← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مصطلحات إسلامية الإسرَاف إعداد: عادل التل المعنى اللغوي: السَرَف في كلام العرب له أصل واحد، يدل على تعدي الحد والإغفال أيضاً، تقول: في الأمر سَرَف، أي مجاوزة القدر، ويقولون أن السَرَف: الجهل، والسَّرِف: الجاهل. قال ابن الأعرابي: أسرف: إذا أخطاء، وأسرف إذا غفل، وأسرف إذا جهل. قال شمر: سرف الماء ما ذهب منه في غير سقي، فيقال أروت البئر النخيل وذهب بقية الماء سرفاً، والسَرَف القصد، سَرِفُ الفؤاد: غافل، سرِف العقل: أي قليل العقل. المعنى الاصطلاحي: قال الراغب الأصفهاني: الإسراف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان في الإنفاق أشهر. وقال ابن حجر في الفتح: الإسراف مجاوزة الحد في كل فعل أو قول. وهو في الإنفاق أشهر. ومنه فإن الإسراف يكون في الإنفاق وغيره، يقول تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ] [الزمر: ٣٩] . ويقول في شأن الإنفاق: [وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ] [الأعراف: ٣١] . وهكذا فإن الإسراف يشمل كل تجاوز في الأمر، وقد جاء في القرآن الكريم على معاني متقاربة ترجع جميعها إلى الأصل اللغوي وهو التجاوز في الحد. - الإسراف صفة من صفات الكافرين، يقول تعالى: [وكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ] [طه: ١٢٧] . - والإسراف صفة من صفات الجبارين الذين يملكون بأيديهم السلطة والمال، يقول تعالى: [وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] [يونس: ٨٣] وقال تعالى: [ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ] [الشعراء: ١٥١] . - والإسراف والتبذير يلتقيان في معنى الإنفاق بغير طاعة، ولكن الإسراف أعم من التبذير، لأن التبذير معناه التفريق وأصله إلقاء البذر في الأرض واستعير لكل مضيّع ماله، يقول تعالى: [إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ] [الإسراء: ٢٧] . والإسراف والسفه يلتقيان في معرض الغفلة والطيش وخفة النفس ونقصان العقل، وإن ما يحصل من السفيه في إنفاق المال بما لا يرضي الله ليبين الحقيقة في أن السفه سبب من أسباب الإسراف. ويختلف الإسراف عن الكرم رغم أن كلاً منهما عطاء، لكن الكرم يكون وفق أصول الشرع, مثل: إطعام الضيف، وإكرام الفقير، ومنه فإن البخل ضد الكرم، وليس ضد الإسراف وإنما الإسراف ضد الاعتدال والاستقامة، والإسراف قرين الكبر والمخيلة يظن المسرف أن له فضلاً بإسرافه، فيصيبه الكبر والبطر. والإسراف كما يكون من الغني، فقد يكون من الفقير أيضاً، لأن الإسراف في هذه الحالة أمر نسبي. من أحكام المصطلح: قدم الإسلام للبشرية منهجاً متكاملاً وتصوراً واضحاً عن طبيعة التصرف في جميع شئون الحياة، وبين بشكل واضح حدود الحلال والحرام فيها، ونهى عن الإسراف في شتى صوره. إن أبشع صور الإسراف عندما يكون في معصية الله والتعدي على حدوده، فهو محرم بالإجماع. وأما الإنفاق في المباحات فيجب الالتزام بالعدل والاستقامة والتوسط فيها، حتى لا يتحول الإنفاق على المأكل والمشرب والملبس إلى البذخ والتفاخر والتعالي على الناس، بل إن أشر مواضع الإسراف أن تقام الولائم العظيمة ويدعى إليها الأغنياء، ويحرم منها الفقراء وإن ما يلقى منها في الفضلات ليشبع خلقاً كثيراً من أهل الحاجة في مناطق المجاعة. وأما المبالغة في بذل المال طاعة لله وفي سبيله، فلا يكون إسرافاً بالمعنى الإصطلاحي، وإن كان هذا البذل مشروطاً بأن لا يضيع المنفق من يعول، ويذر ذريته عالة على الناس، وقد تصدق أبو بكر الصديق ﵁ بكل ماله. وفي مجال العقوبات والحدود؛ فإن الشرع قد أقر عقوبات محددة على أفعال معلومة، ولا يجوز التجاوز في تنفيذها عن حدها المقرر، وقد شدد الإسلام على الالتزام بهذا المنهج في قوله تعالى: [ومَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُوراً] [الإسراء: ٣٣] ، أي لا يتجاوز في القتل إلى غير القاتل من إخوانه وأقربائه كما كان يفعل أهل الجاهلية قديماً، وكما هو الحال اليوم مع أهل الجهل حيث تنتشر أعمال «الأخذ بالثأر» التي تتعارض مع أحكام الإسلام. [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ١٤٧] .

стр. 492

خواطر في الدعوة وحدة الصف ووحدة المنهج محمد العبدة إذا كانت وحدة العمل الإسلامي من المطالب الملحة عند كثير من الدعاة الذين بدأوا يتحسسون مواطن الخلل ومواطن القوة عند المسلمين، وإذا كان هذا المطلب مما يأمر به الدين ويحث عليه لأنه من التعاون على البر والتقوى، فإنه يزداد إلحاحاً في هذه الأيام التي تجري فيها تغيرات في العالم لم تكن بالحسبان ولم يتوقعها أحد؛ انهيارات في الكتل الشرقية، وانحسار للشيوعية، وتقارب بين الغرب والشرق، والمستفيد حتى الآن هو الغرب الرأسمالي الليبرالي، وقدمت روسيا تنازلات كثيرة في سبيل التقرب من هذا الغرب، الذي يمتلك التقنية والمال والسيطرة السياسية، فمن يقف في وجه هذا التكتل على الأقل من الناحية الحضارية والعقائدية؟ مَن من شعوب العالم الثالث يملك هوية واضحة، ومنهجاً متكاملاً؟ لا يوجد سوى الإسلام، ومن المفترض أن يقود الشعوب الإسلامية العلماء والدعاة، وإذا كانوا غير مؤهلين لذلك ولم يستطيعوا الجلوس على مائدة الحوار والتعاون فلمن تترك الساحة؟ كنت أحاضر في أحد المراكز الإسلامية عن واقع الإسلام اليوم وما يحدث في أوربا هذه الأيام، وعندما جاء دور الأسئلة أو المناقشة علق أحد الحضور (وأظنه من العمال المتعلمين) قائلاً: «الدنيا سائرة وإذا كنتم تريدون أن يكون للإسلام حضور فيجب أن تبدأوا وتسرعوا، وإلا فالناس لا ينتظرونكم طويلاً ... » وعجبت من نظرته الواقعية وتذكرت رأي ابن خلدون في أن العوام الذين يملكون الفطرة السليمة والتجربة العملية عندهم القدرة على معرفة الواقع، وخاصة الواقع السياسي أكثر من أصحاب التنظير المجرد الغارقين في الثقافة الذهنية الباردة، وتذكرت قول صديق أرسل لي رسالة قال فيها: «إذا كان المطل [١] ممكناً في الأسلاف المستحقة مالياً فهو متعذر في الاستحقاقات الحضارية» . وعندما نتكلم عن وحدة الصف ووحدة العمل الإسلامى فإنما نعني تجمع أصحاب المنهج الواحد، منهج خير القرون وليس تجمعاً يرضي الجميع مع التساهل في شيء من شريعة الله، فهذه من مداخل الشيطان التي ظاهرها الخير وتأليف القلوب، وباطنها تجمع هش لا يصمد في وجه التحديات الداخلية والخارجية. إن هؤلاء الكفار يمكرون في الليل والنهار ولا يملون من كثرة الاجتماعات وكثرة المناقشات وتقليب وجهات النظر للاستقرار على أمر يريدونه. أيطلب أهل الباطل أمرهم بجد ونحن نطلبه ببطء وتراخ؟ وينطبق علينا قول عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز المؤمن» .

стр. 493

أخلاق العرب بين الجاهلية والإسلام محمد الناصر تمهيد: للعادات والتقاليد عند العرب، أثر عظيم في تنظيم حياتهم الاجتماعية، ولها سطوة لا يستطيع الفرد أن يتخلى عنها، وقد تقوم مقام الدين أو القانون. لقد جاء الإسلام وفي العرب بعض المزايا الحميدة، التي لا يمكن إنكارها، ولكن طابع الشر والظلم والفساد في التصورات والمعتقدات كان يطغى على ذلك الخير فيهم ويغمره، وكانوا بحاجة شديدة إلى نور الوحي، فبعث الله فيهم رسوله الكريم، وأمره أن يبشر وينذر، ويتحمل في سبيل ذلك ضروباً من المجادلة والتعب والأذى. ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن تلك المحاسن والمناقب هي من بقايا دين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل ﵉، بقيت بين العرب بشكل أو بآخر [١] ، وهذا ما نجده في قوله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [٢] . والواقع أن القيم الرفيعة والخلال الحميدة، انتشرت بين العرب في الجاهلية انتشاراً واسعاً، عجت بها أشعارهم، وسارت فيها أخبارهم، وكان من هذه الخلال ما اجتمعوا عليها أو كادوا، وكان منها ما تحلى بها الكثير منهم. ومن أهم ما اجتمعوا عليه ثلاث: الكرم والشجاعة والغيرة. وأما التي تحلى بها الكثير منهم فمنها: العفة والترفع عن الدنايا، ومنها الصدق والوفاء، ومنها حفظ السر والترفع عن جليس السوء.. ومنها الحلم والرزانة وغير ذلك. على أن القوم ساد بينهم بعض القيم الوضيعة والأخلاق الذميمة، فكما كان منهم الأوفياء الصادقون، كان منهم الغدارون والكذابون، وكما كان منهم الأوفياء وحفظة العهود؛ كان منهم الخونة واللصوص والبخلاء [٣] . وسوف أستعرض - بإذنه تعالى- هذه القيم كما صورها الشعر الجاهلي موضحاً نماذج - تتسع لها صفحات المجلة - من الأخلاق السامية والذميمة. ثم أستعرض مدى التغيير أو التعديل، أو التقويم الذي جاء به الإسلام مما ينسجم مع هديه ومعتقداته، وأختم حديثي عن موقفنا من هذه الأخلاق، ومدى تطبيق مجتمعاتنا المعاصرة لهذه القيم، بعد تجليتها في الجاهلية والإسلام. ١- الكرم: بواعث الكرم في العصر الجاهلي: لقد تميز العرب بإكرام الضيف، وتاهوا بهذه المكرمة، وافتخروا بها على الأمم، ولم تكن خصلة عندهم تفوق خصلة الكرم، وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء القاسية، وما فيها من إجداب وإمحال، حيث «كان العرب يعيشون في بادية شحيحة بالزاد وحياتهم ترحال وتجوال، وكل واحد منهم معرض لأن ينفذ زاده، فهو يقري ضيفه اليوم لأنه سيضطر إلى أن يضيف عند غيره في يوم، فليس في البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ ملاجئ تعتبر قوارب النجاة.. والعرف أن الضيافة ثلاثة أيام، وثلاث ليال، فإذا انتهت المدة سقط حق الضيافة إلا إذا جدد المضيف وزاد عليها» [٤] . على أن العرب كانوا يكرمون الضيف لكلفهم بحسن الأحدوثة وطيب الثناء، ولأنهم ذوو أريحية تسعد نفوسهم بمساعدة المحتاج وإطعام الجائع.. وكان المال وسيلة عندهم لا غاية، وسيلة إلى كسب المحامد. كان الكرم وسيلة هامة من وسائل السيادة.. يقول حاتم الطائى: يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد ... وما كنت لولا ما تقولون سيدا [٥] والعربي ينكر البخل، لأنه مزر بأخلاق الرجال، وواضع من عوالي الصفات.. فالشاعر عمرو بن الأهتم يدعو زوجته لأن تدع لومه لبذله المال، فهو يشفق على الحسب الذي رفع بناءه، والكرام يتقون الذم ببذل القرى، ثم يتطرق إلى ضيف طرقه ليلاً وكيف رحب به، ويصف لنا ذلك اللقاء: ذريني فإن البخلَ يا أمَ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال شروق ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق ومستنبحٍ بعد الهدوء دعوته ... وقد حل من نجم الشتاء خفوق فقتلت له: أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا صبوح راهن وصديق وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريق لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق [٦] صورة رائعة من صور الكرم عند العربي، يستقبل ضيفه بالترحاب والطعام، وهو يتقي الذم والقالة؛ بالإطعام والقِرى. لقد أصبح الكرم عند كثير من العرب طبعاً وسجية، إذ ملك عليهم نفوسهم حتى أن حاتم الطائي يخاطب زوجته ويوصيها إذا صنعت له الطعام، أن تطلب له ضيفاً ليشاركه فيه، فهو لا يريد أن يأكل وحده مخافة أن يتحدث الناس عنه بالبخل بعد موته. فهو يقول: أيا ابنة عبد الله وابنةَ مالك ... ويا ابنةَ ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخاً طارقاً أو جارَ بيت فإنني ... أخاف مذماتِ الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف مادام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تلك من شيمةِ العبد [٧] مظاهر الكرم عند العرب وصدق تطبيقهم لهذا الخلق [٨] : بالغ العرب في الحفاوة بالضيف والتعهد له، وتفننوا في إكرامه، وتلمس الأسباب التي تدخل على نفسه السرور، ومن ذلك بسط الوجه له ومضاحكته والترحيب به ساعة قدومه حتى يأنس وينزل وهو مطمئن. يقول عمرو بن الأهتم: وضاحكته من قبل عرفاني اسمه ... ليأنس، إني للكسير رفيق [٩] بل كانوا يقدمون له أشهى ما يملكون، مع إيناسهم له. قالوا: " اتمام الضيافة: الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة ". ولن يتلهى العربي عن ضيفه حتى ولا بالزوجة والولد. يقول عروة بن الورد: فراشي فراش الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع أحادثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع [١٠] وكانوا خير رفيق لصاحب الطريق، لا يختصون أنفسهم دونه بمال أو بظهر أو بماء. وعرف بعض الأجواد بكرمهم، ومن أجواد العرب أزواد الركب وهم ثلاثة من قريش، وإنما قيل لهم أزواد الركب، لأنهم كانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد، ولم يسم بذلك غير هؤلاء الثلاثة، وهم: مسافر بن أبي عمرو من بني عبد شمس، وأبو أمية المغيرة من بني مخزوم، وزمعة بن الأسود بن المطلب [١١] . ومن صدق تطبيقهم لهذا الخلق تعميم الدعوة إلى الطعام ليحضره كل من له إليه حاجة، ومن شؤونهم التي تدعو إلى العجب والإكبار حبهم لكلابهم بسبب ما كان يجلبه نباحها من الأضياف وضلال الطريق من المسافرين. ومن مظاهر كرمهم العجيبة هداية الضيوف ليلاً بالنار التي يوقدونها لإنضاج الطعام، أو للاستدفاء، وكانوا يوقدونها على المرتفعات لتكون أبين وأوضح. يقول حاتم الطائي لغلامه في ليلة باردة الريح: أوقد فإن الليل ليل قرُّ ... والريح يا غلام ريح صر إن جلبت ضيفاً فأنت حر [١٢] الإسلام والكرم: جاء الإسلام فأقر هذا الخلق الكريم، وشجع على البذل والسخاء، وحث على إكرام الضيف، إلا أنه جعل إخلاص النية لرب العالمين يرتفع بمنزلة العمل الدنيوي البحت فيجعله عبادة متقبلة. قال تعالى: [إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً ولا شُكُوراً] [الإنسان: ٩] . وابتعد الإسلام في هديه عن المن والأذى والرياء، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ والأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] [البقرة: ٢٦٤] . وحث الإسلام على البذل إلا أنه نهى عن الإسراف والتبذير [إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً] [الإسراء: ٢٧] . ونفر من الشح وكنز الأموال، فقد روى البخاري في صحيحه: «ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبعه فاتحاً فاه، فإذا فر منه سمع من يناديه: خذ كنزك الذي خبأت فأنا عنه غني، فإذا رأى أنه لابد له منه سلك يده في فمه فيقضمها قضم الفحل» . فهذه الأموال والكنوز المستخفية في الخزائن أشبه بالثعابين الكامنة في جحورها كأنها رصيد الأذى لأصحابها، بل إنها تتحول إلى حيات فعلاً تطارد صاحبها لتقضم يده التي غلبها الشح ومنع حق المسلمين فيها. والمسلم كريم يؤثر إخوانه على نفسه، ويقدم من كسبه الحلال الطيب إلى إخوته الأتقياء، ولا يغدق أمواله بسخاء على غيرهم ولا يرضى أن يكون بقرة حلوباً لسفلة القوم من الملحدين الطغام اتقاء شرهم [١٣] . وهذا ما يصوره الحديث الشريف إذ يقول ﵊: «لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي» [١٤] . الجود والعطاء عند الرعيل الأول من هذه الأمة: إن الجود والسخاء يتمثلان فيمن اصطفي الله من عباده كالنبيين والصديقين، وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، ولذا فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى «وما ترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا وليداً، وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير» [١٥] . وقد حث رسول الله أصحابه على الإنفاق في سبيل الله ورغبهم في السخاء فكانوا يصدرون عن طبع أصيل وسجية محبة للخير. قال تعالى: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] [آل عمران: ٩٢] . وكان بذل الصحابة مضرب الأمثال، فقد أخرج الشيخان عن أنس -رضي الله عنه-: وقد تصدق أبو طلحة ﵁ بعين بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، وذكر الآية ثم قال: إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله: «بخٍ! ذلك مال رابح! ذلك مال رابح» [١٦] . ولما نزلت الآية الكريمة: [مَن ذَا الَذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً] ... [البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح ﵁: يارسول الله قد أقرضت ربي ... حائطي، وفيه ستمائة نخلة، فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادى يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي « [١٧] . ... وكان الجود والسخاء من أبرز صفات المؤمنين طوال القرون واشتهر أجواد في الإسلام أنسوا الناس ذكر حاتم الطائي وابن سعدى وكعبة بن مامة [١٨] وغيرهم مثل أجواد الحجاز الثلاثة: عبيد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص [١٩] . تنفير الإسلام من ظاهرة الشح: حذر الإسلام من البخل لأنه يقطع الأواصر، ويحبط الأعمال، ولا يورث إلا التباعد والتحاسد. عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: » اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم « [٢٠] . وقال تعالى: [ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] . ظاهرة الشح في الحضارة الحديثة: مما سبق يتبين لنا أن العربي كريم في جاهليته، جواد سخي في إسلامه، على اختلاف الدوافع والنوايا، أما أدعياء الحضارة الحديثة فلا يفهمون هذه القيم، إذ لا يهتم المفتون منهم بحضارة الإفرنج إلا لمصلحته الخاصة، فإذا هو يعاني خواء روحياً وجفافاً عاطفياً، نتج عنهما شعور عميق بالحرمان من الصداقة والأصدقاء المخلصين.. لقد غاب عن الأذهان في حضارة هذا القرن، الإيثار والتضحية بين الأهل والجيران وذلك بسبب لوثة هذه المدنية الحديثة ... فالأنانية طاغية، والتبرم سائد، رغم كثرة الأموال، لكنه الهلع من شبح الفقر، والخوف على فوات الملذات. إن النفس الشحيحة لن يصدر عنها خير، والنفس المجدبة لن تستطيع التأثير والإفادة، ولو زعم صاحبها أنه من كبار الدعاة إلى الله. الواجب على المربين أن يغرسوا خلق السخاء والكرم في نفوس الناشئة، فالنفس التي تعود على البذل، ستكون بإذن الله نفساً خيرة معطاء، مجاهدة في سبيل ربها، مرتفعة على شهوات الدنيا، وجواذب الأرض الهابطة. ستكون هذه النفس مشاعل خير نيرة، تضىء الطريق أمام صحوة جادة على طريق الرعيل الأول بإذن الله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 494

من أدب الحوار إنما أعظكم بواحدة عبد العزيز بن ناصر السعد تكلم الكاتب في الحلقة السابقة عن الأصل الأول: أن تقوموا الله. ويتابع هنا عن الأصل الثاني: ثم تتفكروا.. الأصل الثاني: العلم: ويدخل تحته التفصيلات التالية: ١- الاتفاق: على منهج الاستدلال والتلقي قبل البدء في نقاش أي مسألة علمية لأن النقاش والمنهج مختلف سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة، وسوف لا يسلم أي طرف لما عند الطرف الآخر من دليل أو استنباط، وحتى تتضح هذه المسالة أكثر نضرب لذلك بعض الصور كما ذكرها الشاطبي في (الاعتصام، الباب الرابع) تحت عنوان: مآخذ أهل البدع في الاستدلال فذكر منها (باختصار) : أ - أن من أهل البدع من منهجه الاستدلال بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة أحياناً في العقائد والأحكام وهذا المأخذ مرفوض عند أهل السنة لأنهم لا يرضون الاستدلال بالضعيف فضلاً عن الموضوع في باب العقائد والأحكام فإذا لم يتفق مع الطرف المحاور على هذا المنهج فلن يفلح الحوار في أي نتيجة لأن الأدلة التي سيشترك بها الطرف الآخر مرفوضة ابتداء من الطرف الثاني لعدم ثبوتها عنده. ب - ومن أهل البدع من هو عكس الصورة السابقة حيث يرفض الاستدلال بالأحاديث الصحيحة بحجة أنها آحاد ولا يقبل من ذلك إلا المتواتر، وهذا المنهج مرفوض أيضاً عند أهل السنة حيث أن الدليل إذا ثبتت صحته أصبح صالحاً للاستدلال ولو كان آحاداً، وبدون الاتفاق على هذا المنهج ابتداءً فلن يفلح الحوار في أي نتيجة. إذن فمن الأولى في مثل هذه الحالات وقبل طرح الأدلة ودلالتها عن المقصود لابد من الاتفاق على قبول الاستدلال بأحاديث الآحاد. ج - كما أن هناك من أهل البدع من منهجه الاحتجاج بأقوال شيخه أو إمامه والتعصب لها، ونبذ أي دليل يخالف ذلك بل إن بعض الملل المبتدعة من يرون أن أقوال أئمتهم ومشايخهم هي التشريع بذاته وممكن أن يأخذ الحلال والحرام من أقوالهم بل إن لهم نسخ الشريعة وتحليل الحرام أو تحريم الحلال فإذا لم يتفق على خطاء هذا المنهج وأن ما جاء في الكتاب والسنة هو الأصل وكل ما خالفهما مرفوض مهما كان قائله فإنه لا فائدة من النقاش. د- ومن أهل البدع من يعتمد في استدلاله على الرؤى والمكاشفات فيصحح بهما الضعيف ويضعف الصحيح ويحلل ويحرم ويشرع بهما ما لم يأذن به الله، فإذا لم يتفق ابتداءً على ضلال وخطأ هذا الاستدلال فلن يفلح الحوار ولن تتحقق أهدافه أبداً، وصور مآخذ أهل البدع في الاستدلال كثيرة من أراد التوسع فيها فليرجع إلى الباب المذكور في الاعتصام فإنه مفيد جداً. ٢- مراعاة تفاوت الناس في عقولهم وثقافاتهم: فالعلم بما عند الطرف الآخر من علم وثقافة يعين على اختيار الأسلوب والمعلومات التي تناسب عقله وحصيلته العلمية، فتحديث الناس بما يعقلون أمر مهم في الحوار لأن عدم مراعاة ذلك يحصل بسببه فتنة وتشويش للطرف الآخر ينعكس أثره على إيجابية الحوار. ٣- البيان وحسن العرض: إن قوة التعبير وفصاحة اللسان وحسن البيان والعرض من العوامل في إيضاح الفكرة وأدلتها، ومما يكون له أكبر الأثر على قبول الطرف الآخر للفكرة، وإقناعه بحسن الاستدلال عليها، وهنا يجب تجنب الألفاظ الغريبة صعبة الفهم أو الألفاظ المجملة التي تحتمل عدة معان من غير توضيح للمعنى المراد منها. ٤- البدء بمواطن الاتفاق والنقاط المشتركة: إن البدء بنقاط الاتفاق لدى الطرفين كالمسلمات والبديهيات وغيرها من الأمور المتفق عليها كل ذلك يقلل الفجوة ويوثق الصلة بين الطرفين ويحس كل منهما أن هوة الخلاف قليلة، وهذا له مردوده النفسي في الحوار وبالتالي فإن البدء بنقاط الخلاف يوسع فجوة الخلاف ولو من الناحية النفسية ولذلك يحرص أن يلقى على الطرف الآخر الأسئلة التي سيكون جوابها " بنعم " ويتجنب ما يكون جوابه النفي لأن كلمة " لا " عقبة كؤد يصعب التراجع عنها، والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة فمثلاً في سورة المؤمنون يقول تعالى: [قُل لِّمَنِ الأَرْضُ ومَن فِيهَا إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ عَلَيْهِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ] فهنا نجد أن الله -سبحانه وتعالى- ألقى عليهم الأسئلة التي يعرف جوابهم عليها مسبقاً لكي يصل إلى تقرير توحيد الألوهية لأن ما وافقوا عليه مستلزم لما أنكروه. ٥- التوثيق: ينبغي أن تكون مسائل الحوار موثقة من الناحية العلمية والإسنادية فلا يستدل بشيء إلا مسنداً لقائله ومصدره الذي أخذه منه وأن يستعان بذكر الإحصائيات التي تخدم الفكرة والمراجع التي رجع إليها لأن ذكر الحقائق مدعمة بذكر المصادر والإحصائيات الموثقة أعمق أثراً في النفوس من ذكرها مجردة، كما ينبغي في مثل هذه الحالات الإعراض عن النقول الضعيفة والحجج الواهية. ٦- عدم تعرض أحد الطرفين لكلام الآخر ومناقشته قبل فهم مراده تماماً: والتفكير العميق في أدلته ثبوتاً ودلالة وأن لا يقدم على تصحيح فكرة ما أو تخطئتها قبل التأكد من ذلك تماماً. ٧ - الإحاطة بمواطن الخلاف: في القضية المطروحة للحوار والإلمام بأنواع الاختلاف ما يجوز فيه وما لا يجوز، لأن جهل هذا الأمر يوسع دائرة الاختلاف فيحصل الاختلاف والفرقة حول مسألة قد يسع الخلاف فيها والاجتهاد، كما ينبغي الإلمام بأسباب الاختلاف بين علماء الأمة والتي ذكرها شيخ الإسلام في رسالته القيمة " رفع الملام عن الأئمة الأعلام ". وفي هذه المناسبة ينبغي الإشارة إلى مسائل الخلاف، وأنواعها، وما هو المحمود منها، وما هو المذموم، وما هي المسائل التي يسعها الخلاف، والمسائل التي لا يسعها، إلى آخر ذلك مما يتعلق بموضوع الاختلاف، فنقول وبالله التوفيق. إن الاختلاف ينقسم إلى قسمين: ١ - قسم يحمد فيه أحد الطرفين ويذم الطرف الآخر مثل الاختلاف الواقع بين المؤمنين والكافرين، أو بين أهل السنة وأرباب البدع وهذا القسم الاختلاف فيه هو المذكور في قوله تعالى: [ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ ومِنْهُم مَّن كَفَرَ] ، وكقوله تعالى: [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] . فكل ما يتصل بقضايا العقيدة وأصولها والتي لم يختلف عليها سلف الأمة وإنما ظهر الاختلاف واستشرى بعدهم فهو داخل تحت هذا القسم. ٢ - قسم يذم فيه الطرفان المختلفان إذا سبب هذا الاختلاف الفرقة والعداوة، ويحمد فيه الطرف الذي لم يجعل هذا الاختلاف سبباً في الفرقة والمفاصلة، وهذا النوع من الاختلاف هو الذي وسع السلف -رحمهم الله تعالى-، ولم يحصل بينهم بسببه افتراق ولا بغضاء، فكل ما وسع السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- فيما اختلفوا فيه فيجب أن يسعنا، ويندرج تحت هذا القسم عدة صور نجملها فيما يلي. أ - اختلاف في تحديد موضوع الخلاف: وذلك بأن نجد أحد المختلفين قد ذهب إلى موضوع من النزاع غير ما ذهب إليه الآخر فذاك سماه باصطلاح معين والآخر سماه باسم آخر فظهر أن هناك اختلافاً والحقيقة غير ذلك فلو حددت المصطلحات ودقق في المعاني والألفاظ لظهر أن هناك اتفاقاً وليس اختلافاً , وهذا الأمر لا يأتي إلا بالتفكير الهادئ مع الإخلاص لله . ب - قد يتضح بعد التفكير وتحديد موضع النزاع أن هناك اختلافاً لكن هذا الاختلاف ليس اختلاف تضاد بمعنى أن المعنى الكلي ليس فيه خلاف إنما الخلاف في تنوع آحاد هذا الكلي وتعدد الأمثلة التي تحته كمن يذهب إلى معنى جزئي وآخر يذهب إلى معنى جزئي آخر يندرج كلاهما تحت المعنى العام الكلي، مثال ذلك تفسير (الصراط المستقيم) في قوله تعالى [اهدنا الصراط المستقيم] فقائل بأنه القرآن وآخر أنه الإسلام وآخر أنه الرسول ﷺ فكل هذه المعاني لا اختلاف بينها لأن مرادها واحد وكل قول داخل تحت الآخر. ج - وهذه الصورة من الاختلاف الذي وسع السلف -رحمهم الله تعالى- بأن يكون المعنيان متغايرين لكن ليس بينهما منافاة لأن هذا قول صحيح ورد فيه دليل وذاك قول صحيح ورد فيه دليل أيضاً ولا يجوز أن يكون هذا سبباً في الاختلاف، وهذا كثير في المنازعات لعدم معرفة أحد الطرفين بما عند الآخر من دليل، ومثال ذلك الاختلاف في صفة الإقامة للصلاة فمن قائل بشفعها وقائل بإفرادها والاختلاف في القراءات.. . الخ. وكل ما ورد في الشريعة عليه دليل صحيح ووسع السلف الصالح فإنه لا يجوز أن يكون سبباً في الاختلاف المؤدي إلى الفرقة والتباغض، وهذا بالطبع لا يأتي إلا نتيجة التفكير والبحث وعدم التعجل في رد قول المخالف إلا بعد الاطلاع على كل ما يتعلق بالموضوع من أدلة واستنباطات، فقد يتضح بعد البحث أن كلا القولين ثابت وصحيح عن الرسول ﷺ وبذلك ينتهي الخلاف. د - الخلاف حول قضية معينة ورد الدليل عليها وأورد المخالف دليلاً آخر مخالفاً لها لكن أحد الدليلين أقوى من الآخر وأرجح، فهذا أيضاً لا ينبغي أن يكون سبباً في الفرقة لأن ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة السلف ينبغي أن يسعنا، وهذا يقع في كثير من الأحكام التي اختلف فيها العلماء وعندما يعلم أن هؤلاء الأئمة ما اختلفوا لهوى في نفوسهم بل وقف كل منهم مع ما عنده من الدليل فربما وصل أحدهم ما لم يصل الآخر أو صح عنده ما لم يصح عند غيره كما بين ذلك شيخ الإسلام في رسالته: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ولكن مع ذلك فالواجب في هذه الحالة العمل بالدليل الراجح وترك المرجوح عند من تبين له ذلك بوجه شرعي. ولكن هذا لا يعني موافقة من يأخذ بالأقوال الشاذة أو بعض سقطات العلماء والتي يكون الدليل على خلافها بل الواجب تصحيح المخالف وإرجاعه إلى الدليل وتوضيح وجه الشذوذ فيما أخذ به لأن هناك من يقول (أي قضية لم يجمع عليها الصحابة فالأمر فيها واسع) وهذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه فقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀ في رسالة له لم تطبع بعد، كلاماً جيداً حول هذا الأمر ننقل منه المناسب لموضوعنا. يقول ﵀ تعالى-: " وأما احتجاجه بقول النووي إن العلماء إنما ينكرون على من خالف ما أجمع عليه وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب. قال: وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم. انتهى ما حكاه، فيقال في جوابه: أنت لم تستكمل عبارة النووي بل تصرفت فيها وأخذت ما تهوى وتركت بقية العبارة لأنه عليك مع اتصالها وتقييد بعضها ببعض. قال النووي بعدما تقدم: لكن إن أريد به على جهة النصيحة أي الخروج من الخلاف فهذا حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث إلى الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بالسنة أو وقوع في خلاف آخر. هذا كلام النووي فقد استبان لك أن مراده إذا لم يظهر دليل ولم يترجح جانب الأفكار بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلي.. وأما أقوال الآحاد من العلماء فليست بحجة إذا لم يقترن بها دليل شرعي ومازال العلماء يردون على من هو أجل منه " أ. هـ. وبعد هذا التفصيل فيما يجوز الاختلاف فيه ومالا يجوز، نتوجه إلى جميع المختلفين أن يقفوا وقفة مع نفوسهم، ويسأل كل واحد منهم نفسه أو صاحبه ومن يخلص له النصح والتذكرة: أين نحن من أنواع الاختلاف، وأين نحن من البغي والاعتداء في الخلاف، وأين نحن من أدب الخلاف وأخلاقه، وما كانت الأمة لتفترق إلا بسبب البغي والحسد والجهل فلنقف مع موعظة الله لنا ومع ما جاءنا به القرآن الحكيم والذي جعله الله لنا هدى وشفاء ورحمة وموعظة: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] . ٨- أن يعطى كل طرف في الحوار راحته وحريته في التعبير عن فكرته والاحاطة بها من جميع الوجوه لأن قطع الفكرة أو التشويش عليها يؤثر على تسلسل الأفكار وترابطها واضطرابتها. ٩- لا أعلم: وذلك بأن يكون عند أصحاب الحوار من الإخلاص والخوف من الله -عز وجل- بأن يقول لا أعلم عند السؤال عن مسألة لا يعلمها أو لم يبحثها بحثاً كافياً، وأن لا يستحي من ذلك وأن يطلب الإمهال حتى لقاء آخر ليأتي بالجواب عنها إن وجد جواباً. ١٠ -التفريق بين الفكرة وصاحبها: وذلك بأن يتم تناول الفكرة المطروحة بالبحث والتحليل والنقد أو التزكية بعيداً عن صاحبها حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية تناقش فيها تصرفات الأشخاص ونواياهم ولكن في بعض الأحوال ينبغي تناول أصحاب الأفكار أنفسهم بالجرح والتعديل حسب مقاييس أهل السنة وذلك عندما نخشى ضلالالتهم أو تأثر الناس بأفكارهم ولكن كل ذلك يتم بإخلاص وإنصاف. ١١ - إقفال المناقشة: عندما تتسع شقة الاختلاف أو يتضح أثناء النقاش أن هناك أموراً أساسية برزت لم يتم التحضير لها أو لا يكفي الوقت لمناقشتها فيحسن في مثل هذه الأحوال إقفال النقاش وتأجيله إلى وقت آخر يتم التحضير والاستعداد الجيد له، كما ينبغي قفل النقاش عندما يتبين أن الطرف الآخر في الحوار غير جاد أو مستهتر أو كان دون المستوى المطلوب للخوض في القضايا المعدة للحوار. الأصل الثالث: ظروف الحوار والمتحاورين وهذا هو الأصل الثالث الذي يراعى عند الحوار والمناظرة وقد أشارت الآية الكريمة إلى جانب من ذلك عند قوله تعالى [مثنى وفرادى] وسنشير هنا -إن شاء الله تعالى- إلى بعض الجوانب التي تتعلق بظروف الحوار لأن إلغاءها يؤثر كثيراً على طبيعة الحوار ونتيجته، ومن هذه الجوانب ما يلي: ١ -مراعاة الجو المحيط بالحوار: ويقصد بالجو هنا الجو النفسي والمؤثرات المحيطة بالحوار وذلك كما في الآية الكريمة حيث يوجه الله طلاب الحق أن يبتعدوا عن الأجواء الجماعية والغوغائية لأن الحق قد يضيع في مثل هذه الأجواء حيث التقليد الأعمى والتبعية للأكثرية بينما لو قام الإنسان مع نفسه أو مع شخص آخر للتفكير حول قضية ما فإنه أقرب إلى إصابة الحق منه في الاجتماعات الكبيرة وبقدر ما يقل المتحاورون أو السامعون في الحوار بقدر ما ينقاد إلى الحق عند ظهوره. ٢ -مراعاة الجو الحسي للحوار: وذلك من حيث البرودة والحرارة والاتساع والضيق.. الخ، لأن وجود ما يؤذي في جو الحوار يؤثر على طبيعة النقاش وخسارة، وقد يبتر النقاش أو يختصر دون وصول إلى نتيجة وذلك حتى يبتعد عن ما يؤذي في مكان الحوار كذلك مما يتعلق بهذا الجانب اختيار المكان الهادئ وإتاحة الزمن الكافي للحوار فلا تصلح أماكن الدراسة والعمل والأسواق للحوار أبداً وذلك لضيق الوقت ولوجود ما يشغل. ٣-مراعاة الظرف النفسي والاجتماعي للطرف المحاوَر أو المحاوِر: فلا يصلح أبداً أن يتم الحوار مع شخص يعاني من الإرهاق الجسدي لتعب أو حاجة لنوم أو بسبب جوع أو يعاني من إرهاق نفسي كهم أو غم أو حزن لأن هذه الظروف لابد أن تؤثر حتماً على الحوار إما بتره قبل تمامه أو حدوث انفعالات وغضب وتوتر يؤدي بالحوار إلى الفشل الذريع. ٤ - أهمية المحادثة الأولى والتعارف الذي يسبق الحوار: إن المحادثات الأولى والتعارف الأول على الطرف المحاور يساعد على سهولة البدء في المناظرة وسيرها فيما بعد بالشكل المناسب، إذ من الصعب أن يبتدأ مباشرة بالحوار مع أشخاص لم يتم أي تعارف ولو بسيط معهم. لأن في جلسة التعارف هذه فائدة في التعرف على طبيعة الطرف الآخر ولو بشكل مبدئي من خلال مظهره وحديثه ونبرات صوته وحصيلته العلمية مما يكون له الأثر في معرفة الظروف النفسية والميولات الذهنية للشخص المحاور، وهذا بدوره يساعد في طريقة وأسلوب الحوار مع الناس كل حسب ظروفه، ويمكن أن تتم جلسة التعارف هذه على شكل دعوة غداء أو عشاء يتم فيه أحاديث غير رسمية عن الصحة والعمل والأولاد وعن رأيه في الكتاب الفلاني وفي الفكرة الفلانية، وعن أي أمر عام ليس له علاقة بموضوع الحوار. فهذه الطريقة على أي حال أفضل بكثير من أن يفاجأ المرء بأشخاص لم يضع لهم في ذهنه أي تقدير لهم ولظروفهم فيؤدي إلى فشل الحوار كأن يخبر على أن الشخص لطيف وسهل التعامل وحليم ويفاجأ بالعكس تماماَ. ٥ - أن يكون المتحاوران متقاربين ما أمكن في العلم والجاه وأن يتجنب مناظرة ذي هيبة يخشى أن يستحي من مناظرته لئلا يؤثر ذلك على قوة الحجة والجرأة على الإدلاء بها. ٦ - ينبغي اجتماع أصحاب الحوار في مكان واحد وتقابلهما فيه وأن ينظر بعضهم للآخر لأن رؤية الوجوه والملامح له أثر في قوة الحجة أو ضعفها وفي هذه الحالة لا تصلح المراسلات للحوار ولا يصلح كذلك الحوار بواسطة الهاتف. ٧ - مراعاة الآداب الإسلامية (القولي منها والعملي) ، والذي يكون له مردوده النفسي على أطراف الحوار وسلامة قلوبهم وصفائها، والانقياد للحق عند ظهوره، ومن هذه الآداب: أ- احترام الطرف الآخر والتأدب معه وحفظ اللسان عما يسوءه من الألفاظ، وعدم السخرية برأيه، وأن يثني عليه بما فيه، وفكرته من الإيجابيات والخير الكثير. ب - التلطف في العبارات أثناء الحوار، فبعض العبارات قد تفتح مغاليق النفوس وهي يسيرة على من يسرها الله عليه من الكلمة الطيبة التي تقرب النفوس وتزيل الجفوة وتهيء النفوس لاستقبال الحق، والأمثلة في ذلك كثيرة كمناداة الطرف الآخر بكنيته وإذا كان أكبر سناً أو علماً بياأستاذي وشيخي.. اسمح لي.. عفواً. ج -ابتسم في وجه محدثك وأطلق أسارير الوجه أثناء الحوار فهذا يضفي على الحوار جو الألفة والأنس. د - اجتنب الغضب ما أمكن ولو عارضك الطرف الآخر أو أغلظ القول لك، واستخدم الرفق واللين. هـ -تجنب اللوم المباشر عند وضوح خطأ الطرف الآخر فالنفس غالباً لا تتحمل قول (أخطأت) أو (سأثبت لك أنك مخطئ) أو (أنا أخالفك في الرأي) فهذه الألفاظ قد تجرح عند بعض الناس كبرياءه وشخصيته. لكن عندما يبدو الخطأ فيمكن معالجته بمثل قولك: لكن أرى رأياً آخر قد أكون مخطئاً فيه، أو لعلك تصلح لي خطأي. وإذا كان الخطأ يمكن إصلاحه ببعض الإضافات فتقول: هل لك أن تفعل هذا أو ما رأيك في إضافة هذه العبارة.. أو ما المانع لو اتفقنا على هذا التعديل.. الخ. ٨- التحدي والإفحام: وهذا الأسلوب يلجأ إليه المماحكين الذين همهم الجدال والاستهزاء وإثارة الشبه وتضليل الناس فمثل هؤلاء لا ينفع معهم اللين والرفق وإنما الذي ينبغي في حقهم إفحامهم ومناظرتهم على الملأ الذين قد ضلل بسببهم وذلك حتى تدحض حجتهم وتسقط هيبتهم من النفوس وتبين وهن فكرتهم واضطرابها. لكن ينبغي لمن أراد مناظرتهم أن يكون على مستوى من العلم والذكاء والشجاعة بحيث لا يؤتى من قبل قلة علمه أو سطحيته أو نحو ذلك. ٩- المحافظة على هدف الحوار والوصول إلى نتيجة: تحديد هدف الحوار قبل الدخول فيه أمر مهم والمحافظة على الهدف أثناء الحوار أيضاً أمر مهم لأن ذلك يحافظ على التركيز وعدم الخروج عن موضوع الحوار بمناقشة جزئيات أو أمور جانبية بعيدة عن موضوع الحوار مما يكون له الأثر في ضياع الوقت وعدم الوصول إلى نتيجة في آخر الأمر. وبعد: فهذه جملة في أصول الحوار وآدابه أعرضها على علاتها ونقصها لعلها تفتح المجال لعلماء الأمة ودعاتها بأن يفصلوا الأمر حول هذا الموضوع ويكملوا ما نقص منه، فالمسلمون في حاجة ماسة إلى استقصائه وإتمامه. كما أسأل الله أن ينفع بهذا الحديث القلوب المخلصة التي أدمتها الخلافات وخيم اليأس على بعضهم، ولعل الأخوة الذين صاروا أعداء وهم أقرب الناس بعضهم إلى بعض أن يقوموا لله ويتفكروا مع أنفسهم أو مع بعضهم البعض وأن يحفظ كل واحد منهم حق أخيه ويعلم وإن كان مخطئاً في شيء فقد أصاب في أشياء أكثر مادام أنه من أهل السنة وأتباع السلف. فيا أتباع محمد ﷺ ويا محبي محمد - صلى الله عليه وسلم - جردوا أنفسكم لله تعالى واقتدوا بسلف الأمة الذين كانوا حريصين على جمع الكلمة وسلامة القلوب، وكان أبغض شئ لديهم الفرقة والاختلاف، فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ عندما قيل له: أن عثمان بن عفان أتمَّ بالمسلمين في منى وكانت السنة القصر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم يمنعه ذلك من أن يأتم بعثمان ويتم الصلاة معه أربعاً، فلما قيل له في ذلك قال: إن الخلاف شر. فحري بمن أحب السلف والتزم بمنهجهم أن يلتزم بمنهجهم الشامل في الاعتقاد والسلوك، وما تم عرضه في هذا البحث يمثل إن شاء الله تعالى بعض آداب السلف الصالح في حوارهم واختلافهم وهي بدورها الآداب التي هدانا الشرع إليها لنخرج من الاختلاف الذي قدره الله تعالى على كل أمة، وأن لا نستسلم لهذا الاختلاف بل ننازعه بقدر الله وأسبابه الشرعية التي شرعها الله لنا والتي لا سبيل للنجاة والخلوص من الشرور إلا بالرجوع إليها، ومن سلك سبيل الهدى وصدق مع الله في طلبه للجماعة والائتلاف يسر الله له سبيله وألف بينه وبين إخوانه من الدعاة الصادقين، ومن سلك سبيل الضلال من الزيغ والفرقة والاختلاف أضل الله سبيله وأزاغه عن الهدى [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] ، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 495

شذرات وقطوف الجرأة على الأمور إن الذي يورث جيل الإفرنج الإقدام على الأمور والكلام، هو تعويدهم الجرأة في الأمور، فإن إلقاء الرعب في قلب الصغير كلوافح الرياح العاصفة على الغرس، فلا يمكن بعد ذلك أن يصلح للمسائل الجليلة. أحمد فارس الشدياق *** طرائف قال أحد الأدباء: أمور ثلاثة عجلت هرمي: ١ - أن يحضر كل الضيوف دعوتك ماعدا واحداً تضطر إلى انتظاره. ٢ - أن تضع زوجك الصحون على المائدة وابنك الذي أرسلته ليأتي ببعض الحاجات من السوق ما يزال غائباً. ٣ - أن يذهب ضيوفك جميعاً إلا واحداً، إنه ذلك الذي سكت طوال السهرة فلما أراد أن يودعك عند الباب بدأ يتكلم، وتشعر وهو يحدثك أن حديثه ليس له نهاية. *** آفة المزاح قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرئ عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين. *** متى؟ ! متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا ومن يَثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا وأن تَرفَّع الوضعاء يوماً ... على الرفُّعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا القاضي عبد الوهاب المالكي

стр. 496

تربية على طريق الإصلاح النفسي عثمان جمعة ضميرية صلاح القلب أساس لصلاح الفرد: لعل أعظم ما في هذا الإنسان وأشرفه، هو القلب الذي يفقه به، ويتعرف من خلاله على خالقه . ولذلك نعى الله تعالى على أولئك الذين وهبهم القلب فعطلوه عن الفقه والفهم، فقال: [ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ والإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] [الأعراف: ١٧٩] . وقد جعل رسول الله ﷺ هذا القلب وصلاحه سبباً لصلاح الإنسان، كما أن فساده سبب لفساد الإنسان فقال: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " [١] . والقلب الحي السليم أصل كل خير وسعادة وحياة: [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا] [الأنعام: ١٢٢] . أقسام الناس في هذا القلب: والناس في هذا القلب ثلاثة أصناف: - قسم ألهمه الله رشده، وأسعده بمعرفته، وهدى قلبه، فجعله سالماً من أن يكون فيه شائبة من شوائب الشرك، بل أصبح خالصاً لله تعالى في عبوديته: إرادة ومحبة، وتوكلاً وإنابة، وخشية ورجاءً، وعملاً ومتابعة. وهذا القلب هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة: [يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] [الشعراء: ٨٩] . - وقسم استهوته الشياطين، فأخلد إلى الأرض، وكأنه تجرد من إنسانيته، وأقام على حيوانيته، فمات قلبه وأصبح لا يعرف حياة ولا نوراً، فحقت عليه كلمة العذاب، وكان من الغاوين: [واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [الأعراف: ٧٥-٧٦] ، [أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ] [الزمر: ١٩] . - وقسم ثالث؛ له قلب به هدى وإيمان ورشد، شرح الله صدره للإسلام فعرف الله بعض المعرفة، ولكنه وقع تحت سيطرة بعض الشهوات فهو يغالبها، والشيطان يزين له السوء والرغبات، فهذا الصنف من الناس ينازع الخير والشر، وكثيراً ما يشعر المؤمن هنا بحلاوة المجاهدة، إذ المجاهد من جاهد نفسه في الله. ويشعر بمرارة الهزيمة أمام الشيطان، فهو بحاجة إلى جرعات من المضادات، بحاجة إلى معالجة الأعراض التي قد تبدو عليه فتكون مؤشراً على خطر كبير ومرض قد يستعصي علاجه ما لم نبادره بذلك. فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً (منكوساً) لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشْرِب من هواه. وقلب أبيض، فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض " [٢] . المجاهدة وإصلاح القلب: وما أحوجنا إلى أن نجاهد أنفسنا وأن نجاهد الشيطان، وما أحوجنا إلى أن نجلو قلوبنا، وأن نسأل الله تعالى أن يثبتها وأن يصرفها إلى طاعته، فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان يقول: " ما من قلب إلا وهو بين اصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه ". وفي رواية: " والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة " [٣] . وفي حديث آخر: " مثل القلوب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الريح ظهراً لبطن " [٤] . طرق الإصلاح: ولعله مما يساعدنا على ذلك أن نتبصر بعيوبنا، ونتعرف على أمراض نفوسنا وقلوبنا، ليكون ذلك سبيلاً إلى علاجها ودوائها، ومن أراد ذلك - وينبغي له أن يفعل - فإن أمامه أربع طرق: الطريق الأول: العلم الذي يبصرنا بذلك ويوضح الطريق أمامنا، فهو الكشاف الذي يكشف لنا خبايا العلل. وسبيل ذلك والطريق إليه هو: مصاحبة كتاب الله تعالى ومدارسته، ومدارسة حديث الرسول ﷺ والتأسي به واتباعه. والطريق الثاني: أن تطلب لك أخاً ناصحاً شفيقاً، وصديقاً صدوقاً، يبصرك بعيوبك، ويرى أن ذلك واجب عليه يفرضه الإسلام عملاً بقوله -عليه الصلاة والسلام-: " الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " [٥] . وقد كان أمير المؤمنين الفاروق عمر ﵁ يقول: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا. ولنذكر أن المؤمن مرآة أخيه المؤمن. الطريق الثالث: أن تنظر إلى ما يقوله فيك خصومك، فإنهم يتلمسون لك المعايب، فلا تأس على فعلهم ذاك، فإنهم بهذا يعرفونك بعيوب نفسك التي قد تغفل أنت عنها، أما هم فلا يسكتون. وقديماً قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا والطريق الرابع: مخالطة الناس ومعايشتهم، فإذا رأيت منهم مالا تحمده من الصفات التي نهى الله تعالى ورسوله عنها فخذ نفسك بالابتعاد عنها والحذر منها، وتحل بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات التي تحبها في الناس وتحببك أنت إليهم. فهلا حاولت ذلك أيها المسلم وجربت وجاهدت نفسك ليكتب الله تعالى لك الهداية إلى السبيل الأقوم وإلى الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] .

стр. 497

اقتصاد صندوق النقد الدولي ومديونية العالم الثالث [*] حمد سليمان البازعي تعتبر مشكلة الديون الخارجية لدول العالم الثالث من أهم المشاكل التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، لذا تجمع دول العالم على ضرورة إيجاد حل لهذه المشكلة، لكن هذه الدول تختلف على كيفية الحل. فمن دول ترى أن من الأنسب إعفاء الدول المدينة من ديونها، إلى دول ترى أن الأنسب تشجيع الدول المدينة على الوفاء بالتزاماتها عن طريق إقراضها قروضاً جديدة حتى تتمكن من سداد الديون القائمة. وهذا الإقرار لابد أن يتم عن طريق المؤسسات المتخصصة، أو يخضع على الأقل لإشرافها. ومن هذه المؤسسات صندوق النقد الدولي والذي سنعرض في هذه المقالة - بإيجاز - لدوره في هذه المشكلة. لكن قبل ذلك لابد من مقدمة عن: حجم ديون العالم الثالث: تميز عقد السبعينات الميلادي من هذا القرن بأنه عقد التنمية قامت فيه دول العالم الثالث رغبة في الانطلاق من حلقة التخلف المفرغة بمشاريع جبارة تطلبت رؤوس أمول ضخمة، ولم يكن أمام هذه الدول من وسيلة لتمويل هذه المشاريع سوى الاقتراض الخارجي، خصوصاً من الدول المتقدمة وبنوكها، لكن هذا الاقتراض لم يجلب معه ما كان مؤملاً من نمو وزيادة، وإنما أوقع هذه الدول في شرك المديونية، فالدخل الناتج من هذه المشاريع لا يكفي لسداد الأموال المقترضة مما استدعى الاقتراض لسداد الديون القائمة وهكذا. وبنظرة عاجلة لأرقام ديون العالم الثالث نرى أنها وصلت إلى أرقام خيالية، فطبقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، زادت هذه الديون من ٧٢٢ بليون دولار في عام ١٩٨٢ إلى ٨٩٠.٦ بليون دولار في عام ١٩٨٥، ثم قفزت إلى ١١٧ بليون دولار في عام ١٩٨٨، أي بمعدل زيادة سنوية قدرها ٢٤ %. وبنسبة هذه الديون إلى مجمل إنتاج دول العالم الثالث من سلع وخدمات نجدها بلغت في عام ١٩٨٢، ٣٥.٩%، كما بلغت ٤٥.٢% في عام ١٩٨٥، أما في عام ١٩٨٨ فقد بلغت ٤٧.٤%، وهكذا فإن هذه الديون تستهلك ما معدله ٤٣% من مجمل إنتاج هذه الدول، ويعتبر هذا استنزافاً لثرواتها في وقت هي أشد ما تكون حجة إليه، لكن لصورة تبدو أكثر إيلاماً عند نسبة هذه الديون إلى مجمل إيرادات الصادرات في الدول المدينة، فقد بلغت هذه النسبة لعينة من ١١٢ دولة ١٦٦ % عام ١٩٥٨، أما في عام ١٩٨٨ فقد بلغت هذه النسبة ١٨٩.٧ % [١] ، أي إن مجمل إيرادات صادرات هذه لدول لا تكفي ـ أو بمعنى أصح لا تغطي ـ سداد ثلث هذه الديون. وقد يتساءل القارئ الكريم: ما سبب هذه الزيادة الخيالية في حجم هذه الديون؟ والجواب على ذلك يتطلب تحليلاً لكل العوامل التي يعتقد الاقتصاديون أنه وراء هذه لزيادة، وهذا خارج عن نطق هذه المقالة إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة العابرة إلى أهم هذه العوامل، وهي: ١ ارتفاع أسعار واردات دول العالم الثالث، وبخاصة أسعار السلع الرأسمالية، والتي تعتبر أساساً لانطلاق عملية التنمية، هذا الارتفاع صوحب بانخفاض في أسعار صادرات هذه الدول، أو على الأقل بقاءها على ما هي عليه مما جعل الحاجة ماسة لتمويل الفرق بالاقتراض الخارجي. ٢- سياسات التوسع في الإقراض من قبل البنوك الغربية، حيث وجدت هذه البنوك نفسها تحتفظ بفوائض عالية وذلك بفضل الفوائض المسماة بـ " الدولابترولية " هذه الفوائض جعلت الحاجة ماسة للبحث عن أسواق مربحة لتصريفها، وكان سوق العالم الثالث هو الأكثر ترشيحاً لاستقطاب هذه الفوائض، وهذا الإقراض يتم غالباً على أساس أسعار فائدة (تتغير حسب سعر السوق) وتحت شروط قاسية. ٣- الارتفاع المذهل لأسعار الفائدة، وخصوصاً في بداية الثمانينات حيث تجاوزت أسعار الفائدة معدل ٢٠% مما أدى إلى الزيادة في عبء خدمة هذه الديون. بالإضافة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار (عملة تقويم الديون) مقابل عملات كثير من الدول المدينة مما زاد في قيمة الديون الفعلية. ٤ -الكساد الذي عم الدول الصناعية خلال الفترة ما بين ١٩٨١ -١٩٨٣ مما انعكس سلباً على دخول دول العالم الثالث وذلك من خلال: أ- انخفاض طلب الدول الصناعية على منتجات تلك الدول. ب- هذا الانخفاض في الطلب أدى إلى انخفاض في أسعار تلك المنتجات. ج- لجوء الدول الصناعية إلى سياسات الحماية كفرض التعاريف الجمركية، مما أدى إلى صعوبة دخول منتجات دول العالم الثالث إلى أسواق هذه الدول. كل هذه العوامل الأربعة ساهمت بتفاقم أزمة المديونية، التي باتت تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وقد بلغت هذه الأزمة حد الانفجار في شهر أغسطس من عام ١٩٨٢ م عندما أعلنت المكسيك (ثاني أكبر دولة مدينة في العالم بعد البرازيل) أن احتياطياتها قد شارفت على النضوب، وأنه ليس باستطاعتها الوفاء بالتزاماتها. في تلك الأثناء برز صندوق النقد الدولي كعامل حسم في علاقة الدول الدائنة مع الدول المدينة. دور صندوق النقد الدولي: أنشئ صندوق النقد الدولي في عام ١٩٤٤ م بموجب اتفاقية بريتون وودز [٢] ، وطبقاً لهذه الاتفاقية فقد انحصرت مهمة الصندوق في: ١ - وقوفه مستعداً لإقراض أي دولة عضو تعاني من عجز في ميزانها التجاري مع العالم الخارجي، في حين أن تبني أي سياسة داخلية لمعالجة هذا العجز (كتخفيض الإنفاق الحكومي مثلاً) يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية على مستوى العمالة في الداخل [٣] . ٢ - مراقبة التزام الدول الأعضاء بنظام أسعار الصرف الثابتة والمقرة في تلك الاتفاقية [٤] . استمر الصندوق في ممارسة مهمتيه هاتين حتى انهارت اتفاقية أسعار الصرف الثابتة فعلياً عام ١٩٧١ فتغيرت تبعاً لذلك مهمة الصندوق، وبدأ الصندوق منذ ذلك الحين بمهمة من نوع جديد وهي الإقراض لا بغرض تصحيح الاختلال الطارئ على الموازين التجارية للدول الأعضاء، وإنما لمعالجة الاختلالات الهيكلية في اقتصادياتها. بذلك بدأ الصندوق يمارس دوراً أكبر بدخوله شريكاً مع الدول المقترضة في تقرير السياسات الاقتصادية، والتي يجب على الأخيرة الأخذ بها. هذه السياسة غالباً ما يطلق عليها سياسة: " التقشف " أو السياسات المشروطة ولم يأت هذا الدور طبيعياً ومن دون معارضة، وإنما أتى مفروضاً من قبل الدول المتقدمة، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ارتأت أن إقراض الدول الغربية أو بنوكها لدول العالم الثالث لا يعطي للدول الدائنة الحق في إملاء شروطها على الحكومات المدينة، ولو فرض أن هذه الأخيرة قبلت هذه الشروط فإن شعوبها من الممكن أن لاترضى بوصاية دولة أجنبية في تقرير سياسة داخلية. لذا كان الصندوق من أفضل من يقوم بهذا الدور دون إثارة الحساسية الوطنية، فأصبح الصندوق بذلك ملجأ للدول الباحثة عن قروض، لكن هذه القروض غالباً ما تكون مصحوبة بإملاء السياسات الاقتصادية التي يجب على الدولة المستفيدة الأخذ بها. ومن هذه السياسات: ١ - رفع القيود المفروضة على أسواق السلع والعملات، والعمل على جعل هذه الأسواق حرة كما تفترض النظرية الاقتصادية. ٢ - تخفيض سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية. ٣-تخفيض القيمة الفعلية للأجور. بالإضافة إلى هذا الدور يعتبر الصندوق جهة حكم وتقييم لمقدرة الدول المدينة على السداد والوفاء بالتزاماتها. فالصندوق تبعاً لذلك يقوم بمهمة تصنيف الدول حسب قدرتها على السداد. فالدولة التي يصنفها الصندوق على أنها دولة " موثوقة " تجد من السهل الحصول على ما تريد من قروض سواء من الصندوق مباشرة، أو من غيره من الدول [٥] . هذه الثقة تحصل عليها الدولة بتمسكها بحرفية شروط الصندوق وسياساته. أما الدولة التي ترى الأولوية لمصلحة غالبية شعبها فإنها ستجد من الصعب -إن لم يكن من المستحيل - تطبيق شروط الصندوق، وبذا تصل الثقة بمثل هذه الدولة إلى أدنى درجاتها. ويصبح من العسير على مثلها الحصول على معونة أو قرض، لذا أصبح الصندوق عاملاً محدداً لغرض دول العالم الثالث في الحصول على قروض. نقد دور الصندوق: إن للصندوق دوراً مهماً في تقرير السياسات الاقتصادية على المستوى الدولي. ونظراً لحجم وأهمية هذا الدور فقد حظي هذا الدور وآثاره بدراسات مستفيضة. ونظراً لأن سياسات الصندوق قد جربت في كثير من دول العالم الثالث فقد كانت هذه السياسات وآثارها ولازالت محل دراسات متعددة لتقييم هذه الآثار. هذه الدراسات دلت على نتائج متطابقة في كثير من الأحيان، متعارضة في أحيان أخرى، فأغلب هذه الدراسات ترى أن دور الصندوق ممثلاً بسياساته هو دور سلبي في مجمله فلم ينتج عن توصيات الصندوق لمعظم دول العالم الثالث سوى غرقها في ديون أصبح من العسير الانعتاق منها، كما أدت إلى الكساد وإعاقة النمو. وحتى في الحالات النادرة التي يستشهد بها على أنها نجاح للصندوق في مهمته؛ لا يمكن الجزم بأن نتائج سياسات الصندوق كانت كلها محبذة. وحتى النتائج الإيجابية منها لم تكن بمستوى ما بشر به الصندوق وخبراؤه [٦] ؛ فمثلاً يلاحظ أن كثيراً من الدول المستفيدة من خدمات الصندوق وجدت نفسها قد تورطت في إنتاج لا يتمشى مع أولوياتها واستيراد استهلاكي حمّل ميزان مدفوعاتها عبئاً قد فاق حجم ما حصلت عليه من معونة! هذه النتائج -لكثير من المراقبين - تعتبر غير مستغربة وإلا فماذا يمكن أن تنتظره دول العالم الثالث من مؤسسة أنشئت ونظمت بطريقة تضمن سيطرة العالم الغربي عليها؟ وبنظرة سريعة لتوزيع أوزان الأصوات في نظام الصندوق يبدو ذلك جلياً؛ فالولايات المتحدة الأمريكية تتحكم بأكثر من عشرين بالمائة من الأصوات، وأوربا الغربية بثمان وعشرين بالمائة. أما دول العالم الثالث فتتحكم فقط بحوالي ثلث الأصوات على حين أن عددها يبلغ ثلاثة أرباع الأعضاء! وباختصار يرى كثير من المراقبين أن سياسات الصندوق لم تؤد إلى النتائج المأمولة، بل أدت إلى العكس من ذلك. ومن أهم السلبيات التي نجمت عن تطبيق مثل هذه السياسات ما يلي: ١ - استنزاف موارد الدول النامية من خلال إيقاعها في شرك المديونية. ٢ - تكريس التبعية لدول الغرب بأن أصبح كثير من دول العالم الثالث يدور في فلكها وتحت رحمة بنوكها. الصندوق والاستقرار السياسي في العالم الثالث: كان من آثار سياسات الصندوق الاقتصادية ما امتد إلى الجانب السياسي، ويكاد يجمع كثير من كتاب دول العالم الثالث على ربط المناخ السياسي المتأزم في كثير من هذه الدول بتدخل الصندوق في تقرير السياسات الاقتصادية الداخلية، فكما مر معنا يشترط الصندوق على الدولة طالبة القرض أن تتبنى السياسات الخاصة بحد النفقات الحكومية، وذلك برفع الإعانات عن السلف الضرورية وتخفيض الدعم الحكومي للإنتاج المحلي مما يؤدي إلى رفع الأسعار. كما أن اشتراط تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يؤدي إلى رفع أسعار السلع المستوردة التي تمثل بالنسبة لكثير من هذه الدول مخرجاً من محدودية الإنتاج المحلي مما يعيق برامج التنمية. كما إن ارتفاع أسعار هذه السلع يجعلها بعيدة عن متناول (وأحياناً حتى عن نظر) غالبية السكان. من هذه المنطلقات النظرية نرى أن سياسات الصندوق تحمل غالبية السكان من ذوي الدخول القليلة عبئاً ليس باستطاعتهم تحمله. وحتى لو تحملت هذه الجموع بتأثير حملة دعائية تعدها بنيل فردوس الصندوق المزعوم؟ سرعان ما يبلغ السيل الزبى فتنطلق هذه الجموع بمظاهرات وأعمال عنف تبرماً بالوضع القائم، والأمثلة على ذلك كثيرة لا مجال لذكرها، لكن يكفينا - كمثال - ما حدث في فنزويلا قبل بضعة شهور فبعد اتفاق فنزويلا مع الصندوق رفعت الحكومة الدعم عن كثير من السلع الضرورية تشكل قوت غالبية السكان، كما سرحت الحكومة عدداً من موظفيها تخفيضاً وحَدّاً لنفقاتها فكانت النتيجة أن خرجت مظاهرات عنيفة خلفت وراءها مئات القتلى والجرحى. وكمثال على أن سياسات الصندوق تجعل العبء على غالبية السكان دون الصفوة الغنية ما حدث في بيرو في بداية الثمانينات فخلال ثلاث سنوات ومنذ العام ١٩٨٠م فُقد حوالي مليون فرصة عمل كما أن أجور الوظائف الباقية انخفضت بشكل كبير. أما في البرازيل -أكبر دولة مدينة حالياً ب (١١٥) بليون دولار - فقد انخفض معدل الأجر الحقيقي بحوالي الربع عما كان عليه في عام ١٩٨٠ [٧] . هذه السياسات ساهمت وتساهم في تأزيم المناخ السياسي في دول العالم الثالث، مما يجعل الدول الرأسمالية - في النهاية - هي المستفيدة الوحيدة، فاضطراب المناخ السياسي يجعل رؤوس الأموال في دول العالم الثالث تهاجر إلى حيث الاستقرار المزعوم في الدول الرأسمالية. هذه الأموال المهربة والمسروقة من أفواه الجوعى والمستنزفة من موارد هذه الدول تساهم في تكريس تبعية دول العالم الثالث للغرب الرأسمالى. وباختصار شديد: إن تدخل الصندوق في تقرير السياسات الداخلية لدولة معناه شل مقدرة هذه الدولة على اتخاذ القرار، حيث ينتقل مكان صنعه من العاصمة المحلية إلى واشنطن حيث مقر الصندوق. وختاماً نعلق بالتالي: إن فشل الصندوق في تقديم المعونة المثمرة والاستشارة المفيدة يرجع بشكل أساسي إلى الأسس النظرية التي قامت عليه سياسات الصندوق، فعوائق التنمية تتمثل طبقاً لهذه الأسس في نقص المدخرات. فما على الدولة الراغبة في الانطلاق إلى عالم أرحب حيث النمو والتنمية سوى شد الأحزمة أو الاقتراض من الخارج إن لم تجد عملية شد الأحزمة، لذا فمشكلة الصندوق تكمن في فشله في الإحاطة بجوانب التنمية المتعددة. فالتنمية عملية حضارية معقدة، ومن غير الممكن تبسيطها من خلال علاقات رياضية، ومن ثم تتركها لميكانيكية السوق هذه العملية تقتضي إخضاع طرائق الانتاج والتفكير لاحتياجات المجتمع وليس العكس كما أن الطريق إلى ذلك ليس بالضرورة أن يكون تكراراً للتجربة العربية. فالطريق الذي سلكته الدول الغربية للنمو ليس الطريق الوحيد كما أنه ليس بالأمثل وبشكل أدق: إن لكل دولة ظروفها التي تملي عليها طريقاً معيناً دون سواه.

стр. 498

منبر الشباب فاعتبروا يا أولي الأبصار موزة بنت محمد عندما تمر عليك آية من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تدعو أو تأمر بتفكر أو أخذ عبرة.. فلابد لك من التوقف والنظر ولا يجوز أن تمر عليها بدون ذلك وتكون كمن قال فيهم- : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] . وقال تعالى [سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] [الحشر: ١٢] . هذا أمر ودعوة من الله إلى عباده [أولي الأبصار] ، الذين يبصرون ويفقهون، وليس إلى الذين قال عنهم: [لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] [الأعراف: ١٧٩] . دعوة لهم للنظر بعين البصيرة والاعتبار لهذا الحادث والذي نورده هنا وهو قصة إجلاء بني النضير عن المدينة المنورة وذلك كما ورد في السيرة. كان سبب ذلك الجلاء أنه لما قتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا سبعين رجلاً، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعاً إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر انتقاماً لأصحابه، وكان مع القتيلين عهد وأمان من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو فلما رجع وأخبر الرسول ﷺ قال: " لقد قتلت رجلين لأودينهما " وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - وكان رسول الله ﷺ قاعداً إلى جنب جدار من بيوتهم - فمن رجل يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك أحدهم فصعد البيت ليلقي عليه الصخرة ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ثم تبعه أصحابه حتى انتهوا إليه، فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم، فسار حتى نزل بهم فتحصنوا منه بالحصون واستمر حصاره لهم عدة أيام اختلفت في عددها. وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول لله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح، ففعل، وتم إجلاؤهم على ذلك. يتصور الكثير منا أن اليهود في المدينة المنورة ما كانوا سوى قوم مستضعفين لاحول لهم ولا قوة، اللهم إلا في الدسائس وإشعال نار الفتنة من خلف الستار.، وبهذا التصور لا يكون إخراجهم أمراً يستدعي الاعتبار والتبصر ولكن الحقيقة ليست كذلك وهذا ما يدل عليه سياق الآية الكريمة. يقول الدكتور صابر طعيمة: " من الأشياء التي تثير الدهشة أنه في بدء دعوة الإسلام كانت أرض العرب في منطقة الحجاز مقسمة قسمة عجيبة بين نفوذ العرب ونفوذ اليهود وسيطرتهم، ففي بدء بعثة النبي محمد ﷺ كانت قوة اليهود الاقتصادية والسياسية كبيرة ومزعجة في شمال الحجاز، ولقد بلغت القوة اليهودية في السيطرة على شمال الحجاز ما تعادل به نفوذ قريش وقوتها في جنوبه. ويمكن القول إن سيطرة قريش كانت تشمل جنوبي الحجاز من منطقة يثرب (المدينة) حتى الطائف وكذلك كان نفوذ اليهود يمتد من شمال الحجاز إلى حد يمكن معه القول إن هذا النفوذ كان يمتد من المدينة حتى تيماء في أقص حدود الحجاز الشمالية ملتقياً بحدود سوريا لمسافة تقدر الان بحوالى ٤٥٠ كيلو متراً ". وما يهمنا هنا هو منطقة يثرب (المدينة المنورة) فلقد كانت تسكنها قبائل يهود (بني قينقاع) و (بني النضير) و (بني قريظة) ويبين الدكتور محمد السيد الوكيل مواقعهم فيقول: " واننا لنلاحظ أن هؤلاء قد انتشروا في يثرب ولم يقيمواً جميعا في منطقة واحدة فيها " فقد استوطن (بنو النضير) أسفل المدينة و (بنو قريظة) نزلوا بأعلى المدينة أما (بنو قينقاع) فقد نزلوا في وسط يثرب بين العالية والسافلة، وهكذا أحاط اليهود بقبائلهم الثلاث بيثرب من أعلاها وأسفلها وفيما حولها من الشرق والغرب، وكأنهم أرادوا بهذا الانتشار في المدينة أموراً قد خططوا لها من قديم الزمان نجملها فيما يلي: ١- الناحية السياسية: لقد أفادهم تفرقهم هذا من الناحية السياسية فائدة كبيرة، حيث كانوا لا يظهرون بمظهر المتكتلين أمام السكان الأصليين، وعندئذ لا تثور ثائرتهم ولا يتحرشون بهم فيعيشون آمنين على مستقبلهم غير متعرضين للفتن والقلاقل، كما أن تفرقهم هذا مكنهم من محالفة قبائل متعددة، ومكنهم من حرية الحركة والعمل مما كان له أكبر الأثر في الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. كما أن انتشارهم هذا ومحالفتهم لقبائل متعددة أوجد لهم نفوذاً هائلاً تسلطوا بواسطتة على مقاليد الأمور في يثرب. ولقد اعتمد اليهود في سياستهم على مبدأ إثارة الأحقاد - فرق تسد - حتى يشتغل عدوهم بنفسه ولا يفكر فيهم وهذا ما حصل حتى سيطروا وتملكوا. ٢ - الناحية الاقتصادية: نزل اليهود أخصب مناطق المدينة زراعياً وأجودها تجارياً فحفروا الآبار وغرسوا البساتين وكانوا صناعاً، وأحدثوا سوقاً لهم في يثرب، وبذلك استطاع اليهود أن يسيطروا على الناحية الزراعية والتجارية والصناعية وكانت لهم اليد العليا في اقتصاد يثرب زيادة على ما أرهقوا به العرب من الربا والاحتكار. ٣ - الناحية العسكرية: كان هذا التوزيع لمراكز القوة اليهودية يكفل لليهود وقتها القدرة على الانتشار وأن يمدوا أيديهم على مساحة كبيرة من الأرض يعملون على استغلالها واستثمارها، ولذا كان عليهم أن يقوموا بتحصين أماكن تجمعهم وإمدادها بالقوة العسكرية وتخزين كميات من السلاح وإعداد مجموعات منهم للقتال بنية الحفاظ على ما اكتسبوه حتى يمكن لهم دوام السيطرة والبقاء، زد على هذا إحساسهم بأنهم أغراب وغير مرغوب فيهم، من هنا فقد اشتهر اليهود بصناعة الأسلحة من سيوف، ونبال، ودروع، وسهام، ونصال، فكانوا يصنعونها ويتخذون منها لأنفسهم ويبيعونها لغيرهم. وإلى جانب هذه الأسلحة تفننوا في بناء الحصون والآطام يلجأون إليها إذا دهمهم عدو أو فاجأهم خصم، وهذه الحصون تعتبر في زمانهم كالتحصينات العسكرية في زماننا، وكانوا يخزنون فيها الماء والقوت والوقود وجميع ما يحتاجون إليه بكميات تكفي لفترة طويلة من الزمان حتى إذا حوصروا أو اضطروا إلى المكث فيها مدة طويلة كان عندهم ما يغنيهم فلا يحتاجون إلى شيء من خارج هذه الحصون ومما يؤيد ذلك حصار رسول الله ﷺ لبني النضير خمس عشرة ليلة، ولبني قريظة خمساً وعشرين ليلة. وكانوا يشيدون هذه الحصون من الحجارة الصلبة المنحوتة بأشكال هندسية ويجعلون سمك الجدار فيها متراً أو اكثر وكانت تقام من طابقين أو ثلاثة. ويدل على هذا قوله سبحانه [من صياصيهم] أي حصونهم، كما يدل على قوتهم وتدربهم على القتال ما جاء في ردهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم بعد أن نصره الله في بدر: " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ... وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم " فأجابوه: " يا محمد إنك ترى أننا كقومك؟ ! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لاعلم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أننا نحن الناس "! وسياق الآية الكريمة يؤكد اعتدادهم بقوتهم وحصونهم وتقدير المسلمين والعرب لهذه القوة وذلك بقوله تعالى [مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ] فلا أنتم كنتم تتوقعون خروجهم، ولاهم كانوا يسلمون في تصور وقوعه فقد كانوا من القوة والمنعة في حصونهم بحيث لا تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا، وبحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة الله التي لا تردها الحصون [فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] فسبحان الله! ما أشبه اليوم بالأمس [فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] . المراجع: - سيرة ابن هشام. - تفسير ابن كثير. - (بنو إسرائيل بين نبأ القرآن وخبر العهد القديم) الدكتور: صابر طعيمة. - يثرب قبل الإسلام، الدكتور محمد السيد الوكيل. - في ظلال القرآن، سيد قطب.

стр. 499

شعر الغرفة السرية مروان كجك إن شئت أن تطأ البلدْ بحذاء حقدك والحسدْ فاختر أكابر أهلِها وذوي النجابةِ والرَّشَدْ وأمرْ جنودِك بالنذالةِ والشراسةِ واللددْ لا ترحمنْ طفلاً ولا شيخاً ولا أماً تلدْ وابعث إلى من قد ترى فيهم رئيساً معتِمدْ وأمر جنودك أن يسوسوه بنارٍ إن حَرَدْ ثم ليعودوا مرة أخرى بأمضى وأشد ولينظروا: هل عاد يسألُ عن أحد؟ هل ما يزال الحق فيه يَتَّقِدْ؟ فإذا تراءى أنه أضحى كما نبغي له أو قام حيناً وَقَعَدْ فلترفعوا تقريركم للقائد الأعلى لكم قولوا له: صاحبنا لما يزل يرجو الأحَدْ ونخاف أن يستيقظ الإسلامُ فيه من جديد أو يَلِدْ مازال يحلم بالفضيلةِ والرجولةِ والولدْ مازال يهذي بالبطولة والفحولة والعددْ مازال يؤمن أن للإسلام جولاتٍ ستهزم من وَفَدْ قولوا له، للقائد الأعلى لكم: ولذاك نقترح الدواء المعتمد: " لابد من قتل العقيدة أولاً لتحل أخرى نحن نصنعها له وإذا عصى وأبى علينا، أو مَردْ: فالقهر يوقظْ والسجون مدارسٌ والقتل أنفى بل وأشفى لمن اختار اللَّدَدْ! ... ... ... ... ... ... ... ... ... إمضاء: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... هذا يعتمد.

стр. 500

شئون العالم الإسلامي ومشكلاته باكستان والولايات المتحدة أهمية باكستان: تولي الولايات المتحدة الباكستان اهتماماً غير عادي، وتنظر إليها كمجال لا يمكن الاستغناء عنه بسبب الميزات التي يتمتع بها. فباكستان يعتبر من العشر دول الأكثر سكاناً في العالم، إلى جانب أهميتها الاستراتيجية، فوقوعها في شبه القارة الهندية، ومجاورتها للاتحاد السوفييتي وإيران والهند والصين والمحيط الهندي كل ذلك يكسبها موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها مطمعاً للذين يؤثرون في السياسة العالمية، وكذلك دورها كدولة لها أهميتها ضمن مجموعة الدول الإسلامية، وقربها من منطقة الخليج، ودورها في مجموعة عدم الانحياز وعلاقاتها مع الدول العربية يعطيها أهمية كبرى لا يمكن تجاهلها من قبل القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة التي تحرص على بسط نفوذها في كل مكان من الأرض، والاحتفاظ بحرية التحرك في المناطق والنقاط الاستراتيجية من العالم. إن أميركا أول من يدرك أهمية باكستان جغرافياً وبشرياً، وهي في تعاملها معها تبذل جهوداً لا يستهان بها من أجل فهم واستيعاب أسلوب هذا التعامل، ولا تعتبرها دولة ثانوية غير مهمة كجمهوريات أمريكا اللاتينية مثلاً. نظرة الباكستان إلى أميركا: يرى الباكستانيون أن اعتماد الباكستان على الولايات المتحدة اعتماد اضطراري يدفعهم إليه موقع بلادهم الحرج الجغرافي والسياسي، وهم يعرفون أن الولايات المتحدة - كغيرها من الدول الكبرى - لا تعطي شيئاً مقابل لا شئ، إن لها مصالح في المنطقة تريد المحافظة عليها، لكنهم يعللون اعتمادهم هذا على الولايات المتحدة أنه لاخيار لهم فيه، حيث إن علاقتهم مع الهند تشكل مرضاً دائماً، ولابد من البحث عن جهات توفر لهم حداً من الحماية، وهم يعتقدون أن عمقهم الطبيعي هو العالم الإسلامي، ولكن لأن أنظمة العالم الإسلامي خذلتها في صراعها مع الهند. ثم اكتشفت الباكستان عملياً أن أميركا ليست بالحليف الذي يعتمد عليه وقت الأزمات، وأن السياسة الأمريكية سياسة منافقة لا تعتمد مبادئ الصداقة، بل ولا تلتزم بالوعود التي تقطعها وقت السلم، وكان هذا الاكتشاف بعد حربها الأولى مع الهند في أول الستينات، وعند انفصال البنغال (باكستان الشرقية) بتحريض من الهند ومساندتها في أواسط السبعينات. وأمام هذه الحقيقة فإن باكستان تحرص على الحصول على مساعداتها من أي مصدر مع إبقاء علاقاتها مع أميركا. نظرة الولايات المتحدة إلى باكستان: تنظر الولايات المتحدة إلى باكستان كدولة مهمة ذات ثقل سياسي وجغرافي مهم، فباكستان في نظهرها تتميز بدبلوماسية نشيطة وذكية، وعندها جيش كبير وذو كفاءة عالية، وهي دولة مهمة على كل المستويات، وعلى الرغم من وجودها إلى جانب دولة قوية وكبيرة كالهند؛ فإن سياستها تكاد تضارع السياسة الهندية وأثرها في نظر أميركا إن لم يفق أثر الهند فهو يعادله على الأقل، وذلك لأن علاقاتها مع كتل كبرى لها وجودها على الساحة الدولية يجعل من الصعب تجاهلها. ويمكن أن نقول: إن هناك هاجساً غير مريح للأمريكان سواء في حالة تعاملهم مع الباكستان أو في تجاهلهم لها. أ- فهم -إذا تعاملوا معها- يتعاملون بحذر شديد، فمن جهة لا يريدون تقويتها بالقدر الذي يغضب الهند، ويقدمون لها من المساعدات التي تجعلها قادرة على حفظ مصالح الولايات المتحدة فقط، دون الذهاب في ذلك بعيداً إلى الحد الذي يجعل من الصعب عليهم كبح جماحها فيما إذا أصبحت قوة عظمى تتمتع باستقلالية تساعدها على التحرك بحرية، وهذا النهج من التعامل هو الأسلوب الذي تتعامل به القوى الغربية والشرقية مع أي دولة في العالم الإسلامي. ب - وهم - أي الأميريكيون - لا يشعرون بالاطمئنان إذا ما تجاهلوا باكستان لأنهم يعتقدون أنها ستظل تبحث عن مصادر تقوية بعيداً عنهم ولن تكون النتائج مضمونة، ولذلك فإنهم - مع مساعدتهم لباكستان - تراهم ينظرون بعين الشك والريبة إلى علاقاتها هنا وهناك. وهم يرونها مهمة لهم لأن هدفهم المركزي هو بقاء منطقة جنوب شرقي آسيا خاضعة للنفوذ الأميركي، ولا يريدون تقويض الوضع القائم هناك أو تعرضه للاضطراب، ويمكن أن يلمح المحلل ثلاثة ركائز على طول هذا المحور الممتد من البحر المتوسط إلى المحيط الهادي، تعتبر ركائز أساسية للنفوذ الأميركي وهي تايلاند وباكستان وإسرائيل، وباكستان بالنسبة لأميركا هي أصعب هذه الركائز من ناحية التعامل معها. أميركا وبنازير: إن الظروف التي قتل فيها ضياء الحق تضيف شكاً جديداً إلى جملة الشكوك السابقة التي تحيط بعلاقات الولايات المتحدة بباكستان والتي يعرفها الباكستانيون - أو أكثرهم - معرفة أكيدة. وقد أصبح واضحاً الآن أن أميركا تتدخل بصراحة فجة في توجيه السياسة الباكستانية، فقد أحيطت بنازير بوتو بدعاية غير طبيعية، وأبرزت بعد مقتل ضياء الحق بشكل يجعل من المستحيل أن لا تفوز في الانتخابات التي حصلت، وتصريحاتها كانت صريحة بخطبة ود أميركا ومعها القوى الغربية التي ردت التحية بأحسن منها، وسواء قلنا: إن تصريحات بوتو وما ترتب عليها من موافقة جماعية غربية على توليها السلطة كانت خطوة ابتدائية منها؛ أو كانت فضلاً من ارتباطات سرية؛ فإن النتيجة واحدة. فلاشك أن تشجيع الغرب - وعلى رأسهم أميركا - لبوتو ينبع من عدة اعتبارات: ١- لأنها علمانية المنشأ، غربية الثقافة والفكر. ٢- لأنها تكن في قرارة نفسها كراهية للإسلام تخرجها في كثير من تصريحاتها وأحاديثها على شكل هجوم: على المتطرفين والأصوليين. ٣- لأنها أول امرأة تتصدى لهذا المنصب الخطير في قطر كبير مهم من الأقطار الإسلامية، فإذا نجح المسعى في جعل امرأة تقود هذا القطر الكبير فسيكون ذلك أمثولة لغيره من الأقطار الإسلامية كي لا تعارض هذه القضية التي سبقها إليها قطر مهم جداً وقام على أساس الإسلام، من سيظل يجادل في هذه القضية! وأميركا تعلم أن في تولي امرأة أعلى منصب في الدولة في قطر إسلامي سابقة مهمة، ستكون لها آثارها على التيارت الموجودة داخل البلاد، فمن وجهة نظرها يعتبر هذا إضعافاً للتيار الذي يتمسك بالإسلام، والذي تضفي عليه كثيراً من النعوت والأوصاف بغية تفريقه وإضعافه، وتقوية لأعداء الفكرة الإسلامية من كافة الاتجاهات، وإذا قوي هؤلاء فهم الذين يضمنون مصالح أميركا وغيرها من القوى المعادية للإسلام ويمررون ما تريد بشتى الوسائل. والولايات المتحدة تعلم جيداً أن قاعدة بوتو الشعبية ليست من القوة الحقيقية بحيث تجعل مستقبلها في السلطة مطمئناً، ولهذا فهي لا تفتأ تقدم لها النصائح، فأميركا تعلم أن فوز بوتو في الانتخابات كان نتيجة تحالفها مع جماعة المهجرين، وهؤلاء لهم حساباتهم ومطالبهم التي إذا لم تنفذ فسيسهل عليهم التخلي عنها، وقد حصل هذا فعلاً وأصبحت بوتو وحزبها مكشوفين، وتعرضت لهزة كادت تطيح بها. وكذلك فإن قوتها -وهي قوة غير مطلقة طبعاً- لا توجد إلا في إقليم السند، بينما مركز الثقل بالنسبة لباكستان هو في إقليم البنجاب الذي لا أثر لها فيه والذي يكاد يوازي باقي أقاليم باكستان مجتمعة. ويمكن أن نلمس أثر النصائح الأمريكية بالمحاولات المتكررة لإضعاف سيطرة الجيش، وانتقاء شخصيات ورتب مؤثرة فيه، وأحالتهم إلى التقاعد أو نقلهم إلى مناصب لا أهمية لها. إن أكبر تحد لسلطة بوتو هي قوة الإسلاميين كما تعتقد الولايات المتحدة ولذلك، فإن أي تحرك باتجاه إضعاف هؤلاء من قبل بوتو يلقى الترحيب من الولايات المتحدة، ونستطيع أن نلمس حماسة الولايات المتحدة للتغييرات التي طرأت على مسار توجهات الدولة، فعند الولايات المتحدة كثير من المصطلحات المضللة التي تخفي نواياها في حرب التوجه الإسلامي في أي دولة. فإذا أحست أن نظاماً من الأنظمة أبدى نية في ضبط التسيب الخلقي والاجتماعي عن طريق بث المفاهيم الإسلامية ودعمها بما يهدد المفاهيم الغربية المنحلة نرى أميركا ترفع مصطلح القلق على حقوق الإنسان وحرية الفكر والعقيدة أو حقوق المرأة ورفع الظلم عنها، وهذا ما يلمح من نظرتها إلى باكستان في عهد ضياء الحق - وأخرياته على وجه الدقة - في حين نجد أن أميركا لا تستطيع أن تخفي سعادتها وفرحها حين ترى أجهزة الإعلام الباكستانية قد اتجهت إلى مسار أكثر حرية مما كانت عليه في أثناء حكم ضياء الحق، ولا يغيب عن بالنا أن خصوم الإسلام حين يذكرون الحرية في هذه المجالات يعنون: حرية الفساد والإفساد، والتحلل الأخلاقي بعيداً عن أي ضوابط شرعية أو دينية. ومن أهم التطورات التي طرأت على الباكستان وعلاقتها بقضية أفغانستان تشجيع أميركا لبوتو لتبني الحل السياسي، والتخلي عن الجهاد، وهي لا تخفي تذمرها من وجود حركات جهادية لاترضى أن تهادن الشيوعيين. مثلث العلاقات الأمريكية الباكستانية الهندية: إذا ما نظر الباكستانيون إلى القوى الخارجية التي يمكن أن يعتبروها مسؤولة عن نصيب كبير مما يحدث لهم من مشاكل؛ فإن نظرتهم عندما تتعدى الهند تتجه مباشرة إلى الولايات المتحدة، لأنهم يعتقدون - بحق - أن أميركا غير بعيدة عما يحدث في باكستان وحواليها. وإذا نظرنا من زاوية إسلامية خالصة فإننا نجزم بأن المسؤول الأول عن إبقاء الخوف المستمر - وذي الأسباب الوجيهة - من التهديد الهندي هو الولايات المتحدة، وأميركا التي تعتبر أن لها الحق أن تملك مالا حدود له من القوة، تجد من غير المعقول ولا المنطقي أن تكون هناك قوة إسلامية في أي بقعة من العالم متحررة من الضغوط، بعيدة عن التهديد الدائم، وهذا ما يفسر لنا كيف أنها تستخدم موازين مختلفة في علاقاتها مع القوى الخارجية، فهي من جهة تغض الطرف عن امتلاك الهند للأسلحة النووية، وتغض الطرف عن محاولات الهند المتكررة للانتقاص من سيادة الباكستان، بل والتدخل بقوة السلاح لفصل باكستان الشرقية عن الغربية، وتعتذر عن ذلك بمعاذير باردة جداً لاتثبت عند النقد، فتدعي مثلاً بأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً للهند، أو أن يدها مغلولة للتأثير على الهند، ولكنها حينما يترامى إلى علمها أن باكستان تسعى لإنتاج السلاح النووي لتوازن الموجود عند جارتها المتطلعة للتمدد تفقد أميركا صوابها، فتهدد بقطع المساعدات ما لم يتوقف العمل النووي، وتهدد بأنواع كثيرة من الضغوط لعل من أخطرها وأشدها انعكاساً على حياة الباكستان هو العمل على عدم استقرار البلاد، باستغلال الثغرات العرقية. ويكاد الإنسان العاقل المنصف يقضي عجباً من موقف الولايات المتحدة في انزعاجها الذي لا حدود له من امتلاك الباكستان للأسلحة النووية؛ ومن صمم أذنيها عن امتلاك دولة مثل إسرائيل لذلك! لو لم يكن لأمريكا من المواقف الغريبة المخزية ضد المسلمين (وهي كثيرة) إلا هذا الموقف، وكان لها من الأفضال وإلإحسان إليهم عدد النجوم (وهذا غير مُسَلَّم) لكان هذا الموقف وحده جديراً واكفياً في أن يغرس في قلب كل ذي عقل وضمير حى من المسلمين كراهية لا تزول مادامت هناك دولة اسمها الولايات المتحدة في الوجود! إن موقف أميركا من عداء الهند لباكستان نابع - إذن - من أنها لا تجد لها ناقة ولا جمل في هذا الصراع، ولا تستفيد منه شيئاً، وهي من جهة لا تريد إغضاب الهند ولا تحب انتصار باكستان.. وحيث إن الباكستان لا يمكن ولا تستطيع أن تذهب بعيداً في تحقيق رغبات أميركا، لذلك لن تنتفع بشيء جوهري من علاقاتها معها، وفي هذا الصدد تلتزم أميركا تجاه علاقة الباكستان بالهند بما يلي: ١ - لاتزود الباكستان بأسلحة لتقاتل بها الهند. ٢ - لا تلبي أى طلب لتزويد الباكستان بأسلحة لا يمكن استعمالها إلا ضد الهند. ٣ - إذا طلبت باكستان سلاحاً متطوراً، وأدى ذلك إلى قلق واحتجاج من الهند فإن أميركا يمكن أن لاتوافق على هذا المطلب خاصة إذا دفعت الهند ثمناً سياسياً مقابل ذلك. ومن أجل فهم معادلة كون أميركا المورد الرئيسي للباكستان بالأسلحة من جهة؛ وعدم تلبية طلباتها فيما يضر الهند فلابد أن ندرك أن أميركا تحرص أن تكون باكستان سوقاً لأسلحتها، وأنها تعلم أنها لو لم تمد باكستان بالأسلحة بتاتاً فستتجه هذه إلى مصدر آخر للأسلحة فأمامها السوق مفتوحة والمصادر كثيرة لذلك تحرص أميركا على بيع باكستان السلاح فتكسب مالاً ونقوداً، ولكنها من جهة ثانية لا تتورط كثيراً فتكون صفقاتها مشروطة بعدم إغضاب الهند، التي تحرص أميركا على كسبها أيضاً. المعادلة الأمريكية الباكستانية الأفغانية: يشكل الدور الذي لعبته وتلعبه أميركا في الصراع على أفغانستان فصلاً لا يتسع المجال هنا لبسطه، ولكن الذي تجدر الإشارة إليه الآن هو أن دعم الولايات المتحدة للأفغان كان دائماً دعماً مشروطاً ومبنياً على حسابات تهم أميركا وحدها. وقد مر هذا الدور الأميركي بثلاثة مراحل: ١ - المرحلة الأولى: التي كانت مع بداية الغزو الشيوعي لأفغانستان، واتسم الدور الأميركي فيها بشيء من الانتظار وعدم التورط بدعم المجاهدين صراحة، لأن القوى على الساحة الاقليمية لم تكن توضحت وتميزت بعد. ٢ - المرحلة الثانية: وكانت في أواسط مدة وجود الروس في أفغانستان وتميزت بدعم المجاهدين ببعض الأسلحة الأميركية المتقدمة كالصواريخ، وكان ذلك عن طريق باكستان - وبدا في هذه المرحلة تصميم باكستان على الوقوف مع المجاهدين واستمرار دعمهم، بل إن تصريحات ضياء الحق وأعماله أظهرت ثقة كبيرة بالنفس بالنسبة للمسلمين في شبه القارة الهندية ووسط آسيا أنهم لن يكونوا بعد اليوم هدفاً للقوى الاقليمية: الهندية من جهة والسوفيياتية من جهة أخرى، وهكذا اضطر السوفييت في مجرى هذه الفترة أن ينسحبوا من أفغانستان. ٣ - المرحلة الثالثة: ما بعد انسحاب الروس، وهنا طرأ تغير على مجرى الأحداث خاصة بعد مقتل ضياء الحق، وتولي بوتو السلطة في باكستان، وبعد الانفراج الحاضر على الساحة الدولية بين الأمريكان والروس. وكان لذلك كله آثاره السلبية على أهداف المجاهدين التي تتلخص بإخراج الروس من أفغانستان وإسقاط عملائهم، وأن تكون أفغانستان دولة محكومة من قبل فئات الشعب التي عانت من الاحتلال والتشريد والتي عملت وضحت من أجل طرد الغزاة عن أرضها. ولكن ظهر لأميركا أنه خلال تصدي الشعب الأفغاني للاحتلال الروسي برزت على الساحة قوى وجماعات عندها استقلالية في التفكير، وليس من السهل التأثير عليها بشكل كامل، وتبنت هذه الجماعات خطاً متشدداً (بنظر أميركا) والخط المتشدد بنظرها هو أن تستوحي هذه الجماعات فكرها التنظيمي وأهدافها من عقيدتها ومن تاريخه، لذلك فإن هذه الجماعة تطمح إلى أن توجه الحكم في أفغانستان -إذا وصلت إليه - سيكون إسلامياً، وهذا طموح مشروع نابع من عقيدة الأمة ومن واقع الأمر، فالصمود الذي أظهره هذه الشعب في وجه الزحف الشيوعي مستمد من تمسكه بإسلامه، والذين أقضوا مضاجع الشيوعيين في أفغانستان هم المجاهدون المسلمون لا القوميون، ولا غيرهم من أنصار الملك السابق، ولكن مع هذا فإن هذا الطموح لا تراه أميركا طموحاً مشروعاً، وهي تمد المسلمين بالسلاح كي يمنعوا الشيوعية من التمدد وتهديد مصالحها الحيوية، لكن أن يكونوا أحراراً في بلادهم يطبقون قوانينهم وشرائعهم الخاصة بهم والنابعة من عقيدتهم فهذا لا يكون ولا ينبغي. ولذلك كانت أميركا غير راضية عن توزيع الأسلحة على المجاهدين من قبل المخابرات الباكستانية، وكانت لا تود أبداً إعطاء أصحاب الاتجاه الإسلامي الذي تسميهم الأصوليين أي أسلحة مؤثرة، وتلتقي الولايات المتحدة مع بنازير بوتو في عدم تفضيلهما قيام نظام أصولي في أفغانستان. وإذا أضفنا إلى ذلك الانفراج الحالي بين الشرق والغرب، وضغط الهند والسوفييت على المجاهدين وطموح إيران لتكون لاعباً رئيسياً من جملة اللاعبين ونقاط التلاقي بينها وبين هؤلاء على الساحة الأفغانية سندرك الصعوبة البالغة التي يمر بها الشعب الأفغاني الذي وقع ضحية الجغرافيا والقوى والمحيطة به. خاتمة من مجمل دراسات العلاقات الباكستانية الأميركية يتضح لنا أن اعتماد الباكستان على أميركا اعتماد اضطراري وهو من وجهة النظر الباكستانية أهون الشرور (وإن كانت هذه النتيجة قابلة للمناقشة) ، وباكستان من حيث المبدأ تعتقد أن عمقها هو العالم الإسلامي، ولكن لأن أنظمة العالم الإسلامي خذلتها في صراعها مع الهند، بل نظرت إليها نظرة لا تخلو من شماتة وتشف وتفضيل للجانب الهندي لذلك لجأت إلى أميركا، واكتشفت باكستان عملياً أن أميركا ليست بالحليف الذي يعتمد عليه من أجل رفع الظلم وتحقيق العدل، بل اكتشفت ان السياسة الأميركية في جوهرها سياسة منافقة لا تعتمد مبادئ الصداقة، بل لا تلتزم بالوعود المقطوعة في فترات السلم حينما توضع هذه الوعود على محك التجربة وقت الأزمات. وهكذا استمرت الباكستان تبحث عن الحلفاء فاتجهت إلى الصين ثم حاولت مع روسيا لفترة قصيرة، ثم للعالم الإسلامي ثانية ثم لعدم الانحياز، وعلى الرغم من كثرة أصدقاء الباكستان بين دول العالم الثالث فإن هؤلاء الحلفاء الضعاف لا يستطيعون تقديم شيء لها في صراعها المرير مع الهند! إن وضع الباكستان على غاية من التعقيد والخطورة، وإننا نلمح هذه الخطورة من الحالة التي تلح عليها باكستان وهي محاولة الحصول على أي عون ضد مطامع الهند، وخاصة بعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان. يرى المراقب هذا الوضع الحرج الذي يحيط بالمسلمين في تلك المنطقة المهمة من العالم، ثم يسأل نفسه: هل المسلمون هناك على مستوى هذا التحدي؟ وهل هم على قلب رجل واحد في فهم عقلية القوى المحيطة بهم، وفي فهم نوايا الولايات المتحدة؟ يشعر الإنسان بخيبة أمل لأن الجسم الإسلامي ليس منيعاً بما يكفي لمواجهة التحديات، وأن القوى الكبرى لا تتلاعب هذا التلاعب في مصائر الشعوب، ولا تستهتر هذا الاستهتار، وتمعن بالمكر والتلون إذا واجهت تصميماً صادقاً، وعزائم تعتمد على الله وحده.

стр. 501

الدور الإيراني في القضية الأفغانية عبد الرحمن نموس إن هدف إيران أن تبسط تأثيرها حيث استطاعت، وخصوصاً بين المسلمين، وإذا هي وجدت صعوبة في التمدد غرباً، فإن ذلك لن يثنيها أن تصر على تنفيذ أهدافهاً شرقاً، خاصة وأن جارتها أفغانستان ذات الأغلبية السنية الساحقة تعيش محنة يمكن أن تستغل. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم تحسين علاقتها بالسوفييت الذين كانت تنعتهم بنعوت لا تقل عن نعوتها لأمريكا. هذا التحسن الذي بدأ قبل موت الخميني، وتوج بزيارة رفسنجاني لموسكو، انعكست آثاره على الجهاد الأفغاني بشكل مباشر. من هذه الآثار: عندما تفاوض نائب وزير الخارجية السوفييتى (فورنتسوف) مع قيادات المجاهدين في إسلام آباد، ووصلت المفاوضات إلى طريق مسدود نتيجة التعنت السوفييتي؛ نصح رئيس دولة إيران خامنئي قيادات المجاهدين بالاستمرار في المفاوضات وعدم قطع الحوار مع موسكو. وازداد هذا الوضوح في الموقف الإيراني عندما تم الإعلان عن حكومة المجاهدين الموقتة (الأولى) برئاسة أحمد شاه أحمد زي في فبراير (شباط) ١٩٨٨ فلم يعلن الإيرانيون مجدداً تأييدهم لهذه الحكومة فضلاً عن أن يعترفوا بها كحكومة إسلامية. وبدلاً من أن يتم الدعم والتأييد لهذه الحكومة بدأت العراقيل توضع في طريقها من قبل الموالين لإيران، فقد ذكر المهندس أحمد شاه أحمد زي رئيس الحكومة الموقتة للمجاهدين في ذلك الوقت أن وزير الصحة الشيعي لم يحضر أي اجتماع من اجتماعات الحكومة بعد تشكيلها وتبين أنه سافر إلى استراليا سراً لأنه (حسب بعض المصادر المطلعة) تلقى تهديدات بالاغتيال إذا مارس أي نشاط في الحكومة المذكورة لأنهم يريدون مقاطعتها حتى يتمكنوا من فرض الشروط التي يريدونها. أما بعد حل حكومة المجاهدين الموقتة الأولى وانعقاد مجلس الشورى في مدينة الحجاج بإسلام آباد فقد كان للإيرانيين شأن آخر في التعامل، فقد رفضت المنظمات الشيعية المتمركزة في إيران الاشتراك بأقل من ١٢٠ عضواً في المجلس، أي بعدد يوازي عدد المشتركين من منظمتين جهاديتين من منظمات الاتحاد السباعي حيث تم تخصيص ستين مقعداً لكل منظمة كما طالبوا بخمس وزارات في الحكومة التي ستنبثق عن المجلس، ولما كانت هذه النسبة عالية جداً بالنسبة إلى تعداد الشيعة في أفغانستان فقد رفض المجاهدون هذا الطرح بإصرار باعتبار أنه لا يستند إلى أي أساس من الواقع، فلا على أساس أنهم طائفة دينية مستقلة يستحقون هذه النسبة، ولا على أساس أنهم أقلية عرقية يستحقونها، ولا على أساس تواجدهم الجهادي على الأرض، وأصر هؤلاء على مواقفهم حتى أنهم قاطعوا جلسات المجلس، وبدأت تظهر بالأفق ملامح أشياء أكثر من عدم التأييد للمجاهدين، وأكثر من مجرد إرضاء الاتحاد السوفييتي إعلامياً، فقد نقلت وكالة أنباء البنيان أن السفير الإيراني في إسلام آباد طلب من المتحدث الرسمي باسم المجاهدين في حينه " الأستاذ سياف " حضور جلسات المجلس وعندما رفض سياف الطلب قال السفير: إذا لم تعطوا الشيعة مائة وعشرين مقعداً فلن نعترف بحكومتكم.. . كما هدد بالقيام بأعمال عنف داخل أفغانستان تستهدف المجاهدين، كما طلب السفير طلباً مشابهاً من المهندس حكمتيار مما دعى حكمتيار للرد عليه بالقول: إننا مستعدون لنقل الجهاد إلى خارج حدود أفغانستان. وعندما اعترفت حكومة البحرين بحكومة المجاهدين الجديدة نقل راديو طهران نبأ الاعتراف قائلاً: اعترفت البحرين بالحكومة السنية التي شكلها الائتلاف السباعي في بيشاور. ثم ختم الإيرانيون هذه المواقف بزيارة هاشمي رفسنجاني لموسكو بعد موت الخميني، والعمل على تطوير العلاقات بين البلدين على حساب المجاهدين، ففي البيان المشترك الذي أذاعته إذاعة موسكو في نهاية زيارة رفسنجانى: أن وجهتي نظر موسكو وطهران متطابقتان حول القضية الأفغانية. المصلحة فوق المبادئ: عندما لم تتحقق مصالح الإيرانيين ومن خلفهم مصالح الائتلاف الثماني الشيعي في تحقيق المطالب التي يريدون؟ لم يجد بعض قادة تلك المنظمات حرجاً في الاتصال بنظام كابل ومحاولة الاتفاق معه على نقاط تحقق مكاسب أفضل مما يمكن تحقيقه عن طريق التفاوض مع المجاهدين، فقد زار وفد من الائتلاف الثماني كابل لإجراء مفاوضات بهذا الخصوص وقد أكد هذه الزيارة قادة ميدانيون في الجبهات التي حول كابل منهم القائد عبد الحق قائد جبهات كابل التابعة للحزب الإسلامي جناح مولوي يونس خالص، حيث أصدر بياناً يشجب فيه هذه الزيارة ويندد بالأعمال التي تقوم بها قيادات الشيعة وتشكل طعناً للجهاد، كما أن المهندس حكمتيار أمير الحزب الإسلامي لم ينف هذه الأخبار عندما سألته عنها في مؤتمر صحفي عقده في بيشاور في أواخر أبريل الماضي، إنما قال: " وصلتنا تقارير بذلك ولكن لم تصلنا معلومات عن طبيعة المفاوضات ". وحتى لا يستمر هؤلاء في خططهم في هذه المرحلة الحساسة من عمر الجهاد فقد زار وفد من المجاهدين برئاسة الأستاذ رباني أمير الجمعية الإسلامية طهران للتفاوض مع هؤلاء، والوصول إلى نتيجة لكنه لم يفلح ولم يغلق باب المفاوضات إنما كانت هنالك جولات أخرى في بيشاور ترأس وفد الشيعة فيها كريم خليلي، ولكنها أيضاً لم تفلح حيث أصر الشيعة على مطالبهم بأكثر من ١٠٠ مقعد في مجلس الشورى، أي نسبة ٢٠% من المجلس ونسبة موازية في مجلس القيادة الأعلى وفي الحكومة. لماذا هذا الإصرار على حق مزعوم لا يستند إلى أساس من الواقع! ربما كانت مبررات هذا الإصرار هي: ١ - فكرة تصدير الثورة، واستغلال ظروف أفغانستان الحالية من أجل ذلك، بعد فشل الفكرة في الحدود الغربية. ٢ - الاستفادة من الثغرات الحاضرة من خلال ضعف حكومة نظام كابل، ومن خلال عدم استقرار حكومة المجاهدين، واستغلال ذلك الضعف من أجل إملاء الشروط، وتقوية الجناح الشيعي في أفغانستان. ٣ - التركيز على زيادة نسبة الشيعة في ظل غياب الإحصائيات الرسمية كعامل دعم لتحقيق البندين السابقين، وقد نقل الكاتب أمير طاهري في جريدة الشرق الأوسط: أن إيران منحت ٢ ر١ مليون أفغاني الجنسية الإيرانية وتريد لهم البقاء على ثنائية القومية، وتصر على أن الشيعة يزيدون على ربع سكان أفغانستان، وإذا تحقق هذا فسيكون من حقهم التمسك بربع المناصب الحكومية والوزارات. ٤-العمل على عدم قيام أي حكومة إسلامية مستقلة في أفغانستان خارج إطار الاحتضان الشيعي ولو أدى ذلك إلى التعاون مع أي جهة كانت، وهذا واضح من التفاوض مع نظام كابل وإمكانية قبول بعض المناصب الحكومية عنده، بدلاً من الوقوف مع حكومة المجاهدين ودعمها. فقد نشرت أخبار قوية في بيشاور مفادها أن الائتلاف الثماني الشيعي وبعض المنظمات الصغيرة المنشقة عن منظمات المجاهدين الأصلية شكلوا نواة لحكومة إسلامية أفغانية في طهران والمنظمات الصغيرة هي: حركت انقلاب إسلامي/جناح رفيع الله مؤذن، حركت انقلاب إسلامي/جناح نصر الله منصور، مجموعة محمد أمين وقاد، حزب شوراي اتفاق، إضافة إلى الائتلاف الثماني الشيعي. ولما سئل الأستاذ رباني القادم من إيران بعد العيد الأضحى قال: إن ما تم تشكيله ليس حكومة أخرى لكنه لجنة مشرفة على أمور الجهاد، ولم يعط رباني تفصيلات أكثر. وأياً كانت هذه اللجنة فإن عملها يعتبر تكتلاً انشقاقياً عن صف الجهاد العام في وقت هو بحاجة إلى الوحدة وتماسك الصف والتضامن وقد توج الشيعة محاولاتهم الرامية إلى تحقيق مكاسبهم الخاصة بتركيز قواتهم المسلحة (حسب تقارير عسكرية من الداخل) حول كابل ليكون لهم شرف مشاركة فعالة تتناسب وطموحاتهم عند سقوط العاصمة. وأمام هذه المحاولات الموغلة في النزعة الأنانية يتحتم على المجاهدين أن يتخذوا مواقف أكثر صلابة وأكثر ثباتاً تجاه أي أقلية تحاول استغلال الظروف والثغرات لتحقيق أهداف ومكاسب ليست من حقها أو تحاول اللعب على أكثر من حبل وفق أسس مصلحية لا مبدئية. كما يترتب على المجاهدين مد الأيدي وبناء العلاقات الأفضل مع بقية الأحزاب الجهادية من أهل السنة والتي تنتظم خارج الائتلاف السباعي، فمثل هؤلاء كان ومازال لهم دور مشرف في الجهاد وكانوا وما يزالون أحزاباً جهادية إسلامية من أهل السنة والجماعة، وكل ما في الأمر أنهم لم ينصهروا تحت الاتحاد السباعي لأمور سياسية. والخلاصة أن المطلوب من المجاهدين الفعليين رص الصفوف، وإزالة الخلافات الجانبية، والتنبه إلى ما يحاك لهم في الخفاء، ولاعذر لهم بادعاء الجهل بذلك، لأن القاضي والداني والعالم والجاهل أصبح على بأن الروس الذين عجزوا عن تنفيذ مآربهم بالقوة العسكرية المباشرة لمن يتخلوا عن استغلال نقاط ضعف محيطة بالمجاهدين إن لم تكن قادرة على هزيمتهم فهي لاشك ستجعل تحقيقهم لأهدافهم المشروعة صعباً، ولن يفشل هذه الخطة ويهزمها سوى الوعي والتعالي على الخلافات والعصبيات وإخلاص النية لله الذي يُعادَون من أجل التمسك بدينه لا لشيء آخر.

стр. 502

رحم الله الشيخ عبد الله عزام في يوم الجمعة ٢٦ ربيع الثاني / ١٤١٠ والموافق ١٤ /١١/ ١٩٨٩ امتدت يد الإجرام في مدينة بيشاور إلى الداعية المجاهد الشيخ عبد الله عزام فقتل مع ولديه ﵏، وقد كان في طريقه لصلاة الجمعة عندما فجروا سيارته على الطريقة (اللبنانية) ، وعلى الطريقة نفسها سيبدأ التحقيق وربما لا ينتهي إلى نتيجة. وإذا كانت الأنباء لم تذكر حتى الآن من وراء هذا الحادث اللئيم، فإننا نستطيع القول: إن الجهات التي نفذت هذا الحادث هي التي لا تريد المجاهدين العرب في بيشاور الذين جاءوا لمساعدة إخوانهم الأفغان احتساباً لله تعالى، وأرادت هذه الجهات أن تضرب أحد رموز هذه المشاركة كرسالة موجهة إلى البقية، ولكن هيهات.. فإن وقوف الشباب العربي المسلم مع الإخوة الأفغان هو رمز لمسيرة طويلة من الجهاد في أفغانستان وفلسطين، وأرتيريا، وغيرها من أنحاء العالم الإسلامي، وإن الدماء الفلسطينية التي سالت على ربى أفغانستان لها دلالة خاصة على هذا التواصل. هناك جهات كثيرة لا تريد هذا التواصل، ولا تريد أن يمتد هذا الجهاد إلى مناطق أخرى يحتلها أعداء الإسلام، والغرب والشرق لا يريدون شيئاً اسمه (الجهاد) وكان للشيخ عبد الله وللإخوة العرب الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني كان لهم دور في إذكاء هذه الروح بين الشباب المسلم، ولهذا السبب قتلوه، ﵀ وأجزل مثوبته، وعظم الله أجر أهله وإخوانه.

стр. 503

مسلمو الهند والتعصب الهندوسي لا يزال المسلمون في الهند يتعرضون بين الحين والآخر لموجات من التعصب الديني الهندوسي، وتقع المذابح الوحشية التي تدل على الحقد الدفين الذي تكنه صدور هؤلاء على المسلمين، وقد وردت الأنباء أخيراً بوقوع مثل هذه المذابح التي راح ضحيتها المئات من المسلمين، وذلك عندما قام الهندوس بتحدي مشاعر المسلمين في محاولة منهم لهدم المسجد البابري (نسبة إلى الملك بابر المغولي الذي بناه عام ١٥٢٨ م) وإقامة معبد لهم فوق أرض المسجد، ورغم أن هذا المسجد لا تقام فيه الصلاة إرضاء لمشاعر الهندوس منذ عام ١٩٤٨ عند انفصال باكستان عن الهند. جاءت هذه الأحداث قبل الانتخابات العامة، ومع أن المسلمين يدلون بأصواتهم (مع الأسف) لصالح حزب المؤتمر (حزب راجيف غاندي) إلا أن راجيف وقف صامتاً إزاء هذه الأحداث طمعاً في أصوات الهندوس. ونحن نقول للمسلمين في الهند: لا ينفعكم حزب المؤتمر ولا أحزاب المعارضة التي حققت تقدماً في الانتخابات الحالية ولا التعاطف والاحتجاجات الإسلامية - رغم أنه لابد منها - لا ينفعكم إلا أن تقفوا موقفاً موحداً، وأن يرد الاعتداء بمثله، وتدافعوا عن أنفسكم وأعراضكم وأموالكم، فالبكاء والصراخ والشكوى لا تأتي بطائل، ولكم في الشباب الفلسطيني المسلم، وأطفال الحجارة لعبرة، لماذا تساعدون الأحزاب الهندوسية؟ لماذا لا يكون لكم شخصيتكم المستقلة أم هو الإحساس بالضعف بسبب التفرق، وبسبب الآراء الضعيفة من الذين يحبون (سلام) غاندي! .

стр. 504

تركيا ... محاكمات تنتظر كنعان إيفرين انتهت الفترة الرئاسية للرئيس التركي كنعان إيفرين في ٩/ ١١/ ١٩٨٩ م ولكن هل سيترك إيفرين ليخلد للراحة باقي عمره في جو هادئ، بعيداً عن التعب والإرهاق والانشغال بالظهور أمام الشعب وإلقاء الخطب؟ والجواب: قد لا يكون ذلك، فهناك جهات عديدة تعتزم رفع دعاوى ضده، وقد بدأت بعض تلك الجهات فعلاً بالتحرك لتقديمه للمحاكمة. ويقول عزيز نسين - وهو أحد الذين ينوون ذلك -: سأرفع ضده دعوى جزائية لأنه هو المسؤول عن قيام الانقلاب العسكري، ويجب على الآخرين فعل الشيء نفسه، حتى لا يفكر عسكري مثله بالقيام بانقلاب آخر في المستقبل. وصرح أحد أعضاء حزب الشعب واسمه عزيز جواد قائلاً: سأرفع دعوى عليه لاستخدامه سلطاته في التأثير على قرارات رؤساء المحاكم. وقال أحد المتهمين في جمعية السلام، وهو كمال أناضول: إن كنعان كان يوجه التهم المختلفة ضد أشخاص أبرياء، وكان تصرفه هذا بعيداً عن الإنصاف، وكان قد تعدى صلاحياته المعطاة له لشعوره بالقوة، وقال: لن أنسى له ذلك، كما طالبت إحدى الصحفيات بالوقوف ملياً عند احاديثه وتصريحاته التي كان يُدلي بها أمام الشعب لما كانت تشتمل عليه من إساءة للدين وتطاول على أحكام الشريعة، لاسيما حجاب المرأة المسلمة، ومنعه المرأة من ارتدائه مما سبب ترك أعداد كبيرة من الطالبات للدراسة. هذا كله بالإضافة إلى تذمره وضيقه ذرعاً بمدارس الأئمة والخطباء. لقد فعل إيفرين كل ذلك تجاه الإسلام والمسلمين إلا أنه لم يتعرض يوماً لأديان الأقليات الأخرى. إن الشعب التركي المسلم لن ينسى لإيفرين هذه المواقف وسوف يطالب دوماً بمحاسبته. جريدة الوحدة الإسلامية ٣٠ /١٠/ ١٩٨٩م

стр. 505

قراءات تاريخية قتل العلماء إخضاع للأمة قد لا يعلم كثير من الناس أن الدولة العبيدية، والتي يسمونها (الفاطمية) كان من شرورها أن قتلت كثيراً من علماء السنة في المغرب العربي وغيره، واستمر هذا الشر في أحفادهم الإسماعيلية الذين مارسوا الاغتيالات لعلماء السنة. وهذه أسماء بعض العلماء الذين قُتلوا ذكرتهم كتب التراجم مثل سير أعلام النبلاء للذهبي: في سنة ٣٦١، وبعد أن استقر معد بن إسماعيل العبيدي الملقب (بالمعز) في القاهرة، أحضر بين يديه العالم أبو بكر النابلسي وجرى هذا الحوار بينهما: المعز: أنت الذي يقول: لو معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة والمصريين (العبيديين) بواحد. - لا، بل لرميتكم بتسعة ورميت الروم بواحد. - ولم؟ - لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية. فأمر المعز العبيدي بضربه بالسياط، ثم سلخ جلده، سلخه يهودي، ثم قُتل - ﵀، ولعنة الله على الظالمين. محمد بن الحُبْلي قاضي مدينة برقة، أتاه أمير برقة (العبيدي الفاطمي) فقال: غداً العيد، قال القاضي: حتى نرى الهلال، ولا أُفَطِّر الناس وأتقلد إثمهم، فأصبح الأمير بالطبول والبنود أهبة للعيد قال القاضي: لا أخرج ولا أصلي، فطلبه المنصور العبيدي (حفيد عبيد الله المهدي) فقال له: تصل وأعفو عنك فامتنع، فأمر به فعلق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلم يسق ثم صلبوه على خشبة [١] . ... ابن البَرْدون الإمام الشهيد تلميذ ابن الحداد، قتله أبو عبد الله الشيعي، وقال له لما جُرّد للقتل: أترجع عن مذهبك؟ فقال الإمام: أعن الإسلام أرجع، ثم صلب وقد كان بارعاً في العلم [٢] . ابن خيرون الإمام أبو جعفر محمد بن خيرون المعافري، أمر عبيد الله المهدي (مؤسس الدولة العبيدية التي تسمى بالفاطمية) أمر بأن يداس هذا العالم حتى الموت، فقفز عليه الجنود السودان حتى مات، وذلك بسبب جهاده وبغضه لعبيد الله وجنده [٣] . ابن قائد أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن قايد الأواني، زاهد، خاشع، ذو تأله وأوراد، قدم (أوانا) [٤] وأعظ باطني، فنال من الصحابة فحمل ابن قائد في محفة وصاح به: يا كلب، انزل، ورجمته العامة، فهرب وحُدّث (سنان) كبير الإسماعيلية في الشام بما تم لهذا الباطني فندب اثنين من رجاله فأتيا ابن قائد، وتعبدا معه أشهراً، ثم قتلاه، وهربا في البساتين فَنكِرَهما فلاح يعمل بمزرعته فقتلهما جزاه الله خيراً [٥] . ...

стр. 506

أخبار حول العالم فضائح الشيوعيين ما من يوم يمر إلا وتبرز الصحف على صفحاتها الأولى أنباء الإصلاحات الجذرية التي تمر بها أوربا الشرقية وما ترتب على ذلك من منح لبعض الحريات في بعض مرافق الحياة، ومن بين ما تمخضت عنه هذه الإصلاحات تخفيف القيود التي كانت مفروضة على الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، وسنورد فيما يلي مقتطفات من مقالات نشرت في صحف أوربية شرقية ووكالات أنباء كانت قد تناقلتها صحف عالمية وتكشف هذه المقالات عن حياة الرفاه والبذخ التي كان يعيشها أعضاء الأحزاب الشيوعية الحاكمة في وقت كان يصعب فيه على المواطن العادي تأمين قوت يومه إلا بصعوبة بالغة. ففي ألمانيا الشرقية كتبت صحيفة (ألمانيا الجديدة) مقالاً افتتاحياً في الأسبوع الأول لتسلم إدارة تحريرها الجديدة تساءلت فيه: ( ... من هم أولئك الذين يحرص رئيس نقابات العمال على تحقيق ... مصالحهم؟) ثم ذهبت الصحيفة تتحدث عن نمط الحياة التي كان يعيشها هذا ... المسؤول السابق فتقول:.. لقد كان للمسؤول حقل منعزل للصيد يقع على ... سواحل بحر البلطيق توفرت له كل مستلزمات الرفاهية والترف، ويشتمل الحقل على غابة يقوم ستة عمال على العناية بها لتبقى جاهزة طوال السنة، وقد كان هذا الحقل الذي تبلغ مساحته (٢٠٠٠) هكتار مخصصاً حسب القانون للاستخدام الشخصي للمسؤول، أما مسكنه الفخم الواقع في ضواحي مدينة برلين الشرقية فقد فرشت جميع غرفه بقطع أثاث فاخرة صنعت يدوياً من خشب البلوط، وقد وضع في كل غرفة من غرفه جهاز تلفزيون إلى جانب حمام ومغطس وحمام بخاري) . ويعلق المسؤول ذاته على ممتلكاته فينفي عنها صفة البذخ ويقول: إن ما أملكه لا يزيد على ماخصص لي كمسؤول في هذا المنصب، ثم يقول: إن من أهم الأولويات بالنسبة لي هي مصالح العمال! وذكرت الصحيفة أن هناك قصوراً فخمة أخرى لهذا المسؤول وكذلك لوزير الاقتصاد السابق في أماكن متفرقة من البلاد، وذكرت اللجنة البرلمانية التي تقوم بالتحقيق بتهم الفساد أن الملايين من الماركات قد سرقت من خزانة الدولة وأنفقت على شراء منازل فخمة لأقرباء كبار أعضاء الحزب بأثمان تنقص كثيراً عن قيمتها الحقيقية، كما كشفت اللجنة أن منازل باهظة التكاليف قد شيدت لأبناء رئيس وزراء سابق وأقرباء لأعضاء سابقين في المكتب السياسي للحزب. كما علم أن (اريك هونيكر) رئيس الوزراء المعزول كان يملك هو الآخر - مع أعضاء في الحزب الشيوعي-حقولاً للصيد تبلغ مساحتها (٦٧٤٥) ميل مربع لا تستخدم إلا مرة أو مرتين في العام، وأن ما بين (٥ - ٧) ملايين مارك ألماني كانت تسحب من خزانة الدولة للصيانة والعناية بهذا الحقول. وقد ذكرت وكالة الأنباء أيضاً أن أكداساً كبيرة من الأسلحة والذخيرة قد اكتشفت في منطقة الحدود، وأن سماسرة سلاح كانوا يسوقونها إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية باستخدام اسم إحدى شركات التصدير الألمانية كغطاء لعملياتهم. الفاتيكان والكرملين بعد قطيعة دامت أكثر من سبعين عاماً بدأت المياه تعود إلى مجاريها الطبيعة بين الكرملين والفاتيكان، وتم تمهيد الطريق لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بينهما وذلك أثر الزيارة التي قام بها ميخائيل غورباتشوف للفاتيكان في ١/ ١٢ / ١٩٨٩ وبعد ساعات من انتهاء الزيارة أعلن في موسكو عن إزالة عقبة مهمة كانت تقف عائقاً أمام إعادة العلاقات وهي السماح للكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية بإعادة مزاولة نشاطها بشكل قانوني بعد أن كانت قد منعت من ذلك بعيد الحرب العالمية الثانية في فترة حكم ستالين وضمت ممتلكاتها إلى الكنيسة الأرثوذوكسية. وقد اتسمت أجواء الزيارة بالدفء والبعد عن الرسميات، وأعرب الجانب السوفييتي عن ثقته بالدور الذي يمكن أن تؤديه الكاثوليكية في انجاح البروسترويكا، وأجرى الطرفان محادثات خاصة اقتصرت على شخصيهما دون الحاجة إلى مترجم، وفي نهاية الزيارة وجه غورباتشوف دعوة للبابا لزيارة الاتحاد السوفييتي إلا أن البابا علق قبوله للدعوة بمدى الإصلاحات التي وعد القادة الروس بإجرائها وفي ذلك إشارة منه إلى إعادة الصفة القانونية للكنيسة الأوكرانية، كما أكد البابا على ضرورة فسح المجال له لزيارة أوكرانيا فيما لو تمت الزيارة. كما أعلن الفاتيكان عن دعمه لسياسة إعادة البناء (البروسترويكا) التي ينتهجها غورباتشوف. التايمز ١، ٢ /١٢/ ١٩٨٩ م تصاعد نسبة الانتحار في الجيش الإسرائيلي مع دخول الانتفاضة الفلسطينية عامها الثالث، تشير الإحصائيات الإسرائيلية إلى ارتفاع ملموس في حالات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين، مما يثير قلق إسرائيل من انهيار معنويات جنودها. فقد أقدم في هذه السنة - ١٩٨٩ م - ما يقرب من خمسين جندياً على الانتحار، وهو ضعف عدد الذين انتحروا في السنه الماضية، وتنفي مصادر الجيش بقوة أن تكون هناك أية صلة بين ظاهرة الانتحار هذه وبين استمرار الانتفاضة، ووصف رئيس أركان الجيش عمليات الانتحار بأنها واقع أليم ووعد بأن تدرس هذه الظاهرة على أعلى المستويات، وأكد أن معدلات الانتحار في السنوات الماضية كانت أعلى مما هي عليه الآن إلا أنه لم يعط أية تفاصيل. وخلافاً لما صرح به رئيس الأركان فإن الإحصاءات تؤكد على أن معدل الانتحار بين أفراد القوات المسلحة في ازدياد مستمر. وتشير الأرقام الواردة من إسرائيل إلى تزايد في أعداد الجنود الإسرائيليين الذين يرفضون الذهاب إلى قطاع غزة والضفة الغربية حيث مسرح الانتفاضة، فقد سجن ما يقرب من مائة جندي لرفضهم أوامر الذهاب إلى هناك. ويقول الناطق الرسمي لمنظمة (لكل شيء حد) أن الأعداد الحقيقية للجنود الرافضين أكبر من ذلك بكثير وذلك بسبب اتفاق البعض مع قادتهم من أجل أداء الخدمة داخل إسرائيل. نيوزويك ٤/١٢/١٩٨٩، التايمز ٥/١٢/١٩٨٩ م نقشبنديون! قام البوليس في منطقة (لفكا) في قبرص التركية بمداهمة مكان لإقامة مريدين نقشبنديين وتم القبض على خمسة منهم عندما كانوا في ضيافة أحد شيوخ الطريقة. والخمسة المقبوض عليهم هم، قبرصي تركي واسترالي وثلاثة من الألمان وجرم هؤلاء كان حيازة وتعاطي المخدرات. وحسب تصريح مديرية البوليس فقد عثر في منزل شيخ الطريقة المخصص للضيوف على المخدرات التي كانت على شكل قوالب وسجائر.. وقد استمرت عملية المداهمة يومين واشترك فيها ثلاثون شرطياً، وتم استجواب ستين شخصاً من المريدين وقد كانوا من جنسيات مختلفة. جريدة قبرص التركية ٢١/٨/١٩٨٩ م

стр. 507

الحضارة المعاصرة ... الوجه الآخر اميركا: الصَيف الأسْوَد د. عبد الله أحمد عمر قد لا يتصور الإنسان مدى معاناة الأمريكان السود حتى تطأ قدماه الأرض الجديدة، هذه المخلوقات البشرية التي كرمت لإنسانيتها، تزهق معنوياً ومادياً وأخلاقياً وصحياً في ما يعرف اليوم بالعالم الحر.. والمتقدم. ولعل فترة الستينات من هذا القرن قد شهدت تحولاً كبيراً في أوضاع السود. فلأول مرة يعترف بهم كآدميين ويسمح لهم بممارسة حقوقهم المدنية التي تثير دهشة كثير منا من الذين يحملون خلفية راقية لمفهوم الإنسان كما حدده المنهج القرآني.. وأخيراً سمح للأمريكي الأسود الذي استوطن الأرض الأمريكية لقرون بأن يركب نفس الحافلة، ويأكل في ذات المطعم، ويرسل أولاده إلى تلك المدرسة التي ظلت مغلقة في وجهه مشرعة لذوي الدماء الزرقاء " السادة البيض " وظل الرجل الأبيض البروتستانتي غالباً هو المسيطر على السلطة حتى اليوم مع إعطاء حق الضجيج والاعتراض أو ما يسمى بحرية الرأي للأقليات المستوطنة مع مشاركة لها في السلطة حسب اتجاه رياح المصلحة. ويمكن القول أن الأقلية الوحيدة المستفيدة من هيكل السلطة الأمريكية هي الجالية اليهودية.. لحسن تنظيمها وتوزيع الأدوار فيما بينها بين أقصى اليمين إلى أكثر فئات اليسار تطرفاً.. وبين القوى المتدينة بالمفهوم المسيحي / اليهودي، أي بمفهوم العهد القديم، إلى أكثر الأصوات ارتفاعاً في صف العلمانيين: الليبراليين.. ولعل سائلاً يتساءل: أين الأقلية الكبرى عن هذه الحمى.. أعني أين السود عن التأثير في مجرى الأحداث.. مع كونهم أكبر الأقليات وأقدمها على الصعيد الأمريكي.. والجواب يأتي من خلال الأحداث المتلاحقة التي شهدتها أمريكا هذا الصيف، وبالذات نيويورك قلب أمريكا المتناقض فهي التي تحاول الإجابة عن هذا السؤال المحير..؟ ولتحدد قطعاً مدى " الحرية " " والمساواة " " والإنسانية " التي يرفع الغرب شعارها. صدر التقرير الفدرالي لهذا العام ليقول: إن الأمريكي الأسود قد تقهقر دخله مقارنة بأوائل السبعينات.. ففي حين شهدت معظم الأقليات ازدهاراً اقتصادياً؛ كان نصيب السود مزيداً من الفقر وأمراضه الفتاكة في مجتمع لا يقيم للإنسان قيمة إلا بقدر " القوة " التي كانت بصورة طلقات رصاص في عهد الأجداد من رعاة البقر. والتي أصبحت " الدولار " في عالم القرن العشرين. إن فهم عقلية الأمريكي مهم جداً. فمهما كانت شعارات الحرية، والازدهار الحضاري براقة فإنها تحمل لغة واحدة للتفاهم.. " القوة " لقد أزاح الأمريكي الأول خصومه من الهنود الحمر بها.. وثبت أركانه كأقوى قوة دولية من خلالها.. هذا على صعيد الأمة، أما الأفراد فإن القوة بشتى أشكالها كقوة التنظيم والضغط، وقوة التحالفات، وقوة المال بشكل خاص هي التي تصوغ مركز أي فرد علواً ونزولاً.. دع عنك كل تلك الشعارات الجميلة المهذبة.. فبقدر قوتك كفرد بقدر حاجة المجتمع من حولك لك، بقدر الكسب الذي تحققه في الحياة العامة مهما كنت عنصرياً، شريراً، حاقداً أو مدمراً.. إن اللغة هنا ليست لغة التهذيب، والتضحية والأخلاق.. هي ذات المفاهيم المتوحدة التي تأخذ صوراً متعددة غاية في السذاجة كقوة العضلات أو غاية التعقيد كقوة الضغط بشتى وسائله كما تتقنه بعض الشخصيات والأقليات التي فهمت بعمق العقلية الأمريكية العاشقة لهذا الاصطلاح. وهكذا فإن السود قد عاشوا مرحلة " تآكل " بطيئة فغدوا خلالها سلاحاً مهماً من أسلحة المقارعة لخصوم أخذوا في التضخم والنمو.. من الناحية المتفق عليها.. مادياً. ولم يكن هذا التقرير سوى اعتراف رسمي بمدى الظلم المحيق الذي يعيشه الإنسان القلق في هذه القارة ما لم يدرك خفايا اللعبة، لقد دفع الفقر هذه الأقلية إلى الجريمة بشكل بدا منظماً ومبرمجاً حتى اقترنت الجريمة بصورة الرجل الأسود وأخذ زعماء الجريمة البيض يتلاشون تدريجياً من ذهن الأمريكي ليحل محلها مفتولو العضلات، غلاظ الشفاة، قساة القلوب من السود. ولما عصفت مشكلة المخدرات بالمجتمع الأمريكي مؤخراً لتصبح الهم الأول لأمة ممزقة بمشاكلها الداخلية.. كان السود الأرض الخصبة لتسويق وترويج واستهلاك المخدرات هرباً من عالم قاس موحش لا يجدون فيه نافذة للأمل.. بينما وجد البعض فيه طريقاً لفرض مفهوم القوة من خلال الكسب الاقتصادي الضخم والسهل الذي تدره تجارة السموم. ومن خلال التراكمات المتلاحقة أصبح لون البشرة مرتبطاً بسلوك مشين، فكلما ازداد سواد البشرة قفز إلى الذهن بصورة تلقائية الجريمة، والمخدرات، والفقر، والضياع.. من خلال تعميق الصورة عبر أجهزة الإعلام الموجهة، وشهد الصيف المعركة الحتمية لذلك الصراع المتواصل وتلك الصورة المغروسة.. فالأمريكي الأبيض أصبح لا يريد أن يرى مجرد رؤية ذلك المخلوق المتوحش.. المجرم.. القذر.. وليس هناك أوضح من ذلك المثال الذي شهدته شوارع نيويورك في نهاية ليلة صيفية هادئة كان خلالها يوسف يبحث عن عنوان في حي غالب سكانه من البيض الذين رأوا في تواجده كارثة مزلزلة. إنها خلايا " الميلانين " التي تلون ذلك لآخر، وتصبغ صورته بتلك المشاهد المفزعة التي يراها (السيد) الأبيض من خلال وسائل الإعلام يومياً. وشرع السيد الأبيض في استخدام سلاحه القانوني وزاده الظافر " القوة " في صورتها الساذجة عضلياً.. مما أودى بحياة الفتى الأسمر على أيدي أربعة من السادة المهذبين، المتحضرين، المتواضعين جداً.. واجتاحت الحي الأبيض مظاهرات السود تندد بالظلم.. ولكن قطعان السادة اعترضتها لتردد تلك المقولة السمجة " نحن لسنا عنصريين.. ولكننا لا نحب السود.. فقط ". ولم يكن ذلك الصراع يأخذ جانباً واحداً، فقد أطلقت صناعة السينما خلال الصيف الماضي شريطاً يختلف عن أشرطة الغثاء والعبث الشيطانية، ذلك أن الشريط كتبه أحد السود وقام ببطولته وإخراجه وهو شاب في العشرينات من عمره، لقد رأى أن يستخدم صورة من صور القوة المؤثرة.. (الإعلام) فأطلق شريطه ... (المنعوت) بافعل الشيء الصحيح (Do the right thing) وخلاصته أن شاباً أسود يقتل على يد أبيض يملك مطعماً في حي غالب سكانه من السود.. الذين لا يحتملهم السيد الأبيض مما يعبر عنه من خلال تلك الجريمة.. الدامغة.. ولكن الشرطة التي يسيطر عليها السيد الأبيض تدافع عن المعتدي وتحميه من هؤلاء الرعاع.. فيثور الدم النافر في سكان الحي الذين يرون الظلم بأبشع أشكاله ينال من أعراضهم.. فيفعلون الأمر الصحيح في رأي الكاتب وهو أن يثوروا على السلطة الغاشمة وأن يستخدموا العنف والقوة التي لا يعرف (السيد) سواها عنصراً للتفاهم. لقد أثار الشريط موجة نقاش حادة خصوصاً أن نفس المفهوم الخاص بالقوة واستخدامها قد رفعه قبل ربع قرن المغدور به مالكوم اكس.. أو زعيم المسلمين السود الذي كان يمثل خطراً على أساسات الصراع الذي يسيطر عليه السيد الأبيض فسقط مضرجاً بدمائه.. بعد أن عرف أصول اللعبة. ويبدو أن تسلسل الأحداث قد دفع السود إلى إعادة التساؤل: (لماذا نحن؟ ! ومن نكون؟ ! وما هي هويتنا؟ ! وما العمل؟ !) وإن كانت تلك الأسئلة بديهية وأساسية فإنها تشهد عرضاً ملحاً وشهية مفتوحة للإجابة عليها.. لهؤلاء الذين جردوا من إسلامهم حينما جلبتهم سفن السيد المتحضر الذي عرف أن الرقيق المستعبد خطر عليه إذا حمل عقيدة.. مهددة لأصل حضارته.. فعمل بجد على تجريدهم من أهم أسلحة المواجهة.. وجعلهم نظرياً يحملون ذات الملة كأتباع في المعتقد كما هم أتباع في الرق. ويظهر أن الإجابة واضحة وسهلة كما هي عميقة ومتشابكة بفعل ضعف الطرح الإسلامي القوي الذي يعيد لهذه الفئة كرامتها وعزها وجذورها.. لكن جزءاً من المخطط الذي يتكشف لأمريكا السوداء يحتاج إلى جهد عميق وعمل مثابر.. وإن كانت الأحداث قد كشفت كثيراً من الأقنعة فإن الأسئلة الملحة تحتاج لأكثر من كشف أقنعة وفضح مخططات.. إنها تحتاج إلى توجه مباشر نحو الأسئلة الحادة التي يطرحها الإنسان المعذب عن هويته وأصله ومستقبله. إن هذا المأزق الذي تعيشه الأقلية السوداء في أمريكا لشاهد عيان على الظلم الصارخ لهذه الحضارة المعاصرة وإدانة واضحة للمبادئ الجوفاء التي تتغنى بها أمريكا اليوم، فهؤلاء القوم يحرمون من ممارسة حقوقهم المشروعة في ظل الهيمنة المبطنة للرجل الأبيض والتي تبدو شرعية في ظل قوانين المساواة التي تسطر على الورق.. أي أن عملية القهر تتم ضمن إطار الشرعية وحتى لو ارتفعت أصوات هؤلاء بالمساواة والمشاركة السياسية والاجتماعية لضمان حقوقهم فإنها لا يمكن أن تسفر عن واقع ملموس لأن الديمقراطية المزعومة تسمح للضحية برفع صوت الاستنكار والاحتجاج والمعارضة.. أما أن تتحول هذه الاعتراضات إلى قوة مضادة لدفع الهوان فهذا مالا يمكن أن يحدث حتى ولو لاكت الألسن شعارات الحرية والمساواة والانسانية التي تجيد استخدامها القوى المؤثرة في صنع القرار الأمريكي، لأنها شعارات وهتافات ليس إلا..

стр. 508

بأَقلام القرَّاء * كتب الأخ ياسر عبد العزيز طاكشندي هذه الكلمة بعنوان: يا إمامنا صل فإنك لم تصل إن مسئولية الإمام بالمسجد مسئولية من المسئوليات الجسيمة التي لا يعيها كثير من الأئمة والعلماء في عصرنا هذا، بل ولا يعيرها في أيامنا هذه الكثير ممن يقومون بالإمامة أي اهتمام. فإذا أردنا أن نلقي الضوء على أحد هذه الجوانب فأول ما يلفت انتباهنا هو الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁. قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل رجل صلى فقام فسلم على النبي ﷺ ، فقال: إرجع فصل، فإنك لم تصل، فعلها ثلاثاً، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. وإذا ما نظرنا إلى موقف النبي الكريم ﷺ في الحديث الذي ورد آنفاً فإنه رغم أن النبي كان جالساً مع أصحابه يحدثهم إلا أنه لم تفت عليه أن يراعي شئون المصلين في المسجد والنظر في صحة صلاتهم، بل ولم يكتف بذلك مرة بل فعلها ثلاث مرات وهو يراقب هذا الرجل. والمتمعن في سيرة الرسول ﷺ وصحبه الكرام يجد أن القيام بمهام الإمامة ليس عبارة عن طقوس وحركات يؤديها الإمام ويكررها المأمومون خلفه، بل يتعين عليه أن يراعي من هم حوله فهذا من مسئولياته وكما قال الرسول ﷺ : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وهذه المسئولية تتفاوت بحسب القدرة. فيجب على الإمام مراعاة شئون من حوله جميعاً سواء كانت مما يتعلق بأمور الدين، أو الدنيا، ذلك لأن الإسلام لم يفرق بين أمور الدين والدنيا لأنه نظام حياة كاملة وشاملة لأعمال الإنسان المسلم في جميع أحواله، وأطواره، لكن الذي فرق أمور الناس بين دين ودنيا هم العلمانيون وجميع أعداء الإسلام، حتى صرنا مقتنعين بما أملاه الغرب - وأذياله من العلمانيين - علينا من التفرقة بين الدين والدنيا. فهل لأئمتنا ولنا أن نعي الدور المنوط بنا تجاه ربنا ثم تجاه مجتمعنا الذي نعيش فيه؟ .

стр. 509

* ومن الأخ أحمد منصور المنصور من الرياض جاءتنا هذه المساهمة: الكلام والعمل لا تعجز اليوم أن تجد في الأمة متكلمين كثيرين يحسنون تنميق الكلام ويتشدقون به، ولكنك ستجد مشقة وعناء في الحصول على من يعمل بعلمه، فهؤلاء وجودهم عزيز وهم في الأمة قليل، وعلمهم حجة لهم لا عليهم، وسواهم ممن لا يعمل بعلمه علمهم حجة عليهم يوم القيامة. ولقد كان سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- لا يتجاوزون العشر آيات من القرآن حتى يعرفوا معانيهن ويعملوا بهن، وعلى هذا فالاقتصاد في الوعظ من هدي النبي ﷺ ، فعن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني اكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. متفق عليه. وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة» رواه مسلم. فانظر رحمك الله كيف جعل النبي ﷺ طول صلاة الرجل وكثرة عمله، وقصر خطبة وقلة كلامه؛ علامة على فقهه، وما أكثر تعليم النبي ﷺ أمته وأمره إياهم أن يفعلوا فعله في مثل قوله - ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله - صلى الله عليه وسلم-: «خذو عني مناسككم» ، وصدق الله العظيم إذ يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] . فهل يعي هذا المسلمون عامة والدعاة منهم خاصة، فرب داعٍ إلى الله بخلقه وعمله قبل دعوته لهم بكلامه ومثل هذا دونه خرط القتاد، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى أمثال هؤلاء، إلى من يكون قدوة حسنة تتمثل فيه تعاليم الكتاب والسنة كما كان النبي ﷺ أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، نسأل الله أن يمن على الأمة بأمثال هؤلاء إنه جواد كريم.

стр. 510

الصفحة الأخيرة الشكلية عبد القادر حامد إن الشكلية جسم بلا روح، ففي الأعمال؛ إذا لم يكن هناك إخلاص؛ يفقد العمل قيمته وتأثيره، فالإخلاص هو روح كل عمل، العبادة - مثلاً - إذا لم تكن قائمة على إخلاصها لله، وتنبثق من تحرير القصد له وحده لاتقبل ولا تثمر أثراً، وتصبح مجرد حركات عضلية وتمتمات لسانية قد ينخدع بها من يراها، ولكن الله تعالى لا يعدها شيئاً، ولا يعبأ بصاحبها ولا يقيم له وزناً. وقل مثل ذلك في المبادئ؛ كل مبدأ له حقيقة هي روحه، خذ الديمقراطية التي يتغنى بها الكثير من المسلمين، ويتصورونها المنقذ، فقد استوردوا شكلها ولم يستطيعوا استيراد روحها، (ربما لغرابة هذه الروح عن محيطهم في أصل منشئها!) فصار عندهم قانون انتخاب، وأبنية يطلق عليها اسم البرلمانات أو مجالس الشعب أو الأمة، وأشخاص يطلق عليهم اسم نواب وممثلين، ومعارك انتخابية، وصناديق وبطاقات اقتراع، وغيرها من مفردات الديمقراطية، ولجان برلمانية، وقوانين تقدم لإقرارها أو رفضها. إن كل أشكال ورموز الديمقراطية قد تجدها هنا، أو هناك في عالمنا العربي والإسلامي، ولكن شيئاً واحداً مفقود لا تحس له ظلاً، ولا تشم له رائحة وهو الروح في هذه المفردات والأشكال، الروح التي توفر الكرامة، وتلبي الرغبة المشروعة، وترفع الرؤوس التي كادت تعتاد الانحناء من تواتر الظلم والقهر. وإذا انفقت عمرك تبحث عن هذه الروح المفقودة فلن تجدها، لأن ما استوردناه في الأصل استوردناه جسداً بلا روح، وكنا مثل بني إسرائيل حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، [قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إلَهاً وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ] [الأعراف: ١٣٨-١٤٠]

стр. 511

رجب - ١٤١٠هـ فبراير - ١٩٩٠م (السنة: ٤)

стр. 512

الافتتاحية هل هناك أمل في صلاح حالنا؟ -التحرير- للإجابة على هذا السؤال لا بد أولاً من الإشارة إلى هذه الحال التي نطلب لها الصلاح: هل هي سيئة ومضطربة وتحتاج إلى إصلاح؟ والجواب: نعم إن حالنا- نحن المسلمين - قد بلغت من السوء حداً لا يرضى عنه مخلص، ركود وكل شيء من حولنا يتغير، وجمود وكل ما نراه تحت أقدامنا يتحرك، وعدم مبالاة بعظائم الأمور، واهتمام بسفسافها، وفي حين تبدو بوارق أمل هنا وهناك في أنحاء متفرقة من عالمنا الإسلامي؛ لكن هذه البوارق سرعان ما تنطفئ فكأنها لمعة برق في ظلام متراكم أو سراب بقيعة! هناك من لا يرى أملاً في حاضر ولا مستقبل، ينظر من حوله فيرى الحياة مُسَمّمة، فساد تضج منه الأرض والسماء، غش وخداع يقدم بصورة إخلاص وتفانٍ، وجبن متحكم تقدمه وسائل الإعلام المحترفة على أنه الشجاعة والنخوة، معارك مختلفة يخرج منها نكرات أبطالاً، ومعارك حقيقية يغفل دور مديريها، محاباة للأقارب والمحاسيب ولو كانوا سفلة معتوهين، وإقصاء للأكفاء الأحرار الذين يعانون الكبت والتجاهل، أو يدفعون دفعاً لخدمة الأمم الأخرى التي تقف بالمرصاد للمواهب التي لا يعرف أهلها لها قيمة. ليل مطبق بظلمات بعضها فوق بعض من أخرج يده فيه لم يكد يراها.. هذا ما تراه العين، أما ما غاب عنها فيحتاج إلى مواهب أدبية جبارة لتصفه بصدق. وتحيط بخطوطه ودهاليزه. إن سوء الأحوال الاجتماعية يزداد طرداً بتناقص أثر الدين في المجتمع، وعلى الرغم من أن المسلم يعتقد أن الله حافظ دينه، وناصر أولياءه؛ وأنه لا يخلي الأمة من قائم بالحق داع إليه إلا أنه ليس من الحكمة ولا من تمام الوعي أن يتجاهل الهجمة الشرسة التي تشتد على الإسلام يوماً بعد يوم بل ساعة بعد ساعة. ومع أن الإسلام يكسب كل يوم حجة جديدة، ويؤيده الله بمؤيدات عديدة، إلا أن حكمته تعالى اقتضت أن هذا الدين كلما تأكدت حججه وتبلجت أمام الأنظار براهينه؛ ابتلى الله أتباعه بصنوف جديدة من الابتلاء، وعرضهم لأساليب من الكيد قد لا يكون جربها فيما سبق نمرود إبراهيم وفرعون موسى. إن أساليب المكر والقهر التي تجرب على دعاة الحق في البلاد الإسلامية إن اختلفت في صورها وأشكالها، فهي تلتقي مع الأساليب القديمة - التي عومل بها الدعاة إلى الله على مدار القرون - في نتائجها وآثارها. مهما اختلفت الأساليب: بين صلب وقتل وتعذيب، بين تجويع وتضييق وتنكيل، بين وضع الصخور على الصدر والظهر في الرمضاء الملتهبة أو بين استعمال الوسائل الحديثة التي تفتقت عنها العقول الشيطانية، أو تعذيبه عذاباً نفسياً كالإهانة والإذلال واقتحام الخصوصيات وافتراء الفضائح وإلصاقها به ... لكن النتيجة هي هي: الموت أو النفي أو الجوع أو الإذلال أو الحبس. ما موقف المسلم من هذا كله، من اشتداد وطأة التعذيب والمطاردة وافتراء الأكاذيب وتشويه الحقائق وليّ الوقائع؟ هل يتخلى عن دينه؟ وهل يتنازل عن أوليات عقيدته وأساسيات يقينه ابتغاء السلامة، وإيثاراً للعافية، وموافقة لدعاة الفتنة؟ ! كلا، كلا. إن المسلم سيظل يقرأ القرآن ما دام هناك قرآن. وسوف يمر في قراءته على هذه الآيات من سورة العنكبوت [الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ومَن جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] [العنكبوت: ١-١٦] . وسوف يظل يتساءل في نفسه: من هؤلاء الناس؟ وما الفتنة؟ وكيف تكون؟ من المؤمن الصحيح؟ ومن المؤمن الكاذب؟ من الذين يجترحون السيئات ويحادون بها الله؟ من المجاهد؟ ثم هل لهذه المصطلحات مقابل في هذه الأزمان؟ هل هناك أناس يؤمنون إيماناً قولياً وآخرون يؤمنون إيماناً عملياً؟ هل هناك من يتعرض للفتنة؟ من هم، ما مواصفاتهم؟ من الفاتنون؟ ما حقيقتهم من يمثلهم؟ هل في الأرض الإسلامية من يحارب الله بالمعصية ويتجرأ على شرع الله بالهزء والسخرية؟ هذه الآيات - وغيرها كثير في القرآن الكريم - تطرح أسئلة كثيرة تتطلب من المسلم التالي للقرآن أجوبة، وهذه الأجوبة موجودة سواء عالن بها المسلم أم لم يعالن، وهي أجوبة ينبني عليها موقف لا بد له منه شاء أم أبى. إن حياة الأمة الإسلامية مرتبطة بهذا القرآن فهماً وتطبيقاً ومواقف، فإذا حملت الأمة هذا الكتاب بقوة، وفهمت وقاست واقعها عليه كانت أمة إسلامية حقاً، وإذا رضيت أن يتلى في المساجد فقط تلاوة لا روح فيها، أو يحمل للبركة أو يتلى على الأموات فقد فقدت عنصر الحيوية فيها كأمة إسلامية متميزة وانخرم من إسلامها بمقدار ما انخرم من فهمها لما يمثله القرآن في بنائها. إن المسلم التالي للقرآن لا يفقد الأمل أبداً، يلمح سنة الله في تصارع الحق والباطل؛ فيعلم أن الباطل مهما تضخم وانتفخ وتجبر لا بد أن يذهب مخلفاً وراءه اللعنة عليه وعلى دعاته وحراسه، وأن الحق هو القاعدة التي بني عليها الكون، والباطل هو الشذوذ. وإن أشد حالات الباطل سوءاً ضرب العبودية على الشعوب والجماعات، ونصب الأفراد المغتصبين ما ليس لهم من صفات وحقوق آلهة يُسَبَّحُ بحمدها بكرة وعشياً، وجعلها مصدر النعمة والإلهام لجموع عريضة من البشر، واحتكارها المنافع، وادعائها ما لا تعرف من الفضائل ... إن الجموع التي تقاد بهذه الطواغيت، وتساس بمثل هؤلاء المفلوكين جموع بطن الأرض خير لها من ظهرها، هذا إذا لم تنفض عنها غبار الذل المضروب والعبودية الباطلة. بعض الناس الذين يتملمون من وقع الظلم في ديارنا مشغولون بعقد المقارنة بين ما عايشوه وما بين ما عايشته شعوب أوربا الشرقية. ويفركون أيديهم توقعاً للنهاية التي حلت بطواغيت شرقي أوربا أن تحل ديارهم، والرياح التي هبت هناك فكنست ممن كنست؛ أن تواصل مسيرها حتى تصل إليهم فتفعل ما يتمنون! ولا نستطيع أن ننكر وجوه المشابه بين ما عندنا وما عند غيرنا من أشكال العسف والجَبَرية، ولكن كم هو مفيد أن نتذكر أن هناك اختلافات لا بد من وضعها في الحسبان حتى لا نستعجل في التوقعات. ومن ذلك: ١ - إن أجهزة الإعلام الغربية لعبت دوراً لا يستهان به في سقوط رموز الشيوعية، وهيأت الرأي العام في تلك البلاد ليضغط ضغطاً بعيد الأثر. أضف إلى ذلك دور الكنيسة (الكاثوليكية) بوجه خاص. في حين ليس لنا صحافة حرة فاعلة، والإعلام الغربي يقف على الحياد، ويصمت صمتاً مشبوهاً تجاه قضايا العدالة والحرية في العالم الإسلامي، وكذلك ليس عندنا جهاز مستقل له أثر كالكنيسة الكاثوليكية، يعبر عن ضمير الأمة الإسلامية. ٢- قيض الله لأكبر دولة ابتليت بالسيطرة الشيوعية رجلاً أوتي الجرأة أن يعترف بمفاسد هذا النظام، وما جره على محكوميه من نكبات (ولسنا معنيين بما إذا كان غورباتشوف مخلصاً للدعوة الشيوعية أو غير مخلص؛ يريد أن يهدم هذا النظام من أساسه، أو يبحث عن دور تاريخي عن طريق إصلاح الشيوعية) فلما وجد هذا الشخص وجهر بما جهر به تبينت تلك الشعوب أنه يمكن تحدي تلك الأنظمة غير الأصيلة التي تستمد قوتها من ذلك النظام المنخور الذي لم يعد بإمكان أحد أن يدافع عنه. أما نحن فإن سوء أحوالنا لم يسببه استمدادنا الشرعية لا من (غورباتشوف) ولا من (بوش) بل إن الطغيان الذي يمارس علينا عميق الجذور بعيد الغور، طغيان متوارث مرد عليه وارثوه، ومرنت عليه المخلوقات التي يطبق عليها. إن ما يسود في بلادنا ليس شيوعية حتى إذا تأثرت الشيوعية تأثرنا، ولا اشتراكية حتى إذا ما عدلت الاشتراكية عدلنا، ولا رأسمالية شبيهة برأسمالية الغرب، إن ما يسود في بلادنا هو خليط عجيب فيه من كل نظرية خرقة ومن كل فلسفة مزقة، ومن كل واد عصاً، وإذا ما ذهبنا نقيس ما عندنا على ما عند غيرنا أعيانا القياس وأصابتنا الحيرة. وفي الجملة إن ما أصاب شعوبنا الإسلامية من تردي أحوالها، وضربها بالتفرق، وإذكاء نار العداوة بينها، وتسليط لئام الخلق يتحكمون بها، ويجرون عليها سياساتهم ومخططاتهم، وغير ذلك من أنواع البلاء ... كل ذلك بسبب إعراضها عن الله، وتضييعها المنهج الذي يعصمها من ذهاب الريح، والضلال عن الحقيقة. ولن يكون هناك أمل في إصلاح، وانتقال من التيه والضياع إلى الطريقة الواضحة الموصلة إلى ما ترجو إلا بعثورها على هذا المنهج وتمسكها به. وليس من طريق إلا الإسلام ولا من منهج إلا القرآن الكريم وسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»

стр. 513

في إشراقة آية [فاعتبروا يا أولي الأبصار] د. عبد الكريم بكار هذه آية جليلة الشأن في الكتاب العزيز سرت مسرى المثل، وذاعت على الألسنة والأقلام؛ لأنها تعني وجوب الاستفادة من تراكم الخبرات البشرية، وأخذ العظة والعبرة من أحوال الأمم السابقة، والمعاصرة، وتوفيراً للجهد، واختصاراً للطريق، وفراراً من عذاب الله تعالى ... وقد قص الله تعالى علينا في سورة الحشر قصة جلاء بني النضير من المدينة إلى خيبر والشام مبيناً وقوع ما ليس في الحسبان، فقال تباركت أسماؤه: [هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] [الحشر: ٢] . لقد كان خروج بني النضير في تلك الصورة المهينة الذليلة حدثاً بعيداً عن أذهان بني النضير وأذهان المسلمين لأن الأسباب المادية التي أخذ بها القوم كانت على درجة من الإتقان والإحكام تحول دون تصور ما وقع.. ولكن العزيز الجبار الذي لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه أتاهم من حيث لم يحتسبوا أتاهم من الداخل، فألقى في قلوبهم الرعب، فخارت عزائمهم، وأدركوا أن قوتهم ما عادت تغني عنهم شيئاً. وما أشبه الليلة بالبارحة ! ! فهذه هي النظرية الشيوعية تنهار اليوم في أسرع مما كان يدور في خلد البشر، وهذه هي مئات الألوف من الكتب والمجلدات التي سطرت في فلسفة النظرية وترويجها وتكييف البشر معها تغدو رماداً تسفوه رياح التغيير العاتية في وجوه السدنة والكهنة والمرتزقة والأذناب وأشباه الأذناب.. لقد كان سقوط النظرية الشيوعية أمراً لا مفر منه، ولكن المذهل هو انهيار البناء الذي أنفق فيه ثلاثة أرباع القرن من الزمن مع ملايين الأنفس وما لا يحصى من الآلام والعذابات وصنوف المعاناة الإنسانية في أسرع من لمح البصر. قد كانت أفكار (كارل ماركس) رد فعل لحرمان طويل ومعاناة شخصية قاسية. والناموس العام لردود الأفعال البعد عن الموضوعية وفقدان الاتزان. وقد قبل أفكار (كارل ماركس) في البداية صنفان من البشر: صنف طحنه الظلم والحرمان، وتقلب دهراً في التعاسة، وطرق كل باب للخروج من نفق الظلمات الذي ولد فيه فإذا بنظرية تعده بجنة على الأرض تنسيه طعم كل ما مضى من العناء والبلاء، فهبَّ إلى اعتناقها والترويج لها على أنها الحل الأخير والمخرج الوحيد. والصنف الآخر - وهم الكثرة من الأشياع - وجد في السلطات المطلقة التي تركزها النظرية في قبضة الحزب الشيوعي والدولة الماركسية ما يلبي من خلاله كل طموحاته الشخصية من الجاه والمال والتسلط، وما يتفرع عن ذلك من شهوات وملذات ومصالح.. ولم يمض وقت طويل حتى أدرك الذين كانوا يحلمون بالفردوس أن الخبر غير الخبر وأن المحصول غير المأمول.. ولكن إدراك الشعوب كثيراً ما يأتي متأخراً بعد فوات الأوان.. فقد ركزت الحكومات البلشفية المتعاقبة على صناعة السلاح دون باقي الصناعات حتى تتمكن من كسر شوكة أي معارضة محتملة للثورة على حين أنها لم توفر لشعوبها أحذية جيدة تنتعلها.. وجمعت إلى ذلك تجنيد عشرات الألوف من المخبرين السريين الذين يحصون أنفاس الشعوب ويعدون نبضات قلوبهم. ولجأت الشعوب إلى سلاحها الماضي وحيلتها الأخيرة، فشرعت في المقاومة السلبية، وأدارت ظهرها لخطط التنمية المتعاقبة التي كانت تضعها الحكومات الشيوعية. ومن البدهي أن الحكومة تخطط وأن الشعب ينفذ فإذا لم ينفذ الشعب كانت الخطط حبراً على ورق أو صرخة في واد، وهذا ما جرى لقد كان كل عام يمر يعنى مزيداً من الفروق المعيشية والحضارية بين أتباع الشيوعية وأتباع الرأسمالية، وحين انهار جدار (برلين) أدرك الألمان الشرقيون - الذين كانوا يُدلُّون بأنفسهم على أشياعهم من أبناء أوربا الشرقية- الفجوة الضخمة التي تفصلهم عق الألمان الغربيين، فالدخل عند الغربيين عشرة أضعاف الدخل عند الشرقيين، والهواتف عشرة أضعاف وأعداد السيارات مضاعفة وهكذا على هذه اللازمة.. وفى اعتقادي أن الأحزاب الشيوعية انهارت بهذه الصورة؛ لأنها عجزت عن بناء حضارة مناسبة للعصر تغني شعوبها عن تكفف الآخرين وتوجد الثقة بالأسس النظرية التي قامت عليها، وأسباب أخرى من هذا القبيل لا نقصد هنا إلى تعدادها. هل من معتبر؟ كانت الأحزاب الشيوعية والحكومات التابعة لها بحاجة إلى نوعين من المراجعة: الأول: مراجعة أصول النظرية وقواعدها الأساسية والتي أثبتت السنين أنها خيالية ومتناقضة. الثاني: قياس آراء النظرية من خلال الواقع الذي أفرزته التجربة الطويلة، لمعرفة مكامن الخلل ومواضع الداء في النظرية والتطبيق. ومع أن (برجنيف) كان يقول: إذا لم نستطع كشف الأخطاء قتلتنا، فإن سدنة الأحزاب الشيوعية بدءاً بقائل هذه الحكمة لم يستطيعوا الكشف عن أي خطأ ذي شأن فضلاً عن القدرة على الإصلاح. وكان الشغل الشاغل هو التبرير والدفاع والثناء بالجملة على الوضع القائم. وفى عالمنا الإسلامي اليوم الكثير الكثير من الأخطاء وأصناف القصور على المستويات كافة. ووجود الأخطاء أمر طبيعي؛ ذلك لأن حركة الزمن تدع الكثير من الجديد بالياً، وتوجب استمرار الاجتهاد والتكييف بين المبدأ والمصلحة، وبين الوسائل والغايات، وبين الأساليب والأهداف. وخلال عمليات التكييف هذه تحصل مفارقات تحسب للأمة تارة وعليها تارة أخر ى. والأمة الحية اليقظة لا تكف أبداً عن عمليات المراجعة وقياس أداء المناهج والأساليب والأصول، كما لا تمل من بحث المعوقات وطرح الحلول لها. وإذا كان الآخرون يحتاجون إلى نوعين من المراجعة فإننا بحمد الله نسير في طريق لاحبة رسمها الأصفياء الأولون من رسل الله وأوليائه، ومن ثم فإننا بحاجة إلى نوع واحد منها، وهو التأكد من موافقة خطانا لروح الشريعة الغراء ونصوصها ومدى توفر الشروط النفسية والاجتماعية التي يجب توفرها في حياة خير أمة أخرجت للناس. وتتشخص هذه المراجعة في المفردات التالية: ١ - امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء وأنواع التقصير في مسيرتنا الحياتية. ٢ - التفريق الدقيق بين الأمراض وأعراضها حتى لا نعالج مظاهر المرض وأعراضه ونترك حقيقته، فيكون العلاج مؤقتاً. ٣-البحث في البنى التحتية لتلك الأخطاء للوقوف على عللها الأولى وأسبابها الحقيقية اهتداء بقوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ] [العنكبوت: ٢٠] ٤- التغيير في برامجنا وأساليبنا بما يتناسب مع نتائج تلك المراجعات. ٥- وضع صمام الأمان الذي يحول دون تكرار الوقوع في تلك الأخطاء. ٦- غرس روح تحمل المسؤولية في أفراد الأمة والتربية على الشجاعة الأدبية الباعثة على محاصرة الخطأ والنقد البناء، وتنمية روح المبادرة الفردية لديهم. وإذا فعلنا هذا فإنا نكون قد ضمنّا استمرار الثقة بأصولنا الاعتقادية والفكرية، وأوينا إلى ركن شديد يعصمنا من الأعاصير العاتية والانهيارات المدمرة. وليس هذا على وارثة تراث الأنبياء والمكلفة بتبليغ الكلمة الأخيرة بعزيز. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 514

خواطر في الدعوة بين يدي الدعوة محمد العبدة إن وسائل دعوة غير المسلمين كثيرة، والداعية الموفق يختار من الأساليب ما يشعر أنه مؤثر وناجح، وبعض الناس قد لا يستجيب للدعوة إلا أن يرى شيئاً عظيماً يجعله يقف مبهوراً معجباً، شيئاً يشده إلى الإسلام شداً، ويأسره أسراً ويجعله يعيد حساباته ويفكر بعمق ويقارن بين الماضي والحاضر ثم يتخذ في نفسه القرار. لقد قرر أن يستسلم ولكنه استسلام الحازم المطمئن الذي عرف الحقيقة فعلاً وليس استسلام العاجز أو صاحب غرض. هكذا وقفت ملكة سبأ التي كانت تعبد الشمس هي وقومها عندما دعاها سليمان ﵇ إلى الإسلام أبت أن تنقاد مع اعترافها بضعفها أمام قوة سليمان وجنوده، ولكن عندما دخلت الصرح وحسبته لجة [قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [النحل: ١٤٤] لقد عُرضت عليها مظاهر القوة الخارقة لتؤثر في قلبها وتقودها إلى الإيمان، وفى الإسلام ليس الأصل هو المعجزات المادية - وإن جاءت عفواً وإكراماً فلا بأس- ولكن أليس التزام المسلم بدينه وتطبيقه في كل شئون حياته أكبر معجزة. وفى قصة إسلام خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه خرج من مكة ميمماً شطر المدينة فلقيه في الطريق عمرو بن العاص ﵁ فقال له: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: لقد استقام الميسم (وضح الطريق) وهاجرا معاً إلى المدينة. إن خالداً قائد عسكري فذ، ولا يخفى عليه أن انتصارات محمد -صلى الله عليه وسلم- إنما هي انتصارات دين سماوي، انتصارات نبي يمثل الكمال البشري مؤيد من الله يسدده ويرشده، وبعد معارك وصراع من بدر إلى الحديبية استسلم خالد بن الوليد ولكنه استسلام القوي العاقل الذي يعرف مواقع الحزم واتخاذ القرار المناسب. وقد سمعنا في العصر الحديث أن بعض الكفار من الأوربيين أسلموا عندما رأوا صفوف المسلمين في الصلاة، وخشوعهم وإقبالهم على الله. قال الفيلسوف الفرنسي (رينان) : (كلما رأيت صفوف المسلمين في الصلاة أتأسف أني لست مسلماً) إنها كلمة صدق من كذوب، فما الذي يمنعه عن الإسلام. إن عرض الإسلام عرضاً جذاباً مع العلم الراسخ قد يكون من المؤثرات الفعالة في إقبال الناس على هذا الدين، كما وصف ابن عباس ﵁ حين فسّر سورة البقرة في أيام منى من الحج، قال من سمعه: (لو سمع تفسيره يهود أو نصارى لأسلموا) وإن أعظم دعوة للإسلام هو التزام المسلمين بشريعة الإسلام وشعائره وآدابه وأخلاقه، وإصرارهم على هذا، وتحديهم للمجتمعات المنحرفة.

стр. 515

في المنهج والاستدلال أثر الاجتهاد في المحافظة على منهاج الأمة وعقيدتها د. عابد السفياني المحافظة على التزام هذه الأمة بعقيدتها ومنهجها: إن المجتمع الإنساني لا بد له من الحركة والنمو، لأن هذه هي طبيعة الإنسان الذي كلف بمهمة إقامة الخلافة على هذه الأرض ... ويشترك المجتمع الإسلامي مع سائر المجتمعات التي تحكمها المِلل الأخرى في هذه الخاصية ويفترق عنها في أمور منها: أ-أن المجتمع الإسلامي يمثل الأمة الواحدة للبشرية جمعاء، فلا يعرف القوميات، بل يعيش الناس فيه أمة واحدة ولو كانوا من شعوب وقبائل مختلفة. ب -أن مهمته إقامة الخلافة على الأرض طبقاً للمنهج الرباني لا كما تصنع المجتمعات الأخرى في إعراضها عن هذا المنهج. ج -أن مهمته القوامة على البشرية: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس] [البقرة: ١٤٣] . [ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١٠٤] . فهو مجتمع يشترك مع المجتمعات المخالفة له في خاصية الحركة والنمو والتأثر والتأثير، ويفارقها في كونه مجتمع عقيدة ربانية ومنهجاً إسلامياً مهمته إقامة الخلافة على الأرض والقوامة على البشرية ... ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بطريق الاجتهاد. فالاجتهاد وهو عنوان (الحركة والنمو) هو السبيل الوحيد لحفظ توازن المجتمع الإسلامي، ولا يقوم إلا بعد عمل وتفقه ينتشر ليغطي أكبر مساحة من المجتمع الإسلامي، وهذا طريق لحفظ رسالته، ومن هذا الجهد ينشأ عمل خر على مستوى أكبر يتدرج حتى يسلمنا إلى مرحلة وجود المجتهدين ... وإلى هنا يتحقق لنا أمران: أ - قيام المجتمع بنشر الوعي الديني عن طريق تفقه الأمة في العلم.. وهذه هي القاعدة التي ينبني عليها ما بعدها. ب -ظهور صفوة من الفقهاء يمثلون أهل الاجتهاد. وبهذا يحفظ توازن المجتمع الإسلامي فحركته ونموه الطبيعيان اتجها اتجاهاً سليماً ونتج عن ذلك عمل إيجابي فهو من جانب حفظ جهد الأمة من أن يضيع وينحرف، ومن جانب آخر حمل الأمة على أداء رسالتها الخاصة بإقامة مجتمعها على المنهج الرباني. ومجتمع كهذا لا بد وأن تنتشر رسالته لأنه قد مثلها في نفسه أحسن تمثيل، وهي رسالة الدين الخاتم الذي يحقق العدل الرباني في الأرض فإذا حدثت مرحلة التأثر والتأثير أو قل: زادت وقويت فإن المجتمع الإسلامي يحمل معه عدته وسلاحه، ومن أعظم عدته وسلاحه (الاجتهاد) . إن المجتمع الإسلامي كما يريد أن ينشر المنهج الرباني في الأرض - على الطريقة الربانية- فإن المجتمعات المخالفة تريد أن تدس جاهلياتها وانحرافاتها في المجتمع الإسلامي أو تقذفها فيه ... وهي لا تصنع ذلك إلا وهو محفوف بكثير من المغريات المادية التي تشتمل على نفع محض بل وفيها حاجيات وضروريات، وقد يكون المجتمع الإسلامي في بعض الأحيان لا يمتلكها ولم يقدر بعد على تصنيعها.. وهنا إن لم يكن المجتمع الإسلامي يملك عدة (الاجتهاد) يضعف أمام هذه المغريات ثم يفقد توازنه ويبدأ تأثير الغزو الفكري يعمل عمله فيه، وأما إن كان يملك هذه العدة فإن موقفه سيكون إيجابياً ونذكر من آثار هذا الموقف ما يؤكد ضرورة الاجتهاد للمجتمع الإسلامي ومنها: ١- أثر الاجتهاد في رفع معنوية الأمة وزيادة إيمانها بمنهجها الرباني. بيان ذلك: أن الأمة التي تبذل جهدها في بناء أفرادها على منهجها الخاص عن طريق التربية والتعليم ونشر مفاهيم دينها نشراً صحيحاً وتعرف رسالتها حق المعرفة؛ أمة ولاشك قوية معنوياً، وهذه هي القاعدة التي ينبثق عنها الاجتهاد كما سبق وأن قلنا. وأما زيادة الإيمان بهذا المنهج الرباني فيكون بأن يعلم أبناء المجتمع الإسلامي في كل حين -مع كل حادثة تجد في هذا المجتمع - أن منهجهم يشملها بحكمه ورحمته وأنها لن تبقى معلقة بلا حكم ... ولن نذهب نبحث لها عن حكم في غير هذا المنهج وهنا تزداد الأمة تمسكاً بمنهجها وتزداد عزة وقوة. ٢ - أثر الاجتهاد في حفظ الأمة من أن تتسلل إليها آثار الغزو الفكري الجاهلي ... وذلك يتحقق بأن يقوم المجتهدون بالنظر في جهد الأعداء المادي والمعنوي، فينظرون في مجموعة ويفرقون بين الحق والباطل، والنافع والضار ثم يختارون -ومنهجهم الرباني هو الحكم وعزتهم وقوتهم تجعلهم يحكمون هذا المنهج ويختارون وهم في توازن كامل، فلا يقعون في متابعة أعدائهم ولا يرفضون كل شيء ... بل يختارون وهم لا يزالون يمثلون الرسالة - الربانية والقوامة على البشرية، ولا يضرهم ولا ينقصهم في شيء أن يأخذوا ويختاروا ما ينفعهم ... ولا يضرهم ولا ينقصهم أن يرفضوا ما لا ينفعهم ... ولا يمكن أن نفرق بين الضار والنافع وما يوافق المنهج الرباني وما يخالفه إلا عن طريق (الاجتهاد) . ٣ - أثر الاجتهاد في هداية الأمم الأخرى - وذلك قبل الجهاد - إن موقف المسلمين هذا لا شك سيكون له أكبر الأثر في أعدائهم فأول ما يعلمه الأعداء أنهم أمام أمة لا يمكن أن تُستغفل وتُمتطى وهذا له تأثير نفسي عميق يجعل الأعداء في موقف التأثر والإعجاب والانبهار أمام هذه الأمة القوية التي تحسن أن تختار لنفسها حسب ما يرتضيه منهجها الرباني، والأثر الذي يتبعه مباشرة أن يعرف الأعداء- بعد انكسارهم النفسي-أن في الأرض منهجاً متوازناً يفرق بين الحق والباطل والنافع والضار ولا يهدر طاقات العقل البشري النافعة ... ويحول في الوقت نفسه بين انحرافات البشرية وبين الفطرة الإنسانية ليقوم العدل في الأرض ... وهذا المنهج هو (الإسلام) وهذه دعوة عملية لها من الإيجابية وحسن التأثير شيء عظيم. هذه هي بعض آثار الاجتهاد في داخل الأمة وفى علاقاتها مع أعدائها، وهو دليل قاطع على ضرورته وفرضيته وأنه لا تصلح هذه الأمة إلا به ولا تهتدي البشرية إلا به، وإن لم يتحقق فإن تلك الآثار الإيجابية تنقلب لتكون آثاراً سلبية والضد بالضد، وضد الحركة والنمو الجمود والتقليد. ولنتصور نقيض تلك الآثار وضدها.. لكي ندرك الخسارة التي وقعت فيها هذه الأمة لما أهملت مهمة الاجتهاد (١) وخاصة لما اجتمعت عليها الأمم كما تجتمع الأكلة إلى قصعتها، كل أمة من أمم الكفر معها نافع وضار، نافع يتمثل في ماديات ضرورية وحاجية، وضار يتمثل في مبادئ ومفاهيم جاهلية لا تحفظ ديناً ولا عرضاً ولا عقلاً.. بل ترتكس في مجال العقائد والأخلاق إلى مستوى الكفر والشرك والفتنة والإغراء ونتج عن ذلك أنظمة وضعية تعارفت عليها تلك الأمم وانبثقت من عقائدها وأخلاقها.... وكانت عملية الاجتهاد كفيلة بالتفريق بين الضار والنافع ... وكفيلة أيضاً بمراعاة الأحوال الجديدة التي نشأت من طبيعة المجتمع الصناعي واستنباط أحكامها الخاصة بها ومراعاة الضوابط التي تحفظ الضرورات الخمس: الدين والعرض والنفس والعقل والمال، فإن المجتمع الصناعي -وإن كان محتاجاً إلى عملية الاجتهاد كما يحتاجها المجتمع الزراعي والرعوي- إلا أنه أشد حاجة لها، أضف إلى ذلك أن السلبيات التي تنتج عن تعطيل مهمة الاجتهاد أو عدم القيام بها على الوجه المطلوب تظهر آثاراً على نحو مخيف وخطير في المجتمع الصناعي أشد بكثير من ظهورها في غيره من المجتمعات ذلك أنه مجتمع الحركة الفوارة والتجدد المستمر فإن لم ينضبط بعملية الاجتهاد ازدادت تلك السلبيات واستمرت في الازدياد. وهذه الحكمة التي تحدثت عنها هي أعظم حكمة لمهمة الاجتهاد لأنها سبيل عظيم للمحافظة على التوحيد وأحكامه الذي تمثله هذه (الشريعة) والمحافظة على المجتمع الإسلامي من آثار الشرك وأحكامه الذي يمثله الغزو الفكري الحديث ١- وقعت الأمة في ضد ذلك تماماً لما أهملت هذه الفريضة وزادت ردود الفعل من داخلها الأمر سوءاً فقد اختلفت مواقف العلماء من آثار النهضة الأوربية فمنهم من رفضها كلها ومنهم من قبلها بدون تمييز ... وهذان موقفان سلبيان ... ومنهم من نادى بالتمييز بين الضار والنافع ... وهذا موقف إيجابي ولكنه لم يكن له من القوة والانتشار ما يسمح له باكتساح التيار الذي نتج عن سلبية الموقفين السابقين، وقد كان قيام العلماء بعملية الاجتهاد - كما بينت وعدم اختلافهم عليها وتخلفهم عنها- كفيلاً بأن يحول بين الأمة وما وقعت فيه من تلك السلبيات العظيمة وأعظمها أنها أصبحت فريسة لآثار الغزو الفكري الحديث.

стр. 516

مفاهيم إسلامية الدين والدنيا بقلم / محمد العبدة وترى الدنيا انطوت في كسبه ... ليس منها ذرة في قلبه (إقبال) لا نبتعد كثيراً إذا قلنا إن الاختلال في توازن أمور الدين والدنيا كان ولا يزال أحد الأسباب التي جعلت المسلمين يتعثرون في نهضتهم ويضعفون في الوصول إلى أهدافهم. إن كثيراً من المسلمين يحملون مفهوماً خاطئاً عن الدنيا أو عن التوازن بين الدنيا والدين، فتراهم يطربون عندما يسمعون قصص الزهد غير الشرعي، وقص الزهاد الذين يتركون الدنيا كلها، والواعظ الذي يذم الدنيا دائماً يقبل الناس عليه ويسمعون منه، ويعجبون به. لا شك أنها معادلة صعبة ودقيقة تلك التي تجمع بين الدنيا والدين، أو بين الدنيا والآخرة، وأي خلل في فهم هذه المعادلة سيؤدي إلى أخطاء كبيرة وتقصير عما يريده الله من المؤمنين من التمكن في الأرض وإعمارها بالعدل ونشر الإسلام. المفهوم الإسلامي للدنيا والدين: قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ] : (الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هين وثناء جميل، والحسنة في الآخرة أعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر وتيسير الحساب) (١) . وقال في الظلال: (إنهم يطلبون الحسنة في الدارين ولا يحددون نوع الحسنة، وهذا التعليم الإلهي يحدد لمن يكون الاتجاه، ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره، وترك له الخيرة فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا ولكن يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها) (٢) . فالدنيا في المفهوم الإسلامي الصحيح وسيلة وذريعة لتحصيل مقاصد الشريعة (فالمقصد هو الدين ولكن لما استمد استمراره من الدنيا كانت هذه القضية مرعية) (٣) والكسب في الدنيا من الواجبات لأنه لا يستطيع الاستقلال بالعبادة إلا بتأمين ضروريات حياته، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٤) ، فإذا كانت الدنيا بهذه المثابة وأنها منزل وممر لا موطن ومقر فالآخرة هي دار الجزاء، قال تعالى: [فَإذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وإلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ] إذا كانت كذلك (فالواجب الكشف عن جهة انتظامها واختلالها، لنعلم أسباب صلاحها وفسادها) (٥) ويقصد الماوردي: بما أنها مطية للآخرة، فإنها إذا فسدت فربما أدى فسادها إلى إنقاص الدين. فإذا وصلت الحال بأهلها إلى قلة الأمن وقلة الرزق أو التهارج والقتل والعيش الذليل وتسلط الأعداء وقهرهم للمسلمين، فمن المؤكد أن هذه الأمور تضعف الدين كذلك فلا يستطيع المسلم أن يقول: أنا أحفظ ديني وأدع الدنيا لمن هو راغب فيها أو للكفار.. يقول الماوردي: (لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلاف أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالها، لأنه منها يستمد.. ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا، وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثراً، لأن الإنسان دنيا نفسه) (٦) . ما ورد في القرآن حول الدنيا: عندما يبتعد الناس عن منهج الأنبياء وعن اتباع الشرائع الإلهية، تصبح الدنيا محورهم الأساسي، وهى آمالهم وموضع لذاتهم، ويصبحوا عبيداً لها. ولا فكاك لهم من أسرها. يقول الأستاذ محمد قطب: (وكان الخلل في الجاهلية العربية هو انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة لعدم إيمانهم بالآخرة، وهو الآن انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة لاستصغارهم شأن الحياة الدنيا واحتقارها، ولأول وهلة يبدو هذا الأمر هو عين الإيمان) (٧) . جاء القرآن الكريم ليصحح هذه الأوضاع ويضع المسلم على الجادة المستقيمة، فالدنيا ليست غاية وإنما وسيلة، ولا بد من إعمارها. ففي هذه الدنيا نعبد الله ونتعلم ونجاهد. قال تعالى: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) . [ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] [الأنبياء: ١٠٥] [نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ] [فصلت: ٣١] . [فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ] [آل عمران: ١٤٨] . [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ] [الأعراف: ٣٢] . وذكر الزينة في هذا المجال له دلالته الخاصة، إذ الزينة جمال والجمال شيء زائد على الضرورة. (وأما ما جاء في القرآن من ذم للدنيا فهو لتأديب المسرفين وكبح جماح المفرطين) (٨) كقوله تعالى: [ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَعِبٌ ولَهْوٌ] [الأنعام: ٣٢] . وقوله تعالى: [واضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً] [الكهف: ٤٥] . فهي دعوة إلى عدم التعلق بالدنيا الفانية وأنها قصيرة لا تستحق أن تجعل غاية، كقوله سبحانه: [ورَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطْمَأَنُّوا بِهَا] [يونس: ٧] . وقد بعث الله الأنبياء هداة للبشرية ولم يكن من منهجهم الإعراض عن عمارة الدنيا، قال تعالى حكاية عن هود ﵇: [واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً] وقوله تعالى على لسان صالح: [وإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] . ما جاء في الأحاديث حول الدنيا: وأما قوله ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» فهي سجن بالنسبة لما ينتظره في الآخرة من جنات، وجنة الكافر بالنسبة لما ينتظره في الآخرة من العذاب. وكذلك قوله ﷺ : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه» فذكر الله وما والاه هو كل عمل خير يقصد به إقامة الدين، وهذا مطلوب في الدنيا. ولذلك قال ﷺ : «ما من مسلم غرس غرساً فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة» وحياة الرسول ﷺ العملية من الدعوة والجهاد وإقامة الدولة الإسلامية، أكبر دليل على هذا التوازن فلم يمنع الصحابة اشتغالهم بالتجارة أو الزراعة من الجهاد والتعلم ونشر الإسلام. أصناف الناس في مراعاة أمور الدنيا: ١-المنهمكون فيها وهم شر الدواب. ٢ - المبتعدون عنها غاية الابتعاد، وهذا مخالف للسنة الكونية والشرعية. ٣-صنف وسط وفوا الدارين حقهما وهم الأفضل، لأن بهم قوام أسباب الدنيا، وهذا الصنف هو الذي يتناولها ويراعي فيها ما يجب فيقتصر لنفسه على تناول بلغته، ويجعل الباقي مصروفاً إلى ما دعي إليه من الجهاد والعلم والنفقة على المحتاجين وكل أبواب الخير.. (يتبع)

стр. 517

شذرات وقطوف مهزلة الشعر الحر -التحرير- (.. الذي يقرأ الشعر الحر، يجده يتميز بركاكة الأسلوب، وضعف المعاني، وكثرة الألف اظ الأجنبية الشائعة فيه، وعدم التزامه بضوابط، اللغة نحواً وصرفاً ... أثبت ما ذكرته عملياً ... طلبت من أحدهم أن يحضر ورقة وقلماً، ثم أمليت عليه شعراً حراً، بدون معنى ولا هدف، وقد استغرق إملائي عشر دقائق فقط، ثم أوردت القصيدة إلى صحيفة في بغداد بدون ذكر ناظمها، وفي اليوم التالي وجدت القصيدة منشورة في الصفحة الأولى محاطة بإطار خطي جميل، ومقدمة تقديماً رائعاً، يصف الشاعر بالعبقرية، ويصف الشعر بالروعة والجمال. وأشهد أنى كنت متعمداً ألا يكون للقصيدة أي معنى، وأن الحاضرين عند إملائها لن يفهموا حرفاً واحداً، فكيف إذن فهمها المحرر الأدبي في الصحيفة الذائعة الصيت، الواسعة الانتشار، وكيف أقدم على نشرها مهللاً مكبراً! !) . اللواء الركن محمود شيت خطاب الوسيط في رسالة المسجد العسكرية ص ٢٠٧ - ٢٠٨ من أقوالهم: (أحق الناس بالرحمة العاقل إذا تسلط عليه الجاهل) . أبو الحسن العامري ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي حاتم الطائي غربة قال الشاعر محمد بن نصر بن عنين يصف غربته عن دمشق: فارقتها لا عن رضا وهجرتها ... لا عن قلى، ورحلت لا متخيراً أسعى لرزق في البلاد مشتت ... ومن العجائب أن يكون مقتراً وأصون وجه مدائحي متقنعاً ... وأكف ذيل مطامعي متستراً أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهراً لا عيشتي تصفو، ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى

стр. 518

أخلاق العرب بين الجاهلية والإسلام محمد الناصر ٢ - الشجاعة كانت الشجاعة عند العرب صنو الكرم في تعشقهم لها، وافتخارهم بها.. إنها إقدام في مواطن الإحجام، وعدم مبالاة بالحياة ولا بالممات. (والعرب لم تزل رماحهم متشابكة وأعمارهم في الحروب متهالكة، وسيوفهم متقارعة، قد رغبوا عن الحياة، وطيب اللذات ... كانوا يتمادحون بالموت، ويتهاجون به على الفراش ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه) [١] . لقد كانت الشجاعة مفخرة العربي.. ذلك أن أهل البادية بعيدون عن الحامية، يحملون السلاح دائماً، يعيشون في العراء غير محتمين بأسوار وجدران أو أبواب، وهم (يتجافون عن الجوع، ويتوجسون للنبات والهيعات، وينفردون في البيداء مدلين ببأسهم، واثقين بنفوسهم، قد صار البأس لهم خلقاً والشجاعة سجية) [٢] . إن الدفاع عن القبيلة وحماية محارمها، كان يفرض على العرب أن يعشقوا الشجاعة والفروسية، وإن الصحراء تربي في نفوس أبنائها صفات الشجاعة والجرأة والكبرياء العنيدة، كبرياء الرجال الأحرار (وإذا تقصينا حياة العربي منذ طفولته أدركنا أن الشجاعة، ولدت معه، وأنه شب وكبر وهى تتمشى في دمه ... وطالما فزع طفلاً على قعقعة السلاح، وصيحات المقاتلين، وسمع الأقاصيص عن شجعان من القبيلة حموها وردوا المغيرين عليها، أو هجموا على أخرى وأجلوها، ثم شب فرأى الأبطال في ميدان الوغى تتنازع، ثم كبر فشارك في المواقف وأفنى العمر في المعارك فلا عجب أن كانت الشجاعة خلقاً عاماً عند العرب) [٣] . وقد اختار الغالب منهم سكنى البوادي على الحضر، لما كان فقد العز فيه، والجبن إنما ينشأ من حب رغد العيش وطيب الحياة وعدم المبالاة بما يزري بعلو الحسب وأين ذلك منهم؟ ولقد كابد رسول الله ﷺ في تأليفهم واتحاد كلمتهم) [٤] . إن ما دعا إليه الإسلام هو الجوهر الحقيقي للشجاعة.. الشجاعة في الحق، لا الحمية في الباطل، والجهاد الخالص، لا للسمعة والرياء [٥] تلك الحمية التي تجعل مائة ألف سيف تغضب لغضبة رجل، لا يسألونه في أي شيء غضب؟ ! مظاهر الشجاعة في الجاهلية: [٦] كان للشجاعة عند العرب مظاهر متعددة، ومن تلك المظاهر الأنفة والحمية وإباء الضيم. يقول عنترة بن شداد: لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل [٧] ومن مظاهر الشجاعة عندهم حب النجدة وإجابة الصريخ إذ لا يفعل ذلك إلا الشجعان الأقوياء، ولا يتخلف عنه إلا المبلد الجبان. يقول طرفة بن العبد: إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد [٨] وكانوا يعتبرون حب المغامرة والترحال من مزايا الرجال الأشداء. يقول النمر بن تولب: خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إن الجلوس مع العيال قبيح فالمال فيه تجلة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وقبوح [٩] ومن مظاهر شجاعتهم أيضاً إصرارهم على الثأر مهما كلف الأمر، وقد بالغوا في ذلك كثيراً، وكان من محامد القبيلة أن تكثر قتلاها في الحروب، لأن هذا دليل على ألفتهم لها. قال بشامة بن حزن النهشلي: إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة: ألا أين المحامونا لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إياه يعنونا ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم ... مع البكاة على من مات ييكونا [١٠] على أن الشعر لم يكن كله تصويراً لشجاعة الشجعان وإنما سجل حالات كثيرة من اعتراف الشاعر بجبنه أو جبن حلفائه أو عشيرته فليس كل عربي بشجاع في الضرورة وإنما طبيعة الحياة البشرية أن تتنازعها بواعث عدة أو صفات شتى، ولكل قاعدة شواذ.. لقد صرح كثير من الشعراء بفرارهم، وتلمسوا المعاذير لنفوسهم ولا تهمنا هذه المعاذير، إنما يعنينا أنهم اعترفوا بالفرار ولم يكتموه، فر ذات يوم أوس بن حجر من جموع بني عبس، واعتذر بأنه لما شهد الجموع خاف لأنهم شجعان، ودافع عن نفسه بأن فراره اليوم لا معرة فيه لأن شجاعته مشهورة وبلاءه محمود. فهو يقول: أجاعلة أم الحصين خزاية ... علي فراري إذا لقيت بني عبس وليس الفرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا جربت منه الشجاعة بالأمس [١١] هذه الطاقات الهائلة، وهذه الشجاعة النادرة، (حتى بالهزيمة، فهي صراحة جريئة) بعد أن كانت تسخر للغزو أو للثأر، وجهها الإسلام لإحقاق الحقوق، ورد المظالم ونشر العدل في كل مكان. الإسلام والشجاعة: صار المسلم يقاتل في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن أجل إنقاذ المستضعفين في الأرض. قال تعالى: [وقاتلوهم حتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] [البقرة: ١٩٣] . أصبحت غاية الجهاد في الإسلام، مرضاة الله تعالى.، وجنة عرضها السماوات والأرض: [إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ] [التوبة: ١١١] . إن الشجاعة عنوان القوة في الرجال، وعليها مدار إعزاز الأمة ورفع شأنها، ولذلك عدها الإسلام من أكرم الخصال، وجعل المتصفين بها الأحب إلى الله. يقول ﵊: ( «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ) [١٢] ، ويقول أيضاً: ( «شر ما في المرء شح هالع. وجبن خالع» ) . وما كانت الشجاعة في الإسلام للتبختر والخيلاء، والاعتداد بالقوة والرياء، وإنما جعلت لإظهار حق في هذه الحياة.. أو طمس باطل أمر الله بطمسه، ودفنه وإخفائه [١٣] . إن الشجاعة في نظر الإسلام، شجاعة مقيدة بأوامر الشرع فلا شطط ولا ظلم ولا عدوان، إنما عزيمة صادقة لإحقاق الحق، وإرادة نافذة لضبط النفس عن شهواتها ونزواتها. وقد تميز المسلمون بهذه الشجاعة النادرة، وكانوا عند أوامر ربهم، فرفعوا لهذا الدين راية، وأصبحوا في شجاعتهم مضرب الأمثال، وقدوتهم في ذلك كله رسول الله ﷺ . أخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة (رضى الله عنه) في عنقه السيف وهو يقول: «لن تراعوا لن تراعوا» . وفى حنين عندما انكشف المسلمون ثبت عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك يقول البراء بن عازب ﵁: (ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله ﷺ وإن الشجاع الذي يحاذي به) [١٤] . لقد تخرج على منهج هذا الدين قادة عظام خاضوا معارك فاصلة في تاريخ العالم، فخالد بن الوليد بطل اليرموك، وسعد بطل القادسية، وأبو عبيدة قائد فتوح الشام ... أخضعوا الدول الكبرى من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله خفاقة ونشر العدل والمساواة في رحاب الإسلام. ولن يستطيع أبناء القصور الوارفة، والحلل الوثيرة من أبناء اليوم، أن يستردوا ما فتحه هؤلاء الأصحاب الكرام، وإننا بحاجة لغرس أخلاق الرجولة والشجاعة في أبنائنا، بدلاً من التباكي على مقدسات سلبت، وأعراض انتهكت، وما ترك المسلمون الجهاد قط إلا أذلهم عدوهم واستباح حماهم. الجرأة في تبيان الحق: ومن الشجاعة الجرأة في تبيان الحق، وإنكار المنكر، ومن أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر. وكانت سيرة علماء هذه الأمة ناصعة، لأن الأمر بالمعروف واجب شرعي، ومن هذه المواقف: موقف ابن تيمية ﵀ مع قازان ملك التتار، ومما جاء في مقابلته قوله: (أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض وإمام ... فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت) ، ثم خرج من بين يديه مكرماً معززاً. بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله ما أراده وكان سبباً لتخليص غالب أسرى المسلمين من أيديهم. وكان ﵀ يقول: لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه [١٥] . ومن العلماء العاملين العز بن عبد السلام، الذي نذر نفسه للجهر بكلمة الحق. ذكر السبكي في طبقاته أن الشيخ عز الدين طلع إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة (في القاهرة) فشاهد العسكر مصطفين بين يديه، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال الشيخ: نعم. الحانة الفلانية تباع فيها الخمور. فقال: يا شيخنا هذا من أيام أبى. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون: [إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ] . وقد أمر السلطان بإقفال الحانة على الفور، ثم يسأل الشيخ أحد تلاميذه: أما خفته؟ قال الشيخ: والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى، فصار السلطان أمامي كالقط [١٦] . واليوم: ابتعدت الشعوب عن رجولة العرب في جاهليتها لتحافظ على كرامتها وعزتها، وعن شجاعة السلف الصالح الذين تفانوا في خدمة هذا الدين، استهانوا بالموت فوهبت لهم الحياة الكريمة. إن الفتن شديدة، والخطوب تحيط ببلاد المسلمين من أعدائهم في الشرق والغرب، ولن يتصدى لهذه الشرور إلا فتيان عرفوا ربهم، وصفت عقيدتهم، واستقام سلوكهم فتقدموا غير هيابين ولا وجلين: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ]

стр. 519

معالم في التربية نحو المرتقى المنشود صالح بن علي الكناني إن المرتقى الذي بلغه عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ حين وضع قدمه على صفحة عنق أبى جهل -أعظم رمز من رموز الجاهلية في زمنه، بل هو فرعون هذه الأمة - ذلك المرتقى كان صعباً حقاً، ولم يكن مرتقى لابن مسعود، إنما كان مرتقى الإسلام على رغم أنف الجاهلية، ولم تبلغه الأمة إلا بعد معاناة طويلة، وتربية شاقة دقيقة، ومحن وشدائد تنقطع دونها الأعناق. واليوم والجاهلية تتبجح، وترفع عقيرتها بنداءات الكفر، وتستبد وتعربد ولا تجد من يقف لها أو يردها عن حياض الإسلام، اليوم تظهر الحاجة - وإن تكن قد ظهرت منذ زمن بعيد -إلى جيل يدير التاريخ كدورته الأولى، فيضع أمته على قمة المرتقى، بعد أن استطابت عيش السفوح وحظائر الوديان قروناً طويلة، ولكي يخرج هذا الجيل - البركان - لا بد له من تربية طويلة جادة، وصبر ومصابرة على اللأواء والجهد، وتمحيص وتخليص من شوائب الاعتماد والعمل والمسار. أقول هذا وقد رأيت شيئاً من الخلل والاضطراب في تربية شباب الإسلام، ما بين فجاجة تلتقط الشاب من حمأة الجاهلية، فلا تمر به ساعات، أو أيام إلا وهو (الداعية) المشار إليه بالبنان، أو رتابة تراوح به زمناً طويلاً فيقطع من عمره سنوات ولم يبتعد عن نقطة البداية غير خطوات، والطريق أمامه طويل طويل، والعودة إلى نقطة البداية أقرب وأيسر، وليته إذا عاد يقف عن نقطة البداية، ولكن الغالب أنه يعود إلى ما قبلها وهنا تكون الكارثة. أو صياغة جزئية تأخذ من الإسلام جانباً واحداً فتجعله إسلاماً كاملاً، وتغفل عن عمد أو جهل ما سواه، فيخرج لنا أرباع رجال وأسباع وأعشار، وتغيب حقائق الدين الكبرى عن عيون أولئك، فلا يرون إلا ذلك الجزء الذي تعلموه، وفى كل هذه الحالات للشيطان ظفر كبير. من أجل ذلك كتبت هذه الأسطر، رجاء أن تعين على إنارة زوايا الطريق للسائرين -كل السائرين - وهذه معالم التربية المطلوبة: أولاً: هي تربية عقدية فكرية: تقوم على نصوص الوحيين، وتلتزم منهج السلف الصالح في تفسيرهما وفهمهما، والاستنباط منهما، وتنزيل أحكامهما على قضايا الواقع المعاصر، تربية تجلي المفاهيم الاعتقادية، وتغرسها في أعماق القلوب، وتتعاهدها حتى تصبح يقينيات راسخة، لا تتصدع لشبهة، ولا تنحني لرغبة ولا لرهبة، أصولها في الأفئدة، وفروعها في الجوارح، وثمراتها في واقع الحياة، ومالها الروح والريحان، والمقعد الصدق عند المليك المقتدر، تروى بماء التوحيد الخالص، وتشرق عليها شمس اليقين، ويحميها ذو القوة المتين، ويباركها الله رب العالمين، لأنها انطلقت من علم صحيح: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ] [محمد: ١٩] . ثانياً: هي تربية روحية: قوامها الخشية، وتقوى الله في السر والعلانية، والخشوع عند سماع القرآن.، خشوعاً يملا القلب خوفاً من الله، ورجاء لما عنده، وحباً للقائه، خشوعاً تجري معه ينابيع العيون، وتتفجر به أنهار الطمأنينة، وتلين لأصدائه الجلود. ثالثاً: وهي تربية جماعية: ترسخ مفهوم الأمة الواحدة، والجسد الواحد، يقوم بين أفرادها ترابط عضوي مصيري قوي، حتى كأنهم البنيان المرصوص، ليس فيه لبنة شاذة ولا فاذة، وتعمق في النفوس أن الذئب إنما يدرك من الغنم القاصية، مع التوازن والاعتدال، فلا تغرق الفرد في بحر الجماعة فيضمحل ويتلاشى، ولا تحمله على أكتافها فيتعالى ويتناشى، تحفظ له كيانه، وترتب له في البنيان مكانه، يلين هو في أيدي إخوانه، ولكنه ليس بإمعة، بل هو ناقد بصير، إذا رأى ما يريبه نصح واجتهد وبلغ، فإن نفع ذلك وإلا قال: لا، بملء فيه، من غير أن يهدم البنيان، أو يزعزع الأركان. رابعاً: وهى تربية متدرجة: تعطي كل أحد ما يصلحه ويلائمه، وتعد لكل مرحلة ما يناسبها وتوفر لها احتياجاتها، فلا تتجه لإعداد الولاة، في وقت تكون حاجتها إلى توفير الدعاة، ولا تنصب السقوف وهى لم تُحكم بعد بنيان القواعد والعمد، وإن التجاوزات والقفزات سبب للبلاء، وتجاهل المراحل والسنن الربانية، واستعجال الوصول قبل الآخرين، يعرض السائرين لمخاطر الافتراس أو الاندراس، وأيهما كان فالنتيجة متقاربة، وإن مرحلة [كُفُّوا أَيْدِيَكُم] [النساء: ٧٧] غير مرحلة [انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً] [التوبة: ٤١] . فهي تلبس لكل حالة لبوسها، وحين تكون في مرحلة فإنها تعد أحسن الإعداد وأكمله، لما يتلوها من مراحل، وإذا نظرت إلى الحاضر بعينين، نظرت إلى المستقبل بألف عين. خامساً: وهي تربية واعية: تعرف ما يحيط بها من الأشواك، وما يصوب إليها من السهام، وما يوضع في طريقها من العوائق والعواثير، وتدرك أن خفافيش الظلام لا يطيب لها طلوع الشمس، ولذلك تثير الغبار، وتفجر قنابل الدخان، علها تحجب النور عن أبى عامر الفاسق وأحفاده، لا ينفكون يحفرون الحفر ليقع فيها الدعاة المجاهدون، وأن ابن أبي وسلالته داخل الصف يخذلون ويخبلون (إشارة إلى قوله تعالى في الآية [٤٧] من سورة المائدة [لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً] وأن أبا جهل وورثته لا يزالون يقاتلون عن أحساب الجاهلية وموروثاتها، وأن الشهوانيين والمارقين والحداثيين يقولون: [لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] . إنها تعلم الخطط وأربابها، وتبصر مساربها وأبوابها، وتحيط بكل ما يعلمه الخصوم من مكر الليل والنهار، وتعي ما ينبغي أن يقال وكيف يقال، وما لا ينبغي أن يقال، ومتى-إذا شاء الله تعالى-أن يقال. سادساً: وهى تربية عالية: تعلق النفس بمعالي الأمور، وترفعها عن سفسافها، وتفرغ النفوس من حظوظها العاجلة، فلا ترضى إلا لله، ولا تغضب إلا له، ولا توالي إلا فيه، ولا تعادي إلا لأجله، وتتعلق بالمبادئ لا بالأشخاص، وكم جر التعلق بالأشخاص والمسميات على أمة الإسلام من الفرقة والشتات، وذهاب الريح، وضياع الهيبة، إنها تربية تجعل النفس تستجمع خصال الخير، وأبواب البر، ورؤوس الأخلاق الفاضلة، تحب هداية الناس، وتسعى إلى ذلك ما استطاعت، وتفرح بها سواء تحققت على يديها أو على يدي غيرها، تحسن أدب الاستماع والحوار، وتغتفر زلات المجتهدين، وتحسن الظن بالصالحين، وتلتمس لهم المعاذير فيما أخطأوا فيه، وترى أخطاءهم - إن لم يكن بد من رؤيتها - تراها قطرات سيئات في بحار حسنات. سابعاً: وهي تربية جهادية جريئة: ترى أن من أهم واجباتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، تقول الحق لا تخشى فيه لومة لائم، تعرف الفرق بين المداهنة المرفوضة، والمداراة المقبولة، تفتح عيونها على الحق، ولا تغمضها ولو للحظة عن الباطل، وترى أن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» -حديث حسن رواه الحاكم عن جابر. وبعد: أيها المربون الفضلاء! هل صبغت مناهجكم التربوية على نحو هذه الأسس؟ وهل كان التنفيذ على نحو الصياغة؟ ذلك ما نرجو أن يكون والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو وحده المستعان.

стр. 520

بحوث شرح اعتقاد أهل السنة في الصحابة محمد عبد الله الوهيبي إن اعتقاد أهل السنة في الصحابة يمثل الركيزة الرئيسية لدراسة تاريخهم - ﵁-م، ولا بد أن يحصل الانحراف والتشويه لتاريخهم إذا درس بمعزل عن العقيدة، ولأهمية هذا الموضوع نجد عامة كتب الاعتقاد عند أهل السنة تبينه بشكل جلى، ولا يمكن أن نجد كتاباً من كتب أهل السنة التي تبحث جوانب العقيدة المختلفة إلا ونجد هذا المبحث. ولذلك أريد في بحثي هذا أن أبرز أهمية هذا الاعتقاد بجوانبه المختلفة، ومدى الخطورة المترتبة على تركه من حيث بحث تاريخ الصحابة. وقد قسمته كالتالي: ١، ٢- أدلة عدالتهم من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، اخترت أبرز الآيات والأحاديث الظاهرة الدلالة على ذلك مع تعليقات بعض الأئمة. ٣- منزلة الصحابة لا يعدلها شئ، بحثت فيه فضلهم على من بعدهم. ٤- أنواع سبهم، وحكم كل نوع، وضحت فيه الفرق بين السب الذي يطعن في عدالتهم وما دون ذلك، وكذلك من سب ما تواترت النصوص بفضله، وما دون ذلك، ومن سبهم جملة أو سب بعضهم، وأشرت في آخر الفقرة إلى حكم من سب أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه، ومن ثم أحكام بقية أمهات المؤمنين. ٥- وأتبعت ذلك بحث الآثار المترتبة على السب أو لوازم السب. ٦- وأخيراً بحثت الموقف فيما شجر بينهم وضحت فيه بعض الأسس والجوانب التي ينبغي أن ينظر إليها الباحث حين بحثه لما شجر بينهم لكيلا يقع في سبهم. وبعد: أخي القارئ: لا أزعم أني سآتي بجديد، وإنما جمعت أقوالاً مختارة للأئمة، ورتبتها ترتيباً معيناً لهدف محدد، وهو الدفاع عن أصحاب رسول الله - ﷺ فهو جهد يضم إلى كل الجهود التي يدافع أصحابها عن الصحابة سواء في مجال العقيدة أو الفرق أو التاريخ أو الحديث أو غيره. [١] ١- من أدلة عدالتهم في الكتاب والسنة: إن عدالتهم عند أهل السنة من مسائل العقيدة القطعية أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة ويستدلون لذلك بأدلة لا تحصى من الكتاب والسنة. عدالتهم في القرآن: [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] [الفتح: ١٨] . قال جابر بن عبد الله - ﵁: (كنا ألفا وأربعمائة) [٢] هذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم ومن هنا رضي عنهم (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاء على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضى عنه) [٣] . ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها» الحديث [٤] . قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى ومن رضى الله عنه لم يسخط عليه أبداً.. فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك) [٥] . وقال ابن حزم: (فمن أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم، ورضي الله عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم ألبتة) [٦] . ومن الأحاديث الواردة في عدالتهم ما يلي: ١ -عن أبى سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» [٧] رواه مسلم. قال ابن تيمية في الصارم المسلول: ( ... وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: كل من صحب النبي ﷺ سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك) [٨] . ٢ - وروى أبو موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: ( «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابى ما يوعدون» ) رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي ﷺ -أمان لأمته. ٢ -منزلة الصحابة لا يعدلها شيء: لا بد من تعظيم الصحابة ومعرفة أقدارهم ولو كان اجتماعهم به -صلى الله عليه وسلم- قليلاً. قال الحافظ ابن حجر ذاكراً ما يدل على ذلك: (فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي، قال: كنا عنده (أي أبى سعيد) وهو متكئ فذكرنا علياً ومعاوية فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً - فذكر قصته حينما كان في رفقة مع رسول الله ﷺ فيها أبو بكر ورجل من الأعراب - إلى أن قال (أبو سعيد) : ثم رأيت ذلك البدوي أتى به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ أدري ما نال فيها لكفيتكموه) [٩] قال الحافظ: ورجال هذا الحديث ثقات (٩) . فقد توقف عمر رضى الله عنه عن معاتبته فضلاً عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي ﷺ وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء (٩) . روى البزار في مسنده بسند رجاله موثوقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين» (٩) . حدثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: في قوله تعالى: [قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَذِينَ اصْطَفَى] قال: هم أصحاب محمد ﷺ (٩) . ... فهذا الاصطفاء والاختيار. أمر لا يتصور ولا يدرك ولا يقاس بعقل ومن ثم لا مجال لمفاضلتهم مع غيرهم مهما بلغت أعمالهم. قال ابن عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ، وفى رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) ، رواه أحمد في فضائل الصحابة وابن ماجة وابن أبى عاصم بسند صحيح قاله الألباني [١٠] . من كل ما سبق ذهب جمهور العلماء إلى أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ ، أما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة (إلا للذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم) [١١] قال الإمام أحمد ﵀ في عقيدته: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) [١٢] . وقال النووي: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [١٣] . أيضاً التزكية الداخلية لهم من الله العليم بذات الصدور مثل قوله تعالى: [فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ] وقبول توبتهم: [لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ والْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ] الآية، ورضاه عنهم: [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ] ... إلخ، كل ذلك اختصوا به، فأنى لمن بعدهم مثل هذه التزكيات؟ لكن يقول قائل [١٤] : لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت مثل قوله ﷺ في حديث أبى ثعلبة: «تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم» [١٥] . وقوله ﷺ في حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، قال: «قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني» [١٦] . فكيف الجمع بين هذه الروايات وما ذكر سابقاً؟ . أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة أهمها: ١ -حديث (للعامل فيهن أجر خمسين) لا يدل على الأفضلية لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الأعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقاً. ٢ - أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل. ٣ - وكذلك يقال الأفضلية بينهما (إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، أما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به من مشاهدة طلعته ﷺ ورؤية ذاته المشرفة المكرمة، فأمر من وراء العقل إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وان جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يماثله) [١٧] . ٤ -أما حديث أبى جمعة فلم يتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً؟ أخرجه الطبراني. قال الحافظ في الفتح: (وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة وقد تقدم الجواب عنه، والله أعلم) (١٧) . وأخيراً ينبغي التنبيه في آخر هذه الفقرة إلى أن الخلاف بين الجمهور وغيرهم في ذلك لا يشمل كبار الصحابة من الخلفاء وبقية العشرة ومن. ورد فيهم فضل مخصوص كأهل العقبة وبدر وتبوك.. إلخ. وإنما يحصل النزاع فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة ولذلك استثنى الإمام ابن عبد البر أهل بدر الحديبية [١٨] . ٣ - أنواع سب الصحابة ﵃ وحكم كل نوع: السب: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم من السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحو هما [١٩] . وسب الصحابة رضوان الله عليهم دركات بعضها شر من بعض، فمن سب بالكفر أو الفسق، ومن سب بأمور دنيوية كالبخل وضعف الرأي، وهذا السب إما أن يكون لجميعهم أو اكثرهم، أو يكون لبعضهم أو لفرد منهم، وهذا الفرد إما أن يكون مما تواترت النصوص بفضله أو دون ذلك. وإليك تفصيل وبيان أحكام كل قسم: ١-من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق جميعهم أو معظمهم فلا نشك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها: أ- أن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول. ب- لأن في ذلك إيذاءً له ﷺ لأنهم أصحابه وخاصته فسب أصحاب المرء وخاصته والطعن فيهم يؤذيه ولا شك، وأذى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كفر كما هو مقرر. ج- أن في هذا تكذيباً لما نص عليه القرآن من الرضى عنهم والثناء عليهم (فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي) [٢٠] ، ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً حكم هذا القسم: (.. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضاً في كفره لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين.. إلى أن قال: ... وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام) [٢١] . وقال الهيثمي ﵀: ( ... ثم الكلام (أي الخلاف) إنما هو في سب بعضهم أما سب جميعهم، فلا شك في أنه كفر) [٢٢] . ومع وضوح الأدلة الكلية السابقة ذكر بعض العلماء بعض الأدلة التفصيلية ومنها: ١-مر معنا تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ] .. إلى قوله: [لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ] الآية. استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره [٢٣] . ٢ - وفى الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» ) وفى رواية: ( «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق» ) .. ولمسلم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: ( «لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر» ) ... فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقاً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر [٢٤] . ٣-ومن ذلك ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر ثم قال عمر: أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله ﷺ في كذا وكذا ثم قال عمر: من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري [٢٥] . وكذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب: لا يفضلني أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري [٢٦] . (فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي ﵄ يجلدان حد المفتري من يفضل علياً على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمر على أبى بكر مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير) [٢٧] .. ٢- ومن سب بعضهم سباً يطعن في دينهم كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق وكان مما تواترت [*] النصوص بفضله (كالخلفاء) فذلك كفر-على الصحيح -لأن في هذا تكذيباً لأمر متواتر. روى أبو محمد بن أبى زيد عن سحنون قال: من قال في أبى بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد [٢٨] . وقال هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: من سب أبا بكر وعمر قتل، ومن سب عائشة ﵂ قتل، لأن الله تعالى يقول فيها: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل [٢٩] . أما قول مالك في الرواية الأخرى: (من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن) [٣٠] . فالظاهر- والله أعلم - أن مقصود مالك ﵀ هنا في سب أبي بكر ﵁ فيما دون الكفر، يوضحه بقية كلامه عن عائشة ﵂ حيث قال: من رماها فقد خالف القرآن. فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه (ولا يشمل كل سب) ، وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفَّر من هو دون أبى بكر [٣١] . قال الهيثمي مشيراً إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبى بكر: (.. فتلخص أن سب أبى بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد فليس بكفر، نعم، قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر، فتكون المسألة عنده على حالين إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفر وإلا كفر) [٣٢] . وقال أيضاً: ( ... وأما تكفير أبى بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي، والذي أراه الكفر فيها قطعاً..) [٣٣] . وقال الخرشي: (من رمى عائشة بما برأها الله منه ... ، أو أنكر صحبة أبى بكر، أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة أو واحداً منهم كفر) [٣٤] . وقال البغدادي: (وقالوا بتكفير كل من أكفر واحداً من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ -بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزوج سول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن) [٣٥] . والمسألة فيها خلاف مشهود ولعل الراجح ما ذكرنا. وأما القائلون بعدم كفر- من هذه حاله -فقد أجمعوا على أنه فاسق لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب يستحق التعزير والتأديب على حسب منزلة الصحابي ونوعية السب. وإليك بيان ذلك: قال الهيثمي: (أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق) [٣٦] . وقال ابن تيمية: (قال إبراهيم النخعي: كان يقال شتم أبي بكر وعمر من الكبائر وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى: [إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ] .. الآية وإذا كان شتمهم بهذه المثابة فأقل ما فيه التعزير لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد، ولا كفارة.. وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم.. وعقوبة من أساء فيهم القول) [٣٧] . وقال القاضي (عياض) : وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل ... [٣٨] . وقال عبد الملك بن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ... ) [٣٩] . فلا يقتصر في سب أبى بكر ﵁ على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين وجماعة المسلمين، وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي ﷺ -وغير ذلك كان كل واحد من هذه الأمور يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه [٤٠] ، وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها بل يجب عليه فعل ذلك. قال الإمام أحمد ﵀: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً عن مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا ينقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلّده الحبس حتى يموت أو يراجع) [٤١] . فانظر أخي المسلم إلى قول إمام أهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم ووجوب عقوبته وتأديبه. ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب -عند بعض العلماء- فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبيناً حكم استحلال سب الصحابة: (.. ومن خص بعضهم بالسب فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله ... كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر لتكذيبه ما ثبت قطعاً عن رسول الله ﷺ ، ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه، أو إباحته فقد تفسق لأن سباب المسلم فسوق وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً والله أعلم) [٤٢] . وقال القاضي أبو يعلى تعليقاً على قول الإمام أحمد ﵀ حين سئل عمن شتم الصحابة، فقال: ما أراه على الإسلام، قال أبو يعلى: (فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام، إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي) ثم ذكر بقية الاحتمالات [٤٣] . يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سباً يطعن بدينه وعدالته وكان مما تواترت النصوص بفضله أنه يكفر - على الراجح - لتكذيبه أمراً متواتراً، أما من لم يكفره من العلماء فأجمعوا على أنه من أهل الكبائر ويستحق التعزير والتأديب ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي، ولا يكفر- عندهم -إلا إذا استحل السب، أما من زاد على الاستحلال كأن يتعبد الله عز وجل بالسب والشتم فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك. وباتضاح هذا النوع بإذن الله يتضح ما بعده بكل يسر وسهولة ولذلك أطلنا القول فيه (يتبع)

стр. 521

من خطب الجمعة الإنفاق في سبيل الله محمد أمين المصري هذه الخطبة ألقاها الدكتور الشيخ محمد أمين المصري ﵀ في دمشق بتاريخ ٣٠/٢/١٣٨٤ الموافق ١٥/٧/١٩٦٤، وموضوع الخطبة لا يزال حياً وبحاجة للتأكيد وكثيراً ما سمعناه يؤكد ويكرر على هذا الموضوع، وينتقد ما عليه المسلمين من الأنانية. ووفاء للشيخ الداعية ننشر هذه الخطبة (وهي لم تنشر سابقاً ضمن خطبه وأحاديثه) لعل الله ينفع بها.. إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد أيها الأخوة المؤمنون، يقول الله تباركت أسماؤه في محكم تنزيله: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ومَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ?وقال تعالى [ومَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ] وقال تعالى: [ومَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ] . وهكذا أيها الأخوة، وهكذا أيها الأخ المؤمن، لا تكاد تتلو بضع آيات من كتاب الله إلا وتجد حضاً كبيراً، وتجد دعوة قوية تهيب بك أيها المؤمن أن تنفق في سبيل الله، تنفق لمن؟ إنك تنفق على أخ لك مثلك. ما الغرض من ذلك؟ التغرض من ذلك أن يكون هناك تعاطف بين المسلمين، أن يكون هناك تراحم بين المسلمين، حتى يكونوا كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد، كل عضو ندب نفسه لمعونة هذا العضو كي لا يكون في المسلمين شقي واحد ولا بائس واحد ولا محروم واحد. أيها الأخ الكريم: لا تتلو آية فيها دعوة إلى الصلاة إلا وتجد آية فيها دعوة إلى الزكاة، ولا تتلو آية فيها دعوة إلى الإيمان إلا وتجد آية تدعى فيها إلى الجهاد واية ثالثة تدعى فيها إلى الإنفاق في سبيل الله. قال تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] . وقال تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ] خافت من عظمة الله، من كبرياء الله، من سطوة الله، من جبروت الله [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] . أيها الأخوة: الأمة يجب أن تكون جسماً واحداً، المجتمع يجب أن يكون بناءً واحداً. هنالك الضمان الاجتماعي، هنالك التكافل الاجتماعي، هنالك العدالة الاجتماعية، كل ذلك مبعثه من الإيمان، من الرحمة، من حب المؤمنين، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع. أيها الأخوة: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً، وكفرنا بكل مبدأ يغاير الإسلام، كفرنا بكل نحلة تأتينا من ديار الأعداء، وتركنا وهجرنا كل مذهب يغاير مذهب الإسلام، إنما هو كفر وإيمان إنما هو ضلال وهدى، إنما نستمسك بدين محمد ﷺ وندع كل شريعة باطلة. أيها الأخوة لا نعرف ضماناً إلا ضمان الإسلام، ولا نعرف تكافلاً إلا تكافل الإسلام، ولا نعرف عدالة إلا عدالة الإسلام، أما ما وراء ذلك فألفاظ كاذبة ودعوات زائغة واشتراكيات منحرفة ضالة وذلك لأن الإسلام ينظر إليك على أنك إنسان على أن لك روحاً، على أن فيك معاني الإنسانية، تستطيع أن تعلو فوق الحيوانية، تستطيع أن تسمو فوق المادة، تستطيع أن تؤمن بالله وتهب نفسك لله وتعيش في سبيل الله وتنفق مالك لله، الإسلام أيها الأخوة يربيك على أنك إنسان تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر وترضى بما أمر الله، وتذر ما أمرك الله بتركه، كل ذلك سهل عليك فتنفق مالك كله إن اقتضى الأمر في سبيل الله كما فعل أبو بكر حين جاء بماله كله فوضعه بين يدي الرسول في غزوة تبوك، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا بكر ماذا تركت لنفسك وأهلك؟» قال: تركت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بنصف ماله وجاء عثمان بشيء كثير جداً ووضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه» ، قدم آلاف الدنانير ومئات الإبل وهكذا جهز جيش العسرة. الانطلاق عندنا من الإيمان، من مبادئنا أن يكون الإنسان إنساناً، أما الإنسان الذي لا يعرف إلا شهوته، لا يعرف إلا طعامه، لا يعرف إلا شرابه، لا يعرف إلا منافعه، إنسان مثل هذا يجب أن ينزع ماله وتوضع له القيود ويغل بالأغلال، أما المؤمن فليس له ذلك. ترك الإسلام للمؤمن الحرية، ترك لطاقاته أن تندفع، ترك لإمكاناته أن تتبارى وأن تقوم بمشروعات، إن إنساناً واحداً يستطيع أن يقوم أحياناً بما لا تستطيع أن تقوم به أمة. الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، الأكثرية على الغالب بسطاء وسطاء تجد بينهم نابغة واحداً، الإسلام لا يقول لهذا الواحد نكبت حريتك، نمنعك من التصرف، نغل يديك، بل نقول له: انطلق بقوتك ولكن أنت وقوتك وإيمانك وطاقاتك لله وفى سبيل الله وللأمة، فإذا دق جرس الخطر تقدمت بنفسك ومالك.. هذه تربية الإسلام، تربية الإسلام إطلاق للقوى، إطلاق للطاقات مع تربية القلب حتى يكون قلباً مؤمناً فإذا كان كذلك كان كل ما لديه له، كل سعيه كان في سبيل الله. نظرة الإسلام أن نطلق القوى ونربى القلوب ونعتبر الإنسان بشراً سوياً. نظرة أولئك ألا نعتبر الإنسان بشراً سوياً بل نفعياً أنانياً لا سبيل للرحمة إلى قلبه. لا تسمح له بالانطلاق، ينطلق في سبيل نفسه وكبت غيره. أنا لا أدري هل أستطيع أن أفرق بين نظرتين نظرة الأمل بك أيها الإنسان ونظرة سوء الظن بك أيها الإنسان، نظرة على أنك تؤمن بالله واليوم الآخر، ونظرة على أنك قطعة من الكون ألقيت وستنتهي، هذه الحياة تكون منطلقاً لك ومسرحاً للذاتك أنت، أما نظرة الإسلام فإنه أطلق وربى من الداخل، أما نظرة أولئك فاعتبروا الإنسان حيواناً وبهيمة. أيها الأخوة: أما الذنب فهو ذنبنا، ذنبنا نحن المسلمين، هل يصح أن يقال إن مجتمعنا مجتمع إسلامي؟ لا. هل نمثل الإسلام تمثيلاً صحيحاً؟ هل هذا المجتمع هو الذي وصفه الرسول ﷺ في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؟ لا بكل أسف، لا ليس الأمر كذلك إننا لا نمثل الإسلام، نحن الآن أنانيات محضة، قلوب بعيدة متنافرة يصدق علينا ما يقول أولئك كأننا والله لا نؤمن بالله ولا نؤمن باليوم الآخر، نحن لا نمثل الإسلام ولا نستطيع أن ندافع عن الإسلام ولا نستطيع أن نذيع للملأ أن كلمة الله هي العليا لا ن الناس ينظرون إلى الإسلام من خلال هذه النفوس الواهية المتواكلة الضعيفة المستخذية فلا نستطيع أن نقول هذا هو الإسلام، فانظروا نحن قد جنينا إثمين: أولاً: جنينا على أنفسنا وسنلاقي جزاء عملنا. ثانياً: جنينا على سمعة الإسلام. إن الناس ينظرون إلى الإسلام من خلال أعمالنا ومن خلال مجتمعنا، هذا هو المجتمع الإسلامي فانظروا إلى الإسلام، الذنب ذنبنا الإثم إثمنا، الجريمة جريمتنا. لو كان هناك مجتمع واحد إسلامي في العالم كله لكان حجة على النظريات وحجة على المذاهب، ولتبين للناس جميعاً أن الإسلام هو الكمال وأن ما تتخبطون به من نظريات ومذاهب هو الضلال والبطلان، ولكن هؤلاء يتخبطون ويتنقلون بين المذاهب ولا يظنون أن الإسلام لديه الحل إلا نفر يسير منهم ولكنهم قلة، نفذت أبصارهم إلى ما وراء المجتمع الإسلامي وإلى الإسلام وحقيقته واستطاعوا أن يعرفوا الإسلام. لو كان هناك مجتمع إسلامي واحد لكان حجة على الشرق وحجة على الغرب، ولكان مجتمعاً مثالياً. أيها الأخوة: لم يكن كذلك أسلافنا أصحاب رسول الله ﷺ نحن أيها الأخوة أصبنا بضعف، وهذا الضعف الذي أصبنا به رضينا به وسوغنا لأنفسنا ما نحن فيه وقلنا هذا هو الإسلام، المؤمن لا يبالي بما في المجتمع، المؤمن لا يهتم بشئون الأمة، المؤمن لا يندفع إلى الخير، المؤمن لا يجاهد في سبيل الله وفي سبيل إيقاف الشر عند حده، كل واحد منا شأنه كذلك وهو يرى أنه مؤمن وهو يرى ألا طاقة له، وهو يرى أن هذا قضاء الله، وكل ذلك حيل ركبها الشيطان، وسولتها النفوس، وليس الواقع كذلك حينما نسمع آيات الله تجبهنا وتصدع وجوهنا نلتفت إلى حيلة أخرى، نقول: لا! ذلك لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما نحن المساكين أين نحن من أولئك، الآيات تدعونا إلى الجهاد، ونحن همتنا أدنى، رضينا بالأدنى. رضينا بالمرتبة الدنيا وانتهى ذلك إلى أن مجتمعنا لا يمثل مجتمعا إسلامياً صحيحاً حين نزل قوله تعالى: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] لن تنالوا درجة البر، مرتبة البر، أن يقال إنك من أهل البر، من الأبرار عند الله، لن تنالوا هذه الدرجة حتى تنفق من كرائم أموالك وتنفق من طيبات ما كسبت، تنفق ونفسك طيعة راضية بما تنفق، درجة عالية لا تصل إليها بكل أسف. حين نزلت هذه الآية تبارى أصحاب رسول الله ﷺ إليه، يقول أحدهم: يا رسول الله، إن أحب مالي كذا وكذا أضعه صدقة. وجاء أبو طلحة - كما يروي الشيخان البخاري ومسلم - جاء إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله سمعت قول الله تعالى [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] وإن أحب مالي إلي بستان. اسمه بستان بيرحاء، بستان من أطيب البساتين مقابل مسجد الرسول فيه عين ماء عذبة يدخل الرسول ﷺ يشرب من تلك العين يقول أبو طلحة: إن أحب مالي إلى بستان اسمه بستان بيرحاء وإني أجعله صدقة أرجو برها وذخرها يوم القيامة، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بخ بخ قد سمعت ما تقول اجعلها في الأقربين» أو كما قال رسول الله ﷺ . سمع أبو طلحة قول الله تعالى: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] فبادر ونفذ، لم ذلك أيها الأخوة؟ لأن الإيمان خالطت بشاشته قلبه وخالطت حلاوته قلبه. تربية أولئك خير من تربيتنا. إن مجتمعنا لا يمثل المجتمع الإسلامي الصحيح، إن تربيتنا التي نشأنا عليها ليست تربية إسلامية صحيحة، الأمر الأساسي التربية، الأمر الأساسي المدرسة، وإن مسلمي هذه البلاد لا ينفقون على المدارس وإن هذا ضعف كبير جداً. أنفقوا على المدارس الإسلامية، فكروا في هذا الأمر. هذا خير ما يجب الاجتماع عليه وخير ما يجب التقيد به، نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ويلهمنا الاستمساك بكتابه وسيرة نبيه، أقول قولي هذا واستغفر الله.

стр. 522

منبر الشباب الأهواء الخفية عبد الفتاح سعد تحت النفس شهوات وحظوظ شتى لو نظر البصير إليها لأنكر نفسه التي بين جوانحه. وما إنكار المرء لنفسه إلا وليد فترات المحاسبة والمراجعة للنفس وميولها. ومما جبلت عليه النفس حبها وولعها بثناء الآخرين وتقريظهم. لذا تجد من الناس ناساً قد أجهدوا أنفسهم في الأعمال والطاعات الظاهرة بغية الثناء والمديح يحسبون أنهم على شيء، وما فطنوا أنهم لا خلاق لهم. وفئة أخرى ليست بأحسن حالاً من السابقة فهي ما تفتأ تتكلم عن إخلاصها وأنها تحب التخفي في أعمالها وطاعاتها وتذكر لذلك شواهد وقصص، وتحذر من مغبة الوقوع في الرياء فيحصل لها الثناء والمديح لما يرى ويسمع عن إخلاصها في إخفاء أعمالها وتحذيرها من الرياء، وهذه الفئة تخطئ إذ تذكر ذلك بل تنسى أن (من ظن في إخلاصه إخلاصاً احتاج إخلاصه إلى إخلاص) . ومن الناس ناس يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا لذا تراهم ينتحلون أعمال الآخرين ويسرقون جهود المبدعين حتى يتحول الثناء إليهم من بعد ذلك ... وعلى شاكلة هؤلاء من يدلسون من حيث يدرون أو لا يدرون فهم إن وجدوا نثراُ رائعاً أو نظماً جيداً أو حكمة بليغة من مصدر أصلي في كتاب ما ذكروا المصدر الأصلي وتجاهلوا أو ذهلوا عن وجادتهم من ذلك الكتاب وكأنهم بالفعل قد رجعوا إلى المصدر الأصلي، وهؤلاء لا يختلفون عن السابقين إلا قليلاً، لأن الناظر سيثني على جهودهم في الرجوع إلى ذلك المصدر الأصلي وسيحمدون ولا ريب بما لم يفعلوا. والنفس في أثناء مرضها بتلك الشهوة لا تفطن إلى أخلاط من شهوات خفية تتولد لتحقيق تلك الشهوة الكبرى.. فمن ذلك ترى النفس تحب ذم مخالفيها وبخس حقوقهم وإنزالهم في غير منازلهم وتتجاهل حسناتهم وفضائلهم. فالشهوة الأولى أوقعت النفس في شهوات أخرى، ولعلك ترى أناساً ينتصرون لأقوالهم وآرائهم عن طريق توهين آراء الآخرين أو نسبتهم إلى ضحالة في الرأي وسطحية في التفكير، أو ضيق في الأفق وعدم شموله، إلى آخر تلك الاتهامات وكأنها بذلك تومئ إيماء أنها صاحبة النظرة الثاقبة والآراء السديدة، فينال رأيها المديح والإطراء. وقد تعظم علائم المرض، ويتضخم هذا الورم السرطاني، فيصرف صاحبه عن الأعمال والطاعات الخفية البعيدة عن المحيط الخارجي، فلا قيام لليل ولا صيام تطوع، ولا صدقة تخفيها يمينه عن شماله. ولعل السبب أن الدافع للعمل لدى تلك النفس هو المحيط الخارجي وبغية ثنائه وإطرائه، فإذا غاب المحيط الخارجي. فما الباعث إذن على العمل؟ ولن نبعد عن الشهوة الأولى كثيراً عندما نرى من يدعون علم ما لا يعلمون، فلعلهم قرءوا مقدمة كتاب وخاتمته وفهرس المحتويات ويزعمون بعد ذلك علماً بالكتاب وإدراكاً لمضمونه حتى إذا جمعهم مجلس مع الناس ورأى الناس منهم تلك الادعاءات انبهروا فأثنوا عليهم وأشاروا إليهم بالبنان: هؤلاء هم القراء! ولا تقف تلك الشهوة عند ذلك الحد، بل تمضي بصاحبها إلى الجدال والمخاصمة بغية الانتصار لتلك النفس، أو قل: بغية إرضاء تلك الشهوة الخفية.. والذين يقعون في ربقة تلك الشهوة يجهدون أنفسهم تفكيراً في أحسن السبل وأحسن الأساليب وأحسن الكلمات.. إلخ. ثم يبررون ذلك بقولهم: نريد كسب ثقة الآخرين وأن نكون عند حسن ظنهم، وهم في الحقيقة يريدون التشبع بثنائهم، ومن ثم يصلون إلى حظوظ ومناصب.. إلخ. ألا ترى معي كم من الوقت يمضي؟ وكم من الجهد يضيع من أجل إشباع تلك الشهوة؟ ولا إخالك عزيزي القارئ تظنها دعوة إلى التكاسل والخمول وعدم إتقان العمل، وإنما هي دعوة إلى سبر المقاصد والنيات والحذر من أخطار تلك الشهوات. ومتى أصابت تلك الشهوة من النفس مقتلاً؟ ترى صاحبها يحب المادحين والمثنين، ويبغض أو - على الأقل - لا يلتفت إلى من يمحضه النصح والتوجيه. فكم من طالب شهرة خر صريعاً قبل الاشتهار مع التحذير والتوجيه من الناصحين. وكم من طالب رياسة ومجد تحركه تلك الشهوة فتهون عليه المبادئ والقيم، ويتنازل عن كثير. والله المستعان ... ولما فقه سلفنا الصالح قوله تعالى [فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] [النجم: ٣٢] استشعروا خطر تلك الشهوة فملكوا قياد نفوسهم وأطفأوا نيران تلك الشهوة قبل الاستفحال، ولما علموا آثار المصطفى ﷺ طبقوها على أنفسهم فما تأبت عليهم غرائزهم وشهواتهم بل خرجت نفوسهم من حظوظها. ألا تسمع عمر رضى الله عنه يقول: (رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي) . وكم من السلف الصالح من جاءته الرياسة والقضاء منقادين فأباهما، بل قال سفيان الثوري مربياً أتباعه ومن بعدهم: (ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة) [١] . وما زالت أصداء قوله ﵊: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» [٢] يتردد في نفوسهم وتستقيم عليه جوارحهم.

стр. 523

أدب متابعات ... ومطالعات إعداد: يحيى محمد رسام خصصت مجلة الهلال المصرية عددها الأخير (ديسمبر ٨٩ م) (كعدد تذكاري لعقد الثمانينات.. عمالقة.. وأحداث عامة) ، وقد احتوى العدد على بعض القضايا الأدبية الجديرة بالإشارة والتعقيب والتعليق ومن ذلك ما يلي. القضية الأولى: محمود شاكر ... منجم الأصالة العربية: نشرت المجلة كلمة قصيرة عن الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر، تعتبر بحق شهادة صدق، نوردها حتى يطلع القارئ الكريم -ممن لا يتابع أمثال هذه المجلات -مع شيء من الاختصار: قالت المجلة تحت عنوان: (محمود شاكر.. منجم الأصالة العربية) : (شهدت حقبة الثمانينات من هذا القرن اعترافاً متتابع الخطوات، بمكانة الأديب العربي الكبير محمود محمد شاكر، بدءاً من منحه جائزة الدولة التقديرية في الأدب عن عام ١٩٨١م ثم اختياره لعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٨٣م، وحصوله على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب عام ١٩٨٤م.. بصفته مفكراً إسلامياً بارزاً. وقد تألق اسم الأستاذ محمود محمد شاكر في سماء الأدب العربي باعتباره أديباً شاباً في فترة الثلاثينات والأربعينات من هذا القرن وخاصة بعد صدور كتابه (المتنبي) الذي نشرته مجلة المقتطف في عدد خاص منها في عام ١٩٣٦م، فضلاً عن عشرات المقالات، والقصائد الشعرية في مختلف الصحف والمجلات إلى بداية الخمسينات من هذا القرن، حيث توقف لفترة عن الكتابة لينصرف إلى تحقيق العديد من أمهات كتب التراث العربي والإسلامي، حتى استفزته بعض الظواهر الأدبية في بلادنا، فامتشق قلمه في مجلة (الرسالة) من جديد في عام ١٩٦٤م، وأنشأ سلسلة من المقالات في الرد على ما كتبه لويس عوض في (الأهرام) عن رسالة الغفران للمعري، وهي المقالات التي جمعها بعد ذلك، الأستاذ شاكر في واحد من أهم كتبه وعنوانه (أباطيل وأسمار) . وفي العام الماضي نشر كتاب (الهلال) للأستاذ محمود شاكر (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) التي أنشأها لتكون مقدمة للطبعة الثالثة من كتابه عن (المتنبي) وكان لها بدورها دوي هائل في الأوساط الأدبية والثقافية ... ولكن الكتابة والتحقيق والمعارك الأدبية لم تكن هي كل جهود الأستاذ محمود شاكر في خدمة الثقافة العربية ففي فترة كمونه في داره بمصر الجديدة معتزلاً الكتابة عاكفاً على نشر كتب التراث كان بيته قد شرع في التحول إلى (جامعة) يقصدها الدارسون من مختلف أرجاء الوطن العربي للتتلمذ- على يديه، ولا تزال كذلك إلى اليوم، حتى استحق وصف المرحوم الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل له بأنه، (كنز الثقافة العربية، والمنجم الباقي لأصالتها العريقة) [١] . كانت هذه الكلمة - الصادقة - والتي شكلت صفحة واحدة فقط من صفحات الهلال والتي تقترب من مئتي صفحة بمثابة شهادة حق في حق الأستاذ محمود شاكر باعتباره أحد العمالقة في عقد الثمانينات والذي خصص العدد للحديث عنهم.. ومجلة الهلال، والتي أنشئت لمحاربة الأصالة، وتأصيل التبعية، بدأت منذ فترة ليست قصيرة تفسح المجال لنشر بعض المواد الإيجابية.. وجدير بالذكر أن الأستاذ محمود شاكر حفظه الله كان قد أطلق على (لويس عوض) في مقالاته بمجلة (الرسالة) (صبي المبشرين أجاكس عوض) ... وإذا كانت المجلة قد أحسنت عندما أشارت إلى سبب عودة الأستاذ شاكر للكتابة في الستينات وذلك: (عندما استفزته بعض الظواهر الأدبية في بلادنا) . فإنها لم تشر إلى الأسباب التي جعلت اسمه يتألق في سماء الأدب، وهو لما يزال أدبياً شاباً، في فترة الثلاثينات والأربعينات.. وما أغفلت المجلة ذكره، هو أعظم دور لعبه الأستاذ محمود شاكر حينذاك، وهو انتصابه بشجاعة لمنازلة عميد الأدب طه حسين عندما افترى على الشعر الجاهلي، مدعياً عدم جاهليته وأنه من صنع المسلمين ليفسروا قرآنهم، وقد فضحه الأستاذ شاكر على الملأ بعد ما أبان بأن هذه المقولة إنما سطا عليها الدكتور طه حسين، وادعاها لنفسه بينما هي في الأصل دعاية استشراقية تولى كبرها المستشرق المشهور مرجليوث. ثم نازله أخرى، عندما تجرأ الدكتور طه حسين وبوقاحة فريدة، فسطا على كتاب (المتنبي) الذي أشارت إليه المجلة وأعاد إخراجه باسم (مع المتنبي) . وقد ذكر كل ذلك الأستاذ شاكر في مقدمة كتابه (المتنبي) بأسلوبه الرائع، وجدير بكل شاب مسلم غيور أن يقتني هذا الكتاب ويعيد قراءة المقدمة الطويلة، والتي لو أخرجت لوحدها لكانت كتاباً كاملاً ... ففيها من كشف أساليب أدباء الحداثة الكثير مما لا زال يمارسه الكثير منهم في ساحة الثقافة العربية.. القضية الثانية: رأي ناقد كبير في أدب الثمانينات: لعل من أهم المواد التي نشرتها (الهلال) ضمن عددها التذكاري المشار إليه، ... ذلك المقال الذي خصصته للحديث عن (مستقبل الأدب.. في بلاد العرب) ونظراً لأهمية الموضوع، فقد انتدبت المجلة للكتابة حوله الأستاذ الدكتور: شكري محمد عياد والذي كتب مقالاً رائعاً، يعد تقويماً جاداً، ومنصفاً للأدب العربي في الثمانينات، ونظراً لأن المقال قد احتوى على لطائف وطرائف كثيرة كلها جدير بالقراءة الواعية المتأنية، فقد رأينا أن نختار أهمها ونسلط عليها مزيداً من الأضواء، ونضعها في إطارها الصحيح الذي ينبغي أن توضع فيه. اللطيفة الأولى: اعترف الأستاذ الدكتور عياد، بعجزه عن متابعة ما ينشر سواء في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الأكاديمية (رسائل الماجستير والدكتوراه) والتي يقول عنها (والحمد لله على أن معظمها يبقى محصوراً في طبعته المحدودة، والتي تكفى لحصول أصحابها على الدرجة) ! (أو ما تنشره المجلات الأدبية) الشهرية (أو) الفصلية (من دراسات مبتدئة أو مترجمة أو مقتبسة وأن ذلك ناتج عن ضيق وقته كما قال. ونحن مع تقديرنا لهذا الاعتراف، إلا أن وجه الشاهد هو فيما قاله بعد ذلك مباشرة عندما خاطب القارئ بقوله:) وإذا كان ضيق الوقت عذراً غير كاف في نظرك، فهل يشفع لي عندك، أن ما أقرأه من القسم الأول رسائل الماجستير والدكتوراه يصيبني عادة (بغثيان شديد) وأن ما أقرأه من القسم الثاني - ما تنشره المجلات الأدبية الشهرية والفصلية - يجعلني عادة أشعر بالغباء الشديد..) انتهى. والذي نريد قوله هنا أن رأي الأستاذ الدكتور عياد له أهمية خاصة في تقويم أدب الثمانينات ويمكن أن ينسحب على الأدب الحديث في العقود الأخيرة، وأغلبه أدب علماني حداثي، لأنه كلام خبير، فالأستاذ الدكتور كما رأيت معدود في كبار النقاد المعاصرين وأشهرهم، وله مكانته التي لا تنكر، بدليل أن (الهلال) طلبت منه أن يكتب لها عن (مستقبل الأدب.. في بلاد العرب) وبالتالي فالرأي السابق ليس كلاماً لأحد علماء الدين، أو خطباء المساجد حتى يتهم من قبل بعض الأدباء بالتحيز، أو أنه يسل سيف الإرهاب.. ولكنها الحقيقة المرة التي يجب أن يسلم بها الأدباء من القوميين والعلمانيين والحداثيين الذي عناهم الأستاذ أن أدبهم يصيب قارئه (بالغثيان الشديد) ليس ذلك فحسب، ولكنه أيضاً (يشعر بالغباء الشديد) ولذلك فقد اعتذر الأستاذ الدكتور عن الكتابة عن هذا الأدب الذي يطبع سواء كرسائل ماجستير أو دكتوراه، أو ما تنشره المجلات الأدبية الشهرية والفصلية قائلا: كيف أكتب إذاً عن شيء لا أقرؤه وإذا قرأته (لا أستسيغه، أو لا أفهمه؟) هل أكون كعابر الطريق الذي تسأله عن مكان ما، لأنك تفترض فيه العلم، فيصفه لك، لتتبين بعد أن تكل قدماك ويتصبب عرقك أنه أبعدك عن المكان المقصود أميالاً كثيرة، وكنت على بعد خطوات منه؟) . اللطيفة الثانية: إن أمثال الدكتور الناقد الكبير شكري عياد، (لا يستسيغ ذلك الأدب، ولا يفهمه) .. والدكتور غير متهم في قدرته على الفهم، ولكنه فعلاً أدب لا يستساغ ولا يفهم.. وأهمية هذا الكلام أنه يبطل دعوى أدباء الحداثة، والتي يكررونها دائماً وهي أنهم (لا يكتبون أدباً لا يفهم) وأن العيب ليس فيهم، لكن العيب في القارئ الذي لا يفهم أدبهم، أو الأصح (مغزى إبداعهم) .. ولأن تلك الدعوى باطلة، كشف زيفها النقد المحايد والمنصف (والشجاع) ولأن الأستاذ يعرف قدر نفسه، ويحترمها فهو ليس مستعداً للكتابة عن مثل هذا الأدب، لأن في ذلك تضليلاً للقارئ.. والذي سوغ للأستاذ الدكتور إعلان تقويمه ذاك أنه ناقد محايد ومنصف وشجاع، وليس من أدباء الطوائف الأدبية، الذين يتعصبون (لإبداع) . الشعراء والقصاص المنتمين، فيعددون مزايا، ويشيرون إلى نواحي (الجمال والإبداع) فيه، حتى لو كان خالياً من كل جمال، أو إبداع، بل حتى لو كان لا يستساغ، ولا يفهم، ويثير الغثيان، ولذلك فقد أكد الأستاذ عياد حقيقة مهمة في نهاية كلامه السابق هي أن ما ينشر في هذه المجلات (ليس الأنضج فنياً، أو الأصدق تعبيراً عن زمنه) ؟ ! اللطيفة الثالثة: فإن سؤالاً يفرض نفسه هنا، هل كل ذلك هو الأدب العربي في الثمانينات، أم أن هناك نوعاً آخر من الأدب، هو أنضج فناً، وأصدق تعبيراً عن زمنه، ولكنه يتجاهل ويُعزل عن الجماهير، لأن الطائفية الأدبية المتربعة على عرش الصحافة ووسائل الإعلام في دنيا العروبة تضرب حوله أستاراً من التعتيم والحصار حتى تخنقه، فلا يعرفه أحد.. وللإجابة على هذا السؤال والذي لا يقل أهمية عما سبقه، نصحبك عزيزي القارئ معنا في رحلة قصيرة جداً لنقرأ معاً هذه الفقرات الثلاث المختارة من مقال الدكتور عياد السابق: ١ - قال الأستاذ وهو يتحدث عن الموقف السلبي الذي تلعبه الصحافة سواء اليومية أو الأسبوعية في بلادنا العربية والتي يفترض فيها كما يرى الدكتور أن: (تقوم بدور الوسيط بين الكتاب والمجلات الأدبية والعلمية المتخصصة، من ناحية، وبين وسائل الإعلام الجماهيرية المسموعة والمرئية من ناحية أخرى.. وهذا ما يلاحظ - وما زال الكلام للدكتور- في صحافة البلدان المتقدمة ونفتقده في صحافتنا) ثم يقول: (وهكذا تسهم صحافتنا بموقفها السلبي من (الثقافة الراقية) في تدني المادة الثقافية التي تقدمها الإذاعة والتلفزيون على الخصوص بل وتشترك معهما في التدني (ثم يقول مباشرة:) أما (الأدب) فيبقى معزولاً عن الجماهير، ومن ثم تتكون له في بلادنا العربية المنكوبة بالطائفية طائفية أخرى من نوع عجيب (طائفية ... الأدباء..) . ٢ - وأما عن دور الطائفية الأدبية في إفساد الأدب والأدباء خاصة الشبان منهم، قال: (فالطائفية الأدبية هي المسئولة في تقديري عن رواج النزعات الشكلية بين الأدباء الشبان، إن لغة (القصة الحديثة) هي أشبه باللغات السرية التي تتفاهم بها فئة من الناس تريد أن تخلق لنفسها عالماً خاصاً منعزلاً عن عالم الناس، وكثيراً م ايكون هذا العالم الخاص (بريئاً وساذجاً، ليس فيه أكثر من الانفلات من العالم المادي البشع.. ولكن الطائفية الأدبية في أحيان أخرى توجه لخدمة طائفية أخرى زرقاء الناب تقطر سمها رويداً، رويداً، لتحول الشباب المتحمس للحداثة إلى خونة وجواسيس) . ٣-هناك تحالف بين النزعات الشكلية في الأدب، وبين طائفة النقاد، في نفس الوقت الذي يتجاهل فيه الإبداع الحقيقي.. قال: (والنزعات الشكلية عند بعض المبدعين تحظى بالعناية كلها من طائفة النقاد المخصصين، إذاً لا (تباعد) هنا، بل تحالف وثيق! ! ولكنه تحالف يتم على حساب الإبداع الذي يجري في حضن المجتمع، فهذا الإبداع يتجاهل حتى حين يأتي من قبل أدباء استطاعوا أن يرسخوا أقدامهم، ويدعموا شهرتهم في أدوار سابقة والإغراء قوي، إنه إغراء (العلمية) من ناحية و (العالمية من ناحية أخرى) .. وقد وضح للقارئ - أو لعله قد أدرك أي نوع من الأدب هذا الذي يُتجاهل ويُعزل عن الجماهير وتقف منه الصحافة الطائفية موقفاً سلبياً فلا تسمح بنشره، إنه الذي وصفه الدكتور (بالثقافة الراقية) . ووصفه أيضاً بالأدب هكذا معرفاً في قوله: (أما الأدب فيبقى معزولاً عن الجماهير) . ووصفه ثالثاً: بالإبداع الحقيقي في الفقرة الثالثة عندما قال: (بأن النزعات الشكلية تحظى بالعناية من النقاد، بل بينهما تحالف ولكنه يتم على حساب الإبداع الذي يجري في حضن المجتمع، فهذا الإبداع يُتجاهل حتى وإن جاء من قبل أدباء كبار مشهورين ولهم مكانتهم، ولكنه ما دام يناقض أدب الحداثة أو أدب الطائفية فلا يسمح بنشره، وستمنع الجماهير من معرفته. فهل يصح لنا أن ندّعي بأن الدكتور عياد يريد بكل ذلك: الأدب الحق، لا المزيف، أدب الفضيلة لا الرذيلة، الأدب الأصيل لا المستورد، الذي يجلب السعادة، لا الذي يثير الغثيان، والاشمئزاز، الأدب الذي يحاربه الحداثيون، وأدباء الطوائف، وتتجاهله الصحافة المدفوعة الحساب من خارج الحدود أو من داخلها ولكن بإيعاز وتوجيه من الخارج.. نظن أننا قد وضعنا النقاط على الحروف، وأشرنا إلى الحقيقة بوضوح، أما الأستاذ الدكتور، فقد أشار إشارات هنا وهناك ووضع ما يقصده بين كلام كثير، واكتفى بالتلميح دون التصريح وهو معذور لأنه كان يقفز على الأشواك.. ولذلك فقد كان نبيهاً جداً عندما كتب مقالته تلك تحت عنوان صغير (القفز على الأشواك)

стр. 524

شعر (قالوا سلوت) قصيدة على محمد قالوا سلوت عن القريض فقلت هل ... تسلو الطيور طبيعة الطيران؟ تَهبُ الورودُ إلى النسائم عطرها ... من غير ما منٍّ ولا إحسان ويزمجر الإعصار خِلقة ربه ... ويغرد القُمري في الوديان ويرتل الشلالُ إيقاع الهوى ... ترتيلَ خلٍ بارع ولهان وتفتح الأزهار عند ربيعها ... ويذيبها كمداً خريف دان والشعر عندي ضحكة رنانة ... وتأوه الثكلى على الولدان إني طليق بيد أن أحبتي ... في قبضة الطغيان منذ زمان يتعاورون الذل والبطش الذي ... قد صار فناً باهظ الأثمان فإذا غفوت أرى جمال وجوههم ... وإذا صحوت تهدني أحزاني فألوذ بالأحلام والأمل الذي ... أرخى علي ملاءة السلوان وأبيت في المحراب أدعو راجياً ... فرج الكريم العادل المنان وأظل أبكي إخوتي وأحبتي ... حتى يسيل الدمع أحمرَ قان هل يحسن المهزوم إلا عبرة ... بعد الضياع وفرقة الإخوان؟ ماذا أؤمل بعد فرقة أخوتي ... وتبادل اللعنات بالأطنان؟ ماذا أؤمل بعد أن عُبد الهوى ... وتعلق الزهاد بالرنان [١] ملك الزمام أرانب وضفادع ... تهوى النقيق وبسمة السلطان وتخلت الأبطال عن درب الفدا ... فتفرد الأقزام في الميدان فإلى متى يبقى النحيب شعارنا ... ونحمل الأخطاء للطليان؟

стр. 525

شئون العالم الإسلامي الانتفاضة في عامها الثالث التحرير كنا ولا نزال نعتقد أن الصراع الذي يدور على أرض فلسين المباركة إنما هو صراع حضاري بين الإسلام واليهودية الصهيونية ومن ورائها أوربا وأمريكا، وهو صراع طويل، تعرضت له بلاد الشام سابقاً خلال قرنين من الزمان (٤٩١-٦٨٩هـ) . وفي هذا العصر استطاع اليهود تثبيت أقدامهم في فلسطين. واستطاعوا بالتخطيط والإعلام جرّ شعوب وحكومات أوربا وأمريكا لمساعدتهم، ومقابل كل هذا الدعم والزخم كان العجز والفشل والتفرق والتمزق ممن ادعى التصدي لإسرائيل، وبعد الهزائم المتكررة وبعد الوعود والانتظار الذي لم يأت بطائل، وبعد المحاولات الدائبة للمتاجرة بقضية من أعز القضايا عند المسلمين، بعد هذا قام الشعب الفلسطيني بثورته ضد الاحتلال والقهر والذل، فهو- لا غيره- الذي يعيش المعاناة اليومية، وكانت الشرارة الأولى من غزة ومن مساجد غزة، وكان الجيل الذي ولد وعاش هذه المعاناة أقوى مراساً وأقدر على العطاء من الجيل الذي عاش معاناة الإقامات ووثائق السفر والعمل في البلاد القريبة أو البعيدة، هذا الجيل هو الذي وقف يتحدى إسرائيل، ولكن كوامن التضحية موجودة عند الجميع وخاصة إذا كانت على أساس ديني، فعندما بدأت الانتفاضة، اشترك فيها الجميع، رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، وبرز الشباب المسلم يعلم الناس أن القتال يجب أن يكون في سبيل الله، حتى لا تتحول التضحيات إلى أهداف أرضية وتوقع الناس أن تستمر هذه الانتفاضة أياماً أو أسابيع ثم تنتهي بالقمع الإسرائيلي، ولذلك فلا داعي للمخاطرة والخسائر، وأخطأت التوقعات، فها هي المقاومة تدخل عامها الثالث، وقد سألنا بعض القراء عن حقيقة هذه الانتفاضة، وهذا السؤال وإن كان غريباً ولكن نقول له: إن الشعب الفلسطيني هو الذي قام بها، وهو شعب مسلم، وكانت بدايتها من مساجد غزة، والشباب المسلم في غزة والضفة من أعمدة الانتفاضة، وما يحدث الآن في فلسطين هو جزء من صراع طويل، ونحن لا نتوقع في الظروف الدولية الراهنة إزالة دولة إسرائيل - وإن كنا نتمنى ذلك - ولكن إضعاف هذا العدو هو مقدمة لزواله إن شاء الله، وإذا كانت الانتفاضة تضم أصنافاً شتى من الناس وليست راية الجميع راية إسلامية، إلا أنها أوجدت تغيرات إيجابية في بنية المجتمع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال ومن هذه الإيجابيات: ١ - ازدادت الألفة والمحبة بين الناس، وازداد التضامن والتكافل الاجتماعي، ونسي الناس الخصومات والمشاكل واشتغلوا بعدو واحد، بل إنهم في الخصومات في كثير من الأحيان أصبح مرجعهم العلماء (مثل الشيخ أحمد ياسين فك الله أسره) . ٢ - تُركت كثير من العادات السيئة في الأقوال والأفعال. ٣ - رجع كثير من الناس إلى دينهم وامتلأت المساجد وبعضهم -خاصة من الذين بقوا داخل فلسطين المحتلة منذ عام ١٩٤٩- لم يكونوا يعرفون عن الدين شيئاً، عادوا الآن إلى المساجد. ٤ - كسر حاجز الخوف من اليهود، بل إن ما يقوم به الشباب الصغار في فلسطين يدل على شجاعة وبطولة تدعو إلى الإعجاب.. ٥ - خسائر اليهود: أكدت إحصائية فلسطينية أن خسائر العدو هي قتل (٧٢) جنديا و (٢١) مستوطناً وجرح وإصابة أربعة آلاف جندي، وإعطاب وإتلاف ٤٩٩٥ سيارة عسكرية و (٢٠٠٠) سيارة للمستوطنين، و (٢٥٠) مكتباً وإدارة. وتقدر الخسارة التي تكبدتها إسرائيل خلال عامي الانتفاضة ب ١٧ مليار دولار. ٦ -توقف المد الاستيطاني الصهيوني فلم نعد نسمع عن إنشاء مستعمرات جديدة في الضفة الغربية. وكل هذا لا يعني أن الانتفاضة لا تعانى من سلبيات أو مشاكل، فمثل هذا التحدي الكبير لا بد أن يوجد بعض السلبيات، فقد استخدمت إسرائيل سلاح الاقتصاد، وحاصرت الناس بهذا السلاح، وإذا كان الشعب استطاع التعاون والتكامل حتى الآن فهو لا يستطيع إلى ما لا نهاية، واستخدمت إسرائيل سلاح التفريق بين الإسلاميين وغيرهم ولكنها فشلت، واستخدمت أصحاب النفوس المريضة في التجسس وغير ذلك، ونجحت نوعاً ما وتصدى المسلمون لمن يتعاون مع العدو بالمحاكمات العادلة. وإذا كان في الانتفاضة العلمانيون وغيرهم فنحن نريد من الإسلاميين أن يكونوا هم الأقوى ليقودوا الشعب الفلسطيني إلى العزة والكرامة، ولا يكون ذلك إلا باتحاد كلمة المسلمين ووعيهم السياسي حتى لا تسرق الجهود وينصب نفسه لقيادة الشعب من لم يُضَحِّ يوماً من الأيام. وعلى الشعب الفلسطيني بشكل عام أن لا يسمح بسرقة جهوده ويحولها لمكاسب رخيصة أصحاب السلام الهزيل. إن ما يفعله أطفال الحجارة وشباب الإسلام في فلسطين هو مرحلة من الصراع كما قلت، ويجب أن تستمر هذه المرحلة ولا تذهب هدراً

стр. 526

المسلمون في أوربا -التحرير- نشرت مجلة الجمعية الجغرافية الملكية مقالاً مفصلاً عن ظاهرة تواجد المسلمين في أوربا الغربية وأعدادهم ونظرة الغرب إليهم، ولأهمية المقال نقتطف منه ما يلي: تشهد أوربا الغربية من بعد الحرب العالمية الثانية غزواً إسلامياً جديداً يختلف كلياً عن سابقه، فالغزو الجديد لا تقوده الجيوش التي صقلتها الحروب [١] بل عوضاً عن ذلك هو تحرك هادئ ويأتي متدرجاً أحياناً من المسلمين القادمين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث يأتي المبعدون من تلك المناطق إلى أوربا بحثاً عن آمال جديدة وفرص عمل. ليس هناك أسلوب دقيق لمعرفة كم من المسلمين يعيشون في أوربا الغربية اليوم، فبعضهم قدم قبل عدة عقود من الزمن وهم الآن مواطنون ضمن المجموعة الأوربية، والبعض الآخر ولد في أوربا من عائلة أسيوية أو أفريقية. كما أن منهم أوربيون بيض اعتنقوا الإسلام، بالإضافة إلى صنف رابع وهم الذين هاجروا إلى هذه الدول بصورة غير قانونية وهم لذلك يعيشون على هامش المجتمع خشية الاعتقال والطرد. إن معرفة حجم تواجد المسلمين في أوربا أمر شاق جداً ذلك أن الدول الأوربية ومنظماتها لم تضع بعد نظاماً معيارياً تتمكن من خلاله من إجراء عملية الإحصاء، فبعض الدول عندها سجلات للأجانب إلا أنها لا تأخذ بعين الاعتبار قضية الدين في إحصاءاتها وبذلك لا يكون في سجلاتها إشارة إلى حجم المسلمين. إلا أنه وعلى أية حال، وبناء على إحصاءات المجموعة الأوربية والمنظمات الخيرية وشخصيات أكاديمية بارزة فإن عدد المسلمين في أوربا الغربية يقدر بـ (٥ر ٧) مليون، وهنا يجب التأكيد على أن هذا الرقم لا يمثل إلا تخميناً تقريبياً وأن الرقم المذكور قد يصل وفقاً لمصادر أخرى إلى (١٢) مليون. وتشكل فرنسا وألمانيا الغربية والمملكة المتحدة لوحدها موطناً لما لا يقل عن خمسة ملايين مسلم. إلا أن ظروف تواجد هذا الكم تتفاوت جذرياً من دولة إلى أخرى، ففي المملكة المتحدة أصبح عدد كبير من المهاجرين من باكستان والهند وبنغلاديش مواطنين بريطانيين، وشهدت الساحة الاقتصادية نموأكبر فئة مسلمة مالكة للمنازل والمحال التجارية، وفى شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي قامت مجموعة من المسلمين (البيض والسود) بتشكيل الحزب الإسلامي البريطاني الذي يعتبر الأول من نوعه في أوربا والذي يتخصص بشئون المسلمين. إن الثقة التي دفعت المسلمين في بريطانيا إلى الإقدام على أعمال كهذه قد تعكس مقداراً أكبر من التسامح من جانب المجتمع البريطاني بعمومه. ويعلق جون سولت الدكتور في جامعة لندن والجغرافي المتخصص في حقل الهجرة الجماعية على هذه الظاهرة فيقول: (هناك انقسام حضاري بين المهاجرين أو المهاجرين سابقاً وبين أفراد المجتمع الأصليين في كل من فرنسا وألمانية الغربية، وهو أمر لا وجود له في بريطانيا [٢] . كما أن قضية البريطانيين السود هي حقيقة مقبولة منذ فترة طويلة. وفى فرنسا مواطنون فرنسيون نتيجة التزاوج بين الفرنسيين البيض وبين أهل المستعمرات السوداء، أما وجود ألمان سود فهذا غير وارد ألبتة. إلا أن جغرافيين متخصصين آخرين يخالفون هذا التفسير الذي قدمه الدكتور سولت، حيث تقول الدكتورة جولي وهى باحثة رفيعة المستوى في مركز بحوث العلاقات العرقية التابع لجامعة ووريك، تقول في مقابلة أجريت معها مؤخراً: (إن المجتمع البريطاني لم يمنح البدائل الكافية للمسلمين، قد يكون المسلمون في بريطانيا مواطنين حقاً، إلا أن معدلات البطالة ما زالت هي الأعلى بين صفوفهم، كما أنهم ما زالوا معزولين عن التيار العام في المجتمع، أما في فرنسا فإن أيدلوجية الثورة هناك تنص على تحقيق المساواة في الحقوق بالنسبة للجميع) [٣] . وفي الوقت الذي يتصدر فيه مسلمو بريطانيا الدور في مضمار النشاط الإسلامي فإن هذا النشاط الجديد أخذ في اكتساح معظم دول أوربا الغربية. فقد ارتفعت مآذن المساجد والمراكز الإسلامية في معظم المدن الرئيسية، وقد أصبحت قضايا المساواة في الحقوق وفرص العمل وتحقيق الاستقلال الثقافي والديني من الأمور الأساسية التي يطالب بتحقيقها المسلمون عبر القارة الأوربية. وتضيف الدكتورة جولي قائلة: (إن هذه النهضة الجديدة التي يشهدها الإسلام على نطاق عالمي تعزى جزئياً إلى الأحداث في الشرق الأوسط التي منحت الإسلام مكانة بارزة في الصحافة العالمية وجعلته موضع اعتزاز وافتخار. إلا أنها - أي النهضة - في الوقت ذاته تأتي كإفراز لذلك التمرد من جانب المسلمين ضد الصورة العنصرية والثقافية المفروضة عليهم من جانب المجتمع الأبيض. وعلى الرغم من أن ظاهرة الوعي الإسلامي الحديثة أصبحت منتشرة في جميع أنحاء أوربا، إلا أن ظروف هجرة المسلمين تختلف إلى حد كبير من بلد إلى آخر. ففي بريطانيا ترجع أصول كثير من المهاجرين فيها إلى مستعمراتها الهندية السابقة التي حكمتها بريطانيا إبان عهد الإمبراطورية، ولقد كانت هجرة هؤلاء منذ البداية مرتبطة بمسألة الحصول على الجنسية البريطانية. أما في فرنسا فإن الجزء الأكبر من هجرة المسلمين إليها كان قد حدث في السبعينات عندما استقدمت البلاد العمالة الأجنبية - ومعظمهم من الرجال - بصورة رئيسية من الجزائر التي كانت قد نالت استقلالها، إلا أن هؤلاء المهاجرين كانوا على علم مسبق بأنه سوف يكون لهم الحق في العمل في فرنسا إلا أنه لا يسمح لهم بحال إلحاق أفراد عوائلهم بهم. أما ألمانيا الغربية التي كانت قد جردت من مستعمراتها بعد الحرب العالمية الأولى فقد كانت أكثر صرامة في قوانين الهجرة. فالحكومة الألمانية شجعت ومنذ فترة طويلة استقدام الأيدي العاملة التركية، إلا أنها جعلت لهم الأمر واضحاً منذ البداية بأنهم لن يكونوا مواطنين ألمان أبداً، وأنه يتعين عليهم يوماً ما الرجوع إلى بلادهم. وبطبيعة الحال فإن كثيراً من العمال الأتراك (الضيوف) لم يرجع إلى تركيا كما كان مخططاً له على الرغم من ظروف العيش المتواضعة جداً التي يعيشونها في النزل التي تنفق على إدارتها الحكومة. كما أن كثيراً منهم لا يملك تصريح الإقامة ويحاول التواري عن الأنظار خشية إلقاء القبض عليه ومن ثم الإبعاد. إن الدافع الحقيقي وراء هذه السلوكيات قد يبدو سهل المعرفة، ذلك هو استمرار الاضطرابات الاجتماعية والركود الاقتصادي الذي تشهده تركيا في هذه المرحلة. لقد أدى تواجد العمالة التركية في ألمانيا إلى ردود فعل عنصرية من جانب الألمان البيض، وإن ردود الفعل هذه قد تنامت خلال السنة الماضية كنتيجة للنظرة التي ينظر بها أحياناً إلى مسلمي أوربا على أنهم يشكلون خطراً أصولياً بسبب حملات احتجاجهم المستمرة ضد نشر كتاب سلمان رشدي، ففي الانتخابات الأوربية التي جرت في شهر حزيران (يونيو) من العام الماضي حصل الحزب اليميني المتطرف في ألمانيا على نسبة ٧% من الأصوات بعد الحملة التي قادها من أجل طرد العرب والأتراك بالقوة من البلاد. ولم يدع رئيس الحزب الجمهوري أي شكوك تحيط بموقفه تجاه الدور الذي يلعبه مليوناً مسلم في ألمانيا، فقد صرح حديثاً : (لن ترفرف راية الإسلام الخضراء يوماً فوق ربوع ألمانيا، ولن نكون بيتاً لفقراء دول حوض البحر المتوسط) . كما أن فرنسا كانت قد شهدت هي الأخرى تنامياً في قوة حزب الجبهة القومية اليميني المتطرف ذي الاتجاهات العنصرية والمناهض لعمليات الهجرة. وكان رئيس الحزب قد حذر من غزو إسلامي جديد لأوربا مقترناً بالعنف يشابه ما كان قد جرى في العصور الماضية. وعلى الرغم من هذه المزاعم التي لا يتقبلها العقل، فقد كانت نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام ١٩٨٨ هي واحد إلى سبعة. ولقد ارتفعت في فرنسا - كما هو الحال في باقي دول أوربا - نسبة حوادث الاعتداء على المسلمين، إلا أن نسبة المواليد بين المسلمين ارتفعت هي الأخرى. يقول الدكتور ج. بيتش المتخصص في حقل الهجرة وإحصاء السكان في جامعة أوكسفورد: (إن نسبة المواليد بين المهاجرين تفوق إلى حد كبير نظيرها بين السكان الأصليين، والواقع هو أن تعداد المهاجرين سوف يستمر بالنمو حتى في حالة إقفال الباب أمام هجرات مستقبلية) . وعلى الرغم من إقفال تلك الدول الأوربية أبواب الهجرة أمام العمالة الأجنبية منذ فترة طويلة، إلا أن الهجرة غير القانونية ما زالت مستمرة وبمعدلات تنذر بالخطر، وتشكل أسبانيا وإيطاليا المحطة الأولى للهجرة غير القانونية القادمة في غالبيتها من شمال أفريقيا، وذلك لسهولة الدخول نسبياً إلى هاتين الدولتين، ومنهما يواصل المهاجرون رحلتهم شمالاً باتجاه دولة أوربية أخرى. وعلى الرغم من النمو المطرد في تعداد المسلمين في أوربا فإن بروز تيار إسلامي أصولي متعصب في أوربا الغربية غير وارد ولا يتنبأ به إلا عدد قليل من المتخصصين في حقل الاجتماع والجغرافية، كما يرى آخرون أن النهضة الإسلامية التي تشهدها أوربا اليوم هي نتيجة صياغة سيئة لقوانين الهجرة التي كانت قد صيغت قبل عدة عقود من الزمن. وبغض النظر عما إذا كان الأمر في صالح أوربا أم لا ? فإن أوربا الغربية قد باتت خليطاً معقداً من المجتمعات المختلفة عرقياً وحضارياً، وقد وصلت الشعوب الأوربية بذلك إلى نقطة اللاعودة. إن الطريق الأمثل لإيجاد مجتمع متجانس مستقبلاً يكون في دمج مسلمي أوربا في المجتمع على نطاق واسع [٤] . إن استمرار تواجد الأحياء التي يتمركز فيها أبناء الدين الواحد أو العرق الواحد لا يؤدي إلا إلى انكماش وانزواء هذه الأقلية المتنامية الحجم وإلى إبراز التوترات بين شعوب أوربا المتعددة الخلفيات الحضارية مجلة الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية كانون أول/١٩٨٩م

стр. 527

ألبانيا آخر حبة في عنقود الشيوعية في أوربا الصنداي مع اكتمال مسلسل انهيار الأنظمة الشيوعية في دول الكتلة السوفيتية والتي كانت رومانيا آخرها، تكون ألبانيا هي الدولة الوحيدة في أوربا التي ما زال يتسلط على شعوبها نظام ماركسي، هذا إذا ما استبعدنا الاتحاد السوفييتي الذي منه بدأت شرارة الشيوعية الأولى وفيه انطفأت. وألبانيا دولة مسلمة، دخلها الإسلام إبان الفتوحات العثمانية في أوربا، يبلغ عدد سكانها (٢. ٨٤) مليون ويشكل المسلمون ثلثي هذا العدد ومعظمهم من السُنَّة، وسيطر عليها الشيوعيون في أواخر الحرب العالمية الثانية وهي منذ ذلك اليوم دولة ذات نظام ماركسي منعزل عزلة شبه تامة عن باقي دول العالم، يعتبر نفسه - أي النظام - الممثل الوحيد للشيوعية الحقيقية في العالم، فهو لا يعتد بأنظمة الاتحاد السوفييتي أو الصين أو يوغوسلافيا، بل ولا يقيم علاقات دبلوماسية معهم. وتعتبر مدن ألبانيا هي الأمكنة الوحيدة في العالم التي ما زالت تبقي على تماثيل ستالين في ميادينها العامة.. وما زال شعب ألبانيا المسلم يخضع لقوانين ماركسية صارمة، فأطفال المدارس لا زالوا يرددون قسم الولاء للشيوعية كل صباح، ومعارضو النظام لا يجدون شفقة ولا رحمة، وليس أمامهم إلا السجن أو الإعدام، وعناصر قوات الأمن منتشرة في كل مكان، والصحافة تخضع لرقابة صارمة، أما مناطق الحدود فهي تزدحم بأبراج الأنوار الكاشفة التي تكشف كل من يحاول الفرار من البلاد، فقضية غلق أسوار الدولة بهذه الكيفية تعتبر من المبادئ الأيدلوجية للنظام. أما فيما يخص الجانب الاقتصادي من الحياة اليومية، فإن فقدان السلع الأساسية والأغذية هو سمة السوق المحلية، كما أن طوابير الناس التي تمتد لمسافات طويلة وتبدأ من الساعة السادسة صباحاً بحثاً عن رغيف خبز أو قطعة لحم تعتبر مشهداً يومياً مألوفاً. والنظام الاقتصادي لا يتيح للفرد حق التملك باستثناء أشياء محدودة جداً؟ فحيازة السيارة ما زال من المحظورات على المواطن الألباني، على الرغم من تمتع أعضاء الحزب بقيادة السيارات الفاخرة التي يصطحبونها معهم إلى منتجعاتهم الصيفية. وعلى الرغم من هذا وذاك، وعلى الرغم من القبضة الحديدية التي يحكم بها هذا البلد المسلم، والستار الحديدي الذي يحجب عن العالم الخارجي كل ما يحدث داخل هذا السجن الكبير؟ فإن الأنباء المتسربة من هناك تشير إلى حدوث موجات سخط كبيرة بين أوساط الشعب، وتقارير تتحدث عن خروج مظاهرات احتجاج كبيرة مضادة للحكومة في ١٤/١٢/١٩٨٩? في إقليم سكوتاري ومدينة سكودر الشمالية هي الأولى من نوعها. وتشكل الجامعات والمعاهد - حيث نخبة الشباب المثقفين والمفكرين - بؤراً لموجات السخط والغليان الشعبي. قد تبدو أعمال الاحتجاج والمظاهرات هذه - والتي نفتها الحكومة - صغيرة في حجمها، إلا أنها على كل حال تمثل ثغرة في كيان النظام الشيوعي (الحقيقي) هناك وبداية الطريق لسقوط آخر قطع (الدومينو) الحمراء في أوربا. صنداي كوروسبوندنت والتايمز ٢٤/١٢/١٩٨٩م دائرة المعارف البريطانية

стр. 528

أخبار حول العالم -التحرير- أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير يوم ٣١/١٢/١٩٨٩م على طرد عيزرا وايزمان الذي يشغل منصب وزير العلوم في الحكومة الائتلافية إثر تقارير تحدثت عن لقاء بينه وبين مسؤولين في منظمة التحرير الفلسينية. وتحدث شامير عبر شاشة التلفزيون قائلاً: (لو التزمت الصمت من جانبي فسأكون مشاركاً بالفضيحة) ومن المعروف أن القانون الإسرائيلي يحظر إجراء لقاءات مع أعضاء في المنظمة. وكانت تقارير في شهر حزيران (يونيو) الماضي قد ذكرت أن محادثات دارت بين وايزمان ومسؤولين كبار في منظمة التحرير في مدينة جنيف. كما ذكر وزير الشئون العربية في حكومة شامير أن وايزمان كان قد أجرى اتصالات مع ياسر عرفات عن طريق طرف ثالث.. وقد نفى ياسر عرفات أن يكون أعضاء في المنظمة قد أجروا أي اتصالات مع وايزمان، واعترف عرفات أن عدة أعضاء في المنظمة قد سعوا قبل عامين للالتقاء بالوزير المطرود إلا أنهم فشلوا! وكالة الأنباء الفرنسية ٣١/١٢/٨٩ إسرائيل تتهيأ لتدفق اليهود السوفييت عليها كان المسؤولون الإسرائيليون يتوقعون وصول حوالي ربع مليون يهودي إلى فلسطين المحتلة خلال الأعوام الثلاثة القادمة، أما الآن فإنهم باتوا يتوقعون أن هذا العدد قد يصل إلى المليون، هذا وإن ألف يهودي يصلوا أسبوعياً إلى إسرائيل قادمين من الاتحاد السوفييتي، ويقول أحد المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية: إن اليهود السوفييت يسارعون بالفرار في هذه المرحلة خوفاً مما قد تتمخض عنه حالة عدم الاستقرار التي يمر بها الاتحاد السوفييتي من موجة عداء للسامية. وعلى صعيد الاستعدادات لاستقبال هذا العدد من القادمين، أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة لبناء (٢٠) ألف منزل وبرنامجاً لتوفير فرص عمل جديدة لأكثر من (٢٠) ألف عامل. ويرى رئيس الوزراء أن في الزيادة الكبيرة المرتقبة في عدد اليهود مبرراً إضافياً لرفضه منح تنازلات إقليمية للفلسطينيين.. ومما يذكر أن١٠% فقط من اليهود السوفييت المهاجرين كانوا يختارون الذهاب إلى إسرائيل في العقد الماضي، إلا أن هذه النسبة قفزت إلى ٤١% في الشهر الماضي. ويستبعد المسؤولون اليهود أن تؤدي هذه الزيادة المفاجئة في الهجرة إلى إحداث أي متاعب لإسرائيل، ويعلق رئيس الوكالة اليهودية على هذا فيقول: علينا أن نتذكر بأن إسرائيل كانت قد ضاعفت عدد المواطنين اليهود في الفترة ما بين عام ١٩٤٨إلى١٩٥١م ليصل إلى ١. ٣مليون بدون أي صعوبات، فلماذا لا يستطيع (٣. ٥) مليون يهودي استيعاب (١٠٠) ألف مهاجر سنوياً؟ . الاندبندنت ١٢/١/١٩٩٠م

стр. 529

مشاهدات في أوربا الجدار الذي تحطم محمد سليمان عندما تعبر الحدود من ألمانيا الغربية وتضع قدمك في ألمانيا الشرقية تنتقل إلى عالم آخر، عالم مختلف تماماً، فجأة ترى الوجوه العابسة البائسة، وجوه الجنود الموظفين الذين يخاف بعضهم بعضاً (فالتجسس من أهم مواصفات المجتمع الشيوعي) ومع ما حصل من التغيرات ولكن أثر التربية الشيوعية والإرهاب والتجويع لا يزول بسهولة. وإذا تقدمت خطوة أخرى واجتزت الحدود، وبعد ساعات من المسير تطلب مكاناً ترتاح فيه قليلا من وعثاء السفر، ولكن هيهات، فتستمر في السير حتى تصل برلين الغربية، وهي جزيرة من الغرب في وسط ما سمي بالديمقراطيات الشرقية، قال لي أحد الأصدقاء في برلين الغربية وهو بائع للفواكه والخضار: عندما دخل أهل برلين الشرقية لأول مرة، ورأى الأطفال منظر البرتقال والعنب والموز لم يصدقوا، كانوا يصيحون بأعلى أصواتهم: ماما هذا برتقال، هذا عنب. مساكين كانوا يرونه في الصور فقط، يقول هذا الصديق: كان منظراً محزناً، فالأب والأم لا يستطيعان شراء هذه الفواكه لأنها مرتفعة الثمن بالنسبة لعملتهم، فقلت له: هذه ألمانيا الشرقية فكيف بباقي دول أوربا الشرقية التي هي أقل منزلة والحالة فيها أسوأ. وعندما تصل برلين الغربية لا بد أن تذهب لترى الجدار الذي تحطم، الجدار الذي فصل بين أهل المدينة الواحدة بين الأقارب والجيران لأكثر من سبعة وعشرين سنة، وكان الحراس يقتلون كل من تسول له نفسه بالهرب، ولكنه الآن بلا حراس والناس يكسرون منه قطعاً للذكريات وفي بعض المناطق فتحوا ثغرة فيه، لا شك إنها لحظات تاريخية ومنظر مؤثر في النفس، لقد جرى التغيير بسرعة هائلة، من كان يصدق أن هؤلاء الجنود الذين يقفون عند بوابة (بردنبرغ) يرون الناس يحطمون الجدار ولا يكلمونهم، بل إنك تنظر في وجوه الجنود وعيونهم تجد فيها نوعاً من الذل. سبحان الله، متى تتحطم الجدر عندنا، هذه الحدود الوهمية التي رسمت لنا، أو على الأقل متى تلغى التأشيرات والعوائق بين البلاد العربية والإسلامية؟ .

стр. 530

تعريف وعرفان -التحرير- إن من أصناف الناس من لا يحظى بواسع شهرة، ولا بكبير منصب، ولكنه يعمل أعمالاً عظيمة، وينجز مهاماً جساماً. ومن - بين أولئك الناس الأخ العزيز الدكتور عبد الله الخاطر الذي فجعنا بوفاته - يرحمه الله - فجر يوم - السبت ٢/٦/ ١٤١٠ هـ الموافق ٣٠/١٢/١٩٨٩. وعرفاناً لجميل صنع هذا الأخ نكتب هذا التعريف الموجز سائلين المولى أن يتقبله، ويتغمده بواسع رحمته ورضوانه.. تعريف: هو الدكتور عبد الله بن مبارك بن يوسف الخاطر آل بو عينين التميمي من أهل الدمام بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، ولد عام ١٣٧٥هـ. في مدينة الظهران، وتخرج من كلية الطب جامعة الملك سعود بالرياض عام ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠م ثم عين معيداً في كلية الطب جامعة الملك فيصل بالدمام، وابتعث إلى بريطانيا للدراسات العليا في معهد مودزلي للطب النفسي في لندن عام ١٩٨٣م. حصل على شهادة البور في الطب النفسي من جامعة لندن عام ١٩٨٥م ثم حصل على شهادة البوبد الأردني في الطب النفسي من المجلس الطبي الأردني عام ١٩٨٧ م حيث عين استشارياً في الطب النفسي في كلية الطب جامعة الملك فيصل، تزوج عام ١٣٩٩هـ وله خمسة أولاد: ثلاثة أبناء وابنتان، أكبرهم في الحادية عشرة وأصغرهم لا يتجاوز ستة أشهر، وابنه الأول اسمه مبارك. عرفان: لقد كان رحمه الله تعالى يعيش لدعوته الإسلامية، ويحيا على البذل لها والتضحية في سبيلها، والجهاد بكل سبيل لإعلاء كلمتها. وكثيرون هم الذين كان ﵀ سبباً في هدايتهم وتوجيههم وتربيتهم على الإسلام، سواء في بلده أو خارجها، وعلى الأخص بريطانيا. وبالرغم من أنه لم يتخصص في الشريعة إلا أنه كان داعية لها، وكان يسعى جهده من أجل العمل للإسلام فمن ذلك أنه أنشأ حلقة لدراسة العلوم الشرعية في عام ١٩٨٣م في لندن باللغة العربية وباللغة الإنجليزية، ووصل عدد المواظبين عليها إلى ما يزيد على السبعين حيث أصبحت معلماً متميزاً للدعوة الإسلامية على منهج أهل السنة والجماعة هناك، وانتقلت هذه الحلقة إلى المنتدى الإسلامي الذي كان هو أحد العاملين على إنشائه. إن أسرة المنتدى الإسلامي والعاملين به ليشعرون بفراغ كبير بفقد الأخ الدكتور عبد الله الخاطر، ويشاركون أهله وإخوانه ومحبيه ومعارفه العزاء والمواساة، ويسألون الله له الرحمة والرضوان، وأن يسكنه فسيح جناته في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأن يحشره الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا. وبهذه المناسبة تقدم البيان كلمتين لاثنين من إخوانه الذين صحبوه وعرفوه عن قرب، ﵀ رحمة واسعة.
следующие страницы →