← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

الورقة الأخيرة إن كنا نريد الخير.. فلنترك رموز الضلال حمد الماجد hamajed@hotmail.com قرأت كتاباً بدا لي أن الذي ألفه غيور من أهل السنة تلبَّس شخصية تنتمي إلى فرقة مشهورة من فرق المبتدعة؛ فقد ذكر أو بعبارة أدق: افتعل في كتابه قصصاً من الفضائح (المفبركة) عن أحد الزعماء المشهورين لهذه الفرقة ليس أسوأها أن هذا الشيخ الزعيم في أحد أسفاره بقرية يعرف فيها صديقاً له، وأنه حين تسامر مع صاحب البيت لمح طفلة في حدود سبع سنين من عمرها فعشقها، فطلب يدها تلك الليلة فوافق والدها طمعاً في بركة الشيخ فبات ليلته معها ولم يقطع عليهم سكون تلك الليلة إلا تأوهات الطفلة وآلامها!! وواضح أن المؤلف أو (المفبرك) أراد والله أعلم بنيته أن ينفِّر أتباع تلك الفرقة من مذهبهم، ويردهم إلى المنهج الصحيح من خلال الطعن في أحد رموزه انطلاقاً من قاعدة: وشاهد شاهد من أهلها، أو تشويه شخصيته حتى لا يفتن أهل السنة بها. وفي تصوري أن أسلوب هذا الكاتب في الدعوة والتغيير على فرض صحة نسبته إلى أحد الدعاة من أهل السنة وهو الذي ترجح لي يمثل عينة لعدد من الأساليب الخاطئة في التعامل مع المخالفين من أهل القبلة، ولولا أن الموضوع يتعلق بهم لقلت: وحتى غيرهم من أتباع الملل والعقائد الأخرى. موطن الخلل هنا أننا في كثير من الأحيان ننشغل بمحاربة الشعار أو الرمز الذي يرفعه أتباع كثير من الملل والنحل، والواقع أن هذه الرموز تعتبر عند بعض الأمم جزءاً من تراثها الذي تحافظ عليه؛ فمهما كنتَ جدلياً ومقنعاً أو أردتَ أن تلصق بهذه الرموز التهم الصحيحة أو المكذوبة فإن نظرة أفراد هذه الأمم تنصبُّ عند البحث والمناظرة على المحافظة على تراثها ورعاية منظومتها الاجتماعية، وقد نبه إلى خطر هذا العائق إبراهيم ﵇: [وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً] (العنكبوت: ٢٥) «فدلالة هذه الآية واضحة في أن بعض المتمسكين بعقائدهم إنما يجعلون عقيدتهم رمزاً لتعاونهم وائتلافهم وبقاء مودتهم، وليست العقيدة عندهم مقصودة في ذاتها على الدوام. هذا النوع من الوعي يساعد على اختيار الأسلوب الأمثل في مخاطبة المخالفين والتحاور معهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن. فإذا كان الإسلام قد أوصى بأن نجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، فإن هذا النوع من المجادلة مطلوب من باب أوْلى مع المسلمين من أهل القبلة مهما اختلفت عقائدهم أو تباينت توجهاتهم، خفَّت بدعتهم أو غلظت. وحتى في نطاق أهل السنة تُخدَش العقائد، وتعظَّم بعض الرموز ويمارس باسم الإصلاح نفس الخطأ بالحط من قدر هؤلاء الرموز، فهناك الأضرحة والمزارات التي يقصدها مئات الألوف من المسلمين وأغلبهم من العوام، ونتيجة للجهل فقد يلاحظ بعض التصرفات التي تمس أصول التوحيد وركائز الإيمان مثل الاعتقاد بأن هؤلاء الأولياء المتبرَّك بهم وهم رموز يجلبون نفعاً أو يدفعون ضراً؛ فليس من المناسب لمن يريد أن يصلح مثل هذه المزالق العقدية أن يتعرض للرموز بسوء، مثل الذي يظن أن التشكيك أصلاً في صلاح هؤلاء الأولياء أو الطعن في سيرهم هو الأسلوب الأمثل والأسرع في إقناع مريديهم. أحدهم ذكر، في معرض إقناعهم بعدم جدوى التعلق بهذه الأضرحة، بأن أحد هؤلاء» الأولياء «شوهد يوماً وهو يدخل المسجد يوم الجمعة فبال فيه، ثم خرج ولم يؤد الصلاة مع المسلمين!! وآخر نسب إلى أحد هذه الرموز المقدسة عدداً من» الانتهاكات الأخلاقية «!! وهذه الاتهامات - صحت أو لم تصح - فهي على كل الأحوال أسلوب استفزازي من شأنه أن يحملهم على التشبث بطريقتهم بل والغلو فيها، ناهيك عن أن هذا الأسلوب قد يحمل المخالفين على الأخذ بنفس الأسلوب فيقع المحظور الذي نهى عنه القرآن: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . إن سرعة المواصلات وثورة الاتصالات وخاصة الإنترنت والفضائيات جعلت احتكاك المسلمين من شتى الفرق والمذاهب ببعضهم أمراً متكرراً، فكان لزاماً على العلماء والدعاة والمفكرين التوعية بالأسلوب الأمثل والطريقة الأنجع في الحوار الذي يقوم على الإقناع بعيداً عن السب والقذف والتجريح، بل وضرورة التأكيد على أن المقصود ليس ذوات الأشخاص التي يقدسها الناس ولا سيرتهم سواء كانت من أعطر السير أو أسوئها، وإنما المقصود إصلاح القلوب التي تعلقت وفتنت بها.

стр. 4517

المحرم - ١٤٢٤هـ مارس - ٢٠٠٣م (السنة: ١٨)

стр. 4518

كلمة صغيرة إما الحرب.. وإما الحرب نشرت صحيفة نيويورك تايمز في (٢٧/١/٢٠٠٣م) بياناً بعنوان: (ليس باسمنا) وقعه ٤٥ ألف أمريكي ينددون بالحرب المحتملة ضد العراق، وطالب الموقعون الشعب الأمريكي بمقاومة الحرب والسياسات التي تتبناها الحكومة الأمريكية منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، التي وصفوها بأنها غير قانونية أو أخلاقية أو عادلة..! ثم تصاعدت الأصوات والمظاهرات المناهضة للحرب حتى شملت أكثر من ٦٠٠ مدينة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، حتى عُدت هذه المظاهرات أكبر مظاهرات يشهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن صحيفة النيويورك تايمز في (١٦/١/٢٠٠٣م) تؤكد أن: (العسكرية الأمريكية ستظل هي اللاعب المركزي في إدارة شؤون البلد!) . لقد وضعت الإدارة الأمريكية أمام المجتمع الدولي خيارين لا ثالث لهما: (فإما الحرب.. وإما الحرب!!) ، ومنذ أن صدر قرار الأمم المتحدة رقم (١٤٤١) القاضي بإرسال لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق (أنموفيك) برئاسة (هانز بليكس) ، والحشود العسكرية الأمريكية الهائلة تسبق باستعدادتها فرق التفتيش، وتفرض أجواء الحرب في المحافل الدولية والوسائل الإعلامية، وعندما سئل (رامسفيلد) وزير الدفاع الأمريكي عن احتمالية اعتراض بعض الدول في مجلس الأمن الدولي أو الاتحاد الأوروبي قال بكل تجبر: إن الإدارة الأمريكية هي وحدها المخوَّلة باتخاذ قرار الحرب! وعلقت (كونداليزا رايس) مستشارة الأمن القومي على المظاهرات المنددة بالحرب قائلة بكل استخفاف: إن هذه المظاهرات لن تثنينا عن المضي في الطريق الذي اخترناه لتحقيق مصالحنا! وكما أدار الإعلام الأمريكي حرب أفغانستان بلغة تعتمد على التهويل والتضليل وتزييف الحقائق، فإنه يدير حرب العراق مستنداً إلى اللغة نفسها. ولئن تساءلت أمريكا في بداية أزمة ١١ سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟! ولم يجب ساستها وكثير من مفكريها بصدق عن هذا السؤال، فإن حدة الكراهية تضاعفت كثيراً خلال هذه الأشهر القلائل، وهي مرشحة لمزيد من الاتساع والتصاعد، وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مجلة تايم الأمريكية بموقعها الأوروبي على شبكة الإنترنت أن ٨٣.٤% يرون أن أمريكا تشكل الخطر الأكبر على السلم العالمي، بينما اعتبرت نسبة تقل عن ٩% فقط أن العراق هو الذي يشكل هذا الخطر! ونحسب أن هذا الصلف والطغيان الأمريكي لن يستمر كثيراً؛ فقد كتب الله تعالى نهاية سريعة للظالمين. وإن من أوجب الواجبات على الأمة في هذه المرحلة الحرجة: استثمار هذا الواقع في إحياء عقيدة البراءة من الكافرين فكراً وثقافة وسلوكاً، وإبراز الهوية الإسلامية القائمة على الاعتزاز بالدين، وتعظيم كتاب رب العالمين، والتمسك بسنة سيد المرسلين ﷺ ، قال الله تعالى: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .

стр. 4519

الافتتاحية عام جديد.. حزن وهموم أم فرح وسرور ؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد: فإن الأيام والسنين تمر، والأحداث والخطوب تتوالى، وما تزال جراح أمتنا تنزف ومآسيها تتوالى وظلمتها تشتد، فلا يخفى على ذي بصر تكالب أعدائها عليها واستشراء الوهن بين أكثر أفرادها؛ حتى وصل طمع الأعداء واستهدافهم إلى خطوط حمراء بادية لجميع الناظرين أو هكذا يفترض؛ فكيف يا ترى سيكون عامنا الجديد؟ هل ستتواصل الهموم وتتوالى الأحزان، أم سيشهد عامنا هذا بشريات فرح وسرور، فتقر أعين المؤمنين وتسر نفوسهم؟ ولكن: هل ما مضى كان بالفعل مدعاة حزن وهموم، أم أن هناك نظرة أخرى يمكن إلقاؤها على ما مضى من أحداث، ومن ثم: يمكن استصحابها للنظر إلى العام الجديد؟ ولإيضاح ذلك يمكننا التذكير بعدة حقائق قد لا تكون مجهولة لكثير من القراء، ولكن قد يغيبها تحت الركام توالي الأحداث وتسارعها وتعاظمها، فيغفل عنها بعض العارفين بها والمؤمنين بصحتها: فأولى هذه الحقائق: أن الحزن والفرح كالخوف والرجاء، والحب والكره شعوران إنسانيان طبيعيان لا ينتقصان من إيمان المسلم ما داما في حدودهما الطبيعية، أي ما دام الحزن لم يتحول إلى جزع أو يأس أو تسخُّط، ولم يتحول الفرح إلى بطر أو خيلاء أو كبر، لا سيما إن كان هذا الحزن أو الفرح لله وفي الله وعلى محارم الله أو محابه؛ فأنبياء الله ورسله وعباده الصالحون عَرَضَ عليهم هذان الشعوران مثلهم مثل عامة البشر، من غير أن ينتقص ذلك من منزلتهم ودرجتهم؛ ففي الفرح قال الله تعالى: [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا] (الشورى: ٤٨) ، وقال سبحانه: [وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ] (الروم: ٣٦) ، وقال: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] (يونس: ٥٨) ، وقال: [فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ٤) . وفي الحزن قال الله تعالى عن خليله المصطفى ﷺ : [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ] (الأنعام: ٣٣) ، وقال: [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة: ٤٠) ، وقال عن بعض خيار الصحابة: [تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ] (التوبة: ٩٢) ، وقال عن نبيه يعقوب ﵇: [قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ] (يوسف: ١٣) ، وقال أيضًا: [وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ] (يوسف: ٨٤) ، وفي الصحاح أن رسول الله ﷺ قبَّل ابنه إبراهيم بعد وفاته وشمه وزرف عليه الدموع؛ فلما استغرب منه بعض الصحابة ذلك، قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ... والشواهد في ذلك كثيرة، إنما نكتفي بما يدل على المقصود حتى لا يتشكك ولا يتزعزع بعض متأججي العواطف ومرهفي الحس. وثانيها: أن الفرح والحزن باعتبارهما شعورين إنسانيين ليسا متلازمين للخير والشر باعتبار علم الله سبحانه وقدره فقد يفرح الإنسان لأمر ويكون شرّاً له، وقد يحزن على أمر ويكون مآله خيراً له، فهذا نبي الله يعقوب ﵇ حزن لفقدان ابنه يوسف ﵇ وكان مآل هذا الفقدان خيراً ليوسف وجميع بني يعقوب، وهذه أم موسى ﵇ حزنت لذهاب ولدها لولا أن ربط الله على قلبها، وكان مآل ذلك خير موسى ﵇ ورفعته، وإنقاذ بني إسرائيل من فرعون وبطشه. وهذا قارون فرح بما آتاه الله من مال وكنوز فكان مآله عندما طغى وتكبر أن خسف الله به وبداره الأرض. ولكن القاعدة أن المسلم متى استقام على أمر الله سبحانه فإن أمره كله يكون خيرًا، وهذا ما نبه إليه رسول الله ﷺ في قوله في الحديث الصحيح: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» ، ولكن (ليس ذاك لأحد إلا للمؤمن) . وثالثها: أن كل ذلك مرتبط بحقيقة العبودية لله وبحكمة الابتلاء؛ فالمسلم مستسلم لأمر الله الشرعي راضٍ بأمره القدري، مؤمن بأنه لا يكون أمر في الكون إلا بعلم الله وقدره، وأن هذا الكون وما يجري فيه لم يخلق عبثًا، بل لحكمة عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلَها من جَهِلَها. وقد تحدث بعض العلماء عن بعض الأسرار والحكم التي وراء الابتلاءات، وأَصَّلوا لذلك أصولاً، فكان مما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ عن بعض حِكَم ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم وكسره لهم أحيانًا: * استخراج عبودية المؤمنين وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة. * أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم؛ فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا يستقيم القلب بدونها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. * أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: [إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ١٤٠) ، فابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه لأهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة؛ ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه. * أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛ فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب وإن صبروا فكصبر البهائم. * أن المؤمنين لو كانوا دائماً منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة؛ فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. * أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان وإن كان في الظاهر بخلافه؛ فقد أبى الله إلا أن يذل من عصاه. ورابعها: في ضوء ما سبق يمكن النظر إلى الأحداث القريبة الماضية والجارية بمنظور مختلف، فنجد أن هذه الأحداث: * أفاقت كثيرًا من المسلمين وردتهم إلى ربهم بعد طول غفلة. * بعثت في الأمة من جديد روحًا كانت قد خبت أو كادت منذ زمن، روح العزة والكرامة والتحدي رغم الصعاب والاستضعاف، كما استخرجت منها بعض طاقاتها وإمكاناتها المعطلة. * استحثت في الأمة تيقظها واستفزت انتباهها إلى الإحساس بخطورة مخططات الأعداء في مجالات لم تعطها حقها من الاهتمام رغم أهميتها ورغم استهداف الأعداء لها كمناهج التعليم والمرأة والأسرة ... * أظهرت أن بإمكان المستضعفين في أي مكان مواجهة قوى التجبر والطغيان متى كانوا صادقين في إيمانهم بقضيتهم مستعدين للبذل والتضحية من أجلها، مما كشف دعاوى المنهزمين والمخذلين. * نزعت عن الأعداء وجه الزيف الذي كانوا يتقنعون به، وكشفت وجههم الحقيقي: وجه عداء سافر، واستهداف لرموز الدين ومشخصاته ولقيم الأمة وخصائصها، ورغبة عارمة في نهب ثرواتها ومحاصرتها واحتلالها بشتى الأشكال، كما بينت حقيقة القيم التي كانوا يتشدقون بها، فظهر جليًا أنها قيم انتقائية ودعائية وزائفة لا تصمد أمام التحديات والمحكَّات الحقيقية. * وهذا ما جعل كثيرًا من مخدوعي بني جلدتنا بالغرب وحضارته يراجعون أنفسهم، ويتحول إعجابهم بالغرب وحضارته إلى صدمة وفجيعة. * أظهرت هذه الأحداث خبايا المنافقين وما كانوا يضمرونه للأمة ودينها، وكشفتهم على حقيقتهم، وأبانت عمالتهم وخيانتهم لكل ذي بصيرة. وخامس هذه الحقائق: أن من هدي الرسول الكريم ﷺ الاستبشار بالجديد القادم والاحتفاء به والدعاء ببركته: ففي دعاء رؤية هلال الشهر الجديد: «هلال خير ورشد» ، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى» ، وعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالباكورة بأول الثمرة قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمرتنا وفي مُدِّنا وفي صاعنا، بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان» . ومن هديه ﷺ أيضًا أنه إذا أقدم على مجهول زمان أو مكان سأل الله خيره واستعاذ به من شره: ففي دعاء رؤية هلال الشهر أيضًا: «اللهم إني أسألك من خير هذا ثلاثاً اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر وأعوذ بك من شره - ثلاث مرات -» . وفي أذكار اليوم والليلة: «اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها اللهم» ، ولم يرَ رسول الله ﷺ قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» .. وفي أذكار دخول السوق ونزول المسافر والمرتحل وادياً أو منزلاً، وهبوب الريح والاقتران بالزوجة الجديدة والدابة الجديدة.. ما يفيد المعنى المقصود نفسه. فارتباط المسلم بربه، ويقينه بأن كل قادم مجهول لا يخرج عن قدرته سبحانه وقدره، وأنه لا بد له فيه حكمة بالغة، وثقة المسلم بوعد الله تعالى لعباده المؤمنين: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) ، [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) ، [فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ] (هود: ٤٩) ، [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ] (الرعد: ٣١) ، [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) ... كل ذلك يجعل المؤمن مستبشرًا بعامه الجديد مطمئنًا إلى مستقبله، متوكلاً على ربه، راضيًا بقدره، شاحذًا همته، مستبعدًا شبح اليأس والتثبيط، [إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) . سادسًا: أن كل ما سبق لا يعني عدم الاستعداد وبذل الجهد والأخذ بالأسباب ودفع كيد الأعداء ومواجهتهم؛ فالتوكل على الله عبودية القلب، والأخذ بالأسباب عبودية الجوارح، ومن أخل بأحدهما فقد قصر في مأمور به، بل إن استقامة المسلم على أمر ربه تلزمه أن يجتهد ويبذل ما في استطاعته لإقامة دين الله ورفعته ودفع فساد المفسدين في الأرض أيًّا كانوا وأينما كانوا.. إبراءً لذمته وإعذارًا إلى ربه: [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (الأعراف: ١٦٤) ، [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . كما أن ذلك يدعونا إلى تحقيق أهلية العمل لنصر الله، وتحصيل شروط التمكين، والصبر على تكاليف أداء رسالة الحق والاستقامة عليه ... جعلنا الله وإياكم من خاصته المخلصين المستقيمين على أمره الذابِّين عن دينه ...

стр. 4520

دراسات في الشريعة تأثير إلغاء سعر الفائدة في المجتمع (١ ـ ٢) عدنان بن جمعان الزهراني adnanzhrani@hotmail.com * تمهيد: لقد شهد الفقه الإسلامي شيئاً من التراجع، ليس لعدم مقدرة أصوله على تنزيل الحكم الشرعي على الواقع، وكذلك ليس لقلة عدد المنتسبين إلى الفقه على نقص المحققين فيهم، بل لقلة إدراك كثير من فقهائنا للّغة التي يحسن بهم إتباعها في توجيه أمتهم؛ لأن الفقه ليس مجرد أحكام تلقى هكذا دون نظر إلى تأثر الناس بها، وتلقيهم لها بالقبول، وهو أمر وإن كنا في غنى عنه في مرحلة سابقة؛ فإنه اليوم في غاية الأهمية، وليس ذلك لأن الناس لم يكونوا بحاجة إلى تلقي الأحكام بالقبول لتطبيقها في حياتهم في تلك المراحل السابقة، بل لأنهم كانوا أقل عرضة للموانع. أما نحن اليوم فأمامنا موانع كثيرة، وشواغل أكثر، فغدا التشويق لازماً للغة الفقه اليوم [١] ، مع السهولة التي يظهرها المثال الواقعي؛ مما يمسه الناس في معاشهم، دون الاكتفاء بالعرض مع المثال الذي إنما خوطب به المرء قبل سنين عديدة، وهذا ما وجدت كثيراً من الفقهاء في عزوف عن إدراكه، فضلاً عن التعاطي الكَيِّس معه. انظر إلى قضية الحجاب في كتابات المنفلوطي، بل وغيرها، ومثله الرافعي، وغيرهم رغم قلتهم بل ندرتهم، وانظر إلى عمق تأثُّر الناس بها، وهم ليسوا في عرضهم لتلك القضايا سوى أدباء متأثرين بالفقهاء، وقد صاغوا الفقه في قالب من الأدب؛ يجعل الممتثل للشرع الحنيف فارساً ركب الجادة كي يصل إلى مراقي الفلاح، وهم جعلوا المُعرض كحمار يحمل أسفاراً، ضمن سياق تصويري بديع، وأقول جازماً لقد فعلوا بصنيعهم فوق ما صنعته الفتاوى على كثرتها هذا ما أحسبه، ولهذا لاح لي أن أعرض شيئاً من قضايانا والتي جدَّ الحديث عنها وهو خَلِقٌ في ثوب جديد، قال الرافعي في وحي القلم: «ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى - كالإيمان، الجمال، والحب، والخير، والحق - ستبقى محتاجةً في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة» [٢] . وحديثنا هنا عن أمر قد تكلموا عنه عبر فضائيات قد كنا قبلها في غنى عن التنزل في الحوار، وفي غنى عن كثير من القول المستند إلى دليل العقل الذي يجد مصداقيته من المعادلة الرياضية؛ ليزداد الذين آمنوا إيماناً، وتذهب الريبة عن غيرهم، فصرنا في حاجة لنعرض بعض فقهنا من خلال قصة، غير مقصرين في كل ما يتطلبه قرع الحجة بأختها، مع الإعراض عن كل ما لا حاجة إليه؛ ليدرك الناس سر الشريعة [٣] ، ضمن سياقها الذي وردت خلاله، لا باعتبار الحكم جزءاً لا صلة له بالكل، حيث يظن الرائي أنه أمام يد فُصلت عن جسد، أو أمام رقعة قُطعت من ثوب. لأننا عندما نتحدث عن حكم شرعي لا نملك أن نفهمه على نحو صائب إلا عندما ننظر إلى المنظومة الإسلامية في شمول وتكامل، فليس تحريم الربا في معزل عن حكمته علته، ولا ما هو مؤد إلى ما من أجله حرم الله تعالى الربا خارجاً عن حكمه، وإلا فالشريعة ليست من عند الله تعالى، أو الحكم المظنون ليس هو الشرع الحنيف، ولا شيء سوى هذين الاحتمالين، ولا يملك مؤمن سوى القول بأن ما حسبناه من الشرع ليس منه؛ لأن الله تعالى لا يشك به عاقل، سبحانه. والآن أعرض لذكر وقائع جلسة من مجالس الشورى التي تصورها الكاتب في ذهنه، وهي جلسة عقدت لاتخاذ قرار بشأن ما يسمى بسعر الفائدة، وهي طريقة لعلها جديدة في رد فتوى مجمع البحوث المصري، والتي تتعلق بالاستثمار لدى البنوك مع ضمان نسبة من الربح، وهو ما سيجده القارئ بإذنه تعالى، والآن إلى ذكر تلك الوقائع من محاضر ذلك المجلس. - محضر الجلسة الخاصة بمناقشة مشروع إلغاء سعر الفائدة: لقد انعقد مجلس الشورى في جلسة طارئة بتاريخ ١٤/١٠/١٤٢٣هـ، الموافق ١٨/١٢/٢٠٠٢م، وذلك لمناقشة المشروع المقدم من قبل اللجنة العليا لدراسة أفضل السبل لرفع الفقر، وتحقيق رفاهية المواطن، وإقرارها. عنوان المشروع: إلغاء سعر الفائدة. أثره: رفع الفقر، وتحقيق رفاهية المواطن [٤] . مقدم المشروع: عدنان بن جمعان الزهراني. أولاً: مسوّغات تقديم المشروع. - محاولة جادة لتوفير فرص عمل جديدة لأبناء المجتمع؛ بمعنى الحد من؛ بل مجابهة البطالة. - تشجيع الاستثمار على اختلاف مجالاته. - الحد من الغلاء المستمر المعبر عنه بـ (التضخم الحاد) . - ومن ثم المحافظة على القوة الشرائية للعملة، وتحقيق الاستقرار في الأسواق. وقبل كل ذلك رفع المقت الإلهي؛ من خلال إغلاق باب كبير من أبواب الحرب لله ولرسوله ﷺ ، وهو ما يوضح من خلال النظر الاقتصادي المجرد مدى ما للشرع الإلهي من إعجاز يزيد من إيمان المؤمنين، ويزيل الريبة عند غيرهم؛ ليعلم الجميع أن التشريع الإسلامي لا يمكن أن يكون قد جاء من قِبَل البشر، وذلك من خلال ما سنرى في هذا المشروع. ثانياً: عرض المشروع. أصحاب المعالي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ليس خافياً عليكم ما نتحمل من مسؤولية تجاه أبناء شعبنا؛ لأننا سنُسأل يوم لا ينفع مال ولا بنون عن كل قول قلناه، وعن كل فعل فعلناه تحت مظلة هذا المجلس. نحن لا نجتمع هنا لمناسبة خاصة، أو لمجرد أداء عمل تقليدي، إننا نخط بأيدينا مستقبل أبنائنا، وما سنقوله ونقرره يدخل إلى كل بيت، ويتأثر به كل شخص، فالله الله! في كل من ولانا الله أمرهم، فليس من جائع إلا وسنُسأل عنه: لِم لَم نطعمه؟ ولا من عارٍ إلا وسنُسأل عنه: لِم لَم نكسه؟ لسنا نُسأل عمن أكل، ومن لبس، فضلاً عمن نقص ربحه، كسؤالنا عن محتاج لِمَ احتاج ونحن نملك أن نرفع حاجته؟ أصحاب المعالي: ليس من غايات اقتصادنا الإسلامي الحد من ثروة الأغنياء، ولكنه يجعل المال الذي بأيديهم دائراً؛ لينتفع منه جميع الناس على اختلاف طبقاتهم، وهو يحارب الثراء الذي يكون على حساب الفقراء ونحوهم من أبناء المجتمع، واقتصادنا لا يقبل أن يفقد المال مسوّغ وجوده؛ لأنه ليس غاية في نفسه، بل هو وسيلة لتمضي حياة المرء في يسر وسهولة، وليكون ذلك المال عوناً على طاعة الله تعالى. أصحاب المعالي: النقود في اقتصادنا واسطة قد رضي بها الجميع لتبادل المنافع، ولا يقبل ديننا أن يكون النقد (المعين) واسطة للنقد (نفسه) مع وجود فرق [٥] ؛ سواء كانت المبادلة حالّة [٦] ، أو مؤجلة [٧] ؛ لأنه عندها يفقد صفة الوسيط الأمين المعبر عن صحة العملية التبادلية وسلامتها؛ لأنه ليس من المعقول ولا من المصدق حتى لو تقبلته عقول بعض الناس؛ أن يكون النقد وسيطاً أميناً حالتئذ، بل لقد صار غاية في نفسه؛ مما أفقده شيئاً من قيمته، وبالتالي فَقَد الإنسان شيئاً من قيمة عمله وجهده؛ مما يوغر صدره، ويهدر كرامته؛ لأن النقد أهم ما يعبر عن جهد الإنسان في باب المعاملات (وهو الوسيط بين جهد الإنسان وباقي المنافع) ، فحين يتم التغاضي عن شيء منه في عملية تبادلية (أي قبول مبدأ النقص أو الزيادة في أحد العوضين حين يكونان من العملة نفسها، أو حتى عندما يكونان من عملة أخرى شرط وجود الأجل) ؛ فإننا نتغاضى عن شيء من جهد الإنسان نفسه، وهو ما يعني عدم الاكتراث للإنسان، وجعل النقد فوقه، وسيتحول الإنسان بعد ذلك من الإنسانية إلى اعتبار الإنسان شيئاً من المادة نفسها، والتي لا روح لها بل ولا عقل. أصحاب المعالي: هناك فئة ترغب في زيادة النقود بيدها دون منفعة حقيقية يستفيدها المجتمع من ذلك النقد؛ يعني زيادة دون عمل، نعم! هم تلك الفئة التي تدفع النقد ليكون هو بنفسه سبباً لزيادته؛ بحيث لا يكون واسطة للتبادل، بل حتى حين يعلمون بوجود تبادل وذلك لدى دخولهم فيما يسمونه استثماراً لا يبالون بنقص غيرهم ما داموا هم في زيادة، ويضمن الآخرون لهم ولا شأن لهم بالمجتمع، ويغنمون حتى حين يغرم الآخرون، فلا تبادل على وجه الحقيقة مع وجود زيادة ترجع إليهم. يا لها من خدعة سنرى أثرها على المجتمع فيما بعد! أصحاب المعالي: هنا سؤالان أنتظر إجابتهما منكم، وهي التي ستكون مفيدة لنتحدث بوضوح أكثر عن مشروعنا بشيء من التفصيل. وهما: - هل سيكون من الأفضل عند صاحب رأس المال وليكن ٠٠٠,٠٠٠,١٠٠ ريال وضع ماله لدى بنك مقابل نسبة محددة مسبقاً، ولتكن ٥% ربحاً سنوياً، أو استثمار ما لديه من مال في مشروع قد يحقق ربحاً يصل إلى ١٠%، أو أكثر سنوياً، مع احتمال خسارة قد تصل إلى النسبة نفسها للربح المتوقع، أو أكثر، أو قد تجتاح المال كله؟ - البنك حين يستلم ذلك المبلغ؛ كيف سيستغله كي يضمن تسديده لتلك النسبة؛ لأنه قد ضمنها لذلك المودع أو المقرض، أو المستثمر! من قبل؟ أصحاب المعالي: أريد جواباً يتفق مع رغبة غالبية أصحاب رأس المال، والذين وصفهم كبار الاقتصاديين بعبارتهم المشهورة (رأس المال جبان) ، كما أرغب في جواب لا يأخذ الاعتبارات الشرعية بالحسبان على أهميتها، بل لا أهمية لغيرها، إلا أنني أريد ما نستطيع به مجادلة أصحاب الرأي الآخر بأسلوب لعله يكون أجدى نعم سيكون الاختيار الأنسب هو الحصول على الربح المضمون ولو قلّ؛ لأنهم سيجدون أنفسهم أكثر اطمئناناً. وبعد ذلك سيقوم البنك بالأمر نفسه، وسيلجأ إلى وضع المبلغ لدى جهة أخرى بنك، وهو المفضل هنا، أو غيره تقوم بدفع نسبة أعلى؛ ليصبح الفرق ربحاً لصالح البنك الأول، وهكذا. ولا بد تقودنا هذه السلسلة في النهاية إلى مستثمر يقبل تحمل عبء مغامرة يدخلها مع احتمال الخسارة والربح، غير أنه مدين لتلك الجهة المقرضة بمبلغ تزيد نسبته حسب حظه، ومدى طول السلسلة التي وصلت بالمبلغ إليه. مع العلم بأن تلك الجهة المقرضة مضطرة للتساهل مع ذلك المستثمر من حيث الضمانات، نظراً لرغبتها الشديدة في تحويل العبء عنها، خصوصاً حين لا تجد من الجهات الاقتصادية البنوك من يعطيها هامشاً مناسباً للربح، فيكون ذلك المستثمر وبشروط سهلة هو ملاذها، وهو من سيقبل دفع تلك النسبة بهامش مفيد، ولنقُل بلغ ما سيدفعه المستثمر ٩% سنوياً [٨] . أصحاب المعالي: رجل يملك ١٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ريال، سيضمن ٥% ربحاً سنوياً من ذلك البنك، والبنك سيعطيها بنكاً آخر بنسة ٧% سنوياً، وهذا سيعطيها مستثمراً بنسبة ٩% سنوياً، والمستثمر في أحسن الأحوال [٩] سيقوم بتأسيس صناعة في مجال من المجالات، ولنفترض هنا أنه قام بعمل مصنع متكامل للسجاد نسأل الله تعالى له التوفيق. والسؤال الآن: كيف سيكون سعر تلك السلع التي يقوم المستثمر ببيعها؟ للإجابة نفرض أن تكلفة التصنيع تبلغ ١٠ ريالات للمتر، ونجعل ٣٥% مصاريف عمومية وإدارية، حين يقر مجلس الإدارة تلك النسبة؛ أي ستصبح تكلفة المتر ١٣.٥ ريالاً، وهامش الربح الذي قرره مجلس الإدارة ٥٠% من سعر التكلفة؛ أي سيكون البيع بـ ٦.٧٥ + ١٣.٥ = ٢٠.٢٥ ريالاً، هذا هو المقرر، ولكن المستثمر تواجهه مشكلة خدمات الدين، وهي ما نسبته ٩%، ولهذا سيتم وضعها ضمن هامش الربح أو ضمن تكلفة المتر النهائية، وهو ما سيكون ١.٢ ريال تقريباً قبل وضع هامش الربح؛ ولذا سيزيد سعر المتر بالمقدار نفسه ليصبح ٢١.٥ ريالاً تقريباً. هذا سعر البيع المناسب للمستثمر؛ فهل هو السعر الذي سينزل إلى السوق؟ الجواب: لا؛ لأن المستشار الاقتصادي للشركة قد أخذ بمبدأ الاحتياط من وجود كساد ونحوه من الطوارئ، وهو ما جعل سعر المتر ٦٠ ريالاً. لماذا؟ لأنه سيكون مضطراً لتحميل كل متر سيتأخر بيعه عن عام ما نسبته ٩% على الأقل، وهي خدمات ذلك الدين، وعند وجود تأخير في بيع شيء من بضاعته لن يتقبلها السوق إلا بعد وضع تخفيض (خصم) جيد عليها باعتبارها بضاعة قديمة، وهكذا في كل متر يتأخر بيعه، بينما سعر تكلفته يزيد على الأقل ٩%؛ فكيف سيكون التخفيض (الخصم) على شيء ستزيد كلفته مع الأيام، فكان المخرج هو جعل سعر البيع للمتر الجديد ٦٠ ريالاً؛ ليصبح التخفيض (الخصم) على البضاعة القديمة لعامٍ ٥٠%؛ أي ٣٠ ريالاً، ولعامين ٦٠% مثلاً؛ أي ٢٤ ريالاً للمتر، وهكذا تقل آثار تراكم خدمات الدين [١٠] . والملاحظ هنا أن المتضرر من الغلاء الشديد هو المستهلك. كما لا بد من ملاحظة أن بعض المستثمرين سيلجأ إلى أمر آخر، وذلك عندما لا يحبذون النزول إلى السوق بسعر عال منذ البداية، ذلك عندما توجد منافسة في المجال نفسه، فعندها سيكون سعر البيع مماثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الأمر، وهو في مثالنا ٢١.٥ ريالاً، ولكنه سيضطر إلى رفع مستمر للسعر آخذاً بالحسبان خدمات الدين للبضاعة التي لم يتم بيعها [١١] ؛ ليصير عبئاً تتحمله البضاعة الجديدة، وهو ما نراه في معظم الحالات اليوم، وهو ما يعد شيئاً يسيراً ولكنه لا يلبث أن يتفاقم ويضر بالمجتمع، وهو ما يعني وجود تضخم مستمر [١٢] قد لا تظهر آثاره قريباً، ولكن عند وجود أقل طارئ يجد الناس أنفسهم أمام أموال عظيمة مهدرة [١٣] ؛ لأنه بحَسْب المستثمرين سداد خدمات ديونهم، أما الديون نفسها فهم لا يقدرون على سدادها في غالب الحالات. ولو أرادوا فلن يكون إلا على حساب إغلاق أبواب كثير من الشركات، ولهذا وقعت النمور الآسيوية في شر عظيم، عندما طلب بعض المقرضين [١٤] الحصول على أموالهم، وإلا فهم سيعلنون أن الاقتصاد هناك لا يوثق به [١٥] ، فقامت البنوك بطلب سداد الديون من المستثمرين، وهو ما لم يحدث، فرفعت قضايا حقوقية قضائية في هذا الخصوص، وتم بيع شركات كبيرة بأبخس الأثمان [١٦] ، بعد إعلان إفلاس كثير منها، وتم تسريح ألوف من الناس من أعمالهم؛ لأن الآلية التي تعمل بها تلك الشركات لم تكن لتستطيع المنافسة لو وضعت في خطتها سداد الدين، فلم يكن عند معظمها سوى آلية لسداد خدمات الدين، فعندما اضطرت البنوك لسداد مبالغ كبيرة لبعض المستثمرين أغلقت أبوابها، وسرحت موظفيها، ومثلها كثير من الشركات، لتظهر بسبب ذلك مأساة البطالة مع ما تجلبه من ويلات وفساد، فكم من إنسان خسر عمله بسبب ما يسمى بسعر الفائدة؟! فهو كما ظهرت مسؤوليته عن التضخم وهو ليس ينفي وجود عوامل أخرى إلا أنني أجادل في جعل هذا من أهم عوامل التضخم - تظهر الآن مسؤوليته عن خسارة كثيرين لأعمالهم، بل عدم وجود أعمال أصلاً - وكذلك هنا أقول: ليس هذا ينفي وجود عوامل أخرى، إلا أنني أجادل في جعل هذا من أهم عوامل البطالة -، وهو ما يعني مزيداً من الفقر والجوع، ومن ثم الجريمة والفساد [١٧] . أصحاب المعالي: كيف ستُعالج مأساة البطالة؟ هناك جواب على طرف لسان كل اقتصادي يحدده قولهم: (على الدولة خفض سعر الفائدة) ، حتى لقد لجأ البنك المركزي الأمريكي إلى جعلها ٢٥,١% فقط [١٨] ، في أوائل شهر نوفمبر عام ٢٠٠٢م؛ لمواجهة البطالة التي ارتفعت نسبتها كثيراً لديهم [١٩] ، وبعض الدول جعلتها أقل من ذلك، والسؤال هو: لماذا لا يتم إلغاؤها ما دام وجودها يسبب البطالة، وعلاج البطالة في تخفيضها؟ هناك أجوبة للاقتصاديين لست بصدد تفنيدها [٢٠] ، غير أنه من المناسب فهم العلاقة بين سعر الفائدة والبطالة، فهو أمر يوضح عاملاً من أهم العوامل المسؤولة عن وجود تلك الظاهرة. أصحاب المعالي: تصوروا أنه قد تم إلغاء سعر الفائدة تماماً. ما الذي سيفعله أصحاب رؤوس الأموال، وفي مثالنا صاحب ١٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ريال؟ سيقول بعضهم: لن يستثمر، بل سيفضل الاحتفاظ بالمال لديه. أقول له: لا بأس؛ لكن عليه دفع ٢.٥% سنوياً للزكاة، يعني ٢٥% خلال ١٠ سنوات. وهذا لن نجد من يقبل به مهما قلنا عن جبن رأس المال. ولذلك سنجده صاحب ذلك المصنع للسجاد، وسيكفيه البيع بـ ٢١.٥ ريالاً للمتر، والبضاعة التي تتأخر لن يتحمل بسببها عبئاً جديداً سوى التخزين، وهو أمر يكاد ألا يذكر في مثل هذه الحالة، وسيكون ممكناً له أن ينافس في كلا الحالتين، في الوقت الذي نجد العامل أكثر أماناً بسبب استقرار الوضع المالي لصاحب الشركة، ومن ثم سيكون المجتمع أكثر استقراراً، ولن يكون ارتفاع الأسعار أمراً لا مفر منه، وسنجد الاستثمار في كل زاوية، وسيبدع أصحاب رؤوس الأموال في ابتكار أساليب لتثمير أموالهم [٢١] ، وسيكونون دائماً في حاجة ليد عاملة، وهو ما يقضي على البطالة أو يحد منها على الأقل، وسيكون المجتمع في نمو مستمر واستقرار. أصحاب المعالي: أهم ما يقوله بعض الاقتصاديين: إن نقص سعر الفائدة فضلاً عن إلغائه يؤدي إلى النقص في سعر العملة؛ مما سيؤدي إلى التضخم (غلاء السلع) ، وذلك بسبب كثرة المعروض من النقد [٢٢] . ولا نجادل أن ذلك سيؤدي إلى تنشيط الاستثمار، ويسهم في تقليل نسب البطالة، إلا أنه يزيد في رغبة السوق في رفع الأسعار. وأقول: لا بأس؛ لأن الغلاء حين يكون معقولاً يكون أقل سوءاً من البطالة، لكن الحديث عن هذا الأمر كما لو كان مسلّماً به غير صحيح؛ لأننا نستطيع مواجهة الغلاء من خلال الجهات التي تحمي المستهلك، وتعمل على استقرار الأسواق [٢٣] ، والسلاح الأهم هو توعية الناس وتوجيههم للنفقة في أوجه البر، لا المبالغة في الرفاهية، والأخذ بالكماليات، وعلينا أن ندرك بأن حماية أمتنا في اقتصادها ليس يكمن في إلغاء سعر الفائدة فقط على أهميته، بل من خلال فهم شامل للإسلام ونظرته إلى الحياة، ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه. أصحاب المعالي: إننا نستطيع أن ندير ١٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ريال (مليار) من خلال ١٠ أشخاص فقط، ليحركوها كيف شاؤوا، ولكن لو أراد صاحبه النزول إلى السوق مباشرة والاستثمار فيه، فهو يحتاج لتشغيله إلى ما لا يقل عن ١٠٠٠ رجل، يزيدون أو ينقصون، وهم إلى الزيادة أقرب؛ لأننا في الحالة الأولى يمكن جعلها في ديون أخرى أو نحو ذلك، مع وجود عبء على المبلغ [٢٤] ، لكن عند النزول المباشر سيتركز النشاط ضمن حدود ما يرغب المستثمر بذاته، مع عدم وجود عبء سوى ما لا بد منه ليتحرك المال في تلك العملية الاستثمارية. أصحاب المعالي: الذي ذكرته من قبل لم أتعرض فيه إلى الجانب النفسي الذي يعكسه سعر الفائدة، ويطبع به كثيرين من أبناء مجتمعنا، نعم! ودون مزيد من الشرح؛ إنه يوجد تلك الشخصية التي تنعدم لديها روح المغامرة الشرعية، وهو الأمر الذي تبعث عليه الزكاة؛ لأن رأس المال سيقرر الدخول في مغامرة شرعية (استثمار) ؛ لأنه إذا لم يفعل سيدفع ٥,٢% سنوياً لصالح الفقراء، وسيجد نفسه أمام طريقين؛ إما الاستثمار مع ما فيه من مخاطرة شرعية أو تقبل نقص ٥,٢%، وهي نسبة الزكاة. وكثيرون سيقررون الدخول في الطريق الأول؛ لأن الإنسان يحب الزيادة بطبعه. الغريب هنا أننا سنرى صاحب المال في الطريق الأول (الاستثمار) يفيد المجتمع فوق تلك الفائدة التي تجلبها الزكاة حين يقرر سلوك الطريق الثاني، وهذا سر بديع للتشريع الإلهي؛ فطبيعة حب الزيادة (وسمها لو شئت طمعاً) ، وهي في نفسها سوء ومقت، هي التي حملت المرء على طريق يظنه يحقق ما تمليه عليه تلك الطبيعة، إلا أنه سار عكسها تماماً وهو لا يشعر، فأخذ منه المجتمع أكثر بكثير مما تأخذه الصدقة، لقد أخذت تلك الطبيعة ١٠٠% من رأس المال ليصبح كله في يد المجتمع، من خلال ذلك الاستثمار، فاتضح بذلك سر بديع للتشريع الإلهي، إنها طبيعة سيئة حركها الشرع ليرى الناس منها خيراً كثيراً من حيث لا تشعر. أصحاب المعالي: أرجئ الحديث عن أمور أخرى لعلها لا تتصل بما نحن بصدده اتصالاً وثيقاً، ولها عود بإذنه تعالى، والآن أتقدم بالشكر الجزيل لكم على حسن استماعكم، تاركاً لكم حرية اتخاذ القرار بهذا الشأن، وفّق الله الجميع إلى كل خير.

стр. 4521

دراسات في الشريعة الفهم الجزئي للقواعد الشرعية وأثره السلبي في إبطاء إقامة الحجة الرسالية قاعدة الهجر أنموذجاً د. جمال أحمد بادي [*] jmbadi@hotmail.com يهدف هذا المقال إلى بيان أن الفهم الجزئي لموضوع الهجر من قِبَل بعض الدعاة باعتبار بعض النصوص الواردة فيه، وإهمال بعضها الآخر، مع إغفال القواعد الشرعية التي أصَّلها العلماء من أئمة الهدى للتعامل مع المجتمعات عند غلبة الشر أو اختلاطه بالخير للموازنة بين المصالح اجتلاباً وتكميلاً، والمفاسد درءاً وتقليلاً، كان سبباً في إبطاء إقامة الحجة على المدعوين وإيصال رسالة الإسلام إليهم بل استمرار كثير منهم في الإقامة على ما هم عليه من الخطأ بسبب آثار تلك النظرة الجزئية. كما يحاول المقال تلمس أسباب هذه الظاهرة، ثم يبين الأثر السلبي العملي المترتب على إعمال تلك النظرة الجزئية الانتقائية على كلا الطرفين من الدعاة والمدعوِّين. * التعريف بالهجر وبيان ارتباطه بالمقاصد الشرعية: يدخل الهجر تحت قاعدة (الولاء والبراء) ، ومفهوم هذه القاعدة الشريفة لدى أهل السنة والجماعة هو: الحب في الله والبغض في الله؛ فهم يوالون أولياء الرحمن، ويعادون أولياء الشيطان، وكل بحسب ما فيه من الخير والشر [١] . وقد دل على هذه القاعدة قوله تعالى: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (الأنعام: ٦٨) . وقوله تعالى: [وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] (النساء: ١٤٠) . وقوله تعالى: [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ] (هود: ١١٣) . وقوله تعالى: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] (المجادلة: ٢٢) . ومن السنة النبوية المطهرة قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [٢] . ومنها حديث أبي أمامة: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» رواه أبو داود. ومن مفردات الهجر التي نص عليها العلماء: عدم مجالسة المهجور، والابتعاد عن مجاورته، وترك توقيره، وترك مكالمته، وترك السلام عليه، وترك التسمية له، وعدم بسط الوجه له مع عدم هجر السلام والكلام، وعدم سماع كلامه وقراءته، وعدم مشاورته [٣] . وقد بين العلماء الأجلاء أن الهجر مرتبط بمقصد شرعي وهو رد المخطئ عن خطئه عموماً سواء أكان الخطأ معصية أم بدعة أو غير ذلك من المخالفات الشرعية، فإن لم يتحقق هذا المقصد أو ترتب على القيام بالهجر مفسدة راجحة وهو أمر يحتاج إلى حسن تقدير المآلات قبل القيام بالفعل أصلاً أصبح الهجر في حكم الملغي وتصبح المؤالفة هي الأصل. وقد يكون الفعل الواقع من مستحق الهجر عملاً شركياً أو كفرياً في أزمنة وأمكنة انتشار الجهل بالدين وقلة أو عدم وجود من يبصرهم أو يقيم الحجة عليهم لا سيما مع وجود الشبهات والتأول فيصبر على صاحبه ويؤالف مع الحرص على بيان الحق له وإقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه. والهجر بهذا الاعتبار يمكن النظر إليه على أنه وسيلة إصلاح وليس مجرد عقوبة شرعية، وهو البعد الذي يرمي هذا المقال إلى توضيحه وبيانه. والنظر إليه على أنه وسيلة إصلاح لا يلغي النظرة الأخرى على أنه عقوبة شرعية، ولا يتعارض معها، ولكنه زاوية نظر أخرى صحيحة تفتح الباب نحو آفاق دعوية آنية ومستقبلية أرحب في باب إقامة الحجة الرسالية وإبلاغ دين الله عز وجل للخلق. وهذه الزاوية من النظر مبنية على تأصيلات الإمام الشاطبي في الموضوع؛ حيث اعتبر أعلى وأول وأشد وأهم حد (أي عقوبة) للمبتدعة هو تعليمهم وإرشادهم. وقال قريباً من قوله هذا الإمام ابن تيمية في نهاية رسالته (الحموية) ما نصه: (وإذا نظرت إلى المبتدعة بعين القدر، والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم رحمتهم، وترفقت بهم) [٤] . لأجل ذلك كله اشترط العلماء ضوابط محددة لإعمال الهجر الشرعي منها [٥] : ١ - مراعاة المقصود الشرعي للهجر. ٢ - مراعاة شرطي قبول الأعمال وهما الإخلاص والمتابعة، والحذر من متابعة هوى النفس. ٣ - التأكد والتثبت، قبل الإقدام على الهجر من أن الأمر مما دلت النصوص والقواعد الشرعية على أنه مخالفة، ثبوته عن الشخص وعدم أخذ الناس بالتخرص والظن، خلو صاحبه من الموانع والأعذار كالجهل والتأول ونحوهما. ٤ - مراعاة المصلحة والمفسدة المترتبة على الهجر، ومراعاة قواعد الترجيح عند تعارض المصالح والمفاسد، بتحقيق أكمل المصلحتين، وتفويت أعظم المفسدتين. ٥ - مراعاة اختلاف مراتب المعاصي والبدع وسائر المخالفات. ٦ - مراعاة اختلاف الأماكن التي ظهرت فيها المخالفة، وحال أهلها من حيث ما هو الأفضل في حقهم: الهجر أم المؤالفة؟ وحال الدعاة أنفسهم قوة وضعفاً أو قلة وكثرة. * أسباب ظاهرة الفهم الجزئي لموضوع الهجر: لا شك أن هذه الظاهرة لم تأت من فراغ، ولم تكن آنية الوقوع، وإنما حصلت لأسباب مختلفة فيما يلي بعضها: ١ - قراءة كتب العلماء السابقين التي ألفت في زمن أقيمت فيه الحجة، وغلب عليه الخير والصلاح، وتمايز فيه الخير من الشر، ثم تطبيق تلك الأحكام على الواقع المعاصر الذي اختلفت واختلطت فيه الأمور، واختلت الموازين، وتلبس فيه الخير بالشر. ٢ - قراءة كتب السلف عموماً دون الرجوع إلى آراء الجهابذة من العلماء المعاصرين المشهود لهم بالعلم والتقى الذين نص بعضهم على اعتبار زماننا هذا في الجملة ليس زمان هجر وإنما زمان مؤالفة وصبر [٦] . ٣ - البحث عن سبل نصرة (المواقف الدعوية الخاصة) المبنية على ردود الفعل. ٤ - الإخفاق في جمع كافة النصوص الواردة في الموضوع الناتج عن عدم الدقة وقلة التحري، أو الخطأ في منهج النظر وتفسير النصوص أصلاً. قد يتعمد صاحب النظر الجزئي إهمال بعض النصوص قصداً ودونما شعور أحياناً بسبب اختلاف النظرة إلى الموقف لا سيما إذا كانت مخالفة للصورة الذهنية المتشكلة بسبب خلفية الأحداث والمستجدات، أو تأويل تلك النصوص بما يتوافق مع الصورة الذهنية المتشكلة تأويلاً لا تسوِّغه قواعد تفسير النصوص وفق منهج أهل السنة والجماعة. ٥ - وجود خلاف في مسائل علمية دقيقة وخفية من مسائل الاجتهاد قد لا تتضح لكل أحد من الناس بسبب اختلاف قدرات الفهم والإدراك، وقد يكون فيها أكثر من رأي للسلف مع تكافؤ الأدلة بين تلك الآراء بحيث لا يسهل ترجيح رأي على آخر، وقد تكون مبنية على آثار مختلف في صحتها وثبوتها عن قائليها فيعاملها الداعية معاملة المسائل الجلية والواضحة والمتفق عليها بين السلف. ٦ - ارتباط إعمال قاعدة الهجر بالتحزب للشيخ أو الطائفة أو الجماعة أو المذهب، وغالباً ما يقع هذا الأمر بسبب التأول؛ وذلك بتصور من يقع منهم الهجر أنهم وشيخهم أو طائفتهم أو جماعتهم هي المتبعة للحق والسنة وما كان عليه السابقون، وأن من أوقعوا عليهم الهجر من المخالفين لهم في مسألة ما أو مجموعة مسائل وإن كان الحكم عليهم من باب الخطأ هم مبتدعة ضالون يجب هجرانهم. ووقوع الفهم الجزئي في هذه الحال من حيث تنزيل القاعدة على الواقع. وقد كان هذا السبب ولا يزال عاملاً مباشراً وراء تفرقة وتشتت الدعاة أفراداً وجماعات في شتى بقاع العالم الإسلامي ويتجدد ضحاياه كلما تجددت مقتضياته. وهو قد لا يخلو من حظ للنفس أحيانا كما أنه مبني في الغالب والأعم على الظن والتوهم في الحكم على الآخرين وتصنيفهم. ويا للعجب كيف تصبح هذه القاعدة - أي الهجر، والتي هي مقصودة لردع وزجر العصاة ومحاولة لردهم لصف المجتمع المتماسك الذي نشزوا عنه بأفعالهم ومخالفاتهم سبباً في تفريق كلمة المؤمنين وتصدع صفهم وتشتت كلمتهم في المجتمع المسلم الواحد، وتعارض بذلك إعمال قاعدة أرسخ وآكد ألا وهي قاعدة التآلف والاجتماع والوحدة التي هي الأساس والأصل والتي لا قيام لكيان الأمة إلا بها ولا استقرار لمجتمع مسلم إلا على تشييد معالمها ورصف لبناتها. وتصبح قاعدة الهجر هنا سلاحاً في يد مجموعة أو طائفة ما يشهر في وجه كل مخالف خارج إطار تلك الطائفة. وهو من آثار التربية الحزبية بأنواعها المتعددة المذكورة آنفاً. وهو مما يستدعي أن يضعه المربون في حسبانهم لإيجاد المخرج العلمي والإيماني المناسب له حين يقع، ووضع السبل الكفيلة بمنع وقوعه أصلاً؛ إذ لا ضرر ولا ضرار كما هو متقرر في قواعد الشريعة الغراء. وكم من محارب للحزبية وهو مغرق فيها ولا يدري ولا يشعر. وهذا الحال يدخل فيه جانب نفسي مبني وقائم على جانب إدراكي حسي لا يمكن التخلص من مؤثراته السلوكية السلبية إلا بالتخلص من أسر العوائق الحسية الإدراكية المسيطرة وهو مما يؤدي بدوره إلى تقويم التصور والذي يقود إلى تقويم السلوك. * أثر النظرة الجزئية على المدعوين والدعوة: ١ - سوء التعامل مع الأقارب بما فيهم الوالدان والأهل، مما ولد أحياناً عقوقاً مسوَّغاً أو قطيعة رحم أو تسبب فيها. من ذلك سوء طريقة التعامل مع الوالد أو الوالدة إذا كان أحدهما مقارفاً لمعصية مثلاً، وقلة احترامهما والتأدب معهما بحجة مخالفتهما واستحقاقهما للهجر، وقد يترتب على ذلك طرد الوالدين لولدهما من البيت إبعاداً وتخلصاً، وفي بعض الأحيان يختار الداعية ترك بيت والديه والابتعاد عنهما تديناً وقربة في زعمه، والنتيجة حصول العقوق من طرف الابن والذي يعتبر مفسدة أكبر وأعظم من المعصية أو المخالفة التي تسببت فيها، وبقاء الوالدين أو أحدهما على المخالفة قد يمتد لزمن يطول أو يقصر. ولا يستدل هنا ببعض حالات الأعيان التي أدى الهجر فيها إلى نتيجة إيجابية؛ فإن القواعد الشرعية لا تعارَض بالوقائع وحالات الأعيان، وإنما بقاعدة شرعية أرجح. ٢ - سوء التعامل مع الأصدقاء وعموم الناس والمجتمع باعتبارهم مخالفين تجب عزلتهم وعدم مخالطتهم، وينشأ عن ذلك العبوس والتجهم في وجوههم وقابلية الاستفزاز من أقل تصرف خاطئ يصدر منهم والإغلاظ عليهم في القول واختيار العبارات الجارحة والقاسية في توجيههم والتي تولد لديهم مزيداً من العناد والتحدي وقلة الاستجابة للموعظة والذكرى. ولاعجب أن يأمر القرآن المؤمنين باللين في القول عند الأمر والنهي: [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] (طه: ٤٤) ، وقوله تعالى: [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً] (البقرة: ٨٣) ، وقوله تعالى: [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ] (الإسراء: ٥٣) . ٣ - الخطأ في الموقف قولاً أو فعلاً واتخاذ القرار غير المناسب الذي لا يراعي مآلات الأفعال. فقصور التصور يؤدي إلى الخطأ في الحكم والذي يؤدي بدوره إلى الخطأ في اتخاذ القرار. ومن ذلك الشدة مع الجاهل الذي لم يجد من يعلمه، وحديث العهد بالإسلام الذي لم تتسنَ له فرصة دراسته والتمكن فيه، وصاحب الشبهة الذي لم تقم عليه الحجة بعد. ٤ - ويتبين مما ذكر آنفاً استمرار بقاء المنكر على حاله دون تغيير أو إزالة وذلك في الغالب الأعم بل ازدياده في بعض الأحيان عما كان عليه من ذي قبل وهو خلاف مقصد الشارع في الأمر والنهي، كما أنه خلاف مقصد الشارع فيما شرع الهجر له. * أثره السلبي على الدعاة أنفسهم وعلى أسلوبهم في الدعوة: ١ - التعصب والتحزب نتيجة التقوقع الناتج عن تكرار المواقف الخاطئة والانعزال عن الناس والمجتمع ويترتب عليه انحسار مساحة تأثير الدعاة على كافة الأصعدة وبين شتى أصناف الناس. ٢ - حصر الدعاة أنفسهم في دائرة ضيقة للدعوة واطمئنانهم لذلك، وهو مدخل للشيطان لصرف الداعية عن الخير والأمر به، واكتفائه بما قد قام به من عمل ظاناً حصول الإعذار بذلك. ٣ - قلة الصبر وسرعة نفاده، ودوره سلباً على أهم مقومات الدعوة وأركانها، بل وفقدانه تماماً في بعض المواقف أحوج ما يكون الداعية إليه مخالفاً بذلك ما أمر به وحث عليه. يقول تعالى: [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (آل عمران: ١٨٦) ، ويقول : [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) ، ويقول سبحانه: [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ] (الأحقاف: ٣٥) ، ويقول عز من قائل: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ٣) . ٤ - ارتفاع حدة الخطاب ونبرته مع المخالف وسرعة التأثر والغضب مع العصاة وعموم المخالفين. يقول تعالى في هذا الشأن لنبيه الكريم ﷺ : [وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك] (آل عمران: ١٥٩) ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه» [٧] . ٥ - الغلو في «البغض» والمعاداة للمخالفين وإن صح سببه ومقتضاه، عن الحد الشرعي القائم على الاعتدال والتوسط وقد جعل الله تعالى لكل شيء قدراً. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «أحبب حبيبك هَوْناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هَوْناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» [٨] . وجاء في نصيحة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ لأحد أبنائه: «لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً» . ٦ - التباس الأمور على صغار طلبة العلم والدعاة الذين هم في بداية الطريق، ووقوعهم في الحيرة نتيجة المواقف والتطبيقات الخاطئة المبنية على الفهم الجزئي لقاعدة الهجر، وقد يقع بعضهم في التقليد الأعمى لأصحاب تلك المواقف، ويتحمس لها، بل وقد يبالغ بعض أولئك المبتدئين في الأمر أكثر من متبوعيهم في تطبيق القاعدة وإعمالها، وعند زفِّه خبرَ ما قام به إلى من اقتدى به عاجله ذلك المتبوع بالثناء والمديح والإطراء والدعاء له بالصبر على الطريق الذي قلَّ سالكوه وعز طالبوه، فيزداد إصراراً على مواصلة المشوار الخاطئ وهو يعتقد سلامته وصحته. وقد تؤدي تلك الحيرة ببعض أصحابها من صغار طلبة العلم والدعاة إلى كثرة التنقل بين الآراء والتوجهات، كما قد تؤدي بالبعض الآخر إلى الفتور والزهد في الدعوة والأمر بالمعروف والانعزال عن المجتمع والتاثير فيه. ٧ - السعي في إيذاء المخالف باعتباره مخالفاً زعماً وتأولاً وإلحاق الضرر به بأي صورة كانت من باب أنه مستحق للعقوبة، ومن ذلك الوشاية والسعي به عند القاضي أو الحاكم أو غيرهم من أصحاب السلطة والقرار في المجتمع، ومنها استعداء الناس عليه وإعطاء صورة غير مرضية عنه للآخرين والتي غالباً ما يكون فيها حظ للنفس وانتصار لها على الغير وإن أدى ذلك إلى المبالغة وأنواع من التأويل، ومنها السعي في حرمان المهجور من الخير وتولي الوظائف بحجة عدم استحقاقه لذلك واتباعاً لسيرة السابقين الأولين مع مخالفيهم من أهل البدع والضلال. ويبقى الحديث عن سبل علاج هذه الظاهرة السلبية ومحاولة التقليل منها في صفوف الدعاة. ومن ذلك تقوى الله فيما يفعل الداعية أو يذر، ومحاسبة النفس ومراقبة الله تعالى في السر والعلن، والحرص على سلامة منهج الدعوة وتحري التنزيل السليم للقواعد على الواقع، وطلب العلم النافع وفق منهج سديد، ولا سيما قبل الإقدام على عمل الطاعات حتى تتحقق متابعة الشرع مع حسن النية والقصد، وحسن التخلص من رغبات النفوس وحظوظها. إن من أعظم الخطأ اعتبار الدعاة أنفسهم قد جاوزوا القنطرة وعدم اعتبار أنفسهم أنهم في الوقت الذي يكونون فيه دعاة لا يمنع أن يكونوا مدعوين، فيحاور بعضهم بعضاً، ويستمع بعضهم لنصح بعض؛ هدفهم تحقيق مقاصد الشريعة، وغايتهم إرضاء الله رب العالمين.

стр. 4522

دراسات تربوية أخي.. احذر موارد الهلاك ! سليمان بن عبد الله الطريم جعل الله بحكمته الدنيا الغرارة العاجلة، الدنية الفانية دار ابتلاء وامتحان ليتميز بها من عباده الأحسن عملاً، والأكثر خيراً، والأرفع درجة ومنزلاً، والأفضل طاعة ونسكاً. قال تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: ٣٢) . وقال تعالى: [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ٢) . قال ابن كثير ﵀: «ليبلوكم أي: يختبركم أيكم أحسن عملاً، ولم يقل أكثر عملاً بل أحسن عملاً، ولا يكون العمل حسناً حتى يكون خالصاً لله على شريعة رسول الله ﷺ » [١] . وهي دار ابتلاء وفتنة بالمنحة والمحنة. قال تعالى: [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً] (الأنبياء: ٣٥) . وقال ابن كثير ﵀ في معنى الآية: «أي نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، فننظر: من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط؛ كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ونبلوكم أي نبتليكم: بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال» [٢] . ومن أسباب الفتنة عداوة الشيطان، ووسوسته للإنسان، وهي عداوة بينة ظاهرة، قديمة مستمرة، حذر الله منها، وأمر بالتوقي من شرها، وأوجب معاداته بصدق الإيمان، ومخالفته بطاعة الرحمن. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: ٥-٦) . قال ابن عباس ﵄: «أي لا يفتنكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله، وتصديق كلماته؛ فإنه غرارٌ كذاب أفاك» [٣] . قال مطرف بن عبد الله الشخير: «وجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين، ووجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة» [٤] . وهذه العداوة الإبليسية أبدية حسدية خطيرة لا ينتهي عداؤها إلا بمضي الأعمار، وقيام الأشهاد، أو بفساد الأعمال وموافقة الشيطان، وحسدية لا تنفك عُقدها بمصانعة بمال يدفع، أو مصيبة ببدن تقع، أو بفترة عن الاجتهاد في العمل الصالح تعرض، أو بمرحلة من العمر تمر وتنقضي بل وسوسة وحسد أبدي حتى عند الموت وسكراته، وفي خلوات المرء وجلواته، وفي يقظته ونومه وغفلاته، والله وحده هو المستعان عليه، وبالله تعالى وحده المعتصم، وإليه سبحانه الملجأ والمستعاذ. وهي عداوة - أعاذنا الله منها - خطيرة متنوعة السلاح، قوية الفتك، شديدة الأثر، متعددة الأساليب، مختلفة الوسائل. قال تعالى واصفاً حال عداوته: [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] (الأعراف: ١٦-١٧) . وقال تعالى في التحذير من الشيطان بعد طرده ولعنه وأنه عدوٌ مضل مبين، وأنه يورد موارد الردى ويضل عن طريق الهدى، وعن نور الحق إلى ظلام الكفر والبدعة والمعصية بالأماني الغرورة، والوعود المكذوبة والأوامر المخالفة للفطر. يقول : [إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً] (النساء: ١١٧-١٢٠) . وقد حذر الله عباده من عداوة الشيطان والركون إلى إغوائه وإضلاله، والبُعد عن اتباع خُطواته؛ فإن عاقبتها الفاحشة والمنكر، ومآلها الخسران المبين. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ] (النور: ٢١) . قال ابن كثير ﵀: «وهذا تنفير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، وخطوات الشيطان طرائقه ومسالكه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عمله، وقال عكرمة: نزغاته، وقال قتادة: كل معصية فهي من خُطوات الشيطان» [٥] . وخُطوات الشيطان هي خطى متلاحقة، ودركات متتابعة، وصور متنوعة: إفراطٌ وتفريط، وشهوات وشبهات، وسخرية واستهزاء، ومعصية لله ومعاداة للرسول ﷺ ، ونبذٌ لكتاب الله، وتحكيم للهوى. والشيطان يجمل الفعل القبيح، ويزين الأمر المشين، ويحسن عمل السوء، ويغوي ويغري بالمال والمنصب والجاه ومتعة الحياة، ويجري من ابن آدم مجرى الدم، ويفتح باب الأمل والتسويف، ويستدرج بالحيلة والكذب. وقال تعالى: [وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ٤٣) ، وقال تعالى: [أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً] (فاطر: ٨) ، وقال تعالى: [وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ] (الزخرف: ٣٧) . فالشيطان وجنده وجميع حزبه لا يأمرون إلا بالشر ولا ينهون إلا عن الخير يأمرون بالكفر لا بالإيمان وبالشرك لا بالتوحيد، وبالبدعة لا بالسنة، وبالمعصية لا بالطاعة، وبالمنكر لا بالمعروف، وبالتفرق لا بالاجتماع، ويأمرون بتغيير خلق الله لا باتباع شرائع الإسلام وسنن الفطرة. قال ابن كثير ﵀ في التحذير من عداوة الشيطان وكيده لبني آدم: «إن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل» [٦] . ومن عداوة الشيطان الشديدة أنه قعد لابن آدم في كل طريق خير يخذِّل عنه، وقعد له في كل طريق شر يدعو إليه ويحثه عليه. وفي الحديث: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَل؟! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد؛ فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال. فعصاه فجاهد. فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقع من على دابته كان على الله أن يدخله الجنة» [٧] . ولما كان هذا العدو بهذه القوة والشراسة فيحتاج العبد الضعيف إلى ركن شديد وسلاح واق، وحماية صلبة، وقوة ضاربة؛ ترد العدو على عقبه خاسئاً حسيراً، وتصده عن مقاصده مدحوراً، ولا أشد منعة، وأقوى حماية، وأعظم تحصيناً يجده العبد من الإيمان بالله ، والاعتصام بكتابه، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتخاذ منهاج السلف الصالح منهاجاً، وطريق أهل السنة والجماعة طريقاً، معرضاً عن مقالات أهل الأهواء والمبتدعين، وشبهات المضلين، وأقوال الجاهلين من الذين يجادلون في آيات الله بغير علم، ويخوضون في آيات الله بغير حجة ولا برهان. وهذا الإيمان والتوحيد بأصوله الاعتقادية والقولية والعملية هو النجاة يوم القيامة، والفلاح في الدنيا والآخرة. ويزكي المرء نفسه، ويزيد إيمانه، ويقوي يقينه، ويطرد شيطانه بكثرة الإخبات والطاعة، والتزلف بالعبادة بأداء الواجبات، وترك المنهيات، والتقرب إلى الله بالنوافل والمندوبات. ومن حصون الإيمان الشامخة الراسخة حصن العلم النافع الذي يؤخذ من أهله، ويتلقى من مظانه على المنهاج السديد، والدين القويم، والصراط المستقيم، والعلم الشرعي مأرز [*] للمؤمن من شبهات الشيطان، ونور له في معرفة أحكام الله وحكمه في الشريعة، وأسراره في الكون. والعلماء ورثة الأنبياء في بيان الدين، وكشف الشبهات، ودلالة الخلق على حق الخالق، وأثر علمهم النافع على الشيطان وحزبه شديد؛ فهو يهدم صروحهم، ويخرب حصونهم، ويفرق صفوفهم، ويكسر شوكتهم، ويحل ما عقدوا، ويفتح ما أغلقوه، ويغلق ما فتحوه، ويرد إلى الحق من حرفوه، وكما يهدون بإذن الله من أضلوه، وينصرون بالحق من خاصموه؛ ففضلهم على الحق ظاهر، وخيرهم إلى الناس واصل، ونفعهم بإذن الله إلى العباد سابغ. ومن أسباب النجاة من نزغات الشيطان وكيده الاستعاذة بالله وحده، والالتجاء إليه سبحانه من شر وسواسه، وشر أتباعه؛ فهو الملاذ سبحانه وبه المعتصم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال تعالى: [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: ٣٦) . وقد أنزل الله تعالى سورة في حفظ عباده المؤمنين حيث قال: بسم الله الرحمن الرحيم [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ] (الناس: ١-٦) . وأمر بالاستعاذة من كيد جنده، وشر حزبه الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، يسعون فيها فساداً، ويعيثون فيها خراباً فينشرون الرذيلة، ويحجبون الفضيلة، ويجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان. قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (غافر: ٥٦) . وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالإعراض عن مجالس خوضهم، ومقاعد جدالهم التي لا يقصدون فيها حقاً، ولا يريدون خيراً، ويظهرون فيها استهزاء وسخرية وشراً. قال تعالى: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (الأنعام: ٦٨) . ومن عواصم نزغات الشيطان، ونفثاته المسمومة، ونفخه المحموم، الاعتصام بذكر الله بالعشي والإبكار، وعند أطراف الليل والنهار فهو حرز مكين، وحصن حصين، قال تعالى: [قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ] (الأنبياء: ٤٢) . وحث سبحانه على دوام ذكره، وكثرة استغفاره، والصبر على طاعته؛ فهي زاد في طريق دعوته ونشر رسالته، وعون على القيام بحقوق عبوديته، وفيها انشراح الصدر وسروره، وطمأنينة القلب ونوره، وراحة البال وحبوره، ورضى النفس وسعادتها، قال تعالى: [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) ، وقال تعالى: [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ] (غافر: ٥٥) ، وقال تعالى: [فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى] (طه: ١٣٠) . ومن موانع تأثير الشيطان على العباد، ومنعه من تحقيق الفساد، ورد كيده وكيد الفجار والكفار قوة التعلق بالله، ولزوم التعوذ بالله، والالتجاء إلى الله، وقد جعل الله لعباده أذكاراً عاصمة، وأوراداً حافظة، وأسباباً واقية إذا اعتصم بها العبد عُصم، وإذا حفظها العبد حُفظ، وإذا تسربل بها وقي؛ وذلك حين يتلقاها بقلب موقن خاشع، وفؤاد بصير شاكر، وعمل صالح راشد فتحفظ المسلم قياماً وقعوداً، ودخولاً وخروجاً، وغياباً وحضوراً، وراحة ونوماً وإقامة ومكثاً، وسعياً في الحياة وضرباً في الأرض؛ فحاله حال الذاكر الشاكر الذي رطب لسانه بذكر ربه ليلاً ونهاراً، سراً وجهراً، وتضرعاً وخفية. قال تعالى: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] (الأعراف: ٥٥) . وفي هدي النبي ﷺ وإرشاده، وتربيته ومنهاجه بيان الأوراد المندوبة المشروعة، والأذكار المسنونة المرغوبة التي كثرت حسناتها، وعظمت درجاتها، ودل فضلها وأثرها في حفظ المرء من الشيطان. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الرجل من باب بيته أو من باب داره كان معه ملكان موكلان به؛ فإذا قال: بسم الله، قالا: هديت، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا: وقيت، وإذا قال: توكلت على الله، قالا: كفيت، فيلقاه قريناه فيقولان: ماذا تريدان من رجل قد هدي وكفي ووقي؟» [٨] ، وفي رواية عن أنس ﵁ يقال له: «كفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان» . ومن رحمة النبي ﷺ بأمته، وحرصه عليها في سلامة فطرتها، وطهارة نفوسها وصلاح قلوبها، وبركة عيشها، وإحرازها وذريتها من الشيطان وذريته علم أمته ونصحها في بيان الأدعية والأوراد والآداب في كل الأحوال والأزمان والمواضع من الأقوال والأفعال عند الطعام والشراب، وعند دخول وخروج الخلاء، وعند وقوع المصيبة وحصول البلاء، وعند النوم والجماع. قال ﷺ فيما رواه ابن عباس ﵄: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً» [٩] . وعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» ، وفي رواية: «وإن لم يذكر اسم الله عند طعامه، وإن لم يذكر اسم الله عند دخوله» [١٠] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» [١١] . وقد وجه النبي ﷺ أمته إلى ذكر الله لتكون هذه الأذكار حرزاً مانعاً منه، وحجاباً ساتراً عنه. قال ﷺ فيما رواه أبو هريرة وأخرجه الإمام البخاري: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كان له عدل ذلك عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك» [١٢] ، وللحديث روايات أخر. وقال ﷺ فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ : «إنه إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه، من الشيطان الرجيم قال: أقط [١٣] ، قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك حُفظ مني سائر اليوم» [١٤] . ووجه النبي ﷺ أمته إلى الاستعاذة من الشيطان وشركه إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا ناموا بوصيته العظيمة لصاحبه الصديق ﵁ فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق قال: «قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، قال: قلها إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك» [١٥] . والعلاج حين يلبِّس الشيطان على العبد صلاته فيما رواه عثمان بن أبي العاص أنه: «أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبِّسها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني» [١٦] . وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن طريق الوقاية من الشيطان وكيده هو العلم بمداخله ومخارجه ووساوسه وخواطره، ومعرفة عسكره وجنده، وأنصاره وحزبه، وكذلك معرفة منهجه الضال الفاسد في إغراء الشهوات، وإيراد الشبهات، واتخاذ الحياة الدنيا مستقراً ومقاماً، ونهاية ومآلاً، وما الحياة الدنيا إلا ممر ومعبر إلى الدار الآخرة، وحياة قصيرة فانية، قليلة زائلة. قال تعالى: [اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] (الحديد: ٢٠) . قال الإمام ابن القيم ﵀: «إن الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدواً عالماً بطرق هلاكه، وأسباب الشر الذي يلقيه فيه، متفنناً فيها، خبيراً بها، حريصاً عليها لا يفتر يقظة ولا مناماً ... أحدها: وهي غاية مراده منه أن يحول بينه وبين العلم والإيمان، فيلقيه في الكفر؛ فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح ... فإن فاتته هذه وهُدي للإسلام حرص على ما يتلو الكفر وهي البدعة، وهي أحب إليه من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها؛ لأن صاحبها يرى أنه على هدى، وفي بعض الآثار يقول إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء؛ فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ... فإن ظفر منه بهذا صيره من رعاته وأمرائه، فإن أعجزه شغله بالعمل المفضول عن ما هو أفضل منه، فإن أعجزه ذلك صار إلى تسليط حزبه يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه، ويشغل قلبه عن العلم والإرادة وسائر أعماله. فكيف يمكن أن يحترز منه من لا علم له بهذه الأمور؟ ولا بعدوه؟ ولا بما يحصن منه؟ فإنه لا ينجو من عدوه إلا من عرفه، وعرف طريقه الذي يأتيه منه، وجيشه الذي يستعين به عليه، وعرف مداخله ومخارجه، وكيفية محاربته، وبأي شيء يحاربه، وبماذا يداوي جراحه، وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه. وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم؛ فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الأمر العظيم» [١٧] . ووحي الشيطان وإيحاؤه مصدر تلقي لحياة شركية، أو خصال جاهلية بما يزينه من كفر وشرك، وفتن وبدع، وضلال وفساد؛ فهو الآمر لهم، الناهي فيهم، المطاع بينهم، قد اتخذوه إلهاً ومعبوداً، ومصدقاً ومحبوباً، وقد حذر الله عباده المؤمنين من طاعته وعبوديته والتلقي عنه، قال تعالى: [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] (يس: ٦٠) . والإلقاء بخواطر شيطانية، ووساوس إبليسية بزخرف من القول، وغرور من الأماني هو سبيل إبليس لإضلال بني آدم، وحقيقته وعدٌ مكذوب، وعهد منقوض، وشرٌ محتوم، وأمرٌ مشؤوم، يوردهم فيه إلى النار وبئس الورد المورود. والمسلم الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، فيستيقظ من غفلته وينهض من رقدته، ولا يدع الشيطان يصيب مقاتله بسهامه المسمومة، ويهتك ستر عرينه بجنوده، ولا يمكنه من خلال وساوسه وخُطواته إلى خدش أصول عقيدته، ومباني ديانته، ومعالم شريعته، فيعتصم بالله وحده ليعصمه، ويستعيذ بالله وحده ليعيذه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 4523

قضايا دعوية دور تحفيظ القرآن الكريم.. تطلعات وآمال سارة الزامل قبل عشرين عاماً مضت كان الهجر والجفاء لكتاب الله الكريم من قِبَل كثير من المسلمين والمسلمات هجراً ظاهراً ملموساً في كثير من البلدان. كان الواحد منهم يبيت الليالي الطوال؛ بل الشهر والشهرين، إن لم تكن أشهر الحول كلها، وهو لا يُمس ولا يُفتح المصحف إلا لحاجة عارضة - دراسة رسمية، مسابقة رمضانية وغير ذلك - دون التلاوة التعبدية ودون الحفظ والفهم والامتثال لأمره.. حتى إذا ما حل الشهر الكريم، وكان لبعض الناس معه وقفات وجلسات متقطعة، فإنه لا يلبث أن يرتحل عنه مع ارتحال ذلك الموسم الكريم. في السنين الماضية لم نكن نسمع عن حافظات لكتاب الله في صفوف نسائنا وبنياتنا، بل كانت الكثيرات منهن يتداعين على ألوان إعلامية هابطة رديئة، والهمم مصروفة لحفظ كل سافل ورديء من شعر وغناء، بينما الصدور تكاد تكون خالية من آيات الذكر الحكيم، حتى آيات الكفاية في خاتمة البقرة، وآيات العصمة من فتنة المسيح الدجال من أوائل سورة الكهف لم يَكُنَّ يعرفن عنها شيئاً، فضلاً عن حفظها أو فهمها أو تدبرها. وأما من كانت على نور من ربها، وعلى صلة بكتابه العزيز، فتجدها حين تريد الجلوس بين يدي كتاب الله تعالى لتتلو أو تحفظ منه شيئاً، تجدها تتوارى عن الأعين، لا بعداً عن السمعة والرياء، إنما بعداً عن التندر بها، وبالطريق الذي هديت إليه؛ إذ إن الاتصال بكتاب الله إشارة بأن هذه خطوة في طريق العودة إلى صراطه المستقيم، وقد كانت الندرة - إذ ذاك - في أهل الخير والمعينين عليه. والله المستعان. وأما اليوم فهذه جموع من نساء المؤمنين يُفِقْن ويَعُدْنَ إلى كتاب ربهن عَوْداً حميداً جميلاً صادقاً، متوجاً بتاج العزة والثقة به وبخبره، كلٌّ منهن ترجو وعده وتخاف وعيده، وتقف عند نهيه، وتستجيب لأمره - كل واحدة على قدرها وطاقتها. وها هي الأموال الزكية الطاهرة، والأيادي العاملة الصادقة، تشيد البناء، وترص اللبنات.. وتدير حلقات القرآن في كل مكان حتى بلغت مدارس تحفيظ القرآن المئات، يرتادها عشرات الألوف من النساء؛ فلله الحمد والمنة. وها هي حافلات دور القرآن تشق شوارع المدن لتعلن على الملأ أن الأمة عادت لربها.. ونهضت.. والتفتت إلى مصدر عزها ونورها، ومصدر مجدها وسؤددها، ولتعلن أن الأمة وإن طالت بها رقدة فإن اليقظة نهاية كل ضياع. وهذه براعم الدور وهن يرتلن الآيات العزيزة مجودةً تجويداً يأخذ بالألباب. وها هو القرآن حياً كاملاً.. ينبض في صدور فتيات الإسلام، وهن بعدُ لم يتخطين ما يسمى مرحلة مراهقة حتمية التجاوزات الطويلة العريضة الـ.. الـ..، والتي يقال لا بد منها ولا بد من غض الطرف عنها، ريثما تنتهي ويعود صاحبها متى ما شاء أن يعود إلى الصواب. ولكبيرات السن وللأمهات بل وللجدات، عودة موفقة والتفافة حميمة على مائدة وحي السماء، والاسترواح في ظلاله ورياضه.. وبعد أن كان الكثير منهن لا تُحسن قراءة أمِّ الكتاب، ولا تدرك معنى ونفع وِرْد الصباح والمساء، وكل ما تحمله دعوات وتعويذات ورثتها عن الآباء والأجداد، ولا يخلو بعضها من مآخذ شرعية، ولكنها اليوم وعلى مقاعد الدور أصبحت ترتل الآيات.. وتحفظ منها، وتتدبرها.. والكثير.. الكثير منهن حفظن الزهراوين، وحفظن أذكار اليوم والليلة، بل ومنهن من حفظت الأربعين النووية فلله الحمد والمنة. وبالجملة فإنّ هذا الكتاب الكريم شغل وقت فئات من النساء.. شغلهن بتلاوته وحفظه، وتدبر معانيه وتفهمها، وبالذهاب إلى دوره والإياب منها، وارتقى بهن عن كثير من سفاسف الأمور وتوافهها، وعلى عتبة الدور عقدن وأقمن روابط أخوية ودية إيمانية، نتج عنها صور وألوان من الطاعات، والقربات، ما كان من طريق إليها لولا هذه البيوت المضيئة - والحمد والفضل لله أولاً وآخراً -. ولا يسع المؤمن المحب لله وكتابه وهو يرى هذا كله، إلا أن يستبشر ويُبشر به، لا سيما ونحن في زمن يتسابق ويتسارع فيه أئمة الباطل، ودعاة الرذيلة إلى تغريب نساء الأمة وصدهن على سبيل ربها.. فاللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد. ثم الدعاء الصادق الحار لكل مساهم ومشارك في تأسيس هذه الصروح الدعوية النسائية، وفي متابعتها، ودعمها، وحمل همها، والوقوف مع أهلها، وكيف هي مشاعر أولئك الجُند لو رأوا أمهات الدور - كبيرات السن الصوّامات القوّامات - وهن يرفعن أكف الضراعة بين يدي الجواد الكريم وفي ساعات فاضلة يسألنه لكم التوفيق والثبات، وأن يبارك لكم وفيكم، ويحفظكم وأهليكم، ويرفع درجتكم، ويغفر خطيئتكم، نظير ما قدمتم - وتقدمون - من جهود لأهل الله وخاصته. * احتياجات ومطالب الدور: بعد هذه الإضاءات التي فرضت نفسها ننتقل إلى الاتجاه الآخر المعني بأمر هذه الرسالة وهو «احتياجات ومطالب الدور» . وكما أننا نسعى لتكميل وتحسين بيوتنا وتشييدها، بل وتزيينها ونستشير بذلك كثيراً، ونفرح بمن يمدنا برأي أو مشورة، فمن هذا المنطلق أرجو أن تُعامل هذه الدور. وقبل البدء في ذكر المتطلبات أشير إلى نقاط: أ - وإن كانت هذه رسالة عامة لكل من يهمه أمر القرآن ودوره إلا أنها تعني بالدرجة الأولى كل من وفقه الله وشرفه بالقيام عليها، من الدعاة وطلبة العلم. ب - ما سيذكر من ملاحظات ومتطلبات لا يعني وجودها في كل دار. ج - هناك مطالب لم يتطرق إليها مع أهميتها؛ ذلك أن التطرق كان للأمور التي يمكن تحصيلها وتكميلها. د - هذه الأسطر لا تعدو أن تكون تطلعات ورؤى شخصية قابلة للأخذ والرد والنقاش، وإني لأرجو أن تثمر تجاوباً من قِبَل الأخوات الفاضلات منسوبات الدور ليدلين بإضافات أخرى أو تعقيب على ما سيذكر. - أُولى المتطلبات: المورد المالي: المادة وكما يقال عصب الحياة، وعنصر بقائها وتجديدها وتطويرها، وكم هي الدعوات الباطلة، والمؤسسات التدميرية ما كان لها أن تقوم وتعيش وتؤثر في غيرها لولا وفرة المال وسيولته الداعمة، وإن كان الحق ممثلاً بمنهجه وأهله ومؤسساته لا يحتاج إلى كثير مال كالذي تحتاجه تلك المؤسسات، إلا أنه لن يكتب له التقدم والتسيد ما لم يولَ هذا الأمر حقه من الاهتمام والبحث والسعي في تحصيله وتنميته، ولفت النظر دوماً لضرورته في عملية الدعوة والإصلاح والتأثير والتمكين.. فكم هي المشاريع الإصلاحية والتربوية التي تتأخر، وتتعثر، وتضعف، بل وبعضها يموت مع ميلاده لفقد المدد المالي. لذا ودور القرآن وهي محضن ومركز دعوي وتربوي، يلتحق فيه شرائح نسائية متباينة عمراً وتعليماً وثقافة وثراء والتزاماً يحتاج إلى توفر المال أيما حاجة، ويفترض فيمن يهمه أمر نساء المؤمنين ودعوتهن، وتزكية نفوسهن، والسمو بها عما لا يليق بأهل العفاف والنبل والإيمان، أن يشمروا عن سواعد الجد وينهضوا عملياً لا نظرياً برسم خطط مدروسة لتأمين هذا العنصر الحيوي الهام ولو كمثال جمع رأس مال ضخم ليستثمر وينمى من قِبَل أمناء أقوياء، يملكون قدراً من المهارة والدراية في هذه الصنعة.. حتى إذا قام المشروع واستوى على سوقه، يتولى من ثم الصرف على الدور وتغذيتها بالمواد اللازمة لحياتها وعطائها، وبهذا ستنتعش وتنشط وتتقدم في جوانب كثيرة، وقبل ذلك تحفظ لها ماء وجهها الذي أريق كثيراً.. كثيراً على خطابات الاستجداء والتسول التي ما برحت ومنذ قيامها وكحال الكثير من المؤسسات الخيرية لا تبني ولا تعطي إلا من جيب محسن أو مجامل [١] ! وثمة وقفات بين يدي هذا المطلب: أ - يقترح أن تكون هناك لجان مالية تابعة للدور - كأن تكون لجنة لكل عشر دور متجاورة - مهمتها تنمية الموارد المالية والإشراف على الصادر والوارد، ومتابعة احتياجات الدور عن قرب، ولتنشئ حالة من التوازن بين الإمكانيات والاحتياجات، وكذلك توكل إليها بعض المهام.. كشراء ما يُحتاج إليه من جوائز الدراسة والمتسابقات، وأيضاً توفير متطلبات المكتبة والمقصف.. وما شابه ذلك، ففي هذه الخطوة كسب كبير؛ منه: - توحيد الصندوق المالي لعدد من الدور؛ وهذا فيه من الفوائد الشيء الكثير. - توحيد عملية الشراء وتوفير المواد واختيارها وتحديدها كماً وكيفاً في آن واحد، وهذا يحفظ للدور جهداً مالياً وآخر بشرياً. - أيضاً من إيجابيات هذه الخطوة وهو مهم أن يوفر ويحفظ وقت وجهد مديرات الدور ومعلماتها، من أن يستنزف ويهدر في كثرة الخروج والتسوق وطول الوقوف والتردد على أبواب المكتبات، والتنقل من الأسواق الشعبية إلى المتاجر الصغيرة والبسطات الأرضية، هذه الخطوة ستحفظ وتوفر لهن الجهد والوقت ليصرفنه فيما يناسب طبيعتهن وقدراتهن، سواء في بيوت القرآن أو في بيوتهن الأسرية. ب - الحد والتقليل من صرف الجوائز.. كان للجوائز والحوافز ضرورة لشد وجذب نفوس الصغار والكبار إلى حلقات القرآن؛ هذا يوم أن كانت الدور مستحدثة وطارئة في المجتمع.. أما وهي قد بلغت هذا العدد، وحوت وجذبت الأعداد الكبيرة، والإقبال عليها في تزايد ملحوظ، فلا شك أن الحاجة إليها أقل من ذي قبل [*] . لذا لو أُعيد النظر في هذا الأمر الذي أثقل كواهل الدور، والذي أيضاً لا يساوي شيئاً في نظر بعض الدارسات؛ إما لتكرار ما تحوز عليه، وإما لبساطتها ورداءة صنعتها، وإما لغير ذلك. وربما أن هناك أساسيات تفتقدها مكتبة الدار توفيرها أنفع وأجدى للدارسة من هذه الجوائز، بل مما يجب التنبيه عليه حول هذه النقطة وحتى لا تختلط الوسائل بالغايات عند جيل القرآن، لا بد من صياغة جديدة تُفعَّل فيها الأهداف والمقاصد - لا الوسائل والحوافز - كما تقول النظرية التربوية الحديثة: «وضوح الأهداف والغايات أمام التلاميذ ومدى اهتمامهم بتحقيقها يشكل الدافع الأساس للتعلم» . لذا يفترض أن نقف قليلاً ونراجع وسائلنا وإلى أي شيء بلغت، وماذا حققت؟ يفترض في هذه الفترة النشطة من حياة الدور، والتي يقابلها نشاط أكثر وحركة أسرع في الاتجاه الآخر - الانفتاح الثقافي / الفكري / الإعلامي اللامحدود واللامضبوط - تحفيز النفوس، وشدها، وجذبها إلى حِلَق العلم بأمر آخر غير طقم الصحون وطقم القدور وما شابه ذلك، وأن تربى الدارسة على حب الله وعلى حب كتابه العزيز، وليُزرع ويغرس في عقلها، وقلبها، وفكرها أن هذا الكتاب الذي يُجتمع ويُتفرق عليه، إنما هو منهج الفلاح والنجاة من الفتن والأهواء، ومنهج للحياة الطيبة الرحبة، وأنها مُطالبة بإقامة حدوده لا حروفه فحسب، وأن التفاضل في تعظيمها والاستجابة لها، وأيضاً تُنبه إلى السنن الإلهية حين تُعرِض الأمة عنه وتجعل أمره وراء ظهرها، فلن يكون إلا الذل والهون. تعزز هذه المفاهيم والمحاذير لطالبة الدار بالوقوف مع الآيات وأسرارها وبدائعها، وما يظهر في تشريعها من حِكَم ولطائف، وما تحمله من كشف للشبهات والادعاءات التي تنسج وتصاغ لاغتيال فضيلة المرأة بل وعقيدتها معاً، وإذا نجحنا في توصيل هذه الرسالة إلى قلبها فهذا أقوى رابط يربطها بالدار وبالقرآن. - المطلب الثاني: توفير العنصر البشري المتأهل الفعال والمال، وهذان العنصران - كما هو معلوم - متلازمان لا ينفكان، بل هما للعمل والإنتاج كالجناحين للطائر. وإن كانت بعض الدور لا تخلو من نخب فعالة تبذل وتعطي، على بصيرة من أمرها، إلا أن الحاجة أكبر، والأعداد الموجودة لا تفي ولا تكفي؛ لذلك ولتحقيق قدر من هذا المطلب يُقترح أمور منها: أ - الاعتناء والاهتمام بالطالبات المتميزات - تديناً وخلقاً وأدوات القدرة على التلقي والمهارة - وحثهن على الاستمرار ومواصلة الطلب، ومساعدتهن في التغلب على ما قد يجدنه في طريقهن من معوقات أسرية وغير ذلك، ثم تنمية مهاراتهن وتطوير قدراتهن، ووضع البرامج العلمية والتثقيفية والتربوية لتهيئتهن تهيئة مستقبلية ليتأهلنَ للقيام بمهام إدارية وتعليمية في دور القرآن. ب - إقامة مركز أو معهد تدريبي ترعاه مؤسسة تعليمية أو خيرية شكلاً ومضموناً يستقطب له المؤهلات من طالبات العلم، والمتخصصات في التربية والدعوة والاجتماع؛ ليقمن ويشرفن عليه ويعلمن فيه؛ والغاية منه هي مساعدة وتقوية الفئات الضعيفة التي تعمل في الهيئات الإدارية والتعليمية داخل الدور. وحتى لا تتعطل الدراسة أو تتأخر يمكن أن تفرغ العاملات على طريقة الدفعات؛ كأن تُنتدب للدراسة من كل دار ثلاث معلمات وإدارية. ولأجل تحقيق نتيجة جيدة فعالة من هذا المركز، ولضمان أن الدارسة أخذت قسطاً كافياً من المواد العلمية والتربوية، يفترض ألا تقل مدة كل دورة عن ستة أشهر، أو عام دراسي كامل تمنح بعدها شهادة تشهد لها بمستواها وعطائها وتعاملها وتجاوبها مع برامجه ودروسه، ثم يعدن إلى دورهن، لتلتحق دفعة أخرى في الدورة التالية.. ثم دفعة ثالثة.. ثم بعد ذلك ها هي دور القرآن وقد حظيت بقدوات حسنة، وبنخب وخامات طيبة فعالة صنعت لها صنعاً وستدفن حينئذ ذكريات الماضي.. من حالات النقص والتقصير وسوء التدبير والتخطيط الناتجة ومظاهر الضعف في التأهيل والإعداد. ت - دأبت كثير من الدور على تسطير وتنظيم خطابات للأغنياء والمحسنين لأجل الوقوف معها ودعمها مادياً، لكن هل قامت بالعمل نفسه وصاغت خطابات الدعوة والحث على الوقوف معها وقوفاً علمياً وتربوياً؟! أظن أن هذا لم يكن مع ضرورته وأهميته وإيجابيته؛ ذلك أن هناك طائفة من النساء الخيرات؛ الدور بحاجة إلى عطائهن، وحيث إن النفس بدون التذكير والتنبيه قد تفتر ولا تبادر من ذاتها، وربما ترى أن في عرضها شيئاً ما - كالتزكية والاكتساب - تراها لا تقدم من نفسها؛ لذا حري بالدور أن تبحث وتتقصى عنهن وتكاتبهن، بل وتكاتب أولياءهن وتحثهم على ذلك وتشكر لهم وقفتهم. ث - وحتى لا تفقد الدور بعض منسوباتها النشطات يجب أن تعنى بهن، وتنظر وتقدر أحوالهن الخاصة والعامة، ويفتح المجال لهن ليبدين ما يجدنه من أمور وملاحظات هي في صالح الدور ومنهجها - ويشجعن على ذلك. كذلك تذلل لهن الطريق وتزال عقباته ما أمكن. أيضاً من العناية بهن مناصحتهن وتقويمهن عند التجاوزات البشرية التي لا يسلم منها أحد برفق ولين، بدلاً من إنهاء التعامل عند حدوث شيء منها. - المطلب الثالث: إعداد منهج دراسي متميز لدارسات الدور، يشمل جميع المواد التي تحتاجها طالبة الدار من القرآن الكريم، التفسير، العقيدة، الفقه، الحديث، وجملة مختارة منتقاة من كتب السير والأخلاق والتربية والتوعية. ثم يقسم على مستويات الأعمار والتحصيل العلمي، وتلزم كل طالبة بدراسته وتفهمه، وتمنع أن تنتقل من مستوى إلى مستوى آخر قبل تجاوزها إياه ونجاحها فيه. فكثيراً ما نرى الدارسة تقضي سنوات عديدة وحصيلتها دون المطلوب، وتراها اليوم تحفظ من أول القرآن وغداً من آخره وبعد غد نسيت أوله وآخره، وها هي تحفظ من جديد وتعيد وهكذا. كذلك تعاني بعض طالبات الدور من تكرار ونمطية وسلبية في مجال الدروس العلمية، والتركيز على جانب دون الآخر، وتعبر إحدى الدارسات عن ذلك بقولها: ردَّدنا أحكام النون الساكنة والتنوين دورات عديدة، حتى حفظناها كحفظنا لأسمائنا، وبالمقابل كثيراً ما نخطئ في التفريق بين واجبات الصلاة وسننها بل وأركانها، ولا زلنا نلتمس من يبين لنا أبسط الإشكاليات الفقهية الخاصة بنا معشر الفتيات. أيضاً صورة أخرى لعدم توازن العطاء العلمي حين نجد طالبة متميزة في حفظها لكتاب الله وإتقانها وإقامتها لحروفه بشكل جيد، بينما الفجوة بينها وبين حدوده وتعاليمه فجوة ظاهرة، وما ذاك إلا نتيجة تغليب جانب على آخر، وربما أن هذا الآخر هو أهم وأنجى وأنفع للطالبة. - المطلب الرابع: إزالة العقبات التي تؤثر على عطاء بعض المعلمات والإداريات والتي قد تضعف من فاعليتهن، ومن أبرزها والتي يتفق علهين الكثير من الأخوات ما يلي: أ - كثرة عدد الطالبات في الفصل، ومعه التفاوت في مستويات الحفظ والمراجعة؛ فكل يحفظ ويراجع حسب ما وصل إليه، وقد ينقسم الفصل إلى خمس مجموعات أو أكثر؛ وهذا يشكل على المعلمة عبئاً من حيث المتابعة، والتعليم، كذلك تقل الفائدة من عملية التلقين، ويصعب معه تقويم وتقدير عطاء المعلمة، وأيضاً يصعب معه تقدير استجابة المتعلمة. ب - المواصلات: هذه عقبة تذكرها كثير من العاملات، وربما حالت دون استمراريتها في عملها؛ فحين لا تجد المواصلات الخاصة تضطر إلى الالتحاق مع حافلة الدار.. وهنا تكمن المشكلة؛ فمواعيد حضور وانصراف الحافلات متعبة وغير مناسبة لكثير من الأخوات اللاتي لديهن التزامات بيتية، وربما التزامات أخرى كعمل صباحي وغيره؛ فالحافلة تجيء الساعة الثالثة قبل أذان العصر، وتعود بها السابعة بعد المغرب، وشتاء توافق أذان العشاء وما بعده، فهذه أربع ساعات تصرفها كل مساء خارج بيتها، وبعيدة عن أطفالها أو أسرتها ومهامها الخاصة، علماً أن وقت درسها داخل الحلقة ساعة ونصف، وإن طال فلا يزيد عن الساعتين. وللتغلب على هذه المشكلة أو لتخفيفها، يُقترح أمور ثلاثة: أولها: أن ينظر في أمر تعيين وقبول المعلمات؛ بحيث تكون الأولوية - في حال التكافؤ وتوافر الشروط - لمن هي أقرب موقعاً من الدار؛ ذلك أن هناك من المعلمات من تمر على عدد من الدور في ذهابها وإيابها من وإلى عملها؛ فلو نقلت إلى أيها أقرب لبيتها لكان خيراً لها. ولندع بعض المجاملات وبعض الأهواء الشخصية [٢] جانباً؛ فتقديم المصلحة العامة أوْلى. الأمر الثاني: أن نملك نظرة مستقبلية، حين نهتم بالطالبات المتميزات، واللاتي يسكُنَّ جوار الدار، وربما لا يحتجن - أصلاً - إلى مواصلات لقرب السكن، هؤلاء يفترض العناية بهن عناية خاصة وإعدادهن وتأهيلهن للقيام بالتعليم أو العمل الإداري في الدار ليشغلن أماكن الأخوات اللاتي يبعدن عن المقر. ثالثاً: أن توفر حافلة صغيرة خاصة للعاملات - فقط - بحيث تنطلق بهن حال انتهاء الدوام، ومن لها أعمال أخرى لم تنته منها كالمناوبة وغيرها، فهذه يدبر أمرها، بحيث لا تعطل أو تؤخر جميع أخواتها الموظفات. ث - سجل المتابعة [٣] : - لا زال الكلام عن العقبات - هذا السجل ينبغي للمعلمة أن تكتب فيه بيانات دقيقة عن الطالبة وعن حفظها، ومراجعتها، وحضورها، وغيابها، وتقويم مستواها بشكل يومي، ثم تقوم في نهاية كل أسبوع برصد الدرجات - لجميع الدارسات - ثم ترصدها مرة أخرى في نهاية الشهر، ثم تقسمها على عدد الأسابيع، ثم.. وثم.. إلى آخر متطلبات هذا السجل، بمعنى أنها تعبئ كل يوم عشرة حقول لكل طالبة كما هو في النموذج التالي:

стр. 4524

تأملات دعوية شبابنا وثقافة الإنترنت محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com يندر أن تجد من يخالفك اليوم في أن كثيراً مما يتداول في الشبكة العنكبوتية وخاصة في بعض ساحات الحوار يبرز مرضاً فكرياً نعاني منه. وليس المجال مجال الحديث عن الشبكة وما يدور فيها فله ميدان آخر، إنما الذي يعنينا هنا دلالته على التفكير السائد لدى أولئك. والقاسم المشترك لدى شريحة واسعة منهم: السطحية والسذاجة الفكرية، أو السب والشتم المقذع، أو الخروج عن أدب الحوار والجدال، أو القول في الدين بغير علم.... إلى آخر تلك المآسي التي تبدو لمن يتصفح هذه المواقع. وأجزم أن هؤلاء لا يمثلون مجتمع الصحوة تمثيلاً صادقاً، لكنهم بالتأكيد شريحة وفئة ليست قليلة. إن هذه الظاهرة تدعو الغيورين على هذا الجيل الذي يفكر بهذه العقلية إلى التأمل والمراجعة؛ فهي إفراز لبعض جوانب الخلل والإخفاق في الواقع التربوي. ونتساءل هاهنا: إلى أي حد نتوقع من هذا الجيل الذي يفكر بهذه العقلية أن يسهم في مشروع الإصلاح والبناء المناط بهذه الصحوة؟ وهل مثل هؤلاء على مستوى التحديات التي تواجه الأمة اليوم؟ إن المربين والمصلحين بحاجة إلى أن يضعوا ضمن برنامج عملهم الارتقاء بهذا الجيل، وأن يوظفوا مثل هذه المشكلات في فهم الثغرات التربوية لدى الشباب. ومن الوسائل التي ينبغي أن يعنى بها في التعامل مع هذه المشكلة: ١ - تحقيق المزيد من التواصل مع الشباب، وفتح الصدور والقلوب لهم، والصبر على ما قد يبدو من بعضهم من أخطاء؛ فهذا مدعاة لأن يقتربوا من المصلحين والمربين. ٢ - توسعة المحاضن والمجالات التربوية التي يمكن أن تستوعب هؤلاء الشباب؛ فالنماذج المتاحة لا تتلاءم مع الحاجة المتزايدة، وإمكاناتها العددية لا تستوعب كثيراً من الشباب، كما أن النمط السائد فيها لا يلائم كافة الشرائح، فلا بد من تعدد الأنماط واتساع أفق المربين لاستيعاب مجالات عمل متنوعة تستوعب كافة الفئات. ٣ - الاعتناء بالبناء العلمي والفكري، وإثراء الساحة بالمزيد مما يسهم في الارتقاء بالشباب، بدلاً من التركيز على الخطاب العاطفي وحده؛ فالساحة الدعوية اليوم يسيطر عليها الخطاب العاطفي والحماسي، ومع أهميته وتأثيره إلا أن المبالغة فيه تؤدي إلى إيجاد جيل يندفع مع العواطف ويقنعه هذا اللون أكثر من الخطاب المنطقي العقلي. ٤ - الاعتناء بتيسير المادة الفكرية والعلمية التي تستهدف الشباب؛ فكثير مما يقدم لا يتلاءم مع مستوياتهم فلا يحظى بالقبول لديهم. ٥ - مراجعة الأهداف التربوية، وتحقيق مزيد من الاهتمام بتنمية الجوانب العقلية، والارتقاء بمهارات التفكير لدى الشباب، والتخفيف من التركيز على تقديم المادة العلمية والثقافية من خلال خط اتصالي وحيد الاتجاه. ٦ - توسيع دائرة الحوار المباشر والتدريب على مهاراته داخل البرامج واللقاءات التي تقدم للشباب. ٧ - تهيئة مجالات وفرص عمل دعوية واسعة على شبكة الإنترنت لتكون بديلاً لهؤلاء الشباب يصرفون فيها جزءاً من أوقاتهم التي يصرفونها على الشبكة.

стр. 4525

البيان الأدبي رشفات من اللغة المحرر الأدبي * شهر المحرَّم لغةً: - هو أول شهور السنة، وسمته العرب بذلك؛ لأنهم كانوا يحرِّمون فيه القتال. - ويجمع على محرَّمات ومحارم ومحاريم. - وكانت العرب القديمة تسميه المُؤْتَمِر. - وجاء في الحديث الصحيح تسميته بشهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله. - ويقال: حَرَمْنا وأَحْرَمْنا: إذا دخلنا في الشهر الحرام. * الوَفَيَات والوَفِيَّات: يخلط بعض المتكلمين بينهما، فيظنون (وَفِيَّات) جمع (وفاة) ، فيقولون: صفحة الوَفِيّات، أو كتاب وَفِيّات الأعيان، والصواب أن (وَفِيّات) جمع (وَفِيّة) من الوفاء، أما (وفاة) فجمعها (وَفَيَات) . * كتاب أدب الكاتب: (أدب الكاتب) أو (أدب الكُتَّاب) كتاب لابن قتيبة عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ) ، قسمه أربعة كتب: الأول كتاب المعرفة، وفيه تكلم على المعاني الدقيقة لأوصاف الناس والحيوان واللباس والطعام ... والفروق اللغوية بين المتشابهات، والباب الثاني تقويم اليد، وفيه تكلم على قواعد الإملاء والنحو، والباب الثالث تقويم اللسان، وفيه تكلم على الكلمات المتقاربة في النطق المختلفة في المعنى، وذكر ما تخطئ به العامة من ذلك، والكتاب الرابع الأبنية، وفيه أبنية الأسماء والأفعال ومعانيها والفروق بينها. * أسماء الحُسْن: من دقة العربية أن جعلت لبعض المعاني ألفاظاً عامة وخاصة؛ فالحسن لفظ عام لكل حسن، ومن ألفاظه الخاصة أن الحسن في الأنف جمال، وفي العينين حلاوة، وفي الوجه صَباحة، وفي الفم مَلاحة، وفي اللسان ظَرف، وفي القدّ رَشاقة، وفي البَشَرة وَضاءة، وفي الأخلاق لباقة. * أخطاء شائعة: - حججتُ إلى البيت الحرام، والصواب حججتُه؛ لأن الفعل (حجَّ) متعدٍّ بنفسه. - أمر خطير (أي ذو خطر) ، والصواب: خَطِر، لأن الخطير ذو القدر والمنزلة. - نافوخ، والصواب يَأْفُوخ ويافُوخ. - مكائد ومعائب، والصواب مكايد ومعايب؛ لأن الياء أصلية من الكيد والعيب. - مُنْتَزَه، والصواب: مُتَنَزَّه؛ لأن الفعل تَنَزّه، لا انتزه. * بدائل عربية: - بالونة، والبديل: نُفَّاخة. - مايكرفون، والبديل: لاقطة. - البترول، والبديل: النِّفْط. - المايونيز، والبديل: البَيْضِيَّة. - اللون البيج، والبديل: الجَوْزي، نسبة إلى الجوز. * أمثال: - نواصي الخيل: للعز والرفعة. - شمس العصر: لما قرب انقضاؤه. - حاطب ليل: لمن يُكثر ولا يدقق ويحقق. - سفينة نوح: لسبب السلامة، وللشيء الجامع. - فرسا رِهان: للمتماثلين. * اشتقاق صفة الشيء من اسمه: ويكون ذلك للمبالغة، نحو: ظل ظليل، وجُهْد جاهد (كبير) ، وساعة سَوْعاء (أليمة) ، وليلة ليلاء، وحِرْز حَرِيْز (حصين) ، ووَيْل وائل (شديد) ، وشُغْل شاغل. * قاعدة المستثنى: لإعراب المستثنى أحكام كثيرة ومتشعبة، يمكن اختصار أغلبها وأشيعها، لغير المتخصص ليصح نطقه في هذه القاعدة الموجزة، فأسلوب الاستثناء: - إما أن يذكر فيه المستثنى منه فتنصب المستثنى، نحو: وافقت عليه الدولُ [المستثنى منه] إلا دولةً [المستثنى] أو دولتين أو ثلاثاً، ونحو: لم توافق عليه الدولُ إلا دولةً إلا دولتين أو ثلاثاً. - وإما ألا يذكر فيه المستثنى منه فتعرب المستثنى بحسب ما قبل (إلا) ، وذلك بأن تلغي (إلا) والنافي قبلها، نحو: لم يُوافق عليه إلا دولةٌ [فاعل يوافق] أو دولتان، ونحو: ما أكرمتُ إلا محمداً [مفعول به لأكرم] ، ما وافقت الدولُ إلا خوفاً [مفعول لأجله] ، ونحو: ما جاء محمد إلا باسماً [حال] . * تنبيه: نشكر الإخوة الأدباء واللغويين على حرصهم وتجاوبهم، ونأمل أن يراعي المشاركون ما يأتي: ١- أن تكون المشاركة بالعربية الفصحى. ٢- ألا تزيد القصيدة على ٢٠ - ٢٥ بيتاً. ٣- ألا تزيد القصة على صفحة ونصف صفحة. ٤- ذكر اسم صاحب المشاركة، وعنوانه، وهاتفه. ٥- تنوع المشاركات ما بين قصيدة، وقصة، ومقامة، ومقالة، ومسرحية، ودراسة، ونقد.

стр. 4526

البيان الأدبي خطوة للقضاء على (الدكاترة) د. أم. ع؟ سليمان بن عبد العزيز العيوني ما زال الغُيُر من أبناء الأمة يدعون إلى تنقية اللغة العربية من أدران العجمة، وكلام السلف الصالح في ذم الرطانة بالأعجمية، أو خلط العربية بالأعجمية مشهور مذكور. ويشتد النكير إذا كانت تلك الكلمات الأعجمية ذات أصول دينية، كلفظة (دكتور) ، التي وإن كانت أصولها تضرب في الإغريقية أو اللاتينية أطلقها اليهود على العالم بشريعتهم، وأطلقها النصارى على مفسِّر كتبهم المقدسة. ويشتد النكير أكثر إذا ولغت هذه الألفاظ الأعجمية في منابع العلم، ورتعت في معاقله، وصارت ألقاباً لدرجاته، وشعاراً على صدور أهله. ويشتد النكير أكثر وأكثر إذا أطلقت هذه الألفاظ الأعجمية على تلك الألقاب والدرجات رسمياً، وأقرتها أعلى المجالس المختصة، ووافق عليها المسؤولون. ومن تلك الألفاظ التي ينطبق عليها ما سبق لفظة (دكتوراه) ، ويسمى صاحبها بـ (دكتور) ، ونحوها أختها (ماجستير) ، ولا أعرف بِمَ يسمى صاحبها من اسمها، اللتان استشرى البلاء بهما في طول العالم الإسلامي وعرضه إلا ما شاء الله. وقد قامت جهود مشكورة لإيجاد بديل مناسب لهاتين اللفظتين الأعجميتين، من أفراد وجهات عدة، ليس المقال لذكرها، ولكنها جهود مذكورة مشكورة، ومأجورة بإذن الله. ومن هذه البدائل (العَالمِيَّة) عن (الماجستير) ، و (العَالمِيَّة العالية) عن (الدكتوراه) ، ولا يَقُلْ أحد إن هاتين اللفظتين منتشرتان جداً، ويصعب اقتلاعهما؛ لأن انتشارهما «في الحقيقة لا يعدو أن يكون كالوَعْكة والصُّداع العارض ما يلبث أن يزول، ما دام أن ثَمَّةَ جهداً متواصلاً ونَزْعَةً متينة للتعريب» [١] . وأقر بأن انتشار مثل هذه الألفاظ ليس المرض، ولكنه من أعراض المرض الأكبر، وهو التخلف الحضاري الذي تتمرغ فيه الأمة الإسلامية، وأن هذه الألفاظ نتاج دول وحضارات تقدمت علينا في الصناعات والعلوم المادية، وأنها نشرت مع صناعاتها وعلومها لغتها ومصطلحاتها، ولكن كل ذلك لا يعني ترك علاج ما نستطيع علاجه من أعراض المرض، حتى يأذن الله للمسلمين بالدخول على المرض في وكره، واقتلاعه من جذوره. ومن تلك الخطوات الحضارية على الطريق الصحيح، التي انتصرت للتعريب على التغريب، وتستحق أن تكتب بماء الفخر على جبهة اللغة العربية اليوم ما أقره مجلس التعليم العالي في المملكة العربية السعودية في جلسته السادسة في ٢٦/٨/١٤١٧هـ، المتوج بموافقة رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس التعليم العالي في ١٧/٦/١٤١٨هـ المتضمن اللائحة الموحدة للدراسات العليا في الجامعات السعودية التي جاء في المادة الثانية منها ما نصه: «يمنح مجلس الجامعات الدرجات العلمية الآتية، بناءً على توصية مجلس القسم والكلية وتأييد مجلس عمادة الدراسات العليا: ١ - الدبلوم. ٢ - الماجستير (العالمِيَّة) . ٣ - الدكتوراه (العالمِيَّة العالية) » [٢] . وقد أسعدنا هذا القرار، ونأمل أن تتبعه خطوات أخرى أعمق في الإصلاح اللغوي، وأحب أن أعلق على المادة السابقة منبهاً ومقترحاً: ١ - لم تضع المادة بديلاً للفظة (الدبلوم) ، ومن البدائل المقترحة لها كلمة (براءة) ، ولا أرى أن نجعل بديلها كلمة (العالية) ؛ لكي لا تلتبس ببديل (الدكتوراه) . ٢ - وضعت المادة اللفظة الأعجمية أولاً، وبعدها البديل العربي بين قوسين، ولعل هذا من شدة انتشار اللفظتين الأعجميتين، ونرجو أن تكون هذه الخطوة الأولى، ويتلوها وضع الكلمة العربية أولاً، بعدها الأعجمية بين قوسين، ويتلوهما الاكتفاء بالكلمة العربية، والاستغناء عن اللفظة الأعجمية، والتعجيل بهذا سيخدم الأمر الآتي. ٣ - مضى على القرار أكثر من خمس سنوات، وبدأت البدائل العربية تشقُّ طريقها بقوة إلى الرسائل الجامعية، والمراسلات العلمية، وشيء قليل من الكتابات الصحفية، والمأمول من وزارة التعليم العالي أن تطالب الجامعات باستعمال المصطلحات العربية، والحرص عليها تمهيداً للاكتفاء بها، ولو تدريجياً، بأن يكتب المصطلحان أحدهما بين قوسين، ويفضل كون المحبوس بين قوسين الأعجمي لا العربي. كما نأمل من جميع الجامعات السعودية بأساتذتها الكرام أن تعتز بهذا الإنجاز الكبير، وأن تحرص على تطبيقه واستعماله، وأن تدعم التعريب، وتشجعه، وتدعو إلى المزيد منه. ٤ - نأمل أن تكون هذه الخطوة بداية تنسيق أوسع وأشمل بقنواته الخاصة بين جامعات العالم العربي كله، للاتفاق على بدائل ومصطلحات متفق عليها لنرى حينها العربي يحمل علمه بلقب عربي لا أعجمي. ٥ - وضعت المادة أسماء عربية للدرجات العلمية (العالمِيَّة، والعالمِيَّة العالية) ، ولم تضع منها ألقاباً تطلق على الحاصلين عليها، وهو أمر لا غنى عنه؛ فالوصف اللغوي حينئذ سيكون: (صاحب العالمِيَّة أو ذو العالمية) للحاصل على العالمية (الماجستير) ، واستعماله على كل حال قليل، ولكن الملح لقب الحاصل على العالمية العالية (الدكتوراه) ، فالوصف اللغوي سيكون صاحب العالمية العالية، أو ذو العالمية العالية، ويمكن أن يختصر فيقال: ذو العالية؛ لأن من أسباب نجاح المصطلح كونه قصيراً، وأقترح أن يشتق منه اسم فاعل يكون مصطلحاً دالاً على صاحبه، فيقال: العالي فلان وجمعه العالون، والعالية فلانة وجمعه العاليات، وأن يرمز له بحرف العين (ع.) ؛ ليكون بديلاً لحرف الدال (د.) . المهم أن يصطلح على أسماء وألقاب عربية تكون بدائل متفقاً عليها عن الألفاظ الأعجمية، بين الناطقين بالضاد، والله ولي التوفيق.

стр. 4527

البيان الأدبي حوار مع الحداثيين في الصحافة الإسرائيلية يوسف رشاد [*] الحداثة ظاهرة فكرية وأدبية وشعرية ابتدعها العلمانيون لتكون نداً لكل ما هو إسلامي. والعلمانية حركة لا دينية، والحداثة منبثقة عنها، لذلك تلقفتها الأيدي اليهودية وتبنتها، واحتضنت كثيراً من دعاتها، وقد شارك عددٌ من العلمانيين عدداً من المفكرين اليهود في ندوات واجتماعات لتقارب وجهات النظر بين الطرفين، ولكن انتفاضة الشعب الفلسطيني والصدامات الدموية التي تقع بين الفلسطينيين والصهاينة اليهود حالت دون الوصول إلى أهداف وغايات كل من الطرفين، ومع ذلك لا زال اليهود يشاركون في لقاءات مع العلمانيين؛ فقد تجمع في برلين في شهر نوفمبر من العام الماضي عدد من كبار شعراء العلمانية وهم ما يُطلق عليهم بالحداثيين مع جمهرة غربية في إطار مهرجان سنوي تقيمه برلين، وقد حضره بالطبع عدد من الصحفيين الإسرائيليين الذين التقوا مع ثلاثة من كبار الحداثيين، وقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت في عددها الصادر يوم ١٥/١١/٢٠٠٢م هذا الحوار الذي دار بين مراسلها وهؤلاء الثلاثة؛ إذ قال المراسل: في هذه الأيام ليس من السهل بناء جسور بين الحضارات والثقافات، وفي الوقت الذي يتحول فيه حلم صدام الحضارات بين الغرب والشرق إلى واقع دموي مرعب ومخيف تجمّع في برلين عدد من كبار الشعراء العرب المعاصرين ينشدون أشعارهم على مدار يومين، وقد حضر عشرات من الشعراء العرب من العراق، ولبنان، ومصر، وسوريا، وفلسطين.. وفي الواقع الحالي، فإنه حتى المعتدلين من الشعراء العرب الذين شاركوا في لقاءات مع الإسرائيليين يجدون صعوبة في الموافقة على إجراء مقابلات صحفية مع صحيفة إسرائيلية؛ بيدَ أنني دُعيت مع بعض الصحفيين الإسرائيليين إلى لقاء مع ثلاثة من الشعراء العرب وهم: الفلسطيني (محمود درويش) ، والسوري (أدونيس) ، واللبناني (عباس بيضون) . وقد سعى الثلاثة إلى توجيه رسالة واضحة تقول: إن المواجهة بين الثقافات والصراع بين الحضارات يدوران حالياً داخل العالم العربي، وفي أعماقه بين مؤيدي المدنية والحداثة، وبين مؤيدي الأصولية الإسلامية، إنه صراع دائر فعلاً، والشعراء يدعون للتفاهم ويطالبون بالنجدة والمساعدة ويصرخون قائلين: «حتى لو لم يساعدنا الغرب فإننا سننتصر» (أي على الإسلاميين) . * نداء من أدونيس إلى الضمير اليهودي: ولد في عام ١٩٣٠م في سوريا من أبوين نُصَيْرِيَّيْن، ويُقيم منذ عدة أعوام في فرنسا من أهم الشعراء العرب (من وجهة النظر اليهودية) ، وأحد كبار المبدعين المحرضين والمستفزين بالمجتمع العربي، ولقد اتخذ مواقف واضحة بعد توقيع اتفاقية أوسلو تؤيد التطبيع مع (إسرائيل) والآن يسعى إلى توجيه نداء مباشر إلى ضمائر المفكرين والأدباء اليهود، ويروي «أدونيس» قائلاً: لقد مورس النشاط الثقافي من أجل السلام بين العرب واليهود خارج (إسرائيل) بصفة خاصة. إن هناك يهوداً في أنحاء متفرقة من العالم يبدون تضامناً قوياً مع الشعب الإسرائيلي ويعارضون السياسة الإسرائيلية، وهذا أمر ينبغي الترحيب به. لكني أريد أن أقول شيئاً ما ولأول مرة بشكل علني: لقد كنت أسأل محدثيّ في المناقشات والحوارات التي تجري مع المثقفين اليهود التي كنت أشارك فيها: لماذا تدافعون عن حقوق الإنسان في كل مكان بالعالم من خلال الإعلانات والنداءات والتصريحات والمظاهرات وبمختلف النشاطات في حين أنكم لم تصدروا حتى اليوم أي إعلان أو تصريح عام بشأن حقوق الإنسان الفلسطيني؟ .. إنني أريد أن أنتهز هذه المناسبة لكي أتوجه إليكم مرة أخرى بهذا النداء: «أصدروا تصريحاً أو بياناً باسم المثقفين اليهود عن حقوق الفلسطينيين لا من أجل الفلسطينيين فقط، ولكن لمصلحة الضمير اليهودي أيضاً» . ويضيف «أدونيس» : «إن أوروبا والعرب يحتاج كل منهما للآخر، والآن أكثر من أية فترة أخرى، ويؤكد: إن هناك في الشرق الأوسط ثقافة عربية ليست ثقافة إسلامية، والغرب يريد التحدث فقط مع الإسلام» الأصولي «وعلى الرغم من أن التفسير الأصولي للنصوص المقدسة يحظى بتأييد شعبي واسع فإن نقطة ضعفه تتمثل في الصلة والعلاقة بين هذا التفسير وبين القرآن. إن الإسلام لا يمت بآية صلة للديمقراطية، وكل أنظمة الحكم الإسلامية لم تكن ديمقراطية، والرعايا غير المسلمين لم يكونوا أصحاب نفس الحقوق التي يتمتع بها المسلمون، ومن ثم فإن أي نظام ديني إسلامي يتعارض من أساسه مع الديمقراطية بمفهومها الغربي.. إن الديمقراطية في العالم العربي لن تتحقق إلا إذا كان هناك فصل كامل بين الدين والدولة. وفي النهاية فقد دار في الغرب أيضاً صراع حول هذه القضية» . ويرى أدونيس أن الصراع ضد الأصولية صراع طويل، ويقول: «إنه من غير السهل التغلب على هذه الظاهرة، ذلك أنها تعتمد على تقاليد عتيقة وهي تتسلل وتتسرب إلى الحياة اليومية وإلى الحياة الأسرية، ولكل المؤسسات، وهناك أيضاً ارتباط بينها وبين المؤسسات السياسية. نحن نطالب أوروبا بعدم تأييدها أو تدعيم التيار الإسلامي.. نطالبهم بأن يدعمونا ويؤيدونا نحن المثقفين العرب، ولكننا سننجح حتى بدون مساعدتهم في التغلب على التيار الإسلامي» !! ويحاول عباس بيضون المولود في جنوب لبنان والمحرر الكبير في الصحيفة اليسارية البيروتية «السفير» هو الآخر التفرقة بشكل واضح بين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية، ويقول: «إن الحديث يجري اليوم عن الثقافة العربية كما لو كانت ثقافة إسلامية، ويتم تماماً تجاهل التقاليد الثقافية الحديثة الطويلة والضخمة الموجودة في العالم العربي في الأدب والصحافة والجامعات الأكاديمية وهي الثقافة القريبة جداً من الثقافة الغربية لا الثقافة الإسلامية. إن الأدب العربي الحديث يرضع ويستمد جذوره من الثقافة الغربية [١] . وهناك حالياً صراع بين هذه الثقافة وبين الثقافة الإسلامية. وهدف هذا الصراع وهذا الكفاح هو محاولة منع الثقافة الإسلامية من احتلال مكان الصدارة والريادة، بيد أن الثقافة الحقيقية الفاعلة والمؤثرة هي الثقافة الحديثة التي ترتبط بكثير من الأمور المشتركة مع الثقافة الغربية، وهي في حالة كفاح وصراع حالياً. ويضيف بيضون: إن الدين مدفوع ويتحرك بقوة كلمة الله لا من قوة كلمة الفرد، الإنسان. ودائماً ما يقال: إن عدم الديمقراطية هو مرض الإسلام، وأنا أقول (أي بيضون) : إن هذا المرض قائم في كل الأديان، إن الديمقراطية اختراع غربي، لكنه اختراع هش. وحتى في الدول الغربية فإنها لم تنجح دائماً في الخروج إلى حيّز التنفيذ. لقد كانت هناك في أماكن مختلفة من العالم أنظمة حكم ديمقراطية فككتها وحلتها أنظمة حكم ديكتاتورية وشمولية؛ إلا أن الكفاح من أجل الديمقراطية ضد الإسلام قد بدأ. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تريد بعد صدمة عمليات الحادي عشر من سبتمبر التي رجّت الولايات المتحدة إحداث تغيير سياسي جوهري في الشرق الأوسط، وزعزعة وتقويض أنظمة الحكم القائمة حالياً التي رعت وتبنت الأصولية الإسلامية واحتضنتها، واستبدالها بأنظمة حكم ديمقراطية وبالقوة أيضاً. وأول الأهداف الجديدة هو العراق. إنه نظام يقوّي وضعه ومكانته عن طريق افتعال مواجهات وصدامات مع الدول المجاورة، لكن التساؤل الحقيقي في هذا الصدد هو: بأي حق تسمح الولايات المتحدة لنفسها بالعمل على إسقاط هذا النظام؟ لقد ظل الأمريكيون يعملون حتى اليوم على تقوية الأنظمة الديكتاتورية بالشرق الأوسط، ولا يؤيدون أية قوة ديمقراطية بالعالم العربي. لقد ساعدوا صدام في حربه ضد إيران، إن حرب الخليج الأولى لم تجر تحت شعار الديمقراطية. وسُئل الشعراء العرب: ألا زال هناك حوار قائم بين الأدباء العرب و (الإسرائيليين) أم أن عامي الانتفاضة وقمعها مَحَوا كل ذكرى للمبادرات العديدة الداعية لحوار إبداعي بين المثقفين من جانبي المواجهة الشرق أوسطية؟ وعلى هذا السؤال أجاب محمود درويش الشاعر الوطني الفلسطيني من وجهة النظر الإسرائيلية الذي اشترك في الثمانينيات ومطلع التسعينيات أثناء منفاه في باريس في لقاءات مع أدباء (إسرائيليين) من اليسار. يقول درويش:» مستحيل أن نقول إن هناك حواراً جاداً وعميقاً ومستمراً بين مبدعين ومثقفين فلسطينيين و (إسرائيليين) ذلك أن هذا الحوار ومنذ بدايته لم يكن حواراً مُرْضياً ومتكافئاً، ذلك أن هناك عدم توازن وخللاً، ومن المحزن جداً أنه لا توجد حركة سلام بين المثقفين (الإسرائيليين) . وعلى الرغم من أشعاره العنيفة واللاذعة فإن محمود درويش يرفض لقب «شاعر المقاومة» ويقول: إنني لم أنجح حتى الآن في العثور على تعريف لمصطلح شعر المقاومة، لقد اخترع هذا التعبير الأدباء والنقاد العرب، وأطلقوه على الشعراء الذين يقيمون في (إسرائيل) . إن الشعراء الذين يعيشون في حالة قمع واحتلال يُعبرون عن احتجاجهم، لكن موضوع الشعر سواء كان مقاومة أو احتجاجاً لا يهمني. تهمني فقط الجوانب الجمالية والأخلاقية. وفي الشعر لا يوجد طرفان غير متوازنين؛ إننا نعيش في عصر العولمة، ولا يمكننا حماية أنفسنا منها، إلا أن الشعر دائماً ما كان يحمل في طياته بذور العولمة؛ ذلك أنه لا يقتصر على منطقة واحدة؛ إنه مفتوح ومتاح للجميع دونما حدود ثقافية تحده، والشعر دائماً ما يعرض قضية واحدة ووحيدة وهي قضية الجوهر، ومفهوم الوجود، ومن ثمَّ فليست لديّ أية مشكلة في فهم مشاعر غير العربي!! انتهى الحوار. هؤلاء هم شعراء الحداثة الذين لا همّ لهم إلا إزاحة التيار الإسلامي عن طريقهم بزعم أنه يسحب البساط من تحت أقدامهم كما قال «فؤاد زكريا» ؛ فشعرهم وأدبهم مستمد من الثقافة الغربية التي هي قبلتهم التي يولون وجوههم قِبَلَها، ودعوتهم التي يوجهون الشباب المنبهر بالثقافة والحضارة الغربية، وهم في ذلك يقتدون بإمامهم وشيخهم «طه حسين» صاحب كتاب: (مستقبل الثقافة في مصر) الذي دعا فيه إلى أن تكون ثقافة مصر في المستقبل ثقافة أوروبية خالصة، وأن يكون اتجاه مصر في الحياة كلها اتجاهاً أوروبياً خالصاً. من أجل هذا يتبنى اليهود أفكار وآراء مثل هذه الدعوات، ويحتضنون أصحابها، وتقام لهم الندوات والأمسيات الشعرية بزعم تقارب وجهات النظر بين الطرفين، وأن هذه الفئة من المثقفين العرب هي الفئة المستنيرة التي ينبغي على اليهود والغرب أن يمدوا لهم يد العون، ويساعدوهم على نشر أفكارهم وثقافتهم الهدامة طالما أنها ضد ما يسمى بالتيار الإسلامي.

стр. 4528

البيان الأدبي هل يمكنك أن تصبح شاعراً مروان كجك الذين يتردد في دواخلهم ومخيلاتهم الرغبة في قول الشعر، فيدفعهم ذلك ولو في خلوة مع أنفسهم إلى قول ما يظنونه شعراً أو ما يشبه الشعر، هؤلاء قد يملك كثير منهم موهبة مخبوءة أو مطمورة، تظهر وتقوى إذا ما أتيح لها جو مناسب وظرف موائم، واخترقت ما توالى عليها من ركام، ونفضت ما علاها من غبار، وقيَّض الله لها مشجعاً ناصحاً لا لاعباً لاهياً هازلاً، ولا متسلياً ساخراً؛ وقد يأخذ أصحابها طريقهم لقول شعر حقيقي جميل. والذين يمارسون أحياناً سجع الكلام هم أيضاً قد يحملون بين جوانحهم روحاً شاعرية تتوارى خلف ظروف لو تغيرت لأتاحت لهم أن يبتدئوا طريقاً حقيقية في ممارسة الشعر والارتقاء فيه صُعُداً، أو التعثر والبقاء في حدود الخطوات الأولى إن لم يجدوا من يأخذ بأيديهم، وينمي موهبتهم، ويصقل تجربتهم. إن كثيراً ممن يسمَّوْن بالشعراء العاميين أو الشعبيين من زجَّالين ونبَّاطين وغيرهم يملكون استعداداً لقول الشعر العربي الفصيح إن هم تعلموا العَروض وتشبعوا من قراءة الشعر العربي الموزون الملتزم بقواعد الشعر وفنونه، وتطلعوا إلى الارتقاء في سلم الأدب الرفيع. مما تقدم ندرك أَنَّ مَنْ مَنَحَهُ الله موهبة الاستعداد لقول الشعر يمكنه ذلك إن تحققت له الأسباب التي تدربه وتشجعه وتصقل موهبته. وهكذا ندرك أنه لا بد لمن يريد قول الشعر من توافر شرطين أساسين، هما: أ - الموهبة والاستعداد الفطري. ب - الرغبة والاندفاع. أما الخطوات الأولى لقول الشعر فتتمثل في الآتي: ١ - اختيار بيت من الشعر لأحد الشعراء، ثم القيام بحفظه والترنم به. ٢ - تقطيع هذا البيت من الشعر، ومعرفة تفعيلاته وبحره. ٣ - محاولة كتابة بيت شعر من عندك على وزن البيت السابق. ٤ - تقطيع البيت الجديد، وكتابة تفعيلاته. ٥ - تكرار المحاولة مع أبيات أخرى، وفي مناسبات عديدة. ٦ - محاولة كتابة عدة أبيات على وزن واحد. ٧ - التزام القواعد المتعلقة بالروي والقافية، والاستفادة من جوازات التغيير في التفعيلات أو الضرورات المقبولة إن دعت الحاجة إلى ذلك. ٨ - أعد قراءة ما كتبتَ من شعر عدة مرات، وحاول معرفة ما يُحتمل وجوده من الخلل وحاول إصلاحه بنفسك. ٩ - اعرض الأبيات التي كتبتها على مختص في اللغة العربية ممن له إلمام ومعرفة بالأوزان الشعرية ليرشدك وينصحك، وإياك أن تقرأ أبياتك لمن يكثر الهزء والمزاح من زملائك أو أصحابك؛ فإنه إما أن يهزأ بك ويجعل منك أضحوكة فيثبطك، أو يغشك فيحول بينك وبين الصواب [*] .

стр. 4529

البيان الأدبي أمتي.. سامحيني سيف العتيبي براكين ثائرة في الصدور.. دموع كالحمم تحرق الوجنات.. ومرارة غصّت بها الحلوق.. وبسمة اختفت وتلاشت.. بل توارت خجلاً.. فلم يعد لها مكان.. وإن ارتسمت على الشفاه.. فهي بسمة مزيفة.. لا تدل على مكنون النفس.. فكيف يهنأ موجع؟ وكيف يسلو مفجوع؟ وكيف لعين جريح أن تعرف معنى الهجوع؟ أينما نظرت لا تجد إلا جراحاً نازفة.. أشلاء متناثرة.. براءة طفولة مغتالة.. كرامة شيوخ مذلة.. وأعراض حرائر منتهكة.. شربت يا أمتي كأساً من الذلِّ والهوان.. تجرعت من كؤوس المرارة أصنافاً وألواناً.. فنصرناك بمظاهرات مشت.. وأعلام أحرقت.. وهتافات علت.. وما لبثت تلك الجموع أن تفرقت.. وذلك الهتاف أن خفت.. آلمني وأحرق وجداني.. وزلل فكري وكل كياني.. سؤالك: من الجاني؟ من بالذلّ رماني؟ قلي بربك ما دهاني؟ أي بني! تربص بي الأعداء منذ بزوغ فجري.. وحشدت الحشود لوأدي.. فلم يفتّ ذلك في عضدي.. ولم يضعف من مكانتي وقدري.. نصرني الله وأعزني بأبناء مولاهم الله.. وإمامهم محمد ﷺ .. وبيتهم المسجد.. ومذكرتهم القرآن.. وزادهم التقوى.. ولباسهم الزهد.. ومركبهم اليقين.. وطريقهم الهدى.. قل لي بربك أين هم؟ أواه يا أمتي.. لم أكن لأتخيل يوماً أنني على مجدك قد جنيت.. وعلى أملك قد قضيت.. لم أكن لأصدق يوماً أنني كنت سبباً في ذلك وهوانك.. لم أكن لأفكر يوماً بأنني بطعنة في القلب قابلت إحسانك.. قضيت حياتي كلها في الإسقاطات.. وكالببغاء أردد الشعارات.. رميت القادة العرب بتهمة التخاذل.. ونسيت أنني أول من تخاذل.. أطلقت الصفر على الألف مليون.. ونسيت أنني أول أصفارها.. نعم أصبحت صفراً عندما تناسيت أنني جزء منك إن صلحت رفعت من قدرك.. وإن فسدت كنت عدداً زائداً عليك.. لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. ولا يعز من ابتغى العزة بغير الله.. وعدنا الله بالنصر إن نحن نصرناه.. وكيف ينصره من عصاه؟ وبعد عن هداه.. واتخذ إلهه هواه.. ينبغي أن نعترف صراحة بأننا السبب في ذُلِّك وهوانك.. ينبغي لنا أن نبدأ من اليوم بترميم بنائك.. ينبغي لنا أن نعي أننا في بنائك لبنات.. فلنغير من أنفسنا لنزيد بناءك قوة وثباتاً.. حتى تعود لك عزتك.. وتعودي لسابق مجدك ورفعتك.. فهيّا أخي.. وهيّا أخيتي.. لنصنع فجراً جديداً لمجد أمتنا.. ونسأل الله العون لنا في مسيرتنا.. وليكن شعارنا «إصلاح النفس أولاً» وليكن شعارنا «حتى لا تكون كلاًّ» وليكن شعارنا «حتى لا تكون صفراً» وليكن شعارنا «فلتكن الرجل الألف» «ولتكوني المرأة الألف» .

стр. 4530

نص شعري من أناشيد الإباء عبد الله عويس محمد abdullahewis@hotmail.com اقطعوا مني الوريدج ... أبتغي موت الشهيد اصلبوني.. مزقوني ... كبّلوني بالحديد كفنوني في ثيابي ... في دمائي تلك.. هيّا واجمعوا أشلاء جسمي ... وادفنوها في الثريا إنما أهوى حياتي ... حينما نحيا رجال وأرى رايات قومي ... راسخاتٍ كالجبال يا أسود الله هيا ... فغداً يومُ النزال فيه بالتكبير يشدو ... فوق أقصانا بلال ليس في الإمكان إلا ... أن أضحي بالدماء فأنا مذ كنت طفلاً ... كان من طبعي الإباء كان لا يُسمع صوتي ... في أنين، أو بكاء رغم أني كنت أحبو ... كان أنفي في السماء

стр. 4531

نص شعري سباعيات الشِّعر والشَّعير د. محمد ظافر الشهري alshahri_m@yahoo.com ... عند أولى العلم والرشادِ ... لا يستوي الخلدُ والسعيرُ وعند لُقياكَ للأعادي ... لا تستوي الخيل والحميرُ وعند داعٍ إلى الجهاد ... لا يستوي الندب والنفيرُ وعند نومي على الوساد ... لا يستوي الليف والحريرُ وعند مَن أُفرِدوا بِضادِ ... لم يستوِ الشِّعر والشَّعيرُ فالشعر يشكو من الكساد ... والخبزُ طُلاّبُه كثيرُ مَطالِعُ اليومِ: ليتَ زادي! ... هل أيسَرَ الشاعرُ الفقيرُ! الغش «بالدش» أخي يا صاحب «الدشِّ» ... أراك إلى الردى تمشي وتضرم ضاحكاً ناراً ... على بيت من القش وأنت كطائر يأوي ... بثعبان إلى العش أترضى منزلاً يُبنى ... على الإجرام والفحش ألا تخشى بأن ينهار ... فوق أساسه الهش أخي إن أنت لم تخرجه ... قبل مسيرة النعش ستلقى الله غشاشاً ... وبئس عقوبة الغش

стр. 4532

نص شعري لا تقل محمد بن عائض القرني مع التحية إلى الشاعر (الدكتور) عبد الرحمن العشماوي وفقه الله. صدى قصيدته العصماء: (بيان من أشلاء طفل) . لا تقل: عملاقنا اليوم تقزم ... لا تقل: أحلامنا البيضاء تُهدم لا تقل: متنا فما مات فتى ... وهب النفس لباريها وأقدم وإذا الدبابة الرعناء ألقت ... حِمم الحقد ولم تعطف وترحم وإذا ما شهب الغدر هوت ... لم تدع ثكلى ولم تحفل بمأتم! وإذا ما صفَّق الأوغاد فخراً ... وانتشى (بوش) وحياهم وتمم! لم يرعه القتل والتدمير بل ... أيَّد الباغي وللبغي تفهَّم! لا تلم حامية الطغيان والبطش ... فما يرجى من الثعبان بلسم! لا تلم من دمر المسجد والمشفى ... وأفنى عُزْلَ (بغرام) وهدم! هكذا كانوا وقد صاروا ولن ... يصبح السفاح كالشيخ المعمم! * * * لا تقل: عملاقنا الشهم تقزم ... ما عهدت اليأس في حرفك تمتم لا تقل: آهٍ إذا العمر تصرَّم ... سيكون الزمن القادم أكرم وانظر البرعم يفدي الأرض في ... عنفوان كفتى القدس الملثم ذلك البركان يغلي ويل من ... عارض البركان يوما إن تجهَّم لا تقل: مات بنو الإسلام إني ... لأرى في الأفق صبحاً يتبسم! وأرى الطغيان قد أرخى على الدنيا ... رداء الظلم فضفاضاًَ وأجرم من هنا ينبلج الفجر وينساب ... على الأرجاء لحن يترنم ويسير الموكب الأسمى إلي نصر ... وتمكين من الله ومغنم ديننا حق ووعد الله حق ... ولنا في القدس آيات ومعْلَم * * * لا تقل: عملاقنا الغالي تقزم ... هو في الأحداث كالطود وأعظم لا تقل: عملاقنا خاف وأحجم ... ما يهاب الموت يوم الروع ضيغم عاتب المذياع والرائي وما ... كان معلوماً ودع ما ليس يُعلم عاتب الطوق الذي من هوله ... شرف الإقدام في قومي تحطم يا صديقي نضب النهر ولن ... ترد الينبوع والوادي محرَّم يا صديقي راقب الفجر الذي ... يفلق الليل وإن طال وأظلم إنه النور الإلهي انجلت ... شمسه الكبرى على أكناف زمزم إنه الحق وعتهُ أمة ... خلقت للنصر لم تخلق لتهزم!

стр. 4533

قصة قصيرة وللحقيقة وجه واحد محمد علي البدوي افترشه المرض، أقعده، هدّه، عضّ عليه بنواجذه القوية، أنشب فيه أظفاره القاتلة، موجة من الاصفرار كست ملامح وجهه الذي تغضَّن تحت وطأة المرض، هالة سوداء أخذت تزحف على عينيه الغائرتين في صمت موحش، تهدّل عنقه، برزت تضاريس جسمه الناحل، حتى خصلات شعره الموغلة في البياض نفرت منه بفعل الكيماوي.. - للأسف.. لم يعد لك أمل في النجاة!! - أبداً.. أبداً.. يا (دكتور) ؟! قالها بصوت متحشرج ذليل مشوب بالحزن. - الأمل في الله وحده.. فهو القادر على كل شيء. (الله) .... ولسعته الكلمة.. أفاق من سكرته تواً.. (الله) أخذ يرددها في نشوة عارمة.. الآن.. بدت له الشمس ناصعة في كبد السماء.. انتفض بشدة، سرت في جسده رعشة لم يستطع السيطرة عليها.. أخذ يهذي: - ماذا سأقول له؟ وبأي جواب سأجيبه الآن؟ تصبب عرقه كثيراً وهو يسترجع تلك الليالي السوداء والدعوات الشيطانية التي كان يروجها في قصصه ورواياته، تلك الحداثة المزعومة وكيف تولى كبرها وحارب في سبيلها.. ماذا بقي منها الآن؟ وماذا ستفيده اليوم؟ .. المال.. الشهرة .. الأضواء.. كل ذلك سيذهب.. وسيرحل إلى عالم الآخرة.. وحيداً من كل شيء إلا من عمله.. إلا من صفحاته السوداء الموحلة.. قطَّب مفكراً.. زمّ شفتيه في حسرة وعاد يهذي: - الموت.. القبر.. الجنة.. النار.. مفردات قادمة لا تقبل الاختزال. قام يمشي مترنحاً بخطوات متثاقلة، اتخذ لنفسه مكاناً قصياً، وأخذ يتكور على نفسه في أسى.. وينتحب كثيراً.. كثيراً جداً.. في صباح اليوم التالي غرفة الإنعاش تعج بحركة غريبة وحزن موجع يلف الجميع لقد توفي الأديب الكبير بعد صراع طويل مع المرض بينما ظلت ورقة صغيرة مهملة تحت غطائه لم يعرها أحد اهتمامه كان قد خطها البارحة بيديه وفيها: توبة واعتذار إلى مقام الجبار.

стр. 4534

خبر عاجل - فلسطين ٢٠٠١. - القدس الشرقية. في طريقه إلى الموت كانت الأفكار تنداح في ذاكرته، تجوس في داخله، تعبث به. - الموت قاب قوسين أو أدنى. قال ذلك وهو يتحسس حزام المتفجرات الذي يتمنطق به، ويعيد تثبيته حول خاصرته بإحكام.. الجرافات تلتهم البيوت في نهم، وزخات الرصاص المجنون تنهمر في غزارة، تقتل، تصيب، تحرق الأجساد الغضة، تستقر في بطون الحوامل، تزهق الأجنة القادمة ... والعالم صامت!! الصور القاتمة كانت حاضرة في نفسه وهو يأخذ مكانه في الحافلة، وينتبذ لنفسه ركناً قصياً منها، ويغوص في بحر لا ينضب من الذكريات الموجعة: - أخي أحرقوه حياً، أبي داسوه تحت أقدامهم القذرة، ابن أختي عذبوه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ... والعالم صامت!! كانت الحافلة مكتظة بالركاب، الأجساد متلا صقة، والأنفاس متلاحقة، روائح القردة أخذت تزكم أنفاسه حتى كادت تصيبه بالغثاء، لاذ بالصمت وآوى إلى نفسه يمضغ الصبر ويجتر مشاهد المأساة: - (الدرة) قتلوه بدم بارد، والعالم ينظر بعينين اسمنتيتين، والعرب يبحثون القضية حول موائد الكلام.. رحماك يا رب! توقفت الحافلة أمام مطعم المدينة، الزحام الشديد يملأ المكان، صراخ السيارات يختلط بأصوات الباعة، أحسّ بنشوة عارمة تسري في جسده، انتفض، وقف دفعة واحدة، افترَّ ثغره عن ابتسامة عريضة، أسرع للخروج من الحافلة وغاب في زحام المدينة. أدرت مؤشر المذياع، كانت عقارب الساعة تتصافح عند الواحدة ظهراً، خبر عاجل من الأراضي المحتلة: «عملية استشهادية جديدة تودي بالعشرات من اليهود، بينهم منفذ العملية» .

стр. 4535

نص شعري ما بيني وبين فلسطين عماد علي قطري ما بيننا ليست تصاريح الدخول ونجمة.. ... فوق الجباه مُلَمّعَةْ ما بيننا قصف توالى فوقنا وأب يموت.. ... وطفلة كانت مَعَهْ ما بيننا حرب وثأر خالد ليست تصاريح السلام ... وجعجعَةْ ما بيننا ثأر ينادي أمتي - في كل صبح - ... كي تقوم وتجمَعَهْ ما بيننا طفل يموت وألف طفل قادم ... فيهم صلاح ومن مَعَهْ ما بيننا حجر ينادي مؤمناً خلفي يهودي ... خبيث فاصرعهْ ما بيننا صبرا وشاتيلا وقانا.. والدماء ... وشلونا من مَزّعه ما بيننا يا قاتلاً شلوٌ ينادي شلوَهُ ... الملقى هناك ... ليجمَعَهْ ما بيننا قبح الوداع ... ودمعة ... في عين طفل ... مات يوم الموقِعَةْ مات الصغير.. ولم يكن جُبناً يصيح وإنما غدراً سلبتم مضجعَهْ مات الصغير.. تجمدت أطرافه يوم استبحتم يا كلاب أضلعَهْ مات الصغير.. وموته عارٌ لكم سقطت تخاريف السلام ... ومن مَعَهْ إنا سنأخذ ثأرنا منكم غداً نقتص منكم للشهيد بأربَعَةْ

стр. 4536

نص شعري وسألتها محمود العمراني ... ... ... ما بال قلبك شفه الألم ... ... ... ... ... ... وقسا عليه فبات يضطرمُ ... ... ... فأجابني بلسان مكتئب ... ... ... ... ... ... ولكل جرح في حشاه فمُ ... ... ... إني نظرت لحال أمتنا ... ... ... ... ... ... من حولها الأمواج تلتطمُ ... ... ... ورأيتها في الكون حائرة ... ... ... ... ... ... تشكو الجراح وكلها ورم ... ... ... ونظرت فيها وهي واجمة ... ... ... ... ... ... تخفي ملامحَ وجهها الظلم ... ... ... وسألتها: ماذا يُراد بنا ... ... ... ... ... ... ولأي شيء بيعت القيمُ ... ... ... ما بال رايتنا قد انتكست ... ... ... ... ... ... وهي التي باهت بها القممُ ... ... ... ما بالها أضحت وقد سقطت ... ... ... ... ... ... أرضاً فلا نارٌ ولا علمُ ... ... ... ما بال هذا الذل صاحبنا ... ... ... ... ... ... حتى تداعت حولنا الأممُ ... ... ... يبغون إخفاء الضياء ضحى ... ... ... ... ... ... جهراً وما غير الهدى نقموا ... ... ... أما المجاهد فهو مرتكب ... ... ... ... ... ... جرماً وبالإرهاب متَّهمُ ... ... ... وبكل أرض قصة كتبت ... ... ... ... ... ... ومدادها دمع جرى ودمُ ... ... ... وتعددت فينا الجراح فذي ... ... ... ... ... ... كف تطير هنا.. وذي قدمُ ... ... ... هذى الجراح بنا قد اجتمعت ... ... ... ... ... ... فبأي طب سوف تلئتمُ ... ... ... القدس أصبح لا يحركنا ... ... ... ... ... ... فعل اليهود به وما اجترموا ... ... ... ونداء إخوان لنا أُسروا ... ... ... ... ... ... لكن أصاب قلوبنا الصممُ ... ... ... فَهَبِ الأخوة ليس تجمعنا ... ... ... ... ... ... أو ليس تجمع بيننا رحمُ ... ... ... ذهب السؤال فلم يجبه سوى ... ... ... ... ... ... رجع الصدى وتشتت الكلمُ ... ... ... ومضى بأدراج الرياح سدى ... ... ... ... ... حتى اختفى فتكلم القلمُ

стр. 4537

ندوات ما دورنا حيال.. حملة الإفك والحقد الدفين للأصولية النصرانية المتصهينة على الإسلام ورسوله الأمين ؟ مقدمة: الهجوم الإعلامي على الإسلام ذو جذور قديمة قدم الإسلام، وهو أحد أساليب الكفار للصد عن سبيل الله تعالى، بدءاً من كفار قريش وحتى عصرنا الحاضر. هذا الهجوم له ألوان كثيرة، ولكنها في أغلبها كانت محصورة في نطاق الشبهات والمغالطات والطعون، لكن بعد أحداث ١١ سبتمبر انتقل الهجوم إلى لون جديد قذر لم يُعهد من قبل، وهو التعرض لشخص الرسول ﷺ والنيل من عرضه وذاته، واتسم هذا التهجم بالبذاءة والسخرية والاستهزاء: قال جيري فالويل [١] : «أنا أعتقد أن محمداً كان إرهابياً» ، «في اعتقادي.. المسيح وضع مثالاً للحب، كما فعل موسى، وأنا أعتقد أن محمداً وضع مثالاً عكسياً» ، «إنه كان لصاً وقاطع طريق» . وقال بات روبرتسون [٢] : «كان مجرد متطرف ذو عيون متوحشة تتحرك عبثاً من الجنون» . وقال جيري فاينز [٣] : «شاذ يميل للأطفال، ويتملكه الشيطان» . وقال جيمي سوجارت [٤] : «إنه شاذ جنسياً» ، «ضال انحرف عن طريق الصواب» . هذا غير تصويره ﷺ صراحة في الرسوم الكاريكاتورية في مواقف ساخرة وضيعة [٥] . وهكذا انتقل الهجوم على الإسلام من طرح الشبهات إلى إلقاء القاذورات، ولم يجد المهاجمون في الإسلام ولا في شخص خاتم الأنبياء ما يرضي رغبتهم في التشويه، ووجدوا أن الشبهات والطعن الفكري من الأمور التي يسهل تفنيدها وكشف زيفها أمام قوة الحق في الإسلام، فلجؤوا إلى التشويه الإعلامي، وخاصة أنهم يملكون نواصيه في الغرب. هذه القضية تثير غيرة كل مسلم، وتدفعه إلى التساؤل عن أسباب هذه الهجمة، والأغراض الكامنة وراءها، ومدى تأثيرها، وكيف يواجهها، وبناء على ذلك قامت البيان بدعوة عدد من المهتمين بالتصدي لهذه الحملة؛ لبيان أبعادها، والإجابة عن هذا التساؤلات. * ضيوف الندوة: - الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس: رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة - واشنطن. - الأستاذ سليمان البطحي: أمين عام اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء ﷺ . - الأستاذ علي جمعة: داعية كندي. - الشيخ سليمان الحرش: باحث في الدراسات الإسلامية - سوريا. البيان: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. لعلنا في هذه الندوة نبدأ في الحديث عن العوامل المرتبطة بظهور هذه الحملة والهجوم على نبينا محمد ﷺ . الأستاذ الدكتور جعفر: هناك عاملان ولعل الإخوان يضيفون إليهما ما يرونه: العامل الأول: هو سرعة انتشار الإسلام، والتي تثير غيرة كل المعادين للدين، سواء أكانوا من النصارى أو اليهود، أو من العلمانيين، وأنبه هنا إلى أن بعض الدعاة يركزون في تصديهم على اليهود والنصارى فقط، مع أن العلمانيين والملحدين هم أيضاً أعداء كبار للدين. الثاني: حسد القيادات وخصوصاً الدينية، وقد وجدت أن كثيراً من هؤلاء يغيظهم شخص الرسول ﷺ ، حتى المنافقين عندنا في العالم الإسلامي، فتوقير المسلمين الشديد للنبي ﷺ يثير حسدهم. ويمكن أن يضاف إلى هذين العاملين عامل الخوف، ولكن ليس الخوف من انتشار الإسلام في الغرب فقط، بل الخوف من عودة المسلمين في العالم الإسلامي إلى التمسك بدينهم، وهم الآن يستغلون ضعف المسلمين في كثير من الجوانب، مثل الجانب الاقتصادي والإعلامي، ويريدون أن يطفئوا هذا النور قبل أن ينتشر في العالم. الأستاذ سليمان البطحي: أرى أن هؤلاء يتهجمون على الرسول صلى الله عليه وسلم لإبراز شخصياتهم من خلال ذلك التهجم، أضف إلى ذلك أحداث ١١ سبتمبر، وهي أحد الأسباب الرئيسة التي زادت من هذه الهجمة، وإلا فالهجوم موجود من قديم، لكن تلك الهجمات في الماضي كانت تظهر في وقت دون آخر، وكانت تصدر من شخص هنا أو هناك، ويقوم المسلمون بمجابهتها مباشرة، أما الآن فأصبح الهجوم على الرسول ﷺ بشكل عام. الأستاذ الدكتور جعفر: ويمكن أن نوضح ذلك فنقول إنهم أصلاً أعداء للإسلام، فلما وجدوا الجو مناسباً، حيث زادت الدعاية ضد المسلمين، وعم السخط في الغرب منهم؛ استغلوا ذلك، وهم يقولون المشكلة ليست في أسامة بن لادن أو غيره، وإنما نبيهم هو نفسه إرهابي. الأستاذ علي جمعة: كذلك هناك عامل التغريب، حيث يريد الغرب أن يجعل العالم كله تحت هيمنته في الثقافة والفكر والاقتصاد، وفي كل شيء، ويريدون تغيير أفكار الناس لكي توافق خططهم في مجال العولمة، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، حيث زادت الدعوة إلى التغريب، والتحذير من خطر الإسلام، ولا يتحقق لهم ذلك إلا بالحد من انتشار الإسلام بمثل هذه الأساليب وغيرها. الأستاذ الدكتور جعفر: في هذا السياق أيضاً، هناك بعض الناس يقولون إن أمريكا تحتاج دائماً إلى عدو حتى يجمعها، ربما يكون هذا صحيحاً، لكنهم يرون الإسلام خطراً، ومن الغرائب أن الذي هوّل لهم خطر الإسلام قدرة الإسلام نفسه على الوقوف ضد الشيوعية، ومن خلال تجربتهم مع المسلمين رأوا أن المسلمين كما وقفوا ضد تيار الشيوعية سيقفون ضد حضارتهم الغربية، و (فوكوياما) في كتابه الشهير (نهاية التاريخ) قال إن كل العالم يسير نحو الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية إلا جماعات من المسلمين، ما زالوا يعتقدون أن عندهم شيئاً أحسن منها، كل الناس مقتنعون إلا هؤلاء. فالغرب يرى أن هؤلاء خطر على الغرب، وأنهم ضد الحداثة.. وغير ذلك. وقد بدأ يتضح للناس أن الحرب ضد الإرهاب هي في الحقيقة حرب ضد المستمسكين بدينهم، وهم عندما يتحدثون عن المسلمين المعتدلين إنما يقصدون المسلمين غير المستمسكين بالدين. هذه الحقيقة واضحة حتى عند عامة المسلمين، عملت بعض الجهات في بريطانيا استبياناً فسألوا المسلمين عن هذه الحرب، فقالوا: «هذه حملة ضد الإسلام» ، ولا يمكن أن يقال إن غالبية المسلمين في بريطانيا راديكاليون أو ثوريون! البيان: لكن العجيب أن بعض هذه الحملة قد صدر أيضاً من بعض المنتسبين إلى الإسلام، يعني مثلاً في آخر الأخبار التي سمعناها قبل أيام، هناك نائبة في البرلمان الهولندي من أصل صومالي اسمها (حرسي علي) تهجمت على النبي ﷺ ، وتهجمت على القرآن وعلى المسلمين، وفي الأردن نشرت إحدى المجلات مقالاً ينتقص من أم المؤمنين عائشة ﵂ ومن بيت النبوة! فما تفسير هذه الظاهرة الموجودة في بعض من ينتسبون إلى الإسلام؟ الشيخ سليمان الحرش: أرى أن مسألة العداء لدى الكفار عموماً شيء متأصل فيهم؛ لكونهم لا يؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاء به، فأمر طبيعي أن يكون عندهم هذا العداء، لكن الأحداث في الواقع تحرك مثل هذه الكمائن في نفوسهم، كما أنها كذلك تحرك بعض المنافقين الذين ينامون على مثل ضغائنهم، عندما يجدون من مثل هؤلاء التهجم على النبي ﷺ ، والرسول ﷺ هو رمز للمسلمين، فكونهم تهجموا على النبي صلى الله عليه وسلم معناه أنهم تهجموا على الإسلام، وهناك لا شك فئات من هؤلاء قد تكون مسالمة في الظاهر لكن هي في نفسها قد تضمر مثل هذه الكراهية، وهذا البغض للنبي ﷺ ، فإذا وجدوا أن الجو مناسب أخرجوا ضغائنهم! ولا شك أن ما نراه في العالم الإسلامي من الصحوة في مختلف بقاع العالم الإسلامي؛ يرونه من العوامل التي تجعل المسلمين قوة في العالم، لذلك يقومون بمثل هذه الأساليب لإضعافها. الأستاذ علي جمعة: نقطة مهمة أخرى، وهو أنهم يريدون أن يستخدموا الآن ضعف المسلمين وقلة العلم المنتشر بينهم لكي يشوشوا على المسلمين بصفة عامة، وغير المسلمين بصفة خاصة، فيستخدمون بعض المسلمين أو من أصول إسلامية حتى يثير هذا التشويش، هذه المرأة قالت: «كيف ديننا يأمر بهذا، وكيف نبينا يفعل هذا؟» ، وتبدأ الشبهات تثور بين المسلمين أنفسهم. الأستاذ الدكتور جعفر: وفي رأيي أن هؤلاء أناس منافقون، ولهم مصالح دنيوية، منها أنهم يريدون أن يكون لهم استقرار ومكانة في تلك المجتمعات الغربية، فيقولون للغرب: نحن معكم، ونحن منكم، ولسنا مع المسلمين. فهذا أحد الأسباب التي تجعل المنافقين يتهجمون على الإسلام. البيان: ألا يتبادر إلى الذهن أن الغرب عنده مجال واسع لحرية التعبير عن الرأي، فكوننا نتعرض لهذه الحملة ونتصدى لها معناه أننا نعترض على مقوم من مقومات الثقافة الغربية؟ الأستاذ الدكتور جعفر: صحيح، هذه مشكلة بالنسبة لنا، لكن هناك في الغرب نفسه من يفرقون بين حرية التعبير وبين الكذب على الإنسان أو اتهام إنسان بالباطل، كما أن القانون هناك لا يسمح بهذا، فنحن نقول بالنسبة للمسلمين سب الرسول ﷺ كأنه سب لكل مسلم، بل أكثر من هذا؛ لأن الرسول ﷺ عند كل مسلم هو أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، ونحن نفرق بين أن يقول الإنسان رأيه في الإسلام ونستمع إليه ونجادله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين أن يتطاول على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم بالسب والسخرية، السب ليس تعبيراً عن رأي، والسب يمكن أن يقوله أي إنسان، ونحن لا نسبّ أحداً من الأنبياء ﵈، ديننا يمنعنا من هذا، فمن الظلم لنا نحن المسلمين إذن أن يُسب نبينا ﷺ ، ونحن نعد سب عيسى ﵇ أيضاً خروجاً عن الدين والإسلام. الأستاذ سليمان البطحي: إن التهجم لا يدخل في قضية حرية الرأي لأنه تعد بالأذى على الآخرين، وهذا هو الذي حدث، بل من وقاحة (جيري فالويل) أنه بعدما آذى النبي ﷺ في برنامج (٦٠ دقيقة) ، وقام بعض المسلمين في أمريكا بانتقاده؛ رجع يعتذر عن إساءته في حق مسلمي أمريكا!! وهذه أيضاً وقاحة أخرى؛ يعني أنت تؤذي الآخرين، وتؤذي أمة تعدادها يفوق المليار ثم تعتذر لمسلمي أمريكا فقط! فهذا التهجم ليس تعبيراً عن الرأي. الأستاذ علي جمعة: تعبير الرأي أيضاً لا بد أن يكون فيه مساواة في نشره، ولو ذهبت إلى أكثر المكتبات الغربية، وأردت أن تأخذ كتاباً عن الإسلام، فإنك لا ترى كتاباً موجوداً لكاتب مسلم مشهور مثلاً، فلو ذهبنا إلى هؤلاء الذين يوزعون كتباً ضد الإسلام تجد أنهم يسمح لهم بنشرها وعرضها، وتنشر في المكتبات المشهورة هناك، وهذا ليس من حرية الرأي. البيان: هناك بعض المسلمين يقولون إنكم تضخمون هذه القضية، والحملة على النبي ﷺ في الآونة الأخيرة ما هي إلا حملة لمجموعة من الشواذ الذين لا يمثلون حال الإعلام الغربي؛ فهل هذا الكلام صحيح أو أن هناك شيئاً آخر؟ الأستاذ الدكتور جعفر: أنا أميل إلى أن نفرق، فهنالك منصفون في الغرب استهجنوا هذا السب والافتراء، وهنالك سياسيون عقلاء يرون أن هذا لا يفيدهم لا في سياستهم الخارجية ولا في سياستهم الداخلية، حتى لو كان رأيهم مثل رأي هؤلاء فلا يرون أن من الحكمة أن يقال هذا الكلام، وأما عامة الناس والغالبية العظمى منهم؛ فلا يعرفون عن النبي ﷺ شيئاً ولا عن الإسلام، وهذا الافتراء موجه لهم لكي يتأثروا، أما هم أنفسهم فلا أعتقد أن عندهم مواقف من النبي ﷺ . فأنا أرى أن الذين قالوا هذا هم شواذ فعلاً، هناك كاتب يهودي في الواشنطن بوست، رد على القسيس الذي سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن هذا بذيء» ، وقال: «أنتم نسيتم التاريخ» ، يذكّر اليهود بأنه ليس هناك بلد آوت اليهود مثل الإمبراطورية الإسلامية. فأنا أقول دائماً: من الحكمة والخلق أن نكون منصفين أيضاً، إذا كان هناك أناس يسبون نرد عليهم، وإذا كان هناك أناس منصفون نكون أيضاً منصفين معهم، وقد يكون هذا من أسباب هدايتهم إن شاء الله. الأستاذ سليمان البطحي: لكن المجموعة التي تقوم على هذه الحملة من الواضح أنها فرقة منظمة، ولها استراتيجية خاصة، وتركز على استخذام وسائل الإعلام، سواء كان (جيري فالويل) ، أو (فرانكلين جراهام) ، أو (جيمي سوجارت) ، وهناك كثير من الدراسات تبين أنها تسمى النصارى المتصهينة، وأن لها أهدافاً محددة، وأتباعها يبلغون ٤٠ مليون نسمة داخل أمريكا، ولذلك أرى أنها ليست شاذة. الأستاذ الدكتور جعفر: الهجوم شاذ، والسؤال هو: هل هذا يمثل رأي الشعب الأمريكي؟ والجواب: أنه لا يمثلهم ولا يمثل حكوماتهم. الأستاذ سليمان البطحي: خذ مثلاً (بات روبرتسون) ، و (جيري فالويل) ؛ فقد تم تكريمهما عن طريق الحزب الجمهوري لمساهمتهما في دعم الحزب والتيار اليميني المعارض. الأستاذ الدكتور جعفر: أنا في رأيي أن هذه المجموعة شاذة؛ لأن العقلاء هناك من الناحية السياسية يقولون هذا لا يفيدنا بشيء. الأستاذ سليمان البطحي: نأخذ مثلاً (جيري فاينز) ؛ عندما تهجم على سيد الخلق ﷺ في الاجتماع السنوي للكنيسة المعمدانية الجنوبية، وطلب من قادة الكنيسة إدانة ما قاله فرفضوا؛ مما يدل على تبنيهم لهذا التهجم وإثارتهم لروح التعصب والكراهية حتى بين أبناء الشعب الأمريكي. نعم؛ نحن ينبغي أن نكون منصفين، وهناك فرق أكيد، وهناك ناس تكلمت وانتقدت، وهذا شيء طيب، لكن هذا التهجم أصبح اليوم هدفاً داخل أمريكا، على سبيل المثال في فلوريدا في اللافتة التي يكتب عليها مواعيد الصلاة في الكنيسة كتبت العبارة الآتية: (عيسى ينهى عن الاغتيال، سفر متّى ٢٦ - ٥٢، محمد يأمر بالاغتيال، سورة ٨ - ٦٥) ! هذه اللافتة يمر الناس عليها صباح مساء. الأستاذ الدكتور جعفر: هذه الكنيسة واحدة من بين كم كنيسة؟ الأستاذ سليمان البطحي: أنا أقول هذا مثالاً على إفرازات الحملة التي بدأت. الأستاذ الدكتور جعفر: لكن هناك آلاف مؤلفة من الكنائس. الأستاذ سليمان الحرش: هناك جانب في هذه القضية مهم، وهو أن هؤلاء الذين يقفون على الحياد أو قد لا يظهرون أي شيء أو أي عداء، أو يقولون ليس من المصلحة أن نثير هذه الأمور، هؤلاء كذلك ينبغي ألا نركن لهذه المواقف منهم؛ لأنه سرعان ما ينقلبون بتحول المصالح، فيرون بعد ذلك أن المصلحة تقتضي التهجم أو الكلام، أو الوقوف مع الجانب الذي يتهجم، أو تأييده ضمنياً، يعني هؤلاء لا نستطيع أن نعول عليهم لأنهم سرعان ما ينقلبون لتحقيق مصالحهم. الأستاذ الدكتور جعفر: ما كل من ليس على الإيمان يعادي، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ] (محمد: ٣٢) ، هناك واحد يكفر وهو جالس في بيته، وهناك من يكفر ويصد عن سبيل الله، فهناك أناس عندهم نوع من الإنصاف حتى لو كانوا كفاراً، ونحن لا نعلم ما في قلوبهم، ونحن نقول هذا شيء تشكرون عليه، ونحن لا نتهم كل أمريكي بهذا، ولا نتهم كل نصراني بهذا؛ لأن هناك ناساً منهم عملوا أعملاً في صالح المسلمين لا نستطيع أن ننكرها. البيان: أياً كان الأمر؛ دعونا ننظر في أثر هذه الحملة على الرأي العام في الغرب، يعني هل هذا الكلام الذي قيل في وسائل الإعلام الغربية مجرد فقاعة ذهبت، جاءت وانتهت، أو أن لها أثراً في تشكيل الرأي العام؟ الأستاذ علي جمعة: أنا أرى في أمريكا الشمالية من سنوات أن وسائل الإعلام تهيئ المسلمين وغير المسلمين، خاصة في الغرب، للدعاية ضد الإسلام والمسلمين، فجاءت تلك الفئة التي نتكلم عنها واستغلت هذه الدعاية، ولعلهم وراء هذا الإعلام أيضاً، وطبعاً القوة الإعلامية بيد الصهاينة، ويستغلونها لكي يثيروا هذا الأمر بين عامة الناس، ولكن يوجد كثير من السكان وهم الأكثرية لو تريد أن تتكلم معهم عن الإسلام أو تفتح الموضوع معهم يقبلون الكلام، ويوجد فرصة للنقاش والدعوة إلى الإسلام. في حرب الخليج الثانية عندما كنت في الجامعة في كندا، كنا نذهب من كنيسة إلى كنيسة، نرسل الرسائل لهم، ونقول نريد أن نزوركم ونجتمع معكم عندما تجتمعون في يوم الأحد، ونتكلم معكم عن الإسلام؛ لأننا جيرانكم ونسكن معكم، ونريد أن نعرفكم على شيء من الإسلام، وأن الأشياء التي تحدث في أماكن أخرى لا تجعلوها تشوش على أفكاركم، فقبلوا كلامنا ورحبوا، ولو كان عندنا من العلم كفاية في ذلك الوقت كنا استطعنا أن نؤثر فيهم تأثيراً أكبر، وهذا الشيء هو الذي ينقصهم هناك الآن، وهو الدعوة. الأستاذ الدكتور جعفر: أما كونه له تأثير فنعم، حتى مهما قلنا إنهم قلة، قال لي أحد المسلمين البيض من الأمريكان: لا تستهن بهذه الحملة. وقال: إنهم يستغلون الإنترنت، لأن الكلام موجه إلى الشباب. أنا أحكي لكم فقط ما قال لي، وقال لي: الشباب الآن لا يقرؤون كتباً، ولا يذهبون إلى المكتبات، وشغلهم كلهم في الإنترنت، فهم قالوا ركزوا على هذا. ويعرف هو هذا من تجربته مع بعض الناس، قال لي: إن بعض المسلمين من الشباب الذين كانوا أسلموا ارتدوا. والسبب ليس بمجرد هذا السب وكذا، لا، ولكن السبب هو الحجج والشبهات التي تثار بطريقة فكرية، أما مجرد السب فلا يؤثر في كثير من الناس، فكونها مؤثرة.. نعم مؤثرة ليس في ذلك شك. أنا قلت لهم: الحمد لله أنه بسبب هذه الكوارث بدأ يزداد الاهتمام بالإسلام، فقالوا لي: مع الأسف الذين استغلوا هذا أيضاً أعداء المسلمين، رأوا أن الناس مقبلون على معرفة الإسلام؛ فملؤوا الأسواق والإنترنت بكلام عن الإسلام، ولا يعرف من الذي كتبه؟ وكأن المسلمين هم الذين كتبوه، ونحن نعرف أن وراءه اليهود. فيقرأ الإنسان عن الإسلام لكن يقرأ كلاماً فيه تضليل. البيان: ربما نجد تفسيراً لحملة بات روبرتسون أو جيمي سوجارت أو غيرهم من المنصرين، لكن ما تفسير الهجوم من بعض المفكرين العلمانيين أو الساسة، مثل تصريح الرئيس بوش بالحرب الصليبية، ورئيس وزراء إيطاليا، وغيرهما، هذه الحملة على الإسلام من هؤلاء هل لها تفسير آخر غير الموجود عند القساوسة؟ الأستاذ سليمان البطحي: القضية الآن هي قضية دينية عقدية، حتى الإدارة الأمريكية تتحرك الآن من خلال نبوءات عبر ارتباطها بهذه الفئة من النصارى الصهاينة، ولو جئنا لنبوءاتهم الآن في قضية الحرب على العراق، أو قضية الحرب على الإسلام؛ نجد أنها كلها مرتبطة بعضها مع بعض، فأنا أرى أن هذه إفرازات لما يسمعونه من هؤلاء القساوسة، وكذلك إفرازات للتهجمات التي يرونها منهم الآن، وهذه كلها من الأسباب. الأستاذ الدكتور جعفر: أما أن يكون هناك دوافع دينية فما في هذا شك، بل أصبحت هذه مسألة واضحة الآن، على الرغم من أن بعض الناس ينكر هذا، وعندما نقول إن الدوافع دينية ليس معنى ذلك أن الذي يهاجم الإسلام هو متدين؛ يعني أنه مستمسك بالنصرانية أو باليهودية أو كذا، حتى إن كان غير متدين فهو عدو للدين الإسلامي. وأما مسألة بوش، فتصريحه بالحرب الصليبية يمكن أن نستنتج منه أن الدوافع دينية، لكن هم قالوا وأنا حقيقة هذا الذي فهمته عندما سمعت تصريحه أن الكلمة هذه تستعمل عندهم مجازاً في كثير من الأحيان، يقولون: قام بحملة (Crusade) (كروسيد) ضد كذا، ويقال: قام بعمل حملة صليبية ضد الأدباء الفلانيين، أو ضد الإيدز، فهم فسروها بهذا المعنى، ونحن في البداية قبلنا هذا، وأنا من الناس الذين قبلوا هذا التفسير، لكن ظهر في النهاية أن دوافعهم دينية فعلاً. الأستاذ سليمان البطحي: مثل كلمة (الحرب العادلة) هذه كلمة دينية أساساً. الأستاذ الدكتور جعفر: الشيء الثاني: إذا كان رئيس وزراء إيطاليا قال هذا الكلام، فكثير من السياسيين الآخرين في أوروبا انتقدوه نقداً شديداً، حتى إن بعضهم قال له: إنه يبدو أنك لا تعرف تاريخ المسلمين. وذكر بعض محاسن الإسلام. الأستاذ علي جمعة: معروف أن كثيراً من هؤلاء الساسة لهم علاقة قوية مع الكنائس، ويتأثرون بها، خاصة فيما يتعلق بنبوءات آخر الزمان عند النصارى، مثل معركة الهرمجدون، بل يتأثرون بنبوءات (نوسترا داموس) الذي ذكر منذ قرون أن العرب سيستولون على العالم، فهذا مما يؤثر عليهم، ويروج له القساوسة في الإعلام. الأستاذ الدكتور جعفر: من الطرائف التي سمعتها في أمريكا أن بعض اليهود قال: «أي حلف هذا الذي نعمله مع النصارى!» ؛ لأن النصارى يقولون إذا جاء عيسى سيقتل اليهود، فقال: «هم يريدون الآن أن يجمعونا في إسرائيل وينشؤون دولة (إسرائيل) ، حتى إذا جاء عيسى يقتلنا، فأي حلف هذا؟» ، وقال: «هذا حلف غير مقدس!» . البيان: أمام هذه الحملة من النصارى أو من الإعلام الغربي؛ هل تشعرون أن هناك نصرة للنبي ﷺ وذباً عن عرضه وسنته في العالم الإسلامي، أو أن المسلمين في واد والعالم في واد آخر؟ الأستاذ سليمان البطحي: الواقع أننا نحن المسلمين نعيش حالة من الهوان، حتى وصلت إلى التفريط في الذبّ عن الرسول ﷺ ، تكاد ألا تجد في صحيفة مقالة أو من يتكلم دفاعاً ونصرة. وأنا أتوجه بالسؤال لأي إنسان فأقول: لو سُب والدك أو سُببت أنت شخصياً ماذا تفعل؟ الإجابة عن هذا السؤال يتولاها كل شخص بنفسه، وسيعرف ما هو الحال. البيان: انظر إلى بعض الإسلاميين أنفسهم لو سُب شيخه أو جماعته سيكون غضبه عظيماً، ولن يقف موقف المتفرج! الأستاذ سليمان البطحي: وانظر الآن إلى ما يكتب في الدفاع عن الإمام أبي حنيفة، أو شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما يكتب ويعد من المؤلفات والبحوث، ونحن الآن نقول الرسول ﷺ يُقذف ولا نجد من يذب عن عرضه بالكلمة أو المقالة أو الخطبة! لذلك أرى أن الأمر يزيد كل فترة في ظل غياب العلماء خاصة، وأنا أحملهم الدرجة الأولى من المسؤولية؛ لأنهم المحرك الرئيس في أي قضية في أي مجتمع إسلامي، ولأنهم عليهم دور يجب أن يقوموا به. فيجب أن يكون في ترتيب أولوياتنا تقديم الذب عن نبينا محمد ﷺ ، ويجب أن تكون هذه القضية همّ الجميع، ويجب أن تدرس، ويجب أن يتكلم عنها، ويجب أن تكون همّ الصحفي، وهمّ عامة الناس، ولا يقتصر الأمر على الحوقلة، وأن نقول هؤلاء شواذ أو سخفاء. ما فائدة أن ندعو إلى الإسلام والركن الثاني من الشهادة التي ندعو إليها يتعرض لحملة تشويه، حيث شوهت صورة الرسول ﷺ ، بل جعل التشويه هدفاً؟! واضح أن هذا سيؤثر على الدعوة، وقد لا يستطيع الدعاة في الغرب أن يتكلموا عن الرسول ﷺ بسهولة والحال هكذا، وخاصة أن هذه الافتراءات تنقل عبر وسائل الإعلام المؤثرة، فبرنامج (جيري فالويل) (٦٠ دقيقة) مثلاً يشاهده الملايين في أمريكا الشمالية، والصحف المشهورة مثل (الواشنطن بوست) و (النيويورك تايمز) التي تطبع منها عشرات الملايين تنشر مثل هذه الافتراءات. فنقول علينا دور كبير، ونريد أن يكون هناك ترجمة لقولنا نحن نحب الرسول ﷺ أكثر من أنفسنا، ونحن نرددها كثيراً ولكن ترجمة هذا الحب إلى الواقع هي مسؤولية كل مسلم. الأستاذ الدكتور جعفر: مما لا شك فيه أن كثيراً من المسلمين في الأماكن التي حدث فيها هذا الافتراء عبّروا بقوة، وانتقدوا الذين قالوا هذا الكلام، وعبّروا عن استيائهم، وخرجوا في مظاهرات، ولكن الذي كنا نريده أكثر من هذا، المسلمون من المؤكد أنهم لم يقصروا في الأماكن التي قيل أو نشر فيها هذا الكلام، لكن المسلمين هؤلاء كانوا يتوقعون موقفاً قوياً ليس منا نحن فحسب بل من العلماء الرسميين وغير الرسميين؛ لأن هذا الذي يؤثر في السياسة، يعني لو أن الإفتاء في مصر وفي السعودية وفي المغرب، والعلماء في رابطة العالم الإسلامي؛ ردوا على تلك الافتراءات لكان لهذا تأثير كبير، بل كل المسلمين يرون أن هذا كان من واجب الدول؛ لأن الإسلام لا فرق فيه بين السياسة والدين، فرئيس أي دولة مسلمة لا يقول إن هذه مسألة دينية لا تهمني، لا بل تهمه ما دامت تهم شعبه وتمس دينه. فالمسلمون في الغرب كانوا يتوقعون أن تصدر احتجاجات قوية من قادة العالم الإسلامي السياسيين والعلماء. الأستاذ سليمان البطحي: هناك بعض الدول قد تقطع علاقاتها الشخصية أو الدبلوماسية مع دولة أخرى لمجرد التعدى على شخص من الدولة، لذلك أقول يجب على الدول والحكومات أن توجه إعلامها، لا نقول للحرب ولكن للذب عن الرسول ﷺ ، أن يكون هذا همّ الإعلام؛ سواء التلفزيون أو الإذاعة أو الصحافة، كذلك ينبغي التنسيق الدبلوماسي بين الدول في هذه القضية، لماذا لا يتكلم ممثلو الدول الإسلامية لوضع حد لهذا الهجوم، وذلك عندما يجتمعون في لقاءات أو مؤتمرات مع ممثلي الدول الغربية وغيرها. الأستاذ سليمان الحرش: الكلام الذي ذكره الأخ سليمان صحيح؛ أن العلماء لهم دور بارز، فهم الذين يوجهون الأمة، وهناك قضية مهمة هنا، وهي أن نجعل نصرة النبي ﷺ مهمة كل مسلم، العلماء والساسة، الخاصة والعامة، الرجال والنساء.. لكن هل الأمر يتوقف عند مجرد الكلام، أو أنه لا بد أن تكون هناك أمور عملية، مثل وضع خطط لعرض شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم العرض الصحيح؟ في تصوري أن العرض الصحيح لشخصية الرسول ﷺ سيعطي قبولاً أكبر عند هؤلاء مما لو جئت أنا وأرد على الشبهات التي يقرؤونها حول الرسول ﷺ فقط، الشبهات كثيرة ولا بد من دحضها وتبيينها، لكن لا بد من أن يعقب الرد على هذه الشبهات الخطوات العملية التي تبين هذا الأمر بصورة صحيحة عند هؤلاء الناس. الأستاذ سليمان البطحي: لا شك، لكن الذي أقصده أن هذه الشبهات الآن تثار ويتناولها كل الناس بما فيهم المسلمون، أفلا يوجد رد من المسلمين من علمائهم وأئمتهم على هذه الشبهات! هذه الهجمة لماذا لم يُتكلم عليها ويُعلق عليها على الأقل من قبل العلماء، أو يبين الموقف الشرعي من قضية التعدي على الرسل والأنبياء، والنبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، ومثل ما قال الشيخ جعفر مثلاً؛ أن يقوم العلماء في الإفتاء في السعودية، والإفتاء في مصر، والإفتاء في الجزائر.. وغيرهم ويبينوا، وخاصة أن هناك أناساً تأثروا مثلما ذكر الشيخ، فلماذا ننتظر حتى آخر لحظة ثم نبدأ التوضيح والرد، القضية سهلة، ولا يحتاج الأمر إلى أن تستشير أحداً، شبهة أثيرت نرد عليها، والحمد لله؛ هم يتكلمون بالباطل ونحن نتكلم بالحق، والناس ينتظرون كلام المشايخ. الأستاذ الدكتور جعفر: إذا كان المقصود هو الرد على هذه الشبهات في الغرب، فهذه الأمور التي ذكرناها هي إجراءات للعمل بين المسلمين، وهي لا تؤثر في فكر الغرب إلا من ناحية سياسية، يعني عندما يصدر شيخ الأزهر والمفتون في الدول المختلفة بياناً، هذا يؤثر من ناحية سياسية، لكنه لا يؤثر في عقول المستمعين من الشباب في الغرب، فهذا واجبنا نحن الدعاة والعلماء الذين لهم اهتمام بهذا، يجب أن نعمل مشروعاً للرد على هذه الشبهات، ونستغل الوسائل التي توصل كلامنا إليهم، سواء كان بالإنترنت أو بالفاكسات أو الكتب، فيجب أن نفرق بين قيام الدول والحكومات بهذا الواجب في بلدها، وبين التأثير في المستمع في الغرب. يمكن أن نضيف أن الواجب ليس على العلماء والحكومات فقط، بل أيضاً على المحسنين من الناس؛ لأن أي مشروع يحتاج إلى تمويل، وما كل الدعاة والعلماء لديهم المال، نحن نعمل المشروع ولكن يجب أن يساعد على إيصاله إخواننا المحسنون. البيان: هذا يقودنا إذن إلى السؤال عن الاستراتيجية التي تقترحونها لمواجهة مثل هذه الحملة في الغرب أو في البلاد الإسلامية؟ كيف نستطيع أن نواجه هذه الحملة بمنطق علمي وعملي بعيداً عن الجانب المرتجل، لا شك أن هذا يؤثر في صدور جميع المؤمنين، لكن ما هي الخطوات العملية التي ترون أنها تؤثر في المستمع الغربي أو في المستمع هناك؟ الأستاذ سليمان البطحي: هناك كثير من الأمور يستطيع الإنسان أن يفعلها، إذا رتب أولوياته بحيث يكون هذا الأمر هو الهم الأول عنده، قضية نصرة الرسول ﷺ . نحن في اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء ﷺ أقمنا مؤتمرين أحدهما في لندن، والآخر في كندا، وخرجنا بتوصيات عمومية؛ بحيث تكون سلسة، لا تخص اللجنة أو فرد أو مجموعة أو مؤسسة بعينها، بل كل إنسان يستطيع العمل بها، فهناك الإعلاميون لهم دور يقومون به بأنفسهم، الحكام، المعلمون في مدارسهم مع الطلاب، المؤسسات الخيرية لها دور، وقد يكون دورها أكبر من غيرها لأن مجالها مجال دعوة أصلاً، الدبلوماسيون في لقاءاتهم مع نظرائهم الغربيين. فنحن نقول إننا أمة مسلمة تجاوز تعدادها المليار والربع؛ أي ما نسبته ٢٣% من سكان العالم، تحتل مساحة ١٩% من مساحة العالم تقريباً، ونعيش في ٥٤ دولة إسلامية، ونقيم في ١٢٠ مجتمعاً في العالم؛ فأمة بهذا القدر يجب أن تنكر وأن ترفض هذه الاتهامات. ونحن في لجنة مناصرة النبي ﷺ وحسب الإمكانيات اليسيرة لدينا وضعنا مجموعة من الخطوات العملية أو الاستراتيجية، وسوف ننفذها إن شاء الله خلال السنة القادمة؛ منها: ١ - إعداد برامج للتعريف بالنبي ﷺ ؛ بحيث تتبنى كل مؤسسة أو جهة هذا البرنامج ونشره في المجتمعات. ٢ - إنشاء قاعدة بيانات على الشبكة العالمية عن السيرة النبوية، وبدأنا فيها بالفعل مع أحد الجهات المتخصصة، وستكون في البداية بالعربية والإنجليزية ثم بلغات أخرى بعد ذلك. ٣ - نحن الآن نرتب لإعداد قرص مدمج (CD) عن شخصية الرسول ﷺ وشمائله، وسوف يوزع مجاناً على مستوى العالم. ٤ - نقترح إقامة معارض متنقلة ودائمة في المطارات، في الأماكن العامة، في الأسواق، بالتنسيق مع الجهات المسؤولة طبعاً، حتى نبرز شيئاً من شخصية الرسول ﷺ عن حياته وأخلاقه وشمائله. ٥ - تكوين مجموعة تنفيذية من العلماء المتخصصين وطلبة العلم للإجابة عن هذه الافتراءات خلال الموقع في الشبكة. ٦ - إصدار مواد إعلامية متخصصة في مقدمتها: نشرات مجلات تخصيص أبواب في بعض المجلات. والحمد لله استعطنا أن نصدر مجلة شهرية متواضعة خلال المؤتمر السابق في كندا، تبرز شمائل الرسول ﷺ ، وتفند بعض الافتراءات المثارة، بعيداً عن المجادلات، لأن هدفنا هو بيان شخصية الرسول ﷺ . ٧ - عقد مؤتمرات، وقد استطعنا أن نعقد مؤتمرين حتى الآن، ونحن نقول يجب على كل دولة عقد مؤتمر لهذا الموضوع خاصة، هذا الموضوع فقط، كل دولة إسلامية، وهذا بحد ذاته سيرسل رسالة إلى العالم أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي شخصية فاصلة لا يمكن تجاوزها. ٨ - التنسيق مع المراكز الإسلامية والعلماء في مختلف أنحاء العالم، على مستوى المتخصصين منهم في دعوة غير المسلمين، وغير المتخصصين. هذه بعض الأمور، وهناك أمور كثيرة أخرى، ومجرد أن الإنسان يكون عنده همّ بهذه القضية سيجد وسائل كثيرة، وليس هناك أشرف ولا أفضل من أن يكون هدف الإنسان أن يذب عن محمد ﷺ ؛ سواء كان فرداً أو جماعة. الأستاذ علي جمعة: لعلي أضيف هنا مسألة يسيرة لكنها في غاية الأهمية، وهي أن يكون خطابنا إلى الغرب خطاباً علمياً بعيداً عن الارتجال والانفعال، وأن نتقن لغة القوم ومصطلحاتهم وأساليبهم في الحوار. البيان: أحداث ١١ سبتمبر وما تبعها بعد ذلك من هجوم على الإسلام في وسائل الإعلام الغربية، ألا تشعرنا بأن الغرب بشكل عام لا يعرف كثيراً عن الإسلام، وأن المسلمين مقصرون في حمل هذه الرسالة العظيمة وتعريف الناس بها؟ الأستاذ علي جمعة: ذات مرة كنا نتكلم عن دعوة الناس إلى الإسلام، وإقامة الحجة عليهم، فقال أحدهم: إن الإسلام قد وصل، وإن الحجة قد قامت عليهم. فرد عليه بعضهم فقال: إن المسلمين وصلوا إلى الغرب، أما الإسلام فما وصل حتى الآن. وهذا حق، وأنا من خلال خبرتي في أمريكا الشمالية أشعر أننا مقصرون جداً في حمل رسالة الإسلام. فعلينا دور كبير في دعوة الناس إلى الإسلام، خاصة أن كثيراً منهم سيقبل هذه الدعوة إذا وصلتهم، وأظن أن رسالة الإسلام ما وصلتهم حقيقة إلى الآن. الأستاذ سليمان الحرش: هذه النقاط التي ذكرها الأخ سليمان وسائل أرى أنها تنقلنا من دعوة في مجال ضيق من خلال مثلاً مركز إسلامي أو من خلال مسجد أو مؤسسة أو ما إلى ذلك، إلى شمولية أكبر، عندما يطرح الإسلام مثلاً من خلال مواقع الإنترنت أو من خلال الصحف والمجلات، هذه الشمولية مهمة جداً؛ لأن الإسلام يصور في أوروبا وأمريكا أنه ينتشر انتشاراً واسعاً، وهذا تصوير مبالغ فيه. لكن هذا الطرح المذكور في الواقع يجعل الأمر شاملاً، ونستطيع من خلال هذه الوسائل أن نصل إلى كل إنسان، وخاصة إذا أجدنا لغة الخطاب ولغة الطرح، وحققنا مفهوم الوسطية للإسلام، من خلال هذه الوسائل الحديثة أتصور أن تتحقق نقلة في الدعوة من النطاق الضيق إلى الشمولية في الدعوة إن شاء الله. الأستاذ علي جمعة: قبل أحداث ١١ سبتمبر؛ عندما كنا نريد أن نتحدث مع الغربيين عن الإسلام لا يهتمون؛ لأنهم كانوا لا يهتمون بمسألة الدين، ولا يسمعون عن الإسلام كثيراً، أما بعد ١١ سبتمبر؛ فقد أتيحت فرص كثيرة لنا، وبدأ الناس يأتون إلينا بأنفسهم، ويسألون أسئلة كثيرة حول الإسلام، وهذه فرصة ثمينة إذا أحسنا استثمارها فسيكون لها أثرها الكبير على كل من لا يعرف شيئاً عن شخصية نبينا الكريم ﷺ . الأستاذ الدكتور جعفر: هناك أناس عملوا إحصاءات تبين أن أكثر ما يدخل الناس الإسلام هو القرآن الكريم، والدعوة بالقرآن الكريم قائمة، لكن الشيء الذي قصرنا فيه هو الدعوة بسيرة النبي ﷺ ، وشيخ الإسلام يقول إن أول شيء يبدأ به ربنا سبحانه هو أن يرسل الرسول، فالناس يعرفونه وعن طريقه يسلمون، ولذلك بدأ البخاري في صحيحه بكتاب بدء الوحي لأن هذه بداية الدين، فبالنسبة للقرآن العمل بالدعوة به قائم، لكن عندنا تقصير في مسألة الدعوة بالسيرة النبوية، بل أنا أرى أن هناك تقصيراً فيها على مستوى اللغة العربية، فينبغي أن يكون هناك كتاب جذاب يقرأه عامة الشباب في المدارس والجامعات، بلغة أدبية رفيعة في سيرة الرسول ﷺ ، نريد كتاباً يجمع بين العلم والتوثيق والناحية الأدبية، ثم يكون هذا الكتاب نفسه باللغات الأخرى، الكتاب الذي كتبه الباشا عن حياة الصحابة كتاب جميل، وعندما كنا في معهد العلوم الإسلامية أعطيناه أمريكية أديبة وتجيد اللغة العربية فترجمته، وأثر في ناس كثيرين لأنه مكتوب بلغة أدبية رفيعة. وعلى سبيل المثال اتفقت بعض الجهات مع جريدة (Today A.S.U) وهي من أوسع الجرائد انتشاراً، وهي تشترط في الكتابة ألا يستعمل في الكلمات أرفع من مستوى طالب الثانوية؛ لأن غالبية الناس هكذا، اتفقوا معهم على نشر مقالات قصيرة عن الإسلام، لكن كأنها إعلانات، ويكتبها أديب، فلو عملنا الشيء نفسه وأعددنا الكتاب، وكتب باللغات المختلفة؛ فإن ذلك سوف يؤثر في الناس تأثيراً كبيراً. وقد اتفقنا على كتابة كتاب عن السيرة، سيكون من الناحية الأكاديمية جيداً، لكن يحتاج الكتاب نفسه أن يكتب بلغة أدبية جذابة؛ لأن هذا في رأيي سيساعد في دعوة الناس مع القرآن الكريم إلى معرفة الدين الحق بشكل مؤثر. وإذا استطعنا أن نضع مع كتاب السيرة تفسيراً مثل تفسير الجلالين بهوامش بسيطة، فهذان إن شاء الله سيكونان مادة توضع في الإنترنت أو في قرص مدمج، فإذا أعددنا المادة الجيدة فوسائل انتشارها سهلة. البيان: قضية نصرة النبي ﷺ ليست مشروعاً شخصياً، وليست مكسباً حزبياً، أو مغنماً لمؤسسة من المؤسسات، وإنما هي قضية أمة وقضية عقيدة، وينبغي أن تتواطأ جميع المؤسسات الإسلامية وأهل الغيرة على نصرة النبي ﷺ والذب عن دينه وعن عرضه، وتعريف الجميع بهذا الدين، ونسأل الله أن يوفق الجميع لخدمة دينه، والله المستعان.

стр. 4538

حوار حاكم ولاية زمفرة (نيجيريا) في حوار خاص مع البيان كثيرون أولئك الذين يشوهون قضية تطبيق الشريعة في نيجيريا! مسألة (تطبيق الشريعة) من المسائل التي أثارت لغطاً شديداً في نيجيريا؛ فالحكومة الفيدرالية منزعجة من تصاعد التعاطف الشعبي في الولايات الشمالية التي بدأت في تطبيق الشريعة، والمنظمات والكنائس النصرانية المحلية والغربية تتعامل بتشنج وتوتر مع دعاة تطبيق الشريعة، كما أن الحكومات الغربية لا تخفي استياءها الشديد من ذلك، وتدفع الحكومة النيجيرية والأحزاب العلمانية للحد من هذه الظاهرة. ومع ذلك كله فإن التعاطف الإسلامي في الشمال خاصة في ازدياد مستمر، فقد تتابع في السنوات الأربع الأخيرة الإعلان عن تطبيق الشريعة في الشمال النيجيري ولاية بعد ولاية، حتى وصل عدد الولايات التى أعلنت التطبيق بفضل الله تعالى ١٢ ولاية، تختلف في جديتها وحزمها. ومن أكثر الولايات جدية فيما نحسب ولاية (زمفرة) التى تقع في الشمال الغربي وتبعد عن كانو عاصمة الشمال النيجيري ٣٠٠ كم تقريباً. وقد حاز شرف السبق والريادة في ذلك سعادة حاكم ولاية زمفرة الأستاذ (أحمد محمد ثاني) ، والذي يشرفنا أن يكون ضيفاً لمجلة البيان لنقف معه على جهود تطبيق الشريعة والعوائق التي تواجهها. البيان: ما قصة تطبيق الشريعة في ولاية زمفرة، وما دوافعه؟ - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين: الأمر الأول الذي دفعني لهذا الاتجاه هو أثر الصحوة الإسلامية التي ظهرت، وقد كنت أُكثر من الاستماع إلى الدروس والمواعظ خاصة دروس الشيخ أبو بكر محمود جومي وغيره من العلماء، وهذا قوّى فيّ الشعور بأنه يجب على المسلمين التمسك بالإسلام وتأييده. والأمر الثاني: هو ما حصل لي في أول زيارتي لأداء العمرة في عام ١٩٩٣م؛ حيث استمعت إلى دعاء القنوت في قيام رمضان من إمام الحرم المكي الشيخ السديس، ورأيت المصلين عن يميني وعن شمالي ومن خلفي ومن أمامي كلهم يبكون. لكني لم أفهم من دعاء الشيخ شيئاً، ولا أدرك سبب بكاء الناس، فبكيت أنا لسبب آخر وهو الشعور بتأنيب الضمير والتقصير؛ إذ إنني لم أفهم معنى ما يدعو به الشيخ ولا معنى ما يتلوه من كتاب الله، ثم فكرت بأنني موظف كبير في البنك المركزي، وأن معظم ساعات حياتي تذهب في هذه الوظيفة؛ فقد كنت أعمل من الساعة ٧.٣٠ صباحاً إلى الساعة ٩ وأحياناً ١٠ ليلاً، ولم أكن حين ذلك قد أكملت حتى قراءة القرآن، فقررت في نفسي أنني بعد عودتي سأعود لإكمال دراستي للقرآن، وفعلاً بعد عودتي كتبت استقالتي من العمل، ورجعت إلى مدينة سوكوتو، وبدأت أتعلم القرآن في مسجد عندنا وبعد الانتهاء من تلك الدراسة بدأت أحضر درس التفسير. وألقيت ذات يوم كلمة في حفل افتتاح المسجد ناديت فيها إلى تكثيف الجهود نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في ولاية سوكوتو ثم في نيجيريا كلها، واتخذت المسجد مركزاً للاجتماع والتشاور مع أصحابي للنظر في كيفية السعي لإعادة تطبيق الشريعة، ثم أُسست ولاية زمفرة وعيّنتُ وكيلاً في إحدى وزاراتها، وحين جاء الإعلان عن العودة إلى الحكم المدني دخلت في العمل السياسي، فتم انتخابي حاكماً للولاية، وقد كنت أصرح في أثناء الحملة الانتخابية بأنني ليس لدي غرض في الدخول في السياسة إلا إصلاح الحياة الاجتماعية على وفق النظام الإسلامي، ولا أريد جمع حطام الدنيا. البيان: هل كانت هناك جهود سابقة للمسلمين منذ الاستقلال من الاحتلال الإنجليزي تسعى إلى تطبيق الشريعة؟ - إن المسلمين في شمال نيجيريا منذ دخل الاحتلال الإنجليزي لم يستسلموا استسلاماً تاماً للمحتلين؛ ومن أجل ذلك لم يتم فرض السيطرة عليهم إلا عن طريق غير مباشر حسب ما هو معروف من سياسة المحتل البريطاني في شمال نيجيريا؛ فمنذ ذلك الوقت وُجِد علماء وشباب غيورون يعارضون الحكومة، ويطالبون بتطبيق الشريعة بالرغم مما ينالهم من سجن وقتل. ثم اتجهت جهود العلماء إلى دعوة الناس والبيان والتعليم للدين حتى انتشرت الصحوة الإسلامية؛ فهذه الصحوة أوجدت جيلاً من الشباب المتحمسين للدين، ومن أجل ذلك لما جاء الإعلان عن تطبيق الشريعة في ولاية زمفرة مثلاً أقبل الناس على ذلك بكل سرور وتأييد ومساندة. وساند المشايخ قضيّة التطبيق على الرّغم من الخلافات الطائفيّة الموجودة بينهم، وقد تلاشت تلك الخلافات في صفوف الأتباع خاصة، فقاموا صفاً واحداً لتأييد قضية التطبيق. البيان: ما الأمور التي يتيح لكم الدستور أن تطبقوا الشريعة فيها؟ - وقع نزاع شديد بين المسلمين والنصارى في دستور عام ١٩٧٨م حول النص على المادة التي تسمح بتطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أنه عند كتابة الدستور لم يتمكن المسلمون من أن يفرضوا على لجنة كتابة الدستور النص على تلك المادة، وبعد أن تم انتخابنا لهذا المنصب جئنا نطالع في دستور ١٩٩٨م فرأينا أنه يمكننا القيام بتنفيذ كل ما يتعلق بالشريعة الإسلامية من خلال الدستور؛ فأولاً المادة ٣٨ [١] من الدستور أعطت كل شخص حرية ممارسة أعماله الدينية بدون أية مضايقة بصفة فردية أو جماعية، فمعنى هذا أن لكل إنسان في خاصة نفسه أو في نطاق حكومة ولايته أو حكومة محلته حرية العمل بنظام الدين الذي يرغب فيه، وله حرية تامة في ذلك. ثم المادة التي تتعلق بالقوانين وهي المادة ٦ فقرة ٤ و ٥، أعطت الصلاحية للولايات أن تؤسس محاكم خاصة بها تحكم بموجب قانون يراه مجلس نواب الولاية مناسباً وموافقاً لهوية رعايا الولاية؛ فالدستور ضمن كل هذه الصلاحيات، لكن صحيح كما ذكر أن الجيش والشرطة والمباحث تحت سيطرة الحكومة الفيدرلية، ونحن لما لاحظنا هذا جئنا بنظام الحسبة، وجعلنا لمنسوبي هذا النظام حق متابعة المخالفين للشريعة وإلقاء القبض عليهم وحملهم إلى الشرطة ليقوموا بدورهم في عرضهم أمام محاكم الولاية، ويتابعون الشرطة ليتحققوا من قيامهم بواجبهم تجاه عرض المجرمين أمام المحاكم، وقريباً لاحظنا أن الشرطة يعرضون المسلمين أمام محاكم قانونية في الولاية، فجئنا بقانون يمنع من أن يعرض أي مسلم في الولاية إلا أمام المحاكم الشرعية، وهذه المواد التي استندنا إليها كانت موجودة حتى في دستور عام ١٩٧٨م لكن لم يتنبه لها المسلمون. البيان: قسم الدستور الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، وذلك مدرج في قائمة طويلة في الدستور، فما أبرز الأمور التي لا يتاح لبرلمان الولاية وللحاكم أن يسن القوانين فيها، ويجب عليه أن يطبق فيها القانون الفيدرالي؟ - كل نظام يمكن أن يوجد فيه ثغرات، فمثلاً في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي نحن في زمفرة نستغل القانون الذي تم اعتماده في أيام حكم الجنرال إبراهيم بابنجيدا والذي يسمح بتأسيس بنك جماعي هو في الحقيقة جمعية اقتصادية لا تقوم على أساس التعامل الربوي، فنسعى بموجبه إلى تأسيس بنك إسلامي، أما ما يتعلق بالعلاقات الخارجية بين الدول وما يتعلق بالجيش فهذا ليس لنا أي سلطة فيه، أما سائر الأمور المحلية الخاصة بولايتنا والتي تعود إلى جميع جوانب حياة المسلم فلنا حق سن قوانين فيها، وأي قانون يتم اعتماده لدينا فلا اعتراض عليه إلا إذا كان راجعاً إلى الشؤون الخارجية التي هي من اختصاص الحكومة الفيدرالية، وحتى في الشؤون الخارجية ليس هناك قانون يمنع الولايات أن تتعامل مع دولة خارجية مثلاً في علاقة تجارية معها؛ فنظام الدستور النيجيري أعطى نوعاً من الاستقلال لكل ولاية؛ فهو نظام فيدرالي تكون فيه حكومة فيدرالية وحكومات أخرى للولايات تتمتع بنوع من الحكم الذاتي؛ ففي الدستور ثغرات تتيح لنا ممارسة كل ما نسعى إليه، فما دام أن هذا الدستور من صنع البشر فلا بد أن يوجد فيه ثغرات. عوداً على ما يتعلق بالتعامل مع دول خارجية، وأنه ليس في الدستور ما يمنع الولايات من ممارسة ذلك التعامل؛ من هذا المنطلق جاءتنا دعوة من جهات شتى خارجية؛ فعلى سبيل المثال حاكم منطقة ميلانو الإيطالية وجه إليَّ دعوة، فأنا أجيب مثل هذه الدعوات وأقوم بالدخول في علاقات تجارية أو اقتصادية معهم وما إلى ذلك. وبالنسبة لما يتعلق بإنشاء البنك، فإن القانون يسمح لأهل قرية أو مدينة أن يؤسسوا بنكاً خاصاً بهم؛ فنحن الآن نسعى إلى تأسيس بنك إسلامي يغطي جميع أنحاء نيجيريا، ويتيح لمسلمي نيجيريا فرصة التعامل مع بنك لا يقوم على أساس ربوي، وإذا رأينا تأخراً عن تأسيسه فعندنا العزم على إقامة مصارف في كل مدينة أو في كل عاصمة حكومة محلية في أنحاء الولاية، بحيث نجعل أهل المدينة يؤسسون المصرف المذكور والذي لا يحتاج سوى رأس مال بسيط قانونياً، وهو ٥ مليون نيرا، فعندنا هذا العزم والترتيب له جارٍ، فكل ما يتعلق بالتشريع الإسلامي لدينا العزم على تنفيذه من الحدود والقصاص وما إلى ذلك، ووجدنا ثغرات لذلك من الدستور نفسه. ثم تعديل الدستور حالياً لا يمكن؛ لأن ذلك يتطلب موافقة ثلثي عدد برلمانات نيجيريا، والمسلمون في الولاية التي فيها المسلمون لا يوافقون على تعديل يفضي إلى إلغاء الشريعة الإسلامية، ولدينا ١٩ ولاية ذات أغلبية مسلمة. البيان: هل كان في ذهنكم عند إعلان التطبيق مرحلة نهائية يصل إليها التطبيق، وإذا كان الجواب بنعم، فما الذي تم تطبيقه، وما الذي بقي حتى يتم بلوغ مرحلة النضج والتمام؟ - الذي بقي حالياً هو ما يتعلق بالشؤون المالية. كما ذكرنا هدفنا هو أن يشمل هذا النظام جميع أنحاء نيجيريا، ومن أجل هذا نسعى مع البنك الإسلامي للتنمية إلى تأسيس بنك إسلامي، وقد أبدوا استعدادهم للمساعدة في هذا الجانب، وحالياً حصل تقدم واضح في زمفرة، وكل من يأتي إلى زمفرة ويمكث يوماً أو يومين سيرى أثر الإسلام فيها؛ فالذي نريد تحقيقه في الأعوام الأربعة القادمة في حال إعادة انتخابنا هو أن تكون ولاية زمفرة أنموذجاً يقتدى بها في سائر الولايات، وتكون معياراً للمسلمين في سائر الولايات عندما يطالبون حكام ولاياتهم بأن يكون التطبيق على مستوى ما يجري في زمفرة، فإذا رأوا شيئاً من التقصير من جانب حكامهم طالبوهم بالجد في قضية التطبيق، فعلى سبيل المثال لما جعلنا رواتب لأئمة المساجد اقتدت بنا بقية الولايات، فتبعت ولاية سوكوتو، ثم كيبي ثم نيجر، وهكذا ننتظر أن ينتشر هذا في بقية الولايات؛ فما دام أن الله قد منّ علينا بمنصب الريادة في هذا الشأن فهمّنا الآن هو السعي لأن يكون لولاية زمفرة أيضاً موقف ريادي للمسلمين في نيجيريا، وتصبح تجربتها بمثابة ميزان يقيس عليه المسلمون في سائر أنحاء نيجيريا به من يصلح أن ينتخب للمناصب القيادية، ونأمل أن يحصل هذا خلال الأعوام الأربعة القادمة؛ حيث يمكن لكل مسلم في نيجيريا أن يرى تطبيق الشريعة واضحاً ويرى ثماره. وهناك مثال آخر، وهو ما يتعلق بالمحافظة على أوقات الصلوات؛ فلدينا لجنة تعنى بتوحيد أوقات الصلوات، وتلتزم جميع المساجد بما تقرره اللجنة، فيؤذنون في وقت واحد، وتغلق محلات التجارة ويذهب الناس إلى الصلاة، وهناك شخص من ولاية زمفرة تزوج بامرأة من ولاية أخرى فكانت تسمع الأذان في وقت واحد من جميع المساجد، فاستغربت وجعلت تقول: ألا يوجد هنا شغل آخر غير الصلاة؟ فهكذا كل من جاء من ولاية أخرى ورأى كيفية الالتزام بالصلاة في زمفرة، وكيف يبادر الناس بإغلاق محلات تجارتهم بعد سماع الأذان، ورأى الأمر بخلاف ما يحصل في الولاية التي جاء منها؛ فإنه سوف يفكر في أنه لا زالت هناك بعض الإصلاحات لا بد من إيجادها في ولايته. البيان: ذكرتم أنه بقي الجانب المالي من حيث التطبيق، لكن لو أردنا أن نعدد بالتفصيل الجوانب الهامة التي قُطِعت، فما الخطوات التي قطعت حتى يتمكن قراؤنا الكرام من معرفة الجوانب التي حققها تطبيق الشريعة؟ - أولاً أسسنا مجلساً للعلماء يجتمعون فيه، ويشيرون علينا بالخطوات المناسبة التي ينبغي متابعتها لتحقيق تطبيق الشريعة الإسلامية بموافقة الكتاب والسنة. ثم أسسنا وزارة الشؤون الإسلامية التي تعنى بجميع الشؤون الدينية في الولاية، ثم أسسنا لجنة مكافحة الرشوة والفساد الإداري، وهي تعتني بمتابعة سلوك جميع موظفي الولاية، ابتداء من الحاكم إلى أدنى عامل في مكاتب الولاية، وطُلب من جميع المسؤولين في الولاية ابتداء من الحاكم ووزرائه أن يعلن كل واحد عن جميع ممتلكاته لتتم مراقبته ومحاسبته والنظر في ما يحصل له بعد ذلك من الثراء أثناء فترة توليه المنصب، ثم أسسنا لجنة الحسبة، وأسسنا ٥٩ محكمة ابتدائية، وتم تعيين عدد زائد من القضاة مع تدريب القدامى، وأسسنا مكتب الزكاة والأوقاف، ولجان متابعة أوقات الصلوات ومراقبة رؤية الهلال، وشرعنا بالتعاون مع مركز الدراسات الإسلامية القانونية في جامعة أحمد بللو بزاريا في تدريب القضاة من الولاية في دورات خاصة، وهذا في الجانب الديني، كما تم تحديد رواتب للأئمة وبناء مساجد في المدن والقرى، وكذلك مدارس إسلامية. وفي الجانب الاجتماعي أنشأنا مشروعين: الأول: مشروع مكافحة الفقر وإيجاد فرص العمل للشعب، ومن خلال هذا المشروع نقوم بتقديم قروض للناس، وشراء أدوات الزراعة والصناعات الخفيفة وتقديمها لهم، وخصصنا مبلغاً من المال من أجل هذا المشروع، ويوجد في كل قرية في الولاية من يستفيد منه، وخاصة في مجال الزراعة التي هي حرفة معظم أهل الولاية. والثاني: مشروع توفير البنية التحتية في الولاية، فتم تعبيد طرق كثيرة، وتوفير مياه الشرب، وإصلاح المستشفيات، وبناء مستشفى جديد للنساء والأطفال تُصرف فيه الأدوية بالمجان، وحيث يتطلب الأمر إحالة حالات حرجة إلى مستشفى متخصص ولو خارج نيجيريا مثل مستشفى السعودي الألماني بالمملكة، ولدينا علاقة معه في هذا المضمار فالحكومة تساعد في ذلك، كما فتحنا كليات فوق الثانوية ككلية المعلمين، وكلية الزراعة، وكلية التقنية الطبية، كما تم تخصيص مكافأة شهرية تصرف كحافز للطلاب الجامعيين التابعين للولاية، ويختلف حجم المكافأة باختلاف التخصص؛ حيث نقدم للدارسين في التخصصات التي تكون حاجة الولاية إليها أشد كالطب والهندسة مكافأة أكثر من غيرهم. البيان: بقي جانبان وهما الإعلام والتعليم، فما الخطوات التي قطعتموها في أسلمتها؟ علماً بأننا قرأنا في الصحف أن النصارى اجتمعوا برئيس برلمان الولاية يطالبون بمعرفة مصير ستين ألف طالب نصراني يدرسون في الولاية ولا يتمتعون بأي تعليم لدينهم؟ - أما ما يتعلق بالتعليم فقد كوّنا لجنة من التربويين مقرها في جامعة عثمان بن فودي بمدينة سوكوتو، ستقوم بإعداد منهج جديد للتعليم نقوم بتطبيقه، وسيتم تقديمه قريباً، وهذا النظام يشمل حتى صفة اللباس المدرسي وقد تم تفصيل الملابس، ويبقى فقط توزيعها على الطلاب، وهذا النظام سيبدأ العمل به قريباً إن شاء الله، ويكون النظام بحيث يُعَدُّ الطالب ويربى تربية إسلامية تغرس فيه العقيدة الإسلامية من لدن المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، والحكومة هي التي قامت بشراء وتفصيل الملابس للطلاب، واللجنة المكلفة قد انتهت من مهمتها وحاولت أن تعد نظاماً يرمي إلى أسلمة العملية التعليمية، وأما ما يتعلق بمطالبة النصارى بتعليم الدين النصراني للطلاب النصارى في الولاية؛ فهذا أمر ليس بجديد؛ فمنذ كنا تحت ولاية سوكوتو لم يزل النصارى يطالبون بتعيين مدرّسي مادة الدراسات النصرانية يدرسونها لأبنائهم في مدارسنا، فقلنا لهم: لا يمنعهم شيء من أن يوظفوا من قِبَل أنفسهم مدرساً يدرس أبناءهم لكن لا نسخر أموال الحكومة لتوظيف من يعلِّم الدين النصراني؛ لأنه لا يوجد عدد يذكر من أتباع الديانة النصرانية في الولاية، وكما أن المسلمين في الولايات ذات الأقلية المسلمة لا يتمتعون بهذه الفرصة من أموال حكومة الولاية؛ فكذلك نحن في ولايتنا لا يمكن أن نقدم هذه الخدمة من أموال الحكومة؛ فمنذ أن كنا متَّحدين مع ولاية سوكوتو كان الوضع هكذا، وكذلك في جميع ولايات شمال نيجيريا لم تحصل موافقة لهم على هذا. وأما ما يتعلق بالإذاعة أحياناً فإن النصارى يطالبون بحصة من الزمن يقومون ببث برامجهم الدينية فيها عبر الإذاعة، فهذا أيضاً لم نوافق عليه؛ لأن الولايات الجنوبية التي فيها أغلبية مسيحية لا تسمح للمسلمين ببث برامجهم الدينية في إذاعاتها؛ فنحن أيضاً لا نسمح للنصارى بذلك في ولايتنا، فهذا هو الوضع، وقد جعلنا جميع برامج الإذاعة في الولاية تحت مراقبة وزارة الشؤون الإسلامية، ومجلس العلماء، ومن هنا يتم تصحيح أي خطأ يصدر في البرامج الإعلامية، وحالياً نسعى إلى فتح قناة تلفزيونية، وسيتم ذلك بعد شهرين من الآن إن شاء الله، وقد تم شراء جميع أدوات البث ومعدات المحطة، وهي الآن تحت التركيب. البيان: ألا يوجد صحافة؟ - لدينا صحيفة تصدر من الولاية، وهي أيضاً تحت مراقبة وزارة الشؤون الإسلامية. البيان: ما صفة اللباس الذي يتم تفصيله من قبلكم للطلاب في المدارس؟ - هو ثوب طويل إلا أنه يكون معه عمامة تعمم على الرأس. البيان: ألا يمثل هذا النوع من اللباس مشكلة؟ - نعم كان هناك كلام كثير وضجة عالية لما تم الإعلان بعزمنا على هذا الأمر، ونحن نقول: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. البيان: ما الفروق بين الولايات التي أعلنت التطبيق؛ أعني الفروق في جوانب التطبيق؛ فما الذي تختلف فيه ولاية زمفرة عن ولايات النيجر وسوكوتو، وكانو، وكدونا، وغومبي، وغيرها؟ - كما لا يخفى عليكم فقضية تطبيق الشريعة في ولاية زمفرة صدرت من حاكم الولاية وقادتها مع مساندة الشعب، أما بعض الولايات ففي معظمها لم تنجح القضية إلا بمطالبة الشعب وبعد الضغوط من الشعب على الحكام؛ فهذا هو الفارق الجوهري بين زمفرة وبقية الولايات، لكن إن شاء الله ما دامت المطالبة من الشعب قوية فالقضية سوف تقوى، فإما أن تقوم القيادة بتبني القضية بجدية، أو يقوم الشعب بتغيير القيادة عن طريق صناديق الاقتراع، لكن كما كنت أقول نحن نسعى نحو إيجاد نوع من التنسيق بين جميع الولايات التي أعلنت التطبيق حتى يتم السير على منوال واحد إن شاء الله. البيان: ما أبرز العقبات التي واجهتكم خلال مرحلة التطبيق؟ - العقبات من جهتين: الجهة الأولى من المسلمين الذين يعارضونني في الميدان السياسي؛ فكثيرون أولئك الذين يشوِّهون قضية التطبيق، ويقولون ليست صادقة، وإنما هي لعبة سياسية نلعبها لجذب الجماهير إلى صفوفنا؛ فهم يؤيدون كل سعي للكفار في إعاقة عملية التطبيق. وهناك فئة ثانية من المسلمين وهم في الحقيقة منافقون، وهم الذين يكرهون التطبيق ويكرهون السعي لمنع الفساد في المجتمع كالزنا وشرب الخمر، ويرون أن في هذا اعتداء على حرياتهم، ويرغبون في إطلاق العنان لهم ليرتكبوا ما يشاؤون من الأعمال المنكرة. وهناك فئة ثالثة من المسلمين ممن لهم قصور في فهم الإسلام وهم يعارضون التطبيق أيضاً؛ فهذه الفئة والفئة الأولى المخالفة لنا في السياسة يتم البيان لهم، وينتقلون تدريجياً إلى الصف المؤيد لقضية التطبيق؛ فالمشكلة مع فئة المنافقين؛ حيث يقفون في خندق واحد مع الكفار لمحاربة التطبيق. أما الجهة الثانية التي تأتينا منها العقبات فهي من الكفار؛ فهؤلاء لا نبالي بهم؛ لأننا نعرف أنهم يعارضون الشريعة الإسلامية بالطبع، وقد استخدموا في البداية أسلوب التهديد بالقتل، ثم حاولوا تقديم الأموال، والمعارضةُ من طرفهم لا زالت تظهر بين حين وآخر، وكذلك من طرف المنافقين. وما زالوا يكيدون لنا، وحالياً لما قربت الحملة الانتخابية للفترة الثانية يحاولون منعنا من أن نكون من المرشحين، وشركة الخمور النيجيرية يسعون حالياً لترشيح شخص منافس لي في الانتخابات، وموَّلوه بأموال طائلة، وجعل يبحث عن الفئة المنحرفة من الشباب والنساء وينفق تلك الأموال عليهم، وقد أظهر من الفساد ما جعل الناس يعرضون عنه وهو في الوقت الراهن قد ترك الأمر واختفى. البيان: كيف تقرؤون المخاطر المستقبلية التي قد تعوق استمرار قضية تطبيق الشريعة؟ - العائق الأول في نظرنا هو مسألة الانتخابات، وإن كنا نعتقد أن كل عائق سيواجهنا مستقبلاً لن يكون بقوة ما مضى، وما دام الوضع استمر على الحكم الديموقراطي، وحافظنا على ما يصلح الشعب، والشعب بدوره متفاعل معنا، ونحن بدورنا نسعى لإقامة العدل وتطبيق الشريعة فأنا واثق بأن الله معنا إلا أن يأتي اختبار وابتلاء من الله تعالى؛ فهذا أمر آخر، لكن ما دام العدل قائماً.... فلا أظن أنه ستكون هناك عوائق أشد مما مضى، فقد قاموا بالتشويه وحاولوا إثارة الشغب؛ فمثلاً في يوم الإعلان كان هناك أمر للجيش بمنع تجمع الناس من أجل إعلان تطبيق الشريعة حتى وإن أدى ذلك إلى قتل الحاضرين، ولكن الله سلّم وحيل بينهم وبين ما يشتهون. البيان: الغرب يعادي تطبيق الشريعة لاعتبارات دينية وحضارية قبل كل شيء، فهل ترون أن الدعاة إلى الله وأبناء الإسلام المخلصين له في نيجيريا قادرون على إدارة دفة الصراع بتخطيط وروية، ولا يدفعهم مجرد الحماس فقط؟ - هناك أمر وقع قريباً، وهو يمثل لنا ما يمكن أن يحدث في هذا الموضوع، (يشير إلى ما حدث قريباً من رد فعل المسلمين تجاه قضية مسابقة ملكة الجمال وما ترتب عليه) ، أنا واثق بأنه يوجد في المسلمين من هو مستعد للتضحية بحياتهم في سبيل الله ؛ فأنا واثق بوجود من قد جند نفسه من أجل هذا الأمر، والأمر الذي نحتاج إليه هو وجود قائد، وإذا وجد فالأتباع مستعدون للانقياد له. ففيما يتعلق بقضية الانتخابات أنا واثق بأن المسلمين في نيجيريا لن يقبلوا أي تلاعب بالنتائج لغرض إبعاد الذين يسعون للتطبيق عن كراسي الحكم، ولو أدى ذلك إلى تقسيم البلد. ويوجد حالياً فئة في زمفرة لديهم استعداد تام في حالة ما إذا رأوا مني تغيراً في منهجية التطبيق أن يتصرفوا بإقامة من يمضي قُدُماً بالعملية. البيان: الذي أقصده بالقدرة على إدارة دفة الصراع، أن الصراع يتطلب نوعاً من الكر والفر، والإقدام والتراجع، وخاصة أن الغرب قد يستثمر حالة الحماس الموجودة لدى المسلمين لإسالة الدماء في أوساط الشباب المسلم والقضاء على الرموز الإسلامية والدعوية، ولا أقصد الدعاة، وإنما أقصد الرموز المخلصة للإسلام في شمال نيجيريا؛ فمن الممكن أن تستقطب بطريقة أو بأخرى، فهل ترون بأن لدى المسلمين قدرة على إدارة الصراع، أم أن لديهم فقط الاستعداد بأن يموتوا في سبيل القضية؟ - كما سبق أن قلت: نحن نعرف بأن للموت أجلاً مسمى، وإذا جاء الأجل لا يمكن تجاوزه، إن أهم ما أريد غرسه في قلوب الناس هو طلب مرضاة الله سبحانه وتعالى، وإذا نحن قعدنا ننظر فيما عسى أن تفعله أمريكا أو بريطانيا فحتى ديننا قد نعجز عن العمل به، وأما ما يتعلق بالحكمة كما جاء في أوامر الله فنحن نستعمل الحكمة في بيان الدين للناس بدون حاجة إلى عنف أو شدة، أما لو كان النظر إلى كراهيتهم لهذا الأمر فهذا شيء لا نملك أن نفعل شيئاً تجاهه، نحن غايتنا غرس العقيدة في قلوب الناس، وأن يستعدوا للتضحية ولو بحياتهم من أجل دينهم، مع عدم الاعتداء على أحد، بل نعلّم الناس الصبر على من يريد إثارتهم؛ فكلما حاولوا إثارة الفوضى فنحن بأسلوب حكيم نجد طريقة لتهدئة الوضع؛ فليس لنا حاجة إلى أن نقوم ببعض ردود الأفعال من أجلهم. إن من أهم الأمور عندنا جمع كلمة المسلمين؛ لأنه كلما اجتمع المسلمون فلا يجد هؤلاء طريقة لشق صفهم، وقد بدأ سلوك السبيل المؤدي إلى الاتحاد والاجتماع بحمد الله تعالى، ونحن دائماً نصبّر الناس حتى لا تنتشر الفوضى ويحصل الشغب؛ فقد شاهدنا محاولات كثيرة لإثارة الشغب في زمفرة؛ فمرة خططوا للشغب فيها فأخفقت خطتهم ووقع الشغب في كدونا؛ فهذا هو الأسلوب الذي نتخذه: نصبّر الناس، وهذا لا يمنع الأمريكان ومن شايعهم من أن يسعوا لإثارة الفوضى؛ فنحن بدورنا نسعى للدفاع عن أنفسنا بشتى الوسائل. والقضية التي أراها أن المسلم ما دام يعتقد أنه سيموت، وأن لموته أجلاً مسمى، فينبغي له أن يصرح (بمعتقده) ، وقضية المداهنة من أجل ألا تقع الفوضى أو ألا يحصل القتل؛ فأنا قد شاهدت تجربة حية؛ فكما قلت قد كانت هناك محاولات لتهديدنا وبعثوا بعوثاً إلينا، ولا زال الصحفيون يأتون إلينا من الغرب لينظروا ماذا نعمل، بل جاؤونا أيضاً من قِبَل الحكومة الفيدرالية لما رأوا إقبال الناس على قضية التطبيق. وقد نادت الصحيفة الرسمية للولاية جميع المسلمين وخصوصاً قادتهم في الداخل والخارج بأن يعرفوا بأنهم سيموتون، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه، وأن المُلك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، بمعنى أنه لا بد من عرض الإسلام على حقيقته، وأشارت إلى أن ما حدث في زمفرة يدل على أنه حتى ولو قتلنا فالعبرة بما حققناه؛ لأن الموت مصير الجميع. البيان: ما أبرز الجهود التي تبذل للحيلولة دون نجاح التطبيق؟ - أولاً كما ذكرت سابقاً بدؤوا بأسلوب التهديد: هددوا بأنهم سوف يسقطون الحكومة إذا لم نتوقف؛ فلما رأوا أن ذلك لم يُجْدِ شيئاً لجؤوا إلى التهديد بقتلي، فلما رأوا عدم جدواه وأننا لم نلقِ بالاً لذلك بدؤوا محاولة شرائنا بالأموال، وهذا أيضاً لم ينفع، والآن جهودهم منصبَّة في اتباع الحيل السياسية، وهذا أيضاً بفضل من الله لم يوفقوا فيه؛ فإنهم يريدون أن يسببوا لنا خلافات داخلية وانشقاقاً في حزبنا في الولاية؛ لأنهم رأوا أنهم إذا رشحوا مرشحاً من أي حزب آخر فلن يكون له أي أمل في الفوز، فيريدون أن يُحدثوا مشاكل في العملية الانتخابية، أو في أتباعنا في الحزب فيفرقوهم؛ لأنهم لاحظوا أن في الانتخابات الأخيرة كان هناك مرشحان قويان في حزب الشعب الديموقراطي (الحزب الحاكم في الحكومة الفيدرالية وهو الحزب المعارض لنا في ولاية زمفرة) ، فلما تمّ ترشيح أحدهما غضب أتباع الآخر فصوتوا للحزب المعارض، ودخلوا في صفوفنا، فيريدون أن يستخدموا هذه الخطة للانتصار علينا، فيسعون في تأييد شخص آخر معارض لي ويقدمون له أموالاً طائلة، ويحصل له أتباع؛ فإذا لم يتم ترشيحه فسوف ينقلب أتباعه إلى صف الحزب الآخر المعارض، وهناك مؤشرات واضحة تدل على أن هذا أيضاً لن ينجح؛ فالآن بيننا وبين المرشح الآخر مفاوضات، وسيكون من المؤيدين لنا وفي صفنا أيضاً إن شاء الله. البيان: المرحلة التي قطعت في تطبيق الشريعة مرحلة مباركة؛ فما الأمور التي ترون أنها أعانت على دعم تطبيق الشريعة؟ - إن أهم ما ساعدنا هو توحُّد صفوف المسلمين والعلماء، واتحاد العلماء من مختلف الانتماءات الدينية كان عاملاً فعالاً في مضي الحكومة قُدُماً نحو عملية التطبيق، وتوحُّد كلمة المسلمين واتخاذهم موقفاً واحداً ضد كل من يعارض الشريعة، كل ذلك جعل أعداء تطبيق الشريعة الإسلامية كالحكومة الفيدرالية وغيرها ممن يريد إثارة المشاكل يحسبون ألف حساب قبل الإقدام على أي عمل ضد الشريعة، فهذا التوحّد والاجتماع قد ساعدنا كثيراً، ثم وقوف بقية المسلمين معنا في قضية التطبيق، والذي لم يكن مقصوراً على مسلمي ولاية زمفرة فحسب، بل يشمل كل المسلمين في ولايات كانو وكدونا، وسوكوتو، وكاتسينا، وكيبي، وجيغاوا، وبرنو، وبوشي، بل كل أنحاء نيجيريا حتى من ولايات يوربا، كلهم وقفوا ولا زالوا يقفون معنا، ونشاهد ذلك واضحاً عندما تصدر أي معارضة، فقبل أن أتكلم بالرد يسارع المسلمون من شتى أنحاء نيجيريا إلى الدفاع عنّا، وهذا كان له دور في تقوية وتوحيد صفوف المسلمين، وساعدنا أيضاً الإقبال الشديد على تعلُّم الدّين وخاصّة من قِبَل الشباب؛ فالناس اتجهوا إلى المدارس ومراكز التوعية الإسلامية سواء التي أقامتها الحكومة بواسطة جهود وزارة الشؤون الإسلامية، أو التي فيها دروس خاصة يقوم بها علماء من عند أنفسهم؛ فهذا أيضاً أعان قضية التطبيق بشكل كبير. بالنسبة لما يتعلق بطبائع الناس، لا زلنا نبذل الجهود في تغيير سلوك الناس عما عهدوه من قبل وتربوا عليه؛ فالناس موافقون ومستسلمون للتطبيق، لكن هناك أمور لدى البعض خاصة فيما يتعلق بقضية جمع الأموال فهو أمر يحتاج إلى الاستمرار في التوعية ووعظ الناس لمعالجة هذا الجانب، فترى الإنسان من حرصه على المال قد يسلك طرقاً غير شرعية لكسب المال وجمعه، إما في عمله الوظيفي في الحكومة أو في تجارته في سوقه، فهذا جانب نرى فيه نوعاً من الضعف فيه؛ فالناس إذا جاءهم أمرٌ فيه مكسب مالي فقد ينقلب تفكيرهم رأساً على عقب، سواء كانوا من العلماء أو من موظفي الحكومة؛ فهذا أمر يحتاج إلى معالجة، ونحن نسعى لذلك. فقضية حب المال هي أكبر مشكلة لدينا، سواء مع العلماء أو الموظفين أو مع جميع فئات المجتمع. البيان: الانتخابات النيجيرية قادمة على الأبواب؛ فكيف ترون مستقبل تطبيق الشريعة في المرحلة القادمة في زمفرة خاصة، وفي بقية الولايات الشمالية عامة؟ - نحن بحمد لله في زمفرة ليس لدينا مشكلة؛ فالناس لا زالوا مقبلين على تأييد قضية التطبيق، أما على مستوى نيجيريا فالمسلمون منقسمون وخاصة كبار الشخصيات وأهل الرأي منهم، لدينا مشكلة فعلاً؛ فمن أجل خلافات ونزاعات حول مصالح خاصة صاروا فرقاً كل فرقة تعارض الأخرى، وكل زعيم لا يريد الآخر أن يكون رئيساً، وهذه مشكلتنا، وأما بالنسبة للولايات التي أعلنت التطبيق فأي شخص تم انتخابه حاكماً فيها ولو لم يكن الحاكم الحالي فلا يمكن أن يأتي بنظام جديد يزيل به قضية التطبيق؛ لأن الناس على وعي عالٍ؛ فلا يمكن أن يقبلوا منه هذا، وإنما المشكلة في المستوى الفيدرالي، فيصعب أن يتفق المسلمون إلا بتوفيق من الله، وإن لم يحصل ذلك فستستمر الدولة بأيدي النصارى هذه المرة أيضاً. البيان: يلاحظ بعض المتابعين فتور التطبيق في بعض الولايات الشمالية في المرحلة الأخيرة، فما تعليقك على هذا؟ - ليس هناك فتور، وذلك أنه في البداية كان هناك نزاع شديد، فكانت الأخبار يومياً تذكر قضية التطبيق في الصحف وغيرها، وكانت تتابع وتنقل الحوادث والقضايا المتعلقة بالشريعة، ويذكرون ما حصل وما لم يحصل، والآن قد يئسوا من القضاء على قضية التطبيق، فلا يريدون ذكر أي شيء فيه ثناء على الشريعة وتطبيقها، إلا ما يتعلق بقضية الرجم مثلاً كقضية (أَمِينة لول) أو (صفية حسين) على سبيل المثال، أما كل ما يحدث مما يكون فيه حسن الذكر للشريعة فإنهم يكتمونه ويغفلون عنه تماماً، والحقيقة أنه قد حصل تقدم كبير في جميع الولايات التي أعلنت التطبيق، والأمور تجري فيها بصفة طيبة في جانب التطبيق؛ لكن هذا لا يُذكر؛ لأن الذين يتحدثون لا يهمهم التقدم الذي تم تحقيقه، وإنما يهمهم فقط لماذا تطبق الشريعة؟ فهم غير موافقين على التطبيق أساساً، فحصل نزاع معهم في الأول والآن التطبيق سارٍ، فلا يرغبون أن يحقق أي تقدم، وهمهم الآن هو البحث عن سبل لإعاقة القضية؛ فهذا الذي جعلنا لا نسمع شيئاً كثيراً عن تطبيق الشريعة في بقية الولايات في نيجيريا. البيان: الغرب له مطامع في ثروات نيجيريا بصورة واضحة، فما أثر تلك المطامع على تطبيق الشريعة اليوم؟ - لما كانت علاقة هذه الدول مع الحكومة الفيدرالية بصفة مباشرة وليس بالولايات، فهذا لا أثر له في الأمور التي تجري في الولايات حول التطبيق، إلا إذا تم بتوفيق من الله إقامة حكومة إسلامية على المستوى الفيدرالي فحينئذ تظهر لنا المشاكل التي سوف تواجهنا، وأما حالياً فليس لهم أي اهتمام بنا في الولايات إلا ما يقومون به من مساعدة الفئات التي كانوا يساعدونها من قبل (في محاربة الإسلام وقيمه) ، ونعتقد أن لديهم متابعة مستمرة للأوضاع في الولايات التي أعلنت التطبيق. البيان: هل من أثر لما يسمى بحرب مكافحة الإرهاب على قضية تطبيق الشريعة في نيجيريا؟ - في الوقت الراهن ليس لديَّ معلومات عن هذا؛ لأن هذا يرجع إلى العلاقات الخارجية وهي كما قلت مع الحكومة الفيدرالية، إلا ما حصل قريباً لمَّا جاءت تصريحات من نائبي تستنكر ما صدر في بعض الصحف النيجيرية من غمز للنبي ﷺ وتبين خطورته، فاختاروا أن يسموها إصدار فتوى منه، وإنما هو تصريح يبين بأن تلك المرأة التي عرَّضت بسب الرسول صلى الله عليه وسلم دمُها هدْر؛ فعلى الحكومة أن تتخذ الإجراء اللازم من أجل ذلك، فقد سمعت بأن أمريكا طلبت من حكومة ولاية زمفرة سحب مقالتها تلك ونقضها؛ لأن الشريعة لا تنفذ على غير المسلمين، وإلى الآن لم يحصل أمر آخر عن ذلك، فنظام الدولة لا يسمح لهم بالدخول في علاقة سياسية مع الولاية أو التدخل في شؤونها؛ لأن الدستور لا يسمح لهم بذلك، إلا أن يشيروا برأي أو يقوموا بتصريحات صحفية، أما الحكومة الفيدرالية فهي التي لها علاقة مباشرة مع الولايات. البيان: نيجيريا بلد ساخن في القارة الإفريقية حتى أسماه بعض المتابعين بـ (بلقان إفريقيا) ، فهو مليء بالصراعات الدينية والعرقية والقبلية والمناطقية، فإلى أي مدى ترون ذلك مؤثراً على مسيرة تطبيق الشريعة في نيجيريا؟ - هذه الصراعات تاريخها قديم، ففي كل مكان وجد المسلمون مع غير المسلمين تحصل نزاعات وبخاصة في وضع مثل وضع غير المسلمين من أهل نيجيريا الذين ليس لهم توجه إلا التقليد الأعمى للغرب وقيمه وأخلاقه، ويؤيدون كل محاولة تحول المسلمين إلى الانقياد والتقليد لقيم وأخلاق اليهود والنصارى، والمسلمون في نيجيريا لم يزالوا منذ عهد بعيد متمردين على كل من يريد تغيير هويتهم وتقاليدهم وتلك الهوية هي الهوية الإسلامية، فلم يزل المسلمون منذ كنا صغاراً يطالبون بإعادة تطبيق الشريعة عليهم، فكانت هذه مطالبهم عند كل نقاش يقوم عند إعادة كتابة دستور للدولة، وهو الأمر الذي كان سبب النزاعات في الندوات التي تعقد لإعادة صياغة الدستور؛ فالمسلمون يطالبون بالنص على ما يضمن لهم حق العمل بالشريعة، وغير المسلمين يمنعون من هذا، فكان ذلك دائماً سبب النزاع في تلك الندوات وسبب إخفاقها، فهذا الصراع قائم ولا ينتهي؛ فهم لا يريدون للمسلمين أن يطبقوا الإسلام على أنفسهم، والمسلمون لا يرضون بشيء إلا العمل بنظام دينهم؛ فموقفهم لا يؤثر فينا أبداً، وعلى الله توكلنا. البيان: تسربت وثائق كنسية تفيد بأن الكنيسة لن تسمح ببروز قيادات علمية شرعية بعد الشيخ أبو بكر محمود جومي؛ فما الذي يمكن أن يقدم لإيجاد تلك القيادات ومن ثَمَّ إبرازها؟ - كما سبق أن ذكرت أن مما حققته قضية التطبيق للشريعة هو توحيد صفوف المسلمين؛ وأكبر مشكلة حصلت هي أن الجمعية التي أسسها الشيخ أبو بكر جومي، وهي جماعة إزالة البدعة وإحياء السنة قد انقسمت في نفسها إلى فرقتين: إزالة كدونا، وإزالة جوس. وبالرغم من كل المحاولات لجمع زعماء الفريقين لم يحصل أي نجاح؛ لأن كل فريق لا يرضى بالتنازل عن الرئاسة للآخر؛ فقضية ظهور شخصية يرضى به الجميع أمر صعب إلا بتوفيق من الله؛ فعلى سبيل المثال لو برز شخص محسوب من إزالة كادونا؛ فلن يكون مقبولاً لدى إزالة جوس ولا لدى أصحاب الطرق الصوفية؛ فهذا أمر لا يحصل إلا بتوفيق من الله كما قلت، ونحن على أمل بأنه سيحصل إن شاء الله إذا جاء وقته. لكن مع هذه الفرقة يصعب أن يبرز شخصية مقبولة لدى الجميع. البيان: اشتهرت مقولة أحمد بللو أن من يسيطر على الشرق النيجيري فإنه يسيطر على نيجيريا؛ فما السبيل لغد مشرق للإسلام في نظركم في الشرق النيجيري؟ - قد حُققت انتصارات سارة ولا زالت تتحقق في الشرق، ونحن بدورنا أيضاً قد ساعدنا بعض العلماء الراغبين في بناء المساجد في تلك المنطقة، وفي الآونة الأخيرة أسلم رئيس إحدى القبائل منهم؛ فهناك عمل إسلامي قوي قائم في المنطقة خاصة من قِبَل الشباب المسلم قبل الإعلان عن تطبيق الشريعة، ونحن نؤيد هذه الجهود ونقدم لها ما نستطيع من مساعدات، وكذلك المؤسسات الخيرية من المملكة العربية السعودية لديها جهود مشكورة في المنطقة، وقد بنوا مدرسة ومركزاً إسلامياً في ولاية إيمو إحدى ولايات الشرق. البيان: ما أبرز الدروس والعبر التي استفدتموها من تجربتكم المباركة في تطبيق الشريعة؟ - أعظم ما لاحظته هو أن لدى بعض العاملين في ميدان العمل الإسلامي مشكلة كبيرة لا بد من معالجتها وهي تعم جميع العالم وليست خاصة بنا هنا، وهي مشكلة حب المال؛ فكل من جربته في الدينار والدرهم رأيت منه عجباً؛ فهذا أكبر ما لاحظت؛ فترى الشخص يسعى جاهداً في ميدان العمل الإسلامي وفيما يبدو أن عمله خالص وبمجرد ما تدخل قضية المال ترى منه عجائب؛ فهذه المشكلة هي أكبر مشكلة تواجه المسلمين في نيجيريا، وهي: كيف نعالج مشكلة المال؟ إذا حصل للناس انضباط في المعاملة المالية بحيث يضبطون أنفسهم في كسبه من الطرق المشروعة، ويفهمون أن هذا هو الإسلام الصحيح؛ فإن شاء الله سيحصل تقدم نحو المستقبل الزاهر؛ وأما حالياً فالمشكلة التي تواجه قضية تطبيق الشريعة الإسلامية لا تتجاوز شدة الطمع على المال. البيان: يردد البعض بأنكم استعجلتم في إعلان التطبيق، ويقولون بأن الباعث لكم كان مجرد الحماس الديني من دون تخطيط؛ إذ كان الواجب كما يقولون أن يسبق عملية الإعلان تهيئة للأمة لتقبل ذلك، لكن ذلك لم يحدث بدليل ضخامة حالات الجهل والفقر في المجتمع النيجيري وما ينتج عنها من أمراض مادية ومعنوية، فما تعليقكم على ذلك؟ - لو أننا لم نعلن التطبيق يوم أن أعلناه لمَا جاء وقت يحصل فيه الإعلان، وكما ذكرت سابقاً أننا لمَّا قمنا بالإعلان أتوا حتى بالجيش لمنع ذلك؛ ففي الفترة الأولى كان هناك تردد: هل هذا يمكن أو لا يمكن؟ فالإعلان قد تم وبدأ العمل الجاد في التطبيق؛ فهو الذي فتح الباب وكان نقطة الانطلاق، وهناك بعض العلماء الذين كلموني قبل الإعلان بأن هذا ليس هو الطريق الصحيح، وأنه لا بد أولاً من إصلاح الناس والقضاء على الفقر وغير ذلك، ولم يكن هذا رأينا، وحالياً بعد الإعلان والشروع في التطبيق فإن كل ما كانوا يشيرون إليه بأنه لا بد أن يسبق عملية الإعلان فإننا نسعى بكل السبل المناسبة لتحقيقه مثل إصلاح المجتمع والقضاء على الفقر؛ لأن كل هذا مما يحصل بتطبيق الشريعة، والحقيقة أن الإعلان بالتطبيق ليس إلا التصريح باستعدادنا وقبولنا بالعمل بالشريعة؛ وإلا فالشريعة كانت موجودة من قبل، فإذا قلت: لا بد من التمهيد لهذا بشيء تعمله قبل التطبيق؛ فمعنى هذا أنك تريد أن تحدث أموراً أخرى؛ فقد أكمل الله تعالى هذا الدين وبلغه الرسول ﷺ ؛ فكل من يريد العمل به ليس له إلا أن يرجع إليه ويعمل به؛ فمقصودنا بالإعلان هو قبولنا العمل به؛ فالنظام كان موجوداً أساساً، والتطبيق هو الذي يضمن هذه الإصلاحات التي تذكر. البيان: ما الفرص التي ترونها ملائمة لدعم تطبيق الشريعة؟ - أول شيء معالجة الفقر؛ فإن الفقر يشكل مشكلة اجتماعية كبيرة في نيجيريا؛ فكل ما يوفّر للناس فرصاً وظيفية، ويوفر البنية التحتية كالآبار، وكل ما يرفع مستوى المعيشة في المجتمع فهو مما يساعد في زيادة وقوف الناس مع حكومات الولايات التي أعلنت التطبيق ومن ثَمَّ تمسكهم بالدين؛ لأنهم يرون أنه قد تم تطبيق الشريعة وحقق ذلك لهم تغيراً إيجابياً في حياتهم الاجتماعية، وكذلك السعي لإيجاد علماء مخلصين يقومون بتوعية الناس وتعليمهم الدين الإسلامي على المنهج الصحيح؛ فهذان الأمران في نظري من أهم السبل التي تدعم تطبيق الشريعة. البيان: ما الكلمة الأخيرة التي ترون توجيهها للمسلمين عبر صفحات البيان؟ - أنا أنادي إخواننا المسلمين بأن يكونوا صادقين في تمسكهم بدينهم؛ فإن هذا الدين منصور، ولا يحسبوا أن أحداً يؤتيه الله الملك ثم يقدر أحد على نزعه منه؛ فإن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء؛ فالمسلمون أهل مبادئ فإذا تمسكوا بمبادئهم فسينالون الاحترام حتى من أعدائهم من غير المسلمين، وأما إذا قاموا بتقديم تنازلات عن مبادئهم فهذا سيفقدهم الثقة في أنفسهم، وينزع رهبتهم من قلوب أعدائهم.

стр. 4539

المسلمون والعالم أسلحة دمار شامل بدون تفتيش أو رقابة دولية .. الترسانة العسكرية الإسرائيلية خطر يهدد المنطقة العربية والعالم د. عز الدين المفلح [*] تدّعي واشنطن أن العراق قد طور أخيراً جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، وذلك منذ انتهاء مهمة لجان التفتيش «يونسكوم» في كانون الأول عام ١٩٩٨م، علماً بأن رئيس مفتشي هذه اللجان «جميس ريتر» صرح أمام مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس العموم البريطاني بأن هذه اللجان دمرت ٩٥% من أسلحة العراق ووسائل إنتاجها، فلم يعد بإمكانه تطوير أي قدرات بهذا الاتجاه. وفي الوقت الذي تمتلك إسرائيل ترسانة رهيبة من أسلحة الدمار الشامل وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم توقع على اتفاقات حظر الأسلحة النووية، ولا تخضع للتفتيش الدوري للوكالة الدولية للطاقة الذرية توجه أمريكا إلى سوريا تحذيراً من مغبة امتلاك الأسلحة النووية وتطويرها! ومهما انطوى عليه موقف أمريكا هذا من غباء أو تغاب، أو عزة بالإثم، وغطرسة القوة؛ فلم تعد الحقائق خافية على العالم. وفيما يلي غيض من فيض مكنون الترسانة الإسرائيلية من أسلحة الدمار الشامل، كما أوردتها مصادر مختصة عالمية: * الأسلحة النووية الإسرائيلية: يفيد تقرير عسكري أمريكي صدر أخيراً [١] أن إسرائيل تمتلك أكثر من ٤٠٠ قنبلة نووية؛ بينها قنابل هيدروجينية، وأن حجم الترسانة النووية الإسرائيلية يبلغ ضعف حجم التقديرات الاستخباراتية الشائعة التي كانت تتحدث عن مئتي قنبلة نووية إسرائيلية، ويتحدث التقرير عن أنه كان لدى إسرائيل عام ١٩٦٧م خمس عشرة قنبلة نووية، وأنها امتلكت عام ١٩٨٠م نحو مئتي قنبلة، ولكن إسرائيل تمكنت من تجميع أكثر من ٤٠٠ قنبلة نووية حتى عام ١٩٩٧م، غير أن أهمية التقرير تتمثل حقيقة في توصيف نوعية هذه القنابل، كما أنه في عام ١٩٧٣م امتلكت الدولة اليهودية عشرين صاروخاً نووياً، وطورت «القنبلة الحقيبة» . وأشار التقرير إلى أنه في عام ١٩٧٤م أقامت (إسرائيل) ثلاث وحدات مدفعية نووية تحوي كل منها اثنتي عشرة فوهة من عيار ١٧٥ ملم و ٢٣٠ ملم. وأوضح التقرير أنه في عام ١٩٨٤م امتلكت إسرائيل ٣١ قنبلة بلوتونيوم، وأنتجت عشر قنابل يورانيوم أخرى، وفي عام ١٩٨٦م كان لدى إسرائيل ما بين مئة إلى مئتي قنبلة منشطرة، وعدد من القنابل المنصهرة، وفي عام ١٩٩٤م صنعت ما بين ٦٤ - ١١٢ قنبلة برأس حربي صغير، وكان لديها خمسون صاروخاً نووياً من طراز «يريحو» [٢] . وأنجزت إسرائيل كل ما تبغيه من مشروعها النووي عام ١٩٩٥م عندما أنجزت إنتاج قنابل نيوترونية، وألغام نووية، وقنابل الحقيبة، وصواريخ تطلق من الغواصات. ويشير التقرير إلى امتلاك إسرائيل لنحو ٥٠ - ١٠٠ صاروخ (يريحو - ١) ، و ٣٠ - ٥٠ صاروخاً (يريحو - ٢) [٣] . وامتلاك إسرائيل للقنابل الهيدروجينية يتضمن بعداً نوعياً؛ إذ قوة كل قنبلة هيدروجينية تزيد مئة إلى ألف مرة عن القنبلة النووية الاعتيادية، والقنبلة الهيدروجينية تعد قنبلة معقدة باهظة التكلفة ومعقدة التطوير، وتملك مثل هذه القنبلة كل من الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين. ويرى التقرير الأمريكي الآنف الذكر أن أخطر ما في الموضوع النووي الإسرائيلي هو أن إسرائيل طورت قنابل نيوترونية تكتيكية قادرة على تدمير القوات المعادية بأقل قدر ممكن من الخسائر والأضرار في الممتلكات، ويذكر التقرير توصية جنرال إسرائيلي في حرب الخليج في عام ١٩٩٠م للأمريكيين باستخدام «أسلحة نووية تكتيكية غير إشعاعية» ضد العراق. وأشار إلى التقديرات بأن إسرائيل توجهت نحو «القنابل النووية الصغيرة» ، والتي تعد مفيدة لصد هجوم موضعي، أو لاستخدامها كألغام. وأشار التقرير أيضاً إلى وصول غواصات «دولفين» الألمانية الصنع لإسرائيل، والتي تمكن إسرائيل من امتلاك القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية، وأوضح أن إسرائيل عملت على تطوير صواريخ تطلق من البحر منذ الستينيات. وجاء في التقرير أن الطبيعة السرية للمشروع النووي الإسرائيلي قد أخفت المشكلات المتزايدة للمفاعل النووي الإسرائيلي العجوز في ديمونة، وربط بين هذه المشكلات واستمرار المفاعل في إنتاج التريتيوم لتعزيز قوة الرؤوس الحربية للقذائف المضادة للدروع والمضادة للطائرات. ورأى التقرير أن للأسلحة النووية الإسرائيلية غرضاً آخر هو استخدام هذه الأسلحة للضغط على الولايات المتحدة، كما أن الدولة اليهودية تستخدم وجود هذا السلاح لضمان استمرار تدفق الأسلحة التقليدية الأمريكية إليها. وخلص التقرير إلى أنه بصرف النظر عن أنواع الأسلحة النووية الإسرائيلية وأعدادها؛ فإن الإسرائيليين طوروا منظومة معقدة، وغدوا قوة يعتد بها. وقد خدم الغموض النووي سياسة إسرائيل، لكنها تدخل الآن مرحلة الشفافية التي ليست في مصلحة الولايات المتحدة؛ لأن الكثيرين يتنبؤون بأن الترسانة النووية الإسرائيلية ستغدو أقل أهمية إذا خرجت من القبو؛ لأنها ستفجر سباقاً على التسلح. وأما وسائط توصيل القدرات النووية فهي: أولاً: إف - ١٦، وإف - ١٥ تاندر، وإف - ١٥ إيغل. ثانياً: صواريخ «أريحا - ١ و ٢ و ٣» . ثالثاً: غواصات «دولفين» الألمانية. * الأسلحة الكيميائية والبيولوجية: ترى إسرائيل أنه إذا لم يتحقق مسعاها لإجبارها الدول العربية على التوقيع على معاهدة حظر إنتاج الأسلحة الكيميائية والنووية وتخزينها؛ لكي يتم لها الانفراد بالرادع النووي من دون منافس، فإن تكرار ما وقع عام ١٩٨١م حينما أغارت المقاتلات الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي ودمرته هو أمر وارد بالنسبة للمنشآت الكيمياوية والبيولوجية العربية. وقد قامت إسرائيل، في السنوات الأخيرة، بتطوير ترسانتها من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية حتى أصبحت كما يأتي [٤] : - السلاح الكيميائي الثنائي (المزدوج) : وقد اهتمت به إسرائيل منذ اكتشافه، وهو يتكون من عاملين منفصلين، يكوِّن اتحادهما معاً عند الاستخدام فقط خليطاً له صفات مهلكة. وقد أمدت أمريكا إسرائيل أخيراً بهذا السلاح. - غاز الكلور (CI) : وهو يسبب تهيجاً في الجلد، وتدهوراً في وظائف الشُّعب الهوائية، ويؤدي إلى الموت. - غاز البروم. - غاز التابون (GA) : وقد تم تهريب ١٦٠٠ طن منه لإسرائيل من ألمانيا. - أكسيد الإثيليين: استخدمته إسرائيل في غاراتها على لبنان. - غاز الفوسيجين (CG) : يؤدي لإيقاف الدورة الدموية، وتخثير الدم، وحدوث الجلطات والموت. - غاز الخردل (HD) : يسبب التهاب العيون، وزيغان البصر، والعمى، والتقرحات، وتسمم الجلد، والحروق. - غاز السومان (GD) : ورائحته تشبه الكافور، ويؤدي لارتخاء العضلات وصعوبة التنفس ثم الموت. - غاز في إكس (VX) : وهو غاز شديد السمية، وتماسه مع الجلد يؤدي إلى الموت. - الجمرة الخبيثة (الإنثراكس) . - حامض الهيدروسيانيد (AC) : ويسبب ضيق التنفس والاختناق والغيبوبة ثم الموت. - غازات الشرطة، وغازات العقل مثل الـ (D.S.L) (عقار الهلوسة) وغيرها. - هناك مصنعان يزودان الجيش الإسرائيلي بغاز (CS) وهما مصنع «يشيرا» و «المعمل الفيدرالي» ، وغاز (CS) هو تركيب كيميائي له رائحة الفلفل، وهو يحدث إحساساً حارقاً وقارصاً في الجلد، وسعالاً، وسيلان دموع، وضيقاً في الصدر، ودواراً مع غثيان يصحبه قيء [٥] . - قنابل النابالم: وهو من أقدم العوامل الكيميائية التي تستخدمها إسرائيل، والنابالم هو خليط من مادة بترولية وبعض أملاح الأمنيوم، مثل حمض الأوليك، وحامض البالمتيك، وحامض النفثاليك، ويؤدي خلط هذه المواد إلى إنتاج تركيبة شديدة الاحتراق تعبأ في قنابل، وعند انفجارها تتناثر مكوناتها الحارقة لتلتصق بجسم الضحية مسببة حروقاً بالغة وتشويهاً شديداً للشكل ولوظيفة الأعضاء المصابة [٦] . - الترميذ أو الترميت: وهو مركب معدني يتكون من الألمنيوم وأكسيد الحديد ومشتقات معدنية أخرى، وهو شديد الاحتراق حتى بمعزل عن الهواء. - الإلكترون: وهو خليط من الماغنيسوم والألمينيوم مع معادن أخرى، وهو شديد التأثير؛ إذ تصل درجة احتراقه إلى ٢٨٠٠ درجة مئوية. - الفوسفور الأبيض: وهو شديد الحساسية للأكسجين؛ حيث يشتعل فور ملامسته له في الجو منتجاً درجة حرارة تبلغ ٢٥٠ درجة مئوية، وينتج عن احتراقه غاز شديد السمية، وسقوطه على الجلد يؤدي إلى تلفه وإحداث تقرحات وفقاعات قشرية سوداء. - أكسيد الإثيلين: وهو عامل حارق استخدمته إسرائيل ضد المنشآت في لبنان قبل الاجتياح وخلاله في عام ١٩٨٢م [٧] . وتخطط إسرائيل لتحقيق مجموعة من التحديثات لتطور الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وهي تغطي المجالات التالية: - تطوير الاستخدام المشترك للسموم الفطرية والغازات الحربية المستمرة لإضعاف القدرة الوقائية لوسائل الوقاية المباشرة للقوات المسلحة للعدو. - تغليظ بعض الغازات شبه المستمرة مثل الزومان والزارين لزيادة مدة استمرارها. - إنتاج جيل جديد من الذخائر الثنائية لغازات الأعصاب المستمرة في إطار خفض تكلفة الإنتاج وأمان التداول. - خلط أكثر من نوع من الغاز الحربي في الدانات، أو الاستخدام الميداني، كحالة خلط غاز اللويزيت مع غاز الزارين؛ حتى لا تصلح حقن الأترومين للإسعاف الأولي من غازات الأعصاب. - تطوير مضادات الثروة النباتية بالاستفادة من بحوث الهندسة الوراثية. - الاهتمام ببحوث الكشف والإنذار الآلي عن الغازات الحربية، وأيروسولات غازات الأعصاب المستمرة بوجه خاص، والإسعاف الأولي منها. - إجراء التجارب على استخدام الحوامات المسلحة في تحميل مولدات الغاز الحربي، وإطلاق سحب الغازات الحربية في إطار التكتيكات ضد القوات المسلحة للعدو، إلى جانب استخدام الصواريخ (جو أرض) الكيميائية الموجهة بالأشعة تحت الحمراء. - استمرار بحوث اللايزر الكيميائي على المستوى العملي، ودراسة التأثيرات التدميرية لأشعة اللايزر (ثاني أكسيد الكربون، أشعة أكس) . - إدخال الهجمات والضربات الكيميائية في نظام لتحليل واختبار الأهداف المعادية والسيطرة عليها، واستخدام الذخائر الذكية والصواريخ ذات التوجيه الذاتي ضد الأهداف التكتيكية المعادية [٨] . هذا وتخزن إسرائيل أسلحتها الكيميائية والبيولوجية في مصانع للغازات الحربية والسموم قرب الناصرة، وبتاح تكفا، ومصنع «مختيتيم» قرب تل أبيب، كما تخزن الذخائر الكيميائية في بئر السبع، وتجهز المصانع التي تنتج المبيدات الكيميائية والحشرية ومصانع الأدوية؛ لكي تتحول عند الحاجة إلى مراكز لإنتاج الأسلحة الحربية الكيميائية والبيولوجية. * الصواريخ الباليستية الإسرائيلية: هناك نوعان من الصواريخ: ١ - الصواريخ الباليستية، وهي المعروفة بصواريخ (أرض أرض) التي تطلق من منصات أرضية ثابتة نحو أهداف بعيدة عن مركز إطلاق. ٢ - الصواريخ الجوالة التي يمكن حملها وإطلاقها من عربات خاصة قادرة على نقلها من مكان إلى آخر. ولدى إسرائيل ثلاثة أنواع من الصواريخ الباليستية التكتيكية: - صواريخ لانس «إم جي إم ٥٢ سي لانس» ، وهي أمريكية التصميم والصنع، وقادرة على حمل رأس تقليدي ورأس نووي صغير. ومدى هذا النوع من الصواريخ يتراوح بين ٧٢ - ١٣٠ كلم. - صاروخ «أريحا - ١» وهو (إسرائيلي فرنسي) التصميم والصنع، وهو قادر على حمل رأس تقليدي أو نووي، يتراوح مداه بين ٤٨٢ و ٥٦٣ كلم. - صاروخ «أريحا - ٢» ، وهو نموذج إسرائيلي مطور ومحسن لصاروخ «أريحا - ١» . ولدى إسرائيل عدد تتفاوت التقديرات حوله بين ١٢ و ١٨ منصة إطلاق متحركة للصواريخ التكتيكية الأمريكية الصنع من طراز «لانس» ، وعدد غير معروف من منصات إطلاق صواريخ متوسطة المدى من طراز «أريحا - ١، ٢، ٣» . بالإضافة إلى هذا، لدى إسرائيل الأنواع التالية من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية مثل صاروخ «سكود» : ١ - صاروخ «حيتس» (السهم: أرو) : لقد تم تطوير هذا الصاروخ مؤخراً؛ وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة، وبإمكانه اعتراض صاروخ (أرض - أرض) ، ويزن ٥٢ طناً، وبإمكانه أن يحمل مواد غير تقليدية مثل المواد النووية والجرثومية. ٢ - صاروخ «باتريوت» : وهو أمريكي الصنع، قامت واشنطن بتزويد إسرائيل بهذا الصاروخ منذ حرب الخليج في عام ١٩٩٠م؛ وذلك لمواجهة صواريخ سكود العراقية. ويزن صاروخ باتريوت عند الإطلاق نحو ١٠٠٠ كلج، وأقصى مدى له نحو ١٤٤ كلم [٩] . هذا وقد زودت الولايات المتحدة إسرائيل بصاروخ «نوتيلوس» الذي يعمل على الليزر لمواجهة صواريخ كاتيوشا التي يستعملها «حزب الله» ضد الإسرائيليين. * السوبر كمبيوتر (٢ - Gray) وأسلحة الدمار: زودت مؤخراً الولايات المتحدة إسرائيل بعشرة أنظمة سوبر كمبيوتر من طراز (٢ - Gray) التي ستقوم بتطوير الجيل الثاني من الأسلحة الإسرائيلية، وخاصة أسلحة الدمار الشامل؛ إذ بإمكان هذا النوع من أنظمة الكمبيوتر تطوير قنابل نووية صغيرة ذات الأوزان ١ كلج، ٢ كلج و ٥ كلج ١٠ كلج، و ١٥ كج. وفي هذا الصدد يقول مدير معهد «مشروع ويسكونس للحد من الأسلحة النووية» «جاري ميلهولين» : «إن الكمبيوتر (٢ - Gray) سيسرع بشكل ملموس اتجاه إسرائيل لبناء المزيد من أسلحة الدمار الشامل ومن ضمنها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والأسلحة النووية» . ويضيف «ميلهولين» قائلاً: «إذا استطاع الإسرائيليون الاستفادة من طاقات السوبر كمبيوتر؛ فإن مخاطر ذلك ستتمثل في خفض النفقات، وفي الوقت نفسه تسريع برنامج الصواريخ الباليستية، كما أنه سيساعد في بناء الجيل الثاني من أسلحتها النووية التي تتضمن قنابل هيدروجينية وقنابل نيوترونية، وهذا يعني أن واشنطن تعمل على تعزيز انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط» [١٠] . وأخيراً: من أسلحة الدمار الشامل الأسلحة الكهرومغناطيسية التي تحدث دماراً يفوق الدمار الذي تحدثه الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية مع أن تكلفتها هي دون ثمن الأسلحة الأخيرة.

стр. 4540

المسلمون والعالم السائحون على الكوارث صور من تجاوزات المنظمات الإنسانية الدولية د. محمد بن عبد الله السلومي * السائحون على الكوارث [١] : تقوم المنظمات العالمية المعنية بالعمل داخل بلادها أو خارجها بأعمال إنسانية جيدة في مجالات الإغاثة والإسعاف والجوانب الصحية. ولا شك أن لبعضها آثاراً إيجابية في مناطق الاحتياج وأماكن الكوارث والأزمات. ومن المعلوم أن معظم المنظمات العالمية إن لم يكن كلها تحتفظ بأهداف خاصة غير الأهداف المعلنة، وقد تعمل بهما معاً. إن المشكلة التي تواجه تلك المؤسسات هي ما يتعلق بتنفيذ الأهداف الخفية؛ لأن معظم مناطق الأزمات والكوارث ومواقع اللاجئين تعتبر في البلاد الإسلامية أو مناطق للأقليات المسلمة؛ حيث تشكل حوالي ٧٠% من عموم مناطق الاحتياج في العالم. وتتعمد الكثير من المنظمات العمل المنظم والقوي لتغيير الأديان والثقافات؛ وهذا يتعارض مع النظام الدولي المعلن والقوانين المنظمة لأعمال المؤسسات والمنظمات الإنسانية. من هنا تبرز ضرورة إيراد بعض الصور الموجزة عن الأيدي البيضاء هل هي بريئة دوماً؟ وذلك كما تساءلت مجلة الأوروبية - كما سيأتي - التي رصدت بعض هذه الصور نقلاً عن بعض الخبراء الألمان وغيرهم. كما أن صاحب كتاب (سادة الفقر) (غراهام هانكوك) قد كشف من خلال خبرته وعمله بجوار بعض الهيئات والمنظمات الدولية الشيء الكثير؛ حيث وصف هذا الباحث الذي عمل مراسلاً لصحيفة (الإيكونومست) الاقتصادية اللندنية في شرق أفريقيا، ومحرراً (لجريدة الدولي الجديد) الإنجليزية، ومحرراً لمجلة (المرشد لأفريقيا) كما عمل في عدد من البلدان النامية مما أتاح له فرص مراقبة أنشطة وكالات الغوث عن كثب، وفي ظروف مختلفة وأحوال عديدة، ورغم أنه نال جائزة على جهوده في مجاعة إثيوبيا عام ١٩٨٤/ ١٩٨٥م؛ إلا أنه أبصر حقيقة هذه الوكالات وأعمالها وسلوك كثير من كبار العاملين، ويعتبر هذا الكتاب أول كتاب يأتي موثقاً وعارضاً لحقائق صناعة العون والإغاثة التي كانت في أوائل التسعينيات تصرف ما لا يقل عن (٦٠) مليار دولار سنوياً [٢] من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة. وإنه لمن المناسب حقاً إيراد نماذج من تجاوزات بعض المنظمات الإنسانية التي حدثت، والتي لا تقل خطورة في ذاتها أو أعمالها وآثارها المباشرة وغير المباشرة عن أخطاء قد تكون حدثت من قبل بعض فروع أو أحد منسوبي المؤسسات الخيرية الإسلامية، ومع ذلك لم يكن التشهير، أو المصادرة والإغلاق من نصيبها. إن ما تقوم به بعض المنظمات الإنسانية الدولية في داخل أمريكا أو في أنحاء متفرقة من العالم، ولا سيما في مواقع الأزمات والحروب والصراعات يعتبر من المخجل حقاً أنْ يقع من مؤسسات معنيةٍ بالدرجة الأولى بحقوق الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال: ١ - مليار دولار من التبرعات لتغطية فضائح القسس الجنسية في أمريكا. ٢ - استغلال الإغاثة في تغيير الدين والثقافة. ٣ - توزيع الأطعمة والأدوية الفاسدة. ٤ - الفساد الإداري والمالي وقصص استغلال الضرائب. ٥ - الجنس مقابل الغذاء. ١ - مليار دولار من التبرعات لتغطية فضائح القسس الجنسية في أمريكا في عام ٢٠٠٢م: استدعى البابا (يوحنا بولس الثاني) كبار رجال كنيسة الروم الكاثوليك في الولايات المتحدة إلى الفاتيكان في روما، لبحث ما تكشّف أخيراً من ضلوع بعض القساوسة الأمريكيين في فضائح جنسية هزت بشدة صورة الكنيسة هناك. وقال الفاتيكان: إن الاجتماع مع الكرادلة الأمريكيين ربما يُعقد في وقت لاحق. ويخضع أسقفا (نيويورك) و (بوسطن) ؛ صاحبا أكبر منصبين في الكنيسة الأمريكية لضغوط كبيرة من أجل تقديم استقالتيهما لما يقال عن ضلوعهما في محاولة للتستر على تورُّط بعض القساوسة في فضائح جنسية، كما اتُّهم أسقف ميلووكي بحجب معلومات عن فضائح جنسية مماثلة. ويواجه بعض رجالات كنيسة الروم الكاثوليك في عدة دول اتهامات مماثلة بالضلوع في فضائح جنسية، وكان البابا قد ندد علناً الشهر الماضي لأول مرة بالقساوسة المتهمين. * مصداقية الكنيسة: واتُّهم كذلك رئيس أساقفة (بوسطن) الكاردينال (برنارد لو) البالغ من العمر ٧٠ عاماً، بأنه كان على علم بأن عدداً من القساوسة في أبرشيته يتحرشون بالأطفال جنسياً بشكل مستمر، ولكنه لم يقم بتأديبهم بل اكتفى بنقلهم إلى أبرشية أخرى، حيث زادوا من ممارساتهم على ضحايا جدد. وهناك فضائح مماثلة في كل من (سانت لويس) و (فلوريدا) و (كاليفورنيا) و (فيلادلفيا) و (ديترويت) . وقال مراسل الـ «بي. بي. سي» : إن المشكلة أثرت على مصداقية الكنيسة، ومن الواضح أن الفاتيكان يريد أن يتخذ الخطوات اللازمة. ولم يحضر الكاردينال القداس الأخير في الشهر الماضي في كاتدرائيته لتجمع عدد من المحتجين خارجها هو الأمر الذي أعاق المراسم. * انتقادات شديدة: ويواجه نحو (٣٠٠٠) من القساوسة اتهامات بالتحرش الجنسي بالأطفال، وقد وجهت انتقادات شديدة للكاردينال لعدم معاقبة القس السابق في (بوسطن) ، (جون جيوجان) الذي يعتقد بأنه تحرش بنحو (١٠٠) مائة شخص خلال عشرين عاماً، بل اكتفى بنقله إلى أبرشية أخرى. وقد كلفت هذه الفضائح الكنسية مبالغ طائلة وصلت إلى (مليار دولار) ، حيث اضطرت لعقد تسوية خارج المحكمة في عدد من القضايا، وذكر أن عدداً من الأبرشيات قد أفلست تماماً بسبب الفضائح [٣] !! ٢ - استغلال الإغاثة في تغيير الدين والثقافة: تعمد بعض المنظمات غير الحكومية انتهاج سياسة المنح الدراسية لطلاب الدول الفقيرة لأهداف سياسية أو ثقافية، وتعتبر منظمة سورس الأمريكية من أقوى المنظمات في هذا المجال، حتى تعرضت المؤسسة لمشاكل إدارية وسياسية مع الاتحاد السوفييتي لهذا السبب. وعند التأمل في سياسة المنح الدراسية والمساعدات الأكاديمية التي ترعاها حكومات الدول الصناعية، أو المؤسسات غير الحكومية في تلك الدول للطلاب والأكاديميين من دول العالم الثالث، تبرز ملاحظات دقيقة. فلا جدال أن الدول النامية والفقيرة حصدت مكاسب من ورائها، ولكن ثمارها لم تكن جيدة دوماً، فثمة اتهام شائع يلاحق هذه السياسة بأنها أداة للتبعية الثقافية والغزو الفكري، كما أنها تتحمل جانباً من المسؤولية عن ظاهرة «نزوح الأدمغة» إلى العالم الصناعي، حيث يجري اصطفاء نخبتهم للعمل في الصوامع العلمية والتقنية الغربية لقاء حوافز لا يحلمون بها في بلادهم، وهذا ما يسمى (استقطاب الكفاءات) . وزيادة على ذلك؛ فإن الدول المقدمة للمنح الدراسية تكون قد وظفت في الواقع سفراء جيدين لها في بلدان العالم الثالث؛ فهم مؤهلون بشكل مرموق، وسرعان ما يرتقون إلى قمة الهرم الاجتماعي والسياسي والوظيفي والاقتصادي في دولهم والمكاسب هنا تكون مركبة. من جانب آخر تكون هذه الدول الصناعية قد أَثْرت رصيدها المعلوماتي والبحثي عن العالم الثالث عبر ذلك الكم الهائل من الدراسات والرسائل الأكاديمية التي تعدها الصفوة العلمية القادمة من ذلك العالم، فترسو في خزائن المعاهد الغربية لتشكل من ثَمَّ قواعد معلومات، وأرضية أبحاث فائقة الجودة تمكن من فهم هذا العالم النامي عن كثب، والتعامل معه بالطريقة الأمثل في مسارات المصالح كلها. وبعيداً عن أشكال المساعدات الحكومية وما يلفها، تجدر مراجعة أنماط المساعدات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية وخاصة أن القطاع غير الحكومي سلطة لا يستهان بها في عالم اليوم، وعناصر قوة هذه السلطة تتمثل أساساً في بنيتها التخصصية الكفؤة؛ فهي تغطي كافة المجالات والاهتمامات، وفي قدرتها التمويلية العالية التي تتمتع بها، وهي مستفيدة من التسهيلات وحرية الحركة القائمة في البلدان الغربية، وفي امتداداتها العالمية عبر البحار مع اعتبار الغرب مركزاً للتحرك ومحوراً له. النظرة السائدة إلى المنظمات غير الحكومية على جانبي الأطلسي ترى فيها أذرعة ممتدة للعالم الغربي باعتبارها أحد العناصر المشكِّلة لنسيجه العام. فالتي تعنى منها بشؤون الأسرة أو المرأة أو حقوق الإنسان مثلاً، غالباً ما تروج للتصورات الغربية الخاصة بهذه القضايا، بل ويعمل بعضها على تكوين دوائر نخبوية ومؤسسات تابعة في العالم الإسلامي تتبنى النظرة ذاتها، وبذلك تتم العولمة الثقافية والفكرية، وعولمة القيم التي قد تتعارض مع دين وثقافة البلدان المستهدفة [٤] . يعتبر تغيير الدين أو التنصير من الأنشطة الملازمة لأي عمل إغاثي في العالم الثالث عامة أو الدول الفقيرة على وجه الخصوص، وفي ذلك يشير غراهام هانكوك صاحب كتاب (سادة الفقر) عن جوانب من استغلال الإغاثة لتغيير الأديان والثقافة بقوله: «لقد كنت كصحفي في إثيوبيا في إحدى الكوارث، لكنَّ الصحفيين ليسو وحدهم الذين يصطفون للسياحة على الكارثة؛ فهناك الوكالات التطوعية مثل الفاو، واليونسيف، برنامج الغذاء العالمي، وبجوارهم جميعاً مجلس الكنائس العالمي؛ وكما يقول المؤلف:» فقد أرسل ممثليه بوجوههم الرمادية يبعثون كميات مناسبة من الوجوم والوقار والإخلاص للعمل، وحتى الأمين العام للأمم المتحدة قد وجد لنفسه فرصة ليرى بنفسه كيف يبدو الأطفال الجوعى، وأن تؤخذ له صور وهو يعمل ذلك «. ينقل (غراهام هانكوك) عن (نيد أنغستروم) الذي كان رئيساً لمنظمة رؤية العالم (watch World) قوله:» إننا نحلل أي مشروع أو برنامج نقوم بتنفيذه للتأكد بأن ذلك البرنامج يمثل الجانب التنصيري (الدعوة) فيه مكوناً مهماً، إننا لا نستطيع أن نطعم الناس ثم نتركهم يذهبون إلى جهنم «. ويضيف الكاتب بناء على شهادات عيان لمنظمات إغاثية تعمل مع منظمة (رؤية العالم) أن العاملين في رؤية العالم عادة ما يستخدمون التهديد بوقف الطعام لإجبار اللاجئين من السلفادور لحضور القداس البروتستانتي. ويشير الكاتب إلى أنه أينما اختلط الدين بالعمل الإغاثي فإن تكاليف بشرية يجب أن تدفع. وكذلك في كثير من الأحيان فإن تصرفات بعض العاملين في هذه المنظمات تغضب المغاثين، ومن ذلك ما حدث في الصومال عندما أضاعت منظمة (A.I.C) ومنظمة (رؤية العالم) دولارات المانحين بتعيينها لجماعة من المسيحيين المتطرفين للإشراف على برامجها في معسكرات للاجئين، والتي أقيمت في أعقاب الحرب على الحدود مع أثيوبيا. فبالإضافة إلى معاداة وإغضاب المسلمين الذين يعملون في أوساطهم، فقد كان هؤلاء الناس صغار السن وعديمي التدريب والخبرة [٥] . يستطرد غراهام هانكوك قائلاً: " لقد أحدث (روبرت سميث) أحد العاملين في منظمة (رؤية العالم) في الصومال ارتباكاً وحيرة وسط متعهدي المواد والمعدات بتوقيعه لكل المكاتبات التلكسية بعبارة: (بارك الله في روبرت) . كما أن إحدى الممرضات التي عملت مع منظمة (A.I.C) في مشروع بناء مظلات بمواد مستوردة لم تعامل جيداً بالمبيدات، فانهارت بفعل الأرضة، وقد استقالت الممرضة؛ لأن المشرفين على المعسكر غير مدربين على مثل هذا النوع من العمل. ويضيف الكاتب أن بعض العاملين يضع التبشير في مقام أعلى من إدارة المتطلبات المادية للاجئين، مما أدى إلى وقوع كثير من الأخطاء الفادحة، ومن ذلك» أن إحدى المنظمات الأمريكية طلبت مبلغ مائة ألف دولار لمؤن ومعدات للمعسكر، ثم ألغت ذلك عندما اتضح أن الميزانية قد استهلكت بصورة رديئة، والأسوأ من ذلك أن المسيحيين المنصِّرين المشاركين في إحدى العمليات الصحية لجهلهم في بعض الجوانب الطبية اختاروا لتوفير النفقات إلغاء العمل الجاري في المجال الصحي والذي كان متضمناً كل الجرعات المنشطة في المرحلة الثانية لحملة تطعيم للأطفال، قامت تلك المنظمة بجولاتها الأولى في أحد عشر معسكراً. نتيجة لذلك أصبح آلاف الأطفال الذين تناولوا الجرعة الأولى أكثر تعرضاً للوبائيات المميتة مما لو تركوا دون الجرعة الأولى « [٦] . وفي سياق آخر ذكر ستان جوثري Guthrie Stan أن مجموعة من النصارى العرب المقيمين في الولايات المتحدة قاموا بإنشاء منظمة تسمى (المعونة الصحية للشرق الأوسط) واختصارها HOME، وتضم هذه المجموعة ٦٠ عضواً يعملون من خلال مهام طبية قصيرة الأمد في الشرق؛ وذلك من خلال إرسال المساعدات الطبية إلى المناطق المحتاجة، ولا يقف دورهم عند علاج المرضى فحسب، بل يعقب الدكتور عصام رعد أحد أفراد المنظمة: واجبنا تجاه أولئك هو الحد من موت الأفراد على غير النصرانية! [٧] . أياً كان الأمر؛ فبالإضافة إلى ذلك كله فإن بعض هذه المنظمات مسؤولة إلى حد ما عن تشجيع بروز» نخب معزولة «عن سياقها المجتمعي والتاريخي والحضاري؛ فهي نخب تنتمي نظرياً فقط إلى مجتمعها وأمتها؛ بينما تستنشق هواءها، وتستقي غذاءها من بيئات غربية، ويمارس بعضها احتكار الحقيقة، وقد تعيش في أبراج عاجية بعيداً عن هموم مجتمعها وتحديات أمنها. ومع ذلك كله لا يجوز وصف هذه المؤسسات بالنعوت السلبية من حيث المبدأ، ولا على سبيل التعميم أو إغفال جوانبها الإيجابية، ولكننا نلاحظ تجاهل كثير منها للقيم والخصوصيات الحضارية والثقافية غير الأوروبية أو الأمريكية، ولا سيما عندما تنشط وتتحرك في عالم الجنوب. مما يوحي باعتبارها التجربة المدنية الغربية بمثابة المثل الأعلى لما ينبغي أن تكون عليه أمم العالم الأخرى. أو أن هذه التجربة تمثل قمة الرقي الذي حازته الإنسانية في تاريخها الطويل. وهنا تلتقي هذه المنظمات مع فرانسيس فوكوياما ونظريته» نهاية التاريخ «بل ومن هذا الوجه فقد لاحقت هذه الفئة من المنظمات تهمة ممارسة الوصاية على الآخرين [٨] ، وفي حالات عديدة تبرز مرامي بعيدة لتقديم المعونات مثل نشر المعتقد وكسب الأتباع، وتغيير الخارطة الاجتماعية والعبث بالتناقضات الداخلية للشعوب المستهدفة. * تنصير المسلمين.. تفتتح أمريكا كليات ومعاهد ومدارس للدعوة وأصول التبشير النصراني في أراضيها بشكل مستمر، لا للحفاظ على هويتهم الدينية؛ فهذا له مؤسساته وكنائسه وإعلامه، ولكن الكليات التي تفتتح والمؤتمرات التي تنظم إنما هي متخصصة في تبديل الأديان واختراق المجتمعات خارج أمريكا. تلك الجمعيات التي يراد لها الهداية إلى المسيحية!! وهي موجهة للشعوب المسلمة بوسائل قوية وحديثة ومدروسة، وليعمل الخريجون بعد ذلك في المؤسسات الإغاثية العالمية، أو تحت غطاء آخر. وعلى سبيل المثال فإن ما تقوم به (جامعة كولمبيا الدولية) بأمريكا يوضح الدور المتخصص؛ حيث تقوم الجامعة المذكورة بإعداد دروس خاصة في التنكر والتخفي لتيسير تنصير المسلمين وهو ما تسميه بعض المجلات الأمريكية (الحرب الصليبية الحذرة) ، وهذا ما نشرته مجلة (الأم جونز) الأمريكية في شهر يونيو ٢٠٠٢م، وقد وصل عدد المنصرين لهذا الغرض (٣٠٠٠) منصر لتنصير المسلمين فقط ينتشرون في (٥٠) دولة إسلامية. ويقول (ديفيد كاشين) أستاذ الدراسات الثقافية في الجامعة المذكورة؛ الذي يرتدي الملابس الإسلامية ويتواصل مع الذين اعتنقوا النصرانية: (نحن نعتبر الإسلام هو الجبهة الأخيرة!!) ويقول: (إن المسيح أجَّل عودته طيلة ألفي سنة؛ لأننا لم ننجز المهمة الموكلة إلينا!!) . كما يقول الدارسون في جامعة كولمبيا من تلاميذ الأستاذ (ريك لون) إن أي ضرر بسبب عملهم لا يقارن بالهدف الذي يسعون إليه والمتمثل في تقويض الإسلام قائلين: (إذا لم تتح الفرصة للمسلمين كي يعيشوا تجربة المسيح فسوف يذهبون إلى الجحيم!!) وذلك رداً على الناقدين لهم بأن أعمالهم التبشيرية تتسبب في تعطيل توصيل المعونات الإغاثية وتؤجج مشاعر الكراهية تجاه الغربيين. المنصرون يكثفون جهودهم في كل مكان يستطيعون الوصول إليه من العالم الإسلامي، وهم يتعلمون منهج (السياقية) ، وخلاصتها أن يضع المنصر نفسه في سياق المجتمع الذي يخاطبه؛ فيجب عليهم أن يتحولوا إلى مسلمين في مظهرهم حتى يصلوا إلى مفاتيح قلوب المسلمين؛ فقد يظهرون بأسماء مسلمة ويطلقون لحاهم ويرتدون الجلابيب، والنساء يرتدين الحجاب، وليس هناك ما يمنع أن يؤدي المنصرون الصلوات مع المسلمين أو أن يصوموا خلال شهر رمضان. وما أسهل أن يشاركوا المسلمين في عيدي الأضحى والفطر، فهذا (روبرت تلفرسون) الذي يعمل مديراً لمنظمة (كير) للإغاثة حينما خدم مع قوات المارينز الأمريكية في الصومال في بداية التسعينيات، كانت هناك (٢٠٠) منظمة تعمل من أجل السيطرة على المجاعة التي هددت ذلك البلد المنغمس في الحرب، يقول: (غير أن المنصرين تسببوا في تدهور الموقف، وذلك حينما ظهروا في مراكز توزيع الطعام، وتصرفوا على نحو أقنع الناس بأن عملية الإغاثة من خلال الطعام مرتبطة بالتنصير؛ حيث أدى ذلك إلى كارثة؛ فقد تزاحم الصوماليون لسرقة الطعام، ثم أشعلوا النار في الحافلات) [٩] . لقد اجتمع المنصرون في عام ١٩٧٧م في (بال) بسويسرا بشأن تنصير العالم، وفي عام ١٩٧٨م اجتمع المنصرون الأمريكان في ولاية (كلورادوا) بزعامة (١٥٠) منصراً من أشهر المنصرين، وقدموا (٤٠) دراسة حول الإسلام وعلاقته بالمسيحية، وكان الهدف المعلن هو تنصير المسلمين في العالم، ورصدوا لذلك ألف مليون (مليار) دولار، وأنشؤوا لذلك معهد (زويمر) لتخريج المنصرين تخليداً لذكرى أحد المبشرين الكبار الذي كان مقره في (البحرين) في أوائل القرن العشرين، والذي ترأس مؤتمر المبشرين بالقاهرة في عام ١٩٠٦م. وفي عام ١٩٩٥م عقد اجتماع باسم (مؤتمر المجلس العام لتنصير العالم) عقده المجلس العام لتنصير العالم sultation on world Evangelizatiom) (Global con قام بدعوة ٥٠٠ شخصية مختارة، كل منها قادرة على تعبئة شبكات تنصيرية جديدة، وهي الأخرى بدورها قادرة على تعبئة ١٠ آلاف شخص آخر لهم القدرة على تعبئة ٢٠٠ ألف إرسالية تنصيرية جديدة مع حلول عام ٢٠٠٠م، كما تم اختيار ٥٠٠ منسق مناطق جغرافية لتنسيق شؤون التنصير، ودعوة ٢٥٠ متخصصاً قومياً يعملون في إقامة دراسات تنصيرية دائمة في بلادهم، ودعوة ٥٥٠ قساً ملتزماً بتعبئة جماهيره لدعم التنصير المحلي والعالمي، ودعوة ٣٠٠ متخصص في وضع نماذج مبتكرة لأعمال تنصيرية مشتركة وشبكات تعاون تنصيرية، ودعوة ٣٠٠ متخصص في تنصير المدن ومتخصص في إنشاء الكنائس، ودعوة ما يزيد عن ٥٠٠ رجل دين متخصص في إقامة المقدسات الدينية الجماهيرية، ودعوة ما يزيد عن ١٠٠ متفرغ ومتخصص في التنصير الإذاعي، ودعوة ٣٠٠ زعيم متميز في ترجمة وتوزيع وإنتاج الإعلام التنصيري، إضافة لدعوة ما يزيد عن ٣٠٠ زعيم نصراني يعمل في تغذية الجهود الساعية لإقامة كنائس في بلادهم [١٠] . وأخيراً ماذا يعني برنامج المنح الدراسية الذي يتبناه (جورج شورس) ومؤسسته العملاقة (المجتمع المفتوح) ؟ خاصة في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وبلاد البلقان الإسلامية، ولا سيما أن المنح لفئات متميزة من المسلمين وبأعداد كثيرة تصل إلى الآلاف. ٣ - توزيع الأطعمة والأدوية الفاسدة: يقول (غراهام هانكوك) في كتابه: (سادة الفقر) :» إن الغذاء المقدم من المجموعة الأوروبية كهدية عادة ما تصحبه كثير من الشكاوى من المنتفعين، بناء على قول عضو البرلمان الأوروبي (ريتشارد بالف) الذي قال: «إنه من غير المقبول تماماً أن نقوم بتصدير غذاء لا نأكله نحن أنفسنا» ، ويضيف الكاتب: في «أعقاب انتشار الإشعاع الصادر عن حادث تشرنوبيل في روسيا عام ١٩٨٦م، تحولت كميات من الأغذية الملوثة التي تعتبر غير قانونية في أوروبا إلى شحنات إغاثة؛ فقد تم إغلاق مصنع أغذية في البحر الأحمر بعد أن استخدم دقيقاً إيطالياً من قمح يوناني ملوث بالإشعاع» . علاوة على ذلك «في عام ١٩٨٨م، أجبرت مجموعة من الدول الأفريقية المسحوقة لرفض أغذية من المجموعة الأوروبية؛ لأنه ثبت أنها ملوثة تلوثاً خطيراً» . وينقل الكاتب ما قاله (لاري سايمون) المسؤول عن أوكسفام أمريكا: «في أوقات الكارثة تتدحرج إلينا كل أنواع القاذورات» ؛ حيث قامت إحدى المنظمات التطوعية الأمريكية الخاصة الغذاء للجوعى بشحن (١٩) طناً من الأدوية والأغذية المنقذة للحياة إلى كمبوديا إبان المجاعة الكبرى ١٩٧٩ - ١٩٨٠م، فكان الغذاء قديماً لدرجة أن أصحاب حدائق الحيوان رفضوا إعطاءه لحيواناتهم. كما أن فعالية الأدوية كانت منتهية قبل خمس عشرة سنة!! قامت منظمات الإغاثة بشحن (٨٠٠) حقيبة من أغذية الأطفال الفاسدة إلى معسكرات اللاجئين في هندوراس؛ كما شحنت (١٥) ألف طن من الأغذية الأوروبية إلى مناطق موزمبيق المتأثرة بالمجاعة في أفريقيا، وعند وصول تلك الشحنة وجد أنها قديمة ومليئة بالحبوب المكسرة والأوساخ والطين وغير صالحة للاستهلاك. ومثال آخر شحنة من الذرة الشامية (٢٦) ألف طن أرسلت كمساعدة إلى النيجر تبين بعد فحصها أنها لا يمكن أن تكون مقبولة حتى كغذاء للحيوانات. في سنة ١٩٨٢م رفضت جيبوتي التي خربها الجفاف شحنة إغاثة من السوق الأوروبية (٩٧٤) ألف طن التي كانت مصممة على فرض شحنتها الغذائية على الأفريقيين الجائعين بأي طريقة، وأخيراً قبلت زائير الشحنة نفسها بعد عامين في ١٩٨٤م. في المغرب أُوقف عام ١٩٨٣م استخدام (٢٤٠) طناً من الشحوم لصناعة الصابون، تبين أن الزيت يحتوي على أربعة أضعاف لأعلى معدل جرثومي مسموح به، وفي نفس العام أتلفت تونس (٣٥٤) طناً من زيت شحوم أخرى أكثر خطورة لاحتوائه على نسبة عالية من البروكسيد ولتلوثه بالديدان. في حين أن الشحوم الأوروبية التي سمح ببيعها إلى ليبيا وهي دولة بترولية في عام ١٩٨٦م وبسعر مخفض (١٦) بنساً كانت سليمة؛ في صفقة تقدر بسبعة ملايين جنيه متضمنة (٧٠٠) طن من لحوم مخفضة السعر [١١] . وقد ذكرت مجلة الأوروبية الصادرة في بريطانيا تقريراً عن بعض هذه الأخطاء، وأن الدوافع للمساعدات تنعش إمبراطورية العقاقير الدوائية، وأوردت بعض الإحصائيات، فقالت: وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال الحرب الطاحنة في التسعينيات مساعدات دوائية وطبية يعود تاريخ تصنيعها إلى الحرب العالمية الثانية؛ حيث تؤكد منظمة أطباء بلا حدود أن ٦٠% من الأدوية التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب الأخيرة لم تكن صالحة، وحسب بيانات المنظمة فإن (١٧) ألف طن منها لم يكن صالحاً أو موافقاً للمعايير العالمية، وأن المتبرعين بها قد ربحوا (٢٥) مليون دولار هي نفقات التخلص منها في بلادهم. كما بلغت كلفة إتلاف المساعدات الدوائية غير الصالحة التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب (١٩٩٢ - ١٩٩٦م) قرابة (٣٤) مليون دولار، بينما كانت قيمة هذه الأدوية الفاسدة في الكشوف الرسمية (١٧) مليار دولار حسب تقديرات منظمة أطباء بلا حدود. منظمة (مشروع الأمل) الأمريكية تبرعت لمتضرري حرب كوسوفا في ربيع عام ١٩٩٩م بأدوية قيمتها المعلنة مليون ونصف المليون دولار، وعند فتح الصناديق في الميدان اكتشفت فرق الإغاثة أنها لم تكن أكثر من مواد تجميل وأقراص لتخفيف آلام الرأس. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نصف الأدوية التي وصلت إلى متضرري حرب كوسوفا في عام ١٩٩٩م على هيئة مساعدات لم تكن صالحة بعد أن انتهت مدة صلاحيتها أو قاربت على الانتهاء. إن حملات جمع التبرعات الدوائية التي كانت تجري لصالح البلدان المنكوبة في العالم الإسلامي، كانت مناسبة انتهزتها بعض الشركات لتخليص مستودعاتها من العقاقير الدوائية الكاسدة والمتقادمة وغير المجدية [١٢] . وفي عام ٢٠٠٢م أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق برنامج الغداء العالمي التابع لهيئة الأمم المتحدة ١٢ ألف طن من الذرة المعدّلة وراثياً إلى زامبيا للتخفيف من آثار المجاعة، وعندما اكتشفت الحكومة الزامبية ذلك رفضت هذه المساعدات، وقال الرئيس الزامبي: يفضل أن يجوع الزامبيون ولا يأكلوا أطعمة معدلة وراثياً! [١٣] . وبعد أيام قلائل قبلت خمس دول إفريقية هذه المواد الغذائية المعدلة وراثياً بسبب شدة المجاعة! [١٤] . ٤ - الفساد الإداري والمالي وقصص الضرائب: إن البيانات التي توردها الهيئات الحكومية في أوروبا عن المساعدات للدول الفقيرة والنامية تثير الإعجاب للوهلة الأولى، ولكن بعض العارفين ببواطن الأمور وخلفياتها يثيرون الكثير من الشكوك حول جدوى هذه المساعدات التنموية ومصداقية القائمين عليها. كما أن الأعمال الإنسانية تزدهر في البلدان الأوروبية بشكل ملموس، وهناك تنافس كبير وحالة اندفاع لمكافحة الثالوث الفتاك؛ (الفقر، والجوع، والمرض) ولكن جهود المنظمات غير الحكومية في هذا المضمار ليست هي الأخرى بمنأى عن النقد الذي يكون لاذعاً أحياناً. الناقدون لديهم حججهم الجديرة بالاهتمام؛ فإذا كانت المساعدات الحكومية مقدمة إلى البلدان الفقيرة على هيئة قروض مثلاً، فإن سدادها يتوجب غالباً مع استيفاء خدمة الدين، أي مع إضافة الفائدة الربوية، وتعتبر هذه القروض متسببة في تدمير اقتصاديات الكثير من دول العالم الثالث، والتي باتت تكافح وتبذل خلاصة عائدها السنوي لخدمة الدِّين وحده. ومن الواضح أن قضية الديون تزداد مع الأيام تفاقماً، مما أدى إلى تعميق الهوة بين الدول الصناعية الدائنة والدول المستدينة، ويقود الأمر أحياناً إلى خضوع المستدين للدائن حتى في قراره السياسي والاقتصادي. وفي كل الأحوال؛ فإن تلك الديون التراكمية تؤدي إلى مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، كما أن هناك من يرى أن الهبات المالية وتوفير القروض وشتى وسائل المساعدات الأخرى بما فيها هبات المنظمات غير الحكومية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والمصالح الاقتصادية، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن كوريا الشمالية التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية منذ تعرضها لسلسلة من الكوارث الطبيعية والتدهور الاقتصادي منذ عام ١٩٩٥م قد اتهمت أمريكا باستغلال المساعدات الإنسانية لتحقيق مآرب سياسية [١٥] ، بل قد يكون لهذه المساعدات خلفيات دينية وأيديولوجية وتاريخية. والتساؤلات المطروحة في هذا المجال معروفة للجميع؛ فهل كانت موسكو ستحصل على مساعدات هائلة من واشنطن وعواصم أوروبا الغربية كما حدث في مطلع التسعينيات، لو كان شعار المطرقة والمنجل مرفوعاً فوق الميدان الأحمر؟ وهل كنا سنسمع عن دول مانحة للمساعدات للسلطة الفلسطينية بدون المصافحة التاريخية بين عرفات ورابين في ساحة البيت الأبيض عام ١٩٩٣م؟ وهل كانت كوريا الشمالية ستحصل على شحنات البترول الأمريكية لسد حاجتها من الطاقة إذا لم توافق على الرقابة على برنامجها النووي لتحقيق التوازن بينها وبين كوريا الجنوبية الموالية لأمريكا؟ من يطرح تساؤلات كهذه لا بد أن يلاحظ أن «الشرعية الدولية» تمارس عملية تجويع لشعوب وذرف الدموع على شعوب أخرى. ويحسن هنا ذكر قول الرئيس الأمريكي السابق جون كنيدي عام ١٩٦١م حين قال: «إن المعونة الأجنبية وسيلة يمكن للولايات المتحدة الأمريكية عن طريقها أن تثبت مركز النفوذ والسيطرة حول العالم» ، وبعد سبع سنوات أضاف الرئيس الأمريكي نيكسون قائلاً: «دعونا نتذكر بأن الهدف الرئيسي من المعونة ليس هو مساعدة الأمم الأخرى، بل مساعدة أنفسنا أيضاً» [١٦] . لقد أورد مؤلف كتاب سادة الفقر (غراهام هانكوك) نماذج متعددة عن سوء استخدام هذه الأموال، وكيف تعود بطريقة أو بأخرى إلى الدول المانحة، أي أن هذه الدول تأخذ باليمين ما تعطيه باليسار، ومنها على سبيل المثال أن برنامج (الجوع الأمريكي) تَسلَّم هبات تصل إلى حوالي سبعة ملايين دولار في عام ١٩٨٥م، لم يصل منها سوى ربع مليون فقط كمعونات لمنظمات تعمل في حقل الإغاثة في تلك البلدان المنكوبة، وأنفق كل المتبقي في الولايات المتحدة الأمريكية تحت بنود مثل الدعم العام، وقد وصلت نفقات الهاتف إلى نصف مليون دولار في السنة، وهناك مئات الأمثلة على ما يحدث من سرقة الأموال باسم الدول المنكوبة [١٧] . * وتؤكد مجلة أوروبية بعض هذه الجوانب قائلة: ووفقاً لهذا فلا بأس من الإنصات إلى من يؤكدون بأن المساعدات المادية يمكن أن تكون عرضة للتوظيف السياسي الذي يفقدها براءتها ويجعلها مجرد أداة استعمارية، وعلى حد تعبير الألمانيين (روبرت مان) و (فرنر بوكات) فإن من يقف في المعسكر الخطأ أيديولوجياً يتوجب عليه أن يأخذ في الحسبان أن ما سيتلقاه من مساعدات وتبرعات سيكون أقلَّها، إن لم يكن لا شيء مطلقاً، والخبيران يشيران هنا إلى ممارسة شائعة في سوق التبرعات الألماني. إن هذا لا يعني أن الهبات المالية تبذل فقط للأصدقاء، أو كأثمان لمواقف معينة، وإنما يمكن أن تقدَّم على هيئة حبوب منومة لأمم منكوبة وجائعة، ولشعوب وقعت ضحية لظلم شاركت المجموعة الدولية في صناعته بقصد منها أو بدون قصد، ويكفي هنا الإشارة إلى إنشاء الأمم المتحدة لوكالة «غوث اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا) بعد أن اكتملت عمليات تشريدهم القسرية عن بلادهم، أو ملاحظة التناقض بين تمرير المذابح الصربية البشعة ضد مسلمي البوسنة على مدى سنوات، وتقديم مساعدات للضحايا البوسنيين كانت مجرد خبز وخيام وعقاقير دوائية مشكوك في جدواها. كما أن المساعدات التي قدمتها (الصناعات الدوائية الألمانية) خلال حرب كوسوفا في ١٩٩٩م من المخزون الفائض عن احتياجات السوق المحلي أعفتها من ١٦% من الضرائب المترتبة على أرباحها، كما تؤكد مصادر الصندوق الألماني للصحة الدوائية. تقول دراسة صدرت في أغسطس ١٩٩٩م عن معهد الصحة العامة التابع لجامعة هارفارد الأمريكية إن نصف المساعدات الأمريكية من الأدوية لكل من هاييتي وأرمينيا وتنزانيا لم تكن تحتاجها هذه البلدان بالفعل، ولم تكن مدرجة على قوائم العقاقير المطلوبة. ويبدو أن دوافع التخلص من الضرائب هو السبب. ومن المسائل الجديرة بالاهتمام أن أي منظمة غير حكومية تحصل على الدعم اللازم لنشاطها من قواعدها الجماهيرية المتفاعلة معها، ومن المؤسسات الحكومية أو المنظمات الدولية المعنية بالإضافة إلى قاعدتها الوقفية، ويتم ذلك كله باسم القضية التي تعنى بها المنظمة، في حين يصعب تحديد ما إذا كانت الأموال المرصودة لهذه القضايا قد صرفت فعلاً لصالحها بالشكل المطلوب، وكم من الأموال قد حسمت للنفقات الإدارية الباهظة وتوسيع أملاك المؤسسة، وكم تبقّى للقضية الجوهرية. وليس جديداً أن بعض المؤسسات المشتغلة في المجال الإنساني تجني عوائد مالية عالية جراء إيداع رؤوس الأمول الطائلة المجموعة في الحسابات المصرفية الخاصة بالمؤسسة، وقد يجري تأخير إنفاق التبرعات المجموعة، طمعاً في تحصيل الفائدة الربوية العالية التي تعود على المؤسسة، حتى في أحلك الظروف التي تتطلب سرعة التحرك. هناك ممارسات سلبية يصعب غض الطرف عنها تقوم بها بعض المنظمات غير الحكومية خلال تقديمها للمساعدات منها الانتقائية، والتمييز، والاستغلال، وغير ذلك من التصرفات التي لا تعكس رغبة المتبرع الذي أناب المؤسسة لتقدم تبرعه للمحتاجين. قليلاً ما يجري الالتفات إلى التوظيف الاقتصادي النفعي للمساعدات؛ فالسياسات التنموية التي تعتمدها الدول الصناعية يمكنها أن تتماشى مع مصالحها الذاتية، مثل تعزيز المكانة الدولية وإنعاش التجارة الخارجية، ولهذا لا يستغرب عندما نجد الفريق الذي يقدم المساعدات الحكومية لدولة فقيرة أو المساعدات غير الحكومية، وخاصة من المؤسسات الخيرية المرتبطة ببعض رجال المال والأعمال؛ حيث يكون مصحوباً أو متبوعاً بطوابير من رجال الأعمال الذين يتحسسون السوق ويعقدون الصفقات ويروجون لبضائعهم. ليست المساعدات الإنسانية هي أفضل المنافذ الاستثمارية التجارية إلى البلدان المدمَّرة جراء الكوارث والحروب أو الكيانات السياسية الناشئة، وخاصة أن هذه البلدان هي في واقع الأمر سوق مغرية تحتاج إلى الإعمار أو إعادة الإعمار وهيكلة البنية التحتية مجدداً، كما تبحث عن موردين ومستثمرين وشركاء وفي ظل أطماع غزو الأسواق الواعدة يمكن القول إن المساعدة الاقتصادية خير تمهيد للشراكة التجارية على أساس علاقة «منتج ومستهلك» [١٨] . ويضرب غراهام هانكوك مثلاً لاستغلال قوانين الضرائب بقوله: «تسلمت منظمة (مآب انترناشونال) من شركة (ويتون بالينوس) منحة قدرها (١٧) مليون دولار قيمة مُنظِّمات لضربات القلب من هيئة (المستشفى الأمريكي للإمداد) وبذلك تكون شركة (ويتون بالينوس) قد تخلصت من الضرائب في منطقة عملياتها التي كان قد تقرر إلغاؤها، علاوة على أن هذه المنظمة سببت مشاكل لدول العالم الثالث التي استقبلتها، منها قابلية معظم هذه الوحدات لتنظيم ضربات القلب لخسارة البطاريات وبعض صور سوء الاستخدام الذي يهدد الحياة [١٩] . ويلاحظ في هذه العملية أن الشركة التي باعت الأجهزة تخلصت من الضرائب، كما أن المنظمة أعفيت أيضاً من كل الضرائب الصادرة من دولتها، وأعفيت من الجمارك والضرائب في الدولة المضيفة لأجهزة لا تصلح. أما الشركات والمؤسسات الاقتصادية فلها مساعداتها، ولأن هذه الأطراف تتحرك بدافع الربح والخسارة، وفي مربع السوق والتجارة، فإن نصيبها من الشكوك كان الأوفر على الإطلاق، إذ لا تزيد أهداف بعض المؤسسات التجارية من وراء تقديمها المساعدات على أهداف الترويج الدعائي وكسب الأسواق الجديدة والتخلص من النفايات والبضائع المكدسة والآلات المتقادمة التي تحتاج إلى نفقات عالية للتخلص منها وأحياناً للتخلص من الضرائب. كما تهدف هذه الشركات إلى كسب الاهتمام والبقاء في دائرة الضوء وتلميع الذات، لنجاح العلاقات العامة، وهو تلميع لا بد منه لقبول المؤسسة ومنتجاتها من قبل الزبائن حول العالم، وهنا تكون المساعدات والتبرعات بوابة العبور. ومثال ذلك ما تقدم به مؤخراً» بل غيتس Gates Bill «من تبرع سخي للهند بلغ (١٠٠) مليون دولار للأعمال الخيرية في الهند، حيث خصص هذا التبرع لمكافحة مرض نقص المناعة (الإيدز) . ولنا أيضاً أن نتساءل كما تساءلت صحيفة الحياة: هل كسب بيل غيتس حرب الهند من خلال تجارة المعلومات والتجارة الألكترونية؟ لقد بدا» بل غيتس «في زيارته الأخيرة للهند أواخر عام ٢٠٠٢م، وهو المؤسس الأسطوري لشركة (مايكروسوفت) العملاقة كأنه جنرال كسب معركة كبيرة. استطاع» بل غيتس «إقناع مهندسي الكومبيوتر الهنود باستخدام نظام تشغيل الكومبيوتر» ويندوز «الذي تنتجه شركته، ونجح مؤقتاً في القضاء على خطر منافسة نظام التشغيل لينوكس (Linux) . يتميز (لينوكس) بأنه أرخص من ويندوز بمرات عدة، وتتيح شفافيته - أي أن شفرته مفتوحة - لأي مبرمج أن يصنع به ما يشاء من تطبيقات، وبرامج، وأدوات معلوماتية، وبالطريقة التي تناسب احتياجاته وظروفه. لقد استطاع الرجل الأغنى في العالم قيادة حملة دعائية ناجحة، ولا سيما أنه أعلن أنه سوف تستثمر مؤسسته (٤٠٠) مليون دولار في الهند [٢٠] . ٥ - الجنس مقابل الغذاء في عام ٢٠٠٢م: ومن صور الأخطاء الفادحة للمنظمات الدولية؛ صورة أخرى تعتبر من الظواهر التي قل ما يتم الحديث عنها رغم انتشارها في بلدان عديدة، وهذه الصورة تبرز من خلال ما كتبت عنه بعض الصحف بعنوان: كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة يحقق في اتهامات» الجنس مقابل الغذاء «في مخيمات اللاجئين، وهذا يعتبر من أقذر أنواع الاستغلال والإرهاب البشع، وضحايا هذا الأمر لا تتجاوز أعمارهن الثالثة عشرة، فقد قالت متحدثة باسم الأمم المتحدة أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أمر بالتحقيق بشكل دقيق بقدر المستطاع وفي أسرع وقت ممكن في شكاوى الاستغلال الجنسي للأطفال في مخيمات اللاجئين التي أقامتها الأمم المتحدة في بعض دول غرب أفريقيا. وجاء الأمر الذي أصدره عنان في أعقاب بيان مشترك للمفوض الأعلى للاجئين ومنظمة (أنقذوا الأطفال) الخيرية البريطانية جاء فيه أن الأطفال ولاجئين آخرين في غينيا وليبريا وسيراليون شهدوا أن (٧٠) شخصاً من ضمنهم جنود لحفظ السلام بالأمم المتحدة و (٤٠) منظمة للمساعدات الإنسانية متورطون في عمليات استغلال جنسي للاجئين في المخيمات. وجاء في تقرير المنظمتين أيضاً: (إن عدد الاتهامات مع ذلك لا يدع مجالاً للشك في أن هناك مشكلة خطيرة تتمثل في الاستغلال الجنسي؛ وتطلب مزيداً من المبادرات والتحقيقات) ، وفي نيويورك قالت المتحدثة باسم الأمم المتحدة ماري أوكابي: (إن عنان طلب اتخاذ المبادرات الملائمة بهدف تعزيز حماية النساء والأطفال كلما اقتضت الضرورة ذلك) . وأوضحت المتحدثة: أن فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة يوجد بالفعل في المنطقة (للكشف) عن صحة الاتهامات التي ستكون إن ثبتت صحتها أخطر حالة من حالات استغلال الأطفال يتورط فيها موظفون في وكالات المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة وعسكريون من قوة حفظ السلام الدولية. وقالت أيضاً: إن عنان سيتصرف بصرامة مع مرتكبي هذه الجريمة إذا أسفرت التحقيقات عن وقوعها فعلاً، وجاء في تقرير المنظمتين أنهما تحدثتا مع (١٥٠٠) طفلة، وأن شهاداتهن أفادت أن موظفي منظمات المساعدة في بعض مخيمات للاجئين طلبوا ممارسة الفاحشة معهن مقابل منحهن نقوداً وهدايا وأغذية، وتتراوح أعمار معظم الفتيات اللاتي تعرضن للاستغلال بين (١٣) و (١٨) عاماً في حين صادق الرجال البنات الأصغر سناً بهدف الوصول إلى أخواتهن الأكبر عمراً، وأمهاتهن. وأشار التقرير إلى أن الآباء والأمهات كانوا يعلمون بهذا الاستغلال الجنسي، ولكنهم لا يملكون سوى الإذعان من أجل الحصول على طعام، وشجع بعض الأهل بناتهم على ممارسة الفاحشة ليحصلوا على نقود، وأوضحت المنظمتان أن رجالاً مارسوا الفاحشة مع بنات قاصرات، وأكد التقرير أن تقييم الوضع أظهر أن أولئك الذين يستغلون الأطفال هم غالباً رجال في موقع السلطة ولهم نفوذ نسبي، وهم إما يتحكمون في توزيع السلع والخدمات، أو يملكون ثروة أو دخلاً مرتفعاً، وأضاف أن النفوذ والسلطة يستخدمان مقابل الفاحشة، وأوضح التقرير أن الموظفين الدوليين والمحليين من المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة هم كما أفادت الشهادات أكثر مستغلي الأطفال جنسياً. كما أفادت بعض المصادر المطلعة أن نقاشاً حاداً دار في مركز المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في مقرها (جنيف) ، شارك فيه ممثلون عن (٣٠) دولة، عبروا عن صدمتهم واستيائهم الشديد إزاء هذا التصرف، وطالبوا باتخاذ إجراءات فورية لوقف الاعتداء الجنسي على الفتيات القاصرات!! [٢١] . ولسائل أن يقول: أين العقوبات؟ وأين قوة الحملات وصرامة الإجراءات؟ وهل تم تجميد أرصدة تلك المؤسسات العالمية الكبيرة أو الصغيرة منها؟ وهل تم تصنيفها مع منظمات الإرهاب والاستغلال؟

стр. 4541

المسلمون والعالم تأملات في «هروب النخب» من الدول الإسلامية إلى الغرب طلعت رميح [*] تبدو القضية «فنية» .. لكنها «سياسية» .. ومؤشر لـ «الصراع الحضاري» .. وجوهرها «عقدي» ! هل من سبيل للخروج من هذه الدائرة الجهنمية: الأمة تبذل «بعض» جهودها.. مالها وعلمها؛ لتربية «النخب» ، والغرب يهيئ لهذه «النخب» فرص الإبداع والإتقان فتهرب إليه؛ لتظل الأوضاع على حالها.. تتخلف الأمة، ويتقدم الغرب تقنياً مستخدماً نُخَبَ الأمة ضمن صراعه الحضاري والعقائدي والعنفي ضد الأمة، ومن يفعل غير ذلك يواجه بالحرب، والحصار التقني (التكنولوجي) والاقتصادي.. والقتل؟! على خلفية المواقف الراهنة الطاردة من قِبَل المجتمعات الغربية للطلاب والمهاجرين العرب والمسلمين؛ شهدت الآونة الأخيرة اهتماماً من الباحثين والدارسين وفي بعض الأحيان من قبل بعض المسؤولين بقضية «هروب النخب» من العالم العربي والإسلامي إلى الغرب، فظهرت العديد من المقالات والأبحاث والدراسات والتصريحات، وأعلنت الكثير من الإحصاءات حول التكلفة المالية التي تتكبدها المجتمعات العربية والإسلامية في تعليم هذه النخب داخل البلاد العربية.. في مدارسها وجامعاتها، وخلال تلقيها الدرجات الأعلى من التعليم في الأكاديميات الغربية، وكذلك حول عدد الذين يعودون إلى أوطانهم، وحول أعداد الباحثين العرب بصفة عامة، وميزانيات البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية مقارنة بالدول الغربية.. إلخ، كما تناولت هذه الدراسات أوضاع هؤلاء «الهاربين» بعد أن يصبحوا مواطنين حاملين للجنسيات الغربية، وما يعانونه من مشكلات تتعلق بالعقيدة والهوية الحضارية، وما يتعرضون له من مشكلات اضطهاد ديني وعرقي، وما يتوفر لهم في الغرب بالمقابل من فرص للنبوغ.. إلخ. والملاحظ أن الأغلبية من هذه الدراسات نظرت إلى الأمر من زاوية فنية أو مالية، كما ركزت في بحثها للظاهرة بوصفها ظاهرة تتعلق بالعلماء في المجالات العلمية أو التطبيقية؛ أي بوصفها ظاهرة تستنزف العقول في مجال التقنية، وتهدر المال العربي والإسلامي، وباعتبارها في أفضل الأحوال ظاهرة تشير إلى عدم توفير المال للبحث العلمي في بلداننا، ولعدم توافر الحريات الأكاديمية للباحثين والعلماء لدينا.. إلخ. وفي هذه المقالة سأحاول تقديم رؤية لهذه الظاهرة بالغة الأهمية بأبعادها الشاملة، وأطرح رؤية وفهماً آخر لها؛ بوصفها ظاهرة سياسية وحضارية وعقدية؛ سواء في أسبابها أو في نتائجها، أو في طريقة التصدي الناجح لها. وسوف أبدأ بضبط المصطلح؛ أي ما هو التعبير الصحيح الذي يجب أن نطلقه على هذه الظاهرة؟ ثم أوضح حجم الظاهرة وتأثيرها، وجوانب تناولها، والفهم الغربي لها، وكيف يجب أن نفهمها؟ وأخيراً.. كيف نواجهها؟ وأركز في هذه المقالة على دراسة ظاهرة هروب «النخب» التي تنال تعليمها في المجتمعات العربية والإسلامية، وتنفق عليها هذه المجتمعات مالها ثم لا تعود، دون التركيز على دور المهاجرين الذين استقروا في المجتمعات الغربية، وكيف تتفاعل معهم الأمة ليكونوا أنصاراً لدينهم وقضايا أمتهم داخل المجتمعات الغربية لا العكس. * ضبط المصطلح: كثير من العناوين التي يجري تحتها مناقشة وبحث ظاهرة ذهاب مواطنين عرب ومسلمين للدراسة في الدول الغربية، بعد أن تنفق عليهم الأمة والمجتمعات من مالها عليهم لتعليمهم قبل إيفادهم إلى الغرب وأثناء إيفادهم، لتعلُّم التقنية والعلم الحديث في مختلف الفروع، لكنهم بدلاً من العودة إلى بلادهم لتطوير المجالات التي ذهبوا لتعلُّم آخر المنجزات العلمية والتقنية فيها؛ يستقرون هناك ويصبح الغرب هو موطنهم! وهذه الظاهرة يطلق عليها مصطلح «هجرة العقول» ، وهناك من يعنون أبحاثه ومقالاته بـ «سرقة العقول» أو «استنزاف العقول» .. فماذا نقول على وجه الدقة؟ وهل يطرح كل مصطلح فهماً مختلفاً؟ إن قضية هذا المصطلح لا أطرحها هنا على أنها دراسة لغوية؛ فلذلك مجال علمي آخر، لكنها محاولة للإجابة عن سؤال جوهري هو: أيّ هذه المصطلحات تقدم الدلالة الصحيحة عن مضمون هذه الظاهرة؟ ولنبدأ بمصطلح «هجرة العقول» ؛ حيث نرى أنه مصطلح يحمل معنى إيجابياً في الرؤية الشرعية، ويضفي جلالاً على ظاهرة سلبية بل ومدمرة، فقد استخدم هذا المصطلح للتعبير عن انتقال خاتم الأنبياء ﷺ بنفسه وبالدعوة من مكة إلى المدينة المنورة، وكذلك الهجرة في سنوات الدعوة الأولى إلى الحبشة، «وهي شرعة شرعها المولى جل وعلا، وجعلها جهاداً ومجاهدة واجتهاداً لتغيير الواقع المهاجر منه، وتحقيق الهدف، وتجاوز حالة الضعف والرقود، والاستنقاع الحضاري، والركون إلى الذين ظلموا ... هي حركة إيجابية قاصدة، وخطة محكمة، وعمل محكوم بنية واضحة الأهداف، وهي أشبه ما تكون بتحرف لقتال أو تحيز لفئة للخروج من حال الذل.. والناظر في الهجرة بكل أبعادها الشرعية وتطبيقاتها العملية، وعبر القرون؛ يبصر أنها ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية» [١] . ونضيف أن الهجرة هنا هي هجرة بلا عودة، على ضد الهجرة النبوية وهجرة الأولين إلى الحبشة، كما أن مصطلح «الهجرة» تعبير يلغي الطابع الفردي والشخصي وربما الأناني لهذه الظاهرة. أما مصطلح «سرقة العقول» أو «استنزاف العقول» ؛ فهو في شقه الأول (سرقة) يركز على دور السارق دون «شمول وتوصيف» دور المجتمعات العربية والإسلامية الطاردة، هذا في شقه الأول. أما في شقه الثاني (العقول) ؛ فهو ينزع الأمر من محتواه، فالأمر ليس مجرد «عقول» وفقط، والتعبير بـ «العقول» يستشف منه التركيز على الجانب العقلي العلمي والتقني والتطبيقي دون الجانب العقدي والحضاري والسياسي والاقتصادي والفكري للنخب.. منابعها وأصولها وتخصصاتها أو دورها الشامل في مجتمعاتها. وفي ضوء ما سبق؛ فإننا نرى أن مصطلح «هروب النُّخب» هو أفضل المصطلحات في التعبير عن الظاهرة من زاوية توسيعه لمفهوم الظاهرة؛ فهو لا يقصرها على العقول العلمية، بل يوسع المفهوم ليشمل النخب من جميع التخصصات، وهو لا ينطبق عليه ما سبق الإشارة إليه في مصطلح «الهجرة» الذي يضفي سمواً لفكرة الهروب. وتعبير «هروب النُّخب» يقدم الوصف الصحيح للظاهرة، فهو في شقه الأول (هروب) يوصِّف حالة من يتعلمون في بلادهم ويذهبون إلى بلاد الغرب لنيل مزيد من العلم، من خلال إنفاق مجتمعاتهم العربية والإسلامية عليهم بهدف أن يعودوا ليطوروا المجالات التي تخصصوا فيها، لكنهم يتركون بلادهم ومجاهدتها في مواجهة خصومها أو أعدائها، ويهربون ليطوروا مجتمعات الخصوم الحضاريين؛ بما ينعكس على أمتهم بالضعف، وبطبيعة الحال على الخصوم بالقوة في الصراع ضد أمتهم. و «الهروب» هنا يشمل الهروب من مواجهة واقع الأمة في داخلها؛ أي الهروب من العمل على تغييره؛ ذلك أن الهروب يعني استمرار الظاهرة نفسها، واستمرار الأسباب نفسها دون مواجهتها؛ حيث يلجأ الهارب إلى الأسلوب الفردي ليحل مشكلته هو ولو على حساب مصالح الأمة. وهو في شقه الثاني (النخب) يوسع مفهوم هؤلاء الهاربين من تأدية ما عليهم من واجبات تجاه بلادهم؛ فلا يقصرها على العقول العلمية وإنما يوسعها لتشمل كل تخصصات الهاربين. ويبقى التساؤل عن الدور الغربي في القضية، وفي تقديرنا أن الولاء لعقيدة الأمة ومصالحها كفيل بعدم تلبية «الطلب» أو الاستجابة للمغريات الغربية؛ سواء في شقها العلمي، أو في مجال الحريات الأكاديمية، أو في جانبها المالي. * زاوية التناول: وكما تتعدد المصطلحات.. تتعدد وتختلف أوجه تناول هذه الظاهرة وزواياه .. فهناك من ينظر إليها من زاوية استنزافها المالي للميزانيات العربية المخصصة للتعليم.. وهناك من ينظر إليها من زاوية ضآلة ما توفره الحكومات العربية من مخصصات مالية للبحث العلمي؛ مقارنة بما تخصصه الدول الغربية.. وهناك من ينظر إليها من زاوية سيطرة البيروقراطية والفساد على عملية البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية؛ مقارنة بما يجري في الغرب من إعطاء كل الصلاحيات والحريات لخدمة البحث العلمي.. إلخ. وكلها وغيرها زوايا للنظر في حد ذاتها صحيحة لكن أياً منها لا يصلح لتقديم تفسير شامل للظاهرة وكيفية مواجهتها، ويصح القول أيضاً: إنها لا تصلح في مجموعها للإحاطة بالظاهرة وفهمها حتى لو جمعناها بعضها مع بعض؛ ذلك أنها تنطلق في التعامل في مجملها مع هذه الظاهرة من زوايا فنية «مالية أو تقنية» ، والأمر نفسه عند الذين ينظرون إليها من زاوية عدم توفر الحرية الأكاديمية في الدول العربية والإسلامية مقارنة بالغرب، حتى عندما طوروا فكرتهم باتجاه رؤية سياسية بناء على أنها خطر على الأمة ظلوا يحاصرون نظرتهم بفهم فني يتحدث عن الجانب التقني وتأثيراته؛ حيث لم يروا جميعاً أن لهذه القضية هوية عقدية؛ سواء في أسبابها المتعلقة بدور الحكومات، أو حالة الأفراد الهاربين، أو في جانبها المتعلق بالمجتمعات الطاردة والسارقة أو المستقبلة.. ومن ثم لم يطرحوا لا في أسبابها ولا في طرق علاجها البعد الأهم. وهدفي في هذه المقالة إدراك البعد الحقيقي لظاهرة «هروب النخب» ؛ بوصفها قضية ذات هوية حضارية، وذات بعد عقائدي.. ولا حل لها إلا في هذا الإطار، ومن خلال هذا الفهم. * بدهيات غائبة: ولإدراك هذا الفهم وعلى سبيل التقديم أطرح ثلاثة أسئلة قد تبدو بدهية.. أو حتى سخيفة بعض الشيء.. ومع ذلك فهي أسئلة جوهرية؛ ذلك أن أحد أشكال المعرفة في مرحلة إعادة البعث الحضاري، أو إعادة بناء المعرفة بعد مراحل من عمليات الطمس والتشويه المتعمد، وما يبنى عليه ويتراكم لتصبح مسلماته الخاطئة بدهيات في نظر البعض هو أن تبدأ بإعادة النظر فيما أصبح بدهيات بحكم استمراره لمدة طويلة لا بحكم أنه صحيح، وأن نقابله بما هو بدهي حقيقي لكنه لم يعد كذلك. السؤال الأول: ما هي دول العالم الثالث؟ والسؤال الثاني: هل لقضية هروب أو سرقة العقول أو استنزافها هوية حضارية، أو أنها مجرد قضية فنية مالية أو تقنية؟ والسؤال الثالث: هل يقتصر دور العقول المهاجرة بالمعنى الواسع للتعبير على مجرد الهجرة من دولها، وسرقة الأموال التي أنفقتها المجتمعات العربية والإسلامية وغيرها في إعدادها، أو حتى على مجرد تحويلهم إلى سفراء للحضارة الغربية لمن يعود منهم، أو أن لهم دوراً أخطر في المشاركة في الحرب من الناحية العملية شاؤوا أم أبوا على الحضارة العربية والإسلامية والعقيدة؟ - في الإجابة عن السؤال الأول: فإن الرد دون تفكير هو أن دول العالم الثالث تتركز في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. لكن هذا السؤال البديهي.. سؤال بالغ الأهمية؛ ذلك أن معرفة هذه الدول تحديداً يطرح الفكرة الجوهرية في قضية سرقة عقول النخب؛ فدول العالم الثالث في غالبيتها الكاسحة ليست إلا الدول الإسلامية؛ حيث إن كل الدول العربية والإسلامية دون استثناء هي من دول العالم الثالث، علماً أن بعض الدول الأخرى هذه ليست إلا دولاً إسلامية تم تغيير هويتها العقدية عبر صراع مرير. وإذا كان قد آن الأوان للتحول من فكرة «العالم الثالث» أو «العالم المتخلف» و «الدول الفقيرة» ، إلى فكرة الدول الإسلامية ودول أخرى، أو من المصطلح السياسي والاقتصادي إلى المصطلح الحضاري والعقائدي الذي يخوض الغرب معاركه على أساسه منذ قرون؛ فإن ما يهمنا هو أن قضية سرقة العقول واستنزافها لها بعد آخر خلاف البعد المالي أو الفني؛ حيث تطرح جوهر الصراع السابق والراهن في العالم.. الحرب ضد العرب والمسلمين.. الحرب ضد الإسلام ومجتمعاته وحضارته، وهي حرب ليست طارئة أو مستحدثة؛ وإنما هي حرب عميقة الجذور في العقائد والتاريخ والجغرافيا، وما أظهرها الآن بصورة سافرة هو اضطرار الغرب للجهر بأبعادها الحقيقية تحت ضغط الصحوة الإسلامية العالمية.. ما يهمنا هو أن سرقة العقول من مجتمعاتنا الإسلامية هي أحد أشكال فرض التخلف التقني والفكري والعلمي، والتي تبدأ من سرقة العقول ولا تنتهي بقتل العلماء الذين رفضوا الرشوى العلمية والاجتماعية من الغرب، وقرروا البقاء داخل نسيج أمتهم يجاهدون لتطوير مقدراتها، بل هي ظاهرة تمتد إلى إبادة مجتمعات كاملة لإبقائها في طور التخلف، وضمن منظومة الضعف والاستكانة. - وفي الإجابة عن السؤال الثاني: إذا كنا أشرنا إلى أن قضية سرقة العقول ليست قضية فنية مالية أو تقنية فحسب؛ فإن السؤال الأهم الآن هو: ما الذي يجعل حكومات عربية وإسلامية لا تهتم باستنزاف نخبها وميزانياتها بصفة دائمة؟ وهل يكفي لتفسير ذلك: الحديث عن الفساد أو الضعف الإداري أو قلة المال؟ ولإدراك ذلك نسأل: لو كان هناك تحد حضاري وتحد عقدي تؤمن به هذه الدول.. هل كان الحال سيكون كذلك؟ والأمر نفسه على مستوى الأفراد: لو كان العالم الفرد مؤمناً بعقيدته، ويدرك أنه يذهب لأعداء دينه وأمته ليقويهم ويضعف أمته بالمقابل؛ فهل كان في هذه الحالة سيذهب أيضاً؟ .. هل كان المال سيغريه؟ أو هل كان إثبات الذات وإجراء الأبحاث سيجعله يترك صفوف أمته؟ وهل كان سيسهل خداعه تحت أقاويل مثل أن تطوير العلم إنما هو للبشرية جمعاء، وأن التكنولوجيا بلا هوية ولا دين.. إلخ؟ وبطريقة أخرى: ما الذي جعل بلداً مثل باكستان تصل لصنع القنبلة النووية دون أن تقوم على ذلك دول عربية أخرى؟ وما الذي يجعل إنساناً يفجر جسده فداءً لدينه وأمته، ولا يجعل عالماً يبقى ليجاهد من أجل علمه في أمته؟ - وفي الإجابة عن السؤال الثالث: وهو عن دور هذه العقول في خدمة المخططات الغربية الصهيونية والصليبية؛ فإن قصر فكرة هجرة النخب على النخب في مجال العلوم التطبيقية وهمٌ وتضليل؛ إذ إن الهجرة شاملة لنخب المفكرين وعلماء الاقتصاد واللغة.. إلخ، وكذلك فإن قصر فكرة سرقة أو هجرة أو هروب النخب على مغادرة المجتمعات العربية والإسلامية فهمٌ خاطئ؛ حيث هناك من يقومون بالأبحاث الفكرية والثقافية واستطلاعات الرأي.. إلخ وهم داخل مجتمعاتهم الأبحاث المشتركة؛ بما يخدم خطط الأعداء في السيطرة على المنطقة العربية والإسلامية وحرب عقيدتها وتراثها، مثلهم في ذلك مثل من يسعى بماله إلى دول الغرب يدعم اقتصادها ليصير أقوى وأشد قدرة على مواجهة الأمة؛ وهو ما يزال يعيش داخل جسد الأمة يستنزف مالها ويهربه إلى الخارج.. القضية في أصلها ليست فقط الهروب أو البقاء؛ بقدر ما هي قضية الولاء والارتباط بعقيدة الأمة، ومصالحها وهمومها، وأمنها الوطني والقومي والإسلامي. * حجم ظاهرة الهروب وتكلفتها المالية: حجم الظاهرة بالغ الخطر.. الأرقام متكاثره ومرعبة.. من الناحية العددية تشير الدراسات والأبحاث إلى أن حجم من يعودون من البعثات الحكومية السورية ٥ % فقط، ففي عام ١٩٩٨م بلغ عدد الموفدين السوريين للخارج من جامعة دمشق وحدها ٣٣٢ طالباً، عاد منهم لسوريا بعد انتهاء دراستهم ١٨ طالباً فقط! وإذا كان هذا نموذجاً للدارسين الذين لم يعودوا؛ فالمثال الآخر من العراق لمن عادوا إلى بلدهم واضطروا بعد ذلك للمغادرة تحت ضغط الحصار والقصف والقتل، فقد غادر العراق بين عامي ١٩٩١ و ١٩٩٨م أكثر من ٧٣٥٠ عالماً تلقفتهم دول أوروبية وكندا وأمريكا، منهم ٦٧% أساتذة، و ٢٣% كانوا يعملون في مراكز بحثية في العراق، وكان قد درس منهم ٨٣% في جامعات أوروبية لكنهم عادوا إلى بلادهم، والباقون كانوا درسوا في جامعات أوروبا الشرقية أو في الدول العربية وعادوا أيضاً، ثم اضطروا للمغادرة أو الهروب من بلادهم مرة أخرى خلال سنوات الحصار والقصف والقتل من قِبَل أعداء الأمة. وفي حالة مصر فقد هاجر ٤٥٠ ألف مصري من حملة المؤهلات العليا من الماجستير والدكتوراه - برز منهم ٦٠٠ في تخصصات نادرة جداً - كما بلغ عدد المهاجرين إلى الخارج منها وحدها ٣ ملايين و ٤١٨ ألفاً. وعن مصر أيضاً فقد غادرها ١٠ آلاف مبرمج إلى الدول الغربية خلال السنوات الماضية، ٣ آلاف منهم ذهبوا إلى أوروبا في الوقت الذي يعاني فيه السوق المصري من نقص المبرمجين؛ حيث السوق هناك بحاجة إلى ما بين ٣٢ - ٣٥ ألف مبرمج كمبيوتر. وتشير الإحصاءات الإجمالية إلى أن ٧٥% من العاملين في الشركات العالمية في مجال تنمية البرامج العربية هم من العقول العربية العاملة في برامج الكمبيوتر. وثمة إحصاءات أخرى تقول إن المصانع الكبرى في فرنسا وألمانيا تضم ٨٠% من أصحاب المهارات الفنية من أبناء شمال إفريقيا، ومن الأتراك الأكراد، ومصر، ولبنان - تشير منظمة الهجرة العالمية إلى أن إفريقيا تفقد سنوياً ٨٠ ألف عالم وخبير في جميع المجالات -، وهناك تقارير تفيد أن ٨% من مجموع القوة العاملة العربية هاجرت، وأن ٢٠% من مجموع الأطباء هم الآن خارج المنطقة، وأن ١٥% من خريجي الأقسام العلمية استسلموا للهجرة الدائمة، وأن ٣٠% من الطلاب بقوا حيث هم، وأن ٢٧ ألف عربي يحملون درجة الدكتوراه غادروا بلدانهم إلى أوروبا وأمريكا، وأن هذا الرقم وصل إلى ٣٢ ألفاً في عام ٢٠٠٠م. وأن هناك ٤١٠٢ عالم مسلم في مختلف علوم المعرفة في مراكز أبحاث غربية مهمة. ومن الناحية المالية نشير إلى أن مصر تتكلف ١٠٠ ألف دولار لإعداد الفرد الواحد من الهاربين، وأن المبعوث للحصول على الدكتوراه في الطب الإكلينيكي يكلف الدولة ٧٥٠ ألف جنيه؛ أي ثلاثة أرباع مليون جنيه، وأن مصر خسرت ٥٠ مليار دولار بسبب عمليات الهروب هذه؛ أي أن الغرب وعن طريق استقبال المهاجرين حصل من مصر على أكثر من ديونها له البالغة حالياً نحو ٢٧ مليار دولار! وتشير الدراسات والأرقام أن الدول العربية تخسر سنوياً ١.٥ مليار دولار نتيجة هجرة حملة الشهادات العليا (الخسارة العربية حتى الآن ٢٠٠ مليار دولار) !! * أطراف الظاهرة وتأثيراتها: ثمة ثلاثة أطراف تساهم في حدوث هذه الظاهرة: الطرف الأول: هو الدول الطاردة. الطرف الثاني: هو الدول المحفزة والسارقة. والطرف الثالث: هو الفرد الهارب. غير أن الجانب الأهم هو: لماذا الطاردة طاردة؟ ولماذا المحفزة والمستقبلة تبذل كل منها جهدها، وتصل إلى حد استخدام القوة المسلحة والقتل في تحقيق ذلك؟ ولماذا الهارب الفرد على هذه الدرجة من العلاقة مع أمته من ناحية، ومع الدول الخصم من ناحية أخرى؟ - في جانب الدول الطاردة؛ فإن الأسباب التي تتناولها المقالات والأبحاث متعددة ومتنوعة ومختلفة؛ منها: ١ - أن هناك ضعفاً في ميزانيات البحث العلمي: حيث تشير الإحصاءات إلى أن ميزانيات البحث العلمي العربي لا تتعدى ٠.١٦٦٦ % من الناتج القومي، بينما النسبة في الغرب ٣.٥ % من الناتج القومي، وأن الدول العربية تنفق دولاراً واحداً على الفرد في البحث العلمي، بينما تنفق الولايات المتحدة ٧٠٠ دولار على الفرد، وفي الدول الأوروبية ٦٠٠ دولار.. إلخ. وتشير الإحصاءات إلى أنه بينما تنفق الدول العربية على التسليح التقنية الجاهزة - ٦٠ مليار دولار؛ فإنها لا تنفق على الجامعات أكثر من ٦٠ مليون دولار! ٢ - وقد انعكس ذلك على عدد المراكز البحثية وعدد الباحثين؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن عدد مراكز البحث العربي لا تزيد عن ٦٠٠ مركز، وأن عدد الباحثين العرب لا يزيد عددهم عن ١٩ ألفاً، بينما عدد الباحثين في فرنسا وحدها ٣١ ألفاً يعملون في ١٥٠٠ مركز بحثي.. وبينما كل مليون عربي يقابلهم ٣١٨ باحثاً علمياً؛ فإن النسبة في أوروبا تصل إلى ٤٥٠٠ باحث لكل مليون شخص؛ أي أكثر من ١٥ ضعفاً. ٣ - التعامل مع البحث العلمي بمنطق الوظائف الإدارية؛ حيث تشير الإحصاءات إلى ١% فقط من ميزانيات الجامعات العربية يتوجه إلى البحث العلمي، وفي المقابل فإن أمريكا تتجه ٤٠% من ميزانيات الجامعات فيها إلى البحث العلمي. ٤ - عدم توفر الحريات الأكاديمية والسياسية، ودخول المحسوبية والرشوة في عمليات تعيين الباحثين، وتدني أجور العلماء والفنيين العرب، في حين يجري إغداق الأموال بسفه غير محدود على الفنانين والمطربين.. إلخ! ٥ - عدم التصدي للمشكلات الإدارية والفنية؛ حتى إن بعض الجامعات العربية ترفض معادلة درجات علمية صادرة في الغرب بالدرجات العلمية الصادرة منها. - وفي جانب الدول المحفزة للهجرة والمستقبلة: ١ - هناك الإغراء التقني الذي توفره الشركات العالمية لهؤلاء الخريجين؛ حيث توجد أحدث المعامل والإمكانيات الهائلة للإنفاق على الأبحاث. ٢ - وهناك الرواتب المجزية دون شرط أو تمييز.. (المبرمج يحصل على متوسط ٦٠٠ ألف دولار سنوياً) . ٣ - وهناك التقدير والاحترام لمؤهلات وقدرات العلماء، وليس المثل الأعلى هو الراقصات والمغنيين. - وفي جانب الأفراد الهاربين: ١ - هناك الرغبة في نيل العلم وتحقيق الأبحاث العلمية، ونيل الدرجات العلمية التي تلقى اعترافاً دولياً. ٢ - وهناك الرغبة في رفع المستوى الاجتماعي والحياة في مجتمعات تقدر أبحاثهم وعلمهم، وتجزيهم مالياً. ٣ - وهناك اليأس من عملية إصلاح الجهاز الإداري في مجال البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية، واليأس من إمكانية تحقيق حريات البحث العلمي في إطار إهدار الحريات السياسية في المجتمع. ٤ - الانبهار الحضاري بالغرب، وإنجازاته، وفرص الحياة فيه. ٥ - وهناك افتقاد المناعة في التعامل مع الخصوم والأعداء الحضاريين والعقائديين. * كيف نفهم القضية؟ تلك هي خريطة الظاهرة: الطارد، والجاذب، والمطرود (المنجذب أو الهارب) . غير أن الجانب الأهم هو تناول الظاهرة من زاوية أسباب المرض لا أعراض المرض، فكل ما أشير إليه سابقاً في الدول الطاردة هو أعراض لمرض، وكذا الأمر نفسه بالنسبة للدول الجاذبة؛ حيث ما ذكرناه هو المظهر وليس الجوهر، والسؤال هو: لماذا دولنا طاردة؟ أو لِمَ تستمر خسارتها لنخب مجتمعاتها دون أن تحرك ساكناً؟ وبالنسبة للعلماء الهاربين فالسؤال هو: لِمَ فضل العلماء والباحثون بل والسياسيون الهاربون فكرة الحل الفردي؟ ولِمَ فقدوا مناعتهم في التعامل مع الأعداء والخصوم؟ وفي الوقت نفسه وعلى الجانب الآخر السؤال هو: لماذا يتعامل الغرب مع أي دولة عربية وإسلامية تبدأ العمل في مشروع نهضوي يكفل توفير ظروف أفضل للتنمية والبحث العلمي بإجراءات الحصار التقني والاقتصادي والسياسي، ويصل الأمر إلى قصف المنشآت العلمية واغتيال العلماء؟ إن هوية القضية وجوهرها لا يمكن فهمه من خلال الجوانب الفنية التي تساق من قبل الكتابات التي ترى الأمر في جوهره مالياً أو تقنياً، أو حتى يتعلق بخطورة الظاهرة على جوانب التطوير والتنمية، وإنما من فهم جوهر الظاهرة، وجوهرها أنها قضية سياسية وحضارية وعقدية، قضية صراع ممتد ومتعدد المجالات. إن النموذج الذي سقناه حول وضع العلماء العراقيين أكثر القضايا التي تجسد هذه القضية، فهي من ناحية ترتبط بدولة لم ترفع شعارات عقائدية للتنمية والتطوير التقني، وإنما فقط رفعت شعارات وطنية وقومية، ومع ذلك ووجهت بالعدوان العسكري والحصار التقني، حتى وصل الأمر إلى اعتبار الدواء سلعاً مزدوجة الاستخدام، والإجبار على وقف كل مشروعات التطوير التقني التي لم تدمر في الحرب، وتسليم كل المعلومات عنها؛ حيث يجري المفتشون الدوليين في كل أنحاء العراق للبحث عن معمل هنا أو هناك. وكذلك فإنها تطرح حال النخب الهاربة؛ حيث ظل الغرب يضغط بكل الوسائل والطرق حتى هرب العلماء، ومن لم يهرب منهم فهو الآن في حكم الأسير وفق قرار مجلس الأمن الأخير؛ فكل عالم قابل للاستجواب مع توفير الحماية له لكي يخون بلده بالإكراه. بل إن قضية العراق تطرح كذلك مسألة تصفية العلماء وأشهرهم يحيى المشد، وهي تطرح قضية تهيئة الظروف المناسبة لعمل العلماء، بل حماية العلماء أمنياً وعسكرياً. إن الفكرة الجوهرية هي أن التطوير العلمي والبحثي فى جميع المجالات معركة بكل معنى كلمة المعركة، وهنا قد يسأل سائل: ألم تكن الجهود الغربية مركزة في حالة العراق على مجال تطوير التقنية العسكرية؟ وعلى الرغم من أن العالم الغربي كله يمتلك هذه التقنية، وأن المقارنة بين الموقف الغربي من العراق ومن كوريا شاهد على عمق العداء للعالمين العربي والإسلامي، وعلى الرغم من أن الموقف الغربي المتفاوت في التعامل مع تجربتي التفجير النووي لكل من باكستان والهند إلا أن بعض الناس لا يدرك الحجم الهائل للتداخل بين مجالات التقنية المدنية والعسكرية؛ حيث لا يمكنك إطلاق مجرد قمر للاتصالات وللبث التليفزيوني دون امتلاك صواريخ الدفع، بل إن التقنية العسكرية هي قاطرة التقنية المدنية كما هو الحال في ملايين الاختراعات، فالإنترنت مثلاً ابتكر وبدأ العمل به في الأغراض العسكرية ثم توسع ليشمل مجال التقنية المدنية؛ أي أن الحصار للعالم العربي والإسلامي حصار تقني شامل. إن جوهر القضية هو فكرة الصراع لمنع العالم الإسلامي من امتلاك التقنيات الحديثة، أو في تطوير مجتمعاتها سياسياً وإدارياً، وفي القلب منها مسألة سرقة أو استنزاف العقول، وفي القلب منها استخذاء النظم العربية والإسلامية في المواجهة، وفي القلب منها لجوء العلماء والباحثين إلى الهرب من أوطانهم. * وكيف يفهمها الغرب؟ يفهم الغرب القضية على أنها إعادة لإنتاج التخلف في العالمين العربي والإسلامي، فهو يستقطب النخب العلمية والفكرية والسياسية التي بإمكانها تطوير هذه المجتمعات على جميع المستويات من وجهة نظره. ويفهمها على أن هذه النخب هي القادرة على تقديم رؤية دقيقة للمجتمعات العربية والإسلامية؛ بدءاً من فهم هذه المجتمعات لغزوها فكرياً وسياسياً واقتصادياً، أو حتى لفهم أذواقها في السلع؛ أي كتعزيز للمشروع الاستعماري. ويفهمها على أنها وسيلة توفر المليارات وتدر ملايين الدولارات سنوياً للخزانات الغربية، وتنتهي نتائجها بالإجمال لصالح الاقتصاد الغربي؛ حيث يربي العرب والمسلمون النخب التي لديهم في الجامعات الغربية، ويدفعون مقابل ذلك المليارات، ثم يقوم الغرب بتوظيف هذه الكفايات لصالح الاقتصاد والمجهود الحربي والسياسي والثقافي الغربي، وينظر إلى القلة الذين يعودون الى أوطانهم على أنهم سفراء جيدون لنمط الحياة الغربي في الشرق العربي والإسلامي. ومن ثم فإن الغرب يدرك المضمون الحضاري الشامل لهذه الظاهرة، على ضد الفهم التقني والمحدود في معظم الكتابات العربية والإسلامية. ومن جراء هذا الوعي بأهمية تلك الظاهرة؛ تكفي الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة رفعت عدد من تمنحهم بطاقة الإقامة (جرين كارد) من ٩٠ ألفاً للمتخرجين في مجالات التقنية العالية في عام ١٩٩٨م إلى ١٥٠ ألفاً في عام ١٩٩٩م، و٢١٠ في عام ٢٠٠٠م، لقد فتحت أمريكا بصدور قانون الهجرة عام ١٩٦٥م كل الأبواب وبكامل إمكاناتها لعناصر التفوق في العالم لتصب في مصلحتها؛ الأمر الذي أدى إلى تضاعف قوتها العلمية والبحثية ومن ثم قوتها الاقتصادية والعسكرية.. لقد كان القانون الجديد للهجرة من أذكى القوانين؛ إذ استند إلى إكساب الجنسية على أساس المهارات وإتقانها، ومن جراء هذا الوعي يرفض كثير من الكتاب الغربيين العمليات العنصرية التي تجري ضد طلاب العلم العرب والمسلمين في الغرب حالياً من منطق الصراع الحضاري. * مؤشرات إيجابية: ثمة مؤشرات إيجابية في هذه القضية، وللأسف من الطرف (الجاذب) دون أن تكون من الطرف (الطارد) حتى الآن، لكنها ربما تكون نصف خطوة ولو على الأقل من باب ألا يجد العلماء العرب المسلمين أن ليس أمامهم سوى أن يعودوا إلى أمتهم ومجتمعاتهم للدفاع عن علمهم ومكانتهم داخل مجتمعاتهم.. أن يعودوا ليجاهدوا ويثابروا من أجل دفع الحكومات إلى الرشد، وتحقيق المصلحة العامة للأمة بدلاً من استسهال الهجرة والهروب والحلول الفردية. المؤشرات الإيجابية قادمة من هناك من الطرف الآخر أي من قبل المجتمعات الغربية نفسها حيث تجري عمليات التضييق على الطلاب والعلماء العرب؛ حتى عاد الآلاف منهم، بل إن المستقرين لم يعد أمامهم فرصة لاستمرار الحياة في المجتمعات الغربية كما كان الحال في السابق. والسؤال الأهم الآن ليس هو التشهير بالمجتمعات الغربية باعتبارها مجتمعات طاردة، ولكن السؤال هو: كيف ستتعامل الحكومات والمجتمعات الغربية مع هذه الكفايات العائدة؟ وهذا هو السؤال نفسه الذي يجب أن يطرح بصدد رأس المال العربي والإسلامي النازح من الغرب؛ إذ لا يكفي أن نتشفى في هؤلاء الذين تركوا أوطانهم ولم يقدروا أن المال مال الله، فباتوا اليوم مهددين بمصادرة أموالهم.. السؤال هو: ماذا سنفعل معهم؟ ماذا سنفعل مع العقول العائدة؟ هل تذهب للدواوين الحكومية أو أن هناك إمكانيات خلاَّقة للاستفادة من علمهم ويكفي ما ضاع؟ إن أهمية ذلك تأتي أيضاً من أن طموح الدراسة في الجامعات الغربية، والانبهار بالحضارة الغربية؛ قد بدأ يتبخر في أذهان الشباب العربي والإسلامي، وبات الآلاف منهم يفكرون في العودة، عاد على سبيل المثال ٢٤ طالباً من بين ٦٢ طالباً من دولة الإمارات كانوا التحقوا حديثاً بجامعة ولاية كاليفورنيا؛ بسبب الممارسات العنصرية ضدهم، وحملات القبض والتفتيش والتحقيق والاحتجاز والتنصت، وفحص البيانات الشخصية، وحتى القتل. ويبقى أن أهم مؤشر إيجابي صادر من الأمة حتى الآن هو ما تقوم به المنظمات الجهادية في فلسطين الآن من تطوير تقنية خاصة تجابه بها التقنية العسكرية الغربية المتقدمة. * المستقبل وكسر الدائرة الجهنمية: لقد كانت معظم الدول والمجتمعات الإسلامية وما تزال مربوطة وتدور في دورة جهنمية محكمة من الخارج ومن الداخل: فى الداخل تحكم هذه المجتمعات بحكومات وأنظمة سياسية لا تنمي الهوية والعقيدة، ولا تملك مشاريع تنموية حقيقية تمثل تحدياً عقدياً وحضارياً في مواجهة الغرب، وهو ما يجعل المواطنين لا يتربون على مفهوم الارتباط بعقيدتهم وأمتهم وتراثهم وشعوبهم وأوطانهم، ولا يتربون على تكريس كل جهدهم العلمي والفكري والسياسي لنصرة الإسلام والمسلمين. حكومات وأنظمة لا توفر لهم الحد الأدنى من الحرية الأكاديمية والميزانيات للبحث العلمي في جميع المجالات؛ مما يزيد في سيادة مناخ النزعات والحلول الفردية، ويوفر المسوّغات للهجرة والهروب ليصبحوا لقمة سائغة للغرب، وبعد إقامة رأس جسر في جامعة في أوروبا أو أمريكا؛ يكون محطاً لرحال مهاجرين آخرين من الأقارب والزملاء في المهنة وأبناء البلد الواحد؛ يصبح ما يراه الطالب الدارس في الغرب من استقرار غيره وبحبوحة عيشه أمراً يفقده المناعة والرفض. ومن الخارج تكتمل الدورة الجهنمية؛ حيث تساند أمريكا والغرب بعض أنظمة الحكم هذه التي ترتبط بمصالحهم؛ حيث لا تملك مشروعاً عقدياً أو حضارياً أو مشروعاً متحدياً. أما من يرتكب منها «خطأ» التطوير والتحديث تحت أي شعارات قومية أو وطنية أو إسلامية؛ فإنه يواجه بالحرب والحصار السياسي والتقني والاقتصادي، ثم بالعدوان العسكري، فتقصف منشآته العسكرية والاقتصادية والمدنية، ويهدد بالسقوط. وبعد أحداث سبتمبر أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً؛ فالجديد فيها أن الغرب أصبح يخوض المعركة ضد الأمة بشكل سافر وتحت شعارات عقائدية؛ أي ضد الإسلام والمسلمين، ولم يعد يفتح أبوابه على مصراعيه للمهاجرين العرب والمسلمين؛ ومن ثم فإن السؤال الآن هو ليس في جانب توفير المال والحريات الأكاديمية.. إلخ، ولكن السؤال هو: هل يمكن أن تكون هناك مجتمعات ودول تؤسس للعقيدة، والمواجهة، وحماية العلماء؟

стр. 4542

المسلمون والعالم غربة الأموال العربية ومهانتها الهيثم زعفان قضية الأموال العربية في الخارج مثارة منذ سنوات عديدة، وكثرت الكتابة عنها في أعقاب أحداث ١١ سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تفاوتت تقديرات الاقتصاديين حول حجم الأموال العربية في الخارج؛ فهناك تقديرات قد تكون أقرب للمنطق، وهناك تقديرات بعيدة كل البعد عن الاستدلال المنطقي. تُستثمر هذه الأموال في قنوات عدة شرعية وغير شرعية، وتواجه خاصة في المرحلة الحالية - تهديدات عدة أهمها التجميد. أحدثت غربة هذه الأموال فجوات اقتصادية واجتماعية مكَّنت القوى الخارجية من بسط نفوذها علينا بأشكال عديدة؛ أهمها: الديون -الاستثمارات الأجنبية - المعونات - والتمويل الأجنبي للأعمال الخيرية. وأخيراً.. هناك استثمارات حيوية في منطقتنا تنتظر عودة الأموال العربية الصحيحة. سأحاول في هذه المقالة تقديم عرض مختصر لبعض جوانب تلك القضية المعقدة والمتشعبة. * إشكالية حجم الأموال العربية في الخارج: بداية؛ إن تناول إشكالية حجم الأموال العربية في الخارج يتطلب عرض تقديرات الخبراء الاقتصاديين الأقرب لساحة الاستثمار، ثم أعلق بعد ذلك للوصول إلى نتيجة منطقية عن حجم تلك الأموال، والاستثمار الأمثل لها. د. أحمد جويلي [١] ذكر في مؤتمر «الاندماج الاقتصادي العربي بين الطموحات والواقع» والذي عقد في أكتوبر ٢٠٠١م أن حجم الأموال العربية في الخارج يتراوح بين ٦٠٠ و ٧٠٠ مليار دولار، في ذلك المؤتمر أكد طاهر حلمي وهو خبير اقتصادي أن حجم الأموال العربية المستثمرة خارج المنطقة العربية يتراوح ما بين ٦٠٠ و ٨٠٠ مليار دولار. وفي المؤتمر العلمي السادس للمحاسبين المصريين والذي نظمته الجمعية العلمية للمحاسبة والمراجعة والنظم بالقاهرة في أكتوبر ٢٠٠١م قدرت الأموال العربية المهاجرة إلى الخارج بنحو ٨٠٠ مليار دولار، وذكر الدكتور نبيل حشاد خبير اقتصادي في دراسة له أن مدير عام «المؤسسة العربية للاستثمار» التي تملكها ١٥ دولة عربية؛ صرح بأن مجموع الأرصدة العربية المستثمرة في الخارج بلغ ٨٥٠ بليون دولار في نهاية عام ١٩٩٤م، وعلق «حشاد» بأنه يلاحظ التضارب الكبير في البيانات، وأضاف أنه يمكن القول إن معظم التقديرات تشير إلى أن حجم الأموال العربية في الخارج يتراوح بين ٦٠٠ - ٨٠٠ مليار دولار [٢] . دراسة «حشاد» كُتبت في عام ١٩٩٩م؛ أي بعد خمس سنوات من تصريح مدير عام «المؤسسة العربية للاستثمار» ، وسوف نوضح دلالة ذلك بعد قليل. د. خالد أبو إسماعيل رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية للبلاد العربية» أكد أن الأموال العربية المهاجرة والمستثمرة في العالم كله بلغت في آخر إحصائية ودراسة لها ٩٠٠ مليار دولار، تستثمر معظمها في الأسواق المالية الدولية؛ خاصة في الأسهم والسندات التي تحققت بالبورصات العالمية [٣] . تقرير أعدته لجنة أمنية (أمريكية - أوروبية) مشتركة، ونشرت معالمه صحيفة الأسبوع القاهرية، أوضح التقرير أن حجم الأموال العربية حتى نهاية عام ٢٠٠١م في المصارف الأوروبية والأمريكية قد تجاوز ٩٠٠ مليار دولار، وهذا الرقم يمثل النقود السائلة، في حين أن هناك العديد من الأصول الأخرى كالعقارات والشركات والمؤسسات التي تخضع لملكية عربية [٤] . وهنا تظهر حتمية التفريق بين ما هو (مالي) ، وما هو (مادي) ، ومع وضع هذا التفريق في الحسبان قد يرتفع التقدير إلى رقم كبير. مصادر مصرفية بريطانية ذكرت أن حجم الأصول والموجودات والثروات العربية في البنوك الخارجية تزيد قيمتها على تريليون دولار (أي ألف مليار دولار) ، وأن هذه الثروات مملوكة لأفراد وحكومات وشركات، وهي تمثل مجال أعمال خصب وكبير للبنوك العالمية؛ خاصة أمريكا [٥] . الدكتور عبد الله دحلان - أمين عام الغرفة التجارية في السعودية - أوضح أنه وفقاً لبعض التقديرات؛ فإن حجم الاستثمارات الخليجية في الخارج يقدر بنحو ١٤٠٠ مليار دولار.. وأن معظم هذه الاستثمارات تتمركز في الولايات المتحدة؛ حيث تستوعب أمريكا نحو ٦٠% من الاستثمارات الخليجية المغتربة [٦] . نقف قليلاً أمام هذا التصريح؛ فحديثنا عن الأموال العربية يشمل أموال جميع الدول العربية وأثريائها، وبالتالي فعندما يقصر د. «دحلان» الأموال المذكورة على الخليج فقط؛ فمعنى ذلك أن المبالغ العربية مجتمعة أكبر بكثير من الرقم المذكور الغائب. «جبر إبراهيم» عضو مجلس الشعب المصري ذكر في اجتماع لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري أن هناك تقريراً مالياً صادراً عن إحدى بيوت الخبرة الاقتصادية بالخارج؛ هذا التقرير يؤكد أن حجم الأموال العربية في البنوك الأوروبية والأمريكية يصل إلى ٤.١ تريليون دولار [٧] . والدكتور أحمد جويلي بعد أقل من ثلاثة أشهر من تصريحه السابق صرح - ضمن اجتماعات «الاتحاد العربي» التي عقدت بالقاهرة - أن الأموال العربية المستثمرة خارج الوطن العربي تقدر بنحو ١٤٠٠ مليار دولار [٨] ! سياحة طويلة بين تضارب الأرقام تجعلنا نسأل أنفسنا سؤالاً يفرض نفسه: من هو صاحب المصلحة في تضارب الأرقام؟ ولماذا؟ وما هو التقدير الأقرب للصحة؟ قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال يجب التفرقة بين أمرين: ١- الأموال العربية المودعة بالبنوك الأجنبية تحت بند حسابات سرية. ٢- الاستثمارات المباشرة أو حتى غير المباشرة عن طريق وسطاء غير البنوك - في الدول الأجنبية، والتي من الممكن حصرها، ومن ثم تكون تقديراتها في الغالب أقرب للصحة. أحسب أن الالتباس كله موجود في النقطة الأولى، وهي في وجهة نظري تمثل الغالبية العظمى من الأموال العربية، وأحسب أنها السبب الرئيس في تضارب الأرقام.. فمن المستفيد؟ المستفيد طرفان: ١- المودِع. ٢- المودَع لديه. فالمودِع: يحيطه غموض شديد في تمسكه بالسرية؛ ربما بسبب الضرائب المرتفعة. والمودَع لديه: تمثل تلك الأموال عصباً مركزياً لاستثماراته؛ بحيث لو تم سحبها لوضع في دائرة الموت؛ لذلك فإن الاحتفاظ بالسرية شبه المطلقة يضمن السلامة من ردود الأفعال والضغوط القوية لسحب تلك الأموال في حال كشف الغطاء السري. ليس هذا فقط بل يمكننا افتراض فرضية مؤداها أن هذين الطرفين يعملان على بث أرقام منخفضة وبعيدة عن الصحة حتى يتم صرف الأنظار عن الأرقام الحقيقية؛ وبذلك يتم حصر المبالغ في رقم معين منخفض. هذه الفرضية ربما تؤيدها عدة شواهد؛ ففي الندوة التي عقدها رؤساء المؤسسات الصناعية التونسية في خريف عام ١٩٨٥م؛ ذُكر أن إجمالي فائض العائدات البترولية العربية المستثمرة حتى أواخر عام ١٩٨٥م يقدر بـ ٦٠٠ مليار دولار تقريباً، وأن بلدان العالم الصناعي الرأسمالي تستأثر بحوالي ٨٢% منها. بتحليل ذلك يتضح الآتي: أولاً: هذه الأرقام خاصة بقطاع البترول فقط دون حساب باقي القطاعات في الدول العربية، لكن فلنتجاوز هذه النقطة على الرغم من أهميتها. ثانياً: هذه الأرقام كانت في نهاية عام ١٩٨٥م، ولو اعتبرنا أن ٨٢% من ٦٠٠ مليار دولار؛ أي ٥٠٠ مليار دولار أمريكي تقريباً مستثمرة خارج المنطقة العربية منذ ١٧ عاماً، وبافتراض أن متوسط ريع هذه الأموال ٢٠%؛ يكون ناتج ريع رأس المال مضروباً في عدد السنوات هو ١٧٠٠ مليار دولار، وإضافة إلى المبلغ الرئيس ٥٠٠ مليار دولار يكون الناتج ٢٢٠٠ مليار دولار تقريباً. أيضاً من ضمن الشواهد التي تؤيد الفرضية التي وضعناها: تصريح مدير عام «المؤسسة العربية للاستثمار» الذي ذكرناه في البداية، كان مجموع الأرصدة العربية المستثمرة في الخارج حوالي ٨٥٠ مليار دولار في نهاية عام ١٩٩٤م، فلو تم ضرب المبلغ في صافي ربح ٢٠%، ومضروب في ٨ سنوات (١٩٩٥ - ٢٠٠٢م) ؛ يكون الناتج ١٣٦٠ مليار دولار، أضف إليه المبلغ الرئيس ٨٠٠ مليار؛ يكون الناتج ٢١٦٠ مليار دولار، وهو رقم لا يفترق كثيراً عما توصلنا إليه قبل قليل وهو ٢٢٠٠ مليار. ها هنا بعض التعليقات على الحسابات آنفة الذكر: ١ - لم يتم سحب أجزاء تذكر من رؤوس الأموال العربية خلال السنوات السابقة (بغضِّ النظر عن الجزء الذي سحبته دول مجلس التعاون الخليجي (٢٠ مليار دولار) ، وذلك في أعقاب ١١ سبتمبر، كما جاء على لسان «حسام حطيني» مدير معرض ومؤتمر المال والاستثمار [٩] . وهذه خطوة نحسبها مباركة، ونأمل أن يحذو حذوها باقي المستثمرين العرب) ، ولو كان حجم ما سحب في السنوات السابقة كبيراً لشعرنا بأثره في مجتمعاتنا. ٢ - لم يتم حساب التحويلات الجديدة من المنطقة العربية إلى الدول الأجنبية؛ سواء منذ عام ١٩٨٦ أو ١٩٩٥م حتى الآن. ٣- إذا أثيرت قضية حجم ما يخسره العربي في الخارج تزيد المأساة بشكل يفوق التصور. ما يمكن قوله إن الأرقام الصحيحة قد تزيد كثيراً عما يثار، وبهذا فمن المحتمل أن تكون الفرضية التي وضعناها أقرب للصحة. كسر حاجز الـ (٢٠٠٠ مليار) اقتربت منه الدكتورة سلوى حزين رئيس مركز «واشنطن للدراسات الاستراتيجية» بالولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أكدت أن الأموال العربية تصل إلى تريليونين دولار (٢٠٠٠ مليار دولار) ؛ تتمثل في أرصدة بعض الحكومات العربية، واستثمارات الأفراد والقطاع الخاص. وتقول إن معظم هذه الأموال يتم استثمارها في الولايات المتحدة الأمريكية [١٠] . قد يسأل سائل: أين هؤلاء الذين يملكون كل هذه الأموال؟ نجد الجواب عند عضو مجلس الشعب المصري في التقرير السابق ذكره. إن إشكالية حجم الأموال العربية في الخارج إشكالية معقدة، والجزم برقم محدد أمر من الصعوبة بمكان، وما توصلنا إليه هو استدلال منطقي، وهو يوضح صعوبة اعتماد رقم أقل من الـ (٢٠٠٠ مليار دولار) ، لكن هناك من قد يختلف معنا ومن ثم يقدم تقديرات أدق، وأحسب أن الساحة مفتوحة لعرض جميع الآراء. ننتقل الآن للحديث عن طبيعة الاستثمارات التي تعمل فيها الأموال العربية في الخارج. * طبيعة الاستثمارات العربية في الخارج: تستثمر الأموال العربية المهاجرة أو تستقر في إحدى القنوات الرئيسة الآتية: ١- ودائع مختلفة الآجال في المصارف التجارية العالمية. ٢- سندات حكومية. ٣- سندات شركات تجارية. ٤- أسهم الشركات التجارية. ٥- أذون الخزانة. ٦- شراء العقارات والذهب. ٧- استثمارات في المؤسسات المالية الدولية. ٨- قروض إلى الحكومات والهيئات الدولية. هذا بالإضافة إلى مجموعات من القنوات الفرعية. ويؤكد كثير من الاقتصاديين أن استثمار تلك الأموال بالأشكال سالفة الذكر لا يمثل حصة مسيطرة على المشروع؛ مما ينعكس على نشاطه وإدارته، ولعل هذا يتضح مع قول السيناتور (حسن حسني فهمي) كبير مستشاري ولاية «بروسبيكت بارك» ، وعضو مجلس النواب الأمريكي، والذي صرح بأن هناك استثمارات عربية في وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة إلا أن النسبة الكبرى تكون لليهود؛ ولذا تسهم هذه الوسائل في تشويه صورتنا، ويرى أنه من الجدوى أن يسحب العرب والمسلمون استثماراتهم المحدودة في هذه الوسائل، ويستثمرونها في محطات أخرى تكون نسبة رأس المال العربي فيها أكثر من ٥٠%؛ وبذلك يكون لهم حق تحديد توجه المحطة الإعلامية، ويصبح من السهل علينا تصحيح صورتنا مثلما يفعل اللوبي اليهودي [١١] . إن عدم تجاوز نسبة ٥٠% في استثمارات الأموال العربية ليس وليد الصدفة، فهو أمر مدروس ومخطط، ولعل ذلك ما أوضحته دراسة «أميرة الحداد» والتي جاء فيها: «لقد وضعت الدول الصناعية مجموعة من الإجراءات تهدف إلى احتواء الموارد المالية العربية في الاتجاه الذي يخدم مصالحها فقط، وإلى تحقيق عملية التدوير المنشودة لتلك الموارد المالية، ووضعها في القنوات التي تعزف عنها رؤوس الأموال الوطنية الأوروبية والأمريكية، وعدم سيطرتها على أية نشاطات مهمة ومربحة» [١٢] . نريد أن يقف المستثمر العربي مع نفسه قليلاً؛ فهو يضع الأموال التي استخلفه الله فيها في بلاد الغرب؛ حيث لا شريعة تضبط قنوات العمل، ما الذي يمنع الأموال العربية من أن يتم استثمارها في أحد مصانع الخمور، أو في بث القنوات الإباحية، أو في إقامة الملاهي الليلية، أو إقامة مدن كاملة تضم بيوت الدعارة.. هل يستطيع المستثمر العربي أن يمنع ذلك؟ * مخاطر تهدد الأموال العربية: تتعرض الأموال العربية في الخارج لمخاطر عدة؛ أهمها سياسة التجميد التي تستخدمها أمريكا كورقة سياسية مربحة، وهي ليست وليدة أحداث سبتمبر، ولكنها سياسة قديمة تستخدم مع من يخالف قواعد اللعبة، ولعل ما يوضح ذلك أنه في ٧ نوفمبر عام ١٩٨٩م أفرج الرئيس الأمريكي عن ٥٧٠ مليون دولار ودائع إيرانية مجمدة [١٣] ، هذا بالإضافة إلى ما حدث للأموال العراقية من تجميد. وسياسة التجميد لا تقوم بتنفيذها أمريكا وحدها بل تساعدها أوروبا؛ فقد قامت البلدان الأوروبية بتجميد أموال عربية (يُشك) في أن أصحابها ينتمون لمنظمات إرهابية! وذلك أعقاب أحداث ١١ سبتمبر، وقد نقلت صحيفة «الفايننشال تايمز» عن «بول أونيل» وزير الخزانة الأمريكي الذي وصل في زيارة إلى أوروبا قوله: «إن هذا المستوى من تجميد الأموال يعكس مستوى التعاون الكبير من البلدان الأوروبية مع أمريكا» [١٤] . يقول الدكتور مصطفى الفقي: «إن رأس المال العربي المهاجر يتعرض لتهديدات المصادرة بدعوى العلاقة بمنظمات الإرهاب، وما تم تجميده بلغ حتى الآن ٤٠٠ حساب شخصي ومؤسسي» [١٥] . إن القضية ليست قضية استثمار وأرباح، ولكنها يجب أن تكون قضية ميزان نقيس به المكسب والخسارة؛ ليس بمنظور الدنيا فقط ولكن بمنظور الدنيا والآخرة. هناك من لا يعلم أن أمواله تستثمر بصورة غير مقبولة، وأحسب أن هؤلاء ستكون نتيجة توقفهم مع أنفسهم مجزية بإذن الله، وهناك من يعلم، وأيضاً نحسن الظن بردود أفعالهم.. نقول لجميع الأطراف إلى متى تكتنزون وقد يكون العمر تقدم بكم! وتسوِّغون أعمالكم بأنها من أجل الأبناء والأحفاد..! نقول لكل (ثري) : هل بلغت في شهرتك وثروتك (أسطورة أوناسيس) أسطورة القرن العشرين؟! .. ماذا حدث لثروة أوناسيس؟ اكتنزها أوناسيس من أجل أبنائه وأحفاده، مات ابنه الوحيد في ريعان شبابه في حادث طائرة وفي حياة والده، ثم ماتت ابنته الوحيدة في حمام منزلها (شبهة انتحار) بعد إصابتها بالاكتئاب النفسي نتيجة إخفاقها في أربع زيجات، وبقيت أثينا حفيدة أوناسيس لابنته لتؤول إليها ثروة جدها بالكامل. * انعكاسات الغربة: هروب الأموال العربية أحدث قصوراً في التمويل؛ مما نتج عنه فراغ اقتصادي واجتماعي داخل المجتمع نتج عنه مشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة، لكن كان لا بد من إشباع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية؛ فماذا حدث.. دعونا نرى بعض أشكال الحلول التي قدمت: ١ - مأساة الديون: غرقت كثير من الدول العربية في الديون مركبة الفائدة؛ وجميعنا يعلم ما أحدثته الديون الربوية بنا. وتبلغ ديون الدول العربية ١٥٩ مليار دولار، تم تخفيضها في مايو ٢٠٠٢م إلى ١٤٤ مليار دولار [١٦] . بالمقارنة لما للعرب في الخارج لا تستحق كلمة (ديون عربية) كل الهالات والانكسارات التي تثار حولها مع كل موقف تذكر فيه. ٢ - الاستثمارات الأجنبية في المنطقة: حيث المجال خصب لأن تفرض تلك الاستثمارات نفسها وهي لها مخاطر عدة؛ لعل أهمها: أ - عدم اكتمال دائرة الأموال المحلية؛ فما تدفعه من أموال لا يعود عليك بأي نفع اقتصادي أو اجتماعي؛ لأن نهاية الدائرة المالية في بلد المستثمر وليس في بلدك، وهنا تبرز أهمية المقاطعة، ولكن في الوقت نفسه لا بد من التنشيط الاقتصادي المحلي وإلا حدث انهيار اقتصادي. ب - الانسحاب المفاجئ لهذه الاستثمارات من المنطقة العربية ينتج عنه انهيارات اقتصادية داخلية نظراً لتشعبه في صناعات حيوية عندنا. يوضح النقطتين السابقتين ما جاءت به دراسة د. محمد الصطوف؛ حيث يقول: «إن الاستثمار الأجنبي لا يأخذ بعين الاعتبار تحقيق تنمية اقتصادية في الدولة التي يدخلها، ويهتم فقط بالأرباح والعوائد التي يمكنه تحقيقها وإن كان ذلك على حساب الاستقرار والتوازن الاقتصاديين» [١٧] . ٣ - المعونات: يقول الرئيس نيكسون بصورة قاطعة في حديثه في عام ١٩٦٨م خلال حملته الرئاسية: " Let us remember that the main Purepose of American aid is not to help other nations, but to help ourselves " (يجب أن نتذكر أن الغرض الرئيس للمعونة الأمريكية ليس مساعدة الشعوب ولكن مساعدة أنفسنا) [١٨] . ٤- التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية: توضح سناء المصري أنه بعد تضخم ظاهرة الجمعيات غير الحكومية صار مرض التمويل الأجنبي متفشياً، والعلاقات مع الخارج مفتوحة على مصراعيها لقاء بعض التقارير عن الداخل تصب مباشرة لدى المؤسسات الدولية مهما اختلفت مسبباتها [١٩] . وهذا ما يوضحه الدكتور نبيل السمالوطي؛ حيث يقول: «إن التمويل الأجنبي يُوظَّف لا لتنمية المجتمعات النامية بشكل متوازن، ولكن يُوظَّف في بعض الأحيان لتنفيذ التوجهات العالمية اقتصادياً وثقافياً وسياسياً لصالح احتكارات الغرب ولغير صالح الدول النامية» [٢٠] . وتقوم بهذا الدور مؤسسات مالية دولية عالية المستوى، فقد قامت مؤخراً هيئة عربية تعمل كمظلة للجمعيات العربية غير الحكومية بإعداد دليل ضم ٨١ مؤسسة دولية للتمويل، جاء على رأسها (فورد، والاتحاد الأوروبي) . ومؤسسة (فورد) تقول عنها سناء المصري نقلاً عن حميدة نعنع الكاتبة السورية: «مجرد ذكر اسم» فورد فونديشن «يجرنا إلى نقاش مستفيض حول تاريخ هذه المؤسسة، والأدوار التي مارستها في بعض دول أمريكا اللاتينية والهند وزيمبابوي. وهي أدوار كان ظاهرها المساعدة الإنسانية بينما استخدمت هذه المساعدة لإجراء بحوث ودراسات انتهت كلها إلى مكاتب المخابرات الأمريكية» [٢١] . أما (الاتحاد الأوروبي) فقد أثيرت حوله قضية سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون؛ تلك القضية التي شغلت مساحات إعلامية واسعة النطاق على المستويات المحلية والدولية كافة، وكانت البداية تمويلاً من (الاتحاد الأوروبي) قدره ٢٢٠ ألف يورو. إن العناصر الأربعة السابقة: (الديون - الاستثمارات الأجنبية - المعونات - التمويل الأجنبي) كانت بعضاً من كثير مما أحدثه هروب الأموال العربية للخارج. * وقفة استثمارية: - قضية الأموال العربية يكمن أحد جوانب مشكلتها في النظرة الجزئية للأموال، فبعض المستثمرين العرب ينظرون إلى الـ (مليون دولار) التي هي كل ثروة الواحد منهم أو نصفها على أنها لا تمثل شيئاً في تلك القضية المعقدة، ومن ثم فهم يرسلونها للخارج، لكن هل يعلمون أنه إذا تم حساب حصيلتهم مجتمعة فسوف يكوّن الرقم جزءاً كبيراً من القضية، هذه نقطة. النقطة الأخرى: قد يجزم بعض المستثمرين بأنه يعلم جيداً أن استثماراته كلها نظيفة، وأن أصول أمواله مستثمرة مثلاً في الصلب أو صناعة السيارات، نقول: ما الذي يمنع إدارة تلك المشروعات أن توجه الأرباح إلى الاستثمارات القذرة التي لا حدود لربحيتها، وخاصة أن حصتك غير مسيطِرة على المشروع كما أوضحنا؟! نعلم جيداً أن هناك عوامل طرد وعوامل جذب، وتسعى الحكومات العربية جاهدة في معالجة العوامل الطاردة؛ من ضرائب وجمارك وما إلى ذلك من معوقات، لكن ألا يجدر بنا أن نفكر في القضية بصورة معيارية؛ بمعنى أن نكون أصحاب غاية حقيقية، إن الانسحاب لا يحل القضية بل يزيدها تعقيداً.. كما أن بعض تصريحات الاقتصاديين قد تصيب المستثمرين العرب بالإحباط، ويوضح ذلك عبد الرحمن الزامل رئيس «مركز تنمية الصادرات السعودي» ؛ حيث يقول: «إن الأموال الخليجية في الخارج أرسلت بحثاً عن الفرص التي أصبحت محدودة جداً في الخليج» [٢٢] . نشك في محدودية الاستثمار في الخليج، ولو كانت الاستثمارات في الأرض أو الجو انتهت؛ فهناك استثمارات أعماق البحار حيث اللؤلؤ والمرجان والأسماك، وهي أعلى ربحية من الاستثمارات الأرضية والجوية؛ تلك الاستثمارات ألا يمثل الخليج مجالاً خصباً لها؟! وعلى سبيل المثال؛ فإن صناعة اللؤلؤ تمثل ثقلاً اقتصادياً مزدهراً في جنوب شرق آسيا، وهناك خبراء استثمار كثيرون يمكن أن يدلوا بدلوهم في هذا الأمر. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: لماذا نحصر الاستثمار في الخليج فقط؟ لماذا لا نتشعب في قنوات الأمة؟ السودان على سبيل المثال بها ٢٠٠ مليون فدان فائقة الجودة الزراعية، المياه متوفرة، العمالة جاهزة؛ سواء السودانية أو المصرية، ما ينقص هو التمويل.. لماذا لا يقوم أحد المستثمرين بالتجربة على ألف فدان فقط وينظر إلى العائد؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا عملياً. مصر.. الاستثمار بها قابل لاستيعاب مشروعات كثيرة جداً.. نجرب الاستثمار الإسكاني، إن مليون وحدة سكنية يمكن أن تكلف ١٠ مليارات جنيه مصري وتباع في اللحظة نفسها بـ ١٥ مليار جنيه؛ أي هناك ٥٠% مكسب مضمون، إضافة إلى أن مثل هذا المشروع يؤمِّن مستقبل مليوني فتى وفتاة توضع دعواتهم في ميزان حسنات المستثمر العربي، أيضاً يمكن تجربة هذا الأمر على ألف وحدة سكنية متوسطة الشكل قليلة التكلفة، يقبل عليها قطاع عريض من الشباب ممن ينتظرون تلك الفرصة على أحر من الجمر. أراضي البناء متوفرة في أطراف المدن، الحكومة المصرية تقدم تسهيلات كبيرة في بيعها، ولكن يحجم عنها المستثمر لعدم وضعه البعد الأخروي في ذهنه أثناء الاستثمار، وبحثه عن مجالاته، ويهتم ببناء مساكن تُهتك فيها الأعراض، ويرفع شعار الشيطان في أماكن لا ترى ذلك عيباً أو حراماً. كما سبق أن أوضحنا علينا أن نزن الأمر بميزان الدنيا والآخرة، وقد أصبح لسان حال الشباب يكاد يقول لهذا المال العربي المغترب: S.O.S «أنقذوا أرواحنا» . وأخيراً.. صدق رسول الله ﷺ : «نعم المال الصالح للمرء الصالح» [٢٣] ، وذلك لمن أراد أن يصنع ولداً صالحاً يدعو له؛ فيرفعه إلى أعلى الدرجات عند الله، حتى وهو في داخل قبره.

стр. 4543

مرصد الأحداث وائل عبد الغني مرصد الأخبار: هل يحكم الصليب الصومال المسلمة؟ وزعت منظمة نصرانية صومالية مجهولة تسمي نفسها «مجتمع الأقلية المسيحية في الصومال» رسائل على المشاركين في مؤتمر المصالحة الصومالي المنعقد حالياً في مدينة (الدوريت) الكينية، تطالب فيها بإشراكها في المفاوضات. وتحتج الرسالة التي كانت خالية من أي توقيع ما عدا اسم المنظمة وشعار الصليب في أعلاها على أن الأقلية النصرانية في الصومال لم تحصل على نصيبها من ممثلي الأطراف الصومالية في مؤتمر المصالحة، وتطالب بإشراك ممثلين لها، قالت: «إنهم موجودون في (الدوريت) بهدف المشاركة في المؤتمر» ، لكنها لم تفصح عن أسمائهم. وتقول الرسالة إن الأقلية كان لها ممثلون في الحكومات الصومالية السابقة، وعددت أسماء من بينها سياسيون سابقون أعلنوا صراحة اعتناقهم للنصرانية في الستينيات، وأبرزهم «ميشال مريانو علي» الذي غير اسمه بعد اعتناقه للنصرانية. وورد في الرسالة أيضاً كلمات قصيرة مقتبسة من الإنجيل باللغات الإنجليزية والإيطالية والألمانية. ونقلت صحيفة «أيامها» (الأيام) اليومية والتي تصدر في مقديشو، عن مسؤول في منظمة السلطة الحكومية للتنمية «الإيجاد» التي ترعى المؤتمر أن المنظمة تسلمت هذه الرسالة، وأنها تفكر في الاعتراف بهذه المنظمة كإحدى الأطراف الصومالية، لكنها لم تتخذ قراراً في ذلك بعد. وقد أثار بيان هذه المنظمة المجهولة ضجة كبيرة في أوساط المشاركين في مؤتمر المصالحة، ورد ممثلو علماء «أهل السنة والجماعة» في المؤتمر بأن أعضاء هذه المنظمة إن وجدوا فهم مرتدون يستحقون القتل فضلاً عن نيلهم حقوق مزعومة. يذكر أن سكان الصومال يدينون بالإسلام بنسبة ١٠٠%، وعلى الرغم من أن المنظمات النصرانية الأجنبية أقامت عدداً من المدارس التنصيرية والكنائس في فترة الاستعمار الإيطالي والبريطاني؛ فإنها لم تنجح في خلق أقلية نصرانية في البلاد، وهذه المرة هي الأولى التي يظهر اسم منظمة نصرانية في الصومال علناً. ورأى مصدر صومالي يشارك في المؤتمر أن ما حدث عبارة عن استفزاز لمشاعر الصوماليين، ولا يعبر عن وجود حقيقي لنصارى في الصومال. جريدة (الشرق الأوسط) ، العدد: (٨٨٥٤) ومن يوقف هذه الحملات؟ ضمن الحملة التي تهدف إلى فتح الباب أمام دخول اليهود إلى المسجد الأقصى؛ صعدت قوى صهيونية وجهات خارجية من حملتها الإعلامية المتواصلة الداعمة لتهويد القدس المحتلة، تحت شعار (جبل الهيكل قلب الأمة) ، والذي أصبح دارجاً في ملصقات وضعت على الجدران والحافلات، وتتناقله وسائل الإعلام، وينشر بعدة لغات أخرى غير العبرية. هذه الحملة المتطرفة ليست مقتصرة على ما يسمى «أمناء جبل الهيكل» باعتبارها تقف خلف الحملة، فالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بما في ذلك جهاز «الشاباك» يدعمون هذه الحملة، إلى جانب منظمات صهيونية نصرانية في الخارج تنفق الكثير من الأموال لإنجاحها، وتسعى إلى صدور قرار مباشر من حكومة أرييل شارون يفتح أبواب الحرم القدسي أمام اليهود، وهو ما وعد به شارون الإسرائيليين أثناء حملته الانتخابية الأولى. (الشرق الأوسط) ، العدد: (٨٨٥٤) إرهاب أحدث إصدار..؟! نقلت صحيفة «كول هعير» الصهيونية نشرة توزع في كل نهاية أسبوع بعشرات آلاف النسخ في الكنس اليهودية، وتدعى «طريق التوراة» ، نشرت في آخر أعدادها مقالاً حاداً يدعو إلى تفجير المسجد الأقصى؛ حيث يقول كاتبه: «إن الفريضة القاضية ببناء بيت الله صارت واجباً ككل واجب آخر. وقبل أن يكون بوسع (شعب إسرائيل) التوجه إلى مهمة بناء الهيكل الثالث؛ عليه أولاً أن يزيل العوائق القائمة المساجد الاسلامية» . ويتحدث عن الحاجة إلى إزالة (عار المساجد) الذي في مكان الهيكل، وينهي بضرورة المسارعة إلى القيام بعمل ما، (تخلص من الشر قبل أن تفعل الخير) . كما نشرت الصحيفة مقالاً آخر يدعو إلى تنظيم مدني يمس العرب؛ حيث يقول: يجب إعلان الحرب على العرب، وإقامة تنظيمات مدنية للقيام برد حاد على (بؤر العنف في المنطقة) . (الزمان اللندنية) ، العدد: (١٤٢٩) متى تنتهي مثل هذه الاستفزازات؟ ضمن سلسلة الاستفزازات التي باتت تقرع مشاعر المسلمين بصورة شبه يومية؛ وزعت شركة صهيونية زجاجة جديدة من الخمرة تحمل صورة مسجد قبة الصخرة، وباحة المسجد الأقصى الشريف، وكتب على الملصق: (فودكا من إنتاج مصنع «فوكتان» في أوكرانيا) ، وقد قررت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، وجمعية الميزان لحقوق الإنسان التوجه للقضاء ضد الشركة الإسرائيلية التي تستورد جميع أنواع الخمور. القدس العربي، العدد: (٤٣٦٣) هناك من يقول: لا. ولكن هناك! منعت النمسا نقل قوات أميركية من ألمانيا بالقطارات عبر أراضيها إلى إيطاليا، في إطار استعدادات القوات الأميركية للعدوان على العراق، جاء المنع احتراماً لنصوص القانون النمساوي التي لا تسمح بنقل القوات والأسلحة الأجنبية إلا في ظروف خاصة؛ بوصفها دولة محايدة. هذا السلوك لم تحتمله الحكومة الأمريكية من الحكومة النمساوية؛ نظراً لأن قرار المنع الذي لم تعتده أمريكا من قبل خاصة في جمهوريات الموز الآخذة في الانتشار سيكلف الولايات المتحدة مزيداً من التكاليف والوقت. (الاتحاد) ، العدد: (١٠٠٨٦) شالوم في آلماآتا! عقد في مدينة آلماآتا جنوب كازاخستان مؤتمر دولي تحت عنوان «الوفاق والسلام» ، وشارك فيه ممثلون عن إسرائيل وتنظيمات يهودية أميركية مع رؤساء كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وممثلون عن أذربيجان وأوزبكستان وتركيا وأفغانستان، وحالت زيارة بوتين لفرنسا دون مشاركته في أعمال المؤتمر. المؤتمر الذي يعد استمراراً لندوة التعاون والأمن الاقليمي في آسيا الوسطى التي عقدت العام الماضي في آلماآتا أيضاً، سعى فيه الرئيس الكازاخي إلى الحصول على مباركة أميركية من أجل ممارسة دور إقليمي أساسي في منطقة آسيا الوسطى، إلى جانب إسكات الأصوات التي تتعالى بالحديث عن الفساد الذي علت رائحته في حكومة كازاخستان؛ من خلال كسب دعم اللوبي الصهيوني في أمريكا؛ عبر التزلف إلى إسرائيل والمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة. وصدر عن المؤتمر بيان مشترك شدد على «التنديد بالإرهاب في جميع صوره، ومهما كانت دوافعه» . وتجنب البيان الإشارة إلى الحرب الأميركية المحتملة على العراق إرضاء للعم سام، بينما أكد ناطق باسم المنظمات اليهودية الأميركية «الدعم المطلق لسياسة الرئيس الأميركي جورج بوش» . (الحياة) ، العدد: (١٤٥٧٢) أقوال غير عابرة: - أمريكا أصبحت أكثر فظاظة، وربما أصبح العالم كله يسير في هذا الطريق؛ لأننا نقوم بتصدير هذه الفظاظة، إنها واحدة من أكبر سلعنا الثقافية: اللغو! الكاتب الأمريكي (نورمان ميلر) (نيوزويك) ، ٤/٢/٢٠٠٣م - من أحدث تجليات الإعداد للحرب ضد العراق: الاتفاقية العسكرية التي عقدتها الولايات المتحدة مع أحد الأقطار العربية الإسلامية، وعلى الرغم من أن نصوص هذه الاتفاقية ما تزال طي الكتمان؛ فإن ما أعلن منها يدفعنا إلى الاقتناع بأن ذلك القطر الإسلامي قد وضع قواعده البرية والجوية والبحرية بتصرف القوات الأمريكية. د. هيثم الكيلاني، جريدة (الزمان) ، العدد: (١٣٩٨) - أمريكا هي الدولة الوحيدة التي استخدمت القنبلة الذرية أثناء الحرب، وهي تتحمل اليوم المسؤولية كاملة عن انتشار الأسلحة النووية. أما بقية الدول الأخرى الساعية للحصول على السلاح النووي؛ فهي تحاول فقط حماية نفسها. (كيم يونغ إيل) رئيس كوريا الشمالية، مجلة (المجلة) ، العدد: (١١٩٨) - ليست هناك دولة عربية واحدة تعمل على التحرك ضد سياستنا في قضية ضرب العراق، بل هناك ١٢ دولة عربية على الأقل تتعاون بنشاط معنا في أي مجال نطلبه. هناك حاجة للتغيير في إيران وسوريا ولبنان إلى جانب بضع دول أخرى، ولكن حالة العراق لها خصوصياتها. (ريتشارد بيرل) مستشار وزير الدفاع الأميركي، صحيفة الأنوار اللبنانية، ٣/٢/٢٠٠٣م - شركة «لوك أويل» النفطية الروسية ترحب باحتلال العراق. وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي اللبناني، جريدة «الشرق الأوسط» العدد: (٨٨٤٢) - حسب معلوماتي المؤكدة؛ فإنه يتم نقل القتلى الأمريكيين في أفغانستان إلى قاعدة (العديّد) في قطر؛ لكي يقولوا فيما بعد إنهم سقطوا خلال الحرب التي تهدد أمريكا بشنها ضد العراق تحديداً، وهم منذ الآن يمهدون الرأي العام لهذا الأمر؛ حينما يقولون إن الحرب على العراق ستكلفهم خسائر كبيرة في الأرواح البشرية. الجنرال حميد جول، رئيس المخاربرات الباكستانية الأسبق، في حديث مع مجلة (المجلة) ، العدد: (١١٩٩) - إن إدارة بوش تقوم بنفس التكتيك الذي ينفذه أرئيل شارون، وتستخدم الأسلوب نفسه من خلال توجيهها اتهامات للآخرين إذا ما وجهت إليها اتهامات معيّنة. (ديفيد بوريل) أستاذ اللاهوت في جامعة (نوتردام) بولاية إنديانا الأميركية، (البيادر السياسي) الفلسطينية، عدد: ٣١/١/٢٠٠٣م - إن التحالف الذي يجري بناؤه ضد العراق يضم اليوم حوالي تسعين دولة؛ أي نصف العالم تقريباً. إنه أكبر تحالف في تاريخ البشرية. وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في افتتاح المؤتمر الدولي حول الأمن بميونيخ، «الحياة» اللندنية، العدد: (١٤٥٦٥) - إن العراق في حاجة إلى دكتاتور ... إن ما يريده الرئيس جورج بوش هو إطاحة صدام حسين الذي عمل من قبل مع الولايات المتحدة، ووضع دكتاتور آخر محله. الناشر الأميركي (لويس لافام) المعارض لاستخدام القوة ضد نظام صدام حسين، جريدة «الشرق الأوسط» ، العدد: (٨٨٤١) - خسائر مصر الاقتصادية من ضرب العراق لا تقل عن خسائرها من جراء تحرير سعر الصرف. جريدة (الأسبوع) المصرية العدد: (٣١٠) مرصد الأرقام: - قدرت قيمة عقد شركة (توتالفينا) الفرنسية النفطية مع صدّام بما بين ٤٠ إلى ٦٠ مليار دولار، وهو ما يعكس طرفاً من المعارضة الفرنسية للعدوان على العراق. (القبس) الكويتية، العدد: (١٠٦٥٨) - أظهر مسح أجرته شبكة (إيه. بي. سي) التلفزيونية الأمريكية بالتعاون مع صحيفة (واشنطن بوست) عقب خطاب بوش عن حالة الاتحاد أن: ٦٠% في فرنسا، و ٥٠% في ألمانيا، و ٥٩% في روسيا، و ٤١% في بريطانيا يعارضون الحرب تماماً، وأن ٥١% من الأمريكيين يؤيدون شنّ الحرب حتي من دون موافقة مجلس الأمن. (الزمان) ، العدد: (١٤٢٢) - منذ حفل تنصيب بوش خسرت السوق الأمريكية ٤.٨ تريليونات من قيمتها، وهذا أكبر انخفاض في النسبة المئوية لأي رئيس حديث. (نيوزويك) ١١/٢/٢٠٠٣م - بلغ متوسط معدلات النمو السنوية للسكان المسلمين في فلسطين ١٩٤٨م في السنوات الأخيرة ضعف مثيلاتها لدى السكان اليهود (٣.٦% مقابل ١.٨%) . (الزمان) العدد: (١٤٢٩) - لقي أكثر من ٥٦٠ جندياً بريطانياً، وعشرة آلاف جندي أميركي حتفهم منذ عام ١٩٩١م؛ إثر أمراض ومشكلات صحية عرفت باسم (مرض حرب الخليج) ؛ نتيجة الأعراض التي لم يُعترف بها رسمياً على الإطلاق. صحيفة (الأنوار) اللبنانية، ٣/٢/٢٠٠٣م - يتمركز أكثر من ١٠٠ ألف جندي أميركي في أوروبا؛ منهم ٧٠ ألفاً في ألمانيا تسعى الولايات المتحدة إلى نقل أغلبهم إلى منطقة الخليج خلال الأيام المقبلة. (الاتحاد) الإماراتية، العدد: (١٠٠٨٦) - يبلغ عدد العمال العاطلين عن العمل في العالم حوالي ١٨٠ مليوناً، وهو يزيد ٢٠ مليوناً عما كان عليه قبل عامين. (نيوزويك) ، ٤/٢/٢٠٠٣م أخبار سريعة: - خسرت شركة (يونايتد إيرلاينز) الأمريكية ثاني أكبر شركة طيران في العالم ٣.٢ مليارات دولار في عام ٢٠٠٢م، في أعقاب سنة صعبة واجهتها الشركة، إلى درجة أنها أعلنت إفلاسها في ديسمبر الماضي، من جانبه أكد «جلين تليتون» رئيس الشركة أنها عملت كل ما في استطاعتها لتجنب الإفلاس، فخفضت التكاليف في كل ناحية ممكنة، وقد أعلنت الشركة إفلاسها بعد أن تعذر الحصول على قرض تبلغ قيمته ١.٨ مليار دولار، وتعد هي الشركة الأمريكية الثانية بعد شركة (يو إس إيروايز) التي أعلنت إفلاسها فى أغسطس الماضي. وكالة أنباء دبي، فوتو ميديا، ٣/٢/٢٠٠٣م - أثار التعتيم الذي فرض على محاولة الاعتداء على الرئيس البوسني «سليمان تيهيتش» في مدينة توزلا البوسنوية (١٢٠ كيلو متراً شمال سراييفو) من قِبَل أحد الكاثوليك الكروات أثار قضية سيطرة الأقلية الكرواتية على وسائل الإعلام في البوسنة، ولا سيما التلفزيون البوسني الذي اعتمد منذ سنتين اللهجة الكرواتية متجاهلاً لهجة الأغلبية المسلمة، (عدد الكروات يبلغ نصف مليون كرواتي مقابل مليونين ونصف المليون بوشناقي) . جريدة (الشرق الأوسط) ، العدد: (٨٨٤١) - أفاد استطلاع للرأي نشرته صحيفة (ديلي ميرور) اليسارية التي تقود حملة قوية مناهضة للحرب المحتملة ضد العراق أن ٨٤% من البريطانيين يعارضون هذه الحرب من دون تفويض جديد من الأمم المتحدة، وأن ٤٣% يعارضونها تحت أي ظرف، مقابل ٩% يرون أنه يجب على بريطانيا أن تشارك في الحرب من دون النظر إلى قرارات أخرى من الأمم المتحدة، ورأى ٧٣% ممن شملهم الاستطلاع أن مشاركة القوات البريطانية في الحرب ستجعل من هجوم إرهابي انتقامي على بريطانيا أكثر احتمالاً، مقابل ٢% فقط قالوا إنها ستجعله أقل احتمالاً. (الزمان) اللندنية، العدد: (١٤٢١) - في خطوة خطيرة وافقت حكومات كل من الكويت وقطر والإمارات على وجود تمثيل للكنيسة القبطية بها؛ حيث قامت حكومات هذه الدول بتخصيص أراض لهذا الغرض في الكويت والدوحة والشارقة. جريدة (الشرق الأوسط) ، العدد: (٨٨٤٧) - فرضت الحكومة الهولندية سلسلة من الإجراءات والقوانين؛ بدءاً بمراقبة المساجد، وفرض إلقاء الخطب باللغة الهولندية، واعتقالات بالجملة في صفوف المسلمين من أصول مغاربية، بيد أن التطوّر الخطير يتمثل في منع ارتداء الحجاب في المدارس، وقد قررّت «فاندير هوف» وزيرة التعليم أن من حق المدرسة منع دخول المتحجبات، وعدم السماح لهن بالدخول إلا بعد خلع الحجاب! مجلة (المجتمع) ، العدد: (١٥٣٦) - الأطراف العربية التي شاركت في المناقشات التي دارت حول المسألة العراقية في منتدى «دافوس» لم تحاول معارضة الآراء الغربية التي تقضي بتقسيم العراق وإخضاعه للأطماع الغربية. جريدة (الشرق الأوسط) ، العدد: (٨٨٤١) - استضاف عضو مجلس النواب الأمريكي الجمهوري، وممثل ولاية نيوجيرسي «جيم ساكستون» الجنرال الإسرائيلي «جاكوب أميدرور» ؛ للحديث عن التدريب الذي يحصل عليه جنود الجيش الإسرائيلي في «أخلاق الحرب» ، وقد أرسل النائب «جيم ساكستون» رسالة إلى أعضاء مجلس النواب الأمريكي يدعوهم فيها إلى حضور المحاضرة. جريدة (التجديد) ، العدد: (٥٧٦) - وصفت صحيفة «ذي ميرور» البريطانية الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه رجل مجنون يقطن في البيت الأبيض، ويتولى إدارة القوة العظمى الوحيدة في العالم، مؤكدة أن رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير» لن يستطيع تغيير تفكير هذا الرجل الذي أخفق في فهم أبسط الحقائق في أي موضوع. جريدة (البيان) الإماراتية العدد: (٨٢٦٤) - واصلت سلطات الاحتلال اعتداءها الصارخ على المقدسات الإسلامية؛ حيث قامت الطغمة الفاجرة في قسم «شارون» للأشبال داخل معتقل «تلموند» بتمزيق المصاحف وتدنيسها، إضافة الى مصادرة فرش الصلاة التي تخص الأسرى وتمزيقها. جريدة (البيان) الإماراتية، العدد: (٨٢٦٥) - إن تحرك فرنسا وبلجيكا وألمانيا لعرقلة خطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) للدفاع عن تركيا في حال قيام حرب، ومطالبة كل من فرنسا وألمانيا وروسيا بمنح مزيد من الوقت لمهام التفتيش بالعراق قد كشفا عن رغبة جديدة للوقوف في وجه القوة الأمريكية، والتي يمكن أن تؤدي إلى تكاليف بعيدة المدى بالنسبة للجميع. (المدينة) ، العدد: (١٤٥٤١)

стр. 4544

في دائرة الضوء البلاغة والتأثير في الحوار الفكري مع الآخر فايز بن عبد المجيد الغامدي [*] يُعَدُّ الحوار - بمعناه الواسع - مع الآخر المنتمي لثقافة مختلفة ونائية من أصعب ما يواجه المفكر المسلم من مهام، بل هو من المعضلات الفكرية والبلاغية التي تواجه المفكرين المهتمين بالحوار الفكري بين الثقافات بوجه عام. تنبع هذه الصعوبة من محاولة المفكر المسلم الجمع بين شيئين مختلفين أو متناقضين؛ بين محاولة تقريب المفهومات والأفكار والقيم ودلالاتها السائدة في الثقافة العربية والإسلامية إلى القارئ أو المثقف الغربي والأمريكي، والذي ينتمي إلى ثقافة مختلفة بمفهوماتها الخاصة وأفكارها وقيمها، وهذا لا ينفي وجود قدر مشترك من التشابه - وليس التطابق - في بعض المفهومات والقيم ودلالاتها بين الثقافتين. إن أحد أكبر العقبات والتحديات التي تواجه هذا النوع من الحوار «عبر الثقافي» ، والتي تحدد بشكل كبير مدى تأثيره؛ تكمن في مدى اختراق الخطاب الموجه وانتشاره (الخطاب هنا بالمعنى الواسع الذي يشمل جميع استخدامات اللغة) في الفضاء المعرفي الذي يملكه الآخر ويحيطه بثقافته ولغته وإيديولوجيته وطريقة تفكيره. إن أي اختراق معرفي ناجح هو بمثابة احتلال مساحة معرفية في فكر الثقافة المتلقية ووعيها، لكن هذا التأثير الخطير مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى معرفة الكاتب المفكر بالآخر، ومراعاته لخصوصية القراء الفكرية والثقافية، ومحاولة محاكاة طرائق تفكيرهم قدر الإمكان، مع استخدام الأساليب البلاغية والجدلية المقبولة والمنتشرة في خطابهم الفكري بشقيه التحليلي والنقدي. وسوف أتناول في هذا المقال - وبإيجاز - بعض الجوانب النظرية والعملية للحوار الفكري مع الآخر الغربي: القسم الأول: أبدأ به مستهلاً ببعض أهم مقومات الخطاب الفكري الغربي المعاصر، والتي منها الاعتماد على الجدل والمنطق الاستنتاجي، ومركزية المفهومات، وأهمية النظرية والتنظير في العلوم الإنسانية، واعتماد بُناها وأنظمتها المعرفية على التحليل والنقد. أما القسم الثاني: فأناقش فيه بعض القضايا أو الجوانب المتعلقة بكتابة الحوار الفكري، وهي خيارات التأليف والترجمة وإعادة الصياغة. أما القسم الثالث والأخير: فسوف أركز فيه على بعض المقترحات والحلول العملية والممكنة، والتي أرى أن تجمع بين الاستفادة من الأساليب الفكرية والبلاغية السائدة في الخطاب الفكري الغربي، وبين التفكير والنظرة الاستراتيجية لمستقبل حوار الثقافات الفكري، ومحاولة التقريب بينهما قدر الإمكان. * أولاً: مقومات الخطاب الفكري الغربي: إن من أهم ما يميز التفكير الغربي، أو الكتابة الفكرية الغربية: الالتزام بـ «الأسلوب الجدلي» المبني غالباً على «المنطق الاستنتاجي» ، وليس المقصود هنا «منطق أرسطو» الاستنتاجي الذي شاع استخدامه في الجدل الفلسفي والبرهان العلمي قديماً، والذي يعتمد على الأقيسة المنطقية الصارمة المبنية على مقدمات قطعية أو يقينة مجردة ولكنها ملزمة، وتؤدي إلى نتائج ملزمة وإن كانت أحياناً غير منطقية، ولكن المقصود هو «الجدل الاستنتاجي» المبني على المقدمات العامة والشائعة أو المقبولة في سياقات خطابها المتعددة، والتي لا تلتزم بشكل معين متكرر دائماً، أو تؤدي إلى نهايات ملزمة كما هو الحال في المنطق الأرسطوي، بل تنطلق من «العام» ؛ أي الاستهلال بفكرة أو حجة عامة واضحة تحدد الموضوع المراد طرحه، إلى «الخاص» والمحدَّد، مع دعم الفكرة أو الحجة الرئيسة بالبراهين والأدلة والأمثلة التفصيلية. وهنا تظهر أهمية (المقدمة الفكرية المنطقية العامة) واهتمام القراء الغربيين بها؛ سواء كانت على مستوى الفقرة أو المقال أو الكتاب؛ حيث تعد صياغتها بقوة ووضوح وتسلسل منطقي من أهم عوامل قبول المكتوب والتأثر به. أما بقية النص (الجزء التفصيلي والتحليلي) ، فبالإضافة إلى غلبة الأسلوب الاستنتاجي عليه؛ فإنه عادة ما يحافظ أيضاً على مستوىً عال من القوة والوضوح والعمق، والتسلسل والترابط المنطقيين، مع الارتباط بالأفكار والحجج العامة المطروحة في المقدمة. أما الجدل الاستقرائي، والذي تكون فيه الحجة أو الفكرة الرئيسة مرجأة إلى النهاية، ومبنية على الحجج الجانبية أو الأمثلة والأدلة التفصيلية؛ فإنه يستخدم أحياناً في الكتابة الفكرية وبشكل محدود. وتُعَدُّ المفهومات المستقاة من الفكر الغربي وخصوصاً الفلسفة محور حركة الخطاب الفكري عند الغربيين، وهي ما ينظمه ويضبطه، وهي لبنات بناء النظام المعرفي والنظري في العلوم الإنسانية خاصة، ولها خصائص معرفية محددة ترتبط بغيرها من المفهومات في الحقل المعرفي الواحد، وفي المؤسسة العلمية أو الأكاديمية الواحدة، في سياقات ثقافية واجتماعية محددة، ومن ثم فإن لها أبعاداً تاريخية وإيديولوجية تنفي عنها صفة المطلق الزماني والمكاني؛ إذ إن هذه المفهومات والمصطلحات الفكرية خاصة التي نشأت في الغرب، ثم صُدِّرت وشاعت في الخطاب الفكري العربي تأتي مثقلة بتاريخ معرفي وثقافي خاص بها له دوافعه الإيديولوجية؛ مما يجعل معانيها ودلالاتها تختلف أو تتحول ولو بشكل جزئي باختلاف سياقات استخدامها الثقافية والتاريخية. وهذا لا يعني بالضرورة عدم الاستفادة من مفهومات الفكر الغربي واستخدامها فيما يخدم أهداف المسلمين الاستراتيجية على الصعيدين المحلي والعالمي؛ سواء تلك المفهومات العالمية التي تتشابه جزئياً مع المفهومات الإسلامية، مثل (حرية التعبير، أو رأس المال، أو السلطة الاجتماعية) ، أو التي لا يوجد لها مقابل شائع في الفكر والثقافة الإسلامية، مثل مصطلح «ريْس» بالإنجليزية، ويعني (عِرق أو سلالة جماعة من البشر يتميزون بصفات خَلقية أو جسدية خاصة) ، وهو أحد أهم مكونات الثقافة الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص. ولكن ينبغي أولاً معرفة المعاني والدلالات الدقيقة لهذه المفهومات، والوعي بتحولاتها وانعكاساتها التاريخية، وتاريخ تنقلاتها عبر الثقافات، ودوافعها وأهدافها، ثم استخدامها في الحوار الفكري مع الآخر بشكل يعكس هذا الوعي وهذه المعرفة، مع إبراز الفروق المهمة في دلالات المفهومات المستخدمة بين الثقافتين حسب الحاجة والمصلحة. وتشتمل الكتابة الفكرية في الغرب على الطروحات المعرفية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، كالكتابة الفلسفية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية، ونظريات اللغة والأدب والنقد، والدراسات الثقافية وغيرها. وأهم ما يميز الخطاب الفكري في الدراسات الإنسانية والاجتماعية، بالإضافة إلى خلوِّه غالباً من الأسلوب السردي أو القصصي الذي يعتمد عليه الخطاب الأدبي، هو طغيان «الأسلوب الجدلي التحليلي والنقدي» ، وهذا بدوره يختلف عن «الأسلوب الوصفي التوضيحي» الذي يطغى على الخطاب العلمي (أي في العلوم الطبيعية) ، حتى العلوم الإنسانية التي تتبع غالباً منهجية البحث العلمي التجريبي المعتمدة غالباً على الاستقراء، مثل علوم التاريخ والنفس والاجتماع وغيرها؛ فإنها تعتمد في صياغتها وعرضها النظري على «الجدل الاستنتاجي والتحليلي» ، ونتائجها أقل قطعية وموضوعية من نتائج العلوم الطبيعية التي تستخدم «المنهج التجريبي» . والمقصود بالنقد هنا «النقد التحليلي» الذي لا ينفصل عن «التحليل المفهومي» أو (تحليل المفهومات) ، بل يقويه ويكسبه هويته الخاصة به من حيث هوية الكاتب، وموقفه الذاتي المنبثق من ثقافته وفكره ورؤيته الذاتية. وقد وصل أمر اعتناء الغربيين بالنقد أن خصصوا له حقولاً معرفية وأكاديمية مستقلة، مثل النقد الأدبي والثقافي والبلاغي، التي لها نظرياتها الخاصة بها، والتي تمتاز عن نظريات الحقول الأخرى في العلوم الإنسانية، فضلاً عن الطبيعية، باعترافها بأهمية النظرة الذاتية للناقد، والتجربة الشخصية للمؤلف والاعتماد عليهما. أما «تحليل المفهومات» فيقصد به تفكيكها، وتبسيطها، وتحديد العلاقات بينها وبين أجزائها؛ من تشابه واختلاف، وتضاد، وعموم وخصوص، وجزء وكل، وغير ذلك. والمهم هو إدراك أهمية الأساليب الجدلية والتحليلية والنقدية التي تقوم عليها العلوم الإنسانية، ودورها الرئيس في صياغة النظريات التي تكوِّن بنية الفكر الغربي الحديث ونظامه. ومن الملاحظ أن التنظير في العلوم الإنسانية الغربية الآخذة في التداخل بشكل ملحوظ ومتسارع أيضاً؛ قد اتسع بشكل يجعل متابعة النظريات المستجدة في المجال الواحد، ومعرفة تاريخها وعلاقاتها المركبة مع النظريات الأخرى القريبة؛ من الصعوبة بمكان، وهذا بلا شك يُثقل كاهل المفكر المسلم المهتم بالحوار الفكري؛ إذ لا بد من الإلمام بالحد الأدنى من هذه النظريات التي تشكل جزءاً مهماً وأساسياً من نظام الآخر المعرفي، وغالباً ما يُعرف الكتاب الفكري الناجح والمؤثر في صفوف المثقفين والمتعلمين الغربيين بقوة طرحه النظري وكثافته، ومعرفة صاحبه العميقة بالنظريات المهمة في الموضوع المتناول. وليس المقصود بالتنظير هنا التجريد الذي لا روح فيه أو الإغراق في الغموض والتعقيد العقيم، وإنما التنظير المشتمل على التقعيد والتحليل والتفصيل للموضوع، والواعي بجوانبه التاريخية وارتباطاته الواقعية، والعلاقات المتشابكة بين النظريات وبين سياقاتها المتعددة، والعلاقات المقارنة بين النظريات نفسها. ولعل عدم إدراك الكثيرين منا لأهمية التنظير أو البناء المعرفي في الحوار مع الآخر وتأثيره يرجع إلى ضعف التنظير في الفكر الإسلامي المعاصر بوجه عام، بالرغم من توفر الأصول الراسخة في العقيدة والتصور، هذا فضلاً عن ثراء الجانب المعرفي التاريخي للحضارة الإسلامية وتعدده، وهذا الضعف لا ينفك بطبيعة الحال عن مظاهر الضعف الأخرى التي تعاني منها الأمة في جوانب متعددة؛ أخلاقية وسياسية ومادية. ومن أسباب الضعف التنظيري ومظاهره وجود اتجاهين رئيسين يمثلان فكرين وموقفين مختلفين من نظريات الآخر وفكره (وهذا لا يعني عدم وجود اتجاهات أخرى أقل انتشاراً) : الاتجاه الأول: ينفي أصحاب الاتجاه الأول وجود أي مشكلة معرفية أو تنظيرية أصلاً، ويُرجعون الحل دائماً إلى الأصول النظرية والتاريخية للفكر الإسلامي دون فهم أو استنباط لمعانيها ودلالاتها وتطبيقاتها في الواقع المحلي والعالمي؛ ذلك الواقع المتجدد بتعقيداته وتشابك أجزائه، ودون إدراك الحاجة إلى إعادة النظر وتأمل المعرفة البشرية باتساعها وشمولها والاستفادة منها، أو يقفون عند الجهود التنظرية والفكرية لعلماء عصور الإسلام الذهبية ونتاجهم الفكري، بالرغم من أن أولئك لم يقفوا عند جهود من سبقوهم بل فهموها وطوروها ونقدوها. أما الاتجاه الآخر: فهو نقيض الأول؛ إذ يرى أصحابه أن حل هذه المشكلة يكمن في نسخ نظريات الغرب في العلوم الإنسانية أو بعضها، وتطبيقها كما هي في العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي. وكلا الفريقين كفى نفسه مشقة التفكير والتجديد والتطوير والمقارنة والنقد، مع اختلاف في الدوافع والأهداف، وكلاهما لم يقدم حلاً عملياً ومؤثراً لمشكلة الفراغ التنظيري في العلوم الإنسانية من جهة، والتشويه التنظيري الذي سببه النقل النظري غير الواعي وغير المسؤول مع الآخر، من جهة أخرى. ومما يميز الكتابة الفكرية لدى الغربيين الاهتمام والالتزام بـ (وحدة الموضوع) المبني على أو المستخرج من المفهومات العامة؛ حيث يتناول الكتاب الفكري عادة موضوعاً واحداً يكون على شكل مفهوم رئيس أو عدة مفهومات رئيسة تنسج حولها مفهومات أخرى جانبية، وترتبط هذه المفهومات جميعاً بالمفهوم الرئيس بحجج فكرية وبأساليب تحليلية متنوعة؛ إذ يشكل المفهوم الرئيس الخط الفكري الذي ينتظم حجج الموضوع، وبالتالي مفهوماته من أوله إلى آخره، وتكون الحجة الرئيسية للموضوع والمحتوية على المفهوم الرئيس عادة على شكل حجة أو فكرة واضحة ومتكاملة، تأتي رداً على حجة أخرى مطروحة سلفاً أو مقابلاً لها (تضاد الأفكار والحجج هو محور بناء الموضوع) . وهذا لا يعني الإفصاح دائماً عن الحجة أو الفكرة المضادة أو المقابلة، بل تكون على الأقل حاضرة ذهنياً أثناء الكتابة والمراجعة لأهميتها في بناء الحجة المطروحة وتوجيهها. ويقال الشيء نفسه عن الحجج الجانبية أو الفرعية، والتي بدورها تكوّن وتشكل الجانب الجدلي، ومن ثم التحليلي للموضوع. وبالإضافة إلى الوحدة العامة للموضوع (موضوع الكاتب مثلاً) ؛ هناك الوحدات المحلية: الفصل، والقسم، والفقرة، والأخيرة هي الأهم، والخلل فيها أظهر وأشد تأثيراً على القارئ، ومن علامات قوة الكتاب ونجاحه: إتقان كتابة الفقرة وقوتها، ووحدة فكرتها العامة مع الموضوع، والمواضيع الجانبية، وتسلسل أفكارها وحججها الجانبية، وترابط الفقرات بعضها مع بعض في القسم أو الفصل الواحد. * ثانياً: الحوار الفكري بين التأليف والترجمة وإعادة الصياغة: من الأفضل في حال الحوار مع الآخر استخدام لغته مباشرة دون اللجوء للترجمة، مع المعرفة العميقة بفكره وتاريخه وثقافته، ليس المعرفة النظرية فحسب، وإنما المعرفة المقترنة بكثرة ممارسة الكتابة التحليلية والنقدية بلغته، والتفكير بطريقته. فإن تعسر هذا والحال غالباً كذلك فالأفضل إعادة صياغة ما كُتب بالعربية، سواء كان مقالاً أو بياناً أو كتاباً، وليس ترجمته فقط؛ لكي يناسب أحوال المخاطبين وأفكارهم وثقافتهم، مع المحافظة على جوهر النص الأصلي ولبه. وليس بالضرورة أن تطال «إعادة الصياغة» جميع ما كُتب في النص الأصلي (أي جميع الجمل والعبارات والمفهومات) ، ولكن تكون بالقدر المطلوب الذي يراه المترجم أو الكاتب، والذي لا يذهب بلب أفكار النص الأصلي ولا يشوّه النص الجديد أيضاً. وبسبب تشابه بنى اللغات البشرية، وتشابه طرائق التفكير ذات الطابع الكوني أو «عبر الثقافي» ، وكذلك تداخل الثقافات واتصالها؛ فإن المترجم سيجد قدراً مشتركاً بين اللغتين والثقافتين والفكرين لا يحتاج فيه إلى إعادة الصياغة بالمعنى المقصود هنا، وإنما تكفي فيه الترجمة الجيدة بالمعنى المعروف. وعادة ما يتفاوت الكتاب المفكرون في مدى قربهم أو بعدهم عن فكر اللغة أو الثقافة المقابلة الأخرى وأسلوبها (أي مقدار وجود القدر المشترك بين اللغتين والثقافتين) ؛ وذلك حسب اختلاف تأهيلهم ومعرفتهم بالموضوع المطروح، ومعرفتهم بالآخر المخاطب وفكره وتاريخه وثقافته، واستحضار ما أمكن من ذلك أثناء الكتابة. ومما يدخل في عملية «إعادة صياغة» المفهومات أو المصطلحات أو العبارات أو التراكيب أو الفقرات: التقديم والتأخير، والتبديل، والحذف والإضافة، ومراجعة العلاقات المتعددة بين المفهومات والاستنتاجات المنطقية الرئيسة العامة والفرعية التفصيلية، وإبراز بعض الجوانب المهمة التي اختصرها المفكر، إلى غير ذلك. ويدخل في مراعاة خصوصية القراء الغربيين أيضاً استخدام المصطلحات والمفهومات المعروفة عندهم، ليس عن طريق نقل المصطلحات والمفهومات والعبارات والتراكيب الواردة في النص الأصلي أو العربي وترجمتها حرفياً، والذي غالباً ما يسبب اللبس والغموض في المعنى؛ ومن ثم تثبيط القارئ وصرفه عن الاستفادة أو التأثر بالمكتوب، أو الاكتفاء بترجمة معانيها فقط وفق ما يراه المترجم، وإنما عن طريق استخدام ما يقابلها في اللغة والثقافة الأخرى لكي يسهل تصورها وفهمها، مع إبراز الفروق الجوهرية في دلالات المفهومات والقيم الإيديولوجية بين الثقافتين؛ لكي يظهر تميز الفكر الإسلامي وأصالته وشموله وعمقه. أما المصطلحات أو المفهومات التي لا مقابل لها في اللغة والثقافة الأخرى فلا ينبغي أن يركّز عليها كثيراً، وإنما تترجم معانيها باختصار عند الحاجة (هذه هي الطريقة المثلى في الإيضاح والتبيين في مثل هذا المقام الذي لا يقصد منه بيان دلالات المصطلحات الشرعية بدقة، كما هو الحال في مخاطبة المسلمين الذين لا يتحدثون العربية) . ومن مفارقات الترجمة بين اللغتين والثقافتين المتباعدتين؛ أنه كلما حاول المترجم المحافظة على معالم النص الأصلي والاقتراب منه كان ذلك على حساب النص الآخر، وتسبب في حدوث التشويش والغموض أثناء القراءة، ومن ثم تثبيط القارئ عن إكمال قراءة النص والتفاعل معه والاستفادة منه. إن العلاقة التبادلية بين الكاتب والقارئ والتي تنشأ عن طريق النص تكون أو تتكون أثناء كتابة النص لا بعدها؛ إذ هي تشكل الخطاب وتحدد معالمه وأبعاده وجوانبه المتعددة؛ المعرفية والأسلوبية على حد سواء. بمعنى آخر: إن إيديولوجية القارئ ومعرفته الخاصة عن الموضوع، أو العامة عن المفكر والثقافة الأخرى، وأفكاره وقيمه؛ ينبغي أن تسهم بشكل كبير في صياغة النص وخصوصاً النهائي أثناء الكتابة. ولأن هذا الشرط البلاغي ينبغي توفره في الكتابة أحادية اللغة والثقافة؛ فإن الحاجة إليه في الحوار والتخاطب «عبر الثقافي» أشد والاهتمام به أولى. وهذا ما يجعل الكتابة الفكرية بالعربية (أي مخاطبة الآخر بلغة المتحدث) أولاً ثم ترجمتها (بالمعنى السائد للكلمة) إلى لغة المخاطب إخلالاً بهذا الشرط المهم في الغالب. والأولى أن يأخذ النص المكتوب بلغة المخاطبين سواء أكُتب مباشرة أو صِيغ من النص الأصلي جل العناية والمراجعة؛ حيث يجب أن يعامل النص المترجم خصوصاً كنص مستقل يخضع لقواعد لغته وفكره ومنطقهما، وليس للغة النص الأصلي وفكره (عادة تأتي هذه المرحلة من المراجعة النهائية الدقيقة المنبتة عن النص الأصلي، بعد مرحلة انتقالية من الترجمة يكون فيها النص المترجم أقرب إلى لغة النص الأصلي ومنطقه وفكره) . * ثالثاً: بعض الجوانب والمقترحات العملية: الكتابة الفكرية بين الواقع والمأمول: قد تكون الترجمة الجيدة حلاً عملياً ومؤثراً بالنسبة للقراء المسلمين الذين لا يعرفون العربية، إلا أنها قد لا تكون الحل الأمثل في حال مخاطبة القراء المتعلمين أو المثقفين الغربيين بسبب الصعوبات والعقبات آنفة الذكر، لكن بسبب ندرة العلماء المفكرين المسلمين القادرين على الكتابة الفكرية بلغة الآخر مباشرة، وبشكل يقارع ما يكتب وينشر في الأوساط الفكرية الغربية؛ فإن عملية «إعادة الصياغة» تعد حلاً عملياً وأكثر يسراً؛ حيث يمكن أن يجتمع عالم أو مفكر مع كاتب جيد ذي معرفة واسعة بفكر الغرب وثقافته على تأليف كتاب فكري، ليس بالشكل المعهود بالضرورة حيث يقوم الأول بكتابة الكتاب والانتهاء منه تماماً؛ وكأنه سوف يقدم للقراء العرب وإنما بواسطة كتابة نسخة مصغرة منه مثلاً، أو كتابته على شكل رؤوس أقلام وعناصر مختصرة (أي تقديم اللب الفكري للموضوع) اختصاراً للوقت وحفظاً للجهد، على أن يتولى الكاتب المترجم الجهد الأكبر في الصياغة والمراجعة للنص الثاني، ويكون ذلك بالتشاور المستمر مع صاحب النص الأصلي. وفي حال البحث عن نص أو كتاب فكري مناسب للترجمة (وإن كنت لا أؤيد هذا المسلك جيداً) ؛ فينبغي التركيز على ما كتب في هذا العصر؛ إذ إنه غالباً ما يجمع بين أفكار السابقين وطرح المعاصرين وأسلوبهم وأفكارهم الجديدة أيضاً. والأفضل من ذلك أن يُنشأ نص جديد لهدف أو مقام محدد (أحداث الحادي عشر مثلاً) يستفاد فيه من علم السابقين وأفكارهم عن الموضوع ذاته أو ما هو قريب منه إن كانت موجودة، مع التركيز على فهم أفكار المعاصرين من الكتاب والمفكرين وأسلوبهم. ومما يجعل ترجمة كتب علماء السلف مثلاً كما هي، وتقديمها للقراء الغربيين عملاً محدود الأثر؛ هو الاختلاف الشاسع بين السياقين التاريخيين والثقافيين، وما ينتج عنه من اختلافات في تفاصيل الموضوع، ونوعية القراء المستهدفين وطرق تفكيرهم، وما يرونه مهماً، وما يمكن أن يؤثر فيهم. وخلاصة الأمر وسره: أن تُستحدث حالات بلاغية أو كتابية جديدة تراعي جدة المواضيع والأحداث المتعلقة بها، وأهميتها، وصفات القراء المستهدفين الفكرية والثقافية ومميزاتهم. الكتاب أم المقالة الإلكترونية: ليس في الغرب شيء أقوى تأثيراً وأبعد أثراً من الكتاب الفكري المتقن، ومن بعده الرواية؛ فالكتاب الفكري لا يزال مركزياً في الثقافة الغربية، وهو يتبوأ المرتبة الأولى في تعليم الناس وتكوين أفكارهم وصياغتها، بل حتى معتقداتهم ومواقفهم؛ ولذا فهو يعد أحد أهم الخيارات الاستراتيجية في الحوار الفكري مع الغرب إن لم يكن أهمها على الإطلاق؛ فهو أبقى من غيره وأيسر تداولاً وأوسع انتشاراً. ومن ميزات الكتاب أيضاً (وهذا وارد جداً) أن يكون مادة علمية تقرر في المواد الدراسية الجامعية في مئات الجامعات على مر السنين (تأمل أثر ذلك!) ، ولنتذكر أن الباحثين الجادين عن المعرفة والفكر في الغرب (وما أكثرهم) لا يبحثون عنها أو لا يجدونها في الغالب وراء شاشات التلفاز أو حتى في مواقع الإنترنت، وإنما في بطون الكتب أو في الدوريات العلمية الرصينة. وبالرغم من أهمية القنوات الفضائية في الغرب، وخاصة في أمريكا، ودورها في صياغة وعي الجماهير وأفكارهم وآرائهم عن الثقافات الأخرى؛ بما في ذلك كثير من المتعلمين والمثقفين؛ فإن الكتاب يظل أقل تكلفة وأيسر جهداً وأهدأ اختراقاً (قارن مدى تنوع الطروحات الفكرية والسياسية والإيديولوجية الواسع في الكتب، ومدى ذلك في قنوات التلفاز) . وهذا لا يعني إلغاء أو تهميش فكرة القناة الفكرية الموجهة بلغة أجنبية، وإنما ينبغي عدم إهمال خيار الكتاب الفكري على حسابها. أما المواقع الإلكترونية الغربية ذات التوجه الفكري في شبكة الإنترنت؛ فهي لا تزال محدودة العدد والانتشار إذا ما قورنت بمواقع الأعمال والترفيه والخدمات والأخبار وغيرها، ومعظم ما يكتب ويقرأ في المجال الفكري في تلك المواقع يقع على شكل مقالات، أو دراسات قصيرة نسبياً، أو منتديات حوارية غير محكمة، أو مراجعات للكتب، أو قوائم بمراجع المواضيع الفكرية المطروحة. أما الكتب الإلكترونية فلا تزال محدودة العدد مع أنها في ازدياد مستمر. وينبغي أن تكون المواقع المعنية بالحوار مع الآخر سواء كانت على شكل مقالات أو منتديات مستقلة يراعى فيها ما ذكر آنفاً، وألا تختلط بمواضيع موجهة للمسلمين. والخلاصة هي: أن مواقع الإنترنت الفكرية مهمة، ولكن يجب أن تتكئ على قاعدة صلبة ومؤسسية من الكتب، والدراسات الرصينة، والمفكرين. أولوية الأسلوب الجدلي في الحوار الفكري: ينبغي الاهتمام بـ (الأسلوب الجدلي التحليلي والنقدي) المبني على المسلمات البشرية، والأسس العقلية، أو الحقائق الشائعة المقبولة في ثقافة القراء الغربيين ومجتمعاتهم، والتي بالتالي تخاطب وتؤثر في قطاع عريض من متعلميهم فضلاً عن المثقفين منهم أو المفكرين، والتي لا تتعارض في الوقت نفسه مع مسلمات الدين الإسلامي وثوابته. أما الانطلاق دائماً من مسلمات الدين الإسلامي وتقريرها أولاً، أو مهاجمة عقائدهم وأخلاقهم الخاصة بهم بأسلوب مباشر فقد يكون أسلوباً أقل إقناعاً، وذلك لعدم وجود الأسس الفكرية أو الفلسفية المشتركة مع القراء، أو الاعتماد على معلومات تفصيلية لا يعلمها ولا يهتم بها إلا المتخصصون، أو بسبب انتقاص الجانب الأخلاقي والديني الذي لا يتقبله كثير من القراء اتباعاً لهواهم أو انتصاراً لأنفسهم وثقافتهم. وهذا لا يعني إغفال أهمية النقد الموضوعي للآخر بجوانبه المتعددة وتأثيره، أو أهمية استخدام النقد الذاتي بشكل استراتيجي، والذي يضفي بدوره مصداقية وموضوعية للمفكر المسلم وموقفه وتحليله، لكن ينبغي التركيز على القضايا المعرفية والفكرية الكبرى والمفهومات العامة، وتقديمها كأسس أو مقدمات منطقية، ومن ثم مناقشة المسائل الدينية والأخلاقية وغيرها بأسلوب جدلي تحليلي ونقدي ضمن تلك المقدمات وليس العكس. ولتوضيح المقصود هنا؛ يمكن أن نقارن على سبيل المثال بين كتاب يتحدث عن الإسلام بشكل عام (أي على شكل مختصر لتعاليم الدين) بأسلوب وصفي أو توضيحي، وهذا يخرجه مباشرة من تصنيف الكتب أو الطروحات الفكرية، كما أسلفت في الفرق بين أنواع الخطابات البلاغية، ومن ثم يقل انتشاره وتأثيره بشكل كبير (لاحظ تركيز الجهود الدعوية في الكتابة والترجمة على هذا الجانب) ، وبين كتاب يتناول جانباً أو موضوعاً رئيساً من الدين يكون هو المفهوم الرئيس (على سبيل المثال: الحرية الفردية؛ حيث يقابلها مثلاً مصلحة الجماعة والدولة، أو تضحيات النفس، ويقابلها حفظ النفس وإبقاؤها، أو العلاقة مع الآخر) ، ومن ثم تربط به المفهومات الجانبية والأفكار الأخرى المكونة للموضوع، والتي تتناوله من جوانب متعددة: دينية، أو تاريخية، أو حضارية، أو اجتماعية، أو قيمية، أو ثقافية، أو سياسية. الخطاب الفكري ليس تجريداً فقط: ومن الأهمية بمكان عدم الاكتفاء بالطرح المعرفي النظري أو التجريدي الذي يتجاهل واقع المسلمين العملي (وغيرهم، في حالة الدراسات المقارنة) ، بل يجب مناقشة واقع المسلمين الفردي والاجتماعي بجوانبه المشرقة والمعتمة، مع التركيز على النواحي المشرقة التي تجسد أو تقرب من تعاليم الإسلام، وربط ذلك أو مقارنته بالأصول النظرية أو الأفكار. وكذا طرح القضايا المهمة والمؤثرة في حياة القراء والمتعلقة بقضايا الساعة، فالغربيون عموماً، والأمريكيون خصوصاً، يهتمون كثيراً بالجوانب الواقعية والحياتية لكل ما يطرح؛ سواء كان ذلك في شكل دراسات، أو جوانب ثقافية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو سياسية (يمكن الجمع بين هذه جميعاً أو التركيز على جانب دون الآخر بحسب الموضوع أو الحدث الداعي للكتابة) . ومن اللافت للنظر أن الأمريكيين غالباً لا يفرقون بين الإسلام كنظام معرفي ونظري، وبين فهم المسلمين العملي وتطبيقهم له وممارساتهم، أو على أقل تقدير لا يهمهم هذا الفرق، ويتجاهلونه من الناحية العملية وإن اعترفوا بوجوده من الناحية النظرية، وهذا التوجه قد يرجع إلى عدة أسباب؛ منها أن معظمهم يعتقدون أن الأفعال والمعاملات والعلاقات البشرية الحسنة بغضِّ النظر عن عقيدة صاحبها أو دينه أهم بكثير من مجرد الاعتقاد والإيمان بالفضائل والمثل الإنسانية، خاصة إذا كانت هذه القيم لا ترى النور ولا تتجلى في أرض الواقع، وهذا بدوره يرجع إلى تأثير العلمانية وهيمنة البراجماتية كفلسفة وطريقة للحياة. ومن الأسباب أيضاً أن الأمريكيين غالباً ما يرون - بسبب تأثير ما يقرؤونه أو يشاهدونه عن الإسلام والمسلمين - أن أفعال المسلمين التي تؤثر فيهم وتحدد علاقتهم بالآخر هي تجسيد لمعتقدات الإسلام وتعاليمه، أو الإسلام كما يفهمه أولئك المسلمون على أقل تقدير. وهذا الإشكال في الفهم والتصور لا ينبغي تجاهله من قبل المفكرين المسلمين؛ مما قد يزيد الأمر تعقيداً وغموضاً، بل إن التناول الصريح المتسم بالعمق والوضوح للقضايا الحساسة والغامضة والمعقدة يسهم إلى حد كبير في تجليتها، وفي تحسين صورة الإسلام والمسلمين ولو جزئياً. التراكم المعرفي المضاد: وختاماً.. أود التركيز على مسألة (التراكم المعرفي المضاد) وأهميتها، فما يعرفه الغرب عن الإسلام لم يتكون في فترة قصيرة، بل تكوّن على مدى عقود بل قرون من التراكم المعرفي، والذي غالباً ما يفتقر إلى الدقة والموضوعية، بل يتعمد التشويه وتغييب الحقائق والمبالغة في أحيان كثيرة. ومما يلاحظ في هذا الشأن تنوع الخطابات التي كونت وصاغت هذا النظام المعرفي؛ بما في ذلك الكتب الفكرية بتنوعها (التاريخية والاجتماعية.. وغيرها) ، والروايات الأدبية، والأفلام السينمائية، والبرامج الإخبارية، والصحف والمجلات .. وغيرها. ومما لا شك فيه أن هذا الزخم التشويهي الهائل لا يمكن تغييره في فترة وجيزة وبأساليب سحرية (هذا فضلاً عن إيصال رسالة الإسلام إلى من يجهلها تماماً، والأمران على أي حال مرتبطان؛ حيث العمل الدعوي الفكري الجاد يسهم في البناء المعرفي، وفي تعديل الصور المشوهة وتقويمها في الوقت نفسه) ، بل لا بد من النظرة الاستراتيجية الواضحة، والعمل الفكري المتقن والمتسق مع هذه النظرة، مع الاهتمام بتنوع الطرح الفكري وتعدده وكثافته؛ في خطابات وقوالب ووسائل متعددة قدر الإمكان.

стр. 4545

قضايا ثقافية البعد العقدي في العلاقة بين الإسلام والغرب كمال السعيد حبيب العلاقة بين الإسلام والغرب أصبحت من أهم القضايا الاستراتيجية والسياسية منذ نهاية الحرب الباردة، لكنها أصبحت بعد أحداث ١١ سبتمبر أهم قضية كونية، تلك الأحداث التي هزت بقوة كبرياء القوة العظمى في العالم وغرورها، وكشفت عن الوجه الحقيقي للغرب في علاقته بالعالم الإسلامي؛ فما كان يُعَدّ له في الخفاء أصبح مكشوفاً، ولم تعد الخطط والاستراتيجيات قيد البحث في الدهاليز والغرف المغلقة، وإنما أصبحت مشاعاً لوسائل الإعلام الغربية، تتداولها مرئية ومسموعة بلا أي تحفظات أو قيود. وكشفت هذه الخطط فيما كشفت عن وجود بعد عَقَدِيّ يحركها، فالإدارة اليمينية التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية لا تحركها فحسب الدوافع السياسية والاقتصادية على الرغم من أهميتها، وإنما تصدر عن بواعث ثقافية وحضارية ودينية؛ بحيث يمكن القول: إننا بحاجة إلى «علم سياسة» جديد، يجعل من (الدين، والهوية، والثقافة) موضوعه؛ بناء على أن المصالح لم تعد هي جوهر «علم السياسة» أو «العلاقات الدولية» ، كما جرت تقاليد هذا العلم منذ (ميكافيللي) وحتى اليوم. «علم السياسة» الجديد يجعل الجغرافيا السياسية الجديدة تقوم على الحدود الحضارية والثقافية والدينية، وليست خطوطاً وهمية على خريطة العالم، وفي الواقع؛ فإن «الدين» كان أحد محركات الغرب في علاقته بعالم الإسلام، لكن الجانب الثقافي والاجتماعي والحضاري لم يكن ظاهراً للعيان، كما كان جانباً أقل أهمية من الجانب السياسي، ومن ثم فإن الاهتمام بالعلاقة السياسية مع الغرب والتي تمحورت حول التحرر السياسي منه كانت هي الأساس، أما الجوانب الثقافية والحضارية والدينية فكانت غائمة ومشوشة، بل سعى الغرب إلى إسدال الحُجُب عليها، ولم ير المناضلون والساعون للتحرر في العالم الإسلامي المسألة الحضارية ذات بالٍ، بل كانوا ينازعون الغرب على المستوى السياسي، لكن على المستوى الثقافي كانوا يستلهمون قيم الغرب وطريقته للحياة! وكان الغرب اللئيم يدرك جيداً أن المعركة مع العالم الإسلامي خصوصاً هي بالأساس معركة الدين الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية، وكأن لسان حاله يقول: إذا كسبنا معركة الدين والثقافة نكون قد انتصرنا حقاً، أما معركة السياسة والاقتصاد فخسارتها يمكن تعويضها بأدوات الهيمنة والضغوط المختلفة. واستطاع الغرب أن يستعيد مكاسب السياسة والاقتصاد، إلى حد أن التحرر السياسي والاقتصادي للعالم الثالث لم يكن سوى مسألة شكلية، لكن معركة الثقافة والحضارة والدين ظلت قائمة ومشتعلة. وللحق؛ فإن التيار الإسلامي انتبه منذ البداية لأهمية معركة الحضارة، والتي يقع الدين في قلبها، أما العلمانيون الذين قادوا معارك الاستقلال في العالم الإسلامي وكانوا متأثرين بالنموذج الغربي الحضاري؛ فقد اعتبروا قضايا الدين والثقافة قضايا هامشية يهتم بها دراويش التيار الإسلامي، لكن الذين تحرروا من وهم أن الصراع مع الغرب هو صراع سياسي بالأساس أعلنوا أنهم كانوا مخطئين [١] . ومع تراجع النظرية السياسية الغربية التي تأسست على جعل الدين قوة عينية لا صلة لها بالواقع أو الحياة، وإعادة الاعتبار للدين بوصفه قوة محركة للشعوب؛ بدأ النظر للدين وللحركات الإسلامية بوصفها جزءاً من علم السياسة والاجتماع، لكننا نتحدث اليوم عن اعتبار الدين والثقافة والحضارة هي صلب علم السياسة والعلاقات الدولية، وكما كان الدين الإسلامي وليس أي دين آخر هُو الذي لفت انتباه الغرب لأهمية الدين في أن يصبح قوة ثورية إيجابية؛ فإنه - أي الدين الإسلامي - هو الذي يلفت الانتباه مرة أخرى إلى أن الدين، والجوانب الثقافية والحضارية هي صلب العلاقات الدولية، وصلب العلوم السياسية والاجتماعية. والعلاقة بين الإسلام والغرب فيما يتصل بالجانب الحضاري والديني والثقافي قديمة؛ منذ سَعْي الغرب إلى الدعوة لِقَيمه حتى صار له أتباع وعملاء ينافحون عن هذه القيم، وكانت مسألة الغزو الثقافي والفكري محوراً أساسياً في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، ولم تَغِب الروح الصليبية في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، واعتبر الاستعمار نفسه جزءاً من استمرار الحملات الصليبية، وحين قدر للجيوش الفرنسية أن تدخل دمشق ذهب الفرنسي «جور» لقبر صلاح الدين، وقال: «ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين!» ، ولم يكفّ الفرنسيون والبريطانيون وغيرهم عن محاولة النفاذ إلى مصادر القوة في الإسلام لتحطيمها، فكانت (العلمانية) و (فصل الدين عن الدولة) في تركيا وباكستان، ثم على المستوى الفكري بكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ، وكانت الدعوة لتحرير المرأة التي قادها قاسم أمين، والتي كانت تعني خلع المرأة المسلمة لحجابها وحيائها، وكانت الدعوة إلى الاجتهاد، والتي لم تكن إلا عنواناً لتطوير الشريعة ذاتها لتوافق متطلبات العصر الحديث، ثم كانت اللغة العربية والأزهر ميادين للصراع مع الغرب؛ ثم كانت القومية العربية التي رَوَّجَ لها نصارى الشام لتفتيت الدولة العثمانية، وظلت معركة المصحف والإسلام والعقيدة حية لم تمت أبداً في الوعي الغربي، وظلَّ العالم الإسلامي يمثل معضلة أمام الغرب؛ لأن الإسلام بوصفه منهجاً شاملاً للحياة ظل يمثل حصناً لا يمكن القضاء عليه، وكانت العودة للإسلام مرة أخرى منذ السبعينيات معضلة جديدة أمام الغرب، فغزله على المستوى السياسي تعافى وقوي واشتد، أما غزله على المستوى الحضاري والثقافي فقد نُقض أنكاثاً بعد وهم قوته؛ ولمّا كانت المعركة الجديدة تستهدف ما نطلق عليه «ما قبل السياسة» أي المحاضن الدينية والثقافية التي حفظت الإسلام طوال الصراع مع الغرب فإن المعركة اليوم مقصود بها العقيدة والشريعة معاً. الجديد في الموضوع أن الصراع الثقافي والحضاري الذي يقع الدين في قلبه كان يقوم به دوائر ثقافية؛ مثل الكنائس والجامعات، أو الدوائر الثقافية في وزارات الخارجية، أو حتى أجهزة المخابرات، أما اليوم فإن الذي يقوم بتنفيذ معركة المواجهة هو قلب الإدارة الحاكمة في أمريكا، فالإدارة الأمريكية اليوم تهدف إلى إعادة رسم خريطة العالم الإسلامي على أساس ديني وثقافي وحضاري، وهي تستلهم تقاليد المدرسة الإنجليزية والفرنسية، لكنها تتقدم بخطى واسعة وناجزة، وبيدها القوة والقرار، ولكن قبل الحديث عن هذه الخطط، نحاول إلقاء الضوء على البعد العقدي في الصراع بين الإسلام والغرب؛ عبر شهادات لسياسيين ومثقفين غربيين في هذا السياق. * الرؤى الأمريكية الجديدة للعالم الإسلامي: يقول «روبرت أليسون» في كتابه (اختفاء الهلال) : «ورث الأمريكيون عن أوروبا المسيحية صورة شبح الإسلام، كدين ولد من الطغيان، يؤيد القمع الديني والسياسي والجمود الاقتصادي، ولم يهتم الأمريكيون بصحة هذا الوصف أو خطئه، لكنهم استلهموه؛ لأنه مناسب لهم سياسياً» ، ويضيف: «استخدم الأمريكيون العالم الإسلامي مراراً وتكراراً كنقطة مرجعية لإظهار تميزهم في الحرية والقوة والتقدم الإنساني» . الرؤية التي يتحدث عنها «أليسون» لها جذور نصرانية ورثها الأمريكيون عن أوروبا، والذي صاغ هذه الرؤية الأوروبية هم المستشرقون الذين أسسوا علماً من الزيف والبهتان والتحيز ضد الإسلام وعالمه، ولا ننسى أن مرجعية الاستشراق وأسسه هي دينية ذات طابع عقدي. وفي تقرير فريق العمل الخاص بالإرهاب والحرب غير التقليدية بمجلس النواب عام ١٩٩٠م؛ قال: «المسجد في مقدمة جهاد المتشددين المتطرفين ضد العالم الغربي المعاصر، وقيام صحوة إسلامية متطرفة، مع أهمية النفط، يجعل الصراع على الشرق الأوسط بمثابة أول مواجهة خطيرة بين هذه الصورة الجديدة من الإسلام والعالم اليهودي المسيحي» ، ويقول «برنارد لويس» : «الصراع الحالي ليس سوى صراع بين الحضارات، ورد فعل غير منطقي لمنافس قديم وتاريخي ضد تراثنا (اليهودي النصراني) ، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي للاثنين» ، وهذا هو نفسه ما قاله هانتنجتون عن الحدود الدامية للصراع بين الإسلام والغرب، والذي أكد أن الصدام سوف يكون حضارياً، ويقول «موريتمر زوكرمان» : «إننا في الخط الإمامي لصراع يعود تاريخه إلى مئات السنين، فنحن العقبة الرئيسة في طريق رغبة المتطرفين لإلقاء قيم الغرب الشائنة في البحر، مثلما دخلوا يوماً مع الصليبيين» . ويقول «دانيال بايبس» : «إن الأصوليين الإسلاميين يتحدون الغرب بقوة وعمق أكبر مما فعل ويفعل الشيوعيون، فهؤلاء يخالفون سياساتنا ولكن لا يخالفون نظرتنا إلى العالم كله؛ بما في ذلك طريقة اللبس والعبادة» . ويقول «إدوارد ديجيريجيان» مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى: «الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة الباقية، والتي تبحث عن إيديولوجية لمحاربتها؛ يجب أن تتجه نحو قيادة حملة صليبية جديدة ضد الإسلام» ، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه «بوش الابن» في بداية الحملة الأمريكية الجديدة على العالم الإسلامي، والتي بدأت بأفغانستان وتتجه الآن إلى العراق. هذه الرؤية كانت قبل أحداث ١١ سبتمبر، وهو ما يؤكد أن التصورات كانت معدة، والأفكار جاهزة، وكانت تنتظر لحظة إخراجها المسرحي إلى الوجود، وجاءت أحداث سبتمبر لتكون الفرصة السانحة لإخراج هذه الخطط إلى عالم الوجود المنظور، وكما هو واضح؛ فإن البعد العقدي واضح في الرؤية الأمريكية التي عبر عنها ساسة ومفكرون، وتضمنها بشكل تفصيلي كتاب مهم عنوانه: (أمريكا والإسلام السياسي.. صدام ثقافات أو صدام مصالح) . ) America and political islam, clash of cultures or clash of interests (. لمؤلفه «فواز جرجس» . ومن المهم متابعة الرؤية الأمريكية الجديدة التي تتحدث عما أسميناه «السياسة الأمريكية.. ما بعد بن لادن» ، وهذه السياسة عبّر عنها أحسن تعبير اثنان من المفكرين الأمريكان هم «فوكوياما، هانتنجتون» ، ففي صحيفة نيوزويك بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠٠١م قال «فوكوياما» في مقال خطير: «الصراع الحالي ليس معركة ضد الإرهاب، ولا ضد الإسلام بوصفه ديناً وحضارة، ولكن صراع ضد الفاشية الإسلامية؛ أي العقيدة الأصولية غير المتسامحة، والتي تقف ضد الحداثة» ، ومضى ليقول: «ويمكن تصنيف الفكر الوهابي بسهولة على أنه إسلامية فاشية، فهناك كتاب دراسي إجباري للصف العاشر يشرح أنه يجب على المسلمين أن يخلصوا بعضهم لبعض، وأن يعتبروا الكفار أعداءهم» ، ثم يوضح أكثر فيقول: «التحدي الذي يواجه أمريكا هو أكثر من مجرد مجموعة صغيرة من الإرهابيين، فبحر الفاشية الإسلامية يقصد الوهابية الذي يسبح فيه الإرهابيون يشكل تحدياً إيديولوجياً هو أكثر من الخطر الشيوعي» ، ويوضح أكثر فيقول: «إن الصراع الأساسي ليس مع الإرهابيين فقط، ولكن مع الأصوليين الإسلاميين الذين يقدرهم» دانيال بايبس «بحوالي ١٥% إلى ١٠% من العالم الإسلامي، والذين يؤيدون أسامة بن لادن» ، وينهي المقال بقوله: «الصراع بين الديمقراطية الغربية الليبرالية والفاشية الإسلامية ليس صراعاً بين نظامين حضاريين يتمتعان بقابلية البقاء نفسها» ، ويشير هانتنجتون إلى البعد الحضاري في استجابة الغرب مع أمريكا بعد سبتمبر، فيقول: «الدول الغربية تعاطفت بشكل كاسح مع أمريكا، وأعربت عن التزامها الانضمام للحرب، خاصة بريطانيا وأستراليا وكندا، وهي مجتمعات تشاطر أمريكا الثقافة الأنجلوساكسونية، ووقف الألمان والفرنسيون إلى جانب أمريكا؛ لأنهم اعتبروا العدوان على أمريكا عدواناً عليهم، وقالت» لوموند «: (كلنا أمريكيون) ، وقال الألمان: (كلنا نيويوركيون) ، وذكر أن قلة عدد الشباب المسلم سوف تؤدي إلى تراجع الحروب بين المسلمين على حد فهمه، وفي السياق نفسه قال» ستانلي فايس «الكاتب الأمريكي في» هيرالدتريبيون «:» إن حقيقة الحرب على الإرهاب تكمن في: هل ستقوم الدول الإسلامية باتباع النموذج السياسي لتركيا، أكثر النماذج نجاحاً في العالم بوصفها دولة مسلمة حديثة وعلمانية وديمقراطية، أو نموذج السعودية المبني على الرؤية الوهابية المتعصبة للأصولية الإسلامية، والذي يدفع معتنقيه إلى الوراء «. إن الرؤية الأمريكية القديمة تنتقل من التفكير إلى التنفيذ، وكما أوضحنا؛ فإن الإدارة الأمريكية تتبنى الأفكار الأصولية النصرانية، والتي تؤمن بضرورة تدمير العالم الإسلامي، وتدعيم الكيان الصهيوني تمهيداً لمعركة» هرمجدون «التي يتربع بعدها المسيح على عرش العالم، وبعدها تبدأ ألفية مسيحية جديدة، ويتحول اليهود إلى المسيحية، وسوف يكتشف المدقق الذي يولي أهمية للاقتراب الحضاري أن لحظات الخطر تكشف بقوة وعمق بروز البعد الديني والثقافي، وكما يقول » بيرلسكوني «رئيس وزراء إيطاليا وقت إعلان روما:» التاريخ والثقافة والجذور «النصرانية» ؛ هي التي توحد أوروبا في لحظة الخطر الراهن «، وها هي روسيا الأرثوذكسية، وإيطاليا الكاثوليكية، وأمريكا البروتستانية جميعهم يقفون صفاً واحداً في مواجهة الإسلام الذي أطلقوا عليه الإرهاب! * الأهداف الأمريكية.. العقل الإسلامي: تسعى أمريكا في استراتيجيتها الجديدة نحو العالم الإسلامي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الخطيرة، وهي: ١ - القضاء على الإسلام السُّنِّي الذي يلتزم المنهج السلفي الصحيح؛ بدعوى أنه وهابي، والتأسيس لإسلام أمريكي مستنير لا يعترف بعقيدة الولاء والبراء، ولا يعترف بقتال الكفار أو جهاد الأعداء، ولا يعترف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقول بأن المسلمين أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، الإسلام الجديد كما يريدون نسخة مشوهة من الطقوس النصرانية التي تُمارس في دور العبادة. ٢ - تغيير المناهج الإسلامية الدينية بوصفها منبعاً للأصولية والالتزام بالدين الإسلامي، وقد قدمت أمريكا مذكرة لحكومات إسلامية عديدة بضرورة تغيير مناهجها الدينية؛ حدث ذلك في السعودية واليمن وباكستان، وبالطبع كانت مصر سبّاقة لهذا، والعمل على علمنة التعليم الديني من أجل تجفيف ينابيع التدين عند الشعوب الإسلامية، وحتى لا يخرج» بن لادن «من جديد، أو حتى لا تظهر » طالبان «مرة أخرى. ٣ - العمل على تجنيد» أئمة مستنيرين «يروجون للإسلام الأمريكي الجديد؛ عن طريق زيادة المنح الثقافية لرجال الدين الأمريكان؛ بحيث يقوم هؤلاء الأئمة بتفسير الإسلام وفق التصور الأمريكي؛ أي الإسلام الذي يعلي قيم الحياة (أي يمنع العمليات الاستشهادية ضد الغاصبين المعتدين، ويعزز قيم التسامح وقبول الآخر) ، الدور الآن على تجنيد المشايخ والدعاة بعد أن كانت أمريكا تسعى لتجنيد المثقفين المدنيين؛ أي أنها تركز الآن على الذين لم يتعلموا تعليماً دينياً. ٤ - تحديث الخطاب الديني طبعاً الإسلامي؛ بحيث يفسر الحجاب بأنه الحشمة، وبعض المأجورين في مصر يتحدثون عن» الحجاب رؤية عصرية «، ويفسر الجهاد بالجري وراء لقمة العيش، وتفسر طاعة ولي الأمر بالطاعة المطلقة؛ بصرف النظر عن كونها في المعروف أم لا؟ ثم البحث عما يطلق عليه الأمريكان:» القواسم المشتركة بين الإسلام والنصرانية «، وتدعيم الجانب الصوفي والروحي الذي يجعل من الإسلام الجديد طاقة سلبية تعزز البدع والخرافات ليس إلا. ٥ - هدم النظام الاجتماعي الإسلامي عن طريق» عولمة المرأة «، وتعزيز انطلاقها وإباحيتها عبر الأجندة الدولية التي ترعاها اتفاقيات الأمم المتحدة؛ بحيث يعطيها الحق في التضحية بالأسرة، وخلق علاقات شراكة خارجها، بل وهدم قوامة الرجل، وعدم النظر للأسرة بوصفها أداة للعمران والاستخلاف، وإنما مظلة للمتعة والشهوة، وأعطيت المرأة في مصر والغرب الحق في السفر دون إذن الزوج أو موافقته، وصارت قضايا الخُلع مثار سخرية في مصر، فكل من تطلب الخُلع تتحدث عن أنها لا تستطيع أن تقيم حدود الله مع زوجها!! والوثائق الدولية تتحدث عن» عولمة الطفل «المسلم أيضاً، فهناك وثيقة الطفل الدولية التي تعطي له الحرية الكاملة أمام تسلط والده؛ بحيث لا يكون له سلطان عليه، وكذلك البنت المسلمة. هذا ما يريده الغرب منا وهو لا يتورع عن الذهاب كل مذهب لتنفيذ مخططه؛ بما في ذلك الإطاحة بأنظمة، وتقسيم دول؛ لحرمان من يصفهم بالأصوليين من مصادر الثروة (البترول) ، والإدارة الجديدة الأمريكية تسوق خططاً للتنفيذ، وبعد ضربة العراق؛ فإن» باول «يتحدث عن» شرق أوسط جديد «. إنها لحظة الحقيقة التي يواجهها العالم الإسلامي.. فماذا يفعل؟ ١ - تقوية الجبهة الداخلية في البلدان الإسلامية بتكاتف النظم الإسلامية، وأبناء الحركات الإسلامية في مواجهة الخطر الأمريكي القادم. ٢ - إعادة الالتزام بالمنطق القرآني في المواجهة، ومنه قوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) ، والملة هنا ليست الدين أو العقيدة، ولكنها معنى أوسع يمكن أن نقول عليه: طريقة الحياة (life of Way) . وآيات الموالاة والمعاداة الكثيرة في القرآن تؤكد أن الصراع مع الغرب هو صراع عقدي بالأساس، وهو في الوقت نفسه صراع شامل على جميع المستويات. ٣ - التمسك بالفهم الصحيح لكتاب الله وسنة النبي ﷺ على طريقة السلف الصالح بوصفها الطريقة المستقيمة، والطريق الذي يدخل بنا إلى الجنة، والعض بالنواجذ على هذا الفهم؛ فهو النجاة في وقت الفتنة والمحنة. ٤ - إعادة الالتزام بمبدأ الاعتصام بحبل الله، وتمثل مفهوم الأمة الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ونبذ التفرق والشقاق، فالخطر القادم يؤكد أن» حصوننا مقصودة من العدو «، والدفاع عنها يوجب الاعتصام والوحدة، ونبذ التفرق والخلاف. ٥ - توعية المسلمين كافة بالخطر المحدق بهم، لحماية أسرهم وزوجاتهم من فتنة مضلة، وإفهامهم أن المعركة هي معركة المسلمين جميعاً، وليس فقط الدعاة، أو الطليعة من أبناء المسلمين، [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ] (التوبة: ٣٦) ، وقوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) ، إن المشهد الراهن يظهر لنا الغرب بقيادة أمريكا كأنه القوة التي لا غالب لها، وهي فتنة عظيمة أشبه بفتنة الدجال التي يُختبر فيها إيمان الناس، والإيمان بالله هو الذي يحفظ المسلمين من التزلزل أو الشك في نصر الله، وثقته في أن المستقبل لهذا الدين، إن تقديم الغرب لنفسه كفرعون يقول: [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) ؛ هو قمة الصراع العقدي معه، وثبات المسلم على عقيدته هو مفازته وأمته إلى الصبر والمصابرة، والرباط والمرابطة، والنصر بإذن الله [٢] .

стр. 4546

الورقة الأخيرة حرب معلوماتية د. مالك الأحمد منذ ما يقارب العام استُنفر العالم أثناء حربه على الإرهاب على الجمعيات الخيرية الإسلامية، وتم إيقاف العديد منها في أمريكا وبعض البلدان الأوروبية، وتم التضييق على بعضها الآخر، فضلاً عن حملة التشهير الإعلامية الواسعة؛ دون التكلف بتقديم أدنى المسوغات. وكانت الخاتمة التضييق على هذه المؤسسات ومنها المؤسسات الخيرية في السعودية في المشاركة العامة في المؤتمرات الدولية؛ حيث منعت فرنسا وفداً سعودياً ممثلاً للمؤسسات الخيرية الإسلامية في السعودية من المشاركة في مؤتمر عالمي عقد في فرنسا، نظمته الجمعية العربية لحقوق الإنسان، وحضره وفود من ٦٥ دولة. خضعت فرنسا رافعة لواء الحرية والعدالة للضغط الأمريكي، والذي بلغ أوجه في توجيه الاتهام للكثير من المؤسسات الخيرية الإسلامية بدعم الإرهاب بأموال التبرعات!! السؤال: كيف نرد على ذلك؟ وكيف نواجه الموقف الأمريكي ذا النزعة الصليبية، والذي يحاول محاصرة النشاط الإسلامي الممثل في الأعمال الخيرية والدعوية التي تقوم بها المؤسسات الخيرية الإسلامية في العالم الإسلامي خصوصاً، والعالم الثالث عموماً؟ لا شك أن جزءاً من المقاومة حرب إعلامية ومعلوماتية؛ بحيث تكون مصادرنا موثقة، ومعلوماتنا مؤكدة، وصياغتنا موضوعية. لا بد أولاً من جمع المعلومات حول النشاط التنصيري في العالم ومنه العالم الإسلامي، وتوضيح أن هذا النشاط يمد اللقمة بيد والصليب في اليد الأخرى، ويستخدم أسلوب الترغيب والترهيب. ولا بد أيضاً من بيان مجاراة المنصرين للعقائد الوثنية في إفريقيا مثلاً وسعيهم إلى مزاوجتها بالنصرانية؛ بحيث ينتج دين هجين ظاهره النصرانية وباطنه الوثنية الصارخة، وهذا فقط لإقناع الوثنيين بالدخول في النصرانية. لا ننسى أيضاً أن الجمعيات الكنسية تدعم الدكتاتوريات في إفريقيا، وتؤيد القمع السياسي، وتتحالف مع الأحزاب السياسية التي تضمن لها العمل بحرية. وليس من الأسرار أن «جون جارنج» في جنوب السودان تدعمه الكنائس الغربية وبالمال، وتضغط على الحكومات الغربية لدعمه بالسلاح، وبالطبع فإن جميع وسائل النقل والإمكانات اللوجستية للمنصرين تحت تصرفه. لا بد أيضاً من توضيح السلوكيات الحاقدة للمنصرين الذين يقصدون مناطق المسلمين وتجمعاتهم في إندونيسيا لبناء الكنائس؛ لتكون منطلقاً للتنصير بين أبناء المسلمين. نحتاج لعمل بحوث ميدانية، وجمع معلومات تفصيلية، ومقابلة الناس في مناطق المسلمين الفقيرة ومناطق العالم الثالث؛ لتوعيتهم حول نشاط المنظمات الكنسية ودورها في مجتمعاتهم، مع الحرص على التوثيق والصور لدعم المعلومات. من جانب آخر لا بد من التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني، وهيئات حقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية؛ لبيان طبيعة الدين الإسلامي، وتوضيح نشاط الجمعيات الإسلامية، ودورها الإغاثي والتعليمي، وأهدافها النبيلة، وعرض مقالات الناس والمسؤولين في مناطق عملهم حول هذه الأنشطة، وأثرها عليهم وعلى مجتمعاتهم. أما وسائل الإعلام العربية منها والغربية؛ خصوصاً ذات الانتشار الواسع فيجب الاتصال بها والتنسيق معها لعرض أنشطة الجمعيات، وإبراز دورها، وعرض خططها وبعض ميزانياتها؛ مما يصلح للنشر. إن وسائل الإعلام أصبحت مصدراً لتلقي المعلومات، ثم سبباً لاتخاذ المواقف من قبل أهل السياسة والفكر حتى رجال الأعمال، لذلك فإن حسن العلاقة معها مهم للغاية، ولا يكفي أن يكون في كل مؤسسة خيرية مسؤول علاقات عامة، بل لا بد من إدارة كاملة للإعلام تتولى التعريف بالأنشطة، والتواصل مع وسائل الإعلام واسعة الانتشار، وكسر شوكة الحصار الإعلامي الخبيث الذي تقوم به الولايات المتحدة ضد الجمعيات الخيرية الإسلامية، [وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (البروج: ٨) . الحرب المعلوماتية والإعلامية ضرورة عصرية للمؤسسات الخيرية، والصيغة لا بد أن تكون إيجابية؛ بمعنى أن تبادر وتهاجم ولا تدافع إلا عند الضرورة، وألا يكون الدفاع سياسة؛ بل موقفاً مؤقتاً. بالطبع لا بد من التنسيق والتعاون بين الجمعيات الخيرية الإسلامية، ووضع أطر عامة للتعامل مع الواقع الحالي والتحديات الضخمة، وأن يكون الحدث الحالي فرصة للالتقاء والتنسيق، فالعدو واحد، والمستهدف واحد وهو العمل الخيري الإسلامي، وإذا لم تستطع المؤسسات ترتيب أوراقها في أوقات المحن والأزمات؛ فمتى تستطيع ذلك؟

стр. 4547

صفر - ١٤٢٤هـ أبريل - ٢٠٠٣م (السنة: ١٨)

стр. 4548

كلمة صغيرة رجل المرحلة ..! وعود شارون لوأد الانتفاضة الفلسطينية ذهبت أدراج الرياح؛ فقد أثبتت الأيام أنها وعود انتخابية لا حقيقة لها في الواقع، وكلما ازدادت الآلة العسكرية اليهودية بطشاً وجبروتاً وطغياناً، ازدادت الانتفاضة تجذراً في الشارع الفلسطيني، وما سلك اليهود سبيلاً في الطغيان والقتل والتدمير وإهلاك الحرث والنسل إلا سلكت الانتفاضة المباركة سبلاً في التضحية والثبات..! وفي ظل الرعب الذي تصدعت به قلوب اليهود وتزلزل به الكيان اليهودي تساءل المفكرون والعسكريون: إلى أين تقودنا الانتفاضة؟ وهل من سبيل لوقفها بعد الإخفاق الذريع لسياسات البطش والتدمير..؟! لقد أدركت الحكومات اليهودية المتعاقبة أن أفضل وسيلة لاختراق الصف الفلسطيني اختراقه من داخله، ولا يمكن أن نعزل تعيين محمود عباس أبو مازن رئيساً للوزراء عن هذا السياق. فأبو مازن من أبرز صناع سلام أوسلو عرفه اليهود مفاوضاً مرناً، لا يتعصب لآرائه، بل لديه الاستعداد للتنازل تلو التنازل، ولهذا وصفته (جريدة هآرتس) بأنه: رجل واقعي! كما أنه من أكثر رموز السلطة الفلسطينية ضيقاً بالانتفاضة الفلسطينية، وهو لا يخفي نقده الشديد لما يسميه بعسكرة الانتفاضة، ولهذا احتفى به الرئيس الأمريكي قائلاً: يجب أن يشغل مركزاً يمنحه سلطة حقيقية لكي يصبح شريكاً جديراً بالثقة ومسؤولاً. وصرّحت (كونداليزا رايس) عن رغبة الرئيس الأمريكي لمقابلة أبو مازن، أما اليهود فقد حددوا مهمة محمود عباس بوضوح؛ ففي حديث إذاعي قال باراك: «إن الاختبار الحقيقي لمحمود عباس هو في المجال الأمني بالقضاء على قدرة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس» . وقال بيريز: «الصلاحيات التي بحوزة أبو مازن ليست هي المهم، بل الأهم من ذلك هو السيطرة على السلاح وحملة السلاح» !! ونحسب أن أخطر ما في هذه المرحلة أن يتجرأ العدو اليهودي مستغلاً انشغال العالم بالحملة الأمريكية على العراق ويهدم المقدسات الإسلامية، أو يضرب الفلسطينيين بقسوة شديدة تمهيداً لترحيلهم وتوطينهم خارج الأراضي الفلسطينية. إن محمود عباس ليس هو خيار الشعب الفلسطيني كما يزعم الإعلام الغربي والعربي؛ بل هو خيار أمريكي؛ فهل اختياره في هذه المرحلة الحرجة تمهيد لوأد الانتفاضة والتضييق على رجالاتها المخلصين..؟! نعم! يمر الفلسطينيون بمحن شديدة، لكنهم يدركون أيضاً أن تجربة السلام لن تزيدهم إلا شقاء، وأن الطريق الوحيد للعزة وانتزاع الحقوق هو الجهاد في سبيل الله، واستشعار قول الحق جل وعلا: [إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] (النساء: ١٠٤) .

стр. 4549

الافتتاحية لك الله يا شعب العراق ! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، أما بعد: فلقد كشفت حرب الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان القناع عن وجه كالح عبوس يُضمر الحقد والظلم، ويتعامل مع المستضعفين بكل استعلاء وصلف وغرور، وبقي ستار رقيق تدثرت به أمريكا، واجتهدت وسائل الإعلام الأمريكية في تلميعه وتزييفه، وتبعتها بعض وسائل الإعلام العربية في تسويقه وترقيعه! ثم جاءت الحرب (الأمريكية البريطانية) على العراق لتنزع ذلك الستار بشدة، ويظهر ذلك الوجه الصليبي الحاقد على حقيقته الكاملة بلا تزييف أو تضليل!! قال الله تعالى: [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر] (آل عمران: ١١٨) . بدأت المعركة بعدوان (أمريكي بريطاني) شرس على العراق.. عدوان تجاوز كل المقاييس الإنسانية؛ ليمارس أبشع ألوان الجبروت والطغيان. ولئن كانت أرض بغداد والموصل والبصرة والناصرة تتزلزل بشتى أنواع الأسلحة وحشية؛ فإن قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تتزلزل إشفاقاً ورحمة للمسلمين المستضعفين من النساء والولدان والشيوخ الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: ٧١) . وإزاء هذه النازلة الخطيرة التي تمرّ بها الأمة نقف هذه الوقفات: أولاً: إنَّ الأمة الإسلامية في هذه المرحلة الحرجة أحوج ما تكون إلى الالتجاء إلى الله تعالى، والتوكل عليه سبحانه، فهو عزَّ جاهه وتعالى سلطانه المنجا والملجأ لأوليائه المؤمنين، قال الله تعالى: [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] (يوسف: ٦٤) . ولجوؤنا إلى الله تعالى ليس لجوء اليائس الذليل أو المُحْبَط الكسير؛ لكنه لجوء المؤمن الصادق الذي يركن بكل اطمئنان إلى حول الله وقوته، ويعتقد يقيناً بأن الطمأنينة والسكينة لا تكون إلا في جنب الله، قال الله تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) .. لجوء المؤمن الذي يؤمن بأن المدافعة بين الحق والباطل سُنَّة دائمة ما دامت السموات والأرض، وأن نصر المؤمنين لا يكون إلا بتعظيم كتاب الله تعالى، والتمسك به علماً وعملاً، [فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] (الفرقان: ٥٢) . ثانياً: يجب أن يستثمر العلماء والدعاة هذه الأحداث ببيان أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا، قال الله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) ، وقال تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) . ولهذا يجب أن يُذَكَّر الناس بضرورة العودة إلى دين الله عوداً صادقاً؛ ليكشف الله عنهم البلاء، ويبدلهم من بعد خوفهم أمناً، ومن بعد ضعفهم قوة، قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . ثالثاً: إنَّ ذلك الظلم الصارخ الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على المسلمين على الرغم من الأذى الشديد الذي يترتب عليه؛ فإن عاقبته ستكون خيراً بعون الله تعالى، وسيكون باباً عظيماً من أبواب يقظة الأمة ونهوضها من غفلتها وكبوتها. إنَّ ثمة حقيقة مهمة يجب الالتفات إليها: وهي أن التحدي الشديد الذي وُوجهت به الأمة أثمر هزَّة عنيفة في صفوف المسلمين، وأيقظ كثيراً منهم من سباتهم، وأشعرهم بحقيقة ما يُحاك ضدهم في وضح النهار..!! والأمة بجميع طبقاتها تشهد ولله الحمد وعياً كبيراً بدأ يتنامى بشكل مطرد؛ منذ أن صرح الرئيس الأمريكي بحقيقة الحرب التي ستخوضها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب. وإنَّ من أولى الأولويات في المرحلة القادمة استثمار هذا الوعي وترشيده، ثم توظيفه في السعي الحثيث إلى بناء الأمة وإعادة تشكيل صفوفها، وإنَّ المظاهرات الحاشدة التي شهدتها العواصم العربية والإسلامية استنكاراً للحرب الجائرة؛ تدل بحمد الله على خير كبير ومخزون عظيم في شعوبنا المسلمة؛ فهي تمتلئ غيرة وحمية على دين الله تعالى وحرماته. وإنَّ من التحديات الكبيرة التي تواجه الدعاة والمصلحين: توظيف تلك الحميات المتقدة في برامج عمل جادة لنصرة دين الله تعالى، والذبِّ عن بيضتها ومقدساتها. لقد جربت الشعوب العربية الشعارات الثورية التي كانت تتشدق بها الأحزاب العلمانية العربية؛ فلم تجنِ منها إلا العلقم، وتاهت بها في شعاب الهزيمة والذلة، وقد آن الأوان لأن يتصدر أبناء الصحوة الإسلامية ويمسكوا زمام الأمور، ويكونوا على مستوى المسؤولية، ويوظفوا طاقات الأمة توظيفاً صحيحاً بعيداً عن التباكي والصياح والتلاوم، وما أجمل قول الشاعر: قد رشَّحوك لأمر لو فطنتَ له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ رابعاً: لقد خدعنا الإعلام الغربي وأبواقه العربية ردحاً طويلاً من الزمن، وصوَّر لنا أن الحضارة الأمريكية هي قمَّة السمو الإنساني، وأن القيم الغربية لا يدانيها قيم على الإطلاق، أو كما يزعم فوكوياما في (نهاية التاريخ) بأنها الصورة النهائية لنظام الحكم البشري! وعندما كان بعض المصلحين في وقت مضى ينتقد الحضارة الغربية بشتى مدارسها؛ يواجهه بعض أبناء جلدتنا العلمانيين والمستغربين بعاصفة من السخرية والاستهزاء؛ فالحضارة الغربية عندهم هي قمة الطموح الذي يتطلعون إليه!! أما وقد تكشَّفت الحقيقة وسقطت الأقنعة؛ فمن يجرؤ الآن من أولئك العلمانيين على تقديم النموذج الغربي مثالاً على التحضر؟! حتى غلاة العلمانيين اضطروا للتجاوب مع الواقع، وانتقدوا على استحياء منظومة القيم الغربية، لكن بعضهم يصرّ في الوقت نفسه على غيّه ويمكر بنا ثانية، ويحدثنا بأن ما نشهده من سخرية بمبادئ العدل وحقوق الإنسان؛ إنما هو موقف شريحة محدودة من الصقور، وأن أغلب المثقفين والمفكرين الغربيين لم يفقدوا توازنهم..!! ولهذا نحسب أن هذه الأيام فرصة من أعظم الفرص لتحقيق مطلبين في غاية الأهمية: الأول: إبراز عوار قيم الحضارة الغربية التي افتُتن بها كثير من المنهزمين عندنا. الثاني: إبراز عوار التوجهات العلمانية التي سقطت في مستنقع التبعية، ولم تعرف سوى استنساخ قيم الغرب أو الشرق. ويتبع ذلك بناء العزة والثقة بدين الله تعالى، والعضِّ على عقيدة الأمة بالنواجذ. خامساً: الحرب على العراق بداية المرحلة الأمريكية في الحرب على أهل المنطقة، والأيام حبلى بمراحل خطيرة في الصراع القادم، ونحسب أن من أخطر هذه المراحل المقبلة مرحلتين: الأولى: التواطؤ مع العدو اليهودي لسحق الفلسطينيين وإثارة الإحباط في صفوفهم، وإنهاء ما يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) . ولئن تمخضت حرب الخليج الثانية عن مؤتمر السلام في مدريد؛ فإن المتوقع أن تتمخض حرب الخليج الثالثة عن مشروع أبعد خطراً وأبلغ أثراً..! الثانية: مواجهة التديُّن في المنطقة العربية، وفتح كل أبواب التغريب والإفساد والحرب على القيم والأخلاق، ويتبع ذلك تحجيم للعمل الإسلامي، وتضييق على أبواب الدعوة والخير. فمع وقوع الحرب ضد العراق، قد تنفتح مرحلة جديدة من الحرب العالمية والإقليمية ضد الإسلاميين، ضمن ما يسمى بـ (الحرب على الإرهاب) وقد آن لنا، بكل ألواننا وأطيافنا ومناهجنا الدعوية والحركية أن نعيد النظر في مرحلة الخطر، فنراجع برامجنا وعلاقتنا ومناهجنا التغييرية بما يتناسب مع تلك النوازل الجديدة، مؤمنين مع ذلك كله بفضل الله علينا وعونه، ومستجيرين بقوته وحوله، ومعتقدين يقيناً بأن الدين منصور بلا ريب، وأن الأمة ولله الحمد تملك إمكانات دعوية كبيرة، وأنها قادرة بإذن الله تعالى على رفع راية التوحيد، والثبات على الحق. سادساً: من الواجبات المهمات في هذه المرحلة استنهاض الهمم لنصرة المستضعفين من أهلنا وأحبابنا في العراق، وإغاثتهم ومواساتهم، والتخفيف من مصابهم، وإمدادهم بكل ما يحتاجونه من الدواء والغذاء، فـ (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه) [١] ، وفي رواية: (ولا يخذله) [٢] . فلك الله يا شعب العراق.. لك الله يا شعب العراق! وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 4550

إشراقات قرآنية وعند الله مكرهم د. عبد اللطيف بن عبد الله الوابل [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] (النمل: ٥٠-٥١) . إن سنن الله لا تتغير ولا تتبدل، وهي ماضية في الآخرين كما كانت في الأولين. والقرآن حين يتحدث عن الأمم الماضية وما حل بها من الهلاك والبوار؛ إنما مقصوده الإنذار والتحذير، وأخذ العبرة من هلاك الأمم السابقة، وتجنب أسباب ذلك. وهذه الآيات عقَّب الله بها على قصة ثمود مع أخيهم صالح ﵇؛ حين دعاهم إلى الحق وإلى الهدى فما استجابوا، بل تكبروا وعتوا عتواً كبيراً، وما كان من الملأ من قومه إلا أن ائتمروا به وبأهله؛ رغبة منهم في إهلاك نبي الله والقضاء عليه وعلى أهله لئلا يبقى لهم أثر؛ كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: [وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] (النمل: ٤٨- ٤٩) . قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: «يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهمُّوا بقتل صالح أيضاً؛ بأن يبيتوه في أهله ليلاً فيقتلوه، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك» . ثم ساق ﵀ بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال: «لما عقروا الناقة قال لهم صالح: [تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] (هود: ٦٥) ، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف - أي غار - هناك ليلاً، فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم. فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا، فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فُعل بقومهم، فعذب الله هؤلاء ها هنا، وهؤلاء ها هنا، وأنجى الله صالحاً ومن معه. ثم قرأ: [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (النمل: ٥٠-٥٢) » ؛ أي يعلمون الحقائق ويتدبرون وقائع الله في أوليائه وأعدائه، فيعتبرون بذلك، ويعلمون أن عاقبة الظلم الدمار والهلاك، وأن عاقبة الإيمان والعدل النجاة والفوز، ولهذا قال: [وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ] (النمل: ٥٣) ؛ أي أنجينا المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكانوا يتقون الشرك بالله والمعاصي، ويعملون بطاعته وطاعة رسله [١] . والمتأمل أخي القارئ في تاريخ الأمم يجد هذه السنَّة الربانية واضحة جلية، فهذا فرعون لعنه الله لما دعاه موسى ﵇ إلى الحق طغى وبغى وأرغد وأزبد، وتوعد موسى وقومه أن يستأصل شأفتهم، كما ذكر الله قصته بقوله: [وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (الأعراف: ١٢٧-١٢٨) ، وفي الآية الأخرى: [فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ] (الشعراء: ٥٣-٥٦) ، فكانت النتيجة ما أخبرنا الله به: [فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] (الشعراء: ٥٧-٦٨) . وهذا محمد ﷺ تآمر المشركون على قتله وإنهاء أمره، وتواعدوا على ذلك، وفرح طغاتهم بالأمر ليتم لهم القضاء على ما جاء به محمد ﷺ من الحق والهدى، كما في سورة الأنفال: [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) ، فكانت النتيجة نجاة محمد ﷺ وظهور أمره، وفتح مكة، وهزيمة المشركين، بل وإسلام كثير منهم، وتلك حكمة العليم الحكيم. وهكذا كان الحال مع دول الكفر في تاريخ الإسلام؛ من الروم، والفرس، والمغول، والتتار، وغيرهم. وما أشبه اليوم بالأمس، فمنذ سنوات معدودة كان العالم يتحكم به قطبان طاغيان مجرمان، سقط أحدهما (وهو الاتحاد السوفييتي) على أعتاب جهاد المسلمين يوم أن صدقوا الله في جهادهم، ولا يزال هذا المعسكر في تردٍ مستمر، وتقهقر دائم في جميع المجالات؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والأخلاقية، واليوم بدأت نهاية القطب الثاني (الولايات المتحدة - إسرائيل الكبرى) بإذن الله ليكون في ذلك عبرة لغيرهم. وبعيداً عن الجدل الدائر في أسباب حادث ١١ سبتمبر، وهل كان بتخطيط وتدبير من الملأ الصهيوني في الحكومة الأمريكية مكراً وكيداً، أم أنه بتخطيط وتنفيذ المجاهدين في أفغانستان؟ فهناك حقيقة يتفق عليها المسلمون، وهي أن هذا الحادث هو إنذار من الله لدولة الكفر والعناد، وكسر لطغيانهم وجبروتهم، وبداية لهزائم متعددة؛ سياسية، وعسكرية، واقتصادية وأخلاقية، كما قال الله تعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) ، وبعيداً كذلك عن الجدل الدائر حول أهداف أمريكا الصهيونية وذيلها بريطانيا من الحرب على العراق؛ فلا شك أن خوفهم من ذلك العملاق الذي بدأ يستيقظ، ومعرفتهم بأنه لا بقاء لهم مع قوة الإسلام ووعي المسلمين - أي محاولتهم استباق الحدث ومحاصرة المسلمين في عقر دارهم ومصدر هدايتهم - فذلك السبب هو من أهم دوافع هذه الحملة الصليبية، وليس النظام البعثي الذي هو صنيعة من صنائعهم، فهم إنما جاؤوا محاربين لهذا الدين غير أنهم لا يدركون أن الله غالب على أمره، وأنه من يغالب الله يُغلب، وأن من يقف عائقاً أمام هذا الدين فهو هالك خاسر لا محالة: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف: ٩) ، ولذلك فإن مؤشرات مكر الله بهم بدأت تظهر، ومنها: ١ - وقوع الاختلاف والتفرق داخل المجتمع الأمريكي من جهة، وبينهم وبين بني قومهم من الأوروبيين من جهة أخرى؛ إذ وصل الأمر إلى السباب والشتائم، وقريباً بإذن الله سيزداد الخلاف، فالحرب الباردة بين أمريكا وأوروبا متمثلة في قطبيها ألمانيا وفرنسا قد بدأت منذ سنوات، وما أن تقع الفرقة ويحدث الاختلاف في داخل أمة إلا حل بها الهلاك والدمار، وكان ذلك مؤذناً بالزوال. ٢ - تبين ظلمهم الواضح، وبغيهم، وعلوهم في الأرض، وتسلط الملأ منهم وتجبرهم حتى على الإرادة الإلهية، وهذا بلا شك مؤذن لهم بعذاب من الله، كما قال سبحانه: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥٨) ، وقال سبحانه: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ] (القصص: ٤-٦) ، وقال سبحانه أيضاً: [وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] (القصص: ٥٩) ، وفي الحديث: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» [٢] . ٣- عزلتها الدولية، ووقوف أكثر دول وشعوب العالم ضدها، وبروز قوى مناهضة لها صراحة، ولأول مرة في تاريخ مجلس الأمن تهدد دولة صديقة لأمريكا باستخدام حق الفيتو ضد المشروع الأمريكي وهي فرنسا. تلك الدولة التي انضمت مع ألمانيا العدوة القديمة ضد الصديقة التي حررتها منها، فسبحان من يدبر الأمر كما يشاء! وهذا من مكر الله بأمريكا. ٤ - ازدياد الحمية الإسلامية في قلوب شعوب العالم الإسلامي، وتقاربهم في الرأي، ولجئهم إلى الله، وعودتهم إلى الدين الحق، وهذا من أسباب نصر الله لهذه الأمة وخذلان الكافرين والمنافقين. ٥ - ظهور انكسار أصحاب القلوب المريضة وذلهم؛ من الذين يسارعون في تولي الكافرين، وخوفهم الشديد من بطش أوليائهم من الكافرين والمكر بهم؛ حتى أصبح بعض من كان بالأمس يسبح بحمد أمريكا يلعنها على الملأ، ويتمنى زوالها بعد أن كان يدعو إلى التبعية لأمريكا بلد الحرية والمساواة!! ٦ - ما حصل في عدد من الدول الإسلامية من تقدم للحركات الإسلامية، وخاصة في تركيا، والباكستان، والمغرب، وهذا لم يكن في حسابات أمريكا. ٧ - انهيار القاعدة الأخلاقية التي كانت تنادي بها أمريكا، وتدَّعي بها أنها الزعيمة الأخلاقية للعالم، فانطلاقاً من هذه القاعدة بنت صداقتها مع الآخرين وكسبت مودتها، فقد كانت تزعم أنها بلد العدالة والحرية والأخلاق والمساواة، وهذا ما دفع كثيراً من أصحاب العقول المتميزين في تخصصاتهم إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة وتفضيلها على غيرها من الدول؛ لما تدَّعي من الحرية والمساواة بين أفراد شعوبها، ولكنها اليوم فقدت ذلك وأصبحت زعيمة العنصرية؛ حتى رماها بعض الساسة من الألمان بأنها نازية القرن الحادي والعشرين، فقد أظهرت الأحداث أن ما تدعيه كذب وسراب خادع، وأنها لا تمتلك من الأخلاق ما يمكنها من البقاء. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وختاماً؛ فإن بشائر النصر كثيرة، ومكر الله بالقوم ظاهر، وما على الأمة إلا أن تعود إلى دينها، وأن تأخذ بأسباب النصر الممكنة مع الثقة الصادقة بالله والتوكل عليه، وإقامة الجهاد بشروطه المعتبرة شرعاً، والاهتمام بإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعات المسلمين، والاعتصام بحبل الله، والاجتماع على الحق؛ حتى يتحقق وعد الله بنصر هذه الأمة وتأييدها، وإهلاك الظالمين المجرمين، وما ذلك على الله بعزيز: [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ] (محمد: ٤-٦) .

стр. 4551

دراسات في الشريعة الدعاء.. الدعاء محمد بن حسن البكري يُبصر الناس ما في المصائب من آلام وابتلاءات، ويشعرون في أوقاتها بالأحزان والنكبات، ولكن قلّةٌ مَنْ رَجَع البصر وكرَّره، وأمعن فكره في القرآن وتدبَّره، وترسَّم هدي أئمة الهدى وإمامهم رسول الله ﷺ ، وأخذ مما يواجهه في حياته الدروس والعبر. والجدير بالمؤمن خشيته من أن تشبه حاله في الضراء ما وصف الله تعالى من حال مَنْ لا يؤمن بالآخرة في قوله سبحانه: [وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ] (المؤمنون: ٧٤-٧٧) . ومع ما يعيشه المسلمون من بأساء وضراء في مجموعهم، ومع ما لا ينفك عنه أفرادهم من الكَبَد، قال الله سبحانه: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ] (البلد: ٤) ؛ تَحْسُن الدلالة على باب من أبواب التيسير عظيم، وحكمة من حكم المصائب جليلة، إنه دعاء الله، والتضرع إليه، واللجوء في السراء والضراء إليه، قال الله : [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ٤٢-٤٣) ، وليس لنا معشر العباد أن نخص ذلك بحال الضر دون الأخرى؛ فهل نحن إلا لله؟ وهل نحن إلا إليه راجعون؟ قال ربنا ﵎: [وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ] (فصلت: ٥١) . والعلاقة بين الله وعبده قائمة على افتقار العبد واحتياجه إلى ربه غاية الاحتياج؛ بحيث لا يستغني عنه طرفة عين، فهو خالقه من العدم، ومربيه بالنعم، بيده مقاليد الأمور، وهو الغني عن جميع خلقه، والقدير على كل شيء، والعليم بكل شيء، العزيز الذي لا يُغلب، والغالب الذي لا يُقهر، لا يخرج شيء عن ملكه في السماوات ولا في الأرض، الكريم الذي يحب أن يُسأل فيعطي، وليس لعطائه نفاد ، وتبارك وتقدس، فكيف يستغني عنه العبد الفقير الضعيف المسكين العاجز الذي تخفى عليه كثير من منافعه ومصالحه، بل قد يسعى في هلاك نفسه؟! وثمة أمور قد تُجهل فهاك علمها، وأخرى قد تُنسى فإليك الذكرى؛ ليكون دعاؤنا على بصيرة، ونحن حاضرو القلوب منيبون، نفعنا الله بها. * فالدعاء يُطلق على أمرين: ١ - دعاء العبادة: وهو شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب وداع ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها، فهو العبادة بمعناها الشامل. ٢ - دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه [١] . * من فضائل الدعاء [٢] : ١ - الدعاء عبادة عظيمة: قال الله : [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] (غافر: ٦٠) ، وقال رسول الله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» [٣] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل العبادة هو الدعاء» [٤] ، وقال ﷺ : «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» [٥] . ٢ - في الدعاء ابتعاد عن الكبر: ويدل عليه قوله : [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] (غافر: ٦٠) ، جاء في (تحفة الذاكرين) للشوكاني: «فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من العدم، وخالق العالم كله ورازقه ومحييه ومميته ومثيبه ومعاقبه!» [٦] . ٣ - ما يعطيه الله تعالى للداعي: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم؛ إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» ، قال: إذن نكثر، قال: «الله أكثر» [٧] ، وقال ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» [٨] . * آداب الدعاء: ترى الإنسان حين يطلب من أحد من الناس شيئاً يتأدب معه غاية الأدب، فيقدِّم بين يديه مقدمات، ويختار أنسب الكلمات، ويستمع بإنصات لما يرد عليه به، وكلما عظم الطلب اشتد الأدب، حتى إنه يفعل ما يطلبه منه لكي يتحقق له طلبه. ولا شك أن الله تعالى هو أحق من دُعي وسُئل وطُلب منه، وأحق من يُتأدب له. وإذا كان الدعاء من أعظم العبادات استحق أن يُحاط بجملة من الأحكام والآداب الواجبة والمستحبة، وأن تُجتنب موانع الإجابة والمحاذير الشرعية فيه. وما يتعبد لله تعالى به لا بد أن يكون خالصاً له، ومنه الدعاء، فلا يدعو مع الله غيره، بل لا يدعو إلا الله في الشدة والرخاء وفي كل حال، قال تعالى: [وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً] (الجن: ١٨) ، وقال سبحانه: [قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (الأنعام: ٤٠) . فإذا كان لا يُدعى في الشدة غيره؛ فلماذا يُلجأ إلى غيره في الرخاء؟! قال تعالى: [ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ] (النحل: ٥٣-٥٤) ، وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ] (الأعراف: ١٩٤) ، وقال: [وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ] (الأعراف: ١٩٧) ، وجملة [مِن دُونِ اللَّهِ] ، [مِن دُونِهِ] : شاملة لكل ما يُعبد من دون الله؛ من جماد، أو نبات، أو حيوان، أو إنسان، أو صنم، أو شمس، أو ولي، أو نبي.. إلخ. ومن ذلك وصية النبي ﷺ لابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف» [٩] . وكذلك فإن على الداعي أن يحذر من الرياء ومن السمعة، قال صلى الله عليه وسلم: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» [١٠] . وللدعاء آداب يتأدب بها الداعي، منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومن ذلك: ١ - الجزم بالدعاء، واليقين بالإجابة: وهذا ينشأ من معرفة الله تعالى، ومعرفة غناه وقدرته وكرمه وصدق وعده، قال النبي ﷺ : «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مُكره له» [١١] ، وقال ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ» [١٢] . ٢ - التضرع والخشوع، والرغبة في فضل الله، والرهبة من عقوبته: لقوله تعالى: [وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً] (الأعراف: ٢٠٥) ، وقوله تعالى: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] (الأنبياء: ٩٠) . ومن تضرُّع النبي ﷺ وخشوعه: ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه ﷺ تلا قول الله عن إبراهيم ﵇: [رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي] (إبراهيم: ٣٦) ، وقول عيسى ﵇: [إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (المائدة: ١١٨) ، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى، فقال الله : «يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فسَلْه ما يُبكيه» . فأتاه جبريل فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله تعالى: «يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» [١٣] . ٣ - إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والشكوى إليه من الضعف والضيق والبلاء: إذ قال الله تعالى في حق أيوب ﵇: [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] (الأنبياء: ٨٣) ، وقال سبحانه حاكياً دعاء زكريا ﵇: [رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ] (الأنبياء: ٨٩) . ودعاء إبراهيم ﵇: [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] (إبراهيم: ٣٧) . ٤ - حمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ : عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته؛ لم يمجد الله تعالى، ولم يصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ : «عجل هذا» ، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء» [١٤] ، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ ثم ادعه» ، ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : «أيها المصلي، ادع تُجَب» [١٥] ، وقال ﷺ : «كل دعاء محجوب حتى يُصلى على النبي ﷺ » [١٦] . ٥ - أن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا: قال الله : [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] (الأعراف: ١٨٠) ، وسؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته كثير في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ ، ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت أو: لا إله غيرك» [١٧] . وسمع ﷺ رجلاً يقول في تشهده: «اللهم إني أسألك يا الله [الواحد] الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم» ، فقال ﷺ : «قد غفر له، قد غفر له» [١٨] . وسمع ﷺ آخر يقول في تشهده: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت [وحدك لا شريك لك] [المنان] ، [يا] بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، [إني أسألك] [الجنة، وأعوذ بك من النار] ، فقال النبي ﷺ لأصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: [والذي نفسي بيده] لقد دعا الله باسمه العظيم. (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى» [١٩] . ٦ - الاعتراف بالذنب: عن شداد بن أوس ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء [٢٠] لك بنعمتك عليّ وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يُمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» [٢١] . ٧ - ألا يدعو الداعي على نفسه إلا بالخير: فحتى يكون الدعاء مقبولاً عند الله لا بد أن يكون في الخير بعيداً عن الإثم وقطيعة الرحم، قال صلى الله عليه وسلم: «يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» [٢٢] . وقال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» [٢٣] . ٨ - الدعاء بصالح الأعمال: وقد ورد هذا في حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بأخلص أعمالهم، فذكر أحدهم: بره بوالديه، وذكر الثاني: عفافه عن الحرام بعد أن تيسر له الزنا دون أن يراه أحد من الناس، وذكر الثالث: أمانته وأداءه الحقوق، وكل منهم يدعو بعد ذكر عمله ويقول: «اللهم! إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه» فاستجاب الله دعاءهم [٢٤] . وفي آيات آل عمران في دعاء أولي الألباب قال تعالى: [رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ] (آل عمران: ١٩٣) . ٩- أن يتخير جوامع الدعاء ومحاسن الكلام: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء وَيَدَع ما سوى ذلك [٢٥] ، وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أصلي وله حاجة فأبطأت عليه، قال: «يا عائشة، عليك بجُمل الدعاء وجوامعه» ، فلما انصرفت قلت: «يا رسول الله، وما جمل الدعاء وجوامعه؟» قال: «قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به محمد، وأعوذ بك مما تعوذ منه محمد، وما قضيتَ لي من قضاء فاجعل عاقبته رشداً» [٢٦] ، قال الخطابي ﵀: (وليتخير لدعائه والثناء على ربه أحسن الألفاظ، وأجمعها للمعاني؛ لأنه مناجاة العبد سيد السادات الذي ليس له مثل ولا نظير) [٢٧] . ١٠- الإكثار من الدعاء، والإلحاح فيه: وهذا من زيادة الرجاء في فضل الكريم سبحانه، جاء في الحديث: «إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه» [٢٨] ، وقال ﷺ : «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال يقول: قد دعوت فلم أرَ يُستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» [٢٩] . وقال: «ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم، إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» ، قال: إذن نكثر. قال: «الله أكثر» [٣٠] ، وقال ﷺ : «ألظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» [٣١] ، ومعنى (ألظوا) : «الزموه واثبتوا عليه، وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم» [٣٢] . ١١ - الدعاء في كل الأحوال: لقول رسول الله ﷺ : «مَنْ سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب؛ فليكثر الدعاء في الرخاء» [٣٣] ، وبئس صنيع المرء أن يدعو حال الضر، ويذر بعد كشفه، وإنه لحال المسرفين، قال ربنا تعالى: [وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (يونس: ١٢) . ١٢- تكرار الدعاء ثلاث مرات: هو هدي النبي ﷺ ، قال ابن مسعود ﵁ يصف الرسول ﷺ : «وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً» ، ومنه دعاؤه ﷺ على بعض المشركين لما وضع على ظهره ﷺ سلا جزور وهو يصلي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» ، ثم سمى: «اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد» . قال عبد الله: فو الله! لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب - قليب بدر -، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأُتبع أصحاب القليب لعنة» [٣٤] . ١٣ - خفض الصوت بالدعاء: قال تعالى: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] (الأعراف: ٥٥) ، وقال ﷺ : «ارْبَعُوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم» [٣٥] ، وقد امتدح الله دعاء زكريا ﵇ فقال: [إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا] (مريم: ٣) . ١٤ - الوضوء قبله: وهذا ثابت في حديث أبي موسى في قصة بعث أبي عامر بعد حنين، وفيه: أن النبي ﷺ لما أراد أن يستغفر لأبي عامر ويدعو له دعا بماء، فتوضأ ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيدٍ أبي عامر» ، ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» ، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: «اللهم! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله مدخلاً كريماً» [٣٦] . قال ابن حجر: (يستفاد منه استحباب التطهير لإرادة الدعاء) [٣٧] . ١٥ - رفع اليدين: عن ابن عمر ﵄ قال: رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم! إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين [٣٨] . وفي حديث أبي موسى: «ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيدٍ أبي عامر. ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: ... » الحديث [٣٩] ، وقد ذكر السيوطي أن أحاديث رفع اليدين في الدعاء تواترت تواتراً معنوياً [٤٠] . ١٦ - استقبال القبلة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «استقبل النبي ﷺ الكعبة، فدعا على نفر من قريش..» [٤١] . * محاذير يجتنبها الداعي: هي أمور إما أن تفسد الدعاء من أصله، وإما تضر بالداعي، وإما توقعه في مخالفة شرعية ... ومن ذلك: ١ - دعاء غير الله تعالى [٤٢] : إذا تقرر أن الدعاء أعظم العبادات، وأجلّ الطاعات، وأنه يجب صرفه لله تعالى وحده لا شريك له؛ فإن من دعا أو استغاث أو استعان أو استعاذ [٤٣] بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله ؛ فقد كفر وخرج من الملة؛ سواء كان هذا الغير نبياً، أو ولياً، أو ملكاً، أو جنياً، أو غير ذلك من المخلوقات. كما قال تعالى: [وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (يونس: ١٠٦-١٠٧) ، وقال تعالى: [وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (القصص: ٨٨) ، وقال سبحانه: [وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ] (الأحقاف: ٥-٦) ، وقال : [وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً] (الجن: ١٨) . وقال ﷺ : «من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار» [٤٤] ، فمن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان؛ أن يدعو العبد غير الله؛ فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يُشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم: [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] (الكهف: ١١٠) [٤٥] . ومن أجلى أنواع الشرك الأكبر: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده [٤٦] . ويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيراً وتأثيراً أو خلقاً، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم إنها تخلق وترزق، وتُدبّر أمر مَنْ قصدها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم سبحانه في قوله: [مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى] (الزمر: ٣) [٤٧] . ٢ - الاعتداء في الدعاء: قال تعالى: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] (الأعراف: ٥٥) . * ومن الاعتداء في الدعاء: أ - أن يشتمل الدعاء على شرك بالله؛ كأن يدعو غير الله تعالى؛ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو قبر، أو غير ذلك. أو يدعو وهو يرجو غير الله أن يحقق مطلوبه. ب - أن يشتمل الدعاء على بدعة. ت - الدعاء على النفس بالموت؛ لقوله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد [٤٨] فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» [٤٩] ، ولما جاء عن قيس قال: أتيت خباباً وقد اكتوى سبعاً، قال: «لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن أن ندعو بالموت لدعوت به» [٥٠] . ث - الدعاء بتعجيل عقوبة الآخرة في الدنيا. لما جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟» ، قال: «نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا» ، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، لا تطيقه - أو لا تستطيعه -، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» ، قال: فدعا الله له فشفاه [٥١] . ج - أن يفصِّل الداعي تفصيلاً لا لزوم له؛ لما عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه لما سمع ابنه يدعو قائلاً: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: «يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:» سيكون قوم يعتدون في الدعاء «؛ فإياك أن تكون منهم، إن أُعطيت الجنة أُعطيتها وما فيها، وإن أُعذت من النار أُعذت منها وما فيها من الشر» [٥٢] . ٣ - تحجير رحمة الله : كأن يقول: اللهم اسق مزرعتي وحدها، أو اللهم أصلح أولادي دون غيرهم، أو رب ارزقني وارحمني دون سواي، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ في صلاة فقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: لقد حجّرت واسعاً - يريد رحمة الله -» [٥٣] . ٤ - الدعاء على النفس والأهل والمال: لقوله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» [٥٤] . ٥- تكلف السجع في الدعاء: ويوضح هذا نصيحة ابن عباس رضي الله عنهما لعكرمة ﵀، قال فيها: «حدِّث الناس كل جمعة مرة ... » ، ثم قال: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك» ؛ يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب [٥٥] . * من موانع إجابة الدعاء: ثمة أمور إذا حصلت من الداعي؛ فإنه متوَعد بعدم إجابة دعائه، ومنها: ١- المطعم الحرام، والمشرب الحرام، والملبس الحرام، والتغذية بالحرام: لا يفطن الإنسان أحياناً إلى العلاقة بين الجسد والروح الذي يتركب منهما الإنسان، وأن كل واحد يؤثر في الآخر، فنوعية الغذاء تؤثر أحياناً في نفسية الإنسان، وكسبه يؤثر في عبادته، ومن أخطر ذلك: العيش من الكسب المحرم؛ من ربا، أو غش، أو رشوة، أو سرقة، أو مال يتيم، أو دخل لا يستحقه.. وهو يمنع إجابة الدعاء: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] (المؤمنون: ٥١) . وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم] (البقرة: ١٧٢) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذِّي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك؟!» [٥٦] . ٢ - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، فتدعونه فلا يستجيب لكم» [٥٧] . ٣ - الاستعجال في إجابة الدعاء: صحّ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله، فما الاستعجال؟ قال: «يقول قد دعوت فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدَعُ الدعاء» [٥٨] ، والاستحسار: الإعياء والانقطاع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء، ومنه قوله تعالى عن الملائكة: [لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ] (الأنبياء: ١٩) ؛ أي لا ينقطعون عنها، وفيه طلب دوام الدعاء وعدم استبطاء الإجابة. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» [٥٩] ، وكذلك قوله تعالى: [وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً] (الإسراء: ١١) . وهذا لا ينافي الدعاء بتعجيل الطلب، فقد صح عن النبي ﷺ في حديث الاستسقاء قوله: «عجلاً غير رائث» [٦٠] . ٤ - غفلة القلب وشروده: شرود القلب حال الدعاء والذكر والقراءة والصلاة من أشد ما يحرم الإنسان من ثمرات العبادة وبركاتها، فالصلاة بلا خشوع لا أجر عليها، والدعاء بلا قلب لا يُستجاب! عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ» [٦١] ؛ أي يجب أن يكون قلبك حاضراً وأنت تدعو، متفهماً لما تقول، وتذكر من تخاطب؛ فإنك تخاطب الله رب العالمين، فلا يليق بك وأنت العبد الذليل أن تخاطب مولاك بكلام لا تعيه، أو بجمل عفوية قد اعتدت على تكرارها دون التفهم لفحواها أو الإدراك لمعانيها. ٥ - ومن موانع الإجابة: ما بينه النبي ﵊ في قوله: «ثلاثة يدعون فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يُشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله، وقال الله عز وجل: [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم] (النساء: ٥) » [٦٢] . * أوقات وأحوال ترجى فيها إجابة الدعاء: ١- عند النداء للصلوات المكتوبة، وعند التحام الصفوف: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلحِم [٦٣] بعضهم بعضاً» [٦٤] . ٢- بين الأذان والإقامة: لقوله ﵊: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا» [٦٥] . ٣ - في السجود: لقوله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» [٦٦] . ٤ - دُبُر الصلوات المكتوبة: سئل النبي ﷺ أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوف الليل الآخر، ودُبُر الصلوات المكتوبات» [٦٧] . ٥ - آخر ساعة من يوم الجمعة: لقوله ﷺ : «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة؛ منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» [٦٨] . ٦ - في أوقات من الليل، وخاصة ثلثه الأخير: الليل وقت يخلو فيه المحبون بأحبابهم، فيجد المؤمنون فيه فرصة للأنس بربهم ومناجاته، وهو وقت خصه الله بمزيد فضل المناجاة والدعاء فيه، قال ﷺ : «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» [٦٩] . وقال ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ ومَنْ يسألني فأعطيه؟ ومَنْ يستغفرني فأغفر له؟» [٧٠] . والقسم الأول من ثلث الليل الآخر «وهو جوف الليل الآخر» [٧١] أفضل للدعاء، فقد سُئل النبي ﷺ أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات» ، وهو الموافق لصلاة داود ﵇، قال ﷺ : «... أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» [٧٢] ، فصلاته تبدأ قبل جوف الليل الآخر وتشمله، حتى يبدأ السدس الأخير من الليل فينام. ٧ - عند التعار من الليل وقراءة الذكر الوارد: لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعار من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد الله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم دعا: رب اغفر لي، غفر له، أو دعا استُجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلى قُبلت صلاته» [٧٣] . ٨ - دعاء العبد بـ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين: لقوله ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط، إلا استجاب الله له» [٧٤] . ٩ - أحوال أخرى للداعي: أ- دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب: عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» [٧٥] . ب - دعوة الصائم، والمسافر، والمظلوم، والوالد لولده، وعلى ولده: لقوله ﷺ : «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم» [٧٦] ، وقوله ﷺ : «ثلاث دعوات لا تُرد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر» [٧٧] ، وقوله ﷺ لمعاذ عندما بعثه لليمن: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [٧٨] . ج - يوم عرفة: قال ﷺ : «خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» [٧٩] . د - دعوة المضطر: المضطر: المكروب المجهود [٨٠] ، والله ﵎ يجيب المضطر إذا دعاه ولو كان مشركاً، فكيف إذا كان مسلماً عاصياً مفرطاً في جنب الله؟ بل كيف إذا كان مؤمناً براً تقياً؟ قال تعالى: [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ] (النمل: ٦٢) ، قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية السابقة: «أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي يكشف ضر المضرورين سواه؟» [٨١] . هـ - دعوة الحاج، والمعتمر، والغازي في سبيل الله: لقوله صلى الله عليه وسلم: «الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر؛ وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» [٨٢] . فيا ترى: أين نحن من الدعاء؟ وما حالنا معه؟ . ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ربنا انصر مجاهدنا وثبت قدمه، ربنا نج مستضعفنا، ربنا اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

стр. 4552

دراسات في الشريعة وتوبوا إلى الله جميعاً فيصل بن علي البعداني albadani@gawab.com للأزمات أثرها في شعور الناس بضعفهم وعجزهم، يصاحب ذلك تطلع إلى الخلاص، فإذا المرء يتلفت عن يمينه وشماله بحثاً عن مخرج، فهناك تتجه النفوس إلى خالقها، حتى إن المشركين إذا مسهم الضرّ دعوا الله مخلصين له الدين! تلك الفرصة السانحة من إقبال القلوب على الله تعالى هي مفتاح الفرج، إذا ما أُحسن استثمارها بابتداء عملية مراجعة شاملة للنفس، مع صدق العزم على المضي في التغيير الجاد الذي جعله الله شرط تغيرُّ الأحوال: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . ولمسيس حاجة الأمة أفراداً وجماعات إلى المراجعة والتوبة، وخاصة في مثل هذه الظروف العصيبة.. جاء هذا المقال، أسأل الله أن ينفع به. * حقيقة التوبة: التوبة: رجوع العبد إلى ربه تعالى؛ بفعل الطاعة واجتناب المعصية، ومفارقة طريق المغضوب عليهم والضالين. فهي رجوع عما تاب منه العبد إلى ما تاب إليه. فالتوبة المشروعة هي: الرجوع إلى الله، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وليست التوبة من فعل السيئات فقط كما يظن كثير من الناس، ولايتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من الفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيراً مما أمرهم الله به من الأقوال والأعمال، وقد لا يعلمون أن ذلك مما أُمروا به، أو يعلمون الحق ولا يتبعونه، فيكونون: إما ضالين؛ بترك العلم النافع، وإما مغضوباً عليهم؛ بالإعراض عن الحق بعد معرفته. * منزلتها: وردت العديد من النصوص التي تبين فضل التوبة وعظم منزلتها، ومن ذلك أنها: ١ - سبب لنيل محبة الله : كما قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ] (البقرة: ٢٢٢) ؛ إذ في التوبة تقرب من الله تعالى بالإقدام على الطاعة واجتناب المعصية، وذلك عن طريق الظفر بحب الله، كما جاء في الحديث القدسي أنه قال: «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» [١] . ٢ - سبب للفلاح في الدنيا والآخرة: كما قال الله : [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) ، ومن دلائل ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً؛ فهل له من توبة؟ قال: لا. فقتله فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله. وقالت: ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجوده إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» [٢] ، فهذا الرجل لم يعمل خيراً قط لكن حين تاب أفلح وسعد. ٣ - سبيل عدم الخوض في الظلم: كما قال الله : [وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (الحجرات: ١١) . قال ابن القيم: «قسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثَمَّ (هناك) قسم ثالث ألبتة، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه، وبعيب نفسه، وآفات عمله» [٣] . ٤ - سبب لتكفير السيئات ودخول الجنات: كما قال : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ] (التحريم: ٨) . وقال : [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ] (آل عمران: ١٣٥-١٣٦) . وقال صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» [٤] . وقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [٥] . وقال ﷺ : «إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمسحها» [٦] . وقال ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة. فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقاتل هذا في سبيل الله فيُستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيُسلم، فيقاتل في سبيل الله عز وجل فيُستشهد» [٧] . ٥ - سبب لتبديل السيئات حسنات: كما قال الله : [إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً] (الفرقان: ٧٠) ، وعن أبي طويلٍ ﵁ أنه قال: «أتيت النبي ﷺ فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا دَاجَة إلا أتاها؛ فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي. قال: نعم. قال: الله أكبر. فما زال يكبر حتى توارى» [٨] . ٦ - سببٌ لسلامة القلب ونقائه: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا أخطأ نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نَزَع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيه حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (المطففين: ١٤) » [٩] . ٧ - سبب لتحصيل دعاء الملائكة واستغفارهم: كما قال حكاية عن الملائكة أنهم يدعون الله قائلين: [فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ] (غافر: ٧) . * الترغيب في التوبة: وردت العديد من النصوص التي تأمر بالتوبة وترغب فيها، ومن ذلك: ١ - قول الله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً] (التحريم: ٨) . ٢ - وقوله تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) . ٣ - وقوله سبحانه: [أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (المائدة: ٧٤) . ٤ - وقوله تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) . ٥ - وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» [١٠] . ٦ - وعن رفاعة الجهني ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يمهل حتى إذا ذهب من الليل نصفه أو ثلثاه قال:» لا يسألن عبادي غيري، مَنْ يدعني أستجب له، مَنْ يسألني أعطه، مَنْ يستغفرني أغفر له. حتى يطلع الفجر « [١١] . ٧ - وعن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال ﷺ : » إن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها « [١٢] . ٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال ﷺ :» لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه؛ من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك؛ إذ بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك!! أخطأ من شدة الفرح « [١٣] . ٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: » لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم « [١٤] . ١٠ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال:» كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون « [١٥] . * حكم التوبة: التوبة نوعان: واجبة ومستحبة: فالواجبة: هي التوبة من ترك واجب أو فعل محظور، وهذه واجبة على جميع المكلفين؛ إذ تجب التوبة على جميع العباد من ذنوبهم ومعاصيهم؛ لقوله عز وجل: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) ، وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً] (التحريم: ٨) . وهذا الوجوب واجب على الفور لا التراخي؛ لأن ظواهر النصوص، ووضع اللغة يدلان على ذلك، ولأن التنفيذ على الفور والمبادرة إلى التوبة طريق السلامة من خطر الوقوع في المعاصي. والمستحبة: هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات، فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين؛ إما الكافرين، وإما الفاسقين. * شروط التوبة: إذا استجمعت التوبة الشروط اللازمة لها؛ فإنها مقبولة ماحية للذنوب والمعاصي التي يتب منها، وشروط التوبة هي: ١ - أن تكون خالصة لله تعالى، واقعة لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والهيبة مما عنده سبحانه، لا كمن يتوب لحفظ مصلحته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ قوته وماله، أو لاستدعاء حمد الناس أو الهروب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لكرهه للأمر الذي كان عاصياً لله تعالى به، وانتهاء نهمته منه، أو لإفلاسه وعجزه وعدم قدرته على اقتراف المعصية، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحة التوبة وخلوصها لله . قال الله تعالى: [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] (الكهف: ١١٠) ، وقال سبحانه في الحديث القدسي:» أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه « [١٦] . ٢ - أن تكون التوبة موافقة لهدي نبينا محمد ﷺ ، وذلك لأن التوبة من العبادات الخالصة التي يجب أن تتلقى عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي قال:» من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد « [١٧] . قال ابن رجب ﵀:» فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله؛ فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء « [١٨] . وقال الثوري ﵀:» كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بالسنة « [١٩] . ٣ - أن يقلع الإنسان عن الذنب: وذلك لأن التوبة تستحيل مع مباشرة العبد للذنب الذي يتوب منه، فمن لا يصلي لا بد له أن يصلي، ومن يكذب لا بد له أن يترك الكذب، ومن يعق والديه لا بد له من برهما.. وهكذا. ولا شك أن من ادعى التوبة، وأكثر من ترديد قول: (أستغفر الله) مع إقامته على المعصية التي يتوب منها، لا شك أنه كاذب في ادعائه، بل هو كالمستهزئ بالله سبحانه، والمقياس هو العمل والسلوك، وليس الكلام والادعاء، فكم من إنسان ليس له من الإسلام إلا الاسم، ومن الأخلاق إلا الادعاء، ومن التوبة إلا الرياء. ٤ - أن يندم على فعل الذنوب: إذ من لم يندم على فعل الذنب فذلك يدل على رضاه به وإصراره، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: » الندم توبة « [٢٠] . والنادم: هو الذي يتمنى لو عاد به الزمان، واستقبل من أمره ما استدبر؛ ما فعل الذنب، ولاستقام على أمر الله وطاعته ولم يفارقها. ٥ - أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب أبداً: والعزم: هو الإصرار على عدم العودة إلى اقتراف الذنب مرة أخرى. وهو من لوازم صدق التوبة، فلا توبة لمن يعلن الإقلاع عن ذنب وهو ينوي اقترافه، أو لا مانع لديه من ذلك؛ إذ ذلك حال المتلاعبين. والعزم على عدم الذنب لا يعني عدم الوقوع في الذنب؛ بحيث متى عاد إلى الذنب بطلت توبته، بل المطلوب من العبد أن يعزم عزماً أكيداً، وأن يصر إصراراً جازماً على عدم العودة إلى الذنب، فمتى فعل ذلك صحت توبته وقبلت، فمن أزله الشيطان بعد ذلك فوقع في الذنب مرة أخرى؛ فإنه يحتاج إلى توبة صادقة أخرى، ولا علاقة لهذه التوبة الثانية بالتوبة الأولى، وتوبته الأولى صحيحة غير باطلة، لحديث عقبة بن عامر ﵁ إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال:» يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: يُكتب عليه. قال: ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يُغفر له ويتاب عليه. قال فيعود فيذنب. قال: فيُكتب عليه. قال: ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يُغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا « [٢١] ، وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه قال:» أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي! فقال ﵎ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي! فقال ﵎: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي! فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك « [٢٢] . ٦ - إرجاع الحقوق إلى أصحابها: إذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي كسرقة أو غش ونحو ذلك فلا بد أن يرد الحق إلى صاحبه إلا أن يسامح صاحب الحق ويعفو. أما إن كان الذنب سباً أو شتماً أو غيبة أو نميمة؛ فالواجب أن يطلب من صاحب الحق مسامحته، إلا إذا كان طلب المسامحة منه يؤدي إلى نفرة وعداوة بينهما، فالمطلوب منه أن يدعو له في ظهر الغيب، ويذكره بخير في المجالس التي ذكره فيها بِشر، حتى يغلب على ظنه أنه رد حقه ووفَّاه بقدر ما نال منه. ٧ - أن تقع التوبة في وقتها المشروع، وهو قبل أحد أمرين: أ - الغرغرة؛ لقوله ﷺ :» إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر « [٢٣] . والمراد بالغرغرة: بلوغ الروح الحلقوم، ووصول العبد في النزع مرحلة يوقن فيها بحضور الموت دون شك، كفرعون الذي قال حين أدركه الغرق: [آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ] (يونس: ٩٠) ، فلم يقبل الله توبته قال : [آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ] (يونس: ٩١-٩٢) . ب - طلوع الشمس من مغربها؛ لقوله ﷺ :» من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه « [٢٤] ، وقوله ﷺ : » للجنة ثمانية أبواب: سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من مغربها « [٢٥] . * أساليب الشيطان في إبعاد الإنسان عن التوبة: ١ - التزيين: بحيث يزين الشيطان للعبد المعاصي، ويحببها له، ويجعله يميل إليها، وينفره من الطاعة، ويظهر له صعوبتها، والمشقة في فعلها. ٢ - التلبيس: بحيث يلبس الشيطان على العبد ويخدعه في كون الحرام حلالاً، والمنكر معروفاً، والباطل حقاً، حتى تأنس نفسه إلى فعل ما لا يرضي الله تعالى، ويزول ما في نفسه من تحرج من إتيان المعصية، ويصير اقترافه لها أمراً معتاداً لا غضاضة ولا حرج في نفسه منه. ٣ - التسويف: حين لا يجدي تزيين الشيطان وتلبيسه على العبد؛ يقود الشيطان العبد إلى التسويف وتأخير التوبة، فيقول له حين يراه مصرّاً على التوبة: لا بأس أن تتوب، ولكن لماذا العجلة وأنت في مرحلة الشباب؟ لماذا تتوب؟ .. حتى تكمل الدراسة. فإذا أكمل الدراسة قال له: حتى تجد عملاً. فإذا وجد قال: حتى تتزوج. فإذا تزوج قال له: حتى تؤمّن المستقبل. وهكذا يتدرج معه في التسويف حتى يضعف إقباله على التوبة، أو حتى يفاجئه الموت قبلها. وعلاج التسويف يكون بتذكر الموت والبلى، وأن الصغير قد يموت قبل الكبير، والصحيح قبل المريض، قال ﷺ حاضاً على تذكره: » أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت « [٢٦] . وقد ذم الله سبحانه من اغتر بالمغفرة فتمادى في المعصية، فقال تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا] (الأعراف: ١٦٩) . ٤ - تهوين المعصية: حين يحرص العبد على التوبة مستعظماً ذنبه وما اقترفه؛ يأتيه الشيطان ويقول له: ماذا فعلت حتى تتوب؟ أنت من خيار الناس، والتوبة يحتاجها أصحاب المعاصي الكثيرة الكبيرة، فأنت لست منهم فلا تشغل نفسك بذلك، وحتى لو تضاعفت ذنوبك فهي صغيرة قليلة بالنسبة لغيرك، والله غفور رحيم؛ لا يؤاخذ الناس بمثل ذلك، قال ابن مسعود ﵁:» إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، قال به هكذا فطار « [٢٧] . ٥ - تصعيب الاستمرار على الطاعة بعد التوبة: التوبة: تحتاج إلى استقامة على الطاعة، والاستقامة شاقة على النفس، وتجلب عداوة أصدقاء السوء، فيأتيه الشيطان ويقول له: لماذا تتعب وتحمل نفسك مشقة الطاعة وعداوة من حولك من المنحرفين القريبين والبعيدين. ٦ - التيئيس: يسرف بعض العباد في اقتراف المعاصي، ويذنبون فيطمعون في التوبة، وحين يقدمون عليها يستعظمون ذنوبهم وهي عظيمة فيغلب عليهم جانب الخوف على جانب الرجاء، فيدخل الشيطان عليهم من هذا السبيل، ويقذف في نفوسهم أن الله لا يقبل توبتهم لأن ذنوبهم عظيمة وكثيرة؛ لذا يصاب الإنسان باليأس والقنوط من رحمة الله، وهذا اليأس والقنوط ذنب آخر يضاف إلى الذنوب الأخرى التي تحتاج إلى توبة منها. وعلاجه بتذكر سعة رحمة الله وعظيم مغفرته، قال الله تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) . وقال ﷺ : » قال الله ﵎: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقراب الأرض [ملؤها، أو ما يقارب ملأها] خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة « [٢٨] . وجاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ » وهي الغامدية «فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني. فردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً! فو الله إني لحبلى! قال:» إما لا، فاذهبي حتى تلدي «، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال: » اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه «، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله! قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتَنَضَّح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبَّه إياها فقال:» مهلاً! فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له « [٢٩] ، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت، وفي رواية أخرى:» لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى « [٣٠] . ٧ - الاغترار بكثرة العاصين: بمشاركتهم في المعصية ثم العقوبة، والظن بأن ذلك ينفع، وقد نفى الله ذلك، فقال: [وَلَن يَنفَعَكُمُ اليَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ] (الزخرف: ٣٩) . * علامات صحة التوبة: هناك علامات كثيرة لصحة التوبة، من أبرزها: ١ - أن يكون العبد بعد التوبة خيراً منه قبلها؛ بحيث يكثر من عمل الصالحات، ومصاحبة أهل العلم والخير والصلاح، ويحرص جداً على ترك المعاصي والسيئات، والابتعاد عن أهل الزيغ والانحراف. ٢ - أن لا يزال الخوف مصاحباً له لا يأمن من مكر الله طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه: [أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] (فصلت: ٣٠) . ٣ - عظم ندمه وتحسر قلبه على ما فَرَط منه وخوفه من سوء عاقبته؛ لأن من لم يتحسر قلبه ويندم على ما فرط في الدنيا تحسر في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، فلا بد من تقطُّع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة. * بواعث التوبة: هناك دوافع كثيرة تساعد العبد على الإسراع في التوبة والتعجيل بها، ومن ذلك: ١ - عموم الأمر بالتوبة والحث على تعجيلها: ومن ذلك قوله تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) . وقوله عز وجل: [وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى] (طه: ٨٢) . وقال ﷺ :» إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها « [٣١] . ٢ - معرفة الإنسان لعلاقته بالزمن: أ - الزمن هو الحياة: قال الحسن البصري:» يا ابن آدم: إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك، وإنما أنت بين راحلتين تنقلانك، ينقلك الليل إلى النهار، وينقلك النهار إلى الليل، حتى يسلمانك إلى الآخرة « [٣٢] . ب - أهمية استثمار العبد للحياة ليسعد: قال ﷺ :» اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك « [٣٣] . ج - الزمن الماضي لا يعود، ولكن يمكن محاسبة النفس على تفريطها فيه؛ بحيث يتذكر العبد أخطاءه وذنوبه في ماضيه، ليورثه ذلك ذلاً وانكساراً بين يدي الله عز جل، فيندفع في مستقبله لاستثمار أيامه في طاعة الله ، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي التي يقع فيها؛ حتى لا يكون مستقبله شبيهاً بماضيه. ٣ - الحياء من الله تعالى: باستشعار نعمه وعظيم فضله وجزيل عطاياه، ثم مقارنتها بتقصير العبد وتفريطه في حق الله ﵎، وهذه المعاني لما اجتمعت في دعاء استحق أن يسمى (سيد الاستغفار) ، وهو أن يقول:» اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت « [٣٤] . ٤ - الموت والمستقبل: يمكن للعبد أن ينوي استثمار مستقبله فيما يرضي الله ، لكن تلك الإمكانية تبقى أمراً يمكن تحققه ويمكن عدم تحققه؛ لاعتبارات كثيرة؛ أهمها: إمكانية مفاجأة الموت للعبد في أي لحظة؛ إذ قد يصبح ولا يمسي، ويمسي ولا يصبح، وحين يدرك العبد ذلك فإن ذلك يحثه على المسارعة إلى تنفيذ ما عزم عليه من توبة وتصحيح لواقع حياته. وفي هذا المعنى يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄:» إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك « [٣٥] . ٥ - التأسي برسول الله ﷺ : غفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا فقد كان ﷺ يقول: » يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة « [٣٦] . ويقول:» والله! إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة « [٣٧] ، ويقول ﷺ :» إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة « [٣٨] . وللعبد في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، قال الله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) . وقد كان الصحابة ﵃ يعدون له ﷺ في المجلس الواحد قبل أن يقوم:» رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور «مائة مرة [٣٩] . وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه سورة: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ] (النصر: ١) إلا قال فيها ﷺ :» سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي « [٤٠] . وصح عنه ﷺ أنه قال:» لن ينجي أحداً منكم عملُه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل « [٤١] . ٦ - مرافقة الأخيار: إذ المرء على دين خليله، ولذا قال عمر بن الخطاب ﵁:» اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة « [٤٢] . وقال محمد بن كعب القرظي:» التوبة يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العَود بالجَنان، ومهاجرة سيء الإخوان « [٤٣] . ٧ - الاقتداء بالسلف الصالح: نظراً لعظم الذنب وشناعته فقد أدرك السلف أهمية التوبة، وقد روي عن الصحابة الكرام الشيء الكثير، ومن ذلك: أ - عن خالد اللجلاج أن اللجلاج أباه أخبره:» أنه كان قاعداً يعمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبياً فثار الناس معها وثرت فيمن ثار، فانتهت إلى النبي ﷺ وهو يقول: «من أبو هذا معك؟» فسكتت، فقال شاب حذْوَها: أنا أبوه يا رسول الله. فأقبل عليها فقال: «من أبو هذا معك؟» قال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله. فنظر رسول الله ﷺ إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا عنه إلا خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «أحصنت؟» قال: نعم. فأمر به فرُجم، قال: فخرجنا به فحفرنا له حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي ﷺ فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث. فقال رسول الله ﷺ : «لهو أطيب عند الله من ريح المسك» ، فإذا هو أبوه! فأعنَّاه على غسله وتكفينه ودفنه وما أدري قال: والصلاة عليه أم لا « [٤٤] . ب - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:» جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي ﷺ رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (هود: ١١٤) ، فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة قال: «بل للناس كافة» [٤٥] . ج - قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عن سبب تخلفهم، فصدقوا في قولهم وأنهم لا عذر لهم، فقاطعهم النبي ﷺ خمسين يوماً، ونهى المسلمين عن كلامهم حتى زوجاتهم، حتى أنزل الله توبتهم، ونزل فيهم قوله : [لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (التوبة: ١١٧-١١٨) [٤٦] . د - عن سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال: «ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : «فيم أطهرك؟» فقال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ : «أبِهِ جنون؟» فأُخبر أنه ليس بمجنون. فقال: «أشرب خمراً؟» فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله: «أزنيت؟» فقال: نعم. فأمر به فرُجم، فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز؛ أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة! قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال رسول الله ﷺ : «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» [٤٧] . وختاماً: إن هذا الواجب الكبير ليس يستغنى عنه عبد، ولا يعذر في تركه فرد، ولن يقوم شأن الأمة ما لم يبادر الأفراد إلي أداء واجباتهم، والتوبة مما فرطوا فيه في حق الله تعالى، بدلاً من التلاوم وإلقاء التبعات على الآخرين؛ تهرباً من المسؤولية، وهل الأمة إلا مجموع أفرادها؟! نسأل الله سبحانه بمنِّه وكرمه العون والسداد، وأن يجود علينا بالنصر لدينه والمؤمنين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4553

دراسات في الشريعة من فقه الجهاد الفرار من الزحف من كبائر الذنوب الأمين الحاج محمد أحمد [*] الحمد لله الذي جعل الجهاد في سبيل الله رهبانية الإسلام، وذروة سنامه، فأعزَّ به المؤمنين وأكرمهم، وأذلَّ به الشرك والمشركين وأهانهم. فالجهاد في سبيل الله بنوعيه: جهاد الطلب، والدفاع ماض إلى يوم القيامة، وما ترك المسلمون جهاد الكفار والمنافقين وركنوا إلى الدنيا إلا ذلوا وهانوا على أعدائهم: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة [١] ، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» [٢] . فجُلُّ المسلمين اليوم مفرطون إلا من يباشر الجهاد بنفسه أو ماله وينوي الغزو منهم لتركهم فريضة الجهاد وركونهم إلى الدنيا فاستبدلوا الذي هو أدنى، بالذي هو خير، فسلَّط الله عليهم أعداءهم فساموهم سوء العذاب، فقتلوا أبناءهم ونساءهم، واستباحوا حرماتهم، واغتصبوا أراضيهم وممتلكاتهم، وتركوهم في حال لا يحسدون عليها أبداً: من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام لم يكتف المسلمون اليوم بترك جهاد الطلب الذي هو أسُّ الجهاد، بله تقاعسوا وتخاذلوا عن نصرة إخوانهم المضطهدين في دينهم، المحارَبين في أوطانهم وديارهم، المسلوبة حقوقهم، المهانة كرامتهم، المستذلة حرماتهم، كما هو الحال في فلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والهند، وغيرها من بلاد المسلمين، بل لم يكتفوا بالخذلان والوقوف متفرجين على إخوانهم المغلوبين، وإنما حارب بعضهم جنباً إلى جنب مع الكفار، وتجسسوا على إخوانهم، كما حدث في أفغانستان، وقدموا تسهيلاتهم لقوات العدو ليقضوا على دولة الطالبان. أرجو أن تقارن أخي المسلم بين حالنا وحال سلفنا في هذا المضمار، لترى البون الشاسع والفرق الواسع بين حال الناس اليوم وحالهم بالأمس، وبين جيوش اليوم ومجاهدي الأمس. عندما وصل القائد المسلم عقبة بن نافع ﵀ المحيط الأطلسي، بعد أن فتح كل شمال إفريقيا، قال: «يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك» ، ثم قال: «اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يُعبد أحد من دونك» ، ثم وقف ساعةً وقال لأصحابه: ارفعوا أيديكم؛ ففعلوا، فقال: «اللهم! إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعبد ولا يُشرك بك شيء، اللهم! إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا، يا ذا الجلال والإكرام!» ، ثم انصرف راجعاً [٣] . وعندما نادت المرأة المسلمة المعتصم بدار السلام «بغداد» وهي بعمورية «أنقرة» وقالت: «وامعتصماه» ، قال لها: لبيك يا أَمَةَ الله. ولبس لأْمته [٤] ، وعبَّأ جيوشه، وذهب لخلاصها من الأسر، وضمَّ تلك الرقعة إلى الدولة الإسلامية. وما فعله المعتصم العباسي فعله الخليفة الأموي الحكم بن هشام بالأندلس، عندما استغاثت به امرأة كذلك في ناحية وادي الحجارة بالأندلس قائلة: «واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا» . فلما وفد عباس إلى الحكم وهو أحد عماله رفع إليه شعراً يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به، وأنهى إليه عباس ما عليه الثغر من الوهن والْتياث الحال، فرثى الحكم للمسلمين، وحَمِيَ لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازياً لأرض الشرك، فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيراً، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: هل أغاثكم الحكم؟ قالوا: شفى واللهِ الصدورَ، ونكى في العدو، وما غفل عنا؛ إذ بلغه أمرنا، فأغاثه الله وأعزَّ نصره [٥] . فمَنْ للمستغيثات والمستغيثين في فلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والهند؟ فليستغيثوا بمن شاؤوا من المسلمين، ولكن ليس لهم مغيث إلا الله، ولله درُّ القائل: ربَّ وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الضحايا اليُتَّم لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم وبعدُ؛ فهذا تحذير ووعيد، ونهي شديد، وتغليظ أكيد، من الفرار من الزحف، وتولي الأدبار، وخذلان الأخيار، عن حكم ذلك ووزره، وما ورد فيه من أدلة، إلا في بعض الحالات التي أذن الشرع بالتولي فيها. واللهَ أسأل أن يوفق المجاهدين في سبيله، وأن يجعل جهادهم خالصاً لوجهه الكريم، ولنصرة هذا الدين، وأن يسدد سهامهم وآراءهم، ويخذل أعداءهم ومن والاهم. * حكم الفرار من الزحف وتولي الأدبار: الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر العظام، لما فيه من الخذلان البين والخطر العظيم على الإسلام والمسلمين، ولهذا ورد فيه من التغليظ والتهديد ما ورد، وقد أجمعت الأمة على تحريمه إلا بشروط معينة وأسباب واضحة. * الأدلة على تحريمه: من القرآن الكريم: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (الأنفال: ١٥-١٦) . وقوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٦٥-٦٦) . وقال: [قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّه] (البقرة: ٢٤٩-٢٥١) . من السنة المطهرة: الأدلة على تحريم الفرار والتولي من الزحف من السنة، ما يأتي: - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات [٦] ! قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» [٧] . - سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر، قال: «الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف» [٨] . - وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول ﷺ : «وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله ... والفرار في سبيل الله يوم الزحف» [٩] . - روى عبد الله بن المبارك بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «الجريء كل الجريء الذي إذا حضر العدو ولى فراراً، والجبان كل الجبان الذي إذا حضر العدو حمل فيهم حتى يكون منه ما يشاء الله. فقيل: يا أبا هريرة! كيف هذا؟ قال: إن الذي يفر اجترأ على الله ، وإن الجبان فَِرقَ [١٠] من الله » . * فالتولي يوم الزحف لا يجوز إلا في بعض الحالات منها: ١ - أن يكون متحرِّفاً لقتال، والتحرف: الزوال والتحرك عن مواجهة العدو. ٢ - أو متحيزاً إلى فئة، أي منضماً إلى جماعة المسلمين، قريبة كانت هذه الجماعة أم بعيدة. * الوعيد الوارد في الفرار من الزحف: هل هو خاص بيوم بدر أم عام؟ قولان لأهل العلم، الراجح منهما أنه عامٌّ إلى يوم القيامة، وهذا مذهب الجمهور، مالك، والشافعي، وأكثر العلماء؛ لأن الآية: [إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا] (الأنفال: ٤٥) نزلت بعد بدر. وذهب بعض أهل العلم منهم أبو سعيد الخدري، ونافع، والحسن، وقتادة، وهو مذهب أبي حنيفة، أن هذا الوعيد خاص ببدر. * من أقوال العلماء في ذلك: قال أبو زكريا النحاس ﵀: «اعلم أن الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر الذنوب عند الله تعالى بإجماع العلماء، وفاعله مستحق لغضب الله ومقته، وأليم عذابه، وقد ورد في الترهيب من ذلك والتحذير من فعله جملة أحاديث» [١١] . قال ابن قدامة ﵀: «وجملته أنه إذا التقى المسلمون والكفار، وجب الثبات، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ] (الأنفال: ١٥) ، وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة، ولا يجب في غيرها، والأمر مطلق، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم عام؛ فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل، وإنما يجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار، لقوله تعالى: [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] (الأنفال: ٦٦) ، وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله: [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ولو كان خبراً على حقيقته لم يكن ردُّنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفاً، ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره، وقد عُلم أن الظفر والغلبة لا تحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون، فعلم أنه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها. قال ابن عباس: نزلت [إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] (الأنفال: ٦٥) ، فشقَّ ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] إلى قوله: [يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] فلما خفف الله عنهم في العدد، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد، رواه أبو داود [١٢] . وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر. الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة، ولا ليتحرف لقتال: فإن قصد أحد هذين، فهو مباح له لقول الله تعالى: [إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَة] (الأنفال: ١٦) . ومعنى التحرف لقتال، أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر من أيديهم لتنتقض صفوفهم أو تنفرد خيلهم من رجالاتهم. أو ليجد فيهم فرصته، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب. * لا فرق في هذا بين أن يكون الجهاد فرض عين أم فرض كفاية: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر، وأعظم العظائم، وهو من المهلكات الموبقات، سواء كان الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، طالما أن المرء شهد القتال، ووقف في الصف. قال النحاس ﵀:» اعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على الإنسان ثم حضر الصف صار عليه فرض عين، وحرم عليه الفرار، وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار على المثلين، فإن فر متحرفاً لقتال كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم أو يكون في مضيق فينصرف ليتبعه العدو إلى متسع يسهل القتال فيه ... وكذلك إذا فر متحيزاً إلى فئة يستنجد بها جاز، وسواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة على الصحيح. ومن عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح فله الانهزام إن لم يمكنه الرمي بالحجارة، فإن أمكنه الرمي بالحجارة حرم عليه الانهزام على الأصح، ويسن لمن وقع له شيء من الأعذار وأراد أن يولي، أن يولي متحرفاً أو متحيزاً، ولو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلاً فله الانهزام، ولو غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل لم يجز له الانهزام على الصحيح، وإن زاد عدد الكفار على المثلين جاز الانهزام، وإن كانوا رجالة والمسلمون فرساناً، فلو كان المسلمون رجالة والكفار فرساناً حرمت الهزيمة « [١٣] . * حكم الفرار إذا كان عدد المسلمين أكثر من اثني عشر ألفاً: ذهب أهل العلم في حِل الفرار إذا كان عدد المسلمين اثني عشر ألفاً أو أكثر مذهبين: ١ - يجوز الفرار إذا كان عدد الكفار أكثر من ضعفي عدد المسلمين، للأدلة السابقة. ٢ - لا يجوز الفرار لما روي عنه ﷺ :» ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة «، وهذا مذهب العمري [١٤] الزاهد، وروي عن مالك - رحمهما الله -، والحديث فيه متروك لا يحتج به، فالصواب القول الأول. قال القرطبي ﵀:» قال ابن القاسم ﵀: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، فإن بلغ اثني عشر ألفاً لم يحل لهم الفرار، وإن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله ﷺ : «ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة» فإن أكثر أهل العلم خصّصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت: رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبد الله بن خُطَّاف، وهو متروك، قال: حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «يا أكثم بن الجَوْن اغزُ مع غير قومك يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك، يا أكثم بن الجَوْن! خير الرفقاء أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُؤتى اثنا عشر من قلة» [١٥] . وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وهو قول للعمري العابد إذ سأله: هل لك سعة في ترك مجاهدة من غيَّر الأحكام وبدَّلها؟ فقال: إن كان معك اثنا عشر ألفاً فلا سعة لك في ذلك « [١٦] . * الخلاصة: إن الفرار من الزحف والتولي منه من عظائم الأمور الجالبة للشرور في الدارين، وأن الإقدام في حرب العدو والثبات في الصف لن يقدم الأجل، وأن الفرار من ذلك لا يؤخره. ورضي الله عن خالد بن الوليد ذلك البطل المغوار والمجاهد الشجاع، حيث قال عندما حضرته الوفاة:» لقد خضت عشرين زحفاً، وما في جسمي موضع شبر إلا وفيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء «أو كما قال. وقد رُخّص للمسلمين إذا كان عدد الكفار أكثر من ضعفي عدد المسلمين، في التحيز إلى فئة، قريبة كانت أم بعيدة، أو التحرف لقتال، ولكن الأفضل والأحسن الأخذ بالعزيمة والثبات مهما بلغ عدد الكفار وعتادهم؛ لأن النصر من عند الله لمن كان في ثباته نكاية بالكفار، أو احتمال فتح للمسلمين، وإن لم يكن إلا أن ينال الشهادة مقبلاً غير مدبر، لكفاه فخراً، وإعزازاً، ورفعة؛ والله أعلم. اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4554

دراسات في الشريعة تأثير إلغاء سعر الفائدة في المجتمع (٢ ـ ٢) عدنان بن جمعان الزهراني adnanzhrani@hotmail.com قدَّم الكاتب في الحلقة السابقة مشروع (إلغاء سعر الفائدة) إلى مجلس الشورى في مدينة (ندى) التي تصورها في خياله، وبدأ بتقديم مسوغات المشروع، والتي تمثلت في: توفير فرص عمل جديدة، وتشجيع الاستثمار، والحد من الغلاء، والمحافظة على قوة العملة، وتحقيق الاستقرار في الأسواق، وقبل كل ذلك رفع المقت الإلهي؛ من خلال إغلاق باب كبير من أبواب الحرب لله ولرسوله ﷺ . ثم قام الكاتب بعرض مشروعه، وتقديم الأمثلة والبراهين المستقاة من الواقع، والتي تؤكد أن سعر الفائدة هو أحد أهم عوامل البطالة والتضخم في المجتمع؛ مبيناً في الوقت نفسه حال المجتمع عند إلغاء سعر الفائدة، مستنداً في كل ذلك إلى دراسات عدد من العلماء والخبراء في مجال الاقتصاد. وفي هذه الحلقة يستعرض الكاتب مداخلات الأعضاء، ثم تصويت المجلس على المشروع.. ثالثاً: مداخلات الأعضاء. أ - مداخلة الدكتور حمدان. أخي عدنان: لدي سؤال أرغب في الإجابة عنه: وهو: أليس ما يسمى (سعر الفائدة) هو الربا بعينه ولكن باسم جديد؟ أجاب عدنان: الجواب: بلى. حمدان: فلماذا هذا البحث، وسيقرر مجلسنا منعه تماماً في جميع التعاملات البنكية؛ لأننا نملك دستوراً شرعياً لا يقر شيئاً يخالف الشرع، فهو أمر ليس مما يدخل تحت طائلة سلطة مجلسنا؛ لأنه فوقها بموجب دستورنا. أجاب عدنان: هذا صحيح، ولكننا نجد من أهل العلم مَنْ قبل مثل تلك التعاملات، ولم يرها من الربا في شيء، وفي مثل هذه الحالة كما هو مقرر في نظام مجلسنا فإن من حق المجلس اتخاذ قرار في كل ما اختلفت فيه وجهات نظر العلماء، وخاصة أننا نشهد أن تلك التعاملات موجودة في مجتمعنا لعدم وجود قرار يخصها، وليس لدى السلطة التنفيذية شيئاً تعتمد عليه في إيقاف مثل تلك التعاملات، خصوصاً في ظل قاعدتنا الدستورية التي تقول: (الأصل صحة ما يفعل المرء وجوازه؛ ما لم يرد ما يوجب البطلان أو التحريم) ، وهذا في باب العادات والمعاملات، فليس لدينا من الوسائل الدستورية ما نمنع به مثل ذلك التعامل ما لم يُصدر مجلسنا قراراً بهذا الشأن. ثم ومن خلال الواقع سنجد مَنْ يحتجّ ببعض الفتاوى الصادرة من جهات معترف بها رسمياً تجيز مثل ذلك التعامل، والناس سيجدون مسوِّغاً للعمل بتلك الفتوى، وهو ما لا حرج عليهم فيه؛ لأنهم ليس لديهم من العلم ما يميزون به بين البيع والربا، ولكن هذا المجلس حين تتضح له الصورة سيملك اتخاذ القرار الملزم عملياً حيال ذلك. ب - مداخلة المستشار محمد. الأخ عدنان: لقد وصلتني فتوى صادرة عن مجمع البحوث الإسلامية تجيز الاستثمار مع ضمان نسبة ربح، وأعرض عليك السؤال مع إجابته كما وصلتني من أحد الأصدقاء، وهي كما يأتي: فتوى مجمع البحوث الإسلامية حول استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الربح مقدماً بقلم: الدكتور / محمد سيد طنطاوي - شيخ الأزهر بعث الدكتور حسن عباس زكي رئيس مجلس إدارة بنك الشركة المصرفية العربية الدولية، كتاباً بتاريخ ٢٢/١٠/٢٠٠٢م إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، وهذا نصه: (حضرة صاحب الفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن عملاء بنك الشركة المصرفية العربية الدولية يقدمون أموالهم ومدخراتهم للبنك الذي يستخدمها ويستثمرها في معاملاته المشروعة مقابل ربح يُصرف لهم، ويُحدد مقدماً في مدد يتفق مع العميل عليها، ونرجو الإفادة عن الحكم الشرعي لهذه المعاملة. ... ... ... رئيس مجلس الإدارة / دكتور حسن عباس زكي) . وقد أحال فضيلة الإمام الأكبر الكتاب ومرفقه للعرض على مجلس مجمع البحوث الإسلامية في جلسته القادمة. وعقد المجلس جلسته في يوم الخميس ٢٥/٨/١٤٢٣هـ الموافق ٣١/١٠/ ٢٠٠٢م، وعرض عليه الموضوع المذكور، وبعد مناقشات الأعضاء ودراستهم قرر المجلس: الموافقة على أن استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الربح مقدماً حلال شرعاً ولا بأس به. ولما لهذا الموضوع من أهمية خاصة لدى المواطنين الذين يريدون معرفة الحكم الشرعي في استثمار أموالهم لدى البنوك التي تحدد الربح مقدماً، وقد كثرت استفساراتهم عن ذلك؛ فقد رأت الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن تعد الفتوى بالأدلة الشرعية، وخلاصة أقوال أعضاء المجمع؛ حتى تقدم للمواطنين صورة واضحة كاملة تطمئن إليها نفوسهم. وقد قامت الأمانة بعرض نص الفتوى بصيغتها الكاملة على مجلس مجمع البحوث الإسلامية في جلسته المنعقدة في يوم الخميس ٢٣/٩/١٤٢٣هـ الموافق ٢٨/١١/٢٠٠٢م، وبعد قراءتها ومداخلات الأعضاء في صياغتها تمت موافقتهم عليها. وهذا نص الفتوى: (الذين يتعاملون مع بنك الشركة المصرفية العربية الدولية أو مع غيره من البنوك، ويقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك ليكون وكيلاً عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة، مقابل ربح يُصرف لهم ويُحدد مقدماً في مدد يتفق مع المتعاملين معه عليها. هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها؛ لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو من السنة النبوية يمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدماً؛ ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة. قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ] (النساء: ٢٩) . أي: يا من آمنتم بالله حق الإيمان! لا يحل لكم ولا يليق بكم أن يأكل بعضكم مال غيره بالطرق الباطلة التي حرمها الله تعالى؛ كالسرقة، أو الغصب، أو الربا، أو غير ذلك مما حرمه الله تعالى، لكن يباح لكم أن تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات الناشئة عن التراضي الذي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ سواء أكان هذا التراضي فيما بينكم عن طريق التلفظ أم الكتابة أم الإشارة أم بغير ذلك مما يدل على الموافقة والقبول بين الطرفين. ومما لا شك فيه أن تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدماً من الأمور المقبولة شرعاً وعقلاً حتى يعرف كل طرف حقه. ومن المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدماً؛ إنما تحددها بعد دراسة دقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها. ومن المعروف كذلك أن هذا التحديد قابل للزيادة والنقص؛ بدليل أن شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد ٤%، ثم ارتفع هذا العائد إلى أكثر من ١٥%، ثم انخفض الآن إلى ما يقرب من ١٠%. والذي يقوم بهذا التحديد القابل للزيادة أو النقصان؛ هو المسؤول عن هذا الشأن، طبقاً للتعليمات التي تصدرها الجهة المختصة في الدولة. ومن فوائد هذا التحديد لا سيما في زماننا هذا الذي كثر فيه الانحراف عن الحق والصدق أن في هذا التحديد منفعة لصاحب المال، ومنفعة أيضاً للقائمين على إدارة هذه البنوك المستثمرة للأموال. فيه منفعة لصاحب المال؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية عن الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم حياته. وفيه منفعة للقائمين على إدارة هذه البنوك؛ لأن هذا التحديد يجعلهم يجتهدون في عملهم وفي نشاطهم؛ حتى يحققوا ما يزيد على الربح الذي حددوه لصاحب المال، وحتى يكون الفائض بعد صرفهم لأصحاب الأموال حقوقهم حقاً خالصاً لهم في مقابل جدهم ونشاطهم. وقد يقال: إن البنوك قد تخسر؛ فكيف تحدد هذه البنوك للمستثمرين أموالهم عندها الأرباح مقدماً؟ والجواب: إذا خسرت البنوك في صفقة ما فإنها تربح في صفقات أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر، ومع ذلك فإنه في حالة حدوث خسارة فإن الأمر مرده إلى القضاء. والخلاصة أن تحديد الربح مقدماً للذين يستثمرون أموالهم عن طريق الوكالة الاستثمارية في البنوك أو غيرها حلال ولا شبهة في هذه المعاملة؛ فهي من قبيل المصالح المرسلة، وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها، وبناء على ما سبق فإن استثمار الأموال لدى البنوك التي تحدد الربح أو العائد مقدماً حلال شرعاً ولا بأس به، والله أعلم. ... ... ... ... ... ... ٢٧/٩/١٤٢٣هـ ٢/١٢/٢٠٠٢م) . انتهى السؤال ونص الفتوى. ثم عقب محمد قائلاً: فما جوابك عن هذه الفتوى التي تجيز ما ترغب من خلال دراستك منعه، وبقرار من مجلسنا، وتجادل في قوة ملحوظة أن مثل ذلك التعامل من الربا المحرم؟ وأجاب عدنان: أخي المستشار محمد: ليست هذه الفتوى جديدة في قول الدكتور سيد طنطاوي، وإن كانت جديدة من حيث صدورها من قِبَل مجمع البحوث، وقد سبق لي الاطلاع عليها؛ بيد أن هناك وقفات سأذكرها مع تلك الفتوى. الوقفة الأولى: إني أبدأ بشكري لأصحاب الفضيلة والسعادة الذين صادقوا على الفتوى، ونحن نقول لهم إن الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية، ومن حقهم النظر إلى المسألة من الجهة التي يريدون، ولكن لدى الاختلاف يُرد الأمر إلى الكتاب العظيم والسنة المطهرة، ونسلم أن مسألتنا ليست مما وضح أمره حتى نراه ظاهراً في الكتاب والسنة، بل لقد أخرج مسلم (٤ / ٢٣٢٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ... ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلاَلَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» . كما أخرج أحمد (١/ ٣٦) وغيره عَنْ سَعِيدِ بْن ِالْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ» . وإسناده لا ينزل عن درجة الحسن، فإذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يجد ذلك - أي عدم وضوح مفهوم الربا -؛ مما حمله على ترك كثير من أبواب الحلال خوفاً من الربا، قال ﵁: «تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا» ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه مرسلاً عن عمر رضي الله عنه، وفي النفس شيء من الاحتجاج به على الرغم من أنه من مراسيل الشعبي عامر بن شراحيل، وقد قال عنها في معرفة الثقات (٢ / ١٢) نقلاً عن العجلي: «لا يكاد يرسل إلا صحيحاً» ، أقول ولكنها مرسلة على كل حال، ودون الجزم باتصالها خرط القتاد، إلا أن تلك النصوص تحملنا على عذر المخالف في مثل هذه الأبواب، مع يقيننا الجازم بأن الحق لا بد من ظهوره، وخاصة في صدد ما عنه نتحدث، قال ابن حزم في المحلى (٨ / ٤٧٧) معلقاً على ما سبق ذكره عن عمر ﵁: (حاش لله من أن يكون رسول الله ﷺ لم يبين الربا الذي توعد فيه أشد الوعيد، والذي أذن الله تعالى فيه بالحرب، ولئن كان لم يبينه لعمر فقد بينه لغيره، وليس عليه أكثر من ذلك، ولا عليه أن يبين كل شيء لكل أحد، لكن إذا بينه لمن يُبلِّغه فقد بلَّغ ما لزمه تبليغه) أهـ. ولهذا على أهل العلم دراسة ما يعرض لهم من وقائع جازمين بوجود تشريع إسلامي يخصها؛ لقوله تعالى: [مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء] (الأنعام: ٣٨) ، ولقوله تعالى: [وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ] (الأنعام: ١١٩) ، وهذا أصل عليه يعوِّلون في دراساتهم؛ بيد أنهم حين لا يجدون جواباً شافياً يحصل لهم به الجزم بحكم شرعي، فليس عليهم سوى التوقف، حين لا يطمئن الواحد منهم للجزم بالرجوع إلى الأصل الكلي الذي نعلم به صحة كل فعل صدر من الإنسان وجوازه، وهنا لست أجد أدنى ريبة في أن تلك المعاملة من الربا الذي نهى الله عنه، مع حملي قول المخالف على حسن الظن، وبيان قولي فيما يأتي: الوقفة الثانية: نجد من خلال ما سبق شرحه في الدراسة أن الربح المحدد بنسبة ثابتة يُوجد عبئاً ثقيلاً على المجتمع بأكمله، وهو جدير بالمنع لهذا السبب؛ حتى لو لم نسمِّه ربا، فما قولكم ونحن نجزم أنه من الربا الذي حرم الله تعالى؛ لأن ما يدفعه الناس لتلك الجهات الاستثمارية من بنوك ونحوها ليس سوى صرف [١] أُلبس ثوب الاستثمار؛ لأنهم يدفعون نقودهم ويأخذون بدلها وليس في نيتهم الارتفاق ولا التعاون على البر والتقوى، بل هو بيع للعملة مع اشتراط زيادة محددة من قِبَلهم أو من قِبَل غيرهم، فصارت تلك المعاملة صرفاً ولو سموها استثماراً، فهم لا يريدون سوى تلك النقود، وليس في تصورهم ما يسمى استثماراً أصلاً؛ لأن الرجل منهم يدفع كمثال ١٠٠٠٠ دولار في إحدى مجالاتهم الاستثمارية، ويعلم أنه سيأخذ بدلها بعد عام ١١٠٠٠ دولار، فقل لي بالله عليك: ما الفرق بين هذا وبين رجل أعطى آخر ١٠٠٠٠ دولار، ليرد بدلها تماماً بعد أجل، ولكن مع زيادة ١٠ %، كنسبة مشروطة؟ إنهما في كلا الحالتين لم يفكرا إلا في مردود الـ ١٠٠٠٠ دولار ليس غير، وفَقَدَ النقد ما من أجله وُجد؛ حيث صار غاية في ذاته دون دخول ملموس إلى السوق [٢] . فالقول في الحالتين لا يختلف من حيث الحكم الشرعي، والمعاملة صرف ولو سميت استثماراً، ومن شرط الصرف التقابض في مجلس العقد [٣] ، وهنا لم يحدث التقابض، فهو من الربا وإن لم تكن زيادة؛ فما قولنا وقد تم تحديد زيادة مشروطة [٤] ؟ قال المستشار محمد: لماذا لا نعتبرها مضاربة، والبنك ليس سوى شريك مضارب مع المستثمر رب المال؟ أجاب عدنان: بداية؛ البنك لم يجعل من نفسه مضارباً، وليس في عقودهم ما يحدد وضع البنك في تلك العقود، سوى أنه ليس أكثر من جهة تأخذ كذا، وسترد كذا بعد كذا، ولا يهمه وصف أو تكييف وضعه أكثر من ذلك، وهو الأمر نفسه لدى من وضع ماله عند البنك؛ لا يفكر إلا في أنه وضع كذا وسيأخذ كذا بعد كذا، بل الفتوى نفسها لم تجعل البنك في توصيفها سوى وكيل لأولئك المستثمرين كما جاء في نصها الذي سبق ذكره ونحن لا نستطيع جعلها مضاربة؛ لأن من شرط صحة شركة المضاربة وهو مما اتفق عليه علماء الشرع الحنيف [٥] لحوق الخسارة برأس المال عندما توجد خسارة، والمضارب عندها يخسر جهده ليس غير. وهنا رأس المال مضمون، بل مع زيادة مشروطة، وليس يخسر البنك بتاتاً، بل لا يُتصور ذلك لأنه شخص اعتباري، وموظفوه تقاضوا رواتبهم، ولا شأن لهم بخسارة البنك لو خسر. ولو قيل: قد يربحون في مشاريع أخرى؛ فهذا الذي قد ربحوا فيه يحمل ما وقعت فيه خسارة [٦] . وأقول عندها: ماذا تقولون لو خسر البنك في جميع مجالاته الاستثمارية بل وغيرها عندما يعرض كساد عام، أو ما أشبهه؛ لماذا تقع الخسارة فقط على رب المال، ولا يوجد من يخسر شيئاً في الطرف الآخر؟ ولماذا لا نزال نُصرُّ على اعتبار تلك المعاملة قراضاً أي مضاربة ضاربين عرض الحائط بكل تلك الفروق، على الرغم من وجود تخريج أصح وشبه أقرب؛ حين نقول: هو صرف فَقَدَ شرط حلِّه [٧] ، والسلام. والوقفة الثالثة: أنها اعتبرت البنك وكيلاً، وهو أقرب من اعتباره مضارباً، وعلى الرغم من ذلك لا يصح هذا الاعتبار؛ لأن الوكيل من شأنه ألا يضمن إذا لم يتعد [٨] ؛ لأن يده يد أمينة. وهنا نجد البنك ضامناً لرأس المال بل ولربْح زائد، ولا نظر إلى ماهية المشروع، ولا إلى ربحيته أصلاً، وليس يسأل البنك عن خسارة بتاتاً، حتى نقول بتحميله تضمينه رأس المال؛ قائلين له: لقد قصَّرت فاضمن. فهو ضامن مع زيادة قصَّر أم لم يقصِّر؛ فهل هذه وكالة؟ ليس هناك توكيل أصلاً، وعقدهم لم ينص على ذلك حتى نتبرع من قِبَلنا بوضع هذا التوصيف، وخاصة حين نجد ما هو أصح وأقرب شبهاً! الوقفة الرابعة: نصت الفتوى على أنه لا مانع (ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة) . أقول: وهو صحيح، عندما تكون تجارة يديرونها بينهم، لا صرفاً فاقداً لشرطه؛ مما صرح الشرع بتحريمه، وجعل آكله كمن يتخبطه الشيطان من المس. ولعل في بياني السابق ما يوضح صحة هذا التقرير. الوقفة الخامسة: نصت الفتوى قائلة: (ومما لا شك فيه أن تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدماً من الأمور المقبولة شرعاً وعقلاً؛ حتى يعرف كل طرف حقه) أهـ. وهو صحيح ١٠٠% إذا كان المقصود بذلك نسبة من الربح، لا من رأس المال، فلا بد من التنصيص على نصيب كل من الشريكين من الربح، وبالنسبة التي يكون بها خراج كل منهما، ولكن ما الجواب لو لم يكن ربح أصلاً؟ فهل مما لا شك فيه أن يتحمل الخسارة أحدهما دون الآخر، وهل هو من المقبول عقلاً؛ فضلاً عن الشرع؟! الوقفة السادسة: نصت الفتوى على أن: (من المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدماً؛ إنما تحددها بعد دراسة دقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية، وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها) أهـ. يبدو من الكلام أن أعضاء المجمع ليسوا على دراية كافية بالكيفية التي يتم بها حساب الأرباح في تلك البنوك. وللفائدة أقول: الأموال التي يستثمرها الناس لدى دور المال الكبرى - أوعية الاستثمار على اختلافها - تسير غالباً - ولعله بنسبة تزيد عن ٧٠% من حجم المال المستثمر في طريقين. الأول: الوعاء البنكي. الثاني: وعاء شركات التصنيع والخدمات ونحوهما، من شركات المساهَمة. والوعاء الأول: إنما يحكم نسبة الربح فيه سلطة النقد في تلك الدولة، فليس للبنك دور إلا في هامش يسير تتركه تلك السلطة كي تسهل عمليات التدفق والسيولة - لدى البنوك لمواجهة بعض الظروف الاستثنائية -، فلدى البنك قدر محدد يدفعه للناس، وآخر يأخذه بنسب معينة من قِبَل تلك السلطة. أما الوعاء الثاني: فهو مما لا يقع تحت طائلة دراستنا هنا، وهو لا يكاد يغطي ما نسبته ٣٠% من حجم المال في الوعائين، على الرغم من تأثره بالنسبة التي تحددها تلك السلطة؛ باعتباره يستثمر لدى تلك البنوك، وهي تستثمر لديه، والنسب هنا تقريبية إلى حد بعيد، ولكنه يشبه ألا يختلف معي أحد المختصين في تقديرها تقريباً. الوقفة السابعة: نصت الفتوى على الآتي: (ومن فوائد هذا التحديد لا سيما في زماننا هذا الذي كثر فيه الانحراف عن الحق والصدق أن في هذا التحديد منفعة لصاحب المال، ومنفعة أيضاً للقائمين على إدارة هذه البنوك المستثمرة للأموال. فيه منفعة لصاحب المال؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية عن الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم حياته. وفيه منفعة للقائمين على إدارة هذه البنوك؛ لأن هذا التحديد يجعلهم يجتهدون في عملهم وفي نشاطهم؛ حتى يحققوا ما يزيد على الربح الذي حددوه لصاحب المال، وحتى يكون الفائض بعد صرفهم لأصحاب الأموال حقوقهم حقاً خالصاً لهم في مقابل جدهم ونشاطهم) أهـ. صحيح أن زماننا كثر فيه الانحراف، وخاصة في تعاطي الناس مع المعاملات المشبوهة، بل ما يجزم أهل العلم بالاتفاق على تحريمه، وليس من دليل يصحح هذا القول أقوى من صدور هذه الفتوى؛ ليس لأن أصحابها خالفوا الصواب، كلا، فلعل من حقهم الاجتهاد؛ فيُعذرون ويُؤجرون، ولكن السائل يسأل عن أمر يعلم مسبقاً أنه يتفق مع ما يريده، وإلا فلماذا لم يوجه سؤاله إلى شيخ الأزهر السابق رحمه الله تعالى [٩] ؟! ولا أظنه تخفى عليه وجهة نظر فضيلته. ونحن نقول للسائل: هب أنهم قد قالوا لك: بل هو محرم وكبيرة من كبائر الذنوب. فقط قدِّر ذلك ذهنياً! هل ستمتثل وتقبل؟ أجب نفسك، بل كل واحد منا حين يسأل عالماً؛ هل يريد الامتثال، أو مجرد التسلية، أو تحقيق رغبات معينة؟ من يسأل وهو يريد الامتثال؛ فإنه يسأل من يحسبه مكاناً لثقته هو علماً وتقوى، حتى حين لا يكون صاحب منصب رسمي؛ لأنه يريد ما يبرئ ذمته يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولن يتوجه بسؤاله هكذا كيفما اتفق، فالناس لا بد أن يراجعوا أنفسهم، ولا بد أن تقوم توعية بهذا الشأن على أوسع مدى، نعم لا بد أن يفهم الجميع أن السؤال لرفع الجهل والامتثال، ولذلك لا بد من عرض القضية على أوثق من يجده المرء، في أمر من الأمور [١٠] ، لا أن ينتقي حسب هواه. ثم نصت الفتوى في القسم السابق الذي عرضته على أن هذه المعاملة مفيدة لصاحب رأس المال، وللبنك. هذا صحيح ١٠٠%؛ لأنه حين تقع خسارة: فإنه لا البنك سيتأثر؛ لأنه ليس أكثر من شخص اعتباري، نال مشغِّلوه رواتبهم، وما استطاعوا الحصول عليه منه على اختلاف الوسائل وتعددها، ولا المستثمر لديهم سيتأثر؛ لأنه سينال ماله والربح المقرر من ضمان الدولة، أو من ضمان شركات التأمين. أما كيف ضمنت الدولة؛ وعلى حساب من؟ هذا لا يهمه وقد رأينا شيئاً منه من قبل وأما كيف ضمنت شركات التأمين، وعلى حساب من ضمنت فهو أيضاً لا يهمه [١١] . والحقيقة أنه المجتمع بأكمله؛ على نحو ما سبق شرحه. يا سادة! نحن أمام كارثة أخلاقية، حتى لو سلمنا من الكارثة الاقتصادية، أليس من موقف لمثل هذا النوع من الأنانية؟! الوقفة الثامنة: نصت الفتوى على الآتي: (ومع ذلك؛ فإنه في حالة حدوث خسارة؛ فإن الأمر مرده إلى القضاء) ؛ أي حين تحدث خسارة. وأقول: ماذا يستطيع أن يفعل القضاء هنا؟ من سيُحاسب لو وقعت خسارة فادحة؟ هل المسؤول هو المدير، أو نائبه، أو فلان؟ ثم ماذا؟ يُسجن! يغرم! حسناً؛ ما فقدناه من خير كان يمكن أن يقدمه رأس المال لو دخل إلى السوق كيف سيُستدرك؟ بعبارة ثانية: هل سجنهم سيعوِّض المجتمع؟ أليست الوقاية خير من العلاج؟! ج - مداخلة المستشار فهد. الأخ عدنان: أليست المصلحة كفيلة لتجعل مثل تلك المعاملة صحيحة؛ نظراً لحاجة المجتمع في دورته الاقتصادية للاستثمار لدى تلك البنوك، وهو أمر قد نبهت إليه تلك الفتوى؟ وأجاب عدنان: لعلك وجدت ذلك من قولهم: (ولا شبهة في هذه المعاملة؛ فهي من قبيل المصالح المرسلة، وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها) . وهنا أقول: لقد ذكر علماؤنا تعريف المصلحة المرسلة، وهي أمر لم يشهد له الشرع بإبطال ولا باعتبار معين [١٢] ، ولدى تأمل التعريف نجد تلك المعاملة مما شهد الشرع بإبطاله، كيف لا وهي صرف، أو مما يُسلك به مسلك الصرف على أقل تقدير، وقد فقد شرط حلِّه، وقرر الشرع تحريمه وفساده، وليس كافياً قولنا: هذا فيه مصلحة حتى نقول بحلِّه، بل لا بد من موافقة الشرع لاعتبار تلك المصلحة، أو على الأقل مما لم يشهد الشرع بإبطاله، وإلا فلن يجد أحد عناء في تغيير كل شيء يرغب في تغييره من الشرع بدعوى المصلحة، وهذا مما يتنافى مع إيماننا بصلاحية شرعنا لكل زمن. د - مداخلة المستشار زيد. الأخ عدنان: ما هي فقرات المشروع الذي تطلب التوقيع عليه؟ أجاب عدنان: ملخص ما أطلبه حسب المذكرة التي بين أيديكم: ١- إلغاء سعر الفائدة. ٢- فتح نافذتين في البنوك؛ إحداهما للاستثمار الشرعي؛ حيث يصير البنك مضارباً برأس ماله، ويشجع الناس من خلال مشاريع قام هو بدراستها، تنتظر من يقبل تشغيلها، وتفضيل أصحاب الهمة في هذا الميدان في جميع العطاءات الحكومية. ٣- فتح نافذة ثانية لحفظ الأموال مقابل أجر، وهي تحتفظ باحتياطي ١٠٠%، ويكون المال وديعة بالمفهوم الشرعي للوديعة. ٤- قيام توعية كبيرة بخصائص الاقتصاد الإسلامي، على اختلافها، للأسباب التي سبق بيانها. صاحب المعالي رئيس المجلس، أيها المستشارون الكرام: أرجو عرض مشروعي للتصويت، وتقبلوا خالص شكري. رئيس المجلس: أيها الأعضاء، الآن يمكنكم التصويت. وبعد التصويت خرجت النتيجة الآتية: - موافق بنسبة ٨٥ % - متحفظ بنسبة ١٠ % - معترض بنسبة ٥ % وتم إقرار المشروع، ونحن بانتظار نتائجه في الواقع، والتي نسأل الله أن تعود بالنفع على أبناء مدينة الندى.

стр. 4555

تأملات دعوية المصلحون يصنعون الفرص محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com من مسئولية الإنسان في الحياة أن يأخذ بأسباب النجاح، ويتعرف على سنن الله في خلقه، ويسعى للأخذ بها، والمصلحون المتقون من أولى الناس بمعرفة سنن الخالق ﵎؛ فهم أعلم الناس به، وهم الذين يدلونهم على طريقه. إن ضخامة متطلبات التغيير لن تواجه ببذل المزيد من الجهد البدني فحسب، ولا بزيادة رصيدها ممن يتحدثون ويخطبون؛ وإنما تواجه بعقول تعيش تحديات عصرها؛ فلن ينجح في زحمة هذا العصر ومتغيراته إلا من يملك الروح الإيجابية المنتجة، والقطار لن ينتظر الذين يسيرون ببطء، ويتطلعون أن يفتح لهم الطريق. وبقدر ما تتصارع المتغيرات وتتعقد عناصر الحياة تزداد الفرص؛ فالحياة أوسع من أن يتحكم بها حفنة من البشر، والميدان لم يعد ذلك الذي يسيطر عليه فئة دون أخرى، ولن يكون بمقدور كائن من البشر أن يرسم الخطوط والحدود للناس فيما يأتون ويذرون. فالمصلح الإيجابي هو من يسعى لاغتنام الفرص حين تتاح أمامه، وله أسوة بإمام المصلحين ﷺ ، فقد كان هذا شأنه وديدنه. فحين جاءت امرأة من السبي تحتضن صبيها ذكر ﷺ أصحابه برحمة الله لعباده. وحين يكون مع أحد أصحابه يعلمه ويوصيه، وحين يكون الموقف مؤثرا يعظ أصحابه كما في حديث البراء بن عازب المشهور. إن الذين يثمنون الفرص لا يقف الأمر لديهم عند مجرد اغتنامها حين تتاح، بل هم يبادرون، لأنهم يدركون أنها لا تدوم. وقد أوصى ﷺ أمته بذلك فقال: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» [١] . وها هو يوسف ﵇ حين عبر رؤيا السلطان وأخبر أنهم أمام سبع سنين من الرخاء، وسبع سنين من الشدة أمرهم أن يغتنموا فرصة الرخاء ليدخروا لسني الجفاف. والمصلح الإيجابي يتجاوز مجرد اغتنام الفرص التي تتاح له ليبحث عنها ويفتش، وها هو ﷺ في سيرته يغتنم فرص اجتماع قومه ليدعوهم، ويبحث عن فرص أخرى ليدعو غيرهم، فقد كان يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة. وحين لا يجد المصلح فرصة سانحة أمامه، ويفتش يمنه ويسره؛ فإنه يسعى لأن يوجد الفرصة؛ فالحاجة أم الاختراع، ولن تعجز عقول المصلحين عن أن تهيئ الفرصة وتوجدها؛ فها هم صناع السلاح والمتاجرون به حين تكسد سوقه يفتعلون المعارك والحروب ويؤججون نارها ليروجوا بضاعتهم، وها هم أصحاب رؤوس الأموال يغرقون الناس بالدعاية لمنتجاتهم حتى يوجدوا فرص تسويقها. وقديما كان الصياد حين لا تتاح له فرصة اجتماع الطير يلقي له طعما حتى يجتمع فيصيده. والمصلحون الإيجابيون لا يقف جهدهم عند ذلك فحسب، بل هم يبحثون في المواقف السيئة، ومن بين الصور المظلمة يبحثون عن النور والضياء، إنهم حين تحل المحن والنكبات، وحين يتشاءم الناس مما أمامهم يتلمسون الصور المشرقة، ويبحثون عن الثغرات ليستثمروا الواقع الجديد. حين يقع الابن في معصية أو مصيبة؛ يستثمرها والده العاقل لتكون منطلقا لنصحه وإصلاحه. ومهما كانت الأحوال سيئة ومظلمة؛ فالأوضاع الجديدة تحمل في طياتها العديد من الفرص التي يمكن أن يستثمرها العقلاء.
следующие страницы →