كلمة صغيرة
أمتنا تلج بوابة الفقر !
من يستشرف المستقبل يدرك أن أمتنا في المنظوريْن المتوسط والقريب
ستعاني من قلة ذات اليد وأزمات مالية واقتصادية حادة؛ نتيجة عمليات الإفقار
المنظم والنهب البشع التي يمارسها الغرب عليها - حكومات وشركات - بذرائع
شتى وصور مختلفة.
وبما أن التحولات الاجتماعية التي ستحل من جراء ذلك ببيئات المسلمين
المترفة وشبه المترفة ستكون ضخمة، وقد تصل بمجتمعات كثيرة إلى حد الكارثة؛
نتيجة المفاسد الضخمة التي ستنتج عنها في اتجاهات متعددة نفسية واجتماعية
وأخلاقية واقتصادية ... ونحوها؛ فإن المطلوب أن نقوم - أفراداً ومؤسسات -
بإدارة عملية التحول هذه بوعي ونضج من جانبي الوقاية والعلاج على حد سواء،
وما لم نقم بإدخال تغييرات ضخمة وبزوايا حادة في أحيان كثيرة، نتخلص
بواسطتها باختيارنا وطوع إرادتنا من مظاهر الترف الكثيرة في حياتنا، والعادات
والتقاليد التي لا تراعي الظروف والتطورات المقبلة.. فيتوقع أن تكون النتائج أكثر
من مؤلمة نسأل الله العافية.
وبما أن شهر رمضان المبارك من منظور شرعي لا واقعي هو موسم الزهد
والورع، والتعلق بالله تعالى، والتقلل من الدنيا وملذاتها؛ فلماذا لا نجعل منه بوابة
لصنع التغيير الإيجابي، ومنطلقاً نحو ممارسة التصحيح والقيام بإجراء معالجات
عميقة وجادة في هذا الجانب؟! والمسؤولية في ذلك واقعة بدرجة أساسٍ على نخب
مجتمعاتنا المسلمة، والتي ينبغي أن تكون بشتى أشكالها وطيوفها على مستوى عالٍ
من وعي المخاطر وامتلاك الرؤية لمعالجة أمراض الأمة ووقايتها من المخاطر
المحدقة بها.
ويأتي على رأس هؤلاء: أمل الأمة من أهل العلم والدعوة، والذين هم
مطالبون أكثر من غيرهم بأن يكونوا على مستوى المرحلة وفي موضع القدوة؛ إذ
كم أحدثت ممارساتهم من آثارٍ إيجابية أو سلبية على حدٍ سواء.
ولعل من أبرز ما هم مطالبون به من خطواتٍ في هذه المرحلة قيامهم بتجديد
شعبتي الزهد والورع، وإحياء فقه الاقتصاد، وبعث التأسي بالنبي صلى الله عليه
وسلم في هذا الجانب مع التنبيه على ضرورة استمراراً لبذل لنصرة الإسلام وتمكينه.
نسأل ربنا السداد والعون، والله من وراء القصد.
стр. 4727
الافتتاحية
دعوة للجهاد في شهر الجهاد
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه،
وبعد:
فلقد أمر الله الإنسان بأن ينهى نفسه عن هواها، وفرض عليه
مجاهدتها في ذلك؛ حتى يملك زمامها ويحررها من عدوها الرجيم المتربص بها.
كيف نحقق هذه الفريضة الصعبة في هذا الزمن الصعب؛ فريضة المجاهدة
للنفس والهوى والشيطان، تلك التي لا يمكن بدونها أن نواجه عدواً أو نجابه تحدياً؟
إنها فريضة دائمة، تستمد حياة المسلم قيمتها من استمرارها وتجديدها، إلا أن
النفوس تضعف، والعادات تتحكم، فنترك النفس لهواها، ونهملها في استقامتها
وتقواها. وتكاد تنحرف بنا عوائد الإلف والعادة عن سواء الجادة إذا لم نقوِّم المسيرة
ونجدد الهمم.
وهناك - من فضل الله علينا - محطات زمنية، لا بد من اغتنام فرصتها
واهتبال سوانحها؛ لتكون بداية لعودة جديدة يُصحح بها المسار، ويُعاد فيها التقويم.
وليس مثل شهر رمضان، بحرمته الزمنية وهيبته الكونية والدينية، مناسبة أعظم
للوقوف مع النفس مثل تلك الوقفات.
المشكلة أن الصوارف والشواغل والملهيات والفتن أصبحت في عصرنا تمثل
تحدياً آخر مضافاً لتحديات النفس والهوى والشياطين بإنسها وجنِّها، فماذا يفعل
المسلم الغريب في عصر الغربة هذا؛ وهو يتطلع إلى تجاوز اختبار الدنيا بنجاح
يضمن له النجاة ولو مجرد النجاة في الآخرة؟! ماذا يفعل وهو يرى الفتن تهيج في
الأرض وتموج في الفضاء، فتمطر قطرها وتطيِّر شررها خلال الديار؟ ماذا يفعل
وهو يراها تجيء فيرقق بعضها بعضاً، وتهجم فيسبق بعضها بعضاً؟!
لا يوجد حل سحري إلا العودة على النفس باللوم والتقويم، والعودة عن الهوى
بالاستقامة والحزم، والعودة بالنفس إلى الجادة والصواب.. لا أمل إلا في الفرار
إلى الله من غضب الله، والاحتماء بحصن حمايته ومحبته من تلك الفتن الهيجاء.
لا نظن أن عصراً مرَّ على الدنيا؛ يحتاج فيه المؤمنون إلى مجاهدة النفس بل
محاربتها مثل هذا العصر، حتى تستقيم على الطريقة، وتنجو من غوائل الفتن،
إنه هَمٌّ حقيقي.. إذا لم يكن الصالحون العاملون هم حملته فمن يحمله؟! وإذا لم تكن
منهم طائفة تقية نقية تكافح الفساد وتنافح عن الإصلاح، فتستدفع النقم وتستجلب
الرحمة وتستنزل النصر؛ فمن أين يجيء النصر وتتنزل الرحمة؟! [فَلَوْلاَ كَانَ
مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا
مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ] (هود: ١١٦) .
نعم! إنها البقية، فما يبقى بعد ذهاب البقية؟ يقول ابن كثير ﵀
في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل
الخير ينهون عما يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض. [إِلاَّ
قَلِيلاً] ؛ أي قد وُجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً، وهم الذين
أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته. ولهذا أمر الله هذه الأمّة الشريفة أن يكون
فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل
عمران: ١٠٤) ، وفي الحديث: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن
يعمهم الله بعقاب» [١] ) [٢] .
وحتى لا يعم العقاب الصالحين مع الطالحين؛ لا بد أن يكون لصلاح بقية
الصالحين أثر، وأن يكون له وجود حاضر، يقيم الحجة ويدفع العقوبة.. ولو عن
الصالحين وأهليهم وذرياتهم. والمشكلة لم تعد اليوم فيمن يأمر وينهى غيره، بل
فيمن يأمر وينهى نفسه فيكون مؤهلاً بذلك لأن يأمر وينهى غيره.
* من أين نبدأ؟
من المجاهدة.. مجاهدة النفس.. مجاهدة الهوى.. مجاهدة الشيطان، وكل
ذلك يتيسر السير فيه في رمضان الذي يُظلُّنا شهراً من كل عام؛ لتتأهل النفوس
الطيبة بعده لجهاد أكبر، تتضاعف دواعيه كل يوم في ديار المسلمين. إننا نحن
الإسلاميين لا يمكن أن نتأهل لمرتبة التغيير فيما حولنا إلا إذا كنا قابلين للتغيير، بل
مقبلين على التغيير في ذواتنا، والله تعالى يقول: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) ، ولن تتغير أنفسنا حتى نُؤْثر محبة الله على
جميع المحاب، وبخاصة عندما تنازعنا وتراودنا هذه المحاب عن محبة الله
. يقول ابن القيم ﵀ وهو يعدد مؤهلات الصالحين لنيل محبة
الله: (السبب الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى
محابه وإن صعب المرتقى) [٣] .
عبارة قليلة المبنى عظيمة المعنى، تستحق لقيمتها أن ندعو ابن القيم نفسه أن
يشرحها لنا.
يقول ﵀ عند كلامه على منزلة (الإيثار) من كتابه (مدارج
السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين) ؛ شارحاً الدرجة الثانية من درجات
منزلة الإيثار، وهي: (إيثار رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن،
وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطَوْل والبدن) : (إيثار رضا الله على
غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق، وهي درجة الأنبياء،
وأعلاها للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها
لنبينا محمد ﷺ ، فإنه قاوم العالم كله، وتجرد للدعوة إلى الله،
واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من
كل وجه، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم، بل كان همه وعزمه وسعيه كله
مقصوراً على إيثار مرضاة الله، وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته وجهاد أعدائه،
حتى ظهر دين الله على كل دين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمته على
المؤمنين، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده،
وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال،
صلوات الله وسلامه عليه) [٤] .
ويتبين من خلال كلمة ابن القيم هذه أن منزلة إيثار محاب الله على محاب
غيره تتجلى آثارها في أمور ثلاثة؛ من خلالها يتسنم العبد محاب الله فيكون قادراً
على تغيير نفسه، ومن ثَمَّ يساهم في تغيير ما حوله، وهي: قهر هوى النفس،
ومخالفة هوى الناس، ومجاهدة الشيطان وأوليائه.
أولاً: قهر هوى النفس:
فلا يستطيع التسنم والصعود إلى محاب الله إلا من تروَّض على قهر الهوى
الممنوع، قال محمد بن عبد القوي المرداوي في منظومته المسماة (منظومة
الآداب) :
وفي قمع أهواء النفوس اعتزازها ... وفي نيلها ما تشتهي ذلٌّ سرمدي [٥]
والهوى المذموم هو الميل إلى كل باطل ومحرم، وإليه تنصرف كلمة
(الهوى) عند الإطلاق، وإنما سُمِّي الهوى بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى
كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية [٦] .
قال الشيخ محمد الإسفرائيني في شرحه لذلك البيت من منظومة الآداب: (لا
شك أن في مخالفة النفوس لهواها اعتزازها وقوتها ومنعتها من الشيطان وجنوده،
وعدم ذلها، فلما قمع هوى نفسه بمقمعة المتابعة، وضربها بسياط الاقتداء،
وصرفها بزمام التقوى؛ حصل لها العز والامتناع والقوة والارتفاع؛ بحسن الاتباع
ومخالفة الابتداع) [٧] .
إن الهوى المراد قهره هو الهوى المحرم، أو الموصل إلى المحرم، فالمرء
قد يهوى شيئاً مباحاً، وهذا لا يضره إلا إذا شغله عن الطاعات الواجبة. ومع هذا
فإطلاق العنان للهوى المباح قد يصرف القلب ويميل به إلى غير المباح، تماماً كما
يحدث عند عدم كبح الشهوة أو كبح الغضب، وفي هذا يقول ابن القيم - رحمه
الله -: (لما كان الغالب ممن يطيع هواه وشهوته وغضبه أن لا يقف فيه
عند حد المنتفع به؛ أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم الضرر؛ لأنه يندر
مَنْ يقصد العدل في ذلك ويقف عنده ... فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه
إلا ذمه، وكذلك في السنّة لم يجئ إلا مذموماً، إلا ما جاء منه مقيداً ... وقد قيل:
الهوى كمين لا يُؤَمن، ومطلِقُه يدعو اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة، ويحث
على نيل الشهوات عاجلاً أيضاً. فالهوى والنفس والشيطان والدنيا يدعون إلى ما
فيه البوار، ويُعمين البصيرة عن النظر في العواقب وما يُغضب الجبار.
والدين والمروءة والروح ينهين عن لذة تعقب ألماً، وشهوة تورث ندماً) [٨] .
أمّا لماذا كان إيثار محاب الله بمخالفة الهوى من أعظم موجبات مرضاة الله،
وأظهر الأدلة على تغيير ما في النفس؛ فذلك لأن الإنسان عند غلبات الهوى يكون
بين اختيار واختيار، بين أن يختار ما يرضي الله من الأعمال والأقوال في السر
والعلن، أو ما يرضي النفس ويشبع نهمها ويرضي غرورها مما لا يرضي الله
سبحانه، فعندما يختار رضا الله على كل ذلك؛ فإنه يُجازى بالرضا والمحبة من الله
لأنه صَبَرَ لأمر الله. ولهذا كان الصبر على مخالفة الهوى من الجهاد، بل من أرفع
درجات الجهاد. قيل للحسن البصري ﵀: يا أبا سعيد، أيُّ الجهاد
أفضل؟ قال: «جهادك هواك» [٩] ، ولا يعارض هذا وصف النبي صلى الله
عليه وسلم للجهاد المرادف للقتال بأنه ذروة سنام الإسلام؛ لأن الجهاد بالنفس لا
يكمل إلا مع الجهاد للنفس، ولا يكون ذلك إلا بنهي تلك النفس عن الهوى. وقد
ثبت عنه ﷺ أنه قال: «المجاهد مَنْ جاهد نفسه في الله
» [١٠] .
إننا في أشد الحاجة إلى هذا الجهاد اليوم وفي كل يوم، وحاجتنا إليه لا تقل
عن حاجتنا إلى جهاد الأعداء الظاهرين المتكالبين، يقول ابن تيمية ﵀:
(يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى
والشهوة لا يُعاقب عليه، بل على اتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو
ينهاها؛ كان نهيه عبادة لله وعملاً صالحاً، فيؤمر بجهادها كما يؤمر بجهاد مَنْ يأمر
بالمعاصي ويدعو إليها، وهو إلى جهاد نفسه أحوج، فإن هذا فرض عين، وذاك
فرض كفاية، والصبر في هذا من أفضل الأعمال، فإن الجهاد حقيقته ذلك الجهاد،
فمَنَ صَبَرَ عليه صَبَرَ على ذلك الجهاد) [١١] .
وهناك أمور عملية وخطوات تنفيذية يستطيع بها المرء منا أن يجاهد هواه،
وقد دلنا الإمام ابن الجوزي ﵀ على خطوات في نقاط للوصول إلى
تحقيق هذا الواجب، وهي على ما يأتي:
الأمر الأول: التفكر في أن الإنسان لم يُخلق للهوى العاجل، وإنما للنظر في
العواقب والعمل للآجل، فلو كان نيل المشتهى في كل حال فضيلة؛ لما بُخس حظ
الآدمي الشريف منه، وزيد في حظ البهائم! وفي توفير حظ الآدمي من العقل
وتفضيله به، مع بخس حظه من الهوى؛ ما يكفي في فضل هذا وذم ذاك.
الثاني: أن يفكر في عواقب الهوى، فكم قد أفات من فضيلة، وكم قد أوقع
في رذيلة، وكم من مطعم قد أوقع في مرض، وكم من زلة أوجبت انكسار جاه
وقبح ذكر مع إثم، غير أن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى!
الثالث: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه، ثم يتصور الأذى
الحاصل عقب اللذة؛ فإنه يراه يُربى على الهوى أضعافاً.
الرابع: أن يتصور ذلك في حق غيره، ثم يتلمح عاقبته بفكره؛ فإنه سيرى
ما يعلم به عيبه إذا وقف في ذلك المقام.
الخامس: أن يتفكر فيما يطلبه من اللذات؛ فإنه سيخبره العقل أنه ليس بشيء،
وإنما عين الهوى عمياء!
السادس: أن يتدبر عز الغلبة وذل القهر؛ فإنه ما من أحد غلب هواه إلا
أحس بقوة وعز، وما من أحد غلبه هواه إلا وجد في نفسه ذل القهر.
السابع: أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى؛ من اكتساب الذكر الجميل في
الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة ثم يعكس فيتفكر ... لو وافق
هواه في حصول عكس ذلك إلى الأبد، ولنفرض لهاتين الحالتين حالتي آدم
ويوسف ﵉، وفي لذة هذا وهَمِّ هذا.
ثم قال ﵀: (ويا أيها الأخ، أحضر لي قلبك عند هذه الكلمات،
وقل لي بالله عليك أين لذة آدم التي قضاها من هَمَّة يوسف التي ما أمضاها؟! مَنْ
كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة؟ فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة، صار
من قد عرفت!) [١٢] .
ثانياً: مخالفة هوى الناس:
ولا يتأتى ذلك إلا بإيثار ما يحبه الله على ما يحبه الناس إذا تعارضا، وينبني
على هذا أن يكون الداعية قوياً في دعوة الناس للحق والخير الذي يعلمه، بعد أن
يأطر نفسه على الحق أطراً، ويقصرها على الحق قصراً، كما قال تعالى:
[خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة: ٦٣) ، والخطاب
هنا، وإن كان في سياق الكلام عن بني إسرائيل كي يأخذوا التوراة بقوة،
فنحن المسلمين أولى بأن نأخذ القرآن بقوة في علاج النفس وفي دعوة الناس.
وقد أبان الله تعالى لنا الطريق الذي يحبه؛ حتى لا نستجيب لمراودة الناس
إلى الأهواء المضلة، فقال سبحانه: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] (الأنعام: ١٥٣) ، وسبل الناس تحكي
أهواءهم، وبعضها سبل إجرام، فمن الحرام اتباعها، بل من الحرام السكوت عنها
بعد أن أبان الشرع عوارها، قال سبحانه: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) .
والداعي إلى الله هو الموكول إليه بيان السبيلَيْن على حسب ما تعلَّم من
الشريعة؛ مخالفاً في ذلك الأهواء المضلة.
أما أن ينساق الدعاة إلى استرضاء أهواء الناس حتى لا يُتهموا بـ (الظلامية)
أو (الرجعية) أو (الإرهاب) ؛ فإن ذلك مدعاة أسى، ومجلبة أسف؛ لأن
السير في طريق إرضاء الخلق سيفقد السائرين فيه ثواب هداية الخلق، ويعرّضهم
لغضب الخالق وعقابه، قال ﷺ : «مَنْ أرضى الله بسخط الناس؛
رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومَنْ أسخط الله برضى الناس؛ سخط الله
عليه وأسخط عليه الناس» [١٣] .
قد يكون رضا الناس في موافقتهم على كثرة الترخص في العزائم، وقد يكون
رضاهم في التجاوز عن محدثات وبدع في الدين، وقد يكون رضاهم في أحيان
أخرى؛ أن ننسلخ عن ديننا، ونهجر قرآننا، ونوافق الفجّار والكفار على ما هم
عليه من الفساد في الأخلاق والانحراف في العقيدة، وفي مثل هذه الحال يقول الله
تعالى آمراً نبيه ﷺ والأمة من بعده: [وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ
بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ] (القصص: ٨٧) .
إنه لم ينهه عن أن يستجيب لهم فحسب؛ بل أمره أن يدعوهم إلى ما هو عليه
من الحق والخير والسنّة، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (أي لا تتأثر
لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك، ولا تلوي على ذلك ولا تباله، فإن الله
معك، معلٍ كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان) [١٤] .
ماذا لو فقه الدعاة هذا المعنى، وماذا لو تميزوا عن مئات الملايين من البشر؛
بأنهم حملة الحق، وأصحاب الأمانة في استبانة الحق لمن يطلبه، والباطل لمن
يريد مخالفته، وقد فصّل الله ذلك بقوله: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) .
لقد أشارت الآية إلى سبيلَيْن يتعين على الدعاة تبيينهما للناس دون أدنى
خضوع للأهواء، وهما سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، وهما مبينان أصلاً في
كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما على الدعاة إلا أن يتعرفوهما ثم
يعرِّفوا بهما.
قال ابن القيم ﵀: (بيّن الله تعالى في كتابه سبيل المؤمنين
مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة،
وأعمال هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء مفصلة، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء،
وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفّق بها هؤلاء، والأسباب التي
خذل بها هؤلاء، وجلَّى سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما، وبينهما
غاية البيان؛ حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام، فالعالمون
بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة
تفصيلية، فاستبانت لهم السبل كما تستبين الطريق الموصلة إلى مقصوده والطريق
الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم
الأدلاء الهداة، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة) [١٥] .
ثالثاً: مدافعة الشيطان ومجاهدة أوليائه:
إن عداوة الشيطان مطلقة، وكذا جهاده ينبغي أن يكون مطلقاً، قال تعالى عن
عداوته ومجاهدته: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوا] (فاطر: ٦) ،
وميدان المنازعة في تلك العداوة هو قلب الإنسان وما فيه من إيمان، فالشيطان
ينازعنا على الإيمان في قلوبنا، فيتقوّت على ما فيها حتى يُبليها، ولا يزال
يتربص بشُعب الإيمان حتى لا يبقيها، فكيف يفلح عبد عرَّض قلبه لغزو عدوه
وجنوده من غير ردع أو دفاع؟!
لقد ضرب بعض العلماء مثلاً لحماية الإيمان من الشيطان، فقال: (مثل
الإيمان كمثل بلدة لها خمس حصون: الأول من ذهب، والثاني من فضة، والثالث
من حديد، والرابع من آجر [١٦] ، والخامس من لَبِن، فما دام أهل الحصن
متعاهدين حصن اللَّبِن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن
الثاني ثم الثالث، حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمس حصون:
اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم السنن ثم حفظ الآداب، فما دام يحفظ
الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه، وإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن،
ثم في الفرائض ثم في الإخلاص ثم في اليقين) [١٧] .
وأما مجاهدة أولياء الشيطان؛ فإن الله تعالى يقول: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] (النساء: ٧٦) .
وقد جعل الله تعالى مجاهدة أولياء الشيطان بالمال واللسان والسنان من
موجبات محبته؛ إذا تمت تلك المجاهدة بشروطها الشرعية وآدابها المرعية، فقال
سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] (المائدة: ٥٤) .
قال ابن رجب الحنبلي: (فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه،
فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم
بالشدة والغلظة، كما قال تعالى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم] (الفتح:
٢٩) ، وقال: [يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ] (المائدة: ٥٤) ،
فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب) [١٨] .
إن مما لا شك فيه أن الجهاد بهذا المعنى هو ذورة سنام الإسلام، وهو لا
يتم.. بل لا يُوصل إليه على الوجه الشرعي إلا بعد إحسان ما قبله من أنواع
المجاهدة السابق ذكرها، فبكلٍّ من جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان
وأوليائه؛ يكون المرء منّا هادياًَ مهدياً، قال سبحانه: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) .
قال ابن القيم ﵀: (علّق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس
هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان،
وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله؛ هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى
جنته، ومن ترك الجهاد؛ فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد) [١٩] .
стр. 4728
دراسات في الشريعة
النعي وصوره المعاصرة
خالد بن عبد الله المصلح [*]
* تعريف النعي:
- المطلب الأول: تعريفه في اللغة:
قال ابن فارس: «النون والعين والحرف المعتل: أصل صحيح يدل على
إشاعة الشيء، منه: خبر الموت» [١] .
- المطلب الثاني: تعريفه في الاصطلاح:
معنى النعي في الاصطلاح أوسع منه في اللغة، ويتضح ذلك مما قاله أهل
العلم في تعريفه: قال الترمذي في جامعه: «والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن
فلاناً مات ليشهدوا جنازته» [٢] .
قال ابن الأثير في النهاية: «نعى الميت ينعاه نعياً، ونِعِياً؛ إذا أذاع موته،
وأخبر به، وإذا ندبه» [٣] .
وقال ابن عابدين: «هو الإخبار بالموت» [٤] .
وقال قليوبي في حاشيته: «وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره
ومفاخره» [٥] .
وقال الحجاوي في الإقناع: «وهو النداء بموته» [٦] .
وقد ساق المنبجي عدة آثار في النعي، ثم قال بعد ذلك: «منها ما يدل على
أن النعي إعلام الناس بأن فلاناً قد مات، ومنها ما يدل على أن النعي هو تعداد
صفات الميت. فالظاهر أن كليهما نعي» [٧] .
فظهر مما تقدم أن النعي عند أهل العلم: منهم من يقصره على النداء بالموت،
ومنهم من يُدخل فيه الإخبار بالموت المقرون بمدح الميت وتعداد صفاته.
والذي يظهر لي: أن النعي يطلق على الإخبار بموت الميت وإذاعة ذلك،
ويطلق أيضاً على ما قد يصاحب ذلك من قول كتعداد مناقب الميت، أو فعل كشق
الجيوب وضرب الخدود. والله أعلم.
- المطلب الثالث: ألفاظ تشارك النعي:
هناك ألفاظ يطلقها أهل العلم ويذكرون لها أحكاماً، وهي تشارك النعي من
بعض الوجوه، ولذلك نحن بحاجة إلى الوقوف على معاني هذه الألفاظ.
أولاً: الندب:
وهو في اللغة حسن الثناء على الميت [٨] ، وقيل: دعاء الميت بحسن الثناء
عليه: وا فلاناه [٩] ، وقيل: الإقبال على تعداد محاسن الميت كأن الميت يسمعها
[١٠] .
أما الاصطلاح؛ فقال ابن الأثير في النهاية في تعريف الندب: هو «أن
تذكر النائحة الميت بأحسن أوصافه، وأفعاله» [١١] .
وقال النووي: «الندب: أن تعد شمائل الميت وأياديه. فيقال: وا
كريماه ... » [١٢] .
وقال ابن المبرد: «الندب البكاء على الميت وتعداد محاسنه» [١٣] .
وقال المنبجي: «اسم للبكاء على الميت وتعداد محاسنه» [١٤] .
وعلى هذا؛ فإن الندب يشترك مع النعي في كونه تعداداً لصفات الميت
ومحاسنه.
ثانياً: النياحة:
وهي في اللغة: من النوح، وهو يدل على مقابلة الشيء للشيء [١٥] ،
والنياحة على الميت هي البكاء عليه بجزع وعويل [١٦] .
وأما معناها في الاصطلاح فهو موافق للمعنى اللغوي، قال في الإقناع:
«وهي رفع الصوت بذلك أي بالندب برنَّة» [١٧] .
وقال في الزواجر: «النوح: وهو رفع الصوت بالندب، ومثله إفراط رفعه
بالبكاء ... » [١٨] .
وقد وسَّع بعض أهل العلم معنى النياحة؛ فجعل منها كل ما هيَّج المصيبة من
وعظ أو إنشاء شعر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [١٩] .
ومن هذا يتبين أن النياحة هي إظهار الجزع والتسخط على موت الميت.
قال القرافي: «وصورته: أن تقول النائحة لفظاً يقتضي فرط جمال الميت
وحسنه، وكمال شجاعته، وبراعته، وأبهته، ورئاسته، وتبالغ فيما كان يفعل من
إكرام الضيف، والضرب بالسيف، والذب عن الحريم والجار، إلى غير ذلك من
صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت، فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز
وجود مثل الموصوف بهذه الصفات، ويعظم التفجع على فقد مثله، وأن الحكمة
كانت بقاءه وتطويل عمره لتكثر تلك المصالح في العالم. فمتى كان لفظها مشتملاً
على هذا كان حراماً، وهذا شرح النوح. وتارة لا تصل إلى هذه الغاية غير أنها
تبعد السلوة عن أهل الميت، وتهيج الأسف عليهم، فيؤدي ذلك إلى تعذيب نفوسهم
وقلة صبرهم وضجرهم، وربما بعثهم ذلك على القنوط، وشق الجيوب، وضرب
الخدود، فهذا أيضاً حرام» [٢٠] .
ثالثاً: الرثاء:
وهو في اللغة بكاء الميت بعد موته ومدحه، وكذا إذا عددت محاسنه، وكذلك
إذا نظمت فيه شعراً [٢١] . ويراد به أيضاً التوجع من الوقوع في مكروه [٢٢] . ومنه
قول سعد بن أبي وقاص ﵁ في قول النبي ﷺ له:
«لكن البائس سعد بن خولة» : «يرثى له رسول الله ﷺ أن
مات بمكة» [٢٣] .
رابعاً: التأبين:
وهو في اللغة من أَبَنَ الرجلَ تأبيناً، أي: «مدحه بعد موته وبكاه» [٢٤] .
* أقسام النعي وصوره:
- المطلب الأول: النعي في كلام أهل العلم:
النعي وهو الإخبار بموت الميت: إما أن يكون إعلاماً مجرداً، وإما أن يكون
إعلاماً بنداء ونحوه، ولكل منهما حكم.
المسألة الأولى: الإعلام بالموت مجرداً:
ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية [٢٥] ، والمالكية [٢٦] ، والشافعية [٢٧] ،
والحنابلة [٢٨] ، وغيرهم [٢٩] ؛ إلى جواز الإعلام بالموت من غير نداء؛ لأجل
الصلاة. بل ذهب جماعة من العلماء إلى استحباب ذلك [٣٠] . واستدلوا بما في
الصحيحين [٣١] من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه
وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصفَّ بهم
وكبَّر أربعاً. واستدلوا أيضاً بما أخرج الشيخان [٣٢] من حديث أبي هريرة - رضي
الله عنه - أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد، أو شاباً، ففقدها رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات، فقال ﷺ :
«أفلا كنتم آذنتموني!» .
وهذان الحديثان ظاهران في إباحة الإعلام بالموت لأجل الصلاة، بل هما
دالان على الاستحباب، ولأن ذلك وسيلة لأداء حقه من الصلاة عليه واتباع جنازته.
ومما يدل على جواز إعلام مَنْ لم يعلم بموت الميت لمصلحة غير الصلاة
عليه: ما في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁، وفيه أن النبي
ﷺ : نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتي خبرهم،
فقال ﷺ : «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب،
ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله
حتى فتح الله عليهم» [٣٣] . ففي هذا الحديث نعى النبي ﷺ هؤلاء
الثلاثة ﵃، ولم يكن ذلك النعي لأجل الصلاة عليهم إنما لأجل
إخبار المسلمين بخبر إخوانهم وما جرى لهم في تلك الوقعة. وعليه فيجوز الإعلام
بالموت لكل غرض صحيح كالدعاء له وما أشبه ذلك [٣٤] . وليس ذلك من النعي
الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، بل إن بعض ذلك مما دلت
النصوص على فضله واستحبابه، فقد أجمع أهل العلم على أن شهود الجنائز خير
وبر وفضل، وأجمعوا على أن الدعاء إلى الخير من الخير، قال ابن عبد البر:
«وكان أبو هريرة يمر بالمجالس، فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته» [٣٥] .
وذهب جماعة من أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم [٣٦] ، كحذيفة بن اليمان
﵁، إلى عدم الإخبار بموت الميت خشية أن يكون ذلك من النعي
الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . قال البيهقي: «ويروى في ذلك
عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد، ثم عن علقمة وابن المسيب والربيع بن
خثيم وإبراهيم النخعي» [٣٧] .
واستدلوا بما جاء عن حذيفة ﵁ أنه قال: «إذا مت فلا
تؤذنوا بي أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ينهى عن النعي» ، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقال عنه الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح [٣٨] . وقد حسنه الحافظ ابن حجر [٣٩] .
ولما روي عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «إياكم والنعي! فإن النعي من عمل الجاهلية» [٤٠] . قال عبد
الله في بيان معنى النعي: أذان بالميت [٤١] . فالنداء ورفع الصوت في الإخبار
بموت الميت من فعل أهل الجاهلية [٤٢] .
وقد حمل النووي ما ورد عن هؤلاء على الكراهة [٤٣] .
وعند التأمل والنظر؛ يتبين أن النهي الوارد عن النعي لا يعارض ما جاء عن
النبي ﷺ من نعي النجاشي ونعي الأمراء على المنبر، فإن النعي
المنهي عنه في قول حذيفة ﵁: «سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينهى عن النعي» ؛ إنما هو في نعي الجاهلية، فالألف واللام للعهد
الذهني، وهو ما كان معروفاً في الجاهلية من النعي، فلقد «كان من عادتهم إذا
مات منهم شريف بعثوا راكباً إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب؛
أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء» [٤٤] .
فيكون النعي المنهي عنه محمولاً «على النعي لغير غرض ديني؛ مثل
إظهار التفجع على الميت، وإعظام حال موته. ويُحمل النعي الجائز على ما فيه
غرض صحيح؛ مثل طلب كثرة الجماعة تحصيلاً لدعائهم ... » [٤٥] ، وما أشبه
ذلك.
ولا يرد على هذا التوجيه «قول حذيفة ﵁؛ لأنه لم يقل إن
الإعلام بمجرده نعي، وإنما قال: أخاف أن يكون نعياً. وكأنه خشي أن يتولد من
الإعلام زيادة مؤدية إلى نعي الجاهلية» [٤٦] .
وعلى هذا؛ فلا حرج في الإخبار بموت الميت لكل غرض صحيح كما تقدم،
والله أعلم.
المسألة الثانية: الإعلام بالموت بنداء ورفع صوت:
ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية [٤٧] ، والمالكية [٤٨] ، والشافعية [٤٩] ،
والحنابلة [٥٠] ؛ إلى كراهية النداء في الإعلام بموت الميت؛ لما تقدم من حديثَي
حذيفة وابن مسعود ﵄. وذهب جماعة من الحنفية إلى أنه لا
يُكره النداء على الميت في الأزقة والأسواق إذا كان نداء مجرداً عن ذكر المفاخر
[٥١] . قالوا: لأن في ذلك تكثير الجماعة من المصلين والمستغفرين للميت، وليس
مثله نعي الجاهلية، فإنهم كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل
وتعديد ونياحة [٥٢] .
ويقال في الجواب عن هذا: إن مقصود تكثير الجماعة من المصلين
والمستغفرين للميت يمكن حصوله دون النداء ورفع الصوت.
فالصواب من هذين القولين: قول الجمهور القائلين بكراهة رفع الصوت في
الإعلام بموت الميت؛ لأن النداء ورفع الصوت بموت الميت داخل من حيث
الصورة في بعض نعي الجاهلية الذي ورد النهي عنه، فإنهم كانوا يرسلون مَنْ
يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق [٥٣] .
- المطلب الثاني: صور النعي المعاصرة:
هناك العديد من الصور المعاصرة للنعي التي تحتاج إلى نظر؛ هل تدخل في
النعي المحرم أو لا؟ وقد تناولتها في المسائل التالية:
المسألة الأولى: إعلان الموت في الصحف والمجلات السيارة وما أشبهها:
إعلان الوفاة في الصحف والمجلات وما أشبهها من وسائل الإعلام العام؛
كالمنتديات والصفحات العامة في شبكة الإنترنت، كل ذلك لا يخلو أن يكون إعلاناً
مجرداً أو إعلاناً غير مجرد. ولا يخلو أيضاً أن يكون قبل الصلاة على الميت أو
بعده.
فإن كان الإعلان قبل الصلاة مجرداً عن نداء ورفع صوت وليس فيه تفجع
على الميت، ولا إعظام لحال موته، ولا تسخط فيه، ولا ضجر؛ فإن ذلك جائز،
لا سيما إذا كان الميت مما يهم الناس أمره وحاله، أو كان له شأن ومكانة في
الإسلام أو نفع علم. ولا بأس أن يقترن بالإعلان ثناء يسير مطابق للواقع يرغِّب
في الدعاء له والصلاة عليه.
ويدل لهذا نعي النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه،
ففي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «مات عبد لله صالح: أصحمة. فقام فأمَّنا وصلى عليه» [٥٤] .
فقوله ﷺ في نعيه النجاشي: «مات عبد لله صالح» ثناء عليه
وتزكية له حيث وصفه بالصلاح، وفي هذا تنشيط على الدعاء له والصلاة عليه.
ويشهد لهذا أيضاً ما رواه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال:
مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : «وجبت» . ثم
مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : «وجبت» .
قال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال النبي صلى الله عليه
وسلم: «هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له
النار. أنتم شهداء الله في الأرض» . فأقرهم النبي ﷺ على الثناء
بالخير على الجنازة، فدل على جواز ذكر الميت بما فيه من الخير.
أما إن كان الإعلان عن الموت بعد الصلاة عليه؛ فإن كان لمجرد الإعلام
بالموت فالظاهر أنه من النعي المنهي عنه؛ لأن الصحف وشبهها من الوسائل
الإعلامية هي أقرب ما تكون لمجامع الناس ومنتدياتهم في العصر الأول. ويتأكد
النهي والتحريم إذا كان الخبر متضمناً لما يثير الأحزان ويهيج على البكاء، أو كان
متضمناً الشهادة بالجنة للميت أو ما يفهم منه ذلك؛ ككتابة بعضهم في خبر الوفاة
قول الله تعالى: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي] (الفجر: ٢٧-٣٠) ، فإن مثل هذا محرم لا
يجوز.
أما إن كان الإعلام بالموت بعد الصلاة على الميت لمصلحة معتبرة شرعاً
كإبراء ذمة الميت وما أشبه ذلك؛ فإن هذا جائز لا بأس به لما فيه من المصلحة.
قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - في فتوى له:
«وأما الإعلان عن موت الميت: فإن كان لمصلحة مثل أن يكون الميت
واسع المعاملة مع الناس بين أخذ وإعطاء وأعلن موته لعل أحداً يكون له حق عليه
فيقضى أو نحو ذلك؛ فلا بأس» .
المسألة الثانية: إعلان الموت بالرسائل الهاتفية أو البريد الإلكتروني:
جرى عمل كثير من الناس في هذه الأيام على تبادل الرسائل الهاتفية أو البريد
الإلكتروني للإخبار بالموت، والذي يظهر أن مثل هذا إن كان لأجل الصلاة على
الميت أو الدعاء له أو تعزية المصاب به ونحو ذلك فهو مستحب؛ لأن ذلك وسيلة
لتلك الصالحات، والوسائل لها حكم الغايات، وما لا يتم الصالح إلا به فهو صالح.
وكذلك الحكم إن كان ذلك لمصلحة. ويمكن أن يقال: إن إعلان الموت بالرسائل
الهاتفية أو البريد الإلكتروني لا يخرج عما سبق من كلام أهل العلم في حكم النعي
المجرد.
المسألة الثالثة: إعلان الموت في الخطب المنبرية:
ذكر خبر وفاة عالم من العلماء أو علم من الأعلام في الخطب، سواء كانت
خطبة الجمعة أو خطبة خاصة للإعلام بموته، ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون ذلك لإخبار الناس بموت من يهمهم معرفة خبره، ولم
يسبق علم عام بموته، أو كان ذلك لمصلحة راجحة، فالذي يظهر لي أن ذلك جائز
لا حرج فيه، ولو اقترن به ثناء يسير مطابق للواقع، وسواء كان الإعلان في
خطبة الجمعة أو في خطبة خاصة للإعلام بموته.
ويدل لهذا ما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
خطب النبي ﷺ ، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها
جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن
غير إمرة، ففتح له، وقال: ما يسرهم أنهم عندنا. وعيناه تذرفان» [٥٥] .
ويشهد له أيضاً أن أبا بكر ﵁ خطب الناس لما اضطربوا في
وفاة الرسول ﷺ بعد أن تيقن موته ﷺ ، فقال في
خطبته المشهورة: «أما بعد، من كان يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً
قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» [٥٦] .
أما دليل جواز الثناء اليسير المطابق للواقع في خبر الوفاة: ما رواه مسلم من
حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مات عبد
لله صالح: أصحمة. فقام فأمَّنا وصلى عليه» [٥٧] .
ويحسن في مثل هذا المقام إن كان الناس مصابين أن يصبرهم ببيان أن ما
أصاب الميت أمر آتٍ على كل أحد، وأنه سبيل لا بد منه، وباب لا بد من دخوله،
وأن يبين وجوب الصبر وفضله وجميل عاقبته، وسوء منقلب التسخط والضجر.
القسم الثاني: ألا يكون غرض صحيح من الإخبار بموت الميت، أو أن
يكون الخطيب قد أكثر من ذكر مآثر الميت وفضائله وأعماله وصفاته أو عظيم
الخسارة بموته، فإن ذلك لا يجوز، وهو من النعي المحرم؛ إذ هو نظير ما كان
يفعله أهل الجاهلية من بعث المنادي ينادي بموت الميت ويذكر مآثره ومفاخره.
وقد تقدم في الكلام عن النعي ما يدل على تحريم هذا القسم، ولا سيما أن
كثيراً من الخطباء يذكر في كلامه ما يهيِّج الأحزان ويضعف عن الصبر، ويبعد
المصابين بالميت عن السلوة. ولا يشك عالم بموارد الشريعة ومصادرها أن مثل
هذا لا يجوز.
المسألة الرابعة: المحاضرات العلمية والمشاركات الإعلامية:
مما انتشر بين الناس في الأزمنة المتأخرة أنه إذا مات عالم من العلماء أو علم
من الأعلام طُلب من طلابه أو معارفه أو أقاربه أو زملائه أو من لهم صلة به أن
يتحدثوا عنه؛ إما في مشاركات إذاعية أو مرئية أو محاضرات أو ندوات أو مقالات
أو تعليقات. ويتلخص ذلك كله في أنه عدٌّ لمحاسن الميت، وإبرازٌ لجوانب
شخصيته والثناء عليه.. وما أشبه ذلك.
والذي يظهر لي أن مثل هذه الأعمال تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما كان وقت المصيبة قبل السلو عنها؛ فهذا داخل في النعي
المنهي عنه؛ لأن مؤداه التفجع على الميت وإعظام حال موته، وأن بموته تنقطع
المصالح، ويعز وجود نظيره، وفي هذا تجديد الأحزان، ونكء الآلام، ومخالفة
مقصود الشرع من تخفيف المصاب وتسهيله؛ ليكون ذلك عوناً في الصبر على
قضاء الله وقدره.
القسم الثاني: ما كان بعد السلوة وبرود المصيبة؛ فلا بأس بذلك من حيث
الأصل، فإن كان الغرض منه التأسي بالصالحين والاقتداء بهم؛ فإن ذلك مستحب
لما يتضمنه من الدعوة إلى الخير، والتأسي بالصالحين، وعلى هذا بناء كثير من
كتب السير والتراجم والأعلام.
ومما يدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر - رضي
الله عنه -[٥٨] .
المسألة الخامسة: المراثي:
للعلماء ﵏ في رثاء الأموات قولان في الجملة:
القول الأول: أنه لا بأس بالمراثي، وهذا مذهب الحنفية [٥٩] ، والشافعية
[٦٠] . واستدل هؤلاء بأن الكثير من الصحابة ﵃ فعله، وكذلك
فعله كثير من أهل العلم [٦١] .
القول الثاني: أنه تكره المراثي، وهو قول للشافعية [٦٢] .
واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ قد نهى عن المراثي، فعن عبد
الله بن أبي أوفى ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ
عن المراثي» ، رواه الإمام أحمد [٦٣] ، وابن ماجه [٦٤] . وهو عند ابن أبي شيبة
بلفظ: «ينهانا عن المراثي» [٦٥] .
ومدار الحديث على إبراهيم الهجري الراوي عن عبد الله. قال عنه
البوصيري في مصباح الزجاجة: وهو ضعيف جداً، ضعفه سفيان بن عيينة،
ويحيى بن معين، والنسائي وغيرهم [٦٦] . وقال عنه البخاري: منكر الحديث.
قالوا: «والأولى الاستغفار له، ويظهر حمل النهي عن ذلك على ما يظهر
فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه، أو على ما يجدد
الأحزان دون ما عدا ذلك، فإن الكثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه»
[٦٧] .
وقد قسّم القرافي المراثي إلى أربعة أقسام باعتبار حكمها [٦٨] :
«الأول: المراثي المباحة، وهي الخالية عن التحريم من ضجر أو تسخط
أو تسفيه للقضاء، وما أشبه ذلك.
الثاني: المراثي المندوبة، وهي ما كان مسهلاً للمصيبة، مذهباً للحزن،
محسناً لتصرف القضاء مثنياً على الرب تعالى.
الثالث: المراثي المحرمة الكبيرة، وهي ما كان فيه اعتراض على القضاء،
وتعظيم لشأن الميت، وأن موته خلاف الحكمة والمصلحة، وما أشبه ذلك.
الرابع: المراثي المحرمة الصغيرة، وهي ما كان مبعداً للسلوة عن أهل
الميت، مهيجاً للأسف، معذباً للنفوس» .
وهذا تفصيل حسن، فيحمل ما جاء من النهي عن المراثي على القول بثبوته
على القسمين الثالث والرابع، قال ابن حجر عندما ذكر رثاء النبي صلى الله عليه
وسلم لسعد بن خولة ﵁: (وليس معارضاً لنهيه عن المراثي التي
هي ذكر أوصاف الميت الباعثة على تهييج الحزن وتجديد اللوعة، وهذا هو المراد
بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى
﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المراثي» ،
وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: «نهانا أن نتراثى» ، ولا شك أن الجامع بين
الأمرين التوجع والتحزن) [٦٩] ، والله أعلم.
стр. 4729
دراسات في الشريعة
دحض الشبهات
التي تثار حول العقوبات الشرعية
د. عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان [*]
fawzan@yahoo.com
أولاً: الشبهات العامة:
* الشبهة الأولى: أن العقوبات الشرعية قديمة وجامدة:
قد عفّى عليها الزمان، وتجاوزتها الحضارة، ولم تعد ملائمة لهذا العصر:
عصر التقدم والمدنية، والتحضر التقني والصناعي. فالأخذ بها تقهقر بالإنسانية
الراقية، ورجعة بها إلى عهود الظلام الدامس، والقرون الوسطى. ولئن كانت هذه
العقوبات صالحة للبيئة البدوية التي نزل فيها القرآن، ومناسبة لأولئك الحفاة الجفاة
من الأعراب قبل ألف وأربعمائة عام؛ فإنها لا تصلح للعالم المتحضر الحديث، ولا
تناسب المتحضرين المتمدينين في القرن العشرين، وكيف يليق بهم أن يخضعوا
لقانون نشأ بين جبال مكة والمدينة، وجلاميد الصحراء، وأحراش الجزيرة [١] .
- دحض هذه الشبهة:
كل ما في هذه الشبهة أن العقوبات الشرعية قديمة، شُرعت لمجتمعات بدائية،
تختلف بطبيعتها وعاداتها عن المجتمعات العصرية المتحضرة، وهذا دليل على
عدم صلاحيتها للتطبيق في هذا العصر الذي بلغت فيه المدنية ذروتها.
وهذا قول متهافت ساقط من وجوه:
١ - أن العاقل المنصف لا يزن الأحكام والتشريعات بالزمان الذي صدرت
فيه أو نُقلت منه، ولا بالبقعة التي جاءت منها أو كانت فيها. ولكن الميزان الذي
تُقَوّم به هو مدى صلاحيتها، وتحقيقها للغاية المبتغاة منها. فالعاقل نصير الحق،
وناشد الحكمة أنى وجدها، ومن أي شخص جاء بها، وفي أي زمان أو مكان
وقعت فيه. وهو عدو الباطل، بصرف النظر عن مصدره وعن زمانه ومكانه،
ومن دعا إليه وعمل به.
وعليه؛ فليس كل قديم مردوداً، ولا كل جديد مقبولاً، ولا كل ما نشأ في
البادية فاسداً، ولا كل ما نشأ في الحضر صالحاً [٢] .
٢ - أن مصدر هذا التشريع ليس بقعة من بقاع الأرض، ولا اجتهاداً بشرياً
قاصراً، وإنما هو شريعة الله التي أنزلها هدى ورحمة للعالمين: عربهم وعجمهم،
باديهم وحاضرهم، أولهم وآخرهم، [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء:
١٠٧) ، [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] (سبأ: ٢٨) ، [قُلْ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً] (الأعراف: ١٥٨) [٣] ، فهو لم ينبع من
أرض عربية أو أعجمية، ولا اخترعته أدمغة بشرية، وإنما هو حكم الله الذي
أوحى به إلى عبده ورسوله محمد ﷺ ليبلغه للناس، وليحملهم تبعة
تطبيقه والعمل به، [فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ] (يونس: ١٠٨) [٤] .
٣ - أن تعلق هؤلاء بالجديد ونبذهم للقديم؛ ليس مبنياً على منطق عقلي سليم،
وإنما هو استجابة لوهم من الأوهام النفسية التي تتعلق بالجديد أياً كان نوعه، ظناً
منها بأنه لا يزال يحتفظ بذخره ومكنون خيراته، وتعاف القديم مهما كان نوعه
أيضاً لتبرمها به وتوهمها بأن الزمن قد استحلب خيراته، وقضى على فوائده، وأن
العقل البشري لا بد أن يكون قد تجاوزه إلى ما هو أجدى وأنفع.
ولا يجوز لعاقل يحترم عقله أن يستجيب لهذه الإيحاءات النفسية الخاطئة،
ويلغي ما يقتضيه العقل السليم، والمنطق الصحيح.
ولئن كانت النفس البشرية تخيل لصاحبها أن القديم قد زال نفعه، وجنيت
ثماره، فإن العقل السديد يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه وآثاره، وتحقيقه
للثمرة المرجوة منه. وربّ جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان، ورب قديم
شهد له العقلاء، والتاريخ الغابر، والواقع المعاصر، على أنه كان ولا يزال
مصدر خير وسعادة لكل من ظفر به.
ولقد علم كل إنسان أن مقومات الحياة في هذه الدنيا، من شمس وهواء،
وأرض وماء، وزرع وضرع؛ لم يُخْلِقْها تعاقب الزمان، وكَرُّ الليالي والأيام!
فهل قاطع أصحاب النفوس التي تشمئز من القديم هذه المقومات الأساسية
لقدمها؟ وهل تحولوا ساعة عن التعامل معها؟
والعقوبات المقدرة في الشريعة؛ إنما هي عقوبات على جرائم ثابتة لا يتبدل
وجه المفسدة فيها مهما اختلفت الأزمان والأماكن، وتطورت الحياة والنظم. ولهذا
فإنها لا تزال صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان [٥] .
٤ - أن هذه الشبهة جاءت من قياس العقوبات الشرعية على العقوبات
الوضعية التي تتطور مع الزمن، ويحصل فيها التغيير والتبديل بين الحين والحين،
تلافياً لما فيها من الأخطاء، وتحقيقاً لما هو أجدى وأكمل.
وما دامت القوانين تُلغى أو تُعدل؛ فلم لا نفعل مثل ذلك في العقوبات الشرعية؟
وهذه نظرة خاطئة إلى الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطأ فيها قياس شريعة
الله العادلة المحكمة، على الاجتهادات البشرية القاصرة التي تتأثر بما
حولها من مؤثرات شخصية أو اجتماعية أو بيئية، أو غيرها [٦] .
ولو سلمنا جدلاً: أنه ينبغي مسايرة التشريع للعصر؛ فما مقياس ذلك؟
إنْ كان يرجع إلى انتشار الفساد، وكثرة الإجرام، وتفشي الظلم والعدوان؛
فإن العقوبات في هذا الزمن يجب أن تزيد قسوة وشدة. وما كان يصلح لأولئك
الأعراب البسطاء ذوي الإمكانات المحدودة؛ فإنه لا يصلح لمجرمي العصر، حيث
الإجرام المنظم، وتوظيف التقنية الحديثة لخدمة محترفي الإجرام، والساعين في
الأرض بالفساد والظلم.
وإنْ كان المقياس هو التقدم العلمي والتقني، والتطور الصناعي والمدني؛
فإن الذي سنّ هذه العقوبات الشرعية هو الذي منح البشرية ما وصلت إليه من العلم
والتقدم، فلا يمكن أن تكون هذه العقول المخلوقة أعلم ممن خلقها، وأكثر منه إدراكاً
لمصالح البشرية وأسباب سعادتها وأمنها!! قال الله تعالى: [وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ
إِلاَّ قَلِيلاً] (الإسراء: ٨٥) ، وقال تعالى: [قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه] (البقرة:
١٤٠) .
وإنْ كان المقياس ضَعْفَ النفوس ورخاوتها، والرغبة في إطلاق العنان لها
للتمادي في الظلم والإجرام، من غير رادع ولا زاجر؛ فليس هذا بمقياس.
٥ - أن تحقيق هذه العقوبات الشرعية للأمن، وحمايتها لمصالح الناس،
ومكافحتها للجرائم، على مدى القرون الماضية التي طبقت فيها، مع اختلاف
البيئات والثقافات والأجناس؛ دليل على أنها تشريع من حكيم خبير، وأنه لا يمكن
أن يقوم غيرها مقامها، ولا أن يحقق الثمرة التي تتحقق من خلالها.
* الشبهة الثانية: أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على
الاشمئزاز:
ولا تتناسب وروح هذا العصر، وإنسانيته، وحمايته لحقوق الإنسان
وكرامته [٧] .
- دحض هذه الشبهة:
وهذه شبهة داحضة من وجوه:
أولاً: أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور، وإنما هي جزاء مقرر على
ارتكاب جريمة، يقصد به الإيلام والردع:
وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع. حتى
تأديب الرجل ولده؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة، ليتأتى تأديبه
وإصلاحه [٨] .
وقديماً قال الشاعر الحكيم [٩] :
فقسا ليزدجروا، ومَنْ يَكُ حازماً ... فليَقْسُ أحياناً على مَنْ يرحمُ
ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبداً، حتى لا توجد
عقوبات أصلاً؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه، وما عليه فيؤديه عن
طواعية واختيار. ولكن هذا حلم لا يمكن أن يتحقق، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع
المعاش. فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها، ونفوس شريرة
ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم.
والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا بالالتزام، واحترام حقوق الآخرين،
وعدم المضارة بهم. فمن خرج عن هذا الالتزام، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره،
كان ردعه واجباً عقلاً وشرعاً، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام. واسم العقوبة مشتق من
العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوماً بالرخاوة والضعف.
فعنصر القسوة - إذاً - يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة، فلو فُقدت القسوة
فُقدت معها العقوبة بدون شك.
ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما؟
إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها؛
أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها،
وتنقص بنقص ذلك.
وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين، مهما
اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب. وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد
على ذلك.
فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى
هذه القاعدة التي لا خلاف فيها؛ فسبب ذلك أنهم يخطئون في تقويم خطورة الجرائم
التي رتبت عليها هذه العقوبات، دون أن يعتبروا في ذلك نظرة المشرِّع لها،
وتقويمه لخطورتها.
والعجيب أن خصوم الشريعة الإسلامية يدركون هذه الحقيقة، ويفقهون هذا
المعنى، عندما يكون البحث متعلقاً بقانون من القوانين الوضعية.
فرُبَّ كلمة لا نرى بها بأساً، يتفوه بها فرد من رعايا دولة تطبق قانوناً
وضعياً؛ تواجهه بسببها عقوبة الإعدام.
ورُبَّ فاحشة عظمى يجب مكافحتها، تشيع بين رعايا تلك الدولة؛ فلا يؤبه
بها، ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار!!
وليس أيسر على خصوم الشريعة الإسلامية من أن يدافعوا عن كلا المذهبين؛
بأن كل أمة إنما تسن قوانينها حسب مبادئها وفلسفتها التي تنظر بها إلى الإنسان
والكون والحياة.
أفيحق لكل أمة أن تسن ما تشاء من قوانين الردع والزجر، حسب نظرتها
إلى الكون والإنسان والحياة - خطأً كانت النظرة أم صواباً -، ثم لا يحق لخالق
الكون والإنسان والحياة أن يشرع هو الآخر قوانين الردع والزجر بما يتفق مع
مقاصد شريعته، ويتسق مع نظام كونه، ويحقق مصالح عباده؟!! [١٠]
والحكمة في تغليظ العقوبات الشرعية التي توصف بالوحشية والهمجية، من
قتل القاتل، ورجم الزاني، وقطع السارق، وغيرها من العقوبات المقدرة؛ ظاهرة
جلية، فإن هذه الجرائم هي أمهات المفاسد، وكل واحدة منها تتضمن اعتداء على
واحدة أو أكثر من المصالح الخمس الكبرى، والتي أجمعت الشرائع والعقلاء في
كل زمان على وجوب حفظها وصيانتها؛ لأنها لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها.
ولأجل هذا كان المرتكب لشيء منها جديراً بأن تغلّظ عليه العقوبة، حتى
تكون زاجرة له، ورادعة لغيره.
وها هي ذي الجرائم الكبرى تعصف بكثير من الدول التي لا تطبق الشريعة
الإسلامية، مع كل ما توفر لها من إمكانيات وقدرات، وتقدم مادي وتقني، وأجهزة
أمنية وإدارية واستخبارية.
ثانياً: أن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم،
ونسوا مصلحة المجتمع، وأشفقوا على الجاني، وأهملوا الضحية، واستكثروا
العقوبة، وغفلوا عن قسوة الجريمة:
ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة، ولاحظوا الاثنتين معاً، لخرجوا موقنين
بالعدالة في العقوبات الشرعية، ومساواتها لجرائمها.
فإذا استحضرنا مثلاً فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفياً، ينقب
الجدار، ويكسر القفل، ويُشهر السلاح، ويروّع الآمنين، هاتكاً حرمة البيوت،
وعازماً على قتل من يقاومه، وكثيراً ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق
إلى إتمام سرقته، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز.
وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم
على وجه السارق المرعب الشرس، وهو شاهر سلاحه يهدد من يواجهه.
وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعاً، وتعطيل لحركتهم،
وبث للرعب في نفوسهم، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم، وتأمينها بالمغاليق
والأقفال؛ لأن السارق يبغي المال، وهو موجود عندهم جميعاً، فهم معرضون
لإجرامه دون تمييز.
لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق، ثم قارناه بقطع يده الآثمة
الظالمة؛ لما قلنا عن عقوبته: إنها قاسية ظالمة.
وهكذا الشأن في بقية العقوبات، علينا أن نستحضر جرائمها، وما فيها من
أخطار وأضرار، وظلم واعتداء، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة
ما يناسبها، وجعل الجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد [١١] .
ثالثاً: أن الله تعالى أراد للناس أن يعيشوا آمنين مطمئنين، ولن يتيسر لهم
ذلك إلا ببتر الفاسدين وقطع دابرهم. وهذه سنة الله في خلقه:
فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه،
فلا مناص من الإقدام على ذلك. وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا
العضو الفاسد من جسم أخيه؛ أليس ضربه المبضع في لحمه، وقطعه الجزء الفاسد
من جسمه مظهراً من مظاهر القسوة؟!
ولكنها قسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة، وبخاصة إذا قيست بما
يترتب على تركها من هلاك وتلف، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة
بقائها. والمجتمع هو الجسم كله، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه [١٢] .
فهي تحفظ للمجتمع حقه، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه.
والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة؛ إنما تضيع مصلحة الفرد
والجماعة معاً؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن، وانحلال المجتمع،
وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع، فقل على الأفراد وعلى المجتمع العفاء [١٣] .
قال عز الدين بن عبد السلام: «وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر
بها أو تباح؛ لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي
المتآكلة، حفظاً للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد. وكذلك العقوبات
الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من
شرعها، كقطع السارق، وقطّاع الطريق، وقتل الجناة، ورجم الزناة وجلدهم
وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب
عليها من المصالح الحقيقية» [١٤] .
رابعاً: أن الإسلام قبل أن يستأصل هؤلاء المجرمين، ويقرر عليهم العقوبات
الرادعة؛ قد أعذر إليهم:
حيث قدم لهم من وسائل التربية والوقاية ما كان يكفي لإبعادهم عن الجريمة
التي اقترفوها؛ لو كانت لهم قلوب تعقل، أو نفوس ترحم.
ثم إنه لا يطبقها أبداً حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها
دون مسوّغ ولا شبهة اضطرار. فوقوعه فيها بعد كل هذا دليل على فساده وشذوذه،
واستحقاقه للعقوبات الرادعة المؤلمة.
فهو مثلاً لا يقطع يد السارق إلا بعد توفير الوسائل التي تمنع من السرقة، فقد
عمل على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، وجعل في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للفقراء،
وأوجب النفقة على الزوج والأقارب، وأمر بإكرام الضيف والإحسان إلى الجار،
وجعل الدولة مسؤولة عن كفالة أفرادها بتوفير تمام الكفاية لهم في الحاجات
الضرورية من مطعم وملبس ومسكن وغيرها، بحيث يعيشون حياة لائقة كريمة.
كما أنها تكفل أفرادها بفتح أبواب العمل الكريم لمن يستطيعه، وتمكين كل قادر من
أن يعمل بمقدار طاقته، وتهيئة الفرص المتساوية للجميع.
وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة، فإن وقعت بعد ذلك؛ فإنه
يتحقق من ثبوتها، وانتفاء موانعها، وعدم وجود شبهة تسقطها، كأن يرتكبها بدافع
الحاجة والاضطرار [١٥] .
وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي، وعنف إلحاحه على البشر، ولكنه يعمل
على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع: طريق الزواج، فيدعو إلى الزواج
المبكر، ويعين العاجز عن تكاليفه المادية بوسائل كثيرة، من الزكاة والصدقات،
والنفقة، وبيت المال.
كما أنه يحرص على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء والإثارة التي
تؤجج الغريزة، وتحرك كوامن الشهوة.
كما أنه يأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، والاستعفاف، ومجاهدة النفس
والتسامي بها.
ويحرص كذلك على شغل أوقات الفراغ، واستنفاد الطاقة الحيوية الفائضة
بالتقرب إلى الله، والمسارعة إلى الخير، وفعل كل ما من شأنه أن يحقق لصاحبه
النفع في الدنيا والآخرة.
وبذلك كله يمنع الدوافع التي تسوِّغ الجريمة.
ثم إذا وقعت فإنه يحتاط احتياطاً شديداً في إثباتها، فلا يقيمها إلا على من أقر
بها إقراراً صريحاً أربع مرات، وطلب تطهيره بالحد، ولم يتراجع عن إقراره
حتى تنفيذ الحد عليه، أو يكون قد تبجح بارتكابها، حتى ليراه أربعة شهود وهو
على هذه الحال.
وهكذا شأن الإسلام في بقية العقوبات، يعمل على وقاية المجتمع أولاً من
دوافع الجريمة، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط.
فليست العقوبة هي الوسيلة الأولى أو الوحيدة للإصلاح والتقويم، ولكن حين
يأتي دورها في التطبيق، فإنها تمثل مواجهة حاسمة للظاهرة الإجرامية.
فهل يبقى بعد ذلك مجال للطعن في عدالة هذه العقوبات ومناسبتها؟!! [١٦] .
خامساً: أن الغاية الكبرى من هذه العقوبات هو التخويف والردع الذي يمنع
وقوعها ابتداء، ولا يُحوِج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود:
فإن هؤلاء الذين يشنعون بهذه العقوبات يتصورون خطأً أنها كالعقوبات
الوضعية، ستطبق كل يوم، وعلى أعداد غفيرة من الناس، فيتصورون في
المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة: هذا يُجلد، وهذا يُقطع، وهذا يُرجم.
ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة؛ لا تكاد تنفذ إلا في نطاق محدود،
وعلى أعداد يسيرة غارقة في الفساد، ومتأصلة في الشر والإفساد، وفي إيذاء الأمة،
وزعزعة أمنها واستقرارها [١٧] .
وللدكتور محمد سعيد البوطي كلام قيم في هذا المعنى، أنقله مع طوله، حيث
يقول: «إن ادعاء القسوة والشدة في حدود الشريعة الإسلامية؛ مظهر من مظاهر
السطحية في فهمها، بل الجهل العجيب بطبيعتها وأنظمتها وقيودها. وإن كل دارس
للشريعة الإسلامية يدرك أن ما قد يبدو في حدودها من القسوة لا يعدو أن يكون
قسوة تلويح وتهديد. فهو أسلوب تربوي وقائي أكثر من أن يكون عملاً انتقامياً أو
علاجاً بعد الوقوع. وهي بهذا تنطلق من أدق الأسس التربوية السليمة للمجتمع.
وتبرز هذه الحقيقة إذا لاحظنا الأمور التالية:
أولاً: لقد أعلنت الشريعة أن عقوبة الزاني المحصن هي الرجم. وهو إعلان
مخيف، وتلويح بسلاح رهيب ولا شك. ولكنها شرطت لإيقاع هذه العقوبة أحد
الشرطين: الاعتراف القاطع الصريح، أو شهادة أربعة شهود برؤية الفعل على
حقيقته.
فأما الإقرار: فشيء نادر لا يقام عليه أي اعتبار. وعندما يقع هذا الشيء
النادر؛ فإن على القاضي أن يبادر فيقطع سبيل الإقرار على الزاني قبل أن يتفوه
بالاعتراف القاطع الصريح، وأن ينصحه بالتوبة والستر.. وكلنا يذكر هدي رسول
الله ﷺ في ذلك.
وأما الشهادة: فإن علينا أن نلاحظ أن ثلاثة أرباع الشهادة التامة فيها؛ تنقلب
ردعاً للشاهد وزجراً له عن التفوه بالشهادة؛ كي يظل المتهم في حماية من الستر
ونجوة من العقاب.
وحسبك أن تعلم أن عدد الشهود ما لم يتكاملوا أربعة؛ يعدّون آثمين متلبسين
بجريمة القذف، وتغدو شهاداتهم سبباً لإنزال العقوبة عليهم بدلاً من أن تكون موجباً
لأخذ المتهم بجريمة الزنا.
فإذا ما تكامل الشهود أربعة؛ فإن العقوبة تتحول عندئذ إلى المشهود عليه،
حيث يستحق عقوبة الزنا ... فإنه لم يقترف جريمته هذه بحيث رآه متلبساً بها
أربعة من الرجال الثقات العدول، إلا وهو مستعلنٌ بعمله في الناس، مستهينٌ
بكرامة الأمة وسمعة المجتمع. وتصرف من هذا القبيل من شأنه أن ينشر وباء
الفاحشة فيه كما تنتشر النار في الهشيم.
لا جَرَمَ أن فاحشة تُرتكب بهذا الشكل تستدعي عقوبة صارمة، تحقق الغاية
المرجوّة منها، وهي العبرة والردع.
ثانياً: لقد أعلنت الشريعة الإسلامية أن الحدود تُدرأ بالشبهات، وهي قاعدة
فقهية كبرى، أجمع على الأخذ بها جماهير الأئمة والفقهاء.
ومعنى القاعدة: أن أي احتمال لعدم تكامل شروط إقامة الحد يطوف بالمتهم،
أو بالظرف الذي تمت فيه الجريمة، يُسقط الحد ويلغي ثبوته. وعلى الحاكم أن
يستعيض عنه بما يراه من أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى.
وإننا لنتأمل فنجد أن هذه الاحتمالات كثيرة متنوعة لا تكاد تتناهى؛ وننظر؛
فنجد لها التطبيقات الكثيرة والمختلفة في عهد الصحابة والتابعين، كما نجد لها
التطبيقات المتنوعة في تخريجات الفقهاء وفتاواهم.
فإذا ما ألغي الحد لشبهة؛ فإن الجاني لا يؤخذ عندئذٍ إلا بمسؤوليتين اثنتين:
أولاهما: التسوية الحقوقية؛ إذا كانت الجناية مما يستلزم ذلك، كالسرقة
وقطع الطريق، حيث يجب أن يغرم السارق ما قد سرقه.. وهو خطاب وضعي
يُواجه به حتى مَنْ لم يكن أهلاً للتكليف.
الثانية: عقوبة التعزير، ويتخير الحاكم نوعها وكيفيتها وكميتها حسب ما
تقضي به المصلحة، ويحقق الغاية من شرع العقوبات..
فتلك هي قصة القسوة التي ينعت بها بعض الناس حدود الشريعة الإسلامية.
وإنه لنعتٌ ظالم باطل، يندفع إليه من لا يريد لهذه الأمة أن ترقى إلى شيء من
الالتزام بمنهج الفضيلة والخلق الإنساني القويم. ويشفق على وباء الإباحية الذي
تسفيه علينا رياح الغرب والشرق؛ أن ينقطع سيله، أو تسكن ريحه.
وإنه لشيء مثير للعجب حقاً؛ أن يُضخم أناس من مظهر هذه القسوة الخيالية
التي عرفنا حقيقتها، في غيبوبة من التأمل العقلي، ثم لا يلتفتوا بأي نظرة إلى
النتائج الإنسانية الحميدة التي تنبسط في ساحة المجتمع كله لدى اتخاذ قرار جاد
بتطبيق هذه الحدود.
وأعجب من هذا أن يعبِّروا عن مشاعر الرحمة في نفوسهم، بصدد ما
يتخيلونه من قسوة الحدود، ثم لا يستشعروا أي رحمة بالمجتمعات التي تشيع فيها
القرصنة وينتشر الإجرام، وتزهق فيها الأرواح رخيصة طمعاً في تمزيق عِرْض
أو الوصول إلى مال!
ولَكَمْ سمعنا وقرأنا قصص أُسَرٍ طاف بها الموت في جوف الليالي خنقاً أو
تذبيحاً؛ ابتغاء اقتناص ثروة من المال!!
كل هذه الشراسة المتوحشة لا تحرك قلوب أولئك الذين يمثّلون الرحمة
والرحماء، حتى إذا ما أقبلت الشريعة الإسلامية تلوّح بعصا التأديب التي لا بديل
عنها لتقي المجتمع من هذه الفوضى والوحشية المرعبة، وتغرس في مكانهما
الأمن والنظام والرحمة؛ استشعَروا القسوة فجأة، وتذكروا الرحمة على حين
غرة!!» [١٨] .
* الشبهة الثالثة: أن العقوبات الشرعية تهمل شخصية المجرم وتأثير البيئة فيه:
فهي لا تتفق مع النظرية الحديثة في تحليل نفسية المجرم، وأنه مريض
النفس، منحرف المزاج، متأثر بما حوله، بل هو ضحية من ضحايا المجتمع،
والذي يعدّ مشتركاً معه لسبب أو لآخر فيما أقدم عليه، فكان من العدالة أن يتقاسم
معه المسؤولية، وأن يعمل على علاجه لا عقابه [١٩] .
- دحض هذه الشبهة:
وهذه أيضاً شبهة داحضة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن الظروف المحيطة بالفرد ذات أثر بعيد في تكوينه، والعقد
النفسية والأمراض العصبية تدفع أحياناً إلى الجريمة. ولكن الإنسان مع ذلك ليس
كائناً سلبياً بحتاً بإزاء هذه الظروف.
إن عيب المحللين النفسيين؛ أنهم - بطبيعة علمهم - ينظرون إلى الطاقة
المحركة في الإنسان، وإلى الغرائز الكامنة في ذاته، والتي تدفعه إلى إشباعها
والاستجابة لها، ولكنهم لا ينظرون إلى الطاقة الضابطة له، وإلى قدراته العقلية
التي كان من المفترض أن تعقله عن الإقدام على ارتكاب الجريمة، والاستجابة
المطلقة لهذه الغرائز الدافعة.
إنهم كما قال محمد قطب ينظرون إلى الطاقة المحركة، إلى (الدينامو) ، ولا
ينظرون إلى الطاقة الضابطة، إلى (الفرامل) ، مع أنها جزء أصيل من كيان
النفس البشرية غير مفروض عليها من الخارج.
إن الطاقة التي تجعل الطفل يضبط إفرازاته فلا يتبول في فراشه بعد سنٍّ
معينة حتى لو لم يدر به أحد؛ لهي ذاتها، أو شبيهة بها، الطاقة التي تضبط
انفعالاته وتصرفاته، فلا ينساق دائماً وراء الشهوة الجامحة، أو وراء النزوة
الطارئة [٢٠] .
ولأجل هذا أسقط الإسلام الحدود والقصاص عن الصبيان والمجانين، فلا تقام
إلا على من كان بالغاً عاقلاً [٢١] .
فما دام المجرم بالغاً عاقلاً مختاراً؛ فإن أحواله النفسية وبيئته وثقافته لا تصلح
مسوِّغاً لارتكاب الجرائم، والاعتداء على الآخرين.
كما أن هذه الأمور عائمة لا تقوم على أساس متين ولا يضبطها ضابط معين،
ولا حدود تنتهي إليها؛ مما يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب الرادع، ومن ثم
كثرة الجرائم، وانتشار الفوضى، وزعزعة الأمن والاستقرار [٢٢] .
قال الشيخ أحمد محمد شاكر: «إن بعض النظريات الحديثة ترفّه عن المجرم
حتى يظن أنه موضع إكرام بما جَنَى، وتدّعي أن القصد من العقاب التربية
والتأديب فقط، وأنه لا يجوز أن يُقصد به إلى الانتقام، وتزعم أن الواجب درسُ
نفسية (الجاني) ، فتُلتمس له المعاذير من ظروفه الخاصة، وظروف الجريمة،
ومن نشأته وتربيته، ومن صحته ومرضه، وما يعتمل في جوانحه من عواطف
وشهوات، وما يحيط به من مغريات أو موبقات، إلى آخر ما هنالك.. ونسي
قائلوها أن يَدْرسُوا (المجني عليه) هذا الدرس الطريف، ليَروا أيّ ذنب اجترح
حتى يكون مهدداً في سرْبه، معتدىً عليه في مأمنه من حيث لا يشعر!!
ولم يفكروا أي الفريقين أحق بالرعاية: أمَن جعلته ظروفه ونشأته ونفسيّته
وما إلى ذلك هادئاً مطمئناً، لا ينزع إلى الشر، فكان مجنياً عليه، أمّن كان على
الضد من ذلك، فكان جانياً؟!
إن الله خلق الخلق وهو أعلم بهم، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور،
ويعلم ما يصلح الفرد، وما يصلح الأمة، وقد شرع الحدود في القرآن زجراً
ونكالاً، بكلام عربي واضح لا يحتمل التأويل» [٢٣] .
الوجه الثاني: أن الشريعة الإسلامية إذْ ترسم أحكامها لمعاقبة الجانحين
والمجرمين؛ لا تنطلق في ذلك من حصر المسؤولية فيهم، وتحميلهم وحدهم عاقبة
ما أقدموا عليه، بل هي تجعل المجتمع مسؤولاً في بعض الحالات عن هذه الجرائم
التي ارتكبوها، وقاعدة درء الحدود بالشبهات أبلغ تجسيد لهذه الحقيقة، وأوضح
برهان عليها [٢٤] .
الوجه الثالث: أن رغبة المعترضين في جعل العقاب كالعلاج للمريض؛
متحققة في العقوبات الشرعية التي هي مبنية على أساس الرحمة بالمجرم والمجتمع.
ولكن هؤلاء فاتهم أن العلاج لا يُشترط فيه أن يكون لذيذاً تشتهيه النفس، فقد
يكون كريهاً مرّاً، وقد يتضمن إسالة الدماء وقطع الأعضاء، وهو في جميع هذه
الصور يبقى علاجاً موصوفاً بالرحمة في حق المريض، خالياً من الانتقام منه.
كما فات هؤلاء أن العقوبات شُرعت لوقاية المجتمع وتطهيره من جراثيم
الأمراض، والأعضاء الفاسدة التي سرت فيها الأمراض المزمنة والمعدية، وغفلوا
أو نسوا أن التغاضي عن هذه الأعضاء الفاسدة، والتسامح معها، رغبة في
صلاحها وصحتها، سينتج عنه تفاقم المرض واستفحاله، وانتشاره في سائر الجسم،
فلم يستصح العضو ولم يسلم الجسم.
وهذا هو الشأن في العقوبات، فقد شُرعت لتكون علاجاً لمن لا يجدي معهم
علاج الوعظ والتذكير والإنذار [٢٥] .
ثانياً: الشبهات الخاصة:
* الشبهة الأولى: حول حد الزنا:
يقولون: إن الزنا برضا الطرفين حرية شخصية، وإقامة الحد في هذه الحال
مصادرة لهذ الحرية التي يجب أن تصان، كما أن حد الزنا فيه إهدار لآدمية المجرم،
وإيذاء له لم يعد مقبولاً في العصر الحديث [٢٦] .
- دحض هذه الشبهة:
أما الاحتجاج بالحرية الشخصية إذا وقع الزنا برضا الطرفين، فإنه قول
متهافت مردود؛ لأن الإنسان ليس حراً في فعل ما يضره، أو يضر غيره. فله
مطلق الحرية، إلا فيما يعود عليه أو على غيره بالضرر.
وقد ثبت بالشرع والعقل والحس أن الزنا شر سبيل، وأن له أضراراً كثيرة
على الزانيَيْن، وعلى أسرتَيْهما، وعلى مجتمعهما.
وعليه؛ فإن وقوع الزنا بالتراضي لا يبيح الزنا، ولا يزيل أضراره وآثاره
السيئة. فوجب معاقبة فاعله والأخذ على يده [٢٧] .
وأما القول بقسوة هذه العقوبة، وإهدارها لآدمية الزاني بجلده أو رجمه؛
فالجواب عنه: أن الزاني هو الذي أهان نفسه وعرضها للإذلال والإهدار، فإنه لو
لم يفعل هذه الفاحشة المنكرة لبقي محترماً موفور الكرامة، حرمته مصونة، ونفسه
معصومة [٢٨] .
وأما اتهام هذه العقوبة بالقسوة والشدة، فقد تقدم الجواب عنه قريباً.
* الشبهة الثانية: حول حد الردة:
قالوا: إن هذه العقوبة القاسية مصادمة لمبدأ عدم الإكراه في الدين، والذي
قرره الله في أكثر من آية في كتابه، كقوله تعالى: [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الغَي] (البقرة: ٢٥٦) ، وقوله: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي
الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] (يونس: ٩٩) .
وهي كذلك مصادمة للحرية الشخصية في اختيار الدين الذي يراه الإنسان [٢٩] ، كما
أنها سبب لانتشار النفاق في صفوف المسلمين [٣٠] .
- دحض هذه الشبهة:
أما قولهم: إن حد الردة مصادم لما قرره القرآن من مبدأ عدم الإكراه في الدين.
فإنه غير صحيح؛ لأن الإكراه المنفي في الآيتين إنما هو الإكراه على الدخول
في الإسلام ابتداءً، فالإسلام يريد ممن يدخل فيه أن يدخله عن قناعة ورغبة
واختيار، وإدراك لحقائقه وميزاته، وأنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وجعله
مهيمناً على الأديان كلها، ولن يقبل من أحد ديناً سواه. فإذا دخل فيه كذلك، فليس
له من بعد أن ينكص عنه، ويشتري الضلالة بالهدى، ويستبدل الذي هو أدنى
بالذي هو خير؛ إذْ ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ [٣١]
وإن القلب الذي تذوَّق حلاوة الإيمان، وعاش في ظلاله الوارفة؛ لا يمكن أن
يرتد عنه، وينكص على عقبيه، إلا إذا غلب عليه هواه، وفسد فساداً لا يرجى له
بعده صلاحٌ أبداً.
ومن كان هذا حاله، فجدير به أن يُقتل ويُستأصل.
وأما قولهم: إنها مصادمة للحرية الشخصية في التدين بما يراه الإنسان.
فالجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحرية الشخصية مقيدة كما سبق بعدم الإضرار بالنفس أو
بالغير، والردة تلحق بصاحبها وبالمجتمع المسلم أشد الضرر وأبلغه.
فبالردة يحبط عمل المرتد، ويخسر الدنيا والآخرة. وبها يحصل العدوان على
الدين، والطعن في عقيدة الأمة ونظامها الذي تقوم عليه جميع شؤونها.
الوجه الثاني: أن عقوبة الردة لا تتنافى مع الحرية الشخصية في اختيار
العقيدة التي يرتضيها الإنسان؛ لأن حرية العقيدة توجب أن يكون الإنسان مؤمناً بما
يقول ويفعل. وبأن يكون له منطق سليم في انتقاله من عقيدة إلى أخرى، وإعلانه
ذلك أمام الناس.
ومن أين يكون المنطق والعقل السليم، لمن يخرج من ديانة التوحيد إلى
الوثنية؟ ومَنْ ذا الذي يخرج من دينٍ كلّ ما فيه موافق للفطرة والعقل المستقيم،
إلى دين مناقض للعدل والمصلحة، ولا يستطيع العقل تسويغ ما فيه؟
لا يفعل ذلك أحد، وهو ذو حرية فكرية حقيقية، إنما يخرج من هذا الدين
القويم اتباعاً للهوى، أو جنوحاً إلى المادة يطلبها، أو كيداً للإسلام وطعناً فيه. فإذا
حارب الإسلام اتخاذ الأديان هزواً ولعباً وتضليلاً وعبثاً؛ فإنما يفعل ذلك لحماية
الفكر والرأي من هؤلاء العابثين والمخربين. وليست الحرية في أي باب من
أبوابها انطلاقاً عابثاً لا يعرف حدوداً أو حقوقاً؛ إنما هي اختيار مبني على حسن
الإدراك وتبين الحقائق [٣٢] .
وأما قولهم: إن عقوبة الردة تؤدي إلى انتشار النفاق في صفوف المسلمين؛
لأن المرتد إذا علم أنه سيقتل أخفى على الناس كفره، وأظهر ما ليس في قلبه.
والحقيقة غير هذا، فإن عقوبة المرتد من أكبر العوامل المانعة من النفاق؛
ذلك أن مَنْ يكثر منهم الارتداد هم الدخلاء على الإسلام لهوى أو طمع دنيوي، أو
رغبة في التجسس على المسلمين وكشف عوراتهم من الداخل، فهم لم يدخلوه عن
رغبة واقتناع، وإنما دخلوه لتحقيق حاجة في نفوسهم، فهم منافقون منذ دخولهم فيه،
عازمون على الارتداد عنه عند قضاء حاجتهم.
فإذا علموا أن الموت ينتظرهم إذا ارتدوا؛ امتنعوا من الدخول في الإسلام
ابتداء، وبهذا ندرك أن في عقوبة الردة قطعاً لرقاب المنافقين، وليس فيها زيادة
لعددهم [٣٣] .
* الشبهة الثالثة: حول حد السرقة والحرابة:
قالوا: إن العقوبة بتقطيع الأطراف فيها إضرار بالمجتمع، وذلك بإشاعة
البطالة فيه، وتعطيل بعض الطاقات البشرية التي كانت تسهم في العمل والإنتاج،
وتكثير المشوهين والمقطعين الذين أصبحوا عالة على المجتمع بسبب عجزهم عن
الكسب والإنفاق، فيجب أن يستعاض عن هذه العقوبة بالحبس مع التربية والتوجيه
[٣٤] .
- دحض هذه الشبهة:
هكذا يزعمون!! وهو زعم ينقصه الإنصاف والنظر الصحيح، بل هو
مغالطة صريحة وقلب للحقائق.
ذلك أن ترك السرّاق والمحاربين دون عقوبة رادعة؛ يجعلهم يعيثون في
الأرض فساداً، ويهددون أمن المجتمع، ويهتكون الحرمات، ويقطعون على الناس
سبل العيش والكسب، ويعطلون مصالحهم، ويخيفونهم في مأمنهم، ويفجعون
النساء والأطفال في مساكنهم، ويسرقون جهود الآخرين، ويستبيحون أموالهم بغير
حق.
كما أن ذلك يدعوهم إلى البطالة والقعود عن العمل والكسب المشروع؛ لأنهم
يستطيعون تحصيل ما يريدون عن طريق السرقة وقطع الطريق.
كما أن العاملين المجتهدين في تحصيل الأموال بالسبل المشروعة سينقبضون
عن العمل، وينتظمون في سلك الكسالى العاطلين؛ ما دامت أموالهم مهددة
بالاستلاب والضياع، فتتعطل الأعمال، وتفسد الأحوال، ويقعد الناس عن التكسب
وجمع المال.
ومعنى ذلك أن السارق لا يسرق المال فقط، وإنما يسرق معه أمن المجتمع
واستقراره وطمأنينته، فكان في التساهل مع هؤلاء السراق خراب العمران، وشل
قدرات الإنسان، واستنفاد طاقته ووقته وجهده في حفظ ماله وحمايته.
كما أن السرقة تتبعها - في الغالب - أقسى الجرائم المباشرة من القتل
والجرح، وانتهاك الأعراض، وهتك حرمات البيوت، وغيرها. وإن السراق
يتسلحون دائماً خشية الظفر بهم فيدافعون عن أنفسهم، أو لقتل وجرح من يقف في
طريقهم، ويحول بينهم وبين تحقيق مرادهم، أو يخشون منه أن يكشفهم ويعلن
عنهم. ولا يكاد يمر يوم في المدن الكبرى من غير ارتكاب جريمة قتل لأجل
السرقة.
وقد سبق الكلام مفصلاً عن هذه الأضرار وغيرها حين الكلام عن الحكمة من
مشروعية حد السرقة وحد الحرابة [٣٥] .
فقطع طرف واحد، كما أنه تنكيل بالمجرم وزجر له، فإنه يؤدي إلى زجر
الجناة من أمثاله، وحفظ مئات الأرواح، وآلاف الأطراف سليمة طاهرة، عاملة
منتجة [٣٦] .
وأما دعوتهم إلى الاستعاضة عن القطع بالحبس - كما هو الحال في القوانين
الوضعية - فقد شهد واقع الدول التي تطبق عقوبة الحبس على إخفاق هذه العقوبة
في ردع المجرمين واستصلاحهم.
وإن الطواف على السجون وعدّ نزلائها يرينا أنهم في ازدياد دائم وتفاقم
مستمر، فما ردعت السجون عن الجريمة إلا قليلاً [٣٧] ، بل أصبح السجن مدرسة
يتعلم فيها المجرمون كثيراً من فنون السرقة وأساليبها الخفية، ثم يخرجون بعد ذلك
أكثر خطورة وخبرة وإقداماً، فصار السجن محضناً للإفساد وتلقين أساليب الإجرام،
وكسب متعاونين جدد من حدثاء العهد بالجريمة، بل لقد جعلوا من السجن ساحة
ممهدة لرسم الخطط، وتقاسم المهمات، يشاركهم إخوان لهم في الإجرام خارج
القضبان.
أضف إلى ذلك ما يخلق لديهم السجن من شعور بالعداء ورغبة في الانتقام
للنفس، وإثبات الذات [٣٨] .
كما أن السجن يؤدي إلى تحطيم الطاقات القادرة على العمل، وقتل الشعور
بالمسؤولية في نفس المجرم تجاه ذاته وأسرته، ويحبب إليه القعود والكسل. حيث
ينعم بتوفير وسائل الراحة والترفيه له، وتقديم الغذاء والكساء والدواء له مجاناً طيلة
بقائه في السجن.
ولربما رغب في البقاء بالسجن طلباً لذلك الذي قد لا يحصله خارج السجن،
وقد يعاود الجريمة بعد خروجه منه من أجل العودة إليه، والتنعم بما فيه، وضمان
لقمة العيش بين جدرانه.
هذا فضلاً عما تخسره الدولة في الإنفاق على هؤلاء المساجين، وحراستهم
والقيام عليهم، وما تخسره من تضييع جهودهم، وهدر طاقاتهم، وحبسهم عن
العمل والكسب.
وفضلاً عما ينتج من سجنهم من عزلهم عن بيوتهم وزوجاتهم وأولادهم،
وتعريضهم للحاجة والضياع.
أضف إلى ذلك كله أن حبس المساجين عن مزاولة نشاطهم، وحرمانهم من
الاتصال بزوجاتهم، وجمعهم في مكان واحد قد لا تتوفر فيه المواصفات الصحية
الكاملة في أغلب الأحيان سبب مباشر لانخفاض المستوى الصحي والأخلاقي بينهم،
وانتشار كثير من الأمراض فيهم، وانتقال العدوى من بعضهم لبعض.
هذه بعض عيوب العقوبة بالحبس، والتي ينادون بتطبيقها بدلاً عن العقوبة
الشرعية [٣٩] .
والفرق الأساسي بين هذه العقوبة الوضعية وبين العقوبة الشرعية، وسبب
نجاح هذه دون تلك: هو أن العقوبة الشرعية قد وُضعت على أساس من طبيعة
الإنسان، وعِلْمٍ بما يزجره ويردعه.
فإن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يريد منها تكثير ماله، وزيادة كسبه
بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من
طريق الحرام وسرقة جهود الآخرين وثمرة أتعابهم.
وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور، أو ليرتاح من عناء
الكد والعمل. فهذا هو الدافع الذي يدفعه إلى السرقة.
وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن
قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب؛ إذْ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أياً
كان. ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء، وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على
الإنفاق وعلى الظهور، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل، والتخوف الشديد على
المستقبل.
كما أن قطع يده أو رجله فيه فضحٌ له وتشهير به، وقطع للثقة فيه، بخلاف
ما كان يقصده بسرقته من الظهور والتباهي.
فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع؛ دفعت العوامل النفسية التي تدعو
لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة، تصرف عن ارتكابها.
فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان الجريمة مرة، كان في
العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلّب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود إلى
الجريمة مرة ثانية [٤٠] .
وأما عقوبة الحبس؛ فإنها لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي
تصرفه عن جريمة السرقة؛ لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل
والكسب إلا مدة الحبس. وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو ملبى الطلبات
مكفيّ الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب، وكان لديه
أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته من طريق الحلال والحرام على
السواء؛ لأنه لم يخسر شيئاً يحد من كسبه، ويفقده ثقة الناس به.
ولكنه إذا قطعت يده نقصت قدرته على الكسب نقصاً كبيراً، ولن يستطيع أن
يخدع الناس ويحملهم على الثقة به والتعاون معه وهو يحمل أثر الجريمة في جسمه،
وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه.
فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت
العقوبة القطع، وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس.
وفي طبيعة الناس كلهم، لا السارق وحده، أن لا يتأخروا عن عمل يرجح
فيه جانب المنفعة، وأن لا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة [٤١] .
كما أن عقوبة السجن فيها إخفاء للجريمة، وستر على المجرم، فتُنسى
جريمته، ويخرج من السجن وكأنه لم يقترف ذنباً، ولم يرتكب جرماً. أما تطبيق
الحد الشرعي فإنه بمثابة إعلان بالخط العريض، يحمله المجرم حيثما كان، معلناً
دناءته وخسته، وقبح فعله، وسوء عاقبته، فيرتدع بذلك كل من رآه أو سمع به،
فتنقطع جذور البلاء، وينقمع المجرمون وأهل المطامع والأهواء. ذلك هو الأساس
الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية، وهو السر في نجاح هذه
العقوبة في الحد من السرقة أو القضاء عليها في البلاد التي طُبّقت فيها قديماً وحديثاً.
لقد كانت الجزيرة العربية قبل تحكيم الشريعة فيها من أسوأ بلاد العالم أمناً،
فكان المسافر إليها وكذلك المقيم فيها لا يأمن على نفسه وماله وعياله ساعة من ليل
أو نهار، بالرغم مما له من قوة وما معه من عدة، وكان كثير من السكان لصوصاً
وقطاع طرق، ديدنهم السلب والنهب، والغارات والثارات.
فلما طُبّقت الحدود أصبحت الجزيرة خير بلاد العالم كله أمناً واستقراراً، يأمن
فيها المسافر والمقيم، حتى إنه لتترك الأموال على الطرقات دون حراسة، فلا تجد
من يسرقها أو يزيلها من مكانها على الطريق، وتترك المتاجر مفتوحة أوقات
الصلوات مدة غير قليلة، والمعروضات في متناول اليد، فلا يمسها أحد، ويأخذ
أصحاب الأموال ودائعهم من البنوك مهما كثرت غير متحرجين أو خائفين،
فيذهبون بها إلى حيث أرادوا وهم آمنون مطمئنون [٤٢] .
فقد أقامت هذه العقوبة الشرعية أعراب البادية الذين هم أجرأ من العقبان،
أقامتهم على سواء السبيل، فلا تمتد يد أحد منهم إلى ما ليس له، ولو كان في
معرض ناظرَيْه ومتناول يدَيْه.
وننظر في المجتمعات الغربية وغيرها من الدول التي تطبق القوانين الجاهلية،
ممن يرمون حد السرقة بهذه التهمة، وكيف يعيش الناس هناك في فزع دائم،
وخوف مستمر من سطو اللصوص عليهم، واعتدائهم على أموالهم وأنفسهم، في
الطرقات والمنازل والمصارف والمتاجر وغيرها، جهاراً نهاراً، يأخذون ما تصل
إليه أيديهم، دون خوف من رادع يردعهم، أو عقوبة تنزل بهم، اللهم إلا عقوبة
السجن التي يجدون فيها كل ما يشتهون.
ولو أنه أقيم عليهم الحد الشرعي للسرقة؛ لتفيأ الناس ظلال الأمن والسكينة،
واطمأنوا على أموالهم ومصالحهم، ولما رأوا أكثر من يد أو بضعة أيد تقطع خلال
عام أو أكثر [٤٣] .
وكونها تشوه أو تعطل هذه القلة القليلة من المجرمين؛ فإن هذا هو فعلهم
بأنفسهم، وهو جزاء ما اقترفته أيديهم من ظلم وإجرام. وهو أمر لا بد منه لحماية
أمن الجماعة، وتحقيق الطمأنينة للكافة.
فهم حينما يقطعون يداً واحدة خائنة؛ يحفظون نفوساً كثيرة، ويصونون أيدياً
أمينة عاملة لا تُعد ولا تُحصى.
ويا ليت الناس يوازنون بين عدد المشوهين والمجروحين والمقتولين الذين
جنت عليهم جرأة اللصوص والمجرمين، وبين من يُقطعون لكف عدوانهم، وقطع
شرهم عن أنفسهم ومجتمعاتهم، حتى يدركوا أن إقامة الحد الشرعي تأمين للمجتمع،
وتحصين لمصالح الناس، وتوفير للطاقات العاملة، والقوى البشرية المنتجة [٤٤] .
وصدق الله حيث يقول: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: ٥٠) .
قال الشيخ أحمد محمد شاكر مخاطباً رجال القانون في مصر، وهو يقارن بين
أثر العقوبة الوضعية والشرعية لجريمة السرقة: «وهذه جرائم السرقة، ليست بي
حاجة أن أفصّل لكم ما جنت كثرتُها على الأمة وعلى الأمن، وها أنتم أولاء
تسمعون حوادثها وفظائعها، وتقرؤون من أخبارها في كل يوم، وترون السجون قد
ملئت بأكابر المجرمين العائدين، وبتلاميذهم المبتدئين الناشئين، ثم كلما زادوهم
سجناً زادوا طغياناً. ولو أنهم أقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، وحدّوا السارق بما
حكم الله به عليه؛ لكنتم تتشوفون إلى أن تسمعوا خبراً واحداً عن سرقة. ثم لو وقع
كان فاكهةً يتندّر الناس بها؛ ذلك أن عقوبة الله حاسمة، لا يحاول اللصّ معها أن
يختبر ذكاءه وفنّه. نعم أنا أعرف أن كثيراً منا يرون أن قطع يد السارق لا يناسب
مبادئ التشريع الحديث! ولكن المسلم الصادق الإيمان لا يستطيع إلا أن يقول: ألا
سحقاً لهذا التشريع الحديث! أفَنَدَع الألوف من المجرمين يروّعون الآمنين، لا
يرهبون قوياً، ولا يرحمون ضعيفاً، في سبيل حماية يدٍ أو يدَيْن تقطعان في كل
عام، وقد يكون ذلك في كل بضعة أعوام؟! [٤٥] وأنتم ترون أنه قد تزهق عشراتٌ
من النفوس لاختلاف على مبدأ سياسي، أو لمظاهرة قد لا تضر ولا تنفع؛ بحجة
المحافظة على الأمن والنظام. لا تظنوا أنكم ستقطعون من السارقين بقدر ما
تسجنون. فهاكم الأمن في الحجاز وبادية العرب، وقد كان مجرموهم قُساةً لا
يحصيهم العد، وعجزت الحكومات السابقة عن تأديبهم بمثل قوانينكم، فما هو إلا
أن جاءت الدولة الحاضرة، واتّبعت شرع الله وأقامت حدوده، حتى استتب الأمن،
ثم لا تكاد تجد سارقاً هناك، إلا أن يكون من الغرباء في موسم الحج» [٤٦] .
* الشبهة الرابعة: حول عقوبة القصاص:
قالوا: إن القصاص عقوبة قاسية لا تراعي شخصية المجرم وظروفه ودوافعه،
كما أن جعل القصاص حقاً لأولياء القتيل؛ فيه تغليب لجانب الانتقام، واعتباره
أساساً للعقاب، وهذا من الهمجية الأولى، ولا يتفق مع التحضر والمدنية، واعتبار
العقاب تهذيباً واستصلاحاً.
- دحض هذه الشبهة:
أما أن القصاص عقوبة قاسية فهذا حق، ولكنها هي مقتضى العدل والإنصاف؛
لأن القصاص يفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، فهو جارٍ على سنن المساواة
بين الجريمة والعقوبة مساواة دقيقة، ولا ظلم في القصاص، بل الظلم أن يُترك
الجاني من غير قصاص.
وأما إهمال شخصية المجرم، فقد ذكرت فيما سبق أن الشريعة تراعي
شخصية المجرم بالقدر الذي تستلزمه هذه الرعاية، فلا تقيم القصاص إلا على من
كان عامداً عاقلاً بالغاً. فإن كانت الجناية خطأً أو شبه عمد، فلا قصاص، وإن
كان الجاني صغيراً أو مجنوناً، فعمده خطأ، ولا قصاص عليه أيضاً.
أما تجاوز هذه الحدود بحجة ملاحظة نفسية المجرم وميوله وتربيته؛ فإن ذلك
من شأنه أن يوقع في متاهات الأهواء، ويجعل أحكام القصاص مضطربة قلقة،
ويؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب، وانتشار الجريمة وعدم السيطرة عليها.
وأما اعتبار القصاص من حق المجني عليه أو أوليائه، لا من حق المجتمع،
فإن هذا من حسنات تشريع هذه العقوبة، لا من مثالبها؛ لأن الجريمة تمس المجني
عليه وأهله مباشرة، فهم الذين اكتووا بنارها، وتلوعوا بما وقع على قريبهم. أما
تضرر المجتمع فيأتي بصورة غير مباشرة. فكان من العدل والحكمة شفاء غيظ
المجني عليه خاصة، وإطفاء نار الغضب في نفسه بتمكينه من القصاص إن أحب
أو الدية أو العفو المطلق.
ولا شك أن العناية بشفاء غيظ المجني عليه وتمكينه من الجاني عليه، يقتل
في نفسه الرغبة في الثأر والانتقام، ويمنعه من الإسراف في القتل والاعتداء [٤٧] .
وإذا عفا المجني عليه أو وليه عن الجاني؛ فللقاضي أن يعاقبه بعقوبة
تعزيرية تتناسب مع جرمه وحاله حفظاً للنظام العام، وحماية لحق المجتمع. ويتأكد
ذلك إذا كان هذا الجاني معروفاً بالشر والفساد [٤٨] .
стр. 4730
دراسات في الشريعة
القوة في العبادة
د. علي بن عبد الله الصياح [*]
ali١٣٨٨a@maktoob.com
- قَالَ سعيدُ بنُ المُسَيّب - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «مَا لقيتُ النَّاسَ منصرفين
مِنْ صلاةٍ منذُ أربعينَ سنة» [١] .
- وقَالَ أيضاً: «مَا دَخَلَ عليّ وقتُ صلاةٍ إلاّ وقد أخذتُ أهبتها، ولا دَخَلَ
عليّ قضاء فرضٍ إلاّ وأنا إليه مشتاقٌ» .
- وقَالَ أيضاً: «مَا فاتتني التكبيرةُ الأولى منذُ خمسينَ سنة، وما نظرتُ في
قَفَا رجلٍ في الصلاةِ منذُ خمسينَ سنة» .
- وقَالَ بُرْدُ مولى ابنِ المُسَيّب - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «مَا نُودي للصلاةِ منذُ
أربعين سنة إلا وسعيدٌ في المسجد» [٢] .
- وقَالَ رَبِيعةُ بنُ يزيد - رحمةُ اللهِ عليه -: «مَا أذّن المؤذنُ لصلاةِ الظهر
منذُ أربعين سنة إلا وأنا في المسجدِ، إلاّ أنْ أكونَ مريضاً أو مسافراً» [٣] .
- وقَالَ وَكِيعُ بنُ الجراح - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «كَانَ الأعمشُ قَريباً مِنْ
سبعين سنةً لمْ تفتهُ التكبيرةُ الأولى، واختلفتُ إليهِ قريباً مِنْ ستين فمَا رأيتُهُ يَقضي
رَكْعةً» [٤] .
- وقَالَ محمد بن سماعة القاضي - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «مَكثتُ أربعين سنةً
لم تفتني التكبيرةُ الأولى إلا يوماً واحداً ماتتْ فيه أمي، ففاتتني صلاةٌ واحدةٌ في
جماعةٍ» [٥] .
- وقَالَ أسيد بن جعفر - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «بشرُ بنُ منصور ما فاتته
التكبيرةُ الأولى قط، ولا رأيته قام في مسجدنا سائلٌ قط فلم يُعط شيئاً إلا أعطاه»
[٦] .
- وقَالَ يحيى بنُ مَعِين - رحمةُ اللهِ عليهِ -: «أقامَ يحيى بنُ سعيد [٧]
عشرين سنة يختم القرآن في كلِّ ليلةٍ [٨] ، ولم يفته الزوالُ في المسجد أربعين سنة،
وما رؤي يطلب جماعة قط» [٩] .
قرأتُ هذه الأقوال ووقفتُ عند «خمسين سنة» ، و «أربعين سنة» ،
و «عشرين سنة» ؛ متعجباً من هذه الهمّة والقوة في تربية النفس على الإيمان
وأسبابه في ضَوءِ هدي رسولِ الله ﷺ وصحابتِهِ الكرام. ثمَّ تأملتُ
في حالي وحالِ كثيرٍ من أبناء هذا الزمان في هذه المسائل الإيمانية العظيمة فذهلتُ
من النتيجة؛ إذ لا يخلو يوم فضلاً عن أسبوع دع الشهرَ والسّنة من نَظَرٍ في قفا
المصلين أو وجوههم.
إنّ هذا التأخر والتفويت نوعٌ من الضعف، ينبغي أن يقابَل بالقوة والحزم
والعزم، قَالَ تعالى: [خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة:
٦٣) . [خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا] (البقرة: ٩٣) . [وَكَتَبْنَا لَهُ فِي
الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ] (الأعراف:
١٤٥) . [يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِياًّ] (مريم: ١٢) .
وإذا حققنا هذه القوة في أنفسنا تحقق النصر الذي وعدنا الله إياه في كتابه
الكريم.
فما أحسنَ أنْ يعاهدَ المسلم نفسه مِنْ الآن على المحافظةِ على الصلاة كما
حَافظَ عليها أولئكَ.. فيكون في المسجدِ مع الآذان أو قبله ولا يتأخر!
قَالَ إبراهيمُ النخعيُّ: «إذا رأيتَ الرجلَ يتهاونُ في التكبيرةِ الأولى فاغسلْ
يديكَ منه» [١٠] .
وفقنا اللهُ وإيّاك للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 4731
دراسات تربوية
قطوف تربوية حول قصة أصحاب القرية
دعامتا التغيير الحضاري
(٢ ـ ٢)
د. حمدي شعيب
الجزء الأول من خلال الجولات الثلاثة في قصة أصحاب القرية (المواجهة
بين الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأصحاب القرية، والمواجهة بين الرجل
المؤمن وقومه، والتعقيبات القرآنية الخاصة والعامة) ، يوضح الكاتب دعامتي
التغيير الحضاري. وفي الحلقة الأولى تحدث عن سمات الدعامة الأولى وهي
القاعدة المؤمنة الصلبة، فذكر منها: الإيجابية، الجماعية، الربانية، الجدية في
التنفيذ، فهم الدور الموكول وهو البلاغ المبين. ويواصل في هذه الحلقة تقديم
القطوف التربوية العظيمة من هذه القصة من قصص الحق.
- البيان -
- السمة السادسة: فهم طبيعة الطريق:
فقد أوضحت تلك التجربة الدعوية، كغيرها من التجارب الدعوية على مر
تاريخ الحركة الإسلامية، أن الصراع مع الباطل، والصدام مع مكذبي الفكرة أمر
حتمي: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] (العنكبوت: ١-٣) .
وتدبر التعقيبات القرآنية على مصيبة أُحُد: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى
مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ]
(آل عمران: ١٧٩) .
أي أن الله شاء أن يميز بين الخبيث والطيب على أرض الواقع،
وذلك بالاختبار والتمحيص، وهؤلاء الرسل في تجربتهم، قد تعرضوا لأنواع من
الأذى والابتلاء، مثل:
١ - التكذيب: في كلتا الحالتين: حينما كانا اثنين: [إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
فَكَذَّبُوهُمَا] (يس: ١٤) . وحينما كانوا ثلاثة: [إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ] (يس:
١٥) .
٢ - التشكيك: وذلك من خلال رؤية جاهلية ساذجة، وحجة غريبة، أن
رسل الله لا يمكن أن يكونوا بشراً: [قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ
مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ] (يس: ١٥) . وغاب عنهم أن الجانب العملي في
أي دعوة، وهو سلوك الداعية، لا بد أن يكون ترجمة صادقة للجانب النظري في
تلك الدعوة، وهي الفكرة المحركة.
ونسوا أيضاً أن السلوك إذا كان غير مرتبط بالفكرة، أي إذا كان العمل غير
موافق للقول؛ فهو أمر قد ذمه الحق سبحانه في قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ
تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ] (الصف: ٢-
٣) .
«والرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية، وحياة الرسول هي النموذج الواقعي
للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي، النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به، وهم بشر.
فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجاً من الحياة يملكون أن يقلدوه،
ومن ثَمَّ كانت حياة الرسول ﷺ معروضة لأنظار أمته» [١] .
٣ - التطير والتشاؤم بالرسل: فهم مصدر الشر، وعدم النفع، والأذى:
[قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ] (يس: ١٨) .
٤ - التهديد بالرجم: [لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ] (يس: ١٨) .
٥ - التهديد بالتعذيب والقتل: [وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ] (يس: ١٨) .
فكان من فقه هؤلاء الرسل الكرام لطبيعة الطريق؛ أنهم لم يفاجَؤوا بهذا
الابتلاء المتعدد الصور، وكان ردهم: [قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ
مُّسْرِفُونَ] (يس: ١٩) .
أي هذا التشاؤم إنما يأتي من داخلكم، وبناء على تصوراتكم، فلا تقذفوا
غيركم بخرافة من صنعكم ومن بنات أفكاركم؟!
ولم َتكذبونا وتهددونا بالرجم والتعذيب والقتل؛ أفهذا جزاء من أراد بكم خيراً
فوعظوكم، وذكروكم بالله ، وبينوا لكم سبل النجاة في الدارين؟!
بل أنتم الذين أسرفتم وتجاوزتم التفكير السوي، ورفضتم سبل النجاة!!
فتحملوا وزر موقفكم الشاذ، وانتظروا العاقبة منه سبحانه.
وفقه طبيعة الطريق هي سمة لازمة بل أساسية لكل طليعة رائدة، وذلك من
شأنه أن يقي الصف من التساقطات، ومن الانتكاسات وظواهر النكول والنكوص.
وكل طليعة مؤمنة تدرك أن لها خيارين، لخّصهما سيد قطب ﵀:
فإما إلى النصر فوق الأنام ... وإما إلى الله في الخالدين ?
- السمة السابعة: الثبات:
ويبين سياق القصة، من خلال موقف الرسل الكرام وردهم على أصحاب
القرية، معلماً آخر أو سمة أخرى من سماتهم، وهي الثبات على الحق.
وهذه السمة تعدُّ محصلة أو جماع ونتيجة لكل السمات السابقة التي وضحتها
الآيات، فما كان هذا الثبات ليأتي إلا من خلال كونهم ربانيين يثقون في مرجعيتهم
وفي مصدر فكرتهم.
وما كان هذا الثبات ليأتي إلا من خلال كونهم جماعة تتعاضد ويساند بعضها
بعضاً، وما كان لهذا الثبات أن يأتي إلا من خلال جديتهم في حمل الأمانة، ومن
خلال فهمهم لدورهم الموكول، وهو حمل تلك الأمانة وتبليغها للناس، ومن خلال
فهمهم للطريق واحتمالات النتائج.
ولا يقدر على الثبات إلا ذوو الطبيعة الإيجابية، والثبات على الحق سمة كل
أصحاب الدعوات، حيث تبرز هذه الصفة جلية في سيرتهم.
وتدبر ثباته ﷺ وهو يعلن: «ما أنا بأقدر على أن أدع لكم
ذلك؛ على أن تشعلوا لي منها شعلة» [٢] يعني الشمس.
وتأمل ثبات أخيه هود ﵇ وهو يواجه قومه، «في حسم كامل،
وفي تحد سافر، وفي استعلاء بالحق الذي معه، وثقة في ربه الذي يجد حقيقته
في نفسه بينة: [إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ
تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ] (هود: ٥٤-٥٧) ، إن أصحاب
الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا
المشهد الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا قليل، يواجه أعتى أهل الأرض،
وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم» [٣] .
والثبات على الحق في الحياة الدنيا، وفي القبر، وفي الدار الآخرة، نعمة
ربانية: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ
اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] (إبراهيم: ٢٧) .
وهو الرصيد الذي لا يضيع، وهو الزاد الذي لا ينضب، الذي يرثه
اللاحقون من أجيال الدعاة، وأصحاب الدعوات من السابقين لهم على الطريق،
الذين لم يبدلوا تبديلاً. وهو المنارة التي على ضوئها يهتدي كل شارد.
- السمة الثامنة: الاهتمام بنشر الدعوة:
ومن خلال تدبر آيات الجولة الثانية في القصة، والتي تبين المواجهة بين
الرجل المؤمن وقومه، يمكننا أن نستشعر بعض السمات الأخرى للطليعة المؤمنة.
فلقد أورد السياق أن الرجل المؤمن قد تحرك [وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَة]
(يس: ٢٠) .
وهي اللمحة القرآنية التربوية الطيبة التي تهمنا في قضيتنا أو موضوعنا،
وهي البحث في سمات الدعامة الأولى في عملية التغيير الحضاري، أو هي صفات
الطليعة الفاعلة.
والتي نستشف منها أن هؤلاء الدعاة الربانيين، وهم الرسل الذين أرسلهم
الحق سبحانه إلى أصحاب القرية، قد نجحوا في عرض قضيتهم، فاستعصت على
محاولات التحجيم والتغييب، وكسرت طوق التعتيم والتجهيل والعزل، واتسعت
دائرتها، وأصبحت حديث الشارع، حتى وصلت إلى أقصى مكان بالمدينة.
وهذه سمة مهمة جداً، يتبين منها صورة من صور النصر، ألا وهي النجاح
في المهمة الموكولة، وهي البلاغ.
وتبين نجاح الرسل في نشر الفكرة في كل مكان مستطاع، وعدم الركون أو
الهزيمة أمام ضغط الواقع، وأمام صعوبة العوائق.
- السمة التاسعة: الاهتمام بقضية الخروج إلى الناس:
وتبين القصة، في بداية آيات الجولة الثانية، أن الخير قد أتى من حيث لم
يُتوقع، وأن الله قد سرّى عن هؤلاء الرسل عندما تعرضت فكرتهم
للحصار، وتعرضوا للتكذيب والتهديد، فجاء الفرج: [وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ
رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ] (يس: ٢٠) .
وهي لمسة تسرية ربانية تعطي الأمل لهؤلاء الرسل، فتقول لهم لقد أديتم
مهمتكم، ونجحتم في حسن عرض القضية وتقديمها، وبيان عدالتها، فتفاعل
الشارع معكم ممثلاً في تحرك هذا الرجل المؤمن، حتى لو كان فرداً، وفرداً واحداً،
متفاعلاً مع عدالة قضيتكم وصدقها.
بل يتحمل خطورة عرض دفاعه ورأيه، حتى لو أدى ذلك إلى استشهاده في
سبيل موقفه المناصر.
وهي القضية التي ننظر إليها بمنظار آخر، وهي سمة عظيمة يجب أن
تتصف بها كل طليعة مؤمنة، ألا وهي الاهتمام بقضية الخروج إلى الناس؛ وذلك
من أجل هدف نهائي، هو إيجاد قاعدة جماهيرية تناصرها وتحميها.
وتدبر كيف أن الحق سبحانه قد ربط بين خيرية هذه الأمة، وبين خروجها
إلى الناس، كل الناس، على مختلف فئاتهم وأجناسهم وألوانهم، لتقودهم إلى خيري
الدنيا والآخرة، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وذلك بعد إعادة صياغتها عقدياً،
لتنطلق من قاعدة إيمانية، ولتكون شهيدة عليهم: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) .
فكان سلوكه ﷺ في كل مراحل الدعوة، هو الالتزام بجانبين
مهمين، هما:
١ - تربية قاعدة صلبة تقود التغيير.
٢ - تكوين الرأي العام المناصر للفكرة، والمؤيد للداعية.
وعدم الاهتمام بقضية الخروج إلى الناس، كل الناس، من أجل تكوين تلك
القاعدة الجماهيرية، حتى إن تواضع عددها تحول الطليعة المؤمنة إلى حركة
نخبوية، فتؤدي إلى عملية عزل بينها وبين جماهير الأمة، فيؤدي إلى سهولة
عمليات إجهاضها. وتكون المحصلة النهائية هي تعرضها إلى عملية وأد مقنعة.
- السمة العاشرة: العفة والنزاهة:
وعندما جاء صاحب يس المؤمن إلى مسرح الأحداث، وصف هؤلاء الدعاة
بصفتين أو سمتين بارزتين، لا يختلف عليهما اثنان، وهما أخطر صفتين؛ لأنهما
جاءتا على لسان الآخر، وكذلك لم ينكرهما أصحاب القرية، والتي جعلت الرجل
المؤمن يبني على أساسهما أن هؤلاء الدعاة صادقون، وبعيدون عن مواطن
الشبهات أو مواضع الاتهام، وكانتا من أقوى حججه أثناء حواره مع قومه المكذبين.
وأول هاتين الصفتين نلمحها من قوله: [اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً] (يس:
٢١) ؛ أي اتبعوا هؤلاء الكرام الذين لم يتكسبوا بفكرتهم، ولم يطلبوا أجراً نظير
وعظهم، ولم يتعيشوا بدعوتهم.
ألا ترون من لا يسعى إلى مغنم، ولم يطمع في أجر، وتنزه عما بأيديكم؛ ألا
يدل ذلك على صدقه؟! وهي السمة التي يتميز بها أصحاب الدعوات.
وتأمل كيف أنكر الحق سبحانه على مشركي مكة موقفهم من الرسول صلى
الله عليه وسلم، وهو الذي لم يطلب أجراً يثقل كاهلهم، فيدفعهم إلى التكذيب: [أَمْ
تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ] (الطور: ٤٠) .
وهو الرد نفسه من نوح ﵇ على قومه المكذبين: [وَيَا قَوْمِ لاَ
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ] (هود: ٢٩) .
وهو أيضاً الاستنكار نفسه من هود ﵇ على موقف عاد: [يَا
قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (هود:
٥١) .
والترفع عما بأيدي الناس، أو العفة والنزاهة، هي سمة بارزة لكل طليعة
مؤمنة، وهذه السمة هي سبيل الكرامة والاحترام، ومن مسوغات قبول الناس
للفكرة، وسبب أساس لكسب حبهم، كما قال الحسن البصري ﵀:
«لا تزال كريماً على الناس ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك،
وكرهوا حديثك، وأبغضوك» .
- السمة الحادية عشرة: حسن السيرة والسلوك:
أما الصفة الثانية التي لاحظها الرجل المؤمن؛ فهي أن هؤلاء الرسل:
[مُّهْتَدُونَ] (يس: ٢١) .
أي أن السمة الأخرى التي جعلت الرجل المؤمن يتحرك، ويخاطر بنفسه،
ويدافع عن هؤلاء الدعاة، هي أن هؤلاء الرسل يتميزون بالصلاح والهداية، ولا
يشين سلوكهم أي شائبة أخلاقية تقدح في صدقهم.
وقيل إن وصفه لهم بتلك السمة؛ هي الصفة التي عرف منها قومه أنه على
دينهم، وأنه يدرك الفرق بين الهداية والضلال، ويميز بين المهتدي والضال،
فرجموه بسببها [٤] .
وتأمل موقف السجينين عندما احتاجاً لتأويل رؤياهما، فما كان منهما إلا أن
قصدا يوسف ﵇، وذكرا سبب ثقتهما فيه ﵇؛ أن
سلوكه كان طيباً، حتى وهو في داخل السجن، فنطقا مقرَّيْن: [إِنَّا نَرَاكَ مِنَ
المُحْسِنِينَ] (يوسف: ٣٦) .
وإنه لدرس عظيم لكل طليعة مؤمنة أن تري ربها منها كل قوة
وخير، ثم تري المؤمنين من حولها بل كل الناس كل خير وسلوك حسن؛ حتى
تنطق الألسنُ فيهم بالذكر الحسن.
وإنها لسمة راقية بارزة أن يتحدث بها الآخر! [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٠٥) .
وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إذا أعجبك حسن
عمل امرئ مسلم؛ فقل: اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» [٥] .
* الدعامة الثانية للتغيير الحضاري: وهي وجود القاعدة الجماهيرية:
أو الرأي العام الذي يناصر الفكرة، ويحب دعاتها ويكره أعداءها، ويحرص
على انتصارها.
والتي تمثلت في حركة الرجل المؤمن، والذي جاء ليناصر الفكرة، ويدافع
عن الدعوة، ويؤيد الدعاة.
وقد ورد الحديث عنها في آيات الجولة الثانية من القصة، وهي جولة
المواجهة بين الرجل المؤمن وبين قومه: [وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ
الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ
عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ
فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي
مِنَ المُكْرَمِينَ] (يس: ٢٠-٢٧) .
ومن خلال تدبر الآيات يمكننا أن نبحث حول بعض صفات هذه القاعدة.
ونقول بعض الصفات أو السمات؛ لأننا سنلتزم بما ورد عنها في آيات الجولة
الثانية من القصة، وكذلك سنرتب السمات على حسب ورودها في سياق الآيات،
وليس على حسب أولويتها، أو أهميتها.
- السمة الأولى: الوعي بالواقع:
تبين آيات الجولة الثانية من القصة؛ أن مؤمن يس قد تحرك في مبادرة
وموقف عظيم: [وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى] .
ولا يهمنا أن يكون هذا الرجل هو حبيب النجار أو غيره، ولكن المهم أن
نستشعر أنه رجل جاء من مكان ليس بالقريب، وكذلك كان يسعى؛ أي يسرع في
مشيته، وهو ما يبين مدى الجهد الذي بذله للوصول إلى مسرح الأحداث، وهو
المكان الذي كان يبتلى فيه الرسل، وذلك في مبادرة منه لم يحدها مكان ولا زمان
ولا وقت، بل سعى ووصل في الوقت والمكان المناسبين، وعرض رأيه في
القضية، وانتصر لهؤلاء الرسل ضد رغبة قومه.
ولقد بينت القصة أنه تحرك في وقت معين، وبعد وصول الفكرة مع قومه
إلى طريق مسدود، وعندما بدأ التهديد الجاد للرسل - عليهم الصلاة والسلام -.
إذن لا فائدة الآن من القعود والسكوت، لا فائدة من الجلوس للمشاهدة
والتصفيق.
وهذا ما يبين عمق فقه هذا الرجل للموقف، وحسن تقديره للحظة تدخله
ومناصرته.
وهي سمة عظيمة أن تتربى الأمة على فقه الواقع، وحسن تقدير الظروف،
وعلى فقه الموازنة بين الأمور. أو على الأقل أن تكون هناك قاعدة جماهيرية،
تتربى على شيء من الوعي والدراية بحالة الأمة، ومعاناتها، وخطورة المرحلة
التي تعيشها، وإصابتها بأمراض الاستنقاع والتردي الحضاري.
- السمة الثانية: الإيجابية:
لقد تحرك الرجل المؤمن بذاتية فريدة، وحضر بنفسه ومن خلال استشعار
ذاتي بخطورة الموقف، ولم تذكر القصة أن أحداً قد استدعاه ليعرض رأيه، ولم
يستنصره أحد ليقدم شهادته، وهذه اللمحة نستشعرها من تدبرنا لكلمة: [وَجَاء] .
وهذا ما يدل على مدى إيجابيته وتفاعله مع القضية، قضية الظلم، ظلم
الفكرة والدعوة من خلال محاولات التحجيم والتعتيم والتجهيل، وظلم الدعاة من
خلال وصول المواجهة بينهم وبين قومهم إلى طريق مسدود، ثم تعرضهم للتهديد.
وهذه سمة مهمة تبين مدى حاجة الطليعة المؤمنة التي تقود عملية التغيير
الحضاري؛ إلى دعامة جماهيرية تناصرها، وتتميز بالإيجابية، فتتسامى على
سلبية المواقف وتمييعها. أو بمعنى أبسط أن تتخلص من أمراض (الأنامالية) !
وكم من فرص ثمينة ضاعت على أمتنا جرّاء سلبية الشارع، وتميّع الجماهير؛
مما أعطى الفرصة لأهل الباطل أن يستأصلوا كل محاولات النهوض والتغيير!
- السمة الثالثة: التوسع والانتشار:
وتذكر القصة أن الرجل المؤمن قد تحرك [مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ] .
وعلى الرغم من أن التحرك كان ممثلاً في حركة رجل واحد، ولكننا نستشعر
من مغزى التعبير القرآني: [مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ] ؛ أن الفكرة قد انتشرت وشملت
كل طوائف المجتمع، ووصلت إلى كل مكان مستطاع.. إلى أقصى المدينة.
وهذا ما يدل على نجاح الدعاة في كسر طوق التعتيم والتجهيل، واختراق
الحصار الرهيب للفكرة، وإيصالها لكل المجتمع.
ونستشعر أن التحرك الجماهيري للنصرة؛ جاء من الذين يعيشون في أقصى
المدينة، ولم يأت من القريبين لمكان الحدث!
وتدبر كيف رفضت قريش دعوته ﷺ بينما قبلها ونصرها
الأنصار في المدينة!
إذن لا بد أن تكون القاعدة الجماهيرية واسعة الانتشار، تشمل كل الفئات
والطوائف، وتشمل كل الأمكنة؛ لأن الطليعة المؤمنة لا تدري من أين سيأتي
التحرك لنصرتها، وهذا هو الشرط الكمي في تكوين الرأي العام المناصر.
- السمة الرابعة: تميز النوعية:
تذكر الآيات أن الذي تحرك في تلك الظروف الحرجة، هو نوعية معينة من
البشر، نوعية زكاها الحق سبحانه عندما أخبرنا أن المناصرة جاءت من موقف
[رَجُلٌ] .
ولقد ورد عن الرازي ﵀ حول (تنكير رجل) فائدتان وحكمتان:
الأولى: أن يكون تعظيماً لشأنه؛ أي رجل كامل في الرجولية.
الثانية: أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل
من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال إنهم تواطؤوا [٦] .
وهي سمة مهمة يجب أن تكون مقياس مدى قوة القاعدة المناصرة، وهو أن
تكون من نوعية من الرجال بمعنى كلمة الرجال، حتى لو كانوا رجالاً مؤيدين أو
محايدين.
فكلمة رجل على الأقل تحمل معنى أنه سيقول رأيه وسيتحمل تبعة ذلك!
فالقضية الكبرى ليست أن يكون هناك من يعلن رأيه، بل أن يكون مستعداً
لتحمل تبعة هذا الإعلان. وهذا هو الشرط النوعي في تكوين الرأي العام المناصر.
- السمة الخامسة: الجدية والقوة في التنفيذ:
وعندما نستمر في تدبرنا لموقف الرجل المؤمن؛ نجد أنه قد تحرك وجاء
بنفسه، بل أتى من أقصى المدينة، ثم تذكر القصة أنه جاء [يَسْعَى] .
أي أنه جاء يسرع في مشيته، وهو ما يبين مدى الجهد الذي بذله للوصول
إلى مسرح الأحداث، وهو المكان الذي كان يبتلى فيه الرسل، وذلك حتى يصل في
الوقت والمكان المناسبين، ليعرض رأيه في القضية، ولينتصر لهؤلاء الرسل ضد
رغبة قومه.
وهو ما يبين مدى الجدية والقوة في محاولة تنفيذ ما عنّ له، ومدى حرصه
على عرض رأيه في الوقت المناسب.
وقد بينا أن مقياس الكمال البشري أن يعرف الإنسانُ الحقَّ من الباطل، ثم
يتبع هذا الحق بقوة وجدية، فالمواقف الحاسمة لا يلزمها مجرد الأداء الوظيفي
الراتب، بل الجدية في الأداء، والإصرار على الموقف، وهما من السمات المهمة
للتحولات الاجتماعية.
- السمة السادسة: معرفة تاريخها وأصلها:
لقد بدأ الرجل المؤمن خطابه مناشداً قومه: [قَالَ يَا قَوْم] .
ناداهم بخطاب فيه حكمة وشفقة وعاطفة؛ لأنه منهم ويعرف طبيعتهم،
ويعرفونه.
ونستشعر من مغزى كلمة [يَا قَوْمِ] أنه وإن ذكرت الآيات أنه كان رجلاً
ليس في عزوة أو منعة من قومه، ولكنه مجرد رجل عامي، وأنه من هؤلاء القوم
ومن تلك العشيرة. وذلك أدعى أن لا يشكك أحد في سابق معرفته بالدعاة، أي
ليست هنالك شبهة للتواطؤ، كما ذكر الإمام الرازي ﵀.
وكذلك فليس هنالك مجال للشك في أصله، فهو من هؤلاء القوم، ومن البيئة
نفسها. وما دام من البيئة نفسها فهو الأعرف بطبيعة قومه وبمداخل إقناعهم، وأعلم
بنفوسهم وأمراضهم الاجتماعية، وأدرى بمشكلات حياتهم.
وهذا ما يبين لنا سمة مهمة من سمات القاعدة الجماهيرية، وهي أن تكون
معروفة النسب، ومن البيئة نفسها، وأن تكون فوق مستوى الشبهات.
- السمة السابعة: الوعي بطبيعة الدعاة:
ثم جاء في خطاب الرجل المؤمن وشهادته، أثناء مواجهته لقومه أنه بعد أن
استهل خطابه بالنداء الرقيق الشفيق؛ أخذ في عرض موجز يعرِّف بطبيعة هؤلاء
الدعاة الجدد، حيث [قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم
مُّهْتَدُونَ] (يس: ٢٠-٢١) .
أي أنه يعرف أن هؤلاء رسل من عند الله سبحانه، وأنهم يتميزون بالنزاهة
والعفّة، وأنهم صالحون مهتدون محسنون، ونستشعر من تلك الآيات القرآنية
الطيبة ملمحاً تربوياً طيباً، وهو أن الرجل المؤمن كان يملك من المُثُل والمقاييس
التي تجعله يحكم بالعدل والإنصاف على سلوك البشر، خاصة هؤلاء الدعاة،
فيعرف طبيعتهم، ويعرف أصلهم.
لذا فنحن نستشعر أنه قد خبر ميزاتهم وصفاتهم الربانية السامية الطيبة،
وعرف الرسالة الربانية التي يحملونها.
فمن ناحية أن هؤلاء الرسل كانوا مختلطين بالناس، ومندمجين بطبقات
المجتمع، وكان سلوكهم في التعامل طيباً، وأنهم لم يضعوا بينهم وبين الناس
حواجز تمنعهم من معرفتهم واختبار سلوكهم.
ومن ناحية أخرى: أن هذا الرجل كان يعرفهم جيداً؛ أي أن شهادته كانت
قوية وعلى أساس متين، وعلى معرفة حقة.
وهي سمة طيبة لأي قاعدة بشرية أن تكون على وعي بالناس، خاصة
أصحاب الأفكار الجديدة، وأنها لا تشهد إلا بما خبرت وعلمت.
- السمة الثامنة: الوعي بطبيعة الفكرة:
وعندما نستمر في قراءة شهادة الرجل المؤمن نجد أنه وبعد عرضه لطبيعة
الدعاة، ودعوته قومه لاتباع هؤلاء الرسل بدأ عرضاً آخر موجزاً يشرح فيه الدعوة،
ويوضح العقيدة الربانية، ويبين الرسالة التي جاء بها هؤلاء الرسل، فاستطرد
قائلاً: [وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن
يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلالٍ
مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ] (يس: ٢٢-٢٥) .
أي ما الذي يدعوني أن لا أعبد الذي خلقني، وهو سبحانه سيحاسبني
وسيحاسبكم على ما قدمنا في هذه الحياة الدنيا.
وكيف ألجأ إلى آلهة أخرى من دون الله، آلهة لا تضر ولا تنفع ولا تشفع،
ولا تنقذ من النار ومن سوء المصير؟!
فإن زللت عن ذلك الطريق والصراط المستقيم، إنه والله! لهو الضلال
المبين، وهذا هو قراري الأخير، وأعلنكم به بصراحة: أنني آمنت به سبحانه،
وهذه هي شهادتي كاملة واضحة، فاسمعوها!
ويمكننا أن نخرج بملمح تربوي طيب من هذه الشهادة، أن هذا الرجل كان
على معرفة جيدة بالعقيدة، وكان على قناعة بتلك الدعوة، وكان على يقين وإيمان
ثابت صادق بها.
وهذا يدعو القائمين على عملية التغيير الحضاري إلى أن يهتموا ببيان العقيدة
ودعوة جماهير الشارع؛ حتى يتكون رأي عام مناصر على قناعة راسخة بالرسالة،
وعلى إيمان ثابت بالفكرة.
- السمة التاسعة: القدرة على التعبير عن الرأي:
يبدو من خطاب الرجل المؤمن أنه يتميز بالشجاعة والقدرة على عرض
شهادته، حيث جاء وتحرك وأعلن رأيه كاملاً واضحاً، وأعلن قراره أنه قد اتبع
الدعاة وآمن بالفكرة.
وكانت أعظم مفردات خطابه، وأعظم بنود شهادته تحدياً، هي صرخته
الأخيرة المدوية: [إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ] .
وهي لمحة طيبة، أن تكون الأمة أو رموزها الاجتماعية على وعي بأهمية
حرية إبداء الرأي، والشجاعة في التعبير عن أفكارها، تحت كل الظروف.
فلا يكفي أن تكون هنالك قاعدة جماهيرية لها رأي مناصر، بل الأهم منه أن
تكون عندها الجرأة في التعبير عن آرائها.
وحرية الرأي أو حرية الحوار؛ إنما تدل على صحة المناخ الاجتماعي السائد،
وهو الدعامة التي تصنع الأحرار، وتعمل على تفعيل وتنشيط عوامل الوحدة
الفكرية عند الأمة.
وحرية الرأي هي المرتكز الذي على أساسه يتم تنقية العقلية المسلمة من آثار
المناخات الاستبدادية، وهي الأمراض الفكرية التي تكاثرت جراثيمها في أروقة
العقليات المكبوتة، فأثمرت: عقلية العوام، وطبيعة القطيع، ونفسية العبيد [٧] .
- السمة العاشرة: حب فعل الخير:
ولا يبين سياق القصة ما جرى للرجل المؤمن، «وتركها فجوة فنية، وترك
لخيال القارئ أن يملأها، من خلال تصوره أو توقعه ما سيصيبه، إن ما جرى له
معروف من خلال الجو الذي يعيشه، إنهم سيرجمون الرجل الذي تجرأ وتحداهم.
وقد وقف المفسرون أمام حقيقة قوله سبحانه: [قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ] .
فذهب بعضهم إلى أنه قيل له ذلك، وأن الملائكة قد أخذته وأدخلته الجنة فعلاً،
وأنه يعيش فيها حقيقة.
وذهب بعضهم إلى أن المراد هو إخباره بأنه استحق دخول الجنة بموقفه
الإيماني، وتبشيره بذلك، لينال عاجل البشرى [٨] .
ونحن مع القول الثاني والله أعلم.
وبعد تبشيره باستحقاقه الجنة تذكّر قومه الذين آذوه، حيث [قَالَ يَا لَيْتَ
قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ] (يس: ٢٦-٢٧) .
لقد قتله قومه، فقدموا له خيراً ومعروفاً من حيث لم يقصدوا أو يريدوا.
ولهذا تمنى لهم الهداية. فنصحهم في حياته ونصحهم في مماته [٩] .
ونستشعر من خلال هذه النهاية، ومن خلال تدبر آخر كلماته، أن هذا الرجل
المؤمن كان يتميز بصفة إنسانية راقية، وهي حب فعل الخير.
وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين، عندما نتأمل الرجل المؤمن في
حواره، وعرض أفكاره، ونقف عند نقطة مهمة جاءت على لسانه، والحوار في
مرحلة ساخنة، وهي نصحيته المشفقة: [وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ
قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ] (الكهف: ٣٩) ، حيث أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو
يحاوره، إلى التصرف اللائق الصحيح الذي يشكر فيه ربه، ويعمل على دوام نعمة
الله عليه.
وكذلك نتذكر ما ورد في قصة الغلام والراهب [١٠] ، أنه ما أن استقر الإيمان
في قلبه، بدأ في الاختلاط والخروج إلى الناس، وأخذ بالاندماج في مشاكل حياتهم،
وقدم إليهم الخير والخدمات الجليلة، مثل قتل الدابة، ومعالجة المرضى.
وحب فعل الخير هي الصفة التي تفتح الأبواب الموصدة أمام الفكرة، وذلك
من خلال فتح القلوب، ومعالجة النفوس التي تحب فعل الخير إليها. فهي تقوم
على فقه استعباد قلوب الناس.
وتلك ركيزة يستشعرها أبناء التيار الإسلامي من باب مسؤوليتهم، وتمثيلهم
لتيار جاء ليحمل الخير للبشرية التعيسة الرافضة الجامحة.
ومن باب تلك العاطفة الجياشة التي يحملها دعاة التيار الديني دوماً في كل
عصر، وفي كل موقف، حتى لمخالفيهم.
ذلك التيار الذي يحمل شعاراً، وأمراً ربانياً لبث الخير أينما حل، وهو
طريق الفلاح [وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الحج: ٧٧) .
* الجولة الثالثة: جولة التعقيبات القرآنية:
وهي التعقيبات التي تعرض خلاصة السنن الإلهية التي تدور حولها قصة
أصحاب القرية.
وهي السنن الإلهية الاجتماعية التي تنطبق على أي واقع إذا وجدت أسبابها
وظروفها زماناً ومكاناً وأشخاصاً وأفكاراً. ومن ثم يمكن التفاعل معها، وحسن
تسخيرها في المهمة الإنسانية الاستخلافية.
وفي عملية التغيير أو التبادل الحضاري. خاصة في المواجهة الحضارية
المعاصرة، وحسن عرض وتقديم المشروع الحضاري الإسلامي.
ومن خلال تلك التعقيبات يمكننا أن نتبين كيف أن القصة القرآنية تساهم في
عملية البناء الفكري للأمة.
فالفكرة هي المنطلق الأول في عملية النهوض الحضاري. والقصة تؤدي
دوراً خطيراً في عملية البناء الفكري. والبناء الفكري هو مرتكز التحول النفسي
للأمة.
فما أحوج الدعاة لفقه دور القصة القرآنية؛ بما تحمله من رصيد فكري!
- أولاً: التعقيبات القرآنية الخاصة:
وهي التعقيبات التي تبين مصير أهل القرية، الرافضين للدعوة، والمكذبين
للرسل وللذي آمن معهم، ولعلهم قتلوهم جميعاً.
وهي السنن الإلهية الاجتماعية التي برهنت القصة على صدقها وفعاليتها،
[وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ
إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ] (يس: ٢٨-٢٩) .
لقد استقدموا عذابه وانتقامه سبحانه، فجاءهم سريعاً باغتاً ساحقاً ماحقاً، على
هيئة صيحة الدمار، فأهلكتهم، فأصبحوا ميتين هامدين كما تخمد النار.
وسواء كان المعنى أنه سبحانه قد حقّر من شأنهم، وهوّن من أمرهم، فكان
الانتقام الرباني من السهولة واليسر؛ أنه سبحانه لم يرسل إليهم الملائكة أو الجنود
والعساكر لتهلكهم، بل كان الأمر أهون عليه سبحانه من ذلك، فكان الأمر إلى
جبريل ﵇ أن يرسل عليهم الصيحة المدمرة المهلكة.
أو كان المعنى الآخر أنه سبحانه قد صغَّر من قدرهم، فلم يرسل إليهم جنوداً
أي أنبياء أو رسل آخرين لهدايتهم، بل إنهم لا يستحقون ذلك لأنهم أصغر وأحقر.
ففي كلا المعنيين نستشعر مدى التحقير والهوان والصغار الذي استحقه هؤلاء
المكذبون الرافضون.
وهي سنة الله الإلهية الاجتماعية، العامة المطردة المتكررة، الثابتة
والتي لا تتحول ولا تتبدل، مع كل الرافضين للهداية. مع الذين يرفضون الفكرة
ويحاربون الدعوة، مع الذين يكذبون الرسل والدعاة.
- ثانياً: التعقيبات القرآنية العامة:
وهي التعقيبات التي توضح الدروس التربوية والعبر العامة التي وضحتها
القصة.
وهي كذلك السنن الإلهية الاجتماعية العامة، والتي كانت القصة مثالاً تطبيقياً
لها وبرهاناً ثابتاً حول فعاليتها.
[يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * أَلَمْ يَرَوْا
كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا
مُحْضَرُونَ] (يس: ٣٠-٣٢) .
لقد جاءت هذه التعقيبات وكأنها إعلان علوي رهيب عام، ينادي بالحسرة
والتندم والويل والبوار لنوعية من العباد، تبين الآيات أسباب أو مسوِّغات
استحقاقهم لهذا الإعلان:
١ - عدم استغلال فرص النجاة والفوز في الدارين، وذلك باتباع الحق.
٢ - الاستهزاء بالرسل والدعاة، ومحاربتهم، والاستهزاء بالفكرة ورفضها.
٣ - عدم قراءة التاريخ، للوقوف على أحداثه، واستقراء سننه سبحانه
الإلهية الكونية والاجتماعية، ومشاهدة سِيَر أعداء الدعوة، ومكذبي الفكرة، على
مر تاريخ المسيرة الدعوية. وإدراك معنى الرجوع إليه سبحانه للمحاسبة والجزاء.
٤ - الغفلة عن اليوم الآخر، وأن كل البشر مجموعون للحساب، على
موقفهم من الدعوة والدعاة، ولتحديد المصير، [أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ *
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ] (المطففين: ٤-٦) .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 4732
قضايا دعوية
فوائد منسية في الأزمات
أحمد بن صالح السديس
لا تبقى الحياةُ في سيرِها على حالٍ، ولا يَقَرُّ لها قرارٌ، ولا يَهدأُ لها بالٌ.
والناسُ فيها يتقلَّبون، وبأجوائها يمرُّون، ولأحوالها معايشون. ولكنَّ المؤمنين عن
غيرِهم يتميَّزون؛ كما جاءَ في الحديثِ عن رسول اللَّهِ ﷺ أنه قال:
«عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ؛ لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ شَيْئًا إِلا كَانَ خَيْرًا لَهُ» [١] ، «فهم في خيرٍ
وإلى خيرٍ؛ إنْ أصابَتِ المؤمنَ سرَّاءُ شَكَرَ؛ فكانَ خيراً له، وإنْ أصابته ضرَّاءُ
صَبَرَ؛ فكانَ خيراً له، وليس ذلك لغيرِ المؤمنِ» [٢] .
مَا أصابَ مؤمِناً مِن بلاءٍ إلا كانَ له في ذلك أجرٌ وثوابٌ، وحُطَّتْ عنه أوزارٌ
وسيئاتٌ، وليس للمؤمنِ في دنياه خيرٌ مِن نيل مثل هذا العَطَاءِ؛ فإنّ الدنيا دارُ
امتحانٍ وابتلاءٍ، والكُلُّ فيها يسعى لتحصيلِ الأجرِ والثوابِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
﵁ أنّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ
نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلا كَفَّرَ
اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» [٣] . وقد ذَكَرَ اللهُ سبحانه في سورةِ العنكبوتِ أجْرَ المؤمنين
بينَ آياتِ الابتلاءِ، فقالَ عَزَّ مِن قائلٍ: [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ] (العنكبوت: ٧) .
وكثيراً ما تكونُ الشدائدُ والأزَمَاتُ سَبَبَاً في عَودةِ فئامٍ مِنَ الناسِ إلى دينِهم،
وزيادةِ صلتِهم بربِّهم؛ لأنه لا كاشِفَ للبلاءِ إلا اللهُ، وقد كانَ المشركون يلجؤون
حالَ الشدائدِ إلى اللهِ وحدَه، ولنْ يكونَ حالُهم خيراً مِن حَالِ المؤمنين.
وما الحياةُ إلا كتابٌ يُسجِّل الناسُ فيه أعمالَهم، ويدوِّنون فيه مآثرَهم، والسعيدُ
مَن كان عملُه صالحاً، وبذلُه نافِعاً ودائماً. وقد جَعَلَ اللهُ الحياةَ ميداناً للتسابقِ
والتنافسِ، وخَلَقَ الموتَ والحياةَ ليبلوَنا أيُّنا أحسنُ عملاً. وربُّنا لم يخلقْنا عَبَثاً، ولم
يتركْنا هَمَلاً، بل هو القائلُ سبحانَه: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ
تُرْجَعُونَ] (المؤمنون: ١١٥) ، مِن أجلِ ذلك كانَ ابتلاءُ المؤمنِ بالخيرِ والشرِّ،
والحُزنِ والسُّرورِ: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ] (الأنبياء: ٣٥) .
والمؤمنُ حالَ الرزايا والبلايا في موقفٍ راسخٍ، وجَنَانٍ ثابتٍ؛ لأنه يعلمُ علمَ
يقينٍ راسِخاً، لا تلقيناً دارِجاً، أنّ ما أصابَه لم يكنْ ليخطئَه، وما أخطأه لم يكنْ
ليصيبَه، وأنّ الأمّةَ كلَّ الأمَّةِ لن يضرُّوه إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليه، ولن ينفعوه
إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ له [٤] .
وبمثلِ هذا اليقينِ الذي لا تُزَعْزِعُه الشدائدُ، والإيمانِ الذي لا تُغَيِّرُه المصاعِبُ
والمتاعِبُ، يبقى مطمئنَّ القلبِ، مُرتاحَ النفسِ، هانئَ الحياةِ. وقد وَصَفَ اللهُ حالَ
المؤمنين، فقالَ: [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) .
وأحداثُ الحياةِ وإنْ حَمَلَتْ في ظاهرِها شرَّاً، فإنها لا تكونُ شَرَّاً مَحْضَاً، بل
ربما حَمَلَ ذلك من الخيرِ أضعافاً وأمثالاً، وقد قيل: «إنّ في الشرِّ خِياراً» .
لقد كانتْ حادثةُ الإفكِ التي تَوَلى كِبْرَها رأسُ المنافقين، ولاكَتْها الألْسُنُ،
حادثةً آلمتْ نفسَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ونفسَ زوجِه أمِّ المؤمنين عائشةَ
﵂، وقَضَّتْ مَضْجَعَهُما لياليَ طِوالاً، فلما جاءتْ براءتُها قرآناً
يُتلى إلى يومِ القيامةِ، قال اللهُ جَلَّ شأنُه: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ
تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى
كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (النور: ١١) .
وقبلَ غزوةِ بدرٍ، كَرِهَ بعضُ المؤمنين الخروجَ لقتالِ عدوٍّ أكثرَ منهم أعداداً،
وأحسنَ منهم إعداداً، وودُّوا أنْ ينالوا الغنيمةَ دونَ شدَّةٍ وقتالٍ، ولكنَّ الحكيمَ العليمَ
أخرجَهم من بيوتِهم؛ ليقضيَ أمرَه، ويُعِزَّ دينَه، ويُذِلَّ أعداءه: [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ
مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ
كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ
الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] (الأنفال: ٥-٨) ،
فكانَ في خروجِهم الذي كَرِهَه بعضُهم نصرٌ لهم وتمكينٌ.
قال شريح القاضي ﵀: «إني لأُصابُ المصيبةَ، فأحمَدُ اللهَ
عليها أربعَ مَرَّاتٍ؛ أحْمَدُ إذْ لم يكُنْ أعْظَمُ منها، وأحْمَدُ إذْ رَزَقَني الصَّبْرَ عليها،
وأحْمَدُ إذْ وَفَّقَني للاسترجاعِ لما أرجو مِنَ الثّوابِ، وأحْمَدُ إذْ لم يجعَلْها في ديني»
[٥] .
وإنّ مِمَّا كتبَه اللهُ على نفسِه أنه يريدُ بعبادِه الرِّفقَ والتيسيرَ: [شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ
يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]
(البقرة: ١٨٥) ، وأنّ رحمتَه سَبَقَتْ غضبَه [٦] ، وأنّ هذه الرحمةَ عظيمةٌ واسعةٌ،
جاءَ في الحديثِ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، قَسَمَ مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلائِقِ؛ فَبِهَا
يَتَرَاحَمُون، وَبِهَا يَتَعَاطَفُون، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى أَوْلادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ رَحْمَةً؛ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٧] .
مَن أدرَكَ هذه الحقائقَ كان لِزاماً عليه أنْ يُحسِنَ ظنَّه بربِّه سبحانَه، وقد قالَ
اللهُ في الحديثِ القدسيِّ: «أنا عندَ ظَنِّ عَبْدِي بي» [٨] .
وإنّ من إحسانِ الظنِّ به ﵎: أنْ يعلمَ المؤمنُ عظيمَ فضلِ اللهِ عليه،
وأنَّ ما دَفَعَ عنه من السوءِ والبلاءِ أعظمُ مما أصابَه.
ومِن إحسانِ الظنِّ به سبحانَه: أنْ نُدرِكَ ما تجنيه الأمَّةُ مِن فوائدَ في أزماتِها
ومصائبِها؛ إنها فوائدُ مَنْسِيَّةٌ، وَسَطَ أحداثٍ مأساويَّةٍ، فوائدُ تستحقُّ أنْ نُسَلِّطَ عليها
الضوءَ، وأنْ نَلْفِتَ إليها الذِّهْنَ، في وقتٍ دَبَّ فيه الأسى إلى النفوسِ وغَلَبَ!!
موقنين أنّ للهِ في خَلْقِهِ وتدبيرِه وحُكْمِه حِكَماً وعِبَراً، ومدركين أنّ عقولَنا قاصرةٌ
عن الإحاطةِ بكلِّ الحِكَمِ والأسرارِ مِن تتابُعِ الأحداثِ، وقد قالَ ﵊:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» [٩] .
مَا أشبهَ هذه الفوائدَ التي نجنيها مِن مِثلِ هذه الأحداثِ بالدُّرَرِ والجواهرِ التي
لا تُنالُ إلا بالغوصِ في أعماقِ البحرِ، وتَحَمُّلِ المشاقِّ والمخاطرِ من أجلِها.
علَّمتنا هذه الأزماتُ أنَّ المُثُلَ والقِيَمَ كلامٌ لا وزنَ له ما لم يرافقْها العَمَلُ، وأنّ
الأخلاقَ الفاضلةَ جميلةٌ مطلوبةٌ، ولكنَّ الأحسنَ والأجملَ أنْ تصيرَ هذه الأخلاقُ
رِجَالاً وفِعَالاً. وما يحفظُه المرءُ قد يحفظُه مئاتٌ غيرُه، ولكنَّ التميَّزَ في مقدارِ
العملِ بما يُحفَظُ ويُعلَمُ؛ فخيرُ القولِ ما صَدَّقَه الفِعْلُ.
والشدائدُ ميدانٌ، وفي الميدانِ يكونُ المِرَانُ، وقد قِيلَ: «عِندَ الطِّعَانِ يَتَبيَّنُ
الرِّجالُ» ، و «التجرِبةُ خيرُ بُرهانٍ» . وصُعُوبةُ المُلِمَّاتِ والشَّدائدِ مَحَكٌّ تَظهرُ
فيها الصِّفَاتُ والخلائقُ، وتنكَشِفُ فيها القُدْراتُ والموَاهِبُ؛ فالشدَّةُ تُظهِرُ العِلَّةَ،
والأمَّةُ تَتَعَلَّمُ في المُلِمَّةِ، ومَا وَعَظَ امْرأً مثلُ تجارِبِه. والناجحون في الحياةِ هم
الذين واجهوها، وتعامَلوا معها، واعتادُوا شرَّها وخيرَها.
إنّ هذه الأزماتِ عبارةٌ عن خِبْرَاتٍ يكتسِبُها الأفرادُ، كما تكتسِبُها الأمَّةُ
والمجتمعاتُ؛ خِبراتٌ في مواجهَةِ الأعداءِ، والتصرُّفِ حينَ يَفجَأُ ويَفجَعُ البلاءُ.
فالمِحَنُ تدريبٌ عَمَلِيٌّ، وميدانٌ تطبيقيٌّ وتجريبيٌّ، ومِن خلالِها تَتَّضِحُ القُدراتُ
والمواهِبُ، وتُطبَّقُ المعلوماتُ والمعارِفُ. مَن أرادَ أنْ يُدَرِّبَ أفراداً؛ بَحَثَ عن
مثالٍ قريبٍ مما يدرِّبُهم عليه، فكيف لو جاءَ الحالُ الذي كانَ من أجلِه ذا التدريبُ؟!
وقديماً قِيلَ: «لا تَغْزُ إلا بِغُلامٍ قد غَزَا» .
في الشدائدِ يتميَّزُ المؤمنُ عن المنافقِ، والصادقُ عن الكاذبِ، ويقفُ المرءُ
على حقيقةِ إيمانِه، ومدى عُمقِه ورُسُوخِه، فحاشا لله سبحانَه أنْ يُعَذِّبَ عبادَه
بالابتلاءِ، ولكنه الإعدادُ الحقيقيُّ لتَحَمُّلِ الأمانةِ [١٠] ، وقد قالَ سبحانَه: [وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ
نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ *
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ] (العنكبوت: ١٠-١١) ، وقالَ:
[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] (محمد: ٣١) .
نبَّهتنا هذه الأزمات إلى أخطاء في الأنظمةِ والعقائدِ؛ ولهذا دور مهمٌّ في
علاجِها، وتفادي آثارِها.
لقد ظَهَرَ خلالَ أزماتٍ متعاقبةٍ أنّ الأمَّةَ مُغَيَّبَةٌ عن قراراتِها المصيريّةِ، وأنّ
أعداءها يسيّرونها وَفْقَ رغباتِهم وأطماعِهم، وأنّ المصالحَ الدنيويَّةَ الآنيَّةَ مُقَدَّمَةٌ على
غيرِها مِنَ المصالحِ الدنيويَّةِ أو الشرعيَّةِ أو الأخْرَويَّةِ.
كانت غزوةُ أحُدٍٍ ثانيَ غزوةٍ فاصِلَةٍ في تاريخِ الإسلامِ، وقد جاءتْ بعدَ
انتصارِ الفئةِ المؤمنةِ القليلةِ في بدرٍ، فكانتِ الشدَّةُ التي واجهتِ المسلمين، وما
أصابَ رسولَ اللهِ ﷺ فيها، تحمِلُ في طيَّاتِها تجرِبةً وعِبرةً قد لا
يعيها الناسُ إلا مِن مِثْلِ هذه المواقفِ، فأنزَلَ اللهُ بعدَها مُعَلِّماً وهَادياً: [أَوَ لَمَّا
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) .
كما نبَّهتنا هذه الأزمات إلى أخطاء في أصولٍ اعتقاديةٍ مهمَّةٍ؛ فظَهَرَ أنّ ولاءَ
بعضِ أفرادِها ليس لله، واضطَرَبَ في نفوسِهم التوكُّلُ على الله، واختَلَّ لديهم
الخوفُ والرَّجاءُ.
هذا موسى ﵊ مع جَمْعٍ قليلٍ ضعيفٍ مِن قومِه، يلتقي
فِرعونَ وجَمْعَه القويَّ الكثيرَ، فيقول أصحابُ موسى وقد رأوا كثرةَ العدوِّ: [فَلَمَّا
تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ] (الشعراء: ٦١) ، فيردُّ
موسى رَدَّاً حاسِمَاً، في أشدِّ المواقفِ حَرَجَاً: [قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ]
(الشعراء: ٦٢) .
ولما هَجَرَ الناسُ كَعْبَ بنَ مالكٍ ﵁ بعدَ تخلُّفِهِ عن غزوةِ
تبوك، وضَاقَتْ به الحالُ والمقامُ، جاءه كتابٌ مِِن ملِكِ غسَّانَ النصرانيِّ، فإذا فيه:
«بَلَغَني أنّ صاحبَك قد جَفَاكَ وأقصَاكَ، ولستَ بدارِ مَضْيَعةٍ ولا هَوَانٍ، فَالْحَقْ
بنا نُوَاسِك» . فما كان منه ﵁ إلا أنْ أحرقَه، فقدْ عَلِمَ أنّ هذا مِن
البلاءِ.
عَلَّمَتْنا هذه الأزمات أنّ الأمَمَ الضعيفَةَ لا يُؤبَهُ بها، وأنّ الأمَمَ الحيَّةَ القويَّةَ
تُسْمَعُ كلِمتُها، ويُحسَبُ لها حسابُها، وأنّ العالَمَ اليومَ تحكمُه شريعةُ الغابِ، ولا
مكانَ فيه للضعفاءِ، وبينما يقومُ القويُّ بالعملِ؛ يكتفي الضَّعيفُ بالأماني والأمَلِ.
تَعْدُو الذِّئابُ على مَن لا كِلابَ له ... وتَتَّقي صَوْلَةَ المُسْتَأسِدِ الضَّاري
لما اسْتَتَبَّ أمرُ الإسلامِ والمسلمين واستقرَّ؛ بدأَ الرسولُ ﷺ
بإرسالِ رسائلِه إلى الملوكِ والأمراءِ، ولم ينتظرْ حتى يُفَكِّرَ هؤلاءِ في حربِهِ أو
يبدؤوا بها. وهكذا كانت الدُّوَلُ الإسلاميةُ القويةُ في التاريخِ تتخِذُ زِمَامَ المبادَرَةِ،
وتَصِلُ إلى أعدائها قبلَ أنْ يَصِلُوا إليها، وكانتْ طَلائعُ الجهادِ قدِ انطَلَقَتْ مُشَرِّقَةً
ومُغَرِّبَةً؛ مما أدَّى إلى اختلالِ ميزانِ القُوَى في العالَمِ آنذاك، وصارتْ القوَّةُ
الإسلاميةُ ظاهرةً في الأرضِ ومَهِيبَةً.
ميَّزت هذه الأزمات عَدوَّنا مِن صديقِنا، وكَشَّرَ كُلُّ ذي نَابٍ عَن نابِه، وبَانَ
لنا ما وَرَاءَ الأكَمَةِ، وعِندَ النازِلَةِ تَعرِفُ أخاك. لقد كَانَ الأعداءُ يمكرون
ويخطِّطون مِن وراءِ سِتَارٍ، فصاروا يُنَفِّذون عَلََناً أمامَ الأنظارِ، فزَالَتِ الغِشَاوَةُ عَنِ
البصائرِ والأبصارِ. إنَّ أمْرَ عَدُوٍّ ظَاهِرٍ أيسَرُ مِن أمْرِ عدوٍّ مُخْتَفٍ وكامِنٍ،
ومُواجَهةُ خُصُومٍ تعرفُهم أيسَرُ مِن مُواجهةِ خصْمٍ لا تعرِفُهُ.
لقد كانَ بعضُ الناس مخدوعين بمعسول الكلامِ، وزائفِ الوعودِ والآمالِ،
وكانوا يظنُّون بأعدائهم خيراً، ويشكُّون في كُلِّ مَن أشارَ إليهم شَزَرَاً. كانوا يظنُّون
في العدوِّ العدلَ والرَّحمَةَ، ويرون فيه أنموذجاً لتحرِّي الحقِّ والحريةِ، ويَعُدُّونَه
مِثَالاً يُحتذى في الحياةِ الآمِنَةِ والمستقِرَّةِ، وإذا هذا المثالُ يَتَهَاوَى، فيصبحُ الأمرُ
واضِحاً لا لُبْسَ فيه، وظاهراً لا غُمُوضَ فيه، وأصبحتْ أطماعُهُ ومآرِبُهُ فينا وفي
ثرواتِنا وأراضينا لا تحتاجُ إلى شرحٍ وبَيَانٍ.
جَزَى اللهُ الشدائدَ كُلَّ خَيرٍ ... عَرَفْتُ بها عَدَوِّي مِن صَدِيقِي
لقد كانتِ الشدَّةُ التي أحَاطَتْ بالمسلمين أثناءَ اجتماعِ الأحزابِ عليهم كاشِفَةً
عن المنافقين الذين كانوا يَندَسُّون بينهم، فأثناءَ اجتهادِ المؤمنين في حَفْرِ الخندقِ كانَ
المنافقون يتخاذلون، ويتسلَّلون إلى بيوتِهم وأهليهم دونَ عِلْمِ رسولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم.
وكانَ الخروجُ إلى تبوك لقتالِ الرُّومِ في وقتِ جَدْبٍ في البلادِ، وشدةِ حَرٍّ،
واستواءِ الثمارِ، وخَرَجَ الجيشُ المسلمُ بقيادةِ الرسولِ ﷺ ، فبدأ
المنافقون في الظهورِ؛ بسخريتِهم ببعضِ المسلمين، ومحاولتِهم توهينَ القُوَى
وتشتيتَ الطاقاتِ، وكانَ عبدُ الله بنُ أبيٍّ رأسُ المنافقين يُعسْكِرُ بجنودِه أثناءَ المسيرِ
إلى تبوك أسفلَ مُعسكَرِ النبيِّ ﵊، ثم تَخَلَّفَ ابنُ أبيٍّ ومَعَه كثيرٌ
من المنافقين عن الجيشِ، وقالَ بعضُهم: «أيغزو بني الأصفرِ مع جَهْد الحالِ
والحَرِّ والبلدِ البعيدِ؟! أيحسَبُ أنّ قتالَهم كقتالِ غيرِهم؟! واللهِ! لكأنّي أنظرُ إليهم
مُقَرَّنين غَداً في الحِبَالِ» . وكانَ بعضُهم قد تَخَلَّفَ بتَعِّلاتٍ باطِلةٍ، مِن بُعْدِ الشُّقَّةِ
وشِدَّةِ الحَرِّ. لقد كانت هذه الحالُ، وهذه الشدَّةُ كافيةً في فَضْحِ المنافقين، وتمييزِ
المؤمنين الصَّادقين.
لقد فَضَحَتْ هذه الأزمَةُ مع أزماتٍ وحروبٍ سابقةٍ زَعَامَاتٍ وقِيَادَاتٍ،
وأسْقَطَتِ الأقنعةَ عن ادّعاءاتٍ وشِعَارَاتٍ، إنَّها شِعَارَاتٌ قامَتْ على القومِيَّةِ
والحِزبيَّةِ، وارتَضَتْ شعاراتٍ جاهليّةً، وكان قادتُها مميّزين في خُطَبٍ رنَّانَةٍ،
وألفاظٍ بَرَّاقَةٍ، تَخدَعُ البُسَطَاءَ، وتستهوي الخُبَثَاءَ، ولكنَّهم مُمَيَّزون أيضاً فيما جَرُّوه
على الأمَّةِ مِن مَصَائبَ ووَيلاتٍ، حتى ظَهَرَ أنهم دُمَىً بأيدي غيرِهم مِنَ الأعداءِ!!
مَاذا جَنَتِ الأمَّةُ عبرَ امتدادِ تاريخِها مِن دُعَاةِ القَوميَّةِ على مُخْتَلَفِ شعاراتِهم
ومُسَمَّيَاتِ أحزابِهم إلا تبديدَ القُوَى والضَّيَاعَ والدَّمَارَ؟ لقد تعهَّدَ أحدُهم ذاتَ يومٍ أنْ
يُغْرِقَ نِصْفَ العدوِّ، وَأنْ يُحرِقَ نِصْفَه الآخَرَ، وزَعَمَ آخَرُ أنّه سَيُبِيدُ العَدُوَّ إبادةً لم
يكنْ مِثْلُها، ولكنَّ النتيجةَ أنْ تُمنى الأمَّةُ بسببِهِم في أعَزِّ ما تملِكُهُ وتُفَاخِرُ به.
إنّ كُلَّ أزمَةٍ يَمُرُّ بها العالَمُ الإسلامِيُّ تُظهِر أنَّ الإسلامَ هو خيرُ رايةٍ يمكنُ أنْ
يعليَها ويقاتِلَ في سبيلِها أبناؤه في كلِّ مَكَانٍ، إنها رايةٌ ارتضاها لنا الخالِقُ العليمُ
سبحانَه؛ فلِمَ لا نَرتضِيهَا لأنفسِنا وهي الرايةُ التي أثبتَتِ الأحداثُ التاريخيةُ أنها
رايةٌ ظافِرَةٌ مُنتصِرَةٌ، وأنَّ قُوَّةً مَهما بَلَغَتْ لا يمكِنُ أنْ تقِفَ في وَجْهِ حَمَلَةٍ صادقين
لها؟! إنها رايةٌ يَغْلِبُ مائة صابرون مِن أتباعِها مئتين مِنَ الكافرين، وهي الرَّايةُ
التي يَجِبُ أنْ تقومَ عليها علاقَاتُ الأمَّةِ؛ لأنها رايةٌ لا تَتَغيَّرُ، وأفكارُها ودَعَوَاتُها لا
تَتَبَدَّلُ: [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ]
(المائدة: ٥٥-٥٦) .
فإذا تَبيَّنَ لنا الصَّدِيقُ المُشْفِقُ النَّافِعُ، وتَبَدَّى لنا العَدوُّ المتربِّصُ الطامِعُ؛
بُعِثَتْ في النفوسِ رُوحُ المقاومةِ والمغالبةِ للأعداءِ، وبِذَا يصيرُ الهدَفُ واضِحَاً،
والعَدُوُّ في مَرْمَى السِّهَامِ، وإذا عُرِفَ الذئبُ وَجَبَ أنْ تُعدَّ له العَصَا!! علَّمتنا هذه
الأزمةُ وأزَمَاتٌ غيرُها أنَّ الأمَّةَ حينَ تُربِّي أبناءها وَفْقَ شرعِ ربِّها، وحينَ تبني في
نفوسِهم صَرْحَ الإيمانِ، وحينَ تغرِسُ في قلوبِهم نبتةَ الإخلاصِ للهِ ولدينِه؛ فإنَّ
قُوى الأرضِ وإنْ هزمتْهم في وقتٍ ظاهراً لن تهزمَهم في بواطنِهم، ولن تفلحَ في
تركيعِهم، ولن تنالَ من عزَّتِهم، ولن تقوى على تغييرِ مبادئهم.
وأمَّا غيرُ ذلك من الشعاراتِ والمبادئ وإنْ عَلا في وقتٍ صوتُها، وهبَّ
ريحُها، ولَمعَ بريقُها فإنها سحابةُ صيفٍ توشِكُ أنْ تنقشعَ، وفُقاعةُ صابونٍ توشكُ
على نفسِها أنْ تنفجرَ، إنها شعاراتٌ وتربياتٌ قامتْ على غيرِ هَدْيِ اللهِ، وكلُّ ما
كانَ كذلك فهو عُرْضَةٌ للتبديلِ والزَّوالِ، بل والانقلابِ عليه من أقربِ الأعوانِ
والأتباعِ.
ماذا يُنتظرُ من أبناءِ الأمَّةِ حينَ تُغرسُ في نفوسِهم مناهجُ الأعداءِ وقيمُهم؟
كيف يُتصوَّرُ أنّ هؤلاء يمكنُ أنْ يكونوا في يومٍ نِدَّاً أو خَصْماً لعدوٍّ أشربوا حُبَّه
ومنهجَه وقيمَه؟ إنّ هؤلاء سينضمّون إلى العدوّ شئنا أم أبينا، وسينتمون إليه انتماءً
فكريّاً ومنهجياً أو انتماءً فعلياً وعسكرياً، وقد يكون ذلك على حينِ غِرَّة، والأمة في
أشدِّ أوقاتها حاجةً إلى أبنائها.
ما أسرعَ أنْ يخلعَ صاحبُ الشعاراتِ الأرضيةِ الجوفاءِ كلَّ تلك الشعاراتِ التي
حَمَلَها، وبَشَّر بها، وادَّعى أنه تابعٌ مخلصٌ لها؛ لينضمَّ إلى معسكرِ الأعداءِ،
وليستبدلَ بشعاراته تلك في طرفةِ عين شعاراتِهم. ولتذهبْ أمتُه بعد ذلك في أيِّ
طريقٍ، فلا عليه أنْ يصيبَ أمتَه وقومَه أيُّ مصابٍ في سبيلِ تحقيقِ مكسبٍ ماديٍّ
رخيصٍ، يُرضي به نفسَه الدَّنيَّة الجشِعَةَ!!
عَلَّمَتْنَا هذه الأزمَةُ مِن خِلالِ واقِعٍ حَيٍّ مُشَاهَدٍ دَورَ العَدلِ في النّصرِ، وأثَرَه
عَلى تماسُكِ الجيشِ والشَّعْبِ، وأنّ للظالِمِ مَهما بَلَغَ وبَالَغَ، وتَجَبَّرَ وكَابَرَ يَوماً يسقُطُ
فيه، وأنه حينَ يسقُطُ لنْ يبكيَه أحَدٌ، وأنَّ سَاعَةً يُتَمَكَّنُ فيها مِنه هي ساعةٌ سَيُركَلُ
فيها بالأقدامِ غيرَ مأسوفٍ عليه، والظلمُ مرتعُه وخيمٌ.
إنَّ الطُّغَاةَ ينسون أمامَ قوَّتِهم الماديةِ كثيراً من الحقائقِ؛ فينسون أنّ الأيّامَ دُوَلٌ،
ومَا حَلَّ بغيرِهِم مِن الأفرادِ والأمَمِ، وينسون أنَّ الظلمَ أسرعُ شيءٍ إلى تَعْجِيلِ
نِقْمَةٍ، وتبديلِ نعمةٍ، وينسون أنّ للهِ فوقَ تدبيرِهم تدبيراً، وأنّ الريحَ قد يواجِهُ
إعْصَاراً، وينسون أنه إنما تَنْدَمِلُ مِنَ المظلومِ جِرَاحُه؛ إذا انكَسَرَ مِنَ الظالِمِ
جَنَاحُه، وأنه على الباغي تدورُ الدوائرُ. ويغيبُ عن أذهانِهم - في زَحمة الأطْمَاعِ
والشّهَوَاتِ - أنّ عدلَهم يجعلُ الناسَ على مختلَفِ طبقاتِهم حَرَسَاً لهم وتَبَعَاً، وأنه لا
شيءَ كالعدلِ والإحسانِ يشيدُ الدُّوَلَ، ويُقيمُ الممالِكَ الحَضَاراتِ.
стр. 4733
تأملات دعوية
ماذا فعل المحافظون في إيران ؟
محمد بن عبد الله الدويش
dweeesh@dweesh.com
قال تعالى تعقيباً على ما أصاب يهود بني النضير: [يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ
وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) .
إن المصلحين اليوم بحاجة إلى قراءة التاريخ قراءة متأنية، واستخلاص
السنن والقواعد التي تحكم عملية التغيير في المجتمعات.
والتجارب المعاصرة آكد بالدراسة والتحليل؛ فالخصائص والعناصر المشتركة
تتيح فرصاً أوسع للاعتبار والاتعاظ.
واعتبار المسلم بتاريخ الآخرين يشمل جوانب النجاح الكلي والجزئي، وكذا
جوانب الفشل والإخفاق.
قبل سنتين عقد رئيس الشؤون الثقافية في بلدية طهران محمد علي زام مؤتمراً
صحفياً تحدث فيه بصراحة وشفافية لأول مرة، وأشار إلى «تراجع نسبة الالتزام
الديني لدى غالبية الشعب الإيراني وخاصة الشباب؛ حيث تجاوزت نسبة غير
المصلين الثمانين بالمائة، وتجاوزت نسبة الإباحية الجنسية الستين بالمائة، وبلغت
نسبة المدمنين على المخدرات العشرين بالمائة، وهي أرقام مرعبة حقاً في مجتمع
إسلامي تحكمه حكومة دينية تسيطر فيه على وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة
وتلفزيون، ويوجد فيه حوالي نصف مليون رجل دين. ورغم أن الحكومة
الإسلامية بذلت عناية فائقة في إعداد برامج دراسية دينية للأطفال منذ نشوئهم في
المدارس الابتدائية وغيرها إلا أن حصيلة تجربة عقدين من الزمن كانت ابتعاد
الشباب والطلاب عن الدين بنسبة عالية جدا» [١] .
لقد مضى على سيطرة الملالي على الحكم ربع قرن من الزمان؛ فجيل
الأربيعنيات من العمر ترعرعوا في ظل الثورة، وجيل الثلاثينيات والعشرينيات
منهم لا يعون شيئاً عن العصر السابق.
وقد سيطر الملالي على مؤسسات التوجيه والتربية في المجتمع، وعلى
وسائل الإعلام، وسيطروا على معظم مؤسسات المجتمع، ومع ذلك كان هذا
الحصاد؛ فلماذا حصل ذلك؟
هل كان الأمر كما قال مرشد الثورة ناتجاً عن وجود «مؤامرة خطيرة
ومدروسة للعدو تستهدف ضرب الجمهورية الإسلامية، تتمثل في وجود خطة
استكبارية (أمريكية وبريطانية) شاملة، تشابه خطة تفكيك الاتحاد السوفياتي،
تستهدف تفكيك نظام الجمهورية الإسلامية» [٢] ؟
أم أن الملالي اتجهوا إلى تغيير واقع المجتمع بالقوة والقسوة دون الإقناع؟
أم أنهم لم يكونوا يملكون الخبرة التي تؤهلهم لقيادة المجتمعات الحديثة، ولم
يسعوا لإتاحة الفرصة لأصحاب التخصصات الأخرى؟
أم أنهم كانوا يعتقدون أن الإصلاح يمكن أن يتم من خلال الوصول إلى موقع
القرار دون اعتناء ببناء المجتمع؟
أم أنهم كانوا يعيشون واقعهم الشخصي ويجهلون نبض الشارع؟
أم أنهم أهملوا الاعتناء بما يحتاجه المجتمع الحديث من إصلاح اقتصادي
وتعليمي وبناء للإنسان بكافة جواب شخصيته؟
ولماذا لم يتفطن هؤلاء إلى هذه المشكلات؟ وأين التقويم الجريء والواضح
للواقع؟ هل كانوا لا يملكون العقلية التي تؤهلهم لذلك؟ أم كانوا يثيرون الشك في
كل من يدعو للمراجعة؟
إنها تساؤلات وافتراضات بحاجة إلى دراسة تكشف عن مدى صحتها أو عن
بدائل أخرى تفسر هذه الظاهرة، ويستنير بها من يتطلعون إلى إصلاح مجتمعات
المسلمين، ومن يعتقدون أن ذلك يمكن أن يتم بضربة قاضية.
стр. 4734
حوار
الشيخ حارث الضاري (عضو رابطة علماء العراق)
في حوار خاص مع البيان ..
أجرى الحوار: عبد الغني الزهراني
الاحتلال سيشد رحاله ويرحل
لأننا شعب لا يقبل أن تداس كرامته
تمر الأمة بمنعطف تاريخي حساس، وخاصة ما يشهده الشعب العراقي من
أحداث بعد سقوط نظام صدام حسين، واحتلال العراق، ومحاولة الاحتلال
الأمريكي البريطاني تدويل القضية بعد ما أفرزته من نتائج لم تكن متوقعة، على
الأقل في دوائر القرار الرسمي في كل من واشنطن ولندن.
لقد تفجرت المقاومة العراقية ولم يكد يمر على سقوط النظام البعثي أقل من
شهر واحد فقامت بقلب الموازين وتغيير الأوراق التي كانت أهدافاً واضحة وسهلة
المنال لدى المخطط الاستراتيجي الأمريكي البريطاني.
ونظراً لأوجه الالتباس التي صاحبت هذه المقاومة، وكثرة التصريحات
الصادرة من قياداتها المختلفة، وما يصدر عن الطرف الآخر المحتل من أخبار
ومعلومات بخصوص مصادر هذه المقاومة؛ تحاول مجلة البيان من خلال هذا اللقاء
مع الشيخ الدكتور حارث الضاري استقصاء الحقائق، وكشف الخفايا؛ من خلال
طرح مجموعة من التساؤلات في محاور ثلاثة، حتى يطلع القراء على أحوال أهل
السنة في العراق من جهة، ومن جهة أخرى الاطلاع على بعض خفايا السقوط
السريع والمفاجئ للنظام البعثي السابق، والدروس المستفادة من ذلك.
وأخيراً الوقوف على ما يدور حالياً في العراق، ومعرفة طبيعة الأحداث
المذهبية والطائفية الجديدة التي تحركها الأيدي الخفية سواء من الخارج أو الداخل.
والشيخ هو حارث سليمان الضاري الزهري الشمري، وقد عرّفنا بشخصه
الكريم لما طلبنا منه نبذة عن حياته، فقال: ولدت بمنطقة حمضاي في أبو غريب
في ضواحي بغداد عام ١٩٤١م، ولما ميّزت ذهبت إلى مدرسة تحفيظ للقرآن،
وتعلمت فيها، والتحقت بعد ذلك بالمدرسة الدينية التي أكملت فيها الدراسة الأولية،
وأخذت منها الشهادة الثانوية، ثم التحقت بجامعة الأزهر عام ١٩٦٣م، حيث
حصلت على شهادة الليسانس العالية بكلية أصول الدين والحديث والتفسير، ثم
دخلت الدراسات العليا وحصلت على شهادة الماجستير في التفسير عام ١٩٦٩م،
وبعدها سجلت في شعبة الحديث، فأخذت منها أيضاً شهادة الماجستير عام ١٩٧١م،
وبعد ذلك سجلت رسالة الدكتوراه في الحديث، وحصلت عليها عام ١٩٧٨م،
وبعدها عدت إلى العراق وعملت في الأوقاف مفتشاً، ثم بعد ذلك نُقلت إلى جامعة
بغداد بوظيفة معيد، فمدرس، فأستاذ مساعد، فأستاذ. قضيت في التعليم الجامعي
أكثر من ٣٢ عاماً، وأنا الآن متقاعد بعد عملي في عدة جامعات عربية، كجامعة
اليرموك في الأردن، وجامعة عجمان في الإمارات المتحدة، وكلية الدراسات
الإسلامية والعربية في دبي أيضاً بالإمارات العربية، وقد عدت إلى العراق بعد
احتلاله في ١/٧/٢٠٠٣م.
البيان: فضيلة الشيخ: هل لكم أن تحدثونا عن رابطة علماء العراق التي
أنتم عضو فيها، متى تأسست، ومن هم أعضاؤها، وما هو منهاجها، وما
طموحاتها؟
- هيئة علماء المسلمين تأسست بعد احتلال العراق مباشرة؛ إذ دعت
الضرورة إلى أن يجتمع الحاضرون من العلماء ليسيّروا أمور أهل السنّة في هذا
البلد، حيث سقط النظام، وذهبت قوى الأمن والإدارة.. وما إلى ذلك، فاضطر
مجموعة من العلماء إلى تكوين هذه الهيئة؛ لتقوم بما يمكن القيام به من معالجة
الأوضاع الطارئة، من ذلك مثلاً: الحفاظ على المساجد، ثم تشغيل أئمة بالمساجد
بدلاً من الذين لم يحضروا من أئمتها؛ إما بسبب عدم إمكان الوصول، أو الخوف
من الوصول إليها.. وما إلى ذلك، فأحضروا أئمة بدائل ليقوموا بأداء الصلاة في
أوقاتها المعهودة. ثم الحفاظ على أموال الأوقاف، والإشراف على المدارس،
وعلى المؤسسات ذات النفع العام، حيث كانت المساجد والحمد لله هي التي ينطلق
منها الرجال الذين يحرسون هذه المؤسسات بتوجيه هؤلاء العلماء، من الأئمة
والخطباء وغيرهم، وحافظوا على الكثير من المؤسسات ذات النفع العام كمؤسسات
الكهرباء والماء في الأماكن التي يوجدون فيها. ثم قاموا بزجر الناس عن النهب
والسلب، وأفتوا بحرمة ذلك، فارتدع الكثير من الناس والحمد لله، ثم جمعوا هذه
المسروقات. وأيضاً كانوا يقومون بإسعاف الجرحى، ودفن الشهداء الذين سقطوا
في هذه المعركة، وقاموا بالكثير من الأعمال خلال الشهر أو الشهرين اللذين تليا
هذا الاحتلال للعراق، ثم لما هدأت الأوضاع نسبياً؛ سعى هؤلاء العلماء إلى أن
يثبتوا هذه الرابطة بضم الراغبين إليها من العلماء، وأيضاً بإيجاد منهج لها يسيرون
عليه، وهو منهج أولي يمكن أن يعاد النظر فيه إن شاء الله.
ومن أعمال هذه الهيئة بعد الاحتلال مباشرة: اتصالها بمواطنينا من الشيعة
وتنبيههم إلى ضرورة التعاون والتشاور في المسائل المشتركة؛ لتفويت الفرص
على أهل الفتنة وأهل الشر الذين يريدون بالعراق وأهله سوءاً.. وأثمرت هذه
الاتصالات في بداية الأمر إظهار الوحدة أمام الناس، وسيّرنا مظاهرات مشتركة مع
الشيعة، ثم حدث بعد ذلك للأسف الشديد شيء من الاعتداء على مساجد أهل السنة؛
حيث استولى نفر من الشيعة على بعض مساجد أهل السنّة في بغداد وفي الجنوب،
وهي تزيد على ثلاثين مسجداً، فرأت الهيئة أن تبعث وفداً إلى مرجعيات الشيعة،
وذهب هذا الوفد، فتلقاهم الشيعة بالترحاب، وباركوا وفادتهم، وتعهدوا بأن
يعيدوا الأمور إلى نصابها، إلا أن الأمر لم يتحقق، ثم عاد وفد آخر بعد أسبوعين
أو ثلاثة ليطالب الشيعة بالوفاء بما وعدوا به؛ إلا أنهم لم يعطوا جواباً شافياً،
فتركوهم فترة ثم عادوا مرة ثالثة، وإذا بهم يعودون كما يقولون بخفي حنين؛ إذ لم
يجدوا ذلك الاستقبال الصادق، لم يجدوا منهم إلا القول بأن المسألة عادية، وأنه
ينبغي أن نشاركهم في كل المساجد؛ لأن المساجد بنيت من أموال الدولة ونحن
شركاء في ذلك! فعاد الوفد مستاءً وقرر عدم العودة مرة أخرى.
وبهذه المناسبة أقول: هذا الادعاء إذا كان ثابتاً قوله فإنه ادعاء غير صحيح،
فالمساجد مساجد أهل السنة كلها بنيت بأموال أهل السنّة، فما يقرب من ٨٠ منها
بني بأموال أوقاف أهل السنّة والجماعة، والباقي كله بني بتبرعات المحسنين من
التجار العراقيين وغيرهم من العرب الذين تبرعوا ببناء هذه المساجد، وبالتالي فإن
كل المساجد التي في يد أهل السنّة قد بنيت بأموال أهل السنّة، ولم تبن كما يُزعم
بأموال الدولة.
هذا شيء مما قامت به الهيئة، وبعد هذا التحق بالهيئة عدد من العراقيين
الذين كانوا في الخارج، وكنت من بين العائدين الذين انضموا إلى هذه الهيئة،
فتوسع عملها، وقامت بأعمال كثيرة، ولا سيما بالداخل، كما أنها كانت لها مواقف
محددة في بعض الأمور التي مر بها العراق من سياسية ودينية.. وما إلى ذلك،
ومن أبرزها رفض الهيئة لقرار تشكيل الحكم الانتقالي.
البيان: فضيلة الشيخ: ما هي الأسباب التي حارب من أجلها النظام السابق
العلماء؟
- من المعلوم أن النظام البائد نظام علماني تسلطي، فهو قد حارب العلماء
وغيرهم، كل من عارضه حاربه، فكان من العلماء ثلة حاربت هذا النظام؛ بمعنى
أنها لم توافق على الكثير من مواقفه والكثير من إجراءاته، فلما علم بذلك اتخذ
مواقف ضدها؛ مواقف تبدأ بالتخويف ثم بالسجن ثم بالقتل أو الاعتقال الطويل..
وما إلى ذلك، فكان العلماء، وهم جزء من أبناء الشعب، يتعرضون لأذى هذا
النظام لعدم رضاهم أو موافقتهم أو مماشاتهم لإجراءات النظام، ومن المعلوم أن
الإجراءات التي كان يقوم بها النظام أغلبها غير مقبول لدى الشعب العراقي؛ لما
كان فيها من الكثير من التعسف، وكان الكثير منها يخالف الثوابت، ويخالف القيم..
وما إلى ذلك، فكان النظام يقوم بمضايقة هؤلاء العلماء، وقد أدى ذلك في بعض
المراحل إلى قتل بعض العلماء، فمن الجانب السُّني مثلاً: الشيخ عبد العزيز
البدري، والشيخ ناظم، والشيخ محمود، والشيخ محمد السامرائي، والشيخ نوري،
هؤلاء كلهم اغتيلوا من قِبَل أمن النظام، إضافة إلى من سُجنوا وعُذبوا في
السجون: كالشيخ أحمد حسن، والشيخ عبد الملك، والشيخ إبراهيم الذي سجن
شهوراً، حتى وصل الأمر إلى أن هددوه بالإعدام؛ إلا أن الله تعالى وقاه وخرج من
السجن، وبعدها توفي وفاة طبيعية رحمه الله تعالى، وعلى الجانب الشيعي مثلاً:
الشيخ محمد باقر الصدر، وهو إمام معروف من أئمة الشيعة، واتُّهم النظام أيضاً
بقتل عدد من علماء الشيعة.
فالنظام يعارض ويقاوم ويؤذي كل من لا يستجيب لطاعته، وكل من لا
يخضع لأوامره، وكان العلماء جزءاً من هؤلاء الذين نالهم أذى هذا النظام.
البيان: فضيلة الشيخ: علماء السنة في العراق مع كثرتهم مشتتون، ولم
تربطهم رابطة كما هو الحال مع غيرهم إلا مؤخراً؛ فما هو السبب؟ وهل هناك
خلافات تجري بينهم؟ وفي حالة وجود شيء من ذلك فما هي الأسباب؟
- الخلافات بين علماء أهل السنة ترجع إلى اختلافهم في المناهج والمشارب،
فهناك من يسمَّون بالسلفية، وهناك من يسمَّون بالصوفية، وهناك من يعرفون
بالإخوان، وهناك المستقلون، وهناك التحريريون، فالمناهج متعددة، وهذه
المناهج أسهمت في فتور العلاقات، وفي إيجاد الحساسيات بين هذه الأطياف
والفئات الإسلامية السنّية. وقد ساعد النظام، أو بعض زبانيته، في توسيع شقة
الخلاف بين بعض هذه الفئات؛ إذ كان يستخدم فئة ضد غيرها، فتوسعت الخلافات
وتعمقت، ووجد بين هذه الفئات الكثير من الشحناء والبغضاء والأحقاد.
وذلك على الرغم من سعي الكثير من المخلصين والدعاة من علماء السنّة في
العراق في تذليل هذه الخلافات، والتقريب بين وجهات النظر بين هذه الفئات؛
لكيلا تؤدي إلى قطيعة كاملة يتضرر منها العلم والعلماء.. وأهل السنّة بوجه خاص.
هذه الخلافات - كما قلت - غذّاها النظام ورموزه، ولكن بعد سقوط النظام
وُجدت محاولات لجمع هؤلاء الأطراف، وذلك لحساسية الموقف، وضرورة جمع
الكلمة ووحدة الصف، فاستجاب كثيرون، بل أكثر هذه الفئات، اليوم إلى مساعي
التوفيق والإصلاح، فالهيئة والحمد لله تُمثل في رأيي الجامعة التي توحد هذه
الأطياف؛ إذ إن فيها كثيراً من الأعضاء الذين يمثلون كل هذه الأطياف، رغبة
منهم في جمع الكلمة، وتوحيد الصف، والعمل المشترك في هذه الظروف التي
يتهددهم فيها الكثير من المخاطر، وأملنا أن يستجيب الجميع في المراحل القادمة؛
لأنهم كلهم يستشعرون الخطر، وكلهم مخلصون لدينهم وربهم ووطنهم، وهذا هو
أملنا فيهم.. أن يجتمعوا ويوحدوا الكلمة، وهذا ما نسعى إليه في الهيئة، بل هذا
من أهم أهداف الهيئة.
البيان: بعد أن اطلعنا على أحوال علماء السنّة في العراق، وبعض
طموحاتهم وما حققوه من إنجازات، نود من فضيلتكم أن تبينوا تقويمكم لسقوط
النظام البعثي بسرعة مذهلة، وما هي الدروس التي ترون بيانها من ذلك السقوط؟
- هناك أسباب عديدة لسقوط النظام، ومن أهمها عدم تكافؤ القوى كما هو
معلوم، ومنها أيضاً عدم الإعداد الصحيح لمثل هذه الحرب؛ حيث تبين لنا أنه لم
يكن هناك إعداد، وأن ما أذيع في وسائل إعلام النظام لم يكن دقيقاً في هذا المجال،
ومنها عدم وضوح الهدف الذي يقاتل من أجله الجيش والشعب العراقي، ومنها
أيضاً كره الكثير من أبناء العراق للنظام بسبب ما حدث منه من تجاوزات وأذى
لأبناء الشعب العراقي، ومنها عدم تربية هذا الشعب على مدى خمسة وثلاثين عاماً،
عدم تربيته وتوجيهه من خلال العقيدة، ومن خلال القيم التي يؤمن بها هذا
الشعب.
البيان: أحدثت الحرب الأمريكية على العراق نوعاً من التعاطف مع شخص
صدام حسين، وتحدث بعضهم عن تغييرات في سلوكياته ومواقفه من الإسلام
والإسلاميين في الفترة الأخيرة من حكمه؛ مما أحدث لبساً عند الكثيرين، فهل
لكم أن توضحوا لنا هذا الأمر؟
- التعاطف الذي حدث مع النظام هو في تقديري ليس في الغالب مع النظام،
وإنما هو مع العراق البلد، مع العراق التاريخ، مع العراق بوصفه جزءاً مهماً من
الأمة، في وقت تُستهدف فيه الأمة من قِبَل أعداء معروفين، فاستهداف العراق هو
الذي دعا الغيورين من أبناء الأمة في الخارج، وكذلك في الداخل، إلى أن
يتضامنوا مع هذا النظام؛ لا من أجل عيون النظام وإنما من أجل العراق، أملاً في
صلاح هذا النظام، وخاصة أن بعضهم كان يعوّل على ما طرأ من تغير بعد عام
١٩٩٠م على إعلام النظام، وعلى بعض سلوكياته لا كلها؛ من توجه يستشعر
الإنسان منه أنه توجه يلامس عواطف الشعب ويتفق مع توجهاته كشعب مسلم، إلا
أن هذه التوجهات بقيت في الإعلام وبقيت في الكلام، ولم تطبق عملياً في السياسة
مع الشعب؛ إذ لم يصالح النظام الشعب، لم يخفف من نظرته إلى خصومه، لم
ينتقل من المرحلة البوليسية الأمنية إلى شيء من المرحلة التي تعطي الشعب شيئاً
من الحرية، حرية الكلام، حرية الصحافة، حرية التعبير، حرية العمل.. وما
إلى ذلك، بقيت الأنظمة هي هي، كما كانت قبل تحوّل الخطاب من خطاب علماني
بحت، إلى خطاب فيه شيء من المسحة الدينية.
البيان: هل هناك تعداد رسمي للسكان في العراق، يوضح التعداد الصحيح
للطوائف المعروفة؟
- هناك تعداد قد جرى قبل حوالي عقدين، وهناك ما يسمى بالبطائق
التموينية التي تعدها الأمم المتحدة لكل عائلة عراقية ولكل فرد.
ثم هناك النسب التقديرية التي تعتمد على مراكز وجود أبناء الشعب من سنّة
أو شيعة في المحافظات، فهناك محافظات سنّية بحتة، تكاد أن تكون بحتة، تصل
النسبة فيها إلى ٩٠% أو ٩٥%، ومحافظات شيعية أيضاً تصل النسب في بعضها
إلى ٩٠% أو ٩٥%، وهناك محافظات سنّية وشيعية مشتركة.
ونجد أن النسب السنّية في المحافظات السنّية أعلى منها في المحافظات
الشيعية، ثم نجد أن الكثافة السنّية هي أكثر من الكثافة الشيعية في المحافظات
الشيعية، وعلى هذا فالمسألة هي ادعاءات متعارضة، لكن رأينا مبني على شيء
من الواقعية، وهذه النسبة في رأينا لا تقدم ولا تؤخر، وإثارتها في مثل هذه
الظروف قد تؤدي إلى إثارة نعرات طائفية نحن نأباها، ولا نركز عليها، وندع
الأمر إلى الإحصاءات المستقبلية، أو إلى صناديق الاقتراع، إذا حصلت هناك
انتخابات ديمقراطية كما يقولون حقيقية، وعلى أي حال فالسنَّة كمٌّ كبير، ووزنهم
في البلد ثقيل، وهم من أكثر أبناء البلد تمسكاً ببلدهم وإخلاصاً له، واستعداداً
للتضحية من أجله.
البيان: ما دام الأمر كما تفضلتم به؛ فما السبب في نيل الشيعة نسبة كبيرة
من مجلس الحكم الانتقالي جعلتهم ضعف أهل السنّة، مع أن نسبتهم لا تتفق وهذا
التمثيل؟ وما أسباب تهميش أهل السنّة؟
- بالنسبة للشق الأول من سؤالك: لماذا جعلت نسبة الشيعة هي الأغلب في
مجلس الحكم الانتقالي؟ الشيعة كما تعلم بعد سنة ١٩٩٠م خرج منهم العديد من
المثقفين والعلماء إلى الخارج، وأتيحت لهم كل التسهيلات في الخارج من قِبَل دول
عربية وإسلامية وغيرها من دول العالم، قدمت لهم تسهيلات، ووفرت لهم وسائل
إعلام يتكلمون من خلالها على النظام وعلى ما فعله النظام بهم من مظالم، وأضافوا
إلى هذا وادَّعوا أنهم الأكثر وأنهم محكمون من قِبَل الأقل، ويعنون بذلك السنّة،
علماً بأن السنّة محكومون مثلهم من قِبَل هذا النظام، وأصابهم أكثر مما أصاب
الشيعة، بل إن أذى النظام أول ما بدأ بدأ بأهل السنّة وبقي محصوراً فيهم ما يقرب
من عقد كامل، من سنة ١٩٦٨م إلى ١٩٧٩م، ولم يتجه الأذى إلى الشيعة إلا بعد
سنة ١٩٧٩م، حين علم النظام أن حزب الدعوة الشيعي يتآمر عليه أو هكذا أو كما
يقول النظام، فحصل بين النظام وبين الحزب خلاف، ووقع من النظام أذى لهذا
الحزب، وهو أذى مبالغ فيه، وردّ الحزب على النظام، ثم كانت الحرب بينهما
سجالاً، إلا أن النظام لم ينس السنَّة، بل كان أذاه في الوقت نفسه يقع على السنَّة
وعلى الشيعة.
على أي حال؛ هذه الدعوى قيلت في الخارج، وأخذت وسائل الإعلام ترددها
قبل احتلال العراق بما يقرب من عشر سنوات أو يزيد، ثم لما احتُل العراق أخذ
الإعلام أيضاً يكررها ويكررها كثيراً، حتى سُئل الكثير من أهل السنة: هل
الشيعة هم الأكثر؟ فلم يجيبوا، ومنهم من أجاب، وترك هذا الموضوع للمستقبل
لأن الكلام فيه قد يثير الضغينة.
لما حصل تشكيل المجلس يبدو أن الأجواء كانت مهيأة لقبول هذه الدعوى أو
هذا الادعاء من قِبَل قادة الشيعة لدى إدارة الاحتلال في العراق، فاعتمدته لأنه هو
الرائج، ولأن أهل السنّة لم يتكلموا بخلافه، هذا سبب.
والسبب الثاني في تقديري هو أن الشيعة كانوا قد رحبوا بهذا الاحتلال، وهم
متعاونون معه، فلعله أراد أن يكافئهم بتحقيق ما أرادوا، وهو تكثير نسبتهم في هذا
المجلس.
البيان: تلوح في الأفق بوادر ما يمكن تسميته عملية فرز عرقي جغرافي،
على الأقل من جانب الشيعة في المدن المختلطة بين الطائفتين، فما موقف السنة
من ذلك؟ وهل حدثت منهم ردود فعل في هذه العملية؟
- نعم أخي الكريم؛ بدأت بوادر تطهير عرقي في بعض المحافظات الجنوبية
للأقلية السنّية؛ إذ هُجّرت عائلات، وطلب من عائلات أخرى أن تغادر المناطق
التي تقطن فيها، مثل ما حدث في محافظة السماوة، وفي الناصرية، وفي الديوانية،
والنجف، ولعل هذه الأعمال تعود إلى أعمال خاصة أو شخصية، نأمل أنها لا
تكون نتيجة لقرار شيعي متفق عليه، نأمل أن يكون الأمر محدوداً ومقتصراً على
بعض العوائل، ونأمل أن تنتبه المراجع الشيعية إلى خطورة هذه الأعمال فتقف
ضدها وتمنعها، ويا ليتها أصدرت فتاوى وبيانات تعارض هذا التوجه، وتمنع
هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأعمال بمضايقة أهل السنّة والجماعة، نأمل أن
يصدر من هذه المرجعيات ما يردع هؤلاء، ويكفُّهم عما يؤدي أو سيؤدي إذا استمر
إلى تفجر أو إلى فتنة طائفية لا يستفيد منها الجميع، لا السنّة ولا الشيعة.
أما أهل السنة فلم يقوموا بشيء من ردود الأفعال إلى هذا الوقت، وهم
سيستمرون على هذا الموقف إن شاء الله؛ آملين أن ينتبه الشيعة إلى خطورة مثل
هذا العمل لو استمر؛ إذ إن هناك الكثير من الأقليات في المحافظات السنّية،
ونعاهدهم على أن أهل السنّة لن يقوموا بمثل هذا العمل؛ لإدراك المسؤولية في مثل
هذا الظرف الذي يمر به البلد، وتفويتاً لما يتوقعه الأعداء، أعداء هذا الوطن وهذا
الشعب، من اختلاف بينهم أو إحداث فتنة بين أبناء الوطن.
البيان: ما هو تقويمكم للعلاقة بين أهل السنّة من عرب وأكراد؟
- أقول وبكل تأكيد: العلاقة بين العرب والأكراد من أهل السنّة علاقة ودية
وحميمة وأزلية، وستبقى كذلك في المستقبل إن شاء الله، وإذا كان قد حدث بين
الأنظمة السابقة، ولا سيما النظام السابق، وبين بعض الفصائل السياسية الكردية
خلافات؛ فإن هذه الخلافات لم تنعكس على الشعبين العربي والكردي، وما حدث
من النظام السابق لإخواننا الأكراد معلوم لديهم أنه كان بفعل النظام وليس بفعل
العرب، لا سنّة ولا شيعة أيضاً، وكذلك يعلم العرب أن ما أصاب العرب، ولا
سيما بعد احتلال العراق، من قتل لبعض العرب في مدينتي الموصل وكركوك،
وما حصل من تهجير للكثير من العوائل العربية؛ لم يحصل من قِبَل إخواننا الأكراد،
وإنما كان من قِبَل الفصائل الحاكمة في الشمال، وعليه فلا توجد خلافات بين
الشعبين العربي والكردي، وحسبنا قول الله تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]
(الحجرات: ١٠) .
البيان: انضم بعض رموز العمل الإسلامي السنّي إلى مجلس الحكم في
العراق، وهو معيّن من المحتلين؛ فهل هناك تنسيق معهم، أو أن الأمر اجتهاد
منهم، حتى لا تسيطر طائفة بعينها على البلد في غيبة أهل السنة؟ وما رأيكم
أنتم في ذلك؟
- دخول إخواننا في الحزب الإسلامي إلى ما يسمى بـ «الحكم الانتقالي»
كان أمراً اجتهادياً منهم؛ رغبة في أن يسهموا في خدمة هذا البلد، وأن يشاركوا
غيرهم في جلب ما يمكن جلبه من فوائد لأهل السنّة، ونحن على صلة دائمة بهم،
وإن كنا قد عارضناهم في هذا الدخول، إلا أن المعارضة أو الخلاف كما يقولون لا
يفسد للودّ قضية، بل نعتبر عملهم مكملاً لعملنا، وعملنا مكملاً لعملهم إن شاء الله.
البيان: الاحتلال الأمريكي للعراق من خلال ما نشر وأذيع يبدو أنه يريد
البقاء أطول فترة ممكنة؛ لترسيخ أهدافه المرسومة تجاه العراق، حيث يعمل
على أن يكون مركزاً وقاعدة ينطلق منها في المنطقة، لكنه فوجئ بمقاومة
يتعرض لها يومياً جعلته يطالب بتدويل الاحتلال، فهل تتوقعون طول إقامته أم أنه
سوف يشد الرحال أمام ضربات المقاومة؟
- توقعي أن الاحتلال سيشد الرحال ويرحل عن بلدنا إن عاجلاً أو آجلاً؛
لأن الشعب العراقي كغيره من شعوب العالم لا يقبل أن يُحتل بلده، وأن تداس
كرامته، وأن تلغى سيادته من قِبَل أعداء محتلين ساقتهم أطماعهم وأحقادهم إلى
احتلال هذا البلد، ويقيني أن هذا الاحتلال سيرحل وإن طال مكثه في النهاية إن
شاء الله تعالى.
البيان: فضيلة الشيخ، ما هو تقويمكم للمقاومة القائمة في العراق ضد
المحتلين؛ أهي ذات اتجاهات إسلامية محددة، أم أنها من فلول الحكم البائد، أم
أنها ردود أفعال المواطنين حيال الجبروت الأمريكي ضدهم؟
- المقاومة هي رد طبيعي من الشعب العراقي على من احتل أرضه، وهي
خليط مما ذكرت؛ من فلول النظام، وردود أفعال.. وغير ذلك، إلا أن الغالب فيها
كما يبدو هو التوجه الإسلامي والوطني، وهذا في تقديري هو الدافع لجميع فئات
المقاومة.
البيان: في ظل انهيار نظم الدولة في العراق خصوصاً فيما يتعلق بالإدارة
المحلية والأوقاف والأمن؛ يرى كثيرون أن هذه الظروف تقدم بيئة مثالية لازدهار
الدعوة الإسلامية في صفوف الشعب العراقي تعبيراً عن التضييق والمحاربة؛ فما
مدى مطابقة هذا الكلام للواقع، وما هي أحوال الدعوة الآن في العراق؟
- أرى أن هذا الوضع هو من الظروف المثالية لجمع كلمة العراقيين بوجه
عام، وأهل السنّة بوجه خاص، وإذا اجتمعت كلمة العراقيين، وأهل السنة بوجه
خاص، فإن هذا يعدّ من أكبر الإنجازات أو الإيجابيات التي ترتبت على هذا
الاحتلال، وبالتالي يصدق المثل القائل: «رُبَّ ضارة نافعة» ، وإن كان الضرر
أكبر من هذا بلا شك، وعليه إذا استفاد العراقيون من هذا الضرر في جمع كلمتهم
وصفوفهم، ولا سيما أهل السنّة، فإن الدعوة بالتأكيد ستزدهر؛ لأن الجهود كلها
ستفرغ في هذا الاتجاه، وتبعد أهل السنّة عن مجالات الخلاف التي أكلت الكثير من
وقتهم ومن جهودهم التي كان ينبغي أن تصرف إلى الدعوة الواعية، والدعوة
الوسط.
البيان: في نهاية هذا اللقاء؛ ما هي توجيهاتكم لإخوانكم القراء حيال
الحرب القائمة على الاتجاهات الإسلامية بدعوى محاربة الإرهاب من أمريكا
وحلفائها؟
- دعوتي إلى القراء وإلى الكتّاب العرب والمسلمين أن يكونوا على حذر من
الدعوة التي تصف الإسلام والإسلاميين جميعاً بالإرهاب، وأدعو هؤلاء القراء
والكتّاب والمثقفين أن يميزوا بين ما هو إرهابي وبين ما هو مسلم محافظ على دينه؛
حتى لا نلحق الأخضر باليابس كما يرغب في ذلك أعداؤنا، فنحارب أنفسنا
بأنفسنا ونبتعد بذلك عن المفاهيم الصحيحة، فلكل مصطلح مدلوله، ولكل مسمى
اسمه، فالإرهاب معلوم؛ فهو الاعتداء على الآخرين من غير سبب ولا مبرر،
وبناء على هذا.. نجد الإرهاب اليوم يقع من الجماعات ومن الدول، وما يقع اليوم
من أمريكا على بعض الشعوب كالعراق، وأفغانستان، وما يجري من أذى من قِبَل
العدو الصهيوني لشعبنا الفلسطيني، وما يقع من كثير من الدول الأخرى، وكثير
من الجماعات والشعوب.. هو الإرهاب بعينه، ولذا آمل أن نميز كما ذكرت آنفاً
الإرهاب الحقيقي الذي هو الأذى من جماعة أو دولة، والذي يقع على فئة أو
جماعة أو شخص بغير سبب.
أما ما يطلق على الكثير من الناس الذين لم يقع منهم أذى لغيرهم، لمجرد
أنهم ينتسبون إلى هذه الجماعة أو هذا الدين أو ذاك؛ فهذا ادعاء باطل واتهام بلا
دليل ينبغي ألا ننساق وراءه، ولا نصدق من يدعيه أو يتفوه به.
стр. 4735
نص شعري
دمعة.. على ضفاف الرافدين
يوسف بن محمد الدوس
a١٢١a@maktoob.com
غفوت في حضنك الدافي فضميني ... وأطفئي لوعتي - بغداد - وابكيني
أنا وأنت أيا بغداد في ولَهٍ ... فالشوق يلهبني والصد يظميني
سيانِ ليلي وإصباحي وما افترقت ... عن بسمتي دمعتي ... فالخطب يدميني
هذا حنيني دموع من ربى بَرَدَى ... من طُهر مكة من حيفا وجينين
من سفح طيبة من كشميرَ من عَدَنٍ ... من أرض كابل من كل الميادين
من نهر دجلة من وحي الرصافة من ... لبنان من أرض مسرانا فلسطين
أنت العراق.. أيا موؤودةً قُتلت ... من غير ذنب سوى بغي السكاكين
أبصرْتُ في وجهك المكدود ملحمةً ... من التجاعيد من جور السلاطين
أبكيت يا ملتقى الأشواق يا وهجاً ... ما زال من وقدة التذكار يُذكيني
وأبعث النَّوْح من أشجان منكدر ... من حرقة الضيم من أنات محزون
يا عذبة الصيت يا قيثارة عزفتْ ... أنشودة المجد من عذب التلاحين
أبياتُ شعريَ في عينيك رافلة ... إذا استهلت بأفذاذ ميامين
ففي مداك رؤى التاريخ باسمةٌ ... ولم تزل تحتفي من ذكر هارون
وفي الفرات خرير الماء يهتف من ... ذكرى ابن حنبل يحكي عزة الدين
وفيك أنت أيا تكريت معترك ... صاغ البطولة في وجه البراكين
لما رعيت صلاح الدين في صغر ... فافتر ليثاً أبيَّ الذل والهون
وراح يضرب في الأرجاء منتفضاً ... بغضبة بددت شمل الملايين
ولم يطق عيشة في الذل راغدةً ... حتى رمى زمرة الصلبان في الطين
تلك المآثر حلم آدها حَنَقٌ ... وصُفِّدَتْ في دهاليز المساجين
وجاء يهرع (هولاكو) وقد ومضت ... في عينه ثروة في حضن مدفون
وهاله صحوة الإسلام يرفعها ... جيل نضارته مثل الرياحين
وجاء يتبعه من كل شرذمة ... حثالة ساقهم طغيان فرعون
جاؤوا وقد كشروا الأنياب عن شَرَهٍ ... والحقد ينزف سمّاً كالثعابين
هُمُ رؤوس وقد آن الحصاد لها ... بوش ... بلير ... على أعتاب شارون
دعوتهم أنت يا صدام من سَفَهٍ ... أبحتَ أرضك للباغين للهون
زعزعت قومك؛ في ويلات عجرفة ... ورحت تتبع إسفافات لينين
حتى غدوت برجس البعث مستلَباً ... وصرت كالسوط في أيدي المجانين
وغدٌ.. وفي فمك السيجار تترعه ... وفي الملمات تتلو سورة التين
ورحت ترمي بأمجاد العراق ... على مواقد النار في دوامة الدون
طعنت أمتنا غدراً فأوهنها ... غدر يعالجه ترياق صهيون
* * *
ها قد رميت سلاحي في وجوهكم ... سهم الدعاء لعل السهم يرويني
فإنما الملك الديان قاهركم ... من يمنع اليوم دعوات المساكين؟
تالله - بغداد - لن أنساك يا حلماً ... سرى بروحي.. ويجري في شراييني
فأنتِ مني ... وإني منكِ في حُرَق ... أشجاكِ بيني وبينُ الحب يُشجيني
стр. 4736
نص شعري
الزَّبَد
عبد الرحمن بن عبد العزيز التميمي
لا لعينيك.. ولا للجدولِ ... بل لشيء في الوجود الأجملِ
لخوابي المسك.. أو قارورة ... من دم الطهر الذي لم يغسلِ
لشفاه الجرح في تلّ الأسى ... للحزانى.. لمآقي السنبلِ
للغد الآتي على إصباحه ... من نوافير اللظى والشعلِ
* * *
ملّ سمعي من هديل ناعمٍ ... في جنان عرّشت بالمخملِ
وسئمنا من تراخي همسنا ... فوق بُسْط من حرير الغزلِ
نغزل الأحلام.. نبني كونها ... في مرايا زرقة المستقبلِ
ونُزِير القلب بستان الهوى ... عطشاً يرتاد نبع السلسلِ
ونذرُّ الشعر.. ندري أنه ... مثلُ كحل جارح في المقلِ
القوافي نهرُ عتم سائل ... والبوادي جنحُ ليل أليلِ
* * *
خدّرتنا سيرة ورديّة ... وعتاق من أغاني الموصلِ
ومقيل في مروج غضة ... ووعود من سراب تجتلي
وتصبانا طماحٌ زَمِنٌ ... يغتلي فينا اغتلاء المرجلِ
فشربنا بعد عمر زبداً ... واغتذينا من قشور الدجلِ
وارتوينا من هتاف كالذي ... قطرت أفواهنا في محفلِ
والتقينا مرة أخرى على ... حافة النقص.. وحد الفشلِ
وصحونا في مسار طاحن ... وثرى ينبت حب الدغلِ
* * *
غاب يا سلطانتي وجه الهوى ... بعد ليل ممطر مسترسلِ
فالذي يبدون غير المرتجى ... والذي يحكون غير العملِ
والذي تجتره أفواههم ... غير ما ترجو غلال الأملِ
والذي يسعى ليلقى ماءهم ... ضلّ في صحرائهم عن منهلِ
لم تُرِق أجفانهم من دمعة ... يا عذيري في دموع الحنظلِ!
لا أحابيهم وبي حز المُدى ... واشتعال النار تحت المفصلِ
والأفاعي غرزت أنيابها ... في عروق نابضات حُفَّلِ
والعُفاة الطيبون ابتزهم ... كل ضار من ضواري السبلِ
وبغايا خيبر في بقعة ... للنبي المجتبى والمرسلِ
* * *
كان حُباً في ليالي ترح ... وغراماً في خريف الجذلِ
أنا يا عذراء جوّاب دُنا ... عن مرافي حبه لا تسألي
ساخرٌ بالقلب.. لكن مؤمن ... بالغد السابق وعد الأزلِ
حامل شعري وفي ألواحه ... محنة الحرف.. ودمع الرجلِ
من همومي جنة دهريّة ... وفضاءٌ غامض لا يجتلي
آه من بدر الليالي المرتجى ... في دجى الباغي.. وليل الجحفلِ
стр. 4737
قصة قصيرة
رغم الظلام
عبد الله عبد الرحمن الزهراني
nebras٢٢٠@hotmail.com
على السكون الغريب الذي ساد فجأة أفاقت هدى من نومها، وعبر الضوء
المتسلل من خصاص النافذة بدت الساعة تشير إلى التاسعة. استغربت هدوء
الحركة حولها في مثل هذه الساعة من النهار.. استرابت في الأمر، فنهضت إلى
النافذة لتزيح الستارة المسدلة وتتطلع إلى الشارع من تحتها. لثوان تخيلت أنها لا
زالت في أحلامها.. كررت النظر مرة أخرى إلى الشارع الذي اكتسى بحمرة الورد؛
وقد وقف الناس على جانبيه وكأنهم التماثيل لا تند من أحدهم حركة. ساورها
خوف مبهم لم يفارقها منذ زمن جالت بناظريها في أرجاء غرفتها لتتوقف عيناها
عند التاريخ لذلك اليوم، وقد حلت الأحجية واستبان لها ما كان غامضاً، فقد أشار
إلى (الحادي عشر من سبتمبر لعام ٢٠٠٢م للميلاد) ، همست وهي تعيد النظر
إلى مراسم الحداد:
«لتجري دموعكم جداول؛ أما أنا فدموعي أنهر تغذي بحورا» .
«حزنكم المصطنع واساكم فيه كل قلم ولسان؛ أما أنا فتواسيني آهاتي
وتعزيني وحدتي وآلامي» .
«لكم ذنب جنيتموه، أما أنا وهو فذنبنا أننا مسلمون» .
جرت دموعها على وجنتيها لتبلل حجرها. تواردت الذكريات لذهنها وما
كانت لتبرحه قط؛ فقبل عشرة أشهر وبعد الأحداث المرعبة بشهرين أفاقت وزوجها
من نومهما على طرق شديد للباب، وقبل أن يصل زوجها ليفتحه اقتحمته فرقة من
المباحث الفيدرالية لينقضوا على زوجها فيقيدوه ثم يبعثروا شقتهما الصغيرة وسط
ذهولها وزوجها، ثم يخرجوا دون أن يقدموا أي تفسير، وقد أحاطوا بأحمد زوجها
المسالم الذي لا يعرف سوى كليته وبيته والمسجد. أحمد تزوجها قبل عامين ثم قدما
إلى هنا ليكمل دراسته ولتكون له عوناً وسنداً ومثبتاً على دين الله، ومنذ قدومهما لم
يشاهد في غير هذه الأماكن الثلاثة. أما الآن فلا يعلم أحد أين ذهبوا به إلا الله.
تذكرت كلماته قبل أن يخرجوا به:
«إن لم يكتب لنا اللقاء في الدنيا فعاهديني على العمل الصالح لنلتقي في جنة
عرضها الأرض والسماء» .
ومنذ ذلك اليوم وهي تعيش بذكراه، وتمني طرفها برؤياه، وتنتظر فرجاً
يأتي به الله. ألقت بنفسها على فراشها وصورة أحمد مقيداً تتمثل لعينيها وتهيج
أحزانها فتبلل وسادتها بدموعها، أخذتها سنة من النوم لا تدري أطالت أم قصرت؟
لكنها أفاقت منها على صوت قرع للباب تذكره جيداً. حاولت النهوض من فراشها
فلم تستطع. شعرت بوهن يكبل أعضاءها وخوف وهلع يلفانها، وتعالى طنين حاد
بأذنيها ثم هوت في غيبوبة عميقة.
بدأ إحساسها بالحياة يعود إليها رويداً رويداً، لم تستطع مع الظلام أن تتبين ما
حولها؛ لكن صلابة الأرض وبرودتها أنبأتها أنها ليست على فراشها، فجأة قفزت
إلى ذهنها أحداث ذلك الصباح المريع، استوت جالسة تحاول بناظريها أن تخرق
حجب الظلام حولها، وقد استولى عليها رعب طاغٍ. مدت يديها يميناً ويساراً
فاصطدمت بالقضبان، وكقطرة غيث في صحراء مجدبة تناهت إلى سمعها همسة
ميزتها أذناها: «هدى!» هتفت بقلبها قبل لسانها: «أحمد!» . وبرغم الظلام
استطاعت أن تلمح ابتسامة تضيء وجهه.. مدت يديها من خلال القضبان لتلتقيا
بيديه، وقد عبرت الدموع عن المشاعر، عندها فقط تجلى البدر من نافذة الزنزانة
ليكشف أستار الظلام، ويضيء لهما الطريق نحو النصر والعزة بإذن الله.
стр. 4738
المسلمون والعالم
العم سام.. الرجل المريض !
أمير سعيد
amirsaid@gawab.com
«بدؤوا ينتحرون على أسوار بغداد» ، هذه العبارة الموغلة في التفاؤل
والتي أطلقها أسطورة الدعاية العراقية محمد سعيد الصحاف وزير إعلام حكومة
صدام حسين السابقة، والتي ثبت بعد سويعات أنها محض هراء؛ حين سقطت
بغداد وسكبت الهزيمة دموع الحداد في أزقتها وطرقها وميادينها، عادت من جديد
لتسفي التراب في عيني العم سام، ولتتنسم إكسير الحياة؛ فيما قائلها قد مات وهو
حي!!
هذه العبارة بعد شهور بدت مناسبة تماماً لما يسجله العراقيون بشرف؛ من
ملاحم كانت بعيدة كل البعد عن توقعات أكثر المراقبين تفاؤلاً، فلقد مر يوم
٩ أبريل على كل مسلم وعربي ثقيلاً مفعماً بالهموم والآلام والأحزان؛ إذ ضاعت
حاضرة الخلافة لقرون من أيديهم، وظن كثير من الناس أن هذه هي نهاية المطاف،
ودار بخلد الجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن حازت نصرها الجديد
توشك أن تلتفت إلى غيره، ومن ثَمّ وضعت الملفات على مكاتب الباحثين؛ لا بل
على مناضد القهاوي، ومدرجات الطلاب الجامعية، وتسرب اليأس من وإلى
النفوس: «إنها النهاية» ، «إن الخطوة التالية هي سوريا» ، بل «تفتيت كل
الدول العربية وفق وثيقة صهيونية سرية» ، كل هذه السيناريوهات لم تكن بعيدة
عن أروقة صناعة القرار الصهيوني في واشنطن، غير أن الأحداث جرت على
نحو لا يرضي المارد الأمريكي، فإذا الثآليل تنفجر في وجهه، والصعوبات تلاحقه
أينما حل أو ارتحل، وكما أهلك الله النمرود ببعوضة؛ فقد سلط الله مجموعات
صغيرة تملك أسلحة جد متواضعة لتذيق دولة التكنولوجيا الأولى الأمرَّين في كل من
العراق وأفغانستان وغيرهما.
قبل عام بالتمام على سقوط بغداد (٨/٤/٢٠٠٢م) ؛ كان صقور البنتاجون
مجتمعين في واشنطن بين أيديهم ملف خطة «غزو العراق» ، والجميع ينصت
باهتمام لكلمة «كاهن البنتاجون» دونالد رامسفيلد، والذي انتقل فيها من
استعراض موازين القوى بين الولايات المتحدة والعراق؛ إلى الحديث عن الجانب
المعنوي من المعركة، فقال: «إن أي قوة في مثل هذا الوضع الحرج؛ لا
تستطيع أن تقاوم بكفاءة إلا إذا وجدت مدداً معنوياً، يلهم تشكيلاتها وأفرادها حتى
درجة الموت أو حافة البطولة» ! وأسهب رامسفيلد في شرح ماهية المدد المعنوي
المحفز على القتال في ظل أوضاع بالغة الحرج، فقال: «إذا لم يكن هناك تراب
وطني يقصد بوجود منطقتي الحظر، وإذا لم تكن هناك ثروة وطنية يعني النفط
المصادر بموجب اتفاقية النفط مقابل الغذاء، وإذا لم تكن هناك سيادة وطنية؛ فمن
أجل أي شيء يحارب الجيش العراقي ( ... ) ليست مسألة شجاعة؛ لأن الشجاعة
لا تكون إلا دفاعاً عن مبدأ أو عن سيادة» [١] .
والواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية إذا كانت هذه نظرتها للعراق، فقد
أصابت من جهة الحافز المعنوي لجيش لم يُهيأ يوماً ليدافع عن الإسلام، غير أنها
أبعدت النجعة فيما يخص شعب أهين في دينه وعروبته، وتلك قضية لا تعرف
نظريات السيادة والمصالح الاقتصادية. وقد فات رامسفيلد أن العراق ذا الجذور
الإسلامية الحضارية العريقة؛ ليس كبعض جمهوريات الموز أو حتى مثل الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها، والتي تتخذ لها جيشاً من خشب، قوامه المرتزقة
الأمريكيون من ذوي الأصول الصينية والهندية والإفريقية؛ من الواقعين تحت خط
الفقر في بلد التفرقة العنصرية الأولى، وهؤلاء ويا للحسرة! قد تحققت فيهم
كهانات رامسفيلد، فما باتوا يشعرون بأنهم يدافعون عن أي مبدأ أو قضية؛ بعدما
تبين لهم أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ولم يكن يمثل أي تهديد
لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن متحالفاً مع «الإرهاب» ، ولذا فقد
انكشف عنهم غطاء الشرف والبطولة؛ إذ ما عادوا «مقاتلين» بل «قاتلين» ؛
تماماً مثلما قال رامسفيلد نفسه يوماً عن العراقيين!
نعود إلى ما به بدأنا «بدؤوا ينتحرون على أسوار بغداد» ؛ هذه العبارة لم
تكن إلا تجسيداً لحال انتحار أمريكي جماعي ليس على الصعيد العسكري فقط،
وإنما تتجاوز ذلك إلى جميع الأصعدة، ونحاول من خلال هذه الورقات أن نجيب
عن هذا التساؤل: هل بدؤوا حقيقة ينتحرون؟ هل بدأ العم سام يفقد عنفوانه وكثيراً
من مقومات ريادته المادية للعالم، ويصبح من بعد تركيا: الرجل المريض؟
هناك شواهد عديدة تجعلنا متعاطفين بشكل متزايد مع هذا التحليل الذي يحيل
العم سام مريضاً وإن بدا متعافياً مرهوب الجانب، ونستطيع أن نؤطر هذا
«التعاطف» من خلال أصعدة مختلفة، تراجع فيها العم سام كثيراً عن موقعه
المتقدم بين أمم العالم؛ من أبرزها:
* الصعيد العسكري:
أخفقت الولايات المتحدة في تحقيق أي من تطلعاتها العسكرية في أفغانستان
والعراق خلال العامين الماضيين، حيث شرعت بعد ٢٥ يوماً فقط من تلطيخ
الكرامة الأمريكية بوحل ١١ سبتمبر في شن حملة عسكرية قوية ضد معسكرات
تنظيم القاعدة، وأطلقت حملة عالمية لمكافحة ما أسمته بالإرهاب، ووضعت هدفاً
مرحلياً أولياً: زعماء القاعدة وطالبان والقضاء على أنشطتهما، والحاصل أنه وبعد
مرور أكثر من عامين؛ فإن أمريكا لن تنجز شيئاً من ذلك.
يضاف إلى ذلك؛ أن الهدف الوحيد الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية في
أفغانستان، وهو إسقاط نظام طالبان، لم يتعد ذلك إلى تفكيك الحركة كلياً برغم ما
ألمَّ بها وبقواتها النظامية جراء عدوان ٧/١٠/٢٠٠١م، وما تبين فيما بعد أن
الولايات المتحدة لم تنجح إلى اليوم في إيجاد نظام بديل لطالبان يعطي الأغلبية
الباشتونية تمثيلاً لائقاً بحجمها؛ ما حدا بالأغلبية الباشتونية إلى الالتفاف مجدداً حول
حركة طالبان على خلفيَّتين إسلامية وعرقية متناغمتين.
وهذا الالتفاف الجديد بدت أعراضه في الانتصارات العسكرية القوية التي
حققتها الحركة في الجنوب الأفغاني، ونجاحها في بسط سيطرتها على مدن ميزان
وآرجور ووي تشوبان وبارمال وجانيخيل، وتقع هذه المدن في إقليمي زابول
وباكتيكا.
وكانت الحركة قد أعلنت في وقت سابق من الشهر الماضي في بيان لها نشر
في لندن أن «مديرية غاني خيل ومديرية ديلة ببكتيا (قد سقطت) في أيدي قوات
حركة طالبان، وفي زابل سقطت مديرية دايجوبان في أيدي الطالبان، وهي الآن
خالية من القوات الأفغانية العميلة، وسقطت مديرية اتغر بولاية زابل في أيدي
قوات الطالبان المجاهدة» .
مضيفة أن الحركة قد قامت بتشكيل الشورى القيادية؛ تحت قيادة الملا محمد
عمر.
ويتردد في سياق آخر أن الولايات المتحدة الأمريكية تجري منذ فترة طويلة
مفاوضات مع من تصفهم بالعناصر المعتدلة في حركة طالبان.
وكذلك بدت أعراض الالتفاف الجديد لأغلبية الباشتون حول حركة طالبان؛
في الحضور الإعلامي البارز للحركة على نحو لم يكن مألوفاً خلال الفترة التي تلت
الحرب؛ مما جعل أخبار العمل العسكري تنتقل إلى المتعاطفين معها من وسائل
الإعلام الغربية والعربية؛ عوضاً عن تداولها على نطاق محدود عبر المنتديات
المجهولة للمتعاطفين مع الحركة على شبكة الإنترنت.
بيد أن ثالثة الأثافي بالنسبة إلى الإخفاق الأمريكي في تحقيق أهداف الولايات
المتحدة الثلاثة في أفغانستان، والتي جعلت إلقاء الولايات المتحدة مئات الأطنان من
قنابلها العملاقة على جبال أفغانستان وسهولها ضرباً من الرعونة العسكرية، هي
أنها ألجأت مئات من عناصر تنظيم القاعدة بل مخالفيه من العرب إلى مغادرة
أفغانستان تحت طائلة شدة القصف الرهيب، وكان من ضمن الدول التي اختارها
التنظيم مثلث الحدود (الأفغانية - الباكستانية - الإيرانية) المشتركة، والتي
شجعت مئات من المنتسبين للتنظيم وعدداً من المتعاطفين معه على العبور إلى
العمق الإيراني؛ مستفيدين من المساندة التي يلقونها من قبائل منطقة بلوشستان
السنّية (يشكل السنة نحو ٣٠% من سكان إيران، ويقيم بعضهم قبالة الحدود
الباكستانية، ويشعر معظمهم بالاضطهاد من النظام الإيراني الشيعي، ويبدون
تعاطفاً مع المجموعات السنّية المقاتلة في كل من أفغانستان وباكستان ولا سيما التي
تنتمي لعرق الباشتون) .
كل هذا ربما لم يكن ليمثل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة لو لم تكن أقدمت على
غزو العراق، فالخطأ الكبير الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية كان في
تسهيل مهمة مئات من عناصر تنظيم القاعدة إلى العبور إلى العراق، ليكونوا على
تخوم الجهة الشرقية لـ «إسرائيل الكبرى» (الفرات) .
وثمة أكثر من كاتب أمريكي وبريطاني ونائب في الكونجرس الأمريكي قد
اتهموا إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بارتكاب خطأ فادح؛ بتحويل العراق
من دولة «آبقة» إلى دولة «إرهابية» ، وحقاً؛ لم تكن العراق منذ عقود طويلة
منطقة جذب للتيارات الإسلامية، لكنها أضحت اليوم أبرز مناطق الجذب
«الجهادي» ، وهذا بدوره يمثل خطراً لا يستهان به على المدى البعيد على
«أمن إسرائيل» كما يقال، فلم يكن الكيان الصهيوني في مأزقه الحالي بحاجة
إلى من يدني «الخطر الأصولي الإسلامي» منه إلى هذا الحد!
وغني عن البيان أن جبال الهندكوش في أفغانستان لم تكن منتهى طموح
الراغبين في مراغمة أنف الصهيونية العالمية، ولم تكن بالمكان المناسب لكنه
المتاح على الأقل لديهم، ومن ثَمّ يبدو أن غزو العراق لم يكن موفقاً على الإطلاق
من هذه الجهة، كما لا يفوتنا في هذا الصدد أن نقول بأن العراق لم يعد منطقة
وجود للقاعدة فحسب، بل نزعم أن معظم الإسلاميين المقاتلين في العراق هم من
أبناء العراق نفسه، لكنهم تأثروا بوجود متطوعين عرب لا ينتمون بالضرورة إلى
القاعدة.
بالنسبة إلى العراق؛ فإن البوابة الشرقية للأمة الإسلامية قد راغمت أنف
«الدولة العظمى» بشكل مريع، وغريب الأمر يكمن في أن ما لاقاه الجنود
الأمريكيون من مقاومة الجيش العراقي النظامي والميليشيات العسكرية الرسمية أثناء
العدوان الجوي الذي توقف لدى سقوط بغداد (٩/٤/٢٠٠٣م) ؛ تضاءل تماماً
مقارنة بما يعانيه الأمريكيون من لأواء المقاومة الباسلة، وهذا ما أكده عدد كبير من
الجنود الأمريكيين لأحد وكالات الأنباء العالمية في العراق؛ من «أن المقاومة
العراقية التي يواجهونها يومياً أسوأ وأصعب بكثير من الحرب نفسها التي
خاضوها» ؛ لافتين إلى أن «الجيش الأمريكي تكبد خسائر في عراق ما بعد
الحرب تفوق التي تكبدها خلال الحرب» . ففي السياق نفسه يقول الكاتب
البريطاني الشهير روبرت فيسك في تقرير له من بغداد لصحيفة إندبندنت
البريطانية: «إن الأمريكيين بدؤوا يتمترسون خلف نزعة متنامية من السرية بعد
ارتفاع وتيرة قتلاهم وجرحاهم في العراق» ؛ مشيراً إلى أن «السلطات الأمريكية
الحاكمة لهذا البلد بدأت في الامتناع عن التصريح بحقيقة أعداد ضحاياها؛ رغم وجود
حوادث موثقة عن سقوط قتلى من أمريكيين وغيرهم» .
وبعيداً عن التعثر الأمريكي في العراق، والذي تتعدد أسبابه الداخلية بالنسبة
إلى القوات الأمريكية حتى من قبل أن تبدأ الحرب، ونعني وضع خطة عسكرية لم
تنقذها سوى خيانة بعض جنرالات الجيش العراقي، فإننا نلاحظ أن الولايات
المتحدة التي اتخذت بعض القرارات بالغة السوء أدت بدورها إلى تفاقم الأمر عليها؛
مثل حل الجيش العراقي، والإساءة إلى العراقيين، وتعيين مجلس انتقالي أعرج؛
قد أوقعها حظها المتعثر في حبائل مقاومة ذكية، اختطت لنفسها أربعة محاور
نضالية واضحة تتمثل في:
١ - استهداف المواقع والقوات الأمريكية والبريطانية؛ لرفع تكلفة الاحتلال،
ودفع القوى الشعبية في كلا البلدين إلى الضغط على الإدارة الأمريكية والبريطانية
من أجل الانسحاب من العراق.
٢ - استهداف قوات المرتزقة التي تنتمي لدول ليس لها أي مصلحة في
العراق، وإنما جرتها الولايات المتحدة لمساعدتها في الخروج من المستنقع العراقي،
ليعجل ذلك بانكسار «الأحزاب» الذين تمالؤوا على العراق المسلم. وفي هذا
الصدد يمكن فهم عمليتي مقر الأمم المتحدة (أدت إلى سحب المنظمة ثلث موظفيها
على الأقل من العراق) ، والسفارة الأردنية (التي يظن أنها أريد بها إيصال
رسالة لأي دولة عربية تقبل بالتعاون مع الاحتلال) .
٣ - العمل على حرمان دولتي الاحتلال الرئيستين من الاستيلاء على النفط
العراقي؛ عبر تفجير أنابيب النفط المنتشرة على مساحات شاسعة لا يمكن بسهولة
تأمينها بشكل تام.
٤ - بث الذعر في صفوف من تصفه المقاومة بالخونة؛ من أعضاء مجلس
الحكم العراقي الانتقالي، وكبار ضباط الشرطة العراقية، وبعض المتعاونين
العراقيين مع جيش الاحتلال؛ من وجهاء العشائر وغيرهم.
هذه المحاور ضمنت للمقاومة حتى الآن استمرارية مطلوبة لتحقيق هدف بالغ
الصعوبة، وهو دفع الاحتلال للرحيل، وهو ما يعد من الأمور غير المتوقعة على
المدى القريب؛ نظراً لأسباب دينية واقتصادية عظيمة الاعتبار لدى الولايات
المتحدة الأمريكية.
بيد أن متاعب الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية لم تقف عند حدود العراق؛
حيث تجاوزتها إلى اهتزاز قدرة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية في مجمل
أرجاء المعمورة، فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (٥/١٠/٢٠٠٣م)
أن «أعباء احتلال العراق ستبدأ في استنزاف قدرة الجيش الأمريكي على نشر
قوات قتالية مدربة في مختلف أنحاء العالم خلال عدة أشهر» . وقالت الصحيفة:
«إن احتلال العراق سيؤدي على المدى الطويل إلى إرباك حياة الآلاف من أُسر
العسكريين، وستعرّض نظام الاحتياط المعمول به في الجيش لخطر شديد، إضافة
إلى أن ذلك سيحد من النزعة العالمية في السياسة الخارجية الأمريكية» .
وأشارت الصحيفة إلى «أن استبدال كل هذه القوات بوحدات جديدة؛ من
الممكن أن يمثل ضغوطاً شديدة على الجيش الأمريكي للوفاء بالتزاماته في أماكن
أخرى من العالم؛ مثل أفغانستان وشبه الجزيرة الكورية، خاصة أن نصف ألوية
الجيش الأمريكي الثلاثة والثلاثين توجد حالياً في منطقة الخليج العربي» .
* الصعيد السياسي:
انهيار «المثل الأمريكية» هي أبرز مفردات الانهيار السياسي الأمريكي،
وتتجلى في عدة أمور؛ أهمها: خيبة أمل المؤيدين للنظام «الحر» الذي كانت
تتمنطق به الولايات المتحدة داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويعنينا في هذا المقام
تدني نسبة التأييد للولايات المتحدة الأمريكية وارتفاع أعداد الغاضبين من سياستها
في «مستعمراتها الجديدة» ؛ وأهمها الدول الإسلامية، وقد أوصى تقرير أمريكي،
قُدّم إلى الكونجرس، ونشرته الـ C.B.B في مطلع شهر أكتوبر الماضي،
بإعادة النظر بشكل جذري في سياسة التعامل الأمريكية مع المسلمين.
وقال «إدوارد جيرجيان» مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون
الشرق الأوسط والسفير السابق لدى سوريا، والذي ترأس الفريق الذي أعد التقرير:
إن العداء إزاء أمريكا وصل إلى مستويات مخيفة لدى الرأي العام في الدول
الإسلامية. وقال التقرير إن حسن النية تجاه أمريكا قد تهاوى في العام الماضي بدءاً
من الأردن وحتى إندونيسيا.
وكشف التقرير الذي جاء بعنوان «تغيير العقول وكسب السلام» عن أن
١٥% فقط من الإندونيسيين ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة إعجاب في الوقت
الحاضر؛ مقابل ٦١% في العام الماضي.
كما أشار التقرير إلى أن نسبة الأردنيين الذين حملوا نظرة إيجابية للولايات
المتحدة في ربيع العام الحالي؛ لم تزد عن ١% مقابل ٢٥% صيف العام الماضي.
وبحق؛ فإن هذا التقرير لا يمكن وضعه إلا في خانة انهيار «مُثل الولايات
المتحدة الأمريكية» لدى العالم برمّته وليس لدي المسلمين وحدهم؛ ذاك أن معظم
التظاهرات ضد أمركة العالم، والتي تترافق مع كل مؤتمر للعولمة الاقتصادية
تشترك فيه الولايات المتحدة الأمريكية، ومعظم التظاهرات المناهضة لسياسة
الولايات المتحدة الأمريكية التي سبقت ورافقت وأعقبت العدوان على العراق
(بريطانيا وفرنسا وبلجيكا.. وغيرها من الدول الأوروبية شهدت تظاهرات
معارضة لاحتلال الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق في شهر سبتمبر الماضي) ؛
كل ذلك يؤشر بلا ريب إلى ازدياد حنق شعوب العالم على ريادة الولايات المتحدة
لها، وهو يعني أن «قيم الولايات المتحدة» التي تعلن أن آكد أولوياتها هي إقامة
العدل والديمقراطية وإطلاق الحريات؛ قد أصبحت موضع شك وريبة شديدين من
مجمل سكان الأرض.
ولا يمكننا الاستهانة بتزايد نقمة العالم على الإمبراطورية الأمريكية؛ بالنظر
إلى أن أي إمبراطورية في العالم لا بد أن تتدثر بقيم تعليها في وجه مناوئيها، وإلا
لم تكن آمنة من الاندحار والاضمحلال.
عدم اكتراث الولايات المتحدة بالمبادئ القانونية الدولية التي قامت عليها،
وهي بذلك تراهن بكل رصيدها السياسي في مقامرة خاسرة، فبميكيافيلية واضحة
غزت الولايات المتحدة الأمريكية دولة أفغانستان التي تتمتع بالسيادة بموجب القانون
الدولي؛ من دون أي مسوّغ قانوني يعزز حملتها لمكافحة الإرهاب، واتخذت بكل
تبجح شعار «العدالة المطلقة» عنواناً لحملتها، فيما لم تدن محاكمها الخاصة
قانونياً المتهم الرئيس بتدمير برجي التجارة والبنتاجون أسامة بن لادن، ولم يصدر
بحقه أي حكم قضائي حتى الآن. وبالميكيافيلية نفسها أقدمت الولايات المتحدة على
تحدي العالم برمّته؛ حين اعتدت على العراق ولم تُبد احتراماً يذكر لتقرير لجنة
التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل على رغم أنها شُكّلت على عين الولايات
المتحدة، ولما تبيّن أنها مارست الخداع والتدليس لم ترعو عن غيها بالانسحاب من
العراق والاعتذار لشعب العراق.
والعالم بأسره يتساءل عن مسوّغات الغزو ثم مسوغات استمراره، والتساؤل
في محله؛ لاعتبار أن ما أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية هدفاً لعدوانها على
العراق ثبت جميعاً عواره، لا بمحض ادعائنا وإنما باعتراف ألسنة سادة القوم
وسدنة البيت الأبيض، فالولايات المتحدة ادعت امتلاك العراق لأسلحة الدمار
الشامل، ولقد ثبت تهافت هذا الادعاء؛ ويكفينا ما أشارت إليه صحيفة «واشنطن
بوست» في ١٣ يونيو؛ بأن أبحاث وحدة القوات الخاصة السرية، والتي أطلق
عليها «تاسك فورس ٢٠» ، والمؤلفة من جنود نخبة من «كوماندوس دلتا» ،
لم تتوصل إلى أي شيء يمت بصلة لأسلحة الدمار الشامل العراقية، ويبدو أن تلك
الأسلحة لم يكن لها وجود سوى في عقل صقور واشنطن وتابعيهم.
والأدهى من ذلك أن هناك معلومات مؤكدة حول تقرير سري أصدرته وكالة
الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» في ديسمبر الماضي؛
تؤكد فيه أنها لا تمتلك أدلة مؤكدة على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.
والولايات المتحدة اختلقت علاقة تربط بين العراق وتنظيم القاعدة، طورت
هذه العلاقة في خيالها الهوليودي لتدعي تعاونهما في مجال تصنيع أسلحة الدمار
الشامل وتخزينها وتجهيزها، وقد نفى الاثنان ذلك، لكن مع هذا النفي فإننا لن
نلتفت إليه بل إلى التصريح الذي بثته شبكة التلفزيون الأميركية «فوكس نيوز»
لرئيس مجموعة التفتيش الأميركية البريطانية في العراق ديفيد كاي (٥/١٠/
٢٠٠٣م) ، والذي جاء فيه أنه «لم يعثر على أي وثيقة تثبت وجود علاقة بين
العراق وتنظيم القاعدة في مجال أسلحة الدمار الشامل» ؛ مؤكداً أنه: «فيما يتعلق
بأسلحة الدمار الشامل؛ لم نعثر على أي إثبات على وجود علاقة بين نظام صدام حسين والقاعدة أو مجموعات إرهابية أخرى» !!
ويبقى الهدف الثالث الذي لم يتحقق بدوره، وهو إقامة نظام ديمقراطي في
العراق يكون نموذجاً للديمقراطية وقابلاً للاستنساخ في الدول العربية. والحاصل أن
العراق لم يحصل لا على «عنب الشام» ولا على «بلح البصرة» ، فلا
الديمقراطية قامت، ولا هو استمر محكوماً بنظام ديكتاتوري مستقر؛ إذ ولد الجبل
الأمريكي فأراً ميتاً تمثل في مجلس انتقالي مؤقت، تبعه تشكيل حكومة عراقية
انتقالية، وكلاهما معين لم يحظ حتى بـ «شرف» انتخابات مزورة كتلك
الموجودة في معظم الدول العربية، أو حتى التي لم تكن تروق للرئيس بوش في
العراق نفسه.
والواقع أن الولايات المتحدة كما يعلم الجميع تكذب في شأن تحرك جيشها فقط
لمساعدة شعب العراق على الخلاص من نظام طاغ، وسنلتقط حديثاً أثيرياً في إطار
«ملتقى أمستردام» ، البرنامج الحواري الذي يبثه راديو هولندا لأحد كبار الكتاب
والمفكرين الأمريكيين المستقلين، وهو نعوم تشومسكي الذي وصفته صحيفة
«نيويورك تايمز» بأنه ربما كان أهم مثقف على قيد الحياة وهو بالطبع ليس
من أتباع بن لادن أو من «فلول نظام صدام حسين» ، ولا هو أهم مثقف، يقول
فيه: «فيما يتعلق بالبلدان التي تعاني في ظل أنظمة مستبدة؛ فسيكون إيجابياً
أن يساعدها ويدعمها أحد. ولنأخذ مثالاً الإدارة الأميركية الحالية، هم أنفسهم
(لا ننسى أن غالبيتهم تتألف من ريجانيين متمرسين) دعموا سلسلة من الطغاة
الذين أخضعوا شعوبهم لأنظمة مستبدة فاسدة، مثل صدام حسين، وتشاوشسكو،
وسوهارتو، وماركوس، ودوفالييه. القائمة طويلة، لكن الأسلوب الأمثل
لحل المشكلة من الممكن أن يكمن أولاً في التخلي عن مساندة مثل هذه الأنظمة،
والتي غالباً ما تمت الإطاحة بها على يد شعوبها نفسها، وذلك على الرغم من
مساندة الولايات المتحدة لها. لقد كان تشاوشسكو، على سبيل المثال، طاغية
يمكن مقارنته تماماً بصدام حسين، ومع ذلك هزم عام ١٩٨٩م على يد شعبه نفسه
بينما كان مدعوماً من قِبَل مَنْ يحكمون الآن في واشنطن. والناس الذين يواجهون
القمع والعنف بالمقاومة؛ لا بد لنا من إيجاد وسيلة ندعمهم من خلالها، والطريق
الأبسط يتمثل في التوقف عن دعم الطغاة» .
الولايات المتحدة الأمريكية تدوس بقدميها أرفع ما كانت ترفعه من شعارات
تزعم أنها تعلي القيمة الإنسانية، وهي احترام حقوق الإنسان، فعضوية هذا البلد
في قوائم الحقوق الإنسانية أصبحت موضع شكوك وضغوط، وحتى موضع
استعراض عضلات أخذت تبرز حين عمدت الولايات المتحدة لتنفيذ حملة جمع
توقيعات من البلدان المختلفة على وثيقة تعفيها من الخضوع لقوانين المحكمة
الجنائية الدولية لمدة عامين، وذلك في أعقاب صواعق ١١ سبتمبر، ومن ثَمَّ
رفضت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش التوقيع على اتفاقية المحكمة الجنائية
الدولية التي قبلها كلينتون، ويشكّل هذا الرفض مخالفة صريحة لحماية الإنسان من
التعرض لجرائم الحرب، كما امتنعت تلك الإدارة عن التوقيع على اتفاقية كيوتو
العولمية للبيئة (مخالفة صريحة لحق الإنسان ببيئة نظيفة ومستقبل بيئي أفضل) .
والعجيب أن صحافة الولايات المتحدة الأمريكية انبرت تهاجم اللجنة العالمية
لحقوق الإنسان؛ فقط لأنها «خلعت» الولايات المتحدة منها نتيجة لتصويت سري
منتصف مايو ٢٠٠١م، فوصفت «نيويورك بوست» تلك اللجنة بأنها «نادي
سفاحين ومتوحشين» ، وألبستها «وول ستريت جورنال» حلة «الطغاة» ،
ووصمت «نيويورك تايمز» التصويت «الديمقراطي» ضد الولايات المتحدة
بأنه «هجوم غادر على أمريكا» !!
على أن أبرز تداعيات التخلف الأمريكي في مجال حقوق الإنسان؛ هو ما
تجسد في القوانين المقيدة للحريات التي تلت أحداث ١١ سبتمبر، علاوة على قانون
الأدلة السرية الذي جرى تطبيقه قبل صواعق سبتمبر بسنوات قليلة، والذي يسمح
بتوقيف أي مواطن أمريكي أو مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه دون أن
يطلع المتهم على أدلة اتهامه (مثلما حدث مع اللاجئ الجزائري الأستاذ أنور هدام
رئيس البعثة البرلمانية للجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، والذي اعتقل لسنوات
تقارب تلك التي قضاها رفاقه في الجزائر في ظل نظام انقلابي سمح لهم بمعرفة
تهمهم؛ فيما ضربت دولة «الحرية» صفحاً عن ذلك!) .
ناهيك عما ارتكبته الولايات المتحدة من انتهاكات لحقوق الإنسان في كل من
أفغانستان (أبرزها ما جرى من مذبحة رهيبة لأسرى طالبان على أيدي ميليشيا
دوستم بدم بارد، وعلى عين قوات الاحتلال الأمريكية في سجن حاجي قلعة،
والتي راح ضحيتها أكثر من أربعمائة قتيل قضوا مكتوفي الأيدي تحت مجنزرات
نائب وزير الدفاع الأفغاني، وعملية قصف حفل الزواج التي أودت بحياة العشرات
من مواطني الباشتون البسطاء) ، والعراق الذي قُصف مدنيوه كما الأفغان بالقذائف
المدعمة باليورانيوم المنضب وغير المنضب (يعد الأخير الأكثر خطورة؛ إذ تعادل
طاقته الإشعاعية ١.٧ ضعف اليورانيوم المنضب، وتم قصف البلدين به بشهادة
أبرز خبراء الطب النووي، وهو البروفيسور البوسني الأصل الأمريكي الجنسية
عاصف ديرواكوفيتش، الرئيس السابق لقسم الطب النووي في المستشفى الإداري
للمحاربين القدماء التابع لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون) ، وقد ثبت بما لا يدع
مجالاً للشك ومن خلال إندبندنت وجارديان وديلي ميرور وغيرها أن أمريكا
وبريطانيا قتلت المستسلمين من جنود العراق أثناء الحرب زعماً منهما أنهم قد
رفضوا الاستسلام، وبعض هذه الصحف إبان الحرب نشر صور المغدورين
وبأيديهم رايات الاستسلام البيضاء.
هذا كله بالإضافة إلى سجن جوانتنامو الشهير الذي نددت بأوضاع السجناء فيه
كل هيئات ولجان حقوق الإنسان تقريباً في العالم، وكل من لديه بقية ضمير إنساني،
ومع هذا لم تكترث «راعية حقوق الإنسان في العالم» بكل هذه التنديدات.
الولايات المتحدة تنكرت للديمقراطية تماماً، فهذه الدولة «المارقة» أتت
تبشر العالم بديمقراطيتها الرائعة في الوقت الذي قمعت فيه تظاهرات العراقيين في
بغداد، وأطلقت عليها النار في الموصل والفلوجة وغيرهما. أمريكا اتهمت صدام
بالديكتاتورية ضد شعبه فقط لكنها مارستها ضد العالم كلها، وفرضت رأيها على كل
شعوب العالم؛ بمن فيهم الشعب العراقي الذي فرضت كذلك رأيها عليه بالقوة.
بيد أن أخطر ما لمسناه في شأن تحقير الولايات المتحدة الأمريكية من شأن
«قيمها السياسية» ؛ هو ازدراؤها بالشعب الأمريكي نفسه؛ حين رفضت
الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الأمريكي إجراء تحقيق رسمي في شأن ما إذا
كانت الحكومة الأمريكية قد أساءت قراءة التهديدات التي كان يشكلها العراق قبل
شن الحرب عليه، أم أنه قد تم تضخيمها، وذلك تذرعاً بأن إجراء مثل هذا التحقيق
قد يلحق الضرر بأجهزة الاستخبارات الأمريكية، وأن الإشراف الروتيني الذي
تضطلع به لجان الاستخبارات والقوات المسلحة في الكونجرس سيكون كافياً لتقييم
حجم الخطر الذي يشكله العراق.
* الصعيد الاقتصادي:
الولايات المتحدة الأمريكية تملك اقتصاداً عملاقاً لا يمكن تحريكه بسهولة؛ بيد
أن الأحداث التي جرت خلال العامين الماضيين وتحديداً منذ أن استفاقت نيويورك
من دون أن يجد سكانها برجي الرأسمالية الأضخمين في العالم كانت كفيلة بأن
تجرح الاقتصاد الأمريكي والعالمي التابع له على نحو لا يمكن معه أن يبرأ بسهولة.
بعض السهام السامة التي وجهت للاقتصاد الأمريكي كانت من الخارج،
وبعضها يعد ارتداداً من قوس أمريكية لاقت عدواً صلباً أدار السهم إلى عين راميه.
فكانت أشد الضربات عملية ١١ سبتمبر التي أدت مباشرة إلى تأثر أعمال آلاف
الشركات الاقتصادية ولا سيما شركات الطيران التي سرحت الآلاف من موظفيها،
واهتزاز البورصة (خسائر ١١ سبتمبر الأولية تجاوزت ٣.٥ تريليونات دولار في
الشهر الأول لها) .
وتوالت السهام بعد ذلك من الولايات المتحدة نفسها؛ حين قررت إدارتها أن
تطلقها حملة ضد ما أسمته بالإرهاب، وضد الدول التي تطلق عليها أبواق الإدارة
الأمريكية «الدول المارقة» ، وهو ما أدى إلى انتهاج سياسات أمنية رصدت لها
ميزانية تبلغ نحو ٤٠٠ مليار دولار.
ونجم عن انتهاج سياسة أمريكية عدائية للمسلمين في العالم تحت ذريعة
مكافحة الإرهاب: اهتراء الاقتصاد الأمريكي بشكل لم يسبق له مثيل إلا ربما بين
عامي ١٩٢٩ و ١٩٣٣م في فترة الركود الاقتصادي الشامل في الولايات المتحدة
الأمريكية.
سياسة الولايات المتحدة العدائية تجاه نحو ٦٠ دولة، منهم ٥٩ دولة إسلامية،
وسوست لها بنشر مزيد من قواتها في باكستان وجورجيا وجيبوتي والفلبين،
واحتلال كل من دولتي العراق وأفغانستان، مع ما استتبع ذلك من نفقات خرافية
قُدّرت بنحو ٨٧ مليار دولار في العراق وحدها وفق الميزانية التي تمت الموافقة
عليها في الكونجرس شهر أكتوبر الماضي، علاوة على تقديم المعونات للدول
المختلفة لضمان مساندتها لسياساتها وتعهدها لها بمشاركتها في الكعكة العراقية
المسمومة.
كان الأمل يداعب الولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية (بريطانيا) في أن
يعوضا ما يزمعون الاستيلاء عليه من نفط العراق، وما تنتعش به شركات النفط
الأنجلوساكسونية جراء مد أنابيب نفط بحر قزوين في التراب الأفغاني المغتصب،
لكن ولحد الآن لم يتمكن الصياد من التقاط صيده الثمين، فلا الأوضاع استقرت في
أفغانستان؛ بما يمكّن تلك الشركات من التنقيب حول قزوين، ومد أنابيب النفط
عبر أفغانستان، ولا دولتا احتلال العراق تمكنتا من «تأمين» آبار العراق النفطية
العملاقة، خاصة حقل كركوك وأنابيب النفط الناقلة له.
وقد يكون التحول في قضية لوكربي الليبية والقبول بتسويتها، عن طريق
«الرشوة المقنعة» أو «البلطجة الدولية» ، إيذاناً بتعبيد طريق نفطي سهل
وآمن لتدخل الشركات النفطية الأنجلوساكسونية في ليبيا.
وقد تتمكن الولايات المتحدة من فك شيفرة النفط العراقي، لكنها بالتأكيد ستظل
راكضة وراء سراب تحسن أدائها الاقتصادي وخروج اقتصادها المتردي من كبوته؛
إذ تظل جميع آمال الولايات المتحدة رهينة الغيب؛ فيما الحاضر مؤسف لهذه
الإدارة المخفقة، وهذا الحاضر ينطق بالفجيعة:
- فصندوق النقد الدولي قد أعد في شهر أغسطس الماضي دراسة تبين أن
العجز في الميزانية الفيدرالية الأمريكية سيصل إلى ٤٥٥ بليون دولار في هذا العام
٢٠٠٣م، كما أنه سيصل إلى عجز قياسي قدره ٤٧٥ بليون دولار العام القادم
٢٠٠٤م. موضحاً الصندوق في تقريره أن ٥٠% من هذا العجز في الميزانية
الأمريكية جاءت في الأشهر الخمسة الأخيرة (أشهر الحرب) .
- والبطالة تورمت لتبلغ نسبة ٦.١% من مجمل القوى العاملة، بعد أن كانت
٤% خلال حكم كلينتون، ويعد هذا الارتفاع رقماً قياسياً لم يسبق له مثيل منذ
٢٠ عاماً.
- العجز التجاري بلغ ٥٠٤ مليار دولار العام الماضي، في حين كان متوقعاً
أن يصل العجز في الميزانية عام ٢٠٠٢م إلى ١٥٨ مليار دولار؛ بمعنى أن العجز
المزدوج (مجموع العجز في الميزانية والعجز في الميزان التجاري بين أمريكا
ودول العالم) وصل إلى الرقم القياسي ٦٦٢ مليار دولار عام ٢٠٠٢م؛ أي ما
يعادل ٤.٦% من الناتج الإجمالي المحلي.
- (الاقتصاد الأمريكي يبلغ عشرة تريليونات دولار) . ويبدو التحول لافتاً
في الميزانية الفيدرالية من فائض بلغ ١٢٧ مليار دولار عام ٢٠٠١م إلى عجز
قياسي قيمته ٣٠٠ مليار دولار في عام ٢٠٠٣م؛ بما يعادل ٢.٧٥%من الناتج
الإجمالي المحلي.
- والفائض في الميزانية الحكومية الفيدرالية الذي خلفه الرئيس الأمريكي
السابق بيل كلينتون، والذي قدر بنحو ٥.٦ ترليونات دولار على مدى السنوات
العشر اللاحقة، استحال بعد ثلاث سنوات فقط من حكم بوش عجزاً مالياً كبيراً،
يقدر بحوالي ٤ ترليونات دولار على مدى السنوات العشر القادمة.
- وتراجع الدولار أمام اليورو يأتي كذلك ليؤكد عمق الأزمة التي يكابدها
الاقتصاد الأمريكي، وتشير «نيويورك تايمز» (٩/٥/٢٠٠٣م) إلى أن الناس
تعرف أن ارتفاع قيمة اليورو لا يعكس قوة الاقتصاد الأوروبي بقدر ما يعكس
الضعف الأمريكي، وبعضهم يعلي من قيمة اهتزاز الثقة في السوق الأمريكي ولا
سيما عند المستثمرين العرب؛ في مقابل ثبات السوق الأوروبي نسبياً؛ ما أدى إلى
امتصاص تلك السوق لجزء كبير من المال الهارب من أمريكا.
* الصعيد الإعلامي:
الجنرال إعلام الذي ألفناه دائماً يقاتل إلى جانب المارينز؛ يبدو الآن وقد
انحنى ظهره واعتلت صحته حتى أحيل إلى التقاعد؛ فلم يعد أحد يرهبه، ولم يعد
يصدق غزواته وعنترياته أحد.
حينما ظهرت شبكة التلفزة الأمريكية العملاقة N.N.C كان معظم العرب
وغير العرب ممن يتقنون الإنجليزية يتشوقون لالتقاط بثها بعد أن سئموا التزييف
في كثير من إذاعاتهم وتليفزيوناتهم المحلية، وقد كانوا من قبل يلقون السمع لإذاعة
B.B.C البريطانية طلباً للحقيقة الغائبة. وقد كانت هذه الأدوات الإعلامية
الصهيونية تجد لها من يصدقها بين العرب وغير العرب؛ حتى إنه لم يكن يفهم
اعتلال أنبائها إلا قلة من المثقفين المستقلين ولا سيما الإسلاميون، بيد أن الأوضاع
قد تغيرت الآن تماماً، ونزعم أن الأمريكيين أنفسهم لم يعودوا يثقون بكبريات
صحفهم كواشنطن بوست ونيويورك تايمز، وشبكات التلفزة الأمريكية، مثل نيوز
فوكس و N.N.C، لا لأنهم باتوا يشاهدون الجزيرة وأبو ظبي، وإنما لأن هذه
الأدوات الإعلامية قد خذلتهم والعالم في نقل الحقيقة مجردة، بعد أن أحكمت الإدارة
الأمريكية اليمينية قبضتها عليها منذ أحداث سبتمبر؛ فلم تعد تنطق إلا كذباً ملفقاً
أضحى يدرك عواره الصغير قبل الكبير.
عندما اجتمع الرئيس الأمريكي جورج بوش مع رئيس الوزراء الفلسطيني
المستقيل «أبو مازن» بحسب صحيفة هآرتس الصهيونية بادره بالقول: «إن
الله أمرني أن أضرب القاعدة فضربتها، والله أمرني أن أضرب صدام حسين
ففعلت» !! والذي ندين الله به أن جبريل ﵇ لم ينزل مخاطباً الرئيس
الأمريكي بذلك، والله ما أمر بوش أن يقتل ويسفك الدم الحرام في أفغانستان
والعراق، [وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٢٨) ، ولكن الله تعالى
أمر بالقسط: [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ] (الأعراف: ٢٩) ، هذا القسط الذي يبني
قواعد الدول العوالي، وبزواله تزول أعتى الدول وأغلظها عريكة، ولله در شيخ
الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «وأمور الناس إنما تستقيم مع العدل الذي يكون فيه
الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم
تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم
الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ( ... ) ، وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم
أمر الدنيا بالعدل قامت» [٢] .
فكيف وإن كانت لا هذا ولا ذاك.. ولذلك فنحن ما نرى المارد الأمريكي إلا
وقد بدأ يستحيل رجلاً مريضاً، تبدو من خلف شحوب وجهه الأعراض نفسها التي
انتابت الخلافة العثمانية على إسلامها وصهيونية أمريكا في قرنيها الأخيرين اللذين
شهدا أوان أفولها؛ من تفكك عرى الدولة، وإخفاقها في إعادة الأمور إلى نصابها،
وتجرؤ رعاياها وانتفاضتهم عليها، وفساد إدارتها، وخلو خزائنها، وضياع هيبتها؛
ما كان كفيلاً بانتشار جراثيم الفتنة تفت في عظامها، وتهز عرش مجدها
وعظمتها الأثيلين. وهذا ماثل في الحالة الأمريكية التي صارت تشبه «الرجل
المريض» التركي إلى حد بعيد، فكما انتفض الناس على الأتراك في البلقان
وفارس؛ انتفضوا في العراق وأفغانستان، وكما اختلف القادة العسكريون الأتراك
اختلف رامسفيلد وباول، فمنح بوش ملف العراق لـ «كوندي» ، وصارت
كونداليزا رايس كما محظيات وأمهات السلاطين الضعفاء تخلع وتثبت من تشاء،
وكما خلا بيت المال العثماني فقد خلت الخزينة الأمريكية، وكما «أصيبت
الشعوب الإسلامية في مراحل الدولة العثمانية الأخيرة بالتبلد وفقد الإحساس بالذات،
وضعف ضميرها الروحي» [٣] ؛ أصيب الشعب الأمريكي بالداء عينه.
الله لم يأمر بوش بضرب اليتامى والثكالى في العراق، وإنما أذن لأمة طغت
أن تلقى مصيرها الذي كتب على كل أمة.. [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ] (الأعراف: ٣٤) ،
[وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً] (الأنبياء: ١١) ، [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَة] (هود: ١٠٢) .
يقول صاحب كتاب (تاريخ مصر ونبذ عن الأمم المرتبطة بها) عن
الجمهورية الرومانية صنو الأمريكية [والأقواس من عندنا] : «لما أخذت الدولة
الرومانية في هذا الاتساع العظيم، أصبح أعضاء الجمعية العمومية (الكونجرس)
غير قادرين على إدارة سياستها لعدم درايتهم بشؤون تلك الممالك الواسعة البعيدة عن
بلادهم (العراق وأفغانستان) ، فأخذ أعضاء مجلس السناتو (صقور اليمين
الصهيوني) ينفردون بإدارة الدولة، فدب فيهم روح الطمع واغتصاب الأموال
الطائلة والانغماس في الترف والتنعم (إذ يمتلك معظمهم حصصاً في شركات النفط
العملاقة كعائلة بوش وديك تشيني) ، ثم إنهم قصروا المناصب الكبيرة على
أقاربهم أو من على شاكلتهم من الأشراف. فأصبحت حال الطبقات الأخرى سيئة
جداً (يزداد المنضوون تحت خط الفقر يوماً بعد يوم) ؛ لسوء عمل الأشراف
(وازدياد الفضائح وانهيار الشركات التي يملكها الأشراف) ... » .
لا يشوب رؤيتنا هذه رغبة في تسكين الألم، وعزل الإحباط، ودفع اليأس
بالأساس، وإنما محاولة لوضع الأمور في أنصبتها الحقيقية؛ لأن نقع الغبار يعمي
عن رؤية خيل المجد تركض من بعيد، مردداً فرسانها قيل خالد بن الوليد الخالد
وهو يهدم الصنم الأصم: «يا عزى كفرانك لا سبحانك، إني رأيت الله قد
أهانك» .
стр. 4739
المسلمون والعالم
الدول الإسلامية بين التفكيك والتقسيم
أحمد فهمي
afahmee@albayan-magazen.com
تحت عنوان: «تعديلات في الكتب المدرسية في العراق» نشرت صحيفة
الحياة رسماً ساخراً يبدو فيه مدرس عراقي في فصله؛ ممسكاً بكتاب يقرأ منه
لتلامذته متوتراً: «وهنا دَخَلَ الرئيس بوش وحرر ليلى من براثن الذئب!» ،
ويظهر وراء النافذة جندي أمريكي متلصص، يرمز إلى فعل المراقبة.
هذا الرسم يعبّر عن الوضعية التي تريد الإدارة الأمريكية أن تصل إليها في
الدول الإسلامية كافة، فالرئيس بوش لم يأت فقط لكي يحرر الشعب العراقي من
براثن صدام؛ بل أيضاً ليحرر ليلى من براثن الذئب، وليلى هنا ترمز إلى كل
شأن داخلي وخصوصية إسلامية، والذئب يرمز إلى المارقين المعارضين للحرية
على الطريقة الأمريكية.
وتأتي سياستا التفكيك والتقسيم للدول الإسلامية في مقدمة الوسائل المعتمدة
لتحقيق تلك الغاية، وهناك مدخلان لمتابعة تفاصيل هذه المؤامرة المزدوجة.
أولهما: عن طريق رصد ومتابعة الدراسات والبحوث والتقارير
والتصريحات التي تتسرب أو تُسرب من المراكز البحثية، والمؤسسات السياسية،
وجهات الضغط اليهودية، وهي طريقة حصرية لا شك، وتقدم لنا رؤية شاملة،
ولكن يعيبها أنها تدخلنا في متاهة من الخيارات والسيناريوهات المحتملة؛ كونها
تبدأ من نقطة مبكرة في العقل الأمريكي، ورغم احتياجنا إليها إلا أن هناك طريقة
أخرى من شأنها موازنة هذه الرؤية الأكاديمية.
ثانيهما: عن طريق تتبع وتحليل الأداء السياسي والعسكري الأمريكي في
العالم الإسلامي؛ على الأقل في الأعوام القليلة الماضية.
والسياسة الأمريكية تتميز باتباعها لأسلوب «الأنماط الحاكمة» ؛ بمعنى
التقيد بسلوك نمطي سابق في المواقف اللاحقة، أو بمعنى اعتبار كل قرار لها
بمثابة بروفة للقرار التالي، فعلى سبيل المثال: احتلال «بنما» كان تجربة
للإنزال البري في حرب الخليج، وحرب أفغانستان كانت بروفة لحرب العراق،
على الأقل من منظور عسكري، وهكذا. وسوف نتبع في هذا المقال الطريقة
الثانية.
* الاستراتيجية الأمريكية.. وسياستا التفكيك والتقسيم:
أولاً: تعريفات:
التقسيم السياسي للدول؛ مصطلح معروف ومتداول ومعناه ظاهر للأفهام. أما
التفكيك؛ فنعني به في هذه الدراسة ما يأتي: سعي قوة خارجية إلى سلب قدرة نظام
ما على نَظْم القوى السياسية الداخلية - عرقية أو طائفية أو سياسية - في عقد واحد
ينبثق من عقيدته السياسية.
وبمعنى آخر؛ فإن التفكيك مرادف لانفراط العقد الداخلي، وتداعي مركزية
النظام وسيطرته على القوى الداخلية. وينبغي الانتباه إلى أن التفكيك بهذه الوضعية
لا يماثل الانهيار، بل هو مرحلة سابقة عليه، وفي حال نجحت القوة الخارجية في
إحداثه؛ فإنها يمكن أن تحافظ على الاستقرار الداخلي بإعادة تركيب القوى الداخلية
وفق نظم خاص بها.
ثانياً: الأهداف الأمريكية في العالم الإسلامي:
لماذا تريد الولايات المتحدة أن تفكك أو تقسم الدول الإسلامية؟ الإجابة عن
ذلك تتضح من خلال خمسة أهداف، اثنان منها يتعلقان بالدولة الصهيونية،
ويتحددان وفق مصالح دينية وسياسية مختلطة، وهذه الأهداف هي غاية ما يريده
الأمريكيون، وليست أهدافاً مرحلية:
١ - تدشين القوة الأمريكية كإمبراطورية معاصرة تسيطر على دول العالم
التي لا تعتنق الحضارة الغربية.
٢ - ضمان أن تفقد الدول الإسلامية أي قدرة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية
أو ثقافية على مواجهة أو تهديد أمن «إسرائيل» وسلامتها، والفقد هنا ينبغي أن
يكون شاملاً ودائماً.
٣ - التهيئة لدولة «إسرائيل» الكبرى وإقامتها وفق الحدود والتعاليم
التوارتية، أو قوة «إسرائيل» العظمى وفق الحدود الحالية، وفي النطاق العربي
والإسلامي.
٤ - يتعلق بالإرهاب؛ الوصول بالدول الإسلامية إلى حالة العجز الكامل عن
تخريج حركات إسلامية «متطرفة وإرهابية» حسب المفهوم الأمريكي، عن
طريق إصابة الشعوب بالعقم الديني والثقافي والسياسي؛ بما يقلل من أي احتمال
لانبعاث إسلامي يهدد المصالح الأمريكية.
٥ - ضمان استمرار الدول الإسلامية مصدراً مأموناً للمواد الأولية وفي
مقدمتها البترول، وسوقاً استهلاكية مفتوحة للمنتوجات الأمريكية.
ثالثاً: أمريكا تجدد الرؤية الاستعمارية:
استعمار العالم الإسلامي في القرنين السابقين من قِبَل الأوروبيين؛ مرَّ بأربع
مراحل متتابعة استغرقت منهم عشرات السنين، وهي: الاحتلال العسكري -
التغيير الداخلي بما يتلائم مع ثقافة المحتل ومصالحه - تعيين نظام هش يدير البلد
بإشراف مباشر من المحتل - الانسحاب وفسح المجال لنُظُم عميلة أو معادية للإسلام.
هذه المراحل هي نفسها التي طبقها الأمريكيون في أفغانستان والعراق،
ويخططون لتطبيقها في دول أخرى، مع فروقات مهمة، وهي:
- الزمن الإجمالي للمراحل ما عدا الانسحاب لم يستغرق أكثر من أشهر
معدودة، وهو ما فاق قدرة الكثيرين على الاستيعاب، وخاصة الذين لم يفقهوا بعد
أساليب الاستعمار القديم.
- أن الانسحاب يُفترض به أن يكون اختيارياً وليس جبرياً بعد أن تكتمل
خيوط المؤامرة، ويثبت النظام البديل جدارته، كما أن الاستقلال في هذه الحالة لن
يكون تاماً.
- هذه الرؤية الأمريكية تتميز أيضاً بأن لديها القدرة على ابتكار مسوِّغات
فورية للبدء في أولى مراحل الاستعمار؛ ما يعني أن فترة التحضير قد تُدغم في
أسابيع قليلة؛ ما يعني كذلك أن الرؤية اليومية قصيرة الأجل للأحداث، والتي
تقدمها وسائل الإعلام العربية للرأي العام الإسلامي، يمكن أن تقوي البصر تحت
القدمين، ولكنها تسبب العمى فيما وراء ذلك!
- حسب مفهوم الاتعاظ بالغير؛ فإنه يمكن في حالات معينة تجاوز المرحلة
الأولى، والانتقال المباشر إلى المرحلة التالية وفق آلية سوف نتناولها بالتفصيل
لاحقاً، وهو ما اخترنا له اصطلاحاً تسمية «التفكيك السياسي» .
رابعاً: التفكيك السياسي وليس التقسيم؛ هو المرحلة المقبلة:
تقسيم بعض الدول الإسلامية هو وسيلة أمريكية وليس غاية، والغاية ما
ذكرناه سابقاً، وإن كان التقسيم وسيلة جذرية لتحقيق المقصود؛ إلا أنها تبقى غير
عملية في كل وقت لأسباب كثيرة:
- هناك دول إسلامية غير قابلة للتقسيم؛ من حيث عدم وجود تمايز عرقي أو
طائفي داخلها.
- كثير من الدول القابلة للتقسيم لا يشترط أن يتوفر فيها عوامل أساسية
مُحفزة؛ توفرت في النموذجين العراقي والأفغاني الأكثر عرضة لخطر التقسيم؛
مثل القمع الداخلي، وتمايز الأقليات جغرافياً، أو حتى توفر معارضة سياسية
ناشطة ذات مطالب انفصالية واضحة.
- في بعض الحالات، مثل السودان، يكون التقسيم مطلباً مرفوضاً، فقد
أبدى جون جارانج ذو التبعية الأمريكية رغبة واضحة في الحفاظ على وحدة
السودان، وهذا يعني أن تقسيم الدين يأتي في مرتبة متقدمة على تقسيم الدولة في
المفهوم الأمريكي.
- التقسيم بدون إعدادت مسبقة قد يؤدي إلى حالة من الفوضى يعتبرها
الأمريكيون المجال الخصب لنشأة الحركات «الإرهابية» في زعمهم؛ حيث تكثر
الكيانات ذات السيطرة المركزية المحدودة، كما أنه يتطلب تغطية عسكرية مكثفة قد
لا تتوفر في ظل التجربتين الأفغانية والعراقية، كما أن الدول الغنية بمواردها مثل
العراق؛ لن يستقيم الانتفاع بثرواتها في ظل فوضى سياسية وعسكرية.
- لا توجد سيناريوهات مقنعة إلى الآن لتنفيذ انتقال تعسفي من مرحلة الدولة
الواحدة إلى كيانات متعددة، وهو ما يقوي الحاجة إلى مرحلة انتقالية تحقق جل
فوائد التقسيم دون التعرض لمفاسده.
وكان التفكيك السياسي - بدون احتلال عسكري - هو المرحلة الملائمة للواقع
الإسلامي، وخاصة أنه أسلوب يناسب الدول كافة؛ كونه: يتضمن ليس فقط الدول
ذات التمايز العرقي والطائفي؛ بل ذات التمايز السياسي والقبلي أيضاً، كما أنه
يوفر القوة العسكرية لمناطق أخرى، ولا يسبب التورط فيه أزمات داخلية أمريكية.
لكن في المقابل يبقى التفكيك مرحلة انتقالية لما بعدها، يعني التقسيم إلى دول
وكيانات صغيرة، أو إعادة رسم الحدود بين الدول الحالية. وننبه إلى أمر مهم،
وهو أن الأمريكيين لا ينظرون في هذا الصدد إلى أي دولة بوصفها واقعاً، وإنما
بوصفها قدرة؛ بمعنى أنه قد تكون دولة ما حليفة لهم في الوقت الحالي، وهذا واقع،
ولكن الدولة نفسها بوصفها قدرة تصنف خطراً محتملاً على المصالح الأمريكية
لمجرد كونها إسلامية، واحتمالات التفكيك والتقسيم تعنى - فقط - بقدرة الدولة،
وليس واقعها، وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير كثير من المتناقضات في الأداء
السياسي الأمريكي، بل والأوروبي مع دول مثل تركيا.
* آلية التفكيك السياسي في الدول الإسلامية:
تملك الولايات المتحدة أوراق ضغط كثيرة على الدول الإسلامية، بعضها
للأسف سُلمت من قِبَل هذه الدول عن طواعية؛ لذا تبقى المسؤولية موزعة بين
طغيان الأمريكيين، وتخاذل المسلمين.
ويمكن بلورة مراحل التفكيك السياسي وصوره في النقاط الآتية:
أولاً: القوة العسكرية:
وهي الوسيلة الآكد في هذا المجال، ولكن الإشكالية الأزلية في العمل
العسكري ليست هي تحقيق المكاسب، وإنما الحفاظ عليها بعد ذلك، وفي العراق
وأفغانستان يمكن تلمس الخطوات الإجرائية التي قامت بها الإدارة الأمريكية: إيجاد
المسوِّغ لضربة عسكرية - تنفيذ عملية احتلال قوية وسريعة - إقامة نظام سياسي
داخلي صوري، على رأسه عملاء سابقون للمخابرات الأمريكية؛ أمثال قرضاي
والجلبي والجعفري؛ لذا فتش دائماً عن المعارضين المدعومين أمريكياً، فهم رؤساء
المستقبل.
وبعد ذلك يؤسس الأمريكيون توازناً داخلياً يكون الوجود الأمريكي العسكري
حجر الزاوية فيه، بل يتحول كما في العراق إلى مطلب لفئات كثيرة داخلياً
وخارجياً، وقد مر بنا كيف أن بعض الإسلاميين يطالبون أمريكا بعدم الرحيل قبل
أن تستقر الأوضاع، وهذه قمة البراعة السياسية الأمريكية، والتي تكتمل بكون
الانسحاب الأمريكي في حال تحققه يعني تدشين مرحلة التقسيم فعلياً على أرض
الواقع، وبأيدي العراقيين أنفسهم، يعني بأسلوب ديمقراطي، وهو ما يتجنب
كثيرون الخوض فيه، وإلا فماذا يمكن أن يحدث لو قرر الأمريكيون الانسحاب
فوراً من أفغانستان والعراق؟ وهو ما ينقلنا إلى سؤال أصعب: هل بقاء الأمريكيين
في هذه المرحلة أفضل أو انسحابهم؟ ومحاولة الإجابة عن هذا التساؤل هي الفتنة
التي وقع فيها بعض الإسلاميين في العراق كما سبق، والسر يكمن ليس في معرفة
الجواب؛ بل في تحديد السؤال الصحيح.
ثانياً: التفريغ السياسي:
هناك مفهوم سياسي يمكن أن نطلق عليه «تزاحم القوى» ، يمكنه تفسير
ديناميكية التوازن بين القوى السياسية الإقليمية والمحلية، ومن ثَمَّ تفسير طريقة
التفكيك السياسي لأي دولة، ويفيد هذا المفهوم أن: منطقة النفوذ التي تتنازل عنها
قوة دولية أو إقليمية أو محلية جبراً أو طوعاً لا تبقى أبداً فارغة، بل تُشغل على
الفور من قِبَل قوة أخرى فاعلة؛ لكي يتحقق التوازن وفق الوضع الجديد.
وهذا المفهوم يستخدم بتوسع من قِبَل الأمريكيين في إحداث تفريغ سياسي
داخل الدولة الإسلامية المستهدفة عن طريق ممارسة ضغوط على نظامها السياسي
الحاكم؛ بحيث يتخلى عن بعض نفوذه، وفي مقدمة ذلك العقد الذي تنتظم فيه القوى
السياسية المحلية؛ بحيث تحدث خلخلة سياسية تتيح للأمريكيين الدخول كشريك
رئيس في اللعبة السياسية الداخلية، ويُستخدم النفوذ الأمريكي من قِبَل أطراف
مختلفة في تدعيم مواقفهم في مواجهة النظام الحاكم، ويعاد رسم الخريطة السياسية
من جديد بعد إضافة الشريك الأمريكي.
ويمكن فهم الأمر بطريقة أخرى، فمن المفترض أن أي دولة لها أهداف
استراتيجية كبرى يكون العمل على تحقيقها مهمة النظام الرئيسة، وهذه الأهداف
مثل: تحقيق الاستقرار والتقدم، والتحول إلى قوة إقليمية، والحفاظ على الوحدة
الداخلية، وتطوير القوات المسلحة، ونصرة القضايا العربية، ومنها أيضاً حماية
النظام لنفسه، وهو أمر معتبر، والذي يحدث أن الضغوط الأمريكية ومنها إشاعة
مخططات التقسيم وترويجها تؤدي تدريجياً إلى اختزال الأهداف الاستراتيجية
للنظام، حتى لا تترك له غاية إلا حماية نفسه، وذلك يعني فراغاً سياسياً داخلياً
كبيراً لا بد أن تشغله قوى أخرى، ويعني أيضاً سهولة توجيه النظام لخدمة
المصالح الأمريكية، والمتأمل في حال أغلب الدول الإسلامية يلحظ بسهولة أنه لم
يعد لها أدوار خارجية مؤثرة، وتآكل دورها الإقليمي إلى حد كبير، وطرأ خلل
واضح على مفهوم العلاقة بين الدولة والنظام؛ متمثلاً في سؤال: هل النظام يحفظ
الدولة، أو أن الدولة تتولى حماية النظام؟
ثالثاً: تحفيز الأقليات:
كثير من الدول الإسلامية ذات تمايز عرقي أو طائفي أو قبلي، ويعتبر وجود
الأقليات أحد عوامل التوتر وعدم الاستقرار الدائمين في أي دولة، ومدخل رئيس
لأعدائها في محاربتها. وتحرص أجهزة المخابرات الأمريكية على ترسيخ علاقات
قوية مع جميع الأقليات في الدول الإسلامية، في السر والعلن، حسب كون
المعارضة خارجية أو داخلية، وتعتبر الأقليات أحد وسائل الضغط السياسي لخلخلة
النظام في الدولة وإضعاف مركزيته، ويمكن تقسيم الأقليات باعتبار تأثيرها إلى:
أقليات ناشطة، وأقليات نائمة، والأولى تتميز بحركة سياسية قوية، ومطالب
واضحة، وعلاقات راسخة مع الأمريكيين، ويصل نفوذها في بعض الدول درجة
مواجهة السلطات، والاتصال بالمسؤولين الأمريكيين عند حدوث أي أزمة، ويصح
أن يطلق عليها دولة داخل الدولة، ومثل هذه الأقلية تصبح عنصراً مهماً في تفكيك
الدولة، وفسح المجال للنفوذ الأمريكي.
أما الأقليات النائمة؛ فليس لها مطالب واضحة، ولا نشاط سياسي قوي،
ويحاول الأمريكيون في الفترة الأخيرة الاتصال بممثلين لهذه الأقليات في دول
مختلفة، والعمل على إيقاظها وتحفيزها، للاضطلاع بدور مستقبلي.
رابعاً: العد التنازلي:
وهو مرحلة متقدمة من الضغط السياسي، تصبح فيها الأزمة مع الأمريكيين
أزمة وجود، بالنسبة إلى نظام الدولة الإسلامية بالطبع، وتعطي الإدارة الأمريكية
تحذيرات واضحة، ومهلة محددة أحياناً لتنفيذ المطالب.
وقد تعرضت لهذا الأسلوب بالتحديد أربع دول إسلامية (أفغانستان، العراق،
ليبيا، سوريا) ، في اثنتين منها (أفغانستان، العراق) وصل العد إلى الصفر،
وفي واحدة منها (ليبيا) تدارك النظام نفسه وأوقف العد على الطريقة الأمريكية،
وفي الأخيرة (سوريا) يبدو الحال متأزماً، وخاصة أن الخيارات الأمريكية كثيراً
ما تحصر الدولة المهددة بين: سُمٍّ وسيف، وفي النموذج السوري؛ جاء الهجوم
«الإسرائيلي» قرب دمشق ليعلن بصراحة أن لا قابلية لوجود دولة البين بين؛
فإما التحول إلى نموذج صدام الرافض وتحمل العواقب، وإما التحول مائة
وثمانين درجة بطريقة درامية.. كما فعل القذافي.
خامساً: الشرعية التاريخية:
يعتقد الغربيون بقوة في قدرة المرجعية التاريخية على التأثير في الواقع،
وبصفة عامة؛ فإن أي قوة سياسية في أي بلد تتخذ من إحدى نقاط التاريخ محوراً
ومرجعية لها، ففي مصر مثلاً يرى الليبراليون أن فترة حكم الوفد والانتخابات
الديمقراطية فترة ذهبية، ويرى الناصريون أن فترة حكم عبد الناصر ينبغي أن
تكون مرجعاً محورياً للأمة كلها، والإسلاميون يتخذون من الخلافة العثمانية أقرب
مرجعية تاريخية لهم، وتسعى كل قوة إلى العودة بالواقع لمطابقة مرجعيتها
التاريخية، ويتسلل الأمريكيون من هذه الرؤية التاريخية؛ لتسويغ تفكيك بعض
الدول الإسلامية، حيث تفترض أن وضعاً ما في التاريخ المعاصر لهذه الدولة هو
وضع طبيعي، ويكون هذا الوضع عادة تفكيكياً قبل التوحد، فتعتبر هذه المرحلة
من التاريخ هي المرجع، وأن الواقع ينبغي أن يدور لمطابقتها مرة أخرى، ولا
شك أن ذلك سوف يكون لحساب أطراف دون أخرى.
وقد حاولت الإدارة الأمريكية استخدام هذه المرجعية التاريخية في كل من
أفغانستان والعراق، عن طريق الملك ظاهر شاه، والشريف حسين.
سادساً: الضربات العسكرية الخاطفة:
دشنت الحكومة (الإسرائيلية) أسلوباً جديداً في هذا المجال، وذلك بضربتها
الجوية الخاطفة لمخيم «عين الصاحب» في سوريا، وهذه الخطوة ربما يكون
الدافع الرئيس لها هو النيابة عن الإدارة الأمريكية المتورطة عراقياً في معاقبة
بعض الدول المشاغبة، لكن بأسلوب «الأنماط الحاكمة» الأمريكي الذي سبق
الحديث عنه، وبذلك تكون هذه الضربة نمطاً حاكماً لما يليها بالصورة الآتية:
ضربة لمخيم فارغ - ضربات داخل دمشق لمراكز الفصائل الفلسطينية - ضربة
جوية للمفاعل الإيراني - ضربات جوية لتحييد القدرة النووية الباكستانية، وقد
تستغرق هذه التتابعية أشهراً أو سنوات، لكن ما يهمنا هنا أن هذه الضربات تنشئ
نوعاً من الاضطراب السياسي الداخلي؛ لأن النظام المستهدف يتم ضربه دون أن
يقدر على الرد؛ لأنه يعلم أنه يُستدرج إلى حتفه، ومن ثَمّ تتزايد حالة الاحتقان
الداخلي، وتضعف سيطرة النظام.
وهذا الأسلوب يعتبر حلاً بديلاً - أو مؤقتاً - للخطة الأمريكية الأصلية،
والتي سربها الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك المرشح الأمريكي الديمقراطي
لانتخابات الرئاسة القادمة، في كتاب له؛ أنه بلغته معلومات منذ عام ٢٠٠١م،
وقبل هجمات سبتمبر، بوجود خطة أمريكية لاحتلال خمس دول بعد العراق؛ هي:
سوريا وليبيا ولبنان والصومال وإيران.
وتبقى قدرة الأمريكيين والإسرائيليين على إيجاد المسوّغات لتوجيه مثل هذه
الضربات عاملاً محدداً، ويلاحظ مؤخراً أن هناك نشاطاً غير معتاد في توجيه باقة
متنوعة من الاتهامات لمختلف دول المنطقة، وهذا بدوره يثير حالة من القلق
والتوقعات غير المرغوب فيها.
* من يحمل الهم الإسلامي؟
هناك إجراءت لا بد أن تُتخذ، وهناك ردود أفعال لا يمكن أن تغيب في
مواجهة مؤامرة تفكيك العالم الإسلامي وتقسيمه، والخطاب هنا موجه إلى أربع
فئات على وجه التحديد: الحكومات - الشعوب - التيارات الإسلامية - المقاومة.
أولاً: الحكومات:
يرى كثيرون أن الخطاب الموجه للحكومات في هذا المجال خطاب عبثي،
لعدة أسباب، لعل من أبرزها اختلاف المنطلقات والرؤى والأهداف، ولكن مع ذلك
يظل توجيه الخطاب إليهم لازماً.. ولو باعتبار وعظي.
وتتبدى ملامح العجز لدى كثير من حكومات الدول الإسلامية في أمرين
رئيسين:
- السعي إلى امتلاك القوة العسكرية.
- القدرة على استخدام القوة سياسياً وعسكرياً.
أما أولهما؛ فقد تراجعت في أغلب الدول جهود السعي إلى امتلاك قوة
عسكرية بارزة، خاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وفي العالم العربي تحديداً
قلَّ أن تجد دولة تعقد صفقة عسكرية ملفتة، تُحدث نقلة نوعية في الميزان العسكري
مع العدو الصهيوني، ولا ينبغي أن نُخدع بالمليارات التي تدفع لشراء مجموعة
طائرات الإف، فهذه الأسراب الحاشدة تنتظر تمام التطبيع والسوق الشرق
الأوسطية؛ لكي تتولى «إسرائيل» مهمة تحديثها وتطوير أنظمتها أسوة بما يحدث
مع الهند وتركيا، بل إن أهم المنتوجات التي سيتم تبادلها مع اليهود في هذه
المرحلة: المنتوجات العسكرية الأمريكية بما فيها قطع الغيار اللازمة، والتي
صُنعت في المصانع «الإسرائيلية» .
وطيلة أكثر من ثلاثة عشر عاماً لم نسمع أن دولة عربية واحدة تجاوزت
الحدود في هذا المجال، أو ضُبطت لها صفقة صواريخ متطورة، أو حاولت
امتلاك أحد أسلحة الردع الشامل.
أما بالنسبة للقدرة على استخدام القوة المتاحة عسكرياً أو سياسياً؛ فذاك من
مواطن الضعف البارزة عربياً وإسلامياً، نتيجة الفوضى الحادثة في منظومة
الأهداف الاستراتيجية للنظام، والرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان له عبارة
معروفة، يقول: «إن أمن أي دولة يتوقف على عزمها على استخدام القوة أكثر
مما يتوقف على رغبتها في التفاوض» . ونضرب مثالين على ذلك بدولتين
إسلاميتين:
فباكستان تملك قوة ردع هائلة، وصناعة عسكرية متطورة، ولكنها تحولت
بين يدي نظام برويز مشرف إلى عامل ضعف وانهزام، وصرنا أمام حالة سياسية
فريدة من نوعها: نظام باكستان ينهزم في مواجهة الضغط عليه لامتلاكه السلاح
النووي؛ بدلاً من أن يضغط هو بالسلاح نفسه لتحقيق مطالبه وتخفيف الضغوط!
وفي برنامج وثائقي قدمته البي بي سي عن إرهاصات حرب أمريكا على
أفغانستان؛ صرح مسؤولون أمريكيون بارزون: أن أربعة فقط من الضباط الكبار
في الجيش الباكستاني كانوا سيتسببون في إخفاق ذريع لخطة بوش لو أصروا على
موقفهم الرافض لتقديم الدعم لقواته العسكرية، ولم تكن أمريكا تملك في مواجهة
باكستان أكثر من تفعيل الحصار الذي تفرضه عليها أصلاً منذ التفجيرات النووية.
والكيان المحاصر يتحتم عليه البحث عن مخرج لفك حصاره، وليس البحث عن
جحر يفاقم أزمته!
وهذا الفهم البسيط لهذه الإشكالية يغيب عن دولة نووية، ولكن تستوعبه حركة
مقاومة مثل حماس؛ حيث يتصرف قادتها بناء على حقيقة مهمة، وهي أن العدو قد
فقد كل وسائل الضغط في مواجهتهم، ومن ثَمَّ لا مسوِّغ للانكماش.
وفي المقابل.. فإن نظام صدام حسين الذي كان قد فقد أسباب قوته؛ يجاهر
باستخدام القوة، ويهدد بدحر الأعداء وقهر المعتدين، في حين تبين لاحقاً أن صدام
يعجز حتى عن مجرد الذود عن ولديه، فصدام كان يهدد بقوة لا يملكها، ومشرف
كان يملك قوة لا يستخدمها، وبقية الدول الإسلامية حالهم بين هذا وذاك!
ثانياً: الشعوب الإسلامية:
كانت الحكومات والحركات والتنظيمات تمارس من قبل أدوارها في آفاق
بعيدة نوعاً ما عن الاهتمامات الشعبية اليومية، ولكن اليوم تغير الحال، وتدنت
السُّقف حتى لامست الرؤوس، ولم يعد هناك مجال للحركة دون استئذان، ولكن
الشعوب لا تبالي، وهذا يعني أن جهود أدلجة الفساد والفسق والفواحش من قِبَل
علمانييِِ النظام والفوضى؛ قد لاقت نجاحاً كبيراً في تشويه الشخصية الإسلامية،
وتحولت المأساة الإسلامية إلى خبر يومي متكرر لا تتغير فيه إلا الأسماء والأرقام،
وصارت العقلية الجماهيرية تنتعش يسيراً ببعض الدماء الرطبة، ولا تشعر بأطنان
الدماء اليابسة، تتفاعل بحرقة مع مشهد الدرة، ثم لا تتأثر بمئات الدر التي يهراق
دمها يومياً، تثور وتغضب من زيارة شارون للأقصى، ثم لا تشعر بفتح شارون
باب الزيارة أمام مئات من اليهود، يقول بعض الناس إن ثورة الجماهير في وقتنا
الحالي ربما تكون علامة مرضية أكثر منها صحية. والحال هكذا، حيث الثورة لا
تعني إفاقة بقدر ما تعني نجاح وسائل الإعلام في استثارة المشاعر.
والحاصل أن قدرة الشعوب على حمل الهمّ الإسلامي لا تعدو آنياً كونها قدرة
تشجيعية تفتقر إلى من يطورها ويوجهها؛ بما يعني أن الشعوب لا تسابق، لكنها
ميدان للسباق، وهذه حقيقة مهمة ومؤثرة.
ثالثاً: التيارات الإسلامية:
مَرَّ بنا أن الأمريكيين قدّموا رؤية جديدة للاستعمار، اختزلت مراحله الزمنية
بصورة غير مسبوقة، ومع تداول احتمالات التفكيك والتقسيم لدول إسلامية كبرى؛
فإن مواجهة هذا الخطر برؤى فكرية صيغت قبل عشرات السنين؛ يُعَدُّ تقصيراً في
حق الدين والأمة، والعبء الأكبر في ذلك يقع على عاتق الإسلاميين، والمطلوب
صياغة فكر استباقي في مقابل الفكر الارتدادي الذي تروِّجه تيارات مختلفة، فكر
يكون من أهم ملامحه استيعاب جميع المتغيرات، وأهمها أنه يواجه استعماراً متعدد
المراحل، ومنها قدرته على الاستفادة من أخطاء الماضي في مواجهة الاستعمار،
والتعلم من تجربة سرقة علمانيي مرحلة الاستقلال لمجهودات الحركة الإسلامية.
هذا الفكر ينبغي أن يقدم للأمة رؤية موحدة، وخيارات متعددة، تستبق
الأحداث وتخرج من أسر ردود الأفعال، وتتجهز لما هو آت؛ حتى نتجاوز مرحلة
الصدمة التي يتعرض لها الإسلاميون في كل هجمة من قِبَل الأعداء.
إن متابعة أداء الإسلاميين في الفترة الأخيرة، خاصة في أعقاب الحرب على
العراق؛ لا تعطي صورة متفائلة، فبينما لا يزال الجدل محتدماً حول جدوى العمل
السياسي في ظل أنظمة غير ديمقراطية؛ يفاجئنا بعض الإسلاميين في العراق
بتسويغ العمل السياسي في ظل المحتل الصليبي، ومن لوازم ذلك: تجريم كل
حركات المقاومة للاستعمار القديم والجديد، والسلوك الأعجب تمثل في رد الفعل
لدى الإسلاميين، والذي تراوح بين اللامبالاة، وبين اعتبار ذلك شأناً عراقياً،
وأهل بغداد أدرى بدروبها! وبذلك فإن الإسلاميين يواجهون مؤامرات التفرقة؛
بتجزئة المواقف، وأقلمة الثوابت، وإعادة إنتاج الأخطاء القديمة، وإنه من أكبر
الخلل حالياً أن يقال عن فعل إسلامي في بلد ما إنه شأن داخلي، والدول الإسلامية
قد تحولت بأسرها إلى سفينة واحدة، ليس انطلاقاً من مفهوم ديني للأسف، ولكن
وفق مخططات التآمر الأمريكي، فكيف يليق بنا مع هذا أن نصف أفعالاً جوهرية
بأنها شؤون داخلية؟!
وفي مجال التوحد بين التيارات الإسلامية لم تُقدم إلى الآن استراتيجية فعالة،
وبات كثير من الإسلاميين يَعُدُّون من ضمن الثوابت التراكمية: استحالة أن يتم
التوحد أو على الأقل تضافر الجهود وتنسيقها عن طريق التواصل بين قادة التيارات
المختلفة جغرافياً ومنهجياً، ولكن كان هذا في الماضي، فهل قُدمت رؤية جديدة
لتمهيد هذا الطريق؛ ومعلوم ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج فعالة؟
وقد يرى بعضهم أن إقامة كيانات جديدة يكون هدفها لمّ الشمل، وتوحيد
الرؤى؛ هو إجراء كاف، ولكن الأمر أعجل من ذلك، وخاصة أنه قد بدرت بوادر
غير محمودة العواقب لتوجهات من قِبَل بعض الحركات الإسلامية التي تبدي تأثراً
إيجابياً في مواجهة الجائزة التي يلوّح بها الأمريكيون على طريق العمل السياسي
نموذج حزب العدالة والتنمية التركي في ظل نظام علماني مطلق النموذج التركي،
وهذه البوادر منها: التبرؤ الفكري والمنهجي من قطاعات عريضة من الإسلاميين
بديلاً للتوحد وترسيخ نظرية الشأن الداخلي في التعامل مع الفصائل الإسلامية بديلاً
للشراكة، وللأسف هذه هي نوعية الفكر الاستباقي التي تمت صياغتها حتى الآن
في الأوساط الإسلامية!
أمر أخير يحتاج إلى مراجعة، وهو حتمية تخلص الإسلاميين من رؤية الحل
الواحد التي يتقيدون بها، والتي توقع العمل الإسلامي في وضعية الأزمة عندما
يتبين عدم ملائمة الرؤية لتطورات الأحداث، ونوضح أكثر فنقول: إن تقويمنا
لحالة التفكيك والتقسيم بأنها مصيبة كبرى قد تلحق المسلمين؛ لا يعني عدم بلورة
رؤية مناسبة للعمل في ظل وضعية كهذه بافتراض حدوثها.
رابعاً: المقاومة:
ثلاث دول إسلامية.. المقاومة فيها تقف حاجزاً في طريق إكمال مؤامرة
التفكيك والتقسيم: أفغانستان، العراق، فلسطين. ففي باكستان تتمثل المهمة
الرئيسية لنظام مشرف حسب الرؤية الأمريكية في التعامل مع منظومة: المقاومة
- البعد الديني لدى الباشتون - الحدود الأفغانية، وفي حال قُضي على المقاومة،
وكُللت مساعي مشرف بالنجاح في علمنة الباشتون وتأمين الحدود؛ فإن الغاية من
بقائه تتلاشى، ويتم الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي تقسيم الدولة الباكستانية،
وقد تحدثت دراسات أمريكية عن توقع ذلك مع العام ٢٠١٠م.
وفي العراق وفلسطين؛ تفعل المقاومة الشيء نفسه عن قصد أو بدون قصد،
حيث أدت المقاومة الفعالة إلى وقف هذه الخطط التي تحدث عنها كلارك سابقاً
وتأجيلها، وربما إلغائها، وهذا يلفت الانتباه إلى أن تأثير المقاومة خارج حدودها
أصبح أكبر بكثير من تأثيرها داخل الحدود، ولذا ينبغي أن يتقرر في حسّ هذه
المقاومة وفي عقلية منظريها ومخططيها؛ أنها تقوم بدورين متلازمين: السعي إلى
طرد المحتل من بلدهم إرهاق وتعطيل قوات المحتل عن متابعة مخططها في
المنطقة. وقد يعتقد البعض تماثل الدورين، ولكن عند التدقيق وليس هذا مجال
بحثه يتبين الفارق!
أمر آخر يلزم المقاومة في العراق، وهو إيجاد غطاء سياسي، أو عمل
سياسي متزامن مع المقاومة، وفي أفغانستان بعد البروز الأخير لطالبان وفي
فلسطين يتوفر هذا الغطاء أيضاً؛ لذا تتمكن المقاومة من حصاد مجهوداتها
وتضحياتها، وقد تسربت مؤخراً أنباء عن محاولات أمريكية للاتصال بحركة
طالبان وإغرائها بالسيطرة على بعض المناطق، كما أنه من أهم الأسباب التي
دفعت الكيان الصهيوني لمحاولة تصفية الجناح السياسي لحماس؛ أنه كان فعالاً في
توظيف مكاسب المقاومة لصالح الحركة والقضية الفلسطينية، لكن الأمر يختلف في
العراق، في غياب عمل سياسي، حتى على مستوى أهل السنة عامة، والعمل
السياسي الأبرز كان المشاركة في مجلس الحكم، وتبدو الأزمة فاعلة لو افترضنا
انسحاب القوات الأمريكية بتأثير المقاومة، فمن سيحصد مكاسب المقاومة؟ ?
* خاتمة:
تحدث مالك بن نبي ﵀ قبل عشرات السنين عن القابلية للاستعمار
بوصفها داءً خبيثاً يُطوّع البلاد الإسلامية لمحتليها، والمؤسف أنه بعد نحو خمسين
عاماً من الاستقلال عن الاستعمار القديم؛ تبدي كثير من الدول استعداداً واضحاً
للتفكك بيد الاستعمار الجديد، وحتى في حال تعطل مخططات الاستعمار لا يبدو
عليها تأثر إيجابي، وتظل تسير في الطريق بفعل القصور الذاتي؛ رغم أن النتائج
الاستراتيجية للحرب الأمريكية على العراق تدعو إلى التفاؤل بتضاؤل التهديد
الأمريكي، ومن أبرز هذه النتائج:
- تعجز الولايات المتحدة تماماً عن احتلال بلدين احتلالاً عسكرياً شاملاً في
وقت واحد بقوات برية حاشدة.
- لا تستطيع القوات الأمريكية بوضعها الحالي أن تشن حربين شاملين على
بلدين مختلفين في الوقت نفسه، وحتى الآن تبدو قدرتها على شن حرب جديدة دون
تحقيق حد أدنى من الانتصار في حربها الأخيرة أمراً مشكوكاً فيه.
- قدرة مقاومة محدودة في عددها وعدتها على تعطيل مخطط استراتيجي
لدولة عظمى.
- تأكدت في الحرب الأخيرة مقولة: إن الأمريكيين يندفعون لتنفيذ مخطط ما؛
تحت ضغط مجموعة متداخلة من المصالح الفردية والجماعية والرؤى؛ بطريقة
تمنعهم من تدبير رؤية تخارجية على المستوى نفسه من التخطيط.
- من مظاهر الخلل الرئيسة في النظام السياسي الأمريكي: قصر فترة
الرئاسة أربع سنوات؛ أي أن قرارت الرئيس الأمريكي تخضع لتعقيدات الربح
والخسارة بصورة كاملة في فترة السنة والنصف الأخيرة، وتتميز الفترة الأولى
بالقدرة على اتخاذ قرارات جذرية وجريئة؛ بينما تصبح قرارات الفترة الأخيرة
محسوبة بدقة شديدة.
هذه النتائج من شأنها أن تحدث حالة من الاطمئنان في الأوساط السياسية،
ولكن بدلاً من ذلك أحدثت حالة من القلق؛ لأن العقول تفككت منذ زمن، وتثاءبت
على مصالح وقتية، تجعلها تظل ساكنة في انتظار التعافي الأمريكي؛ بما يذكِّر
بحالة المسلمين أيام الغزو الصليبي الأول.. حينما كان العلج الرومي يأمر ضحاياه
المعدّين للذبح بانتظاره ريثما يتفرغ لهم، وكانوا - للأسف - ينتظرون..!
стр. 4740
المسلمون والعالم
أزمة الليبراليين العرب
الكويت أنموذجاً
مركز أبعاد للخدمات الإعلامية المتكاملة
اختصر الليبراليون في الكويت مساحة وجودهم في مواجهة مع التيار
الإسلامي حول حفل غنائي، ويبدو أن إقامة الحفل أو منعه يساوي في نظرهم
فرض الثقافة الليبرالية في المجتمع أو حظرها.. فهل بعد نصف قرن وأكثر من
الطرح الليبرالي في دولة صغيرة المساحة قليلة السكان، لا يتجاوز الفكر الليبرالي
مساحة الكلام والتصريحات.. فأين موطن الخلل؟ وما أسبابها؟ وكيف يبدو
مستقبلهم في ضوء معطيات الواقع السياسي والاجتماعي في الكويت؟ الملف يرصد
تلك المحاور، انطلاقًا من الماضي إلى آفاق المستقبل، مرورًا بالواقع الراهن.
ونقطة البدء: هل توجد ليبرالية حقيقية في الكويت أو مفاهيم خاصة
لمجموعة أفراد تحتذي بأفكار مستوردة؟ وما نوع الليبرالية الكويتية.. أوروبية
المصدر أم أميركية التوجه.. أو هي خليط غربي مع واقع محلي مرتبط بمصالح
آنية؟!!
* ما الليبرالية؟
أولاً: ما الليبرالية؟
هي كلمة ليست عربية، وترجمتها كما جاء في الموسوعة الميسرة مذهب
رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، وقوامها
الاستقلالية، ومعناها التحرر التام من كل أنواع القيود والإكراه الخارجي: دولة،
جماعة، فردًا، ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاق نحو
الحريات بكل صورها: مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية.
والليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط
الدولة «الاستبداد السياسي» ، وتسلط الجماعة «الاستبداد الاجتماعي» ؛ لذلك
فإن الليبرالية لا تتحقق إلا من خلال طرفين:
- الفرد في ذاته بتحقيقه التحرر الذاتي بالانفلات والانطلاق مع شهوة النفس
والعقل.
- الآخر الذي يملك السلطة (دولة أو مجتمع) بكفه عن التدخل وفرض
السيطرة.
ويقوم المذهب الليبرالي على العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة أو أي
نشاط بشري على العموم في كافة المجالات، بل لا تكون الدولة ليبرالية إلا حيث
تكون العلمانية، ولا تكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.
ثانيًا: الليبرالية أنوع:
ليبرالية فكرية: وهي مذهب لا يحظر أي دين، لكنه لا يدعو إلى أي عقيدة،
ولكل فرد أن يعتنق ما يشاء.
وليبرالية سياسية: وهي نظام سياسي يقوم على ثلاثة أسس، هي:
- العلمانية.
- الديموقراطية.
- الحرية.
وليبرالية اقتصادية: تقوم على منع الدولة من التدخل في أي نشاط اقتصادي،
ومنها تولي كافة الوظائف صناعية أو تجارية.
والليبرالية نشأت في أوروبا في القرن الثامن الميلادي كرد فعل من قهر
الكنيسة وقمعها واستبدادها؛ لذلك فالليبرالية الأوروبية قائمة على التحرر من كل
شيء، وتدعو إلى الحرية المطلقة دون أي ضابط، وكان ثمار هذا الاتجاه هو
تفشي الجرائم وانهيار منظومة القيم، وانهيار الأسر؛ لذلك ظهرت دعاوى كثيرة
في السنوات الأخيرة تدعو إلى فرض القيود لضبط هذا التحرر المدمر ولجمه.
* الليبرالية الجديدة:
وفي العصر الحالي ظهرت الليبرالية الجديدة، أو كما يسميها أحمد الديين
الكاتب في «الرأي العام» الكويتية والأمين العام السابق للمنبر الديموقراطي
واجهة الليبراليين في الكويت: «النيوليبرالية» ، ويمثلها الليبراليون الجدد في
الكويت، وقوامها الفهم الأميركي، أو ما تريده أميركا بعد ١١/٩/٢٠٠١م، وهو
اتجاه ضد الليبرالية الأوروبية القديمة، وقوامه الموافقة على مبدأ استخدام القوة
العسكرية لفرض الهيمنة والأفكار في عصر العولمة؛ فلم يعد للحريات الإنسانية
مكان؛ وبديلها الحريات التي تمليها القوة الكبرى، وحددت أميركا مفهومها الجديد
لليبرالية بقول الرئيس جورج بوش بعد ١١ سبتمبر: «إما أن تكون معنا، أو
ضدنا» .
وأصبحت المعادلة الجديدة لليبرالية في العالم العربي وفي القلب منها الكويت:
(العولمة + الدور البوليسي للقوة الكبرى الليبرالية الأوروبية «الحرية المطلقة»
= الليبرالية الجديدة) .
وفي ضوء ما سبق؛ فإن مصطلح «الليبراليين» في الكويت تغمره ضبابية
كثيفة؛ حيث تلتقي في تجمع واحد الفصول الأربعة، فتجد المؤمن بالاشتراكية
يصطف مع من يؤمن باقتصاد السوق الحر، والاشتراكي الثوري مثل النائب
السابق (أحمد الربعي) ، والكاتب (عبد اللطيف الدعيج، وأحمد الديين) [*]
الذين أسسوا الحركة الثورية الشعبية، وقاموا بسلسلة تفجيرات في الكويت عام
١٩٦٩، هؤلاء الآن في مظلة واحدة مع الداعين إلى التدخل الأميركي في المنطقة،
كما يقف القومي في خندق واحد مع الأممي، ومن يمثل الكادحين في دائرته
الانتخابية يدعو إلى الخصخصة في مجلس الأمة، وهو موقف النائب السابق عبد
الله النيباري، وهكذا يتشكل التيار الليبرالي في الكويت من كوكتيل من الأفكار
والمفاهيم والتحولات.
الضبابية حول التيار الليبرالي في الكويت أسبابها خمسة:
١- الجذور والنشأة.
٢- الانقسامات.
٣- التحولات المرحلية.
٤- اختلاف المرجعية.
٥- الانفصال عن الواقع.
وعن السبب الأول: وهو الجذور والنشأة يتفق غالبية الكُتَّاب والمحللين
لتجربة التيارات السياسية في الكويت، على أن الفكر الليبرالي واكب تأسيس حركة
القوميين العرب في مطلع الخمسينيات، والحركة ولدت على يد مجموعة من
الطلاب العرب كانوا يدرسون في الجامعة الأميركية في بيروت، منهم: د. جورج
حبش، ود. وديع حداد من فلسطين، ود. هاني الهندي من سوريا، ود. أحمد
الخطيب من الكويت، والأخير كان وراء تصدير الحركة إلى داخل الكويت
وانتشارها في الخمسينيات وأوائل الستينيات.
وحاول الخطيب ورفاقه تطبيق الفكر القومي في بلد صغير قبلي، ورغم المد
الذي حدث للحركة، فلم يكن السبب هو قبول المجتمع بفكر الخطيب ورفاقه، بقدر
ما كان توجهاً عاماً سائدًا في الوطن العربي.
والفكر القومي الذي اقترب من العنف الثوري أحيانًا، لم يكن يأخذ من
الليبرالية السائدة في العالم إلا الليبرالية السياسية والفكرية دون الليبرالية الاقتصادية،
وكان ذلك أول إشكالية تواجه الليبراليين في الكويت.
السبب الثاني: لضبابية الفكر الليبرالي في الكويت، هو الانقسامات؛ فقد
شهدت حركة القوميين العرب على امتداد فروعها في الوطن العربي ومنها الكويت
انقسامات وانشقاقات قادتها العناصر اليسارية ضد القيادة التاريخية للحركة الأم،
وبرزت حركات جديدة يقودها أجيال أخرى من الليبراليين مثل «حركة التقدميين
الديموقراطيين الكويتيين» ، «وحركة العمل الديموقراطي في الكويت» وغيرها
من الحركات الصغيرة، وأدى ذلك إلى تراشق الرفقاء والمزايدة على بعضهم
البعض، وإدانة كل منهما أفكار الأخرى، فزادت غربة الليبرالية عن المجتمع،
وفقد كثيرون من الذين انخرطوا في حركة القوميين العرب الثقة بهذه الأفكار، وهذا
هو السبب في القول بأن العصر الذهبي لليبراليين في الكويت كان في الخمسينيات،
وحتى أواخر الستينيات عندما اكتشف الناس الهوة بين الأفكار والشعارات
المطروحة، خاصة بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧م، والواقع المجتمعي.
لكن التدهور الحقيقي لحركة القوميين العرب كان الانقسام الثلاثي بين ثلاثة
معسكرات رئيسية؛ حيث فضل الخطيب وأحمد المنيس، انتقاد الناصرية، وسميا
مجموعتهما بـ «التجمع الديموقراطي» واختطا لنفسيهما برنامجًا اشتراكيًّا.
وتمسك جاسم القطامي ومجموعته بالناصرية تحت مسمى «التجمع الوطني» ،
وكان المعسكر الثالث الأكثر خطورة - كما قال فهد البلوشي في كتابه: «حقيقة
اليسار والليبراليين في الكويت» - وسمي بـ «الحركة الثورية الشعبية» وقادها
الربعي وعبد اللطيف الدعيج والديين، وهذه المجموعة تبنت الماركسية اللينينية
نظريًّا وعمليًّا من خلال سلسلة من عمليات التفجير عقب عقدهم المؤتمر التأسيسي
لحركتهم في ١١ - ١٥/٢/١٩٦٩م.
السبب الثالث: التحولات المرحلية: فلم يثبت أعضاء حركة القوميين العرب
على اتجاه، وإنما شهدت الحركة تحولات فكرية حادة، وتوزع تاريخ الحركة على
ثلاث مراحل:
١- مرحلة البناء والتنظيم، وساد خلالها الاتجاه القومي؛ حيث كان رواد تلك
المرحلة، ومنهم (علي ناصر الدين، وقسطنطين زريق) يرفضون جعل قضية
العرب إسلامية، ويرون أن القومية العربية لن تحقق ذاتها إلا بالعلمانية، ورغم
التوسع الجماهيري الذي شهدته الحركة في هذه المرحلة، إلا أنها عانت من
الضعف التنظيمي؛ حيث اهتمت بإطلاق الشعارات والطرح الفكري على حساب
الجانب التنظيمي.
٢- مرحلة الانتشار السياسي والتنظيمي، وهي مرحلة الماركسية - اللينينية:
حيث استوردت حركة القوميين العرب - ومنهم فرع الكويت - فكرها من مصادر
متعددة مثل ماركس، ولينين، وكاسترو، وجيفارا، وتروتسكي، كما ارتبطت
بالأحزاب الشيوعية في مصر ولبنان، وغلب على هذه المرحلة العنف الثوري،
لتبدأ بعدها عملية أفول نجم حركة القوميين العرب، وفقدانهم مراكز النفوذ تباعًا؛
حيث فقدوا السيطرة على نادي الاستقلال، والاتحاد الوطني لطلبة الكويت،
ونادي الخريجين، ونقابة العمال، وذلك مع مطلع الثمانينيات.
السبب الرابع: اختلاف المرجعية؛ فلم تكن أخطار الليبراليين في الكويت
وليدة احتياجات واقعهم المحلي، إنما مستوردة من الخارج من خلال بعثات الطلاب
التي تركزت أولاً على الجامعة الأميركية في لبنان، وعلى الجامعات المصرية،
فكان التأثر الشديد بالناصرية في حقبة الستينيات، وعندما حدث زخم في البعثات
الدراسية إلى أميركا في منتصف الستينيات، عاد هؤلاء الطلاب مع مطلع
السبعينيات بمرجعية جديدة لليبرالية، ومن هؤلاء: د. أحمد بشارة، الذي يقود
التجمع الوطني الديموقراطي باعتباره أبرز واجهات الليبراليين في الكويت مع
المنبر الديموقراطي. وأدى اختلاف المرجعيات إلى انقسامات بين الليبراليين
وصعوبة الوحدة تحت مظلة واحدة، وهو ما أثَّر على مساحة نفوذهم في الشارع،
رغم نفوذهم كأفراد ورموز حركية للتيار الليبرالي.
السبب الخامس: انفصال رموز التيار الليبرالي عن الواقع؛ لأن المطالبة
بتطبيق الأفكار المستوردة في الميدانين الاقتصادي والسياسي دون مراعاة تقاليد
المجتمع الكويتي واحتياجاته، وخصوصيته أدى إلى هوة شاسعة وتحول المنخرطين
في هذا التيار إلى منظرين فقط، خاصة أنهم لم يراعوا طبيعة المجتمع الكويتي
المسلم، وطالبوا بتطبيق أفكار ضد الدين الإسلامي، أو على الأقل يستغلها
خصومهم الإسلاميون لتصويرهم على أنهم يعملون لهدم الدين الإسلامي، وهو ما
أدى إلى نفور غالبية الشعب من هذه الأفكار؛ خاصة في المناطق خارج المدن التي
يغلب عليها القبلية.
لكن السؤال: ما السبب في ازدهار الفكر الليبرالي في الخمسينيات
والستينيات؟
وراء ذلك عدة أسباب منها:
- هزيمة العرب في ١٩٤٨م، فكان الشباب العربي بحاجة إلى شعارات
ثورية قد تجلب له الانتصار في الحرب ضد الكيان الصهيوني.
- استغلال شعبية عبد الناصر لتحقيق الانتشار لحركة القوميين العرب.
- الانفتاح الذي واكب نشأة الحركة في فترة حكم الشيخ عبد الله السالم، مما
سهل على أعضائها تأسيس الأندية الثقافية والجمعيات، مثل النادي الثقافي القومي،
والنادي الأهلي، ونادي الخريجين، وإصدار العديد من الصحف مثل
«الطليعة» ، و «الفجر» .
- الدهاء السياسي لزعيم الحركة د. جورج حبش [**] ، حيث اختار لها اسم
«القوميين العرب» ، بعد أن وجد أن الماركسيين العرب أصبحوا معزولين؛
لتأييدهم العلني قرار تقسيم فلسطين.
- سيطرتهم على الاتحاد الوطني لطلاب الكويت لسنوات طويلة، مكنت
الحركة من تجنيد أجيال من الشباب، وتعتبر قائمة «الوسط الطلابي» التي
سيطرت على اتحاد الطلبة حتى نهاية السبعينيات المعبرة عن التيار الليبرالي.
الليبراليون في ربع القرن الأخير بعد انكفاء حركة القوميين العرب وارتداء
حلة جديدة:
خسر الليبراليون مع مطلع الثمانينيات ثقلهم في المجتمع بخسارة السيطرة
على النوادي الثقافية والجمعيات واتحاد الطلبة، واكتفوا بالتحرك فرادى على
الصعيد السياسي من خلال انتخابات مجلس الأمة من خلال آليتين: التجمع
الديموقراطي، وكان يقوده أحمد الخطيب. والتجمع الوطني، وكان يقوده جاسم
القطامي. وترك الليبراليون مشروعهم الأصلي لدرجة أن د. فارس الوقيان
الشمري قال عن ذلك في صحيفة السياسة: «إن الوسيلة التي يناضل بها
الليبراليون عن فكرة تبعث بالضحك والسخرية، فلم أقرأ مؤلفا محليًّا واحدًا عن
نظريات العقد الاجتماعي أو الرأسمالية ... وحتى على صعيد الممارسة، فإنني لم
أشهد في حياتي ندوات ومناقشات عن حقوق الإنسان في مناطق كالجهراء والرقة
وخيطان، وأشك - مثل غيري - أن يذهب الليبراليون بسيارتهم إلى منطقة مثل
الصليبية حيث يعيش بين ظهرانينا شريحة كبرى من البدون» .
وارتدى الليبراليون منذ مطلع الثمانينيات حلة جديدة من الفكر والشعارات
تناسب المرحلة برزت بشكل خاص عقب التحرير، وهي ما تسمى الليبرالية
الجديدة، وقوامها الأساسي «أمركة المجتمع» ، بمعنى نقل المفاهيم والثقافة
الأمريكية إلى الشعب الكويتي واستعداء الضرب على التيار الإسلامي الذي سرق
منه الأضواء في مرحلة مقاومة الاحتلال العراقي.
وتحرك الليبراليون لمواجهة المد الإسلامي عقب التحرير، فأسسوا المنبر
الديموقراطي في ٢/٣/١٩٩١م كإطار واسع لكل روافدهم الفكرية والمذهبية،
ودشنوه باعتباره حزب برنامج وليس حزباً أيديولوجياً، كما قال الديين لصحيفة
«الشرق الأوسط» .
* التوجه السياسي للمنبر:
المنبر اختصر اتجاهه السياسي في شعاره «طريق الكويت نحو النهضة
والتغيير» ؛ لذلك فهو يقدم أولوية الإصلاح السياسي على غيرها من المجالات،
فيركز على مبدأ المساءلة السياسية لمحاسبة كبار المسؤولين، ويدعو إلى جعل
الإمارة للأسرة الحاكمة، والحكم للأمة، والفصل بين ولاية العهد ورئاسة الوزراء،
وأن يكون رئيس الوزراء من الشعب، وإبعاد أبناء الأسرة عن الوزارات السيادية
(الخارجية - الدفاع - الداخلية) .
* التوجه الاقتصادي:
برنامج المنبر أو الليبراليين الجدد يعكس نقلة كبيرة في المجال الاقتصادي؛
لأنهم لأول مرة يدعون إلى الخصخصة واقتصاد السوق الحر، وكأنهم يقارعون
الرأسماليين في أعز ما يملكون، وقد يكون السبب هو الرغبة في الاقتراب من
التجار المسيطرين على اقتصاد البلد، وهو ما يفسر أن هؤلاء ذوي الجذور
الاشتراكية حلفاء لغرفة التجارة، ويعتمدون على التجار وأصواتهم في بعض
الدوائر الانتخابية؛ مثل الدائرة الثالثة (المرقاب) ؛ حيث تحالف في أكثر من
دورة عبد الله النيباري ممثل المنبر، وعبد الوهاب الهارون ليبرالي غرفة التجارة،
ونجح تحالفهما قبل أن يخترقه في الانتخابات الأخيرة.
والليبرالية الجديدة - كما يتبناها المنبر وشريكه في الفكر الليبرالي التجمع
الوطني الديموقراطي الذي أسس في ١٩٩٧م بقيادة د. أحمد بشارة، ومعهم
الليبراليون المستقلون - يؤكدها التالي:
أولاً: التغيير الكامل في الفكر الليبرالي السياسي الذي كانت تتبناه حركة
القوميين العرب؛ فلم تعد أميركا عدوًّا، ولعل السبب في ذلك البعثات الدراسية إلى
الولايات المتحدة التي عادت إلى الوطن ولديهم أجندتهم الخاصة بالفكر الليبرالي
الأمريكي، كما أصبح رموز ومنظرو المنبر والتجمع يقبلون بالحريات المنقوصة
للأفراد وسيادة منقوصة للدول بحجة محاربة الإرهاب، ووضح ذلك في بياناتهم
باستعداء واشنطن على الجمعيات الخيرية، وبيان أبرز منظري الليبرالية بأنه
شرف للكويت «أن يبدأ تحرير العراق من على أراضيها» قبل اندلاع الحرب.
ثانيًا: اختصار مشروعهم الشامل في الخمسينيات إلى موقف يتيم، هو
مواجهة المد الإسلامي بكافة الوسائل، حتى لو جاء استعمار أجنبي، رغم أن
محاربة المستعمر كانت أهم شعاراتهم وأساس انتشارهم في الخمسينيات.
ثالثًا: التغيير الجذري في التوجه الاقتصادي، فطلق الليبراليون الكويتيون
الاشتراكية، وانضموا إلى دعاة الخصخصة، وبدت المفارقة أن يكون نائب المنبر
الوحيد في مجلس الأمة السابق عبد الله النيباري، ومعه بقية الليبراليين في المجلس
مجموعة (٧ + ١) ، وهم: عبد الوهاب الهارون، وأحمد الربعي، ومحمد
الصقر، وفيصل الشايع، وعبد المحسن المدعج، ومشاري العصيمي،
ومشاري العنجري، إضافة إلى النيباري - أن يكون هؤلاء هم المطالبين بإخراج
قانون الخصخصة من ثلاجة المجلس، وهم الذين صوتوا ضد زيادة معاشات
المتقاعدين، وضد قانون التأمينات، وبالموافقة على تحديد سقف العلاوة الاجتماعية
بـ ٥ أولاد، رغم أن الإحصائيات تؤكد أن متوسط عدد الأولاد في الأسر الكويتية،
خاصة في المناطق خارج المدن ٨ أولاد.
رابعًا: التحالف مع الحكومة، مع تقلص دور الليبراليين وقصر ممارستهم
على الممارسة البرلمانية، وما تنشره صحيفة «الطليعة» اللسان الناطق - اتجه
الليبراليون إلى التحالف مع الحكومة لتكريس نفوذهم في المجتمع عبر السلطة، بعد
الإخفاق في الحفاظ على نفوذهم داخل الشارع، ويثبت هذا التحالف في تماثل
المواقف بين الحكومة والليبراليين، خاصة في القضايا الجماهيرية المطروحة على
مجلس الأمة، واختار الليبراليون الجدد التخلي عن فكرهم السابق المنحاز إلى
جانب محدودي الدخل والانتصار للحكومة على حساب تلك الفئة، ويتضح ذلك من
خلال مراجعة تصويتهم في مجلس الأمة، فقد تصدوا لمشروع إحالة وزير المالية
الليبرالي د. يوسف إبراهيم إلى محكمة الوزراء لمعرفة دوره في إهدار المال العام،
لكنهم في الوقت نفسه يحاربون خصومهم الإسلاميين بتهمة سرقة المال العام.
* الأداء السياسي لليبراليين خلال ربع القرن الأخير:
لم يخل مجلس أمة منذ المجلس التأسيسي عام ١٩٦٢ من الليبراليين باستثناء
مجلس ١٩٦٧، حيث قاطعوه لتزوير الانتخابات، لكن يوجد ليبراليون يتحركون
في إطار تنظيمي مثل المنبر الديموقراطي والتجمع الوطني الديموقراطي حاليًّا،
وآخرون يتحركون فرادى مع تماثل فكرهم ومواقفهم في الأداء السياسي، ومنذ
مجلس ١٩٨١م انحازت مواقف الليبراليين لقضايا حقوق الإنسان، وتوسيع هامش
الحريات، خاصة في الحقبة من ١٩٨٠م إلى ١٩٩٠م، وفي الحقبة الأخيرة من
٩٥ إلى ٢٠٠٠ تغيرت المفاهيم، واتجهوا إلى المطالبة بالحريات الاقتصادية ولو
على حساب محدودي الدخل، كما أنهم حملوا الإسلاميين مسؤولية الإرهاب الدولي،
خاصة بعد ١١ سبتمبر، في محاولة لجر الحكومة لإحكام قبضتها على الإسلاميين،
وإتاحة المجال لهم لاستعادة زمام المبادرة في الشارع الكويتي.
* معدل تمثيل الليبراليين في مجلس الأمة:
قدم الليبراليون - على مدى ربع قرن جرت خلاله ٦ انتخابات تشريعية -
نحو ٥٠ مرشحًا، منهم حوالي ١٧ مرشحًا من المنبر الديموقراطي والباقون يحملون
الفكر نفسه، لكنهم يتحركون خارج الإطار التنظيمي، أو تحت مظلة التجمع
الوطني الديموقراطي؛ لذلك فقاعدة الترشيح للتيار الليبرالي منذ عام ١٩١٨م وإلى
الآن، لا تتجاوز ٣% من إجمالي المرشحين لانتخابات مجلس الأمة، حيث ترشح
١٧٥٠ شخصًا في ٦ انتخابات.
ومرشحو التيار الليبرالي تركزوا في الدوائر الداخلية باستثناء شخصيات
ليبرالية اعتمدت على ثقلها القبلي، لكنها خاضت الانتخابات دون أن ترفع
الشعارات الليبرالية، مثل د. عبد المحسن المدعج في الدائرة ١٢ (السالمية)
حيث اعتمد على قبيلة العوازم، وراشد الحجيلان نجح بالعوازم في الدائرة ٢٤
(الفحيحيل) ، وسعد طامي العجمي، وخميس عقاب العازمي.
وهشاشة قاعدة الترشيح لليبراليين تعكس تراجعهم في الشارع الكويتي، وتبدو
خطورة ما آل إليه هذا التيار من خلال قراءة النتائج التي تؤكد اعتماده على
شخصيات محددة في الوصول إلى البرلمان، وهم من المنبر: أحمد الخطيب، فاز
بمقعده في مجلس الأمة ٦ مرات إضافة إلى المجلس التأسيسي، وسامي المنيس
فاز بـ ٧ دورات، وعبد الله النيباري فاز بـ ٥ دورات، وراشد الحجيلان فاز
٤ مرات، وخميس عقاب، وسعد طامي كل منهما فاز مرتين، وفيصل الصانع،
وعلي البغلي، وخالد الوسيمي، وجاسم القطامي، كل منهم فاز مرة واحدة،
أما الليبراليون القريبون من المنبر فهم وجوه ثابتة لم تتغير وهم: مشاري العنجري
فاز ٦ مرات، ومشاري العصيمي فاز ٣ مرات، ومثله عبد الوهاب الهارون،
وعبد المحسن المدعج، وأحمد الربعي، وفاز مرتين محمد الصقر، وفي
الانتخابات الأخيرة من النواب المحسوبين على الليبراليين باسل الراشد وعلي
الراشد.
وحسب النتائج خلال الانتخابات الست الأخيرة (من ١٩٨٢م إلى ٢٠٠٣م)
فقد فاز المنبر الديمقراطي في انتخابات عام ١٩٨١م بمقعدين بنسبة ٤% من إجمالي
عضوية المجلس، وبـ ٧ مقاعد عام ١٩٨٥م بنسبة ١٤% ومقعدين في انتخابات
٩٢، ٩٦، ١٩٩٩م بنسبة ٨%، ولم يفز بأي مقعد في الانتخابات الأخيرة ٢٠٠٣م؛
لذلك نسبة تمثيله صفر %، أما الليبراليون القريبون من المنبر فقد حصلوا على
٤ مقاعد في المجلس الحالي بنسبة ١٦% من إجمالي عضوية مجلس الأمة، و٧
مقاعد في المجلس السابق بنسبة ١٤%.
كما خسر التيار الليبرالي أبرز رموزه مما أدى إلى انكماش التيار، فاعتزل
أحمد الخطيب وجاسم القطامي العمل السياسي وخسرا مقعديهما الدائمين في مجلس
الأمة، لا سيما بالنسبة للخطيب، وتوفي سامي المنيس، وخسر عبد الله النيباري
مقعده في الانتخابات الأخيرة، ولم يبق للمنبر شخصية يمكن الرهان عليها، لكن
بقيت هناك وجوه ليبرالية لا تزال في المجلس مثل مشاري العنجري، ومحمد
الصقر، وعبد الوهاب الهارون.
* أبعاد أزمة التيار الليبرالي الحالية:
أزمة الليبراليين في الكويت متجذرة، وتمتد إلى حقب أخرى، والانكماش
الحالي الذي عبرت عنه انتخابات ١٩٩٩م وعمقته انتخابات ٢٠٠٣م ليس وليد
السنوات الأخيرة فحسب، إنما تراكمت أخطاء عقود من العمل، لكن الفزعة
الأخيرة على حال الليبراليين بسبب انزعاج دوائر غربية من هذا الانكماش الذي
يقابله تمدد إسلامي، وأسباب الأزمة باتفاق المحللين والمراقبين تتلخص في التالي:
١ - التحولات المستمرة في برنامج الليبراليين من اشتراكية إلى شعارات
الرأسمالية.
٢ - تبني الثقافة الغربية - خاصة المفاهيم الأمريكية في دولة إسلامية لم تهيأ
لاستيعاب تلك المفاهيم لارتفاع نسبة القبلية فيها.
٣ - رفض منظري التيار الليبرالي أي محاولات نقدية لمشروعهم، وكأنهم
يحتكرون الحقيقة، والمفارقة أنهم يوجهون التهمة ذاتها إلى الإسلاميين.
٤ - تصوير طروحاتهم عن الديموقراطية كأنها طقوس مقدسة لا يجوز
المساس بها، رغم تباين البيئة الغربية عن البيئة العربية.
٥ - الرهان على المشروع الديموقراطي الغربي باعتباره المشروع الوحيد
القادر على تحقيق قفزة حضارية في المجتمع.
٦ - التشنج في المعارضة، خاصة ضد الأسرة الحاكمة، رغم أنهم في
مجلس الأمة يصوتون إلى جانب الحكومة مما يفقدهم المصداقية.
٧ - اختصار مشروعهم في معاداة الإسلاميين دون تقديم أدلة لهجومهم على
الإسلاميين، مما يخلق مساحة رفض في الشارع ونفور من مشروعهم.
٨ - تجاهل مناقشة تراجعهم المطرد من الخمسينيات إلى الآن.
٩ - الاعتماد على رموز محددة لقيادة التيار الليبرالي دون تقديم وجوه جديدة؛
لذلك فهم خسروا باعتزال الخطيب والقطامي ووفاة المنيس وبخسارة النيباري
الأخيرة، ولم يعوضوا هؤلاء بشخصيات جديدة.
١٠ - الانشقاقات المستمرة كل فترة، وخروج شخصيات من الوزن الثقيل
من الإطار التنظيمي؛ مثل أحمد الربعي وأحمد الديين، خاصة أن الأخير كشف في
سلسلة مقالات بجريدة «الرأي العام» حقيقة الشعارات المرفوعة من المنبر
وابتعادها عن الواقع.
١١ - الاعتماد على صحيفة «الطليعة» في الترويج لمشروعهم، وهذا
التقوقع يعكس انكماشهم، فلم يعد يشارك الليبراليون في منتديات ثقافية أو ورش
عمل.
١٢ - إخفاقهم في اختراق المناطق القبلية، فلم يستطع أي ليبرالي خوض
الانتخابات في تلك المناطق رافعًا شعارات ليبرالية، وهو ما يعني أن الأجيال
الجديدة في تلك المناطق لن تكون لها علاقة بالليبرالية.
* المستقبل:
معضلة الليبراليين في الوقت الراهن قد تصبح أزمة كارثية في المستقبل، إذا
لم يعوا الدرس من النتائج الأخيرة لانتخابات مجلس الأمة، حيث اتفق المحللون
على أنهم الخاسر الأكبر، لكن الخسارة الحقيقية أن تراجعهم مطرد؛ لذلك يتوقف
مستقبل الليبراليين الجدد على معطيات محلية وإقليمية ودولية على النحو التالي:
أولاً: التوجه الرسمي الداخلي نحو السياسة الأميركية التي تفرض أجواء
جديدة من انفتاح اجتماعي وسياسي واقتصادي، وهو مناخ يعطي لليبراليين مساحة
كبيرة إلى التحرك بنفس زخم الخمسينيات، لكن العثور على مشروع تقبله البيئة
المحلية بعد إخفاق المشروع الليبرالي المستورد.
ثانياً: رد فعل الشارع على محاولات فرض التغريب حتى لو كانت بضغوط
أمريكية؛ فالتجربة أثبتت أن الصحوة الإسلامية تولد في مناخ المحسن، ولو نظم
التيار الإسلامي صفوفه وعالج أخطاءه فسيقطع الطريق على أي محاولة أمام التيار
الليبرالي لاستعادة ما فقده في السنوات الأخيرة.
ثالثاً: الموقف الرسمي وهل سيكون رهان الحكومة على الليبراليين لنقل
المجتمع نوعيًا بشكل يحقق التجاوب في المستقبل مع ما هو مطلوب أميركيًا، أم
تمد الحكومة الجسور مع الإسلاميين باعتبارهم سياج الحماية شعبيًّا وماليًّا.
رابعاً: قدرة الليبراليين على الوصول إلى القواعد الشعبية، سواء على صعيد
اتحاد الطلبة داخل الجامعة أو في النوادي والجمعيات؛ لأن محاولات اختراق
المجتمع من فوق ثبت إخفاقها.
وهكذا يواجه التيار الليبرالي في الكويت مأزقًا خطيرًا؛ لأنه أصبح في مرحلة
الانكماش والانزواء، ويحتاج إلى جهد شاق للخروج من عنق الزجاجة قبل أن
يتلاشى التيار مثلما تلاشت رموزه.
стр. 4741
المسلمون والعالم
اضطهاد القبيلة المسلمة العملاقة في غرب إفريقيا
أبو بكر عبد القادر سيسي
cisse١٣@yahoo.com
لعله لم يغب عن بال أحد تلك المذابح والدمار الذي لحق بالمسلمين وممتلكاتهم
في ليبيريا مع بداية العقد الماضي على يد المتمردين الصليبيين والوثنيين، وما أن
تم انتخاب أحمد تيجان كبا رئيساً لسيراليون حتى خرج عليه كفرة فجرة بدعم مادي
وعسكري من أقرانهم في ليبيريا المجاورة، فقاموا بأبشع جرائم الوحشية ضد
المسلمين، وفي حين لم تنته تلك الحرب من وضع أوزارها رأينا وقوف حكومة
ساحل العاج النصرانية في وجه الحسن وتارا ومنعه من حقه (السياسي) في
الترشح في الانتخابات الرئاسية العاجية، وتحول ذلك من مجرد لعبة سياسية إلى
سلسلة من المجازر وإبادة للمسلمين وثرواتهم.. إنها مسلسل لمسرحية واحدة
موضوعها: «اضطهاد قبيلة المانْدِن المسلمة» ، أكبر مجتمع بشري في غربي
إفريقيا.
* من هم الماندن؟
الماندن أو الماندنكو إحدى أكبر وأهم قبائل إفريقيا الغربية، يدين جميع
أفرادها بالإسلام، وينتشرون منذ القديم على ضفتي نهر النيجر وما حوله من حزام
الصحراء الكبرى شمالاً وشرقاً، إلى ضفاف المحيط الأطلنطي غرباً وجنوباً، وهذه
المنطقة موزعة اليوم بين كل من: غينيا، ومالي، وساحل العاج، وغامبيا،
وسيراليون، وليبيريا، والسنغال، وغانا، وبوركينا فاسو، والنيجر، ويطلق
على لغتهم «أنكو» . وقد أدى اتساع رقعة المنطقة التي يقطنونها إلى انقسام لغتهم
إلى أربع لهجات رئيسية: ماندنكا، بمبارا، مندنكو، جولا. وتتفرع عن كل لهجة
رئيسية بضع لهجات فرعية، ولكنها تدل على مسمى واحد وعلى شعب واحد؛ إذ
لا يوجد أي عائق لغوي بينهم في تخاطبهم رغم اتساع رقعة بلادهم، وليس أدل
على ذلك من أنه لا توجد ترجمة بينهم في محافلهم وعند تجمعهم في أي مكان في
العالم إلا ما ندر.
* عددهم:
يصعب تعدادهم لثلاثة أسباب:
الأول: كون أُنكو لغة الماندن من اللغات السائدة للتخاطب بين مختلف
المجتمعات في غرب إفريقيا، فلا يمكن قياس عدد قبيلة الماندن بعدد الناطقين
بلغتهم، كما لا يمكن قياس عدد الفرنسيين بعدد الناطقين بالفرنسية.
الثاني: عدم توفر إحصائيات حديثة.
الثالث: وجود التضارب بين المصادر القديمة.
فقد أصدرت المجموعة الاقتصادية الأوروبية تقريراً حول قبيلة الماندن ونفوذ
لغتهم (في يناير / فبراير عام ١٩٨٨م برقم ١١٩) نقلاً عن صندوق النقد الدولي
حسب الجدول التالي:
وبعد صدور هذا التقرير الأوروبي قامت اللجنة العلمية لتطوير اللغة
«أنكو» بإصدار بيان تنديدي جاء فيه:
ولهذا رأينا من الخير أن نعرض للقراء الكرام الحقائق الواضحة التي نراها
مناسبة لواقع هذه البلاد الإفريقية. وحقائق هذا الجدول كما يلي:
وقد ختمت اللجنة هذا البيان بتحذير: «.. يجب على كل دارس باحث أن
يأخذ التقارير الدولية بحذر تام؛ لأنها تعمد إلى تقليل نسبة المسلمين في كل دول
العالم. ومعلوم بديهة أن تقليل نسبة المسلمين في أفريقيا الغربية معناه مباشرة تقليل
نسبة الناطقين باللغة» أنكو «لأن بين هذه اللغة وبين الإسلام التلازم الشرطي
المنعكس في أفريقيا الغربية» .
ولو حاولنا الجمع بين هذين التقريرين والأخذ بعين الاعتبار النظرية
الديمغرافية التي تقول إن معدل الزيادة السنوية لقبيلة الماندن ٥,٢%، وتدل على
أنها - القبيلة - تتضاعف في كل ستة وعشرين سنة، لوصلنا إلى القول إن هذه
القبيلة بأبنائها في حدود خمس وعشرين مليون نسمة. والله أعلم.
* الماندن عبر التاريخ:
يتمتع المجتمع الماندنكي بتاريخ طويل وعريق في غربي إفريقيا، ومن
خصائصهم الاجتماعية حفظ روايات تراثهم الحضاري التاريخي، والتحسر على
كيانهم الأول.
فقد قامت دولتهم الأولى قبل الإسلام: «مملكة الماندن» وتعرف في
المراجع العربية بمملكة مالي أو إمبراطورية مالي، ويعتبر عام (١٠٥٠م /
٤٤٢هـ) منعطفاً تاريخياً هاماً بالنسبة لهذه الدولة؛ ففيه تحولت عن الوثنية
إلى دولة إسلامية بشعبها وحكامها ودستورها، بسبب دعوة التجار العرب،
ومن هذا التاريخ إلى القرن السادس عشر عرفت المملكة استقراراً وازدهاراً
مرموقاً بحضارتها الإسلامية، كما استطاعت خلالها توطيد صلتها بالمشرق
الإسلامي عبر حج ملوكها في المواكب العارمة، فيصور لنا اليوم الماندن تلك الحقبة
بـ «العصر الذهبي» أو «القرون العظمى» .
في هذه الأثناء كانت أوروبا تجهل كل شيء عن هذه المملكة إلا ما عرفته عن
طريق المؤلفات العربية، فاهتدوا بهذه المؤلفات حتى وصلوا سواحل السنغال
وغينيا (اليوم) وكان زعمهم أنهم يبحثون عن بعض إخوانهم المسيحيين المفقودين
تارةً، وعن أمور تافهة تارة أخرى، ثم بدؤوا التجارة على الساحل، واتخذوا
مراكز هناك، ثم أقاموا في بعض الجزر والأراضي الساحلية، وخلالها أيقنوا أن
الدخول صعب، والتزموا بالبقاء على الساحل دون القيام بمغامرات في الداخل.
وبعدما كشفوا الدنيا الجديدة (أمريكا في عام ١٤٩٢م) شرعوا في النخاسة وعملية
النهب والسلب واختطاف الأطفال والشباب والفتيات، فأصبحت مراكزهم موانئ
تساق إليها أفواج الرقيق من كل جهة وأدوات الموت موجهة إليهم، لنقلهم وبيعهم
في أمريكا؛ واستعمالهم فيها في مزارعها ومناجمها. استمرت هذه الجريمة البشعة
حتى عام ١٨٤٨م، فأدت إلى انهيار وخراب دولة الماندن، فانتشر الفقر والخوف
والرعب والحروب الداخلية، وتشتت العائلات.
سعى الماندن بعد النخاسة إلى إصلاح بطيء ومؤلم لاسترجاع كيانهم
واستقرارهم الأول، لكن أوروبا هرولت أيضاً إلى الاستعمار أو الاستدمار (حتى
يكون التعبير مناسباً للواقع) ، فتحولت المنطقة إلى ساحة حرب ضروس،
ومقاومات دموية بين القبائل الإفريقية وبين المستدمرين، خلالها قدم الشعب
الماندنكي أروع ملامح الجهاد والبطولة دفاعاً عن الأرض؛ إذ لم يهدأ للمستدمر بال
ولا حال إلا بعد هزيمة الإمام ساموري توري الذي كان يحمل أحلام الماندن في لمّ
شملهم واستعادة دولتهم، والذي كان آخر قلاع الإسلام ينقضُّ عليه المستعمر عام
١٨٩٨م.
بنهاية المقاومة المسلحة الأولى وقعت قبيلة الماندنكو في مرارتين:
الأولى: مرارة طمس الهوية الإسلامية الموحدة بالهوية الفرنكوفونية
والأنجلوفونية واللوزيفونية.
والثانية: مرارة الغربة والتشرذم؛ حيث وجدت قبيلة الماندن أبناءها ودولتها
منقسمة بين إحدى عشرة دولة سياسية، وقد أصبحوا أقليات في أغلبهم تحت إمرة
الوثنيين أو النصارى، لكن هذا لا يعني نهاية تاريخ الماندن في المنطقة.
* أسباب ودوافع اضطهاد قبيلة الماندنكو اليوم:
١ - الإسلام:
قال الله تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا]
(المائدة: ٨٢) ، وقال تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى
تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .
الخلفية الدينية هي العنصر الأول لهذا الصراع؛ فأئمة هذا الاضطهاد وجنوده إما
نصارى أو وثنيون، والشعب المضطهد كلهم مسلمون، وأهداف الهجمات العدوانية
دائماً تبدأ بالمساجد، وقد كان المؤرخ النصراني (زوزيف كي زيربو) منصفاً
في كتابه: «تاريخ إفريقيا السوداء» L'AFRIQUE DE L'HISTOIRE)
(NOIRE فقد صرح فيه أن فرنسا بعد استيلائها على غربي أفريقيا واجهت
الفقهاء المدرسين بقمع شديد بحبسهم أو نفيهم من بلدانهم لدورهم البارز في إحياء
روح المقاومة، ونشر فكرة عدم جواز رضوخ المسلم للنصارى.
٢ - حماية المصالح الغربية:
سبق أن رأينا أن أعنف مقاومة وأطول صمود ضد الاحتلال الغربي كان من
الشعب الماندنكو، وكما أن إفقاد فرنسا ونظيراتها كثيراً من مستعمراتها، وطردها
من الاستغلال المباشر للأفارقة كان بشجاعة أحد أبناء الماندن أيضاً.
فأمام جحيم الحرب ضد المستعمرين في الجزائر (قبل الاستقلال) ، وارتفاع
الأصوات المنادية للاستقلال في غرب إفريقيا في خمسينيات القرن الميلادي
الماضي خافت فرنسا نشوب حرب جديدة ضدها في تلك المنطقة، فاقترحت دستوراً
ينص على تشكيل مجموعة تنتمي إليها فرنسا ومستعمراتها الإفريقية، ومن يقبل
الدستور من إفريقيا يتمتع باستقلال داخلي، ويشكل حكومته المحلية، لكن تنفرد
فرنسا بالسلطة المركزية في الدفاع والاقتصاد والشؤون الخارجية والتعليم العالي
والعدل، وكما نص الدستور على أن من لم يوافق على هذا القرار يحصل على
الاستقلال التام، وينفصل عن فرنسا وتنقطع عنه جميع المساعدات الفرنسية. ولذا
فقد خاف جميع الزعماء الأفارقة المناضلون لأجل الاستقلال من مغبة معارضة
الدستور الفرنسي الجديد لما صحبه من وعيد وتهديد لمن يخالفه، إلا أحمد سيكو
توري زعيم شعب غينيا كان الوحيد الذي تحمس لمعارضة الدستور واختيار
الاستقلال مهما كان، فاستطاع تعبئة شعبه ضد فرنسا ومشروعها الجديد، تحت
شعار: «نفضل فقر الحرية على غنى العبودية» .
في ٢٨/٩/١٩٥٨م أجري الاستفتاء على الدستور الفرنسي في جميع
مستعمرات فرنسا في إفريقيا، فلم تجترئ أي مستعمرة على معارضة الدستور
للخوض في الاستقلال سوى غينيا.
فبهذا أصبحت غينيا الدولة الوحيدة المستقلة عن فرنسا عام ١٩٥٨م برئاسة
أحمد سيكو توري الذي كان أول برنامجه فك قبضة فرنسا عن إفريقيا، فعامان كانا
كافيين له ليدفع المستعمرات الأخرى إلى الاستقلال، وإجلاء فرنسا من إفريقيا، بل
ذهب أبعد من ذلك؛ إذ تجاوز حاجز الفرنكوفونية إلى معسكرات الأنجلوفونية
واللوزيفونية والأنجلوسكسونية، ابتداءً من غينيا بيساو في غرب إفريقيا، ومروراً
بوسطها وبأنغولا وانتهاء في جنوب إفريقيا وهو يقدم الدعم العسكري والسياسي
لأجل تحرير الأرض والناس، داعياً الأفارقة إلى نبذ الفرنكوفونية والأنجلوفونية
واستعمال لغاتهم الإفريقية، وأجبر شعبه على ذلك، وقد كان أحد الرؤساء الثلاثة
المكلفين بملف القدس من قِبَل منظمة المؤتمر الإسلامي.
فبهذا النموذج (نموذج أحمد سيكو توري) شعر الغرب أن تهديد مصالحه في
غربي أفريقيا لا يكمن في تجمع الماندن فحسب، بل في كل رجل منهم، ومن هنا
تنبثق خلفية مساندة الغرب لأي اضطهاد ضد الماندنكو وبخاصة ما تعلق بمنعهم من
الوصول إلى السلطة.
٣ - المكانة الداخلية:
إن الوزن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للماندن داخل الدول التي ينتمون
إليها جعل جيرانهم دائماً ينظرون إليهم نظر الحسود، ومن ثم يتربصون بهم الدوائر؛
فحرفتهم الأولى والمفضلة هي التجارة بشقيها الداخلية والخارجية ويرونها من
أفضل الحرف التي يجب مزاولتها على كل الرجال في البلاد. وحتى إحدى لهجاتهم
الفرعية ما زالت منتسبة إلى هذه الحرفة «جولا = التاجر» ، وبها حققوا تفوقاً
اقتصادياً هاماً، بين القبائل التي يجاورونها حتى في الدول التي يعتبرون فيها بأقلية؛
ففي ساحل العاج مثلاً يمتلكون ٧٠% من المباني الفخمة في المدن مع رؤوس
الأموال التجارية الداخلية، وفي ليبيريا (قبل الحرب) كانوا يسيطرون على ٨٠%
من وسائل المواصلات ورؤوس الأموال، هذا إضافة إلى عنايتهم الفائقة بالعلم
والثقافة، مما جعل بعض أبنائهم يحققون شهرة علمية ليس على مستوى القارة
فحسب بل على مستوى العالم.
وأكبر طفرة ثقافية حققوها تمثلت في أبجديتهم الجديدة والمستقلة حروف أنكو
التي اقترحت في عام ١٩٤٩م ثم قاموا بحوسبته لتواكب عجلة العصر، ومن ثم
طبعت مخطوطاتهم القديمة، وكتبت مفردات ثقافتهم التي لم تكن مكتوبة، وقاموا
بترجمة مئات الكتب من العلوم الأخرى تتصدرها ترجمة القرآن الكريم وكتب
الحديث والفقه؛ ومعجم لغة الماندنكو، هذا مع نجاحهم في تطوير الطب الإفريقي
ليصل إلى مستوى الطب الحديث عبر البحوث العلمية والتجارب المختبرية،
فافتتحت صيدليات متخصصة مرتبطة بمستشفياتها الخاصة في عواصم ومدن وقرى
أفريقيا الغربية.
وبعد هذه الإنجازات العلمية أوضح (كانتي سليمان) مخترع الحروف
الماندنكية (أنكو) قائلاً: «أريد أن أبرهن للأمة الأفريقية وليتأكدوا أن نهضتهم
ونمو أجيالهم في العلوم العصرية ليكون لهم مستقبل رائع مربوطة بلغاتهم الإفريقية
انطلاقاً من القواعد الإيمانية والعملية التي تشمل جميع جوانب الحياة والأحياء؛ لأن
الإيمان بالله قرين العمل الصالح في كتاب الله العزيز، أسأل الله تعالى أن يجعلنا
من المؤمنين العاملين بكل ما ينفع الأمة الإسلامية، حتى ينافس هذه المؤسسات
الطبية والصيدليات الأوروبية والمستشفيات التبشيرية في استقبال وعلاج مرضى
مسلمي إفريقيا الغربية وغيرهم بإذن الله تعالى» .
ولئن تعرفنا - فيما مضى - على الماندن، وعلى مكانتهم وقوتهم، والخطة
الغربية لتشتيتهم وإضعافهم في المنطقة، وأسباب ودوافع ذلك، يجدر بنا فيما يلي
التعرف على عواقب هذا التفريق بينهم، وعلى تحالف الغرب والكنائس العالمية مع
النصارى والوثنيين في المنطقة لاضطهادهم وإذلالهم في الدول التي يتوزعون بينها
اليوم.
* حلقات اضطهاد الماندن في الوقت الحاضر:
- ليبيريا.. الحلقة الأولى:
أسست ليبريا عام ١٨٤٧م عبر صفقة بين أمريكا وبريطانيا؛ حيث تم فيها
إنزال مجموعات من أرقاء أمريكا المحرَّرين من أصول إفريقية (بعد تنصيرهم
وسلخهم من هويتهم الأولى) ، واقتطعت لهم هذه الدويلة الأنجلوفونية.
ظل الحكم في ليبيريا بيد الأفارقة الأمريكان وأحياناً ينتقل إلى السكان
المحليين؛ إلا أنهم اتفقوا جميعاً على حرمان قبيلة الماندنكو من الولاية العامة
لليبيريا، واعتبارهم ضيوفاً قدموا من غينيا حيث لهم وجود مكثف هناك. ثم
تضاربت مواقفهم - أي الرؤساء - بين موال ومساند لهم في أنشطتهم الاقتصادية
والاجتماعية وبين معارض ومضطهد لهم، وكان الرئيس (صموئيل كانيادو) من
الفئة الأولى (الذي وصل إلى الحكم عام ١٩٨٠م بانقلاب عسكري، وهو من قبيلة
كران الوثنية) فقد اعترف بكيان الماندنكو في ليبيريا وأعطاهم جميع صلاحيات
المواطَنة بما فيها الحقائب الوزارية، مع توفير الحماية لهم ولممتلكاتهم، وفي
عصره شهد ليبيريا أوج ازدهارها بنفوذ قبيلة الماندنكو، ولقد أثار موقف الرئيس
(دو) من الماندنكو جنون القبائل الوثنية والنصرانية في ليبيريا.
ففي نهاية عام ١٩٨٩م شهدت ليبيريا بداية حرب أهلية قاسية أشعل نارها
شارل تايلور (أحد وزراء الرئيس دو السابقين) الذي قدم من الولايات المتحدة
وكوّن حركة تمرد من الخارج توغلت في ليبيريا عبر حدودها مع ساحل العاج،
زعم أنه جاء فقط للإطاحة بالرئيس (دو) وتحرير ليبيريا من سيطرته؛ إلا أن
الواقع خالف هذه المقولة؛ فما أن دخل ليبيريا حتى وجد بانتظاره جحافل التحالف
الصليبي الوثني التي تعفو عن كل شيء إلا المسجد والماندنكو ومن تدين بديانة
الماندنكو (الإسلام) . استطاعت حركة تايلور في وقت قياسي بسط طغيانه على
كل ليبيريا إلا العاصمة منروفيا التي حاصرها من جميع جهاتها إلا المنفذ البحري،
بعد أن دمر مساجد البلاد ومدارسها القرآنية، وقتل وشرد المسلمين الذين لجؤوا إلى
غينيا وسيراليون المجاورتين والعاصمة منروفيا، وفي طريقه إلى العاصمة منروفيا
انشق عن تايلور فئة باغية هي الأخرى بزعامة بريس جونسون، استطاع هذا
الأخير التسلل إلى العاصمة والتمركز في جزء معين منها، ومن ثم قام عناصر من
حركته باغتيال الرئيس (صموئيل دو) عام ١٩٩١م، وحينئذ شعرت قبيلة الماندن
بالخطر الحقيقي، وأن كيانها ووجودها على وشك الفناء في ليبيريا، ومن هنا
جاءت فكرة إنشاء حركة الماندنكو المسلحة للدفاع عن النفس، فتم تأسيس جيشها
بزعامة الحاج (قاسم فامويا كروما) عام ١٩٩٢م، وسموها: (الحركة المتحدة
للتحرير والديمقراطية في ليبيريا) .
حقق جيش الحاج كروما انتصارات ملموسة على التحالف الصليبي الوثني؛
حيث حرر شمالي ليبيريا منطقة تواجدهم الأصلية (أحد أجزاء مملكة الماندن
القديمة) وجعلوا عاصمتها فوياما معقلاً لهم، ثم فتحوا جبهات جنوباً وشرقاً،
وخلال تقدمهم في الجبهة الشرقية استولوا على مدينة بانغا المعقل الرئيسي لتايلور،
وفي أثناء ذلك كانت قبيلة كران تقاتل للأخذ بثأر الرئيس دو - أحد أبنائها -؛
وأمام هذه الهزيمة النكراء المرتقبة استجاب تايلور - رأس الفتنة - للمطالب الدولية
الداعية إلى الاجتماع حول طاولة المفاوضات لإنهاء الحروب. عقد مؤتمر
المصالحة الوطنية في أبوجا بنيجريا عام ١٩٩٦م التي اعتُرف فيها بكيان الماندنكو
في ليبيريا ومساواتها للقبائل الأخرى، وبموجبها ترشح الحاج كروما في انتخابات
عام ١٩٩٧م والتي فاز فيها شارل تايلور.
بعد وصول تايلور إلى السلطة حاول كسب ثقة الماندنكو به، ونفى أن يكون
له علاقة بتلك المذابح التي تعرض له الماندنكو في ليبيريا، ولكن يظل تايلور في
نظر السواد الأعظم من الماندنكو العدو الحقيقي، بل اشترط البعض هلاكه قبل أن
يرجعوا إلى أرض الوطن.
إن المسلمين الآن في ليبيريا يعانون ظروفاً مأساوية شديدة بسبب الدمار الذي
لحق بخيراتهم واستثماراتهم، وعدم الاستقرار والكساد الاقتصادي الذي تشهده ليبريا
الآن لعدم ثقة المانحين والمستثمرين الأجانب بحكم تايلور الذي قد فُرض عليه
العقوبات الاقتصادية بسبب دعمه للمتمردين في سيراليون.
- سيراليون.. الحلقة الثانية:
لقد كان سهلاً جداً على تايلور - الرئيس الحالي لليبيريا، ورئيس التمرد
سابقاً - أن يدعم حركة تمرد في سيراليون بسبب القوة والنفوذ الذي كان يتمتع به
في ليبيريا وبسبب الفساد الإداري والاقتصادي الذين كانت تشهده سيراليون. فقد قام
بإيواء وتدريب وتسليح جماعة فاجرة كافرة من سيراليونيين بزعامة فودي سانكو
تسموا بالجبهة الثورية المتحدة (RUF) وفي مارس ١٩٩٤م بدؤوا بالهجمات،
وإثارة الهلع والذعر، فأدى ذلك إلى اضطراب البلاد في كافة المجالات وبخاصة
في مجال السياسة وإدارة البلاد. استمرت هذا الفوضى حتى فبراير ١٩٩٦م،
حيث هدأ التمرد (نوعاً ما) وقبلوا بإجراء انتخابات ديمقراطية، فبرز أحمد تيجان
كبا كمرشح مثالي - فعلى الصعيد الوطني مشهور بجهوده القديمة في خدمة
سيراليون، وعلى الصعيد الدولي له شهرة وعلاقات واسعة بسبب إشغاله منصب
الموظف الدولي في منظمة الأمم المتحدة لمدة عشر سنوات - وفاز بأغلبية ساحقة
في الجولة الأولى من الانتخابات، وفي ١٦/٣/١٩٩٦م أصبح أول رئيس من قبيلة
الماندن لجمهورية سيراليون. وفي ٢٥/٥/١٩٩٦م خرج عليه بغتة مجموعة من
الجيش - وثنيون ونصارى - تسموا بالمجلس الثوري للقوات المسلحة، فأدى ذلك
إلى الإطاحة بحكومته، ففر لاجئاً برأسه إلى غينيا، ثم ألقى الانقلابيون دعوة إلى
متمردي فودي سانكو لتشكيل تحالف مناهض للرئيس المخلوع والمسلمين في
سيراليون. بهذا التحالف سيطروا على سيراليون بأكملها، ثم حولوها إلى مجازر
ومقابر ومواقد وأنقاض.. فلم تشهد الإنسانية في تاريخ التمرد المعاصر وحشية
آدمية أشنع مما ارتكبها هؤلاء الطغاة في سيراليون. وأمام هذا الهول والشناعة
المريعة تدخلت قوات حفظ السلام التابعة لدول غرب إفريقيا، فاستطاعوا تحرير
العاصمة وبعض المدن من سطوتهم، وفي ١٠/٣/١٩٩٨م عاد الرئيس كبا ليستأنف
مهامه الرئاسية الصعبة، وفي أثناء ذلك عمل المتمردون على إعادة تنظيم صفوفهم،
ثم بدؤوا الموجة الثانية يناير ١٩٩٩م حيث قتل فيها أكثر من خمسين ألف نفس،
وجُرح آخرون ناهيك عن التشريد وانتهاك الأعراض والحرمات. وفي ٧/٧/
١٩٩٩م تم التوقيع على اتفاقية بين الحكومة والمتمردين لإنهاء الحرب، والعفو
العام عن جرائم الحرب، وفي ٣٠/١١/١٩٩٩م، ودخلت قوات حفظ السلام التابعة
للأمم المتحدة بجيش قوامه أحد عشر ألف رجل تتقدمهم القوات الغربية الذين
سيتساءل السيراليونيون فيما إذا ما كانوا حضروا لحفظ السلام والأمن، أو
الاستيلاء على سيراليون وثرواتها وبخاصة الماس؟
هكذا جنى التحالف الصليبي الوثني على قبيلة الماندنكو والمسلمين في
سيراليون، ومزقوا وحدة الدولة، وعاثوا فيها فساداً، وأدخلوها في طور شبه
المستعمرة، وكذلك حدث بالنسبة لساحل العاج التي سنتناولها الآن.
- ساحل العاج.. مسرح أحداث اليوم:
يمكن برهنة أصالة الماندن في ساحل العاج، ووطنيتهم بالدرجة الأولى من
خلال الجغرافيا والتاريخ؛ فنصفها الشمالي ينتمي جغرافياً وتاريخياً إلى مملكة مالي
القديمة، وكما يتكون هذا النصف الشمالي بشرياً من بطون لقبيلة الماندن، مما
يجعل التفريق بينهم وبين البطون الماندنكية في الدول المجاورة لساحل العاج أمراً
صعباً للغاية، وهذا النصف الشمالي في التاريخ الحديث كان خاضعاً لسلطة الإمام
ساموري توري صاحب المقاومة الجهادية في المنطقة التي كان يحاول إعادة دولة
الماندن الإسلامية، وفيها رمى آخر سهامه؛ حيث أُسر عام ١٨٩٨م ومن ثَمَّ نفي
إلى إحدى جزر غابون في وسط إفريقيا، وعند رحيل الاستدمار الفرنسي (عام
١٩٦٠م) تجاهل الأغلبية المسلمة ووزنهم الجغرافي والتاريخي والاقتصادي
والاجتماعي، وسلّم إدارة البلاد إلى الذين آمنوا بالنصرانية ورضوا بالاستعمار.
هكذا استلم العميل هوفي بوانيه رئاسة ساحل العاج من المستدمرين الفرنسيين
دون أدنى مقاومة، بل طالب بالبقاء الفرنسي العسكري في ساحل العاج، ولا تزال
هذه القاعدة الفرنسية موجودة في ساحل العاج حتى اليوم. حلف الرئيس بوانيه أمام
الفاتيكان على تنصير المسلمين قاطبة في ساحل العاج، ثم أخفق في ذلك إخفاقاً
ذريعاً، بعد أن أهدر ثروة البلاد في بناء إحدى كُبريات كنائس العالم في ساحل
العاج. ومع كل هذا يمكن القول إن الرئيس بوانيه كان من الرجال الذين يتعظون
بالأيام وبالأحداث؛ فقد علّمته هذه الأيام والأحداث الماضية أن يكون موالياً
للمسلمين، رافعاً الضغوط عنهم، ومراعياً لحقوقهم الوطنية إن كان يتطلع إلى
سعادة للبلاد، وكرامة نفسه. وهذا ما فعله فعلاً، وفي هذا الخصوص لم يكتف
بتمويل المشاريع الإسلامية مثل بناء المساجد، ونفقات رحلات الحج والعمرة للأئمة
بل شرع في تعلم الإسلام، لكن شاء الله أن يموت على نصرانيته، وفي عهده
حصلت موجات من هجرة بعض سكان الدول المجاورة إلى ساحل العاج بما فيهم
بعض المجموعات الماندنكية. وقبل وفاته بثلاث سنوات استدعى الحسن وتارا الذي
كان يعمل نائباً لرئيس صندوق النقد الدولي، وعينه رئيساً للوزراء مع كافة
صلاحيات الرئيس تقريباً؛ نظراً لشيخوخته ومرضه. أثارت مواقف الرئيس
العجوز في آخر عمره حفيظة المحافظين النصارى في ساحل العاج، وغضب
الفاتيكان، وخافت فرنسا على مصالحها في ساحل العاج. ومن هنا بدأت تعبئة
شخصية نصرانية أخرى وهو هانري كونان بيديه، رئيس البرلمان المخول من قبل
الدستور لخلافة رئيس الدولة في حال وفاته، فلم يكن صعباً لبيديه استلام الرئاسة
بعد وفاة الرئيس العجوز عام ١٩٩٣م، وسط تأييد داخلي وخارجي، لكن المعضلة
أمام الرئيس الجديد: كيف سيتغلب على الحسن وتارا في الانتخابات المقبلة؟ فهو
- أي وتارا - يتمتع بأصوات الأغلبية المسلمة إضافة إلى أصوات البسطاء
والمنصفين من النصارى والوثنيين الذين أعجبوا به من خلال إصلاحاته الاقتصادية
في البلاد. وهنا جاءت إثارة قضية الجنسية ضد الحسن وتارا متهمين إياه بأنه من
أصل بوركيني من بوركينا فاسو المجاورة لأن قضية الجنسية يمكن إثارتها ضد أي
فرد ماندنكي في غرب إفريقيا فالماندنكي أو العائلة الماندنكية في سيراليون يمكن
اتهامها بأنها من ليبيريا، والتي في بوركينا بأنها من مالي، والتي في السنغال بأنها
من غامبيا.. وهكذا وبالعكس لأسباب قد بسطنا الحديث عنها سابقاً. ولم يشفع له
أنه شغل من قبل منصب رئيس الوزراء. بهذه الخديعة استطاع بيديه إقصاء
المرشح الأقوى، وسط أجواء مخيمة بالتوتر واحتجاجات أنصار وتارا التي كانت
تقابل دائماً بقمع وحشي ومجازر ودمار بمراكزهم التجارية ومساجدهم، فتم حسم
معركة الانتخابات لصالح بيديه أمام منافسه لوران غباغبو المعارض المخضرم
للرئيس العجوز الراحل.
إن الأجواء المتوترة التي أوصلت الرئيس بيديه إلى السلطة بقيت تلازمه
وتحول بينه وبين أي إصلاح في البلاد. اغتنمت الجيش الشابة تلك الفرصة
للإطاحة به في عملية عسكرية عام ١٩٩٩م، لكن الجنرال المتقاعد روبرت غي
كان المستفيد الوحيد والخاسر الوحيد في ذلك الانقلاب؛ فقد استدعاه الشباب من
قريته ليصبح رئيساً مؤقتاً للدولة لإجراء إصلاحات ديمقراطية بما فيها إطلاق سراح
جميع المعتقلين السياسيين وفتح باب الترشح للحسن وتارا. تعهد الجنرال الرئيس
للعاجيين صبيحة تسلمه الرئاسة أنه سيعيد النظام الديمقراطي، والحكم المدني،
والوحدة الوطنية، وما أن حان وقت الانتخابات حتى فوجئ الجميع بالجنرال
النصراني يرشح نفسه للرئاسة، ثم يثير قضية الجنسية ضد وتارا، ومن ثم إبعاده
مرة أخرى عن الترشح. هكذا وجد الجنرال الطماع نفسه أمام المعارض المخضرم
غباغبو الذي ألحق به هزيمة سياسية وعسكرية في وقت واحد (عام ٢٠٠٠م)
بسبب الخلفية القبلية والسياسية. لوران غباغبو الرئيس الحالي ونقيض منافسه
الأول الرئيس العجوز الراحل، فإنه - أي غباغبو - لم يتعظ بأيام من كان قبله،
ولم تفده دروس الأحداث؛ فبعد وصوله إلى الحكم بعد صراع عقود بدأ بفرض
طغيانه على المسلمين اعتقالات واغتيالات، مجازر، وإحراق البيوت والأسواق،
وتسريح المسلمين من الجيش فأدى هذا القمع والبطش إلى ثورة عسكرية في ١٩/٩
/٢٠٠٢م، وصفت بالانقلاب غير الناجح، ولكن استطاعت عناصر الجيش
المسلمة الشابة وبدون أن يثق بأحد من الجنرالات السيطرة على النصف الشمالي
للبلاد، حيث يسكن غالبية المسلين. ادعى غباغبو أن بلاده تتعرض لعدوان
خارجي، ولم يكتف بزبانيته، بل استأجر المرتزقة من جنوب إفريقيا وأنغولا
وأوكرانيا للإغارة على المسلمين وإخضاعهم تحت طغيانه، لكن الصمود كان دائماً
الأقوى. وفي إطار استغلاله للأحداث استنجد بالإدارة الأمريكية لمحاربة ما وصفه
بالإرهاب الإسلامي في شمالي بلاده.
نشط زعماء أفارقة كثيرون في الوساطة بين الجانبين، لكن هوة الخلاف بين
الجانبين تحُول دائماً دون أي تقدم في المصالحة. أما فرنسا التي تقف مرابطة
بجيشها في الخط الفاصل بين الجانبين فقد ندمت على فعلتها الأخيرة التي هددت
مصالحها بشكل كلي، وعرقلت استغلالها لأكبر دولة منتجة للكاكاو في العالم، لذا
استدعت الطرفين إضافة إلى ممثلي الأحزاب السياسية والفصائل المتناحرة الأخرى
إلى المصالحة في ماركوسي بفرنسا. وقع الفرقاء في حفل رسمي حضره الرئيس
غباغبو على اتفاقية ماركوسي التي تنص على أن يحتفظ الرئيس لوران غباغبو
بالكرسي الرئاسية إلى نهاية ولايته عام ٢٠٠٥م، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية
يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء، وزارة الداخلية المسؤولة عن قضية الجنسية
ووزارة الدفاع، وتقوم - أي حكومة الوحدة الوطنية - بتحضير للانتخابات
الرئاسية عام ٢٠٠٥م وتحديد ماهية الهوية العاجية، وتثبيت حقوق المواطنة
وتعريفها بشكل لا يقبل التجزئة، وكذلك حقوق التمليك والترشيح وتولي المناصب،
وكذلك نصت الاتفاقية على تجريد المليشيات من أسلحتها مع إعادة ترتيب تشكيل
الجيش العاجي وفقاً لمقتضيات تشكيل الجيوش في العالم.
بعد عودته وسط احتجاجات أنصاره على اتفاقية ماركوسي التي وصفوها
بالاستسلام للمسلمين رَفض الرئيس غباغبو تنفيذ خطة الاتفاقية؛ حيث لم يسلم
وزارتي الدفاع والداخلية للمسلمين، وبهذا أُحبطت الجهود الفرنسية، وتوترت
الأمور من جديد بحيث أبقت الدولة منقسمة حتى الآن بين الشمال بأغلبية مسلمة
والجنوب بأغلبية نصرانية ووثنية.
هكذا نصل إلى نهاية حديثنا عن قبيلة الماندن - من وحدة وسيادة المنطقة إلى
غربة ومسكنة في المنطقة نفسها - التي تناولناها كنموذج لما تتعرض لمثله قبائل
مسلمة هامة أخرى مثل القبيلة الفولانية. ولكن المؤسف هو عدم مبالاة المسلمين
بمثل هذه القضايا؛ في حين نرى نصارى - شخصيات ومنظمات وحكومات -
يساندون قضايا النصارى أينما وجدوا في العالم، وحتى إن أدى ذلك إلى البغي على
حقوق دولة إسلامية، كما افتعلوا بالنسبة لقضية تيمور الشرقية في أندونيسيا، وما
يبيتون للسودان في قضية الجنوبيين النصارى.
стр. 4742
المسلمون والعالم
اليقظة السنية المعاصرة في العراق
د. سلمان الظفيري
najin.salman@ntlworld.com
أهل السنة في العراق مكونون من العرب وهم أكثر من عشرة ملايين نسمة،
والأكراد وهم أكثر من ستة ملايين، والتركمان وهم يقدرون بمليونين.
وأهل السنة في العراق يتركزون في الأكثر في الوسط والشمال، وبلادهم
تتميز بالكثافة السكانية، منهم الوجهاء والعلماء والوزراء والتجار وما جربت عليهم
الخيانة، وكانوا أهل ذمار وجوار شهد لهم بذلك الأعداء والأصدقاء من المسلمين
وغير المسلمين.
وهم منتشرون في الوسط والشمال والجنوب، وليس كما يقول الغربيون إنهم
في مثلّث فقط، بل يكوّن أهل السنة من نفوس محافظات الوسط الجنوبي
ومحافظات الجنوب أكثر من مليون ونصف المليون نسمة.
ولا توجد محافظة عراقية ليس فيها أهل السنة. أما الشيعة فلا وجود لهم في
أربع محافظات وهي: أربيل ودهوك في الشمال، وتكريت والأنبار في الغرب.
فالمؤامرة عالمية بين الغرب ومطاياهم على إظهار أهل السنة أقلية، وأن
الشيعة أكثرية. والواقع الميداني خلاف ذلك، فإن السنة هم الأكثرية، وقد ظهرت
فيهم اليقظة المعاصرة، وكان لهم رواد كبار من المصلحين. ولقد كانت الصحوة
الإسلامية الحديثة في العراق واضحة، فيهم، وبعد الاحتلال كانت اليقظة واضحة
في انتفاض أهل السنة على كل الجوانب.
* الرواد الأوائل:
يعتبر العلماء الآلوسيون هم الرواد في اليقظة السنية الحديثة في العراق.
فالعلاَّمة نعمان الآلوسي صاحب الصيحات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وهو الداعي والرائد في دار السلام، وكذلك ابن أخيه العلامة محمود شكري
وتلاميذه كالعلاَّمة عبد الكريم الصاعقة، والعلاَّمة محمد بهجت الأثري، وغيرهم؛
كانوا الكواكب النيرة التي أضاءت دار السلام وحاضرة الرشيد.
ومن الرواد العلاَّمة عبد الله النعمة في الموصل صاحب الدعوة الإصلاحية
ورائد الدعوة السنية في الحدباء. وفي الجنوب وفي ثغر العراق البصرة كان
العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي صاحب مدرسة النجاة رائد الإصلاح والدعوة
السنية.
فكان هذا الرهط الكريم في شمال العراق ووسطه وجنوبه هم الرواد، والرائد
لا يكذب أهله، وهم أصحاب النهضة الإسلامية السنية، وهم فرسان اليقظة العلمية
والدعوية في البلاد، ثم سارت الدعوة بعدهم على أيدي الأتباع والأصحاب
والتلاميذ.
ففي الموصل برز العلاَّمة بشير الصقال خليفة لشيخه النعمة في الدعوة
باستثمار الصحافة والإعلام بالإضافة إلى منابر المساجد وحِلَق العلم.
وفي بغداد كان العلاَّمة تقي الدين الهلالي المغربي قد أكمل مشوار الدعوة على
منبر مسجد الدهان في الأعظمية وفي قاعة الدرس في كلية الآداب، وقد كان قبل
ذلك في أبو الخصيب لسنوات عدة، ثم خلفه العلاَّمة علي الطنطاوي في البصرة
وشُهد لجهوده بالشيوع والانتشار.
ومن الرواد كذلك العلاَّمة أمجد الزهاوي، والشيخ الأستاذ محمود الصواف.
رحم الله الجميع.
* الصحوة الحديثة في البلاد:
بعد مجيء البعثيين عملوا على مصادرة الحريات، فقلَّ النشاط الإسلامي
السني، ولا سيما بعد إغلاق كلية الدراسات الإسلامية عام ١٩٧٥م وإلغاء الحلقات
العلمية كحلقة الشيخ عبد الكريم المدرس في مسجد القادرية، وكذلك إلغاء المدرسة
الآصفية في بغداد، وإلغاء منصب المفتي عام ١٩٧٦م وهي سنة وفاة أخر مفتي
للعراق، وإلغاء كلية الإمام الأعظم وتأسيس كلية شرعية مختلطة ومسيسة، وكانوا
قد أجبروا الأستاذ الشيخ عبد الكريم زيدان على وقف نشاط الإخوان المسلمين في
العراق وحل التنظيم.
بعد هذا الضغط الكبير على الدعاة والدعوة السنية الذي استمر إلى وسط
الثمانينيات وبعد دخول حرب الكويت وفرض الحصار وانشغال الحكم بذلك وضعفه
من السيطرة عادت الأعشاب إلى تلك الهضاب، وأورقت سيقان الدعوة فتم إنشاء
كلية الشريعة المسائية، وكانت الأوقاف قد سمحت بإنشاء معهد للأئمة والخطباء،
ثم يسر الله تعالى إنشاء كلية العلوم الإسلامية.
وقد زاد عدد المساجد في العراق إلى أكثر من ستة آلاف مسجد، وفي بغداد
وحدها أكثر من ٣٥٠٠ مسجد، وهذا حسب إحصاء هيئة علماء العراق.
ومن آثار الصحوة في العراق ظهرت مراجعات للفكر الشيعي عند بعضهم
وتراجعهم عن معتقدات سابقة وقديمة مثل مؤلفات موسى الموسوي، ومؤلف حسين
الموسوي (لله ثم للتاريخ) ومؤلف الكاظمي في ذكر فضائح الحوزة في النجف.
وأيضاً من ثمار الصحوة في العراق انتقال الكثير من الشيعة إلى السنة وترك
التشيع ولا سيما في الجنوب، وخاصة في النجف وكربلاء والبصرة والسماوة
والناصرية.
ومن المؤشرات المؤلمة في هذه الفترة حنق التجمعات الشيعية المسلحة في
الجنوب على هذا الصنف الذي تسنن وقد قتلوا بعضهم.
وقد برز دعاة وعلماء في الجنوب كفضيلة الشيخ فالح الشبلي إمام وخطيب
مسجد حمزة في النجف - فك الله أسره منهم - والشيخ الفاضل أمجد الدوسري في
منطقة الفاو، والتقارير الصحفية نقلت أن الشيعة قد قتلوه - رحمه الله تعالى -،
والشيخ أبو كيفان في الناصرية، فك الله أسره.
وظهرت كذلك محلات بيع الأشرطة الإسلامية في كركوك وبغداد والموصل.
وأكبر ظاهرة تدل على قوة الصحوة ظاهرة الحجاب التي غزت الجامعات
والمدارس والدوائر الحكومية، وقد ظهر النقاب في الوسط النسائي بشكل واضح،
وأصبح رواد المساجد من الشباب بكثرة واضحة؛ ومن المؤشرات على ذلك أن
مؤتمرات حزب البعث رصدت تلك الظاهرة بامتعاض، وناقشتها تحت فقرة:
(الدين والشباب) .
* الاحتلال واليقظة:
في نيسان الماضي ٢٠٠٣م سقطت بغداد، وجاست جيوش الصليب بغداد وما
حولها، ووقع العراق من جديد تحت الاحتلال، وفرضت القوات المحتلة شريعة
الغاب، وصار الدم جارياً في كل حدب وصوب، ونزل المحتلون البلاد ومعهم
مطاياهم من متعاونين ونفعيين وأبطال مزيفين.
وانتفض أهل السنة على هذا الوضع المزري، فتكونت هيئة علماء العراق
وجمعت علماء السنة في العراق، وصار للهيئة فروع في الأنبار وحاضرتها
الفلوجة، وهكذا بعقوبة وسامراء والموصل وبلاد الكرد في الشمال.
وفي ظل هذا الوضع المأساوي من تغلب رعاع الشيعة على بعض مساجد
السنة واغتصابها قام أولو الشأن من العلماء بتأسيس دار الإفتاء، وإعلان الدكتور
الشيخ محمد محروس المدرس مفتياً للعراق، وأعلن الشيخ المدرس أن دار الإفتاء
سوف تقوم بالإشراف على المساجد، وقد قام شباب أهل السنة باسترداد بعضها
بالقوة وبالأخص مسجد أم المعارك الكبير في بغداد.
ومن اليقظة كذلك المظاهرات السنية في بغداد التي انطلقت من مسجد أم
المعارك، وقد خطب الجمعة قبل المظاهرة الدكتور حارث الضاري بخطبة مناسبة
للوضع مندداً بأكذوبة أن الشيعة هم الأكثرية في العراق.
ثم المظاهرة السنية الكبيرة التي انطلقت في مدينة سامراء، وقد كان خطيب
القوم صاحب الفضيلة الشيخ أحمد حسن الطه.
وآخر مظاهرة سنية كانت يوم الأحد ١٤/٩/٢٠٠٣م في مدينة البصرة،
وشارك فيها شيوخ القبائل السنية والعلماء والشباب المسلم، واشترك فيها أهل السنة
من البصرة والسماوة والناصرية، وقد كان الغرض منها إشعار الطائفيين
والشعوبيين بقوة أهل السنة بعد المجازر التي تعرض لها أهل السنة في الجنوب.
ومن اليقظة في العراق إعلان أن أهل السنة هم الأكثرية الكاثرة، وأن الشيعة
هم أقلية في العراق ومن الشهادات الصادقة في الفضائيات:
١ - شهادة الدكتور حارث الضاري عضو هيئة علماء العراق، ورده في
ندوة مشتركة على الشيخ الشيعي هادي المدرسي مدّعي هذه الفرية.
٢ - شهادة الدكتور محسن عبد الحميد الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي؛
حيث قال: نحن لا نعترف أن الشيعة هم الأكثرية، بل السنة من العرب والأكراد
والتركمان هم الأكثرية.
٣ - شهادة الدكتور أحمد الكبيسي وهو رئيس التجمع الوطني؛ حيث صرح
قبل أيام أن السنة في العراق هم الأكثرية.
٤ - شهادة الدكتور مهند الغريري أستاذ أصول الفقه في كلية العلوم الإسلامية
في بغداد حيث قال كذلك: إن أهل السنة هم الأكثرية.
٥ - شهادة الدكتور محمد عياش الكبيسي، وهو أستاذ شريعة جامعي وعضو
هيئة علماء العراق، قال: إننا نقول نحن الأكثرية.
فهذه شهادات علماء وطلاب علم في رد الأكذوبة الشائعة في الفضائيات أن
الشيعة أكثرية في العراق، بل هذه الفرية رُتِّبت بليل بين الأمريكان ودعاتها [*] .
وقد كان من ثمار اليقظة تكاثر الدعاة من السنة على تصحيح هذا المفهوم
الخاطئ، ومن أبرز مظاهر اليقظة عند أهل السنة رفض الاحتلال؛ وهذا الأمر
تميز به أهل السنة فقط؛ فبالإضافة إلى المقاومة التي ظهرت في مدن أهل السنة
كان للعلماء نصيب كبير من الإهانة والسجن لرفضهم الاحتلال؛ فالشيخ الدكتور
أحمد البيلساني سجن ثلاثة أشهر في سجن المطار، وما خرج إلا قبل أيام قلائل،
وإمام مسجد الرمادي تم قصفه بالطائرة الأمريكية وهو يلقي درسه في المسجد
لرفضه الاحتلال، وقل مثل ذلك في شيوخ القبائل السنية في البصرة والأنبار
والموصل وسامراء وبعقوبة كم عانوا، وكم أوذوا لرفضهم الاحتلال وعدم التعاون
معه.
ومما يذكر هنا الشيخ مؤيد الأعظمي إمام مسجد أبي حنيفة الذي قاد مظاهرات
في بغداد رفضاً للاحتلال ونبذاً للاستعمار، وهكذا غيره كثير.
стр. 4743
المسلمون والعالم
إسرائيل طليعة استعمارية.. أم طبيعة دينية ؟
د. محمد مورو
كي نستطيع أن نواجه التحدي الصهيوني الذي مثل ويمثل أكبر التحديات
وأخطرها بالنسبة لأمتنا وهويتنا وحضارتنا ومصالحنا ومستقبلنا بل ووجودنا ذاته،
ينبغي أن نعرف طبيعة هذا الكيان المغتصب وتوجهاته. وقد يبدو للوهلة الأولى أن
هناك تعارضاً بين نظرتين لفهم طبيعة المجتمع الصهيوني:
الأولى: ترى أنه جزء من مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة في إطار
الصراع الحضاري.
والثانية: ترى أن المجتمع الصهيوني مجتمع توراتي قائم على الأسطورة
الدينية، وأن اليهود؛ بما لهم من نفوذ مالي وإعلامي وغيره، نجحوا في السيطرة
على صناعة القرار الغربي، فحصلوا على الدعم اللازم لمشروعهم.
والحقيقة أنه بشيء من التركيب يمكن أن نجد أن للمفهومين أصلهما التاريخي
والواقعي؛ فالكيان الصهيوني نشأ أصلاً من رغبة غربية استعمارية لإقامة كيان أو
مجموعة وظيفية في هذه البقعة الحساسة من قلب العالم العربي والإسلامي كجزء من
مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة، وكحلقة من حلقات الصراع الحضاري بين
الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية. وتلاقت هذه الرغبة الاستعمارية أو غذت
مفهوم الحلم والأسطورة المزيفة لدى اليهود عن حق العودة إلى فلسطين وإقامة وطن
قومي لهم على أساس التفسير المحرف للتوراة المحرفة أصلاً، أو على أساس
الدعاية الدينية اليهودية لجمع يهود العالم في هذه البقعة. وفي الحقيقة فإن الرغبتين
والمصلحتين التقتا في محطة تاريخية تمخض عنها قيام هذا الكيان، ويجب هنا أن
ندرك أن هناك وجداناً غربياً كارهاً ومعادياً لليهود أصلاً، ومارس الاضطهاد بحقهم
طويلاً؛ وبذلك فإن إقامة وطن قومي لهم يحقق هدفين: الأول: هو التخلص من
اليهود كزبالة بشرية غير مرغوب فيها في الغرب، ويحقق ثانياً: الاستفادة من هذا
الكيان في تحقيق الأهداف الاستعمارية، والكيد للحضارة الإسلامية، وتمزيق وحدة
المنطقة، ومنع نهوضها أو تطورها، واستمرار نهبها.
إذن فالكيان الصهيوني هو مشروع غربي في الأساس تم صياغته داخل أروقة
المؤسسات الاستعمارية الغربية قبل أن يفكر فيه هرتزل بفترة طويلة. فهناك على
سبيل المثال لا الحصر نداء نابليون بونابرت إلى يهود العالم من أجل إعادة إنشاء
مملكة القدس القديمة «سنة ١٧٩٩م» في إطار المشروع الاستعماري في الشرق
الذي كان يحكم به نابليون، وهناك دعوة الرئيس الأمريكي (جون آرامز) إلى
استعادة اليهود لفلسطين «سنة ١٨١٨م» . وهناك مذكرة سكرتير البحرية
الإنجليزية إلى وزير الخارجية (بالمرستون) التي يقترح فيها دعوة أوروبا إلى
إعادة اليهود إلى فلسطين «عام ١٨٣٩م» . وهناك برنامج (اللورد سافتبري)
إلى مؤتمر لندن بشأن توطين اليهود في فلسطين «سنة ١٨٤٠م» . وهناك
مشروع «إدوارد تنورد» لإقامة دولة يهودية متكاملة في فلسطين تحت الحماية
الإنجليزية المؤقتة إلى أن تتمكن هذه الدولة من الوقوف على قدميها
«سنة ١٨٤٥م» . وهناك كتاب (أرنست لاهان) المستشار الخاص لنابليون
الثالث في المسألة الشرقية «إعادة بناء أمة اليهود» «سنة ١٨٦٠م» .
وهناك كتاب «أرض جلفاد» للورنس أوليفنت عضو البرلمان الإنجليزي ووزير
الخارجية والذي يقترح فيه إقامة مستوطنة يهودية على مساحة ١.٥ مليون فدان في
الأردن وفلسطين «عام ١٨٨٠م» . ثم هناك تأسيس بلاكستون في شيكاغو لمنظمة
العثبة العبرية نيابة عن (إسرائيل) من أجل حث اليهود على الهجرة إلى فلسطين،
ومذكرة بلاكستون إلى الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون ووزير خارجيته جيمس
لين بإنشاء وطن قومي لليهود عام ١٨٩١م، وصدور كتاب الدبلوماسي الإنجليزي
وليمر هشلر «إعادة اليهود إلى فلسطين» الصادر عام ١٨٩٤م، كل هذا قبل
صدور كتاب تيودور هرتزل «الدولة اليهودية» الذي صدر عام ١٨٩٦م.
وفي هذا الصدد يقول جمال حمدان في كتابه «استراتيجية للاستعمار
والتحرير» ، ص ١٦٨: «التقت الإمبريالية العالمية مع الصهيونية لقاء تاريخياً
على طريق واحد هو المصلحة الاستعمارية المتبادلة، فيكون الوطن اليهودي قاعدة
تابعة وحليفاً مضموناً أبداً يخدم مصالح الاستعمار؛ وذلك ثمناً لخلقه إياه وضمانه
لبقائه، ويقول أيضاً في الكتاب نفسه، ص ١٧٦:» الاستعمار هو الذي خلق
(إسرائيل) بالسياسة والحرب، وهو الذي يمدها بكل وسائل الحياة من أسلحة
وأموال، وهو الذي يضمن بقاءهما ويحميها علناً «.
ويؤكد (روجيه جارودي) على هذه الحقيقة أيضاً بقوله:» إن الأب
الروحي للصهيونية ثيودور هرتزل أشعل الرغبة الاستعمارية في خلق (إسرائيل)
وقدم لها مسوِّغات إقامة هذه الدولة على أساس أنه إذا قامت إحدى الدول
الاستعمارية بحماية هذه الدولة اليهودية فسوف تتمتع بميزة على خصومها؛ لأن هذه
الدولة ستعتبر رأس حربة مزروعة في المنطقة من أجل التغلغل الاستعماري.
وكتب تيودور هرتزل سنة ١٨٩٥م في كتابه (الدولة اليهودية) قائلاً: «ستكون
هذه الدولة بالنسبة إلى أوروبا متراساً ضد آسيا، وستكون بمثابة الحصن المتقدم
للحضارة ضد البربرية» .
وفي محاضرة لروجيه جارودي في ١٣/١٠/١٩٩٦م في فندق الماريوت
بالقاهرة قال: «إن (إسرائيل) ستلعب دوراً هاماً في المواجهة الحضارية بين
العالم الغربي والعالم الإسلامي نظراً لموقعها الاستراتيجي في قلب العالم
الإسلامي» .
وإذا كانت هذه هي أهداف السياسة الاستعمارية من خلق (إسرائيل) لتكون
وكيلاً للاستعمار الغربي وجماعة وظيفية لأداء وتنفيذ أهدافه، فإن القادة الصهاينة
لعبوا على تلك النقطة تجاه الرأي العام الغربي وقواه السياسية وأجهزته ومؤسساته
الحاكمة، وفي نفس الوقت لعبوا على الأسطورة التاريخية لدى اليهود عن الوعد
التوراتي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، سواء كان هذا السلوك من قادة
الصهاينة نوعاً من الدجل والدعاية، أو أنه يعبر عن اقتناعهم الحقيقي، سواء كان
هؤلاء القادة الصهاينة ملحدين أو مؤمنين فإنهم عكسوا في سلوكهم وتصريحاتهم
وبنائهم للكيان الصهيوني تفسيراً أسطورياً توراتياً محرفاً بالطبع ومزيفاً وكاذباً،
فجولدا مائير زعيمة حزب العمل التاريخية في تصريح لها لصحيفة لوموند الفرنسية
١٥/٥/١٩٧١م تقول: «نشأ هذا البلد تنفيذاً لوعد الرب ذاته؛ ولهذا لا يصح أن
نسأله إيضاحاً عن شرعية هذا الوجود» . ومناحم بيجين «ليكود» يصرح
لصحيفة دافار الإسرائيلية، ١٤/١٢/١٩٧٨م بقوله: «لقد وعدَنا الرب هذه
الأرض، ولنا الحق فيها» . أما موشي دايان «ملحد» فيقول: «إذا كنا نملك
التوراة، وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة فينبغي أن نمتلك أيضاً بلاد التوراة،
بلاد القضاة أرض أورشليم وحيرون وأريحا» جيروزاليم بوست، ١٠/٨/١٩٦٧م.
وهكذا يتردد دائماً على ألسنة الزعماء الصهاينة نفس المنطق سواء كانوا من
اليمين أو اليسار، أعضاء في حزب العمل أو في كتلة الليكود، ناطقين باسم
الجيش أو الحاخامية؛ فالتوراة ترسم كل شيء في (إسرائيل) ، ترسم ثقافة
الأطفال في المدارس؛ فبناء على توجيه دافيد بن جوريون فإن الدين اليهودي في
إسرائيل يدرس كمادة إجبارية في المدارس.
والزواج في (إسرائيل) زواج ديني، ولا يوجد في (إسرائيل) دستور؛
لأن التوراة هي القانون الأساس للدولة، والتوراة هي التي تعرّف المواطن وتحدد
من هو الإسرائيلي، وهي ذاتها تحدد حدود الدولة، بل وتسوِّغ الحرب والإرهاب
«علينا ألاَّ ننسى أجزاء التوراة التي تسوِّغ هذه الحرب؛ فنحن نؤدي واجبنا الديني
بوجودنا هنا؛ فالنص المكتوب يفرض علينا واجباً دينياً وهو أن نغزو أرض العدو»
حاخام برتبة نقيب، هآرتس، ٥/٧/١٩٨٢م.
والمذابح من دير ياسين إلى صابرا وشاتيلا تُحِلُّها التوراة وتأمر بها:
«وحرِّقوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل ومسن وشيخ حتى البقر
والحمير بحد السيف» سفر يشوع، الإصحاح ٦ آية ٢١.
وبالطبع فإن هذا الفهم للتوراة وهي محرفة أصلاً هو بدوره فهم مغلوط،
والحديث عن الوعد الإلهي في التوراة حديث مغلوط؛ لأن يهود إسرائيل أولاً ليسوا
هم أبناء اليهود الأوائل من ناحية؛ فهم من يهود الخزر غالباً، وحتى لو فرض أنهم
من أبنائهم فقد فقدوا أهليتهم بسبب عصيانهم التاريخي المستمر لأنبيائهم، ولأنه بعد
الإسلام بالذات فإن الأمة الإسلامية هي الأمة الرسالية، ونحن من ثم أوْلى من
اليهود بإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، ويوشع، وداود،
وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى بن مريم ﵈ وأن هؤلاء
الأنبياء وغيرهم قد بايعوا محمداً الرسول ﷺ أثناء رحلة الإسراء
والمعراج عندما أمَّهم في تلك الليلة في الصلاة في بيت المقدس، وأن موسى وداود،
وسليمان وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل لو بعثوا اليوم ما كان بوسعهم إلا الدخول
في الإسلام، باعتباره الدين الحق الحنيف الذي جاء به إبراهيم أصلاً من عند الله،
وجاء به النبيون من قبله ومن بعده، والذي جاء محمد ﷺ ليكون
به خاتم الأنبياء، وليكون المسلمون هم ورثة كل وعد إلهي.
والكيان الصهيوني كيان عنصري؛ فهو قائم في تعريف المواطنة وكذا في
سلوكه السياسي على فكرة تجميع يهود العالم الذين ُيزعم أنهم من أب واحد وكتلة
قومية ودينية واحدة، وأنهم شعب الله المختار وبقية العالم عبيد لهم، والديمقراطية
الإسرائيلية لليهود فقط.
والكيان الإسرائيلي كيان عسكري وعدواني؛ فـ (إسرائيل) تنفق ٥٠% من
ميزانيتها على الجيش، والمؤسسة العسكرية تتحكم في كل شيء في (إسرائيل)
تقريباً، وعلى حد تعبير بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق
«فإن القوة العسكرية مؤسسة لا بديل عنها للمحافظة على أمن إسرائيل.
ونظريات السلام مع العرب ونظريات الخلاص اليهودي بالسلام يدلان على رؤية
غير واقعية للواقع الإسرائيلي البائس، وعلى أحلام كاذبة تنبع من محاولة الهروب
من الصراع المحتوم عليها نتيجة وجودنا فإنه بين الشعوب العربية» بنيامين
نتنياهو كتاب «فكان تحت الشمس» .
وهكذا فالمفهوم الإسرائيلي للسلام يتلخص في التفوق العسكري والخضوع
الفاعل عسكرياً وسياسياً من جانب العرب للهيمنة الإسرائيلية، وهذا بالطبع يشير
إلى استمرار وجود قوة عسكرية هائلة، واستمرار توجيه ضربات إجهاضية لكل
محاولة عربية لامتلاك القوة.
ولأن الكيان الصهيوني جماعة وظيفية أولاً لممارسة العدوان لحساب
الاستعمار الغربي «الأمريكي حالياً» ولأن حقيقة وجودهم مصنوع وغير طبيعي
فإن المجتمع الإسرائيلي الذي قام على سلب حقوق الآخرين يحس بهاجس الأمن أو
ما يسمى بعقدة الأمن، وهي عقدة ناجمة عن شعور إسرائيلي داخلي بأن وجودهم
على هذه الأرض غير شرعي ولم تفلح محاولات زرع ثقافة مصطنعة في إعطاء
الإسرائيليين الشعور بالانتماء أو المشروعية؛ ولذا فإن المجتمع الإسرائيلي مجتمع
معسكر؛ فأنماط المعيشة في إسرائيل «المستوطنات، الكيبوتزات، الموشوفات»
وطريقة التجنيد والتعبئة ونظام الاحتياط ووضع المؤسسة العسكرية السياسي من
حيث كونها مصدراً للنخب السياسية والأمنية رفيعة المستوى، وأهمية حقيبة وزارة
الدفاع في الحكومات الإسرائيلية، ونسبة مخصصات الميزانية العامة الإسرائيلية
للاتفاق العسكري، توضح الوضع الذي تمثله المؤسسة العسكرية في (إسرائيل) .
ويعاني المجتمع الإسرائيلي أيضاً من مسألة عدم تجانس اليهود القادمين من
مختلف بقاع العالم، من غرب أوروبا وأمريكا، ومن شرق أوروبا، ومن اليمن
والعراق والمغرب وروسيا، والحبشة وغيرها، وكل منهم يحمل ثقافة مختلفة،
ولن يفلح الحديث عن الأسطورة التاريخية أو وحدة الأصل اليهودي في صهر هذا
المزيج غير المتجانس، وكذلك فإن الوجود العربي الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة
يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لإسرائيل؛ فلا هي قادرة أو راغبة على إعطائهم حقوقهم
السياسية كمواطنين إسرائيليين ومع تزايد معدلات النمو السكاني الفلسطيني فإن
مشكلة ديموجرافية خطيرة ستواجه الكيان الصهيوني.
* الكيان الصهيوني بعد الحرب الباردة:
إذا كان الصهاينة قد قبلوا أن يقوموا بدورهم كوكيل للاستعمار الغربي في
المنطقة مقابل السماح لهم بإقامة كيانهم ودعمه مادياً ومعنوياً، فإن مرور عشرات
السنين على هذا الكيان جعل قادته يفكرون في التحول من دور التابع إلى دور
الشريك الاستراتيجي، وتواكب في تلك اللحظة حدوث متغير هام في الصراع
الدولي ومعادلاته الإقليمية؛ فبسقوط الاتحاد السوفييتي السابق ونهاية الحرب
الباردة، قلَّت أهمية (إسرائيل) الاستراتيجية بالنسبة للغرب عموماً وأمريكا
خصوصاً، وتواكب ذلك مع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بعد حرب
تحرير الكويت ١٩٩١م، أن أمريكا جاءت بجيوشها ولم تستخدم هذه المرة لأسباب
كثيرة الصهاينة كجماعة وظيفية لأداء خدمات عسكرية نيابة عنها، وهذا بدوره
قلل الأهمية الاستراتيجية للإسرائيليين، ولكي يعيد الإسرائيليون التأكيد على
أهميتهم ودورهم ساروا على عدة محاور أولها زيادة التغلغل الصهيوني في
الإدارة الأمريكية؛ وخاصة الخارجية والمخابرات والدفاع ومراكز البحث
ومؤسسات صنع القرار الأمريكي عموماً بشكل لم يسبق له مثيل على الإطلاق
في تاريخ العلاقة بين الطرفين.
ثم عملت (إسرائيل) على تقديم نفسها ليس كتابع لأمريكا بل كحليف
استراتيجي - مستقل - لها، ولو كحليف صغير أو أقل حجماً.
يقول شمويل كاتز في بحثه المعنون: «وجهة نظر إسرائيلية للعلاقة
الأمريكية الإسرائيلية» : «ما مدى صحة القول بأن (إسرائيل) تعتمد على
الولايات المتحدة الأمريكية اعتماداً تاماً؟ إنه قول سخيف حتماً لو أخذناه على
ظاهره؛ فإذا كانت إسرائيل توصف دائماً بأنها حليف؛ فمعنى ذلك أن هناك بين
الولايات المتحدة وإسرائيل حالة من الاعتماد المتبادل لا تقل، بل إنها تزيد في
بعض الجوانب عن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية» ، ويضيف
الباحث الإسرائيلي شمويل كاتز: «لا غنى لأمن أمريكا عن إسرائيل الصديقة، لا
بسبب الحقائق الجغرافية السياسية وحدها؛ بل أيضاً لأن إسرائيل أصبح لديها
القدرة على خدمة المصالح الأمريكية بشكل إيجابي ولا سيما في الشرق الأوسط» .
ويطرح كاتز أن علاقة الحلفاء هي الأكثر قبولاً بقوله: «ولا شك في أن
بالوسع إقامة علاقة صحيحة ومتكافئة كالعلاقة بين الحلفاء بإبرام اتفاق تعاقدي لا
يتأثر بالتحيزات السياسية ليضمن لإسرائيل أن تحصل لا على منح بل على مقابل
للخدمات» .
وطرحت (إسرائيل) نفسها بعد الحرب الباردة كذراع قوية وفعالة في
مواجهة الصحوة الإسلامية، وإذا كانت دوائر حلف الأطلنطي وأمريكا بالذات قد
اعتبرت أن الإسلام هو العدو الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وأن
الصحوة الإسلامية تمثل خطراً على المصالح الأمريكية والغربية قيمياً وسياسياً
وعسكرياً، واقتصادياً، فإن (إسرائيل) التي تحس بالخطر ذاته عليها مستعدة
للقيام بدورها لحماية نفسها ولحماية مصالح أمريكا والغرب أيضاً. كما أكثرت
(إسرائيل) من الحديث عن دورها الهام في موازنة الخطر الإيراني المرتقب
المتربص بأمريكا والغرب وإسرائيل.
وقد طرحت (إسرائيل) نوعين من التكتيك لخدمة الأهداف الأمريكية بعد
الحرب الباردة: الأول طرحه شيمون بيريز زعيم حزب العمل ورئيس الوزراء
الإسرائيلي السابق والذي يتضمن سيطرة أمريكا اقتصادياً وكذلك سياسياً وعسكرياً
على المنطقة من خلال إدماج المنطقة في تجمع اقتصادي وعلاقات اقتصادية
«السوق الشرق أوسطية» تحقق لأمريكا أهدافها، وتكرس سيادتها على
العالم والمنطقة، وتكون إسرائيل فيه أكبر الشركاء والقائد الإقليمي للتنمية التي
تحقق بدورها من خلال رفع مستوى معيشة العرب نزع فتيل التطرف الإسلامي
الذي يستمد مادته من تدهور الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، وفي الوقت نفسه
تحقيق نوع من السلام مع العرب يضمن لإسرائيل البقاء في المنطقة كجزء مندمج
فيها من خلال شبكة قوية ومتنوعة من العلاقات الاقتصادية مع المحافظة على تقوية
الذراع العسكري الإسرائيلي ونزع سلاح العرب؛ أي أن بيريز كان يريد أن يحقق
نوعاً من الربط بين (إسرائيل) والعرب يجعل من الصعب على الدول العربية أن
تفكر في قطع صلتها بـ (إسرائيل) والتحول إلى علاقة عداء والرؤية الثانية
التي تبناها نتنياهو بدلاًِ من بيريز لرئاسة الوزراء، تقوم على استمرار إسرائيل
منفصلة عن الشرق الأوسط وليست مندمجة في نظام شرق أوسطي؛ لأن مستقبل
إسرائيل والمصالح الغربية من وجهة نظر نتنياهو يتمحور حول إسرائيل ذاتها
وقدرتها على الاحتفاظ بشخصيتها في وسط معاد، وأنه لا توجد وسيلة للتعامل مع هذا
المحيط إلا بالقوة والردع والعنف.
يقول نتنياهو في كتابه «مكان بين الأمم» : «السلام الوحيد الممكن تحقيقه
بين العرب و (إسرائيل) هو السلام الذي يعتمد على ردع العرب، هو سلام حذر
ومسلم يوفر لإسرائيل درجة كافية من القوة القادرة على ردع الجانب العربي عن
التفكير في استمرار الحرب» .
وفي الحقيقة فإن (إسرائيل) قد نجحت بوسائل عدة في إقناع واشنطن
بأسلوب التحالف بدلاً من أسلوب التابع؛ فقد أعلن كلينتون: «أن الطرفين اتفقا
على الارتفاع بمستوى تحالفهما الاستراتيجي إلى درجة عليا لتصبح (إسرائيل)
شريكاً كاملاً للولايات المتحدة في كل ما يجري من ترتيبات في المنطقة» .
стр. 4744
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
afahmee@albayan-magazine.com
أقوال غير عابرة:
- «حركة حماس حركة مجاهدة، لا يمكن إلا أن تعيش في ظل (يقتلون
ويُقتلون) .. حماس زمن عياش لم تكن بهذه القوة، لكنها اليوم قوة عالمية وذات
تأثير على الساحة الدولية بكاملها» . الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
[السبيل، ٢٣/٩/٢٠٠٣م]
- «مرة محمد دحلان حب يهددني قال لي: هابعتك لجبريل الرجوب يعلقك،
في حضور بعض الزملاء» .
[أحمد منصور برنامج بلا حدود الجزيرة، ٢١/٩/٢٠٠٣م]
- «لن يتمكن العدو من تجميد مصادر تمويل حماس؛ فالحركة رصيدها
الجماهير، وهذه تتبرع للحركة بطرق فردية وسرية، ولا تستطيع أي قوة في العالم
وضع يدها على هذه المنابع.. لم تتأثر الحركة على الإطلاق بما يسمى تجفيف
منابع التمويل» الرنتيسي.
[السبيل، ٢٣/٩/٢٠٠٣م]
- «مبادئ عبد الناصر هي المبادئ التي على أساسها تنهض الأمم.. إنه
حي فينا وفي أجيالنا» . عرفات يتحدث في الذكرى الثلاثين لموت جمال عبد
الناصر.
[البيان الإماراتية، ٣٠/٩/٢٠٠٣م]
- «لم تضرب هزة أرضية سلاح الجو.. علينا أن نتعامل مع الأمور بما
يلائمها.. إننا نخدم في جيش إنساني وأخلاقي لا مثيل له» .. قائد سلاح الجو
الإسرائيلي، اللواء دان حلوتس يعلق على رفض ٢٧ طياراً يهودياً قصف الأراض
الفلسطينية.
[يديعوت أحرونوت، ٢٥/٩/٢٠٠٣م]
- «المؤسسات الأمنية الأمريكية لا يرون سوى قطعة من هنا وقطعة من
هناك، وليس لديهم أي نظرة شاملة أو معلومات وثيقة» مأمون فندي يتحدث عن
الإسلاميين أثناء شهادته أمام اللجنة الأمريكية الوطنية للتحقيق في هجمات سبتمبر.
[النيوزويك]
- «القومية والوحدة عفا عليهما الزمن، هذه الأفكار عملة غير قابلة للصرف،
ماذا بيننا وبين دولة مثل الكويت واحدة في إفريقيا والأخرى في آسيا، لن نلتقي
مع بعضنا حتى يوم القيامة، واحد في الجنة والآخر في النار، العرب اليوم
ينتظرون من يأتي ليقطّعهم ويأكلهم ويشويهم» . القذافي يتحدث أمام مؤتمر نسائي
ليبي.
[السفير اللبنانية، ٦/١٠/٢٠٠٣م]
- «الله وحده هو الذي يحمينا ولا أحد غيره، لكننا صرنا الآن خائفين، من
يوم ما بدأت الانتفاضة وأنا أسمع الأخبار صباحاً، لكن أشعر الآن أني سأسمع
أخبارنا» لاجئ فلسطيني من مخيم شاتيلا في لبنان يعبر عن خوفه من قصف
«إسرائيلي» لهم.
[موقع أرابيا، ٦/١٠/٢٠٠٣م]
- «يتحدث قادتنا عن استخدام قنابل ذكية ضد الفلسطينيين، ولكنني أعتقد
أن قنبلة تزن طناً تسقط على مجمع سكني، فإنها تتحول إلى كتلة موت ليس لها
علاقة بالذكاء» .
[٢٩/٩/٢٠٠٣م]
أحاجي وألغاز:
يا ليت قومي يعتبرون
لوثر فوسلر - ٥٦ عاماً - الأخ غير الشقيق للمستشار الألماني جيرهارد
شرويدر، تم فصله من وظيفته كحارس لحمَّام سباحة، وكان من قبل يعمل في
تنظيف البالوعات، وصرح فوسلر لصحيفة إكسبريس الألمانية إنه يخطط لطلب
المساعدة من أخيه، وقال: «بالطبع ليس هناك الكثير الذي يمكن أن يفعله من
أجلي، ولكن ربما يكون بمقدوره أن يوصي بي في مكان ما» .
[جريدة البيان الإماراتية، ٤/١٠/٢٠٠٣م]
يحكم لأنه.. لا يحكم!
«الجهلة والناس السطحيون وأولئك الذين يدفعهم الحقد يتساءلون: كيف
بقيت ٣٤ عاماً في السلطة؟ لكن ذلك لأنني لا أحكم، إن الشعب هو الذي يحكم منذ
١٩٧٧م ولذلك لم تتمكن الولايات المتحدة من تغيير النظام الليبي» الرئيس الليبي
معمر القذافي.
[أخبار ليبيا، ٢٤/٩/٢٠٠٣م]
تَمخّط الجبل
إنها ليست بنى تحتية للإرهاب، إنها معارضة أنتم بنيتموها، وسلحتموها،
حتى الرئيس مبارك قال في حديث لصحيفة كورييرا دي لا سييرا إن رابين قال له:
إن إسرائيل هي التي أقامت حركة حماس، واعتبر ذلك خطأ فادحاً «عرفات
يتحدث إلى:
[يديعوت أحرونوت، ١٨/٩/٢٠٠٣م]
المهدي الناصري في السرداب
» أبحث عنك في كل مكان، في المصانع والحقول والكفور، أتحسس خطاك،
أناديك بعلو الصوت: أين أنت يا عبد الناصر.. أفكارك لم تمت، وبرنامجك هو
المنقذ لنا من واقع مرير «. مصطفى بكري رئيس تحرير جريدة الأسبوع.
[الأسبوع القاهرية، ٣٠/٩/٢٠٠٣م]
مرصد الأخبار:
في العراق ينتحرون.. وفي جوانتانامو يُسلمون
يبدو أن اقتراب الجنود الأمريكيين من المسلمين لا يعود عليهم بما يرضي
قادتهم في جميع الأحوال؛ ففي العراق، فإن الجنود الأمريكيين تحت تأثير مقاومة
لا تملك واحداً في المليون من إمكاناتهم، تتردى أحوالهم النفسية لدرجة تدفعهم
للهروب من أرض المعركة، وآخرون لا يجدون مفراً من الانتحار، وبنسبة أقلقت
البنتاجون الذي سارع بإرسال فريق طبي لدراسة الأزمة، وذكرت» يو إس إي
توداي «الأمريكية أن ما لا يقل عن ١١ جندياً وثلاثة من المارينز انتحروا منذ بدء
الحرب على العراق أي ما نسبته ١٧ على مئة ألف بينما النسبة العادية هي ١٣
على مئة ألف، كما نقلت أن الجيش أعاد ٤٧٨ جندياً إلى أمريكا لتأزمهم نفسياً وفي
مكان آخر بعيد حيث يقبع ٦٦٠ أسيراً مسلماً في جوانتانامو، تتنامى مشاكل من
نوع جديد؛ فقد تسربت أنباء عن إقدام عدد من الجنود نتيجة مخالطتهم الأسرى
على الدخول في الإسلام، ولم يعرف عددهم على وجه التحديد، ولكنه يبدو قابلاً
للازدياد، وأكد كبير المفاوضين الجزائريين في قضية تحرير ١٨ من الأسرى أن
بعض الحراس الأمريكيين كانوا متعاطفين بشكل شديد لدرجة شراء احتياجات
الأسرى الخاصة من مصروفهم الشخصي.
» أنت تصلي، إذاً فأنت مطرود «.. شعار الجيش التركي
منذ عام ١٩٩٦م تم طرد أكثر من ١٣٥٠ ضابطاً وضابط صف من الجيش
التركي، وإذا أضفنا إليهم الذين طردوا خلال سنوات الدراسة في الكليات العسكرية،
والذين فضلوا التقاعد مبكراً خشية الطرد، فسيصل العدد إلى ٣٥٠٠ - ٤٠٠٠
عسكري تركي، ولكن ما الخطأ الذي ارتكبه كل هؤلاء؟ إنه السلوك غير المنضبط.
والحقيقة أن ما يتهمون به هو الصلاة في المساجد، وارتداء زوجاتهم للحجاب.
يروي النقيب باقي غالب - ٤٤ عاماً - قصته فيقول:» كانت هناك شائعات
فحواها أنه إذا لوحظ علي ركبتيك وعلى جبينك ما يفيد بأنك تصلي، فستتعرض
للمتاعب «ويضيف:» كان على أحدنا خلال الخدمة أن يملأ مرة كل ٣ أشهر
استمارة شخصية: هل لديك مكتبة في بيتك؟ ما نوع الأشخاص الذين يزورونك؟
ماذا يفعل أفراد عائلتك؟ هل تضع زوجتك حجاباً، نقاباً أو برقعاً أسود؟ «وفي
النهاية تم طرده مع حرمانه من حقوقه.
ويقول عبد الواحد قولجي:» حين تزوجت بعد إنذار الجيش إلى حكومة
أربكان، التي أُرغمت على الاستقالة، كنت أدرك أني سأواجه المشاكل لأن زوجتي
محجبة، لكني كنت أريدها هكذا.. وذات يوم قال لي قائدي: عليك أن تطلب من
زوجتك رفع حجابها، وإلا فإنك ستطرد من الجيش «لكنه رفض وتم طرده أيضاً.
أما الرائد مصطفى أيرول - ٣٩ عاماً - فيروي:» كان من عادتي أن
أذهب للصلاة في قاعة المصلى في الثكنة، مع ٣ أو ٤ جنود، وكان من سوء
حظي أن الضابط المسؤول عن المراقبة زار المصلى ورآني، فسألني: لماذا
تصلي؟ هل تصوم رمضان أيضاً؟ وتم رفع الأمر إلى جهات عليا «، ويضيف
أنه في عام ٢٠٠٠م وقبل أن يطرد:» استدعيت إلى مكتب القائد الذي سألني عن
حجاب زوجتي، وإذا كنت أصلي، أو أتناول الكحول، ثم قال لي: جاء إلى هنا
١١ ضابطاً مع زوجاتهم محجبات، فنزعت عنهن الحجاب، فإما أن تنزع عن
زوجتك حجابها أو تطلقها «.
[الوسط الحياة، العدد، ٦١٠]
الأدب السيستاني في طرد المحتل الأمريكاني
إشكالية التناقض بين الخطاب والفعل صفة لأزمة لشيعة العراق، لا
يستطيعون منها برءاً، رغم افتضاح أمرهم بين الناس، وإذا أردت أن تعرف مراد
أحد رموزهم ومبتغاه، اقلب حديثه رأساً على عقب، تفهم المطلوب، فعندما تسمع
أحد آياتهم أو صدورهم يبدأ كلامه بـ» أمريكا الشيطان الأكبر «، تدرك تماماً أنه
يقصد القول: أمريكا المنقذ الأعظم، إنها ديباجة لا بد منها، حتى وهم يعلمون
كذبها.
وقد خرج علينا آية الله السيستاني أبرز المراجع الدينية لشيعة العراق بفتوى
يجيز فيها تعامل العراقيين مع جنود التحالف وبيع البضائع والحاجيات لهم، كما
أجاز العمل للمترجمين بشرط خيالي، وهو أن يكون ذلك في مصلحة المسلمين،
وقد شفع السيستاني فتواه تلك بأخرى للاستهلاك المحلي، أكد فيها على:» ضرورة
إظهار عدم الرضى عن بقائهم الأمريكيين في البلاد ولو بتوجيه السؤال إليهم: متى
ترحلون عن أرضنا؟ «وهكذا تكون المقاومة..!
» كبسولة «قاديروف لتسكين آلام بوتين الانتخابية
» الخطة بسيطة «وهي: إجراء انتخابات تنتهي بإخراج قائد شرعي
للشيشان تتركز بين يديه كل الصلاحيات لإدارة الشيشان، بما في ذلك تطبيق
القانون وفرض النظام.
هكذا تحدث فلاديمير بوتين أمام عشرين صحفياً أمريكياً، قبل أن يوقع
مرسوماً يمنح قاديروف صلاحيات واسعة بعد فوزه بانتخابات الرئاسة الشيشانية،
وبعدها تبدأ القوات الروسية في سحب الجزء الأكبر من قواتها البالغة رسمياً ٨٠
ألف جندي والتي تحتل الشيشان، ثم تحل محلها قوة شرطة شيشانية قوامها ١٥
ألف جندي تدين بالولاء لقاديروف، ومن المتوقع أن تنشب حرب أهلية بينها وبين
المجاهدين، ومن ثم يستطيع بوتين أن يسارع بترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية
القادمة، وأن يقول للناخبين إن الأمور عادت لطبيعتها، وإن الجنود الروس لا
يموتون في الشيشان.
لكن المشكلة أمام بوتين أن قاديروف موصوف بالخيانة وليس لديه أي شرعية
بين الشيشانيين، وقد رفض المراقبون الدوليون مراقبة الانتخابات الأخيرة،
بخلاف ما تم في الانتخابات التي تمت عام ١٩٩٧م والتي فاز بها مسخادوف، كما
أن المنافسين الثلاثة لقاديروف على رئاسة الشيشان، وكلهم يقيمون في موسكو، تم
إقناعهم أو إجبارهم على التنازل لصالحه، وهذا يعني أن المشروع الروسي مرتبط
بشخص واحد وهو قاديروف، وفي حالة نجاح إحدى المحاولات المتكررة لاغتياله
سينهار المشروع الروسي بالكامل، وبذلك تصبح الفائدة الوحيدة لخطة بوتين
البسيطة تسكين آلام الروس في الشيشان فترة الانتخابات القادمة فقط، تماماً كما
كان احتلال الشيشان تمريراً له في الانتخابات السابقة.
[موقع البي بي سي، بتصرف ٦/١٠/٢٠٠٣م]
ضرب سوريا.. دعم» إسرائيلي «لقريع
التفسيرات التي حاولت البحث في سبب إقدام إسرائيل على الضرب في
العمق السوري كثيرة ومتنوعة، من رغبتها في شن حرب استباقية شبيهة بالحرب
الأمريكية، إلى رغبتها في توسيع الصراع لزيادة الضغط على سوريا، أو غير
ذلك، لكن هناك تفسير ربما لم يطرأ للكثيرين، فربما كانت تلك الضربة طريقة
الصهاينة في التعبير عن رغبتهم في منح حكومة أحمد قريع فرصة، تلافياً لخطأ
اقترفته مع أبو مازن، والذي عبر عنه صراحة أحد جنرالات إسرائيل متأسفاً على
أن بلاده لم تمنحه فرصة كافية لكي يقوم بعمله، ويمكن تلمس هذا الخط الإسرائيلي
في محاولة التعامل مع أحمد قريع بطريقة مختلفة، فإسرائيل لم تؤيد قريع علانية
كما فعلت مع أبو مازن، حيث أثبت هذا التأييد العلني أنه كان ضربة لمصداقيته
وتقويضاً لشعبيته، والإسرائيليون من جهة أخرى لم ينفذوا أي عملية اغتيال بحق
قادة الجماعات الفلسطينية منذ الإعلان عن تسمية أحمد قريع رئيساً للوزراء بنفس
الكثافة التي فعلت بها مع سلفه، وكان محتماً على الحكومة اليمينية لكي تستمر في
هذه السياسة أن تبحث عن هدف آخر لتضربه، بشرط أن يكون الهدف مرضياً لمن
يطالب بطرد عرفات أو قتله، وفي نفس الوقت لا يوجه إلى قريع بشكل مباشر.
[الحياة اللندنية، العدد، ١٤٨١١]
مستشار شارون: سوبر ستار أثبت أن عدونا الإسلام
على نحو مفاجئ لقي برنامج المجون» سوبر ستار «الذي بثته فضائية
المستقبل اللبنانية وشارك فيه عدة ملايين من العرب ترحيباً حاراً من قِبَل وسائل
الإعلام الصهيونية، وبالأخص وزير الثقافة» الإسرائيلي «جلعاد شالوم، الذي
وصف البرنامج - هآرتس - بأنه من النوعية التي تقرب بين العرب والصهاينة،
وقال المستشار السياسي لشارون» دوري غولد «- الواشنطن بوست -:» لقد
أثبت برنامج سوبر ستار العرب أشياء كثيرة، وأهمها أن عدونا ليس المسلمين؛
لكن عدونا هو الإسلام وتعاليمه «، وكتب دايفيد سليفان - جيروزالم بوست -
يقول:» الواقع يقول إن العرب أو المسلمين الذين يؤمنون بعقيدة محو إسرائيل من
الخريطة أصبحوا قلائل جداً، وإن برنامج سوبر ستار أعطانا الأمل لوجود جيل
عربي مسلم متسامح للعيش مع دولة إسرائيل اليهودية «.
وقد كشف فريق من المهتمين استناداً إلى مواقع شركات الاتصالات العربية
المختلفة أن المكالمات المتصلة بلغت على النحو التالي: مع ملاحظة أن بعض
المتحدثين يتكلم أكثر من مرة في أكثر من حلقة: السعودية ١١.٣٠٠.٠٠٠ - لبنان
١٨.٥٣٦.٠٠٠ - مصر ٢٣.١٧٥.٠٠٠ - الكويت ٣٠٠.٠٠٠ - اليمن ٧٠٠٠ -
الإمارات ١.٢٢١.٠٠٠- سوريا ١٦.٩٠٠.٠٠٠ - الأردن ٨.٠٧٨.٠٠٠، وبذلك
يصبح عدد الاتصالات الإجمالي حوالي: ٧٩ مليون وخمسمائة وخمسين ألف
اتصال.
[موقع الإسلام اليوم، ١٥/٩/٢٠٠٣م]
قبل الطبع:
- حذر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر من إخفاق أمريكي
محتمل في العراق، وقال:» نحن الآن في نقطة يصبح معها الإخفاق في العراق
كارثة للغرب؛ لأن هذا سيشجع كل العناصر المتطرفة، وكل الذين يعتقدون بأن
الغرب في حالة تراجع «ودعا إلى بقاء القوات الأمريكية في العراق لفترة أطول
حتى تستقر الأوضاع.
[الشرق الأوسط، ١٣/١٠/٢٠٠٣م]
- ذكر الكاتب محمد حسنين هيكل في مقاله الأخير أن صدام حسين قدم
عرضاً سرياً للأمريكيين بتنازله عن الحكم لابنه قصي، ولكن أمريكا أصرت على
الحرب، وأدى تسرب أنباء هذا العرض إلى تفكك النظام العراقي، وكشف قيام
السي آي إيه باللعب في التقرير الذي قدمته الحكومة العراقية لمجلس الأمن ١١ ألف
صفحة حول امتلاكها لأسلحة الدمار، وذلك بقصد إخفاء حقيقة أن ٢٥ شركة
أمريكية ساهمت مع العراق في هذا المجال، وكان من بين رؤسائها في ذلك الوقت
مسؤولون حاليون مثل: ديك تشيني، وريتشارد بيرل، ورامسفيلد وعشرات من
مسؤولي مجلس سياسات الدفاع وغيره.
[الأسبوع القاهرية، ١٣/١٠/٢٠٠٣م]
- وافقت حكومة الإمارات على طلب تقدم به أقباط مصريون يقيمون في
الدولة - غير معروف عددهم - لتخصيص قطعة أرض لإقامة كنيسة عليها، وقدم
الطلب عن طريق الخارجية المصرية، وجاء في الرد بالموافقة أنها جاءت تقديراً
لأبناء الجالية القبطية في الإمارات ولدورهم.
[موقع أرابيا، ٦/١٠/٢٠٠٣م]
- قامت القوات الإسرائيلية بتركيب رشاشات ذكية متطورة على نقاط معينة
في الجدار الواقي والتي يصعب على وحدات الجيش الوصول إليها بسرعة، وذلك
لضبط المتسللين الفلسطينيين، وركب عليها كاميرات متلفزة تقوم بملاحظة المتسلل
وإطلاق النار عليه عن طريق غرف المراقبة، إلا أن مشكلة ظهرت في الأفق،
حيث تتخوف السلطات من تحول هذه الرشاشات بكاميراتها إلى أهداف للفلسطينيين
بغرض سرقتها، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية تعكف على دراسة المشكلة والبحث
عن حل» ذكي «لحماية الرشاشات الذكية.
[يديعوت أحرونوت، ٢١/٩/٢٠٠٣م]
مرصد الأرقام:
- قام مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بطباعة (١٧٠) مليون
نسخة من القرآن الكريم منذ افتتاحه في صفر من عام ١٤٠٥هـ، وتبلغ الطاقة
الإنتاجية القصوى له سنوياً ٣٠ مليون نسخة، ويطبع بعدة ترجمات بلغت
(٤٤) لغة عالمية، وبلغ عدد زوار المجمع العام الماضي ٢٢٠ الف زائر.
[صحيفة عكاظ، ٣٠/٩/٢٠٠٣م]
- بلغ عدد الشهداء - نحسبهم - الذين ينتمون لعائلة القواسمي الفلسطينية
ثمانية شهداء خلال الانتفاضة الحالية، كان من بينهم ٣ من قادة كتائب القسام،
وخمسة آخرون نفذوا عمليات استشهادية. والعائلة واحدة من أكبر عائلتين في
الخليل، ويقبع العشرات من أبنائها في السجون الإسرائيلية منذ سنوات، بينما بلغ
عدد الشهداء الذين قدمتهم منذ عام ١٩٣٦م ما يقرب من ٦٨ شهيداً.
[السبيل الأردنية، ٢٧/٩/٢٠٠٣م]
- قدرت دراسة ألمانية رسمية صدرت في الأسبوع الماضي عدد من يعتنق
الإسلام سنويًا من النساء الألمانيات بأكثر من ٣٠٠ امرأة، وتقدر الجالية المسلمة
في ألمانيا بأربعة ملايين.
[آفاق عربية، ١/١٠/٢٠٠٣م]
- ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت اليهودية إن عدد القتلى الصهاينة في
انتفاضة الأقصى بلغ ٨٦٧ قتيلا، بينهم ٢٥٩ جندياً، و٣٩٠ صهيونيا قتلوا في
عمليات استشهادية، وبلغ عدد الجرحى الصهاينة ٥.٨٧٨ جريحا؛ وقالت الصحيفة
إن الكثيرين منهم بقوا معوقين، وبلغ عدد العمليات ١٨.٨٧٦، بمتوسط ١٧.٦
عملية في اليوم، وبلغ عدد الاستشهاديين ٣٠٦، بينهم ١٧٩ ألقي القبض عليهم في
اللحظة الأخيرة.
[المركز الفلسطيني للإعلام، ١٣/١٠/٢٠٠٣م]
- في استطلاع على موقع الجزيرة نت شارك فيه ٤٨ ألف شخص، أبدى
٧٢% رغبتهم في أن يكون الدستور العراقي إسلامياً، في حين اختار ٢١.٣% أن
يكون الدستور العراقي علمانياً، وصوت ٦.٧% لخيارات أخرى.
[الجزيرة نت، ١/١٠/٢٠٠٣م]
- تشير الدراسات إلى أن عدد محاولات الانتحار في العالم العربي تبلغ ما
بين ١١ ألف و ١٤ ألف محاولة، أغلبها - ٦٩% - في الدول الأكثر فقراً، وتأتي
مصر في مقدمة الدول التي تعاني من هذه الظاهرة، حيث تقدر حوادث الانتحار
بنحو ٧٥٠ إلى ١٢٠٠ حالة سنوياً.
[موقع محيط]
ترجمات عبرية خاصة بالبيان:
* أخبار:
حاخام يدمن السرقة والاغتصاب
ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض على الحاخام يعقوب بطيطو في إحدى
المدارس الدينية اليهودية في مستوطنة» نتيفوت «لقيامه بسرقة أموال عدد من
تلاميذه، واعترف الحاخام بذلك في تحقيقات الشرطة، وفي آخر عملياته سرق أحد
تلاميذه - ١٣ عاماً - بعد أن أخفق في اغتصابه، وقال التلميذ:» قام هذا الرجل
بملاطفتي وحاول اغتصابي، وأخذ أموالي بحجة أنها قرابين يجب دفعها «،
وأشارت صحيفة معاريف إلى تكرار مثل هذه الحوادث في الآونة الأخيرة وسط
طائفة الحاخامات وكبار رجال الدين اليهودي، وقالت إن بطيطو كان يُدرس ما
يُعرف في اليهودية بـ» بارتسفييه «أي التقاليد الدينية والأخلاقية للصبي لدى
بلوغه، وكشفت أن يعقوب متورط في ١٨ حادث اغتصاب لتلاميذه، إضافة إلى
سرقتهم بحجة تقديم الأموال قرابين للآلهة!!» .
[صحيفة معاريف العبرية، ٣٠/٩/٢٠٠٣م]
ماذا لو وقعت حرب مع مصر؟
أجابت مجلة «معراخوت» العسكرية - التابعة للجيش الإسرائيلي- عن هذا
السؤال بالقول: «التفوق الجوي الإسرائيلي، وربما استخدام أسلحة نووية تكتيكية
هما السبيل للحد من قدرة مصر في حال نشوب حرب، وقد شهدت إسرائيل منذ
السبعينيات تفوقاً ملحوظاً في ميزان القوة العسكرية رغم الخسائر الاقتصادية» ،
ونقلت المجلة عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي أنه أصبح: «أكثر قوة من
الجيوش العربية، وبالرغم من ذلك تبقى مصر هي الخصم الأقوى في منطقة
الشرق الأوسط، واتفاقية السلام لا تمنعنا من التفكير في احتمالات نشوب الحرب
في أي وقت، وهو ما يجعلنا في حالة حذر واستعداد دائمين لأي طارئ» .
[مجلة معراخوت الإسرائيلية، عدد سبتمبر ٢٠٠٣م]
* تصريحات «إسرائيلية» :
- «على الشعب الإسرائيلي أن يتعامل الآن بعنهجية وتعالٍ على العرب
المتخلفين، إسرائيل أنجزت منذ إقامتها حتى الآن الكثير في كافة المجالات، خاصة
في النهضة التكنولوجية ومجال البحث العلمي والصناعات العسكرية، بينما الدول
العربية لم تتعلم إلى الآن الدرس المتمثل في التجربة الديمقراطية الإسرائيلية» .
[أريل شارون في كلمة له في عيد ميلاد «شيمون بيريز» ٢٢/٩/٢٠٠٣م]
أخبار التنصير:
الشواذ يؤكدون مباركة البابا القادم
جدد مجمع العقيدة والإيمان لبابا الفاتيكان إصدار وثيقة حول موقفه من
الانتشار السريع لزواج الشواذ داخل الكنائس الكاثوليكية على مستوى العالم باعتباره
أصبح ملحاً إجتماعياً وقانونياً وأدبياً حسب نص الوثيقة، وقالت الوثيقة في ختام
نصها: «وإننا نحترم الإنسان والكرامة الإنسانية، ونعتبر الرجال والنساء ذوي
الميول الشاذة أناساً لهم كرامتهم» ، وفي تعليق لرئيس إحدى الكنائس التي تصف
نفسها بـ (المتحررة) قال: «إنها زوبعة في فنجان وسوف يوافق البابا القادم
على زواج الكهنة من الكهنة، والراهبات من الراهبات باعتبار ذلك واحداً من أهم
حقوق الإنسان واحترام حريته!!!
[النشرة الأسبوعية للفاتيكان، ١٧/٨/٢٠٠٣م]
القذافي يمنح شنودة جائزة حقوق الإنسان
تسلم البطريرك شنودة الثالث رئيس الكنيسة المصرية الأرثوذكسية في ليبيا
جائزة القذافي لحقوق الإنسان التي تمنحها مؤسسة الكتاب الأخضر العالمية، وقدرها
٢٥٠ ألف يورو، وقدمت دعماً لأنشطة الكنيسة الأرثوذكسية في مصر، وكان في
استقبال شنودة كل من أحمد بن بيلا الرئيس الجزائري الأسبق ورئيس الجائزة،
ومحمد شريف أمين جمعية الدعوة الإسلامية، وسفراء ٢٧ دولة، وحشد كبير من
نصارى المنطقة نقلوا على نفقة السلطات الليبية، وقد ألقى شنودة ضمن برنامجه
محاضرة بجمعية الدعوة الإسلامية.
[وكالات الأنباء، ٢٧/٩/٢٠٠٣م]
الإسلام لم يعتبر ديناً بعد!!
عقد في الكنيسة ايجيديو الكبرى بالعاصمة الإيطالية روما، اللقاء السنوي
لحوار الأديان في الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي، وحضره بطريرك ألمانيا
الكاثوليك وكبير حاخامات الكيان الصهيوني، ووزير تركيا للشؤون الخارجية،
ومندوبو الأزهر الشريف، وعدد من المنظمات والجامعات العاملة في مجال الحوار
بين الأديان في البلاد الإسلامية، وفي المحاضرة الأولى بعد الجلسة الافتتاحية
صرح أحد القسس الكاثوليك من لبنان ناطقاً باللغة العربية:» إن مشاركة المسلمين
في هذا اللقاء غير صحيحة؛ لأن الإسلام لم يتحدد بعد إذا ما كان اعتباره ديناً بين
الأديان أم لا؟ «، ولم يتطوع واحد من مندوبي البلاد الإسلامية بالرد.
[العالم المسيحي - أمريكا ٣/٩/٢٠٠٣م]
تطوير التنصير في البلاد الإسلامية
عقد قسم دراسات الشرق الإسلامي بجامعة كاليفورنيا (UCLA) يومي
٢٢ - ٢٣ أغسطس الماضي، المؤتمر السنوي الخامس حول النصرانية في الوطن
العربي، وخصص المؤتمر عدة محاضرات عن الإعلام الكنسي في المنطقة،
وأهمية تطويره والاستفادة من الأوضاع السياسية التي تعيشها المنطقة في إيقاظ
الوعي الكنسي وتوحيد الجماعات النصرانية.
[منظمة نصارى المهجر بأمريكا، ٢٢/٨/٢٠٠٣م]
стр. 4745
قضايا ثقافية
حصون الأمة..
هل باتت مهددة بمخططات الاختراق والتطبيع ؟
عاطف الجولاني [*]
في ظل المتغيرات والتحولات الخطيرة التي يشهدها العالم، ومنطقتنا على
وجه الخصوص: هل باتت حصون الأمة مهددة بالانهيار وآيلة للسقوط أمام الهجمة
الشرسة التي تتعرض لها وتستهدف وجودها وعقيدتها وهويتها الحضارية والثقافية؟
وهل بات الطريق سالكاً والأبواب مشرعة على مصراعيها أمام نجاح حملات
التطبيع والاختراق الصهيوني؟ وهل فقدت الأمة عوامل صمودها وقدرتها على
مواجهة المؤامرات والتصدي لمخططات الغزو التي تستهدفها؟
أم أن الذين يراهنون على ضعف الأمة وانهيار عوامل مناعتها في مواجهة
التحديات الخطيرة التي تتعرض لها، يبالغون في الترويج لهذا الضعف، وينطلقون
من نفسية الهزيمة والانكسار والاستسلام لموازين القوى المختلة، ويغفلون عن
عوامل قوة تمتلكها الأمة تؤهلها للصمود وصدّ الهجمة الصهيونية والغربية، كما
نجحت في مواجهة حملات سابقة لا تقلّ ضراوة عن الحملة الحالية؟
وباختصار: ما هو مستقبل مشروع التطبيع والاختراق الصهيوني في ظل
المتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة وتحتاج إلى قراءة فاحصة متمعنة بعيدة
عن السطحية وعقلية التهوين أو التضخيم؟
* العراق.. فرصة متاحة:
وعند رصد المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية
يمكن الوقوف عند جملة من المتغيرات السياسية المساعدة لنجاح وتسويغ مخططات
التطبيع والاختراق، وأخرى معاكسة ومعوقة تعمل في الاتجاه المضاد.
ولعل التطور الأبرز الذي أثار التخوفات من أن مسيرة التطبيع والاختراق
مرشحة للاندفاع وتحقيق نقلات نوعية باتجاه تحقيق أهدافها في مناح مختلفة:
سياسية وثقافية وأمنية وتربوية، ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية من حرب لا
هوادة فيها ضد ما أسمته بـ «الإرهاب» الذي كان شعاراً خادعاً ومضللاً لحرب
حقيقية ضد الإسلام الفاعل والمؤثر، وما تبع ذلك من تصريحات علنية لمسؤولين
أمريكيين عن خطط لإعادة رسم خريطة المنطقة جغرافياً وسياسياً وثقافياً بما ينسجم
مع الرؤية الأمريكية ويحقق أهدافها وتوجهاتها، ومباشرة خطوات عملية في اتجاه
تنفيذ هذه الخطط، بدأت في أفغانستان وانتقلت إلى العراق، وكانت ستخطو
خطوات لاحقة لو تيسّر لهذا المخطط أن يسير وفق الخطط المرسومة.
ومنذ اللحظات الأولى لسقوط بغداد واحتلال القوات (الأنجلو - أمريكية)
للعراق، بدا واضحاً أن ثمة رغبة أمريكية صهيونية جامحة لاستثمار تداعيات
الحدث وما يمكن أن يخلّفه من صدمة وحالة إحباط وانهيار نفسي على مستوى الأمة،
لتمرير وتسريع مشروع التطبيع ودمج الكيان الصهيوني في المنطقة، مستفيدين
من تجربة حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م التي تم استثمارها في عقد مؤتمر مدريد
وإطلاق عملية التسوية وفرض اتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة.
وتزايدت المخاوف بصورة أكبر من إمكانية نجاح خطط التطبيع الصهيوني
بعد الإعلان عن جملة من الاختراقات الصهيونية للعراق بدأت منذ الأيام الأولى
لوضع الحرب أوزارها؛ حيث أرسل الصهاينة وفوداً تجارية وسياحية إلى العراق،
كما تم إرسال عشرات ضباط «الموساد» الصهيوني بصورة سرية للقيام بمهام
استخبارية، كما تم افتتاح مركز دراسات في بغداد مرتبط بدوائر صهيونية.
وأعلنت الإدارة الأمريكية عن خطط لمشاركة (إسرائيلية) فاعلة في مشاريع إعادة
إعمار العراق من خلال شركات مشتركة إسرائيلية وعربية.
كما شهدت الشهور التي تلت احتلال بغداد لقاءات واتصالات بين أوساط
سياسية صهيونية وأعضاء في مجلس الحكم العراقي الانتقالي، لا سيما جلال
طالباني وأحمد الجلبي المعروفين بعلاقاتهما الحميمة مع الكيان الصهيوني.
لكن ذلك كله لم يكن مقنعاً للإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني الذي يسعى
لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع العراق الجديد، وجرى الحديث عن جهود
محمومة تبذلها الإدارة الأمريكية المعينة في العراق مع مجلس الحكم العراقي باتجاه
إعلان اعتراف عراقي رسمي بـ «دولة إسرائيل» وإقامة علاقات تطبيعية كاملة
معها. ومع أن بعض أعضاء مجلس الحكم العراقي حاولوا التقليل من شأن ما
تسرب من معلومات بهذا الخصوص؛ فإن وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية ما
زالت تؤكد أن هذه القضية تحظى بأولوية خاصة.
* باكستان هدف آخر للتطبيع:
وكانت زيارة الرئيس الباكستاني برويز مشرف لواشنطن قبل أسابيع فرصة
مواتية لدفع إسلام آباد لإنهاء حالة القطيعة المعلنة مع الكيان الصهيوني والتوجه
لإقامة علاقات سياسية مع تل أبيب. واشنطن التي أخذت على نفسها أن تلعب دور
العرّاب لتطبيع العلاقات الإسرائيلية مع العالم العربي والإسلامي، مارست ضغوطاً
شديدة على مشرِّف دفعته للتصريح من واشنطن بأن على الشعب الباكستاني أن يعيد
النظر في العلاقات المقطوعة رسمياً مع (إسرائيل) ، انطلاقاً من تقدير المصلحة
الباكستانية. وعاد ليكرر تصريحاته بعد عودته إلى إسلام آباد، لكنها ووجهت هناك
برفض شديد من مختلف الأوساط السياسية والشعبية، وهو ما دفعه إلى التراجع
خطوة إلى الوراء خشية تصاعد ردود فعل شعبية أكثر حدّة. وإلى جانب العراق
وباكستان، حقق الكيان الصهيوني اختراقاً سياسياً مهماً تمثل في الزيارة التي قام بها
وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم مؤخراً إلى العاصمة المغربية الدار
البيضاء، في خطوة عبّرت عن تدشين مرحلة جديدة من العلاقات التطبيعية مع
المغرب. والمثير في الأمر أن توقيت الزيارة جاء في ظل تصاعد الهجمة
الصهيونية المسعورة ضد الشعب الفلسطيني والتي شملت أعمال قتل وتصفية
للقيادات وهدم للمنازل واجتياح للمدن وإهلاك للنسل والحرث.
* شعبياً.. الأمر مختلف:
ويمكن لأي راصد سياسي أن يقف عند العديد من خطوات التطبيع والتقارب
الإضافية بين بعض الدول العربية والإسلامية والكيان الصهيوني تمت في الآونة
الأخيرة، تدل بوضوح على أن المخطط الصهيوني لاختراق المنطقة لم يتوقف
لحظة واحدة، مدعوماً بإسناد أمريكي ضاغط على هذا الطرف العربي والإسلامي
أو ذاك.
لكن أي محلل سياسي يمعن النظر في قراءة المشهد السياسي فيما يتعلق بمسار
عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني والدول العربية والإسلامية، لن يجد عناء في
اكتشاف أن التقدم الحاصل في هذه العملية يقتصر على الحالة الرسمية التي باتت
أكثر استعداداً وترويضاً للتجاوب مع المطالب والإملاءات الأمريكية بسبب حالة شبه
الانهيار الكامل التي يشهدها النظام الرسمي العربي ومؤسساته للعمل المشترك التي
تحولت إلى مجرد هياكل صورية بلا مضمون أو فاعلية.
أما على الصعيد الشعبي فإن الحالة تبدو مغايرة تماماً لهذا الواقع؛ حيث تزايد
العداء الشعبي بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة للكيان الصهيوني.
ويمكن القول، دون تردد، إن ثمة حالة فصام نكد بين الموقفين الشعبي والرسمي
إزاء الكيان الصهيوني والتطبيع معه. والمؤشرات تدل على أن حالة العداء
والرفض الشعبي لهذا الكيان مرشحة لتتعزز بصورة متزايدة. ويمكن الوقوف عند
عدد من العوامل الهامة التي لعبت دوراً مؤثراً في تعميق حالة العداء والرفض:
أولاً: انتفاضة الأقصى المباركة وما حظيت به من تعاطف وتفاعل واسعين
في الشارع العربي والإسلامي، لا سيما في ظل البطولات الرائعة التي سطّرها
الشعب الفلسطيني، وتعامل العدو الصهيوني بصورة وحشية مع المقاومة
الفلسطينية، واستباحته لدماء الفلسطينيين وحرماتهم. وهو ما كرّس حالة عداء
شديدة في الشارع العربي والإسلامي ضد الكيان الصهيوني شكلت حاجزاً وسداً منيعاً
أمام جهود التطبيع مع القطاعات الشعبية. بل إن كثيراً من المطبِّعين أعلنوا
تراجعهم عن خطيئتهم، وأعلنوا التوبة عما اقترفوه من جريمة بحق أنفسهم وأمتهم.
ثانياً: تفجير إدارة الصقور في واشنطن لحالة من الصراع الديني الحضاري
مع الأمة الإسلامية، وتبنيها بصورة مكشوفة لنظرية «صموئيل هنتنغتون» حول
صدام الحضارات ولأطروحات «فوكوياما» ، وانطلاقهم من هذه العقلية العدائية
في تعاملهم مع العالم الإسلامي الذي بدؤوا يروجون أنه مصدر الخطر الأكبر على
الحضارة الغربية، ومن ثم لا بدّ من شنّ حرب وقائية استباقية لضرب مصادر
الخطر في مهدها.
ولم تقتصر هجمتهم الشرسة على شنّ حرب عسكرية ضد بعض الدول
العربية والإسلامية، وإطلاقهم التهديدات ضد عدد آخر من هذه الدول، بل
تجاوزت ذلك لتشمل مناهج التعليم ومؤسسات التوجيه في مختلف الدول العربية
والإسلامية، بحجة أنها تشكل محاضن لتغذية حالة العداء ضد الغرب.
وقد أدّت سياسة صقور واشنطن ضد الأمة إلى شعورها بأنها مستهدفة في
دينها وهويتها وأخص خصوصياتها، وهو ما ولَّد حالة من الإحساس بالخطر الداهم
وضرورة التصدي لهذه الهجمة المعادية.
وقد أسهم هذا الإحساس في تعميق مشاعر العداء، ليس ضد الكيان الصهيوني
فحسب، بل تجاوزها إلى معاداة حلفائه الدوليين؛ حيث أظهرت نتائج استطلاع
مركز «بيو» الأمريكي الذي أجراه في أكثر من أربعين دولة من دول العالم،
تزايد مشاعر الغضب والكراهية تجاه أمريكا وسياساتها ضد المنطقة العربية والعالم.
وكانت المفارقة الكبيرة أن أشد حالتي عداء شعبي تجاه السياسات الأمريكية، كما
أظهرها الاستطلاع، كانت في الأردن أولاً ومصر ثانياً، وهما الدولتان اللتان
تقيمان مع العدو الصهيوني معاهدات سلام. ودشنت حالة الكراهية هذه حملة
مقاطعة واسعة في العالم العربي والإسلامي، ليس ضد المنتجات الصهيونية فحسب،
بل ضد المنتجات الأمريكية أيضاً.
ثالثاً: مع أن الكيان الصهيوني يسعى للاستفادة من احتلال العراق في دفع
مشروع اختراقه للأمة إلى الأمام، لكن ما يغفله الكثيرون، أن افتضاح أمر
محاولات الاختراق هذه كان له انعكاسات سلبية كبيرة على مستقبل التطبيع في
العراق؛ حيث تسببت في ردة فعل قوية في الشارع العراقي الذي يشهد حالة غضب
متزايدة إزاء الاختراقات الصهيونية، إلى درجة أحرجت أعضاء مجلس الحكم
العراقي الذين بدؤوا يحرصون علنياً على النأي بأنفسهم عن أي ممارسات تطبيعية،
كما دفعتهم إلى إصدار تصريحات متحفظة إزاء إقامة علاقات سياسية رسمية مع
الكيان الصهيوني.
وخلاصة القول: إن مسار التطبيع على الصعيد الرسمي العربي والإسلامي
قد يكون مهيأً لمزيد من الاختراقات في الفترة القادمة بفعل الضغوط والإغراءات
الأمريكية، لكن الحالة الشعبية ما زالت - ولله الحمد والمنّة - محصنة عصية على
التطبيع. لكن ذلك يحتاج من كل الحريصين على عقيدة الأمة وهويتها بذل مزيد
من الجهود المضادة. فإذا كان أهل الباطل ينشطون في خدمة باطلهم، فإن أهل
الحق أوْلى بأن ينشطوا في الدفاع عن حقهم. وعليهم أن يثقوا بأن إمكانية مواجهة
الحملة التي تتعرض لها الأمة هذه الأيام، يمكن مواجهتها وتحقيق انتصارات مهمة
فيها، إن هم أحسنوا استغلال عوامل قوتهم ونقاط ضعف خصمهم.
[فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض] (الرعد:
١٧)
стр. 4746
في دائرة الضوء
١١ سبتمبر بمنظور الكتب الألمانية
(١ ـ ٢)
رائدة شبيب
* الكتاب السياسي في ألمانيا:
تطوّر سلوك القراءة بين الألمان بشكل جوهري عبر السنوات الماضية؛ فقد
ازدادت كمية المعلومات والبرامج المسلية بسبب انتشار الإنترنيت واستقبال
المحطات الفضائية التي تشكل منافسة كبيرة بالنسبة لأسواق الكتب. ولم يكن ذلك
دون نتيجة بالنسبة إلى الكتاب كوسيلة إعلام قديمة. فقد أثبتت دراسة أصدرتها
المؤسسة الألمانية لتشجيع القراءة (Lesen Stiftung) [١] أنّ كثيراً من الناس
لا يقرؤون أقلّ من حيث الكميّة، وإنّما من حيث الوقت، ويركّزون على النصوص
الأساسية والمهمة.
وتشير الدراسة أيضاً إلى أن الكتاب يصل إلى٥٠% من القرّاء الألمان، ومن
بينهم فئة القرّاء بانتظام الذين ينتمون إلى الطبقة المثقفة عادةً، والكثير منهم لديه
شهادة جامعية. ويبين البحث أنّه رغم النقص الملحوظ في عدد القرّاء خلال
السنوات العشر الماضية فإنّ عدد الكتب المقروءة يزداد.
من الملاحظ أنّ كتب الترفيه هي التي تجذب اهتمام الألمان أكثر من الكتب
السياسية أو الاختصاصية؛ وسبب ذلك أنّ التقارير والمعلومات الإخبارية الواسعة
عبر وسائل الإعلام تؤدي إلى الشعور بحالة من الإشباع عند عامّة الناس.
على صعيد آخر تظهر الدراسة أنّ مستخدمي الكمبيوتر في سنّ الشباب
يقرؤون الكتب الاختصاصية أكثر من الشباب الذين لا يستخدمون جهاز الكمبيوتر
بنسبة ثلاثة أضعاف، ويعني هذا أنّ القرّاء من الأوساط المطّلعة بالذات يهتمّون
بالمعلومات المفصّلة أو الخلفيات التي تقدّمها الكتب.
فقارئ الكتب السياسية في ألمانيا إذن ينتمي بشكل عام إلى الأوساط المطّلعة
والمثقفة الواعية، ويقرأ بنظرة متفحّصة وهو مستعدّ للاستفادة من النتائج والأفكار
حسب قوّة حججها وتوثيق معلوماتها.
أ - الكتب السياسية على قوائم الكتاب الناجح [٢] :
الكتب السياسية التي تقدّمت على سواها في الأسواق منذ الحادي عشر من
سبتمبر هي التي تعالج جوانب من السياسة الدولية، ويذكَر أنّ القليل من الكتب
السياسية تنجح في تسجيل درجة عالية من المبيعات عادة، فتظهر في القوائم
السنوية للكتب التي تسجّل أفضل المبيعات.
رغم ذلك ظهر العديد من الكتب التي تعالج ناحية من نواحي الحادي عشر من
سبتمبر على القائمة السنوية لعام ٢٠٠٢م للكتب الموضوعية [٣] الناجحة، ومنها
ثلاثة كتب بين الكتب العشرين الأولى [٤] .
ويستمر هذا الاتجاه العام في بداية عام ٢٠٠٣م وأثناء الحرب ضد العراق؛
إذ تحتل خمسة عناوين تعالج الهيمنة الأمريكية وحربها ضدّ الإرهاب المراتب
العشرة الأولى على قائمة الكتاب الناجح للكتب الموضوعية [٥] .
ويشير هذا الاهتمام إلى الرغبة في قراءة المتابعة والتعليقات والانتقادات لما
يصدر من تقارير إخبارية في وسائل الإعلام الألمانية حول السياسة الراهنة.
ب - من الكتّاب المعروفين في الشؤون السياسية:
بالنسبة إلى الكتّاب البارزين في التأليف حول الشؤون السياسية، يوجد في
ألمانيا مثلاً مؤلف وصحفي معروف، نجد العديد من كتبه على قوائم الكتب المتفوقة،
وهو «بيتر شول لاتور» (Scholl-Latour Peter) ، الخبير في السياسة
الدولية، ومؤلّف كتب عديدة حول دول إفريقية مثل الكونغو، وحول العالم
الإسلامي، وفرنسا. جمع معلوماته وخبرته عبر رحلاته العديدة إلى مواقع التوتر
والأماكن الخطيرة، وأيضاً عبر الحوار الشخصي مع المسؤولين ومع كثيرين من
عامة الناس. وبذلك أصبح أشهر مراسل صحفي ألماني وخبير، خاصة في شؤون
العالم الإسلامي. بعد الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م صدرت عنه عدّة كتب
جديدة، منها: «الحرب ضدّ الإرهاب.. حرب ضدّ الإسلام؟» [٦] (نوفمبر
٢٠٠٢م) و «لعنة الألفيّة الجديدة» (فبراير ٢٠٠٢م) وكلاهما على قائمة الكتب
الناجحة.
وبالنسبة إلى العلاقة بين الإسلام والغرب يوجد كاتب من أصل سوري، وهو
أستاذ في جامعة «غوتّيغن» (Goettingen) الألمانية في كلية العلاقات
الدولية وفي إحدى الجامعات الأمريكية، يُدعى «بسام طيبي» . ويلاحظ عليه
استغلال التحيّز الغربي ضد الإسلام «الأصولي» واستغلال فكرة «الإسلام
الأوروبي» ، لتقديم صورة مرضية، فيما يحسب، للقارئ الغربي، وتقديم حلول
«متوازنة» في رأيه لتعايش المسلمين مع الشعوب الغربية، وكثيراً ما يستخدم
هذا الكاتب لهجة غير موضوعية ولا أكاديمية. الكتاب الأخير الذي ظهر بقلمه
بعنوان: «الهيمنة الغربية والأصولية الإسلامية» (مارس ٢٠٠١م) وجد اهتماماً
كبيراً بسبب العمليات الإرهابية في الولايات المتحدة.
ومن بين المفكرين السياسيين البارزين على مستوى أكاديمي نجد البروفسور
«إيرنست أوتو تشمبيل» (Czempiel Otto Ernst) وهو من أشهر
المتخصصين في مجال العلوم السياسية في ألمانيا، وتُعَدّ كتبه من المراجع الأساسية
للمتخصّصين بالعلوم السياسية. في كتابه الحديث بعنوان «تحوّل في السياسة
الدولية» (أكتوبر ٢٠٠٢م) [٧] ، حاول العالم الباحث في مجال ميدان الحفاظ على
السلام العالمي، والأستاذ الجامعي سابقاً في فرانكفورت، أن يقدّم نتائجه وتحليلاته
بصيغة مناسبة للقارئ غير المتخصص.
ت - أسواق الكتب على الإنترنت:
انتشرت في شبكة الإنترنت أسواق إلكترونية ألمانية لبيع الكتب، تتنافس فيما
بينها، وتقدّم عروضاً واسعة للكتب الاختصاصية والسياسية والقصصية ومن
أشهرها:
www.amazon.de.
www.buchhandel.de.
www.online-buchhandel.de.
www.bol.e.
www.buecher.de.
* أولاً: «١١ سبتمبر» في وسائل الإعلام الألمانية:
في يوم الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م تكرر أمام المشاهد الألماني مشهد
واحد فقط، في جميع القنوات التلفزيونية المعروفة، وهو صورة ارتطام الطائرات
المدنية ببرجي المركز التجاري العالمي في نيويورك وتهدّمهما. ورافقت هذه
الصور تعليقات تلقائية غير معدّة سابقاً، ومقابلات صحفية فورية؛ إذ وجد
الصحفي نفسه تحت ضغط ضرورة تقديم تفسير ما لما يجري.
وخلال نقل الأخبار على الأثير كانت عملية تفسير الحدث تتغيّر وتتبدّل
بسرعة. كانت توصف في البداية بأنّها «كارثة» ، فأصبحت «عملية اعتداء» ،
ثم تبدّل الوصف إلى «عملية إرهابية» ، حتّى استقرّ عند تعبير «إعلان حرب»
على الولايات المتحدة.
وفي سياق هذا التفسير بدأ الصحفيون يفكرون باحتمالات الرد العسكري
«الدفاعي» وشكله؛ فالعدوّ بالنسبة إلى الصحفي الألماني واضح محدّد:
مجموعة إرهابيين إسلاميين مركز تدريبهم العسكري في أفغانستان.
يشرح الباحث الجامعي «كريستوف فيلير» [٨] التفسير «التلقائي»
للأحداث بأنه «اعتداء إرهابيين إسلاميين» وليس مثلاً بأنه عمليات مدبّرة من
جانب المخابرات الأمريكية لكسب الدعم للجيش ولصناعة الأسلحة، فيقول: إنّه
تفسير لا يصدر عن قصد سياسي معيّن، وإنّما ينتسب إلى «نموذج» قائم في
المداولات الاجتماعية ومقبول من جانب عامة الألمان.
لكنّ وسائل الإعلام تمكّنت بعرضها لهذا للحدث وتفسيرها له من التأثير
السياسي ليس على المشاهد فقط، وإنّما على صانعي القرار أيضاً، فكان من
الواضح أنّ نموذج الشرح الذي قدمه «الصحفيّ» أثّر مثلاً على الكلمة التي ألقاها
المستشار الألماني «جيرهارد شرودر» في مساء الحادي عشر من سبتمبر، كما
يقول «فيلر» في دراسته.
ولم تغيّر وسائل الإعلام في الأسابيع التالية هذا التفسير، بل استمرت عليه
وفقاً لِما صدر من تفسيرات ومواقف من جانب واشنطن. ورغم أنّ لوسائل الإعلام
الألمانية نمطاً خاصّاً لمعالجة الشؤون الخارجية وتقديمها عادة، إلا أنها نقلت
- بالنسبة إلى الحرب ضد الإرهاب - لهجة التعبير الأمريكية والتفسير الأمريكي
دون نقد. ولكن تراجعت عن هذا التبنّي للموقف الرسمي الأمريكي أثناء الحرب
ضد العراق، وإن بقيت فيما عدا ذلك ملتزمة بالاتجاه العام السائد، وهو أنّ
الإرهاب الإسلامي و «أسامة بن لادن» وتنظيم القاعدة، يمثّلون «التحديات»
الكبيرة للعالم وللمجتمعات الغربية.
يظهر أن الاضطراب والارتباك داخل المجتمع الألماني وبين الصحفيين نظراً
لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر دفع بهم إلى قبول وتبني أي شرح مبسط
ووضيع لما حدث. وفي هذه الفوضى يروق لهم التفسير السهل بمسطلحات
«الخير والشر» الذي يقدمه لهم الرئيس الأمريكي «بوش» عبر وسائل
الإعلام العالمية.
* ثانياً: ردود الفعل بين الألمان على عمليات ١١ سبتمبر:
مشاهدة الألمان عمليات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م بصورة متكرّرة
على جميع القنوات وفي الجرائد أثارت لديهم مشاعر الذهول والقلق والاستنكار.
ولكن سرعان ما بدأ كثير منهم يستوعب ما حدث ويفكّر بمسبباته وخلفياته.
في مقدّمة الأسباب التي أدّت إلى هذا الهجوم حسب تفكير عامة الألمان
«التطرّف الديني» والسياسة الخارجية الأمريكية المتشدّدة غير المبالية
بالآخرين، على السواء. ويعدّد بعض الألمان أيضاً الهيمنة الاقتصادية من جانب
الشركات المتعدّدة الجنسيات وطبيعة الوجود الغربي في الدول الإسلامية. ومن
الواضح أنّ أكثر الألمان لا يرون سبب هذه العمليات كامناً في «خطورة الدين
الإسلامي» على التعميم [٩] .
حاول «برودر» الصحفي الألماني اليهودي في مجلة (Spiegel Der) ،
في كتابه «لا حربَ في أيّ مكان - الألمان والإرهاب» [١٠] الكشفَ عن الجوّ
العامّ والحالة النفسية داخل ألمانيا بعد ١١ سبتمبر مباشرة، من خلال جمع الأقوال
في مقابلات صحفية وندوات حوار والتعليق عليها. ومن النتائج التي وصل إليها
تطوّر الحوار من مرحلة التعبير في البداية عن استنكار العمليات، إلى مرحلة
توجيه الاتهام للولايات المتحدة وسياستها ونمط الحياة فيها.
وأظهر الجدل حول الأحداث في أوساط المفكرين وبين عامة الناس أيضاً
أفكاراً أساسية:
فرغم المشاركة العاطفية للضحايا يفكّر العديد من الألمان، أن الأمريكان
أنفسهم هم السبب في أن بلدهم قد هوجم، ويردّد كثير من الألمان في أوساطهم
الخاصة وعلناً أيضاً السؤال: «أليس الأمريكان أنفسهم هم الذين استفزّوا وقوع
هذه العمليات بسبب سياستهم؟» .
وينقل «برودر» بهذا الصدد أقوال أناس معروفين مثل صانع الأزياء
المعروف «يوب» (Joop) ، الذي قال إنّ المركز التجاري الدولي في
نيويورك كان يجسّد «التضخّم الرأسمالي» فلا يؤسف على عدم وجوده الآن.
كما ينقل عن لسان لاعب التنس المشهور «بوريس بيكر» (Boris
Becker) قوله إنه كان من الواضح أنّ مثل هذا العمل سيقع؛ لأنّ التباين
والتناقض بين الفقر والغنى في العالم اشتدّ كثيراً كما يقول.
كما ينقل المؤلف أقوال أناس عاديين، ومنها رسالة قارئ في جريدة «دي
فيلت» اليومية المعروفة (Welt Die) [١١] ويقول فيها: «أستسمح الضحايا،
ولكن عند رؤية مباني» البنتاغون «و» التوين تاورس «مهدّمة، تنطلق البسمة
إلى شفتي، فحتّى الآن كان الأمريكان يتسبّبون بالدمار خارج بلدهم، والآن
يتعرّفون هم على معنى كلمة ضحية» .
الجدير بالذكر أنّ النقد بتأثير ما حدث في ١١/٩/٢٠٠١م لم يكن على الدوام
مقبولاً في المجتمع الألماني، وكان بعض الأقوال غير المتوازنة بمقياس «الصحّة
السياسية» (correctness political) وفق سلوكيات وسائل الإعلام المنحازة
للموقف الأمريكي، قد أدّى بأصحابها إلى فقدان الوظيفة أو الانعزال، ممّا يشير إلى
ضغط قائم داخل المجتمع الألماني يلزم بالتضامن مع الأمريكان ويضع حدوداً معيّنة
لحرية الرأي.
أ - تهليل أوساط يمينية:
ظهرت ردود فعل أخرى من جانب فئات معينة داخل المجتمع الألماني،
ومنها الأوساط اليمينية؛ حيث نجد الاستحسان للهجمات المدمّرة ونوعاً من الشماتة.
فعلى صفحة الإنترنت «للهيئة الألمانية» [١٢] التي يشرف عليها السياسي
التابع «للحزب القومي الألماني» NPD المتطرّف والموضوع تحت رقابة
المخابرات الألمانية، يعبّر «هورست مالر» عن تقديره للهجمات بتسمية الحادي
عشر من سبتمبر «معايشة يوم التحرّر» Life Day Independence
ويشرح ذلك بأنّ العالم يعاني منذ ١٩١٧م من حرب تحمل نيويورك والعبادة
اليهودية المسؤولية عنها، ومن ضحاياها الشعب الألماني أيضاً [١٣] .
وكانت صفحة للنازيين الجدد باسم «مكتب حركة ألمانيا الشمالية»
(Norddeutschland Aktionsbuero) تقدّم صورة لمركز التجارة العالمي
المشتعل في نيويورك وتتبعها صورة لضحايا من القتلى في مدينة درسدن المدمّرة
في الحرب العالمية الثانية، ومعها التعليق: «ضحايا الاستعمار الأمريكي
المنسيون» .
والجدير بالذكر أن اليمينيين المتطرفين في ألمانيا يعتبرون أنفسهم حتى الآن
ضحايا للسياسة الأمريكية؛ ولهذا شعروا بنوع من المواساة لهم عند مشاهدة الدمار
في أمريكا فهو عندهم انتقام لما تفعله الولايات المتحدة.
ب - مظاهرات اليساريين:
وبالنسبة للفئات اليسارية كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والسياسة
الأمريكية الناتجة عنه دافعاً للوقوف في وجه السياسة الأمريكية والحرب التي شنته
تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب» .
وحسب «تقرير حماية الدستور» لعام ٢٠٠٢م الذي يصدر عن المخابرات
الألمانية بتكليف من جانب وزارة الداخلية، فقد كانت هناك محاولات لمجموعات
يسارية متطرفة لإنشاء حركة سلمية جديدة مضادة للسياسة الأمريكية [١٤] ، وظهرت
في مظاهرات ضد الهجوم الأمريكي على أفغانستان التي شارك فيها العديد من
اليساريين.
ت - حياة المسلمين في ألمانيا بعد «١١ سبتمبر» :
حاول كثير من المسلمين في ألمانيا أن ينأى بنفسه عن الهجمات، وأن يعبّر
عن أسفه إزاء ما وقع. واستنكرت المنظمات والجمعيات الإسلامية على صفحاتها
الشبكية العمليات الإرهابية والإرهاب بشكل عام، وشارك بعض ممثليها مع ممثلي
الديانات الأخرى في صلوات أو أدعية جماعية لصالح السلام. ولكن إلى جانب ذلك
انتشر شعور الانشراح بين كثير من المسلمين لرؤية انهيار الرموز الأمريكية بسبب
الغضب الشديد من السياسة الأمريكية في العالم الإسلامي.
وعانت العلاقات بين المسلمين والألمان في أعقاب ما حدث في ١١ سبتمبر
٢٠٠١م رغم أنّ التوتّر لم يؤدّ إلى اعتداءات جديرة بالذكر. صحيح أنّه سُجلت
مضايقات وتهديدات، وحتى هجمات على بعض المساجد، ولكن ضمن حدود [١٥] ،
فبقيت حالات استثنائية ولم تترك أثراً مسيئاً للتعايش بين المسلمين والألمان غير
المسلمين. وفي استطلاع رأي أجرته هيئة البحوث في جامعة «ترير» الألمانية
تبيّن أن أكثر الألمان لم تتغيّر نظرتهم إلى الإنسان العربي عقب ١١ سبتمبر، ولكن
يوجد من ساء ظنّه عموماً تجاه العرب.
على صعيد آخر سبّبت عمليات بحث المخابرات الألمانية عن مدبّري
العمليات الإرهابية والتي تركّزت على أوساط المسلمين المضايقات لكثيرٍ منهم؛ إذ
قامت الاستخبارات بحملات ومداهمات مستمرّة إلى الآن تضمّنت تفتيش المساجد
والبيوت، وجمع المعلومات الخاصة عن الطلبة المسلمين في الجامعات، وحظر
عدد من التنظيمات والمجموعات الإسلامية، مثل «التحرير» و «التوحيد»
و «دولة الخلافة» التركية، وغيرها، ممّا أدّى إلى انتشار القلق والاضطراب في
حياة المسلم الخاصّة وفي ممارسته لدينه [١٦] ، واستهدفت هذه الحملة الكثير من
الأبرياء وغير المشتبَه فيهم، وأدّت أيضاً إلى تعزيز الشكوك داخل المجتمع الألماني
ضدّ المسلمين.
ولكن في الوقت نفسه أثارت الأحداث اهتماماً كبيراً بين الألمان بدين الإسلام
وحياة المسلمين، واتّضح ذلك مثلاً من خلال معالجة موضوع الإسلام في المدارس،
وازدياد التقارير المنشورة عن المسلمين، وارتفاع كبير في مبيعات ترجمات
معاني القرآن الكريم ومبيعات الكتب حول الإسلام.
ث - توقّعات ردود الفعل:
كان الألمان ينتظرون، بعد مشهد الدمار في بلد قريب لثقافتهم وعزيز على
الكثير منهم، ردّ فعل ما على العمليات الإرهابية، وكان أغلب الألمان بالرغم من
نقد السياسة الأمريكية متمسكين بتضامنهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصةً
بمساعدتها في البحث عن المجرمين الذين كان منهم حسب معلومات المخابرات
الأمريكية من يعيش في ألمانيا. ورضي الألمان بقوانين تحدّ من بعض الحقوق
الشخصية بهدف تسهيل عملية التفتيش عن مشاركين في تدبير العملية.
وحسب استطلاع رأي لمركز «إيمند» ، قال ثلاثة أرباع الألمان إنّهم يقبلون
الحدّ من قوانين حماية المعلومات الخاصة لتسهيل مكافحة الإرهاب [١٧] ، فصدرت
قوانين جديدة متشدّدة تحدّ من الحريّات وتستهدف جمعيات إسلامية ومَن يشجّع أو
ينتمي إلى جماعات «إرهابية» ولو كانت في الخارج.
ولقيت الهجمات الأمريكية على أفغانستان دعماًً من جانب المواطن الألماني
بما يشير إلى تأثّر الجمهور بالعرض الأمريكي الرسمي لخلفيات ما حدث
و «بالأدلّة» التي تقول إنّه من تدبير منظمة القاعدة وزعيمها بن لادن المدعومين
من جانب طالبان، فاعتبر ٧٧% من الألمان الحرب ضد أفغانستان مناسِبة كردّ
فعل على الضربات الإرهابية، وكانت نسبة كبيرة (٦٩%) تريد أن تدعم
ألمانيا الولاياتِ المتحدة دعماً عسكرياً في حربها [١٨] .
ورغم ذلك يوجد داخل المجتمع الألماني أيضاً إجماع على أن تكون الأولوية
في مكافحة الإرهاب للدبلوماسية والوسائل السلمية.
* ثالثاً: ألمانيا والولايات المتحدة:
مضت أشهر عديدة على الهجمات العسكرية على أفغانستان والتي وجدت
القبول لدى الألمان الذين كانوا حينئذٍ في حالة قلق. لكنّ محاولة الرئيس الأمريكي
«بوش» تسويقَ الحرب على العراق بأنّها امتدادٌ للحرب ضد الإرهاب الدولي لم
تجد قبولاً لا من جانب الإعلام والرأي العام الألماني ولا من جانب الحكومة
الألمانية.
ومع مرور الوقت تحوّلت العلاقات بين الألمان والأمريكان، وساءت النظرة
إلى السياسة الأمريكية، بينما يؤكد الألمان أنّ هناك فارقاً بين الولايات المتحدة
كدولة يودّونها، وبين سياستها الحالية تحت سيطرة «بوش» ومستشاريه.
ومن الواضح أنّ موقف الألمان من الرئيس «بوش» أصبح سلبياً، وأنّه فقد
احترام معظم الألمان.
وفي استطلاع رأي لمؤسسة «فورزا» نشر في جريدة «الفينانشل تايمز»
الألمانية في ٩/٢/٢٠٠٣م يقول ٥٧% من الألمان إن «بوش» يمارس
«التحريض على الحروب» ، و ٨٠% يقولون إنّ الولايات المتحدة تعتبر الحرب
«وسيلة لفرض سلطانها» ، و ٦% فقط يصدّقون أنّ «بوش يسعى إلى الحفاظ
على السلام» لكنّ ٩٣% يرون أنّه مستعدّ للحرب لفرض المصالح «.
لقد أدّت دعوة الولايات المتحدة للحرب ضدّ العراق إلى السكوت عن عدم
ممارسة» التضامن المطلَق «الذي كان المستشار الألماني» شرودر «بعد» ١١
سبتمبر «مباشرةً قد وعد به الولايات المتحدة وحكومتها في حربها ضد الإرهاب.
صحيح أنّ نصف الشعب الألماني يفضّل إلى الآن سياسة التقارب مع الولايات
المتحدة للحفاظ على السلام، لكن ليس دون شروط. ويرى الثلث أنّ الاستراتيجية
الأفضل للحفاظ على السلام داخل ألمانيا هي» سياسة التباعد تجاه أمريكا «، وهذا
يعني أنّ فئة كبيرة من الألمان تعتبر السياسة الأمريكية الآن خطراً على مصالحها.
وظهرت الحكومة الألمانية بدور أشدّ قوّة معارِضة على الساحة الدولية لخطط
الولايات المتحدة في شنّ حرب ضد العراق، وخاطرت بموقفها هذا بإلحاق الضرر
بعلاقاتها الوثيقة مع أمريكا. وتمكّنت بالتعاون مع الفرنسيين من الحيلولة دون أن
يصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يشرّع العمليات العسكرية في العراق، وهو ما
سبّب الإحراج لحكومة» بوش «ودفعها إلى شنّ حرب» استبدادية غير شرعية «
بمنظور المجتمع الدولي. وأدّى ذلك إلى وقوع تحوّل في العلاقات الدولية، فبات
الاتحاد الأوروبي يعمل حالياً بجهد أكبر لتطوير سياسته الأمنية والدفاعية الضعيفة
نسبياً، ليصبح قطباً قويّاً في موازنة القوة الأمريكية.
والنتيجة الأخرى للحرب ضدّ العراق هي أنّ» الحرب ضدّ الإرهاب «التي
تتزعمها الولايات المتحدة فقدت مصداقيتها ومشروعيتها التي كانت تسوِّغ العمليات
العسكرية الأمريكية.
* رابعاً:» ١١ سبتمبر «بمنظور الكتب الألمانية:
صدر بعد أحداث ١١ سبتمبر وحتى الآن العديد من الكتب باللغة الألمانية التي
تناقش هذا الموضوع أو جوانب منه، وكثير منها مترجم عن اللغة الإنجليزية
والفرنسية. ويمكن تقسيم هذه الكتب من حيث محتوياتها تحت أربعة عناوين رئيسة،
وهي:
- متابعة العرض الرسمي الأمريكي لهجمات» ١١ سبتمبر «والنظر فيه
ومناقشته، ثمّ الكشف عن الخلفيات والحقائق والتمحيص في التناقضات.
- الإسلام وتشريعه بالنسبة إلى القتال والحرب واستخدام العنف. ثمّ موضوع
الإرهاب وخاصة ظاهرة ما يُسمّى» الإرهاب الإسلامي «.
- تاريخ الدول الإسلامية وخاصةً أفغانستان وأوضاعها، والخلفيات ذات
العلاقة بـ» أسامة بن لادن «وتنظيم» القاعدة «.
-» ١١ سبتمبر «ونتائجه (نتائج السياسة الأمريكية) على النظام العالمي
الجديد والعلاقات الدولية.
وقد تحوّل اهتمام القراء في الفترة ما بين ٢٠٠١م و ٢٠٠٣م عن مواضيع
معيّنة إلى أخرى. فعقب العمليات الإرهابية مباشرة كان الطلب على الكتب التي
تؤكّد الاعتقاد بوجود خطر على المجتمعات الغربية من جانب عدوّ إسلامي، مثل
كتاب» صاموئيل هنتنجتون «:» الصراع بين الحضارات «، وكذلك على
عناوين مثل» طالبان - جند الله والجهاد « [١٩] ، وصاحبَ الاهتمامَ بهذه العناوين
في عام ٢٠٠٢م التركيز على خلفيات أحداث ١١/٩/٢٠٠١م ونتائجها، ممّا أدّى
إلى نجاح كتب مثل» الحقيقة الممنوعة - العلاقات المتشابكة بين الولايات المتحدة
وأسامة بن لادن « [٢٠] أو» الحرب ضدّ الإرهاب.. حرب ضدّ الإسلام؟ « [٢١]
ومنذ بداية هذا العام تحتلّ عناوين تعالج السياسة العدوانية الأمريكية أعلى المراتب
في قوائم الكتب المفضّلة، مثل» (war at Bush) أمريكا في حرب « [٢٢] أو
» (Men White Stupid) محاسبة أمريكا تحت «جورج بوش» [٢٣] .
أ - إرهابيون إسلاميون وراء عمليات «١١ سبتمبر» :
يتضح عند الاطّلاع على الكتب التي ظهرت حول «١١ سبتمبر» أنّ
المؤلفين الألمان باستثناءات قليلة يبنون كتاباتهم على العرض الرسمي الأمريكي
للحدث، والذي يستند إلى اتهام «أسامة بن لادن» وتنظيم القاعدة، أي إرهابيين
مسلمين، بتدبير العمليات. ولذا نجد كتباً عديدة تحت عناوين مثل «مقاتلون
متعصّبون باسم الله» [٢٤] أو «الحرب المقدسة بما فيها شبكة أسامة بن لادن
الإرهابية» [٢٥] ، تعالج نشأة مجموعات إرهابية إسلامية وأسسها. كما أنّ المؤلّفين
يطرحون الأسئلة التي تشغل عامّة الألمان مثل: «من أين يأتي العنف باسمِ
الجهاد؟» [٢٦] ويعالجون ظاهرة «الطاقات المتطرّفة في الإسلام» [٢٧] .
ومن الواضح أن دين الإسلام وأتباعه أو فئات منهم أصبحوا في محور معظم
الكتب الألمانية حول الحادي عشر من سبتمبر، ممّا يعزّز اقتناع عامّة الألمان
بصحّة الاتّهامات الصادرة عن «البنتاغون» الأمريكي والمخابرات الأمريكية دون
أدلّة قاطعة، وبذلك تخدم هذه الكتب المصالح الأمريكية بشكل غير مباشر.
ب - انتقاد السياسة الأمريكية:
لا يمتنع الكتّاب الألمان والقرّاء عن نقد السياسة الأمريكية في العالم وعن لفت
النظر إلى المصالح الحقيقية التي تدفعها، والطلب كبير على كتب مترجَمة لنقّاد
أمريكان للسياسة الأمريكية مثل «نعوم تشومسكي» (Chomsky Noam) أو
«بوب وود وورد» (Woodward Bob) أو «مايكل مور» (Michael
Moore) ، وهؤلاء يختارون عناوين مستفزّة مثل «القوة العالمية العظمى
(USA) كلمات تعزية» [٢٨] أو «حروب عائلة بوش.. الخلفيات الحقيقية
للصراع العراقي» [٢٩] ، ويقدّمون تحليلات نقدية لسياسة الحكومة الأمريكية
وهيمنتها على العالم.
ويتبنّى كثير من الكتّاب النظرية القائلة إنّ واشنطن تستغلّ تاريخ ١١/٩/
٢٠٠١م لتعزّز مطالبتها بأن تكون هي القوة العظمى الوحيدة في العالم [٣٠] ، وجميع
الكتّاب المعروفين يقدّرون نتائج الاستراتيجية الأمريكية الحالية بالنسبة إلى النظام
الدولي وسلامته تقديراً سلبياً.
ت - محاولة كشف الخلفيات:
يحاول العديد من المؤلفين الكشف عن الخلفيات التي أدّت إلى عمليات «١١
سبتمبر» ومنهم مَن يشكّك في العرض الرسمي للحدث، مشيراً إلى الأقوال
المتناقضة الصادرة عن السلطة الأمريكية والمشكوك فيها.
من استنتاجات بعض الكتّاب مثلاً أنّ القيادة الأمريكية كانت تعلم بالعمليات
ولكن لم تقطع مجراها عمداً، وهذا من رأي الناقد والمفكّر الأمريكي «غور فيدال»
(Vidal Gore) مثلاً. ويصل إلى النتيجة نفسها الباحث البريطاني «نَفيز
أحمد» (Ahmed.M Nafeez) في تحقيق مفصَّل، فيقول: إنّ المسؤولية
عن أحداث ١١/٩/٢٠٠١م تقع على الدولة الأمريكية، لأنّ كشف المعلومات حول
مخطّط العمليات أُوقِفَ قصداً من جانب جهات عليا، منعت أيضاً من التحقيق عندما
ازدادت المؤشّرات حول هجمات إرهابية آتية.
ويوجد مؤلّفون يقولون إنّ العمليات الإرهابية ناتجة عن تدبير داخلي، كما
يقول الصحفي الألماني «غوتهارت» (Guthart Christian) [٣١] الذي
يشير إلى أنّ صور الحادث تثبت أنه نتيجة عملية مخفية لا يمكن التخطيط لها
وتدبيرها إلا من جانب مخابرات خاصة داخل البلد.
وفي كتب أخرى يلمّح المؤلفون إلى هذه الإمكانية بشكل غير مباشر؛ إذ
يكشفون عن عمليات وعلاقات متشابكة وألاعيب مارستها المخابرات في نطاق
استخدام جماعات إرهابية لتحقيق حاجاتها ومصالحها [٣٢] .
ومن الملاحظ أنّ الألمان يفضّلون الكتب المكتوبة بقلم أمريكي أو فرنسي
والمترجمة إلى الألمانية لتلبية رغبتهم في النظر وراء الكواليس، ومن ثم فإنّ
الكتب الأجنبية الناقدة للتحقيقات الأمريكية ولضعف الأدلّة أشهر من الكتب الألمانية
وأنجح.
أما بالنسبة إلى الكتب الألمانية التي تتجرّأ على التشكيك في الأسس النظرية
والنتائج العملية لتحقيقات الجهات الرسمية الأمريكية، والتي تتبناها معظم الصحف
الألمانية؛ فهي غالباً من أقلام مؤلفين يساريين [٣٣] ، وتتجاهل وسائل الإعلام
المعروفة هذه الكتب أو تقدّمها بصورة مشوَّهة.
ث - اختيار الكتب:
تم اختيار الكتب حسب مقاييس مختلفة مثل قدرة المؤلف وشهرته، كمية
المبيعات، التأثير على الرأي العام، أهمية المضمون وكثافة المعلومات.
بالنسبة إلى كتاب المؤلفيْن الفرنسيين «بريزار» و «داسكيه» : الحقيقة
الممنوعة، تم اختياره؛ لأنّ الكتب الأجنبية هي من أهمّ الكتب حول خلفيات
١١/٩/٢٠٠١م، وتجذب اهتمام القرّاء الألمان، فكان من المهمّ اختيار كتاب
أجنبي مترجم إلى الألمانية وله شهرة كبيرة في سوق الكتب الألمانية، ويعطي
صورة عن الأفكار التي تؤثّر بالقارئ الألماني. كما أنّ هذا الكتاب يُحسَب من
أنجح الكتب الموضوعية في فرنسا، واحتلّ مكاناً مهمّا في قوائم الكتب الناجحة في
ألمانيا. ثم إنّه بسبب نجاحه الكبير ومضمونه الخطير يشكّل مصدر ضرر كبير
بالنسبة إلى مستقبل العالم الإسلامي وسمعة المسلمين وهيئاتهم.
وكتاب المؤلّف المذكور آنفاً «بيتر شول لاتور» بعنوان «الحرب ضد
الإرهاب.. حرب ضد الإسلام؟» يُعّد أيضاً من أنجح الكتب الموضوعية،
ويحتوي على معلومات دقيقة وكثيرة حول الأوضاع في أقطار ومناطق إسلامية
مختلفة، ممّا يمكّن القارئ من فهم التطوّرات الحالية في العالم وتقديرها بصورة
أفضل، وقد وصل إلى جمهور ألماني أكبر بسبب تصويره وعرضه كمسلسل
وثائقي على التلفاز.
البروفسور «إيرنست أوتو تشيمبيل» الذي نقدّم كتابه «انقلاب في السياسة
الدولية» له مكانة مهمة بين الباحثين في العلوم السياسية. ونُشر كتابه من جانب
أكبر دار نشر للكتب العلمية، وينصح به أغلب النقاد في أكبر الجرائد الألمانية.
إنه يعطي فكرة نموذجية عن النقد الألماني للسياسة الأمريكية.
أمّا كتاب المؤلّف الصحفي اليساري «بروكرس» فهو يعكس التساؤلات
التي يطرحها المشاهد الألماني الواعي حول الخلفيّات والحقائق من وراء ما حدث
في ١١/٩/٢٠٠١م ويقدّم أفكاراً لا نجدها بهذه الصراحة والجرأة في الكتب الأخرى
ولا في الصحف والبرامج الإعلامية الألمانية، وهي أفكار ترحّب بها فئة من
المفكّرين ممّن يبحثون عن عرض آخر ومقنع للحدث.
بروفيسور «بيتر هاينه» مدير مركز العلوم الآسيوية والإفريقية في جامعة
برلين درس العلوم الإسلامية في ألمانيا، وواجه في كتابه «الإرهاب باسم الله»
التحديات التي تواجه كلّ مستشرق وخبير بشؤون «الشرق الأوسط» بعد ١١/٩،
وذلك من خلال محاولته تفسير ما وراء ظاهرة «الإرهاب الإسلامي» . وقد دعم
المركزُ الاتحادي للتوعية السياسية هذا الكتاب الذي يوزّع بذلك مقابل مبلغ يسير،
فيصل إلى جمهور واسع من طلاب المدارس والجامعات والمعلّمين والطبقة المثقّفة
وعامّة المهتمين في ألمانيا.
* خامساً: نظرة تفصيلية في كتب مختارة:
أ - «وجبة دعائية» من واشنطن وتساؤلات حولها [٣٤] .
مرحباً «بغسيل الدماغ من واشنطن دي سي. (Brainwashington
D.C) مرحباً بأكبر عرض دعائي في التاريخ! مرحباً بجهاز توحيد الآراء..
نرجو تسليم دماغك عند شمّاعة الملابس قبل الصعود.. ولا تنسَ حزام الأمن -
فالحرب العالمية الثالثة ليست رحلة للنقاهة!» .
أعطى «بروكرس» كتابه عنوان: «المؤامرات، نظرية المؤامرة،
وأسرار ١١ سبتمبر» ، واعتمد كثيراً على أسلوب التهكّم والسخرية عند كلامه عن
التقارير الإخبارية المتحيّزة التي تؤدّي إلى توجيه الناس حسب «وجبة دعائية»
من جانب الحكومة الأمريكية. فأهمّ هدف بالنسبة إليه هو أن يصدّ نفس القارئ عن
تلك «الوجبة» وأن يدفعه إلى الشكّ في مكوّناتها وتفاصيلها حتى يبدأ بطرح
الأسئلة والبحث عن الأجوبة.
وفي مقدّمة كتابه يلوم «بروكرس» أولاً ظاهرة «التطابق المفروض»
على الإعلام الألماني فيما يتعلق بالحادي عشر من سبتمبر، والتقارير الإخبارية
المتحيّزة الناتجة عن ذلك، والتي التزمت بالعرض دون النقد لرواية البيت الأبيض
التي يصفها بأنها في الحقيقة من نتاج «نظرية مؤامرة» . ومن وجهة نظره
يتخلّى الإعلام الألماني عن التوضيح الموضوعي المستقل والصادق للأحداث، ثم
لا يسمح به. ولذلك يعلّق المحرر الأسبق في الجريدة اليسارية المستقلة «تاغس
تسايتونغ» أمله على وسيلة الإنترنت التي يمكن أن تسدّ الفجوة المعلوماتية
في هذا الشأن. ويشير إلى الكمية الكبيرة من الأفكار والمراجع الجيدة والسيّئة
حول ١١/٩ التي تمكّن المستخدم المهتَمّ من العثور على تفسيرات مختلفة وعرض
آخر للحدث. وهو ممَّن استفاد من هذه الوسيلة ليعرض فيها أفكاره في كتاب
«مذكرات حول المؤامرات» على صفحة مجلة (www.telepolis.de) ،
التي وجدت اهتماماً كبيراً دفع إلى نشرها في هذا الكتاب.
يحلّل «بروكرس» في هذه المقالات الموجودة في الجزء الثاني من الكتاب
الأنباء الجديدة ويتأمّل في مرتكبي الجريمة (بن لادن وغيره) ودوافعهم ويطرح
السؤال: من المستفيد؟ ولكنّه يشير إلى عدم رغبته وقدرته على تقديم الأجوبة وإلى
أنّه يريد فقط أن يلمّح إلى التناقضات في العرض الرسمي وأن يطرح الأسئلة.
ويعطي لنفسه هذه الصلاحية؛ لأنّه لا يوجد حتى اليوم مَن يستطيع أن يفسّر
بصورة قاطعة ومقنعة ما جرى في ١١/٩/٢٠٠١م ويجزم بصدد المدبّرين للحدث
ومن كان لديهم علم مسبق به.
ويقول: لقد اصطُنِعَ وحشٌ باسم «بن لادن» دون أي دليل يصلح للقضاء،
ورُفع إلى مقام حقيقة غير مشكوك فيها لمجرّد تكرارها على جميع القنوات
التلفزيونية، حتى أصبح سبباً ممكناً لحرب عالمية ثالثة «.
والطعن في هذه الرواية ممكن كما يقول لأسباب عديدة، منها:
أولاً: قالت المخابرات الأمريكية مثلاً إنّها لم تجد أيّ آثار مسجّلة لعمليات
١١/٩؛ وزيادةً على ذلك اعترف رئيس المخابرات الداخلية الأمريكية (FBI)
أنّه بعد سبعة أشهر من العمل المتواصل لم تجد الولايات المتحدة أيّة أدلّة ثابتة
تتعلق باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.
ثانياً: أنكر بن لادن في تسجيل له أي علاقة بتدبير العمليات الإرهابية.
ثالثاً: من رأي جميع المراقبين والخبراء أنّ عملية معقّدة وصعبة مثل هذه لا
يمكن تدبيرها دون دعم استخباري أو عسكري.
رابعاً: توجد تناقضات عديدة تشكّك بالعرض الرسمي للحدث، ويعبّر
» بروكرس «عن بعضها في صيغة أسئلة فيقول:
- لِمَ لم تظهر أسماء المجرمين الذين أعلنت عنهم المخابرات الداخلية
الأمريكية على قوائم ركاب الطائرات المستخدَمة للعملية؟ ومن تلك الأسماء أسماء
انكشف لاحقاً أنّها مغلوطة.
- إن كان من الممكن لركاب الطائرات أن يستخدموا الهاتف فلِمَ لم تعلم أيّ
جهة مثل أمن الطيران وغيرها بعمليات الاختطاف؟
- كيف ارتكب» الإرهابيون الممتازون «أخطاءً غبيّة مثل حجز بطاقات
سفر بأسمائهم الحقيقية أو نسيان أوراق سفر في سيارات مستعارة.. إلخ؟
- كيف تحمّلت أجهزة كمبيوتر داخل المركز التجاري العالمي المهَدّم
الانفجارات والحرائق دون أن تتعطّل ذاكرتها، بينما تحطّمت في الطائرات أجهزة
التسجيل المحميّة حتى من انفجار قنبلة، بصورة كاملة؟
- كيف تمكّنت طائرة الرحلة رقم ٧٧ من الابتعاد عن طريقها لمدة نصف
ساعة دون أن يوقفها أحد قبل الوصول إلى وزارة الدفاع الأمريكية؛ وذلك في أشدّ
المناطق الجويّة حراسةً في أنحاء العالم؟
- مَن يكمن وراء عمليات التجارة الواسعة النطاق بأسهم شركة طيران
» يونايتد إيرلاينس «في الأيام السابقة ليوم ١١/٩/٢٠٠١م؟
لا يحاول» بروكرس «أن يجد أجوبة أو حلولاً لهذه الأسئلة، ولكن يشير
إلى إمكانية تلبيس أشخاص ومنظمات أخرى غير» بن لادن «وتنظيمه تهمة
تدبير العمليات، ويذكر مثلاً المخابرات الأمريكية (CIA) أو الموساد اليهودي،
ويدلّ على ذلك بعمليات سريّة قامت بها هذه الهيئات في الماضي، وتشابه أبعادُها
أبعادَ عملية ١١/٩/٢٠٠١م.
ويذكر المؤلف في هذا السياق الهجمات اليابانية على» بيرل هاربر «التي
أدّت إلى التدخّل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية وضرب مدن يابانية بقنابل
ذرّية، ولكنّ الملفّات السريّة سابقاً، والتي سُمح بالاطّلاع عليها في هذه الأثناء،
كشفت خلفيّات هذا الحدث، وتشير إلى أنّ القيادة الأمريكية كانت تعلم مسبقاً
بالهجمات اليابانية، ولم تصنع شيئاً لمنعها، ولكن بعد هذه الهجمات تمكّنت
الحكومة من إقناع الشعب ودفعه إلى المشاركة في الحرب.
رغم هذا لا يهدف» بروكرس «إلى إبطال الادعاء القائل باتّهام» إرهابيين
مسلمين «بالقيام بهذه العمليات. ومن وجهة نظره يمكن تثبيت عدة صور مختلفة
لتفسير الحدث، وأهمها:
- السبب في كل ما يحصل: النفط ومحاولات إلغاء المعارضة الإسلامية في
الأقاليم التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
- عائلة بوش وصانعو القرار الرئيسيون في الولايات المتحدة الأمريكية
أعضاء في محفل سري للنخبة، وسبق أن تمكّن ذلك المحفل من دعم» هتلر «
و» ستالين «ومن تدبير الحرب العالمية الثانية، وبذا يمكن أن يكون قد دبّر الآن
اصطناع المسوِّغ لحروب مستقبلية.
- هناك شبكة متطرفين إسلاميّين أعلنت الحرب على العالم الغربي بمثل هذه
العمليات الإرهابية.
من رأي» بروكرس «يمكن أن يكون لكل من هذه النظريات دورٌ في
التفاعل الذي أدّى إلى الكارثة. ولكنّه لا يناقش هذه النظريات بل يكشف الخلفيات
التي يمكن أن تظهر الضربات الإرهابية تحت ضوء آخر:
يذكر مثلاً العلاقات المتشابكة بين المخابرات الأمريكية و» أسامة بن لادن «،
ويقول إنّها استأجرته في عام ١٩٨٠م، ليعمل على تسليح المجاهدين السعوديين،
حتى يصبحوا قوّة عسكرية في الحرب ضدّ الاتحاد السوفييتي. وأضاف أنّ عميل
الاستخبارات المركزية الأمريكية في الإمارات، زار» أسامة بن لادن «في
المستشفى الأمريكي في دبي وذلك في شهر يوليو ٢٠٠١م.
ومن الخلفيات المهمة أيضاً خطط شركات النفط الأمريكية لبناء أنابيب نفط
في منطقة آسيا الوسطى والمصالح الجيوستراتيجية الأمريكية هناك. فنائب الرئيس
الأمريكي» ديك تشيني «كان حتى عام ٢٠٠١م مديراً ومساهماً رئيسياً في شركة
» هاليبورتون «الأمريكية، التي كانت تخطط لمشروع بناء أنابيب عبر أفغانستان
بالمليارات. ويمكن الآن بعد إسقاط طالبان وتشكيل حكومة تابعة لواشنطن تنفيذ هذه
الخطط المهمّة» لهاليبورتون «وشركات أمريكية أخرى. وليس نائب الرئيس
فقط من لديه علاقة متينة بشركات النفط، إنما شمل ذلك عدداً كبيراً من صانعي
القرار، ومنهم الرئيس» بوش «وأبوه ومستشارة شؤون الأمن» كونداليزا
رايس «وآخرون.
وفي كتابه يلمّح» بروكرس «عدة مرات إلى العلاقات بين المخابرات
الأمريكية والباكستانية وطالبان. ويذكر أنّه حسب مقالة للجريدة الكبيرة» تايمز
أوف إنديا «الهندية أقدم مصرفان من البنوك الباكستانية على تحويل مائة ألف
دولار لحساب» محمد عطا «في فلوريدا، والذي يعتبَر أهمّ مدبّر لعمليات الحادي
عشر من سبتمبر. وكان الموكّل بهذه التحويلات» أحمد عمر شيخ «، البريطاني
الجنسية، والعميل الأعلى لرئيس المخابرات الباكستاني الجنرال» أحمد «.
ويلفت النظر أنّ هذا الجنرال قدّم استقالته فجأة في شهر أكتوبر ٢٠٠١م كما تمّ
اعتقال عميله» أحمد عمر شيخ «بتهمة قتل الكاتب الصحفي» دانييل بيرل «
التابع لجريدة» وول ستريت جورنال «في الباكستان.
ويرى أنّ من الآثار المهمة التي يمكن أن تؤدّي إلى معرفة مدبري العملية
الحركات المالية العجيبة التي حصلت قبل ١١/٩/٢٠٠١م؛ حيث لاحظت رقابة
البورصة مثلاً كمية كبيرة من المبيعات لأسهم شركتي الطيران» أميركان إيرلاينز
ويونايتد إيرلاينز «، اللتين استخدمت طائراتهما للقيام بعملية الإرهاب.
وحسبما يستنتج» بروكرس «يمكن لهذه الآثار أن تبيّن مَن كان في الحقيقة
وراء عمليات الحادي عشر من سبتمبر. وهنا يعبّر عن غضبه إزاء تأجيل
التحقيقات وحجب الحقائق وعرقلة التحريات من جانب السلطات الأمريكية، وهو
ما يدلّ على أنها تريد أن تغطّي على حقيقة ما حصل.
لا يتقبّل عامّة الناس في ألمانيا كتاب» بروكرز «وأفكاره بسبب خطورة
تأمّلاته وطرحه الصريح لبعض الحقائق المجهولة وبسبب حديثه عن نظرية للحدث
غير معتاد عليها. ثم إنّه يستخدم عبارات غير مقبولة داخل المجتمع الألماني، مثل
أوصاف أوردها عن رئيس الوزراء الإسرائيلي» شارون «، وحاولت الصحف
الكبيرة في ألمانيا تجاهل كتاب» بروكرس «، ويقول رئيس دار النشر» لوتس
كروت «: إنّ من قام منها بتقديم الكتاب فعل ذلك بسخرية وبأسلوب مضلّل.
ورغم فقدانه الدعاية الضرورية عادة من جانب الإعلام، ورغم عدم العثور
على هذا الكتاب عن طريق محلات بيع الكتب أو في مواقع الإنترنيت لبيع الكتب،
إلا أنّه أصبح أنجح كتاب أصدرته دار نشر» تسفاي تاوزند آينس «وطُبع خلال
عشرة أشهر ٣١ مرة فوصل إلى حوالي نصف مليون قارئ حتى الآن.
صحيح أنّ نظريات» بروكرس «غير مقنعة أحياناً ولا يمكن التأكّد من
صحة مراجعه؛ لأنّ من مصادرها صفحات إنترنيت متغيّرة ومصداقيتها غير
واضحة، ولكنّ تلميحاته وأسئلته تكفي للشكّ في العرض الرسمي من جانب
واشنطن وانتشاره في الصحف. وكان من الأفضل لو أنّ المؤلف حذف الفصل
الأول من الكتاب، والذي يقدّم فيه نظرية المؤامرة ويعبّر عن أفكار غير مقبولة،
منها إنكار وجود الله ووصف الإيمان به أيضاً بأنّه من» نظرية المؤامرة «. ولكن
يسدّ الكتاب بفصوله الباقية وبالجزء الثاني الذي يصدر في آب / أغسطس ٢٠٠٣م
ثغرة كبيرة في أسواق الكتب الألمانية وفي الإعلام؛ لأنّه يطرح أسئلة يشعر بها
كثيرون ولا يتجرّأ على التفوّه بها إلا قلائل.
стр. 4747
مقالات معربة
حرب العراق بين بوش وجنوده
ترجمة خاصة بالبيان
المقارنة بين الرؤية التسويقية للرئيس الأمريكي جورج بوش عن الحرب
الأمريكية على العراق، وبين رؤية الجنود الأمريكيين العالقين في حرب لا تبدو لها
نهاية، تقدم فكرة واضحة عن حجم الهوة بين الطرفين، وهذه الهوة مرشحة
للاتساع في الشهور المقبلة، لتضيف معول هدم جديد في السياسة الخارجية
الأمريكية القائمة على التوسع.
وبين أيدينا مقالان مترجمان، يعرض أولهما نظرة نقدية لرؤية بوش عن تلك
الحرب، والثاني عبارة عن رسالة كتبها جندي أمريكي ونشرتها الجارديان، يكشف
فيها مشاعره، ومشاعر زملائه من حرب العراق.
* المقال الأول: كم هو كبير الفرق الذي يمكن أن تعنيه شهور قلائل!
«في نهاية شهر أبريل ٢٠٠٣م، أي قبل شهور، وقف دونالد رامسفيلد
مزهوًا في مقرّ الكولونيل تومي فرانكس في قطر، يقارن النصر الأمريكي في
العراق بسقوط جدار برلين وبتحرير باريس.
لقد كان سقوط جدار برلين بمثابة الإعلان عن نهاية الحرب الباردة وتوحيد
الشرق مع الغرب، وفي المثال الآخر قام سكان باريس فعليًا بالترحيب بقوات
التحالف كمحررين من وطأة النازيين في الحرب العالمية الثانية. ولكن في كلتا
الحالتين لم يكن ضروريًا الإبقاء على قوات أمريكية كقوات احتلال، وفي كلتا
الحالتين لم يكن هناك نفط محط أطماع حكومة الولايات المتحدة!
وبينما كان رامسفيلد معتزًا بتفوق الجيش الأمريكي جعجع متفاخرًا:» لم
يسبق أبدًا أن وجد هذا العدد الكبير من المخطئين بهذا الشكل الكبير بشأن هذا العدد
الكبير من الأمور «وكان على الأرجح يشير إلى» العدد الكبير «من المشككين
في الأساليب العسكرية الأمريكية المستخدمة في الحرب، وليس إلى أولئك الذين
يعتقدون بأن هذه الحرب غير خلقية، وغير شرعية، وغير ضرورية، وكان
قاصداً بتصريحاته إلى العالم أنه كان مصيبًا منذ البداية!
بعدها بأيام قلائل، ظهر جورج بوش منتشيًا، بزي طيّار مقاتل، بعد نقله
جوًا لمسافة ثلاثين ميلاً تقريبًا من ساحل كاليفورنيا إلى ظهر حاملة الطائرات
الأمريكية» أبراهام لينكولن «. وأعلن بوش للقوات المحتشدة على ظهرها بأن
العمليات الحربية الكبرى قد انتهت.
وصرح بوش وقتها:» بالأساليب الجديدة وباستخدام الأسلحة متناهية الدقة،
التي يمكن أن نحقق أهدافنا العسكرية بدون توجيه العنف ضد المدنيين «. ولكنه لم
يذكر أن عدد المدنيين الأبرياء الذين قضوا في حرب العراق كان تقريبًا ضعف عدد
أولئك الذين ماتوا في ١١ سبتمبر الرقم الحقيقي يتجاوز عشرة آلاف كما لم يذكر
الضحايا من أطفال العراق الذين فقدوا أذرعًا وأرجلاً ووالدين نتيجة للحرب، وما
سيترتب على ذلك من معاناتهم المستمرة طيلة حياتهم، واستمر مقلّد الطيّار المقاتل
قائلاً:» وإنه لتقدم كبير عندما يكون لدى المذنب تخوف أكثر بكثير من الحرب
مقارنة بالبريء «. وكان عليه أن يضيف أن هذا يكون حقيقةً خصوصًا عندما
يكون هو وزملاؤه، ولا أحد غيرهم، من يقرّر من هو المذنب ومن هو البريء!
ومع متابعة كاميرات التلفزيون، استمر بوش قائلاً:» إن معركة العراق تعدّ
واحدًا من الانتصارات في الحرب على الإرهاب والتي ابتدأت في ١١/٩/٢٠٠٢م،
ولا تزال مستمرة «.
وبعد مضي أربعة شهور لعل ما يعدّه نصرًا هو مسألة تثير الاستفهام، كما
يبقى مفقودًا وجود رابط فعلي بين نظام صدّام حسين وبين» إرهابيي
١١ سبتمبر «. كما كان مخطئًا أيضاً باستنتاجه أن» معركة العراق «كانت
نصرًا أو أنها قد انتهت.
وفي الوقت الذي يتم تسويق دمية لبوش بزي عسكري في عموم البلاد
[تدعيمًا لشعبيته] ، هناك شبان أمريكيون في قوات الاحتلال يُقتلون يوميًا تقريبًا،
في حرب على ما يبدو أنها حرب مستمرة للتحرر من الأمريكيين. فهناك من يقوم
بتفجير وحرق أنابيب النفط، وبتعطيل إمدادات الماء، ومهاجمة عمّال الإغاثة
التابعين للأمم المتحدة. بينما تظهر قوات الاحتلال الأمريكية غير قادرة على إيقاف
» الإرهابيين الجدد «الذين توالدوا نتيجة هذه الحرب.
وكان رئيس منتسبي الجيش السابق، الكولونيل أريك شينسكي، قد طالب
بإرسال قوات احتلال للعراق أكبر بكثير مما تمّ استخدامه، لكن رامسفيلد تجاوزه
بحكم رتبته العسكرية الأعلى موقنًا أنه لا حاجة لقوات أكثر. ويظهر الآن بأن
شينسكي كان على صواب ورامسفيلد كان على خطأ.
وأسلحة الدمار الشامل التي روجت لها إدارة بوش كي ترعب الشعب
الأمريكي وتسوِّغ شن الحرب لم يعثر عليها، على الرغم من أننا كنا قد أخبرنا
وقتها بأن ديك تشيني كان يعلم بمكانها تحديدًا!
وهكذا وبعد أربعة شهور من تفاخر رامسفيلد وتشبيهه ما حصل بتحرير
باريس، وبعد إعلان بوش انتهاء عمليات القتال الرئيسية للحرب، هناك حرب
استنزاف مميتة ومستمرة ضد القوات الأمريكية والبريطانية في العراق. وأمريكا
أبعد ما تكون عن الترحيب بها كمحرر، بل إنها خلقت لها عداوات أكثر في الشرق
الأوسط، كما يبدو أن» الإرهابيين «أضحوا أكبر عددًا وأكثر جرأة.
واستعارة لمقولة رامسفيلد، الذي كان بدوره مستعيرًا لمقولة تشرشل، يمكن
إعادة صياغتها كما يلي:» لم يسبق أبدًا أن وجد هذا العدد القليل من المخطئين
بهذا الشكل القليل بشأن هذا العدد الكبير من الأمور! «رامسفيلد، وبوش،
وتشيني وولفويتز هم زعماء القلّة من المتمردين وقليلي النظر. فلم يكن هناك نصر
في العراق، ووفقًا للظروف الحالية فليس هناك نصر محتمل.
ما نحتاجه الآن هو نقاش عام حول كيفية إخراج أنفسنا من الوضع الخطير
الذي خلقه هؤلاء الرجال قبل أن نصبح متورطين في حرب نظيرة لحرب فيتنام مع
فارق أنها حرب تقودها الأطماع في النفط.
إن نقطة البداية لإنهاء هذا الخطر هي بإيقاظ الشعب الأمريكي بتحقيق شامل
ومفتوح من قِبَل الكونجرس للنظر في تضليلات إدارة بوش فيما يتعلق بمزاعم
أسلحة الدمار الشامل للعراق واستخدامها كحجة لشن الحرب. ولذلك ينبغي على
قوات الولايات المتحدة والتحالف التحرك الفوري لتسليم سلطة إدارة العراق إلى
الأمم المتحدة، وسيسمح ذلك بتقاسم العبء الأمني في العراق والذي سيمكن بدوره
عودة أسرع لقوات الولايات المتحدة الموجودة حاليًا في العراق» .
كاتب المقال: ديفيد كريجر، من مؤسسي «مؤسسة سلام العصر النووي»
كاليفورنيا - الولايات المتحدة، ورئيسها منذ عام ١٩٨٢م. باحث ومحاضر
وله مؤلفات عدّة حول مواضيع السلام والسياسة والقانون الدولي وغيرها.
وحاصل على جوائز عالمية عديدة في هذا المجال.
* المقال الثاني: نحن نتعرض للموت في العراق بدون سبب!
رسالة من جندي أمريكي يخدم في العراق يدعو من خلالها إلى إنهاء احتلال
مبنيّ على الأكاذيب. صحيفة الجارديان البريطانية، الجمعة، ١٩/٩/٢٠٠٣م.
«مضت ستة أشهر وأنا مشارك فيما أعتقد بأنه كذبة العصر الكبيرة: عملية
حرية العراق!
بعد أحداث ١١ سبتمبر المرعبة، وأثناء المعركة في أفغانستان، كان العمل
التمهيدي لغزو العراق قيد الإعداد. و» الصدمة والرعب «كانت الكلمات التي
استخدمت لوصف استعراض القوة الذي كان العالم سيشاهده عند بدء» عملية حرية
العراق «. والذي أريد له أن يكون أقرب إلى عرض مثير للقوة العسكرية
والتكنولوجيا المتقدمة من ترسانات الجيش الأمريكي والبريطاني.
لكني وكجندي يُعَدّ للمشاركة بدور في غزو العراق، كان لكلمتَي» الصدمة
والرعب «صدىً في أعماق نفسي. ومع تهيئنا للمغادرة بدا أن هاتين القوتين
العظميين كانتا على وشك كسر نفس تلك القواعد التي يطالبون الآخرين بالتقيّد بها.
فقامت الولايات المتحدة وبريطانيا بغزو العراق بدون موافقة الأمم المتحدة،
متجاهلين لالتماسات مواطنيهم.» الصدمة والرعب «؟ نعم! هاتان الكلمتان
تصفان بصورة سليمة وقع التأثير النفسي والعاطفي عليّ عندما باشرنا بعمل ليس
من العدالة في شيء، بل هو من النفاق.
لقد استحكم النفاق منذ اللحظة التي أطلقت فيها الطلقة الأولى فيما سمي بحرب
التحرير والحرية هذه. فبعد بث الصور المسجلة لأسرى وقتلى من جنود الولايات
المتحدة من قِبَل محطات التلفزيون العربي، توعد القادة الأمريكان والبريطانيون
بالانتقام بينما كانوا يوجهون الإهانات الشفوية لشبكات البث تلك لعرضها مثل هذه
الصور المؤثرة. لكن [وعلى صعيد مماثل] قامت الحكومة الأمريكية وبعد ساعات
فقط من قتل ولدَيْ صدّام حسين بنشر صور مرعبة للأخوين الميتين كي يتفرج
عليها العالم أجمع. ومرة أخرى نجد أن السيناريو هو» افعلوا كما نأمر وليس كما
نفعل «!
نحن وكجنود يخدمون في العراق أُخبرنا بأن غرضنا هو مساعدة شعب
العراق بتجهيزهم بما يحتاجونه من مساعدة بصفتنا العسكرية وكذلك من خلال
الجهود الإنسانية. ولكن أخبرني أين هي الإنسانية في الحدث الذي كتبت عنه
صحيفة الـ (Stripes and Stars) جريدة القوات المسلحة الأمريكية، والذي
يذكر قصة طفلين هرعت بهما والدتهما إلى معسكر أمريكي لطلب العناية الطبية.
الطفلان كانا يلعبان عن جهل بذخيرة متفجرات كانا قد عثرا عليها، والذي نتج عنه
تعرضهما لحروق شديدة. المقالة في الصحيفة تذكر كيف أنه بعد انتظار دام ساعة
كاملة تم رفض تقديم المساعدة الطبية للطفلين من قِبَل طبيبين عسكريين. ووصف
أحد الجنود هذه الحادثة بأنها واحدة من» جرائم بشعة «كثيرة ارتكبها جيش
الولايات المتحدة كان قد شهدها.
ولعلّي أكون شاكرًا؛ لأني لم أكن شخصيًا شاهدًا على بشاعات ارتكبت إلاّ إذا
كنتم، بالطبع تعتبرون، كما أظن أنا نفسي، أن حرب العراق هذه هي البشاعة
بعينها!
وإني أتساءل: ما هو الغرض من وجودنا هنا؟ هل سبب هذا الغزو هو،
كما سمعنا مرارًا، أسلحة دمار شامل؟ إذا كان كذلك، فأين هي؟ هل قمنا بالغزو
للتخلص من زعيم ونظامه؛ لأنهم كانوا على علاقة وثيقة بأسامة بن لادن؟ إذا كان
الأمر كذلك، فأين الدليل؟
أم أن الأمر كان لصالح اقتصادنا نحن؟ حيث إن نفط العراق يتمتع بخاصية
كون كلفة تكريره هي الأرخص في العالم. وعليه فإن ما يبدو أن هذه حملة صليبية
عصرية، ليس من أجل تحرير شعب مضطهد، أو لتخليص العالم من دكتاتور
شيطاني مهووس في سعيه للغزو والهيمنة، بل هي حملة من أجل السيطرة على
الموارد الطبيعية لشعب آخر. النفط - على الأقل بنظري - يبدو أنه هو السبب
الحقيقي لوجودنا هاهنا.
وهناك حقيقة واحدة، وهي أن هناك أمريكيين يموتون؛ فهناك حوالي ١٠
إلى ١٤ هجوماً يوميًا على جنودنا في العراق. وبينما عدد القتلى آخذ بالازدياد،
يبدو أنه ليس هناك نهاية وشيكة في الأفق.
كنت في الماضي أعتقد أنني أخدم في الجيش من أجل مبدأ» التأييد والدفاع
عن دستور الولايات المتحدة «. أما الآن فلم يعد عندي تصديق بذلك؛ لقد فقدت
قناعتي، وكذلك إصراري. لم يعد بمقدوري تسويغ خدمتي العسكرية على أساس ما
أعتقد بأنه حقائق غير متكاملة وأكاذيب ملفقة.
مع التقدم بالسنّ تأتي الحكمة [كما هو في المثل الشعبي] ، ومع بلوغي سن
٣٦ عامًا لم يعد ممكنًا اقتيادي على نحو أعمى للتصديق بدون مساءلة. منذ وصولي،
في شهر نوفمبر، إلى [وحدتي العسكرية] في فورت كامبيل في كنتاكي، كنّا
نسمع كلامًا حول نشر القوّات للخوض في حرب، وعندما تحول الكلام إلى
تحضيرات فعلية، انتاب قلبي الهلع وازدادت شكوكي. ومنذ ذلك الحين لم تتضاءل
شكوكي؛ بل حصل ذلك لعزيمتي والتزامي!
لقد أتممت فترة خدمتي تقريبًا، وكذلك الحال مع كثير ممّن خدمت معهم. وقد
واجهنا جميعًا الموت في العراق بدون سبب ومن غير مسوِّغ. كم من جنود أكثر
يجب أن يموتوا منّا؟ كم دموع أكثر يجب أن تسيل قبل أن يصحو الأمريكيون
ويطالبوا بعودة الرجال والنساء [في الجيش الأمريكي] والذين مهمتهم حماية
الشعب الأمريكي، وليس حماية مصالح زعيمهم؟» .
كاتب المقال: تيم بريدمور، وهو جندي أمريكي في الخدمة الفعلية حاليًا،
مع الفرقة ١٠١ المحمولة جواً، والمتمركزة بالقرب من الموصل في شمال
العراق.
стр. 4748
متابعات
الحاجة إلى جهة تغييرية لمواجهة خطط التغيير
د. محمد بن عبد الله الشباني
كتب الأخ الفاضل الدكتور عبد العزيز كامل مقالاً أثار الشجون وأحيا الأمل،
دعا فيه إلى التحرك الإيجابي لمواجهة الأخطار التي تواجهها الأمة الإسلامية بعد أن
تجمعت قوى الظلم والبغي والكفر والنفاق في كتلة واحدة لإزالة الوجود الإسلامي،
والذي هو عقيدة وتنظيم للوجود الإنساني الحضاري.
لقد دعا الأخ الكريم الدكتور عبد العزيز كامل في مقالته المنشورة في العدد
١٨٨ ربيع الآخر لعام ١٤٢٤هـ الموافق شهر يونيو ٢٠٠٣م، تحت عنوان:
تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير، حيث طرح مشروعاً أطلق عليه رابطة
الدعاة كنواة لرابطة العلماء، أو كمحضن لإيجاد روابط تنبثق عن هذه الرابطة؛
لتمثل في مجموعها القيادة الفكرية الموحدة للمسلمين تحقيقاً لقول الله تعالى: [يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) ،
وقد أشار إلى حقيقة أن ولاة الأمر كما هو فهم سلف هذه الأمة كابن عباس
﵄، وبقية علماء السلف الأوائل هم أهل الفقه والدين.
إن اقتراح الأخ الكريم جدير بالدراسة والتنفيذ، وقد طلب مشاركة علماء الأمة
ومفكريها وأهل الرأي والفقه والعلم والدعوة في مناقشة هذا الاقتراح وإبداء آرائهم؛
للخروج بتصور كامل قابل للتطبيق، ومن هذا المنطلق فإنني أطرح للقراء من أهل
الدعوة والعلم والفقه من رجالات الإسلام بعض الآراء والتصورات حول ما طرحه
الأخ الكريم الدكتور عبد العزيز كامل؛ لإثراء المشروع المطروح والخروج من
ذلك بتصور محدد لأهداف هذه الرابطة للدعاة ومتطلباتها.
إن أهمية قيام رابطة للدعاة تعود إلى عدة أمور، يمكن حصر بعضها في
الآتي:
١ - فقدان القيادة المرجعية للأمة الإسلامية في زمن تكالبت فيه قوى الكفر
والظلم والنفاق، فتشرذمت قوى الأمة الفكرية وتوزعت إلى قوى وجماعات متناحرة
في بعض الأحيان، مختلفة التصورات والآراء؛ بحيث فقدت جماهير المسلمين
المرجعية التي تعتمد عليها في فهم المستجدات وتصور العمل لمواجهة تلك الأخطار،
فلا توجد الجهة التي يُرجع إليها في تنفيذ قول الله تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ
الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء:
٨٣) .
٢ - تشرذم دعاة الأمة وعلمائها وتقوقعهم، وضعف التواصل وفقدان القدرة
التأثيرية على جماهير المسلمين؛ أدى إلى تنحية أحكام الشريعة عن حياة الأمة،
فأصبحت الأمة تحكم بقوانين وأنظمة تضاد حقيقة الإسلام وتحاربها، ولم توجد
القيادة الجماعية، على مستوى العالم الإسلامي، التي تجابه هذا التوجه في إبطال
أحكام الشريعة الإسلامية، وتبين للجماهير مدى تعطيل أحكام الله، فنتج عن ذلك
أن ظهرت أحزاب وجماعات ذات توجهات إقليمية وحكومية وحزبية، ساعدت على
شرذمة الأمة وزيادة الوهن في مفاصلها.
٣ - انتشار الأفكار الإلحادية والسلوكيات المضادة والمحاربة للقيم التي جاءت
بها الشريعة الإسلامية، وتم قبولها من قِبَل الجماهير نتيجة لعدم وجود تيار من
علماء الأمة ودعاتها يواجه هذه الموجات المتتابعة، والتي تهدف إلى إبعاد الأمة عن
عقيدتها وشريعتها.
٤ - تشرذم الجهود العلمية لعلماء المسلمين في مختلف التخصصات؛ مما
أدى إلى ضعف الجهود عن مجابهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية،
وظهور مجموعات تسهل لجماعات النفاق في المجتمعات الإسلامية التحلل من
الأحكام والتوجيهات القرآنية، حيث ساعدت قوى الكفر والإلحاد من النصارى
واليهود في صرف الأمة عن تشريعها، وإشاعة ما يُزعم أنه فقه التيسير لتسهيل تقبُّل
التشريعات والسلوكيات المضادة للشريعة الإسلامية؛ بدلاً من إيجاد منهجية مغايرة
تنبع من مقاصد الشريعة وأهدافها.
وإن من أهم ما يجب طرحه ومناقشته، حتى يمكن قيام هذه الرابطة،
تحديد الأهداف والغايات التي تسعى إليها هذه الرابطة، ومن أهم الأهداف التي
أرى أن تتولى الرابطة تبنيها الأمور الآتية:
١ - السعي إلى إعادة صياغة العقيدة الإسلامية وفق منهج السلف، فمن
الملاحظ أن الواقع السائد والخاص بسلامة العقيدة في المجتمعات الإسلامية ينتابه
الخلل في جوانب متعددة؛ منها ما يتصل بفهم توحيد الأسماء والصفات وتوحيد
الألوهية وممارستهما، وما ينتاب هذين النوعين من التوحيد من انحرافات تضعف
نقاء التوحيد وصفاءه، وهو الركيزة الأساسية للوجود الإسلامي. ومنها ما يتعلق
بمفهوم الولاء للمسلمين والبراء من المشركين والكافرين؛ حيث فُقد التمايز وذابت
الشخصية الإسلامية.
وتحتاج هذه الصياغة إلى بناء خلايا دعوية في كل قطر مسلم تتولى إعادة
صياغة العقل والوجدان المسلم إلى العقيدة الصافية، وفهم أسس البناء العقدي
للإسلام وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على منهج
سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم.
٢ - العمل على إبراز الحلول للمشكلات الاجتماعية سواء في جانبها
الاقتصادي أو السياسي أو الإداري؛ من خلال تفعيل القدرات الكامنة في علماء
الأمة لتقديم تصور لنظام إسلامي مستقل في تصوراته، ينبع من مقاصد الشريعة
الإسلامية وفق ما جاءت به من أحكام، والابتعاد عن الترقيعات لأنظمة الغرب،
والخروج بالمسلمين مما وقعوا فيه، والذي حذرهم منه رسولهم محمد صلى الله
عليه وسلم في الحديث المشهور: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً
بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم» [١] ، ولن يتحقق هذا الابتعاد إلا
بالعودة إلى الدين كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق الرسول الخاتم صلى الله
عليه وسلم في الحديث الذي جاء فيه: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر
ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا
إلى دينكم» [٢] .
٣ - إبراز رأي الإسلام في النوازل؛ من خلال ما يصدر عن هذه الرابطة
من فتاوى وآراء، يتم من خلالها توحيد كلمة المسلمين تجاه تلك القضايا والنوازل؛
دون خضوع لأي مؤثر من المؤثرات الإقليمية أو الحزبية أو المصلحية الشخصية.
٤ - السعي إلى تكوين مجموعات من الدعاة والعلماء في مختلف التخصصات
تتولى رصد الأحداث وجمع المعلومات وتحليلها، ودراسة آثارها الريادية
(الاستراتيجية) على مستقبل مجتمع المسلمين، وكيفية مواجهته؛ لتقوم الرابطة
بتوجيه الجماهير المسلمة وتنبيهها إلى الأخطار المحدقة بالمسلمين، وتبني توجه
موحد للمسلمين.
وإن من أهم الأمور التي ينبغي التنبه لها؛ ما أشار إليه الأخ الفاضل الدكتور
عبد العزيز كامل من ضرورة ابتعاد هذه الرابطة عن أن تكون ذات توجه معين أو
على مستوى شكلي أو رسمي أو إقليمي، حيث أشارت التجارب إلى فقدان القدرة
على مجابهة النوازل إذا ساد التوجه الرسمي والإقليمي أو الشكلي، ولهذا لا بد من
الاستقلالية التامة وعدم التبعية، ومن هنا فلا بد من اختيار المكان المناسب الذي
تجتمع فيه النخبة الأولى المؤسِّسة لهذه الرابطة، حيث يمكن ممارسة نوع من
الحرية والاستقلالية لممارسة أهدافها، وعليه فلا بد من النظر إلى المكان الذي يمكن
أن يكون مقراً لهذه الرابطة؛ بحيث لا يُمارس عليها أي نوع من الرقابة والتوجيه
وفق مصالح أصحاب المكان الذي سوف تقام فيه تلك الرابطة، على أن يراعى
الامتناع كلية من قبول أي دعم مالي من أي جهة سلطوية في العالم الإسلامي، بل
يتم تمويلها من أعضائها احتساباً لله تعالى.
وحتى لا تذهب هذه الدعوة التي أطلقها الأخ الدكتور عبد العزيز كامل أدراج
الرياح؛ فإنني أرى أن يقوم بعض الإخوة العلماء والدعاة الذين يُعرف عنهم
الحماس والاستقلالية ببلورة هذه الأفكار وغيرها، ووضعها على شكل ورقة عمل
تُطرح على الجميع، ويقوموا بدعوة بعض العلماء والدعاة والمفكرين في العالم
الإسلامي ليكونوا النواة لتأسيس هذه الرابطة.
وفي الختام أشكر للأخ الكريم الدكتور عبد العزيز كامل على طرحه لهذا
الموضوع، ولي أمل كبير أن يستجيب لدعوته علماؤنا ومفكرونا ودعاتنا؛ حتى
يتحقق هذا الحلم الذي يراود العقول وتطمح إليه النفوس.
نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، ويسلك بها سبيل النجاة، وآخر
دعوانا أن الحمد لله في الأولى والآخرة.
стр. 4749
الورقة الأخيرة
لو طَهُرَت قلوبنا ..!
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*]
ما كان لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أن يقول مقالته
البليغة: «لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله» [١] ؛ إلا وقد حقق ذلك عملاً
وسلوكاً.
فما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه، ورثى حسان
بن ثابت ﵁ أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁
فقال:
ضَحَّوْا بأشمطَ عُنْوانُ السُّجودِ لَهُ ... يُقطِّع الليلَ تسبيحاً وقرآنَا! [٢]
ونعتته زوجه ﵂ فقالت: «فو الله! لقد كان يُحيي الليل
بالقرآن في ركعة» [٣] .
إن الإقبال على القرآن والانتفاع به تلاوة وتدبراً وعملاً متحقق لأصحاب
القلوب الحية، حيث قال تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب] (ق:
٣٧) .
قال ابن القيم ﵀: «قوله: [لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب] ؛ فهذا هو
المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: [إِنْ
هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ] (يس: ٦٩-٧٠) ؛ أي حي القلب.
فصاحب القلب الحي بين قلبه وبين معاني القرآن أتم الاتصال، فيجدها كأنها
قد كُتبتْ فيه، فهو يقرؤها عن ظهر قلب» [٤] .
ونبّه ابن القيم في موضع آخر إلى أن سلامة القلب من شرور النفس ومكايد
الشيطان يحقق الانتفاع والتأثر بالقرآن، فقال في مشروعية الاستعاذة عند تلاوة
القرآن: وقال لي شيخ الإسلام [ابن تيمية]- قدّس الله روحه - يوماً: إذا هاش
عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالراعي فاستغث به، فهو
يصرف عنك الكلب.
فإذا استعاذ بالله من الشيطان بَعُد منه، فأفضى القلب إلى معاني القرآن،
ووقع في رياضه المونقة، وشاهد عجائبه التي تبهر العقول، واستخرج من كنوزه
وذخائره ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، وكان الحائل بينه وبين ذلك النفس
والشيطان، والنفس منقعة للشيطان سامعة منه، فإذا بَعُد عنها وطُرِد؛ لمّ بها الملَك
وثبّتها وذكّرها بما فيه سعادتها ونجاتها « [٥] .
وقد قال الله تعالى: [لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ] (الواقعة: ٧٩) ، قال شيخ
الإسلام ابن تيمية ﵀:» فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون؛
فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة « [٦] .
ولما كان سلفنا الصالح أصحاب قلوب حية وأفئدة طاهرة نقية من المعاصي
والمحدثات؛ انتفعوا بالقرآن، فظهرت آثار تلاوته من وجل القلب، واقشعرار
الجلد، ودمع العين [٧] .
قال تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] (الأنفال: ٢) .
وقال سبحانه: [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ] (الزمر: ٢٣) .
وقال : [إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياًّ] (مريم:
٥٨) .
كما تحقق لهم العلم النافع والفقه في دين الله تعالى، والرسوخ في علوم
الشريعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» والمقصود أن القرآن مَنْ
تدبّره تدبراً تاماً تبيّن له اشتماله على بيان الأحكام، وأن فيه من العلم ما لا يدركه
أكثر الناس، وأنه يبيّن المشكلات ويفصل النزاع بكمال دلالته وبيانه إذا أُعطي حقه،
ولم تُحرّف كَلِمُه عن مواضعه « [٨] .
ويقول أيضاً:» ومَنْ أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبَّره بقلبه؛
وَجَدَ فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا
منظومه ولا منثوره « [٩] .
ويقول في موضع ثالث:» فالقرآن قد دلّ على جميع المعاني التي تنازع
الناس فيها؛ دقيقها وجليلها « [١٠] .
كما حوى القرآن الكريم الرد على كل مبتدع، كما قال تعالى: [وَلاَ يَأْتُونَكَ
بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً] (الفرقان: ٣٣) .
قال مسروق ﵀:» ما أحد من أصحاب الأهواء إلا في القرآن ما
يردّ عليهم، ولكنَّا لا نهتدي له! « [١١] .
إن انهماك طوائف من جيل الصحوة في سماع القصائد والأناشيد والتوسع في
ذلك؛ قد يوقعهم في تفريط وتقصير تجاه كتاب الله تعالى.
ولما ساق ابن تيمية ﵀ مقالة الإمام الشافعي ﵀:
» خلّفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمّونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن؛
فقال: «وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدين، فإن القلب إذا تعوّد سماع
القصائد والأبيات والتذّ بها؛ حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات..» [١٢] .
ويقول في موضع آخر: «إن السُّكْر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس
السُّكْر بالأشربة، فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن،
وفهم معانيه واتباعه..» [١٣] .
فعلى الدعاة والمربين أن يبذلوا جهدهم ويعمِّروا برامج طلابهم وشبابهم بما
ينفع.
ونختم هذه المقالة بعبارات مؤثِّرة دوَّنها ابن القيم ﵀ حيث قال:
«فما أشدها من حسرة، وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم،
ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبُه أسراره ومعانيه!» [١٤] .
стр. 4750
شوال - ١٤٢٤هـ
ديسمبر - ٢٠٠٣م
(السنة: ١٨)
стр. 4751
كلمة صغيرة
أكذوبة معاداة السامية
اليهود من أقدر الناس على تزييف الوقائع والتواريخ لصالحهم، ويستغلون
في ترويجها كل ما لديهم من إمكانات اقتصادية وإعلامية، ومن ذلك مصطلح
(معاداة السامية) ، وهي ترجمة لمصطلح إنجليزي هو (أنتي سيمتزم) مضاد
السامية.
أول مَنْ أشاع هذا المصطلح كاتب ألماني يهودي هو (ولهلهم مار) في كتابة
(انتصار اليهودية على الألمانية) ؛ حتى أصبح في عرف الكثيرين أن الساميين
ليسوا سوى اليهود، بينما المعروف لدى دارسي الأجناس البشرية أن العرب هم
أغلبية الجنس السامي، ويفترض أن تكون هذه الدعوى لهم أيضاً، لكن يهود
بخبثهم جعلوا العالم - وبخاصة الغرب الذي أذاقهم سوء العذاب لما عملوه ضده من
مكر وخديعة واستغلال - يشعر بالذنب من معاداتهم، وبخاصة فيما يسمى بـ
(الهولوكست) يعني المحرقة التي ادعو فيها أن النازيين حرقوا فيها ستة ملايين
يهودي!! ؛ وهي لعبة دعائية ما زال الألمان يدفعون ثمنها حتى الآن، بل إن
قوانين الغرب تجرّم كل من يشكك في تلك الكذبة (الهولوكست) حتى لو كانت
دراسات علمية، كتلك التي قدمها الباحث الفرنسي الشهير (رجاء جارودي) ،
حيث تناول الأساطير المؤسسة لبناء الدولة الصهيونية.
والغريب أن العرب الساميين حقاً أصبحوا ضحايا القتل والتهجير والعنصرية،
ولم تثر ضد معاداتهم تلك التهمة، بينما أدعياء السامية من شذاذ الآفاق من
الصهاينة يُزعم أنهم الساميون وحدهم، وهذا ينافي الحقائق العلمية المعروفة للجميع.
القضية مدروسة من قِبَل اليهود جيداً، ولذلك يُقفون ضد كل من يكشف
حقيقتهم؛ حتى لو كان ذلك في أعمال درامية من مثل (فارس بلا جواد) ، وأخيراً
مسلسل (الشتات) ، فـ (النصارى الصهاينة) الحاكمون في أمريكا وأوروبا
يتهمون هذه الأعمال الفنية بمعاداة السامية، لكن معاداة الساميين العرب في أفلام
ومسلسلات وأبحاث وصحف ومجلات يغض الطرف عنها؛ فأي حرية رأي
يزعمون؟!
ولا عجب في هذه التناقضات من الغرب ومن اليهود! فالمسألة عداء عقيدة
أخبرنا عنه ربنا جل وعلا: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، لكن العجيب أن يصبح أحباب المسيح من العرب
والمسلمين هم الأعداء، وأعداء المسيح من اليهود هم الأحبة.
ومن هنا نعرف مكر (يهود) واستغلالهم مكانتهم لترويج أكاذيبهم، وجعلهم
أعداءهم في الدين من النصارى ألعوبة في أيديهم وأنصاراً لهم.
стр. 4752
الافتتاحية
حاجتنا إلى الوعظ ..؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين..
وبعد:
فقد اعتاد بعض المثقفين المعاصرين ذم الخطاب العاطفي مطلقاً والتهوين من
شأنه، ويذكرونه غالباً في مقابل الخطاب العلمي المتزن، والخطاب الفكري العميق؛
ولهذا قد يَزْهد بعضهم في المواعظ، ويأمر المثقفين وطلبة العلم بالانفضاض عن
الوعاظ مطلقاً، فحديثهم فيما يزعم يصلح للعامة والدهماء والبسطاء..!
ولا شك في أن الخطاب العلمي هو الخطاب الذي ينبغي أن يُعتمد عليه،
ولكن لماذا نعدُّ الخطاب الوعظي خطاباً ليس علمياً..؟!
أهو بالنظر إلى حقيقة الخطاب الوعظي؟ أم إلى ما تعارف عليه الوعاظ؟
ثم ألا يمكن الارتقاء بالخطاب الوعظي ليكون جامعاً بين الالتزام العلمي
والبناء العاطفي..؟
لقد وصف الله تعالى كتابه العزيز بأنه (موعظة) ، فقال سبحانه: [وَلَقَدْ
أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ] (النور:
٣٤) . وقال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا
فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] (يونس: ٥٧) .
ووعظ الله عباده في كتابه العزيز في مواعظ كثيرة، منها قوله:
[إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً] (النساء: ٥٨) . وقال:
[يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (النور: ١٧) . وقال:
[وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ]
(البقرة: ٢٣١) .
ومن المسائل الجديرة بالتأمل: أنَّ بيان كثير من الأحكام الشرعية في القرآن
يُصدَّر بالموعظة أو بالأمر بالتقوى أو يُختم بأحدهما، ومن ذلك: أن الله لمَّا ذكر
أحكام الفرائض قال: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (النساء: ١٣-١٤) . وقال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (البقرة: ٢٧٨) ، وفي سياق آيات الطلاق قال الله تعالى: [ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ] (الطلاق: ٢) .
وأمر الله رسوله ﷺ بأن يعظ الناس، فقال:
[فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] (النساء: ٦٣) ؛ ولهذا
كان رسول الله ﷺ يعظ أصحابه ﵃؛ ومن ذلك
ما رواه العرباض بن سارية ﵁: «وعظنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل:
يا رسول الله! كأنها موعظة مودّع؛ فأوصنا ... » [١] . وعن جابر بن عبد الله
﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد،
فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر
بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء،
فوعظهن وذكّرهن ... الحديث» [٢] .
ومواعظ النبي ﷺ لأصحابه كثيرة جداً، وحسبك أن تقرأ
كتاب (الرقاق) في صحيح البخاري لتقف على شيء كثير من مواعظه عليه
الصلاة والسلام.
إن الموعظة إحياء للقلب، وكبح لجموح النفس وإسرافها، وبعدها عن ربها،
وغفلتها عن ذكره، والقلب الجامد الذي لا يتأثر بالموعظة كالصخرة الصمّاء،
ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «اللهم! إني أعوذ بك من علم لا
ينفع، ومن قلب لا يخشع» [٣] .
كما أن العين المجدبة التي لا تبكي من خشية الله لا نور فيها، قال رسول الله
ﷺ : «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية، وعين
باتت تحرس في سبيل الله» [٤] .
تأمل تربية النبي ﷺ لأصحابه ﵃،
وسوف ترى أنَّ النبي ﷺ بمواعظه استطاع أن يُطهرهم من
حظوظ النفس وأهوائها، ويُليِّن قلوبهم، ويجعلها تتعلق بالآخرة، ومن أبلغ الأمثلة
على ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁: «أنَّ ناساً قالوا لرسول الله
ﷺ حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق
يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله
عليه وسلم؛ يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!» .
سبحان الله! موقف عجيب استثار بعض الأنصار ﵃ وكاد
يذهب ببعضهم مذهباً بعيداً؛ لكن انظر إلى موعظة النبي ﷺ لهم،
وكيف أنه هذّب نفوسهم، وطهرها من علائق الدنيا.. مواعظ يسيرات؛ لكنها
تجاوزت الآذان لتستقر في القلوب!
قال أنس ﵁: «فحُدِّث رسول الله ﷺ
بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدعُ معهم أحداً غيرهم،
فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: ما كان حديث بلغني
عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أما ذوو آرائنا يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس
منّا حديثة أسنانهم؛ فقالوا: يغفر الله لرسول ﷺ ؛ يعطي قريشاً
ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ :
إني لأعطي رجالاً حديثٌ عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال،
وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ ! فو الله! ما تنقلبون به خير
ممَّا ينقلبون به. قالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. فقال لهم: إنكم سترون
أثرة شديدة؛ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ على الحوض»
[٥] .
إن ذلك كله يؤكد أن الوعظ ليس خاصاً بالعامة فحسب، بل إن العلماء
والمفكرين وطلبة العلم أحوج ما يكونون للموعظة؛ فهي تهذيب للنفس، وترويض
لكبريائها وشططها، تدفع المرء للتجرد في البحث عن الحق، والصدق في التماس
الدليل الصحيح، وفي الترجيح بين الأقوال، فلا يتيه به الهوى في دركات
التعصب والاعتداد بالنفس وبطر الحق، خاصة في زمن الفتن وانتشار الأهواء
والشبهات، ولهذا كان العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى وقنوتاً إليه. قال تعالى:
[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء] (فاطر: ٢٨) . وقال تعالى: [أَمَّنْ هُوَ
قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) .
كما أن في الموعظة استثارة للغيرة في قلب الداعية، تدفعه إلى علو الهمّة،
وصدق العزيمة، وتطرد عنه غبار الفتور والعجز، وتستنهضه لبذل قصارى الجهد
في تبليغ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيها تثبيت لأهل العلم
والدعوة أمام مكايد الأعداء، وأحابيل المفسدين، وظلم الملأ المستكبرين. وفيها
إحياء للقلب المُعرض الذي أَسَرَه الهوى، وسيطر عليه التقليد والتبعية، فجعله يُدْبر
عن ذكر الله تعالى. قال : [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله
مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّة] (سبأ: ٤٦) .
إنَّ مواعظ القرآن والسنة قوارع تهز القلب وتحييه، وتزيل الران عنه،
وتجعل العبد المؤمن يتوجه بكليته إلى ربه تائباً منيباً إليه.
نسأل الله أن يجعلنا من التوّابين المنيبين.. وصلى الله على محمد
وآله وسلم.
стр. 4753
دراسات في الشريعة
التوكل في السياسة الشرعية
منصور طه الحاج آدم
التوكل ورد كثيراً في القرآن في مواضع عدة، وهو سمة أساسية يتصف بها
المؤمنون، ومن المواضع التي ورد ذكره فيها، هو موضع تقرير السياسة الشرعية
التي حقيقتها: «العلم بالأفعال النافعة عند الحاجة إليها» [١] ، والتي لا يتوصل
إليها إلا بالاعتماد والتوكل على الله، ويتبع ذلك العلم النافع الموصل لتلك الأفعال.
التوكل اعتماد على الله بتوفيقه وهدايته إلى الأسباب النافعة ووقايته من
الأسباب الضارة، وفي التخيير بين السبل والوسائل والاعتماد عليه في حصول
النتائج والمآلات المحبوبة النافعة التي يتم بها الخير. والتوكل من ناحية رجاء
واعتماد وثقة في الله وطلب للتوفيق، ومن ناحية أخرى قبول لما يترتب ويأتي من
أقدار الله التي تفرح لها القلوب أو تحزن لها؛ ففي الأول ينفي الاقتدار بالنفس
والعُجب والكبد. وفي الثانية يبقى اليأس والهزيمة النفسية الذي يترتب منه عجز،
فقعد عن أداء الواجب في الوقت.
ولما كانت الأفعال يقصد بها جلب نفع أو دفع ضر فإن ذلك في دائرة نشاط
الإنسان وما هيئ ليقوم به، وهو لا يتم إلا بتوفيق الله في الهداية والمعاونة على
السبب أو الوصول إلى النتيجة.
أما العجز والخمول نتيجة مفاهيم فاسدة وعقائد باطلة أو نفس تميل إلى
الاستكانة والدعة، أو نتيجة يأس مستحكم نابع من جهل صاحبه بسنن الله في خلقه
وعادته في أوليائه وأعدائه وأنه يتولى المؤمنين المتوكلين عليه، ويوفق المجتهدين
الذين بذلوا وسعهم وتحروا الأسباب الموصلة إلى المآلات التي يحمدونها، ويخذل
المتواكلين العاجزين الذين فرطوا في أمرهم؛ إذ إن المطالب عظيمة أو حقيرة تؤخذ
ولا تعطى وهذه محاولة لبيان أن مفهوم التوكل في السياسة الشرعية نتلمسها في هذه
الجوانب:
* التوكل سبب من الأسباب ولا ينافي فعل الأسباب الكونية:
إن التوكل على الله من أهم الطاعات وأهم الحسنات التي يتقرب بها المؤمنون
إلى ربهم الذي بيده مصائر الخليقة والأشياء، وأهم سبب يلتجئ إليه المؤمنون لدفع
البلاء ولتيسير المطلوب، ولا ينافي التوكل الأسباب الصحية؛ فإن المطالب الدينية
والدنيوية تدرك بالأسباب الموصلة إليها، وتتفقد أسباب الخير والشر بالأسباب التي
يحدثها العبد: «فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها
منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد! وكم من شر انعقد سببه ثم
صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله؟» [٢] .
والأسباب منها: «ما يخرج عن قدرة العبد، ومنها ما يكون مقدوراً له.
ومن الأسباب ما يفعله العبد، ومنها ما لا يفعله، ومنها معتاد، ومنها نادر» [٣] ،
ولذلك المطلوب الواجب ما يقدر عليه العبد وليس بمؤاخذ فيما لم يقدر عليه «بل ما
فعل الله بأسباب يمكن طلبه يطلب الأسباب» والمكروه يمكن «دفعه بالأسباب التي
قدرها الله» [٤] .
الفهم الصحيح للسنن والأسباب والفعل الإنساني في هذه الحياة يؤدي إلى
تصحيح دور المسلم: «فإن لله سنناً كونية جعلها الله وسائل للعز والرقي؛ من
سلكها نجح، ودين الإسلام يحث عليها غاية الحث» [٥] .
* صحة الاعتماد على الله جالبة للتوفيق والتيسير:
أعظم الناس توفيقاً إلى الخيرات من العلم النافع والعمل الصالح في كل شأن
من شؤونهم هم الأنبياء؛ فهم على الحق والهدى، وسياساتهم أعلى السياسات
وأفضلها على الإطلاق، ودرجاتهم أعلى الدرجات بالعلم والفضل والهدى، موفقون
بالعقول الصافية والقلوب السليمة، ومسددون بالوحي الهادي. قال تعالى: [نَرْفَعُ
دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (يوسف: ٧٦) ، وبعدهم أتباعهم
وخاصتهم من أصحابهم منهم المسدد بالفهم الثاقب السديد، ومنهم الملهم؛ وعلى قدر
الإنابة إلى الله يكون التوفيق والسداد بالعلم، فهذا أبو بكر ﵁ أوفر
الصحابة حظاً في موافقة النبي ﷺ في فقهه وفهمه، وأحسنهم
سياسة إذ وُفِّق إلى فهم مسدد وقرار حاسم تردد فيه كبار الصحابة، وفات عليهم فقه
الحكم في ذلك الموقف: حروب الردة المشهورة التي ثبت بها سلطان الدولة وحُميت
الأمة من الزوال، والملة من الانحراف. قال تعالى: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا
حُكْماً وَعِلْماً] (الأنبياء: ٧٩) .
* في التدابير النافعة في إصلاح الأمة وقيادتها:
عمود التدابير النافعة في سياسة الأمة وقيادتها هو الشورى التي جاء ذكرها
تارة وصفاً للمؤمنين [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] (الشورى: ٣٨) ، وتارة إعداداً
لهم [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر] (آل عمران: ١٥٩) . وجاء لفظ «الأمر» الذي
دخلت عليه «أل» «المفيدة للعموم والاستغراق» [٦] ، بمعنى أن جميع شؤون
المسلمين معلقة بالشورى تحصيلاً وإدراكاً، أو توقياً ومجانبة؛ وهذا يدلنا على أن
الشورى أعظم الأصول في السياسة الدينية التي يضبط المسلمون بها نظامهم
ويستقر بها حالهم.
ويكون إعمال الشورى بتقليب الآراء والوجوه للمسائل والقضايا وتمحيصها
مع أهل المشورة من أهل العلم والخبرة والدراية وذوي العقول الراجحة؛ فإذا بُتَّ
في أمر واتفق عليه، لزم العزم والتوكل على الله والإقدام لتحصيل الأمور النافعة
وتوقي الأمور الضارة والتوصل إليها بأوصل الطرق وأفضلها.
والعمل بالأسباب النافعة مع التوكل على الله يوصل إلى النتائج النافعة التي
تجلب الخير والصلاح، وبهذه الطاعة العظيمة تلهم وتوفق الأمة إلى كثير من
الخيرات، وتدرأ عنها كثيراً من السيئات التي قد تفيد عن وعي وإدراك الأمة،
وتجتمع ولا تختلف القلوب بتوافقها على الصواب بالتبصر والتذكر؛ بينما الغفلة
والحيرة تجلبان الفتنة والخلاف وفوات إدراك المصالح سواء كان في مستوى الأمة
أو الأفراد، ويحصل هذا بفوات تلك الطاعة [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩) .
* في سياسة الدفاع وحماية الأمة:
قال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) ، قد أمر
الله الفئة المؤمنة بالإعداد بما تقدر عليه من العدة المادية والمعنوية لتحقق الإخافة
والإرهاب الذي يمنع من تسلط وعدوان البغاة من الأعداء؛ وذلك باكتساب
المؤهلات المناسبة والضرورية لخوض الصراع والحرب مع قوى الكفر والعدوان؛
وذلك بنظرة كلية أساسية لا نظرة من حلية مؤقتة أو جزئية ضيقة ليتحقق بذلك
عامل التفوق وكسب الأسباب التي توصل إلى النصر والتمكين.
إن إعداد القوة الإسلامية مجرداً بالموازين المادية ليس المطلوب الأوحد، بل
هناك عامل يختلف فيه المسلمون مع غيرهم وهو ميزان الإيمان والاعتماد والتوكل
على الله وهو أهم طاعة يستند عليها المؤمنون؛ ولذلك جاءت الآيات ببيان ترجيح
كفة القلة المؤمنة الصابرة على الأكثرية الكافرة. قال تعالى: [فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]
(الأنفال: ٦٦) ، والكفاية والحسب تتم بحسب الإيمان، وتتخلف الكفاية بتخلف
شرطها [٧] ؛ فإن عامل الإيمان والتوكل من أهم العوامل التي تبنى بها قوة المسلمين،
ويحصل بتحقيقها التفوق على الأعداء وهو سبب بفقده وتخلفه تفقد قوة المسلمين
القيمة والفاعلية.
* العلاقة مع القوى الأجنبية:
العلاقة مع القوى الأجنبية تقوم على الحذر والحيطة وتمام الدراية والمعرفة
بها: رؤيتها ومنهجها وأهدافها؛ حتى تكون العلاقة قائمة على قاعدة من الوضوح
يمكن للمسلمين من خلالها توقي الشر، وتحقيق المصالح؛ وذلك في حالتي الحرب
والعدوان، وحالة السلم والعهد.
فإذا تم العهد والسلم، فإن الوفاء بالعهد والعدل من أهم أصول السياسة
الشرعية سواء كان مع المؤمنين أو مع العدو الباغي؛ فلا تنتقض العهود خيانة
وغدراً؛ بل ينبذ إليه العهد، ويعلن النقض حتى يكون الطرفان على سواء، وإذا
بدا من العدو خيانة فإنه لا يقابل بالغدر، وليس هذا موجب الحيلة التي يتم عبرها
تحقيق الغلبة؛ فإن الطاعة من أعظم أسباب الغلبة على الكفار، ومن أقواها في دفع
البلاء النازل. والعدل ورعاية العهود والرحمة من أهم أسباب قيام الأمة المسلمة
وعوامل قوتها الداخلية والخارجية. والثابت في التاريخ والسنن أنه «تدوم الدول
مع العدل، ولا تدوم مع الظلم وإن كانت مؤمنة» [٨] .
كما أن مفهوم التوكل ليس فيه الاندفاع في الاتجاه الذي يترتب منه فساد
واضح بقرائنه التي تتبدى للعيان أو التي غلب الظن بها بخيانة العدو الذي
انضبطت علاقة المسلمين السليمة معه بعهد وميثاق، فلا يصح التمادي في هذه
العلاقة الخاسرة؛ بل الصحيح درء أسباب الفساد والخطر لا التواكل بحجة التوكل.
أما في حال جنوح الطرف الآخر للسلم طلباً منه فإنه يجاب؛ ففي السلم فائدة عظيمة
للمسلمين، ويُدرأ الظن المرجوح بسوء قصده بالتوكل على الله وعدم اتباع الظن
الذي لا يستند إلى حقيقه. قال تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (الأنفال: ٦١) .
أما في حالة الحرب، وعند ورود أنباء العدو وأخباره، بأنه قد جمع حشوده
وكل قواه التدميرية، وأحكم مكره وتدبيره لاستئصال المؤمنين ينبغي أن يلجأ
المؤمنون إلى ربهم ويصدقوا في ذلك، وهو الذي يدبر شؤونهم ويختار لهم ما فيه
خيرهم وصلاحهم الدنيوي والأخروي، وفي هذا عامل معنوي هام تزول به الرهبة
والخوف الذي يشل القوى البشرية من القدرة على التصرف التي هو أحوج إليها
خاصة في الأوقات الحالكة التي تمر بالأمة؛ فإن في التوكل انعتاقاً للقوى البشرية،
وإطلاقاً للقوى الدفاعية لتعمل عملها، تدبر وتخطط وتقف موقفاً حاسماً يحول
الهزيمة التي أرادها لها العدو إلى نصر وقوة. وبهذا العامل المعنوي الهام تنقلب
الموازين في ميدان الصراع؛ فكم من مواقف عظيمة وقفها خيار المؤمنين حولت
مجرى التاريخ لأمة الإسلام. الخوف والتردد واليأس والكسل والخمول من أخطر
العوامل التي تشل الطاقة البشرية وتصرفها عن العمل في الميادين النافعة، أو في
الأوقات الحالكة التي تحتاج إلى حسن تصرف وشجاعة في الموقف التي يفقدها
الإنسان إذا استبد به عامل الخوف والرهبة أو الكسل والخمول.
* أخيراً:
إن الأمة المسلمة تسعى لتحقيق الصلاح والخير بكل السبل المشروعة،
وتمشي في الأرض بالخير والهداية مستهدية وهادية، مدافعة ومغالبة وعاملة تطلب
التيسير والعون من الله في كل شأن من شؤونها؛ مفتقرة إليه في مبتدأ أمرها
ومنتهاه، وتحسن الالتجاء إليه في عظيم أمرها وصغيره؛ لا يقعدها عجز ولا يأس،
بل لها في كل وقت مستطاع واجتهاد واعتماد والتجاء. قال تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ] (التغابن: ١٦) .
стр. 4754
دراسات في الشريعة
سلبيات فصل العلوم من أصلها القرآني
وأثر ذلك
د. أحمد بن أحمد شرشال
إن علوم الشريعة ومباحثها كلها إذا فُصلت من أصلها وهو القرآن، ثم اقتصر
عليها كمقررات دراسية لا تجد فيها ما تجده من الطراوة والحلاوة عندما تأخذها
وهي موصولة بأصلها، وإن بقي شيء منها فإنك تجد فيه جفافاً وخفوتاً وهزالاً،
ولا تجد تلك الحيوية والقوة والنضارة عندما تأخذ الأحكام والعلوم من أصلها القرآن؛
لأنها والحال هذه موصولة بما يغذيها، فتسري فيها قوة وجمالاً وروعة وحيوية،
وتبعث في صاحبها قوة العمل بما علم. هذا ما علمته بالتجربة التي لا تخطئ.
علوم الشريعة كلها ومباحثها كلها تأبى الانفصال والاستقلال، ولا تبقى لها
تلك الطراوة والحلاوة إذا بُتِرتْ من أصلها ثم اعتُمد عليها، وقد يدخل فيها ما ليس
منها، ويخرج منها ما هو منها، وقد تموت كالغصن إذا بان من الشجرة؛ فغذاؤها
لا يكون إلا إذا كانت موصولة بأصلها، وتؤخذ من أصلها غضة طرية، ودليلي
على هذا ما يلي:
أولاً: إن أول ما يفقده الدارس لعلوم الشريعة كلها، إذا كانت منفصلة عن
أصلها القرآن إعجاز القرآن ووجوهه المتعددة؛ فإعجاز القرآن إذا لم تأخذه من
أصله القرآن لا تجده أبداً بحال من الأحوال، فيوجد طالما كان موصولاً بأصله،
وينعدم إذا بُتر من أصله. فعلينا أن نجعل القرآن مصدر علومنا ومعارفنا، ونربط
جميع المقررات به؛ لأن الوقوف على مواطن الإعجاز في القرآن أمر لا يُدرَك إلا
بالذوق، ولا يمكن تحديده، ولا إقامة الأدلة المنطقية عليه، ولكنه يُدرَك بالذوق ولا
يمكن نقله إلى الآخرين.
إن الذي يعيش مع القرآن يدرك إعجاز القرآن من معينه الصافي الذي لم
تكدره الدلاء؛ لأن وصف العلماء لوجوه الإعجاز قاصر جداً، ولو وصفوه وحددوه
بالحدّ المطابق للمحدود لما كان معجزاً.
وقد صرح بالعجز الدكتور محمد عبد الله دراز، وهو يحاول أن ينقل ما
أدركه، ويترجم ما أحسه فقال: «ولقد وردتُ مناهل القول، وتذوقتُ طعومها فما
وجدت كالقرآن أعذب مورداً، والآن آمنت أنه نسيج وحده، وأنه يعلو وما يُعلى،
وأنه يحطم ما تحته؛ غير أنني وقد أدركتُ من قوة الأسلوب القرآني وحلاوته ما
أدركت لم يزل الذي أحس به من ذلك معنى يتجمجم في الصدر لا أحسن تفسيره ولا
أملك تعليله» [١] .
وقد قرر أبو سليمان الخطابي من قبله عجز العلماء عن إبراز تفاصيل وجوه
الإعجاز، فقال: «ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجوه الإعجاز من
جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا فيه إلى حكم الذوق» [٢] .
وقال العلامة ابن خلدون: «الإعجاز تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك
بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته، فيدرك
من إعجازه على قدر ذوقه» [٣] .
وتحدث الإمام السكاكي عن إعجاز القرآن، وهو لا يرى إدراكه بالوصف
وإنما بالذوق وطول الممارسة لعلوم البلاغة، فقال: «واعلم أن شأن الإعجاز
عجيب يُدرَك ولا يمكن وصفه؛ كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها» [٤] .
وإذا كان الأمر كما سمعت من تقرير العلماء، فإن إعجاز القرآن أول ما تفقده
عندما تتفقه في غير كتاب الله، ولو كانت هذه العلوم من علوم الدين، فإن إعجاز
القرآن يُدرك بالوجدان، ولا يترجم بالأقلام، ولا تحيط به السطور، ومن ثم كان
التفقه في القرآن وحده هو السبيل الوحيد الذي يلج منه الدارس والمتعلم إلى
استشعار هذا الإعجاز بحاسته الذوقية وملكاته البيانية، وبغير ذلك فإنه سيظل أسيراً
يستروح مما تذوقه الآخرون من معانٍ وبيان وأحكام وحِكَم، وليس فيها موضع
للإعجاز؛ فلا سبيل لأحد أن ينقل إعجاز القرآن إلى الآخرين كما دلت على ذلك
النصوص السابقة، ولا سبيل لأحد أن يدرك إعجاز القرآن من دراسة الآخرين؛
فلم يبق له إلا أن يطلبه من معينه الصافي من أصله القرآن الكريم.
ثانياً: الأثر السلبي للتجزئة والتبعيض للقرآن: لقد أنكر القرآن الكريم على
بني إسرائيل أشد الإنكار وتوعّدهم بأقصى الوعيد على التفريق بين أحكامه بالإيمان
ببعضها، والكفر ببعضها الآخر، فقال: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ
إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ] (البقرة: ٨٥) .
الله كان قد أخذ على اليهود الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضاً، وأن
لا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأن يفدي بعضهم بعضاً من الأسر؛ فهذه
ثلاثة عهود خالفوا منها عهدين وأخذوا بالثالث، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرجوهم
من ديارهم، ثم فادوا أسراهم؛ لأن الله أمرهم بذلك، فأنكر الله ذلك
التفريق، والأخذ ببعض الكتاب دون البعض الآخر.
قال ابن القيم: «والأخذ ببعض الكتاب يوجب عليهم الأخذ بجميعه» [٥] ،
ثم قال: «ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً، وأخرجوهم من
ديارهم؛ فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر ذلك
الفريق، وهذا إيمان منهم بما عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من
الميثاق كافرين بما تركوه منه» [٦] .
وروي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: [كَمَا أَنزَلْنَا
عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ] (الحجر: ٩٠-٩١) ، أنهم اليهود
والنصارى جزؤوه أجزاء فآمنوا بما وافق التوراة، وكفروا بالباقي « [٧] .
وقد أنكر القرآن أشد الإنكار على من يفرق بين أحكام الله وشريعته، وهو
شأن الكافرين، فقال: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ
وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *
أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاّ] (النساء: ١٥٠-١٥١) . فتجزئتهم وتفريقهم والإيمان
ببعض، والكفر ببعض الآخر جعلهم أحق بوصف الكفر من غيرهم الذين يكفرون
بالكل.
قال أبو الطيب محمد صديق حسن:» فإن أهل الكتاب لم يكفروا بالله ولا
بجميع رسله، لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفراً بالله وبجميع الرسل « [٨] .
وقد حذر الله نبيه ﷺ وهو تحذير لكل أمته أن يفتنه أهل
الكتاب عن بعض ما أنزل الله عليه من القرآن فلا يحكم به، ولا يعمل بموجبه،
فقال: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ
بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ] (المائدة: ٤٩) .
قال الزمخشري:» وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين، وفيها أوفر
نصيب للمؤمنين تدبراً لها، واعتباراً بموردها «.
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بعد نقله كلام الزمخشري:» يعني أنها
في شأن الكافرين من دلالة العبارة، وفي شأن المؤمنين من دلالة الإشارة « [٩] .
أقول: وقد جاء ذلك صريحاً عن حبر الأمة عبد الله بن عباس، فقال:» كل
ما جاء في القرآن من ذم أحوال الكفار فمراد منه أيضاً تحذير المسلمين من مثله في
الإسلام «.
قال الشيخ الطاهر:» ومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفار إغلاظاً
عليهم، وتعريضاً بتخويف المسلمين من فعل فعلهم « [١٠] .
قال القرطبي في تفسير الآية السابقة:» قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ
عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء الأسرى،
فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخاً يتلى فقال:
[أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض] (البقرة: ٨٥) ، ثم قال: «قلت: ولَعَمْرُ الله! لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض ليت
بالمسلمين، بل بالكافرين حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم
المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» [١١] .
وقريب من مسلك اليهود والكفار في التجزئة والتبعيض المنافقون كما حكاه
القرآن عنهم، ونفى عنهم الإيمان؛ لأنهم يرفضون حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه،
ولا يذعنون له إلا فيما يوافق أهواءهم ومصالحهم الخاصة؛ فنفى عنهم القرآن
الإيمان نفياً صريحاً فقال: [وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ
مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا
فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]
(النور: ٤٧-٥٠) .
وقد دل القرآن على التبرّي من الذين يفرقون دين الله. قال تعالى: [إِنَّ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء] (الأنعام: ١٥٩) . قرأ
الجمهور: [فَرَّقُوا دِينَهُمْ] من التفريق، وهو الفصل بين أجزاء الشيء الواحد،
وجعله فِرَقاً وأبعاضاً، وقرأ حمزة والكسائي: «فارقوا» من المفارقة للشيء،
وهو تركه والانفصال منه، وهي تفيد أن تفريق الدين قد يستلزم مفارقته؛ لأنه
واحد لا يتجزأ، ومن التفريق العمل ببعض الكتاب دون بعضه الآخر « [١٢] .
قال أبو حيان:» تركوه وباينوه، ومن فرّق دينه فآمن ببعض وكفر ببعض،
فقد فارق دينه المطلوب منه « [١٣] .
فقه القرآن والتفقه فيه دون غيره لا يعرف هذا التبعيض ولا هذه التجزئة،
ولا هذا الانفصال؛ فمقاصده متشابكة يغذي بعضها بعضاً، ويلتحم بعضها ببعض
فلا ينفصلان؛ تختلط فيه العقيدة مع العبادة، مع الأخلاق، مع الأحكام، مع
المعاملات المختلفة، وكلها أحكام تمتزج كلها بالعقيدة، وترتبط بها ارتباط الشرط
بجوابه.
قال الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل:» إن التفريق بين الشريعة والعقيدة،
إنما هو تفريق نظري فني طارئ جرّت إليه ضرورة التأليف والتصنيف والتبحر
بالعلوم والتخصص فيها والتشقيق لفروعها. فلا تجد في نصوص القرآن والسنة ولا
في أقوال الصحابة وأئمة الدين في القرون الثلاثة الفاضلة هذا التفريق المتكلَّف الذي
اضطر إليه المسلمون فيما بعد حينما كثر الافتراق، وتشعبت العلوم، وكثر
التصنيف، وتعددت المناهج والمشارب والأساليب « [١٤] .
وقال ابن القيم:» ولم يكن للصحابة ﵃ كتاب يدرسونه
وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من نبيهم ﷺ ،
ولم يكونوا في مجالسهم يتذاكرون إلا في ذلك، فخلف من بعدهم قوم يقرؤون القرآن
ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في
علوم أخرى وصنعة اصطلاحية « [١٥] .
قال الدكتور حسين الذهبي في بيان موقف بعض الناس من القرآن:» لا
يأخذون من القرآن إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها، وما رأوه يصادم مذهبهم
حاولوا التخلص منه بصرفه وتأويله « [١٦] .
وهكذا حال من تعلق ببعض الكتاب دون بعض، أو أخذ بعضه دون بعضه
الآخر، وهو انحراف خطير في الفكر، وشذوذ في التفكير، واعتلال في الشخصية
أوجبه الاقتصار على بعض الآيات دون بعض.
قال رشيد رضا:» وفهم القرآن لا يكون صحيحاً إلا بالجمع بين الآيات
المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه « [١٧] .
الذي يقضي على مظاهر الانحراف والغلو والشذوذ هو الاشتغال بالقرآن
الكريم كله فهماً وتفقهاً؛ فعلومه وأحكامه تأبى الانفصال والاستقلال، ولا تبقى لها
حلاوتها وطراوتها إذا بترت من أصلها، فتفقد غذاءها. فيجب ربط جميع العلوم
قاطبة بأصلها القرآن الكريم، ولا ينبغي أن يبقى القرآن والسنة إلا دليلاً فقط؛ فهُما
الدليل والمدلول عليه، فيجب فقه هذا الدليل واستخراج الأحكام منه.
وقد يكون الاقتصار على التجزئة والتبعيض مؤدياً بصاحبه إلى الميل والشطط
والغلو والتعصب، وقد حصل شيء من هذا كما هو مشهود في الواقع، وكل ما
نراه من فروق واضحة جلية بين الناس ترجع إلى الاقتصار على التجزئة
والتبعيض مفصولة من القرآن، وإن كانت تعتمد على القرآن؛ فالفصل وحده كاف
لإحداث هذا.
ثم لا يستطيع الإنسان أن يحزم بأن هذه الآية في الأحكام فحسب، وتلك في
العقيدة فقط، وقد تعلقت الأحكام بالعقيدة تعلق الشرط بجوابه، والآية الواحدة في
القرآن تتضمن جملة من العلوم.
لذلك لم تنضبط آيات الأحكام عند العلماء، وكان من الموفقين في ذلك الإمام
القرطبي حيث سمّى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن) وفسر القرآن كله، وفصل
الأحكام كلها أكثر مما هي عند الذين اقتصروا عليها، ولم يستغن عن بعضها، ولم
يستطع أن يفصل هذه الأحكام من أصلها كما فعل أبو بكر الجصاص في أحكامه،
وكما فعل ابن العربي في أحكامه، ثم الفصل وحده كاف لإسقاط بعض الأحكام،
والربط وحده يتضمن معاني. كما قال الفخر الرازي:» إن أكثر لطائف القرآن
مودعة في الترتيبات والروابط « [١٨] ، والله جل وعلا أعلم، ولا إله غيره، ولا
مرجو سواه.
стр. 4755
دراسات تربوية
الثبات على الطريق وأثره في حياة الأمة
محمد أحمد سيد طه [*]
إن الله تعالى خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويخافوه، ويخشوه، ونصب لهم
الأدلة الدالة على كبريائه وعظمته ليهابوه.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن جعل الابتلاء سنة من سنن الله الكونية، وأن
المرء بحاجة إلى تمحيص ومراجعة حتى يتميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من
غيره؛ فالسعيد من اعتصم بالله، وأناب ورجع إلى الله، والمؤمن الصادق ثابت في
السراء والضراء. قال تعالى: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ
لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ]
(العنكبوت: ١-٣) ، وقال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) ، وقال تعالى:
[وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] (الأعراف: ١٦٨) .
إن في تعاقب الشدة والرخاء، والعسر واليسر، كشف عن معادن النفوس،
وطبائع القلوب؛ حيث يتمحص المؤمنون، وينكشف الزائفون. ومن علم حكمة الله
في تصريف الأمور، وجريان الأقدار فلن يجد اليأسُ إلى قلبه سبيلاً، ومهما
أظلمت المسالك وتتابعت الخطوب، وتكاثرت النكبات؛ فلن يزداد إلا ثباتاً؛
فالإنسان إلى ربه راجع، والمؤمن بإيمانه مستمسك وبأقدار الله مسلمَّ.
وإن مما حث عليه الإسلام، وعظمة القرآن: الثبات على الدين، والاستقامة
عليه؛ ذلك أن الثبات على دين الله والاعتصام به يدل دلالة قاطعة على سلامة
الإيمان، وحسن الإسلام، وصحة اليقين، وحسن الظن بالله تعالى وما أعده الله عز
وجل من النعيم المقيم في الآخرة لعباده الصالحين، وفي الدنيا من النصر والتمكين.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ] (محمد: ٧-٨) ، وأعظم الثبات،
الثبات على الدين.
إن الثبات على دين الله خلق عظيم، ومعنى جميل، له في نفس الإنسان
الثابت، وفيمن حوله من الناس مؤثرات مهمة تفعل فعلها، وتؤثر أثرها، وفيه
جوانب من الأهمية الفائقة في تربية الفرد والمجتمع.
إن صفة الثبات على الإسلام والاستمرار على منهج الحق نعمة عظيمة حبا
الله بها أولياءه وصفوة خلقه، وامتن عليهم بها، فقال مخاطباً عبده ورسوله محمداً
ﷺ : [وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً]
(الإسراء: ٧٤) .
وأمر الله سبحانه الملائكة الكرام بتثبيت أهل الإيمان، فقال سبحانه: [إِذْ
يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] (الأنفال: ١٢) .
إن الثبات على دين الله دليل على سلامة المنهج، وداعية إلى الثقة به، كما
أن الثبات على الدين ضريبة النصر والتمكين والطريق الموصلة إلى المجد والرفعة.
والثبات طريق لتحقيق الأهداف العظيمة، والغايات النبيلة؛ فالإنسان الراغب
في تعبيد الناس لرب العالمين، والعامل على رفعة دينه وإعلاء رايته لا غنى له
عن الثبات.
إن الثبات يعني الاستقامة على الهدى، والتمسك بالتقى، وقسر النفس على
سلوك طريق الحق والخير، والبعد عن الذنوب والمعاصي وصوارف الهوى
والشيطان. إن مما يعين على الثبات أمام الفتن والابتلاءات صحة الإيمان وصلابة
الدين؛ فكلما كان الإنسان قوياً في إيمانه، صلباً في دينه، صادقاً مع ربه، كلما
ازداد ثباته، وقويت عزيمته وثبتت حجته، قال تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (إبراهيم: ٢٧) ، وقال صلى الله
عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل
خير» [١] .
كما أن الدعاء والافتقار إلى الله والاستكانة له من أقوى الأسباب
لدفع المكروه وحصول المطلوب، وهو من أقوى الأسباب على الثبات إذا أخلص
الداعي في دعائه؛ وحسبك أن النبي ﷺ كان يدعو ربه ويسأله
الثبات، فيقول: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» [٢] .
وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ
كان يدعو فيقول: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر
لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. اللهم
اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً ومنيباً، رب
تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد
لساني، واسلل سخيمة قلبي» [٣] .
كما أن اليقين والرضى بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على
الثبات. قال علقمة بن قيس في تفسير قوله تعالى: [وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (التغابن: ١١) قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم
أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم «.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» بالصبر واليقين تُنال الإمامة
في الدين «، وقال ابن القيم ﵀: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من
الجسد» . وقال ابن تيمية ﵀: «الصبر نصف الإيمان، واليقين
الإيمان كله» .
إن المسلمين اليوم، وهم يمرون بمرحلة عصيبة من مراحل تاريخنا المعاصر
وتكاد تغلب في هذه المرحلة عوامل اليأس ومشاعر الإحباط بأمس الحاجة إلى
التمسك بالدين، والعض عليه بالنواجذ؛ لأن الاستسلام لليأس يقتل الهمم ويخدر
العزائم، ويدمر الطموحات، وهذه المعاني هي التي تحرك الإرادات وبذل الجهد.
ورغم تتابع الفتن وتنوعها وتكاثرها فإن نصر الله آتٍ لا محالة إن شاء الله
كما وعدنا سبحانه شريطة أن نتمسك بديننا ونعتز بشريعتنا ويكون ولاؤنا لله
ولرسوله ﷺ . قال تعالى: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) ، وقال ﷺ : «لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله
وهم ظاهرون» [٤] . وفي حديث جابر بن سمرة ﵁ قال رسول
الله ﷺ : «لا يزال هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من
المسلمين حتى تقوم الساعة» [٥] .
ومع تكاثر أعداء الإسلام، وتكالبهم على هذا الدين، والكيد له ولأهله قال
تعالى: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ]
(الصف: ٨) . إلا أن النصر والتمكين بمشيئة الله لحملة هذا الدين المبشرين بالثناء
والتمكين كما في حديث ثوبان ﵁: «إن الله زوى لي الأرض
فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» [٦] .
وكما في حديث تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا
وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به دين الإسلام،
وذلاً يذل به الكفر» [٧] .
إن عز هذه الأمة، ورفعة أهل الحق لا تتم ولن تكون إلا بالعض على هذا
الدين بالنواجذ عقيدة وشريعة، صدقاً وعدلاً، ثباتاً في الموقف وصدقاً مع الله، قال
تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:
١٣٩) ، وقال سبحانه: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ]
(محمد: ٣٨) .
* العوامل المعينة على الثبات على الدين:
إن الثبات على الدين مطلب عظيم ورئيس لكل مسلم صادق يحب الله ورسوله،
ويريد سلوك طريق الحق والاستقامة بعزيمة ورشد، والأمة الإسلامية اليوم أحوج
ما تكون إلى الثبات خاصة وهي تموج بأنواع الفتن والمغريات، وأصناف الشهوات
والشبهات، فضلاً عن تداعي الأمم عليها، وطمع الأعداء فيها.
ومما لا شك فيه أن حاجة المسلم اليوم لعوامل الثبات أعظم من حاجة أخيه
المسلم إلى ذلك في القرون السالفة؛ وذلك لكثرة الفساد وندرة الإخوان، وضعف
المعين، وقلة الناصح والناصر.
أهم عوامل الثبات ما يلي:
١ - صحة الإيمان وصلابة الدين:
إن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن
القوة الإيمانية تترك بصماتها على الفرد والجماعة، وعلى سائر اتجاهات السلوك
الإنساني، ومتى صح الإيمان ورسخت حلاوته في قلب المؤمن رزقه الله الثبات في
الأمر والعزيمة على الرشد، وكلما كان قوياً في إيمانه، صلباً في دينه، صادقاً مع
ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته. قال تعالى: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا
مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]
(الأحزاب: ٢٣) ، وقال ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى
الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» [٨] .
٢ - تدبر القرآن والعمل به:
إن من حق القرآن علينا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده؛ ذلك أن القرآن
هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة،
وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على
رسوله ﷺ لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً،
ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلماً تزداد البصائر فيه تأملاً فيزيدها هداية
وثباتاً وتبصراً. قال تعالى: [كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] (الفرقان:
٣٢) ، وقال تعالى: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ] (ص: ٢٩) .
لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيراً ونذيراً، وهادياً إلى ما ارتضى له من دينه،
وسلطاناً أوضح به وجهة دينه، ودليلاً على وحدانيته، ومرشداً إلى معرفة عزته
وجبروته، ومفصحاً عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه، وحجة لرسوله
محمد ﷺ الذي أرسله به، عَلَماً على صدقه، وبيِّنة على أنه أمينه
على وحيه والصادع بأمره، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه
سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة
تتلوها، والقرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن
العظيم منجَّماً مفصلاً، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي صلى الله عليه
وسلم. قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] (الفرقان: ٣٢) .
إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله،
كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم
بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من
حوله، تقييماً صحيحاً، كما أن القرآن بما اشتمل عليه من أحكام وأصول وقواعد
وحكم وقصص، يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين
ومن سار على دربهم.
فإن عُلم ذلك كله لزم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم
المقيم، أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه وجليسه على مر الليالي،
وتتابع الأيام، فلا يقتصر على النظر فيه، بل يحمل نفسه على العمل به.
٣ - الصبر والتصبر عند نزول المصائب والمحن:
إن الصبر من أجلِّ صفات النفس وأعلاها قدراً، وأعظمها أثراً قال صلى الله
عليه وسلم: «الصبر ضياء» فالصبر من أعظم الأمور والعوامل المعينة على
الثبات؛ ذلك أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى،
والجوارح عن التشويش؛ فالصبر إذن أعظم مظهر من مظاهر الثبات، ولقد أمرنا
الله تعالى به فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٣) ، وقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ٢٠٠) .
قال ابن تيمية ﵀ قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين
موضعاً، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ] (البقرة: ٤٥) ، وجعل الإمامة في الدين موروثة عن
الصبر واليقين بقوله: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) ؛ فإن الدين كله عِلمٌ بالحق وعمل به، والعمل به لا بد
فيه من الصبر، بل وطلب عِلْمِهِ يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل
﵁: «عليكم بالعلم؛ فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث
عنه جهاد» فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر؛
ولهذا قال الله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ١-٣) .
٤ - اليقين، والرضا بقضاء الله وقدره:
اليقين والرضا بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على الثبات؛ ذلك
أن اليقين هو جوهر الإيمان، وإن مما لا شك فيه أن اليقين، والرضا والتسليم
لقضاء الله وقدره من أقوى الدعائم والعوامل المعينة على الثبات.
٥ - التزام شرع الله والعمل الصالح:
قال تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] (إبراهيم: ٢٧) .
قال قتادة: «أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة
(في القبر) » وكذلك روي عن غير واحد من السلف. وقال سبحانه: [وَلَوْ أَنَّهُمْ
فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً] (النساء: ٦٦) أي على الحق؛
ولذلك كان ﷺ يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل
إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملاً أثبتوه، وكانت عائشة - رضي
الله عنها - إذا عملت العمل لزمته، وكان ﷺ يقول: «من ثابر
على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة» [٩] . وفي الحديث القدسي: «ولا يزال
عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» [١٠] .
٦ - الذكر والدعاء:
سبق أن تحدثت عن الدعاء وفضله وأثره. أما الذكر فهو حياة القلوب،
وشفاء الصدور، وجلاء الأحزان، وأنس المستوحشين، وأمان الخائفين، فضله
عظيم، وأثره عميم، وهو من أعظم أسباب التثبيت في الجهاد وغيره. قال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً] (الأنفال: ٤٥) ،
وقال سبحانه: [وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً]
(الأحزاب: ٣٥) ، وكان رسول الله ﷺ يسأل ربه عند
التضرع إليه وفي سجوده قائلاً: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [١١] .
٧ - الاستعانة بالله وحسن الظن به:
قال الإمام ابن القيم ﵀: «وتحت قوله تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (إبراهيم: ٢٧) كنز
عظيم من وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنم، ومن
حُرِمَه فقد حرم؛ وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين؛ فإن لم
يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانها، وقد قال تعالى لأكرم خلفه:
[وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً] (الإسراء: ٧٤) ، فأثبت
الناس قلباً أثبتهم قولاً. والقول الثابت هو قول الحق والصدق، وهو ضد القول
الباطل الكاذب. فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبت القول
كلمة التوحيد ولوازمها؛ فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، فما
مُنح عبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج
ما يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم» [١٢] .
وبهذا يتضح أن الاستعانة بالله وحسن الظن به وإخلاص العبادة له، من أقوى
الأسباب المعينة على تثبيت الله لعبده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [١٣] .
٨ - الصحبة الصالحة، والأُخوة الصادقة:
إن الصحبة الصالحة والأُخوة الصادقة من أعظم الأمور المساعدة على الثبات
على الدين والاستقامة عليه؛ إذ المؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهو
مرآة له، كما جاء في الحديث، وقد أمر النبي ﷺ بمصاحبة
الطيبين وتخير الصالحين فقال: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا
تقي» [١٤] . وهذا يدل على أثر الأخوة الصالحة في الثبات [١٥] .
стр. 4756
قضايا دعوية
نظرات في منازلة النوازل
د. عبد العزيز كامل
kamil@albayan-magazine.com
وأعني بمنازلة النوازل، مقاومتها ومقارعتها وعدم الاستسلام لها، أو
الضعف أمامها، فالأقدار تدافع بالأقدار، فما كان شراً منها نمتثل فيه لخطاب
الشرع، فلا نحتج بالقدر في إهمال التكليفات الشرعية المتعلقة به. والمسلمون
عندما تقع بهم نازلة بمعنى مصيبة عامة، أو كائنة كبرى فإن هذه النوازل؛ إما أن
تجيء ابتلاءً وامتحاناً، أو كفارة وتمحيصاً، وإما أن تجيء عقوبة وجزاءً دنيوياً
[وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً] (الكهف: ٤٩) ، والنوازل الواقعة، تجب على المسلمين
تجاهها تكاليف وأحكام، منها ما يتعلق بالقدر، ومنها ما يتعلق بالشرع، أما ما
يتعلق بالقدر فواجبنا أن نعلم أن النوازل والنوائب هي من قدر الشر المر الذي بيَّن
الرسول ﷺ أن الإيمان به مع الإيمان بأقدار الخير ركن من أركان
الإيمان، وذلك في قوله ﷺ في حديث جبريل المشهور: «وأن
تؤمن بالقدر خيره وشره» [١] .
فبمقتضى هذا الركن السادس من الإيمان، نحمد الله على تقديره الخير،
ونصبر على أقدار الشر، مع التزامنا بمدافعتها شرعاً بحسب الوسع والطاقة، وفي
حدود ما شرع الله، ومن واجبنا كذلك أن نؤمن أن الأقدار خيرها وشرها من تدبير
الله فلا يتجاوز شيء منها ما خُط في اللوح المحفوظ، والله تعالى لا يقدر شيئاً منها
عبثاً، ولا يجعل شيئاً منها شراً محضاً، بل كل مقدر لحكمة يعلمها هو سبحانه
وتعالى.
والذي أريد تأكيده هنا؛ هو ما ذهب إليه أهل السنة من أنه لا يجوز اتخاذ قدر
الله وقضائه حجة بعد الرسل، فالحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، وهذا
يعني ألا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك ما أوجبه الله علينا تجاه النوازل
التي تنزل بنا، وهذا أمر ينبغي أن نؤكده ونردده ونكرره ... ولماذا نكرر هذا..؟
- لأن ظاهرة (القدرية) [٢] في التعامل مع نوازلنا المتتابعة أصبحت نازلة
أخرى؛ حيث استفحلت في الآونة الأخيرة ظاهرة «الانتظار» ... انتظار الحلول
القدرية الغيبية دون بذل القدر الداخل في الوسع تجاه ما ينزل بالمسلمين من محن،
وما يتجدد لهم من نوائب، تأتي بسبب تكالب الأعداء من جهة، وبسبب التفريط في
الأخذ بأسباب القوة والوحدة من جهة أخرى، وبسبب ما يتضاعف كل يوم من
مظاهر العصيان والرضا بالدنيا عن الآخرة من جهة ثالثة، قال تعالى: [وَمَا
أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) . وقال:
[مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ] (النساء:
٧٩) . وقال: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) .
- سبب آخر يدعو إلى تكرار الحديث عن ظاهرة القدرية في التعامل مع
النوازل، وهو انتشار الشعور بـ (براءة الذمة) عند أول إخفاق في محاولات حل
الإشكالات، وكأننا لم نؤمر بأن نصبر ونصابر ونرابط وأن نتحمل الآلام
والتضحيات كما يفعل أعداؤنا للأسف بكل جَلَد وجلاد، وصبر وعناد، قال
سبحانه: [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُون] (النساء: ١٠٤) .
- سبب ثالث يدعو إلى ذلك التكرار عن ظاهرة القدرية وأطروحة الانتظار،
وهو أننا أصبحنا ندمن تطبيع العلاقات مع المصائب؛ بمعنى التعود عليها بعد زمن
يسير، فلا تعود توجع لنا قلباً، أو تُدمع لنا عيناً، أو تدفع الواحد منا وهذا هو
الأخطر إلى بذل شيء أي شيء للإعذار إلى الله في محاولة المساهمة في دفعها
ورفعها، ولكنه الانتظار السلبي القاتل لمجهول يأتي.. أو لحل خارق يجيء! ..
انظر كمثال فقط لحال الأمة مع الانتفاضة الفلسطينية في بدايتها، وحالهم معها بعد
مضي ثلاثة أعوام على انطلاقتها ... هل ظل التعاطف معها كما كان؟! هل بقي
الدعم كما بدأ..؟! هل زادت النصرة للمستنصرين على المستويات الرسمية
والشعبية والجماعية والفردية؟! إن كل ذلك في تناقص واضح خطر، يحكي
التناقض الصارخ المرير في أحوال أمة تزيدها النار برودة، ويزيدها الدمار هدوءاً،
وتزيدها الدماء هروباً للأمام، فهل الانتفاضة أو بالأحرى - الجهاد الفلسطيني -
أحوج اليوم إلى الدعم والمعونة أكثر أم هو منذ ثلاثة أعوام؛ عندما كانت أعواد
المنابر تهتز بالتأييد، وأصوات القنوت في المساجد ترفع بالدعاء، وصناديق
التبرع تزيد وتفيض بالأموال؟!
وأما عن التفاعل الإعلامي مع الأحداث فحدّث ولا حرج!! قارن فقط بين ما
صاحب مقتل الطفل (محمد الدرة) في أوائل أيام الانتفاضة من مشاعر ألم وثورة
ورغبة في الثأر، وبين ما يحدث الآن من مظاهر التبلد وقلة الاكتراث الذي أصبح
يصاحب مشاهد القتل للعشرات من الأطفال، مع مشاهد التفجير والهدم والتدمير.
أو قارن - إن وجدت وجهاً للمقارنة - بين حادثة اقتحام المجرم شارون
للمسجد الأقصى في شهر رجب من عام ١٤٢١هـ، والتي أثارت غضباً إسلامياً
عالمياً وعربياً وفلسطينياً، كانت الانتفاضة نفسها جزءاً منه، وبين الزيارة
الإجرامية الثانية لوزير الداخلية الإسرائيلي (تساحي هانجبي) قبيل بدء شهر
الصيام بأيام لساحة المسجد الأقصى، تلك الزيارة التي صاحبتها مظاهر الاستفزاز
والتحدي نفسها، ومع ذلك مرت مروراً عابراً دون أي مظهر من مظاهر الغضب
أو الاحتجاج رسمياً أو شعبياً!!
إن كل معايش للأمر يعلم أن إخواننا تزداد نازلتهم مع الأيام حدة وشدة، ولكن
الحاصل أن ما يُقدم لهم يتناقص مع الأيام، مادياً ومعنوياً!! أليس هذا مثالاً واضحاً
على تخبطنا في التعامل مع النوازل؟!
قس على ذلك طريقتنا في التعامل مع بقية القضايا والرزايا التي تداهمنا كل
يوم، وآخرها ما حدث في بغداد، حيث كانت الشوارع في العواصم العربية تموج
بالمظاهرات الحاشدة تنديداً بالحرب وتأييداً للعراق، فلما نزلت النازلة وقامت
الحرب، ووقع الاحتلال؛ تغيرت الأحوال، وارتخت الحبال، وانصرفت
الجماهير الثائرة إلى حال سبيلها.
إن أكثر ما يؤرق في ظاهرة التبلد والانتظار؛ أنها تعطي الأعداء إشارات
فاقعة الأخضرار للاستمرار في إنجاز خطواتهم ومشروعاتهم دون إزعاج أو قلق،
وخطورة هذه الظاهرة تنبع من كونها بدأت تترسخ لتكرس الهزائم وتهوِّن الهوان!
نقول هذا، ونحن نحتفظ في الوقت نفسه للمجاهدين المستضعفين الذائدين عن
حرمات الأمة؛ بحقهم الكامل في التقدير من كل مسلم، ولكن حديثنا هنا عن
مجموع الأمة التي تملك من الإمكانات ما يمكنها بإذن الله من الانتصار من أعدائها،
والانتصاف لمستضعفيها، ولكنها لا تجد من يقود دفتها الجماعية لمواجهة الهجمة
الإرهابية العالمية التي تقودها قوى الاستكبار الصهيونية، نصرانية ويهودية.
* ما أشبه الليالي بالبارحات:
إن النوازل تترادف تترى فوق رؤوس المسلمين منذ أكثر من عشرة عقود،
فلا يجد أكثرها جهة جامعة تُنتدب لها، أو قوة ماضية تنتصب لمواجهتها، ففي
الأعوام المئة الأخيرة فقط من حياة المسلمين؛ تتابعت نوازل، ووقعت كوائن، ما
كان لها أن تخلّف ما خلفت من مصائب مقيمة لو أن الأمة اصطفت وقتها خلف
قيادات علمية وعملية تنزّل من الشريعة على هذه النوازل ما يعاجلها بالعلاج، وما
يناسبها من الأخذ بالأسباب.
لقد اجتمع على الأمة من النوازل خلال المئة الماضية ما لم يجتمع عليها منذ
أن أُخرجت للناس، ومع ذلك فقد عبرت قوافل تلك النوازل غالباً في طرق خالية
خاوية دون عرقلة قوية مضادة، أو مواجهة شرعية جادة، بسبب تفرق خواص
الأمة قبل عوامها، ولهذا سلّمت كل أزمة زمامها للتي بعدها، فتضاعفت خلال
الأجيال حتى جاء جيلنا جيل الأزمات والملمات؛ فوقف عاجزاً أو متعاجزاً بتفرُّقه
وتشرذمه أمام جبل المسؤوليات، منتظراً حدوث الخوارق ووقوع المعجزات، دون
كثير اكتراث بما توجبه الشريعة من فروض وواجبات، وعلى رأسها تجميع الكلمة
خلف المنهج القويم، ومواجهة الأعداء بصف مرصوص.
حقيقة أخرى ينبغي أن نصارح بها أنفسنا، وهي أن من تأمل في معظم
أحوال النوازل الحاضرة؛ سيجد أن لها جذوراً قديمة من التقصير العام، حيث
كانت تجري في كل جيل عملية (ترحيل) للمسؤوليات إلى ما يسمى بـ (الجيل
القادم) .. وعندما يقدُم هذا الجيل؛ فإنه يحيل أيضاً جزءاً كبيراً من واجبات عصره
وفرائض وقته إلى الجيل الذي يليه، حتى تراكمت الواجبات والتكليفات، وأصبحنا
نعيش عصر نوازل عامة، لا يشابهه عصر من العصور الإسلامية السابقة.
صحيح أن محناً كثيرة مرت على المسلمين خلال التاريخ الإسلامي، مثل
سقوط الأندلس ووقوع بيت المقدس في يد الصليبيين، واجتياح التتار لبلدان
المشرق الإسلامي، واستيلائهم على عاصمة الخلافة في بغداد، ولكن تلك الكوارث
لم تصرف الأمة عن شريعتها، ولم تؤثر في هويتها، أو تتركها عاجزة عن
التصدي والوقوف أمام أعدائها. كان هناك دائماً انتصار بعد انكسار، وعزيمة
للخروج من الهزيمة، وكان هناك إباء للضيم، واستعلاء على الاحتواء ضد من
كان المسلمون يرونهم أدنى مدنية وديانة، وأردأ خلقاً وثقافة، وأضعف جنداً
وحضارة. أما في عصرنا الذي نعيشه فقد جدَّ من النازلات في حياة المسلمين ما
حيَّر الألباب، لا من مجرد وقوعه بل من استمرار بقائه، فكم من نازلة نزلت
فأقامت، وكم من كائنة عرضت ثم استقرت، ومصيبة قال الناس ستزول، ولكنها
طالت ودامت، وأخرى لفظوها ورفضوها، ثم استمرؤوها وعايشوها.
هناك حشد من الوقائع الكبيرة الحادثة في هذه المئة الأخيرة، لم يكن للمسلمين
عهد بها من قبل، ولكن «تطبيع العلاقات» مع النوازل والمصائب؛ جعل الناس
يتعايشون معها وكأنها شيء اعتيادي، يمكن أن نظل في ظله خير أمة وأعز أمة
وأقوى أمة، إنها وقائع جسيمة حقاً ولكن هناك من يريد تحقيرها وتصغيرها
والإبقاء على استمرارها.
- فلأول مرة يفرغ منصب الولاية العامة للمسلمين (الخلافة) نحو قرن من
الزمان؛ دون أن يخلف الخليفة أحد غيره كما كان العهد طوال التاريخ الإسلامي.
- ولأول مرة يسقط كيان المسلمين الدولي، وسلطانهم العالمي ممثلاً بنظام
الخلافة الإسلامية الذي سقط بسقوط الدولة العثمانية؛ دون أن يعود هذا النظام ليقود
المسلمين مرة أخرى في زمن التكتلات النصرانية والإلحادية واليهودية والهندوسية.
- ولأول مرة تستبدل الشريعة الإلهية التي حكمت المسلمين ثلاثة عشر قرناً،
لتحل محلها في الحكم بين المسلمين في معظم البلدان قوانين وضعية وضيعة،
وشرائع بشرية جاهلية، يُحكم بها حكماً عاماً في الدماء والأموال والأعراض
والأبضاع والسياسات الداخلية والخارجية.
- ولأول مرة في تاريخ الإسلام تكون للذين كفروا اليد العليا في إدارة العالم
من خلال تحكمهم في المؤسسات الدولية، والتكتلات العالمية؛ بينما يتخبط
المسلمون مع منظماتهم الهزيلة إقليمياً وعالمياً.
- ولأول مرة تقع معظم بلاد المسلمين تحت الحكم المباشر لجيوش المعتدين
الكافرين كما حدث في النصف الأول من القرن المنصرم؛ لتسلم بعد ذلك لفئام
المنافقين، يغرقونها في الإثم والعار، ويحكمونها بالحديد والنار.
- ولأول مرة يقوم فوق حطام الكيان الإسلامي الضخم، كيان مسخ قزم،
يجمع أشتات أسوأ المخلوقات البشرية من اليهود؛ ليكون لأولئك الأرجاس دولتهم
القوية التي يعدونها نواة لعولمة يهودية تريد إخراج الناس من النور إلى الظلمات،
بعد أن أخرجهم الإسلام من الظلمات إلى النور.
- ولأول مرة تسقط الأرض المقدسة في فلسطين في يد ذلك الكيان المرذول،
وتجتمع لنصرتهم فيها وتمكينهم منها طوائف الكفار جميعاً، وبخاصة أنصار إبليس
من نصارى العصر المتهودين (البروتستانت) الذين تناسوا ثاراتهم وعداواتهم مع
من كانوا يعدونهم قتلة المسيح وأعداء الإله؛ ليتوحدوا بهذه العداوات ضد الموحدين.
- ولأول مرة تكون لأصحاب الصليب صولة ودولة متفردة، يتهددون بها كل
المسلمين في عقر ديارهم، وينازعونهم في أرزاقهم، ويفرضون عليهم حقارة
حضارتهم وسخافة ثقافتهم، دون أن يمكنوهم من الأخذ بأسباب القوة العصرية
المودعة في الأسرار التقنية التي يجري على المسلمين فرض حصار حولها، حتى
تظل بلدانهم أبد الدهر سوقاً استهلاكية، تساق للهلاك كلما حاولت واحدة منها
الخروج من ذلك الحصار الحضاري الضاري.
لقد أثمرت تلك الأوضاع متضافرة أزمة عامة، حشوها أزمات، ونازلة
كبرى مركبة من العديد من النوازل والنكبات، وصار تساؤل الكثيرين لا عن
إمكانية الخروج عنها، أو التخفيف منها، بل عن كيفية التعايش معها والتسامح
فيها!!
* عندما يغزوننا ولا نغزوهم..
تحكي حركة التاريخ دائماً أن التحولات في المجتمع البشري تأتي نتيجة
عمليات غزو وغزو مضاد، وكل غزو يحمل فكرة أو عقيدة أو مذهباً يريد العلو
على غيره وفرض إرادته عليه. ولما كانت الأفكار والإرادات والعقائد والثقافات
تتقلب بين كفر وإيمان، وبين فساد وصلاح، كانت الغلبة لفريق غازٍ، هي غلبة
لفكرته وإرادته وعقيدته وثقافته، فعندما يغزو المؤمنون أو يصدون الغزو، تنتصر
وتعلو عقيدتهم وثقافتهم وإرادتهم، والعكس يحدث عندما يغزوهم الكفار، أو
يمنعونهم من الغزو لنشر الإيمان والاستقامة والتوحيد.
وهذه هي سنة التدافع التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: [وَلَوْلا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) ، وقوله:
[وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤٠-٤١) ، إن الآية الأولى - آية البقرة -
جاءت تعقيباً على قصة انتصار التوحيد بقيادة طالوت وداود، على الشرك والوثنية
بقيادة جالوت؛ لتبين أنه لولا مثل هذا الدفع لفسدت الأرض بشرك أمثال جالوت،
عندما تعلو كلمتهم على منهج الإيمان والتوحيد الذي جاء به أنبياء كداود - عليه
السلام -. والآية الثانية - آية الحج - وهي أول آية نزلت في القتال؛ جاءت
بالإذن للمسلمين في قتال أهل الشرك من قريش؛ لما بالغوا في إيذاء المسلمين
لفتنتهم عن دينهم وإعادتهم إلى الشرك، وبينت الآية أنه لولا هذا الأذن بمثل ذلك
الدفع في كل زمان لفسدت الأديان كلها، وظهر الشرك وأهله على الإيمان
وأهله، ولهدمت الصوامع في ديانة موسى، والبِيَع والصلوات في ديانة عيسى،
والمساجد في ديانة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى الرسل أجمعين [٣] .
فتاريخ البشرية يحكي هذا التدافع الذي ينتج عنه فرض صاحب القوة لفكرته
مهما كانت كاسدة، وفاسدة مفسدة، على المغلوب مهما كانت عقيدة راجحة، صالحة
ومصلحة.
ولم يحدث للمسلمين أن غُزُو غزواً عاماً بهذا المفهوم إلا في أعقاب إسقاط
الخلافة العثمانية، وما تلاها من محاولات إحلال العلمانية الكفرية محل المناهج
الإيمانية في الشريعة والعقيدة، لقد بدأ هذا الإسقاط بغزوات وحروب، قادتها في
البداية روسيا النصرانية القيصرية الأرثوذكسية، ثم تتابع الكاثوليك والبروتستانت
على محاربة هذا الكيان الإسلامي لغزوه، حتى كانت النهاية على يد البروتستانت
الإنجليز في الحرب العالمية الأولى التي احتل الإنجليز فيها إستانبول في نهاية
مطاف طويل من التحالف بينهم وبين فريق متكامل بين المنافقين في داخل الدولة
العثمانية، وبالتعاون مع حركة الصهيونية العالمية حديثة النشأة في ذلك الوقت،
ومن يومها والأمة تتقلب بعد هذا الغزو من حال سيئة إلى حالة أسوأ.
* مسلسل النوازل، من إستانبول إلى بغداد:
هناك أمر لافت في ترتيب العلاقة بين ما مضى بالأمس وبين ما يحدث اليوم
من الأحداث، فإذا استعرضنا من ذاكرة التاريخ القريب أحداث إسقاط الخلافة
العثمانية فقط، ثم ما تفرع عن ذلك من انفراط عقد المسلمين؛ لوجدنا أن جُل
النوازل بعدها قد تولد عنها، بدءًا من سيطرة الكفار العسكرية المباشرة على معظم
بلدان المسلمين ثم توريثها للعلمانيين المنافقين، ومروراً بكارثة ضياع فلسطين،
ووصولاً إلى ما يحدث الآن في العراق وأفغانستان والشيشان والفلبين وكل
البلدان التي يستضعف فيها المسلمون، فالبدء كان بدولة الخلافة العثمانية الجامعة
لشمل المسلمين، والتي مثلت - بالرغم مما قيل فيها من مثالب - فخراً للمسلمين،
فسقوط هذه الدولة لم يكن تحصيل حاصل كما يزعم بعض المؤرخين، ولا كان أملاً
جماهيرياً عند المسلمين كما يهرف جهلة المثقفين. لقد كانت هذه الدولة عالمية بكل
المقاييس، حيث امتدت في الزمان والمكان، فمن حيث الزمان استمر بقاؤها لأكثر
من ستة قرون، ومن حيث المكان امتدت أراضيها من آسيا إلى أوروبا إلى إفريقيا
في بقاع شاسعة، كانت تقوم على حمايتها أكثر جيوش العالم عدداً وعُدة، حتى إنها
عبرت البحر من الأناضول إلى جنوب شرق أوروبا وأواسطها، وتمكنت تلك
الجيوش التي افتتحت أمجادها بفتح القسطنطينية عاصمة الشرك الأوروبي في سنة
٨٥٧هـ على يد محمد الفاتح، تمكنت من فتح اليونان وبلغاريا ورومانيا
ويوغسلافيا وألبانيا، ورودس، وقبرص، والمجر، وكريت، وسارت جيوشها
حتى بلغت فيينا عاصمة النمسا، ووصلت إلى جنوب إيطاليا، فكانت أول دولة
إسلامية تُدخل النور على ربوع أوروبا المظلمة التي خيمت عليها سحابات الشرك
الداكنة طوال تاريخها المعتم بالجاهليات الوثنية.
ولكن هذا الصرح الإسلامي الكبير، تكالبت عليه الأعداء كما قلنا، وفي
مقدمتهم نصارى أوروبا الذين كسر الجهاد العثماني أنوفهم، فتحالفوا مع اليهود
والمنافقين على تقويض أركان ذلك البنيان الشامخ، وبدأ الهدم من الداخل أولاً عن
طريق الفريق المتكامل من المنافقين الزنادقة المتسمين بأسماء المسلمين، وصاحَبَ
ذلك عمليات الغزو الفكري التي كانت تمهد دائماً لكل أنواع الغزو الذي يليها، ومع
تكثيف إرساليات التنصير، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية؛ تهيأت الدولة
للسقوط بعد استعصاء طويل استمر كما قال المؤرخ الفرنسي (دين جروسيه)
٢٢٠ عاماً تضافرت فيها جهود أعداء العثمانيين وكل المسلمين للقضاء على هذه
الدولة المجاهدة.
ولا حاجة الآن لحكاية مراحل ذلك المسلسل الطويل، ولكن ما يعنينا هو
الفصل الأخير المعاصر لعملية الإسقاط، والتي تفرعت عنه فصول أخرى متشابهة
في تفاصيلها وإن كانت مختلفة في مسمياتها.
لم يستطع المسلمون بعد ثمانين عاماً من وقوع هذه النازلة أن يعالجوا آثارها،
ولم يستطيعوا أن يعيدوا بناء كيانها الجامع (دولة الخلافة) ، أو يردوا الاعتبار
لذلك المنصب الشاغر (الخليفة) ذلك المنصب الذي شغرت بشغوره الثغور،
وتجرأت على الأمة بعده الكلاب والذئاب والغربان والنسور! يكاد المرء ألا يصدق
ما حدث عندما يسترجع بالذاكرة تسلسل الأحداث، فالحدث على جلالته وفجاعته
جاءت خاتمته على يد رجل وضيع، لئيم في خبثه، وصلد في عناده وصلفه،
رجل تحدى أمة بأكملها، ولم تخرج له الأمة أحداً من رجالها ... إلا قليلاً من
المغلوبين على أمرهم، كيف استطاع هذا الطاغوت اليهودي الأصل (مصطفى
كمال أتاتورك) أن يحمل المعول وحده في المرحلة الأخيرة ويهدم ذلك الصرح
كله؟!
لاحظ معي تسلسل خطوات التآمر السافر، ولاحظ معه كيف مرت هذه
النوازل الجسام على الأمة مرور الكرام، أو على الأقل.. مرت الغزوة بسلام بعد
أن دمرت مستقبل أمة الإسلام لعقود طويلة في بلدان كثيرة.
سأعرض في لقطات سريعة خلاصة الجريمة الكبرى والنازلة العظمى التي لم
تتم منازلتها بما يليق بخطورتها؛ بحيث تعودت الأمة بعد ذلك على أن يتم تكرار
(السيناريو الأتاتوركي) على يد العديد من صغار الفجار الذين عدّوه مثلهم الأعلى،
ونموذجهم المحتذى.
* الزلزال وتوابعه:
- عندما عزم أتاتورك على إلغاء الخلافة بعد أن أعطاه الإنجليز «الاستقلال»
بهذا الشرط؛ عرض على مجلس النواب بالجمهورية التركية الجديدة اقتراحاً
بفصل الدين عن الدولة، فأحال مجلس النواب الاقتراح على لجنة قانونية لدراسته،
وبعد الدراسة رفضت اللجنة القانونية الاقتراح؛ لأنه يخالف الدستور الذي ينص
على أن الإسلام دين الدولة، فغضب أتاتورك وطلب التصويت على القرار فيما
يسمى بـ (الجمعية الوطنية) .
- كان معنى فصل الدين عن الدولة كما أراد أتاتورك في البداية؛ أن يبقى
الخليفة مجرداً من السلطات، وأن ينظر إليه فقط على أنه صاحب وظيفة دينية
روحية فحسب، مع ترك تصريف شؤون الدولة للوزراء في ظل نظام علماني لا
ديني ولا أخلاقي، وكان أول من طُبقت عليه هذه الأفكار الخليفة عبد المجيد،
ولكن الأتراك تعاطفوا معه ضد أتاتورك وزمرته، إلا أن هؤلاء المارقين فرضوا
أفكار الردة بقوة الإرهاب، وأمر أتاتورك بالفعل بقتل عدد من معارضي إلغاء
الخلافة.
- عندما وُوجه أتاتورك باعتراضات المعارضين لمسعاه المشؤوم؛ هاجمهم
بلهجة عنصرية تفوح منها رائحة القومية الجاهلية المنتنة المختلطة بروح
الصهيونية اليهودية العفنة، حيث قال لهم: «أليس من أجل الخلافة والإسلام قاتل
القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن لتركيا أن تنظر إلى مصالحها
لوحدها ولا شأن لها بالمسلمين الهنود أو العرب أو غيرهم؛ لتنقذ تركيا نفسها من
زعامة المسلمين» !
- لم يكتف أتاتورك بنزع الشرعية عن الخليفة ومنصب الخلافة، حتى راح
يتهم الخليفة الأخير بأنه عميل وصنيعة المستعمرين الإنجليز، وفي صبيحة ٢/٣/
١٩٢٤م أعلن إلغاء منصب الخلافة كلية، وطلب من الخليفة عبد المجيد وأسرته
مغادرة البلاد في غضون عشرة أيام، وأصدر أمراً بحرمانهم من الإقامة بتركيا، ثم
أتبع ذلك بإلغاء كل المناصب الدينية.
- تحول اللدود بعد ذلك إلى إلغاء كل معالم التمسك بالدين عند الشعب التركي
المتدين بطبعه، فحوَّل أوقاف المسلمين إلى أملاك الدولة لتنفقها في غير ما أوقفت
له، وحوَّل المعاهد الدينية إلى مدارس تدرّس المناهج العلمانية، وألغى المحاكم
الشرعية بعد أن أوقف العمل بأحكام الشريعة، ثم طوَّر مسيرته الإجرامية بمزيد من
الخطوات القسرية التي تهدف إلى طمس الهوية لشعب عريق في تدينه ومحبته
للدين، فألغى حجاب المرأة، وأمر بحظر تعدد الزوجات، ومنع الرجال من لبس
غطاء الرأس الشرقي (العمامة والطربوش) واعتمد لهم (القبعة) الأوروبية،
وحتى الكلام ... حظر التحدث فيه بالعربية، بعد أن أرغم الناس على كتابة اللغة
التركية بالحروف اللاتينية، واستمرأ ذلك الطاغوت سكوت الناس، فأمرهم بتغيير
أسمائهم وكناهم إذا كانت عربية، لتحل محلها أسماء وكُنى طورانية!! .. وويل
للمغلوب إذا غزاه الغالب [٤] .
- وكان لا بد من خطوات تضمن الإبقاء على إلغاء كل ما يتعلق بالإسلام بقوة
القوانين الجائرة، فعدل الدستور ليرفع منه العبارة التي تنص على أن الإسلام دين
الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وكان ذلك في عام ١٩٢٨م،
بعد أربعة أعوام من إلغاء منصب الخلافة، ثم خطا خطوة أكبر فألغى تدريس العلوم
الدينية سنة ١٩٢٩م، ثم أصدر تعليماته بألا تمارس الشعائر في المساجد إلا باللغة
التركية بما فيها الأذان، وحتى القرآن أمر بكتابته باللغة التركية وحروفها اللاتينية،
ولم يأت عام ١٩٣٢م إلا والأذان يرفع باللغة التركية، وألغى أتاتورك كذلك الأقسام
الشرعية بالجامعات التركية.
- لم يكتف ذلك الذئب الأغبر بإيقاف العمل بأحكام الشريعة، حتى أعطى
لنفسه الحق في تبديلها وتغييرها، فأصدر مرسوماً بمساواة الرجل والمرأة في
الميراث، وأجرى تغييرات كثيرة في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية؛ لتتلائم
مع القوانين الأوروبية التي أحلها محل الأحكام الإسلامية، واستورد للمسلمين
القوانين الكفرية، السويسرية والإيطالية وغيرها، ليثبت سلطان الاحتلال قبل أن
يرفع عقيرته بتحقيق الاستقلال.
- كانت تركيا أثناء ذلك كله خاضعة للاحتلال البريطاني، ولم يشأ الإنجليز
الأعداء أن يغادروا تركيا التي احتلوها في الحرب العالمية الأولى، إلا بعد أن يتم
الكماليون الجريمة تحت إشرافهم، وبعد أن اطمأن الإنجليز إلى أن تركيا أصبحت
في يد (أمينة) سلَّم قائد قوات التحالف (اللورد هارنجتون) حكومة أتاتورك مقاليد
الأمور، وأذن لتركيا بالاستقلال بزعم انتهاء دور الاحتلال، وبالرغم من بقاء
الاحتلال بصور أخرى كتلك التي ثبتها أتاتورك، إلا أن بعض نواب الإنجليز
احتجوا في مجلس العموم البريطاني على (منح) وزارة الخارجية البريطانية تركيا
الاستقلال (مبكراً) ، وقد دافع وزير الخارجية البريطانية آنذاك (اللورد كرزون)
عن هذه «التهمة» بأن قال للنائب المعترض: «لا تخف من تركيا فقد قضينا
عليها، ولن تقوم للأتراك قائمة كما كانت من قبل، فقد قضينا على عنصري القوة
فيها: الخلافة، وأحكام الإسلام» ! .
وفي عام ١٣٣٦هـ / ١٩١٧م أي وقت اشتعال ما سُمي بـ (الثورة العربية
الكبرى) بقيادة المغامر المقامر (حسين بن علي) الذي وقف بثورته في صف
النصارى ضد المسلمين الأتراك كانت وزارة الخارجية البريطانية قد أعدت وثيقة
بالتزامن مع وثيقة (وعد بلفور) تبين الموقف البريطاني الرسمي وهدفه من
استمرار القتال في الحرب العالمية الأولى، جاء فيها: «لا شك في أن تحطيم
الإمبراطورية العثمانية الفعلي هو أحد الأهداف التي نعمل على تحقيقها، وقد يبقى
الأتراك شعباً على شيء من الاستقلال ضمن منطقة آسيا الصغرى، وإذا تم لنا
النصر فمما لا شك فيه أن الأتراك سيحرمون من جميع المنطقة التي نطلق عليها
اسم الجزيرة العربية، كما أنهم سيحرمون من معظم الأجزاء الهامة في وادي
الفرات ودجلة، وستفقد إستنابول وسوريا وأرمينيا، كما أن أجزاء من جنوبي
آسيا الصغرى إذا لم تضم إلى القوات الحليفة؛ فإنها ستكون بصورة ما تحت
سيطرتهم» [٥] .
* وهنا تثور تساؤلات عديدة:
- أين كان علماء الأمة وحكماؤها وأهل الحل والعقد فيها، وتلك الأحداث
المتتابعة تفور وتمور بهذا الشكل المدمي للقلوب، ولماذا اعتبرت هذه الأمور
الخطرة على مستقبل الإسلام في العالم مجرد مشكلات (محلية) في الدولة التركية؟!
- ولماذا سكتت الشعوب على هذه المهازل المجموعة في دفعة مركزة من
التغيير الجذري والقسري الذي أصاب جوهر حياة الإنسان المسلم؟!
- عندما زالت الخلافة العثمانية؛ لماذا زالت معها معالم التمسك بالإسلام
عقيدة وشريعة على مستوى الحكومات التي خلفتها في تركيا وغيرها، وهل كانت
مشكلة المنافقين العلمانيين مع نظام الخلافة العثمانية أم مع نظام الحكم الإسلامي
نفسه؟!
- هل كان دور المرتدين والمنافقين أسبق في إتمام المؤامرة أم كان دور
الكفار من النصارى واليهود أسبق، أم أن غياب الوعي وعجز الإرادة في خواص
الأمة هو الذي مهد الطريق لهؤلاء وهؤلاء؟!
- هل كان لهذه الهجمة صداها في عصر ما قبل الجماعات والحركات
الإسلامية، وهل قامت هذه الجماعات بعد نشوئها كرد فعل على النازلة هل قامت
بمحاولات جادة لإيقاف تكرار هذه المؤامرة الكبرى في أماكن أخرى؟ وهل كانت
هذه المحاولات على المستوى المتناسب مع النازلة، أم أنها كانت نازلة عن
مستواها بسبب فرقة الصفوف واختلاف الكلمة؟!
- مع ما تواجهه الحركات الإسلامية خاصة، والشعوب الإسلامية عامة، من
هجمة غربية ربما تكون أشرس من الهجمة السابقة في القرن الماضي.. هل من
المناسب أن تظل برامج تلك الحركات والجماعات كما كانت عليه خلال القرن
الماضي، وهل سيظل (أمل) إقامة النظام الإسلامي العالمي بخطواته المتدرجة
على رأس أولويات العمل الإسلامي الآن كما كان الشأن قبل ذلك؟!
- وأخيراً ... ونحن لا نزال نعيش آثار العدوان على كياننا الإسلامي الجامع،
هل هناك أمل باقٍ في إعذار شرعي حقيقي إلى الله، يؤدي فيه هذا الجيل
الواجب المنوط به، دون ترحيل للمسؤولية إلى الأجيال القادمة ... أم أننا سنظل
نؤثر الانتظار دون إعذار..؟!
أرجو أن تتيسر الفرصة لمناقشة هذه التساؤلات أو بعضها في أعداد قادمة
بإذن الله.
стр. 4757
قضايا دعوية
مسألة التعاون الدعوي بين الجماعات
هيثم بن جواد الحداد
هناك أمران يتجاذبان الشباب المسلم العامل لدينه، أولهما رؤيته لحال أمته
المزري، ووضعها المهين، ومع ذلك لا يستطيع بذل الكثير من أجل انتشالها من
هذه الوهدة، وإن استطاع فعل شيء فهو يسير ضئيل بالنسبة إلى حجم التحدي
الكبير الذي يلمسه واضحاً جلياً.
فإذا ما رغب في توسيع دائرة عمله، حتى يكون أكثر فعالية، وأسرع انتاجاً،
وجد أنه لا بد أن يتعاون مع مخالفين له؛ قد يكون هؤلاء المخالفون مخالفون في
كليات كبيرة، أو في جزئيات صغيرة.
فيقف كثير منهم حائراً بين تجاذب هذين العنصرين؛ مصلحة العمل للإسلام
بشكل فعّال ومؤثر، ومفسدة التعاون مع أولئك المخالفين.
وتتعدد صور هذا التعارض وصور هذه الحيرة بحسب المواقف التي يمر بها
العاملون للإسلام، ومهما يكن من أمر فإن الضرر لا يعود على أحد بقدر ما يعود
على الدعوة الإسلامية، وعلى مستقبل المسلمين؛ الأمر الذي يحتاج إلى وقفة
شرعية متأنية، ومجابهة صريحة لحل هذه الإشكالية.
وفي بلاد الكفار يزداد حجم هذه المشكلة، ولا سيما مع ازدياد الهجمة على
الإسلام كمّاً وكيفاً.. ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وفي بريطانيا ذات الوجود الإسلامي الكبير نسبياً، والقديم تاريخياً نشأ الجيل
الثاني، وربما الثالث من أبناء المسلمين، والتحقوا بالجامعات البريطانية، وبدأ
كثير منهم في العمل الإسلامي، والدعوة إلى الله جل وعلا، وكأي مجتمع، وأية
بلاد نشأت جماعات إسلامية كثيرة، منها ما هو امتداد للجماعة الأم التي ولدت في
البلاد الإسلامية، ومنها ما هو مستقل لكنه تأثر بأدبيات الصحوة الإسلامية في
المشرق المسلم، وبلور فكرًا خاصاً به.
في بريطانيا التي اقترن اسمها مع الولايات المتحدة الأمريكية في كونهما
الدولتين الراعيتين لحرب ما يسمى بالإرهاب والموجهة ضد الإسلام؛ تتلاحم
المعطيات المشار إليها آنفاً ليتفاقم حجم المشكلة.
وهناك أمر آخر يضاعف هذه المشكلة قلّما يتفطن له أولو الأمر، وهو أن من
الأمور التي حثَّنا عليها ديننا العدل ولو مع الأعداء، قال سبحانه: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) ، وعلى ذلك
نقول إن الحرية التي ينعم بها المسلمون في بريطانيا أكبر كثيراً من الحرية التي
يسمح بها في البلاد الإسلامية وغيرها، ولو قال قائل إن فرص الدعوة في هذه
البلاد لا تكاد توجد في أغلب البلاد لكان محقاً، وهذا كما أسلفت يضاعف حجم
المشكلة من ناحية، ومن ناحية أخرى يدفع الإنسان لأن يذهب إلى القول بتحتم
استغلال هذه الفرصة قبل أن تذهب، وكل يوم يمضي دون استثمار لها تخسر
الدعوة فيه الكثير، ولما كان الأمر كذلك وجب أن يتعامل الإنسان مع المخالفين في
ضوء هذه الحالة الطارئة؛ مما يوجب عليه كذلك أن يغلّب جانب التعامل والتعاون،
على جانب التجافي والتجانب، لخوف فوات المصلحة، وللحاجة إلى ذلك.
هذا كله من شأنه أن يجعل من يريد أن يعمل للإسلام أن يرفع صوته قائلاً:
انظروا أيها العقلاء إلى هذه المأساة التي نعيشها، تداعت علينا الأمم من أقطارها،
كما أخبر الرسول ﷺ ... فلا شك أنّ هذا الوضع يحتم علينا
تكاثف الجهود والالتحام مع كل عامل للإسلام بصرف النظر عن جماعته التي
ينتمي إليها، وتصنفيه الذي يوضع فيه ما دام ذلك في تفعيل دور الدعوة إلى الله
على بصيرة.
لكنه لا يكاد ينهي حديثه ذلك حتى يأتيه صديقه قائلاً: ولكن انظر، فأنت
تريد أن تعمل مع من؟ تريد أن تقيم أعمالاً مشتركة مع المبتدع والضال، هل تريد
أن تقيم أعمالاً مشتركة مع الحزب الفلاني، والجماعة الفلانية وهي تعتقد كذا
وكذا ... يثور الجدل، ويحتدم النقاش، ويتجرع العمل الإسلامي المثمر غصص
الإهمال، ولا سيما مع كل إشراقة فجر تحمل في ضيائها فرصة جديدة للعمل
الإسلامي المثمر.
تساءل كثير من طلبة الجامعات في بريطانيا عن هذه القضية، وهم أمام
فرصة ذهبية لخدمة الإسلام وأهله في تلك البلاد، وطلبوا إرشاداً، فكانت ورقة
العمل هذه التي حوت عرضاً للمشكلة كما يراها أولئك الشباب.
* تحديد المشكلة:
عرض أحد الدعاة في الوسط الجامعي المشكلة بقوله:
نحن مجموعة مستقلة من طلبة الجامعات البريطانية، نشعر باستياء مستمر
من ظاهرة الفرقة وعدم التعاون الموجودة بين الطلبة المسلمين في الجامعات
والكليات البريطانية، ومن أجل ذلك؛ أردنا القيام بعمل ما من أجل دعوة جميع
ممثلي جمعيات الطلبة المسلمين للعمل جنباً إلى جنب وتكوين مؤسسة واحدة لهم،
تسهم في حل بعض المشكلات المشتركة التي تواجه الطلبة المسلمين.
وننوي البدء بهذا المشروع من خلال القيام بإنشاء موقع على شبكة الإنترنت
العالمية، يكون مخصصاً لجميع جمعيات الطلبة المسلمين في لندن، وسيكون هذا
الموقع مصدرًا يستفيد منه جميع طلبة الجامعات والكليات المسلمين.
الأمر الذي من شأنه أن يتطلب منا القيام بدعوة عدد من جمعيات الطلبة
المسلمين ذات التوجهات والمناهج المختلفة؛ بما في ذلك الجماعات السلفية،
والإخوان المسلمون، وحزب التحرير، والصوفيون، والمهاجرون، وجماعة
التبليغ.. إلخ.
وذلك لكون الجميع يؤمنون بالأصول الثلاثة: الإيمان بالله رباً وبمحمد صلى
الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبالإسلام ديناً، بغضِّ النظر عن بعض المآخذ والأخطاء
التي قد تحدث من بعضهم.
نحن نعلم ونتفهم أن هناك عدداً من المشكلات التي قد تعترضنا عند محاولة
توحيد تلك الجمعيات التي تتبع مناهج وأفكاراً مختلفة، ولكن نريد أن نعرف الحكم
الشرعي بخصوص بعض القضايا التي بين أيدينا:
١ - هل يمكن أن نشجع القريبين من أفكارنا، وعموم المسلمين على حضور
الأنشطة التي ستقوم بها الجمعية التي ستجمع تلك الجمعيات؛ ما دامت تلك الأنشطة
لا تعارض أصولاً إسلامية ثابتة بخلاف الأمور الاجتهادية؟
٢ - هل يمكن من خلال موقع الإنترنت الذي سننشئه الإعلان عن جميع
الأنشطة التي تقوم بها تلك الجمعيات التي تتبع تلك الاتجاهات، إذا كانت تحقق
الشرط المذكور أعلاه؛ لأن هذا يتيح لنا إيجاد لوحة إعلانات موحدة، للإعلان
لجميع المسلمين في لندن عن الأنشطة والفعاليات؟
٣ - هل يمكن أن نجلس ونناقش ونتحاور في المشكلات المشتركة التي
تواجهنا مع جميع تلك الجمعيات ورؤسائها؟
٤ - هل يمكننا أن نقوم بأنشطة موحدة يشترك في إقامتها جميع الجمعيات
المذكورة، نتحدث فيها عن المشكلات التي تواجه عموم الطلبة المسلمين هنا مثلاً،
أو أن يكون المتحدث من أحد تلك الجمعيات، ليتحدث عن بعض الموضوعات التي
يراها هو مهمة؟
وكما ترون أيها الإخوة، هناك عدد من الأمور العالقة، لكننا نود أن نشرع
في هذا المشروع بحماس واجتهاد من أجل العمل لتحقيق أهداف بعيدة الأمد تخفف
من هذه الفرقة الكبيرة، والاضطرابات الموجودة بين الطلبة المسلمين.
وليُعلم أننا لا نريد من هذا المشروع أن يكون بديلاً عن تلك الجماعات
الموجودة على الساحة البريطانية، ولكننا نأمل أن نكون مثالاً يُحتذى لجميع الأفراد
الذين ينتمون إلى هذه الجماعات في إمكانية العمل المشترك والتوحد للعمل من أجل
الأهداف الإسلامية المشتركة، ونبذ الخلافات جانباً، من أجل الوحدة والأخوّة
الإسلامية.
نرجو إبداء النصح بخصوص هذا الأمر، وبيان بعض القواعد التي ينبغي
على الأقليات المسلمة الإحاطة بها ومراعاتها، وكيف يمكننا أن ننظر إلى دورنا
نحن الطلبة المسلمين في هذه البلاد؟
وجزاكم الله خيراً.
هكذا عُرضت المشكلة، ثم جاءت تبعًا لذلك ورقة العمل الآتية:
* الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه
أجمعين، وبعد:
بادئ ذي بدء، نسأل الله أن يكلل جهودكم بالنجاح والتوفيق لما يحب ويرضى.
قبل الخوض في تفاصيل غمار هذه القضية الشائكة؛ لا بد أن أقدم بعض
الأصول المهمة التي لا بد من استحضارها عند البحث في هذه المسألة؛ إذ ينبني
عليها تصور هذه المسألة، ومن ثَمَّ حكمها وكيفية التعامل معها:
أولاً: لا بد من التذكير أنّ الأصل في المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، والأدلة
على ذلك متضافرة متكاثرة، قال الله جل وعلا: [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٩٢) .
ولذلك كانت الجماعة ولزومها من أعظم الأصول التي دعت إليها الشريعة،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (وهذا الأصل العظيم، وهو
الاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن لا يُتفرق، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما
عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب
وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي ﷺ في مواطن عامة أو
خاصه؛ مثل قوله ﷺ : «عليكم بالجماعة، فإن يد الله على
الجماعة» .، وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة بل وفي غيرها هو التفرق
والاختلاف، فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك
ما الله به عليم، وإن كان بعض ذلك مغفوراً لصاحبه لاجتهاده الذي يُغفر فيه خطؤه،
أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو غير ذلك، لكن ليُعلم أن رعايته من أعظم
أصول الإسلام) [١] اهـ.
فإذا كان الأمر كذلك؛ كان كل سبيل يؤدي إلى اجتماع المسلمين، ووحدة
كلمتهم واجب، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة.
ثانياً: إن الأصل وجوب التعاون بين المسلمين، قال الله جل وعلا:
[وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى] (المائدة: ٢) ، فكل ما صدق أنه بر وتقوى شُرع
في أقل الأحوال التعاون عليه، بصرف النظر عمن كان هذا الذي تتعاون معه،
فالخطاب في الآية عام، بل إنّ ظاهر كلام بعض المفسرين أن الخطاب في هذه
الآية عام لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم، وقد تضافرت على هذا أدلة كثيرة،
وعمل بذلك الصحابة، ومن بعدهم من أئمة الإسلام، ولذلك قرر علماء الإسلام
وجوب الجهاد مع البر والفاجر، وجاهد علماء المسلمين مع الملوك والسلاطين؛
مع أن بعض السلاطين تلبس ببعض البدع، وهكذا.
ثالثاً: ويبقى هنا إشكال في مسألة التعاون، يسأل عنها كثير من الإخوة،
وهي التعاون مع أهل البدع والمعاصي، مثل التعاون مع الأشاعرة، والصوفية،
ونحو ذلك، فالجواب يظهر بتأمل الآية الكريمة، فما صدق أنه بر وتقوى شُرع
التعاون عليه، فإن اجتمع برٌّ وفجور، فأيهما غلب كان الحكم له، وعليه فإن كانت
المصلحة من التعاون أعلى من المفسدة الحاصلة من هذا التعاون؛ شُرع، وإلا فلا.
فاجتماع المسلمين، برهم وفاجرهم، سُنّيهم وبدعيهم، لصد عدوان الكفار
مثلاً؛ لا شك أن مصلحته أعظم من مفسدة اختلاط المسلم الصالح بالمسلم الفاجر،
أو المسلم السنّي بالمسلم البدعي، ولهذا قرره علماء المسلمين، وجعلوه من عقيدة
أهل السنة والجماعة.
وكذا يقال في اجتماع مثل هؤلاء المسلمين عند دعوة غير المسلمين، أو رد
شبهاتهم، أو دفع باطلهم، فالدعوة والجهاد صنوان، ومناط الحكم في الحالتين واحد،
ناهيك أن الواجب مراعاة المصلحة إذا كانت أعلى من المفسدة.
وليس من نافلة القول أن يقال إنّ كثيرًا من صور التعاون مع المتلبسين
ببعض المعاصي أو البدع، ليس فيها محذور شرعي إلا ما كان من مخالفتها لمبدأ
هجر أهل البدع والمعاصي، وتزول هذه المخالفة عند العمل بقاعدة المصالح
والمفاسد، فلأيهما كانت الغلبة كان الحكم لها.
ولا بد أن يعلم أن التهاجر بين المسلمين أمر عارض وليس أصلاً، والعارض
لا يمكن أن يعارض الأصل ولا أن يقاومه، وهو منوط بالمصلحة التي لا تعود
على هذا الأصل بالنقض، فإن كان الهجر ينقض عرى الوحدة الإسلامية مُنِع منه،
ولا يجوز إلا حينما يشهد الشرع والعقل بأن مصلحته أكبر من مفسدته.
رابعاً: إن الأصل أن يتسمّى المسلمون باسم الإسلام، قال الله جل وعلا:
[هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا] (الحج: ٧٨) ، وأما هذه التسميات، فلو
قلنا بجوازها، فلا يجوز أبدًا أن تكون سببًا للفرقة بين المسلمين، ولا أن تكون
سببًا لنصبها معاقد ولاء وبراء يوالي المسلمون بعضهم بعضاً بناء عليها، فمن كان
من جماعتنا واليناه، ومن كان من غيرنا تبرأنا منه!
وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الأصل أن يتعاون جميع الذين ينتمون إلى هذه
الجماعات على كل ما يصدق أنه بر وتقوى؛ تحقيقًا لقوله جل وعلا: [وَتَعَاوَنُوا
عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: ٢) .
خامساً: إن الأصل في علاقة المسلم مع المسلم الذي تلبس بمعصية أو بدعة؛
أن يوالى بقدر ما معه من طاعة، وأن يُتبرأ من بدعته ومعصيته، عملاً بقول
الرسول ﷺ : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قيل: كيف
أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم؛ فإن ذلك نصره» [٢] .
فنصرة الظالم المسلم تكون بأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وهذا الظلم
الذي تلبس به لا ينقض أصل الولاء له؛ لأن أصل الولاء لا ينتقض إلا بخروج
الإنسان من الإسلام إلى الكفر.
سادساً: إن التعاون بين المسلمين لا ينافي أبدًا الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، بل هما متلازمان، فلا يجوز أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بحجة الدعوة إلى وحدة الصف، والتعاون مع المسلمين، فالمسلمون على مر
العصور كانوا أمة واحدة متحابين متآخين، وفي الوقت نفسه كانوا يتآمرون
بالمعروف فيما بينهم، ويتناهون عن المنكر، وقد قال الله جل وعلا: [كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه] (آل
عمران: ١١٠) .
ولا يجوز أن يظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة على الضد
مما ذكرناه؛ كأن نبرزه على أنه يفرق وحدة المسلمين، أو أنه من النوافل
والمستحبات فلا يلتفت إليه مع وجود ما هو أهم منه.
وإنما يجوز تأخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو السكوت عنه،
لغرض شرعي صحيح، وقد قرر العلماء أن إنكار المنكر إن كان يؤدي إلى منكر
أكبر وجب الكف عنه، وهذا راجع إلى قاعدة المصالح والمفاسد.
وعليه فلا تنافي بين هذه الأصول الثلاثة، اجتماع المسلمين، والتعاون بينهم
على البر والتقوى، ثم التآمر على المعروف، والتناهي عن المنكر.
فإذا أعمل المسلم هذه الأركان الثلاثة ظهر له الحق إن شاء الله تعالى.
فتأسيس نشاط إسلامي للدعوة إلى الله جل وعلا، يشترك فيه أفراد من شتى
الجماعات الإسلامية، لا شك أنه من أوجب الواجبات؛ إذ به يتم القيام بهذا الواجب
العظيم؛ واجب الدعوة إلى الله الذي هو ميراث أفضل الخلق، أنبياء الله ورسله،
وخاصة في بلاد الكفار، وبه يتم الاجتماع بين المسلمين.
أما القول بأن تأسيس مثل هذا النشاط قد يضطر القائمون عليه للإعلان عن
بعض الأنشطة التي قد تقوم بها جماعات أخرى غير سلفية، وأن بعض الإخوة
اعترض على ذلك بحجة أن هذا يتضمن الدعاية لمناهج الجماعات الأخرى
المنحرفة، فهذا الأمر يحتاج إلى تفصيل:
١ - فلا بد أولاً من القول بأنه ليس من العدل وصم الجماعات الإسلامية
بالانحراف، أو البدعة، لمجرد أنها لا تتسمى باسم السلفية، وفي المقابل ليس من
العدل والإنصاف تزكية الجماعات لمجرد أنها تتسمى باسم السفلية.
فكل هذه الجماعات لا تنفك عن إيجابيات وسلبيات، وكل واحدة منها لديها
حق وباطل، فلو كانت كلها على باطل لكانت خارجة عن الإسلام، ولا يمكن أن
تكون كلها على حق، فهذا وصف الكمال، وهو لا ينبغي لأحد من البشر فردًا كان
أو جماعة، فيبقى الوصف دائرًا بين الكمال، والأكمل، والقرب من الحق والأقرب.
ومن الطبيعي أن كل من انتمى إلى تلك الجماعات يزعم أنه الأقرب من غيره
إلى الحق، ولا نريد هنا أن نتعرض لهذا الأمر، أعني أيهم أقرب إلى الحق،
فليس من الحكمة الإجمال والتعميم عند تقييم تلك الجماعات، ثمّ إنّه أمر كثر
اجتراره فالفائدة فيه محدودة، والعلم عند الله.
٢ - وأما الزعم بأن الجماعات التي تتسمّى باسم السلفية هي التي على الحق
المحض في كل أمورهم، فهذا أيضًا مناف للعدل والإنصاف، فالسلفية اسم جامع
لكل ما كان عليه السلف الصالح في العقيدة، وفي العبادة، وفي الخلق، وأنت ترى
أن بعض هذه الجماعات السلفية انقسمت على أنفسها، وبدأت كل جماعة تزعم بأنها
هي التي على الحق، وأن غيرها على الباطل، فإما أن تكون كلها على الحق،
وهذا محال؛ إذ الحق لا اختلاف تضاد فيه، وإما أن تكون واحدة منها هي التي
على الحق، والباقي على الباطل مع تسمّيه باسم السلفية! فثبت بذلك أن تسمّيهم
بهذا الاسم ليس كافياً في انتسابهم الحقيقي لهذا الوصف الجليل.
ثم إن كثيراً من هذه الجماعات التي تسمّت باسم السلفية قد دخلت في السلفية
من باب التمسك ببعض السنن الظاهرة، لكنها خرجت من السلفية من عدة أبواب،
أولها محاولة التفرق والتحزب المذموم، حتى إن زعموا بأنه ليس ثمة تحزب بينهم،
فالواقع يشهد بذلك، ومن هذا، شق تجمعات المسلمين، وتفريق كلمة ما اجتمع
منهم، ثم كثرة التفسيق والتبديع لكل من خالفهم حتى لو كان في بعض المسائل
الاجتهادية، ناهيك عن عدم مراعاة الأدب والخلق الإسلامي في التعامل مع المخالف،
إلى غير هذا.
أما الجماعات الأخرى؛ فإن انتساب أفرادها إليها لا يعني اتفاقهم مع الجماعة
الأم في كل معتقداتها، ومن فضل الله ﵎ أنّ العالم الإسلامي يشهد
صحوة عامة برجوعه إلى الإسلام، وصحوة خاصة برجوع كثير من المسلمين إلى
منهج السلف الصالح، وهذا يصدق كذلك على أفراد الجماعات الإسلامية المختلفة،
فكثير منهم وإن انتموا اسمًا إلى جماعاتهم، إلا أنّهم وبفضل الله ﵎ اقتفوا
منهج السلف الصالح في كثير من جوانبه، وهذا يختلف من بلد إلى بلد، ومن
زمان إلى زمان.
وعليه؛ فإن إعلان الدعوة إلى أنشطة الجماعات الإسلامية المختلفة،
والاشتراك معها، لا يجوز أن يكون محكوماً عليه بمجرد اسم تلك الجماعات، بل
لا بد من النظر فيه؛ فإن انطوى الأمر على مصلحة راجحة فهو مشروع، وإلا
منع منه.
وبعد هذا البيان؛ نعلم أنّ هذا التأصيل السابق يدور رحاه حول المفسدة
والمصلحة، بل إنّ رحى الدين كله كذلك تدور حولها، بل إن شرائع الله كلها التي
شرعها للخليقة منذ ظهورها إلى زمن نبينا محمد ﷺ تدور حول
ذلك أيضاً.
وأنت ترى كذلك أنّ هذه المسائل إذا أُرجعت إلى نصوص الكتاب والسنة في
ضوء القواعد الكلية للشريعة، ومنها قاعدة المفسدة والمصلحة؛ لوجدتها عند التأمل
ظاهرة، ليس فيها إشكال.. والحمد لله ﵎.
لكن الإشكال يظهر بسبب موروثات ورثها بعض الدعاة من أجيال سابقة كانت
حديثة عهد بتلك الجماعات؛ دون أن يعيدوا التأمل فيها، والنظر فيها بعين الشرع
والواقع.
وهذا سببه - كما قرره علماؤنا - جهل أو هوى، ومهما يكن من أمر فإنه
يزول بتعلم العلم عن طريق سؤال أهل الذكر الذين عرف عنهم خلوّهم من تلك
الموروثات، وتحرّيهم للحق، ثم يزول بإخلاص القول والعمل والاعتقاد لله جل
وعلا، ومنه تقديم مصلحة الإسلام والمسلمين العليا على المصالح الشخصية،
والحزبية وما سواها.
بقي هناك تنبيه ربما يكون متمماً لهذا البحث، وهو:
إنّ مما يعين على تحقيق هذا التعاون، بعد ما ذكر، درء الخلاف بكل وسيلة،
فتارة يدرأ الخلاف بتجنبه، وخير ما يتجنب فيه الخلاف في مثل هذه الأحوال:
العمل بقاعدة الخروج من الخلاف مستحب، فإذا اختلف الدعاة في إقامة نشاط،
واختلفوا ما بين مبيح للنشاط كله أو بعضه، وما بين محرم له؛ فدرء الخلاف
يكون بالتوقف عنه، ما لم يكن قول مَنْ حرَّمه شاذ أو ضعيف.
فمثلاً؛ لو أراد الإخوة إقامة نشاط تبرز فيه المرأة بدون الحجاب الشرعي أمام
جموع من الناس، رجالاً ونساءً، فلا شك أن إعمال قاعدة الخروج من الخلاف
يقتضي تركه، فمشاهدة المرأة الأصل فيه التحريم، فلِمَ نقوم بشيء متردد بين
التحريم والإباحة؟! وكذا لو قيل بإقامة نشاط تسمع فيه أصوات المعازف، فلا شك
أن الواجب تجنبه؛ لأن سماع المعازف في أقل أحواله متردد بين تحريم وإباحة،
فلِمَ نُقدم على مثل هذا؟
стр. 4758
تأملات دعوية
نقد نقد الخطاب الدعوي
محمد بن عبد الله الدويش
dweeesh@dweesh.com
في الآونة الأخيرة شاعت ظاهرة نقد الخطاب الدعوي والمراجعات، ولا شك
أن النقد في أصله ظاهرة صحية، وأن الخطاب الدعوي عمل بشري لا يوصله
للعصمة صفاء نية أصحابه وسلامة مقصدهم.
كما أن الخطاب الدعوي استفاد كثيراً من المراجعات والقراءات النقدية، وهو
بحاجة إلى المزيد.
لكن القراءات النقدية للخطاب الدعوي هي الأخرى عمل بشري، وسلامة
مقصد أصحابها لا يلزم منها بالضرورة سلامة النتيجة.
وها هنا بعض الوقفات حول هذه الظاهرة:
١ - من يتأمل هذه الظاهرة يجد أنها في حالات كثيرة تنطلق من ردة فعل
وتتجاوز الاعتدال، فتكون فيها مبالغات غير مقبولة؛ إما في تصوير حجم الخطأ،
وإما دائرة انتشاره.
٢ - مما تثيره القراءات النقدية للخطاب الدعوي غياب العقلانية
والموضوعية، وهذا لم يسلم منه الخطاب النقدي نفسه؛ فهو كثيراً ما يطلق ألفاظاً
عامة، ويتحدث عن انطباعات شخصية يعتبرها تقويماً للواقع الدعوي، ولو بحثت
عن دراسة نقدية علمية موضوعية تحلل محتوى الخطاب الدعوي بعيداً عن الذاتية
والتحيز؛ فسيندر أن تجد ذلك، وأولى الناس بتقديم هذه الدراسة هم المنتقدون.
٣ - كثير من القراءات النقدية تنظر بعين واحدة، وتصور الخطاب الدعوي
بمجموعه على أنه سطحي وساذج وعاطفي ومندفع وإقصائي ... إلخ.
وأعتقد أنه بقدر ما توجد هذه الظواهر، فالواقع العملي ونتائج الخطاب
الدعوي وقدرته على التأثير أمور لا ينبغي أن تُغفل، وإذا كان الخطاب النقدي يتهم
الخطاب الدعوي بغياب الموضوعية فليكن موضوعياً في نقده، وليذكر الصور
الإيجابية والمشرقة.
٤ - يتهم الخطاب النقدي الخطاب الدعوي بأنه لا يملك مشروعات عملية،
فهو لا يملك مشروعات سياسية ولا برامج اجتماعية ولا مشروعات في قضية المرأة!
وهو حديث نسمعه من سنين، ومع الإيمان بوجود خلل في ذلك، إلا أن كثيراً من
محترفي انتقاد الخطاب الدعوي هم الآخرون لم يقدموا شيئاً سوى إسقاط الوضع
القائم، فهم ينتقدون الوسائل الدعوية بسطحيتها وسذاجتها دون أن يقدموا برامج
عملية واقعية تتجاوز السذاجة والسطحية، ويتهمون الخطاب الدعوي بعدم التجديد
وهم لم يأتوا بجديد، وخير وسيلة لإقناع الناس بأفكارنا أن نقدم مشروعات عملية
واقعية يرونها بأعينهم.
٥ - حين نقوِّم الخطاب الدعوي؛ فلا يسوغ أن نتعامل معه على أنه مجرد
ظاهرة فكرية، بل هو مشروع إصلاحي لا يمثل الجانب الفكري إلا أحد جوانبه،
وهو يسعى إلى مخاطبة الناس جميعاً العامة والخاصة، المتعلم والجاهل، ومن هنا
فليس بالضرورة أن يكون كل هذا الخطاب الدعوي نخبوياً، بل لا بد أن يبقى قدر
منه لا يستهان به يتناول الجماهير والعامة.
والخلاصة أننا بحاجة إلى نقد الخطاب الدعوي وتقويمه ومراجعته، لكن هذه
الحاجة لا تعفينا من الاعتدال، ولا تكفي وحدها لتعطي المشروعية لأي لون من
ألوان النقد.
стр. 4759
حوار
المدير التنفيذي لبرنامج ائتلاف الخير.. في حوار مع البيان
المؤسسات التنصيرية يهمها أن تسحق المؤسسات الإسلامية
حتى ترتع كما يحلو لها
في مؤتمر عالمي للتنصير عقد قبل أشهر في الولايات المتحدة تبادل مندوبو
عشرات الدول التهنئة بنجاحهم في تجفيف منابع تمويل الدعوة الإسلامية بضرب
العمل الخيري الإسلامي، وتواصوا بتحقيق نجاح مماثل لتجفيف الدعوة نفسها.
وقد تصاعدت الحرب ضد العمل الخيري منذ هجمات سبتمبر وتميزت
بشموليتها، حيث تركزت على ركنيه الأساسيين: جمع التبرعات، وتوزيعها،
وطالت الإجراءات القاسية دول المنبع والمصب في وقت واحد، ويأتي الشعب
الفلسطيني في مقدمة المتضررين من هذه الحرب الضروس، وهذا الحوار مع
الأستاذ عصام يوسف المدير التنفيذي لمؤسسة ائتلاف الخير العاملة في الأراضي
المحتلة نحاول أن نطلع فيه على حقيقة الأوضاع وآخر التطورات.
البيان: تشهد الساحة الدولية حملة متصاعدة ضد العمل الخيري العربي
والإسلامي في الآونة الأخيرة: برأيكم ما أسباب ومسوّغات ذلك؟
- إن المتغيرات السياسية على الساحة الدولية هي سبب أساسي لهذه الحملة،
والعالم الإسلامي ما زال يشهد صراعات وحروباً منها ما هو داخلي ومنها ما هو
خارجي، ومرجع ذلك كله هو المحاولة الدائمة للسيطرة على المنطقة العربية بشكل
خاص والعالم الإسلامي بشكل عام؛ فمنذ بداية القرن العشرين واستيلاء الدول
الأوروبية على الوطن العربي قامت الثورات العربية لدفع المستعمر وطرده عن
الأرض العربية وكذلك كان الحال بالنسبة للدول الإسلامية.
إن هذه المنطقة منذ ذلك التاريخ لم تستقر، ولم يتوقف الغرب عن التدخل في
هذه المنطقة بشكل أو بآخر، ومع ظهور التيار الإسلامي وتنامي الشعور الوطني
الإسلامي، ومع استمرار رغبة العالم الغربي بالسيطرة على العالم العربي
والإسلامي فقد قامت تيارات سياسية غربية حديثة بغزو جديد للعالم الإسلامي
بدعاوى مختلفة رفضها العالم العربي والإسلامي. وبعد انتهاء الصراعات
الأيديولوجية يبدو أن الغرب الأوروبي ممثلاً بقائده الجديد (أمريكا) مصرّ على
تجديد هذا الصراع ونقل السيطرة الأوروبية إلى السيطرة الأمريكية. يضاف إلى
ذلك الوجود الصهيوني المحتل لبقعة مقدسة لمسلمي العالم بشكل عام ولمسلمي
فلسطين بشكل خاص، والمدعومة بشكل رئيس من أمريكا وأوروبا، وعدم تسليم
الفلسطينيين بانتهاء هذا الصراع، ومع تنامي معاناة شعوب هذه المنطقة بسبب هذه
الحالة، ومع تطور العمل الإغاثي بصورة فاعلة في مجال تخفيف المعاناة الناجمة
عن هذا الصراع السياسي العسكري لم يستطع الغرب أن يلتزم بمبدأ التمييز بين من
يصنع الصراع العسكري السياسي، وبين من يعالج هذه المأساة وهذا الصراع.
كان الحل الإغاثي الإسلامي ضحية هذه المعركة الظالمة؛ ورغم أن العمل الإغاثي
الإسلامي يلتقي ويعمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات العمل الإغاثي الدولية في
الساحات نفسها وفي المجال ذاته ومع المؤسسات نفسها إلا أن التسلط انصب على
العمل الإغاثي الإسلامي الذي وقف إلى جانب الضحية، فأصبح الشعار: (صديق
عدوي عدوي) مع العلم أن العمل الإغاثي الإسلامي يخضع لرقابات متعددة، ولم
يثبت بشكل قاطع وجازم خروج العمل الإغاثي الإسلامي عن حدوده المرسومة،
وإذا ما ثبت التجاوز فليتخذ الموقف المناسب، لكن أن يستهدف العمل الإسلامي
الإغاثي بعمومه فهذا مثير للريب والشكوك.
البيان: هل هناك جهات محددة تقف وراء هذه الحملة؟ وإن كانت؛ فما
هي أهمها؟
- الملاحظ في هذه الحملات أنه حيث يوجد صراع عسكري بين المسلمين
وغيرهم، ويكون هناك توتر عسكري في هذا المجال؛ فإن الاتهامات توجه للعمل
الإغاثي الإسلامي ولا توجه أية اتهامات لمن يحول العمل الإغاثي في الجانب الآخر؛
ومن ثم تشعر أن هذه الاتهامات خلفها أيدٍ خفية تدرك أن الاتهامات ضد العمل
الإغاثي سيكون لها آذان صاغية. ولهذا تجد أن جميع المؤسسات الإغاثية العاملة
على الساحة الفلسطينية مستهدفة؛ لأنها تقدم خدماتها للفلسطينيين بشكل خاص،
ولكونها تقف إلى جانب الضعفاء والمساكين. ولكن الحركة الصهيونية العالمية
اليهودية النصرانية المؤازر الوحيد للحركة، والكيان الصهيوني على أرض فلسطين
لم يتوقف ولن يتوقف عن كيل التهم الباطلة وتزوير الحقائق، بل وصل هذا الاتهام
إلى المؤسسات الإغاثية الدولية والنصرانية التي تقدم الدعم للمحتاجين في فلسطين؛
وهذا ما يثبت بطلان هذه الدعوى والاتهامات؛ فهل يعقل لمؤسسة العون النصرانية
ذات الأصول الدينية أن تكون داعمة لحماس والجهاد؟ وهل يعقل للاتحاد
الأوروبي أن يكون داعماً لهذا الاتجاه؟ وهل يعقل أن تكون السلطة داعماً لهذا
الاتجاه؟ ولكنه جنون الاستكبار والاستعلاء الذي سيطر على عقول الحركة
الصهيونية اليهودية والمسيحية ومن يدعمهم.
البيان: هل ترى لذلك علاقة بالتطورات السياسية التي تشهدها الساحتان
الدولية والعربية والإسلامية، وعلاقاتها بجهات دولية مختلفة؟
- طبيعي أن تكون التطورات التي تشهدها الساحات الدولية والعربية
والإسلامية علاقة بهذا الموضوع، وكما أشرت في إجاباتي عن السؤالين السابقين
نرى أن هذه الحرب بدأت تخرج عن طورها وعن مسارها، ونرى أن هذا التوجه
لا يريد للعالم العربي والإسلامي أن يتقارب مع العالم الغربي؛ وهذا بدوره يثير
الشكوك والشبهات حول هذه السياسة الجديدة أي «سياسة العقاب الجماعي» فأيما
شعب لن يخضع ويركع لمحتليه ومغتصبي أرضه فلن يكتفي بقتل شعبه واغتيال
سياسته، بل أن يحرم كل الشعب المظلوم من المساعدة حتى وإن كانت لطفل
رضيع! فهذه (مادلين أولبرايت) عندما تقول وعلى شاشات التلفزيون: «إن قتل
مليون طفل عراقي وحصار شعب بأكمله ثمن يستحق أن يدفعه الشعب العراقي»
في إشارة إلى زوال النظام العراقي السابق؛ فماذا نتوقع من الحركة الصهيونية،
وماذا نتوقع من الكيان الصهيوني الذي يرأسه من هو أشد بطشاً من صدام؟ ومن
يملك أسلحة تدمير شامل ومن استخدم أسلحة محرمة دولياً في عدوانه على من
يقولون إنهم جيرانه؟ فلماذا عندما تستخدم هذه الأسلحة ضد شعوب مسلمة أو تخزن
لاستعمالها ضد شعوب مسلمة لا أحد يعتبر أن ذلك جرماً يجب أن يحاسب فاعلوه
كما هو الحال في العدو الصهيوني. إن سياسة الكيل بمكيالين لن تساعد على
استقرار العالم، ولن تخضع الشعوب لدول الاستكبار العالمي.
البيان: هل استجابت الدول العربية والإسلامية أو غيرها لهذه الحملات
والضغوط؟
- الدول العربية حاولت وتحاول تجنب هذه الضغوط؛ لأنها تعلم علم اليقين
أن مؤسساتها تخضع لرقابة أمنية مشددة في داخل البلاد بشكل خاص وخارجها
بشكل عام. وهي تعلم أن المؤسسات المرخصة تعمل فوق الأرض، وهي لم تدخر
جهداً في متابعة سياسات العمل الإغاثي، وهذا واقع نشهده لكثير من الدول العربية
والإسلامية. ونحن ندعو حكوماتنا ودولنا أن لا تخضع ولا تنساق وراء هذه
الاتهامات، بل ونطالبها أن تخرج عن دائرة الإذعان لهذه الضغوط إلى دائرة
المدافعة والمساندة لهذه المؤسسات الإنسانية؛ لأن أعمالها فخار لهذه الدول وشرف
كبير لهذه الحكومات. وإن الثقة بهذه المؤسسات يجب أن تزداد وتقوى؛ لأن عمل
الخير هو جزء من ديننا وشريعتنا، ولا يجوز أن يخضع لرغبات سياسات
الظالمين. إن كثيراً من المؤسسات المرخص لها في دول مثل أمريكا وأوروبا تقوم
بجمع أموال لأعمال غير قانونية مثل المؤسسات التي تعمل لدعم الجيش الإسرائيلي،
والمؤسسات التي تجمع الأموال لبناء المستوطنات، والمؤسسات التي تجمع
الأموال لترحيل اليهود إلى فلسطين، وكذلك المؤسسات التي تجمع الأموال لبناء
الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، وغيرها من المؤسسات التي تجمع
الأموال لدعم المتمردين والانقلابيين والمنشقين لحكومات الدول الإسلامية وغير ذلك
كثير فلماذا الكيل بمكيالين.
البيان: هل للمؤسسات التنصيرية دور في هذه الحملات؟
- كما أن الحركة الصهيونية اليهودية والمسيحية هي التي تقف وراء هذه
الحملات المسعورة؛ فطبيعي أن تكون بعض المؤسسات التنصيرية التي بدأت تفقد
أعمالها في أفريقيا وآسيا مع انتشار العمل الإغاثي الإسلامي الذي ينزع من تحت
أقدام هؤلاء المخربين ساحات عملهم حيال مواجهة الفقر والجوع؛ ولذلك يهمها أن
تسحق هذه المؤسسات حتى ترتع كما يحلو لها. ونحن في السودان نعيش هذه
الحالات ونعرف بالضبط ما تقوم به هذه المؤسسات.
البيان: ما هي الآلية التي ترونها لمواجهة مثل هذه الحملات؟ كالتنسيق
المشترك بين الجمعيات الأهلية العربية والإسلامية، ورفع الدعاوى القضائية،
وشن الحملات الإعلامية المضادة، وتفعيل التنسيق والاتصال بالمنظمات الدولية
والإقليمية كالأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية
وغيرها؟
- كل الطرق والوسائل مطلوبة، ويجب العمل بها، ولكن الأهم هو التقارب
والتلاحم ما بين الحكومات العربية ومؤسساتها والشفافية في هذه العلاقة. يجب أن
تتوقف كل الخلافات بين مؤسسات الدولة الرسمية والشعبية؛ لأن اختلاف الرأي لا
يفسد للود قضية. إن الموضوعية تقتضي توحد الجهود في مواجهة الأعداء. إن
مؤسساتنا الإغاثية هي جزء من مسؤولياتنا وأعمالها وشرعيتها وصلاحياتها. كما
أننا جزء من المجتمع الدولي وجزء من العمل الإغاثي والدولي والإنساني، ونحن
على يقين أن المؤسسات الإغاثية الدولية الحرة والنزيهة تقف معنا، ولعلها تعاني
مما نعاني؛ ولذا يجب أن يقف مجتمع الخير متحداً صفاً واحداً في وجه هذه الحملة
الظالمة. ونذكِّر الجميع بالمثل الذي يقول: «أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض»
ونقول لأصحاب هذه الحملة الباغية: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحراراً» .
مطلوب من المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، ومن رابطة العالم
الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تسعى إلى تشكيل مجلس أو واجهة للدفاع
عن العمل الإسلامي، وللتواصل مع رؤساء وحكومات الدول العربية والإسلامية،
والوصول إلى الأمم المتحدة لإثارة هذه القضية، وأن لا يقحم العمل الإغاثي بعمومه
في مسالك القرارات السياسية؛ وإلا فعلى الفقراء والمحتاجين السلام.
البيان: المتابع لوسائل الإعلام المختلفة يلمس مدى تردي الأوضاع في
الأرض المباركة؛ فهل تفضلتم بإعطائنا صورة عن الوضع بشكل عام؟
- يمكن الإجابة عن هذا السؤال من زاويتين:
الزاوية الأولى: الإنسان: سواء أكان طفلاً أو شيخاً أو امرأة.. إلخ، ولغة
الأرقام تقول إنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة أسفرت عن أكثر من ٢٨٠٠ شهيد
منهم ٥٠٠ طفل، وأكثر من ٧٥٠٠٠ ألف جريح و ١٠٠ ألف معاق منهم ٧٠%
من الأطفال، وأكثر من ٥٠ ألف يتيم، وأكثر من ١٠٠ ألف طفل مهددين بترك
الدراسة نظراً لكونهم أبناء الأسرى وأبناء المعاقين وأبناء المطلوبين وأبناء
المطلقات، والسلسلة لا تنتهي.
وأكثر من ٧٥٠٠ أسير يقبعون في السجون التي منها أربعة سجون على شكل
الخيام لا تقي من البرد القارص ونزلات الشتاء!!
وآخر الإحصائيات تقول إن أكثر من ٤٦% من أسر الضفة والقطاع لا تأكل
إلا وجبة واحدة في اليوم، وأن ٣٤% هي نسبة سوء التغذية في قطاع غزة وهي
نسبة مماثلة لدولة مثل الكونغو التي تعاني حروباً أهلية منذ عقود!!
أما الأرض فأكثر من ١٦٥٠٠٠ ألف دونم تم الاستيلاء عليها خلال السنوات
الثلاث الأخيرة، وأكثر من ٦٠٠٠٠ دونم من الأراضي الزراعية تم تجريفها،
والجدار الظالم جواب واضح لما ذهبنا إليه. ومن هنا فقد اطلقنا على الحملة
الخامسة لبرنامج ائتلاف الخير: (حملة الأرض والإنسان) لأننا نعتقد أنهما
المستهدفان.
البيان: هل تأثر دخلكم بهذه الحملات؟ وهل لديكم مصادر دخل ثابتة،
كالوقف والاستثمار؟
- طبيعي أن تؤثر مثل هذه الحملات على دخول مؤسسات العمل الإغاثي،
ولكن وبحمد الله فإن مثل هذه الحملات تقوي المؤسسات الإغاثية وتزيد من دخولها
على عكس ما يراد من هذه الحملات؛ لأن شعوبنا شعوب مدركة ومستوعبة
لأهداف هذه الحملات. إن هذه الحملات لم تعد تنطلي على أحد، وشعوبنا تعلم مَنْ
وراءها، ونحن على ثقة أن شعوبنا تثق بنا وتعلم أننا على حق، وأن القضايا التي
ندعمها ونؤازرها حق، ولكنا كلنا أمل أن يستمر الدعم الحكومي والرسمي لنا
باعتبارنا مؤسسات وطنية وإسلامية هدفنا هو خدمة وطننا وديننا وشعوبنا وشعوب
العالم المحتاجين والفقراء، وهو أصل من أصول ديننا الحنيف: «مثل المؤمنين
في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
الأعضاء بالسهر والحمى» .
البيان: ما هي الفئات الأساسية المستفيدة من أنشطتكم ومشاريعكم؟
- إن الفقراء والمحتاجين هم الفئات التي استفادت، وستظل تستفيد مما يقدمه
لهم الناس من مساعدات؛ فنحن مراسيل خير نستقبل ما تجود به الجيوب لنؤلف به
القلوب وشعارنا: «يداً بيد نبني المجتمع الفلسطيني وندعم صموده» وتستفيد من
خدماتنا أكثر من مئة مؤسسة خيرية في أحضان الوطن الفلسطيني في الأرض
المقدسة ومع كل دولة تستضيف المهاجرين الفلسطينيين على أراضيها وهم في
الغالب يعيشون ظروفاً صعبة لا يحسدون عليها.
البيان: هل فكرتم ولو للحظة بالتوقف استجابةً لهذه الضغوط؟ وما حجم
الأضرار المتوقعة على المستفيدين وخاصة في فلسطين جراء ذلك؟
- إذا كان ﷺ يقول: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم
القيامة» فهل يعقل أن نتوقف؟ إن هذه الضغوط لن تزيدنا إلا استمراراً وثباتاً.
إن التوقف يعني الموت، وما دام فينا روح تفيض، وقلب ينبض فلن نتوقف
بإذن الله؛ فالذي نقوم به هو الواجب، ونداء الواجب والطريق الذي نسلكه نعرف
مراميه، وطريقنا كله خير، ونقول ما قاله ربنا: [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ] (آل عمران:
١٧٣) فوالله إن إيماننا ليزداد كل يوم توكلاً عليه وإيماناً به وكذلك إيماناً بواجبنا
نحو إخواننا في فلسطين؛ فإذا ما قيست معاناتنا بمعاناتهم فإن جهدنا كله لا يساوي
قطرة دم شهيد ولا دمعة يتيم، ولا صرخة ثكلى، ولا أنين جريح، ولا عذاب
سجين، ولا معاناة مهاجر. وواجب الأمة كلها أن تكون نصيراً للمظلومين،
وأن تتعدد مؤسسات العمل الإغاثي وتتضاعف لنقول جميعاً كلنا: «ائتلاف
الخير» .
البيان: هل من كلمة توجهها لمن تريد: الحكومات، الشعوب العربية، أو
الجهات المعارضة لكم؟
- نقول لحكامنا: جزاكم الله خيراً على كل خير تقدمونه، وكونوا معنا على
الخير توفقوا بإذن الله.
ونقول لشعوبنا: جزاكم الله كل خير؛ فقد كنتم قناديل الخير وكونوا مع
ائتلاف الخير في فعل الخير، وليستمر عطاؤكم، ولْتتواصل جهودكم، ولْتزدد
مشاريعكم الخيرية؛ فمن كان عطاؤه لله حفظه الله، واعلموا أننا على يقين أن مع
العسر يسرًا إن مع العسر يسراً، ولن يغلب عسر يسرين.
ونقول لمن يريد أن يطفئ نور الله: إنكم واهمون، فالله متم نوره ولو كره
الكافرون.
ونقول لأهل الخير: إن تكاتفنا ومساندة بعضنا بعضاً ستثمر بمشيئة الله زرعاً
يؤتي أُكُله كل حين، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
* * *
وقد أجرت مؤسسة ائتلاف الخير بالتعاون مع شركة متخصصة استطلاعاً
للرأي داخل المجتمع الفلسطيني بخصوص العمل الخيري، ومن خلال عينة بلغت
٢٧٨٧ شخصاً، وكانت المشاركة عن طريق الهاتف والبريد الإلكتروني، وهذه أهم
نتائج الاستطلاع:
١ - ما هو تصنيفك لأداء الجمعيات الخيرية في فلسطين؟
- أقل من المستوى ١٧.٨%.
- في حدود القدرة ٦٣.٦%.
- أكثر من المتوقع ١٨.٦%.
٢ - كيف ترى خطوة إغلاق بعض الجمعيات الإسلامية؟
- مقبولة في ضوء الظروف الفلسطينية ٤.٣%.
- غير مقبولة حتٍى في ضوء الظروف الفلسطينية ١١.٦%.
- مرفوضة ٨٤.١%.
٣ - كيف تقوِّم تهم الإرهاب الموجهة للجمعيات الإسلامية؟
- الاتهامات صحيحة ٠.٥%.
- الاتهامات جزئياً صحيحة ١.٢%.
- الاتهامات باطلة ٩٥.٣%.
٤ - هل ترى أن إغلاق هذه الجمعيات يصب في المصلحة الوطنية
الفلسطينية العليا؟
- قرار حكيم ويصب في هذا الاتجاه ٢.٢%.
- قرار صائب ولكنه من الجيد أن يكون مؤقتاً ٧.٩%.
- قرار خاطئ ولا علاقة للمصلحة العامة به ٨٩.٩%.
٥ - من خلال رؤيتك الخاصة لأنشطة الجمعيات ولجان العمل الخيري في
فلسطين كيف تصنف الدور الذي تقوم به؟
- يؤدي دوراً سلبياً وشكلياً ٠.٨%.
- يؤدي دوراً مساعداً وثانوياً ١٦.١%.
- يؤدي دوراً هاماً وحيوياً ٨٣.١%.
стр. 4760
الإسلام لعصرنا
الاعتقاد في حفظ السنة..
من لوازم الإيمان بالرسالة المحمدية
أ. د. جعفر شيخ إدريس [*]
إن قوة الإسلام التي ما تزال سبباً في سرعة انتشاره وإقبال رواد الحق إليه،
إنما هي في قوة الحق الهادي الذي يرونه بادياً على محياه. وهو حق يتضافر على
إبرازه الوحيان: كتاب الله المنزل وسنة رسوله المبينة، ولا بقاء له بأحدهما دون
الآخر. ففتنة التشكيك في السنة مقصد عظيم من مقاصد الذين يسعون جاهدين
لتقويض هذا الدين وإيقاف احتلاله لقلوب كانت تعشش فيها معتقدات باطلة
وهرطقات فارغة. لكن المؤسف أن الأدوات التي تستخدم لنشر هذه الفتنة هي
ألسنة وعقول إسلامية قد تكون حسنة النوايا. ولذلك فإنها تلجأ في نشر فتنتها إلى
استعمال حجج دينية. فالسنة المحمدية تُنكر تارة بدعوى أنه لا حاجة إليها مع وجود
القرآن الكريم، وتارة بدعوى أن كثيراً من الأحاديث حتى ما شهد له جهابذة العلماء
بصحة السند يتنافى مع ما تقرره بعض آيات القرآن الكريم، أو ما يقتضيه العقل
السليم، وتارة بأن الله تعالى إنما تكفل بحفظ القرآن الكريم ولم يَعِدْ بتكفله بحفظ
السنة المطهرة. وحديثنا في هذا المقال منحصر في هذه الدعوى الأخيرة؛ لأن
أصحابها يقولون إنهم ليسوا ممن ينكر السنة، وإنما هم من الذين يشكون في ثبوتها
كلها. ولذلك فإنهم يعطون أنفسهم حق النظر فيها والحكم عليها بأهوائهم (لا أقول
بعقولهم) ، فما رأوه موافقاً للكتاب قبلوه، وما رأوه مخالفاً له أنكروه مهما كانت قوة
سنده، وسواء كان في الصحيحين أو في غيرهما.
نقول لهؤلاء وغيرهم: إن على كل من يؤمن بأن محمداً ﷺ
خاتم الأنبياء، وأنه مرسل إلى الناس كافة إلى قيام الساعة، أن يعلم أن من لوازم
هذا الإيمان الاعتقاد في حفظ السنة. عليه أن يعتقد هذا سواء علم كيف حفظت أو
لم يعلم، وسواء كان من العلماء أو من العامة. لماذا؟
يقول الله : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر:
٩) .
ومع أن المعنى الشائع لكلمة الذكر في هذه الآية أنه القرآن الكريم؛ فقد قال
بعض العلماء إنها تشمل السنة أيضاً. والذي أريد بيانه هنا أنه حتى لو لم تكن كلمة
الذكر شاملة للسنة، إلا أنها تستلزمها.
كيف؟ إن كلمة الذكر تدل على أن المحفوظ ليس مجرد كلمات أو نصوص
يمكن أن تبقى مصونة في متحف من المتاحف الأثرية؛ وذلك لأن حفظ الذكر
يقتضي فهم المعنى؛ لأن الكلام لا يكون ذكراً إلا إذا فُهم. وهل يفهم القرآن الكريم
حتى فهماً أولياً إلا إذا عرفت لغته. وقد قال تعالى: [إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ] (الزخرف: ٣) . [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] (يوسف:
٢) .
فالقرآن إذن لا يُعقل معناه ولا يُفهم إلا إذا فهمت اللغة العربية؛ فحفظه يستلزم
حفظها. وهذا هو الذي حدث بحمد الله تعالى وفضله. فاللغة العربية حُفظت كما لم
تحفظ لغة غيرها، فما زالت الملايين من الناس تتحدث بها وتكتب، وما زالوا
يتذوقون أدبها، وما زال التعمق فيها أمرا ميسوراً. وقد استخدم الله تعالى لهذا
الحفظ رجالاً حباهم بجمع ألفاظها، وحفظ نحوها وصرفها، وجمع شعرها ونثرها.
لكن الكتاب المحفوظ نفسه كان أهم سبب في حفظها لقراءة المؤمنين المستمرة له
ودراستهم لتفسيره وتمعنهم في بلاغته وإعجازه.
وقال الله مخاطباً نبيه ﷺ : [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (النحل: ٤٤) .
ولحكمةٍ ما استعمل الله كلمة الذكر هنا كما استعملها في الآية الكريمة التي هي
موضع دراستنا. فكما أن الذكر لا يُفهم إلا بفهم لغته، فإنه لا يتبين إلا ببيان
الرسول له؛ فحفظ الذكر يستلزم لا جرم حفظ بيانه.
إن واحداً من عامة عقلاء البشر لا يكتب كتاباً يقول إنه لا يُفهم فهماً كاملاً إلا
بالحواشي المصاحبة له، ثم ينشر الكتاب من غير تلك الحواشي. فكيف يُظن
بالحكيم العليم أن يرسل رسولاً تكون مهمته أن يبين كتابه، ثم يحفظ الكتاب ولا
يحفظ ذلك البيان؟
والله يشير في أكثر من أربعين موضعاً في كتابه إلى سنَّة
رسوله، فيأمر باتباعه وعدم تقديم كلام بشر على كلامه، ويبين ضرورة هذا
الاتباع وفضله، وأنه أمر يقتضيه حب المؤمن لربه، ويحذر سبحانه من مخالفة
هذه السنة. يذكر كل هذا في مثل قوله سبحانه: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّه] (آل عمران: ٣١) .
[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) .
[وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) .
[فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]
(النور: ٦٣) .
هل يتصور عاقل يقدر ربه حق قدره أن يشير في أمثال هذه الآيات إلى
معدوم بالنسبة لمن هم في عصورنا هذه المتأخرة؟
كيف يكون الناس في عهده ﷺ بحاجة إلى سنته وهم الذين
نزل القرآن الكريم بلغتهم، ولا نكون نحن بحاجة إليها؟
كيف يشير إلى معدوم بالنسبة لنا وقد أرسل رسوله ﷺ للناس
كافة إلى قيام الساعة وجعله خاتما لأنبيائه؟
وإذا كان يعلم أن حاجتنا إليها عظيمة؛ فكيف يتصور أن لا
يحفظها لنا وينعم علينا بهدايتها كما أنعم على الذين من قبلنا؟
إن القول بعدم حفظ السنة له خبيء من أبطل الباطل هو أن محمداً صلى الله
عليه وسلم إنما أرسل لمعاصريه. وخبيء آخر هو أن الكفار كانوا محقين في
إنكارهم لإرسال الرسل وفي زعمهم بأن كل واحد منهم مؤهل لأن يؤتى مثل ما
أوتي رسل الله.
بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة: [بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ
أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً] (المدثر: ٥٢) .
كيف يشك إنسان في حفظ السنة ثم يشهد بلسانه بأن محمداً رسول الله؟ ماذا
تعني هذه الشهادة بالنسبة له؟ إنه لا فرق في واقع الأمر بين إنكار السنة وإنكار
حفظها؛ فكلا الأمرين يؤدي إلى عدم الاهتداء بها.
والاعتقاد في حفظ السنة من لوازم الإيمان بالرسالة المحمدية؛ لأن المؤمن
بهذه الرسالة يسأل الله تعالى في كل ركعة من ركعات صلاته الواجبة والنافلة في
كل يوم أن يهديه إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين. ومن ذا الذي يدخل في من أنعم الله عليهم إن لم
يدخل فيهم جهابذة العلماء الفضلاء الأتقياء الذين أفنوا أعمارهم في جمع السنة
وحفظها وتفتيشها ودراستها والعمل بها؟ كيف يدعو إنسان ربه أن يهديه إلى
صراط الذين أنعم الله عليهم، ثم يعرض عن علماء السنة هؤلاء أو يتعالى عليهم
ظاناً أنه أعلم منهم أو أعقل أو أذكى أو أحرص على دين الله؟ كلاَّ؛ بل إن المؤمن
الصادق ليقول لنفسه: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه] (الأنعام: ٩٠) .
إنه لا بديل عن سلوك صراط هؤلاء إلا سلوك طريق المغضوب عليهم من
الذين عرفوا الحق وأنكروه، أو سلوك طريق الضالين الذين عبدوا الله بأهوائهم
وتخرصاتهم، فلم يكونوا من الذين هداهم الله ولا من أولي الألباب.
وإنه لمن تمام حفظ الذكر العظيم أن يكون بين المسلمين دائماً علماء يستهدون
بهداهم في معرفة هذا الذكر، ويسألونهم ويستفتونهم. وإنه لمن أعظم ما يتميز به
هؤلاء العلماء الهداة هو معرفة سنة الرسول ﷺ .
قال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق،
لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» [١] .
إن بداية عموم الضلال أن يذهب من على وجه الأرض أمثال هؤلاء العلماء،
فيذهب بذهابهم العلم بكتاب الله تعالى مع وجود نصوصه: «إن الله تعالى لا
يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم
يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا» [٢] .
وحين يحدث هذا لا تبقى من فائدة في وجود النص القرآني؛ لأنه لا يكون
آنذاك ذِكْراً؛ ولهذا فإن الله تعالى يرفعه إليه، ثم يأذن بقيام الساعة.
стр. 4761
البيان الأدبي
الناقد الإسلامي الدكتور محمد بن علي الصامل
في حوار مع البيان
قرأ الكتاب وحاور صاحبه: سليمان العيوني، محمد الحناحنة
ينبغي أن أتعامل مع الاتجاهات الأخرى وفق معيار التنافس
كتاب (المدخل إلى دراسة بلاغة أهل السنة) لمؤلفه الدكتور محمد بن علي
بن محمد الصامل عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية بالرياض، يُعدّ من الكتب القليلة التي تبحث الجانب البلاغي عند
أهل السنة، وقد جاء الكتاب في عدة أبواب وزاد عن مئة وستين صفحة، وقد سدّ
فراغاً كبيراً في موضوعه؛ إذ فيه دعوة تأصيلية لمنهج بلاغي يخدم بوعي مذهب
أهل السنة والجماعة في أبواب الأسماء والصفات، والإيمان بالله واليوم الآخر،
وجميع مسائل العقيدة، وهو يكشف كثيراً من انحرافات الفرق الضالة في عقيدتها
كالمعتزلة، والرافضة وغيرهم.
وقد جاء الكتاب في عدد من المباحث هي:
١ - فكرة الدعوة إلى بلاغة أهل السنة، وأسباب ذلك.
٢ - تحديد مفهوم أهل السنة والجماعة.
٣ - انتماءات أشهر علماء البلاغة العقدية من خلال كتبهم البلاغية.
٤ - بيان وجوه خدمة المعتقد في البحث البلاغي.
٥ - إظهار أثر العجمة في الانحراف العقدي.
٦ - نماذج للتوجّه البلاغي المخالف لمنهج أهل السنة.
٧ - الاحتكام إلى قوانين اللغة أصلٌ من أصول قواعد بلاغة أهل السنة.
٨ - الانفلات من قوانين اللغة يوقع في مزالق خطرة في توجيه النصوص.
٩ - موقعنا من المخالف.
١٠ - المواصفات التي تحدّد منهج البلاغة عند أهل السنّة والجماعة.
وأعظم ما في هذا الكتاب خدمته الواسعة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وفق
معتقد أهل السنة والجماعة من المنظور البلاغي ولهذا أحبت مجلة البيان إلقاء
الضوء على فكرة هذا الكتاب وصاحبه، فكان هذا اللقاء.
البيان: بداية نأمل أن تعرفوا قراء البيان على سيرتكم الذاتية والأدبية.
- محدثكم هو: أبو علي محمد بن علي الصامل حصل على الماجستير عام
١٤٠٥هـ، والدكتوراه عام ١٤١٠هـ، في تخصص البلاغة والنقد، وهو أستاذ
مشارك منذ عام ١٤١٨هـ، عمل رئيساً لقسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
ست سنوات، ثم وكيلاً لكلية اللغة العربية للدراسات العليا والبحث العلمي ثلاث
سنوات.
له عدد من المؤلفات المنشورة منها: المدخل إلى بلاغة أهل السنة،
والأسلوب الحكيم، ومن بلاغة المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وبلاغة التحية
في الشعر العربي، وتحقيق كتاب: القول البديع في علم البديع لمرعي الحنبلي،
إضافة إلى عدد من البحوث العلمية تحت النشر في مجالي البلاغة والنقد.
وشارك في تأليف بعض الكتب التعليمية مثل: كتابي: البلاغة والنقد للصفين
الثاني والثالث الثانويين في وزارة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية،
وكتاب القراءة للصف الأول الثانوي في المعاهد العلمية.
أشرف حتى تاريخ هذه المقابلة على اثنتي عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه،
وشارك في مناقشة ست عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة أم القرى،
وكليات البنات.
البيان: خطابنا الأدبي الإسلامي ما زال خافتاً أمام الخطاب العلماني في
الساحات الأدبية، ما أسباب ذلك؟ وكيف ننهض به؟
- أنا لا ألوم من يقتنع بفكرة أن يدعو لها وينافح عنها، ويحشد الآراء لها،
ويقرب من يؤيدها، ويكون له موقف ممن يعارضها؛ فهذا هو الأصل، ولو كان
غيره لحصل الإشكال.
ولكن اللوم يتجه إلى من يعرف أنه على صواب وأن الحق معه، والناس
بحاجة إلى ما عنده، ومع ذلك يكون سلبياً. أنا لا أدعو لفرض الرأي بالقوة، وإنما
أذكِّر بالمشهور من عمل السلف تجاه البدع مثلاً؛ فحين قيل للإمام أحمد - رحمه
الله -: انتشرت البدعة، قال: أحيوا السنة تَمُتِ البدعة!!
ولهذا ينبغي أن أتعامل مع الاتجاهات الأخرى وفق معيار التنافس؛ فبالقدر
الذي أُحسن فيه عرضي، ويقتنع الناس بأن ما لدي هو الأفضل، فسينساقون إليه،
وسأسحب البساط من تحت أولئك متكئاً على أن ما أدعو إليه يتلاءم مع حاجة المسلم
الملتزم بإسلامه.
ولو كنتُ أنا والسائل الكريم والقراء الأفاضل متأملين لحال الأدب الإسلامي
وما له من مكانة لدى متلقيه لكنا جميعاً جديرين بالتفاؤل بمستقبل باهر لهذا الأدب؛
فمع قلة الإمكانات، وتضييق الخناق على هذا الأدب في كثير من المجالات،
وعزوف بعض الأدباء الإسلاميين عن المشاركة، مع هذا كله أصبحت له هذه
المنزلة، وتلك المكانة، ولو جعلت الحكم على هذا الموضوع قياساً على نسبة
الإمكانات لظهر البون شاسعاً، وبموازنة يسيرة بين حال الأدب قبل عشرين سنة
وحاله الآن يتبين أن الأدب الإسلامي يسير بخطوات واثقة؛ فقليلاً من الصبر
والمثابرة ليظهر الحق الأبلج [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: ١٧) .
والمشاركة في النهوض بالأدب الإسلامي مسؤولية كل مسلم: فالأديب بإنتاجه
المتقن، والإعلامي بتيسيره لنشره، والناقد بتوجيهه وتشجيعه، والقارئ بزيادة
الإقبال عليه.
البيان: هناك من يدعو إلى نقد إسلامي مؤصل من القرآن الكريم والسنة
الشريفة، وأدب السلف الصالح! هل تزيدنا إيضاحاً لهذا الطرح؟
- ورد في مواضع عديدة في القرآن العظيم الإشارة إلى فضل البيان، وأن
الله جل وعلا جعله ميزة للإنسان في قوله سبحانه: [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ *
خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ] (الرحمن: ١-٤) ؛ فتعليم الله للإنسان البيان
نعمة، ومن حق النعمة أن تقيد بالشكر، ومن شكرها استعمالها فيما يرضي الله.
ولذلك حذر الله عباده بمراقبة ما يصدر عنهم في قوله سبحانه: [مَا يَلْفِظُ مِن
قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) ؛ فكل ما يصدر عن الإنسان مرصود،
والعاقل من يدرك أن الكلام الذي يصدر عنه يمكن أن يحقق له فائدتين عظيمتين:
المتعة الأدبية، والأجر الأخروي حين يراعي استصحاب النية الطيبة، إضافة إلى
الاتقان الفني، في حين أن من لم يرع ذلك لن يتحقق له سوى فائدة واحدة هي
المتعة الأدبية فحسب، وقد تكون مصحوبة بالوزر؛ ولذلك فالفرق بين الأديب
الملتزم في أدبه بضوابط الشرع الحنيف والأديب غير الملتزم أن الأول يرجو من
الله ما لا يرجوه الثاني؛ فهما وإن اشتركا في جانب الإبداع إلا أنهما اختلفا في
توظيف هذا الإبداع واستثماره.
وفي السنة الشريفة مواقف تبين الأثر العظيم للأدب، كقصة عمرو بن الأهتم
والزبرقان بن بدر ﵄ حين وصف عمرو الزبرقان بوصفين
متناقضين، وبيَّن أنه (ما كذب في الأولى، وصدق في الثانية) ، ولم يكن يتحقق
له ذلك لولا هذه الوسيلة التي اتكأ عليها وهي البيان، ولذلك قال صلى الله عليه
وسلم معلقاً على ذلك الموقف: «إن من البيان لسحراً» ، والمواقف التي يستقي
منها الأديب المسلم منهجه كثيرة في سيرة الرسول ﷺ ، والسعيد
من ألهمه الله الاقتداء بها.
ولعل من المناسب أن أذكر هنا أن الدعوة للأدب الإسلامي في هذا العصر لم
تبدأ بشكل نظري على ما جرت به العادة في كثير من الدعوات، وإنما جاءت
برصد النموذج، وجمعه، وإطلاع الناس عليه؛ ليعرفوا أنه ليس غريباً، وليقدم
لهم ما يحتذى به من أدب سلفنا الصالح، وأدب غيرهم مما يظهر فيه الالتزام
بأوامر الشرع الحنيف ونواهيه.
وكان لشيخنا عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀ الفضل الذي لا ينكر،
ولكلية اللغة العربية في الرياض الريادة التي لا تغفل؛ وذلك بإخراج موسوعة أدب
الدعوة الإسلامية بشقيها: الشعري والنثري، وأسهم في إخراج الموسوعة بإشراف
الدكتور عبد الرحمن الباشا ﵀ كوكبة من الطلاب الذين أصبح لهم شأن
في ميدان الأدب الإسلامي فيما بعد.
وأود التنبيه - هنا - إلى ما يجري في ساحة الأدب الإسلامي من اختلاف في
المصطلح، وآمل ألا يكون ذلك عائقاً ولا مشغلاً عن الهدف الأسمى، وهو إشاعة
هذا اللون من الأدب في أوساط المسلمين، ولا مشاحَّة في الاصطلاح؛ فالغاية هي
مواصفات هذا الأدب، وليس الوقوف عند تسميته.
البيان: كتابك (المدخل إلى بلاغة أهل السنة) إلى أي مدى يسهم في جلاء
العقيدة الصحيحة، وصياغة نظرية الأدب الإسلامي؟
- فكرة الكتاب تسليط الضوء على علم البلاغة وكيف يمكن استثماره في
خدمة معتقد أهل السنة؛ لأني رأيت إحجاماً بيناً من كثير من العلماء المنتمين إلى
أهل السنة عن المشاركة في هذا العلم؛ لأن بعض موضوعاته تحفها المخاطر
كموضوع المجاز مثلاً، الذي صار مطية سهلة لأهل التأويل والتعطيل.
ولهذا حرص الكتاب على رصد ما في المؤلفات البلاغية مما يخالف مذهب
أهل السنة، وبيان الوسيلة البلاغية التي سُلكت لاعتماد هذا الرأي أو ذاك، وإثبات
أن تلك الوسيلة لم تكن جارية وفق سنن العرب في كلامها، ولعل أكبر وسيلة يلجأ
إليها المؤولون أو المعطلون هي القرينة العقلية، وقد اجتهدت في وضع الضوابط
لها في كتابي.
وقد أشرت في المقدمة إلى أن البلاغة صنو الأدب وقرينته؛ فإذا كان الأدب
الإسلامي يدعو إلى نقاء الأدب مما يخدش الحياء، أو مما يؤاخذ القائل عليه انطلاقاً
من المبدأ العظيم الذي يجعل الإنسان رقيباً على نفسه؛ لأنه: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ
إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) ، فإذا كان الأمر كذلك، فليحاسب الإنسان نفسه
على ما يصدر عنها، فإن كان مباحاً فليستمر عليه، وإن كان غير مباح فليقصر،
وليتوقف خشية الحساب، وهذا يكون على مستوى إنتاج النص.
أما على مستوى التعامل مع النصوص والنظر فيها، والاستنباط منها،
والحكم عليها، فهذا دور مشترك بين البلاغة والنقد ينبغي أن يتقيد المرء فيه
بالضوابط الشرعية؛ لأنها ضوابط منصفة، وهذا باختصار لب الدعوة إلى (بلاغة
أهل السنة) .
البيان: ما الذي يميز بلاغة أهل السنة عن غيرهم، ومن أهم أعلامها؟
- لعل من نافلة القول أن أبين أن البلاغة بوصفها علماً هي البلاغة عند كل
الفرق والمذاهب؛ فمن تعريفها العام أنها (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) إلى
تصنيف علومها الثلاثة (المعاني والبيان والبديع) وما ألحق بها، ومروراً
بمصطلحاتها وتقسيماتها وشواهدها لا تختلف في ذلك عن علم النحو مثلاً؛ فالفاعل
مرفوع عند الجميع، كما أن التقديم والتأخير في الدرس البلاغي جائز في إطار
الضوابط المعروفة.
ولكن استثمار هذا العلم أعني علم البلاغة في التعامل مع النصوص الشرعية
يحتاج إلى لون من المعايير لا تخرج بأي حال عن سنن العرب وطرقهم في الكلام؛
فمثل ما يقال عن الأدب الإسلامي أنه أدب يشترط فيه اجتماع صفتين هما:
(الأدبية) و (الإسلامية) فبلاغة أهل السنة: نوع من البلاغة تشترك مع غيرها في
الجوانب العلمية، ولكنها تزيد في اشتراط تلاؤم تلك المعايير العلمية مع ما يراه
أهل السنة، وهم المقتدون بما كان عليه المصطفى ﷺ وصحابته
- رضوان الله تعالى عنهم -.
ولذلك فميزة بلاغة أهل السنة أنها تتعامل مع النصوص وفق ظواهرها أولاً،
فإذا ما قامت قرينة على أن المراد غير الظاهر، فإن السبيل حينئذ أن ينظر إلى ما
تشير إليه القرائن المتصلة، ثم القرائن المنفصلة سواء أكان ذلك عن طريق النص
أم القائل، أم المناسبة أم غير ذلك.
ولما كان التوجيه البلاغي للنصوص قد يُسَيِّره هوى الشخص أو معتقده، كان
لا بد من الاعتداد بالقرينة المعتبرة، وهذه أبرز ما يميز بلاغة أهل السنة، وقد
فصلت ذلك في آخر الكتاب المشار إليه.
وقبل أن أجيب على الجزء الأخير من السؤال أود التنبيه إلى أن المساحة
المشتركة في البلاغة بين أهل السنة وغيرهم مساحة واسعة في هذا العلم، وهي
المساحة التي ليس فيها ما يخالف معتقد أهل السنة، ويبقى تمييز المواضع محل
الخلاف، والتي استثمرها غير أهل السنة أكثر من أهل السنة الذين هم به أوْلى من
غيرهم.
وأما أهم أعلامها فأذكر منهم على سبيل المثال: ابن قتيبة، وضياء الدين بن
الأثير، وشرف الدين الطيبي، وعز الدين الموصلي، وابن القيم الجوزية،
وشهاب الدين محمود، وابن حجة الحموي، ومرعي الحنبلي، والشوكاني؛ هذا
على سبيل الإجمال؛ لأن بعض مؤلفات أولئك قد تضمنت بعض المخالفات لمنهج
أهل السنة.
البيان: يتهم الأدب الإسلامي بالمباشرة والتقريرية مبتعداً عن الجمال الفني
في نصوصه! ما ردك على ذلك؟
- هذا الأمر يحتاج إلى وقفة متأنية ذات شقين:
الشق الأول: مسألة المباشرة والتقريرية أهي عيب يحط من منزلة النص؟
الجواب الذي أراه وأدين الله به أن المباشرة حين يقتضيها المقام والسياق العام للنص
الأدبي فإنها تسهم في إثراء النص، وتميزه، ولك أيها السائل الحبيب أن تتأمل ما
في القرآن من مباشرة وتقريرية هل أخلَّت بجانب إعجازه البياني الذي أجمعت عليه
الأمة؟!! يقيناً لا، بل المباشرة والتقريرية في مقامهما تمثلان الغاية في الإبداع،
ولكن الذي يطنطن بهذه الفرية يريد أن يكون الأدب سجيناً في سراديب الإبهام
والغموض، ومن ثمَّ يفقد تأثيره في الناس، فيكون أشبه بالرسوم التشكيلية المبهمة
التي لو سئل صاحبها عنها في فترات متباعدة لأعطاك إجابات مختلفة؛ لأن المسألة
ستكون منحصرة في الذاتية المغرقة سواء على مستوى القائل، فيقول ما يشاء دون
حساب، أو على مستوى المتلقي، فيفهم كما يشاء دون ضوابط أو مغايير علمية.
الشق الثاني: دعوى ابتعاد الأدب الإسلامي عن الجانب الفني، وهذه من
إسقاطات الآخر، يطلقها تهمة فنصدقها!! والفيصل في هذا الأمر أن الأدب
الإسلامي يشترك مع غيره من الآداب في الجانب الفني، فلا يصح تسميته بالأدب
حتى تتوافر فيه مجموعة من المقومات الفنية تؤهله لأن يندرج في ميدان الأدب،
وإذا توقف كثير من الآداب عند هذا الحد فإن الأدب الإسلامي يزيد معياراً مهماً فوق
ذلك وهو صفة (الإسلامية) التي تعني شرطاً زائداً على شرط (الأدبية) ، ويتمثل
تحقق هذه الصفة في موافقة النصوص الأدبية لما تضمنته الشريعة الإسلامية، أو
على أقل تقدير عدم مصادمته للشريعة الإسلامية؛ لأنه والحالة تلك سيظل في
منطقة الإباحة.
وعلى هذا فالأدب الإسلامي أكثر ميزة من غيره؛ لكونه يتطلب اجتماع
صفتي (الأدبية) و (الإسلامية) ، فهل تتحول هذه الميزة إلى عيب؟!!
وحتى أكون منصفاً أقول: إن مما ساعد على انتشار هذه الفرية على الأدب
الإسلامي، واستعمال الآخر لها حماس بعض من تغلب عليهم العاطفة فيدرجون
بعض النصوص التي لا تستحق أن تدرج في ساحة الأدب تدرج على أنها نماذج
للأدب الإسلامي؛ بينما لم يتوافر فيها شرط (الأدبية) ، بل لمجرد أنها اشتملت
على مضمون جيد. نعم قد تكون هذه النماذج من الكلام الطيب الجميل، لكن
وصفها بالأدب يحتاج إلى تطبيق معايير الأدب عليها.
стр. 4762
ملفات
حرب القيم
كل أمة تستمد أخلاقها من قيمها، وتنبع القيم من عقيدتها..
وفساد الأخلاق يجعل الأمة على خطر عظيم، ولكن عندما يصل النخر إلى
قيمها؛ فإنها تكون على شفا هاوية..
وقد كانت الحرب على الأمة الإسلامية في هذا المجال طيلة قرن كامل: حرباً
أخلاقية، كان الناس يفسدون وينحرفون، ولكنهم في قرارة أنفسهم كانوا يشعرون
بوخز الضمير الديني، كانوا يحسون أنهم يتجاوزون خطوطاً حمراء وثوابت عالية،
لكن في العقدين الأخيرين حدثت تطورات خطرة؛ فقد تغير سمت الحرب وتغير
اسمها، ولم يعد أعداء الأمة يرضون بانحراف الظاهر مع إنكار ولو يسير في
المجتمع أو القلب، وفرق كبير بين مجتمع منحرف، ومجتمع إباحي، وفي إطار
سعيهم إلى إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية، ونقلها من حالة الانحراف إلى حالة
الإباحية؛ كانت حرب القيم..
فقد أصبحت القيم في وضع يُرثى له من الاختلال والاضطراب، خاصة مع
تصادم الخطابين الإسلامي والعلماني، ويصف بعض المحللين الحالة الراهنة بـ
مرحلة «تشويه الوعي» ، وهذه الوضعية القيمية المختلة؛ يراد تطويرها للوصول
بها إلى مرحلة «تغييب الوعي» ، حيث تحل منظومة قيمية علمانية متكاملة محل
المنظومة المختلة القائمة.. فهل يفلح كيدهم؟
стр. 4763
ملفات
سيماء المرأة في حرب القيم بين النفس والصورة
د. فريد الأنصاري [*]
* مقدمة:
السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك
في كتاب الله، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكذا: (سِيمَا) . قال
تعالى: [سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ] (الفتح: ٢٩) . وقال سبحانه:
[تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ] (البقرة: ٢٧٣) .
والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛
لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة
فيها ولا اعتباط [١] .
واستعمالنا لهذا المصطلح في مجال القيم المتعلقة بالمرأة، والمتدافعة في
معركة الحضارة؛ إنما هو لمحاولة الكشف عما ترمز إليه المرأة في الإسلام؛ نفساً
وصورةً. وما تكون به أو لا تكون، في زمان (العولمة) . فأما (نفساً)
فباعتبارها (أنثى الإنسان) من الناحية الوجودية، وأما (صورةً) فباعتبارها هيأة
خِلْقِيَّة، ذات تجليات مظهرية خاصة، وما حلاها لذلك الإسلام به من لباس،
تتحقق إسلاميته بشروطه ومقاصده الشرعية.
وما معنى ذلك كله (النفس والصورة) من الناحية السيميائية، وما دلالته
التعبيرية من الناحية التعبدية؟ إننا ننطلق من مبدأ قرآني عظيم: وهو أن لا شيء
من موجودات هذا الكون الفسيح إلا له دلالة سيميائية، ومعنى رمزي لوجوده،
وهو مسمى (حكمته) الخِلقية، قال تعالى: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ
بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ] (الأنبياء:
١٦-١٨) . فما خلق الله شيئاً، وما جعله، ولا شرعه؛ إلا لحكمة، هي مغزى
وجوده، أو جَعْلِه، أو تشريعه. ومن هنا كان من أسماء الله الحسنى اسمه تعالى:
(الحكيم) . فهو سبحانه (حكيم) خَلْقاً وتشريعاً. فإرادته الخلقية التكوينية،
وإرادته التشريعية التكليفية؛ كلتاهما لا تتصرف إلا بحكمة بالغة. فخَلْق الأنثى
على هيئتها كان بإرادته التكوينية، وسترها تكليفاً بحدود معلومة من اللباس كان
بإرادته التشريعية. وكل ذلك من حكمة الخالق جل وعلا، وجماع ذلك كله أنه
سيماء ربانية لحكمة بالغة.
فكم هو شنيع خطأ فهم أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة
شكلية! وأي شكل في الوجود لا يعبّر عن مضمون؛ بدءاً بأبسط الأشياء حتى
أعقدها! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبر التاريخ، فانظر!
إن منطلق البحث السيميائي في اللباس الإسلامي، ونتيجته أيضاً، كلاهما
مرتبط بأصول العقيدة أساساً! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء،
لكن لكل منهما سيماؤه الخاصة. وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط!
ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير
عقدي للإسلام! كما سترى بحول الله.
إن واقع الأمة اليوم، في هذا المقتل الجوهري على جانب من الخطر عظيم.
فلقد رأينا أن قضية اللباس بما ترمز إليه من دلالات سيميائية؛ هي حرب حضارية
تُشن على الإسلام؛ لتدمير مواقعه الوجدانية في بنية التدين الاجتماعي. إن ذلك
يعني سحب البساط من تحت كل أشكال العمل الديني التجديدي في البلاد الإسلامية
، وجعله يضرب في الفراغ سدى!
إن هذا الخطر الخلقي الداهم ليس له علاقة بتفسيق الشباب فقط، ولكنه مدمر
لبنية التدين كلها! إنه استراتيجية عالمية خبيثة لغزو العالم الإسلامي على مستويات
متعددة، واحتلال الوجدان الإنساني فيه، وتدمير شخصيته على المستويين النفسي
والاجتماعي معاً! وذلك أخطر أنواع الاحتلال، وأشد وجوه الاستخراب!
وبناء على ما سبق؛ نقسم مقالنا هذا كما هو عنوانه إلى قسمين: الأول يتعلق
بسيماء النفس، والثاني يتعلق بسيماء الصورة. وبيان ذلك هو كما يلي:
* القسم الأول: سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام:
لقد انطلق الخطاب القرآني للمرأة من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان، منذ كان
خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية! وذلك قول الله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن
بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن
تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف: ١٧٢) ، فكان هذا
التكليف الكوني العجيب: [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب:
٧٢) .
لقد جاء هذا التكليف في سياق خطاب كوني، وُجِّهَ للسماوات والأرض وما
بينهما، فتَصَدَّر الإنسان بما فطر عليه من مؤهلات؛ ليكون إمام العابدين لله الواحد
القهار، وليكون سيد السائرين إليه تعالى في الأرض وفي السماء. وليس بعيداً عن
هذا القصد أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم، أول الخليقة من النفس الإنسانية،
وهو يحمل في صلبه ذريته ذكراناً وإناثاً.
ومن هنا خاطب المولى ﷻ المرأة في القرآن باعتبارها (عاملاً) ،
على سبيل التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المسؤولية الوجودية من حمل
الأمانة الكبرى، كما مر في قوله تعالى: [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ
عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ] (آل عمران: ١٩٥) .
وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية
بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها. فقد ينقص
الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعياً
لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما، ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار
الحياة [٢] .
إن تشريع اللباس الإسلامي إنما كان مذ كان في هذا السياق الكوني العظيم،
فليس فيه إذن شكليات وهامشيات، إنه جوهر من جواهر الحياة، وعمق من أعماق
الوجود الإنساني في الخطاب القرآني! إنه سيماء لحمل أمانة الاستخلاف في
الأرض، قال : [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] (هود:
٦١) . ومن ثَمَّ كان ذلك أول قصد إبليس بالتدمير والتخريب في المجتمع الإنساني
الأول! فاقرأ وتدبر هذه الآية العجيبة! قال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ
لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: ٢٦-٢٧) .
ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن، فتدبر!
والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما
معناه أنها تُبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح!
وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة
الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن
ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية.
* القيم التربوية لسيماء النفس لدى المرأة:
تقوم سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام على ثلاث قيم رئيسة، ذات أبعاد
جمالية خاصة، هي من لطائف الأنثى خِلْقَةً، ومن أسرارها العميقة. وهي كما يلي:
- أولاً: قيم جمالية الأنوثة:
الأنوثة هي سر الجاذبية الخِلْقية في المرأة. والأنوثة في الإسلام مفهوم تكاملي؛
ومن هنا كانت جماليته؛ أي أن به يُحَصِّل الرجل كمالَه، من حيث هو جنس
بشري، وبدونه فهو ناقص أبداً. وكذلك المرأة في المقابل لا تكون إلا بالرجولة
التي على الرجل أن يحفظها ويرعاها لها! و (الجمالية التكاملية) هي المذكورة في
قوله تعالى: [هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ] (البقرة: ١٨٧) ؛ ومن هنا وجدنا
الإسلام ينهى بشدة عن (تَرَجُّلِ المرأة) أي تشبهها بالرجل؛ لما فيه من فقدان
الهوية الفطرية للتكاملية الإنسانية، ثم لما فيه من إخلال بالتوازن الجنسي،
والجمالي في الخلق. فالأنوثة حقيقة وجودية ضرورية لاستمرار النسل من ناحية،
وضرورة وجودية للشعور بمعنى الحياة لدى الجنسين؛ بما يكون من إنتاج للوظيفة
البشرية في بناء الأسرة. ومن ثَمَّ؛ من وظيفة عمرانية في قيام الحضارات،
واستمرار التاريخ إلى ما شاء الله. فكان الترجل النسوي لذلك تهديداً للوجود
الإنساني وخرماً لتوازنه!
وقد وردت أحاديث عن الرسول الأكرم ﷺ في هذا
الخصوص؛ من مثل قوله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المُتَرَجِّلَةُ المتشبهة بالرجال، والدَّيُّوثُ! وثلاثة لا
يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى» [٣] . ومثله
قوله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلَةُ من
النساء، ومدمن الخمر» [٤] . وعن عائشة ﵂ أنه صلى الله عليه
وسلم قال: «لعن الله الرَّجُلَةَ من النساء!» [٥] .
والترجل في المرأة قد يكون شكلياً كما باللباس، أو طريقة الكلام، أو المشي،
أو نحو ذلك من الشكليات الظاهرة، وقد يكون بدنياً بتغيير خلق الله في نفسها،
بالجراحات الطبية المحرمة التي تؤثر في طبيعتها الأنثوية، ووظيفتها الوجودية.
وكل ذلك حرام بنص الأحاديث ومقاصد الشريعة.
ومن هنا حرم الإسلام حتى مجرد التشبه بالرجل بله الترجل، كما حرم على
الرجل التشبه بالنساء سواء! وذلك كما في قوله ﵊: «لَعَنَ اللهُ
المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء!» [٦] .
وقال في خصوص التشبه في اللباس: «لعن الله الرجلَ يلبس لبسةَ المرأة،
والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل» [٧] . فالأنوثة إذن؛ مقصد إسلامي وجودي وتشريعي،
وكل خَرْم له هو خَرْم لحقيقة التدين ولحقيقة الحياة.
- ثانياً: قيم جمالية الحياء والتخفي:
الحياء ضد الفحش والتفحش، وضد البَذَاء، وجمالية الحياء هي من
المقتضيات الفطرية للأنوثة، والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي؛ لأن به يحفظ
وجوده في النفس وفي المجتمع. إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء
يطير في الهواء ويتلاشى! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع
البروز الفاضح. التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال! وإنما جمال
الوردة ما لم تقطف! فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها، فلا جمال بعد! ومن
هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك!
والحياء عموماً مبدأ إسلامي كلي، عام في كل شيء، سواء كان في الأقوال،
أو في الأفعال، أو في الألبسة، أو في التصرفات وسائر الحركات. وهو معنى
قول النبي ﷺ الجامع المانع: «ما كان الفحش في شيء قط إلا
شَانَه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زَانَه» [٨] . كما أنه كان عاماً في كل إنسان،
من حيث هو مسلم يحمل عقيدة معينة، وانتماء حضارياً متميزاً. ولذلك قرنه
النبي ﷺ بالإيمان في قوله: «إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعاً،
فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» [٩] ، ومثله قوله ﷺ : «الحياء من
الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ من الجفاء، والجفاء في النار» [١٠] .
ثم جعله بعد ذلك سلوكاً يومياً، وتعبداً عملياً، وربطه بالله جل وعلا؛ معرفةً
بجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وجمال إنعامه، فقال ﷺ :
«استحيوا من الله تعالى حق الحياء! من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ
الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى! ومن أراد
الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء!»
[١١] .
لقد قصدت بإيراد هذه النصوص أن أبين أن الحياء مقصد من أهم المقاصد
الشرعية التي تداني ما سطره العلماء في مقاصد الشريعة. وتَتَبُّعُ هذا المعنى
بالمنهج الاستقرائي في النصوص الشرعية؛ يجعل منه كلياً من أهم الكليات الخلقية
في الإسلام.
ذلك ما يتعلق بالحياء مطلقاً في الإسلام؛ أعني من حيث هو خُلُقٌ إسلامي عام
في الرجال والنساء على السواء، وإن كان وجوده في المرأة أجلى وأبين وأجمل.
إلا أن المرأة في الشريعة الإسلامية اختصت منه بلطائف ومعان وأحكام ليست
على الرجل، ضبطاً وتشريعاً. فكثيرة هي الأعمال التي أنيطت بالمرأة دون الرجل؛
رعياً لمقصد الحياء! فكل ما أوجب عليها التستر الجسمي أو الحركي أو الصوتي؛
فهو راجع إلى هذا المعنى.
فأما التستر الجسمي فهو ما فرض الله عليها من اللباس الإسلامي، في محكم
القرآن العظيم، من قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ
المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً
رَّحِيماً] (الأحزاب: ٥٩) ، وما فصّلته السنة النبوية في ذلك، من جزئيات
بيانية توضيحية، من مثل قوله ﷺ : «ما من امرأة تخلع ثيابها
في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله» [١٢] . ومثله قوله ﷺ :
«أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره» [١٣] .
وأما التستر الحركي فهو ما فرضه الله عليها من الاتزان في المشي وفي
الصلاة، وما حرمه عليها من التغنج في الشوارع، والأماكن التي يغشاها الرجال،
قال تعالى: [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ] (النور:
٣١) ، ومنعها من إمامة الرجال في الصلاة؛ لما فيه من كشف لحركة جسمها
ومفاتنه عند الركوع والسجود! ونحو ذلك في الشريعة كثير.
وأما التستر الصوتي فهو متعلق بتلحين أنغامها الصوتية خاصة، وما في
معناه من تغنج صوتي، وليس متعلقاً بمطلق الصوت طبعاً! وذلك كمنعها من
الأذان، وتجويد القرآن بمحضر الرجال الأجانب عنها. ومن باب أولى وأحرى
منعها من الغناء للرجال، وتلحين الصوت عند الكلام العام؛ قصد التأثير الجنسي
على الرجل من غير الزوج! وذلك كله إنما هو مقدمات الزنى. ويجمع هذه
المعاني قول الله تعالى الصريح: [فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] (الأحزاب: ٣٢) .
كل ذلك إنما كان رعياً لجمالية الحياء الأنثوية في المرأة، وحفظاً لفطرتها
النفسية ولطائفها الوجدانية، وحمايتها من التسيب الخلقي الذي هو باب كل شر!
وعليه؛ فقد كان التخفي في الإسلام مطلباً تعبدياً للمرأة في كل شيء؛ حتى
في صلاتها! وبهذا المنطق يجب فهم حديث النبي ﷺ الذي جعل
صلاتها في بيتها أفضل في الأجر والمثوبة من صلاتها في المسجد، على عكس ما
سنَّه للرجل تماماً. وذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «صلاة
المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من
صلاتها في بيتها!» [١٤] وأوضح منه قوله ﷺ : «لأن تصلي
المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير
لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في
المسجد» [١٥] .
وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي؛ أنها جاءت النبي صلى الله عليه
وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: «قد علمت أنك تحبين
الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في
حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد
قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي!» ، فأَمَرَتْ؛
فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله
[١٦] .
كل هذا التخفي في العادات والعبادات؛ إنما هو لحفظ جمالية الحياء. ذلك
المقصد الذي يشكل سراً من أسرار الجمال في الأنثى!
وبهذه النصوص والمقاصد؛ يدرك المتبصر مقدار المخالفة الشرعية، في
جمالية الحياء والتخفي، بين مثال المرأة المسلمة وبين حالها في واقعها المعاصر!
فانظر - رحمك الله - كم هي بذيئة حالة الاستعراض التي تمارسها المرأة اليوم
على الملأ، في الشوارع والأماكن العامة، تقليداً لعادات اليهود والنصارى! بل
لقد وصل الجهل بمثل هذه الحقائق إلى أن صار كثير ممن ينتسبن إلى التدين
والعفاف؛ لا يجدن حرجاً في الخروج مع أزواجهن، مشياً على هيأة من التغنج
الفاضح، والتلاصق المخجل! خاصة الأزواج الحديثي العهد بالزواج. وكأن
كونهما مرتبطين بعَقد شرعي كاف لتسويغ حالة الاستهتار الخلقي التي يمارسانها
على الملأ، من التخاصر والتمايل. فما بالك بمن دونهما من الساقطين والساقطات!
لقد فقد الناس الإحساس بالحياء! وفسدت أذواقهم إلا قليلاً!
- ثالثاً: قيم جمالية الأمومة:
الأمومة في الإسلام مفهوم خاص، وكذلك سائر مفاهيم الأسرة، كالأبوة،
والبنوة، والعمومة والخؤولة ... إلخ.
يخطئ من يظن أن تلك المصطلحات كما وردت في النصوص الشرعية، من
كتاب وسنة، هي بالمعنى البيولوجي التناسلي فقط! كلا! إنها مفهومات تعبدية!
فالأبوة بالمعنى الجنسي، أو الأمومة بالمعنى التناسلي؛ كلاهما مفهوم بيولوجي له
دلالة جنسية، يشترك فيها بالتساوي الإنسان مع سائر البهائم، والحيوانات الأهلية
والوحشية!
إن المفهومات الأسرية في الإسلام لها دلالة متفرعة عن مفهوم (الرَّحِم)
بمعناه الإسلامي. و (الرحم) مصطلح قرآني أصيل، مشتق من (الرحمة) ،
يدل على معنى ديني مقدس في الإسلام، وهو الرابطة التعبدية التي تربط الناس
فيما بينهم؛ بعلاقات تناسلية مبنية على مبادئ الشريعة، فلا يدخلها من الفروع
والأصول إلا من كان نتاج عقد شرعي كامل!
ومن هنا فقَدَ الزاني مفهومَ (الأبوة) لما وُلِدَ له في الحرام؛ فلم يكن (أباً)
بهذا الاعتبار! ولذلك لم يَجُزْ أن يلحق ابن الزنى بأبيه البيولوجي في أي شيء؛
نسباً وإرثاً! لأن الأب في الإسلام إنما هو من كان له ولد شرعي من عقد شرعي.
والأصل في ذلك أن الله تعالى جعل الرحم التي هي رابطة الأسرة في الإسلام؛
مَعْنىً تعبدياً لا يجوز انتهاكه بتغيير أو تبديل، ولا بقطع صلة؛ أي قطع
العلاقات بين الفروع والأصول، رأسياً أو أفقياً. بل جعل صلتها عملاً تعبدياً
كسائر العبادات الأخروية المقرِّبة إلى الله تعالى. وجعل رتبتها التعبدية مقرونة في
القرآن بتقوى الله ذاته جل وعلا. وذلك قوله سبحانه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا
اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] (النساء: ١) .
وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي:
«قال الله تعالى: أنا خلقتُ الرحمَ وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه،
ومن قطعها قطعتُه، ومن بتَّهَا بتَتُّه!» [١٧] ، ومثله قوله ﵊:
«الرَّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُه!»
[١٨] ، والشُّجْنَةُ هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق والأغصان. وفي صحيح
مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من
وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله!» [١٩] ، فتجاوز مفهوم (الرحم) أن
يكون مجرد غشاء من اللحم في بطن المرأة لحمل الجنين، بل تعدى هذا المفهوم
للدلالة على العلاقة التعبدية بين أفراد الأسرة من الأصول والفروع رأسياً وأفقياً.
وهذا سر القوة والصمود في بقاء الأسرة بالمعنى الإسلامي عبر التاريخ، رغم كل
أشكال التذويب الثقافي الذي تعرض له المسلمون في كل مكان!
إن الرحم نفسها بالمعنى البيولوجي، أي الغشاء الجنيني، هي راجعة في
الاشتقاق اللغوي إلى معنى (الرحمة) ؛ لما تتسم به الأم من هذا المعنى العظيم كلما
حملت؛ فكانت لذلك مورد العطف والحنان! وإنما الرحمة من الله الرحمن الرحيم.
هو جل وعلا يخلق ما يشاء كما يشاء.
وللدكتور عبد الوهاب المسيري تحليل دقيق للحركة النسوية في العالم العربي،
يرجع به في نهاية المطاف إلى فضح الرغبة الغربية في تدمير نظام الأسرة
الإسلامي؛ لما ذكرنا من اعتبارات، يقول: «والعالم الغربي الذي ساند الدولة
الصهيونية التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسياً وحضارياً يساند بنفس
القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا ... فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية
المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة
وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد.
كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى
تماسكها، والذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادراً على
توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم
يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم ... وإذا
كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في
الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب
المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي ... ، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق،
والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها!
بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة! وإذا انسحبت المرأة من
الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري
والهيمنة الغربية!» [٢٠] .
ومن ثَمَّ حازت الأم في الشبكة الأسرية موقعاً مركزياً، لا يدانيها فيه أحد،
ولذلك قال الله ﵎ في القرآن العظيم: [وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ]
(لقمان: ١٤) ، فهو وإن وصى الإنسان بوالديه معاً؛ إلا أنه خص الأم بذكر
وظيفتها البيولوجية والنفسية والتربوية؛ فكان لها بذلك خصوص تمييز، لا يلحقه
الأب. وهو صريح قول النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة - رضي
الله عنه - قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول
الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك.
قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك» [٢١] .
ومن هنا كان للأمومة جمالية خاصة في الإسلام، تتحقق على المستوى
التربوي في تنشئة الفتاة، وإعدادها النفسي؛ لتملأ الوجدان الاجتماعي كله بالحب
والحنان؛ مما يرسي نوعاً من التوازن السيكولوجي في الأجيال، ويقوي النسيج
الاجتماعي للأمة.
* القسم الثاني: المرأة وسيماء الصورة في حرب القيم:
ونعني بسيماء الصورة هنا صورة الجسم، فكل الأحكام الشرعية الواردة في
الكتاب والسنة، المتعلقة بلباس المرأة؛ إنما هي راجعة إلى الأصل الأول المبين
في الفصل الأول، أي سيماء النفس، فوجب أن تكون الصورة خادمة للنفس وليس
العكس، كما هي فلسفة الحضارة المادية في الغرب اليوم!
* الصورة سيماء حضارية:
يخطئ الذين يظنون أن الصورة بما تحمله من ألبسة وعلامات محايدة لا
انتماء لها. بل هي رمز خطير من أهم رموز الانتماء الحضاري! إنها تعبر عن
تصور ما للحياة والوجود والمصير بصورة واعية، أو غير واعية.
إن العري في الغرب اليوم، عري الرجل والمرأة كليهما، صورة تعبر عن
فلسفة حضارية! فأوروبا وسليلتاها: أمريكا وأستراليا، تختزن مضموناً وثنياً
قديماً، يرجع إلى العهد اليوناني القديم. لقد انهزمت المسيحية يوم تبناها قسطنطين
إمبراطور روما، فانتقلت من الشرق مهدها الأول إلى الغرب؛ ذلك أن الغرب لم
يستطع أن يتخلص من فكره الوثني القديم. فبدل أن تتمسح أوروبا توثنت المسيحية!
أو بدل أن (تتنصر روما ترومت النصرانية) كما قال بعض مؤرخي الملل
والنحل من المسلمين. وهذه أعظم مصيبة في تاريخ الديانة المسيحية! لقد فقدت
طبيعتها الروحية إلى الأبد! قال ابن كثير ﵀: «ثم نبغ لهم ملك من
ملوك اليونان يقال له (قسطنطين) ، فدخل في دين النصرانية. قيل: حيلة؛
ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه،
وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة
الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له
الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام؛ من أجل ذنب ارتكبه
فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين قسطنطين) !» [٢٢] .
إن الفنان اليوناني القديم الذي لا يجد حرجاً في رسم أو نحت الصورة عارية
تماماً، مع العناية الشديدة في نقش الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، في التماثيل
والصور؛ إنما يستجيب لطبيعة الفلسفة الإغريقية القديمة. فكل ذلك له دلالة
التفسير المادي للحياة، والتصوير الغرائزي للإنسان! وهو حس وثني غليظ،
بمقتضاه عبد الإنسان الشهوات السلطانية والمالية والجنسية، سواء في عهد
الفراعنة في مصر، أو في عهد اليونان القديم، حيث الآلهة هي مرجع التفكير،
والاعتقاد الفلسفي والاجتماعي لدى الإنسان. ولذلك كان العهر جزءاً من فلسفة
اليونان، وجزءاً من قيمهم الدينية. وقد فصّل العلامة المودودي في كتابه (الحجاب)
هذا المعنى بما يكفي، لكنا نقتطف منه قوله ﵀: «وتبدلت مقاييس
الأخلاق عندهم، إلى حد جعل كبار فلاسفتهم، وعلماء الأخلاق عندهم؛ لا يرون
في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة، يلام المرء عليها ويعاب! ... وانتشرت
فيهم عبادة أفروديت» Aphrodite «التي كان من قصتها عندهم في الأساطير
» Mythology «أنها خادنت ثلاثة آلهة، مع كونها زوجة إله خاص! وأيضاً
كان من أخدانها رجل من عامة البشر، علاوة على تلك الآلهة. ومن بطنها تولد
كيوبيد» Kupid «إله الحب! نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري!» [٢٣] .
إن هذا المضمون مع الأسف لم تستطع المسيحية في أوروبا أن تقضي عليه،
وإنما تكيفت معه وتبنته؛ استجابة لمحاباة الإمبراطور من جهة، واستجابة للعرقية
الغربية اليونانية القديمة من جهة أخرى. ولكن الذي حدث هو تحول الأوثان من
صورة إلى صورة! فبدل أن تصور الآلهة اليونانية شرعت في تصوير الآلهة
المسيحية! فظهرت صورة العذراء وصورة المسيح ﵇ زعموا
وصور القديسين! وأثقلت بها الكنائس في كل مكان! وصار للمسيحية تجل وثني
مع الأسف! هو الذي تطور ليعري الصورة البشرية الحية في الغرب اليوم كاملة!
فتوجهت العقلية الغربية إلى التعري في كل مجالات الحياة! ومن هنا شهد الغرب
ثقافة العري التي طبعت أدبه وفنونه، ومن ثم صدرها إلينا مع المثقف العربي
المصنوع على النمط الأوروبي!
ولذلك فليس عبثاً أن يتجه الفن الإسلامي في العمارة إلى التجريد بدل التجسيد!
من خلال اعتماد الخط العربي في الزخرفة والتعبير، والأشكال الهندسية
الانحنائية، المتكاتفة والمتعاطفة، نقوشاً وأسواراً وأزقة، كتعاطف المصلين في
الصف خلف الإمام. ثم الأشكال التجريدية في الأعمال من صيام وقيام. كل ذلك
لأن التجريد هو الفضاء الأقدر على التعبير عن عقيدة التوحيد.
إن حركة العري الجنسية في الغرب اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي للانتماء
الحضاري اليوناني القديم! فهي تحمل في طياتها تقديس الشهوات، وعبادة الملذات.
وبذلك صار للجسم / الصورة سلطة كبيرة في بناء التصورات وصناعة القرارت،
في السياسة والتجارة والإعلام! وتلك هي الوثنية في صورتها الجديدة!
* الصورة سيماء إعلامية تجارية:
وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية
الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزًا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات
المختلفة، من خلال أبعاد صورتها الجسمانية، وما يتداعى عنها من غرائز جنسية،
تستدعيها في نفسية المشاهد والمتلقي؛ ليكون بعد ذلك أحد المستهلكين للبضاعة
التي مرت إلى عقله عبر قناة الجسد، جسد المرأة المشتهى!
إن هناك شيئاً يمكن تسميته بعلم النفس التجاري! لكنه (علم) - إن صحت
العبارة - نشأ في بلاد لا تعرف معنى لمفهوم الحرام! بل إنما تفتقت عنه عبقرية
الشيطان اليهودي أساساً؛ ولذلك فقد جاء يحمل كل خصائص الرأسمالية المتوحشة.
فصار صناعةً تستغل كل شيء، وتضحي بأي شيء: الدين والأخلاق والأعراض
والقيم الإنسانية جملة؛ من أجل الوصول إلى غاية واحدة: هي الربح! فكان أن
وظف السيمياء الأكثر تأثيراً في نفسية المستهلك الشهواني، وهي: جسد الأنثى،
في صورته الجنسية!
فكانت هذه الصورة - مع الأسف - هي القناة الإشهارية الأولى، لكل
البضاعة العالمية، من السيارة حتى الحذاء! ولم تعد صورة المرأة في الواقع
النفسي التجاري العالمي؛ تتجاوز معنى مومياء البلاستيك المعدة لعرض الأزياء
على قارعة الطريق!
والصورة سيماء سياسية: وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة
بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في
الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصورة العارية من خلال الأدب،
والثقافة، والفن السينمائي، والمسرحي، والألبوم الغنائي، والموديل الفتوغرافي،
وموضة الشارع المتحركة، حتى نمط العمل الإداري! كل ذلك لتدمير بنية التدين
في المجتمعات الإسلامية، هذه البنية التي تعتبر خميرة ما يسمى (بالإسلام
السياسي) باصطلاح أعدائه، أو (الصحوة الإسلامية) ، أو (حركة تجديد الدين) ،
باصطلاح أبنائه. لقد استُغل السلاح النسوي استغلالاً خطراً، في إعادة صياغة
الأسرة؛ وفق المقياس الأوروبي وقيمه الحضارية، ونقض أصول بناء الأسرة في
القرآن بالتدريج. كل ذلك يحصل اليوم من خلال وسائل من أخطرها التطبيع على
تداول الصورة العارية كموضة متحركة في بنية المجتمع العربي والإسلامي! [٢٤]
* والصورة سيماء قرآنية:
ومن هنا لم تكن عناية الإسلام بالصورة الجسمية فارغة من أي مضمون، أو
مجرد شكليات، وجودها كعدمها، كلا! بل هي أيضاً تعبر عن انتماء حضاري،
وموقف عقدي، ورؤية وجودية. إنها عمق مذهبي، والتزام ديني [٢٥] . ولذلك
فليس عبثاً أن تجد القرآن نفسه وهو أعظم مصدر ديني في الإسلام ينص على
قواعد اللباس، وقواعد التصرف الصوري (نسبة إلى الصورة) ، على سبيل
الإلزام حيناً، وعلى سبيل الإرشاد حيناً آخر.
إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم وزوجه
حواء ﵉، حيث كان لباس الجنة رمزاً للرضا الإلهي، وبمجرد
ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! فالعري هو رمز التمرد على الخالق. إنه
إذن رمز الشيطان! قال : [فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ
يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا
وَلاَ تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ
يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى] (طه: ١١٧-١٢٢) .
إن هذه الآيات تلخص قصة اللباس كيف بدأ في تاريخ الإنسان وفي تاريخ الدين
كله. فآدم وزوجه ﵉ كانا على تمام النعمة في الجنة، أَكْلاً وشُرْباً
ولباساً. فقوله تعالى: [وَلاَ تَعْرَى] ؛ دال على أنه ﵇ كان يتمتع
بلباس الجنة هو وزوجه. قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «فأعلمه أن له في
الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن» [٢٦] . وقال ابن كثير في
تفسير قوله تعالى: [إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى] : «إنما قرن بين الجوع
والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر» [٢٧] . وقوله: [وَلاَ
تَضْحَى] ؛ أي لا تتعرض لحر الشمس. فهو في ظلالها وجمالها.
فصرح القرآن العظيم بعلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه؛ أنها الرغبة في
تعريتهما التعرية التامة! حتى تظهر لهما سوءاتهما، فيريان ذلك من أنفسهما معاً!
وليس أبعد في المنكر والخزي من أن يتعرى الإنسان، ويكشف عن عورته على
ملأ الناس! إذن تمسخ طبيعته التي فطر عليها، من رتبة الإنسانية إلى دَرَك
البهَمِيَّة، كما هي معظم شوارع هذا الزمان وتلفزيوناته! صحيح أن آدم وزوجه
إنما كانا وحيدين في جنسهما آنذاك؛ إذ هما أول الخلق البشري. ولكن قصة آدم
إنما كانت لوضع أصول التربية الفطرية للإنسان، والعهد إليه بميثاقها.
فالشيطان سعى قصداً إلى نقض هذه المقاصد، وتعرية الإنسان وتطبيعه على
التعري، وخرق الحياء كقيمة إنسانية. ولذلك قال في سورة الأعراف
مبيناً: [فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا
نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا
إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا
وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ
وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ] (الأعراف: ٢٠-٢٢) .
ومن هنا كانت الآية البصيرة وكل آيات القرآن بصائر الآية التي تحكم منطق
اللباس في الإسلام، وتوجهه، وتمنحه مضمونه المقاصدي بالشمول الكلي، تحيل
تعليل فطرة اللباس وطبيعته الإسلامية على قصة آدم نفسها، لكن بوضوح أبين،
ودلالة أقوى، وهي قوله تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ
وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا
إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ]
(الأعراف: ٢٦-٢٧) .
والذي نفسي بيده! لو تدبرت النساء اليوم هذه الآية وحدها لكفتهن! ولكن
أكثرهن مع الأسف عَمْياوَاتُ القلوب، [فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ
الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) .
ومن جمالية التعبير القرآني بهذه الآية البصيرة؛ أنه تعالى ذَكَر لباس الثياب،
ثم كنَّى عنه بالريش؛ وذلك لما للطائر من جمال؛ إذ ينطلق بريشه محلقاً في
الفضاء، أو مستقراً على الشجر، أو ماشياً على الأرض. وما أتعسه من طير فَقَدَ
ريشه! أو نتفه مَنْ يعذبه به! ألا ذلك هو العذاب الأليم! وقرن تعالى هذا كله
بلباس التقوى، وإنما القصد (بلباس التقوى) صلاح النفس، لا اللباس المادي
الظاهر، ولكنه هنا سيق ليكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد
الأساس من تشريعه، فإنما اللباس ما عبَّر عن ورع صاحبه وتقواه؛ ذكراً كان أم
أنثى.
ومن ثَمَّ كان العهد الذي أخذه الله على الإنسان بعدم عبادة الشيطان؛ يعود بنا
إلى قصة العري والعصيان الآدمي، وذلك قول الله ﷻ : [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا
بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ]
(يس: ٦٠-٦١) . فكان الالتزام باللباس نوعاً من الوفاء العَقَدي لعهد الله وعدم
الإشراك به، كما كان التعري نوعاً من الشرك والوثنية! لما فيه من إبراز وتقديس
للجسمانية على حساب الروحانية؛ ومن هنا كانت أحكام اللباس في الإسلام متأصلة
في عقيدة التوحيد! وهذا معنى من ألطف ما يكون، وسر من أعجب أسرار القرآن..
فتدبر!
في هذا الفضاء الكوني القرآني إذن؛ جاءت آية سورة الأحزاب في فرض
نموذج لباس المرأة: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً]
(الأحزاب: ٥٩) ، وآيات سورة النور التي منها قوله تعالى: [وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ] (النور: ٣١) .
وفي هذا الفضاء أيضاً جاء تمييز الرجال بألبستهم وصورهم، صحيح أن
الإسلام لم يفرض نموذجاً عربياً أو عجمياً للباس، ولكنه فرض قواعد يجب أن
تُحترم؛ سواء كان اللباس عربياً أو عجمياً، وقد لبس رسول الله صلى الله عليه
وسلم اللباس العجمي وأقره بين الصحابة، كالقَبَاطِي والجبة الرومية، وغير ذلك
[٢٨] ؛ ما دامت تلك الألبسة لا تحمل دلالة دينية رمزية لغير المسلمين من ناحية،
وما دامت من ناحية أخرى تستجيب لقواعد اللباس الرجالي في الإسلام.
فالأمر الوارد بإعفاء اللحية بصورة مخصوصة لا بأي صورة، وكذا الأمر
بالتزام قواعد معينة عند كل لباس؛ كل ذلك يخدم هذه الأصول التشريعية والعقدية
المنطلقة من قصة آدم، والساعية إلى تمييز الإنسان المسلم عن عالم الخطيئة
والعصيان الشيطاني، الذي انحدرت إليه أمم المجوس وأهل الكتاب من اليهود
والنصارى. فقوله ﷺ مثلاً: «خالفوا المشركين! أحفوا
الشوارب وأوفوا اللحى!» [٢٩] ، وفي رواية لمسلم: «خالفوا المجوس» ؛ ليس
لتشكيل صورة قائمة على مجرد فن الديكور! كلا! بل هو لتمييز الصورة
الإسلامية في سيميائها الحضارية، وانتمائها العقدي. إنها تعبير عن التبرؤ من
النموذج الشيطاني الذي جر إليه إبليس اللعين الأمم الضالة لتغيير خلق الله، كما
حكى عنه القرآن العظيم مفصلاً بشكل عجيب! قال تعالى: [إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً
مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ
خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً] (النساء:
١١٧-١١٩) .
ومن ذلك حديث أبي أمامة قال: «خرج رسول الله ﷺ
على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال:» يا معشر الأنصار، حمّروا
وصفروا وخالفوا أهل الكتاب! «قال: فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب
يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله ﷺ :» تسرولوا
وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب! «قلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يَتَخَفَّفُونَ
ولا ينتعلون! [٣٠] فقال رسول الله ﷺ :» فتخففوا وانتعلوا
وخالفوا أهل الكتاب! «فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عَثَانِينَهُمْ
(يعني: لحاهم) ويُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (يعني: شواربهم) ! قال: فقال النبي صلى الله
عليه وسلم:» قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم! وخالفوا أهل الكتاب! « [٣١] .
وبهذا القصد نهى الرجال عن إسبال الثوب، وإرخائه إلى ما تحت الكعبين
من الأقدام؛ لما كان يدل عليه من خيلاء وكبر في عادات العرب، فقال صلى الله
عليه وسلم:» ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار! « [٣٢] . وقال صلى الله
عليه وسلم مبيناً علة ذلك:» مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة «
[٣٣] . ولنكتف بهذه الإشارات فيما يتعلق بسيمياء اللباس لدى الرجل؛ حتى لا
نخرج عن غرض هذا المبحث المتعلق بسيمياء المرأة على الخصوص. وإنما
القصد أن نبين أن اللباس عموماً في الإسلام، سواء منه ما تعلق بالرجال، أو ما
تعلق بالنساء، له دلالة سيميائية ترجع في رمزيتها إلى مقاصد دينية تعبدية،
تضرب حقيقتها في عمق التصنيف الاعتقادي، وتتشكل صورتها في صلب الانتماء
الحضاري، والتميز الثقافي.
* العري كبيرة من الكبائر:
فمن هنا إذن؛ كان الوعيد النبوي شديداً بالنسبة للمتعريات من المسلمات،
ففي هذا الإطار السيميائي، والسياق الحضاري؛ جاءت الأوامر القرآنية والنبوية
بالتزام صورة معينة للباس لدى النساء. وأنكر الرسول ﷺ إنكاراً
رهيباً تعري المرأة. والعجيب أن ذلك الإنكار تعلق بصورة (كاريكاتورية) للباس
المرأة؛ لم تكن قد ظهرت في زمانه ﷺ ، ولا عرفتها العرب.
وإنما حدَّث عنها ﵊ مطلاً على المستقبل من مشكاة النبوة،
ومستبصراً للغيب، مما علمه الله. أي أنه كان يقرأ زماننا ويبصر عري نسائنا من
قمة زمانه ﷺ ! فأنكر ذلك المستقبل الماضي في علم الله، وحذر
من مجاراته والافتتان به؛ لِمَا عَلِم ﵊ من انتسابه الشيطاني،
وتمرده على رب الكون! فرتب عليه وعيداً شديداً من عذاب الله! وتلك صفة كبائر
الذنوب عموماً في الإسلام، والسياق قاطع بأن هذه منها! وقد اشتهر في ذلك قوله
ﷺ في الحديث الصحيح:» صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ
مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ
مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ
رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا « [٣٤] .
فهذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ ، فقد وصف فيه ما لم يره
بعين البصر، وإنما رآه بعين النبوة، مما سيكون في آخر الزمان وهو زماننا هذا.
فكان وصفه العجيب كأدق ما يكون الوصف؛ لما عليه حال النساء اليوم، مما لم
يسبق له مثيل في التاريخ! فهن فعلاً كما قال ﷺ (كاسيات
عاريات) ؛ بمعنى أنهن يلبسن ما به يكون العري أشد! وهو شيء غريب فعلاً.
ألا ترى أن نوع اللباس الأنثوي اليوم إنما هو لزيادة بيان تفاصيل العورة، ومواطن
الفتنة من الجسم: خِرَقٌ رقيقة أو ناعمة تكشف وتشف، أو ترسم هيأة البدن على
التمام والكمال، وتعري بعضه أو أغلبه تعرية تامة. فإذا المرأة في الشارع تسير
عارية تماماً! إنها لو خرجت بلا ثوب مطلقاً لما فتنت كما تفتن الآن بقليل اللباس؛
مما يكون به عرض مواطن الفتنة في الجسم على أبين وجه، وعلى أدق توصيف!
فأي شيطان هذا الذي يملي هندسة الشر على منتجي الموضة في العالم؟ ذلك هو
قول النبي ﷺ (كاسيات عاريات!) .
ثم إنهن بعد ذلك (مائلات مميلات) ، ومعناه أنهن مائلات عن الصراط
المستقيم أولاً، ثم هن مائلات في مشيتهن بالطرقات، يَسِرْنَ بنوع من الانحناء إلى
شمال تارة، وإلى يمين تارة أخرى؛ إمعاناً في عرض أجسامهن العارية بأوضاع
مختلفة، في المعرض المفتوح لأجساد النساء! ماذا بقي بعدُ من الكرامة لهؤلاء؟
وأما كونهن (مميلات) فهو أنهن يملن أعطافهن وأردافهن إذا مشين بتكسر ماجن،
وتعهر فاضح. و (الإمالة) أيضاً هي أثر ذلك كله على قلوب الشباب خاصة،
وقلوب الرجال عامة، من التأثير الشيطاني والغواية الإبليسية التي تميلهم عن
الصراط المستقيم، وتخرجهم عن سبيل الهدى إلى سبل الضلال، وتخرجهم من
النور الظلمات، أو من الظل إلى الحرور!
ثم هنّ كما قال ﷺ :» رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ «،
ومعناه أن طريقة قص شعرهن، وشكل حلاقته؛ تجعل رؤوسهن أشبه ما تكون
بأسنمة البُخْت المائلة. والبُخْت: جمع بُخْتِية، وهي الناقة. لكنها نوع خاص من
الإبل، مُنَسَّلَةٌ من الجِمال العجمية. والأسْنِمَةُ: جمع سنام، وهو ذروة الناقة.
وكثيراً ما تكون ذروة الناقة، أو الجمل؛ فعلاً مائلة إلى جانب معين، ثائرة الوبر،
متناثرة الشعر، بشكل وحشي، أو قل (فوضوي) بالمعنى الفني المعاصر للكلمة!
أليس النساء هنّ كذلك فعلاً؟ بلى والله! وبالضبط كما وصفهن النبيُّ! فَعُدَّ أنواع
القَصَّات في حلاقة الموضة الجهنمية اليوم! لترى مدى صدق الرسول صلى الله
عليه وسلم في الوصف الاستبصاري النبوي! عُدَّ إذن: القَصَّةَ المربَّعة! وقَصَّةَ
الفرس! وقَصَّةَ الفتى! (للبنات طبعاً!) والقَصَّةَ الإيطالية! والقَصَّةَ الوحشية ... !
إلى آخر ما في جعبة إبليس من تحليقات شيطانية! ذلك هو والله! وصف
الرسول ﷺ لهنّ: (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ) ! وصدق
نبي الله ﷺ .
فإذا أضفت إلى هذا ما أخبر به ﵊ في بداية هذا الحديث،
وهو الصنف الأول من أهل النار، أي: (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ
بِهَا النّاسَ!) رأيت ما يسمى في العصر الحديث بـ (قوات مكافحة الشغب) ،
ورأيت (جلادي السجون) ، وشرطة الاختطافات والاستنطاقات القسرية، ورأيت
كيف يحملون معهم هراواتهم وسياطهم، وسائر أدوات التعذيب الميكانيكية
والكهربائية؛ لتحطيم جماجم المستضعفين، وتهشيم عظام المظلومين في كثير من
بلاد العالمين! مما لم يدر بخلد شياطين العهد النبوي! إذا أضفت ذلك إلى ذلك؛
علمت دقة التصوير النبوي لمدى خطورة الانحراف الذي عليه المرأة المسلمة اليوم!
فاقرئي الحديث - بُنَيَّتي - مرة أخرى، وتدبري! أليس كان عليه الصلاة
والسلام ينظر إلى زماننا هذا بالضبط، وبدقة متناهية؟ أليس كان ينظر من مشكاة
النبوة إلى غيب يبعد عنه ﷺ بأزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان؟
بلى والله! وقطعاً ستصدق نذارته كما صدقت نبوته. وإنما نذارته هنا هي قوله
عن الفريقين: إنهم جميعاً: (صنفان من أهل النار) ، وأن النساء الكاسيات
العاريات: (لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا
وَكَذَا) ! أي أنه كان يصف البعد الرهيب الذي يفصل بين هؤلاء النسوة وبين ريح
الجنة؛ لِمَا هن هاويات فيه من دركات الجحيم الضاربة في أعماقها والعياذ بالله!
ولقد روي هذا المعنى بنبوءات أخرى عجيبة، في أحاديث صحيحة، تتحدث
عن موديلات السيارات الفاخرة التي تركبها النساء العاريات! فأبصَرَ منها النبي
ﷺ لقطة فيها من التناقض السلوكي، والانفصام النفسي
والاجتماعي؛ ما نراه اليوم عياناً! وهو ذهاب هؤلاء الكاسيات العاريات مع
أزواجهن إلى المساجد للصلاة أحياناً! زعموا! وهو ما يقع خاصة يوم الجمعة،
وأحياناً لا يذهبن للصلاة، وإنما يتبعن موكب العرسان، على عادة بعضهم في
إدخال العريس إلى المسجد، في جوقة من الزغاريد والغناء، والعري الفاضح
الماجن. وهذا أمر نشاهده اليوم في مصيف الأعراس، في بعض المساجد المغربية!
وهو من أقبح البدع وأسوئها! اقرأ هذا الحديث النبوي العجيب، وانظر إلى تلك
السيارات الموصوفة منذ أزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان!
قال ﷺ :» سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على
سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات،
على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف! العنوهن فإنهنّ ملعونات! لو كانت وراءكم
أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم! كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم « [٣٥] .
وروي بلفظ آخر هو قوله ﷺ :» يكون في آخر هذه الأمة رجال
يركبون على المَياثِرِ [٣٦] ؛ حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات،
على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم
أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم! « [٣٧] .
فتدبر هذا الخطاب الرهيب، والوعيد الشديد في قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (العنوهنّ فإنهنّ ملعونات!) ما كان ليكون ذلك كذلك؛ لو لم يكن التعري
خطيئة من أبشع الخطايا، وأخسها! ولو لم يكن مسخاً للفطرة الإنسانية، وتغييراً
لخلق الله في السلوك النفسي والاجتماعي! إنه سيمياء الشيطان!
فالسِّتْرَ السِّتْرَ بُنَيَّتي! فإنه سيماء الرحمن! قال ﷺ :» إن
الله تعالى حَيِيٌ سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر! « [٣٨] .
* خاتمة:
والخلاصة في هذه المسألة أنه يمكنك القول: إن هيأة المسلم في لباسه
ومظهره رجلاً كان أو امرأة هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة (صلاة)
من معاني السير إلى الله خضوعاً وخشوعاً.
إن سيماء الصورة في الإسلام لغة كاملة؛ لغة من لغات الصلاة المودعة في
أسرار هذا الملكوت! إنها تعبير عن منطق الطير، وصحف إبراهيم، وألواح
موسى، ومزامير داود وإنجيل عيسى، وآيات هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على
محمد ﵊، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ذلك الدين الواحد،
ضل عنه المحرفون الذين بدلوا، وغيروا خلق الله، ونبذوا ستر الله، وانحازوا
لعري إبليس! فهدى الله المسلمين إلى جمال الستر. ولكن أكثرهم اليوم مع الأسف
لا يعقلون!
стр. 4764
ملفات
مستقبل التربية على القيم
في ظل التحولات العالمية المعاصرة
د. خالد الصمدي [*]
عرف الفكر المعاصر تدافعاً بين التيارات الداعية إلى علمنة المجتمع، وفصل
الدين عن الدولة؛ بتسويغ الحداثة والانخراط في العالمية الاقتصادية والثقافية،
بعيداً عن القيود الدينية، وبين التيارات الداعية إلى التمسك بأصول الهوية
الإسلامية، والانفتاح الموزون على التجارب العالمية الإيجابية، والتي تستوعبها
مقاصد الشريعة الإسلامية، بما تكفله من رقي حضاري بمختلف أشكاله؛ اعتماداً
على مبدأ الاستخلاف.
وقد وجدت هذه الدعوات تجلياتها وآثارها في المجتمع المسلم، في مجالات
الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رصدتها كتابات ودراسات وتحليلات،
ركَّزت على تتبع مختلف مداخل التأثير في الهوية الحضارية للشعوب الإسلامية،
فأجمعت على خطورة مدخل التربية والتعليم في هذا التدافع، بين مختلف المداخل
القيمية المؤطرة لتصورات الأجيال، والموجهة لقناعتهم وأفكارهم على المدى
المتوسط والبعيد. ويكفي أن تقرأ فصولاً من كتاب (واقع العالم الإسلامي بين
تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين) لسعيد عبد الحكيم زيد؛ لتقف على
معطيات تاريخية وشهادات ووثائق مهمة، تثبت خطورة تركيز المخططين للسيطرة
على العالم الإسلامي على ملف التربية والتعليم، بدأ بما سمي بإصلاح معاهد التعليم
التقليدية كالأزهر والقرويين، وتغيير مناهج التعليم بفصل العلوم الشرعية عن
العلوم التجريبية، وإنشاء معاهد التعليم الغربية، ونشر البعثات الأجنبية، ودعم
المراكز الثقافية الغربية أو المتغربة.
وقد قدم الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي دراسة قيّمة، رصد فيها نشأة
العلمانية وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، وخصص الفصل الثاني
من الكتاب لمظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، ومنها مجال التربية والثقافة،
مستعرضاً اللحظات التاريخية ومخططات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي. بدأ
بمرحلة ما بعد الحروب الصليبية، مبرزاً وسائل وطرق تغيير برامج ومناهج
التعليم، وطرق ووسائل التدريس بين التعليم الأصيل والتعليم العصري،
المستحدث في مصر وسوريا والمغرب؛ بدعم من الدول المستعمرة. والنتيجة
يقول مؤلف الكتاب: «نشأة جيل مقطوع الصلة بدينه، مفتون بالغرب وتياراته
الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد، هو تحللها من الالتزام بالدين» [١] .
كان ذلك نتيجة طبيعية للفصل بين العلم والأخلاق، ستجد آثارها السلبية في
الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على المستوى العلمي، كما نرى
ونشاهد في عصرنا الحاضر.
وقد بيَّن الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق) وضعية
الانفصال بين العلم والأخلاق، منتقداً موقف العقلانية من القيم الخلقية، حيث يقول:
«تزيد معارضة هذه العقلانية للاعتبار الديني درجة على معارضة أختها
التنظيمية له، ذلك أنها لا تقتصر على إسقاط القيم الأخلاقية، وإنما تتعداه إلى
إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية، ومعلوم أن الأصول الأخلاقية هي جملة المعايير
والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية تَوَلُّد الفرع من الأصل،
فلما كانت العقلانية الانتظامية تسعى إلى إنشاء بنية أخلاقية جديدة للإنسان، فقد لزم
أن تقوم الأصول الاصطناعية الأولى التي تضعها لهذه البنية الأخلاقية الجديدة،
مقام الأصول المعنوية الروحية المبثوثة بالخلقة في الإنسان؛ أي أن تقوم مقام ما
يسميه الدين بمعاني الفطرة الإنسانية، وعلى هذا فإن عقلانية الانتظام تطلب في
نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان» [٢] .
وقد أحس العالم اليوم، سواء الإسلامي أو الغربي، بخطورة هذا الانفصال
بين التعليم والقيم، وأخذت كثير من الأقلام التربوية تدعو إلى إعادة الصلة بينهما
لما لذلك من تأثير في إعادة بناء الإنسان، فالغرب هو الذي دعا في نهاية القرن ١٩
إلى ضرورة الفصل بين التعليم والدين، بل وصدر مرسوم بذلك في ٢٣ فبراير
١٩٢٣م، وبصدوره اختفت من البرامج الرسمية كل الواجبات تجاه الإله، وظلت
المدرسة مستقلة عن كل تعليم ديني [٣] .
غير أنه لم يكد القرن العشرون ينتصف حتى كان هذا الفصل قد أحدث
انعكاسات تربوية سلبية على الواقع التربوي والأخلاقي عند التلاميذ والطلبة في
المجتمع الغربي، الشيء الذي دفع «فيلبس كوبس» في كتابه (الأزمة التربوية
العالمية) للقول: «إن الاضطراب الثقافي الذي نجم عن الثورات العلمية والتقنية
الأخيرة جعل من التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة، ففي القرن التاسع
عشر كانت هذه التربية تشكّل قاعدة البرامج التعليمية في سائر بلاد أوروبا وأمريكا
الشمالية، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائداً، كما أن الحركة العمرانية
الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسرية متينة، والاعتقادات
والمؤثرات الدينية قوية ... لكنه ابتداء من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ
١٩٣٠م، حصل تغيير جذري في المناخ الاقتصادي والسياسي والتربوي، كان من
نتائجه أن اعتبرت التربية الأخلاقية أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخية،
وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرسين والمشرفين على التعليم، وظلت على
هذا النهج حتى نهاية السبعينيات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافي المشار إليه آنفاً
محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعية التي أقلقت بال السياسيين والمشرعين
والمشرفين على المدارس وأولياء الأمور.
وإذا كان هذا التوصيف لأزمة التعليم عند فصله عن القيم قد ظهر في الغرب
وتحدث عنه علماء التربية؛ فإن كثيراً من الباحثين في العالم الإسلامي يحذّرون من
هذا الفصل بين التعليم والقيم في التجارب التعليمية والنظم التربوية. يقول الدكتور
محمود محمد سفر:» إن من الحق أن نقرر: أن التعليم نشأ في أقطار العالم
الإسلامي نشأة كان التعليم الديني فيها هو نقطة الارتكاز؛ إذ كانت له حلقات
ومدارس اتخذت من المسجد منطلقاً ومقراً، وقد تطور التعليم الديني من حيث
مناهجه في شتى أقطار العالم الإسلامي فعلاً مرة وسمق، وهبط أخرى وتأخر،
ولكنه استمر على كل حال يشكّل الحياة العامة للمسلمين، حتى دقت نواقيس
الحضارة الأوروبية وجلبت معها بخيلها ورجلها العلم الأوروبي، وانبهر المسلمون
بما حققه هذا العلم الأوروبي ... ومن هنا بدأ صراع صامت بين أسلوب التعليم
القديم وبين الأساليب الحديثة، واستقر الرأي في كثير من ديار الإسلام أن تترك
معاهد التعليم الديني على مناهجها، ونتجاوزها بتقديم العلم الحديث بأساليبه
ومناهجه في معاهد جديدة ... إن ازدواجية التعليم في العالم العربي والإسلامي
مشكلة يجب إعادة النظر فيها؛ من أجل نظام تعليمي موحد ينبثق عن أحسن ما في
القديم وأفضل ما في الحديث « [٤] .
وبهذا تلتقي النداءات التربوية بضرورة عودة المؤسسة التعليمية إلى ممارسة
دورها في التعليم إلى جانب ترسيخ القيم الحضارية للمجتمع؛ لأن كل البلدان ترى
في المدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على صياغة المجتمع، وذلك بالحفاظ على
ثقافته وقيمه، كما تعمل في الوقت نفسه من أجل تجديده، وذلك عن طريق
استيعاب ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من رقي وتقدم في مجالات مختلفة،
مثل العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال [٥] .
وهكذا يظهر الارتباط الوثيق بين التربية والمجتمع؛ في كون التربية الأداة
الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توظفها المجتمعات والجماعات
البشرية للمحافظة على استمرارها، وإعادة إنتاجها الاجتماعي والثقافي من جهة،
ولتجديد مقوماتها وتطويرها الذاتي من جهة ثانية [٦] .
وهكذا تعبر مختلف النداءات والدعوات بمصطلحات مختلفة (التعليم والقيم،
التربية القديمة والتربية الحديثة، التربية والمجتمع) عن ضرورة إعادة تشكيل هذه
العلاقة في نسيج موحد المقاصد والأهداف حتى تحقق النظم التعليمية رسالتها [٧] .
إننا في حاجة إلى إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، لإعادة التعليم إلى
حضن التربية كجزء منها، وكوسيلة لتحقيق عبادة الله في الأرض وخلافته فيها.
فكيف صاغ الإسلام نظريته التربوية المستجيبة للفطرة، الثابتة في الأصول
والمقاصد، المستوعبة للمتغيرات في الطرق والوسائل؟ ذلك ما سنحاول عقد
مقاربة له من خلال المحاور الآتية:
- سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة.
- نظام التعليم مدخل التربية على القيم.
- نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية.
* سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة:
في خضم التحولات التي يعرفها العالم المعاصر؛ أصبح سؤال الهوية يطرح
نفسه بحدة، وأصبح الحديث عن الخصوصيات الثقافية زمن العولمة مثار جدل
واسع في أوساط المهتمين بالمسار الحضاري لكل بلد وقطر وإقليم. ويمكننا القول
إن محاولات التنميط الثقافي والاجتماعي بعد النجاح القهري في عولمة الاقتصاد؛
يمر بالضرورة عبر إعادة خلخلة منظومة القيم التي تحفظ لكل بلد خصوصياته،
وهكذا أصبحت النظرة إلى قضايا السكان والتنمية وحقوق الإنسان تأخذ بعدها
الدولي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتجد الأصوات المنادية بالخصوصية
الحضارية للشعوب ترفع أصوات الاحتجاج والاعتراض والتحفظ على كل ما يمس
أسسها العقائدية والفكرية وما لا ينسجم وواقعها، وتحاول أن تستصدر من هذه
المؤتمرات توصية تمكنها من تكييف التوصيات الدولية مع خصوصياتها.
إلا أن الأمر بالنسبة للقيم الإسلامية يتجاوز الحديث عن الخصوصيات
الإقليمية، لكونها قيماً عالمية وكونية على الأقل من الناحية النظرية، وهذا هو
الذي يدفعنا في اتجاه الانتقال من الدعوة إلى مراعاة الخصوصيات إلى الدعوة إلى
حوار الحضارات لبناء حد أدنى من القيم الإنسانية المشتركة.
وحين ننظر إلى الواقع نجد أن الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بالخصوصيات
الحضارية للشعوب التي لا تحمل خصوصيات عالمية، أو الحديث عن حوار
الحضارات، تصطدم بالاتجاه العالمي الأحادي النظرة، المسنود بالقوة الاقتصادية
وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، والذي يدعو الجميع إلى الانخراط في سياق العولمة
بقيمها ومبادئها، فانتقل العالم من حوار الحضارات إلى صراع القيم وإعادة تشكيل
عقل الإنسان وفق أنماط محددة.
ومن هنا أصبح الحديث عن ضرورة إعادة النظر في البرامج والمناهج
التعليمية، خاصة في بعض البلدان الإسلامية التي يُدَّعى أنها ترسخ ثقافة العنف،
والمطالبة بضرورة احترام المواثيق الدولية في صياغة قوانين الأسرة والتعليم
والصحة وغير ذلك مما له صلة مباشرة بمنظومة القيم.
وفرق بين أن تمارس هذه البلدان نقداً ذاتياً تحاول من خلاله إعادة النظر في
منظومة التربية والتعليم بالاستناد إلى منظومة القيم التي تؤمن بها، وبين أن تكون
تحت ضغوط سياسية واقتصادية تدفعها إلى إعادة النظر في منظومة القيم ذاتها،
وتحاول أن تقنع نفسها ومحيطها بضرورة إعادة صياغة سؤال القيم، فتقول: ما
هي القيم التي ينبغي أن تحكم نظامنا التربوي؟ ومن ثَمَّ ما هي القيم التي ينبغي أن
تحكم المجتمع؟
والخيار في نهاية المطاف يسير في اتجاهين:
إما خيار تعزيز منظومة القيم الإسلامية، وذلك عن طريق إعادة النظر في
كيفية بناء المفهومات لدى المتعلم وأساليب ذلك وطرقه، والوسائل العلمية
والمقاربات التربوية والتقنية الكفيلة بإبراز هذه القيم في صورتها الواضحة المشرقة،
وبعدها الإبداعي، وعالميتها المرتكزة على الرحمة بالناس، ودورها في حل
الأزمات والإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر.
وإما خيار الانخراط في منظومة القيم المادية التي تسوّقها العولمة بواسطة
الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، ومن ثَمَّ الذوبان في مسلك حضاري تتشكل
معالمه بعيداً عن أساليب الإقناع والحجاج والحوار والتثاقف، واحترام الاختلاف
والخصوصيات الحضارية للشعوب.
ومعلوم أن كثيراً من المفكرين المسلمين، بل وغير قليل من غير المسلمين،
يدعون إلى ضرورة حماية الخصوصيات الحضارية للشعوب، ويعتبرون أن
التحول في القيم تحول في الذات الحضارية بالضرورة، وأن أخطر ما يغير في
الإنسان قيمه، وأن ما يهدد الكيانات الحضارية لا يكمن في الغزو العسكري ولا في
الأمراض المادية الماحقة، فقد أبيدت أمم بكاملها ولكنها انبعثت من جديد؛ لأن
جذوة القيم كانت لا تزال حية فيها.
وعليه؛ فإن الخيار الأول يبرز إلى الواجهة وتكون الصياغة الصائبة للسؤال
أن تقول: كيف يمكن أن تكون القيم الإسلامية قيماً للتغيير؟ عوض أن تقول:
كيف يمكن تغيير القيم الإسلامية؟
* نظام التعليم مدخل للتربية على القيم:
إذا كان الطفل منذ مراحل نموه الأولى يبني قدراته ومهاراته وقدراته وخبراته
وتصوراته عن طريق التعلم من المحيط كمدرسة أولى أو من التعليم النظامي
كمدرسة ثانية؛ فإن المدخل الطبيعي لتشكيل شبكة المفهومات في ذهنه، ومن ثم
نوع القيم التي توجه سلوكاته ووجدانه، هو ما يُقدم له من أنماط التعلم، وما يشترك
فيه من أنشطة تعليمية تعلمية مندمجة، تشكل في نهاية المطاف المنهاج التعليمي
الذي ترسمه خبرات الكبار للصغار؛ انطلاقاً من الخيارات الكبرى التي تحكم مسار
الأمة الحضاري.
ومن هنا تكمن خطورة نظام التعليم في أي بلد، ودوره في التربية على القيم؛
بدءاً بالفلسفة التي ينطلق منها هذا النظام، وانتهاء بآليات التنفيذ، وبينهما أسئلة
كبيرة؛ من قبيل تحديد مواصفات المتعلم عند نهاية مسار التكوين، والكفايات
المعرفية والتواصلية والمنهجية والتكنولوجية التي يتوقع أن يمتلكها، وهندسة نظام
التكوين بمختلف مسالكه وشعبه، وموقع الوحدات الدراسية المكونة للمنهاج،
ومحتويات هذه الوحدات، ومدى تناغم المفهومات والقيم بشكل أفقي فيها اعتباراً
لوحدة الفئة المستهدفة، وطرق ووسائل التدريس، ومواصفات وخصوصيات
المدرس ومحيط التعلم.. وغير ذلك.
ومعلوم أن إصلاح نظام التربية والتعليم في كل بلد ينبغي أن يكون مساراً
متحركاً بصفة دائمة، وخاصة على مستوى المناهج التعليمية التي تعتبر البوصلة
المتحكمة في باقي عناصر المنظومة التربوية، غير أن سؤال المناهج في بلدان
العالم العربي والإسلامي يتوارى إلى الخلف في كثير من مشاريع إصلاح التعليم،
في حين يتم التركيز على إصلاح المنظومة التقنية وترقيتها، خاصة على مستوى
التجهيزات والوسائل التعليمية، وتوفير الظروف الملائمة للدراسة والتكوين الفني
والتربوي للمدرسين.
إلا أن إعادة النظر في البرامج والمناهج عادت مجدداً إلى الواجهة حين طُرح
سؤال الهوية والتربية على القيم بفعل تحديات خارجية، وخاصة تحت ضغط تنفيذ
توصيات المؤتمرات الدولية، وخاصة المرتبطة بالسكان والتنمية وحقوق الإنسان،
كما هي متعارف عليها دولياً، والإعلانات العالمية المتتالية الداعية إلى حوار
الحضارات، فكيف يمكن إذن التوفيق بين الخصوصيات الحضارية والالتزامات
الدولية؟ وكيف يمكن من خلال ذلك تطوير المناهج التعليمية في ضوء الفلسفة
التربوية الإسلامية وأهدافها مع استدماج كل وسائل العصر وتقنياته في التعليم
والتعلم ونقل القيم؟
إن منظومة القيم الإسلامية قادرة على إنقاذ العالم من شراك المادية القاتلة التي
كتمت أنفاس الغرب قبل الشرق، وسنستعرض خصوصيات هذه المنظومة للدلالة
على قدرتها على تحقيق التغيّر الحضاري المنشود عن طريق التوفيق بين الحاجات
الحقيقية المادية والروحية للبشرية، وما يتطلبه العصر من وسائل وتقنيات في
التواصل تتطور باستمرار.
وقد قمنا بصياغة مشروع متكامل لتأصيل القيم الإسلامية، وبيان طرق
ووسائل إدماجها في مختلف المواد الدراسية في المنهاج التعليمي باعتباره المجال
الأوسع والأخطر لإعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات
القادمة على أسس إسلامية أصيلة توظف كل وسائل العصر وتقنياته المادية
والتربوية.
نقتصر منه في هذا المقال على ما يتعلق بالتأصيل النظري للقيم الإسلامية؛
من حيث مفهومها وأصولها وخصائصها؛ لبيان قدرتها على الاستجابة للتحديات
الحضارية المعاصرة.
* نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية:
أولاً: في مفهوم القيم الإسلامية:
في دراستنا لمادة» قوم «في كتاب» المصطلح التربوي من خلال القرآن
الكريم «؛ وقفنا على استعمالات متعددة للمصطلحات المكونة من هذه المادة، كالقيّم،
والقيّوم، والاستقامة، والقائم وما سواها.
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة في مادة» قوم «:» القاف والواو
والميم: أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة من الناس، وربما استعير في
غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم « [٨] ، وذكر الراغب في المفردات أن
الاستقامة» تقال في الطريق الذي على خط مستو، والإنسان المستقيم هو الذي
يلزم المنهج المستقيم « [٩] .
وقد ورد مصطلح الاستقامة والمستقيم في القرآن الكريم بمعنى الهداية
والطريق المستقيم، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن
يَسْتَقِيمَ] (التكوير: ٢٨) :» أي من أراد الهداية « [١٠] . وقال في تفسير قوله
تعالى: [أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]
(الملك: ٢٢) :» أي على طريق واضح بيّن، والمؤمن يكون في نفسه
مستقيماً وطريقه مستقيمة « [١١] .
قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ] (التكوير:
٢٨) :» أي أن طريق الهداية ميسر لمن يريد « [١٢] .
والتقويم:» هو بيان قيمة الشيء « [١٣] ، وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى
حسن الصورة، والهيئة، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] (التين: ٤) :» أي أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة
وشكل، منتصب القامة، سوي الأعضاء، وحسنها « [١٤] .
وقال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: [فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] (التين: ٤) :
» أي خص الإنسان بحسن التركيب، وحسن التعديل، وحسن الخلق، وحسن
التكوين « [١٥] .
وقال ابن العربي في تفسيرها:» إن الله خلق آدم على صورته، يعني على
صفاته، فإن الله خلقه حياً عالماً مريداً متكلماً ... لذلك فليس لله تعالى خلقٌ هو
أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب! « [١٦] .
والقيوم الدائم القائم بتدبير ما خلق، وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس
بما كسبت حتى يجازيها بعملها. من حيث هو عالم لا يخفى عليه شيء منها،
والقيوم من أسماء الله تعالى، وهو سبحانه القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره [١٧] .
وفي قوله تعالى: [وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] (البينة: ٥) ؛ القيمة القائمة بالحق
والدين المستقيم [١٨] .
وفي سنن الدارمي من حديث عبد الله بن صالح بسنده إلى ابن غنم قال:
» نزل جبريل على رسول الله ﷺ فشق بطنه، ثم قال جبريل:
قلب وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان، محمد رسول الله المقفى الحاشر،
خلقك قيم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة « [١٩] .
وروى البخاري في كتاب الدعوات من حديث ابن عباس:» كان النبي صلى
الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم! لك الحمد أنت نور السماوات
والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك
الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق ... «الحديث [٢٠] .
ففي الحديث الأول قوله:» خلقك قيم «، وذلك بعد تصفية القلب من الدرن
وما يعلق به من الآثام تهيئاً لحمل الرسالة، وكذلك عرف عن الرسول صلى الله
عليه وسلم أنه ما عبد صنماً قط قبل البعثة.
وفي الحديث الثاني بيان لمصدر القيم في الكون، وهو الله تعالى والإنسان
مدرك لحقائق الكون منه. وإلى الله تعالى يرجع الأمر كله بعد حياة الابتلاء التي
تنتهي بالتقويم: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ
المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ١-٢) .
والقارئ لما سبق يدرك أن مادة» قوم «التي يشكّل منها المصطلح الذي
نحن بصدد دراسته تدور حول مصدر القيمة ومسلكها وامتدادها وأثرها وصفاتها،
فالمصدر: هو الله القيوم، والمسلك: طريق مستقيم لا عوج فيه، والامتداد: في
الحياة والكون كله، والأثر: في نفس الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض،
والذي ميّزه بحسن التركيب وحسن التعديل في الهيئة، وأمره بحسن التدبير
والتسيير في التعامل مع المخلوقات المسخرة له عبادة وطاعة للخالق، وصفات
الثبات والدوام والإطلاق وعدم التغيير التي تكتسبها القيم التي زرعها الله في
الإنسان حين نفخ فيه من روحه.
وعليه؛ فإن مصطلح القيم لا ينفك عن هذا المحيط من المعارف الكاملة
المتكاملة، وعلى هذا المعنى تدور تعاريف كثير من الباحثين المعاصرين في مجال
القيم.
يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني:» القيم محطات ومقاييس تحكم بها
على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية
والجماعية من حيث حسنها وقيمتها، أو من حيث سوئها وعدم قيمتها وكراهيتها،
أو في منزلة معينة بين هذين الحدين « [٢١] .
ويقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم:» ويشير مفهوم القيمة إلى حالة عقلية
ووجدانية، يمكن تعرفها في الأفراد والجماعات والمجتمعات من خلال مؤشرات،
هي المعتقدات والأغراض والاتجاهات والميول والطموحات والسلوك العملي،
وتدفع الحالة العقلية والوجدانية صاحبها إلى أن يصطفي بإرادة حرة واعية وبصورة
متكررة نشاطاً إنسانياً يتسق فيه الفكر والقول والفعل يرجحه على ما عداه من
أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما
يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعة ذاتية « [٢٢] .
وحين ترتبط القيم بمنظومة فكرية وعقائدية مطلقة تتمثل في الإسلام؛ فإنها
تستمد قوتها ورسوخها في النفس منه، فتتنفس من هوائه وتنتشر في سمائه ولا تجد
في الواقع حاجزاً يمنعها من الامتداد في ذاتها إلا ما كان من مد وجزر في طبائع
العباد من حيث استعدادهم للقرب منها في حالة الصفاء أو ابتعادهم عنها حين تتراكم
حواجز المادة، وتتوارى إلى رجعة نسائم الروح، فيقول الإنسان: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
رَبِّ لِتَرْضَى] (طه: ٨٤) .
ثانياً: أصول القيم الإسلامية:
منذ أن بعث الله نبيه إبراهيم ﵇ بملة الإسلام؛
كان دعاؤه المبارك لأمته أن يبعث فيها رسولاً يركز فيها قيماً ثلاثة، جمعها قوله
تعالى: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) .
وقد استجاب الله تعالى لنداء نبيه وخليله، فبعث محمداً ﷺ
هادياً ومربياً، وأنزل معه الكتاب والحكمة، قال ﵊:» إنما
بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق « [٢٣] ، ومن هذا المنبع الثّر نَهَلَ جيل الصحابة الكرام
قيم الإسلام، وصنعوا بواسطتها جيلاً حمل راية الإسلام إلى العالم.
وانطلاقاً من ذلك كانت الأصول العامة للقيم الإسلامية ملخصة في ثلاث:
- القرآن الكريم.
- السنة والسيرة النبوية.
- اجتهادات علماء التربية المسلمين.
أ - القرآن الكريم:
إن النظر العام يلخص رسالة القرآن الكريم في التربية على القيم، وما
الأحكام والتشريعات إلا وسائل، لا قيمة لممارستها إن لم تؤد إلى التربية الإيمانية،
قال جل وعلا: [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] (الحجرات: ١٤-١٥) .
ويمكننا أن نركز الكلام في حديثنا عن بنية القيم الإسلامية في القرآن الكريم
في نقاط أربع:
١ - تحديد القيم الكبرى التي تخلق التوازن في تعامل الإنسان مع خالقه
والناس والمحيط: ويمكننا أن نحدد هذه القيم الكبرى بحسب علاقات الإنسان
الثلاث في: قيمة التوحيد، وقيمة الحكمة، وقيمة التسخير.
فقيمة التوحيد قيمة كبيرة تتفرع عنها قيم العبودية كلها بجزئياتها وتفاصيلها،
كقيمة التقوى، وطاعة الأوامر واجتناب النواهي، والقربى بالنوافل، والتحرر من
عبودية المخلوقات، وغيرها مما سنعرفه بتفصيل في مجالات القيم الإسلامية.
وقيمة الحكمة قيمة كبيرة تحكم تعامل الإنسان مع أخيه، تتفرع عنها قيم
التعاون، والتآزر، والتآخي، والإيثار، والتكافل، ولين الكلام والتواضع، وما
في حكم ذلك من قيم تنظيم العلاقات العامة بين الناس.
وقيمة التسخير قيمة كبيرة كذلك، تتفرع عنها قيم تعامل الإنسان مع بيئته
ومحيطه من الأمم الأخرى غير الإنسان: [وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم] (الأنعام: ٣٨) .
٢ - تكريم الرسل وورثتهم من العلماء الحاملين لهذه القيم والناشرين لها
والمضحين من أجلها: قال تعالى: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم
مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
القُدُسِ] (البقرة: ٢٥٣) ، وقال: [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ
مِنْ بَعْدِهِ] (النساء: ١٦٣) ، وقال تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى
وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة:
١٣٦) ، فرسالة القيم رسالة واحدة، والمرسلون بها بلغوها إلى كل الأقوام، قال
تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ] (يونس: ٤٧) .
وللأنبياء ورثة كرّمهم الله بكرم القيم التي يحملونها، قال تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات] (المجادلة: ١١) ، وربط الله تعالى
بين العلم والقيم منذ الوهلة الأولى للقراءة: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ
الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]
(العلق: ١-٥) ، والقارئ للقرآن يدرك حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الغاية
الكبرى للعلم معرفة الخالق وخشيته، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) ، فإذا تجرد العلم عن القيم لم ينفع صاحبه، وهذا هو
الفرق بين إبليس الذي وضعه علمه ونزل به إلى أسفل سافلين، وآدم الذي كرّمه
الله بتوبته فعلّمه الأسماء كلها، وأناط به الخلافة، وعمّر به الأرض.
٣ - بناء أساليب الحكمة وفصل الخطاب: إن الرسالة والرسول قطبان في
عملية تبليغ القيم، ولكن وسيلة التبليغ وطريقته موهبة ربانية؛ فكم من عالم ليس
بحكيم! وكم من حكيم أجاد التبليغ بعلم قليل! لذلك طلب موسى من ربه أن يؤازره
بأخيه هارون؛ لأنه أفصح منه لساناً، وفهّم الله سبحانه سليمان القضاء دون داود،
وكرم محمداً ﷺ بأن آتاه الله الكتاب والحكمة، قال تعالى:
[يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ] (البقرة: ٢٦٩) ، ومعلوم في النظر القرآني أن لا خير في علم لا
تشفعه حكمة وتزكية؛ إذ هي قيم متلازمة، [وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ
أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) ، والحكمة حسن تلقي العلم وتبليغه، قال
تعالى: [وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه] (آل عمران: ١٥٩) ، والآية
مليئة بالقيم الإيجابية ونقيضها الذي يحصل حين تغيب الحكمة، وقال تعالى:
[وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً] (النساء: ٥) ، وقال: [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] (العنكبوت: ٤٦) .
وقد كان النبي ﷺ مثالاً في الحكمة. وقد وهبه الله ما وهب
داود من قبله حين قال تعالى: [وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ] (ص: ٢٠) ،
كما سنرى من خلال أمثلة من سيرته العطرة. ولذلك كان ﷺ
يوجه خطابه إلى الأمة وهو يرسم لهم ميزان الاعتدال في تعليم وترسيخ القيم
الإسلامية في النفوس؛ قائلاً:» يسروا ولا تعسروا، وبشّروا ولا تنفروا « [٢٤] ،
وكان رسول الله ﷺ كما يقول الصحابة يتخوَّلهم بالموعظة كراهية
السآمة [٢٥] ، وتلك كانت الأسس الأولى لصياغة النظرية التربوية الإسلامية؛
انطلاقاً من توجهات القرآن الكريم.
٤ - تحديد معايير التقويم لمعرفة مدى تحقق القيم الإسلامية في النفس
وتمثلها في المجتمع: وتفسير ذلك أن الله تعالى جعل التقويم الغاية من خلق الخليقة
حين قال: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ١-٢) ، وألفاظ الحساب والعقاب
والجزاء والمصير كثيرة في القرآن، تنبه الإنسان إلى ضرورة التقويم الذاتي،
[فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا] (الشمس: ٨-٩) ، وقد حدد
القرآن في بداية سورة المؤمنون بعض قضايا الإنسان والمجتمع، ووضع أمام كل
قضية معيار التقويم فيها حتى يعرض الإنسان سلوكاته وتصرفاته عليها فينظر هل
حفظ أم ضيع، قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ
* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى
وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ
عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ] (المؤمنون: ١-١١) .
ب - السنّة والسيرة النبوية:
لئن وضع القرآن الكريم الجانب النظري في صياغة القيم ونشرها وترسيخها؛
فإن رسول الله ﷺ بسنته وسيرته وضع الإجراءات التطبيقية
لذلك في واقع المسلمين، وذلك على النحو الآتي:
- السلوك والقدرة: قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، وكان
رسول الله ﷺ يزاوج بين النظر والتطبيق في تعليم القيم الإسلامية؛
بحيث يصلي بالناس ثم يقول لهم:» صلوا كما رأيتموني أصلي « [٢٦] ، ويحج
بهم ثم يقول:» لتأخذوا مناسككم « [٢٧] ، وينحر ويحلق في صلح الحديبية فيفعل
الناس بعد امتناع.
وحاجتنا اليوم إلى نماذج في السلوك يحتذي بها المتعلم، ومواصفات تتوفر
في المربي المسلم يحتذي الناشئة بها، فالفصل بين التربية والتعليم كارثة الأنظمة
التعليمية في المدرسة المعاصرة.
- بناء الأساليب وتقنيات التواصل في تعليم القيم: إن الناظر في السيرة
النبوية بعين تربوية منقبة عن تقنيات التواصل مع الناس؛ ليجد أن فيها من
الإشارات ما إن جمعها ليشكل نظرية متكاملة في التواصل، فالرسول صلى الله
عليه وسلم» يعبِّر بملامح وجهه عن السخط والرضا، ويغير من هيئة جلسته أثناء
الكلام لبيان أهمية الأمر وخطورته؛ كما هو الشأن في حديثه عن شهادة الزور،
قال راوي الحديث: «وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور. مراراً حتى
قلنا: ليته سكت» [٢٨] ، وفي هذا إشارة إلى تقنية التكرار أيضاً، وهو يشير صلى
الله عليه وسلم بأصابعه لتقريب الأفهام، مثل قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين.
وضم السبابة والوسطى» [٢٩] ، وهو يضرب المثل مستخدماً القصة، ويأتي
بأخبار الأمم السابقة، مثل قوله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من
قبلي كمثل رجل بنى بيتاً» الحديث [٣٠] ، وقوله ﷺ أيضاً:
«أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه
شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن
الخطايا» [٣١] . وهو ﷺ يلحظ نفسية السائل وقابليته للتعليم،
فيجيب بحسب ذلك أجوبة تختلف في الشكل والموضوع، فمن حيث الشكل هي بين
الطول أحياناً والقصر أحياناً، ومن حيث الموضوع دواء مناسب لداء السائل.
والعجب أن الرجل يقول: أوصني يا رسول الله! فيقول ﷺ :
«لا تغضب!» فيقول السائل: زدني! قال: «لا تغضب» ! وكررها ثلاثاً
[٣٢] ، ولكننا نجده يقول لمعاذ بعد أن أجابه عن سؤاله الذي قال فيه: «يا رسول
الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار!» ، فجعل صلى الله عليه
وسلم يقول في جوابه: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ... ألا
أدلك؟ ... ألا أخبرك؟» [٣٣] ، وذلك من حكمته ﷺ في النظر إلى
قابلية المتعلم للتلقي، وهي من أرقى تقنيات التواصل التربوي التي عرفها
الفكر التربوي المعاصر أخيراً.
ج - اجتهاد وإبداع علماء التربية المسلمين:
لم تكن التربية عندهم علماً مستقلاً ولكنها كانت محضن القيم، وكانت أساس
تلقي العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، وكانت الممارسة العملية في مجالس
التعليم وليدة الجو الخاشع الذي يخلقه العالم والمتعلم لاعتقادهما الراسخ بقدسية العلم
الملقن وخاصة ما ارتبط منه بالوحي. ألا ترى أن الإمام مالك ﵀ كان
يفرّق بين مجلس الفتوى ومجلس الحديث، ويجعل لهذا الأخير قواعد وطقوساً،
وكان ﵀ يقتصر في الجواب على السؤال والسؤالين، وكان يقول لا
أدري في سواها مما لا يعرف.
وفي الحديث كان الإمام مالك ﵀ يميل إلى التقليل من الرواية
والإكثار من الفقه، فقد قال لابني أخته: «أراكما تحبان هذا العلم يعني الحديث،
فإن أردتما أن تنفعا وينفع الله بكما؛ فأقلا منه وتفقها» [٣٤] ، وظهر في مدرسته
اتجاهان: اتجاه الرأي مع أبي القاسم، واتجاه الحديث مع ابن وهب في مصر،
ومن ذلكم القطر انتقل الاتجاهان إلى القيروان مع ابن سحنون وأسد بن الفرات،
ومنها إلى المغرب والأندلس، ولكل من الاتجاهين قواعد في الإقراء وتلقي العلم.
وفي مقابل هذا كانت مدارس الرأي في العراق تتوسع في الأسئلة حتى اشتهرت
عندهم مجالس المناظرات والجدل في الموجود والمتوقع، حتى ظهر عندهم ما سمي
بالفقه الافتراضي. ومن خلال مدارس الفقه تبلور الفكر التربوي عند علماء الإسلام،
فكتب ابن سحنون والقابسي من أهل القيروان آراءهما التربوية في سياسة
الصبيان وأدب العالم والمتعلم، وتبعهما غيرهما.
والذي نذكره هنا أن ما أنتجوه من فكر تربوي وابتدعوه من أساليب في نقل
القيم المصاحبة للعلم؛ صاغوا منه نظرية تربوية إسلامية مرنة، تتكيف مع
الأحوال والظروف، وتستوعب المتغيرات، وتنتج لكل حالة حلاً، ولكل واقعة
حديثاً. وانطلاقاً من كل ذلك تمكن المختصون من الباحثين أن يلتمسوا خصوصيات
للنظام التربوي الإسلامي التي يتقاطع فيها مع غيره من الأنظمة التربوية، وخاصة
في الوسائل والإجراءات، ويتميز عنها بثوابت وأصول.
ثالثاً: القيم الإسلامية سماتها وخصائصها:
إن قراءة في أصول القيم الإسلامية كما حددت بعض ملامحها في ما سبق،
والنظر إلى واقع المسلمين في تمثل هذه القيم والتفاعل معها إيجاباً وسلباً؛ تجعلنا
نحدد سمات وخصائص للقيم الإسلامية تتميز بها عن غيرها من القيم الوضعية.
وكثيرة هي الدراسات التي تناولت خصائص القيم الإسلامية بالدرس
والتحليل، فتفاوتت في تحديد الخصائص والسمات بين موسّع ومضيّق، والحاصل
أن كل ما قرأت من دراسات في المجال تكاد تفاصيلها ومجالاتها تنحصر عند التأمل
في خمس صفات، وهي:
أ - الربانية في المصدر:
وقد بسطنا فيها الكلام عند حديثنا عن أصول القيم الإسلامية من الكتاب والسنة
والتطبيقات الاجتهادية للعلماء والمربين المسلمين، ويكفي أن أذكر في هذا المقام
بكلام ابن العربي في أحكام القرآن حين قال: «إن الله خلق آدم على صورته،
يعني على صفاته، فإن الله خلقه عالماً قادراً مريداً متكلماً ... فليس لله تعالى خلق
هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب» [٣٥] .
ويكفي أن نعرف أن الله خلق آدم ونفخ فيه من روحه، ومع روح الله ومنها
انزرعت القيم في كيان الإنسان، فحبه للخير وكرهه للشر من روح الله، قال تعالى:
[وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] (الشمس: ٧-٨) ، وقال:
[ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ] (السجدة: ٩) . وبيَّن ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه
أو يمجسانه» [٣٦] ، قال تعالى: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّم] (الروم: ٣٠) .
فالإنسان ليس صفحة بيضاء، كما أنه ليس صفحة سوداء مليئة بالآثام كما هو
معروف في النظرية المسيحية، ولكنه مفطور على دين الإسلام وقيمه، وحين نزل
إلى الأرض واختلط بالبيئة اقترب أو ابتعد من هذه القيم بحسب المؤثرات. فشرع
الله تعالى في كتابه وسنة نبيه وسائل وطرقاً لاكتساب الصفاء من الأدران، والقرب
من القيم الربانية الأصيلة في فطرة الإنسان.
ب - الواقعية:
فالقيم الإسلامية ليست قيماً نظرية مثالية، وإنما هي خلاصة شريعة نزلت
حسب الوقائع والأحداث، واستجابت لمشكلات الناس وقضاياهم، وليست فكراً
يبتغي المدنية الفاضلة التي لا وجود فيها للشر، وبالتالي فهي واقعية في مراميها
وأهدافها، قاعدتها قوله تعالى: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] (طه: ٨٤) .
والعجلة هنا الترقي في سلم الرضا بحسب الطاقة والاستطاعة، [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
إِلاَّ وُسْعَهَا] (البقرة: ٢٨٦) .
فالعدل على سبيل المثال قيمة إسلامية راسخة، ولكن تحقيقه في الواقع مدافعة
للظلم بقدر الاستطاعة، ولذلك كان رسول الله يقول: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني
الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأحسب أنه صدق؛ فأقضي له بذلك!
فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من نار! فليأخذها أو ليتركها!»
[٣٧] .
والحب قيمة إسلامية عظمى، ولكن رسول الله ﷺ في العدل
بين زوجاته في هذا الجانب كان يقول: «اللهم! هذه قسمتي في ما أملك؛ فلا
تلمني فيما لا أملك» [٣٨] ، يعني الميل العاطفي. وكذلك الحفاظ على مال اليتيم
قيمة اقتصادية عظيمة في الإسلام، ولكن يوجد إلى جانبها وعيد يحذر من أكل مال
اليتيم لوجود هذه الظاهرة في الواقع، وستبقى موجودة إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها؛ لأن الأشياء تتميز بضدها.
وقس على هذا مختلف القيم الإسلامية، فرغم كونها مطلقة في أصولها،
ربانية في مصدرها؛ فإن إنزالها على الواقع يحكمه التدرج والحسنى لنفي القيم
السيئة بالحسنة، قال ﷺ : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق
الناس بخلق حسن» [٣٩] .
ثم إن الله تعالى لم يطلب من الإنسان مطلق الكمال في تمثل القيم الإسلامية،
ولكنه طلب منه الصعود في سلمه على قدر العزم، ثم يسأل الله بعد ذلك أن يبلغه
سؤله وأمله.
ج - العالمية والإنسية:
لا يختلف اثنان من ذوي الألباب أن العدل حسن والظلم سيء، وأن الكذب
مشين والصدق مزين، والبخل والشح مكروهان، والسخاء والبذل مطلوبان؛ مهما
اختلفت الملل والنحل.
فتلك وأضدادها قيم عالمية هي أصل الفطرة جاء بها الإسلام العالمي، قال
تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] (سبأ: ٢٨) ، وقال
سبحانه: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) .
فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد صلى الله
عليه وسلم؛ ليست للمسلمين بخصوصهم وإنما هي منفتحة على سائر الأمم
والشعوب، ينهلون منها فتقوّم سلوكاتهم، وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه العالمية
مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد.
وقد أخذ محمد ﷺ بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها، فقال
ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [٤٠] ، والإتمام يعني أن
الإسلام أقر قيماً إنسانية موجودة بالجبلة والفطرة لدى الناس مهما اختلفت مللهم
ونحلهم، وذلك مدخل لهم كي ينتبهوا إلى قيم الإسلام الخالدة فيسارعوا إلى اعتناقه
كاملاً غير منقوص إتماماً لنعمة الله عليهم: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) .
ونحن ننبه هنا إلى أمر جدّ مهم، وهو أن تمسك الإنسان بالقيم الإنسانية
العالمية خارج إطار الإسلام والإيمان يفيده في دنياه ولا يفيده في آخرته بحسب النية
والقصد، فالملتزم بالقيم الإنسانية يبتغي بذلك مرضاة الله ورضوانه يجد الثواب
عنده يوم لقائه، ومن تمسك بهذه القيم إرضاء للضمير وابتغاء دنيا؛ فلن يبخسه
تعالى حقه في دنياه، وماله في الآخرة من خلاق، قال تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى
شَيْءٍ] (إبراهيم: ١٨) ، وقال تعالى: [مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا
نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى
لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ
عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً] (الإسراء: ١٨-٢٠) .
د - التكيف:
ذلكم أن القيم الإسلامية قابلة للتحقق في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق،
وتتكيف مع مختلف الأحوال والأزمان والأمصار دون أن يؤثر ذلك في جوهرها،
فالعدل يتحقق في المجتمع عبر مؤسسات مختلفة قد تخلقها الدولة بحسب حاجتها
وعلى قدر إمكاناتها؛ المهم أن يتحقق العدل، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة
العامة داخل الأسرة وفي الأسواق وفي المنظمات والهيئات وغير ذلك بصور شتى
وبوسائل مختلفة، والأصل في ذلك قوله تعالى: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا
قُرْبَى] (الأنعام: ١٥٢) .
ولذلك لم تضع التربية الإسلامية لقيمها قوالب منظمة جاهزة لا بد أن تفرغ
فيها، وإنما أمرت بضرورة تحقق الجوهر بأشكال مختلفة تستجيب لحاجات الزمان
والمكان والأحوال فأمرت بتحقيق الشورى في المجتمع ولم تحدد الكيفية والوسيلة،
وأمرت بأداء الأمانات إلى أهلها مطلق الأمانات بعد حفظها ولم تحدد وسائل الحفظ؛
لأنها متغيرة وأمرت بالتكافل الاجتماعي، وتركت طرق تحقيقه مفتوحة على
اجتهادات المقدمين عليه، وأمرت بالإنفاق في سبيل الله؛ مطلق سبيل الله ليعم
الخير كلَّ مناحي الحياة، ويغطي حاجات الناس المتجددة.
ومن مظاهر التكيف في القيم الإسلامية؛ قابليتها للتداول بكل أنواع الخطاب
من الوعظ والإرشاد إلى الخطابة، فالكتابة والنشر، إلى الوسائل السمعية البصرية،
إلى التقنيات الحديثة للتواصل من إعلاميات وإنترنت وغيرها، ومعلوم أن كل
خطاب يحمل قيمة من القيم. والقيم الإسلامية أولى أن تحملها وسائل التواصل هذه؛
إذ ينبغي أن تحمل إلى كل أهل عصر بما ساد عندهم من وسائل، حتى تكون
قادرة على التأثير في سلوكياتهم والتعديل من اتجاهاتهم وتشكيل تصوراتهم.
ومن مظاهر التكيف أيضاً قدرة هذه القيم على الاستجابة لحالة متلقيها العمرية
والنفسية والوجدانية والعقلية، فلكل أسلوبه وطريقه ومنهجه، فالمربون الناقلون
للقيم الإسلامية لهم قدرات وطاقات، والمتعلمون لهم قدرات وطاقات أيضاً، ولهذا
لم يكن للنظرية التربوية الإسلامية الحاملة للقيم خطاب واحد، وإنما يتنوع خطابها
بفعل مرونته ويتكيف مع مختلف الحالات، فما اتجه علماء في أدب العالم والمتعلم
يختلف من سياسة الصبيان إلى سياسة الغلمان، فسياسة من قوي عوده وعزم على
طول الرحلة والطلب والتفرغ للعلم.. إلى غير ذلك.
هـ - الاستمرار:
ليست القيم الإسلامية ضرباً من التاريخ الذي نفتخر به حين تجلى في أبهى
صوره زمن الرسالة الخاتمة، وإنما هي قيم تجد نفسها مستمرة في الواقع تضيق
وتتسع مساحتها بحسب الجهد المبذول لنشرها والوسائل المستعملة في ذلك.
والذي يمكن أن يُدرس للتاريخ والعبرة هو تجليات هذه القيم في المجتمع عبر
الدهور والأحقاب السالفة؛ لمعرفة كيفية تفاعلها مع مختلف السلوكيات، ومدى
قدرتها على صناعة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية والاستفادة من ذلك في بناء
الحال والمستقبل.
وتستمد القيم الإسلامية استمراريتها من صلاحية مصادرها لكل زمان ومكان،
قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) .
ومن مظاهر الاستمرار في القيم الإسلامية تكرر حدوثها في سلوكيات الناس
حتى تستقر، قال ﷺ : «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق
حتى يكتب عند الله صدّيقاً» [٤١] ، فالصدّيق لا يطلب منه أن يصدق مرة ويكذب
مرات، وإنما المطلوب أن يستمر هذا السلوك في تصرفاته طول حياته حتى
يستحق هذا اللقب، يقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ومن الخصائص
الأساسية في القيمة تكرار حدوثها بصفة مستمرة، فمن يصدق مرة أو مرات لا
يوصف بأنه فاضل في سلوكه، وإنما تتأكد القيمة وتبرز الفضيلة الخلقية في سلوك
الإنسان إذا تكرر حدوثها بصورة تجعلها عادة مستحكمة أو جزءاً من النسيج العقلي
والسلوكي لصاحبها وعنواناً لهويته» [٤٢] .
ومن هنا كان تنديد القرآن بأولئك الذين لا يثبتون على اتباع طريق الهدى
والحق، ويتراوح سلوكهم بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، [إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ
سَبِيلاً] (النساء: ١٣٧) .
وكان تنديد القرآن بالنموذج البشري الذي لا يستقيم على فعل الخير ويؤدي
منه القليل ثم يقعد عن مواصلته أو يكف عنه، [أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى
قَلِيلاً وَأَكْدَى] (النجم: ٣٣-٣٤) ؛ أي: «ضعف عن الاستمرار في العطاء أو
كف عنه مع توفر مقوماته» [٤٣] .
ولذلك كانت المجاهدة والمثابرة لحمل النفس على استمرار التمسك بالقيم
الإسلامية؛ حتى ترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، فيبعد الإنسان الله كأنه
يراه، وتلك أحلى ثمرات القيم الإسلامية التي لا تتحقق إلا بالتكرار والاستمرار.
تلكم نظرة مركزة على خصوصيات القيم الإسلامية ووسائل نقلها ونشرها،
وكيفية إسهامها في تشكيل وإعادة تشكيل العقل المسلم.
إن هذا الإطار النظري حينما يصرف في شكل تطبيقات ميدانية في بناء
مناهج التعليم؛ سيؤدي لا محالة إلى تجديد تربية مداركنا، وتغيير ما ترسب فينا
من معلومات منقطعة عن القيم الأخلاقية والمعاني الغيبية تحت تأثير النمط المعرفي
الحديث [٤٤] . ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تجديد التربية برجوعها إلى حضن القيم
الفطرية: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الروم: ٣٠) .
стр. 4765
ملفات
قضية القيم
بين الاقتصاد الغربي العلماني والاقتصاد الإسلامي
حسن الأشرف [*]
من أهم العلوم المعاصرة علم الاقتصاد؛ لأن المعاملات المالية من بيع وشراء
ورهن وإجارة وشركات ومصانع تعتبر عصب الحياة، وخاصة بعد ذيوع
الاختراعات الحديثة مثل الكمبيوتر وشبكة الإنترنت وغير ذلك. ويظل السؤال:
هل الاقتصاد علم أخلاقي أو هو علم غير مرتبط بالأخلاق؟ سؤالاً محورياً لكل
تحليل علمي منطقي ورصين، فلقد ارتبط الاقتصاد منذ قرون خلت بالمنهج
الوضعي الذي يعتبر الإنسان مصدراً أساسياً للمعرفة؛ ومن ثم لم يعد يرتبط هذا
العلم بالأخلاق، فالاقتصاد من المنظور الوضعي يبحث فيما هو كائن فعلاً، في
حين تهتم الأخلاق بما يجب أن يكون.
وانطلاقاً من هذه الرؤية «لا يمكن للاقتصادي أن ينسب لنفسه أي حق خاص
في تقرير القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تسود في المجتمع، لهذا يقول العاملون
بالمنهج الوضعي إن علم الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق» !
إن صراع القيم لم يقتصر على الأخلاق فحسب، بل إنه صراع تعدى ذلك
ليتجسد أكثر وضوحاً وعالمية وشمولية في العلاقات الاقتصادية الدولية. فالاقتصاد
الوضعي الغربي والأمريكي يستمد وجوده من قيم خاصة به لا تراعي للأخلاق وزناً
ولا همّاً، فعين الفاعلين الاقتصاديين في الغرب تنكب على الربح باعتباره غاية لا
وسيلة؛ أما الاقتصاد الإسلامي فمنبعه فروض وضوابط مستقاة من النصوص
الدينية التي تعتمد على قيم الأخلاق الفاضلة. ولأن اقتصاديات الدول الغربية هي
الأقوى حالياً؛ فإنها بسبب ما يسمى بالعولمة والنظام الدولي الجديد؛ صارت تصدّر
قيمها الخاصة إلى بلداننا الإسلامية فلا نكترث لخطورتها أحياناً، ولا نهتم بها أحياناً
أخرى.
* القيم الاقتصادية الغربية والأمريكية:
إنها قيم تعتمد على القوة وحس المغامرة، وعلى القدرة والصمود في وجه
التقلبات المالية والدعايات الإعلامية والإشاعات والمضاربات التجارية، فهذه القيم
يسعى صانعوها العلمانيون إلى تصديرها وتثبيتها داخل الأمة الإسلامية؛ من أجل
السيطرة على مفاتيح اقتصادها ونهب خيراتها وثرواتها، وأهم ما يميز هذه القيم هو
ما اصطلح عليه من قبل الكثيرين بالعولمة أو الشمولية أو غيرها من المصطلحات
الدخيلة على مفهوماتنا الإسلامية البحتة. والعولمة هنا تحتمل أوجهاً عديدة، فهناك
عولمة الوهم أو تصدير الحلم بنقل التقنية إلى البلدان الإسلامية التي تنسى «أن
التكنولوجيا (التقنية) هي استثمار بالأساس؛ لذا سيكون هذا التفكير نوعاً من
الوهم» .
وهناك عولمة الازدهار والبؤس؛ فلقد أدت العولمة إلى تقدم ونماء اقتصاد
البلدان المعولمة وإلى بؤس البلدان النامية. ولقد استطاعت هذه البلدان الغربية
«أن تجعل العولمة الاقتصادية وقفاً عليها وحدها دون ما سواها؛ ما دام أن
هذه البلدان بفضل المنظرين والخبراء وعولمة أدائها عرفت كيف تتفادى أن
يكون ثالوث الفقر والمرض والجهل عالمياً - أي أوروبياً وأمريكياً -، وسخرت
مختلف تقنياتها ليكون الثالوث ملصقاً بالبلدان الإسلامية» .
أما عولمة التبعية فيلخصها بشكل واضح الصحافي الأمريكي المعروف
«فريدمان» ، حيث يقول: «ينبغي على المسلمين والعرب أن ينتبهوا
لتغير الميزان الدولي، وحتمية تقبلهم التغيير سياسياً واقتصادياً وتقنياً وثقافياً، لكي
يلحقوا بالركب وإلا ظلوا خارج العولمة وبالتالي ينتهون» .
وهو قول بليغ يوضح كيف يفكر العلمانيون، بل كيف يرغبون في أن تصير
الأمة الإسلامية تابعة لهم، لا هوية لها ولا شأن ولا قيم أخلاقية يسيرون على هداها؛
لكن سيخيب مسعاهم بإذن الله .
يقول الأستاذ برهان غليون: «العولمة عبارة عن ظاهرة ثورية تقنية علمية،
قائمة على تطور تقنية الاتصالات والكمبيوتر، وعلى خلفية التغير الكامل في جل
العلاقات الدولية» ، ويضيف: «بينما توفر العولمة فرصًا للتنمية والتعاون
والتكافل؛ فإنها في المقابل تهدد بضرب حضاراتنا ومجتمعاتنا الإسلامية، وهنا
بالذات يُطرح التساؤل حول كيفية التأقلم» .
إنه تساؤل تصعب الإجابة عنه، خاصة عندما نعلم مدى الضغوط المتعمدة من
طرف (اللوبيات الغربية العلمانية) على كل فكر اقتصادي إسلامي طموح. فمن
أبرز الأمثلة على الضغوطات التي تمارسها القوى الاقتصادية الأجنبية على الأفكار
الاقتصادية الناجحة، هناك المؤسسات المصرفية أو البنوك الإسلامية التي أنشئت
بسبب الربا الذي عمّ جميع المؤسسات المالية في العالم، لهذا لاحت فكرة مشروع
البنوك الإسلامية، لكن حملات الحقد زادت على الإسلام وأهله ومحاربة المسلمين
في مؤسساتهم وأسلوب حياتهم؛ بإلصاق تهم التأخر أو الجمود أو الرجعية أو
الإرهاب بهم، وليس هذا الحقد الدفين سوى وجه آخر من وجوه الغل الصليبي
واليهودي للمسلمين؛ ولقد قال الله مشيراً إلى ذلك الغل والحقد بقوله:
[وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .
إن النظام الربوي المعمول به في البنوك العالمية يكرس مظاهر الاستغلال
والبطالة والظلم الاجتماعي. لهذا صار لازماً أن يتسع إشعاع المؤسسات المصرفية
الإسلامية لتضحى هي البديل الحقيقي للاستثمار الربوي الشائع بكثرة، والذي يعتمد
أساساً على مبدأ الاقتراض الزمني الذي يعود تقديره على العامل الزمني وحده،
ومن ثم تنشأ علاقة استغلال وإجحاف بين أطراف التعاقد الاستثماري؛ على عكس
نظام الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي المرتكز على توزيع الربح بين هذه الأطراف
على أساس من الواقعية في فرص الربح وحصوله؛ مما تنشأ معه علاقات عدل
وإنصاف بين مجموع الأطراف. وهكذا فالإسلام قد حقق التصور الصحيح الذي
ينصف أطراف العملية الإنتاجية أو الاستثمارية، وهو الشيء الذي يغيب عن
التشريع الاقتصادي الغربي.
* القيم الاقتصادية الإسلامية:
من المعروف لدى الفلاسفة والمفكرين أن الفكر لا ينبع من فراغ، وإنما
ينبغي أن يستند إلى معلومات صحيحة ودقيقة ومتفق عليها. والفكر الإسلامي يوجد
له أساس واضح وسليم يرتكز عليه هو النصوص الشرعية التي أوحى الله تعالى بها
إلى رسوله الكريم ﷺ ، وشرحها علماء الإسلام على مر العصور.
إن التحليل الاقتصادي باعتباره من الفكر الإنساني يقوم على محاولة فهم ما
يحكم الواقع الاقتصادي من أسس وركائز؛ وفي حالة الاقتصاد الإسلامي لا بد أن
يرتكز التحليل الاقتصادي فيه على الضوابط المستفادة من النصوص الدينية، وبذلك
يأتي التحليل بنتائج صحيحة.
من المنظور الإسلامي؛ يعد موضوع الاقتصاد والأخلاق موضوعاً لا يُتنازع
حوله، فلا اقتصاد بدون أخلاق. إن الاقتصاد الإسلامي تفريع على كل قيم الإسلام،
فهو اقتصاد قيمي.
إن الكثير من آيات القرآن الكريم عندما يكون الحديث فيها عن أمور اقتصادية؛
تكون الإشارة دائماً إلى القيم الإسلامية السمحة، مثال قوله تعالى: [أَرَأَيْتَ الَّذِي
يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ] (الماعون: ١-٢) ، ففي الآيتين إشارة
عظيمة إلى قضية التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وضرورة إعطاء اليتيم
والمحتاج ما يعينه على نوائب الدهر. وكذلك الأمر في قصة أصحاب البستان
المذكورة في القرآن الكريم؛ وأيضاً قصة قارون، إن قارون (وما أكثر أمثاله في
عصرنا) كان مالكاً للمال الوفير، فهو بالتالي خاضع لأحكام قيمية. لقد كان قارون
يتصرف في ماله استهلاكاً وإنفاقاً وادخاراً؛ لكن القرآن الكريم سجل عليه عدة
انحرافات؛ منها: التعالي عن الناس - عدم مساعدة المحتاجين والفقراء والمساكين -
استخدام المال من أجل الطغيان وقهر العباد والسيطرة على البلاد.
إن هذا المال الذي طغى قارون بسببه؛ جعله الشرع الإسلامي محاطاً
بضوابط تبين طرق وأسباب وقواعد الحصول عليه وحفظه. إن الإسلام يعتبر
التنمية حقاً مشروعاً من حقوق الإنسان، فدعاه إلى استثمار كل عناصر الإنتاج
المشروعة في العمل ورأس المال والموارد الطبيعية، يقول الحق سبحانه: [هُوَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ]
(الملك: ١٥) . ولقد جاء علماء الاقتصاد المسلمون بخمس وسائل تفيد في حفظ
المال؛ أهمها أن لا ينفق المرء أكثر مما يكسب، وهنا تظهر العلاقة بين الإنفاق
والدخل؛ وأن يكون الرجل سريعاً إلى بيع تجارته، بطيئاً عن بيع عقاره؛ كما حدد
ذلك الإمام الدمشقي ﵀. أما القواعد الأخلاقية لحفظ المال وصونه
فتتمثل في القناعة، وشهامة النفس القوية، وفي طلب العلم وجمع المال، يقول
لقمان الحكيم لابنه: «يا بني! شيئان إن حفظتهما لا تبالي ما صنعت بعدهما: ابدأ
بدينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك» . كما يلزم إنفاق المال في أبوابه؛ أي في
مجالات الخير والإحسان، وكل ما يعود على الشخص بالنفع في الآخرة، لكن مع
حسن تدبيره هذا المال. أما أسباب إضاعة المال فتكمن في كثرة المعاصي؛ لأن
المال تُخربه المعصية، وهذا حال قارون وأمثاله، وأيضاً في تبذيره، ولقد نهانا
الله عن ذلك؛ لأن المبذرين إخوان الشياطين.
أما الغرب الكافر والعلماني؛ فإنه لم يضع أي ضوابط لكسب المال، فكل
شيء يجوز من أجل الحصول على حفنة مال، ويشجع قيم الاستهلاك السلبي،
وإضاعة المال في التفاهات، وإمساكه عن أبواب الجميل والمعروف والبر
والإحسان، والانهماك في اللذات والشهوات. إنها قيم خطيرة ما فتئ الغرب يدعو
إليها ويعمل على أن تعم بلداننا الإسلامية بشتى الوسائل ومختلف الأساليب.
لكن الإسلام الحكيم جاء بما يكفي، لقد جاء بما يمكن أن يحل المشكلات
المالية لكثير من المسلمين الفقراء، حيث إن الزكاة تغيث المسلم وتبعد عنه خطر
التشرد والجوع، تقول الدكتورة نعمت مشهور من جامعة الأزهر: «والآثار
الاقتصادية للزكاة تلقي بظلالها على كل من الفرد والمجتمع، يقول الله سبحانه
وتعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] (التوبة: ١٠٣) . وهذا
خطاب عام لكل حاكم وليس خاصاً بالنبي ﷺ » ، يقول الدكتور
محمد عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر لمجلة الوعي
الإسلامي: «الواجب على الحكومة طبقاً للأمر الإلهي القيام بشؤون الزكاة جمعاً
وتحصيلاً، وهو ما قام به الخلفاء الراشدون ومن تبعهم من الحكماء في عصر
الحضارة الإسلامية؛ إذ إنهم أنشؤوا المؤسسات لإدارة الزكاة مثل ديوان الزكاة
وبيت مال الزكاة، وفي الوقت المعاصر توجد كثير من الدول الإسلامية التي تطبق
الزكاة من خلال مؤسسات حكومية تشرف عليها، مثل المملكة العربية السعودية
واليمن وماليزيا ... » . وليست الزكاة وحدها التي تجب على المسلم لبلوغ قيم
التكافل والتضامن الاجتماعي الغائبة عن الأهداف المسطرة لاقتصاديات البلدان
العلمانية.
لقد سُئل رسول الله ﷺ عن الزكاة، فقال: «إن في المال
حقاً سوى الزكاة» ، ثم تلا قوله تعالى: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى
المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ] (البقرة: ١٧٧) [١] ، فلقد جاء ذكر إيتاء المال مرتين: مرة عند إيتائه للمساكين، والثانية عند إيتاء الزكاة.
* أزمة القيم:
يعرّف الدكتور طه عبد الرحمن الفيلسوف المغربي «العولمة» بأنها:
«السعي إلى تحويل العالم إلى مجال واحد من العلاقات الأخلاقية عن طريق
سيطرة الاقتصاد الغربي والأمريكي في التنمية، وسيطرة التقنية في العلم، وهيمنة
الشبكة في الاتصال» .
وبهذه السيطرة يكون الاختراق الغربي العالمي للاقتصاد الإسلامي وقيمه
النابعة منه؛ قد أدى بشكل أو بآخر إلى خلخلة توازن مبادئ أخلاقية كثيرة، وقيم
إسلامية فاضلة.
يقول الدكتور طه عبد الرحمن في إحدى الندوات الفكرية: «على مستوى
التنمية الاقتصادية؛ يتم الإخلال بمبدأ التزكية، وعلى مستوى العلم يتم الإخلال
بمبدأ العمل، وعلى مستوى الاتصال يتم الإخلال بمبدأ التواصل» .
وللخروج من أزمة القيم والأخلاق التي أدت إليها العولمة والتغريب أيضاً فهما
وجهان لعملة واحدة يشترط هذا المفكر المغربي شروطاً ثلاثة:
أولاً: البحث عن نظام آخر غير نظام العولمة.
ثانياً: تحديد مصدر للأخلاق أقوى من المصدر الذي تعتمد عليه.
ثالثاً: الكونية بقصد إيجاد مجتمع كوني واحد.
إن القيم الإسلامية، إذاً، هي الكفيلة وحدها فقط بإخراج الإنسان المعاصر من
الأزمة الأخلاقية الفظيعة التي يعيش فيها، وذلك من خلال مفهومات التزكية وابتغاء
التعارف، ومن خلال قيم التسامح والتضامن والتكافل والتعاون على البر والتقوى
كقيم خلقية لنفي القيم المستوردة الآتية إلينا عن طريق سلوكات اقتصادية أجنبية
علمانية.
إن الفكر الاقتصادي العلماني هو فكر وحداني لا يقبل أن يشرك به فكر آخر،
وهو فكر اتباعي لا يحتمل الإبداع من الأفراد، وفكر تمجيدي لا يمارس النقد على
ادعاءاته، وفكر هرمي لا يجيز الاستواء بين عناصره، وفكر مصلحي لا يخدم إلا
أغراض القوى المهيمنة، وفكر مصنّع لا يقوم إلا على وضع الأفكار وتسخير أهل
الفكر.
يقول الدكتور طه إن هذا الفكر تبلور في ثلاث حلقات تشكل سلسلة واحدة،
وهي الحلقة الإعلامية التي تقدم الجانب السياسي على الجانب الاجتماعي، كما
تعمل على إضفاء المشروعية للقوى السياسية الحاكمة، والحلقة الاقتصادية التي
تقدم الجانب الاقتصادي على الجانب السياسي، وتعمل على جلب المشروعية للقوى
الاقتصادية المهيمنة، وهي حالياً القوى الغربية والأمريكية؛ وأخيراً الحلقة
المعلومية التي تقدم الجانب المعلوماتي على الجانب الاقتصادي.
إن الحلقة الاقتصادية في الفكر الاقتصادي العلماني لا تقوم على الأخلاق؛
حيث إنها تقع في ثلاث آفات، وهي: آفة اختزال الأخلاق في المنفعة والمصلحة
الذاتية، وتقديمها على أي مبادئ أو قيم إنسانية، وآفة تعميم مبدأ التسليع؛ حيث إن
كل شيء في هذا الاقتصاد الغربي معرّض لمقياس السلعة والعرض والطلب، ثم
آفة الانقياد لمسار العولمة؛ عولمة البؤس وعولمة الاستهلاك وعولمة القيم الغربية
المادية البحتة.
إن الاقتصاد الغربي العلماني يعاني هو أيضاً حسب ما ذكره الدكتور طه من
أزمة الصدق؛ أي إحداث الشرخ بين القول والفعل أو بين العلم والأخلاق، وأزمة
القصد أي غياب الهدف والمقصد، وهو يتبنى السببية والآلية في التفسير.
لكن يظل الحل هو التخلق الديني والتمسك بالقيم الإسلامية التي جاء بها
القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ بحيث تزود هذه القيم الاقتصاد بالأسباب
التي تؤهله لنفع وإفادة الناس.
* خاتمة:
يقول مفتي مصر السابق الدكتور نصر فريد واصل: «إن الغرب يركز على
القيم المادية والاقتصادية، ويهمل القيم الدينية والمعنوية، فضعفت مكانة الدين،
كما ضعف تأثيره في حياة الناس في المجتمعات الغربية. ولا شك أن نقل هذه
الأفكار إلى البلدان الإسلامية يعتبر من التيارات الفاسدة الوافدة التي يجب التصدي
لها بكل حسم وقوة ... لأن الإسلام يحتفظ بنقاء الإيمان وصفاء العبادة وقوة التأثير
... ففي مجال الاقتصاد في ديار المسلمين؛ يجب على علماء الإسلام أن يؤصلوا
موقف الإسلام من الاقتصاد بما ييسر على المسلمين معاملتهم، ويفتح لهم طرق
الاستثمار المشروع لأموالهم» [٢] .
وأضيف أنه على الأمة الإسلامية أن تحذر من خطر القيم التي ينتجها
الاقتصاد الغربي والأمريكي، والتي تهدف إلى التفرد بالمسلمين وأموالهم والعبث
بها، أو على الأقل استنساخ مجتمعات إسلامية على شاكلة المجتمعات العلمانية التي
لا تراعي لمسألة القيم إلاًّ ولا ذمة.
ويبقى في الأخير الجزم بأن القيم المعتبرة في الاقتصاد الإسلامي؛ هي أوسع
وأشمل من الأحكام القيمية المعتبرة في الاقتصاديات الغربية؛ بمعنى أن علم
الاقتصاد الإسلامي هو علم أخلاقي يرتكز على قيم إسلامية فاضلة، وجب على
المسلمين التمسك والتحلي بها؛ بغية الثبات والصمود في عالم معولم بشكل رهيب.