نص شعري
ستعود حطين
محمد الحسناوي
...
يا هارِبِينَ إلى هوى (رابينِ) ... هل تذكرونَ مرارةَ السِكّينِ؟
إن كانتِ الثاراتُ تَنسى لونَها ... فالهُونُ لا يُنسى ولونُ الهونِ
كم حرّة جاعت ولم تأكل بثد ... ييها وسال لعاب كل بطينِ
يا آكلينَ، بِخُبزةٍ، أقداسَهم ... ما ينفعُ التسويفُ للمَغبونِ
شهداؤكمْ خطبوا السماءَ وأنتمُ ... تتلمظونَ على فُتاتِ الطِينِ
ما كانَ (بيريزٌ) أخا ثِقَةٍ ولا ... كانَ الوفاءُ العذبُ في (شارونِ)
سلبوا الضِياءَ من الشموسِ، وأبَّدوا ... أسلابَهم بالسيفِ والتَّوطِينِ
أَفنمنحُ الذؤبانَ صكَّ براءةٍ ... أو نُسلِمُ الأطفالَ للتِنّينِ؟
أوطانُكمْ أعراضُكم. هل يَسلمُ الشـ ... ـرفُ الرفيعُ من الأَذى.. بالدُّونِ؟
أوطانكمْ أقداسُكمْ. من ذا يُبا ... دِلُ مسجداً وممالكاً.. بِظُنونِ؟
أوطانكمْ أوطانُ أجدادٍ سَقَو ... ها حُرَّ أَفئدةٍ ونورَ عُيونِ
أوطانُ أجيالٍ تُفدِّيها، تُفـ ... دّي رَمْلَةً منها بِكلِّ ثَمينِ
يا هارِبِينَ من القضاءِ إلى القَضاءِ ... نَسيتمُ الميعادَ في (حِطّينِ)
المجدُ مجبولٌ بِتُربتِها، وملءُ شِعا ... بِها الغازي (صلاحُ الدِّين)
ستعودُ (حِطّينُ) الفخارِ، ويَرجِ ... عُ المحزونُ من زَهوِي ومن زَيتوني
ما زالَ (عِزُ الدينِ) و (الياسينُ) في ... أَحداقِها في نَبْضِها المَكنونِ
أُصغُوا إلى همسِ النَسيمِ بِبوحِها ... وإِلى لُغاتِ الشَوقِ في اللَّيمونِ
شَدْوُ الحَمامِ أنينُها، وصَهيلُها ... سَيلٌ تَحدَّرَ من ذُرا (حَرْمُونِ)
شُمّوا إذا شِئتمْ ذَرِير عُشَيْبَةٍ ... بَرّيةٍ أزرتْ على النِسرِينِ
مِزمارُ (داودٍ) على غُدرانِها ... يَحكي عَنِ الفِردوسِ سكبَ لُحونِ
وصلاةُ (أحمدَ) في معارِجِ طُهرِها ... نورٌ على نورٍ وعَرفُ جَبِينِ
يا هاربينَ إلى سَرابِ وُعودِهمْ ... سَمُّ الخِياطِ يَضيقُ في التَطمينِ
من ذا يَخيط قُلامةً في أُظفرٍ ... أو يُلحِمُ المجذوذَ بِالإسفينِ؟
الروح باقِيةٌ، وعَزَّتْ أن تُنا ... لَ بإصبعٍ أو عَظْمةٍ عُرجونِ
الروحُ باقِيةٌ، وتَأبى أن تُقطَّـ ... ـعَ بينَ (صهيونٍ) وبينَ خَؤونِ
الروحُ صنعُ اللهِ تمضي جُملةً ... وتعودُ واحِدَةً بِلا تَقنينِ
كتبَ الإلهُ لَتَغلِبنَّ جُنودُه ... وجنودُ (عبدِ اللاتِ) في سِجّينِ
في كلِّ خَلْقٍ سُنّةٌ مقدورةٌ ... تأتي على ما رِيشَ من تَدجِينِ
الليلُ ليلٌ، والنَّهارُ مَسيحُهُ ... والنصرُ سيفُ الله في التَكوينِ
стр. 4483
المسلمون والعالم
مشاهد سياسية: المستضعفون الأقوياء !
عبد العزيز كامل
kamil@albayan-magazine.com
مخطئٌ من يظن أن المسلمين الصادقين أصبحوا لقمة سائغة في أيدي أعدائهم..
ومغرورٌ من يمني نفسه بسهولة المعركة الطويلة معهم.. وواهمٌ أو مغفلٌ من
يعتقد أن تلك المعركة ستنتهي بإنهائهم، أو احتوائهم، أو إلجائهم إلى التخلي عن
رسالتهم الموكولة من الله إليهم بأن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويملؤوا
الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً.
فهؤلاء المسلمون رغم استضعافهم أداة إلهية قدرية؛ سيُجري الله تعالى بها
سننه، ويحقق بها وعده بانتشار نوره وانتصار دينه، وانكسار أعدائه، [هُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ]
(التوبة: ٣٣) .
صحيحٌ أن المسلمين الآن ضعفاء في تفرقهم، مشتتون بجراحهم، ضائعون
بفقدان القيادة العالمية الواحدة الراشدة، وصحيحٌ أن ظلالاً من الذل لا تزال تخيِّم
على رؤوس الأمة، بعد طول مخاصمة لمعقد العز والتمكين المتمثل في ذروة سنام
الدين.. ولكن هذه كلها أعراض لأمراض سرعان ما تزول بزوال أسبابها.. والأيام
تثبت هذا، فلا تزال العودة إلى الله تعود بالمسلمين رويداً رويداً إلى آفاق رحبة من
رحمة الله، فنرى ونسمع عن مستجدات ما كان أحد يحلم بها قبل بضع سنوات؛
حيث أصبح الإسلام وأهل الإسلام عصب المادة الإخبارية التي تجذب اهتمام العالم،
وتثير خوف المجرمين، وتستلفت انتباه التائهين الضالين، والذين ربما يقبل
الكثير منهم على السؤال عن هذا الدين، ومنهاجه، وجوهر دعوته. وفي هذا ما
فيه من بلاغ لكلمة الله للعالمين، والتي ما كان أحد يستطيع جلب انتباه العالم لها
بمثل هذه القوة وهذا التركيز؛ لولا مكر الكفار الذي ينقلب عليهم، [وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) ، فالكفار مكروا بالمسلمين في
فلسطين، ويمكرون بهم في أفغانستان، والشيشان، وفي كشمير، والعراق،
والسودان، وهم يواصلون المكر الآن في قائمة إضافية تضم ستين دولة، كما قال
(كبير الأوباش) قبل عام.
فماذا أثمرت حملات أعداء المسلمين إلى الآن؟ وما هي ملامح المرحلة
الجديدة من الحرب المفتوحة على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب؟ .. لنتجول
مع تلك المشاهد لنرى: كيف يسوق الله تعالى لنا البشريات بقبول دعوات
الصالحين بنصرة إخوانهم المستضعفين وتحويل استضعافهم إلى قوة؛ حتى يصبح
الأمر كما قال سبحانه: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ] (القصص: ٥-٦) ، وتلك
المنة لا نشك بأنها ستُكلل بانتشار عام لكلمة الإسلام كما أخبر سيد الأولين والآخرين
ﷺ في قوله: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها،
وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» [١] .
* فلسطين: عطاء بلا غطاء
بالرغم من المعاناة والشدة والتضييق الذي عانى ويعاني منه الشعب الفلسطيني
بعد اندلاع الانتفاضة الثانية؛ فإن ما يعانيه الطرف اليهودي في المقابل يتزايد مع
الأيام، وهذه سنة الله مع الصادقين إذا انحازوا إلى طريق الجهاد بوصفه حلاً أخيراً،
بل وحيداً لكسر شوكة العناد لدى الأعداء، [إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] (النساء: ١٠٤) ،
وبرغم ما يعيشه المجاهدون الفلسطينيون من حصار وأذىً متعدد الأشكال؛ فإنهم
يبرهنون كل يوم أن في مقدور الفئة القليلة أن تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله،
واليهود اليوم هم الفئة الكثيرة بما معها من كثرة السلاح، وحملة السلاح، ونوعية
السلاح المتفوق في البر والبحر والجو، ومع هذا؛ يشاء الله تعالى أن يجري على
أيدي الفئة القليلة المستضعفة العزلاء من الفلسطينيين ألواناً من الإذلال والرعب
والإهلاك لليهود، يتضاعف على جميع ما قدمته الأنظمة «الثورية» والحركات
«النضالية» ، وما أنجزته الحكومات بحروبها ومشاريعها السلمية الرسمية وغير
الرسمية، يعبر عن هذا الكاتب الأمريكي اليهودي الشهير: «توماس فريدمان»
بقوله: «لقد أدت العمليات والتفجيرات التي قام بها الفلسطينيون خلال شهرين إلى
قلب البلد رأساً على عقب، وأفقدت (إسرائيل) أكثر مما فقدته مع أي جيش عربي
خلال السنوات الخمسين الأخيرة، وأصبحت (إسرائيل) اليوم مستعدة أكثر من أي
وقت مضى للبحث بجدية في موضوع الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي
احتلتها عام ١٩٦٧م» .
ما الذي جعل ذلك اليهودي يصرح بهذه الحقيقة؟ .. إنه في ذلك لا يعبر إلا
عن واقع ملموس محسوس، بل ومُحصىً في قوائم أصبحت مذاعة؛ فإجمالي عدد
العمليات التي قام بها المجاهدون في فلسطين من الفصائل كافة بلغ (٣١٧) عملية،
يعلم الجميع أن كل عملية منها تبث الذعر في قلوب ملايين اليهود في العالم لا في
داخل فلسطين فقط، فإذا أسفرت عملية منها عن قتلى، ورأى اليهود منظر الدماء
على الشاشات في النشرات؛ فإن هذا يُطَيِّر النوم من عيون أحرص الناس على
حياة.
العدد المذكور من العمليات أسفر عن مصرع (٤٣٧) يهودياً، كان كل واحد
منهم يُشَيَّع إلى لعنة الله في الخفاء، دون هتافات أو مظاهرات كتلك التي يُشَيِّع بها
الفلسطينيون شهداءهم، والسبب في ذلك: خوف اليهود من المزيد من القتلى، أما
عدد الجرحى من مجموع تلك العمليات فقد بلغ (٢٦٨٣) جريحاً، والجريح هنا قد
يكون بصيراً تحول إلى أعمى أو أعور، أو سليماً تحول إلى قعيد أو كسير أو
مريض، وكل واحد من هؤلاء يظل قابعاً داخل إطار في لوحة كئيبة رعيبة
يشاهدها أهله وأصدقاؤه ومعارفه كل يوم؛ مما يزيد من تمكن الرهبة في قلوب
اليهود، وصدق من قال: [لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ
يَفْقَهُونَ] (الحشر: ١٣) ، إن الميت قد يُنسى بعد حين، أما المصاب فإنه تذكار
لتجديد الوساوس والأفكار عند كل يهودي كي يولي الأدبار، أو يسعى للهجرة نجاة
بجلده.. (انج سعد فقد هلك سعيد) !
وما لا تذكره الإحصاءات من ضحايا العمليات الجهادية غير القتلى والجرحى
هو عدد من يسقطون صرعى الجنون، والأزمات النفسية المزمنة، والكوابيس
المخيفة، وأفلام الرعب في أحلام المنام واليقظة، وصدق الله: [سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ
الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] (الأنفال:
١٢) ، فليس من سبيل لإلقاء هذا الرعب إلا بضرب الأعناق ونثر الأشلاء،
وليس من سبيل لإكراه العدو على كف شره إلا هذا الرعب، وهذا ما يقوم به أُسُود
فلسطين، ثبَّت الله أقدامهم!
إن هذا الرعب المبثوث هو أقوى ورقات التفاوض، وأنجح وسائل الضغط،
وأسرع رسائل المطالبة؛ فهو أدعى لقبول الخصم لمبدأ الجلوس للوصول إلى حلول
غير ظالمة. وقد جرب الفلسطينيون على المستوى الرسمي كل وسائل الملاطفة
والمجاملة والتذللات والتنازلات؛ فلم يُجْد ذلك ولن يُجْدي مع اليهود نفعاً، بل
سيزيدهم ذلك إصراراً على التهام ما تبقى من حقوق الفلسطينيين.
صحيح أنهم يزدادون شراسة في الانتقام لضحاياهم، ولكن ذلك لا بد أن يكون
له سقف ونهاية، فلا بد أن ينكسر اليهود في النهاية تحت وطأة هذا الحوار الساخن
الجاد الذي لا يستطيع اليهود أن يفهموا حواراً غيره.
كلما صرخ اليهود من وقع ضربات المجاهدين على أم رؤوسهم؛ انبرى
العلمانيون الفلسطينيون في التباكي على عملية السلام، والاعتراض على استمرار
الانتفاضة، أو الدعوة إلى عدم عسكرتها، بل إن منهم من لم يمنعه الحياء من أن
يطالب أطفال الانتفاضة بالكف عن رجم جنود اليهود بالحجارة!! تلك الحجارة التي
يلتقطها الصبية والشباب من أطلال البيوت المهدمة، والمنشآت المدمرة!!
يقول هؤلاء المطالبون: لا نريد أن نعطي لليهود ذريعة للاستمرار في
العدوان..! هؤلاء لم يفهموا بعد من هم اليهود ... أو يفهمون ولكنهم يتغابون؛
فمتى كف اليهود عن العدوان؟ وهل كانوا في حاجة إلى ذرائع عندما نفذوا سلسلة
المذابح التاريخية السابقة واللاحقة ضد الفلسطينيين العزل؟! هل كان في عام
١٩٤٨م من يقذفونهم بالحجارة؟! وهل نشأت حرب ١٩٦٧م بعد عمليات استشهادية
ضد مدنيين أو عسكريين إسرائيليين؟!
ما نستطيع أن نقوله: إن استمرار أعمال الجهاد هي السبيل الوحيد لإيقاف
اليهود وغيرهم عند حدهم، فهذا مفهوم السيرة والتاريخ، ومنطوق القرآن والسنة:
[فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] (النساء: ٨٤) ، فَكَفُّ بأس الكفار في
فلسطين وغيرها مرهون بإقامة شرعة القتال التي فرطت فيها الأمة عقوداً طويلة.
أما (بدعة) التفريق بين المدنيين والعسكريين؛ فنحن لا نعرف في شرع الله إلا
محاربين ومسالمين، فليثبت المعترضون على قتل من يسمون بالمدنيين
الإسرائيليين أنهم مسالمون، ثم ليثبتوا بعد ذلك أن العسكريين منهم لم يستهدفوا
مدنيين مسلمين! فإذا كانت عساكرهم تستهدف مدنيينا فعلينا أن نعمل بقول الله
تعالى: [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ] (النحل: ١٢٦) ، وقوله:
[وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا] (الشورى: ٤٠) ، وقوله: [فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] (البقرة: ١٩٤) .
بل إنني أريد التنبيه - من وجهة نظر شخصية - على (بدعة) أخرى،
وهي بدعة (التفريق بين يهود الداخل ويهود الخارج) ، وأقول «بدعة» على
اعتبار عصمة الدم، فاليهود في عصرنا كلهم محاربون إلا من أثبتت الدلائل أنهم
بخلاف ذلك، وعلى ذلك؛ فما لم تترتب مضرة راجحة من استهدافهم خارج
فلسطين، كما استهدفوا هم عشرات القيادات والرموز خارج فلسطين، إذا لم توجد
مضرة راجحة في ذلك فهم هدف مشروع، ومن هنا؛ فلا مُسَوِّغ للتبرؤ من
العمليات التي تستهدف المصالح اليهودية خارج فلسطين إذا كان من يقومون بها
يُعفون المجاهدين في الداخل من تبعة المسؤولية عنها. لقد رأينا مدى الرعب والقلق
والانزعاج لدى اليهود في (إسرائيل) عندما استُهدفت مصالحهم خارج فلسطين،
وعلى أيدي غير الفلسطينيين في عمليتي (مومباسا) ، فقد فرضت هاتان العمليتان
منذ لحظة تنفيذهما على كل أجهزة الأمن الإسرائيلي وعلى رأسها (الموساد)
تبعات أضخم وأعظم من إمكاناتها؛ لرصد الأنشطة المعادية لليهود في أطراف الدنيا
الأربعة ومتابعتها، وهم الذين اعتادوا أن ينفذوا عملياتهم في كل أنحاء العالم في
أمان؛ دون أن يجدوا حتى من يحاول التحقق من نسبة الجريمة لهم.
فلماذا يبيح العالم لليهود أن يحولوا الكرة الأرضية ساحة للنشاط الإجرامي لهم،
ويريد بعضنا أن يُحصر العمل ضد اليهود في قلعتهم المحصنة داخل فلسطين فقط،
بل إن هناك من يريد حصر القضية ضد اليهود على الفلسطينيين كما يفعل عرفات
عندما طالب غير الفلسطينيين بأن يكفوا عن (المزايدة) باسم فلسطين، وما علم
ذلك الـ (مخذول) بأن القضية الفلسطينية ما أضيرت من أحد بمثل ما أضيرت
من أمثاله؛ رغم أنه يمثل الرمز (الرسمي) للفلسطينيين!
عمليتا (مومباسا) اللتان نُفذتا ضد «فندق إسرائيلي» و «طائرة إسرائيلية»
في وقت واحد؛ فتحتا صفحة جديدة من الصراع مع اليهود لها ما بعدها، فنعتقد
أن (ذراع إسرائيل الطويلة) التي طالما تغنى الإسرائيليون بعدم قدرة حكومات
العالم كله على تحديها؛ قد وجدت من الآن ذراعاً أطول تستطيع أن تبترها أو تشلها،
أو تلويها على رقاب من استطالوا بها على الإسلام وأهله.
لقد عبَّر عن رعب الإسرائيليين وهلعهم من هذه العملية المعلق الإسرائيلي
«إينان هار» ؛ عندما كتب في صحيفة يديعوت أحرونوت في (٩٢/١١/٢٠٠٢م)
مخاطباً المسؤولين الإسرائيليين: «كُفُّوا عن الحديث عن دحر الإرهاب، وذراع
إسرائيل الطويلة القادرة على قطع أذرع أعداء (إسرائيل) ، وأَقْبِلُوا على التفكير
السياسي السليم لمحاولة إيجاد حل سياسي ... الحقيقة الآن هي أنه ليس بمقدور
عشرة شارونات، ولا مئة موفاز، ولا ألف نتنياهو دحر الإرهاب بوسائل عسكرية
فقط!» . وكتب معلق آخر هو «بن كسبيت» في صحيفة (ها آرتس) بُعيد
الحادث واصفاً حال اليهود بعد عمليتي (مومباسا) في كينيا، وعملية (بيسان)
قرب الأردن في اليوم نفسه؛ فقال: «نشعر أننا وصلنا إلى طريق مسدود ...
حتى السفر بهدوء إلى الخارج لم يعد آمناً (يشير إلى محاولة إسقاط الطائرة
الإسرائيلية) ، لم يبق لنا الآن إلا رائحة الخوف نشمها في كل مكان!» . وعلقت
صحيفة (معاريف) على عملية (مومباسا) بمقال تحت عنوان (ليس من نصير)
قالت فيه: «إن الخطر بات في كل مكان.. في كل ردهة من فندق، وفي كل
مدرج إقلاع ... وفي كل مطعم أو ملهى.. ليس أمامنا مكان نهرب إليه، حتى
الأمن خارج البلاد سلبوه منا!» .
ونحن نقول للإسرائيليين: لقد مضى عهد «تنت» و «نتن» و «شارون»
و «شيمون» و «أهارون» ، كما قد ولى عهد (سلام الشجعان) وجاء زمان
جند الإسلام، داخل فلسطين وخارجها، هؤلاء الذين يعملون في العراء بلا غطاء
من حكومات أو جيوش أو منظمات أو هيئات تناصرهم وتدعمهم؛ فماذا لو بُذل لهم
الدعم، ووُفِّرت الإمكانات؟! ... اللهم كن لهم عوناً ونصيراً!
* أفغانستان: طالبان وغلام الأخدود
عندما سقطت دولة طالبان الصغيرة الفقيرة على أيدي الأمريكان الظالمين
الغاشمين؛ كنت أقول ولا أزال: لو كان ثمن سقوط دولة طالبان اليوم هو سقوط
إمبراطورية الظلم الأمريكية غداً؛ فإن طالبان لم تسقط.. ولم تُهزم، بل ولم تمت؛
فهي كالشهيد الحي الذي يريق دمه ليحقن دماء غيره، وكالشمعة المشعة التي تحترق
لتضيء طريق الظلام. كنت أقول هذا على افتراض السقوط النهائي لها، وهو ما
لم يحدث، وكنت أستلهم في ذلك دروس قصة غلام الأخدود الذي صوَّب الملك
الجبار سهم الجريمة لإسكات قلبه الصغير؛ ليحي الله بذلك قلوب الملأ الكبير ...
ولهذا فإن الغلام عندما سقط مدرجاً في دمائه؛ أَسقَط َفي الوقت نفسه كيان الجبروت،
وكشف زيفه، وعرَّى باطله، وأظهر للناس أن هناك إلهاً واحداً عدلاً لهذا الكون
يقول للشيء كن فيكون، وأن مشيئته نافذة في الجبارين ولو بعد حين؛ فمن الذي
انتصر إذن: الغلام أم الملك الجبار؟! كلنا يعرف الإجابة عن هذا السؤال.
أما السؤال الثاني وهو: من الذي انتصر في حرب أفغانستان: أمريكا أم
طالبان؟! فهذا سؤال ستُعرف إجابته الواضحة عندما يتضح مصير الحرب العالمية
الثالثة التي انطلقت من أفغانستان ضد حزب الرحمن في شتى أنحاء العالم، ولكن
الانتظار لن يطول؛ ففضائح أمريكا تتكشف يوماً بعد يوم، والتقارير التي تتوافد
عن حالة المعركة القائمة الآن بين المجاهدين في أفغانستان وبين القوات المشتركة
المشركة تحت زعامة الولايات المتحدة؛ تقول الكثير عن عناصر الجواب عن
السؤال السابق.
والمفاجأة الكبرى التي توردها وتقررها هذه التقارير أن الغلام لم يمت، وأن
مشروعه للشهادة أمام الملأ قد تأجل ليتحول إلى مشروع إحياء عام للروح التي
فقدتها هذه الأمة، ففقدت بفقدها الدنيا والدين والتمكين، وهي روح الجهاد الأكبر
لإعلاء كلمة التوحيد.
خسائر الولايات المتحدة على أيدي المجاهدين حقيقية وكبيرة، وهي مرشحة
للزيادة في ظل تقارير متواترة عن نجاح المجاهدين في إعادة تنظيم صفوفهم، بل
وإعادة فتح بعض المعسكرات. وقد نشرت جريدة (نيوزويك) تقريراً يقول بأن
٩٠% من قيادات المجاهدين في أفغانستان ما زالوا أحياء طلقاء! هذا عن القيادات
.. وفي داخل أفغانستان؛ فماذا عن الأتباع، وعن الخلايا النائمة والمتناومة في
شتى أرجاء العالم؟!
إحدى العمليات داخل أفغانستان سقط فيها باعتراف أمريكا (٤٠) قتيلاً،
وأصيب (٣٤٥) ، والحكومة الأفغانية العميلة نفسها تعترف بسقوط (١١٠)
أمريكيين، ولكن المخابرات الروسية والهندية تكذبها وتقول: إن خسائر أمريكا في
أفغانستان بلغت حتى الآن (٤٠٠) قتيل، وهناك أطراف أخرى ربما تكون ذات
اطلاع واسع على مجريات الأحداث في الداخل الأفغاني تذكر أرقاماً أخرى، فالقائد
السابق حكمتيار يقول إن الخسائر البشرية الأمريكية في أفغانستان لا تقل عن
(٦٥٠) قتيلاً، أما مصادر طالبان- الأكثر اطلاعاً - فتوصِّل عدد من قُتلوا بأيدي
المجاهدين إلى (١٢٠٠) جندي أمريكي، وتقول إن جثثهم تُنقل إلى أمريكا عن
طريق باكستان عبر بعض دول الخليج بأعداد متزايدة.
هذا المعدل في الخسائر البشرية كبير بالمقاييس المعتادة، ومرعب بالمقاييس
الأمريكية التي تزن الجندي الأمريكي بألف من البشر أو يزيد، والقادة العسكريون
الأمريكيون الذين يخرجون كل حين لإذاعة أنباء عن النجاح في مطاردة (فلول)
المجاهدين؛ تزعجهم هذه الإفاقة السريعة للجهاد في أفغانستان بعد مصيبة الغزو
الذي تسبب فيه وأعان عليه المنافقون، فالأمريكيون بين شرَّيْن: إما البقاء الدامي
في أفغانستان، وإما الانسحاب الذليل كما حدث في الصومال بعد مقتل مئتين من
جنود المارينز هناك، وكذلك الانسحاب الصامت من الفلبين مؤخراً، وإذا حدث هذا
في أفغانستان واضطرت أمريكا كما اضطرت أستراليا بعد بالي إلى سحب قواتها
من أفغانستان؛ فإنها ستكون فضيحة الدهر لأمريكا، وسيكون هذا سقوطاً مدوياً لهذه
القوة الشريرة التي لم تتمكن إلى الآن من تحقيق هدف واحد من أهداف حملتها على
أفغانستان؛ سوى إحلال الخوف محل الأمن، والفجور محل الاستقامة، والفساد
محل الإصلاح في طول البلاد وعرضها.
أفغانستان بعد عام من غزوها:
والنتائج الأولية للأوضاع في أفغانستان بعد عام من اضطرار طالبان لترك
المدن؛ توحي بأن الشعب الأفغاني يوشك أن يجتمع مرة أخرى على زعامة طالبان
في الجهاد، فالأسباب التي دعت هذا الشعب للجهاد الأول وهي الاحتلال والغزو
الأجنبي تتكرر اليوم، والأسباب التي دعته للالتفاف حول طالبان وهي انتشار
الفساد والجرائم تتكرر أيضاً بشكل أفظع؛ حيث أشارت مثلاً تقارير الأمم المتحدة
مؤخراً إلى ثبوت بلاغات عن حدوث (٢٤٠) حالة اغتصاب في العاصمة
الأفغانية وحدها، هذا عن المُبلَّغ عنه؛ فماذا عن الذي لم يُبلَّغ عنه وسط شعب
يفضل الموت على العار؟! ... مصادر طالبان تؤكد أن عدد حالات الاغتصاب -
فضلاً عن السرقة، وقطع الطرق، وسلب الإتاوات.. وغيرها - وصل إلى
(٧٣٠) حالة، مع أن المثبت في دواوين تلك الحركة عن جرائم الاغتصاب خلال
سنوات حكمها الخمس؛ لا يزيد عن ثلاث حالات اغتصاب أقيم الحد فيها على
المجرمين.
والمسلمون في العالم سيكتشفون أيضاً مع الوقت أن العار الأكبر الذي ظل
العالم يعيِّر به حكومة طالبان ظلماً - وهو الاتجار بالمخدرات - قد عاد الآن بعد
طالبان على يد الحكومة (الإصلاحية) التي تدَّعي أنها إسلامية؛ لتصبح أفغانستان
الدولة الأولى في العالم في تصدير المخدرات، فهي تصدر الآن ما قيمته (٧٠%)
من إنتاج العالم للأفيون. ومعروف أن الأمم المتحدة وعلى لسان مسؤولها في
أفغانستان (الأخضر الإبراهيمي) كانت قد أعلنت عام ١٩٩٩م خُلُوّ أفغانستان من
حقول الأفيون في ظل حكومة طالبان، كل هذه الأسباب وغيرها ستدفع الصادقين
من شعب أفغانستان للالتفاف مرة أخرى حول المجاهدين الصادقين من أبناء الشعب
الأفغاني وما أكثرهم! .
لم أرد بتناولي للشأن الأفغاني أن أسرد إحصاءات، فربما تتوافر هذه
الإحصاءات بشكل أوسع في مصادر أخرى، ولكن الذي أردت لفت النظر إليه؛ أن
فرص انتعاش الحركة الجهادية في أفغانستان تتزايد يوماً بعد يوم، وهذا يعني ما
يلي:
- أن مخططات أمريكا في منطقة آسيا الوسطى، والتي عرقلتها طالبان أثناء
مدة حكمها، يتوجه إليها التهديد من جديد بسبب طالبان وهي خارج الحكم،
والمؤشرات كلها تدل على عدم قدرة حكومة كرزاي (الذي سُرقت سيارته من
القصر) على توفير الأمن والاستقرار، فهي عاجزة عن الخروج بسلطتها عن
حدود كابل، بل عن حدود القصر الجمهوري الذي تحميه فرق المرتزقة
المستوردين من أمريكا بالأجرة.
- أن رقعة الجهاد الإسلامي في آسيا الوسطى ستتوسع وتزداد في البلدان
المحيطة بأفغانستان؛ إذا اضطرت أمريكا للانسحاب من هناك تحت وقع الخسائر
البشرية المتزايدة، والتي لن تصبر على المزيد منها الجرذان الأمريكية البيضاء.
- أن فضيحة تحالف الشمال الذي أقسم بعض قادته على عدم السماح
لـ (ذبابة) بأن تطأ أرض أفغانستان، وظهور حجم الكارثة التي جلبها هؤلاء
إلى بلادهم باستدعاء الأمريكان وتمكينهم من أرض أفغانستان؛ سيعمق الفجوة
بينهم وبين الشعب الأفغاني مع الزمن، وسيزيد من الشروخ بينهم وبين مناوئيهم
في السلطة، وهو ما سيعود بمزيد من التفكك والضعف على السلطة المركزية
التي يخوض وزير الدفاع فيها صراعاً مسلحاً مع (نائبه) دوستم؛ في أضحوكة
من أضاحيك الزمان التي تستثير الاستهجان!
- إن صدقت توقعاتنا بتحول أفغانستان إلى ساحة صراع بين أمريكا
وغرمائها الآخرين من غير المجاهدين؛ فإن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها على
أرض أفغانستان في مواجهة عداء مستحكم من كل من الصين وروسيا وإيران
وباكستان، فكل تلك الدول متضررة بشكل أو بآخر من عزم أمريكا على نصب
خيمتها الدائمة في أفغانستان، ولا أزال أعتقد بأن الروس وبرغم كل مظاهر النفاق
للأمريكان لن يضيعوا فرصة توريط أمريكا في أفغانستان كما ورطتهم أمريكا فيها
بدعمها السابق للجهاد الأفغاني؛ حيث زودت المجاهدين بصواريخ «ستالينجر»
ليقاتلوا الروس نيابة عنها، وليتولى المسلمون الأفغان بدمائهم ودماء أطفالهم
ونسائهم وشيوخهم؛ إنهاء الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا لصالح الأمريكان؛
كي يتحقق ما تحدث عنه نيكسون في كتابه (نصر بلا حرب) !
- وأخيراً؛ نستخلص من قصة الغزو الأمريكي لأفغانستان منذ بدأ وحتى الآن:
أن العائق الوحيد دون قدرة طالبان على العودة للحكم، وعدم قدرتها قبل ذلك على
الاستمرار فيه؛ يرجع إلى السيطرة الجوية الأمريكية التي لا يملك المجاهدون
وسائل مواجهتها وكسر تفوقها، ولكننا لا نستبعد في ظل حرص القوى المحيطة
بأفغانستان على توريط أمريكا هناك أن تلجأ تلك القوى إلى دعم المجاهدين نكاية في
الأمريكيين، وإذا صحت الأنباء التي تحدثت عن عثور القوات الأمريكية على
صواريخ صينية حديثة الصنع في حوزة المجاهدين بعد بعض عملياتهم؛ فإن ذلك
سيكون عامل ضغط هائل على الأمريكان؛ يجعلهم يستيقنون أنهم قد وقعوا بالفعل
في الورطة الكبرى عندما قرروا غزو أفغانستان.
* الشيشان: دور كبير لشعب صغير
لا يتعدى شعب الشيشان كله، برجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله عدد سكان
محافظة نائية من محافظات مصر مثلاً، فعددهم لا يزيد عن المليونين، ومع هذا؛
فإن ذلك الشعب الأبي المجاهد كان ولا يزال يُصَدِّر للدنيا كلها أسمى معاني الصبر
والفداء، ولا يضير شعب الشيشان أننا كنا لا نسمع به قبل أن يُبرز الإعلام قضيته
إبان الغزو الروسي الأخير لبلادهم، إنهم جزء من بلاد القوقاز التي تعد شعوبها من
أسبق الشعوب النائية عن جزيرة العرب دخولاً في الإسلام، فقد أرسل إليهم الخليفة
الثاني عمر بن الخطاب ﵁ في العام الثامن عشر للهجرة؛ كلاً من
الصحابيين الجليلين حذيفة بن اليمان، وعياض بن غنم ﵄ ليبلغوهم
دعوة التوحيد، فاستجاب الكثيرون منهم، ولم يكد يمر من الزمن ست سنوات حتى
خضعت بلدان جنوب القوقاز كلها لحكم الإسلام، ولم تأت عهود الخلافة الأموية
والعباسية إلا وشعوب القوقاز ومنهم الشيشان يمثلون جزءاً فعالاً من كيان الأمة
الإسلامية، وكانت روسيا آنذاك إمارة مغمورة كريهة السمعة، فبلدهم (موسكوفيا)
كان يقطنها وثنيون همج، وصفهم المؤرخون بأنهم من شر خلق الله طبعاً،
وأقذرهم سلوكاً، وأكثرهم فساداً وإفساداً؛ فهم لا يعرفون حلالاً ولا حراماً، ولا
يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون من نجس، ولا يفيقون من شرب الخمر. إلا أن
أولئك الرعاع انتقلوا خلال قرون تالية من وثنية الأصنام إلى وثنية الصلبان،
وتقوَّت روسيا بجيرانها من البيزنطيين النصارى، وبدأت تستأسد على المسلمين
حولها في بلاد القوقاز عن طريق أعمال القرصنة التي كانت تقوم بها قبائل
النورمان الذين تشكلت منها روسيا، ولكن المسلمين أخضعوهم لحكم الإسلام في
القرن السادس الهجري، وجعلوهم يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون، وحتى
أواخر القرن الخامس عشر الميلادي كان الروس يؤدون الجزية للحكام المسلمين في
القوقاز، ولكن الأمر تغير بعد سقوط الأندلس عام (٨٩٨ هـ / ١٤٩٢م) ؛ إذ
تكالبت الأمم على المسلمين، وكان الروس من شر المتكالبين، فراحوا يبادئون
المسلمين بالعدوان في بلاد القوقاز وغيرها، ويلحقون بهم أعظم الأذى، حتى
بلغت ذروة ذلك على يد رمز الإجرام الروسي «إيفان الرهيب» ؛ ذلك السفاح
الذي استباح مدينة (قازان) عاصمة القوقاز وقتها، وأمر بقتل جميع سكانها؛ في
أبشع مجازر التاريخ عام (٩٥٩هـ/ ١٥٥٢م) .
واستمر شعب القوقاز في معاناة طويلة من بطش الروس؛ في ظل انشغال
الممالك الإسلامية في مصر وإيران وغيرها بالصراعات الداخلية والخارجية، ولكن
الخلفاء العثمانيين تنبهوا فيما بعد لمأساة بلاد القوقاز مع الروس، فخاض العثمانيون
مع الداغستانيين ومن أسلم من التتار؛ حروباً طاحنة ضد الروس، ثأروا فيها
لإخوانهم القوقازيين، وظلت الأمور بين المسلمين والروس بين مد وجزر، حتى
جاء القرن الثامن عشر فجرد الروس حملة بقيادة زعيمهم المسمى «بطرس الكبير»
فاستولى على بلاد الشيشان وداغستان وأخضعها كلياً لحكم النصارى، وفرض
الروس النصرانية على المسلمين في عهد الملكة «كاثرين» ، فاضطر الثابتون
منهم إلى الإسرار والاستتار بدينهم في ظل قهر الكنيسة التي عمَّدتهم بالإكراه، وأتم
الروس حلقات السيطرة على كثير من الشعوب الإسلامية بنهاية القرن الثامن عشر
للميلاد، وفي القرن الذي يليه بدأت بقايا الشعوب القوقازية ومنها الشيشان في
التمرد على الإكراه في الدين الذي يمارسه النصارى عليهم، وبدأت حركات جهاد
ضد الروس، وتزعمهم في ذلك القائد الشيشاني «الشيخ منصور» ؛ حيث نجح
في تنظيم جهاد المسلمين ضد الروس بدعم من العثمانيين، وتمكن ذلك المجاهد من
إذلال الروس وإلحاق الهزائم بهم في معارك عديدة، ولكن هذا الشيخ أُسر بعد ذلك،
وخلفه الإمام «مولا» الداغستاني، ثم جاء بعده الزعيم الشيشاني الشهير «الإمام
شامل» ، وكان شامل الأمس كشامل اليوم حفظه الله مجاهداً عنيداً صلباً، لا تكسره
الابتلاءات، ولا تضعفه الهزات.. على مدى خمسة وثلاثين عاماً متواصلة من
الجهاد ضد الروس، ولم يتمكن الروس من القضاء على حركته العسكرية إلا بعد
أن حشدوا له ثلت الجيش الروسي، فتصدت قوات مكونة من مئتي ألف مقاتل
روسي لمهمة القضاء على الإمام شامل.
لم تخمد جذوة الجهاد على أرض القوقاز على الرغم مما واجهها من أهوال
على يد حكم القياصرة في روسيا، ولما قامت الثورة الشيوعية الروسية عام ١٩١٧م
كان أهل القوقاز مستعدين لإعلان (جمهورية الجبل المستقلة) ، ولكن الإلحاد
الروسي الشيوعي الذي خلف الإجرام النصراني أبى أن يترك المسلمين وشأنهم،
بل ازداد الروس عتواً وإجراماً بعد تحولهم عن النصرانية إلى الإلحاد المطلق، وقام
سفاح روسيا المعاصر «ستالين» بأبشع الجرائم ضد الشعوب في هذا العصر،
فقتل من الشعب الشيشاني الصغير نصف مليون نسمة، وكان هذا العدد في وقته
يوازي نصف الشعب الشيشاني، وأرغم «ستالين» الباقين على الهجرة إلى
مجاهل سيبيريا بعد الحرب العالمية الثانية؛ ليتأكد بشكل نهائي من التخلص من ذلك
الشعب العنيد في جهاده وصموده، لكن الله تعالى شاء أن تنتهي إمبراطورية
«ستالين» ، وأن يبقى شعب الشيشان شوكة في حلوق الروس.
ولما سقط اتحاد الإلحاد السابق؛ تكرمت روسيا كارهة بمنح الاستقلال للعديد
من الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، إلا أنها أبت أن تمنح الشعب
الشيشاني استقلاله منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم. وكانت قد اجتاحت قبل ذلك
أرض الشيشان إلى أن اضطرت للانسحاب منها عام ١٩٩٦م؛ تحت ضغط الجهاد
الشيشاني، ثم عادت واجتاحت العاصمة جروزني في أواخر عام ١٩٩٩م في عهد
السكران أبداً «يلتسن» . ولما جاء «بوتين» ؛ اعتمد في دعايته الانتخابية على
وعد الشعب الروسي بحسم القضية الشيشانية لصالح الروس، ومعنى ذلك ألا يسمح
لهم أبداً بالاستقلال، واستمر الشيشانيون في جهادهم حتى يومنا هذا.
مغزى الجهاد الشيشاني ضد الروس:
في ضوء تلك الملابسات التاريخية، وفي سياقها الطويل والثقيل الذي
عرضناه باختصار؛ لا بد أن نتفهم إقبال المجاهدين المستضعفين في الشيشان على
خطوة نقل عملياتهم الجهادية إلى داخل روسيا؛ بدءاً من عملية احتجاز رهائن في
أحد المسارح بالعاصمة موسكو مؤخراً، لا بد للمسلمين في العالم أن يتفهموا أبعاد
تلك الخطوة الأخيرة، وهي نقل الصراع إلى العمق الروسي، فالشعب الشيشاني
الذي سئم صمت العالم كله نعم كله، بما فيه العالم الإسلامي والعربي أصبح يشك
في تواطؤ هذا العالم مع الروس ضده؛ حيث لم تُقدم أي دولة في العالم على إدانة
جرائم روسيا المتواصلة ضد شعب الشيشان الذي ينزف على مسمع ومرأى من
الجميع. أراد المجاهدون الشيشانيون أن يستلفتوا أنظار هذا العالم النائم إلى ما
يحدث لشعبهم، فقرروا الخروج بعملياتهم من داخل الحدود الشيشانية إلى داخل
الحدود الروسية؛ لعل ذلك يكون بلاغاً للعالم أن هناك شعباً يتعرض للفناء دون أن
يأبه به أحد. ليست هذه الرسالة فقط هي ما يريد المجاهدون المستضعفون الأقوياء
في الشيشان أن يوصلوه إلى المسلمين وغير المسلمين في العالم، ولكن الواضح
أنهم أرادوا من وراء ذلك التحول الجذري في عملياتهم الجهادية أن يحققوا الأهداف
الآتية:
- تخفيف الضغط على المجاهدين والمدنيين في الداخل الشيشاني بنقل
المعركة إلى داخل العمق الروسي؛ حيث سيتسبب التوتر الأمني الناشئ عن ذلك
في تشتيت التركيز الروسي على ضرب المجاهدين داخل الشيشان، وسينشأ عن
هذا توزع جزء كبير من المجهود العسكري والأمني الروسي إلى حماية المنشآت
والمصالح الحيوية للروس داخل العاصمة وغيرها من المدن الروسية.
- الاستنفار الأمني داخل حدود روسيا سيضاعف من المشاكل التي يعاني منها
الاقتصاد الروسي المتداعي، ومن شأن الضائقة الاقتصادية أن تضغط على الشعب
الروسي؛ فيضغط بدوره على حكومته لتراجع سياستها الخرقاء في الشيشان،
وحيث يستهلك الإنفاق العسكري بوجه عام ثلث الميزانية الروسية الحكومية للتنمية؛
فإن الأمر لم يعد يحتمل في نظر الجماهير (الكادحة) المزيد من شد الأحزمة.
- من شأن هذه العمليات داخل روسيا أن تضاعف الشروخ وتعمق الخلافات
بين الزعامات الروسية شيباً وشباباً، سياسيين وعسكريين؛ إذ إن المشكلة
الشيشانية من أشد عوامل الاختلاف والتنازع داخل القيادة الروسية، وهذه الخلافات
ستكبِّر مع الوقت علامة الاستفهام المتسائلة بحساب الربح والخسارة عن جدوى
البقاء العسكري في الشيشان؟
- نقل المعركة إلى داخل روسيا سينشئ رعباً شعبياً روسياً يشبه ما حدث في
أمريكا بعد أحداث ١١ سبتمبر، ومن شأن هذا الرعب أن يدفع المواطن الروسي
كما يدفع الآن المواطن الأمريكي لكي يتساءل: لماذا نفقد أرواحنا وندفع أبناءنا إلى
المجهول وراء الحدود؛ في حروب لا تدر علينا سمناً ولا عسلاً، بل تدور دوائرها
على اقتصادنا بالكساد، وأمننا بالفراغ، ومواقفنا السياسية والعسكرية بالانشغال
الزائد؟! يضاف إلى ذلك أن في روسيا عائلات وأقارب لـ (١٣٠) ألف جندي
ممن يوصفون بـ «الأبطال الوحوش» ، سيظل الشعب الروسي يتساءل عن
الحكمة في استمرار عودة العشرات منهم كل حين في النعوش!
- إذا تكررت مثل هذه العمليات واستمرت وهذا ما يصرح به قادة المجاهدين
فإن شعبية الرئيس الروسي ستتداعى، وسيتحول في نظر شعبه من درجة رجل
السياسة الرفيع، إلى دركة الطائش الرقيع الذي فعل أسوأ مما فعله الدب الأحمق مع
صاحبه؛ عندما ألقى على رأسه حجراً كبيراً ليقتل الذبابة التي وقفت على أنفه.
وقد بدأت هذه النظرة إلى «بوتين» تتبلور بعدما تسبب في قتل معظم الرهائن
الذين كان يريد إنقاذهم؛ بسبب قراره الغبي باستعمال الغاز السام (المجهول) الذي
أودى بحياة العشرات.
- إضافة إلى كل ما سبق؛ فإن المجاهدين يريدون بمثل تلك العمليات أن
يرسلوا إلى الروس رسالة يقولون فيها: إن شعبكم لن يبقى في مدنه وقراه آمناً ما
دام شعبنا لا يبقى في مدنه وقراه آمناً، وإن المدنيين منكم ليست دماؤهم أقدس من
دماء المدنيين عندنا، ولا أطفالكم أعز من أطفالنا، ولا نساؤكم أولى بالأمان
والسلامة من نسائنا، ومسارح اللهو عندكم ليست أولى بالبقاء من مصانعنا
ومزارعنا ومتاجرنا التي تحترق كل يوم، وليست أرواح بضع عشرات منكم بأثمن
من أرواح ثمانين ألفاً من الشيشان قُتلوا خلال تلك الحرب الإجرامية الظالمة.
أعجب ما في الأمر أن تلك الرسالة البليغة جاءت إلى روسيا، بل إلى العالم
أجمع منقوشة على أرواح رهط من الفتيات اللواتي جئن إلى عاصمة الطغيان
التاريخي لمشاركة الرجال في الجهاد، متلفعات بمروط الموت والشهادة؛ ليقلن لكل
رجال المسلمين وغير المسلمين: إن في أمة الإسلام نساء يُوزنَّ بآلاف الرجال.
* أكراد العراق.. ووميض أمل في الآفاق
مع تزايد سرعة العد التنازلي لبدء الهجوم الأمريكي على العراق؛ يتساءل
المرء في حيرة: ما العمل.. وما الأمل؟ .. هل أصبح التهام الثعبان الأمريكي
للعراق قدراً مقدوراً؟ وهل أصبح طريق اليهود إلى الفرات ممهداً ريثما يتمهد
الطريق إلى النيل؟ .. يحز في النفس أن من أفاعيل صدام الآثمة أنه كاد أن يفرغ
العراق من الأحرار الأبطال الذين كان يمكننا أن نعقد الأمل بعد الله على جهادهم
وفدائهم، وتصديهم للغزو القادم.
و «البعث العراقي» الذي لم يقدم شيئاً حقيقياً في (أم المعارك) يوم أن كان
في عز قوته وعناده وكامل سلاحه وعتاده، هذا «البعث» لا نظن أن يصمد
طويلاً هذه المرة، إلا إذا أحيا الله من بين مواته من يُخلص العودة، ويغير الراية،
ويصحح المنهج. ولا يمكن أيضاً انتظار خير من «رافضة العراق» إلا إذا كان
عملاً خالصاً لصالحهم ومدخراً في رصيدهم؛ فالعراق عراقهم إن كان شيعياً، وهو
عدوهم إن كان سُنِّياً. أما بقية الأمة العراقية فقد استخفهم صدام فأطاعوه إلا من
رحم الله! ولكن هذه الأمة ولاَّدة، وهي كالغيث الذي لا يُدرى الخير في أوله أم في
آخره، ولن يعدم شعب من شعوب المسلمين أن يُخرج رجالاً أبطالاً في أي وقت
من الأوقات، وبخاصة في أوقات المحن وأزمنة الشدائد.
الاستباحة الأمريكية القادمة للعراق ستفرض بإذن الله نشوء حركات جهادية
صادقة، ولئن كنا لا نسمع عن كيان واضح لأهل السنة العراقيين في بغداد وما
حولها اليوم؛ فإن الأخبار المتواردة من خارج بغداد - خصوصاً في كردستان
العراق - تشير إلى انبعاث روح إسلامية سنية جهادية؛ نحسبها صادقة في لهجتها،
وسليمة في منهجها.
أكراد العراق - وعلى عكس ما يظن الكثيرون - مخزون هائل، وطاقة
جبارة ذات رصيد تاريخي عظيم يمكن أن يشيع روحاً جديدة في العراق، وهذه
الروح قد أطلت بالفعل على مناطق من كردستان العراق، استطاع المجاهدون
الأكراد أن يحرروها من سيطرة الأحزاب العلمانية الضالة، ويقيموا فيها حياة
إسلامية مستقلة. وهي تجربة قابلة للاتساع في ظل الشعور بالقهر الذي يعاني منه
الأكراد في العراق وغير العراق، فالعالم كله يتنكر لهذا الشعب، ولا يعترف بحقه
في أن تكون له دولته وكيانه المستقل؛ مع أن الأكراد يزيدون عن خمسة وعشرين
مليوناً في كل من العراق وسوريا وإيران وتركيا، فحتى في عصر القوميات
الذي كانت القومية الواحدة لشعب فيه تكفي سبباً لسماح العالم لأهلها بأن يقيموا دولة؛
لم يُسمح للأكراد بإقامة دولة.
نحتاج إلى إلمامة سريعة بتاريخ الأكراد؛ حتى نصل الخيوط بين ما كان وما
هو كائن الآن، وبين ما نتوقع أن يكون من شأنٍ لأهل السنة من أكراد العراق،
والذين نعتقد أن على أهل السنة من العرب أن يمتزجوا معهم في وحدة اعتقادية؛
تنفي خبث الروابط الجاهلية القائمة على غير الدين؛ سواء كانت عرقية أو حزبية
أو مذهبية.
الشعب الكردي - كما يُذكر في أدبياته - شعب عريق، كانت أرضه مهداً
ثانياً للبشرية بعد الطوفان، فسفينة نوح ﵇ استوت على «الجودي» كما
نص القرآن و «الجودي» اسم للجبل الذي يقع في أرض كردستان على الحدود
العراقية التركية اليوم، وقد كان للأكراد دولة تسمى بهذا الاسم «جودي» أو
«كودي» قبل الإسلام، وكانت لهم كذلك مملكة «ميديا» المذكورة في
التوراة، والتي قضى عليها قورش الإخميني الفارسي (المعتقد بأنه ذو القرنين)
عام ٥٥٠ قبل الميلاد.
بعدما جاء الإسلام؛ أرسل عمر بن الخطاب ﵁ في العام السابع
عشر للهجرة صحابيين جليلين إلى بلاد الكُرد، وهما: القعقاع بن عمرو،
وعياض بن غنم ﵄، وعُرض الإسلام على أهل هذه البلاد بعد فتحها،
فاعتنق أكثر الأكراد الإسلام طوعاً، ووجدوا فيه ملجأً وملاذاً من مظالم الفرس.
وأصبحت كردستان جزءاً من نسيج الأمة، وفي عهد العباسيين أصبحت كردستان
ولاية إسلامية مستقلة تمثل البوابة الشرقية للخلافة، واعتمد العثمانيون على شجاعة
الأكراد في معاركهم، وكوَّنوا منهم ما كان يعرف بـ (فرق الانكشارية) لصد
هجمات الدول الصليبية التي كانت تتناوب التكالب على أطراف الدولة العثمانية،
ولعل هذا كان أحد الأسباب في حرص النصارى الإنجليز والفرنسيين على تشريد
الشعب التركي في اتفاقيات «سايكس بيكو» بعد الحرب العالمية الأولى التي
انتهت بسقوط الخلافة العثمانية آن ذاك.
عُرف الأكراد طيلة التاريخ الإسلامي بالبسالة والشجاعة الفائقة، وأكثر ما
اشتهر عنهم في ذلك كان على يد القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي الكردي،
والذي فتح الله عليه فتحين، كل فتح منهما أعظم من الآخر؛ الأول هو: تحرير
بيت المقدس من الصليبيين عام ٥٨٣هـ، والثاني: تحرير مصر من العُبيديين
الفاطميين الملحدين قبل تحرير فلسطين وبيت المقدس.
ولأن المناطق التي يقطنها الأكراد ذات طبيعة جبلية فقد أثر ذلك على طبيعة
هذا الشعب؛ من حيث الجسارة والصبر والتعود على الشدائد، ففي أرض كردستان
الحاوية لأطراف من العراق وتركيا وسوريا وإيران؛ تقع أشهر سلاسل الجبال في
الشرق الأوسط، وهي سلسلة (زاجروس) ، وأرض الأكراد غنية بموارد عظيمة
وعلى رأسها النفط، وبخاصة في كركوك العراق التي يسيل لها الآن لعاب قوى
الاستعمار الجديد.
تاريخ الأكراد ليس جهاداً وفداءً فقط، بل هناك الكثير من أعلام العلم والهدى
هم من الأكراد، ومنهم: ابن الصلاح، وابن الحاجب، والآمدي، وابن خلكان،
والآلوسي، والزهاوي.. وعَلَم آخر عظيم، ومجدد في العلم والدين هو الإمام
أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرَّاني أو (الحوراني) ، ف (حوران) من أرض
كردستان.
لهذا فلن نعجب إن أخرج الله من بين أكراد العراق اليوم مثل هؤلاء العظماء،
ولا نقول هذا إحياء لعصبية أو عنصرية، بل إيماءً إلى المعنى العظيم الذي أشار
إليه الرسول ﷺ عندما سئل عن معادن الناس فقال: «خيارهم في
الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [٢] ، وخيار معادن المسلمين عُرف منهم:
صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي.. وغيرهم.
ما أريد أن أقوله: إن الجميع الآن يترقب ما سوف يحدث على أرض العراق
إذا غزاها الأمريكيون وحلفاؤهم ثم تسلل إليها اليهود وأشياعهم ... ماذا يمكن أن
تكون عليه الحال هناك لو نُصبت خيمة عسكرية أمريكية جديدة في العالم الإسلامي
يراد لها أن تدوم؟!
توقعاتي بأن العراق سيكون بؤرة جهادية جديدة للمستضعفين الأقوياء؛
سيتحيز إليها المجاهدون من كل حدب وصوب، وستكون أرض كردستان والله أعلم
المنطلق في ذلك، أو أحد المنطلقات المهمة في ذلك؛ ففي كردستان الآن أراض
خالصة للمجاهدين، يقيمون فيها شرع الله، ويتولون إدارتها باستقلال تام، وهو ما
دفع قوات «جلال الطالباني» إلى أن يتفانى في القضاء عليهم، ولكن الله تعالى
مكن للمجاهدين في كردستان وفي مدينة (حلبجة) خاصة؛ فهم يوقعون خسائر
فادحة بقوات طالباني، أحد الكرزايات المنتظرين في عهد ما بعد صدام؛
فالمجاهدون من جماعة (أنصار الإسلام) [٣] أحبطوا هجمات لتلك القوات في آخر
يوم من رمضان الماضي، قضوا فيها على عنصر من عناصر «جلال الطالباني» ،
والذين نفذوا تلك العملية كانوا أربعة من المجاهدين فقط.
المعركة في العراق ستطول، ولن تكون كما يتمنى بوش (في أسرع وقت،
وبأقل خسائر، وبأدنى التكاليف!) .. لن تكون كذلك؛ لأن بوش سبق أن تمنى
هذا في أفغانستان، وأمنياته الآن في خبر كان، فالعراق ليس هو صدام، وشعب
العراق ليس هو البعث، فلئن سقط صدام وسقط بعثه؛ فإن عاصمة الخلافة
العباسية (بغداد) ستكون بإذن الله إحدى قلاع الجهاد المظفر على أطراف جزيرة
الإسلام.
* الفلبين: أول الغيث قطرة
بعد ستة أشهر من إرسال بوش قوة عسكرية إلى الفلبين لـ (دحر) ما سماه
بالإرهاب هناك؛ اضطرت تلك القوات أن تعود من حيث جاءت في أواخر ديسمبر
٢٠٠٢م؛ بعدما اكتشف الأمريكيون كما جاء على لسان الجنرال «دونالد
وورستران» «أن القضاء على الإرهابيين ليس مهمة سهلة» معتبراً أن «من
المبكر الحديث عن نهاية الإرهابيين في الفلبين» !
ووصف الجنرال «دونالد» الإرهاب الذي أصبح ندَّ أمريكا المعاصر بقوله:
«عدونا متحرك، لا يملك بنية تحتية ثابتة، ويتنقل بمجموعات صغيرة، ولديه
شبكة معلومات جيدة، وهذا ما يجعل مهمتنا ليست سهلة» .
إنهم يعدون كل محاولة للمسلمين للخروج عن سيطرة الكفار إرهاباً!!
الإرهاب هو إرهاب النصارى في الفلبين وغيرها؛ ففي الفلبين أعدت الحكومة
النسوية هناك قوة قوامها مئتا ألف جندي مسلح بشكل كامل لمواجهة المجاهدين
الفلبينيين، هذا إلى جانب «المتطوعين» من الميليشيات الشعبية النصرانية
المسماة (بيجي لانتي) ، والبالغ قوامها عشرون ألف مقاتل، والتي فوضتها
الحكومة في نشاطات هدم المنازل، وإتلاف المزارع، وقتل المدنيين، وحرق
المساجد، حتى لا تُحرج أمام الرأي العمي العالمي! هذه الميلشيات لا تكتفي في
إجرامها ضد المسلمين باستعمال الرصاص والقنابل، بل تتفنن في استعمال السيوف
والخناجر لزيادة الإرهاب للمدنيين المسلمين.
وهذه الجماعة (الدينية) المتطرفة التي لم يدرجها بوش في قوائم الإرهاب؛
يؤجج أحقادها القسس الرسميون، وقد كان إقدام أحد هؤلاء القساوسة على إلقاء
محاضرة تحريضية ضد المسلمين في مدينة (جامبونجا) الجنوبية سبباً في نشوء
جماعة «أبو سياف» ؛ ففي عام ١٩٩١م عقد ذلك القس تلك المحاضرة، وأثار
حماس النصارى لمواجهة المسلمين، فكان من بين الحضور: (عبد الرزاق
جنجلاني) المكنَّى بـ (أبي سياف) ، ولم يكن معروفاً في ذلك الوقت، فلم يتمالك
نفسه بعد المحاضرة إلا أن تربص بالقس فقتله وهرب، فأُعجب به بعض الشباب
وانضموا إليه، وتكونت بذلك جماعة «أبو سياف» التي رأت أن ما يفعله
النصارى بالمسلمين كافٍ لإسقاط كل حرمة لهم.
قبل جماعة «أبو سياف» ؛ كانت هناك الجماعة الأخرى الأكبر والأقدم،
وهي: «جبهة تحرير مورو» بزعامة «سلامات هاشم» ، وهذه الجماعة تعتمد
الجهاد أيضاً في الفلبين ولكن بأسلوب يختلف عن طريقة (الجهاد المطلق) التي
تمارسها جماعة «أبو سياف» ، فهم يركزون على العسكريين، وفي داخل
المناطق المحتلة فقط، وهي على كل حال من المنظمات المدرجة في قائمة
(الإرهاب) الأمريكية، وتسيطر «جبهة تحرير مورو» على ما مساحته ٩٠% من
أرض جزيرة (مينداناو) في الجنوب، بينما يسيطر الجيش الفلبيني على النسبة
الباقية، وتسعى الجبهة إلى نزع اعتراف من الحكومة الفلبينية باستقلال ذلك الإقليم
الذي تقطنه غالبية من المسلمين، إلا أن الحكومة الفلبينية، وبتأييد من العالم
النصراني ترفض هذا المطلب العادل وغير المتعارض (نظرياً) مع شريعة الغاب
المسماة بـ (الشرعية الدولية) .
المجاهدون الفلبينيون يشرفون على عدد كبير من المعسكرات في أرضهم
الخاصة بهم، تبلغ (٤٦ قاعدة) ، يتدرب فيها حسب مصادر الجبهة ١٢٠ ألف
مجاهد، معظمهم مسلح بأسلحة خفيفة، ومع هذا فهم يواجهون جيش دولة كامل بكل
ما لديه من أسلحة جوية وبرية وبحرية! ويجيء بوش.. ويشفق على «المساكين»
في الفلبين، فيرسل قواته المغوارة لحسم الأمر.. فيُحسم الأمر بعد نصف عام
بفضيحة مدوية لكنها مخفية، فتسحب أمريكا بهدوء الجنود الألف الذين أرسلتهم بعد
فشل الحملة.
وكما قلت: فأول الغيث قطرة؛ فاليوم الفلبين، وغداً أفغانستان، وبعد غد
... و ... و ... [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف:
٢١) ، نعم أكثر الناس لا يعلمون!
стр. 4484
المسلمون والعالم
التنافس الدولي في القارة الإفريقية
راوية توفيق [*]
كانت القارة الأفريقية محلاً للمنافسة بين القوى الدولية الكبرى لعهود طويلة،
فقد بدأ الاحتكاك الأوروبي بأفريقيا عن طريق المستكشفين والتجار والبعثات
التبشيرية منذ القرن الخامس عشر حيث أبحرت السفن البرتغالية إلى سواحل غرب
أفريقيا، وأنشأ البرتغاليون عدداً من الحصون الساحلية مارسوا من خلالها تجارة
مربحة في الذهب والعاج والعبيد.
وقد ازدهرت حركة تجارة العبيد في تلك الفترة، وشارك فيها تجار هولنديون
وبريطانيون وفرنسيون إلى جانب البرتغاليين فيما أطلق عليه: «مثلث
الأطلنطي للتجارة» حيث كان التجار الأوروبيون ينقلون العبيد الأفارقة عبر
المحيط الأطلسي للعمل كمزارعين في الأراضي الأمريكية، ثم تنقل المحاصيل
الزراعية إلى أوروبا لبيعها.
وفي أواخر القرن التاسع عشر تدافعت القوى الأوروبية للسيطرة على القارة
الأفريقية فيما أطلق عليه: «التكالب الاستعماري على أفريقيا» والذي كرسه
مؤتمر برلين ١٨٨٤م بوضع القواعد العامة لتأسيس مناطق الهيمنة للقوى الأوروبية
الرئيسية (بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، ألمانيا) في القارة الأفريقية.
وقد صورت هذه القوى الأوروبية مهمتها على أنها تهدف إلى نشر الحضارة
والمدنية في كافة مناطق العالم المتخلف ومنها أفريقيا، إلا أن هذا الاستعمار كان
السبب الحقيقي لتخلف القارة؛ حيث استنزف مواردها الطبيعية ووجهها لخدمة
الاقتصاد الأوروبي [١] .
وفي أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدأت الدول الأفريقية تحصل
على استقلالها تباعاً. ورغم تراجع أهمية ومكانة القوى الأوروبية التقليدية التي
كانت تسيطر على أفريقيا إلا أن التنافس الدولي في القارة استمر مع تغير الفاعلين
الرئيسيين.
ففي ظل نظام القطبية الثنائية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية حلت
الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق محل القوى الأوروبية التقليدية مع
اعتراف الولايات المتحدة بمصالح تلك القوى التقليدية في القارة الأفريقية؛ فقد
انتقل الصراع بين القطبين في مرحلة الحرب الباردة إلى الساحة الأفريقية، ولكن
اهتمام القطبين بالقارة في تلك الفترة تركز على محاولة استقطاب الدول الأفريقية
بهدف العمل على زيادة كل طرف لنفوذه واحتواء الطرف المضاد.
ومع نهاية الحرب الباردة ظهرت عدة مؤشرات ودلائل على تراجع الأهمية
الاستراتيجية للقارة الأفريقية، وظهر اتجاه بارز في أدبيات العلاقات الدولية يؤكد
أن القارة الأفريقية لم تعد تحتل أهمية كبيرة للدول الكبرى الأوروبية أو للولايات
المتحدة الأمريكية مستنداً في ذلك إلى تناقص معدلات المعونات والقروض الموجهة
من تلك القوى إلى القارة الأفريقية، أو الربط بين تقديم المعونات وبين مدى التزام
الدول الأفريقية بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان فيما أصبح يعرف باسم:
«المشروطية السياسية» . وفي الوقت نفسه أدى بروز دول أوروبا الشرقية
واتباعها نهج الإصلاح الاقتصادي إلى لفت انتباه القوى الكبرى إلى هذه الدول،
وتخصيص قدر متزايد من المعونات والقروض إليها على حساب المعونات
والقروض الموجهة إلى الدول الأفريقية.
وبذلك فإن القارة الأفريقية تضاءلت أهميتها على المستوى الجيوبوليتيكي؛
حيث تراجعت أهميتها الاستراتيجية كمسرح للصراع بين المعسكرين الشرقي
والغربي. كما تراجعت أهميتها تنموياً؛ حيث عاد مركز الثقل إلى دول وسط
وشرق أوروبا باعتبارها تمتلك بنية أساسية اقتصادية مناسبة إلى حد بعيد لعمليات
التحول نحو الليبرالية واقتصاد السوق. ولكن مع منتصف التسعينيات بدأ اتجاه
تهميش القارة الأفريقية في التراجع؛ حيث برز التنافس الاقتصادي بين القوى
الكبرى (خاصة الولايات المتحدة وفرنسا) في القارة. فإذا كانت الأهمية السياسية
والعسكرية للقارة قد تراجعت بعد انتهاء الحرب الباردة إلا أن القوى الكبرى عاودت
الاهتمام بالقارة اقتصادياً منذ منتصف التسعينيات. ومن ثم كان انتهاء الحرب
الباردة دافعاً لتغير صور ومظاهر الاهتمام بالقارة مع دخول عناصر جديدة اهتمت
بالتواجد الاقتصادي في القارة (الصين، واليابان، وغيرهما) [٢] .
ويقتضي التعرف على أبعاد ومظاهر التنافس الدولي في أفريقيا في فترة ما
بعد الحرب الباردة تحليل أهداف ومصالح وأدوات القوى الكبرى الأساسية الفاعلة
على الساحة الأفريقية، وهو ما يحاول المقال إلقاء الضوء عليه بشيء من التفصيل.
* السياسة الأمريكية في أفريقيا:
في فترة الحرب الباردة لم تكن الدبلوماسية الأمريكية جادة في التدخل في
القضايا الأفريقية بشكل مباشر، وكانت تركز في سياستها تجاه أفريقيا على تحقيق
أربعة أهداف رئيسية هي: احتواء المد الشيوعي، حماية خطوط التجارة البحرية،
الوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام، ودعم ونشر القيم الليبرالية الخاصة
بالديمقراطية وحقوق الإنسان. إلا أن المتغيرات الدولية الجديدة وقيادة النظام أحادي
القطبية أدى إلى إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو أفريقيا، وإعادة ترتيب
أولوياتها وأهدافها [٣] .
* الأهداف والمصالح الأمريكية في القارة الأفريقية:
ترتبط السياسة الأمريكية في أفريقيا بعدة مصالح. فمن الناحية الاقتصادية
تهدف الولايات المتحدة إلى فتح أسواق جديدة في مناطق مختلفة من العالم ومن
أبرزها القارة الأفريقية التي تتسم بوجود فرص هائلة للاستثمار وأسواق مفتوحة
للمنتجات الأمريكية يؤيدها في ذلك الشركات الأمريكية الهادفة إلى توسيع نطاق
الاستثمارات الخارجية، وفتح الأسواق الأفريقية الواسعة أمام السلع الأمريكية [٤] .
ويمكن تلمُّس أهداف التحرك الاقتصادي الأمريكي في أفريقيا من خلال
التقرير الذي صدر عن مجلس العلاقات الخارجية في منتصف عام ١٩٩٧م بعنوان:
«تعزيز العلاقات الاقتصادية للولايات المتحدة مع أفريقيا» والذي أوصى بأن
تكون الولايات المتحدة في مقدمة الدول الصناعية الكبرى التي تستفيد من الفرص
الجديدة في أفريقيا.
واستناداً إلى ذلك عملت الإدارة الأمريكية السابقة للرئيس كلينتون على تطوير
التجارة الأفريقية وبرامج التنمية الاقتصادية، وهو ما اتضح من خلال عدة
مؤشرات أهمها زيارة الرئيس كلينتون إلى القارة الأفريقية عام ١٩٩٨م؛ حيث
أطلق خلال زيارته مبدأ أو شعار: «التجارة لا المساعدات» كسبيل إلى ازدهار
القارة. وقد جاء إعلان هذا الشعار في إطار سعي إدارة الرئيس الأمريكي السابق
إلى تأسيس شراكة أمريكية أفريقية جديدة تكرست فيها مع الإدارة الأمريكية الجديدة
بعد موافقة الكونجرس على قانون النمو والفرص في أفريقيا الذي يقوم على دعم
الدول الأفريقية بالمساعدات الاقتصادية، وفتح الأسواق الأمريكية أمام سلع
ومنتجات دول القارة بشرط نجاح هذه الدول في تحقيق بعض الشروط المتعلقة
بالديمقراطية والتحرر الاقتصادي [٥] .
ولا شك أن تحقيق الأهداف الاقتصادية الأمريكية في القارة الأفريقية يتطلب
تنافساً حاداً مع الدول الأوروبية التي سيطرت على الثروات والموارد الطبيعية
للقارة لعهود طويلة؛ وخاصة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير نسب التبادل
التجاري بين أفريقيا والعالم الخارجي لصالحها وهي النسب التي تحتل فيها الدول
الأوروبية النصيب الأكبر.
ومن الناحية السياسية ترفع الولايات المتحدة مبدأي: الديمقراطية، وحقوق
الإنسان كركيزتين أساسيتين للسياسة الخارجية الأفريقية؛ إلا أن هذه المبادئ مجرد
أداة تستغلها السياسة الأمريكية لتحقيق مصالحها وليست هدفاً تسعى إلى تحقيقه.
فالمصالح الأمريكية تتجه في بُعدها السياسي إلى تطوير العلاقات مع دول القارة
الأفريقية بما يخدم ويعزز المصالح الأمريكية الحيوية في القارة، وتتعامل مع هدف
تشجيع الديمقراطية لدى النظم الأفريقية الحاكمة بمبدأ النسبية؛ حيث ترتبط بمدى
الاهتمام الأمريكي بحالة كل نظام سياسي على حدة تبعاً لطبيعة المصالح التي قد
تختلف من دولة إلى أخرى. كما تهدف الولايات المتحدة بالأساس في علاقتها مع
أفريقيا إلى الحد من النفوذ الأوروبي، والانفراد بالنفوذ في القارة من أجل الحفاظ
على الزعامة العالمية.
وفي سبيل تحقيق تلك الأهداف السياسية تعمل الولايات المتحدة على تشكيل
نخب جديدة في أفريقيا موالية للغرب عموماً وللولايات المتحدة بشكل خاص، وهم
من تسميهم الولايات المتحدة بالقادة الجدد في أفريقيا أمثال ميليس زيناوي في أثيوبيا،
وأسياسي أفورقى في إرتريا، ويوري موسيفيني في أوغندا [٦] .
ومن الناحية العسكرية والأمنية تسعى الولايات المتحدة إلى تحسين قدرة القارة
على التعامل مع المشكلات الأمنية المؤثرة على الأمن العالمي بصفة عامة وعلى
الأمن الأمريكي بصفة خاصة وأهمها الإرهاب. كما تسعى إلى دعم الحلول السلمية
للنزاعات المسلحة في القارة في مناطق البحيرات العظمى والقرن الأفريقي
وجنوب السودان بشكل يحقق مصالحها. وفي هذا الإطار بادرت الولايات المتحدة
بتشكيل قوة تدخل أفريقية لمواجهة الأزمات استناداً إلى المبادرة الخاصة بمواجهة
الأزمات الأفريقية. بالإضافة إلى ذلك تركيز الولايات المتحدة على قضايا الإسلام
السياسي في القارة؛ وخاصة بعد تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانيا [٧] .
* دوائر حركة السياسة الأمريكية في أفريقيا:
تهتم السياسة الأمريكية بصفة عامة بتدعيم علاقتها بالقوى الرئيسية في القارة،
فتهتم في هذا الإطار بتدعيم علاقتها مع نيجيريا التي تمثل أكبر شريك تجاري
للولايات المتحدة في أفريقيا وثالث مصدر للنفط للولايات المتحدة. وتسعى السياسة
الأمريكية إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في غرب أفريقيا من خلال
إعادة تقويم سياستها مع نيجيريا بما يحقق عودة الحكم المدني إليها. وفي هذه
الإطار أيضاً تنظر الولايات المتحدة إلى جنوب أفريقيا باعتبارها حليفاً استراتيجياً؛
إذ تمثل ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في أفريقيا، وتعتمد عليها في
تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في منطقة الجنوب الأفريقي.
بالإضافة إلى ذلك تركز الولايات المتحدة على بعض المحاور الإقليمية ذات
الأهمية الاستراتيجية لتحقيق مصالحها في القارة الأفريقية، ومن أهم هذه المحاور:
١ - منطقة البحيرات العظمى: تغير الموقف الأمريكي من الأنظمة الحاكمة
في المنطقة مع أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات؛ حيث سعت الولايات المتحدة
إلى تحقيق هدفين أساسيين في المنطقة هما: إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في
وسط أفريقيا، ومحاولة عزل نظام حكم الجبهة الإسلامية في السودان. ولذلك
عملت الولايات المتحدة على تدعيم وتعزيز روابطها العسكرية والاقتصادية مع
أوغندا بزعامة رئيسها موسيفيني التي اعترفت لها الولايات المتحدة بدور إقليمي
متميز، وساعدتها على لعب دور أكبر بكثير من إمكانياتها، ورواندا تحت حكم
الجبهة الوطنية التي تمثل الأقلية من التوتسي. وقد شملت هذه الروابط تقديم
مساعدات عسكرية للبلدين من خلال برنامج المبيعات العسكرية الخارجية التي
يديرها البنتاجون، وبرنامج المبيعات التجارية الخاصة، وبرنامج التعليم والتدريب
العسكري الدولي.
ومن جهة أخرى دعمت الولايات المتحدة موقف الحكومتين الرواندية
والأوغندية الداعم لتحالف قوى المعارضة في الكونغو الديمقراطية بقيادة لوران
كابيلا حتى استطاع كابيلا إسقاط نظام موبوتو عام ١٩٩٧م، وشجعت التدخل
الأجنبي في شؤون الكونغو بحجة دعم حركة التحول الديمقراطي بها. وعندما
تراجع كابيلا عقب توليه السلطة عن وعوده للولايات المتحدة شجعت تمرداً عليه
تدعمه رواندا وأوغندا بهدف الإطاحة به؛ إلا أنه استطاع أن يحصل على مساندة
دول أخرى مثل زيمبابوي وأنجولا وناميبيا وهو ما وسع نطاق الصراع في منطقة
البحيرات العظمى بتحويل الحرب الأهلية في الكونغو إلى حرب إقليمية واسعة.
٢ - القرن الأفريقي: أفضت التطورات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي
في أوائل التسعينيات إلى ظهور ترتيبات وأوضاع إقليمية جديدة؛ حيث انهار نظام
منجستو في أثيوبيا، ونظام سياد برى في الصومال، واستقلت إريتريا مما ساهم
في إعادة ترتيب ميزان القوى بين السودان وجاراتها. وقد حرصت الولايات
المتحدة في هذا الإطار على الاحتفاظ بعلاقات وطيدة مع النظم المجاورة للنظام
السوداني، وتأمين وجودها في المنطقة. فجاء التدخل الأمريكي في الصومال
والزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لتفقد أوضاع القوات
الأمريكية المرابطة في الصومال عام ١٩٩٢م، وهو التدخل الذي أعطى للولايات
المتحدة خبرة سيئة أثرت على تدخلها العسكري المباشر في النزاعات الأفريقية فيما
بعد.
ومن ناحية أخرى تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات خاصة مع أثيوبيا وهي
علاقات لها بُعد تاريخي قديم ومعروف منذ العهد الإمبراطوري. ويأتي الاهتمام
الأمريكي بأثيوبيا في إطار النظر إلى قضية المياه كورقة ضغط يمكن إثارتها في
مواجهة الدبلوماسية المصرية، أو الترويج لمقولات حرب المياه في القارة الأفريقية.
كما يأتي هذا التحالف الأمريكي الأثيوبي في إطار استراتيجية حلف المحيط التي
تتبعها الولايات المتحدة والتي تهدف إلى إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية
والدينية المعادية للعرب، ومحاصرة الأمن القومي العربي خاصة في امتداده
المصري والسوداني، وإحكام الطوق على المنطقة العربية واختراقها من خلال
محور أثيوبيا - إسرائيل - تركيا. وبذلك كان يبدو مع بداية التسعينيات أن
الولايات المتحدة تعدُّ أثيوبيا لدور إقليمي مركزي حتى تكون مرتكزاً لها في منطقة
البحر الأحمر [٨] .
٣ - الدور الأمريكي في الأزمة السودانية [٩] : منذ وصول نظام الإنقاذ إلى
الحكم عام ١٩٨٩م انتهجت الولايات المتحدة ضده سياسة المواجهة، وأعلنت إدانتها
لنظام الخرطوم لانقلابه على سلطة ديمقراطية منتخبة، واتهامه بانتهاك حقوق
الإنسان ومساندة الإرهاب، والمسؤولية عن استمرار الحرب الأهلية في الجنوب،
وإعاقة جهود الإغاثة الدولية في مناطق القتال. وقد استمرت هذه السياسة طوال
عهد كلينتون فوضعت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب
عام ١٩٩٣م بعد ضغوط شديدة من الكونجرس، وعملت على خلق إطار إقليمي
معاد لحكومة الخرطوم شمل أوغندا وإريتريا وأثيوبيا، وقدمت دعمها السياسي
للتجمع الوطني المعارض الذي مثل الواجهة الأساسية للمعارضة وللجيش الشعبي
لتحرير السودان في الجنوب بزعامة جون جارانج.
ومن ناحية أخرى سعت الولايات المتحدة إلى تدويل القضية السودانية،
وأيدت علناً خطة الإيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية في الشرق الأفريقي) التي تنص
على تأكيد حق أهل الجنوب في تقرير مصيرهم عبر استفتاء شعبي في حالة رفض
النظام السوداني إقامة دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية. كما رفضت الولايات
المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها السابقة مادلين أولبرايت المبادرة المصرية
الليبية التي تقوم على التأكيد على وحدة السودان.
ومع وصول الإدارة الأمريكية الجديدة في الولايات المتحدة إلى السلطة سعت
الولايات المتحدة إلى تحسين علاقاتها بالسودان، وبدأت السودان تبدي حرصها على
التعاون الأمني مع الولايات المتحدة حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد
ظهرت عدة مؤشرات تبرز التحول في السياسة الأمريكية تجاه السودان؛ فقد أصدر
مجلس الأمن برفع العقوبات التي فرضها على السودان منذ عام ١٩٩٦م. وامتنعت
الولايات المتحدة عن التصويت وهو ما اعتبره البعض تعبيراً عن تقدير الولايات
المتحدة للتعاون الأمني مع الحكومة السودانية. كما عطلت الإدارة الأمريكية تشريعاً
أقره مجلس النواب بحظر تسجيل الشركات الأمريكية في البورصة الأمريكية إذا
شاركت في التنقيب عن النفط في السودان.
وأهم الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة حيال السودان تمثل في
تعيين السيناتور السابق جون دانفورث كمبعوث رئاسي إلى السودان، وهو الذي
تمكنت الولايات المتحدة من خلاله في فترة قصيرة أن تؤثر في عدة تطورات على
الساحة السودانية بداية من توقيع اتفاق جبال النوبة، ودعم جهود مكافحة عمليات
الرق، وحتى الاتفاق الإطاري الأخير الذي وقعته الحكومة السودانية مع الحركة
الشعبية في كينيا (يوليو ٢٠٠٢م) والقائم أساساً على وثيقة أمريكية تعطي الجنوب
الحق في تقرير المصير بعد ست سنوات كفترة انتقالية.
وبذلك يمكن إجمال السياسة الأمريكية في القارة الأفريقية في عدة توجهات
رئيسية من أهمها التركيز على مناطق إقليمية معينة، واختيار دولة أو أكثر
لممارسة دور القيادة فيها، طرح قضايا معينة ووضعها على أجندة السياسة الأفريقية
للولايات المتحدة وعلى رأسها الإرهاب والجريمة الدولية، العمل على محاصرة
النظم غير الموالية والتي تدعم التطرف والإرهاب من وجهة النظر الأمريكية،
وتأمين وتعزيز فرص الاستثمار والتجارة في المنطقة؛ ولكن في ظل إطار من
المشروطية الاقتصادية والسياسية يسعى إلى فرض النمط الغربي للتنمية على الدول
الأفريقية.
* القوى الأوروبية وأفريقيا:
يرجع الارتباط الأوروبي بالقارة الأفريقية إلى عهود طويلة؛ فقد تمكنت
القوى الأوروبية من احتلال القارة وتقسيمها بعد مرحلة طويلة من الكشوف
الجغرافية، والمحاولات الفردية من قبل بعض الدول الأوروبية. وقد استطاعت
القوى الأوروبية أن تحافظ على مصالحها في القارة؛ فحتى في ظل نظام القطبية
الثنائية الذي تراجعت فيه أهمية ومكانة القوى الأوروبية التقليدية التي كانت تسيطر
على أفريقيا راعت الولايات المتحدة مصالح حلفائها الأوروبيين في مناطق نفوذهم
التقليدية في القارة، وسمحت لهم بالقيام بأدوار متزايدة في المواقف والأزمات
المختلفة، بل إن الدبلوماسية الأمريكية في تلك الفترة قامت على اعتبار القارة
الأفريقية مسؤولية خاصة للأوروبيين مقابل اعتراف الدول الأوروبية بمسؤولية
الولايات المتحدة الخاصة في أمريكا اللاتينية.
وفي ظل النظام العالمي الجديد في التسعينيات نشأت بيئة جديدة أثرت على
الطرفين الأوروبي والأفريقي، ومن ثم على شكل ومضمون العلاقات فيما بينهما؛
فقد وجدت الدول الأوروبية التي طالما احتفظت بمكانتها المتميزة في القارة الأفريقية
أنها أصبحت في مواجهة تحديات ومخاطر جديدة أهمها الهيمنة الأمريكية والمنافسة
الشديدة من جانب القوى الاقتصادية الجديدة مثل اليابان والصين وغيرهما. ولذلك
عملت الدول الأوروبية على تدعيم علاقاتها بالقارة الأفريقية على عدة مستويات
وفي عدة أبعاد؛ ففي إطار التعاون الجماعي يوجد عدة أطر للتعاون في الأبعاد
الاقتصادية والأمنية. فمن الناحية الاقتصادية تتعدد أطر التعاون، ومن أهمها:
- إطار اتفاقية لومي: وهو أحد أهم قنوات العلاقات متعددة الأطراف التي
تربط دول الاتحاد الأوروبي مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء ودول المحيط
الهادي والكاريبي. وقد وُقِّع في إطارها أربع اتفاقيات بدأت الأولى عام ١٩٧٥م
وضمت ٤٦ دولة من دول أفريقيا والمحيط الهادي والكاريبي، وتوسعت العضوية
حتى ضمت حوالي ٦٩ دولة في اتفاقية لومي الرابعة التي طبقت في الفترة من
١٩٩٥-٢٠٠٠م.
وقد حرصت دول الاتحاد الأوروبي على تجديد الاتفاقية بعد انتهائها؛ حيث
صاغت اتفاقية جديدة هي اتفاقية كوتونو في يونيو ٢٠٠٠م.
واتفاقيات لومي هي أساساً اتفاقيات تنموية استطاعت الدول الأفريقية الاستفادة
منها سواء في النظام التجاري المعمول به، أو المعونات المالية الممنوحة لأغراض
التنمية. إلا أن الحوار بين دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الأفريقية ودول
المحيط الهادي والكاريبي في الفترة التي سبقت إعلان اتفاقية كوتونو الأخيرة كشف
عن إدخال عناصر جديدة إلى اتفاقية التعاون بين الجانبين؛ حيث طرحت قضايا
الحوار السياسي والحكم الجيد وحل الصراعات كمبادئ أساسية للاتفاق الجديد،
وهي المبادئ التي أشارت إليها اتفاقية لومي الرابعة.
ومن الجدير بالذكر أن طرح الولايات المتحدة لقانون النمو والفرص في
أفريقيا السابق الإشارة إليه كان الغرض منه منافسة إطار اتفاقيات لومي مما يعد
مظهراً من مظاهر التنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في
أفريقيا.
- إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية: يلاحظ أن الدول الأوروبية في
تعاملها مع القارة الأفريقية عملت على فصل الشمال الأفريقي عن الجنوب الأفريقي؛
فإذا كان إطار اتفاقيات لومي قد تعامل مع دول أفريقيا جنوب الصحراء فإنها
شكلت إطاراً جديداً للتعامل مع دول الشمال الأفريقي؛ من خلال مشروع الشراكة
الأورومتوسطية.
وقد أسس مؤتمر برشلونة ١٩٩٥م هذا الإطار تعبيراً عن وضع أساس جديد
للعلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط بما فيها دول شمال
أفريقيا. ويقوم هذا الأساس على شراكة اقتصادية وأمنية وسياسية. ففي المجال
الأمني أورد إعلان برشلونة خمسة مبادئ أساسية هي: حل المنازعات بالطرق
السلمية، الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نزع أسلحة الدمار الشامل،
مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، احترام مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل
في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي المجال الاقتصادي أكد الإعلان على
أهمية تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة ومستدامة، وإقامة منطقة تجارة
حرة بشكل تدريجي حتى عام ٢٠١٠م، والحوار بين الطرفين في قضايا الديون
والمساعدات.
ويعد هذا المشروع بدوره مثله كمثل الإطار الأول معبراً عن التنافس
الأوروبي الأمريكي في القارة. فتأييد الاتحاد الأوروبي لمشروع الشراكة الأوروبية
المتوسطية يصطدم مع تأييد الولايات المتحدة للمشروع الشرق أوسطي. كما أن
منطقة الشمال الأفريقي هي منطقة تنافس أمريكي فرنسي؛ حيث طرحت الولايات
المتحدة في يونيو ١٩٩٨م مشروع شراكة اقتصادية أمريكية مغاربية مع دول
المغرب العربي الثلاث تمهيداً لإقامة منطقة للتجارة الحرة تتنافس بها مع العلاقات
الخاصة التي تربط الدول الأوروبية بهذه الدول [١٠] .
أما عن التعاون الجماعي على المستوى الأمني فقد سعت الدول الأوروبية بعد
مذابح رواندا إلى دعم الدبلوماسية الوقائية، وبحث إمكانية تشكيل قوات أفريقية
لحفظ السلام في إطار الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه منظمة الوحدة الأفريقية.
وقد حاولت دول الاتحاد الأوروبي منع نشوب الصراعات في القارة الأفريقية
من خلال مشاركتها في عمليات الإنذار المبكر، والمشاركة في الدبلوماسية الوقائية،
والمشاركة في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
ومن أمثلة النزاعات التي حاولت دول الاتحاد الأوروبي التدخل لحلها الحرب
الأثيوبية الإريترية؛ حيث أرسل الاتحاد الأوروبي وفداً ثلاثياً يضم ممثلين عن
ألمانيا والنمسا وفنلندا إلى أديس أبابا في مهمة وساطة لمحاولة تهدئة الصراع بين
البلدين [١١] .
وفي إطار العلاقات الخاصة التي تربط بين بعض الدول الأوروبية وأفريقيا
تجدر الإشارة بشيء من التفصيل إلى العلاقات الفرنسية الأفريقية وسياسة فرنسا في
أفريقيا.
* السياسة الفرنسية في أفريقيا [١٢] :
تعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على
الحركة والفعل في الساحة الأفريقية؛ حتى قيل إن أفريقيا تمثل أحد عوامل ثلاثة
لمكانة فرنسا الدولية بجانب مقعدها الدائم في مجلس الأمن والقدرة النووية.
وقد حافظت فرنسا على علاقاتها بالدول الأفريقية التي استقلت عنها نتيجة
لسياسة تعاونية محكمة ودقيقة طبقتها مع هذه الدول في المجالات العسكرية
والاقتصادية والثقافية. ومنذ انتهاء الحرب الباردة تأثر النفوذ الفرنسي في أفريقيا
نتيجة عدة اعتبارات أهمها: انخفاض الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا لدى القوى
الغربية بصفة عامة، والنشاط الأمريكي المتزايد المنافس لفرنسا في القارة.
* المصالح الفرنسية في القارة الأفريقية:
تتشعب المصالح الفرنسية في القارة ما بين مصالح اقتصادية وسياسية
واستراتيجية أمنية. فمن الناحية الاقتصادية تتركز المصالح الفرنسية في القارة في
البحث عن أسواق لتصريف المنتجات والسلع الفرنسية المصنعة والحصول على
مواد أولية لتنمية الصناعات الفرنسية؛ خاصة أن فرنسا تعاني نقصاً في هذه المواد
داخل أراضيها.
وقد استطاعت فرنسا تدعيم وجودها الاقتصادي في القارة الأفريقية من خلال
العديد من الآليات ومن أهمها التجارة البينية؛ فما زالت فرنسا المستورد الأول
للمواد الخام والمصدر الأول للسلع المصنعة في بعض الدول الفرانكفونية،
والاستثمارات التي تعتبر من أهم الاستثمارات الأجنبية في بعض الدول الفرانكفونية
(كوت ديفوار والجابون) ، وإنشاء شبكة مواصلات واسعة تربط بين الأجزاء
المختلفة للقارة الأفريقية وبين هذه الأجزاء وفرنسا، بالإضافة إلى منطقة الفرنك
الفرنسي التي ترتبط بها ست عشرة دولة من غرب ووسط أفريقيا، وتتيح لمواطني
هذه الدول التعامل بالعملة الفرنسية.
وكانت فرنسا في فترة الحرب الباردة تركز على تحقيق هذا الهدف؛ إذ
أدركت أن المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سيكون مجالها الرئيسي
أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ومن ثم يصبح المجال الدولي الوحيد الذي يمكن
أن يظل مفتوحاً أمام النفوذ الفرنسي بعيداً عن المنافسة مع الدولتين العظميين هو
القارة الأفريقية. إلا أنه مع انتهاء الحرب الباردة تراجعت الأهمية الاقتصادية
لأفريقيا لدى فرنسا، ولم تعد أفريقيا تمثل اهتماماً اقتصادياً أولياً حتى أصبحت
أفريقيا تعتمد على أقل من ٥% من نسبة التجارة الفرنسية؛ كما لم تعد تستقبل سوى
أقل من ٢٠% من حجم الاستثمارات الفرنسية المباشرة في العالم.
ومن الناحية السياسية تهدف فرنسا إلى تحويل الفرانكفونية من تجمع ثقافي
إلى حركة سياسية لإنشاء تجمع سياسي فرانكفوني في أفريقيا له صوت سياسي
يؤخذ به في الساحة الدولية، وهو ما يعني إنشاء تيار سياسي مناهض للتيار
الأنجلوسكسوني- الأمريكي تجتمع تحت مظلته جميع الدول الهادفة إلى الحد من
الهيمنة الأمريكية. كما تسعى فرنسا في هذا الإطار إلى الحفاظ على استقرار
الأنظمة الأفريقية.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف السياسي توظف فرنسا أدوات اقتصادية وثقافية؛
فهي تسعى إلى إنشاء شبكات للتعاون والتبادل الاقتصادي والتكنولوجي لدعم التنمية
في الدول الفرانكفونية. كما تتميز فرنسا مقارنة بالدول الغربية الأخرى في استخدام
الأداة الثقافية معتمدة في ذلك على اللغة المشتركة؛ فاللغة الفرنسية هي السائدة في
دول غرب ووسط القارة، والمؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية المنتشرة في
الأرجاء المختلفة للقارة بالإضافة إلى إطار المنظمة الفرانكفونية التي تضم كافة
الدول الناطقة بالفرنسية ومنها الدول الأفريقية والتي توسعت لتضم دولاً غير
فرانكفونية.
ومن الناحية العسكرية والأمنية كانت فرنسا في فترة الحرب الباردة تهدف إلى
منع انتشار النفوذ السوفييتي في القارة أو الحد من انتشاره. وبعد انتهاء الحرب
الباردة أصبح الخطر الرئيسي الذي يتهدد المصالح الفرنسية في أفريقيا هو الولايات
المتحدة التي تحاول ان تدعم تواجدها بالقارة، والإسلام السياسي الذي أخذ يتزايد
في التسعينيات في القارة الأفريقية على أطراف الصحراء وفي القرن الأفريقي
وخاصة أن نسبة المسلمين في بعض الدول الفرانكفونية نسبة مرتفعة. كما تسعى
فرنسا إلى السيطرة على المواقع الاستراتيجية في بعض الدول الأفريقية. فقد
اهتمت على سبيل المثال بإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي لمراقبة المدخل الجنوبي
للبحر الأحمر.
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف تعتمد فرنسا على عدة آليات أهمها القواعد
العسكرية التي أنشأتها في ست دول أفريقية [١٣] ، قوة التدخل السريع التي أنشأتها
فرنسا وفقاً لخطة عسكرية جديدة اعتمدتها عام ١٩٩٣م، وتوجد هذه الآلية في
جنوب غرب فرنسا وتستطيع أن تتدخل في وقت قصير في كل أنحاء القارة، وعقد
اتفاقيات الدفاع العسكري المشترك مع عدة دول (منها الكاميرون، أفريقيا الوسطى،
جيبوتي، كوت ديفوار، وغيرها) ، واتفاقيات التعاون والمعونة الفنية مع عدة
دول (منها بنين، بوركينافاسو، بوروندي، الكونغو، غينيا، السنغال، توجو،
وغيرها) . كما أنشأت فرنسا عام ١٩٩٧م برنامجاً لدعم المؤسسات والتجمعات
الإقليمية لمساعدتها على حفاظ الأمن في القارة.
ومن أمثلة الحالات التي شهدت تدخلاً عسكرياً فرنسياً في القارة التدخل
الفرنسي في رواندا عقب مذابح ١٩٩٤م لصالح حكومة الهوتو، ومساندة الرئيس
التشادي إدريس ديبي بقوات خاصة ضد المظاهرات الشعبية التي اندلعت عام
١٩٩٦م. كما نظمت فرنسا عام ١٩٩٨م في إطار برنامج التعاون مع المنظمات
الإقليمية في أفريقيا مناورات عسكرية بالسنغال بالتعاون مع الجماعة الاقتصادية
لدول الغرب الأفريقي، وأخرى في الجابون بالتعاون مع الجماعة الاقتصادية لدول
الوسط الأفريقي.
* دوائر حركة السياسة الفرنسية في أفريقيا:
تسعى فرنسا في استراتيجيتها الجديدة في القارة إلى توسيع شبكة علاقاتها
بحيث تتخطى مناطق نفوذها التقليدية إلى دول أفريقية جديدة كانت تابعة للنفوذ
البريطاني والبرتغالي والبلجيكي. وبصفة عامة فإن فرنسا تهتم بوجودها في نفس
مناطق الاهتمام الأمريكي؛ ولذلك تحتدم المنافسة بين البلدين في مناطق البحيرات
العظمى والقرن الأفريقي والغرب الأفريقي.
ففي منطقة البحيرات العظمى ساندت فرنسا نظام الرئيس موبوتو سيسي سيكو
في زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) في مواجهة كابيلا الذي دعمته الولايات
المتحدة. وكان انهيار نظام موبوتو دافعاً لظهور العديد من الاتجاهات التي أكدت
قرب نهاية النفوذ الفرنسي في أفريقيا، وتدخلت عسكرياً في رواندا عقب المذابح
الإثنية عام ١٩٩٤م لصالح حكومة الهوتو.
وفي السودان نشأت المنافسة الفرنسية للولايات المتحدة الأمريكية من خلال
مساندة فرنسا لنظام البشير في السودان، والذي كان العدو الأول للولايات المتحدة
في المنطقة. وقد ساندت فرنسا النظام الإسلامي في السودان لعدة أسباب أهمها
الرغبة في إيجاد مرتكز لها في منطقة البحيرات العظمى بعد أن تراجع نفوذها في
هذه المنطقة، واستخدام فرنسا لحكومة الإنقاذ - خاصة في فترة وجود حسن
الترابي في الحكم في الوساطة بين الجماعات الإسلامية في الجزائر وفرنسا التي
كانت تسبب لفرنسا الكثير من المشكلات الأمنية والاجتماعية في الداخل بالإضافة
إلى تدفق البترول في بحر الغزال واحتمالات وجوده في الشمال أيضاً.
وقد استطاعت فرنسا بمساندتها لحكومة الإنقاذ أن تؤجل نسبياً تطبيق الخطة
الأمريكية؛ إلا أن الوجود الأمريكي في السودان في الفترة الماضية أصبح مكثفاً مع
تراجع الدور الفرنسي الذي اقتصر في تصريحات دبلوماسية بشجب الحرب وتأييد
مبادرة الإيغاد.
وفي منطقة القرن الأفريقي تتنافس فرنسا مع الولايات المتحدة من خلال
نفوذها في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا، بالإضافة إلى
العلاقات الطيبة التي تربطها بنظام أسياسي أفورقي في إريتريا؛ حيث تدعمها
فرنسا باستثمارات ومساعدات فنية ومالية. كما كان لها موقف إيجابي مع جبهة
التحرير الإريترية منذ عام ١٩٨٢م. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن فرنسا
عضو في نادي أصدقاء الإيغاد.
وفي منطقة الغرب الأفريقي يوجد احتكار فرنسي للأسواق في دول غرب
أفريقيا الفرانكفونية تحاول الولايات المتحدة منافسته. كما يوجد تنافس أمريكي
فرنسي في منطقة الجنوب الأفريقي. وعندما تحفظت جنوب أفريقيا على مبدأ
«التبادل التجاري وليس المعونات» الذي أيدته الولايات المتحدة استغلت فرنسا
هذا الموقف ولوحت باستعدادها لتقديم برامج للتعاون الفرنسي الأفريقي تعتمد في
جانب منها على المساعدات الاقتصادية والمالية.
* الخاتمة:
يتضح من العرض السابق أنه مع منتصف التسعينيات ساد التنافس على القارة
الأفريقية بين الأقطاب المتعددة للنظام الاقتصادي الدولي نتيجة تزايد فرص استغلال
القارة استثمارياً وتجارياً. ورغم احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والقوى
الأوروبية (خاصة فرنسا) على الساحة الأفريقية كما اتضح من خلال سياستهما
وردود أفعالهما تجاه أحداث القارة، فإن هناك من المحللين السياسيين من يتحفظ
على هذا التنافس بعدة اعتبارات منها أن القوى الأوروبية والولايات المتحدة حلفاء،
ولن يتصارع بعضهم مع بعض بشأن طموحات كل منهما على الساحة الأفريقية،
كما يشير البعض إلى إحياء النمط القديم في السياسة الأمريكية الذي يؤكد على أن
تكون للولايات المتحدة سياستها الخاصة في أفريقيا، ولكن في إطار التنسيق
والتعاون مع القوى الأوروبية ذات الميراث الاستعماري والخبرة الطويلة.
ولكن التنافس الدولي لا يقتصر على القوى الأوروبية والأمريكية فقط؛ فهناك
قوى جديدة صاعدة في أفريقيا من أهمها اليابان والصين. وقد تطورت سياسات تلك
الدول تماشياً مع الأوضاع الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة. فاليابان انحصر
دورها في البداية على تقديم المساعدات إلا أنها مع أواخر الثمانينيات أعلنت سياسة
جديدة تقوم على محاور ثلاثة: المساعدات، والتبادل الثقافي، وحفظ السلام.
وعملت اليابان على دعم التنمية في القارة الأفريقية وإثارة انتباه المجتمع الدولي
تجاه أفريقيا بعد الاتجاه إلى تهميشها؛ وذلك بدعوتها لعقد مؤتمر طوكيو الدولي
الأول لتنمية أفريقيا - المعروف باسم تيكاد - عام ١٩٩٣م ثم عقد المؤتمر الثاني
عام ١٩٩٨م. وبصفة عامة تركز اليابان في علاقتها مع أفريقيا على الجانب
الاقتصادي مستخدمة في ذلك عدة أدوات أهمها المساعدات والاستثمارات والعلاقات
التجارية. وتعد اليابان الدولة الأولى المانحة للمساعدات في أفريقيا منذ بداية
التسعينيات.
أما بالنسبة للصين فقد تحول اهتمامها بالقارة من دعم حركات التحرير في
أفريقيا في الخمسينيات إلى تبني سياسة ترتكز على المصالح العامة والاستراتيجية
بعيدة المدى لكلا الطرفين. كما تطورت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين من
الاعتماد على قناة واحدة في صورة مساعدات صينية حكومية إلى تعاون متبادل في
صورة مشروعات مشتركة، وقروض بفائدة منخفضة بالإضافة إلى تطور العلاقات
في مجالات الثقافة والتعليم.
ويعد هذا التنافس الذي تعددت أقطابه دليلاً على عودة الاهتمام بالقارة
الأفريقية؛ وهو ما تجسد في الفترة الأخيرة في دعم الدول الصناعية الكبرى
لمشروع الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا (المعروف باسم نيباد) ولكن لا يزال
السؤال مطروحاً: هل مشروع التنمية الجديد يعبر بالفعل عن شراكة جديدة، أم أنه
مجرد مؤشر جديد على التنافس الدولي في أفريقيا، ومحاولة لفرض النموذج
الغربي للتنمية على الدول الأفريقية؟
стр. 4485
المسلمون والعالم
ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية
بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم
يحيى أبو زكريا [*]
عندما قام الرئيس الجزائري الأسبق (هواري بومدين) بتأميم المحروقات
قاطعت فرنسا البترول الجزائري وأسمته: (البترول الأحمر) عندها قال بومدين
لدى سؤاله عن العلاقات الجزائرية الفرنسية: «بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء
وجبال من الجماجم» . وساعتها كان عبد العزيز بوتفليقة وزيراً للخارجية، وكان
مقتنعاً بنظرية بومدين بشأن الطلاق الأبدي مع عدوة الأمس فرنسا. واليوم وعندما
أصبح عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للدولة الجزائرية تخلى عن نظرية جبال الجماجم
وأنهار الدماء، وتبنى نظرية المصالحة التاريخية مع من قتل مليوني جزائري في
ظرف سبع سنوات. ألا يدل ذلك على مدى التغيرات التي عرفتها الجزائر التي ما
زالت تبحث عن ذاتها ودورها؟ وإذا كانت المصالحة الوطنية في الداخل الجزائري
ما زالت معلقة فكيف يبحث عنها بوتفليقة في باريس؟
لا يمكن على الإطلاق وصف العلاقات الجزائرية الفرنسية بالطبيعية؛ إذ منذ
استقلال الجزائر في الخامس من يوليو تموز ١٩٦٢م، والعلاقات بين البلدين تمر
بحالة انسداد تارة وانفتاح تارة أخرى؛ والمفارقة أنّه رغم هذا التوتر في العلاقات
الثنائية فقد ظلت باريس سيدة الموقف اقتصادياً وثقافياً وأحياناً سياسياً في الجزائر.
ويُجمِع المراقبون كما يجمع المؤرخون أن فرنسا هي وراء هذا التوتر؛ لأنّه لا
يمكن بأي حال من الأحوال نسيان الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر منذ
[١٨٣٠م وإلى ١٩٦٢م] حيث مارست فرنسا خلالها كل أنواع المسخ والتقتيل
والتعذيب وطمس الهوية وسلب خيرات هذا البلد المسلم، وكل هذه الصور وغيرها
لم يكن في وسع الجزائريين نسيانها؛ ففرنسا في نظرهم هي الدولة التي عطّلت
دورهم الحضاري على مدى ١٣٢ سنة. وبعد استقلال الجزائر ظلّت فرنسا تنظر
إلى الجزائر على أنها ولاية فرنسية، ولم تعترف حتى بالحرب الجزائرية الفرنسية؛
إذ إن ذلك أي هذا الاعتراف جرى في مقر الجمعية العمومية البرلمان في بداية
سنة ٢٠٠٠م، وبهذا المنطق الاستعماري نفسه تعاملت فرنسا مع الجزائر الفتية
المستقلة؛ فقد واصلت احتكارها لصناعة الطاقة - الغاز والنفط - تنقيباً واستخراجاً
وتوزيعاً وتسويقاً، كما كانت توفر الحماية للغتها التي كانت نافذة في الإدارة
والمدرسة والجامعة، وفوق هذا وذاك كانت تفرض على الإدارة الجزائرية
(تكنوقراطيين) جزائريين درسوا في المعاهد والجامعات الفرنسية وشكلوا فيما بعد
نواة ما يعرف بحزب فرنسا في الجزائر المتغلغل بقوة في الإدارة والمؤسسة
العسكرية. وإذا كانت علاقة الجزائريين بفرنسا أثناء احتلال هذه الأخيرة للجزائر
علاقة حرب ونضال بين قوة غاشمة ومستضعفين يسعون إلى الحرية؛ فإن
العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ ١٩٦٢م وإلى الآن هي أشبه بفسيفساء كثيرة
الألوان والالتواءات.
فمنذ ١٩٦٢م تاريخ استقلال الجزائر توالى على الحكم في الجزائر سبع
رؤساء هم على التوالي: (أحمد بن بلة) ١٩٦٢ - ١٩٦٥م، (هواري بومدين)
١٩٦٥ - ١٩٧٩م، (الشاذلي بن جديد) ١٩٧٩ - ١٩٩٢م، (محمد بوضياف)
جانفي ١٩٩٢م جوان ١٩٩٢م، (علي كافي) ١٩٩٢ - ١٩٩٤م، (اليامين
زروال) ١٩٩٤ - ١٩٩٩م، (عبد العزيز بوتفليقة) ١٩٩٩م، إلى يومنا هذا.
وكان الحكم في فرنسا بدوره موزعاً بين اليمين واليسار، وكانت لفرنسا سياسات
متنوعة تجاه الجزائر وحسب الرؤساء الذين تناوبوا على الحكم في الجزائر.
* عهد بن بلة ومحاولة التمرد:
في عهد (بن بلة) حاولت فرنسا التمكين لمصالحها الاقتصادية والثقافية
والسياسية، وحاول (بن بلة) بدوره سحب هذه الأوراق من يد فرنسا؛ وذلك من
خلال التحضير لوضع قانون للتعريب جرت مناقشته في مجلس الشعب، ولكن
للأسف تمكنت القوى الموالية لثقافة المستعمر من تعطيل المشروع الذي استمرّ
معطّلاً إلى أواخر التسعينيات، وطلب (أحمد بن بلة) من وزير دفاعه هواري
بومدين أن يُقيل من الجيش الجزائري كل الضبّاط الجزائريين الذين كانوا في
الجيش الفرنسي وانضموا قبل الاستقلال وبعده بقليل إلى الجيش الجزائري، لكن
هذا لم يتحقق، وكانت حجة بومدين أنّه في حاجة إلى خبراتهم. وأطيح بـ (أحمد
بن بلة) ونعمة الطاقة ترفل فيها فرنسا دون غيرها.
* عهد بومدين والتأميم:
وعندما استلم (هواري بومدين) الحكم بدأت العلاقات الجزائرية الفرنسية
تدخل مرحلة الخطوط الحمراء وخصوصاً عندما أقدم (هواري بومدين) على تأميم
قطاع المحروقات، وخرجت فرنسا صفر اليدين من نعمة الطاقة الجزائرية،
وساعتها لجأت فرنسا إلى مقاطعة شراء النفط الجزائري الذي كانت تسميه:
(البترول الأحمر) وحضّت حلفاءها في الغرب على عدم شراء هذا البترول
الأحمر، وتصاعد الموقف الأمني بين الدولتين حيث كان (محمد بوديا)
المناضل الجزائري السابق والمقيم في باريس يقوم مع (كارلوس) المشهور عالمياً
بملاحقة أهداف عبرية في العواصم الغربية وعلى الأرض الفرنسية على وجه
التحديد، وهو الأمر الذي فهمت منه باريس بأنه حرب جزائرية على أرضها،
فقامت أجهزتها الأمنية بأشياء مماثلة على الأرض الجزائرية؛ حيث قام رجال
مخابرات فرنسيون بتفجير مبنى جريدة المجاهد الأسبوعي التابعة للحزب الحاكم
آنذاك (حزب جبهة التحرير الوطني) ، وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين
تراجعاً وخصوصاً بعد توقيع عقد لبيع النفط الجزائري لشركة البازو الأمريكية ولمدة
٢٥ سنة، وربما هذا ما دفع (هواري بومدين) إلى القول لدى سؤاله عن العلاقات
الجزائرية الفرنسية: إنّه بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم.
* عهد بن جديد وسر مكالمة ميتران:
عندما وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة كانت موازين القوة في دوائر الحكم
قد رجحت كلية لصالح التيار الفرانكفوني الذي عمل أول ما عمل على إعادة
تصحيح العلاقة مع باريس، وكانت النتيجة أن قام الشاذلي بن جديد بزيارة باريس
ولأول مرة في تاريخ الجزائر المعاصرة؛ حيث كان ينص العرف السياسي
الجزائري غير المكتوب أن لا يقوم الرئيس الجزائري بأي زيارة إلى فرنسا العدوة
التقليدية للجزائر. وكان رضا مالك - أحد كبار المسؤولين والفرانكفونيين في آن
واحد الذي اصطحبه معه عبد العزيز بوتفليقة في زيارته إلى باريس رغم أنه لا
يتمتع بأي منصب سياسي رسمي - قد كتب يدعو إلى ضرورة طي صفحة الماضي
وقلب الظهر للثورة الجزائرية. وهذا التألق في العلاقات الجزائرية الفرنسية الذي
استمر على امتداد الحقبة الشاذلية سرعان ما خفت بعد إقالة الشاذلي بن جديد الذي
طلب منه فرنسوا ميتيران شخصياً وعبر مكالمة هاتفية إلغاء الانتخابات التي فازت
بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان له ما أراد، وهذا ما كشف عنه مؤخراً وزير
الدفاع السابق خالد نزار.
* عهد بوضياف والتسلل الأمريكي:
بعد تولي محمد بوضياف الحكم كانت الجزائر قد دخلت مرحلة الفتنة الكبرى،
واستمر وضعها الأمني مضطرباً في عهد علي كافي واليامين زروال، وكانت
باريس آنذاك تراقب الموقف وتشاهد بانزعاج التسلل الأمريكي إلى ملعبها القديم،
وانتقلت الفتنة الجزائرية إلى أراضيها؛ حيث تكهنت الصحف الفرنسية بأن هذه
الأعمال الأمنية هي من وحي المخابرات الجزائرية والغرض منها جرّ فرنسا إلى
الحرب الدائرة في الجزائر ودعم الحكم الجزائري.
والمفارقة أنه رغم مشهد التوتر في العلاقات الجزائرية الفرنسية فإن فرنسا
حافظت على قوة نفوذها الاقتصادي والثقافي والسياسي؛ وذلك من خلال الفئة
الفرانكفونية التي قدمت لفرنسا أعظم الخدمات، ولعلها الفئة التي أشار اليها الجنرال
شارل ديغول بقوله وهو يغادر الجزائر أثناء استقلال الجزائر أنه ترك في الجزائر
بذوراً ستينع بعد حين، وفي موضع آخر قال: سأعمل على أن تنتهي الجزائر
بالضربة القاضية بعد ثلاثين سنة، وبالفعل بعد ثلاثين سنة من عام ١٩٦٢م دخلت
الجزائر مرحلة السقوط بالضربة القاضية.
* عهد بوتفليقة والمرحلة الجديدة:
وبوصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدّة صناعة القرار السياسي كانت الجزائر
قد دخلت مرحلة جديدة يحاول بوتفليقة من خلالها الانفتاح على عواصم القرار في
الغرب لمساعدته في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي والأمني.
وقد لجأ بوتفليقة إلى خطة ذكية لتدشين التقارب الفرنسي الجزائري؛ فقد ألمح
إلى أن الجزائر قد تخرج من تحت العباءة الفرنسية بتكثيف الزيارات الرسمية
للمسؤولين الأمريكيين إلى الجزائر، وإجراء مناورات عسكرية بين القوات
الجزائرية والأمريكية وهو ما أقلق باريس وجعلها تعيد حساباتها في علاقاتها مع
الجزائر صيانة لمصالحها الاستراتيجية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
ويبقى القول إن الزيارة التاريخية لعبد العزيز بوتفليقة إلى باريس وزيارة
الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الجزائر لن تلغي بين عشية وضحاها كل الغيوم
المتراكمة في سماء العلاقات الثنائية بين البلدين، وما زالت هناك أشواط قبل تحقُّق
ما اسماه بوتفليقة بالمصالحة التاريخية بين الجزائر وفرنسا.
ورغم أنّ بوتفليقة حمل لواء المصالحة إلا أنّ باريس ما زالت تشن حملة على
الجزائر مثيرة ورقة الجيش تارة ودوره في المجازر كل المجازر التي عرفتها
الجزائر، وتارة أخرى تثير الورقة القبائلية، وتطالب بتمكين منطقة القبائل من
حكم ذاتي وتمزيق الجغرافيا الجزائرية التي وحدتها دماء مليونين من شهداء
الجزائر.
стр. 4486
المسلمون والعالم
تحضير عملية تغيير الهوية
بعد التفكيك السياسي في الصومال
إبراهيم عبد الله محمد [*]
تكاثرت التصريحات الأمريكية حول اتهام الصومال باحتضان أعضاء من
القاعدة وإيوائهم؛ حتى ملأت دنيا القرن الإفريقي صخباً إعلامياً متواصلاً، وخاصة
أنها تصدر من مختلف المسؤولين في الإدارات السياسية والإعلامية والعسكرية
الأمريكية، وكأن الصومال شارك عملياً ومباشرة في الزلزال الذي هز مدينتي
واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وذلك في سياق نبش
كل الملفات التاريخية ذات العلاقة بالاشتباكات الدامية التي جرت بين القوات
الأمريكية وسكان (مقديشو) بقيادة الجنرال (محمد فارح عيديد) عام ١٩٩٣م،
وقراءة المعلومات والمعطيات الميدانية ذات التوثيق المشبوه والمزعوم من قِبَل ما
يسمى (بالمعارضة الصومالية) .
ويرى المراقبون في الصومال أن التصعيد الأميركي ضد الصومال بحجة
محاربة الإرهاب؛ يرمي إلى تحقيق أهداف أهمها إرادة الانتقام لجنودها الذين
سقطوا في مقديشو، والاطلاع على حجم التيار الأصولي في الصومال، ومن ثم
فقد رتبت الحكومة الصومالية بمهارة أفكارها وأوراقها في ثلاثة مسارات متناسقة
ومتكاملة ذات دلالات مفحمة:
أولاً: بدأت باستضافة الوفد الأمريكي الذي كان من بين أعضائه المسؤول
عن الملف الصومالي في السفارة الأمريكية في (نيروبي) .
ثانياً: إتاحة الفرصة للأسطول الأمريكي لمتابعة ومراقبة حركة السفن الداخلة
والخارجة في المياه الإقليمية والموانئ الصومالية، كتأكيد واضح بأن الصومال يقف
في صدارة القوى الدولية التي شجبت واستنكرت الهجمات في نيويورك وواشنطن،
وباعتبار الصومال البلد الإفريقي الأول الذي يواجه منذ ١٠ سنوات أعمال إرهاب
أمنية، وإفقار اقتصادي، وانقسام سياسي داخلياً وإقليمياً.
ثم ثالثاً: إفهام الأمريكيين - انطباعاً لا تلقيناً - أن الأصولية الإسلامية التي
يتردد ذكرها في إعلام ما يسمى (المعارضة الصومالية) - والمدفوعة من
الخارج - في سبيل التشهير والتسويق لفكرة وجود قواعد إرهابية في
(مقديشو، وبوصاصو) ؛ إنما هي جزء من الإرث الوطني والأصالة الصومالية
التي لها عمقها التاريخي في الآباء والأجداد، وسيبقى لها جذورها في الأبناء والأحفاد
كباقي الأصوليات في الأديان المختلفة؛ بما فيها النصرانية واليهودية والهندوسية
والبوذية؛ إذ لم يعد مقبولاً ولا مسلَّماً في العالمين العربي والإسلامي تحميل نعوت
التطرف والإرهاب على الأصولية الإسلامية فقط وتبرئة ساحات بقية الأصوليات
الأخرى؛ إضافة إلى أن نتائج الهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية والفكرية
والعسكرية، والتي تهدف إلى تهميش دور العالم الثالث وتطويق حضور كفاياته في
الأصعدة المذكورة؛ تعادل وتماثل أضرار التطرف والإرهاب من حيث إلغاء حقوق
هذا العالم النامي وكرامته وسيادته.
وفي إطار جهود الحكومة الانتقالية الصومالية لإقناع الحكومة الأمريكية
بالصدق في خلو الصومال من رجال القاعدة؛ أصبح الصومال حريصاً على رؤية
دور أمريكي إيجابي في المنطقة ينضم إلى دور الدول المعترفة بالحكومة الانتقالية،
ويقيم معها علاقات الصداقة والتعاون، ويفسح المجال أمام عودة سفراء الدول التي
كانت لها علاقات دبلوماسية مع الصومال قبل الانهيار، وذلك في سبيل عودة جميع
أقاليم الصومال إلى الالتئام تحت الحكومة الانتقالية اجتثاثاً لجذور البؤس والانشقاق،
وإنهاءً لدواعي العنف والحروب والتشرذم السياسي باسم المعارضة التي تمارس
لعبة (الإرهاب والغزاة) ؛ من حيث إرعاب الصوماليين في أمنهم وسيادتهم وإثارة
القلاقل في الحدود الإقليمية، ولكن على الرغم من هذه الجهود يظل الموقف
الأمريكي يرفع وتيرة التصعيد والتهديد؛ تتجاذبه المخاوف والشكوك والتردد بين
القراءة الإثيوبية للوضع الصومالي، والتي ترسم واقعاً إسلامياً مخيفاً ذا علاقة
بالإرهاب المزعوم، وبين الصورة الحقيقية لهذه القوة التي لا تزيد عن كونها وجود
هوية وثقافة وعقيدة وتاريخ، وليس وجوداً حزبياً ولا ثورياً ولا سياسياً؛ عقب أن
تخلى الاتحاد عن حمل السلاح منذ منتصف التسعينيات؛ لتأكيد اتجاهه نحو
الإصلاح الاجتماعي، والمساهمة في حل مشكلات الإنسان الصومالي، وابتعاده
عن مظان الاتهام بالتطرف.
وقد اعترف المسؤول الأمريكي عن شؤون القارة الإفريقية في تصريح له في
٧/٢/٢٠٠٢م بوجود هذا الاتجاه الإصلاحي، وأن شباب الاتحاد الإسلامي في
الصومال انتشر انتشاراً اجتماعياً مهنياً وثقافياً، ولكنه على الرغم من ذلك رأى في
مجرد وجود هذه القوة الوطنية الإسلامية في الصومال واتجاهها الجديد تفريخاً
للعناصر التي سماها بالإرهابية وتهديداً لأمريكا، ومن ثم دعا إلى القضاء عليها؛
مما لم يدع مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة تتبنى الغزو الإثيوبي للصومال،
وتتحين الفرص لإعلان الحرب الدينية على العرب والمسلمين؛ لا لأنها تخاف من
أفراد إسلاميين فقراء يعيشون في مجاهل قرى الصومال، ولا مقدرة لهم على
تغطية هموهم الاجتماعية والزراعية والصحية، وإصلاح شؤونهم التعليمية
والاقتصادية والأمنية؛ بل لأنها تؤمن بأن تنحية الإسلام بوصفه عقيدة وهوية
وطاقة قادرة على التحدي عن مراكز القيادة والريادة للحضارة العالمية؛ يزيد من
تعزيز وتثبيت مشروعها لجعل القرن الحالي مادياً وفكرياً وسياسياً قرناً أمريكياً
بدون منازع استراتيجياً وعالمياً، ولأنها تريد تصفية النهضة العربية في الصومال
بوصفها انتماء وثقافة ونضالاً مرحلياً وإقليمياً.
من هنا نرى أن تصريحات المسؤول الأمريكي عن شؤون القارة الإفريقية
جاءت خالية من أي مشاعر إنسانية أو حضارية تتعاطف مع الوضع الصومالي،
وتتضامن مع الجهد الدولي الساعي إلى إكمال عملية المصالحة في الصومال؛
لتكريس قيم العدل والحياد والوساطة والتسوية بين الصومال وإثيوبيا للقضاء على
بواعث الإرهاب؛ مما يعطي انطباعاً بأن الموقف الإثيوبي المتراجع عن معطيات
الاعتراف والمساندة للمصالحة الصومالية التي تجسدت بحضور رئيس وزراء
إثيوبيا حفل اختتام المصالحة في جيبوتي عام ٢٠٠٠م، والمتحول إلى انتهاز أي
مسلك سياسي وعسكري ودبلوماسي وإعلامي يؤدي إلى احتواء نتائج مؤتمر
جيبوتي؛ هو موقف يستند إلى الموقف الأمريكي السلبي نحو الاعتراف بالحكومة
الصومالية، ويستأنس بهذا الموقف كغطاء سياسي واقتصادي أمريكي قائم تحت
شعار مواجهة الإرهاب؛ الأمر الذي بات يرفع معنويات النظام الإثيوبي، ويزيد من
عزمه عندما يسمع أو يطلع على تصريحات ذلك المسؤول الداعي إلى حماية
دول جوار الصومال من الإرهاب الإسلامي؛ مع أن (لغة الحماية) التي تطرب
وتسعد إثيوبيا تظل منطقاً معكوساً ومغرقاً في الإيعاز والإيحاء بتنشيط النفوذ
الإثيوبي في الشأن الصومالي؛ لأن الطرف المحتاج للحماية والحصانة حقيقة من
الاعتداء والإرهاب هو الطرف الصومالي لا الإثيوبي!
قلق إثيوبي من الدور الكيني في المصالحة الصومالية:
بعد أن نجحت الجمهورية الصومالية في إعادة تعزيز علاقاتها مع الجمهورية
الكينية استثماراً لمكانة الرئيس (أرب موي) السياسية والتاريخية إفريقياً وإقليمياً،
وبمعطيات مناخ الأداء الديمقراطي نسبياً للسياسة الكينية المعارِضَة للتعاطي
الإثيوبي في الشأن الصومالي، وبوجود شخصيات سياسية بارزة من أصول
صومالية في مواقع مؤثرة في الرياسة والخارجية الكينيتين، وعقب قرار القمة
(لمنظمة الإيجات) التي انعقدت في ١/٢٠٠٢م في الخرطوم، والقاضي بتكليف
كينيا تولي إدارة ملف المصالحة الصومالية، وإثر الاعتراض الانعزالي الإثيوبي
على اتفاق بقية أعضاء المنظمة على الاقتراح الإريتري لجعل اللغة العربية لغة
رسمية للمنظمة بجانب الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى الانقسامات الجارية في
صفوف ما يسمى بـ (المعارضة الصومالية) في أديس أبابا؛ استمع العالم إلى
دعوة رئيس وزراء إثيوبيا للولايات المتحدة بأن تعتبر إثيوبيا شريكاً رئيسياً لها في
مكافحة الإرهاب، معلناً بأن القرن الإفريقي لن يشهد الاستقرار ما لم تتخذ أمريكا
سياسة عملية تجاه الإرهاب، وأن إثيوبيا لن تنعم بالسلام ما دام الصومال يشهد
الفوضى المستمرة، ولكنه لم يمتلك مقومات الصراحة والشجاعة لكي يعترف بأن
مصدر المشكلات الأمنية والسياسية في الصومال هو من أديس أبابا.
وقد فهم المراقبون في الصومال أن خطاب رئيس وزراء إثيوبيا أمام برلمان
بلاده كان تعبيراً عن القلق والانزعاج من ابتعاد ملف المصالحة الصومالية عن
السيطرة الإثيوبية وانتقاله إلى جيبوتي ثم إلى كينيا، وإخفاق ما يسمى بالمعارضة
الصومالية المسلحة التي تشكلت في إثيوبيا في مارس عام ٢٠٠١م في إيقاف تمدد
نفوذ الحكومة الصومالية وتناميها داخلياً وخارجياً؛ لذا كان من الطبيعي - حسب
قراءتنا لذهنية القادة الإثيوبيين - أن يتم تحويل نزاعاتهم مع الصوماليين والبحث
عن حلٍّ لها إلى حلفائهم في الخارج، وهنا أراد رئيس وزراء إثيوبيا أن يبالغ في
تضخيم وسيلة الاستقطاب لعطف الولايات المتحدة فأسرع في اغتنام الفرصة وحوَّل
أزماته التي يفتعلها مع الصومال إلى موجة محاربة الإرهاب، وهو النهج نفسه
الذي تمارسه إسرائيل مع الشعب الفلسطيني المناضل، والمسلك نفسه الذي تسلكه
الطائرات الأمريكية والبريطانية ضد أمن العراق وسيادته؛ حيث إن الجانب الذي
يرتكب جرائم الاعتداء والإرهاب هو الذي يشكو ويتظلم؛ لأنه حريص على تنفيذ
استراتيجيته لإخضاع العرب في ظل غياب طموحات مماثلة لها من العالم العربي
تستجيب لهذه التحديات.
في المقابلة التي أجرتها الإذاعة البريطانية (القسم الصومالي) مع رئيس
الوزراء (حسن أبشر) أدان منطق إثيوبيا العدواني؛ مؤكداً أن النظام الإثيوبي
مُصِرٌّ على تنفيذ سياسة القضاء على الدولة الصومالية كلياً، وحينما سأله المذيع عن
كيفية القضاء على الدولة؟ أجاب السيد حسن أبشر بأن النظام الإثيوبي منهمك جداً
في عملية التفكيك الجغرافي والسياسي للصومال باستعمال القوة العسكرية، وعن
طريق ترويج أسماء الكنتونات الإقليمية مثل (صومال لاند، وبونت لاند، وباي
لاند، وجود لاند) التي صنعتها، وتوسيع هذه العملية لتشمل بقية الجغرافية
الصومالية، ولم ينس السيد حسن أبشر أن يذكِّر الزعامة الإثيوبية المعروف والدعم
الذي قدمه الصومال للمناضل الإثيوبي، وأشار رئيس وزراء الصومال إلى أن
الورقة الإثيوبية المقدمة إلى مؤتمر المصالحة الصومالية في نيروبي تدعو إلى
تجاوز رئاسة الرئيس عبد القاسم صلاد؛ إمعاناً في الرغبة في إعادة الأوضاع إلى
ما كانت عليه قبل انعقاد مؤتمر جيبوتي.
والمحللون الصوماليون الذين لم تستوقفهم كثيراً تصريحات (حسين عيديد)
للقسم الصومالي في الإذاعة البريطانية في الأيام نفسها، والتي يقترح فيها ضم ٦
ملايين صومالي يعيشون في (الأوجادين) وفي منطقة (انفدي) في كينيا لقيام
الصومال الكبرى؛ ما ترددوا في فهم مغزى تصريحات (حسين عيديد) في أنه
ينفذ مخططاً إثيوبياً؛ وخاصة عندما تطوع (حسين عيديد) نفسه وادعى أن
تصريحاته جاءت في إطار قيام اتحاد فيدرالي موسع لجميع دول القرن الإفريقي
وشعوبه يلغي عروبة الصومال، حسب أقواله المنشورة في مجلة (المجلة) بتاريخ
٣/٣/٢٠٠٢م.
وهذا مؤشر إضافي يوضح مدى الاختراق السياسي والأخلاقي الذي سجله
النظام الإثيوبي في الفكر السياسي لدعاة المعارضة؛ لكي يسهموا في دعم مؤامرة
إلغاء عقيدة الصومال وعروبته؛ لقاء وعود كاذبة يعدهم بها النظام الإثيوبي
لإيصالهم إلى كرسي الرئاسة.
وحينما يوظف النظام الإثيوبي طاقاته العسكرية والسياسية والإعلامية في
سبيل تسريع عملية التفكيك السياسي والجغرافي في الصومال؛ فإنه لا يهدف إلى
مواجهة خطر إرهابي قادم من الصومال يهدد الأمن الداخلي الإثيوبي، وإنما يهدف
إلى بعد استراتيجي أبعد مدى وأوثق ارتباطاً بقضية الصراع الحضاري المصيرية،
وأقوى مداعبة في عقول ضباطه؛ إذ يتذكر الصوماليون تصريحات الكولونيل
(تسفاي) الموجود في مدينة (بيداوا) ، والذي عبر عن نيات إثيوبيا الدفينة حينما
شدد في تصريحه في ٤/٢٠٠١م على أن النظام الإثيوبي لن يسمح بقيام دولة عربية
إسلامية في الصومال.
وفي الحديث الصحفي الذي أدلى به رئيس إثيوبيا (زيناوي) لوكالة رويتر
في ١٩/٢/٢٠٠٢م أشار إلى وجود أدلة عنده تثبت علاقة الحكومة الصومالية بـ
«الاتحاد الإسلامي» ، كما أن من بين ثلاثة خبراء شكَّلهم مجلس الشيوخ الأمريكي
لدراسة الوضع الصومالي، وتقديم المقترحات والآراء حول كيفية التعامل مع هذا
الوضع - لم يتبن وجهة النظر الإثيوبية إلا السفير السابق لأمريكا في أديس أبابا
(ديفيد شين) اليهودي الأصل، والذي ذكر في مقترحاته أن «الاتحاد الإسلامي
الصومالي» يسعى إلى تحقيق هدفين هما: إقامة دولة إسلامية في الصومال،
وتحرير أوجادين من إثيوبيا، والملاحظ أنه لم يأت بجديد؛ لأن كلا الأمرين لا
يزالان مطلبين قوميين تاريخيين لعموم الصوماليين وليسا بفكر سياسي خاص بفئة
صومالية معينة، كما أن رجال الدين في كل من إثيوبيا وأمريكا يعملون لتقوية
أنظمتهم السياسية الوطنية مع توحيد كلمة الدولة النصرانية؛ لمواجهة التحديات التي
من شأنها أن تهدد رسالة الكنائس العالمية!
وعلى صعيد آخر؛ فإن النظام الإثيوبي يريد أن يتجاهل أن جذور الأزمة
الصومالية الإثيوبية تنبع من الغزو الصليبي، والذي توسع على حساب الوطن
الصومالي في نهاية القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين لإقامة الدولة
المسيحية الكبرى في القرن الإفريقي؛ وذلك بمؤازرة الدول النصرانية الاستعمارية
ومساعدتها في ذلك الزمن، مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وبناءً عليه فلا يمكن
أن يعتبر تاريخ «الاتحاد الإسلامي الوطني الصومالي» الذي يعمل في خندق
الدفاع عن حقوقه الدينية والقومية السياسية قوة إرهابية بمجرد أنه يحمل عنواناً
إسلامياً، ويُبرَّأ في الوقت نفسه التاريخ والأعمال والأفكار الاستعمارية الإرهابية
التي خربت الديار الصومالية، ولا تزال تسعى إلى تفتيت الوحدة الصومالية.
ثم أين الإثم والانحراف إذا أقامت الحكومة الصومالية علاقات مع قوة إسلامية
وطنية صومالية، في حين تعتز الزعامة الإثيوبية بعقيدتها النصرانية وترفض في
طول تاريخها ظهور صورة مسجد في قنواتها التلفزيوينة تأكيداً لدور الكنيسة،
وتعتبر الزعامة الإثيوبية أيضاً تراب مدينة (أكسيوم) أرضاً مقدسة لا يدخلها
المسلم حسب المعلومات الشائعة المتوفرة لدى القوميات الإثيوبية؟! وهل هناك
إرهاب وإهانة وإذلال أقوى وأخطر من حرمان القوميات الإسلامية من الحياة
الكريمة، وتركهم يواجهون المجاعات المزمنة المهلكة نتيجة غياب وسائل التطور
العلمي والزراعي والصحي عن أقاليمهم؟!
إن كثرة الصراخ الإعلامي، وكلمات الخداع الإثيوبية للرأي العام العالمي
التي تعطي صورة مفزعة لقوة وجود التيار الأصولي في الصومال تعكس حقيقة
واحدة؛ هي أن النظام الإثيوبي اكتشف أن التحدي الإسلامي والوطني في كل من
(بوصاصو، ومقديشو) والجنوب لن يسمح لهذا النظام بتنفيذ استراتيجيته الرامية
إلى تغيير هوية الصومال، وتحويله إلى محمية تابعة له لا هوية لها ولا عقيدة ولا
عروبة ولا حضارة ولا كرامة.
إن الفاصل في المعادلة بين إثيوبيا الهادفة إلى تأمين أطراف خريطة
الإمبراطورية، وبين الصومال الباحث عن تعزيز سيادته وتكملة أجزاء أقاليمه؛
هو الحياد الإيجابي لموقف أمريكي متوازن في علاقاته مع مقديشو وأديس أبابا يتفهم
وضع المجتمع الصومالي، ويدعم الجهود العربية الإفريقية لإنقاذ هذا المجتمع
وانتشاله من مخلفات ركام الحروب الأهلية، كما تفعله الولايات المتحدة مع إثيوبيا
التي تحصل على المنح المالية والهبات والمعونات الاقتصادية، والدعم العسكري
والسياسي والإعلامي؛ حتى يطمئن الصوماليون ويتأكدوا من عدم وجود انحياز
أمريكي لإثيوبيا من منطلق ديني متعصب بناءً على ادعائها بأنها - أي أمريكا -
تؤمن بالديمقراطية؛ وتحترم الشرعية الدولية، وتطبق النزاهة في نظام علاقاتها
الدبلوماسية والسياسية مع العالم.
وفي هذا السياق؛ فإن ما ورد في آراء ومقترحات الخبيرين (روبرت
ماكفرسون، والدكتور كين مانج هوس) في ٢٠/٢/٢٠٠٢م في شهادتهما للحكومة
الأمريكية بأن الصومال ليس كأفغانستان، وليس فيه مخدرات، وبأن المطلوب هو
إقناع الناس في الصومال برعاية مصالحهم، ومساعدة الوسائل الإعلامية، وتنشيط
الحياة التجارية، والتعامل مع تجار الحيوانات لتوسيع تجارتهم، وأنه تنبغي
ملاحظة أن هناك صراعاً عربياً إثيوبياً على الصومال - حسب شهادتهما -؛
بمعنى أن إثيوبيا تسعى إلى إبعاد العرب عن الصومال؛ ما ورد في شهادة هذين
الخبيرين حول التعامل مع الصومال كان اتجاهاً إيجابياً يتناقض تماماً مع دعوات
إثيوبيا ومن يؤيدها من الأمريكيين لضرب الصومال، والتي ينطلق فيها الإثيوبيون
من اعتقادهم أن النكسات السياسية التي هددت مقومات الإنسان الصومالي منذ الحكم
الماركسي، وما تلاها من حروب أهلية ومجاعات مدمرة ومواجهات مع القوات
الأمريكية عام ١٩٩٣م؛ لم تؤد إلى تفريغ الإنسان الصومالي من مضمونه الإسلامي،
ولا تقليص ثوابته التاريخية في وجدانه؛ الأمر الذي بات يشكل مصدر إحباط
وإزعاج للنظام الإثيوبي؛ حسب تصريحات لكل من رئيس وزراء إثيوبيا،
وعبد المجيد حسين لوكالة الأنباء (رويتر) في نهاية فبراير ٢٠٠٢م.
والإصرار الإثيوبي على استعداء أمريكا على الصومال لتغيير هويته يوحي
بأن الزعامة الإثيوبية بحاجة إلى من يذكرها ويحاسبها لتراجع محطات صراعها مع
الصوماليين، ولتعلم أن الإثيوبيين هم الذين أرهبوا الصوماليين وعملوا على تجزئة
الخريطة الصومالية وتقسيم سكان الصومال.
إن قراءتنا للمنظور الاستراتيجي الإثيوبي الموجه إلى الصومال والسودان
وجيبوتي تعطينا انطباعاً بأن النظام الإثيوبي يرى أن المسافة الفاصلة بينه وبين
تحوُّله إلى قوة إقليمية تخيف البلدان العربية المذكورة، ولا تهاب من مصر ولا من
ليبيا؛ أخذت في التقلص والانكماش ما دامت دول (منظمة الإيجات) قد اعتمدت
على مشروعية تقرير مصير الجنوب؛ ليفسح له المجال أمام الانفصال سلماً أو
عنوة لطي البعد الجغرافي الإفريقي للخريطة السوادنية، مع اقتناص كل فرصة
لإضعاف الصومال وإثارة كل ذريعة لإخراجه من هويته العربية الإسلامية؛ مما
يجعل الهم الأول للصوماليين اليوم هو إسقاط الاستراتيجية الإثيوبية والصمود للدفاع
عن هويته العربية الإسلامية؛ إذ إن انبعاث النهضة العربية الإسلامية وانتشار
معطياتها بين الشباب يظل أمضى الأسلحة الطبيعية القادرة على كسر الهجمة
الإثيوبية الظالمة ضد الصومال، فليس هناك إرهاب أخطر من إرهاب احتلال
الأرض الصومالية، واستباحة السيادة الوطنية، واستهداف الهوية الحضارية.
وما نسمعه من صرخات تحذير وتخويف إثيوبية لأمريكا من بروز أصولية
صومالية في القرن الإفريقي؛ هي أساليب تبين أن النظام الإثيوبي الذي اعتاد القدح
في كفاية الحكومة الانتقالية الصومالية، والتقليل من أهمية سلطتها في مقديشو؛
تنتابه نوبات من القلق وتساوره نظرات التشاؤم إزاء تصاعد نضال قوميتي
(الأوجادين، والأرومو) اللتين يتحرك أفرادهما بكل حرية وتحد في مساحات
واسعة في كل من الريف والطرق والقرى، في الوقت نفسه الذي تتنامى فيه
معارضة شعب «العفار» العربي المسلم للنظام الإثيوبي رغم اختفاء (سلطان علي
مرح) في أحضان النظام؛ مما يؤكد أن نظام الأقلية «التجراوية» الذي يحكم
القوميات الإثيوبية بقوة السلاح سيواجه في المستقبل غير البعيد تحدياً عسكرياً قوياً
من هذه الشعوب الثلاثة التي تحمل لواء التحرير والتعريب في القرن الإفريقي؛
لتصبح بحق القوة المرشحة لتقرير مصير القرن الإفريقي [١] .
стр. 4487
المسلمون والعالم
لضمان مسلسل التبعية
الاستحواذ على العقول.. أخطر من احتلال الأرض
شعبان عبد الرحمن [*]
Shaban١٢١٢@hotmail.com
«لكي نكسب الحرب ضد الإرهاب؛ فإن ذلك يتطلب منا أكثر من مجرد
قوتنا العسكرية.. يتطلب منا اجتذاب شعوب العالم الإسلامي إلى قيمنا ومجتمعنا؛
إن كان لنا أن ننجح في تحقيق التفاهم والتوعية والاحترام المتبادل، وهو ما
سيشكل الأسس لعلاقات سلمية مثمرة، وإن التبادلات (الطلابية) التي يقرها
مشروعكم هي أقل السبل كلفة عند أخذ المردود بعين الاعتبار لتشجيع العلاقات
الشخصية والمؤسساتية التي من شأنها تعزيز أمننا القومي على المدى البعيد ...
ينبغي للولايات المتحدة أن ترد على الخطر الإرهابي على مستويات عدة، فنحن
بحاجة لأن نضمن أن دفاعاتنا قوية وحدودنا آمنة» .
هذه فقرات من الشهادة المطولة التي سجلها «كنتن كيث» مدير «الاتحاد
من أجل تبادل ثقافي وتعليمي دولي» ، وهو اتحاد يضم خمساً وستين منظمة، وله
فروع في جميع الولايات الأمريكية.
الشهادة جاءت دعماً لمشروع القانون الذي تقدم به السيناتور «تيد كيندي»
لمجلس الشيوخ الأمريكي في ١٠/٥/٢٠٠٢م نيابة عن عشرة آخرين من أعضاء
المجلس، ويهدف إلى تحقيق المزيد من الاحتواء الثقافي لشباب العالم الإسلامي؛
لصناعة قادة المستقبل في العالم الإسلامي داخل المؤسسات الثقافية الأمريكية وبين
العائلات الأمريكية؛ ضماناً لاستمرار مسلسل التبعية.
المشروع يحمل اسم «الجسور الثقافية لعام ٢٠٠٢م» ، وتشرف عليه وزارة
الخارجية صاحبة الباع الطويل في برامج التبادل الطلابي والتعليمي، ويطلب
تخصيص خمسة وسبعين مليون دولار إضافية لميزانية برامج وزارة الخارجية
التعليمية والثقافية الحالية في العالم الإسلامي، في الفترة من عام ٢٠٠٣م حتى نهاية
السنة المالية ٢٠٠٧م، ويقترح تخصيص عشرين مليون دولار لإنشاء برنامج
تبادل جديد لطلاب المرحلة الثانوية؛ لإفساح المجال أمام عينة خاصة من طلاب
العالم الإسلامي المتفوقين للدراسة في مدارس حكومية أمريكية.
ويشترط المشروع المقترح أن يكون اختيار الطلاب من دول العالم الإسلامي
بشكل تنافسي يثبت جدارتهم، وأن يراعى في الاختيار التنوع الجغرافي، والجنسي،
وتنوع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمون إليها في المجتمع، وأن
تتعاون وزارة الخارجية كما تفعل في برامج مماثلة مع المنظمات الأمريكية غير
الحكومية ذات الخبرة في هذا الحقل عند انتقاء وتعيين المدارس والعائلات للطلبة
(الوافدين) ، وتبقى على اتصال وثيق مع المدارس الثانوية المختارة، والعائلات
الأمريكية المضيفة، والمنظمات غير الحكومية؛ أثناء تواجد الطلاب في الولايات
المتحدة.
ولم يفت مقدمي المشروع وضع بند مراقبة صارم للطلبة المختارين،
فـ «التشريع سيعزز قدرتنا على غربلة الطلبة الأجانب ومراقبتهم، عبر اشتراط
مزيد من الاتصال والتعاون بين وزارة الخارجية، ودائرة الهجرة والتجنس،
والمعاهد العلمية التي يلتحق بها الطلبة الأجانب، وعبر سد الثغرات في برنامج
مراقبة الطلبة الأجانب المعتمد حالياً» .
فقد أثبتت - وفق مقدمي المشروع - برامج التبادل الثقافي والتعليمي مع دول
العالم التي يسافر بموجبها خمسة آلاف أمريكي إلى الخارج، ويفد إلى الولايات
المتحدة عن طريقها عشرون ألف أجنبي أثبتت نجاحاً باهراً في الترويج للقيم
الأمريكية.
هذا المشروع بقانون جاء انعكاساً لاهتمام البيت الأبيض نفسه، وكذلك اهتمام
أركان الإدارة الأمريكية، كما جاء انعكاساً لاهتمام مراكز البحث التي تجد فيه
ضرورة قومية لحماية الأمن القومي الأمريكي على المدى البعيد ضد ما يسمونه
بالإرهاب (الصحوة الإسلامية) .
الرئيس بوش الابن أشار أكثر من مرة إلى ضرورة مد يد الصداقة إلى
الأطفال وخصوصاً في العالم الإسلامي، ففي كلمة له في أكتوبر ٢٠٠١م أمام طلبة
مدرسة «ثورغود مارشال» الابتدائية قال بوش: «إن أمريكا عازمة على إقامة
علاقات ثقة وصداقة مع الشعوب في جميع أنحاء العالم، وخاصة مع أطفال العالم
الإسلامي وشعوبه» .
وفي هذا الصدد يقول مقدمو المشروع: «إن تشريعنا، ولتسهيل تحقيق
هدف الرئيس في الوصول إلى الأطفال والتأثير فيهم، ينص على إنشاء برنامج
جديد لطلاب المرحلة الثانوية، فلا يوجد في الوقت الحاضر أي برنامج فيدرالي
لتيسير مثل هذا التبادل الطلابي بأعداد تتزايد على الدوام مع العالم الإسلامي..
وهناك فوائد كثيرة تتأتى من التواصل مع الطلبة أثناء مرحلة شبابهم وانفتاحهم
لتشجيع الفهم الثقافي المتبادل، وعدم التعصب، والتسامح، فطلبة المرحلة الثانوية
اليوم هم قادة الغد، وعلينا أن نبدأ العمل معهم اليوم لنصوغ مواقفهم من بلادنا» .
وفي خطاب ألقاه «بول وولفوفتر» وكيل وزارة الدفاع في ٣/٥/٢٠٠٢م
أمام مجلس الشؤون العالمية في كاليفورنيا أشار إلى الحاجة إلى التواصل مع
الأصوات المنادية بالاعتدال في العالم الإسلامي، وإلى تشجيع هذه الأصوات ومد
الجسور معها لتجاوز ما أسماه بالهوة الخطيرة بين الغرب والعالم الإسلامي. وقال:
«إنه ينبغي على أمريكا أن تبدأ الآن.. فالهوة واسعة ولا تحتمل التأجيل» .
بيانات مؤسسة «جالوب» الأمريكية الشهيرة لاستطلاع الرأي عضدت
أيضاً المشروع، فقد أجرت المؤسسة استطلاعاً واسعاً للرأي في تسع دول غالبيتها
من المسلمين؛ عن مواقف الجماهير حيال السياسة الأمريكية، وكانت النتيجة هي
رصد مشاعر عداء متصاعدة بين شعوب هذه الدول ضد الولايات المتحدة.. وهنا
يؤكد السيناتور كيندي: «إننا سنعرض أنفسنا للخطر إن نحن تجاهلنا هذه المشاعر.
أما إن حاولنا علاج المشكلة عبر تعليم القيم الأمريكية لطلبة العالم الإسلامي؛
فستكون أمامنا فرصة على المدى البعيد لتغيير المواقف السلبية، وهذه عملية طويلة،
لقد علَّمنا الحادي عشر من سبتمبر أن علينا أن نبدأها الآن» !
وقد كانت الشهادة التي أدلى بها طالب مصري حائز على منحة «فولبرايت»
للتعليم بالولايات المتحدة على خطورة ما يجري في الجامعات المصرية ضمن
دفاعات مقدمي المشروع للمطالبة بالموافقة على مشروعهم.
فقد أفاد الطالب المصري في مقال نشرته له الواشنطن بوست في ٢٠/١/
٢٠٠٢م بأن جامعته المصرية أرض خصبة للباحثين عن أعضاء جدد يضمونهم إلى
المنظمات الإرهابية أو المتطرفة!!
ولذا يشدد كيندي قائلاً: «التحدي الذي يواجهنا هو منح الطلاب فرصة
للتعرف على جميع أوجه الحياة العائلية الأمريكية، وفهم قيمنا قبل أن يصلوا إلى
تلك الدرجة» (الانضمام إلى الجماعات الإرهابية.. في زعمهم!) .
أما وزارة الخارجية صاحبة الخبرة الطويلة في الإشراف على مثل هذه
المشاريع فهي أشد حماساً له، وزير الخارجية كولن باول كان واضحاً في ذلك؛
ففي بيان ألقاه في أغسطس من عام ٢٠٠١م حول «أسبوع التعليم» قال: «لا
أستطيع التفكير بشيء أنفع لبلدنا من صداقة زعماء العالم المستقبليين (القادمين)
الذين تلقوا دراساتهم هنا» .
وتدير وزارة الخارجية حالياً العديد من برامج التبادل الثقافي والطلابي
الناجحة لطلاب الجامعات والمرحلة الثانوية، مثل برنامج «تبادل قادة المستقبل»
أو «فيلكس» ، وهو البرنامج الذي يتم بمقتضاه سنوياً إحضار حوالي ألف طالب
تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من الدول حديثة الاستقلال عن
الاتحاد السوفييتي المنفك، إلى الولايات المتحدة للدراسة في مدرسة ثانوية لمدة عام،
والإقامة مع عائلة أمريكية خلال ذلك العام، ومن بين هذه الدول ست دول
غالبيتها العظمى من المسلمين، وهي: أذربيجان - كازاخستان - قيرغيزستان -
طاجيكستان - تركمانستان - أوزبكستان.
تقول نتائج هذا البرنامج إنه بالغ التأثير في صياغة مواقف الطلبة الذين وقع
عليهم الاختيار.
وتشير دراسة أجرتها الحكومة الأمريكية عام ١٩٩٨م، قارنت فيها بين
الطلبة الذين اشتركوا في البرنامج وغيرهم من زملائهم الذين لم يشتركوا، قائلة:
«إن الشبان الذين اشتركوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً للقيم الغربية والمثل الديمقراطية،
كما أن هناك احتمالاً أكبر في أنهم يتطلعون إلى ممارسة دور قيادي في مجتمعهم» .
وبناءً على النجاح الذي يحققه مشروع «فيلكس» يؤكد مقدمو المشروع
الجديد أنهم صاغوا مشروعهم على نهجه.
وقد حصل مقدمو المشروع على دعم العديد من المؤسسات المعنية المهمة
وموافقتها داخل الولايات المتحدة، وفي مقدمتها: رابطة التبادل الطلابي والثقافي
الدولية، وأكاديمية التنمية التعليمية، والمجالس الأمريكية للتعليم الدولي، والمعهد
الأمريكي للدراسة في الخارج، والمجلس القومي للزوار الدوليين، ومؤسسات
المدن الشقيقة الدولية، والتعليم العالمي، ومجموعة الدراسة العالمية.
ولم يكتف السيناتور كيندي وهو يقدم مشروعه بهذا التأييد غير المسبوق في
الداخل، وإنما لفت الانتباه لتأييد آخر في العالم الإسلامي يمكن أن يسهم بقوة في
نجاح المشروع، فقد أشار إلى تأييد كثير من الدول الإسلامية للولايات المتحدة في
حربها ضد ما تسميه بالإرهاب، وذكّر أعضاء المجلس بالآية القرآنية الكريمة:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا]
(الحجرات: ١٣) ، ولم يكمل الآية: [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم] (الحجرات:
١٣) ، وانطلق من الكلمات التي ذكرها من الآية إلى اعتبارها مدخلاً جيداً لتسويق
مشروعه دون مشاكل داخل العالم الإسلامي، فالآية في رأيه تدعو إلى التعارف ومد
الجسور، والمشروع كذلك: «من شأنه بناء جسور توعية وتفاهم وتسامح بين
الثقافات، ويساعد في جعل الشعب الأمريكي وشعوب العالم الإسلامي يفهم كل منهم
الآخر حقاً..» .
وهناك نقطة جديرة بالتسجيل هنا؛ وهي أن البيانات السالفة الذكر لم أطلع
عليها في مطبوعة معارضة للسياسات الأمريكية مثلاً، وإنما مصدرها هو مصدر
أمريكي رسمي، فقد وردت معظمها في «نشرة واشنطن العربية» (إصدار يوم
١٥/٥/٢٠٠٢م) التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية بصورة شبه يومية!
وهكذا.. بدأت الولايات المتحدة التحرك للإجابة عن السؤال الكبير المطروح
منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر: لماذا يكرهنا العالم؟ أو بالأحرى: لماذا
يكرهنا المسلمون؟ الإجابة بالطبع لم تتحرك في اتجاه تغيير السياسات الأمريكية
المجحفة بحق العالم الإسلامي وقضايا المسلمين، وإنما تتحرك كما نرى لسرقة
عقول أجيالنا القادمة لتكون أمريكية!!
стр. 4488
مرصد الأحداث
يرصدها: وائل عبد الغني
قاعدة معلومات لمكافحة الإرهاب
قالت تقارير صحفية موثوقة مصدرها واشنطن إن وزارة الدفاع الأمريكية
باشرت وسط تكتم إعداد برنامج معلوماتي مبتكر يقوم على دمج مليارات العمليات
الإلكترونية؛ بهدف اقتفاء أثر المجموعات الإرهابية في أدنى تحركاتها السرية،
وبدأ البرنامج الذي أطلق عليه اسم «توتال إنفورميشن أويرنس» (برنامج التيقظ
التام) يثير استنكار عدد من جمعيات الدفاع عن الحريات المدنية؛ حيث تتهمه
بالتدخل في الحياة الخاصة للأفراد، وتحذر من حصول تجاوزات.
[المشاهد السياسي، العدد ٣٥٠]
انفتاح إرتيري.. لكن إلى أين؟!
ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية أن الرئيس الإرتيري أسياسي
أفورقي طلب من شنودة الثالث بطريرك الإسكندرية تأسيس كلية لعلوم اللاهوت
الدينية في «أسمرة» تحت إشراف الكنيسة القبطية.
وقال مصدر مطلع في المكتب البابوي لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية
إن شنودة تلقى مؤخراً رسالة بهذا المضمون من الرئيس أفورقي؛ حملها إليه مدير
الكنيسة الإرتيرية الذي زار القاهرة مؤخراً.
[جريدة الفرقان الكويتية، العدد ٢٢١]
تعاون وثيق
نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن مواطناً إيرانياً يدير شركة يمتلكها
شخص مقرب من الرئيس الإيراني محمد خاتمي قام بزيارة سرية إلى إسرائيل في
محاولة لفحص إمكانية تجديد عمل خط النفط (إيلات - أشكلون) ، والذي تعود
ملكيته إلى الحكومتين الإيرانية والإسرائيلية.
وخلال الزيارة غير الرسمية التقى رجلُ الأعمال الإيراني صاحبَ رؤوس
أموال إسرائيلي في فندق إنتركونتننتال في مدينة إيلات، وطرحت خلال اللقاء
إمكانية التعاون مع الشركة الإيرانية بتحميل النفط على ناقلات النفط، ونقله إلى
ميناء إيلات الواقع في جنوب إسرائيل [فلسطين المحتلة] ، ومن ثم سيُنقل عبر
الأنبوب إلى مدينة أشكلون؛ حيث سيُسوَّق من هناك إلى الدول الأوروبية.
[موقع يديعوت أحرونوت باللغة العربية www.Arabynet.com]
وإخوانهم يمدونهم في الغي
منذ عام ١٩٧٣م كبدت إسرائيل الولايات المتحدة قرابة ١.٦ تريليون دولار
أميركي، ولو تمت قسمته على عدد سكان اليوم فستكون حصة الفرد ٥٧٠٠ دولار.
هذا التقرير وضعه «توماس ستوفر» الخبير الاقتصادي في واشنطن،
والذي جعلت منه تحليلاته المتخصصة في شؤون منطقة الشرق الأوسط على مدى
العقود الماضية؛ مصدر إزعاج للجماعات المؤيدة لإسرائيل. وللمرة الأولى منذ
عدة سنوات يتحدث عن التكلفة الإجمالية لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل وحتى
الآن.
يشير التقرير إلى أن تلك النفقات تعادل ضعف تكلفة حرب فيتنام، ومع ذلك
ها هي إسرائيل ترغب في المزيد؛ إذ تقدمت بطلب للحصول على دعم عسكري
إضافي بقيمة أربعة مليارات دولار؛ لمواجهة النفقات المتصاعدة للتعامل مع
الانتفاضة والعمليات التفجيرية، كما طلبوا أيضاً ما يزيد على ٨ مليارات دولار
كضمانات لدعم اقتصاد الدولة المتجه نحو الكساد.
وبتأمله في مشكلات إسرائيل الاقتصادية العميقة؛ يثير «ستوفر» الشكوك
حول إمكانية سداد إسرائيل للضمانات على الإطلاق، إذ إن هذه الضمانات قد
تصمم بطريقة تعفيها من الفوائد حتى موعد استحقاقها.
وإذا ما صحت توقعات «ستوفر» فقد ينتهي المطاف بالولايات المتحدة إلى
دفع أصل الدين وفوائده، ربما بعد انقضاء عشرة أعوام على موعده.
وهذا الطلب قد يأتي ضمن مشروع قانون إنفاق إضافي من الراجح أن يتم
إقراره في الكونجرس الأميركي خلال أوائل العام المقبل، وقد يتم إدراجه ضمن
نفقات الحرب ضد العراق.
وتعد إسرائيل المستفيد الأكبر من مساعدات الولايات المتحدة الخارجية، وقد
حان وقت تلقيها مبلغ ٢.٠٤ مليار دولار على هيئة دعم عسكري، إضافة إلى
٧٢٠ مليون دولار من الدعم الاقتصادي خلال السنة المالية ٢٠٠٣م، ومنذ سنوات
وإسرائيل تتلقى دعماً سنوياً مقداره ٣ مليارات دولار تقريباً.
[الشرق الأوسط، العدد ٨٧٧٩]
من ثمارهم تعرفهم
كلَّف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي مسؤولاً رفيع المستوى للإشراف
على رصد ما وصف بممارسة الاستغلال الجنسي للأطفال من قبل بعض المشرفين
على الكنائس، والعمل على مقاومة ذلك.
وقالت «كاثلين مكنزي» التي اختيرت لتولي هذه المهمة إنها ستنتهج
إجراءات صارمة لوضع حد لهذه الممارسات غير الأخلاقية.
وستتولى «مكنزي» رئاسة مكتب حماية الأطفال والقاصرين في مقر
المؤتمر الأسقفي الأمريكي في واشنطن؛ للمساعدة في تنفيذ القرارات التي تبناها
المؤتمر في يونيو ٢٠٠٢م، وتتضمن الوقاية من الجريمة وليس مراقبتها فقط،
ومساعدة الأسقفيات الكاثوليكية على تنفيذ «برامج بيئية آمنة» ! وإعداد تقرير
سنوي بهذا الشأن.
وتترنح الكنيسة الكاثولوكية الأمريكية منذ مطلع العام الحالي تحت وطأة
فضائح ارتكاب كهنة اعتداءات جنسية على أطفال وقصّر؛ مما حمل المؤتمر
الأسقفي الأمريكي على إقرار تدابير سلوكية حيال الكهنة المتهمين.
ويواجه نحو (ثلاثة آلاف) من القساوسة اتهامات التحرش الجنسي بالأطفال،
وقد استقال أو فصل ٢٥٠ قساً على الأقل.
[المجتمع، العدد ١٥٣٠]
رأفة التماسيح!
لجأت وزراة الدفاع الأميريكية (البنتاجون) إلى مؤرخين قادرين على إعداد
خرائط تفصيلية دقيقة لبلاد ما بين النهرين؛ بهدف تجنب إصابة المواقع الأثرية،
والحذر من تدمير أور مهد الحضارات، أو دفن مدينة «نينوى» الآشورية؛ في
حال توجيه ضربة للعراق، وتبدو مهمة العسكريين الأميريكيين الذين يفترض أن
يتجنبوا أيضاً التسبب في خسائر بين المدنيين؛ مهمة حساسة، خصوصاً بسبب
كثرة المواقع الأثرية التي تُقدر بنحو (عشرة آلاف موقع) معظمها لم يشهد عمليات
تنقيب واسعة بعد.
وقد يؤدي قصف هذه المواقع القديمة لحضارات وديانات يعود أقدمها إلى
الألف الخامس قبل الميلاد؛ إلى إزالة آثار تعود إلى عصر السومريين الذي شهد
اختراع (الكتابة، والعجلة) ، وتعادل في أهميتها اللوحة التي حفر عليها قانون
حمورابي.
واتخذ مسؤولون في البنتاجون وموظفون في وزارة الخارجية ودبلوماسيون
متقاعدون مبادرة عقد اجتماع لفريق من المستشرقين وعلماء الآثار. وقال
البروفيسور «تشارلز باتروورث» من جامعة مريلاند: «اتصلوا بنا لأنهم
يعرفون مجال اختصاصنا» . وأضاف أن «الأمريكيين لا يريدون خصوصاً أن
تتم مقارنتهم بحركة طالبان التي دمرت تمثالي بوذا العملاقين في باميان» .
[الحياة، (واشنطن - أف ب -) ، العدد ١٤٥٢١]
تحالف استراتيجي: آفاق العلاقات الأمريكية الهندية
لم يعد هنالك مجال للشك في أن أمريكا لا تعدل كفة الهند بكفة باكستان،
وصداقة الأولى للثانية أعمق من المحيط، وأكثر شموخاً وارتفاعاً من الجبال
الراسيات، ولذلك صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في
إحدى زياراتها للمنطقة: «إننا نعتذر إلى الهند للبرودة التي شهدتها العلاقات
الثنائية بين البلدين خلال السنوات الماضية» ، وبعد عدة أيام من هذا التصريح أكد
«كار لاندرفرت» المتحدث باسم الخارجية الأمريكية: «لن نعمق علاقتنا مع
دول المنطقة على حساب الهند، إن علاقاتنا مع الهند ستظل تتعمق بمرور الأيام» ،
وكان «رتشارد هاس» مدير معهد السياسة الخارجية، ونائب رئيس معهد
بروكنكز قد أشار على كلنتون خلال فترة حكمه بأنه «يجب أن تعطي الهند أهمية
قصوى بعد انتهاء الحرب الباردة، ولا مانع من المساومة على قضية كشمير أو
التفاعل عنها نزولاً عند رغبة الهند، وفي الوقت نفسه يجب التصدي بكل قوة
للإرهاب الإسلامي، ويجب شن حرب لا هوادة فيها ضد الحركات الإسلامية
الراديكالية، وخاصة تلك التي توجد على أرض باكستان وتمارس أنشطتها عليها» ،
وأضاف «رتشارد هاس» : «إنني أشير على الحكومة الأمريكية أن تخاطب
الشعب الباكستاني بشكل مباشر عبر شاشات التلفاز» ، وفعلاً استجاب كلنتون
لمشورته، وخاطب الشعب الباكستاني في عهد إدارته للبيت الأبيض، ونقلت
القنوات الفضائية خطابه حياً وعلى الهواء مباشرة. وكان كلنتون قد صرح ذات
مرة أنه «في القرن الحادي والعشرين سوف يكون هناك تحالف استراتيجي بين
أمريكا والهند، وسنعمل معاً من أجل إحلال السلام في آسيا الجنوبية وآسيا
الوسطى» .. كما أن مادلين أولبرايت ذكرت في مقال لها نشرته جريدة «واشنطن
بوست» بتاريخ ١٥/١٠/٢٠٠٢م أن «الهند دولة ديمقراطية بمعنى الكلمة، وفي
بنغلاديش الأوضاع تسير نحو الأحسن، أما في باكستان فإن الديمقراطية فيها في
خطر» .
[مجلة سياحة الأمة، العدد (٥٨) ]
من ثمرات الانتفاضة
إذا حسبنا مدى نجاح المقاومة بعدد الخسائر من الشهداء والمصابين في
صفوفنا وصفوفهم سنجد أن المقاومة ثمنها باهظ، وإن كان هذا الثمن أقل من الثمن
الذي دفعته الثورة الجزائرية من أجل التحرير (شهيدان جزائريان لكل قتيل
فرنسي) ، وهو رقم مشابه تقريباً لما حدث في فيتنام، وفي دول أخرى كانت
النسبة ١٦ شهيداً مقارنة بواحد في فلسطين، وتكاد تكون النسبة الآن أربعة شهداء
مقابل كل قتيل إسرائيلي.
كذلك فقد نجحت المقاومة في ضرب أركان الكيان الصهيوني؛ ضربت ركيزة
الأمن والمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، كما ضربت أيضاً ركيزة الرفاهية
التي يحاول جعلها وسيلة لجذب المهاجرين الجدد له؛ حيث اعترف شارون في
الكنيست أن المشكلات الاقتصادية في إسرائيل الآن لها سببان: الأول الركود
الاقتصادي العالمي، والثاني: هو المقاومة الفلسطينية. كما أن الركيزة الثالثة التي
تقوم عليها إسرائيل وهي اعتراف دول العالم بها قد تأثرت، فبعد انطلاق عملية
التسوية في ظل مؤتمر مدريد انتعشت آمال إسرائيل بإقامة علاقات مع الدول
العربية، وبدأ قادة إسرائيل بالفعل يتجولون في العواصم العربية، ولكن المقاومة
أغلقت هذا الباب وأعادت عزلة إسرائيل بالمنطقة.
[من تصريحات لأسامة حمدان ممثل حماس في لبنان
لمجلة الأهرام العربي، العدد ٢٩٦، ص٢٥]
اختلاقات بوش
إن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يلجأ إلى الخيال في بعض تصريحاته،
كما يمكن القول إنه كثيراً ما يكذب ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالعراق؛ إذ
يستشهد بتقارير غير موجودة، ويوجه تحذيرات لشعبه ليس لها ما يسوغها،
وينسب لصدام حسين قدرة عسكرية مفرطة، حتى إنه يؤكد أشياء لا تعدو كونها
مجرد افتراضات. أحد الأمثلة على ذلك كان تأكيده أن بغداد يمكنها تصنيع سلاح
نووي خلال ستة أشهر؛ معتمداً في كلماته على تقرير صادر من الوكالة الدولية
للطاقة الذرية، ولكن هذه الوكالة لم تحدد تلك المدة.
نشرت مؤخراً صحيفة «الواشنطن بوست» التي تعد من أكبر الصحف
الأمريكية؛ بياناً على صفحتها الأولى بالاختلاقات التي ارتكبها بوش مؤخراً،
ورغم اعتدال النص إلا أنه كان شديد الانتقاد، فعلى سبيل المثال أشار بوش إلى
قوة صدام النووية المفترضة في السابع من سبتمبر، وذلك عندما اجتمع برئيس
الوزراء البريطاني «توني بلير» في كامب ديفيد لبحث الطريقة التي يقنعان بها
العالم بضرورة شن الحرب ضد العراق، وقد علق حينئذ قائلاً: «أذكركم بأن
المفتشين عندما ذهبوا للعراق ومُنعوا من الدخول، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة
الذرية تقريراً تقول فيه إن العراق يمكنها تطوير سلاح نووي خلال ستة أشهر، لا
أدري أي دليل آخر نحتاج إليه» .
لقد نشرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريراً في عام ١٩٩٨م فعلاً، ولكن
ما ورد فيه كان العكس تماماً من ذلك، وهو أنه لا توجد أية دلائل على أن العراق
لديها القدرة على الشروع في برنامج نووي، ولقد قيل حقيقة إن العراق يمكنه
تصنيع قنبلة ذرية خلال ستة أشهر أو عام، ولكن كان ذلك في عام ١٩٩٠م قبل
حرب الخليج. وفي هذا الصدد قال «آري فلايشر» المتحدث الرسمي باسم البيت
الأبيض: «إن بوش كان فقط» غير دقيق «، وإن المعلومات التي أشار إليها لم
تصدر عن وكالة الطاقة الذرية، وإنما مصدرها أجهزة المخابرات» .
[جريدة الجرائد العالمية، العدد (٨٠٧) ، نقلاً عن صحيفة (الباييس) الإسبانية]
الفرصة التاريخية
إن خوفي أن يتكرر ما حصل في عام ١٩٤٨م حين انتظر ديفيد بن جريون
فرصة تاريخية مثل الحرب لكي ينفذ مشروعه، وأن ينتظر أشخاص مثل أرييل
شارون وشاؤول موفاز وبنيامين نتنياهو حرباً مثل الحرب الوشيكة على العراق
يشتد فيها التوتر؛ لينفذوا مشاريع حربية خطيرة تجول في عقولهم ويسعون إلى
تحقيقها. فقد أعلن شارون بشكل واضح أنه ينتظر فرصة تاريخية لحل المشكلة
الفلسطينية مرة وإلى الأبد. وطبعاً لا يقصد بهذا إقامة دولة فلسطينية بل استخدام
«الترانسفير» . والأمر المقلق في هذا المجال هو الجدار الفاصل الذي تبنيه
إسرائيل لفصل مناطق من الضفة عن إسرائيل، وهذا الجدار سيقسم الضفة
الغربية إلى قسمين، وسيكون هناك ٢٥٠٠ كيلو متراً في الجانب الفلسطيني،
و٢٥٠٠ كيلو متراً في الجانب الإسرائيلي. والتخوف من أن المرحلة القادمة من
مشروع الجدار هي طرد المواطنين الفلسطينيين من القسم الذي ستضمه إسرائيل
لنفسها إلى الجانب الفلسطيني؛ بما في ذلك مواطنو القدس المحتلة.
[إيلان بابي، أستاذ السياسة في جامعة حيفا، مجلة المجلة (١١٩١) ]
عقدة أوروبا!
إن مخاوف أوروبا من تركيا مخاوف حقيقية، فهي دولة كبيرة وفقيرة أيضاً،
ولكن البرتغال كانت هي الأخرى فقيرة حين انضمت إلى المجموعة الأوروبية، بل
إن ناتجها القومي الإجمالي للشخص الواحد في ذلك الوقت كان يعادل ما هو عليه
ناتج تركيا الآن.
إضافة إلى ذلك؛ فإن لا أحد يقول إن تركيا ستنضم إلى الاتحاد اليوم، فقد
استغرق أمر انضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية ثماني سنوات، وقد يستغرق
هذا وقتاً أطول بالنسبة إلى تركيا، ولكن هذه العملية ستضع تركيا بصورة لا رجعة
فيها على طريق الازدهار والديمقراطية الناضجة.
إن حجم تركيا يجعل دولاً مثل فرنسا وألمانيا تشعر بالقلق من إمكانية فقدان
النفوذ الأكبر في أوروبا، ولكن هذه العملية قد بدأت على الرغم من ذلك؛ ففي عام
٢٠٠٤م ستصبح ١٠ دول (تضم ٧٤ مليون شخص) أعضاء في الاتحاد الأوروبي،
وإذا لم تكن تركيا ديمقراطية كاملة؛ فإن دولاً أخرى كانت قبل سنوات قليلة فقط
من انضمامها إلى أوروبا - مثل إسبانيا والبرتغال واليونان - دولاً دكتاتورية.
[الكاتب فريد زكريا: نيوزويك - ٢٦ نوفمبر]
تصاعد الكراهية
ذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومان رايتس ووتش» ، وهي
منظمة حقوقية عالمية، في تقرير جديد لها أن جرائم الكراهية المرتكبة ضد
المسلمين تصاعدت في الولايات المتحدة بنسة ١٧٠٠ في المائة خلال عام ٢٠٠١م.
ويستند التقرير الذي يقع في ٤١ صفحة، والصادر تحت عنوان: «نحن
لسنا العدو» ، إلى نتائج أبحاث وتحريات أجريت مع الشرطة ووكلاء النيابة
وناشطي المجتمع المحلي، وضحايا جرائم الكراهية في ست مدن كبرى؛ بهدف
استعراض الخطوات التي اتخذها المسؤولون الحكوميون للحيلولة دون وقوع جرائم
الكراهية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن
العاصمة، وإحالة مرتكبيها إلى القضاء.
كما يفحص التقرير مدى جرائم الكراهية ونطاقها، وتضمن التقرير أيضاً
أنواع جرائم الكراهية التي شملت: القتل العمد، والاعتداء، والإحراق،
والتخريب المتعمد للمباني والممتلكات.
وقد تزايدت أعمال العنف ضد العرب والمسلمين بصورة مفاجئة في أعقاب
الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث ذكرت الحكومة الفيدرالية أن جرائم الكراهية ضد
المسلمين تزايدت بمقدار ١٧ ضعفاً، من (٢٨) في عام ٢٠٠٠م إلى (٤٨١) في
عام ٢٠٠١م. وتلقت المنظمات الإسلامية والعربية أكثر من ٢٠٠٠ بلاغ عن
المضايقة والعنف وغيرهما من الأفعال التي تنطوي على التحيز، والمتعلقة بالحادي
عشر من سبتمبر.
وخلال عام ٢٠٠١م شهدت مدينة شيكاغو ومقاطعة لوس أنجيليس زيادة قدرها
١٥ ضعفاً من جرائم الكراهية ضد العرب.
[جريدة التجديد المغربية، العدد (٥٣٢) ]
وما تخفي صدورهم أكبر
أسقف نمساوي معروف بمواقفه المثيرة للجدل جدَّد هجومه على الدين
الإسلامي وتحذيراته الصارخة من المسلمين، فأسقف أبرشية «سانت بولتن»
بالنمسا «كورت كرين» ؛ عاد مجدداً لإطلاق تصريحات مسيئة للإسلام
والمسلمين للمرة الثالثة منذ خريف العام الماضي، فقد هاجم الأسقف الكاثوليكي
«كورت كرين» الإسلام مباشرة ونعته بالتعصب، وتحدث بلهجة تحفها القلق
عن أنّ الديانة المسيحية الكاثوليكية في تنافس مع الإسلام، كما قال لمجلة
«بروفيل» النمساوية في نهاية أكتوبر. وذهب «كرين» إلى حد القول بأنّ
«الإسلام ليس أقوى، وإنما أكثر تعصباً، وهو ليس على أية حال الدين الحق،
نعرف أننا الدين الصحيح، ونحن نتناول الخلاف مع الإسلام وفقاً لهذه القناعة» .
ويأتي ذلك بعد أسابيع من قيام الأسقف «كرين» في مقابلة أجرتها معه
صحيفة «أوبر أوسترايخيشن روندشاو» بشن هجوم حاد على الإسلام واصفاً
إياه بأنه «دين عدواني» ، وقال آنذاك: «لقد كان هناك حصاران تركيان،
والآن لدينا الحصار الثالث» ، ولكنه يجري «بطريقة مختلفة» ، وذلك في
إشارة من الأسقف إلى الحصار العثماني الأول لفيينا عام ١٥٢٩م، والحصار
الثاني لها عام ١٦٩٩م، وهو ما يعدّ تحذيراً من وجود المسلمين في النمسا
وخاصة الأتراك منهم.
[مجلة الأوروبية، العدد (٣١) ]
стр. 4489
الباب المفتوح
هل يعيد التاريخ نفسه ؟!
«ما أشبه الليلة بالبارحة!»
رأفت صلاح
التاريخ ليس سرداً للأحداث ولا تسجيلاً للوقائع، ولكنه عرض لذلك كله مع
التفسير والتحليل، واستخراج للعبر والدروس من هذه الأحداث، هكذا ينبغي علينا
أن نفهم التاريخ كما فهمه أسلافنا؛ فملكوا الدنيا وخضعت لهم العرب والعجم.
يُعرّف ابن خلدون التاريخ فيقول: «.. فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها
الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال. وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار
عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل
للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة
عريق» [١] .
بين أيدينا الآن قصة وقعت أحداثها في بدايات القرن العاشر من الهجرة؛ ولها
صلة وثيقة بما يحدث من أحداث في واقعنا المعاصر، هذه القصة ذكرها الأستاذ
«محمود شاكر» صاحب «موسوعة التاريخ الإسلامي» في كتابه
«المغالطات» ، طبعة المكتب الإسلامي، وسوف نقف معها ونذكرها مثالاً
لأحداث التاريخ الإسلامي، وكيف تُستخرج منها الدروس والعبر؟
يقول الأستاذ محمود شاكر - باختصار -:
«عندما احتل البرتغاليون (عدن) عام ٩١٩ هـ رفض أهل هذا البلد
الاحتلال، وقاوموه بما يملكون، ولكن استطاع البرتغاليون أن يقهروا السكان بما
يحوزون من أسلحة نارية حديثة، واضطر القسم الأكبر من العدنيين إلى ترك
موطنهم واللجوء إلى الأراضي المجاورة؛ حيث عُرفوا هناك باسم» اللاجئون «،
وأُجبر القسم الأكبر من العدنيين على الخنوع والبقاء في ديارهم تحت عصا الذل
وسيف الإرهاب، وحرصت الدول المجاورة، كمصر التي يحكمها المماليك، أن
تقاتل البرتغاليين ولكنها هُزمت.
- نجحت البرتغال في أن تمد قنوات بينها وبين حكام الدول المجاورة عن
طريق المال والمصالح والسلاح، وكان التعاون بينهم في سرية بعيداً عن أعين
السكان؛ حيث كانت الشعوب ترفض هذا التعاون رفضاً تاماً، فأظهر الحكام أنهم
يعادون البرتغال وهم يلتقونهم سراً ويجتمعون معهم.
- البرتغاليون أنفسهم - من باب المغالطة - يهاجمون هذه الدول علناً؛ حتى
يلبسوا على الناس أمرها.
- لم يجرؤ أحد على الدعوة إلى الرضا بالأمر الواقع أو الدعوة إلى السلام.
- كان المخطط الصليبي يقضي بأن يتقدم كل حاكم خطوة، ولكن طالت المدة
وزادت على خمسة عشر عاماً.
- فهنا برزت فكرة جديدة؛ وهي أن يتولى حل المشكلة أحد أبناء عدن، ولا
سيما من الذين يعيشون خارج مدينة عدن؛ ليكون بعيداً عن البرتغاليين، ولتكون له
الحرية، فوقع الاختيار على شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره يُدعى» عبد
الرؤوف أفندي «، فعرض عليه أحد السلاطين العملاء أن يختار معه شباباً يثق بهم؛
ليقوموا بتأسيس منظمة تعمل على طرد البرتغاليين المغتصبين، وتقوم السلطات
بدعم هذه المنظمة ومدّها بما تحتاج إليه. وتعهد السلاطين بحمايتها ومد يد العون
لها، ودعوة أعوانهم للانضمام إليها؛ (فتبني أهل البلد مهمة العمل أفضل،
وخاصة أمام المحافل الدولية) ، ومُنح» عبد الرؤوف «وعد بأنه سيكون له شأن
كبير وإمكانات مادية عالية، هذا بجانب السلطة العسكرية وإصدار الأوامر.
- وافق» عبد الرؤوف «، وحَلَّتْ منظمته محل حركة مفتي عدن،
واشترطوا عليه ألا يخرج عن رأي السلاطين.. وهكذا كان.
- بدأ» عبد الرؤوف «اللعبة وأصبح اسمه» ياسين «، وادعى النسب
الحسيني، وأسس منظمته، وأنشأ فصائل للقتال، وانخرط في صفوفها كثير من
العدنيين المشردين، وبدأت تخوض المعارك، وتدخل إلى الأرض المحتلة وتقوم
ببعض العمليات الناجحة، فارتفعت أسهمه، وأصبح في مصاف القادة ورواد الأمل
في العودة لدى المشردين.
- نادى» ياسين «بحمل السلاح بوصفه الحل الوحيد لإنهاء المشكلة،
واللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وصار لا يقبل المهادنة ولا المساومة، وبالمقابل
شن عليه الأعداء حملة شعواء واتهموه ومنظمته بالتخريب و ... ، وتدفقت عليه
أموال التبرعات والمعونات، وأصبح على مستوى السلاطين.
- شن البرتغاليون غارات على مخيمات اللاجئين، وقاموا بعدد من المذابح
الرهيبة؛ وذلك لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع.
- ضغطت الدول الأوروبية على السلاطين لإنهاء المشكلة، فعقدوا اجتماعاً
وقرروا الاعتراف بالوضع البرتغالي في عدن؛ على أن يتولى إعلان ذلك الزعيم
العدني» ياسين «.
- وانتفض العدنيون المقيمون في موطنهم؛ مما دعا الأوروبيين إلى عقد
مؤتمر عالمي لإحلال السلام في المنطقة وإنهاء المشكلة.
- أنيطت القضية بالزعيم» ياسين «الذي أعلن أنه مستعد لحضور المؤتمر
العالمي، وأنه يتحدى البرتغال أن تحضر! - وهي التي تتمناه -، فتمنعت تمنع
الراغب لإتمام اللعبة وإخفائها عن الشعب، وتقوية موقف» ياسين «وإبرازه على
أنه هو الذي يدعو وهي التي ترفض؛ أي أن الممتنع هو الموافق، والراضي هو
الرافض!
- أعلن أحد السلاطين أنه تخلى عن عدن، وأن أهلها أحرار يحلون أمورهم
بأنفسهم! - وهو الذي كان يعدُّ عدن جزءاً من أرضه -، فأصبحت عدن وحدها
أمام البرتغاليين.
- أعلن» ياسين «أن لأهل عدن حكومة خاصة، وأنه على استعداد
للاعتراف بالكيان البرتغالي، وبذلك أصبحت هناك حكومتان؛ إحداهما لأهل عدن
المشردين، والأخرى للبرتغاليين ولهم الجزء الأكبر من عدن!!
- استمر هذا الوضع حتى جاء العثمانيون عام ٩٤٥ هـ وطردوا البرتغاليين
من المنطقة.
- وقف أهل عدن يفكرون بالدور الذي مارسه» ياسين «عليهم؛ منهم من
قال بقي» ياسين «يغالط علينا حتى وصل بنا إلى ما كنا نخشاه، ووافق على كل
هذه الحلول التي كنا نرفضها، أعطيناه القيادة ليبيع قضيتنا، ليبيع أرضنا، ليبيعنا.
بعدها بدؤوا يبحثون عن أصله ولكن.. فات الأوان.
- أما أعوانه فيقولون: إن الطرق كلها مسدودة، والحلول التي طُرحت قد
أجهضت أو أخفقت، وليس أمامنا سوى ما تم. ما أشبه الليلة بالبارحة!!» [٢] .
بعد عرض أحداث هذه القصة نورد هذه التعليقات المهمة:
١- تشبه هذه القصة بأحداثها ما يحدث في واقعنا المعاصر؛ مما يدل على
تشابه مخططات أعداء الإسلام عبر التاريخ في محاربة هذه الأمة، وصناعة
العملاء الذين يكون لهم الدور الأهم في هذا العداء.
كما تبين القصة استمرارية هذا الصراع، وأنه لا يهدأ أبداً وإن اختلفت
صوره؛ فإنهم كما قال - تعالى -: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ
إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) .
٢- بيان حال المسلمين عند بعدهم عن دينهم الذي هو مصدر عزتهم؛ إذ
يصيبهم الضعف والوهن، ويتمكن أعداؤهم منهم؛ مما يؤدي إلى تشتتهم في البلاد
لاجئين، أو وقوعهم تحت عصا الذل وسيف الإرهاب في بلادهم على يد أعدائهم،
هذا كله بسبب تنكبهم لطريق الهداية في كل زمان.
٣- بيان حال حكام المسلمين الذين هم إما صنيعة الأعداء أو عملاء مخلصون
لأسيادهم؛ بسبب عبوديتهم للمال والسلطة والمصلحة، فهم لا يهمهم مصلحة
أوطانهم، ولا حماية ديار المسلمين، ولا الذود عن الإسلام؛ المهم عندهم هو
كراسيهم وعروشهم حتى لو تعاونوا مع أعدائهم. وهذه صورة لما يحدث في كل
زمان على يد بعض هؤلاء الحكام العملاء.
٤- مدى السذاجة التي تتصف بها بعض الشعوب المسلمة؛ سواء مع حكامهم
أو مع أعدائهم؛ حيث يكونون مغيبين لا وعي عندهم ولا دور لهم في الأحداث،
هذا سببه في المقام الأول هو البعد عن مصدر العزة الأساسي ألا وهو الإسلام،
فالمسلمون عند تمسكهم بدينهم يكون لديهم استعداد للجهر بالحق، ولا يكون للكافرين
عليهم سبيلاً، أما عند بعدهم عن دينهم فهم أذل الخلق وأهونهم؛ لا يهمهم إلا إتيان
الشهوات، يتلاعب بهم أعداؤهم وهم لا وعي عندهم بما يجري من أحداث.
٥- لا يستطيع الزعماء والحكام والسلاطين العملاء أن يتحكموا في رقاب
الناس إلا بخداعهم وغشهم، وتغييب وعي الناس عن طريق وسائل إعلامهم في كل
عصر، فمن مَدْحٍ للزعيم وتضخيم لدوره، إلى شتم للأعداء أحياناً، إلى دعوة
للسلام.. هذا كله لتغييب الشعوب وخداعها.
٦- صناعة الزعماء: وهذا أهم هذه التعليقات، فهذه القصة توضح بجلاء
كيفية صناعة الزعماء، وهذا ديدن أعداء الإسلام في كل زمان، فهم يختارون
شخصية نفعية لا تحب إلا مصلحتها وتعشق السلطة والمال، ثم يحاولون صناعته
عن طريق إبراز دوره وتضخيم أعماله، فيحدث التلميع لهذه الشخصيات حتى
تصير زعماء، وهذا هو الدور الخطير الذي تمارسه وسائل الإعلام، وهكذا تم
صناعة ياسين وغيره قديماً.
وحديثاً: عندما رحل الاحتلال عن بلاد المسلمين ترك خلفه صنائع هي من
صنع يديه، وحتى يُمَكِّن لها قام بتلميعها وتضخيم دورها حتى تكون هي الزعامة..
وفقط، فهذا «الزعيم الملهم» ، وذلك «القائد» ، وذلك «الغازي» ، وذلك
«الرئيس المؤمن» .. هكذا صنعوا أتاتورك، وسعد زغلول، وجمال عبد
الناصر، وياسر عرفات.. وغيرهم ممن تحكموا ويتحكمون في رقاب المسلمين،
هكذا استطاع أعداء الإسلام إنتاج صنائع لهم وعملاء ووكلاء يؤدون ما يُطلب منهم؛
في جميع المجالات وليس في السياسة فقط.
وهذه القصة صورة مصغرة لطريقة تكوين الزعماء والأبطال والفاتحين
المزورين؛ فكم من مرة حولوا الجهاد لصالحهم، وسرقوا الثورات والانتصارات؟!
وكم من مرة تاجروا بقضايا المسلمين؟!
إن ما يحدث الآن في القضية الفلسطينية والدور الذي يقوم به الآن «ياسر»
هو الدور نفسه الذي كان يقوم به «ياسين» ، فكم من «ياسين» صنعوه، وكم
من نصر سرقوه؟!
حقاً.. ما أشبه الليلة بالبارحة!
стр. 4490
المنتدى
من ثمرات المنتدى الإسلامي
ها نحن نجدد اللقاء معكم لتشاركنا قطف ثمار إنجازاتنا خلال أشهر (شعبان
- رمضان - شوال) لعام ١٤٢٣هـ، لتمتد انطلاقتنا متواصلة بفضل الله تعالى
منذ عام ١٤٠٦هـ.
أخي الحبيب: لم يكن المنتدى ليستطيع تحقيق هذه الثمار لولا دعم أصحاب
الأيادي البيضاء من أهل الخير- بعد فضل الله ، وها هم الآن
يشاركوننا في قطف ثمار بذلهم وسخائهم.
وإننا لندعو الله أن يتقبل من كل من أسهم معنا في بناء هذا الخير
واستمراره ونشره، وندعوه أن يستمر العطاء ليزداد النماء.
قطرات من الماء تبهج آلاف الفقراء
الماء عصب الحياة وقوامها، ولا غنى عنه للأحياء من البشر والدواب،
والتصدق بسقي الماء من أعظم الصدقات؛ حيث سئل ﷺ :
«أي الصدقات أفضل؟ قال: الماء» رواه الحاكم وأبو داود.
من هذا المطلق حرص المنتدى على تتبع مواقع حاجة الفقراء المسلمين إلى
الماء ليعظم الأجر ويزيد الفضل؛ ولذا فقد حفر المنتدى الإسلامي (٦٤) بئرًا في
كل من: (السودان، تشاد، كينيا، نيجيريا) ، ليصل عدد الآبار التي حفرها
المنتدى حتى الآن إلى ٨١٤ بئرًا، والحمد لله.
مشروع تفطير الصائمين
إيمانًا منَّا بأجر تفطير الصائم الذي جاء في قوله ﵊: «من
فطر صائمًا كان له مثل أجره؛ غير أنه لا ينقص من أجره شيئا» رواه أحمد
والترمذي.
وبفضل من الله تعالى تم مشروع تفطير الصائمين لعام ١٤٢٣هـ في (٣٤)
دولة في قارتي إفريقيا وآسيا؛ بمبلغ (٤.١٨٤.٧٥٠) ريالاً، وقد استفاد منه
(٢.١٤١.٦٨٤) صائمًا.
وأقيم خلال المشروع عدد من الدورات العلمية، والدروس الشرعية، والبرامج
الدعوية المكثفة، كان من نتائجها: إسلام أكثر من (٥٢) شخصًا، والحمد لله.
(٩٠٠) شخص ينطقون بالشهادة
لا يكتفي دعاة المنتدى الإسلامي بالدعوة في أماكن وجودهم فقط , بل ينتقلون
من مكان إلى مكان لنشر دين الله تعالى، وتعريف الناس به.
وقد سيَّر المنتدى الإسلامي (٨) قوافل دعوية في كل من: (تشاد، بنين،
توجو) ، كان من أهم نتائجها بعد فضل الله تعالى إسلام (٩٠٠) شخص، ولا
شك بأن هذه نعمة كبيرة، ولكنها في الوقت نفسه مسؤولية عظيمة؛ توجب على
الدعاة رعاية هؤلاء وتعليمهم وتربيتهم؛ حتى يعبدوا الله على بصيرة.
(١١) مسجداً في (٨) دول
استمرارًا لمسيرة المنتدى الإسلامي، وحرصًا منه على نشر دعوة الإسلام
وتعليم المسلمين أمور دينهم؛ فقد حرص المنتدى على بناء المساجد وتهيئتها لتكون
أماكن للعبادة والدعوة وتعلم أحكام الإسلام، وقد أنشأ المنتدى الإسلامي (٤٩٣)
مسجدًا، كان آخرها (١١) مسجدًا في (٨) دول هي (بنين، توجو، غانا،
إندونيسيا، الهند، السودان، اليمن، مالي) .
معاً لنخرجهم من الظلمات إلى النور
في ظل الهجمة الشرسة على الإسلام في كل مكان يتوجب على المسلمين
مضاعفة العمل للتعريف به؛ لذا فقد كان لمكتبنا في لندن جهود في ذلك؛ حيث عُقد
لقاء تعريفي عن الإسلام؛ استهدف العديد من المسؤولين في المجلس البلدي،
والشرطة، والبرلمان، وعددًا من الأطباء غير المسلمين، بالإضافة إلى عدد من
الشخصيات الإسلامية، ولقد كان لحضورهم مشروع التفطير الذي يقيمه المكتب
الأثر الكبير في نفوسهم.
إسلام سلطان قبائل «قولاي»
الذي يتبعه أكثر من (٧٠.٠٠٠) نسمة
يعيش آلاف بل الملايين من البشر في أنحاء العالم المحرومين من نعمة
الهداية، بعيدين عن الصواب، ومن هؤلاء قبائل (قولاي) في محافظة (دونا
منجه) في دولة تشاد، وبفضل الله تعالى: أعلن سلطان هذه القبائل إسلامه في
شهر رمضان المبارك، ويتبع هذا السلطان أكثر من (٧٠.٠٠٠) نسمة، وهو
أول رجل في قبائل (قولاي) يدخل الإسلام.
الجدير بالذكر أن هذا السلطان واسمه (موسنقار) غير اسمه إلى محمد، كما
أسلم معه مساعده (مونقلو نقار) وسمى نفسه موسى، وأسلم بعدهما الرجل الثالث
(نادي جينقار) وسمى نفسه يوسف، ونسأل الله تعالى أن يفتح قلوب أتباعهم
للهداية، ويبصرهم بالدين، ويثبتهم عليه.
أثر الطاولات الدعوية يتجاوز حدودها
ساهمت إحدى الأخوات التي أسلمت إثر إحدى الطاولات الدعوية في لندن؛
في إسلام (٣) نساء أخريات. كما أشهر أربعة أشخاص إسلامهم في مكتبنا في
لندن.
ستون مسلمًا يعتكفون ولسنة الهادي يُحيون
إحياءً لسنة المصطفى ﷺ في الاعتكاف في شهر
رمضان؛ فقد ساهم المنتدى الإسلامي في تشجيع ٦٠ شاباً على الاعتكاف في العشر
الأواخر في مسجد المركز الرئيس للمنتدى الإسلامي في لندن، واستثمرت هذه
الأيام المباركة في جوانب متعددة من العبادة والعلم والتربية، ولله الحمد والمنة.
стр. 4491
المنتدى
ردود
تتوالى الرسائل من جمهور القراء بين مشاركات وتعقيبات وتصويبات
واقتراحات. ونحاول الرد عليها قدر المستطاع لا سيما أن المجلة شهرية وليس من
السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء لأسباب عملية وفنية.
- منذ نعومة أظفاري وأنا أتتبع هذه المجلة، بل كنت أنتظرها بفارغ الصبر
لأجدد أفكاري....
نعم إن قلمي لن يستطيع أن يبث ما في الفؤاد، ولكن لا يسعني إلا قول:
(جزاكم الله عنَّا كل خير) .
أتقدم في الختام باقتراح ولربما قد لا أكون الأول الذي يصرح به ولكن من
باب المشاركة:
أرى إخراج مجلة رديفة ولو نصف فصلية تخاطب الشاب الملتزم وما يلاقيه
من تيارات منحرفة لا سيما في هذا العصر الذي يصعب أن تجد من تثق بعلمه
وأمانته وتتنور بمنهجه وطريقته، أو أنه مما يصعب الوصول إليهم.. بحيث تناقش
القضايا الفكرية، والقضايا الشبابية، والقضايا المنهجية.. إلى غيرها مما هو مهم؛
مع أني أرى ضرورة وضع لجنة تقوم بدراسة مثل هذه الفكرة مع مناقشة ما
يناسب طرحه.
... ... ... ... ... ... ... ... ... محبكم ماجد بن سعود آل عوشن
المدرس بمتوسطة عبد الله بن وهب
... ... ... ... ... ... ... ... ... مدير إدارة التسويق بتنمية الموارد
- وردنا تنبيه من القارئ الكريم (سلطان السحيباني) حول ما لاحظه من
ذكر كلمة (دولة إسرائيل) وأنه لزم عدم ذكر ذلك؛ لأنه يوحي بالاعتراف بها،
ويمكن أن يكون البديل (دولة الصهاينة) ، (دولة اليهود) ، ونحن نقدر للأخ
الكريم بصحة نظره ونفيده بأننا نؤيد ما ذكره؛ لكننا أحيانًا ننقل عن (غيرنا)
ونحرص في الوقت نفسه على أن نضعها بين قوسين وهذا يعني موقفنا الرافض لها.
- القارئ الكريم أحمد بن صالح الرشد يرى أهمية مناقشة (واقع القنوات
الفضائية الإسلامية) ومدى مناسبة المشاركة فيها في خضم الأخذ والرد القائم حول
الموضوع، ولا شك أن هذا موضوع حيوي، وسيرى القراء الكرام في هذا العدد
دراسة تأصيلية لحكم المشاركة في وسائل الإعلام، ويسعدنا مشاركة المتخصصين
بتعليقاتهم.
- القارئ الكريم أمين علي الهندي في رسالة مطولة أثنى فيها على مجلة
البيان بعد قراءته لبعض أعدادها، ويطالب باستكتاب عدد من العلماء المشهورين
والحوار معهم، وأهمية استحداث باب بعنوان: (يوميات مجاهد من أرض الجهاد)
ووضع مسابقة شهرية تكون جوائزها دروساً علمية للعلماء، وتكون المسابقة كتابة
أبحاث عن واقع أمتنا وسبل النهوض بها. وضرورة فتح المجال للشباب وتشجيعهم
على الكتابة، وأهمية اختيار خطبة أو محاضرة شهرية مكتوبة، وإرفاق شريط مع
العدد هدية للقراء، وأهمية كتابة مراسلي المجلة لواقع مجتمعاتهم وما فيه من أخبار،
ونحن نشكر الأخ الكريم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتواصين بالحق.
- الأخ الكريم (رجب الباسل) : ستصلك رسالة خاصة حول مشاركتك
المرسلة عبر بريدك الإلكتروني.
- الإخوان: عبد الرحمن بن إبراهيم، محمد الثاني بن عمر بن موسى.
نرجو التكرم بإفادة المجلة بعناوين مراسلة لكما، وجزاكما الله خيرا.
стр. 4492
بأقلامهن
فلسفة التطور وأثرها في قضايا المرأة
د. رقية طه جابر العلواني
drruqaia@yahoo.com
تُعَدُّ نظرية التطور الدارونية من أخطر الفلسفات التي سادت الفكر الغربي
خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وتبرز خطورة هذه النظرية من خلال محاولة
عدد من علماء مقارنة الأديان سحب وتطبيق هذه الفلسفة في مجال الدين، فأصبح
الدين في فكر هؤلاء خاضعاً للتطور؛ شأنه في ذلك شأن مختلف الكائنات التي
تطورت من الأدنى إلى الأعلى.
لقد ساق التأثر بنظرية التطور في الفكر الغربي؛ إلى ظهور اتجاه يرى أن
الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي - على وجه العموم - ما هي إلا أحكام ذات قيمة
تاريخية نسبية خاضعة للتطور والتغير المستمر.
ويمثل هذا الاتجاه في اليهودية «الحركة الإصلاحية أو التنويرية» التي
نشأت في ألمانيا عام ١٨٤٥م، وأصدرت فلسفتها الأولى القائمة على اعتبار أن
اليهودية ديانة تطورية بشكل دائم؛ موافق لمتطلبات الزمان والمكان، واحتياجات
العصر وتغيراته.
«judaism had always been a developed religion that
conformed to the demands of the times..» . [١]
وسارت «الحركة الإصلاحية البروتستانتية» في النصرانية على نهج
مقارب؛ إذ تبنت تأويلات جديدة لنصوص الإنجيل تساير مفهومات فلسفة التطور
ودلالتها، فأنكرت أن يكون الإنجيل وحياً إلهياً، وركزت على تاريخية نصوصه،
واستعاضت عن الأحكام الثابتة بتلك النصوص بالتركيز على السلوك الأخلاقي
كأساس للحياة النصرانية.
«These Protestants attempted to find new interpretations
of religious experience and an understanding of history
that could accommodate the implications of the theory of
evolution..To a large extent they denied literal inspiration
of the Bible and the historicity of the Jesus Christ of the
Gospels. They stressed ethical and moral behvior rather
than adherence to formal creeds as essential to Christian
life» . [٢]
وقد نجم عن تطبيق نظرية التطور في الفكر الغربي (في علم مقارنة الأديان
على وجه الخصوص) كذلك؛ نظريات «الإسقاط» عند «أوجست كونت»
وغيره ممن ذهب إلى أن الدين والفلسفة قد مرّا بمراحل بائدة منقرضة، وأن ليس
ثمة تفسير للوجود العام والخاص إلا العلم المادي الوضعي، فالدين عند الوضعيين
إسقاطات وتراكمات تاريخية.
وهكذا انتقل الدين في الوعي الغربي من مصدر للمعرفة والحقيقة إلى تراكم
تاريخي صدى لزمان وواقع ينبغي تجاوزه [٣] .
وانعكست تلك الفلسفة على قضية المرأة في الفكر الغربي؛ عندما دعت
«الحركة الإصلاحية» في اليهودية في عام ١٨٤٦م إلى مؤتمر تمّ فيه إلغاء
كل أحكام التوراة والتلمود وإسقاطها، واعتبارها صدى لأوضاع تاريخية
بادت وانقرضت، ولا بد من تغييرها وإسقاطها لتواكب روح العصر ومتطلباته.
كما تمّ فيه إقرار حقوق المساواة بين الجنسين في جميع النواحي الدينية والاجتماعية،
ودعا المؤتمر إلى تحرير المرأة اليهودية [٤] .
وقد وصلت رياح تلك الفلسفة إلى عدد من دعاة المساواة في المجتمعات
المسلمة، فالدين بمختلف أحكامه المتعلقة بالمرأة - على وجه الخصوص - قابل
للتطور والتدرج وفق متطلبات الحياة الاجتماعية؛ حيث إن تلك التغيرات كافية
لإحداث مثل هذا التطور في الدين وأحكامه التشريعية.
وبناءً عليه ذهب عدد من أصحاب هذا الاتجاه إلى المطالبة بمساواة المرأة
للرجل في جميع الحقوق، والقول بأن التشريعات الثابتة بنصوص القرآن الكريم أو
السنة النبوية؛ لا ينبغي أن تُفهم إلا ضمن إطارها التاريخي، ومن خلال الأعراف
القبلية السائدة حين نزولها!
ولم يفرّق هؤلاء بين الدين من حيث كونه تشريعاً ثابتاً بنصوص القرآن
الكريم والسنة، غير قابل للتغير والتطور من جهة، وبين اجتهادات العلماء
وتأويلاتهم لتلك النصوص المرهونة بظرفيتها التاريخية والاجتماعية، والقابلة
للتغيير باعتبار نسبيتها من جهة أخرى. فكل الأحكام الشرعية - في نظرهم -،
سواء منها ما كان ثابتاً بنصوص القرآن والسنة، أو ما ثبت عن طريق الاجتهاد
الفقهي، قابلة للتغير والتبدل تبعاً لتغير الزمن وحركة التاريخ المستمرة.
ونصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة بما حوته من مبادئ قانونية وأحكام
تشريعية كانت عندهم واردة ضمن سياق ثقافي واجتماعي واقتصادي محدد، أما وقد
تغير السياق وتبدلت تلك الظروف الاجتماعية والثقافية وتطورت؛ فهذه الأحكام
قابلة بدورها كذلك للتغير والتطور!!
والأحكام المتعلقة بالمرأة نزلت في مجتمع لم يكن ليعطي للمرأة أي حق من
الحقوق، وقد تغير هذا المجتمع وتطورت المفهومات المتعلقة بالمرأة وحقوقها، فلا
بد لديهم من تطور تلك الأحكام كذلك من خلال الحكم عليها بالتاريخية والظرفية!
لقد كان العديد من تلك الاتجاهات في المجتمعات المسلمة صدى لأفكار رواد
فلسفة التطور في الفكر الغربي، بل إن فحوى هذا الاتجاه ورد على لسان
Franz Rosenzweig «» (١٨٨٦ - ١٩٢٩م) الذي أكد أن الأحكام
الشرعية الثابتة بالنص - في اليهودية - لا يجوز النظر إليها كمُثل أفلاطونية خالدة؛
بل لا بد من اعتبارها مفهومات متحركة نامية تخضع للتغير والتجدد في كل
عصر وزمان [٥] .
إن القول بتاريخية النصوص الشرعية، ومحاولة تأويل الأحكام الثابتة بها
وفق السياق الثقافي أو الاجتماعي الذي نزلت فيه، والنظر في تغيير تلك الأحكام
وتطويرها وفقاً لتطور العصر والمجتمعات؛ يمكن أن يسوق إلى إلغاء الأحكام
الشرعية بأسرها من خلال الحكم عليها بالتاريخية والظرفية.
ولا تخفى خطورة هذا القول في محاصرة الأحكام الثابتة بالنصوص الشرعية،
ومن ثمّ الحكم على الإسلام بالإقليمية والنسبية، وتقويض عالمية رسالته
وصلاحيتها لتجاوز الظرفية الزمانية والمكانية، والتي هي من أبرز سمات هذا
الدين الخاتم.
стр. 4493
في دائرة الضوء
مآلات الحضارة
د. مصلح عبد الحي النجار
قال الإمام القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً
أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) :
«أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل؛ لا لأنه
يقبح منه ذلك إن فعل، ولكنه وعد منه، ولا خلف في وعده. فإذا أراد إهلاك قرية
مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى؛ أَمَرَ مترفيها بالفسق والظلم فيها، فحق عليها
القول بالتدمير. يعلمك أن من هلك هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها
إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى» .
يظن بعض الباحثين أن حضارة أي أمة عبارة عن علومها، وآدابها، وفنونها،
وصناعاتها، وبدائعها، وأطوارها في الحياة المدنية والاجتماعية، وأسلوبها في
الحياة السياسية، ولكن الحقيقة أن كل هذه الأمور ليست هي الحضارة نفسها، وإنما
هي نتاج الحضارة ومظاهرها، وما هي بأصل الحضارة، وإنما هي أوراق شجرة
الحضارة وثمارها.
إذا صح هذا؛ فلا يجوز أن نحدد وزن حضارة وقدرها وقيمتها على أساس ما
لها من هذه الصور الظاهرة والسمات العارضة، وإنما علينا أن نتوصل إلى روحها،
ونتحسس أصولها؛ صارفين النظر عن كل هذه الصور الظاهرة والسمات
العارضة.
والواقع أن للحضارة مآلات كثيرة ومتشابكة؛ يؤثر بعضها في بعضها الآخر،
وإن أول ما يكون من توابع الحضارة هو الميل إلى الترف الذي يؤدي إلى
ازدهار الصناعات وتشكل فنونها، ولكن ازدهار الصناعات لا يلبث أن يجعل
البشر يتمادون في الترف والشهوات بالتدريج إلى أقصى الحدود، ولكن لصالح
بعضهم فقط، وعلى حساب بعضهم الآخر، وحينئذ تفسد الأخلاق وتنهار، ويكون
ذلك مؤذناً بانهيار الدول والحضارات ذاتها؛ وبيان ذلك على النحو الآتي:
أ - الميل إلى الترف:
إن الميل إلى الترف هو نتيجة لحصول الرئاسة؛ حيث إن أمور الحضارة من
توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعيم، والثروة والنعيم من توابع الرئاسة،
والرئاسة هي دور انتقالي من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة، وهذا الانتقال لا
يكون إلا بالسعي إلى تحصيل الكمالي بعد حصول الضروري، والسبب في ذلك أن
الحضارة هي أحوال معتادة زائدة على الضروري من أحوال العمران؛ زيادة
تتفاوت بتفاوت الرفاهة، وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتاً غير منحصر.
ب - ازدهار الصناعات:
الميل إلى الترف، والانغماس في الشهوات والملذات، والترفه في الحاجات
الكمالية من شأنه أن يؤدي إلى الزيادة في إنتاج تلك الحاجات الكمالية، وأن يشجع
الصُّنَّاع الذين يصنعونها على الإكثار منها، والتفنن في أنواعها وأصنافها، فتكون
بمنزلة الصناعات، ويحتاج كل صنف منها إلى القَوَمة عليه والمهرة فيه، وبقدر ما
يزداد من أصنافها يزداد أهل صناعتها ويتلون ذلك الجيل بها، ومتى اتصلت الأيام
وتعاقبت تلك الصناعات حذق أولئك الصُّنَّاع في صناعاتهم، ومهروا في معرفتها،
والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرر أمثالها تزيدها استحكاماً ورسوخاً.
ج - ازدياد الترف وانتشار الفقر:
فالترف يولِّد الترف، والصناعات التي كانت وليدة الحاجة إلى الترف؛
تصبح عاملاً في المبالغة فيه درجة درجة، إلى أن يصل إلى غايته، وإذا بلغ
التأنق في الأحوال المنزلية وغيرها الغاية تبعه طاعة الشهوات، فتتلون النفس من
تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها؛ أما دينها
فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها. وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمؤونات
التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها. بيد أن نزعة التأنق هذه التي
هي وليدة الميل إلى الرفاهية لا تلبث أن تأخذ مجراها في مجاري الحياة الاجتماعية،
فتخضع عندئذ لمنطلقها القسري، فيتساقط التجار واحداً بعد واحد في هوة الفقر.
ويصف لنا ابن خلدون الآلية التي يخضع لها الميل إلى الترف في المجتمع
فيقول: «وبيانه أن المِصْر بالتفنن في الحضارة تعظم نفقات أهله، والحضارة
تتفاوت بتفاوت العمران؛ فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل، فالمِصْر
الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته، ثم تزيدها المكوس غلاء؛
لأن الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها، وهو زمن وضع
المكوس في الدول لكثرة خرجها حينئذ، والمكوس تعود على البياعات بالغلاء؛ لأن
السوقة والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في
مؤونة أنفسهم، فيكون المكس لذلك داخلاً في قيم المبيعات وأثمانها، فتعظم نفقات
أهل الحضارة وتخرج عن القصد إلى الإسراف، ولا يجدون وليجة عن ذلك لما
ملكهم من أثر العوائد وطاعتها، وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات، ويتتابعون في
الإملاق والخصاصة ويغلب عليهم الفقر..» .
د - فساد الأخلاق:
وإذا وصلت حال الحضارة في العمران إلى هذا الحد؛ تبع ذلك فساد الأخلاق،
وانتشار الشرور، ويكون ذلك في بداءة الأمر في طريق تحصيل المعاش.
يقول ابن خلدون: «وأما فساد أهلها في ذاتهم واحداً واحداً على الخصوص،
فمن الكد والتعب في حاجات العوائد، والتلون بألوان الشر في تحصيلها، وما يعود
على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها، فلذلك يكثر
منهم الفسق والشر والسفسفة، والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير
وجهه، وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له،
فتجدهم أجرياء على الكذب، والمقامرة، والغش، والخلابة المخادعة، والسرقة،
والفجور في الأيمان، والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر بطرق الفسق ومذاهبه
والمجاهرة به وبدواعيه، وإطراح الحشمة في الخوض فيه، وتجدهم أيضاً أبصر
بالمكر والخديعة، يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر، وما يتوقعونه من العقاب
على تلك القبائح، حتى يصير ذلك عادة وخلقاً لأكثرهم إلا من عصمه الله» [١] .
وهكذا تنتهي الحضارة إلى فساد الأخلاق، كما انتهت إلى فساد وجوه المعاش
ووقوع الناس في هوة الفقر، بل إن فساد الأخلاق ليس إلا نتيجة لفساد وجوه
المعاش ولانتشار الفقر.
ولا تكون الحضارة قد بلغت هذا المبلغ حتى تكون قد أشرفت على نهايتها،
وحملت عناصر الخراب المودية بها.. وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله
بخرابها وانقراضها، وهو معنى قوله تعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) ،
ووجهه حينئذ أن مكاسبهم لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها، فلا
تستقيم أحوالهم، وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحداً واحداً اختل نظام المدينة
وخربت.. فافهم ذلك واعتبر به!
стр. 4494
الورقة الأخيرة
الشعور بالخصوصية: حاجة أم توهم
سليمان بن سعد بن خضير
يخص الله من يشاء من عباده بما يشاء من نعمه، وأعظم منَّة منه - جل
وعلا - على عباده قاطبة: الهداية لدينه الذي ارتضاه، فيشرح لذلك صدر عبده
وينجيه من ضائقات الدنيا والآخرة؛ [فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ] (الأنعام:
١٢٥) .
وهو - سبحانه - يخص من بين المهديين لدينه عباداً يوفقهم للمسابقة في
الخيرات والمبادرة إلى الطاعات، ويهبهم الفتوحات الربانية، فيضرب فئامٌ منهم
بسهم في الصدق والإخبات والورع، وآخرون بسهم في الصدقة والإخاء والمعروف،
وآخرون بسهم في الجهاد والعلم ونوافل العبادة.. وقد تنوعت عبارات علماء
السلف في وصف أهل العلم والعبادة، كل بحسب ما ظهر منه أو عرف عنه.
هذه الخصوصية الدينية بمنازلها المشرقة الوضيئة، ودرجاتها المشرفة العالية
هي نوع من الاصطفاء الذي ذكره - سبحانه - في قوله: [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ
الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٢) أي واصطفاكم له، وفي
قوله: [يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ] (آل
عمران: ٤٢) ، وفي قوله: [قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ
وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] (البقرة: ٢٤٧) .
وأكثر ما ورد ذكر الاصطفاء في مقام المنة بالرسالة كما في قوله: [اللَّهُ
يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس] (الحج: ٧٥) ، وقوله: [وَإِنَّهُمْ عِندَنَا
لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ] (ص: ٤٧) ، كما وصف - سبحانه - هذا النوع
الراقي من الاصطفاء بأنه خصوصية الرحمة، فقال - تعالى -: [وَاللَّهُ يَخْتَصُّ
بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (البقرة: ١٠٥) .
فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كانوا أعظم الناس اصطفاء وأكملهم
خصوصية بالاستسلام لله رب العالمين، وكل من اقتفى أثرهم واتبع سنتهم قبس من
ذلك الاصطفاء بقدر متابعتهم ومشابهته إياهم في تألههم لربهم.. على أنه - في ذلك
كله - لن يصل إلى مقام الرسالة أو كمال أصحابها صلوات الله وسلامه عليهم.
إن شعور المسلم بهذه الخصوصية - وهو يسرح طرفه ما بين المشرق
والمغرب - يمنح قلبه إجلالاً وتعظيماً لربه الذي اصطفاه من بين جموع غفيرة قُدِّر
ألا تهتدي إلى صراطه المستقيم ... ويمده بروح منه وعون ألا يستبدل الذي هو
أدنى بالذي هو خير؛ فكل دين سوى الإسلام كفر.. وكل مذهب خلاف هدي
رسول الله ﷺ ابتداع؛ فما يزال انتماؤه لدينه الذي يؤمن أنه فخره
ورأس ماله، بل يوقن أنه حياته ومماته.. [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ] (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .
وشعوره بهذه الخصوصية - وهو يكابد تكاليف الحياة - يضفي عليه اطمئناناً
برعاية الله إياه ورجاء توفيقه لخير الخيرين.. اطمئناناًَ ورجاءً لا يعكر عليه فيهما
إلا تخوُّفه أن تزل به قدمه فيحرم نعمة الهداية، فيزداد توكله على ربه حين تتعلق
نفوس بأسباب الحياة، ويأنس بمولاه حين تكون المخاوف.. [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ]
(آل عمران: ١٧٣) .
وشعوره بهذه الخصوصية - وهو يعاني مغالبة أهوائه وتقلبات نفسه عليه -
يلقي في روعه الحياء من ربه وتصور مراقبته وعتابه؛ إذ كيف خصصتك من بين
عبادي فتفرِّط في نعمتي وتنقض غزلك من بعد قوته؟ [قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي
أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] (يوسف: ٢٣) .
وليس هذا الشعور مجرد شعور طارئ، أو حالة نفسية قلقة، بل شعور يقيني
يبعث على الاطمئنان بالله والثقة به والإخبات له، وهو شعور قلبي راسخ يورث
دوام المراقبة، وهو شعور متدفق يذكِّر بالمسؤولية الذاتية، ويساهم - بنحو أساس
- في الثبات على دين الله.
هذا الشعور بأي من درجاته يفترض زيادته بقدر زيادة المسلم في الخير،
وبحسب استقامته وتدينه ليدفعه إلى تذكُّر ربه فيطمئن إلى ذكره ويتوكل عليه
سبحانه، ويسعى لمطالعة إحسانه ومعرفة شريعته وأسرار كتابه، ويحدوه لمراقبته
في سائر أعماله، فيستشعر خصوصية تملي عليه أن يكون حذراً أن يخدش
استقامتَه رغبةٌ جامحة أو عادة مستحكمة أو شهوة أو حظ نفس ما وجد إلى ذلك
سبيلاً.
ومتى تحولت مشاعر الخصوصية إلى نوع من الأعذار للإسراف في المباح،
أو تأشيرة مرور لممارسة ممنوع أو تراخٍ في واجب، أو قناع لمخادعة النفس من
أجل الرضى بمستوى تدين فاتر.. متى ما كان ذلك أشبه الشعور بالخصوصية
حينئذ مقام أولياء المتصوفة الذين رأوا أنهم تجاوزوا قنطرة العمل، وولجوا قصر
الوصاية وجنات خاصة الخاصة!!
الشعور بالتدين لا يبيح أن يقارف المسلم إثماً بالليل ينهى الناس عنه في
النهار بحجة أنه من ذوي الخصوصية. ولا يسوِّغ له - باسم الخصوصية - أن
يغض الطرف عن ممارسات خطيرة في وسط أسرته التي أكثرت عليه من أنهم
(غير الناس) وما أعجل ما اقتنع.
والشعور بالخصوصية لا يعني أن يفرط المسلم في أعماله ويتوانى في أدائها،
افتياتاً على ثقة الناس بتدينه، ولا يبيح أن يرد الحق - إذا جاء به أحد كائناً من
كان - بزعم أنه يعرف الحق، ومن نحو المحال أن يواقعه..
الشعور بالتدين يدفعنا لإنكار المنكر بدلاً من أن يقف دورنا عند حدود عملية
مراقبة مجردة تحت مسوغات متعددة.. الشعور بالتدين حين يكون سبباً في الازدياد
من العبادة والعلم أو حائلاً عن التواني في الطاعة والخير أو معيناً على الثبات..
هو حاجة ملحّة، وكثيرة هي مواقف السلف في تذكير بعضهم بعضاً بأحوال
الخصوصية، وأشهرها عند الاحتضار؛ لتحقيق حسن الظن بالله وابتعاث محبة
لقائه والشوق إليه.
وحين يتحول هذا الشعور إلى وأد روح العمل في سبيل الله، وإمداد النفس
بشيء من أهوائها التي حرمت منها حيناً من الدهر، وجسراً للتخلي عن أعباء
المسؤوليات المضنية؛ فهو أشبه ما يكون بالوهم أو التوهم؛ فالعبرة بالحقائق
والأفعال لا بالأماني والأشكال، وقد يصبح ذلك الشعور - أحياناً - نوعاً من انتحال
الصفات وتقمُّص الشخصيات الوارد نحوه في قوله ﷺ :
«المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَيْ زور» [١] وهو مرض نفس خطر.
مقارفة الذنوب والتفريط في الواجبات خطايا تستوجب الاستغفار، لكنها
- عندما تكون عن تسويغ بالشعور بالتدين - تصبح معضلة؛ فإن مشاعر التدين التي
أباحت فعل الذنب وترك الواجب تكون - في البداية - توهمات مفتعلة، ثم تبدأ شيئاً
فشيئاً في التخلُّق في الذهن، ومن ثم تتخلق في ما يسمى بـ (اللاشعور) فتتشكل
- تلك الذنوب - عنده أفعالاً لا إرادية ينطمس معها التفكير فيها وفي
صحتها، ويعز إيقاظ الفكر فيها، إلا بتنبيه قاس أو صدمة مزعجة.
стр. 4495
ذو الحجة - ١٤٢٣هـ
فبراير - ٢٠٠٣م
(السنة: ١٧)
стр. 4496
كلمة صغيرة
أكاذيب سياسية
جاء في ديباجة ميثاق هيئة الأمم المتحدة: (نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد
آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، والتي في خلال جيل
واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد
إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقَدْره، وبما للرجال والنساء،
والأمم كبيرها وصغيرها؛ من حقوق متساوية، وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن
نعيش معاً في سلام وحسن جوار) .
فهل حقاً مارس مجلس الأمن هذا الدور؟! وهل حفظت هيئة الأمم كرامة
الإنسان وحقوقه؟!
الحقيقة أنَّ أفضل وصف لهذا الميثاق أنه: «ميثاق سخيف» ، كما وصفه
«أرنولد توينبي» صاحب كتاب (مختصر تاريخ الحضارة) ؛ لأنه يضمن حق
النقض (الفيتو) للدول الكبرى، وهذا يعني: أن مصالح الدول الكبرى فوق كل
اعتبار، أما الضعفاء فليس لهم قيمة في هذه المنظومة الدولية!!
وازداد سخف هذا الميثاق بعد التفرد الأمريكي، والممارسات الديكتاتورية
التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على دول العالم؛ ولهذا لم يتردد ممثل
الصين في مجلس الأمن الدولي في وصف الضغوط الأمريكية بقوله: «إن أمريكا
تتعامل مع مجلس الأمن بالحذاء!» .
هذا الواقع يؤكد أن منطق العدل، وحقوق الإنسان.. وغيرها من الشعارات
والقيم التي يتشدق بها الساسة الأمريكيون؛ إنما هي جزء من الأكاذيب السياسية،
فالإدارة الأمريكية تقود العالم بمنطق القوة والجبروت، وهذا واضح وضوح الشمس
في رابعة النهار في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع القضية العراقية، فهي
تجرّ العالم كله وراءها للتصديق بأكاذيبها، وتفرض عليهم موقفاً لا يرغبونه،
ولكنهم يجب أن يصفِّقوا له!!
ونحسب أنَّ هذا الاستعلاء لن يدوم طويلاً؛ فالشعوب المستضعفة سوف
تُحييها هذه الممارسات الاستبدادية، وصدق المولى جل وعلا: [هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
الجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ]
(البروج: ١٧-٢٠) .
стр. 4497
الافتتاحية
منطلق الحجيج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.. وبعد: فإنَّ
الحج ركن عظيم من أركان الإسلام، ومشهد جليل من مشاهد هذه الأمة، يجتمع
فيه المسلمون من أقطار المعمورة عرباً وعجماً، شيباً وشباباً، رجالاً ونساءً.
والناظر في أحوال الحجيج يقف على صورة شاملة تحكي واقع الأمة الإسلامية
بحلوه ومره، خيره وشره.
ومن المعالم المهمة التي تستحق أن نقف عندها كثيراً: الواقع العقدي الذي
يعيشه كثير من أبناء المسلمين؛ حيث انتشر الجهل واندرست كثير من معالم
التوحيد الخالص، حينما كدرته شوائب الضلالة والهوى؛ فأضحت العقيدة عند
بعضهم مجرد فلسفات كلامية، أو تصورات جدلية، أو تأويلات باطنية، فانفرط
عقد الأمَّة الإسلامية، وتفرقت بها السبل، وتجارت بها الأهواء، حتى أصبحت
السنَّة مهجورة، ورفعت البدعة أعلامها، وذرَّ قرن الفتنة في كثير من المحافل
والمجتمعات الإسلامية، وتصدَّر الرويبضة من المبتدعة وأهل الأهواء زمام الريادة
والتأثير، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
وزاد من بلاء الأمة افتتان كثير من أبنائها بالتفوق الحضاري للغرب الذي
أجلب بخيله ورجله علينا، فاستباح الحرمات وزيَّن الأباطيل. ولم يكتف الغرب
بانتهاك حقوق الشعوب الإسلامية، وانتهاب خيراتها، كما لم يكتف بإفساد الأخلاق
وتدمير المجتمعات في أوحال الرذيلة، بل تجاوز ذلك إلى اختراق العقول، ونشر
العقائد الإلحادية والمبادئ المادية التي تُعرِض عن هدايات الوحي الإلهي.
وعندما بدأت الحرب الغربية الأخيرة على ما يسمونه بـ (الإرهاب
الإسلامي) كشفت الأيام بجلاء عن حجم التردي العقدي الذي ينخر في جسم الأمَّة،
ويحوطها بالضعف والتقهقر والانهزام؛ فرأينا كثيراً من آيات هشاشة الإيمان
وضعف اليقين بنصر الله تعالى وتأييده، ورأينا ضعف التوكل والاستعانة به
سبحانه، كما رأينا تصدع أركان الولاء للمؤمنين، وسقوط كثير من المسلمين في
أحضان الكافرين..!!
ونجزم جزماً أكيداً بأن مدار صلاح الأمة وعزتها ونهضتها على صفاء العقيدة
وسلامتها؛ فإذا رسخ الإيمان في النفوس، وحفظ الله تعالى الأمَّة من البدع
والضلالات قديمها وحديثها؛ استقام أمرها وقويت شوكتها، وسلكت الطريق
الصحيح للبناء والتمكين. وإن هي فسدت ونخرتها الأهواء، واستحكمت فيها
الانحرافات، تردت وسقطت في مستنقع الهزيمة والتبعية.
إن العقيدة التي نعني: ليست مجرد أسس وقواعد نظرية، لا، بل إنها:
معرفة الله جل وعز حق معرفته، بتفرده بالربوبية والقهر والعظمة والتدبير،
واتصافه بجليل الصفات وجميلها وأحسن الأسماء وأكملها.. معرفة تملأ على العبد
فؤاده وعقله، فتدفعه بلا تردد أو تأخر إلى القيام بحق المولى الكبير سبحانه محبة
وخوفاً ورجاء، يبرهن عليها بإفراد خالقه بالطاعة والانقياد كما شرع له على لسان
النبي ﷺ وسيرته، في كل مجالات الحياة، مع تمام القبول
والرضى، ثم الانهماك في أداء العبادات والأنساك على وجهها.
تلك هي حقيقة الإسلام التي تقتضي الاستسلام لله جل وعلا، وذلك هو معنى
الإيمان الذي هو: ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهذا هو طريق العبودية الحقة
لرب العالمين التي هي بداية الانطلاق ورمز الحرية، ودرب السعادة حين يحقق
العباد ما خلقوا لأجله.
ما أروع شأن الحجيج حين يعبرون عن عبوديتهم واستسلامهم بالتزامهم ما
أنزله الله تعالى، وبينه رسوله ﷺ : زماناً ومكاناً ونوعاً وصفة
وعدداً وكيفية! وما أجلَّ تعبيرهم عن الإيمان بتكبد المشاق وأداء النسك على وجهه!
وما أصدق متابعتهم للرسول ﷺ حيث أخذوا عنه مناسكهم! وما
أجمل شعارهم حين يُلبُّون لله بالتوحيد!
إنَّ الحج من أعظم المواقف التي يتجلى فيها شأن التوحيد من بداية الدخول في
النسك، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ في
سياق وصف حجة النبي ﷺ قال: «فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم
لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» [١] .
وكان النبي ﷺ يرفع بها صوته لتكون شعاراً لكل أصحابه
﵃؛ فقد ثبت عنه أنه قال: «أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن
آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» [٢] .
ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا بأنَّ النبي ﷺ قضى أيام مناسك
الحج في تقرير التوحيد، وبناء العقيدة، وما تبع ذلك من الدعوة إلى الاعتصام
بالكتاب العزيز، وتعظيم شعائر الله والحث على حسن التأسي والاهتداء
بهديه عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
إن تجديد العقيدة في نفوس المسلمين من أولى الأولويات الدعوية التي دلت
عليها النصوص الشرعية، ولهذا لمَّا بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل
﵁ إلى اليمن، أمره أن يبدأ ببيان التوحيد، فقال: «إنك ستأتي قوماً
أهل كتاب؛ فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في
كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من
أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق
دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [٣] فجعل النبي صلى الله عليه
وسلم بداية الانطلاق في بيان التوحيد وتقريره.
وصلاح التوحيد سبب بعون الله تعالى لكل صلاح. قال شيخ الإسلام ابن
تيمية: «ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله
وعبادته وطاعة رسوله ﷺ ، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط
وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول ﷺ والدعوة إلى
غير الله» [٤] .
ونحسب أن نفوس الحجيج من حيث الجملة مقبلة على الطاعة والتقرب إلى
الله تعالى متجردة من العصبية، بعيدة عن الصوارف الدنيوية التي تطغيها وتجعلها
تُعرِض عن الحق؛ ولذا كان هذا المقام العظيم من أعظم المقامات التي يتأكد فيها
حرص العلماء والدعاة على بيان حق الله تعالى على عباده الذي بيَّنه رسول الله
ﷺ في سؤاله لمعاذ بن جبل ﵁ عندما قال له: «هل
تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟» فقال معاذ: الله ورسوله
أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «فإن حق الله على عباده: أن يعبدوه
ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن لا يُعذب من لا يشرك به شيئاً»
[٥] .
نسأل الله تعالى أن يبصِّرنا بالحق، وأن يستعملنا في طاعته.
стр. 4498
دراسات في الشريعة
لو تكلمت المشاعر
محمد مصطفى المقرئ
almoqre-a@maktoob.com
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
أريد ليسمع المسلم منها ما ينبغي أن يقرأه بين أكنافها، وما يستشعره في
أجوائها، وما يحسه من موجات مترددة مبثوثة بينه وبينها.. بل أريد ليدرك
المسلم ما أودعه الله في المشاعر من معان وأسرار، وما أفاضه عليها من مؤثرات
تجلو النفس كما يجلو الليلَ النهارُ.
أريد لتقف على ما لو أُذن لها أن تتكلم لتكلمت به، بل أريد لأشنِّف آذانك
بمقالاتها فيَّ وفيك، وفي الأمة، وفيما يلفنا من نوازل الحال..
أريد بل أرجو أن أبلغك ذلك أيها القارئ الكريم ولو لم تتكلم المشاعر بكلمة
واحدة؛ فكيف إذا استنطقتها لك، وأسمعتك ما عساها قائلته؟!
ولعلك تعجب وتتساءل: ولكن هل تتكلم الجمادات؟ ألها منطق وبيان؟
أتفصح عن معان قائمة بها أو في غيرها؟ وهل يكون لإفصاحها دلالات مفهومة
معقولة؟ ثم هل يمكن أن يدرك بنو آدم هذه الدلالات، ويستفيدوا من تلكم المعاني؟
أمَّا كونها تتكلم أو لا.. فذلك في علم الله جل وعلا، وإن كان أصل تكلمها
غيرَ ممتنع عليه، لقوله فيما حكاه عن أشباه الجمادات: [وَقَالُوا
لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (فصلت: ٢١) .
قال الحافظ ابن كثير: «أي فهو لا يُخالف ولا يُمانع وإليه ترجعون» [١] .
وقال الطاهر بن عاشور: «وقولهم (الذي أنطق كل شيء) تمجيد لله تعالى،
ولا علاقة له بالاعتذار، والمعنى: الذي أنطق كل شيء له نطق من الحيوان،
واختلاف دلالة أصواتها على وجدانها، فعموم آية [كُلَّ شَيْءٍ] مخصوص
بالعرف» [٢] .
وقال فخر الدين الرازي: «ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة
الأولى حالما كنتم في الدنيا، ثم على خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية، وهي حال
القيامة والبعث؛ كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟» [٣] .
فالله - تعالى - قادر على أن يُنطِق كلَّ شيءٍ (من الجماد وغيره) ، ولا
وجه لاستحالة ذلك وامتناعه، ولا سيما مع ثبوت وقوعه من بعضها.
وليس إمكان تكلم المشاعر من عدمه يهمنا هنا في شيء، وإنما المقصود
إثبات أن لها منطقاً وبياناً يتمثل في المعاني القائمة بها، وهي إشارات وأمارات
تَقُومُ بكل شيء، «وتلك الأمارات تسمى شهادات، كما يقال: يشهد هذا العالم
بتغيرات أحواله على حدوثه» [٤] .
وقد ثبت تكلم بعض الجمادات، بل وصدور أفعال عنها تدل على عقلانيتها،
وأنها ذات مشاعر وأحاسيس، كتسليم الحجر على رسول الله ﷺ ،
وسعي الشجرة إليه ومثولها بين يديه، وحنين الجذع إليه، وقد خاطب النبي صلى
الله عليه وسلم جبل أحد فقال: «اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي، وصدّيق،
وشهيدان» [٥] .
فلو أُذن للمشاعر المقدسة أن تتكلم؛ لوافتنا بكثير من تلكم المعاني القائمة بها،
بل والقائمة بغيرها، وهي معان تتضمن كثيراً من حِكم الشعائر المرتبطة بتلك
المشاعر.
وإن الوقوف على تلكم الحِكَم وهن غايات نافعات غاليات لهو مقصود رئيس
لما أُمرنا به من تعبد ونسك، وما نُدبنا إليه من خشوع وتفكر، وخاصة عند
المشاعر المحرمات، وحول المقدسات المباركات.
فلولا تدبرنا هذه الإشارات النافعات، وهاتيك اللطائف المرققات.. [ذَلِكَ
وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] (الحج: ٣٢) .
فيا أمة الإسلام..! لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟ إخال الكعبة
(بيت الله الحرام) تهتف بجموع الطائفين والقائمين حولها، الراكعين الساجدين في
حرمها.. تقول: أيها المسلمون الآتون من كل فج عميق! .. هذه قبلتكم قبلة واحدة،
وإن هذه أمتكم أمة واحدة؛ فبأي مقتضى شرعي تنازعتم؟ وبأي موجب علمي
تخالفتم؟ وبأي منطق عقلي تفرقتم، وأنتم هنا حولي تجتمعون، بل وحيثما كنتم
فإليَّ تتوجهون، وشطري تيمِّمون؟!
أما علمتم أن في مخالفتكم ما أمرتم به من الاعتصام بحبل الله جميعاً ذهابَ
ريحكم؟ وقد قال تعالى: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) .
وأن فيها ضياع هيبتكم، وتسلط عدوكم عليكم، ولا يسلط الله عليكم عدواً
حتى تكونوا أنتم المتسلطين على أنفسكم.. فإن هذه الأمة المرحومة قد خصها الله
أن لا ينتصر عليها عدوٌ من غيرها، ولكن يهلك بعضهم بعضاً ويظلم بعضهم بعضاً،
ففي الحديث الصحيح الذي يرويه ثوبان ﵁ أن الرسول صلى الله
عليه وسلم قال: «وإني سألتُ ربي لأمتي أنْ لا يهلكَها بسَنَةٍ عامة، وأن لا يُسلِّط
عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتهم، وإنَّ ربي قال: يا محمدُ، إني إذا
قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرد، وإنِّي أعطيتك لأمتك أن لا أهلكَهم بسَنة عامة، وأن لا
أسلِّطَ عليهم عدواً من سوى أنفسِهِمْ يستبيح بيضتهم، ولو اجتمعَ عليهم مَنْ بأقطارها
أو قال: مَنْ بين أقطارها، حتى يكون بعضُهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضُهم بعضاً»
[٦] .
وواضح من الحديث: أن هذه الأمة المختارة لا تزال في عصمة من غلبة
عدوها عليها ما بقيت متحدة مجتمعة، حتى إذا صار بأسها بينها، يقتل بعضها
بعضاً؛ سُلط عليها عدوٌ من غيرها فاستباح حرماتِها!!
أيها الماثلون بين يدي الله، الميمِّمون شطري:
لقد آن لكم أن تتحركوا كأمة.. أن تتفاعلوا مع قضاياكم كأمة.. أن تواجهوا
عدوكم كأمة ... كما أنكم تجتمعون عندي كأمة، وتتوجهون إليَّ كأمة، واعلموا أنه
ليس لتحرككم أحزاباً من جدوى تستنقذكم مما هو نازل بكم.. [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) .
أيها المسلمون المقدِّسون لحرمتي:
أما إن حرمتي عند الله لعظيمة، وإن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من
حرمتي، وإنكم إن حرَّمتموني حقاً؛ حَرَّمتم دم المسلم وصنتم حرمته، ولتترستم
بقلوبكم وأرواحكم وفلذات أكبادكم دون أن يُخلص إليها أو تهلكون.. فكيف إذا كان
منكم من يستبيحها، أو يعين عليها ولو بشطر كلمة؟!
وأَرْدَفَتْ: أما إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا،
في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
فكأني بها تردد أصداء نداء النبي ﷺ (في حجة الوداع) ،
تُرَجِّعه اليوم من وراء أربعة عشر قرناً أو يزيد.
ثم بصوت متهجد جعل يرتفع شيئاً فشيئاً، مدوياً يلف أركان الوادي المبارك،
تُأوِّبه جبالُ مكة وشعابها، تصرخ الكعبة بالجموع وكأنها منذر جيش: أيها
المُحْرِمونَ المُحَرِّمونَ لأكنافي: ألستم تُسألون عن أكناف شقيقي الأقصى بالوادي
المقدس؟! إن أكنافه تستباح هناك.. فأزيلوا عنه دنس المعتدين ورجس الغاصبين
.. أجل يا أتباع الخليل ﵇، وهو الذي استجاب لربه إذ قال له:
[وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] (الحج: ٢٦) ، وإن تحريم
الحرمات لا يتجزأ.. [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ]
(الحج: ٣٠) .
ويزداد صوت الكعبة تهجداً وارتفاعاً؛ بينما يتعالى نحيب الجموع وبكاؤها،
وتنهمر دموعهم تفيض بها مآقيهم فتسيل أودية بقدرها، وتسري في الأبدان
قشعريرة خشوع خاصة نادرة، ويغمر الأجواءَ عبق من الإيمان والجلال، وفي هذه
اللحظات تمطر السماء من رحماتها، فيتعانق البكاءان في مشهد جنائزي حزين،
وفي خلفية المشهد تبرز صورة الأقصى تتوسط صفحة الأفق، وقد أقبل مضرجاً
في دمه، وحوله يظهر مستشهدون يلتفون به، وهم يبسطون أيديهم بأرواحهم على
أكفهم، يتلقون عنه سهام العدوان والغدر معاً، وبصدور عارية وأيد خاوية، فيكتمل
المشهد وقد توسطه المسجدان (الحرام والأقصى) دموع منهمرة هنا، ودماء
منسكبة هناك.. وشتان شتان.
لكني أريت جموعاً انطلقت تجأر إلى ربها، مختنقة بالبكاء، تكاد تغص
بدموعها، وقد بدوا في ملابس إحرامهم وكأنهم متلفعون بأكفانهم تهيئاً للقاء الموت،
يقولون: لبيك اللهم لبيك.. ثم لبيك فلسطين لبيك.. لبيك كلَّ موضع لنا فيه حرمة
لبيك.
وأضافت الكعبة: و «إنما الحج جهاد كل ضعيف» كما قال رسول الله
ﷺ [٧] .
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
هُيئ إليَّ الحجرُ الأسود يهمس في آذان مستلميه ومُقبِّليه، يقول: أما إني
سفير الجنة إليكم أهل الأرض لو تعلمون، أتعجبون؟! فارجعوا إلى ما ثبت عن
نبي الإسلام العظيم عليه صلوات وتسليمات الرحيم الكريم: «الحجر الأسود من
الجنة» [٨] .
أجل أنا مجرد حجر من أحجارها، وهناك فيها أصل موطني.. فيا مستلمي
ومقبلي! ألا تحب أن تقطن في موطني؟!
فحيّ عَلى جناتِ عَدنٍ فإنها ... منازلُك الأُولى وفيها المخيمُ
ولكننا سبيُ العدوِّ فهلْ ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلمُ؟
وأيُّ اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحتْ الأعداء فينا تحكمُ؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشَطَّتْ به أوطانه.. ليس يَنعمُ
فمِنْ أجل ذا لا يَنعمُ العبد ساعة ... مِنَ العمر، إلا بعد ما يتألمُ [٩]
وأردف الحجر: يا عبد الله!
أتدري أنك باستلامي تبايع على طاعة الله - جل وعلا -؟! [إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّة] (التوبة: ١١١) .. فلا
ألفينك أيها المبايع من [الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] (البقرة: ٢٧) ،
وكن من [الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ] (الرعد: ٢٠) .
ثم جعل يرتل وبصوت ملائكي مجلجل: [فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ
وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] (الفتح: ١٠) .
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
هُيئ إليَّ الملتزم كذلك يُسِر إلى كل ملتصق به ضام له، يقول: أهو طلب
القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت؟ فإن يكن ذا فإن للحب برهاناً قطعياً، ودليلاً
ساطعاً جلياً.. ﴿ [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) .
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
* * *
فحيهلا - إن كنت ذا همة - فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطْوِ المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا: لبيك ألفاً كواملا
ذلك بينما الجموع تردد: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك..
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
كأني بمقام إبراهيم ﵇ وقف في القائمين حوله واعظاً والناس
ينصتون في خشوع: يا أيها الناس! اعبدوا الله ولا تشركوا به أحداً.. أسلموا له
وحده، وانقادوا إليه وحده، وتحاكموا إليه وحده، واركنوا إليه وحده، وتوكلوا
عليه وحده.. [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ
شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] (الحج: ٧٨) .
واعلموا أن الولاء والبراء هو معقد الإيمان الأكبر، فالزموا مقام الخليل ولاء
وبراء، كما لزمتموه شعيرة ونسكاً: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ
لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ]
(الممتحنة: ٤) .. [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ] (الممتحنة: ٦) .
واستطرد قائلاً: ألا إن قيامكم مقام إبراهيم برهان منكم بذلتموه، فهو حُجة
لكم أو عليكم، ألا فتخيروا لأنفسكم.. ملة أبيكم إبراهيم، أو ملل المتألهين الطاغين،
كالنمرود في عصره، وكأشباهه في عصركم، فإن شئتم أن تستبينوا أي السبيلين
تسلكون؛ فانظروا في أي المعسكرين أنتم، وفي أي الخندقين تخندقتم!!
ألا وإن الكلمة، مجرد الكلمة، تقولونها نصرة للأمة أو لأعدائها؛ فيصل في
اختياركم، فليحذر امرؤ على نفسه، وليدَعْ قول الزور والعمل به؛ فإن الله قد قرن
النهي عنه بالنهي عن رجس الأوثان (وخاصة في حقكم أيها الحجيج) .. فقال
- جل وعلا -: [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ
مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ
فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] (الحج: ٣٠-٣١) .
ثم بدا لي «المقام» وكأنه يردد نداء الخليل ﵇ امتثالاً لأمر
ربه - جل وعلا -: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ] (الحج: ٢٧) ، قال: ربّ!
وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغ [١٠] ، فأردف المقام: فأَذِّنوا أيها الناس
في الناس بالحج، بل أذِّنوا بشرائع الإسلام كافة، أذِّنوا في الناس بنصرة الدين،
وبمعاداة المشركين.. خذوا بأسباب الغلبة والتمكين، وإن لم تكافئ أسباب المعتدين،
عليكم المستطاع، وعلى الله ما لا يُستطاع.
ثم طفق المقام يردد: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز
جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين
ولو كره الكافرون.. وضجت الجموع تستغيث ربها.. وامتدت الأكف ضارعة إلى
بارئها: اللهم منزلَ الكتاب، مجريَ السحاب، هازمَ الأحزاب.. اهزمهم وانصرنا
عليهم.
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
خِلْتُ جبلَي الصفا والمروة يتناوبان الوعظ والتذكير يخطبان في الساعين
بينهما:
يقول الصفا:
ألا فتذكروا أن التي أنشأت أصل هذا السعي هاجر ﵍؛ ذلك
حينما أخذتها الشفقة برضيعها وهو يصرخ جوعاً وعطشاً، وأرادت أن ترد عنه
الهلاك الذي يحدق به.... فتوجهت إلى الله ربها ورب كل شيء، موقنة أنه - جل
وعلا - لا يضيعها، وهو ما أكدته لإبراهيم ﵇؛ ذلك حين أجابها أن نعم؛
إذ سألته: آلله أمرك بهذا؟ أي بتركي هنا وحدي ورضيعي، وقد أزمع أن يهاجر
استجابة لأمر الله.
قال المروة:
ففيما سعيكم - أيها الناس - إن لم يقابله سعي في إغاثة أطفال المسلمين الذين
يتضورون جوعاً، ويتوجعون مرضاً، ويعانون عرياً وبرداً وتشريداً وضياعاً،
وتسحق عظامهم الدبابات والصواريخ، وتُطمر جثثهم تحت الهدم والتدمير، ومن
ينج منهم من ذلك كله؛ يعش مهدداً مستضعفاً مذعوراً.. يخاف أن يتخطفه الناس
.. ويتمدد موضع السعي فيما بين الجبلين، حتى يضما بين كنفيهما خريطة الوطن
الإسلامي كله، فإذا هي المذابح والمظالم والأهوال، وأمة جسدها ممدد تكاد الدماء
تغطيه؛ بينما عدوها يتهيأ للإجهاز عليها، فاللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا
تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا!
قال الصفا:
وأنتنَّ إماءَ الله نساءَ المسلمين: أما لكُنَّ في هاجر مثلٌ وقدوة، وأنتنَّ تتمثلن
فعلها في سعيكن بيني وبين المروة؟ فكيف يستقيم أن تكون إحداكن حائلاً دون
زوجها وإجابة أمر ربها، ومهما يكن من أمر تعتذرن به؛ فإنه لن يكون أعظم من
الحال التي تُركت عليها هاجرُ ورضيعُها.
أيتها المقتديات بهاجر ﵍: ألا فانظرن كيف لو كانت هاجر بينكنّ،
في زمانكنّ.. كيف يكون شأنها في توفية حق ربها، وحق أمَّتها، وحق زوجها،
وحق ولدها، وحق نفسها؟ كيف يكون اعتزازها بدينها، واحترامها لذاتيتها،
والتزامها بهويتها، وتمسكها بعقيدتها؟ .. كيف يكون اعتدادها بانتمائها.. في
همومها، واهتماماتها، وهيئتها، وأنماط حياتها؟ كنّ يرحمكن الله كما لو كانت
هاجر بينكنّ؛ فإنها أولى بكنَّ وأنتنَّ بها أولى.
قال المروة وقد توجه بحديثه إلى العموم:
وإن سعيكم هذا أيها الناس غير مغن لكم عن سعيٍ هناك.. حيث الذب عن
الأعراض، وحماية المقدسات، وصون دين الأمة وقد استُهدفت منابعه، وحفظ
عقيدتها وقد اتُخذت غرضاً.. فلا إخالكم أيها المسلمون إلا متزودين من هنا لهناك؛
وإلا فما أفادكم السعيُ شيئاً، اللهم إلا إبراء ذممكم من نسككم هذا، ولكنها والذي
نفسي بيده تبقى مشغولة بما هو أولى وأوجب، قال تعالى: [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ
وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ
عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (التوبة: ١٩) .
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
أريت بصيرتي ترمق الجمار الثلاث، تردد: ارموا عباد الله.. ارجموا
مواضع إبليس حين ظهر لأبيكم إبراهيم ﵇ يريد أن يفتنه.. ارجموه
وأكدوا عداوتكم له ولحزبه.. ارجموه لتستحضروا أنكم لا تزالون أبداً في معركة
معه. ارموا عباد الله.. ارجموا عدوكم لينكص ويخسأ، فإنه لم يزل يقطع عليكم
كل خير، وقد توعدكم أن يقعد لكم طريقكم إلى الله، كما حكى الله - تعالى -
مقولته لعنه الله: [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ] (الأعراف:
١٦) .
قلت: قال ابن جرير: «يقول: لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم؛ يعني:
طريقك القويم، وذلك دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. وإنما معنى الكلام:
لأصدن بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأضلنهم كما
أضللتني» [١١] .
فأردفت الجمرات:
واعلموا أنه لعنه الله كما قعد بالصراط كله؛ قعد بكل باب من الخير مترصداً
يتربص بكم، وقد نصب لكم شباكه على كل طريق يحسبكم سالكيها، وفي الحديث:
«إن الشيطان قعد لابن آدم بأطراقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم
وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال:
أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول، فعصاه
وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل،
فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد» [١٢] .
ألا فارجموه طرداً له.. وقطعاً لأمله.. وإرغاماً لأنفه.. وقصماً لظهره ...
وذلك كله مرهون بمخالفتكم لأمره، وكفركم بوحيه، ورفضكم لوسواسه، تحصنكم
من أزِّه، واعتصامكم بالله من نزغه.
وأضافت الجمرات:
ارموا عباد الله.. ولا يفتننكم الشيطان أنكم قضيتم مناسككم؛ فإن من عباد الله
من يرمي ما لعله أكثر قبولاً عند الله من حصياتكم، ولعل حجراً واحداً في يد طفل
يرمي به يهود: أثقل عند الله تعالى من أحجاركم كلها، وأوجع لحزب إبليس من
حصياتكم جميعها!!
ارموا عباد الله.. ارموا؛ فإن القوة الرمي.. «ألا إن القوة الرمي، ألا إن
القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» [١٣] ، وإلا فلن تفهموا هذه حتى تصنعوا تلك!!
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
تمثلت عرفة (جبل الرحمة) وقد بدا كعرصات القيامة!! والناس فوقه في
ازدحام منشغلون، وهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم واقفون موقفاً واحداً
.. إنهم ساعتئذ - رغم الضراعة والابتهال.. رغم الاستغاثة والدعاء.. رغم البكاء
والنحيب.. رغم الاستغفار والندم - وجلون خائفون مترددون بين الرد والقبول!!
وإنهم عما قليل ينصرفون، وقد انفض الموقف العظيم، وتفرق الناس زمراً وأفراداً،
والله أعلم بمنازلهم، غير أن التوبة معروضة بعد، مفتوح بابها أمام المستدركين
.. وليس ذلك يكون يوم الحشر الأعظم، فأدرك يا عبد الله اليوم ما لا سعة لك فيه
غداً.
ألا إن الفقيه كل الفقه لمن يفقه هذا المعنى فيتمثله بكل جوارحه، ويستغرق
فيه بكل كيانه، وتتلبس به مشاعره وأحاسيسه، فإذا هو راغب عن كل مبهج في
الحياة، مقبل على عبادة ربه لا مطلب له سواه، وفي الحديث الصحيح يقول
رسول الله ﷺ : «الحاجُّ: الأشعثُ التَّفِلُ» [١٤] . وهو الذي قد
فرغ قلبه مستغرقاً في عبادة ربه.. حتى ليكاد يقال له: (ولا تنس نصيبك من
الدنيا) ، بينما يحتاج غيره أن يقال له: ولا تنس نصيبك من الآخرة!!
وبدا عرفة لي وكأنه لا يريد أن يُفَوِّت فرصة كهذه، وقد لحظ خشوعاً وإخباتاً
يلف المكان ومن فيه، ولمس رقة في القلوب تحكيها العيون الدامعة المغرورقة يقول:
أيها الناس: عما قليل تضعون عنكم ثياب إحرامكم، ثم ما منكم أحد إلا
وستوضع عليه أكفان تضاهيها، غير أنه لا يَلبسُها بل يُلبسَها، ولا يملك أبداً أن
يضعها.. وليؤتين بكل مُكَفَّنٍ إلى المسجد محمولاً مجبوراً، وقد كان يأتيه أو لا
يأتيه طوعاً مختاراً، [إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً]
(مريم: ٩٣) .. وكلٌّ مفض إلى ما قدم.. غير أنه لا حج لمن لا صلاة له!!
أيها الماثلون في الموقف العظيم فوقي:
أتدرون أن جبالاً دوني لا نصيب لها من قداستي، ولا ارتباط لها بشعيرة أو
نسك مثلي.. أتدرون أن فوقها الآن متنسكين عابدين، ربما لا تبلغ أجورُكم
أجورَهم؛ ذلك أنكم تتنسكون آمنين، وهم يخافون أن يتخطفهم الناس.. وأنكم
تتعبدون متنعمين، وتراهم على الجمر قابضين.. وأنكم ترابطون لياليَ وأياماً
راغدين، وهم يقضون حياتهم مرابطين.
فيا حجيج بيت الله الحرام:
أفقهتم بما سبقكم هؤلاء؟ ولمَ كان وقوفهم بجبالهم ربما يفوق موقفكم هذا؟
[ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ
مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ
يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] (التوبة: ١٢٠) .
أيها الحجيج الملبُّون رغباً ورهباً:
بشراكم اليوم وأنتم تودعونني.. بشراكم فلن تغادروا إلا وقد أجيب دعاؤكم،
وأعطيتم سؤلكم، فإن رسول الله ﷺ قال: «الحُجَّاج والعُمَّار وفْدُ
الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» [١٥] ، وكان حقاً على الكريم أن يكرم
زائره؛ فكيف بضيف دُعيَ فأجاب؟
لو تكلمت المشاعر.. فماذا عساها قائلة؟
سيق الهدي فكأني به يمتد امتداد التاريخ، ليغوص بالخاطر في أعماقه آلاف
السنين، ومضحون لا يُحصون عدداً يسوقونه فداءً وتضحية.. كلهم يقتدي بأبي
الأنبياء إبراهيم ﵇. أتحسبون أن حكمة الأضحية تقف عند اللحم
والدم؟ [لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ] (الحج: ٣٧) .. إنما هي حسن
النية، وسداد التوجه، وصدق العزيمة.. وما اللحم والدم إلا لتجديد روح الفداء في
نفوس المؤمنين، ولتنشيط حب التضحية في قلوب السالكين، وكذلك كان درس
الخليل إبراهيم ﵇، فإنه لما استسلم وإسماعيل ﵉
لأمر الله - جل وعلا -: [فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ] (الصافات: ١٠٣) ،
وعلم الله صدق توجههما للتضحية على جسامتها [وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ] (الصافات:
١٠٤-١٠٦) ، وهو اختبار كبير نجح فيه النبيان الكريمان وبكل جدارة، فعافاهما
الله تعالى من الذبح، ونقلهما إلى سنة الهَدي [وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ] (الصافات:
١٠٧) ، ليبقى ذلك خطاً واصلاً بين أتباع الحنيفية، وبين التضحية في أسمى
معانيها وأبلغها، وليكون هذا الخط سبيلاً يمدهم بمزيد من جرعات إكسير روح
الفداء؛ لأنه لا عزة لهم بدونها..
إن أمة نضبت بها روح الفداء ... ماتت وما يغني هشيم أو غثاء
فالأرض قفر إن حبست مياهها ... ويموت حق لا تروِّيه الدماء
أيها السائقون الهَدي:
ترى كم يقع ترتيبكم في «طابور» المضحِّين؟ وكم من مسافة بينكم وبين
عجوز تتقدمكم بالملايين؛ ذلك حين تجلس تنصت إلى وليدها يتلو عليها وصيته
الأخيرة، قبل أن يغادرها بلحظات، تعرف أنها لن تراه ثانية في هذه الحياة،
ويصبح فؤادها فارغاً؟! وكم من مسافة بينكم وبين عروس تتجهز لليلة عمرها،
فإذا بها تتحول عن سعادة الدهر لتتجهز للحظة استشهادها؟! وكم من مسافة بينكم
وبين طفل يواجه دبابة بحجر، ويتصدى لمجنزرة بنبل صغير؟! وكم من مسافة
بينكم وبين شيخ فان، يعرض عليه الغاصبون أموالاً طائلة ليترك بيته وأرضه في
فلسطين، فيجيب بحكمة بليغة تختزل البراهين كلها في كلمات.. يقول: يمكنني
أن أعطيكم البيت لو جئتموني بأمر يسير: وثيقة تنازل عنه، وقد وقَّع عليها
المسلمون جميعاً، ليس في هذا الجيل وحسب، بل في كل أجيال المسلمين إلى يوم
القيامة؟! ويبقى الشيخ وأمثاله من الصادقين الصابرين رغم الهدم والحصار!!
وبعد..
أيها المسلمون حجيج بيت الله الحرام:
ألا ناشدتكم الله! أن تكونوا طليعة الأمة إلى تغيير ما بنا.. عودوا إلينا كما
ولدتكم أمهاتكم. وفي الحديث الصحيح: «من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق،
رجع كيوم ولدته أمه» [١٦] ، وقد أمركم الله جل وعلا أن تجمعوا إلى الحج
استغفاراً وتوبة، فقال: [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: ١٩٨-١٩٩) ؛ أي لتستقبلوا
أيامكم بصفحة جديدة بيضاء، نزع منها كل ما أسلفتم، حتى عدتم كيوم وُلدتم.
عباد الله:
ناشدتكم الله! أن لا تنسوا الأمة من دعائكم.. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة
.. ادعوا الله.. فإن الدعاء والبلاء بين السماء والأرض يعتلجان؛ لعل الله يرفع
بدعائكم البلاء قبل أن ينزل.. ادعوا للأمة من أقصاها إلى أقصاها؛ فإن الأمة كلها
في شدة وبلاء، نعم.. وخصوا المستضعفين من أصحاب النوازل الكبار بمزيد من
الدعاء.. في فلسطين، وفي العراق، وفي الشيشان، وفي أفغانستان، وفي
جوجارات بالهند، وفي كشمير.. وفي كل مكان، وما من مكان إلا ولنا فيه
مستضعفون يتلمسون عندكم الدعاء.
عباد الله:
ناشدتكم الله! وقد منَّ عليكم بما عدتم به كيوم وُلدتم أن لا تسوِّدوا صفحاتكم
فيما تستقبلون بمساخط الله، ألا فأقلِعوا عن كل مُحرَّم، وذَرُوا كل مخالفة،
والتصقوا بكل فضيلة.. فإنه بمجموع مخالفاتنا، وبمجمل تهاوننا نزل بالأمة ما
نزل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا
محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4499
دراسات في الشريعة
عقد التأمين..
نظرة فقهية موجزة لأبرز مسائله
هاني بن عبد الله بن جبير
H- j-٣٠@maktoob.com
الحمد لله وحده، والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نبي بعده، وبعد: فإن من
نوازل هذا العصر وقضاياه المستجدة عقد التأمين الذي نشأ وانتشر بفعل القوانين
التجارية والمدنية التي جعلته واقعاً في كثير من التشريعات.
وحيث إنه سبق أن بُحِث في عدد من اللقاءات والندوات، وصدرت حوله
كثير من المؤلفات والأبحاث والرسائل، وحيث حصل مؤخراً في هذا العقد
مناقشات ومداولات فقد أحببت أن أكتب مختصراً عن هذا العقد ورأي الباحثين فيه
في هذه الأكتوبة الموجزة؛ وذلك من خلال أربع نقاط:
أولاً: تعريف التأمين وحقيقته:
التأمين في اللغة مصدر أمَّن يؤمَّن، مأخوذة من الاطمئنان الذي هو ضد
الخوف، ومن الأمانة التي هي ضد الخيانة. يقال: أمَّنهُ تأميناً وائتمنه واستأمنه [١] .
وعند الفقهاء: التأمين قول آمين. وصار يُستخدم التأمين للدلالة على عقد خاص
تقوم به شركات التأمين تدفع بموجبه مبلغاً في حال وقوع حادث معين لشخص يدفع
لها قسطاً من المال [٢] .
لا بد للناظر للتأمين أن يتنبه إلى الفرق بين تناول التأمين كفكرة ونظريَّة،
وبين تنظيمه في عقد. فالتأمين كنظرية ونظام مقبول؛ إذ إنه تعاون بين مجموعة
من الناس لدفع أخطار تحدق بهم؛ بحيث إذا أصابت بعضهم تعاونوا على تفتيتها
مقابل مبلغ ضئيل يقدمونه [٣] . ولا شك أن هذه الفكرة فكرة مقبولة تقوم عليها كثير
من أحكام الشريعة مثل الزكاة والنفقة على الأقارب، وتحميل العاقلة للدية. إلى
أمثلة كثيرة تدعو إلى التعاون على البر والإحسان والتقوى والتكافل والتضامن. هذه
فكرة التأمين، وهي فكرة تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها، وليس في
هذا إشكال بحمد الله، وإنما الإشكال في صياغة هذه الفكرة في عقد معاوضة، أي
في كونه علاقة بين المؤمن من جهة والمستأمن من جهة أخرى. وسيكون هذا هو
محل البحث في هذه الأوراق.
نشأة التأمين التجاري:
كان أول ظهور التأمين التجاري تأميناً للمخاطر التي تتعرض لها السفن
المحملة بالبضائع؛ وذلك في شمال إيطاليا في القرن الثاني عشر الميلادي؛ حيث
كان صاحب البضاعة يدفع قسطاً معيناً على أنه في حال تلف البضاعة يقبض مبلغاً
من المال. ثم بدأ التأمين التجاري بالرواج؛ ولكنه لم ينتقل إلى الدول العربية إلا
في القرن التاسع عشر؛ بدليل أن فقهاء المسلمين حتى القرن الثالث عشر الهجري
لم يبحثوه مع أنهم بحثوا كل ما هو محيط بهم في شؤون حياتهم العامَّة؛ فتناوله
العلاَّمة محمد أمين بن عابدين (١٢٥٢هـ) في كتابه رد المحتار [٤] على الدر
المختار وسماه: سوكرة [٥] . وقد تزايد التعامل به بعد ذلك حتى دخل كثيراً من
المجالات الاقتصادية وغيرها [٦] .
ويرى بعض الباحثين أن التأمين التجاري يتجه إلى الانكماش فالزوال؛ وذلك
أن دول العالم الغربي تتجه إلى الأخذ بالتأمين التعاوني، وأن أكبر المنظمات
التأمينية في سويسرا هي منظمات تعاونية.
كما أن إحصائيات التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٧٢م تذكر
أن التأمين التعاوني أصبح يغطي أكثر من ٧٠% من نشاط التأمين فيها [٧] .
تعريف عقد التأمين التجاري:
تنوعت تعريفات هذا العقد في القوانين المدنية ولدى الباحثين المهتمين،
ويمكن منها أن يستخلص تعريف له بأنه: عقد معاوضة يلتزم أحد طرفيه وهو
المؤمِّن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمَّن له أو من يعينه عوضاً مالياً يتفق
عليه يدفع عند وقوع الخطر أو تحقق الخسارة المبينة في العقد، وذلك نظير رسم
يسمى (قسط التأمين) يدفعه المؤمَّن له بالقدر والأجل والكيفيَّة التي ينص عليها
العقد المبرم بينهما [٨] .
ومن خلال هذا التعريف وما ذكره القانونيون نجد أن من أبرز خصائص [٩]
عقد التأمين:
١ - أنه عقد ملزم لطرفيه، فيلتزم المؤمَّن له بدفع الأقساط حسب الاتفاق،
ويلتزم المؤمِّن بدفع التأمين عند حصول حادث محتمل.
٢ - كما أنه عقد معاوضة؛ لأن كلا المتعاقدين يأخذ مقابلاً لما أعطى،
فالمؤمِّن يعطي قسط التأمين، والمؤمَّن له يعطي مبلغ التأمين عند تحقق ما يوجبه.
وليست المعاوضة مقابل أمان محض يحصل عليه المؤمن.
٣ - كما أنه عقد احتمالي؛ لأن كل طرف لا يعرف كم سيدفع وكم سيعطى
على وجه التحديد؛ لأن ذلك يتوقف على وقوع الخطر أو عدم وقوعه.
٤ - أنه عقد تجاري يهدف المؤمِّن منه إلى الربح والفائدة من خلال الأقساط
المتجمعة لديه.
ثانياً: حكم عقد التأمين التجاري:
لم يكن هذا العقد معروفاً عند السلف، فلم يرد فيه نص شرعي، ولم يوجد
من الصحابة والأئمة المجتهدين من تعرَّض لحكمه. ولمَّا انتشر في هذا العصر
درسه الباحثون، واختلفوا في حكمه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التأمين التجاري عقد غير جائز: قال به ابن عابدين الحنفي
[١٠] ، ومحمد بخيت المطيعي [١١] ، (١٣٥٤هـ) مفتي الديار المصريَّة، والشيخ
محمد رشيد رضا [١٢] ، ومحمد أبو زهرة [١٣] ، وعبد الله القلقيلي مفتي الأردن
[١٤] ، ومحمد أبو اليسر عابدين مفتي سوريا [١٥] ، والدكتور صديق الضرير [١٦] ،
وشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق [١٧] ، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [١٨] ،
وجماعة كثيرون.
كما أنه الرأي الذي أفتت به عدة هيئات كهيئة كبار العلماء في المملكة العربيَّة
السعودية [١٩] ، والمجمع الفقهي الإسلامي [٢٠] التابع لرابطة العالم الإسلامي،
ومجمع الفقه الدولي بجدة [٢١] التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمؤتمر العالمي
للاقتصاد الإسلامي [٢٢] ، وهيئة رقابة بنك فيصل الإسلامي [٢٣] ، إلى غيرها من
الجهات العلميَّة.
القول الثاني: أن التأمين التجاري عقد جائز: وقال به مصطفى الزرقا [٢٤] ،
وعلي الخفيف [٢٥] ، ومحمد يوسف موسى [٢٦] ، وعبد الوهاب خلاف [٢٧] ،
وصدر به قرار الهيئة الشرعيّة لشركة الراجحي المصرفيّة [٢٨] .
القول الثالث: وهو التفصيل بجواز أنواع من التأمين وتحريم أنواع: فمنهم
من أجاز التأمين على الأموال دون التأمين على الحياة وهو قول محمد الحسن
الحجوي [٢٩] ، ومنهم من أجاز التأمين من الخطر الذي من أفعال العباد كالسرقة
وحرّم التأمين من الخطر الذي سببه آفة سماوية وهو قول نجم الدين الواعظ مفتي
العراق [٣٠] ، ومنهم من أباح التأمين على حوادث السيارات والطائرات والسفن
والمصانع وحرّم ما عداه وهو قول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود [٣١] .
أدلّة أصحاب القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بجملة أدلّة منها:
الدليل الأول:
أن عقد التأمين عقد معاوضة وهو مع ذلك مشتمل على غرر، والغرر يفسد
عقود المعاوضات.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن
بيع الغرر [٣٢] ، والنهي يقتضي الفساد. والغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات،
أو ما طُوِيت معرفته وجُهلت عينه [٣٣] . فكل عقد بني على أمر محتمل مشكوك
فيه فهو غرر. والغرر المؤثر هو ما كان في عقود المعاوضات المالية وكان غالباً
على العقد حتى يصح وصف العقد كله بأنه غرر. ولا شك أنَّ عقد التأمين مشتمل
على الغرر في أكثر من موضع منه: فالجهالة حاصلة في صفة محل التعاقد؛
فالعوض لا يُعْرف مقداره حتى يقع الخطر المؤمن عليه. كما أنها حاصلة في أجل
العوض الذي لا يعرف متى يحل. كما أن حصول العوض نفسه مجهول مشكوك
فيه، فلا يعرف المتعاقدان ذلك لتوقفه على وقوع الخطر أو عدم وقوعه. فالغرر
في الحصول وصفته وأجله وهي أمور مقصودة عند التعاقد، وهذا يفسد العقد. وقد
نوقش هذا الدليل بأمرين:
الأوَّل: أنه لا يوجد غرر في عقد التأمين؛ لأن غايته حصول الأمان وقد
حصل بمجرد العقد سواء وقع الخطر أو لا.
والثاني: أنّه على فرض حصوله فهو غرر يسير لا يؤثر في العقد [٣٤] .
والجواب: أن النظر الشرعي في عقود المعاوضات إنما يكون لمحلها لا إلى
غاياتها؛ فإن الغاية أمر غير منضبط، ولكلٍّ أن يجعل غاية عقده بما يراه. فيصح
لنا أن نقول: إن غاية عقد التأمين أكل المال بالباطل. ويمكن لمن يبيح الفوائد
الربويّة أن يتذرع بأن غايتها تحريك المال وتنميته واستثماره. وعليه فلا يتعلق
توصيف الأحكام بالمقاصد والحكم منها دون النظر لمحلها. ومحل عقد التأمين هو
قسط التأمين وعوضه، وهذا العِوَض مجهول الحصول والمقدار والأجل.
وخروجاً من هذا اضطر بعض الباحثين إلى القول بأن محل عقد التأمين هو
نفس ضمان الأمن والأمان. وقرر أن الأمن والأمان حق معنوي متفق مع الحقوق
المحسوسة في اعتباره محل معاوضة ومحلاً لتداول الأيدي على تملكه؛ ولذا فلا
مانع من أن يكون الأمان هو محل المعاوضة في عقد التأمين [٣٥] .
ويناقش هذا القول بما يلي:
١ - أن الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً [٣٦] . (والحق
المعنوي سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو نشاطه) . والأمان
ليس اختصاصاً، بل هو شعور داخلي وطمأنينة نفسيَّة كالحب والبغض لا يمكن
تداوله ولا المعاوضة عليه.
٢ - أن عقد التأمين لا يحقق للشخص الذي يرغب في توقي نتائج الخطر
أماناً حقيقياً؛ لأنه مهدد بإعسار المتعاقد معه.
٣ - أن جعل الأمان محلاً لعقد التأمين مخالف للنظرة القانونية التي نشأ هذا
العقد في ظلالها ومخالف للنظر الفقهي حتى لدى من أجاز عقد التأمين كالشيخ
مصطفى الزرقا [٣٧] .
٤ - أن الأمان إذا كان هو محل عقد التأمين فإنه ينبغي أن يكون منحه
للمستأمن كافياً عن بذل عوض التأمين. وإذا قيل إن الأمان لا يحصل إلا ببذل
عوض التأمين علمنا أن محل العقد هو المال، وأن الأمان هو الباعث عليه أو
الغاية منه.
٥ - ثم إن الأمان المجعول محلاً لعقد التأمين مجهول المقدار غير معلوم
الصفة تحديداً وهذا غرر أيضاً.
الدليل الثاني:
أن عقد التأمين يتضمن الميسر والقمار، وقد حَرَّم الله الميسر بقوله - تعالى -:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: ٩٠) والميسر كما قال شيخ الإسلام
ابن تيمية: (أخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة: هل يحصل له عوض، أو لا
يحصل؟) [٣٨] .
وهذا الوصف متحقق في عقد التأمين باعتراف رجال القانون؛ وذلك لأن
الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر؛ فإذا لم
يتحقق كسب المبلغ الذي دُفع له، وإذا تحقق دَفع مبلغاً يزيد كثيراً عما قبضه،
وهذا هو الرهان [٣٩] .
وقد نوقش هذا الدليل بأن التأمين جد والقمار لعب، وأن المؤمَّن إنما دفع ماله
لمن يدفع عنه ضرراً كما يدفع التاجر لمن يحرس القافلة مبلغاً لحفظها من الخطر
[٤٠] .
الجواب: أن عقد التأمين يدخل تحت تعريف الميسر وتوجد فيه خصائصه.
وأما الخفارة التي تُدفع لمن يحرس القافلة ونحوها فهذا المبلغ إنما يُدفع أجرةً
للحارس مقابل تسليمه نفسه وقت العقد ليقوم بمقتضاه، ولم يأخذ المبلغ دون تسليمه
نفسه. ثم إنه لا يضمن ما سرق أو تلف إذا لم يفرط في واجبه.
الدليل الثالث:
أن عقد التأمين يتضمن الربا، بل هو أصيل فيه، والربا محرم مفسد للعقد
المشتمل عليه؛ وذلك أن التأمين كما عَرَّفه القانون: عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن
يؤدي إلى المؤمَّن له مبلغاً من المال ... في نظير مقابل نقدي ... فهو معاوضة مال
بمال دون تقابض ولا تماثل وهذا هو الربا.
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بأقيسةٍ مختلفةٍ من أبرزها ما يلي:
الأول: القياس على العاقلة: فإنَّ العاقلة تتحمَّل شرعاً دية قتل الخطأ عن
القاتل وتتقاسمها بين أفرادها لأجل تفتيت أثر المصيبة عن الجاني. وكذلك الحال
في شركات التأمين فإنها تعمل على ترميم الأخطار، وتخفيف المصاب [٤١] .
ويناقش هذا القياس بأمور:
١ - أن العاقلة تتحمل الدية لما بينها وبين القاتل من قرابة ورحم التي تدعو
للتعاون ولو دون مقابل؛ وعقود التأمين تجارية تقوم على المعاوضة الماليَّة المحضة
لا إلى عاطفة الإحسان؛ فهذا قياس مع الفارق.
٢ - أن ما تتحمله العاقلة يختلف باختلاف أحوالهم من غنى وفقر، أما
أعضاء شركات التأمين فيتحملون على السواء، ولا يُنظر إلى ثروتهم الخاصة في
تقدير ما يتحمله كل فرد.
الثاني: تخريج عقد التأمين على مسألة ضمان خطر الطريق: وقد نَصَّ
الحنفيَّة على جوازها، وصورتها أن يقول رجل لآخر: اسلك هذا الطريق؛ فإنّه
آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن؛ فإذا سلكه فأخذه اللصوص ضمن القائل.
وعقد التأمين يشبه هذه المسألة من حيث التزام الضمان؛ فالشركة التزمت الضمان؛
كما أنَّ القائل التزم الضمان [٤٢] .
ونوقش بوجود الفارق بين المسألتين من وجوه:
١ - ففي مسألة الضمان كان الالتزام من طرف واحد؛ في حين أن الالتزام
في عقد التأمين من الطرفين [٤٣] .
٢ - ولأن الضمان من عقود التبرعات التي يراد بها المعروف، والتأمين عقد
معاوضة مالية فلا يصح القياس بينهما.
٣ - ثم إن مسألة ضمان خطر الطريق مبعثها تغريره للسالك وإخباره بأنه
آمن لا لمجرد الضمان، أما شركات التأمين فهي تقرر التضمين مطلقاً [٤٤] .
٤ - كما أن للضامن أن يرجع على المضمون بما دفع عنه، وليس الحال
كذلك في التأمين لكونه معاوضة لا ضماناً.
الثالث: قياس عقد التأمين على نظام التقاعد وأشباهه: وذلك أن نظام التقاعد
عقد معاوضة يقوم على اقتطاع جزء ضئيل من مرتب الموظف شهرياً ليُصرف له
تعويض في نهاية خدمته، وهذا يشبه أقساط التأمين وعوضه وفي كليهما لا يدري
الشخص كم يستمر دفعه ولا كم يبلغ مجموعه، ثم قد يستلم ما يزيد كثيراً على
مجموع الأقساط، وقد لا يستلم شيئاً؛ فإذا جاز نظام التقاعد فليكن الحكم مثله
للتأمين [٤٥] .
ونوقش: بأن التقاعد ليس عوضاً عما اقتطع من الموظف شهرياً وإلا لوجب
توزيعه على سنن الميراث ولم يجز أن يحرم منه الموظف ولا ورثته بعده؛ وإنما
التقاعد مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسؤولاً عن رعيته وراعى في احتسابها
ما قام به الموظف من خدمة ومصلحة أقرب الناس إليه ومظنّة الحاجة فيهم؛ فليس
التقاعد معاوضة بين الدولة وموظفيها، ولا يقوم على أساس التجارة وتحصيل
الأرباح.
هذا وقد استدل أصحاب هذا القول بأقيسة أخرى تشترك جميعها في أنها لا
يصح التخريج عليها لعدم توافر شروط القياس وأهمها أن يكون المقيس عليه متفقاً
عليه لألاَّ يمنع المخالف حكم الأصل، وهذا ممكن في جميع الأقيسة.
كما أنه يوجد الفارق بين عقد التأمين وبين المقيس عليه، وأما القول الثالث
فاستدل على ما منع بأدلة المانعين وعلى ما أباح بأدلة المبيحين وقد سبق ذلك.
القول الراجح:
القول الراجح مما سبق بعد تأمل الأدلة هو القول بتحريم هذا العقد لكون أدلتهم
أقوى استنباطاً وأتم دلالة؛ فمن أباح التأمين اعتمد على أقيسة مأخوذة من
استنتاجات الفقهاء؛ بينما المحرِّم له استند إلى نصوص شرعيَّة وقواعد أساسيَّةٍ
أجمع المجتهدون على الأخذ بها. كما أن التأمين لا يتضمن مصلحة غالبة، وسبق
أن نشر تفسير ذلك جلياً [٤٦] .
وليس فيه مصلحة للمجتمع في النهاية، بل كل ما يترتب عليه هو نقل عبء
الخطر برمته من عاتق شخص إلى عَاتِق شخص آخر، وهذا ليس فيه أيَّة فائدة
للمجتمع [٤٧] ، وله خطورة على اقتصاد الدولة من حيث سيطرة شركات التأمين
ممثلة في أفراد قلائل على مدخرات المواطنين وتوجيهها وفق هواها ومصالحها
الخاصة مما اضطر بعض الدول إلى تأميم شركات التأمين [٤٨] .
ثالثاً: البديل الشرعي لعقد التأمين التجاري:
لا شك أن التعاون في تفتيت الأخطار ومواجهة الظروف والتكافل في حلها
مما يدعو إليه الإسلام وقرره في تشريعات مختلفة كالزكاة التي هي مظلة التأمين
الكبرى لجميع المواطنين في المجتمع الإسلامي، وكواجب الإنفاق على القرابة
والضيف، وكواجب بيت المال في تأمين حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي.
ومن وسائل التعاون التي أفتت المجامع الفقهية المعاصرة بجوازها ما يسمى
بالتأمين التعاوني [٤٩] . والمراد به في ضوء القرارات المشار إليها: قيام جماعة
يتفق أفرادها على تعويض الأضرار التي قد تنزل بأحدهم نتيجة خطر معين؛ وذلك
من مجموع الاشتراكات التي يتعهد كل فرد منهم بدفعها.
فهذا عقد تبرع يقصد به التعاون ولا يستهدف تجارة ولا ربحاً؛ كما أنه يخلو
من الربا، ولا يضر جهل المساهمين فيه بما يعود إليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون؛
فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة.
وأبسط تصوير لهذا التأمين هو أن تكوِّن أسرة أو جماعة صندوقاً، ويدفعوا
مبالغ يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر، فإن لم تفِ
المبالغ التي دفعوها سَدَّدوا الفرق المطلوب، وإن زاد شيء بعد التعويضات أُعيد
إليهم أو جُعل رصيداً للمستقبل.
ويمكن أن يوسَّع هذا التصور المبسط ليطور هذا الصندوق ليكون هيئة أو
مؤسسة يتفرغ لها بعض العاملين لتحصيل المبالغ وحفظها وصرف التعويضات،
ويكون لها مجلس إدارة يقرر خطط العمل؛ وكل ذلك بمقابل أجر معين أو تبرعاً
منهم؛ بشرط أن يكون مبناه التبرع، ولا يقصد منه تحصيل الأرباح، وغاية جميع
أطرافه التعاون [٥٠] .
تطبيقات التأمين التعاوني:
طرح عدد من المهتمين بالاقتصاد الإسلامي عدة نماذج وتصورات للتأمين
الإسلامي، وتبنت جهات مالية إنشاء شركات تقوم بالتأمين من منظور إسلامي
سُمّي أكثرها بالتعاوني؛ وذلك في عدد من البلاد الإسلاميّة استفيد أكثرها من فكرة
التأمين التعاوني لدى الغرب [٥١] ، إلا أن واقع هذه المؤسّسات ليس بالضرورة
مطابقاً لمقصود المجامع العلميّة التي أفتت بإباحة التأمين التعاوني وإنما هو تطبيق
لنظريته لدى الهيئة الشرعيّة المؤسّسة له. فقد يكون منها ما هو فكرة مطورة
للتأمين التعاوني، ومنه ما يكون تأميناً تجاريّاً بضوابط معينة أو حتى بصورته
المعروفة [٥٢] .
ولذا صدر البيان المعروف من اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء بالمملكة
العربية السعوديَّة حيال بعض المؤسسات والشركات المتسمية بالتأمين التعاوني بأنها
لا تمثل التأمين التعاوني الذي أباحته هيئة كبار العلماء، وإنما هو تأمين تجاري؛
وتغيير اسمه لا يغير حقيقته [٥٣] .
والحقيقة أن المؤسسات القائمة بالتأمين والساعية لتصحيح وضعها ومطابقته
للبديل الإسلامي تواجه أموراً صعبة من أبرزها إعادة التأمين [٥٤] ، وهو أن تدفع
شركة التأمين جزءاً من أقساط التأمين التي تحصل عليها من جمهور المستأمنين
لشركة إعادة تأمين تضمن لها في مقابل ذلك جزءاً من الخسائر.
فإذا وقع الخطر المؤمَّن ضده لجأ المستأمن إلى شركة التأمين التي تدفع له،
ثم تطالب شركة إعادة التأمين بدفع جزء من التعويض حسب الاتفاق المبرم بينهما.
فتكون شركة التأمين المباشر كوسيط بين المستأمن وشركة إعادة التأمين،
وتعترف شركات التأمين الإسلامية بأنه لا قيام لها ولا ازدهار لصناعتها إلا
بترتيبات إعادة التأمين [٥٥] . وشركات إعادة التأمين الضخمة جميعها تجارية، وقد
بدأت الآن شركات إعادة تأمين تتبنى المنهج الإسلامي فيه [٥٦] .
رابعاً: الإلزام بالتأمين:
من جملة ما طرح من أفكار في موضوع التأمين ما رآه الأستاذ محمد البهي؛
حيث قرر حِلَّ التأمين بجميع أنواعه، ورأى أنه يجب على الدولة الإلزام به لما فيه
من مصلحة. أمَّا الدكتور محمد شوقي الفنجري فإنه بعد أن قرر معارضته للتأمين
التجاري وعدم شرعيته، وأن التأمين التعاوني هو بديله المثالي قال: (ونرى
لضمان نجاح التأمين التعاوني، في مثل ظروف المجتمعات العربيَّة والتي تعاني
من عدم كفاية الوعي التأميني مع ترامي مساحاتها الشاسعة وارتفاع إمكانياتها الماليَّة
أن يكون التأمين إلزامياً في الأصل، واختيارياً في الحالات التي يقررها. وهو
يكون إلزامياً بالنسبة للفئات التي يكثر لديها وقوع الخطر كأصحاب السيارات
وأصحاب المصانع، وبالنسبة للحالات المؤكد وقوعها كالمرض والشيخوخة
والوفاة..) [٥٧] .
ولي مع هذا الرأي وقفات:
١ - عقد التأمين عقد رضائي، والعقود في الشريعة الإسلامية أساسها
التراضي بين طرفي العقد.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: ٢٩) .
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ
خطب الناس في حجة الوداع فقال: «لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه
من طيب نفس» [٥٨] .
وقد اتفق جمهور أهل العلم على أن من أُكره على قول أو عقد لم يترتب عليه
حكم من الأحكام، وكان لغواً [٥٩] . وإذا أُلزم أحد بعقد فات شرط التراضي انعدمت
الصِّحَة فيه. والتأمين التعاوني أساسه التبرع ولا يُتَصَوَّر تبرع من مُكْرَه. مع أنه
قد يصح تخريج ذلك بالنسبة للتأمين التجاري عند القائل به على نزع ملكية
العقارات للصالح العام، والتسعير، وإلزام المحتكر بالبيع بسعر المثل، وإلزام
أرباب المهن بالعمل بأجرة المثل إذا امتنعوا عن العمل إلا بأُجور فاحشة والناس
بحاجة إلى منافعهم.
إلا أن القول بهذا يحتاج إلى إثبات أن الحاجة إلى هذا النوع من التعاقد
ضرورة عامة يصح أن تكون سبباً لإلغاء أساس العقود الذي هو الرضا من طرفيه.
وأن هذا العقد فعلاً سبب لرفع هذه الضرورة.
ثم إن صح هذا في التأمين التجاري، وقد تقدم بيان حكمه، فلا يصح في
التعاوني الذي تقدَّم أن أساسه التبرع والمسامحة، ولا يتصور تبرع إلا برضا البَاذِل.
٢ - إن في الإلزام بأمر هو محل خلاف بين أهل العلم نظراً واضحاً. وقد
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عمّن ولي أمراً من أمور المسلمين
ومذهبه لا يجوِّز شركة الأبدان؛ فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: (ليس له منع
الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع
نَصٌّ من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك؛ لا سيما وأكثر
العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامَّة المسلمين في عامَّة الأمصار.
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا
للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل؛ ولهذا لما استشار الرشيد
مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال: إن
أصحاب رسول الله ﷺ تفرّقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من
العلم ما بلغهم. وصَنَّف رجلٌ كتاباً في الاختلاف؛ فقال أحمد: لا تسمّه: (كتاب
الاختلاف) ولكن سمّه: (كتاب السُّنة) .
ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجَّةٌ قاطعة، واختلافهم رحمة
واسعة. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرّني أن أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً.
وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك
قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من
أصحاب الشافعي وغيره: (إن مثل هذه المسائل الاجتهاديّة لا تنكر باليد، وليس
لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلميَّة؛ فمن تبين له
صحّة أحد القولين تبعه، ومن قَلّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه؛ ونظائر هذه
المسائل كثيرة) [٦٠] .
وليس هذا من الحكم الذي يرفع الخلاف؛ فإن ذلك في الأمور المعينة
والمسائل الخاصّة بموطنها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأمور المشتركة بين
الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحدٍ أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير
ولا شيخ.. وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور
الكليّة..) [٦١] .
وبناء على هذين الأمرين؛ فإنه لا يظهر لي وجاهة ما قرره الأستاذان
الفاضلان. والله الموفق.
وبعدُ: فهذا آخر ما تهم معرفته عن حكم هذا العقد. أسأل الله - تعالى - أن
يوفق للصواب لا إله إلا هو.
стр. 4500
دراسات في الشريعة
الحوار الإسلامي النصراني
أو الحوار بين مسلمين ونصارى
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي [*]
qadisa@yahoo.com
بعث الله نبيه محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على
الدين كله، وأمره بالدعوة إليه، فعمَّ وخصَّ، فقال سبحانه: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي
وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ] (الأعراف: ١٥٨) ، وقال: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ
اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) .
وحذَّره ربُّه أن يجنح إلى شيء من محاولات الذين كفروا من أهل الكتاب
والمشركين لاستزلاله عما بُعث به، فعمَّ وخصَّ، فقال: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ
أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ
عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] (الكافرون: ١-٦) ، وقال في خاصة
أهل الكتاب: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً
عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَق] (المائدة:
٤٨) ، إلى أن قال: [وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْك]
(المائدة: ٤٩) .
فامتثل النبي ﷺ أمر ربه، فدعا عشيرته الأقربين، وثنى
بسائر العالمين، فعن أنس بن مالك ﵁: «أن نبي الله صلى الله عليه
وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار؛ يدعوهم
إلى الله تعالى. وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ » [١] .
وكان نص كتابه ﷺ إلى هرقل ما يلي: «بسم الله الرحمن
الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من
اتبع الهدى، أما بعد: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك
إثم اليريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله،
ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله؛ فإن تولوا فقولوا
اشهدوا بأنا مسلمون» [٢] .
وعلى هذا الصراط المستقيم سار صحابته الكرام، والتابعون لهم بإحسان،
وهم يفتحون القلوب قبل الحصون، ويُدخلون الناس في دين الله أفواجاً، وعلى
خطاهم سار الموفقون من سلف هذه الأمة عبر القرون المتطاولة، لا يعرفون غير
الدعوة إلى الله بالحجة والبيان، فإن لم؛ فبالسيف والسنان، [حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال: ٣٩) ، لا يعرفون شيئاً من الطرائق المحدثة من
تقريب أو تلفيق أو توفيق.
فلما استدار الزمان، وتحلحلت عرى الإيمان، وآل حال أهل الإسلام إلى
ضرب من الضعة والانكسار في القرون الأخيرة؛ طمع فيهم عدوهم، واستهوى
رقاق الدين منهم إلى مدارج من الفتنة والاستزلال والتي حذر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم منها والمؤمنين فاستشرفوها فاستشرفتهم، فلم يزل أمرهم في سفال، فلا
هم أرضوا ربهم، ولا هم نالوا من مخالفهم بعض ما منَّاهم به.
فمن ذلك: فتنة (التقارب الإسلامي المسيحي) ، كما كانت تسمى قبل ثلاثة
عقود، ثم لطِّفت فسُمّيت: (الحوار الإسلامي المسيحي) ، ثم وُسِّعت بين يدي
«اتفاقية أوسلو» للتطبيع مع اليهود، فصارت: (حوار الأديان) ، وربما:
(حوار الأديان الإبراهيمية) ، ثم لم تزل تتسع في ظل الدعوة إلى العولمة
لتصبح: (حوار الحضارات) فتشمل الهندوسية، والبوذية، وسائر الملل الوثنية،
في زخرف من القول، وبهرج من العمل.
وقد كانت الجبهة العريضة تاريخياً وجغرافياً تجاه العالم الإسلامي هي الغرب
النصراني، ولا يزال، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، كما في حديث المستورد
القرشي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (تقوم
الساعة والروم أكثر الناس) [٣] .
وأحاديث الفتن والملاحم في الصحاح والسنن والمسانيد متوافرة على أنهم
خصوم المستقبل، كما أنهم خصوم الحاضر والماضي، وهم اليوم يملكون الآلة
العسكرية، والقوة الاقتصادية، والهيمنة الإعلامية، ومع ذلك تنطلق من مراجعهم
الدينية والسياسية الدعوة إلى التقارب والحوار.. فما سر ذلك؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي أن نلم بجانب وصفي معاصر لنشأة
ظاهرة (الحوار الإسلامي النصراني) أو (الحوار بين مسلمين ونصارى) على
وجه الدقة؛ حتى لا نضفي على بعض الممارسات الخاطئة الصفة الإسلامية، بل
ننسبها إلى أفراد أو هيئات من المسلمين خاضوا فيها بحسن نية وجهل حيناً،
وتساهل وتجاهل أحياناً.
* وقائع معاصرة:
- في عام (١٣٠١هـ / ١٨٨٣م) أسس الشيخ محمد عبده، والقس الإنجليزي
«إسحاق تيلور» ، وجمال رامز بك (قاضي بيروت) ، ونفر من الإيرانيين
جمعية سرية للتقريب بين الأديان في بيروت.
- في عام ١٩٣٥م انعقد مؤتمر (تاريخ الأديان الدولي) في بروكسل، وأوفد
شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي كلاً من الأستاذين: مصطفى عبد الرازق،
وأمين الخولي.
- في عام ١٩٣٦م انعقد (المؤتمر العالمي للأديان) في لندن، وانتدب الشيخ
المراغي أخاه عبد العزيز لإلقاء كلمة نيابة عنه.
- في عام ١٩٣٧م انعقد (المؤتمر العالمي للأديان) في جامعة السربون،
وانتدب الشيخ المراغي الشيخ عبد الله دراز نيابة عنه.
- في عام ١٩٤١م أسس المستشرق الكاثوليكي الفرنسي «لويس
ماسينيون» ، والأب الكاثوليكي المصري «جورج قنواتي» (جمعية الإخاء
الديني) ، وضمت في عضويتها بعض علماء الأزهر.
- في عام ١٩٤٨م (عام إعلان قيام دولة إسرائيل) أسس اليهودي الأمريكي
«المير برجر» (جمعية الأصدقاء الأميركان للشرق الأوسط) ، واستدرج
لمنصب نائب رئيسها الشيخ محمد بهجة البيطار ﵀، ثم تبين له لاحقاً خلاف
ما كان يؤمل. وكان من نشاطها:
- في عام ١٩٥٤م انعقد مؤتمر (القيم الروحية للديانتين المسيحية والإسلامية)
في (بحمدون) في لبنان، ثم مؤتمر (لجنة العمل للتعاون الإسلامي المسيحي)
في الإسكندرية عام ١٩٥٥م، ثم مؤتمر (لجنة مواصلة العمل للتعاون الإسلامي
المسيحي) في (بحمدون) عام ١٩٥٦م. ثم انطفأت تلك الجمعية المشبوهة أمام
رياح الريبة من الدوافع اليهودية والأمريكية وراءها.
- في عام ١٩٦٢م - ١٩٦٥م انعقد المجمع الفاتيكاني الثاني، لأساقفة الكنيسة
الكاثوليكية في حاضرة الفاتيكان؛ ليزيح عن النصارى عقيدة (لا خلاص خارج
الكنيسة) ، ويوسع مفهوم (الخلاص) ليشمل المسلمين، وينظر إليهم بتقدير،
ويحرضهم على نسيان الماضي، والعمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم، عن
طريق الحوار والتعاون، كما جاء في دساتير المجمع وبياناته، فكان ذلك إيذاناً
بانفتاح باب الحوار على مصراعيه، وانطلاق فعاليات التقارب من مؤتمرات،
وندوات، وتبادل زيارات، وافتتاح سفارات، على أوسع نطاق.
- في عام ١٩٦٤م أنشأ البابا «بولس السادس» (أمانة السر للعلاقات بغير
المسيحيين) ، تطورت في عام ١٩٨٩م إلى (المجمع البابوي للحوار بين الأديان) .
- في عام ١٩٦٩م حذا مجلس الكنائس العالمي حذو الكنيسة الكاثوليكية؛ إثر
مؤتمر (كرتينيه) قرب جنيف، ودعا إلى الحوار مع المسلمين على أصعدة متعددة.
- في عام ١٩٧١م أسس مجلس الكنائس العالمي (الوحدة الفرعية للحوار مع
معتنقي المعتقدات الحية والإيديولوجيات) ، ثم عقد العديد من المؤتمرات في آسيا
وإفريقيا والعالم العربي؛ في عقد السبعينيات الميلادية.
- في عام ١٩٦٨م انطلقت في الفلبين سلسلة من المؤتمرات في مناطق
المسلمين، رعتها جهات أكاديمية حتى منتصف السبعينيات، ثم تولتها الحكومة
الفلبينية بعد ذلك.
- في عام ١٩٦٩م شرع الشيخ حسن خالد (مفتي لبنان) في عقد مؤتمرات
(إسلامية مسيحية) محلية متتابعة، لكن أوقفتها الحرب الأهلية اللبنانية عام
١٩٧٥م.
- في عام ١٩٧٠م بدأت سلسلة من اللقاءات بين المجلس الأعلى للشؤون
الإسلامية في القاهرة، وأمانة السر الفاتيكانية للعلاقات بغير المسيحيين.
- في عام ١٩٧١م شرعت وزارة الشؤون الدينية في إندونيسيا بعقد مؤتمرات
متتابعة في أرجاء الجزر الإندونيسية، بلغت ثلاثة وعشرين مؤتمراً محلياً خلال
ست سنوات، روجت لفكرة وحدة الأديان إلى حد بناء مجمع للمعابد الدينية للأديان
المعترف بها في الحديقة الوطنية.
- في عام ١٩٧٤م بدأت في الهند لقاءات بين مسلمين ونصارى؛ بتنسيق من
مجلس أساقفة الهند الكاثوليك، ومعاهد تنصيرية، وأفراد من المسلمين، واستمرت
حتى التسعينيات.
- في عام ١٩٧٤م شرعت (جمعية الصداقة الإسلامية المسيحية في إسبانيا)
في عقد مؤتمراتها في قرطبة؛ حتى احتفلت عام ١٩٨٦م بمرور اثني عشر قرناً
على تأسيس الجامع الأموي.
- في عام ١٩٧٤م أقامت جماعة صوفية مؤلفة من أوروبيين ومغاربة،
تُسمى (فرقة الأبحاث الإسلامية المسيحية) ، وتنتمي إلى (دير سيننكا) في فرنسا
العديد من اللقاءات الروحية في عواصم أوروبية ومغربية.
- في عام ١٩٧٤م قام وفد مكون من تسعة علماء من المملكة العربية السعودية،
على رأسه وزير العدل الشيخ محمد بن علي الحركان بزيارة للفاتيكان، وبالتقاء
البابا «بولس السادس» ، وعقد ندوة عن حقوق الإنسان في الإسلام، سبقتها ندوة
في باريس، وتلتها ثلاث ندوات في كل من جنيف، وباريس ثانيةً، وستراسبورج،
وكان لها صدى واسعاً.
- في عام ١٩٧٦م انعقدت (ندوة الحوار الإسلامي المسيحي) في طرابلس
بليبيا؛ بتنظيم من الفاتيكان والحكومة الليبية، وبحضور كبير وتمثيل واسع من
مختلف الطوائف والشخصيات، وقد فاجأ الرئيس معمر القذافي شركاءه النصارى
بإلزامهم بالاعتراف بنبوة محمد ﷺ ، والإقرار بتحريف كتبهم،
وإدانة إسرائيل؛ مما أدى إلى ولادة متعسرة للبيان الختامي، وقيام الكنيسة
الكاثوليكية بإعادة تقويم مسيرة الحوار.
- في حقبة السبعينيات الميلادية نشطت مؤتمرات الحوار الإسلامي النصراني
في أوروبا الغربية؛ برعاية كنسية، وصبغة صوفية. وفي عقد الثمانينيات اتخذت
منحى اجتماعياً؛ بفعل الهجرة المتزايدة لأوروبا من البلاد الإسلامية، ورعتها
مؤسسات اجتماعية وأكاديمية، ومع تنامي الوجود الإسلامي في أوروبا وتنظيمه في
التسعينيات؛ بادرت حكومات غربية إلى احتضان الحوار وتوجيهه، وكذلك الحال
في أمريكا الشمالية.
- في عام ١٩٧٩م سعى الرئيس المصري الراحل أنور السادات إثر اتفاقيات
(كامب ديفيد) مع اليهود إلى بناء (مجمع للأديان) في (وادي الراحة) في
صحراء سيناء، يضم (مسجداً، وكنيسة، وكنيساً) ، وإلى طباعة القرآن الكريم،
والتوراة، والإنجيل، في غلاف واحد.
- في عام ١٩٨٦م دعا البابا «يوحنا بولس الثاني» إلى صلاة مشتركة بين
أتباع مختلف الأديان في بلدة (إسيزي) الإيطالية، مسقط رأس القديس
«فرانسيس الإسيزي» ، وأمّهم البابا في دعاء جماعي، وقد أخذت جمعية
(سانت إيجيديو) التنصيرية الإيطالية على عاتقها تكرار هذه المناسبة، ولا تزال
إلى يومنا هذا.
- في عام ١٩٨٧م دعا المفكر الفرنسي «روجيه جارودي» المنسوب إلى
الإسلام إلى (الملتقى الإبراهيمي) في قرطبة، واتخذ من (القلعة الحرة) مقراً
لمؤسسته ومتحفه.
- نشأ في بعض البلدان العربية ذات التعددية الدينية كلبنان، والأردن،
وفلسطين، وتونس، والسودان جمعيات متخصصة، ومراكز للحوار الإسلامي
النصراني، أسسها جماعة من النصارى العرب، ومدت الجسور مع نظيراتها في
العالم الغربي، وعُنيت بنشر ثقافة التقريب، وعقد المؤتمرات، وإصدار
المطبوعات.
هذا غيض من فيض من حركة دائبة، واسعة الانتشار، متنوعة المناشط،
تجاوزت مؤتمراتها ثلاثمائة مؤتمر خلال أربعة عقود، تُعنى بها أكثر من مائة
جمعية ومركز في أركان الأرض الأربعة.
* بواعث الحوار:
ثمَّ بواعث متعددة تكمن خلف المبادرة النصرانية للدعوة إلى الحوار مع
المسلمين؛ منها:
أولاً: باعث الصد عن سبيل الله:
قال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا
عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] (آل عمران: ٩٩) ، وقال:
[وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ
وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] (آل عمران: ٧٢) .
لقد راع الكنائس الغربية في العصر الحديث انفتاح شعوبها على الإسلام،
واعتناق ألوف منهم إياه؛ بعدما أتيح لهم سماع كلمة الحق بشكل أفضل من ذي قبل
حين كانت الكنيسة تغذي رعاياها بمعلومات مغلوطة منفرة عن الإسلام، ونبيه
ﷺ ، وكتابه، وتاريخه، فحين انفتح الناس بعضهم على بعض؛
خطف بريق الإسلام أبصار الغربيين الذين تحرروا من هيمنة الكنيسة، واعتمدوا
التفكير المنطقي الحر، فرأت المراجع الكنسية أن لا جدوى من المجابهة؛ فهي
أضعف من أن تقف أمام متانة العقيدة الإسلامية، وإحكام شريعتها، بل إن التحدي
سيُكسب الإسلام مزيداً من الأنصار، ومن ثم تفتقت عقولهم عن فكرة (التقريب
والحوار) للظهور أمام مواطنيهم بمظهر التآلف لا الندّية، والوفاق لا المجابهة،
والحوار لا القطيعة؛ وبذلك يطفؤون روح التشوّف لدى رعاياهم، ويقرون في
قلوبهم أن الفروق بين الأديان فروق شكلية، وكلها تؤدي إلى الله، فلا حاجة إلى
تجشم عناء التغيير.
وقد أفصح عن هذا الباعث الخفي القس «أريا راجا» حين قال: «تواجه
الكنيسة اليوم واقعاً يتسم بالجدة؛ ففي الماضي كانت العلاقة بالأديان الأخرى تساعد
الكنيسة على إغناء ذاتها وتطوير إيمانها ... أما اليوم فقد تبدلت الأوضاع تماماً،
ومن المهم أن نشير إلى بعض خصائص هذه الحقبة من تاريخ البشرية:
أولاً: لقد تحررت الأديان الأخرى من وطأة الاستعمار، وهي تطرح نفسها
اليوم كبديل عن الإيمان المسيحي له شموليته، ولقد حدث في تلك الأديان ما يشبه
النهضة خلال السنوات الأخيرة، فظهرت فيه حيوية جديدة ...
ثانياً: لقد توغلت تلك الديانات إلى حد بعيد، حتى في الغرب المسيحي؛ مما
جعل من التعددية الدينية واقعاً في كل المجتمعات تقريباً، فعدد المسلمين في فرنسا
يفوق عدد المسيحيين المصلحين، ومسلمو بريطانيا أكثر من الميتوديين فيها ...
ثالثاً: وربما كان هذا هو الأهم، هناك وعي متزايد لغنى الأديان الأخرى ...
كان المسلمون في الماضي يُحسبون منافسين، أما اليوم فنشهد اهتماماً متزايداً في
مفهوم الإسلام للجماعة وللصلاة ... وبعبارة أخرى: فإنه لا العدائية اللاهوتية، ولا
اللامبالاة تجاه الأديان الأخرى مسموح بهما بعد اليوم، فالطرق التي انتهجها
المسيحيون قديماً في تعاملهم مع الأديان الأخرى لم تعد تكفي» [٤] .
ثانياً: الباعث التنصيري:
قال تعالى: [وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً
وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] (البقرة: ١٣٥) ، لا ريب أن التنصير أو (البشارة)
كما يسمونه يحتل موقعاً مميزاً في الديانة النصرانية، وحين تبنى النصارى خيار
الحوار؛ لم يكن ذلك تخلياً منهم عن وظيفتهم العتيقة، ففي الدستور الرعوي
(الكنيسة في عالم اليوم) الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني؛ جاء ما يلي: (تبدو
الكنيسة رمز هذه الإخوة التي تنتج الحوار الصادق وتشجعه، وذلك بفعل رسالتها
التي تهدف إلى إنارة المسكونة كلها بنور البشارة الإنجيلية) [٥] .
ولما رأى بعض النصارى في الحوار خيانة للبشارة، أصدرت الكنيسة
الكاثوليكية وثيقة بعنوان (حوار وبشارة) عام ١٩٩١م، جاء فيها: (إن المسيحين
وهم يعتمدون الحوار بروح منفتح مع أتباع التقاليد الدينية الأخرى؛ يستطيعون أن
يحثوهم سلمياً على التفكير في محتوى معتقدهم ... نظراً إلى هذا الهدف أي قيام
الجميع بارتداد أعمق إلى الله يكون للحوار بين الأديان قيمته الخاصة، وفي أثناء
هذا الارتداد قد يولد القرار بالتخلي عن موقف روحي أو ديني سابق لاعتناق آخر)
[٦] .
أما «مجلس الكنائس العالمي» فقد صرح في كتاب (توجيهات للحوار)
بالقول: (يمكننا بكل صدق أن نحسب الحوار كإحدى الوسائل التي من خلالها تتم
الشهادة ليسوع المسيح في أيامنا) [٧] .
ومن بين أربعين بحثاً قُدّمت في مؤتمر المنصرين البروتستانت لتنصير
المسلمين عام ١٩٧٨م؛ كان هناك بحث بعنوان: (الحوار بين النصارى
والمسلمين وصلته الوثيقة بالتنصير) ، ناقش «دانيل آر بروستر» فيه هذه
المسألة، وخلص إلى القول: (إذا شعرنا بأن شكلاً ما من أشكال الحوار يمكن أن
يكون مفيداً لكسب المسلمين؛ فعندئذ يكون مهماً أن نبدأ الآن في تخطيط كيفية القيام
بذلك) [٨] .
ثالثاً: الباعث السياسي:
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً
وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا
وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] (آل عمران:
١١٨-١٢٠) .
كان من أكبر الدوافع التي صاحبت انطلاق التقارب الإسلامي النصراني في
عقد الستينيات؛ طغيان المد الشيوعي الملحد على العالم، وتهاوي معاقل النصرانية
أمام الفكر المادي الكاسح، فرأى المعسكر الرأسمالي الغربي أن يدعم جبهة المتدينين،
ويوحد صفوفهم لكبح جماح الشيوعية.
لقد وُلدت الدعوة إلى التقارب وولدت معها تهمة (الباعث السياسي) ، فقد
قال مدير الأبحاث والنشر في (جمعية الأصدقاء الأميركان للشرق الأوسط)
«إريك ولدمار» بين يدي مؤتمر (القيم الروحية للديانتين المسيحية والإسلامية)
المنعقد في (بحمدون) في لبنان عام ١٩٥٤م: «إن غاية المؤتمر واضحة جلية،
وهي محاربة الإلحاد، والعمل على التقارب بين المسيحيين والمسلمين، وتوحيد
القوى ضد التيارات التي تحاول النيل من عقائد هاتين الديانتين» [٩] .
وأفصح أحد أعضاء المؤتمر بجلاء عن الباعث الحقيقي خلف تلك التظاهرة،
فقال: «إن العالم الحر اليوم أكثر من أي زمن آخر يحسب الحساب للتطورات
العالمية، وازدياد خطر الشيوعية، وإن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر بعين
القلق إلى التطورات والأحداث الجارية في الشرق الأوسط، وترى من واجبها أن
تقوم بكل ما في وسعها، كقائدة للدول الخارجة عن الستار الحديدي الشيوعي،
للقضاء على الشيوعية التي أخذت تتفشى في الشرق الأوسط بشكل مريع» [١٠] .
ومن العجب أن المعسكر الشيوعي المقابل شهر الأداة نفسها في وجه خصمه
الرأسمالي، فقد رعى الاتحاد السوفييتي وبقية دول المنظومة الشيوعية مؤتمرات
مُسيَّسة للحوار الإسلامي النصراني؛ لمناقشة قضايا التسلح النووي، والاستعمار،
والتنديد بالسياسات الأمريكية، كان عرّابها بطريرك موسكو وسائر روسيا
الأرثوذكسي «بيمن» ، ومن الجانب الإسلامي مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو.
كما أن الحكومات الغربية في عقد التسعينيات تبنت قضايا الحوار الإسلامي
النصراني لتتمكن من دمج المهاجرين المسلمين في بنية المجتمعات الغربية،
واتخاذهم ورقة ضغط على الحكومات الإسلامية لتقديم تسهيلات مماثلة؛ لتعزيز
نفوذ الأقليات النصرانية في البلدان الإسلامية، ومهاجمة مشروع الدول الإسلامية،
وتطبيق الشريعة.
* اتجاهات الحوار:
ثمَّ ثلاثة اتجاهات يجري الحوار الإسلامي النصراني المعاصر في مضمارها،
تنتظم هذا الكم من المؤتمرات والمنتديات، وتفصح عنها أدبيات ذلك الحوار
وبياناته الختامية؛ وهي:
أولاً: اتجاه التقريب:
وهو الاتجاه السائد، والمستمد من مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، ويمثل
معظم المحاولات العالمية والإقليمية والمحلية التي يتواضع عليها المتحاورون.
وأبرز معالمه ما يلي:
١ - اعتقاد (إيمان) الطرف الآخر، وتسويغه، وإن لم يبلغ الإيمان التام
الذي يعتقده هو.
٢ - الاعتراف بقيم الآخر، واحترام عقائده وشعائره، وعدم تخطئته أو
تضليله أو تكفيره.
٣- تجنب البحث في المسائل العقدية الفاصلة؛ للحفاظ على استمرارية
الحوار.
٤- الدعوة إلى معرفة الآخر كما يريد أن يُعرف، ورفع الأحكام المسبقة.
٥- نبذ (التلفيقية) و (التوفيقية) ، واحتفاظ كل طرف بخصائصه.
٦ - تجنب دعوة الآخر، ومحاولة اجتذابه، وحسبان ذلك خيانة لأدب الحوار.
٧ - إبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه التباين والافتراق.
٨ - الدعوة إلى نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه،
والتخلص من آثاره.
٩ - التعاون على تحقيق القيم المشتركة.
١٠ - تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة.
ثانياً: اتجاه التوحيد:
وهو اتجاه يستصحب معظم الخصائص السابقة لدى دعاة التقريب، ويزيد
عليها ما يلي:
١ - اعتقاد صحة جميع المعتقدات، وصواب جميع صور العبادات.
٢- الاشتراك في صلوات وممارسات وطقوس مشتركة.
ويمثل هذا الاتجاه غلاة الصوفية قديماً، كابن عربي، وابن الفارض،
والحلاج، وحديثاً بعض المتمسلمين الأوروبيين مثل (روجيه جارودي) ،
و «فرقة الأبحاث الإسلامية المسيحية» ، المنبثقة عن دير سيننكا في فرنسا،
ومجمع «سوبود» في إندونيسيا، وفروعه في ثمانين دولة.
ثالثاً: اتجاه التلفيق:
وهو اتجاه يهدف إلى تشكيل دين جديد ملفق من أديان وملل شتى، ودعوة
الآخرين للانخلاع من أوضاعهم السابقة، واعتناق دين مهجن، ويمثل هذا الاتجاه
قديماً (البهائية) ، وحديثاً (المونية) التي يعتنقها أكثر من ثلاثة ملايين شخص في
العالم، وتعقد مؤتمرات للحوار باسم (المجلس العالمي للأديان) .
* الحوار المشروع:
لفظ (الحوار) مصطلح حادث، لا يحمل حقيقة شرعية يمكن الإحالة عليها،
بل ولا يحمل دلالة قانونية مستقرة تكشف عن أبعاد استعمالاته، يقول د / عبد
العزيز التويجري: (مفهوم الحوار في الفكر السياسي والثقافي المعاصر؛ من
المفاهيم الجديدة، حديثة العهد بالتداول، ولعل مما يدل على جدة هذا المفهوم
وحداثته أن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة،
بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، تخلو من الإشارة إلى لفظ الحوار) [١١] .
ولهذا لم يبق سوى الدلالة اللغوية، فالحوار مادته (حور) و (الحور:
الرجوع عن الشيء إلى شيء ... والمحاورة: المجاوبة. والتحاور: التجاوب)
[١٢] ، قال الراغب: (والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور،
قال تعالى: [وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا] (المجادلة: ١)) [١٣] .
ولعل هذا هو السر في تحبيذ المشتغلين بالحوار لهذا اللفظ، وهو أنه لا يحمل
هدفاً مبيتاً، أو التزاماً مسبقاً بشيء يحرج الداعين إليه، والمنخرطين فيه.
وحيث (لا مشاحة في الاصطلاح) ؛ فلا بد من البيان الذي يرفع الإبهام،
والإيضاح الذي يزيل الالتباس، فنقول: إن الحوار الشرعي نوعان:
الأول: حوار الدعوة: وهو وظيفة المرسلين، وخلفائهم من العلماء الربانيين،
والدعاة الناصحين، وهو مشروع الأمة الإسلامية، وعنوان خيريتها على سائر
الأمم. ومضمون هذا الحوار هي (الكلمة السواء) التي دل عليها قوله تعالى:
[قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ
بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) ، وأسلوبه هو ما دل عليه عموم قوله تعالى:
[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن]
(النحل: ١٢٥) ، وخصوص قوله: [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ
وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (العنكبوت: ٤٦) ، وترجمته العملية سيرته صلى الله
عليه وسلم في دعوة أهل الكتاب؛ من يهود المدينة، ونصارى نجران،
ومكاتباته لملوك الأرض، ثم طريقة السابقين الأولين من الصحابة والتابعين
والسلف الصالح، كمحاورة جعفر بن أبي طالب ﵁ وأصحابه للنجاشي
وبطارقته، وهدي الصحابة رضوان الله عليهم في معاملة أهل البلاد المفتوحة،
وأسلوب العلماء الراسخين في مخاطبة أهل الكتاب، ككتاب شيخ الإسلام ابن تيمية
إلى سرجوان (ملك قبرص) .
وأبرز خصائص هذا الحوار ما يلي:
١ - مبادأة أهل الكتاب بالدعوة الصريحة إلى الإسلام، وعدم الاشتغال بأمور
أخرى تصرف عن ذلك، أو توهنه، أو تؤجله.
٢ - مجادلتهم بالتي هي أحسن في القضايا العقدية الفاصلة، ومحاجتهم،
ومناظرتهم، لدحض شبهاتهم، ونقض حججهم، بأسلوب علمي رفيع، ثم مباهلتهم
إن لزم الأمر.
٣ - أخذ زمام المبادرة في دعوتهم، كما يدل عليه قوله: [تَعَالَوْا] (آل
عمران: ٦٤) ؛ باستضافتهم في دار المسلمين، واستقبال وفودهم، والكتابة إليهم،
وغشيانهم في محافلهم وبيوتهم لدعوتهم، وكل ذلك ثابت من هدي النبي صلى الله
عليه وسلم.
٤ - تألفهم بالقول الحسن، كمناداتهم بم يليق بهم من ألقاب حق، وتحيتهم
تحية مناسبة، كقوله ﷺ : «إلى هرقل عظيم الروم، سلام على
من اتبع الهدى» ، وبالفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وتمكينهم من الصلاة في
المسجد لعارض، وإكرام وفدهم، تأسياً بالنبي ﷺ .
الثاني: حوار السياسة الشرعية: وهو ما تفرضه حركة الأمة الإسلامية،
وتمليه طبيعة التعايش بين البشر؛ بحكم الجوار والمصالح المتبادلة.
وهذا النوع من الحوار والمفاوضات والمعاهدات يوكل إلى أولي الأمر، وأهل
الحل والعقد، وتضبطه القواعد العامة في الشريعة، وتقدير المصالح والمفاسد.
وقد رافق هذا اللون من (حوار التعايش) نشأة الدولة الإسلامية في المدينة،
حيث عقد النبي ﷺ عهوداً مع يهود المدينة، وأبرم صلح الحديبية
مع كفار قريش، كما زخر الفقه الإسلامي المؤسس على فقه الكتاب والسنة بتراث
ضخم في مجال العلاقات الدولية بأهل الكتاب؛ ذميين كانوا، أو معاهدين، أو
مستأمنين، أو حربيين.
أما الحوار البدعي؛ فهو حوار المداهنة، والابتذال، والخضوع بالقول،
وكتم الحق، والسكوت عن الباطل، والموادة، والموالاة لغير المؤمنين؛ مما يقع
فيه كثير من محترفي الحوار المذموم اليوم.
ولا ريب أن في ديننا فسحة وسعة تنافي التقوقع والانكماش، وتمكن دعاة
الإسلام مستفيدين من التسهيلات الإعلامية الحديثة من التقدم إلى العالم أجمع
بخطاب متين يتضمن دعوة المرسلين إلى توحيد رب العالمين، [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف:
٩) .
стр. 4501
دراسات في الشريعة
المشاركة في وسائل الإعلام بين المصالح والمفاسد
(٢ ـ ٢)
محمد بن عبد الله الدويش [*]
* قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد:
من العرض السابق يلاحظ كثرة المفاسد والمصالح في المشاركة في وسائل
الإعلام، وكثرتها أيضاً في الامتناع عن المشاركة، وهذا يستوجب توخي الحذر في
الحكم بجواز المشاركة أو الحكم بمنعها؛ فالورع مُسْتَصْحَب في الحالين، وليس كما
شاع عند كثيرين أنه إنما يكون في الترك لا في الفعل.
ومما ينبغي التنبه له أن التعارض بين المصالح نفسها وبين المفاسد نفسها، أو
بين المصالح والمفاسد إنما يتصور إذا كان بين مصلحتين لا يمكن الجمع بينهما؛
فتُفوَّت الصغرى لتحصيل الكبرى، أو بين مفسدتين لا يمكن تلافي كل منهما؛
فترتكب الصغرى لتفويت الكبرى، أو بين مصلحة ومفسدة لا يمكن التفريق بينهما؛
بل فعل المصلحة مستلزم لوقوع المفسدة، وترك المفسدة مستلزم لترك المصلحة،
فيرجح الأرجح من المفسدة أو المصلحة. أما عند عدم التعارض في شيء من ذلك
فلا ترجيح أصلاً.
ويتوجب النظر في هذه التعارضات بمعيار مهم في الموازنة بين المصالح
والمفاسد لا يمكن أن تُجرى الموازنة إلا بإعماله؛ وذلك من خلال زوايا أربع:
١ - تقويم ذات المصلحة أو المفسدة، وبيان ترتيبها في مقاصد الشريعة في
حفظ الدين والنفس والعقل والعرض أو النسل والمال. هذا في الموازنة بين
المقاصد، فيقدم المقدم، ويؤخر المؤخر على هذا الترتيب.
فإذا تزاحم الوقت على إنسان فإما أن ينقذ مسلماً من الهلاك المحقق، أو ينقذ
امرأة من الاغتصاب، وكِلا الأمرين في مقدوره: وجب عليه أن ينقذ النفس،
وهكذا.
وإذا تعارض كشف العورة للطبيب مع الخوف على فوات النفس أو ما دونها
من الأعضاء: ارتكبت مفسدة كشف العورة لمصلحة حفظ النفس أو العضو، وذلك
لكون كشف العورة من حفظ العرض، وعلاج المرض المذهب للنفس من مقصد
حفظ النفس وهو مقدم على حفظ العرض.
وفي وسائل الإعلام مثلاً مفسدة الاختلاط العارض مع النساء في الممرات، أو
عند تسجيل الحلقة مفسدة في حق شخص واحد وهو الشيخ المقدم؛ ولكن يستفيد منه
خلق لا يُحصَوْن في قيام الحجة وتبليغ الدين؛ فتبليغ العلم لأعداد كبيرة في
الضروريات، أو الاستفادة العامة والوعظ والتذكير، ولكن مفسدة الاختلاط على
شخص واحد في مقصد متأخر عن حفظ الدين وهو حفظ العرض، وليس في ذات
العرض، أو الفاحشة ولكنه في ذرائعها.
٢ - ثم يلحقه نظر آخر في تقديم كل مقصد؛ ففي كل واحد منهما ما هو
ضروري أو حاجي أو تكميلي، وهي على هذا الترتيب أيضاً في المقصد الواحد
وبين المقاصد أيضاً: فيقدم الضروري لحفظ المال على الحاجي لحفظ الدين، ويقدم
الحاجي لحفظ العقل على التحسيني لحفظ الدين.
وذلك كشرب قليل المسكر الذي لا يسكر مثله لحفظ مال كثير يوشك على
التلف؛ فحفظ المال هنا واقع في الضروريات، وترك شرب ما لا يسكر واقع في
الحاجيات التي شرع الله أحكامها حفظاً للضروريات وهي باب سد الذرائع.
وإذا تعارض تبليغ الدين الضروري الذي لا يقوم دين المرء إلا بمعرفته ولا
سبيل إلى ذلك إلا بالنظر إلى النساء مثلاً وجب تبليغ الدين وارتكاب مفسدة النظر؛
لكون معرفة مثل هذه الأحكام الضرورية واقعة في مقصد ضروري من الدين،
وتلك في حاجي لحفظ العرض.
٣ - درجة الشمول؛ فقد يتحرر للمجتهد والمستدل نظر آخر في درجة شمول
وأثر المصالح والمفاسد المتعارضة قد يقدم به حاجياً ذا مقصد مؤخر على ضروري
ذي مقصد مقدم؛ كفوات مقصد ضروري لحفظ نفس مسلم واحد على فوات مقصد
حاجي لحفظ مال أمة؛ كشخص قد يتعرض للقتل يعارضه ضياع مصدر اقتصادي
رئيس للملايين من الناس.
٤ - مراعاة درجات القطعية أو غلبة الظن أو الشك من عدم ذلك في التعامل
مع هذه المتعارضات.
فإذا كانت المفسدة متيقنة أو يغلب على الظن وقوعها والمصلحة مشكوك في
تحصيلها: لم يجز أن ترتكب المفسدة لأجل هذه المصلحة.
والعكس صحيح أيضاً؛ فإذا كانت المفسدة مشكوكاً في وقوعها، والمصلحة
متيقنة لم يجز ترك المصلحة لأجل المفسدة: كمن تعارضت في نظره مصلحة
المشاركة في عمود صحفي في مطبوعة سيارة، أو في الإجابة على أسئلة القراء
ومفسدة تزكية المطبوعة، وكانت المصلحة مقطوعاً بها أو مظنونة، والمفسدة
مشكوكاً فيها فيعمل هنا بمقتضى المصلحة. ولو كان الشك في المصلحة والقطع في
المفسدة لم تجز المشاركة وهكذا.
ومن مجالات النظر والترجيح في هذه المسائل:
* رعاية قواعد الشريعة:
ومن ذلك:
١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فتبليغ الدين، وتعليم العلم الشرعي
الواجب، وإنكار المنكرات أمر يجب على طلبة العلم والدعاة إلى الله ،
وحين يتوقف تحقيق ذلك على وسيلة معينة تصبح هذه الوسيلة واجبة.
٢ - ما حرم سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
٣ - لا عبرة بالتوهم، فالمصلحة المتوهمة فاسدة.
٤ - أن «جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأن
جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بني آدم على
أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على ترك
الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات» [١] .
٥ - حقيقة الورع المشروع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «.. وكذلك» الورع «المشروع هو الورع
عما قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه، وما يشك في تحريمه، وليس في تركه
مفسدة أعظم من فعله - مثل محرم معين - مثل من يترك أخذ الشبهة ورعاً مع
حاجته إليها، ويأخذ بدل ذلك محرما بيِّناً تحريمه، أو يترك واجباً تركه أعظم فساداً
من فعله مع الشبهة، كمن يكون على أبيه أو عليه ديون هو مطالب بها، وليس له
وفاء إلا من مال فيه شبهة فيتورع عنها ويدع ذمته أو ذمة أبيه مرتهنة. وكذلك من
» الورع «الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه وتمام» الورع «
أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على
تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فمن لم يوازن ما في
الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل
محرمات، ويرى ذلك من الورع؛ كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك
ورعاً، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك
من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من
بدعة خفية، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع،
وكذلك» الزهد والرغبة «: من لم يراع ما يحبه الله ورسوله من الرغبة والزهد
وما يكرهه من ذلك، وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرمات مثل من يدع ما يحتاج
إليه من الأكل أو أكل الدسم حتى يفسد عقله، أو تضعف قوته عما يجب عليه من
حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده أو يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والجهاد في سبيل الله لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم حتى
يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار، فلا ينظر المصلحة الراجحة في
ذلك. وهؤلاء الذين زهدوا في» الإرادات «حتى فيما يحبه الله ورسوله من
الإرادات بإزائهم» طائفتان «: طائفة رغبت فيما كره الله ورسوله والرغبة فيه
من الكفر والفسوق والعصيان، وطائفة رغبت فيما أمر الله ورسوله لكن لهوى
أنفسهم لا لعبادة الله تعالى..» [٢] .
وقال أيضاً: «.. والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها،
وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ والنبي ﷺ دعا الخلق بغاية الإمكان،
ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان: [وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا
عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] (الأحقاف: ١٩) . وأكثر المتكلمين
يردون باطلاً بباطل وبدعة ببدعة؛ لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل
الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلماً مبتدعاً، وأخص من هؤلاء من يرد
البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل السنة؛ وقد ذكرنا
فيما تقدم أصناف البدع. ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج»
[٣] .
* كلام بعض أهل العلم في أمثال هذه المسألة:
مخاطبة أهل البدع بلغتهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن كان الكلام في المعاني
المجردة من غير تقييد بلفظ، كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء
الله وصفاته بالشرائع.. فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً،
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم؛ فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم
أوْلى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ، كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع
شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار
يجولون في خلال الديار خوفاً من التشبه بهم في الثياب» [٤] .
ترك مخالفة الكفار في الهدي الظاهر لمصلحة:
وقال أيضاً: «ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير
حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر؛
بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان
في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم،
لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد
الصالحة» [٥] .
وقال أيضاً: «وقال أبو الحسن الآمدي: فأما ما يبيعون في الأسواق في
أعيادهم فلا بأس بحضوره؛ نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: إنما يمنعون
أن يدخلوا عليهم بِيَعَهم وكنائسهم، وأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن
قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم؛ فهذا الكلام محتمل لأن يكون أجاز شهود
السوق مطلقاً بائعاً أو مشترياً؛ لأنه قال: إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم وإنما يشهدون
السوق فلا بأس؛ هذا يعم البائع والمشتري لا سيما إن كان الضمير في قوله
(يجلبون) عائداً إلى المسلمين؛ فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى
الأسواق، ويحتمل وهو أقوى أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في
الشراء منهم ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي
تقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: يشترون ولا يدخلون عليهم بِيَعَهم؛
وذلك لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي وهو فقيه عالم وكأنه والله أعلم قد سمع ما
جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم بمنزلة شهود
أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم
إما لظهور الحكم عنده، وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك. وكلام الآمدي أيضاً محتمل
للوجهين؛ لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع أيضاً لقوله: (إنما يمنعون أن يدخلوا
عليهم بِيَعَهم وكنائسهم) وقوله: (وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم) فما
أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها من غير دخول الكنيسة،
فيجوز لأن ذلك ليس فيه منكر ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع منهم
جائز ولا إعانة فيه على المعصية بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم
الذي يظهر أنه إعانة لهم وتكثير لسوادهم، فيكون فيه تقليل الشر. وقد كانت
أسواق في الجاهلية كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي ﵇،
ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد
باطلة؛ وأيضاً فإن أكثر ما في السوق أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية؛
فهو كما لو حضر الرجل سوقاً يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوماً أو العصير
لمن يخمِّره فحضرها الرجل يشتري منها، بل هو أجود؛ لأن البائع في هذا السوق
ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة. ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري
منها جاز عندنا كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة رسول
الله ﷺ إلى أرض الشام، وهي حينذاك دار حرب، وحديث عمر
﵁، وأحاديث أخر بسطت القول فيها في غير هذا الموضع؛ مع أنه لا
بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية. فأما بيع المسلم لهم في
أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك أو
إهداء ذلك لهم فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل
وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنباً أو عصيراً يتخذونه خمراً، وكذلك لا يجوز
بيعهم سلاحاً يقاتلون به مسلماً، وقد دل حديث عمر ﵁ في إهداء الحلة
السيراء إلى أخ له بمكة مشرك على جواز بيعهم الحرير؛ لكن الحرير مباح في
الجملة وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين؛ ولهذا جاز التداوي به في أصح
الروايتين ولم يجز بالخمر بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه؛ فهذا
الأصل فيه اشتباه؛ فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جُوِّزَ ذلك. وعن أحمد
في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان» [٦] .
عدم ترك الواجب حذراً من رؤية المنكر:
في فتاوى العز بن عبد السلام: «وسئل عمن له أخ في الله في غير بلده أو
شيخ يرجو بركة زيارته ورؤيته وفي تلك البلدة المقصودة منكرات كثيرة منها ما
يراه عياناً، ومنها ما يعلم بوجوده؛ وفي حال سفره أيضاً لا يسلم من شيء يشاهده؛
فهل يُكرَه لمثل هذا السفر أم ما حكمه؟ وهل كذلك الخروج لصلاة الجماعة إذا
ظن أنه لا يسلم من رؤية المنكر لكثرته؟ فأجاب: أما الزيارة والخروج لصلاة
الجماعة فلا يتركان لما يشاهد من المناكر؛ إذ لا يترك الحق لأجل الباطل؛ فإن
قدر على إنكار شيء من ذلك في خروجه بيده أو لسانه فعل وحصل له على ذلك
أجر زائد على أجر الصلاة والزيارة، وإن عجز عن ذلك كان مأجوراً على كراهية
ذلك بقلبه، وكذلك الغزو مع الفجرة إن قدر على إنكار فجورهم أنكره وحصل على
ثواب الإنكار، وإن عجز عنه كرهه بقلبه وأثيب على كراهته لذلك؛ لأنه إنما
يكرهه تعظيماً لحرمات الله ، ولو ترك الحق لأجل الباطل لترك الناس
كثيراً من أديانهم، وقد كان ﷺ يدخل الحرم وفيه ثمانية وستون
صنماً وكانت داخل الكعبة، وكان إساف ونائلة على الصفا والمروة، فتحرج
بعض الصحابة من السعي بينهما لأجلهما، فنزل قوله تعالى: [فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن
يَطَّوَّفَ بِهِمَا] (البقرة: ١٥٨) ؛ كي لا يترك حق لأجل الباطل، والله أعلم» [٧] .
تولى الولاية المستلزمة لبعض الظلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «.. إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض
فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك - إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك
محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصداً وقدرة: جازت له الولاية، وربما
وجبت؛ وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من
جهاد العدو، وقَسْم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل: كان فعلها واجباً؛ فإذا
كان ذلك مستلزماً لتولية بعض من لا يستحق، وأخذ بعض ما لا يحل، وإعطاء
بعض من لا ينبغي ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو
المستحب إلا به، فيكون واجباً أو مستحباً إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك
الواجب أو المستحب، بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم،
ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع
أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة
بنية دفع ما هو أشد منها جيداً. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد؛ فمن
طلب منه ظالم قادر وألزمه مالاً فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم،
وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم، ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسناً،
ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئاً. وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية
والعمل: أما النية فبقصده السلطان والمال، وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك
الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح. ثم الولاية وإن كانت جائزة
أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب، فيقدم
حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة، واستحباباً أخرى. ومن هذا الباب تولي يوسف
الصدِّيق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن
الأرض، وكان هو وقومه كفاراً كما قال - تعالى -: [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ
بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِه] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى عنه: [يَا
صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ
أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم] (يوسف: ٣٩ - ٤٠) ، ومعلوم أنه مع كفرهم لا
بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته
وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف
يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله؛ فإن القوم لم يستجيبوا له لكن
فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته
ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ] (التغابن: ١٦) . فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقُدِّم أوكدهما لم
يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوْكد تاركَ واجبٍٍ في
الحقيقة. وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن
فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب، وسمي
هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر. ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر
وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم؛ وهذا كما
يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء. هذا
وقد قال النبي ﷺ :» من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
ذكرها؛ فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك «. وهذا باب التعارض باب واسع جداً
لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه
المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل. ووجود ذلك من
أسباب الفتنة بين الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛
فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة،
وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة،
والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة
والمضرة أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكون
الأهواء قارنت الآراء؛ ولهذا جاء في الحديث:» إن الله يحب البَصِر النافذ عند
ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات « [٨] . فينبغي للعالم أن
يتدبر أنواع هذه المسائل وقد يكون الواجب في بعضها - كما بينته فيما تقدم -:
العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء؛ لا التحليل والإسقاط. مثل أن يكون في
أمره بطاعة فعلاً لمعصية أكبر منها فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية مثل
أن ترفع مذنباً إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضرراً
من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف هو أعظم
منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به
ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر. فالعالم تارة يأمر وتارة
ينهى، وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح
الخالص أو الراجح، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح. وعند التعارض
يرجح الراجح - كما تقدم بحسب الإمكان؛ فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد
بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح
الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت
كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا
الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى
وقت التمكن كما أخر الله - سبحانه - إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن
رسول الله ﷺ تسليماً إلى بيانها» [٩] .
وفي مجموع الفتاوى: «.. وسئل الشيخ - قدس الله روحه - عن رجل
متولٍّ ولايات ومقطع إقطاعات وعليها من الكُلَف السلطانية ما جرت به العادة وهو
يختار أن يسقط الظلم كله ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن
ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره فإن الظلم لا يترك منه شيء، بل ربما يزداد
وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيسقط النصف، والنصف
الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه؛ فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها
وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعِه؟
وقد عُرِفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه؟ أم عليه أن يرفع يده
عن هذه الولاية والإقطاع؟ وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم بل يبقى ويزداد. فهل
يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل؟ أم لا؟
وإذا لم يكن عليه إثم؛ فهل يطالب على ذلك؟ أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن
يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله، أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادة؟ وإذا
كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به ورفع ما رفعه من الظلم؛
فهل الأوْلى له أن يوافق الرعية؟ أم يرفع يده؛ والرعية تكره ذلك لعلمها أن الظلم
يبقى ويزداد برفع يده؟ فأجاب: الحمد لله. نعم! إذا كان مجتهداً في العدل، ورفع
الظلم بحسب إمكانه وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على
الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية
والإقطاع ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا
تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجباً إذا لم يقم به غيره قادراً عليه.
فنشر العدل - بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان - فرض على الكفاية يقوم
كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة
هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه
رفعها لا يطالب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالاً لا يمكن دفعها إلا بإقرار
بعض تلك الوظائف، وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية لمن يقرر
الظلم أو يزيده ولا يخففه كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيراً للمسلمين من
إقرارها كلها، ومن صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره، ومن
تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسان من غيره، والمُقْطَع الذي يفعل هذا
الخير يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم، ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما
يطلب منهم؛ فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم يثاب ولا إثم
عليه فيما يأخذه على ما ذكره، ولا ضمان عليه فيما أخذه، ولا إثم عليه في الدنيا
والآخرة إذا كان مجتهداً في العدل والإحسان بحسب الإمكان. وهذا كوصي اليتيم
وناظر الوقف والعامل في المضاربة والشريك وغير هؤلاء ممن يتصرف لغيره
بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضه من أموالهم
للقادر الظالم: فإنه محسن في ذلك غير مسيء؛ وذلك مثل ما يعطي هؤلاء
المكَّاسين وغيرهم في الطرقات والأشوال والأموال التي اؤتمنوا، كما يعطونه من
الوظائف المرتبة على العقار، والوظائف المرتبة على ما يباع ويشترى؛ فإن كل
من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات من هذه البلاد ونحوها فلا بد أن يؤدي
هذه الوظائف؛ فلو كان ذلك لا يجوز لأحد أن يتصرف لغيره لزم من ذلك فساد
العباد وفوات مصالحهم. والذي ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل لو قبل الناس منه
تضاعف الظلم والفساد عليهم فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع
الطريق فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة:
لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئاً من الأموال التي معكم للناس فإنه يقصد بهذا
حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل
والكثير وسلبوا مع ذلك؛ فهذا مما لا يشير به عاقل فضلاً أن تأتي به الشرائع؛ فإن
الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب
الإمكان. فهذا المتولي المُقْطَع = الذي يدفع - بما يوجد من الوظائف، ويصرف
إلى من نسبه مستقراً على ولايته وإقطاعه - ظلماً وشراً كثيراً عن المسلمين أعظم
من ذلك ولا يمكنه دفعه إلا بذلك إذا رفع يده تولى من يقره ولا ينقص منه شيئاً
هو مثاب على ذلك ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة. وهذا بمنزلة
وصي اليتيم وناظر الوقف الذي لا يمكنه إقامة مصلحتهم إلا بدفع ما يوصل من
المظالم السلطانية إذا رفع يده تولى من يجور ويريد الظلم؛ فولايته جائزة ولا إثم
عليه فيما يدفعه، بل قد تجب عليه هذه الولاية. وكذلك الجندي المقطع الذي يخفف
الوظائف عن بلاده ولا يمكنه دفعها كلها؛ لأنه يُطلَب منه خيل وسلاح ونفقة لا
يمكنه إقامتها إلا بأن يأخذ بعض تلك الوظائف؛ وهذا مع هذا ينفع المسلمين في
الجهاد فإذا قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئاً من هذا، بل ارفع يدك عن هذا
الإقطاع فتركه وأخذه من يريد الظلم ولا ينفع المسلمين: كان هذا القائل مخطئاً
جاهلاً بحقائق الدين، بل بقاء الخيل من الترك والعرب الذين هم خير من غيرهم
وأنفع للمسلمين وأقرب للعدل على إقطاعهم مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان خير
للمسلمين من أن يأخذ تلك الإقطاعات من هو أقل نفعاً وأكثر ظلماً. والمجتهد من
هؤلاء المُقْطَعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه الله على ما فعل
من الخير، ولا يعاقبه على ما عجز عنه، ولا يؤاخذه بما يأخذ ويصرف إذا لم يكن
إلا ذلك [و] كان ترك ذلك يوجب شراً أعظم منه. والله أعلم» [١٠] .
* تعارض المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال ابن تيمية: «.. وجماع ذلك داخل في» القاعدة العامة «: فيما إذا
تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح
الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن
الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض
له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به،
بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح
والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل
عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر؛ وقلَّ أن تُعوز النصوص من يكون
خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين
بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو
يتركوهما جميعاً: لم يجز أن يؤمَروا بمعروف ولا أن يُنهَوْا عن منكر، ينظر: فإن
كان المعروف أكثر أُمِرَ به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم يُنه عن منكر
يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل
الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات. وإن كان
المنكر أغلب نُهِيَ عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر
بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله
ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمَر بهما، ولم يُنه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان
المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة..» [١١] .
* من كلام بعض العلماء المعاصرين في هذه المسألة:
حيث إن وسائل الإعلام المعاصرة نازلة من النوازل فقد كان ينبغي لأهل العلم
والفقه أن يبحثوها ويحرروها؛ ومعظم كلام المعاصرين حول وسائل الإعلام يكاد
ينحصر في الحديث عن أثرها، وضرورة استخدامها، أو عن التحذير من اقتناء
وسائل الإعلام السيئة ومتابعتها، دون الحديث عن حكم المشاركة فيها، وفيما يلي
نورد بعض ما وقفنا عليه من الفتاوى في ذلك.
فتوى الشيخ ابن باز، ﵀: سئل: «دعوتم إلى الاستفادة من وسائل
الإعلام في مجال الدعوة والتوجيه، ومنها تلك التي فيها التصوير، لكن بعض
الدعاة إلى الله لا يزالون يتحرجون من تلكم الصورة. ماذا تقولون في ذلك؟
فأجاب: لا شك أن استغلال وسائل الإعلام في الدعوة إلى الحق ونشر أحكام
الشريعة وبيان الشرك ووسائله والتحذير من ذلك ومن سائر ما نهى الله عنه من
أعظم المهمات، بل من أوجب الواجبات، وهي من نعم الله العظيمة في حق من
استغلها في الخير، وفي حق من استفاد منها ما ينقصه في دينه ويبصره بحق الله
عليه. ولا شك أن البروز في التلفاز مما قد يتحرج منه بعض أهل العلم من أجل ما
ورد من الأحاديث الصحيحة في التشديد في التصوير ولعن المصورين؛ ولكن
بعض أهل العلم رأى أنه لا حرج في ذلك إذا كان البروز فيه للدعوة إلى الحق
ونشر أحكام الإسلام والرد على دعاة الباطل عملاً بالقاعدة الشرعية وهي: ارتكاب
أدنى المفسدتين لتفويت كبراهما إذا لم يتيسر السلامة منهما جميعاً، وتحصيل أعلى
المصلحتين ولو بتفويت الدنيا منهما إذا لم يتيسر تحصيلهما جميعاً. وهكذا يقال في
المفاسد الكثيرة والمصالح الكثيرة.. يجب على ولاة الأمور وعلى العلماء إذا لم
تتيسر السلامة من المفاسد كلها أن يجتهدوا في السلامة من أخطرها وأكبرها إثماً.
وهكذا المصالح يجب عليهم أن يحققوا ما أمكن منها الكبرى فالكبرى إذا لم يتيسر
تحصيلها كلها، ولذلك أمثلة كثيرة وأدلة متنوعة من الكتاب والسنة منها قوله
- تعالى -: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ]
(الأنعام: ١٠٨) ، ومنها الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لعائشة
﵂:» لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وأقمتها على
قواعد إبراهيم «الحديث متفق عليه.
وبهذا يُعلَم أن الكلام في الظهور في التلفاز للدعوة إلى الله سبحانه، ونشر
الحق يختلف بحسب ما أعطى الله الناس من العلم والإدراك والبصيرة والنظر في
العواقب. فمن شرح الله صدره واتسع علمه ورأى أن يظهر في التلفاز لنشر وتبليغ
رسالات الله فلا حرج عليه في ذلك وله أجره وثوابه عند الله، ومن اشتبه عليه
الأمر ولم ينشرح صدره لذلك فنرجو أن يكون معذوراً لقول النبي صلى الله عليه
وسلم:» دع ما يريبك إلى ما لا يريبك «وقوله ﷺ :» البر ما
اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ... «الحديث.
ولا شك أن ظهور أهل الحق في التلفاز من أعظم الأسباب في نشر دين الله
والرد على أهل الباطل؛ لأنه يشاهده غالب الناس من الرجال والنساء والمسلمين
والكفار، ويطمئن أهل الحق إذا رأوا صورة من يعرفونه بالحق وينتفعون بما
يصدر منه، وفي ذلك أيضاً محاربة لأهل الباطل وتضييق المجال عليهم، وقد قال
الله : [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ]
(العنكبوت: ٦٩) ، وقال : [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: ١٢٥) ، وقال: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى
اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . وقال النبي صلى
الله عليه وسلم:» من دل على خير فله مثل أجر فاعله «، وقال - عليه الصلاة
والسلام -:» من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تتبعه لا ينقص
ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا
ينقص ذلك من آثامهم شيئاً «٠ أخرجهما مسلم في صحيحه. وقال صلى الله عليه
وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما بعثه إلى اليهود في
خيبر:» ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه؛
فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم «متفق على صحته.
وهذه الآيات والأحاديث الصحيحة كلها تعم الدعوة إلى الله سبحانه من طريق
وسائل الإعلام المعاصرة، ومن جميع الطرق الأخرى كالخطابة والتأليف والرسائل
والمكالمات الهاتفية وغير ذلك من أنواع التبليغ لمن أصلح الله نيته ورزقه العلم
النافع والعمل به. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال:» إنما
الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى «متفق على صحته. وقال عليه الصلاة
والسلام:» إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم «أخرجه مسلم في الصحيح. وأسأل الله أن يوفق علماء
المسلمين وولاة أمرهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه»
[١٢] .
وللشيخ ﵀ فتوى أخرى جاء فيها: «هل علماؤنا أدوا واجبهم
الإعلامي نحو مواطنيهم؟ ولماذا لم يساهم كثير منهم في وسائل الإعلام المرئي
والمسموع؟ وهل الكسب في العمل به مكروه أو محرم؟
فأجاب: هذا تختلف فيه آراء أهل العلم: منهم من يرى جواز الدخول فيه،
ومنهم من يتوقف عن ذلك من أجل الصور؛ فلهذا كثر من يتوقف عن ذلك، فهو
محل اجتهاد ومحل اختلاف بين أهل العلم في جواز الدخول في ذلك والبروز في
الشاشة لإلقاء الكلمات والتوجيه، ومنهم من فعل ذلك ورأى أن هذا فيه مصلحة،
وأنه يُغتفَر في جنبه ما يتعلق بالتصوير، ومنهم من توقف في ذلك. ولهذا
المساهمون في الوسائل المسموعة والمقروءة أكثر من المساهمين في المرئية من
أجل هذا الأمر الذي سمعت وهو مسألة التصوير» [١٣] .
فتوى الشيخ ابن عثيمين: سئل: «وسائل الإعلام تؤدي دوراً مؤثراً في
عصرنا؛ فهل ترون أنه يجب استعمالها - مثل التلفاز - في نشر كثير من الوسائل
التي قد لا تنتشر عن طريق غيره مثل ما تنتشر عن طريق التلفاز؟ وما رأيكم
فيمن يقول: إنه لا يجوز المشاركة في وسائل الإعلام بوضعها الراهن؛ لأنها تنشر
المنكرات والمشاركة فيها هو إقرار لهذه المنكرات؟
فأجاب ﵀: أرى أنه يجب استخدام وسائل الإعلام في الدعوة إلى الله
؟ لأن ذلك مما تقوم به الحجة، وأرى أن وسائل الإعلام تستخدم في
الدعوة إلى الله على وجوه شتى بمعنى: أن نجعل ركناً في الدعوة
إلى التوحيد.. وركناً في الدعوة إلى العقيدة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.. وركناً
في الدعوة إلى إخلاص العبادة لله ؛ بحيث لا يقصد الإنسان التذلل إلى
حاكم أو إلى من هو أكبر منه، وما أشبه ذلك.. وركناً في الفقه مثل العبادات
وغيرها.. وركناً في المعاملات مثل الأنكحة وغيرها؛ يعني ذلك أن تكون الدعوة
واسعة عامة. وأن لا تجعل هذه الأمور أو الموضوعات مكثفة بحيث يمل منها
القارئ أو المشاهد، بل يقتصر على ما لا يكون فيه ملل للناس وإتعاب لهم، حتى
ينتفع الناس بذلك أكثر، على شرط أن لا يحل محلها ما فيه إضلال الخلق لأخلاقهم،
أو ما أشبه ذلك. ولكن أرى أنه إذا كان هجر هذه الوسائل وعدم المشاركة فيها
سبباً في ترك المنكر، فإنه يجب مقاطعتها ومهاجرتها حتى تترك هذا المنكر لما هو
خير. أما إذا كان هذا الأمر لا يفيد وربما يزيد الطين بلة؛ بحيث تفرغ لنشر شر
أكبر وأكثر، فأرى أنه يجب استغلال هذه الفرصة، ونشر الدعوة إلى الله تعالى من
خلال هذه الوسائل. ثم هذا المنكر الذي يعرض - كما يقول السائل - لا يعرض
في الوقت الذي أنت تلقى فيه الخير، بل هو منفصل عنه، فيكون من أراد استمع
إليه وشاهده، وإذا جاء الوقت الذي فيه المنكر يغلق المذياع أو التلفاز وينتهي منه»
[١٤] .
* الخلاصة:
مما استعرضناه من قواعد المصالح والمفاسد في الشريعة وقواعد الترجيح
بينها، ومن القواعد الشرعية ورعايتها، ومما نقلناه من أقوال أهل العلم المعتبرين
قديماً وحديثاً، يمكن أن نستخلص جملة من النتائج:
١ - أن مسألة المشاركة في الوسائل الإعلامية بصورتها الراهنة من النوازل
وموارد الاجتهاد؛ فلا نعلم نصاً في الشريعة يقضي بمنع المشاركة أو جوازها.
٢ - أن الشريعة قد عللت بعض أحكامها برعاية المصلحة والمفسدة والترجيح
بينهما؛ كالذي ذكره الله - تعالى - عن الخمر والميسر.
٣ - أن المتأمل في أحكام الشريعة الأخرى يلحظ رعايتها لهذا الجانب، وأنه
ما من شيء شرعته إلا ومصلحته خالصة أو راجحة، وما من شيء منعته إلا
ومفسدته خالصة أو راجحة.
٤ - لم يقل أحد من العلماء المعتبرين إن كل مصلحة مهما بلغت في عظمها
فهي مهدرة عند وجود أي مفسدة مهما بلغت في صغرها؛ بل أقاويلهم واضحة في
تقرير اعتبار الترجيح بين المصالح والمفاسد [١٥] .
٥ - أن بعض الناظرين في هذه المسألة وقع في إفراط أو تفريط؛ فمنهم من
جعل النظر العقلي المجرد ومصالح هذه الحياة الدنيا نصب عينيه عند الترجيح بين
المصالح والمفاسد؛ فخرج بالعجيب من الاختيارات والفتاوى، وفي مقابل هؤلاء
من أهدر كل مصلحة خوفاً على الناس من ارتكاب ما يصاحبها من مخالفة؛ فهدموا
القواعد وألغوا الأصول والقياس الواضح من أجل منع الناس من المعصية.
٦ - وسائل الإعلام أنواع، منها:
أ - وسائل سليمة في غاياتها ووسائلها، كالمجلات والجرائد والإذاعات التي
لا تشتمل على مخالفات شرعية.
ب - وسائل لها غايات سليمة لكنها تقع في بعض المخالفات الشرعية تساهلاً.
ج - وسائل فيها الخليط من الخير والشر؛ نظراً لأن غاياتها الربح والشهرة
في الغالب.
د - وسائل فاسدة مفسدة في غاياتها وفي وسائلها.
٧ - المشاركون في وسائل الإعلام أقسام:
أ - من تكون مشاركته تزكية لهذه الوسيلة؛ نظراً لكونه عَلَماً بارزاً وله شهرة
في الدعوة، ويقتدي به قطاع عريض من الناس.
ب - من لا تكون مشاركته مشتملة على تزكية لهذه الوسيلة، إما لكونه يبين
ما فيها من مخالفات - ولو عَرَضاً في كلامه وفتاويه - أو لكونه قد عرفت أقواله
ومواقفه.
ج - صنف آخر دون هؤلاء يمكن أن يبينوا الحق أو يردوا على بعض البدع
والمنكرات، أو يدلوا بآرائهم في كثير من المسائل والقضايا خاصة إذا كانت مبنية
على علم صحيح، أو استشاروا فيما يقولون طلبة العلم الموثوقين.
٨ - أنواع المشاركة:
المشاركات أنواع منها:
أ - الدعوة إلى الله تعالى، وتبليغ دينه، والنصح للناس.
ب - الدفاع عن الإسلام ومزاحمة أهل الباطل.
ج - الرد على المنكرات في تلك الوسيلة أو في غيرها.
د - معالجة القضايا - الاجتماعية ونحوها - من خلال نظرة واقعية صادقة،
ومنهج شرعي مؤصل.
هـ - المشاركة في القضايا العلمية النافعة للناس في أمور دنياهم، كالنواحي
الطبية أو الزراعية ونحوها.
وبناء على ما سبق من:
١ - عرض للمصالح والمفاسد المترتبة على استخدام وسائل الإعلام
والمشاركة فيها.
٢ - وعرض بعض القواعد الشرعية والفقهية المتعلقة بهذا الموضوع.
٣ - أهمية وسائل الإعلام وقوة تأثيرها سلباً وإيجاباً.
٤ - عرض لأنواع وسائل الإعلام وأنواع المشاركين فيها وأنواع المشارَكَة.
يتبين ما يلي:
أولاً: أن الحكم في المشاركة في وسائل الإعلام ليس حكماً واحداً مطلقاً بحيث
يقال إنه يجوز أو لا يجوز، بل الأمر فيه تفصيل مشتمل على أحوال مختلفة.
ثانياً: أن المسألة لا تنحصر في بيان جواز أو عدم جواز المشاركة فيها،
وإنما في وجوبها في بعض الأحيان - على تفصيل يأتي بعد قليل - وعليه فإن على
العلماء والدعاة إلى الله ﵎ أن يدركوا عِظَم المسؤولية تجاه هذا
الباب الواسع العظيم الذي عم أثره في هذا العصر المسمى عصر الإعلام
والاتصالات.
ثالثاً: تفاوت الحكم واختلافه بحسب نوع المشاركة والمشاركين، والوسيلة
المشارك فيها، وتغير ذلك بحسب الزمان والمكان والأحوال؛ فمثلاً عصر
الفضائيات والإنترنت يختلف عما سبقه قبل انتشار هذه الوسائل واتساع تأثيرها.
ونتيجة لذلك يمكن تفصيل حكم المشاركة فيما يأتي:
١ - حاجة الأمة اليوم إلى تبليغ دين الله والدعوة إلى الله وإنكار المنكرات
تقتضي وجوب السعي لإنشاء وسائل إعلام سليمة ولو لازمها وجود بعض المفاسد
المرجوحة، مع الحرص على مدافعة المفاسد قدر الإمكان.
٢ - تكون المشاركة في وسائل الإعلام القائمة واجبة في الأحوال الآتية:
أ - إذا كانت الوسيلة غير مشتملة على محرم أو مكروه، وكان إنكار المنكر
أو بيان الحق لأناس أو في بلد لا يتم إلا بذلك. وهذه درجة عالية من الوجوب؛
نظراً لاجتماع مشروعية الوسيلة، وتعيَّن الوجوب في المسألة المتحدث عنها
والقضية الواقعة.
ب - قد تكون الوسيلة مشتملة على محرمات، لكن إنكار المنكر أو بيان الحق
لا يتم إلا بهذه الوسيلة، مع غلبة الظن بأن المصلحة أكبر من المفسدة التي قد توجد
من المشاركة؛ فهذه الحالة لا بد من القيام بالواجب الكفائي فيها لبيان الحق أو رد
المنكر ولو في هذه الوسائل.
٣ - هناك حالات تكون المشاركة فيها محرمة، ومن ذلك:
أ - المشاركة في البرامج الموجهة للثناء على أهل الباطل وأعداء الدعوة من
الأنظمة والأفكار والأحزاب لما في ذلك من تلبيس على الناس.
ب - المشاركة في بعض الوسائل والبرامج التي يتولاها ويشرف عليها أهل
البدع والانحراف، حين تكون هذه المشاركة سبباً في تزكيتهم وترويج برامجهم
ومطبوعاتهم، وأُمكن مخاطبة معظم المتابعين لهذه الوسائل ودعوتهم من خلال
وسائل أخرى.
ج - المشاركة في المناسبات البدعية، ولو لم يتضمن ذلك النص على جواز
الاحتفال والمشاركة في هذه البدع؛ إذ فيه تلبيس على الناس وإيهام لهم.
د - مباشرة فقرات تشتمل على أمر محرم في ذاته.
هـ - تصدي من ليس لديه العلم الشرعي الكافي للفتيا والحديث في القضايا
الشرعية المهمة، أو مناظرة أهل الأهواء ونحوهم.
أما المداخلات الهاتفية في البرامج المفتوحة المباشرة كالحوارات، فيتصدى
لذلك فئة ممن يملكون القدرة.
وأما المشاركة في البرامج الحوارية المفتوحة في القنوات التي تُعنى بمثل هذه
البرامج فينبغي أن يتصدى لها من تكون لديه القدرة العلمية وقوة الحجة والبيان.
٤ - ما سوى هذه الحالات تكون المشاركة فيها جائزة، ما لم يترتب عليها
مفسدة أكبر من مصلحة المشاركة، ومنها:
أ - نشر العلم الذي لا يجب تعلمه على آحاد الناس وتناول ما يحتاجه الناس
من مسائل اجتماعية وتربوية ونحوها.
ب - مشاركة بعض الصالحين من أصحاب التخصصات غير الشرعية في
قضايا تتعلق بتخصصهم، إذا كان ذلك يترتب عليه تعريف الناس بهؤلاء الأخيار،
والاستفادة الدعوية من ذلك. وربما كان الأمر في بعض الصور السابقة مستحباً،
حسب ترجُّح المصلحة.
٥ - هناك أحوال من المشاركة تحتاج إلى أن يُجتهد فيها الرأي.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: «.. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد
هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها؛ وإلا
اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها
وبدلالتها على الأحكام..» .
ومن الوسائل التي تعين على اتخاذ الموقف في القضايا المعينة:
- ما تقدم بحثه من رعاية مقاصد الشريعة، ورتبة هذه المقاصد ودرجة
الشمول، ودرجة القطعية والظنية.
- ومن طرق معرفة الأشباه والنظائر الدراسة العميقة للتاريخ القديم
والمعاصر، والوقائع في ظروف مماثلة.
- ومن طرقها أن تعرف أحوال الناس؛ لأن كثيراً من المفاسد إنما هي مبنية
على تصورات الناس ونظرتهم؛ وذلك مثل تزكية هذه الوسائل أو القائمين عليها،
وهذا الأمر لا يختص به الباحثون الشرعيون؛ بل هو راجع إلى نظرة عامة الناس،
وهذا يرجع فيه إلى أهل الخبرة بأحوالهم.
- الاستشارة والمناقشة مع طلبة العلم والدعاة؛ فإنها تفتح للمرء أبواباً لم تكن
لتبدو له بالنظر الفردي المجرد.
والوقائع المشكلة قليلة بالنسبة لغيرها؛ فلو تناولت خمسين حالة مختلفة
كعينات للدراسة تختلف فيها الظروف والأحوال والأشخاص لوجدت أن النظر
واضح في الجملة في نسبة كبيرة منها قد تصل إلى الأربعين حالة من هذه الخمسين،
وهذا هو المطلوب، ولا ينبغي لطالب العلم أن يؤخر النظر فيما يحتاج إليه أكثر
الناس من أجل قضايا قليلة نادرة، ومهما حاولت أن تضع ضوابط تضيِّق دوائر
المشكلات فلا بد أن تبقى صور لم تشملها هذه الضوابط، وقد كانت فتاوى العلماء
السابقين والمعاصرين إنما تعرض لمسائل الكثرة والحاجة.
إنه مهما قيل وكتب في مثل هذا المسائل فلن يُحسم الخلاف بشكل نهائي،
وسيبقى كثير منها محل خلاف وأخذ ورد.
فلا بد أن تتسع صدرونا للخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه، ويعذر بعضنا
بعضاً في مواطن النزاع، ولنا أسوة حسنة في أصحاب النبي ﷺ
وأهل العلم من سلف هذه الأمة «كاجتهاد الصحابة في قطع اللِّينة وتركها،
واجتهادهم في صلاة العصر لما بعثهم النبي ﷺ إلى بني قريظة
وأمرهم أن لا يصلُّوا العصر إلا في بني قريظة، فصلى قوم في الطريق في الوقت
وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة، وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها
بعد الوقت تمسكاً بظاهر لفظ العموم؛ فلم يعنف النبي ﷺ واحدة
من الطائفتين» وقال ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،
وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر «.
وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على إقرار كل فريق للفريق
الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء
والسياسة وغير ذلك، وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفي
العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى، ولما سئل عن ذلك قال: تلك على ما
قضينا وهذه على ما نقضي؛ وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون
على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم. وتنازعوا في
مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية
محمد ﷺ ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة» [١٦] .
وعذر المخالف لا يمنع من الحوار، ومن أن يبين كل حجته ودليله، لكن
المحذور البغي والظلم والاتهام.
* نصيحة للمشاركين:
ونصيحتي لأولئك الذين رأوا جواز هذا العمل أن يتقوا الله تعالى فيما يأتون،
وأن يعلموا أن مجرد تقريرهم لصحة موقفهم لا يقتضي التحلل من كل قيد أو ضابط،
ومما يتأكد عليهم في ذلك ما يلي:
١- الورع والحذر من التساهل والترخص؛ فجواز الأصل لا يستلزم منه
جواز كل ما تعلق به.
٢- الحذر من الشهرة والسعي لها؛ إذ المشاركة في وسائل الإعلام سبب لأن
يُعرف المشارك بين الناس ويشتهر أمره.
٣- الحذر من التعلق بالدنيا ومتاعها، أو أن تكون هي الباعث على المشاركة،
أو على المهادنة خوفاً من انقطاعها.
٤- الاجتهاد في إنكار المنكر بقدر الإمكان.
٥- ألاَّ تدفعهم الرغبة في الدفاع عن موقفهم إلى تزكية الوسائل السيئة
والمفسدة، وأن يبينوا للناس أن مشاركتهم لا تقتضي رضاهم عن كل ما يبث فيها.
٦- أن يعذروا إخوانهم الذين أدى بهم الاجتهاد إلى أن يمتنعوا عن هذه
المشاركة، فكل على خير وبر.
* نصيحتي للممتنعين:
ونصيحتي للذين رأوا أن المشاركة غير سائغة أن يستصحبوا الورع في
التعامل مع من خالفهم كما استصحبوه في الامتناع عن المشاركة في هذه الوسائل،
ومما يتأكد عليهم في ذلك:
١- أن يتذكروا أن موقفهم هو نتيجة اجتهاد خالفه فيه غيرهم من أهل العلم،
وليس حقاً مقطوعاً به يوصف من خالفه باتباع الباطل والقول به.
٢- أن يعذروا من خالفهم في الرأي، وأن يتورعوا عن وصفهم برقة الديانة
أو التساهل والترخص ومجاراة العصر؛ فيكفي أن طائفة ممن ترجع الأمة لفتاواهم
ومواقفهم في هذا العصر قد أفتوا بجواز هذا الأمر.
٣- الاجتهاد في تبليغ دين الله لعامة الناس الذين يحتاجون إليه، والسعي
لإيجاد بدائل تخاطب عموم الأمة وتصل إليهم.
وعلى المسلم عموماً أن يحذر من القول على الله بغير علم، وحين يصل به
اجتهاده إلى تقرير قول، أو اتباع إمام من الأمة فلا يعني ذلك أن يجزم بأن هذا
شرع الله وحكم الله. والله الموفق وعليه التكلان.
стр. 4502
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور / ناصر بن سليمان العمر
مناهج الرخاء لا تخرج قادة الأزمات
فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور ناصر بن سليمان العمر، من أعلام العلماء
المعاصرين، أستاذ في قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين، بجامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية - سابقاً -.
تخرج في كلية الشريعة، وحصل على درجة الأستاذية في القرآن وعلومه،
وله العديد من المؤلفات؛ منها: (الوسطية في القرآن الكريم) ، و (سورة
الحجرات: دراسة تحليلية وموضوعية) ، و (العهد والميثاق في القرآن الكريم) ،
وله العديد من الرسائل؛ من آخرها: (رؤية استراتيجية في القضية الفلسطينية) ،
ويعكف منذ مدة طويلة على تعليق فوائد على صحيح الإمام مسلم. كما أن له دروساً
علمية من أشهرها شرح (منار السبيل) ، وفضيلته هو المشرف العام على موقع
(المسلم) على شبكة الإنترنت، والذي سيبدأ انطلاقته بمشيئة الله تعالى في مطلع
العام الهجري الجديد.
ويسعدنا في مجلة البيان أن نلتقي فضيلته؛ لنتحدث في بعض القضايا الدعوية،
والمستجدات السياسية.
البيان: كان لأحداث (١١ سبتمبر) آثار عميقة في جسم الصحوة
الإسلامية، وظهرت اتجاهات عديدة لتجاوز هذه الأزمة؛ منها اتجاهان متباينان؛
أحدهما: يحاول جاهداً تطويع الإسلام للواقع؛ حتى لو أدى ذلك إلى تأويل
النصوص الشرعية وتعطيلها. والآخر: يتجاوز الواقع ويتعامل مع الأحداث
بسطحية شديدة غير مدرك لكثير من جوانب الكيد والمكر؛ فما رأي فضيلتكم في
ذلك؟
- الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
والاه. وبعد، فإني أشكر للإخوة القائمين على مجلة البيان حسن ظنهم بي،
وإتاحتهم لي هذا المجال، في هذه المجلة المتميزة بطرحها حتى غدت مرجعاً لكثير
من الدعاة في العالم الإسلامي في زمن تميز فيه الغثاء، وراج فيه الغث إلا قليلاً.
ثم أقول جواباً عن السؤال: تكمن المشكلة في عدم تحديد حجم الأزمة؛ حيث
إن اختيار أي طريق لمعالجتها نابع من تصور الفريق المعالج لحجم المشكلة،
والذي أراه بغض النظر عن الحدث والحكم الذي ينطبق عليه - أن باطن الحدث
(١١ سبتمبر) فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فالأذى نتيجة طبيعية للحدث
في المنظور القريب، أما على المدى البعيد وآمل أن يكون قريباً فسوف تتحقق
انتصارات ضخمة على جميع المستويات بإذن الله وهذا مرتبط بكثير من العوامل
والأسباب التي إن أخذنا بها تحقق ذلك الفتح المبين.
والمشكلة التي تعاني منها الأمة عند الأزمات؛ هي أنها لا تفكر إلا بأسلوب
الخروج من الأزمة، بينما الأحرى بها أن ترتفع في مستوى تفكيرها من البحث عن
سبيل الخروج من الأزمة إلى استثمارها واعتبارها منطلقاً لعز الأمة ومجدها،
فتتجاوز ظاهر الحدث إلى الغوص في باطنه والبحث في أعماقه؛ فإن كل محنة
تنطوي على منح عظيمة، فلا يصرفنا مظهر المحنة عن حقيقة المنحة؛ فإن الله
سبحانه لم يخلق شراً محضاً.
أما بالنسبة للاتجاهات المتباينة التي أشرتم إليها؛ فإن العبرة بمقدار حجم كل
اتجاه ومدى تأثيره ونفوذه، أما مجرد الاختلاف فهو سنة كونية وطبيعة بشرية
[وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] (هود: ١١٨-١١٩) ،
ومن هنا؛ فإننا بعد أن نحدد الاتجاه المؤثر والفاعل في الساحة؛ يجب أن ننظر في
مدى قربه أو بعده عن الحق، ومن ثم يكون مدار البحث في أسباب نمو هذا الاتجاه،
والعوامل المؤثرة في بقائه، والأسباب التي أدت إلى بروزه، وبعدها يأتي العلاج
المناسب.
وتباين الاتجاهات المذكورة في سؤالكم هو إفراز طبيعي للمناهج الدعوية
السائدة، ومن المعروف أن مناهج الرخاء لا تخرّج قادة الأزمات..
فكيف يُنال المجد والجسم وادعٌ ... وكيف يُحاز الحمد والوفْر وافِرُ؟
فأي فضل يحصل مع غير مشقة؟ وأي مجد لم تبعد بطالبه الشقة؟!
لولا المشقة ساد الناس كلهُمُ ... الجود يُفقِر والإقدام قَتّالُ
وليس المهم حديثنا عن مناهج الآخرين، وإنما العبرة في قدرتنا على صياغة
المنهج الحق، والأسلوب الأمثل الذي يقود الأمة في أزماتها، ويستثمر مواطن القوة
فيها، وعندها لن تكون للمناهج الخاطئة تأثيرات يُخشى منها.
البيان: كان علماء السلف الصالح نماذج متميزة في الجمع بين التخصص
الشرعي، والاهتمام بمصالح الأمة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر؛ فكيف نعيد سيرة علمائنا إلى الواقع؛ مثل شيخ الإسلام ابن
تيمية، والعز بن عبد السلام ... وغيرهما؟
- تميز النتيجة خاضع لتميز الوسيلة والهدف.
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسامُ
وإخراج قادة للأمة هدف عظيم وأمنية سامية؛ منطلقها وجماع أمرها قوله
تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ]
(السجدة: ٢٤) ، ومما يساهم في تحقيق تلك الغاية، وإبراز مثل تلك النماذج
مراعاة ما يلي:
١ - إعادة النظر في مناهجنا الدعوية والتربوية والعلمية؛ حيث إنها غالباً
تتسم بالتجزئة بدعوى التخصص؛ فيكون المولود خداجاً، أو تصاغ بشمول ينقصه
الطموح، ويرضى بالأمر الواقع؛ فتخرّج أنصاف متعلمين.
٢ - إيجاد مدارس خاصة لإعداد قادة الأمة وتربية المجددين.
٣ - الجدية والواقعية، وعدم الركون إلى الدنيا، والبعد عن المماطلة
والتسويف، والإفراط أو التفريط.
٤ - عمق التأصيل، وتجاوز المحلية، وعدم الاستغراق في اللحظة الحاضرة،
مع استشراف ما وراء الأفق.
٥ - تحويل العالم النصوص التي تلقاها إلى واقع ماثل، وذلك بتفاعله مع
الأمة، ومعايشة قضاياها، ومشاركتها في شؤونها وشجونها، مع عدم الانعزال عن
المجتمع، والعيش في برج عاجي، بل لا بد من النزول إلى أرض الواقع، وصنع
المبادرات والمواقف المنهجية التي يحتسب بها على الباطل وأهله، وفي الوقت
نفسه تُقاد بها الجماهير، وتُضبط بها انفعالاتهم.
٦ - علو الهمة، والصدق مع الله، والاستعداد للتضحية، وأن يصوغ العالم
حياته وفق النص القرآني: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .
٧ - تجاوز عقلية البطل المنتظر، وأن يهيِّئ كل واحد من أفراد الأمة نفسه
ليساهم في صنع بطولة الإسلام؛ فما أضر وأضل كفار قريش إلا عقيدتهم [لَوْلا
أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك] (الأنعام: ٨) ، ومن مظاهر انحراف الرافضة استكانتهم عبر
القرون لكذبة الغائب المنتظر، ومن جملة ضلال النصارى عقيدتهم في مخلص
البشر!
البيان: الجهاد رأس سنام الإسلام، وفي خضم الواقع المؤلم لأمتنا
الإسلامية؛ هناك محاولات جادة من بعض المنتسبين للإسلام، ومن أعداء
الإسلام للدعوة إلى إلغاء هذه الشعيرة؛ حتى من المناهج الدراسية، وذلك
بدعاوى باطلة؛ فماذا تقول لهؤلاء؟
- مشكلة هؤلاء عبر التاريخ هو الغباء المتذاكي! وتكمن مأساتهم في عدم
فهمهم وإدراكهم لطبيعة هذا الدين وسر الجهاد فيه، ولنا أن نسألهم وعليهم أن
يجيبوا: هل الجهاد في أفغانستان منبعه المناهج الدراسية؟ وقل مثل ذلك في البلقان،
وفي فلسطين، وفي غيرها من مواطن الجهاد.
وليعلموا أن الجهاد ليس سلعة تجارية تُحجب بقرار من هيئة الأمم، أو نظرية
هندسية تحتاج إلى كتاب ومعلم وطالب، وإنما هو سنة ربانية، وضرورة بشرية،
وحاجة فطرية؛ متى ما وُجدت بواعثه انطلق كالسيل العرم لا يوقفه شيء، سره
وعظمته أنه يُخضع الآخرين ولا يخضع لهم، وغايته تطويع الأرض لله،
وإخضاعها لشرعه وأمره ونهيه.
وإذا كانوا جادّين في إيقاف الجهاد وأنّى لهم ذلك فليتجهوا صوب أسبابه
وبواعثه من الظلم الذي تمارسه جبابرة القرون؛ من فرض إرادة البشر على البشر،
ومنعهم من أن يختاروا الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وإلا فَهُم كما قال الله عن
أسلافهم: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
كَرِهَ الكَافِرُونَ] (التوبة: ٣٢) .
ومن العجب أن من خصائص هذا الجهاد أنه ينمو ويقوى كلما حاول أعداؤه
النيل منه، والحد من انطلاقته ومسيرته، وبيننا وبينهم: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ] (التوبة: ٢٩) ، وجواز المرور إليهم: [أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا] (الحج: ٣٩) ، وغاية الأماني: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] (آل عمران: ١٦٩) .
وحقيقة هؤلاء أنهم: [يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا
أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) ، ونقول للمسارعين فيهم: [فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ
بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ] (المائدة: ٥٢) .
البيان: التقلب والاضطراب في المواقف والمبادىء آفة يزداد ظهورها في
الأزمات والشدائد؛ فما السبيل للثبات على الحق والصبر على الأذى فيه؟
- هذه آفة راسخة في عمق التاريخ، فقد أشار إليها القرآن في أكثر من
موضع؛ حيث ذكر الله عن بني إسرائيل أنه لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم:
[أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ
أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ]
(الحديد: ١٦) .
وذكر الله قصة الذي آتاه آياته فانسلخ منها: [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ
آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ] (الأعراف: ١٧٥) .
وعاتب الله صحابة محمد ﷺ ، وحذرهم من التقلب بعد نبيهم
ﷺ فقال: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن
مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] (آل عمران: ١٤٤) .
أما في العصر الحاضر؛ فقد أصبح الاضطراب سمة من سمات هذا الزمن
بسبب الابتلاءات والمحن، ومن هنا؛ فإن هذه القضية لا يمكن استيعابها من خلال
إجابة عن سؤال في عدة أسطر، وإنما تحتاج إلى بسط وتفصيل وبيان، وقد شغلني
هذا الموضوع طويلاً، ومن ثم قمت بكتابة مفصلة تبين أسباب الاضطراب وآثاره،
وركزت فيه على موضوع الاطراد في المنهج، وبيان ثمار الاطراد وكيف يتحقق،
وسينشر الموضوع قريباً بإذن الله؛ سائلاً الله التوفيق والسداد، والثبات على دينه
في الشدّة والرخاء، وأن يجعلنا ممن قال فيهم: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]
(الأحزاب: ٢٣) .
البيان: المحن التي تصيب الأمة يرى فيها بعض الناس كل أبواب التشاؤم
والإحباط، ويرى فيها آخرون طريق الفلاح والتمكين؛ فما رؤية فضيلتكم في ذلك؟
- المحن هي الجامعة الكبرى التي تُخرّج القادة والمجددين والمصلحين؛
حيث لا يتحقق التمكين إلا بعد الابتلاء، وقد سئل الشافعي ﵀: أيهما
أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى [١] . قال ابن القيم:
«سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين،
ثم تلا قوله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) » [٢] .
وقديماً قال ورقة لرسول الله ﷺ : «يا ليتني فيها جذعاً
أكون حياً حين يخرجك قومك!» ، فقال رسول الله ﷺ : «أَوَ
مخرجيَّ هم؟» فقال ورقة: «نعم! لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي،
وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» [٣] .
وقد بين الله أن دخول الجنة مرهون بتجاوز المحن والبأساء
والضراء، كما قال سبحانه: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) .
ولذلك قال أحد الدعاة المعاصرين عندما سئل عما أصابه من بلاء ومحنة: ألم
تصدك هذه المحن عن الطريق إلى الله أو توهن من عزيمتك؟ فقال: لولا هذه
المحن والابتلاءات لشككنا في طريقنا. وقرأ: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا
آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ] (العنكبوت: ٢) ، ومن هنا؛ فإن هذه المحن التي تصيب
الأمة هي علامات الطريق للوصول إلى العز والكرامة والسؤدد؛ فإن أشد الناس
بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل [٤] .
وقد يكون البلاء عقوبة على ذنب وقع من الأفراد أو الأمة، ومع ذلك فلا
يخلو من خير إن تاب الناس وأنابوا، أما إذا تمادوا في ظلمهم فربما كانت القاصمة:
[وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا
إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ
حَصِيداً خَامِدِينَ] (الأنبياء: ١١-١٥) .
البيان: من المحن التي تمر بنا هذه الأيام الحملة الأمريكية على العراق؛
فما أبعاد هذه الحملة؟
- الحملة الأمريكية على العراق حلقة من سلسلة الحملة الصليبية على الأمة
الإسلامية، والتي ابتدأها الغرب النصراني بقيادة أمريكا في أفغانستان، ضمن
مخطط مرسوم أعلنوا بدايته ولم يحددوا نهايته، لكنهم حددوا أهدافهم وغاياتهم
مصداقاً لقوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ
إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ
مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠) .
وما يجري هو لون جديد من ألوان الاستعمار الصليبي؛ وذلك أن الغرب بعد
فترة الاستعمار العسكري بدأ في مشروعات استعمارية مثل الانقلابات العسكرية، ثم
إنشاء منظمات دولية تخضع في النهاية لإرادة الغرب، وكذلك التحالفات بين دول
الغرب وحكومات العالم الإسلامي؛ سواء التحالفات الفردية أو الجماعية، ثم جاء
النظام العالمي الجديد.
ومع ما لعبته هذه المشروعات والصيغ الاستعمارية من دور مهم ومؤثر في
تاريخ المنطقة؛ فلم يحقق ما ترجوه هذه الدول الاستعمارية، وحدثت أمور كثيرة
على مستوى الدول والشعوب اعتبرتها الدول الغربية تجاوزات لا يجوز السكوت
عنها، وتزامن هذا مع ضعف المنظمات الدولية وتأثيرها، ونشوء تكتلات جديدة،
وقوى مؤثرة كالصين والكوريتين واليابان وغيرها؛ مما ينازع الغرب هيمنته
وسلطته، وبخاصة بعد تنامي المدّ الجهادي في العالم الإسلامي، وسقوط المعسكر
الشرقي بعد خروجه من أفغانستان خاسراً، بالإضافة لما أحدثته الانتفاضة في
فلسطين من هزة عنيفة تجاه المخططات اليهودية خصوصاً والغربية عموماً، مما
جعل الغرب بقيادة أمريكا يأخذ بزمام المبادرة؛ وذلك بإعادة الاستعمار العسكري
القديم بثوب جديد لا يختلف عن سابقه إلا في المظهر والشكل، والحقيقة واحدة.
وما أعلنوه ليس إلا جزءاً يسيراً مما تخفي صدورهم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ
تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ
وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران:
١١٨) ، وحقيقة لم أستغرب أن ينهج الغرب هذا النهج، أو يسلك هذا الطريق؛
لأن هذا من بدهيات معرفة حقيقة اليهود والنصارى، كما بين الله
في كتابه، وقد قيل:
تلك العصا من هذه العصية ... هل تلد الحية إلاّ الحية؟
وإنما مكمن الاستغراب أن يتجاوز بعض أفراد الأمة الغفلة عن هذه الحقيقة
إلى الدفاع عن أولئك، وإنكار أهدافهم ومراميهم! وهل أُتينا إلا من داخلنا، وممن
هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا؟!
البيان: ولكن كيف يرى فضيلتكم الدور الذي يجب أن يقوم به العلماء
والدعاة في مواجهة هذه الأزمة؟
- قناعتي أن المشكلة ليست في تحديد هذا الدور، ولا في بيان الطريق وسبل
النجاة، فهي أوضح من الشمس في رابعة النهار، كما قال ﷺ :
«قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك..» [٥] .
وإنما تكمن المشكلة في السؤال الكبير: هل لدينا الاستعداد لمواجهة تلك المحنة؟
وهل الأمة على قدر المسؤولية؟ وهل نحن على استعداد للتخلي عن الدنيا وزخرفها،
والتضحية بذلك في سبيل عقيدتنا ومبادئنا؛ لاستعادة مجدنا وعزتنا وسؤددنا؟
لقد سئمت الأمة من التنظير واجترار الكلمات، وآن الأوان أن نقبل التحدي
بصدق ويقين وتفاؤل؛ فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد ذم الله
القائلين ما لا يفعلون: [كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ] (الصف:
٣) ، وبيت القصيد ونقطة البداية والنهاية في الآية التي تليها: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) .
ونبراسنا الذي يضيء معالم طريقنا قوله تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا
وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ، وإلا فهو الذل والصغار،
و (على نفسها جنت براقش) .. «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر،
ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى
دينكم» [٦] . وأقول بكل ثقة ويقين: إن المعركة مع الغرب محسومة لصالح الأمة
بإذن الله والعدو يحفر قبره بيديه، [هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ
مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ
فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ
وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) ، ولكن الأمر يحتاج
إلى خطة استراتيجية كبرى؛ نعي فيها أن في المعركة صولات وجولات، وكر
وفر، قد تصاب الأمة بجروح وقروح في أولها، ثم يكون الانتصار العظيم في
نهايتها؛ إذا صدقنا مع الله، وأخذنا بالأسباب الشرعية لذلك، [إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ
فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ
مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ]
(آل عمران: ١٤٠-١٤١) .
البيان: يسعى بعض الكتاب والمفكرين إلى الاصطياد في الماء العكر، حيث
يدفع في اتجاه التخويف من المناهج التعليمية، والكليات الشرعية، والمؤسسات
الخيرية ... ونحوها؛ فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ وهل من سبيل للمحافظة على
هذه المكتسبات؟
- دون تقليل أو استهانة بما يفعله هؤلاء؛ لماذا نحصر أنفسنا بالأزمات؟
ولماذا ندع لخصمنا تحديد بداية المعركة ومكانها ومدتها؟ ولماذا لا نغزوهم في
دورهم ومؤسساتهم؟ ومع أهمية تلك المرافق الحيوية وتأثيرها الضخم في حياة
الأمة؛ فإنه يجب أن لا تنحصر جهودنا فيما يحدده لنا أعداؤنا.
إننا بحاجة إلى تغيير عقليتنا ومنهجنا واستراتيجيتنا في مواجهة تلك الأزمات،
فَلِمَ لا نغزوهم قبل أن نُغزى؟ فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، ولماذا لا
نشغلهم قبل أن نُشغل؟ يؤسفني أن كثيراً منا يقفون دائماً موقف المدافع، والسنة
الكونية أن كل شيء متحرك.. إما أن يتقدم وإما أن يتقهقر، فمن لم يكن متقدماً فهو
يقيناً في تأخر، ومن لم يربح فهو حتماً يحقق الخسائر الواحدة تلو الأخرى.
لقد أدرك عدونا سر ضعفنا ومكمن الداء فينا؛ فأشغلنا قبل أن نشغله،
وهاجمنا قبل أن نهاجمه، وغدا ينقلنا من مصيبة إلى أخرى، ومن بلية إلى كارثة؛
دون أن نعي كيف نخرج من تلك الحلقات المفرغة، مسلِّمين بنقاط ضعفنا؛ مع أننا
لم نبرز جوانب القوة فينا، ضخّمنا دور عدونا دون أن نعي أن الذل لا يفارق
جباههم؛ وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؛ فنصرناهم على أنفسنا
بقذفنا الرعب في قلوبنا، فشتان شتان بين أسلافنا الذين نُصروا بالرعب، وبين مَنْ
قُذف في قلوبهم الوهن، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.. ومن
يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر إن من أعظم الخطط
والاستراتيجيات في المعارك هو إيجاد البدائل تحسباً لأي طارئ؛ ولذا فإنني
أتساءل: ألم نكن ندرك أن عدونا يتربص بتلك المؤسسات الرائدة ويحيك لها
المؤامرات؟! فإن كانت الإجابة بالنفي فيا لها من مصيبة! وإن كان الجواب
بالإيجاب فالمصيبة أعظم؛ فلِمَ لم نعدّ البدائل، ونقم المؤسسات التي تحمي أجيالنا
وأمتنا؟ لماذا نضع البيض في سلة واحدة ثم نتحسر إذا تكسر؟ لماذا نبني حياتنا
على ردود الأفعال في عالم يبني استراتيجيته الكبرى على المكر، وأخذ المؤمنين
على حين غرة؟ فهل نفيق من سباتنا؟
البيان: كان بعض المحللين يرى أن الصحوة الإسلامية سوف تتراجع
وتنحسر كثيراً بعد الحملة الأمريكية على الإرهاب، وتشاءم كثير من الصالحين
بسبب الضغوطات الكثيرة، ومع ذلك فانتصارات التيارات الإسلامية في الباكستان
والمغرب وتركيا قلبت الموازين؛ فما تفسيركم لهذه الظاهرة؟ وهل من أمل
يلوح في الأفق؟
- مَنْ هؤلاء المحللون؟ وما مستوى ثقافتهم؟ وإلى أي بلد ينتمون؟ ولحساب
أي جهة يعملون؟ إنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد أصبحنا ننظر إلى
كثير من الآراء التي تصدر من غير المتخصصين بنظرة الريبة والشك، والخطورة
في تصديق بعض أصحاب الشأن لمثل تلك التحليلات التي لا تُبْنى على علم ويقين،
وإنما هي مجرد ظن وحدس وتخمين. ومأساة أصحابها أنهم لا يفقهون حقيقة هذا
الدين، وقد يكونون من المرتزقة المأجورين، وإلاّ فقد أثبت التاريخ أن الضربات
التي تُوجَّه إلى الأمة لا تزيدها إلاّ صموداً وثباتاً، وهي وإن ترنحت أمام تلك المحن
ساعات معدودة، ولأيام وشهور محدودة؛ فإنها سرعان ما تثبت على قدميها،
مفاجئة أقرب الناظرين إليها، وهي وإن غابت عن الساحة لحظات؛ فإنما هي
استراحة المحارب، وغفوة المجاهد.. [إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم
مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ
بِهِ الأَقْدَامَ] (الأنفال: ١١) ، تتلو ذلك صولات وجولات تحقق أعظم
الانتصارات، ولو كانت هذه الصحوة تخضع للظنون والتحليلات لكبَّرنا عليها منذ
زمن أربع تكبيرات، ثم ووريت التراب منذ سنوات، ولكن [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ
اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (الصف: ٨) .
البيان: الواقع الدعوي وتشققه حتى في الاتجاه الواحد؛ إلى ماذا يعزوه
فضيلتكم؟
- عندما لا يكون المصدر الوحيد لصهر النفوس البشرية وإخضاعها المطلق
هو الكتاب والسنة؛ فحينئذ يكون للمؤثرات الأخرى نصيبها في بناء التوجه وتحديد
المسيرة، فيكون للبيئة الاجتماعية سلطانها الذي لا ينكر، وللتربية الأسرية تأثيرها
الذي لا ينازع فيه، وللمؤثرات البشرية الأخرى من سلطة أو جماعة أو مدرسة
نصيبها في بناء الفرد وتكوين شخصيته، ويزداد الأمر سوءاً عندما تُكوِّن النفس
البشرية ذاتها بذاتها، فتكون نفس الإنسان هي مربيته ومعلمته وقائدته؛ فيسير في
دروب الانحراف وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
ومن هنا؛ فبمقدار تأثير أي عامل من هذه العوامل تكون صياغة الإنسان،
وتبرز ملامح طريقه وأهدافه، ولذلك عندما خضع الجيل الأول الذي تربى على يد
المصطفى ﷺ خضوعاً مطلقاً للوحي، وأسلموا قيادهم لمحمد صلى
الله عليه وسلم دون منازعة أو حظوظ نفس، أو تأثير بيئة أو قبيلة أو مجتمع، كان
ذلك الجيل الرائع الذي لم ولن يأتي مثله على مر التاريخ، وعبر السنوات والقرون.
وما أشرت إليه في سؤالك هو نتيجة طبيعية لتلك المؤثرات التي تُنازع الوحي
سلطته وهيمنته؛ فمنهم مستقل ومستكثر.. [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً]
(النساء: ٦٥) .
البيان: هناك بعض طلاب العلم الذين همُّهم التنقيب عن عثرات العلماء
وتكبيرها، والاشتغال بها عن العلم الحقيقي، بل يصل بهم الأمر إلى تجريح
المخالفين ومحاولة إسقاطهم من أعين الناس؛ فهل من سبيل لعلاج هذه الظاهرة
والتقليل من آثارها؟
- أخي الكريم! إنني أخالفك؛ فلا أعد هؤلاء طلاب علم إذا كان همهم
التنقيب عن عثرات العلماء وتكبيرها كما ذكرت! بل يزداد عجبي من وصفك لهم
بهذا الوصف (طلاب علم) ، ثم تقول: وهم منشغلون بهذه العثرات عن العلم
الحقيقي! فأي علم يُحسبون عليه، أو يتشرفون بالانتماء إليه؟ وسؤالك يحمل
السؤال والجواب معاً؛ فلو كانوا طلاب علم حقاً لما انشغلوا ببُنيَّات الطريق، وأكاد
أجزم أن هؤلاء شغلتهم حظوظ النفس والهوى عن الانشغال بميراث النبوة وفهم
الكتاب والسنة.
وهذه من أعظم البلايا التي ابتليت بها الأمة في قرونها المتأخرة؛ فعاقت
مسيرتها، وشغلتها عن تحقيق أهدافها، ومما زاد الأمر سوءاً استمرار المعركة بين
رادٍّ ومردود عليه؛ الأمر الذي جعل الناس في متاهة؛ لا يدرون أين يكمن الحق
وأين يكون الباطل؟ ولن نستطيع أن نتخلص من هذه المحنة إلاّ بالتجرد المطلق،
والصدق مع الله، والابتعاد عن حظوظ النفس، وإقامة ميزان العدل والقسط على
النفس أولاً قبل أن ندعي إقامته على خصومنا ومخالفينا؛ التزاماً بقوله تعالى: [يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ
وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] (النساء: ١٣٥) .
ومما يحز في نفوس المؤمنين عدم وصولنا في العدل والقسط مع من خالفنا
الرأي، إلى ما أمر الله به من عدل مع المشركين الذين أخرجوا النبي صلى الله
عليه وسلم من مكة وصدوه عن المسجد الحرام، فقال سبحانه: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ
تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (المائدة: ٢) .
وقال أيضاً: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ] (المائدة: ٨) .
ولنكن صرحاء مع أنفسنا: هل عدلنا مع من يخالفنا من إخواننا كما أمرنا الله
بالعدل مع أعدائنا؟ أين الرحمة بالمخالف والدعاء له، وإظهار الشفقة عليه؟ مأساة
بعضنا أنهم يشكون الظلم وهم يمارسونه صباح مساء، ثم يدّعون أنهم البرآء براءة
الذئب من دم يوسف ﵇، فخير لهم أن يراجعوا أنفسهم، [فَلَوْ
صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ] (محمد: ٢١) ، خيراً لنا أن نصحح ما بأنفسنا قبل
يوم الفصل [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ] (الطارق: ٩) ، ويُحصّل ما في الصدور.
من السهل اتهام الآخرين وقد يكونون أهلاً لذلك، ولكن من الصعب الاعتراف
بالحقيقة والتجرد عن الهوى إذا كان الأمر يتعلق بأنفسنا وذواتنا.
البيان: تشهد الصحوة الإسلامية انتشاراً محموداً ولله الحمد والمنة، ولكن
ألا يرى فضيلتكم أن هناك قصوراً ظاهراً في توظيف الطاقات واستيعابها لخدمة
الأمة؟
- نعم! هناك قصور واضح وظاهر في استخدام المكاسب التي حققتها الأمة
في سنواتها الأخيرة متمثلة في هذه الصحوة المباركة، ولولا ذلك لكنَّا قاب قوسين
أو أدنى من قيادة الأمم، ومع ذلك؛ فلا أرى أن نضيع الأوقات في البكاء على
الأطلال، والنياحة على ما مضى وفات؛ فإن ذلك لن يزيدنا إلا تقهقراً وتأخراً،
وإنما أدعو إلى سرعة المبادرة واغتنام الفرصة، واستخدام ذلك التفريط قوة دافعة
إلى الأمام؛ فإن المؤمن لا يُلدغ من جحر واحد مرتين، وليست العبرة كيف كنا؟
وإنما المهم كيف نكون؟ وكم أتمنى أن نستفيد من بعض ما لدى أعدائنا من نقاط
القوة والتمكن، فقد استطاعوا أن يسيطروا على أماكن كثيرة من المعمورة، مع أنهم
أصحاب أهداف دنيوية، وما ذاك إلاّ لأخذهم بالأسباب التي حققت لهم ما يصبون
إليه وما يريدون، ونحن أصحاب دين ودنيا حري بنا أن نأخذ بأسباب النجاة
والسؤدد.. [وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] (البقرة:
٢٠١-٢٠٢) .
البيان: الواقع الدعوي يشهد منذ زمن تشققاً حزبياً وصراعاً مؤلماً في وقت
تحالف فيه العدو لمواجهتنا؛ فهل من سبيل لإصلاح ذات البين؟ أو على أدنى
الأحوال لكف الأذى بين العاملين في الحقل الدعوي؟
- مرت الأمة في تاريخها بمراحل من التعصب والتحزب، فبعد القرون
المفضلة نشأت الفرق البدعية، كالمعتزلة والخوارج والجهمية وغيرها من الفرق
المعروفة التي أحدثت شرخاً في جسم الأمة، ثم بعد ذلك نشأت مرحلة أخرى؛
وهي مرحلة التعصب المذهبي واستمرت قروناً عديدة، وكان لها من الآثار السلبية
ما لا يخفى، ثم في هذا العصر بدأت الجماعات والتنظيمات الدعوية، والتي لا
تُنكر جهودها في مقاومة الاستعمار، والمحافظة على دين الأمة وتربية أجيالها،
ولكنها للأسف وقع كثير منها في التعصب المقيت الذي فرَّق الأمة شيعاً وأحزاباً،
ثم بدأ في السنوات الأخيرة التعصب للأفراد، وضعف تأثير الجماعات؛ فكانت
المصيبة أشدّ وأنكى، وهذا وإن كان قدراً كونياً، كما أخبر الصادق المصدوق صلى
الله عليه وسلم في حديث الافتراق؛ فإن الواجب على الأمة أن تتعامل مع هذا القَدَر
الكوني بالقَدَر الشرعي؛ وهو وجوب جمع شمل الأمة وتوحيد كلمتها امتثالاً لقوله
تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم
مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (آل عمران: ١٠٣) ، مع التحذير
من التفرق والتشتت نظراً لما يؤدي إليه التنازع والخلاف، قال تعالى: [وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]
(الأنفال: ٤٦) .
وأنبه هنا إلى أن الاختلاف الذي أشرت إليه في سؤالك على نوعين:
النوع الأول: من قبيل اختلاف التضاد، وذلك عندما يكون الاختلاف في
المنهج، وهو موطن الخطورة الذي يُخشى على أصحابه من أن يكونوا داخلين فيما
حذر منه النبي ﷺ في حديث الافتراق، وهذه مسألة يغفل عنها
كثير من أصحاب التنظيمات والجماعات.
النوع الثاني: وهو ما يكون من اختلاف التنوع، وذلك عندما يكون الاختلاف
في وسائل مشروعة لا في المنهج، أو من باب اختلاف ما يناسب الأماكن والبلدان؛
فهذا الاختلاف لا تثريب على أهله، ولكن الخطورة نشأت فيما دخل على تلك
الجماعات من أمور غير مشروعة؛ كالتعصب، والتحزب، والتنابز، وافتعال
العداوات، وجَعْل مسائل الاجتهاد ميداناً للولاء والبراء.
ومع أهمية التعامل مع كل تلك الجماعات والأحزاب بنوعيها وفق منهج أهل
السنة والجماعة في التعامل مع المخالف والموافق، وإنزال كل واحد منزلته مع
البعد عن البغي والظلم والعدوان؛ فإنني أتطلّع إلى مرحلة جديدة تتجاوز فيها الأمة
هذا الواقع المرير؛ وذلك بأن يقوم العمل الدعوي على طرح المنهج الحق والدعوة
إلى العلم بدلاً من الجماعات والأحزاب؛ مع التنبيه إلى أن الخلل ليس في الاجتماع
والترتيب والانتماء؛ فهذه أمور مشروعة إذا تخلصت من بدعيات التجمعات
المحدثة، وهناك فرق بين الأمرين. وإنما الخلل فيما يفعله بعض ممن يخلطون
بينهما لنقص فقههم وعلمهم؛ فتجدهم يحملون على أصحاب التجمعات والتنظيمات
لمجرد التجمع والتنظيم والانتماء، فوقعوا في شر مما حذروا منه؛ إذ أنشؤوا
مجموعات وتكتلات حزبية متعصبة نسبوها إلى السلف ظلماً وزوراً.
والخروج من هذا المأزق الذي وقعت فيه الأمة يحتاج إلى تجرد وصدق، مع
التضلع في العلم، وصدق الانتماء لمنهج أهل السنة والجماعة، مع البعد عن الظلم
والهوى والكيل بمكيالين، فكثير ممن حذر من تلك الظاهرة وقع في شر مما حذر
منه كما أشرت آنفاً، وأُذكّر الجميع بقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] (التوبة: ١١٩) .
البيان: من أبرز جوانب الصراع مع الغرب في المرحلة القادمة: مسألة
الحرب على الأسرة والأخلاق الفاضلة، وتغريب المرأة المسلمة ... أليس كذلك؟
فكيف يُقَوِّم فضيلتكم دورنا في الدعوة النسائية؟ وهل هو مواز لمقدار التحدي؟
- لقد قصَّر الدعاة وطلاب العلم والمؤسسات الدعوية كثيراً فيما يتعلق
بالواجب تجاه المرأة المسلمة، ومواجهة الحملة الشرسة من الغرب والشرق عليها،
ولكن الذي يخفف من المعاناة ويزيد من التفاؤل؛ هو هذه الالتفاتة الظاهرة من
الدعاة إلى المرأة تعليماً وتربيةً وإعداداً، مع تلك الاستجابة الواضحة في صفوف
النساء؛ مما جعلني أقول في أكثر من مناسبة: إن كانت الصحوة في العقود
الماضية في صفوف الرجال؛ فقد أصبحت في السنوات الأخيرة «صحوة النساء» ؛
وذلك لما أراه من إقبال كبير من الفتيات على الحجاب، واعتزازهن بقيم
الفضيلة، ولما أراه من إقبال عظيم من المرأة على كتاب الله تعلماً وتعليماً، عبر
مؤسسات متعددة، كالدور والجمعيات النسائية الإسلامية، وجماعات تحفيظ القرآن،
بالإضافة للنشاط الظاهر في إقامة الدورات المتخصصة في الدعوة والتربية
والتعليم، وإلقاء المحاضرات الخاصة للنساء، وكثير منها تُلقيها داعيات معروفات،
وطالبات علم موفقات، مع أن الأمر بالنسبة للنساء لا يزال في أوله.
ولذا؛ فإنه لا بد من عناية فائقة، واهتمام خاص بهذا المرفق الدعوي المهم؛
لأن المرأة إذا ربيت تربية صالحة كانت سداً منيعاً تجاه الضربات التي توجه نحو
الأمة عموماً ونحو الأسرة خصوصاً، كما أن المرأة الواعية تحمل عن زوجها وعن
ولي أمرها أعباء كثيرة من العمل الجاد في الصفوف الخلفية، بل وفي الأمامية
أحياناً، «ومن خلف غازياً في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا» [٧] ، كما أخبر الصادق
المصدوق ﷺ .
ونظراً لحداثة العمل «في الجانب النسوي» ؛ فربما عرضت أخطاء أو
حدثت ثغرات، وربما نقص جانب من الجوانب التي يحتاج إليها في قيام البناء،
وحتى يتم ذلك على وجهه الشرعي الأكمل؛ فلا بد من حسن التوجيه، وسلامة
المنهج، مع التركيز على الجوانب التي تتعلق بطبيعة المرأة ومهمتها، والحذر مما
وقع في بعض البلاد الإسلامية من إقحام المرأة فيما لا يعنيها، وتكليفها بما لم تُخلق
له.
ومن بدهيات ذلك: إشراف العلماء وأهل الورع والديانة إشرافاً مباشراً على
كل ما يتعلق بشؤون المرأة ومؤسساتها؛ التزاماً بقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) .
كما أننا بحاجة إلى يقظة تامة في التعامل مع المرأة؛ حتى لا تزل قدم بعد
ثبوتها، أو نسيء من حيث أردنا الإحسان.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الهجمة العلمانية التي يشنها الغرب وحلفاؤه على
المرأة المسلمة؛ تتعدى أهدافها إلى تقويض المجتمع المسلم؛ وذلك بحرب الفضيلة،
وإشاعة الرذيلة، وإغراق الأمة في الشهوات، وصرفها عن الجادة والأخذ بمعالي
الأمور، وإخراج أجيال جل عنايتها وغاية مقصدها إشباع غرائزها والانهماك في
ملذاتها وشهواتها؛ غافلة عن المعركة الدائرة بين الحق والباطل، مشغولة
بالسفاسف عن مواجهة أعداء الله والدفاع عن دينها وحرماتها ومقدساتها؛ فيسهل
على العدو إشعال الفتنة داخل صفوفها، ويتيسر له زمام قيادها.
وبمثل هذا ضاعت الأندلس، ودخل اليهود والنصارى إلى كثير من بلاد
المسلمين، وما حرب يونيو ١٩٦٧م عنّا ببعيدة، فقد ضُربت الجيوش العربية
وطائراتها الحربية وهي جاثمة في مطاراتها، ولا عجب فقد كان قادتها يتابعون
أغنيات كوكب الشرق، ويسهرون في المسارح والحانات، فكانت تلك الكارثة التي
سودت تاريخ الأمة ولم تتخلص من آثارها. وآمل أن لا يعيد التاريخ نفسه.
البيان: مع استمرار الانتفاضة المباركة في أرض الإسراء، وارتفاع حدتها؛
هناك العديد من الأسئلة التي تفرض نفسها؛ لعل من أهمها: التساؤل حول
قدرة الأمة على مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، وخاصة في
ظل تعالي أصوات المطبعين على شتى المستويات السياسية والفكرية
والاقتصادية، وهل هناك رؤية لمواجهة التطبيع؟
- نعم نحن قادرون بعون الله على مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي
وغيره من مشاريع الكفر، وبوادر هذا اليقين أصبحت أمراً واقعاً.. والحمد لله؛
فدولة إسرائيل لا تملك مقومات الدولة المستقرة الآمنة، وإنما تعتمد على الدعم
الخارجي غير المحدود عسكرياً واقتصادياً وسياسياً من الشرق والغرب.
وإدراكاً لهذا الواقع من قبل إسرائيل وحلفائها؛ طرحت عدة مشاريع
استراتيجية لحماية إسرائيل وترسيخ أقدامها؛ أهمها:
١ - إسرائيل الكبرى.
٢ - تفتيت المنطقة.
٣ - مرحلة السلام.
٤ - الـ (شرق أوسطية) .
النظرية الأولى ثبت عدم نجاحها واستحالتها؛ وذلك أن إسرائيل لم تستطع أن
تحافظ على أمنها واستقرارها في نسبة صغيرة من الأرض؛ فكيف تحافظ على
أضعاف ذلك؟!
وأما الثانية؛ فمع ما تحقق فيها من نجاح محدود فقد أدرك الجميع صعوبة
الاعتماد عليها؛ وخاصة بعد حرب لبنان.
أما مرحلة السلام فتحتاج إلى حديث خاص؛ أما مرحلة الـ (شرق أوسطية) ؛
فهي نظرية سياسية حديثة جاءت من قبل حلفاء إسرائيل عندما أدركوا صعوبة
نجاح الاستراتيجيات الأخرى، وقد تزعمها شمعون بيريز، وقد بدأت هذه النظرية
قبل عدة سنوات، وكان من أبرز ميادينها المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في المغرب
والقاهرة والدوحة، وهي تقوم على أن تندمج دول المنطقة في استراتيجية
اقتصادية وسياسية لا ترتكز على القومية أو الدين؛ بل على رقعة جغرافية محدودة
(الشرق الأوسط) ، وهذه النظرية ترعاها أمريكا وتدعمها دول الغرب، ويصعب
الجزم بمستقبلها.
لكن من أجل مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، وتحرير فلسطين،
وعودة بيت المقدس؛ لا بد من توافر عوامل عدة أخذاً بالأسباب الشرعية،
وانسجاماً مع السنن الكونية؛ فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وما ضاع في
عشرات السنين لا يسترد بأيام وشهور، ولذلك لا بد من تضافر الجهود، والأخذ
بأسباب النصر، والتوكل على الله. ومن المعالم المهمة في ذلك:
١ - العودة الصادقة إلى الله.
٢ - تربية الأمة على الإسلام.
٣ - الإيمان المطلق بأن الإسلام هو المنطلق الوحيد لتعاملنا مع قضية فلسطين.
٤ - توعية الأمة بأن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين.
٥ - وحدة الكلمة واجتماع الصفوف.
٦ - وجود خطة محكمة واستراتيجية واضحة تراعى فيها الظروف والإمكانات،
وتدرس فيها العوائق.
أما التطبيع؛ فإنني على ثقة بإذن الله من أنه لن يتحقق كما أراد له مخططوه،
وأنى للزيت أن يمازج الماء، عقيدة اليهود تأبى، بل عقيدة المسلمين تأنف،
والضدان لا يجتمعان، وفي تجارب بعض الدول القريبة أقوى دليل وأظهر برهان
لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
البيان: نشكر فضيلتكم، ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وصلى الله
وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 4503
الإسلام لعصرنا
هل نداوي بالتي كانت هي الداء ؟
أ. د. جعفر شيخ إدريس
jaafaridris@hotmail.com
في خطابه الأخير عن مشروع العلاقات الجديدة بين الولايات المتحدة والعالم
العربي ذكر وزير الخارجية الأمريكي حقائق عن وضع العالم العربي الاقتصادي
والتقني كان كثير من المثقفين العرب يعرفونها، ويندى جبينهم لها حين يسمعونها.
فنقول: إذن إن معظم ما ذكره وزير الخارجية في هذا الجانب هو حقائق
نحن معترفون بها، ولا مجال لإنكارها.
ونقول ثانياً: إنه مهما كانت لهذا التخلف المزري من أسباب خارجية فإننا
نحن المسؤولون أولاً عن أسبابه الداخلية.
لكننا نقول ثالثاً: إن علاجها ليس في ما اقترحه علينا باول، بل إن في ما
اقترحه ما يزيد طينتنا بلَّة، بل هو نذير شؤم يذكِّرنا بالمنطق الذي استعملته
الحضارة الغربية لاستعمار بلدان العالم. لقد كانوا يسوِّغون غزوهم واحتلالهم
وتسخيرهم للشعوب بأنه إنقاذ لها من وهدة التخلف وسوقهم قسراً إلى يفاع التحضر.
أليس هذا هو الذي تعنيه كلمة الاستعمار في أصلها اللغوي؟
لقد ظل الغربيون كُتَّاباً وساسة يدندنون حول فكرة سخيفة باطلة هي أنه لن
تتقدم أمة تقدمهم المادي إلا إذا سلكت طريقهم الراهن حذو القُذة بالقُذة. أي إلا إذا
صار نظامها السياسي مثل نظامهم، وموقفها من دينها مثل موقفهم من دينهم
يحرفونه كما شاؤوا، ويخضعونه لأهواء عصرهم، ويفصلون بينه وبين دولتهم،
وإلا إذا صارت حياتهم الجنسية مثل حياتهم اختلاطاً بغير ضابط بين الرجال
والنساء، وإباحة لكل علاقة جنسية بين كل بالغين متراضيين رجلين كانا أو
امرأتين أو رجل وامرأة، بل إلا إذا كانوا مع ذلك موالين للغرب خاضعين له
خادمين لمصالحه.
ونحن نعلم من كتاب ربنا ومن تجارب عصرنا والعصور التي سبقتنا أن كل
هذه أباطيل لا علاقة لها بالتقدم المادي.
الديمقراطية مهما كان فيها من حسنات ليست بشرط ضروري للتقدم
الاقتصادي والعلمي والتقني. فهذا الاتحاد السوفييتي كان قد تقدم مثل هذا التقدم،
بل كان سابقاً للغرب الديمقراطي في بعض المجالات رغم شنيع دكتاتوريته، وها
هي الصين، وها هي كوريا الشمالية تتقدمان في هذه المجالات تقدماً يزعج الغرب
أيما إزعاج.
وحياة الإباحية التي نُدعَى إليها الآن ليست من أسباب تقدم الأمم بل من أسباب
هلاكها. لقد كانت الحضارة الإسلامية حضارة العصر حتى بداية القرن السادس
عشر الميلادي، وكانت سابقة في كل مجال من مجالات العلم والتقنية كما يعترف
بذلك الغربيون ولم تكن تبيح ما نُدعى الآن إلى إباحته. والحضارة الغربية نفسها لم
تكن في بداية تقدمها المادي والعلمي تبيح ما تبيحه الآن؛ فلم تكن هذه الإباحية من
أسباب تقدمها، بل هي من علامات تدهورها كما يعترف بذلك كثير من عقلائها.
وفصل الدين عن الدولة ليس شرطاً في هذا التقدم كما يشهد بذلك تاريخ الحضارة
الإسلامية التي كان الدين جوهرها وكان السبب الأساس لقوتها.
نعم! إن الدين يكون عائقاً حين يكون ديناً يحول دون الأخذ بالأسباب
الموضوعية للتقدم المادي. وكما يكون الدين عائقاً يمكن أن يكون غيره من الأفكار
والمعتقدات عائقاً أيضاً.
ولكن إذا لم يكن الدين الحق عائقاً فهو أيضاً ليس شرطاً ضرورياً للتقدم
المادي! ولو كان الأمر كذلك لما تقدمت مثل هذا التقدم دولة كافرة. لكننا نشاهد في
واقعنا، ونعرف من تاريخ عالمنا، ونقرأ في كتاب ربنا ما يدلنا على غير ذلك.
[أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي
البِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ] (الفجر: ٦-
١٠) .
بل إن العدل ليس شرطاً في مثل هذا التقدم؛ فالحضارة الفرعونية ازدهرت
بتسخيرها لبني إسرائيل حتى أنقذهم منها نبي الله موسى ﵇.
[فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيل] (طه: ٤٧) .
والدول الأوربية استعانت على تقدمها المادي باستعمار الشعوب واستغلال
خيراتها، والولايات المتحدة استعانت على ذلك باصطياد البشر من أفريقيا
واستعبادهم وتسخيرهم.
وما يقال عن الديمقراطية يقال عن حرية التعبير، وإنصاف المرأة. إن كل
هذه وغيرها أمور حسنة في نفسها ومساعدة على الحياة الطيبة لكنها ليست شرطاً
في الازدهار المادي كما يشهد بذلك تاريخ الدول الغربية نفسها. لقد بدأت ثورتها
الصناعية ولم تكن تعطي المرأة ما تعدُّه الآن من حقوق لها لازمة للتقدم وللحداثة؛
فلم يكن لها حتى حق الانتخاب.
إن للتقدم المادي - كما لكل أمر حسي - أسباباً من أخذ بها آتته أُكُلَها براً كان
أو فاجراً، عادلاً كان أم ظالماً. فمن أكل الطعام المناسب شبع حتى لو كان طعامه
مسروقاً، ومن جامع امرأة قد ينجب حتى لو كان جماعاً سفاحاً، ومن زرع فقد
يحصد حتى لو كان في أرض مغصوبة. إن الله تعالى لم يجعل الاستقامة شرطاً في
التمتع بخيرات الدنيا: [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى
عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (البقرة: ١٢٦) . أراد إبراهيم ﵇ أن
يحصر الرزق بثمرات البلد الحرام في المؤمنين؛ لكن الله تعالى أخبره أنه ينعم بها
حتى على الكافرين؛ ثم يذيقهم العذاب الأليم. ويؤكد هذا قوله تعالى: [قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٢) .
فالطيبات من الرزق هي للمؤمن والكافر في هذه الحياة الدنيا، ولا تكون خالصة
ممحضة للمؤمنين إلا في الدار الآخرة.
قلت: إن للتقدم المادي أسباباً، وأقول: إن من أول ما يذكر من هذه الأسباب
الاستقرار السياسي؛ فإذا لم تكن الأمة مجتمعة، ولم تكن مستقرة فأنى لها أن تنجح
في إقامة مشروعات تعليمية واقتصادية طويلة المدى؟ والعالم العربي لم يذق طعم
الاستقرار السياسي إلا في فترات متباعدة هنا وهناك. وكان من أهم أسباب ذلك أن
كثيراً من أبناء الطبقة المثقفة المؤهلة للحكم فيه كانت طبقة قد ابتعدت عن دينها
وتقمصت قيم الحضارة الغربية، وظنت كما ظن أصحاب تلك الحضارة أن التقدم لا
يكون إلا بتقليد الغرب، فراحوا يقلدونه بل ويفرضون على الأمة تقليده في فكره
العلماني، وفي عاداته وتقاليده الاجتماعية، وجعلوا هذا وما يزالون يجعلونه
رسالتهم الكبرى التي يصالحون عليها ويعادون. وكان ممن عادوا إخوانهم
المستمسكين بدينهم الذين يرون على العكس منهم أن نهضتنا لا تكون إلا على أساس
من ديننا. بهذا انقسم المجتمع وفقد الاستقرار السياسي اللازم للتطور المادي.
فالعلمانيون كانوا إذن هم سبب تمزق العالم العربي، ومن ثم سبب تخلفه المادي.
وكان الغرب وراءهم وعوناً لهم بدعايته وماله وقوته في كل ما يدعون إليه. واليوم
تريد أمريكا أن تعاد المعركة بين الفريقين، وبشكل أشرس؛ إذ المطلوب من
العلمانيين هذه المرة ليس فصل الإسلام عن الدولة فحسب، بل إعادة تفسيره بحيث
يكون متناسباً مع الفكر الغربي، والمصالح الغربية. أليس هذا علاجاً بالتي كانت
هي الداء؟
وإذا كان الاستقرار السياسي شرطاً ضرورياً لنيل القوة المادية فإنه ليس
بالشرط الكافي، بل لا بد أن تتحقق معه شروط أخرى. لا بد للأمة التي تريد أن
تخطو في طريق هذا التقدم المادي أن تعرف معالم هذا الطريق فلا تؤفك عنه
بمظاهر كاذبة لا علاقة لها به. وقد كان من أسباب تقدم الاتحاد السوفييتي إدراكه
لهذه الحقيقة. عرف في ضوء معتقداته ماذا يأخذ من الغرب الرأسمالي وماذا يدع.
كان يركز على ترجمة العلوم، وعلى تبادل التقنيات، وكان يبتعد كل البعد عن
آداب الغرب الرأسمالي وفلسفاته ونظرياته السياسية والاقتصادية وفنونه وأفلامه
ومسارحه وموسيقاه وأنواع رقصه. أذكر أننا زرنا دولة تشيكوسلوفاكيا ونحن
طلاب بجامعة الخرطوم فوجدنا بعض الناس هنالك مستعدين لأن يعطوك ما شئت
من مبالغ مقابل أسطوانة فيها موسيقى الروك آند رول التي كانت ذائعة الصيت
آنذاك. لكن كل هذا الذي كان ممنوعاً في البلاد الشيوعية كان متوفراً في بلادنا ولم
يساعد على تقدمنا.
قلت: إن الدين ليس بشرط في التقدم المادي، لكنني أبادر فأقول: إنه وإن لم
يكن شرطاً ضرورياً إلا أنه بلا ريب شرط كاف. أعني أن الأمة قد تكون قوية وإن
لم تكن على دين صحيح، لكنها تكون حتماً قوية ومنتصرة إذا كانت على دين
صحيح. [وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن
فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم] (المائدة: ٦٦) . [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] (الأعراف: ٩٦) . [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل
لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً] (نوح: ١٠-١٢) .
وأبادر فأقول ثانياً: إن الدين إذا لم يكن شرطاً ضرورياً في نيل القوة المادية
فإنه شرط ضروري لبقائها ودوامها. فالنعمة لا تدوم على مجتمع كافر إذا هو لم
يرجع إلى الحق. فإرمُ لم ينفعها عمادها، وثمودُ لم ينفعها جوبها الصخر بالواد،
وفرعون لم تنفعه أوتاده حين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، بل صب عليهم
ربك سوط عذاب، وهو سبحانه صاببه على كل أمة ترتكب ما ارتكبوا.
والنعمة لا تدوم حتى لمجتمع مسلم إذا هو استحدث نوعاً من الجحود، بل إن
سلبها منه يكون بقدر جحوده. وهذا يعني أن الله تعالى قد يعطي مجتمعاً كافراً لم
يمتحن من أسباب القوة المادية ما لا يعطي مجتمعاً مسلماً امتُحن فسقط سقوطاً كاملاً
بالنكوص إلى الكفر، أو سقوطاً جزئياً بترك بعض ما يعلم أن الله افترض عليه.
ولكن حتى حين يعطي الله تعالى المجتمع الكافر بل والفرد الكافر من النعم
المادية ما يعطيه، فإنه يحرمه من كمال الاستمتاع بها؛ لأن كمال الاستمتاع بها لا
يتأتى إلا مع شكر المنعم بها. وأما بغير هذا الشكر فهي قمينة بأن تصاحبها
منغصات لا يطيب العيش معها.
وعليه: فإذا أردنا أن نحقق لمجتمعاتنا تقدماً اقتصادياً وعلمياً وتقنياً، فلنكن
صفاً واحداً يجمعه الاستمساك بالدين الحق، ثم بكل ما في تراثنا وتجاربنا وتجارب
غيرنا من حق. وإذا كنا صفاً واحداً متماسكاً فلن يعجزنا التواصي على نظام
سياسي يحقق لنا الاستقرار؛ وإذا ما تحقق الاستقرار، فآنذاك نبدأ في الأخذ
بالأسباب التي تحقق القوة والأسباب التي تديمها. لا بد من الأمرين معاً. إن التقدم
الحق لا يقوم إلا على هذين الجناحين.
وما أقوله ليس دعوة إلى البداية من الصفر؛ فقد سارت كثير من دولنا رغم
العقبات في هذا الطريق؛ فنحن إنما نؤكد هنا ضرورة السير في الطريق الصحيح،
وندعم السائرين فيه، وندعو غيرهم إلى سلوك طريقهم.
стр. 4504
البيان الأدبي
رشفات من اللغة
سليمان بن عبد العزيز العيوني
الحج لغةً:
- يقال: حَجَّ الشيءَ يَحُجُّهُ حَجّاً، وحَجَّ إليه واحْتَجَّه: قَصَدَه.
- وأكثر استعماله في المقصود بكثرة، ثم تُعورف على استعماله في قصد مكة
للنُّسُك.
- وفاعله: حاجٌّ، وجمعه: حُجَّاجٌ وحَجِيجٌ وحُجٌّ. والمرأة: حاجَّةٌ،
وجمعها: حَوَاجُّ.
- وذو الحِجَّة بكسر الحاء: شهر الحَجِّ، وجمعه: ذوات الحِجَّة.
- وورد الحج في القرآن الكريم ١٢ مرة، بألفاظ (حَجَّ الحَجّ حِجّ الحاجّ) .
* في معنى (التباس الأمر) :
من سعة العربية التعبير عن المعنى الواحد بعدة ألفاظ، كالتعبير عن (التباس
الأمر) بقولهم: التبسَ الأمر، وأشكلَ، واشتبهَ، واختلطَ، واستعجمَ، واستبهمَ،
واستغلقَ، وغُمَّ، وأعضلَ، والتوى، والتاثَ، والتبكَ.
* الظروف والمظاريف:
يخلط بعضٌ بينهما، فيقولون: افتح المظروف، أو: اليوم فتح المظاريف،
والصواب: الظرف والظروف؛ لأن «الظرف» الذي يحتوي على غيره، وما
بداخله هو «المظروف» ، وعلى ذلك يسمى ما توضع فيه الرسائل والأوراق
ظرفاً، وجمعه: ظروف، وما بداخله من رسائل يسمى: مظروفاً، وجمعه:
مظاريف.
* بدائل عربية:
- لِفْت، أصانصير. والصواب: مِصْعَد.
- ألبوم. والصواب: سِجِلّ.
- بجامة. والصواب: مَنامة.
- رادار. والصواب: راصِد.
- وِنْش. والصواب: رافعة.
- بَرْضُهْ. والصواب: أيضاً.
* عامي فصيح:
- عَيْنُهُ فِيْه = لما تتطلع إليه نفسه.
- فلان ناشِف = كثير الجد، غير المطاوع.
- بَسْ = حَسْب، يكفي.
- الجادَّة = الطريق.
- خَرَّاط = كذّاب.
* لا تقل وقل:
- صح. والصواب: صحيح.
- بَرَّرَ، مُبَرِّر. والصواب: سَوَّغَ، مُسَوِّغ.
- بدل فاقِد. والصواب: بدل مَفْقُود.
- سِيدي. والصواب: سَيِّدي.
- مُسَيْلَمَة الكذاب. والصواب: مُسَيْلِمَة الكذاب.
* ابن تيمية لغوياً ونحوياً:
شيخ الإسلام ابن تيمية بحر متلاطم في عدة علوم؛ منها اللغة والنحو، وقد
خرجت قريباً دراستان توضحان جهوده اللغوية والنحوية، الأولى باسم (الدراسات
اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وأثرها في استنباط الأحكام
الشرعية) ، وهي أطروحةُ عاليةٍ (دكتوراه) في كلية الآداب في جامعة بغداد، من
إعداد: هادي أحمد فرحان الشجيري، طبعتها دار البشائر الإسلامية في بيروت،
في (٥٦٨) صفحة، والدراسة الأخرى باسم (اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية
وتقريراته في النحو والصرف) ، من إعداد: ناصر بن حمد الفهد، طبعتها مكتبة
أضواء السلف في الرياض، في (٣٥٩) صفحة.
* من نوادر الأعراب:
- مدح أعرابي قوماً فقال: «صدورُهم قُبورُ الأسرارِ، وسيوفُهم آفاتُ
الأعمار» .
- ولي أعرابي البحرين، فجمع اليهود، فقال لهم: ما تقولون في عيسى؟
فقالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: لن تخرجوا من السِّجْن حتى تُؤدُّوا دِيَتَه.
стр. 4505
قصة قصيرة
الميتتان
د. وليد قصَّاب
تفوح من حوله رائحة الموت والدماء، وعفونة الجثث المبعثرة هنا وهناك..
كان كامناً في حفرة عميقة خلف تل بعيد؛ يحتمي فيها من نيران الموت التي تحاول
أن تحصد كل شيء في المكان حصداً لا رحمة فيه.
يلتفت إلى اليمين ليرى جثة عبد الحميد وقد تشوّهت معالمها، وضاعت
آثارها، وينظر إلى اليسار ليرى عشرات من جثث أصدقائه الذين كانوا معه في
خندق واحد: عادل، ومحمود، وياسين، وأبو الحسن.
ولكن عبد الحميد هو الصورة المحفورة التي لا تُنسى؛ كان دائب الحلم، دائم
التطلع، يحلم بالعودة، وكانت صورة خطيبته عائشة التي عقد عليها قبل أن يأتي
إلى هنا بأيام لا تفارقه أبداً. كان يحفظ مقاطع من رسائلها عن ظهر قلب، وكانت
عائشة شاعرة، وكان عبد الحميد يحفظ معظم شعرها، وكم قرأ على أصحابه من
أشعارها ما يجعل الحماسة تفيض في جوانحهم كنهر متدفق غزير، ويُلهب في
أعماقهم جذوةً من إيمان حارٍّ؛ يضرب جذوره في أعمق أعماق الفؤاد:
أنتم لنا أملٌ عميق
أملٌ وحيدٌ بعدما اختنق البريق
قد غبتمُ
لكنكم في القلب نبراسُ الطريق
عادت الطائرات مرة أخرى تقصف المكان بلا رحمة، فغاص في حفرته،
وانهالت أطنان القنابل تزرع الموت والدمار في كل مكان، وتشاغل عن ذلك
باستحضار عبد الحميد إلى خواطره؛ كم ضمّهما خندق واحد! وكم عربدت
الطائرات فوق الرؤوس مجنونة لا تهدأ! ولكنّ كلاً منهما كان يحسّ بالأمان وهو
في صحبة الآخر، كانا ينسيان وقتذاك أنهما في قلب الموت، ويحسبان أنهما في
نزهة ممتعة، كان عبد الحميد شعلة إيمان ويقين، لم يشعر بالخوف مرة واحدة،
ولم يختلج في جسده عضو لتخيُّل الموت داهماً قريباً في كلّ لحظة، وكان دعاؤه
الحارّ الذي لا ينقطع: «اللهم إنه خروج في سبيلك.. فارزقني إحدى الحسنيين..
النصر أو الشهادة» ، وتفيض عيناه بدمع صادق وهو يدعو.
وكان على جدية الموقف وحرارته يداعبه: «وعائشة؟!» ، فتختلج شفتا
عبد الحميد، ولكنه لا يكفّ عن الدعاء.
وقد حاول أن يقتدي به كثيراً، وأن يردّد مثل دعائه، وخاصة في أعقاب
الصلوات، ولكنه لم يكن يملك ذلك، لم يكن يخاف الموت، ولكنه لم يكن يريده.
ترتسم أمام عينيه أحلامٌ بعيدة؛ فينحبس في شفتيه تمني الشهادة، ويدعو متمنياً
النصر.
تسلَّق الحفرة قليلاً، وألقى نظرة على جثة عبد الحميد الغارقة في بحر من
الدماء، وفي هذه اللحظة سقطت قذيفة على بعد أمتار منه، فغاص سريعاً في
الحفرة وقد دوّى المكان دويّاً رهيباً.
كانوا مكلفين بحماية التل، وقد طُلِب منهم ألاّ يتزحزحوا؛ لأن القصف مقدمة
لهجوم يهودي يستهدف احتلال الموقع كله.
كفّت الطائرات عن القصف، ولكنَّ عدداً من طائرات الاستكشاف حلَّقت فوق
الموقع.. تحرّك في حفرته، ثم تسلَّق نحو الأعلى يستطلع معالم المكان.. تحول
كل شيء إلى أنقاض، وما هي إلا دقائق حتى سمع هدير آليات ثقيلة تتجه نحو
الموقع، لقد كان القصف مقدمة إذن كما قال لهم القائد، وها هم آتون، إن احتلال
هذا الموقع هو هدفهم، والمعارك الطاحنة تدور فوق أرضه منذ عشرين يوماً.. لقد
أبدى الرجال بما يملكون من عُدّة قليلة بسالةً منقطعة النظير.
حضرته مرة أخرى صورة عبد الحميد، ما يزال كلامه في أذنيه: «إن لم
نمت شهداء وقعنا بأيديهم فمتنا كالكلاب» .
أحسّ بالرعشة تسري في كيانه لأول مرة، واستيقظ كأنما كان غافلاً يستشعر
الخطر الزاحف.. إنهم آتون بأثقل عتاد، وسوف يمسحون المكان مسحاً، ولن
تفلت من قبضتهم ذبابة.
الآليات تهدر هديراً يَصُمُّ الآذان، وهي تقترب من المكان حثيثاً، تفقَّد سلاحه
.. رشاشه.. والقنابل التي في حزامه، ثم مدّ رأسه من حفرته يتطلع يميناً وشمالاً،
وعاد يتساءل مرة أخرى: أين أفراد الفرقة؟ أماتوا جميعاً؟ اعتصرته الحيرة، ثم
دهمه خوف مفاجئ.. شعر بالضياع والوحدة والإحباط، وفي لحظة خاطفة عبرت
خواطره صورٌ وأحداثٌ وشخصياتٌ: والده والدته المنتظران، وشقيقته هيفاء،
وخطيبته التي أحبها، ومستقبل عريض كان والده لا يفتأ يتحدث عنه، ثم طغى
على ذلك كله صور رفاقه الذين كانوا معه بالأمس: عادل، ومحمود، وياسين،
وأبو الحسن.. وعبد الحميد، آه.. وقصائد خطيبته عائشة..
وراحت الصور تتلاحق أمام عينيه قاتمة كئيبة، والآليات تتقدم في زحف
مجنون دون أن تعترضها نسمة، ثم انقطعت الصور عندما دوّت في المكان فجأة
طلقات الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، أحسّ أنه يُبعث إلى الحياة، وشعر
بفرحة طاغية لا تحدّ، ما يزال بعض من أفراد فرقته أحياء إذن، لم يموتوا جميعاً،
كانوا متربّصين مثله يتحيّنون اللحظة، وينتظرون الالتحام، وها هي ساعة
الصفر!
جهّز سلاحه، وراح يسدد، أخذ كل شيء يتلاشى من ذاكرته رويداً رويداً،
لم يبقَ شاخصاً أمامه إلا صورة عبد الحميد يردد دعاءه الحار العميق، وعبارته
المأثورة: «إن لم نمت شهداء وقعنا بأيديهم فمتنا كالكلاب» .
أحس بإيمان حار يضرب جذوره في أعمق أعماق فؤاده، فامتلأ بقوة عجيبة
خارقة، ثم تراءت له الدنيا كلها تافهة هينة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وفي
لحظة خاطفة ارتسمت أمامه المِيتَتَان: ميتة الشهداء، وميتة الكلاب؛ فراح يطلق
النار وهو يدعو بخشوع وصدق وإيمان: «اللهم! إنه خروج في سبيلك..
فارزقني مِيتَة الشهداء» .
стр. 4506
نص شعري
القدس تصرخ
أ. د. أبو فراس محمد النطافي
رُدَّ العدوَّ عن الشطَّيْن يا ولَدي ... بنو اللّقيطة داسوا حرمةَ البلدِ
صَبّوا عليه اللظى من كلِّ ناحيةٍ ... وفرَّقوا فيه بين الأم والولدِ
أَنّى نظرتَ فدفقٌ من دمٍ عطِر ... ومضغةٌ من حنايا القلب والكبدِ
وأضلعٌ شرقَت بالموت طائرةً ... من صدر مُعْتَقَلٍ، أو ظَهْرِ مُفْتَقَدِ
بنتُ العروبةِ والإسلامِ عاريةٌ ... بين الجواسيس والشذاذ والعُبُدِ
قصّوا جدائلَها السمراءَ واتَّشحوا ... بهنَّ في العيد يومَ السبت والأحدِ
أبناؤها الصيدُ خاضوا كلَّ معمعةٍ ... حمراءَ لم يبخلوا بالروح والجسدِ
أسراهمُ في سجون البغي ما عرفوا ... لونَ الحياةِ، وقتلاهم بلا قوَدِ
شعبٌ تشتَّت في الآفاق تسحقهُ ... يد النوى بين مأسورٍ ومُضْطَهَدِ
وأنتَ تنظرُ للعدوان يا ولدي ... على بلادكَ، لم تنظر ليوم غدِ
فإن بقيت على ما أنتَ من وهَنٍ ... ضاعت فلسطينُ والأقصى إلى الأبدِ
واستفحل اليأسُ في أبناء أمَّتنا ... وماتت العزّة القعساءُ من كمدِ
стр. 4507
نص شعري
ف ل س ط ي ن
موسى بن عمر الحسن الطارقي
فاءٌ.. ولام
سينٌ مسكَّنة.. وطاء
ياءٌ.. ونون
هذي حروفٌ.. قد تراقص فوقها شبح المنون
هذي حروفٌ.. للتصبر لا السكون
هذي حروف.. قد طوت حقب الزمان مع القتال
هذي حروفٌ.. قد جنت للأمة الثكلى رجالاً كالجبال
هذي حروفُ العز في زمن الوبال
هذي فلسطين الحزينة يا رجال!
أَوَ تنظرون إلى يهود
يذبِّحون.. يقتِّلون ويعبثون
وكما يشاء الجند في أرض المعزة يفعلون
هذا صبي قد تضرّج بالدماء
وأبٌ كسير أدركته بقيةٌ من طلقة فَهَوَتْ به نحو العناء
أمٌ تكفكف دمعها
أختٌ تحشرج صدرها
وأخٌ يخوض معاركاً.. والقلب ينبض بالدعاء
يا ربِّ! أهلكنا اليهود
فاءٌ.. فؤاد قد تمزق من قهر
لامٌ.. لهيب الحزن مقرونٌ بأشباح الضجر
سينٌ.. سيوف الهون قد خارت وينتفض الحجر
طاءٌ.. طلائع فجرنا يحدو مراكبه القمر
ياءٌ.. يهود الحقد لا ...
ليس يوقفهم سلامٌ.. إنهم قومٌ غُدر
نونٌ.. نسيم القدس يحيينا ويمحو
عنَّا في الدنا صفة الخَوَر
стр. 4508
المسلمون والعالم
خط الزمن
في الأزمة العراقية الحالية
خالد محمد حامد
في غمرة الأحداث قد تغيب بعض الجزئيات الضرورية لفهم هذا الحدث،
ومع اعتقادي أن الاستغراق في الجزئيات قد يكون سببًا من أسباب النظرة الخاطئة
والتحليل غير الشامل، إلا أنني أعتقد أيضاً أن أي محلل لا يستغني عن استعراض
الأحداث بصورة كلية وهو الأمر الذي يقوده إلى الإلمام بفكرة شاملة عن مسار هذا
الحدث، وهو ما يعينه على التحليل الدقيق، ثم يبقى بعد ذلك (النظرة) التي يرى
من خلالها هذه الأحداث و (الأسس النظريات والقواعد) التي يحلل هذه الأحداث
في ضوئها.
ولاعتقادي أن كثيرًا من القراء يملك حسًا نقديًا ومقدرة تحليلية قد لا تقل عن
كثير من الكتاب، ولكن ينقصهم الجرأة والصقل والتوجيه و ... مصادر جيدة
للمعلومات، برزت فكرة هذا المقال الذي يهدف إلى تنشيط ذاكرة القارئ لاستحضار
بعض جزئيات الأحداث الماضية في الأزمة العراقية الراهنة مع الولايات المتحدة
والأمم غير المتحدة.
ولكن قبل أن أخوض في سرد هذه الجزئيات تاركًا القارئ ليقارن ويستكمل
ويربط ويتابع ويحلل.. أود أن ألفت النظر إلى عدة أمور تؤخذ على هذا السرد،
قد لا تغيب على القارئ الفطن، وما أظن قارئنا إلا فطنًا:
الأول: أنه يصعب تقديم سرد كامل لأحداث هذه الأزمة في مقال مثل هذا،
وعليه فإن هذا المقال لا يقدم صورة كاملة لخط الزمن في الأزمة، وإنما يقدم رسمًا
لطرفي الخط في مرحلته المتأخرة: أول ٤٥ يومًا بعد أحداث سبتمبر وآخر ثلاثين
يومًا قبل كتابة هذا المقال، وعلى القارئ أن يلحظ ببصره وبصيرته ما نقص من
هذا الخط.
الثاني: أن الأخبار الواردة في هذا السرد هي أخبار مجردة خالية من الرؤى
والتحليلات والتقارير لأي جهة، اللهم إلا احتمال التوجيه من خلال حشد وذكر
الأخبار نفسها أو تهميش وإهمال أخبار أخرى، وهذا ما لم أتعمده أنا شخصيًّا.
الثالث: أن مصادر الأحداث المذكورة هنا اقتصرت على المصادر المتداولة
والمألوفة التي يستطيع أي قارئ حتى في أي بلد مصاب بأرتكاريا المعرفة الوصول
إليها والحصول عليها بسهولة، كجريدة البيان الإماراتية والحياة والشرق الأوسط
اللندنيتين وموقع الجزيرة نت وموقع الـ BBC العربي.. وغيرها مما في
استطاعة أي قارئ قادر على فك الخط!!
الرابع: وهو بديهي، وهو أن هذه الأخبار وتلك التصريحات هي مما
(يظهر) ومما يكتب بهدف اطلاع (الجمهور) عليه، أما بواطن الأمور فهذا ما لا
علم لنا به، وقد يجتهد بعض المجتهدين لقراءة ما بين السطور للوصول إلى هذه
البواطن، فهذا وشأنه، وهو وحده يتحمل مسؤولية التفكير بعد إصابته بالأرتكاريا
المعروفة؛ فالتفكير مسؤولية كل مفكر، ووزارة الصحة والمالية والتعليم والإعلام
و ... تحذرك من أضرار التفكير!! .
الخامس: أن التواريخ المذكورة هي تواريخ النشر، وهي غالبًا متأخرة عن
وقوع الحدث أو صدور التصريح الإعلامي بيوم واحد تقريبًا، يزيد أو ينقص.
هذا وقد قسمت تتبع هذا الخط إلى محاور موضوعية ليسهل على القارئ
تشكيل صورة ذهنية قريبة عن كل نقطة بحث، وهو ما تجدونه في السرد الآتي:
* استهداف العراق أمريكيًّا:
١٥/٩/٢٠٠١م: حمل وزير الخارجية الأمريكي كولن باول على الرئيس
العراقي صدام حسين معتبراً أن رفضه إدانة الاعتداءات الإرهابية في نيويورك
وواشنطن له دلالته.
١٨/٩/٢٠٠١م: شكك المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية
(سي. آي. إيه) في الدور المزعوم لأسامة بن لادن في هجمات الثلاثاء الماضي.
ودفع بأن هذه الهجمات الإرهابية غير المسبوقة ليست سوى مؤامرة انتقامية
مدروسة بعناية فائقة من تدبير الزعيم العراقي صدام حسين.
١٩/٩/٢٠٠١م: قال مصدر حكومي أمريكي أمس الثلاثاء إن محمد عطا
المشتبه في أنه أحد الخاطفين الذين كانوا على متن الطائرة الأولى التي ضربت
مركز التجارة العالمي اجتمع في وقت سابق من العام الحالي مع مسؤول بالمخابرات
العراقية في أوروبا.
٢٠/٩/٢٠٠١: صرح مسؤول بإحدى وكالات الإغاثة طلب عدم ذكر اسمه
لفرانس برس أمس «تلقينا تعليمات سرية من مكاتبنا في نيويورك من أجل البدء
باتخاذ تحضيرات في إطار خططنا الطارئة تحسباً لمواجهة آثار ضربة أمريكية
محتملة ضد العراق» .
٢١/٩/٢٠٠١م: ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس أن بعض كبار
مسؤولي الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم بول فولفوفيتس نائب وزير الدفاع ولويس
ليبي رئيس موظفي نائب الرئيس ديك تشينى يسعون إلى إدراج العراق في القائمة
بهدف التخلص من الرئيس العراقي صدام حسين، وهي خطوة طالما دافع عنها
المحافظون الذين يؤيدون الرئيس بوش منذ أمد بعيد. وأشارت الصحيفة إلى أن
عددا من المحافظين تداولوا رسالة جديدة تدعو الرئيس الأمريكي إلى بذل جهد أكيد
للإطاحة بالرئيس العراقي حتى إذا لم يثبت وجود صلة بينه وبين الهجمات
الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة.
٢٤/٩/٢٠٠١م: قال السناتور الأمريكي جيسي هيلمز أمس الأول أن الجيش
الأمريكي قد يستهدف العراق والرئيس صدام حسين عندما يشن ضربات انتقامية
رداً على هجمات ١١ سبتمبر الانتحارية على نيويورك وواشنطن.
٢٥/٩/٢٠٠١م: أعرب وزير الدفاع الأمريكي عن قلقه لاحتمال تعرض بلاده
لهجوم كيماوي أو بيولوجي من قبل «جماعات إرهابية» مرتبطة على حد قوله
بدول كالعراق وسوريا وكوريا الشمالية.
٢٥/٩/٢٠٠١م: قال كولن باول وزير الخارجية الأمريكي: ليست لدينا
أية أوهام إزاء صدام حسين؛ لأنه لا يكنُّ لنا أو للمنطقة خيراً، وهو حاول
تطوير أسلحة الدمار الشامل مضيفاً: لقد أبقيناه تحت السيطرة لمدة ١٠ سنوات
وسنستمر بإبقائه تحت السيطرة، وكما تعرفون لدينا القدرة دائما على الضرب
في حال استدعت الضرورة ذلك.
٩/١٠/٢٠٠١م: ذكرت مجلة «نيوزويك» الأمريكية أمس أن الرئيس
الأمريكي استبعد حالياً ضرب العراق، وعلى كل حال ليس قبل انتهاء «المرحلة
الأولى» من حربه ضد الإرهاب والقضاء على القواعد الإرهابية في أفغانستان.
وقالت المجلة: إن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني طلب من الرجل الثاني في
وزارة الدفاع بول ولفويتز تخفيف لهجته ضد الرئيس العراقي صدام حسين.
١٣/١٠/٢٠٠١م: تحاشى الرئيس الأمريكي بوش الإجابة عن سؤال حول
توسيع الحرب لتشمل دولاً مثل سوريا والعراق، لكنه قال: إن الولايات المتحدة
تراقب العراق «باهتمام بالغ» . وحث الرئيس العراقي صدام حسين على السماح
بعودة مفتشي الأسلحة الدوليين.
١٩/١٠/٢٠٠١م: حذر الجنرال جان بول رانين رئيس مجموعة الاتصال
الفرنسية لدى القيادة المركزية للعمليات الأمريكية في أفغانستان من أن القيادات
العسكرية الأمريكية تسعى لتوسيع الضربات لتشمل العراق وسوريا أيضًا.
٢٢/١٠/٢٠٠١م: رد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية ريتشارد
مايرز على سؤال لمحطة التلفزة «إيه. بي. سي» عما إذا كان بدأ الإعداد
لضرب العراق فقال: «هذه حرب عالمية على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.
أفغانستان مجرد جزء صغير.. ولذلك فنحن طبعاً نفكر بشكل أوسع.. يمكنني
القول إننا منذ الحرب العالمية الثانية لم نفكر بهذه الشمولية» .
٢٥/١٠/٢٠٠١م: قال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول «سنولي
اهتمامنا في الوقت المناسب لمصادر أخرى للإرهاب تزعزع استقرار العالم،
وسنراقب العراق عن كثب خلال هذه العملية» .
٢٧/١٠/٢٠٠١م: اعترف رئيسا لجنتي المخابرات في مجلس الشيوخ
والنواب «الكونجرس» الأمريكي بعدم وجود أدلة واضحة على اتهام العراق
بالتورط في هجمات ١١ سبتمبر وحالات الإصابة بالجمرة الخبيثة، رغم كثرة
التكهنات على وجود صلة لبغداد.
٣٠/١٠/٢٠٠١م: قال وزير الدفاع الأمريكي إنه لا يستطيع استبعاد حدوث
عمل حربي ضد العراق في إطار حملة الولايات المتحدة على الإرهاب الدولي.
وجاءت تعليقات الوزير في أعقاب تصريحات أدلى بها نائب رئيس الوزراء
العراقي طارق عزيز لصحيفة بريطانية أعرب فيها عن اعتقاده بان واشنطن تخطط
لضرب ٣٠٠ هدف عراقي بنحو ألف صاروخ.
١٢/١٠/٢٠٠٢م: كشفت مصادر استخبارية ونيابية أميركية النقاب عن
الضغوط التي يمارسها عدد من كبار مسؤولي إدارة الرئيس جورج بوش على
محللي المعلومات في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) من أجل جعل
تقييمهم للتهديد العراقي يدعم موقف الإدارة ضد العراق.
٢٤/١١/٢٠٠٢م: كشفت مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت»
الأمريكية عن خطة تعدها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لحكم العراق بعد
الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين.
وذكرت المجلة في عددها الذي صدر بتاريخ ٢/١٢/٢٠٠٢م أن الخطة
تتكون من ٣ مراحل أساسية، وأنها تلقى إجماعاً بين القيادة الأمريكية التي تواصل
استعداداتها على قدم وساق لشن الحرب.
١/١/٢٠٠٣م: أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أنه لا يعلم إذا ما كان
الرئيس العراقي صدام حسين يمتلك حالياً أسلحة نووية أم لا، وذلك خلافاً لتأكيدات
واشنطن ولندن السابقة بحيازة العراق لهذه الأسلحة.
وقال في تصريحات للصحفيين قرب مزرعته بكروفورد في ولاية تكساس:
إن العراق اقترب كثيراً في الماضي من تطوير أسلحة نووية.
وأعرب بوش عن أمله في أن يتم التمكن من حل الوضع المتعلق بالعراق
بشكل سلمي، مشيراً إلى أن الرئيس العراقي يتحدى العالم والمجتمع الدولي. شدد
على ضرورة أن تتخلص بغداد من أسلحة الدمار الشامل.
٣/١/٢٠٠٣م: تفقد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قوات أمريكية يوم
الجمعة مؤكداً أمامها أن حرباً على العراق لن تكون بهدف غزوه وإنما تحريره،
وقال بوش لآلاف الجنود في قاعدة فورت هود في كيلين بولاية تكساس إنه «إذا
تطلب الأمر استخدام القوة لنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، ولتأمين بلادنا
وحفظ السلام فستتصرف أميركا بتأن وعلى نحو حاسم، وستنتصر؛ لأننا لدينا
أفضل جيش في العالم» .
٩/١/٢٠٠٣م: أعلن وزير الخارجية الأميركي كولن باول في حديث نشر
اليوم أن الولايات المتحدة بدأت تسليم الأمم المتحدة معلومات عن برامج تسلح
عراقية لكنها تتحفظ على كشف بعض المعلومات التي حصلت عليها من مصادر
سرية جداً. وقال باول لصحيفة واشنطن بوست: إن معلومات مهمة تم تسليمها منذ
أيام ليتاح للمفتشين الموجودين في العراق القيام بعملهم بطريقة أكثر جرأة وشمولية.
١١/١/٢٠٠٣م: قال ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي إن الحرب التي
تخوضها بلاده على الإرهاب لن تتكلل بالنصر إلا إذا تم تجريد العراق من أسلحة
الدمار الشامل التي يمتلكها. وفي كلمة له أمس الجمعة أمام غرفة التجارة الأميركية
في واشنطن، قال تشيني إن إدارة الرئيس بوش تخشى من أن تقرر بغداد تزويد
القاعدة ومنظمات إرهابية أخرى بأسلحة دمار شامل لاستخدامها ضد الولايات
المتحدة.
١٨/١/٢٠٠٣م: يقول مسؤولون أميركيون إن إدارة الرئيس جورج بوش
توشك على الانتهاء من خطة تحدد سبل إدارة العراق في مرحلة ما بعد الإطاحة
بالرئيس صدام حسين. وتقضي بأن يقوم الجنرال ديفيد ماكيرنان، قائد القوات
البرية الأميركية بتشكيل إدارة عسكرية «مؤقتة» ، في حين سيتاح لقيادات
المعارضة أن تلعب دوراً استشارياً يتزايد مع تزايد التقدم الذي يتحقق في إقامة
مؤسسات سياسية مدنية. ولكنهم لن يتمكنوا من الفوز بسيطرة كاملة على بلادهم
لعدة سنوات أو أكثر.
وقال ريتشارد بيرل مدير مجلس السياسات التابع لوزارة الدفاع الأمريكية إنه
ليس أمام المفتشين أي فرصة بالعثور على أسلحة الدمار الشامل التي يخفيها العراق.
* الموقف العراقي الرسمي:
١٢/٩/٢٠٠١م: أعلن وزير النفط العراقي عامر محمد رشيد أن العراق
يحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث الاحتياطي النفطي عند إضافة الاحتياطي
المحتمل إلى الاحتياطي المؤكد، وقال: «إن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم
التي تمتلك احتياطياً نفطياً محتملاً هو ضعف الاحتياطي المؤكد» مضيفاً أن
الاحتياطي المؤكد في حدود ١١٣ مليار برميل والمحتمل ٢٢٠ مليار برميل.
١٢/٩/٢٠٠١م: انتقدت صحيفة «بابل» العراقية أمس رئيس مفتشي الأمم
المتحدة لنزع أسلحة العراق هانس بليكس، مؤكدة من جديد رفضها أي مهمة جديدة
لهؤلاء المفتشين الذين اتهمتهم بالقيام بـ «مهام تجسسية» .
١٥/٩/٢٠٠١م: حذر الرئيس العراقي صدام حسين الدول العربية التي
تستمر في دعم الولايات المتحدة من أنها قد تلاقي المصير نفسه الذي لاقاه حلفاء
الاتحاد السوفييتي السابق، بينما دعت صحيفة عراقية واشنطن إلى الاستفادة من
درس الاعتداءات القاسي وتغيير سياستها الخارجية.
١٦/٩/٢٠٠١م: قال وزير التجارة العراقي مهدي صالح في ختام لقائه وزير
الخارجية المصري أحمد ماهر في القاهرة أمس إنه لا علاقة لبلاده بالاعتداءات التي
استهدفت الولايات المتحدة الثلاثاء الماضي.
١٩/٩/٢٠٠١م: عبر نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز في رسالة
وجهها إلى منظمة «أصوات البرية» الأمريكية المناهضة للحظر المفروض على
العراق عن «تعازيه الحارة» في ضحايا الاعتداءات التي استهدفت الولايات
المتحدة.
١٢/٩/٢٠٠١م: نفى ناطق باسم وزارة الخارجية العراقية أمس الاتهامات
الإسرائيلية بأن العراق يقف وراء الاعتداءات التي ضربت نيويورك وواشنطن في
١١سبتمبر في وقت حذرت بغداد من حرب عالمية جديدة.
٢٥/٩/٢٠٠١م: جددت الحكومة العراقية رفضها للسماح لمفتشي الأسلحة
الدوليين بدخول أراضيها حتى لو ترتب على ذلك قيام أمريكا بمهاجمة العراق،
وقال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي في مقابلة مع راديو لندن أمس
الأول إنه عندما يرغب الأمريكيون في مهاجمة العراق سيهاجمونه طبقاً لجدولهم
الخاص وليس لأن العراق فعل هذا أو لم يفعل ذلك.
٤/١٠/٢٠٠١م: اتهم نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز أمس
الولايات المتحدة بالإعداد لشن هجوم على العراق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب،
مؤكدًا أن بلاده ستبقى صامدة في وجه العدوان والحصار.
١٠/١٠/٢٠٠١م: رجح وزير الخارجية العراقي ناجي صبري استخدام
الولايات المتحدة ذريعة مكافحة الإرهاب لضرب العراق وتصفية حساباتها مع بغداد،
فيما تواصل الصحف العراقية تنديدها بالضربات العسكرية لأفغانستان بوصفها
عملاً إجرامياً.
١٧/١٠/٢٠٠١م: قال وزير الخارجية العراقي ناجي صبري أمس إن بلاده
قد رفضت رسالة أمريكية وجهت إليها عن طريق طرف ثالث، ولكنه لم يكشف
النقاب عن مضمونها.
٢٣/١٠/٢٠٠١م: نقل تلفزيون «الشباب» العراقي عن وزير الخارجية
العراقي ناجي صبري قوله في اتصال هاتفي أمس الأول: «في الحقيقة هناك في
الولايات المتحدة توجه يتولاه الصهاينة في الإدارة الأمريكية وعناصر أخرى في
هذه الإدارة تدفع الإدارة الأمريكية باتجاه توجيه العدوان على دول عربية أخرى
ومنها العراق» . وأضاف أن «الإنجليز أيضاً يلعبون دوراً في توسيع نطاق
العدوان لكي يشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى من خلال تحريض صحفهم» .
٢٩/١٠/٢٠٠١م: أعلن نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز أمس أن
الولايات المتحدة وبريطانيا قررتا إطلاق ألف صاروخ على ٣٠٠ هدف في العراق
من أجل الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين تحت ستار محاربة الإرهاب،
ووصف اتهام بغداد بأنها وراء موجة رسائل الجمرة الخبيثة بأنه «سخيف» ولا
أساس له.
١٣/١٢/٢٠٠٢م: قالت شركة النفط الروسية لوكويل العملاقة إنها تلقت
رسالة من وزارة النفط العراقية يلغي فيها العراق اتفاقاً مع الشركة لتحديث منشآته
النفطية بقيمة ٣.٧ مليار دولار، وكان يعتقد على نطاق واسع أن المصالح
الروسية في العراق هي السبب الرئيسي وراء مقاومة روسيا للخطط الأمريكية
الرامية إلى ضرب العراق، وكان العراق يعتمد على حماية موسكو له.
١٩/١٢/٢٠٠٢م: قال مسؤول بارز في حزب البعث الحاكم في بغداد رفض
الكشف عن اسمه إن المسؤولين الأميركيين حريصون باستمرار على التلويح
بالحرب على العراق لشن حرب نفسية عليه، لكنه أضاف أن العراقيين لن
يستسلموا، وسيقاومون الضغوط عليهم، فهم «يعيشون في دولة تكبدت عناء
الحرب لأكثر من ٢٠ عاما» .
٩/١/٢٠٠٣م: أعلن الفريق عامر السعدي المستشار في ديوان الرئاسة
العراقية أن العراق سيبلِّغ كبير المفتشين الدوليين هانز بليكس في زيارته المقبلة إلى
بغداد عما سماه تصرفات غير مسوَّغة يقوم بها خبراء الأمم المتحدة. وقال مراسل
الجزيرة في بغداد إن المسؤولين العراقيين عبروا عن ارتياحهم عند بدء عمليات
التفتيش بالمهنية التي كان يتسم بها عمل المفتشين، غير أنهم بدؤوا في وقت لاحق
يشكون مما سموه تدخل المفتشين في قضايا لا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل.
وأضاف أن بعض المسؤولين العراقيين وصفوا هذا التدخل بالعمل الاستخباري،
كما أن مدير أحد المواقع العراقية ذهب إلى تشبيه هذا العمل باللصوصية.
١٠/١/٢٠٠٣م: وجه العراق مناشدة مباشرة إلى أفريقيا لتقديم المزيد من
العون للحيلولة دون وقوع حرب مع الولايات المتحدة. وجاءت الدعوة خلال مؤتمر
برلماني أفرو عربي يعقد حالياً في أديس أبابا، أثيوبيا، وقال رئيس المجلس
الوطني العراقي، سعدون حمادي إن بلاده تعتقد بأن الدول الأفريقية قادرة على
عمل أكثر مما قامت به لحد الآن لممارسة ضغط على الولايات المتحدة.
١٧/١/٢٠٠٣م: قالت مجلة دير شبيجل الألمانية إن الحكومة العراقية تسعى
للحصول على ضمانات تسمح للرئيس العراقي صدام حسين والقيادات العراقية
الأخرى بالخروج إلى المنفى كحل لإنهاء الأزمة الراهنة. لكن خافيير سولانا
مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أعلن يوم الجمعة أن لا علم له بأي
مبادرة من هذا النوع.
* موقف حلفاء أمريكا:
حلف الأطلسي:
٢٨/٩/٢٠٠١م: كشف نائب قائد قوات حلف الناتو في أوروبا الجنرال
الأمريكي كارلتون فولفورد عن احتمالات وجود صلة للعراق مع أسامة بن لادن
ومع الأحداث التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر
الحالي..
١٢/١٠/٢٠٠١م: أعلن جورج روبرتسون أمين عام حلف الأطلسي الذي
التقى بوش عن استعداد الحلف لدعم الولايات المتحدة في استهداف العراق حال
ثبوت تورطه بهجمات ١١ سبتمبر في الولايات المتحدة.
١٥/١/٢٠٠٣م: قال مسؤول في حلف الأطلسي إن الولايات المتحدة طلبت
رسمياً من حلفائها في حلف الأطلسي يوم الأربعاء المساعدة والدعم في حالة نشوب
حرب ضد العراق.
بريطانيا:
١/١٠/٢٠٠١م: ذكر تقرير صحفي بريطاني أمس أن الرئيس العراقي صدام
حسين أصدر توجيهات لكبار علمائه بقصر جهودهم على العمل في توسيع ترسانة
أسلحته الكيماوية والبيولوجية.. وقال التقرير الذي نشرته صحيفة صنداي تليجراف
إن واحداً من علماء النظام العراقي البارزين السابقين أبلغ الصحيفة بأن صدام أمر
بتجميد برنامج الأسلحة النووية لكونه باهظ التكاليف.
٤/١٠/٢٠٠١م: لمح وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية بين برادشو
أن المرحلة التالية من الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب ستسلط الضوء على النظام
العراقي بسبب سوء سجله بحق شعبه إلى جانب الدول التي تدعم الإرهاب.
١١/٢/٢٠٠١م: قال مسؤول بالحكومة البريطانية يرافق رئيس الوزراء
توني بلير في زيارته لسلطنة عمان إن أي بلد آخر لن يتعرض للهجوم دون «دليل
دامغ» على رعايته للإرهاب ودون أوسع تأييد دولي للعمل العسكري، وقال
المسؤول للصحفيين: «ليس لدينا دليل يربط النظام العراقي بأحداث ١١ سبتمبر» .
١٥/١٠/٢٠٠١م: صرح رئيس الوزراء البريطاني بأنه لا توجد أي نية لشن
حرب موسعة ضد العراق قائلاً: إن الحاجة تستدعي التعامل مع معاناة الشعب
العراقي دون تمكين الرئيس العراقي صدام حسين من الحصول على أموال لشراء
الأسلحة.
١٨/١٠/٢٠٠١م: حول احتمالات توجيه ضربة ضد العراق أو أي دولة
عربية أخرى في إطار الحملة ضد ما يسمى بالإرهاب قال براد شو وزير الدولة
البريطاني لشؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البريطانية: إن التحالف الدولي
واضح في هذا الشان وهو التركيز على المسئولين عن هجمات الحادي عشر من
سبتمبر والقبض عليهم وتقديمهم إلى المحاكمة مشيراً إلى أن هناك قرارات للأمم
المتحدة باتخاذ إجراءات محددة لمحاربة الإرهاب. وأوضح أنه لا توجد أي أدلة
على ضلوع العراق أو أي دولة عربية أخرى في هجمات ١١ سبتمبر معتبراً أنه
سيكون من الخطر التكهن بأي شيء في هذا الموضوع.
١٩/١٠/٢٠٠١م: قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في تصريح له
في أنقرة أمس أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير لصلة العراق مع تنظيم القاعدة،
ويمكن بحث المسألة من جديد إذا تبين عكس ذلك.. واستطرد قائلاً إنه في ضوء
الوضع الحالي فليس مطروحاً على الأجندة القيام بعمليات عسكرية ضد العراق.
١٣/١٠/٢٠٠١م: سعى وزير الدفاع البريطاني جيف هون إلى التقليل من
شأن تكهنات بأن للعراق صلة بالهجمات على الولايات المتحدة. ومضى قائلاً:
«ليس هناك دليل يربط العراق بأحداث ١١ سبتمبر. ليس هناك دليل كذلك حتى
الآن يربط بين العراق وهجمات الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة. أعتقد أن من
المهم أن نؤكد على هذه الأمور» .
١٩/١٢/٢٠٠٢م: أعلن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أن القوات
البريطانية لن تشارك في حرب على العراق ما لم يصدر قرار ثان من الأمم المتحدة
بهذا الخصوص. ويرى مراقبون أن تصريحات سترو تمثل تراجعاً في الموقف
البريطاني السابق.
١٤/١/٢٠٠١م: أيد جوردون براون، وزير المالية البريطاني، الذي يعتبر
الشخص الثاني في الحكومة البريطانية، التهديد الذي أطلقه رئيس الوزراء توني
بلير من أن الحرب على العراق قد تُعلن حتى وإن لم تفوض الأمم المتحدة ذلك.
دول أخرى:
١٧/١٠/٢٠٠١م: أكد رئيس الوزراء الروسي السابق والبرلماني الروسي
البارز يفجيني بريماكوف أنه لا يمكن لروسيا أن تقدم دعماً ولا أن توافق أصلاً على
ضرب العراق كجزء من الحملة الأمريكية الحالية في أفغانستان، مشيراً إلى أن
موسكو قد حذرت واشنطن رسمياً بهذا الخصوص.
١٧/١٠/٢٠٠١م: نفى رئيس وزراء كندا جان كريتيان أن تكون هناك خطط
عسكرية لمهاجمة العراق، مؤكداً أن مشاركة بلاده في التحالف تقتصر على
أفغانستان.
٢٨/١١/٢٠٠٢م: اعتبرت وزيرة التعاون الألمانية هايد ماري فيتسوريك
زويل أمس الأربعاء موقف الولايات المتحدة حيال حلفائها فيما يتعلق بالموقف من
العراق وقحاً. وأضافت الوزيرة أن المباحثات حول مخططات الحرب في العراق
تنفرها، لا سيما كلفة النزاع المحتمل التي تصل - على حد قولها - إلى أربعة
أضعاف النفقات العالمية للمساعدات من أجل التنمية.
٢٥/١٢/٢٠٠٢م: من دون ذكر العراق بالاسم، خاطب يوحنا بولس الثاني،
بابا الفاتيكان، الجموع التي حجت إلى ميدان القديس بطرس في الفاتيكان، قائلاً:
إنه إذا تضافرت جهود الجميع فإنه بالإمكان إخماد «النيران المتقدة لأحد النزاعات
الوشيكة» .
٣٠/١٢/٢٠٠٢م: أعلنت الصين وألمانيا أنهما ستعملان معاً على إيجاد حل
سياسي للأزمة العراقية.
٣١/١٢/٢٠٠٢م: خفف المستشار الألماني جيرهارد شرويدر في رسالته
بمناسبة العام الجديد من معارضته للقيام بعمليات عسكرية ضد العراق قائلاً: إن
القوة تصبح ضرورية في بعض الأحيان.
٥/١/٢٠٠٣م: انتقد كبير الأساقفة في جنوب إفريقيا دزموند توتو موقف
رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الداعم للحرب المحتمل أن تقودها الولايات
المتحدة ضد العراق.
١٦/١/٢٠٠٣م: صرح ألكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية الروسي
لدى وصوله إلى العراق بأن بلاده تهدف إلى الوصول إلى حل سياسي دبلوماسي
للأزمة ومنع أي صراع عسكري. ويرافق سلطانوف في زيارته نائب وزير الطاقة
الروسي إيفان ملتاشوف ورئيس شركة النفط الروسية العملاقة لوكويل.
١٨/١/٢٠٠٣م: وقعت بغداد وموسكو أمس على عدد من الاتفاقيات النفطية
لتطوير واستكشاف حقول نفطية عراقية، حسب ما أفاد مسؤولون من كلا البلدين.
من جهتها أعلنت شركة «لوك أويل» النفطية الروسية أنها استعادت حقوقها في
حقل القرنة الغربي - ٢ الذي ألغت بغداد الشهر الماضي عقداً معها لتطويره.
الأمم المتحدة:
٣٠/١٢/٢٠٠٢م: أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يوسع فيه قائمة السلع
المدنية التي لا يستطيع العراق إستيرادها دون موافقة مسبقة. وكانت الولايات
المتحدة قد دعت إلى القرار الذي يضيف سلعاً جديدة إلى قائمة السلع التي يمكن أن
يكون لها استعمال عسكري.
١٢/١/٢٠٠٣م: يقول متحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن الوكالة
تحتاج إلى عام واحد على الأقل للتحقق مما إذا كان العراق قد فكك برنامجه النووي.
وقال لبي بي سي: إن هذا هو رأي محمد البرادعي المدير العام للوكالة وهانز
بليكس رئيس فرق التفتيش الدولية عن الأسلحة العراقية.
١٧/١/٢٠٠٣م: كشفت تقارير أمريكية عن أن إدارة الرئيس بوش أطلعت
هانز بليكس ومحمد البرادعي المسؤولين عن عمليات التفتيش الدولي في العراق
على معلومات استخباراتية تفيد أن المسؤولين العراقيين حفروا مئات الكيلو مترات
من الأنفاق تحت الأرض في مناطق مختلفة وأنهم يستخدمون هذه الأنفاق لإخفاء
أسلحة دمار شامل كيميائية وجرثومية ومواد ومعدات ومكونات لها علاقة بإنتاج
أسلحة الدمار المحظورة بما في ذلك احتمال إنتاج السلاح النووي وصواريخ
أرض - أرض متوسطة وبعيدة المدى قادرة على نقل هذه الأسلحة.
١٥/١/٢٠٠٣م: شدد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان على أهمية أن
يتخذ مجلس الأمن قراراً ثانياً ليحدد ماهية العواقب الوخيمة التي سيواجهها العراق
في حالة انتهاكه قرار مجلس الأمن ١٤٤١.
١٦/١/٢٠٠٣م: أعلن هانز بليكس، كبير مفتشي الأسلحة بالأمم المتحدة،
الخميس أن العراق انتهك الحظر الدولي باستيراد مواد عسكرية، مشيراً إلى أن
الموقف «خطير جداً» .
* موقف تركيا وإيران وإسرائيل:
إسرائيل:
١٢/٩/٢٠٠١م: ذكر موقع «جاينز سكيوريتي» المتخصص في شؤون
الدفاع على شبكة إنترنت أن جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي (امان)
يشتبه في أن العراق يقف وراء الاعتداءات التي ضربت نيويورك وواشنطن في
١١ سبتمبر.
٢٤/٩/٢٠٠١م: قال رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية الميجر جنرال
أموس مالكا إنه ليست هناك إشارات على تورط العراق في الهجمات.
١٠/١٠/٢٠٠١م: أعلن وزير الحربية الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر أمس
أن إسرائيل مستعدة للمواجهة في حال توسعت الضربات الأمريكية لتشمل العراق.
١١/١٠/٢٠٠١م: أعلنت نائبة وزير الحربية الإسرائيلي داليا رابين
فيلوزوف أمس أن الولايات المتحدة ستبلغ إسرائيل مسبقاً باحتمال شن هجوم على
العراق الذي اعتبر بين الأهداف المحتملة للأمريكيين، وأضافت «ليس هناك من
شك بأن العراق هو بين أهداف الولايات المتحدة عاجلاً أم آجلاً» .
٢٦/١٠/٢٠٠١م: نقلت صحيفة «بيلد» الألمانية عن مصادر للمخابرات
الإسرائيلية لم تذكر اسمها قولها إن عطا المشتبه بقيادته طائرة صدمت مبنى مركز
التجارة العالمي حصل على بكتيريا الجمرة الخبيثة من عملاء عراقيين خلال
زيارتين لجمهورية التشيك.
٣١/١٠/٢٠٠١م: أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي بيريز في حوار أجرته
معه مجلة «نيوزويك» الأمريكية تنشره بعددها الصادر في ٥ نوفمبر المقبل عن
اعتقاده بأن العراق مدرج على قائمة الأهداف التي ستطالها الضربات.. لكنه
أوضح أن قرار القتال على جبهتين من عدمه قرار عسكري بحت. ونصح الإدارة
الأمريكية بالتخلص من طالبان أولاً.. مشيراً إلى أن العراق وسوريا على القائمة
لكن الأفضل التركيز على جبهة واحدة. فالعراق في رأيه بلد مرعب وسيأتي دوره
على حد قوله.
إيران:
١١/١٠/٢٠٠٢م: أكدت مصادر إيرانية مطلعة أن وزير الخارجية البريطاني
جاك سترو طمأن المسؤولين الإيرانيين الذين التقاهم في طهران إلى أن الحرب ضد
العراق، إذا نشبت، «فلن تتجاوز حدود العراق» ، وإن التغيير في نظام الحكم
في العراق «لن يكون موجهاً ضد إيران أو أي بلد آخر» مجاور للعراق. وقالت
المصادر التي كانت تتحدث إلى «الشرق الأوسط» أمس إن سترو أكد للرئيس
محمد خاتمي ووزير خارجيته كمال خرازي وسكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني
حسن روحاني أن «محور الشر» بالمفهوم البريطاني والأميركي «يبدأ في
العراق وينتهي في العراق» ولم تعد إيران وكوريا الشمالية ضلعين له.
١٦/١١/٢٠٠٢م: نقلت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية عن
دبلوماسي غربي في طهران قوله: إن هناك افتراضًا أساسيًا مفاده أن الإيرانيين
راغبون بالتعاون مع الولايات المتحدة ليس لأنهم يكرهون صدام حسين ولكنهم لا
يريدون أن يُتركوا على الهامش، وأضاف الدبلوماسي الغربي قائلاً: لديهم تأثير
قوي على شيعة العراق، ولماذا لا يكون هذا التأثير إيجابيًا بدلاً من أن يكون سلبيًا؟
١٥/١/٢٠٠٣م: أعرب مسؤولون إيرانيون بارزون عن اعتقادهم بأن
الولايات المتحدة لن تهاجم العراق في فترة ما قبل موسم الحج، وأكدوا في الوقت
نفسه على حياد بلادهم في أي حرب قد تشنها واشنطن على بغداد.
تركيا:
١١/١٠/٢٠٠١م: حذرت تركيا أمس من دوامة الدم والنار التي ستهب في
حال وسَّعت الولايات المتحدة نزاعها ضد الإرهاب إلى دول أخرى في المنطقة في
إشارة إلى العراق جارتها في الجنوب.
١٦/١٠/٢٠٠١م: أعلن نائب رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ أمس أن
تركيا لا تستبعد أن تتسع العملية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، لتمتد إلى العراق،
وهو احتمال ستحاول تفاديه.
١٧/١٠/٢٠٠١م: اعتبر رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد أنه ليس من
الصحيح أن يمتد نطاق العملية العسكرية الأمريكية الحالية في أفغانستان ليشمل
العراق، مؤكداً أن تركيا لن تقبل ذلك وأنها أوضحت منذ اللحظة الأولى رغبتها في
أن تقتصر العملية على نطاق أفغانستان وألا تستغرق فترة زمنية طويلة.
١٨/١٠/٢٠٠١م: بعد الحملة الإعلامية والسياسية التي شنتها أوساط تركية
على رأسها رئيس الوزراء بولند أجاويد ضد مساعي أكراد العراق للحصول على
فيديرالية كردية في شمال العراق، بدأت أنقرة تعيش تحولاً تدريجياً ومهماً باتجاه
قبول الحل الفيديرالي في العراق مستقبلاً، بدأت إشاراته الأولى تظهر في أهم
الصحف التركية وعلى ألسنة مسؤولي وزارة الخارجية.
٢٧/١٢/٢٠٠٢م: قال رجب طيب أردوغان زعيم الحزب الحاكم في تركيا
إن بلاده لن تحسم موقفها إزاء أي هجوم على العراق حتى يتخذ مجلس الأمن
الدولي موقفاً واضحاً في هذا الشأن.
٣/١/٢٠٠٣م: فيما تواصل الولايات المتحدة حشد قواتها في منطقة الخليج،
قال وزير الخارجية التركي إن حكومة بلاده أيدت الضغوط الأمريكية على العراق
لكن الشعب التركي يعارض تمركز القوات الأمريكية في بلاده.
٦/١/٢٠٠٣م: أشار رئيس الوزراء التركي عبد الله غل إلى أن تركيا قد
تسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في حال شن حرب على العراق.
وأكد في تصريح من القاهرة لشبكة التلفزة الأميركية «سي. إن. إن» أن
القرار يعود إلى البرلمان التركي، كما أعلن عبد الله غل أمس رفض بلاده لأي
محاولة لتقسيم العراق. وقال عقب محادثاته مع الرئيس المصري حسني مبارك في
شرم الشيخ إن تركيا تعمل بكل جدية لتجنب شن حرب على العراق، مشيراً إلى أن
قيام الحرب سيلحق ضرراً كبيراً بكل دول المنطقة.
١٣/١/٢٠٠٣م: كشف غل الذي التقى السبت مسؤولين سعوديين، أن إيران
وتركيا والسعودية قد تقترح مسعى مشتركاً لتفادي الحرب. وقال إنه كلف الوزير
التركي المكلف شؤون التجارة الخارجية تسليم رسالة إلى الرئيس العراقي صدام
حسين سيكشف مضمونها في الأيام المقبلة.
١٨/١/٢٠٠٣م: قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الجنرال
ريتشارد مايرز رئيس هيئة الأركان المشتركة سيجري محادثات مع مسؤولين
عسكريين وحكوميين في تركيا ابتداء من بعد غد. وأضافت الوزارة في بيان أن
مايرز سيصل إلى تركيا بعد أن يتوقف في بلجيكا وإيطاليا. كما يصل إلى أنقرة
الأسبوع المقبل وفد من الكونغرس الأميركي برئاسة السيناتور جون وورنر، ليؤكد
للجانب التركي نية الكونغرس في المصادقة على تشريع ربما يساعد تركيا في
امتصاص أية صدمات اقتصادية بتقديم ائتمانات تصل إلى حوالي ١٤ مليار دولار.
ومع مواصلة الولايات المتحدة حشد قواتها لحرب محتملة على العراق فإن تركيا لم
تمنح واشنطن حتى الآن إذناً لشن هجوم على العراق من أراضيها مخافة أن تمتد
الحرب إلى حدودها وتثير اضطرابات اقتصادية واجتماعية.
الموقف العربي الرسمي:
١/١٠/٢٠٠١م: أكد العاهل الأردني عبد الله الثاني أن الرئيس الأميركي
جورج بوش تعهد أثناء محادثاته معه الجمعة الماضية بأنه لن يكون هناك ضربة
للعراق ولا لأي دولة عربية في إطار حملة واشنطن ضد ما تسميه الإرهاب.
وجاءت تصريحات العاهل الأردني أثناء زيارته لإحدى كتائب الجيش الأردني.
٥/١٠/٢٠٠١م: قال أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري:
موقف مصر واضح من موضوع مكافحة الإرهاب، مشيراً إلى أن بلاده مطمئنة
إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تدين بلداً عربياً بتنفيذ الاعتداءات
الإرهابية الأخيرة، ومؤكداً أن العراق لم يقم بأي شيء؛ فكيف يُضرب إذن؟
١٥/١٠/٢٠٠١م: ذكرت أمس صحيفة «ميلليت» التركية أن العاهل
الأردني الملك عبد الله حذر من أنه إذا ما استهدفت واشنطن العراق فسيفتح ذلك
الطريق لحدوث هزة في العالم العربي، مشيرة إلى أن الرئيس التركي سيزر وعبد
الله اتفقا على ضرورة أن يتعاون العراق وبخاصة في هذه الفترة الحرجة مع الأمم
المتحدة والتصرف بأكبر قدر من المسؤولية في هذا الخصوص وأنهما سيوصيان
العراق للسير في هذا الاتجاه.
٢٤/١٠/٢٠٠١م: صرح وزير الخارجية المصري أحمد ماهر أن «بعض
الشخصيات الأمريكية تطالب بضرب العراق (بعد أفغانستان) . في حال حصل
هذا الأمر فسوف ترون ليس فقط شعوباً في حالة غضب ولكن حكومات في حالة
غضب» .
١٣/١٠/٢٠٠١م: أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أن الإدارة
الأمريكية أكدت له خلال زيارته الأخيرة لواشنطن بأن العراق ليس مستهدفاً في
إطار الحرب على الإرهاب.
١٣/١٠/٢٠٠٢م: أعلن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أمس أن مصر
والأردن وإيران والكويت يمكن أن تعتبر العمل العسكري ضد العراق
«مشروعًا» بشرط أن يكون «مسموحًا به أمام القانون الدولي» وأن لا يتم
إلا «كخيار أخير» .
٢٩/١٢/٢٠٠٢م: نفى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الأنباء
التي ذكرت الأحد أن السعودية سمحت للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها الجوية
ومنشآتها العسكرية في حال قررت واشنطن شن هجوم على العراق.
٢٩/١٢/٢٠٠٢م: حذرت هيئة قناة السويس المصرية اليوم الأحد من أن شن
حرب أمريكية على العراق سيؤدي إلى انخفاض نسبته ١٠% في عائدات القناة التي
تعتبر ثاني أكبر مصدر للدخل القومي في مصر بعد السياحة.
٤/١/٢٠٠٣م: قال السيناتور الأميركي أرلين سبكتر عقب لقائه اليوم في
القاهرة الرئيس المصري حسني مبارك إن بلاده قد تزيد حجم المساعدات
المخصصة لمصر في حال حصول حرب على العراق، وأوضح سبكتر للصحفيين
أن الولايات المتحدة تعتبر مصر «صديقاً جيداً جداً وحليفاً جيداً جداً» ، وأن
موضوع زيادة هذه المساعدات سيكون موضع اعتبار إذا فرضت الأوضاع ذلك.
٧/١/٢٠٠٣م: أكد سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي أنه لا
يجوز أن تدخل الولايات المتحدة في صراع ضد العراق بدون تفاهم دولي واسع.
وقال في حديث لمجلة «نيوزويك» الأمريكية: «نأمل أن يكون أي قرار حول
الحرب موضع تفاهم» . وأشاد بمواقف الرئيس الأمريكي جورج بوش وإدارته
حول العراق، وخاصة ما أعلن أخيراً «أن الحرب ستكون الخيار الأخير من أجل
تسوية المسألة العراقية» .
١٣/١/٢٠٠٣م: أعرب ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز
عن اعتقاده بأن العراق لن يتعرض لهجوم عسكري رغم الحشود الأمريكية
والبريطانية التي ترجح احتمال شن حرب على بغداد بقرار من مجلس الأمن الدولي
أو بدونه.
١٣/١/٢٠٠٣م: حذر العاهل الأردني الملك عبد الله من أن نشوب حرب في
العراق سيعمل على ازدياد الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين سوءاً وقد يتسبب
في المعاناة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وكرر الملك عبد الله تأكيد موقف
الأردن من أنه لن يقدم أي تسهيلات للقوات الأمريكية في أي حرب مع العراق.
التحركات العسكرية:
٢١/٩/٢٠٠١م: أعلن متحدث عسكري عراقي أن القوة الصاروخية
والمقاومات الأرضية أصابت أمس طائرتين «معاديتين» كانتا تقومان بشن
غارات على منشآت مدنية فوق جنوب البلاد.
١٢/١٠/٢٠٠١م: أكد القائد العسكري العراقي اللواء منذر عبد الرحمن
إبراهيم أن بلاده تحولت من مسؤولية التصدي للطائرات الأمريكية والبريطانية التي
تنتهك أجواءها إلى مهمة إسقاطها على حد تعبيره مشيرا إلى أن العراق مستمر في
تطوير قدرات دفاعه الجوي وتعزيز فعاليته القتالية.
٢٤/١١/٢٠٠٢م: أكدت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية الأحد ٢٤/١١/
٢٠٠٢م أن الحرب ضد العراق قد بدأت بالفعل، وأنه في الوقت الذي تُجرى فيه
الاستعدادات العلنية للغزو تواصل المقاتلات البريطانية والأمريكية تدمير الدفاعات
الجوية العراقية، بينما تقوم وحدات خاصة متمركزة بالفعل داخل الأراضي العراقية
بتدريب الأكراد وتكديس المعدات الحربية استعداداً لساعة الصفر.
١٨/١٢/٢٠٠٢م: صعّدت الولايات المتحدة من حربها النفسية ضد الرئيس
صدام حسين بتوجيه رسائل إذاعية إلى الجيش والمدنيين في العراق. وتوجه هذه
الرسائل طائرات أمريكية تحلق فوق العراق. وتحث الرسائل العراقيين على رفض
الرئيس صدام حسين، متهمة إياه بشراء أسلحة بدل الطعام بالأموال التي يحصل
عليها من مبيعات النفط. وأسقطت الطائرات الأمريكية والبريطانية أكثر من ٥٠٠
ألف منشور لتحذير القوات العراقية من إصلاح منشآت الاتصالات.
٢٢/١٢/٢٠٠٢م: أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن طائرات تابعة
للولايات المتحدة وحلفائها ألقت منشورات فوق جنوب العراق أمس السبت لتعلن
عن الترددات الإذاعية التي تحمل نداءات للجنود العراقيين للتخلي عن الرئيس
صدام حسين. وهذه ثامن عملية من نوعها لإلقاء منشورات عن طريق الجو خلال
الأشهر الثلاثة الماضية.
٢٢/١٢/٢٠٠٢م: كشف مسؤولون إسرائيليون عن أن الولايات المتحدة
وإسرائيل ستجريان مناورات عسكرية مشتركة لدمج أنظمتهما الصاروخية وذلك
كجزء من استعدادات إسرائيل لأي هجوم عراقي في حال شنت الولايات المتحدة
حرباً على العراق.
٢٨/١٢/٢٠٠٢م: كشفت تقارير عبرية أمس عن تقييمات استخبارية
إسرائيلية تناقض السيناريوهات والتصورات الأميركية للحرب على العراق،
وتعتبرها في منتهى السذاجة وترجح غرق القوات الأميركية في مستنقع فوضى في
العراق والمنطقة ككل قد يستمر لسنوات طويلة وينتهي بإخفاق المخططات الأميركية
ومراميها وراء هذه الحرب.
٤/١/٢٠٠٣م: قال مسؤولون في البحرية الأميركية إن ثلاث سفن حربية
إضافية ستبحر من مقرها في سان دييغو بالولايات المتحدة الأسبوع القادم في مهمة
إلى منطقة الخليج. وقال اللفتنانت تشارلي براون إن المهمة ستستغرق ستة أشهر
وتشمل مجموعة تاراوا البرمائية المكونة من ثلاث سفن ووحدة مشاة البحرية
الخامسة عشرة في الجيش الأميركي. وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)
قد أصدرت في وقت سابق أمس أوامر مماثلة لقوات متمركزة في ألمانيا وأخرى في
كاليفورنيا إضافة إلى وحدات دفاع جوية صاروخية في تكساس للتحرك إلى منطقة
الخليج. وفي لندن قالت صحيفة ديلي تلغراف اليوم السبت إن بريطانيا سترسل
قوات قوامها أكثر من ٢٠ ألف فرد إلى منطقة الخليج وستحشد نحو سبعة آلاف من
الاحتياط الأسبوع القادم في إطار الاستعدادات لحرب محتملة ضد العراق. وتعليقاً
على تقرير الصحيفة قال متحدث باسم وزارة الدفاع «نعد العدة ليكون أمامنا
خيارات متاحة إذا لزم الأمر وسنفعل المزيد على الأرجح» .
١١/١/٢٠٠٣م: قالت مصادر بالبنتاغون إن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أمر
خمسة وثلاثين ألف جندي إضافي بالتوجه إلى الخليج، في إطار الاستعداد لشن
حرب على العراق. وتضم الدفعة الجديدة وحدات من مختلف القوات التي ينتظر
أن يصل تعدادها في منطقة الخليج خلال الأسابيع القادمة إلى مائة وعشرين ألف
جندي، ضمن ما وصف بأضخم حشد عسكري أميركي لمواجهة العراق.
١٢/١/٢٠٠٣م: أبحرت حاملة الطائرات البريطانية آرك رويال في اتجاه
الخليج تحسباً لاحتمال اندلاع حرب ضد العراق، لتكون على رأس أكبر قوة بحرية
بريطانية يجري نشرها منذ حرب فوكلاند عام ١٩٨٢م، وجرى ترتيب سطح
الحاملة بإزالة المقاتلات لكي يتسع لطائرات الهليكوبتر القادرة على حمل القوات،
حتى تقوم بنقل مشاة البحرية. وتنقل آرك رويال خمسة آلاف بحار وثلاثة آلاف
من مشاة البحرية أولاً إلى البحر المتوسط ثم إلى قناة السويس. ومن المقرر أن
يقوموا بزيارة الموانئ في الخليج في أبريل / نيسان المقبل , إلا أنه يمكن نشرهم
هناك قبل ذلك إذا لزم الأمر.
١٢/١/٢٠٠٣م: في إطار الحرب النفسية التي تشنها إدارة العمليات الخاصة
الأميركية، قالت مصادر عسكرية إن الجيش الأميركي بدأ حملة توجيه رسائل
بالبريد الإلكتروني يدعو فيها أفراد القيادة المدنية والعسكرية بالعراق للابتعاد عن
الرئيس صدام حسين.
١٣/١/٢٠٠٣م: قالت مصادر عسكرية في فلوريدا إن الطائرات الأمريكية
والبريطانية قصفت منصات انطلاق صواريخ مضادة للسفن بالقرب من مدينة
البصرة في جنوب العراق. وقال المصدر إن القصف يندرج في إطار عمليات
الدفاع عن النفس في منطقة حظر الطيران لأن تلك الأهداف خطر على القوات
الغربية في الخليج.
التحركات الشعبية:
١/١٢/٢٠٠٢م: تجمع نحو خمسة آلاف متظاهر في إسطنبول مطالبين
الحكومة التركية بعدم المشاركة في أي عمل عسكري بقيادة الولايات المتحدة ضد
العراق. وحث المتظاهرون، الذين كانوا يحملون لافتات تحمل شعارات تنادي
بالسلام، الحكومة على عدم استخدام واشنطن للقواعد العسكرية التركية في أي
عملية يتم القيام بها في المستقبل.
١١/١٢/٢٠٠٢م: احتشد المئات من معارضي الحرب في واشنطن الثلاثاء
في بداية يوم من الاحتجاجات المنسقة في شتى أنحاء الولايات المتحدة احتجاجاً على
الحرب المحتملة ضد العراق. وقال منظمون إن المسيرات والتجمعات ستنظم في
نحو ١٠٠ بلدة ومدينة لتتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وسار المتظاهرون
وسط برد قارس، رافعين لافتات مناهضة لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش
تقول إحداها: «لا لهذه الحرب النفطية» .
١٣/١٢/٢٠٠٢م: أعلن منظمو تظاهرة للتضامن مع العراق كان يفترض أن
تجري اليوم في العاصمة التونسية أن السلطات هناك منعت المسيرة لأسباب وصفت
بأنها أمنية، وكان من المقرر أن تنطلق المسيرة ظهر اليوم في وسط تونس
العاصمة. واحتج المنظمون في بيان على هذا القرار وأعربوا عن «إدانتهم لموقف
السلطات» .
١٩/١٢/٢٠٠٢م: نظم نحو ٢٠٠٠ شخص يمثلون مختلف التيارات السياسية
في القاهرة مؤتمراً شعبياً حاشداً لإعلان رفضهم لأي عمل عسكري أميركي محتمل
ضد العراق. وقد أعلن المشاركون في المؤتمر الذي شاركت فيه شخصيات عربية
ودولية بارزة، عن بدء حملة شعبية لرفض ما وصفوه العدوان الأميركي على
العراق، ووجهوا انتقادات حادة للسياسة الأميركية تجاه العالم العربي، كما طالت
انتقاداتهم المواقف الرسمية العربية تجاه ما يجرى ووصفوها بالسلبية.
٢/١/٢٠٠٣م: نظم ائتلاف مؤيد للعراق يضم مجموعات سياسية ونقابية
مغربية اليوم الخميس مظاهرة أمام مقر السفارة القطرية بالمغرب، شارك فيها نحو
خمسين شخصاً لإدانة ما أسموه تحالف دولة قطر مع الولايات المتحدة وبريطانيا
بهدف «شن عدوان» على العراق. وقال المتحدث باسم منظمي المظاهرة
المحامي خالد سفياني إن الدوحة «أصبحت أشبه بحاملة طائرات أميركية» .
٤/١/٢٠٠٣م: ندد آلاف الباكستانيين بالولايات المتحدة وأحرقوا دمى تمثل
الرئيس الأميركي جورج بوش، وهددوا أثناء المظاهرات التي عمت مدن باكستان
الكبرى بمهاجمة الأميركيين الموجودين في باكستان في حال شن حرب على العراق.
وقال زعيم ائتلاف «مجلس العمل المتحد» الإسلامي المولوي سميع الحق
في مظاهرة ضمت المئات من أنصاره في إسلام أباد إنه إذا هاجمت الولايات
المتحدة العراق فإن ذلك سيفتح الطريق أمام حرب في باكستان، وقال «لن
يكون أي أميركي آمنا هنا» . وأضاف أن «الأميركيين تجاوزوا كل الحدود في
باكستان، إنهم يتدخلون في شؤوننا ويهاجمون بيوتنا ويوقفون المسلمين الأبرياء بما
في ذلك القادة الدينيين، ويقصفون أراضينا دون أن يشعروا بالخجل» ، واصفاً هذه
الأفعال بأنها غير مقبولة.
٤/١/٢٠٠٣م: أكد مثقفون وسياسيون مصريون أن الولايات المتحدة تستهدف
اقتلاع الشعوب والثقافة العربية وتحويل المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية بحيث
تكون إسرائيل هي القوة الأعظم بين هذه الدويلات. وقال مجدي حسين أمين عام
حزب العمل المجمد ومقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين إن العالم الإسلامي
يواجه حالياً حملة استعمارية تقليدية لاحتلال الأرض وفرض السلطان والاستيلاء
الكامل على الثروات والأسواق. وشن في ندوة نظمتها لجنة الحريات بنقابة
الصحفيين مساء أمس الأول هجوماً شديداً على الإعلام الرسمي المصري.
١٢/١/٢٠٠٣م: تظاهر قرابة خمسة آلاف شخص في لوس أنجلوس بولاية
كاليفورنيا احتجاجاً على شن حرب باسم الأميركيين على العراق، ومن المقرر أن
تنطلق تظاهرة أخرى في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا نهاية الأسبوع.
وفي لندن تجمع مئات من مناهضي الحرب في قاعة بلندن للإعراب عن
معارضتهم لأي إجراء عسكري في الخليج وللتخطيط لتنظيم احتجاجات في
المستقبل.
وفي سيدني تظاهر مئات الأطباء الأستراليين خارج منزل رئيس الوزراء
جون هوارد تعبيراً عن رفضهم للتدخل العسكري في العراق.
وسلم وفد يمثل ٧٠٠ عضو في المنظمة الطبية للوقاية من الحرب مذكرة
لرئيس الحكومة تتضمن وصفة للسلام لحث هوارد على عدم إرسال أي قوات
أسترالية للمشاركة في الحرب على العراق. وحث الوفد الحكومة على التعاون مع
الأمم المتحدة لحل المسألة سلمياً في العراق كما تفعل أستراليا في موضوع كوريا
الشمالية.
١٢/١/٢٠٠٣م: تظاهر أمس الأحد نحو خمسة آلاف شخص في العاصمة
المغربية الرباط ضد الحرب المحتملة على العراق. وأدان المتظاهرون مواقف
الدول العربية في مواجهة سياسات الولايات المتحدة، وطالب المنظمون بإلغاء اتفاق
وقع عام ١٩٨٢م يسمح للولايات المتحدة باستعمال قواعد عسكرية في المغرب.
وأكدوا أن هذه المظاهرة ستعقبها حركات احتجاج أخرى في كل أنحاء المغرب ثم
تتوج بمظاهرة وطنية كبرى.
١٧/١/٢٠٠٣م: تظاهر نحو ألف شخص في البحرين يوم الجمعة وهم
يهتفون (تسقط أمريكا) و (لا للحرب من أجل النفط) ضد حرب محتملة تشنها
الولايات المتحدة ضد العراق. وقال شهود عيان إن رؤساء الجمعيات الرئيسية في
البحرين كانوا في مقدمة المسيرة التي انطلقت إلى مكاتب الأمم المتحدة في العاصمة
البحرينية المنامة قرب القاعدة الأمريكية.
١٨/١/٢٠٠٣م: (غضب عربي وعالمي ضد الحرب الأميركية على
العراق) : شهد العديد من مدن العالم مظاهرات عارمة للتنديد بالحرب التي تعد
الولايات المتحدة لشنها على العراق في مقدمتها العاصمة الأميركية. فقد بدأت في
واشنطن مظاهرات حاشدة بمبادرة من دعاة السلام في الولايات المتحدة:
ففي أمريكا نفسها: حيث بدأت في واشنطن مظاهرات حاشدة بمبادرة من دعاة
السلام في الولايات المتحدة يشارك فيها حوالي ٢٠٠ ألف شخص من مختلف المدن
الأميركية ويمثلون جهات عديدة.. وقد طالب المتظاهرون بعدم شن حرب على
العراق مطالبين البيت الأبيض بالتراجع عن أي خطط والسماح لمفتشي الأسلحة
التابعين للأمم المتحدة بمواصلة أعمالهم.
وفي أوروبا: تجمع آلاف المتظاهرين في لندن للتنديد بالحرب المحتملة، في
حين شارك المئات في تظاهرة سلمية قرب مطار شانون في أيرلندا احتجاجاً على
استخدامه لتزويد الطائرات العسكرية الأميركية بالوقود.
وفي فرنسا تظاهر آلاف الأشخاص في باريس رفضاً للحرب الأميركية على
العراق بناء على دعوة من نحو ٤٠ منظمة تضم حركات سلمية وأحزاباً سياسية
يسارية ونقابات طلابية وجمعيات محاربين قدامى وحركات نسائية. ويفترض أن
تشهد نحو ٤٠ مدينة وبلدة فرنسية تجمعات مماثلة.
ونظمت تظاهرات في ألمانيا شارك فيها آلاف الأشخاص احتجاجاً على حرب
محتملة على العراق. وتظاهر في شوارع مدينة روستوك شمالي شرقي البلاد نحو
خمسة آلاف شخص في حين شارك نحو ألف شخص في مسيرة بمدينة توبينغن
جنوبي غربي ألمانيا. ومن المتوقع أن تسير في برلين تظاهرة ضخمة في منتصف
الشهر المقبل احتجاجاً على الحرب في العراق.
وفي السويد تظاهر نحو ستة آلاف شخص في غوتبرغ جنوبي غربي البلاد
للتنديد بالحرب الأميركية المقبلة على العراق.
وقد اجتاح عدداً من العواصم العربية اليوم غضب شعبي عارم مناهض
للحرب على العراق. وشهدت العاصمة السورية دمشق كبرى تلك التظاهرات حيث
شارك فيها أكثر من ١٥ ألف شخص وشارك فيها فلسطينيون.
وفي بيروت تظاهر نحو ثمانية آلاف لبناني وفلسطيني للتنديد بالحرب المقبلة
على العراق في أكبر تظاهرة تنظم في العاصمة اللبنانية منذ بدء الأزمة العراقية.
وفي مصر انطلقت مسيرة من ميدان السيدة زينب وسط القاهرة، تضامناً مع
الشعبين العراقي والفلسطيني في مواجهة التهديدات الأميركية والتصعيد الإسرائيلي.
وشارك في المظاهرة التي جرت وسط إجراءات أمنية مشددة، لمنعها من الخروج
إلى الشوارع الفرعية أكثر من ألف شخص يمثلون مختلف القوى السياسية
المصرية.
وفي الأردن شارك مئات الأشخاص في مظاهرات نظمها التيار الإسلامي في
عمان للتنديد بالحرب المحتملة على العراق أحرق خلالها المتظاهرون العلمين
الأميركي والإسرائيلي، ورددوا هتافات معادية لواشنطن ومتضامنة مع العراق.
وسلم متظاهرون في المغرب رسالة إلى السفارة الأميركية في الرباط موجهة
إلى الرئيس جورج بوش طالبوه فيها بوقف تنفيذ ما أسموها مخططات إرهابية
سرية وعلنية للعدوان على العراق.
وفي آسيا: شهدت عدد من المدن الآسيوية مظاهرات مناوئة للحرب على
العراق: ففي طوكيو تظاهر خمسة آلاف شخص في وسط المدينة احتجاجاً على
الحرب.
وفي باكستان عبر آلاف الأشخاص اليوم عن معارضتهم للحرب المحتملة على
العراق في تظاهرات شهدتها المدن الكبرى، رفع خلالها المتظاهرون لافتات تندد
بالولايات المتحدة وتطالب بالسلام. وقد منعت قوات الأمن المتظاهرين من التوجه
إلى قنصلية الولايات المتحدة لتسليم مذكرة ضد شن عملية مسلحة على العراق.
стр. 4509
المسلمون والعالم
البعث.. ما هو الدور الجديد ؟!!
د. يوسف بن صالح الصغير [*]
لقد عاش المشرق العربي حالة من الضياع وعدم الاتزان بعد هزيمة الدولة
العثمانية في الحرب العالمية الأولى ومن ثم سقوط الخلافة الإسلامية؛ فقد انسحبت
القوات العثمانية من العراق والشام متراجعة أمام قوات الإنجليز والثوار العرب،
ومفسحة المجال لبريطانيا وفرنسا لتنفيذ اتفاقية سايكس بيكو السرية لتقاسم أراضي
الدولة العثمانية؛ بحيث تكون الشام من نصيب فرنسا لإنشاء كيان نصراني في
لبنان، وتكون فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب الإنجليز الذين كان همهم
الأساس هو إقامة كيان يهودي في فلسطين.
ويلاحظ أن الجهد الأساسي في هذه المنطقة قامت به بريطانيا وبدون مشاركة
فرنسية، حيث تم الاتفاق مع الشريف حسين وأولاده على الثورة والمشاركة في
العمليات العسكرية في بلاد الشام والحجاز الذي شاركت فيه قوات الإنجليز مع
قوات المستعمرات من أستراليا وجنوب أفريقيا، أما بخصوص الحملة على العراق
فقد شاركت فيها قوات إنجليزية وهندية. وقد حاولت بريطانيا نتيجة لذلك حكم
معظم بلاد الشام عن طريق تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا وأخيه عبد
الله أميراً على شرق الأردن، وفرض حكم مباشر على فلسطين والعراق.
وقد تعرقل المشروع بسبب الثورات العراقية المتتالية ضد الإنجليز، وبسبب
التدخل العسكري الفرنسي لأخذ نصيبهم من المنطقة وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو.
لقد تعرضت قوات الإنجليز في العراق للعديد من الثورات، ولاقت الإدارة
البريطانية في العراق صعوبات جمة في السيطرة على العراق وخصوصاً بعد ثورة
آب ١٩٢٠م والتي أجبرت الحكومة البريطانية على تغيير سياستها بالتحول من
استعمار مباشر إلى حكومة إدارة وطنية تحت الانتداب، وكان الملك فيصل بن
الحسين، الذي طردته القوات الفرنسية من الحكم في سوريا بعد هزيمة القوات
السورية في معركة ميسلون هو أقوى المرشحين لمنصب ملك العراق، وأخيراً توج
ملكاً على العراق في يوم ٢٣/٨/١٩٢١م بعد استفتاء أجري من قِبَل الإدارة
الإنجليزية، وهكذا تم نقل خدماته من دمشق إلى بغداد آخذاً معه دعاة القومية
العربية الذين التفوا حوله في سوريا ومن أشهرهم ساطع الحصري الذي تولى حقيبة
التربية والتعليم في العراق.
لقد تميزت فترة الانتداب بقيام نظام جمهوري برلماني في سوريا، وملكية
دستورية في العراق والسماح بمظاهر ديمقراطية؛ ولكن نقطة الضعف الأساسية هو
عدم وضوح الهوية؛ فقد نجح الاحتلال في إسقاط فكرة الجامعة الإسلامية، وحاول
جاهداً تشجيع كل راية جاهلية مما أوجد حالة من الصراع العنيف بين اتجاهات
كثيرة لسد الفراغ، وكانت الشعارات غير الإسلامية، تتفاوت بين الفينيقية
والآشورية والقومية الوطنية والشيوعية.
ومن جانب آخر ظهرت في المنطقة شعارات مشكَّلة من خليط مما سبق؛
فمثلاً تيار الناصرية يعتمد على الفكر القومي الوطني مع اشتراكية اقتصادية؛ أما
التيار البعثي فهو يشبهه ولكن يتميز عنه ببروز البعد اللاديني؛ لأن قادته
التاريخيين هم في الأساس من غير المسلمين، وقد سيطر على المنطقة حالة صراع
دامٍ وعنيف بين هذين الاتجاهين؛ ولما كان الاتجاه البعثي هو الأقدم وأيضاً هو
الموجود على الساحة بصفته التنظيمية فإنني في هذه العجالة سأقدم للقارئ الكريم
فكرة مبسطة عن التيار البعثي تعينه في فهم الأحداث الحالية.
لقد ظهرت فكرة الحزب في أواسط الثلاثينيات الميلادية، وأُشهِر رسمياً في
أواخر الأربعينيات في سوريا، وشارك في الحكم في كل من سوريا والعراق ابتداءً
من ١٩٥٨م، وانفرد بحكم كل من سوريا والعراق في أواخر الستينيات إلى الوقت
الحاضر:
- في سنة ١٩٣٢م عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق
(نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية) وصلاح البيطار (سني) وذلك بعد دراستهم
العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية.
- أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة
١٩٣٤م، وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم: (جماعة الإحياء العربي) .
- في نيسان ١٩٤٧م تم تأسيس الحزب تحت اسم: (حزب البعث العربي) ،
وقد كان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي
الأرسوزي، كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث.
- كان لهم دور في حكومة شكري القوتلي الذي حكم مرتين ووقع اتفاقية
الوحدة مع مصر سنة ١٩٥٨م.
- أيدوا الوحدة مع مصر، واشتركوا في حكومتها برئاسة جمال عبد الناصر:
١٩٥٨ - ١٩٦١م.
- وقفوا بقوة مع الانفصال عن مصر: وقد دام الانفصال من ٢٨/٩/١٩٦١م
وحتى ٨/٣/١٩٦٣م. وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي.
- منذ ٨/٣/١٩٦٣م وإلى اليوم فقد سيطر البعثيون على الحكم في سوريا عن
طريق عدة حكومات برز فيها الصراع الطائفي بين النصارى والدروز
والإسماعيليين والنصيريين، واستقر الحكم للنصيريين مع واجهات سنية في
كل مرحلة مثل صلاح البيطار وأمين الحافظ (١٩٦٣م - ١٩٦٦م) ونور
الدين الأتاسي (١٩٦٦م - ١٩٧٠م) ومصطفى طلاس وعبد الحليم خدام،
وغيرهم.
- أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في
العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي:
استيلاء حزب البعث على ناصية الحكم في العراق:
- في الرابع عشر من شهر يوليو عام ١٩٥٨م دخل أحد أولوية الجيش بقيادة
عبد السلام عارف إلى بغداد واستولى على محطة الإذاعة، وأعلن الثورة على
النظام الملكي، وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد
رئيس وزرائه، وأعوانه، وأسقط النظام الملكي؛ وبذلك انتهى عهد الملك فيصل،
ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية. وقامت حكومة يُمَثَّل فيها حزب البعث
فقط بشخص أمينه العام فؤاد الركابي مما يدل على المشاركة البعثية المحدودة.
- وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام ١٩٥٨م أي بعد عشرة أيام
من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد
وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا
ومصر) وذلك حتى يمكنهم الوقوف في وجه زعامة عبد الناصر في ذلك الوقت؛
ومن ثم السيطرة على مقاليد الحكم؛ ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه
ونادى بعبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق.
- وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة ١٩٦٣م قام حزب البعث
بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم، وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرساً دار في
شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما
نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد
السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في ١٨/١١/
١٩٦٣م، وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين
نائباً لرئيس الجمهورية، ثم لم يلبث أن أبعد عن النيابة إلى العمل كسفير في وزارة
الخارجية في سنة (١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م) . ثم تعرض للاعتقال والإقامة الجبرية
في منزله، ثم أطلق سراحه بعد ذلك، وبدأ في العودة إلى نشاطه السياسي.
- في شهر فبراير سنة ١٩٦٤م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين
عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي.
- وفاة عبد السلام عارف في حادث طائرة سنة (١٣٨٥هـ - ١٩٦٦م)
وتولي أخيه عبد الرحمن عارف الحكم في العراق.
- قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح
أسقط نظام عبد الرحمن عارف في (٢٠/٤/١٣٨٨هـ - ١٧/٧/١٩٦٨م) ،
وأعلن أحمد حسن البكر رئيساً.
- وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليو عام ١٩٦٨م طرد حزب البعث كافة من
تعاونوا معه في انقلابه الناجح على عبد الرحمن عارف، وعين أحمد حسن البكر
رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للجيش، وأصبح صدام
حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.
- وفي ٨ يوليو سنة ١٩٧٣م جرى إعدام ناظم كزار رئيس الحكومة وجهاز
الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصاً من أنصاره؛ وذلك في أعقاب إخفاق
الانقلاب الذي حاولوا القيام به بالتنسيق مع البعث السوري.
- وفي شهر يونيو عام ١٩٧٩م أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية العراقية
بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله.
- في يوليو سنة ١٩٧٩م قام صدام حسين بحملة إعدامات واسعة طالت ثلث
أعضاء مجلس قيادة الثورة، ولم يبق على قد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب
عام ١٩٦٨م سوى عزت إبراهيم الدوري، وطه ياسين رمضان، وطارق حنا
عزيز.
وعند استعراض تاريخ البعث نتوقف عند بعض القضايا الأساسية في نظري
وهي:
١ - أن الحزب وُجِدَ في فترة صراع سياسي أثناء فترة الحرب الباردة بين
المعسكرين الغربي والشرقي.
٢ - كانت الأنظمة الدستورية الموالية للغرب ضحية لهذا الصراع.
٣ - يلاحظ أن البديل كان أنظمة عسكرية سواء كانت ذات خلفية حزبية مثل
البعث، أو ليس لها خلفية حزبية مثل نظام حسني الزعيم وجمال عبد الناصر الذي
حاول تشكيل إطار تنظيمي لنظامه (الاتحاد الاشتراكي) .
٤ - كانت سياسة الحزب تقوم على أساس التحالف مع الأقوياء والتقوي بهم
ثم الانقلاب عليهم؛ وعلى هذا يُفهَم تحالفهم مع عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وعبد
السلام عارف.
٥ - أن الشعارات الاشتراكية للأنظمة الجديدة لم يمنعها من استبعاد
الشيوعيين عن المشاركة في الحكم بل وتصفية الأحزاب الشيوعية أو تطويعها،
وأيضاً لم يمنعها من علاقات وثيقة مع الغرب في الجانب السياسي.
٦ - هناك شكوك كبيرة حول الدور الأمريكي في الانقلابات العسكرية الأولى
في مصر وسوريا.
٧ - دخول أمريكا بوضوح في دوامة الانقلابات المتتالية التي دمرت الجيوش
العربية، وأفرزت أنظمة متسلطة.
٨ - اتهام أمريكا أن لها دوراً في مساعدة البعثيين في الإطاحة بعبد الكريم
قاسم الذي اضطر للاعتماد على الشيوعيين في صراعه من أجل البقاء في الحكم بعد
رفضه العرض البعثي للانضمام للاتحاد السوري المصري. فقد قال الملك حسين:
(إنني أعلم بكل تأكيد بأن ما حدث في العراق يوم ٨/٢/١٩٦٣م كان بدعم
المخابرات الأمريكية A.I.C لقد عقدت عدة لقاءات بين حزب البعث والمخابرات
الأمريكية، ومنها اجتماعات عقدت في الكويت) ، وكان علي صالح السعدي أحد
رموز الانقلاب يصرح أمام الصحافة اللبنانية بعد اختلافه مع الرفاق: (لقد جئنا
إلى السلطة بقطار أمريكي) .
وكشفت وثائق وزارة الخارجية البريطانية عن التوجه الغربي لدعم انقلاب
بعث العراق؛ ففي برقية سرية مرسلة من السفارة البريطانية في بغداد إلى لندن
مؤرخة في ٢٨/١/١٩٦٣م، أي قبل عشرة أيام من الانقلاب، أن روي ملبورن
القائم بأعمال الولايات المتحدة قال للسفير البريطاني: (إن وزارة الخارجية
[الأمريكية] تفكر أنه حان الوقت لترد على تهجم قاسم المستمر.. وأن الوقت قد
حان للبدء في بناء رصيد مع معارضي قاسم، من أجل اليوم الذي سيحدث فيه
تغيير في الحكومة في بغداد) .
وتكشف برقية من السفارة البريطانية في واشنطن إلى وزارة الخارجية يوم
٨ /٢/١٩٦٣م أن مدير قسم الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية السيد
سترونغ قال: (إن إنقلاب ٨ شباط لو أنتج نظاماً ذا طبيعة بعثية فإن سياساته
سوف تكون مقبولة على الأرجح من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية) .
إن استعراض بعض الأحداث يؤكد على أن حزب البعث لم يكن يوماً ما ضد
المصالح العليا للغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية؛ فمثلاً لم يشارك العراق
في حظر النفط أثناء حرب رمضان ١٣٩٣هـ، وبروز التحالف الغربي مع العراق
في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، واعتبار أمريكا للعراق السد المنيع ضد المد
الشيعي في المنطقة؛ وكان ذلك سبباً في حصول العراق على قدرات تسليحية
وتقنية لم يكن مسموحاً بها في الظروف العادية وكان تسليم بعض هذه الأسلحة يتم
بإشراف رسمي.
ومن الغريب أن الذين يحكمون في أمريكا الآن مثل رامسفيلد هم الذين يمثلون
قناة الاتصال الشخصي مع الرئيس صدام حسين، وقد كشف عن زيارات لرامسفيلد
لبغداد تتزامن مع استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد والإيرانيين.
إن التركيز الأمريكي على شخص صدام وتجاهل الحزب الحاكم الذي يمثل
ذراع البطش الطويلة داخلياً وتركيزه على إضعاف الجيش العراقي وشله ومحاولة
تفريغ العراق من الطاقات العلمية بتصفية أو شراء العلماء كما حدث للعلماء الألمان
بعد الحرب العالمية الثانية يؤكد أن الهدف هو البلد بثروته وطاقاته المتميزة علمياً،
أما الطاقات الأمنية والحزبية الفاعلة في ترويض الشعب فسيتم الاستفادة منها في
مستقبل الأيام إذا تمكنت أمريكا من إزاحة رأس النظام وإقامة نظام موالٍ مجرد من
أسباب القوة والبقاء الذاتي.
إن حزب البعث بصورته الحالية يعتبر من بقايا أدوات الصراع أيام الحرب
الباردة؛ وحيث الحاجة إليه قد قلَّت أو انتهت فيجب أن يتأقلم مع الأوضاع الجديدة
ويحاول تلمس أسباب البقاء.
وإذا كان القذافي يحاول التشبث بقشة قدرته على محاربة المتطرفين والبعث
السوري قنع أخيراً بوظيفة المبعوث الرسمي للغرب لدى إيران؛ فما هي المهمة
اللائقة ببعث العراق الذي يبدو حائراْ بين جحود الأصدقاء القدامى (الأمريكان)
وبين عدم ثقة الإسلاميين باللافتات الإسلامية التي يحاول استغلالها في تغيير العَلَم
العراقي والسماح للمظاهر الإسلامية بالظهور بعد طول غياب، بل وتشجيع تعليم
القرآن وبعض العلوم الشرعية وفرضها على أعضاء الحزب؛ فهل هي توبة
متأخرة أم هي اكتشاف حقيقة أن القوة الوحيدة القادرة على حماية الأمة هي العقيدة
المنبثقة من ذاتها، وأن كل من يحارب الأمة في عقيدتها وشعائرها وأخلاقها سيدفع
ثمن ذلك ولو بعد حين؟
стр. 4510
المسلمون والعالم
ملف المعارضة العراقية بين الماضي والمستقبل
محمد صادق أمين [*]
شهدنا مؤخراً مؤتمراً موسعاً لفصائل وأحزاب شتى من المعارضة العراقية
المقيمة خارج العراق. عقد الاجتماع في العاصمة البريطانية لندن بمباركة وحضور
أمريكي، والغرض المعلن مناقشة مرحلة ما بعد نظام صدام حسين، والذي من
المفترض أن يسقط قريباً بضربة أمريكية موعودة حُشِدت لها جيوش جرارة غطت
البر والبحر والجو والفضاء العربي، هذه الأحزاب وصل تعدادها إلى أكثر من
خمسين حزباً وجماعة تتنازع الكعكة العراقية قبل أوان تقسيمها، والسؤال الذي
يُطرح في هذا الخضم هو: هل يمثل هؤلاء المؤتمرون الشعب العراقي تمثيلاً
حقيقياً؟ وهل تملك كل تلك الأحزاب ثقلاً على الساحة العراقية يؤهلها لتكون وريثاً
لنظام موعود بالسقوط؟
إن وجود خمسين أو ستين حزباً وجماعة سياسية في ساحة توقف العمل
الحزبي فيها منذ أكثر من ثلاثة عقود أمر يستدعي منا أن نقف وقفة تدقيق وتمحيص
للوصول إلى الحقيقة.
لقد تزايد عدد المجموعات المعارضة للنظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية،
وأسهم في ذلك الدعم الأميركي المعلن والاحتضان الأوروبي، وفتح أبواب واشنطن
والحواضر الأوروبية أمامها، فأصبحت بالعشرات، وتعددت انتماءاتها ما بين دينية
وإثنية عرقية ووطنية متعددة الأطياف والألوان، فلا يجمع بينها سوى الخلاص من
النظام الحاكم والحصول على موقع سياسي أساسي في النظام الجديد والمرحلة
المقبلة.
تتراوح أحزاب المعارضة ما بين مجموعات صغيرة وأحزاب متوسطة الحجم
وتجمُّع أحزاب، وأكثرها خارج العراق، والإدارة الأميركية تعترف رسمياً بست
منظمات معارضة، هي: (المؤتمر الوطني العراقي، والاتحاد الوطني
الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والمجلس الأعلى للثورة
الإسلامية، وحركة الوفاق الوطني، والحركة الوطنية الدستورية) وقد سمح بوش
بتوسيع المنظمات المعارضة عبر إدخال مجموعات تتألف من ضباط سابقين
آخرين، وكذلك أقليات تركمانية وآشورية ومسيحية.
سنحاول هنا أن نبحث في موضوع المعارضة العراقية ونرد القضية إلى
أصولها لعلنا نصل إلى الصورة الكاملة التي تمنحنا رؤية مستبصرة.
* تمهيد:
شهد العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية موجة حريات واسعة اجتاحت
العالم بأسره، وهو أمر عادة ما يرافق انتهاء الحروب الكبيرة، والعراق من الدول
التي كانت تحت الاستعمار البريطاني، وكان من الطبيعي أن تصل تأثيرات موجة
الحريات العالمية إلى الساحة العراقية، فسن قانون الأحزاب الذي يبيح التعددية
السياسية ويقنن لها في العهد الملكي سنة ١٩٤٦م، وحدثت حرية سياسية وحزبية
إلى أبعد مدى تشكل على إثرها عدد من الأحزاب تمثل اتجاهات وأفكاراً سياسية
مختلفة وهي:
١ - الحزب الشيوعي:
وهو حزب يستهدي ويسترشد بالشيوعية السوفييتية ونظامها الاشتراكي الذي
راجت أفكاره في الكثير من البلدان العربية والإسلامية، ويكاد يكون هو الحزب
الأقوى في تلك الحقبة من تاريخ العراق بسبب رواج الأفكار الشيوعية في أوساط
الشباب، هذا الحزب انقسم على نفسه فيما بعد وشكل مجموعتين: الأولى يتزعمها
(يوسف سلمان) والثانية انشقت عن الأولى يتزعمها (كامل قزانجي) .
٢ - حزب الأمة:
وهو حزب شكله الشيعة ليمثل طائفتهم المذهبية برئاسة (صالح جبر) ومعه
ثلة من علماء ومشايخ الشيعة.
٣ - حزب الاتحاد الدستوري:
يترأسه (نوري السعيد) ويضم طبقة البرجوازيين، وانضم إليه فيما بعد
النازيون القدماء ومنهم (خليل كنة) الذي أصبح وزيراً للمعارف فيما بعد.
٤ - حزب الاستقلال:
وهو حزب ذو توجهات قومية يضم الشيعة والسنة يترأسه (محمد مهدي كبة)
ومن أبرز قياداته السنية (إسماعيل الغانم) .
٥ - الحزب الديمقراطي:
حزب علماني صارم متوسط بين الشيوعية والاشتراكية يترأسه (كامل
الجادرجي) ومعه عدد من السياسيين اللامعين منهم (صديق شنشل) و (حسين
جميل) و (محمد حديد) .
٦ - الإخوان المسلمون:
لم يتمكن الحزب من الحصول على إجازة رسمية كباقي الأحزاب لتشكله
متأخراً عن باقي الأحزاب؛ لكن الشيخ محمد الصواف حصل على إجازة عمل
لجمعية باسم (الأخوة الإسلامية) عام ١٩٥٢ لتكون المظلة التي يعمل تحتها
الإخوان المسلمون في العراق الذين لعبوا دوراً بارزاً في تاريخ العراق السياسي فيما
بعد.
يذكر أن الحزب لم يقتصر في عمله على السنة بل كان يضم عدداً كبيراً من
الشيعة.
٧ - الأكراد:
الأكراد مكوِّن مهم من مكوِّنات المجتمع العراقي، بل ومن مكونات دول
أخرى في الشرق الأوسط وفي آسيا، يقدر عددهم بخمسة وعشرين مليوناً يتوزعون
بين خمس دول: ٤٦% منهم في تركيا، و ٣١% في إيران، و ٥% في أرمينيا
وسوريا، و ١٨% في العراق.
تسود بين الأكراد ١٨ لهجة كردية مختلفة، وكردستان العراق التي يسكنها
ثلاثة ملايين و٨٠٠ ألف كردي عبارة عن جبال وهضاب ومجموعات بشرية تعيش
وفق نظام قبلي صارم تروج فيه مفاهيم الإباء والشجاعة والفروسية، ويقوم على
نشاط اقتصادي معتمد على الرعي والزراعة.
يمكن اعتبار هذه الأحزاب الأساس الذي يشكل الساحة السياسية العراقية بكل
أطيافها وألوانها وتعدداتها القومية والمذهبية والفكرية والسياسية، وعلى أساسها
تطورت ساحة العمل السياسي في العراق بحسب تطور وتغير الأحداث؛ فالحزب
الشيوعي العراقي على سبيل المثال شهد انقسامات وانشقاقات، وتراجعت شعبيته
على الساحة بحسب ما طرأ على الساحة العراقية والدولية من تغيرات، والإخوان
المسلمون ظهروا تحت مسمى جديد هو الحزب الإسلامي العراقي وعنهم انشقت
مجموعة شكلت حزب التحرير الذي ما لبث أن اضمحل وانتهى دوره واندرس اسمه
إلى يومنا هذا، والشيعة تعددت بهم الاجتهادات والرؤى فتشكلت منهم أحزاب تتباين
في طروحاتها بحسب تباين الشيعة في الموقف من الثورة الإيرانية وحكم ولاية
الفقيه، والقوميون تطورت طروحاتهم وتعددت أحزابهم تبعاً لتطور فكرة القومية
وإفرازاتها على الساحة والذي تجسد في تأسيس حزب البعث، والساحة الكردية
شهدت تطورات، وأصبح فيها عدة فصائل وجماعات متنافسة وعدد كبير من
الأحزاب الصغيرة تتفاوت في انتماءاتها الأيديولوجية بين القومية والشيوعية
والإسلامية.
* تطور الأحداث السياسية على الساحة العراقية:
لم يكن الشعب العراقي راضياً عن الأداء السياسي للنظام الملكي الهاشمي في
العراق؛ فالهيمنة البريطانية تلعب دوراً أساسياً في سياسة البلاد وحكمه، بل وفي
إقامة الحكومات وإسقاطها، وعقد المعاهدات والتحالفات وإبرامها بما يتوافق مع
المصالح البريطانية، وفي عام ١٩٤٥م أصدر رئيس الوزراء (نوري السعيد)
قانوناً يقضي بحل جميع الأحزاب والجمعيات السياسية، فشهدت ساحة العمل
السياسي توقفاً أدى إلى تشكيل حركة الضباط الأحرار داخل الجيش العراقي ليكون
بعد ذلك الجيش لاعباً أساسياً في تاريخ العراق السياسي.
يتشكل الضباط الأحرار من ثلاث مجاميع هي:
١ - مجموعة من الشيوعيين وفيهم (عبد الكريم قاسم) .
٢ - مجموعة من القوميين والبعثيين وفيهم (عبد السلام عارف) .
٣ - مجموعة مستقلة لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وهم أصل الضباط
الأحرار على رأسهم (رفعة الحاج سري) و (ناظم الطبقجلي) .
عرف العراق في ١٤/٧/١٩٥٨م انقلاباً على الملكية بقيادة عبد السلام عارف
وعبد الكريم قاسم اللذين أعلنا الثورة على النظام الملكي، وتم قتل الملك فيصل
الثاني وولي عهده عبد الإله، ونوري السعيد رئيس الوزراء وغيرهم، فانتهى عهد
الملكية، ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية التي استمرت عقداً من الزمن
(من ١٩٥٨م إلى ١٩٦٨م) .
وكان الحزب الشيوعي العراقي صاحب الكلمة العليا في انقلاب ١٩٥٨م،
وأصبح عبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق بعد إقصاء عبد السلام عارف وسجنه،
وقد نجح ضباط بعثيون في انقلاب دموي ضد الرئيس عبد الكريم قاسم في
٨/٢/١٩٦٣م، وتحالفوا مع ضباط ناصريين وأنشؤوا حكومة ائتلاف تحت رئاسة
عبد السلام عارف بعد تحريره من السجن.
ثم عرفت حكومة الانقلاب صراعاً بين جناحين داخلها من حزب البعث:
معتدل، ومتشدد؛ فقام عبد السلام عارف رجل الانقلاب القوي بإبعاد البعثيين
المتشددين، وعين في ١٨/١١/١٩٦٣م أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين
المعتدلين نائباً لرئيس الجمهورية، وقد أسقط البعثيون نظام عارف في سبتمبر
١٩٦٦م، كما قام حزب البعث العراقي بإقصاء كل من تعاون معه من غير
العناصر البعثية في الانقلاب على عارف في ٣٠/٧/١٩٦٨م وتم تعيين أحمد حسن
البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للجيش، وأصبح
صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.
وفي يونيو ١٩٧٩م أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية العراقية بعد إقصاء
وإعفاء البكر من جميع مناصبه. فبدأت بعد ذلك حقبة جديدة من تاريخ العراق
المعاصر شهدت حكماً فردياً مطلقاً يعتمد التصفية والإقصاء آلية لتثبيت دعائم الحكم،
ولم تنجح أي محاولة انقلابية بعد ذلك ضد الحكم الجديد بسبب القبضة الحديدية
التي تمت على كافة مرافق وأجهزة الدولة، ودخل العراق دوامة الحروب الداخلية
مع الأكراد والخارجية مع الجيران، وآخر فصول تلك الحروب هي المواجهة
الجارية اليوم مع الإدارة الأمريكية التي أخرجت النظام الحالي من قائمة الحلفاء
وأودعته في القائمة السوداء.
ومع خروج النظام العراقي من حظيرة المرضي عنهم ودخوله القائمة السوداء
بعد غزو الكويت دبت الحياة في فرائص العديد من الفصائل العراقية المعارضة
والتي لم يتبق من بعضها سوى رموز وأشخاص، وبدأت حقبة العمل السياسي من
خارج العراق لتغيير النظام، وبرز بناء على ذلك خلاف حول جواز التعاون مع
القوى الخارجية لتغيير النظام داخل العراق، فتعددت المواقف تبعاً للانتماءات
الفكرية والسياسية والمذهبية من هذه القضية.
* أبرز الفصائل المعارضة للنظام العراقي حالياً:
١ - الشيعة:
يتوزع شيعة العراق إلى طوائف سياسية من أبرزها:
أ - المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق:
تشكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام ١٩٨٢م في إيران،
ويهدف إلى أن يكون إطاراً يضم كل الفصائل الشيعية العاملة في الحقل السياسي.
يوجد مقر المجلس في طهران، ويتزعمه (محمد باقر الحكيم) الذي ترك
العراق منذ ١٩٧٩م وأقام في إيران، والغالب على أعضاء المجلس الأعلى أنهم
عراقيون فروا إلى إيران خلال حرب الخليج الأولى.
تمثل شخصية محمد باقر الحكيم دوراً محورياً في تحديد مواقف الحزب
ونشاطه السياسي؛ لذلك يلاحظ بعض المراقبين أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية
في العراق تنظيم شيعي باسم شخص أكثر مما هو حركة شعبية لها توجهها السياسي.
العلاقة مع إيران:
يحاول المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أن يحافظ على مسافة بينه
وبين إيران، وأن يعطي للمراقب صورة أنه ليس تنظيماً شيعياً يسير في فلك
طهران بل هو - كما يريد لنفسه أن يكون - تنظيم سياسي عراقي بحت، والحقيقة
أنه تنظيم شيعي عراقي نشأ بدعم وتمويل إيراني من الناحية اللوجستية، أما عقائدياً
فهو يدين لإيران بالولاء المطلق على أساس إيمانه بولاية الفقيه.
الجناح العسكري:
ومن ضمن مكونات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية جناح عسكري يعرف
باسم (لواء بدر) مقره إيران، يضم آلافاً من الجنود معظمهم من الشيعة، ويقوم
بتدريبهم ضباط من السنة، وكان لهذا اللواء دور مهم في انتفاضة شيعة العراق في
مارس ١٩٩١م حين قامت عناصره بتصفية أجهزة حزب البعث بالجنوب.
العلاقة مع الولايات المتحدة:
ينفي المجلس الأعلى إعلامياً أي صلة له بالولايات المتحدة، ويعلن عن
رفضه تلقي أي مساعدات مالية منها رغم رصد الكونغرس الأميركي ٩٧ مليون
دولار لدعم هذه المعارضة.
ب - حزب الدعوة:
حزب الدعوة من أقدم الأحزاب الشيعية العراقية، أسسه رجل الدين العراقي
آية الله باقر الصدر سنة ١٩٦٨م، ويضم هذا الحزب مجموعات متعددة منها ما هو
في الخليج، ومنها ما هو في لبنان.
يميل حزب الدعوة إلى استخدام أساليب العنف، وقد ظهرت في داخله مؤخراً
بعض العناصر التي تدعو إلى انتهاج سياسة ليبرالية توفق بين الإسلام
والديمقراطية، وتؤكد عدم وجود تعارض بينهما، وخلافاً للمجلس الأعلى للثورة
الإسلامية في العراق فإن حزب الدعوة لا يقبل بالضرورة النموذج الإيراني للزعامة
الدينية، بل يرى أن دور رجال الدين ينحصر في تفسير الأمور الدينية على أن يتولى
المسلمون من غير رجال الدين الأمور السياسية.
ج - منظمة العمل الإسلامي في العراق:
أعلنت المنظمة رسمياً عن نفسها عام ١٩٧٩م، وكان المرجع الديني آية الله
الشيرازي يعد مرشداً روحياً للمنظمة حيث تهتدي وتسترشد منظمة العمل بأفكاره
ونظرياته، وكذلك آية الله محمد تقي المدرسي الذي يعد المؤسس والراسم للمعالم
الفكرية والثقافية للمنظمة.
إضافة إلى هذه الأحزاب الثلاثة داخل الساحة السياسية الشيعية في العراق
يوجد اتجاه آخر يغلب عليه التوجه العلماني، ويصبو إلى تمثل القيم الديمقراطية
الغربية، ويرى أن الإطار الديمقراطي العلماني خير منهج لحكم العراق، ومن أبرز
شخصيات هذا التوجه: ليث كبة، وأحمد الجلبي المقيمان خارج العراق.
٢ - الحزب الإسلامي العراقي:
يكاد يكون هو الحزب الوحيد الذي يمثل السنة في تشكيلة المعارضة العراقية،
وهو يمثل الامتداد الطبيعي لحركة الإخوان المسلمين في العراق التي أسس لها
الشيخ الصواف.
تأسس الحزب في عام ١٩٦١م عندما أتاح عبد الكريم قاسم الفرصة للأحزاب
كي تتشكل، فأجيز من قبل وزارة الداخلية وترأسه (نعمان السامرائي) .
نشر الحزب مذكرة فيها انتقادات لسياسات عبد الكريم قاسم وللمذابح التي
ارتكبت في عهده في الموصل وكركوك في جريدة (الفيحاء) فتم على أثر ذلك
تصفية الحزب، وعاد إلى العمل السري.
واجه الإخوان المسلمون في العراق محناً عديدة وشديدة في العهود المختلفة،
وتعرضوا للتصفية عدة مرات غير أن المحن تلك زادتهم قوة وصلابة.
الأهداف:
يتخذ الحزب من العمل السياسي السلمي منهاجاً للتغيير في العراق، ويعتمد
على الإصلاح التدريجي في إطار آليات الديمقراطية التي لا تتعارض مع الشورى
في الإسلام، ويرفع شعار: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا
بالله) ، وللحزب جذور عميقة في المجتمع العراقي تصل إلى جميع أنحاء العراق.
٣ - الأكراد:
تموج الساحة الكردية في العراق بالعديد من التشكيلات السياسية المختلفة من
أبرزها:
أ - الحزب الديمقراطي الكردستاني:
أسس هذا الحزب عام ١٩٤٦م، ويتزعمه الآن مسعود البرزاني ابن الملا
مصطفي البرزاني.
تغلب النزعة القومية الكردية على الحزب الديمقراطي الكردستاني، ويعتمد
إلى حد كبير على العشيرة البرزانية، ويكثر أتباعه في منطقة بهدينان شمالي
العراق.
ب - الاتحاد الوطني الكردستاني:
انشق الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني عام ١٩٧٥م
عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.
يتبنى الحزب اتجاهات قومية كردية، ويوجد لدى العديد من أفراده ميول
ليبرالية، وتوجد قواعد الحزب بكثرة في النصف الجنوبي من كردستان العراق.
ج - حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني:
يمثل حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني فكر الإخوان المسلمين، وقد أسس
عام ١٩٩٤م بقيادة الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين، وهذا الحزب ذو توجه
إصلاحي لا يعتمد على المواجهة المسلحة؛ إذ هو الحزب الوحيد غير المسلح على
الساحة الكردية، وهو مشارك في حكومة أربيل التي يتزعمها مسعود البرزاني
بوزير واحد (وزير العدل) ، ولحزب الاتحاد الإسلامي علاقات طيبة مع جميع
الأطراف الكردية والعراقية على اختلاف توجهاتها، وقد ظهر في الانتخابات
الطلابية والمهنية والبلدية التي أجريت في إدارتي الإقليم على أنه الحزب الثاني بعد
الحزبين الكبيرين الحاكمين.
د - الحركة الإسلامية:
هو حزب سياسي مسلح لديه قوة عسكرية تتمركز في بعض مدن وقصبات
الإقليم، وقد تشكلت الحركة عام ١٩٨٧م على أثر تصعيد العنف العسكري ضد
الأكراد في عمليات القصف الكيماوي والأنفال سيئة الصيت بدعم إيراني، ويعتبر
منصب المرشد العام أعلى منصب في حركة الوحدة الإسلامية، وقد شغله الشيخ
عثمان عبد العزيز حتى وفاته عام ١٩٩٩م وهو أحد علماء الكرد البارزين ويحظى
بمكانة كبيرة في الأوساط الشعبية وفي العالم الإسلامي؛ خلفه بعد ذلك أخوه الشيخ
علي عبد العزيز وفي عهده اندمجت الحركة الإسلامية مع حركة النهضة الإسلامية
وشكلتا حركة الوحدة الإسلامية التي ما لبثت طويلاً حتى انشقت على نفسها وشكلت
مجاميع مسلحة عديدة.
هـ - الجماعة الإسلامية في كردستان العراق:
بتاريخ ٣١/٥/٢٠٠١م أعلنت مجموعة من حركة الوحدة الإسلامية المسلحة
انشقاقاً عن الحركة بزعامة القيادي فيها الشيخ علي بابير، وأطلقت على نفسها:
(الجماعة الإسلامية في كردستان العراق) ، وللجماعة منصبان يعتبر أحدهما منصباً
روحياً وهو إمام الجماعة ويشغله الشيخ محمد البرزنجي، وهو عالم من علماء
الكرد ورجل من رجال الصحوة الإسلامية، والثاني منصب إداري وهو أمير
الجماعة ويشغله الشيخ علي بابير وهو قيادي شاب ممن تربوا في ربوع الحركة
الإسلامية المسلحة بعد تأسيسها في الثمانينيات.
و حزب كادحي كردستان:
حزب يساري يتزعمه قادر عزيز، وتربطه علاقات قوية بالحزب الوطني
الكردستاني، فتحالفا في الانتخابات التي تمت بمحافظة السليمانية سنة ١٩٩٢م،
كما وقف بجانب الحزب الوطني الكردستاني يوم ٣١/٨/١٩٩٦م حينما دخل الجيش
العراقي السليمانية.
هذا بالإضافة إلى أحزاب صغيرة يصل تعدادها إلى ٣٩ حزباً.
٤ - الأحزاب العلمانية:
أ - المؤتمر الوطني العراقي:
الذي يرأسه أحمد جلبي، وهو في الحقيقة تجمع لعدد من الأحزاب كما يعرف
بنفسه، ويلقى رعاية أميركية خاصة.
وتوقع بعض المراقبين أن يكون المصرفي السابق أحمد الجلبي المرشح
المحتمل لرئاسة الحكومة العراقية في المنفى باعتباره مؤسس المؤتمر الوطني
العراقي عام ١٩٩٢م.
والمعروف أنه يتشكل من عدد من الفصائل العراقية المعارضة تتجمع فيما
يسمى: (المؤتمر الوطني العراقي) ومن بينها الحزبان الكرديان، والمجلس
الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وحركة الوفاق الوطني، وضباط عراقيون
سابقون بالجيش، ورجال أعمال ومفكرون.
لكن علاقة المؤتمر بالأحزاب الإسلامية يسودها الاضطراب، ويدعو برنامج
المؤتمر الوطني العراقي الذي صيغ في مؤتمر حضره ٣٥٠ عضواً معارضاً عقد
في مدينة صلاح الدين عام ١٩٩١م، إلى تشكيل حكومة انتقالية تتولى السلطة في
حالة سقوط صدام ووضع دستور فدرالي يتم إقراره في استفتاء عام.
ب - حركة الوفاق الوطني:
وهي منظمة تشكلت من مجموعة من الضباط والمسؤولين السابقين الفارين
من قبضة النظام العراقي وأكثرهم من الشيعة.
ج - حزب الملكية الدستورية:
التيار الملكي الهاشمي يحظى بنفوذ واسع داخل المؤتمر لا سيما أن الشريف
علي بن الحسين زعيم حزب الملكية الدستورية وسليل العائلة الهاشمية الملكية في
العراق هو الناطق باسم المؤتمر، ولعب دوراً رئيسياً في الإفراج عن المساعدات
الأميركية له؛ فالشريف علي بن الحسين أمه بديعة بنت علي خالة الملك فيصل
الثاني، وبهذا الاعتبار هو أقرب أفراد العائلة المالكة إلى الملك فيصل الثاني،
وينشط على أساس أنه الوريث الشرعي للملكية العراقية إذا ما عادت إلى الحكم في
العراق مجدداً ليعيد وصل ما انقطع منها.
وكان الدكتور نبيل الجنابي المقرب من الملكية العراقية قد أعلن أن تنظيماً
جديداً بدأ يظهر ويحمل اسم: (التحالف الملكي الديمقراطي) وأنه يحظى بموافقة
الدول العربية ما عدا مصر، وأن هذا التحالف سيضم تحت جناحيه جميع أطراف
المعارضة، وأنه لن يعلن عنه إلا بعد ضرب العراق.
٥ - تنظيمات ذات طابع عسكري:
حركة الضباط الأحرار:
ويترأسها العميد الركن نجيب الصالحي، وأصدرت في٢٥/٧/٢٠٠٢م بياناً
تحالفياً مع حركة سياسية مدنية هي (حركة الديمقراطيين الأحرار) ، في خطوة
تشير إلى طموحها للعب دور سياسي فضلاً عن الدور العسكري.
أما اجتماع أكثر من ٧٠ ضابطاً من عراقيي الخارج في لندن بحضور
مندوبين عن الحكومة الأميركية والبريطانية وتكوينهم مجلساً عسكرياً من ١٥
عسكرياً، فقد أثار هواجس عسكرة العراق بعد حكم صدام حسين، برغم أن هؤلاء
العسكريين قد حرصوا على دعوة جميع الأطراف السياسية لحضور الاجتماع،
وتعهدوا بميثاق شرف بأن الجيش سيعود لثكناته بعد الإطاحة بصدام، وأن
اجتماعهم لا أحد وراءه وإنما قاموا به من تلقاء أنفسهم فقط.
٦ - الأقليات:
١ - الآشوريون - الذين يتركزون في مناطق الحكم الذاتي الكردي ويمثلهم:
أ - حركة بيت المهرين.
ب - الحركة الديمقراطية الآشورية.
ج - حزب الوطن الآشوري.
٢ - التركمان - الذين يتركز وجودهم في كركوك ويمثلهم:
أ - الجبهة التركمانية (الحزب الوطني التركماني، حزب تركمن إيلي،
حركة المستقلين التركمان) .
ب - حزب الإخاء التركماني.
ج - الحزب الديمقراطي التركماني.
د - حزب الشعب التركماني.
هـ - الاتحاد الإسلامي التركماني.
و النادي الثقافي التركماني.
* موقف الأحزاب المعارضة من المؤتمر:
لقد ذكرنا أن تعداد الأحزاب التي حضرت المؤتمر الموسع للمعارضة العراقية
تجاوز الخمسين، وعدم تعداد هذه الأحزاب في الفقرة السابقة ليس إغفالاً لها، بل
الحقيقة أن هذه الأحزاب ليس لها أي قاعدة جماهيرية أو نشاط سياسي وإعلامي،
والبعض منها لا يتجاوز تعداد منتسبيه بضع عشرات، بل إن بعض السياسيين ممن
حضروا المؤتمر لا يعرفون أي شيء عن بعض تلك الأحزاب، وهذا لا ينفي أن
يكون للبعض من تلك الأحزاب دور ربما في مستقبل العراق؛ فعالم السياسة شبيه
بعالم الكرة مليء بالمفاجآت.
وقد تباينت مواقف الأحزاب والشخصيات العراقية المعارضة من مسألة عقد
المؤتمر الجامع للمعارضة في بريطانيا تبعاً للمواقف الأيديولوجية والمصالح
الحزبية، وتبعاً للقرب والبعد من صانع القرار الأمريكي الذي يصطفي من يشاء
ويقربه ويطلعه على أجندته الخفية ليقرر الأخير موقفه من القضية برمتها، ويعود
سبب هذا التباين لأسباب عديدة أهمها:
١ - إن عقد المؤتمر وتوحيد موقف المعارضة مطلب أمريكي ملح في هذه
المرحلة، والتعاون مع الأجنبي تهمة قاسية وقاصمة لأي حزب على الساحة
السياسية العراقية، وقد تسقط هذه الأحزاب أمام الجماهير ولا تجد ما تدافع به عن
نفسها فيما بعد؛ لذا فإن حضور المؤتمر والقبول بالأجندة الأمريكية قرار مصيري
وحاسم خصوصاً للأحزاب التي لها جماهير وقواعد داخل العراق، وبناء على ما
تقدم فقد شهدنا خلال المؤتمر صدور بيان عن بعض أجنحة المجلس الأعلى
يستنكرون فيه على قيادتهم التعاون مع أمريكا، وكذلك شهدنا انسحاب الحزب
الإسلامي العراقي من المشاركة بعدما تبين أن هناك أجنده أمريكية مفروضة على
المشاركين كما سنبين ذلك لاحقاً بالتفصيل.
٢ - يأتي عقد المؤتمر متوافقاً مع تجييش الجيوش الأمريكية والبريطانية على
حدود العراق لغرض الغزو العسكري بذريعة إسقاط النظام؛ هذه الجيوش لن
تضرب العراق بالورود بل بأسلحة متطورة ربما ستستخدم أرض العراق حقلاً
لتجارب على أسلحة غير مجربة من قبل كما كان في حرب تحرير الكويت، وهذه
الأسلحة لن تستأصل النظام إلا بعد أن تدمر البنية التحتية للعراق كما حدث ذلك من
قبل، كما أن أطناناً من القنابل والمتفجرات والصواريخ ستضل طريقها وتتجه إلى
المساجد والكنائس والمدارس والأعراس؛ وما عرس أفغانستان عنا ببعيد، حينها
لن يصفح التاريخ ولا الجماهير العربية والعراقية عن من وفروا الغطاء للضربة؛
لذلك شهدنا المؤتمرين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم وألوانهم وأطيافهم حتى
أولئك الذين اجتمعوا سراً بالمنظمات الصهيونية في أمريكا يرددون: لا لضرب
العراق، ولا لغزو العراق؛ ونعم لإسقاط النظام! وكأن عدوى النظام الرسمي
العربي انتقلت لتلك المعارضات فباتت تقول للجماهير شيئاً وتبيِّت مع الأمريكان
شيئاً، ومعروف أن أمريكا لا تستنكر على حلفائها المهاترات الإعلامية ما دام أصل
الأمر هو التحالف على ما يخدم المصلحة الأمريكية؛ لأجل ذلك شهدنا مقاطعة
أحزاب ذات قواعد جماهيرية على الساحة مثل حزب الدعوة الشيعي، والحزب
الشيوعي، والحزب الإسلامي العراقي.
٣ - وجود قوى وجهات فئوية تحاول السيطرة والهيمنة على المعارضة
العراقية ومقرراتها من خلال بناء التحالفات الحزبية، وممارسة الضغوط الإقليمية
للحصول على حصة الأسد من الكعكة العراقية؛ ولذا شهدنا انسحاب (الجبهة
الوطنية الإسلامية) من أروقة المؤتمر بناء على هذه الخلفية.
٤ - وجود بعض الشخصيات السياسية والعسكرية ممن كانوا يعدون في
الماضي من رموز وأركان النظام العراقي الحالي، وقد تغيرت ولاءاتهم تبعاً لتغير
الرياح الدولية، وتتهم بعض الجهات بعضاً منهم بممارسة الإجرام في حق الشعب
العراقي، وتعتبر وجودهم عائقاً أمام مشاركتها في المؤتمر.
ويمكننا أن نقرأ موقف الأحزاب المشاركة في المؤتمر على النحو التالي:
الأكراد: بعد عقود طويلة من تهميش الكرد وكردستان في تشكيلة الساحة
السياسة العراقية لأسباب معروفة، أصبح الأكراد اللاعب الأساسي والرئيسي في
مستقبل العراق، بحكم الواقع الجغرافي القائم، والذي أدى إلى قيام كيان كردي
مستقل نسبياً عن الحكومة المركزية في بغداد بدعم وحماية أمريكية، والأحزاب
الكردية هي أقرب الجهات للأمريكان بعد أحمد الجلبي وتحالفه؛ ونظراً لهذا القرب
ولهذه العلاقة الوثيقة تعلم القيادات الكردية عن النوايا الأمريكية ما لا يعلمه أحد،
وبناء على ذلك تحرص الأحزاب الكردية على أن تكون مشاركاً فاعلاً ومؤسساً في
مؤتمر المعارضة لتحقيق أكبر المكاسب الممكنة للقضية الكردية من خلال ذلك، وقد
نجحت بالفعل في ذلك من خلال إقرار الفدرالية بالإجماع لحل القضية الكردية،
وهو المطلب الكردي الملح في هذه المرحلة، وبناء على ذلك يمكننا أن نفسر
التغيير في موقف الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني مؤخراً؛
فسياسة الحزب قائمة منذ الانتفاضة الكردية على مبدأ عدم استفزاز الحكومة
المركزية في بغداد، وهو ما تغير مؤخراً؛ فقد شهدنا تصريحات مهمة للطالباني في
الولايات المتحدة وتركيا وإيران كان آخرها ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية من
ترحيب جلال الطالباني بالقوات الأمريكية خلال تصريح أدلى به في تركيا مؤخراً.
المؤتمر الوطني العراقي: يعتبر المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد
الجلبي المحرك والمنظم الرئيسي لاجتماع المعارضة؛ ويسعى المؤتمر الوطني
العراقي إلى لعب دور فاعل ومؤثر في مستقبل العراق؛ وذلك من خلال التقرب
للولايات المتحدة وللوبيات الضغط فيها؛ وهذا ما أشارت إليه وكالة الأنباء اليهودية
الدولية (جيوش تلجراف آجانسي) والتي تتخذ من ولاية نيويورك الأمريكية مقراً
لها في مقال للكاتب (ماثو برجر) يتحدث فيه عن تنامي العلاقات بين المنظمات
اليهودية الأمريكية وبعض جماعات المعارضة العراقية في واشنطن خلال الفترة
الأخيرة؛ إذ زاد عدد المنظمات اليهودية الأمريكية المهتمة بالتواصل مع جماعات
المعارضة العراقية في واشنطن، كما تحولت العلاقة إلى العلانية بشكل واضح بعد
أن ظلت تحت السطح لفترة طويلة خوفاً من أن تتسبب العلانية في الإضرار
بمصالح المنظمات اليهودية وجماعات المعارضة العراقية، وذكرت المقالة أن
منظمات يهودية أمريكية معروفة مثل (لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية)
إيباك (والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي) قد قامتا برعاية مناقشات مع
أعضاء في منظمة المؤتمر الوطني العراقي وهي إحدى أكبر جماعات المعارضة
العراقية المدعومة مالياً من قِبَل الولايات المتحدة، وقالت المقالة إن أحمد جلبي
رئيس المؤتمر الوطني العراقي قد دعي للقاء نظمه المعهد اليهودي لشؤون الأمن
القومي في التاسع من أكتوبر، كما تحدث مدير مكتب المؤتمر الوطني العراقي في
واشنطن في مؤتمر الإيباك الذي عقد في أطلانطا بولاية جورجيا في ٧ أكتوبر،
وعن أسباب العلاقة المتنامية بين الطرفين، تقول المقالة: إن الطرفين يدفعهما مبدأ
(عدو عدوي هو صديقي) وأن التحالف بين الطرفين زاد مع إصرار إدارة جورج
دبليو بوش على تغيير النظام العراقي.
كما يسعى المؤتمر الوطني العراقي إلى استخدام النفوذ اليهودي في واشنطن
وإسرائيل لحشد التأييد لأهدافه، كما يرى مدير مكتب المؤتمر الوطني العراقي في
واشنطن أن تقرب منظمته من الجماعات اليهودية الأمريكية هو لكونها أفضل طريق
للوصول إلى الحكومة الإسرائيلية، والتي ينبغي عليها - في وجهة نظره - أن
تنشط في التقرب من جماعات المعارضة العراقية ولعب دور أكثر نشاطاً في تشكيل
التغيير السياسي في العراق.
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: يعتبر موقف المجلس الأعلى من العمل
تحت المظلة الأمريكية مستغرباً من قِبَل المراقبين؛ خصوصاً أن أحزاباً شيعية
فاعلة على الساحة رفضت التعامل مع المشروع الأمريكي مثل حزب الدعوة، ومن
المعلوم أن المجلس الأعلى مرتبط بالسياسات الإيرانية على الرغم من تأكيد المجلس
على استقلاليته، ويرى المراقبون أن السبب يعود إلى تيقن المجلس وإيران من أن
التغيير على يد الأمريكان أمر واقع لا محالة؛ لذا فإن الواقع يتطلب الوقوف في
خندق الأقوى والتحالف مع الشيطان الأكبر في سبيل الحصول على أكبر المكاسب
عملاً بمبدأ: (الغاية تسوِّغ الوسيلة) .
أما قراءة موقف الأحزاب التي رفضت المشاركة وقاطعت المؤتمر فيكون
على الشكل التالي:
الحزب الإسلامي العراقي: يعتبر الحزب الإسلامي العراقي أبرز المقاطعين
لمؤتمر المعارضة لكونه الممثل الوحيد للسنة في تشكيلة المعارضة العراقية؛ وقد
سوَّغ الدكتور إياد السامرائي رئيس المكتب السياسي للحزب سبب المقاطعة في بيان
له جاء في نصه: (منذ أن تجاوبنا مع الدعوة التي وجهت إلينا للمشاركة في مؤتمر
المعارضة العراقية، على أساس أنه مؤتمر يعقده العراقيون من أجل الاتفاق على
تصورات الوضع المستقبلي وتنسيق الجهود للتخلص من النظام الدكتاتوري القائم
في العراق وتجنيب البلد والشعب الفتن خلال الأشهر الصعبة القادمة، ونحن لم
نتوقف عن إشعار القائمين عليه بأهمية قيامه على أسس سليمة تحقق له النجاح؛ إلا
أن جهودنا تلك باءت بالإخفاق.
وبعد أسابيع من الحوارات والمذكرات المرفوعة إلى الأطراف القائمة عليه
نجد أنفسنا غير قادرين على المضي في مشروع يفتقد الحد الأدنى من مقومات
النجاح على مستوى آمال وتطلعات شعبنا العراقي، وهذا يجعلنا في موقف صعب
أمام مبادئنا التي نعمل من أجلها وأمام أبناء شعبنا الذين وضعوا ثقتهم بنا؛ لذلك
نعلن اعتذارنا عن المشاركة في هذا المؤتمر، وبروح أخوية نحذر المخلصين الذين
ساقهم اجتهادهم إلى المشاركة فيه، على الرغم من كل السلبيات التي شخصوها من
المزالق الخطيرة التي يراد انجرارهم إليها، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نثمن
موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على كل ما
بذلاه من جهد في دعم موقفنا، ونؤكد لهم موقفنا الثابت في العمل المشترك من أجل
عراق دستوري تعددي حر ومستقل وموحد يتمتع فيه شعبنا الكردي بوضع فدرالي) .
وحول الدور الأمريكي أوضح (إياد السامرائي) أن (الحديث عن المؤتمر
في البداية كان يدور حول مؤتمر عراقي من حيث الأجندة والتمويل والترتيب
والدعوة، ولكن فوجئنا بتدخل أمريكي وسيطرة كاملة على المؤتمر في كافة هذه
القضايا انتهى بمذكرة من عشر نقاط تحمل وجهة النظر الأمريكية المقررة لمسيرة
المؤتمر وأهدافه ونتائجه) .
حزب الدعوة الشيعي: تعتبر مقاطعة حزب الدعوة للمؤتمر بالغة الأهمية؛
لأنه حزب له قواعد وجماهير عريضة بين جماهير الشيعة.
وحول سبب المقاطعة قال إبراهيم الجعفري الناطق الرسمي لحزب الدعوة
الإسلامية بأن رفض حزبه المشاركة في مؤتمر لندن يعود إلى عدم توفر المؤتمر
على أهم مفردات نجاحه، منها استقلالية القرار السياسي العراقي، ومدى تمثيل
المؤتمر لأوسع القطاعات الجماهيرية.
الجبهة الوطنية الإسلامية: وهي تجمُّع لأربعة أحزاب شيعية صغيرة. وقد
أعلنت بياناً مشتركاً لها نشر في صحيفة الشرق الأوسط وضحت فيه سبب مقاطعتها
للمؤتمر.
حركة الجهاد المسلح في الأهوار وهي حركة شيعية: اتهمت اللجنة التحضيرية
لمؤتمر المعارضة بتغليب المصالح الخاصة على مصالح الشعب العراقي وأهدافه؛
جاء ذلك في بيان لها نشرته جريدة الزمان.
الإسلاميون المستقلون التركمان: انتقدت هذه الجماعة التي تتخذ من ألمانيا
مقراً لها (تغييب التركمان) عن مؤتمر المعارضة العراقية.
حركة الإصلاح الوطني: نشرت صحيفة الشرق الأوسط رسالة وجهها رئيس
الحركة سامي عزارة المعجون إلى اللجنة التحضيرية للمؤتمر ينتقد فيها المؤتمرين،
ويعتذر عن المشاركة معهم.
تحالف على هامش المؤتمر: أعلن الناطق الرسمي باسم جماعة العلماء
العراقيين الشيخ (محمد باقر الناصري) أن ١٣ فصيلاً وطنيًا عراقيًا قاطعت
مؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن، وقال إن الفصائل الـ ١٣ اتفقت فيما
بينها على ٣ قضايا جوهرية هي:
أولاً: أنها تهدف - كما تهدف المعارضة العراقية بمجملها - إلى الإطاحة
بنظام الرئيس العراقي الحالي صدام حسين.
ثانياً: أنها لا ترفض من حيث المبدأ وجود دعم دولي نزيه يساعد الشعب
العراقي على إقامة حكم ديمقراطي يقوم على أسس جديدة تحترم حقوق الإنسان
والتعددية السياسية.
ثالثاً: أن يكون التغيير بيد العراقيين أنفسهم، وألا تكون الكلمة الأخيرة في
هذا التغيير القادم لقوى أجنبية. تختلط مصالحها الخاصة بالحالة العراقية التي تنشد
تغيير النظام. وأوضح الناصري «أنه لا يشك مطلقًا في وطنية القوى المشاركة في
المؤتمر» لكنه أضاف: «بعضهم لم يقدروا المصلحة الوطنية حق تقديرها،
وانساقوا وراء دعاوى وأجندة أمريكية تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها، مستخدمة
في ذلك القوى العراقية التي حضرت المؤتمر» . وأشار «الناصري» إلى أن
التحالف الوطني الإسلامي العراقي - الذي انبثق منذ ٤ أشهر عن التحالف الوطني،
ويضم ٤ فصائل إسلامية، بينها جماعة العلماء، وحزب الدعوة الإسلامي،
والحزب الإسلامي، والاتحاد الإسلامي الكردستاني - قد انضم إلى عدد من القوى
الاشتراكية الوطنية - وعلى رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي (الجناح المضاد
للسلطة) ، والحزب الشيوعي العراقي، بالإضافة للتيار الوطني الديمقراطي وقوى
يسارية أخرى - وشكلت هذه القوى في مجملها الاتحاد الوطني المعارض لجبهة
المعارضة التي تسير في فلك السياسة الأمريكية.
وأكد «الناصري» أن هذه الفصائل جميعها تتفق في الخط العام بشأن
ضرورة تغيير النظام؛ بشرط أن يتم ذلك بأيدٍ عراقية، وألا يتم بالآلية التي يجري
التخطيط لها عبر مؤتمر لندن.
* نتائج المؤتمر:
في فندق الهيلتون بلندن جرت فصول المؤتمر الذي ناقش عراق (ما بعد
صدام حسين) بحضور أمريكي تمثل بالسفير الأمريكي منسق شؤون المعارضة
العراقية (زلماي خليل زادة) ورئيس قسم شمال الخليج في وزارة الخارجية
البريطانية (ديفيد بيرس) وفريق عمل أمريكي يضم (هنري مان) ، (إيفان
كولبرج) ، (سامنسا رافيدج) ، (روبرت رايلي وتوم وارك) من وزارتي
الخارجية والدفاع الأمريكيتين ومكتب نائب الرئيس الأمريكي، وفي الطابق الرابع
عشر محل إقامة سفير الرئيس الأمريكي فوق العادة كانت تدور كواليس المؤتمر؛
بينما اقتصر الطابق الثالث على أنشطة المؤتمرين واجتماعاتهم وخطاباتهم؛ فقد
تحول الطابق إلى مركز اتصالات خلفي حيث توافد أغلب الأعضاء المشاركين في
المؤتمر، وعقدوا لقاءات منفردة مع زادة وبيرس والفريق الأمريكي، وهدف زادة
من هذه اللقاءات هو رغبته باختيار قيادة للمعارضة تتكون من أكاديميين وكفاءات
عراقية من غير السياسيين يعرضها على مجموعة الستة لإعلانها في ختام المؤتمر
كقيادة للمعارضة، بينما عرضت مجموعة الستة أن تتكون القيادة من ممثلين عنها،
وهو الأمر الذي أدى إلى انقسام المؤتمر على نفسه بعد أن هدد أكثر من ١٢٠ من
المشاركين المنتمين إلى التيارات القومية والليبرالية واليسارية إضافة إلى العسكريين
بالانسحاب من المؤتمر، وجاهروا بمقاطعتهم لأعماله، ووجهوا اتهامات باستثناء
أطراف معينة من العمل الوطني وإقصاء أطياف أخرى، مما أفرغ المؤتمر من
زخم تمتع به قبل انعقاده، بينما أبلغ السفير الأمريكي منسق شؤون المعارضة
مشاركين في المؤتمر التقاهم داخل مكتبه في فندق هيلتون أن الطاقم التقليدي الذي
ترأس الجلسة الافتتاحية ستنتهي مهمته بتغيير النظام الحالي، ويتحول إلى لجنة من
الحكماء، وستعتمد الولايات المتحدة في حكم العراق على أسماء من الداخل
وشخصيات عراقية من جيل الشباب لم يشارك عدد منهم في المؤتمر الحالي، وكان
زادة قد اضطر للتدخل بعد أن قاطع عدد كبير من المشاركين الاجتماعات، وقام
بعقد لقاءات منفردة مع بعض الشخصيات التي هددت بالانسحاب، واستمع إلى
وجهات نظرهم، وقال الشخصية المستقلة (ليث كبة) المقرب من الإدارة
الأمريكية: (إن سبب التهافت على الانضمام لهذه اللجنة هو وجود اعتقاد خاطئ
بأنها ستكون بمثابة وزارة عراقية بعد التغيير) وقد بينت الجماعات والشخصيات
التي قاطعت المؤتمر ضرورة (المراجعة النقدية) الكفيلة بردم الفجوة، معربين
عن أسفهم لغياب جماعات وشخصيات بارزة، واتفقوا على أن هذا المؤتمر يمثل
نصف المعارضة في أحسن الأحوال مشيرين إلى أن التمثيل الكردي هو التمثيل
الوحيد الذي كان كاملاً وصحيحاً، إلى جانب التمثيل التركماني الذي عكس جميع
التيارات السائدة في الوسط السياسي التركماني.
أما التمثيل العربي فقد كان جزئياً ولا يكاد يمثل نصف التيارات الناشطة،
وقال بعض المشاركين في المؤتمر إن قرارات المؤتمر اتخذت قبل انعقاده،
وأشاروا إلى أن المبعوث الأميركي (زلماي خليل زاده) حسم الخلافات في لقاء
بجناحه في فندق الهيلتون ميتروبوليتان مع أبرز قادة المعارضة؛ فبينما كانت أبرز
شخصيات المؤتمر وهم مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني،
وجلال الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والشريف علي بن
الحسين راعي الحركة الدستورية الملكية، وإياد علاوي رئيس حركة الوفاق
الوطني، وأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي، وعبد العزيز الحكيم
ممثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية تدير الاجتماعات الحقيقية مع خليل زاده،
انشغل بقية أعضاء المؤتمر بحضور اجتماعات في الطابق الثالث من الفندق
والاستماع إلى الخطب وحضور مناقشة أوراق المؤتمر التي تتعلق بمستقبل العراق،
والمرحلة الانتقالية، وعندما تسربت أنباء نقاشات اجتماعات «الطوابق العليا»
إلى رواد «الطابق الثالث» حدث سجال ساخن، وهددت بعض الأحزاب
بالانسحاب قائلة إنها تجد نفسها مجرد «ديكور» لتجميل صورة المؤتمر، على
حين كادت مبادرة السفير الأمريكي نفسه أن تنسف المؤتمر بأكمله حين قال إنه
سيختار قيادة تتكون من ١٠ أشخاص لإدارة لجنة المتابعة على أن تقدم قيادة المؤتمر
لائحة من ٤٠ شخصاً تتفق عليها، حيث هددت الأحزاب الستة بالانسحاب من
المؤتمر إذا مضى السفير في هذا المقترح.
* التمثيل:
تعتبر مسألة التمثيل من أصعب وأعقد القضايا التي تواجه المعارضة العراقية؛
لأن هذه المعارضة قائمة على أساس التنوع الإثني والقومي والمذهبي والديني،
وهذه المرجعيات تحمل في ثناياها الكثير من التناقضات والحساسيات التاريخية
والفكرية والإيديولوجية، وقد تم الاتفاق على تشكيل لجنة متابعة وتنسيق من ٦٥
عضواً ثلثهم تقريباً من الشيعة للإعداد لمرحلة (ما بعد صدام حسين) وقد تم توزيع
المقاعد على الشكل التالي: ٤٠% للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، و ٢٥%
للأكراد، و ٦% للتركمان، و ٣% للآشوريين، والـ ٢٦% الباقية لقوى السنة
والليبراليين والقوميين الممثلين في المؤتمر، ونلاحظ أن المجلس الأعلى قد هيمن
على أكثر من ثلث المقاعد، وأن السنة مهمشون في هذا الأطار، وهذا الأمر
أغضب جميع الأطراف بما فيهم الشيعة أنفسهم، واعتمدت هذه النتيجة إثر ضغوط
أميركية مكثفة على المشاركين أدت إلى انتزاع توافق بينهم، وكانت الخلافات حول
نسب تمثيل فصائل المعارضة المختلفة داخل لجنة المتابعة والتنسيق التي يعتقد
المعارضون أنها ستعكس نسب التمثيل في أي حكومة انتقالية في حال سقوط نظام
الرئيس العراقي صدام حسين أدت إلى تمديد أعمال المؤتمر لمدة ٢٤ ساعة.
وأفاد مشاركون في المؤتمر أن (زلماي خليل) زاده سفير الولايات المتحدة
فوق العادة هدد بأن تلجأ الولايات المتحدة إلى «خيارات أخرى بما فيها خيار تعيين
حاكم عسكري في العراق (بعد سقوط النظام الحالي) إذا لم ينته هذا المؤتمر إلى
اتفاق، وقد اعتمد المشاركون في المؤتمر نسب التمثيل التي سبق أن تم الاتفاق
عليها في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد عام ١٩٩٢م في مصيف صلاح الدين
الواقع شمال محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، وهي ٦٦ بالمئة للعرب
(السنة والشيعة) ٢٥% للأكراد، ٦% للتركمان، ٣% للآشوريين.
وأقر المؤتمر وثيقتين الأولى من صفحتين بعنوان: (مشروع المرحلة
الانتقالية) والثانية من عشر صفحات بعنوان: (البيان السياسي لمؤتمر المعارضة
العراقية) دمجت فيهما وثيقة ثالثة بعنوان: (مسودة تصور حول مستقبل العراق)
كانت موضع خلاف، وتنص الوثيقة الأولى على إجراء استفتاء عام حول ما
سيكون عليه شكل الحكم في العراق: هل هو ملكي أم دستوري؟ وتقضي بتولي
حكومة انتقالية إدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية أقصاها عامان على أن يشكل
(مجلس سيادي من ثلاثة من القادة من ذوي الماضي النضالي المشرف والمشهود لهم
بالنزاهة) لتولي مهام رئاسة الدولة، ولكن الوثيقة لا توضح بالتفصيل صلاحيات
هذا المجلس، ولا كيفية اختيار أعضائه الثلاثة. وتنص الوثيقة الثانية على حل
مشكلة الأكراد من خلال إقامه نظام (فدرالي ديموقراطي تعددي) في العراق،
وعلى ضرورة رفع الاضطهاد عن (الغالبية الشيعية) . وتؤكد الوثيقتان أن الإسلام
دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية (من مصادر التشريع الأساسية) . وكانت
الوثيقة الثالثة التي ألغيت تنص على إجراء إحصاء سكاني وعلى (إقامة برلمان
وطني في إطار الدستور الذي يحدد عدد النواب على أساس النسب الواقعية لكل
المكونات القومية والمذهبية للشعب العراقي) لكن هذه الفقرة أسقطت تماماً من
الوثيقتين اللتين تم إقرارهما من المؤتمر.
وقد أعلن الشيخ جمال الوكيل الأمين العام لحركة الوفاق الإسلامي انسحاب
حركته وكل من حركة تيار الإمام الصدر ورابطة علماء الدين في العراق والحركة
الإسلامية لتركمان العراق والحركة الإسلامية في كردستان العراق من مؤتمر
المعارضة العراقية المنعقد في لندن احتجاجاً على ما وصفه بتجاوز بعض الأطراف
مبدأ التعددية والديمقراطية، وذكر الوكيل بالاسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية
في العراق، وقال إن الحركات المنسحبة الخمس ترفض هيمنة المجلس الأعلى
على التيار الإسلامي، واتهم أطرافاً خارجية أخرى بالوقوف وراء المجلس، وهو
الأمر الذي أثار اعتراضات من جانب المسلمين العرب السنة الذين اشتكوا من عدم
منحهم تمثيلاً يعكس ثقل طائفتهم في العراق، وفي هذا الإطار قال السيد مسعود
البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني إنه لا يجوز اعتبار مؤتمر لندن
ممثلاً لكل فصائل المعارضة العراقية؛ حيث لا يزال هناك قوى وشخصيات
وأحزاب لم تحضره، وعبر بارزاني عن قناعته بوجوب الاستمرار في الاتصال
بهذه الحركات.
* المعارضة العراقية ومستقبل العراق:
بعد أن أصبح ضرب العراق وتغيير النظام فيه من قبل الأمريكان أمراً حتمياً
ومسلَّماً به بحسب ما تشير إلى ذلك الأحداث والوقائع والتحركات العسكرية
الأمريكية، بات من الضروري أن نطرح التساؤل عن مستقبل العراق في ظل
المتغيرات الدولية والإقليمية، وفي ظل الخلافات والنزاعات التي برزت فصولها
في مؤتمر المعارضة العراقية، حيث سعت فصائل وطوائف للهيمنة على قرار
المعارضة وفرض وقائع جديدة قد تكون مقدمة لتشكيل واقع عراقي جديد إذا ما سقط
النظام الحالي، وإذا كانت سياسة الهيمنة والإقصاء معتمدة من جلسات المنافي فإن
العودة إلى الوطن تنذر بمزيد من التصعيد والعنف بما يحقق تكهنات لطالما ترددت
أصداؤها هنا وهناك حول مشروع لبننة العراق وتقسيمه توطئة لمشروع سايكس -
بيكو جديد يلوح في الأفق، خصوصاً أن بعض دول الإقليم قد تدفع إلى مثل هذا
الخيار من خلال دعم فصائل معينة لاعتبارات أيديولوجية واستراتيجية وتاريخية،
ويمكننا على ضوء ذلك أن نفسر سبب التوافق بين الأمريكان وبعض الفصائل
المعارضة التي تعتبر خلافها مع الأمريكان خلافاً عقائدباً، فحين تلتقي الغايات
تنسى الخلافات، والمراقب للسياسة الأمريكية في العالم يدرك أن الأمريكان لا
يعملون على حل الأزمات وفك الخصومات والنزاعات بل يعملون على إدارة
الأزمات، ونشوب حرب أهليه في العراق يتناغم مع المصالح الأمريكية وحلفائها
في المنطقة مرحلياً؛ فالجيش الأمريكي سيحتل منابع النفط بحجة حمايتها، والعالم
الغربي سيبارك الخطوة على أساس حماية مصالحه التي تستوجب المحافظة على
تدفق البترول بأسعار مناسبة، وإذا كانت الحروب المتعاقبة على العراق كفلت
تدمير المقدرات المادية التي يمكنها أن تستخدم لنهوض البلد فإن الحرب الأهلية
ستتكفل بهجرة العقول العراقية التي اكتسبت الخبرة وتمرست على فن صناعة
المستحيل وهو الأمر الذي يقلق الأمريكان وحلفاءهم في المنطقة، ومن هنا تجد
التركيز على قضية العلماء العراقيين وتسفيرهم للخارج تأخذ أولويتها في أجندة
المفتشين الدوليين على السلاح العراقي.
لا يمكن لأحد أن يدعي القدرة على قراءة ما يخبئ المستقبل للعراق في الأيام
القادمة نظراً لغموض الأهداف الأمريكية وخططها في المنطقة، وهي بلا جدال
اللاعب الأساسي فيها نظراً لحالة الضعف والوهن العربي على كل الصعد، ولتفرُّد
الولايات المتحدة بقيادة العالم بلا منازع.
يبقى التعويل على وعي أصحاب الشأن للواقع بكل معطياته، ولعدم الانجرار
وراء نزعات ونزوات شخصية وفئوية قد تكون فيما بعد الأرضية التي تمهد لتنفيذ
المخططات المبيته للمنطقة.
стр. 4511
المسلمون والعالم
أهل السنة في العراق
والتحديات الجديدة
د. سلمان الظفيري [*]
salman@ntlworld.com
العراق بلد مسلم، تم فتحه وتمصير الأمصار فيه في عهد الخليفة الراشد أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو بلد دخله الصحابة وأقاموا به،
وهو موطن أبي حنيفة وأحمد وابن الجوزي وابن رجب، وهو عاصمة
الراشدين في أيام أمير المؤمنين علي ﵁، وهو مركز خلافة
المنصور والرشيد والمأمون والمتوكل، وهو بلد الحنفية والحنابلة، وبعد
انكسار بغداد وضمور أمر العباسيين كانت بغداد سُنّية في العهود العثمانية، بل
الجنوب العراقي قبائله سُنّية، وحب الصحابة كان لواؤه عظيماً فيهم، لكن بعد
نجاح الصفويين ونشاط دعاة الرافضة في «المحمرة» و «عبادان» فشا الرفض
في الجنوب. فالداء حديث والبلاد سُنّية.
* الوجود السُّنّي الحالي في العراق:
توجد في العراق الآن عدة محافظات سُنِّية؛ منها ثلاث هي: (الموصل
وصلاح الدين «تكريت» والرمادي «الأنبار» ) ، وأربع محافظات كردية سُنيَّة،
وهي: (دهوك وأربيل والسليمانية وكركوك) ، وحسب مؤتمر المعارضة
الأخير؛ فإن عدد الأكراد في العراق يمثل ٢٥% من نفوس العراق، وهو ما
يساوي ٦ ملايين نسمة، وحسب التعداد العراقي الرسمي؛ فإن محافظة الرمادي
يبلغ تعداد سكانها مليون نسمة، والموصل مليونين ونصف، وتكريت مليونين،
وأما بغداد فالمشهور أن السُّنَّة فيها لا يقلِّون عن النصف، والتعداد الرسمي يقول إن
بغداد ٦ ملايين نسمة، فهذه ٣ ملايين سُنِّي في بغداد، ويوجد تجمع سُنِّي كبير في
محافظة ديالى، وهي إلى الشرق، وهكذا يوجد تجمع سُنِّي في محافظة بابل
(الحلة) ، ويوجد تجمع سُنِّي ثالث كبير في محافظة البصرة، ولا يقل التجمع
السُّنِّي في هذه المحافظات الثلاث عن المليون.
التركمان في العراق حسب مؤتمر المعارضة الأخير ٦%، وهم في العراق
على النحو التالي:
١ - منطقة كركوك، وأكثرهم في هذه المنطقة، والشيعة قلة في كركوك.
٢ - منطقة تلعفر، وهم قلة شيعية.
٣ - منطقة خانقين، والتركمان قلة في هذه المنطقة، والظاهر أن أكثرهم سُنَّة.
ولو قلنا إن نصف التركمان سُنَّة؛ فلا ينزل العدد عن مليون.
وبناء على هذا التقسيم التقريبي القريب من الحقيقة؛ فإن عدد السُّنَّة يبلغ ١٦
مليون نسمة.
وبالنظر إلى الجدول الآتي الذي اتفق عليه المجتمعون من المعارضة في لندن،
وهو:
١ - العرب: ٦٦% (من السُّنَّة والشيعة) .
٢ - الأكراد: ٢٥%.
٣ - التركمان: ٦%.
٤ - الآشوريون: ٣%.
يظهر لنا أن ١٦ مليوناً من السُّنَّة يتكونون من ٦ ملايين كردي، ومليون
تركماني، فيكون عدد العرب السُّنَّة ٩ ملايين، ويكون عدد الشيعة العرب ٦ ملايين،
ويبقى المليون الأخير من عدد سكان العراق البالغ ٢٣ مليوناً هو للآشوريين وهم
نصارى العراق.
ولا يعترض معترض هنا فيقول هذا كله تخمين، فالجواب كيف تقدر
الولايات المتحدة الأمريكية عدد الشيعة بـ ٦٠% - ٦٧% [١] ؟
وكيف يزعم الشيعة أنهم يساوون ٧٠% من سكان العراق؟ أليس هذا إجحافاً
من غير حياء، وكذباً بلا قرون؟! ثم إن العراق لا يوجد بها إحصاء رسمي للسُّنَّة
أو الشيعة، وفرق بين تخمين قائم على أصول علمية، وتخمين قائم على هوى
وعنصرية.
* التحديات الجديدة:
لقد كان التحدي الدائم لأهل السُّنَّة هو الانفصام النكد بين دوائر صنع القرار
وعلماء السُّنَّة، فبعد أن كان لعلماء السُّنَّة في العهود العثمانية في العراق الكلمة
والذكر؛ انطمست كلمة العلماء في العهود العلمانية، لكن ظل للعلماء قدر لا بأس
به من الحركة والدعوة، وتولي بعض مناصب القضاء والإفتاء والتدريس، وقد
برزت في العهود العلمانية أسماء لامعة في العلم والدعوة، كالشيخ الآلوسي،
والشيخ يوسف عطا، والشيخ قاسم القيسي، والشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ نجم
الدين الواعظ، والشيخ محمود الصواف.. وغيرهم، إلا أن الوضع الجديد الحالي
يجعل أهل السُّنَّة أمام تحديات كبيرة وعظيمة تهدد الكيان السُّنِّي من جراء الغارات
العنصرية والطائفية التي يراد لها حصة في إدارة البلاد بعد الوضع الحالي.
وهنا ملاحظات جديرة بالانتباه؛ وهي:
١ - تم التحضير لمؤتمر لندن للمعارضة باجتماع في طهران بين الشيعة
برئاسة الحكيم، والبرزاني، والدكتور أحمد الجلبي علماني شيعي، وقد استبعد
أهل السنة من هذا الاجتماع!
٢ - خلال اجتماع المعارضة في لندن تم انتخاب ٦٥ عضواً في لجنة المتابعة،
وهي الهيئة التي ستقوم بالإشراف على سير الحكومة الجديدة، فلم يُنتخب أحد من
علماء السُّنَّة في هذه اللجنة؛ علماً بأن عدد الشيعة المعممين كان كثيراً في عضوية
اللجنة!
٣ - ظهر في المؤتمر أن هناك اتجاهاً أمريكياً شيعياً يسعى إلى العمل سوياً؛
مما دعا الحزب الإسلامي العراقي الإخوان المسلمون إلى الانسحاب من المؤتمر،
وتهديد الأمين العام للحزب بأن الورقة الشيعية التي لوح بها مندوب «الحكيم»
نقابلها بأن هناك جموعاً كبيرة من الشيعة لا يحملون الجنسية العراقية [٢] ، ثم
انسحب فصيل شيعي آخر متذمراً من أن جماعة «الحكيم» قد أكلوا الكتف كله،
وانسحب من السُّنَّة الحركة الإسلامية لكردستان العراق.
٤ - التقارير الصحفية تشير إلى اتفاق سري بين أمريكا وإيران على أن
تعطي أمريكا لجماعة «الحكيم» حصة في مستقبل العراق السياسي، مقابل تفهم
إيران للوضع الجديد [٣] .
٥ - موقع (BBC العربية) سلط الضوء على الدكتور أحمد الجلبي،
ووصفه بأنه حاكم العراق القادم!
٦ - طالب بعض العلمانيين العراقيين أن تكون حرية المرأة على النمط
الغربي، وحرية الشاذين جنسياً مضمونة في الدستور الجديد، وكان علماء الشيعة
حاضرين في المؤتمر؛ فلم تنقل جهات المؤتمر الصحفية أي اعتراض صدر منهم!
فالتحدي الذي يخيف هو هذه الجهود الكبيرة التي يبذلها الشيعة والعلمانيون،
في حين أن أهل السُّنَّة للأسف ليس لهم رابطة؛ اللهم إلا الحزب الإسلامي العراقي،
وحركة كردستان الإسلامية، والمطلوب في هذه الظروف أن يكون لأهل السُّنَّة
رابطة أكبر، وتجمع أوسع؛ يعي الظروف الحالية والمؤامرات التي تحاك في السر
بين واشنطن وطهران، ويمارس فيها «الحكيم» و «الجلبي» دور أدوات
التنفيذ والحماية لذلك المشروع السري، وإذا بقي أهل السُّنَّة ولا سيما العلماء
كالمتفرجين في أعلى المدرج؛ فإن الدائرة على أهل السنة تكون - والعياذ بالله -
كما حدث في إيران الخميني بعد انتصاره.
ومن الواضح في الملاحظات السابقة أن هناك تجاذباً وحرارة بين الشيعة
والغرب، وخاصة أن رئيس المجلس الشيعي العراقي «الحكيم» تمت دعوته إلى
أمريكا للتفاهم معه، كما تم تحت سمع أمريكا والغرب التحضير لمؤتمر المعارضة
الذي انعقد في لندن في طهران، وقد حضر هذه الاجتماعات مهدي كروبي رئيس
البرلمان الإيراني، وتم إعداد الطبخة هناك، والتي كانت هي الزبدة بعد ذلك في
مؤتمر لندن.
فأهل السُّنَّة في العراق يواجههم تحد عظيم، هو هذا الطوق الشيعي العلماني،
والشيعة ليس عندهم مانع للتعامل مع العلمانيين ضد أهل السُّنَّة، وهذا واضح في
مذكرات التفاهم بين الأحزاب الكردية العلمانية والشيعية، وكذلك التفاهم بين
«الجلبي» رئيس المؤتمر الوطني العراقي وهو أكبر جهة في المعارضة مع إيران،
وجماعة «الحكيم» .
وقد كان المتحدث في المؤتمر الصحفي الذي عقد في آخر مؤتمر المعارضة
هو مندوب «الحكيم» و «الجلبي» و «الطالباني» ، وهي إشارة واضحة إلى
إقصاء أهل السُّنَّة، وأن كعكة العراق ستكون وقفاً على الرافضة والعلمانية،
ومستقبل العراق إذا كان يجري على هذا النسق؛ فإن أنوار الحرية لن تكون كما
يقولون سوف تشرق على جميع البلاد وأحراره، بل سوف تكون معوقات الحياة
أصعب وأكثر مما هي عليه الآن.
ويظهر لي أن التعاون بين الغرب والشيعة في العراق هو جزء من مخطط
تلميع الشيعة في المنطقة؛ بوصفهم طرفاً يمكن التفاهم معه، وغطاء إسلامياً للغرب
في المنطقة، وما احتواء الشيعة في البحرين، و «حزب الله» في لبنان إلا
خطوات مبكرة في هذا الاتجاه، فقد لُمِّع «حزب الله» وأُعطي هالة إعلامية أكبر
من حجمه، وهكذا شيعة البحرين أُعطوا هالة إعلامية، وصار الحديث عنهم وعن
دورهم حديث الصحافة وجمعيات الحقوق المدنية والإنسانية، ويأتي الاهتمام
بجماعة «الحكيم» الآن كحلقة مكملة لهذا المسار المتآمر على أهل السُّنَّة.
стр. 4512
المسلمون والعالم
الخطط الأمريكية تجاه العراق قبل الحرب وبعدها
كمال حبيب
بالطبع؛ يفضل الأمريكيون أن يحققوا أهدافهم تجاه العراق بالسيطرة عليه
بأقل التكاليف المادية والعسكرية، وهم يستعدّون للحرب بتحريك القوات اللازمة لها
إلى مسرح العمليات في الخليج وتركيا بشكل أساسي؛ ليقولوا للنظام في العراق إن
قرار الحرب قد اتُخذ، لكن توقيتها هو الذي لا يزال موضع النظر في إطار
الملائمة السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
وتواجه أمريكا في تقديرنا مشكلة جوهرية فيما يتصل بقرار شن الحرب على
العراق؛ تتمثل بشكل رئيس في تقديم الغطاء الشرعي والأخلاقي للحرب وفق
القواعد الاستراتيجية التي وضعتها أمريكا نفسها بعد الحادي عشر من سبتمبر،
فالعراق ليس له صلة بما تطلق عليه أمريكا «الحرب الدولية الجديدة على
الإرهاب» ، وأخفقت الاستخبارات الأمريكية والصهيونية في تقديم أدلة لوجود
علاقة بين النظام العراقي وبين تنظيم القاعدة، كما أن عمل المفتشين الدوليين
حتى اليوم، والذي استمر بضراوة لشهرين كاملين، تمت فيهما زيارة ما يقرب من
٣٠٠ موقع عراقي؛ لم يقدم دليلاً واحداً على امتلاك العراق لأي أسلحة غير تقليدية
بيولوجية أو كيماوية أو جرثومية أو نووية، ولا ينتظر حتى كتابة هذا المقال أن
يكشف تقرير المفتشين الذي سيقدم إلى الأمم المتحدة يوم ٢٧ يناير الجاري أي جديد
في هذا الصدد.
وتعتقد أمريكا أن المواقع الحقيقية للأسلحة غير التقليدية لا يمكن الوصول
إليها إلا عن طريق إزاحة نظام صدّام حسين؛ لذا فهي تروِّج الآن وحتى شن
الحرب إلى ضرورة أن يرحل صدّام عن العراق تفادياً لوقوع كارثة مدمرة؛ لذا
جرت مداولات من بعض دول المنطقة في إطار إقناع الرئيس العراقي بالرحيل
تفادياً لكارثة الحرب، والتي وصفها الرئيس المصري بأنها «ستبيد العراق» .
وتواجه أمريكا مشكلة فيما يتصل بوجود معلومات مخابراتية عن أماكن أسلحة
الدمار الشامل العراقية، والتي تزعم أنها السهم الأخير في جعبتها؛ حيث ستقوم
بتقديم هذه المعلومات إلى الأمم المتحدة والعالم عقب تقديم التقرير الرسمي للمفتشين،
وقد طالبت الوكالة الدولية للطاقة، ولجان التفتيش والمراقبة (إنموفيك) أمريكا
تقديم معلوماتها الاستخباراتية في هذا السياق، بل طالب النظام العراقي نفسه بذلك،
وتشير معلومات غير متداولة إلى قيام ممثلين للمخابرات المركزية الأمريكية
بالتفتيش عن هذه الأسلحة بموافقة النظام العراقي.
وأمريكا تعتقد بوجود أسلحة [١] ، كما تعتقد أن المفتشين لن يمكنهم الوصول
إليها؛ حيث تشير المعلومات إلى قدرة النظام العراقي الهائلة على إخفاء هذه
الأسلحة، كما أن النظم الشمولية السابقة في شرق أوروبا بعد سقوطها كشفت عن
وجود أسلحة مخبأة في مناطق سرية بباطن الأرض، كانت الحركة العامة تمضي
فوقها دون أن تشير إلى وجود عالم سري من الأسلحة تحتها.
وتراهن أمريكا باستقطاب العلماء العراقيين العاملين في البرنامج العراقي؛
على أن يكون لديهم معلومات في هذا السبيل تنقذ أمريكا بتقديم مسوِّغ للحرب ضد
النظام العراقي؛ خاصة أن المؤسسات الأمنية الأمريكية تراهن على أدلة دامغة
واضحة، كالصور التي جرى تقديمها للأسلحة النووية الروسية في الأزمة الكورية
عام ١٩٦١م.
وفي هذا السياق قدمت أمريكا للمفتشين قائمة بأسماء حوالي ١٠٠ عالم عراقي؛
من المحتمل وفقاً لرؤيتها أن يكون لديهم معلومات حاسمة بشأن البرنامج العراقي،
وتسعى أمريكا لتأمين هؤلاء العلماء وأُسَرهم؛ لذا فقد طالبت الأمم المتحدة
باستجوابهم في قبرص، وطلبت من «هانز بليكس» كبير مفتشي الأمم المتحدة
عمل ما أطلق عليه «وكالة للمفتشين» ؛ تقوم بتأمينهم وأُسَرهم؛ بما في ذلك
منحهم حق اللجوء السياسي، لكن الأمم المتحدة أوضحت أن هذا ليس من
اختصاصها، وحاولت أمريكا الضغط على الدول الأوروبية لقبول العلماء العراقيين،
لكن بريطانيا فقط هي التي أبدت استعدادها لاستقبال بعض المهندسين والعلماء،
وهو ما دفع مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى التعهد بمنح اللجوء السياسي للعلماء
العراقيين الذين سيقدِّمون معلومات استخباراتية وأمنية عن برنامج التسلح العراقي،
وتشير المعلومات إلى أن المجلس تعهد بتوطين أسر ٥٠٠ عالم عراقي في أمريكا
[٢] من بين ٢٠ ألفاً يعملون في مجال برنامج التسليح يُعتقد أن لديهم معلومات
حاسمة تسوّغ شن الحرب على العراق.
وفي السياق نفسه تراجعت إدارة الهجرة الأمريكية عن برنامج استقبال
اللاجئين العراقيين الذين حصلوا على تراخيص أمنية تسمح لهم بطلب اللجوء
السياسي لأمريكا [٣] ، وفي كل الأحوال؛ فإن أمريكا ماضية إلى الحرب، لكنها
تسعى إلى تهيئة مناخها بكل السبل والوسائل؛ بما في ذلك الحديث عن احتمالات
عدم حتميتها إذا تنحى صدَّام عن السلطة.
ويتحدث بعض المراقبين عن أن رأس النظام العراقي هي المطلوبة لأمريكا
وليس برنامج تسلحه، وتربط أمريكا بين بقاء النظام بشكله الحالي واستمرار تهديده
للأمن الأمريكي والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، ومن ثم فإن مغادرة صدّام هي
البديل لتجنب الحرب، وعلى الدول المرعوبة من نتائج الحرب أن تقوم بدورها.
الخطير الآن في المشهد الذي فرضته أمريكا على العالم وخاصة العالم العربي
هو انتظار الحرب الأمريكية على العراق دون القدرة على التحرك لدفعها أو منعها،
وأصبح مسلّماً في تصريحات أكبر المسؤولين العرب أن «الحرب قرارها بيد
أمريكا وحدها، ولا يمكن منعها إلا بالخضوع للإملاءات الأمريكية» ، فالذعر يملأ
جوانح الأنظمة في العالم العربي، والحملة النفسية التي شنتها أمريكا أورثت
الأنظمة بعداً قدرياً جعلهم يعتقدون بأنه لا يمكن دفع القادم الأمريكي بمخاطره، وأن
طول الانتظار والقلق يدفعهم لتلمس لحظة النهاية وشن الحرب.. لمعرفة ما
سيحدث بعد.
لكن على الجانب الأمريكي؛ فإن الأمر لا يقتصر فقط على محاولة إقناع
الرأي العام الأمريكي والعالمي بالحرب، وإنما يتضمن أيضاً إقناع الدول دائمة
العضوية في مجلس الأمن بأن العراق منتهك للقرارات الأممية، وآخرها القرار
(١٤٤١) ؛ وذلك بعدم كشفه عن أسلحته عبر ما يُطلق عليه «البرادعي» رئيس
الوكالة الدولية للطاقة الذرية: «التعاطي الإيجابي وليس السلبي» ؛ أي إعلان
النظام العراقي نفسه عما لديه؛ فإذا لم يعلن فهو منتهك للقرارات الأممية والدولية،
وعليه يتم استصدار قرار جديد من مجلس الأمن بشن الحرب.
أما التصريحات الفرنسية بأن «الحرب ليس من الضروري أن تكون
حتمية» ؛ فهي إعلان عن عدم استبعاد الحرب، وعلى الجانب الروسي جرى
التفاوض معه حول حفظ مصالحه النفطية للموافقة على شن الحرب، والصين لن
تقف في وجه أمريكا من أجل النظام العراقي، ويرجِّح مراقبون أن يكون
التخفيف من الحديث عن الحرب باعتبارها البديل الوحيد هو جزء من الشعور
الأمريكي بأن الاستعدادات العسكرية ليست كافية بالقدر المتيقن منه، والذي
يحقق نصراً من وجهة النظر الأمريكية لا تنازعه أي تهديدات أو مفاجآت.
* الخطط العسكرية الأمريكية:
هناك في الواقع عدة سيناريوهات من جانب العسكرية الأمريكية للتعامل مع
المسألة العراقية، وكان «سيناريو ميلوسوفيتش» الذي يستند إلى هجمات جوية
ضارية أحد هذه السيناريوهات، كما أن منها السيناريو الأفغاني الذي يقوم على
محاولة بناء تحالف شمالي من القبائل الكردية، والقبائل الشيعية في الجنوب،
وخاصة أن البنية القبلية في العراق قوية، ولم يفلح الفكر البعثي أو الدولة القومية
الحديثة في القضاء عليها.
وتشير المعلومات إلى أن البعد القبلي في التكوين الاجتماعي للعراق لم يكن
في ذهن الأمريكان، لكن متخصصين في الشؤون العراقية [٤] كشفوا لهم عن هذا
الجانب، وهو ما جعلهم يضعونه في الحسبان، وتشير المعلومات إلى أن جحافل
من المخابرات الأمريكية والمتعاونين معها حاولت شراء القبائل العراقية، ودفعت ما
يوازي ٢٠٠ مليون دولار تقريباً لهم، لكن القبيلة العراقية مختلفة عن القبيلة في
أفغانستان، وهو ما جعل الرهان على القبائل العراقية يبدو ضعيفاً قبل الحرب
وإبَّانها، وكان ذلك أحد العوامل الرئيسة في تأخير موعد شن الحرب، كما كان
سبباً في القرار الأمريكي بالاعتماد كلياً على الجيش الأمريكي [٥] .
وفي إطار السيناريوهات الفنية كان «رامسفيلد» يتصور أنه بالإمكان
الاعتماد على الحرب الجوية بمساندة القوات الخاصة الأمريكية، والتي تقتحم
القصور الرئاسية في عمليات جراحية خاصة لقتل صدام أو أَسْره هو وأسرته، لكن
«فرانكس» رئيس الأركان الأمريكية المشتركة والذي سيقود الجيوش الأمريكية
حين الحرب إذا وقعت استبعد هذا الخيار، وأكد أن العراق ليست أفغانستان، وأن
السيناريو المناسب للعراق هو الاستخدام الكثيف للقوات التقليدية، باعتبار أن
المعركة البرية ستكون حاسمة في السيطرة على العراق؛ ولذا بدأت عملية اندفاع
نقل القوات إلى منطقة العمليات، ويفترض «فرانكس» أن ٢٠٠ - ٢٥٠ ألف
جندي عدد كاف لحسم معركة العراق، ويرجِّح العسكريون الأمريكيون أن تكون
القوة التقليدية البرية كبيرة بما يحقق تشوشياً معنوياً للقوات العراقية، ويبدي
الأمريكيون عزماً على أن لا تطول معركة العراق؛ حتى لا يحدث تحول في الرأي
العام ضد الحرب، ويقدِّرون وفق تصوراتهم أن المعركة تكون في إطار ثلاثة
أسابيع إلى الشهر، كما يسعى الأمريكيون إلى أن تكون القوة الأمريكية الساحقة أداة
في ضمان نجاح الخطط الأمريكية العسكرية دون مواجهة مشكلات تؤثر على
المجرى الرئيس لها، والخطة الأمريكية كما تشير المعلومات التي حصلنا عليها إلى
أن إنزال النورماندي عام ١٩٤٤م في الحرب الثانية هو أكثر النماذج المشابهة
للسيناريو المرجح في العراق، وتقوم هذه الخطة على الاعتماد بشكل واسع على
الدبابات، والمدفعية الثقيلة، وسلاح المشاة، بالإضافة إلى القوات الخاصة،
والمخابرات التي ستكون أدوات مساعدة.
وهناك محاور ثلاثة يتوقع الخبراء العسكريون أن تكون مراكز للهجوم
الأمريكي:
- تركيا في الشمال.
- والكويت من الجنوب.
- والأردن من الغرب.
ويتحدث الأمريكيون عن هجمات جوية تتراوح بين ٥٠٠ - ١٠٠٠ طلعة
جوية في اليوم، كما تشير المعلومات إلى تفوق عسكري أمريكي جوي يزيد بعشر
مرات عما كان عليه الأمر في حرب الخليج الثانية.
وإزاء إلحاح العسكرية الأمريكية التقليدية على ضرورة استكمال قوة أمريكية
حاشدة لا تقل عن ربع مليون؛ فإن بوش منح المفتشين فترة أطول لاستكمال عملهم
في العراق، وتشير المعلومات إلى أن هذه القوة ستحتاج إلى وقت يمتد إلى نهاية
شهر فبراير لتكون كاملة ومستعدة لشن الحرب على العراق.
هذه هي تصورات الأمريكان وخططهم، ولا توجد خطط واضحة على
الجانب الآخر (العرب) ، ومن المفترض أن الجيش العراقي يمثل قلبه الحرس
الجمهوري (٨٠ ألفاً، و ١٥ ألفاً من الحرس الخاص) ، بالإضافة إلى ٣٠٠ ألف
جندي من القوات التقليدية، بالإضافة إلى ميلشيات شعبية تعرف بـ «فدائي
صدام» ، وتشير المعلومات إلى أن حالة الجيش العراقي أسوأ مما كان عليه
الأمر في حرب الخليج الثانية، لكن معلومات استخباراتية صهيونية من قلب
العراق أفادت أن الوضع في العراق يحمل تعقيداً قد يؤدي إلى حرب مقاومة
شعبية؛ تقودها القبائل والمليشيات العربية السُّنِّية في المنطقة الوسطى؛ حول
بغداد والقطاعات والضواحي المحيطة بها، وهو ما جعل «داج فايت» أحد
مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية يسرع بلقاء المسؤولين الصهاينة ليوم واحد؛ لمناقشة
هذه المعلومات التي أفادت احتمال تكرار السيناريو الفيتنامي في العراق.
* الخطط الأمريكية لما بعد الحرب:
في وقت مبكر من بداية شن الحملة الأمريكية على العراق تسربت معلومات
عن ما يطلق عليه «aftar Marning» ؛ أي اليوم التالي للحرب.
أما ماذا سيفعل الأمريكيون بعد بدء اليوم الأول من الحرب؟ المعلومات
المتوافرة أن الحملة الجوية لن تهدف إلى ضرب البنية التحتية العراقية، وإنما
سوف تستهدف القصور الرئاسية، والمواقع العسكرية، والمواقع التي يتوقع أن
تكون بها أسلحة للدمار الشامل.
ولكن كيف سيدار العراق أثناء الحرب وبعدها؟
بعض السيناريوهات رشحت الجنرال القومي «فرانكس» ليكون القيصر
الأمريكي الجديد في العراق، ولكن وجود حاكم عسكري أمريكي قد يشوه صورة
الوجود الأمريكي عند العرب، وهو ما جعل هذا السيناريو يتراجع، لكنه لا يزال
مطروحاً على الأقل في فترة الحرب وعقبها مباشرة؛ حتى يمكن الوصول إلى
حكومة انتقالية ترتب أوضاع البلاد بعد الحرب، ومن المرجح أن تكون الغلبة في
تلك الحكومة للأقليات الشيعية والكردية والتركمانية؛ بينما ستتراجع المكانة العربية،
كما سيتراجع السنة؛ باعتبارهم القاعدة الاجتماعية والقبلية التي كان يتأسس عليها
النظام، وهم الذين يقطنون حزام الوسط العراقي في بغداد وما حواليها.
وتفيد التصريحات الأمريكية أن العراق سيبقى موحداً، ولكن في إطار
فيدرالي، وليس مستبعداً أن يكون هناك نظام ملكي برلماني على شاكلة النظام
البريطاني، وقد يبقى النظام جمهورياً رئاسياً، ولكن مع تعددية وديمقراطية
ومؤسسات برلمانية وغيرها، ولكن التقديرات الأمريكية تتحدث على وجه التأكيد
عن وجود عسكري أمريكي لمدة قد تصل إلى سنتين لإنجاز مهام التخلص من النظام
السابق؛ فيما يتصل بتدمير الأسلحة التي تقول أمريكا بوجودها، ولإعادة إعمار ما
دمرته الحرب الأمريكية، وتتحدث التصورات عن الاعتماد على البترول العراقي
في ضخ تكاليف إعادة الإعمار، ويبحث المسؤولون الأمريكيون على نطاق واسع
نماذج سابقة جرى فيها احتلال بلدان شبيهة ثم أعيد ترتيب أوضاعها بعد نهاية
الحرب، والنماذج التي تدرسها أمريكا على نطاق واسع هي: اليابان بعد الحرب
الثانية، وألمانيا بعد النازية، والفلبين عقب احتلال أمريكا لها بعد الإسبان.
ويرى المسؤولون الأمريكيون أن إعادة ترتيب أوضاع العراق بعد الحرب
ستُعد أكبر عملية دولية يقوم بها الأمريكان منذ الحرب الثانية، وهم يتحسبون
لذلك تحسباً خاصاً، ويستبعد الأمريكيون تأسيس حكومة منفى في الخارج؛ لأن
معارضي الخارج كما يتصورون ليس لهم شعبية في الداخل.
ويسعى الأمريكيون إلى تسويق صورتهم في العالم العربي لا بوصفهم قوة
احتلال؛ وإنما بوصفهم قوة تجديد وتحرير، لكن السيناريوهات الأمريكية لإعادة
بناء الجغرافيا السياسية للمنطقة بما في ذلك إعادة بناء نظمها السياسية والاجتماعية
والتربوية مرهونة بما سيحدث في العراق، وفي كل الأحوال؛ فإن الترتيبات
الأمريكية الجديدة ستفتتح حقبة جديدة في العالم العربي؛ يمكن وصفها بـ «الحقبة
الأمريكية» ، وهي حقبة «احتلال أمريكي» جديد للمنطقة؛ فهل ستكون فاتحة
لعصر الاحتلال أم المقاومة؟
نحن نعتقد أن الاحتلال يفرض المقاومة، وربما سيكون هناك خط صِدَام
حضاري جديد بين الإسلام والغرب في بغداد، لكنه بالقطع سيكون صِدَاماً دموياً.
стр. 4513
المسلمون والعالم
«هل» الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد ؟!
أمير سعيد
amirsaid@hotmil.com
«الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد» ، لم يكن وزير خارجية الولايات
المتحدة الأمريكية الأسبق، ومنظّر استراتيجياتها الفريد «كيسنجر» ؛ متجملاً
بعبارات بلاغية براقة حين أطلق عبارته السابقة، فالوقت لم يعد فسيحاً لإلقاء
الخطب، وإطلاق التصريحات الرنانة؛ وإنما الوقت وقت تنفيذ استراتيجيات تعب
في وضعها العشرات من الباحثين البارزين من قادة اليمين «النصراني
الصهيوني» ، في العديد من مراكز صنع القرار الأمريكي لسنوات خلت.
ونحن كذلك؛ لم يعد لدينا وقت لنخطب أو حتى لنذرف الدمع، فلقد بلغت
السكِّين حد العنق، ولم نعد نملك سوى البوح بما يعتمل في نفوسنا السقيمة.. لا
نريد أن نستحضر ألماً؛ وإنما نريد أن نرسم صورة في خطوطها الأولى وحدودها
البدائية لما تنوي القوة الرئيسة الكبرى أن تفعله في منطقتنا العربية المسلمة؛ غير
غافلين عن أن الولايات المتحدة الأمريكية وقد جاءت بقضِّها وقضيضها،
وبأساطيلها وطائراتها وصواريخها ومدرعاتها ليست قدرنا المحتوم الذي لا يُردّ،
ولا تستطيع حاملات طائراتها العملاقة أن تستنقذ ذرة سلبتها ذبابة وقفت على أنف
رئيسها المغرور.
ماذا تخطط الولايات المتحدة للمنطقة العربية بعد إنهاء عدوانها على العراق؟
أو بعبارة أكثر دقة: ما هي تداعيات الضربة العدوانية على العراق؟
سؤال أصبح طرحه الآن ضرورة حتمية تفرضها تطورات أزمة الخليج،
وزحف اليمين «النصراني الصهيوني» على أعتاب مدائننا، ليس فقط على
الشعوب العربية المسلمة المقهورة؛ وإنما كذلك على الرؤساء والملوك والحكومات،
فقبل مئات السنين ظن الخليفة المغرور «المستعصم» آخر خلفاء بني العباس أن
الزحف التتري الرهيب لن يصل إلى مدينته؛ مرتكناً إلى تصوره الذي عبر عنه
بقوله: «سيتركون لي بغداد» !! وغني عن البيان أن الخليفة الذي استند إلى
طمأنة وزيره الشيعي «ابن العلقمي» قد قُتل مغدوراً، ودُمرت عاصمة خلافته،
في واحدة من أكبر المجازر التي عرفها التاريخ.
والحاصل أن الإدارات العربية ترتكن إلى الظن عينه؛ حينما اطمأنت إلى أن
الولايات المتحدة الأمريكية ستدع لها عواصمها؛ مسقطة بذلك حقائق التاريخ،
وحتمية السنن، وخصائص الأمم.
فالولايات المتحدة الأمريكية ورثت خصائص عديدة من الدولة الرومانية
القديمة؛ لعل من أبرزها أنها تؤمن بالنظرية نفسها التي آمن بها الرومان، والتي
تنبني على الإطاحة بالأعداء قبل أن تقوم لهم قائمة، وهذا المنطق الروماني هو
نفسه ما نصت عليه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعروفة باسم «الدفاع
الوقائي» أو «الدفاع الاستباقي» ، وهو ما عبر عنه بوضوح «زيجينيو
بريجينسكي» المستشار الأسبق للأمن القومي الأمريكي في كتابه (ساحة الشطرنج
الكبرى) ، فقال: «إن الهدف قصير المدى للاستراتيجية الأمريكية هو تكريس
النفوذ الأمريكي؛ بهدف منع ظهور أي تحالف معاد يمكن أن يتحدى الزعامة
الأمريكية» .
ولكن لنتجنب الربط بين الإمبراطوريتين الرومانية والأمريكية وما يستتبعه
من سبر أغوار التاريخ، ولنعبر إلى حدود المستقبل حيث ترنو الولايات المتحدة
الأمريكية إلى تدجين دول المنطقة قيادة وشعوباً؛ وفق رؤية أمريكية شاملة تستند
إلى محاور محددة تتلخص فيما يأتي:
١ - المحور السياسي:
«حانت لحظة استعمارية جديدة» هذا عنوان المقال الذي كتبه منذ شهور
«سبستيان مالابي» في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، بهذه
الكلمات الأربع اختزل الكاتب البارز المحور السياسي للتخطيط الأمريكي في
المنطقة العربية، فقبل ٨٦ عاماً عندما وضع الفرنسي «بيكو» والبريطاني
«سايكس» خريطتهما للمنطقة العربية؛ لم يكن يدور بخلدهم أن تخطيطهم بالقلم
«الرصاص» سيدوم كل هذه المدة الطويلة، وأن حدود الاحتلال المصطنعة
سيذب عنها أصحاب البلاد العربية الأصليون أكثر من صُنَّاعها؛ والحق أن الحدود
التاريخية، وإن غابت عن مخيلاتنا نحن؛ فإنها لم تغب يوماً عن أذهان صُنَّاع
السياسة الغربية في المنطقة العربية، وليس يدعو إلى الدهشة أن تجد حديث
المفكرين الغربيين يتناول الشام ككتلة واحدة، أو الجزيرة العربية ككيان واحد،
أو أن يبحث في الفروق بين الحجازيين والنجديين، أو أن يرصد القواسم المشتركة
بين شيعة إيران والعراق والسعودية والبحرين.
الغرب نفسه لم ينظر إلى المنطقة إلا ككتلة واحدة جرى تفتيتها وفق
«اجتهاد» (سايكس - بيكو) ؛ حينما كانت بريطانيا وفرنسا هما الدولتين
الاحتلاليتين العظميين في العالم؛ ليتم إدارة المنطقة بشكل جيد يحد من القلاقل
وييسر استنزافها.
وحين أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الفاعلة في العالم الآن؛
أصبح معها «اجتهاد» (سايكس - بيكو) جزءاً من التاريخ، وأضحى التفكير في
«اجتهاد» آخر يضع مصالح اليمين «النصراني الصهيوني» فوق سلم أولوياته
له رواج كبير لدى مراكز صنع القرار الصهيو أمريكي.
والقصة قديمة، بدأت حينما خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب
العالمية الثانية قوة عظمى، فغدت تشجع الثورات «الاستقلالية» في المنطقة،
وتمد نفوذها الاقتصادي عبر احتكاراتها النفطية في المنطقة العربية، لكنها تبلورت
بصورة واضحة حين تراءى للولايات المتحدة الأمريكية أنها أصبحت القوة العظمى
الوحيدة في العالم؛ حيث عمل واضعو استراتيجياتها على رسم ملامح مرحلة
(سايكس - بيكو) الثانية، ولعل أبرز ما رشح إلينا من ملامح تلك المرحلة؛ هو
خريطة الشرق الأوسط الجديدة التي تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية فرضها على
المنطقة، والتي تتضمن تقسيماً جديداً للمنطقة العربية يأخذ بالاعتبار ضرورة إنقاذ
الكيان الصهيوني في فلسطين من مأزقه الحالي، وإخضاع كامل الدول العربية؛
سواء بتقسيمها، أو خلخلة بنائها من الداخل لتهيئ المجال لتدجينها أمريكياً ... هذه
الخريطة صنعها يهوديان بارزان في الإدارة الأمريكية هما «بول وولفتز» نائب
وزير الدفاع الأمريكي، و «ريتشارد بيرل» رئيس مجلس السياسة الدفاعية،
وهما من صقور تيار اليمين «النصراني الصهيوني» المهيمن على الإدارة
الأمريكية الحالية.
وهذا الأخير «ريتشارد بيرل» قدم في عام ١٩٩٦م تقريراً أصدره مركز
يشرف عليه معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة [١] ؛ طرح فيها تقسيماً
جديداً للمنطقة على غرار اتفاقية (سايكس بيكو) ١٩١٦م، و «بيرل» مع هذا
يعد الآن مسؤولاً مباشراً عن تنفيذ ما نظَّر له مسبقاً من خلال نفوذه في حملة
الولايات المتحدة الأمريكية العدوانية على شعب العراق المسلم، ومسؤولاً كذلك عن
«تبشيرها» بشرق أوسط ديمقراطي جديد.
الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت على لسان وزير خارجيتها «كولن باول»
عن مبادرة سياسية جديدة لترسيخ النظام الديمقراطي في المنطقة العربية؛ فهل تعني
بذلك نوعاً من التحرير من أَسْر الديكتاتوريات التي تحكمها؟ أكثر الناس تفاؤلاً،
وأقربهم التصاقاً بالمنظومة الغربية، وولاءً لزعيمتها الأمريكية؛ لن يملك الزعم
بأنها ترمي من خلال هذه المبادرة إلى إحداث ثورة ديمقراطية تطلق الحريات
الأساسية في الدول العربية، إن مغزى التخطيط الأمريكي خلاف ذلك، فهي حين
أطلقت مبادرتها الديمقراطية في ألمانيا الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية
كانت تقصد من ورائها تدجين ألمانيا، وقصقصة ريشها واستعداداتها المستقبلية
لمواجهة الولايات المتحدة. وقد يطرح منظورها نمطاً مشابهاً للحالة الألمانية في
الدول العربية، ويروجون لبضاعتهم تلك برغبة الولايات المتحدة في أن تبدل بحالة
الإحباط والقهر والذل والفقر السائدة في الدول العربية والتي أفرزت تلك الجماعات
والأحزاب الإسلامية «المتطرفة» و «الإرهابية» التي عجزت عن التغيير
السلمي الهادئ في ظل الديكتاتوريات العربية، فلجأت إلى «العنف والإرهاب»
أن تبدل بها حالة رفاهية وحرية لا تنتج نماذج كهؤلاء التسعة عشر الذين دمروا
برجي مركز التجارة والبنتاجون؛ بعد أن أنتجتهم «فلسفة القمع العربية» على
حد الافتراض الأمريكي.
هم الآن يروجون لهذه الأطروحة من خلال مبادرة (الشراكة من أجل
الديمقراطية والتنمية) لـ «كولن باول» ، ومن خلال العديد من توصيات المعاهد
البحثية الأمريكية، وعشرات المقالات في كبريات الصحف الأمريكية،
وتصريحات مفكري السياسة الأمريكية.
ولنلتقط من ذلك أنموذجين هنا:
الأنموذج الأول: يطرحه د. «بي دبليو سينجر» في تقرير أصدره
«مركز بروكينجز للدراسات المستقبلية» ، يقول فيه: «إن إخفاق (الدولة)
في العالم الإسلامي ساهم بشكل كبير في تدعيم شعور بالسخط العام تجاه
الولايات المتحدة الأمريكية، فالكثير من المسلمين يرون أن الإدارة الأمريكية
تحافظ على الوضع الراهن» المخزي «الموجود حاليّاً في البلدان الإسلامية؛ وأنها
تؤيد حالة» انعدام الكرامة «و» الذل «التي تشهدها الشعوب الإسلامية كل
يوم؛ نتيجة لتصرفات حكوماتها التي لا تتأخر عن استغلال سلطتها في جميع
المجالات، والقضية الفلسطينية خير مثال على ذلك. باختصار؛ الإدارة الأمريكية
يُنظر إليها على كونها الراعي للنظام الظالم، وممثلاً أساسيّاً لازدواج المعايير. إن
الشعور العام بالاغتراب في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى فقدان التقدم
السياسي والاقتصادي؛ قد ساهما في خلق المناخ الذي أفرز هجمات الحادي عشر من
سبتمبر وتمهيده، وما تبعها من ردود أفعال كثيرة في العالم الإسلامي. وحتى لو
استطاعت الإدارة الأمريكية اللحاق بزعماء القاعدة والقبض عليهم؛ فإن العاملَيْن
اللذين سبق أن ذكرناهما في أول الفقرة سيزالان موجودَيْن، ومن ثم يصير
» الإصلاح «السياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي من أولويات
الاستراتيجية الأمريكية، وهذا» الإصلاح «يمكن بالطبع أن يحقق أعظم المنافع
للحكومات الإسلامية نفسها؛ خاصة إذا أرادت الأخيرة الاحتفاظ بنظامها ... إن
التحدي الذي يسيطر على أذهان صانعي القرار الأمريكي اليوم؛ يتمثل حقيقة في
كيفية كسر تلك الحلقة التي يسير في فلكها السلطوية والفقر والإحباط والإرهاب مع
الاحتفاظ في الوقت نفسه بالمصالح الأمريكية.
إذا كان غياب الحرية والشفافية يمثل الجذر الأساسي للمشكلة؛ فإن
» الدمقرطة «يمكن أن تكون الطريق الأوحد للمساهمة في التخلص من حالة
الاغتراب التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية.
إن» الدمقرطة «يمكن أن تساهم في إيجاد حلول لمشكلات كثيرة في العالم
الإسلامي؛ منها: ضعف الحكومات النابع من الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة،
والعنف النابع من الصراعات الدائرة مع إسرائيل والهند وغيرها، وتأييد
المتطرفين من قبل العامة التي يتم استبعادها من المشاركة السياسية.
» الدمقرطة «ليست بالمهمة السهلة؛ فهي تستلزم جهوداً مكثفة من قبل
الإدارة الأمريكية.. تستلزم وضع أجندة أمريكية جديدة تجاه العالم الإسلامي..
تستلزم» دوراناً للخلف «، وإعادة النظر في العقود الماضية للسياسة الأمريكية،
فسياسة» الاستثناء «التي كانت تطبقها الإدارة الأمريكية سابقاً حيال الحكومات
الإسلامية المتحالفة لن يكون لها مجال في السياسة الخارجية الأمريكية؛ وإنما
سيجيء بدلاً منها سياسات أخرى تحض على حقوق الإنسان، وتحض على مبادئ
الشفافية والإصلاح، ليس هذا فقط؛ بل ستكون هذه السياسات شرطاً أساسيّاً لتقديم
برامج المعونات الأمريكية.
والمعضلة في هذا الأمر بالنسبة للإدارة الأمريكية هي أنها في الوقت الذي
ستقوم بالضغط فيه على تلك الحكومات الإسلامية؛ ستكون في أشد وفي أمس
الحاجة إلى تلك الحكومات؛ إذ إن الأخيرة تعد فاعلاً أساسيّاً تعتمد عليه واشنطن في
اقتلاع جذور الجماعات الإرهابية، ولنا في النظام السوري الذي يعد بعيداً كل البعد
عن النظام النيابي خير مثال.
أما المعضلة الثانية؛ فتتمثل في كون عملية» الدمقرطة «عملية غير
مضمونة، فالتاريخ يشهد على أنها عملية مؤلمة وبطيئة للغاية، فضلاً عن تضمنها
مخاطر عديدة تهدد باندلاع أعمال عنف من جانب الجماعات المتطرفة.
والسؤال أو الـ dilemma الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تدفع الإدارة
الأمريكية نحو» الدمقرطة «بدون التعرض لمخاطر اندلاع العنف الذي يشنه
الإسلاميون الراديكاليون؟ فمن خلال» الدمقرطة «يمكن للإسلاميين الراديكاليين
وللجماعات المعارضة بوجه عام أن يَنْفُذُوا من» ثغرة الحرية «ليستولوا على
الحكم، كما حدث في الجزائر؛ الأمر الذي لا يصب نهائيّاً في المصلحة الأمريكية.
وأخيراً؛ تكمن المعضلة الثالثة في كيفية التعامل الأمريكي مع الأحزاب
الإسلامية، والتي ستتألق مع هبوب رياح» الدمقرطة «! ومن المنطقي أن تبدأ
الإدارة الأمريكية في فتح علاقات جديدة وإيجابية مع هذه الأحزاب؛ راغبة من
وراء ذلك في» تحسين «و» تعديل «رؤيتها للولايات المتحدة الأمريكية.
والحق يُقال؛ إن التفوق العسكري الهائل لدى الولايات المتحدة الذي ظهر
جلياً في أفغانستان، والذي سيظهر في العراق لم يقابله للأسف الشديد تفوق مماثل
في النطاق السياسي؛ فحتى الآن لم تستطع الإدارة الأمريكية بلورة خطة محكمة
عن كيفية التعامل مع الواقع السياسي في الدول الإسلامية، وتعد أفغانستان مثلاً حيّاً
لذلك.
خلاصة الأمر: أن الإدارة الأمريكية ملزمة إلزاماً شديداً بإيجاد سبيل لتدعيم
وتشجيع» الأصوات المعتدلة «التي تؤيد الإصلاح والتسامح؛ وذلك من خلال
امتصاص كل مصادر الضيق التي تغذي ظهور الراديكاليين، والذكاء هنا أن يتم
كل ذلك دون المساس بالمصالح الأمريكية في العالم الإسلامي» .
الأنموذج الثاني: هو ما طرحه المفكر الأمريكي «هاس» في محاضرة له
بمجلس العلاقات الخارجية، جاء فيها: «قد يتساءل الناس عن توقيت حديثنا عن
الديمقراطية، وبالطبع عن الدوافع لإثارة هذه القضية في هذا الوقت خصوصاً؟
وقد يشير بعض إلى أن حديثي هذا المساء يأتي وسط جهود دولية مضاعفة لجعل
العراق ينصاع لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقد يرى آخرون في
كلامي حول الديمقراطية إما محاولة لإخفاء مصلحتنا في تغيير النظام في العراق،
وإما كإشارة لعدائنا تجاه شعوب العالم الإسلامي، وبالطبع سوف يذهب بعض إلى
حد القول إن الحديث الأميركي حول الديمقراطية يهدف إلى قلب الأنظمة في الشرق
الأوسط، أو سوف يُستخدم كعملية تأديبية ضد الذين ينظر اليهم كأعداء لأميركا.
اسمحوا لي أن أتناول بعض هذه المخاوف:
أولأً: ليس هناك برنامج عمل مخفي، إن الأساس المنطقي الأميركي في
تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي هو في الوقت نفسه لمصلحتنا ولمصلحة
غيرنا، فالمزيد من الديمقراطية في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية هو أمر جيد
بالنسبة للشعوب التي تعيش هناك، لكنه أيضاً جيد بالنسبة للولايات المتحدة،
فالبلدان المبتلاة بالجمود الاقتصادي والافتقار إلى فرص العمل، وبالأنظمة السياسية
المغلقة، وبالسكان المتكاثرين بسرعة؛ تغذي العداوة لدى مواطنيها، ويمكن أن
تكون تلك المجتمعات كما تعلمنا من التجربة القاسية أرضاً خصبة لتربية المتطرفين
والإرهابيين الذين يستهدفون الولايات المتحدة بحجة دعمها للأنظمة التي يعيشون في
ظلها.
الأمر الآخر الذي له أهمية معادلة؛ هو أن الهوة المتزايدة بين العديد من
الأنظمة الإسلامية ومواطنيها قد تُعطّل قدرة تلك الحكومات في التعاون حول قضايا
ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، هذه الضغوطات الداخلية سوف تحدّ
كثيراً من قدرة العديد من أنظمة العالم الإسلامي على توفير العون، أو حتى الموافقة
على الجهود الأميركية الرامية إلى مكافحة الإرهاب، أو التعامل مع انتشار أسلحة
الدمار الشامل. ( ... )
قد يقول بعض إن الولايات المتحدة على استعداد فقط لمساندة النتائج الانتخابية
التي ترضيها. ليس الأمر كذلك؛ الولايات المتحدة سوف تساند العمليات
الديمقراطية حتى إذا كان الذين مُنحوا السلطة لا يختارون سياسات نحبذها، لكن
دعوني أوضح هذه النقطة؛ علاقات الولايات المتحدة مع الحكومات حتى لو
انتُخبت بنزاهة سوف تتوقف على كيفية معاملة هذه الحكومات لشعوبها، وكيف
تتصرف على المسرح الدولي بالنسبة لقضايا تبدأ من الإرهاب مروراً بالتجارة
وعدم انتشار المخدرات.
نحن ندرك تماماً عندما نشجع الديمقراطية؛ أن التحرك المفاجئ نحو
الانتخابات الحرة في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية قد يأتي بالأحزاب الإسلامية
إلى الحكم، لكن السبب لا يكمن في كون الأحزاب الإسلامية تتمتع بثقة السكان
الساحقة، بل لأنها في الغالب المعارضة المنظمة الوحيدة للحالة الراهنة التي تجدها
أعداد متزايدة من الناس غير مقبولة.
بعد الذي قلته؛ دعونا لا نترك مجالاً لسوء الفهم: الولايات المتحدة لا
تعارض الأحزاب الإسلامية تماماً، كما لا تعارض الأحزاب المسيحية أو اليهودية
أو الهندوسية في الديمقراطيات ذات الأسس العريضة، إن طريقة استقبالنا لنتائج
انتخابات الشهر الماضي في تركيا تبرهن بوضوح على هذه النقطة، لقد عبّر عن
ذلك رئيس وزراء تركيا عبد الله جول، على أحسن ما يرام؛ عندما قال بعد إدلاء
القَسَم قبيل تسلمه منصبه:» نريد أن نثبت أن الهوية الإسلامية يمكن أن تكون
ديمقراطية، ويمكن أن تكون شفافة، ويمكن أن تتماشى مع العالم المعاصر «.
والأميركيون على ثقة بأن الشعب التركي قادر على إثبات كل هذا، ونريد أن
نساعدهم في ذلك» .
تعليق:
نلاحظ في النموذجين محاولة الترويج للولايات المتحدة الأمريكية التي تعد
أكبر دولة داعمة للدكتاتوريات العربية؛ بأنها الآن قد تابت عن «غيها» بعد أن
امتد وبال الديكتاتورية إليها! وأنها الآن بصدد «تحرير» الدول العربية من ربقة
القمع والقهر! وكذلك نلاحظ التقليل من خشية الولايات المتحدة من وصول أعدائها
من الإسلاميين إلى سدة الحكم عبر صناديق الانتخابات، وهو ما تدرك الولايات
المتحدة أنه مجاف للحقيقة وللواقع؛ إذ لم تقبل الولايات المتحدة بحال هذا السبيل،
والذي ربما يروج له ضغطاً على الحكومات غير الديمقراطية في المنطقة لدفعها
لتقديم آخر تنازلاتها للدولة العظمى، أو تحذيراً لشعوب المنطقة التي تجاوزت
كراهيتها للنظام العالمي والذي تقوده الولايات المتحدة مداها المقبول لدى طغاة
واشنطن.
وبالإجمال: فإن ما يتوقع للمنطقة العربية في ظل ما سبق أن تتغير الخريطة
السياسية للدول العربية استناداً إلى رؤية تقضي تماماً على الأنظمة المارقة،
وتستبدل بها أنظمة تامة الولاء لها، وتقليم أظافر الدول الصديقة التي تسعى إلى
نوع من الدور المحوري بين الدول العربية، وفرض المزيد من التبعية السياسية
على الدول «الصديقة» ، وتدجين الجميع داخل الحظيرة الأمريكية وفق أنظمة
سياسية جديدة قد تستدعي تقسيم بعض الدول الكبيرة؛ بما يجعلها أكثر طواعية في
المستقبل، وقطع الطريق على الإسلاميين في استقطاب الآلاف من الناقمين على
الولايات المتحدة الأمريكية وأنظمة حكمهم.
٢ - المحور الأمني:
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تكريس النفوذ الأمني في المنطقة كقوة
احتلالية؛ سواء في بعض البلدان أو على تخومها، وهو ما يعني الإذعان الكامل
من جانب الدول العربية لكل التنازلات المطلوبة منه، والتي يأتي على رأسها
التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني، وضمان سيطرته وقيادته للمنطقة؛ في ظل
وجود قوات أمريكية مقاتلة في دول الخليج والأردن واليمن وجيبوتي، بالإضافة
لأساطيل الولايات المتحدة في الخليج والبحر المتوسط وبحر العرب، وهو ما
يجعل الدول العربية واقعة بالفعل تحت حصار أمريكي محكم.
بعد ضرب العراق تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد قضت على أقوى قوة
عسكرية عربية كانت تخشى أن تهدد الكيان الصهيوني، وتكون كل العواصم
العربية في مدى صواريخ كروز وتوماهوك، وعلى مرمى حجر من قواعدها
المنتشرة هنا وهناك.
ولعل السؤال المطروح بقوة هذه الأيام في ظل ذعر حكومي وشعبي عربي:
هل ستكتفي الولايات المتحدة بضرب العراق أم سيمتد عدوانها إلى عدد من الدول
العربية، والتي من أبرزها سوريا ومصر؟
والإجابة عن هذا السؤال تستدعي سؤالاً مغايراً: وهل تبدي هذه الدول أي
عداوة للولايات المتحدة، أو تُحْجم عن تقديم تنازلات؟ هذان السؤالان يذهبان بنا
إلى الغرض العسكري من ضرب العراق وتفكيك قواه العسكرية، والذي يميط اللثام
عنه الاسم الكودي المبتكر للضربة والذي اتخذه الأمريكان شعاراً لها:
«بولوستب» ؛ أي ضربة لعبة الـ «بولو» ، وهو يعني فيما يعنيه تسديد
ضربة قوية ومكثفة لمركز الثقل في العراق المناوئ للولايات المتحدة الأمريكية،
وبالتبعية ستسقط إثر ذلك كل الدول العربية الأقل قوة بالتداعي المعروف في اللعبة
الشهيرة.
بادئ ذي بدء؛ ينبغي أن نقر بأن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تعتمد
بصورة أساسية على تقليل الخسائر ما أمكن في صفوف قواتها، وأن سقوط الآلاف
من قواتها في العراق أو في أي مكان آخر هو خط أحمر يعمل البنتاجون على عدم
الاقتراب منه، فهو يعمل كما هو معروف على الاعتماد شبه التام على القصف
الجوي والصاروخي لأهداف «العدو» الاستراتيجية، وهذا يجرنا إلى التساؤل:
لماذا هذا الحشد العسكري الضخم إذن، والذي يكاد يبلغ أكثر من ١٥٠ ألف جندي
أمريكي وبريطاني؟ غالب الظن أنه ووفق معطيات متناغمة أن هذا الحشد
الأمريكي ليس مقصوداً به ضرب العراق وتغيير نظام حكمه فحسب؛ بل المقصود
هو البقاء فيه لفترة طويلة تبدأ أقل تقديراتها من ثلاث سنوات، من دون تحديد للحد
الأقصى لبقائها هناك، ومن ثم نقل مركز ثقل الوجود الأمريكي في المنطقة العربية
من دول مجلس التعاون الخليجي إلى العراق.
وهذا الوضع الذي اختارته الولايات المتحدة يتوقع أن يؤدي إلى ما يأتي:
١ - تهديد جميع الدول العربية ودول المنطقة المحيطة بالعراق من خلال
الوجود الأمريكي الكثيف في العراق.
٢ - تحكم الولايات المتحدة الأمريكية في أسعار النفط، وكميات ضخ منظمة
«أوبك» ، ومن ثم فرض مزيد من الضغط السياسي على الدول المحيطة.
٣ - سحب البساط من تحت أرجل الدول المؤثرة إقليمياً لصالح دول أخرى
موالية كلية للولايات المتحدة؛ مما سيؤدي لاختلال توازنات قوى المنطقة، فالكبير
في المنطقة يصبح صغيراً، والصغير كبيراً بفعل ارتمائه في أحضان الولايات
المتحدة.
٤ - النأي بقوات الاحتلال الأمريكية عن التمركز في أماكن تثير المسلمين
ضدها [٢] .
٥ - تشجيع الولايات المتحدة على المضي قدماً في تقسيم الدول العربية؛
حيث لا تجد في الوقت الراهن ما يمنعها من تقسيم العراق بعد احتلاله.
٦ - هزيمة العراق من شأنها إثارة القلاقل الشعبية في دول المنطقة،
واهتزاز «شرعية» تلك النظم، وهو ما يدفعها أكثر إلى تشجيع قوات الاحتلال
الأمريكية على دعمها، ومن ثم الارتماء في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية
أكثر من أي وقت مضى.
٧ - سيؤدي الوجود الكثيف والمزمن إلى حد ما إلى تشجيع تنامي التيارات
التي تؤمن بالتغيير ومواجهة قوات الاحتلال الأمريكية في المنطقة عبر السلاح؛
حيث ستجد تربة خصبة في وجود تلك القوات في الدول العربية والإسلامية لتجنيد
أنصار جدد، ولن تفلح أي محاولات لاستيعاب المتعاطفين مع هذا التيار ضمن
منظومة ديمقراطية على النمط الأوروبي؛ أولاً: لأن هذه الديمقراطية لن تحل
مشكلة الاحتلال، وثانياً: لاستحالة وجود مثل هذه النظم الديمقراطية من الأساس
في الدول العربية للحؤول دون ازدياد نفوذ التيار الإسلامي السلمي. ومن ثم فإن
من المرجح أن يجعل ذلك من المنطقة مسرحاً للصراع «العسكري» بين قوت
الاحتلال الأمريكية وقوى إسلامية؛ تستلهم خطى تجربة «حماس» و «الجهاد
الإسلامي الفلسطينية» في مقاومة الاحتلال.
٣ - المحور الثقافي والاجتماعي:
الوضع في الجانب الثقافي والاجتماعي في المنطقة سيكون صعباً ومعقداً
وقاسياً للغاية ما لم تحدث مفاجآت محض قدرية، فالولايات المتحدة عازمة على
تغيير البيئة التي تزعم أن «الإرهاب» يُستنبت في تربتها.
في أعقاب حرب الخليج الثانية خرجت تظاهرة نسائية في إحدى الدول
العربية تطالب بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وبغضِّ النظر عن مناقشة هذه القضية
من الناحية الشرعية؛ من حيث كون الخلاف فيها سائغاً أو غير سائغ (إذ الفتاوى
تتغير بتغير الأحوال، كما هو معلوم في علم الأصول) ؛ فإن المراقبين رأوا فيها
نوعاً من ممارسة الضغط الأمريكي على تلك الدولة، والسعي لتوطئة أنماط سلوك
شعبها لتقبل «تعديلها» بما يتواءم مع نمط السلوك الغربي؛ من خلال الهياكل
النسوية المرتبطة بمنظمات حكومية وغير حكومية في الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه الحادثة التي جاءت عقب انتصار الولايات المتحدة في حرب الخليج
الثانية ونجاحها في «تحرير» الكويت؛ تمثل إرهاصاً لما تنتظره المنطقة من
زلزلة اجتماعية وثقافية تفرضها السيطرة شبة التامة للولايات المتحدة على المنطقة
العربية.
ويتمثل ذلك فيما يأتي:
- إعادة بلورة أنظمة التعليم والإعلام في العالم العربي بما يخدم أهداف اليمين
«النصراني الصهيوني» ، فالولايات المتحدة تريد من العرب حذف كل تاريخ من
شأنه رفض الصهيونية، ووفق تقرير نشرته جريدة الأسبوع المصرية (١٢/١/
٢٠٠٣م) ؛ فإن معلومات أشارت إلى أنه قد جرى بالفعل تشكيل لجنة داخل
الخارجية الأمريكية أطلق عليها «لجنة تطوير الخطاب الديني في الدول العربية
والإسلامية» ؛ تحمل على عاتقها تحقيق أمور لاحظنا أنه قد شُرع في تنفيذها
بالفعل، ومن المنتظر أن ترتفع معدلات تطبيقها فيما بعد العدوان على العراق.
من هذه الأمور على سبيل المثال:
١ - رأت اللجنة أن لفظة «الجهاد» يجب أن يتم قصر معناها على جهاد
النفس فقط من دون القتال أو التحريض عليه.
٢ - فسرت تلك اللجنة لفظة «اليهود» في القرآن والسنة على أنه يعني
مجموعة من البدو المتنقلين الذين عاشوا في الماضي السحيق، وأنهم اختلفوا مع
النبي ﷺ على أمور مجهولة، والمقصود بلفظة: «اليهود» هم
أولئك القوم من دون يهود العصر والصهاينة!!
٣ - تقترح الخطة أن يتم إلغاء مقررات التربية الدينية (باعتبارها مغذية
للإرهاب) ، وأن تخصص المدارس يوماً كاملاً للقيم الأخلاقية بديلاً عنها؛ حيث
يقوم التلاميذ في هذا اليوم ببعض الأعمال الصالحة للمجتمع، وإقامة محاضرات
عن التسامح ونبذ الإرهاب.
٤ - العمل على تنشئة جيل قادم لا يرى أن دينه يحتكر الحق والصواب،
وأن عليه تقبل الآخرين باعتبارهم أصحاب ديانات صحيحة.
٥ - جعل المسجد نادياً اجتماعياً (شبيهاً بالوضع الكنسي) ؛ للمرأة فيه دور
ريادي كما للرجل.
- وضع الأقليات غير المسلمة في وضع مساو لوضع المسلمين في العالم
العربي، ففي مقال نشره «آلان وودز» منذ عدة أسابيع وهو مفكر غربي تلقى
أفكاره رواجاً لدى النخبة الأمريكية قال فيه: «إن الشرق الأوسط لن يستقر إلا إذا
أصبحت أقلياته من يهود وأقباط وأكراد وغيرهم متساوين في الحقوق مع الأغلبية
الساحقة من العرب والمسلمين» ، هذا الكلام ونظائره تضعه الإدارة اليمينية
الأمريكية في صدر أولوياتها لترتيباتها القادمة للمنطقة لمرحلة ما بعد رحيل صدام
حسين.
- تفعيل دور المرأة والمنظمات النسائية المشبوهة في العالم العربي بما يخدم
أهداف الصهيونية العالمية.
٤ - المحور الاقتصادي:
- تبني الولايات المتحدة الأمريكية جل استراتيجيتها الاقتصادية في المنطقة
العربية على بسط سيطرتها على آبار النفط الغنية في الخليج، واستنزاف آخر لتر
من نفط العرب؛ إذ توقن الولايات المتحدة الأمريكية بأن خروجها والاقتصاد
العالمي من حالة الركود التي يعيشها الآن مرهون بوضع يديها على احتياطي النفط
العراقي الضخم الذي يتجاوز بكثير الـ ١٢ مليار برميل المعلنة رسمياً في العراق،
ويعد أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومنع أسعار النفط من أن تتجاوز حداً معيناً؛
هو أقصى حدود السعر الأمثل للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تستفيد من
انخفاضه من جهة، كما تستفيد شركاتها النفطية العملاقة من ارتفاعه من جهة أخرى.
- على الرغم من التكلفة الباهظة المتوقعة لحرب الخليج الثالثة فإن من
المتوقع أن يدفع فاتورة الحرب كما جرت على ذلك السنن التاريخية الطرف
المهزوم، وليس هذا الطرف هو العراق وحده، بل جميع الدول العربية تشاركه
الهزيمة، والتي تقع جميعها في براثن الطرف الأقوى المنتصر [٣] .
- قضية اللاجئين المتوقعة للحرب والذين يتوقع أن يبلغوا نحو ٩٠٠ ألف
عراقي يتوقع لجوؤهم للدول المجاورة للعراق وفقاً لتقديرات منظمة الأمم المتحدة؛
مما سيشكل عبأ اقتصادياً إضافياً على كاهل الدول المجاورة للعراق.
- قضية الآثار الصحية والبيئية للحرب في حال استخدمت الولايات المتحدة
«اليورانيوم المخصب» بكثافة أعلى من الحرب السابقة، أو أقدم الرئيس العراقي
على حرق بعض آبار النفط لديه يتم اعتبارها أيضاً كلفة إضافية للحرب.
إذن التحكم في أسعار النفط وهبوطها المتوقع، ودفع فاتورة الحرب، وقضية
اللاجئين، والآثار الصحية والبيئية للحرب، بالإضافة إلى تأثر دخول الدول
العربية من السياحة؛ كلها تعد من الآثار السلبية للعدوان على العراق واحتلاله،
وتظل أكبر الآثار الاقتصادية السلبية هو ما يتعلق بالنفط، فبعملية حسابية بسيطة
نشير هنا إلى أن انخفاض سعر النفط دولاراً واحداً يؤدي إلى خسارة الدول العربية
المصدرة للنفط ٦ مليارات دولار في السنة، بل إن السعودية وحدها تخسر من
جراء ذلك نحو ٢٧ مليار دولار سنوياً، هذا إذا انخفض سعر البرميل دولاراً واحداً؛
فماذا إذا وصل سعره إلى ١٥ دولاراً للبرميل على سبيل المثال؛ عندها ستكون
الخسارة نحو ٧٨ مليار دولار سنوياً، ومعروف أن الموازنات العامة في بلدان
الخليج ترتبط بإيرادات صادراتها من النفط، ومن ثم فإنه إذا استمر إنفاقها على
مستواه الحالي والعالي سيكون هناك عجز هائل في هذه الموازنات، ومن هنا لا بد
أن تستعد الدول العربية النفطية من الآن ببرنامج للتقشف، كما أنه ما دام أن إنتاج
وصادرات النفط هي الدخل الرئيس للدول الخليجية؛ فإن هذا الدخل سيتراجع ومعه
نصيب الفرد منه، ولذلك لا بد من تهيئة المجتمعات الخليجية لما هو قادم،
والاستعداد لحالة طويلة الأجل من التقشف والاعتماد على الذات في سوق العمل؛
بمعنى أن قدرة المواطنين الخليجيين على الاستمرار في مظاهر الرفاهية،
والاعتماد على العمالة الأجنبية في أداء كل شيء نيابة عنهم ستتراجع.
في المقابل؛ فإن ارتفاع أسعار النفط بمقدار دولار واحد للبرميل يزيد
المدفوعات الأميركية من الواردات النفطية بمقدار ٤ مليارات دولار سنوياً، فارتفاع
أسعار النفط من ١٢.٣ دولاراً للبرميل عام ١٩٩٨م إلى حوالي ١٧.٨ دولاراً
عام ١٩٩٩م، وصولاً إلى ٢٧.٦ دولاراً عام ٢٠٠٠م، واستمرار السعر عند
مستوى مرتفع في عام ٢٠٠١م؛ أثر بشدة في الاقتصاد الأميركي، لقد كان النفط
عنصراً رئيساً في تدهور الوزن النسبي لهذا الاقتصاد على المستوى العالمي،
فالولايات المتحدة كانت تحقق فائضاً في التجارة النفطية بلغ ٢٧ مليار دولار سنوياً
في المتوسط خلال الفترة ما بين عامي ١٩٧٤م و١٩٨٣م، تحولت الآن إلى تحقيق
عجز قدره ٤٦ مليار دولار سنوياً، وكانت نتيجة ذلك تحقيق عجز إجمالي قدره ١٩
مليار دولار في الميزان التجاري الأميركي؛ أي أن ارتفاع أسعار النفط ساهم في
تحويل الميزان التجاري من تحقيق الفوائض إلى العجز.
ومعروف أن العراق كان دائماً في موقع متقدم بالنسبة لصقور منظمة
«أوبك» ؛ سواء في مناداته بتأميم البترول أو السعي إلى رفع أسعاره، واتخاذ
الإجراءات اللازمة لذلك، أو حتى اتفاقيات التنقيب، وشروط التعامل مع
الشركات العالمية العاملة في هذا المجال، ومن هنا كان العراق يمثل عقبة كبيرة
أمام الأميركان في هذا المجال، وكان لا بد من إزالة هذه العقبة بأية صورة
ممكنة.
* دول المنطقة الأكثر تأثراً بالعدوان على العراق:
غني عن البيان أن دولاً كثيرة دولية وإقليمية ستتأثر بشكل أو بآخر بالعدوان
على العراق؛ منها على سبيل المثال الولايات المتحدة نفسها، وروسيا، والصين،
وفرنسا، وربما كوريا الشمالية أيضاً، لكننا سنقتصر على دول المنطقة المحيطة
بالعراق؛ مضمنين الولايات المتحدة ضمن الدول الأخرى، وهي:
١ - فلسطين [٤] :
الذي كان يعنيه هنري كسينجر في عبارته الشهيرة «الطريق إلى القدس يمر
عبر بغداد» هو أن إنقاذ الكيان الصهيوني من ورطته السياسية والأمنية
والديموجرافية؛ لا بد أن يتم من خلال تحطيم أكبر قوة عسكرية عربية قريبة من
الكيان الصهيوني، وأن أي محاولة لتفتيت الدول العربية لتصبح متقاربة مع الكيان
الصهيوني من حيث عدد السكان لا بد أن تتم عبر تدجين العراق.
وإذ ظل تدمير القوة العراقية حلماً يراود صقور الكيان اليهودي في فلسطين؛
فلا يمكن فصل ذلك عن انطلاقه من واقع عقدي يميني «نصراني صهيوني»
يؤمن بأن تدمير مملكة بابل «الملعونة» هو السبيل الوحيد لضمان عدم زوال
«إسرائيل» [٥] .
ولا يفوتنا أن كثيراً من التقارير المخابراتية التي سُربت عمداً تتحدث عن
خطة «ترانسفير» فلسطينية جديدة؛ تستهدف ترحيل ملايين اللاجئين الفلسطينيين
لتوطينهم إلى الأبد في العراق في أحسن الأحوال، أو ترحيل مئات الآلاف من
الفلسطينيين المقيمين في فلسطين في أسوأ الأحوال.
في سياق الورطة الصهيونية نفسه يظل سلاح الاستشهاد الإسلامي في
فلسطين هو أمضى أسلحة الردع التي يحسب لها اليمين «النصراني الصهيوني»
ألف حساب؛ برغم التفوق الهائل للآلة العسكرية الأمريكية [٦] ؛ مما حدا به إلى
التحرك عسكرياً لرفع غائلة الاستشهاد عن أعناق يهود، وهو ما عبر عنه
«جيمس جلاند» الكاتب البارز بصحيفة «واشنطن بوست» وهو أحد
مناصري اليمين «النصراني» في يوليو الماضي، حين دعا إلى استخدام التفوق
العسكري الأمريكي لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط؛ لئلا يتحول
إلى منبر للفوضى، وحماية لـ «إسرائيل» .
٢ - مصر:
تبدو القاهرة غير مستعدة لمناطحة القوة العظمى الوحيدة في العالم؛ لذا فمن
المستبعد أن تتعاطى معها واشنطن بالشكل نفسه الذي تتعاطى به مع بغداد.
فالقاهرة تفهم تلقائياً من ضرب العراق أنها تفقد كيانها كدولة عربية رائدة،
وتفهم تلقائياً أنها تخضع للابتزاز الأمني من خلال اتفاقية (ماشاكوس) السودانية
التي تمس الأمن القومي المصري في الصميم، وتفهم تلقائياً أن عليها تلميع
شخصية «البابا شنودة الثالث» بطريرك الكرازة المرقسية المصرية، والاحتفاء
به أينما حل أو ارتحل على نحو لا يحظى به شيخ الأزهر نفسه، ومنح الأقباط
مزيداً من التنازلات والمزايا؛ برغم تهديد الولايات المتحدة المبطن لها عبر تشجيع
الأقباط على الاستقلال بدولة ممسوخة، وتفهم تلقائياً أن عليها تغيير مناهجها
التعليمية وخططها الإعلامية؛ بما يحد من العداء للصهيونية، وبما يميع تربية
الجيل الناشئ، وتفهم تلقائياً أن عليها لجم الإسلاميين بكل تشكيلاتهم؛ و «ترشيد»
الدعوة الإسلامية في المساجد ووسائل الإعلام.
وتفهم في المقابل أنها بصدد تصاعد العداء الشعبي للصهيونية والأمريكان،
وأنها ربما تشهد صحوة لتيارات المعارضة، وتفهم أنها ستتضرر ضرراً اقتصادياً
بالغاً من تدهور قطاع السياحة؛ بعد أن أوشكت أن تسترد «عافيتها» ... تفهم
القاهرة كل ذلك، لكنها اختطت لذاتها خطاً «غير تصعيدي» لا يتقاطع مع
ترتيبات الولايات المتحدة للمنطقة؛ بحيث لا تستعدي الولايات المتحدة عليها.
٣ - إيران:
«ما أشيع عن اتصالات جماعات المعارضة العراقية (الشيعية) بالولايات
المتحدة لقلب نظام الحكم في العراق، يُتفهم في إطار أن لهذه الجماعات مواقفها
وقراراتها المستقلة تماماً» حميد رضا آصفي، المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية
الإيرانية (صحيفة إطلاعات ٢/٧/٢٠٠٢م) .
هذا الموقف الباطني الإيراني الذي لا يستبعد معه المحللون أن يتحالف
الإيرانيون مع «الشيطان الأكبر» لخلق توازن إقليمي، مثلما هو الحال مع تركيا
«العلمانية» التي لا تجد هي ولا إيران غضاضة في التحالف لمنع استقلال
الأكراد في أي من بلديهما أو العراق، فالولايات المتحدة قد توفر للشيعة وضعاً
أفضل في عراق ما بعد الحرب، وهو ما يسيل له لعاب الإيرانيين بالطموح نحو
دولة عراقية شيعية على غرار نظام الملالي في إيران، لكن هذا المشهد ليس وردياً
هكذا على الدوام؛ فإيران تعلم أنها حال احتلال العراق تكون قد وقعت بين كفي
الكماشة الأمريكية في العراق وأفغانستان، فإذا أضفنا لذلك تحديد الولايات المتحدة
الأمريكية اسم «إيران» ضمن «محور الشر» ، والعبء الذي سينوء به كاهل
الإيرانيين الشيعة إذا وقعت «العتبات المقدسة» في أيدي جنود «الشيطان
الأكبر» ؛ فإن وضع إيران سيكون أسوأ حالاً بعد الحرب منها قبلها.
٤ - تركيا:
يؤثر غزو العراق كثيراً في الاقتصاد التركي العليل، فالخبراء الاقتصاديون
يقدرون الخسارة التركية من جراء عملية عسكرية في العراق بنحو ١٥٠ مليار
دولار، وهو رقم هائل، وإذا أضفنا إلى ذلك أن خسارة تركيا منذ حرب الخليج
الثانية قدرت بنحو ١٠٠ مليار دولار لم تستطع تركيا إلى اليوم التعافي منها؛ فإن
المشكلة تصبح حينئذ مضاعفة.
كما أن تشجيعاً من قبل الولايات المتحدة للأكراد على الاستقلال في الشمال
العراقي (٣.٨ ملايين كردي) سيدفع أكراد تركيا (١٢ مليون كردي) إلى
التطلع نحو الاستقلال أيضاً؛ لذا فليس غريباً إذن أن يصوت ٨٣% من الأتراك
حسب استفتاء أجرته شبكة التلفزة التركية (TGRT) برفض المساعدة أو مشاركة
قواتهم في الحرب؛ مؤكدين التساؤل عما يمنع الولايات المتحدة من ضرب تركيا
غداً؟
وقد صُوّر الغزو الأمريكي للعراق في تركيا على أنه «كابوس من صنع
صديق» ، هذا الكابوس لا شك أنه يؤرق أيضاً حكومة الإسلاميين في تركيا،
والتي تقف عاجزة عن منع تحقيقه أو على الأقل منع استخدام الولايات المتحدة
لقواعدها في ضرب العراق؛ لذا فقد تحرك رئيس وزراء تركيا عبد الله جول في
جولة حكيمة، قصد منها رفع اللائمة الشعبية من على حكومته؛ لإخفاقها في منع
الجريمة التي تنفذها الولايات المتحدة على شعب العراق المسلم؛ محاولاً إظهار
تباين الرؤى بين الحكومة والعسكر أمام الشعب التركي.
٥ - سوريا:
يدفع الغزو سوريا بنظرها إلى «التعاون الأمني» أكثر مما هو عليه الآن،
والتسليم للولايات المتحدة والكيان الصهيوني بتصفية وجود حركات المقاومة؛
وخصوصاً حركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» السُّنِّيتين الفلسطينيتين،
والحركة الشعبية لتحرير فلسطين العلمانية، وحزب الله الشيعي الجعفري،
ويتوقع ألا تنتظر سوريا لتفكر طويلاً في المطلوب أمريكياً منها، فهي أيضاً تقع
بين شقي رحى العراق «الأمريكي» والكيان الصهيوني.
٦ - الأردن:
يتوقع له أن يزداد وضعه الاقتصادي بؤساً؛ إذ كان يحظى بوضع تجاري
استثنائي خاص مع العراق، وفي أسعار النفط تحديداً، ولا ينتظر أن يتحسن
وضعه إلا إذا صعد هاشمي على سدة الحكم في العراق.
* كلمة أخيرة:
قد لا يكون في كثير مما تضمنته السطور السابقة ما يدعو إلى التفاؤل،
فالسكين كما قلت بلغت حد العنق.. لكن أليس ثمة أمل؟ نعم إن الدول تزدهر
وتضمحل، وتنضج وتذبل، وتشب وتهرم؛ تماماً مثلما وصف العلامة ابن خلدون
في مقدمته الرائعة.. وما نرى الولايات المتحدة إلا بسبيل الهرم، وإن من مبادئ
الاستراتيجية أن الدولة التي تبعثر جيشها هنا وهناك يصيبها ويصيبه الوهن، وأن
أعباء التوسع تنوء بحملها الإمبراطوريات فتنكسر عواتقها، وهذا كله يدعو للتفاؤل؛
بيد أنه لا يصح أن يكون هو المعول عليه ابتداء؛ إذ إن هذه الأمة العظيمة تليدة
الحضارة لا يصح أن ينهض بدورها أحد غيرها، وغُبنٌ لها أن نخالها لن تنهض،
والولايات المتحدة لم تبلغ بعد حد «يأجوج ومأجوج» الذين يقف الرجال أمامهم
ساكنين بانتظار الدواب تنخر أنوفهم ... هذه الأمة ستنهض، وسيطل بدرها الزاهر
من جديد.. هذا هو قدر الله لها؛ فمنذ سقوط الخلافة العثمانية لم تُر هذه الأمة وهي
يحدوها شعور بالحاجة إلى الاتحاد وإن لم يجاوز إلى الآن حده العاطفي مثلما نراها
اليوم. حاربها الفرس والرومان فطويت حقبتهم، وكاد لها الإنجليز والفرنسيون
فزالت دولتهم.. ولقد مضوا ومضى غيرهم ... مضى الصليبيون، ومضى التتار
لا بل ذاب التتار فيهم فأسلموا مضوا جميعاً.. وبقي الإسلام كما هو شامخاً في
خلوده ... [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
стр. 4514
المسلمون والعالم
استراتيجية فرض الهيمنة
مبادرة الشراكة الأمريكية الـ «شرق أوسطية»
د. سامي محمد صالح الدلال
* مدخل:
عندما دلفت الولايات المتحدة باب الغطرسة، وتربعت على كرسي التجبر،
واستلت سيف القهر؛ حسبت أنها إله العالم، ولسان حالها يردد مقولة فرعون
[فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) ، [مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ
سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) ، وراح ساستها وكتابها وإعلامها يعزفون على وتر
العجرفة والكبرياء؛ حتى مجّت الشعوب مجرد سماع اسم تلك الدولة المتسلطة
المستعلية.
ومن المضحكات حقاً: أن يتساءل رئيسها بعد ذلك فيقول: لماذا يكرهوننا؟!
إنهم يكرهونكم لأنكم تطحنونهم طحناً ثم تطلبون منهم أن يبجلوكم قسراً!!
* البسوا رداءنا:
في مثل هذا الجو المفعم بالانفعالات الأمريكية الضاغطة، وبردود الفعل
الإسلامية الرافضة؛ أطل علينا وزير الخارجية الأمريكي «كولن باول» ليعلن
المشروع الأمريكي المفصل تماماً على قد العالم الإسلامي، والعربي منه على
الأخص؛ ليجعل منه رداءً باطنه فيه الشقاء وظاهره من قبله العذاب!! وطلب من
كل فرد مسلم أن يرتديه وينعم بدفئه القاتل!! وأسمى مشروعه: «مبادرة من أجل
شراكة أمريكية شرق أوسطية في التنمية والديمقراطية» .
* مواصفات الشريك الأمريكي:
هذا «البعبع» الأمريكي الذي يخيف العالم ويريدنا أن ندخل معه في
«شراكة» ؛ ما هي مواصفاته التي يريد أن يكوينا بها؟
لعلنا نعدد بعضها على الوجه التالي:
١ - وجه صليبي، وانبعاث أصولي نصراني صهيوني.
٢ - دعم مطلق وشامل للكيان اليهودي المغتصب لأرض فلسطين، وذلك
على جميع المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية
والتربوية والاجتماعية وغيرها. وهو شريك قوي وفعلي في جميع الأعمال
الوحشية والجرائم الهمجية التي يمارسها ذلك الكيان على مدار الأيام والسنين ضد
الشعب الفلسطيني الأعزل، كما أنه يوفر له الدعم المعنوي والمادي على جميع
الأصعدة الدولية، وخاصة الأمم المتحدة؛ بما في ذلك استعمال حق النقض (الفيتو)
في مجلس الأمن لإجهاض أي قرار إدانة ضد ذلك الإجرام المذكور.
٣ - التدخل في الشؤون الداخلية لمختلف دول العالم؛ بما يجعلها تركع للقرار
الأمريكي في تلك الشؤون.
٤ - رسم السياسات الخارجية لمختلف دول العالم بما يحقق مصالح الولايات
المتحدة. إن الدول الكبرى تعاني من هذا الصلف الأمريكي؛ بما في ذلك روسيا
والصين واليابان ودول الاتحاد الأوروبي؛ فما ظنك بالدول الأخرى مثل كوريا
وإندونيسيا وتركيا وإيران وباقي دول العالم الإسلامي؟!
٥ - الهيمنة على المصادر الحيوية للطاقة.
٦ - توزيع القوات العسكرية الأمريكية البحرية والبرية والجوية على مختلف
القواعد العسكرية والمحيطات والأجواء؛ لتكون تحت الجاهزية التامة لتحقيق
الأهداف الأمريكية بالقوة المسلحة؛ تلك الأهداف التي من أهمها تطويق العالم
الإسلامي ومصادرة قدراته ومقدراته، والقضاء على الصحوة الإسلامية، وإعادة
صبغته بالصبغة الأمريكية، ولا ينفك إعلامها عن ترديد: تأمركوا وإلا..!! إلا
ماذا؟! وإلا أمركناكم بالقوة!!
٧ - تقوم الولايات المتحدة بدعم الأنظمة الدكتاتورية في العالم ما دامت سائرة
في الفلك الأمريكي؛ بغض النظر عما تقوم به تلك الأنظمة من قمع لشعوبها،
ومصادرة لحرية الرأي فيها، وإهمال لخدماتها العلمية والعملية وابتزاز لثرواتها.
فإذا ما خرجت تلك الأنظمة قيد أنملة عن ذلك الصلف الأمريكي انفتحت لها الحدقة
الأمريكية الحمراء كي تعيدها إلى صوابها، وإلا اتهمتها بالدكتاتورية والتسلطية..
وهلمَّ جرّاً من الأوصاف المعروفة!!
٨ - لا تتقبل الولايات المتحدة قيام أي نظام إسلامي جديد في أي منطقة من
العالم، وضربت لمن يفكر في مثل ذلك مثلاً له في أفغانستان.
٩ - إذا أخفق أي نظام حكم في أي بلد إسلامي في تحقيق الغايات القصوى
التي تطلبها الولايات المتحدة منه؛ فإنها لا تتردد في محاولة إسقاطه وإن كان
علمانياً، والعراق مثال شاخص لذلك.
١٠ - تريد الولايات المتحدة الاستخفاء بالرداء الديمقراطي لتحقيق أهدافها،
على الرغم من أنها قد انقلبت على الديمقراطية في بلادها، وصارت تمارس جميع
أنواع التمييز العنصري والاجتماعي والثقافي والعرقي في داخل حدودها وخارجها.
١١ - ضربت الولايات المتحدة بحقوق الإنسان عُرض الحائط، وأصبح
انتهاكها لتلك الحقوق عرفاً دولياً؛ إلى درجة أنها انسحبت من اللجنة الدولية لحقوق
الإنسان، وأصرت على موقفها المعلن في دعمها لانتهاكات تلك الحقوق في فلسطين.
وما قامت هي به بالفعل في أفغانستان، ومن قبل في فيتنام والصومال وغيرها
من الدول.. خير دليل على ذلك.
تلك هي بعض مواصفات «الرامبو» الأمريكي الذي يريدنا أن ندخل معه
في «شراكة أمريكية شرق أوسطية» !
* تمويه وتدليس:
«التمويه» و «التدليس» ، كلاهما وردا في عنوان المشروع المذكور،
فأما «التمويه» فقد ورد في استعمال لفظ «الشراكة» وليس ثمة شراكة في
المشروع، بل هي فرض الرأي الأمريكي على المنضوين فيه، وسيتضح ذلك جلياً
عند عرضنا له.
وأما «التدليس» فهو في استعمال مصطلح الـ «شرق أوسطية» ، وهذا
التركيب يشمل دول الشرق الأوسط، ومن بينها دولة الكيان اليهودي، في حين أنها
لم تكن مشمولة في المشروع بالكلية إلا من إشارة تعزز موقف ذلك الكيان على
حساب الفلسطينيين، بل إن المشروع شمل دولاً في المغرب العربي، وهي بالتأكيد
ليست شرق أوسطية.
والواقع أن المشروع شامل للدول العربية فقط؛ ولذا فالعنوان الحقيقي لهذا
المشروع هو «مبادرة من أجل فرض الرأي الأمريكي على الدول العربية» ، أو
إن شئت اختصاره قلت: «مبادرة فرض الأمركة على العرب» ؛ أي: أيها
العرب، نأمركم أن تتأمركوا!!
* «هاس» مؤصل المبادرة:
إن كان «كولن باول» قد أعطى تفاصيل المبادرة؛ فإن الذي أصل قواعدها
هو «ريتشارد هاس» مدير إدارة التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية، وذلك
في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في واشنطن بتاريخ ٤/١٢/
٢٠٠٢م.
وقد تضمن خطابه ثلاث نقاط رئيسة هي:
- شرح مسهب للديمقراطية.
- الممارسات المضادة للديمقراطية في البلاد العربية.
- الخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية لترويج الديمقراطية.
ومن المفارقات أن «هاس» قرر في محاضرته أن «مساندة رقعة
الديمقراطية وتوسيعها كانت دائماً مسألة مركزية بالنسبة للسياسة الخارجية
الأمريكية، فمنذ ظهور نقاط الرئيس» وودر ويلسون «الأربع عشرة إلى
مشروع» مارشال «؛ رأينا في توسيع الحرية والديمقراطية مصلحة قومية
أساسية» .
يعقِّب الباحث السيد ياسين على ذلك بقوله: «والواقع أن هذا الحكم العام
الذي يسوقه» ريتشارد هاس «بكل بساطة وبراءة في مفتتح محاضرته؛ يتناقض
مع الوقائع التاريخية الثابتة التي تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخها
كثيراً ما مارست التدخل العسكري ضد نظم ديمقراطية، وكثيراً ما ساندت -
وخصوصاً في أمريكا اللاتينية - بلاداً تحكمها نظم ديكتاتورية صريحة؛ تحقيقاً
لمصالحها الاستراتيجية.
ويؤكد ذلك الكاتب الأمريكي الشهير» جورفيدال «في كتابه المهم الذي
أصدره عقب أحداث ١١ سبتمبر، ورفضت مؤسسات النشر الأمريكية نشره،
وعنوانه: (حرب دائمة من أجل سلام دائم) !! فقد تضمن جدولاً حصر فيه
حالات تعتدي فيها الولايات المتحدة على القيم الديمقراطية، وبعضها مخالفة بشكل
واضح لقواعد الشرعية الدولية» [١] .
* وثيقة «كونداليزا رايس» التمهيدية:
قبل أن يقدم «باول» مبادرته عرضت الإدارة الأمريكية على الدول العربية
«وثيقة خاصة» تتضمن «شروطاً» ، وقد صدرت تلك الوثيقة من مكتب
مستشارة الأمن القومي «كونداليزا رايس» ، وقد تضمنت ما يلي:
«١ - ضرورة امتداد الديمقراطية إلى المؤسسات السياسية والدستورية،
وأن تعبر هذه المؤسسات عن كل الاتجاهات القائمة في المجتمع.
٢ - اشتراط تقديم المنح والمساعدات للدول ذات النظام الحزبي القوي (أي
التعددية الحزبية) ، والذي لا يترك لحزب واحد احتكار السلطة وإبعاد الأحزاب
الأخرى.
٣ - الفصل بين منصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء؛ أي كالنظام القائم في
» إسرائيل «؛ إذ هو الأمثل.
٤ - التأكيد لأهمية وجود معايير لحماية حقوق الإنسان، وكفالة تطبيقها،
ومراقبة احترامها، وتسجيل أوجه الانتهاكات لحقوق الإنسان ومعاقبة مرتكبيها»
[٢] !
* فريق عمل:
بينما كان «ريتشارد هاس» غارقاً في إعداد القواعد التأصيلية، وبينما
كانت «كونداليزا رايس» منشغلة في ترتيب بنود الوثيقة الأمريكية؛ كان «باول»
منهمكاً في إعداد المعلومات الواقعية التي تتشكل منها خريطة الساحة التنفيذية،
فقام بتكليف عدد من سفراء الولايات المتحدة الحاليين والسابقين، وخبراء أمريكيين
آخرين، من المعنيين بمتابعة تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية في الدول العربية؛ بوضع تقرير حول كيفية تنفيذ الإصلاحات الديمقراطية
والاقتصادية والتربوية في البلاد العربية.
وقد بلغ عدد فريق العمل حوالي ٣٠ خبيراً؛ بينهم اثنان من أعضاء
الكونجرس الأمريكي، وقد تم كل ذلك بقرار مباشر من الرئيس الأمريكي «جورج
بوش» .
* مبادرة «باول» :
في ١٢/١٢/٢٠٠٢م أعلن «باول» مبادرة الشراكة في خطاب ألقاه أمام
مؤسسة التراث في واشنطن، ضمَّنه الخلفية التي انطلقت منها المبادرة، وتشمل
النقاط التالية:
١ - أن ٦٥% من العرب أميون، و ٥٠% من النساء العربيات جاهلات
ويعانين الفقر والمرض!!
٢ - تعاني أغلب الدول العربية من استشراء الفساد والرشوة والمحسوبية
والتخلف.
٣ - أن نسبة المنتجات التي تصدرها دول الشرق الأوسط لا تتجاوز ١% من
إجمالي الصادرات العالمية باستثناء البترول، وقد أدى ذلك إلى إضعاف اقتصاديات
تلك الدول، وشيوع الإحباط بين مواطنيها.
٤ - إن شعوب المنطقة بحاجة إلى نظم انتخابية تساعد على تداول السلطة،
وتسد افتقارها إلى صوت سياسي قوي، فالمبادرة تهدف إلى تعزيز المشاركة
السياسية لدى الشعوب العربية، ويتضمن ذلك إنشاء مدارس تدريبية للسياسيين
ورجال الأعمال.
٥ - ضرورة المساهمة الفعلية للولايات المتحدة في تحسين مستوى التعليم
والثقافة لدى البنات، وتقوية النظم التعليمية.
٦ - تخصيص مبلغ قدره ٢٩ مليون دولار كرصيد افتتاحي للبدء بتنفيذ
المشروع.
لا شك أن المتمعن في محتوى هذه المبادرة وفحواها سيتبين له أن معظمها
حق أريد به باطل؛ ذلك أن الأسباب التي ولَّدت هذا الواقع المهين وأضفت على
البلاد العربية ذلك اللون الباهت، وجعلت منه جداراً منخفضاً يتسلق عليه «باول»
وأمثاله؛ لم تتعرض لها المبادرة، وبناء عليه؛ لا بد لنا أن نذكرها باختصار،
على الوجه التالي:
١ - إقرار مبدأ فصل الدين عن الدولة في إطار «الحكم الجبري» ، أو ما
يطلق عليه حالياً «الحكم الديكتاتوري» ، وقد ترتب على ذلك عزل الإسلام
بوصفه منهج حياة، كتاباً وسنة عن واقع المسلمين.
٢ - صبغ المجتمع الإسلامي بالصبغة العلمانية الغربية، وذلك عن طريق
إخضاعه قانونياً إلى أحكام دساتير بشرية وضعية استُوردت من الغرب والشرق.
٣ - تطبيق مناهج دراسية ذات طابع دخيل على الأمة؛ يستظهر تقديم
المعلومات المعرفية، ويستبطن عزل الناشئة المثقفة عن أصول دينها ومنابع
حضارتها.
٤ - فتح بوابات تدفق الإعلام العلماني على مصاريعها؛ لتدلف منها أمواجُ
الفساد في الثقافات والأفكار والمبادئ والمناهج والأخلاق، الغربية منها والشرقية؛
لتعشش في عقول المسلمين وقلوبهم وسلوكهم، فتبث فيهم الشبهات والشعوذات
وفاسد الممارسات، وتؤجج فيهم نار الأهواء وأنواع الشبهات.
٥ - عزل الأمة الإسلامية عن تاريخها المجيد؛ لتبقى في الحضيض،
وتنسى أيام عزها، وعلو كلمتها، وامتداد رقعتها، وبث الرعب في نفوس أعدائها.
٦ - تكريس حالة الذل والهوان التي ألمت بالأمة الإسلامية، وذلك من خلال
محاربة الجهاد أو ما يؤدي إليه.
٧ - محاربة الدعوة الإسلامية دون هوادة، وذلك من خلال اضطهاد علمائها،
والتضيق على أنصارها، ومصادرة ممتلكاتها، وتجفيف منابعها (العلمية
والعملية) ، والتشكيك في مبادئها، واعتقال رموزها، وبث الفرقة والخلاف بين
منتسبيها، وجمع العالم على محاربتها، وإخضاعها للإرهاب والعنف والتهديد،
ومعاملتها بالشدة والنار والحديد.
٨ - الابتزاز الدولي المتمثل بمصادرة ثروات هذه الأمة، ومحاولة حرمانها
من خيرات بلادها؛ مما جعل معظم أفراد شعوبها يعانون الفقر والمرض والجهل.
٩ - إعادة إحياء أسلوب الاستعمار القديم، والمتمثل في الحضور المباشر
للقوات الغازية إلى بلادنا الإسلامية.
١٠ - استجماع العالم من خلال مجلس الأمن لتمرير قرارات التدخل المباشر
في خصوصيات الدول الإسلامية.
١١ - زرع الكيان اليهودي في قلب الأمة الإسلامية لتكون طليعة تنفيذ كل ما
ذكرناه، وعامل ضغط دائم لأجل ذلك.
هذه أهم الأسباب التي أفضت بالعالم الإسلامي إلى أن يؤول إلى ما آل إليه،
وكلها مجموعة في قوله ﷺ في حديث ثوبان ﵁:
«يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن
قلة نحن يؤمئذ؟ قال: بل أنتم يؤمئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن
الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل:
يا رسول الله! وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت» [٣] .
* المذكرة التنفيذية لمبادرة «باول» :
لا نستطيع استقراء تفاصيل ما خلف سطور مبادرة «باول» إلا إذا استطلعنا
ما جاء في المذكرة التنفيذية لتلك المبادرة التي خطتها يد «الحليف اللدود!!» [٤] .
لأجل التيسير على القارئ سنجتهد في وضع عناوين رئيسة لفقرات المذكرة،
وسنعرضها (أي المذكرة) على النسق الآتي:
أولاً: هدف المبادرة وأد الإرهاب:
ترى المذكرة «أن أهمية هذا البرنامج - المبادرة - تأتي من كونه يمثل
الدعامة الأولى لوأد الإرهاب في الشرق الأوسط؛ عبر إجراء إصلاحات سياسية
واقتصادية عاجلة، تمكن الساخطين والمارقين على شرعية نظم الحكم من الاندماج
والائتلاف معها من جانب، ومع السياسة الأمريكية والدولية من جانب آخر؛ حيث
إن مشكلة النظم العربية تكمن في كونها أصبحت منذ حقبة الثمانينيات هي المصدر
الرئيس للإرهاب في العالم، وأن أكثر من ٨٢% من الإرهابيين ينتمون إلى الدول
العربية، وأنهم نشؤوا وعاشوا في هذه الدول، واكتسبوا قيمهم ومهاراتهم الأساسية
في تلك البيئة» .
لا شك أن هذا النص من المذكرة تضمن كثيراً من قلب الحقائق؛ من أهم ذلك:
١ - اتهام الشرق الأوسط أنه منبع الإرهاب، وهذا افتئات واضح، إلا إذا
كان المقصود به الإرهاب اليهودي، ولكنه ليس المقصود طبعاً، وفيه أيضاً أي
النص صرف النظر عن منابع الإرهاب الكثيرة في العالم.
ونحن نقول إن أخطر أنواع الإرهاب هو «إرهاب الولايات المتحدة»
باعتباره إرهاب دولة ذات إمكانيات خرافية وليس إرهاب أفراد أو منظمات.
٢ - تزعم المذكرة إن معالجة الإرهاب تتم من خلال إصلاحات سياسية
واقتصادية.
ونحن نقول إن هذا مجرد تسطيح للقضية؛ إذ إنها لم تتطرق لأصل المشكلة،
وهي مصادرة حقوق الاحتكام إلى الإسلام لدى الشعوب الإسلامية.
ثانياً: مشاكل البيئة العربية:
تقول المذكرة: «إن البرنامج الأمريكي على قناعة بأنه لا يجب غض
البصر عن هذه البيئة أو تجاوزها لمجرد الصداقة والتعاون مع بعض الأنظمة
العربية هنا أو هناك، وأن البيئة العربية تعاني منذ أوائل حقبة الثمانينيات من أربع
مشكلات أساسية؛ هي:
١ - جمود العمل الاقتصادي الذي لازمه غياب الإجراءات والمعايير
الديمقراطية التي تساعد في تحسينه، إضافة إلى انتشار ظواهر المحسوبية والفساد.
٢ - الزيادة السكانية غير المبرمجة؛ مما أدى إلى زيادة حدة المشكلات
الاقتصادية الداخلية، خاصة مع عدم وجود رعاية اقتصادية أو اجتماعية مكافئة لهذه
الزيادات السكانية؛ مما ترتب عليه انخراطهم بقوة في التيارات الإرهابية.
٣ - غياب فرص العمل وانتشار البطالة؛ مما ساعد على نمو هذه التيارات
الإرهابية بسرعة شديدة.
٤ - إن معظم الإرهابيين العرب تلقوا تعليماً جامعياً عالياً، ونسبة غير قليلة
منهم تلقت تعليماً متوسطاً، وأقلية محدودة لم تتلق تعليماً، وهذا يعني أن المناهج
التعليمية، وسوء إدارة المرافق التعليمية، وغياب الوعي التعليمي؛ مارست دوراً
كبيراً في زيادة حدة مخاطر الجماعات والتيارات الإرهابية» .
وتمضي المذكرة قائلة: «وقد لوحظ أن الأنظمة العربية على اختلاف
أنواعها لم تبد أي اهتمام بما آل إليه الأمر من تصدير المشكلات الإرهابية الموجودة
في داخل أوطانها إلى العالم الغربي، بل عندما قرر الإرهابيون الرحيل عنها
اعتبروا أنفسهم قد نجحوا في القضاء على الإرهاب» .
نلاحظ أن خلاصة المشكلات تتعلق بأمرين: الاقتصاد، والتعليم (حسب
رأي المذكرة) .
ونحن نرى أن مشكلات البيئة العربية متعددة؛ حيث تتناول جوانب عقدية،
وسياسية، واقتصادية، وتربوية، وثقافية، وتعليمية، واجتماعية، وإدارية،
وصحية، وإنسانية، وتقنية وصناعية، وزراعية، وغيرها. وأن هذه الجوانب
متداخلة، وبعضها أوفر حظاً في البروز من الآخر بحسب كل دولة عربية أو
إسلامية، وأنها تسير عموماً نحو التعمق والتجذر مع الأيام؛ بسبب ضعف الجهود
الرسمية والشعبية للحد من ذلك.
ولا شك أن التدخل الأمريكي في هذه المشكلات سيعقد حتى مجرد طريقة
التفكير في كيفية حلها، فضلاً عن حلها بالفعل، لكن هذه المشكلات ليست وليدة
الانبعاث الذاتي غير المسبب، كما أن بعضها لا ينفصل عن بعض؛ فهي في
العموم وليدة ضعف الشعور بهوية الانتماء العقدي، وهو الإسلام؛ مما قطع حبل
اتصالها بمنابع القوة والعزة، ونأى بها عن مسالك منهجية الممارسة وفق الشريعة
التي ارتضاها ربها لها.
ثالثاً: خطوط عريضة في برنامج الإصلاحات:
تحدد المذكرة الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات كما يأتي:
١ - وضع برامج تنفيذية.
٢ - لها أهداف معينة.
٣ - ذات جداول زمنية محددة.
٤ - تتسم بالمرونة؛ بحيث تستجيب لكل الظروف السياسية في المنطقة.
رابعاً: المسائل الأساسية المشترطة لتنفيذ الشراكة:
تحدد المذكرة المسائل الأساسية التي يجب أن تعنى بها جميع الأنظمة بلا
استثناء؛ على سبيل الإلزام وليس الاختيار. وهي أربع مسائل رئيسة:
- المسألة الأولى: التعليم:
ويتضمن حسب نص المذكرة:
١ - إنشاء مدارس أمريكية في مختلف البلدان العربية لكل مراحل التعليم
الأساسي الابتدائي والإعدادي والثانوي تؤهل طلابها للالتحاق بالجامعات الأمريكية.
٢ - يجب أن يلقى المشروع دعماً مالياً كبيراً من الإدارة الأمريكية، وخاصة
أن بعض الدول ستحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير.
٣ - في المراحل الأولى سيتم الاعتماد على الخبراء والأكاديميين الأمريكيين
لإدارة تلك المدارس، مع تطعيمها بأكبر عدد ممكن من خبراء التعليم في الدول
العربية.
٤ - عقد عدد كبير من الدورات التأهيلية للتدريس في هذه المدارس لعدد كبير
من المدرسين، والمدرسات، والموظفين؛ من أبناء هذه الدول؛ لمشاركتنا في
تحمل مسؤوليات هذه المدارس.
٥ - خفض رسوم الالتحاق بهذه المدارس، مع تخفيض أسعار المناهج
الأمريكية التي ستدرس؛ لتشجيع أكبر عدد ممكن من التلاميذ العرب للانتظام فيها.
٦ - إن المناهج التعليمية الأمريكية لن تقتصر على محتوى المناهج المعتادة
فقط، وإنما جزء كبير منها سيتم تكريسه لتشجيع المشاركة السياسية والديمقراطية،
وأسلوب اتخاذ القرارات السليمة، بالإضافة إلى أهم محتوى فيها؛ وهو الخاص
بالعملية الانتخابية من حيث إدارتها والمشاركة فيها.
٧ - سيتم إنشاء نواد في هذه المدارس يطلق عليها «نوادي الحرية
الأمريكية» ؛ حيث ستوفر محضناً لممارسة التطبيقات الديمقراطية وأسلوب
الحياة الأمثل بعيداً عن العنف والإرهاب، كما أنها ستوفر فرصاً لنشر ثقافات
تتعلق بقيود الآخرين، وتشجيع البنات على ممارسة السياسة، واتخاذ قراراتها
بعيداً عن التعصب الديني، أو المفهومات الخاطئة المنتشرة في دول المنطقة.
أهداف الخطة التعليمية:
إن أهداف مشروع الخطة التعليمية كما حددتها المذكرة هي:
١ - إن الفائدة الأساسية لهذه المؤسسات أنها ستضمن إيجاد فرص عمل
لخريجي هذه المدارس والجامعات الأمريكية برواتب مغرية؛ مما يؤدي إلى زيادة
الإقبال عليها، وبذلك يتحقق غرض ثقافي مهم؛ وهو ربط أبناء الدول العربية
بأنماط الثقافات الأمريكية.
٢ - إن هؤلاء الذين سيتلقون تعليماً عالياً متميزاً لا بد أن يدخلوا في دائرة
الضوء والمناصب السياسية في بلادهم؛ وبذلك سنضمن ارتباطهم العاطفي،
وترتيب أفكارهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وسيمثل هؤلاء في المستقبل
دعامات أساسية لتأييد السياسات الأمريكية، وتلافي خطر الإرهاب ونتائجه.
٣ - إن هذا المشروع يحتاج إلى قدر كبير من الموازنات المالية المستقلة
والقادرة على تطوير هذه المدارس في المستقبل؛ لذا فإنه من المهم أن تدعم إقامتها
سلسلة من المصالح والمشروعات والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية التي ينبغي
إنشاؤها في داخل هذه الدول، وهذا سيحقق فائدة كبرى لتوسع الاقتصاد الأمريكي.
المراحل الزمنية لتنفيذ المشروع:
تحدد المذكرة التنفيذية مراحل تنفيذ المشروع على الوجه الآتي:
١ - البدء في طرح المشروع أول عام ٢٠٠٣م.
٢ - تستمر خطوات التنفيذ والإعداد والإنشاء حتى عام ٢٠٠٥م، ويتضمن
ذلك أيضاً البدء في الإعداد للدراسات التدريبية، والبرامج المشتركة، والتأهيل مع
حكومات دول المنطقة.
٣ - الدراسات الفعلية تبدأ من عام ٢٠٠٥م.
وقفات مع المسألة التعليمية:
نسجل الوقفات السريعة التالية مع المسألة التعليمية بحسب ما جاء في المذكرة
التنفيذية:
١ - لاحظ الخبراء الأمريكيون أن من يسيطر على التعليم؛ فإنه يضمن
السيطرة على باقي الدوائر حاضراً وفي المستقبل، وهذا صحيح.
٢ - هذا الهجوم التعليمي الأمريكي يفرض على المسلمين جميعاً، وهم يد
واحدة، النفور إلى هذه الساحة متدرعين بجميع الوسائل الرسمية والشعبية؛ لرد
هذه الهجمة الضروس.
٣ - تمهد هذه الهجمة التعليمية الأمريكية لإدخال المجتمع العربي كله دفعة
واحدة في بوتقة التغريب الفكري والسلوكي على النمط الأمريكي؛ لذا فإن الرد
عليها لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المدارس والجامعات، بل يجب أن يشمل جميع
المرافق التي لها تأثير على الرأي العام الداخلة في إطار الصياغة الثقافية والسلوكية
له، كالإعلام وغيره. ولا بد من عقد الندوات والدعوة إلى المؤتمرات التي تفند هذا
التوجه وتفضح أهدافه وتجلي آفاقه؛ ليكون المسلمون على بينة من أمرهم، ومما
يراد بهم وبدينهم.
٤ - إن هذه المدارس الأمريكية سيكون لها دور خطير في المستقبل، على
الرغم من أن عددها مهما كثر؛ فإنه لن يشكل إلا نسبة بسيطة من أعداد المدارس
في البلاد العربية، والتي تقدر بعشرات الآلاف، لكن خطورتها تكمن في أن
المتخرجين منها سيحظون بالدعم المادي والمعنوي؛ ليشكلوا مستقبلاً طبقة النخبة
التي يراد لها الهيمنة على جميع مرافق توجيه المجتمعات الإسلامية، وعلى أعلى
المستويات.
- المسألة الثانية: التدريب:
تدعو المذكرة إلى عقد دورات تدريبية مشتركة؛ سواء تمت في البلاد العربية
أو في أمريكا، وتقول: «أمامنا برامج عمل متخصصة لهذه الدورات؛ في العلوم
السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية؛ بما يؤكد الصورة الأمريكية المثلى
في الديمقراطية ونظم الحكم» .
وأما بخصوص الجانب العملي فتدعو المذكرة «إلى اعتماد برنامج منفصل
لترجمة مئات الكتب الأمريكية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية
والتربوية إلى اللغة العربية، وتوزيع هذه الترجمات على المؤسسات الدستورية في
البلدان العربية، وخاصة البرلمانات، وما يتعلق بالحكم المحلي والجامعات
والوزارات والهيئات الاقتصادية الكبرى، والعديد من المؤسسات الاقتصادية
الخاصة، إضافة إلى برنامج خاص بالترجمة يهدف إلى ترجمة كتب أمريكية ميسرة
حول الأنماط المثلى للحياة الأمريكية في جوانبها المختلفة، وقصص رمزية توجه
النظر إلى أغراض وأهداف معينة؛ سيتم توزيعها على طلبة المدارس التعليمية،
وإدخالها في صلب المناهج التعليمية للمدارس الحكومية في هذه البلدان، ويجب أن
تتم الترجمات تحت إشراف وزارة الخارجية الأمريكية، والتي ستقوم بتعيين عدد
من الخبراء والمختصين على صلة مباشرة بكبار المسؤولين المعنيين بتنفيذ
البرنامج» .
وتعليقنا على ذلك متصل بتعليقنا على المسألة التعليمية، ولكن أضيف إليه:
ضرورة اهتمام الأوساط الإسلامية بعملية التحصين العقدي لأبناء المسلمين، الرجال
والنساء، وعلى المستويات كافة، وفي المنشآت التعليمية وخارجها، وأن يتضمن
ذلك إضافة لما ذكرنا إيلاء موضوع التدريب وما يتعلق به من دورات ومناهج
ومتابعات الاهتمام المناسب.
وأما ترجمة الفكر الغربي وتراثه، فليس ذلك بجديد على الساحة الإسلامية؛
فإن دور النشر في كثير من البلاد العربية وخاصة في البلاد التي خرج منها الإنكليز
والفرنسيون لم تأل جهداً في ترجمة كل ما يتعلق بالتراث الغربي؛ سواء ما تعلق
منه بالأدب أو السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة العامة أو غير ذلك،
وأغرقت بتلك المترجمات المكتبات العربية، وعلى الرغم من ذلك خرج من بين
ذلك الركام وتلك الأنقاض صحوة إسلامية عظيمة لا تزال أمواج مدها تتعاظم،
ومساحات امتداداتها تتكاثر.
- المسألة الثالثة: المجالس التشريعية وهي البرلمانات العربية:
تدعو المذكرة إلى اعتماد أسلوب الانتخاب، «وأن يتم التعامل مع البرلمانات
المعينة كمجالس استشارية، ولا يجوز أن يطلق عليها مجالس تشريعية أو برلمانات
تجاوزاً!! ... وفي حال الدول التي تصر على إبقاء» مجالس معينة «فإنه يجب
ألا يعتد بها في شكل صورة قرارات برلمانية، وأنه يلزمها تقديم تقاريرها
ومذكراتها إلى رأس الدولة وليس إلى المجلس الآخر المنتخب؛ لأنه لا علاقة بين
المجلسين» .
وتطالب المذكرة «بضرورة التأكد تماماً من استقلالية دور المجالس المنتخبة
إزاء السلطة التنفيذية، مع دعم لدورها الرقابي؛ لتتمكن من السيطرة على الحالات
الفاسدة الناشئة من الأخطار الحكومية» .
التصور الأمريكي للمجالس التشريعية:
طالبت المذكرة بإحالة الموضوع إلى خبراء الكونجرس الأمريكي؛ لإعداد
تصور وبرنامج تفصيلي حول كيفية تأهيل المجالس التشريعية العربية؛ لممارسة
الدور المنوط بها في ظل أجواء ديمقراطية سليمة.
المدة المقررة لإعداد الدراسة:
أعطت المذكرة خبراء الكونجرس الأمريكي مدة ثلاثة أشهر لتقديم الدراسة
المطلوبة، وسيتم الاتفاق على فعاليات التنفيذ مع الحكومات العربية المعنية خلال
النصف الثاني مع عام ٢٠٠٣م.
وقفات مع هذه المسألة:
لنا مع هذه المسألة الوقفات التالية:
١ - تريد حكومة الولايات المتحدة أمركة النظم السياسية في البلاد العربية
بطريقة الأستاذ والتلميذ.
٢ - إن إلغاء المجالس المعينة أو الحد من صلاحياتها سيترك الساحة فارغة
للمجلس المنتخب، وهو مجلس يضم الغث والسمين والضار والنافع، والمعارض
الذي ليده بالموافقة رافع!!
٣ - إن هذه المجالس تلغي تماماً استقلالية الدين الإسلامي بالتشريع، وتجعل
من الآراء البشرية المستند الأساس والأول للتشريعات، وهذا شرك واضح بالله
تعالى في مسألة الحكم.
٤ - تريد الولايات المتحدة إضفاء أوضاع قانونية من خلال مجالس تشريعية
على جميع مخططاتها التي تريد تنفيذها في البلاد العربية.
٥ - ينبغي على جميع المسلمين التنبه إلى خطورة هذه المجالس من حيث
الأصل، وأن يزداد تنبههم لذلك بعد أن تنقل هذه المجالس من كونها تحت هيمنة
الأنظمة العربية الحاكمة إلى أن تكون ألعوبة في يد الإدارة الأمريكية.
- المسألة الرابعة: المرأة العربية المسلمة:
دعت المذكرة إلى:
١ - تشجيع المرأة العربية على ممارسة دور مباشر في الحياة السياسية
والاقتصادية، وأن يكون لها حضور قوي في البرلمانات العربية، وأن تشكل في
داخلها لجان معينة بتولي شؤون المرأة والنهوض بتنميتها.
٢ - إزالة الصور الكريهة - هكذا! - التي تحرم المرأة من تلك المشاركة،
ومن توليها أعلى المناصب؛ لذا يحق لتلك اللجان مخاطبة الجهات الدولية، خاصة
الأمريكية، في حال استمرار العوائق التي تعرقل دورها.
٣ - أن تكون برامج دعم المرأة العربية ذات محتوى حقيقي؛ من حيث البدء
في برامج تتعلق بحقوقها في المجالات المختلفة، وكذلك واجباتها تجاه المجتمع.
٤ - تشكيل مجالس عليا للمرأة لتنفيذ بعض السياسات العاجلة.
٥ - توفير موارد منفصلة لضمان تنفيذ اللجان لدورها.
٦ - إن الخطة الأمريكية لتحقيق ما ذكر جاهزة، وسيبدأ تنفيذها ابتداء من
أوائل عام ٢٠٠٣م.
ملاحظاتنا على هذه المسألة هي:
١ - قضية المرأة وموضوع حقوقها ليست وليدة الساعة، إن «أصل
المخطط» المتعلق بصرف المرأة المسلمة عن قيامها بواجباتها المتعلقة بتربية
الأجيال، والمتعلقة بحفاظها على حجابها، وأدائها لرسالتها حسب ما قرره لها
الإسلام؛ كان قد بدأ به الغرب والمتربون من أبناء المسلمين على منهجه، منذ
أواخر القرن التاسع عشر، ولا تزال محاولاتهم دؤوبة ومستمرة، وما طُرح في
هذه المذكرة ينظر إليه في هذا الإطار.
٢ - الجديد في المسألة هو الاستعانة المباشرة بالولايات المتحدة؛ لتقوم هي
بفرض تحقيق المشاركات السياسية والاقتصادية وغيرها للمرأة على حكومات الدول
العربية على سبيل الإلزام.
٣ - والجديد أيضاً هو الدعم المالي المعلن لتحقيق تلك الأغراض، مع وضع
جداول زمنية تتعلق بالتنفيذ.
٤ - هذه الخطة الخطيرة التي ستشرف على تنفيذها الولايات المتحدة؛
تفرض على جميع الجهات الإسلامية أن تتصدى لها عبر جميع الوسائل المشروعة؛
لأن أمريكا لا تريد حقيقة خدمة قضية المرأة المسلمة، بل تريد أن تمتطي صهوة
«موضوع المرأة» للوصول إلى تحقيق مآربها في تفكيك اللحمة الاجتماعية في
المجتمع المسلم، وتفتيت لبنته الأساسية وهي الأسرة.
- خامساً: آليات التنفيذ:
تضمنت آليات التنفيذ ما يلي:
التقسيم إلى مجموعات:
قسمت المذكرة الدول العربية إلى أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: تضم الأنظمة العربية التي ستعمل على تنفيذ برنامج
الإصلاحات السياسية والتنموية من تلقاء نفسها. تقول (المذكرة) :
- «إن الجانب الأمريكي سيظل مترقباً للنتائج التي ستتمخض عن حركة هذه
الأنظمة، وبعد تقييم النتائج سيكون هناك تشاور أمريكي معها من أجل دعم
الإصلاحات جزئياً أو كلياً، أو إضافة بنود جديدة، أو العمل على الإسراع من
وتيرة تنفيذ هذه الإصلاحات» .
- «إن البرامج لن تكون مطلقة تماماً، فلا بد من تدخل تلك الأنظمة في
البرامج المطروحة من الجانب الأمريكي، لكن في حال عدم قبولها فعلى تلك الدول
تقديم البديل المناسب من تلقاء نفسها، وسيخضع هذا البديل للتقييم والمشاورات مع
الجانب الأمريكي، من حيث قدرته على تحقيق الأغراض والأهداف التي يسعى
البرنامج الأصلي المطروح إلى تحقيقها» .
- «إن الولايات المتحدة لديها رغبة أكيدة في استقرار نظام الحكم في دول
الشرق الأوسط، وهي ليست على استعداد لتقبل فكرة التغييرات المفاجئة فيها» .
- «على الحكومات تقديم ورقة عمل بصورة فردية، وكذلك دليل عمل حول
برنامج الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتعليمية، وأن يكون هذا البرنامج قابلاً
للتنفيذ في عام ٢٠٠٣م، وأن تنتهي مرحلته الأولى في عام ٢٠٠٦م، وسنحترم
بالتأكيد رغبتهم في أن يعبر هذا البرنامج عن ثقافتهم وتقاليدهم، ولكن بالقدر الذي
يدعم الديمقراطية» .
- «أما تلك التقاليد والممارسات التي ستتعارض مع هذا التوجه الديمقراطي
والإصلاحات السياسية المطلوبة؛ فإننا سنطلب وبمنتهى الصراحة أن تبدأ
الحكومات من تلقاء نفسها في إزالة هذه الممارسات، حتى لو كان ذلك في إطار
خطة تدريجية؛ حتى لا يؤثر ذلك على استقرار وتوازن المجتمعات الداخلية» .
- «نرى أن خطوات البرامج الإصلاحية تبدأ بعدة خطوات؛ أبرزها:
١ - دعم المؤسسات القائمة حالياً من خلال إدخال تعديلات تستهدف تحقيق
المتطلب الديمقراطي، وإنشاء مؤسسات جديدة لهذا الغرض.
٢ - إدخال أفكار جديدة للمتطلب الديمقراطي في أنظمة الحكم وهياكله
المتعددة، وإزالة أفكار قديمة تتعارض مع هذا المتطلب، وتشكل عائقاً أساسياً أمام
الإصلاحات السياسية والديمقراطية.
٣ - توسيع نطاق المشاركة السياسية للأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في
قرارات الدولة المعبرة عن المتطلب الديمقراطي.
٤ - زيادة الوعي السياسي من خلال الإعلام والتعليم بأهمية المتطلب
الديمقراطي بوصفه نموذجاً أساسياً لطبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية في داخل المجتمع.
٥ - تحديد خصائص التحول الديمقراطي للريف، والمناطق النائية،
والمناطق المختلفة داخل الدولة.
٦ - دعم المتطلب الديمقراطي في إطار برامج توعية منفصلة في مجالات
سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتربوية.
٧ - وضع جداول زمنية لتنفيذ جميع البرامج السابقة» .
- «على الرغم من أن الجداول الزمنية التي ستضعها هذه الحكومات ستكون
ملزمة لها؛ فإننا سنقبل بخطوات المرونة اللازمة في تنفيذ هذه الإصلاحات، كما
أننا لن نتدخل في سرعة التطبيق الديمقراطي في هذه الدول إلا بالقدر الذي ستقف
فيه هذه الإجراءات دون تطوير يذكر أو تغيير ملموس لمدة لا تقل عن ٥ سنوات،
ففي هذه الحالة سنكون ملزمين بالتدخل لإجبار هاتين الدولتين على الاستمرار في
تنفيذ برامجهما الإصلاحية» .
المجموعة الثانية: تضم أنظمة عربية وإسلامية يتم فيها إجراء الإصلاحات
السياسية والديمقراطية بالقوة، وهذه المنظومة تضم أربع دول، هي العراق وليبيا
وسوريا وإيران.
فأما ليبيا فستتعرض لعمل عسكري بعد العراق، وذلك في أواخر عام ٢٠٠٣م
أو أوائل عام ٢٠٠٤م؛ حيث إن ذلك النظام كما تقول المذكرة لا توجد فيه بارقة
أمل واحدة للتفاهم معه على إجراء أية إصلاحات سياسية أو ديمقراطية.
أما سوريا فسوف تعطى فرصة أخيرة؛ ذلك أنه «على الرغم من التطورات
الاجتماعية والاقتصادية الهائلة في داخلها؛ فإن النظام لم يبد استجابة لهذه
التطورات بما يتلاءم مع تحقيق قدر أكبر من الديمقراطية والإصلاحات السياسية
المطلوبة، وفي حال الإصرار على الاستمرار في انتهاج بعض السياسات المعادية
للمصالح الأمريكية والغربية بصفة عامة؛ فإنه لن يكون هناك خيار سوى اللجوء
إلى القوة العسكرية لتغيير النظام الحالي. وإذا رفض النظام الحاكم هذا التصنيف
فعليه أن يقدم رؤيته من خلال وثائق رسمية حول الأشكال الملائمة بالنسبة لهم في
إطار خطة الإصلاحات، وكذلك عليهم بيان الآليات التي سيستخدمونها في تحقيق
هذا التغيير وأنماطه؛ فإن عجزوا فستقدم لهم خطة عمل يجبرون على الالتزام بها
قبل تنفيذ الخيار العسكري» .
أما إيران فقط سكتت المذكرة عن التفاصيل الخاصة بها.
المجموعة الثالثة: وتضم الدول التي بدأت فعلياً في تطبيق بعض الإجراءات
على طريق الديمقراطية والإصلاحات. هذه الدول هي البحرين والكويت والمغرب.
وقد حددت المذكرة الإجراءات التالية للتعامل معها:
١ - تعميق البرامج المشتركة مع هذه الدول في تقوية البرلمانات وتعميق
دورها؛ بحيث تكون هي القاطرة الحقيقية لقيادة بقية البرلمانات في الدول العربية
نحو الوفاء بالمتطلب الديمقراطي.
٢ - زيادة مساحات الدورات التدريبية لرعايا هذه الدول في الأراضي
الأمريكية، والمتعلقة بالمتطلب الديمقراطي.
٣ - تفعيل وإنشاء مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية؛
لتكون لها القدرة على التعبير الكامل عن المشكلات التي تعانيها مجتمعات الدول
الثلاث.
٤ - تنظيم برامج بالاشتراك مع الجامعات والمؤسسات في هذه الدول؛ سواء
الحكومية أو غير الحكومية، حول الوعي السياسي والمشاركة في الحملات
الانتخابية.
٥ - تدعيم دور اللامركزية السياسية في هذه البلدان وتقويتها؛ بحيث يصبح
مبدأ اللامركزية حقيقة واقعة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، ويتطلب ذلك دعم برامج الحكم المحلي، وخاصة في مجالات التعليم؛
مما يساعد على الوفاء بالمتطلب الديمقراطي.
المجموعة الرابعة: وتضم الدول التي في حالة شراكة مع الولايات المتحدة،
مثل أنظمة قطر والأردن واليمن.
إن الإطار العام للتعامل مع هذه الدول يتم من خلال ما يلي:
- أن تقبل ببرامج أمريكية محددة للإصلاحات السياسية والاجتماعية
سيتم عرضها في أوقات مناسبة، وسيتولى الجانب الأمريكي تطبيق هذه البرامج
وتنفيذها.
- على أنظمة هذه الدول أن تبدي كل تعاون مع الولايات المتحدة من أجل
إنجاح التحول الديمقراطي.
- لا يحق لهذه الأنظمة الاحتجاج على المفهومات المنتشرة في المنطقة حول
السيادة الوطنية والشؤون الداخلية لتتهرب من تطبيق البرامج الأمريكية؛ لأن
الهدف من الارتباط الأمريكي بهذه النظم هو بناء حالة مثلى من نظم الحكم القادرة
على مواجهة كل التحديات بيسر وسهولة.
وستكون النظم الديمقراطية والإصلاحات التي ستنتشر في هذه الدول مقدمة
لزيادة المد الديمقراطي في كل أرجاء المنطقة.
عموميات تخص المجموعات [٥] :
أوضحت المذكرة عدداً من العموميات الخاصة بما ذكر؛ وهي:
- إن النظام الجديد للمعونات سيربط بين الحصول عليها وبين إنفاقها الجزء
الأكبر منها في أغراض الإصلاحات السياسية والديمقراطية.
- إن مبلغ الـ ٢٩ مليون دولار يعتبر تخصيصاً عاماً، أما البرامج
التفصيلية الأخرى التي سبق ذكرها فسيتم تخصيص موازنات مالية مستقلة لها،
وذلك من خلال برامج المساعدات والمعونات الخارجية.
- إن مستقبل الحداثة في الشرق الأوسط سيمثل الحلقة الأساسية في تطوير
الديمقراطية.
- إن إحداث التغيير والإصلاح سيتطلب وقتاً، إلا أن هذا الوقت يجب أن
يأتي بأمل كبير؛ لأن تطور النظم في أوروبا الشرقية كان أيضاً صعباً، ولكنه
أصبح حقيقة واقعة بسرعة.
- في المرحلة الحاضرة ينبغي أن يكون برنامج العمل محققاً أغراض
المصالح الاستراتيجية الثابتة، أما المصالح المتغيرة فإنها ستخضع لطبيعة الظروف
السياسية في المنطقة.
وقفات مع نظام المجموعات:
بعد أن عرضنا نظام المجموعات الذي وضعته الإدارة الأمريكية لا بد أن
نسجل الوقفات التالية:
١ - إن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الدول العربية لا يمت بصلة إلى
اعتبار أن هذه الدول هي دول مستقلة ذات سيادة وطنية، بل هي أقرب ما تكون
إلى تعامل المدير مع موظفيه أو ناظر المدرسة مع مدرسيه، وهي فضلاً عن
اتسامها بروح التعالي والاستكبار؛ فإنها أيضاً مفعمة بروح الاحتقار والاستصغار
للدول العربية!!
٢ - إن الإدارة الأمريكية انطلقت في مذكرتها تلك من عدة اعتبارات؛ من
أهمها:
- عدم تمكين الإسلام من الاضطلاع بأي دور سياسي في أنظمة الحكم في
الدول العربية، وذلك من خلال مصادرته تماماً لصالح الديمقراطية الأمريكية.
- مصادرة الهوية الإسلامية لشعوب الدول العربية على كل المستويات العقدية
والسياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية، وسائر المقومات الأساسية للبناء
المجتمعي.
- تدجين الدول العربية، أنظمة وشعوباً؛ لتكون كلها في النهاية أدوات
تستخدمها الولايات المتحدة للوصول إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
٣ - إن استعمال القوة لتنفيذ هذا المخطط الخطير يأتي في سياق مبدأ
«الحرب الاستباقية» الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بوش.
٤ - إن هذا المخطط هو في حقيقته تعبير عن تجسيد الحقد الصليبي اليهودي،
وصياغته في خطط وبرامج مبنية على دراسات مستفيضة، وتوفر له جميع
الإمكانات لتحقيقه؛ بما في ذلك الموازنات المالية المفتوحة.
٥ - لا شك أن القوى اليهودية المهيمنة حالياً على الإدارة الأمريكية لها دور
بارز، أو قل أساسي، في وضع هذه المبادرة ومذكرتها التنفيذية وصياغتها،
وبالتالي فإن الذين وضعوها أخذوا بعين الاعتبار الخدمة العظيمة التي سيتحصلون
عليها من تطبيقها في تثبيت وتقوية أركان الكيان اليهودي، ولسحب البساط من
تحت أقدام الانتفاضة، وخاصة أن من أهداف الحرب على العراق أو ليبيا أو
غيرها من الدول العربية توفير محضن مناسب لاستقبال الفلسطينيين الذين يريد
شارون أو من يخلفه تشريدهم من الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك لاستقبال
اللاجئين الفلسطينيين المفرقين حالياً في أراضي الشتات.
٦ - إن نجاح هذا المخطط يعني سقوط المنطقة العربية في براثن استعمار
طويل المدى.
٧ - إن المتمعن في هذا المشروع - المبادرة - لن تنقصه الفطنة في تحديد
مواضع الضعف الكثيرة التي يحتويها، ويظهر تماماً أن الجهات الخبراء التي
وضعته تنقصها كثير من المعلومات والخلفيات الحضارية الإسلامية لهذه الأمة،
ودليل ذلك مقارنتهم لها بدول أوروبا الشرقية التي كانت شعوبها تحت الأنظمة
الشيوعية المتسلطة على رقابها، فنبذتها وقضت عليها عندما توفرت لها أول فرصة.
أما الشعوب الإسلامية فإنها متشبثة بدينها، عاضة عليه بالنواجذ، وهو يعيش في
أعماق قلوبها، ومتجذر في أصول نفوسها، وإن حالة الضعف والوهن التي تمر بها
هذه الشعوب حالياً لا تدل على تنكرها لدينها ورفضها لإسلامها، وإن هذه الشعوب
تفرق تماماً بين إسلامها الذي تنتمي إليه، وبين ما هو مفروض عليها من أنظمة
فاسدة ومستوردة.
٨ - إن أقرب ما يمكن قوله بشأن هذه المبادرة: إن واضعيها قد سيطر على
عقولهم مفهوم (صراع الحضارات) الذي كتبه «هنتنجتون» ، و (نهاية التاريخ)
الذي كتبه «فوكوياما» .
٩ - إن هذه المبادرة تتضمن بين أسطرها معنى خفياً يتعلق بأن الغرب هو
صاحب النصر النهائي في هذه المواجهة؛ وذلك من خلال تصوره أنه بذلك
سيفرض منهاج نظرته للحياة والإنسان على المسلمين.
١٠ - ونحن نقول إن هذا التصور سراب خادع؛ لأن انتصار الإسلام في
نهاية مطاف الصراع هو قدر كوني وحقيقة شرعية، قال الله تعالى: [يُرِيدُونَ
لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف:
٨-٩) . غير أن الوصول إلى تحقيق هذا الموعود يمر عبر الأخذ بالأسباب المادية
والمعنوية بجميع أنواعها؛ لتتمكن الأمة من الوقوف مرة أخرى على قدميها ورد كيد
أعدائها.
* كلمة أخيرة:
إن على جميع المسلمين أن يأخذوا مأخذ الجد ما يحيكه لهم عدوهم من
مؤامرات، وما يعده لهم من مكائد، وإن نصر الله تعالى لهم مرهون بعودتهم إلى
التمسك بأحكام إسلامهم وشريعة ربهم، و [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) .
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأعل كلمة دينك،
وأذل أعدائك، واجعلنا من صفوة خلقك.
стр. 4515
مرصد الأحداث
يرصدها: وائل عبد الغني
مرصد الأخبار:
إسلام أمريكي!
كشف النقاب عن تفصيلات خطة تطوير الخطاب الديني في مصر المطروحة
من قِبَل الولايات المتحدة والتي سيجري تنفيذها من خلال عدة محاور من بينها
دورات تدريبية مكثفة، تعقد بين القاهرة وواشنطن ويلتحق بها من ٥٠٠ - ٦٠٠
من الشيوخ والقساوسة المصريين، ومدة كل دورة تدريبية ستكون ستة أشهر،
يمكثون منها ثلاثة أشهر في واشنطن وبقية المدن الأمريكية، وثلاثة أخرى في
القاهرة.
ويتركز الانتقاء على الرموز الدينية التي لديها استعدادات لخدمة التوجهات
المطلوبة والتي من بينها محاربة الإرهاب وتقديم تفسير عقلاني للدين، وذلك
ليكونوا محاضرين رئيسيين في هذه الدورات التدريبية، كما يحصل رجال الدين
هؤلاء أيضاً على دورات تدريبية مدتها شهر واحد في واشنطن تتضمن كيفية إلقاء
المحاضرات والتركيز على الجوانب المعنية من هذه الخطة.. كما تشمل الخطة
التركيز على مفردات هذا الخطاب وليس موضوعاته فقط، بصورة يمكن بها خدمة
التوجهات الأمريكية.
[الأسبوع، القاهرية، العدد: (٣٠٦) ]
أسرانا ولا أسرى لهم!
أوضح هشام عبد الرازق وزير شؤون الأسرى في السلطة الوطنية الفلسطينية
أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية تضاعف خلال
فترة الانتفاضة الحالية ليصل إلى حوالي ثمانية آلاف أسير. وقال إن الأسرى ومن
بينهم خمسون سيدة ومائة وثمانون طفلاً موزعون على ثلاثة عشر معتقلاً داخل
فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م وثلاثة معتقلات عسكرية أخرى تحت سلطة الجيش
الإسرائيلي في الضفة الغربية. وأضاف إن هناك ألفاً وثمانمائة معتقل من الموقوفين
الإداريين بدون أي تهمة بأمر الحاكم العسكري الإسرائيلي الذي يقضي باعتقالهم لمدة
ستة أشهر تتجدد بأمر هذا الحاكم العسكري.
[الزمان، اللندنية، العدد: (١٠٤٥) ]
بيان من المغرب
استنكر بيان لرابطة علماء المغرب ما تعتزم جماعة تسمي نفسها: «الشاذون
بالمغرب» القيام به من اتخاذ إجراءات إدارية للظهور علنياً وجعل يوم ١٧/٢/
٢٠٠٣م، يوماً خاصاً لإعلان «وجودها بالمغرب» مع التهييء لعقد مؤتمر
«الشواذ جنسياً» بمدينة مراكش في مارس المقبل.
واعتبر بيان الأمانة العامة للرابطة الخبر إن صح نشراً للفاحشة وترويجاً
للفساد من جماعات «شيطانية تعمل على تحويل المجتمع المغربي المسلم إلى سوق
للفحشاء والمنكر والشذوذ الجنسي، ومن ثَمَّ فهي لا تستحق أي تشجيع أو إقرار
لأمرهم، أو اعتراف بهم، بل يجب استنكار هذا العمل ورفضه رفضاً باتاً» .
[التجديد، المغربية، العدد: (٥٥٦) ]
عزة كورية!!
قال الممثل الدائم لكوريا الشمالية لدى الأمم المتحدة إن حكومته لا يمكن أن
تواصل الالتزام بالمعاهدة طالما يؤدي ذلك إلى الانتقاص من أمن وكرامة البلاد.
وهاجم السفير الكوري الولايات المتحدة معتبراً أن طريقتها في معالجة
الموضوع قد أغلقت آخر أبواب الحل السياسي للأزمة، كما انتقد كيل الإنذار الذي
وجهته الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بلاده، وتهديدها بعرض الموضوع على
مجلس الأمن بغرض فرض عقوبات على كوريا إذا لم تستجب لهذا الإنذار،
وأضاف السفير الكوري: «إن هذا الموقف يثبت بجلاء أن الوكالة الدولية للطاقة
الذرية هي مجرد خادم للولايات المتحدة ومتحدث باسمها، كما أنها أداة لتنفيذ
سياسات واشنطن العدوانية تجاه جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، والتي
تهدف إلى نزع سلاحها، وتغيير نظامها بالقوة» وقد أعلنت كوريا عن انسحابها
من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة الذرية فور إعلان الولايات المتحدة عن تهديدات
مقنعة لكوريا.
[راديو الأمم المتحدة، ١٠/١/٢٠٠٣م]
طعنة جديدة للأقصى!
قامت الجرافات الصهيونية بتسوية مساحة واسعة من الأراضي الفلسطينية
وبهدم سور ملعب كرة السلة التابع لنادي سلوان الرياضي وبتجريف الملعب وتحطيم
الإنارة الليلية تمهيداً لضمه للبناء الاستيطاني الذي بني في عهد نتنياهو في حي
رأس العامود المطل على المسجد الأسير (على بعد ١٠٠ متر فقط منه) ، وقد
تمت الجريمة على مرأى ومسمع الشرطة الصهيونية.
يذكر أن هذه الجريمة ليست الأولى كما أنها لن تكون الأخيرة لقطعان
المستوطنين في القدس المحتلة، لكنها تشكل خطورة متميزة كون مستوطنة رأس
العامود مقامة وسط حيّ عربي كثيف الأبنية والسكان، ولا شك أنه سوف يكون
لوجود المستوطنين في هذه المنطقة بالذات عواقب وخيمة ونقطة احتكاك يومية؛ إذ
تعتبر منطقة رأس العامود المتنفس الوحيد للمقدسيين والرابط الجغرافي الوحيد بين
القدس والقرى الفلسطينية الواقعة شمال شرق المدينة.
[التجديد، المغربية، العدد: (٥٤٦) ]
«ترئيس» ابن فليس قادم!
تتحدث أنباء من العاصمة الجزائر عن زج مؤسسة الجيش برئيس الحكومة
علي بن فليس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني للمنافسة في الانتخابات
الرئاسية القادمة في مواجهة بوتفليقة.
وقد تمت عدة لقاءات بين علي بن فليس والجنرال محمد العماري بغرض
ترشيحه للرئاسيات ٢٠٠٤م، ويتم تلميع بن فليس من قِبَل قيادة الجيش الجزائري
وتقديمه على أنه (أربعيني العمر، بربري الأصول، متحالف مع السلطة التي
يقودها الآن الرئيس بوتفليقة الذي لا يروق أداؤه الرئاسي للجنرالات كثيراً فهو
إصلاحي ومتفتح كثيراً) .
ويتولى توجيه هذا الأمر الجنرال العماري المدعوم من أمريكا والذي الحاكم
من وراء الستار.
[الزمان، العدد: (١٤٠٥) ]
اقترب الوعد!
أعرب أفيغدور يتزاكى مدير مكتب إرييل شارون عن توصله لاتفاق مبدئى
يقضي بالبدء في عمليات ترحيل مجموعة جديدة من اليهود الفلاشا من أثيوبيا إلى
فلسطين عبر دولة ثالثة، بالتنسيق مع الوكالة اليهودية المسؤولة عن استقدام يهود
الفلاشا إلى فلسطين المحتلة.
وأبدى مصدر إسرائيلي رسمي تشاؤمه قائلاً: «في مثل هذا الوضع، ليس
واضحاً ما إذا كانت الهجرة إلى إسرائيل مجدية وما إذا كان من المفيد لإسرائيل أن
تواصل الاستثمار بها» .
وقدر عدد المهاجرين الذين وصلوا من أنحاء العالم بين سنوات ١٩٨٩ -
٢٠٠١م بمليون و ٧٠ ألف مهاجر، بينما غادر إسرائيل أكثر من ٩٠ الفاً.
[البيان، الإمارتية، العدد: (٨٢٤٥) ]
مجمع الفقه يستنكر إباحة «الفوائد»
استنكر مجلس مجمع الفقه الإسلامي فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر
التي أباحت فوائد البنوك، واعتبرها مخالفة لكل القرارات الفقهية التي صدرت عن
المجامع الفقهية في الدول الإسلامية، واستعرض المجمع نص محضر اجتماع
مجمع البحوث الإسلامية الذي أجاز فيه فوائد البنوك، وفتوى مجمع الفقه الإسلامي
بشأن تحريم التعامل المصرفي بالفوائد، وقرر المجمع مراجعة شيخ الأزهر في
القضية، جاء ذلك في ختام الدورة الرابعة عشرة للمجمع التابع لمنظمة المؤتمر
الإسلامي والذي يعد أعلى مرجعية فقهية في الدول الإسلامية ويضم صفوة علماء
المسلمين، وتعتبر قراراته وتوصياته حجة ومرجعاً لباقي المجامع الفرعية المحلية
في الدول الإسلامية.
[الوطن، القطرية، عدد: ١٦/١/٢٠٠٣م]
أقوال غير عابرة:
- العراق قاطرة أمريكا لحكم العالم.
[المشاهد السياسي، العدد (٣٥٧) ]
- إن وقف إطلاق النار من جانب المقاومة الفلسطينية في الوقت الراهن بات
من المستحيلات؛ لأن ذلك الوقف إن كان بالمجان فهو يفقد المقاومة شرعيتها ويغدو
بمثابة انتحار لها. وإن كان بمقابل إسرائيلي فهو إقرار بالإخفاق أو الهزيمة. وليس
هناك عاقل بين قيادات المقاومة من يقبل بالانتحار الطوعي، كما أن غرور الغلاة
المستكبرين في حكومة تل أبيب لن يسمح لهم بالاعتراف بإخفاق الحل العسكري.
[الكاتب المصري فهمي هويدي، الأهرام، العدد: (٤٢٤٠٠) ]
- «تركيا لن تلعب دور كلب الحراسة للقوى الإمبريالية» .
[الأمين العام للجمعية التركية لحقوق الإنسان في أنقرة معترضاً على دور
لتركيا في الحملة الصليبية على العراق، الراية القطرية، عدد ١٢/١/٢٠٠٣م]
- إن أعمال أميركا تمثل إرهاباً متزايداً أدت إلى الانتقام من الأميركيين
بالخارج وتنفيذ حكم الإعدام فيهم فقط لأنهم أميركيون، إنه بدون وقف إرسال
القوات الأميركية وسحب معظمها من المنطقة، وسحب جميع البعثات التبشيرية
الأميركية المسيحية من الشرق الأوسط لن يتوقف العنف والتطرف.
[الدكتورة كيكي كنيدي من جامعة كنتاكي الأميركية، الاتحاد الإماراتية، العدد: (١٠٠٥٤) ]
- ينبغي علينا عدم الضحك على أنفسنا، ثمة مسلك كنسي للتقليل من تأثير
العالم الإسلامي على الحياة الفكرية في أوروبا لفترة طويلة.
[يورج هايدر زعيم اليمين النمساوي، البيان، الإماراتية العدد: (٨٢٤٥) ]
- إن جلب نظام حكم صديق إلى بغداد سيبلور صلات أمنية عراقية -
إسرائيلية وطيدة، وسيكون بمقدور (إسرائيل) نشر قوات عسكرية لها على الحدود
الإقليمية للعراق مع سوريا والسعودية وإيران، إن ضمان وجود حكم صديق في
بغداد سيجعل الإسلاميين في فلسطين والأردن في متناول قوة ردع عسكرية
إسرائيلية عراقية مشتركة.
[أرييه جينجر، رجل أعمال إسرائيلي ويمثل قناة سرية للاتصال بين إرئيل شارون والرئيس الأمريكي جورج بوش، السبيل الأردنية، العدد: (٤٦٩) ]
- أمريكا تسعى لإقامة أكبر وجود عسكري في المنطقة ولزمن طويل لمواجهة
توقعات بقيام أنظمة حكم إسلامية في العالم العربي بحلول عام ٢٠٠٨م.
[مصدر عربي مهم، السبيل الأردنية، العدد: (٤٦٩) ]
- السلطة التونسية تقوم بمحاربة ظاهرة الرجوع إلى الحجاب بالقوة لكي
تخفي حجم إخفاقها في عملية تجفيف منابع التدين.
[د. منصف المرزوقي، رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية،
التجديد المغربية، العدد: (٥٦٠) ]
- الأسرى والمعتقلون في سجون الاحتلال ينتظرون منا أن نقوم بأسر
الإسرائيليين، ونعمل على تبادل الأسرى بيننا؛ فأنا خرجت مرتين من السجن في
تبادل أسرى.
[الشيخ أحمد ياسين، الشرق الأوسط، العدد: (٨٨١٢) ]
- ثقافة المجتمع الحالية عائق أساسي أمام تطوير التعليم!
[وزير التعليم المصري حسين كامل بهاء الدين، الجيل المصرية، العدد: (٣٦) ]
مرصد الأرقام:
- في استطلاع للرأي في بريطانيا قال ٥٨% من المصوتين إن صدام لا
يشكل تهديداً يسوِّغ الحرب ضده.
[الزمان، اللندنية، العدد: (١٤٠٥) ]
- في استطلاع رسمي أجرته وزارة الصحة الإسرائيلية: فإن واحداً من بين
كل خمسة إسرائيليين غالباً ما يعاني من التوتر.
[يديعوت أحرونوت، عدد: ١٤/١/٢٠٠٣م]
- تقدر أنقرة الخسائر التي تكبدها اقتصادها بسبب الحصار الدولي المفروض
على العراق بحوالى ٤٠ مليار دولار.
[الراية، القطرية، عدد١٢/١/٢٠٠٣م]
- ٨٠% من الأسلحة التي يمكن أن تستخدمها أميركا في حالة الحرب على
العراق تعمل بتوجيه من الأقمار الصناعية.
[البيان، الإماراتية، العدد: (٨٢٤٤) ]
- يبلغ عدد المتضررين من موجة الجفاف الحالية التي تضرب أثيوبيا ١٤
مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.
[الحياة، اللندنية، العدد: (١٤٥٣٩) ]
- بلغ إجمالي النفقات التي تتكلفها المستشفيات الأمريكية سنوياً جراء معالجة
مرضى الإصابات بعيارات نارية ٨٠٢ مليون دولار.
[نيوزويك، عدد: ١٤/١/٢٠٠٣م]
- وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو ١٠ ملايين شخص سيكونون في
حاجة ملحة إلى مساعدات في حالة نشوب حرب في العراق.
[البيان، الإماراتية، العدد: (٨٢٣٩) ]
- أكثر من ٢٠٠ مليون دولار هي قيمة الهدايا التي قدمتها المخابرات
الأمريكية للقبائل العراقية لكسب ودها خلال الحرب، وتشير بعض التقديرات إلى
أن ثلثي الشعب العراقي (أكثر من ٢٠ مليون نسمة) هم أبناء قبيلة واحدة من
القبائل الـ ١٥٠ في البلاد والتي تنقسم إلى ٢٠٠٠ عشيرة.
[مجلة الوسط، اللندنية، العدد: (٥٧٢) ]
- بلغت نسبة الإشغال العسكري في الفنادق الكويتية نحو ٩٠% من إجمالي
نسبة الإشغال.. أشارت مصادر مختصة في الفنادق الكويتية أن النسبة الأكبر من
إشغال الفنادق الكويتية أوائل شهر يناير تعود لعسكريين أميركيين ولممثلي
شركات الأسلحة.
[البيان، العدد: (٨٢٣٨) ]
- كشف مسؤول مغربي رفيع المستوى النقاب عن أن عدد اليهود
المغاربة تراجع كثيراً وبات ينحصر حالياً ما بين ٤٠٠٠ و٥٠٠٠ يهودي، يقيم
معظمهم في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للبلاد.
[الشرق الأوسط، العدد: (٨٨٠٩) ]
- يعيش نحو ٢٠ ألف فلسطيني في محافظة سيناء الشمالية القريبة من خط
الحدود الدولية في ظروف صعبة منهم نحو ثلاثة آلاف فرد مشردين في خيام من
الخيش في مناطق جبلية وعرة بلا تعليم أو إشراف صحي أو حتى عمل يذكر.
إن الفلسطينيين الموجودين بشمال سيناء وصلوا إلى مصر في موجات بين
حربي ١٩٤٨م و ١٩٥٦م وحصلوا على إقامات دائمة من الحكومة المصرية
وارتبطوا بعلاقات نسب ومصاهرة مع المصريين الموجودين في هذه المنطقة.
[الشرق الأوسط، العدد: (٨٨٠٧) ]
- هيئة المعونة الأميركية مولت منحاً قدمتها لألفي شخص ممن يعتبرونهم
قياديين في الحياة الاجتماعية المصرية، منهم ٢٩١ شاباً من ١٧ محافظة مصرية
إضافة إلى ١٢٠٠ آخرين من المجتمعات الريفية، وأن ٥٨% من المنح السابقة
حصلت عليها النساء المصريات وأخرى لتدريب بعض المشايخ والقساوسة الذين
وصل عددهم إلى ٦١٠ ما بين مسلم ونصراني.
[الشرق الأوسط، العدد: (٨٨١٥) ]
أخبار سريعة:
- الشارع اليمني بات على قناعة أن قوى وأطرافاً داخلية وخارجية تعمل
على زعزعة الاستقرار وبث القلاقل وإثارة الفتن والصراعات الدموية في الساحة
اليمنية، ربما لإشغال اليمنيين ببعضهم البعض وحتى يغفلوا القضايا القومية في
فلسطين والعراق خلف ظهورهم، وربما لشق أحزاب المعارضة اليمنية وزرع
الشقاق بينها وإشغالها بنفسها بعيداً عن الاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية في
إبريل القادم.
[السبيل، الأردنية، العدد: (٤٦٩) ]
- أعلنت وزارة الداخلية الهندية أنها ستبدأ في تنفيذ خطة هذا العام التي تهدف
إلى ترحيل أكثر من ٢٠ مليون مهاجر غير شرعي من بنغلادش؛ لأنهم باتوا
يشكلون تهديداً أمنياً خطيراً على حد تعبيرها.
[السفير، اللبنانية، عدد ٨/١/٢٠٠٣م]
- شكك شاعر البلاط البريطاني أندرو موشن في الدوافع وراء الحرب
المحتملة على العراق في قصيدة جديدة نشرت مؤخراً. وتقول قصيدة «سبب
الحرب» :.. «إنهم يقرؤون الكتب الجيدة ويقتبسون منها لكنهم لا يتعلمون لغة
سوى لغة انطلاق الصواريخ ... كلامنا الصحيح ... الانتخابات والمال
والإمبراطورية والنفط والـ..
[الرياض، العدد: (١٢٦٢١) ]
- وقعت مجموعة من الأكاديميين الأميركيين على عريضة وقعها أكثر من
٣٠ ألف أستاذ جامعي أميركي ورفعوها إلى الرئيس الأميركي لإدانة التهديدات
بالحرب بدلاً من اعتماد الوسائل الدبلوماسية لحل الأزمة.
[السفير، اللبنانية عدد: ١٤/١/٢٠٠٣م]
- قال رئيس الوزراء التركي عبد الله غول اليوم الجمعة إنه منح الجيش
الأمريكي إذناً بتفتيش الموانئ والقواعد الجوية التركية في إطار الاستعدادات لشن
حرب محتملة ضد العراق. وهو ما يعد خطوة أولى نحو وجود عسكري أمريكي
في تركيا عضو حلف شمال الأطلسي المجاورة للعراق، والتي لا ترغب في مساندة
أي عمليات عسكرية ضد جارتها.
[هيئة الإذاعة البريطانية في: ١٠/١/٢٠٠٣م]
- قدمت الحكومة الألمانية صفقة صواريخ باتريوت متطورة بقيمة ٣٥٠
مليون يورو.. هدية للكيان الصهيوني.. المتحدث الرسمي لكتلة الحزب المسيحي
الديمقراطي علق قائلاً: أتفهم النقد القائم تجاه إرساليات السلاح إلى» إسرائيل «
ولا شك أن الحكومة كان يمكن أن تتخذ الإجراءات المطلوبة لوقف التصدير لولا أن
» إسرائيل «حالة خاصة!
[المجتمع، الكويتية، العدد: (١٥٣١) ]
- شهدت أوائل الشهر الماضي كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا
عمليات مداهمة واعتقالات استهدفت الجالية الإسلامية ضمن عملية منسقة بين تلك
الدول، ويعتقد أنها ستأخذ إطاراً أوسع في سباق مع التحضيرات لشن حرب على
العراق، وقد أجمعت قيادات الجاليتين العربية والإسلامية في بريطانيا على أن
هدف تصعيد الاتهامات بالإرهاب لأبناء الجاليتين تهيئة الأجواء لضرب العراق.
[الزمان، اللندنية، العدد: (١٠٤٥) ]
- سادت حالة من القلق بين الأوساط العميلة في أفغانستان بعد أن بدأت إذاعة
» صوت المقاومة الأفغانية «المتنقلة بثها لمدة ساعتين يومياً على موجة
» إف إم «، ويبلغ مدى بثها أكثر من ١٠٠ كيلو متر ويقع مركزها في الشرق
الأفغاني، وتتوقع بعض المصادر الأفغانية أن الإذاعة تصدر عن حكمتيار والتي
يتوقع أن تنجح في إثارة الأغلبية الرافضة للوجود الأجنبي، خصوصاً في حال
تعرض العراق لضربة أميركية.
[الحياة، اللندنية، العدد: (١٤٥٤٠) ]
стр. 4516
الورقة الأخيرة
إن كنا نريد الخير.. فلنترك رموز الضلال
حمد الماجد
hamajed@hotmail.com
قرأت كتاباً بدا لي أن الذي ألفه غيور من أهل السنة تلبَّس شخصية تنتمي إلى
فرقة مشهورة من فرق المبتدعة؛ فقد ذكر أو بعبارة أدق: افتعل في كتابه قصصاً
من الفضائح (المفبركة) عن أحد الزعماء المشهورين لهذه الفرقة ليس أسوأها أن
هذا الشيخ الزعيم في أحد أسفاره بقرية يعرف فيها صديقاً له، وأنه حين تسامر مع
صاحب البيت لمح طفلة في حدود سبع سنين من عمرها فعشقها، فطلب يدها تلك
الليلة فوافق والدها طمعاً في بركة الشيخ فبات ليلته معها ولم يقطع عليهم سكون تلك
الليلة إلا تأوهات الطفلة وآلامها!! وواضح أن المؤلف أو (المفبرك) أراد والله
أعلم بنيته أن ينفِّر أتباع تلك الفرقة من مذهبهم، ويردهم إلى المنهج الصحيح من
خلال الطعن في أحد رموزه انطلاقاً من قاعدة: وشاهد شاهد من أهلها، أو تشويه
شخصيته حتى لا يفتن أهل السنة بها.
وفي تصوري أن أسلوب هذا الكاتب في الدعوة والتغيير على فرض صحة
نسبته إلى أحد الدعاة من أهل السنة وهو الذي ترجح لي يمثل عينة لعدد من
الأساليب الخاطئة في التعامل مع المخالفين من أهل القبلة، ولولا أن الموضوع
يتعلق بهم لقلت: وحتى غيرهم من أتباع الملل والعقائد الأخرى.
موطن الخلل هنا أننا في كثير من الأحيان ننشغل بمحاربة الشعار أو الرمز
الذي يرفعه أتباع كثير من الملل والنحل، والواقع أن هذه الرموز تعتبر عند بعض
الأمم جزءاً من تراثها الذي تحافظ عليه؛ فمهما كنتَ جدلياً ومقنعاً أو أردتَ أن
تلصق بهذه الرموز التهم الصحيحة أو المكذوبة فإن نظرة أفراد هذه الأمم تنصبُّ
عند البحث والمناظرة على المحافظة على تراثها ورعاية منظومتها الاجتماعية،
وقد نبه إلى خطر هذا العائق إبراهيم ﵇: [وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن
دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ
بَعْضُكُم بَعْضاً] (العنكبوت: ٢٥) «فدلالة هذه الآية واضحة في أن بعض
المتمسكين بعقائدهم إنما يجعلون عقيدتهم رمزاً لتعاونهم وائتلافهم وبقاء مودتهم،
وليست العقيدة عندهم مقصودة في ذاتها على الدوام.
هذا النوع من الوعي يساعد على اختيار الأسلوب الأمثل في مخاطبة
المخالفين والتحاور معهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن. فإذا كان الإسلام قد أوصى
بأن نجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، فإن هذا النوع من المجادلة مطلوب من
باب أوْلى مع المسلمين من أهل القبلة مهما اختلفت عقائدهم أو تباينت توجهاتهم،
خفَّت بدعتهم أو غلظت.
وحتى في نطاق أهل السنة تُخدَش العقائد، وتعظَّم بعض الرموز ويمارس
باسم الإصلاح نفس الخطأ بالحط من قدر هؤلاء الرموز، فهناك الأضرحة
والمزارات التي يقصدها مئات الألوف من المسلمين وأغلبهم من العوام، ونتيجة
للجهل فقد يلاحظ بعض التصرفات التي تمس أصول التوحيد وركائز الإيمان مثل
الاعتقاد بأن هؤلاء الأولياء المتبرَّك بهم وهم رموز يجلبون نفعاً أو يدفعون ضراً؛
فليس من المناسب لمن يريد أن يصلح مثل هذه المزالق العقدية أن يتعرض للرموز
بسوء، مثل الذي يظن أن التشكيك أصلاً في صلاح هؤلاء الأولياء أو الطعن في
سيرهم هو الأسلوب الأمثل والأسرع في إقناع مريديهم. أحدهم ذكر، في معرض
إقناعهم بعدم جدوى التعلق بهذه الأضرحة، بأن أحد هؤلاء» الأولياء «شوهد
يوماً وهو يدخل المسجد يوم الجمعة فبال فيه، ثم خرج ولم يؤد الصلاة مع
المسلمين!! وآخر نسب إلى أحد هذه الرموز المقدسة عدداً من» الانتهاكات
الأخلاقية «!! وهذه الاتهامات - صحت أو لم تصح - فهي على كل الأحوال
أسلوب استفزازي من شأنه أن يحملهم على التشبث بطريقتهم بل والغلو فيها،
ناهيك عن أن هذا الأسلوب قد يحمل المخالفين على الأخذ بنفس الأسلوب فيقع
المحظور الذي نهى عنه القرآن: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا
اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) .
إن سرعة المواصلات وثورة الاتصالات وخاصة الإنترنت والفضائيات
جعلت احتكاك المسلمين من شتى الفرق والمذاهب ببعضهم أمراً متكرراً، فكان
لزاماً على العلماء والدعاة والمفكرين التوعية بالأسلوب الأمثل والطريقة الأنجع في
الحوار الذي يقوم على الإقناع بعيداً عن السب والقذف والتجريح، بل وضرورة
التأكيد على أن المقصود ليس ذوات الأشخاص التي يقدسها الناس ولا سيرتهم سواء
كانت من أعطر السير أو أسوئها، وإنما المقصود إصلاح القلوب التي تعلقت
وفتنت بها.
стр. 4517
المحرم - ١٤٢٤هـ
مارس - ٢٠٠٣م
(السنة: ١٨)
стр. 4518
كلمة صغيرة
إما الحرب.. وإما الحرب
نشرت صحيفة نيويورك تايمز في (٢٧/١/٢٠٠٣م) بياناً بعنوان: (ليس
باسمنا) وقعه ٤٥ ألف أمريكي ينددون بالحرب المحتملة ضد العراق، وطالب
الموقعون الشعب الأمريكي بمقاومة الحرب والسياسات التي تتبناها الحكومة
الأمريكية منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، التي وصفوها بأنها غير قانونية أو أخلاقية أو
عادلة..!
ثم تصاعدت الأصوات والمظاهرات المناهضة للحرب حتى شملت أكثر من
٦٠٠ مدينة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، حتى عُدت هذه المظاهرات
أكبر مظاهرات يشهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن صحيفة النيويورك
تايمز في (١٦/١/٢٠٠٣م) تؤكد أن: (العسكرية الأمريكية ستظل هي اللاعب
المركزي في إدارة شؤون البلد!) .
لقد وضعت الإدارة الأمريكية أمام المجتمع الدولي خيارين لا ثالث لهما:
(فإما الحرب.. وإما الحرب!!) ، ومنذ أن صدر قرار الأمم المتحدة رقم
(١٤٤١) القاضي بإرسال لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق
(أنموفيك) برئاسة (هانز بليكس) ، والحشود العسكرية الأمريكية الهائلة تسبق
باستعدادتها فرق التفتيش، وتفرض أجواء الحرب في المحافل الدولية والوسائل
الإعلامية، وعندما سئل (رامسفيلد) وزير الدفاع الأمريكي عن احتمالية اعتراض
بعض الدول في مجلس الأمن الدولي أو الاتحاد الأوروبي قال بكل تجبر: إن
الإدارة الأمريكية هي وحدها المخوَّلة باتخاذ قرار الحرب! وعلقت (كونداليزا
رايس) مستشارة الأمن القومي على المظاهرات المنددة بالحرب قائلة بكل
استخفاف: إن هذه المظاهرات لن تثنينا عن المضي في الطريق الذي اخترناه
لتحقيق مصالحنا! وكما أدار الإعلام الأمريكي حرب أفغانستان بلغة تعتمد على
التهويل والتضليل وتزييف الحقائق، فإنه يدير حرب العراق مستنداً إلى اللغة نفسها.
ولئن تساءلت أمريكا في بداية أزمة ١١ سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟! ولم
يجب ساستها وكثير من مفكريها بصدق عن هذا السؤال، فإن حدة الكراهية
تضاعفت كثيراً خلال هذه الأشهر القلائل، وهي مرشحة لمزيد من الاتساع
والتصاعد، وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مجلة تايم الأمريكية بموقعها الأوروبي
على شبكة الإنترنت أن ٨٣.٤% يرون أن أمريكا تشكل الخطر الأكبر على السلم
العالمي، بينما اعتبرت نسبة تقل عن ٩% فقط أن العراق هو الذي يشكل هذا
الخطر!
ونحسب أن هذا الصلف والطغيان الأمريكي لن يستمر كثيراً؛ فقد كتب الله
تعالى نهاية سريعة للظالمين.
وإن من أوجب الواجبات على الأمة في هذه المرحلة الحرجة: استثمار هذا
الواقع في إحياء عقيدة البراءة من الكافرين فكراً وثقافة وسلوكاً، وإبراز الهوية
الإسلامية القائمة على الاعتزاز بالدين، وتعظيم كتاب رب العالمين، والتمسك بسنة
سيد المرسلين ﷺ ، قال الله تعالى: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .
стр. 4519
الافتتاحية
عام جديد.. حزن وهموم أم فرح وسرور ؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..
وبعد: فإن الأيام والسنين تمر، والأحداث والخطوب تتوالى، وما تزال جراح
أمتنا تنزف ومآسيها تتوالى وظلمتها تشتد، فلا يخفى على ذي بصر تكالب أعدائها
عليها واستشراء الوهن بين أكثر أفرادها؛ حتى وصل طمع الأعداء واستهدافهم إلى
خطوط حمراء بادية لجميع الناظرين أو هكذا يفترض؛ فكيف يا ترى سيكون عامنا
الجديد؟ هل ستتواصل الهموم وتتوالى الأحزان، أم سيشهد عامنا هذا بشريات فرح
وسرور، فتقر أعين المؤمنين وتسر نفوسهم؟
ولكن: هل ما مضى كان بالفعل مدعاة حزن وهموم، أم أن هناك نظرة
أخرى يمكن إلقاؤها على ما مضى من أحداث، ومن ثم: يمكن استصحابها للنظر
إلى العام الجديد؟ ولإيضاح ذلك يمكننا التذكير بعدة حقائق قد لا تكون مجهولة لكثير
من القراء، ولكن قد يغيبها تحت الركام توالي الأحداث وتسارعها وتعاظمها، فيغفل
عنها بعض العارفين بها والمؤمنين بصحتها:
فأولى هذه الحقائق: أن الحزن والفرح كالخوف والرجاء، والحب والكره
شعوران إنسانيان طبيعيان لا ينتقصان من إيمان المسلم ما داما في حدودهما
الطبيعية، أي ما دام الحزن لم يتحول إلى جزع أو يأس أو تسخُّط، ولم يتحول
الفرح إلى بطر أو خيلاء أو كبر، لا سيما إن كان هذا الحزن أو الفرح لله وفي الله
وعلى محارم الله أو محابه؛ فأنبياء الله ورسله وعباده الصالحون عَرَضَ عليهم
هذان الشعوران مثلهم مثل عامة البشر، من غير أن ينتقص ذلك من منزلتهم
ودرجتهم؛ ففي الفرح قال الله تعالى: [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ
عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا] (الشورى: ٤٨) ،
وقال سبحانه: [وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ] (الروم: ٣٦) ، وقال: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] (يونس: ٥٨) ، وقال: [فِي بِضْعِ سِنِينَ لله
الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ٤) .
وفي الحزن قال الله تعالى عن خليله المصطفى ﷺ : [قَدْ
نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ] (الأنعام: ٣٣) ، وقال: [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة: ٤٠) ، وقال عن بعض خيار الصحابة: [تَوَلَّوْا
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ] (التوبة: ٩٢) ، وقال عن
نبيه يعقوب ﵇: [قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ] (يوسف: ١٣) ، وقال أيضًا: [وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى
عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ] (يوسف: ٨٤) ، وفي
الصحاح أن رسول الله ﷺ قبَّل ابنه إبراهيم بعد وفاته وشمه
وزرف عليه الدموع؛ فلما استغرب منه بعض الصحابة ذلك، قال: «إن العين
تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم
لمحزونون» ... والشواهد في ذلك كثيرة، إنما نكتفي بما يدل على المقصود حتى
لا يتشكك ولا يتزعزع بعض متأججي العواطف ومرهفي الحس.
وثانيها: أن الفرح والحزن باعتبارهما شعورين إنسانيين ليسا متلازمين
للخير والشر باعتبار علم الله سبحانه وقدره فقد يفرح الإنسان لأمر ويكون شرّاً له،
وقد يحزن على أمر ويكون مآله خيراً له، فهذا نبي الله يعقوب ﵇ حزن
لفقدان ابنه يوسف ﵇ وكان مآل هذا الفقدان خيراً ليوسف وجميع بني
يعقوب، وهذه أم موسى ﵇ حزنت لذهاب ولدها لولا أن ربط الله على
قلبها، وكان مآل ذلك خير موسى ﵇ ورفعته، وإنقاذ بني إسرائيل من
فرعون وبطشه.
وهذا قارون فرح بما آتاه الله من مال وكنوز فكان مآله عندما طغى وتكبر أن
خسف الله به وبداره الأرض.
ولكن القاعدة أن المسلم متى استقام على أمر الله سبحانه فإن أمره كله يكون
خيرًا، وهذا ما نبه إليه رسول الله ﷺ في قوله في الحديث
الصحيح: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛
إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» ،
ولكن (ليس ذاك لأحد إلا للمؤمن) .
وثالثها: أن كل ذلك مرتبط بحقيقة العبودية لله وبحكمة الابتلاء؛
فالمسلم مستسلم لأمر الله الشرعي راضٍ بأمره القدري، مؤمن بأنه لا يكون أمر في
الكون إلا بعلم الله وقدره، وأن هذا الكون وما يجري فيه لم يخلق عبثًا، بل لحكمة
عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلَها من جَهِلَها.
وقد تحدث بعض العلماء عن بعض الأسرار والحكم التي وراء الابتلاءات،
وأَصَّلوا لذلك أصولاً، فكان مما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ عن بعض حِكَم
ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم وكسره لهم أحيانًا:
* استخراج عبودية المؤمنين وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله
نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا،
ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة.
* أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي
حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم؛ فلله سبحانه على العباد في
كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا يستقيم القلب بدونها،
فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه
ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
* أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى
في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: [إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ
قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ
وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ١٤٠) ، فابتلاء المؤمن كالدواء له
يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه لأهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته،
فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة؛
ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه.
* أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم
الرضا فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛
فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء، والكفار لا رضا
عندهم ولا احتساب وإن صبروا فكصبر البهائم.
* أن المؤمنين لو كانوا دائماً منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس
قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا
مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم
الدولة تارة وعليهم تارة؛ فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد
إلا الدنيا والجاه.
* أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما
يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان وإن كان في الظاهر
بخلافه؛ فقد أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
ورابعها: في ضوء ما سبق يمكن النظر إلى الأحداث القريبة الماضية
والجارية بمنظور مختلف، فنجد أن هذه الأحداث:
* أفاقت كثيرًا من المسلمين وردتهم إلى ربهم بعد طول غفلة.
* بعثت في الأمة من جديد روحًا كانت قد خبت أو كادت منذ زمن، روح
العزة والكرامة والتحدي رغم الصعاب والاستضعاف، كما استخرجت منها بعض
طاقاتها وإمكاناتها المعطلة.
* استحثت في الأمة تيقظها واستفزت انتباهها إلى الإحساس بخطورة
مخططات الأعداء في مجالات لم تعطها حقها من الاهتمام رغم أهميتها ورغم
استهداف الأعداء لها كمناهج التعليم والمرأة والأسرة ...
* أظهرت أن بإمكان المستضعفين في أي مكان مواجهة قوى التجبر والطغيان
متى كانوا صادقين في إيمانهم بقضيتهم مستعدين للبذل والتضحية من أجلها، مما
كشف دعاوى المنهزمين والمخذلين.
* نزعت عن الأعداء وجه الزيف الذي كانوا يتقنعون به، وكشفت وجههم
الحقيقي: وجه عداء سافر، واستهداف لرموز الدين ومشخصاته ولقيم الأمة
وخصائصها، ورغبة عارمة في نهب ثرواتها ومحاصرتها واحتلالها بشتى الأشكال،
كما بينت حقيقة القيم التي كانوا يتشدقون بها، فظهر جليًا أنها قيم انتقائية ودعائية
وزائفة لا تصمد أمام التحديات والمحكَّات الحقيقية.
* وهذا ما جعل كثيرًا من مخدوعي بني جلدتنا بالغرب وحضارته يراجعون
أنفسهم، ويتحول إعجابهم بالغرب وحضارته إلى صدمة وفجيعة.
* أظهرت هذه الأحداث خبايا المنافقين وما كانوا يضمرونه للأمة ودينها،
وكشفتهم على حقيقتهم، وأبانت عمالتهم وخيانتهم لكل ذي بصيرة.
وخامس هذه الحقائق: أن من هدي الرسول الكريم ﷺ
الاستبشار بالجديد القادم والاحتفاء به والدعاء ببركته: ففي دعاء رؤية هلال الشهر
الجديد: «هلال خير ورشد» ، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال:
«أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله
ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعت
هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى» ، وعن أبي هريرة قال: «كان رسول
الله ﷺ إذا أتي بالباكورة بأول الثمرة قال: اللهم بارك لنا في
مدينتنا وفي ثمرتنا وفي مُدِّنا وفي صاعنا، بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من
يحضره من الولدان» .
ومن هديه ﷺ أيضًا أنه إذا أقدم على مجهول زمان أو مكان
سأل الله خيره واستعاذ به من شره: ففي دعاء رؤية هلال الشهر أيضًا:
«اللهم إني أسألك من خير هذا ثلاثاً اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير
القدر وأعوذ بك من شره - ثلاث مرات -» . وفي أذكار اليوم والليلة: «اللهم
إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها
اللهم» ، ولم يرَ رسول الله ﷺ قرية يريد دخولها إلا قال حين
يراها: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن،
ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية
وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» .. وفي أذكار دخول
السوق ونزول المسافر والمرتحل وادياً أو منزلاً، وهبوب الريح والاقتران بالزوجة
الجديدة والدابة الجديدة.. ما يفيد المعنى المقصود نفسه.
فارتباط المسلم بربه، ويقينه بأن كل قادم مجهول لا يخرج عن قدرته سبحانه
وقدره، وأنه لا بد له فيه حكمة بالغة، وثقة المسلم بوعد الله تعالى لعباده
المؤمنين: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]
(غافر: ٥١) ، [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) ، [فَاصْبِرْ إِنَّ
العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ] (هود: ٤٩) ، [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا
قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ]
(الرعد: ٣١) ، [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) ... كل ذلك
يجعل المؤمن مستبشرًا بعامه الجديد مطمئنًا إلى مستقبله، متوكلاً على ربه، راضيًا
بقدره، شاحذًا همته، مستبعدًا شبح اليأس والتثبيط، [إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ
إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) .
سادسًا: أن كل ما سبق لا يعني عدم الاستعداد وبذل الجهد والأخذ بالأسباب
ودفع كيد الأعداء ومواجهتهم؛ فالتوكل على الله عبودية القلب، والأخذ بالأسباب
عبودية الجوارح، ومن أخل بأحدهما فقد قصر في مأمور به، بل إن استقامة
المسلم على أمر ربه تلزمه أن يجتهد ويبذل ما في استطاعته لإقامة دين الله ورفعته
ودفع فساد المفسدين في الأرض أيًّا كانوا وأينما كانوا.. إبراءً لذمته وإعذارًا إلى
ربه: [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (الأعراف: ١٦٤) ، [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً
وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .
كما أن ذلك يدعونا إلى تحقيق أهلية العمل لنصر الله، وتحصيل شروط
التمكين، والصبر على تكاليف أداء رسالة الحق والاستقامة عليه ...
جعلنا الله وإياكم من خاصته المخلصين المستقيمين على أمره الذابِّين عن
دينه ...
стр. 4520
دراسات في الشريعة
تأثير إلغاء سعر الفائدة في المجتمع
(١ ـ ٢)
عدنان بن جمعان الزهراني
adnanzhrani@hotmail.com
* تمهيد:
لقد شهد الفقه الإسلامي شيئاً من التراجع، ليس لعدم مقدرة أصوله على تنزيل
الحكم الشرعي على الواقع، وكذلك ليس لقلة عدد المنتسبين إلى الفقه على نقص
المحققين فيهم، بل لقلة إدراك كثير من فقهائنا للّغة التي يحسن بهم إتباعها في
توجيه أمتهم؛ لأن الفقه ليس مجرد أحكام تلقى هكذا دون نظر إلى تأثر الناس بها،
وتلقيهم لها بالقبول، وهو أمر وإن كنا في غنى عنه في مرحلة سابقة؛ فإنه اليوم
في غاية الأهمية، وليس ذلك لأن الناس لم يكونوا بحاجة إلى تلقي الأحكام بالقبول
لتطبيقها في حياتهم في تلك المراحل السابقة، بل لأنهم كانوا أقل عرضة للموانع.
أما نحن اليوم فأمامنا موانع كثيرة، وشواغل أكثر، فغدا التشويق لازماً للغة
الفقه اليوم [١] ، مع السهولة التي يظهرها المثال الواقعي؛ مما يمسه الناس في
معاشهم، دون الاكتفاء بالعرض مع المثال الذي إنما خوطب به المرء قبل سنين
عديدة، وهذا ما وجدت كثيراً من الفقهاء في عزوف عن إدراكه، فضلاً عن
التعاطي الكَيِّس معه.
انظر إلى قضية الحجاب في كتابات المنفلوطي، بل وغيرها، ومثله الرافعي،
وغيرهم رغم قلتهم بل ندرتهم، وانظر إلى عمق تأثُّر الناس بها، وهم ليسوا في
عرضهم لتلك القضايا سوى أدباء متأثرين بالفقهاء، وقد صاغوا الفقه في قالب من
الأدب؛ يجعل الممتثل للشرع الحنيف فارساً ركب الجادة كي يصل إلى مراقي
الفلاح، وهم جعلوا المُعرض كحمار يحمل أسفاراً، ضمن سياق تصويري بديع،
وأقول جازماً لقد فعلوا بصنيعهم فوق ما صنعته الفتاوى على كثرتها هذا ما أحسبه،
ولهذا لاح لي أن أعرض شيئاً من قضايانا والتي جدَّ الحديث عنها وهو خَلِقٌ في
ثوب جديد، قال الرافعي في وحي القلم: «ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى -
كالإيمان، الجمال، والحب، والخير، والحق - ستبقى محتاجةً في كل عصر إلى
كتابة جديدة من أذهان جديدة» [٢] .
وحديثنا هنا عن أمر قد تكلموا عنه عبر فضائيات قد كنا قبلها في غنى عن
التنزل في الحوار، وفي غنى عن كثير من القول المستند إلى دليل العقل الذي يجد
مصداقيته من المعادلة الرياضية؛ ليزداد الذين آمنوا إيماناً، وتذهب الريبة عن
غيرهم، فصرنا في حاجة لنعرض بعض فقهنا من خلال قصة، غير مقصرين في
كل ما يتطلبه قرع الحجة بأختها، مع الإعراض عن كل ما لا حاجة إليه؛ ليدرك
الناس سر الشريعة [٣] ، ضمن سياقها الذي وردت خلاله، لا باعتبار الحكم جزءاً
لا صلة له بالكل، حيث يظن الرائي أنه أمام يد فُصلت عن جسد، أو أمام رقعة
قُطعت من ثوب.
لأننا عندما نتحدث عن حكم شرعي لا نملك أن نفهمه على نحو صائب إلا
عندما ننظر إلى المنظومة الإسلامية في شمول وتكامل، فليس تحريم الربا في
معزل عن حكمته علته، ولا ما هو مؤد إلى ما من أجله حرم الله تعالى الربا خارجاً
عن حكمه، وإلا فالشريعة ليست من عند الله تعالى، أو الحكم المظنون ليس هو
الشرع الحنيف، ولا شيء سوى هذين الاحتمالين، ولا يملك مؤمن سوى القول بأن
ما حسبناه من الشرع ليس منه؛ لأن الله تعالى لا يشك به عاقل، سبحانه.
والآن أعرض لذكر وقائع جلسة من مجالس الشورى التي تصورها الكاتب في
ذهنه، وهي جلسة عقدت لاتخاذ قرار بشأن ما يسمى بسعر الفائدة، وهي طريقة
لعلها جديدة في رد فتوى مجمع البحوث المصري، والتي تتعلق بالاستثمار لدى
البنوك مع ضمان نسبة من الربح، وهو ما سيجده القارئ بإذنه تعالى، والآن إلى
ذكر تلك الوقائع من محاضر ذلك المجلس.
- محضر الجلسة الخاصة بمناقشة مشروع إلغاء سعر الفائدة:
لقد انعقد مجلس الشورى في جلسة طارئة بتاريخ ١٤/١٠/١٤٢٣هـ،
الموافق ١٨/١٢/٢٠٠٢م، وذلك لمناقشة المشروع المقدم من قبل اللجنة العليا
لدراسة أفضل السبل لرفع الفقر، وتحقيق رفاهية المواطن، وإقرارها.
عنوان المشروع: إلغاء سعر الفائدة.
أثره: رفع الفقر، وتحقيق رفاهية المواطن [٤] .
مقدم المشروع: عدنان بن جمعان الزهراني.
أولاً: مسوّغات تقديم المشروع.
- محاولة جادة لتوفير فرص عمل جديدة لأبناء المجتمع؛ بمعنى الحد من؛
بل مجابهة البطالة.
- تشجيع الاستثمار على اختلاف مجالاته.
- الحد من الغلاء المستمر المعبر عنه بـ (التضخم الحاد) .
- ومن ثم المحافظة على القوة الشرائية للعملة، وتحقيق الاستقرار في
الأسواق.
وقبل كل ذلك رفع المقت الإلهي؛ من خلال إغلاق باب كبير من أبواب
الحرب لله ولرسوله ﷺ ، وهو ما يوضح من خلال النظر
الاقتصادي المجرد مدى ما للشرع الإلهي من إعجاز يزيد من إيمان المؤمنين،
ويزيل الريبة عند غيرهم؛ ليعلم الجميع أن التشريع الإسلامي لا يمكن أن يكون قد
جاء من قِبَل البشر، وذلك من خلال ما سنرى في هذا المشروع.
ثانياً: عرض المشروع.
أصحاب المعالي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليس خافياً عليكم ما نتحمل من مسؤولية تجاه أبناء شعبنا؛ لأننا سنُسأل يوم لا
ينفع مال ولا بنون عن كل قول قلناه، وعن كل فعل فعلناه تحت مظلة هذا المجلس.
نحن لا نجتمع هنا لمناسبة خاصة، أو لمجرد أداء عمل تقليدي، إننا نخط
بأيدينا مستقبل أبنائنا، وما سنقوله ونقرره يدخل إلى كل بيت، ويتأثر به كل
شخص، فالله الله! في كل من ولانا الله أمرهم، فليس من جائع إلا وسنُسأل عنه:
لِم لَم نطعمه؟ ولا من عارٍ إلا وسنُسأل عنه: لِم لَم نكسه؟
لسنا نُسأل عمن أكل، ومن لبس، فضلاً عمن نقص ربحه، كسؤالنا عن
محتاج لِمَ احتاج ونحن نملك أن نرفع حاجته؟ أصحاب المعالي: ليس من غايات
اقتصادنا الإسلامي الحد من ثروة الأغنياء، ولكنه يجعل المال الذي بأيديهم دائراً؛
لينتفع منه جميع الناس على اختلاف طبقاتهم، وهو يحارب الثراء الذي يكون على
حساب الفقراء ونحوهم من أبناء المجتمع، واقتصادنا لا يقبل أن يفقد المال مسوّغ
وجوده؛ لأنه ليس غاية في نفسه، بل هو وسيلة لتمضي حياة المرء في يسر
وسهولة، وليكون ذلك المال عوناً على طاعة الله تعالى.
أصحاب المعالي:
النقود في اقتصادنا واسطة قد رضي بها الجميع لتبادل المنافع، ولا يقبل ديننا
أن يكون النقد (المعين) واسطة للنقد (نفسه) مع وجود فرق [٥] ؛ سواء كانت
المبادلة حالّة [٦] ، أو مؤجلة [٧] ؛ لأنه عندها يفقد صفة الوسيط الأمين المعبر عن
صحة العملية التبادلية وسلامتها؛ لأنه ليس من المعقول ولا من المصدق حتى لو
تقبلته عقول بعض الناس؛ أن يكون النقد وسيطاً أميناً حالتئذ، بل لقد صار غاية
في نفسه؛ مما أفقده شيئاً من قيمته، وبالتالي فَقَد الإنسان شيئاً من قيمة عمله وجهده؛
مما يوغر صدره، ويهدر كرامته؛ لأن النقد أهم ما يعبر عن جهد الإنسان في
باب المعاملات (وهو الوسيط بين جهد الإنسان وباقي المنافع) ، فحين يتم
التغاضي عن شيء منه في عملية تبادلية (أي قبول مبدأ النقص أو الزيادة في أحد
العوضين حين يكونان من العملة نفسها، أو حتى عندما يكونان من عملة أخرى
شرط وجود الأجل) ؛ فإننا نتغاضى عن شيء من جهد الإنسان نفسه، وهو ما
يعني عدم الاكتراث للإنسان، وجعل النقد فوقه، وسيتحول الإنسان بعد ذلك من
الإنسانية إلى اعتبار الإنسان شيئاً من المادة نفسها، والتي لا روح لها بل ولا عقل.
أصحاب المعالي:
هناك فئة ترغب في زيادة النقود بيدها دون منفعة حقيقية يستفيدها المجتمع
من ذلك النقد؛ يعني زيادة دون عمل، نعم! هم تلك الفئة التي تدفع النقد ليكون هو
بنفسه سبباً لزيادته؛ بحيث لا يكون واسطة للتبادل، بل حتى حين يعلمون بوجود
تبادل وذلك لدى دخولهم فيما يسمونه استثماراً لا يبالون بنقص غيرهم ما داموا هم
في زيادة، ويضمن الآخرون لهم ولا شأن لهم بالمجتمع، ويغنمون حتى حين يغرم
الآخرون، فلا تبادل على وجه الحقيقة مع وجود زيادة ترجع إليهم.
يا لها من خدعة سنرى أثرها على المجتمع فيما بعد!
أصحاب المعالي:
هنا سؤالان أنتظر إجابتهما منكم، وهي التي ستكون مفيدة لنتحدث بوضوح
أكثر عن مشروعنا بشيء من التفصيل. وهما:
- هل سيكون من الأفضل عند صاحب رأس المال وليكن ٠٠٠,٠٠٠,١٠٠
ريال وضع ماله لدى بنك مقابل نسبة محددة مسبقاً، ولتكن ٥% ربحاً سنوياً، أو
استثمار ما لديه من مال في مشروع قد يحقق ربحاً يصل إلى ١٠%، أو أكثر
سنوياً، مع احتمال خسارة قد تصل إلى النسبة نفسها للربح المتوقع، أو أكثر، أو
قد تجتاح المال كله؟
- البنك حين يستلم ذلك المبلغ؛ كيف سيستغله كي يضمن تسديده لتلك النسبة؛
لأنه قد ضمنها لذلك المودع أو المقرض، أو المستثمر! من قبل؟
أصحاب المعالي:
أريد جواباً يتفق مع رغبة غالبية أصحاب رأس المال، والذين وصفهم كبار
الاقتصاديين بعبارتهم المشهورة (رأس المال جبان) ، كما أرغب في جواب لا
يأخذ الاعتبارات الشرعية بالحسبان على أهميتها، بل لا أهمية لغيرها، إلا أنني
أريد ما نستطيع به مجادلة أصحاب الرأي الآخر بأسلوب لعله يكون أجدى نعم
سيكون الاختيار الأنسب هو الحصول على الربح المضمون ولو قلّ؛ لأنهم
سيجدون أنفسهم أكثر اطمئناناً.
وبعد ذلك سيقوم البنك بالأمر نفسه، وسيلجأ إلى وضع المبلغ لدى جهة أخرى
بنك، وهو المفضل هنا، أو غيره تقوم بدفع نسبة أعلى؛ ليصبح الفرق ربحاً
لصالح البنك الأول، وهكذا.
ولا بد تقودنا هذه السلسلة في النهاية إلى مستثمر يقبل تحمل عبء مغامرة
يدخلها مع احتمال الخسارة والربح، غير أنه مدين لتلك الجهة المقرضة بمبلغ تزيد
نسبته حسب حظه، ومدى طول السلسلة التي وصلت بالمبلغ إليه.
مع العلم بأن تلك الجهة المقرضة مضطرة للتساهل مع ذلك المستثمر من حيث
الضمانات، نظراً لرغبتها الشديدة في تحويل العبء عنها، خصوصاً حين لا تجد
من الجهات الاقتصادية البنوك من يعطيها هامشاً مناسباً للربح، فيكون ذلك
المستثمر وبشروط سهلة هو ملاذها، وهو من سيقبل دفع تلك النسبة بهامش مفيد،
ولنقُل بلغ ما سيدفعه المستثمر ٩% سنوياً [٨] .
أصحاب المعالي:
رجل يملك ١٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ريال، سيضمن ٥% ربحاً سنوياً من ذلك البنك،
والبنك سيعطيها بنكاً آخر بنسة ٧% سنوياً، وهذا سيعطيها مستثمراً بنسبة ٩%
سنوياً، والمستثمر في أحسن الأحوال [٩] سيقوم بتأسيس صناعة في مجال من
المجالات، ولنفترض هنا أنه قام بعمل مصنع متكامل للسجاد نسأل الله تعالى له
التوفيق.
والسؤال الآن: كيف سيكون سعر تلك السلع التي يقوم المستثمر ببيعها؟
للإجابة نفرض أن تكلفة التصنيع تبلغ ١٠ ريالات للمتر، ونجعل ٣٥%
مصاريف عمومية وإدارية، حين يقر مجلس الإدارة تلك النسبة؛ أي ستصبح تكلفة
المتر ١٣.٥ ريالاً، وهامش الربح الذي قرره مجلس الإدارة ٥٠% من سعر التكلفة؛
أي سيكون البيع بـ ٦.٧٥ + ١٣.٥ = ٢٠.٢٥ ريالاً، هذا هو المقرر، ولكن
المستثمر تواجهه مشكلة خدمات الدين، وهي ما نسبته ٩%، ولهذا سيتم وضعها
ضمن هامش الربح أو ضمن تكلفة المتر النهائية، وهو ما سيكون ١.٢ ريال تقريباً
قبل وضع هامش الربح؛ ولذا سيزيد سعر المتر بالمقدار نفسه ليصبح ٢١.٥ ريالاً
تقريباً.
هذا سعر البيع المناسب للمستثمر؛ فهل هو السعر الذي سينزل إلى السوق؟
الجواب: لا؛ لأن المستشار الاقتصادي للشركة قد أخذ بمبدأ الاحتياط من
وجود كساد ونحوه من الطوارئ، وهو ما جعل سعر المتر ٦٠ ريالاً.
لماذا؟
لأنه سيكون مضطراً لتحميل كل متر سيتأخر بيعه عن عام ما نسبته ٩%
على الأقل، وهي خدمات ذلك الدين، وعند وجود تأخير في بيع شيء من بضاعته
لن يتقبلها السوق إلا بعد وضع تخفيض (خصم) جيد عليها باعتبارها بضاعة
قديمة، وهكذا في كل متر يتأخر بيعه، بينما سعر تكلفته يزيد على الأقل ٩%؛
فكيف سيكون التخفيض (الخصم) على شيء ستزيد كلفته مع الأيام، فكان
المخرج هو جعل سعر البيع للمتر الجديد ٦٠ ريالاً؛ ليصبح التخفيض (الخصم)
على البضاعة القديمة لعامٍ ٥٠%؛ أي ٣٠ ريالاً، ولعامين ٦٠% مثلاً؛ أي ٢٤
ريالاً للمتر، وهكذا تقل آثار تراكم خدمات الدين [١٠] .
والملاحظ هنا أن المتضرر من الغلاء الشديد هو المستهلك.
كما لا بد من ملاحظة أن بعض المستثمرين سيلجأ إلى أمر آخر، وذلك عندما
لا يحبذون النزول إلى السوق بسعر عال منذ البداية، ذلك عندما توجد منافسة في
المجال نفسه، فعندها سيكون سعر البيع مماثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الأمر،
وهو في مثالنا ٢١.٥ ريالاً، ولكنه سيضطر إلى رفع مستمر للسعر آخذاً بالحسبان
خدمات الدين للبضاعة التي لم يتم بيعها [١١] ؛ ليصير عبئاً تتحمله البضاعة الجديدة،
وهو ما نراه في معظم الحالات اليوم، وهو ما يعد شيئاً يسيراً ولكنه لا يلبث أن
يتفاقم ويضر بالمجتمع، وهو ما يعني وجود تضخم مستمر [١٢] قد لا تظهر آثاره
قريباً، ولكن عند وجود أقل طارئ يجد الناس أنفسهم أمام أموال عظيمة مهدرة
[١٣] ؛ لأنه بحَسْب المستثمرين سداد خدمات ديونهم، أما الديون نفسها فهم لا
يقدرون على سدادها في غالب الحالات.
ولو أرادوا فلن يكون إلا على حساب إغلاق أبواب كثير من الشركات، ولهذا
وقعت النمور الآسيوية في شر عظيم، عندما طلب بعض المقرضين [١٤] الحصول
على أموالهم، وإلا فهم سيعلنون أن الاقتصاد هناك لا يوثق به [١٥] ، فقامت البنوك
بطلب سداد الديون من المستثمرين، وهو ما لم يحدث، فرفعت قضايا حقوقية
قضائية في هذا الخصوص، وتم بيع شركات كبيرة بأبخس الأثمان [١٦] ، بعد
إعلان إفلاس كثير منها، وتم تسريح ألوف من الناس من أعمالهم؛ لأن الآلية التي
تعمل بها تلك الشركات لم تكن لتستطيع المنافسة لو وضعت في خطتها سداد الدين،
فلم يكن عند معظمها سوى آلية لسداد خدمات الدين، فعندما اضطرت البنوك لسداد
مبالغ كبيرة لبعض المستثمرين أغلقت أبوابها، وسرحت موظفيها، ومثلها كثير من
الشركات، لتظهر بسبب ذلك مأساة البطالة مع ما تجلبه من ويلات وفساد، فكم من
إنسان خسر عمله بسبب ما يسمى بسعر الفائدة؟! فهو كما ظهرت مسؤوليته عن
التضخم وهو ليس ينفي وجود عوامل أخرى إلا أنني أجادل في جعل هذا من أهم
عوامل التضخم - تظهر الآن مسؤوليته عن خسارة كثيرين لأعمالهم، بل عدم
وجود أعمال أصلاً - وكذلك هنا أقول: ليس هذا ينفي وجود عوامل أخرى، إلا
أنني أجادل في جعل هذا من أهم عوامل البطالة -، وهو ما يعني مزيداً من الفقر
والجوع، ومن ثم الجريمة والفساد [١٧] .
أصحاب المعالي:
كيف ستُعالج مأساة البطالة؟
هناك جواب على طرف لسان كل اقتصادي يحدده قولهم: (على الدولة
خفض سعر الفائدة) ، حتى لقد لجأ البنك المركزي الأمريكي إلى جعلها ٢٥,١%
فقط [١٨] ، في أوائل شهر نوفمبر عام ٢٠٠٢م؛ لمواجهة البطالة التي ارتفعت
نسبتها كثيراً لديهم [١٩] ، وبعض الدول جعلتها أقل من ذلك، والسؤال هو: لماذا لا
يتم إلغاؤها ما دام وجودها يسبب البطالة، وعلاج البطالة في تخفيضها؟
هناك أجوبة للاقتصاديين لست بصدد تفنيدها [٢٠] ، غير أنه من المناسب فهم
العلاقة بين سعر الفائدة والبطالة، فهو أمر يوضح عاملاً من أهم العوامل المسؤولة
عن وجود تلك الظاهرة.
أصحاب المعالي:
تصوروا أنه قد تم إلغاء سعر الفائدة تماماً.
ما الذي سيفعله أصحاب رؤوس الأموال، وفي مثالنا صاحب ١٠٠.٠٠٠.٠٠٠
ريال؟
سيقول بعضهم: لن يستثمر، بل سيفضل الاحتفاظ بالمال لديه.
أقول له: لا بأس؛ لكن عليه دفع ٢.٥% سنوياً للزكاة، يعني ٢٥% خلال
١٠ سنوات.
وهذا لن نجد من يقبل به مهما قلنا عن جبن رأس المال.
ولذلك سنجده صاحب ذلك المصنع للسجاد، وسيكفيه البيع بـ ٢١.٥ ريالاً
للمتر، والبضاعة التي تتأخر لن يتحمل بسببها عبئاً جديداً سوى التخزين، وهو
أمر يكاد ألا يذكر في مثل هذه الحالة، وسيكون ممكناً له أن ينافس في كلا الحالتين،
في الوقت الذي نجد العامل أكثر أماناً بسبب استقرار الوضع المالي لصاحب
الشركة، ومن ثم سيكون المجتمع أكثر استقراراً، ولن يكون ارتفاع الأسعار أمراً
لا مفر منه، وسنجد الاستثمار في كل زاوية، وسيبدع أصحاب رؤوس الأموال في
ابتكار أساليب لتثمير أموالهم [٢١] ، وسيكونون دائماً في حاجة ليد عاملة، وهو ما
يقضي على البطالة أو يحد منها على الأقل، وسيكون المجتمع في نمو مستمر
واستقرار.
أصحاب المعالي:
أهم ما يقوله بعض الاقتصاديين: إن نقص سعر الفائدة فضلاً عن إلغائه يؤدي
إلى النقص في سعر العملة؛ مما سيؤدي إلى التضخم (غلاء السلع) ، وذلك بسبب
كثرة المعروض من النقد [٢٢] .
ولا نجادل أن ذلك سيؤدي إلى تنشيط الاستثمار، ويسهم في تقليل نسب
البطالة، إلا أنه يزيد في رغبة السوق في رفع الأسعار.
وأقول: لا بأس؛ لأن الغلاء حين يكون معقولاً يكون أقل سوءاً من البطالة،
لكن الحديث عن هذا الأمر كما لو كان مسلّماً به غير صحيح؛ لأننا نستطيع
مواجهة الغلاء من خلال الجهات التي تحمي المستهلك، وتعمل على استقرار
الأسواق [٢٣] ، والسلاح الأهم هو توعية الناس وتوجيههم للنفقة في أوجه البر، لا
المبالغة في الرفاهية، والأخذ بالكماليات، وعلينا أن ندرك بأن حماية أمتنا في
اقتصادها ليس يكمن في إلغاء سعر الفائدة فقط على أهميته، بل من خلال فهم شامل
للإسلام ونظرته إلى الحياة، ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه.
أصحاب المعالي:
إننا نستطيع أن ندير ١٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ريال (مليار) من خلال ١٠
أشخاص فقط، ليحركوها كيف شاؤوا، ولكن لو أراد صاحبه النزول إلى السوق
مباشرة والاستثمار فيه، فهو يحتاج لتشغيله إلى ما لا يقل عن ١٠٠٠ رجل،
يزيدون أو ينقصون، وهم إلى الزيادة أقرب؛ لأننا في الحالة الأولى يمكن جعلها
في ديون أخرى أو نحو ذلك، مع وجود عبء على المبلغ [٢٤] ، لكن عند النزول
المباشر سيتركز النشاط ضمن حدود ما يرغب المستثمر بذاته، مع عدم وجود
عبء سوى ما لا بد منه ليتحرك المال في تلك العملية الاستثمارية.
أصحاب المعالي:
الذي ذكرته من قبل لم أتعرض فيه إلى الجانب النفسي الذي يعكسه سعر
الفائدة، ويطبع به كثيرين من أبناء مجتمعنا، نعم! ودون مزيد من الشرح؛ إنه
يوجد تلك الشخصية التي تنعدم لديها روح المغامرة الشرعية، وهو الأمر الذي
تبعث عليه الزكاة؛ لأن رأس المال سيقرر الدخول في مغامرة شرعية (استثمار) ؛
لأنه إذا لم يفعل سيدفع ٥,٢% سنوياً لصالح الفقراء، وسيجد نفسه أمام طريقين؛
إما الاستثمار مع ما فيه من مخاطرة شرعية أو تقبل نقص ٥,٢%، وهي نسبة
الزكاة.
وكثيرون سيقررون الدخول في الطريق الأول؛ لأن الإنسان يحب الزيادة
بطبعه.
الغريب هنا أننا سنرى صاحب المال في الطريق الأول (الاستثمار) يفيد
المجتمع فوق تلك الفائدة التي تجلبها الزكاة حين يقرر سلوك الطريق الثاني، وهذا
سر بديع للتشريع الإلهي؛ فطبيعة حب الزيادة (وسمها لو شئت طمعاً) ، وهي في
نفسها سوء ومقت، هي التي حملت المرء على طريق يظنه يحقق ما تمليه عليه
تلك الطبيعة، إلا أنه سار عكسها تماماً وهو لا يشعر، فأخذ منه المجتمع أكثر
بكثير مما تأخذه الصدقة، لقد أخذت تلك الطبيعة ١٠٠% من رأس المال ليصبح
كله في يد المجتمع، من خلال ذلك الاستثمار، فاتضح بذلك سر بديع للتشريع
الإلهي، إنها طبيعة سيئة حركها الشرع ليرى الناس منها خيراً كثيراً من حيث لا
تشعر.
أصحاب المعالي:
أرجئ الحديث عن أمور أخرى لعلها لا تتصل بما نحن بصدده اتصالاً وثيقاً،
ولها عود بإذنه تعالى، والآن أتقدم بالشكر الجزيل لكم على حسن استماعكم، تاركاً
لكم حرية اتخاذ القرار بهذا الشأن، وفّق الله الجميع إلى كل خير.