضباط المخابرات ورؤساء المناطق العسكرية والمدنية
المغربية، ومما جاء فيها: «ليس علينا أن نعلِّم العربية لمجموعات من الناس
استغنوا عنها دائماً (في إشارة إلى البربر) . إن العربية عنصر أسلمة لكونها لغة
القرآن؛ أما مصلحتنا فتفرض علينا أن نجعل البربر يتطورون خارج إطار الإسلام.
ومن الوجهة اللسانية علينا أن ننزع إلى المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية،
ولهذا نحتاج إلى عارفين بالبربرية، ويتوجب على ضباط مخابراتنا أن ينكبُّوا
بعزم على دراسة اللهجات البربرية. كما يلزم خلق مدارس فرنكو بربرية حيث
نعلم الفرنسية للبربر الشباب» [٤] .
٢ - وقد عبر عن هذه السياسة نفسها المستشرق ديمونبين بقوله: «إنه من
الخطر بالفعل أن نسمح بتكون كتلة متراصة من السكان الأصليين تكون اللغة
والمؤسسات فيها موحدة. علينا أن نتبنى لحسابنا المقولة المتبعة سابقاً من طرف
المخزن (الدولة المغربية) :» فَرِّقْ تَسُدْ «. إن وجود العنصر البربري لهو قوة
نافعة مضادة للعنصر العربي يمكننا استغلاله أمام المخزن» [٥] .
٣ - ويقول بول مارتي في كتابه: «مغرب الغد» ص ٣٣٨: «.. إن كل
تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل
قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد،
متعمدين، كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام» [٦] .
٤ - وبخصوص الجزائر يقول دي روفيكو: «إني أنظر إلى نشر تعليمنا
ولغتنا كأنجع وسيلة لجعل سيطرتنا في هذا القطر (الجزائر) تتقدم في إحلال
الفرنسية تدريجياً محل العربية؛ فالفرنسية تقدر على الانتشار بين السكان خصوصاً
إذا أقبل الجيل الجديد على مدارسنا أفواجاً أفواجاً» [٧] .
فهل بعد هذه الشواهد من حجة لقائل بأن فرنسا إنما أرادت بتعليم الشعوب
المستعمرة اللغة الفرنسية، ترقيتها حضارياً والنهوض بها من براثن التخلف
والجهل؟
إن المحلل لهذه الشواهد، وغيرها كثير، ليلمس بوضوح أهداف
«الاستخراب» الفرنسي لدول المغرب المتمثلة في: محو اللغة العربية، والقضاء
على الإسلام في هذه الربوع، ومحو الهوية الثقافية لهذه الشعوب، والسعي إلى
إلحاقها ثقافياً وحضارياً بالحضارة الفرنسية إن كانت لفرنسا حضارة خاصة تميزها
عن بقية الدول الغربية تمهيداً لتحقيق المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لفرنسا في
هذه البلدان؛ بل إن فرنسا والغرب عموماً لا يعترفون إلا بحضارة الرجل الأبيض
«السوبرمان» الذي ينبغي أن يقود العالم وأن يخضعه لمصلحته الشخصية؛ ولا
يمكن الاعتراف بالآخر المغاير، وبثقافته وحضارته إلا في هذه الحدود؛ أي حدود
التبعية، والذيلية، والإلحاق الثقافي والحضاري.
وقد عبر عن ذلك أحد الكتاب الغربيين بقوله: «بما أن الحضار الغربية
تسعى للقضاء على غيرها من الحضارات؛ فإنه يمكننا نعتها بكونها (لا حضارة)
Decivilisation إن الحضارة الغربية لا تقبل غيرها من الحضارات ولذا فهي
تعمل جاهدة لتخريبها ... إن الغرب عالم وحيد يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمة
الوحيدة والحضارة الوحيدة؛ وكل ما يتعلق بالكثرة أو الإنسانية بمعنى الجمع
والكثرة يعتبر محظوراً ومرفوضاً» [٨] .
- طور الاستعمار الحديث والمتجدد:
ويغطي هذا الطور سياسة فرنسا تجاه الدول المستقلة الناطقة بالفرنسية،
ويركز على سياسة فرنسا التعليمية تجاه شعوب هذه الدول، وسياسة التبادل
والتعاون الثقافي بين فرنسا وبين مستعمراتها القديمة. والمتتبع لأحداث هذا الطور
يلحظ وجود نمطين في التعامل مع هذه الدول في ضوء السياسة الفرنساوية. يرجع
النمط الأول إلى قرب عهدها بالحقبة الاستعمارية، ولا يعدو أن يكون امتداداً
لسياستها في طور الاستعمار القديم؛ من حيث التركيز على فرنسة الشعوب المستقلة،
وتنحية لغاتها الأصلية، وتعويضها باللسان الفرنسي، والسعي لإلحاقها حضارياً
وثقافياً بالمشروع الحضاري الغربي؛ بينما يبرز النمط الثاني بعد انتهاء الحرب
الباردة، وسقوط القطب الروسي، واتجاه أمريكا إلى الانفراد بقيادة العالم، والسطو
على مقدراته الاقتصادية، وصهره في بوتقة ثقافة أحادية عولمية متأمركة؛ وفيه
تخفف فرنسا من غلوائها تجاه فَرنَسة الشعوب المستقلة، وترضى وتكتقي بأقدار من
الفرنسة تضمن لها استمرارية ولاء النخب الفرنكوفونية الحاكمة، وتحقق لها جملة
من المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية في هذه البلدان في غمرة الصراع على
النفوذ ومواجهة العملاق الأنجلوفوني بقيادة أمريكا وبريطانيا.
- النمط الأول: استكمال سياسة الفرنسة:
يعبر هذا النمط عن نفسه في التدخلات السافرة لفرنسا في المشاريع والبرامج
التعليمية للدول المستقلة عنها حديثاً في المغرب العربي، وحرصها على فرض
هيمنة اللغة الفرنسية في المؤسسات التعليمية والإدارية والاجتماعية المختلفة، ولقد
وجدت فرنسا في النخب الفرنكوفونية الحاكمة خير معين على تطبيق سياسة الفرنسة
هذه؛ بحيث تحقق لها في عهد «الاستقلال» ما لم يتحقق لها في عهد
«الاستعمار» ، بل فاقه بكثير رغم الفارق الزمني بين العهدين (الجزائر:
١٨٣٢ - ١٩٦٢م، تونس: ١٨٨١ - ١٩٥٥، المغرب: ١٩١٢ - ١٩٥٦) .
وفيما يلي صورة مختصرة لما آل إليه الوضع في تونس كمثال: غلق جامع
الزيتونة وتصفية التعليم العربي الديني: «امتزجت الزيتونة بتاريخ تونس،
وحافظت على قيمتها الإسلامية العربية حتى أعطت طابعاً قومياً لتونس بتأثير
إسلامي وعربي؛ فامتد شعاعها العلمي طوال القرون، وتضافرت الدول بتونس
على الالتفاف حول هذا المعلم الثقافي العتيد عبر القرون؛ فما مرت حقبة إلا وقد
أخذ في الازدهار رغم حالات الجزر والمد لكنه لم يفقد قيمته ومهمته. وحين جاء
الاستعمار الذي ابتلع السيادة التونسية بصورة جعلته ينوي أن تكون فرنسية لكنه
تعذر عليه ابتلاعها لأن تكون كما أراد، وشَرِقَ بجامع الزيتونة فجعل محط نظره
تضعيفه ليصبح أثراً بعد عين، ولكن الثقافة الزيتونية أخذت في الانتشار. وصعب
على فرنسا القضاء عليه، بل وقف رجاله وقفة الأبطال فاسترجع جامع الزيتونة
مكانته حتى إن عدد طلابه يوم إغلاقه في ٢٨/٤/١٩٥٦ قدر بـ ٢٧ ألفاً من
الطلاب، موزعين على كامل البلاد، إضافة إلى فرعين آخرين بالقطر الجزائري
الشقيق: أحدهما بقسنطينة والآخر بالجزائر العاصمة؛ لكن بورقيبة وأعوانه ادعوا
أن عدد الطلاب قد تقلص ٣٥٠ طالباً مما استوجب غلقه وتحويله إلى جامعة
مختصة بالتعليم العالي سميت بـ» الجامعة الزيتونية " ثم ما لبثت أن تحولت إلى
كلية سنة ١٩٦١ لتضم إلى الجامعة التونسية بمقتضى الأمر عدد: ١١٠. وفي
آخر أيام الرئيس الراحل أبو رقيبة صارت معهداً تابعاً لكلية الآداب « [٩] .
وفي السابع من نوفمبر ١٩٨٧ نزل بورقيبة من دفة الحكم على إثر انقلاب
أبيض قاده رئيس الوزراء آنذاك الجنرال زين العابدين بن علي الذي ارتقى سدة
عرش تونس، وأذاع بيانه رقم صفر على المجتمع التونسي مبشراً فيه بعهد جديد
تصطلح فيه تونس مع هويتها ولغتها ودينها، ويستعيد فيه الزيتونة مجده ودوره
الريادي في المجتمع؛ فانبرى بقايا علماء الزيتونة لهذه المهمة، ونفضوا الغبار عن
دفاترهم وسجلاتهم، وتنادوا لاستئناف التعليم بجامع الزيتونة في ٦/٢/١٩٨٨م.
وانتظمت الدوائر الإدارية المختلفة، واستقر التعليم كأحسن ما يكون، ولكن
أيادي الغدر سرعان ما امتدت من جديد إلى جامع الزيتونة باقتحامه، وخلع أقفاله،
والاستيلاء على سجلاته، وتجميد حسابه البنكي. ولم تُجْدِ العلماءَ مناشدتُهم
واستغاثتُهم برئيس الدولة الذي نكص على عقبيه، وارتكس إلى عهد سلفه،
وتراجع عما جاء في بيانه الأول الذي تعهد فيه بإعادة الاعتبار للزيتونة، واللغة
العربية، والهوية الإسلامية بتونس، وبشر فيه بالتعددية السياسة، ورفع المظالم
عن الناس. ولعله اكتشف بعبقريته أو بوسوسة بعض أعوانه من اليساريين
والماركسيين واضعي خطه تجفيف الينابيع أن يكون في عودة التعليم الزيتوني
سنداً قوياً لخصمه السياسي: حركة النهضة التونسية؛ فكان لزاماً عليه، في عرف
السياسة أن يحرمها من هذا الرافد القوي. وهكذا أسدل الستار على التعليم الزيتوني
مرة أخرى.» وعادت حليمة إلى عادتها القديمة «.
أما على مستوى التعليم العام فقد عمدت الحكومة بتوجيه من فرنسا إلى اعتماد
سياسة ازدواجية التعليم أي الجمع بين اللغة العربية والفرنسية في جميع المراحل
التعليمية من الابتدائي حتى الجامعي مع تقليص عدد الحصص المخصصة للغة
العربية كلما ارتفع مستوى الطالب.
وحتى لا ألجأ إلى حشو مقالي هذا بالنقول والمقتبسات الكثيرة رأيت أن
أتحدث عن تجربتي الشخصية في التعليم التونسي كشاهد على واقع الحال التي
كانت ولا يزال عليها التعليم التونسي. فأنا من مواليد عهد الاستقلال؛ حيث ولدت
بعد الاستقلال والتحقت بالمدرسة الابتدائية في حدود ١٩٦٢م. لا أتذكر كثيراً عن
هذه المرحلة سوى أن التعليم كان مزدوجاً، وكانت اللغة الفرنسية تحظى بالاهتمام
نفسه الذي تحظى به اللغة العربية، وكان المعلمون الذين درسونا في هذه المرحلة
كلهم من التونسيين، وبعد حصولي على شهادة ختم المرحلة الابتدائية التحقت
بالمرحلة الأولى من التعليم الثانوي (مرحلة المتوسط في الدول العربية الأخرى) ؛
وتدوم ثلاث سنوات درست فيها المواد التالية: اللغة العربية، والتربية الإسلامية
والوطنية، واللغة الفرنسية، والتاريخ، والجغرافيا، والعلوم، والرياضيات،
والتربية الفنية، والتربية البدنية.
وإذا استثنينا اللغة العربية والتربية الإسلامية والوطنية؛ فإن بقية المواد كانت
تدرس باللغة الفرنسية ومن طرف أساتذة فرنسيين في الأغلب.
تنتهي هذه المرحلة بتوجيه الطلبة إلى أحد الأقسام التالية: شعبة الآداب، أو
شعبة العلوم والرياضيات، أو شعبة التقنية؛ ونظراً لميولي العلمية وتفوقي في
مادتي الرياضيات والعلوم فقد تم توجيهي إلى شعبة العلوم والرياضيات حيث درست
مواد المرحلة الأولى جميعها مع إضافة مادة الفيزياء والكيمياء، ومادة اللغة
الإنجليزية كلغة حية، ومادة الفلسفة في السنة النهائية. وبانتقالي إلى السنة السابعة
من التعليم الثانوي (الرابعة ثانوي في بقية الدول العربية أو الثانوية العامة)
انقطعت صلتي باللغة العربية نظراً لحذف مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية
والوطنية اللتين كانتا تدرسان باللغة العربية؛ انتقلت بعدها إلى الجامعة والتحقت
بكلية الطب بسوسة حيث انقطعت صلتي باللغة العربية نهائياً نظراً لأن المواد كلها
كانت تدرس باللغة الفرنسية. وهكذا كما ترى أيها القارئ الكريم فإن مواد المرحلة
الثانوية جميعها باستثناء التربية الإسلامية والوطنية واللغة العربية بطبيعة الحال،
كانت تدرس باللغة الفرنسية على أيدي أساتذة فرنسيين في الغالب؛ أضف إلى ذلك
قصة المعامل أو الضارب، وهو عبارة عن رقم يسند لكل مادة من المواد حسب
أهميتها العلمية أو الفكرية؛ حسب المشروع الفرنسي لفرنسة المجتمع التونسي؛
ويسند بمقتضاه رقم واحد فقط إلى مادة التربية الإسلامية بما يضعف أثرها في
المعدل الكلي للمواد الذي يقرر في ضوئه نجاح التلميذ من عدمه؛ وهو ما يزهد
الطلاب في هذه المادة فلا يقبلون على دراستها، بل ربما تغيبوا عنها لضعف أثرها
في نجاح التلميذ؛ إضافة إلى أن بعض مدرسي مادة التربية الإسلامية كانوا من غير
ذوي السيرة الحسنة والالتزام الخلقي؛ ولا أدري أكان ذلك سياسة أم مصادفة، ولا
زلت أذكر أستاذ التربية الإسلامية حيث دخل علينا الفصل بعد غياب وقد حلقت
رأسه على التمام فهي أشبه بثمرة اليقطين (القرعة باللهجة التونسية المحلية)
وتبين بعد ذلك أنه قبض عليه مخموراً وقد حلقت رأسه لقيامه ببعض الأعمال
المشينة أثناء سكره، ولا نعلم إلى اليوم أصحيح هذا على وجه الدقة أم لا؟ ولكن
الرواية الوحيدة التي شاعت في ذلك الوقت هي هذه. وهذا أستاذ آخر لمادة التربية
الإسلامية في المعهد نفسه ينهى الطالبات عن لبس الحجاب مشيراً إلى أن التقوى
في القلب لا في المظهر.
ولقد ذكر الاستاذ الشيخ محمد الهادي الزمزمي في كتابه:» تونس: الإسلام
الجريح «أن مادتي القانون الإسلامي والمواريث كانت تدرس للطلاب التونسيين
بكلية الحقوق بتونس باللغة الفرنسية بواسطة عجوز فرنسية، والحال أنها لا تعرف
علم المواريث الإسلامي أصلاً!! فكان أحد طلابها يعد لها المادة ويترجمها لها من
العربية إلى الفرنسية لتؤدي المدرِّسة (النحريرة) وظيفتها العظيمة حين عقمت
تونس المستقلة أن يكون فيها مدرِّسة مسلمة أو مدرِّس ينهض بهذه المهمة [١٠] .
وفي إحدى الوثائق السرية الصادرة عن السفارة الفرنسية بتونس بخصوص
وضع اللغة الفرنسية بالبلاد التونسية نجد ما نصه:» إن الفرنسية تدرس منذ السنة
الثالثة من التعليم الابتدائي بمعدل عشر ساعات في الأسبوع خلال أربع سنوات من
التعليم أي ما بين ٨ إلى ١١ سنة، وبمعدل خمس ساعات في الأسبوع للسنوات
الثلاث التالية، وفي المجموع فإن التلميذ التونسي يتلقى عند إنهائه للدراسة
الأساسية ما مجموعه (١٧٠٠) ساعة من اللغة الفرنسية؛ وإذا قارنا ذلك بتلميذ
فرنسي الأصل فإن هذا الأخير لم يخصص لدراسة أول لغة حية، إضافة إلى لغة
الأم إلا ٢٧٠ ساعة فقط [١١] .
وهذا دون اعتبار الساعات المخصصة للمواد العلمية التي تدرس باللغة
الفرنسية.
وكان من ثمرة هذه السياسة التعليمية أن حافظت تونس المستقلة على اللسان
الفرنسي في جميع المؤسسات في البلاد التونسية بما فيها جميع الدوائر والمصالح
العمومية وجميع الوزارات - عدا وزارتي العدل والداخلية - حيث تدون المقررات
وتصدر المراسلات والمكاتبات باللغة الفرنسية.
هكذا كان الحال إذاً تعبيراً صريحاً وصارخاً عما عنونت له بـ «النمط
الأول: استكمال سياسة الفرنسة» ؛ فقد كشفت متابعة البرامج التعليمية عن ضلوع
الحكومة التونسية في تنفيذ خطة فرنسا «الاستخرابية» في فرنسة المجتمع
التونسي، ومحو هويته العربية والإسلامية لضمان استمرارية التبعية والتذيل
والإلحاق الثقافي بفرنسا، وتحوطاً لما يمكن أن يؤدي إليه انتشار التعليم وانخفاض
مستوى الأمية إلى النهوض من جديد وعلى أسس قومية ووطنية ضاربة في التاريخ
بما يعني عودة المد الإسلامي واستقلالية القرار والانصهار في بوتقة العروبة
والإسلام.
ولقد مثل مشروع «إصلاح التعليم» الذي قاده الوزير التونسي محمد
الشرفي مثالاً صارخاً على تبني استكمال سياسة الفرنسة التي انتهجتها فرنسا إبان
حملتها على تونس. ولقد تبين بالأدلة والبراهين مدى ارتباط مشروع إصلاح التعليم
بالتخطيط، والدعم، والرعاية الكاملة من فرنسا كما كشفت عن ذلك الوثيقة السرية
الصادرة عن سفارة فرنسا بتونس بخصوص واقع التعليم في تونس.
- النمط الثاني: سياسة الصراع على النفوذ والمطالبة بإحداث عالم متعدد الأقطاب
في مواجهة القطب الأمريكي الأوحد:
ظهرت معالم هذا النمط بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط القطب الروسي،
وانفراد أمريكا بقيادة العالم والسطو على مقدراته الاقتصادية، والسعي إلى صهره
في بوتقة ثقافة أحادية عولمية متأمركة.
وقد عبر عن هذا النموذج بوضوح الرئيس الفرنسي جاك شيراك في قمة
(هانوي) التي شاركت فيها الدول الناطقة بالفرنسية حيث تحدث عن الفرنكوفونية
باعتبارها «معطى جديداً على ساحة النظام العالمي الجديد، معبراً عن استياء
فرنسا وعدد لا بأس به من الدول من الاستفراد الأمريكي بالقرارات المصيرية كافة
وعلى الأصعدة كافة (مؤتمرات السلام، اتفاقية الغات، قمة الأرض، إلخ) ، بعد
سقوط الجبار الشيوعي وزوال الاتحاد السوفياتي» [١٢] وقد أكد هذا من قبله سلفه
فرنسوا ميتران حين قال: «إن الفرنكوفونية ليست هي اللغة الفرنسية وحسب ...
إذا لم نتوصل إلى الاقتناع بأن الانتماء إلى العالم الفرانكفوني، سياسياً واقتصادياً
وثقافياً، يمثل إضافة، فإننا سنكون قد أخفقنا في العمل الذي بدأناه منذ عدة سنوات»
[١٣] كما شدد ليونيل جوسبان على القول بأن العولمة «لا يمكن أن تعني التوحيد
خلال جولته في أميركا اللاتينية» . وأعلن أن العالم معقد جداً ويمكن أن ننظر إليه
بطرق مختلفة جداً [١٤] .
وقد أزاح مارتن بولار في مقاله: «فرنسا والطموح الثقافي ما وراء الحدود»
[١٥] الستار عن تنازع اتجاهين بين المهتمين بسياسة فرنسا الخارجية تجاه
الفرنكوفونية ونشر اللغة والثقافة الفرنسية في العالم. ينزع الاتجاه الأول
(الراديكالي) إلى إعطاء الأولوية إلى البعد الثقافي التنويري، وبسط هيمنة اللغة
الفرنسية على الشعوب المستعمرة سابقاً؛ بينما يجنح التيار الثاني (الليبرالي) إلى
إعطاء الأولوية إلى البعد الاقتصادي، والترويج للغة الفرنسية كلغة حوار وتبادل
ثقافي وتواصل بين دول المنظومة الفرنكوفونية بدل السعي إلى تنحية اللغات
الأصلية لشعوب هذه الدول وإحلال اللغة الفرنسية محلها كما ينادي به أصحاب
الاتجاه الأول. وقد تجلى هذا النزاع بوضوح في المناقشات الدائرة على المستوى
الرسمي والمؤسساتي بين النخبة الفرنسية حول الوضع الراهن للمراكز الثقافية
خارج فرنسا، ومدى أهميتها الثقافية، وحول الميزانيات المرصودة لها بين داع
لرفع هذه الميزانيات ومناد بخفضها. وبدأنا نسمع عبارات من نوع: «إن صوت
فرنسا لا يصدر فقط في اللغة الفرنسية» [١٦] ، «وإذا ما أردنا أن تكون المراكز
الثقافية جسراً بين فرنسا والدول التي توجد فيها هذه المراكز، يجب الابتعاد عن
الثقافة المتحجرة حول أمجاد الماضي» ، وأنه «يجب أن نعرض ثقافتنا المفتوحة
على ثقافات الآخرين، وصورة فرنسا الفضولية والمتعددة الأعراق» [١٧] .
ولقد ختم صاحب المقال المذكور مقاله بقوله: «ولكن عن أي فرنسا نتكلم؟
... أهي فرنسا التي تتوق إلى قوتها الماضية والتي لا تتمكن من رفع رأسها أمام
العملاق الأمريكي؟ أم على العكس هي فرنسا المتعددة، التي تستقبل بحفاوة
الأجانب وثقافات الآخرين متشبثة بإحداث عولمة من نوع آخر؟ إن المطلوب
بالإضافة إلى» شبكة الأحجار والإسمنت «التي ذكرنا (في إشارة إلى مراكز
فرنسا الثقافية المنتشرة في أنحاء العالم) ، شبكة ثقافات وأفكار» [١٨] .
ومع هذا التحول في السياسة الفرنسية تجاه استراتيجيات الفرنكوفونية تحت
ضغط الزحف الإنجلوسكسوني، وانخرام ميزان المعادلة الدولية لصالح الاستفراد
الأمريكي بقيادة العالم؛ فينبغي ألاَّ يغيب عن ذهن القارئ الحصيف أن فرنسا شأنها
شأن الولايات المتحدة الأمريكية في العمل بسياسة الكيل بمكيالين؛ إذ في الوقت
الذي تطالب فيه فرنسا، في مواجهتها للهيمنة الأمريكية، بتعدد الثقافات وأن
«العولمة لا يمكن أن تعني التوحيد» و «أن العالم معقد جداً ويمكن أن ينظر
إليه بطرق مختلفة جداً» و «أنه لا بد من المطالبة بتنظيم جديد للعلاقات
الدولية» يقف في وجه إرادة الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم الاقتصادية
والانفراد بقيادته سياسياً.
أقول: ينبغي ألا يغيب عن ذهن القارئ الحصيف أن فرنسا إنما تكيل بمكيال
مناقض تماماً عندما تتحدث عن علاقاتها بمستعمراتها القديمة في منظومة الدول
الفرنكوفونية، وحينها يصبح هناك مسوِّغ لبعث مشاريع للتعليم المزدوج في الدول
المغاربية تحتل فيها اللغة الفرنسية موقع الصدارة، وتزاحم فيها اللغة الأصلية
للشعوب المغاربية، وربما عملت على تنحيتها لتحل محلها، «هذا في الوقت الذي
رفض فيه الرئيس جاك شيراك في يونيو - حزيران - ١٩٩٩م اقتراحاً من رئيس
حكومته جوسبان بتعديل الدستور الفرنسي والاعتراف باللغات الجهوية الفرنسية،
وعقد مجلس الوزراء جلسة عاجلة وصاخبة أصدر فيها بياناً رفض فيه بالإجماع
اقتراح جوسبان، وخرج بيير شوفينمان وزير الداخلية ليصرح قائلاً:» إن
الاعتراف باللغات الجهوية معناه بلقنة فرنسا «. [١٩] وقبل ذلك ورد في توصيات
» لجنة التقصي حول سياسة اللغة الفرنسية «المكونة في ١٠/١٢/١٩٨٠م بفرنسا
أنه» خارج تعليم اللغات الأجنبية، من اللازم أن تكون اللغة الفرنسية وحدها
مستعملة في الدروس والامتحانات والمباريات وعروض الأطروحات « [٢٠] وهكذا
تصبح السياسة الثقافية الفرنسية خارج حدودها عبارة عن» وسيلة لصراع
النفوذ « [٢١] على المستوى العالمي.
وقد نبه إلى ذلك الكاتب المغربي» محمد بنيس «أثناء حديثه عن تحول
الفرنكوفونية إلى أيديولوجية تواجه بها فرنسا انتشار الإنجليزية على الصعيد العالمي
وتعني هذه الأيديولوجية في السياق المغربي (بتعبير بنيس) فرض اللغة
الفرنسية في الإدارة والثقافة والإعلام والاقتصاد والقطاع الخاص بجميع الوسائل
الممكنة، بهدف انتزاع المكان الجغرافي الحضاري من اللغة العربية وتجنب احتمال
انتشار الإنجليزية. والبعد المباشر لهذه الأيديولوجية سياسي واقتصادي في آن؛
إنها تهدف إلى ضمان المغرب كمنطقة مضمونة سياسياً واقتصادياً لصالح
الامتيازات الفرنسية واستمرارها ضمن منطق الهيمنة المنتصر اليوم؛ فمن ينطق
بالفرنسية يشتري ما هو فرنسي حسب شعار (الرابطة الفرنسية) [٢٢] . وقد عبر
عن موقف مماثل د / المهدي المنجرة في مقال له بعنوان:» الفرنكوفونية وأسباب
رفضي لها «: حين قال: تعتمد الفرنكوفونية على مركَّب النقص فينا، أكثر مما
تعتمد على التعاون الثقافي الحقيقي؛ ففي الوقت الذي تأتي فيه وزيرة الفرنكوفونية
في فرنسا للدفاع عن الفرنكوفونية في المغرب العربي علينا أن نتذكر مواقف فرنسا
فيما يخص تعليم اللغة العربية لأزيد من مليون من أبناء المهاجرين.. إن الأمر لا
يتعلق بتعاون ثقافي، وبانعدام الرغبة في الانفتاح، بل بسياسة هيمنة تريد أن تتدثر
بلبوس التعاون والانفتاح [٢٣] .
* أي مستقبل للفرانكفونية؟
يبدو أن الفرنكوفونية باتجاهيها الراديكالي والليبرالي اللذين تم الحديث عنهما
سابقاً في ثنايا هذا المقال آخذة في الانحدار والضعف.
أما الفرنكوفونية كما يفهما الراديكاليون من أنصارها والذين يشدهم الماضي
الاستعماري لفرنسا فقد تنبأ الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول بانحسارها حين سخر
من فكرة إدماج الجزائر في فرنسا، قائلاً:» إن الجزائر الفرنسية خرافة سخيفة،
ودعاة الإدماج لا يملكون أي شعور بالمسؤولية ... وفي سبيل الخروج من (علبة
الأفاعي) لا بد من قلب الأوضاع في الجزائر رأساً على عقب، ولا بد من محاولة
مكافحة «تصعلك الجزائر» [٢٤] ، لا يجوز أن تلهينا (والكلام للجنرال ديغول)
الأساطير عن الحقائق، هل ذهبتم لرؤية المسلمين؟ هل نظرتم إلى عمائمهم
وجلابيبهم؟ ألا ترون أنهم ليسوا فرنسيين، وأن أولئك الذين ينادون بالإدماج لهم
رؤوس عصافير حتى لو كانوا من العلماء؟ (تعريض بعالم انتروبولوجي ديغولي
كبير متخصص في الحضارات، كان من غلاة المتطرفين الداعين لتذويب
الشخصية الجزائرية في فرنسا) .
حاولوا دمج الزيت في الخل، حركوا الإناء، فبعد لحظة يفترقان؛ فالعرب
عرب، والفرنسيون فرنسيون، نحن أولاً وقبل كل شيء «شعب أوروبي من
العرق الأبيض، ثقافتنا يونانية ولاتينية، وديانتنا مسيحية» . يمكن أن يتم دمج
الأفراد إلى درجة معينة فقط؛ لكن لا يمكن دمج الشعوب بماضيها وتقاليدها
وذكرياتها المشتركة عن المعارك التي انتصرت فيها أو انهزمت، وأبطالها. وهل
تعتقد أن ذلك سيحصل بين العرب والأقدام السوداء (وصف أطلق على المستعمرين
الفقراء الذين تقاطروا على شمال إفريقيا والجزائر بصفة خاصة خلال القرنين ١٩
و٢٠) .
هل تعتقدون أن لديهم شعوراً بالانتماء إلى وطن واحد؟ وأنهم قادرون على
تجاوز كافة الاختلافات العرقية والطبقية والدينية؟ وهل تؤمنون بأن لديهم إرادة في
عيش مشترك؟ الواقع أن الإدماج هو دعاية سمجة، وملهاة سخيفة يخطئ من
يتصور أنهم سيخدعون الجزائريين بها! [٢٥] .
كان هذا عن الفرنكوفونية كما يراها الراديكاليون؛ أما الفرنكوفونية كما يفهمها
الليبراليون الذين ينادون بالتخلص من الرؤية التقليدية للفرانكفونية فهي كذلك آخذة
في الذبول والزوال وشواهد ذلك كثيرة منها:
١ - سيطرة أمريكا على اقتصاديات العالم، وتحكُّم الدولار في بورصات
العالم أجمع بما في ذلك تلك التابعة للدول الناطقة باللغة الفرنسية الحصن المنيع
للثقافة الفرنسية.
٢ - احتلال اللغة الإنجليزية موقع الصدارة في مجالات التكنولوجيا الحديثة
والبحث العلمي بدون منافس «فعدد الوثائق المتوفرة في شبكة الإنترنيت باللغة
الإنجليزية تصل إلى حوالي مليار ونصف مليار وثيقة؛ في حين أن الوثائق
الفرنسية لا تصل إلى ٠.١% من هذا الرقم. وأكثر من ٩١% من خبراء
الأبحاث الفرنسية في المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية ينشرون أبحاثهم باللغة
الإنجليزية» [٢٦] . بل إن عدد المتكلمين باللغة الفرنسية لا يزيد عن ٢.٥% من
سكان العالم وهو ما وضعها في المرتبة التاسعة من حيث الانتشار على الصعيد
العلمي.
٣ - لم تعد اللغة الفرنسية الجسر الأفضل للتواصل بين رجال الأعمال في
الأسواق العالمية. يقول الكاتب التونسي رشيد خشانة بجريدة الحياة بتاريخ
٢٢/١١/١٩٩٧م: واعتبر رجال أعمال مغاربيون كانوا يعتمدون على اللغة الفرنسية
في أعمالهم واتصالاتهم أنها (أي اللغة الفرنسية) لم تعد الجسر الأفضل لمخاطبة
نظرائهم في البلدان والقارات الأخرى - خصوصاً أننا نسعى لإقامة علاقات مع
الأسواق الآسيوية التي ستشكل قطب الرحى في الاقتصاد الدولي مطلع القرن المقبل.
* أي مصلحة لدول المغرب العربي في التشبث بالفرنكوفونية؟
أمام هذا الانحسار المريع للفرانكفونية، وأمام هذا الزحف الهائل للغة
الإنجليزية وما تحمله معها من بشائر للمنظومة الإنجلوفونية متمثلة أساساً في أمريكا
وبريطانيا؛ خاصة بعد انخرام ميزان المعادلة الدولية لصالح أميركا بسقوط القطب
الروسي وانتهاء الحرب الباردة، وتزعم أمريكا لنظام العولمة الجديد. أقول: لم
يعد هناك أي مسوِّغ للدول المغاربية للتشبت بالفرنكوفونية، والدفاع عنها، وتبنيها
على صورتها التقليدية المعروفة. إن هذا التحول في ميزان المعادلة الدولية ليلقي
بظلاله، بدون شك، على نوع وطبيعة العلاقات الخارجية التي يمكن أن تتحقق في
ضوئها مصالح الدول المغاربية. وإنها لفرصة سانحة أمام هذه الدول للتخلص من
الهيمنة الفرنسية ولو جزئياً، في اتجاه تحقيق بعض الاستقلال عنها إن كانت تملك
قرارها لتدور بعلاقاتها الخارجية: السياسية والاقتصادية مع دوران مصالحها
الحيوية والوطنية.
لم يعد هناك أي مسوِّغ ولا أي مصلحة في الاستمرار في اعتماد سياسة التعليم
المزدوج على الإطلاق، وينبغي وضع حد لسياسة التذيل، والتبعية، والإلحاق
الثقافي والحضاري هذه. ولم يعد هناك أي حجة لكي تحافظ اللغة الفرنسية على هذه
المكانة المرموقة في المناهج التعليمية بالدول المغاربية؛ في الوقت الذي تحتل فيه
المرتبة التاسعة بين اللغات الأجنبية على الصعيد العالمي؛ مقارنة باللغة الإنجليزية
التي تحتل موقع الصدارة من حيث عدد المتكلمين بها، ومن حيث عدد البحوث
العلمية التي تنشر بها.
لقد آن الأوان لمراجعة هذه السياسة التعليمية؛ بحيث توضع اللغة الفرنسية
في موضعها الذي يليق بها بين اللغات الحية، لا أكثر ولا أقل، لتفسح المجال
واسعاً أمام اللغة الأم لتحتل محلها الطبيعي في مرحلة التعليم الأساسي من دون
منافس.
والحقيقة أن الشعوب المغاربية، بل الشعوب العربية والإسلامية، جميعها،
تشهد اليوم أوبْة صادقة إلى ثوابتها التاريخية والحضارية ممثلة في: اللغة، والدين،
والتاريخ؛ بما لا يدع مجالاً لحكامها للسير بها في الاتجاه المعاكس، لولا أن
النخب العلمانية المتفرنسة، والمتحكمة في مقدرات الدولة استطاعت بما تتوفر عليه
من نفوذ وسلطة أن تحمي سياسة ازدواجية التعليم، وأن تحفظ لفرنسا دور الهيمنة،
ومكانة الامتياز في الدول المغاربية.
لقد أصبح تعريب التعليم، والكف عن سياسة ازدواجية اللغة في مناهج التعليم
مطلباً لا مناص منه.
ومن الأفكار المغرية التي يروجها أنصار الفرنكوفونية من المراقبين
والصحافيين الفرنسيين والكنديين أن تتحول المنظمة الفرنكوفونية إلى مجموعة من
الدول تجمع بينها مصلحة مشتركة تتمثل في الدفاع عن الاستثناء الثقافي بما يعنيه
من تنوع ثقافي، وتعددية لغوية في مواجهة الاجتياح الإنجلوفوني لحفظ مكانة اللغة
الفرنسية كلغة عالمية؛ ولبناء مجتمع عالمي لا يقوم على التماثل الثقافي الذي
تفرضه العولمة الأمريكية.
وعلى الرغم من بريق هذه الفكرة وإغراءاتها ببناء تكتل دولي في مواجهة
التماثل الثقافي الذي يدعو إليه النظام العالمي الجديد بقيادة أميركا؛ والذي يعني في
الحقيقة هيمنة الثقافة الأمريكية ورفعها إلى مرتبة العالمية والأممية.
على الرغم من وجاهة هذه الفكرة، إلا أنها في الحقيقة تصب في مصلحة
فرنسا، وتستصحب في خفاياها هيمنة فرنسية على هذه المجموعة الفرنكوفونية
لتستقوي بها على التكتل الإنجلوفوني.
وليس من العسير على المرء أن يكتشف أن التكتل الحقيقي الذي تنتمي إليه
فرنسا هو الاتحاد الأروبي، كما أن التكتل المناسب لدول المغرب العربي هو التكتل
العربي الإسلامي لا الكتلة الفرنكوفونية بزعامة فرنسا.
لقد دفع الظلم والصلف الأمريكي دول العالم إلى التموقع في تكتلات متعددة
على أساس الهوية الثقافية، والاقتصاد، والجغرافيا؛ في محاولة لتعديل ميزان
القوى العالمي المائل حالياً لصالح أميركا، ولمواجهة الصلف والحيف الأمريكي.
ولا مناص لدول العالم إذا ما رامت أن تبني حضارة إنسانية ذات صبغة أممية
عولمية من أن تعترف بتنوع الثقافات، وتعدد الهويات الدينية واللغوية لشعوب
العالم، وأن تفتح باب الحوار بين الحضارات على مصراعية ليدلي كل منها
بعطاءاته المتنوعة، في اتجاه بناء حضارة عالمية تتكامل فيها العطاءات بشتى
أنواعها الثقافية والحضارية، والروحية والمادية.
إن العولمة القسرية التي تقودها أمريكا ويشاركها فيها التجمع الغربي بمعنى
من المعاني لا يمكن أن تقود إلى حضارة إنسانية ينعم فيها بنو البشر بالعدل والسلم
الدائمين، إن عولمة من هذا القبيل تقوم على القوة، والقهر، والاضطهاد، والقمع
الدموي، والقمع المعنوي بما تروجه من أكاذيب وأغاليط وخدع؛ لا يمكن أن تقود
العالم إلى شاطئ الأمان.
إن الطريق الوحيد لبناء حضارة إنسانية عالمية يمر بالضرورة عبر الحوار
الفكري متسلحاً بقوة المنطق وحجج العقل لا قوة الساعد وصدأ الحديد.
стр. 4347
ملفات
الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة
الفرنكوفونية والمسألة الحضارية
أ. د. زينب عبد العزيز [*]
الفرنكوفونية لغة تعني ما يتعلق باللغة الفرنسية في كل استخداماتها الجغرافية.
وإنسانياً تعني من يتكلم عادة اللغة الفرنسية بصفة دائمة طبيعية أو على الأقل في
بعض الظروف والمناسبات الاجتماعية، سواء كلغة أم، أو كلغة أجنبية ذات طابع
مؤسسي أو تعليمي. كما تطلق للإشارة إلى جماعات يتحدثونها في منطقة ما؛ إذ
يقال: «المغرب الفرنكوفوني» أو «إفريقيا الفرنكوفونية» .
وباستثناء فرنسا، صاحبة اللغة التي تنسب إليها؛ فهناك ثلاثة بلدان على
حدودها تتحدث بها هي: بلجيكا، ومقاطعة لوكسمبورج، وسويسرا.
وقد كانت منطقة فال آوسْطْ بإيطاليا تتحدثها أيضاً؛ إلا أن اللغة الإيطالية قد
استعادت مكانتها أيام الفاشية.
أما البلدان المتحدثة بالفرنسية خارج هذه المناطق مثال منطقة كيبيك في كندا،
أو في المحيط الهندي وجزر الكاريبي وجنوب شرق آسيا وإفريقيا شمالها
ووسطها أو الشرق الأوسط فترجع جميعها إلى عهد الاستعمار سواء في موجته
الأولى أو الثانية؛ فما أن بدأت موجة الاستعمار الأولى منطلقةً من أسبانيا
والبرتغال وهولندا حتى انطلق الاستعمار الفرنسي بدوره بحثاً عن مكان له وسط
الغزاة لأسباب اقتصادية وتبشيرية أيضاً.
ويبدأ تاريخ اللغة الفرنسية خارج فرنسا مع الحروب الصليبية؛ فمنذ القرن
الحادي عشر أصبحت اللغة الفرنسية تمثل منهجاً نفعياً ظل سارياً حتى القرن السابع
عشر، ولعب دوراً أساسياً في التبادلات الاقتصادية بين أوروبا ومدن البحر الأبيض
المتوسط، إلا أن المصالح الاستعمارية المتضاربة بين إنجلترا وفرنسا قد كان لها
وقعها لوقف الامتداد الفرنسي الذي تحددت أماكنه حتى في الأمريكتين.
أما في سوريا ولبنان، وكان التبشير قد سرى فيهما أكثر من غيرهما، فقد
انغرست فيهما اللغة الفرنسية واستتبت منذ القرن السابع عشر. ومع تزايد الوجود
السياسي المرتبط بالموجة الاستعمارية الثانية (فيما بين ١٨١٥ - ١٩٣٩م) ؛ فقد
أصبحت اللغة الفرنسية بمثابة دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي الذي سرعان
ما امتد إلى مصر منذ ذلك الوقت، وبين ١٨١٥م امتد الاستعمار الفرنسي إلى
إفريقيا تسانده بعثات التبشير ليبدأ بالسنغال، ثم الجزائر عام ١٩٣٠م حيث أصبحت
الفرنسية هي لغة السلطة الحاكمة، ثم تمت السيطرة على الجابون، والكونغو،
والسودان، والنيجر، وداهومي، وسرعان ما أخذت اللغة الفرنسية مكانتها
المؤسسية في بلدان الساحل وإفريقيا الغربية والاستوائية.
وقد وصل اتساع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في عام ١٩٣٩م إلى
مساحة اثني عشر مليوناً من الكيلو مترات، وضمت ثمانية وستين مليوناً من البشر،
وكانت تعد ثاني إمبراطورية استعمارية في العالم بعد الإمبراطورية الاستعمارية
البريطانية، إلا أنها بدأت تتصدع بفضل حركات التحرير ابتداء من نهاية الحرب
العالمية الثانية، أما هذه المستعمرات الشاسعة فقد بدأ تكوينها اعتماداً على دعامتين
أساسيتين تواكبان الأحداث السياسية والعسكرية وهما: التجارة والبعثات التبشيرية.
وكان الوجود التبشيري من القوة في كل هذه المستعمرات حتى بدأ الصراع
الديني بين دول الاستعمار ذاتها؛ إذ لم تشأ فرنسا أن تترك السيادة الكاثوليكية في
العالم لأسبانيا؛ فقد كانت المستعمرات تمثل أحد الشروط الأساسية للازدهار
الاقتصادي الفرنسي.
ومنذ أن فقدت فرنسا مكان الصدارة كقوة عظمى في أوروبا انتقلت هذه
الزعامة إلى اللغة الفرنسية وآدابها وهو ما يوضح سر تمسك فرنسا بما تبقى لها من
مستعمرات، حتى وإن كانت قد تحررت عسكرياً، كما يوضح سر اهتمامها
بالجزائر خاصة؛ فمما له مغزاه أن تضع فرنسا احتلال الجزائر تحت إمرة وزير
الداخلية الفرنسية، بينما كانت كل من تونس والمغرب تحت إمرة وزير الخارجية
الفرنسية.
ويرجع تمسك فرنسا بالجزائر حتى يومنا هذا إلى أنها بمثابة المدخل الحيوي
الأرضي لمستعمراتها في غرب إفريقيا.
أما مصطلح الفرنكوفونية، فقد قام الجغرافي الفرنسي أونيزيم ركلوس
Reclus Onesume باشتقاقه عام ١٨٧١م، وهو مكون من مقطعين: فرنكو
(من فرنسا) وفوني (من صوت) ، ونادراً ما تصادف هذا المصطلح قبل عام
١٩٣٠م رغم اشتقاقه عام ١٨٧١م، إلا أنه أخذ في الانتشار منذ عام ١٩٦٠م، وقد
تم انتشاره عام ١٩٦٢م عندما بدأت فرنسا إحياء النزعة الأدبية الإفريقية لبعض
حكامها كالزعيم سنجور، أو حمامي دوري، أو بورقيبة، أو بعض الحكام
الآسيويين كالزعيم سيرمانوك؛ إذ أفردت مجلة إسبري Esprit عدداً خاصاً عن
اللغة الفرنسية والمتحدثين بها وآدابهم، وانطلقت الكلمة.
كما بدأ تكوين جمعيات وتخصيص اعتمادات لمختلف وسائل الإعلام الفرنسية،
وإنشاء الجامعات المتحدثة بالفرنسية أو تلك التي تحتل الفرنسية فيها مكانة
واضحة، وإنشاء العديد من المنظمات ومنها منظمة «الأوبلف» عام ١٩٦٦م،
ووكالة التعاون الثقافي والتقني في بلدة ثايومي عام ١٩٦٩م والتي تضم في
عضويتها واحداً وأربعين دولة ... والأمر الذي يوضح مدى أهمية الفرنكوفونية
ولواحقها بالنسبة لفرنسا هو قيام الحكومة الفرنسية عام ١٩٨٤م بإنشاء مجلس أعلى
للفرنكوفونية، وفي عام ١٩٨٨م قامت بإنشاء وزارة للفرنكوفونية. ومنذ ١٩٧١م
كانت فرنسا قد وحدت كل الكنائس الفرنكوفونية في مستعمراتها السابقة والحالية
لتتمكن من التصدي لما يطلقون عليه اليوم: «الديانات غير المسيحية» .
ويوضح إحصاء عام ١٩٩٢م أن هناك مائتي مليون وأربعة ملايين نسمة
يتحدثون باللغة الفرنسية، أي أن هذه اللغة لم تعد قاصرة على الشعب الفرنسي،
بل إن الفرنسيين أنفسهم أصبحوا يمثلون أقلية صغرى بين المتحدثين بلغتهم! ومما
تقدم يمكن إدراك مضمون معنى الفرنكوفونية بمردوده المتعدد الجوانب، ومدى
ارتباطه بالجانب السياسي الاستعماري، والجانب الثقافي والفرنسي الثقافي،
والجانب التبشيري واقتلاع الهوية للشعوب التي تم استعمارها.
ولا يتسع المجال هنا لتناول الانعكاسات المؤثرة على اللغة الفرنسية نفسها من
حيث التداخلات الواقعة عليها من مختلف اللغات المحلية وتأثير هذه اللغات على
المفردات وعلى قواعد اللغة الفرنسية، إلا أن الأمر الواضح حالياً هو تسرب العديد
من المفردات الأمريكية والإنجليزية ولهجاتها العامية أو الدارجة، كما لا يسع
المجال لتناول مختلف الجوانب المرتبطة بالفرنكوفونية كالجانب السياسي
الاستعماري، أو الجانب التبشيري واقتلاع الهوية، رغم أهميته؛ فقد قامت البعثات
التبشيرية بالاستعمار لحسابها الشخصي، بل قامت بما هو أسوأ؛ إذ غزت وأبادت،
وصادرت واستولت، وأفسدت واحتلت، وساهمت في اقتلاع هوية العديد من
الجماعات الإنسانية؛ كما استغلت نظام العبودية وسلطة النفوذ الكنسي لفرض
التنصير الإجباري. ولن نتناول سوى الجانب الثقافي والفرنسي الثقافي؛ إذ إن
مصطلح الفرنكوفونية أصبح يتضمن معنى الآلة الحربية التي تساعد على الحفاظ
على المستعمرات السابقة بعد أن حصلت على حريتها ولو شكلاً.
وإن كان التحرر من الاستعمار يعني مجمل محاولات الشعب الذي تم
استعماره للتخلص من نير ذلك الاستعمار وتصفية وجوده العسكري، إلا أنه مرتبط
- من ناحية أخرى - بالجانب الثقافي. ويوضح الكاتب ألبير ممّي في كتابه عن
«صورة المستَعْمَر» مختلف المحاور التي تتضمنها عملية التحرير هذه وأهمها
المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية إضافة إلى العدالة الاجتماعية. ومن
الملاحظ أن مجال الاستثمار يتحول في الواقع إلى استعمار اقتصادي يزيد الهوة بين
الطبقات في نفس المجتمع، كما يزيد هذه الهوة بين البلدان الغنية المستعمرة
والبلدان الفقيرة التي تم اعتصار خيراتها أو هي لا تزال تنزفها.
ويمثل مجال الثقافة ركيزة من أهم الركائز التي لا يتخلى عنها الاستعمار؛
فعندما تتحرر الشعوب عادةً ما تحاول التحرر من الاستعمار الثقافي أيضاً، وتبدأ
عملية البحث في تراثها لتعاود اتصالها وارتباطها بالجذور.
وتأكيد الهوية الدينية يمثل جزءاً من تأكيد الذات للشعوب المتحررة من
الاستعمار؛ لذلك يحاول المستعمر ويجاهد في عملية التصدي للدين بحكم أن الدين
يمثل أكبر قوى يمكنها توحيد صفوف الشعب، وهو ما يوضح من ناحية أخرى،
انتشار البعثات التبشيرية وتزايد نشاطها المحموم في المستعمرات السابقة حالياً.
والنطق بمجال الثقافة في هذا السياق يتضمن بلا شك ذكر مجال الغرس
الثقافي؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة، وقد تم اشتقاق مصطلح الغرس الثقافي منذ
١٨٨٠م بين علماء الأجناس في أمريكا الشمالية، وإن كان البريطانيون يفضلون
عبارة «التبادل الثقافي» التي لا تحمل معاني ترتبط بالاستعمار والتبشير، وكأن
هذا «التبادل» يتم بصورة متكافئة!! أما الفرنسيون فيفضلون عبارة «التداخل
الثقافي للحضارات» ومن هنا ندرك أن كل هذه العبارات والمسميات ليست إلا
تنويعة على مضمون واحد ثابت لا يتغير هو الاستعمار بكل توابعه، إلا أن
المصطلح الأمريكي «الغرس الثقافي» هو الذي ساد واستقر بكل ما يحمل من
غطرسة وفكرة التفوق الغربي الذي عليه أن يسود ولو بالقهر، ولو بالعمد أو
الغرس على حد قول المسمى.
وسرعان ما تحولت عملية الغرس الثقافي إلى علم له مذاهبه ومناهجه منذ
منتصف القرن التاسع عشر وخاصة مع مطلع القرن العشرين؛ وذلك بإنشاء
المدرسة المعروفة باسم: (الدوائر الثقافية) ، وكيفية اقتلاع ثقافة الحضارات الأم
لإحلال ثقافة المستعمر وحضارته، ولهذا المصطلح تاريخه ووضعه الحالي
والتخطيط لمستقبله؛ واستعراض تاريخه يوضح كيف أن عملية الغرس الثقافي هذه
يمكن أن تتم بصورة شاملة لبلد ما بفضل تبادل الجماعات الدينية والاقتصادية، أو
بصورة عدائية مفروضة، أو في شكل صراعات بين الأقليات والشعوب التي
تحتضنها.
وتبدأ عملية الغرس الثقافي بنوع من الصراع من جانب الثقافات المحلية التي
سرعان ما تخضع للضغوط المفروضة بصورة مباشرة عن طريق الاستعمار وتقدم
فعاليات الإمبرياليات التجارية والثقافية والتبشيرية، وسهولة التنقل والأسفار
وإمكانيات وسائل الإعلام التي تم توظيف غالبيتها لهذه الأغراض؛ فيكفي مثلاً أن
تتم عملية تغيير وسائل الإنتاج وتقنيات العمل في دائرة ما حتى ينتقل هذا التغيير
إلى المجال الأسري والعلاقات السلطوية والقيم الدينية، ومع فصل ما هو ثقافي عما
هو اجتماعي تبدأ عملية الامتصاص للهوية الأصلية.
واحتكاك الثقافات لا يتم بين ثقافة وأخرى بصورة مبهمة أو بشكل مجرد،
وإنما يتم من خلال أفراد يحملون ثقافات مختلفة، وهؤلاء الأفراد خاضعون لمراكز
اتصال وأجهزة سيطرة ومؤسسات لها قواعدها وعملها ومعاييرها ومنظماتها،
اعتماداً على إدخال مفاهيم المستعمر والغرس الثقافي في الإجراءات السياسية
والاقتصادية وإدخال مقومات الغرس الثقافي في الكوادر الاجتماعية والقومية
والدولية؛ فالتنمية الاقتصادية تتضمن عملية غرس ثقافي تحمل قيم المجتمع الغربي
ومعاييره التي يصدرها.
ويوضح روجيه باستير في كتابه المعنون: «مشكلات تداخل الحضارات
وأعمالها» كيف تتم عملية السيطرة والتخطيط وتوجيه الغرس الثقافي، وكيف تتم
كلها من خلال العلوم الاجتماعية التي تتبع متطلبات ومصالح الدول الكبرى، وكيف
يعتمد علم الأجناس الاجتماعي حالياً على دراسة كيفية التداخل بين الحضارات حتى
يتم الاستعمار بصوره الثقافية الجديدة، لكن لا تتكرر «أخطاء» الماضي التي
أدت إلى حركات المطالبة بالتحرر، وكيف تقوم فرنسا حالياً بعملية الغرس الثقافي
المخطط في البلدان التي احتلتها بأن تتم عملية الغرس في اتجاه واحد هو فرض
التغريب ومصالح الغرب بواسطة حكام هذه البلدان وبواسطة أصحاب القرار فيها،
وبأن تستعين بنظريات علمية تخدم مصالحها حتى من خلال استعمال مصطلحات
جديدة، ثم يوضح أن هذه الاستراتيجية تعتمد على أن كل ثقافة مكونة من عدة
ملامح ثقافية، وهذه الملامح مرتبطة بشبكة تقوم بالربط بينها، وأن المجال الثقافي
يسيطر على المجال الاجتماعي من خلال تبديل القيم والمفاهيم والعادات التراثية
حتى يمكن تعديل المؤسسات والبنيات والتصرفات الآدمية. كما تقوم بخلق
احتياجات جديدة وخاصة بخلق كوادر جديدة لكي تتم عملية التغيير بأفراد من الداخل
وهي نفس الفكرة التي كان المستشرق زويمر قد قالها في مطلع القرن الماضي بأن
الإسلام لن يُقتلع إلا بأيدي مسلمين من الداخل. ويؤكد روجيه باستير في هذا الصدد
قائلاً: «إن الغرس الثقافي المخطط الذي تقوده سياسياً الجماعات المسيطرة يعد
بمثابة القانون العام لعصرنا الحالي» .
ومما تقدم ندرك أن اللغة الفرنسية دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي
الفرنسي؛ وأن الاستعمار السياسي والاقتصادي والتبشير قائم على اللغة التي هي
هنا الفرنكوفونية؛ وأن فرنسا تتزعم فرض الكاثوليكية رغم زعمها العلمانية وفصل
الدين عن الدولة؛ وأن إحياء النزعة الأدبية الإفريقية والزنجية باللغة الفرنسية هو
نوع من الاستدراج لتثبيت الفرنكوفونية، وقد بدأت بتشجيع بعض الحكام والزعماء
ليكونوا قدوة لشعوبهم؛ وإنشاء ترسانة من الجامعات الفرنسية خارج أراضيها
والخاضعة لنفوذها مثل «جامعة سنجور» بالإسكندرية، وإنشاء منظمات ووكالات
لتدعيمها؛ وإن تتويج هذه الترسانة بمجلس أعلى ثم بوزارة بأسرها لدليل صارخ
على معنى الفرنكوفونية ومغزاها وأهدافها. وإن التداخل الواضح بين الفرنكوفونية
والاستعمار والغرس الثقافي المخطط والتبشير ليس بحاجة إلى مزيد من الأدلة؛
وليس من المبالغ فيه تعريف الفرنكوفونية بأنها بمثابة الآلة الحربية التي تساعد
فرنسا على الاحتفاظ بمستعمراتها؛ فإن الاستعمار لا يتخلى أبداً عن المجال الثقافي
حتى وإن تخلى عن الأرض المحتلة، وإنه يتصدى للدين على أنه أكبر قوى يمكنها
تجميع الشعب أو الشعوب، وهو ما تراه يتم حالياً بصورة علنية أو شبه علنية من
حيث محاولة اقتلاع الإسلام بفعل مخطط الفرنكوفونية من جهة، وبفعل القرار الذي
تم اتخاذه في المجمع الفاتيكاني الثاني عام ١٩٦٥م لاقتلاع الإسلام في عقد
التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.
فإذا ما تذكرنا أن معظم البلدان التي احتلتها فرنسا بلدان إسلامية أو وثنية،
وأن الوثنية لا تعنيها في كثير أو قليل؛ لأنها تقوم بتنصير أتباعها بشتى الوسائل،
لأدركنا خلفيات كثيرة غائبة أو مغيبة، ولأدركنا ضرورة وأهمية المطالبة بالحقوق
الاقتصادية والثقافية والدينية والعدالة الاجتماعية، ولأدركنا أهمية وضرورة أن
نتمسك بإسلامنا، وألا نعاون على اقتلاعه عن المنبع كما يتم حالياً بشتى المسميات،
وخاصة ضرورة المطالبة بأن يقتصر تعليم اللغة الفرنسية بحيث تظل لغة تعامل
إنساني متكافئ المستويات، والأكثر أهمية من هذا وذاك: أن نكف عن تنفيذ
مخططات الفرنكوفونية بأيدينا.
стр. 4348
ملفات
الفرنكوفونية.. المفروضة والصبغة المرفوضة
الفرنكوفونية في المشهد الإعلامي المغربي
عبد الله خلافة [*]
توطئة:
لقد ظلت قضية التغلغل الفرنكوفوني في الإعلام المغربي باهتة، بالمقارنة مع
المجالات الأخرى ذات التجلي الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي، وقد يكون هذا
المعطى راجعاً إلى بدهية الوجود الفرنكوفوني داخل المشهد الإعلامي المغربي؛
باعتبار المغرب أحد أهم (إيالات) النفوذ التقليدي للهيكل الفرنكوفوني الفرنسي،
والمؤهل الوحيد للعب دور الوسيط في علاقات فرنسا مع مستعمراتها القديمة
بإفريقيا، ومع الدول العربية الأخرى.
طبيعة هذا التغلغل الفرنكوفوني يدفع المتتبع للحقل الإعلامي المغربي إلى
القول، أو إلى الحسم بأن الإعلام المغربي بتمظهره المكتوب، أو السمعي، أو
السمعي البصري في عمومه إعلام فرنكوفوني الهوية والوجود. هذا في غياب
إعلام إسلامي أصيل يدافع هذا التغلغل، وإن كانت بوادر وجوده بادية، لكن في
جنس وحيد: هو الإعلام المكتوب. أي عبر الصحف والمجلات الإسلامية. وقد
ساهم الفاعل السياسي في كل مراحله؛ في تكريس هذا الوضع نحو الفرنكوفونية
والحداثة، على حساب الهوية الإسلامية والأصالة، دون استحضار إسلامية الدولة
والشعب بالمغرب.
ثم مع تطور وسائل الاتصال؛ فقد أصبح للإعلام سلطة فاعلة في تشكيل
الرأي، والموقف، بوسائله المتطورة التي تأسر الكبير قبل الصغير، وتكاد هذه
السلطة تفوق باقي السلط.
فإذا كان الغرب - وهذا ليس من قبيل الشعور بعقدة النقص، أو القابلية
للاستعمار - قد حسم حدود تدخل لوبيات الضغط والتأثير في توجيهه للفوز فقط
بموقف الدعاية في مرحلة من المراحل؛ فإن الإعلام المغربي، كجزء من الإعلام
العربي والإسلامي، لم يتخط بعد مرحلة الوصاية سواء الحزبية أو الحكومية. هذا
الوضع هو ما دفع أحد الإعلاميين المغاربة - الأستاذ يحيى اليحياوي - إلى الدهشة
والاستغراب لعدم تزحزح الإعلام المغربي؛ تأثراً بالمستجدات والتطورات
المعلوماتية الهائلة التي يعرفها العالم في الوقت الحاضر، وتأثراً بالتحولات العميقة
في المجتمع؛ بفعل التطور الديمغرافي والثقافي. يقول الأستاذ يحيى اليحياوي:
(المشهد الإعلامي المغربي عصي على الفهم؛ فهو جزء من شيء؛ إذ لم يستطع أن
يفرض نفسه كجهاز مستقل بذاته، كما أنه مغلق؛ إذ لم يتأثر بالتحولات الاجتماعية
والتقنية المتطورة، وأتمنى أن يساهم قانون الصحافة الجديد في حل هذا الإشكال)
[١] .
* هل هناك فرنسية دون فرنكوفونية؟
ما من مرة يتم فيها تناول الوجود الفرنكوفوني، في أي مجال من المجالات
سواء الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو الإعلامية - محطة البث - إلا
ويتم طرح هذا السؤال كوصفة فرنكوفونية للتمويه، باعتبار الفرنسية ليست هي
الفرنكوفونية؛ بل تعني لغة الانفتاح على العالم، وليست استعماراً جديداً، وفي
المقابل يتم التغاضي عن تساؤلات مشروعة من قبيل:
- لماذا تم تهميش الإسبانية في الشمال المغربي وإحلال الفرنسية مكانها؟
رغم أنها لغة مستعمر أيضاً، كما أنها تمكن من الانفتاح على شريك اقتصادي قريب؟
ثم لماذا لم يتم اعتماد الإنجليزية من باب أوْلى؛ باعتبارها لغة مهيمنة في
المجال العلمي، وجسر تواصل بين الاختراع والتحديث، على مستوى الأشياء
والمجتمع المغربي؟
إذن فنحن لسنا أمام لغة فرنسية بريئة واللغة كما عند اللسانيين حمَّالة قيم
ومضامين بل نحن أمام أيديولوجية فرنكوفونية. يقول الشاعر والكاتب المغربي
محمد بنيس: (هناك فرق بين اللغة والثقافة الفرنسيتين، والفرنكوفونية. فإذا
كانت اللغة والثقافة الفرنسيتان تعنيان اللغة والثقافة الوطنية، والخطابات المنتجة
بهذه اللغة من طرف فرنسيين، فإن الفرنكوفونية تعني أولاً: استعمال الفرنسية من
جانب غير الفرنسيين، وتعني ثانياً: لغة البلاد التي تخلت عن لغاتها المحلية!)
[٢] .
ويتابع الناقد المغربي توضيح هذا، ويقول: (ويتجلى الجانب الأيديولوجي
للفرنكوفونية في فرض الفرنسية، في الإدارة والثقافة والإعلام، بجميع الوسائل،
وانتزاع المكان الجغرافي للغة العربية، وتجنب الإنجليزية؛ لضمان المغرب
كمنطقة مضمونة لصالح الامتيازات الفرنسية؛ فمن هو فرنسي يشترك فيما هو
فرنسي) [٣] .
في نفس الصدد يؤكد الشاعرالمغربي عبد اللطيف اللعبي، وهو واحد ممن
تخلوا عن الكتابة بالفرنسية في إنتاجاتهم: (الفرنكوفونية نقطة ارتكاز للاستراتيجية
الاستعمارية الجديدة. إنها بمثابة انبعاث للامبراطورية الفرنسية يعود على الفرنسية
بامتيازات بيروقراطية) [٤] .
هذا الوصف المؤدلج والمموه؛ للفرنكوفونية يدفع الكاتب المغربي محمد بنيس
إلى إبراز التناقض الجلي بين الفرنسية كلغة والفرنكوفونية كأيديولوجية. وذلك
بقوله: (الفرنكوفونية تمنع عني الفرنسية كثقافة؛ بدعمها للإنتاج الاستهلاكي
الهزيل؛ فهي لا تهتم بانفتاحي على الثقافة الفرنسية أو الكونية، بل ما تفكر فيه هو
سيادتها اللغوية، كما تمنع عني عربيتي كمغربي) [٥] .
* الوضع الثقافي بالمغرب توجه فرنكوفوني بامتياز:
أهم ما يميز مشاريع التنمية بالمغرب، سواء الاقتصادية أو السياسية أو
الإعلامية، هو ارتهانها إلى اللغة الفرنسية كحامل لخطاب التواصل؛ فلغة المنافسة
للحصول على المناصب العليا، والمصيرية، هو إجادة وكفاءة لغوية فرنسية.
فالجريدة، أو شريط الأفلام، والرواية، والكتاب المصوغ بالفرنسية، هو صاحب
الحظوة، والمستأهل لدعم الفرنك الفرنسي، فيتم التنويه والإشهار بصاحبه في كل
محفل؛ فكم من فيلم أو رواية فاقت شهرتها الآفاق، على الرغم من ركاكتها؛ لأنها
أنجزت بلغة فرنسية، أو أن أصحابها تتلمذوا على مفكرين فرنسيين؛ فكل ما يتعلق
بإدارة المال والمقاولة والربح، فالفرنسية وسيطه اللغوي، مثال هذا برنامج:
«مشاريع» بالقناة الأولى المغربية الذي لم يستطع فكاكاً عن الفرنسية، رغم أنه
موجه لشعب تفوق نسبة أميته في العربية - لغته الوطنية - أكثر من ٥٠%.
يقول الأستاذ موليم العروسي: (إذا أنصتنا إلى الخطاب الرسمي نجد أن
مؤسسات الدولة العليا معربة، بينما خطاب المؤسسات المالية والصناعية ومراكز
صنع القرار الفعلي المتعلق بمصير البلاد في بنيته العميقة، وفي إجرائيته فرنسي
محض.. فلو كانت فرنسا تساعد على تثقيف المغاربة، وتعرفهم على الحضارة
الفرنسية بنية حسنة، مفادها إخراجهم من ظلمات الجهل، فإن هناك من الفرنسيين
من سيستفيد من هذا اقتصادياً وتجارياً، وكذلك بالنسبة لثقافة أمريكا، فلا فرق بين
الكتاب والفيلم والكوكاكولا والهومبورجر) [٦] .
هذا الوضع الاعتباري للفرنسية كآلية فرنكوفونية، يؤكد وضعها المريح داخل
النسيج الثقافي المغربي والإعلامي كجزء منه، وضع آمن من كل زعزعة أو
انتفاضات ضد هذا التغلغل؛ إذ نجد الفرنسية مقدمة في الدرجة الأولى على العربية،
رغم كون هذه الأخيرة لغة الدستور الرسمية، ورغم صراخات وصيحات كثير
من المفكرين والمثقفين لمواجهة هذا الوضع كمثال كتاب الدكتور إدريس الكتاني
رئيس نادي الفكر الاسلامي بالرباط المسمى: «ثمانون عاماً من الفرنكوفونية ضد
الإسلام واللغة العربية» وما ذكره من ذلك في سياق مناقشته لقضية التعريب
بالتعليم المغربي.
* المشهد الإعلامي المغربي بين الوصاية والاستقلالية:
يشمل المشهد الإعلامي المغربي جل الوسائط الإعلامية المعروفة من مكتوبة،
وسمعية، وسمعية / بصرية. لكن هذا التنوع لا يعكس استقلالية هذه الوسائط،
وتنزهها عن توجيه الماسك بتسيير الشأن العام داخل المغرب.
فالإعلام المكتوب في مختلف تلوناته ظل حبيس الاتجاه الحزبي، بعيداً عن
المهنية المجردة، والاستقلالية؛ فكل ما يخدم الحزب والحكومة من أفكار ومواقف
يجب أن ينشر، وكل ما يمس بذلك يجب أن يهمش ويقصى.
فالجريدة أو المجلة هي بمثابة بوق، ولسان حزب معين، أو حركة ما، أو
تنظيم ما. كل ذلك حسب وضعه الحكومي تأييداً ومعارضة!
فالصحفي المتزلف يكون مدللاً، والمشاكس مآله الطرد. فإذا كان الأمر
مقبولاً فترة الاستعمار بضرورة خدمة الإعلام للمطلب الوحيد الذي هو استقلال
البلاد، لكنه الآن وارتباطاً مع تطور الإعلام وولوجه مدار المهنية مطالب، أكثر
من أي وقت مضى، بفك هذا الارتباط، ليبقى خادماً لزبنائه القراء في أمانة الخبر،
وموضوعية التعليق، والصدق في التحليل. هذا من جهة الوصاية الحزبية أو
التنظيمية الوطنية، أما تلك الفرنكوفونية فهي ليست مقصودة بهذا التوجيه؛ لأنها
ابن غير شرعي للإعلام المغربي.
أما الإعلام السمعي، والسمعي / البصري؛ فقد ظل لعقدين من الزمان
خاضعاً للهاجس الأمني؛ حيث كان وزير الداخلية مهيمناً على وزارة الإعلام،
بشكل غير مباشر، وذلك بكون بعض مدرائها من أطر الداخلية لا الإعلام، ثم
كانت الهيمنة المباشرة بعد ذلك لما عين وزيراً للداخلية والإعلام معاً!
تلك الوضعية دفعت أحزاب المعارضة السابقة، والماسكة بزمام التسيير في
حكومة اليوم، إلى المطالبة بفك هذا الارتباط، خلال المناظرة الوطنية الأولى
للإعلام: (٢٩ - ٣١/٣/١٩٩٣م) ، على أن تنص توصياتها على رفع الوصاية
الحكومية عن وسائل الإعلام العمومية خاصة الإذاعة والتلفزة وضمان استقلالهما [٧] .
لكن فور تسلمها مقاليد الشأن الحكومي تنصلت من هذه المطالبة بتغييبها
للوجوه المعارضة لسياستها، فإذا كان محمد الأشعري - الناطق الرسمي باسم
الحكومة - قد أكد في خطاب له عقب تسلمه لوزارة الإعلام والاتصال أن مشروعه
هو: «الدفاع عن استقلالية الإعلام عن الحكومة وعن جميع الضغوطات» فإن
طرد صحافِيَّيْن أجريا مقابلة مع زعيم نقابي بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكذا
توقيف ثلاث جرائد: (لوجرنال، دومان، والصحيفة) ، فيما يعرف برسالة الفقيه
البصري واليوسفي، كشف سوءة ذلك التصريح، وجعل منه حبراً على ورق!
* الإعلام المغربي من الوصاية إلى التغلغل الفرنكوفوني:
يتميز مجال الإعلام المغربي كغيره من مجالات الفعل والتأثير (الثقافية،
السياسية، الاقتصادية) بخضوعه لازدواجية الوسيلة والتوجه، فهو مولود مهجن،
متنازع التكوين، بين عربية أصيلة وهوية إسلامية من جهة، وفرنسية حداثية
فرنكوفونية من جهة ثانية. فقد ارتبطت نشأته الأولى بتقليد صحف المستعمر سواء
في المنطقة الخليفية: (أي منطقة النفوذ الإسباني) ، أو السلطانية: (منطقة النفوذ
الفرنسي) ، فقد انطلقت البداية الأولى مع التجارب الإعلامية بتطوان وطنجة مثل:
جريدة الصباح، والمصباح، أو ما كان يسمى بصحافة الشمال التي كان يتزعمها
الزعيم عبد الخالق الطريس، والتي كانت متأثرة بالاتجاه السفلي [٨] .
بعد ذلك، وخلال فترة الأربعينيات من القرن الماضي (القرن العشرين) ،
ظهرت جريدة «العَلَم» لسان حزب الاستقلال سنة ١٩٤٤، وكانت وقتئذ الأهداف
الوطنية، وفضح المستعمر، ودفعه للخروج من البلاد؛ هي الدافع لإنشاء جريدة
بلسانين عربي وفرنسي. فالنشأة ارتبطت بالسياسي لا بالجانب الاجتماعي أو الديني
تعتمد كاتباً وطنياً راجح الفكر، جزل الأسلوب، متين اللغة، فإذن؛ كانت هذه
الصحف (أقرب إلى نشرات داخلية للحزب الذي تتحدث بلسانه، وتعبر عن مواقفه
معارَضة وتأييداً حسب الموقع من تسيير الشأن العام) [٩] .
* مظاهر التغلغل الفرنكوفوني في الإعلام المكتوب:
مع تراكم التجارب في مجال الإعلام المكتوب، لم تعد الساحة المغربية
الإعلامية تحتوي على جرائد وطنية بلسان مزدوج فحسب: عربي وفرنسي، مثاله:
العَلَم وشقيقتها الحزبية: Lopinion، والاتحاد الاشتراكي وشقيقتها الحزبية:
liberation، وبيان اليوم وشقيقتها الحزبية: ALbayan، بل تطور الأمر مع
وجود متنفسات لظهور صحف فرنسية فقط مثل:journal, le hui, Aujourd
Demain، وجل هذه الصحف تعيش على دعم فرنسي في تسييرها.
وللإشارة فقد بلغ حسب إحصاء سنة: ٢٠٠٠م، الغلاف المالي المرصود
للصحف الفرنسية بالمغرب ما قدره: ١٦٩. ٤ ألف فرنك فرنسي [١٠] من ضمن
المساعدات التي تقدمها فرنسا إلى المغرب في مجال التعاون الثقافي واللغوي.
* مظاهر التغلغل الفرنكوفوني في الإعلام السمعي:
يعرف الإعلام السمعي بكونه واحداً من أنظمة الاتصال المفتوح، ساهم في
تطوره انتشار النظرية القائلة: (إن الموجات الهوائية تنتمي إلى الشعب) [١١] .
هذه النظرية مكنت مجموعات ذات اهتمامات خاصة، اقتصادية، وسياسية
من تحقيق نجاح كبير في حصولها على حق الاتصال بالراديو أو (الترنزستور) .
بالنسبة للمغرب يمكن التمييز بين عدة محطات:
أولاً: إذاعة وطنية مركزية بالرباط العاصمة، تتخذ العربية لسان حديثها.
ونظراً لقلة فنييها، وارتهانها إلى وسائل تقليدية جعلها غير منفتحة على الشعب،
ولا يمكنها ذلك لتعدد الطيف الاجتماعي المغربي، من عربي إلى أمازيغي إلى
فرنكوفوني. ولذلك فهي تستعين على أداء مهمتها الإعلامية بالاعتماد على إذاعات
وطنية جهوية، مثل إذاعة طنجة، وإذاعة تطوان بالشمال، وإذاعة الدار البيضاء،
وإذاعة العيون في الجنوب، وإذاعة وجدة في الشرق، وإذاعة فاس بالوسط.
ثانيا: في الضفة الأخرى من الإعلام السمعي تتحرك إذاعة «ميدي ١»
بطنجة. Mediteranie Radio وهي مؤسسة إعلامية فرنكوفونية أسست من
طرف شركة (سورفاراد: Sorferad) التي تمتلك فيها فرنسا نسبة ٩٩% من
أسهمها. وقد أوكلت هذه الشركة أمر تسييرها إلى أكبر شركة فرنسية، مساهمة
داخلها بـ ٥٤% وهي شركة: «أومنيوم الشمال الإفريقي» ، وتتوصل هذه
الإذاعة بدعم مالي يقدر بـ ٢٤٨.٤ ألف فرنك فرنسي حسب إحصاء ٢٠٠٠م
[١٢] .
ويستفيد تقنيو هذا القطاع من دعم يقدر بـ ٤٠٥ ألف فرنك فرنسي، وتحظى
أخبارها بمتابعة هامة بالمقارنة مع تلك الوطنية، وتقدم الجزء الأكبر من موادها
الإخبارية والترفيهية باللغة الفرنسية، بما يقارب ٧٠%.
ويظهر مدى التغلغل الفرنكوفوني في هذه الإذاعة إذاعة ميدي ١ في انعدام
لغات أخرى (إنجليزية، إسبانية) كوسائط لغوية. وغياب هذه اللغات يؤخر
انفتاح المجتمع المغربي على حضارات أخرى، ويتركه رهين الأفق الفرنسي
الضيق. يقول خبير المستقبليات المغربي الدكتور المهدي المنجرة - وهو مدير
سابق للإذاعة والتلفزة المغربية - حول النفوذ الفرنكوفوني في إفريقيا، والمغرب
جزء منها: (إن هذا التصور الجيوسياسي الثقافي للفرنكوفونية سهَّل المحافظة على
إفريقيا [يعني لصالح فرنسا] ، وأخر تكتلها؛ فهو يروج لتنمية التخلف بإفريقيا،
ويشجع التسول بالصدقة الملفوفة داخل غطاء المساعدات) [١٣] .
ويضيف نقلاً عن تقرير (بور تولو) المنشور من طرف مركز التوثيق
الفرنسي: (إن كل فرنك تقدمه فرنسا للمساعدة العمومية تحصل على ست فرنكات
كمقابل له في التجارة) [١٤] .
فالإصرار على تركيز الفرنسية يؤخر الاستفادة من التقنية الحديثة التي
اعتمدت الإنجليزية حاملاً لغوياً لها. ولأجل هذا الإصرار الفرنسي على فرض
الفرنسية في مناطق نفوذها التقليدية كالمغرب؛ نجدها تسعى إلى الأخذ بمبدأ
الاستثناء الثقافي في ملف (الغات) أي: منظمة التجارة العالمية. فهي كما يقول
الدكتور إدريس الكتاني في كتابه: «ثمانون عاماً من الفرنكوفونية ضد الإسلام
واللغة العربية» : (لا تحترم لغة المغرب العربية، وتمنع الازدواجية اللغوية
والثقافية، وتعتبرهما خطراً على الوحدة الفرنسية) [١٥] .
* مظاهر التغلغل الفرنكوفوني في الإعلام السمعي - البصري:
مع تطور الإعلام السمعي - البصري بظهور التلفزيون، تم اعتماد الصوت
والصورة في الأخبار، والتوصيل للمعلومة بأنواعها (السياسية، والرياضية،
والترفيهية) هذه الثنائية للإعلام السمعي - البصري جعلته، كجزء من وسائط
الإعلام، مصدرَ أكثر من تصور ورؤية، ومصب أكثر من مصلحة.
يقول الأستاذ يحيى اليحياوي (متخصص في الإعلام) : (التلفزة فضاء
لتجاذب المصالح والرهانات. من يرى أنه مصدر إزعاج وفضح؛ يحاول رهنه
ورهن الفاعلين فيه، ومن يرى فيه سبيلاً للفعل من نوعية، وتثقيف، ونشر قيم؛
يدعم استقلاله) [١٦] .
وقد أرجع الأستاذ اليحياوي سبب تأخر فعله في المجتمع المغربي إلى قضايا
أربع: منها عدم الرغبة في حسم القضية الثقافية واللغوية. يقول: (القضية الثالثة
الثقافية والإشكالية اللغوية: فوجود تعدد لغوي يفرض التساؤل: أي ثقافة نريد؟
حداثية أم أصيلة؟ أي لغة نريد؟ أية رموز للتخاطب؟ الهوية والخصوصية؟ ...
ويزداد التعقيد باستحضار ضروب الأدلجة والتنميط المندرجة في سياق الفرنكوفونية
والحق في الاختلاف) [١٧] .
ويتساءل المؤلف في الكتاب نفسه: (وإلا فما العبرة من طغيان اللغة الفرنسية،
في حين لا تقدم اللغات الأصلية، إلا في إطارها الفولكلوري، في نشرات يتيمة؟
فحسم الإشكال الثقافي اللغوي يعد عائقاً أيضاً) [١٨] .
هذا التجذر الفرنكوفوني في اللغة والثقافة المغربيتين، يفرض مراجعة
الامتياز اللغوي الفرنسي، كمحتل سابق، خاصة مع تنامي المطلب الأمازيغي
الساعي إلى جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية التي نص عليها دستور
البلاد. هذا، وقد شكل الإعلام السمعي البصري وعلاقته بالفرنكوفونية محور عدة
دراسات [١٩] .
فالقناة التلفزية المغربية الثانية المسماة بـ «دوزيم» ٢ M، تفوق المواد
المقدمة فيها بالفرنسية نسبة ٧٠ بالمائة، وقد ساهمت فرنسا في دعم القطاع السمعي
- البصري المغربي عموماً بمبلغ مالي يقدر بـ ٥٦١.٢ ألف فرنك فرنسي،
حسب إحصاء سنة: ٢٠٠٠م [٢٠] . وقد تم تأسيسها بموجب اتفاقية بين الدولة
المغربية وشركة «سورفاراد» (Sorferad) في ٢٠ فبراير ١٩٨٨م،
وابتدأت بث برامجها في مارس ١٩٨٩م. لكن إشرافها على الإفلاس دفع الحكومة
المغربية للتدخل لإنقاذها؛ بشراء حصة من أسهمها. وفرضت على كل المغاربة
تغطية مصاريف ذلك، عن طريق ضرائب في فاتورة الكهرباء! وشمل هذا
الإجراء حتى أولئك الذين لا يستفيدون من خدمات الربط، من أهل المناطق النائية
عن التغطية، وكذا طبعاً حتى من لا يملك جهاز التلفزيون!
أما القناة الأولى المغربية (إ. ت. م) ١ M، فالمظهر الفرنكوفوني قليل
نسبياً؛ إذ يمثل ٣٠% من المواد المقدمة في شكل أفلام سينمائية، ونشرة إخبارية
واحدة، وبعض البرامج، مثل البرنامج الشهير: «مشاريع» .
* هل يوجد إعلام إسلامي بديل عن هذا التغلغل الفرنكوفوني؟
على الرغم من توفر الساحة المغربية على تنظيمات وفعاليات إسلامية، فإنها
لا تتوفر على قاعدة إعلامية صلبة قادرة على مزاحمة هذا التغلغل داخل المشهد
الإعلامي، إذا ما استثنينا توفر هذه التنظيمات على وسيط إعلامي، من نوع وحيد
وهو المكتوب، مثل: جرائد: التجديد، والمحجة، والفتوة، وميثاق الرابطة،
والسنة ... وبعض المجلات نحو: الفرقان، ورسالة المعاهد، والمنعطف والمشكاة
... إلخ. لكن الفاعل الإسلامي لا يتوفر على إعلام حاضر قوي، يؤهله لمنازعة
الإعلام الفرنكوفوني ومزاحمته؛ لأنه حديث النشأة، ضعيف الإمكانيات.
كما أنه لا يزال رهين نظرته الأحادية، والموجهة نحو السلطة، والحكومة،
والاهتمام بالحزب، أو التنظيم، مع افتقاده لمرتكزات مادية قوية، تضمن
استمراره.
هذا بالنسبة للإعلام المكتوب. أما السمعي، والسمعي - البصري فهو من
اللامفكر فيه في الوقت الحاضر.
لكن بالمناسبة، لا يمكن بخس بعض الغيورين جهودهم المحمودة، في مقاومة
هذا التغلغل الفرنكوفوني خاصة مواقف «رابطة علماء المغرب» ، التي تأسست
سنة ١٩٦٠م؛ فقد أصدرت هذه الرابطة بلاغاً «بإيقاف إذاعة خطب الكنائس»
وهو برنامج كان يذاع كل يوم أحد، بالفرنسية، كإحدى وسائل التبشير في الدولة
المغربية المسلمة! [٢١] .
كما دعت في توصية للجنة الإعلام في مؤتمرها العاشر، بمدينة مكناس
بالمغرب، في فبراير ١٩٨٧م إلى: (مقاومة الغزو الإعلامي المضاد للأهداف
الإسلامية، ومواجهته بأسلوب يعتمد على الأسس العلمية والإعلامية التي تساعد
على إحداث نهضة ثقافية محصنة ومتبينة) [٢٢] .
وهذه مواقف تدل على يقظة مبكرة وشعور بخطورة الغزو الفرنكوفوني، لكن
قوة هذا اللوبي جعلها سجينة توصيات لا قرارات عملية!
يبقى أمر ملح: وهو أنه لا بد لتجاوز هذا التغلغل من ضرورة تكاتف الجهود
الإعلامية الإسلامية، دون السقوط في الحزبية، والنظر إلى ما آلت إليه صحف
الأحزاب السابقة، على مستوى الإعلام المكتوب.
أما بالنسبة للإعلام السمعي، والسمعي - البصري، فقد سهل انتشار وتطور
شبكات المعلومات، والأطباق اللاقطة، سواء بالمرموز أو بالواضح؛ في التخفيف
من قوة التأثير الفرنكوفوني، المكرس للتبعية والإلحاق. هذا الهروب إلى الأمام
دون مباشرة الفعل؛ لا ينفي ضرورة التفكير في بديل وطني ذي هوية إسلامية
محترمة، ومتطلبات مهنية منافسة.
وهذا ليس بعزيز على الله تعالى، إذا خلصت النيات. والله من وراء القصد
وهو يهدي السبيل.
стр. 4349
دراسات في السيرة والتاريخ
عندما يحكم الإسلام.. وعندما تحكم الجاهلية
رؤية إسلامية للأحداث المعاصرة على ضوء السيرة النبوية
د. منير محمد الغضبان
ghadban١٤@hotmail.com
الجاهلية التي نتحدث عنها اليوم هي جاهلية القرن الحادي والعشرين التي
مثلها النظام الأمريكي، وهو الذي يزعم أنه يمثل أقصى ما وصلت إليه البشرية من
تقنين لقضايا الحرية، وقضايا حقوق الإنسان؛ وتمثال الحرية شاهد عليها بأنها هي
أم الحريات في الأرض، وقد آلت على نفسها أن تحارب الإرهاب وتلاحقه في كل
مكان في الأرض، ولو احتملت الحرب خمسين عاماً؛ فلا يضرها ذلك.
أما حكم الإسلام فنعرض له من خلال فتح مكة على يدي رسول رب العالمين
محمد ﵊.
أمريكا هي الأقوى اليوم، ورسول الله ﷺ هو الأقوى آنذاك،
وسيتم هذا العرض والمقارنة في قضايا سبع محددة.
* القضية الأولى: الدولتان تعرضتا لاعتداء:
فالولايات المتحدة الأمريكية تستيقظ على هجوم عليها صباح الثلاثاء الحادي
عشر من سبتمبر؛ حيث تنقضُّ طائرات مدنية على برجي التجارة فتدمرهما تدميراً
كاملاً، وتضرب البنتاغون مقر وزارة الدفاع الأمريكية، وتكون الضحايا البشرية
قرابة أربعة آلاف شخص من القتلى كما تقول الإحصائيات الرسمية. والخسائر
المدنية بعشرات الآلاف من المليارات تصيب الاقتصاد الأمريكي في قلبه.
في المدينة المنورة عاصمة دولة الإسلام يصل وفد خزاعة حليفة رسول الله
ﷺ ليعلن لمحمد أن قريشاً وحليفتها قبيلة بكر قد انقضوا على
خزاعة ليلاً وقتلوهم رُكَّعاً وسُجَّداً؛ إذ يقول وافد خزاعة وسيدها عمرو بن سالم:
... يا رب إني ناشد محمدا ...
... ... ... ... ... ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا ...
... قد كنتمُ ولداً وكنا والدا ...
... ... ... ... ... ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا ...
... فانصر هداك الله نصراً أعتدا ...
... ... ... ... ... ... وادعُ عباد الله يأتوا مددا ...
... في فيلق كالبحر يجري مزبدا ...
... ... ... ... ... ... إن قريشاً أخلفوك الموعدا ...
... ونقضوا ميثاقك المؤكدا ...
... ... ... ... ... ... وجعلوا لي في كداء رصدا ...
... وزعموا أن لست أدعو أحدا ...
... ... ... ... ... ... وهم أذل وأقل عددا ...
... هم بيتونا بالوتير هجدا ...
... ... ... ... ... ... وقتلونا ركعاً وسجدا [١]
إذن هو اعتداء سافر من حلفاء قريش وقريش نفسها التي هادنت رسول
الله ﷺ على إيقاف الحرب معه عشر سنين، ونقض لهذه الهدنة.
* القضية الثانية: التثبت من هوية المعتدين:
لقد أعلن الإعلام الأمريكي للوهلة الأولى أن الطائرات لم يكن فيها أحد من
الركاب العرب، ثم عاد فذكر أن في هذه الطائرات تسعة عشر عربياً هم الذين
نفذوه. ثم أعلن أن الشيخ أسامة بن لادن هو المتهم الأول بالتخطيط له. كما ذكر
الإعلام الأمريكي أن هناك أربعة آلاف محقق يدرسون أربعين ألف دليل للتعرف
على هوية المنفذين للهجوم. وقياساً على تفجير المدمرة كول فقد استغرقت
التحقيقات عامين كاملين ولم يصدر بعد التقرير النهائي عن الهجوم.
وأعلن مدير التحقيقات الأمريكية في٢٢/٢/٢٠٠٠م عن كشف كثير من
المعلومات والأدلة الجديدة في تفجير المدمرة كول الذي حدث في شهر ٣/٢٠٠٠م،
وقياساً على هذه الدقة في التحقيق فيحتاج حادث الأبراج لأربع سنين على الأقل
للتثبت من هوية المنفذين والمخططين. لكن العالم فوجئ بإعلان أن التسعة عشر
هم المنفذون، وأن المدبر للعملية هو أسامة بن لادن بعد أقل من أسبوع واحد،
وأعلنت أمريكا الحرب على بن لادن، وطالبت دولة طالبان بتسليمه من دون تقديم
أي دليل على أنه هو الذي خطط ونفذ الهجوم على الأبراج والبنتاغون. وأعلنت
دولة طالبان استعدادها لتسليمه إلى محكمة عادلة لو قدمت أمريكا الأدلة على ذلك.
فرفضت أمريكا العرض الأفغاني، وأعلنت الحرب على دولة طالبان ما لم تسلم
دولة أفغانستان بن لادن إليها خلال مدة معينة هي أقل من شهر. هذا في دولة
الجاهلية الحديثة التي تمثل أعلى مستويات العدالة والحرية في الأرض كما تزعم؛
فماذا في دولة النبوة؟
لقد جاء الوحي من السماء بنقض قريش للعهد؛ فقد روى محمد بن عمر «أن
رسول الله ﷺ قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة وخزاعة
بالوتير: يا عائشة! لقد حدث في خزاعة أمر. فقالت عائشة: يا رسول الله!
أترى قريشاً تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم، وقد أفناهم السيف؟ فقال
رسول الله ﷺ : ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى. فقالت: يا
رسول الله! خير؟ قال: خير.
ورغم ذلك فقد بعث يتثبت من صحة الأمر من قريش أنفسهم: قال عبد الله
بن عمرو ﵄: إن ركب خزاعة لما قدموا على رسول الله وأخبروه
خبرهم قال: فمن تهمتكم وظنتكم؟ قالوا: بنو بكر. قال أكُلُّها؟ قالوا: لا، ولكن
بنو نفاثة قصرةً ورأس القوم نوفل بن معاوية النفاثي، قال: هذا بطن من بني بكر،
وأنا باعث إلى أهل مكة أسألهم عن هذا الأمر ومخيرهم بين خصال ثلاث.
فبعث إليهم ضمرة يخيرهم بين إحدى ثلاث: بين أن يَدُوا قتلى خزاعة، أو
يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو يُنبذَ إليهم على سواء.
فأتاهم ضمرةُ رسولُ رسولِ ﷺ وأخبرهم بالذي أمره رسول
الله به، فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أما أن ندي قتلى خزاعة؛ فإن نفاثة
فيهم عُرام (قوة الشراسة) فلا نديهم. وأما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة
من العرب تحج هذا البيت أشد تعظيماً له من نفاثة وهم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم،
ولكن ننبذ إليه على سواء. فرجع ضمرة إلى رسول الله ﷺ بذلك
من قولهم» [٢] وأدرك أبو سفيان خطورة إعلان الحرب على محمد، وعدم البراءة
من بكر، وعدم دفع ديات خزاعة، فقال: «ما الرأي إلا جحد هذا الأمر؛ والله
ليغزونا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي، ولا بد من أن آتي محمداً فأكلمه أن
يزيد الهدنة ويجدد في العهد» [٣] .
وجاء دور الموقف السياسي: جاء أبو سفيان المدينة، ودخل على رسول الله
ﷺ وهو في المسجد، فقال: يا محمد! إني كنت غائباً عن صلح
الحديبية فاشدد العهد وزدنا في المدة. فقال رسول الله ﷺ :
«فلذلك جئت يا أبا سفيان؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ :
«هل كان قِبَلَكم مِنْ حَدَثٍ؟» قال: معاذ الله! نحن على عهدنا وصلحنا يوم
الحديبية لا نغير ولا نبدل. فأعاد أبو سفيان القول على رسول الله فلم يرد علينا
شيئاً « [٤] .
إن أبا سفيان هو القائد الأعلى لقريش؛ وبناء على جواب قريش بإعلان
الحرب كان بإمكان رسول الله ﷺ أن يعتقله ويقتله؛ فهو رئيس
دولة مكة، وهو ينكر نقض العهد، وهو في حالة حرب مع المسلمين بعد هذا
النقض. فجحد ما جرى كله. وجاء الجواب النبوي: إنه إذ لم يكن هناك حدث؛
فنحن على الصلح.
وأدرك أبو سفيان إخفاق سفارته؛ وإخفاق سياسة التجاهل، وعاد إلى مكة،
فقال له قومه: ما وراءك، هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به
أن يغزونا محمد؟ فقال: والله لقد أبى عليَّ، وفي لفظ: لقد كلمته فلم يرد عليَّ
شيئاً.
ولم يعتقل رسول الله ﷺ أبا سفيان ولم يقتله حتى لا تنكشف
المخططات النبوية في قرار غزو مكة وفتحها بعد أن نبذت له على سواء.
* القضية الثالثة: الحرب الجاهلية والحرب الإسلامية:
هذه هي حرب أمريكا في أفغانستان بدون تقديم أدلة، وبدون إثباتات: تضع
هدفها الأكبر قتل بن لادن رئيس تنظيم القاعدة، والقضاء على تنظيم القاعدة، وقتل
رئيس دولة طالبان والقضاء على الدولة كلها؛ لأنها لم تتخل عن ابن لادن.
يقول الأستاذ أحمد منصور واصفاً هذه الحرب: أخذت الولايات المتحدة
الأمريكية زمام القانون بيدها في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي،
وأصبحت هي الخصم والحكم في مواجهة كل من تعتقد أنه يهدد أمنها ومصالحها
دون حاجة إلى أدلة أو إثباتات، فقامت بحرب طاحنة في أفغانستان أزالت فيها نظام
طالبان عن السلطة، وولت نظاماً جديداً حليفاً لها، ونتج عن حملتها العسكرية على
أفغانستان تدمير عشرات القرى، ومقتل آلاف الأفغان من المدنيين وتشريد عشرات
الآلاف، عدا القتلى من تنظيم القاعدة وحركة طالبان؛ وذلك وفق تقارير عديدة
أهمها التقرير الذي أصدره البروفسور الأمريكي (مارل دبليو هيرولد) من جامعة
» ديوها مبشير «حول القتلى المدنيين الأفغان والذي قدرهم من بداية الهجوم
الأمريكي في السابع من أكتوبر وحتى الثالث من ديسمبر الماضي فقط بأنهم ٣٧٦٧
قتيلاً من الأطفال والنساء والعجائز والعزل، ولا يزال القصف الأمريكي مستمراً
حتى الآن. والآن تدور في الأفق سيناريوهات عن أهداف أخرى وعلى رأسها
العراق والصومال. هذه هي حرب الأشهر الأربعة وهذه ثمارها المرة في الشعب
الأفغاني فماذا عن فتح مكة؟
أ - وقع أبو سفيان أسيراً بيد محمد ﷺ ؛ وأبو سفيان هنا
مثله مثل أسامة بن لادن لو أنه وقع أسيراً في يد القوات الأمريكية أو الملا عمر
رئيس دولة طالبان. وبدلاً من أن يمثل به أو ينزل به أشد أنواع التعذيب قبل
التنكيل به وقتله، ويضع رأسه على الرمح يعلن بذلك انتصاره على قريش،
ويصلبه أو يمثل بجثته. نستمع معاً إلى هذا الحوار:
رسول الله ﷺ : (يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا
إله إلا الله؟
أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! إنه لو كان
مع الله إله، لقد أغنى عني شيئاً بعد. لقد استنصرتُ إلهي، واستنصرتَ إلهك؛ فو
الله ما لقيتك مرة إلا نصرت علي؛ فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك.
رسول الله ﷺ : ويحك يا أبا سفيان ألم يأنِ لك أن تعلم أني
رسول الله؟
أبو سفيان: بأبي أنت وأمي يا محمد ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! أمَّا
هذه؛ فوالله إن في النفس منها شيئاً حتى الآن ... وظاهر كلام ابن عقبة ومحمد بن
عمر في مكان آخر أن أبا سفيان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول
الله من غير أن يعرض ذلك عليه أحد.
قال أبو سفيان، وحكيم بن حزام: جئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا
يعرف إلى أهلك وعشيرتك (أي لفتح مكة) .
رسول الله ﷺ : أنتم أظلم وأفجر: قد غدرتم بعهد الحديبية،
وظاهرتم على بني كعب (خزاعة) بالإثم والعدوان في حرم الله تعالى وأمنه.
قال حكيم وأبو سفيان: صدقت يا رسول الله! قالا: يا رسول الله لو كنت
جعلت جدتك ومكيدتك لهوازن؛ فهم أبعد رحماً وأشد عداوة لك.
رسول الله ﷺ : إني لأرجو ربي أن يجمع لي ذلك كله:
فتح مكة، وإعزاز الإسلام، وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم وذراريهم؛ فإني
لأرغب إلى الله تعالى في ذلك.
أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله! ادع الناس بالأمان: أرأيت إن اعتزلت
قريش وكفت أيديها: آمنون هم؟ رسول الله: نعم.
العباس: يا رسول الله! إن أبا سفيان وجه الشرف والفخر فاجعل له شيئاً.
رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن
دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) [٥] .
وأثمرت المفاوضات عن إعطاء الأمان لدولة مكة وشعب مكة إذا كفوا عن
القتال، ودخلوا بيوتهم.
غير أن فريقاً من المتطرفين رفضوا هذه المفاوضات، وكانت قيادتهم لعكرمة
بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وهند بنت عتبة زوجة أبي
سفيان، فواجهوا فصيل الجيش الإسلامي الذي يقوده خالد بن الوليد، ووقعت
الحرب لعدة ساعات، ثم انهزم جيش مكة وفرت قياداته، وقتل منهم أربعة
وعشرون رجلاً من قريش، وأربعة من هذيل؛ ومع ذلك أجرى رسول الله صلى
الله عليه وسلم حساباً لخالد على حربه.
رسول الله: لِمَ قاتلت وقد نُهيت عن القتال؟
خالد: يا رسول الله! هم بدؤونا بالقتال، ورشقونا بالنبل، ووضعوا فينا
السلاح، وقد كففت ما استطعت، وقد دعوتهم إلى الإسلام، وأن يدخلوا فيما دخل
فيه الناس فأبوا حتى إذا لم أجد بداً قاتلتهم فظفَّرنا الله تعالى عليهم فهربوا في كل
وجه.
رسول الله: كفَّ عن الطلب.
خالد: قد فعلت) [٦] .
* القضية الرابعة: آثار الحرب على أفغانستان:
على الرغم من أن أفغانستان تصنف ضمن الدول الأكثر فقراً في العالم إلا أنها
تعرضت لأقسى حربين من أكبر قوتين في العالم خلال عقدين من الزمان؛ بحيث
لم يبق شبر من أراضيها إلا وزرع بصاروخ أو قنبلة أو لغم، وأكملته الحرب
الأهلية في تدمير ما تبقى من مظاهر الحياة الإنسانية في هذا البلد البائس.. إن
إعادة بعث أفغانستان من الركام بعد ٢٣ عاماً من الخراب والتدمير والصراعات
تبدو من المهمات الصعبة إن لم تكن المستحيلة نتيجة كبر حجم المشكلة؛ فقد تسببت
هذه الحروب في تشريد نحو ٦ ملايين أفغاني بالإضافة إلى مليون مشرد داخل
أفغانستان، كما يتهدد الجوع نحو سبعة ملايين آخرين؛ بينما دُمرت الطرق
والمؤسسات والمنازل.
ويقول تقرير البنك الدولي: (إن المؤسسات الاقتصادية للدولة الرئيسية مثل
البنك المركزي والخزانة والضرائب والجمارك والإحصاءات والخدمات والأمن
والقانون والنظام الفضائي في حالة ضعف شديدة أو غير موجودة في الأصل.
وكدليل على تردي الأوضاع الاقتصادية فإن نسبة الوفيات بين الأطفال تصل ٤٩%
وهي من أعلى النسب في العالم، كما أصابت الألغام الزراعة بالشلل التام؛ إذ
سيجد كل عائد إلى أفغانستان أكبر نسبة من المعاقين في العالم؛ مع سقوط ما يصل
إلى ٥٠٠ ضحية شهرياً بسبب الألغام ومخلفات القنابل.
وتقول الأمم المتحدة إن ما يتراوح بين خمسة وعشرة ملايين لغم ما زالت
مزروعة في أفغانستان عدا تلك التي ستخلفها الغارات الأمريكية) [٧] ، ونحن نعلم
أن هذه آثار حرب ثلاثة وعشرين عاماً في أفغانستان، وليست آثار حرب أربعة
أشهر. لكننا نعلم كذلك أن القنابل التي استعملت في هذه الحرب لا مثيل لها في
تاريخ البشرية، ونعلم أن الحرب التي شنتها أمريكا من أجل شخص في أفغانستان
إنما شنت على دولة بهذه المواصفات، وشعب بهذه المواصفات. وأضخم الجرائم
الأمريكية على الإطلاق هو الجانب الاجتماعي؛ إذ غذّت وأججت الأحقاد والثارات
في أبناء الشعب الأفغاني؛ حيث سندت فريقاً وطائفة وحزباُ على آخر؛ فهي تدمر.
وتحالُف الشمال يقتل ويحتل ويمثل وينكل وكل هذا لمصلحتها. وعقوبة هذه
الدولة أنها آوت بن لادن ولم تسلمه لها؛ فمن أجل شخص يُدمّر شعب وتحطم أمة.
فماذا عن نتائج فتح مكة عند إمام الأنبياء في معركة الثأر والانتقام ممن
أخرجوه وحاربوه وطاردوه وقادوا الجيش لاستئصال شأفته، واحتباس دينه
وصحبه؟
١ - حادث سرقة واحدة لأخت أبي بكر الصديق لم يعرف صاحبها» فقام أبو
بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشدكم بالله والإسلام طوق أختي؛ فوالله ما جاء أحد، ثم
قال الثانية والثالثة فما جاء به أحد، فقال: يا أخية احتسبي طوقك؛ فوالله إن
الأمانة في الناس اليوم لقليل « [٨] .
٢ - حادث سرقة آخر قامت به امرأة قرشية مخزومية ضبطت متلبسة
بجرمها، وجرت محاولات ووساطات كبرى لتفادي عقوبتها بقطع يدها.
وروى البخاري عن عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله
ﷺ في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه.
قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ ، فقال:
أتكلمني في حد من حدود الله؟ قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان
العشي قام رسول الله ﷺ خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله. ثم
قال: أما بعد؛ فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد؛ والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت
محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة
فقُطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد
ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ [٩] .
٣ - حادثة قتل واحدة لثأر قديم: أعطى رسول الله ﷺ
لخزاعة التي قُتل منها أربعة وعشرون قتيلاً غدراً ونُهبت أموالها حق الثأر لنفسها
ساعة محددة من النهار فقال:» كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة
العصر، فخبطوهم ساعة وهي الساعة التي أحلت لرسول الله ﷺ .
فلما كان بعد الفتح بيوم أقبل خراش بن أمية فحمل على جندب بن الأدلع الهذلي،
فطعنه في بطنه فمات. فجعلت حشوته تسيل من بطنه، فسمع بذلك رسول الله
ﷺ ، فقال: يا معشر خزاعة! ارفعوا أيديكم عن القتل؛ فقد والله
كثر إن نفع. إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل
بذحول الجاهلية. فقد قتلتم قتيلاً لأدِيَنَّه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير
النظرين إن شاؤوا فدِيتُه كاملة، وإن شاؤوا فقتله. ثم ودى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة. قال ابن هشام: مائة ناقة. وبلغني أنه
أول قتيل وداه رسول الله ﷺ « [١٠] .
٤ - بيوت المسلمين المهاجرين جميعاً كانت في مكة، وهي حقهم المغتصب؛
ومع ذلك فقد أبى رسول الله ﷺ استردادها، بل نزل خارج مكة.
فقد روى البخاري وغيره عن أسامة بن زيد أنه قال:» يا رسول الله! أين
تنزل غداً؟ تنزل في دارك؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دار « [١١]
وكان عقيل قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال
والنساء بمكة، فقيل لرسول الله ﷺ : انزل في بعض بيوت مكة
غير منازلك، فأبى رسول الله ﷺ وقال:» لا أدخل البيوت «
[١٢] ولم يزل رسول الله ﷺ مضطرباً بالحجون لم يدخل بيتاً،
وكان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون» [١٣] .
٥ - «الثلاثة والعشرون الذين قتلوا في مكة كان هناك من قتل في الحرب
والمواجهة مع خالد وخراش الذي سبق ذكره، وكان هناك مجرمو حرب فثلثهم
كانوا بالمدينة، فارتدوا عن الإسلام وهربوا إلى مكة وقتلوا بعض القتلى. وآخرون
كانوا من عتاة المجرمين ومن بينهم ثلاثة نسوة ارتدت إحداهن وكانت اثنتان منهن
تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، وكان عددهم ثلاثة عشر أسلم ثمانية
منهم واستؤمن لهم، وقتل منهم خمسة» [١٤] .
٦ - هدمت أصنام المشركين فقط؛ فعن ابن عباس ﵄ «أن
رسول الله ﷺ دخل مكة يوم فتحها وحول الكعبة ثلاثمائة وستون
صنماً مرصعة بالرصاص، وكان هبل اعظمها، وفي يد رسول الله صلى الله عليه
وسلم قوس وقد أخذ بسِيَة القوس فجعل رسول الله ﷺ كلما مر
بصنم منها يشير إليه ويطعن في عينيه ويقول: [جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ
البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] (الإسراء: ٨١) فما يشير إلى صنم إلا سقط لوجهه، وفي
لفظ لقفاه من غير أن يمسه» [١٥] .
٧ - عفا رسول الله عن فضالة بن عمير الليثي من بني بكر الذي حاول
اغتياله ومسح صدره ودعاه إلى الإسلام فأسلم.
٨ - أما موائد الفاتحين الكبرى، والسرادقات الضخمة التي أقيمت لطعام قائد
الجيش الفاتح فها هي: روى الطبراني عن ابن عباس ﵁ «أن رسول
الله ﷺ قال لأم هانئ (ابنة عمه) يوم الفتح: هل عندك من طعام
نأكله؟ قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة (خبز يابس جاف) ، وإني لأستحي أن
أقدمها لك، فقال: هلمي بهن. فكسَّرهن في ماء وجاء بملح، فقال: هل من أدم؟
فقالت: يا رسول الله! ما عندي إلا شيء من خل، فقال: هلميه، فصبه على
الطعام وأكل منه، ثم حمد الله، ثم قال: يا أم هانئ! لا يفقر بيت فيه خل» [١٦] .
* القضية الخامسة: أسرى الحرب:
وندع الحديث عنها في حرب الجاهلية الحديثة إلى جمعية أصدقاء الإنسان
الدولية:
أعربت منظمة أصدقاء الإنسان الدولية عن استيائها الشديد للأسلوب الذي
تعامل به القوات الأمريكية أسرى الحرب الذين احتجزتهم في أفغانستان، ثم رحلتهم
إلى قاعدة (جوانتانامو) ، وشبهت المنظمة التي تتخذ من فيينا مقراً ملابسات
ترحيل الأسرى، وطريقة احتجازهم برحلات أساطيل الرقيق البحرية من أفريقيا
إلى أمريكا منذ منتصف القرن الخامس عشر مشددة على أنها تراقب بقلق بالغ
عمليات نقل أسرى الحرب وظروف احتجازهم.
وأضافت المنظمة في بيان لها: لقد استدعت معاناة هؤلاء الأسرى خلال
عملية نقلهم وطبيعة الظروف التي يحتجزون فيها لدى أصدقاء الإنسان الصور
المشينة لعمليات شحن المستعبدين الأفارقة من مواطنهم الأصلية إلى بلاد الاستعباد
بواسطة بعض القوى الغربية، والآن تتم عمليات النقل والاحتجاز لأسرى حرب
أفغانستان تحت مسمى مكافحة الإرهاب والمحافظة على قيم السلامة والحرية.
وقال البيان: إن أصدقاء الإنسان يتساءلون عن طبيعة الجرم الذي ارتكبه
هؤلاء الأسرى، وطبيعة التهم الموجهة إليهم، وبناءً على فرضية ضلوع مجموعة
ما في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م في مدينتي نيويورك وواشنطن؛
فهل يسوِّغ ذلك اعتقال مئات البشر ونقلهم واحتجازهم بطريقة همجية بعيدة عن القيم
العرفية الحضارية؟
وأعربت (أصدقاء الإنسان الدولية) عن استيائها؛ لأن اعتقال هؤلاء
الأسرى واحتجازهم في أوضاع مهينة، وكذلك إبادة ما يربو على ٦٠٠ أسير في
قلعة جانجي بالقرب من مدينة مزار شريف الأفغانية في ٢٥ و ٢٦/٩/٢٠٠١م من
قبل القوات الأمريكية والبريطانية والمليشيات الأفغانية المحلية هناك لتشكل خروقاً
خطيرة للقانون الإنساني الدولي تستوجب التحقيق فيما إذا كانت تساوي جرائم
الحرب وأشارت أيضاً إلى أن تسلُّم الولايات المتحدة لستة من حملة الجنسية
البوسنية من السلطات البوسنية بتاريخ ١٨/١/٢٠٠٢م بعد قرار المحكمة العليا
للاتحاد الفيدرالي البوسني الكرواتي الإفراج عنهم لعدم تقديم أدلة تصلح لمحاكمتهم
ليشكل ذلك خرقاً واضحاً من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة
البوسنية لقرارات القضاء التي تستوجب الاحترام والتنفيذ.
وفي الصفحة المقابلة لهذا التقرير نجد الخبر التالي: صرح الجنرال عبد
الرشيد دوستم نائب وزير الدفاع الأفغاني بأن لديه زهاء أربعة آلاف أسير من قوات
طالبان، ولا أحد يدري عن أوضاعهم وأحوالهم وحياتهم ومعاناتهم [١٧] .
فماذا عن أسرى الحرب في فتح مكة؟ ليس لدى المسلمين أسير واحد في هذه
الغزوة، وحتى لا تبقى الصورة غائمة عن معاملة أسرى الحرب تجدنا مساقين
لعرض معاملة أسرى بدر السبعين كما ورد في السيرة النبوية.
وندع الحديث هنا للمباركفوري صاحب الرحيق المختوم يلخص لنا هذه
المعاملة:
ولما بلغ رسول الله ﷺ المدينة استشار أصحابه في
الأسرى. فقال أبو بكر: يا رسول الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني
أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم
الله فيكونوا لنا عضداً.
فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت:
يا رسول الله! والله ما أرى رأي أبي بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب
لعمر فأضرب عنقه وتمكن علياً من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن
حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه. حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة
للمشركين. وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلتُ وأخذ
منهم الفداء.
وأنزل الله تعالى: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الأنفال: ٦٧-٦٩) .
والكتاب الذي سبق من الله هو قوله تعالى: [فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء]
(محمد: ٤) ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسرى؛ ولذلك لم يعذبوا. وإنما نزل
العتاب؛ لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، ثم إنهم قبلوا الفداء من
أولئك المجرمين الذين لم يكونوا أسرى حرب فقط، بل كانوا أكابر مجرمي الحرب
الذين لا يتركهم قانون الحرب الحديث إلا ويحاكمهم. ولا يكون الحكم في الغالب إلا
في الإعدام أو بالحبس حتى الموت.
واستقر الأمر على رأي الصديق فأخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة
آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم. وكان أهل مكة يكتبون، وأهل
المدينة لا يكتبون. فمن لم يكن عنده فداء دُفِعَ إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة
يعلمهم. فإذا حذقوا فهو فداء.
«ومنَّ رسول الله ﷺ على عدة من الأسرى، فأطلقهم بغير
فداء. ومنَّ على ختنه (زوج ابنته) أبي العاص بن الربيع بشرط أن يخلي سبيل
زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بمال، بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة
أدخلتها بها على أبي العاص. فرقَّ رسول الله ﷺ رقة شديدة،
واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوه، واشترط رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يخلي سبيل زينب فخلاها، فهاجرت ... » [١٨] ونعرض صورة واحدة
فقط من طبيعة معاملة الأسرى لأحدهم وهو أبو عزيز بن عمير. يقول: كنت في
الأسارى يوم بدر فسمعت رسول الله ﷺ يقول: استوصوا
بالأسارى خيراً؛ فإن كان ليقدم إليهم الطعام؛ فما يقع بيد أحدهم كسرة إلا رمى بها
إليّ ويأكلون التمر فيؤثروني. فكنت أستحي فآخذ الكسرة فأرمي بها إليه فيرمي بها
إلي « [١٩] وأما سبايا هوازن اللاتي تجاوزن ستة آلاف سبية كن قد شاركن جيش
هوازن وحضرن الحرب معه انتهى أمرهن بأن منَّ رسول الله ﷺ
عليهن بدون فداء بعد أن صرن بيد المسلمين. ومن تمسك بسبيه من المسلمين وعده
رسول الله ﷺ بست جمال من أول غنم يغنمه [٢٠] .
* القضية السادسة: التعامل مع المدنيين:
وحرب القرن الحادي والعشرين إنما كانت ذريعتها في تدمير أفغانستان من
أمريكا هو سقوط القتلى من المدنيين الأبرياء في برجي التجارة الذين بلغوا بضعة
آلاف.
يقول الأستاذ منير شفيق في مقال له: مع إعلان الحرب العالمية على
الإرهاب ركزت إدارة بوش على الضحايا البريئة من المدنيين الذين سقطوا في
هجمات نيويورك وواشنطن حتى كاد الإرهاب يعرف بأنه قتل مدنيين. والأمر
نفسه تكرر بالنسبة إلى الإسرائيليين وفقاً لخطاب وزير الخارجية كولن باول في
كنتاكي ١٩/١١/٢٠٠١م فاعتبرت الانتفاضة والمقاومة في كل من فلسطين ولبنان
إرهاباً، وحتى الرئيس الفلسطيني اتهم بالتواطؤ والإرهاب. أما قتل المدنيين
الفلسطينيين واللبنانيين والأفغان ومن وصله أو سيصله الدور من العرب والمسلمين
وغيرهم من بلدان العالم الثالث فالقاتل هنا لا يسمى إرهابياً؛ فهو يمارس حق الدفاع
عن النفس.
وقد لفت وزير العدل الأمريكي الأسبق ورئيس مركز العمل الدولي رمزي
كلارك في قناة الجزيرة برنامج بلا حدود في ٩/١/٢٠٠١م إلى أن أمريكا شنت ٧٥
تدخلاً عسكرياً رئيسياً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بطشت في حربها
ضد الأسبان بالمدنيين وأثخنت في التدمير.
وفي حرب فيتنام قتل أكثر من مليون، وسقط في حروب كوريا ٥.٣ مليون مدني،
وسلَّط الضوء على القصف ضد المدنيين الأفغان ضحايا الحرب الراهنة وعلى
معاملة أسرى غوانتانامو كما ركز على مئات الآلاف من الأطفال العراقيين الذين
ماتوا بسبب الحصار.
ونشر نعوم تشومسكي مقالة حول الحرب الجديدة ضد الإرهاب في موقعه
على الإنترنت بتاريخ ١٨/١٠/٢٠٠١م أجاب خلالها على خمسة أسئلة، وقد
عززها بأمثلة على ما اقترفته أمريكا من جرائم بحق المدنيين في عشرات البلدان،
فشدد بداية على أن الحرب الني يشنها بوش على أفغانستان عرَّضت ما بين ثلاثة
إلى أربعة ملايين مدني للمجاعة والموت. وهؤلاء لا علاقة لهم من قريب أو بعيد
بمن وجهت الحرب ضدهم مستنتجاً أننا أمام إبادة بشرية.
وباختصار: إن من تأمل السجل التاريخي يفهم بعمق لماذا لا تطرف عينا
بوش ورامسفيلد بينما الطائرات الأمريكية تدك المدنيين في أفغانستان وفلسطين؟
ولماذا هما متفاهمان كل ذلك مع شارون وبيريز وإيلعازر وموفاز حول سياسات
الاغتيالات والتدمير والاعتداء على المدنيين؟ [٢١] .
هذا عن المدنيين عند زعيمة الجاهلية الحديثة زعيمة العالم الحر. فماذا عن
المدنيين في فتح مكة، والذين أغلقوا بيوتهم طلباً للأمن، وكانوا في المسجد طلباً
للأمن يستمعون لرسول رب العالمين ﷺ خطبته.
راويتنا هنا امرأة صحابية هي زينب بنت أبي تجراة قالت: أنا أنظر إلى
رسول الله ﷺ حين خرج من البيت، فوقف على الباب وأخذ
بعضادتي الباب فأشرف على الناس وبيده المفتاح، ثم جعله في كمهِ. وقد ليط بهم
حول الكعبة فهم جلوس. قال: الحمد لله صدق وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده. ماذا تقولون؟ وماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: نقول خيراً.
ونظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف:» [لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] (يوسف: ٩٢) . اذهبوا فأنتم الطلقاء « [٢٢] ،
فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا الإسلام.
لقد كان هؤلاء جميعاً محاربين لكنهم عندما سمعوا نداء الأمان التزموا بيوتهم
أو المسجد أو دار أبي سفيان، فأصبحوا مدنيين لا يمسون بسوء. ورأينا كيف أن
رجلاً واحداً فقط هو الذي قُتِلَ بعدما توقفت الحرب ووداه رسول الله صلى الله عليه
وسلم. وألغى رسول الله ﷺ فكرة الثأر والانتقام نهائياً في تحركه
وهجومه، وحرض على حياة مكة وسلامتها، ورد على مقولة سعد بن عبادة:
» اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاَ «. بمقولة النبوة
الشهيرة:» اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظيم الحرمة، اليوم أعز الله قريشاً «.
* القضية السابعة: خطاب الرئيس الأمريكي:
وهو الخطاب الذي ألقاه في الكونغرس بمناسبة مرور سنة على حكمه مساء
الثلاثاء ٢٩/١/٢٠٠٢م، ونشهد تحليلاً قيماً له للأستاذ حسن منيمنة ننتقي مقتطفات
من هذا التحليل. يحدد الخطاب أهداف الحرب عبر صيغتين: تسرد الأولى منها
الدول والمنظمات المستهدفة. وباستثناء كوريا الشمالية فإن كافة الأطراف المستهدفة
إما عربية أو إسلامية» العراق، إيران، حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله،
جيش محمد، أبو سياف؛ بالإضافة إلى القاعدة «. وإذا جاء إدراج كوريا الشمالية
ليثير الاستغراب دولياً ويذكر في هذا الصدد فإن معظم لوائح المنظمات الإرهابية
الصادرة عن السلطات الأمريكية تتضمن أقلية ضئيلة من المنظمات غير المسلمة،
بما يضفي على اللوائح من وجهة نظر شعبية أمريكية طابعاًَ من المصداقية
والموضوعية من دون أن يبدد الواقع الذي يتفق عليه معظم الأمريكيين ضمناً من أن
الخطر الإرهابي هو أولاًَ خطر إسلامي.
أما الصيغة الثانية التي يعتمدها خطاب» حال الاتحاد «في تحديد أهداف
الحرب فهي التي تؤكد الطبيعة العقائدية للمواجهة. وذلك عبر إعلان المبادئ غير
القابلة للتفاوض وفق نص الخطاب والذي تعتزم الحكومة الأمريكية العمل بها في
مختلف أرجاء العالم» حكم القانون، الضوابط على سلطة الدولة، احترام النساء،
الملكية الشخصية، حرية التعبير، المساواة امام القضاء، التسامح الديني «.
يمكن بالطبع نقد استعمال بوش لهذه المبادئ من حيث الانتقائية في اختيارها
ومن حيث اعتبار الحكومة الأمريكية ضمناً الجهة المخولة الحكم على سلامة
تطبيقها. فحق تقرير المصير، والحق بعدم النزوح تحت الاحتلال الأجنبي
مثلاًَ ليسا مدرجين على هذه القائمة. والولايات المتحدة ليست بصدد الاعتراض على
التجاوز اليومي الفادح الذي تقدم عليه الحكومة الإسرائيلية لمعظم هذه المبادئ.. ولا
يغيب عن ذهن المستمع الأمريكي لخطاب الرئيس بوش أن المعني بطرح المبادئ
غير القابلة للتفاوض هو العالم الإسلامي؛ ذلك أن المجتمع الأمريكي في صورته
الذاتيه قد تجاوز موضوع مساواة المرأة مع الرجل ومسألة التسامح الديني. فإدراج
هذين المبدأين هو تعبير وحسب عن القصور المفترض في الثقافة الإسلامية..
فالحرب على الإرهاب من وجهة نظر معظم الأمريكيين ليست بالطبع حرباً
صليبية، ولا علاقة للمسيحية بها. لكنها رغم ذلك بالإضافة إلى كونها حرباً دفاعية
مشروعة هي حرب عقائدية بين مفهوم مستنير متطور، وآخر ظلامي متخلف
للحاكمية والعدالة الاجتماعية. وتأكيد خطاب الرئيس حول إصراره على دعم
الرجال والنساء من الذين يعتنقون المبادئ الأساسية التي تلتزم بها الولايات المتحدة
في مختلف أرجاء العالم بما في ذلك العالم الإسلامي. ويقدم خطاب بوش
للمستمع الأمريكي في استخلاص العبر من مجريات الأحداث في أفغانستان تأكيداً
على أن القيم والمبادئ الأمريكية ولا سيما الحرية والعدالة هي الأسمى.
ومن كان لديه شك في ذلك فعليه أن ينظر إلى أفغانستان؛ حيث استقبل
الشارع المسلم سقوط الطغيان بالغناء والاحتفال ومن نص الخطاب.
وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن مراراً في أعقاب هجمات الحادي عشر من
أيلول أنه أضحى يعتبر مواجهة الإرهاب هدفه الأول مشدداً على أن الحرب لن
تقف عند حد أفغانستان، وأنها قد تمتد إلى أمد طويل [٢٣] .
لا أدري كيف تجتمع الحرية والإرهاب في آن واحد؟ فهو يريد أن يحقق
الحرية بإرهاب العالم.
ولا أرى تعريفاً للإرهاب أوجز من قوله: من لم يكن معنا فهو ضدنا. فإما
أن تسير في ركاب أمريكا وقيمها ومبادئها، وإما أنك إرهابي يجب أن تحارب؛
لأنك ضد معسكر الحرية.
خلاصة الخطاب تأليه أمريكا قيماً وسلوكاً وحرباًَ، والعالم كله يجب أن يسير
بعصاها النووية.
فماذا عن عبد الله ورسوله محمد ﷺ بعد فتح مكة وانتصاره
ليكون السيد الأول في الجزيرة العربية؟
لقد كان الفعل قبل الكلام؛ فقد أطلق الحرية لأعدائه وخصومه قائلاً لهم:
» اذهبوا فأنتم الطلقاء «.
وجاء بعدها ليحدد المبادئ العليا التي تنطلق منها البشرية.
١- إعلان التوحيد:
» لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده « [٢٤] .
٢ - إلغاء الجاهلية وآثارها:
» ألا إن كل رباً في الجاهلية أو دم أو مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدميَّ
هاتين. وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث إلا سدانة البيت وسقاية الحاج « [٢٥] .
فقد أعلن المبدأ، وأعلن تنفيذه مباشرة، فأسقط دم ابن عمه ربيعة بن الحارث
» وفي رواية: وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب «فيسقط ربا عمه
العباس مع دم ابن عمه ربيعة.
لو كان الرئيس بوش صاحب مبدأ حقيقة؛ وكما أعلن أنه سيحارب الدنيا
ليحكم القانون لوضع نفسه تحت تصرف الأمم المتحدة لتحاكمه على الآلاف من
المدنيين الذين أزهقهم في أفغانستان هو وجيشه وكبار قادته. ولكنه الهوى البشري
يقابله الوحي النبوي، وليس الإلغاء في الإسلام للإلغاء والسيطرة؛ فسدانة البيت
وسقاية الحاج من بقايا حنيفية إبراهيم ﵊ يوم أن أمره ربه أن
يؤذن للناس في الحج.
٣ - دية قتيل الخطأ:
» ألا وفي قتيل العصا والسوط والخطأ شبه العمد الدية مغلظة مائة ناقة منها
أربعون في بطونها أولادها « [٢٦] . وذلك لتغليظ حرمة الدم فلا يتساهل فيه.
٤ - إلغاء الفوارق الطبقية، ووحدة البشرية:
» ألا وإن الله تعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها. كلكم لآدم
وآدم من تراب «ثم تلا هذه الآية: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]
(الحجرات: ١٣) » [٢٧] .
فالناس كلهم من أصل واحد. يتفاوتون بقربهم من ربهم أو بعدهم عنه. وليس
الأمر الضابط على سلطة الدولة فقط كما يقول الرئيس الأمريكي؛ بل الضوابط
على سلطة الخلق جميعاً بحيث لا يطغى فرد على فرد بنسب أو جاه أو مال. إنما
الكفاءة والبر التقي الكريم.
لقد كان يعلن هذه المبادئ في بيت الله الحرام، وفي سلطان قريش التي تفخر
على العرب جميعاً بأنسابها، وفي عشرة آلاف من العرب وبجوارهم ألفان من
قريش، ويسقط كل الفضل العربي أو المصري أو اليمني أو القرشي؛ يعلن هذا
ضد عواطف جيشه كله الذي يفخر بانتمائه العربي ويعتز بنسبه، ويخوض
الحروب والأهوال من أجل كرامة القبيلة وسيادتها.
ولم يكن إعلان هذا المبدأ نتيجة ثورة شعبية مثلت أكثرية جيشه اضطر
لمجاراتها من الفرس والروم، بل أعلن ذلك أمام قريش ومَنْ وراءها من العرب:
«إن الله أذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. كلكم لآدم وآدم من تراب»
[٢٨] .
٥ - حرمة مكة والبيت الحرام، واعتبار السلم أساس العلاقات الدولية:
«ألا إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ووضع هذين
الأخشبين؛ فهي حرام بحرام الله، لم تحل لأحد كان قبلي ولن تحل لأحد كائن بعدي،
لم تحل لي إلا ساعة من نهار يقصرها رسول الله ﷺ بيده هكذا
ولا ينفَّر صيدها، ولا يعضد عضاها، ولا تحل لقتطها إلا لمنشد، ولا يختلى
خلاها» فقال العباس وكان شيخاًَ مجرباً: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنه لا بد منه
للقبر وظهور البيوت. فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: إلا
الإذخر؛ فإنه حلال « [٢٩] فرمز السلام في الوجود ومعقله هو مكة والبيت الحرام
حيث يأمن الطير فلا يصاد، والحشيش فلا يقطع، والشوك فلا يقلع. بَلْهَ الإنسان
إنه مركز السلام والأمن في الوجود.
* كلمة أخيرة وتقويم موضوعي:
فماذا جرى في حرب الجاهلية في القرن الواحد والعشرين في تقويم عام لها
مع مبادئها؟ ندع للكاتب السعودي خالد الدخيل وصفه بقوله:
أ - دور إسرائيل واليهود:
» التأثير اليهودي على بنية الخطاب الثقافي السياسي الأمريكي يتجاوز ذلك
إلى التناقض مع منطلقات الديموقراطية الإسرائيلية؛ فنقد إسرائيل يعتبر من
المحرمات الذي قد يصل إلى نوع من العداء للسامية. حتى عضو الكونغرس في
واشنطن لا يملك الجرأة على توجيه النقد للسياسة الإسرائيلية، أو للقوة السياسية
والمالية الضخمة التي يتمتع بها اللوبي الصهيوني في العاصمة الأمريكية. هذا النقد
يعني الدخول في القائمة السوداء لهذا اللوبي، وكل من تجرأ على ذلك حتى لو لم
يكن معادياً للسياسة الإسرائيلية لن يتمكن من كسب معركة الترشيح للحزب؛ دع
عنك الفوز في الانتخابات. وإذا كانت هذه حال من يعمل في المجال السياسي؛ فلك
أن تتصور حال من يعمل في المجال الإعلامي. هذا هو ثمن فقدان الاستقلال الذي
تراجعت بسببه الحرية وتوارت معها المصداقية، مصداقية الخطاب الذي يصدر
عنه الإعلام، ومصداقية الموقف الذي يعبر عنه رجل السياسة؛ ويخطئ
الأمريكيون إذا اعتقدوا أنهم بذلك يساهمون في تحقيق المزيد من الحرية، والمزيد
من السلام. إنهم يدفعون العالم نحو المزيد من العنف ونحو المزيد من الإرهاب «
[٣٠] .
ب - عسكرة جديدة للعالم:
وهذا ما يتحدث عنه الأستاذ منير شفيق بقوله:» وباختصار فإن أمريكا
راحت تفرض أجندتها على العالم الآن. ولكي يتحقق ذلك أصبحت دول العالم
ترزح تحت الابتزاز، وعاد التهديد بالتدخل العسكري مسلطاً على رؤوس الكثيرين
أي ثمة مسعى أمريكي لفرض حال الطوارئ عالمياً تحت حكم البنتاغون، وهو ما
يترجم قول بوش: من ليس مع أمريكا فهو مع الإرهاب. ولم يقتصر الانقلاب
الذي أحدثته عمليات خرجت عن كل سياق على اهتبال الفرصة من قبل أمريكا
لفرض حكم عسكري على العالم، وإنما امتداد إلى الداخل الأمريكي والداخل
الأوروبي من جهة التوسع في التشريعات التي تحد من الحريات المدنية
والديمقراطية وحقوق الإنسان مثل قوانين المراقبة، والتوقيف إلى أجل غير مسمى،
والتنصت والتفتيش واستباحة الإنترنت ومراقبة الحسابات الشخصية، وهو الأمر
الذي يعطي للأجهزة الأمنية صلاحيات تفوق ما أعطي للجنة مكارثي في أوائل
الخمسينيات. فالذي يشهده عالم الغرب اليوم مسح ما كان يفاخر به من جهة
الحريات المدنية وحقوق الإنسان، ولا أحد يعرف مداها. أيضاً من ناحية تأثيرها
في الأوضاع الداخلية من دول العالم الثالث؛ فقد سقطت ورقة التوت عن تصدير
أمريكا لشعار الديمقراطية وحقوق الإنسان للعالم كله ليعود الوجه الحقيقي لأمريكا،
أمريكا الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، ولكن: هل يمكن أن يعزى هذا كله
لما حدث في ذلك اليوم، أم كان هذا هو المخبوء الذي وجد ذريعته ليخرج إلى
السطح؟ ؟ « [٣١] .
ج - فوضى شاملة يختفي في غبارها كل الأقطاب:
ويحدثنا عنها الكاتب المصري عبد الله الأشعل فيقول:» عندما انتهت
الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي التي حسمت نتائجها سواء في
ساحات القتال في مراحلها الأخيرة، أو في وضع اللمسات الأخيرة على مصير
المهزومين وعلى شكل النظام الدولي الجديد. أما في أفغانستان فقد اختلطت الأوراق
كما اختلط الحق بالباطل، وارتد المجتمع الدولي مسافة قرنين من الزمان بعدما
استبشر الجميع منذ ميثاق روما في تموز - يوليو - ١٩٩٧م الذي قرر إنشاء
المحكمة الجنائية الدولية الدائمة ووضع لها تشريعاً جنائياً أدرج فيه أحدث جرائم
النظام العام الدولي، وبعدما وصلت الجرائم الدولية إلى مراتب العصور القديمة
وهمجية الشعوب السابقة على عصر الحضارات.
صور الارتداد:
وأما صور الارتداد فهي لا تقع على ما يبدو تحت حصر؛ فمن ناحية اندفع
الجميع وراء واشنطن من دون وعي. فالحرب في أفغانستان حرب عالمية بين
معسكرين: الأول تقوده الولايات المتحدة ووراءها العالم. أما المعسكر الآخر فهو
الفضاء الأفغاني. فتشكل مسرح الإبادة التاريخي الذي ساهم فيه العالم كله ...
والصورة الثانية بربرية المجتمع الدولي كله ضد شعب بعينه بدون جريرة؛ وكأن
إبادة الشعب الأفغاني أتعس شعوب الأرض بأحدث أنواع الأسلحة هو تطهير لمصير
البشرية واسترداد لكرامتها المهدورة. من ناحية ثانية تخلت الولايات المتحدة عن
كل مبادئها. فأباحت الاغتيال والقتل والإبادة، واستخدام كل الأسئلة المحرمة.
وضربت أسوأ مثال على الفوضى، وكان أخلص زبائنها إسرائيل أكثر الأطراف
إعجاباً بسلوكها؛ حيث تشابهت مأساة شعبي فلسطين وأفغانستان، بل اعتبرت
أعمال الإبادة الإسرائيلية امتداداً للجهاد الأمريكي في أفغانستان. وقررت إسرائيل
أن كلا الشعبين اليهودي والأمريكي في خندق واحد وهما ضحايا الإرهاب
الفلسطيني والأفغاني. وإذا كانت واشنطن هزمت في فيتنام فإن قيم المجتمع الدولي
قد هزمت كلها في أفغانستان، وإذا كانت الحرب العالمية الثانية أسفرت عن نظام
القطبية الثنائية التي لم تلبث بعد خمسة وأربعين عاماً أن انتهت إلى قطب واحد؛
فإننا لا نستبعد أن يعقب الحرب العالمية الثالثة فوضى شاملة يختفي في غبارها كل
الأقطاب « [٣٢] .
وأخيراً: ندعو الجاهلية الأمريكية التي أعادتنا إلى القرون الخالية أن تصطف
بجوار الجاهلية العربية قبل خمسة عشر قرناً. ونترك الساحة لشريعة الله في
الأرض، مرددين قول الله تعالى الخالد: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: ٥٠) .
стр. 4350
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف
إلغاء قانون التنصير في ـ السودان ـ كان له ثمار مرة
* ضيفنا في سطور:
- أبو عمر عبد الحي بن يوسف، من مواليد القاهرة عام ١٣٨٤هـ الموافق
١٩٦٤م.
- تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كلية الشريعة عام
١٤٠٦ ـ ١٤٠٧هـ.
- أتم الدراسات العليا في جامعة الخرطوم عام ١٤١٨هـ ١٩٩٨م.
- يعمل الآن رئيساً لقسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم.
- كما أنه إمام وخطيب مسجد حي الدوحة بالخرطوم.
- اشتهر فضيلته بالجرأة والصدع بالحق، وله جهود مشكورة في الدعوة
والتربية.
البيان: كيف تقوِّمون واقع الدعوة الإسلامية في السودان؟
- واقع الدعوة الإسلامية في بلادنا يبشر بخير كثير إن شاء الله إذا توافر
شرط الإخلاص مع حسن التوجيه والتسديد؛ حيث إن الأبواب مشرعة أمام الدعاة
ليباشروا مهمتهم في المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية مدنية
وعسكرية، وقد يعجب كثير من الناس لو علموا أن الحديث في المساجد - عندنا -
لا يحتاج إلى إذن ولا رخصة؛ بل كل ما هنالك أن يكسب الداعية ثقة أهل المسجد
ليقول بعدها ما يشاء، كما أن خطب الجمعة ليست مملاة ولا موجهة بل حرية
المنبر مكفولة، ولذا قد تجد تبايناً في تناول الموضوع الواحد ما بين مسجد ومسجد،
وقد ينتقد الإمام بعض الظواهر والممارسات دون أن يتعرض لمساءلة وهذه نعمة
نحمد الله عليها، ونسأله أن يديمها علينا.. وأحسب أن هذه الحرية تحتم على الدعاة
أن ينطلقوا في تبليغ دعوتهم بإقامة الندوات والمحاضرات وتنظيم الدروس العلمية
المتخصصة وإقامة الدورات الشرعية للرجال والنساء. ومما يُحمد في هذه البلاد أن
أنشطة الدعاة في المساجد لا رقابة عليها؛ فلك أن تقيم حِلَقاً لتحفيظ القرآن للناشئة
يصحبها بعض المسابقات والبرامج الترفيهية، وكذلك في مواسم الخير - كرمضان -
لك أن تعتكف وأن تدرّس، وقد سهل هذا الجو نوعاً من التواصل بين الدعاة نتج
عنه بعض الفتاوى التي اجتمعت فيها كلمتهم واتحد رأيهم مثلما حصل في أحداث
فلسطين وأفغانستان؛ حيث صدرت فتاوى جماعية عن علماء ودعاة السودان،
ومثلما كان حين تطاول بعض الأدعياء على مقام الصحابة الكرام ﵃،
فصدرت فتوى ألزم على أثرها بإعلان توبته. والحمد لله.
البيان: إذن ما هي في نظركم أكبر معوقات الدعوة الإسلامية في السودان؟
- المعوقات موجودة؛ لكن التغلب عليها بعون الله ممكن، ولعل من أهم
المعوقات:
١ - النقص الحاد في الطاقات الدعوية المؤهلة بالعلم الصحيح والمنهج السليم.
٢ - تراجع الجامعات الشرعية كجامعة أم درمان التي أصابها ما أصاب
أترابها كالأزهر حيث ألحقت بها كليات العلوم التجريبية مما أثر على رسالتها
وصرف الاهتمام عنها كواحدة من أهم روافد تأهيل الدعاة في البلاد، كما أن
الكليات الشرعية لا يقبل فيها إلا من عجز عن اللحاق بركب الأطباء والمهندسين
والصيادلة والقانونيين.
٣ - ضعف خلاوي القرآن بحيث تعنى في الغالب بتحفيظ القرآن الكريم،
ولكونها لا تتبع ذلك بدراسة العلوم الشرعية الضرورية، والمتخرج في تلك
الخلاوي تقصر همته غالباً عن التدرج في تلقي العلوم النافعة والتزود منها.
٤ - وجود صوارف تصد الناس عن الحق وتشغلهم ببنيات الطريق كالتشيع
والتصوف الغالي والمدارس العقلانية التي تتدثر بالإسلام وهي له كارهة.
٥ - من أعظم المعوقات عدم اعتماد المال اللازم لتحريك الدعاة، كما أن همة
المحسنين متجهة دائماً لبناء المساجد، دون التفات لكفالة الدعاة الذين بدعوتهم
وعلمهم تعمر تلك المساجد ويكثر روادها.
البيان: النقص الحاد في الطاقات العلمية الذي أشرتم إليه ما السبيل لعلاجه؟
- أتصور والعلم عند الله أن العلاج يكون في عدة محاور:
أولها: إعادة هيبة العلم الشرعي بترغيب الناس فيه وبيان فضله، وأن
حملته هم ورثة النبيين ومصابيح الهدى، لا كما صورتهم القصص والروايات
وأقاويل أهل النفاق بأنهم أرغب الناس بطوناً وأكثرهم كلاماً وأجبنهم عند اللقاء.
ثانيها: إقامة كلية أو أكثر متخصصة في العلوم الشرعية يُقبل فيها من كان
راغباً في هذا العلم الشريف مهما كان تخصصه ويُنتقى لها أفاضل الطلاب الذين
يحملون هَمَّ الدعوة والبلاغ وفيهم أدب والتزام، وبذلك نتخطى عقبة سياسة التعليم
التي تستوعب في الكليات الشرعية غالباً من لا هَمَّ إلا الشهادة والوظيفة.
ثالثها: تعاهد الدعاة بإمدادهم بالكتب وأمهات المراجع، وتزويدهم بالأشرطة
النافعة والدوريات العلمية المحكمة، والتواصل معهم بالدورات الشرعية المتخصصة
التي تجدد المعلومات وتقوي الطاقات.
رابعها: على الدولة أن تهيئ الأسباب المعنية لهؤلاء على التفرغ لما بذلوا
أنفسهم إليه من عطاءٍ مجزٍ تحصل به كفايتهم ويتعففون به عن سؤال الناس، ولا
يضطرون معه إلى التماس سبل العيش في مجالات أخرى.
خامسها: أرى لزاماً على أهل العلم المغتربين في السعودية والخليج أن
يتقوا الله ويرجعوا إلى قومهم لعلهم يحذرون، خاصة أن كثيرين منهم لا ضرورة له
في الاغتراب، وإني أقول لهم: سيسألكم ربكم عن أقوام ضلوا بسبب الجهل فماذا
أنتم قائلون؟!
البيان: ما تقويمكم لتجربة الحركات الإسلامية العاملة في السودان؟
- لا شك أن لهذه الجماعات جهوداً مقدرة مشكورة في الدعوة إلى الإسلام
بشموله، والتحذير من العقائد الشركية من البدع والخرافات، وتبصير الناس بدينهم،
فجزى الله القائمين عليها خيراً، وأحسن إليهم كما أحسنوا إلى خلقه، وغفر لهم
التقصير والزلل، لكنَّ ثمة أموراً تستدعي التنبيه والملاحظة:
أولها: أن كثيراً من هذه الجماعات طبعت المنتسبين إليها بتعصب أعمى
للجماعة؛ بحيث لا يرون خيراً في سواها، ويكون تقويمهم للأشخاص والهيئات
بحسب قربهم أو بعدهم من جماعتهم، ويتبع ذلك تشيع لآراء شيوخ الجماعة وقادتها؛
فالحق ما قالوا والصواب ما رأوا؛ وكأن الأحوال السياسية في أمة الإسلام قد
ألقت بظلالها على الجماعات الدعوية والأحزاب الإسلامية، وهذا الذي قلته ينسحب
على كثير من الجماعات العاملة في غير السودان.
ثانيها: لم تفلح هذه الجماعات في إقامة جسور حوار وتواصل فيما بينها؛
بحيث يتعاونون على البر والتقوى، ويوالي بعضهم بعضاً في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومن المؤسف أنه قد يتعرض بعض الدعاة لمحن فلا يجدون
من إخوانهم في الجماعات الأخرى نصرة ولا مؤازرة، بل ربما يجدون خذلاناً
وتحريضاً.
ثالثها: بعض الجماعات تدّعي العصمة في الاجتهاد وهذا غير مسلّم ويتبع
ذلك بلسان الحال لا المقال ادعاء عصمة الأشخاص، مع أنهم قد يشتدون في النكير
على أتباع المذاهب أو الطرق الأخرى مثلاً فوقعوا فيما أنكروه على غيرهم.
رابعها: بناءً على ما سبق ونتيجة لتربية قاصرة، نبتت في بلادنا وفي
غيرها نابتة ليس لها من مؤهلات سوى سلاطة اللسان مع الأحياء والأموات،
والتشنيع على كل من أخطأ في زعمهم مع الادعاء بأن هذا هو المنهج الحق وهو
مسلك العلماء الأولين وحاشهم وظهر بعض الغلاة ممن يكفرون الأمة عامتها
وخاصتها.
خامسها: فقدت جماهير الشباب الثقة في كثير من تلك الجماعات نسبة
للانقسامات التي وقعت؛ فقلما سلمت جماعة من أن تصبح شطرين وثلاثة، ولعل
الحل يكمن في أن يتعاون الدعاة إلى الله على لَمِّ الشتات على ثوابت الإسلام،
وجمع الكلمة الموحدة لصف المسلمين دون التزام بعنوان يقيد حركتهم ويمنع
وحدتهم. ونسأل الله أن يصلح حال هذه الأمة.
البيان: هل لفضيلتكم أن يحدثنا عن واقع الدعوة الإسلامية في جنوب
السودان؟
- حقيقة أنا ما زرت الجنوب إلا مرة ألقيت فيها بعض الدروس والمحاضرات،
لكنني أقول: إن الدعوة في الجنوب كانت ممنوعة عمداً، وبسياسة اتبعها
المستعمر الإنجليزي النصراني الماكر؛ حيث أقام في الجنوب ما عرف بالمناطق
المقفولة التي يحظر على أهل الشمال دخولها، فعزل أهل الجنوب عن أهل الشمال،
وفي الوقت نفسه سمح للمنصِّرين بل سهَّل لهم وهيأ الأسباب لنشر باطلهم وترويج
الإفك بين أهل الجنوب، حتى أوجد من بينهم صنائع لا ترى إلا ما يراه المنصرون
ولا تعتقد إلا ما يعتقدون ... وبعد رحيل المستعمر الغاصب خلفته حكومات علمانية
لم تكن الدعوة من أولوياتها ولا اهتماماتها؛ بل حصرت القضية في مفاوضات
سياسية حول قسمة السلطة بين الجنوب والشمال، دون أن تدرك أن المشكلة أعمق
من ذلك بكثير بسبب الحقد الذي زرعه المستعمر في نفوس أهل الجنوب تجاه أهل
الشمال، ولعل ممارسات شمالية ساعدت على ذلك، مثلما حصل ظلم أحياناً من
أهل الشمال لأهل الشمال في حكومات متعاقبة.
أقول: إن الدعوة في الجنوب ضعيفة مثلما هي في الشمال والسبب الأكبر في
ذلك أمران: أولهما: ضعف الإطار الدعوي المؤثر، وثانيهما: ضعف الإمكانات
المادية؛ فالدعوة إلى الله في زماننا - كما لا يخفى - ما عادت قاصرة على خطبة
أو كتاب، بل لا بد من علم ينشر ومدارس تبنى ومستشفيات تقام، ودواء وغذاء
وكساء يبذل، وشبهات تزال، ودونك أحوال المنصرين الذين يتحركون بإمكانات
هائلة فيها الطائرات والمستشفيات المتحركة والكتب والمعلومات، مع توفير المنح
الدراسية والبعثات الجامعية، وما إلى ذلك من جهد يقف وراءه أحياناً دولة
كالفاتيكان، وأحياناً منظمات كنسية مدعومة دولياً تعادل ميزانية بعضها ميزانية
بعض الدول الإفريقية، ولها تأثير في مراكز صنع القرار كمنظمة التضامن
المسيحي على سبيل المثال؛ فأنَّى للدعوة الإسلامية مثل هذا الجهد والبذل، وليس
من دولة ترعاها وتحوطها؟ لكن هذا لا يلغي دور بعض المنظمات والدعاة وفقهم
الله الذين عملوا وما زالوا، وتأتينا الأخبار في كل حين بأن فئاماً من أهل الجنوب
يدخلون في دين الله أفواجاً، ولقد لقيت بعضاً ممن هداه الله فإذا هو على حال طيبة
وعقيدة راسخة أسأل الله له الثبات.
البيان: إزاء هذا الضعف الدعوي نشطت المنظمات التنصيرية مستغلة
الواقع السياسي للجتوب؛ فمن المعروف أن التنصير كان ممنوعاً في الشمال
السوداني؛ فما حاله الآن؟
- لقد عرف الساسة كلهم أجمعون أن بعثات التنصير لا يراد من ورائها إلا
الشر للبلاد والعباد، وأن جلّ همها يتركز في تهيئة الدعم المادي والمعنوي لحركة
التمرد الصليبي التي يقودها قرنق، ومن المؤسف أن بعض المثقفين ممن غلبت
عليهم النزعة العلمانية ما فطنوا لذلك إلا في وقت متأخر حتى لاحظ بعضهم مؤخراً
أن قرنق حين دعا إلى ليلة سياسية في العاصمة البريطانية ما اختار لها إلا قاعة
تابعة لإحدى الكنائس في واحد من أغلى أحياء لندن، وهو الذي يخدع شركاءه من
أهل الشمال بالدعوة إلي فصل الدين عن الدولة، وما عاد خافياً على أحد أن سند
حركة التمرد في الغرب والولايات المتحدة يتمثل في المنظمات المسيحية الأصولية،
وبعض هذه المنظمات يعتبر الحركة الشعبية فصيلاً في حملة صليبية، وما فتئ
المنصرون يطلقون الأراجيف حول الوضع في السودان، ويتعمدون الكذب حين
يزعمون أن النصارى مضطهدون، أو أن الرق يمارس واقعاً في الأسواق، ونحو
ذلك من فِرى تضحك منها الثكلى.
والقناعة بذلك - عند الساسة - قديمة، حتى دفع ذلك إلى طرد المنصرين
الأجانب في عهد الفريق إبراهيم عبود الذي حكم السودان في الفترة من ١٩٥٨ -
١٩٦٤م وسن قانون التنصير الذي يحول دون بناء الكنائس أو تجديدها إلا بإذن
الحكومة، ولما عقد مؤتمر حوار الأديان عام ١٩٩٤م الذي أعقب زيارة بابا
الفاتيكان عمدت الحكومة كبادرة حسن نية كما قيل إلى إلغاء قانون التنصير، فكان
لذلك ثمار مُرة يلمسها كل الناس؛ حيث بنيت الكنائس بغير حساب في الشمال
والشرق والوسط والغرب؛ بل في قلب العاصمة بعضها بترخيص وأكثرها عنوة،
وانتشرت معارض ما يسمى بالكتاب المقدس، حتى أقيم في بعض الجامعات تحت
شعار «إنجيل لكل طالب» بل بلغت الجرأة بهم إلى حد توزيعه في وسائل
المواصلات وأماكن الازدحام في الأسواق وغيرها، وانتقل المنصرون إلى مرحلة
استفزاز المسلمين استغلالاً للضعف الحاصل فعمدوا إلى إقامة مسارح متنقلة
تصحبها شاشات عرض ومكبرات صوت في بعض الأسواق، مما دفع بعض
الشباب الغيورين للاصطدام بهم عن طريق الدعوة إلى الإسلام بالأسلوب نفسه،
وفي الزمان والمكان ذاته، فتدخلت الشرطة في الوقت المناسب ومنعت النصارى
من ذلك العمل المقيت.
أقول آسفاً: قد حدث في السودان ما لم يكن يخطر ببال أكثر الناس تشاؤماً؛
حيث تنصر بعض أهل الشمال، وقد جيء لي ببعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولعل الحكومة تدرك أكثر من ذي قبل أنه مهما بلغ حجم التنازلات فإن القوم لا
يزدادون إلا غروراً واستكباراً، وليس لمطالبهم سقف، وها نحن نرى بأعيننا أن
أمريكا وبريطانيا والفاتيكان وغيرهم من رعاة الصليب ما رضوا عنا ولا شهدوا
لنا ولا أنصفونا، بل الحال كما قال ربنا: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى
حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .
البيان: إذن هل كان لإلغاء قانون منع التنصير آثار سيئة على الشارع
السوداني؟
- اللهم نعم! ومن أخطر تلك الآثار طمس عقيدة الولاء والبراء، حتى إنك
لتجد الشاب الطيب الصالح الذي يذهب إلى أرض الجنوب مجاهداً لربما يجادلك في
كون النصارى مؤمنين أو غير مؤمنين؛ لأن بعض شياطين الإنس ممن ينتسب إلى
الدين لبَّس عليهم بنصوص موهمة كقوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (البقرة: ٦٢) ، وقوله تعالى:
[وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى] (المائدة: ٨٢) ،
وأن الله أباح لنا التزوج بنسائهم مع أنه قال: [وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ]
(البقرة: ٢٢١) ، وهكذا خطفت الشُّبَه قلوب أولئك الشباب، ولكن الدعاة
الصادقين بذلوا جهودهم وما زالوا حتى زيَّفوا تلك الشبهات، وبينوا كيف أن أولئك
القائلين تعمدوا الكذب على الله والتلبيس على عباده.
ومن الآثار السيئة كذلك أن الناس ما عادوا ينكرون، بل لا تتمعر وجوههم إذا
رأوا من يوزع الأناجيل أو مطويات تدعو إلى التنصير في وسائل المواصلات؛
وإن تعجب فعجب حال كثير من المسلمين حيث يخرجون في أعياد النصارى
كالكريسماس وشم النسيم فرحين مستبشرين يهنئ بعضهم بعضاً وكأنهم في يوم فطر
أو يوم نحر؛ وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل. لكن هناك جوانب مشرقة والحمد
لله تتمثل في دخول بعض النصارى في الإسلام عن قناعة، وقد مر على الناس
زمان لا تكاد تدخل مسجداً في يوم جمعة إلا وجدت شخصاً أو أكثر يعلنون إسلامهم
وينطقون بشهادة التوحيد، ونسأل الله المزيد.
البيان: تحدثت بعض وسائل الإعلام ووكالات الأنباء عن ضغوطات أمريكية
أخيرة ومفاوضات مع (الحركة الشعبية لتحرير السودان) و (مجلس الكنائس
العالمي) تقضي بموقف جديد من العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة؛ فهل
الشارع السوداني يدرك خطورة هذه المرحلة؟
- الضغوط الأمريكية على أشدها منذ مجيء حكومة الإنقاذ، وهي تزداد
ضراوة يوماً بعد يوم، وما عاد أمرها خافياً؛ حتى إن الوجه النصراني الكالح بدا
للعيان حين أراد الرئيس الأمريكي أن يعيِّن مبعوثاً خاصاً للسودان فما اختار إلا
قسيساً متعصباً، وهو دانفورت الذي ما جاء كوسيط للسلام كما قيل بل من يومه
الأول وهو يملي شروطاً ويضع قيوداً ويريد للناس أن يخضعوا.
أما الشارع السوداني فالناس أحد صنفين: إما مسلم يعيش هَمَّ الإسلام يرجو
نصره ويخاف ضياعه، فهو يدرك أن الأمر جد، وأن القوم ما يريدون إلا القضاء
على الدين وتغييب أحكامه وتغيير شريعته [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن
دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ، وعزيز على هذا الصنف من الناس أن
تذهب تلك الدماء الزكية التي روِّيت بها أرض الجنوب من رجال مؤمنين وشباب
صالحين، ويخشى هؤلاء أن تثمر تلك الضغوط إذعاناً في ظل صمت عربي مريب،
وإهمال تام للشأن السوداني، فلا نسمع من الجامعة العربية إلا بيانات متفرقة
عباراتها باردة لا تمثل في الواقع شيئاً.. وصنف آخر من الناس.. وهم كثيرون..
عضهم الفقر بنابه وتتابعت عليهم المحن، وأصيبوا بخيبة أمل من طول أمد الحرب،
فصاروا يلهثون وراء الحل ولو كان على حساب الدين، والأحزاب العلمانية
تروج لمشروع كهذا بل يتحدث قادتها بالصوت العالي أن حل مشكلة السودان يكمن
في العلمانية منهجاً وسبيلاً، وقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن هذا الحل سيزيد الأمر
تعقيداً، ولو كانت العلمانية تصلح لأفلحت في وقاية المسلمين في الهند الذين
يذبحون باسم العلمانية على أيدي الهندوس، ولأفلحت في أندونيسيا أو لبنان أو
غيرها من البلاد التي ترفع العلمانية شعاراً لكن الخاسر الوحيد هم المسلمون.
البيان: الدعوات الدولية والنصرانية بفصل الجنوب السوداني تزداد حدتها
في هذه الأيام.. فهل تتوقعون أن تسفر هذه الدعوات عن إجراءات عملية؟
- نَعَم! قد تسفر عن إجراءات عملية في ظل تواطؤ دولي وغياب إسلامي،
وما خبر تيمور الشرقية عنا ببعيد، ولو حدث هذا نسأل الله ألا يقع فسيكون خطراً
ماحقاً على المنطقة بأسرها، وما زالت الحكومة ترفع صوتها محذرة دول الجوار
من مصير كهذا، وأن الضرر سيكون على الجميع، لكن دول الجوار جعلوا
أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم خشية غضب الأمريكان، فصار السودان
كالنذير العريان، وأصبحت المفاوضات مع التمرد بإشراف صليبي كامل متمثل في
أمريكا والنرويج ودول الإيغاد، وكفَّ العرب أيديهم ظانين أنهم بمنأى عن هذا
الخطر.
ولك أن تتصور أن حركة التمرد قد تحدثت قبل حين مؤيدة إسرائيل في
ضربها للفلسطينيين؛ فكيف لو صارت تلك الحركة دولة؟ كيف ستكون علاقتها
بإسرائيل؟ ثم إنها ستتحكم بمنابع النيل، وستكون آبار البترول تحت سلطانها،
ولعلها تقيم حلفاً صليبياً مع الحكام النصارى في إثيوبيا وإرتيريا وكينيا وغيرها
من دول الجوار.
البيان: كان لفضيلتكم برامج إعلامية متعددة في التلفزيون السوداني، كيف
تقوِّمون هذه التجربة؟
- لا شك أن التلفاز من نعم الله على العباد في هذا الزمان، والتي يجب
استخدامها في طاعة الله والدعوة إلى شرعه والتبشير بدينه، لكن الواقع المشاهد أن
أهل الفساد قد سبقوا إليه وسخروه في الصد عن سبيل الله، وأغلب من سيطروا
على هذا الجهاز في بلاد المسلمين قاطبة هم ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين
آمنوا، وقد شُغِل الدعاة حيناً من الدهر بالبحث في حِلِّ المشاركة من عدمه،
وأحسب أن هذا الخلاف من الممكن تجاوزه مع عميق احترامي للقائلين بالتحريم؛
لأن التلفاز عاد من أقوى الوسائل تأثيراً في الأمة سلباً وإيجاباً، ورب كلمة أو
صورة تقلب الموازين وتشوه التعاليم، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ
أن «بين يدي الساعة سنوات خدّاعات يُصدَّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق،
ويخوَّن الأمين ويؤتمن الخائن، ويتحدث فيها الرويبضة قيل: ما الرويبضة يا
رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتحدث في أمر العامة» [١] .
بنظرة سريعة في الأجهزة الإعلامية نرى الرويبضات قد اعتلوا المنابر،
وتصدوا للجليل والحقير من أمر الأمة؛ فهل يترك الدعاة هؤلاء الذين لا يتورعون
حتى عن الحديث في القضايا الشرعية والمسائل العقدية بلا أثارة من علم ولا هدي
ولا كتاب منير؟
أقول: يجب تجاوز الخلاف والنظر بعد ذلك بإخلاص في السبل الفاعلة التي
تكفل الانتفاع بهذا الجهاز الخطير مع تجنب مفاسده، وذلك يتحقق في نظري بالآتي:
١ - أن يختار الدعاة من بينهم من يكونون على معتقد صحيح وعلم نافع
للولوج في التلفاز وتقديم برامج متميزة فيه مع مراعاة الجدة وتحري القبول لدى
المشاهد.
٢ - أن يتحرى مقدّمو هذه البرامج كل ما يرغِّب المشاهد مما هو مباح وأن
يزينوا برامجهم للناس بالحق، مثلما يزخرف أهل الباطل باطلهم.
٣ - أن تكون الضوابط الشرعية مرعية أولاً وأخيراً فلا يسمح الداعية الموفق
لنفسه بالظهور في برامج تفقده وقاره لدى المشاهد، كأن يُرى جالساً إلى مذيعة
متهتكة تسأل وهو يجيب، أو أن يتخلل فقرات البرنامج مقطوعات موسيقية ونحو
ذلك مما يعاب.
٤ - أن يسعى الدعاة بعون المحسنين في إقامة قنوات خاصة تبث من خلالها
قيم الدين، وتعالج قضايا الناس بنظرة شرعية صحيحة خالية من المؤثرات التي لا
يسلم منها غالباً من يتحدث أو يفتي في القنوات الرسمية.
وإلى أن يتحقق ذلك فإن على الدعاة الذين يظهرون على الشاشة أن يخلصوا
لله في أعمالهم وأن يتحروا رضاه سبحانه، وإياهم وإرضاء الناس عامتهم وخاصتهم
بتمييع الأمور وتشقيق الكلام، وعليهم كذلك بالصبر على ما يلاقون في تلك
الأجهزة أحياناً من عنت أو سخرية؛ فقدوتهم الأنبياء والمرسلون: [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ
اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ المُرْسَلِينَ] (الأنعام: ٣٤) .
البيان: علمنا أن برامجكم وكذلك بعض البرامج الإسلامية الأخرى قد أوقف
بثها؟
- التلفزيون السوداني كغيره للفساد فيه نصيب مفروض، إلا أنه يبقى وللآن
من أقل القنوات سوءاً، وقد كان للبرامج الدينية حظ مقدر في تجميل صورته
وإضفاء مسحة وقار عليه؛ حيث كانت هذه البرامج أكثر حرية من مثيلاتها في
قنوات أخرى، وغابت في موادها غالباً عبارات النفاق للحكام مما أكسبها قبولاً لدى
المشاهدين في الداخل والخارج رغم أن مادتها العلمية أحياناً لا تسلم من قصور،
ولا سيما أن بعضها مباشر غير مسجل، وبُعيد شهر رمضان أوقفت ستة برامج
دينية دعوية وهي: معالم الطريق - الدين النصيحة - تذكرة - وجه النهار -
ديوان الإفتاء - وحي القرآن، ولم يطرح بديل لها حتى الساعة؛ فهل في القضية
توجيه سياسي يأتي إنفاذاً لمطالب أمريكية بتجفيف منابع الإرهاب بزعمهم بعد
أحداث سبتمبر؟ هذا ما ينفيه المسؤولون، ويؤيد ذلك أن البرامج الملغاة دعوية
تربوية لا تمس الواقع السياسي إلا أحياناً يسيرة وحياً أو من وراء حجاب، أم أن
إلغاء تلك البرامج يمثل أمنية لبعض العقلانيين والعلمانيين في أجهزة الإعلام ممن
يرتدون ثياباً إسلامية، لكنهم يكرهون العلم الشرعي وحملته الذين يكثرون من
الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، ويريدون تأسيس منهج طالما أريد طمسه
وتشويهه، منهج يقوم على تقديس نصوص الوحيين، وتقديم النقل على العقل،
وتقدير أقوال الأئمة المتقدمين دون نسبة العصمة لأحد منهم، لعل الاحتمال الثاني
في ظني هو الراجح والله أعلم؛ لكني أقول: إن التلفزيون السوداني بغير البرامج
الدينية لا طعم له ولا لون ولا رائحة، بل لا مسوِّغ لوجوده أصلاً إذا لم تكن
رسالته نشر الدعوة وتعليم الناس الخير.
البيان: الصراع بين الفضيلة والرذيلة مستمر، ويأخذ صوراً متعددة،
والمجتمع السوداني من المجتمعات المحافظة ولله الحمد والمنة، لكن يبدو أن
بعض المظاهر السلبية بدأت تظهر بصورة لافتة للأنظار.. فما سبب ذلك في رأي
فضيلتكم؟!
- في السودان كانت هناك شرطة تسمى شرطة النظام العام تعادل في مهامها
هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت معنية بمحاربة الفساد المتمثل
في التبرج والرقص المختلط والخمور والمسكرات بأنواعها، ومراقبة حفلات
الزواج بمنع استمرارها بعد الحادية عشرة ليلاً، وتكمل مهمتها هيئة قضائية تسمى:
«محكمة النظام العام» أحكامها فورية في قضايا الخمور والفواحش، ولقد آتت
أُكُلها في فرض الوقار وضبط السلوك في الشارع العام، لكن المنافقين والمنافقات
ساءهم ذلك وغاظهم فمكروا مكراً كباراً، وسخَّروا بعض رموزهم في الصحافة
وغيرها ينشرون سيئات النظام العام مع تضخيمها وتهويلها، ويسترون الحسنات
عامدين، وفي غفلة من أهل الحق استطاعوا تصوير الأمر للمسؤولين وكأنه رأي
عام، فألغيت شرطة النظام العام، مما أثر هذا الواقع المر الذي تعيشه حيث انتعش
أهل الباطل، وراجت سوق الفساد، ولم يعد ثمة قانون حازم يحول دون العري
والتفسخ، لكنني أقول: ليس إلغاء شرطة النظام العام هو العامل الفرد في شيوع
الفساد، بل ثمة روافد أخرى تتمثل في المسلسلات الساقطة التي أصبحت تعرض
بواقع أربع مسلسلات في كل يوم وليلة، أضف إلى ذلك مجلات المجون التي تزين
أغلفتها صور الغانيات؛ فهذه بعض الأسباب لكنها لا تلغي تقصير الآباء، وإهمال
الأولياء، وأهم من هذا كله ضعف رقابة الدولة؛ وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم: «صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر
يضربون بها ظهور الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن
كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» [٢] .
قال أهل العلم: حيث ما حللت بلداً فوجدت النساء بها عاريات فاعلم أن
السلطان ظالم، ولهذا قرن النبي ﷺ بين صورة الظلم المتمثل في
ضرب ظهور الناس، والصورة الأخرى المتمثلة في تغييب شرع الله بالسماح
للنساء بالتبرح والسفور.
البيان: يذكر بعض المراقبين أن التشيع بدأ يأخذ منحى خطيراً في السودان؛
فما مدى صحة ذلك؟
- من العجائب والعجائب جمة أن أهل السودان كانوا: إما مسلم مالكي وإما
كافر دهري، أو وثني أو نصراني أو غير ذلك من ملل الكفر؛ فما كان الناس
يعرفون فرقاً ومذاهب، حتى نجم رأس النفاق بظهور التشيع في صورة جمعيات
نسائية أو مستشفيات أو معاهد، ثم بدؤوا في التسلل إلى طبقات المجتمع كافة في
الجامعات والمدارس وبعض الصحف مستغلين حاجة الناس للمال أولاً، وجهلهم
بحقيقة الشيعة ثانياً، فولجوا إلى المتصوفة من باب حب آل البيت ومدح النبي
ﷺ وآله حتى أفلحوا في كسب ودهم، بل تشيع بعضهم، وما لبثوا
إلا يسيراً حتى كشفوا عن وجههم القبيح فظهرت على ألسنة أتباعهم ومناصريهم
عبارات الكفر في سب الصحابة الكرام وذكرهم بالسوء، حتى انبعث أشقاها رجل
يتزعم فصيلاً في طريقة صوفية خرج على الناس برسالة أطلق عليها عنوان:
«أحبابي» صب فيها الرفض صباً، وسال من فيه ما يكشف عن حقيقته؛ حيث
اتهم الشيخين أبا بكر وعمر بالكفر، ورمى طلحة بالسوء، مع ركاكة في
الألفاظ والمعاني، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وعرف الناس أن وراء
الأكمة ما وراءها حتى تبرأ منه ومن مقالته كبار شيوخ الصوفية وفيهم بنو
عمومته فاضطر إلى إعلان التوبة والاعتذار عما قال، فأصيب الشيعة الروافض في
مقتل؛ لأن مسكينهم لم يتخير وقتاً مناسباً لإظهار ما أخفوا من ضلال وخبال، لكن
القوم لهم أبواب ومداخل فيجلبون على الناس بخيلهم ورجلهم. ونسأل الله أن
يكفينا شرورهم.
стр. 4351
المسلمون والعالم
ما وراء مشروع الدولة المؤقتة
حسن الرشيدي
«هذه التسمية تمثل تعبيراً يساء فهمه ويعطي انطباعات خاطئة» .
هذا جزء من حديث قاله وزير الخارجية المصري أحمد ماهر في مكالمة
تليفونية لكولن باول وزير الخارجية الأمريكي؛ حيث صرح ماهر للصحفيين
بتفاصيل هذه المكالمة المطولة التي بين فيها ماهر على حد قوله الموقف المصري
من مشروع الدولة المؤقتة، وأنه أبلغه أن مثل هذه التسمية تمثل تعبيراً يساء فهمه،
ويعطي انطباعات خاطئة.
فما التعبير الذي يساء فهمه؟ وما هي الانطباعات الخاطئة التي تحدث عنها
الوزير إجمالاً ولم يفصح عن تفاصيلها؟ وهل لها علاقة بما يتم تدبيره للمنطقة؟
للكشف عما يدور لا بد من منهج يراعي مسارين:
- المسار الأول: المقصود من مصطلح الدولة المؤقتة.
- المسار الثاني: خلفيات الحديث عن هذه الدولة.
* مصطلح الدولة المؤقتة:
إن علم السياسة يعرِّف الحد الأدنى من الدولة بأنها تتضمن ثلاثة عناصر
رئيسة: حدوداً (أرضاً) ، وشعباً، وسيادة (بالمفهوم الغربي) . فهل يقصد
بمصطلح الدولة المؤقتة دولة كاملة في العرف السياسي الذي يتضمن الأرض
والسيادة والشعب؟
أول من تحدث عن هذه الدولة هو أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي،
بل كانت على رأس برنامجه الانتخابي عندما تنافس مع باراك على رئاسة الوزراء
باعتبار أن هذا هو المخرج والطرح الذي يقدمه شارون لإنهاء المعضلة الفلسطينية
بالنسبة لإسرائيل.
ولكن لم يذكر هذا اللفظ مباشرة، إلا أنه ذكر ما يعرف باسم: (مرحلة
انتقالية طويلة الأمد) ولكن: ما طول هذه المرحلة الانتقالية طويلة الأمد في عرف
شارون؟
نشرت صحيفتا معاريف وهآرتس العبريتان أنباء عن قبول شارون فكرة
الدولة المؤقتة على أن تقام في غضون عشر سنوات، كما ذكرت هآرتس أنه أبلغ
الإدارة الأميركية ضرورة التوصل إلى حلول مرحلية أولها اتفاق حول وقف العنف
والتحريض، ثم إجراء إصلاحات جذرية تليها مفاوضات سياسية تشمل اعترافاً
إسرائيلياً بدولة فلسطينية من دون رسم حدودها، ثم مفاوضات حول هذه الحدود،
وأضافت أن شارون أبلغ الرئيس بوش قبوله اقتراح إقامة دولة فلسطينية مؤقتة؛
لكنه لن يعلن موافقته هذه على الملأ في ظل تزايد ما تسميه الصحيفة: الإرهاب.
وتتحدث يديعوت آحرنوت عن مواضيع مفتوحة للمفاوضات مثل: هل يسمح
لنفس الدولة المؤقتة بإقامة علاقات دبلوماسية؟ وهل يجوز لها إبرام معاهدات مع
دول أخرى؟
إذن فالدولة المؤقتة هي أصلاً فكرة شارون الذي يستند بدوره إلى آراء اليمين
الإسرائيلي القائمة على ضرورة إلغاء أوسلو وعدم إقامة دولة فلسطينية على أساسها
والتي تعطي الفلسطينيين ١٢% من الضفة؛ حيث يريد شارون ابتلاع الضفة
الغربية وفق المفهوم اليميني القائم على أن حدود إسرائيل الكبرى تشمل الضفة
بكاملها؛ ولذلك عمل شارون وبالتدريج على إلغاء أوسلو وإعادة تقنين مفهوم السلام
الذي يعطى بموجبه للفلسطينين دولة على ١٢% من الضفة؛ فكانت فكرة الدولة
المؤقتة بديلاً لأوسلو وإعادة تقنين وتحديد لنفوذ السلطة الفلسطينية.
ثم تبلورت هذه الفكرة في تفاهمات بيريز - أبو العلاء، وقد وافقت عليها في
حينه القيادة الفلسطينية باستثناء صائب عريقات.
وتتحدث هذه التفاهمات عن دولة تقام خلال ثمانية أسابيع على أراضي (أ،
ب) وربما يحدث انسحاب ثالث كنبضة ثالثة كانت مقررة في اتفاقات أوسلو وطابا
والقاهرة وواي ريفر وشرم الشيخ، وجرفتها التطورات العاصفة، ثم تفاوض
هذه الدولة على حدودها النهائية. أما الخلاف الذي نشأ في حينه، فهو أن المطلب
الفلسطيني يتلخص في ضرورة الإقرار المسبق بأن حدود الرابع من حزيران
١٩٦٧م هي الحدود النهائية من حيث المبدأ للدولة العتيدة، ويتم بعد ذلك تعديلات
حدودية متبادلة متساوية في القيمة والمساحة.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي، شيمعون بيريز قد أدلى بتصريحات حول
هذا المشروع، وأوضح أن فكرة الدولة الفلسطينية المؤقتة لم تفهم كما يجب، وأنه
استوضح الأمر لدى المسؤولين في واشنطن، وفهم أن الدولة الفلسطينية لن تكون
مؤقتة؛ فهي من اللحظة الأولى لإعلانها ستكون دولة مستقلة مثل سائر الدول ذات
السيادة، وأما الأمر المؤقت في الموضوع فهو حدود هذه الدولة، وقال بالحرف
الواحد: فلكي لا ننتظر حتى إنهاء مفاوضات الحل الدائم لإعلان الدولة، بسبب
الخلافات الجوهرية بيننا حول الحدود، يجري الحديث عن إعلان الدولة على حدود
مؤقتة ٤٢% حسب الاقتراح الأميركي الذي هو في الأصل اقتراح رئيس الحكومة
الإسرائيلية أرييل شارون على أن يبحث في أمر الحدود النهائية خلال المفاوضات.
وأعرب بيريز عن توصله مع مسؤولين فلسطينيين بينهم أحمد قريع أبو علاء
رئيس المجلس التشريعي منذ فترة إلى اتفاق لم ترفضه الحكومة الإسرائيلية ولم
توافق عليه بعد.
وأضاف: نتوقع أن تنطلق الدولة الفلسطينية خلال ثمانية أسابيع، ولكن
بدون حدود نهائية؛ موضحاً أن الدولة ستكون مؤقتة بحدودها وليس بصفتها دولة.
ولكن شارون يصر على أن بيريز قد سرق منه الخطة، وقام بتعديلها، وباع
النسخة المقلدة لأبي العلاء.
وعلى ما يبدو فإن مشروع الدولة الفلسطينية يتجاذبه طرفان داخل الدولة
الإسرائيلية:
الطرف الأول: هو اليمين الإسرائيلي، وهذا الطرف يرى في مشروع الدولة
خطراً عليه، ويعمل على نسف هذه الفكرة من أساسها. وبعض اليمين يجاهر علناً
بهذه الفكرة، وبعضهم يماطل في قيام الدولة على أمل أن تُتناسى مع الأيام وعلى
رأس هذا الفريق شارون، وفي هذا السياق تقول صحيفة يديعوت آحرنوت
الإسرائيلية: من اعتقد قبل أوسلو أن مثل هذه الدولة ممكنة ولا تشكل خطراً على
وجود إسرائيل يجب أن يشطب هذه الإمكانية إلى الأبد في أعقاب كارثة أوسلو،
ومع ذلك فإن مصطلح دولة فلسطينية أصبح شائعاً إلى درجة أن الكثيرين يعتقدون
أنه حقيقة قائمة، وتبرز الصحيفة هدف شارون من الالتفاف على فكرة الدولة فتقول:
وحتى لو كان رئيس حكومة صهيوني ومقاتل من أجل استقلال إسرائيل يأمل خطأ
أن عرض الأفق السياسي الذي يشمل مثل هذه الدولة سيمنحه المزيد من الوقت،
فإننا لن نستطيع قبول خطته، حكومته لن تدوم، وحزبه لن يؤيده، وعدوه في
الداخل سينفذ خطته بعد التخلص منه، ومن الجدير أن يعلن وبأول فرصة يوفرها
العرب له ان الدولة الفلسطينية لن تقام أبداً، والأفضل أن يبحثوا عن أفقهم السياسي
في مكان آخر، وليس على حساب وجودنا.
وأهم مقومات فكر اليمين الإسرائيلي يرتكز على مفهوم إسرائيل الكبرى
بحدود لا نهائية تمتد وتتسع مع الوقت لتشمل أرض الميعاد في النبوءة التوراتية من
النيل للفرات، كما يقوم هذا الفكر على مشروع الترانسفير وهو ترحيل الفلسطينيين
للأردن، ويقول شارون في هذا السياق: وإلا فلماذا أنشئت مملكة الأردن إذن؟
أما اليسار الإسرائيلي فيرى ضرورة وجود نوع من الكيان الفلسطيني له
شروط ومواصفات معينة والتي عبر عنها إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي
الأسبق الهالك في الثمانينيات بقوله: أحسن شيء للخلاص من الانتفاضة أن نسلم
القمع إلى فئة فلسطينية تقتلهم. هذه هي الفلسفة الإسرائيلية من قيام دولة فلسطينية،
وأردف هذا الكلام بمؤتمر صحفي قائلاً: خير وسيلة صنع سلطة فلسطينية تقوم
بعمل الشرطي وتحمي أراضينا، ونضع الفلسطيني بوجه الفلسطيني.
ويقوم الفكر اليساري الإسرائيلي على مفهوم إسرائيل العظمى أي نواة
عسكرية قوية لها حدود تشمل فلسطين قبل ١٩٦٧م بالإضافة لمعظم أراضي الضفة
الغربية وتهيمن على منطقة الشرق الأوسط كلها: هيمنة اقتصادية وعسكرية
وسياسية وإعلامية وثقافية.
أما المفاهيم الأمريكية بالنسبة لهذه الدولة فلقد تحدث كولن باول وزير
الخارجية عن دولة فلسطينية مؤقتة في لقائه مع صحيفة الحياة تقوم على أربعين في
المئة من الضفة الغربية وثلثي قطاع غزة اعتباراً من مطلع العام المقبل، مع ترك
القضايا المعلقة للمفاوضات، وإيجاد حلول لها خلال فترة زمنية محددة.
وتشترط الخطة الإصلاحات الفلسطينية للاعتراف بالحكومة الفلسطينية
المؤقتة، وتفرض رقابة خارجية وحتى تدخل في موضوع إصلاح أجهزة أمن
السلطة التي يشرف عليها أجهزة أمن أميركية وبريطانية ومصرية إضافة لرقابة من
البنك الدولي والدول المانحة على المساعدات المالية للسلطة.
وقال مارتن إنديك، السفير الأميركي لدى إسرائيل: لن تكون دولة يعاد
تشكيلها مثل أفغانستان أو دولة في طور التكوين مثل تيمور الشرقية، فكلا البلدين
عليه وصاية دولية غير رسمية.
وقال آلان بيكر المستشار القضائي في البيت الأبيض إنه من غير المفهوم ما
هي الدولة الفلسطينية المؤقتة؟ وأضاف أنه حتى لو أصبحت السلطة الفلسطينية
كياناً صاحب سيادة، فالأمر لن يسلب إسرائيل حقها في الدفاع عن نفسها في
المناطق (أ) الخاضعة لحكم السلطة الفلسطينية.
وقال بول وليامز: إنها فكرة جديدة، وهي تحمل قدراً من المخاطر، لكنها قد
تكون أفضل حل ممكن للشرق الأوسط الآن، وكان وليامز يعمل محامياً في وزارة
الخارجية الأميركية، وحالياً يشغل منصب بروفيسور في القانون الدولي بالجامعة
الأميركية. وأضاف قائلاً: لكن سيكون ممكناً للآخرين مثل حركة نمور التاميل في
سري لانكا، أو الباسكيين في إسبانيا، أو الشيشانيين في روسيا، أو الأكراد
العراقيين أو عشرات المنظمات الأخرى أن يتلفتوا حولهم، ويطرحوا السؤال التالي:
إذا كان الفلسطينيون قد حصلوا على دولة مرحلية، فلماذا لا يتم ذلك بالنسبة لنا
أيضا؟
وفي أكتوبر عام ٢٠٠١م صدر عن مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى
التي كان يرأسها مارتن إنديك كتاب أشرف على تحريره روبرت ستالوف تحت
عنوان: (بعد عرفات: مستقبل السياسات الفلسطينية) .
في هذه الدراسة يُجمِع ستالوف والعديد من الباحثين الإسرائيليين والأميركيين
على أن الصورة يمكن أن تكون على النحو الآتي:
بعد عرفات لن يرتدي خلفاؤه البزة العسكرية، بل البذلة الغربية وربطة العنق،
وأحياناً الكوفية والعقال. وهذا سيكون رمزاً معبّراً عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة
جديدة.
* لكن ما السمات المحتملة لهذه المرحلة؟
الباحثون يقولون إن المخاوف من احتمال سقوط الأراضي الفلسطينية بين
براثن الفوضى، مبالغ فيها؛ فعلى رغم أن السلطة الفلسطينية ليست دولة بالمعنى
الشرعي أو الرسمي، إلا أن لها سمات مشتركة مع باقي الدول العربية المعاصرة:
فهي سلطوية، وشديدة التمركز، وفردية السلطة.
وهكذا، وعلى رغم وجود عشرات آلاف قطع السلاح في الضفة الغربية
وغزة، إلا أن معظمها تحت سيطرة المنظمات الحكومية أو شبه الحكومية، أما
حركتا حماس والجهاد، فلا تملكان سوى مئات قليلة منها.
كما أنه ليس في فلسطين تراث من الحروب الأهلية أو مواجهات واسعة
النطاق. قد تحدث اغتيالات او انقلابات، لكن ليس حروباً أهلية؛ فحين تواجه
النخب الحاكمة مخاطر التعرض للإطاحة بها تلتف حول نفسها وتنشط للحفاظ على
الاستقرار بأي ثمن.
في الأوضاع الفلسطينية الراهنة، الأراضي مقسّمة عملياً بين القوات
الإسرائيلية، والمستوطنات، والبنى التحتية للطرقات، وإذا ما غاب عرفات،
فسيتنافس القادة السياسيون والأمنيون للسيطرة على المناطق التي يتمتعون بنفوذ
أكبر فيها، لكنهم سيعملون أيضاً للمحافظة على تماسك السلطة الجماعية الفلسطينية.
ويتوقع، تبعاً لذلك، أن تبرز (قيادة وطنية) من شخصيات سياسية وأمنية،
وفي المرحلة الأولى سيكون النفوذ العلني للسياسيين؛ لكن السلطة الحقيقية ستنتقل
بالتدريج إلى القادة الأمنيين بعد نهاية المرحلة الانتقالية.
شعارات القيادة الجديدة ستكون الوحدة، والمساءلة، والشفافية، والمشاركة
والديموقراطية؛ لكن هذا سيكون مجرد حبر على الورق على الغالب.
وعلى رغم أن هذه القيادة لن تقدم لإسرائيل تنازلات سياسية أكثر مما قدّم
عرفات، إلا أنها ستكون جاهزة لتقديم تنازلات أمنية لإسرائيل عبر الأميركيين.
والحصيلة: السيناريو المحتمل بعد عرفات (وفق الكتاب) لن يكون حمام دم
جماعياً، ولا استقراراً كاملاً، ولا تقدماً على جبهة السلام مع إسرائيل؛ لكن لا
حرب معها أيضاً؛ فالهم الأول والأساسي للدولة الجديدة سيكون المحافظة على
سلطتها.
وحسم بوش في خطابه الشهير أمر الدولة المؤقتة عندما قال: إن الولايات
المتحدة ستؤيد قيام دولة فلسطينية تكون حدودها وجوانب معينة من سيادتها مؤقتة
إلى حين الاتفاق عليها في إطار تسوية نهائية في الشرق الأوسط.
أما في الجانب العربي فالصورة غامضة أو هناك تعمد لإخفاء ما يجري أو ما
يخطط له.
يقول علي جبراوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت بالضفة الغربية:
نحن سمعنا بحكومة مؤقتة، لكننا لم نسمع من قبل بدولة مؤقتة؛ فماذا يعني ذلك؟
هل يعني أنها دولة ستستمر في التنامي حتى تصل إلى حدود ١٩٦٧م، أو
ستكون دولة كانتونات؟ لا أحد يعلم.
وأعلن الرئيس مبارك خلال لقائه رؤساء تحرير الصحف القومية والحزبية
على هامش الاحتفال بعيد الإعلاميين: ربما كان المقصود أن تكون هناك حدود
مؤقتة.
وقال ماهر إنه لم يسمع أبداً عن وجود دولة مؤقتة في العالم.. قد توجد
حكومة مؤقتة أو أشياء أخرى مؤقتة، أما دولة مؤقتة فهذا شيء لم أسمع به أبداً،
وأضاف ماهر: إن مثل هذا الطرح يعني أن مثل هذه الدولة قد توجد اليوم أما غداً
فلا تكون؛ وشدد على أن هذا الطرح شيء غير مفهوم ولم يسمع به أحد.
* أمريكا ولعبة الدولة المؤقتة:
عندما اختفى الاتحاد السوفييتي من المسرح الدولي في أوائل التسعينيات
وانتهت معه الحرب الباردة التي ظلت تحكم العالم على مدى أربعة عقود من خلال
نظام القطبية الثنائية سارع مؤرخون ومحللون أمريكيون إلى تسجيل هذه اللحظة
التاريخية باعتبارها إعلاناً عن تفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وتبلورت مفاهيم:
اللحظة الفريدة، والعملاق الوحيد، والأمة المقضي عليها بأن تقود.
وتلخصت كل هذه المفاهيم في مفهوم عريض يقول إنه إذا كان القرن
العشرون قرناً أمريكياً فإن القرن القادم سيكون أمريكياً كذلك.
ولكن ١١ سبتمبر جاء ليقلب موازين ويضع نهاية عصر وبداية عصر جديد
ليس عصر الهيمنة الأمريكية بل عهد العربدة الأمريكية، وما حصل في أفغانستان
يمثل نموذجاً فريداً لقدرة الإدارة الأميركية على أن تتصرف بالعالم وتوجهه وفق
مصالحها الخاصة ولو على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها، وازدادت رغبة
الأمريكيين في لعب دور جديد في العالم عبر تفعيل العديد من التحالفات، وبهدف
تأمين استقرار النظام الدولي الجديد الذي يمثل الموقع الأمريكي حجر الزاوية فيه.
ولفت انتباه الإدارة الأميركية إلى أن هناك مناطق خلل استراتيجية يجب أن
تعالج ويجب أن يوضع حد لها.
وعلى رأس هذه المناطق الشرق الأوسط؛ ولكن لماذا تريد الولايات المتحدة
إعادة ترتيب أوضاعها من جديد؟
لا شك أن منطقة الشرق الأوسط ذات موقع استراتيجي مؤثر في العالم كله،
كما أنها مهد الديانات السماوية، وتعج بمختلف القوميات والأديان والأعراق؛
إضافة إلى أنها محط أطماع الإمبراطوريات والممالك منذ القدم، والسيطرة عليها
تتطلب قوة غير عادية؛ ولذلك فإن الذي يحقق الهيمنة عليها فكأنه قد سيطر على
العالم كله.
والسبب الأخطر الذي يدفع بالولايات المتحدة إلى الاهتمام بهذه المنطقة هو
التحالف بين الإدارة الحالية وبين اليمين الأمريكي الذي يسعى بكل قوة إلى تمكين
دولة اليهود في فلسطين تمهيداً لإقامة الهيكل الثالث ونزول مسيحهم المزعوم ليقود
نصارى العالم.
ومن المعلوم أن الحدود السياسية لهذه المنطقة قد رسمت مع بدايات القرن
العشرين؛ حيث كانت الهيمنة البريطانية هي التي تقود العالم الغربي لفرض
مشروعه على العالم الإسلامي ووضع نهاية للحروب الصليبية بإعلان استسلام
المنطقة بالكامل للنفوذ النصراني وعلى رأسه الإمبراطورية البريطانية.
ومن خلال اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا جرت ولادة أسس
النظام العربي القائم حالياً في المنطقة وإن اختلفت أشكاله من حدود لحدود، ومن
قطر لآخر، وكان هذا النظام بأسسه وأشكاله يحقق للغرب حلم السيطرة الدائمة على
المنطقة بأقل قدرات عسكرية ممكنة، وفي نفس الوقت يمنع بروز أي قوة إسلامية
تناهض الهيمنة الغربية النصرانية بجميع أشكالها على الشعب العربي المسلم.
ولكن مع تغير الأيام ومرور السنين تبدلت كثير من المفاهيم وموازين القوى،
فأصبحت الولايات المتحدة على رأس القوى الغربية في العالم، وشاخ النظام
العربي وصار أقل قدرة على الإمساك بزمام الأمور، وبرزت الصحوة الإسلامية
وباتت الأمل للشعوب العربية لتنهض من جديد وتخلصها من مآسيها التي أفرزها
النظام العربي القائم، وتجلت تلك التغيرات في أحداث ١١ سبتمبر الماضي وخروج
مجموعة من ٢٠ شخصاً غير المخططين والمساعدين الآخرين لتهز الهيبة الأمريكية
في عقر دارها، وانهالت وسائل الإعلام الأمريكية بحملة ضارية على النظم العربية
التي أصبحت لا تسيطر على شعوبها برغم تحالفها مع الهيمنة الأمريكية.
ولذلك تزداد التكهنات بأن الولايات المتحدة تعمل على إعادة رسم خارطة
الشرق الأوسط تمهيداً لقيام نظام إقليمي جديد تكون الغلبة فيه لإسرائيل، وتفرض
التبعية على غيرها من الدول.
ويبقى السؤال الأخطر: ما هي أهم ملامح هذه الخارطة الجديدة؟ فالتفاصيل
الأساسية لا شك أنها مغيبة عن المسلمين، وأقصى ما يمكننا تتبعه هو خطوط
أساسية وأسس لما ينبغي أن يكون عليه النظام العربي الجديد في التصور الأمريكي؛
لذلك نحاول استنباط هذا التغير من خلال تتبع ما يرسمه الاستراتيجيون ومراكز
البحوث والدراسات المؤثرة في السياسة الأمريكية وربيبتها في المنطقة إسرائيل.
وتبدو الأطروحات الأمريكية حول الدولة المؤقتة الفلسطينية والتسريبات
المستمرة والسيناريوهات المطروحة لضرب العراق أولى الإشارات لهذا النظام
العربي الجديد الذي تريده أمريكا للمنطقة.
وفي هذا السياق يقسم زيجنيو بريجنيسكي المستشار الأسبق للأمن القومي
الأمريكي في كتابه: (ساحة الشطرنج الكبرى) الأهداف المرحلية المنتظرة
للاستراتيجية الأمريكية من أجل تحقيق الهيمنة على ثلاثة مستويات زمنية: أهداف
قصيرة المدى تغطي السنوات الخمس المقبلة، وأهداف متوسطة تمتد حتى عشرين
سنة أو أكثر، ثم أهداف بعيدة المدى.
ويميز بريجينسكي بين هذه المستويات الزمنية المنسقة بدقة ويعتبر أنها ليست
منفصلة، بل تمثل سلسلة ذات حلقات متصلة.
وهو يقول عن الهدف القصير المدى إنه الهدف الذي يدعم القوى
الجيوبوليتيكة السائدة على الخريطة العالمية، ويستهدف هذا الدعم تكريس النفوذ
الأمريكي مع التركيز على قارتي أوروبا وآسيا، وعلى أوليات العمل السياسي
والدبلوماسي بهدف منع ظهور أي تحالف معاد يمكن أن يتحدى الزعامة الأمريكية.
أما الهدف المتوسط المدى فهو يتركز حول ضرورة توجيه السياسات
الأمريكية للتحالف مع شركاء استراتيجيين لها يمكن من خلال دور القيادة الأمريكية
أن يشكلوا نظاماً للأمن أكثر تعاوناً في قارتي أوروبا وآسيا وفي الشرق الأوسط.
أما الهدف الطويل المدي فهو الهدف الذي يسعى إلى إيجاد قاعدة من
المسؤولية العالمية المشتركة التي تلعب فيها الولايات المتحدة الدور القائد،
والشركاء البارزون على هذا المستوي هم في الجانب الغربي فرنسا وألمانيا،
والهدف المركزي في هذه المرحلة هو توسيع رأس الجسر الأوروبي الديمقراطي.
وفي الجانب الشرقي الصين التي أصبحت تشكل للولايات المتحدة أهمية
محورية متصاعدة، وتعتبر المشاركة الصينية ضرورة لتكون الاستراتيجية
الأمريكية العالمية؛ وذلك من خلال تحقيق إجماع سياسي صيني أمريكي.
إذن ومن خلال تصور بريجنيسكي فإنه يريد شركاء استراتيجيين في هذه
المنطقة يستطيعون الإمساك بزمام الأمن لصالح أمريكا في المنطقة.
وبالطبع فإن إسرائيل هي المرشحة للقيام بالدور الأكبر في تلك المنظومة
الأمنية؛ حيث سمح حلف الأطلنطي لأفرايم هالا رئيس المخابرات الإسرائيلية أن
يشارك قبل أسابيع في اجتماع قيادته في بروكسل، هو الذي قدم وعداً علنياً بأن
تتكفل إسرائيل بمنع مساعي دول في الشرق الأوسط، ضرب لها مثلاً بإيران
وليبيا والعراق وسوريا، بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، مطعماً وعده بتحذير من
الإرهاب الإسلامي، وهجماته الانتحارية التي تمثل خطراً جسيماً على دول الحلف.
أي أنه سيقوم هو الآخر بضربات عسكرية إجهاضية فوق تخوم الإقليم،
ولكنها ستكون لصالح الحلف، أكثر من كونها لصالح إسرائيل.
وهذا هو الملمح الأول للتغير في المنطقة، أي أن الولايات المتحدة قد حددت
غاية هذا النظام القادم أن يكون أمنياً بالدرجة الأولى؛ وهذا يفسر زيارات جورج
تينيت رئيس المخابرات الأمريكية المتكررة للمنطقة وإصراره أن يكون التغيير
الأول في السلطة الفلسطينية أمنياً.
وفي سياق آخر كتب شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي كتاباً بعنوان:
(تصميم المستقبل) تحدث فيه عن شرق أوسط جديد فيه عمالة عربية رخيصة،
ومال الخليج ونفطه، وموارد ومياه؛ وكل ذلك تحت إدارة صهيونية كاملة وهيمنة
إسرائيلية إمبراطورية يضمنها تفوق نوعي وكمي في السلاح والتكنولوجيا والدعم
الغربي مع تغييب كامل لحق أهل المنطقة في أرضهم ومواردهم وثرواتهم.
أما الفلسطينيون فقدم لهم بيريز في كتابه دويلة منزوعة السيادة هشة تابعة
لإسرائيل تماماً، ومن ثم مخلب لها إن لزم الأمر حين يحاول بعض المتمردين في
تلك الإمبراطورية الإسرائيلية الاستقلال أو ما يشبه ذلك.
وهذا هو الملمح الثاني للنظام العربي: تطبيع كامل مع اليهود وتبعية
اقتصادية لإسرائيل.
وفي مقال نشره آلان وودز منذ عدة أسابيع وهو مفكر غربي تلقى آراؤه
رواجاً كبيراً على مستوى النخبة السياسية في الغرب قال فيه إن الشرق الأوسط لن
يستقر إلا إذا أصبحت أقلياته من يهود وأقباط وأكراد وغيرهم متساوين في الحقوق
مع الأغلبية الساحقة من العرب المسلمين.
وهذا بُعد جديد يراد فرضه كأحد مكونات النظام العربي الجديد: تضييع
الهوية وإذابة العقيدة بحجة المساواة بين المسلم وغيره.
ولكن أخطر ما في مشروع النظام العربي، الذي يجد له صدى في هذه الأيام
هو التهديد والتلويح بتغيير القيادات العربية غير المستجيبة للمشروع الأمريكي أو
التي تبدي نوعاً من المعاكسة للتوجهات الأمريكية؛ وما الإصرار على تغيير
عرفات وصدام إلا بداية لهذا التوجه وإنذاراً لبقية قيادات النظام العربي وما الحملة
التي تشنها الأجهزة الرقابية في مصر على الفساد إلا لتصب في هذا الاتجاه.
يقول نبيل عبد الفتاح الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام: إن
العامل الدولي يكمن في الحديث عن تغييرات سياسية كبرى في المنطقة بدأت
بالضغوط الامريكية وعملية الإصلاح المالي والسياسي للسلطة الفلسطينية بقيادة
مصر.
ورأى عبد الفتاح أن الحديث مرجعه الأساسي الاتهامات بالفساد المالي وهي
موجهة أيضاً للعراق وسورية؛ ومن ثم فإن الإجراءات المصرية هي محاولة
لاستباق أي نقد أو اتهام قد يوجهه الغرب إلى مصر يشكك في مصداقية السلطات.
إن مؤامرة الدولة المؤقتة ليست سوى بداية لمشروع أمريكي كامل للمنطقة بدأ
بفلسطين، وسيمر قريباً بالعراق، ولن يقف عند هذا الحد، بل سيتعداه لدول
الشرق الأوسط كلها بحيث تتوافق مع مفردات الهيمنة الأمريكية تمهيداً لتنفيذ
المشروع الصهيوني وتحقيق النبوءات التوراتية.
стр. 4352
المسلمون والعالم
الأبعاد القيمية وأثرها على التنمية في ماليزيا
عبد الحليم بن صالح البراك [*]
halemsb@hotmail.com
(في أحد الأيام الربيعية قام أحد رجال الأعمال اليابانيين بزيارة أحد أساتذة
التأمل المعروفين لمناقشة علاقة فلسفة التأمل بالإدارة؛ واتباعاً لأساليب اللباقة
اليابانية الاجتماعية قام أستاذ التأمل بتقديم الشاي الأخضر للضيف، وعندما كاد
الكوب يمتلئ بالشاي، استمر بالسكب فيه، حتى بدأ الشاي يتدفق من الكوب بغزارة،
رفع رجل الأعمال حاجبيه من الدهشة.. فأجاب هذا الأستاذ: لا تستغرب يا
سيدي إذا امتلأ الكوب بالشاي؛ فلن يستوعب المزيد منه، وهذا شأنك أنت كشأن
الكوب الممتلئ تماماً، فإنك ممتلئ بالأساليب الإدارية، والأفكار المسبقة؛ فكيف
تريد مني أن أريك المزيد من أفكاري؟ ما لم تفرغ كوبك أولاً..) .
بهذه النظرة بدأت ماليزيا رحلتها التنموية لتحقق نهضة نموذجية على جميع
الأصعدة، ولقد تنازلت ماليزيا عن أساليب التعليم البريطانية وأفرغت الكوب تماماً
لتتبنى أساليب التعليم اليابانية لاقترابها قيمياً من ماليزيا؛ فحققت ماليزيا أرقاماً
مذهلة بعد أن كانت دولة زراعية تنتج المطاط الخام وخيرات أرضها الأخرى ليعود
إليها خاماً مصنعاً وبأغلى الأثمان، شأنها شأن أي دولة ثالثية، فقد رأى الماليزيون
أن أفضل نظام تعليمي يتناسب مع قدراتهم هو النظام الياباني، وهو ما عبر عنه
رئيس وزراء ماليزيا بأنه الاتجاه بالتعليم شرقاً (بدلاً من الانتظار لما يقدمه الغرب
من وعود) على حد تعبير رئيس وزراء ماليزيا، الدكتور مهاتير محمد مضيفاً:
(إن الدول الغربية عموماً لا تقدم شيئاً بالمجان) لذلك قررت ماليزيا إقامة الشراكة
الاستراتيجية مع اليابان تعليمياً واقتصادياً، حتى وصلت مساهمة الشركات اليابانية
في ماليزيا إلى ٢٣% من إجمالي الناتج القومي الماليزي.
لقد حققت ماليزيا ما تصبو إليه من تنمية؛ فها هي وحسب كتاب المنافسة
السنوي الذي يصدره المعهد الأمريكي الدولي لتطوير الإدارة وهي مؤسسة مرموقة
عالمياً أكدت أن ماليزيا تحتل المركز الثاني عالمياً كأفضل اقتصاد تنافسي بالعالم بعد
الولايات المتحدة الأمريكية تلتها سنغافورة، ثم لوكسمبورغ. وهذا الكتاب يستند إلى
٢٤٤ عامل قياس تم استخدامها في التقرير، وفي يوليو ١٩٩٧م احتلت ماليزيا
المرتبة رقم ١٧ في تجارة العالم أي قبيل الأزمة الاقتصادية، لحظتها، كان مايكل
كامديسس المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي قد قال في مؤتمر دولي عقد في
لوس أنجلوس: «إن ماليزيا تعتبر مثالاً جيداً لدولةٍ المسؤولون فيها على دراية
تامة بالتحديات المتمثلة في التغلب على الضغوط الناتجة عن معدلات النمو العالية
والاحتفاظ بنظام مالي جيد وسط حركة تدفق كبيرة لرأس المال وسوق منتعش للعقار
والأملاك» .
وفي سنة ١٩٩٥م أكدت التقارير بأن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في
العالم، بل وحققت نمواً سنوياً قدره ٦.٥% سنوياً بعد الأزمة الآسيوية، أي في
عام ٢٠٠٠م، بل وحققت إنجازاً بأن أصبح السكان تحت خط الفقر ٦.٨%
ومعدل التضخم بلغ مستوى مقبولاً وهو ٢.٨% ونسبة بطالة متدنية وصلت إلى ٣ %
فقط.
لا شك أن وراء هذه الإنجازات التنموية سيل من الخطط والأعمال كان من
أبرزها: تخطيط استراتيجي فعال ومنظم، وتقنية اقتصادية رسمت بعناية،
ومجموعة من القيم الاجتماعية كرست مفاهيم العمل والإنتاج، ولعلنا نتعرض
لبعض المفاهيم والقيم الاجتماعية التي أصَّلت الأرضية الخصبة للتنمية في ماليزيا.
يؤكد خبراء التنمية على (الارتباط الثقافي والاجتماعي للتنمية، وأن الرخاء
الاقتصادي هو أحد مظاهر وجود تنمية حقيقية في بلد ما..) هذا ما يقوله الدكتور
محمد الجوهري.. مضيفاً: (إن مشاكل التنمية والتخلف يجب أن ينظر إليها في
إطار اجتماعي وثقافي عريض..) ، ويقول ريتشارد باسكال وأنتوني آثوس
صاحبا كتاب فن الإدارة اليابانية: (إن المجتمع النامي يتطلب انطلاقاً وتغييراً
وتجديداً في اللغة والمفاهيم وفي طرق العمل، فلا بد من توفر حركات تتصف
بالإبداع، ومن ظهور هذه الحركات بين الفينة والأخرى، فأي مجتمع في بيئة
متغيرة سيؤول إلى الإخفاق إذا لم يتوصل إلى ابتكارات إدارية من شأنها أن تكسر
الأطر الموروثة من المفاهيم والنماذج القديمة من السلوك والمظاهر السلبية للقيم
المثبطة للعمل) .
لا شك في أن استراتيجيات التنمية المختلفة كثيراً ما تعتمد على الجوانب
الاجتماعية والقيمية وسلوك الأفراد والجماعات في توطين التنمية، وجعلها جزءاً لا
يتجزأ من منظومة التنمية الاقتصادية. فما هو مفهوم القيم؟ هي أحكام معيارية لها
اتصال بالواقع يتمثلها الفرد من خلال التفاعل والمعايشة مع المواقف المختلفة،
ويشترط أن تنال هذه الأحكام الرضا والموافقة من جماعة اجتماعية معينة أو من
المجتمع. وهي أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية ينشرها الفرد ويحكم بها
على الأشياء، ويعتبرها جديرة بالاهتمام لاعتبارات اجتماعية وسيكولوجية
واقتصادية، ولعلنا نتحدث عن مجمل تلك القيم التي ساعدت الرجل الماليزي،
المزارع البسيط بالأمس، ليعتلي في بلده أعلى ناطحات سحاب في العالم ومن
موارده الذاتية.
فإذا كانت بعض الأمم تعتز بمجموعة من القيم كالاستقلالية وروح التحدي
والمثابرة والاعتماد على النفس كالرجل الأمريكي الذي مكنته هذه القيم من غزو
العالم بمنتجاته، وثقافة منتجاته، فلا شك بأن لدى الآسيويين (من يابانيين وغيرهم)
منظومة قيم مكنتهم من تحقيق ما تمكنوا من الحصول عليه من تنمية وتقدم،
وندرك أيضاً أن القيم اليابانية ترتكز على حب العمل والتركيز الشديد على عنصر
الجودة، كما نحب أن نشير إلى أن هناك منظومة قيم خاصة بالماليزيين تحديداً،
ربما يشتركون مع غيرهم فيها، لكنها بالتأكيد تم توظيفها لصالح التنمية؛ فلقد
منحت تلك القيم الأمل القوي للماليزيين نحو الحلم المشروع (رؤية ٢٠٢٠م)
الهادف إلى جعل ماليزيا دولة صناعية يحقق فيها الفرد دخلاً لا يقل عن دخل الفرد
الأمريكي كما أوردها التنمويون الماليزيون؛ فلقد واجهتهم مجموعة من التحديات
هي ما ذكرها الدكتور مهاتير محمد:
- التحدي الأول يتمثل في قيام أمة ماليزية موحدة، يحكمها الشعور بالمصير
الواحد المشترك. وهذه الأمة لا بد أن تكون في سلام مع نفسها ومتكاملة جغرافياً
وعرقياً وتعيش في انسجام.
- التحدي الثاني هو خلق مجتمع ماليزي متحرر سيكيولوجياً وآمن ومتطور
قوي الإيمان والثقة بنفسه، وفخور بوضعه وبما أنجز، وضخم بما فيه الكفاية
لمواجهة كافة الصعوبات.
- التحدي الثالث هو بناء مجتمع ناضج ديمقراطياً يمارس نوعاً من أنواع
الديمقراطية الماليزية النابعة من المجتمع والملبية لمتطلباته والتي تصلح لأن تكون
نموذجاً تحتذي به الدول النامية.
- التحدي الرابع هو بناء مجتمع تسوده الأخلاق والقيم، المواطنون فيه
أقوياء في دينهم وقيمهم وتحكمه أسمى مستويات الأخلاق.
- التحدي الخامس هو بناء مجتمع ناضج متحرر متسامح يكون فيه
الماليزيون من مختلف الألوان والأعراق.
- التحدي السادس يتمثل في بناء مجتمع علمي تقدمي قادر على الابتكار
ويتطلع دائماً إلى الأمام.
- التحدي السابع هو بناء مجتمع يهتم بالآخرين يأتي فيه المجتمع قبل الفرد،
ويكون فيه محور رفاهية الناس ليس الدولة أو الفرد.
- التحدي الثامن هو ضمان وجود مجتمع تسوده العدالة الاقتصادية.
- التحدي التاسع هو إيجاد مجتمع تسوده الرفاهية، اقتصاده يتميز بالمنافسة
الكاملة والديناميكية والضخامة والمرونة.
ومن أبرز تلك القيم الاجتماعية التي حققتها ماليزيا وساعدت في تحقيق
تنميتها:
* الاستثمار في الأطفال والتعليم:
فقد ذكر تقرير أصدرته وكالة رعاية الأطفال التابعة للأمم المتحدة (اليونسيف)
ونشر في مايو ٢٠٠١م أن ماليزيا واحدة من عدة دول آسيوية مارست الاستثمار
الناجح في الأطفال وتربيتهم من سن صفر وحتى ثلاث سنوات من خلال برامج
مدروسة ومخططة؛ وذلك من خلال تحقيق الرعاية الصحية والتعليمية في سن
مبكر جداً؛ إذ قال أحد خبراء اليونسيف بهذا الموضوع وهو د. سانتوش مهروترا
كبير الخبراء فيها: (معجزة العقل الصغير تبدأ في السنوات الأولى؛ فكل دولار
واحد تنفقه على الطفل فإن ذلك يحقق عائداً مقداره ٧ دولارات، وماليزيا واحدة من
تلك الدول التي أدركت هذا الأمر جيداً..) .
أما بخصوص التعليم فقد أنفقت ماليزيا وبشهادة رئيس وزرائها الدكتور مهاتير
محمد إنفاقاً كبيراً على التعليم فاق الـ ٢٠% من ميزانيتها، وفاق أيضاً إنفاق
الحكومة الماليزية على وزارة الدفاع.
وكان الدكتور طارق السويدان قد ذكر أن ماليزيا في عام ١٩٩٥م قامت بعمل
مؤتمرات وطنية لاستراتيجية التعليم خلال عشر سنوات تغيرت على أساسها
المناهج وطرق التدريس والبعثات الدراسية الخارجية، ونظم الهجرة والاستثمار،
باعتبار أن التعليم وسيلة لهدف ما وليس غاية بحد ذاته.. الأمر الذي حقق لها بعد
عشر سنوات من ذلك التاريخ أن أصبحت عاشر دولة صناعية بالعالم كما ذكرنا آنفاً.
* القيم الاجتماعية الأسرية والفردية:
الأسرة بعد الطفل هي حجر الزاوية في ترسيخ مجموعة من القيم، وأهمية
العائلة تكمن باعتبارها الوحدة الأساسية لنظم القيم والأمان الاجتماعي في ماليزيا،
كما يقول الدكتور السيد أمين الشلبي.
لذا فإن القيم الآسيوية نابعة من المجتمع والأسرة، والمجتمع الماليزي يقدر
ويجل إجلالاً كبيراً الأسرة، ويعول عليها كثيراً في ترسيخ تنميته، وتعتبر
متطلبات ومصالح المجتمع ذات اعتبار لدى الفرد والمجتمع، أكثر من تقديره
لمصالح الفرد، أو حقوقه في الحرية الشخصية المطلقة.
فقيام الرجل الماليزي بمسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه يأتي قبل حقه في
المطالبة بمزاياه الفردية؛ فهذا من أساس القيم الماليزية.
وإذا ما تمادى الفرد بالتعدي على حقوق المجتمع فإن ذلك الشخص يكون فعلاً
قد سرق من حقوق الأغلبية ويسعى بكل أنانية لخدمة مصالحه الخاصة، وهذا ما
هو مرفوض في ظل القيم الآسيوية الماليزية.. فالانضباط الاجتماعي، والعمل
العائلي يعتبر جزءاً من منظومة قيم العمل في ماليزيا.
* القيم الإسلامية وأثرها في التنمية الماليزية:
إن المجتمعات الآسيوية تنمي أشكالها الخاصة في الحكم بالحفاظ على تقاليدها
في التوافق في الرأي واحترام السلطة كأساس ومنطلق إسلامي؛ فلقد حافظت
ماليزيا على المعدل المنخفض للجريمة، كما أكد ذلك الدكتور السيد أمين شلبي في
صحيفة الأهرام المصرية.
كما يتميز الشعب الماليزي بالمسالمة وتقدير السلطة، وبما أن نسبة ٥٤% من
الشعب الماليزي مسلم فإن الثقافة الإسلامية تدعم مجموعة من القيم التي رجحت
الكفة التنموية لصالح الماليزيين كالصدق والإخلاص والرعاية الأسرية وغيرها.
خاصة إذا علمنا أن الإسلام يدعم الأخلاق التنموية كإجادة العمل، كما في قوله
ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [١] ، وكذلك
التركيز كما في القرآن الكريم على عمارة الأرض عمارة إسلامية خالية من الإفساد؛
وذلك باستخلاف الإنسان فيها كما في قوله تعالى: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة]
(البقرة: ٣٠) . بل الأمر أكثر شدة عندما ركز الإسلام على أن الإنسان مطالب
بالعمل النافع حتى آخر لحظة من حياته: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة،
فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» [٢] .
لذلك ينقل محمد سليم العوا رئيس مركز الدراسات الآسيوية بالقاهرة عن أنور
إبراهيم الإسلامي الشهير وأحد مهندسي التنمية في ماليزيا قوله: «إن التحدي الذي
يواجه الإسلام هو ترويض قوى الطائفية والقبلية التي تعيش بداخله، والتي تشكل
مع الاستبداد أكبر المعوقات أمام نشأة مجتمع متحضر داخل الأمة، فإن تخلف
المسلمين يعود، في نظر أنور إبراهيم إلى عوامل داخلية بالأساس، وللتعامل مع
تلك العوامل فإنه من المهم أن ننطلق من الواقع، وأحد عناصر هذا الانطلاق هو
رفض مفهوم التحديث بالمعنى العلماني الغربي، وبناء نموذج للتنمية يقوم على
الاستفادة من المهارات التكنولوجية الغربية مع عدم التضحية بالقيم الثقافية الإسلامية
فإذا استطاعت آسيا أن تتمكن من المهارات الصناعية للغرب، ومع ذلك تحتفظ
بقيمها الثقافية، فإنها ستكون في موقع يسمح لها ببناء حضارة أعظم من أي حضارة
عبر التاريخ. هذا ما قاله محاضر محمد في كتابه (صوت آسيا) ، وهو قول
ينطبق على السياق الماليزي. ففي هذا السياق يشكل الإسلام القيمة الثقافية الكبرى.
فإذا استطاعت ماليزيا أن توفق بين استيعاب التكنولوجيا الغربية وتطويرها في
إطار الاحتفاظ بالقيم الثقافية الإسلامية، فإنها تكون قد حققت نموذجاً طيباً للتنمية» .
أما الدكتور مهاتير محمد وهو الأب الروحي للنهضة الماليزية فيقول:
«يعتقد محاضر أنه ينبغي على المسلمين التمسك بالإسلام والنهوض من خلاله.
ولكن هذا التمسك ينبغي أن يكون بالأهداف العامة للإسلام، وليس لنموذج معين؛
ذلك لأنه لا يوجد نموذج أو تفسير واحد للإسلام صالح للتطبيق في كل الأحوال،
ومن ثم فإن التمسك بالإسلام يعني السعي لتحقيق أهدافه من خلال آليات لا تتعارض
معه. ويشمل ذلك الاستفادة من القيم الروحية والأخلاقية من الشعوب الأخرى
وفي مقدمتها الشعوب الشرق آسيوية، ومن أهم تلك القيم ... » ؛ لذلك ليس غريباً
أن تكون منطلقات النهضة والتنمية في ماليزيا ذات أصول إسلامية سواء على
مستوى المجتمع أو على مستوى القيادة والسلطة؛ خاصة إذا علمنا أن نسبة
المسلمين في ماليزيا تبلغ ما يزيد عن ٥٤% من إجمالي عدد السكان، ولا شك
في أن هذه الأغلبية للمسلمين قد شكلت دعامة وأرضية خصبة لمجموعة من القيم
الإسلامية الأصيلة التي غذت التنمية الصناعية في ماليزيا.
* القيم الاقتصادية ودور الحكومة الماليزية في تأصيل القيم التنموية:
لقد بذلت الدولة الماليزية جهوداً حثيثة لرفع مستوى نصيب الماليزيين
الملاويين (سكان ماليزيا الأصليين) فيما يختص في مستوى الدخل تحديداً وذلك
عن طريق محاولتها الجادة دعم مستوى القيم لديهم؛ وذلك عن طريق رفع مستويات
التعليم بمراحله المختلفة (العالي والمتقدم) وكذلك الصحة لديهم، دون أن يؤثر ذلك
على نصيب الماليزيين الآخرين من الصينيين أو الهنود، كما سعت الحكومة
الماليزية لرفع الوعي تجاه النقود بأنها ليست وسيلة استهلاكية وحسب بل هي إحدى
المدخلات الأساسية للتنمية كالادخار والاستثمار تحديداً كما سعى المسؤولون
الماليزيون نحو إحياء العقلية التجارية الآسيوية عن طريق رفع المهارات الآسيوية
التجارية والإدارية التي تعتبر مفاتيح إعادة بناء الاقتصاد، وتحقيق الرفاهية.
وخلال العقدين الماضيين لعبت هذه المهارات دوراً حاسماً في نهضة ماليزيا
لكي تصبح دولة متطورة بالكامل، وهو ما خططت له ماليزيا بالفعل، فتبنت ذوي
المهارات التجارية؛ كما بادرت بفتح باب الهجرة بطريقة مدروسة، وقامت بإنشاء
وزارة لمتابعة السلوك التجاري وسعت لتطويرها.
وإذا كان بعض الناس يقولون إنه لا ينبغي للحكومات أن تساعد ذوي
المهارات والعقلية التجارية، وأن علينا أن نبقى بعيداً عنهم ونتركهم يمارسون
نشاطهم لوحدهم في ظل قوى السوق؛ فقد علق الدكتور مهاتير محمد على هذا
الموضوع قائلاً: «لا أحد ينكر حاجة هؤلاء إلى مساحة ليتحركوا بحرية، ولكن
من المؤكد أن الحكومات يمكن أن تعمل شيئاً لخلق الجو الملائم والصحيح، وبما أن
٢٨% من أرباح الشركات تذهب للحكومة الماليزية في شكل ضرائب شركات، فقد
كنت أقول باستمرار إن الدولة بالفعل شريك بنسبة ٢٨% في أية شركة صغيرة
كانت أم كبيرة. نحن نستطيع وسوف نعمل على مساعدة الشركات الصغيرة
والأفراد الذين لديهم الشجاعة والتصور الكامل لإنشاء أعمالهم التجارية الخاصة بهم.
وهذه مهمة ملحة في الوقت الحالي حيث يعاني الجو الاقتصادي العام من الفوضى» .
ووجدت دراسة ديفيد هيتشكوك المدير السابق لإدارة شؤون آسيا في وكالة
الإعلام الأمريكية أن القيم الاجتماعية الست الأكثر رواجاً بين سكان شرق آسيا
(وماليزيا واحدة من الدول المستهدفة بهذه الدراسة) هي: وجود مجتمع منظم
ومرتب، ووجود تجانس اجتماعي، ضمان محاسبة المسؤولين الحكوميين،
الانفتاح على الأفكار الجديدة، حرية التعبير، احترام السلطة. وأعتقد أن القيم
سالفة الذكر لا تحتاج لكثير تفصيل.
لقد كانت أبرز قيم العمل اليابانية التي مالت ماليزيا لاحتوائها إبان تبنيها
لاستراتيجية التنمية اليابانية تشمل كذلك الإخلاص والالتزام بالجودة والمواعيد
المحددة لتسليم السلع؛ فقيم العمل اليابانية المتميزة تعامل بكل تقديس في ماليزيا
وليست هي عنصراً ثقافياً تقليدياً مغروساً في المجتمع فحسب، بل تمثل نظاماً للقيم
جرى صقله وتهذيبه بعناية شديدة؛ فالمهارات الاستثنائية والتقنية المتقدمة
والانضباط والنظام وقيم وأخلاقيات العمل جميعها صفات تستحق أن تنقل ويستفاد
منها، فآسيا (وماليزيا واحدة منها) بفضل مواردها البشرية غير المحدودة،
ومقدرة الماليزيين على الاجتهاد في العمل سلوك أصيل، والتميز في الجهد البشري
الخارق عندما يتم تحفيزه، وسعي الماليزيين لتحقيق الجودة المتعددة؛ كل تلك القيم
عملت ماليزيا على اعتناقها وحققت الإنتاجية الشاملة، ومن ثم تهيأت فرص الرخاء
والرفاهية الاجتماعية للشعب الماليزي.
* أبرز القيم على مستويات الإدارة العليا لماليزيا:
تخلصت ماليزيا من مبادئ سيئة جداً، تسعى إليها بعض الدول كنوع من
المحافظة على الثراء أو على مستويات الدخول العالية والنمو دون أن تكون لها
مساهمة تستحق مع جيرانها، فلم تكن تعتمد على نوازع عدوانية مثل مبدأ (أفقر
جارك) حتى يتحقق لك الغنى والانفراد والسيطرة السياسية والاقتصادية. بل باتت
تنظر إلى الجار أنه شريك أصيل في ظل التكامل الاقتصادي، ولا أدل على ذلك
من مساعدتها الجريئة والسريعة لتايلاند عندما انهار الياهت التايلندي.. أو الدخول
في صراعات عرقية أو إقليمية معتبرة ذلك أحد نقاط النزيف في المشروع التنموي؛
فالشعب الماليزي شعب بطبيعته مسالم لا يميل للعنف بأي حال من الأحوال؛ فبعد
الاستقلال لم تشهد ماليزيا أي نوع يذكر من الاضطرابات عدا ما حدث عام ١٩٦٩م
رغم التنوع والتباين العرقي القوي، كما سعت ماليزيا وبكل قوة لترسيخ مبدأ
الاستثمار في الموارد البشرية وتنميتها واعتبارها الهدف الاستراتيجي في عملية
التنمية وتطوير تلك القوى البشرية وتنمية قاعدتها، والسعي نحو تأصيل المبادئ
القيمية في تلك القوى وتوجيه الموارد البشرية نحو أهداف الخطط التنموية.
هذه بعض من منظومة القوى القيمية التي مارستها ماليزيا الآسيوية لتحقيق
هذه المعدلات من التنمية، وهذا بجانب الأرقام المذهلة من الإنتاج ومعدلات النمو
المشجعة، والأكيد أن هذه القيم ليست هي كل القيم الماليزية بل بعض منها سخرت
بطريقة إيجابية وفعالة في دعم التنمية، وتكمن دعوتنا للاستفادة من التجربة
الماليزية في الوطن العربي لوجود نقاط التقاء وتشابه بيننا وبين ماليزيا، وهو ما
يدفعنا وبكل قوة لدراسة تلك التجربة والاستفادة منها، ولعل أبرز تلك النقاط هو
اشتراكنا في منظومة من القيم الإسلامية التي تكرس العمل والإنتاج وتحث عليه،
وكذلك نقص العمالة المحلية، ووجود المواد الخام الأساسية في التصنيع، وكذلك
تقارب في تعداد السكان، وغيرها من أوجه التشابه المختلفة.
стр. 4353
المسلمون والعالم
مستقبل (إسرائيل)
بين التحليل السياسي والمنطق الديني
د. عبد العزيز عبد الغني صقر [*]
إن الحديث عن مستقبل (إسرائيل) هو حديث عن مستقبلنا أيضاً، ولسنا في
حاجة للتأكيد على أن كل ما له صلة بتطورنا السياسي ورخائنا الاقتصادي يرتبط
بشكل أو بآخر بوجود (إسرائيل) أو غيابها وبحالة الحرب أو السلام في المنطقة.
ومن هنا تأتي محاولتنا لاستشراف مستقبل (إسرائيل) كجزء من عملية تخطيط
مستقبلنا السياسي العربي.
والحقيقة أن ثمة مشكلة تواجه كل من يحاول التنبؤ بأوضاع المنطقة في
المستقبل من منطلق تقاليد وآليات علم المستقبليات، وتكمن هذه المشكلة في صعوبة
أو استحالة إخضاع الشأن الإسرائيلي للمنطق العلمي؛ ذلك أن (إسرائيل) ترتبط
اسماً ووجوداً وفكراً ونظاماً وممارسة بالمنطق الديني الذي يستعصي على التحليل
العلمي، ولا يمكن معالجته باستخدام أدوات التفسير ومناهج التحليل السياسي التي
أرستها التقاليد العلمية.
هذه الطبيعة الدينية للكيان العبري تفسّر أمرين:
الأمر الأول: هو إخفاق كافة المفاوضات العربية الإسرائيلية حتى الآن،
بسبب اختلاف منطق ولغة الحوار بين الطرفين؛ فبينما يرتكز الجانب العربي إلى
أسس وحجج سياسية ترتبط بالحقوق التاريخية والشرعية الدولية والاتفاقات
والمعاهدات المبرمة بين الطرفين في كامب ديفيد ومدريد وشرم الشيخ وغيرها،
نجد الجانب الإسرائيلي يتحدث عن الوعد الإلهي وحائط المبكى وهيكل سليمان
والعداء للسامية، ويلتزم بإجازة السبت، ويرتدي مفاوضوه القُبّعة اليهودية أو
الحاخامية، ويتلقّون الدعم الغربي النصراني بدعوى التراث الديني المشترك ... ،
وهكذا يجري الحوار بين طرفين لا يفهم أحدهما لغة الآخر، وكأنه حوار بين كفيف
يستخدم لغة الكلام وأصمّ يستخدم لغة الإشارة، فأنّى يتفاهمان!
أما الأمر الثاني: المترتب على الطبيعة الدينية للدولة العبرية فهو عدم إمكانية
التنبؤ بمستقبل (إسرائيل) السياسي من خلال أدوات وأساليب التحليل العلمي
المستقبلي التي تسمح وحدها بتقديم صورة حقيقية لحدود وآفاق المستقبل المتوقّع،
وهو الأمر الذي يلقي بظلاله أيضاً على مستقبلنا العربي الذي أصبح هو الآخر يتَّسم
بالغموض ويستعصي على التحليل العلمي ومن ثم يصعب تشكيله أو تخطيطه أو
التحكّم في تطوره.
إن استكشاف مستقبل أي مجتمع سياسي من منطلق علمي عقلاني إنما يتحدّد
في ضوء ثلاث مجموعات من المتغيرات:
١ - متغيرات تدور حول الواقع القومي لهذا المجتمع، بمعنى أوضاعه
الداخلية.
٢ - متغيرات خاصة بالواقع الإقليمي المحيط بهذا المجتمع، بمعنى أوضاع
ورغبات ومصالح المجتمعات المحيطة المؤثرة والمتأثرة.
٣ - متغيرات ترتبط بالإطار الدولي، بمعنى موقف القوى الكبرى المتحكمة
في السياسة الكونية أو العالمية.
وهكذا يرتبط التحليل المستقبلي بمتغيرات واقعية حقيقية لا موضع فيها
للوعود والحوائط والهياكل و «الطواقي» ، كما أنه تحليل متعدد المستويات؛ إذ
يفرض نقاء الصورة المتوقعة لمستقبل مجتمع ما تحليلاً شمولياً متكاملاً يعتمد على
قاعدة علمية من البيانات والمعلومات الواقعية التي تغطي الواقع القومي والإقليمي
والدولي الذي يرتبط به هذا المجتمع.
فأين المجتمع الإسرائيلي من كل ذلك؟
لو تجاهلنا كل الادعاءات الإسرائيلية المرتبطة بالدين، وافترضنا جدلاً أن
الدولة العبرية قد تحوّلت إلى دولة قومية علمانية يمكن إدراجها (مادة) للبحث
السياسي في نطاق التحليل المستقبلي، لأمكننا حينئذ وحينئذ فقط أن نتوقّع لا بشأن
دولة (إسرائيل) فحسب وإنما أيضاً بشأن المستقبل العربي كله.
إن الأمر لا يتطلب أكثر من جمع وتصنيف وتحليل وتفسير المعلومات التي
ترتبط بمستويات التحليل الثلاثة التي أشرنا إليها آنفاً أي المستوى القومي والإقليمي
والدولي والانطلاق من ذلك لتصوير السيناريوهات الممكنة التي تتمخض عنها
عملية التحليل:
- فعلى المستوى القومي، يمكن الارتكاز إلى بعض المتغيرات مثل: قوة
الاتجاهات العلمانية داخل (إسرائيل) وفي الحركة الصهيونية، وعمليات الهجرة
المضادة إلى خارج (إسرائيل) ، وآثار الانتفاضة، واختلال الكم لصالح العرب،
والانحلال الاجتماعي والأوضاع الاقتصادية والعنصرية في (إسرائيل) .
- وعلى المستوى الإقليمي، نستطيع الإشارة إلى مجموعة من المتغيرات
مثل: افتقاد (إسرائيل) لمساندة بعض الدول كتركيا، وإيران، والحبشة، وتغيّر
بعض القيادات العربية، وتنامي مشاعر العداء ضد السلوك الاستفزازي والتعصبي
الإسرائيلي، والتغيرات في الجامعة العربية، والتكتلات السياسية والاقتصادية التي
تجسّد الاتجاه نحو التجانس الإقليمي والتكامل العربي الإسلامي.
- وأخيراً على المستوى الدولي، يمكن رصد مجموعة من المتغيرات مثل:
استمرار التحيز الأمريكي اللا معقول لـ (إسرائيل) ، والتعاطف الدولي مع
الطرف العربي وبخاصة من جانب القوى الجديدة كالصين واليابان وغرب أوروبا
باستثناء بريطانيا فضلاً عن دول العالم الثالث، وازدهار الصهيونية كظاهرة دولية
عن طريق السيطرة على دوائر المال في أوروبا وأمريكا وروسيا، وانصراف
القيادات الصهيونية إلى امتلاك الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الاقتصادية
غير الحكومية بعيداً عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والعنصرية التي ترتبط
بها الحياة داخل إسرائيل.
جميع هذه المتغيرات ودون الدخول في تفاصيلها تقود إلى عدد من التصوّرات
المستقبلية، ومن أهمها:
١ - عودة اليهود إلى الشتات وتلاشي الصهيونية كظاهرة قومية.
٢ - استيعاب اليهود داخل دولة فلسطينية علمانية قومية.
٣ - استيعاب الفلسطينيين داخل دولة إسرائيلية علمانية قومية.
٤ - استمرار (إسرائيل) كدولة شرق أوسطية إلى جوار دولة فلسطينية
مستقلة.
٥ - قيام دولة فلسطينية إسرائيلية ثنائية القومية.
هذه التصورات ترتبط كما ذكرنا بتخلي الإسرائيليين عن عملية خلط السياسة
بالديانة اليهودية، وقبولهم الدخول في حوار مع العرب من منطلقات سياسية بحتة،
أما إذا استمروا في استخدام المنطق والمقولات الدينية في الحوار والحركة، فإنه لا
يمكن التعامل معهم والوصول إلى حل للمشكلة إلا بارتكاز العرب أيضاً في حوارهم
وحركتهم إلى المنطق الديني الإسلامي الذي يمكنه وحده في هذه الحالة التعامل مع
المشكلة وحسمها وذلك من منطلق مفهوم الجهاد، وحينئذ لن يكون هناك سوى
تصوّر واحد لمستقبل إسرائيل السياسي، وهم يعلمونه جيداً.
стр. 4354
المسلمون والعالم
خيارات السلطة الفلسطينية
بين الإصلاح السياسي والروى السلمية الأمريكية
باسل يوسف النيرب
بإعلان الحكومة الإسرائيلية إقامة جدار فاصل بين الأراضي المحتلة عام
١٩٦٧م والمناطق المحتلة عام ١٩٤٨م، وبخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش
حول السلام في الشرق الأوسط في ٢٥/٦/٢٠٠٢م عاش الشارع الفلسطيني المزيد
من الهموم التي أثقلت على هموم الحصار والتجويع هماً آخر في سبيل الحرب
والاستقلال، وما بين شارون الصامد سياسياً إلى الوضع الاقتصادي الإسرائيلي
المنهار ينظر الشارع الإسرائيلي إلى أداء رئيس وزرائه المنتخب ذي الجماهيرية
العالية الذي أعلن خطته للسلام.
أغلب هذه الخطط بل كلها تصب في مصلحة إسرائيل، ولن تعطي المجال
للطرف الفلسطيني من التقاط أنفاسه ليستمر في الانتفاضة.
* جدوى الإصلاح الفلسطيني:
بدأ الإصلاح الفلسطيني إسرائيلياً، ثم أخذت السياسة الأمريكية على عاتقها
مطالبة السلطة الفلسطينية بالإصلاح، ثم باشرت السلطة الفلسطينية دورها بالقيام
بالإصلاحات بحجة المطالبة الشعبية بالإصلاح الداخلي.
في هذا الصدد لا بد من التأكيد على أن حملة السور الواقي التي قامت بها
قوات شارون في الضفة الغربية في مارس ٢٠٠٢م قد عرت وجه السلطة الحقيقي
التي أخفقت في الدفاع عن «مكتسباتها المتوهمة» بعد أوسلو، ومنها الوضع
الهش لسلطتها في المناطق التابعة لها مباشرة المسماة: مناطق «أ» .
إن موضوع الإصلاح الداخلي بدأ فلسطينياً عام ١٩٩٩م عندما قامت مجموعة
العشرين في بيان صادر في ٢٧/٩ بالمطالبة بإصلاحات داخلية، وكان هذا البيان
قد أيده ما يزيد عن ٢٠٠ شخصية فلسطينية حزبية ومستقلة. وجاء البيان بعنوان:
«الوطن ينادينا» ، ودعا إلى الإصلاح الحقيقي ليعالج الفساد والإذلال والاستغلال،
وتجنب الشعب الفلسطيني الاستسلام للمؤامرة، وقد قوبل البيان بحملة قمع طالت
من أيده ووقع عليه، وتعرض الموقعون إلى الإقامة الجبرية والتشويه السياسي،
وطالب البعض بتقديمهم للمحاكمة. أما دعوات الإصلاح الحالية فقد طالبت مجلس
الوزراء والأجهزة الأمنية وضبط حركتها وجعلها في جهاز واحد تحت قيادة واحدة.
تتمحور الإصلاحات التي أطلقتها السلطة الفلسطينية بعد تنامي الدعوات
الإسرائيلية والأمريكية لها فيما يلي:
- توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
- إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.
- استحداث منصب رئيس وزراء فلسطيني له اليد العليا في تنفيذ توجيهات
السلطة.
- شفافية اقتصادية ورقابة على الأموال حتى لا تذهب إلى مقاومة إسرائيل.
ومع أن مطالب الإصلاح كانت فلسطينية منذ ما يقارب ثلاث سنوات إلا أن
الهدف الإسرائيلي الحالي من وراء هذه الفقاعة هو أن تكون الإصلاحات وخاصة ما
يمس الأجهزة الأمنية دوراً يكمل عمل قوات شارون في الضفة والقطاع، ويقمع
أي عملية في مهدها قبل الإقدام عليها وبأيدي فلسطينية. وقد لا يقبل الرئيس
عرفات بالإملاءات الأمريكية والإسرائيلية كاملة حول عملية الإصلاح؛ ولكن بدون
أدنى شك سيكون من مصلحة إسرائيل دائماً الاستجابة ولو لمطلب واحد من
المطالب التي تطول بها القائمة الإسرائيلية، وخاصة بعد الصفقات المدحضة التي
قام بها الرئيس عرفات إزاء أزمة المحاصرين في كنيسة المهد أو حتى في محاكمة
قتلة رحبعام زائيفي لفك حصاره في رام الله، والقبول بالتراجع عن لجنة تقصي
الحقائق في مخيم جنين؛ كل هذه التراجعات التي قادها عرفات وغيرها تصب دائماً
في القناة الإسرائيلية لإجهاض حلم الحرية والاستقلال الفلسطيني.
* إما رؤية بوش أو دبابات شارون:
أعلن الرئيس الأمريكي في خطاب الرؤية الأمريكية للسلام تحميل الجانب
الفلسطيني مسؤولية العنف الدائر في المنطقة؛ فالفلسطينيون تحت الحصار،
والإسرائيليون مستمرون في العيش بحالة من الرعب من جراء العمليات ضد
إسرائيل، كما تناول خطاب الرؤية حاجة عملية السلام في الشرق الأوسط إلى قيادة
فلسطينية جديدة حتى يمكن للدولة الفلسطينية المرتقبة أن تقوم.
وحدد بوش في خطابه أنه عندما تقوم القيادة الفلسطينية الجديدة بإجراء
ترتيبات أمنية مع إسرائيل فإن الولايات المتحدة سوف تدعم قيام الدولة الفلسطينية.
كما نوه في خطابه إلى الدور المرتقب لكل من الولايات المتحدة والدول
الأوروبية وصندوق النقد الدولي في دعم وتشجيع الشفافية والرقابة المستقلة على
المؤسسات التابعة للاقتصاد الفلسطيني مما يحقق الشفافية والرقابة المستقلة، وطالب
الدول العربية بالتطبيع الكامل مع إسرائيل، وفي ذات الوقت طالب إسرائيل بإنهاء
الاحتلال باعتبارها من أكثر البلاد ديمقراطية.
وتوقع بوش في خطابه أن تقوم الدولة الفلسطينية المؤقتة بعد ثلاث سنوات
بعد أن تكون قد أتمت عملية الإصلاحات الداخلية.
هذا فحوى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي. وقبل الدخول في موقف
الأطراف المعنية «الإسرائيلية والفلسطينية» لا بد من التأكيد على أن الخطاب
حمل رخصة لاستمرار عملية القتل على يد شارون أو القبول بالإصلاحات على
الطريقة الأمريكية الإسرائيلية.
* فلسطينياً:
مع أن الجانب الفلسطيني أعطى موافقة على رؤية بوش بشكل متسرع، فقد
رحبت القيادة الفلسطينية بالخطاب إما للخروج من حالة الحصار السياسي التي
تعاني منها القيادة الفلسطينية أو القبول بأي مشروع هش للسلام حتى لا يكون
الطرف الفلسطيني وحيداً في الساحة، ولا يتركها لشارون الذي يلتقط أي مبادرة
لتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية الإخفاق.
إلا أن الجانب الفلسطيني الشعبي والمؤسسات الأخرى من نقابات وأحزاب
ورجالات من المجتمع المدني اعتبرت أن رؤية بوش أحد أشكال التآمر على هبة
الأقصى. وقد اعتبر بعض رجالات ومسؤولين في السلطة الفلسطينية أن ما تضمنه
خطاب بوش من تغيير القيادة الفلسطينية كشرط لإقامة الدولة هو تدخل في الشأن
الفلسطيني، واعتبر العديد من مسؤولي السلطة أن ياسر عرفات لم يأت من الخارج
بل هو منتخب من الشعب، والبرلمان الموجود منتخب أيضاً من الشعب الفلسطيني.
ومع أن وقع الشارع العربي يكاد يجمع على رفض رؤية بوش؛ لأنه تبنى
رؤية شارون فيما يتعلق باستمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، وحتى في
الحديث عن شكل ومعنى وحدود الدولة الفلسطينية التي ستقام بعد ثلاث سنوات،
والرفض قائم لأن خطاب بوش يحمل في طياته القضاء على هبة الأقصى وتكريس
الاحتلال واعتباره احتلالاً «ديمقراطياً» كما أن الرفض لهذه المبادرة أو الرؤية
قائم؛ لأن الإدارة الأمريكية تحاول التدخل السافر في خيار الشعب وإجباره على
تبديل القيادة بانتخاب قيادة بديلة أو حتى تعيين قيادة جديدة من خلال طرح أسماء
تكون خليفة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
كما جاء خطاب بوش بصورة أوامر للقيادة الفلسطينية، وكان واضحاً
الانحياز الأمريكي إلى الجانب الإسرائيلي من خلال تفهم دورها في مكافحة
الإرهاب، ومطالبة إسرائيل بأمور بسيطة لا ترتقي إلى مطالب الشعب الفلسطيني،
ويعطي الضوء الأخضر لإسرائيل باستمرار مسلسل العدوان والانحياز المطلق
لصالح إسرائيل.
ويعد خطاب بوش مخيباً للآمال كما كان متوقعاً فهو لم يتطرق إلى مسائل
القدس واللاجئين والمستوطنات، وهي قضايا رئيسة لا يمكن إغفالها في أي طرح
سياسي للحل في الشرق الأوسط.
* إسرائيلياً:
مع حالة التناغم الأمريكي الإسرائيلي أعلن شارون موقفه من خطاب بوش
والذي جاء في بيان صادر عن رئاسة الحكومة جاء فيه: «فقط بعد التوقف التام
للإرهاب والعنف والتحريض على العنف، وعندما تقوم السلطة الفلسطينية
بإصلاحات حقيقية تتضمن قيادة جديدة سيكون من الممكن بحث كيفية التقدم على
المسار السياسي» .
واعتبر وزير الاتصالات الإسرائيلي يرفين ريفلين أن خطاب الرئيس
الأمريكي حول الشرق الأوسط كان يمكن أن يكتبه مسؤول في الليكود، وقال:
«في إمكاني أن ألقيه في الكنيست» .
كما وصفت صحيفة يديعوت آحرونوت الرئيس الأمريكي بأنه عضو في
الليكود، واعتبرت صحيفة هآرتس أن خطاب الرئيس بوش يعد انتصاراً
لدبلوماسية أرئيل شارون الذي تمكن خلال زياراته وقد بلغت ست زيارات من إقناع
بوش بإقصاء الرئيس عرفات.
هذا وقد تناولت أروقة السياسة الإسرائيلية أنه يجب تقليد بوش وسام
الصهيونية بعد الخطاب.
وكتب المعلق السياسي الإسرائيلي ناحوم برنييع فقال: من ناحية سياسية يبدو
وكأن شارون يمكنه أن يطالب بأي شيء؛ فمخطط بوش لم يطالبه بأي شيء الآن.
يجب أولاً استبدال السلطة الفلسطينية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية وسلطة القانون
والاقتصاد الحر؛ وبعد ذلك تقوم الدولة الفلسطينية المؤقتة التي ستفاوض إسرائيل
حول الحدود الآمنة المتعارف عليها.
وختاماً في هذا الشأن يعد خطاب بوش كما وصفه أفيجدو ليرلمان ضوءاً
أخضر لشارون ليقوم بالمزيد من المخطط الذي يزمع تنفيذه، وبالتأكيد لا أحد
يعرف ما يدور في عقل شارون إلا أنه وبشكل عام لن يخرج عن حلم إسرائيل
الكبرى.
* الجدار الفاصل:
تعد فكرة الجدار الفاصل فكرة تراثية توراتية؛ فهي ليست جديدة على الشعب
اليهودي ففي التوراة التي نجدها مليئة بالحديث عن أسوار أورشليم وأريحا، ولا
داعي لذكر نصوصها هنا، ولكن الانغلاق اليهودي معروف في التاريخ؛ فمن
جدران أريحا وأورشليم ومن ثم تحولهم إلى مهاجرين في أصقاع الأرض ظهرت
فكرة الجيتو التي لا تختلف كثيراً عن السور الواقي.
وبإعلان مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر إقامة الجدار الأمني الفاصل بين
الضفة الغربية والمناطق المحتلة عام ١٩٤٨م تعالت الصيحات الرافضة داخل
الكيان الصهيوني إما بحجة أن هذا الجدار يقضي على وحدة أرض الآباء والأجداد،
ومثَّل هذا التيار الديني المتشدد إسحاق ليفي من الحزب القومي الديني، وتيار آخر
اعتبر أن هذه الخطوة وما تشكله من فصل أحادي يعترف الجانب الإسرائيلي
بالحدود للدولة الفلسطينية القادمة.
يمتد السياج الأمني لمسافة ٣٠٠ كم على خط حدود ١٩٦٧م، ويتراوح
عرض الجدار الأمني الفاصل ما بين ٥ - ١٥ كم بعد خط الحدود الدولي، ويتشكل
الجدار من مناطق عازلة وحواجز وغرف مراقبة وكاميرات لرصد الحركة على
الجانبين إضافة إلى الأسلاك الكهربائية، وقد يكون النموذج الأمني الذي أقامه
الجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانية الفلسطينية الأقرب إلى الحلم الشاروني
الحالي، وفي الخطوة الأولى للجدار سيمتد مسافة ١٠٠ كم، وتقدر المصادر
الإسرائيلية تكلفة إنشاء الكيلو متر الواحد بحوالي مليون دولار أمريكي.
ولا بد من التنويه هنا أن الجدار الشاروني الأمني سيمتد داخل الأراضي
الفلسطينية، ولن يقضم أي مستوطنة؛ فقد تمت مصادرة ٩٧٠ دونماً من الأراضي
الواقعة تحت نفوذ سلطة بلدية أم الفحم، و٧٠٠ دونم في المناطق الشرقية من أم
الفحم، وسيقسم منازل ويجعلها خارج السور الأمني.
فلسطينياً: يشكل هذا الجدار خنجراً آخر في صدر من يحاول عبور تلال
الضفة الغربية ليهرب من حالة الحصار الخانق ليعود مع ساعات الليل الأولى إلى
منزله في الضفة الغربية بعد يوم عمل شاق في مناطق ١٩٤٨م الفلسطينية.
إسرائيلياً: يكاد المجتمع الإسرائيلي يجزم بأن الجدار الأمني لن يضع الحل
للعمليات الاستشهادية؛ والمثال الشاهد على هذا حالات قصف المستعمرات الشمالية
وخطف جنود الاحتلال في المناطق اللبنانية التي كانت محتلة ولم ينفعهم الجدار
الأمني، وكل التجهيزات الأمريكية والصهيونية لرصد تحركات المقاومة في جنوب
لبنان، وانتهى الأمر في الجدار إلى الانهيار وخروج الجيش الإسرائيلي بشكل مذل.
لقد تناولت صحيفة هآرتس هذا السياج في افتتاحيتها، وقالت: سيقع على
عاتق قوات الأمن مهام إضافية منها تخصيص قوات للحفاظ على الأمن في منطقة
السياج وحماية المستوطنات بشكل مكثف.
وأضافت الصحيفة: سيقضم السياج قطعاً من الأرض على الجانب الفلسطيني
داخل الخط الأخضر، وسيحرف في أماكن معينة للإحاطة بتجمعات إسرائيلية؛ أما
في منطقة القدس فمن المتوقع أن يفاقم السياج عندما يصل إلى هناك المشاكل
السياسية والديمقراطية.
يجب أن نأمل في أن يقلل السياج من الثمن الدموي الذي لا يطاق والذي يتم
جبايته يومياً تقريباً من المواطنين الإسرائيليين الآمنين، إن هذا الجدار لن يستطيع
خلق إغلاق تام، والبديل أمام خبراء الأمن هو إقامة حرب احتلال متواصلة يتم
خوضها في عمق المناطق الفلسطينية، وسيعمل هذا الجدار على الفصل بين كيانين
قوميين وجغرافيين. ويشكل الجدار الأمني ليس فصلاً بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، ولكن بين الإسرائيليين أنفسهم بين سكان مناطق ١٩٤٨م
والمستعمرات في الضفة الغربية، مما يضيف تناقضاً آخر إلى جملة التناقضات
التي تعج بها «الدولة» .
* شارون الصامد:
مع أن شارون لم يتمكن من الوفاء في تحقيق الوعود الانتقامية التي قطعها
إبان فترة حكمه؛ إلا أن بقاءه في سدة الحكم أحد الظواهر الأكثر غرابة في تاريخ
الحياة السياسية الإسرائيلية.
شارون سياسياً على الأقل صامد إلى ما بعد الانتخابات الفلسطينية المتوقع
إجراؤها في بداية عام ٢٠٠٣م، ولكن هل الصمود السياسي الذي تحظى به
الحكومة الإسرائيلية الحالية كفيل ببقاء استقرار الأوضاع اقتصادياً واجتماعياً؟
يعاني المجتمع الإسرائيلي حالياً من تفاقم ظاهرة البطالة التي ارتفعت بنسبة
١٠%، وزاد عدد الفقراء في المجتمع، وتعاني كافة القطاعات من خسائر
اقتصادية من جراء حالة الحرب التي تعيشها المناطق الفلسطينية إضافة إلى اتساع
ظاهرة العنف داخل الأسر.
ولمواجهة هذه التحديات عمدت الحكومة إلى تقليص موازنة ٢٠٠٢م بنسبة
٣ %، وتقليص الزيادة المقررة في الموازنة العسكرية، وزيادة العجز في
الموازنة ليصبح ٢.٨٥ مليار دولار.
كما تراجعت السياحة بنسبة ٤٨%، وتراجع الاستثمار الأجنبي في السندات
الإسرائيلية بنسبة ٩٨%، وفرضت الحكومة الإسرائيلية ضريبة القيمة المضافة
بنسبة ١%، وفرضت المزيد من الضرائب على العمل أي أن الاقتصاد يعاني من
ركود عميق.
وأمام صورة التخبط الاقتصادي التي يعاني منها شارون في إدارة الائتلاف
الحاكم جاءت له الصفعة من حزب شاس الذي حاول الخروج من الائتلاف الحاكم،
ولكنه عاد ليوافق على السياسة التقشفية الاقتصادية التي تبناها شارون، وكان
حزب شاس قد عارض الخطة التي طرحها شارون لتخفيض الميزانية الإسرائيلية
بمليارات الشيكلات لمكافحة التضخم الاقتصادي.
أمام هذا الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه (إسرائيل) لا بد من التأكيد أن
حالة من عدم الاستقرار تنتاب القطاعات الحزبية التي تحاول جاهدة الصمود ولكنها
تتخبط سياسياً.
فخلال المؤتمر العام لحزب الليكود ظهر شارون وكأنه أحد الرجالات المحبين
للسلام والداعم لقيام دولة فلسطينية على عكس نقيضه نتنياهو الذي رفض قيام
الدولة علناً وصراحة، وفي ذات السياق محاولات أحزاب اليسار تأييد إقامة دولة
فلسطينية والخروج من المناطق المحتلة (الضفة والقطاع) .
وفي هذا الجانب نورد هذا الاستطلاع الذي يُظهر ميل المجتمع الإسرائيلي
إلى اليمين والتأييد الجارف لسياسات شارون في كل عملياته العسكرية؛ فقد قامت
شركة ماركت ووش باستطلاع للرأي نشر في صحيفة معاريف بتاريخ ٦/٧/٢٠٠٢م
شمل ٥٩٠ أكد ٦١% منهم أنهم راضون عن أداء شارون في المجال العسكري،
و٦٩% ضد التفاوض مع السلطة الفلسطينية، و ٥٨% مع طرد الرئيس ياسر
عرفات من رام الله، ونالت سياسة شارون الاقتصادية نسباً متدنية جداً.
* رؤية شارون للسلام:
غداة إعلان شارون ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء نشرت صحيفة هشوفيه
بتاريخ ٢/٢/٢٠٠١م خطة شارون للسلام وجاء فيها: القدس الموحدة عاصمة أبدية
لإسرائيل، لا سيادة إلا السيادة الإسرائيلية على غور الأردن، لا لعودة اللاجئين،
ولا لتفكيك المستوطنات، إقامة الدولة الفلسطينية على ٤٢% من الضفة الغربية.
وفي مؤتمر قيسارية الاقتصادي في ٤/٧/٢٠٠٢م أعلن شارون عن رؤيته
للسلام، وقال حتى لا تبقى المنطقة في وضع سلبي وتحتمل التأويلات، وقدم
اقتراحه للسلام كما يلي:
- إبعاد عرفات عن السلطة بأي وسيلة.
- إعطاء أرض للفلسطينيين أقل أو أكثر من ٤٠%.
- إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
- إخلاء بعض المستوطنات المعزولة.
- عدم إخلاء منطقة غور الأردن لمنع التواصل الإقليمي العربي.
شارون الآن وبعد شعوره بالنجاح من جراء العمليات الانتقامية التي يقوم بها
الجيش الإسرائيلي في المناطق التي أعاد الجيش احتلالها يشعر أنه قضى على
البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، وأنهك المجتمع الفلسطيني اقتصادياً وبشرياً من
جراء حالة الحصار، والعديد من الشهداء والجرحى في صفوفه يشعر أنه بإمكانه
فرض ما يريد من الحلول على الشعب، ولكن هل سيقبل الشعب الذي رفض زيارة
شارون إلى المسجد الأقصى بالحلول التي يقدمها شارون بين الحين والآخر؟
بالتأكيد لا؛ لأنَّه يدرك أنَّ القضية ليست قضية أرض فحسب، بل هي قضية
دين؛ والبرهان العمليات النوعية بعد عملية الطريق الحازم الإسرائيلية.
стр. 4355
المسلمون والعالم
فتح ملف جنرالات الجزائر في باريس
يحيى أبو زكريا [*]
كان النظر في الدعوى التي رفعها وزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار
المسؤول حسب اعترافاته في مذكراته عن وقف المسار الانتخابي الجزائري في
كانون الثاني - يناير سنة ١٩٩٢م على الملازم في القوات الخاصّة الجزائريّة
الحبيب سوايديّة الذي ألف كتاباً بعنوان: (الحرب القذرة في الجزائر) عقب لجوئه
إلى فرنسا وفراره من القوات الخاصّة الجزائريّة، وفي كتابه الذي صدرت منه
مئات آلاف النسخ باللغة الفرنسيّة يتهم الحبيب سوايدية جنرالات الجيش الجزائري
ومنهم الجنرال خالد نزار بإصدار أوامر لقتل المدنيين، وذبح مئات الجزائريين،
ونسبة كل ذلك للإسلاميين. وقد أثار هذا الكتاب زوبعة كبيرة في الجزائر وأوروبا
باعتبار أن مؤلفه شارك شخصيّاً في المذابح التي يدعي أنّ الجيش الجزائري اقترفها
في حق الجزائريين المدنيين. وكانت المؤسسة العسكرية في الجزائر قد حكمت
بعشرين سنة سجناً على الحبيب سوايديّة؛ لأنه أفشى أسراراً تتعلّق بالجيش
الجزائري ونشرها خارج الجزائر.
وقد حشد الجنرال خالد نزار لهذه المحاكمة كل الضبّاط والشخصيّات السياسية
التي تحسب على تيار استئصال الحركة الإسلاميّة في الجزائر؛ بينما حشد الحبيب
سوايديّة شخصيات جزائريّة سبق لها أن اعترفت بدور الجيش الجزائري في
المذابح الجزائريّة واغتيال الرئيس الجزائري الأسبق محمّد بوضياف. ومن المتوقّع
أن يدلي حسين آيت أحمد بشهادته في هذه المحاكمة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك عشرات الجزائريين المقيمين في فرنسا رفعوا
دعوى على الجنرال خالد نزار بتهمة تعذيبهم في معسكرات الاعتقال في الجزائر أو
تعذيب أقاربهم من الإسلاميين. وقد أعادت هذه المحاكمة التي بدأت في الأوّل من
تمّوز وإلى الخامس منه فتح كل الملفات الثقيلة التي ترتبط على وجه التحديد بالفتنة
الجزائريّة التي بدأت في سنة ١٩٩٠م وما زالت مستمرّة إلى يومنا هذا. وفي
الوقت الذي يرتكز فيه محامو خالد نزار على الضرورات التي دفعت خالد نزار
وزير الدفاع والرجل الأقوى في الجزائر في ذلك الوقت إلى إلغاء المسار الانتخابي
ومنع قيام دولة إسلاميّة في الجزائر وهو ما توافق عليه فرنسا جملة وتفصيلاً، فإنّ
الملازم حبيب سوايديّة ومعه بعض الضبّاط الجزائريين الفارين إلى أوروبا يعتمدون
في ادعائهم على شهادات خاصّة ووقائع عاشوها بشكل شخصي. والغريب أنّ هذه
الملفات الثقيلة يتمّ فتحها في فرنسا التي أزهقت ذات يوم أرواح ملايين الشهداء
الجزائريين، وفي الذكرى الأربعين لاستقلال الجزائر ولسان حال فرنسا: ألم يكن
من الأجدى لو بقيت الجزائر في يد فرنسا؟
وتجدر الإشارة إلى أنّه بعد استقلال الجزائر في ٥/٦/١٩٦٢م ألَّف الرئيس
الجزائري الأسبق محمّد بوضياف الذي اغتيل في ٢٨/٦/١٩٩٢م في الجزائر كتاباً
بعنوان: (الجزائر إلى أين؟) وبعد أربعة عقود ما زال السؤال ساري المفعول،
وما زالت الأجوبة تتوالى على هذا السؤال دون أن تعرف الجزائر طريقها باتجاه
السلامة الكاملة. والواقع أنّ الإجابات عن هذا السؤال كانت كثيرة ومتشعبة، كما
أنّ الإجابات التي تطرقت إلى المسؤول عن الكوارث السياسية والأمنيّة التي حلّت
بالجزائر وصناعة الموت كثيرة أيضاً. وكتاب: (الحرب القذرة) للضابط
الجزائري الحبيب سوايديّة الذي يتهم فيه المؤسسة العسكريّة باقتراف مجازر فظيعة
ضد مدنيين في الجزائر ليس الوحيد في هذا الموضوع؛ فقد أصدر الضابط السابق
في المخابرات الجزائريّة هشام عبّود الذي كان يعمل بقسم التحاليل والتقييم في
المخابرات الجزائرية عندما كان على رأسها الأكحل عيّاط وبعدها عمل مديراً
لمكتب مدير المخابرات الجزائريّة بعد الأكحل عيّاط محمّد بتشين الذي بدوره أصبح
المستشار الأمني لزروال في وقت لاحق - أصدر كتاباً يحمل عنوان: (مافيا
الجنرالات) وقد أثار زوبعة كبيرة كالكتاب الذي أثاره كتابا: (الحرب القذرة في
الجزائر) لسوايديّة و (من قتل من في بن طلحة؟) ليوسف نصر الله. وفي كتابه
يحمّل هشام عبود المحلل في الاستخبارات الجزائريّة سابقاً الجنرالات - وقد عدّ
اثني عشر جنرالاً منهم مسؤوليّة الضلوع في معظم قضايا الاغتيالات والاضطرابات
السياسية والأمنيّة، ونفس هذا الضابط كشف لجريدة لونوفال أوبسرفاتور الفرنسيّة
أنّ الجنرال العربي بلخير رئيس ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حاليّاً أصدر
شخصيّاً الأمر باغتيال المعارض الجزائري المحامي علي مسيلي في فرنسا، وكان
عبّود الذي يعيش لاجئاً سياسيّاً في باريس قد سرب معلومات خطيرة للصحافة
الفرنسية عن الأدوار التي اضطلعت بها الأجهزة الأمنيّة في الجزائر في قضايا
خطف المعارضين واغتيال النشطاء السياسيين. وبالتوازي مع حركة نشر الغسيل
الجزائري في الخارج قام النقيب هارون وهو ضابط جزائري سابق والناطق باسم
حركة الضبّاط الجزائريين الأحرار في الخارج الجزائري بكشف العديد من الأسرار
المرتبطة بمشهد الدم المتواصل في الجزائر. وفي تصريحه لجريدة النصر
الجزائرية الصادرة في مدينة قسنطينة شرقي الجزائر اتهم القيادي في جبهة الإنقاذ
الإسلاميّة عبد القادر بوخمخم الجنرال المتقاعد خالد نزار بأنّه المسؤول عن
الأحداث التي تعيشها مناطق القبائل؛ وفي تحليله لمستجدات الوضع الجزائري قال
بوخمخم: إن التحركات القبائليّة لم تكن عفويّة، بل كانت مرتبة بشكل مسبق.
وفي السياق ذاته يذهب سياسي جزائري إلى القول بأنّ الأحداث الأخيرة في
الجزائر هي عبارة عن احتقان شديد داخل مراكز القوة، وقد عودتنا الأحداث
الجزائرية - يقول هذا السياسي الجزائري - أنّ الاحتقان بين مراكز القوة يتمّ
التنفيس عنه عبر مذبحة هنا وهناك، واغتيال هنا وهناك، وتفجير في هذه المنطقة
أو تلك. ومن أسباب استمرار الفتنة الجزائريّة هو نشوء مراكز القوة، وكثرة
الجهات التي تبادر إلى رسم القرار، وفي هذه الحالة ضاع القانون. وعلى سبيل
المثال كانت جهة معينة توافق على إطلاق سراح سجين سياسي معيّن فتقوم جهة
أخرى بإعادة اعتقاله أو خطفه أو اغتياله. وقد قال أحد الضبّاط الجزائريين إنه مع
وجود الجماعة الإسلاميّة المسلحة بقيادة عنتر الزوابري فلا أحد يتساءل عن هويّة
القاتل؛ قال ذلك عندما كان عنتر الزوابري زعيم الجماعة الإسلاميّة المسلحة على
قيد الحياة. وبدورها الجماعة الإسلاميّة المسلحّة عندما كان يتزعمها عنتر الزوابري
أثارت الكثير من الألغاز؛ فالزوابري الذي شارك في الحرب الأفغانيّة وعاد إلى
الجزائر بعدها وجرى سجنه في سجن رقّان الصحراوي مع عشرين ألف معتقل من
أنصار الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ، ثمّ أطلق سراحه ليجد نفسه أميراً للجماعة
الإسلاميّة المسلحة بعد قتل أمرائها السابقين أثار العديد من التساؤلات والاستفهامات
والحديث عن اختراقها أمنيّاً بات في حكم المؤكّد؛ ومهما كانت حقيقة تركيبتها؛ فقد
ساهمت هذه الجماعة في صناعة الموت في الجزائر بشكل كرنفالي. وقد لعبت
الميليشيات التي قامت السلطة الجزائريّة بتسليحها والتي جاوز عدد أفرادها ٥٠٠
ألف في المساهمة أيضاً في صناعة الموت؛ والأخطر فيما لو بدأ انتشار الأسلحة
في المناطق القبائليّة؛ وقد بدأ ذلك حسب معلومات مؤكدة.
إنّ المشرفين على صناعة الموت في الجزائر ومهما كانت مواقعهم ومراكزهم،
ومهما كانت مشاربهم الأيديولوجيّة والفكرية، ومهما كانت أهدافهم يعتبرون أنّ
عدوهم الأساس هو الاستقرار وعودة المياه إلى مجاريها في الجزائر؛ لأنّه ومن
خلال الاستقرار يتأتّى للجميع إعادة فتح الملفات، وإعادة قراءة ما جرى في
الجزائر برويّة وتؤدة؛ ومعنى ذلك تعرية كل الذين كانوا ضالعين في صناعة
الموت في الجزائر. وبروز ظاهرة الاتهامات والاتهامات المضادة بين رسميين
وخبراء في الأجهزة الأمنيّة دليل على أنّ الفتنة الجزائريّة هي دونكيشوتيّة في كثير
من أبعادها؛ ولهذا يتعذّر على كثيرين في الجزائر وخارجها فهم منحنيات الصراع
الدامي في الجزائر والمدموغ بدمغة (سرّي للغاية!!!) .
стр. 4356
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish@albayan-magazine.com
حصانة للقتلة
اعتمد مجلس الأمن قراراً يضمن لمدة سنة الحصانة لجميع الأميركيين
المشاركين في عمليات حفظ السلام في العالم أمام المحكمة الجنائية الدولية. وتبنى
المجلس بالإجماع قراراً يؤكد استمرار عمليات حفظ السلام التي تقوم بها الأمم
المتحدة والتي كانت مهددة من قبل الولايات المتحدة التي تطالب بالحصانة لرعاياها
المشاركين فيها. وتغطي هذه الحصانة التي وردت في القرار رقم ١٤٢٢ جميع
رعايا الدول التي لم توقع معاهدة روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية سواء كانوا
من العاملين في قوات حفظ السلام أو في غيرها. وأعطيت هذه الحصانة لمدة سنة
إلا أن مجلس الأمن عبر عن نيته تجديدها طالما لزم الأمر ( ... ) في الأول من
تموز (يوليو) من كل سنة لمدة جديدة تبلغ ١٢ شهراً، وأعلن السفير الأميركي
جون نيغروبونتي في اختتام الاجتماع وقد بدا التوتر عليه أن هذا القرار (يحترم
الذين قرروا الاحتكام إلى المحكمة الجنائية الدولية ويحمي لمدة سنة الذين لا يريدون
الاحتكام إليها) . وأضاف: (سنستفيد من هذه السنة لإيجاد حماية إضافية تكون
أفضل وهي التي يستحقها المواطنون الأميركيون في رأينا) . إلا أنه حرص على
التحذير بأن الولايات المتحدة تعتبر أن قيام المحكمة الجنائية الدولية باعتقال أي
مواطن أميركي سيكون (عملاً غير شرعي له عواقب وخيمة) . وكانت الولايات
المتحدة هددت في حال لم تحصل على حماية لرعاياها بوقف كل عمليات حفظ
السلام في العالم مع انتهاء ولاية كل منها عبر رفض التجديد لها.
[صحيفة الحياة، العدد (١٤٣٦٠) ]
المقاومة الجديدة!!
س: كوزير للداخلية لا بد أن رأيك سيكون مهماً في موضوع العمليات
الانتحارية التي باتت تثير جدلاً في الشارع الفلسطيني.. ما هو موقفك من هذه
العمليات؟
- أعتقد أن مثل هذه العمليات، في المحصلة لا ينتج عنها أي مكاسب كما
يتصور البعض.. في عمل المقاومة يتحقق مكسب كبير من خلال مكاسب صغيرة،
والمكسب الكبير هو مكسب تراكمي ولكن باعتقادي وقناعتي فإن هذه العمليات لا
تشكل ذلك العمل التراكمي حتى تجلب في النهاية مكسباً كبيراً. يجب على كل
القوى السياسية والفصائل المختلفة أن تتحول إلى العمل السياسي حول السلطة
الفلسطينية والقيادة الفلسطينية بغض النظر عما إذا كانت مؤيدة أو معارضة للسلطة..
في المحصلة يجب أن تعمل جميع الأحزاب والقوى في إطار المصلحة الوطنية
العامة وأن ننتهي من الميليشيات وما شابهها، يجب أن ننتهي منها نهائياً.
هناك استراتيجية سلام نحن ملتزمون بها، والسلطة الفلسطينية أعلنت هذه
الاستراتيجية مرات ومرات وهي ملتزمة بها، ورغم كل ما جرى حتى الآن من
نشاط عسكري في الأرض الفلسطينية من ضربات إسرائيلية للبنية التحتية
الفلسطينية وغيرها فإن استراتيجية السلام هي المعتمدة لدى القيادة الفلسطينية، وما
دام الأمر كذلك فلا بد أن تهيمن هذه الاستراتيجية على النشاط السياسي والنشاط
العام لهذه المنظمات أو هذه الأحزاب والقوى السياسية.. عليها أن تعمل في إطار
هذه الاستراتيجية وليس أن تناقضها أو تدمرها أو أن تعمل بطرق تؤدي إلى ردات
فعل من الطرف الإسرائيلي تؤدي إلى وضع السلطة الوطنية في مآزق صعبة على
الصعد المحلية والإقليمية والدولية. أنا لا أدعو إلى وقف المقاومة وإنما أدعو إلى
مقاومة مدنية شاملة وفي الإطار السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية، بمعنى آخر
في إطار استراتيجية السلام وفي إطار العمل السياسي الذي نقوم به.. علينا أن
نعمل من أجل هذا العمل لتحقيق الأهداف التي نناضل من أجلها في أحسن نتيجة
ممكنة.
[صحيفة الزمان، العدد (١٢٥٥) ]
لن ينفعكم الفرار إلى الوشم
تنتشر بين الشباب الإسرائيلي ظاهرة جديدة، هي وشم أجسادهم برسومات
يعتقدون أنها ستجلب لهم الحظ وتمنع تعرضهم إلى الخطر إذا ما كانوا عرضة
للعمليات.
ويقول أورن ليفي (٢٩) ، صاحب أستوديو «التنين الأزرق» في مدينة
كريات شمونة: «يصل إليَّ في الأشهر الأخيرة عشرات الشبان طالبين مني وشم
أجسادهم برسومات تحميهم من الخطر» . ويضيف: «هؤلاء الشبان يحدثونني
عن الحظ الذي يتمنونه لأنفسهم، عن تخوفهم من العمليات ومن السفر في الباصات.
وقد وصل إليَّ بعضهم بعد موت رفاقهم في عمليات مختلفة. رغبات جميعهم
متشابهة، إنهم يطلبون وشماً يمنحهم الحظ، تماماً كالشخص الذي يحتفظ بكتاب
التوراة في جيبه» .
كانت إحدى الفتيات التي التقيناها في الأستوديو، وقالت: «انظر ما الذي
يحدث لنا في دولتنا. العمليات تقع في كل يوم تقريباً، وأنا التي أضع وشماً لأول
مرة في حياتي، أبحث عما يساعدني في التغلب على الخوف. أبحث عن شيء
يجلب لي الحظ، وينقذني إذا ما تعرضت إلى عملية، معاذ الله» .
على كتف إلينور حفر ليفي رسماً لنجمة داود المكسورة تتوسطها دمعة كبيرة.
«ربما يفسر ذلك تماماً ما حدث لنا خلال السنة الأخيرة. آلامي وآلام الكثير من
الشبان في البلاد هي آلام حقيقية. إننا نبحث عن شيء يحافظ علينا، من جهة،
ويشكل من جهة أخرى، رمزاً نتضامن معه» ، تقول الشابة، وتضيف: «أنا
أومن بنجمة داود لكنها مكسورة في هذه الأيام التي نواجه فيها العمليات، وتتوسطها
دمعة. ربما أرجع إلى هنا في المستقبل، إذا تحسنت الأوضاع، لأكمل رسم
النجمة وأزيل الدمعة» .
عند مدخل أستوديو ليفي ينتظر الكثير من الشبان، وكل واحد منهم يبحث
عما ينقذه. الكثير منهم يطلبون وشم نجمة داود، كما رسمتها إلينور، وبعضهم
يخرج وقد حفر على جسده وشم نجمة داود النازفة.
[موقع يديعوت أحرونوت - www.arabynet.com]
تـ (شريف) العلمانية!!
قال بسام أبو شريف مستشار الرئيس ياسر عرفات إنه بدأ خطوات تشكيل
حزب فلسطيني جديد مشيراً إلى أنه سيكون حزباً علمانياً ويتصدى للحركات
الإسلامية التي يتنامى دورها داخل المجتمع الفلسطيني، وأنه سوف يطلق على
الحزب اسم (الحزب الديمقراطي الفلسطيني) . وأوضحت مصادر مقربة أن
د / حنان عشراوي، ود / إياد السراج وعدداً من المسؤولين والقيادات السياسية
في السلطة الفلسطينية ضمن ٨٠ شخصية معظمها من نابلس ورام الله ستنضوي
تحت لواء الحزب الجديد.
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٦٥) ]
نحر أهل السنة مستمر
أثار مقربون من نور محمد ناروئي، الزعيم البلوشي الإيراني الذي يعتبر من
الشخصيات السنية البارزة في إيران وقتل في مطلع شهر يوليو الماضي في مدينة
كويتا الباكستانية، عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني، شبهات حول دور الأجهزة
السرية الإيرانية في عملية الاغتيال. وقد قتل ناروئي في هجوم مسلح حيث اقتحم
مجهولون بيته وأطلقوا النار عليه وعلى زوجته فمات هو في الحال بينما تخضع
زوجته للعلاج في المستشفى. واشتهر ناروئي، وهو من أبرز الشخصيات السنية
المعارضة للنظام الإيراني، بمواجهاته مع الحرس الثوري الإيراني في بلوشستان
الإيرانية، واضطر إلى الفرار إلى أفغانستان إثر تعرضه لمحاولات اغتيال،
وأمضى سنوات في مدينة هيرات القريبة من الحدود مع إيران. وبعد سقوط نظام
طالبان وسيطرة زعيم الحرب إسماعيل خان المقرب من إيران على هيرات انتقل
ناروئي إلى كويتا. ويقول أقاربه إن أجهزة الحرس الثوري الإيراني تقف وراء
اغتياله، مشيرين إلى مقتل اثنين آخرين من زعماء البلوش أخيراً، هما محمد عمر
خان ونبي صالح زهي اللذان تقول المصادر البلوشية إن الحرس الثوري دبر
عمليتي قتلهما.
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٨٦١٨) ]
مدارس ضد الإرهاب
صرح وزير الداخلية الباكستاني حيدر معين الدين أن الحكومة الباكستانية
بصدد إنشاء مدارس ضد الإرهاب في البلاد لتعزيز سيادة القانون وشن حملة توعية
لتحسين أداء الحكومة في حربها ضد الإرهاب. وقال معين الدين الذي كان يتحدث
إلى برنامج في الإذاعة الباكستانية إن قضية الإرهاب غاية في التعقيد، ولذلك نعمل
في عدة مسارات، وسيستغرق هذا العمل بعض الوقت بطبيعة الحال. وأضاف أن
إطار خطة مكافحة الحكومة للإرهاب يتضمن مشاركة بعض الخبراء من داخل
وخارج باكستان لتدريب عناصر الشرطة ووكالات الاستخبارات الباكستانية من
المقاطعات الأربع في باكستان. بالإضافة إلى ذلك أصدرت وزارة الداخلية
توصيات إلى وزارة التعليم بتضمين بعض النصوص المرتبطة بمكافحة الإرهاب
بالمناهج الدراسية المختلفة. وقال الوزير معين الدين إن وزارة الداخلية تعمل على
تنظيم قوانين التحركات عبر الحدود، وإنشاء قاعدة بيانات للمواطنين الأجانب على
أرض باكستان، وأن باكستان تتفاوض مع الولايات المتحدة لاعتماد ٣٠ مليون
دولار لتفعيل خطة الحكومة الباكستانية. وأشار معين الدين إلى إصدار الجوازات
الباكستانية الجديدة العام المقبل قائلاً إن هذه الخطوة ستسهم في مكافحة الإرهاب
بشكل كبير.
[صحيفة الوطن السعودية، العدد (٦٦١) ]
الإرهاب البحري
قامت طرادتان تابعتان للقوات البحرية الإسبانية بمهام مراقبة طالت ٧٢٥
سفينة، من مجموع ١٣ ألفاً تم تفتيشها من طرف التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب
المتمركز في بحر العرب. وقام بعض جنود البحرية في منتصف (يونيو)
الماضي بعملية تفتيش في المنطقة المحاذية لعدن، استهدفت مركباً متوسطاً، اشتبه
في نقله لإرهابيين حسبما أوضحت مصادر من طاقم الطرادة المذكورة. وأشار قادة
من القوات البحرية إلى أن المراقبة البحرية تركز على السفن التي تربط جنوب
شبه الجزيرة العربية بالقرن الإفريقي، حيث توجد عدة سفن من العالم الثالث
تستعمل أعلام دول أخرى (على حسب الضرورة) . ويشار إلى أن حوالي ٦٠
سفينة تعود إلى ١٦ دولة من عدة قارات من بينها زهاء عشرين من الولايات
المتحدة، تعمل في إطار عملية (الحرية الدائمة) لمكافحة الإرهاب، من أجل
مراقبة السفن التي تبحر في المياه الواقعة بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي وبحر
العرب بالإضافة إلى الخليج العربي. ويتوزع الأسطول على قوات من الضفادع
البشرية والغوص والتموين والعمليات الخاصة والدوريات من بين قوات أخرى تقوم
بمهام المراقبة وتحديد هوية السفن العابرة وتفتيش المراكب التي تثير الشبهات
بخصوص تهريب الأسلحة أو الإرهاب.
[صحيفة الزمان، العدد (١٢٥٠) ]
بدأ التقسيم
دخل مسار تقسيم السودان مرحلة النهاية إثر الاتفاق المعلن بين حكومة
الخرطوم وجيش تحرير شعوب السودان بقيادة جون غرانغ والذي يفضي إلى تنظيم
استفتاء حول تقرير المصير بعد فترة انتقالية تدوم ست سنوات. الاتفاق الذي تم
بوساطة إفريقية هيئة تمثل حكومات حركة النمو الجهوي في شرق إفريقيا وبرعاية
أمريكية فصل من الآن في مسألة تطبيق الشريعة في الجنوب التي تعد ملغاة بينما
سيتولى جيش تحرير جنوب السودان تسيير مقاطعات الجنوب إلى أن يتم الاستفتاء.
ويطرح التساؤل هنا عن طبيعة التنازل غير المنطقي من خلال منح المتمردين
السلطة الانتقالية التي كان يفترض أن تتولاها أطراف إفريقية أدت مهمة الوساطة.
موقف الحكومة السودانية لم يفاجئ الكثيرين خاصة أن الخرطوم بدأت تحضر مناخ
التسوية منذ فترة وكان الرئيس الجنرال البشير قد دعا قبل أقل من شهر إلى إحلال
«السلام في إطار سودان موحد» ، ليخلص إلى التنازل المسبق عن السيادة. ولا
يستدعي كثير تخمين لتحديد دوافع الحكومة السودانية التي عانت العزلة الدبلوماسية
المفروضة من واشنطن الواقعة تحت ضغط مجموعات التنصير المنتشرة في أمريكا
وكندا وشركات البترول التي تخشى أن تخسر سباق التنافس على عقود الاستغلال
للثروة الجديدة في السودان. والراجح أن الحملة والضغط لن يتوقفا ما دامت
الخرطوم أبانت عن نقطة ضعف لا ترحم، وهي استعدادها للتنازل وكأنها تريد
التخلص من «عبء ثقيل» بأي ثمن، وربما تمثل الشرط القادم في المطالبة
بتعويضات لسكان الجنوب لنهب خزينة الخرطوم العاجزة أصلاً.
[مجلة العصر الإلكترونية، www.alasr.ws]
١١ مليون جاسوس أميركي
أثار قرار الإدارة الأميركية، بالسماح للجهات المعنية باستخدام ٤% على
الأقل من الشعب الأميركي، أي أكثر من ١١ مليون مواطن، كجواسيس محليين
ومخبرين يعملون لصالح الاستخبارات، غضب وقلق جماعات حماية الحرية
المدنية بالبلاد. فقد تم الإعلان عن القرار في صورة برنامج نشر على موقع وزارة
العدل على الشبكة العالمية يفيد بأنه بدأ في شهر أغسطس استقطاب مليون أميركي
من أكبر عشر ولايات في أميركا للعمل والتدريب في المرحلة الأولى للبرنامج الذي
يهدف لاستخدام المدنيين في نقل معلومات عن «الأنشطة المريبة» في البلاد.
وحين يكتمل تنفيذ البرنامج سيرفع هذا العدد إلى ١١ مليون شخص. وهذه الخطوة
التي تأتي في إطار الإجراءات التي اتخذتها إدارة بوش بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر للسيطرة على الحالة الأمنية في البلاد، تعني أن الولايات المتحدة سيكون
لديها نسبة من المخبرين السريين المدنيين تفوق تلك التي كانت شرطة ألمانيا
الشرقية تمتلكها في ذروة حقبة الحرب الباردة. ويشير الموقع إلى أن الذين سيتم
استقطابهم سيكونون من المتطوعين الذين سيبحث عنهم بين أوساط العمال الذين
يكونون في وضع «يسمح لهم بأن يتعرفوا على الأحداث غير العادية والإبلاغ عن
الأنشطة المشبوهة» ، وسيكون هؤلاء من بين سائقي القاطرات وعمال البريد،
وجامعي التذاكر في الترام والقطارات وأمثالهم. ويتلقى هؤلاء المخبرون
المفترضون تدريبات ومواد وأجهزة معينة للإبلاغ في أقرب فرع تابع لمكتب
التحقيقات الفيدرالي في المنطقة التي يوجدون بها. ويصف مسؤولون من اتحاد
الحريات المدنية الأميركي الخطوة بالخطورة الشديدة، قائلين: «نعرف كلنا أن
مثل تلك التقارير لا يمكن الاعتماد عليها لأن البعض أحياناً يلجأ إلى تلفيق التهم
لمجرد لفت الانتباه أو لتسوية حسابات شخصية» .
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٦٤) ]
تحرير المرأة شرط للتقدم
أكدت الأمم المتحدة أن الدول العربية تمتلك إمكانيات القضاء على الفقر بين
شعوبها على نحو سريع، لكنها تحتاج إلى تثوير قضية تحرير المرأة والدفع باتجاه
تحقيق المزيد من الحريات السياسية، إلى جانب تطوير وتنمية أنظمة التعليم.
وأشارت المنظمة، في تقريرها السنوي حول التنمية العربية لعام ٢٠٠٢م، إلى أن
لدى الدول العربية «الموارد الكافية للقضاء على الفقر المدقع في أقل من جيل
واحد، وأن الالتزام لا الموارد هو العائق» . وقالت ريما خلف هنيدي المشرفة
على الفريق الذي كلف وضع التقرير، وهو أول تقرير من نوعه يؤلفه باحثون
عرب للمنظمة الدولية، إن تحقيق المساواة للنساء، وتوسيع رقعة العلم، ورفع
سقف الحريات السياسية لها أسبقية على أي شيء آخر في هذا السياق. الدول
العربية واقعة في مصيدة الظلامية والتأخر، والاكتفاء بحريات سياسية مقيدة،
وتعريض المرأة لأشكال مختلفة من القمع المتشدد، وتجاهل تدهور مستويات التعليم.
[مجلة المشاهد السياسي، العدد (٣٣١) ]
أليس فينا معتصم؟
أكد نادي الأسير الفلسطيني أن عدد الأسيرات الفلسطينيات المحتجزات في
سجن الرملة الإسرائيلي للنساء ارتفع إلى ٣٥ أسيرة بينهن قاصرات، في حين كان
عدد الأسيرات قبل اندلاع انتفاضة الأقصى لا يزيد على ٥ أسيرات فقط. وقد
بلغت حالات الاعتقال للنساء الفلسطينيات خلال الانتفاضة وحتى الآن حوالي ٦٠
حالة أفرج عن جزء منهن، بعد إخضاعهن للتحقيق في معتقل المسكوبية، في حين
لا يزال العديد منهن رهن الاعتقال. ولاحظ محامي نادي الأسير الفلسطيني مأمون
الهشيم الذي زار معتقل النساء والتقى بعدد من الأسيرات، وجود قاصرات
أعمارهن أقل من ١٨ عاماً في المعتقل، ينتظرن وقد أصدرت المحاكم الإسرائيلية
حكماً بالسجن الإداري بحق أسيرتين بعد إخضاعهن للتحقيق، وهذه أول مرّة
تتعرض خلالها الأسيرات للاعتقال الإداري، خلال الانتفاضة الحالية. وناشدت
الأسيرات المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان التدخل الفوري والسريع
لإنقاذهن من الوضع المعيشي السيئ في سجون الاحتلال في ظل حرمانهن من
الزيارات، خاصة أن العديد منهن أمهات تركن خلفهن أطفالاً صغاراً.
[صحيفة البيان، العدد (٨٠٦٩) ]
стр. 4357
بأقلامهن
القوامة
وأثرها في استقرار الأسرة والمجتمع
رهام أديب الزعبي
ينطلق المنهج الإسلامي في بناء الأسرة من خلال نظرة الإسلام لها؛ لأنها
الأساس في بناء المجتمع واستقراره؛ فالأسرة كما نعلم هي اللبنة الأولى في بناء
المجتمع؛ إذا صلحت صلح المجتمع بأسره، وإن فسدت فسد كله.
لقد أحاط الإسلام الأسرة بسياج من النظم والتشريعات حدد بموجبها الحقوق
والواجبات لكل من الزوجين، ووزعت الاختصاصات بما يتفق مع القدرة الجسمية
والحاجة النفسية لكل منهما. فهذه النظم والتشريعات تجمع ولا تفرق، تبني ولا
تهدم، تصلح ولا تفسد، وبذلك يتحقق للمجتمع المسلم الطمأنينة والاستقرار والنأي
عن التفكك والانهيار.
إن من القواعد المهمة التي يستقر عليها بناء الأسرة هي القِوامة التي أوكلها
الله للرجل بقوله: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] (النساء: ٣٤) ،
هذه القِوامة التي حاول أعداء الإسلام ودعاة التغريب من أبناء جلدتنا استغلالها في
تحريض المرأة المسلمة عليها مُدَّعين أن المرأة المسلمة تعيش حياة قهر واستبداد
وذل وخضوع واستغلال من قِبَل الرجل، وأنها مقيدة لا تستطيع الحراك إلا بإذنه
وبأمره. فحرضوها وشجعوها على التمرد بدعوى رفع الظلم عنها، وإطلاق
حريتها، ومساواتها بالرجل سواء بسواء.
لقد أصبح واضحاً ومكشوفاً ولم يعد خافياً على أحد اللهم إلا على ذي بصيرة
عمياء أو ذي قلب قد ختم الله عليه أن هذا التحريض ما هو إلا دعوة للتمرد على
أحكام الدين وتشريعاته لتحطيم قواعد المجتمع الإسلامي وأسسه الثابتة، وتدميره من
خلال تقويض دعائمه التي من أهمها على الإطلاق الترابط الأسري والاجتماعي.
نحن نرى أنه لا بد للمؤسسات والشركات التجارية من وجود مدير أو رئيس
لها يدير شؤونها، وما على العاملين بها إلا السير وفق توجيهاته الإدارية. والأسرة
أليست هي الأخرى مؤسسة وبحاجة إلى رئيس يقوم بالإشراف عليها؟ وكيف يمكن
للأسرة أن تستقيم ولها رئيسان يتنازعان أمرها؟ ومن أحق بهذه الرئاسة: المرأة أم
الرجل؟ وهل قوامة الرجل على الأسرة إلغاء لشخصية المرأة كما يدَّعي المنحرفون؟
إن الخصائص التي منحها الله - سبحانه - للرجل من قوة وشجاعة ورباطة
جأش وتحمل للمشاق والصعاب تتناسب وهذه المهمة التي أوكلها الله إليه؛ فهي
تجعله أقدر على القوامة وإدارة الأسرة والسير بها إلى بر الأمان. أما المرأة فهي
تفتقد لتلك الخصائص الموجودة عند الرجل وهي غير مؤهلة للقوامة؛ لأنها زُوِّدت
بخصائص تتناسب ومهمتها في هذه الحياة وهي حضانة النشء وتربيته ومنحه ما
يحتاجه من رقة وعطف ولين، وغير ذلك مما تتميز به المرأة عن الرجل.
فالله قد خلق المرأة والرجل، وزودهما بالصفات الجسمية
والنفسية التي تتناسب ومهمة كل منهما.
يقول صاحب الظلال ﵀: «إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء
شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني، ولا إلغاء وضعها المدني،
وإنما هي وظيفة داخل كيان الأسرة لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة وصيانتها
وحمايتها» [١] .
فمسألة القوامة مسألة خطيرة لا يجوز أن تتحكم بها أهواء البشر ونزواتهم،
ولها من الأهمية ما يدعو إلى الإصرار عليها من قِبَل الرجل وعدم التفريط بها؛
فهي مسؤولية كبيرة ألقيت على عاتقه وسيُسأل عنها يوم القيامة. يقول صلى الله
عليه وسلم: «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يَحُطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة
الجنة» [٢] . وقال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. والرجل راع في
أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها..»
[٣] .
فلا يجوز للرجل المؤمن المسلم أن يخضع لدعوات التغريب وأعداء الإسلام
الحاقدين والاستجابة لهم ليثبت أنه رجل عصري ومتحرر، وأنه من أنصار المرأة
والحفاظ على حقها؛ فهذا لا يجوز؛ لأن الذي شرع القوامة هو الخالق سبحانه
وتعالى، وهو أعلم بمن خلق وما يصلح لهم وما لا يصلح: [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] (الملك: ١٤) .
إن أكثر المشكلات والخلافات الأسرية والعائلية والاجتماعية تنشأ بسبب تنازل
الرجل عن حقه في القوامة وتسليمها للمرأة. وما نشاهده اليوم من نشوز كثير من
النساء وتمردهن ما هو إلا نتيجة لسلبية الرجل وتخاذله في هذه المسألة.
فلو أدرك الرجل خطورة تخليه عن القوامة ونتائجها السيئة التي ستعود عليه
في المستقبل وعلى أسرته لعض عليها بالنواجذ.
كم نرى من رجال ملتزمين دينياً إلاَّ أن زوجاتهم أو بناتهم سافرات متبرجات
كاسيات عاريات. يقول ﷺ : «سيكون في آخر أمتي رجال
يركبون على السروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المسجد نساؤهم كاسيات
عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن؛ فإنهن ملعونات» [٤] .
كم من الرجال من نجده يعيش همّاً بالليل وذلاً في النهار نتيجة تراكم الديون
عليه من جراء طلبات زوجته التي لا تنتهي ولا تتناسب مع دخله المادي؛ وذلك
لإسكاتها وإرضائها أو خوفاً منها؛ فمن الذي دفعها إلى هذا؟ أليس هو تخلي زوجها
عن حقه في القوامة؟
وكم مِن النساء مَنْ حاولت أن تسلخ زوجها عن والديه وتخلق الفتنة وتزرع
الفرقة بينه وبين أشقائه لتبعده عنهم وتلصقه بوالديها وإخوتها وأقاربها؛ تسلط
الأضواء على كل خطأ يصدر عن أهل زوجها وتغض الطرف عن محاسنهم. ولو
كان الأمر يتعلق بأهلها لانعكس الأمر تماماً. ومن المؤسف حقاً أن مجتمعنا يعاني
الكثير من هذه الأمور. إن السكوت عن هذه الأمور وتجاهلها دون السعي لإيجاد
حل لها سيؤدي حتماً إلى العداوة والبغضاء بين أفراد العائلة الواحدة. وفي اعتقادي
أن السبب الرئيس في هذه المسألة يعود إلى سلبية الرجل وضعف شخصيته وتنازله
عن حقه في القوامة.
إن المرأة إذا كانت تعاني من ضعف الوازع الديني ولا تعي ما لها من حقوق
وما عليها من واجبات سوف تحاول إخضاع زوجها لها بشتى الطرق والأساليب؛
فإذا وَجَدَت تنازلاً واحداً منه سعت إلى المزيد حتى تتم لها السيطرة التامة والتحكم
فيه كما تشاء، ثم تفرض سيطرتها على المنزل بكامله ويصبح الزوج المسكين
عندها مجرد بنك لا أكثر ولا أقل.
فمن المسؤول عن ذلك؟! واللهِ إنه الرجل وليس أحداً غيره. يقول صاحب
الظلال ﵀: «لعل من الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط
وفساد ومن تدهور وانهيار، ومن تهديد بالدمار والبوار في كل مرة خولِفَتْ فيها هذه
القاعدة فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة، واختلطت معالمها، أو شذت عن قاعدتها
الفطرية الأصلية» [٥] .
وهنا سؤال يطرح نفسه: هل هناك دور للمرأة في استقرار الأسرة؟
نعم! إن دور المرأة لا يقل أهمية عن دور الرجل؛ لأنه مكمل له؛ وينجلي
دورها هنا في طاعة الزوج في المعروف، ولو لم يكن لطاعة الزوج أثر إيجابي
بالغ لما حض عليه وأرشد إليه رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ فقد وردت أحاديث كثيرة تحض على هذا الأمر
ومنه قوله ﵊: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها،
وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة
شئت» [٦] . وقال أيضاً: «أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة»
[٧] .
وفي المقابل إذا باتت المرأة وزوجها غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح
[٨] . وطاعة الزوج تكون في غير معصية الله ؛ إذ «لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق» [٩] .
وتكون طاعته في حضوره وفي غيابه؛ لأن الله يعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور، [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ
اللَّه] (النساء: ٣٤) .
إن طاعة الزوج واحترامه وتقديره يساعد على تنمية المحبة في قلبه لزوجته،
والعطف والحنان عليها مما يشعرها بالاطمئنان والأمان الذي سينعكس على أفراد
الأسرة جميعهم مما يساعد على تماسكها ويبعدها عن التفكك والانهيار.
ولتعلم المرأة المسلمة أنه ليس من مصلحتها إطلاقاً ولا من مصلحة أبنائها،
بل ولا من مصلحة ذويها أن تحاول سلب زوجها القوامة؛ فإن تمادت في ذلك
واستطاعت السيطرة والتحكم في طفولة الأبناء فسوف تتلاشى سيطرتها عليهم في
عمر المراهقة، هذا العمر الذي يتميز بالتمرد والعصيان؛ فهم في حاجة ماسة إلى
سلطة قوية وحازمة وهذا ما تفتقده النساء عموماً؛ لأنه ليس من طبيعتهن القوة
والحزم وإنما اللين والعطف والحنان.
فلتعد المرأة المسلمة إلى ظلال الشرع الحنيف الذي يحميها وأسرتها من تلك
الفتن التي عصفت بالمجتمع الإسلامي تحت مسمى حقوق المرأة ومساواتها بالرجل
وتمردها على كل القيم والأخلاق الفاضلة الكريمة.
وليعلم كلٌّ من المرأة والرجل أن الأساس الذي يقوم عليه التشريع للناس
وتحقيق مصالحهم وسعادتهم في هذه الحياة هو ما أمر الله به وأذن به،
وليس ما أمر به أعداء ديننا الحنيف.
قال تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ
لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) .
فلا بد من تعاون المرأة والرجل سوياً للحفاظ على كيان الأسرة وأمنها؛ وذلك
من خلال سد كل الثغرات التي تؤذيها؛ ولا يتحقق هذا الأمر إلا بالالتزام الكامل بما
أمر به الشرع وأرشد إليه حتى يكونا القدوة الحسنة والمحضن الآمن والمستقر
لأبنائهما؛ لأن القدوة الحسنة الصالحة هي الأساس المتين لتربية جيل فاعل وبنّاء
في المجتمع؛ فإن فَعَلا ذلك يكونا قد قاما بأداء ما عليهما من الحقوق والواجبات التي
أوجبها عليهما الإسلام، ويكونا قد شاركا بجهدهما في تكوين الأسرة الصالحة بكل
الخصائص والمقومات التي دعا إليها ديننا الإسلامي الحنيف مما يسهم في بناء
مجتمع متميز بآدابه وسلوكه وقيمه ومبادئه العظيمة، وتكون القدوة الصالحة لباقي
المجتمعات ويتحقق فينا قوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١١٠) .
ولا بد من كلمة أخيرة أود أن أوجهها إلى الرجل وهي أن مفهوم القوامة في
البيت ليس معناها إلقاء الأوامر والتحكم الجائر أو القهر والاستبداد أو الظلم أو
الاستعباد لمن تحت رعايته.
يقول تعالى: [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف] (النساء: ١٩) ، ويقول صلى الله
عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله» [١٠] .
وقال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) .
فمن الواجب على الزوج المسلم أن يكون عطوفاً حنوناً ومحباً لأسرته، ليِّناً
في المواقف التي تتطلب اللين، حازماً في المواقف التي تستدعي الحزم.
ومن مستلزمات القوامة أن يكون الزوج قدوة حسنة في التزامه الشرعي
وسلوكه حتى يستطيع أن يؤثر فيمن تحت رعايته. يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ]
(الصف: ٢-٣) .
ويقول تعالى أيضاً: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ
الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (البقرة: ٤٤) .
فإن استطاع الرجل أن يحقق تلك الصفات فإنه - بإذن الله - يتمكن من
الوصول بأسرته وبمجتمعه إلى بر الأمان.
وعندئذ يظهر للجميع أثر القوامة الشرعية التي كلَّفَ الله
بها الرجل لتحقيق استقرار الأسرة الذي ينعكس أثره على المجتمع الإسلامي كله.
стр. 4358
مصطلحات ومفاهيم
دراسات في التعددية الثقافية
Multicultura lism
أ. د. محمد يحيى [*]
من المجالات البحثية الجديدة في محيط العلوم الإنسانية توجُّهٌ ظهر وتطور
على مر عقد التسعينيات تحت اسم lism Multicultura وهو ما يمكن ترجمته
بدراسات التعددية الثقافية أو التنوع الثقافي. ويستند هذا الفرع في المباحث الثقافية
الفكرية (وكذا الفلسفية والأدبية والاجتماعية) إلى نطاق آخر من الأبحاث كان قد
نما في عقدي السبعينيات والثمانينيات في الغرب ولا سيما في بريطانيا، وإلى حد
أقل في الولايات المتحدة تحت مسمى «الدراسات الثقافية» . وكان هذا المجال
الأخير يسعى وبتأثير فكري يساري أو حتى ماركسي واضح إلى توسيع مجال
الدراسات الأدبية والفكرية والتقليدية بحيث تدخل في نظرها الجوانب الاجتماعية
والاقتصادية الأوسع تحت اسم أو مصطلح «الثقافة» الذي يفترض أنه ينتظمها
كلها، وإذا كان مجال الدراسات الثقافية قد بدأ وهو متأثر بالتوجه اليساري الغربي
الواضح وفي رد فعل لسيطرة الفكر الليبرالي أو اليميني هناك على الأبحاث الأدبية
والثقافية، إلا أنه طور بعد ذلك توجهاته الخاصة التي جمعت بين اليسار وبين
التيارات الفكرية الفلسفية الجديدة التي كانت قد أخذت تؤثر في حياة الغرب العقلية
في تلك الفترة مثل حركات ما بعد البنيوية والتفكيكية، ودراسات الحقبة ما بعد
الاستعمارية، والحركة التاريخية الجديدة.
وكان للحركتين الأخيرتين على وجه الخصوص الدور الأكبر أو التأثير الأوقع
في نشوء ونمو مجال دراسات التعددية الثقافية الذي ينطلق من مبدأ ملاحظة تعدد
وتنوع الثقافات ليس فقط على مستوى العلم ككل وإنما كذلك داخل سياق الحضارة
الغربية ذاتها؛ بل وداخل البلد الواحد أو الثقافة الفرعية الواحدة. ويفهم هذا المجال
الثقافة على مستويات عدة تندرج من العموم إلى الأخص كما يراها على أنها تشمل
العديد من الظواهر الاجتماعية وليس الأدبية أو الفكرية أو اللغوية فقط. وينطلق
مجال دراسات التعددية الثقافية في هذا المبدأ ليصول ويجول في بحث شتى ظواهر
التفاعل والعلاقة والتأثير المتبادل بين مختلف الثقافات التي توجد داخل مجال واحد
قد يكون الدولة القطرية أو الإقليم الجغرافي أو المستوى الاجتماعي الطبقي المعني
أو الفترة التاريخية الواحدة أو الأعمال الأدبية والفكرية لكاتب أو كتاب منخرطين
في حركة واحدة أو ينتجون بأسلوب معين، وإذا كان هذا المجال في المباحث يبدو
واسعاً إلى حد يسمح تقريباً لكل شيء بأن يندرج تحته طالما يعنى بعلاقة ما بين
ثقافتين أو أكثر في ظل مفهوم متوسع للثقافة؛ فإن هذا قد يعود في الجانب الأكبر
إلى مناخ النسبية الفكرية، بل والتشتت الفكري أو التوسع والنزعة الاستيعابية التي
أصبحت تميز الفكر الغربي عموماً مع التسعينيات؛ حيث تتجاور شتى المدارس
الفكرية حتى المتناقضة في مبادئها مع بعضها، وتتبادل التأثير والتفاعل، وتتعايش
حتى في فكر الباحث الواحد؛ ولكن على الرغم من هذا التوسع الذي يقرب من
التشتت والاضطراب فإن هناك توجهات ومبادئ واضحة تحكم نشاط دراسات
التعددية الثقافية حتى وإن كان من الناحية النظرية على الأقل أولها وأبرزها هو
الرغبة في التعامل مع ظاهرة العولمة الطاغية التي تتخذ شكل هيمنة وسيطرة
وتغوُّل ثقافة واحدة هي الثقافة الغربية عموماً، وعلى الأخص مكونها الأمريكي
المعاصر في أحد أشد مظاهره شراسة وسطحية وتوسعية على سائر المجال الثقافي
في العالم كله؛ مع تنحية وإقصاء ومحو شتى الثقافات الأخرى المغايرة حتى وإن
كانت داخل الحضارة الغربية نفسها؛ ناهيك عما يحدث لثقافات العالم الثالث.
وينطلق قسم كبير من مباحث دراسات التعددية الثقافية في توجه معلن أو مضمر
لمتابعة ظاهرة الهيمنة الثقافية الغربية الأمريكية وكشفها، وتبيان شتى الآليات التي
تعمل بها والعناصر التي تتألف منها وتبعث فيها القوة، ويفهم من هذا أن المغزى
الذي يتمخض عن هذه الدراسات يدفع إلى الحفاظ على هوية ووجود تلك الثقافات
الأخرى، وإبراز قيمتها وأهمية استمرار وجودها في سياق الحفاظ على التعددية
والتنوع الثقافي في عالم ينبغي ألا يتحول إلى ضيعة تحتكرها العولمة المتغولة في
هيمنتها الكاسحة وإقصائها للغير. وصحيح أن هذه الروح تسود بين عدد من
الباحثين في هذا المجال ولا سيما بعض المنتمين منهم إلى بلدان من العالم الثالث
مثل الهند أو دول إفريقية معينة؛ غير أن الروح الغالبة تظل متأثرة بالمنظور
الغربي حتى وهي تعلن أنها تحارب الأحادية الثقافية في المنظور الغربي.
ذلك أن الحديث عن تعددية ثقافية على شتى المستويات والسياقات والاعتراف
بها وكشف تعرضها للزوال على يد حركة العولمة وطغيان الثقافة الغربية الأحادية،
ومن خلال أحد أشد أشكالها سطحية (النموذج الأمريكي) لا يؤدي بالضرورة إلى
فهم هذه الثقافات وتقييمها على النحو الصحيح والمرغوب على الأقل من وجهة نظر
أصحابها، بل إن المتتبع لبعض الدراسات المؤلفة في هذا المجال البحثي الجديد
يلاحظ أن النظرة إلى هذه الثقافات الأخرى وبالذات الإسلام لا تزال متأثرة بالتوجه
الغربي القديم الذي يحط من شأنها عموماً، ولا يراها إلا من خلال الأعين الغربية،
ولا يتصور لها وجوداً إلا معدلة ومنقحة ومطورة في سياق وخلفية ومناخ عام
عالمي هو نفسه المجال الغربي الثقافي برؤاه ومنطلقاته القيمية ذاتها، وهذه النقطة
الأخيرة على جانب كبير من الأهمية وبالذات فيما يتعلق بالثقافة الإسلامية؛ فنحن
نسمع هذه الأيام كثيراً ونقرأ وبترحاب وارتياح عن دراسات كثيرة حول الإسلام
بأقلام غربية يقال إنها تنصفه وتنتقد المواقف الفكرية الغربية التي تشوه صورة
الإسلام وتعاديه؛ غير أن هذه الدراسات المنطلقة من منظور مجال التعددية الثقافية
لا تدافع عن الإسلام بطبيعة الحال، وإنما هي في أفضل الأحوال تنظر إليه من
رؤية فولكلورية (إن جاز التعبير) وترمي فيه ثقافة أخرى قديمة بدائية بائدة أشبه
بثقافات بعض الشعوب الإفريقية والآسيوية يتعرض مثلها للاجتياح والضياع تحت
وطأة العولمة الثقافية التي يقودها الغرب. وإذا كانت هذه الدراسات تبدي التعاطف
مع الثقافة الإسلامية في تعرضها لتلك الهجمة الغربية فهذا هو التعاطف الذي تحظى
به سائر الثقافات الفولكلورية (الشعبية) ، والمنطق الذي يحكم دراسات التعددية
الثقافية في هذا الصدد هو أنه يحق لتلك الثقافات المغايرة لثقافة الغرب أن توجد
وتنشط؛ لكنها وبالذات القديمة والفولكلورية منها لن تستطيع ذلك بالفعل إلا في حالة
واحدة فقط وهي حالة أن «تواكب» العصر الجديد (العولمي الغربي) وتستعمل
أدواته هو لكي تستطيع العيش في ظل سيطرته التي لا ينكرها أحد. وفي واقع
الأمر فإن هذا المنطلق الذي يحكم عمل مجال دراسات التعددية الثقافية فيما يتعلق
بالإسلام والثقافة الإسلامية بالذات يعيدنا بضعة عقود أو حتى قرن كامل وأكثر إلى
الوراء، وبالتحديد إلى القرن التاسع عشر؛ حيث بدأنا نسمع ذلك الشعار المألوف
وهو ضرورة تحقيق عصرنة الإسلام لكي يتماشى مع «العصر» الحديث؛ ذلك
هو شعار العلمنة والتغريب الذي تستَّر كثيراً وراء دعوات بريئة مثل التجديد
والتطوير والتحديث وما أشبه، ولعله من المفارقة أن نفس الموقف يتكرر دون كبير
تغيير من خلال مجال درس حديث هو التعددية الثقافية بعد أن كان قد ظهر أصلاً
من خلال مباحث الاستشراق والفكر الغربي الليبرالي في القرن التاسع عشر.
стр. 4359
في دائرة الضوء
حوار الأديان من منظور يهودي
يوسف رشاد
بادئ ذي بدء فإن كاتب هذا المقال الذي نحن بصدده ليس كاتباً صحفياً
متخصصاً ولا مفكراً من المفكرين اليهود؛ وإنما هو المستشار القانوني الحالي
للحكومة الصهيونية، وأحد غلاة التطرف اليميني الصهيوني، ومن ثم لم تخل
دعوته لإجراء حوار مع العالم الإسلامي على حد تعبيره والتي أطلقها من خلال
صحيفة هاآرتس الإسرائيلية من دوافع صهيونية خبيثة، خاصة في هذا التوقيت
الذي يعاني فيه العالم الإسلامي من التفكك والعشوائية في اتخاذ القرارات وتكالب
أهل الباطل عليه؛ فهل حان الوقت لتنفيذ المخطط الصهيوني الكامل في المسجد
الأقصى؟ وهل تعكس طبيعة العلاقات بين اليهودية والنصرانية الكهنوتية حالياً،
والحوار القائم بينهما الآن رغبة صادقة من الكاتب الصهيوني للتوصل إلى حلّ ومن
ثم الوقوف أمام ما يسمونه بالأصولية الإسلامية؟ وما هو تصوره لما سيسفر عنه
هذا الحوار لو أجري؟
أسئلة كثيرة تطرحها هذه الدعوة ولا نجد لها إجابة محددة في هذا التقرير.
يقول الكاتب الصهيوني: منذ فترة ونحن يخالجنا إحساس بأن أحد التحديات
التي تواجه دولة (إسرائيل) هو إجراء حوار مع العالم الإسلامي، وربما كان
الواجب يحتم علينا أن نتشجع أكثر في هذا الاتجاه منذ سنوات، إلا أن ذلك لم
يحدث، وكان من الطبيعي أن يكون لذلك أسباب ربما كان بعضها يكمن في
الإحساس بالريبة المطلقة إزاء الحوار مع الأصولية الإسلامية، وربما كان بعضها
الآخر يكمن في الصراع العنيف الذي يخوضه اليهود ضد العنف وإراقة الدماء
اللذين يرتكبان باسم الإسلام، وعلى رأسهما (إرهاب المنتحرين) ! وبخلاف ذلك
فإن هناك اتجاهات أخرى تقف في وجه (إسرائيل) من جانب عناصر إسلامية
متطرفة كثيرة تحول بيننا وبين هذا الحوار من بينها عناصر موجودة بالوسط
العربي في (إسرائيل) . بيد أن ذلك لا ينبغي أن يُنسينا حقيقة أساسية هي وجود
عالم إسلامي كبير قدّر علينا التاريخ أن نعيش في حوار معه. إن التاريخ الإسلامي
في العلاقات مع اليهود (ولم يقل إن تاريخ العلاقات الإسلامية مع اليهود) لم يكن
بصراحة ذا لون واحد. حقاً كان اليهود في السنوات التي عاشوا فيها في ظل
الإسلام قد حظوا باستيعاب ملائم، كما حدث في الإمبراطورية العثمانية بعد طرد
اليهود من إسبانيا، ومع أنهم كانوا في وضع «أهل الذمة» إلا أنهم عوملوا وهم
على هذا النحو بتسامح نسبي. نفس الشيء حدث أيضاً إبان سيطرة الإسلام على
القدس والتي تشير شهادات ووثائق المحكمة الإسلامية في العصر الإسلامي إلى
نزاهة في معاملة اليهود.
حقاً إن ظهور التطرف الإسلامي وتأثيره على الاعتدال الإسلامي، والمظاهر
القاسية والصعبة، كالانتحار في سبيل السماء، لم يسهل قيام مثل هذا الحوار،
وفي نظري فإن ظاهرة الانتحار تعد تحريفاً للإسلام؛ ذلك الدين الذي يحتوي على
كثير من المكونات البشرية والثقافية الغزيرة.
ويستطرد هذا الخبيث قائلاً: والسؤال المطروح على بساط البحث حالياً هو:
هل هناك احتمال لإجراء حوار مع عناصر إسلامية يكون مرتكزاً على التسامح
وعلى مصالح مشتركة في السلام والازدهار؟ إنني لست متأكداً من ذلك؛ لكن من
واجبنا أن نحاول؛ فذلك من شأنه أن يجذب اهتمام عناصر بالعالم الإسلامي
والعربي، وعناصر أخرى بالعالم طبعاً.
ويذكر أن معاهدة السلام التي وقعتها كل من إسرائيل والأردن في عام ١٩٩٤
م تتضمن بنداً تمت صياغته بعد محادثات جرت بين الأمير عبد الله وبيني وحظي
بمباركة الملك حسين ورئيس الحكومة آنذاك إسحاق رابين، ثم صادق عليه بعد ذلك
كل من الكنيست والبرلمان الأردني، وهذا نص الاتفاق: [بند ٩ (٣) ] «يعمل
الطرفان معاً على دفع وتطوير العلاقات الدينية بين الأديان السماوية الثلاث بغية
العمل معاً من أجل التوصل إلى تفهم ديني والتزام أخلاقي وحرية العبادة الدينية
والتسامح والسلام» .
وهذا البند لم يطبق، ولم يعمل به لأسباب مختلفة، بيد أن الرسالة والغاية من
وراء هذا البند كانتا واضحتين وكانتا بمثابة مُثل دينية وسياسية وأخلاقية. لقد حدث
تقدم كبير في العلاقات بين النصرانية واليهودية في هذه الاتجاهات، ومن ثم فإنه
ليس ثمة مجال في رأيي لليأس في كل ما يتعلق بالإسلام.
لقد تركز جزء من المفاوضات التي جرت في كامب ديفيد في صيف عام
٢٠٠٠م حول القدس وجبل المسجد الأقصى، وكان هناك إحساس في هذه
المحادثات أن الفلسطينيين لا يعترفون إطلاقاً بالرابطة التي تربط (إسرائيل) بجبل
المسجد الأقصى، وهو إحساس اندهش له حتى الرئيس كلينتون بحكم معرفته بالعهد
القديم، وهذا مجال يمكن التوصل إلى تفاهم بشأنه يكون مرتكزاً على بدهيات
ومسلَّمات تاريخية روحية كانت معروفة ومعترفاً بها أيضاً في العصور الماضية.
إن تحت يدي صفحات من دليل المسجد الأقصى الذي كان قد أصدره المجلس
الأعلى للشؤون الإسلامية في عام ١٩٢٩م والتي تشير إلى الخلفية التاريخية للمسجد
الأقصى وقد جاء فيها: «إن علاقة المسجد بهيكل سليمان لا تحتمل أي جدال» .
وتلك أيضاً النقطة التي قيل فيها حسب الاعتقاد الكوني والإيمان العالمي:
«وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وقرّب القرابين والأضاحي» (سفر التكوين)
لقد كُتب هذا في عصر لم يكن بسيطاً في حد ذاته، ولكنه مثل تفهماً واقتناعاً
منذ سنوات عديدة بلا منازع فيما يتعلق بالجذور التاريخية التي أخذت تطمسها
بمضي الوقت التطورات السياسية وكذلك العنف.
وليس هناك سبب يدعو إلى عدم العودة إلى هذه التفهمات، وهذا الجهد يتفق
بالنسبة لنا وقيم دولة (إسرائيل) كدولة يهودية وديمقراطية، وهناك حاجة إلى بذل
جهد فكري عميق لتحقيق هذا الغرض يشترك فيه العلماء الدينيون والمفكرون
والأكاديميون والقضاة من (إسرائيل) وخارجها.
وعلى حد علمي هناك شخصيات في العالم الإسلامي سوف تكون مهتمة بهذا
الموضوع، وفي هذا الوقت بالذات، حيث تعتري الكآبة علاقات العالم الغربي مع
الإسلام، حتى وإن كان الغضب الحقيقي موجهاً ومنصرفاً إلى المتطرفين به؛ فإن
ثمة مجالاً لقيام إسرائيل بفتح كوة والتفكير في إجراء حوار معه.
ثم ذكرت صحيفة هاآرتس الصادرة بتاريخ ٢٧/١٢/٢٠٠١م تقول: «إن
الأدباء والمفكرين اليهود اعتادوا الآن على التذكير بأنه كان للشعب الإسرائيلي خبرة
وتجربة في حياة التعايش والتسامح تحت الحكم الإسلامي أفضل من خبرتهم تحت
(الحكم المسيحي) ؛ فالكتب الجديدة التي صدرت عن النصرانية مؤخراً تشير إلى أن
هناك عداءً ثيولوجياً مبدئياً لليهودية موجودة بهذه الكتب؛ في حين أن الإسلام يرى
أن اليهودية كدين أقل دونية ووضاعة لكن من الممكن احتماله. ومن الناحية
التاريخية فإن هناك حقائق كبيرة وكثيرة تؤكد ذلك، إلا أن يهود الشتات وخاصة في
الولايات المتحدة التي توجد بها مجموعات إسلامية كبيرة لا يمكنهم تجاهل حقيقة أن
الأصولية الإسلامية هي التهديد الرئيسي والكبير الذي يتعرضون له حالياً.
إن التطرف الإسلامي يصنف اليهودية في العالم لا مع الصهيونية فقط وإنما
مع دولة (إسرائيل) ؛ فاليهودية بالنسبة للإسلام المتشدد تعني الصهيونية ودولة
إسرائيل أيضاً، وعلى الرغم من سقوط» طالبان «فإن الإسلام المتطرف هو
الذي يحدد اليوم علاقة الإسلام باليهودية، وفي المقابل، فإن معظم المؤسسات
المسيحية تسعى إلى تحسين العلاقات مع اليهودية.
إن الأدباء اليهود مشتاقون إلى العصر الذهبي (عصر الثقافة اليهودية في
الدول الإسلامية) ولكن الإسلام اليوم، وليس المتطرف فقط، هو الذي يوفر البنية
الدينية للعنصرية العربية المعادية للسامية.
إن الثقافة الغربية هي ثقافة نصرانية، وفي المنظور التاريخي، فإن الصدام
الفكري المبدئي لليهودية هو مع المسيحية لا مع الإسلام؛ بيد أن الأصولية
الإسلامية هي الآن بالفعل في مرحلتها العدوانية» .
إن الدعوة التي تبنتها بعض الصحف الإسرائيلية والمتمثلة في دعوة الإسلام
(الرسمي) للحوار مع اليهودية والنصرانية الكاثوليكية أو الإنجيلية هي دعوة لها
مغزى معين ودلالة واضحة، وقد انبثق عن هذه الدعوة المؤتمر المشبوه الذي عُقد
في الإسكندرية يومي الإثنين والثلاثاء من منتصف شهر يناير من عام ٢٠٠٢م؛
وذلك بناءً على اقتراح الحاخام اليهودي مايكل مليكور نائب وزير الخارجية
الصهيوني والذي شارك فيه من الجانب اليهودي الحاخام «إلياهو بقشي دورن»
كبير حاخامات (إسرائيل) والشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، وامتنع بابا
الكنيسة الأرثوذكسية «شنودة» عن الحضور.
وفي ظل الغموض الذي أحاط بهذا المؤتمر المشبوه إلا أن الحاخامات
الصهاينة استطاعوا جر المشاركين إلى تبني وجهات نظرهم، ومما قاله الحاخام
بقشي في ختام المؤتمر بعدما شكر الدكتور محمد سيد طنطاوي وأثنى على فتاواه:
«أنا أكن الاحترام والتقدير لما أبداه الشيخ محمد سيد طنطاوي ومعه رجال الدين
المسلمين من شجاعة وعزيمة في إفتائهم الحاسم الذي يقضي بأن قتل الأبرياء يتنافى
وأصول الدين، وهو ليس فريضة بل جريمة وتجديف لاسم الله، إن هذا الإفتاء
الذي يتنافى وإفتاءات أخرى تشجع المنتحرين على قتل الأبرياء، يجلب الاحترام
والتقدير للديانة الإسلامية وينقذها من السمعة الخطيرة كديانة غير إنسانية وخطرة.
نحن نناشد جميع رجال الدين من جميع الديانات المؤمنة بالرب الواحد الرحمن
والأمين، أن يحذوا حذو الشيخ سيد طنطاوي وأن يحذروا من الخطر الذي يهدد
العالم، أي من الأعمال الإرهابية ومرتكبيها» .
نخرج من هذا أن هدف المؤتمر الذي عُقد في الإسكندرية وهيأت له قبل ذلك
الصحافة الإسرائيلية كما أوضحنا هو الخروج بفتوى تدين العمل المشروع الذي
يقوم به أبطال المقاومة الفلسطينية، وبكل لؤم وخبث ومكر اليهود أرادوا توريط
شيخ الأزهر بتبني موقفهم من العمليات الاستشهادية التي يقوم بها أبناء الشعب
الفلسطيني؛ ولكن شيخ الأزهر لم يوقع على الوثيقة النهائية؛ لأنه يعلم خباياهم،
وهو الذي قال في رسالته التي نال عليها درجة الدكتوراه:
* يجب أن نوقن بأن الأيام دول، وأن ما أصابنا بفلسطين من الممكن تداركه،
متى تحلينا بالإيمان الصادق وبالعزم القوي وبالتصميم على استعادة أرضنا
المقدسة، وباتخاذ الوسائل الكفيلة بذلك.
* يجب على الأمة الإسلامية والعربية، أن توحد قيادة المعركة وأن تسلمها
لأيد أمينة مخلصة، وأن تحوطها بالتأييد إذا أحسنت واستقامت، وأن تنأى بها عن
الخلافات والمنازعات التي قد تحدث بين الزعماء والملوك والرؤساء، أريد أن
أقول: إن إنقاذ فلسطين من السرطان الصهيوني يحتاج إلى جيش موحد القيادة
محدد الهدف معد إعداداً كاملاً وقوياً من جميع النواحي، مؤمن بقدسية المعركة التي
يخوضها، بعيد عن التأثر بخلافات السياسيين الذين بيدهم مقاليد الحكم في البلاد
العربية.
* يجب أن تبذل الأمة العربية والإسلامية قصارى جهدها في التذكير بقضية
فلسطين، وأن تقوم وسائل الإعلام المختلفة في كل دولة بالدعاية الواسعة لها.
* يجب أن تقف الأمة الإسلامية والعربية من الدول التي ناصرت الصهيونية
موقفاً قوياً حاسماً.
* يجب أن تعمل الدول العربية والإسلامية على تقوية الفدائيين الفلسطينيين
من كل النواحي، وأن تختارهم من العناصر المأمونة والمؤمنة بربها وبدينها
وبوطنها، وأن تعطيهم من الإمكانات ما يجعلهم يستطيعون أن يزلزلوا كيان
الصهيونيين، عن طريق (حرب العصابات) ؛ لأن هذه الحرب من شأنها أن تهدد
أمن إسرائيل واستقرارها واقتصادها وجميع مرافقها. وتكون هذه الحرب كمقدمة
للمعركة الفاصلة التي يجب على الأمة الإسلامية أن تخوضها ضد إسرائيل حتى
تطهر الأرض المقدسة من اليهود.
* يجب أن تخوض معركة فلسطين المقبلة على أساس من الجهاد الديني
وليس على أساس النعرة الوطنية وحدها.
* يجب على الأمة العربية والإسلامية (قبل ذلك وبعد ذلك) ، إذا أرادت أن
تعيد فلسطين، أن تعود هي إلى تعاليم الإسلام فتطبقها على نفسها تطبيقاً كاملاً وأن
تحارب الرذائل فيها.
هذه هي الأسس التي وضعها شيخ الأزهر منذ ما يقرب من خمسة عشر عاماً
أو يزيد في خاتمة رسالته: (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) ، فليراجعها من شاء
وليتخذها أبناء الأمة الإسلامية عامة وإخواننا في فلسطين خاصة جزءاً من المنهج
الإسلامي لاستعادة أرضنا المقدسة، كما أهدي هذا البرنامج الذي خطه الدكتور
محمد سيد طنطاوي بيده إلى حاخامات اليهود والقائمين على أمور بلداننا العربية
والإسلامية.
стр. 4360
المنتدى
من ثمرات المنتدى الإسلامي
صحيح..
إضافة دعوية جديدة للمنتدى الإسلامي
في الطريق الدعوي ذاته تبنى المنتدى الإسلامي مؤخراً واحدة من أدق وأسهل
ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية التي أطلق عليها اسم (صحيح) .
وتأتي هذه الخطوة التي نرجو أن يبارك الله فيها لحرص المنتدى
الإسلامي على تبليغ دين الله للشرائح التي تتحدث بالإنجليزية سواء من
المسلمين أو غير المسلمين، ولعل الأحداث التي يعيشها العالم اليوم تثبت بجلاء
أهمية تسخير الجهود لتوضيح الإسلام بصورته المشرقة بعيداً عن تشويه وتحريف
وسائل الإعلام المغرضة، ولأن كلام الله أفصح ما يعبر عن الإسلام فإن
المنتدى الإسلامي بحمد الله بدأ في تنفيذ مشروع خيري يهدف لطباعة
(٥٠٠.٠٠٠) نسخة من الترجمة وتوزيعها في أمريكا وأوروبا.
الكشف على أكثر من أحد عشر ألف مريض
نعمة البصر نعمة عظيمة لا يقدرها حق قدرها إلا من فقدها، وفي إفريقيا
حيث الجهل والفقر وكثرة الأمراض قد يفقد أحدهم بصره بسبب مرض بسيط
ولكنهم لا يستطيعون علاجه.
ومن منطلق قول رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى» ، فقد نظم المنتدى الإسلامي بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية
العالمية وهي منظمة إسلامية مخيمين لمكافحة العمى وذلك في دولتي مالي ونيجيريا،
وقد استغرق المخيمان ١٤ يوماً تم فيها الكشف على (١١٥٠٠) مريض،
وأجريت العمليات لـ (٩٣٣) مريضاً، وتم زراعة عدسات لـ (٧٨٤) مريضاً،
ووزعت نظارات على (٢٤٠٠) شخص.
١٨ مسجداً و ١٦ بئراً ينشئها المنتدى الإسلامي
في ١٠ دول إيماناً من المنتدى الإسلامي بالدور الفاعل للمساجد في المجتمع
المسلم واستمراراً لما يقوم به من إنشاء المساجد وتعميرها، فقد أنشأ المنتدى خلال
الأشهر الثلاثة السابقة (١٨) مسجداً في عشر دول في أفريقيا وآسيا.
ويعاني كثير من المسلمين في أنحاء متفرقة من العالم من ندرة الماء النقي
الصالح للشرب، ولذا فقد حرص المنتدى على التخفيف من معاناتهم وذلك بحفر
(١٦) بئراً في أربع دول أفريقية هي: السودان، ومالي، ونيجيريا، وتوجو.
قافلة المنتدى الإسلامي تخاطر لإنقاذ مرضى الكوليرا
في الصومال
رغم وعورة الطريق وخطورته إلا أن رعاية الله كانت مع أفراد قافلة المنتدى
الإسلامي الإغاثية التي انطلقت إلى مدينة كاسمايو ٥٠٠ كيلو متراً جنوب العاصمة
الصومالية مقديشو، فنجاهم الله من قُطَّاع الطرق أكثر من مرة حتى وصلوا إلى
كاسمايو، وأقاموا المخيم الطبي الذي تم فيه علاج (٨٤٧) مريضاً من وباء
الكوليرا بعد أن انسحبت مؤسسات نصرانية من المنطقة بسبب المخاطر وتعرض
بعض أفرادها للاختطاف من قبل اللصوص وقطاع الطريق فغادرت المنطقة دون
أن تقدم شيئاً يذكر.
كما تم علاج (٣٩٩) مريضاً في العاصمة مقديشو في ١٥/٢/١٤٢٣هـ
ليكون مجموع من شملهم علاج القافلة (١٢٤٦) مريضاً.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قافلة مكتب المنتدى الإسلامي في جيبوتي هي
القافلة الوحيدة التي سيرتها مؤسسة إسلامية إلى هذه المنطقة.
المنتدى الإسلامي يشارك في معرض: (كن داعياً)
شارك المنتدى الإسلامي في معرض (كن داعياً) الثالث الذي تنظمه وزارة
الشؤون الإسلامية والأوقاف بالرياض في الفترة من ٢٣/٣/١٤٢٣هـ وحتى٣/٤/
١٤٢٣هـ.
كذلك تميز جناح المنتدى بإجراء سحب على ثلاثة آبار يتم حفرها باسم
الفائزين في المناطق التي تعاني من الجفاف في قارة أفريقيا.
وقد شارك في هذا السحب أكثر من (٥٠٠٠) زائر، فاز به كل من: أحمد
العجلان، عدنان التابعي، ونورة العبد الجبار.
وقد كان الإقبال بفضل الله كبيراً على المعرض عامة وجناح المنتدى
الإسلامي بخاصة.
المنتدى وشباب لندن
في ظل المخاوف التي تقض مضاجع المهاجرين المسلمين في لندن على
مستقبل أبنائهم الديني وهويتهم الإسلامية، نظم مكتب المنتدى الإسلامي في لندن
رحلة تربوية لـ ٤٠ طالباً من طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم بالمنتدى إلى
منطقة ويلز، عاش خلالها هؤلاء الشباب جواً مفعماً بالإيمان تخللته الدروس
الشرعية والمسابقات الثقافية والبرامج الترفيهية.
الجدير بالذكر أن هذه الرحلة هي حلقة في سلسلة برامج تربوية يقيمها مكتب
المنتدى في لندن تهدف إلى تأهيل الشباب لحمل رسالة الإسلام والدعوة إلى الله،
نسأل الله أن يبارك في الجهود ويحقق الأهداف.
المنتدى والفقراء..
في دولة ينطق فيها الفقر ويئن فيها المرض من كثرة المرضى سيَّر مكتب
المنتدى الإسلامي في مالي قافلة طبية إغاثية دعوية شملت عدداً من القرى شارك
فيها (١٦) داعية و (٦) أطباء، ووزع فيها ما يقارب (٦٠) طناً من المواد
الغذائية، وتم علاج أكثر من (٢٠٠٠) شخص.
وبالإضافة إلى الأثر العظيم التي تركته هذه القافلة في نفوس إخواننا المسلمين
هناك فقد منّ الله على (٦٠) شخصاً بالإسلام، نسأل الله أن يحسن إسلامهم، وأن
ينفع بهم.
قسيسان كبيران و ١٦٨ مسلماً جديداً في بنين
في شهر ربيع الأول عام ١٤٢٣هـ تحركت قافلة دعوية من مكتب المنتدى
الإسلامي في بنين إلى الجنوب الغربي من (مالانفيل) واستمرت أربعة أيام للقيام
بواجب الدعوة إلى الله بالإرشاد والتوجيه والإقناع بالأدلة العقلية والأدلة
من الكتاب والسنة حتى فتح الله عليهم قلوباً غلفاً وآذاناً صماً؛ فكان من ثمرات هذه
القافلة دخول نور الإيمان إلى قلوب (١٦٨) ممن كانوا وثنيين فأصبحوا بفضل الله
ونعمته إخواناً لنا في الدين والعقيدة منهم (١٣٠) في قرية بامبونكور و (٣٨)
في قرية باسي، وكذلك أسلم اثنان من كبار القساوسة بعد مناظرات شديدة مع الشيخ
سعد عبد الرحمن؛ نسأل الله تعالى أن يتقبل منه ومن طلابه الذين شاركوه في هذه
القافلة، وأن يحسن إسلام هؤلاء الجدد، وأن ينفع بهم الإسلام والمسلمين.
٦٣ طالباً
يشاركون في المخيم التربوي الرابع في توجو
أقام مكتب المنتدى الإسلامي في توجو مخيمه التربوي الرابع في الفترة من
١٤-٢٠/١٤٢٣هـ بمقر المدرسة الإسلامية في مدينة (بافيلو) وقد شارك فيه
(٦٣) طالباً من طلاب المدارس الفرنسية الذين تفاعلوا بصورة جيدة مع برنامج
المخيم الذي تضمن فقرات متعددة ومنوعة ثقافية وتربوية وترفيهية لتحقيق أهدافه
التي تتلخص في بث روح المحبة وتوثيق العلاقات بين الطلاب وتنمية قدراتهم
ومهاراتهم وتعويدهم على خدمة الآخرين، واختتم المخيم بحفل وزعت فيه الجوائز
العينية والمالية على الطلاب المتميزين.
стр. 4361
الورقة الأخيرة
فكر ابن تيمية بين متنازعيه
د. جمال بادي [*]
jmbadi@hotmail.com
هناك ظاهرة فكرية معاصرة تحتاج إلى رصد وفهم وتحليل وتقويم حتى لا
تتضاعف تداعياتها ولا تتفاقم سلبياتها. إنها ظاهرة تعدد الاستدلال بكلام الإمام ابن
تيمية من طرف مدارس فكرية متباينة المشارب والتوجه، مختلفة المدارك والمناهج
الاستدلالية.
ومن أهم سلبيات هذه الظاهرة الفكرية المعاصرة حيرة كثير من الشباب المسلم
من القراء حيال وجهات النظر العلمية المتضاربة في مسائل دقيقة كالتكفير والتبديع
والتفسيق مثلاً، والتي يستدل كل صاحب رأي فيها بأقوال ابن تيمية.
ومن سلبياتها محاولة تمرير الأقوال الشاذة، والآراء الدعوية الجانحة،
والمواقف الخاطئة عبر قناة الاستدلال بأقوال ابن تيمية.
كما أن من سلبياتها أيضاً: تشويه البناء الفكري السامق الذي شيد أركانه ابن
تيمية، وترتب إصدار الأحكام الخاطئة في حقه، مما قد يؤدي إلى عزوف الناس
عنه جملة ومن ثم عدم الإفادة منه.
* أسباب الظاهرة:
أولاً: الأسباب التي تعود إلى طبيعة فكر ابن تيمية وأهمها:
١ - تميز فكر ابن تيمية بالموسوعية وتعدد الموضوعات التي ناقشها أو
خاض غمارها.
٢ - تميزه بالواقعية بتقرير القضايا التي تمس حاجة الناس وتنطلق من
واقعهم.
٣ - كثرة مؤلفات ابن تيمية وسعة انتشارها وتوفرها في الأسواق (من ذلك
توافرها أخيراً على الأقراص الإلكترونية المدمجة) .
٤ - معالجته لكثير من الإشكاليات العلمية في عصره التي لا يزال لها صدى
أو وجود في وقتنا المعاصر.
٥ - صعوبة وندرة وجود رأي ابن تيمية كاملاً بكل تفصيلاته وتفريعاته
وجزئياته في مكان واحد من المصنف الواحد بَلْهَ في سائر مؤلفاته للوصول إلى
رؤية شمولية. ولعل هذا من أسباب قبول عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه في
مسائل معينة في فكر ابن تيمية في عدد من جامعات العالم الإسلامي.
٦ - وجود أكثر من رأي لابن تيمية في المسألة المعينة، ورجوعه عن بعض
أقواله السابقة مع بقاء الرأيين في مؤلفاته المنشورة. ومن أمثلة ذلك: حكم صلاة
النوافل ذوات الأسباب في أوقات الكراهة وهي مسألة فقهية، ونحو ذلك.
٧ - استطرادات ابن تيمية وتفريعه للمسائل الجزئية لشحذ الذهن، مما يحتاج
إلى صبر وأناة وإبقاء النقاش في المسألة مستحضراً في الذهن، أو تجاوز
للاستطرادات مع المحافظة على تسلسل الأفكار وعدم تجاوز جزئية في ذلك
التسلسل مما يخل باستيعاب الموضوع.
٨ - استعمال ابن تيمية لمعايير ومقاييس خاصة في التعامل مع المسائل
المعينة مثل مسألة الإيمان، أو في التعامل مع المخالف والحكم عليه كما في مسألة
الأسماء والأحكام.
هذه المعايير تكون مخالفة للمعهود الفكري لصاحب النسق الآخذ عن فكره،
مما ينتج عنه التعامل مع ذلك الفكر دون استيعاب من قبل المستدل.
ثانياً: الأسباب التي تعود إلى المستدل بكلام ابن تيمية:
١ - وجود التوافق الجزئي بين رأي المستدل وبين رأي الإمام ابن تيمية،
مع وجود الاختلاف في التفصيلات.
٢ - عدم فهم الظروف الزمانية والمكانية التي نشأ أو تولد فيها النص المستدل
به وألف فيها الكتاب. فهناك: الاستقطاب المذهبي والصراع الفكري والتعصب
للطوائف والشيوخ والمذاهب، وهناك المناظرات العلمية الآنية المبنية على التحدي،
وهناك المناظرات العلمية مع السابقين من أئمة الطوائف، وهناك الإجابة عن
سؤال خاص ورد من بلد بعينه في مسألة خاصة، وهناك التعامل مع النوازل
والمستجدات، ونحو ذلك.
٣ - الانتصار للرأي أو الفكرة أو المذهب بأي صورة كانت.
٤ - القصور في التصور والفهم، ومن ذلك عدم الإلمام بجزئيات الموضوع
أو المسألة المطروحة للدراسة. وقد يكون قصوراً في الآليات والوسائل: نحو
القصور في مناهج البحث وأصول الاستدلال، أو القصور في استيعاب اللغة أو
مصطلح الحديث أو أصول الفقه أو المنطق ونحو ذلك.
٥ - عدم استيعاب المنهج السلفي، والظروف والتحديات والمراحل التي مر
بها، وطبيعة كل مرحلة من تلك المراحل، وتطور المواقف تجاه بعض المسائل
والتحديات بل واختلافها أحياناً مع ثبات أصول المنهج.
٦ - محاولة البحث عن سبل بناء مصداقية التوجه لدى أصحاب الآراء
الناشئة، وهي ظاهرة تحتاج إلى رصد ودراسة وتحليل وتقويم في حد ذاتها.
* صورة الظاهرة:
وهذه الظاهرة لها العديد من الصور ومن أهمها:
١ - الاستدلال بأقوال ابن تيمية بعد تجزئتها وفصلها عن سياقها التي وردت
فيه للانتصار للرأي ووجهة النظر باعتباره شخصية علمية مرموقة.
٢ - التقاط الفكرة التي طرحها ابن تيمية ثم إعادة صياغتها في قالب معد
مسبقاً يظهر من الوهلة الأولى للقارئ الغر غير الحصيف توافق الفكرة مع الإطار.
٣ - نقل كلام ابن تيمية ثم فهمه وتفسيره وفق أصول ومنهج الاستدلال
والنظر الخاص بالمستدل والمستشهد فيعطي مدلولاً موافقاً لما أراده المستدل مع
مخالفته لأصول ومنهج استدلال ابن تيمية نفسه.
٤ - نقل كلام ابن تيمية بالمعنى لا بالنص مع التحوير والتعديل والحذف
والإضافة؛ مما من شأنه أن يغير المدلول تماماً ليتوافق مع رأي الناقل المستدل.
٥ - هناك ما يسمى بالتسليم الجدلي للخصم أي قبول رأي الخصم جدلاً لا
واقعاً، ثم نقضه أو نقده، فيؤخذ التسليم الجدلي على أنه موافقة للخصم قصداً أو
تقصيراً لذهول أو نحوه.
٦ - الأخذ بلازم قول ابن تيمية، مع عدم قول ابن تيمية بذلك اللازم إما
سكوتاً فلا يتسنى لنا الحكم بذلك، وإما لنصه في مكان آخر بعدم القول بذلك اللازم
وفوات ذلك الأمر على المستدل أو تقصُّد المستدل الظهور بهذا المظهر.
٧ - قول ابن تيمية بحكم في مسألة معينة لوجود علة قد يغفل عنها المستدل
فيعمم الحكم رغم زوال تلك العلة عما يستدل له.
والصور لهذه الظاهرة كثيرة جداً؛ وقد أحببت التنبيه على بعضها وأهمها مما
تسنى لي ملاحظته ليقاس عليها في استظهار صور أخرى وهو فن جليل.
والمقصد هو محاولة وضع حد لهذه الظاهرة السلبية في الفكر الإسلامي
المعاصر سعياً نحو تنقيته مما علق به من الشوائب والكدر فينتبه المسلم عند قراءة
الكتب المعاصرة وما أكثرها من الوقوع في شرك هذه الظاهرة وهو لا يشعر.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4362
رجب - ١٤٢٣هـ
أكتوبر - ٢٠٠٢م
(السنة: ١٧)
стр. 4363
كلمة صغيرة
تحد جديد !
في بداية أحداث الحرب الأمريكية على أفغانستان أعلنت وزارة الدفاع
الأمريكية عن تأسيس مكتب (التضليل الإعلامي) الذي يهدف إلى تزويد القنوات
الإخبارية ووكالات الأنباء العالمية بمعلومات إخبارية مغلوطة وموجهة لخدمة
المصالح الأمريكية؛ ساخرة بكل الشعوب، ومستفزة لكل المتشدقين بالديمقراطية
والحرية الإعلامية.
وقد عدَّ أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية إعلان وزارة الدفاع عن
هذا المكتب حماقة سياسية تضعف من التأثير الأمريكي على الرأي العام العالمي،
مؤكداً أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء دون أن تعلن عن كل شيء، وبعد أيام ألغي
المكتب فيما زعموا..!!
ثم ها هي ذي الولايات المتحدة الأمريكية إمعاناً منها في الغزو الإعلامي تبدأ
بث قناة إذاعية باللغة العربية (إذاعة سوا) ، رصد لها (٣٠ مليون) دولار لمدة
ستة أشهر، وتهدف إلى تحسين صورتها عند العرب، وردم الهوة الثقافية مع
صغار السن في الشرق الأوسط، كما جاء على لسان (نورمان بايتتز) صاحب
فكرة إنشاء القناة.
وقد أدلت نائبة وزير الخارجية الأمريكي (شارلوت بيرز) التي تتولى مهمة
الترويج للولايات المتحدة الأمريكية في الخارج بإفادة أمام لجنة العلاقات الخارجية
في مجلس الشيوخ الأمريكي، قالت فيها: إن الإذاعة حققت نجاحاً، وإن على
الولايات المتحدة أن تفكر في بث تلفزيوني للشرق الأوسط عبر الأقمار الصناعية.
كما أدلى (نورمان بايتتز) بإفادة أمام اللجنة واصفاً المعلومات التي تلقاها عن تأثير
إذاعة (سوا) بأنها مدهشة..!!
وندرك يقيناً بأنه لن تجدي المساحيق وعمليات التجميل في إخفاء معالم الوجه
الأمريكي القبيح الذي نضحت بُثُوره بالفساد؛ ومع ذلك فإن الخبرات الأمريكية في
غسيل الأدمغة، وتزييف الحقائق ربما تجد طريقها عند بعض الجهلة والسذج؛
خاصة أن الإذاعة ركزت في خطابها وطريقة عرضها وإيقاعها على صغار السن
من الشباب!
إن هذا الاختراق الجديد لوعي الأمة يجعلنا نؤكد مرات عديدة دور الدعاة
والخطباء والمصلحين ومختلف وسائل الإعلام الإسلامية في إحياء الوعي وتوضيح
واقع الأمة، وخطورة التحديات التي تواجهها. قال الله تعالى: [وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) .
ولئن كان الإعلام هو الأداة الرئيسة في صناعة الرأي، وتشكيل الأخلاق
الفكرية والاجتماعية؛ فإن تقصير الإسلاميين في تملك أدواته وتعلم فنونه جعل
تأثيرهم ينحسر، ويختزل في شرائح محدودة من المجتمع.
إننا أمام تحد كبير يوجب علينا أن ننهض إلى مستوى المسؤولية، ونفكر
بطريقة أكثر حيوية، ونسخر كل طاقاتنا في تبصير الأمة ومواجهة أعدائها،
وفضح إسفافهم وفجورهم الإعلامي؛ فهذا العصر عصر الأقوياء، ولا مكان فيه
للضعفة المتواكلين..!!
[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:
١٣٩) .
стр. 4364
الافتتاحية
الإرهاب (نهج أمريكي)
وهذا هو الدليل
الحمد لله مذل الجبارين وناصر المؤمنين، والصلاة والسلام على رسولنا
الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الحرب التي تشنها أمريكا على الإسلام والمسلمين بعد أحداث ١١
سبتمبر ٢٠٠١م بدعوى محاربة الإرهاب ليست وليدة تلك الأحداث المؤلمة، وإنما
هي نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية في العلاقات الإسلامية النصرانية، رسخها
كثير من المستشرقين والمنصرين لا سيما بعد الحروب الصليبية.
إلا أن العلاقات بين أمريكا بعد قيامها والإسلام كانت شبه راكدة حتى أواخر
الأربعينيات من القرن الماضي؛ حيث مرت العلاقات بين الطرفين بمنعطفات كثيرة
وحملت في طياتها تصورات مغلوطة من الجانب المعادي وبخاصة بعدما شاركت
الحركة الإسلامية وبفعالية في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، وفعلت باليهود الأفاعيل،
فبدأت أمريكا تحسب الحساب لهذا التيار، ولم تتردد في مناصرة ضباط ثورة ٢٣
يوليو المصرية عام ١٩٥٢م، لا سيما في حملتها الظالمة ضد التيار الإسلامي
والفتك به، مما جعل الكاتب الشهير (محمد جلال كشك) وهو يقوِّم هذه الثورة بأن
يسمي دراسته عنها: (ثورة يوليو الأمريكية) .
وما حدث بعدها بسنوات من الجهاد الأفغاني ضد الجيش السوفييتي الذي
دعمته بشكل واضح لا لسواد عيون المجاهدين وإنما ليفتكوا بعدوها اللدود (الاتحاد
السوفييتي) وهو ما أسهم فعلاً في سقوطه التاريخي. وبعد تلاشي عدوها التقليدي
بحثت عن عدو جديد فلم تجد سوى الإسلام بعدما أكد ذلك العديد من الدراسات
والأبحاث الأكاديمية الأمريكية أمثال كتابات (سبوزيتو) و (دجيرجان) وهو ما
تأكد فيما بعد من خلال (نظرية صراع الحضارات) و (نهاية التاريخ) اللتين
جعلتا من الإسلام العدو القادم؛ مما رسخ هذا التصور المعادي للإسلام؛ ومن هنا
شجعت أمريكا بعض الدول على استئصال الدعوة الإسلامية الفاعلة في الساحة
العربية والإسلامية، وتغاضت عن الممارسات غير الإنسانية وغير (الديمقراطية)
حيال الحركة الإسلامية بهدف إنهائها!
ولا يخفى أنه بعد ذلك الحادث الجلل ألصقت الاتهامات بالإسلاميين
وبالجمعيات الخيرية والدعوية بزعم أن لها صلة بـ (القاعدة) ؛ ويكفي ذلك تهمة
لإلغاء تلك الجمعيات واتخاذ الإجراءات الظالمة حيالها.
وفي الحرب التي شنتها أمريكا على الإرهاب أُزهقت فيها ألوف مؤلفة من
الأرواح البريئة، ومن المهازل أن هذه الحرب القائمة فرض على الجميع القيام بها،
وطولبوا بتأييدها وإلا اعتبروا في صف الإرهاب، وهم تبعاً لذلك أعداء لأمريكا
وللدول المتحضرة!! هكذا بكل صفاقة.
ولا شك أن هذه الدعوى غير صحيحة؛ فالحق ليس ما تقوله أمريكا وليس ما
تحدده الإدارة الأمريكية؛ فادعاءاتهم الباطلة جعلت المسؤول عن متابعة الإرهاب
يقدم استقالته بعد إخفاقه في الوصول إلى الأعداء الحقيقيين كما حددتهم أمريكا،
والتي ما زالت تتهرب من توضيح معنى محدد للإرهاب مع الإصرار على عدم
التفريق بين الإرهاب وحق تقرير المصير وحق الدفاع عن النفس وهو ما أكدته
الأديان السماوية والنظم الوضعية.
ولا نعرف بعد هذه الحرب الهمجية التي ألغيت فيها دولة قائمة ودمرت فيها
مدن وقرى كاملة يقطنها آلاف الأبرياء فضلاً عن هدم الكثير من المشافي والملاجئ
ومستودعات الإغاثة وأبرز صور الهمجية في هذه الحرب والتي توضح وبجلاء
الإرهاب الأمريكي مذبحة (مزار شريف) والتي قتل فيها حوالي ألف أسير بتواطؤ
الأمريكان والشماليين وهذا ما ظهر في فيلم تسجيلي بثته مؤخراً (N. N. C)
وهذه الحرب المجنونة لا تعني سوى أن قادتها والقائمين بها إنما هم الإرهابيون حقاً
وهم المستحقون للمحاكمة الدولية أمام المحاكم المختصة كما حوكم النازيون
والصرب في العصر الحالي.
ولا نحسب أن هناك من يُطلَق عليه (محور الشر) أكثر من (أمريكا ودولة
العدو الصهيوني) فحينما نستعرض التاريخ الإرهابي لأمريكا نجده متمثلاً بكل
معانيه وبكل أساليبه في التاريخ الأمريكي والصهيوني؛ فالعدو الصهيوني تاريخه
الإرهابي معروف للجميع، أما أمريكا فمنذ نشأت في (العالم الجديد) وهي في
حرب إرهابية ضد السكان الأصليين من الهنود الحمر الذين استأصلت الألوف
المؤلفة منهم بالحديد والنار وبالأوبئة الجرثومية، وهذا معروف ومسجل تاريخياً
يدين هذه الدولة المتغطرسة.
وبعد أن استقر الشعب الأمريكي الوافد من شتى الدول الغربية عملوا بكل
بشاعة على جلب الرقيق من إفريقيا واستعبدوهم، فعاشوا في ظروف غير إنسانية
وعاشوا في عزل عنصري لسنوات طويلة وقد صوَّرهم الروائي الأمريكي الزنجي
(إليكس هيلي) في روايته الشهيرة (الجذور) ، وشاهدها العالم ممثلة بكل ما فيها
من إجرام بشع في حق الإنسانية، وعاشوا مع ذلك في أجواء عنصرية مع أسيادهم
البيض.
وبالرغم من تحريرهم المزعوم على يد الرئيس الأمريكي (إبراهام لنكولن)
إلا أن الحقيقة غير ذلك؛ فالرجل لم يعرف في يوم من الأيام المساواة بين الأجناس،
بل عارض وبشدة الحقوق المتساوية للسود، كما كانت خطته التي عمل على
تحقيقها هي إرسال الزنوج إلى إفريقيا وهايتي وأمريكا الوسطى، وهذا جزء مما
أفصح عنه الكاتب (دي لوفرنيتو) في كتابه: (الوجه الحقيقي للنكولن) [١] .
وكانت الصيحة الأولى لحرب الإرهاب الأمريكي المعاصر تلك التي أعلنتها
الإدارة الأمريكية عام ١٩٨١م على لسان وزير الخارجية آنذاك (إلكسندر هيج) ،
ومن ذلك الحين أصبح كل من يعارض السياسة الأمريكية يوصف بالإرهاب وتشن
ضده الحرب، ومن أجل ذلك تم تسخير العديد من الدول والمنظمات الدولية لتبني
هذا المفهوم الظالم للإرهاب القائم على الضرب والحصار للأنظمة المخالفة لمحاولة
إسقاطها سواء من الداخل أو الخارج، حيث كانت (وكالة الاستخبارات المركزية
الأمريكية) هي الذراع الإرهابي لأمريكا، والتي جعلت من أمريكا الوسطى
والجنوبية ميداناً لعملياتها التجسسية منفذة السياسة الأمريكية التوسعية، فكانت هي
صاحبة الأمر والنهي المطلق في سياسة الحكومات التي تقيمها سواء بالترغيب أو
الترهيب، حيث كانت وراء الكثير من الانقلابات العسكرية المقاومة لآمال الشعوب،
كما في كولومبيا أو الأرجنتين أو غرينادا أو تشيلي أو نيكاراجوا وغيرها التي
قتل فيها الألاف من الناس ظلماً وعدواناً.
وكان لأمريكا في حربها الإرهابية تلك في إفريقيا نصيب؛ حيث أسقطت
الكثير من الرؤساء في غانا، وغينيا، وموزمبيق.
وفي آسيا كان لها سجل حافل بالإرهاب في حروبها في فيتنام، ولاوس،
وكمبوديا، بدءاً من عام ١٩٦٤م؛ حيث بدأ التدخل الأمريكي المسلح في الهند
الصينية، ومع معاناتها الأمرَّين والهزائم لم ينقذها إلا انسحابها من فيتنام عام
١٩٧٠م في عهد الرئيس نيكسون.
وفي إيران قادت حربها ضد حكومة مصدق لتعيد الشاه عميلاً لها في حكم
إيران؛ حيث أعاد ضخ البترول لها، وأعاد الشركات الأجنبية لاحتكار البترول
حتى سقط في ثورة الخميني عام ١٩٧٩م.
* الإرهاب المزدوج:
ولا نجد مثالاً للإرهاب المزدوج مثل التحالف الأمريكي الصهيوني الذي ظهر
بصورة فجة وبشكل بشع في الآونة الأخيرة؛ حيث استغلته الصهيونية أبشع
استغلال بدعم اليمين الأمريكي المتطرف الذي ينظر لـ (إسرائيل) من منظور
أيديولوجي، ويعتبرها الحليف الديمقراطي الوحيد لأمريكا؛ ولذا جاء التيار الديني
المحافظ ليؤكد أن لـ (إسرائيل) الحق بأن تفعل بالسلطة الفلسطينية ما فعلته
أمريكا بدولة طالبان، وأن أي ضغوط أمريكية على (إسرائيل) لوقف حملتها ضد
ما يسمونه (الإرهاب الفلسطيني) يعني أن الإرهاب انتصر وحقق أهدافه!!
وتجلى هذا التحالف الدنس بالتأييد الأمريكي للعدو الصهيوني، ووقوفها في
صف (إسرائيل) ورفض إدانتها على إجرامها في حق الشعب الفلسطيني، ولا
سيما في إدانة العدو في إجرامه في مذبحة جنين، والذي كان محل مقت بعض
الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، ومحل استهجان الكثير من الدول الأوروبية،
فضلاً عن إدانة الشعوب العربية والإسلامية، بل إن هناك أفراداً ومنظمات أمريكية
استنكرت هذا التحالف المشبوه، ووجدنا بعض الأقلام الأمريكية التي شجبت هذه
العلاقة المنحازة، مثلما كتب (ستيفن جرين) في كتابه: (الانحياز: علاقات
أمريكا السرية بإسرائيل المتحفزة) والذي بين فيه ما تم من تزييف للوعي الأمريكي
بحقائق الصراع في الشرق الأوسط، وأن العلاقات (الأمريكية الإسرائيلية) تقدم
أنموذجاً غير مألوف أو مسبوق في التاريخ، وهو ما يشكل وضعاً غير طبيعي،
وأن هذه العلاقة تسير في اتجاه واحد يخدم المصالح الإسرائيلية أساساً على حساب
المصالح الأمريكية، ومثله كذلك (نعوم تشومسكي) و (بول فندلي) وغيرهم،
بل إن (هنتنجتون) صاحب (نظرية صراع الحضارات) قال عن هذه السياسة:
«إنها ستحول أمريكا مع الوقت إلى دولة وحيدة تعاني من العزلة الدولية؛ حتى لو
تملكت ترسانة عسكرية ضخمة، ووزعت إعاناتها هنا وهناك فستظل قوة مكروهة،
بل ستتحول إلى دولة شريرة كما تصف غيرها» .
هكذا تظهر أمريكا دولة إرهابية منذ نشأتها في سياساتها البراجماتية النفعية
التي ترى أن المصلحة هي وحدها المعول عليها، ولو على حساب الأخلاق
والقوانين المعتبرة؛ ولذلك وجدناها ترفض التحديد الدقيق لمعنى الإرهاب حتى لا
تدان بموجبه، والأعجب من ذلك أن أمريكا كما تغاضت عن الإرهاب الصهيوني
تغاضت أيضاً عن إرهاب آخر لا يقل همجية عنه وهو الإرهاب الهندوسي الذي
توجهه الهند لمسلميها؛ مع أن المسلمين فيها أكبر أقلية في العالم حيث يتجاوزون
١٠٠ مليون مسلم، لكن لا قيمة لهم ما دام أنهم مسلمون.
هكذا ترى أمريكا الإسلام، وهكذا ترى المسلمين، لكن يأبى الله إلا أن يفضح
المفهوم الأمريكي للإرهاب المفصل على مقاسات خاصة لكي يخدم مصالحها
الاستراتيجية والاقتصادية ليس إلا، وهذا المفهوم الاستعماري حيث ووجه باستنكار
حتى من حلفائها وحتى أبنائها لمواقفها المنحازة.
واستمراراً للإرهاب الأمريكي نجد أمريكا هذه الأيام تعد العدة وتستبق الزمن
لضرب العراق بدعوى الإطاحة بنظام صدام حسين، وهي تهدف لأمور أكبر من
ذلك بكثير يعرفها كل مطلع على الواقع.
ونحن أعرف من أمريكا بمن هو (صدام حسين) الطاغية الذي سام شعبه
سوء العذاب في حربين كبيرتين هدمتا قدراته ودمرتا اقتصاده وجعلت شعبه يعيش
عيشة ضنكاً، ونعتقد أن الحرب المعلنة على العراق ليس كما يُزعم لهدف محدد
إنما لضرب قوة العراق التي تشكل خطراً على ربيبتها (إسرائيل) ؛ ولتكون سوقاً
لبيع السلاح من ناحية، ولتجريب الأسلحة الجديدة من ناحية أخرى، ولتكون
المنطقة محل حرب جرثومية ستعاني منها لسنوات طويلة، ولها آثارها السلبية
والخطيرة مما لا يخفى، ولذلك حينما ناورت الحكومة العراقية بدعوة فرق التفتيش
للعودة وفق خطة محددة رفضت أمريكا ذلك مصرة على إعلانها الحرب على هذا
البلد المسلم بدون وجه حق.
وفي سبيل البحث عن سند قانوني لتلك الحرب المعلنة أتت بسبب يضحك
حتى الثكالى، وهو الزعم بأن (صدام حسين) متورط في علاقات مع دولة طالبان
وتنظيم (القاعدة) ؛ مما يشير إلى دوره في أحداث ١١ سبتمبر، والمعروف أن
صدام حسين أعدى أعداء الحركات الإسلامية؛ ولذلك وجودها محرم في العراق؛
فهو يعتبرها الخطر الأكبر المهدد لنظامه؛ فكيف يتهم بعلاقة من هذا القبيل؟!
هذه وقفات من الإرهاب الأمريكي الرسمي الذي عم وطم، ونال الكثير من
دول العالم وشعوبه من شروره بما هو معروف، والعزاء أن جبروت أمريكا
والعنجهية التي تسير بها سياستها الإجرامية في حق الشعوب المضطهدة ستنتهي
بسقوط مدوٍّ لها بإذن الله كما سقط سلفها الاتحاد السوفييتي وهذا ليس رجماً بالغيب
بل إن بوادر هذا السقوط تلوح في الأفق؛ من عقدة العظمة والتعالي، واتهامها
لغيرها بأنهم محور الشر وهي للشر أقرب، وموالاتها للصهيونية في تأييد باطلها
وإجرامها، والدعوات القائمة لمقاطعة منتوجاتها من قبل الشعوب المسلمة، وخراب
الذمم لدى الكثير من شركاتها الكبرى التي بدأت تترنح وتعلن إفلاسها واحدة بعد
الأخرى مما أدى إلى تزايد العاطلين بالآلاف.
إن تداعي هذا الكيان المتغطرس ليس بمجرد أمانٍ لمن يكرهونها لإجرامها في
حق الشعوب التي تأبى الانقياد لها والسير في ركابها رغبة أو رهبة لكنه صرخات
العديد من أبناء هذه البلاد الذين ساءتهم سياستها الإرهابية وعنجهيتها السياسية؛ وما
عليك يا أخي الكريم سوى الاطلاع على كتاب وثائقي تحت عنوان: (الولايات
المتحدة.. الدولة السوقية) للصحفي الأمريكي (وليم بلوم) الذي عمل ببلده في
مواقع حساسة جداً، وخبرها عن كثب، فألف كتابه هذا الذي تناول فيه (٢٧٦)
وثيقة، وقدم مئات الحجج والبراهين على طيش أمريكا ونزقها؛ ففي الجزء الأول
تناول فيه علاقة الحب والكره بين بلاده والإرهابيين ومنتهكي حقوق الإنسان،
وبيان الاغتيالات التي تنفذها بلاده ضد الآخرين، وفي الجزء الثاني تناول الكاتب
استعمال أمريكا لأسلحة الدمار الشامل من قصف ويورانيوم منضب وقنابل وأسلحة
بيولوجية وكيمياوية خارج حدودها وحتى داخل حدودها! كما قاله المؤلف. وفي
الجزء الثالث: وهو جوهر الكتاب وفيه يتحدث عن تاريخ أمريكا من (١٩٤٥ -
٢٠٠٠م) وتزويرها للانتخابات وتلاعبها فيها عن طريق (المخابرات المركزية) ،
وبيان دورها في الأعمال ضد إرادة الدول في هيئة الأمم، وما تقوم به من تنصت
على الآخرين.. إنه سجل أسود حافل بالمظالم [٢] .
فأنى لها أن تبقى على الوجود مع هذه المظالم والمآسي؟ وهو ما يؤكد النهاية
المحتمة بإذن الله.
هذه لمحات وإشارات في هذا العدد، وهي تحتاج إلى المزيد من الدراسات
الموسعة والمؤصلة بما تقر به العيون.
[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
стр. 4365
دراسات في الشريعة
مقاطعة بضائع الكفار
نفرة شرعية
هاني بن عبد الله بن محمد بن جبير [*]
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد (فوجئ العالم الإسلامي في هذا العصر بتفوق عدوه عليه في ميادين شتى،
ولو أن هذا التفوق كان في مجال السيف والرمح والكر والفر، فلربما كنا نستطيع
أن ندفع عن أنفسنا شره ونحول دون انتصاره علينا، بل قد نهزمه فنسترد ما ضاع
منا. ولكنه كان ولا يزال تفوقاً غير متكافئ؛ فالعدو على اختلاف توجهاته يملك من
وسائل القوة ما يضمن له التحكم والقهر، وبسط النفوذ وإملاء الإرادة في الوقت
الذي أصبحنا فيه عالة عليه في كل شيء، مما يجعلنا نصنّف أنفسنا قبل أن يصنفنا
غيرنا بأننا متخلفون. ونتيجة لذلك فنحن (عالم التبعيّة) الواقع تحت التأثيرات
الخارجية وقانون التوازن الدولي. إن الصدمات العنيفة التي كان من المفروض أن
تولِّد فينا ردود أفعال مناسبة لم تتوقف هزاتها وتحدياتها، ولقد بقينا مدة طويلة دون
أن تكون مواجهاتنا لها في المستوى المطلوب) [١] .
ويبقى الأفراد الغيورون يلتفتون صوب كل اتجاه بحثاً عن سبيل مواجهة أو
طريق نجاة أو وسيلة إنقاذ إيماناً منهم بأنه لا بد من أن يستنفد المرء كل طاقته ولا
يدّخر منها شيئاً لتبرأ ذمته ويستحق وعد الله تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة:
٢١٤) .
ولما كان الاقتصاد في هذا الزمن ذا تأثير كبير وفعال على مواقف الدول
واتجاهاتها؛ فقد بدأت الدعوة إلى (مقاطعة) البضائع والمنتجات التي تصدرها
الدول التي تحارب المسلمين أو تقف معها؛ لتكون وسيلة ضغط عليها لتوقف (أو
تخفف) من موقفها المعادي للمسلمين.
وكان لهذا النداء تجاوباً كبيراً من الشعوب المسلمة التي لا حول لها ولا قوّة،
ولا تعرف كيف تعمل، ولا كيف تنتصر.
حتى قال بعضهم إن (سلاح المقاطعة) هو السلاح الوحيد المؤثر في سجل
المواجهة مع إسرائيل في وقتنا الحاضر [٢] .
وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس لهذه المقاطعة آثاراً كبيرة
تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من دعم الدولة اليهودية، أو إلى تعهدها بدفع
تبرعات لجهات فلسطينية، إلى غير ذلك.
وقد انتشرت في الساحة الإعلامية عدة فتاوى تقول: إن «كل من اشترى
البضائع الإسرائيلية والأمريكية، من المسلمين فقد ارتكب حراماً، واقترف إثماً
مبيناً، وباء بالوزر عند الله والخزي عند الناس» [٣] .
وحقيقة أن الغيرة الإسلامية تشتعل في النفس إذا رأت ما يحل بالمسلمين وما
يدبر لهم على أيدي أعداء الله.
إلا أن موقف الموقِّع عن رب العالمين وهو يتلو قوله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) .
موقفٌ لا تؤثر فيه العواطف ولا يغلبه الحماس عن تأمل نصوص الوحيين،
وإعمال قواعد الشرع وأدلته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كما أن الله نهى نبيّه أن
يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره؛
فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم. وكثير من الناس إذا
رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام: جزع وكلَّ وناح كما ينوح أهل
المصائب وهو منهي عن هذا بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين
الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى،
وأن ما يصيبه فهو بذنوبه، فليصبر إن وعد الله حق، ويستغفر لذنبه، وليسبح
بحمد ربه بالعشي والإبكار» [٤] .
وفي هذه الورقات القليلات نظرات شرعية عاجلة لموضوع (المقاطعة) ،
حاولت فيها الوصول لحكم شرعي فقهي فيها.
* أولاً: تعريف المقاطعة الاقتصادية:
المقاطعة مفاعلة من القطع. يقال: قطعه يقطعه قطعاً.
والقطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعضٍ فصلاً [٥] .
والقطع والقطيعة: الهجران ضد الوصل [٦] .
والبضاعة: السلعة، وأصلها القطعة من المال الذي يتجر فيه، وقيل جزء
من أجزاء المال تبعثه للتجارة [٧] .
والسلعة: ما تُجر به والمتاع، وجمعها: سِلَع [٨] .
قال في المنجد الأبجدي: (المقاطعة: عدم التعامل مع شخصٍ أو شركة أو
مؤسسة أو دولة، ومنه مقاطعة بلد لمنتجات وحاصلات بلدٍ آخر) [٩] .
وقال في المعجم الوسيط: (المقاطعة: الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصادياً
أو اجتماعياً وفق نظام جماعي مرسوم) [١٠] .
وشاع استعمال المقاطعة في الامتناع عن شراء منتجات من يحارب المسلمين
أو يعينهم دون الامتناع عن البيع؛ وذلك لأن أهل الإسلام صاروا مستهلكين، وقل
الإنتاج فيهم.
* ثانياً: قواعد ومقدمات:
وهي سبع أسردها تباعاً..
الأولى: جواز معاملة الكفار.
الأصل أنه يجوز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو
حرب [١١] إذا وقع العقد على ما يحل، ولا يكون ذلك من موالاتهم [١٢] .
عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها. فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: أبيعاً أم عطيّة؟ أو قال: أم هبة؟ قال: لا، بل بيع. فاشترى منه
شاةً [١٣] .
وقد بوّب البخاري على هذا الحديث في صحيحه: باب البيع والشراء مع
المشركين وأهل الحرب.
وقد أمر النبي ﷺ سلمان الفارسي بأن يكاتب، والمكاتبة أن
يشتري العبد نفسه من سيده، وكان سيده يهودياً [١٤] .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قُبض رسول الله صلى الله عليه
وسلم وإن درعه مرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها
رزقاً لعياله [١٥] .
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من
يهودي طعاماً إلى أجل [١٦] .
وسواء في ذلك أن يسافر المسلم لبلد الكفار وديار الحرب أو يجيء الكافر
لبلاد الإسلام ليبيع أو يشتري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا سافر الرَّجل إلى دار الحرب ليشتري
منها جاز عندنا كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة
رسول الله ﷺ إلى أرض الشام، وهي حينذاك دار حرب، وغير
ذلك من الأحاديث» [١٧] .
عن الحسن قال: كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ﵄:
أن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب أخذوا منهم العُشر. قال فكتب إليه عمر:
خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك: العشر [١٨] .
قال الحافظ ابن حجر: «تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم على
المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم» [١٩] .
هذا هو الأصل العام في معاملة الكفار.
يستثنى من هذا الأصل مسائل؛ منها:
أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين. لقوله
تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان] (المائدة:
٢) .
قال ابن بطال: «معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب
على المسلمين» [٢٠] .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معاملة التتار، فأجاب:
(يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم ...
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن
يقاتل به قتالاً محرماً فهذا لا يجوز.. في السنن عن النبي ﷺ :
«لعن في الخمر عشرة: لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها،
والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها» [٢١] . فقد
لعن العاصر وهو إنما يعصر عنباً يصير عصيراً، والعصير حلال: يمكن أن يتخذ
خلاً ودبساً وغير ذلك) [٢٢] .
وسواء كان ذلك وقت الحرب بين المسلمين والكفار أو وقت الموادعة والهدنة
بينهم.
قال السرخسي: ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع [٢٣]
والسلاح والحديد؛ لأنهم أهل حرب، وإن كانوا موادعين؛ ألا ترى أنهم بعد مضي
المدة يعودون حرباً للمسلمين، ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما
خلا الكراع والسلاح؛ فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله
إليهم، وكذلك الحديد؛ فإنه أصل السلاح. قال الله تعالى: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ
بَأْسٌ شَدِيدٌ] (الحديد: ٢٥) [٢٤] .
وهذه المسألة من معمولات سد الذرائع المفضية إلى المفاسد، ومن أمثلة قاعدة
الوسائل لها أحكام المقاصد.
الثانية: وسائل التعامل مع الكفار.
شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صوراً متعددة، وله وسائل لا بد من
معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها. ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:
١ - الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة، وهذا آكد
ما يشمله حديثنا.
٢ - الشراء من خلال وسيط (سمسار) ؛ حيث يكون لديه علم بعدد من
المصانع والشركات المنتجة، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج
أو المصنع، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها
الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر [٢٥] .
وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من
الشراء والتضرر بالمقاطعة.
٣ - الشراء من (وكيل بالعمولة) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو،
وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى
موكله تنفيذاً لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: (عمولة) [٢٦] .
والفرق بينه وبين الذي قبله أن هذا يستورد البضائع ويبقيها لديه معروضة
ليبيعها باسمه هو، ويتم التعاقد معه أو مع شركته، ثم بعد ذلك يسلم للمنتج أو
المصنع قيمة المبيع ويطالبه بالالتزامات. أما الأول فإنه وسيط فقط يربط بين
الطرفين، ثم تنتهي مهمته. وفي هذه الحالة تكون الأموال أيضاً مدفوعة للبائع
الأصلي؛ فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة، إلا
أن المقاطعة تضر بهذا الوكيل أيضاً لتحمله تخزين وعرض البضائع.
٤ - شراء بضائع أصلها من صنع الكفار، وجرى تصنيعها داخل بلاد
المسلمين على يد شركة مسلمة تأخذ امتياز تصنيعها من الشركة الأصلية مقابل مبلغ
مالي يدفعه صاحب امتياز التصنيع للشركة الأصلية بشكل دوريّ. وهنا يستفيد أولاً
من البيع: الشركة المسلمة وتتضرر هي أولاً من المقاطعة. أما الكافر فيكون
ضرره غير مباشر من خلال ما قد يعرض لصاحب امتياز التصنيع من الاستغناء
عن حق الامتياز المذكور فيتوقف عن مواصلة دفع ما يقابله.
٥ - الشراء من مسلم اشترى بضائع صنعها الكفار أو أنتجوها؛ فهنا
المتضرر من المقاطعة أولاً المسلم الذي اشترى البضاعة. مع أن المقاطعة تضر
الكافر إذا امتنع التاجر المسلم من شراء منتجاته مرة أخرى لعدم رواجها.
الثالثة: أنواع بضائع الكفار.
البضائع عموماً سواء باعها كفار أو مسلمون، إما أن تكون ضرورية أو
حاجيّة أو تحسينية [٢٧] .
ولا شك أن بينها فرقاً كبيراً؛ فالشرع جاء بالتفريق بين الضروري وغيره،
وأباح المحرم عند الاضطرار قال تعالى: [وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ] (الأنعام: ١١٩) .
وقعّد أهل العلم قاعدة: «لا محرم مع اضطرار» [٢٨] . مستندين لنصوص
متوافرة من أدلة الشرع تقررها. ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا كانت
عامّة [٢٩] .
وعليه فإننا لا بد أن نفرّق بين بضاعة ضروريّة لا غنى عنها كالدقيق مثلاً،
أو حاجيّة عامة كبعض المراكب وبين التحسينيات من أنواع الألبسة والكماليات
ونحوها.
ومن شواهد ذلك في موضوعنا ما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - أنّه كان يأخذ من النبط من القِطْنيّة (وهي الحبوب التي تطبخ) العُشْر،
ومن الحنطة والزيت نصف العشر؛ ليكثر الحَمْل إلى المدينة [٣٠] . فقد خفف عمر
﵁ ما يأخذه منهم للمصلحة في ذلك؛ فإن في الحنطة معاش الناس.
ومن هذا نقول: إنّه يخفف في أمور الضرورات والحاجيات العامة ويراعى فيها ما
لا يراعى في غيرها.
قال الشاطبي: «الأمور الضرورية إذا اكتنفها من خارج أمور لا تُرضى
شرعاً فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة
من غير حرج» [٣١] .
الرابعة: سد الذرائع.
سد الذرائع من الأدلة المستعملة عند أهل العلم. والمراد بها منع الجائز لئلا
يتوصّل به إلى الممنوع [٣٢] .
ونتيجة إعمالها: تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة.
وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعياً أو ظنيًّا أو نادراً.
فإن كان قطعياً: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة
أو لا [٣٣] .
وإن كان نادراً فقد اتفق العلماء أيضاً على عدم المنع منه، وأنّه على أصل
المشروعيّة.
وأما إن كان ظنياً فقد اختلف أهل العلم فيه هل يمنع أو لا؟ [٣٤] .
وقد أطال العلامة ابن القيم في الاستدلال على صحة قاعدة سد الذرائع،
واستشهد عليها بتسعة وتسعين دليلاً [٣٥] .
ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم
غالباً فإن الشرع يحرمها مطلقاً. وكذلك إذا كانت تفضي وقد لا تُفضي، لكن الطبع
متقاضٍ لإفضائها. وأما إن كانت إنما تفضي أحياناً؛ فإن لم يكم فيها مصلحة
راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضاً» [٣٦] . وسيأتي لهذا مزيد بيان.
والمقصود أن الشرع راعى الوسائل والطرق التي يسلك منها إلى الشيء
وتتوقف الأحكام عليها؛ فطرق الحرام والمكروهات تابعة لها.
وإذا نهى الشرع عن شيء فنهيه يستلزم النهي عن كل ما يفضي إليه ويوصل
إليه [٣٧] .
ولذا فقد نبه أهل العلم على أنه يجب على المفتي والمجتهد أن لا يحكم على
فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل من
مصلحة أو مفسدة تنشأ عنه. فلا يأذن بفعل ولو كان فيه جلب مصلحة إلا أن ينظر
في مآله لئلا يكون استجلاب المصلحة فيه مؤدياً إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد
عليها [٣٨] .
قال ابن كثير: «الشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما
أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» [٣٩] .
الخامسة: قاعدة المصالح والمفاسد.
لا شك «أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد
وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما،
وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما» [٤٠] .
ونظرنا في المصالح والمفاسد ينحصر في ملحظين:
الأول: أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فإنه
يُنْهى عنه؛ وذلك لأن الشريعة مبنيّة على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما
عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة؛ ولذا سدّت ذرائع مفضية إلى الإضرار والفساد
في شواهد كثيرة من الكتاب والسنة [٤١] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه
مصلحة راجحة يُنْهى عنه كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من
المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد
الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوّع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب؛ فسوّغها كثير منهم في هذه الأوقات،
وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسدّ الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة
وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها، فتفوت
مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف ما لا سبب له؛ فإنّه
يمكن فعله في غير هذا الوقت، فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة
توجب النهي عنه» [٤٢] .
وفي المقابل فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة
راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع
به، وكدفع مال لرجل يأكله حراماً حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال. فهذه
صور جائزة لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة [٤٣] .
الثاني: أن المصالح والمفاسد يكفي فيها الظن الغالب؛ وذلك أن المصالح
والمفاسد لا يعرف مقدارها إلا بالتقريب؛ أما تحديدها بدقة فغير ممكن غالباً.
قال العز بن عبد السلام: «أكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها
وتحديدها، وإنما تُعرف تقريباً لعزّة الوقوف على تحديدها» [٤٤] . ولذا يقوم الظن
الغالب فيها مقام العلم.
قال الشاطبي: «وإذا كان الضرر والمفسدة تلحق ظنًّا، فهل يجري الظن
مجرى العلم.. أم لا..؟ اعتبار الظن هو الأرجح لأمور: أحدها: أن الظن في
أبواب العمليات جار مجرى العلم؛ فالظاهر جريانه هنا. والثاني: أن المنصوص
عليه من سد الذرائع داخل في هذا القسم كقوله تعالى: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . فإنهم قالوا: لتكفن
عن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك.. والثالث: أنه داخل في التعاون على الإثم
والعدوان المنهي عنه» [٤٥] .
السادسة: الإضرار الاقتصادي طريق من طرق الجهاد المشروع.
وقد استعمل النبي ﷺ التضييق والضغط الاقتصادي بتلك
السرايا والبعوث التي سيّرها لمهاجمة قوافل قريش التجارية؛ فقد بعث النبي صلى
الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص فقال: «اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرّار؛ فإن
عيراً لقريش ستمر بك» [٤٦] .
وخرج النبي ﷺ في مائتين من أصحابه يعترض عيراً
لقريش في غزوة بواط [٤٧] . كما خرج لغزوة العشيرة لاعتراض قافلة لقريش في
طريقها إلى الشام، ولما عادت خرج يريدها [٤٨] . وغزوة بدر إنما كان سببها طلبه
عير أبي سفيان [٤٩] .
وعن ابن عباس ﵁ قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عير قريش
فيها أموالهم؛ فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» فانتدب الناس [٥٠] . إلى غير ذلك
من شواهد كثيرة، وكما استعمل النبي ﷺ هذا الأسلوب فقد
استعمله أبو بصير لما خرج إلى سيف البحر ولحق به أبو جندل بعد صلح الحديبية،
واجتمع إليهما عصابة ممن أسلم من قريش لا يسمعون بعير خرجت لقريش إلى
الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم [٥١] . بل وأبلغ من ذلك أن النبي
ﷺ دعا على قريش أن تضيق عليهم معيشتهم.
عن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ
لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع
يوسف» فأصابتهم سنة حصّت كل شيء حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم
أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان
فقال: أيْ محمد! إن قومك هلكوا؛ فادع الله أن يكشف عنهم [٥٢] .
السابعة: ارتباط المقاطعة بإذن ولي الأمر.
لا شك أن من الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع
والطاعة لولاة أمور المسلمين في المعروف.
وأعمال الرعيّة منها ما يشترط لفعله إذن الإمام، ومنها ما لا يشترط له إذنه.
والمقاطعة بشكلها المعاصر مما لا يظهر لي ارتباطه بإذن ولي الأمر؛ بدليل
حديث ثمامة الآتي نصّه: عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله
ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن
أُثال سيّد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله
ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال عندي خير: إن تقتل تقتل ذا
دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت.
فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟
فأعاد عليه مقالته؛ حتى كان من الغد أعاد عليه مقالته، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل
المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. يا محمد! والله
ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك؛ فقد أصبح وجهك أحب الوجوه
كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله
إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا،
ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة
حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ » [٥٣] . زاد ابن هشام:
«فانصرف إلى بلاده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول
الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يُخَلّي إليهم حمل
الطعام ففعل» [٥٤] .
والشاهد من الحديث أن ثمامة منع الحمل إلى مكة وهو نوع من المقاطعة
الاقتصادية لهم مع أنه لم يتقدمه إذن نبوي بذلك، وإنما قاله حميّة لله ورسوله لما
قالوا له: صبوت، كما هو ظاهر الحديث.
* ثالثاً: حكم المقاطعة الاقتصادية:
لا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين
التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل وأيسر، ولا شك
أن ارتباط الاقتصاد بالسياسة وتأثيره على التوجهات السياسية والنزاعات الحزبيّة
صار أكبر وأقوى.
ولذا فإن بحث هذه المسألة بالتوسع في النظر فيها هو من خصائص هذا
العصر.
والذي يظهر أن حكم المقاطعة يختلف باختلاف الأحوال، وإليك التفصيل:
الأول: إذا أمر بها الإمام:
إذا أمر الإمام بمقاطعة سلعة معينة أو بضائع دولة من دول الكفر فإنه يجب
على رعيته امتثال أمره؛ قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «اسمعوا وأطيعوا إن استعمل عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسه زبيبة» [٥٥] .
وليس للإمام أن يأمر بذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة عامّة لا تقابلها مفسدة
أو ضرر أرجح منه؛ وذلك أن الأصل في تصرّفات الولاة النافذة على الرعية
الملزمة لها في حقوقها العامة والخاصَّة أن تبنى على مصلحة الجماعة، وأن تهدف
إلى خيرها. وتصرّف الولاة على خلاف هذه المصلحة غير جائز [٥٦] .
ولذا قعَّد أهل العلم قاعدة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة [٥٧] .
ولعلَّ في قصة كعب بن مالك ﵁ إذ نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم المسلمين عن كلامه وصاحبيه [٥٨] شاهداً لأمر الإمام بالمقاطعة.
الثاني: إذا لم يأمر بها الإمام:
إذا لم يأمر الإمام بالمقاطعة فلا يخلو الحال من أمرين:
١ - أن يعلم المسلم أنَّ قيمة ما يشتريه يعين الكفار على قتل المسلمين أو
إقامة الكفر. فهنا يحرم عليه أن يشتري منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم والحال ما
ذكر مشمول بالنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ومشمول بقاعدة سد الذرائع
المفضية إلى الحرام. وإذا علم المسلم أن أهل العلم حرَّموا بيع العنب لمن يتخذه
خمراً، وبيع السلاح لأهل الحرب أو وقت الفتنة خشية استعماله لقتل المسلمين،
وحَرَّموا إقراض من يغلب على الظن أنه يصرف ماله في محرم [٥٩] ؛ فكيف إذا
كان عين الثمن الذي يشتري به يُقتل به مسلم أو يعان به على كفر؟!
سئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة هل يجوز
لمسلم شراؤه فقال: لا يحل ذلك له لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم. وسئل في
أرض لكنيسة يبيع الأسقف منها شيئاً في إصلاحها؟ فقال: لا يجوز للمسلمين أن
يشتروها من وجه العون على تعظيم الكنيسة [٦٠] .
وسئل الإمام أحمد عن نصارى وقفوا ضيعة للبيعة أيستأجرها الرجل المسلم
منهم؟ قال: لا يأخذها بشيء لا يعينهم على ما هم فيه [٦١] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن [٦٢] : «الكافر الحربي لا
يُمَكَّن مما يعينه على حرب أهل الإسلام ولو بالميرة والمال، ونحوه، والدواب
والرواحل، حتى قال بعضهم بتحريق ما لا يتمكن المسلمون من نقله في دار
الحرب من أثاثهم وأمتعتهم، ومنعهم من الانتفاع به» [٦٣] .
وعلى كلٍ فالنهي عن التعاون عن الإثم والعدوان يشمل هذه الصورة وغيرها
وهي آية محكمة.
هذا حكم ما لو علم ذلك يقيناً سواء باطلاع مباشر، أو خبر موثوق به، أو
غير ذلك. وغلبة الظن تجري مجرى العلم كما سبق.
٢ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يستعان به على حرام من قتال
المسلمين أو إقامة الكفر؛ فهذا باق على الأصل العام وهو جواز البيع والشراء
وسائر المعاملات.
فإن الأصل في البيوع الإباحة سواء منها ما كان مع المسلمين أو الكفار. كما
سبق. وحيث لم يوجد ناقل عن هذا الأصل فلا يتغير الحكم ولكن يرتبط به الحالة
الآتية:
٣ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يستعان به على حرام؛ لكن في
مقاطعتهم مصلحة، ولعل هذه الحالة هي أكثر ما يكون الحديث عنه.
ولبيان حكم هذه الحالة فإني أحتاج لتقسيمها إلى قسمين:
أ - أن يتم الشراء من الكافر مباشرة أو من خلال سمسار أو وكيل بعمولة.
وإذا أردت الوصول للحكم الشرعي في هذا القسم فإني بحاجة لتقرير مسلَّمات
شرعيّة توصلنا للنتيجة: فالأصل جواز التعامل مع الكفار ولو كانوا من أهل
الحرب، وأن وسائل الحرام حرام. ولا يحكم على فعلٍ حتى يُنْظر في مآله وعاقبته.
ولا يباح مما يفضي إلى مفسدة إلا ما كانت مصلحته أرجح. ولا يحرم مما يفضي
إلى مصلحة إلا ما كانت مفسدته أرجح. ولا مانع من استعمال الإضرار المالي
جهاداً لأعداء الله ولو لم يأذن به الإمام.
وعليه فإن كان في المقاطعة والحال ما ذكر مصلحة فإنه يُنْدب إليها على أنه
يراعى مدى الحاجة للبضائع كما سبق.
ب - أن يتم الشراء من مسلم اشترى البضاعة أو صاحب امتياز. ولبيان
الحكم فإني مع تذكيري بما سبق من مسلَّمات فإني أذكر بأن المنتج الكافر يأخذ مقابل
منحه امتياز التصنيع، وهو يأخذه سواء قلَّ البيع أو كثر، فالمقاطعة إضرار به
وبعمالته وبالمساهمين معه في رأس ماله، وكذا الحال بالنسبة لمن اشترى بضاعة
من الكافر وصارت من ماله فالمقاطعة إضرار به.
ولذا فإن القول بندب المقاطعة فيه ثِقَل لوجود المفسدة والضرر الكبيرين، ولا
يقال فيها إن المفسدة خاصة والمصلحة عامة؛ وذلك لأن المسلم سيكون هو
المتضرر، ولأنَّ نفع المقاطعة مظنون وتضرر الشركة مقطوع به، والمقطوع يقدم
على المظنون.
وعلى كلٍّ فاعتراض المفسدة قد يمنع القول بندب المقاطعة في هذا القسم،
والله تعالى أعلم.
وأنبّه هنا إلى أن من قاطع البضائع والسلع المنتجة من دول الكفار بنيّة حسنة
كتقديم البديل الإسلامي أو زيادة في بغض الكفار فإنه إن شاء الله ممدوح على فعله
مثاب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المباح بالنيّة الحسنة يكون خيراً، وبالنيّة
السّيئة يكون شراً، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة.. فإذا فعل شيئاً من المباحات
فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده، وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه وإما أن
يقصد لغيره فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له وهو إلهه
الذي يعبده لا يعبد شيئاً سواه وهو أحب إليه من كل ما سواه؛ فإن إرادته تنتهي إلى
إرادته وجه الله، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، كما
في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال:» نفقة الرجل على أهله
يحتسبها صدقة [٦٤] « [٦٥] .
وبعد! فإن جميع ما سبق إنما هو نظر فقهي مجرد يحتاج تنزيله على وقائعه
إلى نظرين: فقهي يحقق المناط، وواقعي يعرف الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» الواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل
الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم
النظر في ظاهر الدين؛ فلا يؤخذ رأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم
في الدنيا « [٦٦] .
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت
الوهاب.
стр. 4366
دراسات في الشريعة
رجب بين الاتباع والابتداع
محمد بن سعد العيد
إن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع لأجل
أن يُعبد ويوحد، قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات:
٥٦) .
وقال تعالى: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) .
وهذه العبادة لا تسمى عبادة إلا إذا كانت خالصة لرب العالمين، وموافقة لأمر
الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ حيث قال تعالى: [فَمَن كَانَ يَرْجُو
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] (الكهف: ١١٠) .
قال الفضيل بن عياض ﵀: «إن العمل إذا كان خالصاًَ ولم يكن
صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل؛ حتى يكون خالصاً
صواباً، قال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة» [١] .
والمتأمل في حال بعض المسلمين يجد أنهم أحدثوا عبادات بدعية، وأخذوا
يتعبدون الله بها ظناً منهم أنها من الدين وليست كذلك، وهذا راجع إلى أمور منها
الجهل، والتعصب الأعمى لما عليه الأهل والعشيرة، والتقليد، واتباع مشايخ
الضلالة، والمصلحة التي يحصل عليها بعض من يفعل هذه البدع أو يشرف عليها.
ومن البدع التي تحدث في كل عام واتخذها الناس من العبادات ما يُفعل في
شهر رجب من الأمور المنكرة، وسنذكرها فيما يلي، ولكن نقدم بمقدمة نعرِّف فيها
برجب وسبب التسمية بهذا الاسم.
* أولاً: معنى رجب وسبب التسمية:
رجب في اللغة مأخوذ من رجِبَ الرجلَ رجبَاً، ورَجَبَه يرجُبُه رَجْباً ورُجُوباً،
ورَجَّبه وترجَّبه وأَرْجَبَه؛ كلُّه: هابه وعَظَّمه، فهو مَرْجُوبٌ.
ورجب: شهر سموه بذلك لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا
يستحلون القتال فيه، والترجيب التعظيم، والراجب المعظم لسيده [٢] .
* ثانياً: بعض ما يفعل فيه:
١ - الاحتفال بليلة السابع والعشرين منه، ويسمونها ليلة الإسراء والمعراج:
قال الإمام ابن باز ﵀: «وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء
والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير
ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة
في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من
العبادات؛ فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه
رضوان الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً
مشروعاً لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو الفعل، ولو وقع
شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة ﵃ إلينا» [٣] .
٢ - صلاة الرغائب:
أ - صفتها: وردت صفتها في حديث مكذوب على المصطفى صلى الله عليه
وسلم، وإليك الحديث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر
أمتي..» إلى أن قال: «وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب،
ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة يقرأ في
كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل
هو الله أحد﴾ اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ صلى
عليّ سبعين مرة، ثم يقول: اللهم صلّ على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد
ويقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه
فيقول: رب اغفر لي وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم سبعين
مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى
حاجته، فإنها تقضى» .
قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة
صلى هذه الصلاة إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وعدد
ورق الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كان في أول ليلة
في قبره جاءه بواب [٤] هذه الصلاة، فيجيبه بوجه طلق ولسان ذلق، فيقول له:
حبيبي أبشر! فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت؟ فو الله ما رأيت وجهاً
أحسن من وجهك، ولا سمعت كلاماً أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أطيب من
رائحتك، فيقول له: يا حبيبي! أنا ثواب الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر
كذا، جئت الليلة لأقضي حقك، وأونس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، فإذا نفخ
في الصور أظللت في عرصة القيامة على رأسك، وأبشر فلن تعدم الخير من
مولاك أبداً» [٥] .
قال ابن الجوزي ﵀ بعد إيراد الحديث السابق: «هذا حديث
موضوع على رسول الله ﷺ ، وقد اتهموا به ابن جهيم ونسبوه إلى
الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت
عليهم جميع الكتب فما وجدتهم» [٦] .
وقال الشوكاني ﵀: «هو أي الحديث موضوع. ورجاله
مجهولون، وهذه هي صلاة الرغائب المشهورة، وقد اتفق الحفاظ على أنها
موضوعة» [٧] .
ب - حكمها: قال الإمام النووي ﵀: «فإنها بدعة منكرة، من
بدع الضلالة والجهالة، وفيها منكرات ظاهرة، قاتل الله واضعها ومخترعها، وقد
صنف الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها، وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل
قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها، أكثر من أن تحصر» [٨] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما صلاة الرغائب فلا
أصل لها بل هي محدثة فلا تستحب لا جماعة، ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح
مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة
بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من
السلف والأئمة أصلاً ... » [٩] .
وقال أيضاً: «صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله
ﷺ ، ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك،
والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث، وغيرهم.
والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث..» [١٠] .
وسئل أيضاً عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أم لا؟ فأجاب: «هذه
الصلاة لم يصلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا
التابعون ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها رسول الله ﷺ ، ولا
أحد من السلف، ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها. والحديث
المروي في ذلك عن النبي ﷺ كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة
بذلك؛ ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة، والله أعلم» [١١] .
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: «وهذه الصلاة أي الرغائب بدعة
عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء والمتأخرين من الحفاظ أبو
إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر ابن السمعاني، وأبو الفضل ابن ناصر، وأبو
الفرج ابن الجوزي وغيرهم. وإنما لم يذكرها المتقدمون؛ لأنها أُحدثت بعدهم،
وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة؛ فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها» [١٢] .
٣ - صيام شهر رجب كله أو بعضه اعتقاداً أن في ذلك فضيلة خاصة به:
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «لم يرد في فضل شهر رجب، ولا
في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث
صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي
الحافظ، ﵀» [١٣] .
وممن سبق الحافظ ابن حجر الإمام ابن القيم حيث قال: «وكل حديث في
ذكر صوم رجب، وصلاة بعض الليالي فيه، فهو كذب مفترى» [١٤] .
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أيدي الرجال في رجب
إذا رفعوا عنه طعامه، حتى يضعوا فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية
يعظمونه [١٥] .
وذكر الإمام الطرطوشي أنه يكره صيام رجب على ثلاث أوجه:
١ - أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام، حسب العوام ومن لا
معرفة له بالشريعة، مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان.
٢ - أو أنه سنة ثابتة خصه الرسول ﷺ بالصوم كالسنة
الراتبة.
٣ - أو أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام سائر الشهور،
جارٍ مجرى صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من
باب الفضائل لا من باب السنة والفرائض، ولو كان من باب الفضائل لبينه
الرسول ﷺ أو فعله ولو مرة في العمر، كما فعل في صوم
عاشوراء وفي الثلث الغابر من الليل.
ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصاً بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق،
فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه حذراً من أن يلحق
بالفرائض والسنة الراتبة عند العوام.
فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه تؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا
يعد فرضاً أو سنة، فلا بأس بذلك [١٦] .
٤ - الاعتمار في رجب اعتقاداً بأن فعلها في هذا الشهر فضيلة:
لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في رجب أو خصه
بعمرة دون غيره، فلا فضل للعمرة في رجب على غيره من الشهور كما يظنه
بعض الناس.
والمحفوظ عن النبي ﷺ «أنه اعتمر بعد الهجرة أربع عمر،
كلهن في ذي القعدة:
الأولى: عمرة الحديبية، سنة ست للهجرة فصده المشركون عن البيت.
الثانية: عمرة القضية في العام المقبل.
الثالثة: عمرته من الجعرانة، لما خرج إلى حنين ثم رجع إلى مكة، فاعتمر من
الجعرانة داخلاً إليها.
الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته» [١٧] .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ أن العلماء أنكروا
تخصيص شهر رجب بكثرة الاعتمار [١٨] .
وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز التويجري [١٩]- حفظه الله -: «والذي
يترجح عندي والله أعلم أن تخصيص شهر رجب بالعمرة ليس له أصل؛ لأنه ليس
هناك دليل شرعي على تخصيصه بالعمرة فيه، مع ثبوت أن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يعتمر في رجب قط. ولو كان لتخصيصه بالعمرة فضل لدل أمته عليه
وهو الحريص عليهم كما دلهم على فضل العمرة في رمضان ونحو ذلك» .
وما ثبت عن ابن عمر ﵄ حينما سئل فقيل له: يا أبا عبد
الرحمن! اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم! فأنكرت عائشة
﵂ ذلك، وابن عمر يسمع، فما قال لا، ولا نعم، بل سكت، ولو
كان لتخصيصه فضيلة لذكرته عائشة ﵂ [٢٠] [*] .
стр. 4367
دراسات في الشريعة
مسؤولية الفتوى الشرعية
ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة
(٢ ـ ٢)
أ. د. محمد فؤاد البرازي [*]
في الحلقة السابقة أشار الكاتب إلى أن التصدي للإفتاء بشروطه وضوابطه من
أهم وسائل نشر العلم، كما عرف الفتوى لغة واصطلاحاً، ثم ذكر أهميتها والحاجة
إليها، وعرج بعد ذلك على مسؤولية الفتوى وضوابطها من خلال اعتمادها على
الأدلة الشرعية، وذكر طرفاً من الفتاوى الشاذة، كما لفت النظر إلي الخصال التي
على المفتي الاتصاف بها.
ومما يجب التنبه له أن المفتي ليس الذي تتحقق فيه تلك الشروط والخصال
فحسب، بل هو الذي يستصحب معها مواصفات أخرى تعتبر مكملة لما سبق،
نجملها فيما يلي:
١ - فهم مقاصد الشريعة: إن مراعاة مقاصد الشريعة أمر تشهد له قواعد
الشريعة، وقد كانت هذه المقاصد محل اعتبار لدى الأئمة المجتهدين، والعلماء
المحققين، ولهذا وجدنا جمهور أهل العلم يقررون أن الأحكام بمقاصدها، على
تفاوت بينهم في مدى الأخذ بهذا المبدأ؛ ذلك أن نصوص الشريعة وأحكامها معللة
بمصالح ومقاصد وضعت لأجلها، فينبغي عدم إهمالها عند تقرير الأحكام.
٢ - معرفة مواضع الاختلاف: إن البصير بمواضع الاختلاف، العالم
بمدارك العلماء، المتأمل في أدلتهم، الواقف على استنباطاتهم، حري به أن يتبين
له الحق في النوازل العارضة، والوقائع المتجددة، فيفتي بأقواها حجة، وأقومها
محجة.
وقد تضيق بالناس الأحوال، وتتكافأ فيها الأقوال، فيختار منها ما يُصلح
حالهم، ويخرجهم من حرجهم.
لهذا جعل كبار العلماء العلم معرفة الاختلاف، حتى قال قتادة: «من لم
يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه» .
- وقال عطاء: «لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكونه عالماً باختلاف
الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه» .
- وعن مالك: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له:
اختلاف أهل الرأي؟ قال: لا؛ اختلاف أصحاب محمد ﷺ ،
وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن حديث الرسول ﷺ .
- وقال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا
يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إليَّ.
- وعن سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً.
قال الشاطبي بعد هذه الأقوال: «وكلام الناس هنا كثير، وحاصله: معرفة
مواقع الخلاف، لا حفظ مجرد الخلاف، ومعرفة ذلك إنما تحصل بالنظر، فلا بد
منه لكل مجتهد، وكثيراً ما تجد هذا للمحققين في النظر» [١] .
٣ - القصد والاعتدال: إن «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل
الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا
يميل بهم إلى طرف الانحلال.
والدليل على صحة هذا: أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ ذلك
أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط؛ فإذا
خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن
المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين.
وأيضاً فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله ﷺ
وأصحابه الأكرمين، وقد رد ﵊ التبتل.
- قال سعد بن أبي وقاص:» رد رسول الله ﷺ على
عثمان بن مظعون التبتل « [٢] .
- وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة:» أفتَّان أنت يا معاذ! « [٣] .
- وقال:» إن منكم منفِّرين « [٤] .
- وقال:» سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة،
والقصدَ القصدَ تبلغوا « [٥] .
- وقال:» اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن
أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل « [٦] .
- ورد عليهم الوصال، فقال:» لا تواصلوا « [٧] .
فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق:
- أما في طرف التشديد فإنه مهلكة.
- وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضاً؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب
العنت والحرج بغَّض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة،
وهو مشاهد [٨] .
وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال، كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة،
والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى؛ لأن اتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة.
فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتوى» بإطلاقٍ مضاداً للمشي على
التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضاً. وربما فهم بعض الناس أن ترك
الترخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطاً، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة
وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك « [٩] .
٤ - فهم الواقع والفقه فيه: إن من واجب المفتي أن يكون بصيراًَ بزمانه،
عارفاً بأوانه، فاهماًَ لواقعه، حتى تكون فتاواه مبنية على تصور سليم، واستنباط
قويم.
وقديماً قال أهل العلم:» الحكم على الشيء فرع عن تصوره «.
والمفتي الذي لا يعرف الواقع الذي يفتي فيه، يخطئ في كثير من فتاويه،
ويعرض الناس إلى النفرة من الدين، والبعد عن محجة المتقين.
قال ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا
بنوعين من الفهم:
- أحدهما: فهم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن
والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.
- والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في
كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن
بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً.
فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما
توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه.
ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا
أضاع على الناس حقوقهم ونسب ذلك إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله [١٠] .
وعلى هذا: فالفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب
استطاعته، لا من يُلقي العداوة بين الواجب والواقع،» فلكل زمان حكم، والناس
بزمانهم أشبه منهم بآبائهم « [١١] .
غير أنه لا تصح مخالفة النصوص، ولا تأويلها تأويلاً متعسفاً، ولا تطويعها
لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع، فهذا تحريف للكلم عن مواضعه، واستسلام
لضغوط واقع غير إسلامي، نتيجة ضعف النفس، وعجز الإرادة.
وثامن هذه الضوابط: مراعاة القواعد الشرعية المؤثرة في الفتوى، كسد
الذرائع، والحيل، والضرورات.
- أما الذرائع، فقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية:» الذريعة: ما كانت
وسيلة وطريقاً إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى
فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة:
الفعل الذي ظاهره مباح، وهو وسيلة إلى فعل محرم « [١٢] .
وقد قسم القرافي الذرائع إلى ثلاثة أقسام:
- فالقسم الأول: ما أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه، كالمنع من سب
الأصنام عند من يعلم حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها، وكحفر الآبار في طرق
المسلمين فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها.
- والقسم الثاني: ما أجمعت الأمة على عدم منعه، كالمنع من زراعة العنب
خشية الخمر، وكالمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى، فإنه لم يقل به أحد.
- والقسم الثالث: ما اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا؟ كبيوع الآجال عند
المالكية؛ كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر؛
فمالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن، وأخذ عشرة آخر الشهر؛ فهذه وسيلة
لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلاً بإظهار صورة البيع لذلك.
والشافعي يقول: ينظر إلى صورة البيع ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز
ذلك [١٣] .
فالفتوى الشرعية تأخذ في اعتبارها ذلك كله، لا سيما ما يفضي إلى الحرام.
- وأما الحِيَل، فمعناها: إظهار أمر جائز ليتوصل به إلى محرم يبطنه»
[١٤] .
قال الشاطبي: «وحقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم
شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر» [١٥] .
ويفهم من كلام الشاطبي: أن الحيل يشترط فيها القصد من المكلف، وقد
صرح بذلك؛ حيث قال: «ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية»
[١٦] .
فالفرق بين الذريعة والحيلة:
- أن الذريعة ما تفضي إلى المحرم بدون قصد من الفاعل، كسبِّ الأوثان
فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى، وكذلك سب الرجل والد غيره؛ فإنه ذريعة إلى سب
والده.
- أما الحيلة فهي ما يفضي إلى المحرم بقصد من الفاعل، مثل ما يحتال به
من المباحات في الأصل فراراً من الواجب، كبيع النصاب في أثناء الحول فراراً
من الزكاة.
فالفتوى تأخذ في اعتبارها ذلك كله، فتسد الذرائع حتى لا يتوصل بسببها إلى
المحرم حتى ولو كانت جائزة في الأصل مثل سب الأوثان؛ أما لو سلمت من
المحذور فإنها تبقى على حكم الأصل.
كما أن الفتوى تأخذ في اعتبارها إبطال الحيل لما يترتب على هذه الحيل من
خرم قواعد الشريعة، والتحلل من التكاليف الشرعية، فتلغى معاملةً للمكلف بنقيض
قصده.
ولا ينتبه لذلك إلا مفتٍ يقظ لا تخدعه تلك التمويهات، ولا يغره بريق
العبارات.
- أما قاعدة الضرورة الشرعية فينبغي مراعاتها أيضاً؛ لأنها قاعدة متفق
عليها تقوم على أدلة من الكتاب والسنة، ولكون تطبيقاتها مما تضطر إليها الأمة.
وقد قعَّد لها العلماء قاعدة هامة تقول: «الضرورات تبيح المحظورات» ،
كما قرنوها بقاعدة أخرى مقيدة لها هي: «الضرورات تقدر بقدرها» .
ولن أبسط القول في هذه القاعدة الهامة؛ لأن الموضوع لا يحتمله؛ غير أني
أردت الإشارة إليها لتراعى في الفتوى عند تحقق شروطها، وهي:
أ - أن تكون واقعة لا منتظرة بأن يتحقق أو يغلب على الظن وجود خطر
حقيقي على الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسل، أو المال.
ب - وأن تكون ملجئة بحيث يخاف الإنسان هلاك نفسه، أو قطع عضو من
أعضائه، أو تعطل منفعته إن ترك المحظور.
ج - وأن لا يجد المضطر طريقاً آخر غير المحظور.
فمتى تخلف شرط من هذه الشروط انتفى القول بالضرورة.
ورغم اتفاق أهل العلم على هذه الشروط إلا أن المجلس الأوروبي للإفتاء
والبحوث قد تجاوزها، فأفتى بجواز القروض الربوية لشراء المساكن في غير
البلاد الإسلامية بدعوى اعتماده على قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» رغم
عدم تحقق شروطها السابقة، واستناداً لما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد
بن الحسن الشيباني من جواز التعامل بالربا وغيرها من العقود الفاسدة بين المسلمين
وغيرهم في غير دار الإسلام [١٧] .
أما استناد المجلس على قاعدة الضرورة فغير منضبط لعدم تحقق شروطها
السابقة، وعليه فإن فتواه خاطئة:
- ما دام الإنسان يجد بيتاً يسكنه عن طريق الإيجار.
- أو كان لديه مال يشتري به المسكن.
- أو لم يكن لديه المال ولكنه وجد من يقرضه قرضاً حسناً.
- أو وجد وسيلة شرعية أخرى تعينه على الشراء كبيع المرابحة الذي تكون
فيه الزيادة في الثمن مقابل الزيادة في الأجل.
وأما استناد المجلس إلى ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد بن
الحسن الشيباني فلا يصح أيضاً، لعدم انطباق تلك الحالة على مذهب الأحناف الذي
يشترط لجواز التعامل بالربا مع غير المسلمين شروطاً عديدة.
واستدلال بعضهم بحديث: «لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب» ، لا
يفرح به عارف بالحديث؛ لأنه ضعيف لا تقوم به حجة، ويكفي ما قاله الإمام
الشافعي فيه: «هذا ليس بثابت، ولا حجة فيه» ا. هـ.
وإنما قلنا بحرمة الاقتراض بالربا في هذه الحالة لعدم تحقق شروط الضرورة،
ولعموم الأدلة القاضية بتحريم الربا التي لم تفرق بين دار ودار، ولا بين مسلم
وغيره.
فليأخذ العاقل من تقواه لفتواه، ومن دنياه لأخراه، قبل [أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ] (الزمر: ٥٦) .
وبهذا نكون قد أتينا على أهم ضوابط الفتوى حتى تكون معتبرة شرعاً،
ومقبولة طبعاً.
* أثر الفتوى في رشاد الأمة:
إذا كانت الفتوى مؤصلة تأصيلاً شرعياً سليماً من التنطع، معافى من التسيب،
بعيداً عن الأقوال الشاذة، نائياً عن الأدلة التالفة، مراعى فيه رضى الحق،
وملاحظاً به مصالح الخلق، فإن الفتوى تترك في الأمة آثاراً طيبة نجملها فيما يلي:
أ - إزالة الجهل: إن سؤال المستفتي وإجابة المفتي نوع من المدارسة العلمية
يتعلم فيها السائل أحكام الدين، وهو نوع من العلم الذي حض الله تعالى على
تحصيله في كتابه الكريم؛ حيث قال: [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا
فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] (التوبة: ١٢٢) .
وقال تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) .
كما أن الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله صلى الله عليه
وسلم كانت حضاً على العلم؛ لأنه ينير العقول والبصائر، ويستنهض الهمم
والضمائر، ويزيل الجهل، ويصقل العقل، وترتقي به الأمة، ويعلو شأنها.
لقد قامت مدرسة النبوة على التوحيد الذي يحفظ العقل من الخرافة كما قامت
على العلم الذي يصون الإنسان من الجهالة، فتخرج منها رجال كانوا منارات هداية
للسائرين، ومشاعل علم ومعرفة للقاصدين.
فبالفتاوى الكثيرة التي أعطاها النبي ﷺ لأصحابه،
وبالرعاية الإيمانية والعلمية التي أحاطهم بها، نشأ خير جيل عرفته الإنسانية في
تاريخها فيه من مجتهدي الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن
مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.
نعم تخرج من تلك المدرسة جيل فريد متسلح بالعلم، بعد أن كان يغط في
جهالة عمياء لا يعرف قراءة ولا كتابة! وكانت فتاوى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وتوجيهاته عاملاً من عوامل تعليم الأمة ورفع الجهل عنها.
ب - تصحيح المسار للفرد والمجتمع: فالفتوى السليمة تجعل المستفتي على
الجادة القويمة، وتبعده عن البدع الذميمة، فتصحح مساره لئلا يزل، وتحذره من
البدع لئلا يضل؛ وفي ذلك صلاح الفرد، وسلامة المجتمع.
قال الله تعالى: [وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ
وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (سبأ: ٦) .
ج - توثيق صلة الأمة بعلمائها: إن الفتوى القويمة توثق صلة الأمة بعلمائها،
وتربطهم بولاة الأمر في شؤون دينها، وما أحوج الأمة إلى ذلك التلاحم الذي يقود
ركبه حملة أشرف رسالة!!
إن الأمة التي تبقى وفية لعلمائها تسمع لقولهم، وتطيع أمرهم، وتأخذ
بنصحهم هي أمة مؤهلة للفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة؛ وكيف لا يتم لها الفوز
والله تعالى قد أرشدها لطاعته، فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) .
فقد فسر الجمهور أولي الأمر بالأمراء، وفسرها بعض السلف وعلى رأسهم
ترجمان القرآن الكريم ابن عباس ﵁ بالعلماء.
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله
تعالى: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] قال: طاعة الرسول: اتباع الكتاب
والسنة. [وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] : قال: أولي الفقه والعلم [١٨] .
والظاهر أن الآية تشمل أولي الأمر الدنيوي وهم ولاة الأمر، كما تشمل أولي
الأمر الديني وهم أولو الفقه والعلم.
د - تبصرة طالب العلم: إذا وفق الله تعالى طلبة العلم إلى استفتاء العلماء
المتمكنين العاملين المخلصين؛ فإن آفاق المعرفة تتفتح أمامهم ينهلون من معينها،
ويرشفون من حقائقها، فتتنور بصائرهم، وتنضج معارفهم.
وقديماً دل لقمان الحكيم ولده على منبع الخير حتى ينهل منه، فقال له: «يا
بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكمة كما
يحيي الأرض الميتة بوابل السماء» [١٩] .
وبمقدار ما يكون العالم متمكناً، وطالب العلم نهماً، تكون النتائج أوفر،
والعوائد أكثر.
فمن ظفر بعالم متمكن، عامل بعلمه، مسدد في فهمه، فقد حِيزَ له خير عميم،
وفضل عظيم.
هـ - إعانة المسلمين على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الصحيح:
إذا سلمت الفتوى من الشذوذ، وتجردت عن تنطع المتنطعين، وتسيب المتسيبين،
ثم أعطيت للمستفتي على أنها توقيع عن رب العالمين، فإنها تكون خير عون على
أداء التكاليف الشرعية كما أمر الله تعالى في قوله الكريم: [وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ] (الزمر: ٥٥) .
وكلما كانت الفتوى سديدة، ومعتمدة على الأدلة الصحيحة، فإنها تكون أدعى
إلى حمل الناس على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الذي أراده الله ورسوله،
وفي ذلك إحياء للسنن، وإماتة للبدع.
* الآثار السيئة لأخذ الفتوى عن غير أهلها:
إن الفتوى دين، وهي كما سبق توقيع عن رب العالمين؛ وبذلك لا يصح
أخذها إلا من الفقهاء المتمكنين، والعلماء العاملين؛ فما كل من شدا العلم صار
عالماً، ولا كل من اعتزى إليه بات بحق الفتوى قائماً، وقديماً قال محمد بن سيرين
- رحمه الله تعالى -: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» [٢٠] .
فالفتاوى الخاطئة، أو الصادرة عن غير أهلها تترك آثاراً سيئة، وأضراراً
في الفرد والمجتمع فادحة، منها:
أ - التعدي على حدود الله: فما أفدح الخطب حين تنتهك حرمات الله بفتاوى
جائرة تنسب إلى دين الله.
- قال الله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا
حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ]
(النحل: ١١٦) .
- وقال عز شأنه: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى
اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٣) .
- وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها،
وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا
عنها» [٢١] .
ب - الجرأة على دين الله: إن أخذ الفتوى عن غير أهلها يسوق المستفتي
إلى الجرأة على دين الله؛ فلا تبقى لله تعالى في قلبه رقابة، ولا إلى الحق تعالى
في نفسه إنابة، فيرتكب ما سأل عنه بفتوى جائرة، ثم يتدهده من قلة الخشية،
وظلمة المعصية من ذنب إلى آخر حتى تهوي به أهواؤه في مكان سحيق.
ج - شيوع الباطل وإلباسه لبوس الحق: وذلك من التلبيس على الخلق،
والطمس لمعالم الحق: [أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن
يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَناًّ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ
شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ] (يونس: ٣٥-٣٦) .
د - الضلال عن صراط الله العزيز الحميد: إن الخير كل الخير في اتباع
سلف الأمة، ومنهجهم القائم على الكتاب والسنة، وفي ذلك صلاحها في الدنيا،
ونجاتها في الآخرة، ورحم الله من قال: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في
ابتداع من خلف فإذا تقلد الإنسان العلم عن غير أهله ضل عن الطريق؛ فقد روى
الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ
قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض
العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم
فضلوا وأضلوا» [٢٢] .
هـ - الانصراف عن العلماء العاملين، والفقهاء المتمكنين: وما أكثر هذه
الظاهرة في هذه الأيام؛ حتى صرنا نرى العامة تُشَيِّخ كل من طرَّ عذاره، أو ارتفع
في الناس مناره، بَلْهَ من علا بالوعظ صوته، أو من أثر فيهم حاله وسمته،
فيتخذونه في أمور دينهم مفتياً، ولحل خصوماتهم قاضياً، مما أدى إلى التسور على
الدين، والافتراء على أئمة المسلمين، حتى بات صوت الحق في بعض الأجواء
نشازاً، ولا يجد إلا إلى الله تعالى ملاذاً.
قال ابن القيم: «تالله إنها فتنة عَمَّت فأعمت، ورمت القلوب فأصْمَتْ، ولما
عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، فإن طالب الحق من مظانه لديهم مفتون،
ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون» [٢٣] ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
* المقترحات:
بناءً على ما سبق بيانه، ورغبة في معالجة الآثار السيئة لأخذ الفتوى عن
غير أهلها، فإنني أتقدم بالمقترحات الآتية:
١ - العودة في القضايا الكبرى والمسائل الشائكة إلى المجامع الفقهية في العالم
الإسلامي، مثل:
- المجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة.
- المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.
- المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة.
- مجلس الفكر الإسلامي في إسلام آباد بالباكستان. وقد دونت أبحاثه باللغتين
الأوردية والإنجليزية.
- وأكاديمية الفقه الإسلامي في دلهي بالهند، وقد أصدرت بحوثاً قيمة باللغة
الأوردية في كثير من النوازل بأقلام كبار علماء الأحناف بالهند، بلغت سبعة
مجلدات.
ونوصي هذه المجامع المباركة بزيادة عدد الأعضاء من العلماء الذين يعرفون
واقع الجاليات الإسلامية في بلاد غير المسلمين، لمعالجة قضايا الجاليات في غير
البلاد الإسلامية.
٢ - الرجوع في المسائل الأخرى إلى العلماء الأثبات المشهود لهم بسعة العلم،
ودقة الفهم، ومعرفة الواقع، وإدراك مقاصد الشارع.
٣ - تشكيل لجان فتوى من ثقاة أهل العلم الذين تقدمت مواصفاتهم آنفاً،
لتكون إلى جانب الجهات الأخرى الموثوقة مرجعاً سريعاً للجاليات الإسلامية،
تطرح عليها إشكالاتها، وتجد لديها حلاً لمعضلاتها.
٤ - عقد ندوات فقهية يقوم عليها فقهاء متخصصون، يتمتعون بثقة الأمة
وعلمائها، يبحثون في مشكلات الجاليات الإسلامية، ويقدمون لها حلولاً واقعية.
٥ - عقد دورات علمية يرشح لها من عرفت بالعلم كفايته، وتحققت فيه
معرفته، وتوافرت له صلاحيته، واستفاضت في الناس أهليته.
٦ - تأليف كتاب في فقه الأقليات الإسلامية يضم بين دفتيه إجابات شرعية،
وحلولاً عملية لما تحتاج إليه الجاليات الإسلامية، يقوم بتأليفه لجنة من أهل العلم
تعرف واقع تلك الجاليات، وتدرك حكم الله تعالى في تلك المعضلات.
هذا ما أردت قوله؛ فإني [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ
بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود: ٨٨) .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب
العالمين.
стр. 4368
قضايا دعوية
بلاغ الرسالة القرآنية.. معالم في المنهج الدعوي
منهج التعرف إلى الله والتعريف به
(١ ـ ٢)
د. فريد الأنصاري [*]
* مقدمة:
قد لا يخطر على بال الداعية إلى الله أن يسأل نفسه وهو يدعو إلى الله: «ما
معنى الدعوة إلى الله» ؟ هذا سؤال أساس وضروري؛ لأن بالجواب عنه ينضبط
العمل الدعوي، ويستقيم. وأحسب أن إهمال تحقيق عقيدة التوحيد في المجال
الدعوي لدى بعض الحركات الإسلامية، بأقسامه الاستقرائية، كما بينه علماء
السلف، من توحيد للربوبية، وتوحيد للألوهية، وتوحيد للأسماء والصفات، هو
من أخطر المزالق التي تقود إلى الانحراف عن المنهج. فالجواب عن سؤال: «ما
الدعوة إلى الله؟» لا يكون إلا بالانطلاق من عقيدة التوحيد أساساً.
إلا أن الجدير بالذكر أن الوقوف عند حدود استظهار أقسام التوحيد، دون
الغوص إلى عرض مقاصده، في منهج الدعوة إلى الله، هو أيضاً من أخطر
المزالق التي تقود إلى الانحراف عن المنهج؛ إذ سريعاً ما يغيب عن الداعية في
غمرة الانخراط الاجتماعي الهدف الأسمى الذي يتحرك من أجله، فتجف عباراته،
وتنضب دعوته، فلا يبقى لها أثر في النفوس، ولا محبة في القلوب. وبيان ذلك
- بحول الله - هو كما يلي:
* في التعريف القرآني بالله:
إن أول مقاصد القرآن الكريم هو تعريف الناس بالله، هذا الرب العظيم
المتكلم بالقرآن ﷻ ؛ ولذلك جاء تعريف الله لذاته سبحانه بأسمائه الحسنى؛
مباشرة بعد التنبيه على عظمة هذا القرآن. كأنه قال لك: اعرف القرآن أولاً
لتعرف الله. أوَ ليس هو تعالى المتكلم بالقرآن؟ قال ﷻ يصف ذاته: [هُوَ
اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ
إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (الحشر: ٢٢-٢٤) فاقرأ وتدبر.
لقد كان أوْلى بالإنسان أن يسأل نفسه: من أنت؟ .. نعم! أنت هذا الإنسان
الذي وجد نفسه فجأة في هذا الكون الفسيح، الممتد عرضه إلى حدود الغيب
المجهول..!
كون عجيب وغريب لم يستطع الإنسان المعاصر رغم ما اكتسب في مجال
العلوم الكونية، والفلكية، والطبيعية من معارف أن يسبر أغواره الرهيبة.
بل ها هو ذا ما يزال واقفاً على شاطئ الكون ينظر في حيرة: أين ترسو حدود
الضفة الأخرى؟
ثم تأتي الرسالة من رب الكون إلى هذا الإنسان.. وكان أوْلى به أن ينظر
أول ما ينظر إلى مرسلها، ويسأل أول ما يسأل عن مصدرها حتى يتحقق منه يقيناً.
وإذن! دعني أبدأ لك بالدعوى فأقول: إننا مع الأسف لا نعرف الله!
نعم! إن وضع المسلمين اليوم يؤكد هذه الحقيقة المؤسفة؛ ومن هنا وجب
التعريف به.
أما المعرفة بالله فدرجات ومراتب، وما أحسب هذا الشرود الرهيب عن باب
الله في هذا الزمان إلا دليلاً قاطعاً على الجهل العظيم الذي يكبل الناس أن يبحثوا
عن ربهم الذي خلقهم؛ مما يصنفنا دون أدنى مراتب المعرفة بالله. تَرَاخَيْنَا عن
سلوك طريق المعرفة به في الرخاء، فبقينا هَمَلاً، أو لَقضى في مزبلة التاريخ!
وبقيت وصية رسول الله ﷺ فينا دون وفاء؛ فكان لها مفهومها
المخالف في واقعنا: «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة» [١] .
لو كان الناس يعرفون الله حقاً لرأيت الحال غير الحال؛ ولرأيتهم يسابقون في
أداء حق الخالقية.
وبيان ذلك بالمثال الآتي، ولا مُشاحَّة في الأمثال: إذا قدر الله أن يكون إنسان
ما جاهلاً بوالديه لسبب من الأسباب كليهما أو أحدهما، لكنه نشأ محتضناً بحضن
بعض المحسنين، حتى شب وكبر ثم اكتشف الحقيقة: وهي أن هذا الذي رباه ليس
أباه، وأن هذه التي أرضعته ليست أمه التي ولدته؛ فإنه حينئذ يدخل في غربة
شديدة، قد تذهب بعقله كله، أو بعضه، إلا أن يعتصم بالله؛ والسبب في ذلك أنه
فقد المعرفة بمن كان له سبباً في الخروج من عالم العدم إلى عالم الوجود، ودخل
في جهل عظيم بنسبه وأصله، وانقطعت بين يديه سلسلة سنده التي تربطه إلى
شجرة المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.
وهنا بصورة تلقائية لا إرادية يدخل في سلسلة من البحث والأسئلة في كل
مكان، وحيثما اتفق، يسأل سؤالاً واحداً: من أبي؟ أو من أمي؟ سؤالان يؤولان
إلى معنى واحد هو: من أنا؟
إن البحث عن الذات فطرة في الإنسان، ولن تُعرف الذات إلا بمعرفة سبب
وجودها؛ إذ المعلولات مرتبطة بالعلل وجوداً وعدماً، ومن ثَمَّ جهلاً ومعرفة. وهنا
يذكر حديث النبي ﷺ ، في قصة غضبه من كثرة أسئلتهم المعنتة.
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ في حديث طويل أن رسول الله
ﷺ قام فيهم خطيباً، فكان مما قال: «من أحب أن يسأل عن
شيء فليسأل عنه! فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي
هذا! قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن
يقول: سلوني! فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مُدخلي يا رسول الله؟ قال
النار! فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة!
قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني! سلوني! فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا
بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً. قال: فسكت
رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: أولى والذي نفسي بيده! لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً، في
عرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر!» [٢] .
فتأمل هذا المشهد: كيف لم يجرؤ أحد من الصحابة أن يسأل شيئاً؛ إذ رأوا
أمارة الغضب عليه ﷺ ، إلا رجلان: أحدهما سأل عن مدخله،
فأجابه: النار، والعياذ بالله! والآخر انتهز الفرصة رغم هول الموقف فقال:
«من أبي؟» فأجابه النبي ﷺ : «أبوك حذافة» .
إن الإحساس بانقطاع النسب عقدة اجتماعية، سببها الإحساس بالجهل بالذات
اجتماعياً، لا وجودياً؛ ولذلك فقد جاء في رواية مسلم لهذا الحديث: «فأنشأ رجل
من المسجد كان يُلاحَى فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله! من أبي؟» أي أنه
كان إذا خاصمه أحد من الناس؛ سبه وعيره بنسبته إلى غير أبيه! فكان ذلك يحزنه
ويعقده، فلم يستطع أن يكتم رغبته الجامحة في معرفة حقيقة نسبه، رغم ما شهد
من رهبة اللحظة، وخوف الصحابة من غضب النبي ﷺ ! وكم
شهدنا من الناس من أنفق ما أنفق من الأموال والأعمار من أجل اكتشاف والده، أو
أي أحد من عشيرته، أو أي خيط مهما بعد أو ضعف من خيوط نسبه، أو من له
صلة بذلك من الناس، عساه أن يصله بحقيقة نفسه، ولو توهماً!
غريب أمر هذا الإنسان! كيف يجهد لمعرفة حقيقته الاجتماعية، ولا يجهد
ذلك الجهد وأقصى لمعرفة حقيقته الوجودية؟
إن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداء عميقاً يترجم الرغبة
في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود. ألا ترى أن الإنسان مفطور على شكر من
وصله بمعروف؟ بلى! إذن: لِمَ لا تسأل عمن خلقك؟ لا تسرع في الإجابة! لا
تقل لي: إنني أعرف الله؛ فأنا مسلم، فما هذا الذي نريد؟
أنت مخلوق. هذه حقيقة وجودية؛ فلا أحد منا جاء إلى الوجود بإرادته
وقراره. من هنا كان الواجب الأول عليك أن تبحث عن الله الخالق، بهذه الصفة،
أعني صفة الخالقية؛ لأنها سبب مجيئك إلى الكون؛ وإلا كنت عدماً. ولذلك كان
أول حق لله رب الناس على الناس وجب عليهم أداؤه ابتداء: هو حق الخالقية.
أليسوا مخلوقين؟ بلى! إذن تعلق بذمة كل مخلوق أن يشكر الخالق، من حيث هو
خلقه.
و «الخلق» مفهوم من أغرب مفاهيم القرآن العظيم، ومن أكثرها استعصاء
على الفهم والإدراك؛ فهو دال عموماً على: التكوين والإنشاء؛ إبداعاً واختراعاً.
أي أنه خلق الخلق على غير مثال سابق، فتأمل هذه الحقيقة أولاً: «على
غير مثال سابق» إنه تعالى فَطَرَ خلقه، وأنشأهم ولم يسبق له في ذلك نموذج
يحتذى؛ فسبحانه وتعالى من خالق عظيم! فلقد كان تعالى ولم يكن قبله شيء، هو
الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، جل شأنه، وتعالى جده، ولا إله غيره.
تأمل كيف كان خلق الكون؟ كيف كان العدم، وما العدم؟ ثم كان الوجود بأمر
[كُن فَيَكُونُ] (البقرة: ١١٧) . ثم تأمل كيف كان خلق آدم ﵇: كيف
صنع الله من الطين بشراً سوياً؟ يفيض جمالاً وحيوية. عجباً، عجباً! كيف كانت
كتل الطين في جسم آدم تتحول إلى شرايين، وشعيرات دموية، وعظام ولحم طري؟
عجباً، عجباً! كيف تحول الصلصال في محاجره ﵇ بصراً يبرق،
ويشع بنور الحياة، ويرى الألوان والأشياء، ويسيل بالدموع فرحاً وحزناً؟ عجباً،
عجباً! كيف تَخَلَّقَ الترابُ في جمجمته دماغاً مائعاً مارجاً متكوناً من ملايين الخلايا
اللطيفة الحساسة، تجري شعيراتها بالدم الدفاق، وتختزن ملايين المعلومات
والذكريات، وتتأهب للتفكير في أدق الخطرات والنظرات؟ عجباً، عجباً!
ثم تأمل: كيف جعل من الطين والماء نباتاً جميلاً، فصارت له أزهار تملأ
الأنوف عبيراً أخاذاً، وثماراً تملأ القلوب بهجة وجمالاً؟ ذلك هو (الخلق) الذي
تحدى به ربُّ العالمين كلَّ العالمين، فقال: [أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ] (النحل: ١٧) ، وقال ﷻ : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن
يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٧٣-٧٤) .
وهذه حقيقة قرآنية كبرى تترتب عليها أمور كبيرة في حياة الإنسان، وجوداً
وعدماً؛ ذلك أنه كلما نادى الله الناس في القرآن بالاستجابة لأمره التعبدي، ناداهم
من حيث هو (خالقهم) ، هكذا بهذه الصفة دائماً، وهو أمر مهم فيما نحن فيه من
طريق المعرفة بالله.
أي أنه تعالى يسألهم أداء حق الخالقية، هذه الصفة العظيمة لذاته تعالى التي
بها كنا نحن الناس هنا في الأرض نتنفس الحياة.
تدبر قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] (البقرة:
٢١-٢٢) .
وتدبر قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء] (النساء: ١) ، وقوله سبحانه:
[وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ] (الشعراء: ١٨٤) .
هاتان آيتان كلِّيتان من القرآن العظيم، تعلق الأمر فيهما بالعبادة والتقوى،
وما في معناهما من الانتظام في سلك العابدين، وفلك السائرين إلى الله رب العالمين،
إثباتاً لحق الله من حيث هو خالق لشجرة البشر.
ولا يفتأ القرآن يُذَكِّر بهذه الحقيقة، باعتبارها مبدأ كلياً من مبادئ الدين
والتدين، وأنها العلة الأولى منه؛ وذلك نحو قوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ
وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) . فكثيراً ما يردد الناس هذه الآية، ولكن
قليلاً جداً ما يتدبرونها. إنها آية كونية عظمى.. إنها مفتاح من مفاتيح فهم القرآن
العظيم، وباب من أبواب معرفة الربوبية العليا. تأمل قوله تعالى: [مَا لَكُمْ لاَ
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً] (نوح: ١٣-١٤) . انظر كيف ربط
حقه تعالى على عباده بمبدأ خلقهم أطواراً.. فكلما ازداد الكفار تعنتاً ازداد القرآن
إفحاماً لهم، في بيان تفاصيل الخلق. فتلك حجة الله البالغة إجمالاً وتفصيلاً.
تدبر معي هذه الآيات واحدةً واحدة.. قال في حق الكافر الذي أنكر
البعث على محمد ﷺ ، فجاء بطحين عظام ميتة نخرة، ونفخ فيها
فتطاير غبارها من يده، فاستهزأ متسائلاً بما حكاه عنه القرآن الكريم، قال:
[وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي
أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا
أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم
بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ] (يس: ٧٨-٨١) .
وتأمل كيف أن تلك كانت هي حجة موسى الذي صنعه الله على عينه، في
رده على فرعون؛ إذ تعنت في إنكاره. قال : [قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى
* قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] (طه: ٤٩-٥٠) .
إنه تعريف للربوبية ولحقوقها في عبارة من أوجز العبارات الربانية المسطورة
في القرآن الكريم.. فتدبر.. [الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] .
وجاءت الحجة الربانية في بيان الأطوار الوجودية للإنسان في قوله تعالى
أيضاً: [قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ
السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ]
(عبس: ١٧-٢٣) .
وقال في سياق التمهيد لقصص بعض الأنبياء، ودحض حجج المنكرين
للبعث: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ
مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا
العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ
لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ] (المؤمنون: ١٢-١٦) .
تأمل: ما بال هذا البيان والتفصيل لقضية الخلق؛ لولا أنها قضية كونية
كبرى، ينبني عليها ما ينبني من مصير وجودي في حياة الإنسان، هذا المخاطب
بها ابتداء؟
وانظر إلى هذا السؤال الإنكاري الرهيب عن الوظيفة الوجودية للإنسان؛ إذ
تمتع بمنة الخلق، ثم غفل عنها وتناساها.. انظر وتدبر جيداً، واقرأ، وأعد
القراءة مرة، وأخرى؛ لعلك ترى.. قال ﷻ : [أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ
سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ
الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى] (القيامة: ٣٦-
٤٠) .
وكما كانت تلك هي حجة القرآن في الدعوة إلى العبادة، وإثبات حق الخالقية
لله الواحد القهار؛ كانت هي عينها حجته في الدعوة إلى التوحيد ونفي الحق الوهمي
للشركاء، وذلك كما في قوله تعالى: [اللًّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ]
(الروم: ٤٠) ، وقال: [أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ] (الأعراف:
١٩١) . وقال: [أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] (النحل: ١٧) . إنه
قول ثقيل جداً، فتدبر.
ومن أثقل الآيات القرآنية، وأعمقها دلالة على الموقع الوجودي للإنسان من
الخلق قوله تعالى: [هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً *
إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً * إِنَّ الأَبْرَارَ
يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً] (الإِنسان: ١-٥) .
إن «قضية الخلق» تمثل مفتاح فهم الربوبية، والمعنى الوجودي والوظيفي
للإنسان. ولولا خشية الإطالة لبينت لك من خلال كل سور القرآن بدون استثناء
أنها المبدأ الكلي الذي على أساسه خاطب الله الإنسان بكل أمر ونهي، بل إنها تمثل
البنية الأساس لخطابه الذي عليه يتفرع كل شيء، مما قرره في العقيدة والشريعة
على السواء.
* أي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة:
إن هذا الحق بقدر ما هو متعلق بذمة الإنسان لربه الذي خلقه، فإنه يستفيد
منه معنى عظيماً لوجوده. إن إحساسه بوجوب هذا الحق عليه يخرجه من التيه
الوجودي الذي ضاعت فيه أفكار الكفار من العالمين. أو بعبارة قرآنية: يخرجه
[مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] (البقرة: ٢٥٧) .
وأي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة! أو كما قالوا: «إن هي إلا أرحام
تدفع، وأرض تبلع!» فبأي نفسية يعيش الإنسان هذه الحياة، وهو يرى أنما
غايتها إلى العدم المطلق والفناء الرهيب الذي ما بعده من حياة؟ فأي لذة يجدها في
متعها وهو يعتقد أنها إلى زوال قريب؟ ذلك ما يقوده غالباً إلى الشره المتوحش في
تناولها، أو إلى العزوف القَلِق ثم الانتحار! ألا ما أشد وحشة الكفر والضلال!
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به آخرون.
إن معرفة الله من ههنا تبدأ: الشعور بالفرح به تعالى رباً خالقاً، والأنس
بجماله إلهاً رحيماً؛ فيمتلئ القلب شوقاً إليه تعالى، ثم تنشط الجوارح
للسير إلى بابه الكريم، والعروج إلى رضاه، عبر مدارج السالكين، ومنازل
السائرين. فيجد الإنسان الأنس كل الأنس كلما ازداد معرفة بالله ﷻ .
وإنما مدارج المعرفة به تعالى أن ينطلق المسلم من توحيد الربوبية الذي ينفتح
بابه على العبد أول ما ينفتح من الشعور بحق الخالقية كما قررناه؛ ذلك أن الرب
إنما هو رب من حيث هو مالك للمربوب؛ ذلك معناه العام في اللغة وفي الشرع.
قال ابن منظور: «الرَّبُّ: هو الله هو رَبُّ كلِّ شيءٍ: أَي مالكُه،
وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ
والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير اللهِ، إِلاّ بالإِضافة. ورَبَّهُ يَرُبُّهُ رَبّاً: مَلَكَه»
[٣] .
فرب الدار: مالكها، وربة البيت: سيدته، ورب السيارة: صاحب السيادة
عليها. إلا أن «المالكية» الحقة إنما تقع في الواقع على من يملك أصل الاختراع
والإبداع، إنشاء وتطويراً؛ ذلك هو المالك الحقيقي للشيء، وذلك هو الله سبحانه
وتعالى في ربوبيته للكون والخلق أجمعين. إنه مالك كل شيء خلقاً وإبداعاً،
وزيادة ونقصاً، وإحياء وإماتة، وبدءاً وإعادة، وبعثاً ونشوراً. وما كان ذلك كله
ليكون لولا أنه هو الذي خلق. ومن هنا كان أول وصف لذاته تعالى نزل
على محمد ﷺ في بدء تعريفه بالله رباً: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ] (العلق: ١) فهو الرب إذن، وأول ما وصف به نفسه تعالى أنه [الَّذِي
خَلَقَ] ؛ لأن الربوبية إنما ترجع في حقيقتها إلى هذا المعنى كما بيناه آنفاً. ومن
هنا اطراد هذا المبدأ في القرآن الكريم، حتى لا تكاد تخلو سورة منه، بدءاً بالفاتحة
[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الفاتحة: ٢) ؛ حتى سورة الناس [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ] (الناس: ١) . فالقرآن كله إذن قائم على ترسيخ مفهوم الرب في قلوب
المربوبين، عسى أن تستجيب فطرهم لأداء حق الربوبية، بتوحيد الألوهية عبادةً
لله رب العالمين.
وخلاصة الأمر أن الخالق مالك، وأن المالك رب؛ ذلك أنه تعالى خلق فملك،
وملك فرَبَّ. فهذه معانٍ بعضها يحيل على بعض، حتى كان لفظ (الرب)
جماعها؛ فجمع بذلك كل أوصاف الكمال والجمال والجلال، من الأسماء الحسنى
والصفات العلى. ولننصت الآن في ذلك إلى القرآن العظيم؛ حيث يقول الله عز
وجل معرفاً بذاته سبحانه: [هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى]
(الحشر: ٢٤) ، فقوله تعالى: [هُوَ اللَّهُ] جملة اسمية من مبتدأ وخبر، فيها
معنى الجواب عن سؤال تقديره: سؤال السائل عن الرب (من هو؟) ، فقال:
[هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ] ، أي (الرب هو الله) ؛ لأن الضمير (هو) لا
بد أن يعود على معاد سابق، كما قال الله حكاية لحوار فرعون مع موسى وهارون:
[قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى]
(طه: ٤٩-٥٠) . وكما في قوله تعالى من سورة الإخلاص: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ]
(الإِخلاص: ١) .
فكانت الإحالة - في نهاية الأمر - في تعريف الرب على (الأسماء الحسنى) ،
بعدما ذكر بعضها؛ فقد جاءت الآية المذكورة من سورة الحشر في سياق
التعريف بالله من خلال بعض أسمائه، وذلك قوله تعالى: [هُوَ اللَّهُ الَّذِي
لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا
يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (الحشر: ٢٢-٢٤) .
فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله رباً، وهو توحيد الربوبية، كما في
هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاً، وهو توحيد الألوهية، كما في
قوله من سورة الأعراف: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأعراف: ١٨٠) .
ومن هنا قال رسول الله ﷺ في أسماء الله الحسنى: «إن لله
تسعة وتسعين أعطى مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحب الوتر»
[٤] وفي رواية: «من حفظها دخل الجنة» . وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما
في الحديث تفصيلاً في عد هذه الأسماء [٥] .
قلت: إن جماع توحيد الربوبية يؤول إلى إثبات الأسماء والصفات لله رب
العالمين، إثبات إيمان وتسليم، لا ينحرف به تأويل، ولا يزيغ به تعطيل، ولا
يخرمه تشبيه أو تجسيم. فهو تعالى: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ]
(الشورى: ١١) . فلا ينسب شيء من الخلق والتدبير في الكون إلا له سبحانه،
وحده دون سواه، ولا يعتقد شيء من النفع والضر، والعطاء والمنع، والحياة
والموت يصل الكائنات من غيره تعالى. فكل الأسماء الحسنى والصفات العلى دلت
على تفرده سبحانه بمقتضياتها من الفعل والأمر، لا دخل لأحد من خلقه في ذلك إلا
بإذنه تعالى. تدبر ثم تدبر قوله : [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ
تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ
بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ
كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ] (البقرة: ٢٥٥) .
ذلك هو توحيد الله في ربوبيته أي في مالكيته للكون وخالقيته له، وذلك هو
المنطلق السليم، والأساس القويم لتوحيد الألوهية، كما ذكرنا، وبقدر تصفية ذلك
يكون السير في طريق المعرفة الربانية، والرقي في مدارج الإيمان لأداء حق
الخالقية؛ حيث إن توحيد العبودية، أو الألوهية كله لا يخرج عن معنى السير إلى
الله رغباً ورهباً، من حيث إنه تعالى موصوف بصفات الكمال والجمال. وبهذا
السير تتحقق للعبد رتب المعرفة به تعالى، ويكتسب الجديد من منازل الإيمان،
ومقامات الإحسان، سيراً في طريق عبادته تعالى على نهج السنة النبوية؛ استجابة
لقوله تعالى: [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] (الحجر: ٩٩) .
وهنا نعود إلى حديث الأسماء الحسنى؛ حيث يتبين أن قول النبي صلى الله
عليه وسلم: «من أحصاها أو من حفظها دخل الجنة» إنما المقصود بالإحصاء
(الحفظ) عينه، كما هو في صحيح البخاري في «باب إن لله مائة اسم إلا
واحداً» ، وقد ذهب أغلب العلماء كما سترى - بحول الله - إلى أن (الحفظ)
هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات، كما
في قول النبي ﷺ : «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»
[٦] .
والمقصود بحفظ المقتضيات: توقيع كل أعماله وتصرفاته بما تقتضيه دلالاتها
من حدود والتزامات.
فمثلاً إذا انطلق العبد في طلب رزقه، واكتساب قوته فإنما يفعل ذلك باسمه
تعالى: (الرزاق) ، ومعناه أن يعتقد ألا رزق يصل إليه إلا ما كتب الله له، ثم إنه
لا مانع له منه وقد كتبه الله له، ويكون لهذا إن صح اعتقاده فيه أثره الإيماني،
يجتهد كل يوم في تحصيله، فلا يساوم في دينه مقابل مال، عطاءً أو حرماناً؛ إذ
وجد في معرفته باسم الله الرزاق أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وهو
قصد من مقاصد حفظ (الاسم) من أسمائه الحسنى: الثبات على ذلك أمام الفتن،
لا تزحزحه المضايقات ولا المناوشات، ولا التهديدات، ولا تذهب به الوساوس كل
مذهب، بل يسكن إلى عقيدته مطمئناً، آمناً من كل مكروه، إلا ما كان من قدر الله،
موقناً أن الله لا يريد به إلا خيراً. فذلك أمر المؤمن الذي ليس إلا لمؤمن،
والمؤمن أمره كله له خير كما في الحديث الصحيح؛ حيث قال ﵊:
«عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن
أصابته سرَّاء شكر؛ وكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر؛ فكان خيراً له»
[٧] .
إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله. وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه تعالى
(الرزاق) يذوق العبد من معنى (الحفظ) جمالاً حميداً، وأنساً جديداً، فتعلو القدم
بذلك في مراتب العبودية، وتوحيد الألوهية مقامات أخرى. والربانيون في (حفظ)
كل اسم من أسمائه الحسنى بهذا المعنى مراتب ومنازل. وبذلك يمتلئ القلب حباً
لجمال أنواره وجلال إفضاله تعالى، فيزداد شوقاً إلى السير في طريق المعرفة
الربانية التي كلما ذاق منها العبد جديداً ازداد أنساً وشوقاً، فلا تكون العبادة بالنسبة
إليه حينئذ إلا أنساً، وراحة، ولذة في طريق الله؛ إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه
تعالى بالأوقات والصلوات، والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكرات، والدخول في سائر أعمال البر الصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى
من كل ذلك مسالك تقربك إلى الله سبحانه، وتوصلك إليه.
هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى، وهو ما ذهب إليه أغلب شراح
الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر ﵀ في الفتح: «وقال
الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد
العمل بها. وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو
التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها» [٨] .
وقال أيضا: (وهو أن يعلم معنى كلٍّ في الصيغة، ويستدل عليه بأثره
الساري في الوجود، فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني
الأسماء، وتعرف خواص بعضها. قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال:
وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن؛ بما يقتضيه كل اسم
من الأسماء) [٩] .
ذلك هو الشأن بالنسبة لسائر أسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، الملك،
القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن ... إلخ. فكلها (حسنى) بصيغة التفضيل
المطلقة هذه، أي لا شيء أحسن منها؛ فهي تبث النور والسلام والجمال في طريق
السالكين إليه تعالى بحفظها، وتملأ قلوبهم إيماناً وإحساناً. كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم في الحديث: «إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب
عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها» [١٠] .
وههنا لنا لطيفة من لطائف الأسماء الحسنى، نذكرها بحول الله؛ رفعاً للغبش
الذي قد يدور بخلد بعضهم، أو مما قد يلقيه الشيطان في خاطر العبد الذي لم يذق
بعدُ جمال بعض الأسماء، من مثل أسمائه تعالى: (الجبار، والمتكبر، والقهار) .
إن أول شيء يجب التذكير به أن هذه الأسماء كسائر أسمائه تعالى قد وصفها الله
في القرآن بأنها (الحسنى) على التفضيل، وفي هذا لطائف كثيرة؛
فبالنسبة إلى خصوص معاني التكبر والكبرياء والقهر والجبروت من أسمائه تعالى
فهي مما يشين الإنسان، ويلقي به في دركات الذم والنقص؛ لو اتصف بها،
وتخلَّق بأحوالها. لكنها في ذات الله تعالى جلال وجمال، ونور وكمال، فهي
(الحسنى) . نعم قد ورد الوعيد في حق من اتصف بها من الناس، كما في الحديث
القدسي: «قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً
منهما قذفته في النار» [١١] .
وبيان ذلك أن الله قصر ذلك الوصف عليه تعالى، ولم يأذن
لأحد من خلقه في اكتسابه، وهو وحده يليق به ذلك لجلال قدره، وعظمة
ملكه وسلطانه؛ فهو الملك الحق العدل، لا ينافي شيء من ذلك عدله ورحمته، بل
إن وصف القهر والجبر والكبرياء في ذاته مصدر رحمة لعباده المؤمنين، وهذا من
لطائف المسألة؛ حيث إن المؤمن حينما ينتسب إلى الله عبداً، فإنه يكتسب من نسبة
العبودية عزة ومنعة؛ إذ هو محمي من الظلمة والفجار؛ باسم الله الجبار القهار.
وأنت حينما ترى في الأرض عبداً جاهلاً متكبراً؛ تدرك بسرعة أنه ينتحل ما ليس
له، كيف يصدق تجبره وكبرياؤه، وقد قال الله فيه: [وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً]
(النساء: ٢٨) ؟ فكبرياؤه تلك إنما هي صورة من ورق! إنها مرض نفسي، فهي
تعبير عن الشعور بالنقص إزاء كمال حاوله فلم يصله: من الناحية الاجتماعية، أو
المالية، أو السلطانية، أو أي جهة أخرى. فقد يكون الإنسان غنياً ذا ثروة طائلة،
فإذا تكبر دل ذلك على نقص من جهة أخرى، ربما ظن أن ماله يغنيه من كل وجه،
فلما أدرك أنه لا يسد له حقيقة الكمال استكبر فطغى وتجبر وظلم! إنك أيها العبد
المنتسب بخضوعك وعبوديتك إلى كبرياء الله الحق تشعر أن الكبرياء مما ينتحله
الخلق كذب وافتراء، بل مرض يستحق صاحبه الحسرة والإشفاق! تماماً كما تشفق
على من ألقى بيده إلى التهلكة بالكفر والضلال، على غرار قوله تعالى: [يَا
حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ] (يس: ٣٠) فالجاهل قد يرى الجبار من الناس أسداً يزأر في
وجوه الخلق، وعبد الله إنما يراه أسداً من ورق، أو دمية (كرتونية) تحكي لعبة
الأسد. والمتكبر من الخلق هو أول من يشعر في نفسه بضعفه، وعجزه، وفشله
في أن يندمج في المجتمع، ويتواضع أمام الخلق. وما أصدق قول الشاعر في هذا:
ملأى السنابل تنحني بتواضع ... والفارغات رؤوسهن شوامخ
وأنت إذ ترى ما لا يرى الجهلة تستريح.. فقد عرفت أنما الكبرياء
والجبروت لله الواحد القهار؛ فكانت بذلك أسماؤه الحسنى: الجبار والمتكبر والقهار،
ونحوها من أسماء الجلال برداً وسلاماً على قلوب عباده الصالحين تبعث النور
والجمال.. ولا عجب؛ فهي من (الأسماء الحسنى) حقاً وصدقاً. و [قُلْ صَدَقَ
اللَّهُ] (آل عمران: ٩٥) ، والله خير الصادقين.
стр. 4369
البيان الأدبي
لمحات في أدب الطفل
إبراهيم بن سعد الحقيل
عرفت البشرية منذ وجودها أدب الطفل وإن لم يكن مكتوباً فهو من أنواع
الأدب المختلفة، يعبر عن الأمة: عقيدتها، وهويتها، وآمالها، وأساليب عيشها.
والإسلام ذو عناية بالطفل قبل أن يكون إلى أن يكون، وبعد أن يكون إلى أن
يبلغ مرحلة التكليف، وكانت عناية القرآن الكريم بالطفل ظاهرة، واهتمام رسولنا
الكريم ﷺ به ساطعة.
وسنلقي الضوء في هذه العجالة على الأدب الخاص بالطفل؛ من منظورنا
نحن أهل التوحيد والسنة لا من منظور غيرنا المستعار.
* ما أدب الطفل؟
إن أفضل تعريف وأيسره هو: أن كل ما كُتب وصُوِّر وقُرئ ليقرأه ويراه
ويسمعه الطفل فهو أدب للطفل.
ونحن ماذا نريد من أدب الطفل؟ إننا نريد منه أن يحقق لنا عدداً من الأهداف
الكثيرة التي تدخل تحت أربعة أهداف رئيسة هي:
١ - أهداف عقدية.
٢ - أهداف تعليمية.
٣ - أهداف تربوية.
٤ - أهداف ترفيهية.
وذلك التقسيم لكيلا تتداخل الأفكار، وإلا فكل الأهداف تدخل تحت الهدف
العقدي؛ لأننا أمَّةٌ عقيدتنا تشمل جميع شؤون الحياة الكبيرة منها والصغيرة.
١ - الهدف العقدي:
أهل كُل أمَّة كتبوا أدبهم مستمدين ذلك من عقائدهم، فتجد آثار تلك العقائد
ظاهرة في آدابهم جليَّة، وبما أن ديننا الإسلام خاتم الأديان والمهيمن عليها وجب
علينا أن يكون هذا الأدب معبراً عن تلك الحقيقة، فنجعل عقيدتنا تصل إلى الأطفال
عن طريق الربط بينها وبين جميع حواسهم وملاحظاتهم ومداركهم؛ لأنه لا خوف
من ذلك؛ فعقيدتنا لا تصطدم بشيءٍ من الحقائق العقلية، فتكون كلمة التوحيد
موجودة في ذلك الأدب حتى تنمو معه.
ولقد حرص الإسلام على أن يكون أولَ ما يطرق سمع الصبي الشهادتان،
وكان سلفنا أول ما يحرصون عليه أن يتكلم الطفل بالشهادة، فتنمو معه ويزداد حبُّه
لها.
يقول الغزالي: «اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى
الصبي في أول نشوئه ليحفظه حفظاً لا يزال ينكشف له معناه في كِبَرِه شيئاً فشيئاً»
[١] .
لا بد من ترسيخ حب الله ومعرفة قدرته، وأنه خالق الإنسان
ومسيِّر الكون، وأن المرجع والمآل إليه، فينشأ الطفل غير مشوش التصور
وضعيفه، تهزُّه أول كلمة شك، أو ينساق وراء الجهل، فيقع في الشرك أو البدع
المهلكة.
وما أجمل تلك الأناشيد التي تمجد الخالق وتحث على التدبر في مخلوقاته، أو
تلك القصص والصور التي تزيد الطفل يقيناً بعظمة الخالق وقدرته، فيزداد حباً
لربه ويقيناً بعقيدته التي تدعوه إلى التضحية في سبيل الله كما فعل سلفه الصالح.
ومن تلك الأهداف العقدية محبة رسول الله ﷺ والأنبياء
والرسل، وذلك عن طريق السيرة النبوية وقصص الأنبياء المستمدة من القرآن
الكريم والسنة الكريمة لا من الإسرائيليات، فما أروع تلك القصص عندما تكون
تفسيراً مبسطاً لقصص الأنبياء والمرسلين التي وردت في القرآن، فيزداد ارتباطه
بالقرآن، ويعلم علم اليقين أنه المصدر السابق لتلك القصص، وأنه لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، فيكون ذلك درعاً للدفاع عندما يصل إليه المشككون،
كما يصبح له ذلك طريقاً لتعلم القرآن وقراءته ومحبته والارتباط به.
ومن الأهداف كذلك تحبيب الأطفال بالرسول ﷺ ، ومعرفة
حقه، ووجوب طاعته؛ ففي عرض سيرته مجملة أو مقسمة خير مرسخ لتلك
المحبة، والتركيز على صلته بأصحابه وعرض محبتهم له وفدائهم له، وما أكثر
تلك المواقف القصصية في سيرته وسيرهم.
كما تعرض لهم علاقته مع أهل بيته، وليكون الطفل على دراية بدور الأم
والأب والأولاد، فلا يكون ذلك غرضاً يرمى به عند الأقلام المسمومة.
ولا بد في أدب الطفل من استلهام كل أمرٍ عقدي من القرآن الكريم؛ حتى
يعرف الطفل عن طريق تلك الآداب أن القرآن مصدر عقيدته لا يدخله شك ولا
شبهة ليكون ذلك خير دفاع في نفسه في وجه تيارات الكفر والضلال، فينشأ الطفل
قادراً على التكيف لا تتنازعه الأهواء، ويكون أكثر اتزاناً؛ لأن العقيدة الصحيحة
غُرست في قلبه وفكره بتمثلهم لها عن طريق تلك الآداب.
يقول الإمام الغزالي: «ويرسل إلى المكتب مبكراً فيتعلم القرآن وأحاديث
الأخيار، وحكايات الأبرار ليُغرَس في نفسه حب الصالحين» [٢] .
وليس الأمر في ذلك بحشو أدب الطفل بتلك الأسس حشواً، بل تكون أسساً
يركز عليها ذلك الأدب. فقد تكون القصة أو التلوين أو الفيلم أو الأنشودة في بابها
أو تحوي بين ثناياها تلك الأسس لتصل إلى الطفل مقرونة بشيء من المحسوسات؛
لتكون أسرع رسوخاً في ذهن الطفل، مبسطة حتى يمكن لعقل الصغير إدراكها،
وفي القرآن الكريم أمثال لذلك من ضرب الأمثال على التوحيد، وعظمة الخالق،
وقصص النبيين.
٢ - الهدف التعليمي:
لا بد أن يضيف الأدب إلى أهله شيئاً قد يكون مفيداًَ أو ضاراً؛ وأُمَّةُ الإسلام
يجب أن يضيف أدبها أيًّا كان نوعه ما يفيد سوادها ومن ذلك أدب الأطفال الذي
يجب أن يستغل حب الأطفال للاستطلاع والمعرفة.
يقول عبد الفتاح أبو مِعال [٣] : «ولما كان الإحساس بالحاجة إلى المعرفة
عند الأطفال جزءاً من تكوينهم الفطري لأن غريزة حب الاستطلاع تنشأ مع الطفل
وتنمو معه، ومحاولة الطفل التعرف على بيئته تعتبر من العوامل الهامة التي إذا
عولجت بحكمة؛ فإن ذلك يؤدي إلى تنمية ما يمكن أن يكون لديه من إمكانات
وقدرات» .
ومن ذلك أن يكون هذا الأدب يدرب الطفل على قراءة القرآن، وإجادة تلك
القراءة مع فهم مبسط لمعاني ما يقرأ لكي يتذوق القرآن ويفهم ما يقرأ.
وفي القرآن رصيد ضخم للمعارف بأنواعها مما يفتح عقل الطفل ويزيد تعلقه
بكتابه؛ ففي بعض سور القرآن كسورة الفيل، والمسد، والشمس، قصص مبسطة
وقصيرة تناسب الأطفال. وكلما تقدم الطفل كان الأدب مراعياً لذلك التقدم، كما
يتعلم عن طريق الأدب ما يُقوّم لسانه من لغته العربية، فيزداد تعلقاً بها ومحبة لها،
مع مراعاة القاموس اللفظي للطفل، ولذلك لا يستطيع كل أديب الكتابة للأطفال.
وليكن الأدب محفزاً الطفل على اكتشاف كل جديد، ومعرفة خفاياه من علوم
دنيوية تحيط به كمكونات جسم الإنسان وآليته، وخلق الحيوانات والأرض والأفلاك
وغيرها، ليعرف إبداع الخالق وعظمته مع ربط ذلك بالقرآن الكريم الذي يحوي
الكثير منها.
كما يعلمه الأدب علوم الإنسان كالتاريخ والجغرافيا والفيزياء والحاسب الآلي
والأقمار الصناعية؛ ليشبع في نفسه حب المعرفة ولتنمية ما لديه من هوايات
لتصبح مهارات يتميز بها.
قال محمد بريغش: «وأدب الطفل يعين على اكتشاف الهوايات والحصول
على المهارات الجديدة، ويعمل على تنمية الاهتمامات الشخصية عند الطفل» .
ويمكن تشجيعه على استعمال تلك المعارف في حديثه مع غيره، وفي إلقائه
ومخاطبته للجمهور، ولنعلم مدى فائدة تلك الآداب للطفل لننظر إلى الأفلام
المتحركة المدبلجة أو المنتجة؛ فلغتها الفصحى علمت أكثر الأطفال هذه اللغة
المحببة، وأصبح السواد الأعظم من أطفالنا المتابعين لها يعون ويفهمون لغتهم
الفصحى وإن لم يستطيعوا الكلام بها بشكل جيد، وظهر أثر ذلك في كتاباتهم،
فزادت مفردات الفصحى وأساليبها، وأثَّرت في حديثه وكتابته.
٣ - أهداف تربوية:
إن التربية التي يتلقاها الطفل عن طريق الأدب ليست بأقل مما يتلقاها في
مدرسته أو على يد والديه أو عن طريق مجتمعه؛ لأن الطفل عندما تكون هذه
التربية بالأدب أياً كان نوعه يقرؤها أو يسمعها أو يراها؛ فإنها ترسخ في ذهنه؛
فابن عباس ﵄ عندما أوصاه الرسول ﷺ بالوصية
الجامعة كان غلاماً، ورغم ذلك طبق تلك النصيحة ونقلها إلى غيره من الناس،
وطبعت حياته بطابعها الإيماني.
فالطفل بطبعه ميال إلى تقليد غيره من الكفار بالحسن وبالقبيح؛ فالتربية لا بد
أن تراعي ذلك الجانب؛ فإنه عندما يرى فيلماً أو يقرأ أو يسمع قصة يتمثل أو
يحاول أن يتمثل دور البطل أو الشخصية التي تناسبه فيها، فيحاول قدر الإمكان
تقليدها؛ لذلك وجب علينا أن نستفيد من ذلك وخاصة في الأدب المرئي للطفل؛
لأنه أسهل طريق للتربية لا يحتاج إلى كبير جهد وعناء.
إذن يجب أن يكون هذا الأدب مربياً للطفل على الأخلاق الحسنة الفاضلة
متصفاً بالتوحيد؛ فما أحسن تلك الأفلام المتحركة أو غيرها التي تصور طفلاً ينشأ
على الفطرة الإلهية موحداً متصفاً بأخلاق حسنة وصفات نبيلة يتمثلها الطفل ويعجب
بها أيما إعجاب، وما أكثر ما بلينا بتقليد أطفالنا لكل بطل أجنبي بسبب قصور أدب
الطفل المرئي لدينا، إن لم نقل انعدامه، فجلب لنا جيلاً منفصلاً عن أمته، بل
وعن محيطه الصغير ممن هم أكبر منه سناً، وما أعظم تأثير قصص أبناء
الصحابة والصغار الصالحين؛ لأنه سيتمثل تلك المواقف لتصبح جزءاً من تكوينه.
لا بد أن تكون الأهداف التربوية في هذا الأدب أهدافاً سامية منتقاة من تاريخ
أمتنا، لا بد أن ننمي فيهم عن طريق أدبهم روح الجهاد وبذل النفس والمال في
سبيل ديننا؛ لأن التربية الأنانية وحب الذات قادنا لنكون أمة كغثاء السيل الذي
أخبرنا به النبي ﷺ ، كما ننمي فيهم روح المبادرة والقيام بالأعمال
المفيدة، بل أن ننمي فيهم انتظار المعجزات التي لن تكون، ونربي بهذا الأدب
الاعتماد على القرآن والسنة لتصديق أمر ما بدلاً من تحكيم غيرنا الذي قادنا لنؤمن
بالخرافات والخزعبلات، فانتشر كثير من المسلمين بين القبور والقباب، وضاعت
هممهم بين الأناشيد والأذكار الصوفية، ونجعل هذا الأدب يطبعهم بطابع العزة
والأنفة وعدم الانحناء أمام ملذات الدنيا، ويصور لهم أن الحياة خير وشر وسعادة
وعناء، حتى نبعدهم عن اليأس والضغوط والتشاؤم، ولا زلنا نتذكر تلك القصص
المفزعة عن السحالي والوحوش والعفاريت التي جبلتنا على الخوف والرهبة من كل
شيء، فلا بد أن يكون هذا الأدب منمياً لأطفالنا على حب الجهاد وعدم الخوف؛
لأن تلك التربية قادت المسلمين لأن يكونوا أيتاماً على مأدبة اللئام.
٤ - الهدف الترفيهي:
لا بد أن يكون هذا الهدف داخلاً في الأهداف السابقة؛ لأن الطفل يحب
التسلية والترفيه ويمل من الجد؛ فعندما نقدم له العقيدة والتعليم والتربية عن طريق
الترفيه فلا بد أنه سيُقبل عليها وتنغرس في ذهنه أكثر مما لو كانت خالية من
التسلية والترفيه.
ولا أدل على ذلك من تعلق التلاميذ بالأفلام المتحركة، رغم أهميتها في
التعليم والتربية إلا أننا نجعلها للترفيه.
قال عبد الفتاح أبو مِعال: «والفيلم المصور المسجل بالصوت والمصاحب
للحركة يساعد الأطفال على إيصال المادة التعليمية إلى جميع فئات الأطفال؛ فهذه
العناصر: الصوت والصورة والحركة، تقوي سرعة البديهة والذاكرة، وتغرز
القدرة على الفهم والحفظ» [٤] .
لكن طلب تلك التسلية والترفيه للطفل لا يصرف هذا الأدب إليه خاصة بدون
نظر إلى الأهداف السابقة؛ لأنها المهمة وهو الوسيلة، لننظر إلى واقعنا حينما
صرفنا أطفالنا نحو التسلية؛ فكثير من آداب الطفل نقصد بها التسلية والترفيه لكنها
غرست في نفوسهم ما يصادم الدين والأخلاق؛ لأنه لا يوجد أدب ترفيهي منعزل
عن الأهداف الأخرى؛ فالطفل عندما يلون قصة أو يشاهد فيلماً أو يقرأ فإنه يستمتع
بذلك ويتسلى به، ولكنه يكتسب من تلك التسلية قيماً ومفاهيم إن صيغت بما نريد
أفادت، وإن صاغها غيرنا قد تفيد ولكنها تضر أيضاً، فهي كالخمر والميسر حينما
قال عنهما الله تعالى: [وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا] (البقرة: ٢١٩) .
* واقع أدب الطفل:
هل حققنا هذه الأهداف؟ لا شك أننا لم نحقق للطفل تلك الأهداف ما عدا هدفاً
واحداً هو الهدف الترفيهي. لماذا؟ لأنه هدف لا يحتاج إلى عمل وعناء وفكر كبير،
نقوم بحشو الخيال الكاذب في قصة أو خلافها ثم نعطيه الطفل رغم خطورته.
يقول باحث [٥] : «هناك فارق بين الخيال من جانب، وبين الكذب وعدم
الصدق من جانب؛ فالأطفال يحبون سماع الحكايات التي يعتقدون أنها ممكنة
الحدوث وهم لا يرفضون الأحداث الخارقة» .
أو نقوم باستيراد ما يطرح لنا من مزابل الأمم الأخرى النصرانية (أمريكا)
والوثنية (اليابان) وغيرهما ونسرع به إلى أطفالنا؛ فنحن نقصد به الترفيه،
وغيرنا له أهداف أخرى يغرسها فيه.
يقول حازم العظم: «إن معظم ما تنشره دور النشر للأطفال مترجم أو مؤلف
بغير خبرة كافية؛ فالأدب الخاص قليل ويمر بأزمة وجود، وهذه الأزمة أتاحت
لبعض الناشرين في غيبة الرقابة والنقد: البحث عن مجلات وكتب الأطفال الرائجة
[أقول والأفلام المتحركة ولعب الكمبيوتر] فقدموها لأطفالنا مترجمة بالصور نفسها
بغير تمحيص، مع أنها تحوي قيماً تربوية غير ملائمة لعقيدتنا وقيمنا الروحية، أو
مرفوضة حتى في البلاد التي تصدر عنها» [٦] .
ويقول عبد التواب يوسف: «والأطفال لدينا اليوم ضاقوا بسذاجة الكتب التي
تسمى: (كتب الأطفال) ، وضاقوا ببساط الريح وسندريلا وغيرها» [٧] .
بل بُلينا بمن يكتب قصصاً للأطفال تهدي إلى الخوف والجبن بدل أن تهدي
إلى الشجاعة والجهاد، وتدعو إلى الركون إلى الحظ كقصص السحرة والشياطين
والعفاريت.
يقول الدكتور محمد شاكر سعيد: «إن كثيراً مما كتب للأطفال في واقعه
ليس صالحاً للأطفال لتجاوزه مستويات الأطفال، أو لتجاوزه الجانب التربوي
المناسب للأطفال، أو لعدم تضمنه قيماً أخلاقية تسهم في تربية الأطفال وتنشئتهم»
[٨] .
ولاحظ حازم النعيمي في تحليله لقصص مجلة عربية للأطفال فقال: «إن
كثيراً من هذه القصص يسيطر عليها اتجاه ينقص دور المرأة في مجتمعنا العربي،
كما أن الأفكار الواردة فيها تعبر عن تبني مفاهيم خاطئة عن قدرات المرأة ووظيفتها
الاجتماعية وسماتها الشخصية وسلوكها» [٩] .
وأدب الطفل مجال واسع لنشر التبعية الثقافية والإعلامية؛ إذ يستخدمه
الاستعمار لغزوه الثقافي والإعلامي، ويتلقى الطفل المنتوجات الأدبية والفنية
الغزيرة في شتى الفنون والوسائط بقصد التأثير على تكوين الناشئة، والترويج
للنمط الثقافي التابع.
لذلك أفرز لدينا مفاهيم خاطئة أنتجت انفصالاً بين الطفل وعقيدته ومجتمعه؛
لأنه يرى ما يصادم ما يقال له وفي النهاية يكون عقل الطفل مجالاً للصراع.
كما يركز كثير من كتاب الأطفال على النزعة الفردية التي تسير الحدث دون
ذكر للمجتمع المحيط بالبطل؛ مما يجعل الطفل معتزاً بذاته ميالاً للانفراد برأيه
مهملاً آراء الآخرين.
وكما أن الكتابة موهبة فهي أوضح في الكتابة للصغار؛ لأنك تتعامل مع
مصدق لما يراه أو يسمعه أو يقرؤه، ولقد بُلي المسلمون بحفنة من الجشعين الذين
لا يحتسبون لله شيئاً مما يعملون، فلم يشجعوا أصحاب المواهب في الكتابة للأطفال،
ولم يسمحوا لهم بالنزول إلى الميدان؛ مما جعل الكتاب المتخصصين نادري
الوجود.
ولكننا نلحظ منذ عقد من الزمن أن جيل الشباب المسلم بدأ بنشر ما كتبه
المتخصصون قبل ردح من الزمن وبنشر الجديد مما كان له أطيب الأثر؛ حيث
يجد الأب المسلم ما يطلب في كثير من الأحيان لأطفاله، ولا بد أن نعي أننا
نصارع عدواً شرساً له باع طويل في التعامل مع أدب الطفل إن لم نشمر ساعد الجد
لم نلحق به، ناهيك عن أن نسبقه.
والله ولي التوفيق.
стр. 4370
قصة قصيرة
وانطفأت شمعة الأمل
أم أسامة [*]
في وسط صحراء مخيفة.. كثيفة الظلام.. بعيدة عن أضواء المدينة.. مكان
مهجور.. لا يوجد فيه سوى الأتربة المتطايرة.. والأحجار المتناثرة.. والتلال
البعيدة.. في ذلك المكان كانت نهايتي.. فهل تعرف من أنا..؟
أنا فتاة في عمر الزهور.. أغرتني صاحبتي ببريق لامع من بعيد.. بريق
الحياة الزوجية.. حيث طلبتني للزواج من أخيها.. فسرت معها بطريق لا أعرف
نهايته.. فأصبحت تتحدث عنه بالقصص والحكايات.. فأعجبت به قبل أن أعرفه
أو أعرف صدق هذه الكلمات ... وبعد فترة قصيرة طلبت مني أن أهاتفه ليسمع
موافقتي ويتقدم لخطبتي.. فوافقت دون تفكير.. وبعيداً عن الأنظار.. أجد نفسي
أمسك سماعة الهاتف.. أتحدث معه.. وكانت هذه أول خطوات اللعب بالنار..
حيث أصبحت المكالمة تجر الأخرى.. فنجح في تسلق جدران قلبي.. وأصبحنا
نرسم طريق حياتنا.. ولكن من بين تلك المكالمات فاجأني بطلب رؤيتي ودون علم
من أهلي وبعيداً عن منزلي.. فرفضت في البداية.. ولكن بعد محاولاته الطويلة..
ووعوده الموثوقة.. وإلحاح أخته المستمر.. الصديقة التي زينت لي هذا الطريق
.. عند هذا كله وافقت..
وافقت في وقت أصبحت به أسيرة لرغباته.. وافقت في وقت حطمت به
أبواباً مغلقة.. وتدرجت بسلم الآثام.. وسرت به بخطى سريعة.. وافقت في وقت
كانت رقابة أهلي تشكو من أوجاع دائمة.. وكسور يصعب جبرها.. تشد أعينها..
وتصم آذانها.. ويلفها رداء الإهمال..
وافقت في وقت نسيت به كلام الشاعر الذي يقول:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
نعم وافقت وكانت هذه الخطوة من أخطر خطوات اللعب بالنار.. فبعد خروج
أهلي من المنزل.. واعتذاري عن الذهاب معهم.. بأسباب اختلقتها.. وعند اقتراب
ساعة اللقاء.. أحسست بخوف شديد وخفقان متزايد.. فحاولت تهدئة روعي..
بأنها أول مرة أخرج بها.. ولكن الذي سأخرج معه سيكون زوجاً لي يوماً ما.. فَلِمَ
هذا الخوف؟! .. وفي هذا الوقت يقترب من باب منزلي.. وأجد نفسي أفتح باب
سيارته لأستقر فيها.. وفي وقت بدأ بحديثه المعطر بقصائد شعره.. أجد نفسي
بعيدة عن أضواء المدينة.. في طريق مظلم.. فكلمته عن تأخري..
وطلبت منه إرجاعي إلى منزلي.. فرفض وهو يضحك استهزاءً مني.. فقلت له:
أين وعودك الموثوقة.. وعهودك المغرية؟ .. ولكنني أتفاجأ بالرد وهو يقول:
وهل صدقتني بأن أتزوج ممن تسمح لنفسها بالخروج مع شخص لا تعرفه؟ ..
حينها أصابتني صدمة كبيرة.. وأنا أرى تحول الحمل الوديع إلى ذئب مفترس..
فأين وعودك أيتها الصديقة؟ .. أين الطريق الذي رسمته لي؟ .. الطريق الذي
نثرت فيه الورود.. وجعلت حوله الأنهار تجري.. وتطفو عليها أوراق الأزهار..
وتنبت حولها الحشائش الخضراء.. والطيور تغرد من فوقها؟ .. أين الشموع التي
جعلتني أمسك بها؟ .. ولكنني أتفاجأ بتحول النهر إلى مستنقع للرذيلة.. تطفو عليه
الضفادع.. وتعلوه الخفافيش.. وتتحول الورود إلى أشواك.. والشموع إلى شعلة
من النار تحرقني.. حينها بدأت بالصراخ.. ولكن من يسمعني في هذا المكان؟
وفي ساعة تحطمت فيها جميع الأحلام.. في وقت لم أملك فيه سوى دموع
تنزف.. وصوت عالٍ ينادي بمن حولي.. ولكنها لم تنجح في تخفيف معاناتي..
فلا أحد يرد على ندائي.. سوى صدى صوتي الذي يقول: هذا ما جنته يداكِ.. ثم
أجد نفسي وسط تلك الصحراء المخيفة.. حيث ينتهي أجلي بطعنات سكينة..
بعد أن سقاني من مر كأسه وولى هارباً..
فالآن يا أرضُ أقترب من ثراك لألفظ أنفاسي الأخيرة.. ومع كل زفرة من
زفرات موتي أخرج حروفاً.. أنحتها على جسدي.. فقلمي سكيني.. وحبري دمي
.. حروف تجتمع لتسطر قصتي.. فاحذري أختاه.. ولا تكوني زهرة قطفت من
بين الزهور.. وفقدت رائحتها.. ثم رميت في وسط الطريق لتسحقها الأقدام..
ليتني أستطيع جمع أوراقي المبعثرة.. لأحكي فيها تجربة قاسية دفعت حياتي ثمناً
لها.. وتبقى رمزاً لكل فتاة تعيش في وسط صراعات.. وكيف يجرها التيار إلى
طريق شائك لنهاية مسدودة.. ليتني أستطيع إخبار أهلي بحالي.. فالآن يا أمي
شمعة منزلك انطفأت.. وأنا التي أطفأتها بيدي.. فابنتك كانت أسيرة لأهوائها..
فلا تبكيني يا أمي؛ فأنا لا أستحق دموعك.. والآن أودعك لأسترسل في نوم عميق
.. نوم لا يوقظني منه صوتك الحنون.. ولا ضحكات أخي الصغير.. نوم لا أملك
قبله سوى أن أقول..
أرى العُمْرَ قد ولى ولم أدرك المنى ... وليس معي زاد، وفي سفري بُعْدُ
وقد كنت جاهرت المهيمن عاصياً ... وأحدثت أحداثاً وليس لها رَدُّ
وأرخيت خوف الناس ستراً من الحيا ... وما خفت من سري غداً عنده يبدو
أنا عبد سوء خُنْت مولاي عهده ... كذلك عبد السوء ليس له عَهْدُ
فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي ... ونارك لا يقوى لها الحجر الصلدُ
أنا الفرد عند الموت والفرد في البلى ... وأبعث فرداً فارحم الفرد يا فردُ
стр. 4371
نص شعري
نصر الله آت
عز الدين فرحات [*]
...
ما انتهينا
ليس ما قد ضاع ضاع.
إنما الدنيا صراع.
بين حق وخداع.
إن نصر الله آت
فاستعدُّوا يا أُباة
واستفيقوا يا غفاة
إن وعد الله دوماً
سوف يعطينا الثبات.
قالها طفلٌ صغير
دون خوفٍ أو خنوع
في ربا القدس الجليل
عطَّرت كل الربوع:
إن مجداً صاغه الإسلام
خالد.
إن يكن في جنده أمثال
«خالد» .
وأبى الطفل الخضوع.
وأبى ذلَّ الركوع.
رغم ما يلقاه من بطش اليهود
رغم ما عاناه من ذل القيود
يقذف الأحجار في وجه اليهود
علَّمَ القُوَّادَ آيات الصمود
يرفع الصوت يدوي كالرعود
تالياً آيات (أنفالٍ) و (هود) .
قد عرفنا دربنا
كل أمجادي هنا
في كتاب الله
والتاريخ شاهد.
فاقرؤوا القرآن دوماً
«وأعِدُّوا» .
ولهذا اليوم يا قوم
استعدوا
فاستفيقوا يا غفاة
واستعدوا يا أباة
إن نصر الله آت
إن نصر الله آت
стр. 4372
نص شعري
أي ذنب قتلك ؟
زينب بنت عبد الله السعود
إلى أطفال يموتون في العراق
بُرْعُمَ الطهر تُرى.. من سحقك ...
بُرْعُمَ الجود ترى.. من جوعك ...
بالحصار المر قل: من غيبك ...
ملأ الأجواء سماً خنقك ...
من كساك الخوف ثوباً سربلك ...
وصلاك النار، من؟ من مزقك ...
قل حبيبي إن قلبي ذا معك ...
«يسكب الدمع ويرعى مضجعك» ...
حار يا موؤود حتى سألك: ...
ليت شعري أي ذنب قتلك؟ ...
أهو الأمن الذي أوجب لك ...
إنما مجلسه من خذلك ...
أم هو الحق الذي قد وُعدك ...
فإذا ما كنت خصماً نكرك ...
أم ترانا نحن من قد ضيعك ...
فرت الآذان كيلا تسمعك ...
أغفت الأعين تخشى رؤيتك ...
فإذا بالنعي يطوي مصرعك ...
يكتم الآه يواري جدثك ...
كل من في الأرض.. كل أسلمك ...
صامت وحدك تبكي مربعك ...
لم يعد من سامع كي ينطقك ...
إنما تروي الحكايا مقلك! ...
стр. 4373
قصة قصيرة
التوبة الصادقة
محمد مفتوح
زيد، قبل أن يتوب ويرجع عن غيه.. كان من شر ما خلق.. يشرب «أم
الخبائث» ، ويسميها «أم المسرات» ، و «أم ليلى» ، يغتاب أصدقاءه،
وينعتهم بالإرهابيين، والمجرمين.. لكنه لما عاشرهم ورافقهم، وعرف حقيقة
أمرهم، سماهم الأخيار.. أمسى لا يفارق مسجد الحي مبتهلاً، مستغفراً، متهجداً..
دفن ماضيه.. قص شاربيه المعقوفين، وأعفى لحيته، فانتشرت على امتداد
وجهه الأبيض البشرة، فزاده جمالاً ووقاراً.
حين رجعت والدته من السفر، تلك المرأة الخمسينية العمر، لم تزل خطوط
الجمال والهيبة ترتسم على وجهها المائل إلى السمرة..
نقرت الباب بدقات خفيفة:
- طق، طق، طق..!
أسرع زيد، وفتحه على مصراعيه.. ما كادت العجوز الحاجة «حليمة»
ترى ابنها، حتى فغرت فمها الضيق، وهي تخاطب نفسها، حتى أوشكت أن تُجن:
- ربما أخطأت المنزل..!!
وسرعان ما عرف زيد ما يجيش بخلدها، فقطع شريط تفكيرها، وشفتاه
ترتعدان:
- تفضلي، يا أماه البيت بيتك..
هكذا تكلم زيد، بكلمات معسولة، تخرج من فوق لحيته، ومن بين شفتين
كشقي ثمرة ناضجة يانعة.. لكن الأم لم تصدق الرؤية، فأعادت البصر كرتين.
لكن لما سمعت عمرو يزأر، كقسورة، من داخل البيت:
- من ببابنا يا زيد؟
- إنها الوالدة يا أخي عمرو..!
دخلت العجوز البيت بخطى ثقيلة، وكأن رجليها لا ترغبان في حملها..
فحملقت في جدران غرفته التي أصبحت مطلية باللوحات القرآنية، المكتوبة بالخط
الكوفي.. لم تخاطب نفسها بنفسها هذه المرة.. بل غمغمت:
- سبحان مغير الأحوال..!!
قبل أن تنطق، ابتسمت، فتمددت عضلات وجهها الموشوم:
- أين هي صور المطربين، والمطربات؟
لم تتمالك نفسها، فأطلقت زغرودة، اهتزت لها أركان البيت، وصرخت
بأعلى صوتها الأجش:
- «لقد ظهر الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً..»
فنبس عمرو:
- لقد أحرق كل شيء: الكتب الصفراء، حتى بدلته الرومانية، وربطة عنقه
المشجرة.. تالله إنها التوبة الصادقة.
وأضاف مبتسماً:
- ألم تشمي رائحة المسك؟ ألم تنظري إلى عباءته الخضراء؟
وأخيراً نطق زيد:
- الحمد لله، عفا الله عما سلف..!
وأخذ المصحف بيديه الطاهرتين، فطفق يرتل سورة «التوبة» وهو يبكي!!
стр. 4374
ندوات
تداعيات سبتمبر.. التحدي والاستجابة
(٢ ـ ٢)
إعداد: وائل عبد الغني
في الحلقة السابقة رأى أحد المحاورين أن أي دولة مالكة للسلاح النووي
تتساوى مع الولايات المتحدة الأمريكية في مسألة الردع، وبين بعضهم أن الحاضر
الغائب في تداعيات ما بعد سبتمبر هو الإرهاب الإسلامي المزعوم.
ودارت الندوة في شؤون شتى نبهت إليها المواقف التي اتخذتها الولايات
المتحدة تجاه العالم الإسلامي خاصة، كما تطرقت إلى موقع العرب من
الاستراتيجية الأمريكية، وفي هذه الحلقة يتابع المحاورون محاور أخرى مهمة.
- البيان -
* ضيوفنا في هذه الندوة هم:
أ. د. أحمد الرشيدي:
أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
أ. د. حامد عبد الماجد:
أستاذ النظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
أ. طلعت رميح:
رئيس تحرير جريدة الشعب المصرية.
أ. د. مصطفى منجود:
أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
البيان: فرضت أحداث سبتمبر عدداً من التحديات على المنطقة العربية؛
بينما سعرت من لظى مجموعة أخرى وضعت المنطقة على مفترق طرق.. كيف
ستكون التحديات، وبماذا ستكون الاستجابات؟
أ. طلعت: الحديث عن التحديات قد يمثل صورة من التحدي في حد ذاتها إذا
ما شكلت عنصر خصم من الوعي بالتحدي الذي يعد وسطاً بين التغافل والانهزامية،
وأعني ألا يصيب ذكر التحديات العصب المدرك في الجسد الإسلامي بحال من
الارتباك أو الوهن، ولهذا أرجو ألا يتحول الحديث حول التحديات في حس القارئ
إلى نوع أخطر من التحدي؛ لأن أكبر تحدٍّ هو التحدي النفسي الذي ينشأ عن
استعظام المخاطر، أو الوقوف على أطلال الحركة دون أن نطور ردود أفعال
تتناسب مع الأحداث إن لم تتفوق عليها.
الولايات المتحدة أدركت ذلك جيداً بعد الحادث مباشرة ووسعت من دائرة
الإرهاب النفسي الموجه نحو الشعوب العربية والإسلامية، وأخشى أن يوضع
كلامنا في هذه القضية لنوع من العون للجهود الأمريكية في هذا الباب، ربما
نجحت الولايات المتحدة في تحقيق بعض النجاحات على مستوى النخب؛ لكن
بالنسبة للشعوب العربية فإن الأمر كان قد تحول إلى موجة كراهية عارمة وربما
بوادر يقظة كان يمكن أن تستثمر لإحباط المخطط الأمريكي الصهيوني، وأخشى أن
تتسرب مع الوقت.
د. حامد: قبل أن أتحدث عن التحديات أطرح ثلاث برقيات عاجلة في هذا
الصدد:
الأولى: لدينا نوع من التحديات التي يمكن القول إنها تشكل مباراة صفرية؛
بمعنى أنه هو تحدٍّ حالّ وضروري وأساسي.. أو هو تحدي وجود!
وفي المقابل هناك نوع آخر من التحديات يمكن أن يقبل المساومة وأنصاف
الحلول التي تمثل هامش مناورة وهامش تبدلات سياسية.
الملاحظ أن مستوى التحديات من النوع الأول زادت معدلاته بعد أحداث
سبتمبر.
الثانية: أن التحدي يفترض أن نميز بين العدو الرئيسي في التحدي والعدو
الثانوي؛ أقصد مصدر التحدي.
الثالثة: أن التحدي لم يعد مقصوراً أو مقتصراً على النظم السياسية أو
المجتمعات، وإنما أصبح التحدي يواجه بنفس الدرجة وربما أعمق قوى التغيير
داخل المجتمعات العربية.
ومن هنا سأذكر بعض التحديات التي يمكن تصنيفها وفقاً لهذه المحكات
المنهجية الثلاثة: أنا أرى أن التحدي الأساسي الذي يواجه الدولة والمجتمع
والحركات عموماً هو تحدي غياب الرؤية، وغياب المشروع والهوية؛ فكل
الأنظمة تعاني من غياب الرؤية (ماذا تريد بالنسبة لشكل الدولة وصورة المجتمع
وهوية الكيان ... ما هو المجتمع الذي تريده؟) .
هناك أزمة قيادات سواء على مستوى الفكر والسياسية والتنظيم. هناك أزمة
مؤسسات، هناك أزمة تنموية وإصلاحية بكل الأبعاد.. هناك حالة من الشلل
والجمود السياسي المنتشر في الأقطار العربية؛ بحيث إن السياسة شاخت أو كما
يعبر البعض: «أنظمة أصابها الكِبَرُ والكِبْرُ في نفس التوقيت» .
د. أحمد: وفق تصوري لا يمكن الحديث عن التحديات الجديدة دون الأخذ
في الاعتبار التحديات القائمة فعلاً والتي يمكن تصورها على ثلاثة مستويات للتحليل:
المستوى الأول: تحديات نابعة من البيئة الداخلية لكل دولة عربية أو دولة
إسلامية على حدة (أو تحديات على المستوى الوطني) .
المستوى الثاني: تحديات على المستوى العربي.
المستوى الثالث: تحديات نابعة من البيئة الدولية العالمية.
فعلى المستوى الأول: هناك التحدي الأكبر وهو مسألة الحريات، وقد ألقت
الأحداث الأخيرة بظلال كئيبة عليه؛ فما لم يأمن الإنسان في بلادنا العربية على
حريته وعلى أمنه وعلى يومه وعلى غده، فهل يتوقع منه خير؟
أيضاً قضية بعض الدول العربية التي تُواجه بتهديدات تكاد تهدد وجود الدولة
ذاتها. مثلاً: حالة الدولة في الصومال، حالة الدولة في السودان مع اختلاف
الدرجة، حالة الدولة في العراق، العراق يكاد يكون الآن دولة لا تملك السيطرة
على فضائها؛ فهذا التهديد لوجود الدولة في ذاتها واستمراريتها كدولة أنا أتصور أن
هذا تهديد من نوع جديد لم نواجهه من قبل.
والقضية الأخرى هي قضية تفسخ التكامل الوطني داخل الدولة واستثمار
ورقة الأقليات، هذه القضية بدأت تمس وجود الدولة؛ وهذا ممكن أن نلمسه بشكل
أوضح في حالة السودان، ممكن أن نلمسه أيضاً في حالة العراق، ممكن أن نلمسه
في حالة الجزائر. هذا التحدي تعاظم بشدة بعد الأحداث الأمريكية.
هناك سياسات اقتصادية وتعليمية وثقافية أصبحت تنفذ وفق إملاءات ووفق
برامج محددة، وهذا يلفت الأنظار إلى فشل مشروعات التنمية في بلادنا العربية في
النهوض، وارتباطها بالاقتصاديات الدولية، وهو ما أدى إلى أزمات سيولة وبطالة
خانقة. بالنسبة للتعليم أصبحنا نرى اليوم نشراً للنموذج الأمريكي في التعليم في
مقابل إضعاف التعليم الوطني وتسطيح مستواه، وهذا يلقي بظلاله على مسألة
الهوية بأبعادها الدينية والثقافية والاجتماعية؛ بل حتى في التعليم الوطني أصبحنا
نرى توسعاً في التعليم باللغة الإنجليزية في مقابل خنق اللغة العربية.
أما على المستوى العربي فحالة التشرذم هي في ذاتها تحدٍّ، وضعف
المؤسسات الإقليمية وقصورها في تقليل النزاعات العربية والسعي نحو التكامل رغم
توافرالإمكانات والدواعي وطول الخبرة هو تحدٍّ آخر، والمشاريع الوافدة هو تحدّ
جديد قديم، نعم هذه التحديات ليست ناشئة تبعا لأحداث سبتمبر! لكن لا ينبغي
نسيانها؛ لأنها تولد تحديات جديدة مع تطور الأحداث، كما أنها تفرض قيوداً على
الاستجابات من جهة ثانية.
أما على مستوى البيئة العالمية: فإن اليمين الأمريكي في ظل أحداث سبتمبر،
وعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية قد وجد الظرف المناسب لتحقيق خيار
الهيمنة الأمريكي على حساب الخيارين الآخرين وهو خيار المشاركة القطبية في
قيادة العالم، والانكفاء على الداخل تحت مسمى جديد هو حرب الإرهاب في ظل
صمت عالمي أو موافقة. واستثمر هذا الوضع لصالح فكر الهيمنة الذي بدوره
يفرض قيوداً وتحديات ومطالب على المنطقة لصالح الطرف الأمريكي وحلفائه
الدائمين، وأصبحت الولايات المتحدة كما يعبر البعض: «لقد اختُزلت الأمم
المتحدة في مجلس الأمن.. واختزل مجلس الأمن في الولايات المتحدة» . ولا شك
فإن التحركات الأمريكية على المستوى العالمي وحالات التقارب الروسي الأمريكي،
واكتمال أركان الحلف الإسرائيلي الهندي التركي تحت المظلة الأمريكية، والسعي
نحو آسيا الوسطى لتهميش دور المنطقة العربية اقتصادياً على المستوى العالمي؛
كل ذلك يلقي بتحديات جديدة.
د. مصطفى: في الحقيقة يمكن قراءة خريطة التحديات بأكثر من طريقة
والنظر إليها من أكثر من زاوية، وقد ركز الدكتور أحمد على الوجهة في التحديات
على أنها داخلية أو إقليمية أو دولية، أما أنا فسأركز قليلاً على الموضوع، وقد
رصدت من تلك التحديات عشر تحديات أساسية، والخطورة ليس في عرض تلك
التحديات، ولكن الخطورة في بعض المدركات المرتبطة بهذه التحديات. وأركز في
هذه التحديات على ما استجد بعد سبتمبر:
لدينا أولاً: التحدي الديني: ويرتبط هذا النوع بالفهم المغلوط للإسلام وربط
الإسلام بالإرهاب، ورسم إطار أمريكي لدورالمؤسسة الدينية، أيضاً في مسألة
التعليم الديني وتفريغه من مضمونه الأساسي. التحدي الديني في التضييق على
المؤسسات الدينية كدور تحفيظ القرآن، والمعاهد الدينية كما حدث في باكستان
مؤخراً وحدث من قبل في مصر واليمن. هذه التجربة ستعمق وتعمم على مستوى
دول المنطقة والعالم الإسلامي.
التحدي الثاني: التحدي الأمني: يتمثل في عدد من المقررات الأمريكية على
مستوى التعاون الأمني على مستوى العالم بالإضافة إلى تجاوز كل حدود
الخصوصية السياسية والأعراف الدولية والإقليمية الخاصة بممارسة كل دولة السيادة
على أراضيها، فقد أصبحنا كل يوم نسمع عن جديد في هذا الأمر: إثارة قلاقل في
دول قد تصل إلى حد التفتيت أو التقسيم، بالإضافة إلى الملاحقات الأمنية للعرب
والمسلمين على مستوى العالم، وكأنه قد أصبح مقرراً الآن أن الإسلام هو الوجه
الآخر للإرهاب.
أ. طلعت: تصريحات الساسة الأمريكيين في الفترة الأخيرة كلها تتواطأ
بالفعل على هذا المعنى بدءاً من بوش إلى تشيني ورامسفيلد ورايس وغيرهم.
د. مصطفى: أضف إلى ذلك ثورة قوانين الاشتباه والهجرة التي تمت على
مستوى العالم الغربي، وسلسلة الإجراءات الموسعة التي اتخذت بالفعل في هذا
الباب.
التحدي الثالث: التحدي السياسي: الدكتور أحمد أشار إلى مسألة الحريات،
وتوسع منطق الأقليات في المنطقة العربية والتخريب في الهوية. القرار السياسي
العربي على المستوى القطري وعلى المستوى الإقليمي أصيب بنوع من الترهل،
ولم يعد يملك زماماً للمبادرة بحيث إنه أصبح محاصراً بالاتهامات، وعليه أن يدافع،
وقد رأينا حالة الإخفاق العربي على مستوى القضية الفلسطينية.
التحدي الرابع: التحدي النفسي: وأقصد به تحدي التعامل النفسي في المنطقة
العربية، وهذا التحدي النفسي لا يقابل بحرب نفسية فقط، ولكن هناك حرب نفسية،
وهناك دعاية، وهناك تسميم سياسي، وهناك كل الكلام الذي تكلم عنه الدكتور
حامد ربيع ﵀.
التحدي الخامس: التحدي الإعلامي: وبراعة الإعلام الغربي في تسويق
الأخبار وإقناع الرأي العام بما يريد الساسة الغربيون، والتأثير على المستوى
العالمي، بينما إعلامنا نحن الآن في مناطق فراغ، وقد رأينا على سبيل المثال
كيف صورت N N C وغيرها من الفضائيات أحداث سبتمبر وكأن العالم كله
انجرح، والعالم كله ضرب وتصوير حالة الضرب والمآسي التي حدثت، وفي
نفس الوقت الذي تحدث فيه إسرائيل أكثر من ذلك، ولكنهم عندهم آلة إعلامية،
وهذه الآلة الإعلامية تعمي على ما قامت به إسرائيل، في الوقت الذي نملك فيه
عشرات القنوات الفضائية على المستوى العربي، ولا نملك استراتيحية إعلامية
موجهة لا نحو الداخل ولا نحو الخارج لتقول لهم ما هو الإسلام. كيف تخاطب
مثقفين؟ كيف تخاطب دوائر المعلومات؟ كيف تخاطب صُناع السياسات؟ كيف
تخاطب الناس هناك في الغرب؟
التحدي السادس: التحدي الاجتماعي: والتحدي الاجتماعي له أكثر من وجه:
المسلمون المسجونون لدى الولايات المتحدة، المضارون من الحروب الأمريكية،
آثار السياسات الأمنية والتعليمية والتشريعية.. مسألة الثقافة، مسألة القيم الجديدة
التي يحاولون أن يغزوا بها المنطقة وما يمكن أن ينجم عنها على المستوى
الاجتماعي. يمكن أن نلمح من وراء ذلك كله آثاراً خطيرة على المستوى
الاجتماعي في العالم العربي.
التحدي السابع: التحدي المؤسسي: فالمنطقة العربية تفتقر إلى العمل
المؤسسي المنظم سواء على مستوى العمل المشترك على المستوى القومي أو على
المستوى القطري ببعديه الأهلي والرسمي، المؤسسات الموجودة لا تفي
بالاستجابات المطلوبة والتحديات تفرض علينا عملاً مؤسسياً مكثفاً ومتخصصاً
ليواكب التحديات المفروضة، والاستجابات على هذا النحو ضعيفة للغاية، بل
يجري تكبيل مثل هذه المؤسسات على المستوى المدني عبر سن القوانين التي تحد
من حركتها وتجعلها تدور في إطار ضيق لا يتناسب مع حجم الأحداث، في حين
أنه تتاح الفرصة لكل مؤسسات المجتمع المدني الأمريكي أن تتكلم وتتفاعل مع
واقعها وقضاياها.
التحدي الثامن: التحدي التعليمي: أظن أننا كلنا متفقون على أن المطلوب
الآن هو نظام تعليمي مستأنس يُخرج مواطناً صالحاً بالمفهوم الأمريكي. والتحدي
التعليمي ليس بتفريغه من مضمونه الديني فقط، وإنما بمنهجية حشو الرأس؛
بحيث يتخرج من التعليم تسيطر عليه ثقافة السطحية.. ثقافة الهشاشة الموجودة في
عالمنا.. ثقافة الفيديو كليب.
التحدي التاسع: التحدي الاقتصادي: والأرقام عن التداعيات الاقتصادية التي
أصابت العالم العربي من جراء أحداث سبتمبر مهولة تكشف عن الخسائر في
معدلات النمو.. الخسائر في الصادرات، الخسائر في الاستثمارات، الخسائر في
حجم السياحة وفي حجم البطالة، في العملات الوطنية، في الدولار.. في أشياء
كثيرة جداً.
التحدي العاشر: التحدي التقني: والمشكلة ذات اتجاهين: الأول أن الولايات
المتحدة ويتبعها الغرب بدأت بفرض سياج من الحظر حول التقنيات الحديثة التي
تنقل إلى العالم الإسلامي والعربي؛ بحيث خفضت سقف المسموح به للتصدير
بالذات إلى العالم العربي والإسلامي مما يزيد من الهوة، ومن جهة ثانية فإن
التحديات تملي استنفاراً على المستوى التقني؛ لأن المواجهة عبر التقنيات الحديثة
زادت من تعقيد الأمور، وهو ما يصعب تحقيقه فعلاً.
أ. طلعت: لا شك أن المسألة التقنية بالغة الخطورة وبالذات على مستوى
قدرات الدول، ولكن تجربة الحركات الجهادية تجربة مبهرة ترينا كيف يتغلب
العامل العقيدي على الجانب التقني، وهذا يعيد لإنسان العقيدة اعتباره من جديد في
المواجهة، بالإضافة إلى محاولات الاستفادة من الخبرات المتاحة عربياً؛ وهو ما
أحدث قفزات نوعية في قدرات الانتفاضة على الاستمرار والمواجهة.
د. مصطفى: يقال الآن إن ضعف الإمكانيات التقنية يحد من قيام بعض
الدول القائدة بدورها القيادي، بل إن أثر الناحية الاقتصادية أو الناحية السياسية
يهون بجوار الجانب التقني.
أ. طلعت: أود أن أشير إلى بعض التحديات:
الأمر الأول: نظراً لأن المشروع الصهيوني في المنطقة في أخطر أزماته؛
فإن نقطة التوازن في المنطقة أصبحت في صالح العرب بفضل الانتفاضة، وهذا
ما يقلق الولايات المتحدة، ومن ثم يتوقع الخبراء بأن تتبنى الولايات المتحدة
ضربة عسكرية تعيد للكيان الصهيوني زمام المبادرة وتحقق له الردع من جديد،
والمرشح الأول لمثل هذه الضربة سوريا من أجل إيقاف الدول العربية عن دعم
فصائل المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة.
الأمر الثاني: أن الولايات المتحدة نشطت على المستوى الفكري والثقافي
والسياسي في تبني شخصيات واتجاهات داخل الدول العربية من أجل إيجاد عناصر
ضغط وتسميم سياسي، وتمدهم بالمال والدعم المعنوي والخبرات، وقد بدأت بالفعل
في تبني بعض فصائل اليسار سراً ومنهم التروتسكيون على وجه التحديد، وقد
بدؤوا بالفعل تنظيم صفوفهم من أجل العمل داخل الدول العربية بدعم مطلق من
أجهزة أمريكية وتمويل مفتوح لملء الفراغ الذي يتركه التضييق على القوى
الإسلامية والوطنية لصالح الرؤى الأمريكية.
الأمر الثالث: وهو تحدّ يكشف لنا عن منطق التراجعات العربية المستمرة،
وهو في منطق التعامل مع التحديات على المستوى العربي، وقد كشفت أحداث
سبتمبر إلى حد كبير أن التعامل العربي مع كثير من التحديات الاستراتيجية يتم
بمنطق التكتيك، وهو منطق لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج مرغوبة أو محمودة.
الأمر الرابع: أن التساهل الأمريكي مع روسيا في قضية الانضمام لحلف
الأطلنطي، وتوقيع الاتفاقيات الأخيرة حول خفض التسليح وغض الطرف عن
جرائمها في الشيشان، وكذلك التودد إلى الصين (الاستجابة لاعتراضها بشأن
القصف النووي في أفغانستان غض الطرف عن قضايا حقوق الإنسان داخلها ...
إلخ) ، ومحاولة تسوية النقاط الملتهبة مع أوروبا (قضايا الجمارك على الصلب
قضايا صناعة الطيران ... إلخ) وتوسيع وتيرة التحالف مع الهند وغيرها وغيرها
إلى كافة أنحاء العالم، كلها مؤشرات على تبديل الأولويات الاستراتيجية، باتجاه
عدو يحتل أولوية عاجلة على الأقل، ألا وهو العرب والمسلمون، والملاحظة الأهم
على هذه الاستراتيجية هو أنها تتبنى خيار الصراع المباشر والشامل مع الدول
العربية والإسلامية دفعة واحدة (لا يتعارض ذلك مع اختلاف الدرجات) باستخدام
القوة العسكرية أو التهديد بها، وهذا يعني أن التحدي هذه المرة شامل وضاغط على
العرب جميعاً ودفعة واحدة.
البيان: من خلال تجليات الأحداث بدا واضحاً أن التحديات بالأصالة أو
الوكالة كلها تصب في حصار الحركات الإسلامية باعتبارها العنصر الأهم في
المنطقة في مقاومة الهيمنة الأمريكية الصهيونية؛ فكيف يمكن قراءة التحديات
التي تواجه العمل الإسلامي بأشكاله المختلفة داخل المنطقة؟
د. حامد: في الواقع الحركة الإسلامية تأتي على رأس قوى التغيير الحقيقية
في المنطقة باعتبارها المؤهلة حقيقة لمجابهة المخاطر التي تواجه المنطقة.
بالفعل هناك تحديات موجهة إلى الظاهرة الإسلامية سواء في بُعدها الشعبي
(التدين الشعبي) أو في بُعدها المؤسسي (المؤسسات التي تعمل للإسلام) أو في
بُعدها الحركي (الحركات والجماعات الإسلامية) هذه التحديات يمكن ترتيبها في
ثلاثة مستويات:
مستوى تحديات نابعة من السياق العالمي وأبرزها أربعة تحديات:
١ - التحدي على مستوى الخضوع للهيمنة الأمريكية والغربية:
بحيث أضحى واضحاً وماثلاً للعيان أن القرار الاستراتيجي العربي والإسلامي
عامة تحدده الولايات المتحدة الأمريكية، أو يتم في إطار ضغوطها في معظم
القضايا المصيرية والقضايا الأساسية؛ وقضية الصراع مع الكيان الصهيوني مثال
بارز.. المبادرات الأخيرة تؤكد ذلك ولو جزئياً، وملف الظاهرة الإسلامية
واستراتيجية التعامل معها يعد أحد هذه الملفات الأساسية المدرجة في علاقة الظاهرة
الإسلامية في المنطقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبرها إجمالاً من أقوى
التهديدات للهيمنة والمصالح الأمريكية في المنطقة خاصة بعد أحداث سبتمبر.
٢ - التحدي على مستوى عملية التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني:
والذي يمتلك رؤية واستراتيجية ثابتة للتعامل مع قضايا منطقة الخليج العربي،
وهو يدرك على نحو واضح أن عدوه الحقيقي هو الظاهرة الإسلامية ذات الامتداد
الشعبي والإدراك القيادي الصهيوني الذي يعكسه في أنصع صوره شارون في
الوقت الحالي يعتبر الظاهرة التي توصف بالإرهابية هي العدو المشترك لإسرائيل
والولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الحاكمة في المنطقة، والمثال الواضح
الموقف من حركات المقاومة مثل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله.
٣ - التحدي على المستوى السياسي الداخلي؛ أي موقف الأنظمة السياسية
الحاكمة من الظاهرة الإسلامية:
كانت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة إلى ما قبل أحداث سبتمبر
وبتفاوت بينها في (الدرجة) تعتبر الظاهرة الإسلامية خطراً أمنياً، ولكن بعدها
وفي إطار الاستراتيجية والضغوط الأمريكية يمكن القول إنها ارتفعت بها لتصبح في
الوقت الحالي وإلى المدى المنظور مستقبلياً هي النقيض الأساسي و «العدو
الرئيسي» حالياً؛ ولذلك فإن وجودها الاجتماعي والسياسي يدور حول «السماح
الفعلي المحسوب» ..
٤ - التحدي الفكري والمعلوماتي النابع من الإطار الدولي (ازدياد الدور
الأمني والمخابراتي والعسكري للأمن الغربي الأمريكي) :
يعتبر التنميط والأمركة أحد مظاهر العولمة وجوانبها والنقيض لفكرة الأمة
والعالمية ولو في أحد أهم مستوياتها وهي أحد مرتكزات ممارسات الظاهرة
الإسلامية، ومن آثارها إضافة إلى عملية التنميط تذويب الهوية الوطنية والقومية
وفي نفس الوقت إبراز منطق الأقليات العرقية والدينية وهو ما يمثل تحدياً من نوع
آخر للظاهرة الإسلامية في المنطقة العربية عموماً وفي منطقة الخليج على نحو
خاص وهو ما يتطلب نوعاً محدداً من الاستجابة.. كما أن الثورة الاتصالية تفرض
تحدياً من نوع آخر يتعلق بمدى إمكانية استفادة الظاهرة الإسلامية من الثورة
المعلوماتية، والتي تفرض تحدياً من نوع آخر يتعلق بـ «نوعية المعلومة»
وإمكانية السيطرة عليها أو احتكارها، وكذلك مضمون المعلومة ذاته ومن يحدده
ويمتلكه.. إلخ.
أما المستوى الثاني فعبارة عن التحديات النابعة من السياق المجتمعي الذي
تعمل فيه الظاهرة الإسلامية، ويمكن تقسيمها لأربعة كما يلي:
١ - حقيقة مدى انتشار وشعبية الظاهرة الإسلامية وتراجعها:
إذ لم يثبت حتى الآن بشكل علمي أن قطاعات واسعة من الرأي العام رغم
تدينه التقليدي ومحافظته في المنطقة العربية عموماً وفي منطقة الخليج العربي
كنموذج قد وصلت إلى قناعة فعلية باعتبار الظاهرة الإسلامية وما تقدمه هو البديل
المطلوب للاستجابة لاحتياجاتها، أو هو الممكن للإصلاح والتغيير، والمؤشرات
المتوفرة بهذا الصدد من خلال العمليات الانتخابية حتى الآن تدل على أن الحركة
تحوز في أحسن الأحوال من ٢٠% - ٢٥% في الكويت مثلاً من تعاطف قطاعات
الأمة، وعلى أية حال فإنه لا يمكن أن يتم إصلاح أو تغيير على أساس الاهتمام
والتعاطف فقط، كما أن المراهنة على مواقف ثابتة للرأي العام أو خصائص دائمة
أمر تعوزه الأدلة العلمية، الوضع بالنسبة لشعبية الظاهرة الإسلامية هناك لم توضع
على المحك؛ لأنه لم تجر انتخابات، وليست هناك معاهد أو مراكز لقياس الرأي
العام ومعرفة توجهاته الأساسية بالنسبة للحركة الإسلامية في المنطقة.
٢ - نخبوية الظاهرة الإسلامية وتآكلها:
تعد الظاهرة الإسلامية قوة منظمة في مجتمعاتها إلا أنها بـ «مقاييس الكم
والوضع» ما تزال نخبة محدودة مركزة في طبقات اجتماعية وفئات اجتماعية،
وأوساط ثقافية محددة، وهذه ذات سمات معينة من حيث خصائصها وقدرتها على
التغيير، وأيضاً من حيث الإمكانات والفعالية، وقطاعات واسعة من هذه النخبة
مستوعبة وموظفة فعلياً لصالح مشاريع أخرى قد تكون منافسة أو مناقضة للظاهرة
الإسلامية، وكل ذلك ينبني عليه أنها بإجمال تعاني من ضعف حقيقي لا يمكنها من
الاستجابة المطلوبة.
٣ - تغلغل الظاهرة الإسلامية:
وإن لم يكن بقدر كاف في مؤسسات الأمة الطبيعية كالمساجد والأوقاف،
والجامعات الدينية التقليدية الممثلة لرمزية الفكرة الإسلامية مثلاً، والتي ترتبط بها
جماهير الأمة تلقائياً، وإن كانت قد قدمت للأمة مشاريع تتواصل مع أبنيتها
الأصيلة والطبيعية لم تزل تحتاج إلى مزيد من الجهود. أما وجود الظاهرة في
القطاعات المحدّثة، والأبنية التحديثية من مؤسسات الدولة الحديثة فهي ما زالت
ضعيفة إلى حد ما.
٤ - عدم قيام الظاهرة الإسلامية بالدور الريادي أو القائد في المجتمع:
قدمت الظاهرة الإسلامية نفسها في المنطقة العربية باعتبارها قيادة للإصلاح
وللتغيير في مجتمعاتها وفق شعارات عامة فضفاضة، وكانت هناك درجات من
القناعة بذلك في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، وقد بدأت الظاهرة تتبلور
في العقدين الأخيرين التي جربت فيها الظاهرة الإسلامية ولو جزئياً عبر درجات
مختلفة من المشاركة أو المغالبة لم تنجح الحركة فيها في تقديم نماذج واقعية حقيقية
للإصلاح وللتغيير المأمول منها، ولكن الظاهرة السياسية في منطقة الخليج العربي
قدمت جزئياً نماذج لنجاحات فعلية.
تلكم التحديات ماثلة أمامنا جاءت أحداث سبتمبر لترسخ وتعمق للتحدي وفق
السياقين العالمي والمحلي.
أما المستوى الثالث: فهو التحديات النابعة من داخل الظاهرة الإسلامية،
ويمكن إجمالها في سبعة محاور أساسية تعبر عن تأمل ومتابعة لأحوال هذه
الظاهرة وهي:
١ - غياب «الرؤية» وعدم تكامل المشروع الإصلاحي:
أو عدم بلورة الحالة الإسلامية لمشروعها التغييري وصياغته صياغة (تناسب
العصر) تقبل التنفيذ سواء كان المشروع السياسي أو حتى المشروع التربوي.. أو
كل مشاريعها الحقيقية. وهذه ملاحظة في الصميم لم تقدم حركة إسلامية حتى
الوقت الراهن مشروعاً إصلاحياً قابلاً للتطبيق. هناك جهود ولا أنكر ذلك؛ لكن لم
ينجز مشروع حتى الآن ولم يقدر لأي حركة أن تجدد أو تقدم مشروعاً.
وحتى يوضع كلامي في محله الصحيح أفرق بين أمرين:
أولهما: الفعل الإصلاحي من ناحية، والرؤية الحاكمة له والمحددة لمساراته
والمنظمة لاتجاهاته من ناحية أخرى؛ فلا يمكن أن ينكر محلل جاد أن هناك بدرجة
من الدرجات أفعالاً حضارية وإصلاحية تقوم بها الظاهرة الإسلامية؛ ولكن
الإشكالية أنها لا تنبع من رؤية محددة، ومن ثم فلا تصب في النهاية في خدمة
أهداف واضحة ومحددة، بل إن هذا الغياب يجعل من طاقاتها - للمفارقة - موظفة
في أهداف ومشاريع مناقضة، ولتسويغ سياسات قد تكون معادية للظاهرة الإسلامية
ذاتها.
وثانيهما: التمييز من الناحية العلمية بين المشروع الإصلاحي المتكامل من
ناحية، والبرامج المحددة على مستوى الأفراد والجماعات الصغيرة التي تحوزها
الظاهرة الإسلامية في معظم الأقطار التي تمارس فيها العمل.. لا يعني ذلك أنه
ليست هناك أفكار عامة حول الرؤية معظمها مستمد من التراث الإسلامي ويحتاج
مراجعة حقيقية. وبإجمال: الظاهرة الإسلامية لم تضع مشروعها الإصلاحي
والتغييري بلغة محددة وواضحة صالحة للاستجابة للتحديات.
٢ - الأزمة القيادية داخل الظاهرة الإسلامية (التحدي القيادي) :
يلاحظ أن القيادات الحالية في معظم مستويات الظاهرة الإسلامية وإن كان
بدرجة أقل بالنسبة لمنطقة الخليج تعاني أزمات تتعلق بشرعية الإنجاز (الشرعية
وفق اصطلاح الفكر السياسي) الذي تحققه، وكفاءة الأداء في الأدوار؛ «فالإنجاز
الفعلي» للظاهرة الإسلامية يكمن في الالتزام ببناء مؤسسات شورية حقيقية وليست
شكلية وورقية على النمط الذي تقيمه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي.
٣ - الأزمة التنظيمية والإدارية داخل الظاهرة الإسلامية (التحدي المؤسسي) :
وهي أزمة حقيقية ساهمت في صنعها عوامل واقعية ليس هنا مجال التعرض
لتحليلها وهي ذات مستويات متعددة جوهرها تحول الظاهرة الإسلامية في معظم
البلدان والمناطق إلى حالة إدارية تنظيمية طغى الجانب التنظيمي على بقية الجوانب
الأساسية في ممارسات الظاهرة الإسلامية؛ فإذا أضفنا إلى ذلك وجود حالة من
«الجمود التنظيمي» في أبنيتها؛ مما أدى إلى ضعف حلقات الاتصال بين
المستويات المختلفة داخل إطارها التنظيمي، وكذلك ضعف عملية التماسك الداخلي
والمعاناة من أمراض المركزية المفرطة، بالإضافة إلى تقليدية أساليب العمل داخل
مؤسسات الظاهرة الإسلامية وعدم تطورها وفق التغييرات المعاشة.. إلخ؛ مما
يعني في التحليل الأخير عدم وجود «تقاليد مؤسسية» داخل الظاهرة الإسلامية
لصالح الفردية والشللية في بعض الأحيان؛ ناهيك عن عدم تحديد العلاقة بين حجم
المؤسسة وحجم العمل الفعلي ووظيفته في إطارها. هذا التحدي التنظيمي والإداري
بالغ الأهمية؛ لأن العامل التنظيمي والإداري أداة نقل المشروع عبر الظاهرة
الإسلامية إلى أرض الواقع العملي والفعلي.. ومن ثم فإن وضعيته هذه أضعفت إلى
حد كبير مقدرة الظاهرة الإسلامية على الاستجابة.
٤ - تناقض الرؤى داخل الظاهرة الإسلامية بصدد أهدافها وأساليبها في
الإصلاح (التحدي التنموي والإصلاحي / التكامل القوي للهوية) :
ثمة مجموعة من التصورات المختلفة والرؤى المتناقضة وغير المتناسقة عن
ملامح الإصلاح، وكذلك الكثير من الرؤى المختلفة في تصور طبيعة الصراع
والتحديات التي تواجه الظاهرة الإسلامية، ومن ثم أساليب التعامل معها والاستجابة
لها، وهذا التحدي قد يخفت تحت ضغوط التحديات الخارجية الواقعة على جسد
الظاهرة الإسلامية، ولكنه موجود على كل الأحوال، ويمكن أن يظهر في لحظات
تاريخية، ويتفجر في سياقات معينة.
٥ - انخفاض مستوى جودة في الأجيال الجديدة العاملة في إطار الظاهرة
الإسلامية (تحدي تهميش الأجيال الشابة) :
تعاني الأجيال الجديدة التي تم استيعابها للعمل في إطار الظاهرة الإسلامية في
سنوات العقد الأخير خاصة كما يظهر في العديد من المؤشرات من مشكلات حقيقية
لا تكمن فقط في تراجع الناحية الكمية الواضح ولكن إضافة إلى ذلك فإن نوعية
ومستوى العضوية الجديدة هو الآخر يشهد انخفاضاً وتراجعاً حقيقياً ربما يرجع ذلك
إلى عدم وضوح الأسس التي يتم عليها التجنيد، والتصعيد، وعدم تطور البرامج
التربوية والأنشطة وملاءمتها، وكذلك عدم فعالية الأشكال التنظيمية للظاهرة
الإسلامية التي يتم من خلالها تنفيذ هذه البرامج والأنشطة عملياً، والتي تحتاج
بشكل حاد إلى المراجعة والتجديد، وبالطبع فإن ذلك يتم في سياق مجتمعي في
المجتمعات العربية والإسلامية ويتجه نحو الانحدار العام.
٦ - غياب أو عدم احترام التخصص داخل الظاهرة الإسلامية (تحدي
الجمود السياسي) :
تبدي الظاهرة الإسلامية في أدبياتها النظرية احتراماً كبيراً لقضية التخصص؛
إلا أن الممارسة داخلها في معظم مؤسساتها حتى في الأنشطة التي تعتبر بطابعها
تخصصية لا تحترمه في غالب الأحيان، ورغم أنها حفلت بالكفاءات المتميزة في
معظم المجالات الفكرية والعملية إلا أنها كما يبدو من عدم التجديد في خطابها
الإعلامي والتربوي، وكما يظهر في فقر الأدبيات الجادة الصادرة عنها تشهد
تراجعات ملحوظة على هذا الصعيد؛ فقد سيطر على معظم مؤسساتها العقل
الإجرائي والبيروقراطي المجدب، وأصبحت الظاهرة الإسلامية طاردة للكفاءات
الحقيقية من أبنائها تحت حجج وعناوين مختلفة، وفي ظل تسويغات فضفاضة
كثيرة، وهكذا تفقد الظاهرة الإسلامية بعضاً من أخلص أبنائها لصالح بقاء طبقات
من العملات الرديئة ومن ذوي الكفاءات المنخفضة مما يقعدها عن مواجهة التحديات
فتصبح مسؤولة عن إصلاح البيت من الداخل قبل المناداة بإصلاح المجتمع.
٧ - غياب القيادات الفكرية المرجعية داخل الظاهرة الإسلامية:
تعاني الظاهرة الإسلامية نقصاً كبيراً من ذلك الجيل القائد على المستوى
الفكري والمرجعي وهو ما عبر عنه البعض بأنها أضحت جسداً كبيراً ليس له عقل
فكري قائد ناضج ومجمع على مستوى الجسد الكبير، وإن كنا نرى أنه قد فات زمن
المرجعيات الفردية الفذة المجتهدة، وأصبحت الحركات الإصلاحية توجده عبر
مؤسسات ومراكز متخصصة للبحث والتفكير المستقبلي وهو ما لم تعرفه،
والتجارب التي حاولتها لم تستطع أن تثبت جدارتها أو قدرتها على الصمود والبقاء
ناهيك عن الإنتاج والإبداع والحركة، ومن ثم أخذت عوامل التآكل تفعل فعلها في
الظاهرة الإسلامية دون أن تقوم بتعويض حقيقي لصالح الكيان.. تتفاعل هذه
التحديات وتتجلى في الكثير من المظاهر التي تلخصها حالة الظاهرة الإسلامية عامة.
فما هي الاستجابات التي تواجه بها التحديات، وإلى أي مدى تتناسب معها
ومع طبيعة الأهداف؟ وإلى أي مدى تعتبر الظاهرة الإسلامية مؤهلة لمجابهة هذه
التحديات؟
نذكِّر بأن الواقع الحالي كما ظهرت بعض مؤشراته متراجع، كما أن
الممارسات تشهد تخبطاً حقيقياً على معظم المستويات، ولعل نقطة البداية هي
التشخيص السليم للواقع، وإيجاد الوعي الحقيقي العلمي بطبيعة المنطق الصراعي
المواجه للظاهرة الإسلامية، والتحديات لكي تستجيب لها عملياً، وتحدد أشكال
الاستجابة ووسائلها المختلفة.
د. أحمد: هل هذا مرتبط بأحداث سبتمبر؟
د. حامد: قد يكون غير مباشر؛ لكن لا يمكن أن نغفل أنه زاد بعد سبتمبر،
زاد الانحدار. يعني كل المظاهر المرتبطة بالمشروع الأمريكي زادت بعد تلك
الأحداث وبدأت نغمته تزيد في المجتمع.
د. مصطفى: إذن بِمَ تفسر يا د. حامد صعود الانتفاضة بهذا الشكل،
وارتفاع التجاوب الشعبي معها على مستوى العالم في حدود الإمكانات المتاحة
ومسألة المقاطعة مثال لذلك؟
د. حامد: أنا أرصد ولا أفسر.. أنا معك، ولكن أنا أتكلم عن التيار العام
(ministry the) في كل الأقطار العربية تقريباً.
د. مصطفى: يظل التساؤل مطروحاً: هل هذا مرتبط بأحداث سبتمبر؟
د. حامد: لا، لا أقول مرتبط، ولكن ربما أسفرت عن زيادة وتيرة التراجع.
د. مصطفى: وربما العكس!
د. حامد: ربما العكس في المجتمعات الغربية؛ أما في المجتمعات التي تعد
ساحة الصراع؛ فلدي مؤشرات تقول إن الأمر يسير في الاتجاه الذي أتحدث عنه.
أنت لديك حزمة سياسات بدأت قبل أحداث سبتمبر؛ وتلك الحزمة طبختها
كثير من الأنظمة العربية، وبعد أحداث سبتمبر كثفت منها وزادت من وتيرة هذه
المظاهر، وأضرب مثالاً: مسألة تجفيف المنابع؛ وتلك بدأت منذ فترة، ولكن بعد
أحداث سبتمبر أنا لديَّ حالات تطبيقية تم التنسيق فيها، والنتيجة المباشرة لها
تنعكس على أولادك وأولادي؛ لأنهم يجففون هذه المرة من العمق، وفي نفس
الوقت يعمل على مستوى الشباب بالدعاية المضادة، والمتمردون جداً يتم التعامل
معهم أمنياً؛ فهو يملك بدائل للحركة في وقت تنزع هذه الأدوات منك، حتى لو أن
عندك الإرادة فليس عندك الأداة. أنا لست متشائماً أبداً ولكن أقول إن الناس التي
تدرس وتخطط دائماً ما ترى القوى المؤهلة للتغيير أو التي تحمل مشروعاً بديلاً أو
مشروعاً للتغيير وهي إما أن تخترقها.. والقوى الإسلامية عصِّية إلى حد ما عن
الاختراق، وليس كما في القوى اليسارية لأسباب ليس لي دخل بها. والأمر الآخر
هي أن تحرفها عن مسارها وتلك جُرّبت وممكن أن تصلح مع الأفراد، ولكن لا
تصلح مع الجسد الأساسي؛ ومن ثم أتصور أن هناك حزمة سياسات كما تشير
التقارير لا بد أن تُجرب وتطبق وتُقيَّم؛ بحيث تقود فترة من الفترات إلى أن تلك
قوى التغيير على الأقل تتكيف مع الوضع بأن تقبل أن تظل فيه: أن تظل تحت
السيطرة وحركتها مرصودة؛ بحيث لا تقدر على التغيير؛ فهنا هو يصادر على
المستقبل والتطور السياسي لتلك المنطقة.
أنا كنت مثلاً ألاحظ مجتمعاً كالمجتمع المصري يقدر أن يقوم بأشياء حتى في
ظل الانتفاضة؛ لكن هو في النهاية يرسم له حدود الحركة.. تحرك.. لكن تحرك
في الإطار الذي لا يخل بمعادلة التوازن القائمة والتي ترتبط بالنظام السياسي نفسه،
وترتبط بإسرائيل، وترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً بمدى قبول الناس
تحركات منخفضة المستوى.
ومن هنا يجدر أن يطرح تساؤل: هل هي دخلت في إطار اللعبة؟ ومن هنا
أرى أن الذي تفعله حماس والجهاد هذا هو الاستثناء عن القاعدة (قاعدة الخضوع)
أنت الآن أمامك أمران في فلسطين: مشروع المقاومة، ومشروع للتسوية.
مشروع التسوية يسانده عرفات وتسانده الأنظمة، ومشروع المقاومة هناك
حركتان أو ثلاثة والباقي جميعاً ضده، ولكن الخطورة في تساؤل: هل تبلور
مشروع للمقاومة على مستوى العالم العربي؛ بحيث إنه يُساند مشروع المقاومة في
فلسطين؟ ربما المقاطعة جزء من هذا المشروع، لكن لا أعتقد أن هناك مشروع
مقاومة، والأنظمة تخشى، وأحد عناصر خشيتها من فكرة الاستشهاد ليس فقط أن
تكون منهجاً للتعامل، وأحد مظاهر تخوفها من المقاومة أن تنتقل عدوى المقاومة
إلى الداخل لديها ولو أحرزت حتى بعض النجاحات الجزئية، وفي سبيل ذلك لديها
استعداد للتحالف مع كل ...
فهنا مشكلة قوى التغيير في البلاد العربية في أنها لم ترتفع إلى مستوى الفهم
في مشروع المقاومة، وأن مشروع المقاومة كما يقولون إن قضية فلسطين هي
القضية المحورية التي تحدد حتى مستقبل الأنظمة العربية، يعني لننظر في ١٩٤٨م
ماذا حدث؟ حدث تطور داخل الساحة الفلسطينية، ثم بعدها جاءت التغيرات،
وأخشى أن يقال إن سقف فهم الحركات الإسلامية سقف منخفض جداً، ولا يستطيع
الارتفاع إلى مرتبة فهم تلك الأحداث.
أ. طلعت: في رأيي أن التطور الذي حدث في فكر وحركة التوجهات
الجهادية نحو حروب التحرير بدلاً من التركيز على الأوضاع الداخلية والتحرك
الانقلابي يعد تطوراً إيجابياً للحركة الإسلامية عموماً.
د. مصطفى: قبل أن ندخل في الحديث حول الاستجابات أود أن أختم
ببعض المُدركات التي يجب أن نأخذها في اعتبارنا عندما ننظر إلى تلك التحديات:
أول أمر: أن هناك جبهات عديدة تفتح هذه التحديات بعد أحداث ١١ سبتمبر.
هناك أكثر من جبهة فُتحت بعد أحداث سبتمبر بعضها يأتي من (إسرائيل) ،
وبعضها يأتي من أمريكا، وبعضها يأتي من تفاعلات وتداعيات أحداث سبتمبر
أيضاً.. هذه التحديات تتداعى معاً.
إن كل تحدٍّ من هذه التحديات كثيف ويلقي بظلال شديدة على عالمنا العربي.
إننا نفتقد وعي التحدي؛ ومعنى ذلك أن ندرك أن هناك تحدياً، وأن هذا التحدي
يجب أن يواجه بشكل أو بآخر.
أيضاً إننا نواجه هذه التحديات ونحن في حالتي حرب: حرب معلنة وسافرة
من إسرائيل، وحرب مؤجلة ربما من الولايات المتحدة الأمريكية.
أيضاً أنت تواجه هذه التحديات وأنت متهم، فتصبح قدرتك على الحركة في
مواجهة هذه التحديات جزءاً من هذه القدرة مسلوباً ومحشوداً أصلاً لمواجهة التهمة،
وربما يؤدي هذا خاصة في ضوء قلة الإمكانيات أو في ضوء عدم تحديد الأولويات
إلى تأجيل التعامل مع التحديات؛ وتأجيل التعامل مع التحديات قد يصل في بعض
الأحيان إلى عدم القدرة على مواجهاتها.
الاستجابات (كيف نواجه التحديات؟) .
د. أحمد: هناك اتفاق عام على أن هناك تحديات على المستويات كافة سواء
من حيث الجهة، أو من حيث النوعية، أو من حيث طريقة التناول.
أنا هنا أرى أنه لا ينبغي ادخار أي جهد أو إهمال أي سبيل يمكن أن يغتنم في
دفع هذه التحديات، أو تقديم نوع من الاستجابة لتداعيها بداية من إيصال صوتنا
إلى الرأي العام الدولي سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، عن طريق
البعثات الخاصة (البعثات الدبلوماسية) .. نتحرك على مستوى الحكومة الرسمي
وعلى مستوى الشعوب، وكلنا يعلم قدر القيود التي تمارس على الأوساط الرسمية،
والمفترض أن الحكومات تعي أننا جميعاً في مركب واحد، وليس هناك انفصام بين
الشعوب وبين حكوماتها.
هناك أيضاً القنوات الفضائية، يقال أيضاً إنه من بين المشكلات الأساسية
التي نواجهها أن الإعلام الصهيوني والغربي فعلاً نجح في تصوير الفلسطينيين على
أنهم هم القتلة وهم الإرهابيون: طبعاً لأنك أنت تركت له السلاح، ولا يوجد إعلام
عربي فعال.
د. مصطفى: حادثة محمد الدرة، كان يمكن أن تستثمر بشكل خطير، وإنما
هم في أي حادث صغير يقومون بتسليط الأضواء على طفل أو امرأة يهودية
أصيبت ويقولون هذا هو الإرهاب..!!
مخيم جنين كان ممكن أن يكون مادة إعلامية لا حصر لها في الحركة، ونحن
للأسف الشديد اعتمدنا على أن تأتي لجنة من الأمم المتحدة ثم حددوا شروطها
وانتهى الأمر.
د. حامد: كان ممكناً أن توظف حادثة جنين تلك دعائياً، وتوظف إعلامياً
وسياسياً، وكان فيها عناصر العمل الناجح:
أولاً: لديك جريمة ولديك قتلى متلفزون، أي أنهم تم تصويرهم بالستالايت
الأمريكي والفرنسي، والصور كلها موجودة وتقدر على شرائها من شركات تجارية
وتقدر أيضاً على شرائها من أمريكا.
ثانياً: لديك الفاعل، والمجرم الأصلي معروف ومصور أيضاً: شارون
وقواته.
ثالثاً: لديك الفاعل بالاشتراك (الأمريكي) علامات القذائف وعلامات
الأسلحة واضحة في الصورة.
رابعاً: لديك آثار الجريمة بداية من التترس بالدروع البشرية نهاية بالمقابر
الجماعية التي دفنوا فيها الناس أحياء.
لديك عناصر جريمة مكتملة الأركان، وليس لديك إلا أن توظفها، ولكن كما
قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: (نحن محامون فاشلون لقضايا عادلة) !
د. أحمد: نعود مرة أخرى لقضية الإصلاح المؤسسي والحريات والحقوق
التي كفلتها الشريعة للإنسان، هذه أنا شخصياً مقتنع بها على أنها مدخل أساسي
للإصلاح على أن تبدأ من الداخل؛ لأننا مهما تحدثنا عن أن هناك ضغوطاً خارجية
إلا أنه يبقى التحرك داخلياً هو الأساس.
نقطة أخرى التي هي قضية الاعتماد على الذات اقتصادياً وغذائياً حتى
نتخلص من أثر التبعية.
أيضاً قضية تنويع الأدوار، ويكون هناك نوع من أنواع العمل بروح الفريق
كدول عربية، ولكن علينا ألا نضع أوراقنا جميعاً في سلة واحدة.
ما المانع أن أنفتح على روسيا، وأن أنفتح على الصين، وأن أنفتح على
أوروبا أو بعض الدول الأوروبية؟
في تقديري أيضاً أن المحكمة الجنائية الدولية يمكن الاستفادة منها ولو مستقبلاً
إذا ما قدر لها أن تقوم كآلية.
د. مصطفى: استكمالاً لما ذكره الدكتور أحمد دعنا نقول إن مسالة توزيع
الأدوار مسألة مهمة، وتوزيع خطة التحرك وفق مبدأ توزيع الأدوار مسألة في غاية
الأهمية أيضاً، وأنا في ذهني مجموعة من المعايير ومجموعة من المبادئ لتوزيع
الأدوار.
دعني أتحدث أولاً عن مبادئ توزيع تلك الأدوار:
وأول مبدأ: هو أن تتوافر لدينا إرادة توزيع الأدوار بمعنى أن تكون الأدوار
مصنوعة من داخلك وليست مفروضة عليك وكما يقول الشاعر العربي:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هواناً بها فهي على الناس أهون
لا بد أن تدرك أن لديك إمكانية، ولديك إرادة في تسخير هذه الإمكانية، وهذا
يعطيك القدرة على أن تحدد البدائل كما قلت في ضوء توازنات، ضرورات،
أولويات، هذه هي إرادة توزيع الأدوار، واستعادة هذه الإرادة هو أولاً بضغط
شعبي واعٍ.. ثم بإعادة مصالحة مع النخبة المثقفة.. وإحسان ظن النخبة السياسية
بالناس؛ وبهذه النخبة، ثم بعد ذلك شجاعة المبادرة وشجاعة الخروج من هذا
الطوق المفروض.
المبدأ الثاني: عدم إعفاء أحد من الأدوار.. على الأقل على المستوى الرسمي
ولكن في ضوء [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا] (البقرة: ٢٨٦) .
المبدأ الثالث: أنه لا تُعطى الأدوار إلا لمن يتحمل المسؤولية: أقصد إذا كان
المبدأ أن يشارك الجميع، وإذا كان هناك من يخذلنا فيجب أن يُستبعد.
المبدأ الرابع: أن يكون هناك نوع من أنواع التخصص في توزيع الأدوار في
ضوء المسؤولية المشتركة هنا، والتخصص في توزيع الأدوار هو تخصص تكاملي
في إطار منظومة تكاملية معروفة: من أين تبدأ، وإلى أين تنتهي؟!
المبدأ الخامس: أن تُوزع الأدوار لمن يكون له نفس طويل في مجابهة
التحديات.
المبدأ السادس: أن يتناسب الدور مع المكان والمكانة التاريخية والحضارية.
المبدأ الأخير: هو تحديد موقع المؤسسات الفاعلة في العالم العربي.
هل هذه المؤسسات تقود العمل العربي بتوزيع أدوار؟ أم هي تابعة لتوزيع
الأدوار في الواقع العربي؟
أنا أظن أنها وُجدت لكي تقود وليس لكي تُقاد، والوضع آل إلى أنها تُقاد وتقاد،
كما نرى كل تلك التداعيات وللأسف الشديد قبل أن نوجه الاتهامات للمؤسسات
العربية سواء قطرية أو القومية لا بد أن أبحث في الإمكانات المتاحة أمامها، وألا
ننسى الظروف التي تكونت على أساسها ومن ورائها والإرادات التي تحركها..
ليس عيباً أن نعيد النظر في مثل هذه المؤسسات، ونعيد النظر في دورها وتفريغ
هذا الدور في الواقع العربي.
هذه هي المبادئ؛ فما هي المعايير في توزيع الأدوار؟
المعيار الأول: أنه ليس مطلوباً مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن
في نفس الوقت ليس مطلوباً الاستجابة الضرورية لكل ما تريده الولايات المتحدة
الأمريكية. أنت في مرحلة الآن محتاجة لأن تُرتب البيت من الداخل.
الرسول ﷺ قال: «أنى يُستجاب له وقد غُذّي من حرام،
ومطعمه حرام، وملبسه حرام..؟» لا أريد أن أقول إننا كذلك، ولكن قياساً على
ذلك الحديث هناك خلل كبير في كل شؤون حياتنا، وهذا الخلل متى تداركناه
فسنوفر السنَّة الإلهية [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) .
المعيار الثاني: لم يعد هناك مفر أو إمكان للحياد من آثار ما بعد سبتمبر؛
ولهذا فالظرف يتطلب عملاً عربياً إيجابياً.
المعيار الثالث: أنه يُسمح بدور للنخبة الفكرية العربية، وأنا أركز على هذه
المسألة؛ لأن القضية ليست قضية الأفراد، ولكن نحتاج هنا الخبرة العربية:
مراكز دراسات، ومراكز بحثية، مؤسسات ثقافية، ولكن دورها في منظومة
توزيع الأدوار يحتاج إلى حسن الظن من قبل الحكومات.
أيضاً أنا أريد أن أقول أخيراً إنه لا بد أن نستغل فرص وإمكانات الخارج،
والمتاح على الأقل لنا في كثير من دول العالم التي أظهرت تعاطفاً معنا، وقد
رصدت بوادر تغيير في المواقف الرسمية وقد لا تكون على مستوى الطموح، إنما
دعنا نشغل المتاح.
هناك تغير في بعض المواقف الشعبية، هناك نخب فكرية وهناك حوار بين
المؤسسات الإسلامية والحكومات الغربية، هناك إمكانات لبعض القيادات المسلمة
في كثير من دول المهجر بدأت تتكلم ويستضيفونها في الفضائيات.
هناك إمكانية الآن لاستغلال ما يقال عن تناقض النموذج الغربي. والأمر في
النهاية في مسألة بدائل واستراتيجيات الدفاع مرتبطة في كل هذه المبادئ، وكل هذه
المعايير التي تحدثت عنها لا تتحرك هذه المعايير وهذه المبادئ إلا من خلال تحديد
البوصلة.
تحديد البوصلة تقول: من أنت؟ ثم ما هو إدراكك للتحديات؟ ثم ما هو حجم
هذا الإدراك؟ وما هي وسائلك للتعامل مع هذا الإدراك؟ وما هي إمكاناتك؟ ما
الذي تريده من الآخر في التعامل مع هذه التحديات؟ ومن هو الآخر أصلاً؟ ثم في
النهاية: ما الذي يريده الآخر منك؟ وحدود ما تستطيع أن تتنازل، وحدود ما لا
يمكن أن تتنازل عنه؟
أ. طلعت: إن إبقاء بعض الحكومات العربية على بعض أوراق اللعبة داخل
الأراضي المحتلة في يدها يتيح لها قدراً من المناورة، والتملص من بعض الضغوط
الأمريكية، حيث تضطر الولايات المتحدة أمام انفلات الأمور داخل الأراضي
المحتلة لأن تستجدي هذه الحكومات من أجل أن تسكت الانتفاضة، ومن ثم تحقيق
بعض المكاسب والصلاحيات داخل المنطقة.
ومن هنا فإن مواصلة دعم حركات المقاومة بصورة من الصور أو حتى
السماح لبعض الهيئات الأهلية بدعمها بصورة أو بأخرى، أو لنقل مجرد السكوت
عن الدعم وعدم اعتراضه، يمثل مساحة جيدة للمناورة والتحرك ينبغي ألا تهدرها
الأنظمة من أجل إرضاء الولايات المتحدة؛ لأن إنهاء اللعبة معناه إنهاء جميع
اللاعبين لصالح التمدد الإسرائيلي في المنطقة العربية.
من ناحية ثانية يمكن للسياسة العربية أن تلعب على تناقض المصالح فيما بين
الولايات المتحدة ومنافسيها المتمثلين في الصين والاتحاد الأوروبي، ولدينا عدد من
التجارب، والتجربة الإيرانية خير شاهد على ذلك، شاهد على أن ثمة فجوة تتسع
بين المصالح الأمريكية (والحلف مع البريطانيين والصهاينة) والمصالح الكلية
لأوروبا، وقد قوض الأوروبيون بالفعل أي مفعول لقانون داماتو.
وتطور الموقف من قضية العراق شاهد آخر؛ فما بين عامي ١٩٩٠م -
٢٠٠٢م حدث تغير مهم في الموقف الأوروبي من العراق وبشكل معاكس للموقف
الأمريكي.
إننا لا نقصد بطبيعة الحال أن ثمة تنافراً وصراعاً يستوجب الحرب، لكننا
نقصد أن الدور الأوروبي في ظل أوروبا الموحدة، يجعل من أوروبا قطباً صاعداً
في التوازن العالمي بقدرته الاقتصادية وملامح دوره العسكري، وخاصة إذا
تطورت القوة الأوروبية العسكرية باتجاه أعمق من تشكيل قوة تدخل سريع، وأن
هذا القطب يسعى إلى مصالحه الخاصة في العالم، بالصراع مع الولايات المتحدة،
دون خوف من قطب آخر تحميه منه الولايات المتحدة كما كان حال الاتحاد
السوفييتي سابقاً.
إن هذا الوضع لم تستفد منه فقط كلٌّ من إيران والعراق، بل ساهم في إعطاء
فرصة حركة لروسيا، لتصعيد موقفها ولو بقدر محسوب بالنسبة لإيران والعراق،
لتنمية مصالحها هناك.
وفيما يتعلق بالقطب الصيني الصاعد في التوازن الدولي، ثمة شواهد كثيرة
لمعالم الصراع مع الولايات المتحدة، جاءت نتائجها الاستراتيجية غالباً لصالح
تنامي قدرة هذا القطب.
هنا يجب الإشارة بداية إلى أن الصين بلد أو قطب لا تصلح معه استراتيجية
الحرب والحصار كذلك، بحكم الوزن الاستراتيجي السكاني والعسكري والاقتصادي،
أما شواهد التحسن التدريجي لوضع الصين في الموقف؛ فمنها أن الصين أبطلت
حقيقة الحلف الأمريكي الصهيوني في إحياء النزعة العسكرية اليابانية بدرجة تخلق
توازناً في المنطقة مع الصين تمكنت من تفعيل دورها من خلال تقويم الوضع
الاستراتيجي لحليفها باكستان بعد منحها القدرات النووية (أو كما يقال بأن القنبلة
النووية الباكستانية تتحدث اللغة الصينية) ، ونجحت في عقد عدد من الاتفاقيات مع
دول الجوار (الهند - روسيا) مما أفسد محاولة عزل وحصار الصين، كما أنها
نجحت ولا شك في معاركها الوطنية ذات الأبعاد الاستراتيجية بشأن المناطق السابقة
انتزاعها من جسدها الجغرافي والسياسي، والذي يجب أن يقال هنا، هو أن كل
تصاعد في قدرة الصين، أو أوروبا إنما يخصم من رصيد القطب الأمريكي في
محاولته فرض الهيمنة الوحيدة على العالم.
د. حامد: بالنسبة للاستجابات التي تتناسب مع حجم التحديات المذكورة لدي
بصورة تفصيلية اثنا عشر مشروعاً على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي
على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي.
وأقترح ما هو مضمون المشروع والجهة التي يُناط بها ويقع على عاتقها حمل
أمانة هذا المشروع والمدى الزمني الذي هو ممكن أن يتحقق فيه، وبدأت بالتحديات
الداخلية باعتبار أنك لا تستطيع أن تواجه على المستوى الإقليمي أو على المستوى
الدولي ما لم تصلح بيتك من الداخل، وبدأت بصيغة الرؤية نفسها والمشروع
الغائب.
وسأذكر طرفاً من هذه المشاريع بصورة إجمالية، ولعلها تتاح فرصة أخرى
للحديث حول هذه المشاريع تفصيلاً، وقد وزعت المشاريع على مستويات التحديات
الثلاثة التي أشرت إليها:
أولاً: الاستجابات على التحديات الداخلية التي تواجه الظاهرة الإسلامية:
اعتقادنا أن الأولوية التي يجب أن توجه إليها الاستجابة الفعلية «السريعة»
هي التحديات الداخلية النابعة من الظاهرة الإسلامية في المنطقة ذاتها دون أن يعني
ذلك إهمال التحديات النابعة من البيئة المحلية، أو الإقليمية، أو الدولية، ولكننا
نعتقد أن المقدرة على الاستجابة للتحديات «الثانية» مرتبط بالمقدرة على
الاستجابة للتحديات «الأولى» ؛ فالتحديات السبعة الداخلية تتطلب استجابات سبعاً
أيضاً محددة وهي:
أ - المشروع الأول: صياغة «الرؤية» و «المشروع» الإصلاحي: الذي تنطلق منه جهود العمل وهذا يتطلب الآتي:
أ - صياغة الرؤية الكلية الموجهة للعمل الإصلاحي. والرؤية منطق معين له
فلسفة وجوهر محدد مهيمن؛ واعتقادنا أن ما تم إنجازه يدخل في باب تحديد الرؤية
أكثر من كونه يقدم مشروعاً عاماً للإصلاح والتغيير، وهذا الأخير يحتاج المزيد من
الدراسات على مستوى المنطقة ككل حتى نتمكن من بلورته: ويشمل محورين
يحتاج كل منهما مزيداً من التعميق والتدقيق والبحوث والدراسات وهما:
أ - محور العلاقة بالدولة والتنسيق معها.
ب - محور المجتمع الأهلي أو المدني، ثم مناطق التفاعل والتلاقي بين
المحورين.
المشروع الثاني: مشروع التعامل في الأزمة القيادية الإشكالية التنظيمية في
الظاهرة الإسلامية:
وضع آليات لاختيار قيادات العمل، وتحويل الظاهرة الإسلامية إلى مجموعة
من المؤسسات المتخصصة؛ وذلك للتغلب على الأزمة القيادية ونعتقد أن هذه
الأزمة في منطقة الخليج العربي أقل من غيرها من المناطق، ومع ذلك تظل قضية
بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل الحركة ذاته، ومن ثم فإن هذا الملف ينبغي أو
يخضع لدراسة موضوعية ومحايدة تضع المعايير والقواعد وتشرف على آليات
التنفيذ. وسوف يسهم ذلك ولو جزئياً في خلق نوع من الاستجابة على التحدي
التنظيمي والإداري والذي بدوره ينبغي أن يخضع لدراسة فحواها ما يلي:
- الحفاظ على حجم أمثل للمؤسسات والنواحي الإدارية؛ بحيث لا تهيمن على
بقية الأنشطة، ومن ثم تقضي عليها.
- وضع سياسات تنظيمية تتفادى وتحل مشكلة الجمود.
المشروع الثالث: مشروع صياغة الرموز والقيادات الدعوية في الظاهرة الإسلامية:
وهو أحد أهم أجنحة نجاح استراتيجية العمل الإصلاحي والتغييري في
المرحلة المقبلة لمجابهة التحديات المستقبلية على المدى المتوسط والطويل.
والإعداد الخاص بتصور الموضوع على المستوى النظري يجب أن يعهد به
لمركز مختص في مثل هذه الدراسات المتعلقة بصناعة وتشكيل قادة الرأي العام.
المشروع الرابع: مشروع رفع الوعي السياسي في الأجيال الجديدة، وإيجاد
شخصيات متخصصة:
هناك أبجديات أساسية بالنسبة للظاهرة الإسلامية في المنطقة يجب أن يتم
تحديدها بداية، ثم إفراغها في صورة مشاريع أو بالأصح دورات إدارية وسياسية
تدريبية، وذلك لرفع إن لم يكن خلق الوعي الإداري والسياسي لدى الفئات أو
الشرائح المهمة في الأجيال الجديدة.
ومن جانب آخر ضرورة خلق مجموعات علمية متخصصة في كافة مجالات
وفروع الدراسات تكون بمثابة القيادات المرجعية العلمية في الموضوعات والقضايا
المختلفة في المجال الدعوي والسياسي والإعلامي.
ثانياً: الاستجابة على التحديات على المستوى الدولي والإقليمي:
رغم الأولوية التي أعطيناها منهجياً للاستجابات على التحديات التي يفرزها
المستوى الداخلي؛ فإن الاستجابة على التحديات التي يفرضها المستوى الدولي
والإقليمي هي الميدان الحقيقي لاختبار مدى النجاح في الاستجابة على هذا المستوى
الداخلي نتيجة لعمق وعنف هذه التحديات التي تتطلب استجابة مدروسة، ويمكن أن
نبلور هذه الاستجابات على هذا المستوى في أربعة مشاريع أساسية وهي:
أ - المشروع الخامس: مشروع كيفية التعامل مع الهيمنة الأمريكية والغربية
في المنطقة العربية:
- بدون شك فإنه بعد أحداث سبتمبر صارت الظاهرة الإسلامية في المنطقة
العربية عموماً ومنطقة الخليج العربي خاصة موضع تهديد حقيقي وشديد، وبالتالي
فإنه عليها أن تمتلك مشروعاً مستقبلياً للتعامل مع هذا التهديد بمنطق وروية،
وبشكل مرحلي والذي نراه في إطار هذا المشروع: دراسة حجم الوجود العسكري
والأمني الأمريكي في بلدان المنطقة وعدم الإعلام عن موقف صريح في الوقت
الراهن من هذا الوجود لأن الخسائر المترتبة سياسياً على إعلان مثل هذا الموقف
أكثر من المكاسب والمنافع المترتبة عليه.
- دراسة الرؤية الأمريكية والغربية للتعامل مع مناهج التعليم الديني وغير
الديني ومحاولة إبداع إسلام أمريكي يلتقي مع الحداثة الغربية والأمريكية، وإعداد
رؤية لكيفية التعامل مع هذا الوضع على مستوى الظاهرة الإسلامية في كل قطر من
الأقطار ثم على مستوى المنطقة ككل، ولا ننسى أن هذا التعليم بوضعه الحالي
يحتاج للتجديد ولكن من منطلقات شرعية واستجابة لمتطلبات واقعية وليس مجرد
استجابة لمطالبات خارجية.
- دراسة الرؤية الأمريكية والغربية لمحاولة حصار العمل الإغاثي والخيري
الإسلامي في مشاريعها المختلفة والتي تعتبر المجال الحيوي لأعمالها وأنشطتها.
- دراسة حجم ونوعية التسلل الأمريكي والغربي للنسيج الاجتماعي في
المنطقة ككل ولكل دولة من الدول على حدة وذلك لتفتيته، وإيجاد الميوعة والتحلل
فيه، وتقوية النزعة الاستهلاكية وذلك من خلال العديد من الأدوات والمسالك
والحفلات، والمهرجانات ...
- وباختصار في منطق مواجهة هذه الهيمنة والحصار الأمريكي، لا بد وأن
يكون يبدو ثقافياً حضارياً ذو عمق ديني إسلامي، وأن يبتعد عن منطق المواجهة
السياسية سواء المباشرة أو غير المباشرة (مع الأنظمة أو القوى التي تساندها
أمريكا والغرب) لأن مثل هذه المواجهة في ظل هذه الأجواء سوف تكون خاسرة
بالنسبة للظاهرة الإسلامية.
ب - المشروع السادس: مشروع كيفية التصدي للوجود الصهيوني في
المنطقة العربية:
وهذا المشروع نعتقد أنه يمكن أن يصلح إبرازه على أنه هو الخطر الأساس
على المنطقة ومهاجمة السياسة الأمريكية من خلاله، وتستطيع الحركة من خلال
التصدي لهذا الوجود في المنطقة أن تركز على عدة محاور:
١ - بيان خطر التغلغل الصهيوني الاقتصادي والتجاري في المنطقة؛ وذلك
بشكل رسمي أو غير رسمي.
٢ - بيان الدعم الأمريكي لـ (إسرائيل) والصهيونية في المنطقة؛ والتكامل
في منطق سياسة الطرفين.
٣ - بيان ضرورة دعم مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي،
وحشد التأييد الشعبي باستمرار وبكل صورة دعماً للانتفاضة الفلسطينية.
ج - المشروع السابع: الاستجابة على مستوى تحديد العلاقة مع النخب
الحاكمة في المنطقة:
ونلفت الانتباه إلى ضرورة رسم صور مستقبلية لفهم طبيعة كثير من النخب
السياسية والاقتصادية (الجديدة) المهيمنة في تلك الدول، وتحديد كيفية العلاقة
معهم؛ إذ إنه ثمة اعتقاد بأن هذه النخب بحكم طبيعة تكوينها، مصالحها،
وارتباطاتها سيكون لها في المستقبل سياسة مختلفة نوعاً عن السياسة السائدة في
الوقت الحالي تجاه الحالة والظاهرة الإسلامية في المنطقة، ومن ثم لا بد أن تكون
الاستجابة على مستوى تحديد العلاقة مختلفة نوعاً، وكمّاً، في مجموعة من
السياسات للاستجابة لهذه الأوضاع.
د - المشروع الثامن: الاستجابة على مستوى التهديد الفكري والمعلوماتي
لظاهرة العولمة.
ثالثاً: الاستجابة للتحديات النابعة من السياق المجتمعي الذي تعمل فيه
الظاهرة الإسلامية:
تشمل الاستجابة لهذه التحديات جعل الحركة متغلغلة في نسيج المجتمع،
وبلورة وجودها الفعلي والاجتماعي، ودفعها للقيام بأدوارها الفعلية.
ويمكن أن تتخذ الاستجابة صورة المشاريع الأربعة الآتية:
١ - المشروع التاسع: تجذير الظاهرة الإسلامية في الواقع الاجتماعي
والاقتصادي لبلدان المنطقة:
ويدور المشروع حول نقل الإيمان من كونه قناعة فردية إلى عمل جماعي إلى
حركة اجتماعية واسعة وواعية.
٢ - المشروع العاشر: توسيع قاعدة النخبة داخل الظاهرة الإسلامية، وزيادة
كفاءة وفعالية هذه النخبة وإمكانيات داخلها:
أي عمل دعوي أو سياسي تقوم به الحركة في هذه المنطقة أو في غيرها لا
يتم إلا من خلال نخبة محددة الملامح والأبعاد؛ ويهدف هذا المشروع إلى:
أ - تحديد طبيعة وحجم النخبة القائدة في الحركة.
ب - تحديد خصائص هذه النخبة.
ج - تحديد إمكانيات وقدرات الفعل لدى هذه النخبة؛ ومن ثم وضع مجموعة
من الخطط والبرامج للقيام بالتالي:
١ - توسيع نطاق النخبة، وجعلها قدر الإمكان ممثلة لطبيعة المجتمع الذي
جاءت منه.
٢ - معالجة السمات والخصائص السلبية والضارة، وتقوية الإيجابية.
٣ - زيادة إمكانيات المقدرة على الفعل السياسي والحضاري لدى هذه النخبة.
٤ - تحديد عدة مستويات متوازنة ومتراكبة للنخبة حسب أهميتها، وحسب
كل قضية من القضايا.
٣ - المشروع الحادي عشر: ربط الحركة - قاعدة ونخبة - بالمجال الحيوي
للأمة العربية والإسلامية ككل:
يهدف هذا المشروع إلى وضع الظاهرة الإسلامية في المنطقة كما أسلفنا القول
في إطار فكري للأمة ككل بالتحديات التي تجابه هذه الأمة.
٤ - المشروع الثاني عشر: مشروع دفع الظاهرة الإسلامية في المنطقة للقيام
بأدوار رائدة في التصدي لقضايا المنطقة ككل..
واعتقادنا أن النجاح في هذا لمشروع رهين بنجاح المشاريع السابقة الأخرى.
هذا تصور عملي لبعض الاستجابات، وتبقى الاستجابة الأهم هي التفاعل مع
هذه الأفكار تهذيباً وتقريباً، وإضافة وتصويباً ونقداً، وفق منهجية التسديد والمقاربة.
أشكركم على إتاحة هذه الفرصة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
البيان: تداعيات الحادي عشر من سبتمبر كثيرة، والحديث ذو شجون،
ويتطلب معالجته من زوايا مختلفة، ولولا خشية الإطالة على قرائنا الكرام
لانتقلنا إلى محاور مختلفة، لكن نرجو أن يسهم ضيوفنا الكرام بدراسات تفصيلية
في هذا الموضوع لنشرها بإذن الله في البيان. شكر الله لضيوفنا، ونفع الله
بعلمهم الجميع.
стр. 4375
المسلمون والعالم
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العالم
حسن الرشيدي
«إذا انتظرنا إلى أن يتحقق التهديد فسننتظر طويلاً» .
هذا قول بوش أمام البرلمان الألماني يستعجل إطلاق ما أسماه باستراتيجية
الضربات الوقائية، وهي استراتيجية جديدة تحاول الولايات المتحدة أن تتبناها
لتحقق بها مزيداً من التوسع والهيمنة في العالم.
هذه النزعة ازدادت ضراوة مع وصول بوش الابن للإدارة، ولكنها بدأت
تتبلور مع نهاية الحرب الباردة عندما راحت تتفشى طروحات الهيمنة المكشوفة
والاعتماد على القوة المتفوقة كواحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية،
ولم يخف الرئيس بوش وطاقمه في الإدارة منذ البداية نزوعه إلى احتضان هذا
التوجه، بل انتماءه لهذا الخندق حين سارع لرفع لواء التفرد والتفوق باعتبارهما
حقاً وامتيازاً خاصين بالولايات المتحدة لكونها القوة العظمى الوحيدة على الساحة
الدولية، وتجلى ذلك في رفض واشنطن الانضمام لعديد من الاتفاقيات الدولية، أو
الانسحاب من عدد منها.
ولذلك فإن فهم هذه التغيرات في السلوك الأمريكي في العالم والتغيرات التي
تطرأ على استراتيجيات توجيه الدفة العالمية مهم لاستيعاب الحقائق والأحداث
السياسية استيعاباً شاملاً عميقاً ومعرفة إلى أي الاتجاهات تتمدد.
ولعل التهديدات الأمريكية بضرب العراق هي خير تطبيق لتلك الاستراتيجية
الجديدة؛ ولذلك يلزم المتابع لما سيجري في العراق بل ما يتم التخطيط له بالنسبة
لهذه المنطقة في العالم الإلمام بهذه الاستراتيجية.
ولإدراك أبعاد هذه الاستراتيجية لا بد من اتباع منهج تحليلي يضع في حسبانه
عدة محاور:
أولاً: معنى الاستراتيجية.
ثانياً: الاستراتيجيات الأمريكية قبل بروز الاستراتيجية الجديدة لمعرفة مدى
التطور في الفكر الاستراتيجي الأمريكي.
ثالثاً: معنى استراتيجية الضربات الوقائية، ومتى بدأت الإدارة الأمريكية في
تبنيها، والظروف المصاحبة لانطلاقها، وأثرها على الموقف الدولي.
* الاستراتيجية:
وإذا كانت الاستراتيجية تتمثل في التعرّف على أفضل طريقة لبلوغ الهدف
والتوصّل إلى أنجع طريق يؤدي إليه في أحسن الظروف الممكنة من خلال استغلال
نقاط القوة والتغلّب على مناطق الضعف فإنّها أيضاً تتطلّب القيام بخيارات حول
أقوى الأفكار التي ستمثل المحور الأساسي للجهود التي ستخضع إليها الأهداف
والوسائل والأولويات.
بينما يجري تعريف الاستراتيجية في أدبيات كثيرة على أنها فن توظيف
عناصر القوة للأمة أو الأمم لتحقيق أهداف الأمة أو التحالف في السلم والحرب،
وهو أيضاً فن القيادة العسكرية في ساحة المعركة، ومن هنا نجد الربط بين
الاستراتيجية وقوة الدفاع.
وفي تعريف لمركز الدراسات الاستراتيجية ومقره جنيف ينظر للاستراتيجية
على أنها نظرة عمل لتصميم وبناء حاضر يتيح إنجاز أهداف في المستقبل؛ بمعنى
أنها تستوعب مستقبلها فتشرع إليه من حاضرها؛ فهي عملية إيجاد معطيات للواقع
وهنا بالذات تظهر الحاجة إلى التحليل والتأمل وملاحقة الظواهر وإخضاعها للربط
المتفاعل وليس الربط المجزأ والآلي.
ولذلك فإن الاستراتيجية تعنى بحقيقتين جديدتين هما: الأهداف المتوخاة،
والقدرة.
* استراتيجية الصراع:
وهي تعني أيضاً أن أفضل تصرف يقوم به طرف مشارك في صراع ما كان
مبنياً على تصرفات الطرف الآخر؛ فهي تركز على أن تصرفات طرف إنما يبنيها
على توقعاته وتنبؤاته لما ستكون عليه تصرفات الطرف الآخر، وبناء على تلك
التنبؤات يصوغ استراتيجيته ويحدد تصرفاته ويتخذ قراراته من أجل التأثير في
تصرفات وقرارات الخصم؛ فجوهر الاستراتيجية إذن يقوم على التأثير في قرارات
الخصم وخياراته؛ وتحقيق ذلك إنما يتم بالتأثير في توقعاته لما ستكون عليه
قراراتنا أي قرارات الطرف الأول؛ وذلك بمواجهته بدليل مقنع بأن سلوكنا سيقرر
في ضوء سلوكه؛ وعناصر الاستراتيجية بناء على ذلك التعريف هي فهم المسألة
موضوع الصراع وتحديد أطرافها ومحاولة إدراك مصالح كل طرف.
* الاستراتيجيات الأمريكية قبل الحرب الباردة:
وبناء على تلك التعريفات السابقة فقد كانت الاستراتيجية الأميركية قبل عام
١٩٤٧م لا تستند إلى أسس ثابتة، وكانت مزيجاً من الخطط العسكرية التي دافعت
عن فكرة إقامة دولة فيدرالية تلم الولايات المشكِّلة لها تحت جناح دستور وهيكل،
ودخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية خلواً من أية استراتيجيات سوى الانضمام إلى
ركب الدول الكبيرة، فاشتركت في الأحلاف التي قامت ضد المعسكر النازي آنذاك؛
فمبادئ مثل القدر المرموق أو المصلحة الذاتية المستنيرة، ومبدأ منرو وخطاب
مسيرة الراية ومبدأ الحرب العادلة فهذه المسميات أقرب إلى فكر متعمق في الوجدان
الأمريكي كميراث عن الآباء المؤسسين أكثر من اعتباره فكراً استراتيجياً مؤسسياً
سياسياً.
* الاستراتيجيات الأمريكية في الحرب الباردة:
ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة في وضع
الانفراد بالهيمنة على العالم كهدف نهائي تسعى إليه، ومن خلاله توجه
استراتيجياتها الدولية، فقدم جورج كينان عام ١٩٤٧م أولى هذه الاستراتيجيات التي
تركزت على نظرية الاحتواء.
وأهم أسس هذه الاستراتيجية كانت مواجهة ما وصفه صانعو السياسة
الأميركية بالتهديد الذي كان الاتحاد السوفييتي العامل الأهم والعدو الأخطر بالنسبة
لراسمي أسس هذه الاستراتيجية.
وقد سادت استراتيجية الاحتواء في السنين التي تلت الحرب العالمية الثانية،
وعدت الاستراتيجية الأمريكية الرئيسية في حقبة الحرب الباردة، وقد تعاملت هذه
الاستراتيجية مع العالم في حقبة ثنائية الأقطاب: الولايات المتحدة وحلفائها ضد
الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وكانت تهدف لمنع الاتحاد السوفييتي من توسيع مدى
تأثيره ليس فقط في نطاق الولايات المتحدة وحلفائها، وإنما أيضاً في نطاق الدول
غير الحليفة معها أيضاً، ولدعم هذه الاستراتيجية أوكلت الولايات المتحدة للقوات
العسكرية وقف التوسع الشيوعي في كوريا وفيتنام، وتحت هذه الاستراتيجية
واجهت الولايات المتحدة قيادات التمرد الشيوعي في عدد من دول العالم المتطورة،
كما دعمت المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الجيش السوفييتي الذي احتل أفغانستان
في الثمانينيات، ونجد في تعريف السياسيين الأميركيين لهذه النظرية أن السياسة
الخارجية ارتبطت بالاستراتيجية الأميركية في تحقيق هدف واحد هو القضاء على
المد الشيوعي، ولكن المد الشيوعي بحد ذاته كان هدفاً فرعياً؛ لأن الهدف الحقيقي
للاستراتيجية الأمريكية كان الحفاظ على مصالحها في بقاع العالم المختلفة، وليس
غريباً أن نجد صناع السياسة الأميركية يضعون على جدران مكاتبهم خرائط تضم
أكثر من أربعين بلداً تمثل المصالح الأميركية مثلما تمثل ما أسمته الولايات بمناطق
الديون القومية بمعنى المناطق التي التزمت تجاهها أمريكا بالدفاع عنها دفاعاً عن
مصالحها هي.
سعى الرؤساء الأميركيون وفق هذه الاستراتيجية إلى إيجاد تحالفات
استراتيجية لضمان تحقيق المصالح الأمريكية بعيداً عن سياسة الحروب وسباقات
التسلح، وسعت الولايات المتحدة منذ الخمسينيات لوضع سياسة قومية متماسكة،
تماشياً مع مبدأ ترومان إلى توضيح استراتيجية الاحتواء والاعتراف بالحرب الباردة
كوضع من أوضاع العلاقات الدولية، وقام أيزنهاور بتحديد تلك الاستراتيجية،
واعترفت الإدارة الأميركية منذ كيندي حتى جونسون بالاستراتيجية الاندفاعية التي
هدفت للتوازن النووي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وهو مبدأ نيكسون
الذي تابع الرئيس فورد الالتزام به في التفاوض مع الخصوم المحتملين، وطرح
مبدأ الشراكة مع الأصدقاء والحلفاء.
ثاني هذه الاستراتيجيات التي وظفتها الولايات المتحدة في حربها الباردة كانت
استراتيجية الردع التي سادت لفترة طويلة منطق الفعل السياسي الأميركي؛ وعليها
بنيت الترسانة الضخمة التي جاءت نتيجة للحرب الباردة وسباق التسلح النووي.
واستراتيجية الردع تعتمد على منطق الرد بهجوم مدمر على فعل عسكري
نووي يهدف للتدمير، ووفق ويدي وولت الخبير الاستراتيجي الأمريكي فإن
استراتيجية الردع هي ركوب الموجة إذ يقول: عندما تواجه تهديداً خارجياً كبيراً
فإن الدول إما أن توازن موقفها أو تركب الموجة، ويعني بركوب الموجة الانحياز
إلى مصدر الخطر.
وهناك مصطلح آخر يندرج تحت مفهوم الردع هو الإكراه، ويعرفه بول
هاث وبروس راسيت بأنه: محاولة من صانعي القرار في دولة ما لإجبار صانعي
القرار في دولة أخرى على التجاوب مع مطالب الدولة الأولى.
أما الإكراه فيعرفه جاك ليفي بأنه استخدام التهديدات لحث الخصم على فعل
شيء، أو التوقف عن فعل شيء، وليس الامتناع عن فعل شيء لم يقم به بعد،
وهو بذلك يدرج مفهوم الإكراه داخل استراتيجية الاحتواء.
طورت أمريكا فكرة استخدام الاستراتيجية العسكرية للتدمير الذي قد يصيبها
جراء معارض أو معاد لهذه الأهداف، وافترضت قدرةً لإحداث إصابات ودمار
صناعي ترد على أي هجوم نووي استراتيجي، وهي فكرة نشأت في الستينيات،
وأخذت فيما بعد صيغة الردع أو استراتيجية الردع التي سادت المنطق الاستراتيجي
الأميركي لعقود مضت وستبقى سائدة لعقود قادمة.
ولا يعني حديثنا عن هذه الاستراتيجيات بأنها كانت في أيام الحرب الباردة
أنها أصبحت الآن بعد انتهاء الحرب الباردة في طي النسيان، ولكنها لا زالت في
خدمة المصالح بالإضافة إلى الاستراتيجية الجديدة وهي الضربات الوقائية.
* النظرية الأمريكية الجديدة في المنطقة (الضربات الوقائية) :
ثمة تعريفات عدة لمفهوم الضربات الوقائية أو الحروب الاستباقية تبعاً للدولة
التي تستخدمها في إطار سياساتها العامة.
والثابت أن الضربات الوقائية ليست جديدة في الفكر الاستراتيجي العالمي،
ولها تطبيقاتها القديمة والحديثة على السواء، والعدوان الإسرائيلي على ثلاث دول
عربية في يونيو ١٩٦٧م فسر إسرائيلياً بأنه ضربة وقائية لإجهاض المخططات
العربية في إنهاء وجود الدولة العبرية.
كما أن ما يحدث حالياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة على يد قوات
الاحتلال، أياً كان الاسم الذي تحمله، كالسور الواقي أو الطريق الحازم أو
الاغتيالات المنهجية أو عمليات الإحباط المسبق، كلها تعبر عن استراتيجية
الضرب والعدوان المسبق على الخصم بهدف إنهاكه والسيطرة على حركته التامة.
وفي أثناء الأزمة التي هددت بحرب نووية بين الهند وباكستان في الفترة
الماضية تعالت أصوات هندية كثيرة باتباع أسلوب الضربات الوقائية ضد ما
يعتبرونه معسكرات للإرهاب الكشميري، وتغيير الوقائع على الأرض حتى لا
تستفيد منها باكستان أو القوى المتحالفة معها.
ولكن في الولايات المتحدة يحدد مفهوم الضربة الوقائية بأنه ذلك النوع من
النشاطات العسكرية الهادفة إلى تحديد وتحييد أو تدمير أسلحة الدمار الشامل التي
يمتلكها الآخرون قبل ان يتمكنوا من استخدامها.
ويصف الأميركيون أنصار هذا المفهوم الحرب التي يبشّر بها هذا التعبير
بأنها دفاع وقائي أو ردع متمدد لكن خصومه يقولون إنه مجرد نسخة جديدة من
ديبلوماسية البوارج الحربية.
وتقول كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي في تعريفها لهذه
الاستراتيجية الجديدة هي استباق فعل التدمير الذي يمكن أن يقوم به عدو ضدك.
وفي موسوعة نيوستاندرد الأميركية يحال التعبير إلى بند حق امتلاك
الأراضي بوضع اليد في التاريخ الأميركي وهو ما يرد أيضاً في قاموس المورد
لمنير بعلبكي، حيث يعني حق الشفعة أي حق الأولوية في الشراء أو الاستيلاء
على شيء واحتلاله قبل الآخرين.
* متى بدأت صياغة هذه الاستراتيجية الجديدة؟
قبل عام من الآن أطلق برنامج الأمن العالمي الذي أنشأ ضمن مركز الدراسات
الاستراتيجية في واشنطن، حيث ركزت مجموعتان من الدراسات والأبحاث على
السبل الكفيلة بتحقيق ضمانات ضد التهديد عبر الحدود الذي أكد عليه مراراً الرئيس
الأميركي جورج بوش منذ ما قبل دخوله البيت الأبيض.
وضعت هذه الدراسات ما سمي بالاستراتيجية الجديدة التي لم نسمع عنها إلا
بعد اندلاع ما يسمى حرب الإرهاب رغم أن هذه الدراسات أنجزت قبل أحداث
سبتمبر، واستندت أهداف هذه الاستراتيجية بشكل رئيسي إلى ما جاء في تقرير
جورج تينيت رئيس المخابرات الأميركية السابق لسنة ٢٠٠٠م؛ حيث حدد بشكل
رئيسي مصادر القلق الأميركي الذي مثله مفهوم فضفاض له اليوم وعنوان كبير هو
الإرهاب؛ فالدراسات حددت مصادر الخطر ضد أميركا بالإرهاب، انتشار أسلحة
الدمار الشامل، تراجع دعم الحلفاء، وتطور القدرات القتالية لدى دول كثيرة ومنها
من تطمح لدخول النادي النووي، وكما نرى هي ليست جديدة قدر كونها أخرجت
من جعبة الجمهوريين لبناء سياسة لمن ليس لديه سياسة واضحة.
وقالت صحيفة واشنطن بوست في ١٠/٦/٢٠٠٢م، إن إدارة الرئيس
الأميركي جورج بوش تصيغ سياسة عسكرية رسمية تتبنى مبدأ الضربات الوقائية
ضد من تصفهم بالإرهابيين والدول المعادية لواشنطن التي تملك أسلحة دمار شامل.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين بارزين في الإدارة قولهم إن المبدأ الاستراتيجي
الجديد يبعد كثيراً عن سياسة حقبة الحرب الباردة التي قامت على الردع والاحتواء
وسيكون جزءاً من أول استراتيجية للأمن القومي تضعها إدارة بوش التي من
المتوقع أن تنشر تفاصيلها في وثيقة خلال الخريف المقبل.
وقال أحد المسؤولين في تصريحات للصحيفة إن الوثيقة الرسمية ستضيف
ولأول مرة تعبيرات الوقائي والتدخل الدفاعي كخيارات رسمية لضرب دول معادية
أو جماعات تبدو عازمة على استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين يضعون الخطوط الرئيسية للاستراتيجية
الجديدة قولهم: إن الولايات المتحدة اضطرت للذهاب إلى أبعد من الردع بعد
هجمات ١١ سبتمبر نظراً للمخاطر التي تشكلها الجماعات الإرهابية والدول المعادية
التي تؤيدها، وقال مسؤول رفيع إن طبيعة العدو تغيرت، وطبيعة المخاطر تغيرت؛
ولذلك يجب أن يختلف الرد.
وكان الرئيس بوش قد طرح فكرة الضربة الوقائية أمام البرلمان الألماني في
مايو أيار الماضي، ثم تحدث عنها بشكل موسع عندما تحدث عن التوجه
الاستراتيجي الأميركي في خطاب ألقاه بالأكاديمية العسكرية الأمريكية أول شهر
يونية بمناسبة تخرج دفعة من طلبتها، قائلاً إن قادة المستقبل العسكريين الأمريكيين
يجب أن يكونوا مستعدين لتوجيه ضربات وقائية في الحرب على الإرهاب وللتعامل
مع تحذيرات غير مسبوقة من إمكانية حدوث هجمات كيماوية أو بيولوجية أو نووية
من الإرهابيين والطغاة، وإذا ما انتظرنا حتى يتحول التهديد إلى أمر واقع،
فسنكون قد انتظرنا طويلاً؛ إذ علينا أن نحول المعركة إلى الخصم، نشوش عليه
خططه ونواجه أسوأ التهديدات قبل أن تبزغ.
وشهد البنتاجون في شهر يونيه ٢٠٠٢م مناقشات مطولة حول مبدأ جديد
للسياسة الخارجية واستراتيجية الولايات المتحدة في العالم يبنى على تصور أن
العدو الجديد هو الإرهاب الذي ضرب في نيويورك وواشنطن في سبتمبر ٢٠٠١م
بديلاً عن العدو القديم الاتحاد السوفييتي السابق والذي بنيت السياسة الخارجية طوال
سنوات الصراع والمواجهة معه.
أما المبدأ الجديد الذي تجري مناقشته داخل الهياكل السياسية الأمريكية فيقوم
أساساً على ضرب العدو الجديد بما يسمى الضربات الوقائية والتدخل الدفاعي، ولما
كان العدو وهو الإرهاب ليس دولاً أو كيانات قائمة على أرض لها عنوان معروف
فهو يوسع من دائرة الأهداف التي يرمي إلى توجيه ضرباته الوقائية وتدخله الدفاعي
ضدها لتشمل ما يقرر أنه دول ترعى الإرهاب وتحوز أسلحة نووية وكيميائية
وبيولوجية.
وهو بذلك لا يضع على الجانب الآخر من خط المواجهة الذي يريد أن يقيمه
أطرافاً معادية للولايات المتحدة، ولم يحدث أن قامت بأعمال إرهابية ضدها أو حتى
تربطها أي صلة بمنظمات الإرهاب التي هاجمت نيويورك وواشنطن، لكنه يدرج
على هذا الجانب من خط المواجهة كل من يقدر أنهم يمكن ولو فرضاً أن يشكلوا
مستقبلاً تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة، فيستهدفهم بما يسميه الضربات
الوقائية أي أن تتم قبل أن يكون قد حدث من جانبهم تهديد فعلي للأمن الأمريكي.
وهذا المبدأ قد يمثل تطويراً أو ربما تأكيداً للفكرة التي سبق أن شرحها أمام
الكونجرس في فبراير الماضي جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية عن
العدو المحتمل أي الجهات والمنظمات التي لم يظهر عليها اتجاهات للقيام بأعمال
إرهابية أو عدائية للولايات المتحدة؛ لكن قد يحدث في المستقبل أن تؤثر فيها سلباً
إجراءات أو سياسات أمريكية مما يحول توجهاتها لاحقاً ضد الولايات المتحدة.
ولما كان هذا المبدأ له آثاره الخطيرة، وأنه يصطنع أعداء من قبيل التقدير
وليس اليقين على أساس أن هناك عدواً مؤكداً فإن المناقشات في البنتاجون ما زالت
تجري بين مؤيدين ومعارضين لهذه الاستراتيجية.
وأوضح وزير الخارجية الأميركي باول في لقاء مع مجموعة من الصحفيين
الاستراتيجية الجديدة لإدارة بوش القائمة على توجيه ضربات وقائية على إرهابيين
ومنظمات إرهابية ودول معادية للولايات المتحدة، ربما تشمل ضغوطاً مالية
واقتصادية وسياسية، لكنه شدد على أن القوة إذا استخدمت فإنها ستكون حاسمة،
كما أكد على أهمية إقناع العالم بضرورة اللجوء إلى القوة بتقديم المعلومات اللازمة.
وأشار باول في ذلك اللقاء إلى الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي
العراقي في عام ١٩٨١م، كمثال للاستراتيجية الوقائية.
وقال رامسفيلد في ١٩/٦: ليس صحيحاً أن البنتاغون بات على وشك توجيه
ضربات وقائية؛ معترفاً بالمقابل أن مجلس الأمن القومي والبيت الأبيض يقومان
بإعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة. وأضاف: «يمكنكم أن
تسموا ذلك دفاعاً، وهو ما أقوم به، أو وقاية، مضيفاً في الوقت نفسه أن
للأمريكيين الحق في الذهاب لضرب مصدر الإرهابيين مثل القاعدة حين يعلمون
أنهم يتآمرون لقتل مدنيين أبرياء، ولهذا السبب اتخذت الولايات المتحدة القرار
الصائب بشنّ حملة عسكرية ضد دولة متورطة بالإرهاب وتهدد الأمن الأمريكي
وهي أفغانستان» .
ومن ضمن عناصر هذه الاستراتيجية الجديدة قضية إقامة الدرع الدفاعية
الصاروخية التي كانت وما زالت الهاجس الذي يؤرق بوش ويعده إنجازه الذي يجب
ان يتم قبل رحيله، وما زاد سوى أن أمريكا نجحت في إيجاد مسوِّغ لإقامته بعد أن
رفض العالم ذلك وأضافت إليه عنصر الرعب من احتمالات كثيرة قد تحدث وقد لا
تحدث.
وفي شهر يونية (حزيران) الماضي أقر الكونغرس الأميركي هذه
الاستراتيجية، ويرمي بها تأمين تغطية مسبقة لأي عملية عسكرية أميركية خارج
الولايات المتحدة بحجة تأمين وقاية مسبقة للمصالح الأميركية، وعدم تعريض
الولايات المتحدة لخطر وقوع هجمات مماثلة لتلك التي وقعت في ١١ سبتمبر
الماضي.
وقال عضوان جمهوريان بارزان في مجلس الشيوخ الأمريكي إن الرئيس
جورج بوش باستطاعته تسويغ توجيه ضربة إجهاضية إلى العراق، وهو ما فسّره
المراقبون بأنه موقف يمثل اختلافاً عن الدعوات المتزايدة من كثير من المشرعين
الأمريكيين مؤخراً بمن فيهم أعضاء في الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه بوش.
وقال ريتشارد لوجار وفريد تومبسون عضوا مجلس الشيوخ إن بوش لديه
بالفعل أسباباً كافية للعمل ضد الرئيس العراقي صدام حسين، واستعان العضوان في
تأكيد رأيهما بأحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر الماضي التي تعرضت لها
الولايات المتحدة.
وأوضح لوجار عضو مجلس الشيوخ عن ولاية إنديانا أنها أسلحة للدمار
الشامل في يد طاغية يمكن أن يستخدمها.
وكان ديك آرمي رئيس الأغلبية من الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي
قد أثار عاصفة عندما انشقّ عن صف بوش بقوله إن الولايات المتحدة ليس من
شأنها شن هجوم على العراق دون سبب كافٍ، وقد انضم كارل لفين عضو مجلس
الشيوخ عن الحزب الديمقراطي ورئيس لجنة القوات المسلحة فيه إلى آرمي
باعتراضه على شنّ هجوم على العراق بغير مسوغ وبقوله لمحطة إن. بي. سي
التلفزيونية إن صدام لا يشكل خطراً كبيراً على الولايات المتحدة.
لكن لوجار الذي يحتل مكاناً بارزاً في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ
قال إن بوش بوسعه إيجاد المسوغ لضرب العراق على الرغم من أن الإدارة
الأمريكية لم تتوصل إلى هذا بعد، وأضاف في مقابلة مع محطة سي. بي. إس
التلفزيونية يتعين على الرئيس أن يتخذ حجة في هذه الحالة بالتحديد بأن انتظار
حدوث استفزاز يُعدّ بمثابة دعوة لكارثة هائلة، مشيراً إلى أن هناك معلومات كافية
عن القدرات الكيماوية والبيولوجية للعراق بما يسوغ إطاحة طاغية بوسعه استخدامها
.. قبل أن تستخدم.. وتخميني أن هذا هو السبب الذي ستستند إليه الحرب في نهاية
الأمر.
وقالت كاي بيلي هتشنسون وهي من الأعضاء الجمهوريين أيضاً بمجلس
الشيوخ إن بوش أوضح بما يكفي أننا لا نستطيع انتظار أن يطلق صدام سلاحاً
للدمار الشامل على أحد جيرانه أو على قوات أمريكية.. علينا توجيه ضربة وقائية،
مضيفة لمحطة سي. إن. إن التلفزيونية: هذا إجراء يمثل سابقة للولايات
المتحدة في أن تشنّ هجوماً بهدف الدفاع.
وقال تومبسون عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تنيسي وعضو لجنة
المخابرات بالمجلس: إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على الإرهاب
والتي شنها بوش رداً على الهجمات التي وقعت في نيويورك وواشنطن، وأسفرت
عن مقتل ثلاثة آلاف شخص تتضمن منع مثل تلك الهجمات قبل وقوعها، وأضاف
لمحطة فوكس التلفزيونية: يتعين أن يكون جزء مما نفعله هجومياً، وعندما نعلم أن
هناك شخصاً مثل صدام الذي أظهر قدرته في الماضي على استخدام أي شيء في
حوزته.. نحن نعلم أن لديه أسلحة بيولوجية، ونعلم أن لديه أسلحة كيماوية ونعلم
بغير شك أنه يعمل لتطوير أسلحة نووية.. بعد أن تتوافر لدينا معلومات بأن لديه
القدرة خاصة النووية؛ فعلينا مسؤولية التعامل مع هذا بصورة جدية، ويبدو لي أنه
سيكون علينا في نهاية الأمر أن ندخل العراق، ونفعل شيئاً بهذا الشأن.
وهكذا فوجئ العالم بأن المؤسسة السياسية الأمريكية بشقيها التنفيذي
والتشريعي أصبحت تنظر بمقياس استراتيجي واحد يتمثل في الضربات الوقائية.
ولكن ما الذي حمل أمريكا على اتخاذ تلك الاستراتيجية الجديدة؟
منذ انتهاء الحرب الباردة سادت توقعات كثيرة بأن يدخل الأمن سياق العولمة
بعد العولمة الاقتصادية والتقنية والعولمة في بعدها العسكري والسياسي، وسبب هذا
الاعتقاد أنه لا يوجد نظام اقتصادي محلي أو عالمي يمكن أن يعمل دون حماية قوة
عسكرية وقوة سياسية تقوده ومناخ آمن؛ لذا فإن طرح العنصر الأمني أو ما يعرف
بالضربات الوقائية أصبح ضرورة ليكتمل مشروع العولمة مع أدواته الأخرى
السياسية والعسكرية، التكنولوجية والمعلوماتية، الاقتصادية، والاتصالات.
وجاءت أحداث ١١ سبتمبر واحتشدت جميع الدول تقريباً في العالم لمساندة
أمريكا، ولكن بتراجع التأييد للولايات المتحدة بعد أن خفتت الدعوات للانتقام الذي
قادته الأخيرة ضد ما أسمته بالإرهاب، وحيث أفرزت الحرب ضد الإرهاب في
مرحلتها الأولى آثاراً سياسية خطيرة انعكست على واقع النظام الدولي مخلفة خيبات
أمل على جانبي هذه الحرب، سواء كانت في الجانب الأميركي أم في الجانب
الدولي المقابل.
ويبدو واضحاً أن الأمريكيين لم يحققوا الشيء الكبير الذي شمله إعلانهم هذه
الحرب، فلا هم استطاعوا القضاء على تنظيم القاعدة، ولا هم استطاعوا فرض
الاستقرار في القلب الآسيوي المشتعل والذي كان في الثمانينيات ساحة صراع بينهم
وبين السوفييت ونعني هنا أفغانستان.
ولذلك سعى جورج بوش الرئيس الأميركي بإطلاق ما أسماه بسياسة جديدة
واستراتيجية عسكرية تستند إلى تحرك عسكري وقائي بهدف منع أي تهديد
بالإرهاب أو تدمير الدول الأعداء لأميركا وسياساتها.
وفي حملة دعائية كبيرة هدفت لحرف الانتباه عن القضية الفلسطينية وإعادة
التركيز على حرب أميركا ضد العراق والدول التي أسمتها الولايات المتحدة بالمارقة
تم التسويق لهذه الاستراتيجية الجديدة، ونسبت إلى جورج بوش الرئيس الأميركي
الذي أشار في أكثر من مرة إلى أنه يريد وضع نظام أمني جديد يتناسب مع مكانة
الولايات المتحدة الجديدة وعالمها الجديد بمتغيراته التي تفترض وجود من يهدد الأمة
الأميركية كما يقول بوش.
* أثر هذه الاستراتيجية على الموقف الدولي:
أخطر ما في هذه الاستراتيجية الجديدة أنها استبدلت مفهوم التسوية بمفهوم
القوة، ومفهوم العدالة بمفهوم الحصار، وأباحت لنفسها تدمير الآخر بحجة أنه
يشكل خطراً قد يكون واقعاً وقد لا يكون.
ويمكن للإدارة الأميركية الحالية، أو أي إدارة لاحقة، أن تتذرع بهذه
الاستراتيجية لتوجيه ضربة وقائية ضد أي دولة بحجة أنها تقوم بالتحضير لهجمات
ضد الولايات المتحدة، أو أنها تقوم باحتضان أو إيواء أو تمويل منظمات إرهابية،
أو لمجرد أنها مدرجة على لائحة الإرهاب الاميركي.
وانطلاقاً من استراتيجية الضربات الوقائية، أصبح بمقدور الرئيس الأميركي
توجيه ضربات عسكرية ضد ما تسميه واشنطن بمحور الشر متى يحلو له الأمر،
كما أصبح بمقدور أرييل شارون أن يتحين الفرصة السانحة للمشاركة في
استراتيجية الضربات الوقائية والإفادة منها بهدف توجيه ضربات خاصة به ضد
لبنان وسوريا بغطاء أميركي، وبحجة التهديدات التي تشكلها المنظمات الفلسطينية
ضد أمن إسرائيل.
كما أن هذا المبدأ يعكس تراجعاً عن إحدى أولويات السياسة الخارجية
للولايات المتحدة التي كانت قد استقرت في عهد الرئيس جورج بوش الأب بعد
نهاية الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفييتي عام ١٩٨٩م وتبلورت أكثر في
عهد خلفه كلينتون، وهي اعتبار الاستقرار الإقليمي مصلحة حيوية ومصلحة أمن
قومي للولايات المتحدة، وأن هذا يتحقق عن طريق حل الأزمات والنزاعات
الإقليمية بينما من شأن تطبيق هذا المبدأ زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتراجع
أولوية حل النزاعات والأزمات؛ لأنه مبدأ يخلق أزمات جديدة من خلال ما يسمى
بالضربات الوقائية، والتدخل الدفاعي، أي أن الاستقرار الإقليمي يتحول من
أولوية عاجلة، إلى هدف مؤجل.
لقد شكل هذا التحول الذي عبر عنه الرئيس بوش تطور مهماً وخطيراً في
الآن ذاته؛ فهو في جانب يعكس حجم التغيير الذي أصاب الفكر الاستراتيجي
الأمريكي بعد هجوم ١١ سبتمبر الدامي، وفي جانب آخر يوضح المدى الذي باتت
الولايات المتحدة مقبلة عليه في علاقاتها الخارجية.
ونتج عن ذلك قبل ذلك منذ أسابيع قليلة ذلك التسريب المتعمد لخبر توقيع
الرئيس بوش أمراً رئاسياً يتيح لوكالة المخابرات الأمريكية العمل في العراق من
أجل إسقاط نظام الحكم فيه، حتى لو وصل الأمر إلى اغتيال الرئيس صدام نفسه.
ومثل هذه الأساليب التدخلية ليست أمراً جديداً في السياسة الأمريكية من
الناحية التاريخية؛ فقد كانت موجودة من قبل، واستخدمت في حالات شهيرة مثل
حالة إيران زمن الرئيس مصدق، وفي تشيلي نهاية السبعينيات، وحالات أخرى
في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
بيد أن الولايات المتحدة نفسها تخلت عنها طواعية في ولاية الرئيس فورد
الذي أصدر أمراً رئاسياً منع الاستخبارات الأمريكية من التدخل لتغيير نظم الحكم
في الدول الأخرى أو اغتيال الزعماء، أو غير ذلك من الأساليب الخفية.
هذه النقلة ستجبر المؤسستين العسكرية والاستخبارية الأميركية على تنفيذ
تبدلات واسعة في تركيبتهما وسياساتهما وذلك على مستويين:
الأول: مستوى المفاهيم حيث سيتطلب الأمر تغيير العقلية العسكرية
الأميركية التي تعتبر الهجمات المفاجئة عملية غير مشرّفة.
والثاني: مستوى العتاد؛ لأن الهجمات الوقائية تحتاج إلى أنواع جديدة من
الأسلحة لجعل القوات الأمريكية أكثر مرونة في الحركة وأكثر قدرة على الفتك
السريع.
وبدأ البنتاغون بالفعل وضع الدراسات حول كيفية شن حروب من دون إنذار
مسبق تتجاوز بكثير مفهوم الغارات الجوية السريعة، وتعطي دوراً كبيراً للقوات
الخاصة الأمريكية وحتى للمارينز والوحدات البرية.
وعلى رغم أن المبدأ يضع استخدام الأسلحة النووية في آخر سلم أولوياته،
إلا أنه لا يستبعدها تماماً بصفتها فكرة لا يمكن التفكير بها؛ إذ يمكن للقوات
الأميركية كخيار أخير أن تستعمل أسلحة نووية تكتيكية محدودة القوة الحرارية
لضرب مخابئ ومستودعات الأسلحة البيولوجية والصاروخية.
والأهم من هذا وذاك أن الاستراتيجية الجديدة ستلغي مفهوم شن حربين
إقليميتين في وقت واحد على نمط حرب الخليج الثانية لمصلحة مفهوم أوسع بكثير:
القدرة على الحركة العسكرية في ٦٠ دولة في آن وإن كان ذلك بمستويات منخفضة
الوتيرة.
وهذا لا يعني فقط العراق الذي سيكون حتماً الهدف الأول لها أيضاً، ولا
احتمال استهداف أهداف أخرى في بعض الدول العربية التي تمتلك برامج أسلحة
دمار شامل، بل أولاً وأساساً عن احتمال حدوث تطابق كامل بين التوجهات
الاستراتيجية الأميركية الجديدة، والتوجهات الإسرائيلية القديمة المتعلقة بمبدأ
الهجوم الوقائي. وهذا التطابق قد يحدث لسببين:
الأول: أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تستند منذ ٥٠ عاماً، ولا تزال، إلى
فكرة الحرب الاستباقية أو الوقائية، وهي طوّرت من أجل هذا الغرض سلسلة
طويلة من قواعد العمل، وأنماط الأسلحة، وغرف التخطيط التي يمكن أن تفيد منها
للغاية المؤسسة العسكرية الأميركية.
والثاني: أن معظم الحروب الوقائية الأميركية الجديدة ستحدث على الغالب
على امتداد الرقعة الجغرافية الشرق أوسطية؛ وهنا سيكون دور إسرائيل كبيراً،
إما في شكل حروب وقائية تقوم بها هي نفسها لمصلحة واشنطن، وإما في صيغة
حروب، عسكرية أو استخبارية مشتركة مع الولايات المتحدة.
وهكذا نرى الفروق بين الاستراتيجيات الأمريكية قبل ١١ سبتمبر وما بعده،
فاستراتيجية الاحتواء كانت تقوم على أساس التعايش مع الخطر النووي للاتحاد
السوفييتي السابق والعمل على منع توسيع دائرته.
أما استراتيجية الردع فكانت تتركز في ترتيب الدفاعات الأمريكية للتأكيد على
الرد الأمريكي الساحق المدمر، ومن ثم منع الخصم من الإقدام على أي عمل معاد.
أما استراتيجية الضربات أو الهجمات الوقائية فهي تعطي الولايات المتحدة
حق العدوان تحت زعم أو غطاء الدفاع عن النفس.
ولكن ما موقف المسلمين إزاء هذه الاستراتيجيات التي يجري نسجها في العلن
وليس في الخفاء؟ وما هي استراتيجيتهم الوقائية لمواجهة الضربات الوقائية
الأمريكية؟ ... لا شك أن هذا هو التحدي الأخطر؛ فماذا أعددنا له؟
стр. 4376
المسلمون والعالم
أنصار الإسلام في تورابورا العراقية
(١ ـ ٢)
أحمد فهمي
في العاشر من أغسطس ١٩١٩م وقَّع الحلفاء الأوربيون معاهدة سيفرز
«sevres» مع الأتراك المنهزمين، وفرضت المعاهدة ضمن بنودها بنداً خاصاً
بإقامة دولة للأكراد «كردستان» .. لكن القرار أثار غضب الفرنسيين على نحو
مفاجئ، وأدى في نهاية الأمر إلى إلغائه كلية من المعاهدة.
ويأتي هذا التصرف العجيب من فرنسا متناسباً مع دولة عريقة في استعمارها
تعلم يقيناً أن الاستعمار مرحلتان: تبدأ المرحلة الثانية عندما تنسحب الجيوش
العسكرية، وتسمى مرحلة الاستعمار عن بُعد، هذه واحدة، والثانية، أن الفرنسيين
يدركون تماماً أن هذه المنطقة الاستراتيجية تفتقر للحفاظ على المصالح الغربية إلى
قوم يناضلون من أجل دولة، أكثر من افتقارها لدولة جديدة، لذا كان من
الضروري أن تنهض السياسة الأوروبية لترسيخ واقع سياسي من نوع خاص..
يحتوي على نقيضين يشكل تعارضهما وبقاؤهما معا مصدراً دائماً للتوتر
والاضطراب في المنطقة، هذان النقيضان هما رفض ومنع إقامة دولة كردية،
وتحفيز الأكراد على المطالبة بدولة كردية.
هذه السياسة الغربية المعقدة تجاه الأكراد، كان لا بد أن تثمر واقعاً عجيباً
يستعصي على الاستيعاب أو الفهم لأول وهلة؛ فالأكراد اليوم ومنذ أكثر من عشر
سنوات يعيشون وكأنهم دولة مستقلة، ولكنهم ليسوا كذلك؛ بل لا يتمتعون رسمياً
بمجرد الحكم الذاتي، ووفقاً للتسلسل المنطقي لمفردات السياسة والهيمنة الأميركية
المعلنة لا يوجد ما يمنعهم من تأييد وتدعيم دولة كردية في شمال العراق، ولكن
أميركا لم تفعل ذلك، ولن تفعله في الفترة القريبة على الأقل والله أعلم فالدور
الكردي في إثارة التوتر في المنطقة لم ينته بعد، ولا تزال هناك فصول معدة
للتداول على المسرح السياسي تحتاج إلى التواجد الكردي المأساوي أحياناً، والتهديد
الأميركي بدعم دولة كردية في العراق، له تأثير فعّال في سَوْق الأنظمة أكثر من
إقامتها بالفعل، وقد عبر رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد أكثر من مرة عن
تخوفه من أن تسمح أميركا للأكراد بدولة شمال العراق، وصرح أن حكومته تبدي
قلقها من التحركات الأميركية في المناطق الكردية، وقال أجاويد: «هناك دولة
أمر واقع قائمة في شمال العراق، ونحن لا يمكننا السماح لها بتجاوز ما هي عليه
حاليًا» .
ورغم أن الشعب الكردي يُظن به بعد هذه السنين الطوال استيعاب أبعاد لعبة
التوازنات الخبيثة هذه، إلا أن حزبيه العلمانيين لا يبدو أنهما يقودانه وفق
مقتضيات ما تراكم فهمه عبر الأجيال، وكل ما أفلحا في تحقيقه أن أفرزا صراعاً
كردياً كردياً شكل بدوره عائقاً سياسياً في طريق إقامة دولة موحدة، وحوَّلا القضية
الكردية إلى سلعة رخيصة يشتريها الجميع، لكن دون مقابل.
وبعد أن ألقى الأكراد رحالهم بين أيدي الأميركيين في السنوات الأخيرة، فإن
المحنة لم تنته، والخوف من صدام لم ينقض، وبعد تجنيد الحزبين الرئيسيين
العلمانيين لحساب المخابرات الأميركية، لم يعد هناك من يهتم بالمصلحة الكردية،
اللهم غير الأحزاب والحركات الإسلامية التي تعمل وسط إطار سميك من الترقب
والقيود، وقد نجحت السياسة الأميركية في تفتيت الشعب الكردي، وترسيخ مفاهيم
القبلية والحزبية بين أبنائه، بدرجة تعوق تكوين قرار كردي موحد، إلا في مواجهة
«إرهاب» الإسلاميين.
ومن المعروف أن الأميركيين لا ينفعون من يتحالف معهم إلا بالقدر اليسير،
وبالنسبة للأكراد فقد شجعهم الأميركيون بعد حرب الخليج مباشرة كي ينتفضوا على
صدام، ثم تركوه ينتقم منهم، بينما القوات الأميركية تطوق العراق من أطرافه،
وبعد انتهاء المذبحة، أرسلت الإدارة الأميركية مندوبيها ليتفرجوا على آثارها،
وأرسلت طائراتها لتلقي بالطعام على المشردين الناجين، ثم بعد ذلك كله يقول
فنسنت كانيسترارو رئيس سابق لمكافحة الإرهاب في وكالة الاستخبارات الأميركية:
«بالنسبة للأكراد لم نحصل على شيء مضمون من جهتهم حتى الآن، وهم
حذرون جداً بخصوص دعمهم للولايات المتحدة» .
ومن بين الركام الحزبي الكردي تبدو الحركات الإسلامية بتجردها المعروف،
وإخلاصها للقضية الكردية الأكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه الأحزاب
العلمانية.
ولكن بقدر ما يشكل التواجد الإسلامي مبعث أمل للأكراد، فإنه يمثل صوتاً
نشازاً بين الجوقة المنتشرة في المنطقة، يسعى المخرج الأميركي إلى إسكاته ...
ولكن هناك وجهة نظر أخرى تقول إن السياسة الأميركية ربما يكون من المفيد لها
أن تسمح بتنامٍ محدود لنوعية معينة من الخطر الإسلامي، كي تستغلها في وقت ما
كأحد ذرائع التدخل، وهذه الرؤية تنطبق بالضرورة على الحركات الجهادية،
والتي يُروَّج أنها على علاقة بتنظيم القاعدة الذي احتل مكانة العدو الأول للولايات
المتحدة، برغبة منه، ومن الإدارة الأميركية كذلك.
ووفقاً لهذا التصور فإن جماعة أنصار الإسلام الكردية، أصبحت تمثل هدفاً
أميركياً سواء بالسكوت عنها، أو التعامل معها، عسكرياً وسياسياً، عن طريق
حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الموالي لأميركا، وفي الآونة الأخيرة صار
الحديث عن أنصار الإسلام رائجاً إعلامياً، بغرض تسويقها كفرع عراقي للقاعدة
يتلقى دعماً مباشراً من العراق، ومن إيران، ومن بن لادن، ومن ... إلخ، ورغم
أن الجماعة محدودة العدد والانتشار الجغرافي، فإن تأثيرها في نطاق سيطرتها يبدو
مثيراً للانتباه، وللإعلام كذلك، من حيث محاولتها محاكاة النمط الطالباني الإسلامي
في أفغانستان مع الفارق ومن تبنيها الجهاد كوسيلة لتطبيق مبادئها، ومعاداة النمط
العلماني الغالب، والمتمثل في الحزبين الكرديين الرئيسيين: الديمقراطي
«البرزاني» ، والاتحاد الوطني «الطالباني» ، ومع توقع دخول مواقع
الجماعة وتجمعاتها ضمن الأهداف المحتملة للضربة الأميركية ضد العراق، فإن
تناول هذه الجماعة، يصبح أمراً لازماً؛ إذ أصبحت عنصراً أساسياً ضمن لعبة
التوازنات التي تديرها أميركا في العراق، والتي يشارك فيها أطراف كثيرون قسراً
واختياراً.
* من هم «أنصار الإسلام» ؟
في أوائل التسعينيات اندمجت الحركة الإسلامية الكردية مع حركة النهضة
لتكونا معا حركة الوحدة الإسلامية، ولكن مع مرور الوقت، بدأ الشقاق والخلاف
ينتشر في صفوف الحركة الجديدة، حتى حدث الانهيار في عام ٢٠٠١م؛ حيث
انقسمت الجماعة إلى عدة حركات أبرزها: الجماعة الإسلامية الكردستانية،
وجماعة جند الإسلام، وغيرهما، وأعلنت جند الإسلام عن نفسها في بداية سبتمبر
من نفس العام، وضمت في صفوفها الإسلاميين الذين ينادون بالجهاد ضد الكافرين،
وكان من بينهم من سبق له الجهاد في أفغانستان حتى وقت قريب، وتردد أن
بعضهم لا يزال يحتفظ بعلاقات قوية مع من بقي من المجاهدين في أفغانستان،
وكان قائد الجماعة هو أبو عبيد الله الشافعي، من أصل كردي، وكان ينتمي سابقاً
إلى حركة الوحدة الإسلامية في محافظة أربيل حتى عام ١٩٩٤م، حيث سافر إلى
أفغانستان، ويقول حازم اليوسفي ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني في القاهرة إن
اسمه الحقيقي وريا هوليري، وأنه انضم إلى تنظيم القاعدة أثناء وجوده في
أفغانستان.
وسيطرت الجماعة على شريط القرى الممتد بين حلبجة والأخدود الجبلي
على الحدود مع إيران، وحسب بعض التقديرات فإن عددها تسع قرى من بينها
الطويلة وبيارة التي يتمركز فيها قائد الجماعة، ويسمي بعض الأهالي هذه المنطقة
الجبلية «تورا بورا العراق» ، وكانت في الأصل تابعة لنفوذ حركة الوحدة
الإسلامية، ولكن استولى عليها الاتحاد الوطني لما بدأ الضعف يدب في صفوفها،
قبل أن تعقد مهادنة صلح بين الطرفين بوساطة إيرانية.
وتدعي مصادر الاتحاد الوطني أن من بين أعضاء الجماعة هناك نحو ثمانين
من العرب الأفغان، من أصل مغربي وسوري وأردني وفلسطيني ومصري،
وهناك أيضاً ستون من أصل عراقي تلقوا تدريبات في أفغانستان، حسب ادعاء
مصادر الحزب العلماني، أما عددهم الإجمالي فمختلف فيه إلى حد كبير، ولكنه لا
يتجاوز عدة مئات، وربما يتجاوزون الأربعمائة.
وقد حاولت الجماعة أن تطبق الأحكام الإسلامية في المناطق التي تسيطر
عليها، حيث مورست الحسبة على نطاق واسع، فكانت تأمر بغلق المتاجر في
أوقات الصلاة، وتحرم الموسيقى وبيع الخمور، وتعمل على نشر المدارس الدينية،
وتدعو إلى التجهز للجهاد ضد الكفار، وتحث النساء على الالتزام بالحجاب
الشرعي.
ونشب قتال بين الجماعة والاتحاد الوطني الكردستاني الذي اعتبر الجماعة
تهديداً لمناطق سيطرته ونفوذه، وخاصة أن النمط الإسلامي في الحياة قابل للانتشار
بدون قتال عن طريق المحاكاة والتأثر بين القرى الكردية المتجاورة، وقد تكبد
الاتحاد الوطني في المعارك الحامية خسائر جسيمة في الأرواح، على الرغم من
كونه الأقوى عدة وعتاداً، وحسب بعض التقديرات فقد بلغت خسائر الوطني ١٠٨٦
قتيلاً وجريحاً خلال ٧٣ يوماً من القتال المستمر، مقابل ٤٧ قتيلاً وجريحاً في
صفوف جند الإسلام.
وفي شهر ديسمبر من العام ٢٠٠١م، حدث اندماج آخر بين جند الإسلام،
وجماعة التوحيد الإسلامية وجماعة ثالثة، وتغير اسمها إلى أنصار الإسلام،
وأصبح الملا كريكار من أبرز قادتها، وحاولت عقد هدنة وتصالح مع الاتحاد
الوطني، وحدثت لقاءات ووساطات، أسفرت عن وقف القتال، ولكن الأمور
تدهورت مرة أخرى بعد محاولة اغتيال برهم صالح رئيس وزراء الوطني؛ حيث
اتهم الأنصار بتدبيرها، واندلع القتال مجدداً بين الفريقين.
وحسب المصادر المتاحة فإن الملا كريكار اسمه الأصلي نجم الدين فرج،
ويحمل جنسية نرويجية؛ حيث طلب اللجوء إليها قبل سنوات، ويحمل الملا
كريكار كذلك رؤية إسلامية سلفية، ويرفض الديمقراطية، وقال في حديث صحفي
نادر: «الديمقراطية تستند إلى أربعة مبادئ مرفوضة في الإسلام؛ فبالنسبة
للإسلام: الديمقراطية من البداية إلى النهاية هي بدعة» ، ولا يعرف مكان إقامته
في الوقت الحالي، ويقول البعض إنه ربما يكون في النرويج، ولكن نفى
المسؤولون هناك ذلك، وكان كريكار التقى جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني
أثناء محاولات وقف القتال بين الطرفين.
وبالعودة إلى لعبة التوازنات التي تديرها الإدارة الأميركية في المنطقة، يمكن
تحديد عدد من اللاعبين على الساحة الكردية، سنتناول علاقة كل منهم بجماعة
أنصار الإسلام، ويأتي في مقدمتهم الولايات المتحدة، اللاعب الأول، والأكراد،
والعراق، وإيران، والحركات الإسلامية الأخرى، وتنظيم القاعدة افتراضاً.
* أمريكا وأنصار الإسلام:
تتبع الإدارة الأميركية أسلوب إيجاد المسوغ في تمرير سياساتها في كثير من
دول العالم، وهذا الأسلوب المعقد يعطي نتائج أولية ظاهرية عكسية في كثير من
الأحيان، أو هكذا تبدو للبعض، ولأن كثيراً من الشعوب والجماعات تحمل إرثاً من
الكراهية للسياسة الأميركية، يحلو لها أن تفسر كل موقف عدائي ضد الولايات
المتحدة، على أنه عجز أميركي عن مواجهته، وهم بذلك يمثلون الطرف المقابل،
لمن يعتقدون أن أميركا بيدها مقاليد الأمور، وأنها تحقق أهدافها في إدارة العالم،
بنسبة انتخابات العالم الثالث ٩٩.٩%، والحقيقة أن الواقع بعيد عن هذا وذاك؛
فالإدارة الأميركية تضع كثيراً من الخطط والرؤى والسياسات، يُحبَط كثير منها،
وينجح بعضها، والذي نريد أن نقوله إن سياسة أميركا تجاه العراق مثال واضح
على استخدام هذا الأسلوب؛ فالمعطيات العسكرية والسياسية أثناء حرب الخليج
وبعدها، لم تكن تحول مطلقاً بين أميركا وعزل صدام عن الحكم، ولكنها لم تفعل.
لماذا؟ لأنها تحتاج إلى شخصية مركبة مثل صدام حسين، لكي يقدم تسويغات كافية
طيلة أكثر من عشر سنوات لتدخل أميركي مستمر في المنطقة، لم تكن تحلم به من
قبل.
وعلى الجانب الكردي، فإن الصراع بين صدام والأكراد كان لا بد له أن
يظل مستعراً، ولهذا ترك الأميركيون الأكراد يصطلون بنيران صدام بعد حرب
الخليج مباشرة، ولمَّا يفرحوا بانتفاضتهم بعد، وذلك لكي تبقى الجراح دوماً ساخنة
غير ملتئمة، تحتاج إلى تدخل الجرَّاح الأميركي، وهذا هو الأهم.
وبعد هجمات سبتمبر، وتحول تنظيم القاعدة ليحتل المركز الأول على قائمة
المسوغات الأميركية للتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، لم يكن من الصعب
على العقلية الأميركية المخططة أن تصل بين صدَّام والقاعدة هكذا بجرة قلم لتنشئ
تحالفاً وهمياً بين الطرفين، متجاوزة بذلك عوائق وعقبات وجبالاً وهضاباً من
العقائد والأفكار والرؤى والتصورات والمناهج، وفي ظل عقلية الفسيفساء العربية
كان من الممكن تمرير هذه الحجة بلا عناء كبير، وبعد ذلك يصبح من السهل أن
توجد العلاقة بين صدام وجماعة أنصار الإسلام، ومن الأسهل أن يقال إن أنصار
الإسلام فرع جديد للقاعدة في العراق.
وفي الوقت الحالي يتبادل الاتحاد الوطني والمخابرات الأميركية تهيئة أنصار
الإسلام، لتكون مسوغاً كافياً، وجاهزاً، ضمن القائمة العراقية، وسيأتي ذلك
بالتفصيل عند الكلام عن العلاقة بين الجماعة والأحزاب الكردية، وقد صرح أكثر
من مسؤول أميركي حسب النيويورك تايمز بالقول إنه «من مصلحة الاتحاد
الوطني الكردستاني طرح هذه المسألة - جماعة الأنصار - لأنها قد تساعد في تقديم
الحجة لهجوم أميركي يقضي على الرئيس العراقي صدام حسين» ، وأمام
الكونجرس الأميركي وقف جورج تينت مدير المخابرات، ليقول إنه «رغم
الاختلاف الأيديولوجي بين العراق وتنظيم القاعدة، فإن كراهيتهما المشتركة
للولايات المتحدة تدعو للافتراض بإمكانية وجود تعاون تكتيكي بينهما» .. وقد
راجت في الفترة الأخيرة التصريحات التي أدلى بها عملاء مزعومون للمخابرات
العراقية، كانوا يقومون بمهام تنسيقية مع القاعدة والأنصار، وكذلك أعضاء
مزعومون في جماعة الأنصار، وذلك بعد اعتقالهم جميعاً من قبل سلطات الاتحاد
الوطني، وتصب هذه التصريحات في اتجاه تقديم وصف تفصيلي لعلاقة مفتعلة بين
الأطراف الثلاثة.
ونشرت مجلة نيويوركر تقريراً احتوى تفريغاً لكمٍّ كبير من هذه التصريحات
التي قال مراسل الصحيفة إنه تم الإدلاء بها بدون إكراه هكذا، وقد احتفى مسؤولون
أميركيون بهذا التقرير، وقال جيمس وولسي مدير المخابرات السابق إنه تقرير
«شديد الروعة» ، وقال: «ظلت سي آي إيه طوال السنوات الأخيرة غير
مكترثة كما يجب بالتحدي العراقي، وأعتقد أن ذلك معيب، ولو تعرضت للهزيمة
نتيجة للتقرير الأخير الذي نشرته المجلة، وحرره جيف غولدبيرغ، فلا بد من
توجيه التحية للسلطة الرابعة يعني الصحافة» ، وقال مسؤول آخر ذو خبرة في
الشأن العراقي: «هذا التقرير يعد هاماً للغاية كما يبدو، ومن المحتمل أن يبادر
صدام حسين بالسعي لزعزعة الأوضاع في المناطق الكردية باستخدام جماعة
جند الإسلام» .
ويعتبر المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي بوش أن القاعدة أصبحت
مسوغاً عالمياً للتدخل، تحت مسمى الحرب على الإرهاب، ويسعى البنتاجون إلى
تمرير موافقة من الكونجرس على مشاركة سرية لقوات خاصة بمكافحة الإرهاب في
بلدان أجنبية، ويقولون إنه في بعض الأحيان سيكون من الضروري أن تجري
العمليات بدون إخبار الحكومات المحلية نفسها، بمواقع هذه القوات؛ لأن الحرب
ضد الإرهاب كما يقولون، صارت بلا حدود.
* صدام حليف الإسلاميين!!
يقول أحد كبار مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري:
«إن تبدلاً واضحاً حدث في تفكير صدام حسين خلال الأعوام الخمسة الماضية،
من حيث تحول بغداد من العلمانية المتشددة، إلى دعم الإسلاميين» ، ويأتي
هذا الادعاء ضمن سيل من الإطلاقات التي تأتي بلا برهان، يرسلها العلمانيون
الأكراد في توصيف وتصنيف الجماعات الإسلامية الكردية، ومن أنشأها، ومن
يدعمها، ويقول هؤلاء أيضاً إن مخابرات صدام بارعة جداً في التغلغل بالجماعات
الصغيرة، ولذلك ليس من الصعب عليها أن تخترق جماعة مثل أنصار الإسلام،
تتكون من عدة مئات، ورغم أن هذا الادعاء ممكن من الناحية النظرية، إلا
أنه لا يمكن إطلاقه دون دليل، وقد اعترف الأميركيون أنفسهم في وقت ما أنهم لا
يجدون أي دليل على علاقة بين القاعدة وصدام حسين، وبينما تذكر الصحف
الأميركية أن مسؤولين كباراً في وزارة الدفاع جابوا العالم بحثاً عن أدلة على هذه
العلاقة فلم يجدوها؛ فإنهم أبدوا احتفاء كبيراً بتقرير صحفي كتبه مراسل لأحد
المجلات، واعتبروه فتحاً كبيراً، وأنه بمثابة الحلقة المفقودة؛ لأنه يتحدث عن
اعتراف أدلى به مجهولون يدَّعون الانتساب إلى جماعة الأنصار، وقالوا فيه إن
صدام يمولها، ويدربها.
وتدعي المصادر الكردية أن العلاقة بين القاعدة والعراق تعود إلى عام ١٩٨٩م
وأنها تطورت بعد حرب الخليج الثانية؛ حيث قام أيمن الظواهري بزيارة سرية
لبغداد، بعد عامين من الحرب، وأن هناك اتصالات تم رصدها مع أسامة بن لادن،
وادعى الاتحاد الوطني أنه اعتقل عميلين عراقيين كانا يقومان بمهام الوسيط بين
القاعدة والأنصار والمخابرات العراقية، وقد أدلى هذان العميلان عن طيب خاطر
بتفاصيل كثيرة عن طبيعة العلاقة، وحدداها، حتى وصل الأمر إلى القول إن قادة
الأنصار يتلقون رواتب ثابتة من المخابرات العراقية، وقالوا إن هناك شخصاً
مؤثراً جداً في الجماعة، هو أبو وائل، وهو في الأصل ضابط عراقي، وأنه قام
بدور كبير في التنسيق مع القاعدة في أفغانستان، ولكن مصيره أصبح مجهولاً بعد
الحرب الأميركية هناك.
وتتلخص العلاقة المزعومة بين صدام وجماعة أنصار الإسلام في تقديم الدعم
المالي والعسكري، والتدريب في مدارس المخابرات الخاصة، مقابل إثارة القلاقل
في مناطق الاتحاد الوطني، وتنفيذ بعض عمليات الاغتيال.
وفي الواقع تبدو الاتهامات بوجود هذه العلاقة هزيلة جداً:
فأولاً: الهوة سحيقة بين صدام حسين وتنظيم مثل القاعدة أو الأنصار؛
فمنطلق القاعدة والأنصار يرتكز على مفاهيم سلفية، لا يمكن بأي حال أن تتقارب
مع شخصية مثل صدام، والادعاء بتبدل إسلامي للرئيس العراقي غير صحيح،
ويكفي إثبات التضارب بين دعوى قدم العلاقة مع القاعدة عام ١٩٩٣م، وبين
إرجاع التبدل الإسلامي المزعوم لصدام إلى ما قبل خمس سنوات فقط.
وثانياً: وفقاً للاتهامات الموجهة للجماعة، فإنها تتلقى الدعم من القاعدة،
والعراق، وإيران، وبذلك تصبح الجماعة الوحيدة التي أجمعت عليها أغلب
الأطراف، وهو ما لم يحدث لغيرها أبداً، فهل يعقل ذلك؟
ثالثاً: رغم أن تبني الجماعة للنهج الجهادي يبرزها بقوة على الساحة، إلا
أنها تبقى في نهاية الأمر جماعة محدودة التأثير، والقدرات، على الأقل في الوقت
الحالي، استناداً إلى عدد أتباعها، مقارنة بجماعات أخرى والحزبين العلمانيين
الرئيسيين.
رابعاً: تحمل الجماعة، مثل أغلب الإسلاميين الأكراد، إرثاً من الذكريات
الدموية مع أجهزة صدام، ويكفي مأساة حلبجة التي حدثت لكونها في الأساس
خضعت لسيطرة الإسلاميين، ومن الصعب أن تغيب المذبحة في غياهب النسيان
من أجل تحالف وهمي وقتي مع الجزار الأكبر، ويعلم الإسلاميون يقيناً أنه في حال
تمكن صدام من السيطرة على مناطق الأكراد مرة أخرى، فسيكون دمهم أول ما
يراق بالسلاح العراقي.
خامساً: ليس من مصلحة صدام أبداً أن يحتفظ بعلاقة مع تنظيم القاعدة، أو
أي تنظيم آخر يشتبه في تبعيته للقاعدة، ولو كان هذا الادعاء صحيحاً، لما كان
الموقف الأميركي تجاه هذه القضية، بهذا الضعف.
وهذا النفي لعلاقة مدعاة مع صدام ليس دفاعاً عن جماعة الأنصار، ولكنه
دفع لهذه الدعوى التي ربما ينخدع بها من لا يجيد نظم الأمور في نصابها.
стр. 4377
المسلمون والعالم
بشراكم أهل فلسطين
حمدي طنطاوي محمد [*]
في كل يوم، وفي كل ليلة، يسقط شهيد، ويهدم بيت، وتشرد عائلة، وتقام
مستوطنة. وقد يتساءل البعض: ما ضر هؤلاء وهم فتية آمنوا بربهم، وجاهدوا
في سبيله، وابتلوا من أجل دينه.. والله المنتقم، والله الجبار، العزيز القهار، لو
أراد أن يعزهم، وينصرهم، ويذهب بأس عدوهم لكان، لكنه لم يكن؟
وفي الإجابة على ذلك كلام كثير منه قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّة] (التوبة: ١١١) .
ومنه ما أعده الله للشهداء من المنازل العالية، والقصور الراقية، ومنه
تمحيص الله عباده المؤمنين، وتخليصهم من شوائب الذنوب، وعلائق المعاصي.
فما أهون أعداء الله على الله، بل ما أهونهم على عباد الله، ولكن لله في خلقه
شؤون.
* لولا بقية من المؤمنين:
غير أن ما يعنينا من هذا هو أنه ما زالت بقية من خلق الله تستطيع الدفاع
عن دينه، والذب عن أوليائه. أوَ ما قد علمت فقه عبد المطلب حينما قال لأبرهة:
«للبيت رب يحميه» . فما كان هناك بقية من الناس تدفع عن بيت الله. أما
وللأقصى بقية من خلق الله تدفع عنه، فلا معنى لأن ننتظر أمراً من السماء ينزل
بهم.
ألا وإن تلك الفئة التي تدفع عن بيت الله، وعن دين الله في تلك البقعة، لم
يقتصر دفعها على تلك البريَّة من الأرض وحدها، بل إنها تدفع بأس الله وغضبه
عن الدنيا بأسرها، يعلم هذا من فقه قوله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) .
يقول الإمام الطبري: «ولولا أن الله يدفع ببعض الناس، وهم أهل الطاعة
له، والإيمان به، بعضاً، وهم أهل المعصية لله، والشرك به ... لفسدت الأرض،
ولهلك أهلها، بعقوبة الله إياهم، ولكن الله ذو مَنٍّ على خلقه، وتطوُّل عليهم،
بدفعه البر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي، بالمؤمن عن الكافر.
فيدفع الله معالجة أهل الكفر والنفاق، العقوبة على كفرهم ونفاقهم، بإيمان المؤمنين
به، وبرسوله، الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله، وذوو اليقين بإنجاز الله
إياهم وعده، على جهاد أعدائه، وأعداء رسوله، من النصر العاجل، والفوز
الآجل بجنانه ﵎» [١] .
ومن ذلك ما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد: «لولا دفاع الله
بالبر عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاق الناس، بعضهم عن بعض، لفسدت الأرض؛
بهلاك أهلها» .
وروى عبد بن حميد عن قتادة: «يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر
بالمؤمن» [٢] .
* مواصلة أهل فلسطين المقاومة، وانخذال الناس عنهم:
رحم الله تلك الفئة؛ لكأني بحديث رسول الله ﷺ ، وقد جاء
فيهم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى
يأتي أمر الله، وهم كذلك» [٣] .
فكم مرة خذل هذا الشعب من العالم بأسره، يشهد عليه شيوخ ركع، وأطفال
رضع، ونساء؛ ما لكل أولئك حول ولا طول. يشهد عليه مذابح دير ياسين سنة
١٩٤٨م، وقرية «بيت جالا» سنة ١٩٥٢م، ومجزرة «قبية» سنة ١٩٥٣م،
ومذبحة «غزة» و «شاطئ طبريا» سنة ١٩٥٥م، ومذبحة «حوسان»
و «غزة الثانية» ، ومذبحة قلقيلية «و» كفر قاسم «سنة ١٩٥٦م، ومذابح
» العدوان الثلاثي «سنة ١٩٥٦م، و» تل الزعتر «سنة ١٩٧٦م، و» صبرا
وشاتيلا «سنة ١٩٨٢م، و» حرق المسجد الأقصى «سنة ١٩٦٩م،
و» اقتحامه «سنة ٢٠٠٠م، وما كان من هدم، وقتل، وتخريب، في» طولكرم،
ورفح، ونابلس، ورام الله، وجنين، وخان يونس «سنة ٢٠٠٢م.
تشهد عليه قرارات» مجلس الأمن «المتعاقبة، والتي كتبها على لوحة من
» الفَخَار «، أقصد» الفُخَّار «، مما دعاه أن يوصد عليها قفصاً من حديد،
مبطناً بسياج من نحاس، داخل هذا السياج أزيز من رصاص، خوفاً عليه من
الكسر، قرار سنة ١٩٤٨م، ١٩٦٧م، ١٩٦٨م، ١٩٦٩م، ١٩٧١م، ١٩٧٩م،
١٩٨٠م.
تشهد عليه معاهدة السلام المصرية التي كان فيها اعتراف صريح بدولة
إسرائيل سنة ١٩٧٩م.
تشهد عليه: جميلة الأقرع، وعائشة أبو الحسن، وعزبة محمد سلامة،
وحلوة زيدان، تشهد عليه: زيبة عطية، ودلال المغربي، ورابعة أحمد،
وتغزيد البطمة، وعزيزة حسين، تشهد عليه» وفاء علي إدريس «.
* بشرى النبي ﷺ للفئة المؤمنة ووعد ربه لهم:
ألا فاستبشري يا تلك العصابة بقول رسول الله ﷺ :» لا
تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم من
جابههم، ولا ما أصابهم من البلاء، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول
الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس « [٤] ، أما وقد نصرتم
أمر الله، ووعده الذي قطعه على نفسه في قوله: [َكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ]
(الروم: ٤٧) .
يقول الفخر الرازي:» أي: نصر المؤمنين كان حقاً علينا..، وفيه تأكيد
البشارة؛ لأن كلمة (على) تفيد معنى اللزوم، فإذا قال حقاً أكد ذلك المعنى [٥] .
فإن قلتم: أين النصر، وعدو الله طالت يده، واستشرى خبثه وقبح فعله، فعلا
وطغى وبغى؟ قلنا: أوَ ما كان في انهزام موسى لفرعون نصر له، أوَ ما جرته
هزيمته إلى أن أوقعت فرعون وقومه، غرقاً في اليم؟ هي سنة الله، وهو عدل الله
وانتقامه لمن آذى أولياءه ﵎، ألا وإن الله جاعل في هزيمتكم نصراً.
* عجائب القدر مع الحجر:
وإني لأنظر إلى قول رسول الله ﷺ : «ولعدوهم قاهرين» ،
ويثنيني العجب مما رواه الطبري في تفسيره [٦] ، وتاريخه، من أن نبي الله داود
﵇ الذي يتمسح به صهاينة إسرائيل لما خرج لمقاتلة جالوت، ألبسه
طالوت سلاحه، فكره أن يقاتله بسلاح، وقال: «إن الله إن لم ينصرني عليه، لم
يغن السلاح، فخرج إليه بالمقلاع، وبمخلاة فيها أحجار، ثم لما برز له، قال له
جالوت:» أنت تقاتلني؟ «قال داود:» نعم! «. قال:» ويلك! ما خرجت
إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة! لأبدِّدَنَّ لحمك، ولأطعمنك اليوم الطير
والسباع، فقال له داود: «بل أنت عدو الله شر من الكلب» فأخذ داود حجراً
ورماه بالمقلاع، حتى نفذ في دماغه، فصرع جالوت وانهزم، واحتز داود رأسه «.
وكأني بداود ﵇ وقد بعث برسالة مفادها: أن هؤلاء أعداء الله، وإن
ادعوا التمسح بي، فإني مع صاحب الحجر: إن نصر الله لا يتوقف على نوعية
السلاح، إن مقاتلة عدو الله مهما كانت مهابته أهون على ولي الله من هشاشة كلب،
إن تخصيص الأحجار بالذات فيه استئناس واستصحاب، ومشاركة وجدانية،
وإني لو كنت معكم، لقاتلتهم بالحجر، كما تقاتلونهم، إن فيه محض بشارة، بأن
صاحب الحجر، هو الغالب، وهو المنتصر، وأن تاج الملك لا بد أن يؤول إليه،
كما آل لداود ﵇.
ويعرف هذا من فقه قول رسول الله ﷺ :» لا تقوم الساعة،
حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء
الحجر والشجر، فيقول الحجر، أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي
خلفي، تعال فاقتله! « [٧] ، يوم ينطق الله الحجر، أو الشجر، فيقول: يا مسلم،
كم لطخني هذا اليهودي، بدم الأبرياء والضعفاء، كم آذاني نجسه وقبحه، كم
آلمني ظله وقربه، تعال فاقتله، وخلصني منه، فإني لم أكلف بقتله.
يعرف هذا من فقه قوله تعالى: [وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا] (الإسراء: ٨) ، بعد
ما ذكر قوله: [لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْن] (الإسراء: ٤) ، إذ بعث الله عليهم
في المرة الأولى عدوهم وذكر أنه جالوت الجزري فاستباح بيضتهم، وسلك خلال
بيوتهم، وأذلهم وقهرهم؛ جزاءً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد
تمردوا، وقتلوا خلقاً كثيراً من الأنبياء والعلماء؛ وروي عن سعيد بن المسيب:
» لما أفسدوا في المرة الثانية، سلط الله عليهم عدوهم «بُخْتَنَصَّرَ» ، فخرب
بيت المقدس، وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد دماً يغلي على كِبَا [٨] ، فسألهم: ما
هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً «
قال ابن كثير:» وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه
قتل أشرارهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقاً
منهم أسرى من أبناء الأنبياء، وغيرهم، وجرت أمور، وكوائن يطول ذكرها «
[٩] .
وهي دم كل نبي، ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال:
أيها الدم! أفنيت بني إسرائيل، فاسكن بإذن الله، فسكن» [١٠] .
* وإن عدتم عدنا «عودة وميعاد» :
أوَقد عادوا بالفساد مرة ثالثة؟ وقد أوعدهم الله بالعودة عليهم، وهي عودة
باقية إلى قيام الساعة، يعرف ذلك من فقه قوله تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ
عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَاب] (الأعراف: ١٦٧) ، عودة
تفنيهم عن آخرهم، فلا تبقي لهم باقية، عودة تبهج قلوب المؤمنين، وتشفي صدور
الموحدين؛ فعن قتادة في قوله تعالى: [وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا] (الإسراء: ٨) ، قال:
«عاد القوم بشر ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث، من نقمته،
وعقوبته، ثم كان ختام ذلك أن بعث عليهم هذا الحي من العرب؛ فهم في عذاب
منهم إلى يوم القيامة» [١١] .
أما الوعد، فأنبأ به رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة، منها:
«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة» ،
«فينزل عيسى بن مريم» [١٢] .
وقوله: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً،
فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير» [١٣] .
* حقيقة المعركة:
من هنا تعلم أن اجتماع أهل الملل والنحل على مقاتلة أهل فلسطين والغلبة
عليهم، ما هو إلا جزء من رصيد الأعداء الكبير، وتاريخهم الطويل ضد الإسلام
وأهله، وحرصهم الدفين على هدم أركانه، وزعزعة بنيانه؛ فليست هي الأرض
ولا المال، إنما هو ذاك الدين الذي منّ الله به على شعب فلسطين، ذاك الدين الذي
طالما جرت عليه معارك طواحن، وفتن ملاحم، وهي سنة الله في خلقه، صراع
دائم بين الحق والباطل، قد تعلو راية الباطل مرة، لكنها أبداً لن تدوم؛ فالعاقبة
ليست له، وعلى الباغي تدور الدوائر، قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار، وإن
الله ناصر دينه، لا محالة فاعل، ومعز جنده ومنصف أولياءه وإن قل الزاد وعزت
الراحلة، ومذل رؤوس أعدائه وإن استشرى الزاد وروجت الراحلة، وليعلون دين
الله ولترفعن رايته رغم أنف الكافرين، وشرك المشركين، «وليبلغن هذا الأمر ما
بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله هذا الدين، بعز
عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» [١٤] .
стр. 4378
المسلمون والعالم
المهاجرون الإرتريون في السودان
وتجدد المعاناة
إسماعيل عمار
تعد الهجرة أمراً عسيراً على النفس البشرية لما لها من آثار نفسية ووجدانية
وعاطفية؛ فالبعد عن الوطن ومراتع الصبا له شجون وشؤون يصعب محوه من
دائرة الذكريات.
إلا أن الهجرة قد تكون مطلباً شرعياً عندما يواجه المسلم عوائق تمنعه من
إقامة دينه، فيترك الأرض والأهل والأحباب حماية للدين وصوناً للعقيدة. قال
تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيراً] (النساء: ٩٧) ، ولذلك هاجر الصحابة رضوان الله عليهم إلى
الحبشة والمدينة عندما أذاقتهم قريش المر، وضيقت عليهم في أمور دينهم ودنياهم
فكانت الهجرة فرجاً ومخرجاً.
لقد عانى الشعب الإرتري من ويلات التسلط والاضطهاد نتيجة لتعاقب
الاحتلال الإيطالي والبريطاني، وأخيراً الإثيوبي على أرضه؛ مما جعله عرضة
لهدر موارده الطبيعية وطاقاته البشرية، واتخذ الاحتلال من أشلاء هذا الشعب
المستضعف سلماً يرتقي به نحو تحقيق مآربه السياسية والاقتصادية، وكان من أشد
ما مر على المسلمين في إرتريا فترة الاحتلال الإثيوبي؛ وبخاصة عهد هيلا
سيلاسي؛ حيث أذاقهم جميع صنوف الإذلال والاضطهاد والتنكيل والتشريد منطلقاً
من أهدافه الصليبية، وأحقاد أسلافه اليهود؛ حيث كان يدعي امتداد نسبه إلى النبي
سليمان ﵇.
وقد فجر المسلمون الثورة الإرترية المسلحة عام ١٩٦١م لتخليص البلاد من
براثن الصليبية، فاشتدت الوطأة على الشعب الأعزل؛ حيث سعى الإمبراطور
الإثيوبي إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة، فأُجبر الإرتريون على ترك أراضيهم
بعد أن بلغ السيل الزبى، وعبر أول فوج من المهاجرين الحدود الإرترية السودانية
في فبراير عام ١٩٦٧م، بعد أن أحرقت قراهم ومزارعهم ولم يبق لهم غطاء
يستظلون به من حر الشمس وقر البرد والأمطار، وقد بلغ عددهم ثلاثين ألفاً، ثم
توالت بعد ذلك الهجرات تشتد حيناً وتهدأ حيناً حتى جاوز عددهم مليون لاجئ، ولم
يتغير الوضع بسقوط نظام هيلا سيلاسي واستلام الشيوعيين زمام الأمر في إثيوبيا،
بل زاد الأمر سوءاً؛ نظراً لاشتداد المعارك بين الثورة الإرترية والنظام الإثيوبي،
والجفاف الذي أصاب بعض المناطق الإرترية في الثمانينيات، وها هو اليوم أيضاً
بعد مرور عشر سنوات تقريباً من استقلال إرتريا لا تزال الهجرة مستمرة،
وأصبحت العودة إلى الوطن أملاً صعب المنال.
ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى الهجرة قبل انتهاء الاحتلال الإثيوبي
في النقاط الآتية:
١ - أسباب دينية وثقافية:
بعد أن ضم هيلا سيلاسي إرتريا إلى إمبراطوريته بالتآمر مع الولايات
المتحدة بدأ في تنفيذ سياساته المعادية للإسلام واللغة العربية، وسعى إلى طمس
الهوية الإسلامية من خلال التضييق على المؤسسات الدينية كالمساجد والمعاهد
والمدارس العربية؛ حيث لم يعترف بشهادات هذه المعاهد والمدارس، وبالإضافة
إلى ذلك منع تدريس اللغة العربية في المدارس الحكومية، وحظر الصحف العربية
وأمر بمصادرة الكتب العربية التي تأتي إلى إرتريا من الدول العربية، فأحس
المسلمون بغربة دينية وثقافية في ديارهم، فاضطروا إلى البحث عن مكان يجدون
فيه العلوم الشرعية والثقافية الإسلامية، فاتجهوا إلى السودان وغيرها من الدول
العربية والإسلامية.
٢ - أسباب أمنية:
يمثل الأمن ركيزة مهمة من ركائز الاستقرار والتنمية، والعمود الفقري لعملية
البناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ولما فقد الأمن اختار الكثير من الإرتريين
الخروج من هذا المأزق والهجرة خارج البلاد؛ فقد عانوا من الإرهاب الصليبي
الذي بدأ في الأربعينيات من قبل نصارى إرتريا بالتنسيق مع قوات الأمن الإثيوبية
بغية ضم إرتريا إلى إثيوبيا.
ولما تفجرت الثورة الإرترية في ١٩٦١م اشتد تأزم الوضع الأمني،
وتعرضت قرى المسلمين (مثل عونا وعد إبراهيم وإمبيرمي.. وغيرها) للمذابح
والإبادة والقصف الجوي، وأعلنت حالة الطوارئ في المدن، وفرض حظر التجول
بعد السادسة مساء.
ثم أتت حملات التجنيد الإجباري التي قامت بها كل من إثيوبيا والثورة
الإرترية على حد سواء، وبالغت الجبهة الشعبية الإرترية في ذلك فانتزعت
الحرائر من خدورهن باسم الواجب الوطني والخدمة الوطنية، فما كان من الشعب
إلا أن يهاجر حماية لنفسه وعرضه وماله.
٣ - أسباب سياسية:
شهدت إرتريا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية صراعاً سياسياً تمثل في
المطالبة بالاستقلال الذي نادى به المسلمون، والمطالبة بالانضمام إلى إثيوبيا الذي
تزعمه النصارى؛ مما أوجد ضغوطاً على المطالبين بالاستقلال بعد ضم إرتريا
قسراً إلى إثيوبيا، وتعرض الكثير منهم للسجن والتعذيب والإبعاد، وهاجر الكثير
منهم إلى خارج إرتريا هرباً من هذا الجحيم، ومواصلة للنضال السياسي من خارج
البلاد.
٤ - أسباب اقتصادية:
تعمد الاحتلال الإثيوبي إضعاف الاقتصاد الإرتري بنقل المصانع الإرترية إلى
داخل إثيوبيا، ووضعه المعوقات المانعة من قيام مؤسسات اقتصادية كبيرة في مدن
إرتريا، فلم يبق للمسلمين الذين استبعدوا من الوظائف الحكومية أيضاً إلا المهن
التجارية والزراعية والرعوية المتواضعة، وقد تأثرت هذه الأعمال أيضاً بحالة
الحرب التي عاشتها إرتريا، بالإضافة إلى الجفاف الذي ضرب أغلب مناطق
إرتريا في ١٩٨٣ - ١٩٨٥م، فاضطر الناس إلى البحث عن ما يسدون به رمقهم،
ويتمكنون من الحصول على لقمة العيش الكريمة.
* وضع المهاجرين الإرتريين بالسودان:
دأبت الحكومة السودانية على استقبال اللاجئين الجدد في معسكرات استقبال
مؤقتة ريثما يتم نقلهم إلى المعسكرات الثابتة التي تحتاج إلى تجهيز المساكن
والمرافق العامة المختلفة، ويواجه الإرتريون في معسكرات الاستقبال هذه معاناة
بالغة القسوة نظراً لعدم توفر المرافق الصحية وتأخر المعونات الغذائية فيها،
وعندما يتم نقلهم إلى المعسكرات الثابتة تبذل بعض الجهود الصحية والتعليمية
والاقتصادية من قبل مفوضية اللاجئين والهيئات الخيرية.
وبالرغم من ذلك فإن وضع المهاجرين يواجه مشكلات بالغة التعقيد؛ ففي
مجال التعليم نجد أن المدارس الابتدائية في بعض المعسكرات غير مؤهلة لأداء
رسالتها التعليمية من ناحية تأهيل الفصول الدراسية ووجود وسائل تعليمية تعين
المدرس والطالب على حد سواء في إنجاز مهماته؛ مما أدى إلى عزوف الطلاب
عن التعلم واتجهوا إلى البحث عن أعمال تعينهم على تحسين وضعهم المعيشي.
وفيما يخص الأمور الصحية فإن المراكز الصحية في مناطق المهاجرين غير
قادرة على الوفاء بحاجات السكان من ناحية توفر الأدوية والمعدات الطبية مما
يكلفهم الذهاب إلى بعض المدن لتلقي العلاج المناسب، وقد انحسرت المعونات فيما
بعد الاستقلال نظراً لتوقف المنظمات التطوعية التي كانت تعمل في وسط
المهاجرين بحجة استقلال إرتريا وانتهاء الحرب التي كانت قائمة بين الثورة
الإرترية وإثيوبيا.
* تجدد المعاناة بعد الاستقلال:
كان من المؤمل أن تتلاشى معاناة الهجرة والتشرد عن الشعب الإرتري عشية
استقلال إرتريا عن الاحتلال الإثيوبي، وكان الإرتريون يحلمون قبل التحرر أن لا
يتجاوز مكوثهم في الأراضي السودانية بعد الاستقلال يوماً واحداً، إلا أن الواقع كان
غير ذلك، وذهبت أحلامهم أدراج الرياح.
في بدايات الاستقلال عاد عدد غير قليل من الإرتريين إلى ديارهم طوعاً
بطريقة فردية نظراً لبلوغ عامل الشوق إلى أرض الأجداد لديهم مبلغه، فلم ينتظروا
مساعدات المنظمات الدولية وترتيبات الحكومات المعنية، بل آثروا العودة إلى
الديار مهما كلفهم ذلك من جهد مادي أو متاعب جسدية.
ثم بدأت بعض الترتيبات الخاصة بتنظيم العودة الطوعية للاجئين بالتنسيق
بين السودان وإرتريا ومفوضية اللاجئين وأطلق عليه (المشروع الرائد) ، ونظراً
للخلافات التي وقعت بين النظام في أسمرا ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة
حيث طلبت إرتريا ربط عودة اللاجئين بالتوطين وببرامج شاملة لاستيعابهم،
وأصرت على العودة الانتقائية، وتسجيل اللاجئين تحت إشرافها، ولم تقبل
المفوضية بذلك فلم يتمكن هذا المشروع إلا من إعادة الدفعة الأولى فقط التي تتكون
من ٢٥٠٠٠ لاجئ في نوفمبر عام ١٩٩٤م، وحتى هذه الدفعة لم يتم توطينها
بصورة مثلى؛ حيث لم يقدم لهم من المسكن والغذاء وغيره إلا الشيء اليسير الذي
لا يسد الرمق، وتوقف المشروع بعد ذلك؛ حيث أغلق النظام الإرتري مكتب
المفوضية في أسمرا، وطرد العاملين فيها في مايو ١٩٩٧م، ثم جاءت الحرب
الإرترية الإثيوبية الجديدة التي اندلعت في مايو ١٩٩٨م، وبلغت أشدها في مايو
ويونيو ٢٠٠٠م، فأوقفت جميع أعمال العودة، بل تجددت الهجرة والمعاناة مرة
أخرى، وتدافع اللاجئون الذين قارب تعدادهم مائة ألف لاجئ إلى الأراضي
السودانية وعلى وجوههم عظم حجم المأساة؛ حيث تشتتت الأسر بطريقة عشوائية
فلا يدري والد عن ولده وزوجته شيئاً، وهم كذلك، وتوفي الكثير منهم في الطريق
بسبب العطش والجوع والمرض، ووصل من وصل إلى معسكرات اللاجئين في
حالة من الإعياء الشديد، وهذه المعسكرات هي:
١ - معسكر قلسا:
ويقع جنوب مدينة كسلا السودانية على بعد ٣٠ كيلو متراً، ووصل إليه
حوالي (٣٢٠٠٠) مهاجر، يسكنون في خيم البلاستيك المتلاصقة، وفي وضع
صحي وغذائي سيئ تتفطر لرؤيته القلوب الرحيمة والضمائر الحية؛ حيث توزع
عليهم المواد الغذائية عبر طوابير طويلة.
٢ - معسكر اللفة:
ويقع جنوب غرب مدينة كسلا على بعد ٣٠ كيلو متراً، وبلغ عدد المهاجرين
فيه حوالي (٣٧٠٠٠) مهاجر، معظمهم ممن أتى من مدن غرب إرتريا.
٣ - معسكر الشجراب:
ويقع جنوب غرب كسلا على بعد ١٢٠ كيلو متراً، وهو من المعسكرات
القديمة، وبلغ المهاجرون الجدد فيه حوالي (٢٥٠٠٠) مهاجر منهم (٣٠٠) من
الجنود الإرتريين؛ مما زاد الضغط على الإمكانات الضعيفة التي كانت في هذا
المعسكر من قبل.
والعادة أن تسارع المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات تطوعية
وتنصيرية بتقديم المساعدات العاجلة في مثل هذه الأحوال، وفي الوضع الحالي
للاجئين الإرتريين فإن المنظمات الإسلامية في هذه المرة زاحمت المنظمات
التقليدية القديمة، وأسهمت بشكل واضح في تخفيف المعاناة سواء من جانب تقديم
المواد الإغاثية أو بناء المساجد، وتكوين مراكز تحفيظ القرآن الكريم؛ مما أثلج
صدور الغيورين على الدين الإسلامي.
* مشروع العودة مجدداً:
قبل أن تصل الحرب الإرترية الإثيوبية إلى محطة السلام النهائية سارع
النظام في إرتريا إلى العمل على إعادة هؤلاء المهاجرين الجدد، وجند وسائل
إعلامه ومفوضية اللاجئين الإرترية وغيرهم من مسؤولي حكومته لإنجاح هذا
المشروع، وبالرغم من الجانب الإنساني الذي أظهره النظام لهذا المشروع فإن
المحللين يرون أن النظام في أسمرا لم يؤرقه الجانب الإنساني لهؤلاء اللاجئين، بل
الهدف ينحصر في تأمين القوى البشرية لحروبه المتكررة، وتسخير ما يقدم باسمهم
من الإغاثات إلى خزينته؛ حيث أبدى أفورقي امتعاضه من تقديم المساعدات
للهاجرين عن طريق السودان، كما أنه يخشى من تأثر المهاجرين بالثقافة الإسلامية
التي ظل يعمل طيلة السنوات العشر الماضية على طمسها في إرتريا.
وبالرغم من عودة بعض المهاجرين بطرقهم الخاصة ووفق هذا المشروع، إلا
أن غالبية المهاجرين وقفوا ضد هذا المشروع وأبدوا اعتراضهم على ذلك، ووجهوا
كثيراً من الأسئلة التي أحرجت وفد الحكومة الإرترية ورئيسة مفوضية اللاجئين،
وبخاصة عن ضمانات العودة التي لا تتفق واتفاقية جنيف؛ حيث لا يتوفر في
إرتريا اليوم الأمن والسلام؛ حيث الاتفاق بين إرتريا وإثيوبيا لم يزل هشاً،
وحملات التجنيد الإجباري تتواصل، والاغتيالات ما زالت تلاحق المواطنين حتى
الذين هاجروا إلى داخل السودان كما حدث في معسكر الشجراب؛ لذلك كان الإقبال
على مراكز التسجيل ضعيفاً؛ مما يوحي بعدم نجاح هذا المشروع كما خطط له.
* الهجرة ما لها وما عليها:
من العسير جداً أن تجد شراً محضاً أو خيراً محضاً، بل الغالب أن يغلب
الخير أو الشر على الشيء؛ فيأخذ حكم الغالب عليه وصفته؛ لذلك فإنه من الصعب
جداً وصف هجرة الإرتريين إلى السودان بالشر المحض رغم ما كابده الشعب
الإرتري من العناء والضنك ما الله به عليم، كذلك لا يمكن القول بأنها كانت خيراً
محضاً، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أهم الآثار الإيجابية التي نتجت عن هجرة
الإرتريين:
١ - الأثر الثقافي:
لما كان اللاجئون خليطاً بين أهل المدن وأهل القرى والبادية؛ فإن الكثير
منهم لم تكن الفرصة مواتية له لتلقي التعليم في قريته أو باديته، ولما هاجر إلى
السودان سنحت له فرصة التعليم في المدارس والمعاهد العربية والإسلامية التي
أنشأتها المنظمات الخيرية والحكومة السودانية وغيرها، مما ساعد المهاجر على
تلقي علوم إسلامية شرعية، وتكوين ثقافة إسلامية مميزة أبعدتهم عن الأفكار
المستوردة، وقادتهم إلى حمل همِّ الدعوة ومشاعل التغيير نحو الإسلام.
٢ - الأثر الاجتماعي:
بالرغم من المعاناة التي يتحملها المهاجرون من الناحية الاجتماعية من فقد
الرباط الاجتماعي، وتباعد الأسرة الواحدة، وتعرض بعضها لفقد العائل بسبب
انتشار الأمراض والأوبئة، وفقد البعض الآخر لانتمائه نحو مجتمعه نظراً لطول
زمن الهجرة وتأثره بالبيئة السودانية، وبخاصة ساكني المدن؛ فإن من الإيجابيات
الاجتماعية لهجرة الإرتريين حدوث انفتاح اجتماعي بين القبائل والعشائر الإرترية،
تمثل ذلك في إتاحة فرصة التزاوج والتصاهر والتعاون بينهم، والإحساس بوحدة
الهدف والمصير.
٣ - الأمن والاقتصاد:
يمكن القول بأن المهاجرين قد وجدوا في السودان ملاذاً آمناً من الحروب
المتواصلة التي أنهكت قواهم وأقضت مضجعهم، وأمنوا على أعراضهم من انتهاك
قوى الشر لها بدعوى الخدمة الوطنية الإلزامية التي أفسدت الكثير من بنات
المسلمين.
وبالرغم من فقد المهاجرين الكثير من ممتلكاتهم المالية والعينية نتيجة تركهم
لها في إرتريا فراراً بأنفسهم، فإن الكثير منهم تعرف على مهن جديدة وطرق كسب
الرزق التي تعينه على تجاوز صعوبات الحياة مما لم يكن له علم بها من قبل، وقد
أتيحت للكثير منهم الفرص لتخطي حاجز الحدود والوصول إلى دول الخليج
وأوروبا بغرض العمل؛ مما ساعدهم على تحسين وضعهم المعيشي ومعاونة أهليهم
في الداخل والمهجر.
وعلى كل فإن مأساة المهاجرين الإرتريين ما زالت مستمرة، وهي بحاجة إلى
وقفة جادة وصبورة من قبل أهل الخير والإحسان من الشخصيات الإسلامية
والمنظمات الخيرية المسلمة؛ لتعينهم على تجاوز محنتهم في توفير المواد الغذائية
والعلوم الشرعية الضرورية التي تصلح لهم دينهم ودنياهم، وبخاصة أن أغلب
المهاجرين الإرتريين الذين يعيشون في السودان هم من المسلمين.
стр. 4379
المسلمون والعالم
حول الاستفتاء الشعبي للرئاسة
باكستان.. ألم تصل سن البلوغ بعد ؟
ولي خان المظفر [*]
من الطبيعي أنه لا يمكن أن توجد مماثلة تامة، وموافقة كاملة، ومطابقة كلية
بين فكرين أو بين رأيين، فأنت تفكّر حول شيء لخلفيات، والآخر يفكر حول
الشيء نفسه لأسباب أخرى؛ فكل تصور حينما يتصور أو يطرح للمناقشة تختلف
فيه المخيلات والأذهان، ولو بقليل، وهذا هو السبب الحقيقي لاختلاف الآراء.
فالمجتمعات الجمهورية والبيئات الديمقراطية يحق فيها لكل فرد أن يختلف
عن الآخر، ويُظهر رأيه المناقض له، ولا يُعدُّ هذا عيباً أو جريمة أو جُناحاً،
ولذلك ترى في الدول الجمهورية الكبرى اختلاف عامة الناس وبخاصة عن كبار
مسؤولي الدولة في الحكومة، حتى الوزراء والرؤساء، ويستخدم المخالف سائر
وسائل الإعلام والإبلاغ ما أمكن له منها.
فانطلاقاً من هنا أود أن ألفت أنظار قرائنا الأعزاء في أنحاء العالم بإشارات
إلى مسرحية الاستفتاء الشعبي (Referendum) للرئاسة في باكستان يوم ٣٠
إبريل الماضي.
هذه المسرحية قُدمت للمرة الثالثة في باكستان على شاشة السياسة العسكرية:
١ - قدمها الجنرال أيوب خان سنة ١٩٦٠م، وادعى أنه قد أحرز النجاح
بنسبة ٩٣% من بين جميع الأصوات الملقاة في صناديق التصويت.
٢ - ثم قام بتقديمها الجنرال ضياء الحق، ونادى أنه حصل على ٩٧% من
النسبة المئوية عام ١٩٨٤م.
٣ - وأخيراً جاء دور الجنرال برويز مشرف الذي يزعم أنه تقدم على سابقيه
في الفوز بالنسبة المئوية، وهي ٩٨% في استفتاء أبريل الماضي.
مع أن كل واحد من هؤلاء الجنرالات أزاح حكومة وعزل حاكماً إصلاحاً
للنظام السياسي حسب دعمهم فاستولوا على كراسي الحكومة لأوقات محددة إقامة
للانتخابات الشعبية حسب قولهم لكن لما نالوا سمعة الرئاسة، وتملق المرتزقين
السياسيين ومجاملة الإداريين الحكوميين عزموا على البقاء على كرسي السلطة
والركوب على فرس الأمر والنهي، فاحتالوا في ذلك حِيَلاً، وسوغوا تسويغات،
وزينوا أعمالهم الدراماتيكية كصنائع وطنية، متمسكين بأهداب الحكم والاقتدار كل
تمسك، رافضين وراءهم الدستور الوطني، والقيم الخلقية، والأعراف الدولية،
والمناهج السياسية، والمواثيق الشعبية، إلى أن افتضحوا وخجلوا، وصاروا عظة
وعبرة لمن بعدهم، وما استقالة أيوب، ولا اغتيال ضياء الحق من العارفين ببعيد!
المشكلة العظمى والمصيبة النكراء أنه لا يتعظ أحد من الحكام بمصير من
سبقه في الحكومة ومن عقبه ممن تقدمه في السلطة؛ وإلا فميدان تاريخ السياسة لهذه
الدولة مليء بالصرعى، والقتلى، والجرحى، والمنهزمين. فدونك على سبيل
المثال الرئيس غلام محمد سنة ١٩٥١م الذي سيطر على الحكم بعد اغتيال لياقة
علي خان، ورشح الخواجة ناظم الدين لرئاسة الوزراء، ثم أسقط حكومته سنة
١٩٥٣م سخطاً عليه، وانتخب محمد علي بوغره رئيساً للوزراء، فلما أراد هذا
الأخير تقليل اختيارات الأول شعر به فألغى المجلس الوطني إنهاء لحكومة بوغره
سنة ١٩٥٤م، فوصل إسكندر مرزا إلى دهليز القصر الرئاسي، فشرد الغلام
وتسلط على كرسي رئاسة البلاد، فانتخب شوهدري محمد علي للوزارة العظمى،
ثم أبعده بعد سنة وأجلس على ذلك الكرسي محمد حسين السهروردي، ثم بعد سنة
زحزحه وجاء بآي تسندريغر وعزله بعد ٦٩ يوماً، واستبدله بفيروز خان نون،
ولم يطمئن قلبه هنا فأشار على الجنرال أيوب خان أن ينفذ الحكم العسكري
(Law Martial) في البلاد استحكاماً لغطرسته على الرئاسة عام ١٩٥٨م، ولكن
سرعان ما ظهر أن الثاني كان جائعاً مثله، فدحر الأول عن قصر الرئاسة ذليلاً،
وظهر على جبين باكستان كديكتاتور جديد، وفعل ما فعل سابقوه من الاستهزاء
برأي الشعب، وتذليل كبار قادة السياسة، وتغيير بعض القوانين الإسلامية في
الدستور الوطني، وإيقاع الدولة في الحروب مع جيرانها و ... و....، لكن متبنيه
الجنرال يحيى خان الذي قام بفصل عضو من الدولة عنها (بنجلاديش) حال بينه
وبين الرئاسة عام ١٩٦٩م، وأمره بإخلاء القصر الرئاسي، ثم هذا الأخير فوض
النظام الإداري إلى ذو الفقار علي بوتو الذي وعده على إبقاء رئاسة الدولة له سنة
١٩٧١م، فلما استحكم إدارياً رمى بالجنرال من سرير الحكم، وأخذ مكانه،
وتغطرس في أرض الله تعالى، حتى رغب في تغيير البلاد من جمهورية إسلامية
إلى شيوعية اشتراكية، فجاء الجنرال ضياء الحق وأعدمه عام ١٩٧٧م، ونبذ
محمد خان جونيحو عن الوزارة العظمى بعد انتخابه، وقام بالاستفتاء الشعبي لتمديد
فترته الرئاسية، فعين غلام إسحاق خان رئيساً للبلاد من نافذة مجلس الشيوخ فحذا
حذو السابقين حتى قدّم بي نظير كأول وزيرة عظمى في البلاد الإسلامية التي كانت
تتصور أنها سوف تكون ملكة للدولة طول الحياة، فلما أسخطته فنفاها من إسلام
أباد إلى كراتشي في لمحة واحدة، وجاء بعدها بنواز شريف متبني ضياء الحق
سياسياً، ثم بفاروق اللغاري الذي ألغى المجلس الوطني لحكومة بي نظير التي
نصبته رئيساً للبلاد، وجاء بنواز بصفقة سرية حول تمديد فترة الرئاسة له، فأخلفه
الثاني الوعد بعد مجيئه إلى السلطة حتى أجبره على الاستقالة مستبدلاً به محمد
رفيق تارر، فصعد على رأس نواز سدة الحكم في هذه الدولة المنكوبة، فبدأ بعزل
رئيس القوات يوماً، وكبير القضاة يوماً آخر، ويغير وزيراً بوزير، وسفيراً بسفير،
وجنرالاً بجنرال، وله أعمال من دون ذلك كان لها عاملاً حتى أراد أن يعزل
رئيس القوات الجديد (برويز) الذي نصبه هو بنفسه، فلم يتمكن، ووصل الأمر
إلى ما وصل، حتى ذاق مرارة السجن مدة طويلة وليس هو فقط، بل أفراد أسرته
جميعاً، إلى أن رآه الشعب على شاشة التلفاز باكياً في السجن حيناً وناعباً في
المحكمة حيناً آخر، وأخيراً غُرِّب من الوطن ونُفي من البلاد صفر اليدين، وسُلبت
أمواله، وقبضت قصوره وعقاراته.
والآن ترون في الملعب الجنرال برويز وحيداً فريداً، الذي خلع صانعه
الأكبر نواز وأخذ زمام الدولة بيده، وسمّى نفسه باسم غريب في سياسة هذه البلاد
رئيس السلطة التنفيذية (Executive Chief) ، ثم بعد عام أشار عليه أخدانه
أنه لا تليق بكم إلا رئاسة الدولة، فأمر تارار أن يربط عفشه وينتقل إلى مولده دار
لاهور، وعلى هذا المنوال لم يقتنع، حتى أعلن عن عقد استفتاء شعبي حول
رئاسته لمدة خمس سنوات مقبلة، وأنفق عليه ٥٠٠ مليون روبية باكستانية لهذا
الشعب الفقير، ونجح أم لم ينجح؟ والناس أسهموا في التصويت أم لم يشتركوا؟
وهل التزويرات ظهرت فيه كالسابق أم لا؟ وهل عدت وكالات الأنباء المحلية
والخارجية طرق الانتخاب شفافة أم مزورة؟ وهل أكرهت الإدارات الحكومية حتى
محاكم العدل في المجال أم لم؟ وما إلى ذلك من الجوانب الأخرى؟
هذه تساؤلات أجوبتها منشورة ولا تزال تنشر يومياً في الجرائد والصحف
المحلية والعالمية، نحن لا نريد أن نُطيل الكلام بذكرها إلا أننا حينما نلقي نظرة
عابرة على تاريخ الدولة فنرى مشاهد دراماتيكية، ومناظر مسرحية وصراعات
بهلوانية، مرحلة إثر مرحلة، وما أحسن ما قاله المتنبي، وما أجمله انطباقاً على
حكام دولتنا واحداً تلو الآخر:
تملكها الآتي تملُّك سالبِ ... وفارقها الماضي فراق سليب
فباكستان لم تصل سن الرشد سياسياً بعد، ولذا فإنها تفقد الاستقرار السياسي
منذ تأسيسها إلى اليوم؛ فهي أشبه ما تكون بمدرسة تدريبية لمختلف الأنظمة
السياسية، كالنظام الرئاسي، والوزاري، والجمهوري والعسكري والديكتاتوري،
ولم يكمِّل فيها أحد مدته الدستورية من رئيس ولا وزير، بل ومن المؤسف أنه لم
يخرج أحدٌ من قصرها الرئاسي ولا من دار وزارتها العظمى سالماً آمناً، معززاً
مكرماً، لأجل استغلالهم الشخصي، واستهلاكهم الذاتي دائماً، ولذا هي اليوم مهددة
من كل الجوانب داخلياً وخارجياً، رغم وجود شعب أبيٍّ غيور مجاهد.
فالآمال التي عُلقت بها للمسلمين في أنحاء العالم لم تثمر ولم تنتج كل الثمار
وكل الإنتاج؛ فنسأل الله العلي القدير العفو والغفران، وأن يرزقنا صلاحنا، قبل
أن نكون مصداقاً للآية الكريمة: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا
فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) [**] .
стр. 4380
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish@hotmail.com
الدولة المارقة
إن جورج بوش فعل شيئاً لإرساء أسس ومعايير للضربة الوقائية «ونحن
مدينون له» بتلك القاعدة بقوله: «من أجل مستقبل الحضارة يجب ألا نسمح
لأسوأ قادة العالم بتطوير ونشر أسلحة الدمار الشامل، لابتزاز بلدان العالم الحرة» .
واستطرد بوش ليحدد هؤلاء الأعداء للبشرية، ويصفهم بالنظم المارقة التي
تنوي تطوير أسلحة الدمار الشامل، والحكومات التي تسجن خصومها بدون
محاكمات، والتي تعجز عن ادعاء الشرعية الديمقراطية في أوطانها.
من الواضح أن بوش في سلسلة خطبه الأخيرة قد ذكر تلك النظم المارقة
بالاسم، لكن الأكثر وضوحاً هو توصيفه وتحديده لسمات الدولة المارقة، وهو ما
يعنينا.
فالحكومة التي تنفق بسخاء على أشد أسلحة الدمار فتكاً وتدميراً، وتخطط
الآن لزيادة ميزانيتها العسكرية بمعدل يفوق كل ميزانيات الدفاع في أوروبا، هذه
الحكومة المارقة تقبع في واشنطن. فهي ليست معنية فقط ببناء ترسانات عسكرية
لم يشهد لها العالم نظيراً، بل تنسحب وحدها من كل المعاهدات والاتفاقيات
المخصصة للحد من انتشار التسلح النووي، وترفض فوق ذلك القبول بأي رقابة
دولية لمنشآتها النووية الكيماوية.
يجلس بوش على دست حكومة وسلطة بلا شرعية ديمقراطية ورغماً عن
الأغلبية، وفي يديها تمسك بقيادة قطاع ضئيل من الشعب ساعية لممارسة توارث
الحكم.
وتمثل خطب بوش الأكثر عدوانية ضد أي من معارضيه وأعدائه الذين
يضعهم خلف جدران السجون بدون محاكمات أو التمتع بحق الدفاع القديم قدم
حضارة الإغريق.
حقاً، هذه الدولة المارقة لها تاريخ طويل وباع أطول في التدخل في شؤون
جيرانها، وغزو أراضيهم.. خذ على سبيل المثال بنما، هاييتي.. إلخ. لكن منذ
حربها الطويلة والمخزية في فيتنام تقوقعت داخل حدودها. هذه الدولة المارقة،
بنظامها الغريب البغيض، مستعدة لتسميم شعبها بالفساد الرأسمالي، وقتله
بالاحتباس الحراري؛ فلقد أظهرت واشنطن تصميمها وعزمها على فرض هيمنتها
وتنفيذ ما تراه، وأظهرت استعدادها لاستخدام أسلحة الدمار والقصف الجوي التي لا
تعرف فرقاً بين العسكريين والمدنيين. هذه الدولة المارقة ليست صديقة للديمقراطية،
أعلنت رفضها للتعامل مع زعيمين منتخبين في العالم الإسلامي محمد خاتمي في
إيران، وياسر عرفات في فلسطين. والأخير يعتبر الوحيد في العالم العربي الذي
انتخب بحضور مراقبين أوروبيين غربيين. هذه الدولة المارقة تسلح وتحمي
إرهاب الدولة وعمليات الاغتيال الإسرائيلية، ونصبت أسوأ أمراء الحرب
والعصابات في أفغانستان، ووفقاً لتقارير مخابراتها ساهمت في انقلاب فاشل أطاح
لفترة وجيزة بهوجو شافيز من رئاسة فنزويلا.
[الكاتب البريطاني أدريان هاملتون، صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٨٩) ]
الثمن
علم في العاصمة التركية أن مجلس الشيوخ الأمريكي أقر تقديم مساعدة مالية
إلى تركيا بقيمة ٢٢٨ مليون دولار؛ وذلك عن دورها في قيادة قوات حفظ السلام
الدولية في أفغانستان (إيساف) وذلك في أعقاب مصادقة مجلس النواب عليه يتم
بعده تسليم قيمة المساعدة إلى تركيا.
وتتألف المساعدة المالية من قسمين الأول بقيمة ٢٨ مليون دولار خاصة
بالمصاريف العسكرية لإيساف والبقية كدعم اقتصادي لتركيا.
وتأتي هذه المساعدة ضمن مشروع عرضته إدارة بوش على الكونغرس
الأمريكي في أعقاب أحداث ١١ أيلول (سبتمبر) لمكافحة الإرهاب قيمته ٩.٢٨
مليار دولار لمواجهة مصاريف العمليات العسكرية الخاصة بمكافحة الإرهاب
ومساعدة الدول الداعمة لهذه العمليات وبينها، إضافة إلى تركيا، كل من إسرائيل
وأفغانستان وباكستان وقرغيزيا وأوزبكستان وطاجكستان وأندونيسيا.
وتشير بعض المصادر التركية إلى احتمال تقديم واشنطن مساعدات أخرى إلى
تركيا قبيل الحملة المحتملة ضد العراق.
[صحيفة الزمان، العدد (١٢٧١) ]
يذبحون رجالهم
اتهمت إحدى المنظمات العالمية لحقوق الإنسان السلطات العسكرية الروسية
في جمهورية الشيشان بالقيام بحملة إعدامات في الجمهورية تهدف إلى الحد من
أعداد السكان الذكور في الجمهورية التي تسعى للانفصال عن روسيا.
وادعت المنظمة التي تطلق على نفسها اسم فيدرالية هلسنكي العالمية أن
الرجال في الجمهورية يتم اختطافهم وقتلهم بشكل منظم خلال عمليات التفتيش التي
تنفذها القوات الخاصة الروسية هناك.
وجاءت الاتهامات في بيان للمنظمة من تصريحات صادرة عن السلطات
المعينة من قبل روسيا في الشيشان، وتضمنت المطالبة بوقف ما وصفته بالأعمال
الوحشية تجاه المدنيين وإلى إجراء تحقيقات في حالات عديدة من الاختفاء القسري
التي لا يتم تفسيرها. القوات الخاصة الروسية تتمتع بقيود مخففة. ويقول كبير
ممثلي المنظمة إن هناك ما بين خمسين وثمانين جثة يتم اكتشافها كل شهر عقب
العمليات التي تقوم بها القوات الروسية الخاصة. وإن الغالبية العظمى منها لشباب
وفتيان.
وتضيف المنظمة أنه إذا ما أخذ في الاعتبار أن عدد سكان الشيشان أقل من
نصف مليون مواطن فإن حجم عمليات القتل يعد غير مسبوق. ولم يصدر أي
تعليق عن المسؤولين الروس إلا أن الإدارة الشيشانية التابعة لروسيا تقول إنه لا
يوجد أي سبيل لمحاسبة المسؤولين عن تلك العمليات على الرغم من وجود قواعد
تحتم على أفراد القوات الروسية الخاصة التعريف بهوياتهم بصورة واضحة
لمرافقيهم من المسؤولين الشيشانيين المحليين.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد عين مؤخراً مبعوثاً خاصاً لشؤون
حقوق الإنسان في الشيشان فيما يعد اعترافاً ضمنياً منه بوجود انتهاكات لحقوق
الإنسان في البلاد. وقد تعهد المبعوث وهو من أصل شيشاني بوقف علميات
الاختطاف من خلال تعزيز السلطات الشيشانية المحلية.
[موقع هيئة الإذاعة البريطانية - www.bbcarabic.com]
استغنوا عن الذل!
حذرت واشنطن الدول التي ستنضم إلى الاتفاقية الخاصة بالمحكمة الجنائية
الدولية التى أنشئت في يوليو الماضي بأنها ستقطع عنها كل مساعدة عسكرية
أميركية إذا لم تلتزم بعدم تسليم أي أميركي ليحاكم أمام هذه المحكمة وفق ما ذكرت
صحيفة «نيويورك تايمز» .
وأشارت الصحيفة إلى أن التحذير يأتي في إطار قانون مكافحة الإرهاب
الجديد الذي وقعه الرئيس الأمريكي، وقد تم إبلاغه إلى السفراء المعنيين.
وأوضحت الصحيفة أن جميع البلدان التي تقيم علاقات مع الولايات المتحدة
تستفيد بشكل أو بآخر من مساعدة عسكرية من جانب واشنطن تكون أحياناً على
شكل دورات تدريب للكوادر أو شراء تجهيزات.
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٨٩) ]
قريباً إلى التفكك
وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد الأمريكية أن حالات الفصل العنصري
بين الأطفال المنحدرين من أصول لاتينية وأفريقية ازدادت خلال عشر السنوات
الماضية في الولايات المتحدة.
وبينت الدراسة التي أطلق عليها «مشروع الحقوق المدنية» أنه بعد نحو
٥٠ عاماً تقريباً، أي منذ أن منعت المحكمة العليا الأمريكية الفصل العرقي في
المدارس الأمريكية عاد مرة أخرى في معظم المدارس التي شملتها الدراسة.
وتضع الدراسة باللائمة على عاملين ساهما في اتساع الهوة العرقية، هما
الفقر والسياسة الحكومية.
ووجدت الدراسة أن أسوأ حالات الفصل العنصري لا تزال شائعة في
الولايات الجنوبية، حيث وقعت أعنف المعارك التي خاضها دعاة الحقوق المدنية
خلال الخمسينيات والستينيات. ودرس المشروع ١٨٥ مدرسة من أكبر مدارس
الولايات على مدى ١٤ عاماً. وتوصلت الدراسة إلى نتائج عامة، وهي: إن
اختلاط الطلاب السود بالبيض لم يزد إلا في أربع مدارس من مجموع ١٨٥ مدرسة
التي شملتها الدراسة، وأن اختلاط الطلاب المنحدرين من أصول لاتينية بالبيض
ازداد في ثلاث مناطق فقط، كما أن الفصل العرقي بين الطلاب البيض والسود
ازداد في ٥٣ منطقة.
ويقول الباحثون إن نتائج التعداد العام للسكان لعام ٢٠٠٠م بين أن الولايات
المتحدة أصبحت متعددة الأعراق أكثر من أي فترة مضت، لكن معظم الأقليات فيها
تعيش في مناطق فقيرة مما يفاقم من حدة الفصل العرقي في المدارس.
[موقع هيئة الإذاعة البريطانية - www.bbcarabic.com]
حضارة كندية
بعد أن استأنف وزير العدل الكندي مارتن كوشون قرار إحدى محاكم مقاطعة
أونتاريو بتعريف الزواج على أنه اتحاد شرعي وطوعي بين (رجل وامرأة)
حصراً بأنه يناقض الدستور الكندي، أعلنت الحكومة الكندية أنها ستشكل لجنة
برلمانية لاستشارة الأهالي حول قضية الزواج بين مثليي الجنس.
وقال رئيس الوزراء جان كريتيان إثر اجتماع مع أبرز وزرائه: (نريد أن
نشكل لجنة لاستشارة الكنديين وخبراء حول القضية) ، واعتبر الوزير الكندي أنه
من الضروري أن تؤدي الحكومة دوراً فاعلاً في القضية وألا تتركها للمحاكم وحدها.
وحتى الآن، سمحت عشر مقاطعات كندية بينها كيبيك وأسكتلندا الجديدة
السماح بالارتباط المدني بين أشخاص من الجنس نفسه ومنحهم الحقوق نفسها التي
تعطي للأزواج من جنسين.
[صحيفة الزمان، العدد (١٢٨٣) ]
مدد الباب العالي!!
قالت تركيا إنها توصلت إلى اتفاق تبيع بموجبه خمسين مليون متر مكعب من
المياه سنوياً إلى إسرائيل لمدة عشرين عاماً.
وتعد تركيا أقرب حلفاء إسرائيل في العالم الإسلامي، حيث وقَّعت الدولتان
اتفاقات تعاون عسكرية عام ١٩٩٦م أجرتا بموجبها تدريبات عسكرية مشتركة،
وتعاونتا في مشروعات دفاعية أثارت انتقادات شديدة من الدول العربية وإيران.
وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان: «اتفق الجانبان على أن تشتري
إسرائيل خمسين مليون متر مكعب سنوياً لمدة عشرين عاماً» . وأضاف البيان أن
وزير الطاقة زكي جاكان اجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون واتفقا
على الصفقة أثناء زيارة رسمية قام بها لإسرائيل استغرقت يومين. وقال البيان إن
الجانبين شكلا لجنة مشتركة لمناقشة نقل المياه من تركيا إلى إسرائيل، مضيفاً أن
اللجنة ستعقد أول اجتماعاتها في العاصمة التركية أنقرة، لكنه لم يحدد موعد
الاجتماع. وتسعى إسرائيل التي تعاني من أزمة مياه، لشراء مياه الشرب من تركيا
لتخفيف النقص الحاد في إمدادات المياه الذي تعاني منه. ويمكن لتركيا تصدير
١٨٠ مليون متر مكعب من المياه سنوياً من نهر ماناوجات باستخدام سفن شحن
عملاقة.
[موقع يديعوت أحرونوت - www.Arabaynet.com]
حرب عالمية رابعة!!
قال جيمس وولزي المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي. آي.
إيه) إن الحرب العالمية الرابعة بدأت في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، عندما
نفذ الخاطفون الانتحاريون الهجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومقر
وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بالقرب من العاصمة واشنطن.
وأضاف في كلمة له أمام ندوة عقدت في واشنطن: «إننا نخوض حرباً
عالمية، وإننا في حرب عالمية رابعة بدأت في الحادي عشر من سبتمبر» وبعد أن
أشار إلى أن الحرب العالمية الثالثة، كانت الحرب الباردة التي ربحتها الولايات
المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، أكد وولزي أن الحرب الرابعة
لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ولكن الولايات المتحدة ستكون قادرة على مواجهة
هذا التحدي، أي النصر في الحرب ضد الإرهاب في العالم.
وقال: إن على الولايات المتحدة أن تبعث برسالة إلى العالم مفادها أن أمريكا
ليست في حملة للدفاع عن النفس، وإنما هي في حملة مقدسة لحماية قيم ومثل
الديمقراطية.
وأشار وولزي إلى أن العراق هو الخصم الأساسي للولايات المتحدة في هذه
الحرب الجديدة. وكرر دعوته الإدارة الأمريكية إلى استخدام القوة العسكرية ضد
العراق. وقال: «إنه لا يمكن التعامل مع العراق إلا بالقوة العسكرية» . وشبه
عراق اليوم بألمانيا هتلر في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وقال: «إنه
لا معنى للانتظار، وأن الحالة ستزداد سوءاً» إذا لم يتم تغيير النظام العراقي.
وحث على استخدام القوة ضد الرئيس العراقي صدام حسين، ونظامه حتى إذا لم
يتوفر دليل على تورطه في تفجيرات سبتمبر.
وقال: «إن دعم (العراق) العام للإرهاب سبب كاف لاستخدام القوة ضده» ،
مشيراً إلى ما تردد عن علاقة نظام بغداد ومسؤولين عراقيين بأعضاء في شبكة
«القاعدة» ومنها ما قيل عن اجتماع تم بين محمد عطا أبرز الخاطفين وضابط
استخبارات عراقي في براغ قبل وقوع التفجيرات.
كما أشار إلى محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب)
أثناء زيارته للكويت.
وقال: «إن الولايات المتحدة في حاجة إلى حشد ما بين ١٠٠ ألف إلى ٢٠٠
ألف جندي حتى تحقق النجاح في غزو العراق» .
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٨٦٤١) ]
من لأسرى المسلمين؟!
أكد حقوقيون ومنظمات لحقوق الإنسان في إسرائيل أن الظروف التي يعيشها
آلاف السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية مضنية وقاسية وغير إنسانية.
وتحدث نوعام ليبل الناطق باسم المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان عن
«الظروف السيئة التي يعيشها السجناء الفلسطينيون، مشيراً إلى معسكر عوفر
في قضاء رام الله الذي يضم» جرحى كثيرين ومرضى يشكون باستمرار «.
وقال:» استأنفنا لدى محكمة العدل العليا لإدخال أطبائنا للاطلاع على
الوضع لكن طلبنا جوبه بالرفض، ولا ندري بالضبط ماذا يجري هناك «.
وكانت إسرائيل حوَّلت ثلاثة معسكرات للجيش إلى مراكز اعتقال للفلسطينيين
في ١٩٨٨م خلال الانتفاضة الأولى، هي مجيدو في شمال إسرائيل وعوفر الذي
أغلق وأعيد فتحه بعد الاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في ٢٩ مارس
الماضي وكتسيعوت (أنصار ٣) في صحراء النقب الذي أعيد فتحه حديثاً.
وأوضح ليبل أن سجن كتسيعوت» سيئ للغاية «موضحاً أنه» حار جداً
جداً في النهار، وبارد جداً في الليل، وتنتشر فيه الزواحف السامة وحشرات
الصحراء «.
وأشار إلى أن الخيمة الواحدة» تكتظ بنحو عشرين معتقلاً أو أكثر،
والفرشات توضع على لوح من الخشب على الأرض ولا مجال للحركة أو
الاستراحة أو وضع الحاجيات «.
وأكد أن» المعتقلين ما زالوا يرتدون الملابس نفسها منذ يوم اعتقالهم؛ لأن
الجيش الإسرائيلي لا يسمح بإدخال الملابس «، بينما لا يحصل السجناء على
» مواد لتنظيف أنفسهم «.
وأشار إلى وجود» حمام واحد على شكل صندوق يتسع لشخص واحد
يستخدمه المعتقلون كمرحاض وحمام لعشرين شخصاً «.
كما تحدث عن» نوعية الطعام السيئة وكميته القليلة «، موضحاً أن» وجبة
إفطار لخمسة أشخاص تتكون من حبة بندورة وخيارتين وحبة فلفل أصفر «.
وعبر عن قلقه لوجود عدد كبير من الجرحى والمرضى في كتسيعوت» لا
يحصلون على العناية الطبية اللازمة «.
أما زيارات الأهل فلا وجود لها؛ بينما هناك» أشخاص في عوفر
وكتسيعوت لم يستطع محاموهم زيارتهم حتى الآن «، على حد تعبير ليبل.
ووصف المحامي محمد برغال الظروف في كتسيعوت بأنها» رهيبة «،
مشيراً خصوصاً إلى» مشكلة في مولد الكهرباء الذي يعمل بشكل سيئ والإضاءة
الخافتة جداً والتهوية السيئة «.
وقال برغال لوكالة فرانس برس إن الذين يحتاجون إلى علاج من السجناء لا
يحصلون على شيء سوى حبة دواء مفعولها أقل من حبوب الفاليوم تعطى كعلاج
سحري لكل الأمراض.
وأشار إلى» انتشار الأمراض الجلدية بين السجناء الذين ينامون على فرشات
لا تتجاوز سماكتها خمسة سنتيمترات، بسبب الأغطية القديمة المصنوعة في
١٩٨٢م واستخدمها الجيش الإسرائيلي في الماضي ولم يتم غسلها على ما يبدو «.
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٩٦) ]
أليسوا أبناءكم؟!
قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني إن أبرز ما يظهر خلال حملات الاعتقال
في الانتفاضة الحالية اعتقال الأطفال من سن ١٤ إلى ١٨ عاماً؛ حيث تهدف
إسرائيل من وراء ذلك إلى ضرب جيل كامل، وهذا مخطط لتدمير الحياة
الاجتماعية والتعليمية للفتيان. ويحرم هذا الاعتقال الأطفال من مواصلة مسيرتهم
التعليمية.
وفيما يتعلق بما يتعرض له الأطفال من التعذيب على أيدي المحققين ذكر أن
الأطفال يتعرضون لشتى أنواع التعذيب مثل الشبح طوال الليل وهم مقيدو الأيدي
ومعصوبو الأعين، والعزل في زنازين انفرادية والكي بالسجائر ورشهم بالماء
البارد والساخن مما أدى إلى نقل عدد منهم إلى المستشفيات.
وأضاف قائلاً إن المشكلة التي تواجه الأطفال بعد انتهاء التحقيق هي
احتجازهم في مراكز مع السجناء الجنائيين من أصحاب قضايا المخدرات والقتل
والاغتصاب وهو ما حول حياتهم إلى رعب، وسبب لهم آثاراً نفسية كبيرة؛ حيث
تعرض الأطفال إلى الضرب بالسكاكين على أيدي السجناء اليهود وسرقة ممتلكاتهم
الشخصية.
وبيّن أن إدارات السجون رفضت الطلبات التي تقدمت بها مؤسسات حقوقية
لوضع الأطفال في مراكز توقيف خاصة بهم بعيداً عن الجنائيين.
وقال إن ما يضاعف من معاناتهم هو حرمان عائلاتهم من الزيارة منذ ما يزيد
على العامين بسبب القيود التي فرضت عليهم والمتمثلة برفض سلطات الاحتلال
إعطاءهم أذونات دخول إلى إسرائيل.
[صحيفة الرياض، العدد، (١٤٢٦٢) ]