مصطلحات إسلامية
الاستخارة
إعداد: عادل التل
المعنى اللغوي:
جاء في مادة خير: الخاء والياء والراء أصله العطف والميل، ثم يحمل عليه، فالخير خلاف الشر، لأن كل أحد يميل إليه، ويعطف على صاحبه، والخيرة:
الخيار. قال في اللسان: الخير: الكرم، والخير: الهيئة، والخير: الشرف.
والاختيار: الاصطفاء.
والاستخارة: طلب الخير في الشيء وهي استفعال منه، واستخار الله طلب
منه الخيرة. ويقال استخر الله يخر لك، والله يخر للعبد إذا استخاره، اللهم خر لي
أصلح الأمرين، قال الأزهري: استخرت فلاناً أي استعطفته فما خار لي أي فما
عطف. وهناك قصة طريفة حول أصل الاستخارة كما جاء في اللسان: إن الصائد
يأتي الموضع الذي يظن فيه ولد الظبية أو البقرة، فيخور خوار الغزال فتسمع الأم، فإن كان لها ولد ظنت أن الصوت صوت ولدها فتتبع الصوت، فيعلم الصائد
حينئذ أن لها ولداً فتطلب موضعه، فيقال استخارها، أي خار لتخور ثم قيل لكل
من استعطف: استخار.
المعنى الاصطلاحي:
من المعروف أن الخير هو كل ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل،
والشيء النافع ولكن للخير وجهان: الخير المطلق وهو مرغوب فيه بكل حال وعند
كل أحد، ومنه (لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة) خير مقيد وهو
خير لشخص وشر لآخر، مثل المال الذي ربما يكون خيراً لزيد وشراً لعمرو.
والاستخارة في الشرع: طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما،
والاستخارة تكون بالتوجه إلى الله تعالى وهى تختلف عن الاستشارة التي توجه
للناس، والاستخارة فيها دعاء، ولكن دعاء خاص ومحدد في الشرع، وقد ذكر
النووي أنه يستحب أن يستشير قبل الاستخارة من يعلم حاله النصيحة والخبرة،
ويثق بدينه ... فإذا ظهر أنه مصلحة استخار الله في ذلك.
وتكمن أهمية الاستخارة بأنها تسليم مطلق لله تعالى وانقياد له وإذعان لمنهجه، ورد الأمور كلها إليه والتبري من الحول والقوة بقوله تعالى: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] .
ومن خلال دعاء الاستخارة ندرك حقيقة هذا التوجه، فقد روى البخاري عن
جابر قال: (كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: فإذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم،
فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن
هذا الأمر خير لي في ديني وعاقبة أمري -أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي،
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال:
عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان
ثم رضني به. ويسمي حاجته) .
من أحكام المصطح:
والأصل في الاستخارة أن تكون في الأمر المباح، أما الواجب والمستحب فلا
يستخار في فعلهما، إلا إذا تعارض في المستحب أمران. أيهما يبدأ به، ويقتصر
عليه، وكذلك الحرام والمكروه، لا يستخار في تركهما، وتتناول الاستخارة العظيم
من الأمور والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم.
ولقد شرعت الاستخارة للمسلم لطلب الخير في المستقبل، لذلك أبطلت عادات
جاهلية كانت قائمة على طلب الخير للإنسان في المستقبل إلا أنها كانت تجري
بأساليب غير شرعية ومنها:
الطيرة:
وهى التشاؤم، وأصل التطير، أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير،
فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأي الطير طار يمنة، يتيمن به، واستمر، وإن رآه
طار يسرة تشاءم ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير، ليطير فيعتمد الجهة التي
يطير إليها فجاء الشرع ونهى عن ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ
: «الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» أخرجه ابن ماجه وهو
صحيح. وعن أبي هريرة: «كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن
ويكره الطيرة» أخرجه ابن ماجه وهو صحيح.
الاستقسام بالأزلام:
وهي عبارة عن أقداح توضع فيها أوراق ثم يختار واحد منها ليأتمر بما كتب
فيه، وقد جاء في سورة المائدة ما نهى عنه، ومنها قوله تعالى: [وأن تستقسموا
بالأزلام] .
السحر:
وهو طلب معرفة الغيب من السحرة. وفعل السحر كفر، والذهاب إلى الكهنة
والعرافين والمنجمين وكل هذا باطل بإجماع علماء المسلمين، وكذلك ما هو
معروف قديماً بضرب الرمل أو الحساب على النجوم أو الأبراج أو الاطلاع على
الفنجان أو قراءة الكف، وكل هذا باطل وغير شرعي.
وتنتشر هذه الانحرافات كلما ابتعدت الأمة عن شرع الله واتبعت الأهواء،
ولا عاصم من الفساد إلا بالعودة إلى منهج الإسلام نستمد منه مفهوم الحلال والحرام، ونستفتيه في شؤون حياتنا كلها. وقد قال رسول الله- ﷺ فيما
رواه الترمذي: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء» .
стр. 457
شذرات وقطوف
دور المعلم المتجدد كل يوم
إن الذين يتصورون عمل المعلم على أنه مثل باقي الوظائف أو الأعمال
الأخرى، أي عمل رتيب لا يتغير ولا يتبدل من يوم لآخر مثله في ذلك مثل
المحاسب الذي يجلس خلف مكتبه يراجع عشرات أو مئات الفواتير والمستندات
والدفاتر، الذين يتصورون عمل المعلم من هذا النوع.. يخطئون فهم طبيعة عمل
المعلم خطأً كبيراً.
إن المعلم يواجه في كل يوم من أيام عمله تحدياً جديداً يتمثل في حماس
الشباب الذين يحيطونه بأفكار جديدة وأسئلة متنوعة، وربما بمشاكل متجددة أيضاً،
إن كل يوم عمل في حياة المعلم إنما يمثل تحدياً جديداً عليه أن يقابله بما يستحق
وبما يتمشى معه. ليس هذا فحسب، وإنما كل درس يدخله يحتمل هذا المعنى، إذ
إن كل فصل يختلف عن الآخر من حيث طلابه، ومن حيث حماسهم ونشاطهم
وتفاعلهم، بل إن نفس الفصل في الصباح يختلف عنه في الظهيرة، وذلك رغم أنه
يضم نفس الأطفال أو نفس الشباب، وذلك أخذاً في الحسبان عاملي النشاط في
الصباح والتعب والإرهاق بعد الظهر.
تربية الأطفال
ثم تأتى مشكلة الأطفال، سينشئهم على الإسلام ويفسدهم الشارع والمدرسة
والمجتمع كله.. ومع ذلك فلا خيار.. وليس هناك بديل.. ولا حلول سحرية
للمشكلات! لا تستطيع -ولا يجمل بك - أن تحجز طفلك عن الشارع ... إنما
عليك أن تقوم بعملية غسيل يومية لما أصاب طفلك..!
وقد تفلح في ذلك تماماً وقد لا تفلح، ولكن عليك المجاهدة الدائمة في كل حال، وهو عذاب ومشقة، ولكنك تؤديه لله، وتعلم أن جزاءه الكامل عند الله، ويعينك
في ذلك أن تجعل العلاقة بينك وبين طفلك قوية متينة عميقة، فحين يكون الطفل
محباً لوالديه، متعلقاً برضاهما عنه، يكون وزن البيت في حسه أثقل من وزن
الشارع، فيستطيع البيت من ثم أن يصلح ما يفسده الشارع، كله إن وفق الله، أو
بعضه على الأقل بإذن الله.
محمد قطب - منهج التربية الإسلامية ٢ / ١٩٣
من مكائد إبليس
لم أرَ لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته،
إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله، والثانية: استسهال الإنسان أن يسئ
اليوم لأنه قد أساء أمس، أو أن يسئ في وجه ما، لأنه قد أساء في غيره، فقد
صارت هاتان الكلمتان عذرين مسهلين للشر.
ابن حزم - الأخلاق والسير في مداواة النفوس / ٣١
стр. 458
علماء معاصرون
جمال الدين القاسمي [ ١]
سليمان عبد الله الياسين
هو أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن
إسماعيل بن أبى بكر المعروف بالقاسمي، إمام الشام في عصره، محدثاً، فقيهاً،
مفسراً، مصلحاً وأديباً.
ولد الشيخ القاسمي في مدينة دمشق، يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى
الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف، نشأ في بيت علم وفضل، فوالده كان
فقيهاً، عالماً، أديباً، أفاد منه الشيء الكثير، فكان هذا عاملاً بالإضافة إلى ذكائه
واستعداده وقدراته على أن ينشأ نشأة علمية صالحة.
أخذ العلوم عن مشايخه على طريقة القدماء، نظراً في الأدلة، وتوثيقاً
للنصوص، ووقوفاً على أقوال السلف الصالح، الذين تعتبر أقوالهم مرجحة لما يقع
من خلاف في عصور المتأخرين، كل ذلك في حياة تقليدية يظهر عليها الجمود،
والجهل والتقليد.
نشأ الشيخ القاسمي في ظروف كانت الطرق الصوفية فيها في أوج انتشارها،
يعتنقها العامة حول بعض المشايخ الذين يشغلونهم عن العمل النافع الذي أمروا به
لإقامة المجتمع الصالح.
من هذا الوسط المختلف المشارب والمآرب دعا الشيخ القاسمي إلى العلم،
ونبذ التعصب والتقليد، وتصفية العقيدة مما علق بها من أفكار وفلسفات واعتقادات
دخيلة، وإرجاع مجد الإسلام، ورفع شأنه، وجعله الحكم على شئون الحياة كلها.
فكانت النتيجة أن اجتمعت عليه الجموع، وهذا حالهم في كل زمان، فهم
يختارون الأوساط التي تعينهم على ترويج ونشر أفكارهم ومعتقداتهم.
إن صفحات التاريخ لتضع أمام كل باحث ومفكر وطالب علم، حقيقة ذات
أهمية كبيرة وهى أن الخاصة من الرجال والعلماء والمفكرين هم وراء التجديد، ولا
أقصد بالتجديد تغيير حقائق هذا الدين العظيم، الذي تكفل الله بحفظه، ولكنه تجديد
العودة إلى الأصول، وتغيير المفاهيم الدخيلة، سواء في العقيدة، أو السلوك، أو
في مجال النظر والاستدلال.
لقد آمن القاسمي ﵀ بنبذ التعصب والجمود، وفتح باب الاجتهاد لمن
ملك القدرة على ذلك، وكثيراً ما كان يستشهد بأقوال الأئمة الأربعة للتدليل على
أفكاره، فكان يقول: (إن من يطلع على كتب هؤلاء الأربعة ﵏ يرفض
التقليد، لأنهم أمروا تلامذتهم بالاجتهاد، وأن لا يجعلوا كلامهم حجة، وينقل كلاماً
للمزني - وهو من أئمة الشافعية- في كتاب الأم للشافعي فإنه يقول: أنقل لكم كلام
الشيخ الشافعي لا لتأخذوا به، فإنه كان نهانا عن التقليد فيقول: يجب الاحتياط
بالدين، والأخذ بالكتاب والسنة [٢] .
وعليه فقد لفقوا له تهمة خطيرة يستحق عليها السجن والتعذيب؟ !
إنها تهمة الاجتهاد، وتأسيس مذهب جديد في الدين سموه (المذهب الجمالي)
وشكلوا لذلك محكمة خاصة مثل أمامها مع لفيف من العلماء، كان ذلك سنة ١٣١٣
هـ وله من العمر ثلاثون عاماً، ثم خلوا سبيله.
يقول في كتابه الاستئناس [ص ٤٤] : (وإن الحق ليس منحصراً في قول،
ولا مذهب، وقد أنعم الله على الأمة بكثرة مجتهديها) .
وفى كتاب إرشاد الخلق [ص ٤] : يقول: (وإن مراد الإصلاح العلمي
بالاجتهاد ليس القيام بمذهب خاص والدعوة له على انفراد، وإنما المراد إنهاض
رواد العلم، لتعرف المسائل بأدلتها) .
ونحن اليوم في عصر قد كثر فيه الخلاف، وذهبت فيه العقول منازل كثيرة،
ما أحوجنا إلى نبذ التعصب، وتحرير العقل من الهوى، والسعي وراء الأدلة
الصحيحة، فندور حيث دارت، ونتمسك بها ولا ننتصر لرأي ذاتي فربما كان خطأ
أو صواباً.
أخذ القاسمي العلوم عن كثير من المشايخ أمثال: الشيخ سليم العطار، قرأ
عليه شرح الشذور، وابن عقيل، وجمع الجوامع، وتفسير البيضاوي، وسمع منه
دروساً من صحيح البخاري دراية، والموطأ، ومصابيح السنة.
وقرأ على الشيخ بكري العطار، والشيخ محمد الخاني، ووالده الشيخ محمد
سعيد القاسمي، وكان يحضر دروس الشيخ عبد الرزاق البيطار، مجدد مذهب
السلف في الشام، وقد استفاد منه الشيء الكثير.
وكان جميع أساتذته من المعجبين بذكائه ونباهته، يتوقعون له مستقبلاً مشرفاً
، ويتطلعون إلى ما يتحقق على يديه من نهضة عظيمة لمنطقة أحوج ما تكون إلى
الدعاة الذين يدعون إلى الله وفق أصول أصيلة في العقيدة والمنهج والتصور.
لقد اتصف ﵀ بصفات العلماء الحميدة، فكان سليم القلب، نزيه النفس
واللسان، ناسكاً، حليماً وفياً لإخوانه، جواداً سخياً على قلة ذات يده، يأنس به
جليسه ولا يمل حديثه، حريصاً على الإفادة من أوقاته ولو كانت قصيرة، فقد جمع
مفكرة جميلة حوت من الفوائد واللطائف الشيء الكثير، (السوافح) وكان يربي
تلاميذه على حب الاعتماد على النفس، وعدم الكسب بالدَّين، والركون إلى الطغاة
والظالمين ومسايرتهم على ضلالهم، رغبة في عَرَضٍ من أعراض الدنيا،
ويستشهد على ذلك بابن تيمية، فإنه عَرَضَ عليه الحاكم منصب قاضي عسكر
براتب مغرٍ فأعرض عنها مخافة أن يكون عبداً وأسيراً لها.
وعن آثاره العلمية يقول ولده الأستاذ ظافر القاسمي في مقدمة كتاب قواعد
التحديث عند الترجمة لأبيه: (أما كتبه التي ألفها فقد قاربت المئة، وأقدم ما عثرت
عليه من مؤلفاته مجموعة سماها (السفينة) يرجع تاريخها إلى عام (١٢٩٩هـ) ضم
فيها طرائف من مطالعاته في الأدب، والأخلاق، والتاريخ، والشعر، وغير ذلك
، وله من العمر ستة عشر عاماً، ومضى يكتب ويكتب إلى أن عجب الناس من
بعده كيف اتسع وقته- ولم يعش إلا تسعة وأربعين عاماً -لهذا الإنتاج الضخم،
فضلاً عن تحمل مسئولية الرأي، وترجيح الأقوال ومناقشتها، والرجوع إلى
المصادر، وفضلاً عن أعبائه العائلية، فلقد كان له زوج وسبعة أولاد، وفضلاً عن
إمامته للناس في الأوقات الخمسة دون انقطاع، ودروسه العامة والخاصة، وتفقده
للرحم، ورحلاته، وزياراته لأصدقائه، وغير ذلك من المشاغل [٣] .
ومن مؤلفاته ﵀: محاسن التأويل: وهو تفسير للقرآن الكريم امتاز
بأنه ينقل من كل تفسير خير ما فيه على منهج السلف، وهو مطبوع (١٧) جزءاً.
(دلائل التوحيد، إصلاح المساجد من البدع والعوائد، قواعد التحديث من
فنون مصطلح الحديث، شذرة من السيرة النبوية، رسالة الاستئناس لتصحيح
أنكحة الناس، كتاب المسح على الجوربين، تعطير المشام في مآثر دمشق الشام،
حياة البخاري، شمس الجمال على منتخب كنز العمال، ميزان الجرح والتعديل،
موعظة المؤمنين في إحياء علوم الدين) وغيرها من الكتب والرسائل والمقالات.
وكان للقاسمي ﵀ ميول شعرية فمن نظمه ما كتبه في دلائل التوحيد:
أدلة في وجود الحق قاهرة ... راحت لها شبه الإلحاد منكسرة
الحق يعلو ولا يعلى عليه فمن ... ناواه كانت جنود الله منتصرة
ونظم يرد على بعض الجاحدين الذين اتهموه ووشوا به إلى الوالي:
زعم الناس بأن مذهبي يدعى الجمالي ... وإليه حينما أفتي الورى أعزو مقالي
لا وعمر الحق إني سلفي الانتحال ... مذهبي ما في كتاب الله ربى المتعالي
ثم ما صح من الأخ بار لا قيل وقال ... أقتضي الحق ولا أرضى بآراء الرجال
وهناك جوانب مشرقة، كان يتصف بها الشيخ القاسمي ﵀، حري
بالدعاة وبالمصلحين وبطلاب العلم أن يتحلوا بها: إنها عفة اللسان والقلم، وسعة
الصدر، ورحابته، وبشاشة الوجه وطلاقته، فقد كتب ولده الأستاذ ظافر القاسمي
عن هذا الجانب فيقول: (عرف عن القاسمي أنه كان عف اللسان والقلم، لم يتعرض بالأذى لأحدٍ من خصومه، سواء أكان ذلك في دروسه الخاصة أو العامة، أو في مجالسه وندواته، وكانت له طريقته في مناقشة خصومه، لم يعرف أهدأ منها، ولا أجمل من صبره، وكثيراً ما قصده بعض المتقحمين في داره، لا مستفيداً، ولا مستوضحاً، ولا مناقشاً، بل محرجاً، فكان يستقبلهم بصدره الواسع، وعلمه العميق، فلا يخرج المقتحم من داره إلا وقد أفحم وامتلأ إعجاباً وتقديراً [٤] .
وكانت وفاته مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٣٢ هـ ودفن في مقبرة
الباب الصغير بدمشق. لقد كان ﵀ عالماً قدوة له أثر طيب في نفوس
معاصريه وطلابه، وترك آثاراً علمية نحن أحوج ما نكون إليها في هذا العصر
الذي قل فيه العلم والعلماء مع تعطش الأجيال الإسلامية وحاجتها إلى الموجهين
والعلماء الربانيين. [أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] ، وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين.
стр. 459
حتى داخل جدران بيتك
عبد الحميد إبراهيم
غير مسموح لك أن تلقن أولادك ما تشاء من الأخلاق، وتنشئهم على ما تريد
من التربية، ولا نريد أن ندخل في جدل قد يطول حول هل للأب دور في تنشئة
أولاده على أخلاق معينة أم لا! هذه هي النتيجة لفقرة من برنامج إذاعي سمعته من
إحدى إذاعتنا العربية، وهذا البرنامج مخصص لمشاركة جمهور المستمعين في
إيجاد الحل لبعض مشاكل المستمعين الاجتماعية.
فقد عرض مقدم البرنامج ثلاث مشكلات، مختارة اختياراً خاصاً، وقدمت
تقديًما موجهاً على لسان ممثل، أو ممثلة، وسوف أختار مشكلة واحدة، وأعيد
روايتها باختصار، وأحاول أن أضيف وجهة النظر الأخرى التي لا يحب معد
البرنامج أن تذكر فيتجاهلها تجاهلاً، وغطاها بقدراته (الذكية) التي اختير لتقديم
مثل هذا البرنامج على أساسها، وبالإمكانات الموضوعة تحت يديه.
فتاة في السابعة عشرة من عمرها، متفوقة في رياضة معينة، ومشاركة في
مباريات على المستوى الوطني، والفرصة متاحة لها كي تشارك في مباريات دولية، ولكن حينما تعرض الأمر على أبيها، يضع اعتراضه على أن تسافر من أجل
ذلك، فتلح عليه وترجوه ولكنه يبقى عند رأيه، ومع أن رأيه هذا غير ملزم لها
واقعياً وقانونياً؛ لكنه من الناحية الأخلاقية والدينية له اعتباره، وهكذا كان التعليل
الذي قدم، وكأن الأخلاق والدين أمر طارئ على المجتمع وقوانينه، وبلية تراعى
لكونها بلية ومصيبة فقط، وأخيراً يخيرها بين أن تسافر لهذه الغاية وتضحي برضاه
عليها، وبين أن تكتفي بما حصلت عليه على المستوى الوطني، وتلتفت إلى
دراستها.
وهنا يطلب إلى المشاركين أن يدلوا بآرائهم: هل يشجعون البنت أن تضرب
برأي والدها عرض الحائط وتذهب حيث تشاء؛ أم ينصحونها أن تقف عند ما يريد
أبوها؟ .
خرج أربع إناث للتعليق:
كانت الأولى والثانية مسؤولتان في رعاية الشباب بالجامعة واتفقتا على أن
تشارك الفتاة في المباراة الدولية، والتسويغ الذي استندتا إليه أن المشاركة في
البطولات الرياضية خارج البلاد تكون تحت إشراف ورعاية من القائمين على هذا
الشأن، وأنه لا داعي للتشدد والتمسك من قبل الوالد برأيه، لأنه بذلك يقف عقبة
أمام طموحات ابنته، ويحرمها من فرصتها، وربما انعكس ذلك على نفسيتها
بالمشاكل والأمراض، من جهة أخرى فإنه سيئ الظن بالمسؤولين.
تقدمت الثالثة وهى - من صوتها - تبدو لا مبالية، ومتروكة هكذا، دون
تربية بيتية صحيحة. وقالت: أنا رأيي أن تسافر ولا تلتفت إلى رأي والدها
وعندما رد عليها مقدم البرنامج: بأن ذلك سيغضب والدها منها قالت: إنه سيغضب
لمدة قصيرة، وسيرضى عنها بعد ذلك. ولما قال لها المقدم: وهل تحبين أن
تغضبي والدك، قالت: أنا أفعل ما أشاء ثم آتي والدي وأقول له: يا بابا أنت قلبك
كبير وحنون والخ فيرضى عنى وتنتهي القضية! .
وتقدمت الرابعة بحل (يتزيا بزي الحكمة والتعقل كتسوية للموضوع!)
وقالت: تفعل كل ما يمكنها من أجل إقناعه حتى تسافر وهو راض عنها، فأجابها المقدم: ولكن قد لا يقتنع ويرفض كل المحاولات: عندها قالت بعد كل هذا لكون الذنب ذنبه، لأنه لا يقبل المنطق، وإذا خالفته وذهبت لا تلام! .
عند هذه النتيجة بدا أن البرنامج قد وصل ذروة التشويق، وحقق غرضه،
فالتفت معد البرنامج إلى حَكَمَ يفض النزاع وكان موظفاً رسمياً كبيراً والحق أن هذا
الموظف - كما بدا - لا يزال يحمل بين جنبيه أثارة نفس تميل إلى الإنصاف -
وإن كان ذلك على استحياء، أو قل: على خوف من النتائج - فقدم رأيه بصورة
رجاء إلى البنت محفوف باستثارة عاطفتها فقال: أنا رأيي أن لا تسافر، ولا
تتسبب في إغضاب والدها عليها، وإذا كان ذلك سيؤدي إلى حرمانها من فرصة
الفوز؛ فأنا واثق أنها بطاعتها لوالدها ستعوض هذه الفرصة المتاحة وسيحالفها
التوفيق. وهنا ختم معد البرنامج هذه الفقرة بموافقته على هذا الرأي، لكن من دون
أن يترك التعقيب على ذلك بما يظهر أنه غير مقتنع داخلياً، وقدم تعزيته للفتاة على
هذه الخاتمة فقال ما فحواه:
الأستاذ فلان وضع النقاط على الحروف ونحن نضم صوتنا إلى صوته ونقول
للفتاة بنت السبعة عشر: اسمعي كلام والدك وإذا أدى ذلك إلى ضياع الفرصة عليك، والتضحية بطموحاتك، فلا بأس؛ فالإنسان تضيع من أمامه فرص كثيرة في
الحياة، وجايز (!) أنك لن تفوزي في المباراة الدولية، وجايز (!) أنه سيكون
لك مستقبل زاهر آخر في غير الرياضة.
ملاحظات عامة على هذا البرنامج:
١- ينتقى هذا البرنامج قضايا خاصة لتخدم هدفا محدداً.
٢- أسلوبه في طرح الآراء أسلوب انتقائي موجه.
٣- يشيع الآراء التي تخالف ما هو سائد في المجتمع من أعراف وتقاليد نابعة
من الدين والعقيدة.
٤- يعرض الآراء الإسلامية مشوهة أو محرفة ويفسرها على هواه.
٥- كثيراً ما يجعل السلوكيات الطارئة والمنحرفة هي الأصل، وما عداها هو
الشاذ السلبي الذي ينبغي أن يحارب.
ملاحظات خاصة بهذه الفقرة المعروضة:
١- عدم الحياد في انتقاء الشخصيات الأربع لإبداء رأيهن، مما أعلى إيحاءً
بأن المجتمع بأسره لا يوافق الأب في موقفه من سفر ابنته وهذا غير صحيح.
٢- أظهرت حجة المسؤولين من رعاية الشباب أن سلوك الأب ليس خطأ
شخصياً فحسب، بل هو غير قانوني أيضا وينطوي على مخالفة القوانين العامة
وهي إساءة الظن بمؤسسات الدولة.
٣ - وكذلك أوحت حجة هاتين المسؤولتين- وبوضوح - أن الأب يسيء
استعمال مسؤوليته كأب، حيث يقف أمام سعادة ابنته، ويسبب الشقاء لها. وهذا
مما يشجع البنات والأولاد على عصيان والديهم مهما كانت الحجج التي يستندون
إليها في منعهم من بعض الأعمال لأنهم يتحولون في نظهرهم من آباء مهمتهم توفير
السعادة لأبنائهم إلى جلادين أو مستبدين جالبين للشقاء.
٤ - وضع حجة الولد مقابل حجة الوالد فيها ما فيها من الإجحاف والظلم في
إظهار أمرين لا يطابق ولا يساوي أحدهما الآخر على أنهما متطابقان متساويان..
إن اللاشعور أو اللاوعي عند المستمع سيرتفع بحجة الولد؛ بينما سينحط
بحجة الوالد حتى يتسنى له أن يوازن ويقارن - وهذا الفعل له أثره على شريحة
عريضة في المجتمع، وهى التي تبدأ من سن التمييز حتى سن الرشد العقلي،
شاءت أم أبت -.
٥- جواب الثالثة يوحي بأنها تستند إلى حقيقة مستمدة من الواقع (فهي واقعية) ، وهذه الحقيقة هي أن غضب الوالد على ولده، غضب من نوع خاص، ليس كأي
غضب آخر في بواعثه وأهدافه، إن شئت فقل: غضب مصطنع، يصطنعه
الإنسان من أجل تربية أبنائه التربية الصحيحة، ويجنبهم النتائج المؤلمة التي قد
تختفي عن أنظارهم وهم في حمى اندفاعهم، فهو شفقة لابسة ثوب غضب وحرص
وضن بشيء ثمين يخفيه صاحبه بهذا الغطاء تمويهاً، وهذا النوع من الأولاد
الأذكياء يستغلون هذه الحقيقة استغلالاً سيئاً يعود عليهم وعلى المجتمع بأسره
بالفوضى) والاضطراب، ويساعدهم على ذلك أن آباءهم - نتيجة ظروف نفسية
وضغوط من الواقع - ضيعوا تأثير هذا السلاح التربوي بضعف الإرادة،
وبالتطرف في (التدليل) فتمخض عن ذلك موجة كاسحة من الأهواء المنطلقة التي
يصعب كبحها، وكان أن بدأت تتحلل سلطة البيت شيئاً فشيئاً، وتخلى المكان،
وتلقي القياد لسلطة الشارع التي أنتجت خليطاً غير متجانس يبعث الغثيان، ويشهد
على مسببه بالفشل العام.
٦ - جواب الرابعة يشر أن الأب بعيد عن المنطق والعقل، يحتاج ما يصلحه
ويعيده إلى رشده. وإذا علمنا أن نظرة الأب هذه تستند إلى أصل مستمد من أحكام
الإسلام ومن تعاليم رسول الله ﷺ من أن «المرأة لا تسافر
مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم» ، وأنها لا تخرج من بيت وليها أو زوجها
دون إذن منه وإلا لضرورة، وأن الضرورة تقدر بقدرها، وأن الإسلام لا يجيز ولا
يبيح هذا الانطلاق السافر، وهذا الاختلاط الذي لا ضرورة له باسم الفن تارة،
وباسم الرياضة تارة أخرى؛ وبإضفاء صفات البطولة على مثل هذه الأعمال التي
هي في ميزان الإسلام فساد، وأشر، وبطر، وانفلات - إن لم نقل غير ذلك -:
إذا علمنا أن نظرة الأب تستند إلى هذه القواعد أو إلى بعضها على الأقل؛ فهذا
يعنى أن كل هذه القواعد والأحكام مخالفة للعقل والمنطق، وسينتج عن ذلك
بالضرورة أنه حيثما كانت أحكام إسلامية وإرشادات ربانية، وتوجيهات نبوية فلا
عقل ولا منطق ثّم، وأن العقل والمنطق في اتجاه غير ذلك الاتجاه.
٧ - جواب الموظف الرسمي الكبير يظهر أن كثيراً من المسؤولين يتمتعون
بحس من المسؤولية، وأنهم لو أتيحت لهم الفرصة لأظهروا أنه ليس من مصلحة
أي نظام أن يشجع على الانفلات والتمرد على سلطة الأسرة، ولكن هؤلاء غالباً ما
يحجزهم الخوف عن المجاهرة بالآراء الحقة.
٨ - إن نتيجة البرنامج النهائية تبين أن كثيراً من المشرفين على البرامج
الإعلامية يستغلونها استغلالاً بشعاً لإظهار وجهات نظرهم الخاصة، وحجب
وجهات النظر الأخرى بحيل مستترة أو مكشوفة، وليست هذه الآراء متطابقة
بالضرورة مع وجهات النظر الرسمية، أو تمثلها تمثيلاً صحيحاً، وهذا يشير إلى
مرض آخر مستشرٍ في حياتنا الثقافية والفكرية يعيقنا عن إنجاز النافع، واستبعاد
الضار، ويمنعنا من التفكير في مشاكلنا وحلها بأسلوب علمي بعيد عن التحيز
والمداراة والتعصب لما يوافق الهوى، نعني مرض الشللية والمحسوبية، فعلى
الرغم من التغني بمحاربة الروح العشائرية والطائفية والحزبية والمحسوبية، وإبعاد
غير الأكفاء عما لا يحسنونه من الأعمال؛ فإن هذه الأمراض وأشباهها تفتك من
وراء ستار ويضيع في دخانها الإنصاف والعدل، ويصنف الناس على أساسها،
فيقدم بعضهم، ويقصى الآخر.
إن هذه البرامج المبنية على التحريف والتشويه والبتر لا تثمر في المجتمع إلا
اضطراباً، لا تؤصل فكراً، ولا تقوم سلوكاً، بل لا تزيده إلا تمزيقاً وانقساماً
وتوتراً، فإذا كان يظن معدّوها أنهم يستهدفون الإصلاح فقد ضلوا الطريق، وإذا
كانوا يقصدونها قصداً، ويعرفون ما تؤدي إليه، ويصرون على ذلك؛ فحسبنا الله
ونعم الوكيل.
стр. 460
المسلم قارئاً ومثقفاً
جاسر الجاسر
القراءة عمل إيجابي بلا شك لأنها أول وأهم المراحل التي ينفض بها الإنسان
غبار الجهل من رأسه ليحل محله نور المعرفة وضياؤها، وهكذا تكون القراءة
معرفة ونمواً، وتكون وعياً ونضجاً، فكل خطوة يخطوها القارئ تصبح فيما بعد
سلماً إرشادياً يساعده على وضوح الرؤية ودقة الحكم، ويظل نضجه العقلي يتنامى
بصورة مطردة ليصبح بعد ذلك محكاً حساساً وصادقاً لكل محاولة تضليلية وكل
محاولة غزو خارجية أو داخلية، وهنا نستطيع أن نسمي القارئ مثقفاً.
وهذا يعنى بداهة أن كل قارئ ليس مثقفاً لأن بعض القراء رغم فهمهم للمعرفة، وحرصهم على استمرار القراءة يفتقدون حساً نقدياً أولياً يستطيعون من خلاله
تجنب الغث أو على الأقل إدراك غثاثته أو خطورته إن كان مضاداً، ومثل هؤلاء
القراء تكون قراءاتهم -إلا ما شاء الله - ضرراً عليهم وعلى غيرهم لأنهم يصبحون
مجرد أبواق مضخمة لهجمات شرسة مضادة دون وعى منهم أو إدراك، وإنما
بسبب اندفاعهم الأهوج، وافتقادهم التكوين المعرفي الأصيل والضروري للتعامل
مع الأشياء.
وهذا خطأ وقع فيه عدد كبير ممن يطلق عليهم تجاوزاً المثقفين المسلمين،
والذين تكون قراءاتهم واختياراتهم كحاطب الليل.
والمشكلة أن هؤلاء عادة يصبحون مسئولين أو مشرفين أو تربويين أو
إعلاميين بحيث يستشري خطرهم، ويعظم ضررهم فيجرفون معهم أجيالاً من
الشباب الذين تعاملوا معهم كمصادر أصلية ومباشرة للمعرفة، ولكن الرائد في هذه
المرة كذب أهله.
يجب بدءاً أن نقول أن الثقافة التزام، بمعنى أن المثقف فرد يتحرك من
منطلق ثابت، ويستند دائماً على إطار مرجعي ثابت، يرجع جميع القضايا
والمشاكل التي تعرضه إليه، ويمرورها من خلاله -أقصد من خلال الإطار- حتى
يعرف صلاحيتها من عدمها.
وهو دائماً ثابت في موقفه، فخور بالتزامه، حريص على عرض قضيته
والدفاع عنها ضد كل هجمة.
وحتى يصبح الإنسان مثقفاً فلابد أن تكون قراءاته منذ البداية موجهة بما
يتناسب مع تكوينه الفكري الأساسي، بمعنى أن المسلم لكي يكون مثقفاً فلابد أولاً
أن يكون تكوينه العقائدي سليماً وقوياً ولابد أن يستشعر معنى وأهمية كونه مسلماً
صحيح الاعتقاد، وهذا يعنى أن تكون قراءته الأولية تأسيسية حتى يتعرف على
جوانب دمه بشكل كامل وأن يعرف ما يراد به، لأن استشعار الخطر هو أول
ضمان على سلامة الخطوة القادمة.
ولابد أن يكون فخوراً بهذا الانتماء وأن يشعر بتميزه وتفوقه وأفضليته ومهما
كانت الظروف الظاهرية توحي بغير ذلك، لأن الاعتقاد النفسي بالتفوق هو المقدمة
لقلب وتغيير مثل هذه الظروف، ولابد أن يكون مقتنعاً بعمق بأن الأفراد الآخرين
قد يقعون في الخطأ، ولذلك فإنهم ليسوا مصدراً مأموناً في كل الأحيان، وإنما يجب
أن يقرأ لهم بحذر وترصد فإن الكلمة الخاطئة قد تصبح فيما بعد نواة لقناعة مغايرة، وهذا أمر يتساهل فيه معظم المثقفين حتى تدور عليهم الدائرة.
وهكذا فإن المثقف المسلم يعي بحدة معنى إسلامه، وأنه يجب أن تكون
خطواته وفق النسق الإسلامي، بمعنى أنه لا يمكن أن توجد قضية يمكن معالجتها
وفق منهج مغاير للإسلام لأن هذا الأمر ليست له سوى دلالة واحدة: الانحراف.
إن مما تشتمل عليه الحياة الفكرية في العالم الإسلامي نوعين من المثقفين:
مثقف ارتدادي التفكير. ومثقف إمعة. وكلا النوعين خطر على الأمة، فالمثقف
الارتدادي فرد يتخذ العلمانية موقفاً صريحاً وإطاراً مرجعياً، وهو يعي حتماً ما يفعل، بل إنه يفعله بقصد وتخطيط، ويسعى للهدم الصريح تحت اسم الثقافة والتجديد
والتطوير! ! .
ويزعم هذا المثقف أن الحضارة الغربية بكل إسقاطاتها وبكل انحرافاتها ملك
للإنسانية ككل، وأنها تمثل أرقى ما توصلت إليه البشرية في مجال الفكر والإبداع (!!) وأن الوسيلة الوحيدة لتقدمنا هي أن نلحق بركابهم، ونتعلق بأذيالهم، حتى لو
دخلوا جحر الضب لوجب علينا أن نتبعهم، لأنهم أدلاء هذا العصر ومرشدوه،
ومن تخلف عنهم تاه وضاع.
وهذا النوع من المثقفين يختبئ تحت مظلة المنافقين، فيبطن الشر ويظهر
الخير حتى يتمكن من بث سمومه، ويتخذ من الحرية ستاراً، ويدعي أنه يجب
علينا معالجة مختلف القضايا بمرونة، فلا نسمي القصص الجنسية عهراً ودعارة،
ولكنها أدب راقٍ وفن رفيع! وللأسف فإن أكثر من تعج بأسمائهم الصحف
والمجلات ويطفون على سطح الثقافة العربية هذه الأيام هم من هذا القبيل يشيعون
الأفكار الدخيلة، ويسفهون أصول الثقافة الإسلامية ويسخرون من الدعاة إلى الحق،
وينشرون الفوضى والفساد في أذهان الناشئة التي حيل بينها وبين الينابيع الفكرية
الصافية.
وهكذا يتحرك المثقف الارتدادي بكل سهولة ويسر بل وبترحاب أيضاً،
ويكون تحت الأضواء مما يسهل له بث سمومه ونشرها بين قطاع كبير من الشباب.
أما المثقف الإمعة فهو لا يمحص قولاً ولا يرد حرفاً، والحق أنهم ليسوا
مثقفين حقاً لأنهم لا يملكون رؤية ثابتة محدودة يتحركون من خلالها، ولأن مواقفهم
مائعة ومتناقضة، بل إنها أحياناً متغيرة حسب تغير وتبدل المدارس الفكرية التي
يغترفون منها.
ويفتقد المثقف الإمعة الوعي، لأن الوعي إمكانية إيجابية يتجاوز المرء
بواسطتها مكامن الخطر ومزالق الضياع، ويعاني الإمعة من (مركب نقص)
فيشعر أن القوة والمنفعة للآخرين أعني الأوربيين على وجه الخصوص، ويتصور
بحسن نية وسذاجة أن مناهجهم الفكرية هي الأصلح والأنسب لهذا العصر، ويظن
أنه من الممكن أن يسايرهم ويتابعهم حتى يستقل ثم بعد ذلك يرجع إلى دينه، وهذا
غباء مركب، ومثل هذا لا يرجى منه خير، لأن من شك في صلاحيته وقوة منهجه
الإسلامي فكأنما شك في أنه من عند الله، وهكذا يمرق من الدين، وإذا ظن مسلم
ذلك فهو ليس بمسلم ولا يمكن أن يكون فاعلاً ونشطاً في خدمة الإسلام، بل إن
المذاهب الأخرى هي التي تستفيد منه، ويكون بين ظهرانينا كأنه طابور خامس،
بل أسوأ من ذلك أحياناً. وحتى لا نكون متشائمين فإن فئة مخلصة تكافح عن هذه
العقيدة ولكنهم يتعرضون للهجوم من الطائفتين السابقتين، فالارتداديون يدركون
خطرهم وقوتهم، ولذلك يهاجمونهم بعنف أما الإمعات فإنهم يعتقدون أن هذه الفئة
المخلصة تسيء إلى الفكر الإسلامي وتحط من منزلته في نظر الآخرين! وبالتالي
يعترضون طريقهم.
ولكنها فئة مؤمنة، تعرف أن تجاهد في سبيل الله ولذلك لن يثنيها عن عزمها
شيء وستواصل طريقها بإصرار وكفاح وقوة، ويجب على هذه الفئة المؤمنة أن
تهتم بالنشء من أبناء المسلمين وأن تأخذ بأيديهم حتى لا يجرفهم التيار المدمر.
إننا نواجه في هذه الفترة تحديات خطرة، وما لم يكن تكويننا العقائدي سليماً
فالله وحده أعلم بما سيؤول إليه مصيرنا.
стр. 461
لمحات في إصلاح النفس
عثمان جمعة ضميرية
دعوة الإصلاح والتغيير:
إن الدعوة الإسلامية التي حمل لواءها خاتم الأنبياء ﷺ ،
لم تكن دعوة إلى إصلاح جزئي يعالج انحرافاً معيناً وقع فيه المجتمع فاحتاج إلى
عملية ترقيع أخلاقية أو اجتماعية تنقذه من الهاوية التي تردّى فيها أو أشرف على
الهبوط فيها، عندما ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
ولكن هذه الدعوة الخاتمة، جعلها الله تعالى دعوة تغيير شامل لما بالنفس
والمجتمع، لينشئ بذلك أمة خيرة فاضلة. [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران: ١١٠] .
وجعلها أمة قائدة رائدة وشاهدة على الأمم الأخرى، لأنها هي الأمة الوسط
العدل في عقيدتها ومنهجها: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] .
عملية بناء الأمة:
هذه الأمة التي تبث الخير، وتحمل الحق إلى العالم كله، ليثوب إلى دين الله
الواحد، لم تكن عملية بنائها وتربيتها عملية سهلة، هينة لينة، ولم يكن الطريق
إلى ذلك قفزات سريعة، يستعجل فيها الداعون الوصول إلى الهدف المنشود.
ولكنها كانت عملية بناء متكامل، يبذل فيها المسلمون الجهد والعناء، ويصبرون
على أشواك الطريق الذي يسيرون عليه بخطىً متئدة متدرجة، كل خطوة تسلمهم
إلى تاليتها ليكونوا بذلك على الجادة المستقيمة من الطريق بعد تلك المجاهدة
والمصابرة: [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ]
[العنكبوت: ٦٩] .
أثر الفرد في الإصلاح:
فلم يكن عجباً-والحال ما ذكرت - أن يبدأ رسول الله- ﷺ
بوحي من ربه في تربية الأمة كلها بتربية أفرادها أولاً، فالفرد هو الخلية الأولى
في بناء المجتمع، فليكن هو نقطة البدء في الإصلاح والبناء.. فإن إصلاح
مجموعة من الأفراد في كل بلدة، إصلاحاً يجعلهم أئمة في الهدى والخير والاستقامة
هو الذي يؤدي إلى استقامة شؤون البلدة كلها ونظافة حياتها الاجتماعية..
الرسول ﷺ يربي جيل مكة:
وظل رسول الله ﷺ في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً
يعني بتربية أفراد من أمته، حتى إذا اجتمع له منهم عشرات، شرع في بناء الدولة
الصالحة والحضارة الإنسانية ... إن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وابن مسعود..
وأمثالهم من الرعيل الأول، هم الذين أقاموا صرح الدولة الإسلامية والحضارة
المؤمنة المشرقة، وهم الذين كان يجتمع إليهم رسول الله ﷺ
في شعاب مكة وفي دار الأرقم، وفى فناء الكعبة، يقوي أرواحهم، ويصقل نفوسهم، ويهذب أخلاقهم، حتى إذا مضى ﷺ لربه تعالى والتحق
بالرفيق الأعلى، كان لهم في التاريخ شأن أي شأن! وكان لهم في هداية البشرية
نصيب وأي نصيب [١] .
التأثير بين الفرد والمجتمع:
ومن سنة الله تعالى في الحياة الاجتماعية أنه لا يتم تغيير ما بالمجتمع حتى
يبذل المرء جهده في عملية التغيير النفسي أولاً: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . وهذا التغيير والتزكية للنفس هو مفتاح الفلاح
وسبب الفوز: [ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَّاهَا * وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٧-١٠] [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى *
وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] [الليل: ٥-٧] .
فلا صلاح لمجتمع إلا بصلاح أفراده، ولا صلاح للفرد إلا بتهيئة المناخ
الطيب النظيف، فهناك علاقة متبادلة بين هذا وذاك، ولعل في هذا إشارة إلى
واحدة من الحكم الكثيرة التي تتجلى في دعامة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
لتكوين الرأي الفاضل والمجتمع النظيف، الذي يعرف المعروف ويدعو إليه،
وينكر المنكر ويحذر منه.
الطريق العملي للإصلاح:
ولعلك تتساءل -أيها المسلم الغيور- عن الطريق العملي لهذا الإصلاح الذي
ينشده الإسلام للفرد، ليكون خطوة على طريق الإصلاح الشامل للمجتمع الإنساني
كله؟
* وما أظن أن أحدا ينازع في أن الخطوة الأولى في بناء النفس وإصلاحها،
هي التي تقوم على التوحيد المطلق لله سبحانه، وأن يشعر الإنسان بعبوديته
الخالصة لله سبحانه، فيمتلئ قلبه محبة وإجلالاً لله، ليدفعه ذلك إلى طاعته واتباع
أوامره ومتابعة نبيه تتتت: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن
قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [البقرة: ٢١] . [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن
دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [الأعراف: ٣] .
وقد فطر الله تعالى الإنسان على التوحيد: [فِطْرَتَ الله الَتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله] [الروم: ٣٠] .
ولن يقبل الله تعالى من إنسان دينا غير هذا الدين: [إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ
الإسْلامُ] [آل عمران: ١٩] ، [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [آل عمران: ٨٥] .
وهذه هي العقيدة التي تحرر صاحبها من الوهم والخرافة ومن العبودية للهوى
والشهوة والشيطان، لتجعله عبداً لله تعالى وحده، فيشعر عندئذ بحريته الحقيقية
وإنسانيته الكاملة.
* وهذا القلب الذي أصلحته ليكون سبباً لصلاح الفكر والشعور والجسد،
سيكون قلباً حياً حساساً ومحكمة داخلية في نفسك، تشعرك بالمسؤولية، وتدفعك إلى
القيام بالواجب، فتنصف من نفسك لغيرك، وتترك الانتصاف لها من الغير، فإن
فعلت ذلك كنت أحسن الناس خلقاً وأطيبهم معاملة، فغدوت أحب إليهم من نفوسهم
وأقرب إليهم من أقاربهم، وهذه هي الخطوة الثانية على الطريق.
* ويبقى أمامك أن تعود إلى هذه النفس فتجملها بالمعاني الفاضلة وتحملها
عليها - ان استعصت عليك - وإلا فإنها ستنبع من نفسك وتفيض على الآخرين من
حولك. فإن العقيدة لابد أن يظهر أثرها في الأقوال والأعمال، فهي المرآة التي
ينعكس فيها سلوك الإنسان ومعاملته لربه سبحانه، وللناس من حوله، وإلا كانت
عاطفة فائرة، أو مستسرة في القلب، أو كلمات يديرها الإنسان على لسانه، لا
تجاوز الحنجرة، وأصبحت أماني لا تنفع صاحبها: [ليس بأمانيكم ولا أماني أهل
الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا. ً ومن
يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا
يظلمون نقيرا] [النساء: ١٢٣-١٢٤] .
стр. 462
منبر الشباب
وجهة نظر
أبو زكريا عباس
لقد امتن الله على هذه الأمة أن جعلها أمة وسطاً، وهو شرف
يجب أن يحافظ عليه المسلمون، حتى لا تغرق سفينة الأمة في بحار الفتن، ولا
تضطرب بأمواج الفرقة والشقاق. إلا أن هذا الشرف -وللأسف الشديد- قد ضاع
فيما ضاع من خصائص هذا الدين ومقوماته، حتى أصبح اختلال التوازن وعدم
الاعتدال والحيدة عن الوسطية سمة مميزة للمسلمين، وخصوصاً في العصر
الحاضر، ولقد حدث هذا بتأثير من قوتي شد وجذب، إحداهما جنحت إلى التفريط، وهو تقصير في أداء الواجب مذموم، والأخرى جنحت إلى الإفراط، وهو غلو
منهي عنه حتى في شعائر التعبد.
ثم نتج عن هذا تخلخل بناء الإسلام الكامل، حتى أصبحت كثير من المفاهيم
الإسلامية أشلاء متناثرة على أرض الإسلام لا تمثل شيئاً من حقيقته في واقع
المسلمين.
ومن المؤسف جداً أن يسري هذا الداء العضال إلى كيان الدعوة المتماسك
وبنيانه المرصوص لينخر فيه كما ينخر النمل الأبيض في الورق العتيق، حتى
يفقده صفة تداعي سائر الأعضاء لشكوى العضو الواحد.
حدث هذا حتى في صفوف الدعاة المخلصين حينما فقدت نظرية النسبة
والتناسب في أساليب الدعوة من أجل البناء المتكامل المتين. ومن هنا تشعبت
الطرق واختلفت الموارد وتعددت المناهج للدرجة التي تجعل اللبيب حيران،
والطبيب الماهر عاجزاً عن تشخيص الداء، ناهيك عن معرفة الدواء.
فتارة تكون مصيبة المسلمين في حسه هي مجرد جهلهم بهذا الدين، وعدم
النضج الفكري الذي ينشئ لديهم القناعة التامة بدينهم، ولذلك فالعلاج الذي ينبغي
أن يوصف في مثل هذه الحالة هو عرض نظرية الإسلام وحقائقه وأصوله العامة،
وكشف القناع عن زيف الحضارة الغربية الكافرة، وفضح المخططات اليهودية
الخبيثة، وفضح عوار السياسة، وحبائلها؛ حتى يتضح الصبح لذي عينين،
ويتسنى للمسلمين القناعة الفكرية بما يملكون من كنوز السعادة، ومفاتيح القيادة،
التي تجعلهم بحق خير أمة، وبعدها يصبح السلوك والتعامل الإسلامي أسهل من
شرب الماء البارد!
وهو في نظره تارة أخرى جهل عوام المسلمين وكثير من أبناء الإسلام،
وخصوصاً أهالي القرى النائية والبوادي والبلدان الفقيرة التي أطبقت على أهلها
الأمية بأحكام الإسلام الفقهية وأركانه الأساسية، فهم في أشد حاجة لمن يعلمهم أمور
دينهم، وحينئذ فالعلاج الناجع هو صرف الجهود لتعليمهم وشد الرحال لتدريسهم
وتوجيههم.
ومرة ثالثة: أن المشكلة تكمن في الجهل ولاشك، ولكن المبادئ العامة
للإسلام معلومة ومعروفة لدى الكثير من أبنائه، فلماذا لا يكون هناك الفهم العميق
للعلوم الإسلامية وذلك بالعكوف على طلب العلم الشرعي ومعرفة القواعد الفقهية
والمصطلحات الحديثية، لأنه حينما يعكف أبناء المسلمين وطلاب العلم على دراسة
العلم ومسائله، فسوف تحل مشاكلهم الناتجة عن الجهل تلقائياً، بالإضافة إلى أن
العلوم والمناهج الإسلامية بحاجة إلى تصفية وتنقيح حتى يستقي أبناء المسلمين من
معين صاف صحيح.
ومرة أخرى: ربما يكون هذا تضييعاً للوقت وتبديداً للجهود، فالعلم ليس كل
شيء، والناس بحاجة فقط إلى تنبيه ووعظ وإرشاد وجلاء للقلوب التي غلب عليها
الران، لأنهم مسلمون، وقلوبهم طيبة، ونياتهم حسنة، ولا يحتاج كبير جهد،
فالعلة فقط هي أنهم انشغلوا بدنياهم عن آخرتهم وبهواهم عن أوامر ربهم، فلذلك
ليسوا في حاجة إلا إلى كلمات الوعظ والنصح والخطب المنبرية التي توقظ القلوب
من غفلتها، وتنفض عنهم غبار الشهوات والشبهات فيعودون إلى الله ربانيين حنفاء.
ومرة رابعة أو خامسة يملي عليه أن مكمن الضعف وسر الانحطاط ليس هذا
أو ذاك، فإن المسلمين ليسوا بحاجة إلى الدروس والخطب فهي تلقى عليهم بكرة
وعشياً، دون أن تغير من واقعهم شيئاً إن الطريق هو الطريق التربوي، فالمسلمون
في أمس الحاجة إلى قدوة حسنة، وأنموذج عملي يسيرون على خطاه، وبذلك
تستقيم خطوات المجتمع كله - حتى وإن كانوا لا يدركون من العلم إلا قليلا! -
والبلسم الشافي حينئذ هو أن يربى شباب الإسلام بخاصة لأنهم عدة الأمة وعتادها
بوسائل التربية المختلفة التي تتفق وروح الإسلام في سلوك عملى، وتعايش واقعي، حتى يمثلوا القدوة المطلوبة للمسلمين بل وللناس أجمعين! .
وأخيراً يجد من يقول له: ألم تقرأ التاريخ؟ ألم تعرف نقطة الانحراف وبداية
خط الانكسار؟ ألم تدر أن المسلمين لم يصبهم ما أصابهم إلا حينما تخلوا عن الجهاد
المقدس، وأعرضوا عن هذه الفريضة العظيمة التي بواسطتها تظهر عزة الإسلام
وقوة المسلمين؟ فلماذا - إذاً - تذهب بعيداً، إن العلاج بين يديك. إنه إحياء هذه
الشعيرة والانخراط في سلك المجاهدين في سبيل الله فإما النصر وإما الشهادة، وهذه
نهاية الأرب وغاية المقاصد ... وماذا تريد بعد الشهادة في سبيل الله؟ .
ويترك صاحبنا تائها في طريق الصحوة، لا يدري أين يسير ... ومن أن
ينطلق. وهل يترك جميع هذه الوسائل؟ وما هو الحل الصحيح إذن؟ هل يسلكها
جميعاً؟ وكيف يتم له ذلك؟ هل يسلك أحدها؟ وماذا يختار منها؟ هل يختار
أشرفها وأرفعها في نظره؟ أم يختار أسهلها وأقصرها عليه؟ ولماذا؟ وما هو
ضابط المسألة؟ ثم ماذا يكون موقفه بعد ذلك من الطرق الأخرى؟ .
والسؤال الأخير الذي نطرحه عليه: أليست جميع هذه الأساليب صحيحة،
وإن كان الخطأ والقصور قد يطرأ على أي منها، وإن كان الإفراط أو التفريط قد
يتسلط على أي منها، ولعل الجواب يكون (نعم) ! ولكن الأمر الذي يندى له الجبين
أن تغيب عن أذهان كثير من سالكي هذه السبل تلك الحقيقة، ويظن كل من سلك
طريقا منها-سواء لقناعته به، أو لميول ورغبات نفسية معينة لديه، أو لقدرات
وملكات وهبها الله إياه، أو لضرورة الواقع والظروف الزمنى، ومتطلبات المرحلة، أو لغيرها من الأسباب -أن هذا فقط هو سبيل الدعوة الصحيح والوحيد. فيظل
يدعو إليه ويضخم هذا الجانب على حساب الجوانب الأخرى، وربما يحققها ويلقي
اللوم على إخوانه السائرين فيها، بل وربما يدعو إلى حصر جهود المسلمين -كل
المسلمين-في رقعة محصورة وزاوية ضيقة فتكون بؤرة مضيئة حقاً، ولكن حولها
هالة كبيرة من الغبش والظلام..
وإنما ظن هذا وأمثاله هذا الظن لغلبة هواه الذي جعله ينظر إلى الأمر من
زاوية ضيقة، أو لأنه يرى أن التوازن والتوافق بين جميع هذه الأساليب ضرب
من المستحيل، وما درى أنها جميعاً روافد تصب في مصب واحد، وأن الجمع
بينها ممكن جداً، والدليل على ذلك أنه وجد في سلف هذه الأمة من تحققت فيه هذه
الجوانب المختلفة، وهو فرد واحد. فهو المعلم، وهو الداعية. وهو المربي.
وهو المجاهد. وهو الواعظ وهو وهو. إلى غير ذلك، فإذا أمكن تحقيق هذا
التوازن في حياة شخص أفلا يمكن تحقيقه في حياة أمة؟
стр. 463
الفراغ
إسماعيل بن صالح آل عبد الرحيم
أحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات
فراغه، لا بالإفادة منها بعد أن توجد، بل بخلق الجهد الذي يستنفد كل طاقة،
ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده
أنه لا عمل له.
إن الفراغ في الشرق يدمر ألوف الكفايات والمواهب، ويخفيها وراء ركام
هائل من الاستهانة والاستكانة، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم
المجهولة!
يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت
عنه فقيل لا حرفة له، سقط من عيني.
وقال أيضاً: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً (أي فارغاً) لا في عمل دنيا ولا
في عمل آخرة..
وقال حكيم: من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه،
أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه،
وظلم نفسه!
والفراغ داء قتال للفكر والعقل والطاقات الجسمية، إذ النفس لابد لها من
حركة وعمل، فإذا كانت فارغة من ذلك تبلد الفكر وثخن العقل وضعفت حركة
النفس واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب، وربما حدث له إرادات
سيئة شريرة ينفس بها عن هذا الكبت الذي أصابه من الفراغ [١] .
وقد نبه المصطفى ﷺ إلى غفلة الألوف من الناس عما
وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: «نعمتان من نعم الله مغبون فيها كثير من
الناس: الصحة والفراغ» [٢] .
ويقصد بالفراغ: الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من
حيث الاشتغال بالأمور الأخروية.
وفى الحديث الآخر: «اغتنم خمساً قبل خمس» -وعد منها - «وفراغك
قبل شغلك» [٣] .
يقول بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، وكان السلف
الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر
دنياه.. ولهذا قيل: الفراغ للرجل غفلة وللنساء غلمة: أي محرك للغريزة.
ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع مع راغ الشباب الذي يتميز بقوة الغريزة
والجدة [٤] وفى هذا يقول أبو العتاهية:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة!
ويقول آخر:
لقد هاج الفراغ عليه شغلاً ... وأسباب البلاء من الفراغ
ولقد قطع الله تعالى المعذرة لأهل الفراغ بقوله: [وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيَتَيْنِ
فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السِّنِينَ والْحِسَابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً] [الإسراء: ١٣] فأتاح لهم التكسب
من نعم الله وفضله والنظر في مخلوقاته والتفكر فيها واسترجاع طاقات العقل بما
ينفع من أمور الدنيا والآخرة.
وبتعدد أنواع الفراغ يمكننا تقييم الحالات التي يصاب بها الشخص من إهدار
الأعمال على هامش المفسدة، فجعل الله صفة (الفراغ العقلي) للدواب وذلك لأنها
غير مهيئة لاستخدام عقلها، فشابهها الإنسان عندما يعطل دور عقله في تحصيل
العلوم النافعة، وهذا هو سر تمييز عمر بن الخطاب ﵁ للرجال حين
قال: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خُلُقه [٥] .
فلابد من إدراك أهمية ملء الذهن بما ينفع، فإذا عاش الإنسان في فراغ عقلي
فإنما كتب على حياته الدمار، وأما من ملأ عقله بما ينفعه في دنياه وأخرته فالفوز
حليفه في الدنيا والآخرة، وذلك لأنه كان يغذي عقله لما خلق له في تدبر أمر الله
جل علاه والحقوق اللازمة له والتفكر في مخلوقات الله كما أمر ﵎ بذلك
حين قال: [وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [النحل: ١٢] .
وأما الفراغ القلبي.. فأوضح الله ﵎ أن ملء الفراغ القلبي يكون
بالإيمان، وهذا ما أكده ابن مسعود ﵀ حين طلب منا أن نتفقد قلوبنا في
المواطن الإيمانية بقول: (اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القران، وفى
مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن
عليك بقلب فإنه لا قلب لك) [٦] .
وما عليك في هذه المرحلة إلا أن تقض على هذا الفراغ بتقوية صلتك بالله،
حتى تضع في قلبك إيماناً قوياً، بدل فراغ قاتل يسمم حياتك.
والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وذلك هو الفراغ النفسي.. فمن
أطلق لنفسه العنان تهوي به ذات اليمين وذات الشمال، فإن هذه صورة تمثل
النفوس الفارغة التي صورها لنا سيد قطب بقوله: (إنها صورة (النفوس الفارغة)
التي لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف وتهزل في مواطن الجد، وتستهتر
في مواطن القداسة..
والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال بالقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة
والجدب والانحلال، فلا تصلح للنهوض بعبء ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام
بتكليف وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة [٧] .
فهذه هي حالة النفوس الفارغة. فلا قول ولا عمل ولا إيمان ولا دين همها
اللعب واللهو في الدنيا ويتبعه حسرة وندامة يوم القيامة.
إن إدراك الإنسان قيمة الزمن، وإيجاد الحل للفراغ ليس إلا إدراكاً لوجوده
وإنسانيته ووظيفته في ركام هذه الحياة.
فأين الذين قاموا بما تقتضيه هذه الخصال فإن الحساب عسير. يقول الحسن
البصري ﵀: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على
دراهمكم ودنانيركم! .
ويقول ابن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم
غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.
وإذا كان هذا هو حرص سلفنا على الوقت وتقدير قيمته وخطره، فإن مما
يدمى القلب، ويمزق الكبد أسى وأسفاً: ما نراه -البوم - عند المسلمين من إضاعة
للأوقات فاقت حد التبذير إلى التبديد. حتى يجلسون الساعات الطوال من ليل أو
نهار حول مائدة النرد أو رقعة الشطرنج، أو لعب الورق. أو غير ذلك -مما يحل
أو يحرم - لا يبالون لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة، فإذا سألتهم عن عملهم هذا
قالوا بعبارة تفقدك الأمل فيهم (نقتل الوقت) ، وما يدرون أنهم يقتلون أنفسهم في
الحقيقة، وسوف يندمون حين يقال لهم: [أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ
وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ] [فاطر: ٣٧] .
إذاً فالفراغ داء قتال إذا لم يمضه صاحبه بما ينفع وإذا أراد الله سبحانه بالعبد
خيراً أعانه بالوقت وجعل وقته مساعداً له، وإذا أراد شراً جعل وقته عليه، وناكده
وقته حتى يفقد وظيفته في هذه الحياة.
وأفضل ما تصان به حياة إنسان أن يرسم لها منهاجاً يستغرق أوقاتها، ولا
تترك فرصة للشيطان أن يتطرق إليها بوسوسة، أو إضلال، فإن ذلك هو بداية
حمل النفس على المتاعب العقلية والبدنية من غير عمل ناجح.
إن المسلم يغالي بالوقت مغالاة شديدة لأن الوقت عمره، فإذا سمح بضياعه،
وترك العوادي تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش، والإسلام دين يعرف قيمة
الوقت وخطر الفراغ، ويقدر خطورة الزمن يؤكد الحكمة الغالية (الوقت كالسيف
إن لم تقطعه قطعك) ، وما فشت المنكرات وازدادت حدة العصيان وانتشار الجرائم
إلا بازدياد نسبة الفراغ، ذلك لأنه يفتح على هؤلاء المجانين أبواباً عديدة.. على
رأس كل باب شيطان يدعو إلى الرذيلة، فعند ذلك هل يتحكم الشخص بعقله أمام
هذه الأبواب فيربي فراغه على التحصيل والاستفادة أم ينفذ من أحد هذه الأبواب؟ ! فالزمن نعمة جلى، ومنة كبرى لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون
الأفذاذ، قال عمر بن عبد العزيز ﵁: إن الليل والنهار يعملان فيك
فاعمل فيهما) نعم أنت خلقت للعبادة والعبادة عمل تستلزم منك عدم إهدار أوقاتها بين الغفلة والكسل.. ويقول الحسن البصري: يا ابن آدم. إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك (، فالإنسان مأمور باغتنام أوقات فراغه. حتى ولو لم تكن مناسبة للاغتنام، لأن الأماني والأحلام لا تصنع حاضراً ولا تبنى مستقبلاً، وهذا ما عناه أحمد بن فارس الرازي بقوله:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا
ويُلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي: متى؟
والأيام تنطوي على ما عمل فيها بلا استرجاع إلى يوم القيامة فأهل الفراغ
تطوى صحائفهم اليومية معظمها على عتبة الفراغ والبطالة. إن هؤلاء هم أولى
بالحجر عليهم من الحجر على أهل إضاعة المال، فهذا يمكن استرجاعه والتصرف
فيه والاستفادة منه أما الوقت فلا!
يقول الإمام الحسن البصري: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن
آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود
إلى يوم القيامة) ولو قلبنا صفحات تاريخنا الإسلامي لوجدناه مليئاً برجال سابقوا الزمان، وملؤوه بالعلم والمعرفة، فتخلد ذكرهم وهم بين طبقات الثرى، كانوا دائماً بين أروقة العلم والعبادة لأن قيمة الزمن عندهم ترتبط بالغاية من الخلق وهي العبادة.
ومع ذلك فإننا نحن الآن لا نبني بفراغنا شيئاً ثمرته خير للأمة والفرد، لأننا
لا نبالي بمرور الوقت الذي استغله وتحكم فيه أعداؤنا، فمثلاً لقد أهدرنا وقت قراءة
القرآن الذي هو الروح لتحريك الأمة وهو مصنع الرجال الأفذاذ.
ولي دعوة في آخر هذا المطاف للشباب لأنهم هم عماد المستقبل، وهم القوة
الدافعة لحضارات الأمم وتقدمها، وهم أصحاب طاقات جبارة تتفجر في وسط العالم
لأنها هي مرحلة الإنتاج، أدعوهم إلى استغلال هذا الوقت العنفواني المزهر في
تربية النفس وصقلها بين أجنحة المواهب، وصرف الهمم إلى الإنتاج البشري
المثمر، ذلك لأني أرى الكثيرين من شباب اليوم فارغي النفوس والقلوب والرؤوس.. فلا علم ولا عمل، ولا دين ولا إيمان ... ولا نرى لهم أثراً على الساحة العالمية
سوى الانتصارات الرياضية، والانخراط في سلك التائهين.. والناظر إلى الغرب
وواقع الشباب فيه يدرك مدى الانحطاط الخلقي الذي يغوص في وحله الألوف من
أصحاب الصرعات الانحرافية التي بدأ. فيروسها ينتقل إلى طاقات الشباب
الإسلامي حتى يعيشوا في خواء روحي وفراغ عقلي. نسأل الله لنا ولهم الهداية
والتوفيق.
стр. 464
أدب وتاريخ
قصة قصيرة
اليقين
وائل صبري
الحمد لله المعطي والمانع..
قال الزوج هذه الكلمات من أعماق قلبه وهو يرفع بصره إلى السماء، متأملاً
في نجومها المتلألئة وهي تسبح في بحر كثيف من السواد الداكن..
كان الفرح ينمو ويكبر في ذلك القلب المرهف كزهرة تفتحت أكمامها مع
بداية الربيع.. وكان الكون كله من حوله يبدو - في عينيه - باسماً أنيساً ملؤه
المحبة والفرح والأمل.. وكان يشعر وكأن الدنيا بأسرها تزف إليه التهاني مع كل
نسمة للأثير في تلك الليلة الجميلة..
كيف لا؟ وقد سمع ذلك الخبر الذي كان ينتظره منذ سنين.. ينتظره وقلبه
مفعم بالأمل والرجاء واليقين. مبارك إن شاء الله.. زوجتك حامل..
كان هذا هو الخبر.. وكانت تلك هي الكلمات. أما المشاعر فكان لا يعلم
وصفاً لحالها إلا الله.
وعاد الزوج إلى البيت.. وفتح كتاب الله الكريم على الآيات التي كان كثيراً
ما يقرؤها ودمعة وحيدة حرى تترقرق في عينيه.. وبدأ يقرأ.؛ [كّهيعص * ذِكْرُ
رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِياً * قَالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي
واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ولَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياً * وإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي
وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ولِياً * يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ
رَبِّ رَضِياً] ولكن الدموع كانت في هذه المرة تنهمر من عينيه سيلاً مدراراً يغسل
وجنتيه الوضيئتين ويخضب لحيته الكثيفة.. وفى يوم الجمعة.. عندما ذهب إلى
المسجد.. أشرق وجهه بالبشر والحبور.. وامتلأ صدره بالثقة والأمل.. وهو
يسمع الخطيب يتحدث عن الأولاد والبنين، ويهدر بصوته قائلاً: وكيف لا تفرح
أيها الأب بفلذة كبدك وتعتني به. وهو امتداد لسجودك وركوعك وتسبيحك وتهليلك.. وهو قطعة من جسدك تمشى أمامك على الأرض..
وخرج من المسجد ولسان حاله يقول: سأعتني به إن شاء الله. وسأعمل على
أن يكون امتداداً حقيقياً مباركاً لركوعي وسجودي وتسبيحي وتهليلي بإذن الله رب
العالمين.
ومرت الأيام. وكان يتردد - أثناءها - بشكل دوري على المستشفى مع
زوجه لإجراء الفحوص الطبية المعتادة.. إلى أن جاء يوم..
- هذا هراء.. غير معقول! !
كان الزوج يقول هذه الكلمات للطبيب - في ذلك اليوم - والنيران تتأجج في
قلبه.. ويزيد أوارها أنين زوجه المسكينة التي أذهلها هول الموقف فلم تجد تعبيراً
عما في فؤادها المشتعل أصدق من الدموع..
- هذا ليس هراء يا سيدي وهذه هي الصورة أمامك. إن هذا الشيء الذي
يسكن رحم زوجك الفاضلة ليس جنيناً.. أنا لم أر في حياتي مثل هذا.. إنه.. إنه
يا سيدي شيء أو مخلوق لا يعلم طبيعته إلا الله! ! إ. ونظر الزوج إلى الصورة
مرة أخرى.. ثم أشاح بوجهه.. فقد كانت الصورة التي أجريت لرحم زوجته
غريبة حقاً ففي وسط الصورة.. وحيث كان يفترض أن تظهر ملامح الجنين
المعروفة.. لم يكن يبدو سوى كتلة ملتفة من اللحم دون أية أطراف أو معالم..
كانت الصورة - كما قدر الجميع- لمخلوق لم ير إنسان له مثيلاً على الإطلاق..
غير أن أحداً لم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة في ذلك الموقف الرهيب..
وانقضت دقائق ثقيلة من الصمت كأنها دهر.. تماسك بعدها الزوج المجروح
وقال موجها حديثه للطبيب:
- والعمل؟ . أقصد.. ماذا تقترح أن نفعل الآن أيها الطبيب؟ .
- في الحقيقة.. أعتقد أن الأمر الوحيد الذي يمكن عمله الآن هو.. هو
الإجهاض.
- ماذا؟ .. الإجهاض..
- أعتقد أنه لا مفر من ذلك يا سيدي على الإطلاق.. ربما يكون ذلك مؤلماً
بعض الشيء.. إلا أنني أظن أن الألم سيكون مضاعفا.. وطويلاً.. بعد ذلك إذا لم
نتدارك الأمر الآن.. وأعتقد أنكم تفهمون تماماً ما أعنيه..
قالها الطبيب وهو ينظر إلى نظرات الزوجين التي تلاقت في حوار صامت
قصير ولسان حالهما يقول: إننا نفهم تماماً ما تعنيه.. يا سيدي الطبيب..
ومرة أخرى.. ساد الصمت الثقيل أرجاء الغرفة.. لكنه كان في هذه المرة
صمتاً له دوي هائل.. لم يقطعه غير كلمات الزوج الهادئة الرتيبة:
- حسناً.. حسناً.. سنفكر ملياً في هذا الأمر.. وأعتقد أن لدينا متسعاً من
الوقت على كل حال.. شكراً.. السلام عليكم.
وخرج الزوج.. وزوجه التي لم تنطق بحرف واحد طوال الوقت تتكئ على
ذراعه.. ونظر الطبيب قليلاً إلى الممرضتين اللتين شهدتا المشهد كله.. ثم أطرق
برأسه.. وألقى بيديه في جيوب معطفه وغادر الغرفة هو الأخر.. فقد كان الموقف
لا يحتمل أي كلام..
لم يصل الزوجان إلى البيت إلا وكان الزوج قد فكر ملياً وحسم الأمر.. وكان
هذا علامة على عودة مؤشر قلب هذا الرجل الكبير للاستقرار على موجة الإيمان
واليقين التي عهدها في نفسه.. وعهدها الناس فيه.. بعد تلك الهزة العنيفة..
ومع أول خطوة داخل المنزل قال:
-لقد انتهى الأمر.. والأمر لله من قبل ومن بعد على كل حال.. ثم أردف
موضحاً حين رأى عيون زوجه الدامعة مليئة بالتساؤل والاستفهام:
- لقد نفخت الروح - والله أعلم - في هذا الجنين.. فأنت الآن في شهرك
السادس.. والإجهاض معناه الآن قتل هذا المخلوق المسكين.. وهذا مالا نفعله على
الإطلاق.. إن شاء الله..
كانت الكلمات تنساب من فمه بهدوء وطمأنينة غريبة.. ورغم أن تباشير
دمعة حارة كانت تترقرق في عينيه إلا أنه مضى يقول:
- إن الله هو الذي ينفخ من روحه في هذا المخلوق.. وهو.. هو وحده الذي
يحق له أن يأخذ ما أعطاه.. أما نحن.. فليس لنا من الأمر شىء.. غير الدعاء
والرجاء.
واستسلمت الزوجة الحزينة أول الأمر.. ودونما إدراك منها لطبيعة ذلك
الاستسلام.. هل كان قناعة منها بكلمات زوجها؟ أم كان رضى بالأمر الواقع؟ ..
أم أن الذهول الذي أصابها منذ اللحظة الأولى كان يلفها فى حناياها فلا تجد في
نفسها قدرة على التفكير واتخاذ القرار؟ ..
والحقيقة أن هذا كان التفسير الحقيقي لموقفها بادىء الأمر.. إلا أن مشاعر
اليقين والصبر والرجاء والتي كان زوجها يبثها - دائما - في كل مناسبة.. سرعان
ما بدأت تتغلغل في أعماق فؤادها الكليم لتملأه شيئاً فشيئاً أمناً وطمأنينة وسكينة..
لم تستطع أن تفسره إلا أنه كان رحمة وعوناً من الله.
وبهذه المشاعر المفعمة بالتعلق بالله الواحد الأحد.. واجهت - أكثر من مرة
- موقف بعض الممرضات اللواتي عرضن عليها - خفية ودون علم زوجها - ومن
منطلق الإشفاق والرثاء! مساعدتها في التخلص من حملها العجيب. مرة بالأدوية
والعقاقير.. وأخرى بالتعب والإرهاق.. وثالثة بطرق أخرى.. غير أنها كانت
تتذكر في كل مرة كلمات زوجها عن الواهب.. الواهب الذي له وحده الحق في أخذ
ما وهب.. فتقف.. بكل إصرار في وجه تلك المحاولات التي ظلت تتكرر حتى
الأيام الأخيرة التي سبقت موعد ولادتها.. هذه الولادة التي كانت تترقبها جموع
العاملين في المستشفى.. بعد أن طارت بقصتها الركبان.. داخل المستشفى
وخارجه.. إلى أن جاء ذلك اليوم المشهود..
- أنا لا أصدق ما أرى! ! .. الله أكبر.. الله أكبر.. ما أجمل هذه المولودة..
بهذه الكلمات الممزوجة بدموع الفرح.. كانت تصيح الطبيبة التي أشرفت
على ولادة الأم المؤمنة الصبور.. وسرى الخبر سريان الكهرباء في أسلاكه بين
جموع المرتقبين.. وكأن مساً أو عدوى أصابت الجميع، فإذا دموع الفرح تنهمر
من عيون خليط غريب غير متجانس من البشر.. ليغرق الجميع في موجة صاخبة
من التهاني والفرح وهم يروون ما حدث:
- لقد كانت مولودة جميلة.. فيها شيء واحد غريب.. فقد كان شعرها طويلا
مسدلاً.. ولما كانت متكورة على نفسها في رحم أمها.. فقد كان الشعر يغطي
جسمها الصغير.. الأمر الذي أظهرها في الصورة على ذلك الشكل الغريب..
- وفى تلك الأثناء كان الزوج ساجداً في غرفة الانتظار.. كان قد سمع
بالخبر وعلم بتفاصيله.. بل كان قد رأى الطفلة وانطلق بالآذان في أذنها الصغيرة.. وحنكها بشيء من التمر اتباعاً لسنة نبيه العظيم.. لكنه كان في تلك اللحظات
يهيم بقلبه وروحه بعيداً.. بعيداً عن كل هؤلاء الناس.. حتى أنه ما عاد يسمع شيئاً
من كل ذلك الضجيج..
كان إحساسه كله يتركز في أن الأمر كله كان امتحاناً لصبره وإيمانه..
امتحاناً ليقينه.. وكان - وهو ساجد سجدة الشكر - يحس أنه بعون الله نجح في
ذلك الامتحان.. وبدرجة الامتياز..
стр. 465
أدب وتاريخ
أثر الإسلام في حركة الإصلاح البروتستانتية
د. السيد محمد الشاهد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
تتفق المصادر العربية والغربية على أن العصور الوسطى المسيحية كانت
امتداداً للعصور التي سبقتها من حيث احتكار الكنيسة لحق تسيير جميع شئون الحياة
العامة والخاصة في الغرب، كما تتفق على أن ذلك الوضع كان سبباً في ركود
الحضارة الغربية التي بدأت عند اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد ثم توارت
آثارها بعد سيطرة الكنيسة في الدولة الرومانية ابتداء من القرن الرابع الميلادي.
ويطلق المؤرخون على الفترة الواقعة بين القرن الرابع وحتى العاشر
الميلاديين (عصر الظلام) كما يطلق بعض المؤرخين المحدثين على الفترة التي
تلتها أي العصور الوسطى (عصر الجهالة) كما يقول (ساذرن) في كتابه (نظرة
الغرب إلى الإسلام في العصور الوسطى) ولديورانت في كتابه (قصة الحضارة)
انظر [ج ٢٧، صفحة ١١٤] .
وقد عم ظلم رجال الكنيسة البسطاء الذين كانت تفرض عليهم الضرائب
الباهظة والتي كانت كثيراً ما تؤدي بهم إلى الاسترقاق لخدمة رجال الكنيسة سداداً
لديونهم إلى جانب اعتمادهم المطلق على رجال الكنيسة فيما يتعلق بأمور دينهم
لجهلهم بالكتاب المقدس الذي كان مكتوباً باللغة اللاتينية التي لا يعرفها سوى قلة
نادرة.
أما الساسة فكانوا يعينون ويعزلون حسب رغبة رجال الكنيسة بسبب تعاطفهم
مع أفراد الشعب البسطاء أو إهمال إرسال نصيب الكنيسة من الضرائب أو ما إلى
ذلك.
أما العلماء فكانوا يتهمون بالسحر والزندقة إذا قالوا بآراء علمية تخالف آراء
رجال الكنيسة، ومن أشهر الأمثلة على ذلك إعدام جيرارد وبرونو (١٦٠٠م) ،
ومحاكمة جاليلو (١٦٤٢م) حيث اضطر إلى الرجوع عن قوله بدوران الأرض إنقاذاً
لحياته.
بذلك اتسعت الجبهة المناوئة للكنيسة فضمت كثيراً من أفراد الشعب البسطاء
وبعض الساسة، وكثيراً من العلماء بالإضافة إلى بعض رجال الكنيسة الذين كانوا
غير راضين عن هذا الظلم.
وفي تلك الفترة كان الإسلام قد عرف في الغرب، خاصة بعد أن انتشرت
أقسام تعليم اللغة العربية في معظم جامعات أوربا بعد موافقة الكنيسة على ذلك في
عام١٣١٥م بغرض محاربة الإسلام ونشر النصرانية (التنصير) ، وقد كانت توجد
ترجمة لمعاني القرآن الكريم منذ عام ١١٤٣ أنجزها أحد رجال الكنيسة يدعى
روبرت الكينوتى، وقد ظهر بعد ذلك بفترة وجيزة أول معجم عربي لاتيني. (انظر: تراث الإسلام شاخت وبوزوورث (١/ ٩ ٣) .
وبذلك تيسر للغربيين الاطلاع على إنتاج المسلمين الفكري بالإضافة إلى
التعرف على الإسلام من مصادره، ففي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كان
هناك عالم نصراني يجيد العربية، ويحفظ القرآن الكريم، وصحيحي البخاري
ومسلم، وكان يدعى (ريموند مارتيني) ، وقد حاول هذا الرجل معارضة القرآن
بسورة ركيكة نسجها باللغة العربية على منوال بعض آيات القرآن، ونص هذه
السورة التي اخترعها لا يزال محفوظاً في بعض المصادر العلمية (انظر.
الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية، قاسم السامرائي، ص٩٠) .
مما سبق يتأكد لنا أن الإسلام كان معروفاً بشكل جيد في الغرب خاصة عند
رجال الكنيسة المهتمين بالتنصير وكذلك بين معظم العلماء من غير رجال الكنيسة،
ولم تقتصر معرفة هؤلاء على كتب الفلسفة الإسلامية أو العلوم الطبيعية كما هو
شائع في مصادر تاريخ الفلسفة ولكن كانت كتب العقيدة الإسلامية وأولها القرآن
الكريم، وكتب السنة النبوية من أوائل ما اهتموا به وترجموه إلى لغتهم اللاتينية
حيث سبقت ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية كتب فلسفة ابن رشد التي
يعزو إليها كثير من المؤرخين التأثير القوي للإسلام على الفكر الغربي، وهذا
الواقع يثبت خطأ ادعاء مفكري الغرب بأن أسلافهم في العصور الوسطى كانوا
يهتمون فقط بترجمة كتب الفلسفة اليونانية التي كان العرب قد نقلوها إلى العربية،
وقد فقدت أصولها اليونانية بعد ذلك..
ويمكننا أيضاً أن نقول بأن الفلسفة والعلوم العربية الإسلامية قد أيقظت وأثرت
الفكر والعلوم الغربية بينما كان أثر العقيدة الإسلامية أبعد في إيقاظ الفكر الغربي
بشكل عام، والفكر الديني بشكل خاص.
وقد كان لانتشار المعرفة بالإسلام عقيدة وفكراً ولغة بين العلماء والمهتمين
بأمور الدين أن وجدت الكنيسة نفسها في مواجهة جبهتين: جبهة داخلية يمثلها
بعض العلماء والحكام وكثير من أفراد الشعب البسطاء. وجبهة خارجية يمثلها
الإسلام والفكر الإسلامي عن طريق من تأثروا به وأعجبوا بمبادئه وقوة حجته.
ولم ينج بعض رجال الكنيسة من هذا التأثر والإعجاب، فكانوا بذلك سنداً
لمعارضي الكنيسة دون قصد في غالب الأحيان، وكانت النتيجة الحتمية لازدياد
طغيان الكنيسة وتشددها في محاربة كل ما من شأنه دفع عجلة التقدم والتحضر
ومحاولة اللحاق بالحضارة الإسلامية أن انفجر صراع مرير بين الكنيسة
ومعارضيها الذين حاولوا إصلاحها من الداخل دون جدوى فنشبت الحرب الشهيرة
التي قادها (مارتن لوثر) عام ١٥٢١ م تقريباً واستمرت حوالي ثلاثين عاماً راح
ضحيتها ملايين من البشر من النصارى أنصار الكنيسة والمعارضة وتعرف هذه
الحرب بحرب الثلاثين عاماً أو حرب الفلاحين، والتي أدت إلى انشطار الكنيسة
الكاثولوكية إلى كنيستين: كاثولوكية وبروتستنتية (أي المعارضين) وتسمى أيضاً
الكنيسة الانجيلية لأن مؤسسها (مارتن لوثر [ت ١٥٤٦ م) كان أول من أمر
بترجمة الكتاب المقدس (التوراة والانجيل: العهد القديم والعهد الجديد) إلى اللغات
المحلية، آنذاك، وأولها اللغة الألمانية.
ولم تكن ثورة لوثر ولا معارضات سابقيه من رجال الكنيسة والعلماء خلال
العصور الوسطى وعصر النهضة (أي من القرن الحادي عشر إلى السادس عشر
الميلادي) نتيجة سوء الأوضاع الداخلية وفساد الكنيسة الاجتماعي والخلقي فحسب
بل لابد من اعتبار سبب آخر يضاف إلى ذلك جعل توقيت هذا الانفجار يتأخر إلى
القرن السادس عشر ولا يحدث مثلاً في عصور الآباء (عصر الظلام) حيث كان
طغيان الكنيسة ومساؤها أكثر منه فيما تلا ذلك من قرون.
هذا السبب الآخر والأقوى في نظري، هو انتشار المعرفة بالإسلام، عقيدة
وفكراً في الغرب، فقد كان الإسلام هو المحرك للعقل الأوربي بعد أن أيقظه من
سبات دام طوال عصور الظلام والعصور الوسطى، كما يقول (غوستاف لوبون)
في كتابه (حضارة العرب) ] ص ٥٢٧ [، أما مارتن لوثر فإنه من المأثور عنه أنه
كان يعرف القرآن معرفة جيدة، وله كتابات تهجم فيها عليه تدل على مدى اهتمامه
بالقرآن وتأثره به (انظر مجلة عالم الكتب، مجلد ٦، العدد ٤ /١٤٠٦هـ، ص
٥٥٥) ، وقد كان رجال الكنيسة المحافظون يتهمونه بأنه يريد أن يقيم مملكة -صلى
الله عليه وسلم- بدلاً من مملكة عيسى ﵇، ويستشهدون على ذلك بدخول
بعض أنصاره في الدين الإسلامي. (انظر. الاستشراق: قاسم. السامرائي، ص
٢٥) .
ويعتبر هذا دليلاً قوياً على انتشار الإسلام بين بعض معارضي الكنيسة وتأثر
الكثير منهم به، لأن مثل هذا الاتهام لا يمكن أن يأتي من فراغ.
أما الدليل الواضح على صحة ادعائي بتأثر مارتن لوثر وحركته الاصلاحية
بالإسلام تأثراً قوياً فهو ما يجده القارئ واضحاً في مبادئ عقيدته الجديدة، والتي
يعتقدها نصف المسيحيين تقريباً، أي عقيدة (البروتستنت) وأهم هذه المبادئ التي
تعكس بوضوح أثر الإسلام فيها هي:
ا - منع اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس والسجود لها.
٢ - رفضه لوساطة رجل الكنيسة بين العبد وربه عند طلب المغفرة،
والصلاة على القديسين، وعصمة الباباوات.
٣-إيمانه بالقضاء والقدر مع مسؤولية الإنسان عن أفعاله.
٤ -رفضه لعقيدة الذنب الموروث، وإيمانه بأن رحمة الله تسع كل شيء.
٥-اعتماده على العقل في فهم النصوص الدينية مع تفضيله الإيمان بالنص إذا
تعارض مع العقل.
٦ -اعتماده الكتاب المقدس الذي جاء به عيسى ﵇ المصدر الوحيد
للإيمان، وليس ما صدر عن الباباوات.
٧ - أمره بترجمة الكتاب المقدس إلى لغات أخرى متداولة (محلية) ، بعد أن
كانت الكنيسة تحرم ذلك وتمنع الصلاة بلغة أخرى غير اللاتينية التي لم يكن يفهمها
من يردد كلماتها من غير المتعلمين.
أضف إلى ذلك ما كان يقوله عن بابا الكنيسة: (إن المسيح الدجال الحقيقي في
الواقع ليس محمداً بل البابا في روما.. وأن كنيسة روما هي كنيسة الشيطان، وقد
ألف في ذلك كتاباً أسماه (ضد الباباوية التي أسسها الشيطان) .
لقد ساعد لوثر مناوئي الكنيسة من العلماء، بطريق غير مباشر ودون أن
يقصد إلى حرمان الكنيسة من الإشراف على شؤون الحياة العامة، إذ انفصلت
السلطة السياسية والفكرية عن السلطة الدينية وظهر ما نسميه في اللغة العربية خطأ
(بالعلمانية) ، وحقيقة المصطلح في أصله اللاتيني لابد أن يترجم إلى (العصرانية) .
وقد كان لهجوم لوثر الكاسح على الكنيسة، والذي أسفر عن شطرها إلى
كنيستين ناصبت كل منهما الأخرى العداء، كان ذلك بتأييد غير مباشر لما نادى به
العلماء والسياسيون من فصل شؤونهم عن الكنيسة أي (عصرنة) الحياة العلمية
والسياسية.
ولا يمكن في هذا المجال إهمال أثر الإسلام المباشر في نشأة الاتجاه
العصراني في الغرب الذي بدأ في الظهور بعد الاحتكاك المباشر بالمسلمين
وبالإسلام، بدءاً من القرن التاسع الميلادي، حيث ظهر هذا الأثر واضحاً في
بعض الشخصيات العلمية المعروفة في الغرب آنذاك وبعده، حيث يمكننا أن نفرق
بين ثلاث مراحل للعصرانية.
١ - عصرانية علمية.
٢ - عصرانية سياسية.
٣ - عصرانية قانونية.
بدأت في القرن الحادي عشر واكتملت في القرن التاسع عشر بتأميم أملاك
الكنيسة.
ويعتبر بطرس أبيلارد (١٠٧٩-١١٤٢) من أوائل من نادوا باستقلال العلم
عن الدين الكنسي، الذي لم يجد فيه أي مساعدة أو تشجيع على تحصيل العلم، بل
وجد محاربة العلماء بشتى الطرق، وكان أبيلارد ممن تأثروا بالفكر الإسلامي
والعقيدة الإسلامية التي كانت قد انتشرت في أوربا عن طريق الترجمة خاصة في
الأندلس، وكانت معرفته بالإسلام سبباً مباشراً لوقوفه ضد رجال الكنيسة واتهامهم
بالجهل حتى بالكتاب المقدس الذي تناوله هو بالنقد، وألف كتاباً أسماه (نعم ولا)
ناقش فيه كل ما جاء في الكتاب المقدس، وأشار إلى التحريفات التي دخلت إليه
ورفضها وأثبت خطأها، حتى قيل: إنه كان يستغني بكتاب أبيلارد الموسوم ب
(نعم ولا) عن الكتاب المقدس أو أنه قد أصبح (بالفعل) يغني عن دراسة الكتاب
المقدس كما يقول (كولتون) (انظر: نشأة الجامعات في العصور الوسطى: جوزيف
نسيم، الاسكندرية , ١٩٧١م، ص ٩٩-١٠٣) .
ولقد ظل هذا الاتجاه ينمو في أوربا طوال القرون التالية حتى ظهر روجر
بيكون (ت١٢٩٤م) وتلاه مارسيليو البادوفاني (ت١٣٤٣م) ووليام الأوكامي (ت
١٣٥٠ م) ونادوا جميعاً باستقلال العلم عن الكنيسة. (انظر: الاستشراق، قاسم
السامرائي، ص ٧٥ - ٧٦، فلسفة العصور الوسطى، عبد الرحمن بدوي، ص
٧٩-٨٤ , ١٦٦، ١٨٢، وما بعدها) .
وقد زاد هذا الاتجاه وانتشر مع زيادة الإقبال على قراءة الإسلام والفكر
الإسلامي واكتشاف البون الشاسع بين موقف الكنيسة المناوئ للعلم والعلماء،
وموقف الإسلام الذي يجعل تحصيل العلم عبادة وفرض على كل قادر ويرفع شأن
العلماء حتى يجعلهم ورثة الأنبياء. ويبقى لنا سؤال في هذا المجال: لو افترضنا
أن رجال الكنيسة كانوا قد استجابوا إلى ما نادى به العلماء والمفكرون وأصلحوا
مساوئهم، هل كان ذلك سوف يؤدي إلى إنهاء التيار أو الاتجاه العصراني المعادي
لسلطة الكنيسة المطلقة؟ .
الحقيقة أن هذا الاتجاه كان سيستمر رغم ذلك، لأن الكتاب المقدس بغض
النظر عن كونه محرفاً، يخلو من أي تصور محدد لنظام سياسي أو اجتماعي أو
اقتصادي أو علمي.
هكذا نرى أن العصرانية كانت تطوراً طبيعياً للأوضاع الدينية والفكرية التي
سادت أوربا في تلك الفترة ونتيجة منطقية للنقص الموجود في الكتاب المقدس وعدم
صلاحيته لتسيير أمور الحياة العامة، لخلوه من أي تصور سياسي أو اقتصادي أو
اجتماعي.. الخ، وأهمية هذا الايضاح تكمن في كونها رداً على من ينادي بتبني
العصرانية في مجتمعنا الإسلامي تقليداً للغرب النصراني، فإن كانت العصرانية قد
ظهرت لتعوض نقصاً في الأناجيل من الناحية السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، فالإسلام قد جمع كل ذلك في تصور كامل يعجز العقل البشري عن محاكاته فضلاً
عن أن يأتي بأفضل منه. والله من وراء القصد.
стр. 466
قراءات تاريخية
موسى بن نصير
عندما تولى موسى بن نصير أفريقية والمغرب كانت البلاد في قحط شديد،
فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء، ومعه
سائر الحيوانات وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصراخ والضجيج وأقام
على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلى، وخطب الناس، ولم يذكر الوليد ابن عبد
الملك فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله
. فسقوا حتى رووا.
ابن خلكان - وفيات الأعيان ٥/٣١٩
وذكرهم بأيام الله
كان القاضي منذر البلوطي إماماً عالماً فصيحاً خطيباً شاعراً أديباً، كثير
الفضل، جامعاً لصنوف الخير والتقوى والزهد، له وقع في النفوس وعليه حلاوة
وطلاوة، دخل يوماً على الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي وقد فرغ من بناء
المدينة الزهراء وقصورها، وقد بنى له فيها قصر عظيم منيف، وقد زخرف
بأنواع الدهانات وكسى الستور، وجلس عنده رؤوس دولته وأمراؤه، فجاءه
القاضي فجلس إلى جانبه، وجعل الحاضرون يثنون على ذلك البناء ويمدحونه،
والقاضي ساكت لا يتكلم فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول أنت يا أبا الحكم؟ فبكى
القاضي وانحدرت دموعه على لحيته فقال. ما كنت أظن أن الشيطان أخزاه الله
يبلغ منك هذا المبلغ المفضح المهتك المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولا أنك
تمكنه من قيادك مع ما آتاك الله وفضلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل
الكافرين والفاسقين. قال الله تعالى: [ولَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن
يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ ومَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * ولِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً
وسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وزُخْرُفاً..] [الزخرف: ٣٣] . قال: فوجم الملك عند
ذلك وبكى وقال: جزاك الله خيراً، وأكثر في المسلمين مثلك.
ابن كثير - البداية والنهاية ١١/٣٠٧
стр. 467
من فقه الدعوة
قائد.. وأمة
د. محمد محمد بدري
يتطلع كثير من الإسلاميين إلى السماء مبتهلين إلى الله تعالى أن يرزقهم قائداً
كصلاح الدين.. ويرى الكثيرون أنه لا ينقصنا إلا القيادة الحكيمة، وأن هذه
الصحوة الإسلامية التي تملأ الآفاق لا ينقصها إلا القائد المتميز فقط! !
ولا شك أن هذه هي إحدى طرقنا الخاطئة في التفكير والنظر وهي (النظرة
الأحادية) .. فنحن نتعلق دائماً بما يمكن أن نسميه (الرجل الوحيد) .. رجل أسطورة
يغير واقعنا في لحظة ويتحول بنا من مؤخرة القافلة البشرية إلى قيادتها بضربة
واحدة من عصاه السحرية؟ ! ! . ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك
عجز الرجل الوحيد عن حل مشاكلنا وتغيير واقعنا؟ ! .
إن هذا الفهم الخاطئ لدور القائد والأمة في تحمل المسئوليات يضر بالقادة
ويضر بالأفراد، فعلى مستوى القادة ينمي فيهم هذا الفهم الفردي في التخطيط
ويجعلهم يتصارعون مع كل من يحاول المشاركة في الرأي أو العمل، وفي نفس
الوقت فإن هؤلاء القادة لا يستطيعون عمل كل شيء بمفردهم فينتهي الأمر إلى
الفشل والإحباط.، ثم لنفرض أن لديهم إمكانية القيادة بمفردهم إلا أن هذا النوع من
التفكير والعمل يسبب وأد القيادات الوسيطة. وأما على مستوى الأفراد فإن هذا
الفهم يطمس في عقولهم مفهوم المسئولية الجماعية، ويشيع فيهم روح التواكل على
القيادات وحدها.. فإذا دعاها الداعي إلى التضحية أجاب لسان حالها [فاذهب أنت
وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون] ومهما كانت قسوة الهزيمة أمام عيونها فإنها تظل
تنتظر حدوث المعجزة وظهور القائد المخلِّص! ! بل وينفق الأفراد أوقاتهم في
الحديث عن هويته وشخصيته؟ ! .
وغاب عن هؤلاء أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لم يقم بما قام به بمفرده،
ولم ينتصر وحده والناس يتواكلون لا يريدون بذل جهد ولا تقديم تضحية، وإنما
كان مع صلاح الدين رجال يعملون ويضحون..
وإذن، فالاعتقاد بأن حاجتنا هي فقط لقائد مسلم ملهم أمر وفهم خطر وضار
لأسباب كثيرة أولها وأهمها:
أنه يصطدم بالقوانين القرآنية التي تقرر أن التغيير إلى الأفضل أو الأسوأ لا
يحدث إلا إذا سبقه تغيير جماعي يقوم به (القوم) (الأفراد) لما بالأنفس من مفاهيم
واتجاهات.. قال : [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] .
فالآية كما نرى تربط التغيير بتغيير ما (بقوم) (جماعة) (أمة) ، وليست فرد
واحد.. (أمة بالمصطلح الإسلامي) لكلمة (أمة) .. وهي الجماعة التي تدين بعقيدة
واحدة، وتتجمع على أصولها وتدين لقيادة قائمة على تلك العقيدة.
وإذن فوجود القائد ليس هو كل القضية وإنما هو شطر القضية، وشطرها
الآخر هو وجود (الأمة) ، ولابد من شروط في القيادة وشروط في الأفراد أو (الأمة)
والتفاعل بين الجانبين والانسجام بينهما.. فأمر القيادة منوط بتلك (الصفوة) المؤمنة
من العلماء المخلصين والقادة القادرين، - وهي العناصر ذات الخبرة والوعي
الشمولي والتي تتوفر فيها ملامح العمل القيادي- والتي تستطيع العمل في مستوى
قيادي أدنى من القيادة الرئيسية حتى لا يكون هناك ثغرات أثناء العمل.. بالإضافة
إلى أن إعدادهم يهيئهم ويؤهلهم لاستلام القيادة مستقبلاً، وهؤلاء هم الذين يشكلون
الحلقات القيادية الوسيطة التي تسد الفجوة بين القاعدة العريضة من الجماهير
المسلمة، وبين القيادة وهى التي عبرها تتم عملية (بعث الأمة) بدعوة التوحيد
بمفهومه السلفي الواضح على ما كان عليه القرون الثلاثة الأولى قبل تشعب الأهواء
واختلاط العقائد.
وكأني برسول الله ﷺ يقضى ثلاثة عشر عاماً يربي هذه
الفئة، ويصنع الرجال، ويدرب القادة لتحمل مسئولية نشر دعوة الحق بعده -صلى
الله عليه وسلم-، لقد كان- ﷺ يصنع رجالاً يحملون هذه العقيدة
فكراً وشعوراً وممارسة، ويربي (أمة) تتلقى أمر الله فيغدو لديها فعلاً وتطبيقاً
ويتحول إلى وقائع وأحداث، فلابد أن يلتزم الدعاة إلى الله الآن هذه الخطوة ...
ولنذكر دائماً أن رسول الله ﷺ وهو المؤيد من ربه
مكث بمكة - كما يروي ابن كثير- يتبع الناس في منازلهم.. عكاظ والمجنة..
وفى المواسم يقول: «من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله
الجنة» .
ولنذكره ﷺ وهو يهتف بربه يوم بدر «اللهم
إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» .. فهذه حقيقة يجب
على الدعاة اليوم أن يقفوا أمامها كثيراً، إن الدعوة لابد لها من (صفوة) تحملها
و (أمة) تحميها..
(أمة) تحمل هذا الدين، وتهدي به وتحاول أن تقول: [ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ] . (أمة) قال الله عنها: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] ، (أمة) رعيلها الأول أبو بكر
العربي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وإخوانهم الكرام،
(أمة) تتوالى أجيالها على هذا النسق الرائع.. الجنسية فيها للعقيدة، والوطن فيها
دار الإسلام، والحاكم فيها هو الله، والدستور فيها هو القرآن.
وهذه (الأمة) تتواصل حضارياً مع كل جماعة تعمل من أجل الحق: «لا
تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ووجود هذه الجماعة وتلك (الأمة)
ضرورة كوجود (القائد) ونصر الله الذي تحرزه هذه (الأمة) لا يتم بثبات فرد بل
لابد من ثبات عدد معين، قال تعالى: [إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مِائَتَيْنِ] ، بل إن الله يخبر أن الفقه بسنن الله في التغيير يؤثر في نتيجة
المعركة مع الكافرين.. قال الله تعالى: [وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَذِينَ
كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ] .، وهذا يلفت النظر إلى خطورة أن يبقى في الأمة
من لا يتمتعون بالوعي والفقه لسنن الله في التغيير.. تلك السنن التي تربط التغيير
بتغيير (القوم) و (الأمة) وليس فرد واحد، وإدراك ضرر وجود غير الواعين في
الأمة لابد أن يولد لدينا شعوراً بالخطر أن يكون المركب الذي يحمل الحركة
الإسلامية يحتوي نماذج من الأفراد لا يعرفون سنن طفو الأجسام على الماء فيسعون
بحسن نية لخرق السفينة كما ورد في الحديث.
وإذن فلابد من بعث (الأمة) لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة
البشرية مرة أخرى.. وإنه لتفكير سديد ذلك الذي يرى أن عودة (الأمة المسلمة)
إنما يكون في نفس الظروف والشروط التي ولدت فيها أول مرة، فحين ولدت هذه
(الأمة) كان ذلك الميلاد صادراً عن عقيدة واضحة قوية ولسان يستمد من القرآن
وسحره وتأثيره وهذا هو الطريق اليوم.. تصحيح مفهوم العقيدة وتخليصها مما
شابها من علوم الكلام والإرجاء وتجليتها ناصعة واضحة، ودعوة الناس إلى أن
يقيموا حياتهم على قاعدة الإسلام الأولى وهى (تصديق خبر الرسول جملة وعلى
الغيب والتزام شرائعه جملة وعلى الغيب) وبناء عليه وضع قضية الشريعة موضعها
الصحيح في أصول الاعتقاد وتجريد مفاهيم الإسلام من التلبس بغيرها من المفاهيم
الغريبة عليه.
ثم الانطلاق بهذا المفهوم انطلاقاً جاداً يتربى خلاله الأفراد على الأخلاق
الإسلامية ويدرسون الحركة الإسلامية وخط سير الإسلام في التعامل مع كل
المعسكرات والمجتمعات البشرية، والعقبات التي كانت في طريقه ولا تزال تتزايد
بشدة، وبخاصة من المعسكرات الصهيونية والصليبية.
فإذا وصل الأفراد إلى ذلك المستوى من الخلق والفهم فقد تكون لدينا جيل
(الصفوة) الذين على أكتافهم تقع مسئولية تكوين وتربية الدعاة الصادقين الذين
عبرهم يتم بعث الأمة وإحيائها من جديد ...
وختاماً نؤكد أننا لن نستطيع أن ننقذ ذريتنا من الأجيال القادمة من براثن
الجاهلية إلا بالعمل الشاق وتربية جيل مسلم و (أمة) مسلمة وعندما نحقق ذلك نكون
قد انتصرنا على الجاهلية من حولنا وشرعنا في بناء حياة جديدة إذ بدأنا عملنا
بجهود جماعة و (أمة) وليس جهد فرد واحد (قائد) ..
стр. 468
بأقلام القراء
الحرف الرديء. يسقط
من مساهمات القراء ننشر هذه القصيدة للقارئ الكريم الأخ صالح العليان -
كندا:
لتكسر الأقلام..
ثم تمزق الأوراق.
والأيدي التي لم تنصف المظلوم..
بل لحقت سراب الفخر..
تطلبه ولو أدى إلى وأد الحقوق..
لتخسأ الكلمات إن صبغت
بأفكار من يخور كعجل فيه مس من جنون..
أعماه تطبيل ينادي أين أصحاب الفنون؟
ليكون فذاً.. قائداً.. حسن الظنون..
هل يدركون.. أولئك الداعون..
ماذا ينطقون؟
أفكاركم قد انتنت..
والدود أتلف لبها..
لكن تنكره العيون..
ماذا استفاد الشعب من فكر ينادى بالمجون..
قولوا انتصرنا..
والعدو توسعت أملاكه..
وتعددت ثكناته..
قولوا استحال الجوع..
والأحياء ما بقيت لهم غير الضلوع
والعجز والأمراض صارت قاضياً..
كم تكذبون! !
زالت غشاوات.. فأبصرت العيون..
لترى الحروف تمجُّ ناراً..
إنها ما تكتبون..
أثوابكم قد رقعت..
وتعدد الصناع..
أمر يبعث الإضحاك في سن الوليد..
من كان فيه قطرة من عزة..
تأبى عليه بأن يميد..
نهج النبي محمد..
حل لأهوال العبيد..
هذي الشعوب قد اقسمت:
غير الشريعة لا تريد..
стр. 469
الصفحة الأخيرة
التقليد من الوجهة النفسية
إن الله تعالى جبل بني آدم، بل سائر المخلوقات، على التفاعل بين الشيئين
المتشابهين. وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم.
حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. ولما كان بين
الإنسان مشاركة في الجنس الخاص: كان التفاعل فيه أشد. ثم بينه وبين سائر
الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط فلابد من نوع تفاعل بقدره. ثم بينه وبين
النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلاً، فلابد من نوع من المفاعلة.
ولأجل هذا الأصل: وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم
أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة. وكذلك الأدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان
اكتسب من بعض أخلاقه، ولهذا صارت الخيلاء والفخر في أهل الإبل،
وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة من
أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق
الإنس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النُّفرة.
فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة؛ توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور
الباطنة على وجه المسارقة والتدرج الخفي.
وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم،
كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من
غيرهم ممن جرّد الإسلام.
والمشاركة في الهدى الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً، وإن بعد المكان
والزمان، فهذا أيضاً أمر محسوس.
فمشابهتم في أعيادهم ولو بالقليل؛ هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي
هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به، ودار التحريم
عليه.
فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق
والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات. وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط.
ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر
زواله بعد حصوله لو تفطن له. وكل ما كان سبباً إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع
يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة.
اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، ص ٢٢٠
стр. 470
جمادى الأولى - ١٤١٠هـ
ديسمبر - ١٩٨٩م
(السنة: ٤)
стр. 471
الافتتاحية
مؤتمرات
تكثر في هذه الأيام المؤتمرات التي تبحث في الإسلام وعلاقته بقضايا
اجتماعية وسياسية كثيرة، ويقف الإنسان حائراً أحياناً في تكوين رأي صحيح حول
هذه المؤتمرات: دوافعها وأهدافها. من ينفق عليها، ومن يستفيد منها. ومن
القضايا التي يعاد القول فيها الحديث عن القومية والإسلام، ونسبة كل منهما للآخر.
إن الدخول، في الأهداف والدوافع وتواريخ الشخصيات التي تشارك في هذه
المؤتمرات قد يكون من قبيل التنجيم، والرجم بالغيب، لكن هناك دلائل لا يخطئها
من ينظر الأمور بهدوء وصبر وعمق.
وأولى هذه الظواهر أن الفترة الحالية تشهد ازدياداً في الوعي الإسلامي عند
المسلمين، وإلحاحاً من هذا الوعي على واقعهم الاجتماعي الذي يعيشونه، وعندما
نقول: ازدياداً في الوعي نعني ازدياداً نسبياً بالنسبة إلى فترة قريبة طغى فيها ما
سمي بالمد القومي، ولا نقصد أن المسلمين قد وصلوا إلى الدرجة المطلوبة من
الوعي.
وأثر هذا الوعي يتمثل في مظاهر كثيرة نجد آثارها في كل مكان، ويراقبها
غير المسلمين بمشاعر هي خليط من القلق والخوف والترقب والاشمئزاز وفقدان
الاتزان.
والغريب في الأمر أن أصحاب النظرة التحامية على الإسلام والمسلمين
يدركون عمق المأزق الذي يفصل بينهم وبين قناعة الناس بهم، فخلال فترة ليست
بالقصيرة أمسكوا بزمام الأمور في أغلب البلاد الإسلامية، ووضعت القوى ...
المستفيدة من ضعف المسلمين بين أيديهم إمكانيات هائلة، استخدمت في خطين
متوازين:
الخط الأول: تغييب الإسلام، وتجهيل الناس به عن طريق إضعاف ...
مؤسساته، وإبعاد علمائه عن نقاط التأثير، ومطاردة دعاته المخلصين.
الخط الثاني: إشاعة أفكار بديلة لتحل محل الفكر الإسلامي، وإقامة مؤسسات
بديلة للمؤسسات الإسلامية تملأ الفراغ وتبني أجيالا جديدة بأفكار (جديدة) ولا مانع
أن تكون هذه الأفكار مستوردة من الشرق أو الغرب. نقول: خلال هذه الفترة كان
من المنتظر أن لا تقوم للإسلام قائمة في النفوس بعد أن أهمل هذا الإهمال المقصود، وأُقْصِيَ هذا الإقصاء المملوء بالتشفي.
لكن الأمور لا تسير حسب ما يريد لها أهل الباطل، بل المسلم يعتقد أن وراء
أيدي البشر يد عليا، هي يد الله الذي تكفل بحفظ دينه:
[وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا
لَهُمُ الغَالِبُونَ] [الصافات: ١٧١-١٧٣] .
وأمام هذا الواقع يبرز عند القوميين تساؤل: أين ما فعلناه طيلة هذه السنين؟
وكيف لم ترتض هذه الجموع ما قدمناه لها؟ وأين الخطأ؟ هل في الأهداف التي
رفعناها ذاتها؟ أم في الأسلوب؟ أم أن هناك سبباً خارجياً لعله في هذا الإسلام؟ !
فلماذا لا نحاول أن نراجع الخطة، ونقترب قليلاً من أنصاره لنرى: كيف يفكرون؟ وما هي نقاط الضعف ونقاط القوة عندهم؟ إن نظرة هؤلاء عن الإسلام تظل
نظرة خارجية لا يمكن أن تدرك إشكالية القضية من جذورها.
وهي تشبه نظرة الغربيين والمستشرقتين إلى الإسلام، فهؤلاء عندهم علم
واسع يثير الإعجاب، ويفتن الألباب، ولكنهم عاجزون بسبب تكوينهم العقائدي
ونظراتهم المسبقة عن سبر القوة الحقيقية لهذا الدين، وما ذلك إلا لأن فطرهم
مشوهة، ومن كانت فطرته مشوهة يستغرب الأمر البسيط، ويحتقر المهم، وتنقلب
عنده الأمور فيضخم جوانب يحسبها شيئاً وهي لاشيء، ويستهين بجوانب مهمة لا
يدرك ولا يريد أن يدرك أهميتها.
وكذلك هؤلاء المستغربون يجدون صعوبة في تحليل تمسك الناس بأهداب
دينهم، وصدورهم عن منهجه في نظرتهم للماضي والحاضر والمستقبل، مع أن
في هؤلاء المستغربين من يتمتع بعلم غزير وشهادات رفيعة قد حصل عليها من
أشهر الجامعات، ومن له لسان ذَلِق إذا خطب، وقلم غني إذا كتب، ولكن إذا
نظرت إلى تحليلاتهم أصابك العجب العجاب.
[أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً؛ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ ! أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] [الجاثية:
٢٣] .
وحتى لا نظلم الناس الذين يشاركون في مثل هذه المؤتمرات فلابد أن نشير
إلى اختلاف مشاربهم، ولكن مع هذا فإن اختيارهم لم يأت بشكل اعتباطي، بل
هناك اعتبارات متعددة تدفع إلى انتقائهم، ولكن الملاحظة التي قد تبدو في شكل
مأزق هي أنه يؤتى بشخصيات وتقدم بصورة على أنها تمثل الإسلام، وهذا التمثيل
مشكوك فيه، لأن أكبر قدر من المسلمين غير متاح لهم أن يقوِّموا هذه الشخصيات
ولا أن يفوضوا أحداً ينطق باسمهم.
وكذلك فإن في هذه اللقاءات يحصل خلط وتشويه للحقائق عن علم أو عن
جهل، ويتبنى الكلام باسم الإسلام قوم لو كان هناك نظام (حسبة) لحُجِر عليهم أن
يلوا أمر أنفسهم، فضلاً عن يتقدموا ليتكلموا عن الإسلام.
وقد أصبح من المعيب أن يطلق بعض من يوصفون بالمفكرين ألسنتهم في
الكلام على النظام الإسلامي نقداً وتقويماً وقد يكون بعضهم غير مسلم أصلاً؛
فينبري للرد عليهم - باسم الدفاع عن الإسلام - قوم يكتفون بلغة التبرير أو التشويه
أو الاعتذار.
ومما يلفت النظر أن روح الوصاية ووضع الإسلام في قفص الاتهام تحسها
في أغلب المؤتمرات التي تناقش قضايا للإسلام فيها رأي متميز: كقضية القومية،
وقضية المرأة، وقضية التشريع.
على أن أخطر الآثار المترتبة على هذه اللقاءات هو ما يتوصل إليه
المؤتمرون من مواقف لا تخلو من تسويات وتنازلات تحمل على أنها مواقف
إسلامية يستدل بها من قبل الذين يهاجمون الإسلام.
إن تقويمنا لهذه المؤتمرات هو أنها لا تجدي المسلمين شيئاً - إن لم تضرهم - فمن سلبياتها أن محاضرها وبحوثها ومناقشاتها تتلقفها دوائر المخابرات العالمية
المعنية بتتبع أخبار المسلمين فتبني مواقفها على أساس دراسات مشكوك في صحتها، مما ينتج عنه سوء تقدير وتخبط، وهذا مشاهد في ما تبثه أجهزة الإعلام الغربية
عن الإسلام والمسلمين في العالم، والذي يستند أكثره إلى العداوة المتأصلة،
والآراء المسبقة، ومثل هذه المعلومات المغلوطة.
стр. 472
مجددون معاصرون
سيد قطب
نبذة عن حياته:
في قرية صغيرة من قرى الصعيد ولد الأستاذ سيد قطب ﵀ في عام
١٩٠٦.
وحدثنا الأستاذ الشهيد عن نشأته في قرية (موشا) في كتابه (طفل من القرية) ، وعن دراسته فيها، وكيف كوّن مكتبة لا مثيل لها في هذه القرية، وهو لا يزال
طالباً في المرحلة الابتدائية.. وحدثنا أيضاً عن العقلية التي يفكر بها أهل هذه
القرية، والخرافات التي تعشش في عقولهم، والبؤس الذي يلف هذه الطبقة من
الناس ... وكان هذا الذي ذكره في كتابه المهم شأن القرى كلها لا نقول في صعيد
مصر وحده، وإنما في العالم الإسلامي كله.
وفي عام ١٩٢١ م غادر الأستاذ قريته (موشا) ليكمل دراسته في القاهرة،
وكان من المفترض أن يغادرها قبل هذا الوقت لكن حرب ١٩١٩ م كانت سبب ...
تأخره ووقف التدريس وانصراف الناس لما هو أهم من الدراسة.
وفي القاهرة التحق الطالب النجيب بمدرسة عبد العزيز الأولية، وبعد أن أتم
دراسته فيها انتقل إلى دار العلوم وكانت في مستوى المعاهد المتوسطة وأتم دراسته
فيها عام ١٩٣٣ م.
وبعد تخرجه من دار العلوم جرى تعيينه مدرساً في دمياط ثم في بني سويف،
ثم انتقل إلى حلوان - القاهرة - مدرساً في مدرستها الابتدائية، وانتقل أهله إلى
القاهرة بعد أن اشترى منزلاً في حلوان، وكان ذلك بعد وفاة والده، ثم توفيت
والدته بعد انتقالهم إلى القاهرة بقليل.
وبرز اسم سيد كأديب موهوب في مصر، وأصبح اسمه معروفاً في المجلات
الأدبية المشهورة: كالرسالة، والثقافة، والمقتطف.. وأصدر في الأربعينيات كتباً
مهمة منها:
- التصوير الفني في القران.
- طفل من القرية.
- كتب وشخصيات.
- النقد الأدبي أصوله، مناهجه.
- العدالة الاجتماعية في الإسلام.
وفي مجال التعليم تدرج في وظائف الوزارة.. ففي عام ١٩٤٤ أصبح مفتشاً
في التعليم الابتدائي.. ثم في الإدارة العامة للثقافة التي كان يرأسها أحمد أمين.
وفي عام ١٩٤٨ سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية في بعثة تدريبية، تم
اختياره بالذات لها، ولم يكن في رحلته ملتزماً بدراسة معينة أو بزمن معين يقضيه
هناك، وقد أكسبته هذه البعثة خبرة واسعة بطبائع الأميركان وأساليبهم، وله كتابات
مهمة بعنوان (أميركا التي رأيت) نشرت في مجلة الرسالة، و (إسلام أميركاني) في
كتابه (دراسات إسلامية) ، وقد جمعها أحد المهتمين بكتابات سيد في كتاب سماه
(أميركا من الداخل بمنظار سيد قطب) .
وعاد من الولايات المتحدة عام ١٩٥٠ إلى مصر ليخوض معارك سياسية ضد
طغيان فاروق، وفساد الأحزاب، وهيمنة المستعمر الإنكليزي.. واستقطبت هذه
الكتابات فيمن استقطبت ضباط انقلاب (٢٣ يوليو) ، فأعجبوا بها، وتعرفوا على
كاتبها، وقامت بينهم وبينه علاقات، وتم اختياره بعد نجاح الانقلاب مستشاراً
لمجلس قيادة الثورة، ثم أميناً عاماً مساعداً لهيئة التحرير، وكان مرشحاً ليكون
وزيراً للمعارف أو للإعلام لكنه رفض الوزارة والجاه عندما لمس سوء نوايا قادة
الانقلاب، وأدرك بأنهم ليسوا جادين في تحكيم شرع الله، وارتاب ﵀ في
اتصالاتهم المشبوهة.
ولم يجلس الأستاذ سيد في منزلة عندما رفض الوزارة والمغريات، وما كان
لداعية مجاهد أن يفعل ذلك، وإنما انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في أحلك
ظروفها وأشدها قساوة ... انضم إليها وهو يعلم بأنهم على أبواب محنه.
واختار الإخوان الأستاذ سيد قطب ليكون رئيس تحرير لصحيفتهم (الإخوان
المسلمون) ، فلم يتردد، ولم يعتذر لاسيما وهو يعرف خبث وغدر قائد الانقلاب ... وخاض أستاذنا معركة ضد الانقلابيين كتلك المعركة التي خاضها ضد فاروق وزبانيته، وكشف صلات هؤلاء الانقلابيين الضباط بالولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت صحيفة الإخوان المسلمين من أشد الصحف التي كان يخشاها عبد الناصر وزملاؤه.
ودخل سيد السجن عام ١٩٥٤ م مع عدد من قادة الإخوان المسلمين، ثم أفرج
عنه وعنهم بعد قليل، ثم عاد إلى السجن في العام نفسه ١٩٥٤ بعد حادث المنشية
حيث كان نصيبه مما سمي (محكمة الشعب) خمسة عشر عاماً من الأشغال الشاقة،
وأفرج عنه في (مايو) من عام ١٩٦٤ بعد توسط الرئيس العراقي عبد السلام
عارف، ثم أعيد اعتقاله في (أغسطس) عام ١٩٦٥، وقدم لما أسموه (محاكمة) ،
وتم إعدامه في ٢٦ (أغسطس) من عام ١٩٦٦ م ﵀ وأسكنه الفردوس
الأعلى.
ومن أهم مؤلفاته على الإطلاق تلك المؤلفات التي أصدرها وهو في السجن:
- في ظلال القران.
- هذا الدين.
- المستقبل لهذا الدين.
- خصائص التصور الإسلامي.
-معالم في الطريق.
- الإسلام ومشكلات الحضارة.
- مقومات التصور الإسلامي، وقد صدر هذا الكتاب بعد إعدامه بوقت متأخر.
أهم الجوانب التجديدية في دعوة سيد:
أولاً: كيف نقدم الأسلوب إلى الناس:
يحلو لبعض الناس القول: إن سيداً ﵀ كان تلميذاً لمن سبقه من الدعاة
في هذا الميدان ... ومن يدقق النظر بمؤلفات أستاذنا وسيرة حياته يتبين له خطأ هذا
القول ومجانبته للصواب.
ومن الأمثلة على ذلك أن معظم كبار الدعاة الكتاب كانوا يدافعون عن الإسلام
بأسلوب فيه كثير من الضعف؛ فإذا راجت بضاعة الديمقراطية بين الناس راحوا
يتحدثون عن ديمقراطية الإسلام ... وإذا فتنت شعوبنا بالاشتراكية، صنعوا للإسلام
اشتراكية، وإذا أطنب المفكرون في الحديث عن الحضارة كتبوا المقالات بل
والمؤلفات في التعريف بحضارة الإسلام ... لقد كان الإسلام عند هؤلاء الكتاب
اشتراكياً.. قومياً ... ديمقراطياً.. تقدمياً.
أما الأستاذ سيد فقد رفض هذه الأساليب، وحذر منها. انظر إلى قوله:
(وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام، في ثقة وقوة، وفي عطف كذلك ورحمة.. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل، وعطف الذي يرى شقوة البشر، وهو يعرف كيف يسعدهم، ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى!
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً، ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم
المنحرفة ... سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة.. هذه الجاهلية التي أنتم فيها
نجس والله يريد أن يطهركم ... هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث، والله يريد أن
يطيّبكم.. هذه الحياة التي تحيونها دون، والله يريد أن يرفعكم ... هذا الذي أنتم فيه
شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم.. والإسلام سيغير
تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة
التي تعيشونها ... ) .
وقال أيضاً:
(هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام. لأن هذه هي الحقيقة، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة. سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم أم في أي مكان خاطب الناس فيه.
نظر إليهم من علٍ، لأن هذه هي الحقيقة، وخاطبهم بلغة الحب والعطف
لأنها حقيقة كذلك في طبيعته. وفاصلهم مفاصلة كاملة في غموض فيها ولا تردد
لأن هذه هي طريقته، ولم يقل لهم أبداً: أنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم
وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة! أو إنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها.. كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام.. مرة تحت عنوان:
(ديمقراطية الإسلام) ! ومرة تحت عنوان: (اشتراكية الإسلام) ! ومرة بأن
الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا
لتعديلات طفيفة! ! ! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات) .
وتأثر شباب هذا الجيل بأسلوب سيد فأعرضوا عن الأساليب السابقة الضعيفة، لاسيما وأن سيداً ﵀ أشبع هذا الموضوع بحثاً في مؤلفاته بتفسيره القيم (في
ظلال القران) ، والذين عاشوا تلك المرحلة يدركون ما هو الجديد الذي جاء به
صاحب الظلال ... وكان الحق مع الدعاة الشباب الذين تأثروا بطريقة سيد في
عرض الإسلام.
ثانياً: شرح معاني لا إله إلا الله وربطها بالحاكمية:
وأهم مسألة استحوذت على الأستاذ سيد ﵀ في بداية السجن وحتى لقي
وجه ربه تفسير معاني ومدلولات لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
لقد كان يرى أن جهل المسلمين بمعاني الشهادتين هو سبب هذا الضياع
والفساد الذي يلف العالم الإسلامي، كما كان يرى أن مهمة أنبياء الله الذين اختارهم
الله وأرسلهم للعباد شرح معاني لا إله إلا الله، وذكر في الظلال أدلة كثيرة على ذلك
من كتاب الله وسنة رسوله.
وكان يرى أن (المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله..
هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا اله، وأن محمداً رسول الله.
وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية،
كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء) .
ومن الأدلة على شدة اهتمامه بالركن الأول من أركان الإسلام قوله في
(المعالم) (طبيعة المنهج القرآني) ، وفي مقدمة سورة الأنعام:
(ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر
عاماً كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة، قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة
عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى
لكأنما يطرقها للمرة الأولى.
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا
الدين الجديد ... قضية العقيدة ... ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة) .
وقال بعد استطراد مهم: (ومتى استقرت عقيدة [لا إله إلا الله] في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه [لا إله إلا الله] ) .
كان ﵀ يعلم أن هذه المسألة سوف تفجر قلوب الانقلابيين غيظاً وحقداً
عليه.. ولكنه مجدد مجاهد يواجه الناس بمشكلاتهم، ويضع الحلول لها، ولا
يخشى إلا الله . وراجع نهاية كتابه: (معالم في الطريق) ، فصل (هذا هو الطريق) لتراه كأنه يتحدث عن إعدامه على أيدي العسكريين من ... خلال حديثه عن أصحاب الأخدود.
ثالثاً: الوعي السياسي ونضوج الخبرة:
كان للأستاذ سيد اهتمامات سياسية وهو لا يزال طالباً في المرحلة الابتدائية،
وحدثنا في كتابه (طفل من القرية) عن القصائد التي كان ينظمها والخطب التي كان
يكتبها داعياً فيها إلى تأييد ثورة ١٩١٩ م، وازدادت اهتماماته السياسية بعد انتقاله
للقاهرة لاسيما عندما كان تلميذاً للعقاد، الذي ارتبط أدبه بالسياسة وخاض معارك
ضارية ضد بعض الأحزاب، وكان سيد ساعده الأيمن في هذه المعارك؛ الأدبية
منها والسياسية.
ومن تجاربه الغنية في هذا الميدان رحلة أميركا وما شاهده فيها من تناقضات
ومن مواقف حاقدة ضد الإسلام والمسلمين ... والمرحلة التي سبقت دخوله السجن
أي من عام ١٩٥٠ وهو تاريخ عودته من الولايات المتحدة حتى عام ١٩٥٤، وهذه
الفترة وحدها كافية لتكوين نضوج سياسي عنده، ومن الكتب الإسلامية السياسية
التي أصدرها في هذه المرحلة:
- معركة الإسلام والرأسمالية.
- السلام العالمي والإسلام.
- دراسات إسلامية.
يقول الأستاذ سيد في (معالم في الطريق) فصل (التصور الإسلامي والثقافة) : ...
(إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله ...
الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية.. ما هو من
تخصصه، وما هو من هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره. فإذا هو
يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن
يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. فإنما
عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها..
وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك! ! وعلم علم اليقين أنه
لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي! !) .
إذن عاش أستاذنا أربعين سنة يقرأ ما هو من تخصصه وما هو من هواياته،
ولم تكن حياته قاصرة على القراءة، بل كانت الخبرة لا تقل أهمية عن القراءة ...
ولهذا فقد كتب لنا ﵀ كتابات ناضجة عن الموضوعات التالية:
- الصهيونية.
- الصليبية.
- الشيوعية.
- الرأسمالية.
- الاستبداد، والعبودية، والذل.
- الاستعمار وأساليبه.
- فضائح الحضارة الغربية.
وهذه فيما نعلم أمور انفرد فيها أستاذ هذا الجيل عن غيره من المجددين
المعاصرين الذين حُرِموا هذه الخبرة وهذا النضوج السياسي ... وكانت مواقفه
السياسية لا تنفصل عن عقيدته وحسن فهمه للإسلام.
وبعد:
هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب ﵀.. وعندما ابتلاه
الله بالسجن والتعذيب والتهديد بالقتل صبر على ذلك صبراً شديداً رغم ما كان يعانيه
من أمراض وضعف في جسمه، ولم يتراجع عن مواقفه الإسلامية، رغبة أو رهبة، ولهذا فقد تضاعف رواج كتبه بعد تنفيذ حكم الإعدام به، ومما ساعد على
انتشارها: عذوبة الأسلوب، وإشراقة الديباجة، ومتانة العبارة وقوة الحجة،
وحضور البديهة.. وقلَّ أن تجد داعية وليس في مكتبته كتاب من كتب سيد قطب،
وفضلاً عن ذلك فقد ترجمت هذه الكتب إلى معظم لغات العالم.
رحم الله الأستاذ سيد قطب رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل
خير.
стр. 473
إنما أعظكم بواحدة
عبد العزيز بن ناصر السعد
[ ... وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (٤٣) وَمَا
آتَيْنَاهُم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم
بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ
لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] [سبأ: ٤٣-٤٦]
من هذه الآيات البينات يتضح أن الموعظة الموجهة إلى مشركي قريش كانت
بسبب اتهامهم لرسول الله ﷺ بالكذب تارة وبالسحر تارة أخرى
دون تفكير أو تدبر، شأنهم في ذلك شأن الذين يتبعون أهواءهم وآثار آبائهم
ومتبوعيهم دون دليل.
وقد أقام الله هذه الموعظة العظيمة التي من أخذها بجميع مقوماتها
فلا بد أن يصل إلى الحق وهو في الآية كون النبي ﷺ رسولاً
من عند الله ، ونذيراً لهم بين يدي عذاب شديد، وليس كما يزعمون
ويرددون دون وعي ولا نظر بأنه ساحر أو كاذب أو مجنون، [مَا بِصَاحِبِكُم مِن
جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] ولكي يحصل الانتفاع بهذه الموعظة
العظيمة فلابد من الأخذ بجميع المقومات التي قامت عليها هذه الموعظة وهي:
- القيام لله تعالى: [أَن تَقُومُوا لله] والتجرد في طلب الحق.
- مراجعة النفس والخلوة بها أو مع شخص ثانٍ [مَثْنَى وَفُرَادَى] .
- التفكر والاجتهاد فيما يقوله المخالف [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] .
وتظهر أهمية هذه المقومات في كلام علماء التفسير رحمهم الله تعالى. يقول
الشوكاني في (فتح القدير) حول قوله تعالى [إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ] : أي أحذركم
بواحدة وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه وأوصيكم بخصلة واحدة وهي [أَن تَقُومُوا
لله مَثْنَى وَفُرَادَى] . وهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها أي هي: قيامكم
وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً لأن
الاجتماع يشوش الفكر، وليس المراد القيام على الرجلين بل المراد القيام لطلب
الحق وإصداق الفكر فيه [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] في أمر النبي ﷺ وما
جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن [مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ] وذلك لأنهم
كانوا يقولون أن محمداً مجنون، فقال لهم: اعتبروا أمري بواحدة وهي أن تقوموا
لله وفي ذاته مجتمعين ومتفرقين، فيقول الرجل لصاحبه هلم فلنصدق هل رأينا بهذا
الرجل من جنة أي جنون أو جربنا عليه كذباً ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه وليتفكر
ولينظر. فإن في ذلك ما يدل على أن محمداً ﷺ صادق وأنه
رسول من عند الله وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون اهـ.
ويقول النسفي في تفسيره [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ] : أي بخصلة واحدة وقد
فسرها بقوله [أَن تَقُومُوا لله] الآية. على أن عطف بيان لها. وقيل في محل
الرفع والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي [أَن
تَقُومُوا لله] أي لوجه الله خالصة لا لحمية ولا لعصبية بل لطلب الحق. [مَثْنَى]
اثنين اثنين، و [فُرَادى] فرداً فرداً [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] في أمر محمد وما جاء به،
أما الاثنان فيتفكران يعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران
نظرة الصدق والإنصاف حتى يؤدي النظر الصحيح إلى الحق. وكذلك الفرد يتفكر
مع نفسه بعدل وإنصاف وبعرض فكره على عقله. ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن
الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر ويمنع الروية ويقلل الإنصاف فيه
ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب ولا يسمع إلا نصرة المذهب. اهـ.
ويقول الشيخ السعدي (في تفسير الكريم المنان) في تفسيره لهذه الآية: أي
أعظكم بخصلة واحدة أشير عليكم بها وأنصح لكم في سلوكها وهي طريق نصف
لست أدعوكم إلى اتباع قولي ولا إلى ترك قولكم من دون موجب لذلك وهي [أَن
تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى] أي تنهضوا بهمة ونشاط وقصد لاتباع الصواب وإخلاص
لله مجتمعين ومتباحثين في ذلك ومتناظرين وفرادى كل واحد يخاطب
نفسه بذلك فإذا قمتم لله مثنى وفرادى واستعملتم فكركم وأجلتموه وتدبرتم أحوال
رسولكم هل هو مجنون فيه صفات المجانين من كلامه، وهيئته ووصفه، أم هو
نبي صادق منذر لكم؟ فلو قبلوا هذه الموعظة واستعملوها لتبين لهم أكثر من غيرهم
أن رسول الله ليس بمجنون، لأن هيئته ليست كهيئة المجانين وخنقهم واختلاجها..
فكل من رأى أحواله وقصده استعلام هل هو رسول الله أم لا سواء تفكر وحده أو
مع غيره؛ جزم بأنه رسول الله حقاً وتبين صدقه. اهـ.
ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى حول ظلال هذه الآية: وهنا يدعوهم دعوة
خالصة إلى منهج البحث عن الحق [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ] الآية، إنها دعوة إلى
القيام لله بعيداً عن الهوى ... بعيداً عن المصلحة، بعيداً عن ملابسات
الأرض.. بعيداً عن التأثر بالتيارات في البيئة والمؤثرات الشائعة في الجماعة،
بعيداً عن الهواتف والدوافع التي تستشجر في القلب فتبعد به عن الله تعالى. دعوة
إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ولا مع العبارات
المطاطة التي يبتعد القلب والعقل عن مواجهة الحقيقة في بساطتها، دعوة إلى منطق
الفطرة الهادي الصافي بعيداً عن الضجيج والخلط واللبس والرؤية المضطربة
والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة، وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن
الحقيقة، منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والمؤثرات، وعلى مراقبة
الله عز رجل وتقواه وهي [وَاحِدَةٍ] إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق:
القيام لله لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة.. التجرد.. الخلوص.. ثم
التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون.. [أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى] مثنى ليراجع أحدهما الآخر ويأخذ معه ويعطي في
غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في
هدوء، وفرادى مع النفس وجهاً لوجه في تمحيص هادئ عميق. [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا]
فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر. وما يقول شيئاً يدعو إلى التظنن بعقله ورشده.
إن هو إلا القول المحكم القوي المبين اهـ.
وبعد هذه النقول من بعض كتب التفسير حول هذه الآية نستطيع الآن توضيح
مقومات هذه الموعظة العظيمة وشروط الانتفاع بها بما يلي:
الشرط الأول: [أَن تَقُومُوا لله] :
إن هذا الشرط هو الأساس لكل عمل، وبدونه يفسد العمل، ولا يوفق فيه
صاحبه ولا يبارك له فيه، فالقيام لله هو المنطلق لصحة العمل إذا اقترن
ذلك مع المتابعة فيه للرسول ﷺ .
فالإخلاص في البحث عن الحق والصدق في طلبه شرط أساسي للوصول إلى
ذلك الحق، وعندما يغيب الإخلاص ينعدم الانقياد إلى الحق حتى ولو كان مثل فلق
الصبح، لأن من تعلق قصده بغير وجه ربه ثقل عليه الانقياد للحق
وقصرت همته عن بلوغه والعمل به.
فوجب على من أراد معرفة وجه الحق في أي أمر أن يخلص قصده ونيته لله
وأن يتجرد لاتباع الحق عند ظهوره، ولو على لسان مخالفه، وأن يعلم
أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
ولكن قد يكتنف القائم لله بعض الملابسات والظروف التي قد تغطي
على الحق أو تلبسه بالباطل، فيقبل الباطل ظاناً أنه الحق وذلك بسبب بعض
الظروف المحيطة به لذلك فإنه لامناص من توفر باقي الشروط للانتفاع بموعظة الله
ومنهجه السوي في الوصول إلى الحق المنشود وذلك من.
الشرط الثاني: [مَثْنَى وَفُرَادَى] :
والالتزام بهذا الشرط يقضي على عامل مهم من العوامل التي تغطي الحق أو
تشوه وجهه، وذلك في مثل الأجواء الجماعية والجماهير الجاهلة والتي غالباً ما
تتصف بالغوغائية والتقليد الأعمى واتباع كل ناعق من رؤوس الضلال، مما قد
يؤدي بطالب الحق المخلص إلى اتباع الأكثرية من الناس متهماً نفسه وظاناً أن
الحق مع الأكثرية، دون أن يدري أن هذه الحركة الغوغائية قد غطت الحق،
وضيعت معالمه، فاشتبه مع غيره، خاصة عند من قلت بصيرته وقل نصيبه من
هدى الله وهدي رسوله ﷺ ، وهذا ما حدث من اتهام
قريش للرسول ﷺ بشكل جماهيري غوغائي، وقولهم ساحر
وكاهن ومجنون.. الخ، فوعظهم الله أن يقوموا لله ويخلصوا وجوههم له
ويبتعدوا عن هذه الأجواء ويرجعوا إلى أنفسهم، حيث يقف الإنسان مع نفسه أو
معه صاحبه ويصحب ذلك التفكير العميق والتدبر لحال الرسول صلى الله عليه
وسلم، فلابد أن يصلوا إلى الحق والهدى وهو ما جاء في ختام الآية [مَا بِصَاحِبِكُم
مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] .
ونخرج من هذه الآية بفائدة سيأتي تفصيلها في ثنايا البحث إن شاء الله، وهي أن القاصد للحق أو الباحث في مسألة خلافية كبيرة أو صغيرة عليه أن يتجنب
المناظرة في جو جماعي، لأن المناظر يكون أقرب إلى ترك رأيه إذا تبين أن الحق
في خلافه إذا كان التفكير مع شخص واحد، بخلاف حال الجماعة فقد يعز عليه
الاعتراف بالخطأ أمام مؤيديه أو مخالفيه المجتمعين حوله، والله تعالى عليم
بمسارب نفوس خلقه، خبير بطبائعهم فلذلك وعظهم موعظة من يعلم حالهم ويعلم ما
يصلحهم ويهديهم إلى صراطه المستقيم ومنهجه القويم [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] .
الشرط الثالث: [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] :
وهذا الشرط هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحق بعد الالتزام بالشرطين
السابقين، فالتفكير والعلم وإعمال الرأي هو المتمم لهذا المنهج الإلهي للوصول إلى
الحق وتبين الهدى من الضلال، وهذا الشرط يقودنا إلى قضية هامة ألا وهي قضية
العلم الشرعي، ومعرفة دين الله ، وإقامة الدليل والبرهان على ما يعتقد
أنه الحق، وإذا كان الكفار الذين خوطبوا مباشرة بهذه الآية ووجهت إليهم هذه
الموعظة العظيمة ما كان عندهم علم شرعي وليس عندهم الدليل فيما يعتقدونه فلذلك
كان المطلوب منهم التفكير بحال الرسول ﷺ وإقامة الدليل على
ما يتهمونه به، إذا كان الأمر بالتفكير مع الكفار بهذه الصورة فإن الأمر بالنسبة
لطالب الحق في المسائل الشرعية والعقائدية والفكرية فلا بد أن يكون مؤهلاً من
الناحية العلمية لبحث هذه المسألة، ودراسة أوجه الخلاف حولها، وإلا لم يكن
للتفكير فائدة كمن يحارب بغير سلاح ولا عدة، وقد كان عند كفار مكة من العلم
بأحوال الرسول ﷺ وصفاته وصدقه وأمانته ما يكفي، ولو أنهم
فكروا في ذلك لقادهم ذلك إلى الإذعان والانقياد للحق الذي جاءهم به الرسول صلى
الله عليه وسلم. وكذلك الحال لكل مختلفين أو متناظرين إذا لم يكن لديهم علم بما
يختلفون فيه فإنه لا فائدة من التفكير، لأن أداة التفكير الأساسية هي العلم بحال
القضية المختلف فيها فالمقصود إذن بالتفكير هنا هو البحث عن الأدلة الشرعية
والتحقق من ثبوتها ودلالتها على المراد، كما يدخل في العلم أيضاً العلم بحال
القضية المختلف حولها وملابساتها.. الخ. فالجاهل بذلك كله لا يستطيع الوصول
إلى الحق لفقده الأدوات الموصلة إليه، فلذلك نجد مثال هؤلاء يوجههم التقليد
الأعمى دون فكر أو نظر.
وإذا كان الله قد بين لنا في كتابه الكريم منهجاً للوصول إلى الحق
فيما اختلف فيه، فإن هذا المنهج وذلك الطريق السوي يمر أحياناً عبر أنواع من
الحوار والمناظرة لابد منها، فالمتتبع لمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في
الدعوة إلى الله وحده يجد أن أكثرهم قد وقف مع قومه موقف المناظرة وإقامة الحجة
والنصح، وتبين الحق من الباطل، والصبر على ذلك، مع شدة رفضهم للحق
وعنادهم وتعنتهم، ولكن مهمة البلاغ والدعوة إلى الله تستلزم شيئاً من
ضبط النفس والتحمل حتى يتم البلاغ على أكمل وجه. ولكثرة الخلاف الواقع بين
طوائف المسلمين اليوم، وخاصة بين الطوائف إلى أهل السنة؛ فإنا نقدم هذه
الكلمات التي نحسب أن فيها إشارة إلى الطريقة المثلى في الحوار والمناظرة المؤدية
بإذن الله إلى الاجتماع والائتلاف في حدود منهج السلف وأصول الشريعة، وقد اتضح من الآية السابقة التي هي موضع البحث أصول للحوار نطرحها بهذه
المناسبة ونضيف عليها ما وقع عليه الفكر والنظر من آداب الخلاف، وقبل ذكر
هذه الأصول يحسن التقدمة لها بأهمية هذا الموضوع، وبعض التعريفات والوقفات
السريعة.
أهمية هذا الموضوع:
إن الإلمام بآداب الحوار والاختلاف أمر مهم ينفع صاحبه في حياته كلها،
وبخاصة الداعية إلى الله ، وهذه الجوانب المفيدة كثيرة نقتصر منها على
ما يلي:
١- من المعلوم أن مهمة الداعية إلى الله هي بذل الأسباب في هداية
الناس ودلالتهم إلى الخير، ولابد أن يواجهه في ذلك التواءات النفوس وخلافهم معه
في الرأي، فإذا لم يكن لديه من الإلمام بآداب الحوار والاختلاف الشيء الكافي لكي
يصبر ويستمر في دعوته فقد ينفر الناس منه وهو يسعى لجمعهم وهدايتهم إلى
الصراط المستقيم.
٢- إن أهمية الإلمام بآداب الحوار والاختلاف ترجع للظروف الملحة في هذا
العصر الذي يعد عصر تعدد الجماعات الإسلامية والفرقة الموجودة بينهم، وذلك
لأن الإلمام بذلك يساعد في تقارب القلوب وتفهم الأفكار مما يكون له الأثر في
تضييق هوة الخلاف والتماس العذر للعاملين في الدعوة الإسلامية، وهذا يؤدي إلى
الوحدة المنشودة.
٣- كما يفيد تفهم هذه الآداب أيضاً في معالجة وجهات النظر المختلفة التي
تكون بين أفراد المجموعة الواحدة، بل أفراد العائلة الواحدة لأن فقد هذه الآداب
يضخم المشاكل ويجعل من الحبة قبة كما يقولون.
الفرد بين الجدال والحوار:
الجدال: مصدر جادل وهو المناقشة على سبيل المخاصمة، ومقابلة الحجة
بالحجة.
والحوار: الجواب. حاوره محاورة وحواراً جاوبه وراجعه. فهو مراجعة في
الكلام بين طرفين أو اكثر دون ما يدل بالضرورة على وجود خصومة بينهما، وقد
يكون الجدل والحوار بمعنى واحد إذا خلا الجدل من العناد والتعنت للرأي كما ذكر
تعالى في سورة المجادلة حيث قال: [قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] فسمى الله سبحانه
وتعالى مجادلة المرأة للرسول ﷺ ومجاوبته لها محاورة، والله
أعلم. وعلى أية حال فالحوار كلمة غالباً ما تستعمل في المناظرة الهادئة التي يسود
عليها الألفة والبحث عن الحق. والجدال غالباً ما يكون جوه صاخباً وقد ينشأ عنه
خصومة وعناد.
ما هي نتيجة الحوار؟
ليس شرطاً للحوار الناجح أن ينتهي أحد الطرفين إلى قول الطرف الآخر
ويتفقان على موقف واحد فهذا نجاح لاشك فيه. وإنما يعتبر الحوار ناجحاً أيضاً إذا
توصل الطرفان إلى أن كل قول يقوله أحدهما هو صحيح. أو في الإطار الذي
يسعه الخلاف، أما فشل الحوار فيكون عندما يتشبث كل طرف برأيه ويُخَطِّىء
الطرف الآخر.
بعض الآيات والأحاديث الواردة في آداب الحوار وحسن المناظرة:
قال تعالى:
-[وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً]
-[وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ] .
-[وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] .
-[وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ] .
-[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ] .
-[وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] .
-[لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ
بَيْنَ النَّاسِ] .
-[فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] . والآيات في ذلك كثيرة.
أما الأحاديث النبوية فمنها:
- «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» .
- «الكلمة الطيبة صدقة» .
- «تبسمك في وجه أخيك صدقة» .
- «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟» .
- «الكبر بطر الحق وغمط الناس» .
- «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها» .
- «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» .
- «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» .
- «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطيه على العنف،
ومالا يعطي على سواه» .
والأحاديث في ذلك كثيرة.
والآن وبعد هذه التعريفات والآيات والأحاديث التي تشير إلى الآداب
الإسلامية في المعاملة مع الناس ومحاورتهم نأتي لتفصيل أصول الحوار في ضوء
الآية الكريمة التي كانت منطلق هذا البحث وهي قوله تعالى: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم
بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ
لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] .
وكما تمت الإشارة في تفسير هذه الآية وما يتعلق بها أنها تعتبر منهجاً قويماً
لمن أراد الوصول إلى الحق، ولأن الحوار المقصود منه الوصول إلى الحق فإن
هذه الآية الكريمة ترسم لنا بمقوماتها الثلاثة أصول الحوار الصادق، وذلك فيما يلي:
الأصل الأول: الإخلاص لله عز رجل والتجرد الكامل قبل الحوار وأثناءه ...
وبعده [أَن تَقُومُوا لله] .
الأصل الثاني: العلم بحقيقة واقع القضية المطروحة من الناحية الشرعية
والواقعية [ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] .
الأصل الثالث: اعتبار مراعاة ظروف الحوار والمحاورة [مَثْنَى وَفُرَادَى] .
الأصل الأول: الإخلاص لله والقيام له وحده [أَن تَقُومُوا لله] :
ويدخل تحت هذا الأصل عدة متعلقات نذكر منها ما يلي:
أ - تصحيح النية قبل الدخول في الحوار: وذلك بمساءلة النفس عن الغرض
من الحوار هل هو إرادة الحق فحسب، أو أن هناك أغراضاً أخرى كحب الظهور
وإفحام الخصم أو أن يرى الناس مكانه، فإذا كانت هذه الأغراض موجودة فليحجم
المحاور عن الحوار حتى تتجرد نيته تماماً لله وأنه يريد الحق ولو ظهر
على لسان الطرف الآخر.
ب - حسن الاستماع والاهتمام بكلام الطرف الآخر: فالمتحدث البارع مستمع
بارع فلابد من حسن الاستماع والانتباه لما يقوله الطرف المقابل وعدم مقاطعته
وتركه حتى ينتهي ويدون أي فكرة تطرأ أثناء كلامه حتى يفرغ تماماً وهذا من
التواضع وإعطاء الأهمية لكلام الآخرين حتى لا يحصل العجب بالنفس وأنه الذي
ينبغي أن يستمع له وأن غيره ليس عنده ما يستحق ذلك، كذلك على المحاور
المخلص أن يراعي الوقت أثناء حديثه فلا يستأثر بالكلام كله بل يعطي الفرصة
المكافئة للطرف الآخر حتى لا يحصل العجب بالنفس المنافي للإخلاص أو الاحتقار
للطرف الآخر، وكذلك لأن المستمع لا يستطيع أن يركز في سماع من يحاوره دون
مقاطعة له أو انشغال عنه أكثر من ربع ساعة وبعد ذلك يكل الذهن ويقل التركيز
وكما يقال: (إذا أردت أن ينفض الناس من حولك ويسخرون منك فتكلم بغير انقطاع ولا تعطي لأحد الفرصة في الحديث) .
ج - مراقبة النفس أثناء الحوار: جرت العادة عند أكثر المتحاورين أن
يركزوا انتباههم على الطرف الآخر يحصرون الملاحظات على فكرته وطريقته في
الحوار، دون أن يراقبوا أنفسهم بنفس المقياس، فينسى الإنسان نفسه ونوازعها
ونبرات صوته وطريقته في الرد مما يكون له أثر سيء على الحوار.
ولاشك أن الإخلاص في الحوار يجعل الإنسان ينتبه لنفسه وعيوبه أكثر من
غيره، وضعف الإخلاص يحدث في النفس عجباً وشعوراً بأنها فوق الملاحظات.
د - التسليم بالخطأ: الإنسان بشر يخطىء ويصيب، فمن الطبيعي أن
يخطىء المحاور في مناقشاته وحواره مع غيره، والإخلاص لله يفرض
عليه التسليم بالخطأ عندما يتبين له وجه الصواب، بل يشكر لصاحبه فضله في
تبصيره له بالخطأ.
هـ - الحذر من الكذب والغموض واللف والدوران: قد يلجأ المحاور إلى
الأساليب الغامضة بل الكذب أحياناً إذا أحس بضعف حجته، أو أنه يريد أن يلبس
على الطرف الآخر ويوهمه بما ليس له حقيقة، وهذه صفة ذميمة يرفضها
الإخلاص لله تعالى والخلق الكريم، بل إن الحوار المبارك هو الحوار الصادق الذي
يطمئن كل طرف فيه إلى الآخر، وإذا طرح سؤال لا يريد أحد الطرفين الإجابة
عليه فيعتذر عن الإجابة، ولا يلجأ إلى الغموض واللف والدوران لأنه إذا فقدت
الثقة بين الطرفين فقد فشل الحوار.
و الأمانة: لابد من الأمانة في العرض والنقل واحترام الحقيقة وأن لا
تقطع عبارة عن سابقتها أو لاحقتها عند الاقتباس لتخضعها لخدمة فكرتك فهذا نقص
في الدين والإخلاص لأنه أخو الكذب فضلاً عن أنه يُعرِّض من هذه صفته للسخرية
وعدم الثقة به لتلاعبه بالنصوص.
ز - الإنصاف: من الإنصاف أن يبدي المحاور إعجابه وثناءه على الأفكار
الصحيحة والأدلة الجيدة وحسن الاستدلال والمعلومات الجديدة التي يوردها الطرف
الآخر ويسلم بها وأن يذكر الطرف الآخر الإيجابيات والحسنات التي تتمثل فيه أو
في فكرته وإن ظهر معها جوانب سلبية، كما أن من الإنصاف وضع النفس موضع
الطرف الآخر والظروف المحيطة به والتي أدت به إلى الرأي المخالف.
ح - وضع الخطأ في حجمه الطبيعي وتجنب الشماتة: عند وضوح خطأ
الطرف الآخر يجب أن يشعر بأن الخطأ ميسور التصحيح حتى لا يداخله الشيطان
وتفقده الدعوة من جراء خطئه كما أن تواضع الطرف المصيب أمر مهم حتى لا
يداخله الشيطان فيشعر بالتعالي على الطرف الآخر أو يشمت به وبفكرته الخاطئة،
فالمسلم المخلص يقصد من الحوار إظهار الحق ولو على لسان مخالفه.
ط - على كل طرف في الحوار تجنب الهزء والسخرية وكل ما يشعر باحتقار
أحدهما للآخر أو ازدرائه لفكرته أو وسمه بالجهل أو قلة الفهم أو التبسمات
والضحكات التي تدل على السخرية.
ي - تجنب ضمائر المتكلم أثناء الحديث: حتى لا يدخل الشيطان إلى النفس
فيقع فيها العجب والغرور، ينبغي تجنب إدخال ضمائر المتكلم أو ضمير الجماعة
في الحديث كتكرار (نحن، أنا، عندنا ... الخ) مع ما فيها من المضايقة للطرف
الآخر.
*يتبع*
стр. 474
قراءة في فكر مالك بن نبي
- الحلقة الأخيرة -
محمد العبدة
بعد الحلقة الأخيرة في قراءة فكر مالك بن نبي كانت النية متجهة للكتابة عن
بعض أخطائه ضمن الكتابة عن المدرسة التي تأثرت به، وفي مكان آخر غير
صفحات هذه المجلة، ولكن بعض القراء أشاروا وطلبوا أن تكون الكتابة عن مالك
في المجلة حتى تتضح الصورة، وتظهر الإيجابيات والسلبيات كي تقع الفائدة
المرجوة وتتجنب الأخطاء، واستجابة لهذا سأكتب عن الأخطاء ضمن المنهج
الصحيح في الجرح والتعديل؛ وهو أنه إذا غلب على الرجل الخير فالأولى تقديم
إيجابياته والتغاضي عن سلبياته أو ذكرها مجملة ما أمكن ذلك، وما أردت في
المقالات السابقة إلا عرض خلاصة أفكاره عن أمراض العالم الإسلامي وشروط
النهضة، وهي أفكار تستحق الدراسة والتأمل، ونتمنى أن يستفيد منه المسلمون في
كل مكان. فقد أصاب فيها المحز، ووضع الإصبع على الجرح، ورغم مرور
سنين على طرحها، لكن مشكلة المسلمين لا زالت كما حللها وكتب عنها.
إن الأخطاء التي سنتكلم عنها ليست أخطاء عادية مما يقع لكل كاتب، فكان
لابد من ذكرها والتنبيه عليها.
النظرة السطحية للأحداث والشخصيات:
كان مالك بن نبي عميقاً في فهم غور الاستعمار وأساليبه الخفية للتسلط على
العالم الإسلامي، وعميقاً في معالجة (القابلية للاستعمار) عند المسلمين، ولكنه في
عالم الواقع والسياسة فيه سذاجة أو طفولة سياسية، وهذا ليس غريباً فقديماً تعجب
الإمام ابن الجوزي من شخصية أبى حامد الغزالي، كيف يجمع بين الفقه والذكاء
من جهة، وبين الصوفية وحكايات العجائب والخرافات من جهة أخرى.
أ - أعجب مالك بثورة ٢٣ يوليو في مصر، ومدحها ووضع آماله فيها من
ناحية الإصلاح الزراعي والصناعة، وإنشاء وزارة الثقافة والإرشاد، والحياد
الإيجابي، وكل الدجل والشعارات التي أطلقها مهرج هذه الثورة.
فثورة يوليو ١٩٥٢ عند مالك (من أهم الحوادث بالنسبة للصراع الفكري،
وكان لهذا الحدث تأثير شرارة كهربائية انطلقت في وعي البلاد العربية والعالم
الإسلامي) [١] (وكل عربي يعلم أن نظرة الرئيس جمال عبد الناصر خطت
للنهضة العربية الاتجاه الصحيح الذي يحقق الشرط الأول للانسجام مع القانون
العام ... ) [٢] .
كيف يكون هذا الزعيم بهذه الصفات ونحن لا نعلم أن هناك زعيماً آخر في
العصر الحديث ترك بلاده خراباً مثل جمال عبد الناصر؟ كيف لا يدري مالك بن
نبي وهو من هو في فهم اللعبة الاستعمارية أن عبد الناصر كان ضمن (لعبة الأمم) ،
وأنهم ساعدوه على صنع هذه البطولة المزيفة، وحتى لو كانت هناك بعض
الإصلاحات المادية - وهي لم تتحقق فعلاً - فأين الحديث عن الاستبداد السياسي
وكرامة الشعب المسحوقة؟ بل أين تطبيق الإسلام؟ .
٢ - علق مالك بن نبي آمالاً كبيرة على مؤتمر باندونغ، واعتبره كتلة سلام
للعالم، واعتبر هذا التنوع الذي يضم تسعاً وعشرين دولة، تضم تراثاً فكرياً متفاوتاً
(يمكن بطبيعة الحال أن يقدم العناصر اللازمة لبناء قاعدة متينة للسلام) ، [٣] . هذه
نظرته لهذا المؤتمر، والحقيقة أنه كان يحب التكتلات الكبيرة لمواجهة الغرب، وقد
يكون معه بعض الحق في هذا، ولكن مثل هذا التكتل كان يحمل بذور فشله،
وقضية الحياد التي يرفعها لم تكن صحيحة، فكل دولة منحازة، والهند التي كانت
من أبرز أعضاء المؤتمر وتدعي السلام والروحانية كانت تحمل بين جوانحها الكره
العميق للمسلمين، بل إن صورة الهند العداونية كانت من البديهيات عند الشباب
المسلم في الستينات، ولم ينخدعوا بكلام الدبلوماسي الهندي (ليس لدينا من الخشوع
ما يكفينا ونحن ذاهبون إلى باندونغ) [٤] ، ويصدق مالك بن نبي أن نهرو حمل
رسالة اللاعنف التي سلمه إياها غاندي، ونهرو هذا يكتب في (المجلة العصرية)
مقالتين ينكر فيهما على الجمعيات المسلمة الحركة ضد القاديانية ويؤيد جانب
القاديانية) [٥] ، وهند نهرو هي التي احتلت كشمير وأخذتها بالقوة، فأين السلم وأين الديمقراطية التي تدعيها؟ وما الفرق بين الهند وباكستان في (القابلية للاستعمار) .
وقد أدرك مالك أخيراً عدم جدوى أي محاولة تجمّع ليست عناصره
منسجمة [٦] ، كما كان يلمح في آخر حياته بأن ثورة ٢٣ يوليو لم تقم بالواجب، ولاشك أن الكبار من أمثال مالك بن نبي يتراجعون إذا عرفوا الحق. ...
٣ - كانت روسيا بعد الثورة الشيوعية تدعي أنها دولة صديقة للشعوب وللعالم
الثالث، وأنها ليست دولة استعمارية، وقد صدّق مالك بن نبي هذه المقولة، يقول:
(فالمناخ الاستعماري الذي تكوّن في أوربا وأمريكا على حد سواء، وفي الاتحاد
السوفييتي قبل الثورة أيضاً) ولكن الحقيقة أن روسيا مستعمرة قبل الثورة وبعدها،
ولم تتخل عن جشع الدول الكبرى، وهي وجه آخر للحضارة الغربية.
٤ - نقد مالك الانتخابات السياسية التي تطالب بالحقوق فقط وتنسى الواجبات، وتعتمد أسلوب المظاهرات والحفلات، وهو محق في هذا، ولكنه شارك في هذه
الوسائل، وساعد (مصالي الحاج) في قيام الحزب الوطني، مع أنه ينتقده هو
وحزبه، ولكنه حب الحركة ثم يكتشف الأخطاء بعدئذ.
اللاعنف:
أعجب مالك بن نبي بقصة (اللاعنف) عند غاندي، فهو يذكرها دائماً، بل
يذكرها بخشوع، ويبني عليها أحلامه الفلسفية في السلام العالمي، واتجاه العالم نحو
مناقشة قضاياه بالسلم والحوار والفكر، يقول عن منطقة جنوب شرقي آسيا: (هي
مجال إشعاع الفكر الإسلامي وفكرة اللاعنف، أي مجال إشعاع حضارتين:
الحضارة الإسلامية والحضارة الهندوكية، الحضارتان اللتان تختزنان أكبر ذخيرة
روسية للإنسان اليوم) [٧] .
ويحلق في الخيال والطوباوية عندما يقول: (فكذلك رفات غاندي التي ذروها
فإن الأيام ستجمعها في أعماق ضمير الإنسان من حيث سينطلق يوماً انتصار
اللاعنف ونشيد السلم العالمي) [٨] . (هذا الرجل (غاندي) كان يتقمص إلى درجة
بليغة الضمير الإنساني في القرن العشرين) . [٩] .
إن فكرة (السلم العالمي) بمعنى أن يحل السلام في العالم بشكل دائم، أو أن
العالم يتجه نحو هذا الهدف، هذه الفكرة غير واقعية وغير شرعية، وهي فكرة
خيالية محضة، فهي تنافي مبدأ الصراع الذي ذكره القرآن الكريم [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] [البقرة: ٢٥١] كما تنافي مبدأ الجهاد في
الإسلام، وهي غير واقعية لأن من طبيعة البشر التغالب والعدوان إن لم يردعهم
رادع، والدول الكبيرة القوية تأكل الضعيفة إن لم يكن عسكرياً فاقتصادياً.
والبشرية لن تبلغ رشدها في عمرها الثالث فتصبح الفكرة ذات قيمة قي حد ذاتها كما
يتصور مالك بن نبي [١٠] ، بل إنها كثيراً ما تتردى من الناحية الإنسانية،
والبشرية لا تبلغ رشدها إلا إذا حكمها الإسلام.
إن فكرة (اللاعنف) و (الإنسانية) من الأفكار الخطيرة التي بذرها مالك
ووسعها بعدئذ تلامذته، وحاولوا اللف والدوران كثيراً حول مبدأ الجهاد الإسلامي.
الإنسانية والعالمية:
وقريب من مبدأ (السلام العالمي) كان مالك يحلم بأن تتوحد الإنسانية في
مجتمع عالمي، ويظن بأن البشرية تسير بهذا الاتجاه، (فالعالم قد دخل إذن في
مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار) [١١] ،
(وحين اتجه العالم إلى إنشاء منظمة اليونسكو، كان يهدف إلى (تركيب) ثقافة ...
إنسانية على المدى البعيد) [١٢] (وما محكمة العدل في لاهاي والقانون الدولي،
والقانون البحري إلا مظاهر خاصة لذلك الاتجاه العام الذي لايفتأ يمهد الطريق
لتوحيد العالم) [١٣] .
هذا المفهوم للإنسانية مفهوم وهمي يراد به محو الشخصية الثقافية الحقيقية
لكل مجتمع ولكل أمة، وإذا كان العالم قد تقارب وانتشرت الأفكار في كل مكان،
وقد يستفيد المسلمون من ذلك في نشر دينهم الذي يملك عناصر التأثير والقوة،
ولكن أن يتوحد العالم في مجتمع واحد فهذا مفهوم ذهني مجرد، وإذا كان هو نفسه
شعر بأن فكرة الأفرو آسيوية صعبة التحقيق، ولذلك عاد وكتب عن (الكومنولث
الإسلامي) ؛ فكيف يظن أن العالم يسير نحو الوحدة؟ !
ضعف ثقافته الشرعية:
لم يتصل مالك بن نبي بعلماء عصره ليستفيد منهم، ورغم اعترافه بأهمية
جمعية العلماء في الجزائر التي كان على رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس؛ إلا
أن علاقته بها كانت فاترة ويعترف هو بعد لأي أنه كان مخطئاً في هذا [١٤] ،
ولذلك كانت دراسته للإسلام نابعة من قراءاته الشخصية وهي قليلة إذا قيست
بقراءاته في الفكر الغربي، وهذا ما جعله يخطئ في أمور كثيرة سواء كانت في
الفقه والأحكام أو في النظرة لبعض جوانب التاريخ الإسلامي، فمن رموز الثقافة
عنده الفارابي، وابن سينا، وابن رشد [١٥] .. (والمجتمع الإسلامي في عصر
الفارابي كان يخلق أفكاراً وفي عهد ابن رشد يبلغها إلى أوربا وبعد ابن خلدون لم
يعد قادراً على الخلق ولا على التبليغ) [١٦] .
وفي العصر الحديث فإن من رموز الثقافة عنده جمال الدين الأفغاني، وهو
موقظ الشرق، وهو رجل الفطرة ... الخ. وإطلاقه هذا القول جزافاً يدل على
ضعف ثقافته الشرعية.
وفي التاريخ يلمز كثيراً بنى أمية دون وضع الضوابط للإنصاف والتقويم
الصحيح. وبسبب عدم وضوح توحيد الألوهية ظن أنه من الممكن اتصال العالم
الإسلامي بروحانية الهند (وليس بوسعنا أن نغض من قيمة الدور الذي يمكن أن يؤديه اتصال العالم الإسلامي بروحانية الهند) [١٧] .
ولم يشر في كتبه إلى موضوع تحكيم الشريعة الإسلامية، وكان معجباً بدولة
الوحدة عام ١٩٥٨ مع أنها لا تطبق شرع الله، وهناك أخطاء جزئية لا نريد
التفصيل فيها ونعتقد أنه لو نبه عليها لتراجع.
وقبل أن ننهي هذه القراءة لفكر مالك بن نبي لا بد من التنبه لأمور: ...
أ - هذه السلبيات والأخطاء يجب أن لا تمنعنا من الاستفادة من الإيجابيات،
فهذا المفكر خبير في نهضة المجتمعات وأمراض المسلم المعاصر.
وكأني أسمع بعض المسلمين يقولون: ما دامت هذه آراؤه فما الفائدة من
قراءة كتبه؟ وهذا خطأ فادح منهم، فنحن نقرأ لأعداء الإسلام ونستفيد منهم؛ فكيف
بمفكر كان يسعى - حسب جهده - لخير المسلمين، وإن أخطأ في مواضع.
٢ - إن مالك بن نبي شخصية كبيرة، فهو يتراجع عن الخطأ إذا تبين له،
لقد نصح جمعية العلماء في الجزائر بصدق وقال كلاماً دقيقاً في هذا (لقد كان على
الحركة الإسلامية أن تبقى متعالية على أوحال السياسة والمعامع الانتخابية) [١٨] (وبأي غنيمة أراد العلماء أن يرجعوا من هناك وهم يعلمون أن مفتاح القضية في
روح الأمة لا في مكان آخر) [١٩] ، وهو يقصد سير العلماء في القافلة السياسية
عام ١٩٣٦.
ويقول: (فيما يخصني لقد بذلت شطراً من حياتي في سبيل الحركة الإصلاحية، وشهدت في مناسبات مختلفة بالفضل لجمعية العلماء) [٢٠] ، ويتأسف لأن الجمعية لم تدعه للمساهمة في شؤونها الإدارية، ومع ذلك فقد تراجع واعترف أن موقفه من الجمعية لم يكن طبيعياً بسبب نظرته الخاصة للشيخ ابن باديس.
٣ - رغم معرفة مالك الدقيقة بالفكر الغربي، وتأثره به في بعض الأحيان إلا
أن أمله في التغيير بقي معلقاً في الأصالة الإسلامية، وبالرجوع إلى المنبع الأساسي
للمسلمين (فالعالم الإسلامي لا يستطيع أن يجد هداه خارج حدوده بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن لا يقطع علاقته بحضارة تمثل أحد التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم العلاقة معها) [٢١] ، (والمسلم لا يزال يحتفظ بالقيمة الخلقية، وهو ما ينقص الفكر الحديث، فالعالم الإسلامي لديه قدر كبير من الشباب الضروري لحمل مسؤولياته مادياً وروحياً) [٢٢] .
فهل يتحمل الشباب هذه المسؤوليات؟ نرجو ذلك.
стр. 475
صور من عداء المشركين للدعوة
معن عبد القادر
مقدمة:
وقف المشركون من دعوة رسول الله ﷺ موقفاً لا يتغير
في جوهره وهدفه، فهو العداء المستحكم، والسعي الحثيث إلى قتل الدعوة في
مراحلها المختلفة، إلا أن هذا الهدف قد ظهر في صور متعددة تتخذ مرحليّة جلية
في العداء. وهذا المقال يلقي الضوء على أهم تلك الصور، ويشير إلى المرحلية
التي سلكها المشركون في العداء، معرجاً على موقف أهل الحق - متمثلين في
رسول الله وصحبه - من هذه الصور المختلفة.
١- مرحلة عدم الاكتراث بالدعوة:
بدأ الرسول ﷺ بالدعوة منذ أن نزل عليه [يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ
قُمْ فَأَنذِرْ] وكانت دعوته في بادىء الأمر سرية، ولا يُفهم من ذلك أن المشركين
في تلك الفترة لا يعلمون عن محمد ودعوته شيئاً، لكن حيث جاء الرسول بما
يخالف ما عليه القوم مخالفة كلية، وحيث علم أنه ليس من السهولة أن يلتف الناس
حوله إذا جهر بالدعوة بينهم مجتمعين، فقد كان يتخير من يتوسم فيه القبول فيسرُّ
له بآمر الدعوة، وهكذا خفي على المشركين أو الكثير من أتباع الرسول -صلى الله
عليه وسلم- ولكنهم لم يخف عليهم أن للرسول دعوة. فهذا أبو ذر وعمرو بن
عنبسة وغيرهم يأتون النبي لأنهم قد سمعوا به، وانتشر بينهم أنه يدعو إلى أمر
جديد، إلا أن الرسول وهو في بداية أمره لم يواجه قومه بتسفيه ما هم عليه، فلم
ينشأ عندهم الشعور القوي بالخطر من دعوته، فكان من أثر ذلك أنهم لم يكترثوا
بأمره.
جاء في سيرة ابن هشام: (فلما نادى رسول الله ﷺ
قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد عنه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر
آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته) [تهذيب
سيرة ابن هشام / ٥٥] .
وهكذا الأمر دائماً، عندما لا يشعر أهل الباطل بأن في دعوة الحق خطراً
عليهم، فإنهم لا يبدون اكتراثاً بأمرهم، وإن كانوا لا يخفون بغضهم وكراهيتهم
واستهزاءهم بالحق وأهله، ولكن أنى لدعوة أن تنتشر ويظهر أمرها، وتقوم
بالأمانة المنوطة بها، وهي تستر ركناً عظيماً من أركانها وهو الكفر بالطاغوت.
قد يكون هذا ممكنا في حق فرد، ولكنه لا يكون في حق دعوة بأكملها.
٢ - المحاولات غير المباشرة لإسكات الرسول ﷺ :
ولما أعلن الرسول كفره بآلهتهم، وتسفيه معتقداتهم، حاول المشركون أن
ينهوا الأمر بمحاولة إسكاته عن القيام بدعوته، وذلك عن طريق عمه أبى طالب،
فمن ذلك طلبهم منه في المرة الأولى أن يكف ابن أخيه عنهم أو يتركهم ليروا أمرهم
فيه فردهم أبو طالب رداً جميلاً. (التهذيب / ٥٥) .
ولما لم تثن تلك المحاولة الرسول عن عزمه حاولوا مرة أخرى بلهجة أشد.
(التهذيب / ٥٦) وكان جواب الرسول واضحاً صريحاً وقاطعاً في أنه لا أمل في
ثنيه عن دعوته: (والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه
الشمس شعلة من نار) (التعليق على فقه السيرة / ١١٠) .
٣ - صياغة الاتهامات لتضليل العامة:
ولما أيقنت قريش أنها لا تستطيع ثني الرسول عن الصدع بدعوته، حولت
جُلَّ جهودها إلى إنشاء مناعة عند عامة العرب ضد الإيمان به، أو حتى الاستماع
إليه، فاجتمعت قريش قبل موسم الحج بزعامة الوليد بن المغيرة لصياغة الاتهامات
المناسبة لصد الوفود عن الاستماع إلى الرسول (فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد
حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم
هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه
بعضاً) (التهذيب / ٥٧) ، فتقلبت أقوالهم بين ساحر وكاهن وشاعر، ثم استقر رأيهم على اتهامه بالسحر، كما تظهر القصة، وإن كانوا في الحقيقة لم يستقروا على اتهام واحد [إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ] .
ومن ذلك ما لقي به المشركون الطُفَيل بن عمرو الدوسي، وأعشى قيس،
وغيرهم ممن كان يقدم مكة للسماع من الرسول ﷺ .
وكان من مشيئة الله أن جعل من تلك الاتهامات والتحذيرات دعاية للدعوة ...
وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر
ذكره في بلاد العرب كلها) (التهذيب / ٥٨) .
٤ - مرحلة التعذيب لفتنة المؤمنين:
ولما لم تفلح تلك المحاولات في صد الناس عن الإيمان بالدين الجديد،
تواصى المشركون فيما بينهم بالتفنن في التعذيب لرد من آمن بمحمد عن دينه، وقد
لخص كبيرهم أبو جهل مخططهم في ذلك: (وكان أبو جهل الفاسق.. إذا سمع
بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك
لنسفهن حلمك، ولنفيِّلَنَّ رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجراً قال: والله
لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفاً أغرى به ((التهذيب / ٧١، ٧٢) .
وبدأت مرحلة التعذيب الرهيب كفعل أبى جهل بآل ياسر، وأمية بن خلف
ببلال، ويكفي في تصوير شدة هذا التعذيب ما يرويه سعيد بن جبير قال: (قلت لعبد
الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا
ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر
الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى
إلهك من دون الله؟ فيقول نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده) (التهذيب / ٧٢) .
ولقد أصاب الرسول ﷺ في تلك المرحلة شيء من الأذى، كالذي فعله به عقبة بن أبى معيط حين وضع سلا جزور على رأسه وهو ساجد،
وعندما اجتمع عليه المشركون حول الكعبة ففرقهم أبو بكر عنه.
والحقيقة أن التعذيب لم ينته عند مرحلة معينة، بل استمر طويلاً، إلا أن
الهدف منه في المرحلة الأولى والدعوة في طفولتها كان المحاولة في رد الأتباع
القلائل عن دينهم، وتخويف غيرهم من الدخول في الدين، لكن بعد أن قويت
شوكة الدعوة كان التعذيب لمجرد الانتقام، ولتنفيس الغيظ والحنق الذي في نفوس
المشركين، أو للأخذ بشيء من ثاراتهم من المسلمين، ومن ذلك ما فعله المشركون
بخبيب حين صلبوه.
ولابد لنا هنا من وقفة عند أثر هذه المرحلة على أتباع الدعوة، وعلى سير
الدعوة نفسها:
- أخرجت تلك الابتلاءات نماذج عظيمة في الثبات على دين الله، والتضحية
في سبيل العقيدة.
- وكان فيها تربية صلبة للأصحاب أعدتهم رجالاً لتلك الدعوة، فوق ما
ارتفعت به درجاتهم عند الله.
- وزادت من الترابط بين أتباع الدين الجديد.
- وأدت إلى شيء من تعاطف العامة من المشركين مع هؤلاء المستضعفين.
وهذه وغيرها مكاسب عظيمة للدعوة، كان الابتلاء سبباً مباشراً لها.
ووقفة أخرى مع موقف الرسول ﷺ وهو يرى أتباعه
يعذبون:
لقد أصاب رسول الله أذى من المشركين، لكنهم لم يكونوا ليبلغوا منه شيئاً
كثيراً لمكانة عشيرته بينهم، ولكن عديداً من أصحابه واجه فتنة لا طاقة لكثير من
البشر بها، فماذا كان موقف الرسول من ذلك؟ .
لقد أبدى الرسول تعاطفاً شديداً وشفقة حانية على أتباعه من المعذبين، فكان
يمر بآل ياسر، ويثبتهم على مصابهم، ويعدهم الجنة، وكذلك كان حال المسلمين
ممن لم يصبهم الأذى، فهذا أبو بكر ينفق ماله على إعتاق المعذبين من الرقيق.
ولم ينته دور الرسول عند التعاطف والإشفاق، بل كان يبحث عن كل ما من
شأنه أن يخفف المصاب عن أتباعه من حلول عملية.
فكان يأمر من أسلم من الضعفاء أو ممن يخشى عليه الفتنة أن يكتم إسلامه
عن أهله، ويأمر بعض من يأتيه من قبائل العرب مسلماً أن يعود إلى قبيلته لأنه لا
سند له بمكة.
ولما علم أن في الحبشة ملكاً لا يظلم أمرهم بالهجرة إليه فراراً بدينهم.
إذن: كان الرسول يرفع من معنوياتهم، ويذكرهم بالأجر والثواب، ويؤكد
نصر الله إياهم بعد حين، وفي نفس الوقت كان يبحث لهم عن حلول عملية تخفف
من وقع الفتنة عليهم.
إن التعاطف والسعي لتخفيف وطأة التعذيب على المسلمين أمر مطلوب،
وواجب على القيادة المسلمة تجاه أتباعها، أما التخلي عن شيء من المنهج، ولا
أقول الأسلوب والسياسة، تفادياً للمواجهة، واتقاءً لبطش الجاهليين، فأمر لا
يرضاه الله، وقد عصم منه رسوله، وللأسف فقد سقط في هذا المزلق بعض
المخلصين بدافع إخلاصهم وشفقتهم على إخوانهم.
إن الإسلام وهو دين الرحمة قد جعل للأفراد رُخَصاً يجيز لهم الأخذ بها وقت
الشدائد تصل إلى التلفظ بكلمة الكفر، ولكن لا يجوز لأحد مهما بلغت به الفتنة أن
يهادن في دين الله أو يحرف في منهجه.
إن بعض المخلصين، وقد أحزنهم وشق عليهم ما نزل ببعض إخوانهم، وقد
بدءوا يبدون التميع، ويبدون التفاوض مع الجاهلية، بمبادئهم لتخفيف الوطأة على
إخوانهم.
وبدأوا ينطلقون من منطلق (كفانا أشلاء ودماء) وبدأ منهجهم يتكيف مع هذا
المنطلق في جوهره وليس في أسلوبه فقط. إن أشلاء إخواننا ودماءهم غالية على
كل مسلم غيور، ولكننا أيقنا أنها الثمن الذي أراده الله للنصر ... وللجنة.
إن الدعوة التي اشتدت عليها الفتنة، فبدأت تغير من منهجها، ومرة أخرى لا
أقول: من أسلوبها؛ قد سقطت في الابتلاء الذي جعله الله سنة في الدعوات:
[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ] .
[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ
وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ] .
إن التربية التي ترسخ في النفوس أن الابتلاء سنة الله في الدعوات، مهمة
جداً، مهمة للقادة حتى لا يسقطوا في الابتلاء، ويحرفوا المنهج تفادياً لهم، فيضلوا
ويضلوا. مهم للأتباع حتى يثبتوا بتثبيت الله لهم عند الابتلاء، وحتى لا يتسبب
ابتلاؤهم في صب جام غضبهم ولعنتهم على إخوانهم وعلى منهجهم لأنه بزعمهم
السبب فيما وقعوا فيه.
إن أي مسلم غيور، لتذهب نفسه حزناً وهماً على ما يصيب إخوانه في
العقيدة، وهو مطالب بأن يبذل وسعه في سبيل التخفيف عنهم، وإن كان ما نقدمه
حقيقة قليل جداً، وذلك لتراكم الظلم من كل جهة، ولبخل بعضنا وقعودهم عن بذل
كل إمكاناتهم وقدراتهم في سبيل نصرة إخوانهم، ولكن لا يجوز لنا أن يجرفنا الهم
والحزن إلى التخلي عن شيء من منهجنا تفادياً للمواجهة، وفي موقف رسول الله -
ﷺ من خباب ﵁ وهو يأتيه شاكياً عند الكعبة تثبيت
لتلك السنة في نفوس أصحابه بضرب المثل بما لاقاه أسلافهم من المؤمنين، ثم ثبته
بتأكيد نصر الله لهم ولو بعد حين.. يقول خباب: «أتيت النبي -صلى الله عليه
وسلم- وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت:
يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو مُحْمَرٌ وجهه فقال: لقد كان من قبلكم
ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه،
ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن
الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله»
(البخاري ٧/١٦٤) .
وكذلك خرج بأصحابه مثخناً بالجراحات يوم أُحد، وذهب منهم سبعون شهيداً
من خيرة الصحابة، وهو عدد ليس بقليل في ذلك الوقت من عمر الدعوة، لقد كانوا
عشر جيش المسلمين، فماذا كان من الرسول بعد هذا البلاء المبين؟ يقول ابن
إسحاق: (قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ معهم نفرا من أصحابه) (التهذيب/١٩٤) ثم كان ما كان من هذيل في يوم الرجيع إذ قتل وفد رسول الله جميعهم، وكانوا ستة كما عدهم ابن إسحاق.
ثم ماذا؟ ثم بعث رسول الله أصحاب بئر معونة على رأس أربعة أشهر من
أُحد (التهذيب/٢٠٠) وقتل فيه أربعون صحابياً من خيار المسلمين غدراً وخيانة.
بلاء على إثر بلاء، ولكن الدعوة مستمرة، والمنهج محفوظ، يختار الله من يشاء
من المخلصين إلى جواره، وتبقى بقية القافلة في سيرها إلى الله كما أمرها الله.
٥ - مطاردة الفارين بدينهم خارج الحدود:
(فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على
أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً
لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج
عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض
الحبشة مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم) (التهذيب /٧٢) .
ولكن طغاة قريش لم يطب لهم العيش، وهم يرون أتباع الدعوة وقد أصابوا
داراً وقراراً عند ملك الحبشة، فكان ما كان من مؤامرات حتى يخرجوهم من دارهم
التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها.
وكان من رحمة الله بعباده المؤمنين، ومن حمايته لدعوته وحفظه لها أن رد
وفد قريش خائباً، وجعل للمسلمين من عدل النجاشي ملجأ، وإن لم يكن على دين
الإسلام في بادىء الأمر. وهذه الصورة بكل جوانبها لا تزال تكرر نفسها.
يضطهد المسلمون في أرضهم، فيفرون بدينهم منها، ويحاول الطغاة أن
يتبعوهم بأذاهم حيث ما كانوا، فتدرك المؤمنين رحمة الله فييسر لهم من الأسباب ما
يحفظهم من الأذى، ونحن نرى تلك الأسباب في الغالب يهيئها الله على أيدي كفار
آخرين يملكون شيئاً من حرية الفكر واحترام الإنسان، فسبحان من ينصر دينه
بالرجل الفاسق.
٦- المفاوضات (الإغراءات) المادية:
ولما لم تفلح كل تلك المحاولات مرة أخرى في قتل الدعوة، أو حتى في
إيقاف انتشارها الواسع، وعندما قوي أتباع الرسول ﷺ واشتد
أمرهم بإسلام حمزة وعمر وغيرهما، لجأ الطغاة إلى محاولات لإغراء الرسول
بأمور الدنيا، كي يتنازل عن دعوته.
ومثال تلك المحاولات مفاوضة عتبة بن ربيعة أرسلته قريش مندوباً عنها
ليعرض على الرسول الملك والجاه والمال كي يكف عن دعوته.
ولا تزال تلك الوسيلة تستخدم لشلِّ الدعوة وشراء الدعاة، فيتم بذلك احتواءهم
وتسييرهم إلى الوجهة التي يراد لهم السير فيها، وكم من داعية لم يسقط بالترهيب
والتهذيب سقط بالإغراء والترغيب.
٧ - المفاوضات الدينية والسعي وراء التنازلات:
وتمثل تلك المرحلة أخبث وأخطر ما تفتق عنه تخطيط الطغاة ومكرهم. إن
أهل الباطل ليس لهم منهج ثابت محدد يلتزمون به، وإنما يدورون مع مصالحهم
حيث دارت، ومصلحتهم العظمى كما يرونها في عداء الحق والسعي لإطفاء نور
الله، ومن هنا فإن أهل الباطل لا يجدون غضاضة ولا صعوبة في أن يعترفوا
بشيء من الحق ويتفاوضوا مع أهله إذا كان في ذلك قضاء على الحق وأهله ولو
بعد حين.
أما أهل الحق فموقفهم مختلف تماماً، إنهم لا ينطلقون من مصالح معينة، إن
لهم منهجاً ثابتاً محدداً أنزله الله إليهم، وأمرهم باتباعه وحذرهم من مخالفته،
وقضيتهم في جوهرها إنما هي استمساك بهذا المنهج الثابت ومحافظة عليه، والذب
عنه حتى الموت.
ومن هنا فإنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولا يملكون أن يتنازلوا عن شيء
من هذا المنهج لأي هدف كان، إذ أن منهجهم هو قضيتهم، ومصلحتهم في العض
عليه بالنواجذ، وتحقيق أي هدف في الحياة الدنيا، ولو بدا سامياً عند البعض لا
يجوز أن يتم بالتنازل عن شيء من المنهج.
وتدبروا في موقف أهل الباطل من التنازلات [وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] إن
لديهم الاستعداد للمداهنة، ولا مانع لديهم من التنازلات عن شيء من باطلهم في
مقابل تنازل أهل الحق عن شيء من حقهم.
يقول ابن كثير في تفسير سورة الكافرون: (قيل إنهم (أي كفار قريش) من
جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون
معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة فأمر رسوله ﷺ فيها أن
يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: لا أعبد ما تعبدون) .
إنه لا فرق البتة بين أن يعبد المشركون آلهتهم أبد الدهر، أو يعبدوها سنة
ويعبدوا الله سنة بعدها، كله باطل، وما يضير المشركين أن يقدموا مثل هذا
التنازل، وهم بذلك يكسبون الاعتراف الصريح من أهل الحق بشرعية ما عليه أهل
الباطل.
ولكنه فرق أبعد مما بين السماء والأرض، بين أن يعبد المسلمون الله كل عام، أو يعبدوه عاماً ويعبدون آلهة المشركين عاماً بعده، إن الصورة الأولى هي الحق، والثانية باطل من جملة الباطل وشتان بين الحق والباطل.
وماذا يكسب المسلمون من مثل هذا التنازل؟ اعتراف أهل الباطل بحق أهل
الحق في الوجود؟ ! وماذا يعني لو تم ذلك؟ هل حققنا قضيتنا؟ وكيف نحقق الكفر
بالطاغوت وهو قرين الإيمان بالله ونحن نقدم مثل هذه التنازلات؟ .
وثبت الله رسوله أمام هذا الكيد الجديد [وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئاً قَلِيلاً] وعلمنا الموقف الذي نقفه من هذا الكيد، وحذرنا من المداهنة في دين
الله، بل جعل من أصول ديننا معاداة الكافرين وبغضهم والبراءة منهم، حتى يقطع
كل سبيل إلى الجلوس معهم لتقريب وجهات النظر! !
٨- المواجهة المسلحة:
ولما رد الله الذين كفروا بغيظهم في كل مناسبة، ورعى دعوته حتى شبَّت
وقوي عودها، وأحس المشركون بخطر الدعوة على وجودهم، كانت المواجهات
المسلحة ولابد أن تكون، فكانت بدر ثم أحد والخندق وغيرها من السرايا والغزوات، ثم كان يوم الفتح الأكبر، فتح مكة.
وصدق الله وعده للمؤمنين وهم بمكة يعذبون، أو وهم في الحبشة يطاردون،
أنه ناصرهم على الكافرين.
هذه أبرز صور العداء التي واجهتها الدعوة الأولى، ولا يملك المسلم الذي
يعيش في هذا العصر وهو يراجع تلك الصور إلا أن يتساءل [أَتَوَاصَوْا بِهِ] .
إن المحاولات هي ذاتها، وإن أصبحت في كثير من الأحيان أعنف وأشد
خطراً على الدعوة، لازدياد كيد العدو من جهة، ولضعف إيمان المسلمين من جهة
أخرى.
стр. 476
خواطر في الدعوة
أيها الدعاة ...
لا تفسدوا الأخوة
محمد العبدة
من أثمن ما يملكه المسلم في هذه الحياة الدنيا بعد الصلة بالله عقد الأخوة
الإيمانية الذي عقده مع من يحبهم في الله، وتعاهد معهم على العمل سوية في سبيل
نصرة دين الله. هذا العقد من أقوى الأسباب لمجابهة الصعاب والتحديات، ولحل
المشكلات التي تعترض الطريق، وبه يشعر المسلم أنه ليس وحيداً، فهناك من يشد
أزره ويضع يده على يده، غير أن هذه الأخوة قد تعكر صفوها هنات وهزات،
هي صغيرة ولكنها تكبر مع الأيام ويكبر أثرها، فتنفر القلوب، وتقع الوحشة وهذا
مزلق خطير يجب على الأخ المسلم تجنبه فخسارة أخ لا يعوضها أي شيء.
إن كثرة العتاب وكثرة المماراة والجدل، خاصة إذا شابها نية إظهار التميز
وفضل العقل، بل وكثرة المزاح؛ من الأشياء التي تؤدي إلى الوحشة، قال
أصحاب طب القلوب: (إذا قصَّر الأخ في حق أخيه فالواجب الاحتمال والعفو والصفح إلا إن كان بحيث يؤدي استمراره إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل) .
إن الأخوة التي نحرص عليها كل الحرص، ونعض عليها بالنواجذ خاصة في
مثل هذه الأيام والظروف التي تمر بالمسلمين لها حقوق إذا قمنا بها فلعلها تستمر
وتقوى، ومن هذه الحقوق التفقد لأحواله والسؤال عن حاجاته، قبل أن يضطر إلى
طلب المساعدة والعون، فهذا هو الأليق، وهذا هو الذي يفرحه ويسره، فإذا نسيت
وسألك حاجته فبادر إلى قضائها، وإذا لم تفعل هذا فكبّر على هذه الأخوة، ومنها:
الوفاء والثبات عليها، فلا يذكره إلا بخير، ويحفظ غيبته، فلا يعرض به أمام
الآخرين بأسلوب ظاهره الشفقة والنصح وباطنه الغيبة المحضة، بل يجب عليه
استحضار محاسن أخيه وحفظه في أسراره فلا يبثها للآخرين، وبذلك لا يدع
للشيطان مدخلاً: [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ] .
ومن حقوقها: ترك التكلف حتى لا يشعر الأخ أنه غريب عن أخيه، ولا
يلجئه إلى الاعتذار دائماً، بسبب هفوة صغيرة، وكلمة عابرة، ويحاسبه على
النقير والقطمير، وليتذكر قول الشاعر:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟
والأخوة الإيمانية أكبر من هذا، فإذا أفسدتها ما نحن فيه من أنانية وضيق أفق، وانشغال بصغائر الأمور أحياناً، فيجب أن نعترف أنه ليس هاهنا أخوة، بل
كلمات خطابية جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، وما نحن فيه إنما هو مخالطة
رسمية، وصورة مشوهة عن أخلاق المسلمين الأوائل، ومجاملات ليس لها أثر في
العقل والدين.
стр. 477
في إشراقة أية
[كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ]
د. عبد الكريم بكار
يشكل انهيار العلاقات الاجتماعية إحدى أهم المشكلات التي تعانى منها
المجتمعات الحديثة حيث نما الشعور بالفردية والتوحد، وحُكمت المصالح الخاصة
في كثير من شئون الحياة، وقد أصاب أمة الإسلام شيء من ذلك، فاضمحلت
ضوابط التربية الاجتماعية التي تشكل الحس الجماعي لدى الفرد المسلم مما أشاع
الفوضى الفكرية والاجتماعية، وضخم مشاكل المسلمين الاقتصادية لأن عمليات
التنمية لا تتم على ما ينبغي في مجتمع واهي الروابط مختلف الأفكار والمفاهيم.
ومن هنا شددت تعاليم الإسلام على ضرورة المحافظة على العلاقات
الاجتماعية وإقامتها باستمرار على هدي الرسالة الخاتمة التي تعد استمراراً لدعوات
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وتحقيقاً لذلك التواصل قصَّ الله تعالى علينا أخبار الأمم السابقة والعواقب
الوخيمة التي انتهوا إليها حين شاعت فيهم الانحرافات والمخالفات دون أن يرفع أحد
منهم رأساً أو يقول كلمة لأولئك الذين يستعجلون أيام الله لأنفسهم ولأممهم فقال تعالى: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا
عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ]
[المائدة: ٧٨-٧٩] .
فقد أجرم القوم مرتين: مرة حين وقعوا في الآثام، وأخرى حين تركوا
المعاصي تشيع فيهم دون أن تسود فيهم روح التناهي عنها.
وقد جاء في الحديث ما يفسر تدرجهم نحو الحال التي استوجبت لهم اللعن،
فقد روى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أول ما
دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله
ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن
يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا..] » [١]
لقد طال العهد بصالحي بني إسرائيل فبدأت المناكر تزحف إلى حياتهم عن
طريق أهل الأهواء والشهوات، وكان فيهم صالحون فقاموا ونهوا أصحاب ...
المعاصي ووعظوهم ولكن هؤلاء تأصل فيهم المنكر وصار النزوع عنه أمراً
عسيراً، وكان الأمر يتطلب من صالحيهم جلداً وصبراً ومفاصلة إلا أن درجة التوتر الحيوي عند أولئك الصالحين لم تكن كافية بحيث يشعرون بالتميز ويشكلون تياراً نشطاً يحاصر أولئك العصاة ويشعرهم بالشذوذ والإثم ...
وكانت المرحلة التالية سيطرة شعور العجز والضعف على أولئك الصالحين
مما جعلهم يخالطون أهل المعاصي ويرضون عن أعمالهم أو يظهر للناظر أنهم
كذلك فضاعت معالم الحق وجاءت أجيال تالية فنشأت في الانحراف وشبت فيه
وصار التفريق بين المعروف والمنكر أمراً غير متيسر لكل الناس.
وكانت العاقبة أن ضرب الله قلوبهم بعضهاً ببعض، وهذه العبارة في الحديث
النبوي ترمز إلى حالة من الفوضى المصحوبة بالعذاب حيث فقدت تجمعاتهم
الشروط الضرورية لبقائهم واستمرارهم المادي والمعنوي فكانت أيام الله في خاتمة
المطاف جزاء ما فعلوا.
إن كل مجتمع مهما بلغ من الفضل والرقي لا يستغنى عن شريحة فيه تتمثل
فيها المثل العليا لذلك المجتمع تحفظ عليه وجوده المعنوي المتمثل في عقيدته
وأخلاقه وضوابط علاقاته وهؤلاء يمثلون الخيرية في ذلك المجتمع كما قال عليه
الصلاة والسلام: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له في أمته حواريون
وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون
مالا يفعلون ... » [رواه مسلم] .
إن هؤلاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يملكون من التوهج في
أرواحهم والحيوية في نفوسهم ما يجعل همَّ مجتمعهم همهم الأكبر، فيسعد بهم ذلك
المجتمع إذ يحفظون عليه توازنه واستقامته وشروط استمراره، وكما لا يشترط
لصحة المجتمع جسمياً وبيئياً أن يكون كل أفراده من الأطباء كذلك لا يشترط في
المجتمع المسلم أن يكون كل أفراده من الدعاة الناصحين ولكن ينبغي أن تتوفر نسبة
كافية في المجتمع مسموعة الصوت واضحة التأثير تملأ الفراغ الثقافي وتملك من
الوسائل المؤثرة ما يسمح باستمرار وضوح جادة الحق والخير والصواب ويسمح
باستمرار سنة المدافعة بين الحق والباطل على وجه مكافىء وهذا ما يشير إليه قوله
عز اسمه: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] .
وقد جرت سنة الله في الابتلاء أن تلقى هذه الفئة الطيبة الخيرة المُحَارَبة دائماً
وتلقى الأذية والعنت وما ذلك إلا لأنها تسير في الاتجاه المضاد لأهل الشهوات
والأهواء الذين يمكن أن نسميهم بـ (المختزلة) حيث يكثفون هموم البشرية كلها
في هم واحد هو همهم، ويتجاوزون رغبات الخلق ومصالحهم مهما عظمت إلى
رغباتهم ومصالحهم هم، وعلى كل حال فإن الذي يظن أنه باستطاعته أن يسير في
دروب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقوماً للمعوج ومحارباً للأهواء والشهوات
وناصراً للمظلوم ثم لا يلحقه شيء مما لحق بهم فهو واهم في ذلك وإلى هذا أشار
لقمان وهو يعظ ابنه حين قال: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ
المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [لقمان: ١٧] فقد أشعر
ابنه بما يلحقه من الأذية إذا هو قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكن نظراً للأخطار التي تهدد الأمة بخلوِّها من هذه الشريحة المباركة التي
تعد قلبها النابض وبصيرتها النافذة فإن الله تعالى قرن محاربة هذه الفئة بالكفر به
وقتل رسله حيث قال جلَّ وعلا: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ
بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ] [آل عمران: ٢١-٢٢] .
واليوم والأمة تسعى جاهدة إلى الخروج من نفق الظلمات نافضة عنها غبار
الضعف والفرقة والتبعية والتخلف؛ تكثر المشاريع الحضارية المطروحة في البلاد
الإسلامية من قبل أهل العلم والفكر، كما يكثر الضرب في الأرض لدراسة
التجارب الحضارية الحديثة والمعاصرة للأمم الأخرى، والنتيجة الملموسة إلى هذه
الساعة من وراء كل ذلك سلبية والسبب في ذلك - والله أعلم - أننا نأتي البيوت من
غير أبوابها ذلك لأن التخلف المادي الذي يعاني منه المسلمون ليس هو المرض
ولكنه من أعراض المرض، والمعالجة الصحيحة تكون بتفحص المرض وأسبابه
وجذوره فإذا عالجنا المرض ذهبت كل أعراضه، أما المرض فهو كامن في الخلل
الذي أصاب رؤية المسلمين للدنيا والآخرة، والخلل الذي أصاب أخلاقهم ومقاصدهم
وعلاقاتهم ببعضهم بعضاً، مما ترتب عليه مفاسد جمة قعدت بالسواد الأعجم من
المسلمين عن أن يكونوا لَبِنَاتٍ صالحة في أي بناء حضاري فذٍ متميزٍ، وغاب عنا
روح الفريق حين التفت كلٌّ إلى مصلحته الخاصة ضارباً عرض الحائط بكل شيء
وراءها. ولابد من وقفة متأنية عند هذه النقطة نظراً لخطورتها وكثرة المشكلات
الناشئة عنها.
إن كثيراً من مجتمعات المسلمين اليوم لا يتوفر فيه ما يجعله صالحاً لإطلاق
اسم (مجتمع) عليه لأن التفلت من الواجبات الشرعية والوقوع في المحظورات -
والتي في مجملها تشكل الحس الجماعي عند المسلمين- يجعل صفة الفردية طاغية
على هذه التجمعات وإن بدت حسب الظاهر في صورة مجتمعات منظمة متحدة..
إن المجتمع - كما يقول مالك بن نبي - الذي يعمل فيه كل فرد ما يحلو له
ليس مجتمعاً ولكنه إما مجتمع في بداية تكونه وإما مجتمع بدأ حركة الانسحاب من
التاريخ فهو بقية مجتمع.
واليهود حين أرادوا تدمير المجتمعات الغربية خططوا لتضخيم جانب الفردية
على حساب الحس الجماعي حتى كثرت القضايا التي يعدها العرف هناك
خصوصيات تخضع بمزاج الفرد ومصلحته، وكانت النتيجة التي انتهوا إليها تفكك
تلك المجتمعات على نحو مخيف ذهب بأمن الحياة وروائها وسيعصف بكل الجهود
العزيزة التي بذلت في بناء الحضارة الحديثة في يوم من الأيام.
وقد انتقلت هذه العدوى إلى بلاد المسلمين فصار كثير من المسلمين غير
مستعد لقبول نصيحة من أحد بحجة أن ما يلاحظ عليه يعود إلى خصوصياته التي
لا تقبل أي نوع من التدخل. وهذا الصنف من الناس - وهو يمثل اليوم في
المسلمين الأكثرية - على غير دراية بفلسفة هذا الدين في إقامة المجتمعات وإنشاء
الحضارات مما يجعل رؤيتهم للحياة كثوب ضم سبعين رقعة مختلفة الأشكال
والألوان.
وبإمكان المسلم من خلال نظرة سريعة في بعض النصوص أن يتعرف وجهة
الشريعة في هذا، وإليك حديث السفينة الذي وضع النقاط على الحروف في هذه
المسألة بصورة مدهشة، فقد روى النعمان بن بشير ﵁ عن النبي صلى
الله عليه وسلم: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على
سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من
الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» [رواه البخاري] .
إن هذه السفينة تمثل المجتمع الإسلامي الذي توحدت عقائده وتوحد اتجاه سيره
وتوحدت غاياته والمخاطر والتحديات التي تواجهه، وإن القائم في حدود الله تعالى
هو تلك الفئة الصالحة الملتزمة بشرع الله الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر،
وإن الواقعين فيها هم أولئك الذين ينتهكون حرمات الله من ترك الواجبات والوقوع
في المحرمات، والحديث يقرر أن ما يتوهمه بعض الناس من خصوصياته ليس
كذلك كما أن الذين احتلوا أسفل السفينة كانوا واهمين قي ظنهم أن لهم الحرية الكاملة
في التصرف في أرض السفينة.
وذلك لأن تصرفهم فيها بخرقها يمس مصالح الذين فوقهم بل مصائرهم.
ولنضرب لما يتوهمه بعض الناس من خصوصياتهم مثلاً من حياتنا المعاشة حيث
وقع في خلد كثير من الناس أن الصلاة عبادة بدنية تعبر عن صلة خاصة بين العبد
وربه، وأن المقصر في أدائها لا يؤذي جاراً ولا ينتهك لمجتمعه حرمة، وبذا تكون
الصلاة من المسائل الخاصة بالمرء، يؤديها كلما حلا له ذلك، ويتركها كلما عنَّ له
ذلك، ومن ثَمَّ فإن مساءلة الناس له عنها يعد ضرباً من الفضول الذي ينفر منه ذوق
الإنسان المعاصر ذي الإحساس المرهف والرسوم الاجتماعية الدقيقة.
ولكن الأمر في نظر الشريعة الغراء ليس كذلك إذ إن فقهاء الأمة مجمعون
على أن الصلاة ليست من خصوصيات الإنسان التي يقف المجتمع المسلم تجاه
تاركها صامتاً غير مبال ولا مؤاخذ، لذلك رأى بعض الفقهاء أن تاركها (كسلاً) مقراً
بفرضيتها يقتل كفراً، وبعضهم قال يقتل حداً، وبعضهم ذهب إلى أنه يسجن إلى
أن يصلي، وهم في هذا يصدرون عن فهم صحيح لطبيعة عمل هذا الدين في
تسيير دفة الحياة الاجتماعية، لأن المعصية حين تشيع في الناس يستوجبون نزول
العقوبة وذهاب الريح، ولا تشيع الفاحشة إلا حين يغض المجتمع الطرف عنها
وطالما أجهض الجهد الإنساني الضخم في إعمار الأرض بسبب التقصير في جانب
العبودية لله ﵎ وشواهد الماضي والحاضر ناطقة بذلك، وكيف لا والله
تعالى يقول: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ العِقَابِ] [الأنفال / ٥٠] . وكيف لا والرسول ﷺ يقول
مجيباً لمن سأله: أنهلك وفينا الصالحون؟ : «نعم إذا كثر الخبث» [أخرجه
الشيخان] .
نعم إن الأمن حين يضطرب حبله لا يضطرب على الطالحين وحدهم، وإن
الأسعار حين تغلو لتفوق طاقة الناس لا ترتفع بالنسبة للطالحين فقط، وإن العدو
حين يستبيح الحمى لا يستثنى أحداً وهكذا ...
وإذا كان أصحاب الأهواء والشهوات لا يبصرون أكثر من مواقع أقدامهم ولا
يعبأون بحاضر ولا مستقبل فإن على المجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه حاضره
ومستقبله وآخرته.
стр. 478
ملاحظات على الموسوعة الميسرة
في الأديان والمذاهب المعاصرة
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
إن دراسة المذاهب والفرق سواءً كانت إسلامية أو غير إسلامية، قديماً أو
حديثاً، من الأهمية والخطورة بمكان، خاصةً في هذا الزمان الذي تكاثرت فيه فرق
الضلال، ونِحَل الابتداع فتعددت السبل، وكثرت المشتبهات، ولعل هذا يؤكد
ضرورة الدراسة الجادة لهذه الفرق والنحل، ورضي الله عن عمر بن الخطاب الذي
كان يقول:
(إنما تنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لا ... يعرف الجاهلية) . وكان حذيفة بن اليمان يقول: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن
يدركني) .
ويأتي كتاب (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة) والذي
أصدرته الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض [*] ، يأتي هذا الكتاب كخطوة
إيجابية في مجال البناء العلمي للشخصية الإسلامية الأصيلة، ولعله يسد ثغرة كبيرة
في دراسة الواقع المعاصر، فشكر الله للقائمين على هذه الموسوعة، ونفع الله
بجهودهم.
لقد تضمنت هذه الموسوعة (في طبعتها الأولى سنة ١٤٠٩) دراسة ثمانية
وخمسين مذهباً، وكانت مرتبة على حسب الحروف الهجائية، وكان المنهج الذي
سارت عليه دراسة كل فرقة أو دين على النحو التالي:
١- التعريف.
٢ - التأسيس وأبرز الشخصيات.
٣ - الأفكار والمعتقدات.
٤ - الجذور الفكرية والعقائدية.
٥ - الانتشار ومواقع النفوذ.
٦ -- مراجع للتوسع.
وقد لاقت هذه (الموسوعة) - فيما أعلم - رواجاً وانتشاراً في الأوساط
الإسلامية، نظراً للحاجة الملحة لدراسة مثل هذه الموضوعات ولما تضمنته هذه
الموسوعة من مادة علمية جيدة، تم عرضها بأسلوب ميسر وموجز.
ومن باب النصيحة، والاستجابة لطلب القائمين على هذه الموسوعة - كما
ذكروا في مقدمة الموسوعة - أحب أن أبدي بعض الآراء والملاحظات راجياً من
الله أن تنشرح لها صدور أصحاب هذه الموسوعة، وأن يرزق الجميع حسن القصد
واتباع الحق.
أ - ملاحظات عامة:
١ - تضم الموسوعة كما زاخراً من الأديان والفرق الإسلامية وغير
الإسلامية، والمذاهب الفكرية والحركات الإصلاحية.. وقد رتبت حسب حروف المعجم.. والذي يظهر لي أن هذا الترتيب غير كاف.. وأنه لابد من ترتيب آخر حسب حقيقة هذه المذاهب وأفكارها.. فمثلًا يجعل قسم خاص للأديان، وقسم آخر للفرق الإسلامية، وثالث للحركات الإصلاحية.. وهكذا.
٢ - جاء في مقدمة الموسوعة (ص ٩) أن دراسة هذه المذاهب مبني على
الموضوعية والإنصاف.. لكن الالتزام بالموضوعية لا ينافي النقد والمناقشة التي
تنطلق من باب إيضاح الحق وتصحيح الأخطاء، ومن ثم فلابد من نقد هذه المذاهب
ومناقشتها ولو على سبيل الإيجاز والاختصار، فأرى ضرورة إضافة نقطة هامة في
منهج دراسة هذه المذاهب وهي بعنوان التقويم أو النقد لذلك المذهب [١] .
٣-هناك بعض المصطلحات التي لابد من تحديدها وتعريفها لغة واصطلاحاً
مثل كلمة الدين، والمذهب، والملة، والنحلة..
٤ - عرفت الموسوعة بالكثير من المذاهب والفرق.. ولكنها لم توضح ابتداء
أصحاب المنهج الإسلامي الأصيل، وهم - بلا شك - أهل السنة والجماعة.. فكان
من المناسب جداً بيان منهج أهل السنة، وذكر خصائصهم وصفاتهم، وتوضيح
منهجهم في التلقي والعقيدة والسلوك وغيرها.. ولاشك أن في هذا تعريفاً بالمنهج
الأصيل ودعوة إليه.. كما أن فيه تحديداً للمنطلق الصحيح في تقويم المذاهب
الأخرى، وأما ما تضمنته الموسوعة من حركات إصلاحية سلفية كدعوة الشيخ
محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله، فهي بمثابة التجديد لمذهب أهل السنة.
ولعل أصحاب الموسوعة يتنبهون لهذا، خاصة إذا علمنا أن أول أهداف
الندوة العالمية هو: خدمة الفكر الإسلامي الصحيح على أساس من التوحيد الخالص.
٥ - جاء في مقدمة الموسوعة أنها توخت الحركات التي لها وجود واقعي
ملموس في عالم اليوم.. لكن - وكما هو معلوم - أن الأفكار لا تموت، ولكل قوم
وارث، فالمعتزلة مثلاً لم تذكر ضمن الموسوعة.. ومع ذلك فإن فكر المعتزلة لا
يزال قائماً موجوداً [٢] ، وكذلك نجد الموسوعة لا تذكر الخوارج باستثناء الإباضية، مع أن فكر الخوارج الغالي لا يزال موجوداً، وما خبر جماعة شكري مصطفى
في مصر عنا ببعيد [٣] ، بل إن فكر الجبرية (القائلين بأن الإنسان مجبور على
فعله فلا اختيار له) وكذلك فكر القدرية النفاة (القائلين بأن الإنسان يخلق فعل نفسه)
لا يزال موجوداً وظاهراً [٤] ، وأيضاً فمذهب المرجئة له رواج وانتشار، زاد من
امتداده تهاون المسلمين، وضعف تمسكهم بشعائر دينهم، وانتشار التصوف،
ووجود المؤسسات التعليمية التي تقرر مذهب الأشاعرة - وهم مرجئة في باب
الإيمان - وغير ذلك من الأسباب.
والأعجب من هذا كله أن أصحاب الموسوعة لم يتحدثوا عن مذهب الأشاعرة
والماتريدية! ! ولا أظن عارفاً مهماً قلت معرفته وثقافته يجهل وجود وانتشار
المذهب الأشعري والماتريدي، ومن ثم فلا يتصور أن مذاهب الأشاعرة والماتريدية
(قد اندثرت، وعفى عليها الزمن، وتجاوزتها ذاكرة التاريخ) [٥] ، فهاهم الأشاعرة والماتريدية بكتبهم وعلمائهم ومفكريهم ومؤسساتهم التعليمية وغيرها قد ملأوا واقعاً كبيراً يراه كل صاحب عينين.
٦ - عند ذكر (مراجع للتوسع) .. لاحظت على الموسوعة في دراستها
لكثير من المذاهب والأديان، أنها لا تميز بين المراجع المقررة والمؤيدة لمذهب ما [٦] ... وبين المراجع الناقدة لذلك المذهب، وبين المراجع التي تعرض ذلك المذهب
دون نقد أو تأييد، فحبذا لو يراعى هذا الأمر.. كما يلاحظ عدم ذكر مراجع مهمة
ومستوفية، مع أنها مطبوعة ومنتشرة.. وفي نفس الوقت تذكر بعض الجرائد
والمجلات غير المتخصصة ضمن مراجع للتوسع.
٧ - أقترح تعديلاً طفيفاً على عنوان الموسوعة وذلك بإضافة (الحركات)
فيكون العنوان كالتالي: (الموسوعة الميسرة في الأديان والحركات ... والمذاهب المعاصرة) .
والداعي لهذا الاقتراح وجود بعض الحركات الإصلاحية في الموسوعة كحركة
الإخوان، والجماعة الإسلامية في الهند والباكستان وهي بلا شك ليست أدياناً جديدة، ولا مذاهب فكرية مستقلة. وأيضاً يمكن إضافة بعض الحركات الأخرى المستقلة
كالجبهة الإسلامية القومية في السودان، وكحركة الاتجاه الإسلامي في تونس فلهذه
الحركات المحلية ما يميزها عن غيرها مما يعطى مبرراً للتعريف بها. ومن
الحركات أيضاً حركة الجهاد، وجماعة أنصار السنة وأهل الحديث.
وهناك بعض المنظمات الهامة كمنظمة التحرير الفلسطينية، وحركة أمل
الشيعية، والجبهة الشعبية الأريترية، والجبهة الشعبية لتحرير السودان.. الخ.
بل يمكن أن يقال: ما المانع من التعريف ببعض الأحزاب المحلية المختلفة،
كالحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي، وحزب الليكود، وحزب العمل،
والحزب الشيوعي المصري والتونسي ... الخ.
فكرة الموسوعة - فيما يشر لي - لا تمنع من التعريف بما ذكرت، لاسيما
مع الوجود الواقعي المؤثر لتلك الحركات أو الأحزاب والمنظمات، ومع الأهمية
القصوى للتعريف بها وبأهدافها.
٨ - هناك بعض التداخل والتشابه والترابط بين بعض المذاهب والاتجاهات
كأن يكون هذا المذهب فرعاً عن آخر أو جزءاً منه، فعند ذلك لا داعى للفصل
بينهما، وإليك بيان ذلك:
أ - الإسماعيلية، الحشاشون، الدروز، القرامطة، النصيرية: فكل هذه
المذاهب تدخل تحت الباطنية فمن الأفضل وضعها في مكان واحد تحت عنوان
الباطنية ثم التحدث عن كل واحدة حسب ما هو موجود في الموسوعة، ويدخل
تحت الباطنية ويحتاج إلى كلام مستقل البهرة والآغاخانية ... الخ.
ب - الصوفية، التيجانية: فالتيجانية تدخل تحت مسمى الصوفية فمن
الأفضل وضع الصوفية ثم الكلام عن الطرق الصوفية في مكان واحد كالقادرية
والرفاعية والنقشبندية والتيجانية وغيرها.
ج - التغريب، العلمانية: لا فرق بينهما فالعلمانية أصل نشأتها في الغرب
ومن يحاول نشرها في البلاد الإسلامية يسمى من دعاة التغريب أو العلمانية، فكل
داعية للتغريب هو داعية للعلمانية، والعكس صحيح.
د - النصرانية، التنصير، المارونية: فكل ذلك يمكن أن يدخل تحت مسمى
النصرانية، ثم يشار إلى مذاهب النصرانية كالمارونية والكاثوليك والبروتستانت..
الخ.
والتنصير هو الدعوة إلى النصرانية.
هـ - الماسونية، الروتاري، الليونز: فمن المعلوم أن الروتاري والليونز
من مراكز الدعوة إلى الماسونية فلا داعي للفصل بينهما.
و اليهودية، الصهيونية، يهود الدونمة.
ز - القومية العربية، البعث العربي الاشتراكي.
ب- ملاحظات جزئية:
١ - ص ١٦ / س ٩ - ١٦ عند ذكر معتقد الإباضية في أسماء الله وصفاته
يلاحظ على الموسوعة أنها عرضت توحيد الإباضية بعبارة توهم الموافقة والتأييد! ! مع أن من المعلوم أن للإباضية تعطيلاً في باب الصفات [٧] .
٢ - ص ١٧ / س ١٢ ذكرت الموسوعة معتقد الإباضية في حكم مرتكب
الكبيرة في الدنيا، ولكنها لم تذكر معتقدهم في الحكم على العاصي في الآخرة..
وهم يعتقدون تخليده في النار [٨]- موافقة لبقية الخوارج والوعيدية عموماً - كما
أن الموسوعة ذكرت معتقد أهل السنة في هذه المسألة بشيء من القصور (انظر
الموسوعة ص ١٧ / س ١٤، ١٥) فأهل الكبائر تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء
عذبهم بعدله، وإن شاء غفر لهم برحمته، فليس جميع العصاة يدخلون في النار
تطهيراً كما هو في الموسوعة.
٣ - ص ١٨، عند ذكر الجذور العقائدية والإباضية قالت الموسوعة (الإباضيون يعتمدون على القرآن والسنة) فأقول: هل هم بالفعل يعتمدون على نصوص الوحيين.. وما معنى هذا (الاعتماد) .. فكلٌّ يدعي وصلاً بليلى.. ولا أدري لمَ لمْ تذكر الموسوعة مسند الإباضية (المقدس) أعني مسند الربيع بن حبيب، الذي يعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن، كان الأجدر التعريف بهذا المسند (المنحول) وتقويمه.
٤ - ص ٧٣ / س ١٠: جاء في الموسوعة: (تصنف هذه الفرقة
[البريلوية] من حيث الأصل ضمن جماعة السنة الملتزمين بالمذهب الحنفي) ! !
ويبدو أن هذا التصنيف يحتاج إلى إعادة نظر.. فهل يقال عن البريلوية أنهم من
جماعة السنة ولهم من الاعتقادات الباطلة ما قد يخرجهم عن الملة فضلاً عن
السنة؟ [٩] .
٥ - ص ٢٦ / س ١٦: تقول الموسوعة عن التيجانيين: (من حيث الأصل
هم مؤمنون بالله فأقول: صدق الله حيث يقول: [وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ] [يوسف: ١٠٦]
فكيف يقال عن التيجانيين أنهم مؤمنون بالله وبإطلاق مع اعتقادهم بوحدة
الوجود.. ودعوى علم الغيب وتفضيل صلاة الفاتح على كتاب الله؟
٦ - ص ١٣٦ / س ١٥: تقول الموسوعة عن حزب التحرير: (لا
تخرج دعوتهم عن أن تكون واحدة من الجماعات الإسلامية التي تحمل فكر أهل
السنة والجماعة) .
لا أدري ما هذا الفكر السلفي الذي يحمله هذا الحزب المتحرر مع شناعة
أخطائهم وعظم انحرافهم [١٠] ؟ نسأل الله الهداية للجميع.
٧ - ص ٢٥٧ / س ١١: تقول الموسوعة عن الزيدية بأنها: (تتصف
بالاعتدال والقصد) فأقول: هل يمكن أن توصف الزيدية بالاعتدال والقصد.. وأصول الزيدية هي أصول المعتزلة الخمسة؟ فأين الاعتدال والقصد ممن يعطل الصفات الإلهية، وينفي القدر؟ ويحكم على العاصي من عصاة الموحدين بالتخليد في النار؟
٨ - ص ٢٥٧ / س ١٨، س ٢٣: بالنسبة لدعوى أن زيد بن علي تتلمذ
على واصل بن عطاء.. هناك من ينفي هذا التتلمذ وينكره [١١] ، وأيضاً ذكرت
الموسوعة أن من تأليف زيد بن علي كتاب (المجموع) مع أن هناك قول قوي بعدم
ثبوت نسبة (المجموع) إلى زيد [١٢] .
٩ - ص ٢٥٩ / س ٢٣: جاء في الموسوعة عن الزيدية بأنهم: (يميلون
إلى الاعتزال.. والجبر والاختيار) فكيف يجتمعان؟ جبر واختيار! مع أن الزيدية
يغلب عليها نفي القدر تأثراً بالمعتزلة، وفي نفس الصفحة / س ٢٣ - ٢٥ في هذه
السطور خلط بين رأي زيد، وبين رأي الزيدية عموماً.. فإن زيداً يقول بأن
العاصي لا يخلد في النار، بينما الزيدية تقول بتخليده كالوعيدية.
١٠ - ص ٢٧٤: ذكرتم بعض تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
وأنصار دعوته.. وهناك من تلاميذ الشيخ وأنصار دعوته ممن لهم نتاج علمي
ظاهر، وآثار علمية بارزة ومع ذلك لم يذكروا مثل الشيخ حمد بن معمر، وعبد الله
أبي بطين، وسليمان بن سحمان، ونحوهم، ومن أنصار دعوته خارج الجزيرة:
محمد بشير السهسواني، ومحمود الآلوسي، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم.
١١ - ص ٢٧٨ عند الحديث عن انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. وأرى أن الموسوعة يمكن أن تعطي أكثر تفصيلاً عن آثار هذه الدعوة دون
سطور مقتضبة.. ولعلها تعيد النظر في ذلك فتوضح آثار هذه الدعوة السلفية علماً
وعملاً في واقع الأمة الإسلامية، وقد ذكرتم أن هذه الدعوة السلفية أثرت على
المهدية والسنوسية والأفغاني (!) ومحمد عبده، فهل على ما ذكرتم دليل وبينة؟
١٢ - ص ٢٩٩، جاء في الموسوعة عند تعريف الشيعة الاثنى عشرية (هم
تلك الفرقة من المسلمين الذين تمسكوا بحق على في وراثة الخلافة) .
هذا كلام مجمل وفيه غموض، وتشم منه رائحة المداراة، كان ينبغي أن
تذكر أصول عقيدة هؤلاء التي من أنكر واحداً منها اعتبر كافراً، وكذلك رأيهم في
مخالفيهم الرئيسيين: أهل السنة، ورأيهم كذلك في القرآن، والصحابة. وتعريف
الشيعة الإخبارية والأصولية والفرق بينهما.
١٣ - ص ٣٥٢ / السطر الأخير وما قبله: حيث تقول الموسوعة: (لقد
عملت الطرق الصوفية على نشر الإسلام في كثير من الأماكن) ثم تقول الموسوعة:
(لقد اعتمد الحكام على أقطاب الصوفية في التعبئة الروحية للجهاد ولصد غارات ...
الكفار، ومن هؤلاء الأقطاب أحمد البدوي) .
وأقول: إن التصوف أعظم معول هدم وتخدير ينخر في جسد الأمة الإسلامية.. بل ربما كانت سبيلاً للصد عن سبيل الله.. وأيضاً متى كانت الصوفية (تعبئة
روحية للجهاد) ؟ لقد كان منهم من يخذل من شأن الجهاد ويكتفي بجهاده الأكبر كما
يزعمون (جهاد النفس) ، ومن ثم فإن الاستعمار الأجنبي كان يشجع الطرق الصوفية
ويبرزها [١٣] .
ومن المحزن أن يذكر البدوي، فيوصف بأنه (قطب) محرك للجهاد، ولصد
غارات الكفار.. إن أحمد البدوي داعية استغل التصوف ستاراً لإرجاع الحكم
الرافضي الذي انقرض بزوال الدولة العبيدية في مصر على يد صلاح الدين
الأيوبي، ولكن فشل في ذلك ولله الحمد، بل يذكر عن أنه كان لا يشهد الصلوات
الخمس! ! [١٤] .
ولعل الموسوعة تعيد النظر في دراسة الصوفية.. فتذكر مراحل تطور
التصوف من تشدد ورهبنة إلى رموز وغموض وابتداع ثم إلى كفر واتحاد وزندقة.. ومن الواجب ذكر أخطائهم وسوءاتهم وما أكثرها.
وفي ختام هذا المقال أحب أن أذكر بأن الموسوعة تحتاج إلى مزيد دراسة
وتقويم. وكفي المرء نبلاً أن تعد معايبه، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 479
مقابلة مع الشيخ: علي بلحاج
عضو الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر
منذ أحداث أكتوبر عام ١٩٨٨ والجزائر تسير باتجاه تغيير البيئة السياسية
الداخلية، فقد سمحت الدولة بما يسمى (التعددية الحزبية) وكان من نتائج ذلك أن
ظهرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي أعلنت أهدافها ومبادئها في بياناتها التي
نشرت في الصحف [١] ، والتي تتلخص في السعي لإعادة الحياة الإسلامية لبلد
عربي أصيل قاوم فرنسا مقاومة باسلة خلال عشرات السنين، ويرأس هذه الجبهة
الأستاذ عباس مدني، ومن مؤسسيها البارزين الشيخ علي بلحاج والشيخ ابن عزوز. ... وقد اعترفت الدولة الجزائرية مؤخراً بالجبهة كحزب سياسي له حق العمل ضمن
أهدافه ومبادئه.
وحرصاً من (البيان) على معرفة أوضاع المسلمين في كل مكان من أنحاء
العالم الإسلامي، وخاصة في بلد مثل الجزائر، وحرصاً على معرفة الحقائق من
أصحابها فقد رأينا أن نحاور الشيخ علي بلحاج أحد مسؤولي هذه الجبهة.
وقد كان بودنا أن نلتقي برئيس الجبهة الأستاذ عباس مدني أثناء زيارته لندن
ولكنا لم نتمكن من ذلك، وعسى أن تتاح لنا الفرصة للقائه في المستقبل القريب إن
شاء الله.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أنه بعد هذا اللقاء مع الشيخ علي بلحاج أصدرت
الجبهة صحيفتها الأسبوعية (المنقذ) وقد نشرت فيها بيانها الرئيسي، نسأل الله أن
يوفق العاملين في الجبهة لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
س١ - نرحب بالشيخ علي، ونريد منك في البداية أن تحدثنا عن العلماء
والدعاة الذين تأثرت بهم في الجزائر.
ج ١ - من العلماء والدعاة الذين تأثرت بهم الشيخ عبد اللطيف السلطاني،
والشيخ سحنون، كما أنني درست على يد الشيخ العرباوي ﵀، وهو الذي
كان عنده حلقات علمية ودرسنا عليه: التوحيد وأصول الفقه، والفقه المقارن،
وهو الذين ترك أثره في نفوسنا، فكان يعلم ويربي في نفس الوقت، وكان يواسينا
إذا نزلت بنا بعض المشاكل، وكان يحدب علي شخصياً، وله مواقف شجاعة في
نقد المجتمع.
س ٢ - ومطالعاتك الشخصية هل تذكر لنا الكتب التي تكثر من قراءتها؟
ج ٢ - من الكتب التي شغفت بها كثيراً، كتب السلف ﵃،
وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، تعلمت منهما الاستقلال في
الاستدلال، ونبذ التعصب المذهبي وتصفية العقيدة الإسلامية من العقائد الفاسدة.
وهناك كتب فكرية كثيرة، لأننى في الحقيقة كما أدرس لابن تيمية، أدرس لغيره
وخاصة من المعاصرين كالشيخ حسن البنا وسيد قطب، كما أقرأ ما يكتب عن
الحركات الإسلامية في العالم، وبالطبع نأخذ الحق ونترك ماعداه إذا قام الدليل على
ذلك، فلست محصوراً في زاوية واحدة لا أتجاوزها.
س ٣ - كان من الواضح لكل من عايش البعث الإسلامي في الجزائر، ومن
خلال ظهور الثورة الإيرانية ومحاولتها لتصدير أفكارها، أنك كنت من القلائل
الذين تصدوا لتأثيرها وفكرها، فهلاّ حدثتنا عن شيء من هذا، ودورك في ذلك؟
ج ٣ - إن أفكار وعقائد الشيعة، كنا قد درسناها في الكتب، مثل منهاج
السنة وغيره، وقد تركت مثل هذه الدراسة أثراً في نفوسنا وفي أذهاننا وقد تحركوا
في الجزائر فعلاً والتف الشباب حول السفارة الإيرانية، فرأينا في ذلك خطراً على
الدعوة الإسلامية وأنه من واجبنا أن ننبه لهذه الأخطار والمفاسد التي تمس الجانب
العقدي، ولذلك رددنا على الشيعة ونقدنا الخميني من خلال كتبه وتصريحاته، رغم
ما وجدنا من مضايقات ممن كانوا متأثرين في ذلك الوقت بالشيعة.
س ٤ - هل تذكرون لنا نماذج من تلك المضايقات؟
ج ٤ - بدأت المضايقات من بعض الدعاة الذين أحسنوا الظن بإيران، وكانوا
يرون أنه ليس من الحكمة في شيء أن نتعرض لعقائد الشيعة، والدولة الإيرانية في
طور التكوين، بل ينبغي علينا أن نسكت رغم قناعتنا بأنها عقائد فاسدة، حتى لا
نمكن للاستعمار العالمي.
بهذه الحجج وأمثالها حدثت لنا مضايقات واتُهِمْنا بأننا لسنا من أهل الحكمة،
وأننا من أهل التسرع والتهور ولكن الذي كنا ندين الله به أن العقيدة لا يمكن
التسامح فيها، قد نتسامح في بعض الأخطاء الفرعية، أمّا أن تكون مصيبة
المسلمين في عقائدهم فهذا من الشيء الذي لا يمكن السكوت عنه، وقد ظن بعضهم
وصرح لي بذلك أن الخلاف بيننا وبينهم في الفروع مثل الخلاف بين الأئمة الأربعة!!.
س ٥- هل للشيعة نشاط الآن في الجزائر؟
ج ٥ - النشاط موجود، ولكن ليس هناك واحد منهم يصرح أنه شيعي،
هناك أناس ذهبوا ودرسوا في (قم) هناك بعض المساجد تباع فيها أشرطة الشيعة،
ويقولون: نحن نقرب بين المذاهب؟ ! .
على كل حال، هناك فرق أخرى تنشط أيضاً في الجزائر، هناك الطرق
الصوفية، ولكننا نحن نعمل بقدر المستطاع لتبيان منهج أهل السنة والجماعة.
س ٦ - وموقف الإسلاميين ... هل ترى أن ذلك الموقف كاف؟
ج ٦ - أما عن موقف الإسلاميين فالتقصير موجود، لأنه إذا بقى في مثل
هذه المسائل داعية أو اثنان أو ثلاثة، وكبار الدعاة وأصحاب الكلمة ساكتون عن
هذا، فأظن أن هذا الموقف فيه تقصير كبير، وينبغي لكل الدعاة، وكل من يزعم
أنه على مذهب أهل السنة والجماعة أن لا يسكتوا عن الباطل، ولا يقولون: (سكوتنا سياسي فقط، نتعاطف معهم سياسياً لا عقائدياً) .
س ٧ - ما هو تعليقك على هذه العبارة الأخيرة؟
ج ٧ - هذه العبارة لا أصل لها من الصحة بالطبع، لأن الحق أحق أن يقال
وأن يتبع.
س ٨ - ننتقل إلى موضوع آخر ... هل من الممكن أن تحدثنا عن الجبهة
الإسلامية للإنقاذ، وانضمامك إليها باختصار؟
ج ٨ - الجبهة الإسلامية للإنقاذ، هي جماعة من جماعات المسلمين،
والجبهة ما هي إلا وسيلة فقط وليست غاية، ونحن لا ندعو إلى تحزيب الإسلام،
وإنما رأينا فيها مجالاً للعمل للإسلام، والعمل ليس كما يظن عمل سياسي بحت،
بل عملها في ميادين كثيرة، تعمل في ميدان التربية، وتعمل في ميدان التوعية
للشعب، وتعمل في ميدان السياسة، وبكلمة أخرى: لا يمكن أن نغض الطرف عن
جانب من جوانب الإسلام، ونحن انضممنا إليها لأننا رأينا فيها فرصة نستطيع من
خلالها أن نقدم للإسلام خدمات في جو من الراحة.
س ٩ - وهل من الممكن أيضاً أن تحدثنا عن رابطة الدعوة الإسلامية والفرق
بينها وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟
ج ٩ - الجبهة الإسلامية للإنقاذ لها منحى تعمل فيه، منحى واضح وموجود
في مشروعها، أما الرابطة فهي تهتم بأمور الدعوة أكثر مما تهتم بالعمل السياسي،
فهي ترى أن تكون فوق العمل السياسي. ونحن والحمد لله مع أننا أعضاء في
الجبهة الإسلامية فنحن أيضا من الأعضاء المؤسسين لرابطة الدعوة الإسلامية.
س ١٠ - وهل الرابطة أيضاً تتبنى منهج أهل السنة والجماعة، أم أنهم
يقبلون في صفوفهم من لا يسير على هذا الطريق؟
ج ١٠ - على كل حال، نحن نحاول فيما نعرض في جلساتنا دائماً أن يكون
المنهج السائد هو منهج أهل السنة والجماعة، هذا ما أستطيع الإجابة عنه الآن.
س ١١ - هل لك كلمة أخيرة تريد أن تقولها، نصيحة للمسلمين أو تعليقاً
على الوضع في الجزائر؟ أو أي كلمة أخرى؟
ج -١١ - أنصح نفسي الخاطئة وإخواني المسلمين، أن طريق النجاة إنما
يتمثل في الاستمساك بكتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وفي
فهم السلف الصالح، وأي طريق نسلكه لاستئناف حياة إسلامية بعيدة عن كتاب الله
وسنة رسوله سيؤدي إلى طريق مسدود، وقد أثبتت التجارب ذلك.
وأنصح المسلمين أيضاً أن لا يتحزبوا، ولو كانوا وسط أحزاب، فيجعلوا تلك
الأحزاب وسائل لا غايات، وأن يبتعدوا عن التعصب المذهبي، كما يبتعدوا عن
التعصب الحركي وأن يجعلوا الحق فوق الأشخاص لا العكس.
وأشكركم على إتاحة هذه الفرصة، لأقول كلمة جاشت في نفسي إبراء للذمة،
ونحن نقبل النصح من أي جهة، بشرط أن يكون مدعوماً بدليل من كتاب الله وسنة
النبي ﷺ .
المجلة: ونحن نشكر الأخ الشيخ علي بلحاج على هذه الفرصة الطيبة وندعو
الله أن يوفقه والعاملين في الجبهة الإسلامية وكل الدعاة الصادقين في
الجزائر لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
стр. 480
أغير الله أتخذ ولياً
(٢)
محمد صالح المنجد
في هذا المقال يتابع الكاتب تعداد مقومات الولاء والبراء.
٨ - تحمل الأذى في سبيل تحقيق ولاية الله:
وقد جرت سنة الله بامتحان المؤمنين [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ
عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ] . ولابد أن يلاقي المؤمن في سبيل تحقيق
ولاية الله أنواعاً من الأذى المادي والمعنوي - خصوصاً في هذا العصر - وانظر
ماذا جمعت هذه الآية [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً؛ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الأُمُورِ] .
وقدوتنا ﷺ يعبر لنا عما لقي في هذا السبيل: «لقد
أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي
ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط
بلال» [عن أنس، صحيح الجامع] .
قال ابن القيم في (المدارج) : (فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في
دينه وفقهاً في سنة رسوله وفهماً في كتابه، أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن
نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس
عنه وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله
عليه وسلم) .
٩ - الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام:
وهذه الخطوة ضرورية حماية لدين المسلم واستفادة من طاقاته في المجتمع
الإسلامي وحرمان الكفار من ذلك مع ما في ذلك من الأذى النفسي والتغرب عن
الأوطان وفراق الأهل والعشيرة.
وفي صحيح مسلم: «عن أبي موسى ﵁ قال: بلغنا مخرج
رسول الله ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان
لي، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضعاً، وإما
قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي، قال: فركبنا سفينة،
فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ﵁
وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا،
وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، قال: فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعاً، قال: فوافقنا
جميعاً رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال:
أعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه إلا
لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معنا، قال: فكان ناس من الناس
يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - نحن سبقناكم إلى بالهجرة، قال: فدخلت أسماء
بنت عميس وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي في زائرة، وقد كانت
هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر ﵁ على حفصة
وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بن عميس،
قال عمر ﵁: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال
عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم،
فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض العداء والبغضاء
في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ ، وايم الله لا أطعم
طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن
كنا نؤذى ونخاف، سأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله، ووالله
لا اكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي ﷺ
قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : (ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألوننى عن هذا
الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول
الله ﷺ . قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه
ليستعيد هذا الحديث مني» .
هذا الحديث العظيم في الجانب الإيجابي وفي الجانب السلبي نجد في الحديث
الصحيح: «ولكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- أن مات بمكة نقرأ الحديث ونحن نتوجع ونتألم عندما نرى آلاف الطاقات
الإسلامية تعمل في تقوية أنظمة الكفار وأجهزتهم ونتساءل أين تسخير الطاقات
والمواهب لخدمة هذا الدين.
أليس الولاء لله يمنع من تقوية الكفار ومناصرتهم والإقامة بين أظهرهم.
١٠- رفض موالاة الكفار أو التحالف معهم:
لا يجتمع حب الله وحب أعداء الله في قلب مسلم أبداً، وما حلاّ في قلب إلا
تدافعا حتى يخرج أحدهم صاحبه:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكان
وتحقيق الولاية يقتضي بغض الكفار وعدم توليهم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ
تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً
مُّبِيناً] .
وتتضح خطورة هذا الأمر في قوله تعالى: [وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ] .
قال العلامة صديق حسن خان في كتابه العبرة مما جاء في الغزوة والشهادة والهجرة، ص ٢٤٣:
(وأما القوم الذين في بلاد المسلمين ويدعون أنهم من رعية النصارى
ويرضون بذلك ويفرحون به وأنهم يتخذون لسفنهم بيارق وهي التي تسمى الرايات
مثل رايات النصارى إعلاماً منهم بأنهم من رعاياهم فهؤلاء قوم أشربوا حب
النصارى في قلوبهم ... وقصروا نظرهم على عمارة الدنيا وجمعها ... وأن
النصارى أقوم لحفظها ورعايتها. فإن كان القوم المذكورون جهالاً يعتقدون رفعة
دين الإسلام وعلوه على جميع الأديان وأن أحكامه أقوم الأحكام وليس في قلوبهم مع
ذلك تعظيم للكفر وأربابه (ما أصعب هذه الشروط!) فهم باقون على أحكام الإسلام
لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير يجب تعزيرهم عليه وتأديبهم وتنكيلهم، وإن
كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر منهم ما ذكر فيستتابوا فإن رجعوا عن
ذلك وتابوا إلى الله، وإلا فهم مارقون ... فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا وجرى
عليهم أحكام المرتد) اهـ.
وانظر للتقريع في هذه الآية: [بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً] .
إن هذه المواقف القلبية لبعض المسلمين تجاه الكفار تناقض ولاية الله.
إلى هؤلاء نسوق هذا النص لفقهائنا: في (الروضة النواوية) في باب الردة:
ولو قال معلم الصبيان أن اليهود خير من المسلمين بكثير لأنهم يقضون حقوق
معلمي صبيانهم كَفَرَ. انتهي.
إذن لابد من بغض الكفار وعداوتهم ولكي تتحقق ولاية الله لا بد من:
١١ - مفاصلة الكفار واتخاذ المواقف منهم:
إذا كانت ولاية المؤمن تقتضي موالاة أحبابه ومعاداة أعدائه فعليه لا تجوز
موادة الكافر ولو كان أخاً شقيقاً ونحب أخا الإسلام ولو كان حبشياً أو رومياً أو
فارسياً أو قوقازياً..
وفقه الصحابة لمسألة المفاصلة عظيم فهماً وتطبيقاً. قال ابن حجر ﵀
في ترجمة عامر بن عبد الله الجراح، وهو أبو عبيدة في (الإصابة) : (نزلت فيه
[لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] الآية، وهو فيما أخرج الطبراني بسند
جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر
فيحيد عنه، فلما أكثر، قصده فقتله فنزلت) ، وألفاظ القصة تغني عن التعليق عليها.
ولم تقتصر المفاصلة واتخاذ المواقف من الكفار على مسألة القتال فقط، ففي
حديث إسلام ثمامة سيد اليمامة في (صحيح البخاري) : «ثم دخل المسجد فقال
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على
الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما
كان من دين أبغض علي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من
بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، (ثم ذهب ليعتمر في مكة
فقال لكفار قريش) : لا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي
ﷺ » .
الله أكبر، كم في هذا الموقف من عجب.. رجل يسلم لتوه فيفهم أن ولايته لله
تفرض عليه أن يفاصل الكفار ويعبر عن عدائهم وهو بين أظهرهم ويصارحهم
بموقفه منهم في وجوههم.
اللهم مِنّ علينا بولايتك وتولنا برحمتك وارزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك،
والحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 481
أدب وتاريخ (قصة قصيرة)
المخادع
خولة درويش
ما رأيت مثل (عائدة) اعتزازاً بزوجها، وزهواً بآرائه وتصرفاته، والتي
تعتبرها (كياسة ولباقة) .
إنني كلما أكبرت فيها إعجابها بزوجها، وتقديرها له، رحت أتساءل: - (أهي محقة في ذلك؟ !) .
وأتاح تقاربنا في السن، أن أتعرف على مكنونات نفسها خلال ما تفضيه إلي
من آمالها ومسراتها، فضلاً عن علاقة الجوار والزمالة.
وكثيراً ما حدثتني بسعادة وانشراح عن مغامرات زوجها الطبيب (بديع)
ومقالبه الناجحة، التي كانت أشبه بصفقات تجارية من حيث نتائجها المادية
وأرباحها الخيالية.
وإن أنس لا أنسى يوم كانت ضحكاتها العالية، وقهقهاتها الرنانة تملأ أرجاء
البيت وهي تحدثنا عن آخر (شطاراته) بقولها:
- (في صباح الأحد الماضي كان الضباب يخيم على كل شيء، على الجبال
والشعاب والشجيرات المتناثرة التي حال الظلم دون الاستمتاع برؤيتها.
كان الدكتور (بديع) يقود سيارته مسرعاً إلى مقر عمله في الضاحية المجاورة. ... وأثناء الانحدار إلى سفح الجبل، ومع السرعة الكبيرة، ارتطمت سيارته ارتطاماً
عنيفاً بسيارة العامل المسكين التي كانت أمامه، والتي رغم وضاعتها كان يصحب
عائلته فيها ... (قالت ذلك بتقزز وامتعاض) أحس (بديع) على أثرها بدوار شديد
... أنسته إياه المواقف المتلاحقة. فهاهو قد نقل مع سائق السيارة المصابة إلى
المستشفي، وكان ذلك المسكين جسداً لا حراك فيه. أما طفلاه اللذان كانا في المقعد
الخلفي فقد أُخِذا إلى غرفة العمليات لعلاج كسور مختلفة في جسميهما فضلاً عن
جروحهما التي كانت تنزف بشدة..
وتتفاخر (عائدة) - سامحها الله - وتقول ضاحكة:
- لكن بديع بديع! ليس كغيره. تحامل على نفسه، ثم تناسى آلامه ومتاعبه، وهبّ واقفاً يمسك بيد السائق المسجى، ثم يصب في أذنيه كلمات يعلنها بكل ثقة
وصلابة:
- (أنا طبيب وأعرف أنك لا تشكو من شيء؟ قم فوالله إن لم تفتح عينيك
حالاً، لأخذت حقي منك، ولدفعت الثمن غالياً. فأغرمك أجور عيادتي بسبب
حادثك المفتعل ... ! ! فأنت المعتدي، ثم يردف مردداً مقولته التي يدأب على
إعلانها:
- (والشرع يرضي الجميع ... ! !) .
وأردفت تقول بفرح واعتزاز:
- تصوروا بعد لحظات، ومجرد أن أفاق المسكين، وفتح عينيه المذعورتين
بعدما سمع التهديد، أشار إلى الشرطة.
- (دعوه يسامحني، فأنا غير مصاب ... ! !) ثم تتابع (عائدة) :
وركب (بديع) سيارته وذهب سعيداً إلى عمله، وكأن شيئا لم يكن ...
استمعت إلى قصة (عائدة) وأنا في ذهول، وصرت أحدث نفسي:
- (حقا لقد كان الضباب يغلف كل شيء، حتى القلوب البشرية؟ ! حتى قلوب الأطباء الذين تحتم عليهم رسالتهم تضميد جراح الآخرين ومسح آلاماهم؟ !
وتوالت الخواطر والتساؤلات:
- أهذا أمر يدعو إلى الزهو؟ ! أين التدين الذي كانت تنشده (عائدة) في
زوجها؟ ! بل أين الكياسة؟ !
لقد تزوجت منه وهي تعتبره (لقطة) فريدة في عصرها، مركز مرموق.
وثقافة عالية، فضلاً عن يسر حال أهله، أما هو فإن لم يكن كثير المال، لكن ثراء
(عائدة) يمكنها من الاحتفاظ بمستواها المعيشي الراقي، ثم إنه فوق ذلك: (متدين
عصري) كما كانت تقول.
وعندما كان والدها الشيخ (عادل) ﵀ يقول لها مبيناً رأيه: ...
- إنني لا يعجبني هذا الصنف من الناس. إذ كثيراً ما يكتنفه الكذب
والغموض. وحيث كان الكذب والمراوغة كان الزيغ أو النفاق ...
لكن (عائدة) ساهمت مع إخوتها بإقناعه أن (بديعاً) مسلم مثقف ودبلوماسي
لبق، يحسن التصرف وتدبير الأمور و ... إنه يحرص على أن يتصدر الصفوف
الأولى في المحافل الدينية، ويجيد المناظرة ولو كان قرنه من كبار العلماء. وهذا
ما اكتسبه من طول مرافقتهم.
وتم الزواج السعيد، وهو دؤوبة على ذكر أخباره وأسفاره.
كم كانت فرحة، وهي تحدثنا عن قصة الفلاح الطيب وهو يلبس ثيابه
البسيطة، ويضرب باب العيادة بعصاه ويقول؛ وتحاول عائدة أن تقلده بصوت
مرتفع أجش:
- (السلام عليكم يا دكتور ... أدخل؟ !)
ثم يدخل ويشكو ألماً في بطنه لا يحتاج إلى أكثر من مسكن، فربما كان ألمه
بسبب برد عارض في تلك الأيام.
ولكن الطبيب (بديع) بديع! !
هول الأمر وضخمه وأمر (المسكين) أن يمض يومه في العيادة في غرفة
مجاورة لغرفة الطبيب، وذلك لمراقبته خوفاً من نتائج خطيرة قد تعود على صحته
إذا أهمل نفسه ويحاسب الله عليها الطبيب ... !
ويتكرر ذلك لمدة أسبوع للاحتياط، فالحذر طيب، ومراقبة الله واجبة! !
يوماً يجري (بديع) بعض الفحوصات للمسكين، ويوماً تعمل له بعض
التحاليل وآخر يعطى المسكنات مع تدليك لبطنه! ثم تتابع (عائدة) : ...
- وبعد الأسبوع المشهود، كانت فرحة الفلاح لا توصف عندما أخبره (بديع) أنه تماثل للشفاء، وتعلق بمزيد من المرح:
- أما نحن فقد فاض عن حاجتنا آنذاك البيض الطازج، والدجاج البلدي،
وهدايا الجبن والزبد التي يأتي بها للطبيب الماهر، فهو سيساعده في شفائه من
الأمراض الخبيثة....
وتضيف قائلة على لسان زوجها: (الحياة شطارة والسعي على العيال فيه
الأجر والثواب) ويسوء ذلك الموقف الحاضرات، فتستنكر إحداهن بقولها: - (وهل يثاب المرء على مثل هذا الكسب، وقد خالطه الخداع؟ ! وتساندها أخرى: - ألم يعلمنا الرسول ﷺ أن المؤمن يطبع على الخلال
كلها إلا الكذب والخداع؟ !
ولكن (عائدة) لم تلق بالاً لكل ما يقال:
وحتى السيدة والدته لم تسلم من مقالبه ...
كانت عائدة تتمنى أن تسافر إلى أوربا حيث لم يتح لها السفر لقضاء شهر
العسل، وهي تريده سفراً على نفقة (بديع) وأنى له ذلك بإمكانياته المادية المحدودة؟! وتسر لي (عائدة) أن (بديعاً) قد عمل لوالدته فصلاً مسرحياً خفيف الدم، فقد
تودد لها واستعطفها، وزين لها أنه يريد الذهاب إلى أوربا ليكمل دراسته وهي
فرصة العمر ... ويعود بعدها ليصبح من أحسن أطباء البلد لاختصاصه النادر الذي
سيحصل عليه. ويقول لها وهو يشبع يديها لثماً وتقبيلاً:
- لا تحرمينى من تحسين مستقبلي. ثم يرجوها قائلاً:
- سأكون ابنك البار الذي يدخله رضاك الجنة إن شاء الله..! وتتابع عائدة:
وكانت دراسته من روائع ما يتصوره الدارسون ... في ملاهي باريس
وشواطئ إيطاليا ... وكنت رفيقته على نفقة الحاجة والدته رحمها الله ...
أسأل الله الهدى لعائدة: إني كلما ذكّرتها بعدم الحرص على المتع الفانية،
كانت تسخر مني وتقول:
- نحن نرضي الله، ولا نهمل العبادة، ونعيش دنيانا كما نحب.
وعندما سألتها مشفقة عليها:
- وهل يرضيك الاختلاط على الشواطىء، وهو محرم في ديننا؟ !
ردت بانفعال:
- سامحك الله، وهل تظين أنني أسكت على مثل هذا؟
والله لقد ذكرته مرة حين كان يتحدث عن جمال الحسناوات على الشاطىء
بحديث قدسي للرسول ﷺ : «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس
من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه» .
فابتسم وهو يقول:
- إنها غيرة النساء، ثم إني لا أعيرهن أكثر من نظرة أخوية بريئة! ! .
.... وتمر السنون القليلة، وأزور بيت أخيها الكبير لأجد (عائدة) وقد
اختفى مرحها، وظللتها الكآبة والأسى، وأضحت ساهمة الوجه، مقطبة الجبين
تحكي دموعها شقاء حاضرها، وبؤس مستقبلها القاتم، وعلمت من حديث هامس
في الغرفة المجاورة، أنها تعيش أزمة عائلية مع زوجها! !
في الحقيقة، كنا جميعاً في ذهول أمام هذه النتيجة المؤسفة، وتتنهد أختها
الصغرى وهي تقول: هكذا الرجال.. لا عهد لهم!
وتؤمّن امرأة أخيها على تولها - سواء مجاملة أم حقيقة -:
- صدقت، ما رأيت زواجاً سعيداً مثل زواجهما، وهذه نتائجه! .
وتدعو لها بإشفاق: كان الله في عونك يا ست عائدة.
وأتحسس أسباب النكد المفاجئ فأجد أن زوجها قد أخذ منها وكالة ليشرف على
تدبير أموالها وليحفظها لها. وليجنبها الاختلاط بالرجال الذي يحرمه ديننا ... ثم
فوجئت أنه قد باع قطعة أرض من أملاكها دون أن يستشيرها، ولما سألته عن
السبب، أشعرها أنه التجاري اليقظ الحريص على مال زوجته. فالأراضي إلى
كساد، وعليه أن يغتنم الفرصة ولا يفوتها، وإضاعة المال حرام ... ! !
ثم يطمئنها بقوله:
- على كل حال، الأموال موجودة، وإن شئت نسخنا البيع. واسترضاها
بذلك. وبعد مدة وجيزة، اشترى لنفسه (فيلا) جميلة في الشارع المجاور.
ولما ساءلته عن مالها ثمن الأرض. صار يراوغ ويخادع، ويمنيها أن (الفيلا) لها، وإن شاءت سجلها باسمها. أليس هو وإياها كنفس واحدة؟ !
واستفحل الأمر، وتحول إلى مشادة عنيفة عندما بدأت تجابهه بواقعه:
- إنني لو كنت أقدر الأمور، لعرفت النتيجة يوم سفرنا لأوربا، إن من
يكذب على أمه حري به أن يكذب على زوجته والناس أجمعين، ومن يستبيح لنفسه
الكذب فقد زجها في النفاق ...
تقول ذلك وهي توطن نفسها على تحمل ثورة (بديع) فقد يشتمها أو يلطمها
أو ... وتتلمس رأسها بكلتا يديها وهي تنظر إليه بتوجس.
لكنه يقابلها ببرود، ويقول بخبث وملق، وهو يرسم على وجهه ابتسامة باهتة:
- بيدك حق، وكل ما تقولينه جميل ولطيف. والحب الذي بيننا لن تمحوه
هذه الكلمات..
ثم تكشف له النقاب عن سوء طويته بردّها المقتضب اللاذع:
- إنك لا تحب إلا نفسك، إلا المادة والشهوات. إن الذي لا يحب دينه ولا
يصدق مع ربه، لا يمكن أن يصدق مع أحد.
وهنا لا يملك وقد ضاق صدره بالمأزق المهين. إلا أن ينكمش مخذولاً
ويتوارى منهزماً، وقد عذبه الله بالحرص والجشع والخداع، ويتمتم بكلمات مبهمة
تفضح غيظه الدفين.
وتأتي بعدها (عائدة) إلى بيت أخيها. وآخر عهدها بزوجها أن تدافعا عند
الباب وهو يصر على منعها من الخروج، ويسعى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وتركته يستعطفها بصرخات متشنجة:
- يا عائدة لا تفضحيني، أولست زوجك ولي حق عليك، لا تخرجي وكل ما
تريدينه يأتيك رغباً وطوع أمرك ... يا عائدة! !
ولكنها لا تأبه لما يقول وتخرج تشيعها توسلاته ورجاؤه، وهو يبكي على ثقة
الناس به تلك التي عالق حياته يبنيها بخداعه.
... وهاهي (عائدة) وقد أسقط في يدها، تتحسر وتتأوه، وهواجسها الدفينة
تأبى إلا أن ينطلق بها لسانها.
- آه لو كنت عاقلة حقاً لما اقتنعت أن هناك (متديناً عصرياً) كما توهمت
طوال حياتي معه.
وبقلب يتحرق أسى، ونفس استيقظت بعد غفلة، تتابع بين آهاتها وشهقاتها:
- رحمك الله يا والدي وطيب ثراك كم كان نظرك بعيداً. ورأيك سديداً وأنت
تقول:
- المؤمن واضح، لا مواربة في سلوكه ولا غموض، آلف مألوف قريب
من النفوس السوية، بعيد عن الخداع والأنانية. يتصرف بميزان الإسلام وأخلاقياته.
стр. 482
ذات الخمار
أبو عاصم الحكمي
بُلِّغْتِ يا ذاتَ الخمارِ مناك ... وحباك ربُّكِ عزةً ورعاكِ
لبيتِ صوتَ الحق دونَ تلعثم ... وعصيتِ صوتَ الفاجرِ الأفَّاك
جانبت أخلاقَ العدوِّ تكرماً ... وتبعت خُلْقاً سنه مولاك
وزَهِدْتِ في أزيائهم وعُروضهم ... وجعلت مطلبَكِ الشهَي أُخراك
وُفقتِ يا أختاه في نيل الرضا ... فتضرعي شكراً لذي نَعماك
***
أختاه إن خسر العدو بجولة ... سيعاودُ الأخرى، ولن ينساك
ألقى بأختك في الحبائلِ فانثنت ... تدني الفسادَ لقومها بحماك
فتأهبي دوماً وكوني حرةً ... لا يخدعَنْكِ الكاذبُ المتباكي
زعم الدعارةَ والخنا حريةَ ... هتكاً لعرضك فاحذري! إياك!
***
أختاه قد تلقين ضيماً أو أذىً ... فثقي بربك واثبتي لعداك
فالابتلاء يزيد دينك قوةً ... والمؤمناتُ صبرنَ قبلُ لذاكِ
فلأمِّ عمارٍ وأمِّ عمارةٍ ... أسمى المواقفِ من ذوي الإشراك
وكذاكَ أسماءٌ وإِنْ تستخبري ... عنهن تاريخَ العلا أنباك
***
أختاه من للنشىء يصقل فكرهه ... ويريهم السَّنَنَ القويم سواك؟
يا بنت " فاتحِ " لقنيهم في الصبا ... تاريخَ مجدٍ كان للأَتراكِ
شهدت به الدنيا وذلَّ لسيفِهِ ... كلُّ الملوكِ وكان فيه عُلاك
أضحى به صرح الشريعة شامخاً ... وهَوَتْ لديه معاقلُ الإِشراك
***
أختاه إن الدربَ صعبٌ مجهدٌ ... يحتاج زاداً والتقى هي ذاكِ
قومي إذا جن الظلام ورتلي ... آياتِ ربِّك وَلْتَجُدْ عيناك
فالله حرَّمَ أن تَمَسَّ جهنمٌ ... عيناً بكت فلتَسْعَدي ببكاكِ
وَلْتَذْكري بظلامه قبراً غداً ... يمسي من الدنيا به مثواكِ
صومي نهارَك ما استطعتْ فإنه ... يُطْفَى به يومَ الحساب ظماك
ولْتَحْسُنِ الأخلاقُ منك يَكُنْ بها ... حبُّ النبي وقربِهِ، وكفاك
стр. 483
قراءات تاريخية
قال القاضي ابن شداد في وصف صلاح الدين الأيوبي:
(وكان ﵀ من عظماء الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، لا يهوله
أمر، ولقد وصل في ليلة واحدة من الإفرنج إلى عكا نيفٌ وسبعون مركباً وأنا
أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس.
وكان ﵀ شديد المواظبة على الجهاد عظيم الاهتمام به، ولو حلف
حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد وفي
الإرفاد لصدق وبّر في يمينه، ولقد كان الجهاد قد استولى على قلبه وسائر جوانحه
استيلاء عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا اهتمام
إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه، ولقد هجر في محبة الجهاد في
سبيل الله أهله وولده ووطنه وسكنه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب
بها الرياح يمنة ويسرة.
وقال القاضي الفاضل:
وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد، وقد ألف له كتب عدة
في الجهاد، وأنا ممن جمع له كتاباً، جمعت فيه آدابه وكل آية وردت فيه، وكل
حديث روي فيه.
قال: وسرنا مع السلطان على الساحل طالبين عكا، وكان الزمان شتاء،
والبحر هائجاً هيجاناً عظيماً، وموجه كالجبال وكنت حديث عهد برؤية البحر،
فعظم أمر البحر عندي، واستخففت رأي من يركب البحر، فبينا أنا في ذلك إذ
التفت إليّ وقال في نفسه: أنه متى يسرّ الله تعالى فتح بقية الساحل، قسمت البلاد
وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم (الصليبيين) أتبعهم فيها حتى لا
أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت، فعظم وقع هذا الكلام عندي
وحكيت له ما خطر لي.
فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها، وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجسرها.
اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك، رجاء رحمتك فارحمه ... ) .
стр. 484
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
ميلاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ
ننشر فيما يلي نص بيان الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي ووفق على إعلانها في
الجزائر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعرف البلاد تناقضات على جميع المستويات، من ذلك شعب طموح يريد
النهوض بنفسه إلى مستويات مقاصد الشريعة الإسلامية والنموذج الإسلامي القرآني
السني على مستوى النظم، النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي في
النطاق الحضاري الإسلامي لمواجهة مستجدات أزمة الحضارة في الوقت الذي بقي
فيه النظام الحاكم عاجزاً عن مواجهة القضايا الأساسية التي تطرحها حيثيات الأزمة
السياسة والاقتصادية الاجتماعية والثقافية والحضارية وقد آل أمر البلاد إلى خطر
الضياع والبلبلة انعكس في حيرة هزت الشعب هزة عنيفة وكان الشباب أكثر تأثراً
بهذه الحيرة.
وإذا كانت الدعوة الإسلامية قد أخذت على عاتقها مسؤولية توجيه الشعب
الجزائري والسير به نحو المنهج القويم والصراط المستقيم المانعين من المخاطر
المذكورة آنفاً والضامنين للنجاة والمحققين للمراد من الصحوة الإسلامية التي ما
فتئت تشكل معقد آمال الأمة.
ولئن كانت الدعوة الإسلامية محاصرة بالضغوط المعادية للإسلام وللشعب
الجزائري في الداخل والخارج فإن الدعوة كانت دوماً تشع على العقول بأنوار
الهداية، وتنعش الضمائر بالغذاء الروحي الذي تذخر به أخلاق القرآن والسنة
وتشحذ الإرادة الخيرة للأمة بالطاقة الإيمانية الفعالة مما جعل الشعب الجزائري
يقوى على مواجهة النوائب ومصارعة الاستعمار الحديث، كما قوي بالأمس على
سابقه الاستعمار القديم.
وبعد أن جربت مختلف الأيدلوجيات الحديثة؛ الشرقية منها والغربية، وثبت
إفلاسها بما لاشك فيه لم يبق للشعب الجزائري إلا أن يجد في العمل بدينه القويم
لإنقاذ مكاسبه التاريخية الرسالية الحضارية وثرواته البشرية والطبيعية دون أن
يضيع الوقت الذي أصبح يشكل أهم العوامل في نجاح الخطة الإصلاحية الشاملة.
ولتحقيق ذلك لابد من هيئة تستوعب كل المطالب والحاجات التي تكون في
مستوى مستجدات الأزمة، وتوظف كل أو جُل الإمكانات والطاقات كي تثرى
الحلول على قدر مطالب النهضة الشاملة والصحوة الحقة، وتوفر لها إذكاء عبقرية
الجيل وذكاءه وإنماء خبراته، واستقامة مسلكيته كي يكون في مستوى الجهد
الرسالي والعمل الجاد المبدع في مختلف مجالات الحياة، وميادين الحضارة من أجل
ذلك كان ميلاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ إرهاصة تاريخية ساعد على ظهورها نفسية
الشعب الجزائري المفعمة بالإيمان التائقة إلى عزة الإسلام وعدل شريعته، وهي
القرآن والسنة وقيم أخلاقه والتأسي برسوله ﷺ وأجيال
الصحابة والتابعين لمواصلة الرسالة.
مواصفات الجبهة الإسلامية للإنقاذ:
١ - إنها تعمل على وحدة الصف الإسلامي، وتحافظ على وحدة الأمة لقوله
تعالى: [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] ولقوله صلى الله عليه
وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» رواه البخاري.
٢ - تقديم بديل كامل شامل لجميع المعضلات الأيدلوجية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية في نطاق الإسلام كما جاء في القرآن والسنة مع مراعاة
الشروط النفسية والاجتماعية والجغرافية والطبيعية محددة في الزمان بكل أبعاده
النفسية والحضارية. قال تعالى: [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ] [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ
الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] ، ولقوله تعالى: [إِنَّ
هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ، ولقوله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] ، ولقوله ﷺ : «تركت
فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي» .
٣ - من خصائص منهجيتها الاعتدال والوسطية والشمولية لقوله تعالى:
[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] وقوله ﷺ لبعض أصحابه:
«يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» .
٤ - ومن ميزات طريقتها الاعتدال في الجمع بين المطالبة والمغالبة دون
إفراط أو تفريط. لقوله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الأَرْضُ] ، ولقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم» ، وتستعمل المطالبة لإقامة الحجة لقوله
تعالى: [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] ، وقوله تعالى: [وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ] . كما تستخدم المغالبة لضمان
مصالح الأمة والحفاظ على ثوابتها وصيانة مكاسبها لقول عمر بن الخطاب: (متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) .
٥ - ومن طرقها العملية، العمل الجماعي وجودة توظيف الجهد الكلي للإرادة
الكلية للأمة مما يجعلها تتخلص من النزعة الفردية والطفرية الارتجالية، وورطة
المحسوبية والوقوع في الأغراض الشخصية ونبذ الاتكالية. لقوله تعالى:
[وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] ، ولقوله تعالى:
[وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ المُفْلِحُونَ] ، ولقوله تعالى: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] ، ولقوله ﷺ : «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله،
ولأئمة المسلمين وعامتهم» ، وقوله ﵊: «اعقلها ثم توكل» .
٦ - ومن مهامها: تشجيع روح المبادرة وتوظيف الذكاء والعبقرية وجميع
الإرادات الخيرة في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري.
٧ - ومن خصائصها الإنقاذ الرسالي التاريخي الحضاري الشامل أسوة
برسول الله ﷺ منقذ البشرية، لقوله تعالى: [وَكُنتُمْ عَلَى
شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا] .
ولتحقيق ذلك تحدد الجبهة خطتها في مشروع شامل مختصر مركز (البرنامج
السياسي) في محاور تضعها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بين يدي الأمة ليتم أمر التغيير
الشامل في نطاق الحل الإسلامي.
стр. 485
تطورات الجهاد الإسلامي في أريتريا
١ - بتاريخ ٦/١٢/١٤٠٩ هـ الموافق ٩/٧/١٩٨٩ م قامت (الجبهة الشعبية)
بهجوم واسع النطاق على (سرايا المجاهدين) في جنوب القاش بقوات كبيرة (حيث
أحضرت لواءين من الساحل وثلاث كتائب وسريتين من بركا والقاش) ودارت
المعارك في تلال ووديان (فانكو) بالقاش، فقاتل المجاهدون بشجاعة منقطعة النظير
.. وحين نفد العتاد منهم قاتل المجاهدون بالسلاح الأبيض أعداء الدين والوطن،
وكبدوهم خسائر فادحة. وكانت خسائر العدو (٣) مقابر جماعية دفنهم العدو نفسه
بجرافات، و (٣٥) قتيلاً دفنهم الشعب. وقد استشهد من المجاهدين في هذه المعركة
(٢٥) شهيداً، وأسر (٣٩) مجاهداً، بعضهم من الجرحى، ومن قاتل بالسلاح
الأبيض.
٢ - وفي يوم ٧/١٢/١٤٠٩ هـ، الموافق ١٠/٧/١٩٨٩ م هاجمت قوات
أخرى من الجبهة الشعبية في شمال القاش (سرية المجاهدين) في منطقة (بلتوبياي)
فقد تم تدمير القوات الأولى المهاجمة، ثم وصلت تعزيزات أخرى، فعجزت عن
النيل من المجاهدين، وردت خائبة. وكانت خسائر العدو كبيرة في القتلى
والجرحى. وقد دفن منهم بالقرب من ميدان المعركة (١٨) قتيلاً، فوصلت إلى
منطقة (فورتو) (٣) عربات محملة بالجرحى مات بعضهم بعد وصولهم مباشرة. أما
المجاهدون الذين أنتظروا في منطقة (محصنة) فلم يفقدوا إلا أسيراً واحداً.
٣ - استسلمت أعداد كبيرة من قوات الجبهة الشعبية، أثناء المعارك والأيام
التالية خارج الحدود الأرترية، وقد بلغ عددها حتى الآن (١٧٣٥) مقاتلاًً.. هذا
ويعيش تنظيم الجبهة الشعبية بعد انتصارات المجاهدين عليهم حالة من اليأس
والانشقاقات الداخلية.
[وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ]
стр. 486
نداء من جبهة تحرير مورو الإسلامية
رئيس جبهة تحرير مورو الإسلامية
سلامات هاشم
تواصل جبهة تحرير مورو الإسلامية جهودها في تصعيد عملية الدعوة إلى
الله والجهاد في سبيل الله، وقد ذكرنا في تقاريرنا السابقة أن قوى الكفر والإلحاد قد
اتفقت على حرب الجماعات الإسلامية المجاهدة التي تقودها جبهة تحرير مورو
الإسلامية، ويتعاون هؤلاء الكفار والملحدون مع العناصر العلمانية والوطنية الذين
يلبسون لباس الإسلام أمام المسلمين لخداعهم والاستهزاء بهم كما في قوله تعالى:
[وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ] .
وإذ نجاهد في سبيل الله ضد هؤلاء الأعداء نستخدم جميع الأساليب المناسبة
وكافة وسائل الجهاد اللازمة فنجاهدهم بالمال والنفس كما نجاهدهم باللسان والبنان
وإننا نخوض المعارك ضد هؤلاء الأعداء في ميادين الحرب الثقافية والاجتماعية
والسياسية والاقتصادية والإعلامية والنفسية إضافة إلى الحرب بالسلاح.
ولاشك أن أقوى سلاح لمواجهة هؤلاء الأعداء في الميادين الحربية المذكورة
هو سلاح الإيمان والتقوى والعلم والمعرفة إضافة إلى السلاح الحربي التقليدي
كالبنادق والمدافع وأمثالها.
لذلك تبذل الجبهة الإسلامية جهودها في الدعوة ونشر الوعي الإسلامي بجانب
نشر العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية والعربية، وللجبهة أجهزة خاصة لهذه
المهمات النبيلة وتشرف على عدد كبير من المساجد والمعاهد والمدارس كما تشرف
على عدد كبير من الدعاة والأئمة والمربين والمدرسين والمعلمين، وتعمل على رفع
مستواهم العلمي والثقافي والفكري، وتدربهم على ممارسة الحياة الإسلامية
الصحيحة، وتقوم بنشاطات متنوعة كعقد الندوات الدينية والعلمية والثقافية وإقامة
المخيمات الإسلامية وغير ذلك من النشاطات التي تعين على تحقيق أهداف الدعوة
والجهاد.
وقد أقامت الجبهة مخيماً إسلامياً كبيراً هذا العام في قاعدة أبي بكر الصديق
حيث مقر القيادة العامة للدعوة والجهاد، وحضر المخيم أكثر من مائتين من قادة
الجهاد ورجال الدعوة والتربية والتعليم، وغيرهم من الشخصيات الإسلامية الذين
أتوا من جميع أنحاء بانجامورو، واشترك في إلقاء المحاضرات بعض الأساتذة
والدكاترة من البلاد الخارجية - أي خارج الفلبين - وبانجا ومورو، وكان موضوع
المخيم: القيادة الإسلامية الصحيحة، وقد اخترنا هذا الموضوع لأهيمة القيادة
الإسلامية الصحيحة في توجيه المجتمع إلى المنهج الإسلامي الصحيح، وناقش
الحاضرون أهمية القيادة والفرق بين القيادة الإسلامية الصحيحة والقيادات الأخرى
بما فيها القيادات العلمانية والوطنية والقومية التي لا تهتم بالدين بل تبتعد عنه
وتهمل الجانب الروحي، كما ناقشوا أسباب انحراف القيادات في المجتمعات
الإسلامية.
والجبهة تهتم بهذا الأمر لأنها ترى أن سبب عدم تطبيق الحكم الإسلامي
الصحيح في بلاد المسلمين هو وجود حكام فاسدين وقيادات غير إسلامية أو منحرفة
في هذه البلاد، ولابد من تصحيح هذا الوضع وتجنب حدوثه وخاصة في البلاد
التي يجاهد أهلها ويعملون على إعادة بناء مجتمعهم ليكون مجتمعاً إسلامياً صحيحاً.
وبعد انتهاء المخيم الإسلامي مباشرة عقدت الجبهة دورتها السنوية الثامنة في
نفس المكان وحضرها جميع أعضاء مجلس الشورى وممثلوا المقاطعات
والمحافظات المختلفة في بلاد مورو، وذلك لمراجعة القرارات السابقة ووضع خطة
مناسبة لمواجهة الظروف الحالية، وكانت للجبهة برامج إسلامية وسياسية
واقتصادية واجتماعية وتربوية شاملة، وتتلخص فيما يلي:
١- التحول الإسلامي (أي تحويل المجتمع في المنطقة إلى مجتمع إسلامي
صحيح) .
٢- الاكتفاء الذاتي، على الأقل في المواد الغذائية والحاجات الضرورية
الأخرى.
٣- رفع مستوى التنظيم والكفاءة القيادية والإدارية علماً بأن للجبهة حكومة
موازية لحكومة العدو.
٤- إنشاء قوات إسلامية مسلحة قوية في إيمانها وتنظيمها ونظامها وأجهزتها
الحربية، وكفاءتها القيادية والقتالية.
٥- تحرير أرض مورو.
٦- إقامة حكم إسلامي وتطبيق شريعة الله.
وقبل الختام نكرر نداءنا الموجه إلى الأخوة في الإيمان المهتمين بأمر إخوانهم
وبالقضايا الإسلامية، إننا نناديهم للوقوف بجانب إخوانهم في الدين الذين يجاهدون
في سبيل الله ويخوضون معارك مصيرية ضد الهجمة الصليبية الشرسة، وضد
القوى الموالية للاستعمار الغربي والشرقي، وهي تعتبر الحرب الواقعة بين
المسلمين والنصارى فرصة يلزمها انتهازها لبسط نفوذها وسيطرتها على المسلمين.
إننا نناديهم للوقوف مع إخوانهم المسلمين الصامدين أمام أعداء الله في هذه
المنطقة بما فضل الله عليهم من مال أو عالم أو فكرة أو خبرة، وما إلى ذلك لينالوا
الثواب العظيم عند الله مع إخوانهم المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 487
الصفحة الأخيرة
حتى لا تكون نهايتنا كنهاية الموريسكيين [*]
عبد القادر حامد
تتوالى على المسلمين نكبات وضربات متنوعة في مناطق مختلفة من العالم،
وعلى الرغم من عنف هذه الضربات ودمويتها إلا أن العالم لا يعيرها الاهتمام الذي
يعيره لفرد غير مسلم يعتدي عليه، بل الاهتمام الذي يعيره لبعض أصناف
الحيوانات التي تشتغل أجهزة الإعلام بإثارة الخوف عليها من الانقراض كما هو
حاصل بالنسبة للفيلة والحيتان والحيوانات الأخرى..
بل إن هذه المذابح التي تنفذ ضد المسلمين هنا وهناك إن ذكرت تذكر مخففة
مشوهة في زاوية منسية من مجلة أو صحيفة، ثم سرعان ما ينساها ليس المعنيون
بحقوق الإنسان فقط؛ بل المسلمون أنفسهم.
ولاشك أن مما يميت ما يحدث للمسلمين من ويلات وما يُخفي ما ينزل بهم من
قهر وإرهاب هو فقدان جو الحرية الذي تنتقل فيه المعلومات، وتتجاوب أصداؤها
في جنبات العالم محدثة أثراً.
وأمام هذا الواقع فإن المطلوب من كل مسلم يشهد تعدياً لا مسوغ له على
حرمة مسلم أو مسلمة؛ أو ظلماً يقع على هذه الفئة المسلمة أو تلك؛ أن يسجل ذلك
بأي وسيلة تمكنه: كتابةً أو تصويراً أو تسجيلاً صوتياً، ولا يستهين في شيء من
ذلك ولا يستثقله، ولا يقل في نفسه: ما الفائدة؟ لا يمكنني أن أنشر أو أذيع ما
أعلم، فرب يوم يأتي سيتاح له أن ينقل شهادته للناس، وإذا كان قد سارع بكتابتها
حين وقعت، فلن يضير مضي الزمن ما كتب، حيث ستنتقل هذه الحادثة بحرارتها
إلى الأذهان وكأنها حدثت الساعة، ولا يستصغر شأنه وليكتب بأي أسلوب يحسنه،
فالصدق صدق بأي لغة نقل وبأي أسلوب قيل.
وكم من مصائب وقعت على المسلمين من قبل أعدائهم ذهب أثرها أدراج
الرياح بسبب استهانة المسلمين بالتسجيل والحفظ، وما خبر الموريسكيين عنا ببعيد.
стр. 488
جمادى الآخرة - ١٤١٠هـ
يناير - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 489
الافتتاحية
حرب صليبية جديدة
هل ما يجري في فرنسا هذه الأيام هو محاربة للحجاب الإسلامي فقط؟ أم هو
محاكمة للإسلام نفسه وحرب صليبية جديدة؟ إن قضية الطالبة التي رفضوا
تسجيلها في المدرسة بسبب الحجاب، والطالبات اللاتي أبعدن من المدرسة بسبب
الحجاب، لازالت هذه القضية مثار جدل واسع في أوساط المجتمع الفرنسي
والصحافة الفرنسية، وعلى مستوى الدولة كذلك.
قالت صحيفة (لوبوان) : «إذا أرادت فرنسا أن تحافظ على علمانية المدرسة
وعلمانية الدولة فإنها لا تستطيع أن تؤخر طويلاً حل الإشكالات الدينية التي يثيرها
حضور الإسلام في الغرب» .
وعلى مستوى الدولة شهد البرلمان الفرنسي جلسة صاخبة ناقش فيها النواب
موضوع الحجاب الإسلامي وانقسموا ما بين معارض وبين من يعتبره تصرفاً تابعاً
للحرية الشخصية ولا مانع منه، كما انقسم الوزراء؛ فوزير التربية يرى أن إبعاد
الطالبات ليس من أهداف المدرسة، بينما وزير الدفاع يرى منع الطالبات من
ارتداء الحجاب، وقال المفكرون رأيهم؛ فالفيلسوف (أندري فروسار) يرى أن
وضع الحجاب على الرأس قضية لاتمس إطلاقاً العلمانية، بينما يقول (آلان
فانكليل) أن قرار منع ارتداء الحجاب متوافق مع مفهوم العلمانية، وأعلنت زوجة
الرئيس ميتران: «إذا ما ألزم دين ما أتباعه بالامتثال لتعاليم معينة فيجب علينا أن
نترك لهم حرية الامتثال» .
وإذا كان وزير التربية قد حسم الموقف وأعلن عن استعداد المدرسة الفرنسية
لاستقبال الحجاب الإسلامي، وقال: «إن ارتداء الحجاب أو إبراز أي مظهر
يوحي إلى انتماء ديني لا يمكنه أن يشكل دافعاً فعلياً لطرد التلاميذ من المدرسة» .
وكذلك كانت كلمة مجلس الدولة الذي هو أعلى هيئة قضائية إدارية، لكن قضية
محاربة الإسلام نفسه لم تحسم، فموجة العداء للإسلام بدأت تنتعش في فرنسا (وفي
أوربا بشكل عام) وخاصة من الأحزاب التي يسمونها يمينية متطرفة، وقد اتخذوا
من الحجاب بداية للهجوم على الإسلام والمسلمين في فرنسا، ويعللون هذا الهجوم
بأن هؤلاء المغتربين لم يندمجوا في المجتمع الفرنسي، وهذه كلمة مهذبة، وقصدهم
(لم يذوبوا) في المجتمع الفرنسي أو الغربي.
وخاضت بعض الأحزاب أو الشخصيات الانتخابات على أساس محاربة
الحجاب أو الإسلام، وأصيب هؤلاء الفرنسيون بالسعار ضد المغتربين المسلمين،
وتحول الأمر إلى عنصرية مكشوفة وهي أن الجنس الآري يجب أن يبقى نقياً
ولذلك لابد من طرد هؤلاء المهاجرين.
وليس عجيباً أن لا يتكلم هؤلاء المتعصبون عن تميز الطلاب اليهود، وعن
مدارس اليهود المستقلة لأن حقيقة هذا السكوت وهذا الولاء ذكرها القران الكريم:
[بعضهم أولياء بعض] [المائدة: ٥١] .
وقد يقول بعض الناس: أنتم تحاكمون دولة غربية نصرانية في موضوع
الحجاب، مع أن هناك دولاً تحكم شعوباً إسلامية وتحارب الحجاب، ونقول: هذا
صحيح، ونحن هنا نحاكم هؤلاء إلى شعاراتهم المرفوعة عن الحرية والديمقراطية
وعدم التدخل في شؤون الآخرين الدينية والشخصية، أما الدول التي تحارب
الحجاب في ديار الإسلام فهي تحكم بالشريعة التي سماها بعض العلماء بـ (الملك
الطبيعي) وهو حمل الناس على مقتضى الغرض والشهوة فقط، وسمى ما عليه أهل
الغرب الان بـ (الملك السياسي) وهو حمل الناس على مقتضى النظر العقلي،
وعلى هذا فهذه الدول لاهي تحكم بالإسلام، ولا تحكم بالعقل والسياسة والنظام كفعل
الغربيين.
إن صمود الجالية الإسلامية في فرنسا لهو شيء مشرف، ولا شك أن هذه
الجاليات الكبيرة في أوربا تستحق الاهتمام والرعاية سواء من بلادهم الأصلية أو
من المسلمين بشكل عام، والتشجيع لإثبات الهوية الإسلامية حتى لا تبتلعهم حضارة
أوربا.
ملف التعليم:
عندما فتحنا ملف التعليم في الأعداد السابقة كنا نشعر بخطورة الموضوع
وأهميته البالغة، فالطاقات والأجيال يجب أن لا تذهب هدراً بسبب الطرق التقليدية
المتبعة مع الصغار والكبار على حد سواء، وقد شارك بعض الأخوة في هذا المجال، وكانت مشاركة الدكتور عبد العزيز القارئ حفظه الله ناقداً لبعض مناهج تعليم
وتربية أجيال المتفقهين، كانت محل استحسان ورضى من الجميع، ولا يزال
الموضوع بحاجة إلى إثراء، ولا يزال موضوع التعليم بشكل عام بحاجة للأقلام
المخلصة من أهل الاختصاص والخبرة والغيرة على أجيالنا ليوضحوا وجهة نظرهم
في الطرق المتبعة الآن وخاصة في المراحل الأولى من التعليم، وإنها والله لأمانة
في أعناق كل مسؤول عن تربية الأجيال، ماذا تعلم وكيف تربى؟ وما هي الوسائل
الناجحة، وحرام أن تذهب سنوات العمر الأولى دون فائدة علمية أو عملية.
وأخيراً نذكّر بقول الدكتور محمد إقبال في أثر التعليم إذا كان موجهاً وجهة
غير إسلامية " «إن التعليم هو (الحامض) الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم
يكونها كيف يشاء، إن هذا (الحامض) هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيمائية، هو
الذي يستطيع أن يحول جبلاً شامخاً إلى كومة تراب» .
وحتى لا تتحول الأجيال إلى كومة تراب لابد من إعادة النظر في مناهج
التعليم.
стр. 490
في المنهج والاستدلال
ضرورة الاجتهاد
للمحافظة على مواصفات المجتمع الإسلامي
د. عابد السفياني
ينقسم الاجتهاد إلى واجب شرعاً وجوباً عينياً، وواجب كفائياً، وإلى مندوب، ومكروه، ومحرم [١] . وقد نقل العلماء الثقات عن الصحابة -رضوان الله
عليهم- الإجماع على العمل بالقياس وهو نوع من الاجتهاد.
فثبت بذلك وقوع الاجتهاد منهم -رضوان الله عليهم-، وأنهم مجمعون على
مشروعيته [٢] .
وأما أقسام الاجتهاد من حيث الحكم التكليفي فهي كما يلى:
الأول: إذا تعين على المجتهد النظر في واقعة لم يجد من يفتي فيها غيره،
أو نزلت بالمجتهد نازلة وخاف فوات الحادثة فإنه يجب عليه وجوباً عينياً الاجتهاد
على الفور وإن لم يخف فواتها وجب عليه الاجتهاد على التراخي.
وأما الثاني: فهو واجب وجوباً كفائياً إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
وأما الثالث: فهو المندوب وهو السؤال عن حادثة يمكن أن تقع ويحتاج إليها، مثاله في السنة: ما رواه المقداد بن الأسود أنه قال: «يا رسول الله أرأيت إن
لقيت رجلاً من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة
فقال: أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: لا تقتله..» الحديث، وفيه دلالة على جواز السؤال بلفظ «أرأيت»
عن المسائل التي يمكن أن تقع [٣] .
وأما الرابع: فهو المكروه أو المحرم وهو الاشتغال بالمسائل الفرضية التي لا
يمكن أن ينبني عليها عمل أو لم تجر العادة بوقوعها [٤] .
والإجماع المنعقد على وجوب الاجتهاد، ومنه وجوب العمل بالقياس وهو
نوع منه يتضمن الرد على من يقول بقفل باب الاجتهاد أو يدعو إليه، ذلك أن
الإجماع المنعقد لم يقصر الوجوب على عصر دون عصر، بل الوجوب على الأمة
وهي لا تنقطع في أي عصر إلى سقوط التكليف وذلك بفناء الدنيا، والإجماع على
وجوبه منقول عن الصحابة، فهو إجماع متقدم ولا عبرة بمخالفة من خالف بعد ذلك، والمخالف لفرضية الاجتهاد لم يخالف في جميع أنواعه، بل إن العلماء من
الأصوليين نصوا على أن تحقيق المناط، وهو نوع من الاجتهاد، لم يقل أحد
بانقطاعه.
وأما مخالفتهم في الأنواع الأخرى فهم محجوجون بإجماع الصحابة وأن
خلافهم ليس معتبراً، مع مصادمتهم للبديهيات، ذلك أن النص إما أن يعلم بدون
اجتهاد وذلك مستحيل، وإما أن يعلم باجتهاد وهو المطلوب، فالاجتهاد إذاً ضرورة
بهذا المعنى، كما أنه الطريق إلى معرفة عجائب القرآن التي لا تنقضي ... ولم
يدرك المجتهدون في العصور المتقدمة كل عجائبه ... ومن ثم كان الاجتهاد ضرورة
لفهم النص وتطبيقه، ولا يسد مسده شيء آخر في فهم أحكام هذه الشريعة.
ولقد أشار الإمام الشافعي إلى حكمة الاجتهاد فبين أنها هي الابتلاء، وذلك أن
الله أنزل القرآن على هذا النحو، وكذلك السنة لكي يبتلي عباده
فينظر أيجتهدون في طلب الحق مبتعدين عن تأثير الشبهات والشهوات أم يقصرون
في طلبه [٥] .
ومن الحكمة أيضاً ما أشار إليه الدكتور الأفغاني في كتابه: «الاجتهاد» :
وذلك بالنسبة للرسول ﷺ وبالنسبة لأصحابه.
أما وقوعه من الرسول ﷺ فذلك تعليم للأمة من بعده،
وأما حكمة شرعية الاجتهاد بالنسبة للصحابة في عصره فذلك لتدريبهم وتعليمهم
كيفية الاجتهاد وحتى يكونوا مستعدين لحمل الأمانة الكبرى بعد وفاة الرسول -صلى
الله عليه وسلم- وهي الحكم بما أنزل الله، وإدخال الحوادث الجديدة تحت أحكام
هذه الشريعة حتى يعلم حكم الشرع في كل ما ينزل بالمسلمين وتدريب من بعدهم
على ذلك، ولولا الاجتهاد لزاد عدد الحوادث التي يتصرف فيها المسلمون بآرائهم
المحضة أو بقوانين وأعراف غير دينية، وذلك - مع طول الأمد - سبب من أكبر
الأسباب في الانحراف عن شريعة الإسلام [٦] .
وأجمل هنا بعض الحكم التي تظهر لي من فرضية الاجتهاد وكونه طريقاً إلى
التجديد والنمو والحركة: إن هذا الدين أنزله الله على عباده مفرقاً ولم ينزله جملة
واحدة، قال تعالى: [وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]
[الإسراء: ١٠٦] .
ومعنى فرقناه أي أنزلناه جزءاً جزءاً ولم ننزله جملة واحدة [٧] وذلك في
بضع وعشرين سنة تثبيتاً للرسول ﷺ ، حيث ينزل لكل حادثة
تقع ما يخصها من الأحكام ويتعلمه الناس في غير عجلة، ويتدرج بهم حتى يربيهم
ويفقههم فيقترن العلم بالعمل آية آية وسورة سورة، ويقع لكل حدث ما يخصه من
البيان والتوجيه. وهذا المعنى الذي تحقق في عصر النبوة مازال متحققاً في كل
عصر -بعد ذلك - يسير في الطريق نفسه ويسعى للغاية التي خلق العباد من أجلها
وهي عبادة الله وحده بلا شريك.
وبيان ذلك: أن المسلمين بعد عصر النبوة يحتاجون إلى بيان الأحكام التي
تخص الحوادث التي جاءت في عهدهم، وهذه الحوادث لم يكن فيها نص بعينها -
ولا بد من الرجوع إلى الوحي لمعرفة هذه الأحكام.
ثم تأتي حوادث أخرى تحتاج إلى أحكام فلابد من الرجوع إلى الوحي، وهكذا
في كل عصر وفي كل مكان.
وحين يرجعون في المرة الأولى إنما يستنبطون الحكم للحادثة الأولى ثم
يرجعون مرة أخرى وثالثة ورابعة وذلك حسب تجدد الحوادث فيجدون في الوحي
العلم والفقه والتربية - وهم يسيرون في الوقت نفسه في طريقهم لا يقفون لحظة
واحدة، تماماً كما كانوا في عصر النبوة: عمل وجهاد وتربية وتعليم، حتى توفي
رسول الله ﷺ .
وهكذا يريد الله هذا الدين بعد وفاة رسول الله ﷺ ،
دين عمل وجهاد وتربية، وهذا الجهد في التعريف بالحق ونشره والتفقه فيه
وتطبيقه على الحوادث إنما يكون من طائفة من المسلمين بذلت نفسها لتعلم العلم
وتعليمه، كما قال تعالى: [ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]
[التوبة: ١٢٢] .
فهذا النفير والتفقه والنذارة إنما يصبر عليه طائفة من المسلمين وهؤلاء يبرز
منهم أئمة في الدين يهدون به وبه يعدلون، فينشرونه ويعلمونه للناس ويقيمون به
العدل في الأرض ومن العدل استنباط الأحكام لكل حادثة تعن وتطبيقها.
وعند تحقيق ذلك يرفعهم الله درجات، ويجعلهم منار هداية للناس لا تنقطع،
يتسلمها الناس جيلاً بعد جيل: [وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وكَانُوا
بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] .
وهذا التفقه والنذارة والهداية وإقامة العدل في الأرض لا يكون إلا بالاجتهاد.
أما الذين آمنوا فهم مكلفون جميعاً بإقامة فروض الكفاية، وذلك بأن يقيموا لكل
فرض من فروض الكفاية طائفة منهم ويعينوهم على ذلك [٨] ، فإذا سعى المؤمنون
في تجهيز طائفة منهم ليتفقهوا في الدين حتى يصلوا إلى درجة الاجتهاد كان ذلك
سبباً في رفع منزلتهم عند الله، وعن هذا الطريق تتحقق الهداية وإقامة العدل
الرباني في هذه الأرض، عن طريق سعي المؤمنين جميعاً، وتكامل جهودهم،
وتقديم المجتمع لخيارهم ليكونوا هم قادة الناس، والبناة لمنهج التربية الإسلامية.
стр. 491
مصطلحات إسلامية
الإسرَاف
إعداد: عادل التل
المعنى اللغوي:
السَرَف في كلام العرب له أصل واحد، يدل على تعدي الحد والإغفال أيضاً، تقول: في الأمر سَرَف، أي مجاوزة القدر، ويقولون أن السَرَف: الجهل،
والسَّرِف: الجاهل.
قال ابن الأعرابي: أسرف: إذا أخطاء، وأسرف إذا غفل، وأسرف إذا
جهل. قال شمر: سرف الماء ما ذهب منه في غير سقي، فيقال أروت البئر
النخيل وذهب بقية الماء سرفاً، والسَرَف القصد، سَرِفُ الفؤاد: غافل، سرِف
العقل: أي قليل العقل.
المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: الإسراف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان،
وإن كان في الإنفاق أشهر. وقال ابن حجر في الفتح: الإسراف مجاوزة الحد في
كل فعل أو قول. وهو في الإنفاق أشهر.
ومنه فإن الإسراف يكون في الإنفاق وغيره، يقول تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ] [الزمر: ٣٩] . ويقول في
شأن الإنفاق: [وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ]
[الأعراف: ٣١] .
وهكذا فإن الإسراف يشمل كل تجاوز في الأمر، وقد جاء في القرآن الكريم
على معاني متقاربة ترجع جميعها إلى الأصل اللغوي وهو التجاوز في الحد.
- الإسراف صفة من صفات الكافرين، يقول تعالى: [وكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ
أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ] [طه: ١٢٧] .
- والإسراف صفة من صفات الجبارين الذين يملكون بأيديهم السلطة والمال،
يقول تعالى: [وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] [يونس: ٨٣]
وقال تعالى: [ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ] [الشعراء: ١٥١] .
- والإسراف والتبذير يلتقيان في معنى الإنفاق بغير طاعة، ولكن الإسراف
أعم من التبذير، لأن التبذير معناه التفريق وأصله إلقاء البذر في الأرض واستعير
لكل مضيّع ماله، يقول تعالى: [إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ]
[الإسراء: ٢٧] .
والإسراف والسفه يلتقيان في معرض الغفلة والطيش وخفة النفس ونقصان
العقل، وإن ما يحصل من السفيه في إنفاق المال بما لا يرضي الله ليبين الحقيقة في
أن السفه سبب من أسباب الإسراف.
ويختلف الإسراف عن الكرم رغم أن كلاً منهما عطاء، لكن الكرم يكون وفق
أصول الشرع, مثل: إطعام الضيف، وإكرام الفقير، ومنه فإن البخل ضد الكرم،
وليس ضد الإسراف وإنما الإسراف ضد الاعتدال والاستقامة، والإسراف قرين
الكبر والمخيلة يظن المسرف أن له فضلاً بإسرافه، فيصيبه الكبر والبطر.
والإسراف كما يكون من الغني، فقد يكون من الفقير أيضاً، لأن الإسراف في هذه
الحالة أمر نسبي.
من أحكام المصطلح:
قدم الإسلام للبشرية منهجاً متكاملاً وتصوراً واضحاً عن طبيعة التصرف في
جميع شئون الحياة، وبين بشكل واضح حدود الحلال والحرام فيها، ونهى عن
الإسراف في شتى صوره.
إن أبشع صور الإسراف عندما يكون في معصية الله والتعدي على حدوده،
فهو محرم بالإجماع.
وأما الإنفاق في المباحات فيجب الالتزام بالعدل والاستقامة والتوسط فيها،
حتى لا يتحول الإنفاق على المأكل والمشرب والملبس إلى البذخ والتفاخر والتعالي
على الناس، بل إن أشر مواضع الإسراف أن تقام الولائم العظيمة ويدعى إليها
الأغنياء، ويحرم منها الفقراء وإن ما يلقى منها في الفضلات ليشبع خلقاً كثيراً من
أهل الحاجة في مناطق المجاعة.
وأما المبالغة في بذل المال طاعة لله وفي سبيله، فلا يكون إسرافاً بالمعنى
الإصطلاحي، وإن كان هذا البذل مشروطاً بأن لا يضيع المنفق من يعول، ويذر
ذريته عالة على الناس، وقد تصدق أبو بكر الصديق ﵁ بكل ماله.
وفي مجال العقوبات والحدود؛ فإن الشرع قد أقر عقوبات محددة على أفعال
معلومة، ولا يجوز التجاوز في تنفيذها عن حدها المقرر، وقد شدد الإسلام على
الالتزام بهذا المنهج في قوله تعالى: [ومَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا
يُسْرِف فِّي القَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُوراً] [الإسراء: ٣٣] ، أي لا يتجاوز في القتل إلى
غير القاتل من إخوانه وأقربائه كما كان يفعل أهل الجاهلية قديماً، وكما هو الحال
اليوم مع أهل الجهل حيث تنتشر أعمال «الأخذ بالثأر» التي تتعارض مع أحكام
الإسلام.
[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ
الكَافِرِينَ] [آل عمران: ١٤٧] .
стр. 492
خواطر في الدعوة
وحدة الصف ووحدة المنهج
محمد العبدة
إذا كانت وحدة العمل الإسلامي من المطالب الملحة عند كثير من الدعاة الذين
بدأوا يتحسسون مواطن الخلل ومواطن القوة عند المسلمين، وإذا كان هذا المطلب
مما يأمر به الدين ويحث عليه لأنه من التعاون على البر والتقوى، فإنه يزداد
إلحاحاً في هذه الأيام التي تجري فيها تغيرات في العالم لم تكن بالحسبان ولم يتوقعها
أحد؛ انهيارات في الكتل الشرقية، وانحسار للشيوعية، وتقارب بين الغرب
والشرق، والمستفيد حتى الآن هو الغرب الرأسمالي الليبرالي، وقدمت روسيا
تنازلات كثيرة في سبيل التقرب من هذا الغرب، الذي يمتلك التقنية والمال
والسيطرة السياسية، فمن يقف في وجه هذا التكتل على الأقل من الناحية الحضارية
والعقائدية؟ مَن من شعوب العالم الثالث يملك هوية واضحة، ومنهجاً متكاملاً؟ لا
يوجد سوى الإسلام، ومن المفترض أن يقود الشعوب الإسلامية العلماء والدعاة،
وإذا كانوا غير مؤهلين لذلك ولم يستطيعوا الجلوس على مائدة الحوار والتعاون فلمن
تترك الساحة؟
كنت أحاضر في أحد المراكز الإسلامية عن واقع الإسلام اليوم وما يحدث في
أوربا هذه الأيام، وعندما جاء دور الأسئلة أو المناقشة علق أحد الحضور (وأظنه
من العمال المتعلمين) قائلاً: «الدنيا سائرة وإذا كنتم تريدون أن يكون للإسلام
حضور فيجب أن تبدأوا وتسرعوا، وإلا فالناس لا ينتظرونكم طويلاً ... »
وعجبت من نظرته الواقعية وتذكرت رأي ابن خلدون في أن العوام الذين يملكون
الفطرة السليمة والتجربة العملية عندهم القدرة على معرفة الواقع، وخاصة الواقع
السياسي أكثر من أصحاب التنظير المجرد الغارقين في الثقافة الذهنية الباردة،
وتذكرت قول صديق أرسل لي رسالة قال فيها: «إذا كان المطل [١] ممكناً في
الأسلاف المستحقة مالياً فهو متعذر في الاستحقاقات الحضارية» .
وعندما نتكلم عن وحدة الصف ووحدة العمل الإسلامى فإنما نعني تجمع
أصحاب المنهج الواحد، منهج خير القرون وليس تجمعاً يرضي الجميع مع التساهل
في شيء من شريعة الله، فهذه من مداخل الشيطان التي ظاهرها الخير وتأليف
القلوب، وباطنها تجمع هش لا يصمد في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
إن هؤلاء الكفار يمكرون في الليل والنهار ولا يملون من كثرة الاجتماعات
وكثرة المناقشات وتقليب وجهات النظر للاستقرار على أمر يريدونه.
أيطلب أهل الباطل أمرهم بجد ونحن نطلبه ببطء وتراخ؟ وينطبق علينا قول
عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز
المؤمن» .
стр. 493
أخلاق العرب بين الجاهلية والإسلام
محمد الناصر
تمهيد:
للعادات والتقاليد عند العرب، أثر عظيم في تنظيم حياتهم الاجتماعية، ولها
سطوة لا يستطيع الفرد أن يتخلى عنها، وقد تقوم مقام الدين أو القانون.
لقد جاء الإسلام وفي العرب بعض المزايا الحميدة، التي لا يمكن إنكارها،
ولكن طابع الشر والظلم والفساد في التصورات والمعتقدات كان يطغى على ذلك
الخير فيهم ويغمره، وكانوا بحاجة شديدة إلى نور الوحي، فبعث الله فيهم رسوله
الكريم، وأمره أن يبشر وينذر، ويتحمل في سبيل ذلك ضروباً من المجادلة والتعب
والأذى.
ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن تلك المحاسن والمناقب هي من بقايا
دين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل ﵉، بقيت بين العرب بشكل أو
بآخر [١] ، وهذا ما نجده في قوله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم
مكارم الأخلاق» [٢] .
والواقع أن القيم الرفيعة والخلال الحميدة، انتشرت بين العرب في الجاهلية
انتشاراً واسعاً، عجت بها أشعارهم، وسارت فيها أخبارهم، وكان من هذه الخلال
ما اجتمعوا عليها أو كادوا، وكان منها ما تحلى بها الكثير منهم.
ومن أهم ما اجتمعوا عليه ثلاث: الكرم والشجاعة والغيرة. وأما التي تحلى
بها الكثير منهم فمنها: العفة والترفع عن الدنايا، ومنها الصدق والوفاء، ومنها
حفظ السر والترفع عن جليس السوء.. ومنها الحلم والرزانة وغير ذلك.
على أن القوم ساد بينهم بعض القيم الوضيعة والأخلاق الذميمة، فكما كان
منهم الأوفياء الصادقون، كان منهم الغدارون والكذابون، وكما كان منهم الأوفياء
وحفظة العهود؛ كان منهم الخونة واللصوص والبخلاء [٣] .
وسوف أستعرض - بإذنه تعالى- هذه القيم كما صورها الشعر الجاهلي
موضحاً نماذج - تتسع لها صفحات المجلة - من الأخلاق السامية والذميمة. ثم
أستعرض مدى التغيير أو التعديل، أو التقويم الذي جاء به الإسلام مما ينسجم مع
هديه ومعتقداته، وأختم حديثي عن موقفنا من هذه الأخلاق، ومدى تطبيق
مجتمعاتنا المعاصرة لهذه القيم، بعد تجليتها في الجاهلية والإسلام.
١- الكرم:
بواعث الكرم في العصر الجاهلي:
لقد تميز العرب بإكرام الضيف، وتاهوا بهذه المكرمة، وافتخروا بها على
الأمم، ولم تكن خصلة عندهم تفوق خصلة الكرم، وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء
القاسية، وما فيها من إجداب وإمحال، حيث «كان العرب يعيشون في بادية
شحيحة بالزاد وحياتهم ترحال وتجوال، وكل واحد منهم معرض لأن ينفذ زاده،
فهو يقري ضيفه اليوم لأنه سيضطر إلى أن يضيف عند غيره في يوم، فليس في
البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ ملاجئ تعتبر
قوارب النجاة.. والعرف أن الضيافة ثلاثة أيام، وثلاث ليال، فإذا انتهت المدة
سقط حق الضيافة إلا إذا جدد المضيف وزاد عليها» [٤] .
على أن العرب كانوا يكرمون الضيف لكلفهم بحسن الأحدوثة وطيب الثناء،
ولأنهم ذوو أريحية تسعد نفوسهم بمساعدة المحتاج وإطعام الجائع.. وكان المال
وسيلة عندهم لا غاية، وسيلة إلى كسب المحامد.
كان الكرم وسيلة هامة من وسائل السيادة.. يقول حاتم الطائى:
يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد ... وما كنت لولا ما تقولون سيدا [٥]
والعربي ينكر البخل، لأنه مزر بأخلاق الرجال، وواضع من عوالي
الصفات.. فالشاعر عمرو بن الأهتم يدعو زوجته لأن تدع لومه لبذله المال، فهو
يشفق على الحسب الذي رفع بناءه، والكرام يتقون الذم ببذل القرى، ثم يتطرق
إلى ضيف طرقه ليلاً وكيف رحب به، ويصف لنا ذلك اللقاء:
ذريني فإن البخلَ يا أمَ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال شروق
ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
ومستنبحٍ بعد الهدوء دعوته ... وقد حل من نجم الشتاء خفوق
فقتلت له: أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا صبوح راهن وصديق
وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق [٦]
صورة رائعة من صور الكرم عند العربي، يستقبل ضيفه بالترحاب والطعام، وهو يتقي الذم والقالة؛ بالإطعام والقِرى.
لقد أصبح الكرم عند كثير من العرب طبعاً وسجية، إذ ملك عليهم نفوسهم
حتى أن حاتم الطائي يخاطب زوجته ويوصيها إذا صنعت له الطعام، أن تطلب له
ضيفاً ليشاركه فيه، فهو لا يريد أن يأكل وحده مخافة أن يتحدث الناس عنه بالبخل
بعد موته. فهو يقول:
أيا ابنة عبد الله وابنةَ مالك ... ويا ابنةَ ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي
أخاً طارقاً أو جارَ بيت فإنني ... أخاف مذماتِ الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف مادام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تلك من شيمةِ العبد [٧]
مظاهر الكرم عند العرب وصدق تطبيقهم لهذا الخلق [٨] :
بالغ العرب في الحفاوة بالضيف والتعهد له، وتفننوا في إكرامه، وتلمس
الأسباب التي تدخل على نفسه السرور، ومن ذلك بسط الوجه له ومضاحكته
والترحيب به ساعة قدومه حتى يأنس وينزل وهو مطمئن. يقول عمرو بن الأهتم:
وضاحكته من قبل عرفاني اسمه ... ليأنس، إني للكسير رفيق [٩]
بل كانوا يقدمون له أشهى ما يملكون، مع إيناسهم له. قالوا: " اتمام الضيافة: الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة ".
ولن يتلهى العربي عن ضيفه حتى ولا بالزوجة والولد. يقول عروة بن الورد:
فراشي فراش الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحادثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع [١٠]
وكانوا خير رفيق لصاحب الطريق، لا يختصون أنفسهم دونه بمال أو بظهر
أو بماء.
وعرف بعض الأجواد بكرمهم، ومن أجواد العرب أزواد الركب وهم ثلاثة
من قريش، وإنما قيل لهم أزواد الركب، لأنهم كانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد، ولم يسم بذلك غير هؤلاء الثلاثة، وهم: مسافر بن أبي عمرو من بني عبد شمس، وأبو أمية المغيرة من بني مخزوم، وزمعة بن الأسود بن المطلب [١١] .
ومن صدق تطبيقهم لهذا الخلق تعميم الدعوة إلى الطعام ليحضره كل من له
إليه حاجة، ومن شؤونهم التي تدعو إلى العجب والإكبار حبهم لكلابهم بسبب ما
كان يجلبه نباحها من الأضياف وضلال الطريق من المسافرين.
ومن مظاهر كرمهم العجيبة هداية الضيوف ليلاً بالنار التي يوقدونها لإنضاج
الطعام، أو للاستدفاء، وكانوا يوقدونها على المرتفعات لتكون أبين وأوضح. يقول
حاتم الطائي لغلامه في ليلة باردة الريح:
أوقد فإن الليل ليل قرُّ ... والريح يا غلام ريح صر
إن جلبت ضيفاً فأنت حر [١٢]
الإسلام والكرم:
جاء الإسلام فأقر هذا الخلق الكريم، وشجع على البذل والسخاء، وحث على
إكرام الضيف، إلا أنه جعل إخلاص النية لرب العالمين يرتفع بمنزلة العمل
الدنيوي البحت فيجعله عبادة متقبلة. قال تعالى: [إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ
مِنكُمْ جَزَاءً ولا شُكُوراً] [الإنسان: ٩] .
وابتعد الإسلام في هديه عن المن والأذى والرياء، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ والأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
والْيَوْمِ الآخِرِ] [البقرة: ٢٦٤] .
وحث الإسلام على البذل إلا أنه نهى عن الإسراف والتبذير [إنَّ المُبَذِّرِينَ
كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً] [الإسراء: ٢٧] .
ونفر من الشح وكنز الأموال، فقد روى البخاري في صحيحه: «ولا
صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبعه فاتحاً فاه،
فإذا فر منه سمع من يناديه: خذ كنزك الذي خبأت فأنا عنه غني، فإذا رأى أنه
لابد له منه سلك يده في فمه فيقضمها قضم الفحل» .
فهذه الأموال والكنوز المستخفية في الخزائن أشبه بالثعابين الكامنة في
جحورها كأنها رصيد الأذى لأصحابها، بل إنها تتحول إلى حيات فعلاً تطارد
صاحبها لتقضم يده التي غلبها الشح ومنع حق المسلمين فيها.
والمسلم كريم يؤثر إخوانه على نفسه، ويقدم من كسبه الحلال الطيب إلى
إخوته الأتقياء، ولا يغدق أمواله بسخاء على غيرهم ولا يرضى أن يكون بقرة
حلوباً لسفلة القوم من الملحدين الطغام اتقاء شرهم [١٣] .
وهذا ما يصوره الحديث الشريف إذ يقول ﵊: «لا
تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي» [١٤] .
الجود والعطاء عند الرعيل الأول من هذه الأمة:
إن الجود والسخاء يتمثلان فيمن اصطفي الله من عباده كالنبيين والصديقين،
وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، ولذا
فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى «وما ترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا وليداً،
وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير» [١٥] .
وقد حث رسول الله أصحابه على الإنفاق في سبيل الله ورغبهم في السخاء
فكانوا يصدرون عن طبع أصيل وسجية محبة للخير. قال تعالى: [لَن تَنَالُوا البِرَّ
حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] [آل عمران: ٩٢] .
وكان بذل الصحابة مضرب الأمثال، فقد أخرج الشيخان عن أنس -رضي
الله عنه-: وقد تصدق أبو طلحة ﵁ بعين بيرحاء وكانت مستقبلة
المسجد، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء
فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول
الله، وذكر الآية ثم قال: إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها
وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول
الله: «بخٍ! ذلك مال رابح! ذلك مال رابح» [١٦] .
ولما نزلت الآية الكريمة: [مَن ذَا الَذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً] ...
[البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح ﵁: يارسول الله قد أقرضت ربي ... حائطي، وفيه ستمائة نخلة، فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادى يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي « [١٧] . ...
وكان الجود والسخاء من أبرز صفات المؤمنين طوال القرون واشتهر أجواد
في الإسلام أنسوا الناس ذكر حاتم الطائي وابن سعدى وكعبة بن مامة [١٨] وغيرهم
مثل أجواد الحجاز الثلاثة: عبيد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن
العاص [١٩] .
تنفير الإسلام من ظاهرة الشح:
حذر الإسلام من البخل لأنه يقطع الأواصر، ويحبط الأعمال، ولا يورث إلا
التباعد والتحاسد.
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
» اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم « [٢٠] .
وقال تعالى: [ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] .
ظاهرة الشح في الحضارة الحديثة:
مما سبق يتبين لنا أن العربي كريم في جاهليته، جواد سخي في إسلامه،
على اختلاف الدوافع والنوايا، أما أدعياء الحضارة الحديثة فلا يفهمون هذه القيم،
إذ لا يهتم المفتون منهم بحضارة الإفرنج إلا لمصلحته الخاصة، فإذا هو يعاني
خواء روحياً وجفافاً عاطفياً، نتج عنهما شعور عميق بالحرمان من الصداقة
والأصدقاء المخلصين..
لقد غاب عن الأذهان في حضارة هذا القرن، الإيثار والتضحية بين الأهل
والجيران وذلك بسبب لوثة هذه المدنية الحديثة ... فالأنانية طاغية، والتبرم سائد،
رغم كثرة الأموال، لكنه الهلع من شبح الفقر، والخوف على فوات الملذات.
إن النفس الشحيحة لن يصدر عنها خير، والنفس المجدبة لن تستطيع التأثير
والإفادة، ولو زعم صاحبها أنه من كبار الدعاة إلى الله.
الواجب على المربين أن يغرسوا خلق السخاء والكرم في نفوس الناشئة،
فالنفس التي تعود على البذل، ستكون بإذن الله نفساً خيرة معطاء، مجاهدة في
سبيل ربها، مرتفعة على شهوات الدنيا، وجواذب الأرض الهابطة. ستكون هذه
النفس مشاعل خير نيرة، تضىء الطريق أمام صحوة جادة على طريق الرعيل
الأول بإذن الله. والحمد لله رب العالمين.
стр. 494
من أدب الحوار
إنما أعظكم بواحدة
عبد العزيز بن ناصر السعد
تكلم الكاتب في الحلقة السابقة عن الأصل الأول: أن تقوموا الله. ويتابع هنا
عن الأصل الثاني: ثم تتفكروا..
الأصل الثاني: العلم:
ويدخل تحته التفصيلات التالية:
١- الاتفاق:
على منهج الاستدلال والتلقي قبل البدء في نقاش أي مسألة علمية لأن النقاش
والمنهج مختلف سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة، وسوف لا يسلم أي طرف
لما عند الطرف الآخر من دليل أو استنباط، وحتى تتضح هذه المسالة أكثر نضرب
لذلك بعض الصور كما ذكرها الشاطبي في (الاعتصام، الباب الرابع) تحت عنوان: مآخذ أهل البدع في الاستدلال فذكر منها (باختصار) :
أ - أن من أهل البدع من منهجه الاستدلال بالأحاديث الضعيفة أو
الموضوعة أحياناً في العقائد والأحكام وهذا المأخذ مرفوض عند أهل السنة لأنهم لا
يرضون الاستدلال بالضعيف فضلاً عن الموضوع في باب العقائد والأحكام فإذا لم
يتفق مع الطرف المحاور على هذا المنهج فلن يفلح الحوار في أي نتيجة لأن الأدلة
التي سيشترك بها الطرف الآخر مرفوضة ابتداء من الطرف الثاني لعدم ثبوتها عنده.
ب - ومن أهل البدع من هو عكس الصورة السابقة حيث يرفض الاستدلال
بالأحاديث الصحيحة بحجة أنها آحاد ولا يقبل من ذلك إلا المتواتر، وهذا المنهج
مرفوض أيضاً عند أهل السنة حيث أن الدليل إذا ثبتت صحته أصبح صالحاً
للاستدلال ولو كان آحاداً، وبدون الاتفاق على هذا المنهج ابتداءً فلن يفلح الحوار
في أي نتيجة. إذن فمن الأولى في مثل هذه الحالات وقبل طرح الأدلة ودلالتها عن
المقصود لابد من الاتفاق على قبول الاستدلال بأحاديث الآحاد.
ج - كما أن هناك من أهل البدع من منهجه الاحتجاج بأقوال شيخه أو إمامه
والتعصب لها، ونبذ أي دليل يخالف ذلك بل إن بعض الملل المبتدعة من يرون أن
أقوال أئمتهم ومشايخهم هي التشريع بذاته وممكن أن يأخذ الحلال والحرام من
أقوالهم بل إن لهم نسخ الشريعة وتحليل الحرام أو تحريم الحلال فإذا لم يتفق على
خطاء هذا المنهج وأن ما جاء في الكتاب والسنة هو الأصل وكل ما خالفهما
مرفوض مهما كان قائله فإنه لا فائدة من النقاش.
د- ومن أهل البدع من يعتمد في استدلاله على الرؤى والمكاشفات فيصحح
بهما الضعيف ويضعف الصحيح ويحلل ويحرم ويشرع بهما ما لم يأذن به الله، فإذا
لم يتفق ابتداءً على ضلال وخطأ هذا الاستدلال فلن يفلح الحوار ولن تتحقق أهدافه
أبداً، وصور مآخذ أهل البدع في الاستدلال كثيرة من أراد التوسع فيها فليرجع إلى
الباب المذكور في الاعتصام فإنه مفيد جداً.
٢- مراعاة تفاوت الناس في عقولهم وثقافاتهم:
فالعلم بما عند الطرف الآخر من علم وثقافة يعين على اختيار الأسلوب
والمعلومات التي تناسب عقله وحصيلته العلمية، فتحديث الناس بما يعقلون أمر مهم
في الحوار لأن عدم مراعاة ذلك يحصل بسببه فتنة وتشويش للطرف الآخر ينعكس
أثره على إيجابية الحوار.
٣- البيان وحسن العرض:
إن قوة التعبير وفصاحة اللسان وحسن البيان والعرض من العوامل في إيضاح
الفكرة وأدلتها، ومما يكون له أكبر الأثر على قبول الطرف الآخر للفكرة، وإقناعه
بحسن الاستدلال عليها، وهنا يجب تجنب الألفاظ الغريبة صعبة الفهم أو الألفاظ
المجملة التي تحتمل عدة معان من غير توضيح للمعنى المراد منها.
٤- البدء بمواطن الاتفاق والنقاط المشتركة:
إن البدء بنقاط الاتفاق لدى الطرفين كالمسلمات والبديهيات وغيرها من الأمور
المتفق عليها كل ذلك يقلل الفجوة ويوثق الصلة بين الطرفين ويحس كل منهما أن
هوة الخلاف قليلة، وهذا له مردوده النفسي في الحوار وبالتالي فإن البدء بنقاط
الخلاف يوسع فجوة الخلاف ولو من الناحية النفسية ولذلك يحرص أن يلقى على
الطرف الآخر الأسئلة التي سيكون جوابها " بنعم " ويتجنب ما يكون جوابه النفي
لأن كلمة " لا " عقبة كؤد يصعب التراجع عنها، والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة
فمثلاً في سورة المؤمنون يقول تعالى: [قُل لِّمَنِ الأَرْضُ ومَن فِيهَا إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ
* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ
عَلَيْهِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ] فهنا نجد أن الله -سبحانه
وتعالى- ألقى عليهم الأسئلة التي يعرف جوابهم عليها مسبقاً لكي يصل إلى تقرير
توحيد الألوهية لأن ما وافقوا عليه مستلزم لما أنكروه.
٥- التوثيق:
ينبغي أن تكون مسائل الحوار موثقة من الناحية العلمية والإسنادية فلا يستدل
بشيء إلا مسنداً لقائله ومصدره الذي أخذه منه وأن يستعان بذكر الإحصائيات التي
تخدم الفكرة والمراجع التي رجع إليها لأن ذكر الحقائق مدعمة بذكر المصادر
والإحصائيات الموثقة أعمق أثراً في النفوس من ذكرها مجردة، كما ينبغي في مثل
هذه الحالات الإعراض عن النقول الضعيفة والحجج الواهية.
٦- عدم تعرض أحد الطرفين لكلام الآخر ومناقشته قبل فهم مراده تماماً:
والتفكير العميق في أدلته ثبوتاً ودلالة وأن لا يقدم على تصحيح فكرة ما أو
تخطئتها قبل التأكد من ذلك تماماً.
٧ - الإحاطة بمواطن الخلاف:
في القضية المطروحة للحوار والإلمام بأنواع الاختلاف ما يجوز فيه وما لا
يجوز، لأن جهل هذا الأمر يوسع دائرة الاختلاف فيحصل الاختلاف والفرقة حول
مسألة قد يسع الخلاف فيها والاجتهاد، كما ينبغي الإلمام بأسباب الاختلاف بين
علماء الأمة والتي ذكرها شيخ الإسلام في رسالته القيمة " رفع الملام عن الأئمة
الأعلام ".
وفي هذه المناسبة ينبغي الإشارة إلى مسائل الخلاف، وأنواعها، وما هو
المحمود منها، وما هو المذموم، وما هي المسائل التي يسعها الخلاف، والمسائل
التي لا يسعها، إلى آخر ذلك مما يتعلق بموضوع الاختلاف، فنقول وبالله التوفيق. إن الاختلاف ينقسم إلى قسمين:
١ - قسم يحمد فيه أحد الطرفين ويذم الطرف الآخر مثل الاختلاف الواقع بين
المؤمنين والكافرين، أو بين أهل السنة وأرباب البدع وهذا القسم الاختلاف فيه هو
المذكور في قوله تعالى: [ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ ومِنْهُم مَّن كَفَرَ] ، وكقوله
تعالى: [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] . فكل ما يتصل بقضايا العقيدة
وأصولها والتي لم يختلف عليها سلف الأمة وإنما ظهر الاختلاف واستشرى بعدهم
فهو داخل تحت هذا القسم.
٢ - قسم يذم فيه الطرفان المختلفان إذا سبب هذا الاختلاف الفرقة والعداوة،
ويحمد فيه الطرف الذي لم يجعل هذا الاختلاف سبباً في الفرقة والمفاصلة، وهذا
النوع من الاختلاف هو الذي وسع السلف -رحمهم الله تعالى-، ولم يحصل بينهم
بسببه افتراق ولا بغضاء، فكل ما وسع السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- فيما
اختلفوا فيه فيجب أن يسعنا، ويندرج تحت هذا القسم عدة صور نجملها فيما يلي.
أ - اختلاف في تحديد موضوع الخلاف: وذلك بأن نجد أحد المختلفين قد
ذهب إلى موضوع من النزاع غير ما ذهب إليه الآخر فذاك سماه باصطلاح معين
والآخر سماه باسم آخر فظهر أن هناك اختلافاً والحقيقة غير ذلك فلو حددت
المصطلحات ودقق في المعاني والألفاظ لظهر أن هناك اتفاقاً وليس اختلافاً , وهذا
الأمر لا يأتي إلا بالتفكير الهادئ مع الإخلاص لله .
ب - قد يتضح بعد التفكير وتحديد موضع النزاع أن هناك اختلافاً لكن هذا
الاختلاف ليس اختلاف تضاد بمعنى أن المعنى الكلي ليس فيه خلاف إنما الخلاف
في تنوع آحاد هذا الكلي وتعدد الأمثلة التي تحته كمن يذهب إلى معنى جزئي وآخر
يذهب إلى معنى جزئي آخر يندرج كلاهما تحت المعنى العام الكلي، مثال ذلك
تفسير (الصراط المستقيم) في قوله تعالى [اهدنا الصراط المستقيم] فقائل بأنه
القرآن وآخر أنه الإسلام وآخر أنه الرسول ﷺ فكل هذه
المعاني لا اختلاف بينها لأن مرادها واحد وكل قول داخل تحت الآخر.
ج - وهذه الصورة من الاختلاف الذي وسع السلف -رحمهم الله تعالى- بأن
يكون المعنيان متغايرين لكن ليس بينهما منافاة لأن هذا قول صحيح ورد فيه دليل
وذاك قول صحيح ورد فيه دليل أيضاً ولا يجوز أن يكون هذا سبباً في الاختلاف،
وهذا كثير في المنازعات لعدم معرفة أحد الطرفين بما عند الآخر من دليل، ومثال
ذلك الاختلاف في صفة الإقامة للصلاة فمن قائل بشفعها وقائل بإفرادها والاختلاف
في القراءات.. . الخ.
وكل ما ورد في الشريعة عليه دليل صحيح ووسع السلف الصالح فإنه لا
يجوز أن يكون سبباً في الاختلاف المؤدي إلى الفرقة والتباغض، وهذا بالطبع لا
يأتي إلا نتيجة التفكير والبحث وعدم التعجل في رد قول المخالف إلا بعد الاطلاع
على كل ما يتعلق بالموضوع من أدلة واستنباطات، فقد يتضح بعد البحث أن كلا
القولين ثابت وصحيح عن الرسول ﷺ وبذلك ينتهي الخلاف.
د - الخلاف حول قضية معينة ورد الدليل عليها وأورد المخالف دليلاً آخر
مخالفاً لها لكن أحد الدليلين أقوى من الآخر وأرجح، فهذا أيضاً لا ينبغي أن يكون
سبباً في الفرقة لأن ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة
السلف ينبغي أن يسعنا، وهذا يقع في كثير من الأحكام التي اختلف فيها العلماء
وعندما يعلم أن هؤلاء الأئمة ما اختلفوا لهوى في نفوسهم بل وقف كل منهم مع ما
عنده من الدليل فربما وصل أحدهم ما لم يصل الآخر أو صح عنده ما لم يصح عند
غيره كما بين ذلك شيخ الإسلام في رسالته: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ولكن
مع ذلك فالواجب في هذه الحالة العمل بالدليل الراجح وترك المرجوح عند من تبين
له ذلك بوجه شرعي.
ولكن هذا لا يعني موافقة من يأخذ بالأقوال الشاذة أو بعض سقطات العلماء
والتي يكون الدليل على خلافها بل الواجب تصحيح المخالف وإرجاعه إلى الدليل
وتوضيح وجه الشذوذ فيما أخذ به لأن هناك من يقول (أي قضية لم يجمع عليها
الصحابة فالأمر فيها واسع) وهذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه فقد ذكر الشيخ
عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀ في رسالة له لم تطبع
بعد، كلاماً جيداً حول هذا الأمر ننقل منه المناسب لموضوعنا. يقول ﵀
تعالى-:
" وأما احتجاجه بقول النووي إن العلماء إنما ينكرون على من خالف ما أجمع
عليه وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب.
قال: وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم. انتهى ما حكاه، فيقال
في جوابه: أنت لم تستكمل عبارة النووي بل تصرفت فيها وأخذت ما تهوى
وتركت بقية العبارة لأنه عليك مع اتصالها وتقييد بعضها ببعض. قال النووي بعدما
تقدم: لكن إن أريد به على جهة النصيحة أي الخروج من الخلاف فهذا حسن
محبوب مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث إلى الخروج من
الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بالسنة أو وقوع في خلاف آخر. هذا كلام النووي
فقد استبان لك أن مراده إذا لم يظهر دليل ولم يترجح جانب الأفكار بكتاب أو سنة
أو إجماع أو قياس جلي.. وأما أقوال الآحاد من العلماء فليست بحجة إذا لم يقترن
بها دليل شرعي ومازال العلماء يردون على من هو أجل منه " أ. هـ.
وبعد هذا التفصيل فيما يجوز الاختلاف فيه ومالا يجوز، نتوجه إلى جميع
المختلفين أن يقفوا وقفة مع نفوسهم، ويسأل كل واحد منهم نفسه أو صاحبه ومن
يخلص له النصح والتذكرة: أين نحن من أنواع الاختلاف، وأين نحن من البغي
والاعتداء في الخلاف، وأين نحن من أدب الخلاف وأخلاقه، وما كانت الأمة
لتفترق إلا بسبب البغي والحسد والجهل فلنقف مع موعظة الله لنا ومع
ما جاءنا به القرآن الحكيم والذي جعله الله لنا هدى وشفاء ورحمة وموعظة: [قُلْ
بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] .
٨- أن يعطى كل طرف في الحوار راحته وحريته في التعبير عن فكرته
والاحاطة بها من جميع الوجوه لأن قطع الفكرة أو التشويش عليها يؤثر على تسلسل
الأفكار وترابطها واضطرابتها.
٩- لا أعلم:
وذلك بأن يكون عند أصحاب الحوار من الإخلاص والخوف من الله -عز
وجل- بأن يقول لا أعلم عند السؤال عن مسألة لا يعلمها أو لم يبحثها بحثاً كافياً،
وأن لا يستحي من ذلك وأن يطلب الإمهال حتى لقاء آخر ليأتي بالجواب عنها إن
وجد جواباً.
١٠ -التفريق بين الفكرة وصاحبها:
وذلك بأن يتم تناول الفكرة المطروحة بالبحث والتحليل والنقد أو التزكية بعيداً
عن صاحبها حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية تناقش فيها تصرفات
الأشخاص ونواياهم ولكن في بعض الأحوال ينبغي تناول أصحاب الأفكار أنفسهم
بالجرح والتعديل حسب مقاييس أهل السنة وذلك عندما نخشى ضلالالتهم أو تأثر
الناس بأفكارهم ولكن كل ذلك يتم بإخلاص وإنصاف.
١١ - إقفال المناقشة:
عندما تتسع شقة الاختلاف أو يتضح أثناء النقاش أن هناك أموراً أساسية
برزت لم يتم التحضير لها أو لا يكفي الوقت لمناقشتها فيحسن في مثل هذه الأحوال
إقفال النقاش وتأجيله إلى وقت آخر يتم التحضير والاستعداد الجيد له، كما ينبغي
قفل النقاش عندما يتبين أن الطرف الآخر في الحوار غير جاد أو مستهتر أو كان
دون المستوى المطلوب للخوض في القضايا المعدة للحوار.
الأصل الثالث: ظروف الحوار والمتحاورين
وهذا هو الأصل الثالث الذي يراعى عند الحوار والمناظرة وقد أشارت الآية
الكريمة إلى جانب من ذلك عند قوله تعالى [مثنى وفرادى] وسنشير هنا -إن شاء
الله تعالى- إلى بعض الجوانب التي تتعلق بظروف الحوار لأن إلغاءها يؤثر كثيراً
على طبيعة الحوار ونتيجته، ومن هذه الجوانب ما يلي:
١ -مراعاة الجو المحيط بالحوار:
ويقصد بالجو هنا الجو النفسي والمؤثرات المحيطة بالحوار وذلك كما في الآية
الكريمة حيث يوجه الله طلاب الحق أن يبتعدوا عن الأجواء الجماعية
والغوغائية لأن الحق قد يضيع في مثل هذه الأجواء حيث التقليد الأعمى والتبعية
للأكثرية بينما لو قام الإنسان مع نفسه أو مع شخص آخر للتفكير حول قضية ما
فإنه أقرب إلى إصابة الحق منه في الاجتماعات الكبيرة وبقدر ما يقل المتحاورون
أو السامعون في الحوار بقدر ما ينقاد إلى الحق عند ظهوره.
٢ -مراعاة الجو الحسي للحوار:
وذلك من حيث البرودة والحرارة والاتساع والضيق.. الخ، لأن وجود ما
يؤذي في جو الحوار يؤثر على طبيعة النقاش وخسارة، وقد يبتر النقاش أو
يختصر دون وصول إلى نتيجة وذلك حتى يبتعد عن ما يؤذي في مكان الحوار
كذلك مما يتعلق بهذا الجانب اختيار المكان الهادئ وإتاحة الزمن الكافي للحوار فلا
تصلح أماكن الدراسة والعمل والأسواق للحوار أبداً وذلك لضيق الوقت ولوجود ما
يشغل.
٣-مراعاة الظرف النفسي والاجتماعي للطرف المحاوَر أو المحاوِر:
فلا يصلح أبداً أن يتم الحوار مع شخص يعاني من الإرهاق الجسدي لتعب أو
حاجة لنوم أو بسبب جوع أو يعاني من إرهاق نفسي كهم أو غم أو حزن لأن هذه
الظروف لابد أن تؤثر حتماً على الحوار إما بتره قبل تمامه أو حدوث انفعالات
وغضب وتوتر يؤدي بالحوار إلى الفشل الذريع.
٤ - أهمية المحادثة الأولى والتعارف الذي يسبق الحوار:
إن المحادثات الأولى والتعارف الأول على الطرف المحاور يساعد على
سهولة البدء في المناظرة وسيرها فيما بعد بالشكل المناسب، إذ من الصعب أن
يبتدأ مباشرة بالحوار مع أشخاص لم يتم أي تعارف ولو بسيط معهم. لأن في جلسة
التعارف هذه فائدة في التعرف على طبيعة الطرف الآخر ولو بشكل مبدئي من
خلال مظهره وحديثه ونبرات صوته وحصيلته العلمية مما يكون له الأثر في معرفة
الظروف النفسية والميولات الذهنية للشخص المحاور، وهذا بدوره يساعد في
طريقة وأسلوب الحوار مع الناس كل حسب ظروفه، ويمكن أن تتم جلسة التعارف
هذه على شكل دعوة غداء أو عشاء يتم فيه أحاديث غير رسمية عن الصحة والعمل
والأولاد وعن رأيه في الكتاب الفلاني وفي الفكرة الفلانية، وعن أي أمر عام ليس
له علاقة بموضوع الحوار. فهذه الطريقة على أي حال أفضل بكثير من أن يفاجأ
المرء بأشخاص لم يضع لهم في ذهنه أي تقدير لهم ولظروفهم فيؤدي إلى فشل
الحوار كأن يخبر على أن الشخص لطيف وسهل التعامل وحليم ويفاجأ بالعكس تماماَ.
٥ - أن يكون المتحاوران متقاربين ما أمكن في العلم والجاه وأن يتجنب
مناظرة ذي هيبة يخشى أن يستحي من مناظرته لئلا يؤثر ذلك على قوة الحجة
والجرأة على الإدلاء بها.
٦ - ينبغي اجتماع أصحاب الحوار في مكان واحد وتقابلهما فيه وأن ينظر
بعضهم للآخر لأن رؤية الوجوه والملامح له أثر في قوة الحجة أو ضعفها وفي هذه
الحالة لا تصلح المراسلات للحوار ولا يصلح كذلك الحوار بواسطة الهاتف.
٧ - مراعاة الآداب الإسلامية (القولي منها والعملي) ، والذي يكون له مردوده
النفسي على أطراف الحوار وسلامة قلوبهم وصفائها، والانقياد للحق عند ظهوره،
ومن هذه الآداب:
أ- احترام الطرف الآخر والتأدب معه وحفظ اللسان عما يسوءه من الألفاظ،
وعدم السخرية برأيه، وأن يثني عليه بما فيه، وفكرته من الإيجابيات والخير
الكثير.
ب - التلطف في العبارات أثناء الحوار، فبعض العبارات قد تفتح مغاليق
النفوس وهي يسيرة على من يسرها الله عليه من الكلمة الطيبة التي تقرب النفوس
وتزيل الجفوة وتهيء النفوس لاستقبال الحق، والأمثلة في ذلك كثيرة كمناداة
الطرف الآخر بكنيته وإذا كان أكبر سناً أو علماً بياأستاذي وشيخي.. اسمح لي..
عفواً.
ج -ابتسم في وجه محدثك وأطلق أسارير الوجه أثناء الحوار فهذا يضفي على
الحوار جو الألفة والأنس.
د - اجتنب الغضب ما أمكن ولو عارضك الطرف الآخر أو أغلظ القول لك،
واستخدم الرفق واللين.
هـ -تجنب اللوم المباشر عند وضوح خطأ الطرف الآخر فالنفس غالباً لا
تتحمل قول (أخطأت) أو (سأثبت لك أنك مخطئ) أو (أنا أخالفك في الرأي) فهذه
الألفاظ قد تجرح عند بعض الناس كبرياءه وشخصيته.
لكن عندما يبدو الخطأ فيمكن معالجته بمثل قولك: لكن أرى رأياً آخر قد
أكون مخطئاً فيه، أو لعلك تصلح لي خطأي. وإذا كان الخطأ يمكن إصلاحه
ببعض الإضافات فتقول: هل لك أن تفعل هذا أو ما رأيك في إضافة هذه العبارة..
أو ما المانع لو اتفقنا على هذا التعديل.. الخ.
٨- التحدي والإفحام: وهذا الأسلوب يلجأ إليه المماحكين الذين همهم الجدال
والاستهزاء وإثارة الشبه وتضليل الناس فمثل هؤلاء لا ينفع معهم اللين والرفق
وإنما الذي ينبغي في حقهم إفحامهم ومناظرتهم على الملأ الذين قد ضلل بسببهم
وذلك حتى تدحض حجتهم وتسقط هيبتهم من النفوس وتبين وهن فكرتهم
واضطرابها. لكن ينبغي لمن أراد مناظرتهم أن يكون على مستوى من العلم والذكاء
والشجاعة بحيث لا يؤتى من قبل قلة علمه أو سطحيته أو نحو ذلك.
٩- المحافظة على هدف الحوار والوصول إلى نتيجة:
تحديد هدف الحوار قبل الدخول فيه أمر مهم والمحافظة على الهدف أثناء
الحوار أيضاً أمر مهم لأن ذلك يحافظ على التركيز وعدم الخروج عن موضوع
الحوار بمناقشة جزئيات أو أمور جانبية بعيدة عن موضوع الحوار مما يكون له
الأثر في ضياع الوقت وعدم الوصول إلى نتيجة في آخر الأمر.
وبعد:
فهذه جملة في أصول الحوار وآدابه أعرضها على علاتها ونقصها لعلها تفتح
المجال لعلماء الأمة ودعاتها بأن يفصلوا الأمر حول هذا الموضوع ويكملوا ما نقص
منه، فالمسلمون في حاجة ماسة إلى استقصائه وإتمامه.
كما أسأل الله أن ينفع بهذا الحديث القلوب المخلصة التي أدمتها
الخلافات وخيم اليأس على بعضهم، ولعل الأخوة الذين صاروا أعداء وهم أقرب
الناس بعضهم إلى بعض أن يقوموا لله ويتفكروا مع أنفسهم أو مع
بعضهم البعض وأن يحفظ كل واحد منهم حق أخيه ويعلم وإن كان مخطئاً في شيء
فقد أصاب في أشياء أكثر مادام أنه من أهل السنة وأتباع السلف.
فيا أتباع محمد ﷺ ويا محبي محمد - صلى الله عليه
وسلم - جردوا أنفسكم لله تعالى واقتدوا بسلف الأمة الذين كانوا حريصين على جمع
الكلمة وسلامة القلوب، وكان أبغض شئ لديهم الفرقة والاختلاف، فهذا عبد الله بن
مسعود ﵁ عندما قيل له: أن عثمان بن عفان أتمَّ بالمسلمين في منى
وكانت السنة القصر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم يمنعه ذلك من أن يأتم
بعثمان ويتم الصلاة معه أربعاً، فلما قيل له في ذلك قال: إن الخلاف شر. فحري
بمن أحب السلف والتزم بمنهجهم أن يلتزم بمنهجهم الشامل في الاعتقاد والسلوك،
وما تم عرضه في هذا البحث يمثل إن شاء الله تعالى بعض آداب السلف الصالح
في حوارهم واختلافهم وهي بدورها الآداب التي هدانا الشرع إليها لنخرج من
الاختلاف الذي قدره الله تعالى على كل أمة، وأن لا نستسلم لهذا الاختلاف بل
ننازعه بقدر الله وأسبابه الشرعية التي شرعها الله لنا والتي لا سبيل
للنجاة والخلوص من الشرور إلا بالرجوع إليها، ومن سلك سبيل الهدى وصدق مع
الله في طلبه للجماعة والائتلاف يسر الله له سبيله وألف بينه وبين
إخوانه من الدعاة الصادقين، ومن سلك سبيل الضلال من الزيغ والفرقة والاختلاف
أضل الله سبيله وأزاغه عن الهدى [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ
المُحْسِنِينَ] ، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 495
شذرات وقطوف
الجرأة على الأمور
إن الذي يورث جيل الإفرنج الإقدام على الأمور والكلام، هو تعويدهم الجرأة
في الأمور، فإن إلقاء الرعب في قلب الصغير كلوافح الرياح العاصفة على الغرس، فلا يمكن بعد ذلك أن يصلح للمسائل الجليلة.
أحمد فارس الشدياق
***
طرائف
قال أحد الأدباء: أمور ثلاثة عجلت هرمي:
١ - أن يحضر كل الضيوف دعوتك ماعدا واحداً تضطر إلى انتظاره.
٢ - أن تضع زوجك الصحون على المائدة وابنك الذي أرسلته ليأتي ببعض
الحاجات من السوق ما يزال غائباً.
٣ - أن يذهب ضيوفك جميعاً إلا واحداً، إنه ذلك الذي سكت طوال السهرة
فلما أراد أن يودعك عند الباب بدأ يتكلم، وتشعر وهو يحدثك أن حديثه ليس له
نهاية.
***
آفة المزاح
قال سعيد بن العاص لابنه:
اقتصد في مزاحك فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرئ عليك السفهاء،
وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين.
***
متى؟ !
متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يَثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
وأن تَرفَّع الوضعاء يوماً ... على الرفُّعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
القاضي عبد الوهاب المالكي