← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

البيان الأدبي الناقد الإسلامي الدكتور محمد بن علي الصامل في حوار مع البيان قرأ الكتاب وحاور صاحبه: سليمان العيوني، محمد الحناحنة ينبغي أن أتعامل مع الاتجاهات الأخرى وفق معيار التنافس كتاب (المدخل إلى دراسة بلاغة أهل السنة) لمؤلفه الدكتور محمد بن علي بن محمد الصامل عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، يُعدّ من الكتب القليلة التي تبحث الجانب البلاغي عند أهل السنة، وقد جاء الكتاب في عدة أبواب وزاد عن مئة وستين صفحة، وقد سدّ فراغاً كبيراً في موضوعه؛ إذ فيه دعوة تأصيلية لمنهج بلاغي يخدم بوعي مذهب أهل السنة والجماعة في أبواب الأسماء والصفات، والإيمان بالله واليوم الآخر، وجميع مسائل العقيدة، وهو يكشف كثيراً من انحرافات الفرق الضالة في عقيدتها كالمعتزلة، والرافضة وغيرهم. وقد جاء الكتاب في عدد من المباحث هي: ١ - فكرة الدعوة إلى بلاغة أهل السنة، وأسباب ذلك. ٢ - تحديد مفهوم أهل السنة والجماعة. ٣ - انتماءات أشهر علماء البلاغة العقدية من خلال كتبهم البلاغية. ٤ - بيان وجوه خدمة المعتقد في البحث البلاغي. ٥ - إظهار أثر العجمة في الانحراف العقدي. ٦ - نماذج للتوجّه البلاغي المخالف لمنهج أهل السنة. ٧ - الاحتكام إلى قوانين اللغة أصلٌ من أصول قواعد بلاغة أهل السنة. ٨ - الانفلات من قوانين اللغة يوقع في مزالق خطرة في توجيه النصوص. ٩ - موقعنا من المخالف. ١٠ - المواصفات التي تحدّد منهج البلاغة عند أهل السنّة والجماعة. وأعظم ما في هذا الكتاب خدمته الواسعة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وفق معتقد أهل السنة والجماعة من المنظور البلاغي ولهذا أحبت مجلة البيان إلقاء الضوء على فكرة هذا الكتاب وصاحبه، فكان هذا اللقاء. البيان: بداية نأمل أن تعرفوا قراء البيان على سيرتكم الذاتية والأدبية. - محدثكم هو: أبو علي محمد بن علي الصامل حصل على الماجستير عام ١٤٠٥هـ، والدكتوراه عام ١٤١٠هـ، في تخصص البلاغة والنقد، وهو أستاذ مشارك منذ عام ١٤١٨هـ، عمل رئيساً لقسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي ست سنوات، ثم وكيلاً لكلية اللغة العربية للدراسات العليا والبحث العلمي ثلاث سنوات. له عدد من المؤلفات المنشورة منها: المدخل إلى بلاغة أهل السنة، والأسلوب الحكيم، ومن بلاغة المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وبلاغة التحية في الشعر العربي، وتحقيق كتاب: القول البديع في علم البديع لمرعي الحنبلي، إضافة إلى عدد من البحوث العلمية تحت النشر في مجالي البلاغة والنقد. وشارك في تأليف بعض الكتب التعليمية مثل: كتابي: البلاغة والنقد للصفين الثاني والثالث الثانويين في وزارة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية، وكتاب القراءة للصف الأول الثانوي في المعاهد العلمية. أشرف حتى تاريخ هذه المقابلة على اثنتي عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه، وشارك في مناقشة ست عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة أم القرى، وكليات البنات. البيان: خطابنا الأدبي الإسلامي ما زال خافتاً أمام الخطاب العلماني في الساحات الأدبية، ما أسباب ذلك؟ وكيف ننهض به؟ - أنا لا ألوم من يقتنع بفكرة أن يدعو لها وينافح عنها، ويحشد الآراء لها، ويقرب من يؤيدها، ويكون له موقف ممن يعارضها؛ فهذا هو الأصل، ولو كان غيره لحصل الإشكال. ولكن اللوم يتجه إلى من يعرف أنه على صواب وأن الحق معه، والناس بحاجة إلى ما عنده، ومع ذلك يكون سلبياً. أنا لا أدعو لفرض الرأي بالقوة، وإنما أذكِّر بالمشهور من عمل السلف تجاه البدع مثلاً؛ فحين قيل للإمام أحمد - رحمه الله -: انتشرت البدعة، قال: أحيوا السنة تَمُتِ البدعة!! ولهذا ينبغي أن أتعامل مع الاتجاهات الأخرى وفق معيار التنافس؛ فبالقدر الذي أُحسن فيه عرضي، ويقتنع الناس بأن ما لدي هو الأفضل، فسينساقون إليه، وسأسحب البساط من تحت أولئك متكئاً على أن ما أدعو إليه يتلاءم مع حاجة المسلم الملتزم بإسلامه. ولو كنتُ أنا والسائل الكريم والقراء الأفاضل متأملين لحال الأدب الإسلامي وما له من مكانة لدى متلقيه لكنا جميعاً جديرين بالتفاؤل بمستقبل باهر لهذا الأدب؛ فمع قلة الإمكانات، وتضييق الخناق على هذا الأدب في كثير من المجالات، وعزوف بعض الأدباء الإسلاميين عن المشاركة، مع هذا كله أصبحت له هذه المنزلة، وتلك المكانة، ولو جعلت الحكم على هذا الموضوع قياساً على نسبة الإمكانات لظهر البون شاسعاً، وبموازنة يسيرة بين حال الأدب قبل عشرين سنة وحاله الآن يتبين أن الأدب الإسلامي يسير بخطوات واثقة؛ فقليلاً من الصبر والمثابرة ليظهر الحق الأبلج [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: ١٧) . والمشاركة في النهوض بالأدب الإسلامي مسؤولية كل مسلم: فالأديب بإنتاجه المتقن، والإعلامي بتيسيره لنشره، والناقد بتوجيهه وتشجيعه، والقارئ بزيادة الإقبال عليه. البيان: هناك من يدعو إلى نقد إسلامي مؤصل من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وأدب السلف الصالح! هل تزيدنا إيضاحاً لهذا الطرح؟ - ورد في مواضع عديدة في القرآن العظيم الإشارة إلى فضل البيان، وأن الله جل وعلا جعله ميزة للإنسان في قوله سبحانه: [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ] (الرحمن: ١-٤) ؛ فتعليم الله للإنسان البيان نعمة، ومن حق النعمة أن تقيد بالشكر، ومن شكرها استعمالها فيما يرضي الله. ولذلك حذر الله عباده بمراقبة ما يصدر عنهم في قوله سبحانه: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) ؛ فكل ما يصدر عن الإنسان مرصود، والعاقل من يدرك أن الكلام الذي يصدر عنه يمكن أن يحقق له فائدتين عظيمتين: المتعة الأدبية، والأجر الأخروي حين يراعي استصحاب النية الطيبة، إضافة إلى الاتقان الفني، في حين أن من لم يرع ذلك لن يتحقق له سوى فائدة واحدة هي المتعة الأدبية فحسب، وقد تكون مصحوبة بالوزر؛ ولذلك فالفرق بين الأديب الملتزم في أدبه بضوابط الشرع الحنيف والأديب غير الملتزم أن الأول يرجو من الله ما لا يرجوه الثاني؛ فهما وإن اشتركا في جانب الإبداع إلا أنهما اختلفا في توظيف هذا الإبداع واستثماره. وفي السنة الشريفة مواقف تبين الأثر العظيم للأدب، كقصة عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر ﵄ حين وصف عمرو الزبرقان بوصفين متناقضين، وبيَّن أنه (ما كذب في الأولى، وصدق في الثانية) ، ولم يكن يتحقق له ذلك لولا هذه الوسيلة التي اتكأ عليها وهي البيان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم معلقاً على ذلك الموقف: «إن من البيان لسحراً» ، والمواقف التي يستقي منها الأديب المسلم منهجه كثيرة في سيرة الرسول ﷺ ، والسعيد من ألهمه الله الاقتداء بها. ولعل من المناسب أن أذكر هنا أن الدعوة للأدب الإسلامي في هذا العصر لم تبدأ بشكل نظري على ما جرت به العادة في كثير من الدعوات، وإنما جاءت برصد النموذج، وجمعه، وإطلاع الناس عليه؛ ليعرفوا أنه ليس غريباً، وليقدم لهم ما يحتذى به من أدب سلفنا الصالح، وأدب غيرهم مما يظهر فيه الالتزام بأوامر الشرع الحنيف ونواهيه. وكان لشيخنا عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀ الفضل الذي لا ينكر، ولكلية اللغة العربية في الرياض الريادة التي لا تغفل؛ وذلك بإخراج موسوعة أدب الدعوة الإسلامية بشقيها: الشعري والنثري، وأسهم في إخراج الموسوعة بإشراف الدكتور عبد الرحمن الباشا ﵀ كوكبة من الطلاب الذين أصبح لهم شأن في ميدان الأدب الإسلامي فيما بعد. وأود التنبيه - هنا - إلى ما يجري في ساحة الأدب الإسلامي من اختلاف في المصطلح، وآمل ألا يكون ذلك عائقاً ولا مشغلاً عن الهدف الأسمى، وهو إشاعة هذا اللون من الأدب في أوساط المسلمين، ولا مشاحَّة في الاصطلاح؛ فالغاية هي مواصفات هذا الأدب، وليس الوقوف عند تسميته. البيان: كتابك (المدخل إلى بلاغة أهل السنة) إلى أي مدى يسهم في جلاء العقيدة الصحيحة، وصياغة نظرية الأدب الإسلامي؟ - فكرة الكتاب تسليط الضوء على علم البلاغة وكيف يمكن استثماره في خدمة معتقد أهل السنة؛ لأني رأيت إحجاماً بيناً من كثير من العلماء المنتمين إلى أهل السنة عن المشاركة في هذا العلم؛ لأن بعض موضوعاته تحفها المخاطر كموضوع المجاز مثلاً، الذي صار مطية سهلة لأهل التأويل والتعطيل. ولهذا حرص الكتاب على رصد ما في المؤلفات البلاغية مما يخالف مذهب أهل السنة، وبيان الوسيلة البلاغية التي سُلكت لاعتماد هذا الرأي أو ذاك، وإثبات أن تلك الوسيلة لم تكن جارية وفق سنن العرب في كلامها، ولعل أكبر وسيلة يلجأ إليها المؤولون أو المعطلون هي القرينة العقلية، وقد اجتهدت في وضع الضوابط لها في كتابي. وقد أشرت في المقدمة إلى أن البلاغة صنو الأدب وقرينته؛ فإذا كان الأدب الإسلامي يدعو إلى نقاء الأدب مما يخدش الحياء، أو مما يؤاخذ القائل عليه انطلاقاً من المبدأ العظيم الذي يجعل الإنسان رقيباً على نفسه؛ لأنه: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) ، فإذا كان الأمر كذلك، فليحاسب الإنسان نفسه على ما يصدر عنها، فإن كان مباحاً فليستمر عليه، وإن كان غير مباح فليقصر، وليتوقف خشية الحساب، وهذا يكون على مستوى إنتاج النص. أما على مستوى التعامل مع النصوص والنظر فيها، والاستنباط منها، والحكم عليها، فهذا دور مشترك بين البلاغة والنقد ينبغي أن يتقيد المرء فيه بالضوابط الشرعية؛ لأنها ضوابط منصفة، وهذا باختصار لب الدعوة إلى (بلاغة أهل السنة) . البيان: ما الذي يميز بلاغة أهل السنة عن غيرهم، ومن أهم أعلامها؟ - لعل من نافلة القول أن أبين أن البلاغة بوصفها علماً هي البلاغة عند كل الفرق والمذاهب؛ فمن تعريفها العام أنها (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) إلى تصنيف علومها الثلاثة (المعاني والبيان والبديع) وما ألحق بها، ومروراً بمصطلحاتها وتقسيماتها وشواهدها لا تختلف في ذلك عن علم النحو مثلاً؛ فالفاعل مرفوع عند الجميع، كما أن التقديم والتأخير في الدرس البلاغي جائز في إطار الضوابط المعروفة. ولكن استثمار هذا العلم أعني علم البلاغة في التعامل مع النصوص الشرعية يحتاج إلى لون من المعايير لا تخرج بأي حال عن سنن العرب وطرقهم في الكلام؛ فمثل ما يقال عن الأدب الإسلامي أنه أدب يشترط فيه اجتماع صفتين هما: (الأدبية) و (الإسلامية) فبلاغة أهل السنة: نوع من البلاغة تشترك مع غيرها في الجوانب العلمية، ولكنها تزيد في اشتراط تلاؤم تلك المعايير العلمية مع ما يراه أهل السنة، وهم المقتدون بما كان عليه المصطفى ﷺ وصحابته - رضوان الله تعالى عنهم -. ولذلك فميزة بلاغة أهل السنة أنها تتعامل مع النصوص وفق ظواهرها أولاً، فإذا ما قامت قرينة على أن المراد غير الظاهر، فإن السبيل حينئذ أن ينظر إلى ما تشير إليه القرائن المتصلة، ثم القرائن المنفصلة سواء أكان ذلك عن طريق النص أم القائل، أم المناسبة أم غير ذلك. ولما كان التوجيه البلاغي للنصوص قد يُسَيِّره هوى الشخص أو معتقده، كان لا بد من الاعتداد بالقرينة المعتبرة، وهذه أبرز ما يميز بلاغة أهل السنة، وقد فصلت ذلك في آخر الكتاب المشار إليه. وقبل أن أجيب على الجزء الأخير من السؤال أود التنبيه إلى أن المساحة المشتركة في البلاغة بين أهل السنة وغيرهم مساحة واسعة في هذا العلم، وهي المساحة التي ليس فيها ما يخالف معتقد أهل السنة، ويبقى تمييز المواضع محل الخلاف، والتي استثمرها غير أهل السنة أكثر من أهل السنة الذين هم به أوْلى من غيرهم. وأما أهم أعلامها فأذكر منهم على سبيل المثال: ابن قتيبة، وضياء الدين بن الأثير، وشرف الدين الطيبي، وعز الدين الموصلي، وابن القيم الجوزية، وشهاب الدين محمود، وابن حجة الحموي، ومرعي الحنبلي، والشوكاني؛ هذا على سبيل الإجمال؛ لأن بعض مؤلفات أولئك قد تضمنت بعض المخالفات لمنهج أهل السنة. البيان: يتهم الأدب الإسلامي بالمباشرة والتقريرية مبتعداً عن الجمال الفني في نصوصه! ما ردك على ذلك؟ - هذا الأمر يحتاج إلى وقفة متأنية ذات شقين: الشق الأول: مسألة المباشرة والتقريرية أهي عيب يحط من منزلة النص؟ الجواب الذي أراه وأدين الله به أن المباشرة حين يقتضيها المقام والسياق العام للنص الأدبي فإنها تسهم في إثراء النص، وتميزه، ولك أيها السائل الحبيب أن تتأمل ما في القرآن من مباشرة وتقريرية هل أخلَّت بجانب إعجازه البياني الذي أجمعت عليه الأمة؟!! يقيناً لا، بل المباشرة والتقريرية في مقامهما تمثلان الغاية في الإبداع، ولكن الذي يطنطن بهذه الفرية يريد أن يكون الأدب سجيناً في سراديب الإبهام والغموض، ومن ثمَّ يفقد تأثيره في الناس، فيكون أشبه بالرسوم التشكيلية المبهمة التي لو سئل صاحبها عنها في فترات متباعدة لأعطاك إجابات مختلفة؛ لأن المسألة ستكون منحصرة في الذاتية المغرقة سواء على مستوى القائل، فيقول ما يشاء دون حساب، أو على مستوى المتلقي، فيفهم كما يشاء دون ضوابط أو مغايير علمية. الشق الثاني: دعوى ابتعاد الأدب الإسلامي عن الجانب الفني، وهذه من إسقاطات الآخر، يطلقها تهمة فنصدقها!! والفيصل في هذا الأمر أن الأدب الإسلامي يشترك مع غيره من الآداب في الجانب الفني، فلا يصح تسميته بالأدب حتى تتوافر فيه مجموعة من المقومات الفنية تؤهله لأن يندرج في ميدان الأدب، وإذا توقف كثير من الآداب عند هذا الحد فإن الأدب الإسلامي يزيد معياراً مهماً فوق ذلك وهو صفة (الإسلامية) التي تعني شرطاً زائداً على شرط (الأدبية) ، ويتمثل تحقق هذه الصفة في موافقة النصوص الأدبية لما تضمنته الشريعة الإسلامية، أو على أقل تقدير عدم مصادمته للشريعة الإسلامية؛ لأنه والحالة تلك سيظل في منطقة الإباحة. وعلى هذا فالأدب الإسلامي أكثر ميزة من غيره؛ لكونه يتطلب اجتماع صفتي (الأدبية) و (الإسلامية) ، فهل تتحول هذه الميزة إلى عيب؟!! وحتى أكون منصفاً أقول: إن مما ساعد على انتشار هذه الفرية على الأدب الإسلامي، واستعمال الآخر لها حماس بعض من تغلب عليهم العاطفة فيدرجون بعض النصوص التي لا تستحق أن تدرج في ساحة الأدب تدرج على أنها نماذج للأدب الإسلامي؛ بينما لم يتوافر فيها شرط (الأدبية) ، بل لمجرد أنها اشتملت على مضمون جيد. نعم قد تكون هذه النماذج من الكلام الطيب الجميل، لكن وصفها بالأدب يحتاج إلى تطبيق معايير الأدب عليها.

стр. 4762

ملفات حرب القيم كل أمة تستمد أخلاقها من قيمها، وتنبع القيم من عقيدتها.. وفساد الأخلاق يجعل الأمة على خطر عظيم، ولكن عندما يصل النخر إلى قيمها؛ فإنها تكون على شفا هاوية.. وقد كانت الحرب على الأمة الإسلامية في هذا المجال طيلة قرن كامل: حرباً أخلاقية، كان الناس يفسدون وينحرفون، ولكنهم في قرارة أنفسهم كانوا يشعرون بوخز الضمير الديني، كانوا يحسون أنهم يتجاوزون خطوطاً حمراء وثوابت عالية، لكن في العقدين الأخيرين حدثت تطورات خطرة؛ فقد تغير سمت الحرب وتغير اسمها، ولم يعد أعداء الأمة يرضون بانحراف الظاهر مع إنكار ولو يسير في المجتمع أو القلب، وفرق كبير بين مجتمع منحرف، ومجتمع إباحي، وفي إطار سعيهم إلى إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية، ونقلها من حالة الانحراف إلى حالة الإباحية؛ كانت حرب القيم.. فقد أصبحت القيم في وضع يُرثى له من الاختلال والاضطراب، خاصة مع تصادم الخطابين الإسلامي والعلماني، ويصف بعض المحللين الحالة الراهنة بـ مرحلة «تشويه الوعي» ، وهذه الوضعية القيمية المختلة؛ يراد تطويرها للوصول بها إلى مرحلة «تغييب الوعي» ، حيث تحل منظومة قيمية علمانية متكاملة محل المنظومة المختلة القائمة.. فهل يفلح كيدهم؟

стр. 4763

ملفات سيماء المرأة في حرب القيم بين النفس والصورة د. فريد الأنصاري [*] * مقدمة: السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك في كتاب الله، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكذا: (سِيمَا) . قال تعالى: [سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ] (الفتح: ٢٩) . وقال سبحانه: [تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ] (البقرة: ٢٧٣) . والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة فيها ولا اعتباط [١] . واستعمالنا لهذا المصطلح في مجال القيم المتعلقة بالمرأة، والمتدافعة في معركة الحضارة؛ إنما هو لمحاولة الكشف عما ترمز إليه المرأة في الإسلام؛ نفساً وصورةً. وما تكون به أو لا تكون، في زمان (العولمة) . فأما (نفساً) فباعتبارها (أنثى الإنسان) من الناحية الوجودية، وأما (صورةً) فباعتبارها هيأة خِلْقِيَّة، ذات تجليات مظهرية خاصة، وما حلاها لذلك الإسلام به من لباس، تتحقق إسلاميته بشروطه ومقاصده الشرعية. وما معنى ذلك كله (النفس والصورة) من الناحية السيميائية، وما دلالته التعبيرية من الناحية التعبدية؟ إننا ننطلق من مبدأ قرآني عظيم: وهو أن لا شيء من موجودات هذا الكون الفسيح إلا له دلالة سيميائية، ومعنى رمزي لوجوده، وهو مسمى (حكمته) الخِلقية، قال تعالى: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ] (الأنبياء: ١٦-١٨) . فما خلق الله شيئاً، وما جعله، ولا شرعه؛ إلا لحكمة، هي مغزى وجوده، أو جَعْلِه، أو تشريعه. ومن هنا كان من أسماء الله الحسنى اسمه تعالى: (الحكيم) . فهو سبحانه (حكيم) خَلْقاً وتشريعاً. فإرادته الخلقية التكوينية، وإرادته التشريعية التكليفية؛ كلتاهما لا تتصرف إلا بحكمة بالغة. فخَلْق الأنثى على هيئتها كان بإرادته التكوينية، وسترها تكليفاً بحدود معلومة من اللباس كان بإرادته التشريعية. وكل ذلك من حكمة الخالق جل وعلا، وجماع ذلك كله أنه سيماء ربانية لحكمة بالغة. فكم هو شنيع خطأ فهم أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة شكلية! وأي شكل في الوجود لا يعبّر عن مضمون؛ بدءاً بأبسط الأشياء حتى أعقدها! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبر التاريخ، فانظر! إن منطلق البحث السيميائي في اللباس الإسلامي، ونتيجته أيضاً، كلاهما مرتبط بأصول العقيدة أساساً! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء، لكن لكل منهما سيماؤه الخاصة. وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط! ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير عقدي للإسلام! كما سترى بحول الله. إن واقع الأمة اليوم، في هذا المقتل الجوهري على جانب من الخطر عظيم. فلقد رأينا أن قضية اللباس بما ترمز إليه من دلالات سيميائية؛ هي حرب حضارية تُشن على الإسلام؛ لتدمير مواقعه الوجدانية في بنية التدين الاجتماعي. إن ذلك يعني سحب البساط من تحت كل أشكال العمل الديني التجديدي في البلاد الإسلامية ، وجعله يضرب في الفراغ سدى! إن هذا الخطر الخلقي الداهم ليس له علاقة بتفسيق الشباب فقط، ولكنه مدمر لبنية التدين كلها! إنه استراتيجية عالمية خبيثة لغزو العالم الإسلامي على مستويات متعددة، واحتلال الوجدان الإنساني فيه، وتدمير شخصيته على المستويين النفسي والاجتماعي معاً! وذلك أخطر أنواع الاحتلال، وأشد وجوه الاستخراب! وبناء على ما سبق؛ نقسم مقالنا هذا كما هو عنوانه إلى قسمين: الأول يتعلق بسيماء النفس، والثاني يتعلق بسيماء الصورة. وبيان ذلك هو كما يلي: * القسم الأول: سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام: لقد انطلق الخطاب القرآني للمرأة من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان، منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية! وذلك قول الله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف: ١٧٢) ، فكان هذا التكليف الكوني العجيب: [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب: ٧٢) . لقد جاء هذا التكليف في سياق خطاب كوني، وُجِّهَ للسماوات والأرض وما بينهما، فتَصَدَّر الإنسان بما فطر عليه من مؤهلات؛ ليكون إمام العابدين لله الواحد القهار، وليكون سيد السائرين إليه تعالى في الأرض وفي السماء. وليس بعيداً عن هذا القصد أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم، أول الخليقة من النفس الإنسانية، وهو يحمل في صلبه ذريته ذكراناً وإناثاً. ومن هنا خاطب المولى ﷻ المرأة في القرآن باعتبارها (عاملاً) ، على سبيل التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى، كما مر في قوله تعالى: [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ] (آل عمران: ١٩٥) . وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها. فقد ينقص الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعياً لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما، ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة [٢] . إن تشريع اللباس الإسلامي إنما كان مذ كان في هذا السياق الكوني العظيم، فليس فيه إذن شكليات وهامشيات، إنه جوهر من جواهر الحياة، وعمق من أعماق الوجود الإنساني في الخطاب القرآني! إنه سيماء لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، قال : [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] (هود: ٦١) . ومن ثَمَّ كان ذلك أول قصد إبليس بالتدمير والتخريب في المجتمع الإنساني الأول! فاقرأ وتدبر هذه الآية العجيبة! قال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: ٢٦-٢٧) . ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن، فتدبر! والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما معناه أنها تُبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح! وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية. * القيم التربوية لسيماء النفس لدى المرأة: تقوم سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام على ثلاث قيم رئيسة، ذات أبعاد جمالية خاصة، هي من لطائف الأنثى خِلْقَةً، ومن أسرارها العميقة. وهي كما يلي: - أولاً: قيم جمالية الأنوثة: الأنوثة هي سر الجاذبية الخِلْقية في المرأة. والأنوثة في الإسلام مفهوم تكاملي؛ ومن هنا كانت جماليته؛ أي أن به يُحَصِّل الرجل كمالَه، من حيث هو جنس بشري، وبدونه فهو ناقص أبداً. وكذلك المرأة في المقابل لا تكون إلا بالرجولة التي على الرجل أن يحفظها ويرعاها لها! و (الجمالية التكاملية) هي المذكورة في قوله تعالى: [هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ] (البقرة: ١٨٧) ؛ ومن هنا وجدنا الإسلام ينهى بشدة عن (تَرَجُّلِ المرأة) أي تشبهها بالرجل؛ لما فيه من فقدان الهوية الفطرية للتكاملية الإنسانية، ثم لما فيه من إخلال بالتوازن الجنسي، والجمالي في الخلق. فالأنوثة حقيقة وجودية ضرورية لاستمرار النسل من ناحية، وضرورة وجودية للشعور بمعنى الحياة لدى الجنسين؛ بما يكون من إنتاج للوظيفة البشرية في بناء الأسرة. ومن ثَمَّ؛ من وظيفة عمرانية في قيام الحضارات، واستمرار التاريخ إلى ما شاء الله. فكان الترجل النسوي لذلك تهديداً للوجود الإنساني وخرماً لتوازنه! وقد وردت أحاديث عن الرسول الأكرم ﷺ في هذا الخصوص؛ من مثل قوله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المُتَرَجِّلَةُ المتشبهة بالرجال، والدَّيُّوثُ! وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى» [٣] . ومثله قوله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلَةُ من النساء، ومدمن الخمر» [٤] . وعن عائشة ﵂ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الرَّجُلَةَ من النساء!» [٥] . والترجل في المرأة قد يكون شكلياً كما باللباس، أو طريقة الكلام، أو المشي، أو نحو ذلك من الشكليات الظاهرة، وقد يكون بدنياً بتغيير خلق الله في نفسها، بالجراحات الطبية المحرمة التي تؤثر في طبيعتها الأنثوية، ووظيفتها الوجودية. وكل ذلك حرام بنص الأحاديث ومقاصد الشريعة. ومن هنا حرم الإسلام حتى مجرد التشبه بالرجل بله الترجل، كما حرم على الرجل التشبه بالنساء سواء! وذلك كما في قوله ﵊: «لَعَنَ اللهُ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء!» [٦] . وقال في خصوص التشبه في اللباس: «لعن الله الرجلَ يلبس لبسةَ المرأة، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل» [٧] . فالأنوثة إذن؛ مقصد إسلامي وجودي وتشريعي، وكل خَرْم له هو خَرْم لحقيقة التدين ولحقيقة الحياة. - ثانياً: قيم جمالية الحياء والتخفي: الحياء ضد الفحش والتفحش، وضد البَذَاء، وجمالية الحياء هي من المقتضيات الفطرية للأنوثة، والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي؛ لأن به يحفظ وجوده في النفس وفي المجتمع. إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء يطير في الهواء ويتلاشى! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع البروز الفاضح. التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال! وإنما جمال الوردة ما لم تقطف! فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها، فلا جمال بعد! ومن هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك! والحياء عموماً مبدأ إسلامي كلي، عام في كل شيء، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، أو في الألبسة، أو في التصرفات وسائر الحركات. وهو معنى قول النبي ﷺ الجامع المانع: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شَانَه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زَانَه» [٨] . كما أنه كان عاماً في كل إنسان، من حيث هو مسلم يحمل عقيدة معينة، وانتماء حضارياً متميزاً. ولذلك قرنه النبي ﷺ بالإيمان في قوله: «إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» [٩] ، ومثله قوله ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ من الجفاء، والجفاء في النار» [١٠] . ثم جعله بعد ذلك سلوكاً يومياً، وتعبداً عملياً، وربطه بالله جل وعلا؛ معرفةً بجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وجمال إنعامه، فقال ﷺ : «استحيوا من الله تعالى حق الحياء! من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى! ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء!» [١١] . لقد قصدت بإيراد هذه النصوص أن أبين أن الحياء مقصد من أهم المقاصد الشرعية التي تداني ما سطره العلماء في مقاصد الشريعة. وتَتَبُّعُ هذا المعنى بالمنهج الاستقرائي في النصوص الشرعية؛ يجعل منه كلياً من أهم الكليات الخلقية في الإسلام. ذلك ما يتعلق بالحياء مطلقاً في الإسلام؛ أعني من حيث هو خُلُقٌ إسلامي عام في الرجال والنساء على السواء، وإن كان وجوده في المرأة أجلى وأبين وأجمل. إلا أن المرأة في الشريعة الإسلامية اختصت منه بلطائف ومعان وأحكام ليست على الرجل، ضبطاً وتشريعاً. فكثيرة هي الأعمال التي أنيطت بالمرأة دون الرجل؛ رعياً لمقصد الحياء! فكل ما أوجب عليها التستر الجسمي أو الحركي أو الصوتي؛ فهو راجع إلى هذا المعنى. فأما التستر الجسمي فهو ما فرض الله عليها من اللباس الإسلامي، في محكم القرآن العظيم، من قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً] (الأحزاب: ٥٩) ، وما فصّلته السنة النبوية في ذلك، من جزئيات بيانية توضيحية، من مثل قوله ﷺ : «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله» [١٢] . ومثله قوله ﷺ : «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره» [١٣] . وأما التستر الحركي فهو ما فرضه الله عليها من الاتزان في المشي وفي الصلاة، وما حرمه عليها من التغنج في الشوارع، والأماكن التي يغشاها الرجال، قال تعالى: [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ] (النور: ٣١) ، ومنعها من إمامة الرجال في الصلاة؛ لما فيه من كشف لحركة جسمها ومفاتنه عند الركوع والسجود! ونحو ذلك في الشريعة كثير. وأما التستر الصوتي فهو متعلق بتلحين أنغامها الصوتية خاصة، وما في معناه من تغنج صوتي، وليس متعلقاً بمطلق الصوت طبعاً! وذلك كمنعها من الأذان، وتجويد القرآن بمحضر الرجال الأجانب عنها. ومن باب أولى وأحرى منعها من الغناء للرجال، وتلحين الصوت عند الكلام العام؛ قصد التأثير الجنسي على الرجل من غير الزوج! وذلك كله إنما هو مقدمات الزنى. ويجمع هذه المعاني قول الله تعالى الصريح: [فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] (الأحزاب: ٣٢) . كل ذلك إنما كان رعياً لجمالية الحياء الأنثوية في المرأة، وحفظاً لفطرتها النفسية ولطائفها الوجدانية، وحمايتها من التسيب الخلقي الذي هو باب كل شر! وعليه؛ فقد كان التخفي في الإسلام مطلباً تعبدياً للمرأة في كل شيء؛ حتى في صلاتها! وبهذا المنطق يجب فهم حديث النبي ﷺ الذي جعل صلاتها في بيتها أفضل في الأجر والمثوبة من صلاتها في المسجد، على عكس ما سنَّه للرجل تماماً. وذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها!» [١٤] وأوضح منه قوله ﷺ : «لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد» [١٥] . وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي؛ أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي!» ، فأَمَرَتْ؛ فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله [١٦] . كل هذا التخفي في العادات والعبادات؛ إنما هو لحفظ جمالية الحياء. ذلك المقصد الذي يشكل سراً من أسرار الجمال في الأنثى! وبهذه النصوص والمقاصد؛ يدرك المتبصر مقدار المخالفة الشرعية، في جمالية الحياء والتخفي، بين مثال المرأة المسلمة وبين حالها في واقعها المعاصر! فانظر - رحمك الله - كم هي بذيئة حالة الاستعراض التي تمارسها المرأة اليوم على الملأ، في الشوارع والأماكن العامة، تقليداً لعادات اليهود والنصارى! بل لقد وصل الجهل بمثل هذه الحقائق إلى أن صار كثير ممن ينتسبن إلى التدين والعفاف؛ لا يجدن حرجاً في الخروج مع أزواجهن، مشياً على هيأة من التغنج الفاضح، والتلاصق المخجل! خاصة الأزواج الحديثي العهد بالزواج. وكأن كونهما مرتبطين بعَقد شرعي كاف لتسويغ حالة الاستهتار الخلقي التي يمارسانها على الملأ، من التخاصر والتمايل. فما بالك بمن دونهما من الساقطين والساقطات! لقد فقد الناس الإحساس بالحياء! وفسدت أذواقهم إلا قليلاً! - ثالثاً: قيم جمالية الأمومة: الأمومة في الإسلام مفهوم خاص، وكذلك سائر مفاهيم الأسرة، كالأبوة، والبنوة، والعمومة والخؤولة ... إلخ. يخطئ من يظن أن تلك المصطلحات كما وردت في النصوص الشرعية، من كتاب وسنة، هي بالمعنى البيولوجي التناسلي فقط! كلا! إنها مفهومات تعبدية! فالأبوة بالمعنى الجنسي، أو الأمومة بالمعنى التناسلي؛ كلاهما مفهوم بيولوجي له دلالة جنسية، يشترك فيها بالتساوي الإنسان مع سائر البهائم، والحيوانات الأهلية والوحشية! إن المفهومات الأسرية في الإسلام لها دلالة متفرعة عن مفهوم (الرَّحِم) بمعناه الإسلامي. و (الرحم) مصطلح قرآني أصيل، مشتق من (الرحمة) ، يدل على معنى ديني مقدس في الإسلام، وهو الرابطة التعبدية التي تربط الناس فيما بينهم؛ بعلاقات تناسلية مبنية على مبادئ الشريعة، فلا يدخلها من الفروع والأصول إلا من كان نتاج عقد شرعي كامل! ومن هنا فقَدَ الزاني مفهومَ (الأبوة) لما وُلِدَ له في الحرام؛ فلم يكن (أباً) بهذا الاعتبار! ولذلك لم يَجُزْ أن يلحق ابن الزنى بأبيه البيولوجي في أي شيء؛ نسباً وإرثاً! لأن الأب في الإسلام إنما هو من كان له ولد شرعي من عقد شرعي. والأصل في ذلك أن الله تعالى جعل الرحم التي هي رابطة الأسرة في الإسلام؛ مَعْنىً تعبدياً لا يجوز انتهاكه بتغيير أو تبديل، ولا بقطع صلة؛ أي قطع العلاقات بين الفروع والأصول، رأسياً أو أفقياً. بل جعل صلتها عملاً تعبدياً كسائر العبادات الأخروية المقرِّبة إلى الله تعالى. وجعل رتبتها التعبدية مقرونة في القرآن بتقوى الله ذاته جل وعلا. وذلك قوله سبحانه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] (النساء: ١) . وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: أنا خلقتُ الرحمَ وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها قطعتُه، ومن بتَّهَا بتَتُّه!» [١٧] ، ومثله قوله ﵊: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُه!» [١٨] ، والشُّجْنَةُ هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق والأغصان. وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله!» [١٩] ، فتجاوز مفهوم (الرحم) أن يكون مجرد غشاء من اللحم في بطن المرأة لحمل الجنين، بل تعدى هذا المفهوم للدلالة على العلاقة التعبدية بين أفراد الأسرة من الأصول والفروع رأسياً وأفقياً. وهذا سر القوة والصمود في بقاء الأسرة بالمعنى الإسلامي عبر التاريخ، رغم كل أشكال التذويب الثقافي الذي تعرض له المسلمون في كل مكان! إن الرحم نفسها بالمعنى البيولوجي، أي الغشاء الجنيني، هي راجعة في الاشتقاق اللغوي إلى معنى (الرحمة) ؛ لما تتسم به الأم من هذا المعنى العظيم كلما حملت؛ فكانت لذلك مورد العطف والحنان! وإنما الرحمة من الله الرحمن الرحيم. هو جل وعلا يخلق ما يشاء كما يشاء. وللدكتور عبد الوهاب المسيري تحليل دقيق للحركة النسوية في العالم العربي، يرجع به في نهاية المطاف إلى فضح الرغبة الغربية في تدمير نظام الأسرة الإسلامي؛ لما ذكرنا من اعتبارات، يقول: «والعالم الغربي الذي ساند الدولة الصهيونية التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسياً وحضارياً يساند بنفس القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا ... فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد. كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، والذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادراً على توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم ... وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي ... ، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق، والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها! بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة! وإذا انسحبت المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري والهيمنة الغربية!» [٢٠] . ومن ثَمَّ حازت الأم في الشبكة الأسرية موقعاً مركزياً، لا يدانيها فيه أحد، ولذلك قال الله ﵎ في القرآن العظيم: [وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ] (لقمان: ١٤) ، فهو وإن وصى الإنسان بوالديه معاً؛ إلا أنه خص الأم بذكر وظيفتها البيولوجية والنفسية والتربوية؛ فكان لها بذلك خصوص تمييز، لا يلحقه الأب. وهو صريح قول النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك» [٢١] . ومن هنا كان للأمومة جمالية خاصة في الإسلام، تتحقق على المستوى التربوي في تنشئة الفتاة، وإعدادها النفسي؛ لتملأ الوجدان الاجتماعي كله بالحب والحنان؛ مما يرسي نوعاً من التوازن السيكولوجي في الأجيال، ويقوي النسيج الاجتماعي للأمة. * القسم الثاني: المرأة وسيماء الصورة في حرب القيم: ونعني بسيماء الصورة هنا صورة الجسم، فكل الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، المتعلقة بلباس المرأة؛ إنما هي راجعة إلى الأصل الأول المبين في الفصل الأول، أي سيماء النفس، فوجب أن تكون الصورة خادمة للنفس وليس العكس، كما هي فلسفة الحضارة المادية في الغرب اليوم! * الصورة سيماء حضارية: يخطئ الذين يظنون أن الصورة بما تحمله من ألبسة وعلامات محايدة لا انتماء لها. بل هي رمز خطير من أهم رموز الانتماء الحضاري! إنها تعبر عن تصور ما للحياة والوجود والمصير بصورة واعية، أو غير واعية. إن العري في الغرب اليوم، عري الرجل والمرأة كليهما، صورة تعبر عن فلسفة حضارية! فأوروبا وسليلتاها: أمريكا وأستراليا، تختزن مضموناً وثنياً قديماً، يرجع إلى العهد اليوناني القديم. لقد انهزمت المسيحية يوم تبناها قسطنطين إمبراطور روما، فانتقلت من الشرق مهدها الأول إلى الغرب؛ ذلك أن الغرب لم يستطع أن يتخلص من فكره الوثني القديم. فبدل أن تتمسح أوروبا توثنت المسيحية! أو بدل أن (تتنصر روما ترومت النصرانية) كما قال بعض مؤرخي الملل والنحل من المسلمين. وهذه أعظم مصيبة في تاريخ الديانة المسيحية! لقد فقدت طبيعتها الروحية إلى الأبد! قال ابن كثير ﵀: «ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له (قسطنطين) ، فدخل في دين النصرانية. قيل: حيلة؛ ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام؛ من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين قسطنطين) !» [٢٢] . إن الفنان اليوناني القديم الذي لا يجد حرجاً في رسم أو نحت الصورة عارية تماماً، مع العناية الشديدة في نقش الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، في التماثيل والصور؛ إنما يستجيب لطبيعة الفلسفة الإغريقية القديمة. فكل ذلك له دلالة التفسير المادي للحياة، والتصوير الغرائزي للإنسان! وهو حس وثني غليظ، بمقتضاه عبد الإنسان الشهوات السلطانية والمالية والجنسية، سواء في عهد الفراعنة في مصر، أو في عهد اليونان القديم، حيث الآلهة هي مرجع التفكير، والاعتقاد الفلسفي والاجتماعي لدى الإنسان. ولذلك كان العهر جزءاً من فلسفة اليونان، وجزءاً من قيمهم الدينية. وقد فصّل العلامة المودودي في كتابه (الحجاب) هذا المعنى بما يكفي، لكنا نقتطف منه قوله ﵀: «وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم، إلى حد جعل كبار فلاسفتهم، وعلماء الأخلاق عندهم؛ لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة، يلام المرء عليها ويعاب! ... وانتشرت فيهم عبادة أفروديت» Aphrodite «التي كان من قصتها عندهم في الأساطير » Mythology «أنها خادنت ثلاثة آلهة، مع كونها زوجة إله خاص! وأيضاً كان من أخدانها رجل من عامة البشر، علاوة على تلك الآلهة. ومن بطنها تولد كيوبيد» Kupid «إله الحب! نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري!» [٢٣] . إن هذا المضمون مع الأسف لم تستطع المسيحية في أوروبا أن تقضي عليه، وإنما تكيفت معه وتبنته؛ استجابة لمحاباة الإمبراطور من جهة، واستجابة للعرقية الغربية اليونانية القديمة من جهة أخرى. ولكن الذي حدث هو تحول الأوثان من صورة إلى صورة! فبدل أن تصور الآلهة اليونانية شرعت في تصوير الآلهة المسيحية! فظهرت صورة العذراء وصورة المسيح ﵇ زعموا وصور القديسين! وأثقلت بها الكنائس في كل مكان! وصار للمسيحية تجل وثني مع الأسف! هو الذي تطور ليعري الصورة البشرية الحية في الغرب اليوم كاملة! فتوجهت العقلية الغربية إلى التعري في كل مجالات الحياة! ومن هنا شهد الغرب ثقافة العري التي طبعت أدبه وفنونه، ومن ثم صدرها إلينا مع المثقف العربي المصنوع على النمط الأوروبي! ولذلك فليس عبثاً أن يتجه الفن الإسلامي في العمارة إلى التجريد بدل التجسيد! من خلال اعتماد الخط العربي في الزخرفة والتعبير، والأشكال الهندسية الانحنائية، المتكاتفة والمتعاطفة، نقوشاً وأسواراً وأزقة، كتعاطف المصلين في الصف خلف الإمام. ثم الأشكال التجريدية في الأعمال من صيام وقيام. كل ذلك لأن التجريد هو الفضاء الأقدر على التعبير عن عقيدة التوحيد. إن حركة العري الجنسية في الغرب اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي للانتماء الحضاري اليوناني القديم! فهي تحمل في طياتها تقديس الشهوات، وعبادة الملذات. وبذلك صار للجسم / الصورة سلطة كبيرة في بناء التصورات وصناعة القرارت، في السياسة والتجارة والإعلام! وتلك هي الوثنية في صورتها الجديدة! * الصورة سيماء إعلامية تجارية: وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزًا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات المختلفة، من خلال أبعاد صورتها الجسمانية، وما يتداعى عنها من غرائز جنسية، تستدعيها في نفسية المشاهد والمتلقي؛ ليكون بعد ذلك أحد المستهلكين للبضاعة التي مرت إلى عقله عبر قناة الجسد، جسد المرأة المشتهى! إن هناك شيئاً يمكن تسميته بعلم النفس التجاري! لكنه (علم) - إن صحت العبارة - نشأ في بلاد لا تعرف معنى لمفهوم الحرام! بل إنما تفتقت عنه عبقرية الشيطان اليهودي أساساً؛ ولذلك فقد جاء يحمل كل خصائص الرأسمالية المتوحشة. فصار صناعةً تستغل كل شيء، وتضحي بأي شيء: الدين والأخلاق والأعراض والقيم الإنسانية جملة؛ من أجل الوصول إلى غاية واحدة: هي الربح! فكان أن وظف السيمياء الأكثر تأثيراً في نفسية المستهلك الشهواني، وهي: جسد الأنثى، في صورته الجنسية! فكانت هذه الصورة - مع الأسف - هي القناة الإشهارية الأولى، لكل البضاعة العالمية، من السيارة حتى الحذاء! ولم تعد صورة المرأة في الواقع النفسي التجاري العالمي؛ تتجاوز معنى مومياء البلاستيك المعدة لعرض الأزياء على قارعة الطريق! والصورة سيماء سياسية: وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصورة العارية من خلال الأدب، والثقافة، والفن السينمائي، والمسرحي، والألبوم الغنائي، والموديل الفتوغرافي، وموضة الشارع المتحركة، حتى نمط العمل الإداري! كل ذلك لتدمير بنية التدين في المجتمعات الإسلامية، هذه البنية التي تعتبر خميرة ما يسمى (بالإسلام السياسي) باصطلاح أعدائه، أو (الصحوة الإسلامية) ، أو (حركة تجديد الدين) ، باصطلاح أبنائه. لقد استُغل السلاح النسوي استغلالاً خطراً، في إعادة صياغة الأسرة؛ وفق المقياس الأوروبي وقيمه الحضارية، ونقض أصول بناء الأسرة في القرآن بالتدريج. كل ذلك يحصل اليوم من خلال وسائل من أخطرها التطبيع على تداول الصورة العارية كموضة متحركة في بنية المجتمع العربي والإسلامي! [٢٤] * والصورة سيماء قرآنية: ومن هنا لم تكن عناية الإسلام بالصورة الجسمية فارغة من أي مضمون، أو مجرد شكليات، وجودها كعدمها، كلا! بل هي أيضاً تعبر عن انتماء حضاري، وموقف عقدي، ورؤية وجودية. إنها عمق مذهبي، والتزام ديني [٢٥] . ولذلك فليس عبثاً أن تجد القرآن نفسه وهو أعظم مصدر ديني في الإسلام ينص على قواعد اللباس، وقواعد التصرف الصوري (نسبة إلى الصورة) ، على سبيل الإلزام حيناً، وعلى سبيل الإرشاد حيناً آخر. إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم وزوجه حواء ﵉، حيث كان لباس الجنة رمزاً للرضا الإلهي، وبمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! فالعري هو رمز التمرد على الخالق. إنه إذن رمز الشيطان! قال : [فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى] (طه: ١١٧-١٢٢) . إن هذه الآيات تلخص قصة اللباس كيف بدأ في تاريخ الإنسان وفي تاريخ الدين كله. فآدم وزوجه ﵉ كانا على تمام النعمة في الجنة، أَكْلاً وشُرْباً ولباساً. فقوله تعالى: [وَلاَ تَعْرَى] ؛ دال على أنه ﵇ كان يتمتع بلباس الجنة هو وزوجه. قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن» [٢٦] . وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى] : «إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر» [٢٧] . وقوله: [وَلاَ تَضْحَى] ؛ أي لا تتعرض لحر الشمس. فهو في ظلالها وجمالها. فصرح القرآن العظيم بعلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه؛ أنها الرغبة في تعريتهما التعرية التامة! حتى تظهر لهما سوءاتهما، فيريان ذلك من أنفسهما معاً! وليس أبعد في المنكر والخزي من أن يتعرى الإنسان، ويكشف عن عورته على ملأ الناس! إذن تمسخ طبيعته التي فطر عليها، من رتبة الإنسانية إلى دَرَك البهَمِيَّة، كما هي معظم شوارع هذا الزمان وتلفزيوناته! صحيح أن آدم وزوجه إنما كانا وحيدين في جنسهما آنذاك؛ إذ هما أول الخلق البشري. ولكن قصة آدم إنما كانت لوضع أصول التربية الفطرية للإنسان، والعهد إليه بميثاقها. فالشيطان سعى قصداً إلى نقض هذه المقاصد، وتعرية الإنسان وتطبيعه على التعري، وخرق الحياء كقيمة إنسانية. ولذلك قال في سورة الأعراف مبيناً: [فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ] (الأعراف: ٢٠-٢٢) . ومن هنا كانت الآية البصيرة وكل آيات القرآن بصائر الآية التي تحكم منطق اللباس في الإسلام، وتوجهه، وتمنحه مضمونه المقاصدي بالشمول الكلي، تحيل تعليل فطرة اللباس وطبيعته الإسلامية على قصة آدم نفسها، لكن بوضوح أبين، ودلالة أقوى، وهي قوله تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: ٢٦-٢٧) . والذي نفسي بيده! لو تدبرت النساء اليوم هذه الآية وحدها لكفتهن! ولكن أكثرهن مع الأسف عَمْياوَاتُ القلوب، [فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) . ومن جمالية التعبير القرآني بهذه الآية البصيرة؛ أنه تعالى ذَكَر لباس الثياب، ثم كنَّى عنه بالريش؛ وذلك لما للطائر من جمال؛ إذ ينطلق بريشه محلقاً في الفضاء، أو مستقراً على الشجر، أو ماشياً على الأرض. وما أتعسه من طير فَقَدَ ريشه! أو نتفه مَنْ يعذبه به! ألا ذلك هو العذاب الأليم! وقرن تعالى هذا كله بلباس التقوى، وإنما القصد (بلباس التقوى) صلاح النفس، لا اللباس المادي الظاهر، ولكنه هنا سيق ليكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد الأساس من تشريعه، فإنما اللباس ما عبَّر عن ورع صاحبه وتقواه؛ ذكراً كان أم أنثى. ومن ثَمَّ كان العهد الذي أخذه الله على الإنسان بعدم عبادة الشيطان؛ يعود بنا إلى قصة العري والعصيان الآدمي، وذلك قول الله ﷻ : [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] (يس: ٦٠-٦١) . فكان الالتزام باللباس نوعاً من الوفاء العَقَدي لعهد الله وعدم الإشراك به، كما كان التعري نوعاً من الشرك والوثنية! لما فيه من إبراز وتقديس للجسمانية على حساب الروحانية؛ ومن هنا كانت أحكام اللباس في الإسلام متأصلة في عقيدة التوحيد! وهذا معنى من ألطف ما يكون، وسر من أعجب أسرار القرآن.. فتدبر! في هذا الفضاء الكوني القرآني إذن؛ جاءت آية سورة الأحزاب في فرض نموذج لباس المرأة: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً] (الأحزاب: ٥٩) ، وآيات سورة النور التي منها قوله تعالى: [وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ] (النور: ٣١) . وفي هذا الفضاء أيضاً جاء تمييز الرجال بألبستهم وصورهم، صحيح أن الإسلام لم يفرض نموذجاً عربياً أو عجمياً للباس، ولكنه فرض قواعد يجب أن تُحترم؛ سواء كان اللباس عربياً أو عجمياً، وقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم اللباس العجمي وأقره بين الصحابة، كالقَبَاطِي والجبة الرومية، وغير ذلك [٢٨] ؛ ما دامت تلك الألبسة لا تحمل دلالة دينية رمزية لغير المسلمين من ناحية، وما دامت من ناحية أخرى تستجيب لقواعد اللباس الرجالي في الإسلام. فالأمر الوارد بإعفاء اللحية بصورة مخصوصة لا بأي صورة، وكذا الأمر بالتزام قواعد معينة عند كل لباس؛ كل ذلك يخدم هذه الأصول التشريعية والعقدية المنطلقة من قصة آدم، والساعية إلى تمييز الإنسان المسلم عن عالم الخطيئة والعصيان الشيطاني، الذي انحدرت إليه أمم المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. فقوله ﷺ مثلاً: «خالفوا المشركين! أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى!» [٢٩] ، وفي رواية لمسلم: «خالفوا المجوس» ؛ ليس لتشكيل صورة قائمة على مجرد فن الديكور! كلا! بل هو لتمييز الصورة الإسلامية في سيميائها الحضارية، وانتمائها العقدي. إنها تعبير عن التبرؤ من النموذج الشيطاني الذي جر إليه إبليس اللعين الأمم الضالة لتغيير خلق الله، كما حكى عنه القرآن العظيم مفصلاً بشكل عجيب! قال تعالى: [إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً] (النساء: ١١٧-١١٩) . ومن ذلك حديث أبي أمامة قال: «خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال:» يا معشر الأنصار، حمّروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب! «قال: فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله ﷺ :» تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب! «قلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يَتَخَفَّفُونَ ولا ينتعلون! [٣٠] فقال رسول الله ﷺ :» فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب! «فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عَثَانِينَهُمْ (يعني: لحاهم) ويُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (يعني: شواربهم) ! قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم! وخالفوا أهل الكتاب! « [٣١] . وبهذا القصد نهى الرجال عن إسبال الثوب، وإرخائه إلى ما تحت الكعبين من الأقدام؛ لما كان يدل عليه من خيلاء وكبر في عادات العرب، فقال صلى الله عليه وسلم:» ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار! « [٣٢] . وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً علة ذلك:» مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة « [٣٣] . ولنكتف بهذه الإشارات فيما يتعلق بسيمياء اللباس لدى الرجل؛ حتى لا نخرج عن غرض هذا المبحث المتعلق بسيمياء المرأة على الخصوص. وإنما القصد أن نبين أن اللباس عموماً في الإسلام، سواء منه ما تعلق بالرجال، أو ما تعلق بالنساء، له دلالة سيميائية ترجع في رمزيتها إلى مقاصد دينية تعبدية، تضرب حقيقتها في عمق التصنيف الاعتقادي، وتتشكل صورتها في صلب الانتماء الحضاري، والتميز الثقافي. * العري كبيرة من الكبائر: فمن هنا إذن؛ كان الوعيد النبوي شديداً بالنسبة للمتعريات من المسلمات، ففي هذا الإطار السيميائي، والسياق الحضاري؛ جاءت الأوامر القرآنية والنبوية بالتزام صورة معينة للباس لدى النساء. وأنكر الرسول ﷺ إنكاراً رهيباً تعري المرأة. والعجيب أن ذلك الإنكار تعلق بصورة (كاريكاتورية) للباس المرأة؛ لم تكن قد ظهرت في زمانه ﷺ ، ولا عرفتها العرب. وإنما حدَّث عنها ﵊ مطلاً على المستقبل من مشكاة النبوة، ومستبصراً للغيب، مما علمه الله. أي أنه كان يقرأ زماننا ويبصر عري نسائنا من قمة زمانه ﷺ ! فأنكر ذلك المستقبل الماضي في علم الله، وحذر من مجاراته والافتتان به؛ لِمَا عَلِم ﵊ من انتسابه الشيطاني، وتمرده على رب الكون! فرتب عليه وعيداً شديداً من عذاب الله! وتلك صفة كبائر الذنوب عموماً في الإسلام، والسياق قاطع بأن هذه منها! وقد اشتهر في ذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح:» صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا « [٣٤] . فهذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ ، فقد وصف فيه ما لم يره بعين البصر، وإنما رآه بعين النبوة، مما سيكون في آخر الزمان وهو زماننا هذا. فكان وصفه العجيب كأدق ما يكون الوصف؛ لما عليه حال النساء اليوم، مما لم يسبق له مثيل في التاريخ! فهن فعلاً كما قال ﷺ (كاسيات عاريات) ؛ بمعنى أنهن يلبسن ما به يكون العري أشد! وهو شيء غريب فعلاً. ألا ترى أن نوع اللباس الأنثوي اليوم إنما هو لزيادة بيان تفاصيل العورة، ومواطن الفتنة من الجسم: خِرَقٌ رقيقة أو ناعمة تكشف وتشف، أو ترسم هيأة البدن على التمام والكمال، وتعري بعضه أو أغلبه تعرية تامة. فإذا المرأة في الشارع تسير عارية تماماً! إنها لو خرجت بلا ثوب مطلقاً لما فتنت كما تفتن الآن بقليل اللباس؛ مما يكون به عرض مواطن الفتنة في الجسم على أبين وجه، وعلى أدق توصيف! فأي شيطان هذا الذي يملي هندسة الشر على منتجي الموضة في العالم؟ ذلك هو قول النبي ﷺ (كاسيات عاريات!) . ثم إنهن بعد ذلك (مائلات مميلات) ، ومعناه أنهن مائلات عن الصراط المستقيم أولاً، ثم هن مائلات في مشيتهن بالطرقات، يَسِرْنَ بنوع من الانحناء إلى شمال تارة، وإلى يمين تارة أخرى؛ إمعاناً في عرض أجسامهن العارية بأوضاع مختلفة، في المعرض المفتوح لأجساد النساء! ماذا بقي بعدُ من الكرامة لهؤلاء؟ وأما كونهن (مميلات) فهو أنهن يملن أعطافهن وأردافهن إذا مشين بتكسر ماجن، وتعهر فاضح. و (الإمالة) أيضاً هي أثر ذلك كله على قلوب الشباب خاصة، وقلوب الرجال عامة، من التأثير الشيطاني والغواية الإبليسية التي تميلهم عن الصراط المستقيم، وتخرجهم عن سبيل الهدى إلى سبل الضلال، وتخرجهم من النور الظلمات، أو من الظل إلى الحرور! ثم هنّ كما قال ﷺ :» رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ «، ومعناه أن طريقة قص شعرهن، وشكل حلاقته؛ تجعل رؤوسهن أشبه ما تكون بأسنمة البُخْت المائلة. والبُخْت: جمع بُخْتِية، وهي الناقة. لكنها نوع خاص من الإبل، مُنَسَّلَةٌ من الجِمال العجمية. والأسْنِمَةُ: جمع سنام، وهو ذروة الناقة. وكثيراً ما تكون ذروة الناقة، أو الجمل؛ فعلاً مائلة إلى جانب معين، ثائرة الوبر، متناثرة الشعر، بشكل وحشي، أو قل (فوضوي) بالمعنى الفني المعاصر للكلمة! أليس النساء هنّ كذلك فعلاً؟ بلى والله! وبالضبط كما وصفهن النبيُّ! فَعُدَّ أنواع القَصَّات في حلاقة الموضة الجهنمية اليوم! لترى مدى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في الوصف الاستبصاري النبوي! عُدَّ إذن: القَصَّةَ المربَّعة! وقَصَّةَ الفرس! وقَصَّةَ الفتى! (للبنات طبعاً!) والقَصَّةَ الإيطالية! والقَصَّةَ الوحشية ... ! إلى آخر ما في جعبة إبليس من تحليقات شيطانية! ذلك هو والله! وصف الرسول ﷺ لهنّ: (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ) ! وصدق نبي الله ﷺ . فإذا أضفت إلى هذا ما أخبر به ﵊ في بداية هذا الحديث، وهو الصنف الأول من أهل النار، أي: (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ!) رأيت ما يسمى في العصر الحديث بـ (قوات مكافحة الشغب) ، ورأيت (جلادي السجون) ، وشرطة الاختطافات والاستنطاقات القسرية، ورأيت كيف يحملون معهم هراواتهم وسياطهم، وسائر أدوات التعذيب الميكانيكية والكهربائية؛ لتحطيم جماجم المستضعفين، وتهشيم عظام المظلومين في كثير من بلاد العالمين! مما لم يدر بخلد شياطين العهد النبوي! إذا أضفت ذلك إلى ذلك؛ علمت دقة التصوير النبوي لمدى خطورة الانحراف الذي عليه المرأة المسلمة اليوم! فاقرئي الحديث - بُنَيَّتي - مرة أخرى، وتدبري! أليس كان عليه الصلاة والسلام ينظر إلى زماننا هذا بالضبط، وبدقة متناهية؟ أليس كان ينظر من مشكاة النبوة إلى غيب يبعد عنه ﷺ بأزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان؟ بلى والله! وقطعاً ستصدق نذارته كما صدقت نبوته. وإنما نذارته هنا هي قوله عن الفريقين: إنهم جميعاً: (صنفان من أهل النار) ، وأن النساء الكاسيات العاريات: (لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) ! أي أنه كان يصف البعد الرهيب الذي يفصل بين هؤلاء النسوة وبين ريح الجنة؛ لِمَا هن هاويات فيه من دركات الجحيم الضاربة في أعماقها والعياذ بالله! ولقد روي هذا المعنى بنبوءات أخرى عجيبة، في أحاديث صحيحة، تتحدث عن موديلات السيارات الفاخرة التي تركبها النساء العاريات! فأبصَرَ منها النبي ﷺ لقطة فيها من التناقض السلوكي، والانفصام النفسي والاجتماعي؛ ما نراه اليوم عياناً! وهو ذهاب هؤلاء الكاسيات العاريات مع أزواجهن إلى المساجد للصلاة أحياناً! زعموا! وهو ما يقع خاصة يوم الجمعة، وأحياناً لا يذهبن للصلاة، وإنما يتبعن موكب العرسان، على عادة بعضهم في إدخال العريس إلى المسجد، في جوقة من الزغاريد والغناء، والعري الفاضح الماجن. وهذا أمر نشاهده اليوم في مصيف الأعراس، في بعض المساجد المغربية! وهو من أقبح البدع وأسوئها! اقرأ هذا الحديث النبوي العجيب، وانظر إلى تلك السيارات الموصوفة منذ أزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان! قال ﷺ :» سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف! العنوهن فإنهنّ ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم! كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم « [٣٥] . وروي بلفظ آخر هو قوله ﷺ :» يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المَياثِرِ [٣٦] ؛ حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم! « [٣٧] . فتدبر هذا الخطاب الرهيب، والوعيد الشديد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العنوهنّ فإنهنّ ملعونات!) ما كان ليكون ذلك كذلك؛ لو لم يكن التعري خطيئة من أبشع الخطايا، وأخسها! ولو لم يكن مسخاً للفطرة الإنسانية، وتغييراً لخلق الله في السلوك النفسي والاجتماعي! إنه سيمياء الشيطان! فالسِّتْرَ السِّتْرَ بُنَيَّتي! فإنه سيماء الرحمن! قال ﷺ :» إن الله تعالى حَيِيٌ سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر! « [٣٨] . * خاتمة: والخلاصة في هذه المسألة أنه يمكنك القول: إن هيأة المسلم في لباسه ومظهره رجلاً كان أو امرأة هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة (صلاة) من معاني السير إلى الله خضوعاً وخشوعاً. إن سيماء الصورة في الإسلام لغة كاملة؛ لغة من لغات الصلاة المودعة في أسرار هذا الملكوت! إنها تعبير عن منطق الطير، وصحف إبراهيم، وألواح موسى، ومزامير داود وإنجيل عيسى، وآيات هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على محمد ﵊، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ذلك الدين الواحد، ضل عنه المحرفون الذين بدلوا، وغيروا خلق الله، ونبذوا ستر الله، وانحازوا لعري إبليس! فهدى الله المسلمين إلى جمال الستر. ولكن أكثرهم اليوم مع الأسف لا يعقلون!

стр. 4764

ملفات مستقبل التربية على القيم في ظل التحولات العالمية المعاصرة د. خالد الصمدي [*] عرف الفكر المعاصر تدافعاً بين التيارات الداعية إلى علمنة المجتمع، وفصل الدين عن الدولة؛ بتسويغ الحداثة والانخراط في العالمية الاقتصادية والثقافية، بعيداً عن القيود الدينية، وبين التيارات الداعية إلى التمسك بأصول الهوية الإسلامية، والانفتاح الموزون على التجارب العالمية الإيجابية، والتي تستوعبها مقاصد الشريعة الإسلامية، بما تكفله من رقي حضاري بمختلف أشكاله؛ اعتماداً على مبدأ الاستخلاف. وقد وجدت هذه الدعوات تجلياتها وآثارها في المجتمع المسلم، في مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رصدتها كتابات ودراسات وتحليلات، ركَّزت على تتبع مختلف مداخل التأثير في الهوية الحضارية للشعوب الإسلامية، فأجمعت على خطورة مدخل التربية والتعليم في هذا التدافع، بين مختلف المداخل القيمية المؤطرة لتصورات الأجيال، والموجهة لقناعتهم وأفكارهم على المدى المتوسط والبعيد. ويكفي أن تقرأ فصولاً من كتاب (واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين) لسعيد عبد الحكيم زيد؛ لتقف على معطيات تاريخية وشهادات ووثائق مهمة، تثبت خطورة تركيز المخططين للسيطرة على العالم الإسلامي على ملف التربية والتعليم، بدأ بما سمي بإصلاح معاهد التعليم التقليدية كالأزهر والقرويين، وتغيير مناهج التعليم بفصل العلوم الشرعية عن العلوم التجريبية، وإنشاء معاهد التعليم الغربية، ونشر البعثات الأجنبية، ودعم المراكز الثقافية الغربية أو المتغربة. وقد قدم الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي دراسة قيّمة، رصد فيها نشأة العلمانية وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، وخصص الفصل الثاني من الكتاب لمظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، ومنها مجال التربية والثقافة، مستعرضاً اللحظات التاريخية ومخططات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي. بدأ بمرحلة ما بعد الحروب الصليبية، مبرزاً وسائل وطرق تغيير برامج ومناهج التعليم، وطرق ووسائل التدريس بين التعليم الأصيل والتعليم العصري، المستحدث في مصر وسوريا والمغرب؛ بدعم من الدول المستعمرة. والنتيجة يقول مؤلف الكتاب: «نشأة جيل مقطوع الصلة بدينه، مفتون بالغرب وتياراته الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد، هو تحللها من الالتزام بالدين» [١] . كان ذلك نتيجة طبيعية للفصل بين العلم والأخلاق، ستجد آثارها السلبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على المستوى العلمي، كما نرى ونشاهد في عصرنا الحاضر. وقد بيَّن الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق) وضعية الانفصال بين العلم والأخلاق، منتقداً موقف العقلانية من القيم الخلقية، حيث يقول: «تزيد معارضة هذه العقلانية للاعتبار الديني درجة على معارضة أختها التنظيمية له، ذلك أنها لا تقتصر على إسقاط القيم الأخلاقية، وإنما تتعداه إلى إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية، ومعلوم أن الأصول الأخلاقية هي جملة المعايير والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية تَوَلُّد الفرع من الأصل، فلما كانت العقلانية الانتظامية تسعى إلى إنشاء بنية أخلاقية جديدة للإنسان، فقد لزم أن تقوم الأصول الاصطناعية الأولى التي تضعها لهذه البنية الأخلاقية الجديدة، مقام الأصول المعنوية الروحية المبثوثة بالخلقة في الإنسان؛ أي أن تقوم مقام ما يسميه الدين بمعاني الفطرة الإنسانية، وعلى هذا فإن عقلانية الانتظام تطلب في نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان» [٢] . وقد أحس العالم اليوم، سواء الإسلامي أو الغربي، بخطورة هذا الانفصال بين التعليم والقيم، وأخذت كثير من الأقلام التربوية تدعو إلى إعادة الصلة بينهما لما لذلك من تأثير في إعادة بناء الإنسان، فالغرب هو الذي دعا في نهاية القرن ١٩ إلى ضرورة الفصل بين التعليم والدين، بل وصدر مرسوم بذلك في ٢٣ فبراير ١٩٢٣م، وبصدوره اختفت من البرامج الرسمية كل الواجبات تجاه الإله، وظلت المدرسة مستقلة عن كل تعليم ديني [٣] . غير أنه لم يكد القرن العشرون ينتصف حتى كان هذا الفصل قد أحدث انعكاسات تربوية سلبية على الواقع التربوي والأخلاقي عند التلاميذ والطلبة في المجتمع الغربي، الشيء الذي دفع «فيلبس كوبس» في كتابه (الأزمة التربوية العالمية) للقول: «إن الاضطراب الثقافي الذي نجم عن الثورات العلمية والتقنية الأخيرة جعل من التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة، ففي القرن التاسع عشر كانت هذه التربية تشكّل قاعدة البرامج التعليمية في سائر بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائداً، كما أن الحركة العمرانية الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسرية متينة، والاعتقادات والمؤثرات الدينية قوية ... لكنه ابتداء من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ ١٩٣٠م، حصل تغيير جذري في المناخ الاقتصادي والسياسي والتربوي، كان من نتائجه أن اعتبرت التربية الأخلاقية أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخية، وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرسين والمشرفين على التعليم، وظلت على هذا النهج حتى نهاية السبعينيات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافي المشار إليه آنفاً محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعية التي أقلقت بال السياسيين والمشرعين والمشرفين على المدارس وأولياء الأمور. وإذا كان هذا التوصيف لأزمة التعليم عند فصله عن القيم قد ظهر في الغرب وتحدث عنه علماء التربية؛ فإن كثيراً من الباحثين في العالم الإسلامي يحذّرون من هذا الفصل بين التعليم والقيم في التجارب التعليمية والنظم التربوية. يقول الدكتور محمود محمد سفر:» إن من الحق أن نقرر: أن التعليم نشأ في أقطار العالم الإسلامي نشأة كان التعليم الديني فيها هو نقطة الارتكاز؛ إذ كانت له حلقات ومدارس اتخذت من المسجد منطلقاً ومقراً، وقد تطور التعليم الديني من حيث مناهجه في شتى أقطار العالم الإسلامي فعلاً مرة وسمق، وهبط أخرى وتأخر، ولكنه استمر على كل حال يشكّل الحياة العامة للمسلمين، حتى دقت نواقيس الحضارة الأوروبية وجلبت معها بخيلها ورجلها العلم الأوروبي، وانبهر المسلمون بما حققه هذا العلم الأوروبي ... ومن هنا بدأ صراع صامت بين أسلوب التعليم القديم وبين الأساليب الحديثة، واستقر الرأي في كثير من ديار الإسلام أن تترك معاهد التعليم الديني على مناهجها، ونتجاوزها بتقديم العلم الحديث بأساليبه ومناهجه في معاهد جديدة ... إن ازدواجية التعليم في العالم العربي والإسلامي مشكلة يجب إعادة النظر فيها؛ من أجل نظام تعليمي موحد ينبثق عن أحسن ما في القديم وأفضل ما في الحديث « [٤] . وبهذا تلتقي النداءات التربوية بضرورة عودة المؤسسة التعليمية إلى ممارسة دورها في التعليم إلى جانب ترسيخ القيم الحضارية للمجتمع؛ لأن كل البلدان ترى في المدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على صياغة المجتمع، وذلك بالحفاظ على ثقافته وقيمه، كما تعمل في الوقت نفسه من أجل تجديده، وذلك عن طريق استيعاب ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من رقي وتقدم في مجالات مختلفة، مثل العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال [٥] . وهكذا يظهر الارتباط الوثيق بين التربية والمجتمع؛ في كون التربية الأداة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توظفها المجتمعات والجماعات البشرية للمحافظة على استمرارها، وإعادة إنتاجها الاجتماعي والثقافي من جهة، ولتجديد مقوماتها وتطويرها الذاتي من جهة ثانية [٦] . وهكذا تعبر مختلف النداءات والدعوات بمصطلحات مختلفة (التعليم والقيم، التربية القديمة والتربية الحديثة، التربية والمجتمع) عن ضرورة إعادة تشكيل هذه العلاقة في نسيج موحد المقاصد والأهداف حتى تحقق النظم التعليمية رسالتها [٧] . إننا في حاجة إلى إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، لإعادة التعليم إلى حضن التربية كجزء منها، وكوسيلة لتحقيق عبادة الله في الأرض وخلافته فيها. فكيف صاغ الإسلام نظريته التربوية المستجيبة للفطرة، الثابتة في الأصول والمقاصد، المستوعبة للمتغيرات في الطرق والوسائل؟ ذلك ما سنحاول عقد مقاربة له من خلال المحاور الآتية: - سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة. - نظام التعليم مدخل التربية على القيم. - نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية. * سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة: في خضم التحولات التي يعرفها العالم المعاصر؛ أصبح سؤال الهوية يطرح نفسه بحدة، وأصبح الحديث عن الخصوصيات الثقافية زمن العولمة مثار جدل واسع في أوساط المهتمين بالمسار الحضاري لكل بلد وقطر وإقليم. ويمكننا القول إن محاولات التنميط الثقافي والاجتماعي بعد النجاح القهري في عولمة الاقتصاد؛ يمر بالضرورة عبر إعادة خلخلة منظومة القيم التي تحفظ لكل بلد خصوصياته، وهكذا أصبحت النظرة إلى قضايا السكان والتنمية وحقوق الإنسان تأخذ بعدها الدولي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتجد الأصوات المنادية بالخصوصية الحضارية للشعوب ترفع أصوات الاحتجاج والاعتراض والتحفظ على كل ما يمس أسسها العقائدية والفكرية وما لا ينسجم وواقعها، وتحاول أن تستصدر من هذه المؤتمرات توصية تمكنها من تكييف التوصيات الدولية مع خصوصياتها. إلا أن الأمر بالنسبة للقيم الإسلامية يتجاوز الحديث عن الخصوصيات الإقليمية، لكونها قيماً عالمية وكونية على الأقل من الناحية النظرية، وهذا هو الذي يدفعنا في اتجاه الانتقال من الدعوة إلى مراعاة الخصوصيات إلى الدعوة إلى حوار الحضارات لبناء حد أدنى من القيم الإنسانية المشتركة. وحين ننظر إلى الواقع نجد أن الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بالخصوصيات الحضارية للشعوب التي لا تحمل خصوصيات عالمية، أو الحديث عن حوار الحضارات، تصطدم بالاتجاه العالمي الأحادي النظرة، المسنود بالقوة الاقتصادية وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، والذي يدعو الجميع إلى الانخراط في سياق العولمة بقيمها ومبادئها، فانتقل العالم من حوار الحضارات إلى صراع القيم وإعادة تشكيل عقل الإنسان وفق أنماط محددة. ومن هنا أصبح الحديث عن ضرورة إعادة النظر في البرامج والمناهج التعليمية، خاصة في بعض البلدان الإسلامية التي يُدَّعى أنها ترسخ ثقافة العنف، والمطالبة بضرورة احترام المواثيق الدولية في صياغة قوانين الأسرة والتعليم والصحة وغير ذلك مما له صلة مباشرة بمنظومة القيم. وفرق بين أن تمارس هذه البلدان نقداً ذاتياً تحاول من خلاله إعادة النظر في منظومة التربية والتعليم بالاستناد إلى منظومة القيم التي تؤمن بها، وبين أن تكون تحت ضغوط سياسية واقتصادية تدفعها إلى إعادة النظر في منظومة القيم ذاتها، وتحاول أن تقنع نفسها ومحيطها بضرورة إعادة صياغة سؤال القيم، فتقول: ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم نظامنا التربوي؟ ومن ثَمَّ ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم المجتمع؟ والخيار في نهاية المطاف يسير في اتجاهين: إما خيار تعزيز منظومة القيم الإسلامية، وذلك عن طريق إعادة النظر في كيفية بناء المفهومات لدى المتعلم وأساليب ذلك وطرقه، والوسائل العلمية والمقاربات التربوية والتقنية الكفيلة بإبراز هذه القيم في صورتها الواضحة المشرقة، وبعدها الإبداعي، وعالميتها المرتكزة على الرحمة بالناس، ودورها في حل الأزمات والإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر. وإما خيار الانخراط في منظومة القيم المادية التي تسوّقها العولمة بواسطة الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، ومن ثَمَّ الذوبان في مسلك حضاري تتشكل معالمه بعيداً عن أساليب الإقناع والحجاج والحوار والتثاقف، واحترام الاختلاف والخصوصيات الحضارية للشعوب. ومعلوم أن كثيراً من المفكرين المسلمين، بل وغير قليل من غير المسلمين، يدعون إلى ضرورة حماية الخصوصيات الحضارية للشعوب، ويعتبرون أن التحول في القيم تحول في الذات الحضارية بالضرورة، وأن أخطر ما يغير في الإنسان قيمه، وأن ما يهدد الكيانات الحضارية لا يكمن في الغزو العسكري ولا في الأمراض المادية الماحقة، فقد أبيدت أمم بكاملها ولكنها انبعثت من جديد؛ لأن جذوة القيم كانت لا تزال حية فيها. وعليه؛ فإن الخيار الأول يبرز إلى الواجهة وتكون الصياغة الصائبة للسؤال أن تقول: كيف يمكن أن تكون القيم الإسلامية قيماً للتغيير؟ عوض أن تقول: كيف يمكن تغيير القيم الإسلامية؟ * نظام التعليم مدخل للتربية على القيم: إذا كان الطفل منذ مراحل نموه الأولى يبني قدراته ومهاراته وقدراته وخبراته وتصوراته عن طريق التعلم من المحيط كمدرسة أولى أو من التعليم النظامي كمدرسة ثانية؛ فإن المدخل الطبيعي لتشكيل شبكة المفهومات في ذهنه، ومن ثم نوع القيم التي توجه سلوكاته ووجدانه، هو ما يُقدم له من أنماط التعلم، وما يشترك فيه من أنشطة تعليمية تعلمية مندمجة، تشكل في نهاية المطاف المنهاج التعليمي الذي ترسمه خبرات الكبار للصغار؛ انطلاقاً من الخيارات الكبرى التي تحكم مسار الأمة الحضاري. ومن هنا تكمن خطورة نظام التعليم في أي بلد، ودوره في التربية على القيم؛ بدءاً بالفلسفة التي ينطلق منها هذا النظام، وانتهاء بآليات التنفيذ، وبينهما أسئلة كبيرة؛ من قبيل تحديد مواصفات المتعلم عند نهاية مسار التكوين، والكفايات المعرفية والتواصلية والمنهجية والتكنولوجية التي يتوقع أن يمتلكها، وهندسة نظام التكوين بمختلف مسالكه وشعبه، وموقع الوحدات الدراسية المكونة للمنهاج، ومحتويات هذه الوحدات، ومدى تناغم المفهومات والقيم بشكل أفقي فيها اعتباراً لوحدة الفئة المستهدفة، وطرق ووسائل التدريس، ومواصفات وخصوصيات المدرس ومحيط التعلم.. وغير ذلك. ومعلوم أن إصلاح نظام التربية والتعليم في كل بلد ينبغي أن يكون مساراً متحركاً بصفة دائمة، وخاصة على مستوى المناهج التعليمية التي تعتبر البوصلة المتحكمة في باقي عناصر المنظومة التربوية، غير أن سؤال المناهج في بلدان العالم العربي والإسلامي يتوارى إلى الخلف في كثير من مشاريع إصلاح التعليم، في حين يتم التركيز على إصلاح المنظومة التقنية وترقيتها، خاصة على مستوى التجهيزات والوسائل التعليمية، وتوفير الظروف الملائمة للدراسة والتكوين الفني والتربوي للمدرسين. إلا أن إعادة النظر في البرامج والمناهج عادت مجدداً إلى الواجهة حين طُرح سؤال الهوية والتربية على القيم بفعل تحديات خارجية، وخاصة تحت ضغط تنفيذ توصيات المؤتمرات الدولية، وخاصة المرتبطة بالسكان والتنمية وحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دولياً، والإعلانات العالمية المتتالية الداعية إلى حوار الحضارات، فكيف يمكن إذن التوفيق بين الخصوصيات الحضارية والالتزامات الدولية؟ وكيف يمكن من خلال ذلك تطوير المناهج التعليمية في ضوء الفلسفة التربوية الإسلامية وأهدافها مع استدماج كل وسائل العصر وتقنياته في التعليم والتعلم ونقل القيم؟ إن منظومة القيم الإسلامية قادرة على إنقاذ العالم من شراك المادية القاتلة التي كتمت أنفاس الغرب قبل الشرق، وسنستعرض خصوصيات هذه المنظومة للدلالة على قدرتها على تحقيق التغيّر الحضاري المنشود عن طريق التوفيق بين الحاجات الحقيقية المادية والروحية للبشرية، وما يتطلبه العصر من وسائل وتقنيات في التواصل تتطور باستمرار. وقد قمنا بصياغة مشروع متكامل لتأصيل القيم الإسلامية، وبيان طرق ووسائل إدماجها في مختلف المواد الدراسية في المنهاج التعليمي باعتباره المجال الأوسع والأخطر لإعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات القادمة على أسس إسلامية أصيلة توظف كل وسائل العصر وتقنياته المادية والتربوية. نقتصر منه في هذا المقال على ما يتعلق بالتأصيل النظري للقيم الإسلامية؛ من حيث مفهومها وأصولها وخصائصها؛ لبيان قدرتها على الاستجابة للتحديات الحضارية المعاصرة. * نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية: أولاً: في مفهوم القيم الإسلامية: في دراستنا لمادة» قوم «في كتاب» المصطلح التربوي من خلال القرآن الكريم «؛ وقفنا على استعمالات متعددة للمصطلحات المكونة من هذه المادة، كالقيّم، والقيّوم، والاستقامة، والقائم وما سواها. قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة في مادة» قوم «:» القاف والواو والميم: أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة من الناس، وربما استعير في غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم « [٨] ، وذكر الراغب في المفردات أن الاستقامة» تقال في الطريق الذي على خط مستو، والإنسان المستقيم هو الذي يلزم المنهج المستقيم « [٩] . وقد ورد مصطلح الاستقامة والمستقيم في القرآن الكريم بمعنى الهداية والطريق المستقيم، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ] (التكوير: ٢٨) :» أي من أراد الهداية « [١٠] . وقال في تفسير قوله تعالى: [أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الملك: ٢٢) :» أي على طريق واضح بيّن، والمؤمن يكون في نفسه مستقيماً وطريقه مستقيمة « [١١] . قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ] (التكوير: ٢٨) :» أي أن طريق الهداية ميسر لمن يريد « [١٢] . والتقويم:» هو بيان قيمة الشيء « [١٣] ، وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى حسن الصورة، والهيئة، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] (التين: ٤) :» أي أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سوي الأعضاء، وحسنها « [١٤] . وقال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: [فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] (التين: ٤) : » أي خص الإنسان بحسن التركيب، وحسن التعديل، وحسن الخلق، وحسن التكوين « [١٥] . وقال ابن العربي في تفسيرها:» إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه حياً عالماً مريداً متكلماً ... لذلك فليس لله تعالى خلقٌ هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب! « [١٦] . والقيوم الدائم القائم بتدبير ما خلق، وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها. من حيث هو عالم لا يخفى عليه شيء منها، والقيوم من أسماء الله تعالى، وهو سبحانه القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره [١٧] . وفي قوله تعالى: [وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] (البينة: ٥) ؛ القيمة القائمة بالحق والدين المستقيم [١٨] . وفي سنن الدارمي من حديث عبد الله بن صالح بسنده إلى ابن غنم قال: » نزل جبريل على رسول الله ﷺ فشق بطنه، ثم قال جبريل: قلب وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان، محمد رسول الله المقفى الحاشر، خلقك قيم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة « [١٩] . وروى البخاري في كتاب الدعوات من حديث ابن عباس:» كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم! لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق ... «الحديث [٢٠] . ففي الحديث الأول قوله:» خلقك قيم «، وذلك بعد تصفية القلب من الدرن وما يعلق به من الآثام تهيئاً لحمل الرسالة، وكذلك عرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما عبد صنماً قط قبل البعثة. وفي الحديث الثاني بيان لمصدر القيم في الكون، وهو الله تعالى والإنسان مدرك لحقائق الكون منه. وإلى الله تعالى يرجع الأمر كله بعد حياة الابتلاء التي تنتهي بالتقويم: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ١-٢) . والقارئ لما سبق يدرك أن مادة» قوم «التي يشكّل منها المصطلح الذي نحن بصدد دراسته تدور حول مصدر القيمة ومسلكها وامتدادها وأثرها وصفاتها، فالمصدر: هو الله القيوم، والمسلك: طريق مستقيم لا عوج فيه، والامتداد: في الحياة والكون كله، والأثر: في نفس الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض، والذي ميّزه بحسن التركيب وحسن التعديل في الهيئة، وأمره بحسن التدبير والتسيير في التعامل مع المخلوقات المسخرة له عبادة وطاعة للخالق، وصفات الثبات والدوام والإطلاق وعدم التغيير التي تكتسبها القيم التي زرعها الله في الإنسان حين نفخ فيه من روحه. وعليه؛ فإن مصطلح القيم لا ينفك عن هذا المحيط من المعارف الكاملة المتكاملة، وعلى هذا المعنى تدور تعاريف كثير من الباحثين المعاصرين في مجال القيم. يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني:» القيم محطات ومقاييس تحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها، أو من حيث سوئها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو في منزلة معينة بين هذين الحدين « [٢١] . ويقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم:» ويشير مفهوم القيمة إلى حالة عقلية ووجدانية، يمكن تعرفها في الأفراد والجماعات والمجتمعات من خلال مؤشرات، هي المعتقدات والأغراض والاتجاهات والميول والطموحات والسلوك العملي، وتدفع الحالة العقلية والوجدانية صاحبها إلى أن يصطفي بإرادة حرة واعية وبصورة متكررة نشاطاً إنسانياً يتسق فيه الفكر والقول والفعل يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعة ذاتية « [٢٢] . وحين ترتبط القيم بمنظومة فكرية وعقائدية مطلقة تتمثل في الإسلام؛ فإنها تستمد قوتها ورسوخها في النفس منه، فتتنفس من هوائه وتنتشر في سمائه ولا تجد في الواقع حاجزاً يمنعها من الامتداد في ذاتها إلا ما كان من مد وجزر في طبائع العباد من حيث استعدادهم للقرب منها في حالة الصفاء أو ابتعادهم عنها حين تتراكم حواجز المادة، وتتوارى إلى رجعة نسائم الروح، فيقول الإنسان: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] (طه: ٨٤) . ثانياً: أصول القيم الإسلامية: منذ أن بعث الله نبيه إبراهيم ﵇ بملة الإسلام؛ كان دعاؤه المبارك لأمته أن يبعث فيها رسولاً يركز فيها قيماً ثلاثة، جمعها قوله تعالى: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) . وقد استجاب الله تعالى لنداء نبيه وخليله، فبعث محمداً ﷺ هادياً ومربياً، وأنزل معه الكتاب والحكمة، قال ﵊:» إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق « [٢٣] ، ومن هذا المنبع الثّر نَهَلَ جيل الصحابة الكرام قيم الإسلام، وصنعوا بواسطتها جيلاً حمل راية الإسلام إلى العالم. وانطلاقاً من ذلك كانت الأصول العامة للقيم الإسلامية ملخصة في ثلاث: - القرآن الكريم. - السنة والسيرة النبوية. - اجتهادات علماء التربية المسلمين. أ - القرآن الكريم: إن النظر العام يلخص رسالة القرآن الكريم في التربية على القيم، وما الأحكام والتشريعات إلا وسائل، لا قيمة لممارستها إن لم تؤد إلى التربية الإيمانية، قال جل وعلا: [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] (الحجرات: ١٤-١٥) . ويمكننا أن نركز الكلام في حديثنا عن بنية القيم الإسلامية في القرآن الكريم في نقاط أربع: ١ - تحديد القيم الكبرى التي تخلق التوازن في تعامل الإنسان مع خالقه والناس والمحيط: ويمكننا أن نحدد هذه القيم الكبرى بحسب علاقات الإنسان الثلاث في: قيمة التوحيد، وقيمة الحكمة، وقيمة التسخير. فقيمة التوحيد قيمة كبيرة تتفرع عنها قيم العبودية كلها بجزئياتها وتفاصيلها، كقيمة التقوى، وطاعة الأوامر واجتناب النواهي، والقربى بالنوافل، والتحرر من عبودية المخلوقات، وغيرها مما سنعرفه بتفصيل في مجالات القيم الإسلامية. وقيمة الحكمة قيمة كبيرة تحكم تعامل الإنسان مع أخيه، تتفرع عنها قيم التعاون، والتآزر، والتآخي، والإيثار، والتكافل، ولين الكلام والتواضع، وما في حكم ذلك من قيم تنظيم العلاقات العامة بين الناس. وقيمة التسخير قيمة كبيرة كذلك، تتفرع عنها قيم تعامل الإنسان مع بيئته ومحيطه من الأمم الأخرى غير الإنسان: [وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم] (الأنعام: ٣٨) . ٢ - تكريم الرسل وورثتهم من العلماء الحاملين لهذه القيم والناشرين لها والمضحين من أجلها: قال تعالى: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ] (البقرة: ٢٥٣) ، وقال: [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ] (النساء: ١٦٣) ، وقال تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) ، فرسالة القيم رسالة واحدة، والمرسلون بها بلغوها إلى كل الأقوام، قال تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ] (يونس: ٤٧) . وللأنبياء ورثة كرّمهم الله بكرم القيم التي يحملونها، قال تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات] (المجادلة: ١١) ، وربط الله تعالى بين العلم والقيم منذ الوهلة الأولى للقراءة: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] (العلق: ١-٥) ، والقارئ للقرآن يدرك حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الغاية الكبرى للعلم معرفة الخالق وخشيته، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) ، فإذا تجرد العلم عن القيم لم ينفع صاحبه، وهذا هو الفرق بين إبليس الذي وضعه علمه ونزل به إلى أسفل سافلين، وآدم الذي كرّمه الله بتوبته فعلّمه الأسماء كلها، وأناط به الخلافة، وعمّر به الأرض. ٣ - بناء أساليب الحكمة وفصل الخطاب: إن الرسالة والرسول قطبان في عملية تبليغ القيم، ولكن وسيلة التبليغ وطريقته موهبة ربانية؛ فكم من عالم ليس بحكيم! وكم من حكيم أجاد التبليغ بعلم قليل! لذلك طلب موسى من ربه أن يؤازره بأخيه هارون؛ لأنه أفصح منه لساناً، وفهّم الله سبحانه سليمان القضاء دون داود، وكرم محمداً ﷺ بأن آتاه الله الكتاب والحكمة، قال تعالى: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (البقرة: ٢٦٩) ، ومعلوم في النظر القرآني أن لا خير في علم لا تشفعه حكمة وتزكية؛ إذ هي قيم متلازمة، [وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) ، والحكمة حسن تلقي العلم وتبليغه، قال تعالى: [وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه] (آل عمران: ١٥٩) ، والآية مليئة بالقيم الإيجابية ونقيضها الذي يحصل حين تغيب الحكمة، وقال تعالى: [وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً] (النساء: ٥) ، وقال: [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] (العنكبوت: ٤٦) . وقد كان النبي ﷺ مثالاً في الحكمة. وقد وهبه الله ما وهب داود من قبله حين قال تعالى: [وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ] (ص: ٢٠) ، كما سنرى من خلال أمثلة من سيرته العطرة. ولذلك كان ﷺ يوجه خطابه إلى الأمة وهو يرسم لهم ميزان الاعتدال في تعليم وترسيخ القيم الإسلامية في النفوس؛ قائلاً:» يسروا ولا تعسروا، وبشّروا ولا تنفروا « [٢٤] ، وكان رسول الله ﷺ كما يقول الصحابة يتخوَّلهم بالموعظة كراهية السآمة [٢٥] ، وتلك كانت الأسس الأولى لصياغة النظرية التربوية الإسلامية؛ انطلاقاً من توجهات القرآن الكريم. ٤ - تحديد معايير التقويم لمعرفة مدى تحقق القيم الإسلامية في النفس وتمثلها في المجتمع: وتفسير ذلك أن الله تعالى جعل التقويم الغاية من خلق الخليقة حين قال: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ١-٢) ، وألفاظ الحساب والعقاب والجزاء والمصير كثيرة في القرآن، تنبه الإنسان إلى ضرورة التقويم الذاتي، [فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا] (الشمس: ٨-٩) ، وقد حدد القرآن في بداية سورة المؤمنون بعض قضايا الإنسان والمجتمع، ووضع أمام كل قضية معيار التقويم فيها حتى يعرض الإنسان سلوكاته وتصرفاته عليها فينظر هل حفظ أم ضيع، قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (المؤمنون: ١-١١) . ب - السنّة والسيرة النبوية: لئن وضع القرآن الكريم الجانب النظري في صياغة القيم ونشرها وترسيخها؛ فإن رسول الله ﷺ بسنته وسيرته وضع الإجراءات التطبيقية لذلك في واقع المسلمين، وذلك على النحو الآتي: - السلوك والقدرة: قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، وكان رسول الله ﷺ يزاوج بين النظر والتطبيق في تعليم القيم الإسلامية؛ بحيث يصلي بالناس ثم يقول لهم:» صلوا كما رأيتموني أصلي « [٢٦] ، ويحج بهم ثم يقول:» لتأخذوا مناسككم « [٢٧] ، وينحر ويحلق في صلح الحديبية فيفعل الناس بعد امتناع. وحاجتنا اليوم إلى نماذج في السلوك يحتذي بها المتعلم، ومواصفات تتوفر في المربي المسلم يحتذي الناشئة بها، فالفصل بين التربية والتعليم كارثة الأنظمة التعليمية في المدرسة المعاصرة. - بناء الأساليب وتقنيات التواصل في تعليم القيم: إن الناظر في السيرة النبوية بعين تربوية منقبة عن تقنيات التواصل مع الناس؛ ليجد أن فيها من الإشارات ما إن جمعها ليشكل نظرية متكاملة في التواصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم» يعبِّر بملامح وجهه عن السخط والرضا، ويغير من هيئة جلسته أثناء الكلام لبيان أهمية الأمر وخطورته؛ كما هو الشأن في حديثه عن شهادة الزور، قال راوي الحديث: «وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور. مراراً حتى قلنا: ليته سكت» [٢٨] ، وفي هذا إشارة إلى تقنية التكرار أيضاً، وهو يشير صلى الله عليه وسلم بأصابعه لتقريب الأفهام، مثل قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين. وضم السبابة والوسطى» [٢٩] ، وهو يضرب المثل مستخدماً القصة، ويأتي بأخبار الأمم السابقة، مثل قوله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً» الحديث [٣٠] ، وقوله ﷺ أيضاً: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» [٣١] . وهو ﷺ يلحظ نفسية السائل وقابليته للتعليم، فيجيب بحسب ذلك أجوبة تختلف في الشكل والموضوع، فمن حيث الشكل هي بين الطول أحياناً والقصر أحياناً، ومن حيث الموضوع دواء مناسب لداء السائل. والعجب أن الرجل يقول: أوصني يا رسول الله! فيقول ﷺ : «لا تغضب!» فيقول السائل: زدني! قال: «لا تغضب» ! وكررها ثلاثاً [٣٢] ، ولكننا نجده يقول لمعاذ بعد أن أجابه عن سؤاله الذي قال فيه: «يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار!» ، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول في جوابه: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ... ألا أدلك؟ ... ألا أخبرك؟» [٣٣] ، وذلك من حكمته ﷺ في النظر إلى قابلية المتعلم للتلقي، وهي من أرقى تقنيات التواصل التربوي التي عرفها الفكر التربوي المعاصر أخيراً. ج - اجتهاد وإبداع علماء التربية المسلمين: لم تكن التربية عندهم علماً مستقلاً ولكنها كانت محضن القيم، وكانت أساس تلقي العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، وكانت الممارسة العملية في مجالس التعليم وليدة الجو الخاشع الذي يخلقه العالم والمتعلم لاعتقادهما الراسخ بقدسية العلم الملقن وخاصة ما ارتبط منه بالوحي. ألا ترى أن الإمام مالك ﵀ كان يفرّق بين مجلس الفتوى ومجلس الحديث، ويجعل لهذا الأخير قواعد وطقوساً، وكان ﵀ يقتصر في الجواب على السؤال والسؤالين، وكان يقول لا أدري في سواها مما لا يعرف. وفي الحديث كان الإمام مالك ﵀ يميل إلى التقليل من الرواية والإكثار من الفقه، فقد قال لابني أخته: «أراكما تحبان هذا العلم يعني الحديث، فإن أردتما أن تنفعا وينفع الله بكما؛ فأقلا منه وتفقها» [٣٤] ، وظهر في مدرسته اتجاهان: اتجاه الرأي مع أبي القاسم، واتجاه الحديث مع ابن وهب في مصر، ومن ذلكم القطر انتقل الاتجاهان إلى القيروان مع ابن سحنون وأسد بن الفرات، ومنها إلى المغرب والأندلس، ولكل من الاتجاهين قواعد في الإقراء وتلقي العلم. وفي مقابل هذا كانت مدارس الرأي في العراق تتوسع في الأسئلة حتى اشتهرت عندهم مجالس المناظرات والجدل في الموجود والمتوقع، حتى ظهر عندهم ما سمي بالفقه الافتراضي. ومن خلال مدارس الفقه تبلور الفكر التربوي عند علماء الإسلام، فكتب ابن سحنون والقابسي من أهل القيروان آراءهما التربوية في سياسة الصبيان وأدب العالم والمتعلم، وتبعهما غيرهما. والذي نذكره هنا أن ما أنتجوه من فكر تربوي وابتدعوه من أساليب في نقل القيم المصاحبة للعلم؛ صاغوا منه نظرية تربوية إسلامية مرنة، تتكيف مع الأحوال والظروف، وتستوعب المتغيرات، وتنتج لكل حالة حلاً، ولكل واقعة حديثاً. وانطلاقاً من كل ذلك تمكن المختصون من الباحثين أن يلتمسوا خصوصيات للنظام التربوي الإسلامي التي يتقاطع فيها مع غيره من الأنظمة التربوية، وخاصة في الوسائل والإجراءات، ويتميز عنها بثوابت وأصول. ثالثاً: القيم الإسلامية سماتها وخصائصها: إن قراءة في أصول القيم الإسلامية كما حددت بعض ملامحها في ما سبق، والنظر إلى واقع المسلمين في تمثل هذه القيم والتفاعل معها إيجاباً وسلباً؛ تجعلنا نحدد سمات وخصائص للقيم الإسلامية تتميز بها عن غيرها من القيم الوضعية. وكثيرة هي الدراسات التي تناولت خصائص القيم الإسلامية بالدرس والتحليل، فتفاوتت في تحديد الخصائص والسمات بين موسّع ومضيّق، والحاصل أن كل ما قرأت من دراسات في المجال تكاد تفاصيلها ومجالاتها تنحصر عند التأمل في خمس صفات، وهي: أ - الربانية في المصدر: وقد بسطنا فيها الكلام عند حديثنا عن أصول القيم الإسلامية من الكتاب والسنة والتطبيقات الاجتهادية للعلماء والمربين المسلمين، ويكفي أن أذكر في هذا المقام بكلام ابن العربي في أحكام القرآن حين قال: «إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه عالماً قادراً مريداً متكلماً ... فليس لله تعالى خلق هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب» [٣٥] . ويكفي أن نعرف أن الله خلق آدم ونفخ فيه من روحه، ومع روح الله ومنها انزرعت القيم في كيان الإنسان، فحبه للخير وكرهه للشر من روح الله، قال تعالى: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] (الشمس: ٧-٨) ، وقال: [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ] (السجدة: ٩) . وبيَّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» [٣٦] ، قال تعالى: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّم] (الروم: ٣٠) . فالإنسان ليس صفحة بيضاء، كما أنه ليس صفحة سوداء مليئة بالآثام كما هو معروف في النظرية المسيحية، ولكنه مفطور على دين الإسلام وقيمه، وحين نزل إلى الأرض واختلط بالبيئة اقترب أو ابتعد من هذه القيم بحسب المؤثرات. فشرع الله تعالى في كتابه وسنة نبيه وسائل وطرقاً لاكتساب الصفاء من الأدران، والقرب من القيم الربانية الأصيلة في فطرة الإنسان. ب - الواقعية: فالقيم الإسلامية ليست قيماً نظرية مثالية، وإنما هي خلاصة شريعة نزلت حسب الوقائع والأحداث، واستجابت لمشكلات الناس وقضاياهم، وليست فكراً يبتغي المدنية الفاضلة التي لا وجود فيها للشر، وبالتالي فهي واقعية في مراميها وأهدافها، قاعدتها قوله تعالى: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] (طه: ٨٤) . والعجلة هنا الترقي في سلم الرضا بحسب الطاقة والاستطاعة، [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا] (البقرة: ٢٨٦) . فالعدل على سبيل المثال قيمة إسلامية راسخة، ولكن تحقيقه في الواقع مدافعة للظلم بقدر الاستطاعة، ولذلك كان رسول الله يقول: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأحسب أنه صدق؛ فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من نار! فليأخذها أو ليتركها!» [٣٧] . والحب قيمة إسلامية عظمى، ولكن رسول الله ﷺ في العدل بين زوجاته في هذا الجانب كان يقول: «اللهم! هذه قسمتي في ما أملك؛ فلا تلمني فيما لا أملك» [٣٨] ، يعني الميل العاطفي. وكذلك الحفاظ على مال اليتيم قيمة اقتصادية عظيمة في الإسلام، ولكن يوجد إلى جانبها وعيد يحذر من أكل مال اليتيم لوجود هذه الظاهرة في الواقع، وستبقى موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الأشياء تتميز بضدها. وقس على هذا مختلف القيم الإسلامية، فرغم كونها مطلقة في أصولها، ربانية في مصدرها؛ فإن إنزالها على الواقع يحكمه التدرج والحسنى لنفي القيم السيئة بالحسنة، قال ﷺ : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [٣٩] . ثم إن الله تعالى لم يطلب من الإنسان مطلق الكمال في تمثل القيم الإسلامية، ولكنه طلب منه الصعود في سلمه على قدر العزم، ثم يسأل الله بعد ذلك أن يبلغه سؤله وأمله. ج - العالمية والإنسية: لا يختلف اثنان من ذوي الألباب أن العدل حسن والظلم سيء، وأن الكذب مشين والصدق مزين، والبخل والشح مكروهان، والسخاء والبذل مطلوبان؛ مهما اختلفت الملل والنحل. فتلك وأضدادها قيم عالمية هي أصل الفطرة جاء بها الإسلام العالمي، قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] (سبأ: ٢٨) ، وقال سبحانه: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) . فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليست للمسلمين بخصوصهم وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب، ينهلون منها فتقوّم سلوكاتهم، وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه العالمية مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد. وقد أخذ محمد ﷺ بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها، فقال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [٤٠] ، والإتمام يعني أن الإسلام أقر قيماً إنسانية موجودة بالجبلة والفطرة لدى الناس مهما اختلفت مللهم ونحلهم، وذلك مدخل لهم كي ينتبهوا إلى قيم الإسلام الخالدة فيسارعوا إلى اعتناقه كاملاً غير منقوص إتماماً لنعمة الله عليهم: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) . ونحن ننبه هنا إلى أمر جدّ مهم، وهو أن تمسك الإنسان بالقيم الإنسانية العالمية خارج إطار الإسلام والإيمان يفيده في دنياه ولا يفيده في آخرته بحسب النية والقصد، فالملتزم بالقيم الإنسانية يبتغي بذلك مرضاة الله ورضوانه يجد الثواب عنده يوم لقائه، ومن تمسك بهذه القيم إرضاء للضمير وابتغاء دنيا؛ فلن يبخسه تعالى حقه في دنياه، وماله في الآخرة من خلاق، قال تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ] (إبراهيم: ١٨) ، وقال تعالى: [مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً] (الإسراء: ١٨-٢٠) . د - التكيف: ذلكم أن القيم الإسلامية قابلة للتحقق في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق، وتتكيف مع مختلف الأحوال والأزمان والأمصار دون أن يؤثر ذلك في جوهرها، فالعدل يتحقق في المجتمع عبر مؤسسات مختلفة قد تخلقها الدولة بحسب حاجتها وعلى قدر إمكاناتها؛ المهم أن يتحقق العدل، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة العامة داخل الأسرة وفي الأسواق وفي المنظمات والهيئات وغير ذلك بصور شتى وبوسائل مختلفة، والأصل في ذلك قوله تعالى: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] (الأنعام: ١٥٢) . ولذلك لم تضع التربية الإسلامية لقيمها قوالب منظمة جاهزة لا بد أن تفرغ فيها، وإنما أمرت بضرورة تحقق الجوهر بأشكال مختلفة تستجيب لحاجات الزمان والمكان والأحوال فأمرت بتحقيق الشورى في المجتمع ولم تحدد الكيفية والوسيلة، وأمرت بأداء الأمانات إلى أهلها مطلق الأمانات بعد حفظها ولم تحدد وسائل الحفظ؛ لأنها متغيرة وأمرت بالتكافل الاجتماعي، وتركت طرق تحقيقه مفتوحة على اجتهادات المقدمين عليه، وأمرت بالإنفاق في سبيل الله؛ مطلق سبيل الله ليعم الخير كلَّ مناحي الحياة، ويغطي حاجات الناس المتجددة. ومن مظاهر التكيف في القيم الإسلامية؛ قابليتها للتداول بكل أنواع الخطاب من الوعظ والإرشاد إلى الخطابة، فالكتابة والنشر، إلى الوسائل السمعية البصرية، إلى التقنيات الحديثة للتواصل من إعلاميات وإنترنت وغيرها، ومعلوم أن كل خطاب يحمل قيمة من القيم. والقيم الإسلامية أولى أن تحملها وسائل التواصل هذه؛ إذ ينبغي أن تحمل إلى كل أهل عصر بما ساد عندهم من وسائل، حتى تكون قادرة على التأثير في سلوكياتهم والتعديل من اتجاهاتهم وتشكيل تصوراتهم. ومن مظاهر التكيف أيضاً قدرة هذه القيم على الاستجابة لحالة متلقيها العمرية والنفسية والوجدانية والعقلية، فلكل أسلوبه وطريقه ومنهجه، فالمربون الناقلون للقيم الإسلامية لهم قدرات وطاقات، والمتعلمون لهم قدرات وطاقات أيضاً، ولهذا لم يكن للنظرية التربوية الإسلامية الحاملة للقيم خطاب واحد، وإنما يتنوع خطابها بفعل مرونته ويتكيف مع مختلف الحالات، فما اتجه علماء في أدب العالم والمتعلم يختلف من سياسة الصبيان إلى سياسة الغلمان، فسياسة من قوي عوده وعزم على طول الرحلة والطلب والتفرغ للعلم.. إلى غير ذلك. هـ - الاستمرار: ليست القيم الإسلامية ضرباً من التاريخ الذي نفتخر به حين تجلى في أبهى صوره زمن الرسالة الخاتمة، وإنما هي قيم تجد نفسها مستمرة في الواقع تضيق وتتسع مساحتها بحسب الجهد المبذول لنشرها والوسائل المستعملة في ذلك. والذي يمكن أن يُدرس للتاريخ والعبرة هو تجليات هذه القيم في المجتمع عبر الدهور والأحقاب السالفة؛ لمعرفة كيفية تفاعلها مع مختلف السلوكيات، ومدى قدرتها على صناعة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية والاستفادة من ذلك في بناء الحال والمستقبل. وتستمد القيم الإسلامية استمراريتها من صلاحية مصادرها لكل زمان ومكان، قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) . ومن مظاهر الاستمرار في القيم الإسلامية تكرر حدوثها في سلوكيات الناس حتى تستقر، قال ﷺ : «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً» [٤١] ، فالصدّيق لا يطلب منه أن يصدق مرة ويكذب مرات، وإنما المطلوب أن يستمر هذا السلوك في تصرفاته طول حياته حتى يستحق هذا اللقب، يقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ومن الخصائص الأساسية في القيمة تكرار حدوثها بصفة مستمرة، فمن يصدق مرة أو مرات لا يوصف بأنه فاضل في سلوكه، وإنما تتأكد القيمة وتبرز الفضيلة الخلقية في سلوك الإنسان إذا تكرر حدوثها بصورة تجعلها عادة مستحكمة أو جزءاً من النسيج العقلي والسلوكي لصاحبها وعنواناً لهويته» [٤٢] . ومن هنا كان تنديد القرآن بأولئك الذين لا يثبتون على اتباع طريق الهدى والحق، ويتراوح سلوكهم بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً] (النساء: ١٣٧) . وكان تنديد القرآن بالنموذج البشري الذي لا يستقيم على فعل الخير ويؤدي منه القليل ثم يقعد عن مواصلته أو يكف عنه، [أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى] (النجم: ٣٣-٣٤) ؛ أي: «ضعف عن الاستمرار في العطاء أو كف عنه مع توفر مقوماته» [٤٣] . ولذلك كانت المجاهدة والمثابرة لحمل النفس على استمرار التمسك بالقيم الإسلامية؛ حتى ترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، فيبعد الإنسان الله كأنه يراه، وتلك أحلى ثمرات القيم الإسلامية التي لا تتحقق إلا بالتكرار والاستمرار. تلكم نظرة مركزة على خصوصيات القيم الإسلامية ووسائل نقلها ونشرها، وكيفية إسهامها في تشكيل وإعادة تشكيل العقل المسلم. إن هذا الإطار النظري حينما يصرف في شكل تطبيقات ميدانية في بناء مناهج التعليم؛ سيؤدي لا محالة إلى تجديد تربية مداركنا، وتغيير ما ترسب فينا من معلومات منقطعة عن القيم الأخلاقية والمعاني الغيبية تحت تأثير النمط المعرفي الحديث [٤٤] . ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تجديد التربية برجوعها إلى حضن القيم الفطرية: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الروم: ٣٠) .

стр. 4765

ملفات قضية القيم بين الاقتصاد الغربي العلماني والاقتصاد الإسلامي حسن الأشرف [*] من أهم العلوم المعاصرة علم الاقتصاد؛ لأن المعاملات المالية من بيع وشراء ورهن وإجارة وشركات ومصانع تعتبر عصب الحياة، وخاصة بعد ذيوع الاختراعات الحديثة مثل الكمبيوتر وشبكة الإنترنت وغير ذلك. ويظل السؤال: هل الاقتصاد علم أخلاقي أو هو علم غير مرتبط بالأخلاق؟ سؤالاً محورياً لكل تحليل علمي منطقي ورصين، فلقد ارتبط الاقتصاد منذ قرون خلت بالمنهج الوضعي الذي يعتبر الإنسان مصدراً أساسياً للمعرفة؛ ومن ثم لم يعد يرتبط هذا العلم بالأخلاق، فالاقتصاد من المنظور الوضعي يبحث فيما هو كائن فعلاً، في حين تهتم الأخلاق بما يجب أن يكون. وانطلاقاً من هذه الرؤية «لا يمكن للاقتصادي أن ينسب لنفسه أي حق خاص في تقرير القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تسود في المجتمع، لهذا يقول العاملون بالمنهج الوضعي إن علم الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق» ! إن صراع القيم لم يقتصر على الأخلاق فحسب، بل إنه صراع تعدى ذلك ليتجسد أكثر وضوحاً وعالمية وشمولية في العلاقات الاقتصادية الدولية. فالاقتصاد الوضعي الغربي والأمريكي يستمد وجوده من قيم خاصة به لا تراعي للأخلاق وزناً ولا همّاً، فعين الفاعلين الاقتصاديين في الغرب تنكب على الربح باعتباره غاية لا وسيلة؛ أما الاقتصاد الإسلامي فمنبعه فروض وضوابط مستقاة من النصوص الدينية التي تعتمد على قيم الأخلاق الفاضلة. ولأن اقتصاديات الدول الغربية هي الأقوى حالياً؛ فإنها بسبب ما يسمى بالعولمة والنظام الدولي الجديد؛ صارت تصدّر قيمها الخاصة إلى بلداننا الإسلامية فلا نكترث لخطورتها أحياناً، ولا نهتم بها أحياناً أخرى. * القيم الاقتصادية الغربية والأمريكية: إنها قيم تعتمد على القوة وحس المغامرة، وعلى القدرة والصمود في وجه التقلبات المالية والدعايات الإعلامية والإشاعات والمضاربات التجارية، فهذه القيم يسعى صانعوها العلمانيون إلى تصديرها وتثبيتها داخل الأمة الإسلامية؛ من أجل السيطرة على مفاتيح اقتصادها ونهب خيراتها وثرواتها، وأهم ما يميز هذه القيم هو ما اصطلح عليه من قبل الكثيرين بالعولمة أو الشمولية أو غيرها من المصطلحات الدخيلة على مفهوماتنا الإسلامية البحتة. والعولمة هنا تحتمل أوجهاً عديدة، فهناك عولمة الوهم أو تصدير الحلم بنقل التقنية إلى البلدان الإسلامية التي تنسى «أن التكنولوجيا (التقنية) هي استثمار بالأساس؛ لذا سيكون هذا التفكير نوعاً من الوهم» . وهناك عولمة الازدهار والبؤس؛ فلقد أدت العولمة إلى تقدم ونماء اقتصاد البلدان المعولمة وإلى بؤس البلدان النامية. ولقد استطاعت هذه البلدان الغربية «أن تجعل العولمة الاقتصادية وقفاً عليها وحدها دون ما سواها؛ ما دام أن هذه البلدان بفضل المنظرين والخبراء وعولمة أدائها عرفت كيف تتفادى أن يكون ثالوث الفقر والمرض والجهل عالمياً - أي أوروبياً وأمريكياً -، وسخرت مختلف تقنياتها ليكون الثالوث ملصقاً بالبلدان الإسلامية» . أما عولمة التبعية فيلخصها بشكل واضح الصحافي الأمريكي المعروف «فريدمان» ، حيث يقول: «ينبغي على المسلمين والعرب أن ينتبهوا لتغير الميزان الدولي، وحتمية تقبلهم التغيير سياسياً واقتصادياً وتقنياً وثقافياً، لكي يلحقوا بالركب وإلا ظلوا خارج العولمة وبالتالي ينتهون» . وهو قول بليغ يوضح كيف يفكر العلمانيون، بل كيف يرغبون في أن تصير الأمة الإسلامية تابعة لهم، لا هوية لها ولا شأن ولا قيم أخلاقية يسيرون على هداها؛ لكن سيخيب مسعاهم بإذن الله . يقول الأستاذ برهان غليون: «العولمة عبارة عن ظاهرة ثورية تقنية علمية، قائمة على تطور تقنية الاتصالات والكمبيوتر، وعلى خلفية التغير الكامل في جل العلاقات الدولية» ، ويضيف: «بينما توفر العولمة فرصًا للتنمية والتعاون والتكافل؛ فإنها في المقابل تهدد بضرب حضاراتنا ومجتمعاتنا الإسلامية، وهنا بالذات يُطرح التساؤل حول كيفية التأقلم» . إنه تساؤل تصعب الإجابة عنه، خاصة عندما نعلم مدى الضغوط المتعمدة من طرف (اللوبيات الغربية العلمانية) على كل فكر اقتصادي إسلامي طموح. فمن أبرز الأمثلة على الضغوطات التي تمارسها القوى الاقتصادية الأجنبية على الأفكار الاقتصادية الناجحة، هناك المؤسسات المصرفية أو البنوك الإسلامية التي أنشئت بسبب الربا الذي عمّ جميع المؤسسات المالية في العالم، لهذا لاحت فكرة مشروع البنوك الإسلامية، لكن حملات الحقد زادت على الإسلام وأهله ومحاربة المسلمين في مؤسساتهم وأسلوب حياتهم؛ بإلصاق تهم التأخر أو الجمود أو الرجعية أو الإرهاب بهم، وليس هذا الحقد الدفين سوى وجه آخر من وجوه الغل الصليبي واليهودي للمسلمين؛ ولقد قال الله مشيراً إلى ذلك الغل والحقد بقوله: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . إن النظام الربوي المعمول به في البنوك العالمية يكرس مظاهر الاستغلال والبطالة والظلم الاجتماعي. لهذا صار لازماً أن يتسع إشعاع المؤسسات المصرفية الإسلامية لتضحى هي البديل الحقيقي للاستثمار الربوي الشائع بكثرة، والذي يعتمد أساساً على مبدأ الاقتراض الزمني الذي يعود تقديره على العامل الزمني وحده، ومن ثم تنشأ علاقة استغلال وإجحاف بين أطراف التعاقد الاستثماري؛ على عكس نظام الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي المرتكز على توزيع الربح بين هذه الأطراف على أساس من الواقعية في فرص الربح وحصوله؛ مما تنشأ معه علاقات عدل وإنصاف بين مجموع الأطراف. وهكذا فالإسلام قد حقق التصور الصحيح الذي ينصف أطراف العملية الإنتاجية أو الاستثمارية، وهو الشيء الذي يغيب عن التشريع الاقتصادي الغربي. * القيم الاقتصادية الإسلامية: من المعروف لدى الفلاسفة والمفكرين أن الفكر لا ينبع من فراغ، وإنما ينبغي أن يستند إلى معلومات صحيحة ودقيقة ومتفق عليها. والفكر الإسلامي يوجد له أساس واضح وسليم يرتكز عليه هو النصوص الشرعية التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الكريم ﷺ ، وشرحها علماء الإسلام على مر العصور. إن التحليل الاقتصادي باعتباره من الفكر الإنساني يقوم على محاولة فهم ما يحكم الواقع الاقتصادي من أسس وركائز؛ وفي حالة الاقتصاد الإسلامي لا بد أن يرتكز التحليل الاقتصادي فيه على الضوابط المستفادة من النصوص الدينية، وبذلك يأتي التحليل بنتائج صحيحة. من المنظور الإسلامي؛ يعد موضوع الاقتصاد والأخلاق موضوعاً لا يُتنازع حوله، فلا اقتصاد بدون أخلاق. إن الاقتصاد الإسلامي تفريع على كل قيم الإسلام، فهو اقتصاد قيمي. إن الكثير من آيات القرآن الكريم عندما يكون الحديث فيها عن أمور اقتصادية؛ تكون الإشارة دائماً إلى القيم الإسلامية السمحة، مثال قوله تعالى: [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ] (الماعون: ١-٢) ، ففي الآيتين إشارة عظيمة إلى قضية التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وضرورة إعطاء اليتيم والمحتاج ما يعينه على نوائب الدهر. وكذلك الأمر في قصة أصحاب البستان المذكورة في القرآن الكريم؛ وأيضاً قصة قارون، إن قارون (وما أكثر أمثاله في عصرنا) كان مالكاً للمال الوفير، فهو بالتالي خاضع لأحكام قيمية. لقد كان قارون يتصرف في ماله استهلاكاً وإنفاقاً وادخاراً؛ لكن القرآن الكريم سجل عليه عدة انحرافات؛ منها: التعالي عن الناس - عدم مساعدة المحتاجين والفقراء والمساكين - استخدام المال من أجل الطغيان وقهر العباد والسيطرة على البلاد. إن هذا المال الذي طغى قارون بسببه؛ جعله الشرع الإسلامي محاطاً بضوابط تبين طرق وأسباب وقواعد الحصول عليه وحفظه. إن الإسلام يعتبر التنمية حقاً مشروعاً من حقوق الإنسان، فدعاه إلى استثمار كل عناصر الإنتاج المشروعة في العمل ورأس المال والموارد الطبيعية، يقول الحق سبحانه: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] (الملك: ١٥) . ولقد جاء علماء الاقتصاد المسلمون بخمس وسائل تفيد في حفظ المال؛ أهمها أن لا ينفق المرء أكثر مما يكسب، وهنا تظهر العلاقة بين الإنفاق والدخل؛ وأن يكون الرجل سريعاً إلى بيع تجارته، بطيئاً عن بيع عقاره؛ كما حدد ذلك الإمام الدمشقي ﵀. أما القواعد الأخلاقية لحفظ المال وصونه فتتمثل في القناعة، وشهامة النفس القوية، وفي طلب العلم وجمع المال، يقول لقمان الحكيم لابنه: «يا بني! شيئان إن حفظتهما لا تبالي ما صنعت بعدهما: ابدأ بدينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك» . كما يلزم إنفاق المال في أبوابه؛ أي في مجالات الخير والإحسان، وكل ما يعود على الشخص بالنفع في الآخرة، لكن مع حسن تدبيره هذا المال. أما أسباب إضاعة المال فتكمن في كثرة المعاصي؛ لأن المال تُخربه المعصية، وهذا حال قارون وأمثاله، وأيضاً في تبذيره، ولقد نهانا الله عن ذلك؛ لأن المبذرين إخوان الشياطين. أما الغرب الكافر والعلماني؛ فإنه لم يضع أي ضوابط لكسب المال، فكل شيء يجوز من أجل الحصول على حفنة مال، ويشجع قيم الاستهلاك السلبي، وإضاعة المال في التفاهات، وإمساكه عن أبواب الجميل والمعروف والبر والإحسان، والانهماك في اللذات والشهوات. إنها قيم خطيرة ما فتئ الغرب يدعو إليها ويعمل على أن تعم بلداننا الإسلامية بشتى الوسائل ومختلف الأساليب. لكن الإسلام الحكيم جاء بما يكفي، لقد جاء بما يمكن أن يحل المشكلات المالية لكثير من المسلمين الفقراء، حيث إن الزكاة تغيث المسلم وتبعد عنه خطر التشرد والجوع، تقول الدكتورة نعمت مشهور من جامعة الأزهر: «والآثار الاقتصادية للزكاة تلقي بظلالها على كل من الفرد والمجتمع، يقول الله سبحانه وتعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] (التوبة: ١٠٣) . وهذا خطاب عام لكل حاكم وليس خاصاً بالنبي ﷺ » ، يقول الدكتور محمد عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر لمجلة الوعي الإسلامي: «الواجب على الحكومة طبقاً للأمر الإلهي القيام بشؤون الزكاة جمعاً وتحصيلاً، وهو ما قام به الخلفاء الراشدون ومن تبعهم من الحكماء في عصر الحضارة الإسلامية؛ إذ إنهم أنشؤوا المؤسسات لإدارة الزكاة مثل ديوان الزكاة وبيت مال الزكاة، وفي الوقت المعاصر توجد كثير من الدول الإسلامية التي تطبق الزكاة من خلال مؤسسات حكومية تشرف عليها، مثل المملكة العربية السعودية واليمن وماليزيا ... » . وليست الزكاة وحدها التي تجب على المسلم لبلوغ قيم التكافل والتضامن الاجتماعي الغائبة عن الأهداف المسطرة لاقتصاديات البلدان العلمانية. لقد سُئل رسول الله ﷺ عن الزكاة، فقال: «إن في المال حقاً سوى الزكاة» ، ثم تلا قوله تعالى: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ] (البقرة: ١٧٧) [١] ، فلقد جاء ذكر إيتاء المال مرتين: مرة عند إيتائه للمساكين، والثانية عند إيتاء الزكاة. * أزمة القيم: يعرّف الدكتور طه عبد الرحمن الفيلسوف المغربي «العولمة» بأنها: «السعي إلى تحويل العالم إلى مجال واحد من العلاقات الأخلاقية عن طريق سيطرة الاقتصاد الغربي والأمريكي في التنمية، وسيطرة التقنية في العلم، وهيمنة الشبكة في الاتصال» . وبهذه السيطرة يكون الاختراق الغربي العالمي للاقتصاد الإسلامي وقيمه النابعة منه؛ قد أدى بشكل أو بآخر إلى خلخلة توازن مبادئ أخلاقية كثيرة، وقيم إسلامية فاضلة. يقول الدكتور طه عبد الرحمن في إحدى الندوات الفكرية: «على مستوى التنمية الاقتصادية؛ يتم الإخلال بمبدأ التزكية، وعلى مستوى العلم يتم الإخلال بمبدأ العمل، وعلى مستوى الاتصال يتم الإخلال بمبدأ التواصل» . وللخروج من أزمة القيم والأخلاق التي أدت إليها العولمة والتغريب أيضاً فهما وجهان لعملة واحدة يشترط هذا المفكر المغربي شروطاً ثلاثة: أولاً: البحث عن نظام آخر غير نظام العولمة. ثانياً: تحديد مصدر للأخلاق أقوى من المصدر الذي تعتمد عليه. ثالثاً: الكونية بقصد إيجاد مجتمع كوني واحد. إن القيم الإسلامية، إذاً، هي الكفيلة وحدها فقط بإخراج الإنسان المعاصر من الأزمة الأخلاقية الفظيعة التي يعيش فيها، وذلك من خلال مفهومات التزكية وابتغاء التعارف، ومن خلال قيم التسامح والتضامن والتكافل والتعاون على البر والتقوى كقيم خلقية لنفي القيم المستوردة الآتية إلينا عن طريق سلوكات اقتصادية أجنبية علمانية. إن الفكر الاقتصادي العلماني هو فكر وحداني لا يقبل أن يشرك به فكر آخر، وهو فكر اتباعي لا يحتمل الإبداع من الأفراد، وفكر تمجيدي لا يمارس النقد على ادعاءاته، وفكر هرمي لا يجيز الاستواء بين عناصره، وفكر مصلحي لا يخدم إلا أغراض القوى المهيمنة، وفكر مصنّع لا يقوم إلا على وضع الأفكار وتسخير أهل الفكر. يقول الدكتور طه إن هذا الفكر تبلور في ثلاث حلقات تشكل سلسلة واحدة، وهي الحلقة الإعلامية التي تقدم الجانب السياسي على الجانب الاجتماعي، كما تعمل على إضفاء المشروعية للقوى السياسية الحاكمة، والحلقة الاقتصادية التي تقدم الجانب الاقتصادي على الجانب السياسي، وتعمل على جلب المشروعية للقوى الاقتصادية المهيمنة، وهي حالياً القوى الغربية والأمريكية؛ وأخيراً الحلقة المعلومية التي تقدم الجانب المعلوماتي على الجانب الاقتصادي. إن الحلقة الاقتصادية في الفكر الاقتصادي العلماني لا تقوم على الأخلاق؛ حيث إنها تقع في ثلاث آفات، وهي: آفة اختزال الأخلاق في المنفعة والمصلحة الذاتية، وتقديمها على أي مبادئ أو قيم إنسانية، وآفة تعميم مبدأ التسليع؛ حيث إن كل شيء في هذا الاقتصاد الغربي معرّض لمقياس السلعة والعرض والطلب، ثم آفة الانقياد لمسار العولمة؛ عولمة البؤس وعولمة الاستهلاك وعولمة القيم الغربية المادية البحتة. إن الاقتصاد الغربي العلماني يعاني هو أيضاً حسب ما ذكره الدكتور طه من أزمة الصدق؛ أي إحداث الشرخ بين القول والفعل أو بين العلم والأخلاق، وأزمة القصد أي غياب الهدف والمقصد، وهو يتبنى السببية والآلية في التفسير. لكن يظل الحل هو التخلق الديني والتمسك بالقيم الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ بحيث تزود هذه القيم الاقتصاد بالأسباب التي تؤهله لنفع وإفادة الناس. * خاتمة: يقول مفتي مصر السابق الدكتور نصر فريد واصل: «إن الغرب يركز على القيم المادية والاقتصادية، ويهمل القيم الدينية والمعنوية، فضعفت مكانة الدين، كما ضعف تأثيره في حياة الناس في المجتمعات الغربية. ولا شك أن نقل هذه الأفكار إلى البلدان الإسلامية يعتبر من التيارات الفاسدة الوافدة التي يجب التصدي لها بكل حسم وقوة ... لأن الإسلام يحتفظ بنقاء الإيمان وصفاء العبادة وقوة التأثير ... ففي مجال الاقتصاد في ديار المسلمين؛ يجب على علماء الإسلام أن يؤصلوا موقف الإسلام من الاقتصاد بما ييسر على المسلمين معاملتهم، ويفتح لهم طرق الاستثمار المشروع لأموالهم» [٢] . وأضيف أنه على الأمة الإسلامية أن تحذر من خطر القيم التي ينتجها الاقتصاد الغربي والأمريكي، والتي تهدف إلى التفرد بالمسلمين وأموالهم والعبث بها، أو على الأقل استنساخ مجتمعات إسلامية على شاكلة المجتمعات العلمانية التي لا تراعي لمسألة القيم إلاًّ ولا ذمة. ويبقى في الأخير الجزم بأن القيم المعتبرة في الاقتصاد الإسلامي؛ هي أوسع وأشمل من الأحكام القيمية المعتبرة في الاقتصاديات الغربية؛ بمعنى أن علم الاقتصاد الإسلامي هو علم أخلاقي يرتكز على قيم إسلامية فاضلة، وجب على المسلمين التمسك والتحلي بها؛ بغية الثبات والصمود في عالم معولم بشكل رهيب.

стр. 4766

ملفات الأسرة المسلمة في معركة القيم د. محمد خروبات [*] * مقدمة: يسعى النظام الدولي الجديد إلى أن يجعل شعوب العالم الإسلامي غريبة عن منطقتها، سواء على مستوى اللغة، أو على مستوى الحضارة، أو على مستوى التقاليد، أو على مستوى التاريخ. فقد جعل هذا النظام حضارته هي أحسن حضارة، وسعي إلى إبرازها بمظاهر مغلفة ببريق التقدم، والتطور، والعقلنة، والتكنولوجيا، والازدهار. وقد تأتى له في سبيل ذلك أن يدفع بلغته إلى أن تحتل الصدارة العظمى، وتصبح هي لغة الحضارة والعلم والتقنية. وقد تكالبت الجهود على تعليم لغته، وعلى إشاعة التحسر دون ضبطها وابتلاع مقولاتها! أما حاملوها فقد تحركوا بها في خيلاء وغرور، يكونون بها (الإنتلجينسيا) الواعية والراقية، بالفهم والعلم! وقد تبع هذا كله أن أصبحت التقاليد والأعراف يسودها تباين كبير. فقد تمكن هذا النظام من فصل الإنسان العربي والمسلم عن تقاليده، وأنماط عيشه المألوفة؛ بحيث شكّل زيَّه، وكوَّن ذوقَه، وفرض عليه نوعاً من التصرفات، في إطار العلاقات الاجتماعية المحلية! بحيث أصبح كل موروث قابلاً للنقض، بل للاستهزاء أحياناً! وفصم الإنسان عن ماضيه فصماً مدهشًا! إن النظام الدولي الجديد هو استمرار، وتكريس لعدوانية قديمة، بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، تُرجمت اليوم في فوضى مطبقة! فوضى النماذج السيئة، والمقولات الجوفاء، المغلفة بشعارات السلام والأمن، وتحقيق التنمية للعالم أجمع، التنمية التي تبتلع كل مقومات الشعوب الحضارية! والضحية في النهاية هو الإنسان المسلم. وبيان ذلك هو كما يلي: * إنسان الأسرة: الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع، هي نواته الصغرى التي تقوم عليها كيانه، وأي خلل يصيب الأسرة ينعكس على المجتمع سلباً، وأي صلاح وصواب يمس الأسرة إنما يعود على المجتمع بالإيجاب، لذلك فتقدم مجتمعٍ ما رهين بسلامة الأسرة فيه، وتخلف مجتمع ما وانحطاطه رهينان بفساد الأسرة فيه. لقد اهتم الإسلام بـ «المجتمع» في أسرته، واهتم بـ «الأسرة» فيه، فقعّد قوانينها وأرسى دعائمها على أسس مستقرة ثابتة ورصينة، وشرع الزواج كوسيلة لوجودها، واهتم به بأن جعل أصله ميثاقاً يربط جميع الأطراف، وحدَّد لهم حقوقاً وجعل عليهم واجبات. مرَّ المجتمع ومرَّت الأسرة معه بأدوار وأطوار تاريخية، يهمنا أن نقول عنها إنها كانت «مشرقة» ، لكن اليوم وأمام التردي الذي وقع فيه المسلمون، والتخلف الذي جنوه لأنفسهم، أمام هذا كله ينهار الإنسان يوماً بعد يوم، وتكثر التحديات ساعة بعد أخرى، وتتعدد الأزمات وتتفاقم، لذلك أولينا العناية لهذه التحديات بصفتها تحديات جارفة تمس الأسرة في جميع أطرافها: الأب والأم والطفل، بحثنا أنواعها وألوانها، أقسامها وتياراتها، عارضين لأعلامها وبناة حقلها، معرجين على أصولها ومصادرها، راصدين لمناهجها وطرق عملها، متوقفين عند الغايات التي تنشدها والمرامي والأهداف التي تقصدها. إنها تحديات خارجية وداخلية، حضارية وتربوية وقانونية، تتطلب يقظة شاملة ووعياً كاملاً، ولا يتحقق ذلك إلا بالاعتصام بالمقومات وبالمبادئ والأصول مع العمل المشترك الناجح والتربية الهادفة: [وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . نعلم أن الأسرة مفهوم مشترك بين جميع الأطراف، الكل اليوم يتكلم عن الأسرة: يسار ويمين، شرق وغرب، نساء ورجال.. وهذا يبين ما يلي: أ - أن وضع الأسرة غير طبيعي. حينما يكثر الكلام على قضية ما ويشتد، فليُعلم أن في القضية إشكالاً ما؛ إما لها أو عليها. ب - أن الموضوع المتكلَّم فيه هو خاصية مشتركة بين الجميع، خاصية موحدة على مستوى البحث والدرس والكلام، ومن ثَمَّ تتأكد أهمية الأسرة لدى الجميع. ج - أصبحنا اليوم أمام موضوعَيْن لا موضوع واحد، موضوع الأسرة كمجال للبحث، وهذا (الكلام) المتعدد والمتلون والذي أصبح هو في حد ذاته عائقاً أمام التوصل إلى نتيجة سليمة في موضوع (الأسرة) حين يتحول من موضوع إلى موضوعات بحثٍ؛ تتضاعف الأزمة وتتركب. ليس من المهم عندنا على الأقل في هذا البحث الكلام عن الأخطار التي تهدد الأسرة في هوائها وأكلها وشربها وأثاثها ولباسها وأواني بيتها.. لكن المهم عندنا هو أن ننبه إلى الأخطار التي تهددها في (إنسانها) ، حيث يستل الإنسان منها لتُضْفَى عليه حلل جديدة من النعوت والأوصاف، يراد لهذه النعوت والأوصاف أن تكون حقيقة، وأن تتجذر بقوة في الوعي وفي اللاوعي، ويتبع ذلك كله بتحليلات ودراسات وأبحاث بأرقام وقياسات رياضية وهندسية معززة بصورة ومزكاة من مناهج العلوم الإنسانية والطبيعية.. هذا كله ليصبح إنسان الوصف الجديد على استئناس كامل بما يُقدَّم له وعليه. تأتي الجغرافيا لتتكلم عن إنسان البيئة والطبيعة، ويتكلم الاقتصاديون عن إنسان المال والأعمال، ويتكلم السياسيون عن إنسان السياسة والدبلوماسية، ويتكلم السوسيولوجيون عن إنسان المجتمع، ويتكلم الفلاسفة عن إنسان النظر والتأمل، ويتكلم الأدباء والشعراء عن إنسان الكلمة والخيال، ويتكلم الفنانون عن إنسان الإبداع والابتكار، وتتكلم العلوم الطبيعية عن الإنسان الطبيعي الذي هو جزء من الطبيعة كما يتكلم القانونيون عن إنسان الديمقراطية، والإداريون عن إنسان الإدارة والتسيير.. هكذا يجزأ الإنسان إلى أشلاء وأطراف لا رابطة بينها، وتتيه خصوصيته وسط ركام من الكلام، قد يحقق هذا شيئاً حضارياً ما للإنسان، لكن أخطر ما يحققه له هو عدم إرجاع عنصر (الإنسانية) للإنسان أو توجيه الإنسان إلى إنسانيته. هذا كله لا يوجد فيه عيب من حيث المظهر، لكن العيب المركب حين تصاغ هذه النعوت والأوصاف بفلسفة من مرجعية غريبة، ومن أيديولوجية خارجية لها طموحاتها الخاصة، ومطامعها الخاصة، وأهدافها الخاصة التي تصوغ الإنسان على وفق مصالحها ومطامحها. فإنسان الديمقراطية مثلاً هو الإنسان المخلص للمواثيق العالمية والقرارات الدولية لحقوق الإنسان، و (الديمقراطية) مفهوم يسري بين اليهود والنصارى والمجوس، تتحقق بين إنسانهم ولإنسانهم في أسمى صورها، لكنها حين تأتي إلى إنسان الإسلام تنعكس، ليصبح العمل بنقيض الديمقراطية هو الديمقراطية، ولا نريد أن نمثل على هذا بشواهد حية عن القوانين الجائرة التي تسحق الإنسان في بقاع العالم، كما لا نتكلم عن الإملاءات والضغوطات على العرب والمسلمين لسحق البقية المتبقية من إنسان الإسلام، مع التضييق الشامل والكامل على البقية المتبقية من المبادئ الإسلامية التي تصوغ الإنسان.. قواعد حقوق الإنسان أصبحت ملزمة على كل من وقَّعَ عليها، وكما يقولون: من وقَّع وقع، وجرى تطور في الفقه الدولي بما يخدم مصالح الدول الغربية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الكبار، وأصبح لدى هذه الدول مصالح انتقائية وازدواجية تجاه الآخر، وأصبح التركيز على (المجتمع الديمقراطي) وعلى (إنسان الديمقراطية) و (حقوق الإنسان) أكثر فأكثر، وتجزأ ذلك، وأخذ أبعاداً أخرى؛ من ذلك أنه اتخذ سلاحاً ضد كل محافظ على هويته، وكل (عاق) لهذا النموذج العالمي المتسلط، ولم يعد الكلام على النظر فيما يخالف المبادئ والخصوصية في غالبية كل بلد مسلم، بل انعكست الحالة إلى النظر فيما يتخالف مع القانون الدولي وما جرى التوقيع عليه، فما خالف هذه القوانين يجب تعديله أو تغييره أو تحويله ... وما يوجد اليوم من هزات في ثوابت المجتمع، مثل التعليم والتربية والتكوين وحقوق الإنسان دليل حي على ما نقول: هكذا استُلَّ الإنسانُ من (الأسرة) ؛ ليصبح إنسان (المؤسسات) ! يستأنس بالمؤسسة العسكرية كانت أو مدنية ... هكذا أريد له أن يُعزل عن خليته ليصاغ صياغة جديدة، ويُربى تربية أخرى، ويُوجَّه توجيهاً آخر، وقد نجحت الدولة الوطنية في العالم الإسلامي في إضعاف دور الأسرة في مجال بناء الإنسان لتتولى المؤسسات بناءه؛ بما يتوافق مع رغبات الحاكم وتطلعات الحضارة المعاصرة، وهذا كله يتماشى مع مصالح الدول العظمى ... آن الأوان لأن نتكلم عن (إنسان الأسرة) ... وآن الأوان أن نتحدث إلى إنسان الإسلام ليكون إنسان الأسرة أولاً، مخلصاً لتربيتها وتوجيهها ... وفياً لمصالحها ومطامحها؛ لأنه من الأسرة يكون المجتمع، ومن المجتمع تكون الدولة، ومن الدولة تنشأ المؤسسات.. ولا معنى لنقل الإنسان هذه النقلة العشوائية. إذا تكلمنا عن (إنسان الأسرة) ؛ فلا يعني هذا الوقوع في متاهات الكلام السطحي المجرد، بل يعني الكلام عن الأسرة كما أرادها الإسلام للإنسان، لا الأسرة التي يريدها (النظام الدولي الجديد) للإنسان. * الأسرة وتحديات العلوم والمعارف: يحتضن المجتمع الإسلامي من الأمراض الشيء الكثير، ولكي يكون البناء سليماً ينبغي بيان هذه الأمراض، وبيان الوسائل المؤدية إليها، ومن ثَمَّ العمل على علاجها، وأقوى هذه الأمراض هي في الناحية المعرفية والإنتاجية، ووسائلها هي العلوم والمعارف؛ بما فيها العلوم التي يطلق عليها (العلوم الإنسانية) ، والأخرى التي تنعت بـ (العلوم الطبيعية) ، وقد جلب كل هذا تحت وابل من الشعارات الكاسحة باسم العلم والتطور والتقدم والعصرنة، وباسم الاندماج في العولمة وفي النظام الدولي الجديد. ويبدأ التحدي الكبير بالنسبة للأسرة المسلمة في الكلام عن قانونها وأحوالها الشخصية. وبما أن هذا القانون مستمد من الفقه الإسلامي، كان التوقف عند الشريعة الإسلامية طويلاً، فقد وُجِّهت إليها مناهج عصرية تستخدم أدوات جديدة في الفهم تتماشى مع طبيعة التفكير الغربي وطموحاته الاستعمارية ورغباته الاستعلائية المدمرة لكل كيان محترم، وهكذا بدأت أول حملة على شريعة الإسلام على يد جماعة من الباحثين الأكاديميين أوجدتهم الدول الوطنية في الغرب لغرض فهم الآخر وتقريبه، وفي مرحلة أخرى للتشويش عليه وتشويه صورته، هؤلاء هم الذين أطلقوا عليهم صفة (مستشرقين) ، كان أول ما فعلوه هو التشويش على مصادر الشريعة: القرآن والسنة، فالقرآن عندهم هو كلام بشري لا إلهي، والسنة النبوية لا قدسية لها لا في التشريع ولا في العبادة [١] . وهكذا جنَّدوا أنفسهم لدراسات مدخولة عن الأحكام الشرعية، واختلفت أبحاثهم كماً وكيفاً، فمنهم من باشر موضوع الأسرة وأحوالها في دراسة مستقلة، ومنهم من تكلم عليها في سياق أبحاثه عن الفقه الإسلامي بصفة عامة، كما اختلفوا من جهة الأحكام فمنهم من بالغ في النسف وتشدد في الحكم، ومنهم من اعتدل وتوسط، نذكر من ألمانيا «جوزيف شاخت» (schacht Joseph) ١٩٠٢ - ١٩٦٩م، الذي اهتم في إنتاجه بالفقه الإسلامي؛ بتحقيق عدة نصوص والتعليق عليها، وبخصوص الأسرة في الإسلام نشر مقالات كثيرة في الميراث والنكاح والطلاق وأم الوليد والوصية، وكلها كانت في سنة ١٩١٤م [٢] . وجاء بعده «إروين كريف» (Grof Erwin) ١٩١٤ - ١٩٧٦م، وهذا المستشرق كان اهتمامه بالفقه الإسلامي بصفة عامة، فله بحوث عن الأسرة المسلمة، نذكر منها البحث الذي أصدره بعنوان: «النظرة الجديدة إلى الأسرة المسلمة في التشريع الإيراني الحديث الخاص بالزواج والطلاق والميراث» . وهذا البحث نشره عام ١٩٦٦م، رام فيه التوسط تارة والانحراف تارة أخرى. وذلك حين تساءل قائلاً: «كيف يمكن أن يقوم تصور للأسرة المسلمة الحديثة؟» فأجاب: «إذا كان للمسلم أن يبقى على هويته؛ فلا ينبغي له أن يتحرر من المصادر الفقهية الشرعية، إن الشريعة الإسلامية ليست قوة معادية للحياة، بل ينبغي اكتشافها من جديد لمواجهة الحياة الجديدة، وأن تتكيف بواسطة التأويل وقياس النظير» [٣] . وفي سنة ١٩٦٧م أصدر بحثاً آخر تحدث فيه عن تنظيم النسل وتحديده من منظور الشريعة الإسلامية، سمّاه: «موقف الشريعة الإسلامية من تنظيم النسل وتحديد النسل» . ومن فرنسا نذكر «ليون برشي» (Bercher Lion) ، ١٨٨٩ - ١٩٥٥م، الذي ترجم كتاب (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني، وعلق عليها باللغة الفرنسية، وكان تركيزه على أحكام الأسرة وأحوالها متميزاً جداً [٤] . ومن إنجلترا نذكر «وليام جونز» (١٧٤٦ - ١٩٧٤م) ، وهو مستشرق بريطاني وفقيه قانوني، مكَّنه فضوله العلمي وتوجيهه الاستشراقي إلى إنجاز كتابين؛ أحدهما بحث فيه نظام المواريث في الإسلام، عنونه بـ «المواريث في الشريعة الإسلامية» ، وهذا البحث أنجزه عام ١٧٨٢م ونشره عام ١٧٩٢م، ونشر ترجمة لموجز في المواريث بحسب مذهب الشافعي، عنونه بـ «بغية الباحث عن جُمل المواريث» [٥] . ومن هولندا نذكر «تيودور يونبول» (١٨٦٦ - ١٩٤٨م) ، الذي أصدر كتاباً بعنوان: «المدخل إلى معرفة الشريعة الإسلامية بحسب مذهب الشافعي» ، صدرت الطبعة الأولى منذ سنة ١٩٠٣م، والطبعة الرابعة سنة ١٩٢٥م، وهذا الكتاب ترجمه «أرترشاده» (ArturSchaade) ١٨٨٣ - ١٩٥٢ م، إلى اللغة الألمانية عن أصله الهولندية وقد استند فيه إلى منهج «إسنواك هرخرونيه» (Hurgyonje Snoock Christian) ١٨٥٧ - ١٩٣٦م، المستشرق الحقوقي والقانوني المشهور، فقدّم عرضاً نقدياً لمصادر التشريع الإسلامي، ثم عرض خصائص التشريع الإسلامي موزعة على أبواب كثيرة، نذكر منها ما له صلة بأحكام الأسرة المسلمة؛ مثل قانون الأشخاص والأحوال والمواريث. و «تيودور يونبول» هو تلميذ للمستشرق الهولندي المشهور «دي خويه» (١٨٣٦ - ١٩٠٩م) . لقد حصل «يونبول» على شهادة الدكتوراه في قسم الاستشراق برسالتين لا بد من الإشارة إليهما في هذا السياق، الرسالة الأولى بعنوان: «القواعد العامة لمذهب الشافعي في الرهن، مع بحث عن نشأته وتأثيره في الهند الهولندية» ، صدرت هذه الرسالة عام ١٨٩٣م، والمقصد واضح من العنوان، إنه بحث استعماري يحّول الهند من الإسلام إلى هولندا، ولكي تتحول لا بد من معرفة سر دخول فقه الإمام الشافعي إلى هذا البلد، ومقاصد الرسالة الثانية لا تبتعد كثيراً عن هذا المغزى، لقد جاءت بعنوان: «الارتباط التاريخي بين المهر في الإسلام وبين الطابع القانوني للزواج في الجاهلية» ، طُبعت هذه الرسالة في ليدن عند الناشر بريل سنة ١٩٨٤م في ٩٦ صفحة باللغة الهولندية. فالبحث عن قرائن الزواج وأماراته بين ما كان عليه في الجاهلية وما عليه الحال في الإسلام؛ يجعلهم يُصدرون أحكاماً على قانون الأسرة المسلمة وقانون أحوالها الشخصية؛ بأن طابعها مأخوذ من العصر الجاهلي ومن التشريعات السابقة [٦] . * خصائص الدراسات الاستشراقية حول الأسرة: إن أهم ما يطبع الدراسات الاستشراقية لقانون الأسرة في الإسلام هو ما يأتي: أ - التفسير المنحرف للنص، وهذا التفسير تارة يتماشى مع الظاهرية الحرفية، وتارة مع الباطنية المغرقة في الباطن، وتارة وفق هوى الذات والمصلحة، وتارة أخرى يكون نتيجة لتطبيق منهج معين يفضي إلى رؤية غير سليمة، فالتفسير الاستشراقي لنصوص الأحكام التشريعية بصفة عامة ولأحكام الأسرة بصفة خاصة؛ هو تفسير متلون متقلب، ليست له معايير دقيقة وثابتة يمكنك محاكمته من خلالها. ب - عزل الأحكام عن مقاصدها أو تأويل ما لأجله وُجدت، وهذا كثير في دراستهم وأبحاثهم، فالمقاصد التي راعاها الشارع الحكيم في تكوين الأسرة وفي تنظيمها تصبح مقلوبة رأساً على عقب [٧] ، فقوامة الرجل على المرأة عندهم هو تفوّق يضع الرجل في القمة والمرأة في الحضيض، وطاعة المرأة زوجها فيما يرضي الله ورسوله هي إذلال وخنوع وركوع، وعدم قبول المسلم والمسلمة لولاية الأجنبي يعكس عدم التعاون مع الشعوب الأخرى، ويعكس الجمود والانغلاق وعدم التفتح على المحيط، ويفسر عدم زواج المسلمة غير المسلم من الغربيين عنصرية تمت بدافع العصبية الكريهة أو بدافع الغرور والعنجهية.. وهكذا [٨] . ج - الإسقاط في التفسير والتعسف في التحليل، حيث تعطى لبعض الأحكام الشرعية تفسيرات مستمدة من أصول يونانية ورومانية وسريانية ويهودية ومسيحية، فـ «بودلي» يقرر أن الحجاب كان معروفاً عند اليونان، ويعادل بين تحجب المرأة اليهودية وسفور المرأة العربية في الجاهلية ليحكم بأن زي الحجاب في الشريعة الإسلامية اقتُبس من التشريع اليهودي، وذلك لأسباب شخصية تتعلق بقضايا زوجات النبي ﷺ ، وهكذا إن مقارنة بسيطة بين الشبهات التي أثارها المستشرقون حول التعدد والحجاب وميراث المرأة وقوامة الرجل والولاية في الزواج والمهر والصداق وغير ذلك، وما يثار اليوم باسم إدماج المرأة في التنمية وحرية المرأة؛ يبين أن المستشرقين هم الأساتذة الفعليون في هذا الموضوع، فما تداولوه بالبحث والدرس في الماضي أصبح هو العمدة في لائحة المطالب، وهي مطالب ترفعها النخبة المثقفة بالثقافة الغربية الحديثة. وقد نجح المستشرقون في التأثير في أجيالنا بثلاثة عوامل رئيسة، وهي: العامل الأول: أنهم حلوا أساتذة مدرسين في جامعات العالم الإسلامي، وعلى أيديهم تربت أجيال من النساء والرجال، وسار في فلكهم كثير من الكتاب والباحثين العرب المحدثين في مطلع هذا القرن، وتجسدت تلك الشبهات في كتابات من جنس عربي أُرِيدَ لها أن تشتهر وتنتشر، وأُرِيدَ لها أن تترجم إلى اللغات الأجنبية لتعكس وفاءها للتقدم وإخلاصها لروح ثقافة العصر، وأصبحت تلك المؤلفات والكتابات محط أنظار الجيل الذي تلا الجيل السابق، فدفع بها إلى الدرس الجامعي والأكاديمي، وكثير منها حصل على الجوائز الفخرية وطنية ودولية.. هكذا وقت التسابق إلى نوع معين من الثقافة التي بدأت في اكتساح الثقافة الأصلية، ثقافة الذات والخصوصية، بل تطاولت هذه الثقافة تحت ضغوطات سياسية دولية وأخرى أيديولوجية محلية؛ من أجل أن تتبوأ الصدارة في التعليم والتكوين والتربية، بل أعيد إصلاح التعليم على وفق مقاصد وأهداف تلك الثقافة. والعامل الثاني: أنهم لقنوا أجيالاً كثيرة من الطلبة الوافدين على الجامعات الغربية، وهذا كان له أثر بليغ في ترويج الشبه ونشر أيديولوجيا الاستعمار الحديث، وأعطت الدولة الوطنية الأسبقية في التوظيف لحملة الشهادات الغربية، فتمركزوا في المناصب العليا، وعُهد إليهم تقرير مصير الثقافة في البلد، ولا أدل على ذلك في مشروع الخطة التي وضعتها كتابة الدولة في المملكة المغربية المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة تحت اسم «مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية» في مارس من سنة ١٩٩٩م، وهي خطة علمانية في جوهرها، وفيها مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية، وهي لا تخفي مساهمة البنك الدولي فيها، وقرارات مؤتمر بكين. وهذا يبين أن ما تكلم عليه المستشرقون كثقافة أصبح اليوم مشاريع عمل تقف وراءها هيئات ومنظمات دولية وأحزاب وجمعيات وشخصيات وطنية (لامعة) ، عبّر عن هذا الأستاذ إدوارد سعيد فقال: «والنتيجة المتوقعة لهذا هي أن الطلاب الشرقيين والأساتذة الشرقيين ما يزالون يريدون الحضور إلى الولايات المتحدة والجلوس عند أقدام المستشرقين الأمريكيين، ثم العودة فيما بعد لتكرار القوالب الفكرية (الكليشهات) التي ما فتئتُ أسمّيها مذهبيات جامدة استشراقية على مسامع جمهورهم المحلي. ونظام إعادة إنتاج كهذا يجعل من الحتم أن يستخدم الباحث الشرقي تدريبه الأمريكي ليشعر بالفوقية على أبناء وطنه؛ لأنه قادر على تدبر (النظام) الاستشراقي وفهمه واستخدامه؛ إما في علاقته بمن هم أسمى من مكانه المستشرقون الأوروبيون والأمريكيون؛ فإنه يبقى المخبر الذي ينتمي إلى السكان الأصليين وهذا هو بحث دوره في الغرب إذا كان حسن الحظ؛ بحيث يتاح له البقاء فيه بعد انتهاء تدريبه المتقدم» [٩] . هذا ما لاحظه الأستاذ إدوارد سعيد، وهو أستاذ اللغة الإنجليزية في الجامعة الأمريكية، خبير بالوضع الثقافي الأكاديمي، فضلاً عن الوضع السياسي والأيديولوجي العالمي. والعامل الثالث: زيادة على ما تقدم فقد عُهد إلى بعض المستشرقين مهمة وضع قوانين محلية لبعض البلاد الإسلامية التي وقعت تحت السيطرة الاستعمارية، وهكذا وجدوا الفرصة سانحة في قهر المسلمين بقوانين مفتعلة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر أنه لما احتلت فرنسا تونس عام ١٨٨١م؛ استدعى المقيم العام الفرنسي المستشرق «سانتلانا دافيد» (SANTILLANA DAVID) ١٨٥٨ - ١٩٣١م، ليكون عضواً في لجنة تكلفت بتقنين القوانين التونسية، ولمكانة «سانتلانا» وشهرته بالاهتمام بالشريعة الإسلامية؛ كُلّف بوضع مشروع قانون بحسب الشريعة الإسلامية مرتباً حسب منهج وشكل القوانين الأوروبية، ومكنته هذه الطريقة في المقابلة بين القانونَيْن المتباينَيْن من الخروج بخلاصات واستنتاجات بعيدة عن حقيقتهما. وهكذا لبَّى الرغبة الاستعمارية مضحياً بالحقيقة العلمية، وقد دام عمر هذا العمل زهاء ثلاث سنوات تضمن ما يقرب من ٢٤٧٩ مادة. وإلى «سانتلانا» التجأت الحكومة الإيطالية في وضع التشريعات الخاصة بليبيا، فكلفته وزارة المستعمرات الإيطالية هو و «انجنتسيو جويدي» بترجمة وشرح «مختصر الشيخ خليل» في الفقه المالكي عن اللغة الفرنسية إلى الإيطالية، تكلف «جويدي» بترجمة قسم العبادات، وتكلف «سانتلانا» بالباقي، وظهرت ضمن مطبوعات وزارة المستعمرات. لم يكن القانون المتعلق بالأسرة المسلمة يغيب عن هذه الإنتاجات بل كان جزءاً منها، وأهم مؤلف تميز به «سانتلانا» هو كتابه المشهور «نظم الشريعة الإسلامية بحسب مذهب مالك مع مراعاة أيضاً مذهب الشافعي» ، صدر الجزء الأول منه عام ١٩٢٦م وكان في فصوله «الأسرة» . وظهر الجزء الثاني بعد موته بمدة طويلة، وذلك في سنة ١٩٤٣م، وكان من فصوله «قانون المواريث» و «قانون التقاضي» ، والكتاب بجزأيه لخص فيه محاضراته في الشريعة الإسلامية التي ألقاها على طلاب كلية الحقوق في جامعة روما في الفترة ما بين ١٩١٣م و ١٩٢٣م [١٠] . إذا نحن ابتعدنا عن الدراسات الحقوقية والقانونية بعد أن بيَّنا دورها في تحوير الوضع القانوني للأسرة المسلمة؛ سنجد أنفسنا مضطرين للكلام عن الدراسات السوسيولوجية بوصفها من أخطر الدراسات التي استهدفت دراسة الأسرة في الإسلام من وجوه محددة، فلما كانت السوسيولوجيا هي علم الاجتماع بتعريبنا، وكانت الأسرة هي نواة المجتمع الإسلامي، كانت قضاياها العامة والخاصة من أدسم الموضوعات التي اختيرت للبحث السوسيولوجي. ولن نفهم طبيعة النتائج المحصل عليها في هذه الأبحاث ما لم نفهم طبيعة السوسيولوجيا نفسها، فالسوسيولوجيا علم استعماري واكب الحملة الاستعمارية على البلاد العربية والإسلامية، قاده ضباط عسكريون استعماريون وكتاب غربيون وطائفة من الباحثين العرب المتأثرين بالمفهومات الاستشراقية وبالخطابات الغربية، وتأسس هذا العلم على يد الدول الوطنية في الغرب، نذكر على سبيل المثال فرنسا لما فكرت في احتلال المغرب أحدثت هيئة في مدينة طنجة سنة ١٩٠٣م، وهي هيئة علمية سوسيولوجية اشتغلت إلى غاية سنة ١٩٣٤م، وكان من أهدافها الاهتمام بالعنصر البربري وتفريقه عن العربي، والاهتمام بالبنيات العتيقة، وإنشاء مجلات مثل (مجلة إفريقيا الاستعمارية) ، وإحداث مدارس للتسيير الإداري، وأخرى للتدبيرات والدراسات العسكرية، وأحدث قسم السوسيولوجيا في الإقامة العامة، ولم يكن تابعاً لإدارة التعليم وإنما كان تابعاً للأبحاث العسكرية العامة، وفرض على طلبة المدرسة الإدارية تقديم تقرير ذي طبيعة سوسيولوجية حول موضوع اجتماعي معين، وفي المدرسة العسكرية بمكناس بالمغرب؛ أحدثت قسماً للدراسات السوسيولوجية، وكانت التعليمات التي تُقدم للمراقبين الاستعماريين تنص على ضرورة تقديم مساعدات لكل الباحثين السوسيولوجيين. ومن العسكريين الاستعماريين الذين تحوَّلوا إلى باحثين سوسيولوجيين نذكر على سبيل المثال (Montagne Robert) في كتابه (البربر والمخزن في الجنوب) ، ولما طُلب منه أن يلقي دروساً في المدرسة الفرنسية قام بتلخيصه في كتاب صغير سماه (الحياة الاجتماعية والحياة السياسية للبربر) ، وكان من طبيعة هذه الأبحاث التركيز على مكونات الأسرة البربرية من جهة الأصل والنسب والسلطة والعادات والتقاليد والأعراف المميزة، وطبيعة اتفاق الأسر البربرية فيما بينها في خلية صغيرة يطلق عليها (الإخس) ، ثم اجتماعها فيما يسمى بـ (الدشر) ، واجتماع (الدشر) فيما يسمى بـ (تقبيلت) ، ثم (الاتحاد القبلي) كأكبر وحدة بربرية، فـ «روبير مونطاني» يقدم نسقاً اجتماعياً للمجتمع البربري على هذا الشكل، وهذا منهج تجزيئي يعتمد التفكيك كأسلوب معرفي يقول عنه إنه بحث علمي ناتج عن البحث السوسيولوجي. ثم استعان الاستعمار والاستشراق بعلم آخر هو علم الأنتروبولوجيا، يقول عنه أحد الباحثين: «ولا أوضح على ذلك من التدليل بالجهود التي قام بها الأنتروبولوجيون في سبيل تسهيل الطريق للسلطة السياسية الحاكمة؛ بتقديم خلاصة أبحاثهم وحصيلة معرفتهم المتعلقة بكيفية التعامل مع هذا (الآخر) ، لقد آثرت الأنتروبولوجيا البريطانية منذ بدايتها الأولى أن تقدم نفسها على أنها العلم الذي بإمكانه تقديم الخدمات النافعة للإدارة الكولونيالية، وذلك لأسباب واضحة؛ أهمها أن الحكومات الكولونيالية وجماعات المصالح هي أفضل من سيقدم الدعم المالي لمثل هذا العلم» [١١] . كانت الأسرة المسلمة بربرية كانت أو عربية أو تركية أو إيرانية موضوعاً يتكلم عنه في سياق كلي؛ أي أن الأسرة كانت جزءاً من اهتمام السوسيولوجيين والأنتروبولوجيين؛ لأن الاهتمام في البداية كان منصباً على تفريق الجموع الكبرى، وقد بدأ هذا بشكل تسلسلي، فالخطوة الأولى هي القضاء على وحدة الأمة الإسلامية بإسقاط الخلافة سنة ١٩٢٤م على يد مصطفى كمال أتاتورك، وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات وأقطار، ثم متابعة الدولة وتقسيمها إلى أن وصل المسلسل التنازلي إلى الأسرة التي أريد لها أن تُقسَّم هي الأخرى، وأقوى وسيلة لتقسيمها هو توجيه الأبحاث والدراسات السوسيولوجية والأنتروبولوجية عن الأسرة في العالم الإسلامي، فالذي نعلمه هو أنها تُعد بالمئات. واستخدمت في هذه الدراسات أيضاً مباحث في علم النفس، حيث شكلت الدراسات السيكولوجية سلطة من نوع آخر جعلت المتخصصين في هذا العلم يدّعون أنهم (خبراء) بخصائص وطبيعة الأسرة المسلمة، وعمداء في فهم نفسية جميع أفرادها، وها هو (Brutton) يدعي بحكم خلفيته معرفة سمات شخصية الإنسان البدوي وتركيبه النفسي والمزاجي [١٢] . وجرى التركيز في هذه الأبحاث على نفسية الأم ونفسية الطفل، وشكلت الدراسات الخاصة بالطفل حيزاً كبيراً لم يتوقف إلى حدِّ اللحظة، وضربت بعض النظريات على شهوات النفس وهواها، وضخمت أموراً على حساب أخرى، ونالت الإثارات الجنسية اهتماماً بالغاً ولا سيما في الميدان المتأثر بعلم النفس، نلاحظ هذا في الرسوم وعلى صفحات الكتب والمجلات والإعلانات الإشهارية، فاضطربت الشهوة الجنسية مع المغريات والمؤثرات، وجاء الأدب، ولا سيما الأدب الفرنكفوني، ليكمل هذا المسير، وجرى التسابق إلى التأليف في نمط معين من الأدب، مثل القصة القصيرة والأدب المسرحي والفنون بمختلف أشكالها بما فيها الأفلام السينمائية، وتنال نسبة كبيرة من هذه المؤلفات شهرة واسعة وتطبيلاً كبيراً بسبب اختيار موضوعات أسرية تستهدف المرأة في صيغتها المحافظة من حيث علاقتها بالرجل، وعلاقتها بالمحيط وعلاقتها بالحضارة، وأمامنا أسماء أريد لها أن تكون لامعة لهذا السبب، وتطول اللائحة إذا أخذنا في الحسبان الجيل الجديد المتأثر بهذا النوع من الكتابات، وهو الآن يدعم دعماً مادياً ومعنوياً ليسير في الاتجاه نفسه لغرض تقسيم الأسرة المحافظة والقضاء على كيانها نهائياً. إن المطلع على هذا النوع من التأليف يجده قد تجاوز بكثير طبيعة البحوث الغربية نفسها، حيث يسود في هذا النوع من المؤلفات استهزاء واضح بالقيم، واستهتار كبير بالأخلاق والعادات والتقاليد الموروثة، ونعترف بأن نوع الإثارة لا تحصل في هذا النمط من التأليف إلا بالحكايات المضحكة والتقاط الصور المشينة، وتحويل بعضها من المعقول إلى اللامعقول، ولكننا نتساءل: لمن تقدم هذه الإثارات والحكايات؟ ولمن يُوجَّه هذا النوع من التأليف؟ لقد تجاوز الأدب الحدود المعقولة في التأليف والنشر، وإن كثيراً من هؤلاء باعوا أنفسهم رخيصة للغرب، وهم يسعون إلى أن يقدموا المجتمع كله إلى سوق التبعية العمياء، والعبادة المطلقة للسادة، غير أن الاستعمار نفسه «لم يكن يستطيع أن ينفذ برامجه إلا على مراحل طويلة، فكان من أبرز ما عمل إذاعته القصة الغربية الإباحية، فأغرى كثيراً من الكتَّاب الشوام بترجمة القصة، فذاعت ذيوعاً شديداً، ودخلت كل بيت، وألقت إلى العذارى تلك النشوة الخيالية في صورة الإباحة والوهم، فأثارت في النفوس ثائرة الغريزة، وألهبت في المشاعر عواطف الجنس وأغرقت البلاد بالأندية الليلية والراقصات والخمور وأساليب الدعارة، وأباحت البغاء، وجعلت له أحياء خاصة ودافعت عن وجوده» [١٣] . لقد أصبحت «الإباحية» عقيدة العصر، ودين الحضارة، وحصل التوهم في فكرنا الحديث أن دخول باب الحداثة هو الإباحية، وأن ركوب قطار التنمية والتطور هو التسلح بها، وإذا كانت الإباحية في أصلها تعني التحلل والخروج عن العرف والعادة والأخلاق، فإن هذا المعنى من شأنه أن يفسر كثيراً من مسلكيات ثقافة هذا العصر، ثقافة الحداثة وما بعد الحداثة، ثقافة النظام الدولي الجديد والعالمية والعولمة، وقد قاد هذه الموجة الدعوات والفلسفات المستحدثة الوافدة من الغرب، كانت بالأمس في ثقافتنا تقليداً، لكنها اليوم أصبحت تأييداً، حيث الخروج عن المألوف هو سمة العمل العلمي المتميز، وأصبح ذلك موضة في النقد والتقويم والمراجعة، وأخذ التوليد والابتكار على وفق هذا المعيار عنصر التقدم والعصرنة، ودخلت الإباحية في التنظير الفلسفي، فدعمتها المذاهب الفنية والاجتماعية، وأخذت تسويغات من نوع ما منها أن الإنسان هو مطلق الحرية في القول والعمل، وكل شيء يصادم حرية الإنسان لا بد من زواله، وأصبح هذا عاماً في كل الإنتاجات الفنية، وعم الثقافة بشكل رهيب، وكانت الأسرة ميداناً خصباً للإباحية، حيث خرجت كثير من الأسر عن ضوابطها الأخلاقية، وقيمها الموروثة مما فتح الباب لموجة أخرى هي أكثر طغياناً وصلابة، وهو مد اليد إلى قانون الأسرة الشرعية لتغييره والعبث به، ومن مظاهر العبث به التنظير لتغييره بأساليب الفكاهة القريبة إلى الشعر الماجن منه إلى الكلام الجدي. هكذا اضطرب نظام الأسرة المعاصرة في واقعنا المعاصر، وسبب هذا الاضطراب هو الانقلاب الكبير الذي ساد المعايير، والاختلال الفاحش الذي أصاب المفهومات، فبينما كان يسود في الأسرة الإسلامية الحقة أن الدين والأخلاق والتقاليد العريقة هي المعايير التي توجه سلوك الأسرة الملتزمة، تصبح أشكال الموضة وقوانين النظام الدولي الجديد وألوان التقليعات وأنماط معينة من التفكير الزندقي الوافد من الغرب ومن سوء التربية الأسرية؛ هي المتحكمة في الأسرة اليوم، يدلنا على ذلك المطالب الجائرة التي ترفع اليوم باسم التنظيم والتأطير والتقنين لرفع الظلم والحيف عن المرأة. أن أخطر ما تواجهه الأسرة اليوم هو التنظير لها والكلام عليها بكلام مطلسم يستخدم مصطلحات غير مفهومة، ومعلوم أن المصطلح إذا لم يكن محدداً تحديداً واضحاً ينتج عنه كلام غير واضح وغير مفهوم. لننظر مثلاً في عنوان «المشروع الذي تقدمت به كتابة الدولة في المغرب المكلفة برعاية الأسرة والطفولة في التنمية» ، ولا هي واضحة في سياق فقرات مشروع الخطة، ما هي التنمية التي يراد إدماج المرأة فيها؟ هل تنمية مدارك المرأة وتنمية فطرتها حتى تنشأ نحو المقصد الذي من أجله وُجدت؟ هل تنمية القيم والأخلاق والآداب التي تحتاج إليها المرأة اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ هل هي تنمية تنبع من حاجات الذات في الميادين الاقتصادية والثقافية والعلمية؟ التنمية هنا قد تكون للنهوض وقد تكون للسقوط، وليس كل نهوض هو نهوض إيجابي فقد يكون النهوض لأجل البناء والتشييد، وقد يكون لأجل الهدم والتدمير، قد يكون لأجل بناء الذات وتمكين القدرات للوقوف في وجه الآخر، وقد يكون لأجل هدم الذات لتنهار أمام الآخر. ويركب على ظهر الطب وعلم الصيدلة في توليداتهما الجديدة، وللحماية من داء السيدا والأمراض المتنقلة جنسياً يوزعون العازل المطاطي، ويشهرونه على أنه الوسيلة الوحيدة للوقاية من الأمراض، ويأتي خطابهم الإشهاري بسكوت مطلق عن اعتبار الممارسات الجنسية غير المشروعة حراماً، وأنها زنى تقضي على الصحة وعلى الأسرة، بل ذهبت بعض التكتلات الجمعوية إلى اعتبار الوسائل الطبية والإنتاجات الصيدلية بديلاً مطلقاً عن المعايير الأخلاقية والقيم الشرعية. وهذا كله يرجع إلى سبب واحد هو أن الحكم على الممارسات الجنسية الخارجية عن حدود الشرع بأنها (إثم وحرام وزنى وفاحشة) ؛ من شأنه أن يوقف ظاهرة الزنى واللواط والشذوذ الجنسي المنتشر في المجتمعات الإسلامية بشكل مرعب، هكذا يفسح المجال للفاحشة، وللخوف من الداء لا بد من العازل المطاطي، ومن أجل تشجيع الفاحشة بشكل منظم عمدوا إلى الاعتناء طبياً بالفتيات الحاملات، وقُدّم الدعم الكامل لحماية الأبناء الذين يولدون نتيجة هذه اللقاءات الجنسية غير الشرعية، فأطلقوا عليهم لقب (الأطفال الطبيعيين) ، فإذا كان هؤلاء هم (الأطفال الطبيعيون) ؛ فماذا نسمي الأطفال المولودين من الزواج الشرعي؟ وباسم التوعية الأسرية يروّجون لتناول حبوب منع الحمل لتحديد النسل وتنظيم عدد الأبناء المراد إنجابهم في الأسرة المسلمة، ويطاف على الأسرة في المدينة والبادية على السواء، وهذه حملة قديمة لو حددنا لها مدة ثلاثين سنة فقط؛ لوجدنا أن المجتمعات الإسلامية في البلاد الإسلامية كلها حرمت من أزيد من عشرين مليون نسمة، وهذا رقم تقريبي فقط يمكننا من الاطلاع على الحقيقة التي تراد للأسرة المسلمة باسم (تنظيم النسل) و (تحديد النسل) ، هكذا يُقضى على الملايين من أبناء المسلمين من دون حرب ولا قتال، وإنما هي إبادة من نوع خُطط له باسم الطب والصيدلة. وجاء دواء (الفياغرا) ليحل مشكلة ولكنه أثار مشكلات كثيرة، ومن مشكلاته الأولى أن استعماله لم يعد خاصاً بأصحاب العجز الجنسي، بل تعدّاهم إلى المدمنين على الجنس، ولا سيما المهووسين بهذه المتعة وهم من غير العاجزين، وثاني مشكلاته تلك التي ظهرت لشركات التأمين، وهذه المشكلة أثارتها النساء، حيث رفعن شعاراً يثرن فيه وجود تمييز عام ضدهم من قِبَل الشركات التي ساهمت في إنتاج الفياغرا، وتطالب الاتحادات النسوية بأن تغطي الشركات تكاليف حبوب ومعدات منع الحمل الأخرى، وذلك إسوة بتغطية تكاليف تمكين الرجل من قضاء شهوته. هكذا وازن بين (فياغرا) التي تُمكّن من الشهوة وبين (حبات منع الحمل) التي توقف حمل المرأة لتصبح القضية ضد القضية، وهي قضية مفهومة من الأساس؛ لأن المرأة نصبت نفسها في مطالبها العامة عنصراً ضدياً للرجل، هذا ما أفصحت عنه إحداهن قائلة: «إن سيطرة الرجال على مجالس إدارات شركات التأمين هو السبب في تحيزهم للرجال دون النساء» [١٤] ، ولن نغلق على هذا الكلام، لكن دعونا نتساءل: هل الأسرة المسلمة تنهض على أكتاف هذا النوع من البشر الذي يرى وجوده وجوداً إباحياً، ويرى كينونته كينونة الضد والنقيض؟ وهل يستقيم للأسرة المسلمة وجود وسط هذا التكالب المسعور بين كيانَيْن خلقهما الله من نفس واحدة، وجعل بينهما مودة ورحمة لتنقلب المعادلة بين جسدَيْن ضدَيْن ونفسيتَيْن نقيضتَيْن في إطار من التنافس الذي لا يخدم مصلحتهما، وفي إطار من التنافي الذي يسيء إلى وحدتهما ووحدة أسرتهما؟ وليس هذا وحده، بل تأتي الصحافة بجديد ينضاف إلى ما سبق ذكره، فالصحافة أحد كيانين متناقضَيْن؛ إمّا ذبابة قاتلة تحمل السموم والميكروبات الفتاكة، وإمّا نحلة رشيقة تمتص رحيق الأزهار لتعطي عسلاً مصفى فيه شفاء للناس، لا أحد يخالف في أن الصحافة العالمية اليوم هي من النوع الأول القاتل والمدمر، تتخطى كل الحدود الوطنية وكل الحواجز المجتمعة لتعمل في قلب الأسر في المجتمعات الإسلامية، تدخل بلا إذن في كل وقت، وتعمل بلا استشارة في كل حين، وثبت ما تشاء في كل الأوقات، فمختلف القنوات الفضائية تبث من الفساد الشيء الكثير، فالأفلام والمسلسلات المعتادة والكارتونية للكبار والصغار على السواء؛ إما أنها تبنى على قصة غرامية خليعة بين رجل وامرأة، أو قصة غدر وخيانة، أو صراع بين الرجل والمرأة وبين المرأة والمرأة، أو الطفل والأب، أو الطفل والأم.. في حكاية درامية مثيرة مما يثير المشاعر ويهيج الوجدان، وفي المقابل يأتي المسرح بحوادث مماثلة، وتقف السينما واللقاءات الإذاعية على الخط نفسه! لا نتكلم عن الإعلام في حد ذاته، الإعلام لا بد منه في عصر يفرض دوره، والأمة التي لا إعلام لها لا وجود لها، وأفرادها يصبحون رهن التشكل في أية لحظة، الإعلام هو التعبير الموضوعي عن فضيلة الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها، به تعبر عن وجودها، وبواسطته تترجم آمالها وآلامها وأحاسيسها، وعملياً فالأمة التي لا إعلام لها كالجسد بلا لسان، يمكن لأي كان أن يتحدث باسمه، وأن يتكلم دون وكأنه ميت، هل صدّقنا يوماً أننا وجدنا لساننا أخرس لا يتكلَّم؟ ولما أراد الكلام والتعبير انبرى من يتكلم عنه بغير ما يريد، بل تكلّم بغير ما يقصد، إعلامنا اليوم هو على هذا الحال تماماً ... يتكلم بغير ما نريد، ويعبر عن غير ما نقصد، لم يعد الإعلام يخدم أهداف المجتمع الإسلامي: يعالج أمراضه ويدافع عن خصوصيته، ويرفع من مُثُله وقيمه بقدر ما تخصص في الدعاية والتعمية والتعتيم والتغطية والتشويه والتزييف والمبالغة في تقديم الحقائق والصور.. وهذا كله يستهدف الأسرة المسلمة في قلب البيت، وهي قضية خطيرة في حياة المسلمين اليوم! * خاتمة: وبعد؛ فإننا نسلم بأن العالم أصبح قرية صغيرة لا يمكن للأسرة فيه أن تعيش منكمشة على نفسها، ومنعزلة عن المحيط من حولها، لكن ما لا يمكن التسليم به هو أن نفتح أبواب بيوت المسلمين لسلبيات الحضارة الغربية ومدمراتها، ولا تعني المحافظة على البناء العام للأسرة تزمتاً ولا يعني انغلاقاً، فلا بد من التمييز بين ما هو ضروري لحياة الأسرة وفق خصوصياتها الثابتة، وما هو أساس وحيوي من مستجدات الحياة الحديثة، والوعي بهذه الشروط يجعل الأسرة تعمل بإيجابية في المحيط الخاص وفي المحيط الدولي العام، كما أن احتكاكها الواعي من شأنه أن ينمي أساليب جهادها في هذا العالم، هذا إذا كانت تعلم أنها النواة الصلبة للمجتمع الإنساني كله، وأن خيرها يتعداها لا إلى المسلمين فحسب؛ بل إلى الإنسانية كلها.

стр. 4767

ملفات انفجار الأسرة المسلمة في الغرب ! يحيى أبو زكريا [*] yahya@swipnet.se تتعرّض الأسر العربيّة والمسلمة في السويد خصوصاً وفي الغرب عموماً إلى امتحانات وابتلاءات قلّ نظيرها؛ إذ إن الخطأ اليسير قد يؤدّي إلى انفجار حقيقي للأسرة العربية والمسلمة، وتكون الضريبة كبيرة عندما يفقد الأولاد والديهم؛ بأن يتمّ توزيعهم على الأسر السويدية بأمر من المؤسسات الاجتماعيّة، التي تملك صلاحية الإشراف على المجتمع بما في ذلك الأسر. وفي الغالب لا تنسجم الأسر العربية والمسلمة مع القوانين السائدة في المجتمع السويدي أو الغربي، وتحاول الاسترسال في العادات نفسها التي كانت عليها في العالم العربي والإسلامي؛ فالرجل الشرقي الذي تعوّد أن يضرب زوجته في بلاده حتى بغير حق لا يحسب حساب الاستمرار في هذه العادة السيئة؛ إذ للمرأة العربية والمسلمة المضروبة هناك حق الاتصال بالمؤسسات الاجتماعية وبالشرطة التي تلبّي نداء الاستغاثة سريعاً، وإذا ما رفعت المرأة المضروبة دعوى على زوجها يتمّ اعتقاله فوراً؛ ليؤخذ إما إلى السجن وإما إلى بيت انفرادي بعيد عن زوجته وأولاده، ويحظر عليه الاتصال بهم. وإذا كانت الزوجة غير مؤهلة لرعاية أولادها، كأن يثبت أنّها كانت هي الأخرى تعنّف أولادها أو زوجها؛ فها هنا يصبح الأولاد برمّتهم في عهدة المؤسسات الاجتماعية التي تقوم بتوزيع الأولاد على الأسر السويدية التي توفّر الطمأنينة والحنان والأمن من وجهة نظرهم لأولاد العرب والمسلمين، وتستند المؤسسات الاجتماعية في السويد إلى قاعدة مفادها أنّ الأطفال يحتاجون إلى بيئة مهادنة ومسالمة ومستقرة حتى ينشؤوا متكاملين في شخصيتهم، فسلامة الأطفال هي المقدمة الأساس لسلامة المستقبل. وقد كشف إحصاء سويدي جديد أنّ زوجات المهاجرين وبناتهم بتن يتصلن بالمؤسسات التي توفّر لهنّ الحماية، ويهربن من أزواجهن الذين تعودوا على ضرب النساء بمسوّغ وبدون مسوّغ، وكثيراً ما يلجأ بعض الأشخاص من الجاليات العربية والمسلمة إلى قتل أزواجهم؛ خصوصاً في ظلّ انتشار الكآبة والأمراض النفسية المستفحلة، وهنا يكون مصير الزوج السجن؛ بينما تقوم المؤسسات الاجتماعية باصطحاب الأولاد إلى أماكن معينة بدعوى إعادة التأهيل النفسي، ومن ثم توزيعهم على الأسر السويدية، ومن الحالات الخطيرة التي كانت السويد وبعض العواصم الغربية مسرحاً لها: انتحار بعض الأمهات العربيات أو المسلمات، ويبقى أولادهنّ من بعدهن يواجهون الضياع المحتم. وتكون الكارثة كبيرة عندما يقع الطلاق ويلوذ المسلم بالعيش وحده، فيما زوجته المطلقة تعيش وحدها أيضاً، وهنا يلجأ الرجل إلى كل ما يخلّ بالأدب، والمرأة تقوم بالشيء نفسه إلا ما شاء الله، وينعكس كل ذلك على الأولاد الذين يقررون اعتزال والديهم والعيش مع من يريدون؛ الشاب المسلم مع شابة سويدية أو غيرها، والشابة المسلمة مع شاب سويدي أو غيره.. فإلى الله المشتكى! وقد أدّى تساهل الأسر المسلمة في تربية أبنائهم إلى انحراف فادح؛ فكثيراً ما باتت بعض الشابات المسلمات يصطحبن عشاقهن إلى البيت، وبعض الشباب المسلمين يصطحبون عشيقاتهم إلى البيت، وقد حدث ذات يوم أن اصطحب شاب كردي عشيقته السويدية إلى بيت أبيه، وعندما منعه أبوه من هذا التصرّف المنحرف قام هذا الشاب بتقديم شكوى ضدّ أبيه بحجّة أنّه يقف ضدّ حريته الشخصية، وكانت مصيبة هذا الأب بذلك عظيمة، إضافة إلى أنّه سبق له أن وقع في مأساة عندما دخل إلى بيته ووجد زوجته مع شخص غريب، وحاول أن يقتلها، فتمّ اعتقاله بحجّة مضايقة زوجته في حريتها الشخصيّة!! وقد ابتلي العديد من الآباء المسلمين بالمخدرات وأدمنوا تعاطيها، ومارسوا الاتجار بها أحياناً، وبات العديد من أولادهم يتعاطون المخدرات تلقائيّاً. وتشير بعض الإحصاءات أنّ المناطق التي يقطنها العرب والمسلمون في السويد يكثر تعاطي المخدرات فيها، إلى درجة أنّ العديد من الشباب من جنسيّات عربيّة ماتوا جرّاء تعاطيهم جرعات مركزة من المخدرات، وتحاول السلطات السويدية جاهدة وضع حدّ لهذه الظاهرة. والمأساة الكبيرة أنّ بعض العرب والمسلمين بنوا ثروات هائلة جرّاء بيعهم هذه السموم للأطفال السويديين والعرب والمسلمين، ولا تخلو الصحف السويدية من أخبار أجانب تخصصوا في بيع المخدرات، أو زوجات أجنبيّات ذُبحن إرباً إرباً من قِبَل أزواجهن، كما أصبح طبيعيّاً أن تتولّى الأسر السويدية رعاية أطفال المسلمين الذين يعيش آباؤهم وأمهاتهم أوضاعاً خاصة لا تؤهلهم لرعاية الأطفال وتوفير الأمن لهم. والظاهرة الأخطر التي يمكن إدراجها في سياق الحديث عن أولاد العرب والمسلمين في السويد أنّ العديد من هؤلاء الأولاد لا يكملون تعليمهم الجامعي، ومعظمهم يهجر مقاعد الدراسة في سن مبكرة، ولم يحظ الكثير من الآباء والأمهات اللاجئين في السويد بالتعليم العالي؛ ولذلك لا يدركون أهمية التعليم في حياة الفرد، وعلى الرغم من أنّ الجامعات السويدية والمعاهد السويدية مفتوحة للعرب والمسلمين وكل مقيم بطريقة شرعيّة؛ فإن الأولاد المسلمين لا يقدّرون أهمية الاستمرار في التعليم والحصول على شهادات عالية، وللأسف؛ فإن الكثير من الآباء المسلمين يرون أنّه ما دامت الدولة تعطي مساعدة اجتماعية للعائلة وكل أفرادها؛ فلا ضير أن يبقى الشاب عاطلاً عوض أن يكون فعّالاً في المجتمع الجديد. ولعلّ عدم إعالة الأسر المسلمة لنفسها واكتفائها برواتب المؤسسة الاجتماعية والتي تعد مقبولة بالمقارنة مع الرواتب التي يحصل عليها اللاجئون في بقيّة البلدان الأوروبية هي التي تحفّز باتجاه قتل الهمم والعزائم، ومحو الطموح من نفسيّة الأسر العربية والمسلمة، والتي باتت تسمي المؤسسة الاجتماعية المانحة للمساعدات المالية للعرب والمسلمين وغيرهم بـ (بيت العم) ، ولذلك يُنكّت بعض المسلمين في السويد قائلين: أتدرون لماذا يتوجه العرب والمسلمون إلى (بيت العم) المؤسسة الاجتماعية مرة في الشهر؟ وتتعجّب عندما تسمع الجواب، وهو أنّ صلة الأرحام واجبة في الاسلام!! ويعيش ٩٠% من العرب والمسلمين في السويد على المؤسسة الاجتماعية أو (بيت العم) ؛ الأمر الذي يجعل الأولاد لا يوقّرون ولا يحترمون آباءهم وأمهاتهم، وقد سمعت بأم أذني أبناء يعيبون على آبائهم قائلين إنّه ليس لكم سلطان علينا ما دامت المؤسسة الاجتماعية تعيلكم وتعيلنا معكم. وتكون صدمة الأولاد كبيرة عندما يسألون آباءهم: ماذا تعملون؟ ومن أين تحصلون على الأموال؟ فيعلمون أنّ الفضل كل الفضل للمؤسسة الاجتماعية، أو (بيت العمّ) كما يسميها اللاجئون العراقيون، و (بيت عبّو) كما يسميها اللاجئون الفلسطينيون؛ متناسين أنّ عدم العمل يزرع في أبنائهم الكسل وانعدام القدوة. ويؤدي تحايل الآباء على المؤسسات الاجتماعية للحصول على المزيد من الأموال إلى تعويد الأبناء الحيلة والكذب والتعامل مع المجتمع الذي استقبل اللاجئين وحماهم بكثير من الازدواجية والنفاق، وكل ذلك يؤدي إلى تفسّخ شخصية الأبناء وتحولهم إلى أدوات سلبية في المجتمع. وكثيراً ما يلجأ الأبناء إلى تهديد آبائهم بكشف أوراق تحايلهم، حتى المرأة المسلمة باتت تهددّ زوجها بأنّه إذا لم يفعل كيت وكيت؛ فإنها ستخبر المؤسسة الاجتماعية بأنّ لديه أموالاً، وهذا مخالف للقوانين المرعية؛ إذ إن المساعدة الاجتماعية لا تُعطى إلا للفقراء والعاطلين عن العمل حقاً. والسؤال المركزي الذي يمكن طرحه هو: كيف ينشأ الأبناء في ظلّ كل هذه الأجواء المنحرفة؟! لا شك أنه يلزم إنشاء جمعيات إسلامية فاعلة لتربية النشء المسلم، وربطهم بمبادئهم وقيمهم الإسلامية الأصيلة، وحث المسلمين اللاجئين في هذه البلاد على التمثل بأدب الإسلام وأخلاقه؛ حتى لا يكونوا ضحايا البعد عن التوجيه الإسلامي الصحيح. * دور التديّن في حياة أطفال المسلمين في الغرب: يعترف المسلم الملتزم وغير الملتزم في الغرب بأنّ تديّن الأسرة المسلمة في الغرب هو الضمانة الأساسيّة للحفاظ على السلوك القويم للأطفال المسلمين الذين تستغرقهم الحياة الاجتماعيّة الغربيّة أكثر من آبائهم؛ باعتبار أنّ الأطفال المسلمين في الغرب وتحديداً الذين ولدوا في الغرب تستوعبهم المؤسسات الغربية بدءاً من الحضانة وإلى المدرسة في مجمل مفاصل المجتمع الغربي وفي كل التفاصيل. وبحكم الإيقاع الغربي السريع والضاغط، وبحكم أنّ المرأة المسلمة كالرجل المسلم مجبرة على الخروج من بيتها والتوجّه إلى مكان العمل أو الدراسة؛ فإنّ الوقت المخصص للأولاد ضئيل للغاية. وللإشارة فإنّ العائلات المسلمة التي تعيش بفضل المساعدة الاجتماعيّة تمثل أكثر من سبعين بالمائة من المسلمين في الغرب الذين يعيشون بفضل المساعدة الاجتماعيّة التي تقدّم لهم من المؤسسات الاجتماعيّة وخصوصاً في دول شمال أوروبا السويد والدانمارك والنرويج وفنلندا وإيسلندا مجبرة على أن تخضع لما تقرره لها المؤسسة الاجتماعيّة؛ حيث قد تجبر الأم على العمل في التنظيفات، والأب في المطاعم، ويعتبر هذا العمل تطبيقيّاً يسمح باستمرار حصول هذه العائلة المسلمة على المساعدة الاجتماعيّة. وبناء عليه فإنّ العائلة المسلمة لا تقضي وقتاً كاملاً مع أولادها الذين تضطلع الحضانات والمدارس بتلقينهم المبادئ الحضاريّة، وفي هذا السياق يشار إلى أنّ مفردات الحضارة الغربية تاريخاً وحاضراً، ثقافة وسياسة وفنّاً واقتصاداً وأدباً يدرسها الأطفال في المدارس الغربيّة مع شيء من الخصوصيّة في كل دولة غربيّة؛ ففي السويد مثلاً عندما يدرس الطفل تاريخ أوروبا يتمّ التركيز على الدور السويدي في هذا التاريخ، وفي الدانمارك يجري التركيز على الدور الدانماركي، وهكذا دواليك، فينشأ الطفل ينهل من الحضارة الغربيّة ومفرداتها، وتبدأ ذاته الحضاريّة بالتلاشي، وعقيدته الإسلاميّة في الذوبان ولا يبقى منه غير الاسم الإسلامي الذي يتلاشى مدلوله مع مرور الأيّام. وكثير من العوائل المسلمة وبحكم انهماكها في الإيقاع الغربي السريع، وصعوبة العيش، وامتداد ساعات العمل إلى وقت متأخّر من الليل فإنّ صلة الآباء بأبنائهم تتضاءل، ويحدث أن يغادر الأبناء آباءهم عندما يصلون إلى سن الثامنة عشرة تماماً لينفصلوا بشكل نهائي عن ذويهم تماماً كما يفعل الشاب الغربي الذي يضطّر إلى ترك والديه في هذه السن، ويعتبر ذلك من الضروريّات، بل من الواجبات، وحتى إذا تقاعس الشاب الغربي عن القيام بمثل هذه الخطوة فإن والديه يجبرانه على الذهاب بعيداً عنهما ليعيش وحده، وليعتمد على نفسه باعتبار أنّهما سلكا الدرب نفسه، ولا فرق هنا بين الذكر والأنثى. وممّا يزيد في ضياع أطفال المسلمين هو أنّ نسبة الأميّة الحضاريّة والدينيّة والعقائديّة والفقهيّة مرتفعة بين العوائل المسلمة بشكل مذهل، وهو الأمر الذي يفقد هذه العوائل آليات تحصين أبنائهم. وكثير من العوائل تشرع في التخلي عن الالتزام ببديهيّات الأحكام الشرعيّة بالتقسيط، فتبدأ المسألة بترك الصلاة، ثمّ بترك الصيام، ثمّ عدم السؤال عن شرعيّة اللحوم وما إلى ذلك. وينتهي الأمر بشرب الخمرة والذهاب إلى المراقص على اعتبار أنّ ذلك من مظاهر التحضّر في الغرب. وتشير معلومات ميدانيّة أنّ العوائل المتدينة هي أكثر من غيرها في الحفاظ على أبنائها؛ حيث يضطّر الأب الملتزم والمتدين والأم الملتزمة والمتدينة إلى متابعة الطفل في كافة تفاصيله الحياتيّة بدءاً من المدرسة وإلى المفاصل الأخرى، وكثيراً ما تذهب الأم الملتزمة إلى المدرسة التي يدرس فيها ابنها أو ابنتها فتطلب أن يكون الطعام المخصص لأولادها شرعيّاً، وتفهم المشرفين على المدرسة أنّ لحم الخنزير محرّم أكله على المسلمين، كما أنّ بعض المواد الجنسيّة على وجه التحديد تقدّم بطريقة مخطئة للطفل، وكثيراً ما يساهم هذا الالتزام الديني الأسري في حماية الطفل من الذوبان في واقع مليء بالشهوات والمغريات. وحرص الأسر المسلمة على تعليم أبنائها الصلاة والصيام وبقيّة الواجبات الإسلاميّة، واصطحاب الأطفال إلى المساجد كل ذلك يؤدّي إلى تماسك شخصيّة الطفل، وقد تبين أنّ هذا الالتزام يساعد الطفل المسلم في التفوّق في مدرسته، وتجنبه كل الرذائل. وفي شمال العالم على وجه التحديد بدأت المؤسسات الغربيّة تولي أهميّة للإسلام، بل تحرص على تدريسه لأبناء المسلمين؛ إذ وجدت هذه المؤسسات أنّ من ينشأ على المعتقد الإسلامي الصحيح سيكون خير عون للمجتمع الغربي؛ فالغرب الآن مبتلى بآفة المخدرات، والإسلام يحارب هذه الأفة ويحرمها حرمة شرعيّة لا شبهة فيها، والغرب يحارب الاغتصاب الذي ابتلي به حيث بات الاغتصاب يطاول حتى الفتيات اللائي لم يبلغن سن العاشرة؛ والإسلام يحارب هذه الآفة، بل جريمة الزنا بشكل عام. والغرب يعلّم تلاميذ المدارس أنّ الكذب والسرقة والقتل والسطو والتزوير والاعتداء على كرامة الإنسان صفات يمقتها الإنسان السويّ، والإسلام أقرّ بأنّ الكذب محرّم وجعل سمة المؤمن عدم الكذب وما إلى ذلك. وما زلت أتذكّر أنني التقيت يوماً أحد المسؤولين الغربيين وقلت له إن من الخطأ الشنيع والفظيع أن تضعوا استراتيجيات لمحاربة الإسلام، بل عليكم أن تلوذوا به إذا أردتم القضاء على الآفات التي تعصف بكم وبواقعكم الاجتماعي على وجه التحديد، وقلت له إنّ الطفل المسلم الذي ينشأ على عقيدة الإسلام هو شخص مثالي بالنسبة للغربيين، وأنتم تصبُون إلى إنشاء جيل من هذا القبيل، بينما الطفل المسلم الذي لا ينشأ على الالتزام يواجه خطر المخدرات والسرقة وغيرها من الآفات؛ فالحكمة تقتضي عدم الوقوف في وجه الإسلام إذن! ونظراً لدور الالتزام الديني في توجيه الأطفال توجيهاً صحيحاً فإنّ كثيراً من الآباء المسلمين غير الملتزمين يبعثون أولادهم إلى المدارس العربيّة والإسلامية التي أقامها بعض المسلمين لمساعدة الأطفال المسلمين على تعلّم لغتهم ودينهم. وقد تجد الأب مبتلى بالخمرة، والأم بما هو أعظم إلاّ أنّهما يبعثان أبناءهما إلى مثل هذه المدارس لتدارك ما فات. وقد ازداد هذا التوجّه بعد أن ابتليت بعض الأسر العربيّة والإسلاميّة غير الملتزمة بالدين بضياع أبنائها لجهة توجّه الأولاد إلى المخدرات أو السرقة، وضياع مستقبلهم العلمي والتربوي، وغير ذلك. ويبقى القول: إنّ العوائل العربيّة والإسلامية وإن وجدت في خارطة غربيّة تعيش تحديات قد تكون شبيهة بالتحديات المحدقة بأبنائنا في العالم العربي والإسلامي، لكن تبقى التحديّات الغربيّة ذات شأن خطير.

стр. 4768

ملفات العلمانية الانحلالية ومنظومة القيم الإسلامية الهيثم زعفان قضية الصراع القيمي بين العلمانية والإسلام هي في الأساس صراع عقدي بين حق وباطل، وبين منهج صالح وفاسد، وليست مجرد اختلافات إيديولوجية كما يحلو لبعضهم تسميتها. فعملية الدفع بين العلمانية والإسلام عملية مستمرة؛ وبدهي أن يكون هناك منتصر، وحتمًا سيكون الإسلام بإذن الله. لكن حتى يمكن الوصول إلى هذه النقطة الفاصلة ينبغي معرفة الكيفية التي تمكنت بها العلمانية من اختراق منظومة القيم الإسلامية؛ فالعلمانيون اجتهدوا في نشر ثقافة الانحلال بين فئات المجتمع مستثمرين في ذلك كافة الوسائل المتاحة. ومعظم القائمين على هذه اللعبة الانحلالية يحرصون على التظاهر بتمسكهم بالقيم الإسلامية التي هي عندهم لا تخرج عن دائرة الأذكار القولية التي ليست لها أية ثمرة تكليفية في حياتهم العملية. فهذا أحد كبار المخرجين السينمائيين الذي اكتشف قطاعاً عريضاً من ممثلات الإغراء العربيات وصنفت بعض أفلامه في فئات البورنو يقول في مذكراته: «أنا واحد من الناس المؤمنين بشكل خطير وتام، ولا أزال وسأظل متمسكًا بالقيم والتقاليد، وأنا حتى الآن إذا أردت السفر إلى الإسكندرية وقلت ذلك لابنتيّ، فإنهما تقولان لي: لا إله إلا الله، فأرد عليهما: محمد رسول الله، وأما مساء كل يوم، وقبل أن أنام أقرأ فاتحة الكتاب ثم أتشهد بالشهادتين ... !» هذا في وقت سيطرت فيه السينما على الساحة الإعلامية وكان لمخرجيها اليد الطولى في توجيه الثقافة الإنحلالية؛ فما هو الواقع في ظل التقنية الحديثة والسماوات المفتوحة؟ دعونا نبدأ القضية من جذورها. * القيم الإسلامية: المدقق للدراسات التي تتناول موضوع القيم الإسلامية يلحظ أنها في تحديدها لماهية المفهوم ضمت شمول الدين الإسلامي كله.. لذلك فمن الموضوعية التيقن بأن القيم الإسلامية هي الدين الإسلامي نفسه. يقول اللواء دكتور فوزي طايل - عليه رحمة الله - «يلحظ الباحث أن فقهاء المسلمين لم يفردوا أبوابًا خاصة بالقيم؛ لأن القيم الإسلامية هي الدين ذاته؛ فهي الجامع للعقيدة والشريعة والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولمنهاج الحياة والمبادئ العامة للشريعة، وهي العُمُد التي يقام عليها المجتمع الإسلامي؛ فهي ثابتة ثبات مصادرها، وهي معيار الصواب والخطأ، بها يميز المؤمن الخبيث من الطيب، ويرجع إليها عند صنع القرارات واتخاذها.. وهي التي تحدث الاتصال الذي لا انفصام له بين ما هو دنيوي وما هو أخروي في كل مناحي الحياة» [١] . ومن هنا.. فإن أية محاولات لخلخلة منظومة القيم الإسلامية الثابتة، أو طرح مبادرات من هنا أو هناك لجعل تلك المنظومة قابلة لاستيعاب قيم مستمدة من معطيات العقل البشري والخبرات المجتمعية ذات المرجعيات الإلحادية والفاسدة.. كل ذلك يعد محاربة صريحة للدين الإسلامي، ومن ثَمَّ فإن التصدي لهذه المحاربة هو فرض عين على كل من يدرك معالم هذه المشكلة. وأبرز الفيروسات النشطة في ساحة المعركة ما يطلق عليه تسترًا «العلمانية» فما هي العلمانية؟ العلمانية «تقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة (secularism) وأصلها اللاتيني هو (saecular) ويعني» الدهر « (Age) أو العالم (world) أو الزمن (time The) . والعلماني عكس الديني ويستخدم اصطلاحًا للإشارة إلى مدخل للحياة ينفصل تمامًا عن الدين ويتشكل كلية باهتمامات» زمنية دنيوية « [٢] . وتوضح موسوعة العلوم السياسية أن» العلمانية على المستوى الشخصي (هي رفض الفرد أن تتشكل معاملاته السياسية بمصادر لا يكون لإرادته الحرة المباشرة دخل في تشكيلها وصياغتها. وعلى المستوى العام تعني العلمانية المذهب الذي يؤمن بضرورة إبعاد المؤسسات الدينية والمناصب الدينية عن ممارسة أي تأثير أو لعب أي دور في أي من مجالات الحياة العامة بما في ذلك التعليم والتشريع والإدارة وشؤون السياسة والحكم) [٣] . ويذهب عدد من الباحثين إلى أن العلمانية تُعد موقفًا (يفترض أن تكون المعايير التي يخضع لها الإنسان في تعامله مع الإنسان وفي تنظيمه لشؤون حياته السياسية والاقتصادية والقانونية هي معايير مستمدة من الدنيا لا الدين) [٤] . لاحظ بعض رموز العلمانية في عالمنا الإسلامي أن الإسلاميين فطنوا إلى حقيقة الدعوة العلمانية وواجهوها ونجحوا في صناعة رأي عام مضاد لهذه الدعوة.. فقام هؤلاء الفقهاء بطرق مبادرات ذات غطاء شتوي يستر أكثر مما يستره الغطاء الصيفي، ومن ثم يكون في عالمنا الإسلامي فريقان علمانيان يستخدمان سلاحاً مزدوجاً في ساحة المعركة. أ - فريق رافض للتراث ومتجاوز له «شبلي شميل» «يعقوب صروف» ، «فرح أنطون» الذي دعا إلى اعتماد العلم في كافة شؤون الحياة، و «سلامة موسى» الذي لعب دورًا هامًا في مجال تقديم الرؤى العلمانية في الثقافة المصرية والعربية وكان من أبرز المؤثرين في أفكار ما يطلق عليهم لقب «النخبة» ، أدونيس، محمود درويش، البياتي، جابر عصفور، وغيرهم. ب - فريق آخر يسعى لإعادة قراءة التراث وتأويله ومن أبرزهم «محمد أركون، حسين أحمد أمين، محمد عابد الجابري، حسن حنفي» الذي يقول «الشريعة الإسلامية وضعية، والإسلام دين علماني في جوهره، والفقه متغير بتغير الحاجات والمصالح، فلِمَ الخوف من التشريع والجرأة فيه؟ هم رجال ونحن رجال - يقصد فقهاء الأمة - نتعلم منهم ولا نقتدي بهم» [٥] . * القيم من وجهة نظر العلمانيين: القيم عند العلمانيين تقوم على مبدأ «الحرية» فكل فرد تكفل له الحرية القيام بأي شيء يحقق أهدافه بغض النظر عن الاعتراضات على ما يقوم به من أفعال. أما الجائز وغير الجائز فيتم تحديده من خلال مبدأ «نسبية القيم» وهذا المبدأ له عدة ركائز أو خصائص: أولاً: النسبية المكانية للقيم: «لما كان لكل ثقافة معاييرها الخاصة بها فإن » المرغوب فيه «يختلف تبعًا لذلك من ثقافة إلى ثقافة، ومن ثم تختلف القيم من ثقافة إلى ثقافة» [٦] . معلوم أن العلمانية تطرح لنا الثقافة الغربية بكل ما فيها من مضامين، ومن ثم فإن الحلال والحرام عندهم بمنظور الثقافة الغربية؛ بمعنى لا قيمه له. فما هو الواقع؟ الإجابة يقدمها د. إبراهيم الخولي الذي يقول: «المجتمع العلماني نفض يده من الالتزام بحلال أو حرام نفضًا كاملاً من نقطة البدء الأولى على مستوى النظم والشعوب السابق في كتابه (الانهيار) :» نحن أصبحنا مجتمع إباحة الاستباحة، الفرد في الولايات المتحدة استباح كل شيء ولم يعد في قاموسه كلمة حرام أو محرم، بهذا لا تستقيم حضارة ولا تستمر. السفينة كلها تغرق ولا يملك أحد إنقاذها! وإنقاذها مرهون بالعودة إلى الدين والأخلاق! « [٧] . ثانيًا: النسبية الزمانية للقيم:» أي أنها تختلف وتتغير في المجتمع الواحد بما يطرأ على نظمه من تطور وتغير، وهي في تطورها وتغيرها تخضع للمناسبات الاجتماعية في التاريخ كما تخضع لظروف الوسط الثقافي الذي توجد فيه « [٨] . إطلاق خاصية النسبية الزمانية بهذه الصورة يوضح سبب تقدير الاتجاه العلماني للنظرية الداروينية. كما أن الخاصية تمكن أصحاب هذا الاتجاه من وصف القيم الإسلامية بأنها غير صالحة لمواكبة التطورات؛ وعليه كما يرون فإن مدة صلاحيتها انتهت ويجب استبدالها بقيم جديدة صالحة لملابسات الحقبة. ثالثاً: صلاحية القيم:» إن كل ما تصطلح الثقافة على أنه خير يخضع دائمًا في اختياره إلى مبلغ فائدته الاجتماعية لهذه الثقافة بالذات؛ فالقيم تكون صالحة أو فاسدة تبعًا لدرجة قدرتها أو عدم قدرتها على إشباع الحاجات الأساسية، البيولوجية والاجتماعية للناس في الثقافة المعينة « [٩] . قول» ديوي وهمبر «:» إن الخير والشر والمرغوب فيه أو غير مرغوب فيه، هو ما تقرر الثقافة (والثقافة وحدها هي الحكم) أنه كذلك فالحر والأخذ بالثأر، وقتل أسرى الحرب، واحتكار الأقلية لأرض والدكتاتورية، كل هذه أمور تكون مرغوبًا فيها وذات قيمة إذا قررت الثقافة ذلك. فالقيم إذن نسبية إلى طبيعة الإنسان كما تتضح هذه الطبيعة في فعله وتفاعله الاجتماعي الثقافي « [١٠] . وكما ذكر فإن الثقافة التي يدعو إليها العلمانيون عندنا هي ثقافة غربية انحلالية، ومن ثم وفي ضوء خاصية» صلاحية القيم «تكون تلك الثقافة هي الحكم على تصرفات الإنسان في عالمنا الإسلامي علاوة على ذلك فإنه كلما زادت انحلالية الثقافة اتسعت دائرة المرغوب، وهو في هذه الحالة انحلالي بطبعه وسائل العلمانيين ذات التأثير المباشر في اهتزاز منظومة القيم نجح الاستمرار الأجنبي في صناعة فئة أطلق عليها» نخبوية «تتبوأ مناصب قيادية داخل المجتمعات الإسلامية عقولهم في الغرب وأصابعهم على أزرار صنع القرار، وفي ذات الوقت تم سحب النشاط رويدًا رويدًا من تحت أقدام العلماء والمخلصين للأمة الإسلامية. يقول» جون ل. إسبوزيتو «في كتابه: (التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة) :» تمثلت النتيجة الرئيسية للتحديث في ظهور نخب جديدة وتشعب مطرد في المجتمع المسلم، تلخص في نظمها التعليمية والقانونية. فالتعايش بين المدارس الدينية التقليدية والمدارس العلمانية الحديثة - ولكل منها منهجها ومعلموها وأوساطها الخاصة - قد أنتج طبقتين برؤيتين عالميتين متنافرتين: أقلية نخبوية حديثة غربية الهوى، وأغلبية أكثر محافظة ذات توجه إسلامي، كما أن العملية فتتت الأسس التقليدية لسلطة الزعماء الدينيين وقوتهم؛ بينما ارتفعت طبقة جديدة من النخب الحديثة المدربة إلى المواقع المهمة في الحكم والتعليم والقضاء، وهي مواقع كانت على الدوام ملكًا للعلماء (مشايخ الإسلام) [١١] . * أساليب العلمانيين في الهدم: وكان من أبرز المجالات التي تم التركيز عليها منذ بداية اللعبة «التعليم والإعلام» لما لهما من تأثير مباشر في صناعة وبرمجة أجيال جديدة تردد وتطبق عملياً العلمانية الانحلالية. ففي مجال التعليم تم اتباع عدة خطوات مدروسة وطبقت بمنتهى الدقة ومنها: - حصر التعليم الديني وحصاره مادياً ومعنويًّا، ولعل واقع الأزهر في مصر والزيتونة في تونس خير دليل على ما آل إليه التعليم الديني في عالمنا الإسلامي. - الابتعاث إلى الخارج.. والذي أدى إلى صناعة قادة جدد أثروا في مسار الأمة وفي صناعة الأجيال، ولنا في رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وطه حسين وغيرهم أبلغ الأمثلة على تاثير نظام البعثات في العقول. - انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية «وقد نجح التعليم الأجنبي في اختراق جميع مؤسسات الدول من القمة إلى القاع: مرة بالفكر الذي لقنه دائرة واسعة من الناس، ومرة أخرى حين نجح في دعم مجموعة ممن تبناهم بعد تخرجهم وعمل على إبرازهم من خلال وسائل الإعلام؛ لأنه نجح في اختراق الفكر الذي يحكم حركة هذه المؤسسات؛ وذلك حين نجح في زلزلة معاني العقيدة الراسخة داخل المجتمع عن طريق طائفة رباها، ثم نجح في تسليط الضوء عليها والسعي في التمكين لها داخل المؤسسات» [١٢] . - تمييع المناهج العلمية: وذلك من خلال إدخال النظريات الباطلة وطمس الحقائق وتزييف المناهج واللعب في المناهج الإسلامية باسم التطوير [١٣] . - نشر الاختلاط بين الجنسين والذي أدى إلى اختلال قيمة الغيرة، وأدى إلى تطور أنماط العلاقة بين الشباب مع وضعهم في حالة إثارة مستمرة مع القضاء شبه التام على مصطلح «الأجنبي» بين الشباب داخل أسوار الجامعة وخارجها في أحيان كثيرة. - أما عن مجال الإعلام فيتضح بصورة جلية أثر العلمانية المباشر فيه؛ وذلك لاتساع دائرته ووصوله لأطراف لم تلتحق بالتعليم، أو أنهت علاقتها بالتعليم ومناهجه والقائمين عليه. والعلمانية استطاعت من خلال وسائل الإعلام المتعددة سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية الوصول إلى أبعد النقاط المحرمة وبث السموم المميتة، وكان من أبرز ما اعتمدت عليه مخاطبة غرائز الإنسان؛ لأنها أيسر الطرق في شرخ جدار المنظومة القيمية، وكان من أحدث ما استثمرته العلمانية الانحلالية «الدش» و «والأنترنت» . * العلمانية بين الدش والأنترنت: نجح الدش في جعل الكرة الأرضية قرية واحدة ينقل عبر قنواته كافة الأحداث العالمية في حينها من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال حتى الجنوب، ولا ينكر أحد أهمية ذلك. لكن في الوقت ذاته هناك العشرات من القنوات الإباحية، وكذلك القنوات التي تعرض الأفلام غير المراقبة والأغاني المصورة المقززة والتي نجحت في نشر ثقافة الغربي وجعلها واقعًا ملموسًا وسط شرائح غيبت عنها الضوابط الشرعية التي في ضوئها يتم إنبات الثمرة التكليفية. لعلاج موضوع الدش ذهب فريق من المجتمع الإسلامي بمنع الدش بصورة كلية مثلما فعل سكان أحد الأحياء في مدينة عربية؛ حيث اتفقوا على عدم تركيب أجهزة «الدش» فوق منازلهم، ودعم سكان هذا الحي تلك الاتفاقية بالتعاون مع مكاتب العقار الموجودة داخل الحي السكني بوضع شرط إضافي هو عدم تركيب دش بالمنزل المؤجر لأي ساكن جديد [١٤] . فريق آخر يرى الاستفادة من المواد الجادة في الدش مع تشفير القنوات غير المرغوبة من خلال التحكم الشخصي. أما قضية الإنترنت فهي قضية معقدة وشائكة، فالنت سبب ونتيجة لانهزام القيم في الوقت ذاته. فهو نتيجة؛ لأن التعامل معه بالمنطق السفلي الجنسي جاء رد فعل لتفريغ محتوى القلب المتعامل مع الحاسوب مسبقًا من خلال المناخ العلماني مما جعله مهيأً للغوص في أعماق المواد الانحلالية الهائلة على شاشة النت. كما أنه سب؛ لأنه مجال خصب للعلمانيين يخاطبون من خلاله قطاعاً عريضاً من الشباب، فيبثون له ما يصبون إليه من سموم. قضية الإنترنت مشكلتها أنها تضم ثقافة جيلين.. جيل تعامل مع وسائل الإعلام من خلال المقروء والمسموع والمرئى ويتمثل في جيل «الآباء» وجيل قدمت له كافة الوسائل في جهاز واحد وهو «جيل الأبناء» . فجيل الآباء معظمه ليست لديه القابلية النفسية للقيام بدور المتعلم كي يستطيع التعامل مع الحاسوب؛ لكنه يحرص على تطوير أداء جيل الأبناء مع حرص الغالبية من الآباء على توفير جهاز حاسوب في بيته للأبناء، ويعملون على توفير جو من الهدوء لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة ... لكن هناك فجوة هامة ينبغي التنبيه عليها.. الجيل الجديد نشأ في جو تتوغل فيه العلمانية الانحلالية في كافة ذرات الهواء الذي يتنفسونه، ومن ثم تم خلخلة المنظومة القيمية لدى معظم هذا الجيل ... وفجأة جلس أمام جهاز بضغطة زر واحد فقط تظهر أمامه قائمة بأكثر من ألف موقع إباحي يدخل أيها شاء، وبضغطة أخرى على نفس الزر. وهذا العدد من المواقع المخصصة للمراهقين فقط دون الكبار كما أوضح ذلك تقرير لشركة (netvalue) الأمريكية في الوقت ذاته إذا دخل الأب على الابن بصورة مفاجئة يستطيع الابن بضغطة زر واحد أن يحول الشاشة من منظر خلاعي إلى شكل معقد يوضح خريطة الجينيوم البشري، فيشفق الأب على حجم المجهود الذي يبذله الابن في التحصيل العلمي. الإشكالية السابقة يمكن ضبطها من خلال عدة إجراءات منها: ١ - العمل دوماً على توضيح مخاطر العروض الإباحية على عقيدة الأبناء. ٢ - تيسير وتشجيع الزواج المبكر حتى ولو في مراحل التعليم. ٣ - مراقبة الأبناء جيداً أثناء تعاملهم مع الحاسوب مع وضع الجهاز في مكان واضح لكافة أفراد الأسرة. ٤ - أن يقوم الآباء بتعلم كيفية عمل المسح التاريخي للمواقع التي دخلها الأبناء لمعرفة توجهاتهم وليستشعروا أن هناك مراقبة فعلية. ٥ - هناك برامج ماحية للبرامج غير المرغوب فيها يمكن برمجتها على الحاسوب والتي تعرف باسم (BLOKER WEB) يمكن من خلالها حجب المواقع السيئة بقدر الإمكان. القضية الأخطر في مجال الإنترنت والتي جاءت عن كسر جدار الحياء بين الذكر والأنثى مع ضرب مصطلح «الشخص الأجنبي» في العمق من خلال دعاوى الاختلاط وحقوق المرأة وعملها، والتي بذل فيها العلمانيون مجهودات كبيرة حتى وصلوا لهذه النتيجة التي تعرف بـ «المحادثة» أو «الدردشة» أو بمعنى أدق «الشات» وهو عبارة عن فتى يتحدث مع فتاة لعدة ساعات من خلال الحاسوب باستخدام وسائل ثلاث: البرقيات المكتوبة، والاتصال الصوتي، والكاميرا الحية. وليتخيل المرء ما هو الحديث المتوقع لأجنبيين هُيئت لهما مثل هذه الظروف! بل الأصعب من ذلك هناك مجموعات من العلمانيين الانحلاليين أنشؤوا مواقع للدردشة الإباحية لا تستخدم إلا في المحادثات الجنسية فقط، ونسبة الإقبال العربي عليها عالية جداً، ويا ليت الأمر يتوقف عند ذلك، بل يمتد إلى المقابلات الخارجية ليتم تصديق الفعل الانحرافي عملياً، وهناك الكثير من القصص الواقعية لفتيات وقعن ضحايا هذا الشات، ولعل ذلك يفسر ما ذكره د. إبراهيم جوير الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود في جريدة الوطن السعودية: «أنه خلال السنوات العشر الماضية ارتفعت نسبة اللقطاء بشكل لافت للنظر بالسعودية؛ ففي زيارته الأولى لدور رعاية الأيتام قبل ١٢ سنة كان ٧٥% من سكان الدار من الأيتام الذين فقدوا أحد الوالدين، أما عند زيارته الأخيرة للدور وجد أن ٩٦% منهم من فئة اللقطاء» [١٥] . إن برنامج الشات يوفر ملايين الدولارات في التعاملات اليومية والاتصالات الشخصية النافعة؛ لكن الفكر العلماني نجح في تحويله إلى مسار يؤدي إلى السقوط في الهاوية، وفي أفضل أحوال السقوط يحدث ما صار يعرف بـ «إدمان الشات» وعلى الرغم من ذلك فإن هذا البرنامج يمكنه لعب دور كبير في مجال الدعوة الإسلامية؛ فأحد الشبان الإسلاميين وفقه الله من خلال برنامج الشات إلى هداية خمسة آلآف كافر إلى دين الإسلام - بارك الله في هذا الشاب وكلل خطواته المستمرة بالنجاح -. نقول: لماذا لا يقوم كل متقن للحاسوب من المحتسبين ذوي العقيدة الصحيحة بتخصيص ساعة يومية يدعو فيها غير المسلمين إلى الإسلام؟ إلى أصحاب ما يعرف بمقاهي الإنترنت لماذا تتحملون ذنوب مستأجري أجهزتكم ورسول الله ﷺ فيما يروى عنه يقول: «أتدرون من الخاسر؟ قالوا: هو من باع آخرته بدنياه. قال: كلا؛ الخاسر هو من باع آخرته بدنيا غيره» صدق رسول الله ﷺ . يمكن تحويل المقاهي القائمة وكذا استحداث ما يمكن أن نطلق عليه مراكز الدعوة بالحاسوب، وتكون مخصصة لخدمة الإسلام ولا يرتادها إلا صنفان: الأول: شباب إسلاميون يدعون غير المسلمين إلى الإسلام. الثاني: شباب يخدمون الإسلام بحثياً وعلمياً. من الممكن تطبيق فكرة المراكز الدعوية السابقة من خلال الجمعيات الخيرية الإسلامية بأن يكون الشباب صحيحي العقيدة، وتكون وظيفتهم فقط دعوة غير المسلمين إلى الإسلام من خلال برنامج الشات مع الدخول لمواقع الدردشة العلمانية ومحاولة تصحيح مسار الفتيات والفتيان المغيبين.

стр. 4769

المسلمون والعالم أمريكا وسوريا.. وتغيير قواعد اللعبة حسن الرشيدي «إذا كان على الولايات المتحدة أن تبقى كلاعب كبير في المنطقة، وإذا كان على إسرائيل الاستمرار كأمة فعلى الجانبين واجب التفكير في الإقدام على ما لا مهرب منه: الحرب؛ فالحرب وحدها تحول الأزمة إلى فرصة» . قائل هذا الكلام هو ديفيد وورمسر الذي انتقل الشهر الماضي فقط من العمل مع الصقر الليكودي جون بولتون في وزارة الخارجية الأمريكية إلى العمل مع من لا يقل صقرية وليكودية لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني. لقد ارتقى وورمسر درجة في سلم الإدارة، والمغزى من ذلك أن هناك في واشنطن من يريد توجيه رسالة إلى العرب تتبنى المنطق الشاروني: ما لم يحل بالقوة يحل بالمزيد من القوة. إن فهم هذه الرسالة يحل بعضاً من الإشكاليات الناتجة عن تفسير ما يجري في العلاقة السورية الصهيونية بشقيها الأمريكي واليهودي؛ فالتصعيد بين الطرفين ينشب ثم ما يلبث أن يتوقف أو يخمد، ثم يعتريه دورة أخرى من التصعيد. ولا شك أن تلك العلامة سمة بارزة في العلاقات بين هذين المعسكرين طيلة العقود الماضية، ولكن ازدادت وتيرتها مع الاحتلال الأمريكي للعراق لتنتهي بضربة جوية إسرائيلية لمنطقة عين الصاحب على مشارف دمشق في ظل ترحيب أمريكي. ولذلك فإن أي منهج تحليلي يحاول تفسير ما يجري لا بد له أن لا يغفل ثلاثة أبعاد هامة: * طبيعة النظام السوري: يشترك النظام السوري مع بقية النظم العربية في عدة خصائص، ويتميز عنها في مفردات أخرى، ولكن مجمل هذه الخصائص تتمثل فيما يلي: * نظام طائفي: تتحكم فيه أقلية نصيرية بغالبية الشعب السني، وقد أضفيت سمات هذه الطائفة على أفعال النظام وتصرفاته؛ فمجمل معتقدات هذه الطائفة معتقدات باطنية تقول أشياء بينما هي تعتقد خلافها؛ وهذا ما نلاحظه في جملة تصريحات أقطاب النظام التي تتشدق بالعداء لأمريكا وإسرائيل، وتتغنى الطبقة السياسية بمناصرة الشعب الفلسطيني؛ بينما ما يتم في الخفاء أمر آخر محصلته سحق المقاومة الفلسطينية والتآمر عليها إلى درجة إبعادها نهائياً عن لبنان وعن حدود إسرائيل ليبقى في النهاية تمثيل محدود ومسيطر عليه لكوادر تنظيمية لبعض الفصائل. * استراتيجية اللاحرب واللاسلم: ظل النظام السوري أكثر ضبطاً لمجتمعه من أي دولة عربية؛ فجبهة الجولان سكنت في الهدوء المطلق ثلاثين سنة مما يشير إلى استراتيجية لا تتوافق والخطاب الحاد الذي كان النظام يتبنّاه، إنها استراتيجية اللاحرب واللاسلم التي تكفي لإكساب النظام سمعة عدم التفريط، سمعة لم تتورط بما تورط به آخرون في المنطقة، وهو ما يفسر إصرار حافظ أسد على عدم التوقيع على معاهدة كالتي وقعها زملاؤه. ومن الناحية الأخرى تكفي هذه الاستراتيجية أن تقنع الإسرائيليين والأمريكيين بأن يفضلوا التعامل مع حكم لا يحارب ولا يسالم على أن يأتي حكم مجهول قد يحارب وقد يسالم. * الطموح لتكوين سوريا الكبرى: إن الحلم بإعادة دولة الشام كما كانت عليه في القرون السالفة لهو أمر ظل يداعب حكام دمشق؛ حيث بواسطة هذا الدور تلعب سوريا دوراً إقليمياً ليس داخل نطاقها الحدودي الضيق، ولكن يمتد ليشمل لبنان والأردن، ومن ثم حاول النظام السوري امتلاك أوراق سياسية تكون بمثابة أداة يتم بها الاعتراف به بمقتضاها بدوره المتنامي، ولعل المثال الأبرز في ذلك تحالفه مع أمريكا ضد العراق في حرب الخليج الثانية، وبمقتضاه قبض تفويضاً أمريكياً دولياً لحسم الأمور لصالح سورية في لبنان، وهو ما حدث عندما تدخلت القوات السورية وأخرجت العماد ميشيل عون من قصر الرئاسة وأطاحت به دون أن يثير تدخلها احتجاجاً دولياً كما جرت العادة في مثل هذه الأمور. وداخل الورقة اللبنانية توجد ورقة حزب الله، ويمثل حالياً الورقة الوحيدة تقريباً التي تمنح سوريا القدرة على موازنة القوى مع إسرائيل؛ ففي اليوم التالي للقصف الإسرائيلي لعين الصاحب قتل ضابط إسرائيلي على الحدود مع لبنان. * استراتيجيات الإدارة الأمريكية الحالية في المنطقة: ونعود مرة أخرى لوورمسر الذي يتميز بكثرة أحاديثه المقروءة والمسموعة؛ فله عدد من الكتب وإطلالات تلفزيونية أكثر من أن تحصى: إنه جزء من تيار موجود في مراكز بحث ومعاهد دراسات ومواقع صحافية، والأهم من ذلك في صلب الإدارة. والمعروف عن وورمسر هجومه الدائم على المملكة العربية السعودية ومصر، وصلاته القوية بأحمد الجلبي والمؤتمر الوطني العراقي الذي حاول تنظيم لقاءات له مع مسؤولين إسرائيليين، كما ساعده في اختراق الكونغرس، غير أن وورمسر يكاد يكون متخصصاً في التحريض ضد سوريا ككيان وليس فقط ضد السياسة السورية. إنه مقرّب جداً من ريتشارد بيرل حيث عملا في مركز أميركان أنتربرايز المعروف بتوجهاته اليمينية المحافظة، وكتب الثاني مقدمة كتاب الأول عام ١٩٩٩م حول ضرورة شن الحرب على العراق، كما أن زوجة وورمسر ميرياف أنشأت موقعاً على الإنترنت بالتعاون مع الكولونيل احتياط في الجيش الإسرائيلي يغال كارمون، وهي مديرة دراسات الشرق الأوسط في معهد هدسون. إن مطالعة لأدبيات هذا الرجل تستوجب التوقف حيال المقال الذي نشره صيف ٢٠٠١م في مجلة الشؤون الأمنية الدولية الصادرة عن المعهد اليهودي لشؤون الأمن الوطني؛ حيث يقول إنه لا بد من إعادة النظر بالسياسة الشرق الأوسطية في ضوء تفجر الانتفاضة الفلسطينية رداً على عقد كامل من العجز الأميركي والإسرائيلي، ويضيف: نحن أمام وضع شبيه بما كان عليه الوضع في عام ١٩٣٩م حين اتضح إخفاق أميركا وبريطانيا في استثمار الانتصار الذي تحقق في الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية طبقت النخبة البريطانية على الشرق الأوسط سياستها السابقة فتراجعت وتخلت عن المشروع الصهيوني، وأخفقت في أن تلاحظ التطابق الكامل بين كثافة العداء للصهيونية ودرجة الاستبداد، والتعاطف مع النازيين ثم السوفييت. لقد أدى تخلي بريطانيا عن إسرائيل إلى طردها من الشرق الأوسط؛ هكذا يعتقد وورمسر ويقول: ورثت السياسة الأميركية في البداية الأساليب البريطانية إلى أن انتبهت إلى أنها مع إسرائيل في معركة واحدة: معركة الأمم الحرة ضد الاستبداد. ويعتبر وورمسر أن إسرائيل هزمت الجيوش العربية ٥ مرات: ١٩٤٨ و١٩٥٦ و ١٩٦٧، ١٩٧٠ و ١٩٧٣م ولكنها لم تستثمر انتصاراتها، فحصلت على هدنات مديدة فقط، الحرب الوحيدة النموذجية بهذا المعنى هي الغزو الإسرائيلي للبنان في ١٩٨٢م حيث استكملت إسرائيل تدمير منظمة التحرير بدل الاكتفاء بالإضرار بها. ويمضي وورمسر ليعتبر أن الثمانينيات هو بمعنى ما عقد ذهبي افتتح بالغزو واختتم بضرب العراق؛ هذان الانتصاران: الإسرائيلي والأميركي جعلا العرب يقتربون من إسرائيل وأميركا. لقد اصطفت الأمم لتسالم، وبدا أن النصر المشترك آخذ بصياغة المنطقة مع انتقال الراديكاليين العرب بأطيافهم كافة إلى الهامش. غير أن الكارثة في رأي وورمسر هي أن تل أبيب وواشنطن لم تفهما انتصارهما، وتخلتا عنه فقد؛ وقعتا في خديعة الاعتقاد بأنهما تسببان الكراهية، فسعتا إلى إصلاح الأمر ورفع الظلم واستجداء العطف. لقد أخطأت الولايات المتحدة بحق إيران فلم تنقض عليها، وأخطأت بحق العراق فاكتفت بحصار متراجع، ولكن الخطأ الأكبر هو ارتكاب خرافة أوسلو. لقد اقتنع اليسار الإسرائيلي أن الظلم الذي أنزل بالفلسطينيين هو القوة الدافعة للنزاع وغرق في يوتوبيا الحل والتسوية، وغفل عن الحقيقة القائلة إن القوة المتفوقة يمكن استخدامها لزعزعة أسس القومية العربية الراديكالية والأصولية الإسلامية. ويمضي وورمسر فيقول: نشأ وهم يعتبر أن التخلي عن ثمرة الانتصار في ٦٧ هو المدخل إلى حل، والأنكى من ذلك في عرف وورمسر أن التخلي لم يكن معروضاً على الأردن وإنما باسم تلبية التطلعات الوطنية الفلسطينية؛ ففي رأيه أن مجرد الاعتراف بحقوق متساوية للفلسطينيين يشرع الاعتقاد الفلسطيني بأن وجود إسرائيل نفسه جريمة وسطو. يلوم وورمسر أميركا كلينتون على مشاركتها في الأخطاء ولومها إسرائيل على تعثر التسوية واعتناقها خرافة حل الأزمات عبر تشجيع معسكرات سلام تبحث عن قواسم مشتركة، ويتهم قادة الولايات المتحدة وإسرائيل العمالية بأنهم أوهموا أنفسهم أنهم يكتبون قواعد جديدة للتاريخ؛ غير أن التاريخ انتصر وانتصاره يقود الطرفين نحو هاوية. يختم وورمسر ناطقاً باسم الأميركيين والإسرائيليين: بما أننا محكومون بالكراهية لما نحن عليه، ولما هم عليه؛ فإننا محكومون بالحرب إلى حين توجيه ضربة قاصمة إلى مراكز الراديكالية والحقد: دمشق، بغداد، طرابلس، طهران، غزة. إن وورمسر ينتمي لاتجاه المحافظين الجدد الذي برز بعد ١١ أيلول، ولقد تأسس هذا التيار عملياً في غمار الحرب الفيتنامية، وانتقل رواد منه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بدافع بذل أقصى الجهد لهزيمة البيروقراطية الستالينية السوفييتية، وطور هذا الجناح أفكاره عن السياسة الخارجية عبر مجادلات عديدة أبرزها السجال مع واقعية هنري كيسنجر المتهم بالإذعان إلى ضغوط وبهندسة التراجع أمام الفيتناميين. ويكاد الشعار المركزي لهذا التوجه يكرر شعار الغلاة في إسرائيل: دعوا الجيش ينتصر. لقد شكلت الريغانية بهذا المعنى فترة ذهبية أولى لهذه الأفكار؛ ليس لأنها جددت الحرب الباردة وزادت العدوانية حيال موسكو فحسب، بل أساساً لأنها تصرفت وكأن التوسع السوفييتي في العالم قابلاً للكسر (نيكاراغوا، أثيوبيا، أفغانستان، أوروبا الشرقية) تمهيداً لإرغام حلف وارسو على الركوع. وجاء جورج بوش الأب، ولكنه شكل خيبة أمل لهذا التيار لأنه لم يحسن الاستفادة من الانفراد بعد جدار برلين؛ كذلك نظر هذا التيار إلى ولايتي بيل كلينتون بصفتهما عاراً يجب الخلاص منه بأي ثمن؛ وإذا كان وصول بوش الابن نافذة فرص فإن تفجيرات ١١ أيلول فتحت النافذة على مصراعيها. ومن المثير أن استعادة ذكرى فيتنام لا تثير عند هذا التيار ذعراً من الحرب، وإنما تستحضر الخوف من الخسارة؛ ولذا يمكن القول إن ما يعتبره البعض تباشير فيتنامية في العراق هو مدعاة إلى التصعيد ليس في العراق فحسب ولكن في أرجاء المنطقة. ويؤكد هذا المعنى ما أكده رامسفيلد في الآونة الأخيرة؛ ففي مقال نشرته واشنطن بوست تحدث فيه عن الدروس التي استخلصها من تفجير مقر المارينز في بيروت قبل عشرين عاماً؛ حيث ذكر أن الولايات المتحدة وضعت نفسها في موقع دفاعي، فتكيف الإرهابيون مع ذلك، وضربوا؛ فأمام كل عمل دفاعي كان الإرهابيون يتحركون صوب طريقة أخرى للهجوم. ويلاحظ أن الإرهابيين يملكون قدرة الضرب في كل مكان؛ ولذلك ليس من الممكن الدفاع عن كل هدف وفي كل زمان ومكان. وبناء عليه فإن الطريقة الوحيدة لهزيمة الإرهابيين هي أخذ الحرب إليهم عن طريق ملاحقتهم أينما يعيشون أو أينما يخططون للاختباء والتصريح بشكل واضح للدول التي ترعاهم وتوفر مكاناً لإقامتهم بأن أفعالاً من هذا النوع لها عواقب وخيمة. يضيف رامسفيلد: إن هذا ما يفعله جورج بوش، ولا مأخذ عليه سوى ضرورة رفع وتيرته؛ وبذلك يريد رامسفيلد أن يقول إن تفجيرات بيروت سقط فيها مئات القتلى غير أن واشنطن ردت عليها بوجهة خاطئة: الانكفاء أما تفجيرات ١١ أيلول فإنها خطرة وسقط فيها آلاف القتلى، وقد ردت عليها واشنطن مستفيدة من درس بيروت: الحرب على الإرهاب، ولذلك يجب تطوير الدرس اللبناني وتجاوز ما جرى تطبيقه بعد ١١ أيلول من أجل تطوير الهجوم بشكل كاسح بما يتوجب منع تشكيل جيل جديد من الإرهابيين لا بل إيقاف الإرهابيين قبل أن يتمكنوا من إرهابنا، أي إيقافهم حتى قبل أن يصبحوا إرهابيين. فالولايات المتحدة لا يمكنها العيش وراء متاريس؛ هذا هو درس بيروت. رامسفيلد يشير إلى ضرورة ربح حرب الأفكار، ويعتبر أن وسائل ذلك هي ما يستخدمه بوش من عناصر قوة عسكرية ومالية ودبلوماسية واستخبارية وأمنية؛ فكسب حرب الأفكار بالمعنى الذي يقصده رامسفيلد هو تلقين الشعوب الأفكار الأميركية بالقوة. وبما أن الحرب على الإرهاب لا يمكنها إلا أن تبقى مفتوحة فالدعوة إذاً هي تصعيد لا نهائي يعني ذلك عملياً عدم الاكتفاء بمنازلة شبكات هلامية، بل الإسراع في نقل المعركة لضم أنظمة إلى المنظمات. إن هذا هو ما يريده رامسفيلد، والذين ينطق باسمهم ضمن الإدارة. إن الحرب في رأي رامسفيلد هي في بداياتها الأولى، ولن تخسرها الولايات المتحدة إلا إذا امتنعت عن تصعيدها؛ هذا هو في عرفه درس بيروت. * الاشتباك الأمريكي السوري الحالي: ثمة نظريتان تفسران الموقف الأمريكي الحالي من الضغوط على سوريا: الأولى: تعتبر أن هذه الضغوط تهدف إلى إزاحة النظام استكمالا لنظرية الدومينو وتغيير منطقة الشرق الأوسط (أي ضغط استراتيجي) فقد قالت صحيفة الغارديان البريطانية في عددها الصادر الثلاثاء ١٥/٤/٢٠٠٣م: إن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أمر مساعديه في الأسابيع القليلة الماضية بوضع خطط طارئة للحرب على سوريا في أعقاب سقوط العاصمة العراقية بغداد. وأضافت: إن رامسفيلد طلب من دوغ فيث وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية وويليام لوتي رئيس مكتب التخطيط التابع للبنتاغون أن يضعا سوياً خطة موجزة لشن حرب ضد سوريا، وأشارت الصحيفة إلى أن كلاً من فيث ولوتي لعبا دوراً محورياً في حث البيت الأبيض على المضي قدماً في الحرب ضد العراق، وهما يلعبان دوراً مهماً جداً في الإدارة الأميركية. وقد كتب ريتشارد بيرل رئيس مجلس سياسة الدفاع التابع لوزارة الدفاع الأميركية تقريراً تحت عنوان تحول واضح: (استراتيجية جديدة) وملخص التقرير هو أنه لا بد من تغيير كامل في العالم العربي برعاية أميركية، وبالنسبة لسورية وفلسطين يكون التغيير بمساعدة إسرائيل. ونصح التقرير باستراتيجية الضربة الوقائية الأميركية التي أعلنها الرئيس بوش في العام الماضي. والتقرير له صلة بمشروع قانون محاسبة سورية الذي ناقشه الكونغرس ووافق عليه، وله صلة بالتصريحات الصحفية بأن سورية تأتي بعد العراق في استراتيجية التخلص من الحكومات المارقة. ونسبت صحيفة لوكانار أونشينيه الفرنسية إلى الرئيس جاك شيراك في أكتوبر الماضي تخوفه من أن حرباً إقليمية كبرى ستندلع في الشرق الأوسط في نوفمبر وتشمل عدواناً إسرائيلياً واسعاً على لبنان وسوريا. وقد ذكر الجنرال ويسلي كلارك والذي يخوض اليوم معركة الترشح في الحزب الديموقراطي في كتاب جديد له أن الحكومة الأميركية وضعت خططاً حربية ضد سوريا ولبنان وإيران والعراق وليبيا بعد أسابيع فقط من تفجيرات ١١ أيلول. وفي هذا الإطار حذر الأكاديمي الأميركي نعوم تشومسكي في كوبا من أنه يتعين على الرئيس الأميركي جورج بوش فبركة تهديد جديد للأمن الأميركي لكي يضمن فوزه في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في العام ٢٠٠٤م بعد الإخفاق الذي منيت به الولايات المتحدة في احتلال العراق، وقال: إن إدارة بوش جاءت لتهيمن على العالم باستخدام القوة العسكرية إذا احتاج الأمر، وإن العراق كان الاختبار الاول. الثانية: تقول إن الضغوط الأمريكية على سورية هي مجرد تكتيك لإفهام النظام أن قواعد اللعبة قد اختلفت ويقول توني بلير رئيس الوزراء البريطاني: لا يوجد قائمة، وسوريا ليست في القائمة، لكن على سوريا أن تفهم خطورة الموقف؛ وهذا ما أكده أيضاً خوسيه ماريا أزنار رئيس الوزراء الأسباني، فصرح بأن سوريا ستظل دولة صديقة لأسبانيا، ولن تكون هدفاً لعمل عسكري، وأنا مقتنع أن النزاع في العراق لن يمتد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط. فأميركا على اقتناع تام بأن الدور السوري الإقليمي الذي يخدم مصالحها في لبنان والمنطقة لم يعد قائماً ولا ملائماً؛ لأن المنطقة - حسب وجهة النظر الأميركية - دخلت منعطفاً إقليمياً ودولياً هاماً مغايراً بدأ منذ إعلان الإدارة الأميركية الحرب على ما يسمى بالإرهاب ولم ينتهِ بالنصر العسكري الأميركي على العراق؛ مع الرغبة الأميركية بفرض حلٍ للقضية الفلسطينية يلائم خططها في المنطقة، ويتناسب مع النزعة العدوانية الاحتلالية للحليف الإسرائيلي.. وهذا ما يفرض على أميركا وإسرائيل تجريد سورية من الورقة اللبنانية وبما تحتويه من أوراق فرعية: (حزب الله، وسوق العمل اللبناني الذي يشغله حوالي مليون عامل سوري، وعمولات الشخصيات السورية ذات النفوذ من أرباح الشركات اللبنانية) وذلك تمهيداً للدخول في عملية السلام بين سورية وإسرائيل بموقفٍ سوريٍ ضعيف. ولعل أميركا وإسرائيل لن تعثرا على أفضل من هذه الظروف السياسية القائمة في المنطقة للضغط على سورية؛ ولهذا كانت المطالب الأميركية المقدمة إلى سورية قاطعة وحازمة على رأسها ضرورة الانسحاب من لبنان. أي أن الرسالة الأمريكية التي تريد أمريكا إيصالها بأن النظام السوري لم يعد في استطاعته اللعب بأوراقه السياسية كما كان في السابق للضغط أو الحصول على مكاسب إقليمية ومحلية معينة، بل إن الوقت هو وقت هيمنة أمريكية مباشرة في المنطقة، وهذه السطوة لا تحتمل أن يلعب أحد معها بأوراقه؛ وهذا ما أجمله باول في تصريحه الشهير: «إن العالم قد تغير، وإن على السوريين أن يتغيروا» . ويحمل هذا التوجه فريق باول داخل الإدارة الأمريكية الحريص على التهدئة كلما زادت درجة التصعيد؛ فقد دعا وزير الخارجية الأميركي كولن باول سوريا وإسرائيل إلى تخفيف حدة التوتر بينهما حتى اللفظية منها، واعتبر باول أن مثل هذه التصريحات لا تساعدنا ولا تساعد أي طرف في المنطقة على التقدم، وقبلها كان باول قد أشار إلى أن ما يعنيه عندما يتعلق الأمر بالحالة السورية أقرب إلى التنبيهات منه إلى التهديدات. فثمة مطالب أمريكية معينة من سوريا إن هي نفذتها واستجابت لها؛ فليس هناك مشاكل. ويأتي على رأس هذه المطالب ما يتعلق بنظام صدام حسين. وتقول التايمز البريطانية: إن القوات الأميركية سوف تتدخل وتتجاوز الحدود الفاصلة بين سوريا والعراق إذا تأكدت من وجود صدام حسين في مكان ما على الأراضي السورية. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن مسؤولين في الإدارة الأميركية قولهم: إن المحققين الأميركيين يمتلكون أدلة على وجود ثلاثة مليارات دولار من أموال نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين موجودة في مصارف في سوريا ولبنان. وأوضح المسؤولون بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن وفداً من وزارة الخزانة الأميركية أمضى نحو أسبوعين في دمشق في محاولة للتوصل إلى الحسابات المصرفية الخاصة بحكومة صدام حسين أو حلفائها، وأضافوا: إن سوريا وعدت بالتعاون، لكنها لم تقم بذلك حتى الآن. وتابع المسؤولون بحسب الصحيفة نفسها أن المليارات الثلاثة ومعظمها في سوريا هي الاكتشاف الأكبر للأموال العراقية خارج العراق. وقال مسؤولو إدارة بوش: إن الحديث عن هذا الملف يمكن أن يعرض للخطر أي تعاون من قِبَل سوريا. وأضافوا أنهم قلقون من أن تستخدم الأموال الموجودة في المصارف السورية عوضاً عن ذلك في تمويل الهجمات على القوات الأميركية داخل العراق. ويريد هذا الفريق داخل الإدارة كذلك استخدام جميع الوسائل الفاعلة غير العسكرية للضغط على سوريا منها العقوبات مثل قانون المحاسبة ومنها السياسي والاقتصادي وغيرها؛ كما يختلف مع الفريق الأول أنه لا يشترط تلبية المطالب الأمريكية من سوريا فوراً؛ وهذا ما أكده باول قبل زيارته لسوريا في مايو الماضي في أسبانيا حيث أكد أن المباحثات مع سوريا ستكون صريحة ومفيدة، ولكنه لا يتطلع إلى نتائج فورية. وفي هذا يقول وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز لصحيفة معاريف الإسرائيلية: أعتقد أن الأمريكيين لن يتجاهلوا ما تفعله سوريا؛ لا يعني ذلك بالضرورة أنهم سيستخدمون القوة ضدها. وتابع: إن الولايات المتحدة كقوة عظمى لديها خيارات أخرى كثيرة قبل استعمال القوة لتغيير تفكير وسلوك دول في العالم. ونقلت مجلة ديفينس نيوز الاميركية عن رئيس الطاقم السياسي الأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد قوله: إن سياستنا هي إقناع الأسد بتغيير سياسته، وإذا لم يقتنع فسوف نرسل إليه توصيات أخرى. وعلى الرغم من ذلك أشار جلعاد إلى أنه لا يتوقع تصعيداً وقال: إن الهدف المركزي هو دفع سوريا إلى وقف دعمها للمنظمات الفلسطينية. كذلك اتهم السيناتور الأمريكي توم لانتوس المعروف بتعصبه الشديد للصهاينة أثناء زيارته لدمشق سوريا بارتكاب أخطاء مرعبة في تعاملها مع نظام صدام حسين، ودعاها إلى تصحيح هذه الأخطاء، ورأى لانتوس أن هذا التصحيح يتطلب إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية، ووقف المساعدات لحزب الله اللبناني، والانسحاب السوري من لبنان، وأن تتخذ دمشق خطوات بناءة في تحسين علاقاتها مع واشنطن، وإلا فإن البديل سيكون سلبياً على حد تعبيره. وبذلك يمكن تلخيص المطالب الأمريكية في أمرين: عدم التدخل في الملف العراقي إن لم تساهم سوريا في دعم الموقف الأمريكي. وترك القضية الفلسطينية وعدم استخدامها ورقة للمساومات. هذه الضغوط هي التي دفعت فاروق الشرع وزير الخارجية السوري إلى القول إن سوريا تتعرض حالياً لأقسى ضغوط في تاريخها، وأن إدارة بوش هي الأعنف والأكثر حماقة بين كل الإدارات الأمريكية. وفي النهاية فإن السلوك الأميركي تجاه سوريا يكاد يكون ترجمة حرفية لمفهوم الغموض الاستراتيجي الذي تمارسه واشنطن - منذ فترة غير قليلة - تجاه أعدائها المحتملين. فواشنطن تريد الخروج من ورطتها في العراق من خلال تحميل كل الأطراف العربية مسؤولية هذه الورطة وهي ستفعل كل وأي شيء لتحقيق هذا الهدف. وتل أبيب تسعى وراء أهداف جديدة للانتقام من العمليات الاستشهادية بعد أن استنفدت كل الأهداف الممكنة في فلسطين، وهي أيضاً مستعدة للإقدام على أي شيء للوصول إلى هذا الهدف. والاثنان يشتركان في التفكير بأن ما يدور في العراق وفي فلسطين إنما هو معركة واحدة تماماً ضد الإرهاب، ومن طبيعة هذه المعركة غير المفتوحة على أفق سياسي للتسوية أنها لا تخاض إلا فوق مسرح إقليمي شامل يتضمن بالضرورة سوريا ولبنان. من هنا توسيع إسرائيل للمعركة، ومن هنا عدم الاعتراض الأميركي.

стр. 4770

المسلمون والعالم إدماج طالبان في البنية السياسية الأفغانية واحتمالات الإخفاق والنجاح حفيظ الرحمن الأعظمي azami٣٠@hotmail.com مع انزلاق أفغانستان يومياً في مستنقع الاضطراب والفوضى؛ يبدو أن السلطات الأمريكية بدأت تدرك أنها من غير الممكن أن تحقق الاستقرار في البلد بالوسائل العسكرية، وتحاول حالياً استكشاف الخيارات السياسية التي تمهد لها الطريق في النهاية للخروج من أفغانستان. في البداية؛ كانت هناك محادثات في قاعدة القوات الجوية الباكستانية في «كويتا» مع مَنْ اصطلح الإعلام الغربي بتسميتهم العناصر «المعتدلة» من طالبان (وفي مقدمتهم وزير الخارجية السابق في حكومة طالبان) ، لكنها سرعان ما أخفقت. ثمّ جاء تشكيل مجلس عسكري قيادي جديد لحركة طالبان، والتي تمكنت من إعادة بسط سيطرتها على بعض أقاليم ومناطق الجنوب الشرقي لأفغانستان. وأُجبرت الولايات المتحدة على متابعة مختلف الوسائل في أفغانستان كنتيجة لإخفاق رجلها المختار، رئيس الحكومة الأفغانية المعيّن حامد قرضاي، ناهيك عن عجز حكام المحافظات الجنوبية المختارين بعناية عن بسط سلطتهم في مناطقهم، والتي تحولت الآن إلى معاقل للمقاومة الإسلامية. أمّا أعمدة السلطة الحقيقية لنظام كابل، ومن ضمن ذلك تحالف الشمال والجنرال عبد الرشيد دوستم، فقد رسموا الآن بشكل واضح حدود مصالحهم التي تتناغم مع مصالح الولايات المتحدة، بينما أظهرت باكستان ميولاً تجاه أولئك الذين لا ترغب فيهم الولايات المتحدة حالياً. وإذا كانت الولايات المتّحدة جد راضية عن دور باكستان في اتخاذ إجراءات صارمة ضد شبكة القاعدة؛ فإنها فيما يتعلق بطالبان لم تأمن جانب إسلام آباد. وعلى مدى الأشهر الماضية، دعمت باكستان قادة أفغان، خاصة الذين أقامت معهم علاقات أثناء غزو الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان في الثمانينيات عبر عمليات عسكرية سريّة، لكن إسلام آباد أخبرت الولايات المتحدة بشكل علني بأنه بمقدورها «ترويض» هؤلاء القادة؛ إذا أولتهم واشنطن عناية وأهمية بما فيه الكفاية في تركيبة السلطة في أفغانستان. قبل الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان في أوائل ٢٠٠٢م؛ عملت باكستان ما بوسعها لتشكيل قوة بديلة لملء فراغ السلطة المرتقب، لكن اختياراتها وبدائلها ما كانت مقبولة لدى الولايات المتحدة. وكنتيجة لهذا الإخفاق؛ كان لزاماً على باكستان أن تهضم «الحبّة المرة» (تحالف الشمال) الموالية للهند إيران وروسيا؛ باعتبارها الشريحة المهيمنة على السلطة في كابل. لكن الآن، وبعدما أثبتت خيارات الولايات المتحدة إخفاقها، فإن السلطات الأمريكية حريصة على طلب مساعدة باكستان في عملية ترتيب الأوضاع في أفغانستان، والتي تشمل إدماج من اصطُلح على تسميتهم بـ «المعتدلين» في طالبان في الحكم، وهو الخيار الذي كان مرفوضاً من جانب أمريكا في البداية، وقد تعزز بمبادرة إطلاق وزير الخارجية السابق في حكومة طالبان متوكل، والذي يُتوقع الآن، من خلال دعم الباكستانيين له، أن يُمنح منصباً رفيعاً في الحكومة المحلية في قندهار المقر الرئيس السابق لطالبان. في الوقت نفسه يجري استكشاف الخيارات وفحصها لتجنيد وزراء سابقين في طالبان؛ من ناحية لتبريد المقاومة الأفغانية للأمريكان، ومن ناحية أخرى لتحقيق التوازن مع تحالف الشمال، والذي بدأ يثير حفيظة الولايات المتحدة بعض الشيء. إلا أن المشكلة الرئيسة بالنسبة لباكستان وأمريكا تبقى في القادة الميدانيين الذين يحظون بشعبية وولاء جماهيري واسع. وتعمل باكستان حالياً بالنيابة عن الولايات المتحدة لكسبهم وتحويل مسارهم، ولعل أبرز هؤلاء القادة المجاهد التاريخي مولانا جلال الدين حقاني؛ إذ دعت سلطات باكستان حقاني بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م مباشرة إلى إسلام آباد، حيث عُرضت عليه صفقة من قبل السلطات الأمريكية ليحوّل ولاءه ويغير معسكره، وحاولوا إغراءه لكنه رفض، وانخرط في صفوف المقاومة ضد الجيش الغازي بقيادة الولايات المتحدة. ويتولى حالياً قيادة المقاومة في أقاليم باكتيا، باكتيكا وخوست؛ حيث تشهد المقاومة هناك قتالاً عنيفاً. وقد طمأنت الاستخبارات الباكستانية الولايات المتحدة بأنه عاجلاً أم آجلاً سيكون حقاني إلى جانبهم!! وقد ألمح الرئيس الأفغاني حامد قرضاي مؤخراً إلى أنه يريد إدماج حركة طالبان في النظام السياسي المستقبلي للبلد. وإذا صح هذا التوجه؛ فإنه سيكون تغييراً استراتيجياً لموقفه السابق من الحركة الإسلامية. ويعكس هذا التناقض أو بالأحرى هذا التخبط إدراكاً بأن طالبان لا يمكن أن تُتجاوز في أية تسوية مستقبلية باعتبارها طرفاً أساسياً في المعادلة السياسية والعسكرية في أفغانستان.. وإذا حدث وتحرك قرضاي وفق هذه الاستراتيجية التي أشار إليها؛ فإنه بهذا يكون قد زج بنفسه في مخاطرة، وسيُحاصر من قبل الطالبان وشركائه الحكوميين من الطاجيك، الأوزبك، الهزارى، وقبائل تركمانية، والمؤيد الأساس له الولايات المتحدة. ففي أثناء مقابلة جرت مؤخراً مع البي بي سي، ذكر الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بأنه لا يريد إزالة طالبان باعتبارها جزءاً من تركيبة أفغانستان، ويوحي هذا التصريح بتغيير في موقف قرضاي السابق، حيث أكد في ١٠ يونيو / حزيران بأن طالبان انتهت كقوة منظمة، وأشار أيضاً إلى أن الأغلبية من أعضاء الطالبان الأفغانييين عادوا إلى بيوتهم، قائلاً إن معظم مقاتلي الطالبان من الأجانب. ويبدو أن الزعيم الأفغاني أعاد النظر في موقفه من حركة طالبان التي عاودت الظهور في جنوب وشرق أفغانستان، بالتنسيق مع قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي؛ منذ أن أصبح العراق محور تركيز وانشغال الولايات المتحدة في وقت سابق من هذه السنة. ويدرك قرضاي بأن الوجود العسكري الأمريكي ليس حلاً دائماً للوضع في أفغانستان، علاوة على ذلك، فإن الحكومة الانتقالية مُلزمة بالدعوة للانتخابات في يونيو ٢٠٠٤م طبقاً لما ينص عليه الدستور الذي صادق عليه مجلس نواب القبائل (Jirga Loya) نظرياً، يريد حاكم كابل أن يصل إلى تسوية مع طالبان مشابهة للتي أنجزها الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرّف مع الإسلاميين في بلاده. ويحاول قرضاي أن يظهر بأنه لا يمانع في مشاركة طالبان في الحكومة المركزية وفي الـ ٢٩ محافظة أفغانية إذا هي رغبت في ذلك، غير أن المشهد السياسي الداخلي في باكستان وأفغانستان متباين جداً. على أية حال؛ يرفض الحزب الإسلامي وطالبان المشاركة في السلطة، وليسا مستعدين حالياً للدخول في أي مفاوضات مع قرضاي، كما أنه من غير المحتمل أن توافق الولايات المتحدة على ضم طالبان إلى الحكومة الأفغانية الجديدة؛ ما دامت الحركة على علاقة بتنظيم القاعدة، ولا ترغب في التضحية بعلاقاتها مع المقاتلين الأجانب. ومن المتوقع أن يحاول قرضاي التودد إلى بعض أعضاء شورى حركة الطالبان لتحدي الملا عمر ومستشاريه المقربين داخل الحركة، والحقيقة أن هناك إمكانية محدودة جداً للنجاح في هذا الاتجاه؛ إذ إنه ليس من الوارد أن ينقلب مجلس الشورى على الملا عمر، والذي يُعتقد بأنه كان يتنقل باستمرار بين مسرح العمليات في معقل البشتون بجنوب أفغانستان وملجئه في المناطق العشائرية على طول حدود الأفغانية الباكستانية. ويواجه قرضاي معضلة خانقة، فهو لا يستطيع المخاطرة بإزعاج واشنطن التي تساند حكومته؛ إذ إن الولايات المتحدة ليست منجذبة إلى تحرك قرضاي لإدماج طالبان في أيّ ترتيب سياسي مستقبلي، وهو أيضاً لا يستطيع مواصلة سياسة الاعتماد الكلي على الدعم الأجنبي الذي يضعف موقعه داخل أفغانستان. وإذا أراد أن يضمن لشخصه مستقبلاً سياسياً؛ فإنه بحاجة إلى توسيع قاعدة دعمه بين البشتون، حيث الولاء موزع بين مختلف المجموعات العشائرية، طالبان، الحزب الإسلامي، وآخرين. وفي نظر المحللين؛ فإن باكستان تعقّد المسألة كثيراً، لانشغالها بضمان هيمنة البشتون في أيّ حكومة أفغانية مستقبلية. ورغم أن سياسة إسلام آباد انقلبت على طالبان؛ فإن بعض الفئات القويّة ضمن قطاعات الاستخبارات والجيش يضيقون بتحطيم طالبان، وينظر هؤلاء إلى الحركة كعامل حيوي في ضمان مصالح باكستان الجغرافية السياسية. وقد تدعم هذه العناصر في مؤسسة الاستخبارات العسكرية الباكستانية طالبان لإجبار قرضاي على النظر في إيجاد اتّفاق مع قادتها. كما أن قرضاي لا يدرك فقط بأن طالبان قوة لا يمكن أن تطرد بسهولة؛ لكنه يدرك أيضاً أنه يحتاج إلى تعزيز موقعه بين البشتون لصد التأثير المتزايد للفئات الأخرى الأوزبكية والطاجيكية في الحكومة.

стр. 4771

المسلمون والعالم ثقافة الاستشهاد في المجتمع الفلسطيني باسل يوسف النيرب * أهمية العمليات الاستشهادية: عقب إخفاق مباحثات كامب ديفيد وترديد باراك مقولة: «لا يوجد شريك فلسطيني حقيقي للسلام» ؛ جاءت حكومة شارون إلى سدة الحكم تحت شعار «أعطوا الجيش فرصة للانتصار» ، وبمنطق أن أي تقدم قادم يتم بواسطة القوة العسكرية أولاً، وهذا هو سر الوحدة الظاهرية خلف شارون حسبما تورده استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية. ترى الجهات الرافضة فلسطينياً للعمل الاستشهادي أنه يعمل على تكتل قوى اليمين الإسرائيلي خلف الحكومة، مع أن اليمين واليسار والمتدينين في (إسرائيل) هم داخل بوتقة واحدة معادية للشعب الفلسطيني ومقاومته الجهادية، وحقه في الحرية والاستقلال؛ لهذا لا بد من التأكيد على أن الحروب الإسرائيلية الكبرى ١٩٦٧م، ١٩٧٣م، واجتياح بيروت ١٩٨٢م، وقمع رابين للانتفاضة الفلسطينية الأولى ١٩٨٧م، وعملية عناقيد الغضب، وحرب الاغتيالات ضد المجاهدين؛ مستمرة سواء في وقت الحرب أو السلم. تهدف العمليات الاستشهادية إلى القضاء على الأمن الإسرائيلي، وضرب أكبر عدد من القتلى والجرحى في صفوفهم؛ من خلال عمليات المواجهة المستمرة. وبإسقاط النظرية الأمنية الإسرائيلية؛ فإنها تنعكس على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخسائر الملحقة في العدو؛ من جراء انتفاضة الأقصى والعمليات الجهادية الاستشهادية بمختلف صورها وأشكالها، والتي برهنت على ذلك. من ناحية أخرى ومع اشتداد حملة التنديد بالعمليات البطولية؛ نجد جانباً آخر لا يُسلط الضوء عليه كثيراً، هو مطالبة الكثير من الدول والشركات والأفراد الكيان الغاصب بالاستجابة للشروط الدولية حيال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما حملات المقاطعة للسلع والمنتجات التي تصنع في المستوطنات الإسرائيلية إلا أحد أشكال الرفض للتعامل مع (إسرائيل) ؛ كونها تنشئ مصانع ومساكن في مناطق محتلة ومتنازع عليها. * حماس أنموذجاً: بادئ ذي بدء؛ فالحديث لا يحتاج لبيان مكانة منظمة (حماس) ؛ فقد فرضت نفسها على الشارع الفلسطيني والإسلامي، ولكن حماس وذراعها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام؛ سطرت أروع أمثلة الجهاد التي أغاظت العدو بشكل منقطع النظير. كتب (إسرائيل شاحاك) في مارس ١٩٩٤م مقالاً نوه فيه بمصادر قوة حماس مستنداً إلى أربعة عوامل ما زالت تثبت حتى هذه اللحظة صدقها، وهي أنها - الحركة - تستمد مكانتها من عملياتها الاستشهادية، وخاصة الموجهة ضد الجيش الإسرائيلي، ولبعد مقاتلي حماس عن التصادم مع التنظيمات الفلسطينية الأخرى، كما أن السمعة الحسنة على الصعيد المالي ساهمت في دفع الجميع ليحذو حذوهم في التحلي بالأمانة والأخلاق والنزاهة، حيث يعيش أغلب قادة حماس وسط الأحياء الشعبية غير بعيدين عن الجمهور؛ مما يسبب احتكاكاً لهم بالعامة، كما أن مجاهدي حماس لا يدخلون في استعراضات لا طائل منها، ولا تطلق الرصاص في الهواء؛ بل على أهداف الجيش الإسرائيلي بالجملة. ويذكر (أهارون كلين) في صحيفة «عل هميشمار» أن قوات الأمن الإسرائيلية تخشى حماس، وتخاف بشكل خاص من قوتها في غزة.. وعلى الرغم من تبجح المخابرات الإسرائيلية بالمعرفة؛ فإن القائمين على أجهزة الأمن الإسرائيلية لا يعرفون الكثير عن حماس، ولا يعرفون بمن يتصلون إذا ما كان هناك داع للحوار، (وأقول إلا عن طريق الطابور الخامس) . وفي مقابلة مع صحيفة معاريف قال (موشيه يعلون) رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية: إن كل ضربة توجه لناشطي الذراع العسكري في حماس لا تشكل ضربة قاتلة، بل تضعفها لفترة محدودة. وأضاف «يعلون» : حماس لا تنفذ العمليات الكبيرة بصورة ارتجالية؛ بمعنى حينما تلوح فرصة يقوم شخص ما بتنفيذ العملية، مثل هذا الأمر قد يكون صحيحاً في عمليات صغيرة، ولكن في العمليات الكبيرة ثمة قرار تتخذه القيادة العليا الموجود غالبيتها خارج الأراضي الفلسطينية؛ أي أن الطاقة الميدانية متوافرة دائماً ولكن لا تعمل دون أمر من أعلى. وسط التعقيد البنيوي في هيكلة التنظيم - والذي لا يعرف، وخاصة على الصعيد العسكري الميداني - تشير أغلب الصحف والمصادر الإسرائيلية تحديداً إلى أن حركة حماس نجحت في تطوير شبكة معقدة جداً لإرسال الأموال داخل مناطق السلطة الفلسطينية؛ عبر مؤسسات وصناديق مالية تحت غطاء الرفاهية الاجتماعية. وعن اختبار العنصر الاستشهادي، وضح الشيخ صلاح شحادة في حوار معه قبيل استشهاده آلية اختيار الاستشهادي، فيقول: يتم الاختبار وفقاً لأربعة معايير: أولها الالتزام الديني، ورضا الوالدين، وأن لا يؤثر استشهاده على أسرته كونه يعيلها بشكل أساسي، ولا يكون وحيد أخوته، ثم القدرة على تنفيذ المهمة التي توكل إليه واستيعابها، وأخيراً دعوة للآخرين وتشجيعاً للجهاد في النفوس. وأكد الشيخ شحادة أن هذه المعايير ليست جامدة ومفصولة بعضها عن بعض، ولكنها خاضعة لقيادة المنطقة في الجهاز العسكري. وأكد الشهيد شحادة أن إقبال الشباب الفلسطيني على قوائم الاستشهاد دليل على صحة المجتمع ووعيه، وليس خطأً أو هروباً من حالة اليأس. والأفراد الذين يُقبلون على الاستشهاد كثيرون، ولديهم الاستعداد لتقديم أرواحهم وهو أغلى ما يمتلكه الإنسان، ومع هذا لا نستطيع أن نوفر لكل شاب عملية؛ لكون الأهداف محددة والأماكن الإسرائيلية محصنة جداً. ويؤكد الشيخ صلاح أن الاستشهاديين لا يستهدفون الأطفال والشيوخ والمستشفيات والمعابد رغم أنها أهداف سهلة، ولا يستهدفون اليهود لكونهم يهوداً، ولكن لأنهم محتلون ومغتصبون لأرضنا، وإن سقط أطفال وشيوخ ونساء فهذا خارج عن إرادتنا. ولقد كشفت أحداث هبّة الأقصى المباركة الجاهزية العالية لكتائب القسام في عملياتها المدوية، والتي تركت أروع الآثار في صفوف قوات الجيش والمستوطنين. وعن إعداد الاستشهادي للعملية فهو لا يكون بين عشية وضحاها؛ إذ يحتاج الاستشهادي إلى إعداد جيد يقوم على عدة أركان رئيسة؛ منها التربوي والنفسي. ويقول الشيخ عبد العزيز الرنتيسي: إننا في حماس نمتلك برنامجاً تربوياً كاملاً يبدأ مع الشباب من مختلف أعمارهم، وأول عناصر هذا البرنامج القرآن الكريم حفظاً وتفسيراً، وكتب السيرة النبوية، والدراسات الإسلامية، إضافة إلى الكتب الحركية التي ترسم لهم الخطوات التي يجب اتباعها فتقولبهم قولبة أخلاقية تتماشى مع القيم والمفاهيم الإسلامية، وفي مقدمتها العزة والإباء والكرامة، بالإضافة إلى جميع الأخلاق الحميدة. وأكد الشيخ الرنتيسي في مقابلة مع وكالة «قدس برس» أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما دافع الشباب لتنفيذ العمليات العسكرية، وبعدها يأتي دور الجهاز العسكري لانتقاء من يمكن أن يقبل بالإقدام على هذا العمل، وعادة ما يكون الانتقاء عبر إلحاح شديد من الشباب أنفسهم. أما الشروط لمن أراد أن يكون استشهادياً في حماس؛ فبعد العضوية يمر بمراحل التربية الخاصة بها، والتي تحببه بالجهاد وتجعله يرى الانضمام للجهاز العسكري تقرباً للجهاد، ويصبح من ثم مهيئاً للعمل في الجهاز العسكري. * دور الأمهات وكرامة الشهداء: تفضل أغلب الجماهير الفلسطينية خيار الاستشهاد الذي يستميل أعداداً كبيرة من الشارع الفلسطيني، ومع أن أفواج الاستشهاديين على مختلف أجناسهم وأعمارهم وفئاتهم العمرية؛ تشكل قطاعاً واسعاً من الشارع، فإنه حتى اللحظة لم تصدر إحصائية توضح النسبة الحقيقية لهم في الشارع الفلسطيني، ولكن بالإجمال هناك ثقافة عامة في الشارع تكنّ الاحترام والتقدير الشديدين للاستشهادي وأسرته. لقد قدمت أم الشهيد محمود العابد، والذي نفذ عملية «دوغيت» ، وقُتل خلالها ثلاثة جنود وجُرح ثلاثة آخرون، أبرز مشاهد هبّة الأقصى مع كل ما تحفل به من تضحيات، فقد غابت مظاهر الحزن عن بيت العزاء، وقال بعضهم إنه عرس التهنئة بالشهيد، وقد ارتفعت الأناشيد الوطنية، ووزعت الحلوى والقهوة والعصير على المتوافدين إلى منزل عائلة الشهيد. وقد صُورت أم العابد هي وأبناؤها قبيل استشهاده؛ لتكون رسالة إلى أمهات المسلمين والعرب والفلسطينيين في العالم؛ ليدفعوا أبناءهم للشهادة من أجل تحرير الأقصى، ولا يبخلوا عن تقديم فلذات أكبادهم من أجله، وليعلموا اليهود أن أبناءنا لا يُكرهون على القتال؛ بل هم في أشد الشوق إلى الشهادة. وقالت أم الشهيد: على اليهود أن يعودوا إلى البلدان التي ألقت بهم إلى أرضنا الطاهرة المقدسة؛ لأنهم لن يذوقوا الأمن والأمان ولا الراحة ما بقوا محتلين أرضنا المسلوبة، وأقول لأمهات الجنود الذين قتلهم ابني: عليكم أن تشعروا بالعار؛ لأن أبناءكم قُتلوا معتدين ومصيرهم إلى النار، أما ابني محمود فقتل دفاعاً عن دينه ووطنه وأرضه وشعبه، وهو شهيد في الجنة. وكانت أم الشهيد في لقائها الأخير مع ابنها، والتي ظهرت خلاله على شريط فيديو بُث على القنوات الفضائية، مبتسمة وفرحة ولم تذرف دمعة واحدة، وقالت في هذا السياق بعد استشهاده: قد يستغرب البعض من شدة فرحتي وعدم بكائي على ابني، وأقول إن واجب الجهاد يجب أن يتغلب على عاطفة الأمومة. وأكدت أنها ظلت تدعو لابنها أن يوفقه الله في مهمته الجهادية؛ حتى يوقع أكبر عدد من القتلى في صفوف الجنود والمستوطنين الإسرائيليين. * أثر العمليات الاستشهادية في اليهود: تشكل العمليات الاستشهادية رعباً حقيقياً داخل المجتمع، وقد أكدت دراسة قام بها مركز يافا للبحوث التابع لجامعة تل أبيب أن ٩٢% من الجمهور الإسرائيلي يخشى من العمليات الاستشهادية أن تصيبه أو تصيب أحداً من أفراد عائلته، وتؤكد الدراسات التي ظهرت خلال هذه الفترة وتأخذ بها الصحف العبرية أن ظاهرة الاستشهاد بدأت في لبنان في فترة الثمانينيات بشكل عام، أما العمليات الفلسطينية فقد بدأت عام ١٩٩٣م عندما قام استشهادي في الجهاد الإسلامي بتفجير حزام ناسف وسط مجموعة من الإسرائيليين. ويقول رئيس معهد السياسة الدولية لمحاربة الإرهاب «بوعاز جانور» : ليس هناك حل سحري ولا حل سياسي ولا حل عسكري، ومن المرجح أن يستمر المهاجمون في التسلل إلى إسرائيل حتى في الوقت الذي تحتل فيه القوات المدن الفلسطينية، وترغم مئات الآلاف من الفلسطينيين على البقاء في بيوتهم في فترات حظر التجول، والتي تستمر أحياناً أياماً في المرة الواحدة. ويضيف: مهمة الجيش هي تقليص عدد الهجمات، وجعل تنفيذها أكثر صعوبة، وإذا وقعت هجمات فإن الهدف هو محاولة ضمان أن تكون الخسائر عند أدنى حد ممكن. ويؤكد أن الفكرة وراء الهجمات التي يشنها الجيش هي تقليص قدراتهم على شن هجمات لا القضاء عليها، فمن المستحيل القضاء عليها. وفي اجتماع لجنة الخارجية والأمن قال ضابط كبير بالاستخبارات العسكرية: إن الاستشهاديين ينتظرون أن نخرج من تجمعات المدن الفلسطينية؛ حتى يتسنى لهم العودة مرة أخرى لتنفيذ عمليات استشهادية. ولمحاربة العمليات الاستشهادية المستقبلية، والتي أوقعت حتى عملية صفد الأخيرة ٦١١ قتيلاً؛ عمدت قيادة الأركان إلى تمديد فترة خدمة الاحتياط لمدة ٣٧ يوماً، وتعمل قيادة الجيش على توجيه الدعوة مرة ثانية بعد أن استدعت كل الوحدات. أما الإجراء الإسرائيلي الذي له أكبر الأثر في عائلات الاستشهاديين؛ فهو نسف منازل ذويهم دون مهلة، فقد أقر مستشار الحكومة القضائي «إيكايم روبنشتاين» قرار الحكومة بهدم ١٣٢ منزل لعائلات استشهاديين دون إعطائهم مهلة؛ خوفاً أن يعمد الفلسطينيون إلى تلغيم المنازل؛ مما يشكل خطراً على سلاح الهندسة على حسب قول روبنشتاين. والاتجاه الآخر لردع منفذي العمليات الاستشهادية هو طرد أقرباء منفذي العمليات بعد أن طردت إسرائيل فلسطينيين من الضفة الغربية إلى أوروبا وقطاع غزة إثر فك الحصار عن مدينة بيت لحم، وقد انتقدت صحيفة هآرتس تصرف الحكومة الرامي إلى طرد عائلات الاستشهاديين بالقول: جاء هذا القرار بناء على الافتراض الذي جوهره أن في وسع طرد العائلات ردع الاستشهاديين الفلسطينيين عن زرع الموت والدمار في شوارع إسرائيل. وأكدت الصحيفة رفض قرار الطرد؛ لأنه يعاقب عن دون قصد أبرياء، وهذا مخالف للقانون الدولي، ونصوص التوراة التي تقول: (لا يزر الابن وزر أبيه، ولا الأب وزر ابنه) ؛ أي أن جيش الدفاع وحسب ما تقوله الصحيفة يهدف إلى تطبيق عقاب جماعي كوسيلة ردع ضد جمهور يخرج من بينه استشهاديون. ونشرت صحيفة معاريف أن الإحباط الذي أصاب جيش الدفاع، وعدم استطاعته القضاء على العمليات الاستشهادية؛ أوجد العقوبات التي أقرها الجيش، وأن من شأن هذا الإجراء أن يردع استشهاديين محتملين، وكلما شددت إسرائيل ردود فعلها ضد «الإرهاب» ؛ فإنها تحتاج إلى وسائل جديدة امتنعت عن استخدامها في الماضي، وتضيف الصحيفة أن بعض العناصر الأمنية تقول إن إجراءات الطرد تجعل الاستشهادي يفكر مرتين قبل التنفيذ، وبدلاً من التكريم سيعرف أن منزله سوف يهدم، وأن أبناء أسرته سوف يبقون في أرض النار في قطاع غزة، وتؤكد الصحيفة أن قرار الطرد خطوة أخرى في سلسلة عمليات لا طائل منها، فإذا ردع الطرد استشهادياً أو آخر؛ فإن من شأنه أن يشجع آخرين على الانضمام إلى قائمة الشهداء. ويؤكد مدير إدارة الطب الشرعي الإسرائيلي «يهودا ميس» أنه عندما يأتي إليه أي فلسطيني ليتعرف على جثة أحد الفلسطينيين؛ فإننا نسمح له بأخذها، ولكن ذلك لا يحدث كثيراً؛ لأن الجميع يعرف ما يحدث لأسرة الاستشهادي الذي يتم التعرف عليه، حيث تأتي الدبابات الإسرائيلية مصحوبة بالجرافات لهدم منزل أسرته، وربما تعاقب قريته بالكامل، أما بقايا الجثمان فتدفن في مقبرة جماعية بعد أخذ البصمات والحامض النووي الخاص بها. وفي إطار السلسلة الطويلة من القرارات والإجراءات الإسرائيلية للرد على العمليات الاستشهادية؛ كتب «سيفر بلوتسكر» وهو محلل اقتصادي في صحيفة يديعوت أحرنوت أن ظاهرة الاستشهاد هي ظاهرة اجتماعية في الشارع الفلسطيني، والارتفاع في حجم العمليات هو نتاج التسهيلات التي يمكن فيها تجنيد الاستشهاديين، والقائمة تطول بدءاً من الدوافع الدينية والأيديولوجية، مروراً بتفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المناطق، وغياب الحل السياسي، إضافة إلى حافزية الانتقام، وتقليد نموذج البطل المحلي. ويضيف أن الإبعاد أو الهدم يجب أن يتم وفق قائمة طويلة لإزالة طبقات الغلاف المحيط بالاستشهادي. إن إسرائيل لم تتخذ علاجاً إدارياً ضد المرجعية الدينية وهم الخطباء في المساجد، ورجال الفتوى الذين يشجعون العمليات الاستشهادية، ولم يجد الجيش ولا الشاباك بعدُ وسيلة لمواجهة عمليات غسل الدماغ والدعاية والتحريض. وفي هذا السياق نشرت صحيفة هآرتس أن لجنة تابعة لهيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي؛ أوصت باعتقال خطباء المساجد وجميع المحرضين على العمليات الاستشهادية، وأقرت اللجنة لمواجهة العمليات مصادرة أملاك الجمعيات الخيرية التي تقدم مساعدات لمنفذي العمليات، وإغلاق محطات التلفزيون والإذاعة الخاصة، وهدم الأملاك الشخصية، ونبهت إلى تحول الظاهرة إلى جماهيرية. اجتماعياً سادت في المجتمع الإسرائيلي ظواهر جديدة لم تكن معروفة بفعل العمليات الاستشهادية، ومنها اللجوء إلى السحرة، والوشم؛ لاتقاء خطر العمليات، إضافة إلى الاحتفاظ بنسخة من التوراة في الجيب. وختاماً ورداً على دعاوى المطالبين بوقف العمليات الاستشهادية؛ نورد ما أكده المؤرخ الإسرائيلي «رئيف ستيرنمال» في كتابه (الأساطير المؤسسة لإسرائيل) ، حيث يقول: «ثمة عقيدة صهيونية مركزية، وهي عدم الانسجام أو التخلي عن موقع أو أرض إلا إذا أجبرتنا على ذلك قوة عظمى» ؛ أي أن (إسرائيل) لن تنسحب من أي جزء إلا بعد المزيد من الخسائر، والشواهد في التاريخ كثيرة.

стр. 4772

المسلمون والعالم إثيوبيا في مفترق طرق ! عبد الرحمن سهل الصومالي xanaano@globalson.com تمر إثيوبيا في الوقت الراهن بمرحلة عصيبة لم تتوقعها من قبل، مما لم يخطر في بالها منذ استقلالها. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن حيث ألقت تلك الظروف بظلالها على جميع الأصعدة الساخنة منها والباردة، كما وجدت نفسها تسبح في بحر من التناقضات التي لا بداية لها ولا نهاية. والأدهى من ذلك وأمر أن المناخ السياسي والطقس الأمني هما المجالان الأكثر حساسية في الوقت الحالي. وتزامنت تلك الظروف بالغة التعقيد مع الإفلاس الفكري والمادي الذي أصاب الحكومة الحالية بقيادة رئيس الوزراء السيد ملس زناوي بالإضافة إلى تفكيك جبهته الداخلية رغم أن عمرها في الحكم جاوز عقداً كاملاً من الزمان. ومن المضحكات العجيبة في دنيا السياسة أن شعار الديمقراطية الذي رفعته أديس أبابا في بداية ميلاد ثورتها العنصرية التجراوية عام ١٩٩١م قد منيت بنكسة شديدة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ حيث تلاشت الآمال العريضة التي كانت القوميات المضطهدة في أثيوبيا سابقاً تتوقع تحقيقها؛ وذلك بعد انهيار النظام الاشتراكي السابق، وأصبحت النتيجة الحتمية الخروج الدراماتيكي من النظام الإمبراطوري (هيلاسلاسي) إلى النظام الماركسي (منغستو) إلى النظام العنصري التجراوي الراديكالى الأكثر دموية ودكتاتورية مقارنة بالأنظمة السابقة سالفة الذكر. ونستطيع القول إن جميع الأنظمة التي تعاقبت على إثيوبيا لا تزال تدور في حلقة مفرغة حيث تبدأ مسيرتها السياسية من صفر وتنتهي إلى صفر، ولم ينته هذا المسلسل إلى هذه الساعة التي نكتب فيها هذه السطور. ولا نبالغ إن قلنا: تمخض الجبل فولد عناصر مشلولة الهيكل وعديمة الإرادة إشارة إلى التغيير الثوري في أديس أبابا الذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ويرى المراقبون السياسيون أن إخفاق السياسة الخارجية الإثيوبية والداخلية أيضاً تعود إلى أنها انتهجت سياسة التبعية العمياء للغرب على حساب مصلحة شعبها وقارة إفريقيا بوجه عام، وتارة تهرول نحو موسكو المنهارة سياسياً ونفسياً عند الأزمات العسكرية في القرن الإفريقي؛ حيث استوردت كميات كبيرة من الأسلحة التقليدية المختلفة والذخائر، ولذلك نجد أن أديس أبابا لم تتبع سياسة النفس الطويل تجاه حل مشكلاتها الداخلية المتراكمة، والدبلوماسية الهادئة حيال دول الجوار، كما لم تراعِ مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بهم. وتتجلى الغرابة والغباوة معاً لدى القيادة الإثيوبية عندما نشبت الحروب الطاحنة بينها وبين إرتيريا الحديثة؛ حيث خاض البلدان أشرس وأخطر حرب عرفتها قارة إفريقيا في هذا العصر الذي تحكمه الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت حصيلة القتلى بين الجانبين ما يفوق العقل البشري إذا نظرنا إلى المدة القصيرة التي استمرت فيها الحرب، ومات من الجانب الإثيوبي أكثر من ١٢٩ ألف جندي في حين خسرت أرتيريا أكثر من ١٩٠٠٠ ألف مقاتل. هذا الحدث كان فريداً في نوعه ونموذجاً حياً يبرهن إخفاق سياسة واشنطن الموجهة تجاه القرن الإفريقي. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تلك الخطوة العسكرية من التصادم والتناطح بين الجارتين الصديقتين أربك الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية والأمريكية معاً، وتضاءلت الآمال البراقة التي كان من المقرر تحقيقها، ولكن التصرفات الصبيانية التي صدرت من القيادة الإثيوبية ضد حليفتها الاستراتيجية إريتريا أجهض محاولاتها الدؤوبة للسيطرة على القرن الإفريقي الاستراتيجي؛ فبدلاً من أن تحتل إثيوبيا موقعاً سياسياً مرموقاً بفضل إرثها التاريخي وبحكم علاقاتها السياسية مع الغرب أصبحت دولة مشلولة الحركة سياسياً وعديمة الفاعلية، وتفتقد أيضاً الدبلوماسية النشطة الإيجابية كما تفتقر إلى جميع العناصر التي تمكنها من أن تحتل الريادة؛ ويرجع ذلك إلى التخبط العشوائي في سياستها الخارجية والداخلية، وهناك عوامل أخرى لا تقل أهمية عن هذه العوامل المذكورة، وهي: ١- العقلية الثورية لدى حكام إثيوبيا الحاليين. ٢ - الضربات الموجعة التي يسددها المجاهدون في الصومال الغربي ضد قوات الاحتلال الإثيوبية. ٣ - عدم انتهاج الحكومة الإثيوبية سياسة متوازنة في سياستها الخارجية والداخلية. - أما المجال العسكري فقد تلقت القوات الإثيوبية هجمات قوية وبصورة متتالية من قِبَل المجاهدين في الصومال الغربي والقوميات الأخرى المعارضة للنظام الحالي. وقد أسفرت تلك المواجهات المسلحة من هنا وهناك عدة نتائج إيجابية أهمها انهيار معنويات الجيش الإثيوبي بصورة تلقائية، وفقدان مهاراته القتالية المعهودة لدى قوات الاحتلال في بدايات انفجار شرارة الجهاد في الصومال الغربي؛ حيث انتظم في صفوفه الهروب الجماعي والانفراد إلى دول الجوار بحثاً عن الأمن والعيش في مدنهم وقراهم. وبناءً على ما سبق فإن القوات الإثيوبية تمر الآن في مرحلة يرثى لها. - أما مجال حقوق الإنسان فإن الحكومة الإثيوبية تعتبر من أسوأ الأنظمة الدكتاتورية في العالم؛ وذلك حسب التقارير الأخيرة الصادرة من هيئة مراقبة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وسلطت التقارير الضوء على الانتهاكات الخطيرة التي تمارسها القوات الإثيوبية ضد القوميات المضطهدة فيها. إلا أن تلك التقارير أغفلت تماماً التجاوزات اليومية التي تنفذها القوات الإثيوبية المعتدية ضد المدنيين الأبرياء في إقليم الصومال الغربي المسلم. إن الأسلوب الهمجي التي تتعامل الجيوش الجائعة الغازية من خلاله ضد الشعب الصومالي في الإقليم المحتل يتعارض مع القوانين والأعراف الدولية، ولكن الهيئة المذكورة غضت طرفها عن أن تكشف ممارسات جيش الاحتلال اليومية في حين نشرت تقارير أخرى تتناول الأحداث الدامية التي وقعت في جامعة أديس أبابا وغيرها، ولكن سياسة الكيل بمكيالين هي التي تحكم المنظمات الدولية، وإن كانت تدعي أنها مستقلة ومحايدة. ونريد أن نوضح للعالم الإسلامي أن السلطات الإثيوبية عمدت في الآونة الأخيرة إلى سياسة الأراضي المحروقة من دفن الآبار وتدمير البيوت وإحراقها، وإغلاق المحلات التجارية والحبس الجماعي، ونستطيع القول إن أديس أبابا تسعى إلى استئصال جذور الشعب الصومالي في الإقليم المحتل أرضاً وشعباً. - أما المجال الاقتصادي فإنها تعتمد وبالدرجة الأولى على المعونات والهبات الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية وغيرها من الدول الأخرى ذات الطابع الأيديولوجي النصراني التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحكومة الإثيوبية النصرانية الأرثوذوكسية، أما الموارد المحلية الكلاسيكية المتوفرة لديها فلا تغطي احتياجات الحكومة الإثيوبية، بل ويعاني الاقتصاد الإثيوبي بمشاكل حقيقية تتمثل في السياسات الاقتصادية البالية التي خلفها النظام الاشتراكي السابق، والحروب الطاحنة التي لا تزال تخوضها القوات الإثيوبية ضد القوميات الكبرى المعارضة بالإضافة إلى تصادمها الخاطف مع إرتيريا، والهجمة الشرسة من اختلاس أموال الدولة التي تنفذها العناصر التجراوية الجائعة الحاكمة متخذين في تحقيق ذلك شتى الحيل والوسائل المعروفة لدى قيادة العالم الثالث وعلى رأسهم رئيس الوزراء زناوي؛ كل هذه العوامل وغيرها ارجعت الاقتصاد الإثيوبي إلى الوراء، حيث تبلغ ديونها الخارجية الآن حوالي ٣٠ بليون دولار؛ ولذلك فلا عجب أن تسبح حكومة أديس أبابا في بحر من الديون المتراكمة وموجات من التصحر والجفاف. - أما الصحافة والنشر وحرية التعبير فلا اعتبار لها في مداولات الطاقم الحاكم على أشلاء المدنيين العزل في الصومال الغربي (أوجادين) الذين لا ذنب لهم سوى أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ حيث تتعرض الصحافة في الإقليم المحتل وغيره إلى مضايقات جاوزت الحد المعقول، ولا يوجد الآن أي جهاز إعلامي حر يعكس الانتهاكات الخطيرة التي تمارسها قوات الاحتلال الإثيوبي ضد الأهالي الأبرياء، ويعتبر هذا الإقليم منطقة عسكرية مغلقة لا يسمح للمنظمات والهيئات الإسلامية الاقتراب منها، وفي بعض الأحيان فإن الحكومة الإثيوبية تعطي الضوء الأخضر إلى المنظمات والهيئات الغربية والتنصيرية للدخول في الإقليم والتجول في بعض الأماكن التي عينت من قِبَل القوات الإثيوبية المرابطة في ثكناتها ومواقعها العسكرية في الإقليم المحتل. أما الحكم الذاتي المزعوم فقد استفحل أمره حيث لم يقدم أي شيء جديد في الساحة رغم طول مدته التي جاوزت سبع سنوات متتالية؛ كما لم يستطع حتى الآن تقديم خدماته إلى المواطنين البائسين. والأدهى من ذلك وأمر أنه أصبح مجرد وسيلة ماكرة تستخدمه الحكومة الإثيوبية لتحكم قبضتها الاستعمارية على الصومال العربي المسلم.

стр. 4773

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «أثرتم فينا الدهشة، ونحن نتابع بإعجاب التطورات في تركيا، فكثير من الناس لم يكونوا ينتظرون أن تكونوا إصلاحيين إلى هذا الحد» شيمعون بيريز زعيم حزب العمل «الإسرائيلي» ، يتحدث لرئيس الوزراء التركي رجب أردوغان. [الشعب، ١٧/١٠/٢٠٠٣م] - «إننا نسميهم خفافيش.. لأنهم يتعلقون من أرجلهم طوال النهار، وأجنحتهم تغطي أعينهم مدَّعين أنهم لا يرون شيئاً، لكنهم في الليل ينشرون أجنحتهم ويطيرون ليوزعوا الهمسات هنا وهناك» ريتشارد أرميتاج نائب كولن باول، يتحدث بغضب عن جواسيس رامسفيلد في وزارة الخارجية الأمريكية. [النيوزويك، ٧/١٠/٢٠٠٣م] - «فكر القومية لم يحم العروبة.. لقد حمى فقط قصر العروبة مقر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر» الدكتور محمد عباس. [الشعب، ١٧/١٠/٢٠٠٣م] - «إنني متأكد أن أصدقاء الرئيس بوش في تكساس يفتقدونه ومشتاقون إليه، وفي العام القادم آمل أن يعود إليهم» شارلز ريس صحفي أمريكي. [الوطن، ١/١١/٢٠٠٣م] - «سأخبركم بشيء.. إننا حقاً بحاجة إلى العثور على بعض أسلحة الدمار الشامل اللعينة» سياسي مقرب من بوش يتحدث عن المأزق الأخطر الذي يتهدده في انتخابات الرئاسة. [نيوزويك، ٧/١٠/٢٠٠٣م] - «عندما تعطس الولايات المتحدة؛ فإننا نصاب بالبرد، لكن إن عطسنا نحن؛ فإنه من المؤكد أنكم ستصابون بالتهاب رئوي» فرانسيس فوربس رئيس شرطة كولومبيا، يحذر الأمريكيين من خطر المخدرات القادمة من بلاده، في مؤتمر الاتحاد الدولي لرؤساء الشرطة. [الوطن القطرية، ٢٥/١٠/٢٠٠٣م] - «عندما كنت أقرأ لائحة الاتهام، وهي من ٧٠٠ صفحة، كنت ألقيها على الأرض عدة مرات؛ حيث كانت تسبب لي المرض» مراسل الجزيرة المحتجز في إسبانيا تيسير علوّني. [السبيل، ٢٨/١٠/٢٠٠٣م] - «أرقام القتلى التي يعطيها البنتاجون للذين يحملون الجنسية الأميركية فقط، وهم الذين يجب أن يُبلغ أهاليهم، أما الأربعون ألف جندي المرتزقة الذين جاؤوا إلى الحرب للحصول على هذه الجنسية؛ فالمعلومات المؤكدة تقول إنهم يدفنونهم بأكياس النايلون السوداء في العراق، ولا يعلنون عنهم لا في الأرقام ولا في الإحصائيات» الصحفي اللبناني أنيس النقاش. [فضائية الجزيرة، برنامج حوار مفتوح، ٢٥/١٠/٢٠٠٣م] - «منذ خمس سنوات مضت؛ قال أحد الإرهابيين إن هجوماً قد يجعل أمريكا تهرب خلال أقل من ٢٤ ساعة، لقد أخذوا الدرس الخطأ» جورج بوش. [الشرق الأوسط، ٢/١١/٢٠٠٣م] أحاجي وألغاز: رضينا بالاستعمار ... «حدود يناير ١٩٥٦م هي حدود السودان التي لا يمكن لأحد أن يغير فيها، فهي حدود ارتضاها الاستعمار نفسه، هناك اتفاق على ضرورة الاحتفاظ بالحدود التاريخية للدول الإفريقية» الدكتور مصطفى الفقي. [الخليج الإماراتية بتصرف، ٢٣/١٠/٢٠٠٣م] نظرية الصرصور «إنرون شركة الطاقة الأمريكية المنهارة لم تكن إلا مثالاً على نظرية الصرصور، ومفادها: أنك إذا رأيت صرصوراً واحداً فمعناه أن عشاً كاملاً من الصراصير يكمن في المكان» آلان سلون المحرر الاقتصادي للنيوزويك، يحلل حجم الفساد المالي في الشركات الأمريكية الكبرى. [نيوزويك، ١٤/١٠/٢٠٠٣م] يحيا الصدر قال الشيخ الكبيسي أحد الأعضاء الناشطين في جمعية العلماء المسلمين العراقية: «أنا أؤيد حكومة مقتدى الصدر من حيث الفكرة، ومستعد لأن أهتف باسمه.. أنا أؤيد مقتدى كفكرة، ولكننا ننتظر لنرى ما بذهنه، هل ستكون مؤلفة من القوى الوطنية؟ إذا كان الجواب نعم؛ فأنا على استعداد للكفاح أمامه في سبيل تحقيق ذلك» . [السفير اللبنانية، ٢٣/١٠/٢٠٠٣م] أقسم بالقرآن.. أن أخالف القرآن لم يجد إلهام بن حيدر علييف الرئيس الأذربيجاني المنتخب من قِبَل أبيه لحكم البلاد ديكتاتورياً حرجاً في أن يردد أعجب قسم رئاسة يمكن أن يتلوه حاكم جديد: «أقسم بالقرآن أن أكون مخلصاً لتقاليد أذربيجان، ولن يهز أحد استقرار أذربيجان الذي هو جزء من التراث الغني الذي تركه حيدر علييف، وسأسير على الدرب السياسي لحيدر علييف» . [الرياض، العدد ١٢٩١٤، بتصرف] بوش يتقدم إلى الوراء نشرت صحيفة الهيرالد تريبيون رسماً كاريكاتورياً ساخراً من قولة بوش؛ بعد تصاعد هجمات المقاومة في العراق: «كلما أنجزنا تقدماً في العراق.. زادت الهجمات علينا» ، ويصور الرسم صحافية تجيبه على الفور: «لذا علينا أن نحد من الإنجازات!» . [الحياة، العدد ١٤٨٣٢] مرصد الأخبار: توماس فريدمان: علينا أن نحضر الجبل إلى محمد لا يكف الصحفي الأمريكي اليهودي البارز «توماس فريدمان» عن تقديم نصائحه المتتالية لذوي الشأن والقرار في الولايات المتحدة وغيرها، بخصوص كيفية التعامل مع المسلمين و «الإرهاب الإسلامي» على وجه التحديد، وآخر ما تفتقت عنه قريحة الكاتب النافذ: الدعوة إلى ضم كل من العراق ومصر إلى حلف الناتو؛ على اعتبار أن المخاطر التي يُنتظر أن تواجه الحلف في المستقبل؛ لن تأتي من الشرق أو من روسيا، ولكنها ستجيئ من الجنوب أي من الشرق الأوسط وأفغانستان، ولذلك إذا كان هدف الناتو تحقيق الأمن الأوروبي؛ فينبغي ألا يقتصر وجوده على أوروبا. وفي اعتقاده أن العراق يحتاج إلى جيش يكون حجمه كافياً لردع إيران، ولكن لا يكون من الضخامة بحيث يخنق الديمقراطية العراقية، ويؤدي إلى تهديد كل المنطقة كما كان يفعل صدام بجيشه الكبير، ولن يتحقق ذلك إلا بالانضمام للحلف، وستكون هذه القوة حامية للديمقراطية العراقية؛ مثلما يتكفل الجيش التركي بحماية الديمقراطية في تركيا الحديثة في زعمه. أما بالنسبة لمصر؛ فيقول «فريدمان» : «كما شرح لي اللورد روبرتسون قائد حلف الناتو؛ فإن كل الدول الأعضاء بما فيها كندا لديها فقط ١.٤ مليون جندي، ولكن القوة التي يستطيع الحلف استخدامها في مهام خارجية لا تتعدى ٥٥ ألف جندي، أما بقية القوات؛ فإما أنها تمارس أعمالاً مكتبية، وإما أنها غير مدربة على أية مهمة أخرى غير البقاء الساكن في مكان واحد بأوروبا، ولكن مصر لديها فائض في القوة البشرية العسكرية لا تدري ماذا تفعل به، وسيؤدي إدخال مصر إلى عضوية الناتو، إلى إعطائه (الحلف) الشخصية العربية الإسلامية التي يُحتاج إليها» . ويختم «فريدمان» مقالته بالقول: «على كل حال أنا لم أفقد قواي العقلية، إنني جالس هنا في رئاسة الناتو، أستمع إلى مسؤولي الحلف وهم يحدثونني عن أن مستقبلهم في الجنوب، ولكنهم لا يملكون القوة البشرية التي تحملهم إلى هناك، والحل سيكون سهلاً: إذا لم تكن قادراً على حمل محمد إلى الجبل، فعليك أن تحمل الجبل إلى محمد وإلى موسى أيضاً» . [انظر: المقالة كاملة في موقع الشعب على الإنترنت] الخمر تأكل أوروبا: هناك شيء جذري يحصل في أوروبا، المراهقون يشربون الخمر أكثر فأكثر، ويشربون في سن مبكرة أكثر، أصبح معتاداً هذه الأيام أن يشرب أحدهم ١٢ كأساً أثناء عطلة نهاية الأسبوع، في الوقت الذي ترتفع فيه الكلفة الاجتماعية لمثل هذه الأنشطة؛ مثل القيادة تحت تأثير الخمور، والانحراف والانتحار والشجارات وحمل المراهقات.. أما الإحصائيات فإنها مخيفة حقاً، ففي المملكة المتحدة يشرب الصغار تحت سن ١٦ عاماً ضِعْفَ ما كان يفعل من هم في مثل سنهم قبل عشر سنوات، أما في أيرلندا فإن ٥٩% من الرجال، و ٢٦% من النساء بين عمر ١٨ - ٢٩ عاماً يشربون في حفلة صاخبة مرة في الأسبوع على الأقل، وفي فرنسا في عام ١٩٩٠م كان ٤٥% ممن تراوحت أعمارهم بين ١٢ - ١٨عاماً يشربون الخمر، أما الآن فقد وصلت هذه النسبة إلى ٧٠%، وتضاعف عدد من يشربون الخمر بين الشباب أربعة أضعاف في ليتوانيا، وفي جمهورية التشيك، وارتفع بنسبة ٢٥% في سلوفاكيا، أما في المجر فقد ارتفع الإدمان على الكحول بنسبة ثلاثة أضعاف منذ انهيار الشيوعية، ومن المألوف هناك أن يتناول الأطفال كأسهم الأول في سن الـ ١٣ أو الـ ١٣ عاماً.. أما الأسباب وراء ذلك، فتشير بعض الدراسات إلى التنامي الكبير في حجم الإعلان التجاري عن الخمور، والمهرجانات الماجنة، وتنوع المنتجات التي تحتوي على الخمر ورخص ثمنها.. وقد تزايدت رعاية شركات صنع الخمور أخيراً لنشاطات المراهقين الشعبية، مثل حفلات الرقص طوال الليل، والحفلات الموسيقية، والأندية الليلية والمسابقات الرياضية.. ومن المشاهد المألوفة في مدن أوروبا عصابات المراهقين السكارى التي تضايق الناس وتعتدي عليهم، ففي ألمانيا تثير هذه العصابات الفوضى، ويتشاجرون ويتبولون على مداخل البيوت، ويقيمون حفلات السكر في الشوارع، وفي روما يتجمعون على أدراج الساحات العامة، ويحتسون الخمر، ويتحرشون بالناس وحتى الراهبات ... أما عن الآثار السلبية الأخرى، فقد تزايدت حالات السرطان المرتبطة بالكحول، وتضاعفت الوفيات المرتبطة بالخمر في المملكة المتحدة ٣ مرات بين الشباب في السنوات الـ ٢٠ الماضية، وتشكل حالات الطوارئ المرتبطة بالخمور التي يتم إدخالها إلى المستشفيات ٤٠% من المجموع الكلي، وما يقرب من ربع حالات الوفاة بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ - ٢٥ عاماً في أوروبا الغربية سببها المباشر: الخمر. أما في أوروبا الشرقية؛ فإن هذه النسبة تصل إلى الثلث، وتقدر الحكومة البريطانية الكلفة المادية لإساءة استهلاك الخمور بين السكان بـ ٢٠.١ مليار جنيه إسترليني سنوياً، منها ٧.٣ مليارات بسبب الجريمة، و٤.٧ خسائر اجتماعية وبشرية للجريمة، ويبلغ سنوياً عن ١.٢ حالة من العنف المرتبط بمعاقرة الخمر، وتقدر عدد أيام الغياب عن العمل بسبب الخمور ومشكلاتها بنحو ١٧ مليون يوم عمل سنوياً. [النيوزويك، بتصرف، ٤/١١/٢٠٠٣م] ولايات متحدة.. أم شركات متحدة؟! في دلالة واضحة على تحول أمريكا في عهد بوش الابن إلى الشركات الأمريكية المتحدة؛ كشفت دراسة نشرها مركز «ببلك إنتيجرتي» «أن ٧٠ شركة أمريكية تبرعت لحملة بوش الانتخابية الأولى بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار؛ حصلت على أغلبية العقود المتاحة لتعمير العراق وأفغانستان، كما أن هذه الشركات هي المستفيد الأول من المنح أو القروض التي تقررت في مؤتمر مدريد، ويسيطر على عدد كبير منها كبار الساسة من صقور الإدارة الأمريكية الذين خططوا للحرب على العراق، وأبرز هذه الشركات: » شركة بي كيه إس إتش «: رئيس الشركة اسمه تشارلز بلاك، أحد صقور الإدارة، على صلة وثيقة بالمؤتمر الوطني العراقي، ويفاخر بأن أصدقاء له يحكمون بغداد الآن، وهو من المقربين لعائلة بوش وأحد أبرز المخططين لحملاتهم الانتخابية. » شركة نيو بريدج استراتيجيز «: من أبرز أعضاء مجلس الإدارة: جوالبوج الذي أدار حملة الرئيس الحالي جورج بوش، وإدوارد روجرز ولاني جريفيث اللذان عملا مع بوش الأب في فترة رئاسته. وتنافس» نيو بريدج «شركة مماثلة أسسها بوب ليفنجستون الذي هو الرئيس الجمهوري السابق للجنة الموازنة في مجلس النواب الأمريكي. » شركة دين كورب فيرجينيا «: قريبة جداً من البنتاجون وتركز عملها على تدريب القوات شبه العسكرية وصاحبها يحتل منصباً كبيراً في وزارة الداخلية الأمريكية، أدين موظفي الشركة أثناء عملها في البوسنة بتشكيلهم لشبكات دعارة من فتيات قاصرات، وهي تتولى حالياً حماية الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، ويذكر أن الأمريكيين الثلاثة الذين قتلوا في غزة قبل أسابيع من عناصرها، حيث كانوا مكلفين بحماية رجال السفارة الأمريكية. الشركة العالمية للتطبيقات العلمية إس إيه آي سي: الأكثر نشاطاً في بغداد، والأكثر نفوذاً لدى البنتاجون، وهي متخصصة في صناعات الدفاع والاستخبارات، ويضم مجلس إدارتها الجنرال واين داوننج الذي ترك منصبه في البيت الأبيض عشية الحرب التي طالما دعا إلى خوضها، بالإضافة إلى كثير من ضباط الجيش السابقين، ويضم المجلس أيضاً وليام أورنز، وهو عضو في مجلس سياسات الدفاع الذي استقال ريتشارد بيرل من رئاسته. ويذكر أن هذه الشركة هي التي دفعت رواتب» مجلس الإعمار والتطوير « العراقي الذي رعته الخارجية الأمريكية قبل سنوات، وكانت مهمته تأمين وجه عراقي للاحتلال، والملفت في الأمر أن الشركة واسعة النشاط في العراق تحيط أنشطتها بسرية كاملة، كما أن نائب المدير فيها حتى أكتوبر ٢٠٠٢م ما هو إلا ديفيد كاي الرئيس الحالي للمفتشين الأمريكيين عن أسلحة الدمار الشامل، أما نائب رئيس الشركة حتى فبراير ٢٠٠٣م فهو كريستوفر ريان هنري، المتحول بعدها إلى العمل مساعداً لأحد أقطاب المحافظين الجدد (دوجلاس فيث) في وزارة الدفاع. شركتا هاليبورتون وبكتل: فالأولى وكما هو معلوم تعد بين موظفيها نائب الرئيس ديك تشيني، والثانية توظف بين أركانها عدداً من كبار المسؤولين في الإدارات الجمهورية السابقة: جورج شولتز، كاسبار واينبرجر، وليام كايسي، ريتشار هيلمز، وهؤلاء جميعاً كانوا من دعاة الحرب ضد النظام العراقي البائد. [رفعت سيد أحمد، موقع شباب مصر، الرياض ٢/١١/٢٠٠٣م] جنود بوش يزرعون النفط في العراق يبدو أن البنتاجون قد بدأ استراتيجية بعيدة المدى للادعاء بأحقيته في نفط العراق، وذلك بدفن جثث القتلى الأمريكيين في مقابر سرية، ستتحول إلى حقول نفط بعد آلاف السنين.. فقد نقلت صحيفة الوطن في عدد ٢ نوفمبر أن أحد المصورين العراقيين اكتشف عن طريق الصدفة في منطقة أبو غريب ٤٠ كيلو متراً غرب بغداد مقبرة أمريكية تقع بالقرب من موقع أثري يدعى عقرقوف، حيث أفاد شهود عيان أن عربات أمريكية تصل إلى الموقع بعد الساعة الثانية عشرة من كل ليلة مستفيدة من حظر التجوال، حيث يقوم أشخاص بمهمة الحفر، وهو ما فسره الأهالي بأنه حفر قبور للجنود القتلى، وقال آخرون إنهم شاهدوا توابيت تنقلها العربات الأمريكية يتم دفنها في الموقع المحاط بأسلاك شائكة، وقد شاهد المصور بنفسه آثار الحفر، ورأى قضباناً حديدية حددت مكان الحُفر؛ مما يعني أن منفذي تلك العملية وضعوا في اعتبارهم تثبيت إشارات للاستدلال على رفات قتلاهم، ويعمل في الموقع موظفون، كما تتم حراسته على مدار الساعة، وتتحدث مصادر إعلامية من العراق أن عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية يفوق المعلن بكثير، ولكن لا تتجاسر أغلب وسائل الإعلام على التصريح بذلك بسبب الضغوط الكبيرة، وخشية ردود الفعل.. قبل الطبع: - بثت محطة» فوكس نيوز «الأمريكية أجزاء من شريط فيديو مدته ٢٣ دقيقة، ذكرت أنه يصوِّر بعض رجال صدام أثناء قيامهم بعمليات تعذيب، وأظهرت اللقطات جنوداً يرتدون ملابس سوداء وهم يتلون قائمة من الاتهامات في ميدان عام مزدحم، ثم ينفذون العقوبات التي شملت بتر الأصابع والألسنة ورمي المدانين من مبان شاهقة، وقالت المحطة إن الشريط يُعتقد أنه صُوّر بعد عام ١٩٩٥م، ورفض الناطق الرسمي لـ» فوكس نيوز «تحديد كيفية الحصول على الشريط، ولكنه ذكر أنه يبدو أنه صُوّر توثيقاً للتعذيب الذي يمارسه الحرس الجمهوري. [الرياض، ٣١/١٠/٢٠٠٣م] - طلبت الإدارة الأمريكية من إبراهيم روجوبا رئيس كوسوفا الموافقة على إرسال ٧٠٠ من عناصر الشرطة الألبانية في الإقليم ذي الأغلبية المسلمة، على الرغم من حالة التوتر التي يمر بها الإقليم مع توقعات بقرب تسليمه إلى الصرب. [المجتمع، العدد، ١٥٧٤] - حذر الدكتور العراقي ظافر العاني محلل سياسي من أنه لدى أمريكا والموساد والأحزاب العراقية العميلة قوائم بأسماء علماء العراق، وهؤلاء الآن على قائمة الاغتيالات، وتجري تصفيتهم يومياً، ومما لا يذاع أن هناك العشرات من علماء العراق سقطوا صرعى بيد هذه المجاميع. [السبيل، ٢٨/١٠/٢٠٠٣م] - عقد في موسكو مؤتمراً ضم علماء نفس ورجال دين أرثوذكس ومسؤولين في الداخلية؛ بغرض مناقشة خطر الطوائف الدينية المتطرفة في روسيا من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ طائفة، ووجه المؤتمر اتهاماً إلى أمريكا بالوقوف وراء انتشارها، وذكر تقرير أنها تضم حوالي مليون شاب روسي ٧٠%؛ منهم شباب بين ١٨ و ٢٧ عاماً، وأبرزها طائفة الخمسينيين الجدد المسيحيون الإنجيليون وطائفة شهود يهوه، وطائفة المورمون قديسو الأيام الأخيرة وكثير منها يمتلك أسلحة. [الوطن، ٣٠/١٠/٢٠٠٣م] - أحدث حيل الجنود الأمريكيين للهروب من العراق؛ ما يعرف بـ» الحمل القصدي «من قِبَل المجندات، حيث يتم بعد ثبوت الحمل إعادة المجندة إلى الولايات المتحدة لأسباب صحية. [السبيل، ٢٨/١٠/٢٠٠٣م] مرصد الأرقام: - في استطلاع مهم للرأي أجرته المفوضية الأوروبية، وحاولت التعتيم على نتائجه، تبين أن ٥٩% من الأوروبيين يرون أن» إسرائيل «تمثل أكبر تهديد للسلام العالمي، متقدمة في ذلك على إيران وكوريا الشمالية، وكانت النسبة في هولندا ٧٠%، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الرابعة حسب الرأي العام الأوروبي. [الحياة، ٣١/١٠/٢٠٠٣م] - أعلن المسؤول العسكري الأمريكي في العراق الكولنيل» بيل بارلي «أن هناك أكثر من ٦٥٠ ألف طن من الذخائر يجب تدميرها في العراق، ويمكن أن يصل الرقم إلى مليون طن، ويبلغ حجم الذخائر في الولايات المتحدة مليوناً و ٦٠٠ ألف طن، يعني أن العراق يملك أكثر من ثلث ذخيرة أمريكا، وهذا سيستغرق خمس سنوات على الأقل لتدميره، وقامت القوات الأمريكية بتدمير ١٠٠ طن يومياً في شهر سبتمبر الماضي. [الوطن، ٣٠/١٠/٢٠٠٣م] - ذكر تقرير مشترك أعدته المخابرات التركية إم آي تي ورئاسة الأركان وجهاز الأمن العام؛ أن هناك حوالي ٣٠٠٠ جاسوس يعملون في الجنوب الشرقي لتركيا، وخاصة في ديار بكر التي باتت تُعرف بقبلة الجواسيس، وينتمي هؤلاء إلى أربعين دولة في مقدمتها أمريكا و» إسرائيل «وروسيا. [مفكرة الإسلام، ٢١/١٠/٢٠٠٣م] - في دراسة أعدها المجلس القومي المصري للسكان؛ تبيَّن أن ثلث الشباب المصري لا يتمكنون من الزواج إلا بعد سن الثلاثين، وكانت المعوقات المادية تمثل ٤٨% من أسباب التأخير. [محيط، ٢٢/١٠/٢٠٠٣م] - نشرت صحيفة لوفيجارو الفرنسية تقريراً سرياً للمخابرات، يفصح عن القلق الشديد من انتشار الإسلام في فرنسا، حيث يعلن حوالي ثلاثين إلى خمسين ألف فرنسي إسلامهم سنوياً. [آفاق عربية، ١٦/١٠/٢٠٠٣م] - عالمياً: يقتل الجوع طفلاً دون العاشرة كل سبع ثواني، وتقتل الحصبة ألفي طفل يومياً دون الخامسة، بينما يعاني ٥٦% من البالغين الأمريكيين من زيادة الوزن والبدانة. [الجزيرة نت، ١٨ - ٢٢ - ٢٩/١٠/٢٠٠٣م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أخبار: مهزلة أمنية وأخلاقية داخل الجيش الإسرائيلي » إن قيام جندي بتصوير مجندة داخل حمام المجندات، وتوزيع الفيلم على مواقع الإنترنت الإباحية؛ ليس مجرد جريمة أخلاقية جنسية، بل يكشف عن مهزلة أمنية تطرح سؤالاً مهماً: كيف تمكن من قام بهذا العمل من إدخال كاميرات التصوير عالية التقنية، كما يتضح من الفيلم، إلى داخل الوحدة العسكرية بل والتجول بها حتى وصوله إلى وحدة السيدات؟ بصرف النظر عن دوافع العمل الذي يبدو أنه كان بدافع الانتقام كما قال بعض المحللين العسكريين. [صحيفة معاريف، ٢٩/١٠/٢٠٠٣م] السرطان يأكل الصهاينة أكدت وزارة الصحة اليهودية أن ١ من ٣ أشخاص «إسرائيليين» يُصابون بالسرطان، وأن امرأة «إسرائيلية» من بين كل ثمانية يُصبن بالمرض نفسه، ويتفشى سرطان الثدي بين النساء، فيما ينتشر سرطان المعدة في الذكور «الإسرائيليين» ، ويهدد ذلك بكارثة اجتماعية على مدار السنوات العشر القادمة، في الوقت الذي تبلغ فيه معدلات الإصابة بين الفلسطينيين ١ من بين ٣٢ شخصاً، ويبلغ عدد الموتى «الإسرائيليين» جراء المرض سنوياً حوالي ١٢٠٠ شخص، فيما وصل عدد المصابين الفعليين بالمرض حسب البيان ٢٣ ألف شخص. [صحيفة يديعوت آحرونوت، ٢٢/١٠/٢٠٠٣م] تصريحات: - «نطالبك بالاستمرار في خططك نحو محاربة» الإرهابيين «بيد من حديد، فما تقوم به الآن هو حرب مقدسة ضمن تاريخ حروب اليهود المقدسة على مر التاريخ، ونؤيد محاولتك الأخيرة الشجاعة بضرب موقع» للإرهابيين «في سوريا من أجل كبح جماحها» . وثيقة الحرب التي قدمها الحاخامات لشارون عبر إذاعة المستوطنين: «إن الفلسطينيين منشغلون بهدف واحد فقط؛ هو كيف يبيدون الشعب الإسرائيلي، فما المانع في أن تقوم قواتنا بما قامت به دول الحلفاء ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية؟! علينا أن نقوم بقصف المدن التي يخرج منها (الانتحاريون) الفلسطينيون» [د. موشيه روزنفلت موقع يشع نيوز العبري الخاص بالمستوطنين، ٢٧/١٠/٢٠٠٣م] - «خلال احتفالات المواطنين بعيد رأس السنة العبرية؛ وردت معلومات إلينا حول قيام جمعية» بتحاون ليف «افتح قلبك الخيرية بتوزيع مواد غذائية منتهية الصلاحية للفقراء من المواطنين الإسرائيليين على اعتبار أنها تبرعات من رجال الأعمال والأغنياء اليهود، هؤلاء الأغنياء في عالم آخر؛ فنحن نريد الطعام وهم يريدون زيادة شهرتهم، ونيل الضمانات الحكومية لمزيد من الاستثمار دون تكاليف باهظة؛ بزعم أنهم يقدمون جزءاً من أرباحهم كتبرعات للفقراء» . [صحيفة معاريف، ١٩/١٠/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله اجتماع أرثوذكسي إقليمي في لبنان اجتمع في الفترة من ١٥ - ١٧ أكتوبر في لبنان رؤساء الكنائس الأرثوذكسية الشرقية الثلاث في المنطقة العربية، المصرية والسريانية والأرمنية، برئاسة كل من أنبا شنودة بابا الإسكندرية، والبطريرك أغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، والكاثوليكوس «أرام الأول» كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كليكيا، والاجتماع هو السادس في سلسلة الاجتماعات الحوارية التي بدأت عام ١٩٩٨م، لحل المشكلات العقدية بين الكنائس الثلاث، والتعاون فيما بينها لتنشيط حركة التنصير من ناحية، ومقاومة الزحف التنصيري الغربي في المنطقة من ناحية أخرى، والذي يسبب إزعاجاً كبيراً للكنائس الشرقية؛ بسبب الممارسات التي يعتبرونها هرطقات مخالفة للتقاليد. [بيروت، ١٥/١٠/٢٠٠٣م] (٢٥ عاماً على تأسيسه) احتفال الاتحاد العالمي لتخريج المنصرين احتفل «الاتحاد العالمي المسيحي للطلبة» في قبرص بمرور ٢٥ عاماً على واحد من أنشطته المتعددة في التنصير، وهو نشاط «الحلقات الدراسية» الذي يعتبر مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً، ويعتبر هذا الاتحاد (الأرثوذكسي) من أكبر المنظمات النصرانية التي تتعامل مباشرة مع جميع الملل والطوائف الكنسية في بلاد المسلمين، وتعقد سنوياً عشرات المؤتمرات والدورات والحلقات الدراسية لإعداد المناهج ورصد الأنشطة والقرارات التعليمية في المنطقة، ويتركز الهدف الأول لهذا الاتحاد في تخريج دفعات من الشباب «المشبعين بالفكر المسكوني الكنسي» ، والعمل في مجال الإرساليات التنصيرية داخل البلاد الإسلامية. [وطني، ١٩/١٠/٢٠٠٣م] علماء الإسلام في نيجيريا يوقفون حملة تطعيم مريبة للأطفال استجابة لدعوى تقدم بها علماء المسلمين في شمال نيجيريا؛ أوقف المسؤولون حملة للتطعيم ضد مرض شلل الأطفال، بعد أن تأكد للعلماء حسب تقارير علمية حصلوا عليها؛ أن التطعيم ملوث بفيروسات تسبب أمراضاً مثل السرطان والإيدز، وأنه جزء من خطة أمريكية صليبية سرية ضد إفريقيا، لنشر الإيدز والعقم بين السكان المسلمين للحد من زيادة أعدادهم، من جانبها رفضت منظمة الصحة العالمية هذه الاتهامات قائلة إن التطعيم آمن تماماً. [بي بي سي، ٢٧/١٠/٢٠٠٣م]

стр. 4774

في دائرة الضوء ١١ سبتمبر بمنظور الكتب الألمانية (٢ ـ ٢) رائدة شبيب في العدد الماضي تحدثث الكاتبة عن تطور سلوك القراءة بين الألمان، وأن الكتاب يصل إلى ٥٠% من القرّاء الألمان وأن الكتب السياسية التي تقدمت على سواها في الأسواق منذ ١١ سبتمبر هي التي تعالج جوانب من السياسة الدولية. كما بينت أن الألمان يفضلون الكتب المترجمة إلى الألمانية الناقدة للتحقيقات الأمريكية، وقد أخذت العناوين التي تعالج السياسة الأمريكية أعلى المراتب في قوائم الكتب المفضلة، وأشارت إلى بعض الكتب التي تتعلق بالموضوع. - البيان - ب - هل الحرب ضد الإسلام حرب ضد الإرهاب؟ يطرح «بيتر شول لاتور» عبر عنوان كتابه [١] سؤالاً لم يعد يطرحه المسلمون، ولكنّه يهمّ الكثير من الناس في الغرب. وفي كتابه هذا يقوم الكاتب المعروف «بيتر شول لاتور» بمهمّة صعبة؛ لأنّ عامّة الألمان يتهربون من فكرة «الصراع بين الحضارات» التي طرحها المفكّر الأمريكي «هنتنغتون» ، وتفضّل التعابير الحيادية في وصف العلاقات بين العالمين الإسلامي والغربي. لذلك لا يحاول الكاتب أن يقنع القارئ بنظريته عن طريق حجج قوية وموضوعية، ولا يقدّم تحليلاً منظَّماً، ولكن يعتمد على خبرته كمراسل ومؤرّخ، فيضع القارئ أمام مشاهد مختلفة عاشها هو في مواقع عديدة من العالم التي تلعب الآن دوراً في «الحرب ضد الإرهاب» . ويقدّم التطوّرات التاريخية والمعاصرة التي أدّت إلى الوضع الحالي في مناطق متعدّدة، ثم يعلّق على الأحداث المستجدّة ويصف انطباعاته ويسجّل مقابلاته الشخصية مع أشخاص عديدين وأقوالهم. وتظهر في هذا الكتاب الناجح، والمصوَّر في مسلسل تلفزيوني وثائقي، خبرة المؤلّف الواسعة والذي تلقّى جوائز عديدة تقديراً لعمله البارز كمؤلّف وصحفي وكمراسل من مناطق خطيرة في أنحاء العالم. ويعتبر كتابه استكمالاً مفيداً للأخبار اليومية؛ لأنه يبيّن الخلفيات والتطورات التي لا يحصل المشاهد الغربي عليها عادة عن طريق التقارير الإخبارية المحدودة والمختارة. صحيح أنّه يصعب على القارئ أن يحفظ أسماء الأشخاص وأدوارهم والأماكن المذكورة أحياناً، أو أن يفهم التطورات المعقَّدة في بعض الفصول من الكتاب، ولكنّ الأفكار الرئيسية واضحة؛ لأنّها تتكرّر في جميع الفصول، ومنها التنبيه على خطورة السياسة الخارجية الأمريكية تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب» ، على العالم كله وعلى الأوروبيين بالذات، وهي السياسة التي يصفها «شول لاتور» بأنّها «أمّ الكذب» . فهي مبنية على أخطاء في التقدير بسبب تجاهلها للأوضاع الحقيقية والعلاقات المعقّدة في العالم الإسلامي، وبذلك تسبّب الزعزعة في منطقة مضطربة من العالم. وهنا يمكن للمشاهد المعتمد على معلومات قليلة ومجهّزة من جانب السلطات الأمريكية قبل عرضها في وسائل الإعلام، أن يلقي نظرة على ما وراء ظاهر الأحداث والمعلومات السطحية. وينتقد «شول لاتور» وسائل الإعلام التي تنحاز إلى «الهستيريا وتسير مع التيار» كما يقول، فتعرض الحادي عشر من سبتمبر وكأنه «نقطة تحوّل» في مجرى التاريخ؛ ففي الواقع لم تكن الاعتداءات مفاجئة ولا جديدة، وسبقها وقوع هجمات على منشآت أمريكية، كما كان للإرهاب دوماً وجوده في الولايات المتحدة. أمّا الجديد في هذه العمليات الإرهابية فيقتصر على أنّ تدبيرها تمّ من الخارج، وأنّها أدّت إلى «هستيريا عامة» بين الأمريكان. ويعلّق المؤلّف على ردّ الفعل الأمريكي بإعلان «الحرب ضد الإرهاب» فينتقد تعابير الرئيس «بوش» بشدّة باعتبارها تصدر عن حركة أصولية داخل الديانة البروتستانتية. ويشير إلى عدم وضع حدّ زمني أو جغرافي لهذه الحرب، وهي أشبه «بصيد شبَح» نتيجة «عدم وجود تعريف دقيق للعدوّ فاتّخِذ الإسلام الثوري عدوّاً» . لذلك لا يستغرب «شول لاتور» من أنّ المسلمين يعتبرون هذه الحرب حرباً صليبية حديثة، ويلفت النظر إلى هذا الشعور عن طريق الاستشهاد بأقوال مسلمين مختلفين، مثل طالب باكستاني يقول: «يتكلّم الغرب عن غزوة عالمية ضدّ الإرهاب، لكنّه يريد في الحقيقة إخضاع مليار مسلم» . كما يقول الزعيم الكردي المعروف «جلال طالباني» في رسالة كتابية للمؤلّف: «إنّ الحرب ضدّ الإرهاب في واقعها غزوة ضدّ الأصولية الإسلامية» . وينبّه «شول لاتور» إلى أنّ الصراع بين الحضارات يوشك أن يتحوّل إلى اصطدام خطير بين الديانات وليس فقط بين الدين النصراني والإسلامي، كما يظهر في بعض التقارير المفصّلة التي يقدّمها عن بلدان مختلفة كالعراق وأفغانستان والباكستان والهند وفلسطين وكشمير والصين وأوزبكستان. وبالنسبة إلى الصراع بين الهند والباكستان مثلاً لا تثير الأوضاع الشعور بالارتياح، وعلى النقيض من الانطباع العامّ السائد بين الألمان بشأن الخوف من أن تتحوّل الأزمة إلى حرب، يرى «شول لاتور» أن الحرب جارية واقعياً، فتقع هجمات المجاهدين في كشمير، وتقوم الوحدات العسكرية الهندية بعمليات انتقامية دموية، فضلاً عن أنّ الجنود على الحدود في حالة تأهّب قصوى. من هنا تعتبر شروط وقوع صدام مباشر موجودة، ويقدّر الكاتب أنّ الأخطر من ذلك هو أن يتجاهلها المخطّطون الغربيون، مع أنّها تنطوي على احتمال اصطدام ثلاث ثقافات كبيرة، تشمل ثلاثة مليارات نسمة، وهي مذهب الكونفوشيوس الصيني في الشمال المحتلّ من كشمير والهندوسية والإسلام. وفي شأن أفغانستان يظهر بعد الهجمات الأمريكية وبذل جهود كبيرة لتنظيم البلد بما فيها تشكيل حكومة جديدة ودعمها، أنّ العداءات بين العشائر والنزاعات مستمرة، وأنّ الأعراق القديمة ما زالت في صراع نفوذ، مثل الباشتون والطاجيك والبانجير والأوزبك والهزارة؛ ولذلك يخلص «شول لاتور» إلى القول: «إنّ الوضع ما زال يغلي في أفغانستان.. ولا بدّ من التنبّه الكبير عندما يتكلّم الناس عن المساواة» ، ويشير إلى خبرة الاتحاد السوفييتي مع هذا البلد الإسلامي والتي يمكن أن تؤخَذ الآن كمثال محسوس. بينما تصبح الأوضاع أشدّ خطراً عندما يكون للولايات المتحدة يد في التطورات الجارية؛ فهي تحاول عادةً أن تحدّ من وجود الحركات الإسلامية أو أن تقضي عليها. وبعد الحادي عشر من سبتمبر أصبح هذا جزءاً من السياسة الأمريكية، ولا يقول «شول لاتور» ذلك بشكل مباشر إنّما يلمّح إليه عبر دراسته لأحوال البلدان الإسلامية المختلفة، ويذكر مثلاً عن باكستان كيف قام الرئيس «مشرّف» تحت ضغط من الولايات المتحدة «بملاحقة تحريضية» عن طريق أجهزة الشرطة لبعض الجماعات الإسلامية. وعلى صعيد آخر يذكر الكاتب مثلاً كيف أكّد وكيل الوزارة المساعد «آرميتاج» رغم الحساسيات مع الصين للحكومة الصينية أنّ الولايات المتحدة تتفهّم ملاحقة السلطات «للحركة الإسلامية في تركستان الشرقية» . وبهذه المعطيات أمكن للهند استغلال الحرب المعلنة ضد الإرهاب لملاحقة المسلمين علناً. وبالنسبة إلى الدول الإسلامية يشير «شول لاتور» في أكثر من موضع إلى أنّ الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على التحالف مع حكام مستبدين وطغاة، للضغط على الإسلاميين، الذين يشكّلون أكبر معارضة في بلدانهم. لكنّ تفضيل هذه «الحكومات التبعية» كما يرى «شول لاتور» ينتهك إرادة الشعوب الإسلامية، ويتناقض مع الأسس والقيم الديمقراطية. وبهذه الاستراتيجية لن تتمكّن واشنطن وهذا من أكبر الأخطاء في تقديرها من إضعاف الحركات الإسلامية على المدى البعيد. بل على العكس من ذلك يمكن أن تتحوّل إلى خطر عندما تقع نواة قوى المعارضة المحكوم عليها بالعجز، في إغراء اتّباع شهوة قتال عشوائي، على حدّ تعبيره. وسيكون الخيار الوحيد مقابل الخضوع للأمريكيين هو تمرّد المتحمّسين المتديّنين واندلاع ثورة باسم الكرامة الإسلامية. في جولاته على مناطق نائية داخل البلدان الإسلامية التي زارها لاحظ «شول لاتور» أنّه رغم قمع الحركات الإسلامية ازداد تأثير الدين على عامّة الناس. وبقي في أفغانستان مثلاً حجاب المرأة المسمّى بالبرقع هو اللباس المعتاد للنساء، وذلك خلافاً للصور المشوّهة التي قدّمتها وسائل الإعلام الغربية عن «تحرير» المرأة منه بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان. وفي العراق يلبس ٨٠% من الطالبات الجامعيات العباءة أو حجاباً آخر، ولم تكن نسبة المتحجبات تتجاوز ٥% من الطالبات كما يقول. وليس الحجاب وحده ما يثبت رجوع الناس إلى الإسلام، فيقول: إنّ عامّة المسلمين يوجّهون كلّ ناحية من نواحي حياتهم وفق التعليمات القرآنية، ولو أنّ دولهم تسمح بانتخابات حرّة بمعنى الكلمة فسوف تنجح الأحزاب الإسلامية وتشكل القوة الأكبر. ويذكر «شول لاتور» أمثلة أخرى على أخطاء التقدير من جانب الحكومة الأمريكية، ومنها أنّ الصين مثلاً يمكن أن تستغلّ الصراع الطويل بين الولايات المتحدة وأجزاء كبيرة من الأمة الإسلامية لصالح مخطّطاتها العسكرية، فتدعم دولاً مثل باكستان وإيران عسكرياً للحدّ من النفوذ الأمريكي. كما يحذّر من التحالف الوثيق بين «بوش» و «شارون» ويتساءل: ألن يكتشف استراتيجيو البنتاغون يوماً ما أنّ الدولة اليهودية قابلة أن تصبح نقطة ضعف أمريكية؟ وتبدو تعليقاته على المشاهد التي يصفها والتطورات التي يتابعها وكأنّها ناقوس خطر موجّه إلى الأوروبيين بالذات؛ لأنّ الأخطاء الأمريكية تمسّهم بصورة مباشرة، فليس هناك بُعد جغرافي بين أوروبا والعالم الإسلامي، وقد أصبح الإسلام جزءاً من المجتمعات الأوروبية نفسها. ولا يقدّم «شول لاتور» في كتابه أيّة حلول، بل يعبّر عن شعوره بأنّ التطورات الجديدة أثبتت تكهّناته السابقة التي لم تؤخَذ في حينها مأخذ جدّ، وكانت تقول إن الإسلام في تقدّم مطّرد. وليست الصور التي يقدمها «شول لاتور» من المناطق الإسلامية ممّا يثير الأمل بل تستدعي القلق؛ وخاصةً بالنسبة إلى المسلمين أنفسهم. ويثير وصف المؤلف للتخلّف والنزاعات بين المسلمين وتشتّتهم وضعف الأمة الإسلامية شعور الانقباض لدى القارئ المسلم؛ فمن الواضح أنّ البلدان الإسلامية أصبحت غنيمة سهلة لمن يطمع فيها، ومن الواضح أيضاً أنّه بعد ١١/٩/ ٢٠٠١م تمكّن الذئب من أن يتحرّر من القيود كليّة حتى أصبحت المنطقة الإسلامية في حوزة هذا العدوّ. ت - قوة دولية دون قيود: يقدم البروفسور «إيرنست أوتو تشمبيل» في كتابه «تحوّل في السياسة الدولية» [٢] معالجة سياسية عميقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثرها على السياسة العالمية. وقليل من الكتب التي ظهرت حول ١١/٩ تقوم ببحث تحليلي قيّم للأحداث ونتائجها. لكنّ البروفسور المتقاعد الذي كان يدرّس في كلية السياسة الدولية لجامعة «فرانكفورت» الألمانية قدّم هذا البحث الموضوعي الناجح، فأصبح - مثل كتبه السابقة - من المراجع الأساسية للعلوم السياسية. ورغم أسلوبه العلمي والأكاديمي يتميّز هذا الكتاب عن الكتب الجامعية الأخرى بسهولة استيعابه من جانب القارئ غير المتخصص. والفكرة الأساسية التي يقدّمها البروفسور في كتابه هي أنّ الغرب قصّر في البحث في الأسباب التي أدّت إلى الظاهرة الجديدة للإرهاب، ومن نتائج هذا التقصير الأخطاء التالية: أولاً: كانت ردود الفعل على التطورات الجديدة في السياسة الدولية بخطط واستراتيجيات قديمة لن تؤدي إلى النجاح. ثانياً: استغلّت الولايات المتحدة العمل الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر لتعزيز سياسة مرسومة من قبل وتطبيقها، وهي سياسة تعتمد على القوة لتحقيق الأهداف. ويشير «تشيمبيل» في بداية كتابه إلى أصل الضعف في السياسات الغربية الحالية، فيراه في عنصر الإهمال الكامن في التعامل مع ظاهرة الإرهاب. ويقول: منذ «١١ سبتمبر» فَقَدَ معنى الإرهاب التنوّع المتباين في صوره، وبات يُجمَع تحت هذا العنوان كل أنواع استخدام العنف غير الدولي، ولكن من الضروري التمييز بين الإرهاب الحقيقي الذي لا يحمل برنامجاً سياسياً من جهة، وبين حركات المقاومة أو النضال من أجل التحرير من جهة أخرى. ومن الواضح بالنسبة إلى «تشمبيل» أنّ من يتكلم في سياق «١١ سبتمبر» عن «الإرهاب الديني» يقع في تبسيط الأمور ويسدّ بذلك ثغرة في تفسير الظاهرة قد تكوّنت من قبل في سياق أسباب مجهولة. وهذا ما حصل من جانب الولايات المتحدة عمداً على حدّ قول «تشيمبيل» ، فمن الواضح أنّ واشنطن لا تريد أن يتوجّه الاهتمام العام إلى حقيقة الهجمات والكشف عن ملابساتها، فبقيت أسئلة مفتوحة حول تفاصيل الحدث. لا يتبحّر الكاتب في هذا الموضوع، لكنّه يشرح أسباب عدم اهتمام السلطة الأمريكية بالكشف عن تفاصيل الحدث، ويقول إنّ مصطلح الإرهاب غامض ينفسح المجال لتفسيره حسب المصلحة، ولكن تبيّن نتيجة هذا التفسير العشوائي مدى ازدياد المخاطر في العالم بسبب الانتشار العالمي غير المنضبط للوجود العسكري الأمريكي. أولاً: وبسبب تجاهل المنظمات الدولية وخاصّة الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) . ثانياً: وبسبب التحالف الجزئي بين دول معيّنة على حسب المصالح. ثالثاً: ويشرح «تشيمبيل» كيف غرّر التفسير التعسّفي القيادة الأمريكية بمنح نفسها القوة المطلقة في القضاء والتنفيذ على بقية دول العالم. - ففي خطوة أولى حدّد الرئيس الأمريكي «بوش» أنّ الموقع الرئيسي لنشأة الإرهاب هو أفغانستان تحت قيادة «طالبان» التي تتلقّى الدعم من جانب تنظيم «القاعدة» . ويشير «تشيمبيل» إلى ضعف هذا الاتهام فيقول: إنّ «طالبان» مدعومة من باكستان، وإن الاتهامات الموجّهة إليها لم تكن تكفي لشنّ حرب شرعية ضدّها. - وفي خطوة ثانية أعلن الرئيس الأمريكي «بوش» الحرب ضدّ جميع الدول التي تتعاون بصورة ما مع «الإرهاب» ، وبهذه الطريقة تستغلّ الحكومة الأمريكية حقيقة أنّ الإرهابيين «مجهولون» لتعطي لنفسها إمكانيّة التدخّل في أي دولة في العالم. - وفي خطوة ثالثة تقدّم الرئيس الأمريكي «بوش» بما سمّي مبدأ «الضربة الوقائية» (preamption) ، والذي يعني إمكانية أن تشنّ الولايات المتحدة هجمات عسكرية على أساس الشبهة وقبل انتظار إثبات تهمة ما. - وفي خطوة رابعة استخدمت حكومة «بوش» تعبير «محور الشرّ» الذي تصف به بعض الدول المعادية لها؛ فبالنسبة إلى هذه الدول حتى لو أنه ليس لها أيّ علاقة بتنظيم «القاعدة» أو بإرهابيين ما، يبقى أنّ مجرّد صناعتها لسلاح دمار شامل واحتمال وصوله إلى أيدي إرهابيين، يصبح ذريعة لتكون هدفاً لهجمات الولايات المتحدة. ويخلص «تشيمبيل» إلى القول إنّ إمكانات النفوذ أصبحت تظهر لواشنطن تحت ضوء جديد، ولم يكتفِ «بوش» بحرية «تفسير الحدث» كما يريد، فقام برفع هذا التفسير إلى مستوى «التعليل الأخلاقي» ، وبذلك أقدم على تحصين تفسيره للعمليات الإرهابية بحيث لا ينفسح مجال لأحد ليزعزع العرض الرسمي الأمريكي لأحداث ١١/٩/٢٠٠١م، وتحوّل محاربة تنظيم «القاعدة» بذلك إلى صراع أخلاقي «بين الخير والشرّ» . في هذا السياق يسأل القارئ نفسه إن كان هناك فارق بين الحكومة الأمريكية الحالية والحكومة التي سبقتها بالنسبة إلى بذل الجهد في تحقيق مصالحها المختلفة على الساحة الدولية؟ أو يمكن السؤال: ألم تكن الولايات المتحدة تفضّل دوماً التصرّف الانفرادي من جانب واحد؟ الجواب موجود في كتاب «تشيمبيل» ، فيقول الأستاذ الجامعي: صحيح أنّ سلطة بوش لم تخترع الانفرادية الأمريكية بل وجدتها بين يديها، ولكنّها طوّرت هذا السلوك السياسي إلى حدّ التطرّف. ويشرح الكتاب في هذا السياق أنّ القيادة الأمريكية تستند منذ ١٩٤٥م على أسلوب «القوة» ، لكنّ حكومة «بوش» الابن اعتمدت من البداية على عنصر «السلطة» . والفارق الصغير والمهم هنا هو أنّ القوة هي امتلاك القدرة على تحقيق الإرادة رغم المعارضة، أمّا «السلطة» فهي القدرة على فرض الطاعة وتنفيذ الإرادة مع استخدام القوة مباشرة، وهذا ما يعني بالنسبة إلى سياسة «بوش» إخضاع العالم لسلطان الولايات المتحدة. وقد تغيّر النظام الدولي في عهد «بوش» في اتجاه تلبية متطلّبات السياسة الخارجية التي تحدّدها الفئة السياسية من وراء «بوش» ، وبذلك ساءت العلاقات الأوروبية الأمريكية، وألغي نظام تعدّد الأقطاب، واتخذت الهيمنة الأمريكية شكل سيطرة انتقائية على العالم. ويصف «تشيمبيل» الوضع السياسي في العالم بأنّه ساء كثيراً في فترة رئاسة «بوش» في الولايات المتحدة، فقد تمكّنت حكومة «بوش» بعد ١١/٩ من أن تحقّق سياستها الدولية المعتمدة على الجانب العسكري والرافضة للحلول السياسية، دون حدود ولا قيود. رغم ذلك لم يتقرَّر بعدُ ما إذا إن كانت «سياسة القوة الإمبريالية» ستنجح أم سيمكن تصحيح ما نشأ من أضرار كما يقول «تشيمبيل» . ويفاجئ النقد الحادّ الذي يوجّهه عالم ألماني متميّز مثل «تشيمبيل» إلى القيادة الأمريكية في أكثر من موضع من كتابه، ولكن من الضروري في ظلّ التطوّرات الصارخة في أنحاء العالم، التنبيه المباشر بمختلف الوسائل للسياسة الضارّة بالسلام الدولي، وخاصّة من جانب أستاذ باحث في مجال السلام الدولي. فلا حاجة إلى مزيد من الخبراء الألمان الذين يحاولون أن يعيدوا المياه إلى مجاريها على صعيد العلاقات الأوروبية الأمريكية، وحتى على حساب السلام الدولي والأوروبي، لكنّ الحاجة كبيرة إلى كلام حازم لخبير قادر على النقد الموضوعي وعلى تقديم الحلول الأفضل لسياسة متوازنة. وهذا ما يفعله «تشيمبيل» في كتابه، فهو يكمّل نقده بطرح حلول بنّاءة، تثبت أنّه ليس معارضاً لضرورة مكافحة الإرهاب، ولكن يتحدّث هنا عن طريقة أخرى وإن لم تكن جديدة؛ فالمطلوب اتباع سياسة موحّدة تتقرّر عبر المؤسسات الدولية وتتضمّن إجراءات وقائية تستأصل الأسباب المؤدّية إلى ظاهرة الإرهاب. وقبل وضع الوسائل السليمة لهذا الغرض يجب - كما يقول «تشيمبيل» - تحليل ظاهرة الإرهاب وأرضيته، وهو في نظره «قوّة اجتماعية» ، ويعود هذا التقدير إلى نظريته الأساسية القائلة بوجود تحوّلٍ ملحوظٍ من «عالم الدولي» إلى «عالم مجتمعات» ، وإنّ هذا التحوّل أدّى بدوره إلى تحوّل في السياسة الدولية. صحيح أنّ العالم ما زال منظَّماً دولياً، ولكن تلعب القوى الاجتماعية داخل الدول وقوى اجتماعية على الساحة الدولية دوراً أقوى بكثير من قبل. ويقول: إنّ هذه الحصيلة تحرّر المجتمعات، وإنّ «١١ سبتمبر» أظهر مدى تدخّل مفعول القوى الاجتماعية في السياسة الدولية. حسب قول «تشيمبيل» فإن الولايات المتحدة ترفض تقبّل هذا التحوّل؛ فما تزال مستمرّة في الاعتماد على استراتيجيات قديمة. وصحيحٌ أنّ الدول الأخرى حاولت أن تطوّر أو «تحضّر» العلاقات الدولية، ولكنها ما زالت تعتمد أيضاً على «السياسة الواقعية» القديمة؛ بينما لا يمكن السيطرة على ظاهرة الإرهاب الجديدة وعلى المتغيّرات في الساحة الدولية بأساليب قديمة؛ فالحاجة قائمة الآن إلى تصميم جديد للسياسة الأمنية التي تقيس دور الدفاع العسكري وهو أهمّ ركن لأمن الدول بالمتطلبات الحديثة أولاً، وأن تعزّز دور سياسة التنمية وإعادة بناء الدول ثانياً. ويعدّد المؤلف بعض مواطن الضعف التي يمكن أن تشكّل خلفيات العمليات الإرهابية في ١١/٩، وليس أسباباً لوقوعها، وهي مثلاً القضية الفلسطينية والسياسة الأمريكية في العراق، وعدم التوازن في توزيع الثروات والخيرات في العالم، ثمّ الهيمنة الغربية على النظام الدولي.. إلخ. يوجّه «تشيمبيل» اقتراحاته إلى الحكومات الأوروبية؛ فعليها أن تدعم أمريكا للتخلّص من «فكرها التائه» الذي يعتمد على القوة العسكرية فقط لتنظيم العالم، وعلى أوروبا أن تقدّم الخيار البديل عن الهيمنة الأمريكية. من هذه الاقتراحات أن تساهم أوروبا في سدّ «منابع» الإرهاب، فعليها مثلاً أن تعزّز نشاطها في العمل على حلّ صراع «الشرق الأوسط» ، وعلى مكافحة الفقر، بالإضافة إلى دعم التطور الاقتصادي في الدول النامية، وعليها أيضاً دعم ترسيخ نظام دولي يضمن للدول الأضعف حقّها في المساهمة في صنع القرارات، ومن الضروري إعادة الحياة إلى الأمم المتحدة، وإلى تنشيط مجلس الأمن الدولي التابع لها. أمّا بالنسبة إلى السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، فينبغي تجديدها وتطوير تسليحها، كي يتخلّص الاتحاد الأوروبي من اعتماده على قوّة الولايات المتحدة. ويبقى «تشيمبيل» واقعياً في إدراكه أنّ التوجّه الحالي لنظام «تحالف أمريكي» (Americana Pax) سيحدد المستقبل الدولي خلال السنوات القادمة؛ إذ تجد الزعامة الانفرادية الأمريكية تقبّلاً من جانب دول عديدة، رغم تحوّلها إلى سيطرة انتقائية تعتمد على القوة قد قلّل من دعمها. وعند قراءة كتاب «تشيمبيل» يجد القارئ أنّ خطر السيطرة الأمريكية على العالم أكبر في الواقع من خطر الإرهاب. ويوجّه الكاتب خطابه إلى القارئ بصورة غير مباشرة في الجزء الأخير من كتابه، عندما يشجّع على العمل مشيراً إلى إمكانية تغيير الأوضاع الراهنة عبر التعاون بين القوى السياسية والاجتماعية؛ فالمطالب التي تطرحها القوى الاجتماعية، يمكن أن تدعم الزعامة الأوروبية في العمل على تطبيق سياسات دولية أخرى. ث - الحقيقة الممنوعة: كتاب «الحقيقة الممنوعة» للمؤلفيْن الفرنسيين «جين شارل بريزار» و «غيوم داسكيه» [٣] كتاب يبدو للوهلة الأولى مبشّراً بصورة إيجابية؛ فحسب المقدّمة المنشورة على غلاف الكتاب يكشف الخبيران في شؤون المخابرات القناع عن وجود «عناصر سياسية خطيرة وراء حدث ١١ سبتمبر» ، ولا غرابة في أن يجد هذا الكتاب الذي أصدرته دار نشر ألمانية كبيرة اهتماماً كبيراً لدى القرّاء عبر عنوانه وعبر مقدّمته المثيرة؛ فقد سجّل بيع حوالي ٢٠٠٠٠ نسخة في الأسبوعين الأولين بعد صدور ترجمته في ألمانيا، ثمّ احتلّ مكانه على القائمة السنوية للكتاب الناجح في عام ٢٠٠٢م. ويبدو أنّ العنوانين الرئيسي والفرعي كانا وسيلة إغراء للقرّاء فحسب، وليس للتعبير عن المحتوى بعبارة موجزة؛ إذ يقول العنوان الفرعي: «العلاقات المتشابكة بين الولايات المتحدة وأسامة بن لادن» ، وصحيح أنّ هذه العلاقات كانت بالفعل موضع البحث في الفصل الأول القصير من الكتاب، ولكنّ الموضوع الرئيسي الذي يطرحه المؤلفان هو: السعودية وشبكاتها وعوائلها التي تدعم الأصولية الإسلامية. ينطلق المستشار الاقتصادي «بريزار» والصحفي «داسكيه» من اعتبار مسؤولية «بن لادن» وتنظيمه عن تدبير عمليّات «١١ سبتمبر» أمراً مفروغاً منه لا يحتاج إلى تمحيص، ويطرحان سؤالهما الرئيسي عن الأسباب التي أدّت إلى نشأة هذا التنظيم وقوّته، وينطلقان من ذلك إلى تركيز البحث على السعودية من حيث الوضع المالي فيها ونظام البنوك والمنظمات الخيرية والحماية السياسية لبعض الأشخاص، وغير ذلك، ويستندان في الكتاب إلى وثائق استخباراتية أولاً، وأخبار وسائل الإعلام ومراجع اقتصادية عامة ثانياً. ويصل الكاتبان إلى نتيجة تقول إنّ المملكة العربية السعودية والعائلة الحاكمة فيها هي التي حرّكت «العجلة الشيطانية» للإرهاب بما أدّى إلى «١١ سبتمبر» . أمّا الولايات المتحدة فيقتصر الأمر على أنّ جزءاً من الحزب الجمهوري ساعد في تحريك تلك «العجلة» . وتعطي هذه النظرية الأساسية صورة عن صياغة الكتاب ولهجته، وهي حافلة بالعدوانية تجاه السعودية وبكثير من الحذر في توجيه بعض اللوم إلى الولايات المتحدة وسياستها. يتناول الفصل الأول «العلاقات السرية بين الولايات المتحدة وبن لادن» بإيجاز الحديث عن مصالح أمريكية أدّت إلى دعم وصول طالبان إلى السلطة، ثمّ علاقات التفاوض معها، بينما تتحدّث سائر الفصول الأخرى للكتاب عن أنّ الدعم الأكبر لطالبان ولسواها من الأصوليين يأتي من السعودية، ومن العائلة المالكة، ومن خلال النشاط التجاري والأعمال المصرفية والمنظمات الخيرية على السواء. وابتداء من العنوان يظهر في الفصل الثاني المقصود من محتواه، فهو: «مملكة المخاطر كلّها» ، ويسعى الكاتبان فيه إلى تسليط الضوء على «العلاقات المتشابكة» في هذه الميادين، مع تأكيد الدعم السعودي لترويج «مذهب متطرّف» ولتوجّهات «أسامة بن لادن» . إنّما يظهر الخلل عند التأمّل في محاولة تقديم الأدلّة على هذه النظرية؛ ففي نظر الكاتبين يكفي كدليل قولهما مثلاً: (قدّمت السعودية والمنظمات الإسلامية التابعة لإشرافها الدعم المالي لسائر الشبكات الإسلامية تقريباً، الموجود منها في العالم الغربي أو في الشرق الأوسط «. ويعمل المؤلّفان على تأكيد أنّ الدعم المالي السعودي هو لنشاط إسلام» عقائدي «و» رجعي «وأصولي) ، ويعزّزان هذه المقولة بتخصيص فصل من الكتاب للحديث وفق وجهة نظرهما عن نشأة المذهب الوهّابي وعن تفسيره» المتخلّف «للقرآن الكريم. ومن الأدلة، أو ما يعتبره المؤلّفان» أدلّة «، تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام ١٩٦٢م لدعم جهود دعوة الشعوب إلى الإسلام، وما تلقّته من أموال هائلة للقيام بنشاطاتها، من بناء مساجد وتمويل مراكز إسلامية في أنحاء العالم. ويعدّد المؤلّفان مزيداً من الآليات الأخرى المتّبعة في نشر الإسلام » المتطرّف «ومن ثَمَّ لدعم مجموعات تستخدم العنف بشكل مباشر أو غير مباشر، ويذكران مؤسسات عديدة، منها مثلا» بنك فيصل للتمويل « (Bank Finance Faisal) ومؤسسة» الدلّة «، وحتّى منظمة مؤتمر العالم الإسلامي؛ فضلاً عن مبادرات خاصّة من جانب الأمراء السعوديين، وأعمال اقتصادية لرجال أعمال سعوديين.. وجميع ذلك ممّا يمكن أن يثير انتباه قارئ لا يعرف تلك الأسماء أو المؤسسات من قبل، وقد يثير حبّ الاستطلاع لديه لمعرفة المزيد، ولكن لا يأتي الكتاب بمزيد. في خطوة تالية يوجّه المؤلّفان اتهامات مشابهة إلى منظمة» الإغاثة الإسلامية الدولية « (Organisation Relief Islamic International) فيصفانها بأنها هيئة وساطة لتمويل الناشطين في» إسلام العنف «، ويقولان إنّ» أسامة بن لادن «استفاد منها وفق معلومات المخابرات المركزية الأمريكية. ثمّ يضيفان إلى ذلك أنّ هذه الهيئة تحظى بدعم شخصيات سعودية معروفة كوزير الدفاع السعودي الأمير» سلطان بن عبد العزيز «، ولكن لا يورد المؤلّفان أدلّة ما على » تورّط «الهيئة فعلاً في تمويل أي عمل أو جهة متّهمة بالإرهاب، إلاّ إذا أردنا إعطاء وصف» دليل «على قولهما بوجود شهادة سرية لدى مراجع استخباراتية أدلى بها شخص كان يتبع سابقاً لجماعة» أبو سيّاف «جنوب الفيليبين، واتّهم فيها المكتب التابع للهيئة هناك بأنّه يُستخدم غطاء لمشاريع إرهابية. ويمكن العثور على مزيد من الأدلة من هذا القبيل مثل محاولة تأكيد اتهام هيئة الإغاثة بدعم الإرهاب عن طريق ذكر وجود بند في ميزانيتها السنوية بعنوان » نفقات خاصة «، يتحدّث عن إنفاق مبلغ ١٤٠ مليون دولار في الفترة ما بين ١٩٨٤م، أو ذكر وجود عنوان واحد لهيئة الإغاثة و» الهيئة الدولية للتنمية « (Foundation Development International) ، التي يقول المؤلّفان إنّ أحد مؤسسيها، وهو رجل الأعمال السعودي» محمد سالم بن محفوظ « يموّل» صديقه أسامة بن لادن «، ولا يورد الكاتبان شيئاً يثبت ذلك. وفي إطار الحديث عن نظام البنوك في السعودية من زاوية إثبات علاقتها بدعم الإرهاب، يعتبر الكاتبان عدم تضمين سجلات البنوك التي يسدّد زبائنها » الزكاة «على الأسهم المالية، سجلات تكشف أين أنفقت هذه الزكاة، ما يرجّح وفق تحليل الكاتبين أنّها تصل بعيداً عن الرقابة إلى جهات إسلامية من قبيل منظمة » الإغاثة الإسلامية العالمية «. ويلفت النظر في بعض ما أورده الكاتبان أنّ حرصهما على إثبات الاتهامات على السعودية يجعلهما يذكران في سياق تعداد أدلّتهما مؤسسة» وادي العقيق « وهي في السودان، أو» بنك دبي الإسلامي «وهو في الإمارات. وتبقى الحصيلة هنا كحصيلة الفصلين الثالث والرابع من الكتاب، الحافلين بعدد كبير من أسماء شركات وفروع ومساهمين، أقل من أن تسوِّغ وصول المؤلّفين إلى النتيجة التي يعبّران عنها في صيغة تساؤل يقول:» هل كانت السعودية تلعب بالنار من خلال دعم أغراض الإسلام المتطرّف؟ «. مقابل هذا التركيز على السعودية كان المؤلّفان يقلّلان من حجم الدور الأمريكي في دعم» أسامة بن لادن «، ويميّزان بين هذا وذاك بالقول إنّ الدعم السعودي » جزء من سياسة واضحة مستهدفة لتعزيز الإسلام في العالم «وإنّ» أسامة بن لادن «صنعه المذهب» الوهّابي «وهو» أداة للسعودية «و» رمز لأهمّ المصالح الدينية والمالية للمملكة «.. أمّا دعم الولايات المتحدة له فكان » محدوداً وغير مباشر «واقتصر على» حربه ضدّ الاتحاد السوفييتي؛ فهو «نتيجة غير مقصودة لطموحات إقليمية أمريكية» . بهذا الصدد يعالج «بريزار وداسكيه» المصالح التي أدّت أولاً إلى استلام طالبان الحكم في أفغانستان، وحصولها على دعم أمريكي، وأدّت ثانياً إلى استمرار الصلات معها رغم مشكلات ظهرت بسبب السياسة المستفزّة التي مارستها الحركة، بينما بدت طالبان قادرة على تحقيق الاستقرار والأمن بعد الفوضى التي سادت إثر انسحاب الاتحاد السوفييتي. ويفسّر المؤلّفان التمسّك الأمريكي بتلك الصلات رغم الصعوبات والخلافات الكبيرة وخاصّة بعد وصول «بوش» إلى الحكم، بوجود مصالح اقتصادية مهمّة، ومرتبطة بضرورة الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى. ويشيران إلى أنّ العديد من المسؤولين في حكومة بوش لديهم ارتباطات متينة بالشركات النفطية التي يهمّها بناء أنابيب للغاز والنفط عبر أفغانستان وخاصّة بعد أن ازدادت المنافسة من جانب روسيا والصين. ويقولان إن اللقاء الأخير قد انعقد في شهر يوليو لعام ٢٠٠١م في إطار المحادثات ٢ + ٦ لمندوبي الدول الستة المجاورة لأفغانستان ومعهم الولايات المتحدة وروسيا، وبعد إخفاق هذا اللقاء هدّد مندوب الحكومة الأمريكية طالبان بعمليات عسكرية حسب معلومات المؤلفين. والمشكلة الرئيسية بالنسبة إلى تعامل الغرب مع «الشبكات» الإسلامية في نظر الكاتبين هي النفط والنتائج الجيوستراتيجية، وعلى أساس هذه النظرية يقدّم «بريزار وداسكيه» مقترحاتهما التالية: يجب أن يعاد النظر في السياسة الخارجية الغربية، ومن ضمنها النفطية، مراجعة دقيقة؛ فالنموّ الاقتصادي في الغرب يعتمد على التحالف مع «دكتاتوريات نفط» وهو ما يشجّعهم على تأييد تعاليم دينية قديمة. وكانت ردود الفعل على هذا الكتاب سلبية في كثير من الأحوال وخاصّةً من جانب أصحاب بنوك فرنسية وشركات نفطية أمريكية وبعض رجال الأعمال الخليجيين. ومنهم مثلاً «يسلم بن لادن» الأخ غير الشقيق «لأسامة بن لادن» ، وقد حاول عبر حكم قضائي مؤقّت منع توزيع الكتاب في سويسرا. والجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب يعتمد على تقرير أعدّه «بريزار» لمركز استخبارات فرنسي في عام ١٩٩٦م وتمّ تجديده سنوياً حتّى عام ٢٠٠١م. وبذا تعتمد الاتهامات أساساً على معلومات استخباراتية وتعزّز الدعاية الأمريكية المحذّرة من خطر «الإرهاب الإسلامي» ، وتساهم في قلق كثير من المسلمين عبر توجيه الاتهامات إليهم. ويسوغ الكتاب للرأي العام إفساح المجال للمخابرات الغربية للتدخّل في عمل المؤسسات الإسلامية والعربية العديدة، ولتحقيق كثير من المصالح الأمريكية والغربية في الدول الإسلامية، وللطعن في نزاهة أشخاص معيّنين وتشويه سمعتهم، وذلك عبر أسلوب مراقبة باتت لا تقتصر على المؤسسات الإسلامية بل تمتدّ لتشمل الدول أيضاً ومن يحكمها بصورة إجمالية، مع توجيه التهم إليهم، ولا سيّما أنّ المؤلّفين يعتمدان في الكتاب على الأسلوب الاستخباري بوضوح. ومن الغريب أن حكومات الدول الإسلامية تقبل رغم ذلك الاعتماد على معلومات تأتي من جانب المخابرات الغربية، بل وتتعاون معها، بدلاً من الدفاع عن نفسها والحفاظ على كرامة شعبها، ومن المهمّ رفض الاتهامات المعمّمة، وردّ الإهانات بشدة، من قبيل ما يوجهه «بريزار وداسكيه» لعامة المسلمين، وهما آمنان من احتمال محاسبتهما. ج - الإرهاب باسم الله: هل يشكّل «الإسلام المتطرف» خطراً جديداً على العالم؟ وما هي الأفكار والهيكليات التنظيمية والجماعات الكامنة وراء الإرهاب، وأيّ هذه الأفكار يرجع في جوهره إلى القرآن؟ منذ الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م وهذه الأسئلة تشغل الإعلام الألماني وعامّة الناس. ومن يبحث عن أجوبة علمية وموثوقة، ويرفض التفسيرات المبسَّطة التي تقدمها معظَم وسائل الإعلام، يمكن أن يستفيد من كتاب البروفسور «بيتر هاينه» بعنوان «إرهاب باسم الله.. قوّات متطرّفة في الإسلام» [٤] ، وهو كتاب يمكن الحصول عليه مجّاناً من المركز الاتحادي للتوعية السياسية، ويحتوي على خلفيات مفصّلة تقدَم للقارئ الألماني فكرة شاملة عن نشأة ما بات يُعرف بالإرهاب ذي الطابع الإسلامي وتطوّره. و «بيتر هاينه» أستاذ جامعي معروف، من إصداراته مثلاً «معجم الإسلام» بالألمانية، ويعَدّ من مراجع علم الاستشراق الجامعي، ويهدف في كتابه هذا إلى تقديم معلومات مضبوطة للتعريف بالفارق ما بين: أولاً «الأصولية الإسلامية» ، وثانياً «الإسلاميين المتطرفين» ، وثالثاً «الإرهابيين المتطرفين» ، وكذلك لبيان العلاقة بينهم. ويعرب في هذا السياق عن تقديره لإشارة معظم السياسيين والصحفيين إلى خطأ تعميم تهمة «الإرهاب» على عامّة المسلمين، ولكن لا يكفي هذا فيما يراه، بل يريد أيضاً التمييز فيما يتعلق بالصيغ الإسلامية غير المقبولة عموماً من جانب الألمان؛ إذ يؤكد في أكثر من موضع وجود تيّارات متعدّدة داخل ما يُطلق عليه وصف الأصولية الإسلامية تعميماً، ولا ينبغي اعتبار المزج أو الخلط بين تلك التيارات أو بينها وبين التطرّف الذي يلجأ إلى استخدام العنف والإرهاب. على صعيد آخر يعارض الكتاب التبسيط في طرح الأسباب، فيعالج الخلفيات المتعدّدة التي يمكن أن يكون لها دور في نشأة التطرّف المستعدّ لاستخدام العنف في العالم الإسلامي. وهذا التمييز ضروري للغاية نظراً إلى القلق المتزايد داخل المجتمع الألماني، بعد أن أشارت المخابرات الأمريكية إلى وجود مقرّ لمدبّري عمليات «١١ سبتمبر» في ألمانيا. ويبحث «هاينه» الموضوع بطريقة منظّمة على خطوات مبني بعضها على بعض، منطلقاً من نظام التشريع في الإسلام، ومن مواضيع تاريخية، ونظريات مفكرين إسلاميين ودعاة إصلاح متطرفين، إلى أن يصل في النهاية إلى ظاهرة «الإرهاب الإسلامي» ، وجميع ذلك بما يتضمّن شرح الجوانب ذات العلاقة بالأوضاع والأفكار والتطورات التي أدّت إلى نشأة الإرهاب والتطرف في العالم الإسلامي. - يعالج - بصورة مختصرة ولكن كافية وواضحة - نظام التشريع الإسلامي وتطوّره مع مراعاة خاصّة لمصطلحات الجهاد والشهادة والقتال. ويوضّح للقارئ تعدّدية آراء الفقهاء في هذه المواضيع والأحكام العامة حولها. كما يبيّن في هذا الفصل مواضع الخلط في المقارنة بين التشريع الإسلامي والتقنين الغربي والعرف التقليدي، ممّا يوصل إلى أوضاع «قانونية» غير مستقرّة داخل العديد من الدول الإسلامية. ثمّ يلفت النظر إلى عدم وجود تدرّج في المراتب داخل نطاق نظام التشريع الإسلامي، ليبيّن عدم وجود شخصية معترف بها عموماً كمرجعية أعلى من سواها، كما هو الحال مع البابا في النصرانية، والتي يمكن أن تحسم خلافات الآراء بين الفقهاء. ومن منظوره أن هذا «النقص» هو الذي يسمح بوجود تصوّرات تخالف المبادئ الإسلامية، واعتبر ذلك «نقصاً» يسمح لجماعات متطرّفة باستخدام مصطلح الجهاد لمنح نفسها مسوّغاً عقائدياً في ارتكاب أعمال إرهابية ودون مراعاة الحدود التي وضعتها الشريعة الإسلامية نفسها لاستخدام القوة. - وينظر «هاينه» في التاريخ الإسلامي باحثاً عن نماذج لوجود «طاقات ذاتية» داخل التيارات الإسلامية في اتجاه تشكيل جماعات سرية إرهابية، فيجد في قصة السّاسانيين وزعيمهم «حسن صباح» من عام ١١٠٠ ميلادي مثالاً؛ إذ كانت هذه الحركة الشيعية تمارس عمليات قتل في عهد «نظام الملك» الذي وجد مصرعه باغتياله على أيديها. ويحاول «هاينه» في مقارنته بين الساسانيين وجماعة بن لادن طرح «صور نمطية» يمكن أن توضّح الجانب النفساني والتنظيمي والأساليب المتبعة وراء ظاهرة «إجرام المتطرّفين في العالم الإسلامي» في الوقت الحاضر. - وفي خطوة تالية يلقي المؤلّف الضوء على نشأة العنف في المنطقة الإسلامية في نطاق الكفاح ضدّ الاستعمار الأوروبي، فيشرح كيف تكونت مقاومة يوجّهها زعماء مسلمون ردّاً على السلوكيات والتصرفات المهينة من جانب المستعمرين؛ فكان المواطنون المسلمون في جميع الدول الإسلامية المعنية يرفضون السيادة الأوروبية على بلدانهم لأسباب دينية في الدرجة الأولى. وقد ترك الاستعمار بصماته في المجتمعات الإسلامية فسبّبت خلافات كبيرة بين الحكّام القوميين الذين فرضوا أنظمة علمانية في بلدانهم الإسلامية مع تقليد الحضارة الغربية من جانب، والحركات المعارضة الإسلامية من جانب آخر والتي مارست السلطات مختلف الأساليب لقمعها، كما يقول «هاينه» . ويشير هنا إلى إخفاق سياسات هذه الحكومات، والتي أدّت في الوقت نفسه إلى لجوء كثير من المسلمين إلى اتباع «وعّاظ» متطرفين؛ لأنهم لم يروا أمامهم حلولاً للأزمات السياسية والاقتصادية المستمرّة إلاّ عبر أساليب متطرّفة. - والجانب الآخر الذي يعالجه الكتاب كخلفية لظاهرة «التطرّف الإسلامي» هو نظريات المفكّرين الإسلاميين المجدّدين، مثل «جمال الدين الأفغاني» و «محمد عبده» ، الذين دخلوا في مناظرة فكرية مع الغرب، وتمكّنوا من التأثير عبر تصوّراتهم وأطروحاتهم على كثير من المفكرين المسلمين. ورغم أنّ المؤلّف يعطي صورة غير مشوّهة عن الأفكار الرئيسية لتلك الشخصيات، إلا أنّه يعتبر رجوعهم إلى عهد نزول الوحي «مشكلة» ؛ فمن وجهة نظره كان ذلك باباً فُتح وفق تعبيره على عالم فكري «تورّط في وهم رجعيّ يتمثّل في الاعتماد على تمجيد حياة الرسول ﷺ » . ويخلص المؤلّف إلى القول: إنّ التطرّف في العالم الإسلامي خطا أولى خطواته اعتماداً على نظريات جاء بها هؤلاء المفكّرون. ويبيّن هذا الاستنتاج أنّ النيّة الحسنة والخبرة العلمية الواسعة لا تكفيان وحدهما لاستيعاب نظريات المفكرين الإسلاميين وفهم مقاصدها؛ إذ يبقى تأثير حاجز يمنع المستشرق الغربي من فهمها فهماً متوازناً، وهو ما يرجع إلى أنّ منظوره «العلمي» يعتمد على موازين مستمدّة من خارج منظومة الفكر الإسلامي. ولكن يبقى «هاينه» في تفسيراته عموماً أهون شأناً بكثير من سواه من المستشرقين الألمان. - ويتكلم «هاينه» فيما بعد عمّن يصفهم بـ «المجدّدين المتطرّفين» مثل الإخوان المسلمين، والذين يعتمدون على نظريات المفكرين الإسلاميين الأسبقين، ولكن يزيدون عليها دعوتهم للعمل المشترك لبناء مجتمع يعتمد على الشريعة الإسلامية. - وفي النهاية يصف الانتقال من «الأصولية الإسلامية» إلى ظاهرة «الإرهاب» في التسعينيات الميلادية، ويشرح في هذا السياق الفرق بين الإرهاب التقليدي والإرهاب الحديث الذي يقدّر بأنه الأخطر بكثير. ويقول إن السبعينيات والثمانينيات الميلادية شهدت قيام بعض المجموعات الإرهابية الإسلامية وغيرها بعمليات عنف، ولكنّ أكثرها انتُزع من بلاده الأصلية ففقد علاقته الإقليمية بها، ووجد كثير من أتباعها مجالاً لنشاطاتهم في أفغانستان والشيشان والبوسنة. وتحول هؤلاء المجاهدون إلى جماعات من «جنود مرتزقة» ، خفيفة الحركة، قابلة لخوض القتال في أي مكان من العالم لخدمة أغراض إسلامية. ويصف الكاتب هؤلاء المقاتلين بأنّ أكثرهم ينتمون إلى عائلات الطبقة الوسطى، ولديهم خبرات مع المجتمعات الغربية، ومِحور حياتهم هو الجهاد بمفهومه العنيف. وفي هذا السياق يعرض الخلفية الأيديولوجية والثقافية والمادية «لأسامة بن لادن» . ويتضح من عرضه أنّ السياسة المستفزّة من جانب حكومات الدول الإسلامية وعبر التدخّلات الخارجية في المنطقة، كانت من المسبّبات الأساسية التي تدفع المسلمين إلى التطرّف. البحث الذي يقدمه «بيتر هاينه» في كتابه يوضّح جهده الخاص في الحرص على تقديم عرض موضوعيّ غير منحاز للمعلومات الخلفيّة والتحليلات. وقد نجح في ذلك في معظَم المواضع، لا سيّما على صعيد الإشارة الهامّة إلى العلاقة بين الاستعمار والحكومات العلمانية من جانب ونشأة الجماعات المتطرّفة كحركات معارضة من جانب آخر، كما أنّ شرحه لظاهرة الإرهاب الجديد وخلفيّاته تدلّ أيضاً على خبرة علميّة واسعة في هذا المجال. إنّما ينبغي نقد عدم توضيحه لحقيقة عدم إقدام المفكرين الإسلاميين على التحريض لاستخدام العنف الإرهابي، وإن اعتُمدت أفكار بعضهم لتسويغ الإرهاب؛ فقد يرجع ذلك إلى أخطاء من جانب المتطرّفين في فهم نظرياتهم مثلاً. صحيح أنّ الكاتب لا يذكر في كتابه مباشرة كيف ينظر إلى العرض الرسمي الأمريكي بصدد اتهام «أسامة بن لادن» وتنظيمه بتدبير عمليات «١١ سبتمبر» ولكن يتّضح للقارئ عموماً أنه يتوقّع من الإرهاب الجديد الذي تمارسه هذه الجماعة حسب قوله القدرة على مثل هذا العمل. وبالإشارة إلى العولمة وظاهرة الإرهاب الجديد العامل على مستوى عالمي، يرى البروفسور «هاينه» أنّ بذل الجهود في العمل على تخفيف الفقر والتخلّف وعلى حلّ النزاعات في العالم أجدى من بذل المساعي الكبيرة لحماية الغرب من اعتداءات إرهابية ومن قدوم مزيد من اللاجئين.

стр. 4775

الباب المفتوح التعزيز الإيجابي مفتاح مضمون لتغيير السلوك الإنساني مهيوب خضر m_qub@hotmail.com لطبيعة التفكير من حيث الإيجاب والسلب أبلغ الأثر في فهم أحداث الحياة والتعامل مع حيثياتها، ولأهمية الأمر دأب علماء النفس والاجتماع على دراسة هذا الموضوع في محاولة للارتقاء بالسلوك الإنساني نحو الأحسن والأفضل ليعم الخير، ويسعد الناس بتحقيق النجاح؛ وخلصوا في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها أن التعزيز الإيجابي هو مفتاح مهم لتغيير سلوك الإنسان نحو الهدف المطلوب. يعرَّف التعزيز الإيجابي على أنه مؤثر داخلي يبعث النفس البشرية على الارتياح، ويُسهم في تحفيز طاقة الإنسان وجهده نحو الهدف بكل رغبة واقتناع. ويؤكد علماء النفس والاجتماع على أن مفهوم التعزيز الإيجابي مفهوم عملي يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان، وعلى جميع الأصعدة الإدارية منها أو السياسية أو التعليمية أو الاجتماعية، أو غير ذلك. ويشير رسولنا الكريم ﵊ إلى أهمية هذا المبدأ في أحد أهم مسائل تربية الأولاد ألا وهي تعليم الصلاة، فيقول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين» [١] . ويلاحظ في هذا الحديث كيف ترك الرسول ﷺ مسافة ثلاثة سنوات بشهورها وأيامها ودقائقها لاستخدام كافة وسائل التعزيز الإيجابي المتاحة لترغيب الأبناء على تعلم الصلاة، والتي هي ركن من أركان الإسلام الخمسة، قبل اللجوء إلى العقاب بالضرب وهو أحد وسائل التعزيز السلبي. ولتوضيح الصورة أكثر يمكننا أن نمر على بعض التجارب والشواهد التاريخية: عمر بن عبد العزيز: الخليفة الراشد الخامس كان من الأوائل الذين فهموا واستنبطوا أهمية مبدأ التعزيز الإيجابي في الحياة وأثره في تغيير واقع السلوك الإنساني من خلال المنهج القرآني الذي تربى عليه، فكانت النتيجة أنه استطاع خلال مدة خلافته التي لم تتجاوز سنتين وخمسة شهور أن يغير واقع الحياة نحو الأفضل، على الرغم مما كان قد سبق عهده من مظالم وفساد إداري، وصراع على السلطة والجاه والمال. كتب والي خراسان إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والعنف مع أهلها قائلاً في رسالته للخليفة: «إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط» . فكان رده التقي الحازم المبني على فهم دقيق لأهمية مفهوم التعزيز الإيجابي ودوره في تغيير السلوك الإنساني: «كذبتَ.. بل يصحلهم العدل والحق؛ فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين» [٢] . إن اعتماد عمر بن عبد العزيز لهذا المفهوم في سياسة الدولة جعل الخوارج يضعون أسلحتهم للمرة الأولى، وكانوا قد استعصوا على بقية الخلفاء، فكانت هذه نادرة من نوادر تاريخ عمر ﵁ ومنقبة من مناقبه. كان هذا على صعيد إدارة الدولة وسياسة الأمة، أما على صعيد التربية والتعليم؛ فلقد أجرى علماء التربية الكثير من التجارب العملية لأجل التعرف بالأرقام على قيمة مفهوم التعزيز الإيجابي وأثره الحقيقي، وكان أحد أهم هذه التجارب تجربة هيرلوك المشهورة، أجريت هذه التجربة على ١٦٠ طفلة في المرحلة الابتدائية، قسمتهم الباحثة على أربع مجموعات متكافئة على أساس القدرة الحسابية والعمر الزمي، وطلبت من هؤلاء التلاميذ حل أكبر عدد ممكن من المسائل الحسابية في فترة زمنية طولها ١٥ دقيقة، وقد استخدمت ٥ فئات متعادلة من هذه المسائل (كل فئة تتألف من ٣٠ مسألة) أعطت كل منها على حدة. وكانت مجموعات المفحوصين كما يلي: ١ - مجموعة اللوم: وفيها كان يطلب من كل تلميذة أن تقف أمام طالبات الفصل جميعاً عقب انتهاء كل محاولة وتلام وتوبخ على أخطائها وعلى الإخفاق الذي أحرزته وهي لا تعلم عن أدائها الفعلي شيئاً. ٢ - مجموعة المدح: وفيها كان يطلب من كل تلميذة أن تواجه طالبات الفصل وتمدح على أدائها الحسن دون أن تعلم بالطبع طبيعة أدائها الحقيقي في حل المسائل المعطاة. ٣ - مجموعة التجاهل: وكانت تسمع مدح أو لوم المجموعات الأخرى، إلا أنها لم يكن يشار إليها مطلقاً خلال هذه المواقف التعليمية. ٤ - المجموعة الضابطة: وكانت تعمل في حجرة منفصلة ولم تتلق أي لوم أو مدح، كما أنها لم تلاحظ ما يوجه إلى غيرها، كما لم تعلم بالطبع طبيعة أدائها. وتوضح نتائج التجربة أن متوسط نتائج التلميذات في المجموعات الأربع كان متساوياً تقريباً في بداية التجربة، وبعد ذلك لوحظ أن أداء مجموعتي المدح والذم كان متعادلاً تقريباً، وكانت درجاتهما أعلى من أداء مجموعة التجاهل والمجموعة الضابطة، وبعد ذلك زادت مجموعة المدح تحسناً، وزادت مجموعة الذم سوءاً [٣] ؛ هذا مع التذكير بأن المجموعات قد قسمت من البداية على أساس تساوي القدرات العقلية والعمر الزمني. إن هذا المفهوم يحتاج من المسؤولين آباءً كانوا أو معلمين أو إداريين وقفة في أسلوب التعامل مع من هم في أماناتنا ومسؤولياتنا من البشر، أطفالاً كانوا أم كباراً؛ فمبدأ التعزيز الإيجابي لا يعرف للعمر أو الشكل أو الجنس أي قيمة، إنما هو التعامل مع النفس البشرية؛ فهل ندرك الآن في أسلوب تعامل الأم مع طفلها في البيت على سبيل المثال الفرق بين العبارتين التاليتين: ١ - إذا لم تكتب واجب المدرسة فسوف أضربك. ٢ - إذا كتبت واجب المدرسة فسوف أعطيك هدية أو آخذك في نزهة إلى الحديقة. إن تأثير مبدأ التعزيز الإيجابي يعتمد أساساً على صناعة الرغبة الداخلية للسير نحو الهدف بأقصى سرعة وطاقة ممكنة، وهذا ما يمكن أن نراه بالعين المجردة إن أردنا أن نجرد ونشاهد. كانت إحدى المدن الأوروبية السياحية تنعم بنظافة بيئية متميزة، وكان أحد أهم أسباب جمالها إضافة إلى تلك المناظر الطبيعية الخلابة التي تتمتع بها، وعلى مر السنين ساءت أحوال النظافة في المدينة حتى أصبح منظر القمامة على الأرض شيئاً مألوفاً، وكثر الذباب، وفاحت الروائح السيئة؛ ولأجل حل هذه المشكلة والخروج من هذا المأزق الذي سبب خسائر اقتصادية فادحة لأهل المدينة، عقد مجلس البلدية جلسة خاصة لمناقشة الأمر، وخرج المجلس بقرار يفرض عقوبة مالية على كل من يتساهل في ضوابط نظافة المدينة أو يعمل على تشويه جمالها وبيئتها، ومرت الأيام وزادت الحال سوءاً، ولم يكن للقرار المتخذ أي فائدة ترجى، ومن ثم اضطر المجلس للانعقاد مرة ثانية لمناقشة الأمر، وفي هذه المرة أصدر المجلس قرارات هي أشد من الأولى حيث ضوعفت الغرامة المالية على كل مقصر، حتى وصل الأمر إلى السجن، ومع كل هذه الإجراءات الصارمة لم تحل المشكلة وبقيت المدينة على حالها، وعندها أدرك المجلس البلدي أنه لا بد من السير في اتجاه آخر لحل المشكلة، هذا الاتجاه هو استخدام مبدأ التعزيز الإيجابي بدلاً من السلبي، وفعلاً وبعد طول بحث توصلوا إلى فكرة اختراع نوع جديد من حاويات القمامة، عندما تلقى فيها القمامة تخرج صوت صوتاً جميلاً مميزاً يقول للشخص المقابل: شكراً. وبعد هذا الاختراع الذي استند أساساً إلى استخدام أسلوب التعزيز الإيجابي عادت المدينة لتهنأ بمستوى نظافة متميزة كما كان عليه العهد سابقاً [٤] . الآن وانطلاقاً مما ذكرنا فإن أملنا أن يدرك أهل المسؤولية مديرين كانوا أو رؤساء، آباءً كانوا أو أمهات فاعلية مبدأ التعزيز الإيجابي؛ فلا يلجؤوا إلى استخدام وسائل التعزيز السلبي إلا بعد استنفاد كل ما لديهم من وسائل التعزيز الإيجابي أولاً؛ فهذه هي البداية الصحيحة ومفتاح الحل. لا شك أن عملية التغيير مهمة صعبة، وما ذاك إلا لأن التغيير يحتاج إلى تغيير، وهذا ما نفهمه من قول الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . وهذا الأمر يتطلب من الجهد والفهم والوعي الشيء الكثير؛ فهل نرتقي بأنفسنا لنكون من أهل التغيير ... ؟!

стр. 4776

الورقة الأخيرة إشكالية الفهم في الخطاب الإسلامي سالم فرج سعد متى نستطيع أن نعبّر عن أفكارنا بطريقة مباشرة وصريحة؟ وما هو العائق أمام تلك الطريقة السهلة والميسرة في التعبير والتفكير؟ هل هي مسألة مصالح ومفاسد، أو نجاح وإخفاق، أو قدرة وعجز؟ قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس أن الشكل في فهم الآخر لنا أو عدم استعداده لأن يفهمنا، وهذا وارد.. أو أن الحصيلة العلمية غير كافية لاستيعاب الفكرة وتقبل المتلقي لها بيسر وإدراك.. دع عنك القبول أو الرد! ولو تأملنا جيداً ما يطرح في أعمدة الصحف من تحليلات متفاوتة لمجريات الأحداث اليومية نجد الفارق ليس في الفهم فحسب، بل أيضاً في العرض والأسلوب، وقد يكون حدثاً متغيراً ومتجدداً، فتأتي الفكرة ثابتة غير مرتبطة بتغيره، أو المسؤولية العلمية في الإحاطة بفهم جميع جوانبه ليست موجودة. واللافت للنظر أن هذه الإشكالية في القراءة الأحادية لفهم الفكرة أو الحدث يُتعامل بها أيضاً في استيعاب الخطاب الإسلامي بمنظور مضاد للرأي المخالف، وجهل بإمكانياته الفقهية، وإنكار لأدواته الاجتهادية. والحمد لله وحده أن حفظ لنا الذكر الحكيم: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) . وشرع لنا الوحدة الدعوية في القيام بأمر الدين: [أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (الشورى: ١٣) . لذلك فالنص في الخطاب الإسلامي له مرجعيته القوية من حيث الثبوت والصحة مما لا يدع مجالاً للتحريف أو التحسين والتعديل؛ وإنما الإشكالية تقع في العقل المتلقي لفهم النص، ثم للاستدلال به في عرض الفكرة التي يقدمها الخطاب الإسلامي المعاصر. أظن أن الطريقة هنا مختلفة شيئاً ما! أقصد بين فهم النص والخطاب المتضمن للنص.. ويريد بعضهم أن يجعل الأمر واحداً، فيضفي القداسة على كليهما ليخرج من أعمال العقل وتدبر الآثار المتعلقة بالنص إلى القول بالتصادم الثقافي مع الآخر والانكفاء على الذات في طبيعة الخطاب الديني مما ينتج عنه قتل للإبداع ومواجهة التحديث. ويدفعه سوء الفهم أو سوء القصد لانبهاره بحضارات وثنية أو فلسفات غربية متهافتة ليسوِّغ بها أسلوبه وفكرته: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ] (البقرة: ١٧٠) . نعم! قد يكون في الكراهة المستقرة في نفوس الناس لما يخالفهم أو يختلف معهم سبب في عدم الفهم أو تقريب الخطاب بين الجميع، وكثير منا حين يريد أن يعبّر عن فكرته ليقنع بها الآخرين فإنه يخاطب عقولهم، ويبحث عن أفكار تلائم مقصودهم، فيتعذر عليه أحياناً الإقناع؛ وهذه مشكلة تؤثر سلباً على العقيدة والدعوة إلى الخير بسبب الغوص العقلي في طريق الخطاب. لكن هناك في الخطاب الإسلامي ودون مجاملة من الشمولية ما تجعله يرقى بأسلوبه في الحوار دون إفراط أو تفريط: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) . وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال ﷺ : «أنتم شهداء الله في الأرض» [١] . فالخطاب الإسلامي بشموليته يضع الثقة في إنتاجه والجدية في عمله وعلمه. وإذا تنازل في بعض ما يطرح من أفكار فلا يكون تنازلاً عن مبادئ أو نقضاً لأصوله وموروثه، بل هناك ضوابط تراعي المصالج الشرعية والقيم الإنسانية. لا شك أن هذه ميزات تجعل من المشروع الإسلامي قابلاً للتطبيق وهو ما جعل بعض مفكري الغرب الآن ينادي بخطورة «الإسلام المعتدل» ؛ لأن لديه قدرة على تطبيق فكرته النهضوية بواقعية وهدوء. نعم! يوجد في خطاب العمل الإسلامي فجوات تعاني منها المجتمعات الثقافية في كيفية الفهم الصحيح للموازنة بين ما هو نسبي وما هو مطلق، وبين العقلانية والحداثة، وبين «الأصولية» والعلمنة، وبين الحضارة والسقوط في التبعية، ومن ثم يُنتج فهماً سقيماً وساذجاً لواقع الحركة الدعوية في الخطاب الإسلامي يدفع الآخر للنقد والاتهام: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيمِ ولذلك نجد في كلامنا كثيراً من «الفوضى الفكرية» أو كأنه «شيك بدون رصيد» فيُلقى دون أهلية علمية أو رصيد ثقافي، وتخطيط شامل يفتح المجال للحوار والفهم والقبول. إن آفاق الاجتهاد في الفهم للخطاب الإسلامي واسعة وذات فضاءات منضبطة ومنظمة لمصلحة الفرد والأمة. ومن الحلول المقترحة لإشكالية هذه الأزمة بالتوازن في الخطاب والعمل الدعوي المحرّك لحس الجماهير بين العاطفة والعقل. وبالانفتاح على الآخر بقصد تنمية الثقافة وإيصال الفكرة. وبالواقعية الحضارية في تصحيح مسار القيام بالدعوة إلى الخير بعيداً عن النهج التحذيري أو النهج الصدامي العنيف. وهكذا بإذن الله تسير قافلة الإسلام التي توقفت في وقتٍ تقدَّم فيه حتى عُبَّاد البقر. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 4777

ذو القعدة - ١٤٢٤هـ يناير - ٢٠٠٤م (السنة: ١٨)

стр. 4778

كلمة صغيرة الإدارة بالقيم في كل قطاع من قطاعات العمل يسعى المشرفون عليه إلى تحفيز موظفيهم على مزيد من الإنتاج والعطاء بمحفزات مادية ومعنوية متعددة، ومع غلبة الأدبيات الرأسمالية في العالم أصبحت المادة هي المحرك الرئيس لمعظم العاملين بمختلف درجاتهم وطبقاتهم الوظيفية. وفي الوقت نفسه استحدث الإداريون آليات تنظيمية وتقنية تفرض الرقابة على أداء الموظف داخل مقر العمل وخارجه، وتدفعه إلى الاتقان والانضباط. لكن هل صحيح أن المادة وحدها هي التي توثِّق الصلة بين الموظف ومرؤوسيه؟! وهل المادة هي التي تُكسب العاملين الولاء للمؤسسات التي يعملون فيها؟ وهل الرقابة الإدارية هي التي تضبط سلوك الإنسان الوظيفي، وتزيد من معدل إنتاجيته؟! صحيح أن التعلق بالمادة فطرة يجتمع عليها جميع البشر بمختلف أجناسهم وأديانهم، وليس خطأ أن يحرص الإنسان على تحسين دخله المادي، وأن يُحفَّز العاملون بذلك، لكن نحسب أن المحفِّز الحقيقي هو شعور الإنسان بالمسؤولية، ويتحقق ذلك باستشعار عبودية المرء لله تعالى في ذلك العمل الذي يعمله، فهو يستصحب دائماً معية الله له؛ تحقيقاً لقوله تعالى: [وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ] (الحديد: ٤) ، ويسعى إلى إبراء ذمته، ويتقي الله ويخشاه، فإذا كان رب العمل لا يراه؛ فإن رب السموات والأرضين يراه، [وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] (الملك: ١٣- ١٤) . ولهذا تراه يتقرب إلى الله بزيادة عطائه وإتقان عمله التزاماً بقول النبي ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [١] ، وهذا معنى من معاني الأمانة عظيم، جاء ذكره في قوله : [إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ] (القصص: ٢٦) . إن بناء الثقة في نفس العامل، وتربيته على الاحتساب ومراقبة الله تعالى؛ من أعظم ما يدفع العاملين إلى الحرص على أداء العمل والتفاني فيه.. وبقدر نجاحنا في تحقيق ذلك يكون نجاحنا الإداري.

стр. 4779

الافتتاحية وتلك الأيام نداولها بين الناس الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله ﷺ ، أما بعد: فإن جمهرة الناس ينظرون إلى قوى البغي والعدوان الممثلة اليوم في أمريكا وحلفائها على أنها قوى شريرة تمتلك المال والعتاد لإهلاك الحرث والنسل، وأن لا أحد على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول قادر على أن يوقف إرهاب تلك القوة التي تمتلك إمكانات لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وينقسم الناس إزاء ذلك إلى فئات متعددة؛ فمنهم الذي يبادر ويسارع في استرضاء أمريكا بتنفيذ سياساتها وإعطائها ما تريد؛ على أمل أن تتفادى الانتقام الأمريكي أو الضربة القاتلة، [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] (المائدة: ٥٢) ، ويجلس فريق آخر يائساً بائساً حزيناً كئيباً لا يرى في الخلاص من هذا المأزق أملاً، فيجلس ينتظر متى يحين دوره كما تبقى الشياه تنتظر سكين الجزار، ويبقى فريق ثالث يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً حقيقياً وصادقاً، يؤمنون بما وعد الله ورسوله، ويعلمون السنن التي يجريها الله تعالى في خلقه، فهم يعملون بها ويتصرفون من خلالها، ويغالبون قدراً بقدر حتى يأتي نصر الله الذي وعد عباده المتقين: [فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ] (المائدة: ٥٢) . إن علو أمريكا وحلفائها من قوى الشر والطغيان؛ إنما هو دورة من دورات الزمن، وإن الزمن لن يقف عند هذا الحد، وإن التاريخ لن ينتهي بهذا المشهد بل ستمر دورات ودورات تحقيقاً لقول الله تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس] (آل عمران: ١٤٠) . من كان يظن عندما جهر رسول الله ﷺ بالدعوة إلى توحيد الله العلي الكبير، ونبذ الشرك وعبادة ما سوى الله تعالى؛ بين ظهراني مشركي مكة وساداتها، واشتداد أذى صناديد كفار قريش لمن آمن من المسلمين؟! من كان يظن أن بلال بن رباح ذلك العبد الأسود الحبشي الذي لا قيمة له في نظر المشركين، والذي كان يُعذَّب في وقت الظهيرة في بطحاء مكة الملتهبة، من كان يظن أنه سيرقى يوماً ما على ظهر الكعبة في وجود أشراف قريش وسادتها وهم ينظرون إليه ولا يملكون إلا النظر، وهو يردد بصوته الجهوري الندي وهو آمن ما يكون: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله ... ؟! هذه صورة وقعت في الماضي وغيرها كثير لم يكن أحد يتخيل حدوثها في ظل موازين القوى المختلفة بين الفريقين، ففريق قوي مسيطر يملك كل شيء، وفريق آخر ضعيف مستعبد لا يملك شيئاً، ومع ذلك فقد حدث الذي حدث، وسيحدث من مثله ما شاء الله أن يكون، يدرك ذلك المتقون المؤمنون، كما قال الرسول ﷺ لأصحابه في مكة قبل الفتح، عندما قال له بعضهم من شدة ما يلاقي من الأذى ولا يجد ما يكف به ذلك: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال له الرسول ﷺ : «والله! ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [١] . فهذا الصحابي لما رأى من شدة التباين في موازين القوى بين معسكر الإيمان الضعيف مادياً في ذلك الزمان، وبين معسكر الكفر القوي مادياً، ورأى من خلال المقاييس والحسابات المادية والتصورات العقلية أنه ليس بإمكان المسلمين النصر على العدو، ورأى أن ذلك لا يمكن حدوثه إلا من خلال عقوبة إلهية؛ طلب من الرسول ﷺ الدعاء والاستنصار، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا التصور الذي قد يدفع بعض الناس إلى الإحباط وفقدان الأمل؛ يتمثل في أمرين: الأول: التبشير بالنصر والتمكين؛ وبغلبة الحق وأهله، واندحار الباطل وجنده: «والله ليتمن هذا الأمر» . الثاني: دعوته لهم بعدم الاستعجال، حيث ينبغي عليهم الصبر والتحمل والعمل والجد والاجتهاد والجهاد: «ولكنكم تستعجلون» . وهذا ما ينبغي علينا فعله اليوم إزاء تكبر الأعداء وطغيانهم؛ أن نبشر قومنا بأن النصر حليفهم وإن طال الزمان، وأن على الباغي تدور الدوائر، وأن ندعوهم إلى الإيمان الصادق والعمل الصالح، والجد والاجتهاد والجهاد، [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة] (الأنفال: ٦٠) ، والرسول ﷺ في موقفه هذا ينطلق من السنّة القدرية المكنونة في قوله تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس] (آل عمران: ١٤٠) ؛ أي أن النصر والغلبة في الحروب تكون تارة للمؤمنين على الكافرين، وتارة للكافرين على المؤمنين، وكل ذلك يجري بأسبابه التي قدّرها الله تعالى في إطار المشيئة الربانية التي تحوي حِكَماً عديدة من وراء علو الكافرين أحياناً وتسلطهم على المسلمين. * أسباب إدالة الكافرين على المسلمين: تجتمع أسباب إدالة الكافرين على المسلمين - أي غلبة الكافرين للمسلمين - في كلمة واحدة؛ وهي: (معصية المسلمين ربهم) ، فمتى عصى المسلمون ربهم، وانتشرت بينهم المعاصي بغير نكير منهم، أو بنكير ليس فيه تغيير؛ عاقب الله المسلمين بذلك، وأظهر عليهم الكافرين جزاء ما فعلوا، وقد تبين من النصوص الشرعية أن المؤمنين منصورون غالبون قاهرون لعدوهم مهما كانت قوة العدو وعدده وعدته، ومهما اختلت موازين القوى لصالح الكفار؛ إذا كان المؤمنون صادقين عاملين بما يجب عليهم، تاركين لما نُهوا عنه، قد أخذوا من أسباب القوة ما كان في طاقاتهم ووسعهم، ولم يقصّروا في امتلاك القوة التي يمكنهم امتلاكها، وقد قال الله تعالى مبيناً ذلك: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (المجادلة: ٢١) ، وقال سبحانه: [وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧٣) ، وقال تعالى: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) ، والآيات في ذلك كثيرة. وكان عمر ﵁ يحذر جيوشه المنطلقة للقتال في سبيل الله من الوقوع في المعاصي، ويقول لهم: «إن أهم أمركم عندي الصلاة» [٢] ، ويبين ابن رواحة ﵁ أن المسلمين لا ينتصرون على عدوهم بعدد أو عدة، وإنما ينتصرون بطاعة المسلمين لله، ومعصية الكافرين لله، ويقول عندما استشاره زيد في لقاء الروم بعد أن جمعوا جموعاً كثيرة: «لسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، والرأيُ المسير إليهم» [٣] . وقد كانت الجيوش الإسلامية التي يبلغ تعدادها ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف تقاتل الجيوش الكافرة التي تربو على مائتين وخمسين ألفاً، ثم يكون النصر حليف المسلمين، [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] (البقرة: ٢٤٩) ، ثم يعقب الله على ذلك بقوله: [وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ، والصبر هنا، وفي مثله من المواضع، ليس هو الصبر الذي يفهمه كثير من الناس اليوم بمعنى الإذعان للواقع والاستكانة للظلمة المتجبرين، فإن من كان هذا حاله فإن الله لا يكون معه، وإنما الصبر المراد هنا هو حبس النفس عن الجزع عند ملاقاة العدو، والثبات على الحق، وعدم التخلي عنه أو التحايل عليه، وتحمل المشاق في الدعوة إلى الله والعمل الصالح رجاء ما عند الله من المثوبة [٤] ، وقد بيَّن أهل العلم أن النصر والظفر قرين الطاعة. قال الزجاج: «ومعنى نداولها: أي نجعل الدولة في وقت للكفار على المؤمنين إذا عصى المؤمنون، فأما إذا أطاعوا فهم منصورون» [٥] . وقال القرطبي: « [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس] (آل عمران: ١٤٠) ؛ قيل هذا في الحرب تكون مرة للمؤمنين لينصر الله دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون؛ ليبتليهم وليمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون» [٦] . ومن هنا يتبين أن الجيش المقاتل في سبيل الله عليه أن يحرص على الطاعات والبعد عن الوقوع في المعاصي؛ مثل أو أكثر مما يحرص على امتلاك السلاح المتقدم، فإن السلاح المتقدم بيد العاصي الخوار الجبان أقل غنى من السلاح العادي بيد الطائع القانت لربه، [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً] (الأنفال: ١٧) . * الحكمة من إدالة الكافرين على المسلمين: ولله في ذلك حكم عظيمة، ظهر أكثرها فيما ورد من الآيات التي عالجت غزوة أحد، والتي ظهر فيها الكفار على المسلمين بسبب معصيتهم لرسول الله ﷺ لا بسبب ضعفهم أو قلّتهم، قال الله تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) ، وقال سبحانه: [وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ١٥٢) ، فبين أن ما لحق بهم كان لمعصيتهم بعد ما لاحت بشائر النصر، وقد ذكر ابن القيم ﵀ ما فهمه من الحكم المتعلقة بمداولة الأيام بين الناس في كتابه (زاد المعاد) ، نذكرها مختصرة مع زيادات قليلة تناسب المقام، فمن الحكم والغايات المحمودة في ذلك: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن هذا أشد عليهم من أسلحة أعدائهم. ومنها: أن النصر لو كان للمسلمين في كل مرة دخل معهم الصادقون وغيرهم ولم يتميز المؤمن حقاً من غيره. ومنها: أنه لو انتُصر عليهم دائماً وكانوا على مر الزمان مقهورين لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، وهو إظهار الحق وإقامة الحجة على الناس. ومنها: فضح المنافقين وإظهارهم للناس حتى يحذروهم، وحتى يستقيم الصف بخلوّه منهم، وذلك أن المنافقين عند هزيمة المسلمين يظهرون ما كانوا يكتمون ويصرحون بما كانوا يلوحون، ومن هنا يدرك المسلمون أن لهم عدواً من أنفسهم يعيش معهم وبين ظهرانيهم لا يفارقهم، فيستعدون لهم ويحذرون منهم، وهذا من سنة الله تعالى أنه لا يترك المؤمنين مختلطين بالمنافقين من غير أن يُقدِّر امتحاناً أو بلاء تتميز به الصفوف، قال الله تعالى: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ] (آل عمران: ١٧٩) . ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في الضراء كما هي في السراء، وفيما يكرهون كما فيما يحبون، فإن المسلم إذا ثبت على الطاعة والعبودية في السراء والضراء وفيما يحب وفيما يكره؛ كانت عبوديته حقة، وليس كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية. ومنها: أن الله لو نصر المؤمنين في كل موقف وكل موقعة فلربما طغت نفوس أكثر الناس، وبغوا في الأرض، ووقع في نفوسهم أن النصر من عندهم وليس من عند الله. ومنها: أنه إذا امتحنهم بالهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا وابتهلوا إلى الله وتضرعوا، فيستوجبون بذلك من الله النصر والعز. ومنها: أن بلوغ الدرجات العالية في الجنة لا تنال إلا بالأعمال العظيمة، ومن الناس من لا تبلغ أعمالهم تلك المنازل فيقيض الله لهم من أسباب الابتلاء والامتحان ما يرفع به درجاتهم. ومنها: أن الله يبلغ بعضاً من عباده درجة الشهادة التي هي من أعلى مراتب الأولياء، ولا تنال هذه الشهادة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها. ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم؛ قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها الهلاك والمحق، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيكون ذلك سبباً في تعجيل العذاب في الدنيا للكفار وهلاكهم، كما قال تعالى في بيان الحكمة من غلبة الكفار: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤١) ، قال ابن كثير ﵀: «وقوله [وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] ؛ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم» [٧] . ومنها: تنقية المؤمنين وتخليصهم من الذنوب وآفات النفوس التي قلّما ينفك منها الناس، كما قال تعالى: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا] .. إلى غير ذلك من الحكم والغايات المحمودة [٨] . * وسائل دفع غلبة الكافرين: من أول هذه الوسائل: الإيمان الصادق والاعتقاد السليم، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ إيماناً لا تخالطه شائبة، إيماناً مبرءاً من البدع والقصور، إيماناً يبعث على العمل الذي تتحق به المنجزات . ومنها: الحرص على الطاعة والبعد عن المعصية، فإن هذا أولى ما تُوجه إليه الهمم بعد الإيمان؛ بحيث يكون الغالب على جماعة المسلمين الطاعة، وتكون المعصية منغمرة في جنب ذلك ليس لها ظهور ولا فشو، فقد قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم! إذا كَثُر الخبث» [٩] ، ولذلك فإن من أهم ما يستحق العناية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقوم بذلك الأفراد والهيئات والدول، فإن طاعة الله تعالى من أهم ما يجلب للمؤمنين نصره، وللكافرين الهزيمة والخذلان؛ ومنها: إعداد العدة المستطاعة لمنازلة العدو؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والإسلام لم يطلب منا أن نعد العدة الكاملة القادرة على مواجهة الكفار، ولكن طلب منا أن نبذل جهدنا واستطاعتنا، فقال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة] (الأنفال: ٦٠) ، وذلك أن النصر من عند الله وليس من عند أنفسنا وليس من سلاحنا. ومنها: ترك الوهن والضعف والتخاذل الذي يقضي على كل همّة، ويجلب الذل والهزيمة في ميادين الجهاد، وترك الحزن الذي يستحكم في النفوس فيحيلها إلى نفوس هامدة قابعة ليس لها قدرة على المواجهة، قال تعالى بعد هزمية المسلمين في أُحد مسلياً لهم ومحرضاً لهم على الثبات: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . ومنها: اليقين بأن تسلط الكفار على المسلمين لن يدوم، وإنما هذا ابتلاء من الله، وأن الأيام يداولها الله بين الناس، وأن على المسلمين أن يأخذوا بأسباب التغيير التي تغير الأوضاع التي بها تمكن الكفار منهم، قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . ومنها: اليقين بما وعد الله عباده المؤمنين، ومن ثم العمل على تحقيق الوعد، قال الله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً] (النور: ٥٥) . وقال رسول الله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» [١٠] . وقال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» [١١] . نسأل الله من فضله أن يجعل ذلك قريباً، وأن يوفقنا للعمل بالأسباب التي تجعل الدولة للمسلمين على الكافرين.

стр. 4780

دراسات في الشريعة التورق نافذة الربا في المعاملات المصرفية د. محمد بن عبد الله الشباني * مقدمة: الواقع المعاصر للمعاملات المالية يتسم بالولوغ في الربا، فلم يقتصر الأمر على الربا الصريح الذي تمارسه البنوك التجارية وغيرها من المؤسسات المالية، ولكن الأمر تعدى ذلك إلى توسيع نطاق الربا تحت مسمى المعاملات الإسلامية. فدخل التعامل الربوي حياة فئات كثيرة من الناس كانت تتحرج من الاقتراض والإقراض الربوي، ولكن وقعوا فيه من خلال ما تم طرحه من فتاوى صادرة من اللجان الشرعية لهذه البنوك تجيز الحصول على المال منها، حيث تتسم تلك الفتاوى بانتهاج أسلوب البحث عن مخارج شرعية لتحليل الربا بإضفاء صيغة البيع على الاقتراض والإقراض الربوي. وظهرت مسمّيات تزعم بأنها معاملات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وذلك بالاتكاء على الفتاوى الصادرة من اللجان الشرعية لتلك البنوك، وأصبح يُطلق على كثير من عمليات التحايل على التمويل الربوي مسميات مضللة؛ مثل «التورق المبارك» ، و «التمويل المبارك» ، و «تمويل الخير» ، و «التيسير» ، و «تورق الخير» و «برنامج أتقى وأنقى» ، كبديل لما يعرف في البنوك التجارية بالودائع الآجلة، وكل هذه البرامج من الإقراض والاقتراض تحت تلك المسميات ما هي إلا أكل للربا وتأكيله. ولقد تحقق ما أشار إليه الرسول الكريم محمد ﵊ في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره» ، وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة قال: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله من غباره» ، وقد ورد في هذا المعنى حديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال؛ أم من حلال أم من حرام» . هذه الظاهرة بدأت في التجذر والاتساع في المعاملات المصرفية لتوسيع نطاق الربا باستخدام ما يعرف في الفقه الإسلامي بصيغة «التورق» في شراء السلع وبيعها، وإدخالها في جميع المعاملات المصرفية ذات الطابع الإقراضي والاقتراضي باعتباره مخرجاً من الربا، سواء فيما يتعلق بتمويل الأفراد والمؤسسات، أو بإعطاء الفائدة للمودعين فيما يُعرف في المصطلح البنكي بالفائدة على الودائع لأجل، واستُخدمت صيغة التورق أداة ومخرجاً للإقراض والاقتراض من قِبَل المصارف، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة حقيقة هذه الصيغة وما ينتج عنها من عقود يتم التعامل بها من قِبَل البنوك التجارية؛ بدارسة كيفية منحها التمويل من خلال بيع المرابحة باستخدام صيغة التورق كحيلة لاستحلال الربا، وهذا ما سنعرضه من خلال الجوانب الآتية: أولاً: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة. ثانياً: بيع التورق وعلاقته بالحيل الفقهية. ثالثاً: ماهية الربا وحقيقته. رابعاً: عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك. خامساً: ربوية صيغة التورق كما تتم في البنوك. * أولاً: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة: الحيل الفقهية أسلوب من الأساليب التي تُتبع؛ إما للوصول إلى ما حرّمه الله تحت غطاء الشرع، وإما للبحث عن مخارج تحل بعض القضايا التي قد تتعارض في ظاهرها مع القواعد والعلل التي يستند إليها الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لأي قضية من القضايا. المعنى اللغوي للحيل والتي مفردها حيلة: عرفت في المعجم الوسيط بـ (تحيل كان حاذقاً جيد النظر قديراً على دقة التعرف في الأمور) [١] ، وقد استعرض صاحب كتاب الحيل الفقهية في المعاملات المالية المفهوم الخاص بالحيل، ووصل في تحليله لمفهوم الحيل إلى القول (بأن الحيلة تطلق ويراد بها عدة معان، فيراد بها التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ومن شيء إلى آخر، أو بمعنى الحيلولة والحجز بين الشيئين أو الإنسان والشيء، أو بمعنى عدم الحمل بالنسبة لكل أنثى، وبمعنى طلب الحيلة؛ أي الاحتيال، وبمعنى الصفة) [٢] . أما المعنى الفقهي فيقول ابن القيم: (فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه؛ بحيث لا يُفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فهذا أخص من موضوعها في اللغة، وسواء كان المقصود أمراً جائزاً أو محرماً. وأخص من هذا استعمالها في الغرض الممنوع شرعاً أو عقلاً أو عادة، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس) [٣] . ومن هنا فإن الحيل لا تعتبر جميعها محرمة، وإنما المحرم ما كان وسيلة إلى الوصول إلى ما حرم أخذه أو فعله. ولذا لا بد من معرفة الفرق بين الحيل المحرمة والحيل الجائزة، يقول الشاطبي: (الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما هدم أصلاً شرعياً وناقض مصلحة شرعية، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعياً ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي) [٤] ، وقد وضع الإمام الشاطبي ﵀ مقياساً يتبين به المتأمل نوع الحيلة، ومدى قبولها من رفضها، يقول: (فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب؛ حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالاً في الظاهر أيضاً؛ فهذا التسبب يُسمّى حيلة وتحيّلاً) [٥] . ومن هنا يتضح أن أي أسلوب يُتخذ أو يُتبع يؤدي إلى إسقاط الواجب أو تحليل المحرم في الظاهر؛ فإنه يُسمّى حيلة عند الفقهاء. إن التحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام وفعله؛ من الأمور التي حرمها الله تعالى في كتابه، وأجمع على تحريمها سلف هذه الأمة، ومن أجاز صوراً من العقود البيعية للبنوك (والتي سنناقشها لاحقاً) ؛ بقصد توفير احتياجات الناس للمال بدون إيقاعهم في الربا ظاهراً، وبقصد إخراجهم من الضيق والحرج والتوسعة عليهم بحكم أن الشريعة دائرة أحكامها على التخفيف واليسر والأخذ بالرخص؛ فهذا أمر غير مسوَّغ شرعاً، فإن من الأمور التي يأمر بها الشرع تقوية الخوف من الله، وهذا من مقاصد الشرع، ولهذا نجد في كثير من الأمور أن الشريعة حرّمت كثيراً من البيوع سداً لذريعة الربا، كما نهت عن ممارسة كثير من الأمور المشتبهات بقصد تقوية الخوف من الله حذراً من الوقوع فيما حرمه، ولهذا فلا ينبغي تتبع حيل المذاهب من أجل تلبية رغبة الناس وإرضائهم، ومن الأمور المؤسفة تتبع الآراء الشاذة والحيل التي وضعها بعض الفقهاء للابتعاد عن تنفيذ أحكام الله وعن مقاصد الشريعة التي من أجلها جاءت الشريعة، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، كما هو حاصل الآن من إجازة عقود تتعارض مع مقاصد الشريعة تلبية لرغبات الناس، ومن الأمور المقررة شرعاً أن هناك تلازماً بين مقاصد الشريعة والنية والعمل، يقول ابن القيم: (فالنية روح العمل ولبّه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهو قوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، فيبين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع) [٦] . وقد استشهد ﵀ لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة أصحاب الجنة؛ (بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك ... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه» ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كان فيه منفعة أخرى، وكان الثمن في مقابلتها؟ لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجمله (إذابته) عن أن يكون شحماً وصار ودكاً، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً عند من يستحل ذلك، فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: «دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة» ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهماً بلا حيلة البتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال وأزيد منها. الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه. ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص لهم على تحريمه؛ علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة) [٧] . * ثانياً: بيع التورق وعلاقته بالحيل: التورُّق نوع من البيوع اختُلف في جوازه، فقد منعه كثير من العلماء، كما أجازه بعضهم مع تحفظ وشروط لا بد من توفرها عند التعامل بها، ومن أهمها توفر صيغة البيع الشرعي الصحيح، والبيع كما عرفه الجصاص هو: (تمليك المال بإيجاب وقبول عن تراض بينهما) ، ومن هذا التعريف فالبيع الصحيح هو ما تم فيه نقل الملك، وتم فيه القبض، باستثناء بيوع الآجال المرخص فيها، وكان ذلك بعوض على وجه جائز شرعاً [٨] . والحيل في البيوع تأتي بفقدان عنصر من عناصر صحة البيع؛ إما بفقد التقابض أو التراضي الصحيح، أو عدم الجواز الشرعي في الثمن أو المثمن، ومن هنا تأتي الحيل لتصحيح المعاملة لتأخذ الشكل المباح. يقول ابن قدامة في المغني: (والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً؛ مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب) [٩] . ويعرّف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بتاريخ ١١ رجب عام ١٤١٩هـ التورق بأنه (شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد) ، ومن هذا التعريف ندرك شرط تملُّك السلعة وحيازتها بعينها لدى البائع قبل البيع، مع عدم شرائه لها مرة أخرى بأي أسلوب. وهذا البيع نوع من أنواع بيوع المضطر، وقد ورد في مسند الإمام أحمد عن علي - رضي الله عنه -، كما نقله ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) ، قال: (سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: [وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُم] (البقرة: ٢٣٧) ، ... ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم) . وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: (فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة؛ يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما حب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا. والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال هو آخية الربا بوزن قضية، تربط إلى وتد مدقوق تشد بها الدابة، وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر. وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخِّص فيها، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه) [١٠] . والتورق صورة من صور بيوع العينة، فبيع العينة كما عرّفه الفيومي في المصباح بقوله: (العينة بالكسر السلف، واعنان الرجل اشترى الشيء بالشيء بنسيئة، والاسم العينة بالكسر، وفسّرها الفقهاء بأنها بيع الرجل متاعه إلى أجل ثم يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم له، وقيل لهذه البيع عينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً؛ أي نقداً حاضراً) [١١] ، وقد عرف الإمام ابن تيمية ﵀ العينة بقوله: (العينة في الأصل السلف، والسلف يتم بتعجيل الثمن وتعجيل المثمن وهو الغالب هنا، يقال اعنان الرجل وتعين إذا اشترى الشيء بنسيئة، كأنها مأخوذة من العين (الدنانير والدراهم) وهو المعجل، وصيغت على «فعلة» لأنها نوع من ذلك، وقال أبو إسحاق الجوزجاني: إنها من العين؛ لحاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق) [١٢] . وهذا التعريف للعينة، والتي قد أجمع علماء المسلمين على تحريمها، ينطبق على بيع التورق، حيث إن القصد من بيع التورق هو الحصول على النقد، فيتم شراء سلعة مؤجلة السداد لبيعها بقصد الحصول على النقد، والإمام أحمد - رحمه الله - عندما أجاز التورق في إحدى روايتيه إنما أجازه مع الكراهة، يقول ابن القيم: (وعن أحمد فيه (التورق) روايتان الحرمة والكراهة) ، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه (المتعامل في التورق) مضطر. وبالتالي فإن للاضطرار أحكامه، فليس كل من رغب في المال لشراء ما تشتهيه نفسه أو يتوسع في تجارته يعتبر مضطراً، فيتم التعامل بصيغة التورق ليصبح الأمر حلالاً صرفاً، كما يتم الإعلان عنه في الصحف من قِبَل البنوك التي تدعو الناس إلى الاقتراض بأسلوب صيغة التورق، مع عدم الالتزام بقواعد التعامل في التورق وفق ما تمت إجازته من قِبَل أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي، حيث اشترط التملك والحيازة لبائع السلعة لمشتريها من البنك، فهذا الشرط مفقود في التعامل الذي تمارسه البنوك كما سوف نناقشه لاحقاً. * ثالثاً: ماهية الربا وحقيقته: لإدراك علاقة بيع التورق بالربا المعاصر، وأنه وسيلة من وسائل استحلال الربا؛ فإن من الضروري تحديد ماهية الربا وحقيقته؛ حتى يمكن فهم حقيقة اندفاع البنوك لتبني هذا النوع من حيل لاستحلال الربا، وإشاعته، وتيسير أكله وتأكيله ضمن غطاء الإباحة الشرعية، وأنه تعامل تجيزه الشريعة وفق ما أفتت به اللجان الشرعية التي كونتها هذه البنوك. فهذه الصيغة من التحايل لا تختلف عن حقيقة ما تمارسه من تعامل ربوي صرف. إن مادة كلمة الربا تعني الزيادة والنمو، فقد جاء في لسان العرب بأن الأصل فيه هو الزيادة من ربا المال إذا زاد، فالمعنى اللغوي المجرد يعتبر زيادة في ذات الشيء، وهذا المعنى قد ورد في القرآن الكريم عند الحديث عن الربا في قوله تعالى: [وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ] (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩) ، وقوله تعالى: [وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ] (الروم: ٣٩) . والزيادة على المال المقرض إنما هو من أجل التأجيل كما أشار إليه أبو بكر الجصّاص في كتابه (أحكام القرآن) ، يقول: (معلوم أن ربا الجاهلية إنما هو قرض مؤجل بزيادة مشروطة، وكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطله الله تعالى) [١٣] . وهذا المفهوم يؤكده الإمام الرازي في تفسيره بقوله: (إن ربا النسيئة التأجيل هو الذي كان مشهوراً في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدراً معيناً ورأس المال باق بحاله، فإذا حلَّ طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل) [١٤] . وهذا المفهوم هو المتعارف عليه في العمل المصرفي، فالسلعة التي يتعامل بها البنك هي النقد، فهو يتجر في النقد، وبالتالي فإن النقد هو السلعة بدلاً من أن تكون مقياساً لأقيام السلع فيما بينها، فأصبح سلعة بذاته، فخرج النقد عن الوظيفة التي من أجلها تم قبوله بين الناس، ولهذا فإن وحدات النقد التي تضاف إلى نفس النقد إنما تتحدد بنسبة من هذه الوحدات مربوطة بالزمن الذي يبقى في ذمة المقترض، وبالتالي فإن مكونات الربا تتمثل في ثلاثة عناصر، هي زيادة على كمية النقد المقدم، وهذه الزيادة تحدد بالمدة، وهذه النسبة من الزيادة شرط في المعاملة، وبالتالي فأي تعامل تتوافر فيه هذه الصفات؛ فهو في حقيقته تعامل ربوي حتى لو سمّي بغير ذلك. وقد أشار الإمام محمد بن رشد القرطبي في كتابه (بداية المجتهد) إلى أن أصول الربا خمسة، هي: أنظرني أزدك، والتفاضل، والنسأ، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه. وعندما ناقش موضوع ضع وتعجل، أشار إلى حجة من لم يجز ضع وتعجل، والتي تؤكد حقيقة الربا، بقوله: (وعمدة من لم يجز «ضع وتعجل» أنه نسيئة بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه أنه هل للزمان مقدار من الثمن بدلاً منه في الموضعين جميعاً، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمناً، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمناً) [١٥] . والشاهد من هذا أن الربا يرتبط بالزمن، فالقيمة المضافة على رأس المال ابتداء أو بعد انتهاء مدة القرض مربوطة بالزمن، فالزمن هو مقياس تحديد قيمة النقد باعتباره سلعة يتم بيعها وشراؤها، وهذا هو حقيقة الربا، وسوف نلاحظ عند مناقشة صيغ عقود التورق التي تجريها البنوك لاستحلال أخذ الربا ومنحه؛ أن تلك العقود ما هي إلا وسيلة لأخذ الربا وأكله. * رابعاً: عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك: الصيغ التي تتبعها البنوك لتوفير المال للمحتاجين إليه من الأفراد والشركات والمؤسسات، أو لجذب المال لها كبديل للودائع الآجلة التي تمنح عليها فوائد وفق ما يطلق عليه الصيغة الإسلامية للتعامل؛ تفاوتت فيها المسميات التي أطلقتها تلك البنوك مثل «تيسير الأهلي» ، و «تورق الخير» ، و «برنامج نقاء» ، و «التورق المبارك» .. وغير ذلك من أساليب الدعاية التي تضلل المتلقي لهذه الإعلانات بما توجهه له من أن ما يتم ممارسته لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. وأن صيغة العمل والمرتكز الذي تدور عليه عملية التمويل واحدة، وهو ما أطلق عليه صيغة التورق، والتي تأخذ شكلية شراء السلع وبيعها من خلال بورصة البضائع العالمية، أو من خلال الاتفاقيات مع عدد من نقاط البيع بالنسبة لما يطلق عليه بطاقة الخير الائتمانية وشبيهاتها من بطاقات الائتمان. لقد تم التوسع باستخدام صيغة بيع التورق من قِبَل مختلف البنوك، حيث يوفر لها وسيلة جذب لإغراق الناس في الاقتراض والإقراض، وهذا يستدعي مناقشة العقود التي أمكنني الاطلاع على بعضها حتى يمكن التعرف على كيفية التعامل مع صيغة التورق التي تمارس من قِبَل هذه البنوك؛ حتى نتمكن من الحكم على مدى حرمة هذا التعامل، وسيتم مناقشة عقد التورق من جانبين: الأول: جانب أن يكون البائع للسلعة هو البنك؛ أي أن البنك يقوم بتوفير السيولة النقدية من خلال صيغة التورق تحت مسمى عقد بيع بالتقسيط وبيع المرابحة. والثاني: أن يكون البائع هو المودع الذي يرغب في إيداع أمواله في البنك وأخذ فوائد عليها، واستخدام صيغة التورق لأخذ الفائدة على المال المودع لأجل. وفي كلا الحالتين فما يُتبع هو استخدام صيغة التورق من خلال شكلية بيع المرابحة بالأجل لسداد الثمن للبائع سواء للبنك أو للمودع لدى البنك. أما في حالة قيام البنك بتوفير السيولة للمقترض من خلال بيع المرابحة المقسط ضمن صيغة التورق؛ فإن الإجراءات التي يتم اتباعها لتنفيذ هذه الصيغة من البيع تتمثل في الآتي: ١ - يتقدم طالب التمويل إلى البنك بطلب شراء سلعة بالتقسيط من السلع التي تعرض في سوق البورصة العالمية، والتي قد تم شراؤها من قِبَل البنك وفق آلية السوق المالية للسلع (البورصة) ، وفي هذا الطلب يتم الحصول على معلومات عن طالب المال من حيث إمكانياته المالية؛ أي قدرته على السداد من حيث مقدار راتبه الذي سوف يكون المرتكز عليه في تحديد حجم المبلغ الذي سيتم دفعه له ضمن صيغة التورق التي يمارسها البنك بجانب معرفة تعاملاته مع البنوك الأخرى (أي مقدار الالتزامات التي عليه تجاهها) مع تحديد نوع السلع التي يتعامل البنك فيها في سوق البورصة، والتي يتم تداولها يومياً في أسواق البورصة العالمية، ويرفق بالطلب المستندات الثبوتية التي تساعد البنك على تحديد قدرة الطالب على السداد. ٢ - وبعد دراسة الطلب يقوم البنك بتحديد عدد وحدات السلعة المباعة عليه ومواصفاتها، وثمن بيعها، ويرتبط تحديد عدد الوحدات التي سوف تباع عليه بقدرته على السداد، وإذا قبل العميل بما عرضه البنك من مقدار التمويل الذي يمكن للبنك منحه إياه؛ يتم توقيع عقد بيع سلعة بالتقسيط وفق ما تطلق عليه البنوك «بيع المرابحة» . ٣ - يقوم العميل بتوكيل البنك لبيع وحداته التي اشتراها وفق نموذج وكالة؛ يتم بموجبها تفويض البنك في بيع هذه الوحدات المباعة عليه في السوق الدولي، وإيداع المبلغ في حسابه مع تحمله لكل ما يترتب على التغير في السعر وما ينتج عن ذلك من خسارة، وإيداع المبلغ في حسابه لدى البنك. هذه هي العملية التي يقوم بها البنك من شراء لوحدات في سوق العقود المستقبلية للبضائع (البورصة) ، ثم بيعها مرابحة على العميل طالب التمويل، ثم بيعها في سوق السلع الدولية (البورصة) لصالح العميل (المشتري) مع تحمله لتقلبات الأسعار. وفي بعض عقود البيع بالتقسيط لدى بعض البنوك يجمع عقد البيع بالتقسيط مع عقد الوكالة بالبيع في عقد واحد. بدراسة هذه العقود التي يتم بموجبها توفير النقد للأفراد والمؤسسات؛ وجد في بعضها أن البيع يتم على تملك السلعة المباعة على العميل بموجب ما يسمّى بشهادة التخزين، والتي يشار فيها إلى أن السلعة موجودة في البلد الذي يوجد فيه عادة سوق البورصة الذي يتعامل معها البنك، ويذكر في العقد إجمالي السلع ولا يشار إلى مقدار الربح بل يدخل ضمن مبلغ البيع مع الإشارة إلى أن البيع تم وفق بيع المرابحة. أما بعض العقود فيشار في طلب الحصول على المال حسب صيغة التورق أنه عند الموافقة على طلبه فيتم تحديد مقدار الربح وتكلفة السلعة مع التزامه بتحديد دفعة أولى لضمان جدية الشراء، والتزامه أيضاً بدفع رسوم إدارية لعملاء البنك؛ أي للمودعين. كما أن من ضمن الشروط في بعضها في حالة التأخر في سداد الأقساط؛ التزام المشتري بتعويض البنك عن الأضرار الناتجة عن التأخير، وفي بعضها يتم فرض غرامات عليه يتم احتسابها على أساس نسبة من المبالغ المستحقة مع مدة المطل، ويقوم البنك بصرفها في أوجه البر والخير. وأما الحالة الثانية؛ فهي حالة معكوسة: يقوم عميل البنك ببيع سلعة من السلع التي يتم تداولها في سوق البورصة على البنك بأسلوب ما يطلق عليه «بيع المرابحة» ، ويتم سداد المبلغ من قِبَل البنك عند حلول الأجل (رأس المال مع الربح) في الحساب الجاري للعميل، ويشترط في العقدين نماذج عرض بيع سلعة، وطلب شراء سلعة، وطلب تعجيل، ووكالة شراء السلعة، وتفويض البنك ببيع السلعة جزء من العقد. وهذه النماذج تحدد الخطوات العملية التي يتم بموجبها قيام العميل بإيداع المبلغ والمبالغ التي يتم بموجبها قيام عميل البنك الذي يتوفر لديه سيولة نقدية ويرغب في إيداعها لأَجَل وأخذ فائدة عليها، ولكن بأسلوب ما أطلق عليه أسلوب التورق بادعاء تجنب الربا. والإجراءات التي يتم اتباعها في هذه الحالة تتمثل في الآتي: ١ - يوقع العميل على اتفاقية ما يطلق عليه «برنامج نقاء» . ٢ - يطلب العميل عرض أسعار، ويقدم البنك عرض الأسعار مع تحديد نوع السلعة والعملة والأجل. ٣ - يطلب العميل شراء السلعة بعد الموافقة على العرض مع تحديد المبلغ والعملة والأجل. ٤ - يقوم البنك نيابة عن العميل بإتمام عملية شراء السلعة من سوق تبادل المعادن الدولي لصالح العميل مع إصدار البنك إيجاباً بشراء السلعة من العميل. ٥ - يوافق العميل على بيع السلعة المملوكة له للبنك، ويتم سداده عند الأجل المحدد (المبلغ مع ربحه) . ٦ - في حالة التعجيل بسداد المبلغ؛ يتم ذلك من خلال نموذج عقد تعجيل سداد بعد أن يتم خصم جزء من أو كل هامش الربح مقابل السداد المبكر. أما التملك فهو يتم من خلال تملك المستندات فقط دون الحاجة إلى أن يتم تملكها عيناً، وهذا في جميع عمليات البيع والشراء التي يتم التعامل بها على صيغة التورق في البنوك. إن جوهر عملية التمويل فيما يعرف بصيغة التورق التي يتم ممارستها من قِبَل البنوك، والتي يتم فيها تداول السلع شراء وبيعاً؛ إنما هي سلع وفق ما يُعرف بسوق المعادن والبضائع الدولي (البورصة) ، أو ما يطلق عليه بأسواق العقود المستقبلية؛ أي الاتجار في أوراق ومستندات غير مبنية على أساس الشراء والبيع القائم على أساس الاستلام والتسليم للسلع المباعة؛ أي لا يوجد حيازة تملُّك ولا قبض للسلع المشتراة والمباعة، وإنما يتم التداول حسب وثائق يتم تبادلها ضمن آلية معينة تتولاها بيوت السمسرة، ولهذا نجد أن البنوك التي تستخدم صيغة بيع التورق تحدد السلع في أنواع؛ هي الزنك والبرونز والحديد والصفيح والنحاس والألمنيوم، فالتعامل في البورصة إنما يتم على أساس التعامل في العقود المستقبلية، وما يتم من تداول للسلع إنما يتم على أساس بيع العقود في أسواق عقود السلع، وهي أسواق متخصصة تتعامل في عقود يتم تداولها فيما يعرف بالعقود المستقبلية، وهي عقود تعطي لحاملها الحق في شراء وبيع كمية من أصل معين محدد السعر مسبقاً على أن يتم الدفع والتسليم في المستقبل. والبورصة العالمية للبضائع قد أبطلت ما كان يُعرف بالسوق الحاضرة؛ أي بالسوق النقدية، حيث يتم فيها استلام السلعة ودفع قيمتها نقداً فور التعاقد، وقد تحوّلت السوق الحاضرة إلى سوق للعقود المستقبلية منذ عام ١٨٦٦م وحلّت محله السوق المستقبلية. أما ما يُطلق عليه «شهادة التخزين» ، والذي يشار إليها في بعض عقود صيغ التورق بأنها تمثل حصة محجوزة قيمة وكمية خاصة بسلعة لصالح البنك عن طريق السمسار لغرض التصرف فيها مستقبلاً، فهي لا تمثل شهادة من وكيل البنك تثبت فيها وجود سلع تم استلامها من المنتجين وتم تخزينها في مستودعات خاصة بالبنك أو مخازن مؤجرة لصالح البنك تحدد أن هذه السلع خاصة بالبنك، وما هذه الشهادة إلا شهادة يصدرها المنتجون لهذه السلع لبيوت السمسرة الذين يمارسون عمليات إنشاء وتداول العقود في سوق المعادن العالمي (البورصة) ، حيث يحدد فيها مواصفات هذه السلع وكمياتها وتاريخ تسليمها، ويتم على ضوء هذه الشهادة تداول العقود بيعاً وشراء، ومن ثم فلا يوجد مجال للتعامل مع السلعة نفسها داخل سوق العقود. * خامساً: ربوية بيوع التورق كما تجريها المصارف: من خلال الاستعراض السابق لطبيعة صيغ التورق التي تمارسها البنوك حالياً، والتي أخذت في الانتشار وأصبحت وسيلة لجذب أعداد كبيرة من الناس للاقتراض من البنوك بمختلف الأساليب، سواء فيما يعرف بالتمويل للمتاجرة في سوق الأسهم المحلية، أو العالمية، أو ما يسمونه بتمويل المتاجرة بالأسهم بالمرابحة أو بالسلع، وكلها بيوع يتم فيها البيع بالأجل، وتوفير المال لمن يحتاج إليه، أو حصول البنك على المال من المودعين فيما يطلق عليه بالمضاربة الشرعية في السلع الدولية بالمرابحة، وكذا ما أطلق عليه «برنامج نقاء» ؛ إنما هي عقود ووسائل لتحليل الربا ودفع الناس للاقتراض من البنوك، وإيداع أموالهم وأخذ فوائد عليها، وقد أطلقت مسميات توحي بأن هذا التعامل حلال ولا شبهة فيه، مثل «التورق المبارك» ، و «التمويل المبارك» ، و «الحساب المبارك» ، و «بطاقة الخير الائتمانية» ، أو «تيسير الأهلي» ، وكل هذه الصيغ اتخذت من صيغة التورق نافذة للإقراض والاقتراض بفائدة، وإدخال الناس في دوامة الربا. وحسب ما تمت مناقشته سابقاً حول علاقة بيع التورق بالحيل الفقهية لتحليل أنواع من البيوع توصلاً لتحليل ما حرم الله، وكذلك مناقشة صيغ العقود المستخدمة من قِبَل البنوك فيما يعرف بصيغة التورق من خلال التعامل مع البورصة العالمية للسلع والأوراق المالية؛ فإن جميع هذه الصيغ من التمويل التي تمارسها البنوك ضمن صيغة التورق؛ إنما هي صيغ محرمة لا يجوز التعامل بها؛ لأنها نوع من أنواع بيع العينة المحرم. وذلك للأمور التالية: أولاً: إن عقد التورق الذي أجازه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قد وضع قيوداً على هذا البيع، حيث عرف بيع التورق بأنه «شراء سلعة في حوزة البائع وملكه ... » ، وما يتم من قِبَل البنوك التي تقوم ببيع سلع يتم تداولها في سوق السلع (المعادن) العالمي (البورصة) لا يتوفر فيها هذا الشرط، فنصوص عقود البيع التي تجريها هذه البنوك تشير إلى أن هذه السلع لا توجد لدى البنك، وأن ما يطلق عليه «شهادة التخزين» لا تمثل حيازة للسلعة ولا شهادة تملُّك، فمن المعروف والمتعارف عليه في سوق البضائع العالمي (البورصة) أن التعامل فيه يتم من خلال بيت السمسرة، والذي يدير عمليات تداول عقود بيع سلع تم شراؤها بسعر متفق عليه مسبقاً مع المنتج؛ على أن يتم التسليم في تاريخ لاحق يناسب توقيت الحاجة إلى السلعة، وعند حلول الأجل يقوم بيت السمسرة بشراء السلعة محل التعاقد من السوق الحاضر وتسليمها للمشتري. وهذا ما يؤكد أنه لا يوجد مجال للتعامل على السلعة نفسها، ولكون هذا التداول إنما يتم على أوراق، وليس حيازة وتملكاً للسلع، فإن بعض تلك البنوك أشارت في عقودها إلى أن ما يتم يكون على أوراق وليس حيازة وتملكاً للسلع. أما بعض البنوك فقد أشارت إلى أن حيازتها وتملكها للسلع إنما هو بموجب «شهادة التخزين» ، حيث يشار في العقد إلى أن السلعة توجد في بلاد أخرى غير البلد الذي يتم فيه تحرير العقد، ولتجنب الإلزام ومن أجل ترسيخ التحايل؛ لم يشر إلى الوكالة وضرورة تفويض البنك بالبيع نيابة عنه، وإنما أشير إلى ذلك في نص الوكالة، حيث أوضحت الوكالة أن السلع المشتراة من البنك هي سلع يتم تداولها في سوق السلع (البورصة) ، بخلاف بنوك أخرى جعلت نماذج التفويض والوكالة جزءاً من العقد، وهذا الأسلوب هو نوع من التهرب والتضليل ومحاولة إضفاء نوع من صحة البيع، وأنه لا يوجد فيه شروط فاسده تفسد البيع. ولكن هذا الأسلوب من التحايل لا يغير من حقيقة الأمر. ثانياً: إن من أجاز بيع التورق من العلماء السابقين، ومنهم الإمام أحمد ﵀، فقد أجازه مع الكراهة، وأشير في رواية الكراهة إلى إنه مضطر [١٦] (أي المتعامل بالتورق) . أما الإمام ابن تيمية ﵀ فقد وافق الإمام أحمد في الرواية الثانية بالحرمة، يقول ابن القيم: (وكان شيخنا - رحمه الله - يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخّص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء سلعة وبيعها والخسارة منها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأول وتبيح ما هو أعلى منه.... ودليل المنع قوله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» ، وقوله: «من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا» رواه أبو داود، وذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة) [١٧] . ولا شك أن أسلوب التورق المتبع من قِبَل هذه البنوك هو بيع العينة بعيَنْه، حيث يتولى البائع (البنك) شراء السلعة من السوق (البورصة) ، ثم بيعها على المشتري، ثم بيعها مرة ثانية في سوق البورصة بقصد توفير المال الذي من أجله تمت صياغة هذا العقد، وهذا ما حرّمه ابن عباس، فقد نقل ابن القيم عن محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بحطين في كتابه (البيوع) عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «اتقوا هذه العينة؛ لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة» ، وفي رواية «أن رجلاً باع من رجل حريرة بمائة ثم اشترها بخمسين» . قال ابن عباس عن ذلك: «دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة» ، وسئل ابن عباس عن العينة يعني بيع الحريرة فقال: «إن الله لا يُخدع، هذا مما حرم الله ورسوله» . وقد روى ابن بطة باسناده إلى الأوزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» [١٨] . فواقع عقود التورق ينطبق على ما أشار إليه ابن عباس ﵁، حيث إن بيع المرابحة تحت مسمى التورق إنما هو بيع ريالات بريالات بينهما بيع مستندي لسلع لم يتم استلامها ولا تملُّكها، وإنما هي بيوعات مستقبلية في سوق بورصة البضائع، لا يتم فيها قبض للسلع ولا تسليم، وإنما هي بيوع آجلة يتم المضاربة فيها، فهي أشبه بالحريرة كما قال ابن عباس ﵁. ثالثاً: بجانب ما روي عن الإمام أحمد في إحدى روايتيه بتحريم مسألة التورق باعتبارها صورة من صور بيع العينة، فقد روي عن الإمام مالك - رحمه الله - منع العينة بناء على عدم القبض من البيعة الأولى أو القبض الصوري الذي يُتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا [١٩] . وتحريم الوسائل من الأمور التي جاء الشرع بها وقال بها الأئمة، فمن ذلك أن الشافعي ﵀ يحرم مسألة «مد عجوة (نوع من التمر) » ، و «درهم بمد ودرهم» ، وبالغ في التحريم خوفاً من أن يتخذ حيلة على نوع من ربا الفضل، فالتحريم للحيل الصريحة التي يتوصل بها إلى ربا النسيئة أولى من تحريم «مد عجوة» بكثير، فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل؛ أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء [٢٠] الذي هو الغاية التي تسعى إليها البنوك في تعاملها من خلال التعامل في شراء وبيع السلع في سوق السلع العالمي (البورصة) المستقبلية، فإن مفسدة ربا الفضل في مسألة «مد عجوة» أقل من مفسدة استخدام التورق لاستحلال ربا النسيئة. فلا يتعامل بالتورق إلا مضطر إلى الاقتراض، فالمستغني عنه لا يثقل ذمته بزيادة في شراء السلع مؤجلاً ثم بيعها بخسارة بدون ضرورة وحاجة، وقد روى أبو داود من حديث علي بن أبي طالب ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك» . وقد أوضح ابن القيم أن شراء المضطر للسلعة ثم بيعها لبائعها بأنها العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بين البائع والمشتري، فهو محلل الربا. والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال هو آخية الربا [٢١] ، وتشبيه عمر بن عبد العزيز ﵀ بأن التورق هو للربا بمثابة الحبل الموثق إلى وتد تُربط به الدابة، فالدابة لا يمكن لها الفكاك من هذا الرباط، وكذلك التورق هو مربوط بالربا. رابعاً: إن استخدام صيغة التورق بالشراء والبيع في سوق البورصة، مع استخدام أسلوب المرابحة في تحديد مقدار الربا الذي سوف يؤخذ على المال الذي سوف يتم إقراضه للأفراد والمؤسسات والشركات، أو اقتراضه من المودعين؛ إنما هو حيلة لأخذ الربا وإعطائه، وتجويز ذلك يتناقض مع ما ورد من النهي عن الحيل لاستحلال الحرام، وهذا التحايل الذي تمارسه البنوك فتح الطريق لأكل الربا وتوسيع نطاقه بين المسلمين، ومعلوم أن الحيل تتناقض مع القاعدة الشرعية، وهو ما يعرف بـ «سد الذرائع» ، فالشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل وسيلة ممكنة، والمحتال يفتح الطريق بالحيل، واستخدام صيغة التورق في التعامل مع البنوك من خلال البيع والشراء للسلع في سوق البورصة قد أدى إلى الوقوع في الحرام، يقول ابن القيم: (ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله وأسقط فرائضه بالحيل كقوله: «لعن الله المحلل والمحلل له» ، و «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها» ، «لعن الله الراشي والمرتشي» ، «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده) ، ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهرة.... وآكل الربا مستحله بالتدليس والمخادعة، فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة، فهذا يشمل الربا بالبيع، وذلك يستحل الزنا باسم النكاح، فهذا يفسد الأموال وذاك يفسد الأنساب) [٢٢] ، وهذه العقود التي تمارسها البنوك لا تعدو في واقع الأمر بأنها حيلة لاستحلال الاقتراض والإقراض بالربا باسم البيع والشراء. خامساً: من القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي: أن العبر بالمقاصد والنيات، بدليل حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور:» إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى «الحديث، ولهذا لا بد من النظر إلى المقصد والغاية من صيغة التورق في تعامل هذه البنوك في حقيقة أمرها، وبموجب التنظيمات التي تحكمها، وبموجب عقود تأسيسها، فإنها مبنية على أساس أن النقود هي مجال عملها، فهي تتاجر في النقود وليست تتاجر بالنقود، كما يمارس من قِبَل الأنشطة الاقتصادية الأخرى، فهذه البنوك تخضع في أعمالها لأنظمة ومعايير البنوك المركزية، ومن تلك البنوك مؤسسة النقد التي تشرف على أعمال البنوك وفق المعايير الدولية، ومن مجالات الأعمال التي تمارسها هذه البنوك والمبنية على أسس ربوية: المتاجرة بالاستثمارات المالية في الأسواق الدولية، ومن ضمنها المضاربة في سوق السلع المستقبلية (بورصة البضائع) ، حيث يتم احتساب أرباح المعاملات التي تمارسها وفق ما أطلق عليه المرابحة في سوق السلع المستقبلية وفق المعادلة الربوية في احتساب الأرباح، والمتمثلة في احتساب الربح على أساس القيمة، والمدة الزمنية للتمويل، ومعدل الربح (نسبة الفائدة) . ومن هنا نلاحظ أن صيغة التورق المعمول بها من قِبَل البنوك في توفير التمويل لمن يحتاج إليه؛ إنما هي وسيلة لإيجاد المخرج لاستحلال الربا تحت مسمى الشراء والبيع في السوق الدولية للسلع، فالقصد من بيع المرابحة للسلع التي يتم التعامل بها في سوق المعادن الدولي (البورصة) ، ومن ثم بيعها لصالح المشتري من البنك إنما قصد من ذلك استحلال الإقراض أو الاقتراض، يقول ابن القيم ﵀ فيما يتعلق بارتباط المقاصد بالأعمال: (ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وجعل أكل ثمنه لما كان هو المقصود بمنزلة أكله في نفسه..... فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها، ومن لم يراع القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر (أي عاصر الخمر) ، وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد، وإن ظهر له أن قصده الخمر.... وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات؛ كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالاً أو حراماً، وصحيحاً أو فاسداً، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، أو صحيحة أو فاسدة) [٢٣] ، وقال في موضع آخر: (ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيّلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضاً فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم» الودك «، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك) [٢٤] ، وهذا هو واقع ممارسة البنوك لصيغة التورق بالشراء والبيع، وتغير مسمى الربا (الفائدة) باسم الربح في المعاملات التي تجريها البنوك لا ينزع عنها صفة الربا، وأن ما يؤخذ من ربح هو ربا على المال المقرض، وكذا ما يعطى على المال المقترض؛ وإن تغيرت المسميات، وإن عمل عقود باسم بيوع التقسيط أو المرابحة أو شراء السلع وبيعها في سوق السلع المستقبلية (البورصة) لا يغير من طبيعة التعامل ومقصده وغايته. إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها في نهاية هذه الدراسة هو أن ما يتم من استحلال للربا وتصويره للناس بأنه تورق جائز شرعاً، وأن ما يؤخذ من ربا تحت مسمى المرابحة أو بيوع التقسيط وإطلاق المسميات كالتورق المبارك، وتيسير التمويل، وبرنامج نقاء، وغير ذلك من المسميات؛ لا يغير من حقيقة هذه الصيغ من أن التعامل هو تعامل ربوي محرم لا يجوز للمسلم التعامل به؛ بأي صورة من صور التعامل التي تسعى البنوك إلى تصويرها للناس بأنها صيغ تتوافق مع الشريعة الإسلامية، حتى لو تم الادعاء بأنها قد أجيزت من اللجان الشرعية التي شكلتها تلك البنوك.

стр. 4781

دراسات في الشريعة تاريخ النصرانية والإثم العظيم محمد طاهر أنعم فارع m-tahir@maktoob.com الناظر إلى تاريخ النصارى العقدي، وما مروا به من أطوار وتحولات يرى عجباً في تاريخ الأديان، وكيف تكون ثم تصير، وكيف يدخلها الانحراف والضلال، وكيف يبقى رجال على الحق والهدى إلى آخر أعمارهم أو زمن دينهم؛ فهي فترة عقدية تاريخية تربوية جديرة بالدراسة والتمحيص، واستخلاص الدروس والعبر. والدارس لتاريخ الدين النصراني يمكنه أن يخرج بتقسيمه إلى ثلاثة عصور يظهر بينها التفاوت، ويمكننا تسميتها بما يلي: ١ - عصر الاضطهاد (الاستضعاف) . ٢ - عصر التمكين. ٣ - عصر النهاية (الإثم العظيم) . * أولاً: عصر الاضطهاد: ويشمل القرون الثلاثة الأولى من عمر النصرانية، ويتميز بالتضييق على الدعوة والدين الجديد، وفيه دخلت بدعة التثليث وبعض الفلسفات المنحرفة الأخرى، ويمكن عرض مختصر مقتضب عنه في ثلاثة مباحث: أ - النشأة: وكانت في إرسال الله عبده ورسوله وكلمته عيسى بن مريم - عليه الصلاة والسلام - لبني إسرائيل ليجدد لهم دينهم، ويضع عنهم الإصر والأغلال التي كانت عليهم، وليكون خاتمة الرسل من بني إسرائيل. وبعثه الله في الأرض المباركة عند المسجد الأقصى في فترة تميزت بانحراف بني إسرائيل وممالأتهم للرومان الذين تسلطوا عليهم حينذاك في الشام. وقد قاسى عيسى ﵇ منهم كثيراً في فترته القصيرة بينهم المقدرة بنحو ثلاث سنوات، حتى حاولوا قتله ووشى به بعض ضُلاَّلهم لدى الحاكم الروماني للقدس (بيلاطوس النبطي) [١] . وبعد رفع المسيح ﵊ تفرق أتباعه الحواريون وهاجروا في الأرض، واستطاع بعضهم نشر الرسالة الجديدة والتبشير بهذا الدين التوحيدي في بعض المناطق عند غير بني إسرائيل، وكان من أبرزهم تلميذه المدعو (بطرس) الذي هاجر إلى آسيا الصغرى وأنطاكية، وبدأ بالدعوة إلى الدين الجديد هناك، واستمر فيها حوالي عشر سنوات وكون بها قاعدة بسيطة، وفي الوقت نفسه نشر (توما) الديانة في فارس، و «القديس» (برتلماوس) في الهند، ثم هاجر «القديس» (بطرس) إلى روما حاضرة الإمبراطورية الرومانية وأكبر مدن العالم حينذاك، ووصلها سنة ٤٢م، وبدأ فيها الدعوة للديانة الجديدة. وقد اضطُّهد أصحاب هذه الدعوة الجديدة في كل مكان وصلوه كما هي سنة الله في ابتلاء المؤمنين، وحصل لأولئك بلاء عظيم وبخاصة في مناطق الإمبراطورية الرومانية الوثنية، وقد اتخذ النصارى أساليبهم السرية حينذاك، وحاولوا نشر الدعوة في أكبر مساحة ممكنة حول مدينة روما وفي قلب الإمبراطورية. ب - الاختراق التثليثي للنصرانية: فكرة التثليث التي تعني تعدد الآلهة فكرة قديمة وثنية انتشرت عند الرومان والفلاسفة والفرس، وأول من وضع بذرتها في النصرانية رجل يهودي اسمه (شاؤول) المتسمي بـ (بولس) الذي كان شديد البغض للنصارى في الشام، ثم ادعى أنه اعتنق الدين الجديد وأن المسيح قد تجلى له بعد رفعه في طريق الشام سنة ٤٠م وأوصاه ببعض الوصايا، وبدأ الدعوة (لاعتبار المسيح أرقى من أن يكون إنساناً، وأنه عقل سام متولد من الله قبل وجود العالم) [٢] ، وقد بدأ الرجل دعوته في الشام، ثم انتقل إلى آسيا الصغرى واليونان وأسبانيا حتى حط الرحال في روما سنة ٦٠م، وقد نشر هذه الفكرة بعض فلاسفة الرومان ممن اعتنق الديانة الجديدة والمطعمة بمبادئ (بولس) هذا. * ثانياً: عصر التمكين: ويشمل القرون الثلاثة التالية (الرابع، والخامس، والسادس) ، ويتميز باعتناق الإمبراطورية الرومانية للنصرانية، والتمايز العقدي بين الموحدين والتثليثيين، والانتشار الدولي للديانة، كما يتميز بظهور الرهبنة واستمرار الانقسامات التثليثية والهرطقات [٣] . أ - الانتقال لطور الدولة: استمر الاضطهاد الروماني للنصارى حتى سنة ٣٢٤م حين تنصر الإمبراطور الروماني (قسطنطين) [٤] ، بعد حركة تنصيرية واسعة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية على إثر مؤتمر (ميلانو) [٥] ، وتدرج قسطنطين هذا في فرضه الطقوس والأحكام النصرانية في الإمبراطورية، ثم تبعه الأباطرة التالون على المنوال نفسه حتى سنة ٣٩٢هـ التي أصبحت الإمبراطورية الرومانية فيها مملكة نصرانية بشكل تام. وعلى إثر هذا التحول بدأت الإرساليات التنصيرية من الإمبراطورية لمختلف أنحاء العالم بالدين الجديد الذي انتشر سريعاً وخاصة في مصر والحبشة. ب - المواجهة بين الموحدين والتثليثيين: كانت هناك مذاهب عدة في القرون الأولى للنصرانية، وكانت الغلبة لبعض التثليثيين في روما والمشرق، حتى ظهر داعية موحد قوي هو المدعو (أريوس) أحد أساقفة الإسكندرية في بدايات القرن الرابع، وبدأ يدعو للتوحيد بقوة، وانتشرت عبارته الشهيرة: «إن المسيح الذي دنسه الجسد وخضع للموت أبعد من أن يكون إلهاً أزلياً؛ فقد خلقه الله وسيطاً بينه وبين الأرض وهو كلمته» [٦] . وانتشرت أفكار أريوس هذا شرق الإمبراطورية، وبدأت في التغلغل في غربها وخاصة في مدينة روما، وحصلت مواجهات كثيرة حتى عقد (مجمع نيقيا) الشهير سنة ٣٢٥م الذي حصلت فيه نقاشات هائلة بين الفريقين برعاية الإمبراطور، وخرج بقرار نيقيا الذي يعتمد التثليث مذهباً رسمياً للإمبراطورية، ثم تراجع الإمبراطور (قسطنطين) واعتنق المذهب التوحيدي (الأريسي) بعد عامين، وحاول إرغام الولاة التابعين له على اعتقاده، وذلك حتى سنة ٣٧٩ م التي حاول فيها إمبراطور آخر هو (ثيودوسيوس) العودة إلى قرار مجمع نيقيا، وبقيت الحالة هكذا في شد وجذب. ج - الهرطقات والرهبنة: أصبحت (الأريسية) [٧] مذهب الموحدين أكثر انتشاراً في شرق الإمبراطورية (الشام ومصر وآسيا الصغرى) وبدرجة أقل في غربها ومركزها، وبدأت تنتشر البدع والهرطقات عند النصارى، والانقسامات الفلسفية عند التثليثيين، وبدأت الرهبنة عند الأريسيين تظهر بسبب الاضطهاد في الغرب وبسبب انتشار الفساد، وبخاصة في القرنين الخامس والسادس. وانتشرت النصرانية حينذاك حتى عند العرب الذين كان منهم الغساسنة والمناذرة في الشام والعراق وأهل نجران وسواهم ممن اعتنقوها، وحصل في نهاية هذا العصر قصة محاولة والي صنعاء الحبشي النصراني غزو الكعبة في عام الفيل، فأرسل الله عليه وعلى جيشه الطير الأبابيل المذكورة في سورة (الفيل) وكان ذلك أواخر القرن عام ٥٧١ من القرن السادس. * ثالثاً: عصر النهاية، أو (عصر الإثم العظيم) : وهذا العصر هو القرن السابع والأخير من عمر النصرانية كديانة مقبولة عند الله، ووقع فيه الإثم العظيم الذي حذر منه رسول الله محمد ﷺ ، وكانت النهاية في سنة ٦٢٨م الموافقة للسنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة. أ - الحالة الدينية في ذلك العصر: كانت النصرانية حينذاك ديناً عالمياً منتشراً في كثير من البقاع، وكان أكثرهم أهل الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى وشرق أوروبا، والممالك التابعة لها في الشام ومصر، وغير التابعة لها كمملكة إكسوم بالحبشة ومملكة الحيرة بالعراق، وكانت معظم الممالك تثليثية الكنائس، والسكان، إلا أهل المملكة البيزنطية فقد كان كثير منهم أريسيين توحيديين [٨] . كما كان هناك كثير من النصارى في بقاع متفرقة من العالم، ومنهم الكثير من الموحدين، وكان الجميع ينتظر البشارة العظمى بظهور النبي الجديد، ومن أولئك النصارى بحيرا الراهب وغيره. ب - أول النصارى تشرفاً برؤية واتباع نبي البشارة: وبحيرا أول من رأى النبي ﷺ ، وهو غلام، حين كان في تجارة مع عمه أبي طالب إلى الشام، فمروا به، فخرج إليهم وما كان يخرج قبلها، ودعاهم إلى الطعام وما كانت عادته، وعرف النبي وعظَّمه، وأوصى به عمه، وحذره من أن يراه اليهود، فكان أول من تشرف من أصحاب عيسى برؤية النبي العظيم محمد بن عبد الله الأمي ﷺ . ثم في بدايات البعثة النبوية حين حصلت قصة ظهور جبريل الأولى للنبي محمد ﷺ في حدود سنة ٦٠٩م، وعودته ﷺ إلى بيته خائفاً، جاءت زوجته خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، كما أنه كان نصرانياً أخذ الديانة من بعض نصارى الشام الموحدين [٩] ، فلما أخبرته الخبر قال لها: «لئن صدقتني، إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلِّمه بنو إسرائيل أبناءهم» [١٠] ، ثم لما تكرر الأمر مع النبي ﷺ وأخذته خديجة إلى ورقة فسأله عن الخبر فأخبره، قال ورقة للنبي محمد ﷺ : «هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً! ليتني أكون حياً؛ إذ يخرجك قومك» ، فقال ﵊ «أوَ مخرجيَّ هم؟» قال ورقة: «نعم! لم يأت نبي بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» [١١] . ولكن ورقة لم يمر كثير وقت حتى توفي رحمة الله عليه وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. كما رأى النبي ﷺ واتبعه بعضُ النصارى حين أُرْسل: منهم عدي بن حاتم ﵁. أما أول النصارى نطقاً بالشهادة فهو النجاشي ملك الحبشة ﵁ الذي أسلم على يد بعض المسلمين المهاجرين لبلده في حدود سنة ٦٢٠م. وأما أول أسقف نصراني يتبع النبي الجديد، فهو القديس (ضغاطر) أسقف روما الأعظم (البابا) في عام ٦٢٩م. واتبع كثير من النصارى الذين بلغتهم الرسالة بدون موانع الدين الجديد، قال تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ] (المائدة: ٨٢-٨٥) . ج - هرقل وبداية النهاية: كان حاكم الإمبراطورية البيزنطية حينذاك هرقل، وكان رجلاً عالماً بالديانة صاحب دراية واطلاع، موقَّراً في قومه، وكان كثير من أهل مملكته من الموحدين الأريسيين، وقد دخل في عدة معارك مع المملكة الساسانية الفارسية في الشام، وانتصر عليهم، واسترد الشام منهم في حدود ٦٢٨م، وتلك المعارك هي المذكورة في قوله تعالى: [الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ١-٤) ، فقرر هرقل أن يسافر إلى القدس (إيلياء) ماشياً، شكراً على النصر، فتحرك من القسطنطينية حتى وصل إلى القدس، فنزل عند واليها أسقف الشام (ابن الناطور) ، وكان لهرقل اطلاع بالنجوم وأحوالها، فأصبح يوماً متكدراً متغير الحال، فاستغرب صحبه فسألوه عما به، فأخبرهم أنه رأى أن مَلَكَ الختان قد ظهر، وأنه يعني له أن المُلك والسؤود سينتقل لأمة عادتها الختان، وكان النصارى قُلْفاً لا يختتنون، فاستفسر عمن يُختتن حينذاك؛ فقال له بعضهم: ليس إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، وأرسلْ إلى مدائن ملكك بقتلهم حتى لا تقوم لهم قائمة، وكانوا لا يعرفون أن العرب يختتنون لقلة احتكاكهم بهم. وفي تلك الأثناء وصل إلى بيت المقدس أحد العرب وهو (عدي بن حاتم) وكان لا يزال نصرانياً؛ يحمل رسالة من ملك بصرى الغساني إلى هرقل [١٢] ، فأمر هرقل أن ينظر إلى هذا العربي (عدي) أمختون هو؟ فجردوه فوجدوه كذلك، فأخبروا القيصر هرقل، فسأله عن العرب وهل يختتنون؟ فأجابه أن نعم! عند ذلك اضطرب هرقل، وعلم أن تلك الأمة هي التي سيؤول إليها الأمر. وكانت تلك الرسالة التي تسلمها هرقل هي رسالة النبي الكريم محمد الأمي التي أرسلها وغيرها إلى ملوك ذلك الزمان في السنة السادسة للهجرة، في أثناء فترة اتفاقية الحديبية؛ فعندما رآها طلب أن يرى بعض أهل بلد ذلك النبي الذي أرسل الرسالة، فوجدوا بالشام حينذاك أبا سفيان، وبعض أهل قريش معه في تجارة، وكانوا لا زالوا مشركين، فطلبهم فجاؤوا عنده، فكان أقربَهم من رسول الله ﷺ أبو سفيان، فسألهم عدة أسئلة عن ذلك النبي: سألهم عن نسبه، وهل كان من آبائه ملك؟ ومن يتبعه الضعفاء أم الأشراف؟ وهل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ وهل يرتد من يتبعه عن دينه؟ وهل تقاتل مع خصومه؟ وكيف نتيجة الحروب بينهم؟ وهل يغدر؟ وهل ادعى أحد من قومه النبوة قبله؟ وعمَّ يأمر وعمَّ ينهى؟ فأجابه أبو سفيان ولم يكذب مخافة أن يؤثَر عنه الكذب. عند ذلك عرف هرقل أن (محمداً) هو بشارة عيسى وهو نبي آخر الزمان حقاً، فقال لأبي سفيان ومن معه: «إن يكن ما تقول فيه حقاً فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي» ثم دعا بالرسالة فقرأها فإذا فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) » [١٣] . عند ذلك ارتفع اللغط والصياح في مجلس القيصر هرقل من بطارقته والأساقفة الموجودين، فتم إخراج أبي سفيان ومن معه، وأكرم هرقل كتاب النبي ﷺ وقبَّله ووضعه على عينيه [١٤] . عند ذلك خرج هرقل من بيت المقدس إلى حمص إحدى عواصمه حينذاك، وكان قد أرسل رسالة بما جرى لصديقه في روما القديس الأكبر (ضغاطر) يستشيره فيها عما جرى. فحين وصلت الرسالة التي حملها (عدي بن حاتم) إلى (ضغاطر) في روما انشرح صدره للإسلام، فلبس البياض وخرج إلى قومه يصيح فيهم بظهور النبي الجديد، فقام عليه القساوسة التثليثيون وعامة الشعب يؤذونه، فعاد للرسول وأعطاه رسالة للنبي ﷺ فيها أنه يقرأ ﵇ ويخبره أنه يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه قد آمن به وصدق، وأن قومه قد أنكروا عليه ذلك، ورسالة أخرى إلى هرقل فيها: «هذا الذي كنا ننتظر، وبشرنا به عيسى، أما أنا فمصدقه ومتبعه» ، ثم إن قوم (ضغاطر) اشتدوا عليه في الإيذاء حتى قتلوه ﵀. ووصلت رسالة (ضغاطر) إلى (هرقل) وهو بحمص، فقرر الدعوة إلى مجمع للنقاش في حمص يحضره كل البطارقة والأساقفة والمطارنة، فكان ذلك في عام ٦٢٩م في دار عظيمة مغلقة الأبواب من الداخل والخارج. د - الإثم العظيم: اطَّلع هرقل على المطارنة والأساقفة والبطاركة وغيرهم من الحاضرين الذين كانوا ينتظرون بشغف ما سيقول، فألقى فيهم كلمة مختصرة جامعة مفيدة ليرى رأيهم فيها، فكان مما قاله في ذلك المؤتمر: «يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد الدائمين وثبات الملك دائماً؟ فبايعوا محمداً وآمنوا به؛ فإني علمت من عدة أمور أن الأمة المحمدية هي الأمة الدائمة» ، وعندما انتهى من سرده قام نقاش حاد بين الموجودين، وذكر بعضهم هرقل بسوء، واشتد اللغط وكثر الصياح، فقاموا وتوجهوا نحو الأبواب يريدون الخروج فوجدوها مؤصدة، فأمر هرقل بإعادتهم إليه، فلما رأى إنكارهم وإجماعهم عليه قال لهم: «إنني أردت بتلك المقالة أن أختبر تمسككم بدينكم؛ فقد رأيت منكم ما أحب» ، فاقتنعوا بكلامه وحيوه، وخرجوا راضين « [١٥] . وقبل وصف حال هرقل فإنه يمكننا وصف ذلك المجمع المسكوني في حمص بمؤتمر إعلان نهاية تاريخ النصرانية كديانة مقبولة. أما هرقل فقد باع الباقي بالفاني، وفضل البقاء ملكاً بضع سنين على نعيم لا يزول؛ حيث عندما بلغه مقتل (ضغاطر القديس) قال مقولته تلك:» إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر كان أعظم عندهم مني «. ثم إنه لما سمع من المؤتمرين ما سمع عاد وأظهر لهم أنه إنما يزعم اختبارهم، وقد استمر في ملكه، بعد ذلك على دينه حتى زمان غزوة تبوك في العام التالي ٦٣٠م، ثم أرسل جيشه لحرب المسلمين في معركة مؤتة سنة ٦٣٢م. ورغم تيقن هرقل من الرسالة الجديدة إلا أنه سلك ذلك السبيل، حتى إنه عندما أراد العودة للعاصمة العظمى القسطنطينية دعا قومه مرة أخرى إلى الإسلام أو الجزية، أو الاتفاق مع النبي ﷺ على صلح معين، فلم يوافقوا، فلما خرج من حمص ووصل إلى نهاية الشام أشرف على الدرب، واستقبل أرض الشام وقال:» السلام عليك يا أرض سورية «، تسليم المودع [١٦] . وبهذا تحمَّل هرقل الإثم العظيم الذي حذره منه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:» فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين « [١٧] . وتحمل هرقل ذنب عشرات الآلاف من النصارى الموحدين فلاحيهم وموظفيهم وغيرهم الذين يتبعون إمبراطوريته وممالكها، كما تحمل خطيئة ضياع جهود عشرات بل ومئات القديسين الأريسيين والموحدين عبر عشرات السنين في مواجهة التثليثيين، وحماية عهد عيسى وتعاليمه وبشارته من التحريف والشرك ومكائد اليهود وضلالات عقول الفلاسفة.

стр. 4782

دراسات في الشريعة موقف المسلم عند الفتن إبراهيم بن محمد الحقيل [*] يتحتم على المؤمن مراجعة إيمانه، ومحاسبة نفسه بين وقت وآخر، ولا سيما في أوقات الفتن والمحن والابتلاءات، وأحوال علو الكافرين وطغيانهم، وظهور المنافقين وافترائهم، وضعف المؤمنين وانزوائهم، وذلك لئلا تميد بالمسلم الفتن فتخرجه من دينه أو تجعله يسيئ الظن بربه، فيظن أن الله تعالى لا ينصر أولياءه ولا يكبت أعداءه، وأن القوة المادية المحسوسة فوق كل قوة، وأنه لا اعتبار بعالم الغيبيات، وإذا تمادى به الظن السيئ إلى هذا الحد فيُخشى عليه من إنكار الغيب، ومن ثم إنكار الخالق ﷻ ، ونعوذ بالله ممن يكن هذا حاله! ومن الناس من يتخلى عن دينه لا شكاً فيه وفي وعد ربه ﵎، ولكنه يستبطئ ذلك، فيتفلت من الأوامر والنواهي شيئاً فشيئاً، ويوجد لنفسه الأعذار والمسوّغات حتى يخرج من الإسلام وهو لا يشعر، ولا سيما إذا صاحب الفتن موجات من السخرية بالدين وأهله، ووصفهم بالأوصاف التي تنفر الناس منهم، وتجعلهم عرضة للإيذاء والابتلاء، كما هو الواقع في هذا الزمن من اتهامات باطلة للإسلام والمسلمين المتمسكين بدينهم، المعظمين لشعائره، المحافظين على سننه وأحكامه؛ إذ يوصفون في الإعلام العالمي اليهودي والنصراني والعلماني العربي بأوصاف تجرّمهم، ويُتهمون بتهم تخوّف الناس منهم، وذلك بقصد صرف الناس عن دينهم، وتخويفهم منه ومن شريعته، واستبداله بدين آخر ممسوخ تم صفه وإعداده في الدوائر السياسية والمؤسسات الأكاديمية الغربية، وتلقفه العلمانيون العرب، وعملوا له الدعاية في وسائل الإعلام المختلفة، وليس في هذا الدين الجديد حرام، ولا له حدود، ويؤمن بالحرية والديمقراطية وبكل المقررات العلمانية. إنهم باختصار يريدون أن يكون ديننا كدين النصارى الذي ما بقي منه من كثرة التحريف والمسخ إلا بعض الوصايا الأخلاقية التي ينطق بها رهبانهم على استحياء. * أسئلة مهلكة: إن من الناس من صاروا يتساءلون في الصحف والفضائيات، بعضهم يلمح وبعضهم يصرح بطريقة أو بأخرى، قائلين: أين رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين الذين التزموا دينه، وأقاموا شريعته في أنفسهم وأهليهم ورعاياهم، واختاروا الإسلام الحق الذي أنزل على محمد ﷺ دون ما سواه! ها هم يوصمون بالتطرف والإرهاب وبكل نقيصة، ويوصفون بما ينفر الناس منهم!! ها هم أولاء في بلاد الأفغان قد قُتلوا، وأُخرجوا من ديارهم، وشُردت أسرهم، واغتصب نساؤهم، وعذبوا واضطهدوا، وفقدوا مقومات الحياة من الأمن والطعام والكساء والمأوى. فأين رحمة الله تعالى بهم!! وأين رحمة الله تعالى بأهل فلسطين وقد فعل بهم اليهود والنصارى ما فعلوا؛ من هدم ديارهم عليهم، وإتلاف زروعهم، ومصادرة أراضيهم، واعتقال أبنائهم، واغتيال النشطاء منهم، ولا سيما من يرفعون لواء الإسلام، وينادون به حلاً لقضيتهم. وأين هي رحمة الله تعالى بالمسلمين في بلاد الشيشان المنكوبة التي يعيش نساؤها وأطفالها في مخيمات جليدية، لا يجدون أمناً ولا طعاماً ولا كساءً؟! وأين هي نقمة الله تعالى على أعدائه: اليهود والنصارى والهندوس والمنافقين؟! وأين كانت رحمة الله تعالى من قبل بالمسلمين الذين قُطعت أجسادهم واغتصبت نساؤهم، ويتُمت أطفالهم في البوسنة والهرسك وكوسوفا وكشمير والفلبين وبورما، وتيمور الشرقية وغيرها، ولا يزال من عذبوهم وسحقوهم يسرحون ويمرحون، وربما يقومون بمذابح جديدة، ويخططون لمصائب تنال المسلمين كما يفعل طاغية اليهود شارون؟! إنها أسئلة بدأ المنافقون الماديون الذين لا يؤمنون بالله تعالى، وينكرون الغيب يلقونها بطريقة أو بأخرى عبر كثير من المنتديات الإسلامية؛ ليشككوا الناس في رحمة ربهم، بل في وجوده ﵎، داعين إلى تحرير العقول مما يسمونه: خرافات دينية، وأطروحات عاطفية، وأحلام يقظة وردية، تعالى الله عن إفكهم وكفرهم علواً كبيراً. وهذه الأسئلة ومثيلاتها ترد على قلوب ضعاف الإيمان عند كل نازلة تنزل بالمسلمين، ومصيبة تحل بهم، لكن ألسنتهم تعجز عن النطق بها؛ لأن ما في قلوبهم من إيمان ولو كان ضعيفاً يحفظ ألسنتهم من نطقها. ونعوذ بالله العزيز الحكيم من أن تلفظها أفواهنا، ونعتصم به ﵎ من أن ترد على أذهاننا، أو تنكت في قلوبنا؛ لأنها أسئلة مكتوبة على بوابة الإلحاد والزندقة، لا ترد على قلب عبد وينطق بها لسانه إلا ولج البوابة التي من دخلها لا يرجى خروجه منها إلا أن يرحمه الله تعالى بتوبة يرزقه إياها، فتصله قبل أن يصل إلى النار. وإلا فكيف ترد هذه الأسئلة ومثيلاتها على قلب مؤمن يوحّد الله تعالى، ويؤمن بوعده، ويعرف أسماءه وصفاته؟! * ربنا أرحم بنا من أنفسنا: ربنا ﷻ قد وسع كل شيء رحمة وعلماً، فوسعت رحمته كل شيء، فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو تعالى أعلم بمصلحة العبد من نفسه. والرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بالعبد من شق عليه في إيصال مصالحه، ودفع المضار عنه، ولهذا كان من رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على عباده المؤمنين من القتل والتعذيب والحرق والأسر والحبس والتهجير والجوع والخوف ونحو ذلك من البلايا؛ مما هو مشاهد في بلاد الأفغان على أيدي الأمريكان وحلفائهم، وفي الشيشان على أيدي الروس، وفي فلسطين على أيدي اليهود، وفي الهند على أيدي الهندوس، ومن قبل في البوسنة وكوسوفا على أيدي الصرب، وستظل هذه السلطة متصلة ما دام للأعداء قوة، وما دام المسلمون في ضعف. وهذا الابتلاء للمسلمين هو من رحمة الله تعالى بهم، وهو من أعظم ما يحقق المصالح الدائمة لأولياء الله تعالى وأحبابه في الدنيا والآخرة، ومن أهم تلك المصالح: ١ - التوبة والإنابة والرجوع إلى الله : كما قال سبحانه: [وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] (الأعراف: ١٦٨) ، فما يصيب المسلمين في أقطار كثيرة في هذا العصر من الأذى والقهر والتسلط من قِبَل أعدائهم؛ ما هو إلا من الابتلاء بالسيئات لعلهم يراجعون أنفسهم، ويعودون إلى دينهم، ويتعلقون بجانب ربهم ﵎. ٢ - استخراج الدعاء: فلولا هذه المصائب العظيمة التي نزلت بالمسلمين لما سمعت الخطباء في الجمع يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء لإخوانهم المسلمين المنكوبين، وكذلك يفعل أئمة المساجد في قنوت النوازل، والمحاضرون في ختام محاضراتهم، بل حتى اللقاءات الدعوية والحوارية في بعض القنوات الفضائية، صار ضيفوها يختمون برامجهم بسؤال الله تعالى أن يكشف الكربة، وينصر المسلمين. وهذا من أعظم المصالح التي تحصل بسبب الابتلاءات، وقد بين الله تعالى أن هذا من مقاصد الابتلاءات التي تحصل للبشر، كما في قوله سبحانه: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ] (الأنعام: ٤٢) ، فالبأساء والضراء التي أصابت ولا تزال تصيب إخواننا في فلسطين وأفغانستان وكشمير والهند والشيشان وغيرها تستخرج التضرع منهم، وتلجئهم إلى التعلق بالله تعالى ودعائه والانطراح بين يديه، بل إن كثيراً من المسلمين الذين يشاهدون عذاب إخوانهم تأثروا بذلك، لجأ كثير منهم إلى الله تعالى، وصاروا يكثرون من الدعاء والتضرع، وهذا مصلحته عظيمة لأهل البلاء خاصة، ولكل الأمة عامة؛ لأن الدعاء من أعظم العبادات التي يحبها الله تعالى. قال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى -: «ينزل البلاء ليستخرج به الدعاء» [١] ، وقال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: «ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه» [٢] . وقد قيل: «مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نقمة تُنْسيك ذكر الله» [٣] . ٣ - كشف المنافقين وفضحهم: فإن الأمور إذا استقامت للمسلمين، واستقر لهم الأمن، ولم يكن ثمة مخاطر تحيق بهم؛ دخل فيهم من ليس منهم من المنافقين وعبّاد الدنيا والمصالح الذاتية، ولا يبين حينئذ من هو صادق في إيمانه موقن بإسلامه مهما كانت النتائج، ممن يظهر الإسلام ويقيم بعض شعائره؛ لأنه أمام المسلمين، ولأن ضرورة العيش معهم تقتضي مسايرتهم ومجاملتهم. وهذه الأحداث المعاصرة التي ابتدأت بانتفاضة الأقصى، ثم زاد اشتعالها في أحداث أفغانستان وباكستان والهند، قد أظهرت للمسلمين من كانوا في داخل الصف وقلوبهم مع الأعداء، وقد قال الله تعالى عقب غزوة أُحد: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْب] (آل عمران: ١٧٩) . وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى - تعليقاً على هذه الآية: «أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أُحد، وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تميزاً مشهوداً، فيقع معلومه الذي هو غيب وشهادة» [٤] . * هل حظ المؤمنين في الدنيا المحنة والابتلاء؟! كثير ممن يعاصرون فترات الابتلاء والتمحيص، ومنها ما حصل من أمور بعد أحداث أمريكا، وما يحصل الآن في فلسطين وغيرها يظنون أن حظ الفجار من كفار ومنافقين في الدنيا هو النصر والتمكين والغلبة، ليكون جزاؤهم في الآخرة العذاب المهين. وأصحاب هذا الظن الخاطئ تُشْكل عليهم آيات قرآنية تثبت أن الغلبة والنصر والتمكين للمؤمنين، نحو قول الله تعالى: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين] (المنافقون: ٨) ، وقوله تعالى: [وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧٣) ، وقوله تعالى: [وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (الأعراف: ١٢٨) ، فيجدوا أنفسهم مضطرين إلى حملها على ما يحصل من العزة والكرامة والتمكين للمؤمنين في الآخرة. ولا شك في أن هذه الطريقة الخاطئة مصادمة لوعد الله بالتمكين لعباده المؤمنين في الدنيا قبل الأخرى، كما في قوله سبحانه: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) ، وقوله تعالى: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) . وهذه الطريقة مع مصادمتها لصريح القرآن؛ فإن فيها أيضاً سوء ظن بالله ، ومخالفة لمقتضى حكمته في عباده، ورحمته بهم، وتلك هي طريقة المبتدعة الذين يظنون بالله ظن السوء، كما كان الجهم بن صفوان رأس الجهمية نفاة الأسماء والصفات؛ يخرج بأصحابه إلى الجذامى وأهل البلاء والأمراض والجنون ثم يقول لهم: «انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا» [٥] ، يريد إنكار رحمة الله تعالى كما أنكر حكمته. وهذه الظنون الفاسدة التي قد تقع في قلوب ضعاف الإيمان من المؤمنين، وينطق بها المنافقون مبنية على مقدمتين مهمتين: المقدمة الأولى: حسن ظن العباد بأنفسهم، واغترارهم بأعمالهم، واعتقادهم أنهم قائمون بأمر الله تعالى، وهم فيهم من الفساد والعصيان والمنكرات ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى من كثرته، فلا ينظرون إلى عصيانهم وإساءتهم، ولا يبحثون في الأسباب الحقيقية لتخلف نصر الله تعالى عنهم. المقدمة الثانية: اعتقادهم أن الله تعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوماً مقهوراً مستضاماً، مع قيامه بما أمر الله تعالى ظاهراً وباطناً، وانتهائه عما نهى عنه باطناً وظاهراً. وهذان المعتقدان كانا سبباً في ضلال كثير من الناس، وفساد قلوبهم، فأقعدهم الأول عن محاسبة أنفسهم، وتوبتهم من ذنوبهم، وأحدث عندهم الغرور بأعمالهم، فتخلف عنهم نصر الله تعالى في الدنيا، ويخشى عليهم من عذابه في الآخرة بسبب ذنوبهم وعصيانهم، وتقاعسهم عن القيام بأمر الله . وأقعدهم الثاني عن نصرة إخوانهم المسلمين المستضعفين المستضامين في مشارق الأرض ومغاربها؛ لاعتقادهم أن حظ المؤمنين في الدنيا العذاب والبلاء، وأن حظ الكافرين فيها النصر والغلبة والنعيم، وهذا سوء ظن بأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، ومخالفة صريحة لمقتضى حكمته تبارك تعالى [٦] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (نذكر هنا نكتة نافعة، وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب، وما يصيب كثيراً من الكفار والفجّار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلاً، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأن العاقبة للتقوى.. وهو ممن يصدق بالقرآن؛ حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فما نرى بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة، والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس، ويعتمد على هذا فيما إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق..) ، إلى أن قال: (والمقدمتان اللتان بنيت عليهما هذه البلية؛ بناهما على الجهل بأمر الله ونهيه وبوعده ووعيده، فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق؛ فقد اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور، وهو على العكس من ذلك، وهذا يكون من جهله بالدين الحق، وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدينا، قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر، فهذا من جهله بوعد الله تعالى. أما الأول فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها وبوجوبها، وما أكثر من يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها، بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم، ويترك ما أوجب، وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل. وأما الثاني فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء معذبين؛ بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخرى وسبيل آخر. ولهذا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى، وأمرهم بانتظار وعده وهي المقدمة الثانية، وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لا بد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار، ولا بد مع انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة، وبالصبر يتم اليقين بالوعد.. كما قال تعالى: [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] (يونس: ١٠٩)) . ويؤكد شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- على أن حصول النصر وغير ذلك من أنواع النعيم لطائفة أو شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى، وذلك أن الخلق كلهم يموتون، فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس، بل الفتن التي تكون بين الكفار، وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما يختص بالقتال، فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة، وهي المصائب التي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وغيره، ومن جوع وغيره، وبأسباب خاصة، فالذين يعتادون القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل، بل الأمر بالعكس كما قد جربه الناس، ثم موت الشهيد من أيسر الميتات [٧] .

стр. 4783

دراسات تربوية المتابعة في العمل التربوي سالم بن أحمد البطاطي العمل التربوي عمل ضخم كبير وضرورة لا تستغني عنه الأمة الإسلامية، ويكفي في بيان علو منزلة التربية وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنه مزكٍّ للنفوس ومربٍّ لها، فقال: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) وهذا العمل التربوي الكبير بحاجة دائماً إلى تقويم وتوجيه مستمر، حتى نتخلص بإذن الله من ضعف الإنتاجية في أعمالنا التربوية، وحتى نحصل بإذن الله على الثمار اليانعة من هذه الأعمال، وحتى لا تهدر الجهود والطاقات في غير طائل. ومن ينظر نظرة متعمقة في واقع العمل التربوي اليوم يجد أن ثمة ثغرات تتخلل هذا العمل الضخم الكبير، مما يتسبب في تأخيرٍ في دفع عجلة هذه الصحوة المباركة إلى الأمام، ومن هذه الثغرات عدم ترسُّخ مفهوم المتابعة وتطبيقه في الواقع لدى بعض العاملين في حقل الدعوة والتربية، فتسمع أن بعض الأعمال الدعوية والتربوية قد توقفت، ومن الأسباب ضعف المتابعة.. وتسمع عن تساقط بعض الشباب عن هذا الطريق، ومن الأسباب ضعف المتابعة، وتشعر بضعف إنتاجية وعمل بعض المحاضن التربوية، ومن الأسباب ضعف المتابعة. ولعلنا في هذه الوريقات نلقي بعض الضوء حول هذا المفهوم التربوي المهم، وأنا مؤمن بأنها لن تفي هذا الموضوع الكبير حقه، ولكن هي إشارات عابرة وفتح باب للباحثين حول هذا المفهوم. إن هناك مسوغات تدفعنا للحديث عن هذا الموضوع المهم، منها: ١ - أن التربية عملية مستمرة، لا يكفي فيها توجيه عابر من المربي مهما كان مخلصاً، ومهما كان صواباً في ذاته، إنما يحتاج إلى المتابعة والتوجيه المستمر [١] . ٢ - أن المتلقي نفسٌ بشرية وليس آلة تضغط على أزرارها مرة، ثم تتركها وتنصرف إلى غيرها، فتظل على ما تركتها عليه، بل هي نفس بشرية دائمة التقلب، متعددة المطالب، متعددة الاتجاهات، وكل تقلب، وكل مطلب، وكل اتجاه، في حاجة إلى توجيه. فالعجينة البشرية عجينة عصيه تحتاج إلى متابعة دائماً.. وليس يكفي أن تضعها في قالبها المضبوط مرة فتنضبط إلى الأبد وتستقر هناك، بل هناك عشرات من الدوافع الموارة في تلك النفس دائمة البروز هنا، ودائمة التخطي لحدود القالب المضبوط من هنا ومن هناك [٢] . ٣ - أن من صفات المربي الناجح المتابعة، والشخص الذي لا يجد في نفسه الطاقة على المتابعة والتوجيه المستمر شخص لا يصلح للتربية ولو كان فيه كل جميل من الخصال [٣] . ٤ - يواجه الشباب المسلم في هذا الزمان تياراً من الفتن والصوارف عن دين الله : فتن الشبهات التي تشككه في دينه وعقيدته، وفتن الشهوات المحرمة التي تقوده إلى نارها ولأوائها [٤] . فالعملية طردية كلما كثرت الفتن وانتشرت المنكرات عظم دور المتابعة، وكان الاهتمام بها آكد.. قال ﷺ : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع نفسه بعرض من الدنيا» [٥] . ٥ - أننا مسؤولون عمن نربيهم يوم القيامة. قال ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» [٦] ، وقال ﷺ : «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله يوم القيامة مغلولاً يده إلى عنقه، فكه بره، أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» [٧] . وقال ﷺ : «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» [٨] . ٦ - أن السلف الصالح رضوان الله عليهم اهتموا بهذه الصفة صفة المتابعة بل كانوا يحثون المربين عليها. يقول ابن جماعة ﵀: «إذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائداً عن العادة سأل عنه وعن أحواله وعمن يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل؛ فإن كان مريضاً عاده، وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان مسافراً تفقد أهله ومن تعلق به، وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم وأوصله بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد له ودعا له» [٩] . ويقول الإمام النووي وهو ينصح المربي ويضع له واجبات منها: «وينبغي أن يتفقدهم أي الطلاب ويسأل عمن غاب منهم» [١٠] . ٧ - أن صفة المتابعة من صفات الأنبياء ﵈ كما في قصة الهدهد وسليمان ﵇. قال تعالى: [لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ] (النمل: ٢١) يقول السعدي ﵀: «دل هذا على كمال عزمه وحزمه، وحسن تنظيمه لجنوده، وتدبيره بنفسه للأمور الصغار والكبار حتى إن لم يهمل هذا الأمر وهو تفقد الطيور، والنظر هل هي موجودة كلها أم مفقود منها شيء» . ويقول أيضاً ﵀: «وإنما تفقد الطير لينظر الحاضر منها والغائب، ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها» . وهي أيضاً من صفات نبينا محمد ﷺ كما سيأتي. ٨ - أن المتابعة من أسس الإدارة وقواعد التخطيط ومما يعين على تحسين الإنتاجية. يقول صاحب كتاب (الإيجابية في حياة الدعاة) في قصة الهدهد وسليمان: «وبالطبع فإن تفقد الأمير للأتباع، وأخذه بالحزم ثم المحاسبة، وتبين العذر: كل ذلك من أسس الإدارة وقواعد التخطيط ومناهج التربية» [١١] . * المتابعة منهج نبوي: لقد كان رسول الله ﷺ حريصاً على متابعة أصحابه وتفقدهم ومما يدل على ذلك ما يلي: ١ - متابعتهم في الأعمال الصالحة: من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في أمرئ إلا دخل الجنة» [١٢] . ٢ - متابعتهم في زمن الفتن والابتلاءات: ومن ذلك مروره ﷺ بآل ياسر وهم يعذبون وقوله لهم: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة» [١٣] . ٣ - متابعتهم في مشكلاتهم الصحية وأمراضهم: أ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: «أصابني رمد، فعادني النبي ﷺ . قال: فلما برئت خرجت. قال: فقال لي رسول الله: » أرأيت لو كانت عيناك لما بهما ما كنت صانعاً؟ «قلت: لو كانت عيناي بما بهما صبرت، واحتسبت.. قال: لو كانت عيناك بما بهما، ثم صبرت واحتسبت للقيت الله ولا ذنب لك» [١٤] ، وهذا يدل على أن المتربي يفرح بمتابعة المربي له وبالاهتمام به والسؤال عنه. ب - أخرج البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «مرضت مرضاً فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أغمي عليَّ، فتوضأ النبي ﷺ ثم صب وضوءه عليَّ، فافقت؛ فإذا النبي ﷺ » [١٥] . ت - في يوم خيبر قال ﷺ : «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» .. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يُعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟ قيل: يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبرئ كأن لم يكن به وجع» [١٦] . وعن ابن أبي وقاص، فقال: «ادعوا إليَّ علياً، فأتي به أرمد» [١٧] . وعن طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: «فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أرمد» [١٨] . ث - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى..» [١٩] . ج - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا، يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ . فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا..» رواه البخاري في كتاب الجنائز. ٤ - متابعتهم في مشكلاتهم الاجتماعية والأسرية، ومن ذلك: أ - سعيه ﷺ في أمر جليبيب حتى زوَّجه.. وذلك كما في مسند الإمام أحمد عندما قال ﷺ لرجل من الأنصار: زوِّجني ابنتك! فقال: نَعَم! وكرامة يا رسول الله! ونِعْم عين! قال: إني لست أريدها لنفسي. قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لجليبيب «. ب - قصة جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄، وقصته مشهورة؛ قال:» تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ ، فلقيت النبي ﷺ فقال: يا جابر! تزوجتَ؟ قلت: نعم! قال: بكر أم ثيِّب؟ قلت: ثيب، قال: فهلاَّ بكراً تلاعبها، قلت: يا رسول الله! وإن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن. قال: فذاك إذن! إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها؛ فعليك بذات الدين تَرِبَت يداك « [٢٠] . ت - قصة عبد الله بن أبي حدرد، فقد حدث عن نفسه أنه تزوج امرأة فأتى رسول الله ﷺ يستعينه في صداقها، فقال:» كم أصدقت؟ قال: قلت: مائتي درهم! ثم أرسله ﷺ في سرية فأصاب منها « [٢١] . ث - حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقد. فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه؛ وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه، ويقول: قم أبا تراب! قم أبا تراب» [٢٢] . ج - عن ابن عباس ﵁ أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله ﷺ لعباس: «يا عباس! ألا تعجب من حب مغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثاً؟! فقال النبي ﷺ : لو راجعْتِهِ! قالت: يا رسول الله! أتأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه» [٢٣] . ٥ - متابعته في مشكلاتهم الاقتصادية: كما في قصة سلمان الفارسي ﵁ عندما أتى للرسول صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي. فقال صلى الله عليه وسلم: «ما فعل الفارسي المكاتب؟» قال: فدعيت له، فقال: خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان « [٢٤] . ٦ - متابعتهم في أفراحهم: وذلك بإجابة دعوتهم في أفراحهم، ومن ذلك أن أبا أسيد الساعدي - رضي الله عنه - دعا رسول الله ﷺ في عرسه فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس. ٧ - متابعتهم في أحزانهم ومواساتهم: أخرج النسائي بإسناد حسن من طريق معاوية بن قرة عن أبيه؛ قال:» كان النبي ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ فقال: ما لي لا أرى فلاناً؟ قالوا: يا رسول الله! بُنيُّه الذي رأيته هلك، فلقيه ﷺ ، فسأله عن بُنيه فأخبره أنه هلك. فعزاه عليه، ثم قال: يا فلان! أيما كان أحب إليك: أن تُمتَّعَ به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي لهو أحب إليَّ قال: فذلك لك « [٢٥] . ٨ - متابعتهم في الجهاد في سبيل الله، ومن ذلك: أ - فقده ﷺ لجليبيب في أحد المعارك؛ حيث سأل أصحابه: » هل تفقدون أحداً؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيباً. قال: فاطلبوه. فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله! ها هو ذا جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه. فأتاه النبي ﷺ فقال: قتل سبعة ثم قتلوه! هذا مني، وأنا منه مرتين أو ثلاثة « [٢٦] . ب - قوله ﷺ يوم مؤتة مخبراً بالوحي قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال:» أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم « [٢٧] . ت - قول كعب ﵁ في قصته:» ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟ حتى قال كعب: بينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة. فإذا هو أبو خيثمة» [٢٨] . ث - «قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: إن رأيته فاقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعد! إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجد؟ فقال: وعلى رسول الله ﷺ السلام قل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنة» [٢٩] . ومما يدل على متابعته ﷺ لأصحابه ما ورد عند الدارمي وأبي داود أنه ﷺ كان يسأل عن أصحابه في صلاة الفجر فيقول: «أين فلان، وأين فلان؟» . ومما ورد أيضاً عن محمد بن سعد: «أتى واثلة بن الأسقع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى معه الصبح، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه، فلما دنا من واثلة، قال: من أنت؟ فأخبره. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أبايع. فقال رسول الله ﷺ : فيما أحببتَ وكرهتَ؟ قال: نعم! فأسلم وبايعه» [٣٠] . وما ورد أيضاً في صحيح البخاري في كتاب المنافق «عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس - رضي الله عنه - فقال رجل: يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ؛ فقد حبط عمله، وهو من أهل النار فأتى الرجل، فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» [٣١] . وما ورد أيضاً في صحيح البخاري في كتاب الجنائز عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه، فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ فإن رأى أحد قصها، فيقول: ما شاء الله. فسألنا يوماً فقال: هل رأى منكم أحد رؤيا؟ فقلنا: لا.. « [٣٢] . من الاستقراء لما مضى يتضح لنا أنه ﷺ كان يتابع أصحابه رضوان الله عليهم في شتى المجالات: يتابعهم في عمل الأعمال الصالحة، وفي زمن الفتن والابتلاءات، ويتابعهم في مشكلاتهم الاجتماعية والأسرية، ويتابعهم في مشكلاتهم الاقتصادية والصحية، ويتابعهم في الجهاد في سبيل الله، ويتابعهم في أفراحهم وأحزانهم، ويتفقدهم ويعُودُهم ويسأل عنهم، ويرسل إليهم؛ مع ما عنده ﷺ من الأشغال والارتباطات والهموم الكثيرة، بل هذه الأشغال والارتباطات والهموم لم تمنعه ﷺ ، ولم تشغله عن متابعة الفقير المسكين الذي كان يقمُّ المسجد والسؤال عنه وتفقده؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن أسود رجلاً أو امرأة كان يقمُّ المسجد، فمات ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بموته، فذكره ذات يوم، فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله! قال: أفلا آذنتموني؟! فقالوا: إنه كان كذا وكذا قصته، قال: فحقروا شأنه. قال: فدُّلوني على قبره. فأتى قبره فصلى عليه» [٣٣] . لقد كان ﷺ نِعم المربي - بأبي هو وأمي - لقد حاز على جماع الأخلاق وجميل الصفات، وارتسمت فيه صفات القائد الناجح والمربي الناصح؛ فحري بالمربين والدعاة الاقتداء به. قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة] (الأحزاب: ٢١) . * السلف الصالح والمتابعة: لقد كان علماء الأمة حريصين على متابعة طلابهم وتفقدهم إذا غابوا، والسؤال عنهم، بل الذهاب إلى بيوتهم وزيارة مرضاهم وتشييع جنائزهم. ١ - فهذا الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: فقدَ أحد طلابه في الحلقة وهو بقيُّ بن مخلد، وكان مريضاً؛ فما كان منه إلا أن سأل عنه، فأُعلم بأنه مريض، قال بقيٌّ: فقام من فوره مقبلاً إليَّ عائداً لي بمن معه من طلاب العلم، فسمعت الفندق قد ارتج بأهله، وأنا أسمعهم يقولون: هو ذاك، أبصروه، هذا إمام المسلمين مقبلاً، فبدر إليَّ صاحب الفندق مسرعاً، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن! هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلاً إليك عائداً لك.. فدخل فجلس عند رأسي، فما زادني على هذه الكلمات، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله! أيام الصحة لا سقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية، فرأيت الأقلام تكتب لفظه [٣٤] . ٢ - ذكر الذهبي ﵀: أن سعيد بن المسيب ﵀ زوَّج ابنته لأحد طلابه، وهو كثير بن المطلب بن أبي وداعة ﵀؛ وذلك عندما فقده من حلقة العلم في المسجد وسأل عنه فأُخبر بأن زوجته توفيت، فقال له: ألا أخبرتنا فشهدناها؟ ثم قال: هل استحدثتَ امرأة؟ فقلت: يرحمك الله؛ ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا. فزوجه بدرهمين، وهي المرأة التي خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد فأبى عليه، وزوَّجها الطالبَ الملتحق بحلقة العلم. ٣ - وهذا أبو يوسف من أخص تلاميذ أبي حنيفة ﵀ يقول: «كنت أطلب الحديث وأنا مقلُّ المال، فجاء إليَّ أبي وأنا عند الإمام، فقال لي: يا بني! لا تمدن رجلك معه؛ فإن خبزه مشوي وأنت محتاج. فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي؛ فسأل عني الإمام وتفقدني، وقال حين رآني: ما خلَّفك عنا؟ قلت: طلب المعاش. فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إليَّ صرة فيها مائة درهم، فقال: أنفق هذا! فإذا تم أعلمني، وألزم الحلقة؛ فلما مضت مدة دفع إليَّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام، كأنه يُخبَر عني بنفادها حتى بلغتُ حاجتي من العلم. أحسن الله مكافأته، وغفر له» . لقد صار هذا التلميذ أعز من أبناء العالم، حيث حمل لواء العلم بعد الإمام ومقرر المذهب من بعده، ولم يحصل له أن يتعلم ويصل إلى ما وصل إليه في الفقه والعلم لو لم يجد الإكرام والبذل والمتابعة من أبي حنيفة ﵀ [٣٥] . * مظاهر ضعف المتابعة: لا شك أن مظاهر ضعف المتابعة قد تكون في أكثر من مجال، ولكن سأخص حديثي هنا في مظاهر ضعف متابعة المتربين في المحضن التربوي؛ وذلك لأهمية هذه المحاضن؛ إذ فيها يُصنع الرجال، وتُصقل النفوس، ويخرج الجادون من أحضانها. لذلك كان لزاماً علينا إلقاء الضوء على هذا المجال المهم، ومن هذه المظاهر ما يلي: ١ - الغياب المتكرر والتأخر الملحوظ من بعض المتربين دون معرفة السبب، وانقطاع بعض المتربين في المحضن عن حلقات التحفيظ والدروس العلمية بعد أن كانوا من المتميزين في الحضور دون أن يُشعَر بذلك المربي. ٢ - الاضطراب في التنسيق والمواعيد. ٣ - إصابة بعض أفراد المحضن بالفتور، ومن ثم استفحاله دون أن يشعر بذلك المربي. ٤ - وجود مشكلات بين المتربين، واستفحال ذلك، ومن أمثلته: أ - وجود ارتباطات عاطفية وتعلق بين المتربين دون أن يحس بذلك المربي. ب - وجود خلافات بين بعض المتربين في المحضن دون أن يشعر بذلك المربي، وهذه الخلافات لا شك أنها خطيرة، إذ قد تؤدي إلى سقوطهم أو سقوط بعضهم بسببها إذا لم يتم معالجتها واكتشافها من أول الأمر وغيرها من المشكلات. ٥ - عدم متابعة البرنامج الذي وضع لهم سواء كان برنامج قراءة أو سماع أشرطة أو لقاء تربوياً. ٦ - ضعف الاتصال بالمتربين ومزاورتهم، فتجد الأسبوع يمر دون أن يتصل أو يفكر بزيارة أحدهم. ٧ - تغير سلوك بعض المتربين دون أن يشعر بذلك المربي، ولا شك أن لهذا التغير أسباباً. ٨ - ضعف القاعدة الأخوية بين المربي والمتربي. * آثار ضعف المتابعة: ١ - ضعف العمل في بعض المحاضن التربوية بسبب ضعف المتابعة. ٢ - تساقط بعض الشباب عن هذا الطريق وعدم الاستمرار فيه. ومن الأسباب وضعف المتابعة. ٣ - إهدار كثير من الطاقات والأوقات في بعض الأعمال الدعوية والتربوية سواء في المحضن أو في غيره. ثم إصابة هذه الأعمال بالإهمال وضعف المتابعة. ٤ - إخراج جيل هش بعيد عن الجدية لا يقف أمام الفتن والمغريات. ٥ - إخراج جيل يحمل بعض أمراض القلوب بسبب ضعف المتابعة التي من فوائدها تخلية القلب من هذه الأمراض. ٦ - أن المتربي لا يمكن أن ينشرح صدره للتلقي من شخص يحس أنه لا يهتم به، ومن الاهتمام المتابعة. ٧ - ضعف الإنتاجية في المحاضن التربوية. * أسباب ضعف المتابعة: ١ - ضعف حضور الهمّ الدعوي لدى بعض المربين نتيجة عدم استشعار المسؤولية والأمانة، وأنه مسؤول عمن يربيهم، وأن الله قد جعلهم أمانة في عنقه، وأنه سيُسأل يوم القيامة: أحَفِظَهم أم ضيعهم؟ أسعى في نصحهم، أم فرط في ذلك؟ ٢ - الكسل والخمول؛ لأن المتابعة عملية صعبة تحتاج إلى صبر ومصابرة؛ لذلك كان المربي الأول محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يستعيذ من العجز والكسل؛ لأنهما من العوائق التي تعيق المربي في أداء مهمته. كما ثبت عنه في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» [٣٦] . ٣ - الانشغال بالأعمال الثانوية التي بالاستطاعة تفويضها للغير كالانشغال بالبرامج الترفيهية لمن يربيهم مع أنه باستطاعة المربي أن يفوض هذه البرامج لغيره، ويكون هو متابعاً لذلك. فهذه من الأمور الثانوية التي يصلح فيها التفويض مع المتابعة والتوجيه. ٤ - عدم إدارة الوقت إدارة جيدة، فتجده مع وقته في فوضى قد أهمل متابعة نفسه فضلاً عن غيره. ٥ - الاتكال على غيره في قضية المتابعة، فلربما اتكل على أحد المتربين ممن يعتمد عليه. والمفترض أن لا يجعل المربي بينه وبين من يربيهم وساطة وخاصة في القضايا المهمة، بل يباشر هو بنفسه عملية التربية وعملية المتابعة؛ فمهما يكن فالمربي له هيبته وشخصيته المتميزة وتأثيره الملموس، وهي صفات قد لا تكون فيمن اتكل عليه في قضية المتابعة. ٦ - الانشغال بالزوجة والأبناء. يقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواًّ لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ] (التغابن: ١٤) . ويقول : [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ] (آل عمران: ١٤) . ومعنى هذه الآية أن حب هذه الأشياء، وفي مقدمتها النساء والبنون إذا كان مقدماً على طاعة الله ورسوله؛ فإنه مستقبح مذموم صاحبه ولا شك أن متابعة المربي لمن يربيهم طاعةٌ لله [٣٧] . ٧ - الانشغال بالتجارات والعقارات والوظيفة (حتى دخل حبها في قلبه ولم يستطع إخراجها منه، فأصبحت التجارة والوظيفة أكبر همه؛ أصبحت غاية وليست وسيلة يبذل أمامها كل شيء حتى ولو كان شيئاً من دينه، فشغلته عن دعوته وعن متابعة من يربيهم) [٣٨] . ٨ - ضعف الترتيب والتخطيط والتنظيم؛ فلا توجد لديه برامج مرتبة ومنظمة ومنسقة يستطيع من خلالها المتابعة، بل تجد أموره وبرامجه قد عمتها الفوضى والتيه، ولو كان مرتباً ومنظماً لاستطاع المتابعة. ٩ - عدم معرفة فقه الأولويات، ومن ثم يضعف تطبيق مفهوم التوازن في الحياة، ويتضخم جانب على حساب جانب آخر، ومن ثم يتم الحلل في قضية المتابعة. * الآثار الإيجابية للمتابعة: ١ - الثبات والاستمرار على هذا الطريق وعدم النكوص عنه من قِبَل المتربين؛ فكم من شاب وُفِّق للثبات على هذا الطريق رغم العقبات والمصاعب التي واجهها، وكان ذلك بتوفيق الله أولاً، ثم لمتابعة المربي له في تلك العقبات والمصائب التي كان لها الأثر الطيب في ثباته، وكم من شاب قد انحرف عن الجادة وكان سبب ذلك الإهمال وضعف المتابعة فضلاً عن عدمها. ٢ - استمرار خط الصعود والتطور للمتربي؛ لأن من فوائد المتابعة التقويم المستمر لمن نربيهم، وذلك بمعرفة نقاط الضعف ومعالجتها، ومعرفة نقاط القوة وتعزيزها، ومن ثم يتطور المتربي في كنف المتابعة. ٣ - قوة العمل التربوي وحسن الإنتاجية: فكما أن من فوائد المتابعة تقويم الفرد وتطويره؛ فكذلك يكون في العمل التربوي فهي تقوِّمه وتعالج القصور الذي فيه، وتعزز نقاط القوة، وتسعى في تطويره وتكميله. ٤ - تعميق روح الأخوة وتعزيز الثقة بين المربي والمتربي أن مربيه مهتم به متابع له؛ فإن ذلك سوف يعزز الثقة بينه وبين المربي، وسوف ينشرح صدره للتلقي منه، وستتعمق روح الأخوة بينهما. ٥ - قيام المتربي بذاته بعملية المتابعة بدلاً من المربي، ولكن لا يحدث أن يستغني الأمر عن المتابعة من المربي؛ لكنها تولد مبادرة ذاتية للمتربي بأن يتابع نفسه بنفسه. ٦ - صقل شخصية المتربي؛ وذلك بمعالجة جوانب القصور كما حصل لابن عمر ﵄ حينما أثنى عليه الرسول ﷺ وقال له: «نِعمَ الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل» ، فحِرْص الرسول ﷺ على متابعته أصحابه جعله ينبه عبد الله لما حصل عنده من قصور، بل يستمر على متابعته لعبد الله ليعلم مدى حرصه على معالجة هذا النقص؛ فلما علم بمعالجة هذا الصحابي لما انتابه من نقص بهذا النفل أوصاه ﷺ بألا يدع قيام الليل، فحفزه بذلك وقال: «يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه» . من أخبار المنتكسين بتصرف يسير. ٧ - تبني الثقة في نفس المتربي، بحيث يشعر بأن له قيمة ومنزلة ومكانة؛ وبرهان ذلك متابعة المربي له. * من محاور المتابعة: أ - متابعة المربي نفسه: وذلك بأن يسعى في تطوير نفسه، ويسعى أيضاً في نقد ذاته والتخلص من العيوب الموجودة فيه، وكل ذلك لا يتسنى إلا بمتابعة نفسه والنظر فيها ومراجعتها بعد كل حين؛ فعملية التخلية والتحلية عملية مستمرة لا يستغني عنها المربي أبداً، وهذه العملية الضخمة لا تتم إلا بالمتابعة (فإذا تمت تخلية النفس من اتباع الهوى، وتحليتها بفعل الخيرات والفضائل وجب بعد ذلك أن ينصبَّ الاهتمام على متابعة النفس في فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات، والنية في المباحات؛ فإن النفس من طبعها الكسل والتراخي والفتور) [٣٩] . ومن مساوئ عدم متابعة المربي نفسه وتفقُّدها ما يلي: ١ - الوقوف عن الأخذ والتلقي والاكتفاء بالرصيد الموجود عنده؛ ولو كان متابعاً لنفسه لعلم بأنه محتاج إلى رفع هذا الرصيد والاستزادة من الأخذ والتلقي؛ فهو بمتابعته لنفسه يكون قد تفقدها، وعلم أن رصيده الموجود لا يكفيه في مواصلة الطريق، فيحمله ذلك على الاستزادة والأخذ والتلقي من أجل زيادة الرصيد. ٢ - فقدان هذا الرصيد في يوم من الأيام حتى يصبح المربي ليس عنده ما يعطى المتربي؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ثم فقد المربي صفة هي من أهم صفاته وهي صفة العطاء؛ وذلك لأن الإيمان إما في زيادة، وإما في نقصان وكذلك العلم، وكذلك التربية؛ فإذا لم يتابع المربي نفسه ويسعى في زيادة رصيده فإنه سوف يفقد هذا الرصيد يوماً من الأيام؛ لأن هذا الرصيد لن يبقى مجمداً كما هو؛ مصداقاً لقوله تعالى: [لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ] (المدثر: ٣٧) . يقول ابن القيم ﵀: «فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد؛ فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى الأمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، وإنما يتخالفون في جهة السير وفي السرعة والبطء كما قال تعالى: [إِنَّهَا لإِحْدَى الكُبَرِ * نَذِيراً لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ] (المدثر: ٣٥-٣٧) ولم يذكر واقفاً؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة؛ فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة» [٤٠] . ٣ - تجعل المتربي في يوم من الأيام أعلى من المربي؛ وذلك لأن الذي يأخذ ويتلقى ويستزيد من رصيده ليس كالذي يقف عن الأخذ والتلقي والاستزاده؛ فالأول تجده في ترقّ وتطور حتى يصل إلى ذلك الذي توقف عن الأخذ والتلقي، بل يزيد عليه ويتفوق؛ لأنه في تلقٍّ واستزادة، والآخر قد توقف مكانه، بل سوف ينقص رصيده بهذا الوقوف؛ وهذا يؤدي إلى شعور في المتربي بأنه بحاجة إلى مربٍّ آخر يفوقه ويستطيع أن يأخذ منه. وهنا تنبيه مهم وهو: أنه لا ضرر ولا عيب إذا تفوَّق المتربي على المربي، بل هذا هو ما يسعى إليه المربي الصادق كما قال ذلك الراهب للغلام: «أي بني! أنت اليوم أفضل مني» [٤١] . قال تعالى: [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الجمعة: ٤) . ولكن هناك فرق بين أن يتفوق المتربي على المربي مع حرص المربي على متابعة نفسه في الاستزادة من رصيده والترقي، وبين أن يتفوق المتربي على المربي مع إهمال المربي متابعة نفسه وعدم تفقدها. ولا ضرر على المتربي في كلا الحالتين، ولكن الضرر على المربي في الحالة الثانية. ٤ - إصابة المربي بداء الفتور وبعض الأمراض القلبية كحب الظهور والرئاسة والحسد (ومن هنا وجب تعاهد النفس لئلا تقع في فتور ينقلها من مرحلة إلى مرحلة، فيتعسر الداء وتصعب المعالجة؛ لأن أمراض النفس كالنبتة أسهل ما يكون قلعها إلى الرجال والفؤوس، وكذلك أمراض القلوب تبدأ في ظواهر يسيرة؛ فإذا أهمل صاحبها علاجها تمكنت منه حتى تكون هيئات راسخة وطباعاً ثابتة) [٤٢] . ب - متابعة المحضن التربوي: كتجديده وتحسينه، ومتابعة مستلزماته، وكيفية المحافظة عليها؛ وذلك لأنها الأدوات التي يقوم عليها الدعوي والتربوي. ومن مساوئ عدم متابعة المحضن التربوي ما يلي: ١ - ضياع المستلزمات وفقدانها. ٢ - قدم بعض المستلزمات وفقدان حيويتها. ٣ - إهدار كثير من الأموال؛ وذلك بتكرار شراء هذه المستلزمات بعد حين بسبب ضياعها الذي هو أثر من آثار عدم المتابعة. ٤ - صرف الوقت في الحديث عن هذه المستلزمات في كل مناسبة. * مفاهيم خاطئة في المتابعة: ثمة مفاهيم خاطئة تحتاج إلى تصحيح في مفهوم المتابعة قد يقع فيها بعض المربين الفضلاء بحسن نية، وبشعورهم بالأمانة والمسؤولية؛ فيجدر بنا أن نشير إلى بعض منها: ١ - ليس معنى المتابعة والتوجيه المستمر هو المحاسبة على كل هفوة؛ فذلك ينفِّر ولا يربي؛ فالمربي الحكيم يتغاضى أحياناً، أو كثيراً ما يتغاضى عن الهفوة وهو كاره لها؛ لأنه يدرك أن استمرار التنبيه إليها قد يحدث رد فعل مضاد في نفس المتلقي، ولكن إهمال التنبيه ضار كالإلحاح فيه، وحكمة المربي وخبرته هي التي تدله على الوقت الذي يحسن فيه التغاضي، والوقت الذي يحسن فيه التوجيه. ولكن ينبغي التنبه دائماً من جانب المربي إلى سلوك من يربيه سواء قرر تنبيهه في هذه المرة أو التغاضي عما يفعل؛ فالتغاضي شيء، والغفلة عن التنبيه شيء آخر.. أولهما قد يكون مطلوباً بين الحين والحين، أما الثاني فعيب في التربية خطير [٤٣] . ٢ - ملاصقة المتربي الدائمة في الخروج والدخول، والذهاب والإياب، والسفر والحضر؛ مما يسبب الإملال للمتربي. ٣ - تخصيص المتابعة للمبتدئين.. فالبعض قد يجعل المتابعة خاصة بالمبتدئين، أما الذين لهم باع في الاستقامة والتربية فقد يقول: يكفي ما عندهم من الإيمان والتربية؛ وهذا غير صحيح، بل الأوْلى بالمتابعة الأولون؛ لأنهم رأس المال، ورأس المال يحتاج إلى محافظة وسعي في تطويره، مع عدم إهمال المبتدئين؛ فالمتابعة يحتاجها الجميع ليس لها مدة معينة، أو وقت محدد، أو أشخاص معينون. ٤ - ظن البعض أن المتابعة أو التربية تعني أن يُضرب حول المتربي بسور حتى لا يتعامل مع غيره ولا يستفيد من غيره، حتى إنه ليصبح شديد المحاسبة والغضب لمجرد رؤيته لبعض أقرانه يسلِّم على من يربيه أو يبتسم له، وحتى إنه يتطفل ويتدخل في أخص خصوصياته ويضعه في قفص حديدي وفي عنقه ويده الأغلال والحبال، حتى يصبح كابوساً جاثماً على صدره (دور المربي في الدعوة الفردية) . ٥ - الخلط بين معنى المتابعة والأخوة الخاصة؛ فالبعض تكون علاقته بالمدعو علاقة أخوة خاصة لكن ليس فيها معنى القيادة والتوجيه؛ وعلاقة الأخوة الخاصة هذه تليق وتصلح للأقران أكثر من التلاميذ. (دور المربي في الدعوة الفردية) . ٦ - البحث والتنقيب عن أخطاء وزلات المتربي بحجة معالجتها ظناً منهم أن ذلك من المتابعة، ومن ذلك: (التجسس والاستماع لحديث غيره دون علمه، والاطلاع على ما يخصه دون إذنه) كل هذه الأمور محرمة شرعاً، وجرأة بعض المربين على تجاوزها داخل في عموم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] (الحجرات: ١٢) . وقوله ﷺ : «ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة» [٤٤] ، والشعور بالأمانة والمسؤولية ليس عذراً للمرء أن يتطلع إلى ما لا يحل له التطلع إليه؛ فقد نهى النبي ﷺ الرجل أن يطرق أهله ليلاً معللاً ذلك بقوله: «يتخونهم أو يلتمس عثراتهم» [٤٥] . وأظن أن مسؤولية المربي وخصوصية دوره تتجاوز مسؤولية الزوج عن أهله. ولا تدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرض ما وراء الظاهر والدافع؛ لذلك كله لا يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية. والحقيقة أن ثمة فرقاً بين الدعوة والتربية، وبين التعامل وإجراء الأحكام؛ فالدعوة والتربية يجب أن تتجه إلى إصلاح القلوب وتنقية السرائر؛ فصلاح الباطن هو الأساس. أما التعامل وإجراء الأحكام فهو على أساس الظواهر، ولا يسوغ للإنسان السعي للتنقيب عن الباطل، وأولئك الذين يكلفون أنفسهم عناء البحث عن البواطن والتفتيش في الدواخل تبدو لهم مشكلات لا يطيقون حلها، فيعيشون حالة من القلق كان بإمكانهم تجاوزها لو اتبعوا المنهج الشرعي في الوقوف عند الظاهر [٤٦] . فخرج من هذا كله أن المتابعة يجب أن تكون وفق الضوابط الشرعية، ومن ذلك أن تكون في حدود الظاهر، وأن تكون مضبوطة بميزان الاتزان، وأن يلزم هذه المتابعة شعور الرحمة واللين والرفق وحب الإصلاح لمن تتابعهم. هل للمتابعة بالمنهج النبوي الذي ذكر الكاتب شواهد عليها توازي المفهوم السائد اليوم؟ قد يشعر بعض من يقرأ هذه المقالة أن كاتبها قد بالغ في هذا الموضوع وأعطاه أكبر من حقه من الطرح والتبصير؛ والحقيقة أن من يعايش الواقع لا ينتابه هذا الشعور؛ لأن هدر الجهود والطاقات أمر ليس بالقليل؛ فالأمة بحاجة إلى كل جهد وكل طاقة من أجل دفع العجلة إلى الأمام. نعم! لو عملنا مقارنة سريعة بين المتابعة في فترة الوحي والمتابعة في هذا العصر لوجدنا أن هناك متغيرات في وسائلها، من حيث الكثرة والقلة، وأيضاً ثمة متغيرات من حيث الأهمية والاعتناء؛ إلا أن المضمون واحد لا يتغير. ففي فترة الوحي كان المجتمع قريباً والبيئة نظيفة، ووسائل التأثير والصوارف عن هذا الدين قليلة؛ إضافة إلى الوحي الذي كان ينزل صباح مساء. أما في هذا العصر الحالي فتعيش الأمة انفتاحاً عظيماً على ثقافات وماديات الغرب، وساعد على هذا الانفتاح وسائل الإعلام المختلفة، ويواجه شبابها تيار ساحق من الفتن سواء فتن الشبهات التي تشككه في دينه وعقيدته، أو فتن الشهوات التي تقوده إلى نارها ولأوائها وهذا الانفتاح وهذه الفتن وهذه الصوارف تجعلنا نهتم بقضية المتابعة أكثر من ذي قبل. * أيها المربي! أيها المربي الفاضل! اعلم أن من وسائل نجاح التربية متابعة من تربيهم؛ وذلك بالأمور الآتية: - متابعة مظهرهم الخارجي وسلوكهم وتعاملهم وألفاظهم. - متابعة الغياب والتأخير وسبب ذلك. - متابعة الموهوب والمتميز والسعي إلى تطويره. - متابعة المقصر والسعي في إصلاحه وتقويمه. - متابعة أصحاب الطاقات وتوجيهها. - متابعة البرامج ومدى تأثيرها عليهم.. وغير ذلك. أيها المربي! سدد الله خطاك، وبارك الله في جهودك، ونفع الله بك الإسلام والمسلمين.. اثبت على هذا الطريق؛ فإنك على الحق وعلى الصراط المستقيم، لا تنظر إلى الوراء، بل انظر دائماً إلى الأمام وإلى السماء، انطلق نحو هدفك المنشود بهمة تعلو الجبال.. وعزيمة تفلُّ الحديد، وطموح يتعدى الزمن مستصغراً كل صعب.. مستعظماً كل خير.. مستشعراً معية الله لك في هذا الطريق.. [كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] (الشعراء: ٦٢) . رزقنا الله وإياك الإخلاص في القول والعمل.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 4784

قضايا دعوية نظرات في منازلة النوازل (٢) العلمانية.. «إمبراطورية النفاق» من مهد لها الطريق؟! د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com عندما يتناول المهتمون بالشأن الإسلامي الكلام عن حدث إسقاط الخلافة الإسلامية في تركيا، ويتناوبون تقليب جوانب تلك النازلة الكبرى التي لا تزال الأمة تعيش آثارها منذ ثمانين عاماً، فلا ينبغي أن يفهم ذلك على أنه إشادة مطلقة، أو تزكية عامة لمسلك العثمانيين في إدارة شؤون عموم المسلمين، فلا شك أن تلك الإدارة اعتراها الكثير من المآخذ المنهجية والسلوكية، وبخاصة في المرحلة الأخيرة من عمر تلك الخلافة الممتدة عبر خمسة قرون، ولكن تلك المآخذ لا ينبغي أيضاً أن تأخذنا بعيداً إلى حد التهوين من شأن ما أصاب الأمة بعد حل رابطتها العالمية وكتلتها الإسلامية الدولية ممثلة في تلك الخلافة. لقد كانت نكبة الأمة بسقوط السلطة في أيدي العلمانيين المنافقين اللادينيين بعدها في أكثر بقاع العالم الإسلامي؛ أشد ضرراً وأنكى أثراً من سقوط الخلافة العثمانية نفسها، حيث جسَّد أولئك المنافقون العلمانيون بعد سيطرتهم المبدأ الفاسد الكاسد بفصل الدين عن الدولة، وأصَّلوا فرقان الشيطان بين السلطان والقرآن، ذلك الفرقان الذي أخبر عنه النبي ﷺ في قوله: «ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب» [١] . وكان هذا «الفصل» بين الدين والدولة، أو بين الشرع والحُكم، تضييعاً للشرع وإضعافاً للحُكم، بل كان إضعاف الحكم بالإسلام مقدمة لإضاعة الدين والدنيا معاً، في تتابع مستمر قابل لأن يطال كل أسس الدين وثوابت الشريعة، كما أخبر الصادق المصدوق في قوله ﷺ : «لتُنقضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها؛ فأولهن نقضاً الحُكم، وآخرهن الصلاة» [٢] . وقد صدَّقت حقائق التاريخ المعاصر هذه النبوءة المعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما أن يُنقَض الحكم بالإسلام في أرض، إلا ويتسلط عليها شياطين الإنس، فيقوضون بنيانها وينقضون عُراها بدءًا بمنصة القضاء الشرعي، وانتهاء بإقامة الصلاة التي جعل الرسول ﷺ إقامة الولاة لها في الناس فيصلاً بين شرعية ولايتهم أو عدم شرعيتها؛ وذلك عندما سأله بعض الصحابة عن حكم أئمة الجور قائلين: «أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة» [٣] . الأمر إذن، ليس ولاية عبد الحميد أو وحيد أو عبد المجيد من خلفاء آل عثمان، وإنما هو في تعبيد طريق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وفي إقامة سلطان الشريعة التي لا تصلح ولا تقبل خلافة الإنسان في الأرض إلا بها: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] (ص: ٢٦) . ولا يصلح تحاكم الناس في الدماء والأموال والأعراض والسياسات والعبادات والمعاملات إلا لها. [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ] (المائدة: ٤٩) . وعندما تواطأ خبثاء العالم من الكفار والمنافقين على إسقاط سلطان الإسلام ودولته العالمية فقد كانوا على كامل اليقين أن ذلك مقدمة لانفراط منظومته كلها في البلاد التي يسقط فيها سلطانه وحكمه، وذلك في شرائعه وشعائره، وروابطه وضوابطه المنهجية والسلوكية التي لا يغني التغني بها عن التبني لها من نظام (حاكم) يُحْكم قياد العباد، بشريعة رب العباد التي تعصمهم من الأهواء المضلة الموصلة إلى فساد الدنيا وعذاب الآخرة: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ] (الجاثية: ١٨-١٩) . * عُرى الشيطان تنازع أوثق عُرى الإيمان: كانت الزلة الأولى للعثمانيين في أواخر عهد دولتهم، أن أوحى بعض المنافقين إلى بعض زخرفاً من القول، يعدُّون به رابطة الأخوة الإسلامية غير كافية لأن تكون أساساً جامعاً لرعايا الدولة من المسلمين، فابتدعوا تقسيم الرعايا إلى (عثمانيين وأجانب) ؛ فقبل إلغاء الخلافة بنحو ثمانين عاماً اتجه بعض السلاطين إلى تحويل الرابطة أو الجامعة الإسلامية إلى (رابطة عثمانية) وذلك عن طريق ما يسمى بـ (إعلان التنظيمات العثمانية) الصادر في عام (١٢٥٥هـ) (١٨٣٩م) وهو نظام وضعي مضمونه أن يُقَسَّم المسلمون إلى: مسلمين عثمانيين، وهم رعايا ومواطنو الدولة العثمانية، ومسلمين غير عثمانيين، عدَّهم الإعلان (أجانب) ! وضَمِنَ النظام الجديد للرعايا العثمانيين كل الحقوق بغضِّ النظر عن الدين أو اللغة أو الجنس، بينما وُضع الآخرون (الأجانب) من المسلمين في خانة أدنى، وكان هذا الإعلان بداية حقيقية للتخلي عن الرابطة الإسلامية المنبثقة عن المبدأ الإسلامي العظيم [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) . كانت هذه في ذاتها نازلة تستدعي أن يقوم لها عقلاء الأمة وعلماؤها، ليميتوها في مهدها إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل، فيعلنوا في الناس أن خلافة المسلمين لكل المسلمين، وأن رابطة الإسلام أسمى وأعلى من كل الروابط الاسمية الأرضية العنصرية، ولكن ذلك الإجراء مضى، وتطاولت به السنون، حتى تحولت النزعة «العثمانية» إلى نزعة «طورانية» [٤] ، يدَّعي أصحابها أن الطورانيين المنحدرين من آسيا الوسطى (قوم) متميزون، ونشأ بذلك ما سمي بـ (القومية الطورانية) كرابطة بديلة للرابطة الإسلامية، وهي التي نشأت رداً لها أو تأثراً بها (القومية العربية) التي رد بها جهلة العرب على جهلة الترك، فأنشؤوا بذلك نواة للروابط الباطلة التي عدَّها الإسلام نوعاً من الجاهلية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم للمتنازعين من المهاجرين والأنصار: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة» [٥] ، وكان ذلك عندما ضرب رجل من المهاجرين آخر من الأنصار، فكاد الشيطان أن يوقع الفتنة بين الفريقين، فتداعى قوم بالنصرة من الأنصار فقالوا: (يا للأنصار!) وقال آخرون: (يا للمهاجرين!) ، فقال لهم الرسول ﷺ قوله الآنف. المقصود هنا أن تلك الرابطة البديلة عن عُروة الإسلام، ظل معمولاً بها، حتى جاء السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٧٦ - ١٩٠٩م) فغير تلك السياسة، وقدَّم نفسه للعالم على أنه خليفة لكل المسلمين، وبدلاً من أن يُساند هذا التوجه المحمود من علماء الأمة وعقلائها، إذا بهؤلاء يختلفون حول هذا الأمر؛ فبينما أيده على ذلك وسانده كل من الشيخ جمال الدين الأفغاني (ت ١٨٩٧م) ، والشيخ محمد عبده (ت ١٩٠٥م) من خلال جمعية (العروة الوثقى) التي شكلاها لتكون أداة إعلامية لهذا التوجه، إذا بآخرين من أمثال (عبد الرحمن الكواكبي) (ت ١٩٠٢م) يأخذون توجهاً آخر، فينادون بـ (جامعة عربية) وخلافة عربية!! وصحيح أن الأصل في منصب الخلافة أن يكون عربياً، بل قرشياً كما اتفق عليه العلماء [٦] ، لكن الظرف الذي كانت تعيشه الأمة وقتها لم يكن مؤهلاً للعرب أن يحكموا بقية المسلمين؛ لأن سلطانهم الفعلي لم يكن بأيديهم، بل كانت أكثر بلدان العرب واقعة تحت احتلال الصليبيين من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين. وفي مقابل المناداة بجامعة إسلامية عربية في ذلك الوقت الحرج، استفحل الشعور القومي الجاهلي لدى فريق من الأتراك، فنادوا بجامعة طورانية، تجمع الأمة الطورانية الممتدة من فنلندا إلى منشوريا في دولة واحدة. وهنا استُبعد الميزان الإسلامي تماماً، وبدلاً من تفضيل بعض المسلمين على بعض بغير ميزان التقوى وهو أمر منكر جاء هؤلاء الذين ساووا بين المسلمين والكفار، لمجرد مساواتهم في الانتماء القومي. ومنذ ذلك الحين والصراعات القومية تمزق أوصال المسلمين بعد أن نشأت بعد ذلك النعرات القومية الأخرى كالقومية الفارسية والكردية والبربرية والهندية والبشتونية والطاجيكية وغيرها، وهي النعرات التي لعب عليها العلمانيون اللادينيون، عرباً كانوا أو عجماً، فأقاموا حول كل قومية طاقماً من الأصنام النظرية والعملية التي تقدم لها القرابين المادية والمعنوية؛ فتخاض لأجلها الحروب، وتُشكَّل لها الأحزاب، بل وتقوم عليها الدول. أما في تركيا نفسها، فقد تشكل فريق (القومية الطورانية) لمهمة الإجهاز النهائي على الرابطة الإسلامية، ومن ثم الخلافة الإسلامية، وكانت جمعية (الاتحاد والترقي) أداتهم في ذلك، وكانت أولى إنجازاتهم السوداء أن انقلبوا على السلطان عبد الحميد الذي أراد إعادة الاعتبار للجامعة الإسلامية؛ وذلك في عام ١٩٠٨م، عندما قاموا بانقلاب دستوري ضده يقيد سلطاته، فلما قام أعوانه بمحاولة لتصحيح الأوضاع، أطاح به الكماليون. ومن تلك اللحظة تحولت دولة الخلافة من دولة إسلامية عثمانية إلى دولة طورانية تركية؛ حيث سيطر الطورانيون على كل أجهزة الدولة عسكرياً وإدارياً، وسياسياً من خلال جمعية الاتحاد والترقي، وانطلق هؤلاء إلى تطبيق سياسة (التتريك) لكل مظاهر الدولة، تمهيداً للانتقال من منزلة (القومية) الطورانية التركية الإقليمية، إلى ما هو أنزل منها وأدنى وهو (الوطنية) التركية المحلية، وكانت تلك هي الخطوة التالية من خطوات الشيطان التي خطاها نيابة عن إبليس، صاحب الأصل اليهودي البئيس (مصطفى كمال أتاتورك) . في رأيي الشخصي أن الأمة لم تنتبه جيداً في شخص علمائها ومفكريها إلى الخطر الماحق لنازلة الدعوات القومية والوطنية الجاهلية التي طرحت بديلاً لرابطة الإسلام الجامعة عبر التاريخ بين المسلم العربي والمسلم التركي والكردي والهندي والصيني، والتي لم تعر اهتماماً للون البشرة، أو منطق اللسان، أو انحدار العرق، تلك الرابطة التي لا تزال قادرة اليوم على أن تجمع في سياق واحد ووثاق متحد، بين المسلم الأمريكي، والمسلم الإفريقي، وبين المؤمن الضعيف والمؤمن القوي وبين المسلم الفقير والمسلم الغني دون أن يشعر هذا بعلو أو ذاك بدنو، إنها الرابطة التي تقصد أكثر شعائر الإسلام وشرائعه إلى استبطان معناها واستظهار مبناها في الصلاة والزكاة والحج والجهاد وعمارة الأرض. [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (الحجرات: ١٠) . أما العلمانية المنافقة الماجنة، فقد أرادتها فتنة منتنة منذ أن انبعث أشقاها الضال في الأناضول، ليقول لمن ادعى أنهم أصحاب قومه ووطنه: «لقد آن لتركيا أن تنظر إلى مصالحها وحدها، ولا شأن لها بالمسلمين الهنود أو العرب أو غيرهم، لتنقذ تركيا نفسها من زعامة المسلمين» . لقد أسعد بسياساته تلك أولياءه من أعداء الله، حتى كتب السفير البريطاني في تركيا مذكرة إلى وزير خارجية بريطانيا في (٢٨/٦/١٩١٠م) : «الآن، قد أخذ الكثيرون يعلنون أن رابطة الإسلام انفصمت، وأن القضية أمست قضية ترك وعرب» ! أما أصحاب قومية أتاتورك الأصلية وهم اليهود الصهيونيون، فإن مشروع فصم عُرى الإسلام، بدءاً من حل رابطته، وحتى إسقاط خلافته وإقصاء شريعته، قد جرى تنفيذه بإشراف واستشراف منهم؛ فبعد أن أخفق (تيودور هرتزل) مؤسس الصهيونية الحديثة في إقناع السلطان عبد الحميد بالسماح بالهجرة لليهود إلى فلسطين، اقتنع هو أن قيام الكيان اليهودي العالمي لن يكون إلا على أنقاض الكيان الإسلامي العالمي، وتوثق بعد ذلك الاتصال بين رواد الصهيونية اليهودية، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي الماسونية الطورانية، حتى إن اللورد ستون، صاحب كتاب (نشوء القومية) في تركيا كتب يقول: «العلامة البارزة في جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية» ، وقال: «إن أصحاب العقول المحركة ورواد تلك الحركة كانوا يهوداً، أو مسلمين من أصل يهودي، ومواردهم المالية كانت تأتيهم عن طريق» الدونمة «ويهود سالونيكا الأثرياء، كما كانت تأتيهم المعونات من بعض الجمعيات الدولية أو الشبيهة بالدولية من فيينا وبودابست وبرلين، وربما من باريس ولندن أيضاً ... » [٧] . وبالرغم من كل ذلك، فقد وُجد من الإسلاميين عرباً وعجماً من أشادوا بالقوميات حتى يومنا هذا، وهي التي ولدت يهودية في شرقنا الإسلامي، ثم تبناها صليبيون وتغريبيون في البلدان العربية على شكل أحزاب أسسها نصارى من أمثال: (أنطون سعادة) مؤسس الحزب القومي السوري، و (جورج حبش) مؤسس حزب القوميين العرب و (ميشيل عفلق) ، مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان أبرز القادة المنظرين للفكر العلماني في العالم العربي نصارى أيضاً، من أمثال (قسطنطين زريق) و (أميل البستاني) و (سلامة موسى) ، ولا نستطيع أن نسمى من يسيرون على خطا هؤلاء، ومن يسارعون فيهم إلا منافقين. لقد أصبحت الرابطة التي تجمع - أو بالأحرى - تفرق ما بين العرب هي (الجامعة العربية) !! التي أصبحت (الراعي الرسمي) لكل الهزائم العربية أمام اليهود والنصارى الذين وطنوا القوميات والوطنيات في بلدان المسلمين، ثم بدؤوا هم يعودون للمنطلقات الدينية إنجيلية وتوراتية. ومن الجدير ذكره هنا أن دعوى الوطنية حلت محل القومية في تركيا بعد أن انهزم القوميون الطورانيون في تركيا في الحرب العالمية الأولى؛ فقد انسحب أولئك الطورانيون من قيادة تركيا بعد توقيع اتفافية الهدنة بعد الهزيمة في ٣٠/٧/ ١٩١٨م، وهو العام الذي احتل فيه الإنجليز عاصمة دولة الخلافة، واحتلوا أيضاً فلسطين، ليهيئوها بعد ذلك لإقامة دولة اليهود التي ظلت مستحيلة القيام في ظل جامعة إسلامية موحدة، ومع تخلي الطورانيين عن الحكم، حلوا جمعيتهم المشبوهة (الاتحاد والترقي) ليفسح الباب بعد ذلك للوطنيين بعد القوميين، وتزعَّم مصطفى كمال أتاتورك ذلك الاتجاه (الوثني الجديد) ، وقدم نفسه على أنه منقذ الوطن (تركيا) من الاستعمار، وبدأ يُرسَم له دور قائد (المقاومة الوطنية) ضد الاحتلال الإنجليزي، وشكل جمعية أسماها (الجمعية الوطنية) عام ١٩٢٠م، لتكون ممثلة لسلطان الأمة كما يزعم، وهنا انقسمت السلطة في الدولة العثمانية إلى سلطة شرعية بقيادة السلطان في القسطنطينية، وسلطة معارضة في أنقرة، وكان الإنجليز يتعاملون مع السلطتين معاً، ريثما تحل سلطة المعارضة (الوطنية) محل السلطة الشرعية الممثلة آنذاك في منصب السلطان وحيد الدين، ولكن الصراع احتد بين السلطتين، وضُيق على السلطان واتهم بالعمالة للإنجليز، وقلَّ أعوانه بعد أن تغلغل الكماليون في كل أنحاء وأجزاء الدولة، فاضطر وحيد الدين إلى مغادرة القسطنطينية، فخلا الجو للكماليين، وتهيأ الفضاء الإسلامي في تركيا وما يتبعها من أوطان إسلامية، لهبوط نازلة أعتى من القوميات وأنكى من الوطنيات.. إنها العلمانية الإلحادية الصريحة التي غرَّبت الإسلام في دياره، وجادلته في المحكمات من نصوصه وآثاره، وأرادت بل صممت على أن تنصب خيمتها وتقيم إمبراطوريتها على ركام بلدان الإسلام في أنحاء الأرض. * خلافة البابوية: بعد أن ابتلعت جمهرة الأمة ألعوبة العبث بعروة الأخوة الإسلامية الوثقى، عن طريق القوميات والوطنيات، وبعد أن تسبب ذلك في انعزال ثم زوال سلطان الخليفة الشرعي الأخير (وحيد الدين) سارع أتاتورك إلى تحويل الخلافة إلى (سلطة روحية) بعد تحويل السلطة الفعلية إلى الأمة في شكل (البرلمان) الذي توكل إليه على طريقة غير المسلمين كل قضايا التشريع والحكم التي لا يجوز إسنادها للبشر، وقد تمثل ذلك فيما سماه الكماليون بـ (الجمعية الوطنية) التي شكلوا في مقابلها حزباً سياسياً يضمن السيطرة على قراراتها وتوجهاتها المحكومة برأي الأغلبية، ولو كانت أغلبية المنافقين والفساق والكافرين، وأطلق على ذلك الحزب السياسي (الحاكم) «جمعية الدفاع عن الأناضول» في قصة أصبحت كل أنظمة الحكم العلماني تكررها، فتشكل أحزاباً (حكومية) لضمان السيطرة على البرلمانات التي تحكم باسم الأمة، وهي في الحقيقة تحكم باسم الحزب الحاكم، الخاضع دوماً للفرد الحاكم، أما الخلافة التي أخَّرت بإذن الله هيمنة النصارى واليهود على العالم الإسلامي لخمسة قرون؛ فقد حولها أتاتورك بإيعاز وتشجيع من الإنجليز (الذين كان يناضلهم في الظاهر) إلى سلطة روحية على غرار سلطة (بابا) النصارى الكاثوليك، مع أن هؤلاء الإنجليز البروتستانت لا يعترفون لأنفسهم بسلطة كسلطة بابا الكاثوليك، ولو كانت روحية، ولكنهم ارتضوا للمسلمين بأن يكون لهم (بابا) مؤقت، باسم الخليفة، حتى يحين وقت محو هذا اللقب وذلك المنصب من الوجود إلى غير رجعة. ولما احتلت بريطانيا الأراضي التركية في نهاية الحرب العالمية الأولى، قال السفير البريطاني (كرزون) لعصمت إينونو رئيس وزراء تركيا عند عقد مؤتمر الصلح في نوفمبر ١٩٢٢م لما طالبه بمنح الاستقلال لتركيا: «إننا لا نستطيع أن ندعكم مستقلين؛ لأنكم ستكونون حينئذ نواة يتجمع حولها المسلمون مرة أخرى، فتعود المسألة الشرقية التي عانينا منها طويلاً» . ولكن أتاتورك تعهد للإنجليز أن يزيل مخاوفهم، وأبلغهم بالموافقة على أي شروط تزيل تلك المخاوف، فاشترطوا عليه في اجتماع عقد في إبريل ١٩٢٣م أربعة شروط على لسان السفير البريطاني، عرفت بعد ذلك بشروط كرزون، وهي: ١ - أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام. ٢ - أن تقوم بإلغاء الخلافة. ٣ - أن تتعهد بالقضاء على كل حركة يمكن أن تقوم لإحياء الخلافة. ٤ - أن تحل القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وتضع لنفسها دستوراً علمانياً مدنياً بدلاً من الدستور العثماني المستمد من قواعد الإسلام. وبموافقة أتاتورك على تلك الشروط عقدت اتفاقية (لوزان) وتركت لحكومته كل الأراضي التي كانت قد سلبت من الأتراك العثمانيين ليظهروه بمظهر البطل صاحب الإنجازات! لاحظ معي أن روح (لوزان) لا تزال قانوناً غير مكتوب، يحكم العلاقة بين الكيانات العلمانية التي سارت على درب أتاتورك، وبين دول الكفر المختلفة. وقد حاولت بريطانيا في الوقت نفسه أن تشجع العرب على الانشقاق عن الأتراك، لإنشاء خلافة عربية، بشرط أن تكون (روحية) أيضاً! فمرة تُمَنِّي (الشريف حسين بن علي) في ملك العرب جميعاً، ومرة تتغاضى عن طموحات الملك فؤاد ملك مصر السابق في أن تكون القاهرة (المحتلة) عاصمة الخلافة! فماذا كانت مواقف المسلمين، بعلمائهم وفقهائهم ومفكريهم وأرباب الدعوة فيهم تجاه هجوم العلمانية، ومفهوم الخلافة «الروحية» الذي انتهى إلى الفناء والإلغاء؟! كيف كانت منازلتهم لهذه النوازل الجديدة المناقضة لأمور معلومة من الدين بالضرورة، وتتلخص في أن الحكم بشريعة الإسلام واجب يكفر منكره، ويرتد جاحده؟! ... ماذا كان موقف علماء ذلك العصر ومفكريه من طاغية ذلك العصر المبدل للدين والمذل للمسلمين؟! هذه بعض إلماحات مختصرة عن تلك المواقف قبيل وبعيد قرار إلغاء الخلافة البعض منها يدل على الكل، في ملامح مرحلة حرجة من تاريخ الأمة المعاصرة، أسست أزماتها لكل الأزمات والنوازل بعدها، وتشابهت المواقف من المجرمين وقتها، من المجرمين بعدها. * ليتهم سكتوا: - سبقت جرأة كمال أتاتورك على إعلان تحويل الخلافة إلى منصب روحي، دراسة كان قد طلب إعدادها من فريق من (الفقهاء) الأتراك، وتم صدورها في بيان فقهي تحت عنوان (الخلافة وسلطة الأمة) يتضمن القول بأن الخلافة مجرد مسألة سياسية صرفة، ولا علاقة لها بالدين والاعتقاد، ودعا إلى إرجاء الكلام فيها مطلقاً، أو قلبها إلى مجرد سلطة روحية «. وكان هذا الفقه الفاسد متكأ أتاتورك بعد ذلك في إلغاء الخلافة بشكل كلي. - طرح أحد أبرز مفكري ذلك العصر، وهو عبد الرحمن الكواكبي (ت ١٩٠٢م) المنحدر من أصول إيرانية شيعية، مبدأ الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية للخليفة، بوضوح تام في كتابيه (طبائع الاستبداد) و (أم القرى) واقترح أن يكون للخليفة سلطة محددة بمنطقة الحجاز فقط، تشبه سلطة البابا على مدينة الفاتيكان، وقد اقتبس الكواكبي ذلك الطرح عن تيار (العثمانيين الجدد) الذين نقلوه بدورهم عن مؤلفات الأرمني النصراني (مورداجا وهسون) وقرينه (غريك سوفاس) . - أطلق رجل بحجم (أحمد شوقي) قصيدة في تبجيل أتاتورك وسماها (تكليل أنقرة وعزل الأستانة) أي تكليل الكمالية وعزل السلطان والخلافة، وعندما ادعى أتاتورك الانتصار على اليونان في حربه التمثيلية ضدهم أطلق أحمد شوقي أبياته المشهورة: الله أكبر كم في الفتح من عجبِ ... يا خالد الترك جدد خالد العربِ ولكن أحمد شوقي أسقط في يده بعد ذلك عندما فوجئ بأن (خالد الترك) بدلاً من أين يجدد خالد العرب، فإنه بدد مجد الترك ومجد العرب. - كان زعيم الحركة السنوسية، من أبرز من أيدوا الفصل بين الخلافة والسلطنة، معتبراً أن ذلك في مصلحة الإسلام، بل إنه نشر في جريدة الأهرام المصرية، في ٢٨/٩/١٩٢٣م، بياناً ذهب فيه إلى أن نزع السلطة المدنية من يد الخليفة سيعزز نفوذه الإسلامي؛ لأنه سيصبح زعيماً عاماً وروحياً للأمة كلها! - كان موقف جمال الدين الأفغاني (ت ١٨٩٧م) من السلطان عبد الحميد غامضاً؛ فبعد تأييده في إعادة الاعتبار لمفهوم (الجامعة الإسلامية) بدأ يطالبه بأشياء مثيرة للشكوك، كأن يطالبه بتعريب الأتراك، ونقل عاصمة الخلافة إلى عاصمة أخرى. وجمال الدين الأفغاني ليس أفغانياً بل إيراني شيعي (على الراجح) ، كما أكد الشيخ مصطفى عبد الرازق في تقديمه لمقالات مجلة (العروة الوثقى) والكاتب (قدري قلعجي) في كتاب نشر له عام ١٩٥١م يتناول سيرة الأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول. وسيرة الأفغاني المملوءة بالتقية الشيعية انعكست على طريقة تعامله مع مسألة الخلافة الإسلامية، وهو ما جعل السلطان عبد الحميد يرتاب منه وينأى عنه. - وقف التيار الجهادي المغربي موقفاً غريباً من أزمة الخلافة؛ فقد عارض عبد الكريم الخطابي (١٨٨١ - ١٩٦٢م) الدعوة لإعادة الخلافة بعد إلغائها وكانت تعليمات الخطابي لمندوبه في مؤتمر إعادة الخلافة ألا يؤيد أي مرشح لها [٨] . وبالرغم مما قامت به حركة الخطابي من بطولات فذة، أفقدت الأسبان والفرنسيين صوابهم وأجبرتهم على الانسحاب من أكثر الأراضي المغربية التي احتلوها، فإن ذلك الموقف من الخلافة التي قامت بعد خلافة الأندلس التي كانت المغرب إحدى حواضرها الزاهرة، كان غريباً في وقته، وحتى لو كانت لحركة عبد الكريم الخطابي قضاياها الخاصة الكبيرة وهذا ما كان بالفعل فإن من غير المفهوم أن يكون الجهاد في إحدى البقع الإسلامية صارفاً ولو وجدانياً عن المشاركة في النوازل الجماعية التي تنعكس على مجمل أوضاع الأمة. - وفي الجزائر كان للشيخ عبد الحميد بن باديس زعيم الإسلاميين في الجزائر في ذلك الوقت ومؤسس (جمعية علماء الإسلام) التي أضاءت سماء الجزائر بالعلم النافع والتجديد المتسارع موقف مغاير من أتاتورك خالف به جمهور الإسلاميين؛ إذ نظر إليه على أنه» أعظم رجل عرفته البشرية في تاريخها الحديث «!! وقال عنه:» إنه عبقري من أعظم عباقرة الشرق الإسلامي كله « ووصفه بأنه» محيي الشرق الذي غيّر مجرى التاريخ «ولم يعد ابن باديس أتاتورك متهماً بالقضاء على مكانة الإسلام، بل جعل له (شرف) القضاء على (أصحاب العمائم) الذين أضروا بالإسلام!! ورأى ابن باديس أن الخلافة خيال غير قابل للتطبيق؛ وأنه لا يمثله في الحقيقة إلا مؤسسة من (أهل الحل والعقد) التي يتصورها مرجعية دينية أدبية، بعيدة كل البعد عن السياسة والتدخل في شؤون الحكومات، وكان لا يتصور الخلافة نظاماً إسلامياً شرعياً، ولكن يتصور بدلاً منها عالمية إسلامية ثقافية! [٩] . قد تكون لحركة ابن باديس ظروفها الموضوعية وتقديراتها الخاصة لما جرى في تركيا، وقد تكون للشيخ مآخذه على منهج خلفاء آل عثمان، ولكن ذلك لا يعني بحال أن يكون الطاغية (أتاتورك) محلاً لهذا الاحتفاء والمدح رداً على ما يُرى في العثمانيين من مثالب وقدح. - وفي مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت، نشأ اختلاف حاد تجاه ما أحدثه أتاتورك، بلغت حدته أن عده بعضهم مرتداً، واعتبره آخرون مجدداً، وبلغ اللغط قمته عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الصاعق (الإسلام وأصول الحكم) فصاغ فيه أفكار الليبرالية العلمانية بلغة أزهرية، تلبيساً منه وتدليساً، وكان عبد الرازق قد تلقى قسطاً من تعليمه في جامعة أكسفورد، وأسبغ عليه منصبه في القضاء وزناً أدبياً جعل مؤلفه فتنة في وقته؛ حيث زعم فيه أن الإسلام دين وعبادة فقط، ولا دخل له بالحكم ولا السياسة، وبناء عليه فلا أساس لمشروعية منصب الخلافة، ولا صحة لوجود شيء اسمه الحكم الإسلامي حتى في عهد الرسالة؛ حيث كان الرسول ﷺ كما زعم عبد الرازق مجرد مبلِّغ للدين والرسالة، وقد عرض كتابه على (طه حسين) داعية التغريب الملقب بـ (عميد الأدب العربي) فأضاف طه إضافات على كتاب عبد الرازق زادته ظلمات فوق ظلمات. - في خضم هذا اللغط المخلط للمفاهيم، كان الشيخ مصطفى صبري (١٨٦٩ - ١٩٥٤م) آخر شيوخ الإسلام المفتين في الدولة العثمانية قد أصدر كتاباً بعنوان: (الرد على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) فكان صوتاً صادقاً صادعاً بالحق في وجه تغول الفكر العلماني وهجمته الانتهازية على أصول الإسلام من خلال تآمرهم على صرحه الباقي وحصنه الأخير. وكان الشيخ أيضاً ممن اغتر بدعاوى الإصلاح التي رفعها الاتحاديون، فشارك في تأييد خلع السلطان عبد الحميد في مجلس (المبعوثان) على غير إدراك لأبعاد تآمر هؤلاء الاتحاديين على تركيا والعالم الإسلامي كله، ولما تبينت له تلك الأبعاد قال نادماً:» أيدت خلع السلطان عبد الحميد، وبعد ستة أشهر تبين لي أن ثقله السياسي كان يساوي ثقل أعضاء مجلس المبعوثان جميعاً ويزيد «.. وبدأ بعد ذلك في الكشف عن حقيقة الكماليين التي اتضحت له، وهاجم أتاتورك في أوج تألقه والتفاف الناس حوله، وألف في الرد على من أيدوا اتجاهه المنحرف، وبخاصة علي عبد الرازق، حيث فند شبهاته وأبطل دعاويه. - أما بالنسبة للأزهر كأعلى مؤسسة علمية إسلامية في ذلك الوقت فقد فوجئ علماؤه بكارثة إلغاء الخلافة، وفوجئوا كذلك بمسارعة الحسين بن علي إلى الدعوة لنفسه بالخلافة دون مشورة من بقية المسلمين، كما كانت مفاجأة لشيخ الأزهر في ذلك الوقت (محمد أبو الفضل الجيزاوي) أن يرشح الملك فؤاد، ملك مصر الأسبق نفسه لهذا المنصب بعد أن دعاه إلى ذلك حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، فطلب منه أن يعلن نفسه خليفة، ويجعل من القاهرة عاصمة جديدة للخلافة، وكان لهذه الدعوة أنصار في مصر، كما كان لها معارضون مغالون في المعارضة، وعلى رأسهم الأحزاب العلمانية الناشئة، كحزب الأحرار الدستوريين وحزب الوفد. - ثارت دعوة من خلال الأزهر لعقد مؤتمر إسلامي عام لمناقشة مسألة الخلافة الإسلامية، كان من ورائها دفع من قصر الحكم في مصر. وكان واضحاً أن للملك فؤاد رغبة في أن يصبح خليفة للمسلمين، فقوبلت هذه الرغبة من معارضيه السياسيين أشد المعارضة، وكانت معارضة شخصية سياسية أكثر منها دينية، ونجح هؤلاء المعارضون السياسيون في أن يقحموا السياسة في الدين على عكس مبدئهم المشهور (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) فهنا فقط أدخلوا السياسة في الدين، وأغروا بعض المشايخ كما حدث من علي عبد الرازق، بأن يصيغوا هذا الرأي السياسي المعارض صياغة دينية، فجاء هذا الكتاب الكارثة، على تلك الخلفية السياسية الشخصية الانتهازية. - تزعم حزب الأحرار الدستوريين (العلماني) المعركة ضد الخلافة، لا اعتراضاً على شخص الملك فؤاد فقط، بل رفضاً لمسألة الخلافة من أساسها لا بل رفضاً لحكم الشريعة بالمرة، فقد كان ذلك الحزب رافضاً لأن ينص الدستور المصري لعام ١٩٢٣م على أن الإسلام هو دين الدولة، وكانت اللجنة المشكلة لوضع هذا الدستور كلها من أعضاء ذلك الحزب، وكان حزب (الأحرار) هذا مدعوماً من الإنجليز، وكان ينافسه في العمل الحزبي، حزب الوفد الليبرالي العلماني أيضاً، ولكنهما مع اختلافهما الشديد الذي وصل إلى حد العداوة، اتفقا على معارضة عودة الخلافة. - أما المؤتمر المدْعُو له لبحث النازلة العامة بحثاً عاماً فقد تنادى للاستجابة له علماء شرعيون كثيرون، وقد كان هذا الأمر جيداً في وقته؛ فأن يبت علماء الأمة في شأن عظيم من شؤونها في مؤتمر عام أمر يحمد لهذا الجيل، ويحسب في رصيده، أما ما لم يحمد فهو أن ذلك المؤتمر قد انتهى إلى طريق مسدود؛ فقد عقد ذلك المؤتمر في التاسع عشر من شعبان سنة ١٣٤٣هـ الموافق ٢٥/٣/١٩٢٤م، أي في السنة نفسها التي أعلن مصطفى كمال أتاتورك فيها إلغاء الخلافة، وبالرغم من أنه عقد لبحث قضية إسلامية عالمية، فقد غلبت عليه الصفة الإقليمية، فجُل العلماء المجتمعين على فضلهم لا يمثلون إلا العلماء الرسميين الذين ينتمون إلى البلد التي يقودها ذلك الملك المرشح للخلافة وهي مصر. - انتهى مؤتمر النازلة الكبرى بعد بحث طويل إلى مقررات تتلخص في تقرير شرعية منصب الخلافة وطرق انعقادها ودعائم بقائها وأسباب زوالها عن الشخص المعقودة به، ليخلص التقرير الصادر عن المؤتمر من ذلك إلى أن عزل كمال أتاتورك للسلطان وحيد الدين عن الخلافة جاء لأسباب ارتضاها المسلمون الذين كانوا يدينون لخلافته، ثم أشار التقرير إلى الخطوة الثانية من خطوات أتاتورك، وهي تحويل الخلافة إلى خلافة روحية في شخص السلطان عبد المجيد، وبيَّن أن ذلك الفعل من المجلس الوطني التركي (بدعة) ما كان المسلمون يعرفونها من قبل، لكن التقرير نبه على أن خلافة عبد المجيد على هذا الشكل ليست شرعية، وأن البيعة له بشرط أن يكون معزولاً عن السياسة لم تكن صحيحة أصلاً، وحتى لو كانت صحيحة فإن عبد المجيد لم يكن يملك النفوذ والقوة المشترطة فيمن يتولى الخلافة، لهذا فإنه ليست له بيعة في أعناق المسلمين لزوال المقصود من تنصيبه شرعاً، واعتبر التقرير أنه» ليس من الحكمة ولا مما يلائم شرف الإسلام والمسلمين أن ينادوا ببقاء بيعة في أعناقهم لشخص لا يملك الإقامة في بلده، ولا يملكون هم تمكينه منها «. * إذن فما هو الحل؟! حاول المؤتمرون أن يسوِّغوا العجز عن تقديم مبادرة لحل الأزمة، بأن » العالم الإسلامي أصبح في أزمة بسبب الضجة التي أحدثها الكماليون في تركيا بإلغائهم منصب الخلافة، وجعلوا هذا الاضطراب سبباً في أن «لا يتمكن المسلمون معه من البت في تكوين رأي ناضج في مسألة الخلافة، ولا في من يصح أن يكون خليفة لهم» ومن أجل هذا دعا مؤتمر الأزهر إلى عقد مؤتمر أوسع: «لهذه الأسباب نرى أنه لا بد من عقد مؤتمر ديني إسلامي يُدعى إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للبت فيما يجب أن تسند إليه الخلافة الإسلامية، وتكون بمدينة القاهرة، تحت رئاسة شيخ الإسلام بالديار المصرية، على أن يعقد في شهر شعبان من ١٣٤٣هـ مارس ١٩٢٥م» أي بعد مرور عام كامل من المؤتمر الأول!! ولم ينس المؤتمرون قبل أن يطووا أوراقهم أن يوجهوا الشكر للأمم غير الإسلامية (الكافرة) التي «راعت» ظروف المسلمين في هذا الظرف العصيب، فلم تتدخل في شؤونهم.. «نعلن شكرنا للأمم التي تدين بأديان أخرى غير الدين الإسلامي، ولدول تلك الأمم على ما أظهروه إلى الآن من ابتعادهم عن التدخل في شؤون الخلافة الإسلامية، ونرجو منهم أن يلاحظوا أن مسألة الخلافة مسألة إسلامية محضة لا يجوز أن تتعدى دائرتها، ولا يهتم بها أحد من غير أهلها» ! ولنا ملاحظات وتساؤلات على ذلك المؤتمر، وهي: هل كان المؤتمرون لا يعلمون شيئاً عن الدور الذي لعبته دول الأمم (التي لا تدين بالإسلام) في ترتيب خطوات إسقاط الخلافة بأشكال مباشرة وغير مباشرة؟ .. وهل كانت وظيفة المؤتمر فقط أن يضفي شرعية على عزل السلطان عبد المجيد؟ وكيف لم يكن الحكم الشرعي في العلمانية المطروحة بديلاً للخلافة موضوعاً ضمن مقررات المؤتمر؟ وكيف نجح العلمانيون في أن يؤثروا على توصيات المؤتمر بحيث لا يشير أي إشارة إلى حل بديل في قضية الخلافة؟ المؤتمر إذن لم ينجح، وأرجأ إعلان عدم نجاحه إلى عام قادم يعقد فيه المؤتمر الثاني لبحث (النازلة الكبرى) ! * المؤتمر الثاني الموعود: عندما جاء وقت انعقاد المؤتمر الموعود، تأجل مرة أخرى لعام آخر؛ لأن (الظروف غير مناسبة) وكانت تلك المدة كافية لأن تثير حول مفهوم الخلافة الكثير من التوترات والمهاترات التي من شأنها (حتى من ناحية نفسية) أن تقلل الحماس وتضعف العزيمة، ولا شك أن العلمانيين الأوائل في مصر ومن خُدعوا بهم، كان عليهم الجرم الأكبر في ذلك سواء كانوا من أصحاب (الطرابيش) أو (أصحاب العمائم) ، حيث عمل هؤلاء وهؤلاء، من حيث يعلمون أو لا يعلمون على تحقيق غرض الإنجليز الواضح في تضييع الوقت، وتمييع القضايا، وتوسيع الصراع بين الأطراف في قضايا جانبية بعيداً عن القضية الأصلية، ولما جاء أوان انعقاد (مؤتمر الخلافة) بعد عامين من سقوطها، تحول ذلك المؤتمر إلى مواجهات بين أنصار الإبقاء على الخلافة بشكلها المعروف في الشرع، وبين من رأوا إدخال (تعديلات) عليها، وثارت مواجهات أخرى أشد بين أنصار تنصيب (الملك فؤاد) خليفة، وبين أنصار تنصيب (الحسين بن علي) خليفة. ولأن المؤتمر عقد في مصر، وبدعوة من حزب الاتحاد التابع للملك، فقد كان من الطبيعي أن يفقد المؤتمر صفته العالمية، بل حتى على المستوى المحلي ذاته فقد انقسم علماء الأزهر أنفسهم حول استحقاق الملك لمنصب الخلافة، وكان على رأس المعارضين في ذلك شيخ الأزهر نفسه (محمد أبو الفضل الجيزاوي) الذي رأى أن القاهرة لا تصلح لأن تكون عاصمة لدولة خلافة جديدة، وهي لا تزال تحت احتلال الإنجليز. لقد أسس هذا المؤتمر (الإسلامي الرسمي العالمي) لعادة أصبحت عُرفاً بعد ذلك في كل ما يماثله من مؤتمرات، وهي اختصار المسافات بالقفز فوق الخلافات بدلاً من علاجها، فقرر المؤتمر المنتظر (والمؤجل لعامين) تأجيل البت في مسألة الخلافة (لظروف أنسب) في مؤتمرات لاحقة، دون أن يعينوا لها زماناً أو مكاناً!! ، وكان من مسوغات تأجيل البت في (مسألة) الخلافة في ذلك المؤتمر، أن الحضور رأوا أن «العالم الإسلامي أصبح ممزقاً، وأن النزعة القومية بدأت تسيطر عليه» !! لا ينبغي أن ننسى في هذا السياق أن المؤتمر كان للعلماء، وليس للساسة والزعماء، ولهذا كانت تسويغاته للفشل عذراً أقبح من ذنب؛ إذ إنها جعلت الآفة التي جاءت لمعالجتها سبباً في ترك النظر في العلاج، كما يُترك المريض حتى يموت بدعوى أن حالته الصحية ليست جيدة!! وقد رسَّخ المؤتمر إخفاق قادة الأمة (المفترضين) في تجاوز المحنة، ولو بشكل نظري يضع الأمور في نصابها ويوقف العابثين بتراث الأمة ومصيرها عند حدهم، وكما أسبغ المؤتمر الأول مشروعية ضمنية على جريمة أتاتورك في عزل عبد المجيد بعد تجريده من مقاليد الحُكم، فقد أضفى المؤتمر الثاني نوعاً من التطبيع على هيمنة العلمانية، بفتح الطريق أمامها بغير قصد لأن تمسك هي بزمام الأمة، فيتحول غربانها من المنافقين وثعالبها من الأفاكين إلى (أهل حل وعقد) في مجالس الزور المسماة بـ (البرلمانات) . ومنذ ذلك العهد بدأت المعركة الحقيقية بين الإسلام وغريمه الأكبر في ذلك العصر (العلمانية) ... تلك الأداة الطيعة في أيدي كل أعداء الأمة، من يهود ونصارى وملحدين، فما نفذ هؤلاء وهؤلاء إلى صميم حصون الأمة إلا على ظهور منافقيها، وما نالوا من دمائها وأموالها وأعراضها بمثل ما فُعل على أيدي سفاحيهم وسفاكيهم. ولهذا فإن التاريخ المعاصر يحتاج لإعادة كتابة يرصد فيها دور حزب المنافقين المعاصرين، في التغرير بالأمة لنحو مئة عام متواصلة، قامت خلالها لهم إمبراطورية كبرى، هي (إمبراطورية النفاق) التي تضم كياناتهم المتعددة القائمة على إزاحة سلطان الإسلام لصالح سلطان الشيطان. - لكن نقطة بيضاء ناصعة، نورت آفاق المواقف من نازلة إلغاء الخلافة، كان يمثلها موقف عدد من العلماء الأحرار، أمثال: الشيخ مصطفى صبري، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمد الخضر حسين، فقد كان لكل منهم صولات وجولات في المنافحة عن حقائق الدين وحرماته أمام تلك الهجمة، ويذكر هنا بوجه خاص الدور العظيم الذي قام به الشيخ محمد رشيد رضا، حيث أثار مناقشات فقهية حول مفهوم الخلافة الروحية في مجلته (المنار) في أعداد متتابعة، ثم جمعها في كتاب بعنوان (الخلافة أو الإمامة العظمى) وكان رأي رشيد من أرشد الآراء المعلنة في تلك الحقبة المظلمة؛ حيث كانت خلاصة رأيه في مقالاته وكتابه أن الخلافة مسألة شرعية، وأن نصب الأمة للإمام واجب شرعاً، وأنها تأثم كلها بترك هذا الواجب، وتعد حياتها وميتتها جاهلية مع ترك هذا الواجب [١٠] . وكان كتاب رشيد رضا رداً على كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) الذي أعده بعض شيوخ تركيا بأمر أو تآمر من مصطفى كمال أتاتورك، وجاء هذا الموقف المعارض لأتاتورك وشيوخه، بعد مرحلة من التأييد والتشجيع، خُدع فيها رشيد رضا ﵀ بشعارات أتاتورك فيمن خُدع، حتى إنه راهن عليه في إصلاح أحوال الأمة انطلاقاً من تركيا، وطالبه بتشكيل ما أسماه (حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل) ليكون ممثلاً لفكر أستاذه محمد عبده، ولكنه اكتشف زيف دعاوى أتاتورك بعد ذلك فاتخذ منه الموقف الشرعي الصحيح، ودعا الشيخ رشيد جاهداً إلى إعادة تأسيس الخلافة على أصول صحيحة، بل إنه وكما يظهر من بعض كلماته في تفسير المنار، حاول أن يسلك مسلكاً عملياً لأجل الوصول إلى ذلك الغرض الشرعي بتشكيل فريق عمل يسعى لإعادة الخلافة. وكانت محاولات الشيخ محمد رشيد رضا لمنازلة تلك النازلة، هي أول تحرك مبكر للتصدي لتلك المحن، تطور بعد ذلك على شكل جماعات وحركات وهيئات وجمعيات، قامت من أجل العمل لاستئناف الحياة الإسلامية ... فهل أدت هذه وتلك الأدوار المناطة بها؟ .. إن لذلك قصة أخرى، أرجو أن تتوفر لمناقشتها فرصة أخرى.

стр. 4785

قضايا دعوية تجديد الخطاب الديني.. يريدون أن يبدلوا كلام الله ! خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com نشرت جريدة الأسبوع القاهرية في شهر يناير الماضي تفصيلات خطط أمريكية لما أطلقت عليه: (أمركة الخطاب الديني للمسلمين) ، وجاء فيما نشرته الصحيفة أن أمر تطوير الخطاب الديني كان جزءاً من الحملة الأمريكية الأولى على ما وصفته بالإرهاب ... وفي تفصيلات الخطط الأمريكية التي أوردتها الصحيفة: أن وزارة الخارجية الأمريكية شكلت لجنة تعرف باسم: (لجنة تطوير الخطاب الديني في الدول العربية والإسلامية) وأن هذه اللجنة انتهت على حد قول الصحيفة من توصياتها فعلاً وأنه سوف يتم تبليغ الدول بها، مع توضيح أن استمرار المعونات الأمريكية مرهون بتنفيذ هذه الخطط. وتتمثل التوصيات الأمريكية في: - تهميش الدين في الحياة الاجتماعية للناس؛ وذلك عبر إغراق الشعوب العربية والإسلامية بأنماط مختلفة من الحياة العصرية الغربية وحيازة التكنولوجيا الحديثة (التكنولوجيا ذات الطابع الترفيهي) . - التقريب بين الديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام عن طريق تكوين لجنة عليا من المحمديين (أي المسلمين) والمسيحيين واليهود؛ لتبصير كل شعوب العالم بالتقارب بين الأديان الثلاثة - كما تتحدث الخطة - وتقترح ضمن ما تقترحه بشأن هذه اللجنة أن تعمم هذه اللجنة توصيات ملزمةً لكل الدعاة في العالم العربي والإسلامي بحيث لا يخرجون عن هذه التوصيات. - تحويل المسجد إلى مؤسسة اجتماعية تتضمن حدائق للأطفال والسيدات (فقدان المسجد لهيبته وخصوصيته) ، وأن تتولى الإشراف عليه شخصية غير دينية ناجحة. - خضوع خطبة الجمعة والخطباء تحت رقابة أجهزة الأمن في الدولة، وأن يتم البعد عن تسييس الخطبة، أو تعرضها للجانب الحياتي أو المجتمعي بمعنى (علمنة الخطبة) ، أي منع الحديث عن الأمريكان أو اليهود، أو الحديث عن الجهاد وبني إسرائيل. وتهدف الخطط الأمريكية إلى أن تصبح خطبة الجمعة حلقةً نقاشيةً للجميع لا ينفرد بها الخطيب وحده؛ حيث ستكون الخطبة بذلك أكثر ديمقراطيةً في نظرهم، كما تهدف أن تشارك المرأة في خطبة الجمعة، حيث رأوا أنه لا توجد نصوص دينية تمنع المرأة من ذلك. - وأن يكفل للمرأة سبل الاختلاط مع الرجال والمشاركة في التدريب على الانتخابات لتعليم المرأة الديمقراطية. - إلغاء مادة التربية الدينية الإسلامية، مع تخصيص يوم كامل للقيم الأخلاقية والمبادئ بدلاً منها، والعمل على اكتساب الطلاب مهارات التسامح، والتحرر من اعتقاد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس! ، وأن يعلم الجميع أن العقائد والأديان هي نتاج التنشئة الاجتماعية والأفكار المسبقة، وأن الانتماء للإنسانية هو الجامع لهم، أما المعتقدات فهم أحرار فيها. * ماذا وراء الجعجعة: الحديث عن ضرورة أن يراجع المسلمون قيمهم وتصوراتهم ويعدلونها بما يوافق التغيرات العالمية ليس جديدًا، فقد ظهر بعد انتهاء الحرب الغربية الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ثم نشط بشدة بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ما نشرته الصحيفة جاء عقب مبادرة باول المسماه (مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط) وما تلاها من أنشطة وإجراءات على المستويات المحلية مست مناهج التعليم و (الخطاب الديني) . مبادرة باول أعلنت يوم ١٢/١٢/٢٠٠٢م أمام مؤسسة التراث بواشنطن (مؤسسة يمينية أمريكية) ، وتركز كما أوضح باول نفسه ونائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة على أربعة ميادين مختلفة: الإصلاحات الاقتصادية، الإصلاحات السياسية، الإصلاحات التعليمية، وتمكين المرأة.. وهذه الوصفة ليست إلا جزءًا من استراتيجية شاملة يراد تطبيقها في المنطقة، وكما يقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في مؤتمر (مركز دراسة الإسلام والديمقراطية) الذي انعقد في واشنطن يوم ١٦/٥/٢٠٠٣م: «إن التحول إلى الديمقراطية يعني تغيراً تدرجياً وإن كان حقيقياً شاملاً، وإن هذا التغير يتضمن أكثر من مجرد إجراء انتخابات، إنه يشمل عملية بناء المؤسسات السليمة وحكم القانون والمجتمعات المدنية النابضة بالحياة والنشاط برمتها، وهي عملية مؤلمة صعبة متدرجة متطورة، وأحياناً محفوفة بالمخاطر» ، ثم يتابع: «.. ولا يمكننا أن ننظر إلى هذا وكأنه قائمة طعام في مطعم يمكننا اختيار بعض الأطباق فقط منها، فنسعى إلى تحقيق هدف ما ونهمل الأهداف الأخرى، فكما أوضح الرئيس بوش في خطابه المهم في جامعة ساوث كارولينا في التاسع من مايو: إن الولايات المتحدة مصممة على أن تقود بنشاط جهود السعي إلى تحقيق جميع هذه الأهداف، بمشاركة قيادات وزعامات المنطقة» . * شنشنة قديمة نعرفها: والآن لننظر نظرة متأنية إلى دوافع وأهداف هذه الحملة الجديدة على ثقافتنا وقيمنا، لنجد أن هناك دوافع مباشرة تجلت في الرغبة في: الحفاظ على الأمن الأمريكي القومي الذي تهدد بقوة بأحداث سبتمبر وتداعياتها، وتحقيق المطامع الأمريكية في منطقتنا، وهذا ما سنوضحه أكثر فيما بعد. وهناك أيضًا أهداف قديمة (استراتيجية وثابتة) لا يفتأ الغرب (النصراني) عن محاولة تحقيقها والوصول إلى أكبر قدر ممكن من المكاسب فيها على أرض المسلمين؛ ومن أبرز المحطات وأكثرها أثرًا في هذه المحاولات ما قام به الاحتلال الإنجليزي في مصر والهند من جهود لمسخ الإسلام في عقول المسلمين ونفوسهم، وتذويبهم في (حضارة عالمية) ؛ فقد لاحظ المعتمد الإنجليزي في مصر كرومر «وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى» . لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب، ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة. وقد اتخذت هذه الوسائل: طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين، الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الإنجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير؛ ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه مع مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر غثاء الحضارة الغربية. أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثاراً ... وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها معارضاً لقيمها وأساليبها ... « [١] . وهذا ما أكد عليه مؤتمر (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) المنعقد في برنستون عام ١٩٥٣م حيث جاء في كتاب أبحاثه: أن» .. هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين: - إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر. - وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتسويغ القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب. وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم، ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد - ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية - سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص ١٩٢ « [٢] . والوسيلتان اللتان استخدمهما كرومر والحلان اللذان اقترحهما المؤتمر أحدثوا بالفعل - وما زالوا - أثرًا لا يستهان به في عقول المسلمين وسلوكياتهم. وهنا نستطيع وضع المخطط الذي ذُكر أول المقال في مكانه الطبيعي: حلقة غير منفصلة في جهود دؤوبة ومتواصلة أخبر عنها ربنا : [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَق] (البقرة: ١٠٩) ، [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) . الوزير باول - في معرض ذكره لمسوغات مبادرته للمنطقة - أعلن أنه» قد جسد الرئيس بوش تطلعات الشعوب في كل مكان، عندما قال في خطابه في وست بوينت: إنه عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك تصادم حضارات؛ فمتطلبات الحرية تنطبق كليًا على أفريقيا وأميركا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي «، وهذا ما بلورته صراحة إليزابيث تشيني (ابنة نائب الرئيس الأمريكي) ، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة، حيث ذكرت أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي، المنعقد نهاية شهر سبتمبر الماضي أن: الولايات المتحدة لا تريد أن تفرض قيمها على دول المنطقة عبر هذه المبادرة بقدر ما تريد أن تساعد في ترسيخ هذه القيم التي قالت إنها قيم عالمية، وليست أمريكية .. أي إن هذا هو الدين العالمي الجديد الذي ينبغي أن نذوب فيه؛ لأن على جميع الشعوب أن تدخل فيه أفواجًا، وهو الزعم الذي يذكرنا بطرح وثيقة المثقفين الأمريكيين التي سوغوا بها حرب أمريكا ضد ما أسمته الإرهاب [٣] . ولكن التجارب أثبتت أن شعوب هذه المنطقة ليست من النوع سريع الذوبان؛ فما العمل؟ * عندما تتكلم المصالح: أما الدوافع المباشرة فقد ألمح إليها الوزير باول في خطابه أمام مؤسسة التراث، عندما قال:» ... مزارعونا يزرعون القمح، وعمالنا يصنعون طائرات، وأجهزة كمبيوتر، ومنتجات أخرى عديدة نبيعها لدول المنطقة، بينما الأموال تتدفق من مستثمرين في الشرق الأوسط إلى بلدنا. ومن المفجع أن آلافًا من رجالنا ونسائنا ماتوا في ١١/٩/٢٠٠١م، على أيدي إرهابيين ولدوا وأصبحوا راديكاليين هناك. واعترافًا منا بأهمية المنطقة، كرّسنا دمنا ومالنا لمساعدة (!!) شعوب وحكومات الشرق الأوسط على مدى نصف قرن من الزمن وأكثر «. » والحرب على الإرهاب لا تقتصر على الشرق الأوسط طبعًا، غير أن أصدقاءنا هناك لهم مصلحة مهمة بها بوجه خاص؛ فقد عانى كثيرون من بلاء الإرهاب مباشرة «. » وقد كانت هذه التحديات ولا تزال في مقدمة سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية، ولسبب وجيه؛ فكل منها يؤثر تأثيرًا عميقًًا على مصالحنا القومية، وعلى مصالح الشعوب التي تعتبر الشرق الأوسط وطنًا لها «. وهو الأمر نفسه الذي يؤكده مساعده لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في المؤتمر المشار إليه سابقًا:» إنه من مصلحتنا جداً في الأمد الطويل أن ندعم التغير الديمقراطي، وينبغي علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة بالنسبة للمقايضات الحتمية، وأن نسعى إلى المساعدة في صياغة العملية بشكل يخفض على الأقل بعض المخاطر في الأمد القصير إلى أقصى حد ممكن «. وهو ما أكدته أيضًا إليزابيث تشيني بقولها:» من الواضح أن الأمر يتعلق بمصلحة الأمن القومي الأمريكي والمساعدة في نشر فرص الحرية، وفي الوقت نفسه نحن نعتقد أن هذه المثل هي الفضلى « (حديث مع جريدة الحياة ٢/٨/ ٢٠٠٣) . فالأمر بلا تعقيد أن لأمريكا مصالح في هذه المنطقة، وأن شعوبها بوضعها الحالي تعد معامل تفريخ لمن يهددون أمن أمريكا، وعلى وجه التحديد فإن » المدارس الدينية في العالم الإسلامي تجند المتشددين الشبان «بحسب تعبير وزير الحرب الأمريكي رامسفيلد في مذكرة منسوبة إليه (الحياة ٢٥/١٠/٢٠٠٣) ، كما أن هذا الواقع يعرقل التعايش والتعاون بين هذه الشعوب وأصدقاء أمريكا وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم (إسرائيل) . * فما السبيل إلى التغيير المنشود؟ تعالوا نرتب الأوراق بالمنطق الأمريكاني: - الإسلام بقيمه ومبادئه يمثل خطراً على أمريكا، وليس الأمر أمر (قوىً أصولية) يراد التخلص منها. - وهذه القيم والمبادئ هي التي تفرخ بعض من نشؤوا في المنطقة وتدفعهم للقيام بأعمال خطرة على أمريكا ومصالحها وأصدقائها وحلفائها. - وهؤلاء يتشربون هذه القيم والمبادئ الخطرة عبر منظومة معقدة من المفاهيم المبثوثة في مناهج التعليم والمواعظ الدينية، ويغذيها أحيانًا إعلام غير مسؤول، إضافة إلى عادات اجتماعية متوارثة ترسخ هذا النمط من القيم والمبادئ والسلوكيات. - فهناك ثلاثة عوامل رئيسة تساهم في تشكيل العقلية العربية والإسلامية: الإعلام، والتعليم، و (الخطاب الديني) ، والأخير هو أخطرها لما يحمله من احترام و (تقديس) لدى فئات كثيرة، ولكونه يصل إلى جميع الطبقات ويخاطب جميع المستويات. - و (الخطاب الديني) هو جزء من الهوية والتكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي لهذه الشعوب، فمن غير الممكن مصادمته وإسقاطه كلية بشكل فج ومباشر، خاصة إذا جاءت هذه المصادمة ممن هم خارج إطاره. - ومن الملاحظ أن هذا التكوين تشكل عبر سنين طويلة؛ فمن غير المتوقع إعادة تشكيله عبر الميكروويف من غير احتراق، ولكن أيضًا فإن المصالح الحيوية لأمريكا والإدارة القاطرة التي تقودها لا يحتملان الانتظار أمام النار الهادئة. ندخل بيانات هذه الأوراق في الكمبيوتر الأمريكاني لحل هذه الإشكالات، فنفاجأ أنه يطالبنا باسم المستخدم وكلمة المرور، وبعد استشارة قراصنة مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في شؤون العالم الإسلامي يكشفون لنا أن اسم المستخدم هو: اللورد كرومر، أما كلمة المرور فهي عبارة: (تجديد الخطاب الديني) ، وبعد إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور يخرج لنا الكمبيوتر الشيطاني برامج تنفيذية عديدة لحل المعضلة: * بوصلة التحرك: ولكن قبل أن نستعرض بعض جوانب من هذه البرامج يهمنا أولاً استكشاف مؤشرات عامة لها، منها: -» سنشترك مع قادة المجتمع لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة السياسية، ورفع أصوات النساء، وسنعمل مع المربين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي « (من خطاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مؤسسة التراث) . -» نحن نعتمد إلى حد كبير الآن على النساء في المنطقة، ونطرح عليهن الأسئلة لمعرفة كيف يمكننا المساعدة، وفي بعض الحالات تكون الأجوبة أنهن يرغبن في المساعدة في مجالات الشراكة في مشاريع تجارية أمريكية أو أوروبية لتلقي برامج تدريب أو تعليم، وفي بعض الحالات يرغبن في الاستفسار عن حقوقهن السياسية، وفي حالات أخرى يردن تعلم الإنجليزية وبرامج المعلوماتية « (من حديث إليزابيث تشيني مع جريدة الحياة، ٢/٨/٢٠٠٣م) . -» .. إننا تعلمنا الكثير كنساء، تعلمنا أن هناك حاجة لا للتغيير السياسي فقط، بل لتغيير (الثقافة) في بلادنا، بحيث تتمكن المرأة في المرات المقبلة من النجاح والوصول إلى تبوُّؤ المناصب في بلادنا « (من خطاب سيدة الأعمال البحرينية فاطمة البلوشي أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي الذي عقد في مدينة ديترويت، ونوهت فيه بالتقدم الذي تحرزه المرأة البحرينية وترشحها للانتخابات رغم عدم نجاحها) . - وهنا تظهر ضرورة التعرف بدقة على ثقافة شعوب المنطقة وخصائصها وعاداتها لكي تكون البرامج الموجهة لها منطلقة من أساس سليم وواقعي؛ فلقد بيّنت هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م» بصورة مؤسفة وواضحة، أن الأمريكيين وغيرهم من الغربيين يجهلون بشكل مفجع العادات، والثقافات، والمعتقدات السائدة لدى شريحة عريضة وهامة من سكان العالم، أكثر من مليار مسلم يقطنون رقعة جغرافية شاسعة تمتد من غرب إفريقيا إلى شرق آسيا ... وفي حين نرى أن حيزاً كبيراً من الاهتمام قد وجّه لدور الدين في إثارة النزاعات العنيفة، نرى أن هناك عددًا قليلاً من مؤسسات الفكر والرأي تعالج دور الدين في صنع السلام «. (من مقال لريتشارد إيتش سولومون، رئيس المعهد الأمريكي للسلام، بعنوان: المنهج التطبيقي في حل النزاعات) . - فلابد من التأكيد على» أهمية هزيمة الإرهاب، ليس فقط بالقوة العسكرية ولكن أيضًا في حرب للأفكار « (الوزير رامسفيلد، جريدة الحياة، ٢٥/١٠/ ٢٠٠٣م) . - فإذا علم ذلك فإن» الناس لا تتغير أفكارهم بمجرد دعوة يتلقونها من هذا المفكر أو ذاك، إنما هي نوع من التراكم المعرفي، وكثيرًا ما يأتي التراكم من الجدل الفكري والفني والسياسي واختلافات الأفكار والمواقع الاجتماعية المنطلقة منها؛ فالأفكار والمعتقدات والتقاليد والعادات كلها تحتاج إلى وقت حتى تصبح جزءًا من التركيب الفكري لإنسان المجتمع الذي تقتحمه هذه الثقافة أو قل الذي ينتج الثقافة « (الكاتب أحمد عباس صالح في شهادته عن مؤتمر الثقافة العربية، جريدة الشرق الأوسط ٤/٧/٢٠٠٣م) . - لذا:» ينبغي أن يكون التغير الديمقراطي مدفوعًا من داخل المجتمعات في المنطقة؛ ذلك أنه لا يمكن تحقيق بقائه واستدامته عن طريق الوصفات والمواعظ القادمة من الخارج « (من خطاب وليم بيرنز الذي ألقاه أمام مؤتمر مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في واشنطن يوم ١٦/٥/٢٠٠٣م) . أظن أن الرسالة وصلت!! * ملامح الحملة: تمخض عن مبادرة باول برنامج تنفيذي معلن يضم ٤٧ برنامجاً تفصيلياً، تغطي ١٤ دولة عربية على الأقل، بميزانية إجمالية تبلغ ٢٩ مليون دولار للعام المنصرم، ورغم ضآلة هذا المبلغ إلا أن تفصيلات البرامج تعطينا مؤشرات لاتجاهات أمريكا واهتماماتها في المنطقة، إذ يتضح أن هناك تركيزًا واضحًا على المستوى الجغرافي على اليمن والمغرب والجزائر ودول الخليج خاصة البحرين وقطر. أما على المستوى الموضوعي: فإن التعليم، والسياسة والانتخابات والبرلمانات، والاقتصاد، والمرأة والأسرة تقف على رأس سلم أولويات هذه المبادرة، ثم يأتي بعد ذلك: القضاء والقانون، والإعلام والاتصال، والاطلاع على الغرب، وتنمية المجتمع المدني والقطاع الأهلي. ولكن الذي يهمنا هنا أن الجانب غير المذكور في هذه المبادرة أو المكمل لها على أقل تقدير كان هو (إصلاح) أو (تجديد) الخطاب الديني، ومما يومئ بذلك أن إعلان هذه المبادرة كان بمثابة إشارة البدء لانطلاق حملة كبرى اشتملت على نشاط إعلامي محموم للترويج لما أسموه (تجديد الخطاب الديني) ، صاحبه برامج ومؤتمرات ودورات لتنفيذ المخطط المشار إليه، وقبل أن نستعرض بعض جوانب لهذا النشاط وهذه البرامج نشير إلى بعض الملامح التي لوحظت على هذه الحملة، وهي في نظري ما يأتي: - أن هذه الدعوة ظهرت في البلاد التي يقوى فيها النفوذ الأمريكي، مع وجود نشاط ملحوظ في البلدان التي تعد تاريخيًا مرجعيات العالم الإسلامي. - وأنها جاءت اتساقًا مع خطة تطوير مناهج التعليم التي أملتها وأوعزت بها قوى خارجية معينة، مستغلة أحداثًا وظروفًا معروفة، فجاءت هذه الحملة استكمالاً لمخطط إعادة تشكيل العقلية المسلمة. - الالتباس المتعمد في هذه الدعوة، فعلى عادة العلمانيين والتغريبيين في الإيهام والغموض عندما يتعلق الأمر بخطوة يصعب على الجماهير هضمها، جاءت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، فكلمة (الخطاب) تحتمل أن يكون المقصود بها (مضمون) الخطاب ومحتواه، وتحتمل أن يكون المقصود بها (شكل) الخطاب بما يتضمنه هذا الشكل من أساليب ووسائل عرض المضمون. ولا شك أن مقصود مروجي هذه الدعوة هو تجديد مضمون الخطاب الديني، أي (تجديد) القيم والتصورات والمبادئ التي يحتويها هذا الخطاب، ولا يخفى على القارئ ما تتضمنه كلمة (تجديد) من معانٍ تشمل كون هذه القيم والمبادئ والتصورات أصبحت بالية ولا تصلح لهذا العصر، ففي معرض إيضاحه للمقصود بكلمة (الخطاب) يذكر الكاتب أحمد عبد المعطي حجازي أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم الذي نرجع إليه في كل أمر من أمور حياتنا، أو أن هذا ما ينبغي أن نفعله، فنقرأ، ونفهم، نناقش، ونجرب، نحلل، ونقارن لنعرف الأسباب، ونتوقع النتائج، ونفسر ما يحدث في الطبيعة والنفس، والجسم، والمجتمع. نعرف الآن مثلاً أن الزلزال يقع نتيجة لتصدع طبقات الأرض وتحركها، وليس لأن المدن شريرة أو لأن الآلهة ثائرة غضبى، ونعرف أن الجنون مرض يصيب العقل وله أسباب مختلفة وصور شتى وطرق في العلاج تتعدد بتعدد أسبابه وأنواعه، وليس حلولاً لجن أو شيطان في جسد المريض كما كان يعتقد الناس من قبل، وكما يعتقد كثيرون منهم حتى اليوم، وهذا هو الخطاب الذي يتفق مع روح العصر، لأنه يتفق مع العلم، أي مع العقل والتجربة» ، «ونحن إذن أمام مصدرين للمعرفة: العقل الذي نفسر به الظواهر، ونتتبع التحولات، وننتقل من السبب إلى النتيجة، يبدو لنا العالم مفهومًا، ونشعر بقدرتنا على التحكم فيه والسيطرة عليه، والنص الذي يعتقد النصوصيون الحرفيون فئران الكتب وحفارو القبور أنه علم سابق على كل علم وأن كل معرفة جديدة صادرة عنه ومتضمنة فيه، فالأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف، ولا جديد تحت الشمس!» (الأهرام المصرية ٢٣/٧/٢٠٠٣م) . ولكن غموض هذا العنوان (تجديد الخطاب الديني) لهذه الدعوة (هدم القيم والثوابت والتصورات الإسلامية واستبدالها) أفادهم فوق التعمية على مقصدهم الحقيقي تورط بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية من علماء أو دعاة في الترويج لها ظنًا منهم أن المقصود هو تجديد الوسائل والأساليب، وهذا التورط أعطى غطاءً مناسبًا لأصحاب الدعوة الأصليين من متبجحي العلمانيين، حتى وإن همش فيما بعد هؤلاء العلماء والدعاة. - تشابه مفردات هذا الخطاب عند الدعاة (البروتستانت) مع القضايا التي أثارها العلمانيون، التي تتفق بدورها مع أهداف مبادرة باول، وقد تمثلت هذه المفردات في: ١ - إعلاء قيمة العقل والمصلحة بمعناهما الوضعي والمادي على النص الشرعي. ٢ - تغليب المادي والمشاهد على العاطفي والغيبي. ٣ - مسايرة الأحداث والخضوع لها باسم التواكب مع العصر. ٤ - غلبة الخطاب الدفاعي والانهزامي بدعوى دفع التهم وخاصة الإرهاب وهضم حقوق الإنسان عن الإسلام، مع التركيز في هذا الخطاب على تناول قضايا المرأة والأسرة، والمرتد وحرية العقيدة. ٥ - التأكيد على أهمية الديمقراطية، والمشاركة الشعبية، وإظهار إشراك الفئات المهمشة، وإبراز مكانتها في الإسلام. ٦ - (تلطيف) الموقف من الآخر، بإعادة تشكيل بعض المفاهيم ذات العلاقة به (بدءًا من التكفير، ومرورًا بالولاء والبراء، ووصولاً إلى الجهاد) ، مع التأكيد على ضرورة التواصل مع هذا الآخر، وخاصة الغرب. ٧ - تحويل الخطاب الديني الإسلامي (الدعوة الإسلامية) إلى مجرد إحدى مفردات وسائل دعم سياسات الدولة المحلية ومواقفها الخارجية. - تشابه بعض الأساليب المتبعة في نشاطات تجديد الخطاب الديني مع الأساليب السياسية الأمريكية في تحويل الاتجاهات والميول، وذلك عن طريق المشاركة في أنشطة ودورات تعقد في أمريكا، والعمل على تذويب الفوارق النفسية والفكرية بين أصحاب الاتجاهات المختلفة خاصة العقائدية بالمخالطة والمعايشة اليومية فيما بينهم: فعلى سبيل المثال: كان أول برنامج ينفذ برعاية مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط برنامجًا بعنوان (النساء كقادة سياسيين: الانتخابات الأمريكية والحملات السياسية) ، وقد جلب البرنامج وفدًا من ٥٥ زعيمة سياسية عربية، ما بين مسؤولات منتخبات ومعينات، ومرشحات لمناصب، وناشطات في الدفاع عن حقوق المرأة، وقادة مجتمعات مدنية، وصحفيات.. إلى الولايات المتحدة؛ لتوفير نظرة متعمقة إلى الانتخابات الأمريكية على المستوى الأساسي، وعرض البرنامج واجهات تنظيمية من الحملات الانتخابية، وفحص أهمية وأساليب تجنيد متطوعين للحملة، واستكشف استراتيجيات فعالة للعلاقات العامة والإعلامية، بالإضافة إلى حضور هذه الفعاليات السياسية النسائية مؤتمرات على مستوى رفيع في واشنطن وتلقيهن تدريبًا على مهارات في الحملات السياسية. ولعلنا لا ننسى أيضًا أسلوب التعايش اليومي بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي أثناء مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي السابق كلينتون. وفي المقابل: يتضمن مشروع خطة تطوير الخطاب الديني في مصر والدول العربية دورات تدريبية مكثفة في القاهرة وواشنطن.. حيث من المقرر أن يلتحق بدورات واشنطن ما بين ٥٠٠ إلى ٦٠٠ من الدعاة، وذلك بعد الانتهاء من الدورات التدريبية في مصر.. وفي هذا الإطار كانت وزارة الأوقاف قد انتهت من دورة أخرى لعدد من الدعاة بالاشتراك مع الهيئة الإنجيلية بالقاهرة.. كانت مدتها أكثر من ٣ أشهر، حيث تم اختيار الدعاة بدقة متناهية للإقامة في أحد فنادق القاهرة بمشاركة عدد مماثل من القساوسة، وكان نظام الدورة يعتمد على ورش عمل بين الأئمة والقساوسة لإعداد أبحاث علمية في قضايا شتى ثم مناقشتها مع الخبراء والمفكرين الليبراليين؛ وذلك بهدف كسر الحاجز الديني وتغيير الفكرة الذهنية عن الآخر من خلال المشاركة بين القس والخطيب، ومن ثم فإن النتيجة من هذه المشاركة ستكون في صالح الإدارة الأمريكية.. على اعتبار أنها الموجه الرئيسي لهذه الأفكار. ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية فإن مثل هذه الدورات، ومن خلال مشاركة عدد من رجال الدين الكبار الذين يرفضون الإرهاب ولديهم تفسير عقلاني للدين، تسعى لترسيخ مفردات الخطاب الديني الجديد وليس موضوعاته فقط خاصة ما ورد في القرآن أو السنة؛ لأنه وفق رؤيتهم فإن هذه المفردات هي التي تشكل السلوك العام والتفصيلي الذي يلتزم به الأفراد.. (مصطفى سليمان، جريدة الأسبوع، ١٦/٦/٢٠٠٣م) . وتشابه هذه الأساليب لم يأت إلا نتيجة تطبيق دراسات وأبحاث قامت بها مراكز متخصصة؛ بغية الوصول إلى أفضل النتائج حسب الأهداف التي رسموها، وهذا ما يوضحه ريتشارد إيتش سولومون، رئيس المعهد الأمريكي للسلام في مقاله المعنون بـ (المنهج التطبيقي في حل النزاعات) ، حيث يقول: «.. وفي حين نقارب رسالتنا بنفس بعض الطرق التي تتبعها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية وغير الحكومية - عبر الأبحاث، والدراسات، وتقديم المنح، والمناسبات العامة، والنشر - إلا أن لدينا أيضاً برامج عملية أكثر تطبيقيةً من تلك التي تقوم بها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية. يحلو لنا كما قلت في البداية وصف أنفسنا بمؤسسة فكر وفعل؛ إذن: ما هو جزء (الفعل) من هذه المعادلة؟ : إنه - إلى حد كبير - التدريب والتعليم، إننا منخرطون في نشاط واسع لتدريب صانعي السلام اليوم ... هناك مثال حديث عن عمل البرنامج يتمثل في مُقرر تعليمي متفاعل مُدته أسبوعان، قوامه بناء الثقة وتعزيز العمل ضمن فريق عمل أنشئ لما يقرب من ٣٠ قيادياً شاباً في منظمات غير حكومية من صربيا وكوسوفو، وللبرنامج أربعة مكوّنات: مقرر تعليمي مدته نهار كامل يتكون من تحديات متنوعة تُجرى في الهواء الطلق، وتتطلب تخطيطاً مشتركاً وعملاً جماعياً، ثم هناك يوم ثان للمناقشات والتمارين حول المفاوضات والوساطة، وثلاثة أيام تجري خلالها محاكاة مكثفة بواسطة الكومبيوتر تتعلق بالمفاوضات وصنع السياسة، ويوم حوار مع صانعي السياسة في واشنطن. خلال المحاكاة، يُحَثّ المشاركون في بيئة ضاغطة جداً، على معالجة مشاكل بلد وهمي يصارع تحديات حقبة ما بعد النزاع، كالتوتر الإثني، والبطالة الواسعة، وتدهور البيئة، ووباء الإيدز ... وتعمل مبادرة الدين وصنع السلام التابعة لمعهد السلام على تعزيز قدرات المجتمعات القائمة على الإيمان لكي تصبح قوة من أجل السلام، وتنظم المبادرة حوارات ما بين الأديان وورش عمل في البلقان، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة. - ويلاحظ أن هذه الدعوة (التجديدية) التي يلوكها بعض متبجحي العلمانيين لا تنتسب إلى الإسلام وأصوله، بل تدعو إلى طرحه كلية وهدم أسسه، بخلاف بعض الدعوات السابقة التي كانت تحاول أن تمد نسبها إلى أصول شرعية، كتأويل أهل البدع الذي كان وفق أسس تنتمي إلى المرجعية الإسلامية وإن كانت فاسدة، أو كاجتهادات المدرسة الإصلاحية في مطلع القرن الميلادي السابق. - كما أن من الملاحظ ظهور نشاط محموم في البلاد التي ظهرت فيها هذه الدعوة لمطاردة ومحاصرة من يجددون في أساليب (الخطاب الديني) ، مقابل إفساح المجال لمن (يجتهدون) في إعادة تشكيل مضامين هذا الخطاب. * ثم تتوالى السهام: أما أهم الأحداث المرتبطة بحملة (تجديد الخطاب الديني) فيمكن رصدها فيما يأتي، وعلى القارئ أن يقارن بين هذه الأحداث والمخطط المذكور في أول المقال وملامح الحملة المذكرة سابقًا، كما لا يفوته أن الأحداث المذكورة هي مما أمكن معرفته وأتيح ذكره: - أعلنت اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري عن وضع استراتيجية لتطوير الخطاب الديني من خلال دراسة المشكلات التي تواجه هذا الخطاب وتأهيل الدعاة وتطوير المناهج في المعاهد الدينية والكليات الشرعية حتى تواكب متطلبات العصر. ومن ناحية أخرى شكل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لجنة لوضع أسس وضوابط معاصرة للخطاب الديني يلتزم بها الدعاة داخل مصر وخارجها (البيان الإماراتية، ١/٣/٢٠٠١م) . - وفي صباح الاثنين ٥/٤/٢٠٠٣م عقد مجلس الشعب المصري جلسة لمناقشة تطوير الخطاب الديني. - وفي يوم الخميس ٢٤/٤/٢٠٠٣م أكد وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق في لقائه مع أكثر من ١٦٠٠ إمام وداعية في محافظة قنا جنوب مصر أهمية تجديد الخطاب الديني، واعتبره حقيقة أصبحت ملحة في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم حاليًا، وأمام حملات التشويه المستمرة على الإسلام، رافضًا ما يتردد حول وجود ضغوط خارجية لتحقيق ذلك الهدف. - وفي يوم ١١/٦/٢٠٠٣م انتهت أول دورة راقية للأئمة والخطباء في المساجد بحسب وصف وزارة الأوقاف المصرية شارك فيها نحو ٥٠ إمامًا وخطيبًا معظمهم من حملة الماجستير والدكتوراه؛ ليكونوا نواة لجيل جديد من الأئمة المتميزين المتحدثين بلغة الخطاب الديني الجديد، وقد استمرت الدورة ٣ أشهر في الإسكندرية بنظام الإعاشة الكاملة للمتدربين. - وفي يوم الخميس ٣/٧/٢٠٠٣م، عقد بالقاهرة مؤتمر (نحو خطاب ثقافي جديد) ، شارك فيه ١٥٠مثقفًا ومفكرًا عربيًا، وقد طالب المثقفون المجتمعون بـ » أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول ( ... ) الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية «، واعتبروا أن ذلك» يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطابًا دينيًا متطورًا منفتحًا على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين «، وطالبوا» الدول العربية أن تأخذ موقفًا محايدًا في صراع الأفكار والاجتهادات دون توظيف ديني للسياسة أو توظيف سياسي للدين!! «. وقد برز في مناقشات المؤتمر المطالبة بالتصدي للمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية؛ حتى يمكن إعادة صياغة الخطاب الثقافي ومن ثم المشروع الثقافي المستقبلي، وأهم من عبر عن هذا الاتجاه حلمي شعراوي الذي طالب صراحة بإلغاء مؤسسة الأزهر. كما أجمل وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق سلبيات الخطاب الديني المعاصر بـ:» انفصال عن الواقع، تركيز على الشكليات، تركيز على أمور الآخرة وإغفال أمور الدنيا، التخويف والترهيب، النظرة الدونية إلى المرأة، الانتقاد الداحض لحضارة الغرب مع أننا من صنّاعها، اعتبار التضامن الإسلامي كأنه رفض للآخر «. ولا يسع المقام هنا اقتباس مقتطفات مما باح به بعض متبجحي العلمانيين العرب في هذا المؤتمر الذي نال فيه (تجديد الخطاب الديني) اهتمامًا ملحوظًا، ولكن يمكن القول عمومًا إن ما قاله هؤلاء كان من الخطورة بحيث رفضه واستنكره مثقفون علمانيون آخرون حضروا المؤتمر. - وفي يوم ٢٣/٩/٢٠٠٣م نظمت كازاخستان مؤتمرًا للحوار بين الحضارات وأتباع الأديان السماوية، حضرته وفود من معظم دول العالم الإسلامي، وفيه اقترح الدكتور حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري عقد مؤتمر لزعماء الأديان في العالم، يهدف إلى دعم الحوار بين الثقافات، وتأكيد التكامل بين الأديان، والتقارب بين الشعوب، وقد حظي الاقتراح بتأييد دولي، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة من رؤساء الوفود المشاركين في المؤتمر لتنفيذه (الأهرام ١٥/١٠/٢٠٠٣م) . * هل ينجحون؟ لا شك أن تحقق ذلك أو عدم تحققه يتوقف على عوامل كثيرة خارجية وداخلية، ولكن ما يعنينا أن في قلوب القوم أماني ساردة تبدو على ألسنتهم وفي كتاباتهم من حين لآخر، كما أن في أذهانهم أهدافًا محددة تشير إليها مخططاتهم وأنشطتهم، ومن غير المبالغ فيه القول إن من أماني أئمتهم: محو القرآن من الوجود، ولعلمهم باستحالة ذلك فإنهم يعملون على تحقيق أهداف يظنون تحقيقها ممكنة، وعلى رأس هذه الأهداف: تحريف المعاني القرآنية، وتفريغ القرآن من أهدافه ورسالته، وإبعاد المسلمين عن تدبر القرآن والعمل به، أي إنهم يريدون أن يتحول القرآن إلى حبر على ورق كما يقولون، والله من ورائهم محيط. وحتى لا نخدع أنفسنا فإنه يجب التنبه إلى أن تحقيقهم لهذه الأهداف أو بعضها في عالم الواقع ليس مستحيلاً شرعًا أو عقلاً؛ فالله تعهد بحفظ الذكر، ولكنه لم يتعهد بحفظ معانيه في عقول المسلمين وقلوبهم، ومسيرة الانحراف في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما مسيرة قديمة، حقق فيها أعداء الإسلام نجاحات لا يستهان بها، ومن هنا يمكن القول: إن المعوَّل عليه في الحفاظ على هذه المعاني من التحريف والتبديل وتطبيقها في واقع المسلمين في أي وقت وأي مكان: هو ما يقوم به أهل الحق أنفسهم بحسب جهدهم ووفق سنن التغيير التي تسير بها حركة المجتمعات، وليس وفق الأماني والنيات. وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما قال: » ولما كان النبي ﷺ قد أخبر: أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه: وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به. وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني التي هي مجرد التلاوة، ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين، ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع علم أولئك [المحرفين] بما لم يعلمه الأميون، فإما أن تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء [الأميين] فتنة على أولئك [المحرفين] ؛ حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ويصيرون في طرفي النقيض، وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ؛ كما قال تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ، ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقًا؛ لما ينطق الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنوره أهل العمى؛ فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته « [٤] . فالفيصل في المحافظة على المعاني والقيم والتصورات الإسلامية صحيحة في عقول المسلمين وقلوبهم وحياتهم هو مدى تحقيق أهل الحق لسنة التدافع مع الأطراف الأخرى، وهذا يتطلب يقظة وجهدًا ونشاطًا وعملاً دؤوبًا ومنظمًا من جميع الأفراد. والذي أراه أن الظرف الذي تمر به الأمة يتطلب فوق اليقظة والنشاط حلولاً غير تقليدية لاستنفار جموع الأمة واستخراج القوى الكامنة في قطاعاتها الشعبية، بعد أن رفعت معظم الأنظمة جميع الرايات البيضاء التي في حوزتها، حتى إنهم رفعوا أخيرًا ما كانوا يسترون به عوراتهم أمام شعوبهم. نسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته.

стр. 4786

نص شعري كان الرشيد هنا مروان كجك بَغْدادُ أُسْقِطَ في يَدي ... وَغَدَوْتُ كالمُتَبَلِّدِ تَظْما النُّفُوسُ إلى النَّدى ... وَتَعِفُّ عِندَ الموْرِدِ؟ قَامُوسُهَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ... ظُلْمَةُ المُسْتَوْقِدِ! * * * بَغْدَادُ صَبْراً فَالمُنَى ... لا تَسْتَجِيبُ لِمُقْعَدِ كُونِي كَمَا كَانَ الْجُدُودُ ... أَبِيَّةً، لا تَخْمُدِي صِيرِي شُواظاً لاهِباً ... يَشْوِي جُنُوبَ المُعْتَدِي شُقِّي بُطُونَ حُقُودِهِم ... يَا بِنْتَ مَكَّةَ وَارْعُدِي فَالنَّصْرُ لا يَأْتِي جُزَافاً ... بَائِناً عَنْ مَقْصِدِ لَكِنَّهُ ... بالصَّبْرِ ... وَالإيمَانِ لا الفِعْلِ الرَّدِي * * * بَغْدادُ يَا تَارِيخَ عز ... باليَقِينِ تَجَلَّدِي بَغْدادُ يَا تَارِيخَنا ... الوَضَّاءَ لا تَتَبَلَّدِي قُولي لَهُمْ كَانَ الرَّشِيدُ ... هُنَا يُسَدِّدُ مِقْوَدِي قُولِي لَهُمْ مَا زَالَ يُسرِجُ ... خَيْلَهُ لَمْ يَهْمُدِ * * * يَا قَوْمُ إنَّ اللهَ أَكبَرُ ... مِنْ جُمُوعِ الحُسَّدِ فَامْضُوا عَلَى نَهجِ الرَّسُولِ ... وَعَزْمِهِ ... ... المُتَوَقِّدِ وَاسْتَجْمِعُوا أَشْتَاتَكُمْ ... وافْرُوا المُغِيرَ المُعْتَدِي وَاسْتَبْسِلُوا فَالنَّصْرُ ... بالصَّبْرِ الجسُورِ المُرْعِدِ بِالعَقْلِ لا بِحَمَاقَةِ ... السُّفَهاءِ أَوْ صِفْرِ اليَدِ المُتَّكِينَ عَلَى الأَرائِكِ ... والحِمَى المُسْتَعْبَدِ المَالِئينَ خَيَالَهُمْ ... جُبْناً وَلَوْثَةَ مُجْهَدِ * * * بَغْدادُ إنَّ نُفُوسَنَا ... كَالمَالِ فِي كَفِّ النَّدِي يَزْهُو بِهَا مَبْذُولَةً ... لألاءةً ... كَالفَرْقَدِ نَفْدِي بِهَا الأَوْطَانَ ... نَبْذُلُهَا لِرَبٍّ أَوْحَدِ يَا حُسْنَهَا يَوْمَ الحِسَابِ ... عَلَى بِسَاطٍ عَسْجَدِي اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ... وَريحُ المِسْكِ أَطْيَبُ مَوْرِدِ

стр. 4787

نص شعري سيُكشف الضُّر محمود بن عودة العمراني هواكَ وإن أخفيتَ دمعَكَ ظاهرُ ... وقلبكَ من ذكر الأحبةِ عَامِرُ ... فلا تتكلفْ.. إنّمَا أنت شَاعِرُ ... له من دَوَاعي الحزنِ ناهٍ وآمِرُ ... ... ... ... ... وفي قلبه فوق الجراح جراحُ ... رأى أمة الإسلام والنقع حولها ... أحاط بها الباغي وشتَّت شملها ... وأوردها حوض الردى وأعَلّها ... فمن للثكالى المستغيثاتِ من لها ... ... ... ... ... أما في بقايا المسلمينَ صلاحُ..؟! ... أما فيكمُ يا إخوة الدين ضَيْغمُ ... ؟! ... يؤرّقُه في الأمة الجرحُ والدمُ ... ويجفو الكرى عينيه إن شيك مسلمُ ... فينصره في دينه وهو مقدمُ ... ... ... ... ... بذلك ظلمُ الظالمينَ يُزاحُ.. ... وأمَّا التواصي بالهُمُوم وبالأسى.. ... وشكوى المآسي في الصباح وفي المسا ... فلن يرجع الأقصى وبيتاً مقدَّسا ... ولن يرجعَ المجدَ الذي قد تدنسا ... ... ... ... ... وهل يُرجعُ المجدَ السليبَ نواحُ..؟! ... سيُكشف عنا الضُّرُّ والله شاهدُ ... إذا عُمِرَتْ بالخاشعين المساجدُ ... وصرنا نوالي في الورى من يجاهدُ ... ونعطي بقول المصطفى ونُعاهدُ ... ... ... ... ... هناك سيجتاح الظلامَ صَبَاحُ.. ...

стр. 4788

قصة قصيرة قصرٌ ومقبرة سليمان بن ناصر السعوي يوم أن غادر قريته متوجهاً إلى تلك المدينة الساحلية كي يقضي شهر العسل؛ هنالك.. لم يتمالك نفسه.. ذرفت عيناه الدموع.. حمد الله وأثنى عليه، فلولاه لم يصل إلى هذه المرحلة.. عاد أدراجه.. حين كان صبياً يلعب مع أولاد القرية في أزقتها المتهالكة.. يدلفون من ممرٍ إلى آخر.. يتقاذفون قطعة من القماش على شكل كرة.. يمر عليهم شهر وشهران لا يرون فيها ريالاً واحداً.. انتقلت به الذاكرة إلى الأمام قليلاً، حينما دخل المدرسة، وكان فتىً ذكياً يُثني عليه أساتذته.. يشكرون له اجتهاده وحرصه.. حتى إنهم يحزنون لغيابه.. شعلة من النشاط.. يتقافز خفةً ومرحاً.. خنقته العَبْرة.. أحست به زوجته، استنطقته.. صمت قليلاً، ثم قال: أجدني منساقاً للحديث عما دار في ذاكرتي، ولم لا وأنتِ الشخص الأول في حياتي! سأخبركِ بكل شيء، وعن كل شيء، وبالتفصيل الممل.. وبدأ يسرد حياته من ألفها إلى يائها.. على شاطئ هذه المدينة الساحلية اختارا مكاناً هادئاً، بعيداً عن المارة.. وبينما هما يرتبان المكان داعبته قائلة: كم كنت شقياً في طفولتك!! ضحك، ثم أردف: شقاوتي لم تكن بدعاً من الأمر، لكني أحمد الله أن صرت إلى ما صرت؛ زوجة صالحة.. وظيفة جيدة.. مركب وثير.. كلها تستحق الثناء لله. بعد بضعة أيام.. وفي طريق العودة رسما معاً خطة المستقبل.. الترتيبات المهمة للحياة الجديدة التي دخلاها.. كل شيء على ما يرام.. السكن.. الأولاد.. الأمور كلها تسير بالشكل الصحيح.. حين وصل إلى قريته ليلاً ما كان لينتظر حتى يسلّم على أبيه وأمّه.. أشارت عليه زوجته أن ينتظر حتى الصباح، فربما يسبب لهما إزعاجاً.. راقت له الفكرة على أن يُصبّح فيهما.. لذا قررا المبيت في سكنهما الخاص هذه الليلة.. صوت منبه الساعة يقرقع آذانهما.. صحت قبله.. أيقظته.. لا حراك.. هزته برجلها.. جثة هامدة.. صرخت.. ولولت: - أيها الناس! أيها الجيران! «لقد مات» .. هكذا سمعَتْهم يتهامسون بها.. تصدق.. جُنّ جنونها.. لقد كان معي البارحة.. كنا في رحلة ماتعة.. أخبرني عن مشاريعه المستقبلية.. خطَّطنا للسكن.. للأولاد.. كل شيء تطرقنا له.. أدق تفاصيل حياتي عنده.. أصحيح أنها ستدفن معه؟! أليس لي أن أراه مرة أخرى؟! نزعت ثياب زواجها، وراحت إلى بيت أهلها كي تقضي أربعة أشهر وعشراً.

стр. 4789

البيان الأدبي مسرحية البحث عن المعتصم محمد علي البدوي (المنظر) مغارة كبيرة في مدخل كهف مظلم. (المشهد) يدخل قائد القافلة البشرية الصغيرة، والمكونة من مجموعة من النساء والأطفال والشيوخ، وسط أصوات متقطعة من دوي المدافع وطلقات الرصاص وأزيز الطائرات.. يتوقف أمام فوهة المغارة المظلمة. القائد (يشير إلى قافلته) : هنا.. توقفوا ... سنبيت الليلة هنا (يتجول داخل المغارة) . تبدو المغارة خالية تماماً.. تبدو هكذا! (فجأة تبدأ الإنارة) (المشهد) مجموعة من النساء والأطفال والشيوخ وقد تحلقوا داخل المغارة، وأخذوا في البكاء والعويل، وقد ظهر في خلفية المسرح مناظر مروعة لمآسي المسلمين وقد كتب عليها بلون الدماء « ... وا.. إسلاماه» . القائد (وقد أخذته الدهشة) : مسلمون؟ (صمت يلف المكان) القائد (صارخاً فيهم) : أجيبوا.. هل أنتم مسلمون؟ .. هل أنتم مسلمون؟ (يخرج إليه شيخ عجوز.. ويقف قبالة الجمهور) الشيخ: ومن القوم إلا هم؟! القائد: ومن أين جئتم؟ الشيخ (وهو يشير إلى مجموعته) : من كل بقاع الأرض.. من البوسنة.. وكوسوفا.. والصومال.. وكشمير.. وأفغانستان.. والصين والفلبين.. والشيشان.. حتى من بلاد الإسلام. القائد (وقد أطرق إلى الأرض) : إذن.. هي الحروب والمجاعة! الشيخ (في حدّة) : ليست الحروب وحدها التي صنعت مأساتنا. القائد: ماذا تعني؟ الشيخ: إخواننا.. خذلونا.. أسلمونا للأعداء.. لاذوا بالصمت وهم يشاهدون مأساتنا.. لم يتحركوا من أجلنا. القائد: و.. ولكنهم يساعدوننا.. يقدمون لنا الطعام.. والكساء..! الشيخ (مقاطعاً) : يسمِّنوننا.. حتى نُذبح كالأضاحي. القائد: لـ.. لـ.. لقد سمعت أنهم الآن يجتمعون لنصرة قضايانا. الشيخ (في حدة) : بالكلام.. يجتمعون حول موائد الكلام.. اسمع.. اسمع بربك ماذا يصدرون في مؤتمراتهم ومؤامراتهم. (صمت) صوت خارجي: إننا ندين ونشجب ونستنكر بشدة العدوان الصارخ ضد إخواننا المسلمين.. ونطالب الأمن الدولي بسرعة التدخل من أجل إنقاذهم ... (تصفيق حاد يملأ المسرح) الشيخ: أسمعت لقد تمخض الجبل فولد فأرة.. إنهم يطلبون النصرة من أعدائنا، يطلبون لنا الرحمة من جلادينا! القائد: و.. و.. وماذا نريد منهم؟ الشيخ: أليسوا إخواننا في الدين والعقيدة؟! أما تداعى النصارى لنصرة إخوانهم في تيمور الشرقية.. وفي جورجيا.. حتى أقاموا لهم دولة؟! القائد: نعم.. ولكن.. الشيخ: ولكنه الوهن الذي ضرب قلوبهم.. حب الدنيا وكراهية الموت. لنا الله.. لنا الله..! (تبدأ المجموعة بالتحرك خلف الشيخ الذي يهم بالمغادرة وهم يرددون: لنا الله.. لنا الله..!) القائد (مستوقفاً الشيخ) : إلى أين أيها الشيخ؟ الشيخ: لقد سمعنا أن قائداً عربياً مسلماً اسمه المعتصم أنقذ امرأة مسلمة سنذهب إليه.. ربما أنقذنا. القائد: آه.. لقد مات منذ زمن.. الشيخ: لا بأس.. سنجد معتصماً آخر.. في رعاية الله يا بني! (يغادر الشيخ مع مجموعته وهم يرددون: لنا الله.. لنا الله.. بينما يقف القائد مذهولاً) القائد (في نفسه) : لنا الله.. لنا الله! (يدخل أحد رجال القافلة مسرعاً) الرجل (في ذعر) : سيدي.. سيدي.. الأعداء قادمون.. إنهم يضربون الكهف بطياراتهم يلقون بالقنابل المحرمة.. يحرقون الأرض الخضراء.. يزرعون الموت في كل مكان.. إنهم قادمون.. قادمون.. القائد: بسرعة هيا.. اهربوا.. بسرعة..! الرجل: إلى أين يا سيدي؟ القائد: سنبحث عن معتصم آخر.. هيا بسرعة.. بسرعة.. (يرتفع صوت الطائرات.. ودوي المدافع والقنابل.. تنتهي الإنارة.. تختلط الآهات بالصرخات) تغلق الستارة

стр. 4790

البيان الأدبي الشعر والموهبة د. حسين علي محمد [*] * تعريف الموهبة ودورها في الإبداع الأدبي: الموهبة: معناها اللغوي كما ورد في المعاجم العربية أُخذ من الفعل (وُهِبَ) أي أُعطي شيئاً مجاناً، فالموهبة إذن هي العطية للشيء بلا مقابل. أما كلمة موهوب في اللغة؛ فقد أتت أيضاً من (وُهِبَ) ، فهو إذن الإنسان الذي يُعطى أو يُمنح شيئاً بلا عوض. أما المعنى الاصطلاحي لهذا المفهوم؛ فكان أول من استخدمه وتحدث عن الموهبة والعبقرية والتفوق العقلي هو ثيرمان ١٩٢٥م، حيث قام بدراسته المشهورة عن الموهوبين، ثم تلته الباحثة لينا هونجروت ١٩٣١م، والتي عرّفت الطفل الموهوب: بأنه ذلك الطفل الذي يتكلم بقدرة وسرعة تفوق بقية الأطفال في جميع المجالات. فالموهبة إذن استخدمت لتدل على مستوى عالٍ من القدرة على التفكير والأداء، وقد ظهرت اختلافات بين الباحثين حول الحد الفاصل بين الموهوب والعادي من الأطفال من حيث الذكاء، فقد بلغ هذا الحد عند ثيرمان ١٤٠ فأكثر، وعند هونجورت ١٣٠ فأكثر، في حين نجده عند تراكسلر تدنى إلى ١٢٠ فأكثر. وحتى على مستوى الموهوبين أنفسهم قُسِّمت الموهبة وصُنِّفت إلى مستويات، حدها حسب مقياس الذكاء العقلي عند استانفورد كما يلي: ١ - فئة الممتازين: وهم الذين تتراوح نسب ذكائهم بين (١٢٠ أو ١٢٥) إلى (١٣٥ أو ١٤٠) إذا طبق عليه اختبار استانفورد. ٢ - فئة المتفوقين: وهم من تتراوح نسبة ذكائهم بين (١٣٥ أو ١٤٠ إلى ١٧٠) على المقياس السابق نفسه. ٣ - فئة المتفوقين جداً (العباقرة) : وهم الذين تبلغ نسبة ذكائهم (١٧٠ فما فوق) . وقسَّم دنلوب الموهوبين (ويقصد بهم المتفوقين عقلياً) إلى ثلاثة مستويات، هي: أ - الأذكياء المتفوقون: وهم الذين تتراوح نسبة ذكائهم بين (١٢٠ - ١٣٥) ، ويشكلون ما نسبته ٠.٥% إلى ١٠%. ب - الموهوبون: وتتراوح نسبة ذكائهم بين (١٣٥ - ١٤٥) إلى (١٧٠) ، ويشكّلون ما نسبته ١% - ٣%. ج - العباقرة: (الموهوبون جداً) : نسبة ذكائهم ١٧٠ فأكثر، وهم يشكّلون ٠.٠٠٠٠١؛ أي ما نسبته واحد في كل مائة ألف؛ أي نسبة قليلة جداً. ويرى كثير من العلماء أن المواهب قدرات خاصة ذات أصل تكويني، لا يرتبط بذكاء الفرد، بل يرث مثل هذه المواهب حتى لو كان من المتخلفين عقلياً؛ مما أدى ببعضهم إلى رفض استخدام هذا المصطلح في مجال التفوق العقلي، وحيث إن العلم ينمو ويزدهر دائماً؛ فلهذا تظهر آراء جديدة نتيجة لما يجدّ من بيانات مستحدثة، وتأتي تفسيرات لهذه البيانات، وتتغير نتيجةً لذلك نظرتنا إلى الأشياء، وهذا ما حدث مع هذا المصطلح. وقد انتشرت بين علماء التربية وعلم النفس آراء تنادي بأن المواهب لا تقتصر على جوانب بعينها دائماً، بل تمتد إلى جميع مجالات الحياة المختلفة، وأنها تتكون بفعل ظروف البيئة التي تقوم بتوجيه الفرد إلى استثمار ما لديه من ذكاء في هذه المجالات، وإذا كان مرتفعاً فإنه قد يصل إلى مستوى أداء مرتفع، وبذلك يصبح صاحب موهبة في هذا المجال. وهناك الموهبة الخاصة: وهي مستوى عالٍ من الاستعدادات الخاصة في مجال معين، سواء كان علمياً أو أدبياً أو فنياً أو غيرها من المجالات. ولا نريد أن نخوض أكثر في علم النفس؛ إذ التفريعات تطول، والكلام يكثر. ونقصر كلامنا على الأدب، فنقول: يكاد نقاد العرب القُدامى يُجمعون على أن الموهبة تُخلق مع الأديب، فإذا لم تكن لديه موهبة فمن الأجدى أن يبحث له عن حرفة أخرى غير الكتابة، يقول بشر بن المعتمر (المتوفى في ٢١٠هـ) : «كُن في إحدى ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً ... فإن كانت المنزلة الأولى لا تُواتيك، ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك (يقصد معالجتك للموضوع الذي تريده) ، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرةً في موضعها، فلا تُكرهْها على اغتصاب مكانها، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يُعبك بترك ذلك أحد، فإن أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقاً مطبوعاً، ولا مُحكماً لشأنك بصيراً بما عليْكَ ولك؛ عابكَ من أنت أقل منه عيباً، ورأى من هو دونك أنه فوقك» [١] . ويقول أبو هلال العسكري (المتوفى في ٣٩٥هـ) : «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وأول آلات البلاغة جودة القريحة، وطلاقة اللسان، وذلك من فعل الله تعالى، لا يقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها» [٢] . ويقول ابن الأثير (المتوفى سنة ٦٢٧هـ) : «اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظور والمأثور تفتقر إلى آلات كثيرة ... وملاكُ هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تُغني تلك الآلات شيئاً. ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد، والحديدة التي يُقدحُ بها، ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تُفيد تلك الحديدة شيئاً!» . ولا بد بعد الطبع من الحفظ والرواية، ولكن كما يرى صاحب «الوساطة» (علي بن عبد العزيز الجرجاني، المتوفى سنة ٣٦٦هـ) فإن الرواية والحفظ لا يجعلان من المفحم شاعراً، بل لا بد من الطبع الموهوب، وتكون الرواية مذكية للطبع، صاقلة له، أما إذا فُقد الطبع فلا أثر للرواية والحفظ، فهناك رواةٌ لشعراء أعلام، ومع ذلك لم تُسمع لهم آثار فنية، وعدَّد صاحب «الوساطة» بعض هؤلاء الرواة [٣] . وإذا كانت بعض مدارس علم النفس لا تولي الموهبة كثير اهتمام؛ فإن بعضها الآخر اعتبرها شرطاً أساسياً من شروط الكاتب وكل ما عداها هامشي؛ كالإلمام بقواعد النحو والإملاء مثلاً. في كتابه (الطريقة المثلى لتأليف كتاب) ، يقول «جون هيتس» : «إن الإلمام بقواعد اللغة والإملاء والمصطلحات غير ذات أهمية البتة، تكفيك الموهبة: إن امتلاك الموهبة شرط أساس لولوج عالم الكتابة، لا يقعدنك عدم معرفة قواعد النحو، ولا يخجلك الجهل بإملاء الكلمات أو تراكيبها. الموهبة، والنظرة الثاقبة، والحس المرهف، والذهن المتوقد، سرعة الخاطر، الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير؛ إنها أهم أدوات الكاتب الناجح. فالإملاء ليس معضلة لا تحل ما دامت القواميس في متناول كل يد، والقواعد والنحو يمكن إتقانهما بقراءة كتاب من النحو، أو الإيعاز لشخص ضليع ليتولى المهمة بعد إنجاز العمل، لكن الموهبة إن ضمرت أو اضمحلت فما من أحد قادر على أن يهبها لغيره أو يعلمها لسواه» . أما «ميشيل ليغات» ، وهو أستاذ الدراسات اللغوية في إحدى كليات العاصمة البريطانية، ومؤلف العديد من الكتب في هذا المجال، فيقلل من شأن مدرسة التعلم بالمران والممارسة، فيقول: «من الغباء أن يجلس المرء للكتابة وذهنه فارغ من أي فكرة، وجعبته خالية من أي موضوع، لا بد من وجود الموضوع أو الفكرة قبل الجلوس إلى المنضدة والشروع في كتابة أول سطر، فالكتابة عندئذ ستكون مسطحة وباهتة وغير ذات طعم، كما لو كنت تنقل صفحة من صفحات دليل التلفون، وإذا ما صادفت أحدهم يقول لك: لا يلزمك لتصبح كاتباً إلا الجلوس يومياً لغرض تمارين الإحماء. فحاذر.. فهذه النصيحة عقيمة وجدباء تغرر بك وتخادعك وتضيع وقتك» . * كيف تنمي الموهبة؟ الموهبة إذن منحةٌ من الله تعالى، ويحس الموهوب بأنها ميل في البداية إلى فنٍّ ما، وإذا أحس بهذه الهواية، وعرف أنه منجذب إلى ذاك الفن، وإذا تأكد من هذا الميل الفطري عنده، وتأكد من أنه ليس نزوة أو شيئاً عابراً، فماذا يفعل لتنمية موهبته؟ أولاً: عليه أن يقرأ في الفن الذي يميل إلى الإبداع فيه، وعليه التأمل في إنتاج المبرزين فيه؛ فعليه إذا كان شاعراً قراءة شعر الجاهليين والإسلاميين والعباسيين وشعراء النهضة، قبل أن يقرأ شعراء التجديد، وعليه إذا كان يريد أن يكون قاصاً أن يقرأ مثلاً إبداعات محمود تيمور، ومحمد تيمور، ومحمود البدوي، وعليه إذا كان يريد كتابة الرواية أن يقرأ مثلاً ما كتبه علي أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني، وهذا ما أُسمِّيه «التعلم على أرباب الفن» ؛ لأن دراسة قواعد الفن وحدها لا تتيح للأديب، ولا تمنحه الفرصة الكافية لتجويد الأدوات، فهذه مرحلة تالية. ثانياً: على الموهوب أن يقرأ في كل ألوان المعرفة الأخرى: في اللغة، والشريعة، والتاريخ، والاجتماع، والسياسة وغيرها. ثالثاً: على الموهوب أن يعرف التنظيم (لحياته مع إبداع الفن الذي يُمارسه) ؛ فعليه أن ينظم وقتاً محدداً لقراءاته وإبداعاته، وألا تجرفه ممارسته للحياة. رابعاً: على الكاتب الموهوب عدم إضاعة أي مشروع أو هاجس لكتابة أي نص إبداعي في الفن الذي يكتبه، فبعض الكتاب قد يُلح عليه موضوع أو هاجس أو رؤى لنص، فيجب عليه أن يسجل ذلك فوراً ولا يُهمل تسجيل ما يرد على خاطره، فقد كان أمير الشعراء أحمد شوقي إذا وجد في نفسه رغبة في تسجيل بعض أشياء تمور في وجدانه؛ يُسرع بتسجيلها على أي شيء معه يصلح للكتابة، وعندما يعود إلى بيته يستكمل كتابة النص الذي هجست به نفسه أثناء الطريق. وكم من أصدقاء شعراء حدثوني عن تأجيل كتابة نص هجست به نفوسهم، وكان يطرق فكرهم، فلم يستطيعوا كتابته فيما بعد. خامساً: على المبدع بعد كتابة نصه أن يُعاود النظر فيه، وإني أرى بخلاف ما يرى كثيرون أن النص يحتاج إلى مراجعة المبدع بعد فورة الكتابة، مراجعة منه أو من أقرب أصدقائه الحميمين أو قرائه اللصيقين، وينبغي ألا يأخذ بآرائهم جميعاً وإلا أفسد النص، ولكن قد يُبدي بعضهم ملاحظة جيدة تكون في الحسبان، وكم فعَلْتُ هذا في نصوصي الشعرية، وفعله آخرون معي في نصوصهم الشعرية أو القصصية أو المسرحية، بل إني أعرف أحد الروائيين البارزين في مصر لا يطبع نصاً من نصوصه إلا بعد أن يعرضه مخطوطاً على عدد محدود من أصدقائه الذين يطمئن إلى مقدرتهم النقدية، ومن ثَمَّ يرى آراءهم وملاحظاتهم على النص، وقد يأخذ ببعضها. * أهمية تنمية المواهب: منذ بدأتُ الكتابة منذ أكثر من ربع قرن فطنت إلى أهمية التتلمذ على من يُقوِّمون تجربتي ويسددون خُطاي من الأساتذة، وقد وجدت بحمد الله ذلك، في مدرسي اللغة العربية الذين قوَّموا خطواتي تلميذاً، ثم في أساتذتي بالجامعة حينما صرت طالباً فيها. ومن ثَمَّ فقد حرصت منذ تخرجي على أن أقوم بدور في مساعدة شُداة الأدب من الموهوبين الطامحين الذين هم في أول الطريق، ويحتاجون إلى التشجيع، والعناية، والمتابعة، وتمثل ذلك في: ١ - تشجيع الطلاب الذين يكتبون؛ بقراءة تجاربهم الأولى وتقويمها. ٢ - الاستمرار في متابعة الذين يكتبون منهم؛ بإمدادهم بالرأي والمشورة. ٣ - فتح المنافذ لهم في المطبوعات التي أصدرتُها «أصوات معاصرة» نموذجاً، وقد صدر منها ٩٨ عدداً حتى الآن، أو شاركتُ فيها. ٤ - مساعدة المتفوقين من المبدعين في نشر إنتاجهم.

стр. 4791

قصة قصيرة إنها مستوردة أبو ياسر المهاجر wa٢٩١@hotmail - لا تقلقوا يا رفاق! فهذه المرة سوف نصل، أنا متأكد من ذلك، سوف نصل لا محالة. - ولكن يا حسن، أنت تقول هذا الكلام دائماً، ولكننا نخفق إخفاقاً ذريعاً في كل مرة. - نعم صحيح، أنت دائماً تكرر هذا الكلام في كل محاولاتنا السابقة غير الناجحة. - ولكنني في هذه المرة أملك الشيء الذي سيوصلنا إلى تحقيق آمالنا، وإنجاز طموحاتنا. - هه!! وما هو هذا الشيء؟ أرجو ألا يكون كلباً آخر يستطلع لنا الطريق، فالكلب السابق هرب وتركنا تائهين جائعين بعد أن أكل كل ما نملك من مؤن، ولم يترك لنا سوى رائحة رجيعه المنتن التي أزكمت أنوفنا ونجست أعز ما نملك. - أم لعله يا حسن، رجل آخر يقود الركب! وأنا أريد أن أذكرك بأن الذي أحضرته سابقاً، ولم يكن يتكلم حتى معنا، ولما استنفد كل ما نملك من أموال غدر بنا ولم يحضر في الوقت المحدد للانطلاق.. أتذكر؟! - تعني.. كفى، فأنا أحضرت لكم معي اليوم خريطة نستدل بها وتضيء لنا معالم الطريق. - خريطة!! ومن الذي رسمها لك يا حسن؟! - دعونا الآن من الكلام، ولننطلق حتى نصل إلى الناحية الأخرى لنحيا بسلام. وبعد فترة من المسيرة المتعثرة - أين نحن يا حسن؟! أشعر بأننا تهنا.. أرجوك تفحص الخريطة من جديد! - أف!! لقد تفحصت الخريطة أكثر من مرة، اصبروا فالخريطة تقول إننا سنصل إلى منعطف بعد قليل. - يا رفاق، ما هذه الأصوات التي دوت بالقرب منا قبل قليل؟ - لا تقلقوا يا رفاق.. فهذه أصوات انفجارات يقوم بها بعضهم لكي يعطلوا مسيرتنا! - حسن! انظر ذاك هو المنعطف! - ها ها.. ألم أقل لكم بأننا سنصل! وبعد برهة - يا إلهي!! إنها هاوية! - ماذا؟ هاوية.. دعني أتفحص الخريطة! - ما هذا إنها غير واضحة المعالم عند هذه النقطة! - دعني ألقِ نظرة يا حسن، تباً!! انظر، إنها مستوردة! - مستوردة!! - نعم مستوردة، وطالما حذرني أبي من المستورد!

стр. 4792

المسلمون والعالم ليل تونس الطويل أما آن له أن ينجلي ؟! محمد الشرقي إن من المسلَّمات العقدية التي يؤمن بها المسلم أن الله حافظ لدينه، وناصر لأوليائه، وأن العاقبة دائماً للمتقين، وقد تضافرت النصوص المؤكدة لهذا المعنى؛ منها قول الله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ، وقوله سبحانه: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) وقوله تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) . والمتأمل في الأحداث التاريخية التي توالت على مدى تاريخ الأمة من بعثة نبينا محمد ﷺ ، مدرك لا محالة أنها كانت ترجمة واضحة لهذا العهد الرباني؛ فعلى الرغم من الكيد الذي وُوجه به هذا الدين من الداخل والخارج على حد سواء، مما كان له أبلغ الأثر في حالات من الضعف مرت بالأمة في فترات متعاقبة، ولا يزال بعضها ماثلاً للعيان، مما كان يغري قصار النظر والمتعجلين باستنتاج أنه نهاية محققة لهذا الدين وأهله، إلا أن توالي الأيام، سرعان ما يكذب هذا الزعم، فيسخر الله من الأسباب البشرية والمادية وغيرها ما يعلي به كلمته، ويظهر به دينه، بعدما كاد اليأس يبلغ مبلغه بضعاف النفوس؛ كل ذلك مصداق لقول الله تعالى: [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ] (يوسف: ١١٠) . والأحداث التي مرت ولا تزال بالديار التونسية، تلك التي كانت بعاصمتها القيروان منطلق الفتوحات الإسلامية في الغرب الإسلامي، لا شك أنها مؤكدة لهذه القاعدة، ومبرهنة على صحة هذا الوعد الرباني، وحسبك به عاملاً يملأ النفوس اطمئناناً وثقة بربها. ولعل في الأسطر القليلة التالية بياناً لذلك، وتصديقاً آخر للوعد الرباني والنبوي المبشر بظهور هذا الدين وإعلائه، ونصر حامليه بصدق، رغم كل العقبات التي لا يفتأ شياطين الجن والإنس يحيكونها لإطفاء هذا النور. * شمعة سرعان ما احترقت: لا يسمح المقام للمرور على الفترات الزمنية المتعاقبة التي مرت بها بلاد الزيتونة، ويكفي التأكيد على أن الإسلام وما يحمله من ثقافة عربية قد تمكن من هذه الديار حتى غدا محدداً لهويتها وراسماً لسَمْتها الحضاري المتميز عن كل السمات الحضارية التي مرت بالبلاد. وقد حاول أول رئيس بعد الاستقلال (الحبيب بورقيبة) الانقلاب على هذه الحقيقة، وسعى بكل جهده في محاولة محمومة لإلحاق البلاد بالغرب بشتى السبل مستغلاً الظرف التاريخي الذي جاء فيه، وثقة الشعب الذي نظر إليه حينها محرراً من الاستعمار الغربي الغاشم؛ إلا أن ما كرس حياته لتحقيقه خلال أكثر من ثلاثة عقود عاد ليواجهه في آخر عمره، صارخاً في وجهه وفي وجه كل من يتنكر لهوية بلده بأن مسعاه لا يعدو أن يكون حراثة في البحر. وفي نهاية عام ١٩٩٠م كانت الغيوم تتلبد في سماء تونس؛ فالآمال المفعمة التي أوجدها «العهد الجديد» الذي جاء بوزير الداخلية الأسبق زين العابدين بن علي إلى سدة الرئاسة في انقلاب أبيض على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، بدأت تتساقط الواحدة تلو الأخرى مثل أوراق الخريف. وبدأت السجون التي ظُن أنها ستبقى أمداً غير قصير خالية من المساجين بعد أن غصت بهم في نهاية فترة الرئيس المخلوع، بدأت تفتح أبوابها في العام ١٩٩٠م من جديد لأولئك النزلاء الذين غابوا عنها سنتين وبعض السنة، وعادوا إليها ليبقوا فيها أطول فترة اعتقال جماعي في تاريخ تونس الحديث، شملت على فترات متفرقة ما يقرب من ثلاثين ألف معتقل، وبلغت إلى حد الآن حوالي ثلاثة عشر عاماً قضاها هؤلاء في ظروف بالغة القسوة أدت وتؤدي بالكثير منهم إلى الموت البطيء، بل إن عدداً كبيراً من هؤلاء السجناء قضوا هذه الفترة كاملة في زنزانات انفرادية، لا يُرى فيها ضوء الشمس، وهي مظاهر صارخة ومعبرة عن روح التشفي التي تتحكم في تصرفات القائمين على البلاد رغم كل النداءات المطالبة إما بإطلاق سراح هؤلاء المسجونين بغير ذنب اقترفوه، أو على الأقل بتحسين وضعية سجنهم التي لا تماثلها إلا تلك التي يعيشها المعتقلون المسلمون في سجون الكيان الإسرائيلي. لقد غابت المهرجانات الانتخابية الصاخبة التي شهدتها تونس في ربيع عام ١٩٨٩م، بمناسبة أول انتخابات بعد تولي زين العابدين بن علي السلطة في البلاد، واحترقت بسرعة قصوى شمعة الأمل التي أضاءت سماء تونس لفترة وجيزة، وبدأت السلطة التونسية تشحذ سكاكينها، وتجمع حلفاءها من حولها، من القوى العلمانية ومنظمات المجتمع المدني؛ على خلفية وعد بنحر الثور الأسود (الحركة الإسلامية) ، وتحقيق الديمقراطية في غياب الحركة الأصولية. فماذا تحقق لتونس في خضم هذه المعركة؟ هل تحققت الديمقراطية في غياب الحركة «الأصولية» ؟ وماذا كسبت تونس في العشرية الماضية من تحالف الأجهزة الأمنية مع مثقفي الفرنكفونية والتغريب؟ وكيف انتقلت السلطة التونسية من خطاب إعادة الاعتبار للدين ولجامع الزيتونة، إلى خطاب خطة تجفيف ينابيع التدين سيئة الصيت؟ وهل نجحت سياسة الأرض المحروقة خلال العشرية الماضية في التعامل مع التيار الإسلامي في القضاء على هذا التيار، وفي تجفيف ينابيع التدين بالبلاد؟ * سنوات القمع والدموع والحصار: كشفت بعض تقارير المخابرات العسكرية الإيطالية وغيرها منذ فترة غير بعيدة أن من الدوافع المهمة التي دُعم من أجلها انقلاب الرئيس ابن علي على بورقيبة، الحيلولة دون سقوط السلطة في يد التيار الإسلامي؛ حيث أصبحت الدولة سنة ١٩٨٧م في مهب الريح، وتزايدت خشية الأطراف الغربية آنذاك من احتمال انهيار كامل للسلطة يستفيد منه التيار الإسلامي الغالب على الشارع حينذاك، فاختير رئيس الوزراء آنذاك ذو التاريخ الأمني لملء هذا الفراغ المهدد لكيان الدولة. وكانت النية مبيتة - فيما يبدو - لمواجهة التيار الإسلامي، وتقليم أظفاره، ثم تأكد قرار المواجهة بعد انتخابات عام ١٩٨٩م التي سجلت فيها القائمات المستقلة المدعومة من الحركة الإسلامية حضوراً بارزاً في العملية الانتخابية، على الرغم من حرمان الوجوه المعروفة آنذاك من حق الترشح وحتى حق الانتخاب. وظلت السلطة تبحث لتلك الحرب عن مسوغاتها السياسية؛ فلما توفر المسوِّغ السياسي والأمني، شن النظام حملة استئصال شرسة استهدفت أكبر قوة سياسية تونسية آنذاك، اعتُقل بموجبها عشرات الآلاف من التونسيين، وقُتل في السجون وتحت التعذيب أكثر من ٣٠ من أبناء التيار الإسلامي. وقد حظيت حملة الاستئصال هذه بدعم داخلي وخارجي: - فعلى الصعيد الداخلي لا بد من الإقرار بأن السلطة نجحت في تجميع معظم الأحزاب والقوى العلمانية من حولها لضرب الإسلاميين، على خلفية وعد بتحقيق الديمقراطية في غياب الحركة الأصولية. - أما على الصعيد الخارجي؛ فقد حظيت عملية استئصال الحركة الإسلامية بتأييد رسمي غربي واسع؛ ففي ظل الأجواء التي عرفتها الجزائر، وما تبعه من انفجار العمل المسلح في هذا البلد، وما رافق ذلك من مخاوف غربية من سيطرة الحركة «الأصولية» على السلطة في جنوب المتوسط، وفي ظل الاستعداء الدولي الواسع للإسلام، حظيت تونس بدعم دولي كبير، من أجل أن تكون أحد أهم السدود المقامة في وجه «الزحف الأصولي» .. فأغدقت القروض والمساعدات المالية الدولية، ولعب الإعلام الغربي وعدد من السياسيين الغربيين دوراً بالغ الأهمية في التنويه بالتجربة التونسية، وحصل الرئيس ابن علي في عام ١٩٩٢م، وهو العام الأسوأ من حيث انتهاك حقوق الإنسان على امتداد تاريخ تونس القديم والحديث، على ميدالية دولية لحقوق الإنسان!! مما يوحي بأن انتهاك حرمة الإنسان إذا كان هذا الإنسان ملتزماً بدينه لا يقدح في التزام السلطة المنتهكة بشرعة حقوق الإنسان لدى الغربيين ومن والاهم. وقد اتسمت حملة الاستئصال التي سلطت على الحركة الإسلامية في تونس بمواصفات أهمها: أ - أنها حملة استئصال اعتمدت سياسة الأرض المحروقة، ولم تقتصر على استئصال الظاهرة الإسلامية كهيكل تنظيمي، وجسم سياسي فقط، بل تجاوزت ذلك لتحاول استئصال أسباب وجودها أيضاً؛ وذلك بالتركيز، إضافة للقمع السياسي والأمني، على مراجعة برامج التربية، ومحتوى الثقافة والإعلام، وإفراغها من أي روح إسلامية. فقد اعتُبر الإسلام في ذاته هو سبب تخلّق ظاهرة «الورم أو الإرهاب الأصولي» .. وقد تميز الخطاب الرسمي التونسي في الإعلام وغيره بالخلط المتعمد بين الإرهاب وأي نوع من أنواع الالتزام الديني، حتى غدا كلُّ متمسك بدينه عند هؤلاء إرهابياً بالضرورة، وقد حاول جاهداً تسويق هذا المفهوم وإقناع كل الأطراف وفي شتى المناسبات بهذا الخطاب. وهنا صارت الصلاة شبهة، والعثور على آثار السجود في الجبين والركب والأقدام حجة على الانتماء لـ «الحركة الأصولية المتطرفة» ، وأصبح وجود المصحف في منزل أي تونسي مثار شبهة قد تؤدي إلى الاعتقال. وفي هذا الصدد يذكر صحفي تونسي، بخجل مما حصل في بلاده، كيف صار الناس يستبدلون المصاحف وكتب التراث، بقوارير الخمر (الويسكي والشامبانيا) ، في رفوف منازلهم، لتأكيد براءتهم من الانتماء للحركة «الأصولية» . وصار ارتداء الحجاب جريمة يعاقب عليها القانون [١] . وصارت المحجبة ممنوعة من دخول الإدارات العامة وحتى المستشفيات؛ فلا حق لها في العمل ولا في التعلم، بل وصل المنع إلى حد الحرمان حتى من الاستشفاء في المستشفيات، وزيارة زوجها أو قريبها المسجون إذا هي أصرت على حجابها ولم تمتثل بخلعه. أما ما وُوجه به الملتزمون داخل المؤسسة العسكرية، فحدِّثْ ولا حرج؛ فقد سُلكت كل السبل لإفراغ هذه المؤسسة من أولئك النفر، ومورست في حقهم كل سبل الاختبار والتمحيص من الحفلات الماجنة الخليعة التي يُلزم المنتمون لهذه المؤسسة بحضورها صحبة زوجاتهم، وكل من يلحظ عليه امتناع أو امتعاض، فمصيره التصنيف، ومن ثم الإبعاد، وكثيراً ما وصل الأمر إلى حد الاعتقال والتعذيب والترهيب. ب - وهي أيضاً حملة نفذ فيها الاعتقال السياسي على أوسع نطاق، بالظن والشبهة. وطال القمع أكثر من ٣٠ ألف معتقل. وصارت تهمة الانتماء للتيار الإسلامي أخطر من تهمة ارتكاب أي جريمة أخرى؛ حتى القتل والاتجار في المخدرات. وصار بعض الناس ينتقمون من خصومهم أو منافسيهم بالاتصال بالشرطة، والادعاء أن فلاناً «خوانجي» (عبارة أطلقها الإعلام التونسي والنظام على كل من يتمسك بدينه، ويقصد بها التشويه واللمز) على أنه من الإخوان، وهذه تهمة كافية للقذف بالغريم إلى ما وراء الشمس. ج - كما تميزت تلك الحملة بممارسة التعذيب على نطاق واسع، فسقط فيها العشرات من القتلى، في مراكز التعذيب ومحلات الشرطة. وكان زبانية التعذيب يعيشون في مأمن من أن تطالهم المحاسبة، أو يخضعوا للقانون؛ فقد أُطلقت أيديهم تماماً في ضحاياهم، والمهم تخليص البلد من «الورم السرطاني الأصولي» بأي طريقة، وبأي ثمن كان. د - ولم يشمل التعسف والقمع الأهوج في تلك الحملة الناشطين الإسلاميين وحدهم؛ فقد طال أقاربهم ومن لهم به صلة رحم أو نسب أو قرابة؛ فجرى في كثير من الأحيان، اعتقال الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، دون جريمة، إلا أن يكون أحد أفراد العائلة من الدعاة إلى الإسلام. ووُوجهت عائلات كثيرة بالحصار الاقتصادي والاجتماعي في محاولة لممارسة أقصى وأقسى أنواع التضييق عليها. * خطة تجفيف ينابيع التدين: إذا كان لكل دولة ولكل شعب ميزة يشتهر بها وتميزه عن غيره من الشعوب؛ فإن ما اشتهرت به تونس في الفترة السابقة، «خطة تجفيف ينابيع التدين» ؛ فقد رافقت خطة الاستئصال السابقة خطة استئصال أشد خطراً هي خطة «تجفيف ينابيع التدين» . ويعود تاريخ انكشاف هذه الخطة إلى شهر أيار (مايو) ١٩٨٩م. وقد ظهرت للعلن بعد انتخابات ٢/٤/١٩٨٩م، التي سجل فيها المستقلون المدعومون من الحركة الإسلامية حضوراً بارزاً هدد سيطرة التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في تونس لأول مرة منذ الاستقلال على الرغم من منع كل الوجوه المعروفة آنذاك من الإسلاميين من الاشتراك في هذه الانتخابات بالترشح، أو حتى بالتصويت. واضعو الخطة هم فلول اليسار من الفرنكفونيين المعادين للعروبة والإسلام الذين هزمتهم الحركة الإسلامية في مختلف النزالات الفكرية والسياسية والاجتماعية (بالجامعة والمعاهد والنوادي الثقافية وحتى النقابات العمالية التي تعد من القلاع المحسوبة تقليدياً على اليسار) ؛ وذلك خلال فترة وجيزة من الزمن، وللانتقام من هذا الغريم الفكري والحضاري اندمج اليساريون في أجهزة الدولة وفي التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، وتترسوا بالأجهزة الأمنية، وكان على رأس هؤلاء وزير التربية والتعليم التونسي الأسبق محمد الشرفي، وهو شيوعي تونسي سابق، نشط في الستينيات والسبعينيات في حركة «آفاق» الشيوعية. وقد قامت خطة تجفيف ينابيع التدين على محاربة اللغة العربية والدين، فعمل بكل قوة على نشر اللغة الفرنسية بدلاً من اللغة العربية في التعليم والإعلام والإدارة، حتى يطّلع التونسيون مباشرة على تراث مفكري «الأنوار» الفرنسيين دون المرور بواسطة اللغة العربية، «المسكونة بالمقدس والتخلف والعقلية الأسطورية» كما يذكر الوزير نفسه!! كما قامت على استئصال الروح الإسلامية من التعليم. فبالرغم من أن التعليم في تونس «معلمن» بطبعه منذ عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة (الأب الروحي للعلمانية في تونس الحديثة المأخوذ بالنموذج الغربي والأتاتوركي في تركيا) ، حيث انحصرت دروس التربية الإسلامية في التعليم في عهده في ساعة يتيمة في الأسبوع، إلا أن الشرفي رأى في تلك الساعة اليتيمة خطراً محدقاً بـ «الروح العلمية» ، وبالثقافة العلمانية المعاصرة، فجرت غربلة البرنامج التعليمي، وحذف منه كل ما يشير إلى أن في الإسلام نظام دولة ومجتمع، وحذفت الآيات التي تتحدث عن الجهاد وغيره من التشريعات، واعتبر الوزير ذلك عنفاً أهوج، تخلت البشرية عنه، ورمته وراء ظهرها مع الحضارة الحديثة. وهنا طالب الشرفي، الذي لم يكن يُرَدّ له طلب، من أجل إنجاح خطته، بوقف دروس الفقه واللغة العربية، التي عادت إلى جامع الزيتونة في بداية (العهد الجديد) . واستجيب للوزير الشرفي، وأُقفل الجامع الذي كان يشمل بعض العشرات من الشبان التائقين للتفقه في دينهم. ولم يقف الأمر عند التعليم؛ فلا بد للخطة أن تستكمل فصولها. وكان لا بد أن تعمل مختلف مؤسسات الفكر والثقافة والإعلام بنفس الروح، وبنفس النسق، فأطلقت يد اليساريين المتطرفين والفرنكفونيين المتشبعين باللغة والثقافة الفرنسيتين والهائمين بها، والمعادين للهوية العربية والإسلامية لتونس، والليبراليين المعقدين من العروبة والإسلام، الذين هزمتهم الحركة الإسلامية في المعاهد والجامعات ودور الثقافة، لصياغة ثقافة جديدة، وإعلام جديد، وسينما جديدة، تجتث الناس من دينهم وعروبتهم وتراثهم، وتلقي بهم على أعتاب حداثة أوروبا.. فصارت بعض الأفلام الغربية الهابطة والماجنة تعرض أحياناً في قاعات السينما التونسية قبل أن تعرض في لندن أو باريس؛ في حين تخصص قطاع من السينمائيين التونسيين، مثل النوري بو زيد ومفيدة التلاتلي وفريد بو غدير في تحطيم كل المقدسات الدينية والاجتماعية، وفي ترذيل المؤسسات التي حفظت هوية المجتمع التونسي العربية والإسلامية، وعلى رأسها مؤسسة العائلة، في مقابل التركيز بشكل مفتعل على الدفاع عن صورة اليهود في تونس، وتسجيل إنجازات لهم ثقافية وفنية وحتى وطنية في تاريخ تونس. وهنا برزت إلى السطح في تونس ظواهر غريبة على المجتمع التونسي، مثل ظاهرة عبدة الشيطان، ونشطت الفرق التبشيرية، وفتح الباب أمام الفرق الصوفية وشجعت بكل السبل لنشر الخرافات والبدع لتلبِّس على الناس أمر دينهم. كما عرفت جامعات تونس مبيتات مختلطة بين الطلاب والطالبات، وانتشر الفساد الأخلاقي والمخدرات، وشاعت أمراض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) ، وغير ذلك من الظواهر التي ظُن أن تونس المسلمة بعيدة عن الإصابة بها. لقد راهنت السلطة في تونس بقوة طيلة الفترة الماضية على تجريم الحركة الإسلامية التونسية والعربية والدولية في كل مكان، وحرصت على منع إقامة أي تفريق بين معتدلين ومتطرفين في الصف الإسلامي، مؤكدة على أن الجميع متطرفون، وأن الجميع يستحقون التعامل معهم بالشطب والإلغاء والاستئصال. ولم تفتأ تؤكد في كل محفل على أن الخطر قائم ما دامت المفاهيم الإسلامية الشرعية في النفوس، ولا سبيل لمقاومة ما تدعيه من التطرف إلا بسلخ الناس عن دينهم الذي أمرهم به ربهم وارتضاه لهم. وبالرغم من خروج الوزير الشرفي منذ سنوات من السلطة، وانتقاله إلى صف المعارضة التونسية، ومساعيه إلى تولي مناصب قيادية فيها، إلا أن خطة تجفيف ينابيع التدين التي تبنتها الدولة التونسية رسمياً، استمرت تعمل بنفس الوتيرة، وربما بوتيرة أشد، بعد خروج واضعها من السلطة، باعتبار أنها أضحت سياسة رسمية للنظام، تغذيها المخاوف المستمرة من عودة الإسلاميين، وتنفخ في نارها بقايا فلول اليسار الذي يتربع على عرش المناصب التنفيذية المهمة في الدولة. * إخفاق السلطة وفشلها: بالرغم من كل الخطط والإجراءات، وأعمال القمع الواسعة، والتحالفات التي اتخذت خلال أكثر من عقد كامل، ولا تزال، من أجل استئصال الحركة الإسلامية من تونس، إلا أن السلطة أخفقت في تحقيق أهدافها، وظلت تصحو وتنام على هاجس عودة «الخوانجية» .. فـ «الميت» لم يمت، بل يرفض أن يموت، وهو قد استعاد الكثير من عافيته، واستعاد الكثير من توازنه. وبعد مرور أكثر من عقد كامل على سياسة الأرض المحروقة في مواجهة التيار الإسلامي في تونس، إلا أن هذه السياسة تثبت يوماً بعد يوم إخفاقها الذريع على كل المستويات؛ فالحركية السياسية التي تعرفها تونس اليوم تتمحور حول الموقف من الحركة الإسلامية، ومن المظلمة المسلطة على مساجينها، كما تتمحور أيضاً حول الموقف من دورها وحضورها المستقبلي. وقد أقضَّت ظاهرة الإقبال على التدين، وارتياد المساجد من أعداد كبيرة من الشباب اليوم في تونس، وعودة الحجاب الإسلامي للظهور بقوة رغم كل التضييق على من يرتدينه، أقضَّت مضاجع كل المخططين لسياسة تجفيف ينابيع التدين السيئة الذكر، التي أريد من خلالها القضاء المبرم على دين الناس وثقافتهم وحضارتهم الأصيلة، بل أصبحت هذه مظاهر التدين العام للناس من مختلف الأعمار والطبقات من الظواهر الشديدة البروز، بالرغم من كل محاولات لجمها أو مسخها وتشويهها [٢] . في المقابل لم تجنِ تونس من السنوات الماضية سوى القمع والدموع ومشاريع التغريب واستشراء الفساد. فتونس ظلت تحظى بواحد من أسوأ السجلات في تقارير منظمات حقوق الإنسان؛ وبدلاً من أن تعم الديمقراطية في غياب الحركة الإسلامية، تبين للجميع أن محاولة استئصال الحركة الإسلامية جلبت الشمولية والقمع الأهوج لكل فئات المجتمع. * الوعد الرباني: أشرت في مستهل هذا المقال إلى أن الأحداث التاريخية المتوالية لا يمكن أن تزيد المؤمن إلا تسليماً بالوعد الرباني بحفظ دينه ونصرة أوليائه؛ فعلى الرغم من صور البلاء والابتلاء التي سلطت على القابضين على دينهم في الديار التونسية، إلا أن مرور الأيام لم تتكشف على تحقيق ما طمحت إليه النخبة اليسارية والعلمانية المتحالفة مع السلطة، وما كانت تصبو إليه من سلخ الناس عن دينهم ومسخهم، وإلحاقهم إلحاقاً قصرياً بالمشروع المتغرب المنبتّ عن هوية البلاد ولغتها وحضارتها. فقد تكشفت الأيام عن عودة لافتة لكل ما هو مرتبط بالتدين؛ فالمساجد أصبحت تعج من جديد بالمصلين، وخصوصاً الشباب منهم في كل مدن البلاد بلا استثناء، والحجاب صار ظاهرة بارزة على الرغم مما يمثله من تحدٍّ واضحٍ لقرار السلطة التي تمنع ارتداءه، وتمنع المحجبات من ارتياد المدارس والمعاهد ومختلف الإدارات الحكومية وغيرها، سواء أكان ذلك لغرض التعلم أو العمل أو المراجعة. ورغم أن كثيراً من هؤلاء المتحجبات يلاقين أنواعاً شتى من التضييق، يصل إلى حد الفصل من الوظيفة والمنع من الدراسة، وكتابة التزامات وتعهدات لدى مراكز الشرطة بخلع الحجاب، إضافة للتهديد والوعيد الذي يوجه عادة لأولياء الأمور، إلا أن إصرار هؤلاء القابضات على دينهن، وعزيمتهن على التمسك بالحشمة والعفاف، كفيلة بعد التوكل على الله تعالى بتجاوز مثل هذه الابتلاءات. وإذا كانت هذه المظاهر وغيرها مما يُسَرُّ بها قلب المؤمن، ويدعو أصحابها بأن يكتب الله لهم الثبات على دينه، إلا أنها تُقابل بكثير من التبرم والقلق والانزعاج من لدن السلطة والمتحالفين معها والمنظِّرين لمسلكها المصادم لدين الناس وثقافتهم، وهم لا يفتؤون يضعون الخطط لمواجهة هذه الظاهرة التي ظُن أنه قُضي على أسباب تولّدها، ودراسة أسبابها الغريبة في نظرهم بعد أن تم تغييب الدعاة وحجبهم عن الناس وتشتيتهم بين المنافي والسجون، إضافة إلى إفراغ كل منابر التوجيه والتربية من إعلام ومدارس ومساجد وغيرها من كل محتوى تربوي إلا ما ندر، وكأن أرض الزيتونة وجامع عقبة بن نافع ﵀، العريقة بإسلامها، تعجز أرحام نسائها كما يظن هؤلاء عن أن يلدن من يعبد الله، ويدعو إليه، صابراً محتسباً، ليكذب تخرصات شياطين الإنس الكائدين لهذا الدين. ولعل من المهم كذلك التذكير بأن هذا المسلك الذي جُرب في أرض الزيتونة، والذي يروج له على أنه المنهج الأسلم في نظر الذين لا يريدون خيراً لهذه الأمة للتعامل مع الظاهرة الإسلامية، وعلى أنه النموذج الأسلم للقضاء على هذا الخطر الداهم! لقد تبين لكل ذي عين مدى بوار هذا المسلك، ومدى خطورته على كل مجتمع يحاول تجريبه وتطبيقه؛ ناهيك عن إخفاقه الظاهر في تحقيق أي من الأهداف السيئة التي رُسمت له؛ فهل يبقى بعد ذلك عذر لكل من يبشر بهذا المشروع المدمر، فضلاً عمن لا يزال ينفخ فيه ويشجعه ويستميت في الدفاع عنه؟ * دعوة إلى الرشد: على الرغم من كل الجراحات والآلام والمعاناة التي طالت العدد الأكبر من الأسر في الديار التونسية، لعله من المفيد دوماً تذكير العاملين للإسلام بضرورة سلوك منهج الحكمة في الدعوة إلى دينهم، والعمل من أجله، وأن تكون الحكمة والموعظة الحسنة هما السبيل لدلالة الناس على الحق الذي أمرهم ربهم بالدعوة إليه، ولئن كان ذلك مهماً، إلا أن من المهم كذلك أن نتوجه إلى أولئك الواقفين على أرض غريبة عن هوية هذه الأمة، بل ومعادية لها، وخصوصاً أولئك النفر من الاستئصاليين منهم، الذين يعتقدون أن أرض تونس وغيرها من أرض الإسلام لا يمكن أن تتسع لغيرهم، وأن خصومهم ممن يقفون على أرض الإسلام، يجب أن تتوزعهم المنافي والسجون، إن هم أصروا على التمسك بدينهم، والتبشير به. على هؤلاء أن يقفوا مع أنفسهم وقفة يتأملون فيها ما آلت إليه مخططاتهم، من البوار المبين، والخسران الواضح، والإخفاق الذريع، وإذا لم يصل بهم الأمر إلى التوبة والإنابة إلى خالقهم، وهو ما نرجوه لهم مع كل الحب والإشفاق، فليس أقل من أن يفهموا بأن الحرية كل لا يتجزأ، وأن هؤلاء «الخصوم» لم يستوطنوا هذا البلد قادمين من المريخ أو أي مكان آخر غريب عن الديار، حتى يمنعوهم من مقاسمتهم الأرض التي عليها وُلدوا. فهل آن الأوان لكل الفرقاء في البلاد وبخاصة القائمين على الأمر منهم أن يعيدوا النظر في هذه التجربة المريرة التي مرت على البلاد، وما جلبته سياساتهم على العباد من إحن وفرقة وتمزق لا يمكن إلا أن تسر العدو وتحزن الصديق؟ وإذا أمكن للمرء أن يتجرد من دواعي الشرع بسبب ما يزينه له هواه فليس أقل من أن يراعي ما تقتضيه العقول السليمة، فيدرك أن الجميع يستقلهم مركب واحد، تتهدده الأمواج العاتية من كل صوب، مما يستلزم رص الصفوف، وتوحيد الجهود، لا تشتيتها وبعثرتها بشتى معاول الهدم، والتركيز على ما يجمع لا على ما يفرق، وإدراك أن العودة إلى الحق مهما كان ذلك شديداً على النفس أوْلى من التمادي في الباطل، خصوصاً أننا نلحظ أن العقلاء في أنحاء شتى من المعمورة، يراجعون أخطاءهم، ويصححون مساراتهم وسقطاتهم، ويحرصون على ما يجمع الشمل، ويصلح الأوطان. [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ] (هود: ٨٨) ، والحمد لله أولاً وآخراً [٣] .

стр. 4793

المسلمون والعالم ماذا عن مستقبل الجالية الإسلامية في أسبانيا ؟ يوسف شلبي youcef.chelli@laposte.net «رب ضارة. نافعة» مقولة قد تنطبق بصدق على واقع العمل الإسلامي اليوم في أسبانيا ذلك البلد الأوروبي العريق؛ فلقد كان لظروف البلاد العربية والإسلامية التي عانت ولا تزال تعاني من الفقر والعوز والحروب الأهلية والفتن الداخلية التي أكلت الأخضر واليابس أثر في هجرة أبنائها إلى أوروبا عموماً وأسبانيا خصوصاً. وقد كان لهذه الجموع الغفيرة من المهاجرين من البلاد العربية والإسلامية دورها الرائد في تأسيس العمل الإسلامي والدعوي في أسبانيا، وإيجاد البذرة الصالحة لدعوة السكان الأصليين للدخول في دين الله أفواجاً. ومع تزايد أعداد المهاجرين بدأت تزداد مشاكلهم بسبب صعوبة الاندماج، ومن هنا نشأت الحاجة إلى إيجاد أماكن للعبادة والتواصل الروحي والالتقاء والتزاور ونسج العلاقات الأخوية وإحياء المناسبات الدينية، ولذلك تم استئجار بعض دور العبادة وإنشاء المراكز الإسلامية والجمعيات والمدارس التعليمية لأداء تلك الوظائف الدينية والاجتماعية. اليوم وبعد مرور ثلاثة عقود من الزمان من الهجرات المكثفة العربية والإسلامية، وبعد أن وجدت البنية التحتية للوجود الإسلامي في أسبانيا، من مساجد ومراكز وجمعيات وهيئات وتجمعات إسلامية، بدأت أنوار الهداية تنتشر بين السكان الأصليين رغم العمق الكاثوليكي المتميز في شبه الجزيرة الأيبيرية؛ لكن هذا لم يمنع من أن يشق الإسلام طريقه بثقة كبيرة لتوفر كل الظروف الداخلية والخارجية المواتية لنموه وترعرعه في بيئة مهيأة، كما أن أحداث ١١/٩/٢٠٠١م أفرزت هي أيضاً عطشاً قلَّ نظيره عند الأسبانيين لمعرفة الإسلام والتقرب من قضاياه المشروعة، وخاصة في فلسطين والشيشان وأفغانستان والصومال وفي كل البؤر الساخنة التي يعاني فيها المسلمون من الاضطهاد والحرمان. وبنظرة فاحصة لحجم المساعدات الأهلية والمدنية والإنسانية الحكومية وغير الحكومية، تعطينا رؤية صادقة عن المكانة التي يحتلها الإسلام في الواقع الأسباني عموماً، دون أن ننفي في الوقت نفسه وجود بعض من ردود الأفعال المعارضة للوجود الإسلامي كوجود حقيقي وفعال، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الاختراق الذي سجله الإسلام في النسيج النصراني «الكاثوليكي» الأسباني مقارنة بالديانات الأخرى المنافسة، وإلى الإرث التاريخي الذي يمتلكه الدين الإسلامي في أسبانيا منذ العهد الأندلسي الذي دام أكثر من ثمانية قرون. وتسليط الأضواء على الوجود العربي والإسلامي في أسبانيا، كان لزاماً على أي مهتم بالموضوع أن يطرح هذا السؤال الرئيسي والمصيري: ما هو مستقبل العمل الإسلامي في أسبانيا؟ في أعقاب أحداث ١١/٩/٢٠٠١م شهد العالم حملة شرسة ضد الإسلام والمسلمين، وظهر في أمريكا وأوروبا عداء واضح للإسلام كعقيدة وشريعة وتاريخ وحضارة، ومِن زَعْم أن المسلمين همجيون وإرهابيون ومتخلفون، وبات الكثير من الناس في تلك الدول مباشرة بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م ينعتون الدين الإسلامي بأنه دين إرهاب مهمته الإضرار بالحضارة الغربية النصرانية، وكأن الدين الإسلامي يدعو المسلمين للقتل والانتحار وتفجير الأجساد لتكون أشلاء على صرح المواجهة الوهمية بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية كما أراد ذلك صاحب صراع الحضارات «هنتنغتون» . وكان لدور المراكز الإسلامية والنشاطات الدعوية والملتقيات المفتوحة بين المسلمين والمسيحيين من الأهمية في توضيح الصورة الحقيقية للإسلام وإزالة الغشاوة عنه، ويأتي المركز الإسلامي في مدريد واحداً من أهم تلك المراكز التي كان لها جهود طيبة مشكورة على ذلك في أعقاب تلك الأحداث؛ إضافة إلى أن المركز يمثل فعلاً القلب النابض لأبناء العرب والمسلمين في أسبانيا، وقبلة المواطنين الأسبان والإعلام المرئي والمقروء لاستجلاء وجهة نظره حول ما حصل وموقف الإسلام منه، كما أنه أصبح حاضراً في شتى أجهزة الإعلام الأسبانية بمختلف توجهاتها لتبيان الحقيقة وتوضيح ما أشكل بعدما تدخلت فئات مغرضة مستغلة الصدمة التي كان وقعها كبيراً على الأنفس، لشن الحملات القاسية المتتالية على الإسلام والمسلمين، لكنهم وجدوا الإجابة على تساؤلاتهم واستفساراتهم وهواجسهم «المشروعة» . وفي هذا البحث نتناول نمط التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين المهاجرين في الغرب، وليست الساحة الأسبانية سوى واحدة من الساحات الأوروبية التي لا يختلف كثيراً بعضها عن بعض وخاصة في تعرضها للقضايا الحساسة التي تتصل بالإسلام والمسلمين، إنما اتخذناها أرضية لهذا البحث باعتبار أنّنا نعايشها عن قرب، ونتعامل معها من خلال تجربتنا الشخصية المتواضعة. * تدريس الإسلام في أسبانيا: كان لصدور قانون حرية الأديان عام ١٩٦٦م الذي تم بموجبه الاعتراف بالدين الإسلامي في الدستور الأسباني عام ١٩٧٩م (الدستور الجديد) واختيار ممثل للمسلمين في اللجنة الاستشارية للحرية الدينية بوزارة العدل الأسبانية كان له وقعه على مصير الوجود الإسلامي في أسبانيا، لكونها قلعة من قلاع المسيحية في أوروبا، وهذا بعد تلاشي سلطان الكنيسة الكاثوليكية تدريجياً لحساب أديان أخرى على رأسها الإسلام، علماً بأنه قبل صدور هذا القانون عام ١٩٦٦م كان محظوراً على الأديان غير النصرانية أو الكاثوليكية على وجه التحديد أن تمارس أي نشاط لها داخل أسبانيا، إلى أن سمح بذلك الجنرال «فرانكو» الذي استعان بالخيالة المغربية للقضاء على تمرد الشيوعيين، ويرجع الفضل في بقائه في السلطة إلى المسلمين المغاربة، ومنذ ذلك العهد أصبح الجنرال «فرانكو» لا يثق إلا بهم من الناحية العسكرية، ويكن المودة والاحترام للمسلمين، متبنياً قضاياهم العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ حيث كان من الزعماء الأوروبيين القلة الذين لم يعترفوا بـ (إسرائيل) ، ولم يسمح لها بفتح بعثة أو ممثلية. * مشكلات المسلمين الأسبان: لكن يبقى أن مسلمي أسبانيا عموماً يواجهون عدة مشاكل تحول دون تدريس مادة الدين الإسلامى في المدارس العامة لأبناء المهاجرين، وقد نشرت صحيفة (البايس) الأسبانية الواسعة الانتشار تحقيقاً هاماً مطولاً عن هذه المشكلة التي تؤرق الجالية الإسلامية وخاصة المهاجرين المغاربة، وأشارت فيه إلى أن المسلمين في أسبانيا لم يستفيدوا من القرار الذي صدر عام ١٩٩٢م بالاعتراف بحق المسلمين الأسبان في دراسة دينهم بحرية داخل المدارس العامة، والقرار الذى صدر عام ١٩٩٥م الذى يحدد ضوابط تدريس أديان الأقليات في المدارس الأسبانية مثل الإسلام واليهودية والطائفة الإنجيلية، رغبة من السلطات الأسبانية في زيادة اندماج المهاجرين وأبنائهم داخل المجتمع وبنيته لكى يصبح هؤلاء الأفراد باعتبارهم يحملون الجنسية الأسبانية قادرين على القيام بأعباء المواطنة كاملة التي اختاروها طوعاً وبحرية تامة؛ حيث نص هذا القرار على وجوب احترام الآخر، وإعلاء قيم التسامح والحب بين البشر دون أدنى تمييز بسبب الدين والجنس واللون واللسان. وتماشياً مع بنود هذا القرار قدمت جميع الطوائف والديانات قوائم بأسماء المدرسين وعدد المرشحين لهذه الوظيفة، والخطة التعليمية التي تناسب أعمار الطلبة ومستواهم التعليمي والتكويني واللغوي، وللأسف الشديد لم يتأخر عن الاستفادة من هذه الفرصة سوى المسلمين كعادتهم حيث لم يقدموا شيئاً يذكر، مما حدا بالسلطات الأسبانية من باب المسؤولية تجاه مواطنيها الحاصلين على الجنسية الأسبانية إلى التدخل مباشرة لتعيين المدرسين وتحمل نفقاتهم ومرتباتهم الشهرية. * ادعاء أن المسلمين عدوانيون - الأسطوانة المتكررة: يحاول الإعلام الأسباني المتأثر بالدعاية الصهيونية ترسيخ الصورة التاريخية والنمطية المشوهة للمسلمين في أذهان الأسبانيين من خلال التأكيد على المشاهد الدموية ومظاهر العنف والاختطاف والحروب في تطرقه لشؤون المسلمين وخاصة ما يجري في الشرق الأوسط من خلال الصراع الأبدي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمغرب العربي من خلال ما يحدث في الجزائر من مجازر تحز في النفوس وتدمى لها القلوب. فنرى القنوات الأسبانية العمومية والخاصة تعرض المشاهد والصور التلفزيونية أمام الرأي العام عن مسلمين متعصبين ينادون بشعارات الموت ضد أعدائهم يحملون بنادق وسكاكين وكأنهم متعطّشون للدماء، كما أن تحطيم برجي التجارة في نيويورك ألهب المشاعر المعادية ضد المسلمين، وكان استغلال هذه الصور في كل حادثة يُتهم فيها الإسلام والمسلمون استغلالاً مُحكماً إلى درجة أصبحت هذه الصور توحي للمشاهد الأسباني البسيط بحالة من الارتباط بين الإسلام والعنف والإرهاب، وهو الذي يتلقى معلوماته من التلفزيون الذي أسس وضعاً إعلامياً وميدانياً يعتقد بأن جميع المسلمين أصوليون، وأن كلمة أصولي تعني «عدواني» و «متعصّب» . وفي السياق نفسه نقرأ مثل ذلك في أعمدة الصحف الأسبانية الواسعة الانتشار، ونذكر منها على الخصوص صحيفة «البايس» اليومية المقربة من الدوائر الصهيونية محاولةً رسم تلك الصورة المشينة عن الإسلام التي يمكن لها أن تنطبع في ذهن المشاهد وفق جدلية بسيطة لا يختلف عليها اثنان تقول: «إن المسلمين عنيفون ومتعصّبون لا شك في ذلك» ثم تستقر هذه الفكرة أو الصورة في ذهنه؛ وخاصة عندما يكثر الحديث عن الإسلام، وتثار حوله الشبهات، فيكون لديه حينئذ القابلية لهضم أي شيء له صلة بتشويه الإسلام من قريب أو بعيد، ولديه الحافز لتصديق ذلك؛ كأن يشاهد مسلماً أو يكون الحديث عن الإسلام أو المسلمين فيعبر عن رأيه من خلال تلك الفكرة التي زُرعت في ذهنه. ولعلّ هذا لا يبتعد كثيراً عن الواقع خاصة أن بعض المسلمين بسلوكهم الارتجالي وكلامهم الانفعالي تجاه حدثٍ ما هو الذي يعطي مادة جاهزة للآخرين في رسم معالم تلك الصورة المشوهة عن المسلمين. * الكثافة السكانية الإسلامية تزعج الأسبان: نظراً لتزايد عدد المهاجرين المسلمين في أسبانيا وتضاعفه خلال السنوات العشر الماضية؛ فإن بعض الأسبانيين يعتقد بأن معدل الإنجاب لدى المهاجرين المسلمين مرتفع جداً متوهمين أنهم بهذه الوسيلة سيحتلون أسبانيا مستقبلاً، مقارنة مع المواطنين الأصليين؛ حيث تشهد العائلة الأسبانية تراجعاً في عدد الأبناء لاقتصارهم على معدل «أوروبي» لا يتجاوز «طفلين / ثلاثة أطفال» في حين نرى أن المجتمع الأسباني بدأ يشيخ، وأن دور العجزة وإقامات المتقاعدين غزت المدن والقرى الأسبانية، وأن نسبة الخصوبة سجلت في الآونة الأخيرة تراجعاً خطيراً جعل الكنيسة الكاثوليكية تتدخل من جديد لدق ناقوس الخطر، وللتنديد بالسياسة المتبعة من طرف الحكومات المتعاقبة التي لم تشجع الأسرة على النمو الطبيعي «العددي» نظراً للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحيط بها. صحيح أن معدل عدد الأطفال في العائلة المسلمة المهاجرة وحتى في العائلة المختلطة (الزواج بالأسبانيات) حالياً أكبر من معدله لدى العائلة الأسبانية، ولكن يجب ملاحظة الأمور التالية: ١ - إن العائلة الأسبانية نفسها ذات معدل إنجاب أعلى من الدول الأوروبية المجاورة. ٢ - في السنوات العشر الأخيرة سُجِّل انخفاض محسوس في معدل نسبة الأطفال في العائلة المسلمة المهاجرة، بعدما قلصت أسبانيا دعمها الاجتماعي للتكفل بالعائلات المهاجرة، وسنها لقوانين للحد من النشاطات الاقتصادية والتجارية التي لها صلة مباشرة بحياة ومعيشة المهاجرين. ٣ - لا يبدو حالياً على المسلمين أي طموح أو دوافع للهيمنة والسيطرة في المجتمع الأسباني، من خلال الكثافة السكانية، أو الظهور في المناسبات والأعياد الوطنية والدينية، أو الحضور المكثف أثناء التظاهرات السياسية والاحتجاجية. * هل الإسلام يعزل المسلمين عن المجتمع؟ يعتقد بعض الأسبانيين عن خطأ وسوء فهم، بأن تزايد المظاهر الإسلامية كالمدارس الإسلامية والمساجد والمصليات والنوادي والجمعيات الإسلامية والمكتبات وإحياء المناسبات الإسلامية كصيام وقيام شهر رمضان، والاحتفال بالأعياد الإسلامية كالفطر والنحر، وانتشار الحجاب والجلباب في الشوارع والأسواق والإدارات والمدارس، يعني عدم إمكانية تكيّفهم مع المجتمع الأسباني، وصعوبة اندماجهم في الوسط الاجتماعي، على الرغم من البرامج الحكومية المكلفة في التشجيع على الاندماج، مع المحافظة على الخصوصية الإسلامية التي تأبى الذوبان أو التنازل عنها، وقد يتعجب بعض منا إذا ما عرف أن الحاجز الرئيسي الذي يقف دون نمو وتطور المسلمين في أسبانيا هم أنفسهم، من خلال قواعد سلوكهم التي لا تنسجم بأي حال من الأحوال مع الإسلام وأخلاقه، وقد سجلت التقارير الصحفية اعتماداً على إحصاءات الشرطة والهيئات الاجتماعية البلدية أن نسبة الإجرام في الوسط الإسلامي المهاجر في تصاعد خطير، وأن السجون والإحداثيات الأسبانية بدأت تسجل مستويات عليا من المتورطين في قضايا الإجرام وخاصة تجارة المخدرات واستهلاكها، والسرقات الموصوفة، وتكوين جمعيات الأشرار، إضافة إلى تزوير الوثائق والجوازات وتصاريح الدخول والتأشيرات، وتفكيك الخلايا المتورطة في قضايا ما يسمى بمكافحة الإرهاب. فالنقص في التربية الإسلامية، وضعف الوازع الديني، بعد توافد عشرات الآلاف من المهاجرين من الدول المغاربية وخاصة من الجزائر هرباً من الفتنة الداخلية، أو لأجل الكسب السريع وبأي وسيلة ممكنة، كان من الأسباب الرئيسية للهلع الذي أصاب الأسبان وجعلهم يتوجسون من الأجانب عموماً والمسلمين خصوصاً، مما دفعهم إلى مطالبة حكوماتهم بتشريع قوانين صارمة للحد من الهجرة السرية غير الشرعية، والتقليص من تدفُّق المهاجرين الوافدين من الدول المغاربية. * المسلمون ومأساتهم مع العنصرية: يمتاز الشعب الأسباني بأنه شعب منفتح على الآخرين، ولا يعاني من عقد تاريخية ونفسية، مقارنة مع باقي الدول الأوروبية، ولكن بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتفشي البطالة، وغلاء المعيشة، وعدم الإحساس بالأمن، أخذ التيار العنصري ينمو تدريجياً في أسبانيا وخاصة من قِبَل الأحزاب الجهوية وبعض التنظيمات الشعبية، حاولت بعض الأحزاب السياسية مغازلة الشعور القومي من خلال التحذير من تزايد المسلمين في أسبانيا، وتهديدهم للطابع النصراني «الكاثوليكي» للشعب والدولة الأسبانية، ولكن هذه الأحزاب أخفقت إخفاقاً ذريعاً في إقناع الأسبانيين بصحة أفكارهم وطروحاتهم، وإن نجحت فعلاً في التوافق مع الحكومة الأسبانية في موضوع الحد من الهجرة السرية. وقد حدثت حوادث عنصرية متفرقة هنا وهناك في بعض المدن الأسبانية أنى وجدت الجالية الإسلامية بكثافة، تمثلت في الاعتداء على بعض المسلمين من النساء المحجبات، والمحلات التجارية الإسلامية (محلات اللحوم الشرعية، المخابز، المطاعم العربية، وبعض محلات بيع الأغذية) ، والمساجد، والمراكز الإسلامية، وزادت شدتها بعد أحداث سبتمبر / أيلول ٢٠٠١م، وتنامي التيار النازي «الشباني» الذي يمثله جماعات «السكين هايد» بتقليعات تتمثل في رؤوسهم الغريبة وملابسهم الجلدية وأدوات زينتهم، وقد عملت الحكومة الأسبانية على التقليل من هذه الحوادث «المتفرقة» وتطمين الجالية الإسلامية ببعض المبادرات الميدانية التي تخدم الهدوء والسكينة، فعقدت وزارة الداخلية اجتماعات مع المؤسسات الإسلامية لتفادي آثار هذه الحوادث، والعمل سوياً للحفاظ على التماسك الاجتماعي بين جميع أبناء هذا الوطن، وقد أخذت هذه الحوادث حيزاً مهماً في الإعلام الأسباني الذي غالباً ما يندد بهذه التجاوزات وهنا قوة الإعلام الأسباني غير المنحاز في غالبه مما جعل منه أداة جمع لا تفريق، وبناء لا هدم. وكانت الحجة التي ترفعها هذه الأقلية المناوئة للوجود الإسلامي في أسبانيا أنهم لا يفضّلون إقامة علاقة مع الأجانب وخاصة المسلمين منهم حتى لا تمتزج الدماء العربية والإسلامية بدمائهم الأسبانية المسيحية الخالصة، وحتى لا يتكرر مسلسل أو سيناريو فتح الأندلس على أيدي أحفاد طارق بن زياد وموسى بن نصير، ويعتقدون أن على الأقليات الإسلامية أو غيرها كاليهود مثلاً، أن تتكيف مع العادات والقيم النصرانية الأسبانية المتوارثة منذ قرون، وخوفهم من تأثير أو تهديد المهاجرين للثقافة الأسبانية، علماً بأن هؤلاء أقلية صغيرة جداً لا يحسب لها حساب؛ لأن معاداتهم تصب على كل أجنبي، مسلماً كان أو يهودياً أو هندوسياً أو بوذياً. * اللغة هي المشكلة الأساسية بالنسبة لأبناء المهاجرين: أصبحت اللغة الأسبانية اللغةَ الأم التي حلت محل اللغة العربية بالنسبة للجيل السادس والسابع من أبناء المسلمين الذين هاجروا واستقروا هنا حتى نسوا العربية لغة القرآن، وقاربوا على الذوبان في المجتمع الأسباني بآفاته وعلله، وخاصة أن الكثير من العرب الذين استوطنوا هنا تزوجوا بأسبانيات أغلبهن ما زلن على النصرانية وقليل منهن من أسلمت وحسن إسلامها؛ ومن ثَمَّ فإن المأساة الحقيقية تظهر جلياً بأن الجيل الجديد من أبناء المسلمين في أوروبا عموماً، وفي أسبانيا خصوصاً هو مسلم بالهوية فقط. غير أن المسلمين في أسبانيا بدؤوا التفكير الجدي في كيفية القضاء على هذه المشكلة التي أخذت أبعاداً خطيرة ومستويات مرتفعة تهدد إذا بقي الوضع على حاله الوجود الإسلامي في حاضرة الأندلس، فكان الحل المقترح يتمثل في تكثيف بناء المدارس الإسلامية ودور الحضانة ورياض الأطفال عن طريق تبرع المسلمين لإنشائها وبموافقة من الحكومة الأسبانية وبدعم منها، وأن تدرّس هذه المدارس المناهج بالأسبانية بالإضافة إلى اللغة العربية والدين الإسلامي، مع السعي الحثيث أن تكون تكاليف التسجيل في متناول الجميع من أبناء المهاجرين والجالية الإسلامية دون تمييز. * المسلمون في أسبانيا يكسبون معركة الحجاب: كسب المسلمون في أسبانيا العام الماضي حق ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس بعد معركة طاحنة مع إدارة مدرسة غربي العاصمة مدريد رفضت دخول طالبة مسلمة وهي ترتدي غطاء الرأس (الخمار) . وكانت مدرسة ثانوية في «سان لوري نزو ديل إسكوريال» أبلغت الطالبة المسلمة فاطمة (١٣ عاماً) - وهي ابنة مهاجر مغربي - أنه لا يمكنها ارتداء الحجاب في مدرستها بعدما صرحت مديرة المدرسة لوسائل الإعلام بأن الحجاب رمز لما أسمته «بالتمييز بين الجنسين» ، وأيدت وزيرة التعليم قرار مديرة المدرسة بمنع فاطمة من دخول المدرسة، بينما أعلن والد التلميذة أن ابنته لن تذهب للمدرسة إلا بالحجاب، بعد أن عقد والد التلميذة مؤتمراً صحفياً بمقر «رابطة العمال المغاربة المهاجرين» بمدريد، أكد خلاله لوسائل الإعلام أنه لم يجبر ابنته على ارتداء الحجاب، وإنما هي التي ترتديه بكامل حريتها، نافياً ما نسبته إليه الصحف من إجبار ابنته على ارتداء النقاب في المستقبل. لكن مستشار السلطات التعليمية في مدريد وبعد لقائه مع أعضاء المجلس الإسلامي بأسبانيا، ألغى قرار المديرة واعتبره لا يمثل سياسة أسبانيا في تعاملها مع مواطنيها من الجالية الإسلامية وتسامحها الديني والفكري، كما يقضي بحقها في الحصول على التعليم الإلزامي المقرر للأطفال في المدارس الأسبانية بدون أي شروط مسبقة، مشيراً إلى أنه توجد حالات مماثلة لفتيات مسلمات يذهبن إلى المدارس في أسبانيا بالحجاب. وقد تصاعدت حملات العداء ضد الحجاب الإسلامي حديثاً، بعد أن شهدت تزايداً في عدد السكان المسلمين وأغلبهم من الجالية المغاربية (الجزائر والمغرب وتونس ونوعاً ما موريتانيا) ، كما أن حدة التوتر بشأن الحجاب الإسلامي وقضايا الاختلافات الثقافية بين الأسبان والجالية الإسلامية والمهاجرة، زادت بعد التصريحات التي أدلت بها وزيرة التعليم الأسباني «بيلار ديل كاستيلو» العام الماضي عندما قالت لإحدى الصحف: «إنه يتعين على أطفال المهاجرين تبني العادات الأسبانية» . وقد وضعت تصريحات الوزيرة السلطات الأسبانية في موقف حرج، وخاصة أن المسؤولة عن القطاع اتهمت من طرف الجمعيات المدافعة عن المهاجرين والمسلمين في أسبانيا بوضع العراقيل في وجه أطفال المهاجرين، وهو ما أدى بالقائمين على التعليم في أسبانيا إلى التحذير من أن انخفاض نسبة أبناء المهاجرين في المدارس سيؤثر لا محالة على مستقبل أسبانيا كلها؛ لأنهم سيمثلون عدداً كبيراً لم يحصل على التعليم الكافي؛ ومن ثم لن يدخلوا سوق العمل بشكل فعال، ويكون الشارع والجريمة وسيلة من وسائل التنفيس عن النفس، مع الإحباط المشفع باليأس. * قانون الأجانب. سيف يلوح فوق رؤوس المسلمين: من جهة أخرى ترددت الأنباء عن نية حكومة «أثنار» الأسبانية، تعديل قانون الأجانب الحالي بقانون جديد وصارم للحد من الهجرة غير الشرعية والسرية، خاصة بعد النتائج المشجعة التي حصل عليها «حزب الشعب» الحاكم في منطقة «الأيخيدو» في «ألمرية» جنوب شرق أسبانيا، في الانتخابات المحلية الأخيرة، والتي كانت شهدت من قبل أعمال عنف واعتداءات بالغة الخطورة واسعة النطاق ضد المهاجرين المغاربة المتواجدين في تلك المنطقة بكثافة، والبالغ عددهم أكثر من عشرين ألفًا، ساهموا جميعًا في النشاطات الزراعية الضخمة للمنطقة والتي كانت الأفقر في أسبانيا حينها، فأصبحت خلال عشرين عامًا، المنطقة التي تتمتع بأعلى دخل فردي في البلاد، وأكبر نشاط تجاري مع دول أوروبا، وعدد كبير ومتنامٍ من الفروع المصرفية في المنطقة، ويرجع الفضل في ذلك إلى معاناة وتضحية المهاجرين المغاربة وجهودهم الجبارة في تنمية المنطقة. وكان قانون الأجانب الذي تريد حكومة «أثنار» تمريره مثار جدل عنيف في البرلمان الأسباني خلال الأعوام الأربعة الماضية؛ إذ إنه يقضي بالسماح بدخول انتقائي وعنصري منظم للأجانب إلى أسبانيا، وبحيث يفتح الباب على مصراعيه للقادمين من شرق أوروبا أو أولئك القادمين من دول أمريكا اللاتينية الذين يتكلمون اللغة الأسبانية ويدينون بالدين المسيحي، ولا يسمح هذا القانون للعرب والمسلمين والأفارقة بالدخول العشوائي إلى البلاد إلا لمن يتمتع منهم بشروط خاصة يصعب تحقيقها أو تطبيقها في الميدان؛ لأنه من البداية أعطيت الأولوية والصدارة لملفات هؤلاء على حساب الجالية المهاجرة المسلمة التي ساهمت في نهضة أسبانيا الاقتصادية والتجارية! وقد اتهمت الجهات المعنية بملفات المهاجرين من البلاد العربية ونقابات العمال المهاجرين وهيئات الدفاع عن حقوق الإنسان هذا القانون، ووصفته بأنه الأكثر عنصرية وشذوذًا في أوروبا، وخصوصاً أن الجالية العربية والإسلامية يشكلون (٢%) فقط من تعداد السكان في أسبانيا. * مساجد أسبانيا منابر الهدى: في أسبانيا حالياً نحو أكثر من ٣٠٠ مسجد ومصلى ملحق ببعضها مراكز ثقافية ومدارس لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم للبنين والبنات، ومن أبرزها على الإطلاق المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة الأسبانية مدريد الذي افتتح عام ١٤١٣هـ / ١٩٩٢م وهو يتبع إدارياً وتنظيمياً لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة. ويضم هذا المركز الجميل مسجداً ومدرسة تتسع إلى (٢٥٠) طالباً ومكتبة تحتوي على أكثر من ٣٠ ألف كتاب، وقاعة تتسع لأكثر من (٥٠٠) شخص، ومرافق أخرى للنشاطات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والإعلام الآلي، ومتحفاً إسلامياً. وأوضح رئيس المركز الثقافي الإسلامي في مدريد أن المركز يعمل على توحيد كلمة وجهود المسلمين في أسبانيا الذين يقدر عددهم بين ٦٠٠ إلى ٧٠٠ ألف مسلم منهم حوالي ٢٠٠ ألف مسلم يحملون الجنسية الأسبانية، بينما يقدر عدد الذين اعتنقوا الإسلام في السنوات الأخيرة بحوالي ٣٠ ألف شخص، لكن هناك بعض الإحصائيات ولها جانب كبير من المصداقية تشير إلى أن المسلمين في أسبانيا تجاوزوا هذا العدد بكثير، وأن العدد الحقيقي للمسلمين قد يصل إلى المليون، ويتجاوز عدد الذين اعتنقوا الإسلام من الأسبانيين الأصليين ١٠٠ ألف مسلم، ليحتل بذلك الإسلام المرتبة الثانية متجاوزاً اليهود والإنجيليين والبروتستانت والبهائيين والقاديانيين، وغيرهم. * المسلمات في أسبانيا - طموح يراعي الهوية: ربما تختزل صورة المسلمة لدى الأسبانيين والأوروبيين عموماً في مشهد امرأة ترتدي حجاباً أو جلباباً، وتضع غطاء على رأسها ونقاباً على وجهها، وتمشي على بعد خطوات وراء زوجها، ولا يسمح لها بالخروج إلا نادراً خارج منزلها، ولا يسمح لها بالدراسة أو التطلع إلى الجامعة والحصول على الشهادات العليا، أو العمل من أجل كسب المهارات ولقمة العيش أو مساعدة العائلة إذا كانت فقيرة أو زوجها، وهي داخل المنزل المضطهدة التي يضربها زوجها «المتوحش» بسبب أو بدون سبب؛ لأنه هو الرجل وهي المرأة، ولا تزيد وظيفتها على العناية بالزوج وبأطفاله والبيت والطبخ والخياطة في انتظار عودة زوجها في المساء، لتبدأ من جديد حياة رتيبة أخرى مملة!! كما أن هناك من الأسبانيين من يعتقد أن الدين الإسلامي هو السبب في محنة المرأة المسلمة دون النظر للعادات والتقاليد العربية الإسلامية التي تصون المرأة المسلمة في بيتها حماية لها من نظرات مرضى القلوب، وسواء استقر عندهم أن الإسلام هو السبب أو المسلمين، فإن الثابت بالنسبة للأسبانيين هو أن المرأة المسلمة كائن بشري مضطهد ومهزوم، رغم كل التسويغات والحجج المقدمة من قِبَل المسلمين، وهذا الوصف قد يكشف لنا مدى التقصير والعجز عن تحقيق الرؤية الإسلامية في صيانة المرأة باعتبارها كائناً رقيقاً يتطلَّب منا كل الاهتمام والمسؤولية. * مسلمو أسبانيا في غرناطة: لسنا ورثة الأندلس: افتتح في مدينة غرناطة في الجنوب الأسباني بعد رفع أذان صلاة الظهر لأول مرة منذ أن أُخرج العرب المسلمون من الأندلس قبل ٥١١ سنة أول مسجد شيد بعد غياب الحكم الإسلامي عن الأندلس منذ خمسة قرون، وقد عملت منذ أكثر من عشرين عاماً مجموعة من الأسبان الذين اعتنقوا الإسلام على بناء هذا المسجد في غرناطة أمام قصر الحمراء الذي يمثل بالنسبة للمسلمين أطلال مجد غابر، والذي كان في السابق رمزاً للنفوذ الإسلامي في أوروبا، ويقع بين كنيسة «سان نيكولا» وبين دير للراهبات، بعد أن تأجل فتحه طويلاً بسبب رفض محلي ومشاكل تتعلق بالتصميم إضافة إلى نقص التمويل. وكانت عملية بناء المسجد قد تأخرت هذه المدة الطويلة بسبب الشكاوى التي تقدم بها الأهالي المعارضون لهذا المشروع خوفاً منهم من تداعيات بناء مسجد في حاضرة الأندلس وقلبها النابض «غرناطة» عاصمة آخر خلافة إسلامية في أسبانيا، مما يذكّرهم بالوجود العربي الإسلامي في أسبانيا، وهو الشيء الذي أثار تساؤلات وتعليقات السكان؛ حيث تساءل بعضهم عمّا إذا كان ذلك يمثل عودة للإسلام إلى أرض الأندلس التي غادرها قبل خمسة قرون تقريباً. وهكذا بعد ٥٠٠ عام ونيف من رحيل المسلمين من غرناطة بعد هزيمتهم أمام الملك أراجون «فرناندو» وملكة قشتالة «إيزابيلا» عام ١٤٩٢م افتتح المسجد بحضور سفراء الدول العربية والإسلامية، والسلطات المحلية، في غياب سليل مملكة أراجون وقشتالة الملك «خوان كارلوس» وعقيلته الملكة «صوفيا» ، ويضم المسجد مركزاً للدراسات الإسلامية وحدائق وكذلك شرفة واسعة تطل على تلة «سييرا نيفادا» الشهيرة وقصر الحمراء الذي سلم محمد أبو عبد الله - وهو يذرف الدموع - مفاتيحه إلى الملوك الكاثوليك عام ١٤٩٢م. ولن يكون المسجد فقط مكاناً للصلاة والعبادة والذكر فحسب، بل أيضاً مكاناً لتأهيل وتكوين وتعليم المسلمين، ومكاناً للدراسة والبحث، وللمؤتمرات والمعارض والندوات، وسيكون مفتوحاً أمام العامة. ويقدر عدد السكان المسلمين اليوم في غرناطة بنحو ١٥ ألفاً، ويتزايد عددهم بسبب الهجرة، وهذا المسجد هو واحد من عشرة مساجد تم بناؤها في أسبانيا في السنوات الأخيرة فقط.

стр. 4794

المسلمون والعالم الغرب وأزمة اللاجئين القادمين من العالم العربي والإسلامي ! يحيى أبو زكريا [*] على الرغم من أنّ دول الاتحاد الأوروبي قد وضعت قوانين صارمة للتعامل مع اللاجئين القادمين من العالم الثالث، إلا أنّ هناك كمّاً هائلاً من اللاجئين ما زالوا يتدفقون على دول الاتحاد الأوروبي طمعاً في الحصول على الكرامة السياسية التي توفرها الدول الغربية لمواطنيها، وطمعاً في الحصول على وضع مادي مريح. وتعتبر دول شمال أوروبا من الدول المرغوبة للكثير من طالبي اللجوء من العالم الثالث؛ على اعتبار أنّ هذه الدول وتحديداً السويد توفّر للاجئين ما لا توفره كل الدول الأوروبية مجتمعة، وقوانينها تشكّل أرقى ما توصل إليه العقل الغربي في إحقاق إنسانيّة مواطنيه. ولو أنّ السويد وغيرها من دول أوروبا الشمالية فتحت أبوابها للاجئين لجاءها ملايين البشر، ولذلك تلجأ هذه الدول إلى الحدّ من ظاهرة اللجوء بمختلف الوسائل. ووصول اللاجئين إلى دول اللجوء يتم عبر مختلف الطرق القانونية وغيرها. الطريق الأول والطبيعي يتمّ عبر مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة والتي تقوم بالاتفاق مع الدول الغربية المانحة على نقل اللاجئين المضطهدين وأصحاب الوضعيات الخاصة إلى دول أوروبيّة تقوم باستقبال هؤلاء اللاجئين وتوفر لهم ذروة الأمن السياسي والاقتصادي، وبمجرّد دخول هؤلاء اللاجئين إلى هذه الدول الغربية المانحة فإنهم يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون دون فرق على الإطلاق، وبعد سنوات محدّدة من إقامتهم يمنحون جنسية البلد الذي يقيمون فيه دون تعقيدات إدارية أو بيروقراطية. والذين يأتون إلى بلاد أوروبا عن طريق مفوضية شؤون اللاجئين هم قلة باعتبار أنّ هناك اتفاقية معينة بين الدول الأوروبية ومفوضية شؤون اللاجئين حول نسبة اللاجئين المستقدمين إلى أوروبا. أمّا الشريحة الأخرى من اللاجئين وهي الأكثر عدداً؛ فهي تصل إلى دول اللجوء بطرق مختلفة؛ فهناك جوازات السفر المزوّرة عربية وأوروبية، وكثيراً ما يسعى طالبو اللجوء وراء جوازات سفر دول معينة على اعتبار أنّها تتيح لهم دخول بعض البلاد الأوروبية بلا تأشيرة، ويقوم طالب اللجوء بتمزيق هذا الجواز قبل تسليم نفسه لسلطات البلد الأوروبي، وهناك الجوازات الأوروبية التي يحصل عليها طالبو اللجوء من تركيا أو اليونان أو قبرص أو بعض العواصم العربية التي تنشط فيها حركة بيع الجوازات والتأشيرات المزورة كبيروت على سبيل المثال. وكثيراً ما يُعتقل حاملو هذه الجوازات في مطارات شرق أوسطية أو في أوروبا الشرقية أو في دول جنوب أوروبا؛ وذلك قبل مغادرتهم إلى الدولة الأوروبية المقصودة. إضافة إلى هذه الشريحة المغامرة بمفردها، فإن هناك عائلات ترهن مصيرها بأيدي مهربين دوليين محترفين مقابل عشرة آلاف دولار للعائلة الواحدة، وأحياناً للفرد الواحد. ولأنّ الكثير من اللاجئين الباحثين عن الفردوس المفقود والوطن الموعود وقعوا ضحايا لاحتيال العديد من المهربين، وبات دفع هذا المبلغ وهو ١٠.٠٠٠ دولار أو أكثر بعد وصول هذه العائلة إلى الدولة الغربية المانحة للجوء، وكثير من هؤلاء المهربين يعملون ضمن منظمات تهريب متخصصة في كل فنون التزوير، وأحياناً يقوم فرد حاصل على اللجوء في دولة غربية معينة بإعداد عدته والتوجه إلى دمشق أو بيروت أو عمان أو أنقرة أو لارنكا أو طهران، وهناك يبدأ بتنفيذ خطته مع عوائل تبحث عن فرصة لتحسين أوضاعها. وفي ملفات مفوضية شؤون اللاجئين وصفحات الجرائد الغربية مئات القصص لعوائل قضوا نحبهم وهم في مراكب بحرية متوجهين من روسيا إلى السويد أو الدانمارك، أو من تركيا إلى اليونان أو إيطاليا، أو من المغرب إلى أسبانيا أو دول أوروبا الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من أنّ دول الاتحاد الأوروبي تدرس آليات للقضاء على ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية إلى أراضيها، إلاّ أنّ هذه الظاهرة تزداد اتساعاً، وخصوصاً في ظل غياب الديمقراطية والأمن الاقتصادي في العالم العربي والإسلامي والثالث. وفي ظل التفاوت المريع بين الشمال والجنوب سياسياً واقتصاديّاً وحضارياّ فإن العواصم الغربية ستبقى هدفاً للباحثين عن أمل فيما تبقى من حياتهم، أو على الأقل إذا لم يتمكنوا هم من هذه النعم الحضارية فليعش أولادهم حياة أفضل، ليس تحت الراية العربية والإسلامية للأسف الشديد بل تحت راية الغرب؛ وتلك المفارقة الكبرى! * اللجوء إلى الغرب بين الظاهر والباطن: عندما يتمعن المرء في قوافل اللاجئين من العالم العربي والإسلامي والثالث الذين وصلوا إلى السويد، تختلط لديه المشاعر الحساسة بالدموع والتحسر، وذم الأنظمة التي شردت هؤلاء الذين يبحثون عن الأمن السياسي والغذائي، والأمن الاجتماعي، والأمن الثقافي والعقائدي، والأمن الاقتصادي، وبالنهاية الأمن المستقبلي. وعلى الرغم من أن الحكومة السويدية لم تقصر في تحمل أعباء هؤلاء اللاجئين والهاربين من أوطانهم ووفرت لهم البيت الدافئ والراتب الشهري الذي يقيهم العوز، ووفرت لهم كل ما يحتاجه هؤلاء اللاجئون؛ إلا أن هناك ظواهر بدأت تتجذر في حياة اللاجئين وتطفو على السطح لتؤكد أن هذه الظواهر ليست عابرة ولا هي وليدة الانتقال المفاجئ من قارة إلى قارة مغايرة أخرى. وليتصور القارئ الكريم حالة عائلة عراقية أو فلسطينية دفعت عشرات الآلاف من الدولارات للوصول إلى السويد وهي محملة بأحلام وردية ودنو موعد الاستقرار والطمأنينة؛ وبمجرد أن تصل هذه العائلة إلى موقع اللجوء يدب فيها الانهيار، وينفصل الأب عن الأم، والعكس أيضاً، وتتقوى الأم بالقوانين السويدية التي تنحاز إلى المرأة على حساب الرجل، وتطالب بكافة حقوقها بما في ذلك حق الحصول على الراتب الشهري باسمها؛ وهنا تتحطم الآمال، ويبدأ فصل فظيع من الألم والحسرة، وتهدم الآمال؛ فماذا يتم بعد ذلك؟ وكثيراً ما تنتكس النسوة الشرقيات، فتطرد المرأة زوجها من البيت شر طردة، وتتلقفه الدوائر المعنية لتمنحه بيتاً، وتحظر عليه أن يتوجه إلى بيت زوجته وإلا كان مصيره السجن. أما الأولاد فيراهم حسب القوانين المرعية الإجراء. وعندها تتبدد الأحلام الوردية التي شيدت في محطات الانتقال وعلى أرصفة العذابات. والمحاكم السويدية تعج بقضايا الطلاق بين الأجانب بدءاً بالجالية الإيرانية فالعراقية فالفلسطينية إلى آخره. والعديد من الأزواج الأجانب وجدوا أنفسهم في السجن؛ لأنهم تجرؤوا على ضرب زوجاتهم على طريقة حل المشكلات لدى الكثيرين في العالم العربي والإسلامي، والقانون السويدي يعتبر أن إجبار المرأة على ما يقره الشرع الإسلامي للرجل اغتصاب. والزوج الذي تعوَّد أن يقول لزوجته في بلاده: (سأقتلك) هذا القول الذي تعود عليه كثيرون هو جريمة يعاقب عليها القانون في السويد، ويعتبر هذه الكلمة شروعاً في القتل. وقد فاقت حالات الطلاق وسط الأجانب مثيلاتها بين السويديين، والسبب حسب بعض الاختصاصين يعود إلى مكانة المرأة الشرقية مادياً؛ حيث تصرف لها الحكومة السويدية راتباً باسمها، وهو الأمر الذي يشعرها بالعزوف عن زوجها، والسبب الآخر يعود إلى احتماء المرأة الشرقية بالقوانين السويدية، وهو ما جعل بعضهم يقول إن كل هذا يندرج ضمن خطة الهدف منها تفتيت الأسر المسلمة؛ لأنها الوسيلة الوحيدة التي تضمن خروج الأولاد من هويتهم إلى الهوية الجديدة. وإضافة إلى حالات الضجيج والعجيج التي تعج بها المحاكم السويدية فإن المصحات العقلية والنفسية تعج هي الأخرى بالمهاجرين الذين وجدوا أنفسهم في حالة فراغ قصوى، وكأن الحلم الذي تشبثوا به ودفعوا الغالي والنفيس لأجله لم يروه في عين الواقع، فأنعكس ذلك تراكمات على نفسياتهم وطموحاتهم وطرائق حياتهم. ويطرح العديد من اللاجئين تساؤلات من جملتها: ألم يتحقق لنا كل شيء؛ فلا عوز مادي، ولا خوف من سلطان جائر؛ فلماذا هذه الاضطرابات النفسية والاجتماعية؟ هذه الاسئلة وغيرها يحاول باحثون سويديون وباحثون أجانب الإجابة عنها في محاولة لإدماج هؤلاء الأجانب اللاجئين في الواقع السويدي بدون انكسارات نفسية، خصوصاً أن هذه الانكسارات تؤدي إلى الانتحار والقتل، وقد لجأ بعض الأزواج إلى قتل زوجاتهم، ولجأت بعض النسوة إلى الانتحار وإحراق أجسادهن، وإحدى هذه المنتحرات دفعت كل ما تملك للوصول إلى السويد، وعندما وصلت تبخرت أحلامها وتبددت طموحاتها. ومن الطبيعي أن ينتاب العديد من اللاجئين تصدعات نفسية واجتماعية وشخصية؛ ذلك أن الانتقال من بلدة إلى أخرى ضمن الدائرة الجغرافية الواحدة يولد هموماً وغموماً؛ فما بال الإنسان في الانتقال من قارة إلى قارة مغايرة اجتماعياً وعقائدياً ونمطياً ومسلكياً وثقافياً وما إلى ذلك؟ وإذا كانت الحكومة السويدية تقدم كل ما لديها في سبيل إسعاد اللاجئين مادياً؛ فإن السؤال المركزي هو حول غياب المؤسسات العربية والإسلاميّة الفاعلة في إمداد المهاجرين العرب بأسباب البقاء؛ وذلك عن طريق الرعاية الفكرية والثقافية وحتى الترفيهية، لكن إذا كان المواطنون في الداخل العربي محرومين من هذه الرعاية؛ فما بالك برعاية المهاجرين في الخارج؟ ويبقى القول: إن انهيار الأسر وزلزلتها ينعكس سلباً على الأطفال الذين تتولى مؤسسات الرعاية الاجتماعية سحبهم من الوالدين بحجة عدم أهلية الوالدين في رعاية القطط ناهيك عن البشر، ويُوزَّع هؤلاء الأولاد على عوائل سويدية توفر بزعمهم الحنان والطمأنينة لهؤلاء الأطفال؛ لكن عند هذا الوضع هل يمكن الحديث عن الحفاظ على هوية أولادنا في الغرب؟ * العراقيون في طليعة طالبي اللجوء السياسي والإنساني في السويد: أصبحت قصص اللاجئين وكيفية وصولهم إلى السويد ومواطن اللجوء ضرباً من الخيال والأسطورة، وبين طالب اللجوء وموطن اللجوء عشرات المحطات، وكل محطة مغامرة في حد ذاتها. وحتى عندما يصل اللاجئون إلى موطن اللجوء فلا أحد يستطيع الجزم أنّ الاستقرار بات قاب قوسين أو أدنى، وبعد كل ذلك العناء الذي يكابده اللاجئ ينتظره عناء أكبر وكوابيس لا قِبَل له بها خصوصاً إذا كان هذا اللاجئ برفقة زوجته وأولاده. وعلى الرغم من أن المناطق الساخنة في العالم كثيرة للغاية؛ إلا أنّ العراقيين ما زالوا في صدر قائمة طالبي اللجوء في السويد؛ حيث أكدّت إحصائية لدائرة الهجرة السويدية أن عدد العراقيين الوافدين إلى السويد خلال الأشهر العشرة الماضية قد بلغ ٢٨١٠ أشخاص من أصل ٩٠٧٣ شخصاً وصلوا إلى السويد من دول أخرى وعبر طرق مختلفة إلى السويد. وتؤكد إحصائية دائرة الهجرة أنه لا يوجد شيء في الأفق يدل على أن عدد طالبي اللجوء من العراقيين سينخفض في الشهور أو الأعوام المقبلة، بل إنّ عدد اللاجئين سيزداد. والوصول إلى السويد ليس كل شيء، بل إن طالب اللجوء يجب أن يقدم كل المسوغات المقنعة التي دفعته إلى طلب اللجوء، وعليه أن يكون صادقاً في كل التفاصيل؛ لأنّ دائرة الهجرة في السويد ومن خلال تجربتها العميقة مع اللاجئين باتت تميز بين الصادق والكاذب، وكان العديد من اللاجئين في السابق يكفيهم أن يصمموا قصة خيالية يتحول بموجبها بائع البطاطا في بلده إلى مناضل سياسي عريق واكب كل التطورات السياسية في بلده وكان عامل تأثير فيها، ويتحول النكرة إلى معرفة معرّفة بكل أدوات التعريف السياسي والثقافي. وكثيراً ما يدعي السوري أنه عراقي، والمغربي أنه فلسطيني، ويدعي الأردني أنه لبناني، وهكذا دواليك. وبعد هذا الاحتكاك المتواصل مع قضية اللاجئين أصبح لدائرة الهجرة خبرة واسعة في التمييز بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، علماً أن من يحصل على الإقامة في السويد ثم يتبين أنه قدم اسماً مزوراً وانتماء قومياً مزوراً تسقط إقامته ويعطى فرصة للدفاع عن نفسه مجدداً. وتجدر الإشارة إلى أن السويد استقدمت آلاف العراقيين من مدينة رفحا السعودية الذين فروا من العراق أثناء حرب الخليج الثانية وأقاموا في الأراضي السعودية، كما منحت السويد حق اللجوء لآلاف العراقيين الذين هم في طليعة الجالية العربية في السويد. وتزمع دائرة الهجرة على تضييق الخناق بالاتفاق مع بقية الدول الأوروبية على طالبي اللجوء؛ على اعتبار أن السويد قدمت أكثر من مثيلاتها الأوروبيات للاجئين من كل دول العالم.

стр. 4795

المسلمون والعالم تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى د. خالد سعد النجار alnaggar٦٦@hotmail.com قال تعالى: [وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة] (المائدة: ٦٤) . كان الصهاينة الأوائل المؤسسين للمجتمع الإسرائيلي الجديد على أرض فلسطين السليبة؛ يرون في هذا المجتمع الوليد البوتقة التي سوف تمتزج فيها مختلف الثقافات واللغات والقوميات اليهودية، إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال، فنشأ مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والطوائف، ولم يحدث الاندماج المنشود، وتفتت الصورة الأسطورية المأمولة لتحل محلها صور أخرى عديدة لكل منها شرعيته، بين اليهودي والعربي، والمتشددين دينياً (الحريديم) ، والقوميين الدينين (جوش إيمونيم) ، والتقليدين والعلمانيين، وغيرهم ممن تمتد جذورهم إلى أصول عرقية مختلفة مثل (السفاراديم) و (الأشكنازيم) و (المهاجرين الروس) و (الإثيوبيين) وغيرهم. وقد أدى هذا التفتت للصيغة الإسرائيلية إلى تشرذم المجتمع بين ثقافات وطوائف مختلفة، ولهجات متباينة ومواقف متصارعة تجاه صورة الدولة اليهودية؛ مما يؤهل لحدوث انفجارات عنيفة داخل المجتمع الإسرائيلي. * رؤية تاريخية لجذور الصراع: مما زاد من عدم تجانس الجماعات والهويات اليهودية؛ انتشار اليهود في كل أنحاء العالم دون وجود سلطة مركزية دينية أو قضائية في فلسطين أو في غيرها من الأماكن. كما لم تكن تُوجَد في العالم القديم وسائل مواصلات أو إعلام تقرب بين أطراف العالم كما يحدث الآن. لكل هذا؛ تطوَّرت كل جماعة يهودية على حدة بمعزل عن الأخرى، على المستويين الديني والقومي. وقد ظلت هذه الفسيفساء قائمة إلى أن انحلت الإمبراطورية الرومانية، وانتشرت النصرانية في الغرب، وانتشر الإسلام في الشرق، فظهرت فسيفساء أخرى احتفظت بعناصر من الفسيفساء القديمة، كما دخلت عليها عناصر جديدة. وقد انقسمت اليهودية ودخلت مدارين أساسيين: المدار الإسلامي والمدار النصراني. وازدادت اليهودية توحيدية داخل المدار الإسلامي. ومن ثم ظهر ما يمكن تسميته «هوية يهودية عربية إسلامية» ، وهي التي أنتجت موسى بن ميمون. أما في الغرب، فقد ازدادت اليهودية غيبية، ودخلت عليها عناصر صوفية متطرفة. وازدادت الهوة اتساعاً بين الهويات اليهودية في الشرق والغرب، فيهود الأندلس والعالم العربي كانوا يتحدثون العربية ويكتبون بها، بينما كان يهود فرنسا يتحدثون برطانة فرنسية ويكتبون بالعبرية. ثم ظهرت اليديشية (لغة الإشكناز في شرق أوروبا) ، واللادينو (لغة يهود السفارد في حوض البحر الأبيض المتوسط) . وكانت هناك بقايا يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية، ويهود إيطاليا الذين يتحدثون الإيطالية. كما ظهرت هويات يهودية مختلفة في أماكن متفرقة، مثل: الخَزَر في منطقة القوقاز، والفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود الصين في كايفنج، ويهود مانيبور، والتشويتاس، واليهود السود. ولم يكن انتماء هؤلاء الديني إلى اليهودية الحاخامية، وإنما كان انتماؤهم إلى تقاليد دينية مختلفة دخلت عليها عناصر دينية وإثنية محلية. وكان يُوجَد كذلك يهود إيران وأفغانستان الذين يتحدثون اللغة الفارسية وغيرها من اللغات، وبعض اليهود الأكراد الذين يتحدثون الكردية. وظهر عدد ضخم من الجماعات اليهودية الصغيرة في القوقاز؛ مثل: يهود الجبال، ويهود جورجيا، ويهود الكرمشاكي، وظهرت جماعات يهودية في جبال الأطلس تتحدث البربرية. ومن الانقسامات الدينية المهمة، ظهور الحركة الشبتّانية وظهور يهود المارانو، في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويهود الدونمة في الدولة العثمانية. هذه هي الفسيفساء التي كانت قائمة حينما ظهرت العلمانية في المجتمعات الغربية، والتي زلزلت اليهودية الحاخامية، وعمَّقت عدم التجانس [١] . * خريطة الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي: - الانقسامات الإثنية (القومية) : ينقسم المجتمع الإسرائيلي من الناحية الإثنية إلى مجموعتين كبيرتين: أولاً: السكان الشرعيون، ويطلق عليهم فلسطينيو ١٩٤٨م، أو عرب ٤٨، أو عرب الداخل. ويلاحظ في العقد الأخير تزايد الوعي فيما بينهم وتزايد معدلات تصويتهم للأحزاب العربية، وخاصة مع ما حققته هذه الأحزاب من نهوض بمطالبهم في الكنيست. وأهم هذه الأحزاب: الحركة الإسلامية، والحزب الديمقراطي العربي، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير. ثانياً: المستوطنون اليهود، وقد هاجروا إلى إسرائيل في موجات متتابعة منذ بداية القرن العشرين، وأسسوا دولة استيطانية في فلسطين، ويتعددون بتعدد البلدان والمناطق التي هاجروا منها، وتبرز من بينهم أربع مجموعات رئيسية ممثلة بأحزاب سياسية، وهي: الروس؛ ويمثلهم حزبا إسرائيل بعالياه وإسرائيل بيتينو، والمغاربة؛ ويمثلهم حزب شاس وحركة جيشر، والإثيوبيون؛ وهم ممثلون في حزب شعب واحد، وأخيراً الأوروبيون والأمريكيون؛ وتمثلهم الأحزاب اليهودية الغربية المختلفة، وهي: العمل، الليكود، المركز، شينوي، ميرتس، الوحدة الوطنية، يهدوت هتوراة، المفدال. - الانقسامات الدينية: ينقسم المجتمع الإسرائيلي من الناحية الدينية إلى قسمين: متدينين، وعلمانيين. المتدينون: يعتبر المتدينون أقلية في إسرائيل سواء في الجانب العربي أو الجانب اليهودي، ولكنهم أقلية مؤثرة، ويزداد ثقلها النسبي مع الوقت، وينقسمون إلى عرب، وأغلبيتهم العظمى من المسلمين، وتمثلهم الحركة الإسلامية. ويهود، وينقسمون إلى: أ - من حيث الموقف من الأيديولوجية الصهيونية التي قامت عليها الدولة إلى: متدينين صهيونيين ويمثلهم المفدال، وميماد، ومتدينين لا صهيونيين (أو حريديم / متشددين / أصوليين) ، ويمثلهم شاس، ويهدوت هيدوراة. ب - من الناحية الطائفية إلى: متدينين شرقيين، ويمثلهم شاس، ومتدينين غربيين، ويمثلهم يهدوت هتوراة، والمفدال. العلمانيون: ينقسمون بدورهم إلى عرب: ويمثلهم كل من: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحزب الديمقراطي العربي، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير. ويهود ويمثلهم أحزاب: العمل، الليكود، ميرتس، شينوي، المركز، إسرائيل بعالياه، إسرائيل بيتينو، الوحدة الوطنية، شعب واحد. ويمثل العلمانيون أغلبية المجتمع الإسرائيلي. - الانقسامات الأيديولوجية: ينقسم الإسرائيليون من الناحية الأيديولوجية إلى قسمين كبيرين هما: اليمين واليسار. اليمين: ينقسم بدوره إلى يمين ديني، وتمثله الأحزاب اليهودية الدينية (شاس، المفدال، يهدوت هتوراة) . ويمين علماني، ويمثله كل من أحزاب: الوحدة الوطنية وإسرائيل بعالياه وإسرائيل بيتينو والليكود وجيشر. اليسار: وينقسم إلى قسمين: أ - يسار يهودي: وهو أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار، ويمثله كل من أحزاب: ميرتس، شينوي، العمل، المركز، شعب واحد. ب - يسار عربي: وهم بمجموعاتهم المختلفة يقعون أقصى يسار الخريطة السياسية الإسرائيلية، وخاصة بمعيار الموقف من عملية التسوية، ويمثلهم أحزاب: القائمة العربية الموحدة، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير [٢] . * من مظاهر الصراع! فعلى صعيد الحالة الدينية: يوجد بعض الأطراف اليهودية ممن يؤمن بمبدأ الإكراه الديني، وفرض تطبيق الشريعة اليهودية من أعلى على اليهود، وجعل الدولة دولة يهودية بالمعنى الديني للكلمة، وهم يمثلون نسبة ضئيلة جداً من سكان إسرائيل قد لا تتعدى ٧%، ولكنهم يؤثرون بقوة في كثير من الأحيان بسبب طبيعة التركيبة الائتلافية للحكومات الإسرائيلية؛ لأن السياسة الإسرائيلية هي تعبير عن تجمع لأقليات كثيرة من النواحي السياسية والأيديولوجية والدينية ... إلخ. وفي المقابل يوجد كثير من الأطراف اليهودية العلمانية التي ترغب في الحفاظ على «الطابع اليهودي» للدولة أيضاً، ولكن بفهم اليهودية كقومية وليست ديانة، وهم يمثلون التيار السائد بين اليهود الإسرائيليين، والذي يؤمن بالصهيونية في هذا المجال، ومن هنا يرون أن الحفاظ على «الطابع اليهودي» للدولة لا يتم بفرض الشريعة التي يرفضونها، ولكن بتمجيد الرموز الصهيونية السياسية والعسكرية، وإحياء المناسبات اليهودية المختلفة: الحقيقية والمزعومة، من قبيل «الكارثة اليهودية» و «المحرقة النازية» ، وحتى الأعياد الدينية التي تكتسب قيمتها من كونها تعبر عن وحدة اليهود كقومية أو شعب في نظرهم، وليس لمغزاها الديني المتصل بالعلاقة بين اليهودي وربه. وعلى صعيد الحالة الاجتماعية: نجد أن جميع الألوان بكل درجاتها وظلالها تتمثل في سكان إسرائيل كقوس قزح بشري شديد الغرابة، فإلى جانب اليهود البيض الأوروبيين يوجد اليهود السمر الشرقيون، وإلى جانب اليهود الصفر الآسيويين يوجد اليهود السود كالفلاشا الحبشية.... متحف جنس لا مثيل له في العالم؛ مما يجعل إسرائيل دولة أقليات لا يعرف لها مثيل في العالم، ولقد خلف تعدد القوميات والمشارب والطباع والأهواء العديد من الصراعات الاجتماعية الخطرة، أشهرها الصراع العنيف بين الأشكناز (اليهود القادمون من أوروبا) والسفارديم (اليهود القادمون من الشرق والعالم الثالث عموماً) ، فيهود أوروبا الأشكناز هم الذين أخذوا على عاتقهم إقامة الحركة الصهيونية، وتحمّلوا القسم الأعظم من إقامة الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين، وكان لأموالهم وتبرعاتهم واتصالاتهم السياسية دور بالغ الأثر في هذا الشأن، بل كان اليهود الغربيون من الناحية التاريخية هم أول من وصل إلى فلسطين لإقامة الكبيوتزات التي كانت نواة لمستوطنات أوسع أقيمت بعد ذلك، وبالتالي تميز الأشكناز بمستوى ثقافي واقتصادي وحضاري عال، وانطلقوا يشغلون القيادات والمناصب العليا في الجيش والسياسة والصناعة، ولكن حدث تحول جديد؛ فقد زادت هجرات اليهود السفادريم الذين تركوا بلادهم طمعاً في مزيد من الغنائم من الدولة اليهودية، ولكن هذه الهجرة لم تنعكس على تحسين أوضاعهم المتدنية بل ظلوا دائماً في قاع المجتمع، ويعيشون في الأحياء الفقيرة مع قلة عدد المتعلمين بينهم بسبب ارتفاع مصاريف التعليم، ومما يذكر أن ٩٠% من المسجونين من اليهود السفارديم؛ مما يعني تفشي الجريمة في أوساطهم بسبب تردي أوضاعهم الاقتصادية والشعور بالظلم الاجتماعي. ولقد بدأ الصراع أولاً في صور مستترة سرعان ما تحولت إلى مطالب سافرة من جانب اليهود السفارديم بتحسين أوضاعهم؛ خاصة مع تزايد قوتهم الانتخابية بسبب تفوق عددهم على عدد اليهود الأشكناز، وقد اتخذت هذه المطالب أشكالاً عنيفة في بعض الأحيان، كما رأينا حركات تشكل للدفاع عن مطالبهم مثل (الفهود السود) . وعلى صعيد الحالة السياسية: نجد صراعات عنيفة بين الطوائف والطبقات المختلفة لاقتسام الكعكة الإسرائيلية، ويتمثل هذا الصراع في ذلك التعدد المذهل في الأحزاب السياسية والتكتلات والمنظمات الحزبية التي تقدم قائمة مرهقة لا نهاية لها من وحدات مفتتة تفتيتاً ذرياً، بل إن الانتخابات الأخيرة شهدت ظاهرة وصفها بعضهم بأحزاب المرآة، حيث تعددت الأحزاب المتنافسة والمتصارعة داخل كل محور من محاور التقسيم المختلفة؛ بحيث أصبح هناك صراع (علماني علماني) كما بين شينوي وميرتس، وصراع (ديني - ديني) كما بين شاس ويهدوت هتوراة والمفدال، وصراع بين ممثلي الروس مثل إسرائيل بعالياه وإسرائيل بيتنا، إضافة إلى التنافس بين الأحزاب العربية. ولذا فإن التصنيفات الكبرى إلى علماني وديني، أو يميني ويساري، وغيرها لا تعني بالضرورة وجود تجانس داخلي بين ممثلي كل فريق، بل لا تنفي الصراع والانقسام داخل كل طرف من محاور هذه التقسيمات. ومن أبرز الصراعات في هذا الشأن الصراع بين حزب العمل والليكود، فحزب العمل أسس سنة ١٩٦٨م من اتحاد ثلاثة أحزاب عمّالية هي: مباي، وأحدوت هعفودا بوعالي تسيون، ورافي، ثم تحالف مع حزب مبام في ١٩٦٩م تحت اسم المعراخ (التجمع) . وفي ١٩٩٢م انسحب مبام، وبقي حزب العمل. وفي ١٩٩٩م وفي مسعى من زعيم الحزب إيهود باراك لزيادة شعبيته، وتغيير صورة الحزب كحزب للنخبة اليهودية الغربية العلمانية؛ تحالف مع حركتين هامشيتين هما ميماد وجيشر، ودخل الانتخابات تحت اسم إسرائيل واحدة. وحصلت القائمة على ٢٦ مقعدًا. وفاز زعيم القائمة إيهود باراك برئاسة الوزراء. ويؤمن حزب العمل بالفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين في فلسطين من خلال إقامة دولة فلسطينية، مع الحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي للقدس، وبقاء المستوطنات، وفرض قيود على سيادة الدولة الفلسطينية وعلاقاتها الخارجية. أما حزب الليكود فقد تأسس في ١٩٧٣م من تحالف حزبي حيروت والأحرار؛ بهدف كسر احتكار حزب مباي (حزب العمل لاحقًا) للسلطة، وبالفعل نجح التكتل في الفوز بالسلطة لأول مرة في ١٩٧٧م، بالتعاون مع القواعد اليهودية الشرقية الناقمة على سياسة حزب العمل. ثم اندمجت مكوناته في ١٩٨٥م، وحلت هياكلها التنظيمية، وأصبح الليكود قطبًا موازيًا لحزب العمل في السياسة الإسرائيلية الداخلية. وفي انتخابات ١٩٩٩م تشرذم الليكود وأخفق في الحفاظ على السلطة، وهزم زعيمه بنيامين نتانياهو أمام منافسه إيهود باراك في انتخابات رئاسة الوزراء، وحصل الحزب على ١٩ مقعدًا. آمن الليكود بفكرة «أرض إسرائيل الكاملة» ، ومنح الفلسطينيين في أراضي ١٩٦٧م حكمًا ذاتياً محدودًا، وعارض اتفاقيات أوسلو، ولكنه اضطر إلى قبول الأمر الواقع، والتعايش مع عملية التسوية وإحباطها من الداخل بعد تولي نتانياهو الحكم في ١٩٩٦م، واعتمد في ذلك على التحالف مع القوى الدينية، والتي أصبح لها مكانة مهمة في ظله، وأثار بذلك نقمة الجمهور الإسرائيلي العلماني؛ بما في ذلك أعضاء من الليكود الذين استقالوا من حكومة نتانياهو، وانسحبوا من الليكود نفسه بعد إخفاقهم في الإطاحة بنتانياهو. وتم إسقاط نتانياهو في انتخابات ١٩٩٩م، وتولى أريئيل شارون قيادة الليكود كرئيس مؤقت، ويعاني الحزب من أزمة كبيرة في صياغة برنامجه. وصدق الله العظيم.. [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] (الحشر: ١٤) .

стр. 4796

المسلمون والعالم أمريكا وجدلية الحرب على الإرهاب خليل العناني بعد مرور نحو عامين على وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في حقبة جديدة من تاريخها السياسي والفكري؛ قوامها الاستبداد والتحكم العالمي، ليس لانتهاجها لسياسات متعجرفة مع مختلف شعوب الأرض فحسب، ولكن أيضاً لأنها قضت على كل النماذج والقيم التي طالما تغنى بها الأمريكيون باعتبارهم مهد القيم العالمية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد حددت لنفسها هدفاً محورياً غداة وقوع أحداث سبتمبر، تمثل في «مكافحة الإرهاب الدولي» ، فإنها في الواقع قد استخدمت هذا الهدف لإخفاء أهداف أخرى كونية أبعد ما تكون عن مكافحة ما يسمى بالإرهاب الدولي. بل لا نبالغ إذا قلنا إن الولايات المتحدة نفسها قد أصبحت أكثر من يمارس هذا الإرهاب، وما زالت أحداث حربي أفغانستان وفلسطين ماثلة في أذهان الجميع. * أشكال حرب الإرهاب وأبعادها: وقد اتخذت فكرة الحرب على الإرهاب التي ابتدعتها عقول المحافظين الجدد (النصارى المتصهينين) أشكالاًَ وأبعاداً متعددة، تفوق ما لدى الأمم والجماعات الأخرى من تصور لهذه الفكرة، لعل أكثرها دلالة هو اعتبار مقاومة الاحتلال من أفعال الإرهاب الدولي. ويظل التساؤل الأجدى في هذه المرحلة هو: كيفية تحقيق هذه الفكرة لما تطمح له الولايات المتحدة؟ وقد تبدو الإجابة عن هذا التساؤل بسيطة ولكنها في غاية التعقيد، ويمكن استنتاجها عبر عدة نقاط أولها أن الولايات المتحدة عبر استخدام هذه الفكرة قد توفر لنفسها أرضية جديدة في التعامل مع الآخرين بما في ذلك دول العالم الأول (أوروبا) من منطلق أن الإرهاب خطر عالمي لا يفرق بين ما هو أمريكي أو أوروبي، وهو ما يوفر للولايات المتحدة متسعاً من الحركة افتقدته وترددت في استخدامه منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة، كما يسوغ تفردها بقيادة الجانب الشرقي للأطلسي دون معارضة حقيقية. والنقطة الثانية هي أن هلامية الفكرة وعدم وضوحها والذي قد يكون مقصوداً في جزء كبير منه قد يترك المجال مفتوحاً أمام مختلف التفسيرات، وبالتالي يبيح أي تصرفات أمريكية لمحاربة هذا الخطر؛ بما في ذلك غزو دول بعينها كما حدث مع أفغانستان والعراق، أو محو منظمات بعينها كما حدث مع العديد من منظمات المجتمع المدني خاصة تلك التي تحمل طابعاً إسلامياً. أما الاستنتاج الثالث؛ فهو أن الإدارة الحالية، وبالنظر إلى مرجعيتها الفكرية، كانت تبحث عن أداة فعالة تحقق طموحها التوسعي ونهجها المنفرد، فضلاً عن افتقارها للقدرة على تحقيق إنجازات اقتصادية أو اجتماعية ملموسة ترفع عنهم الحرج أمام ناخبيهم، ولذا لن يكون مستبعداً أن يصبح الانتصار الأمريكي على العراق هو الوقود الأساسي للحملة الانتخابية القادمة. وفضلاً عما سبق؛ فقد حققت هذه الفكرة للولايات المتحدة ما تمناه وحلم به قادتها ومسؤوليها قبل أكثر من نصف قرن، وهو رغبتهم في أن تحتل الولايات المتحدة قمة النظام العالمي باعتباره الوضع الطبيعي لقوة مثلها. فمنذ خروج الولايات المتحدة من عزلتها الاختيارية وانخراطها في شؤون المعمورة عقب الحرب العالمية الثانية؛ وهي ترغب في تحويل قوتها الاقتصادية والتقنية إلى سلاح سياسي فعّال يحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة، ولكن ظهور القطب السوفييتي السابق شكّل عائقاً وقيداً خانقاً على هذه الرغبة الأمريكية، وكبح جماحها على مدار أكثر من أربعة عقود من القرن المنصرم. ورغم انهيار القطبية الثنائية وانتفاء المنافس أمام الولايات المتحدة؛ فإنها ترددت في الإعلان عن تفردها وتطبيقها على رأس النظام العالمي، ولجأت إلى تحقيق ذلك عبر مفهومات وأدوات اقتصادية، شكلت العولمة سياجها الحاكم، ونسجت خيوطها الشركات الأمريكية العملاقة. ولكن يبدو أن هذه الأدوات لم تحقق طموح الولايات المتحدة؛ خاصة مع دخول الاقتصاد الأمريكي في نفق الركود والتراجع منذ انفجار فقاعة التقنية أواخر العقد الماضي؛ لذا فقد شكلت أحداث سبتمبر فرصة ذهبية للولايات المتحدة للبحث عن أداة مفتقدة تمكنها من الإعلان عن هيئتها العالمية الواجب فرضها، ومن ثم شكّلت فكرة «الحرب على الإرهاب» السوط الجديد لقيادة النظام العالمي في بدايات القرن الحادي والعشرين، ولتكون طوق نجاة يرفع عن الأمريكيين الحرج عن جنوحهم بعيداً عن السرب العالمي. غير أن ما يلفت الأنظار ويثير الحيرة تساؤل مهم، وهو: لماذا وجهت أمريكا هذه الفكرة ناحية العالم الإسلامي باعتباره مهداً لهذه الظاهرة؟ بالطبع فقد ربطت الولايات المتحدة بين مرتكبي أحداث ١١ سبتمبر وبين دولهم وجنسياتهم، ولكن هذا وحده ليس مسوّغاً كافياً لتوجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية بكل ثقلها ناحية هذه البقعة من العالم. ودون الغوص في بحور «نظرية المؤامرة» ؛ يمكن القول بأنه إذا كانت الولايات المتحدة قد اتخذت من العالم الإسلامي عدواً لها تحت ذريعة محاربة الإرهاب، فمرد ذلك ليس فقط لأن هذا العالم يمثل نموذجاً حضارياً وثقافياً يضاهي في أفكاره وقيمه تلك المبادئ والأفكار التي تستند عليها الحضارة الغربية فحسب، بل وإنما أيضاً لحاجة الولايات المتحدة لستار تخفي وراءه طبيعة الأهداف والمصالح الأمريكية في عالم اليوم. بيد أن فكرة الحرب على الإرهاب لن تحقق الكثير مما يصبو إليه العديد من أصحاب التوجه الفردي في الولايات المتحدة؛ ليس لكونها تستند على أساس هش وغير مقنع فحسب، بل لعدم واقعيتها عملياً رغم ثبات خطر الإرهاب في حد ذاته. فالولايات المتحدة مهما بلغت قوتها وقدراتها فهي في النهاية تعيش في عالم تحكمه قواعد وأساسيات للتعامل تقوم في جزء كبير منها على التوافق الدولي أكثر منه الإكراه والعقاب، وبافتراض حدوث ما تصبو إليه الولايات المتحدة فإنه لن يدوم لفترة طويلة؛ ليس انطلاقاً من ظهور قوة منافسة لها بقدر ما هو مرتبط بقدرة الولايات المتحدة نفسها على الاستمرار ومواصلة هذا النهج المستهجن من بقية دول العالم. فضلاً عن ارتفاع كلفة هذه الفكرة سياسياً واقتصادياً بالنسبة للولايات المتحدة، ويكفينا في ذلك حساب ما تكبدته واشنطن سواء في إقامة الأحلاف الجديدة؛ مثل ما حدث مع باكستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطي، فضلاً عن دول أوروبا الشرقية، أو تدعيم بعض الأحلاف القديمة؛ مثل الأردن ومصر وغيرها من الدول الصديقة للولايات المتحدة. * هذه الحرب والاستراتيجيات الثلاث: وقد ساهمت فكرة «الحرب على الإرهاب» بشكل كبير في صنع أدوات جديدة للحركة الخارجية للولايات المتحدة تتناسب والأهداف الأمريكية الجديدة، وتمثل ذلك في مثلث الاستراتيجيات الثلاث؛ وهي استراتيجية الحرب الوقائية، والتوجه المنفرد، وتغيير الأحلاف، وقد عبرت حالة العراق خير تعبير عن هذا المثلث. ويشير الضلع الأول: والذي يمثل قاعدة هذا المثلث إلى «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» ، والتي ينظر إليها بعضهم باعتبارها دستور أمريكا الجديد، واستبقتها الإدارة الحالية بتقسيم العالم لشطري الخير والشر، وأن هذه الاستراتيجية قد صيغت لمعاقبة هذا الشطر الأخير، والذي يضم في جعبته كل من يجرؤ على التصريح بمعارضة الولايات المتحدة أو تصدير أي فكر يروّج لذلك، ولذا فقد ضمت القائمة كل من يخالف واشنطن أيديولوجياً أو يهمس بذلك سراً، ومن هذه الدول العراق وإيران وكوريا الشمالية والصين وكوبا وليبيا وسوريا ولاحقاً السعودية والسودان وغيرها. وقد لا يقتصر الأمر على بلدان الشرق الأوسط بل قد يتعداه لبعض القوى العالمية النسبية مثل فرنسا وألمانيا وروسيا؛ وإن اختلف أسلوب التعامل في الحالتين. وقد تم اختبار هذه الاستراتيجية في الحرب على العراق وأثبتت نجاحها إلى حد كبير، وإن كان هذا يعود في جزء كبير منه إلى طبيعة الحالة العراقية أكثر من ارتباطه بواقعية الاستراتيجية نفسها. ويعبّر الضلع الثاني: في مثلث الاستراتجيات الأمريكية الجديدة عن حقيقة الحلم الأمريكي، ويصب في صلب الرغبة الأمريكية التي طال انتظارها، وحالت ظروف عديدة دون تحقيقها ممثلة في إعلان الهيمنة الأمريكية على الكون وإعلاء الكلمة الأمريكية فوق الجميع. ويعد هذا التوجه المنفرد بمثابة الإعلان العالمي عن عدم الوقوف في وجه القطار الأمريكي؛ حتى إن خرج عن قضبان الشرعية الدولية، ليس لقوة بطش هذا القطار فحسب، ولكن لعدم وجود قوة فاعلة قد تردع حركته وتبطئ منها؛ سواء كانت قوة جماعية كالأمم المتحدة أو قوة فردية أخرى. وقد كشف الصراع في مجلس الأمن إبان الاستعداد الأمريكي لإعلان الحرب على العراق عن هذه الحقيقة، وعبّرت الحرب عن هذا المنحى المنفرد. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها بشكل عملي خلال الحرب، وإن تراجعت مؤخراً بشكل ملحوظ يمكن الاستدلال عليه من رغبة واشنطن في توسيع دور الأمم المتحدة في العراق تفادياً لاحتمالات الإخفاق هناك. أما الضلع الثالث للمثلث؛ فمثلته استراتيجية تغيير الأحلاف، ويقصد بها إعادة فك وتركيب القوى الصديقة للولايات المتحدة تمشياً مع فكرة الحرب على الإرهاب، واتساقاً مع استراتيجية الحرب الوقائية. ولذا فلم يكن مستغرباً أن تصبح باكستان حليفاً مهماً في الحرب على أفغانستان بعد أن كانت في قائمة الدول المحظورة أمريكياً، وكذلك وجدت روسيا لنفسها دوراً جديداً في قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وتبدلت علاقات البلدين خلال أقل من عامين بسرعة تفوق أضعاف سرعة علاقتهما قبل عام ١٩٩٠م، كما دخلت دول جديدة من أوروبا الشرقية في زمرة الحلفاء الجدد للولايات المتحدة مثل بولندا ورومانيا والتشيك وغيرها. وعلى الجانب الآخر تبدلت أدوار وأشكال الحلفاء القدامى، فتبدل دور بعض الدول لتصبح الخصومة هي الطابع المميز للعلاقات، بعد أن كانت علاقة تحالف على مدار أكثر من نصف قرن، في حين بدأت دول جديدة في حجز مقعد دائم لها في علاقة التحالف مع واشنطن؛ مثل قطر وغيرها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى دول غرب أوروبا؛ حيث ابتعدت دول عن صفة الحليف لواشنطن مثل ألمانيا وفرنسا وتركيا بشكل مؤقت. ولن يقف الأمر عند هذا الحد بل قد يمتد ليشمل آفاقاً جديدة، ويضم دولاً أخرى ما دام الأمر يصب في النهاية في تحقيق المطامح الأمريكية. ولعل التساؤل المهم في هذه المرحلة هو: هل فكرة الحرب على الإرهاب مجرد نبت يميني، أو هي تعبير عن وجهة نظر الشعب الأمريكي بشكل عام؟ وتسهم الإجابة عن هذا التساؤل في إمكانية تقييم وتوقع مدى استمرارية هذه الفكرة والاستراتيجيات المصاحبة لها من عدمه. وتدل الخبرة التاريخية الأمريكية على أن هناك انفصالاً شبه عميق بين توجهات الساسة ورؤية الشعب الأمريكي بشكل عام. وهو ما يعني أنه قد لا يكون هناك توافق بين الشعب الأمريكي وقادته حول هذه الفكرة؛ ما قد يجعلنا نستنتج أن الفكرة لن تعيش أكثر من عمر الإدارة الحالية، وسرعان ما ستزول مع قدوم وافد جديد للبيت الأبيض، وذلك دون إغفال التأثير الكبير لأحداث الحادي عشر من سبتمبر على توجهات الشعب الأمريكي بشكل عام تجاه العالم الخارجي، وتجاه موقف قيادته من قضية الحرب على الإرهاب.

стр. 4797

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - إن الولايات المتحدة لا تقوم بتدمير الرؤوس النووية، بل بتخزينها منزوعة عن حاملها «يوري بالويفسكي النائب الأول لرئيس الأركان الروسي، يتهم أمريكا بالتحايل على اتفاقية تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية النووية. [الوطن، ٤/١٠/١٤٢٤هـ] -» لو كنت عضواً في منظمة القاعدة لما أهدرت وقتي بالأسلحة النووية، ولحضرت دروس ميكروسوفت التدريبية «جون نوتون خبير الإنترنت في بريطانيا، يتحدث عن قدرة الفيروسات على إشاعة فوضى عالمية. [النيوزويك، ١١/١١/٢٠٠٣م] -» اتصالاتي بجارانج لم تنقطع، وكان من أوائل الناس الذين خاطبوني بعد إطلاق سراحي، حيث أبلغني أنه قرأ جميع كتبي التي ألفتها في السجن ونشرتها « الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي السوداني المعارض. [الوطن، ١٧/١١/٢٠٠٣م] -» إن عرفات يحب الدولة اليهودية أكثر مني أنا شخصياً، وهو المسؤول عن جميع الاتفاقات مع إسرائيل، وهو صانع القرار «أبو علاء أحمد قريع رئيس حكومة السلطة الفلسطينية الجديدة. [النيوزويك، ١٨/١١/٢٠٠٣م] -» أنا لم أعلم أنه تلفزيون إسرائيلي، فالمذيع جاء وقدّم نفسه بأنه عربي من تلفزيون عربي، وأراد مني أن أرد على بعض تساؤلات لديه مرتبطة بشهر رمضان، فهل كنت أرفض الإجابة؟ «الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، يرد على ما نشر في بعض وسائل الإعلام عن إدلائه بحديث لتلفزيون » إسرائيلي «. [المجلة، العدد، (١٢٤١) ] -» يا ربّ هناك أشخاص أشرار في هذا المكان، ساعدنا على قتلهم « قسيس مرافق لكتيبة أمريكية يردد صلاة قصيرة مع الجنود الأمريكيين قبل الهجوم على منزل عراقي بعد منتصف الليل. [النيوزويك، ١١/١١/٢٠٠٣م] -» لقد كان يغطي على أبناء جلدته.. اللعنة عليهم، لنقتلهم جميعاً «جندي أمريكي غاضب بعد انفجار لغم في بعض زملائه، يتهم شرطي عراقي بالتغطية على المقاومة. [النيوزويك، ١٨/١١/٢٠٠٣م] -» لقد ظللت أغطي أنباء حروب العصابات لمدة ٢٥ عاماً تقريباً، وكنت في كل مرة أزداد اقتناعاً بأن السبيل الوحيد لهزيمة المتمردين الملتزمين الذين يحاربون على أرضهم على المديين القصير والمتوسط؛ هو باستخدام أساليب قمع شرسة لا تعرف الرحمة، وبعد ذلك يمكن التوصل إلى حل وسط لإنهاء المشكلة بصورة نهائية «كريستوفر ديكي صحفي أمريكي بارز. [النيوزويك، العدد (١٧٩) ] أحاجي وألغاز: قدم في الفم حصل وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بجدارة على جائزة» قدم في الفم «، والتي تقدمها منظمة حملة اللغة الإنجليزية الواضحة، وذلك عن عدد من تصريحاته غير المفهومة، ومنها قوله في مؤتمر صحفي:» تقول التقارير إنني أهتم دائماً بما لا يحدث، لأنه كما تعرفون هناك أشياء معروفة نعرفها، وهناك أشياء نعرف أننا نعرفها، كما أننا نعرف أن هناك أشياء غير معروفة نعرفها، وأنا أعني أننا نعرف أن هناك بعض الأشياء التي لا نعرفها، لكن أيضاً هناك بعض الأشياء غير المعروفة لا نعرفها، والأشياء التي لا نعرفها لا نعرفها «، وعلق متحدث باسم المنظمة ساخراً بالقول:» أعتقد أننا نعرف ما يعنيه، لكننا لا نعرف إذا ما كنا نعرف بالفعل «، وقد واجه رامسفيلد منافسة قوية من حاكم ولاية كاليفورنيا الممثل أرنولد شوارزينجر، والذي كان قد علق على زواج الشواذ قائلاً:» أعتقد أن زواج المثليين جنسياً يجب أن يكون زواجاً بين رجل وامرأة «. [موقع البي بي سي، بتصرف، ١/١٢/٢٠٠٣م] نظرية» الكبش «في تفسير الحجاب تسبب ارتداء ١٢ مذيعة يعملن في التلفزيون المصري للحجاب في مشكلة كبيرة كونهن من الكفاءات الإعلامية، حيث يمنع ظهور أي مذيعة محجبة على الشاشة، وقد اضطرت رئيس قناة النيل للأخبار» سميحة دحروج «إلى تحويل المذيعات المحجبات إلى العمل في إعداد النشرات الإخبارية وتحريرها، وفسرت قرار الحجاب بين المذيعات بأنه يرجع إلى إخفاقهن في إدارة بيوتهن وعملهن معاً، فيلجئن للتضحية بالعمل» ككبش فداء «، ويذكر أن ٩٥% من طالبات كليات الإعلام قسم إذاعة وتلفزيون من المحجبات. [ميدل إيست أون لاين، بتصرف، ١/١٢/٢٠٠٣م] كلية الشريعة و - العزف على - القانون » الموسيقى ترقى بالروح والمشاعر، وتثير في النفس الهدوء.. أستمع للموسيقى القديمة، وأحب الموسيقى الإيرانية ففيها نوع من الشجن، وأحب أيضاً الموسيقى السريعة التي يسمونها شبابية، ففيها طرب سريع «. عائشة المناعي أول امرأة تشغل منصب عميدة لكلية الشريعة والقانون جامعة قطر. [مفكرة الإسلام، ٢٩/١١/٢٠٠٣م] مرصد الأخبار: التفاني الباكستاني في طلب الرضا الأمريكاني لا تدخر حكومة باكستان وسعاً في سبيل نيل لمحات من الرضا الأمريكي عن أدائها السياسي الداخلي قبل الخارجي، وفي سياق تقديم القربات على مذبح إدارة الرئيس الإنجيلي جورج بوش تأتي الحملة الشعواء التي تشنها السلطات ضد التعليم الإسلامي بغرض تصفيته في خلال عدة سنوات بدعوى اعتباره مفرخة للإرهاب، ونقلت الوطن (١٧/١١/٢٠٠٣م) أن بياناً صادراً عن الداخلية الباكستانية ذكر أنه تم طرد عشرة آلاف من طلبة المدارس الدينية الأجانب وأنها تتخذ خطوات لطرد ألف آخرين بزعم وجود اتصالات مع طالبان، كما أغلقت السلطات أيضاً في شهر رمضان الماضي ١٣٧ مدرسة دينية مرتبطة بثلاثة تنظيمات إسلامية. ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد المدارس الدينية في باكستان، ولكن في تحقيق موسع للنيوزويك الأمريكية (٢/١٢/٢٠٠٣م) ذكرت إحصاءاً حكومياً يقدرها بـ ٢٧ ألف مدرسة دينية، وفي بلدة شامان وحدها الواقعة على الحدود في مواجهة إقليم قندهار الأفغاني توجد ٣٠٠ مدرسة على الأقل، ومن المدارس الكبرى في بيشاور دار العلوم الحقانية التي يدرس بها حوالي ٣٠٠٠ طالب، ويعارض مسؤولو المدارس إجراءات برويز مشرف لتقليص التعليم الديني، ويقول مولانا أنور علي شاه مدير إحدى المدارس:» إن حاول مشرف اتخاذ إجراءات صارمة ضد المدارس ستسفك الدماء في الشوارع «، ويقول الخبراء إن قدرة مشرف على تنفيذ قرارته ضعيفة؛ لأنه من دون هذه المدارس سيحرم حوالي ١.٥ مليون باكستاني من أي تعليم منهجي. إدارة بوش بين حماريَ العراقيين والديمقراطيين ثقافات الشعوب تتفاوت في نظرتها للحيوانات، فبينما يعتبر الحمار في الثقافة العربية رمزاً للغباء والتبعية العمياء، فإنه يحظى بمكانة متميزة في الثقافة الأمريكية جعلته يصبح رمزاً للحزب الديمقراطي الأمريكي المنافس للحزب الجمهوري بزعامة جورج بوش، وبينما يعاني الرئيس الأمريكي من هجمات منافسيه الديمقراطيين في بلاده، أصبح لزاماً عليه أن يعاني من حمار العراقيين في العراق، فقد تحول الحمار إلى سلاح فعّال بأيدي المقاومة العراقية في الأشهر الأخيرة، وصار مرأى الحمار يجر عربته يثير الفزع في قلوب الجنود الأمريكيين أكثر من الدبابة، وتعددت العمليات التي استُخدمت فيها الحمير وعرباتها، وهو ما دفع الصحفي الأمريكي كريستين كاريل إلى القول إن:» استخدام الحمير قوض بصورة جيدة صورة الوجود الأمريكي الذي لا يمكن اختراقه «، ويقول الكولونيل براد ماي من كتيبة الفرسان المدرعة:» إن استُخدام عربات الحمير يظهر تنوعاً «، ويقول البريجادير جنرال مارك كيميت:» إنهم يحاولون كسر عزائمنا « يعني بالحمير. إلا أن استخدام الحمير في المقاومة لا يخلو من سلبيات، بعضها تكتيكي حيث يتسبب صوت انفجار الصواريخ في أن يجفل الحمار فتقع حمولته كما حدث في الهجوم على فندق فلسطين ببغداد، وأيضاً فقد تضررت فئة أصحاب عربات الحمير الذين يتكسبون من هذه المهنة، فقد تعرضوا لاضطهاد من قِبَل الجنود الأمريكيين، فأي حمار أصبح مشتبهاً به، وقد يعتقل ولا يفرج عنه كما حدث مع كثيرين، ولعل هذا ما دفع كريستين كاريل الصحفي الأمريكي إلى القول: » يبدو إن الثوار يقولون إن أي شخص يمكن الهجوم عليه بحمار، يظهر في النهاية بأنه مثل حمار «. الكلاب البشرية تعوي في أوروبا صرعة جديدة تغزو بعض الدول الأوروبية كان آخرها السويد، واسمها » دوجينج «وترجمتها» التصرف كالكلاب «، وخلاصتها النتنة أن شخصين لا يعرفان بعضهما يتعارفان عن طريق الإنترنت أو الهاتف الجوال غالباً، يمارسان الزنا علانية أمام حشد من الناس في مكان عام، وهذا ما حدث في شرفة بيت الثقافة في العاصمة السويدية استوكهولم أمام عشرات من المارة، واعتبر بعض المشاهدين الأمر» مؤشراً إلى أن الإنسان يتجه إلى عالم الحيوان «. وذكرت صحيفة الحياة (٢٩/١١/٢٠٠٣م) أن الظاهرة توسعت إلى بعض الدول الأوروبية، وانتشرت في كثير من الأماكن العامة في بريطانيا، حيث اضطرت السلطات إلى إطلاق تحذيرات طبية للحد من هذا السلوك الحيواني، وأعدت جامعة» هاربر أدامس يونيفرستي كولدج «البريطانية بحثاً عن تلك الظاهرة، وتبين أن هناك صفحات على الإنترنت خاصة بها، يزور الواحدة منها أكثر من ٢٢ ألف شخص، وتظهر أرقام الدراسة الجامعية أن في الأسبوع الواحد تعقد تسعة لقاءات في أماكن عامة، ولا تستطيع السلطات في هذه الحالة أن تصدر قوانين لمنع الظاهرة؛ إذ إنها بلاد ديمقراطية كما نعرف، لا تُسن فيها القوانين بين عشية وضحاها إلا من أجل» الإرهاب «الإسلامي فقط.. حقاً إنها حضارة » الدوجينج «! كندا تطبق الشريعة الإسلامية بينما تأبى غالبية حكومات العالم الإسلامي الإذعان لرغبة الأغلبية المسلمة بتطبيق الشريعة الإسلامية، فإن الحكومة الكندية لم تجد حرجاً من تطبيق أحكام الشريعة على الأقلية المسلمة الموجودة على أراضيها ما دامت هذه إرادتهم، ومن المنتظر أن تبدأ المحاكم الكندية قريباً بتطبيق الشريعة في النزاعات بين مسلمي كندا الذين يقدر عددهم بنحو مليون نسمة؛ الأمر الذي قد يمهد لإنزال عقوبات مثل رجم الزناة حسبما أفادت مصادر قضائية كندية، ونقلت الشرق الأوسط (٢٩/١١/ ٢٠٠٣م) عن نشرة» لو تايمز «القانونية الكندية أن المندوبين في مؤتمر إسلامي عقد في أكتوبر الماضي في أونتاريو انتخبوا مجلساً من ٣٠ عضواً؛ مهمتهم تأسيس » المعهد الإسلامي للعدالة المدنية «ليكون مثل هيئة تحكيم، ويُنتظر الانتهاء من وضع لوائح عمل واختصاصات الهيئة بحلول نهاية العام الحالي، وستحكم هذه الهيئة في قضايا المسلمين، على أن تقوم المحاكم الكندية العلمانية بفرض أحكامها، وقال ناشط إسلامي حسين بهات:» إذا تم تمثيل جميع الفئات وتوحدت وثابرت، فإننا لن نواجه صعوبة في المضي قدماً «. الموساد يشن حرب إبادة للعقول العراقية بعد أن تحولت الساحة العراقية إلى ميدان تلغ فيه المخابرات الصهيونية والأمريكية؛ كان من الطبيعي أن يكون اغتيال العقول هدفاً مقدماً وفي ظل غيبة عربية تامة، فقد ذكرت صحيفة الرياض (٢٥/١١/٢٠٠٣م) أن سبعة ضباط كبار من العاملين في جهاز المخابرات العراقي السابق، وعدداً من العلماء العاملين في مجال الأسلحة والصواريخ؛ قد اغتيلوا بطريقة محترفة وبمسدسات كاتمة للصوت، وقال مصدر موثوق به إن الموساد وراء هذه الجرائم بالتنسيق مع الأمريكيين وبتشجيع منهم، وبالتعاون مع فريق» الثعالب الرمادية «الأمريكي، وأضاف المصدر أن الضباط الكبار الذين اغتيلوا كانوا يعملون في شعبة» إسرائيل «في المخابرات العراقية، وأن أحدهم هو مثنى مصطفى الآلوسي مسؤول متابعة القضايا العلمية في الكيان الصهيوني، وقد اغتيل بواسطة مسدس كاتم للصوت في سوق تجاري مزدحم، كما جرى اغتيال الدكتور محمد الراوي أحد العلماء البارزين بسلاح مماثل في مكتبه. أوروبا لم تعد مسيحية القارة العجوز تشهد في هذه الأيام مدّاً كاسحاً للعلمانية إلى درجة دفعت الكاهن ديفيد كونيك الأمين العام للكنيسة الإصلاحية المتحدة في بريطانيا إلى الإعلان بأن » أوروبا لم تعد مسيحية «، ويبدو أن استطلاعات الرأي تؤيد هذا الإعلان، فـ ١ فقط من ٢٠ من الأوروبيين يحضر القداس الديني كل أسبوع، و ٢١% فقط قالوا إن الدين مهم جداً بالنسبة إليهم، ويذكر ملحق الوسط (صحيفة الحياة، ٢٤/ ١١/ ٢٠٠٣م) أن مدارس كثيرة عمدت إلى إزالة كل إشارة إلى النصرانية بما في ذلك الصلبان، والعديد من الكنائس تُغلق أبوابها بسبب قلة الحضور والتبرعات، كما أن مسوّدة الدستور الأوروبي الجديد أسقطت كل الإشارات إلى الله أو الدين المسيحي بكونه جزءاً من الهوية الأوروبية. وقد انعكس هذا التطور على مواقف الأوروبيين من» إسرائيل «التي لم تعد بالنسبة إليهم تجسيداً للنبوءات التوراتية والإنجيلية حول عودة المسيح وقداسة دولة اليهود، وبالتالي لم تجد غالبية الأوروبيين غضاضة من الإعلان أن» إسرائيل « هي الخطر الأعظم على السلام العالمي دون خوف من اللاسامية. لكن غالبية الأمريكيين يسيرون عكس تيار الغالبية الأوروبيبة، فهم ما زالوا يشعرون بالراحة مع مفهومات دينية مثل الخير والشر، وأخرى لاهوتية مثل الحق والباطل، وأوضح استطلاع لمؤسسة جالوب هذا العام أن ٥٨% من الأمريكيين ما زالوا يقولون إن الدين مهم جداً بالنسبة إليهم. ويقول فيليب جينكينز أستاذ التاريخ والدراسات الدينية إن الأمريكيين ما زالوا يؤمنون جدياً بالمقولات الإنجيلية والتوارتية، وبالتالي يعلقون أهمية كبيرة على المشروع الصهيوني، ولذلك ترّحب أكثريتهم بالخطاب السياسي للرئيس جورج بوش بسبب إشاراته المتكررة والمتعمدة إلى الأخلاق والدين في سياق حملاته على الإرهاب، في حين يعتبره الأوروبيون مهووساً دينياً، ولهذا فإن معظم جهود» إسرائيل «حالياً تتركز على الساحة الأمريكية كمنصة انطلاق نحو باقي أنحاء العالم. لقطات من العراق: هذه مقتطفات من مجلة النيوزويك الأمريكية عدد ١٧٨، تكشف جوانب ذات دلالة من الحياة اليومية للجنود الأمريكيين في العراق: - عندما يضع الفدائيون قنبلة من صنع محلي على جانب إحدى الطرقات؛ فإنهم أحياناً يكتبون تحذيراً على الشارع باللغة العربية، يفهم السكان المحليون أن عليهم الابتعاد عن المكان، أما الأمريكيون فيستمرون في التوجه نحو الكمين، ويشتكي لوتاننت جوليو تيرادو من كتيبة المشاة ١٢٤ التابعة للحرس الوطني التي تقوم بمهام الدورية في الرمادي:» الجميع يعرفون الأمر إلا إيانا «. - اقترب أحد العراقيين من الجنود الأمريكيين وعرض بيعهم صاروخ أرض جو من طراز إس إيه ٧، وهو الطراز الذي يمكنه إسقاط طائرات مدنية، فعرض الجنود على الرجل فوراً مبلغ ٢٥٠ دولاراً، فذهب غير بعيد وعاد إليهم بشاحنة محملة بالصواريخ قبض ثمنها ٤٠ ألف دولار، وأخبرهم أنه كان يود إحضار صواريخ أكثر لكن الشاحنة لم تتسع..! - اعتاد جنود المجموعة برافو الأمريكية العاملة في [ما يطلق عليه] المثلث السني أن يطلقوا على العراقيين لقب (الحُجاج) ، وذلك بشكل يقصدون به الإهانة، وفي حملة على أحد المنازل التي وجدت فارغة قال أحدهم: لا يوجد حُجاج الليلة. وفي منزل آخر اعتقل شخص كان يشغل منصباً مهماً في المخابرات العراقية، فكبله أحد الجنود وضربه ببندقيته وقال له: أنت حاج سيئ. - مشاعر الود تبدو مفتقدة تماماً بين الجنود الأمريكيين والعراقيين في [ما يطلق عليه] المثلث السني، يقول الجندي خوزيه لوبيز - ٢١ عاماً -:» نراهم يقفون من بعيد - العراقيين - ويشيرون بأيديهم هكذا علامة الذبح، نحن نراهم ولكن ما عسانا فاعلين؟ هل نقتلهم؟ أنا أمسك بهم من رقابهم وأضربهم بقوة «. أما النقيب ويليام سانشيز فلا يشعر بالود حتى مع الشرطة العراقية التابعة لهم، يقول:» قائد الشرطة جاء ليتحدث إلينا، كان سيعطيني القبلة العربية، فقلت له: أنا لا أقبل يا صاح، كيف حالك؟ «. مرصد الأرقام: -» الأمريكيون يموتون من الشبع «، هذه حقيقة واقعية، فالبدانة هي المرض الأخطر في أمريكا، حيث يوجد ١٢٧ مليون بدين، يتكلفون ١٧ مليار دولار سنوياً تكاليف علاجية، وتنتهي حياة ٣٠٠ ألف أمريكي سنوياً بسبب كثرة الأكل وما يترتب عليه. [الوطن، بتصرف، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] - ذكرت صحيفة الديلي تليجراف البريطانية في عدد ١٦/١١/٢٠٠٣م أن الرئيس الأمريكي بوش اصطحب في زيارته لبريطانيا ٢٥٠ من رجال المخابرات، ١٥٠ من المستشارين العاملين في مجلس الأمن القومي، ٢٠٠ شخص من ممثلي أجهزة وهيئات حكومية، و ٥٠ من معاونيه السياسيين، ١٠٠ صحفي، فضلاً عن عدد من معاونيه في الأمور الخاصة، وفريق طبي كامل، و ٤ من الطهاة، و ١٥ كلباً بوليسياً، وضابط برتبة كولونيل مهمته حمل الحقيبة النووية. - أذى الأمريكيين يلحق حتى حلفاءهم، وفي الفلبين قضى عشرات الألوف من الأهالي نحبهم بسبب المواد السامة الناجمة عن مخلفات القوات الأمريكية في قواعدها، والناجمة عن استخدام النحاس والزئبق والرصاص والأمينات، وهي مواد تسبب السرطان، وذكرت الحياة (١/١٢/٢٠٠٣م) أنه يوجد مئات الألوف من النساء الفلبينيات اللاتي لا يزلن يضعن أطفالاً مشوَّهين، أو مصابين بعاهات دائمة، وتشير التوقعات إلى احتمال موت مئات الألوف من الأطفال خلال السنوات العشر القادمة؛ بسبب نسبة التلوث المرتفعة. ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أخبار: عوفاديا يوسف: النبي محمد أكد أننا شعب الله المختار!! أعاد الحاخام سليط اللسان عوفاديا يوسف هجومه على المسلمين في برنامج تليفزيوني بقوله:» إنهم حفنة من القاذورات سيذكرهم التاريخ في مزبلته فقط؛ لأنهم خالفوا تعاليم دينهم بشأن حق اليهود في أرض فلسطين!! وأخذوا يعادون شعب الله المختار، ويزعمون أنهم أفضل منهم بالرغم من أن نبيهم محمداً نفسه كان يتحدث دائماً أمام أصحابه عن أن اليهود هم شعب الله المختار!! وأن أرض فلسطين أرضهم!! «. [الزعيم الروحي لحزب شاس الديني، لقناة» تكليت « التليفزيونية الدينية اليهودية، ٢٧/١١/٢٠٠٣م] أزمة في الطريق بين بولندا وإسرائيل تسببت تقارير صحفية في بولندا عن التصرفات الوحشية لليهود مع الأسرى الألمان في الحرب العالمية الثانية في أزمة بين بولندا والكيان الصهيوني، فقد تحدثت التحقيقات البولندية عن شخص اسمه» سلومو مورال «فر إلى » إسرائيل «فور كشف الوثائق المتعلقة بالقضية، لدوره في قتل وتعذيب أكثر من ٥ آلاف أسير ألماني وقت الحرب، حيث كان يشغل منصب قائد معسكر للأسرى الألمان، وقد أدلى العديد من الأسرى بشهادات حول جرائم هذا الشخص وسعادته التي كان يبديها كلما أراق دماء أحد الأسرى سواء بالقتل أو التعذيب. [يديعوت أحرونوت، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] تصريحات: -» ليس لنا أي تعليق على ما جاء على لسان أحد المسؤولين الأتراك حول دور الموساد في تأسيس منظمة «التكفير» التي أشار المحققون الأتراك إلى مسؤوليتها عن العمليات. وكيف يكون للموساد دور في تدمير معبدين يهوديين؟ وما الهدف من ذلك؟! أؤكد على أن المسلمين هم من قاموا بهذا العمل «. [برنامج» صباح جديد «في الإذاعة الإسرائيلية العامة، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] -» الدين الإسلامي هو سبب ما يحدث من تفجيرات في أنحاء العالم والتي كان آخرها في تركيا. فالإسلام الراديكالي يهدف إلى تدمير الغرب الأوروبي المتحضر من أجل فرض الهيمنة الإسلامية على العالم كله، وستصيب العمليات الدول الأوروبية المؤيدة للعالم الإسلامي مثل فرنسا وبلجيكا، وأنا على اقتناع كامل بهذا الشأن، ويمكن أن يحدث ذلك خلال عدة أيام أو من سنتين إلى ثلاث سنوات «. [» ليمور ليفنات «وزيرة التعليم الإسرائيلية، ليديعوت أحرونوت، ١٤/١١/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله جهود صليبية لمنع تطبيق الشريعة الإسلامية في ماليزيا أصدر الأساقفة الكاثوليك في ماليزيا بياناً صحفياً عبَّروا فيه عن قلقهم من إعلان رئيس الوزراء بأن ماليزيا دولة إسلامية في الأصل، وأبدوا مخاوفهم من تعميم تطبيق الشريعة الإسلامية في ماليزيا، كما حدث في ولاية تيرينغانو، ولتزايد الاهتمامات بالشريعة الإسلامية في الحياة السياسية بماليزيا. ودعا البيان الماليزيين إلى المحافظة على الدستور العلماني الحالي الذي قالوا إنه يضمن حرية الأديان، وقال كبير الأساقفة أنتوني فيرنانديز إن الضمانات التي أطلقها رئيس الوزراء بعدم تعديل الدستور ليست كافية لتضمن عدم تحول ماليزيا إلى» نموذج إسلامي «. وجدير بالذكر أن نصارى ماليزيا لا يتجاوزون ٩% من سكان ماليزيا، ويمثل البوذيون ١٩%، والهندوس ٦%، بينما يمثل المسلمون في ماليزيا أكثر من ٦٠% من السكان. [مجلة المنبر، بيروت، ٢٠٠٣م] منصرون بروتستانت يستهدفون تنصير ٥٠ ألف تركي ذكرت صحيفة» زمان «التركية الإسلامية نقلاً عن تقرير أمني؛ أن منصّرين بروتستانت يستهدفون تنصير خمسين ألف تركي في العامين المقبلين، مع العلم أن التنصير محظور في تركيا، ويعتزم هؤلاء إنشاء كنيسة جديدة فى البلاد، وإعطاء دروس في الدين» لمواطنين دخلهم قليل ولا يعرفون الكثير عن الإسلام، وسوف تتركز الجهود في الأساس على الشيعة العلويين في محافظات وسط الأناضول وشرقه؛ كونهم يؤيدون بشدة الفصل بين الدولة والدين، ويبلغ عددهم بين ١٠ ملايين و ١٥ مليون نسمة في تركيا، والتي يبلغ عدد سكانها سبعين مليون نسمة، ويتمركز عدد من الكنائس، وخصوصاً البروتستانتية، في عدد من المدن التركية الكبرى، لكن نشاطاتها تخضع لمراقبة دقيقة من السلطات. [أنقرة - (أف ب) ١٠/١١/٢٠٠٣م] احتفالية سلام للأديان الثلاثة قبالة مقر الأمم المتحدة شهد ميدان همرشولد بلازا المواجه لمقر الأمم المتحدة في مانهاتن، احتفالية لمنظمات تمثل الأديان الثلاثة الإسلام واليهودية والمسيحية؛ بمناسبة اختتام المناقشات العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك تحت الشعار المفبرك «صلاة دينية مشتركة من أجل السلام» ، وشارك فيها عدد من القيادات الدينية الأمريكية من بينهم داني دافيز عضو الكونجرس الديمقراطي، والأسقف جورج ستالينجز من الكنيسة الأمريكية الإفريقية، وهيثم بونداكجي أمام مسجد أورانج كانونتي وحسين محمد ببيت الحكمة الإسلامي بميشيجان، والحاخام الدكتور ديفيد عامي من المحفل المسيحي اليهودي الأمريكي، وقد أصدر هذا التجمع بياناً ناشدوا فيه حكومات جميع الدول أن تتجاوز المصلحة الذاتية الوطنية والطائفية، وتتبنى المبادىء الروحية والأخلاقية العليا من أجل السلام العالمي. [مصراوي نيوز، أكتوبر ٢٠٠٣م]

стр. 4798

دراسات إعلامية الصحافة العربية المهاجرة بين بث الوعي وتسويق التبعية د. شعيب الغباشي [*] تلعب وسائل الإعلام المختلفة دوراً مهماً في التأثير والتغيير في الرأي العام، سواء أكان هذا الدور سلبياً أم إيجابياً؛ لهذا تحرص كل الأنظمة السياسية والمجتمعية على أن يكون لها جهازها الإعلامي المتكلم بصوتها، والمعبر عن حالها، والداعي إلى سبيلها والمدافع عن آلامها وآمالها وطموحاتها. ولا شك أن الصحافة من أقدم وأهم وسائل الإعلام، ويتعاظم دور هذه الوسيلة في المجتمعات الحضرية التي تكثر فيها نسبة المتعلمين والقارئين، فضلاً عما لها من ميزات وخصوصيات تنفرد بها دون الوسائل الإعلامية الأخرى؛ لهذا لا نكاد نجد نظاماً أو مؤسسة أو هيئة أو جماعة إلا وتعتمد بشكل كبير على الصحافة المقروءة في الدعاية لها أو التعريف بها، ومن ثم تباينت اهتمامات تلك الصحف تبعاً للجهة أو النظام الذي تمثله أو تعبِّر عنه. وفي منتصف السبعينيات من القرن العشرين حدث أن هاجر بعض الصحفيين العرب من أقطارهم إلى بلاد الغرب، وأنشؤوا صحفاً تنطق بالعربية سميت هذه الصحف فيما بعد بالصحف المهاجرة، وقد عرَّفها أحد الباحثين بأنها «الصحف التي يصدرها عرب مهاجرون إلى بلاد الغرب وتنطق باللغة العربية» [١] . وليست هي الصحف التي تصدرها جهات غير عربية باللغة العربية، وكذلك ليست هي الطبعات الدولية التي تظهر لبعض الصحف العربية [٢] . * أسباب النشأة: ولقد كانت هناك عوامل عديدة وراء ظهور هذا اللون من الصحافة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - افتقاد بعض الصحف والصحفيين العرب في العديد من الأقطار العربية لإمكانية التعبير عن آرائهم وأفكارهم ومواقفهم بحرية داخل أقطارهم، وذلك إما للطبيعة الاستبدادية لبعض أنظمة الحكم، أو لوجود قيود قانونية على ممارسة الحريات الصحفية، أو بسبب وقوع خلاف بين بعض الصحف والصحفيين وبين الأنظمة الحاكمة في بلادهم. ٢ - تدخل قوة خارجية، أجنبية أو عربية تحول بين الصحفيين وبين التعبير عن آرائهم وأفكارهم. ٣ - وجود قوانين للمطبوعات في العديد من البلدان العربية تحول بين الأفراد وإصدار الصحف. ٤ - قيام بعض الأنظمة الحاكمة في العالم العربي بالتشجيع على إصدار صحف عربية في المهجر لتكون صوتاً غير رسمي يعبر عن سياستها، ويدافع عن موقفها ويتصدى للمعارضين لها. كذلك فإن بعض الأنظمة العربية تستخدم الصحف العربية المهاجرة كسلاح إعلامي في معاركها السياسية مع غيرها من الأنظمة العربية المخالفة لها [٣] . ٥ - تأميم الصحافة في بعض البلدان كتأميم الصحافة المصرية في أوائل الستينيات من القرن العشرين. ٦ - تحول بعض البلدان إلى ساحة حرب أهلية تمنع استقرار العمل الصحفي، كما حدث في لبنان عام ١٩٧٥م. ٧ - الانفراط والتشرذم الذي حدث في معظم البلاد العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد، بين مصر والكيان الصهيوني؛ حيث أدى ذلك إلى نشوء صراعات إعلامية حادة، احتاجت إدارتها إلى استصدار صحف من خارج بعض البلدان. وأياً كانت الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الصحف العربية في بلاد الغرب، فنحن أمام ظاهرة من الظواهر الصحفية التي تستحق من المعنيين والمهتمين بالعمل الإعلامي والفكري أن يقفوا حيالها لدراستها وتحليلها ومساءلتها؛ فهي ظاهرة لا يمكن تجاهلها، وتزداد أهميتها يوماً بعد يوم؛ ذلك أن عدد الصحف المهاجرة يرتفع بمضي الوقت، وقد لا يمر عام دون أن نسمع عن صدور صحيفة عربية في بلاد المهجر: لندن، باريس، أو قبرص.. أو في أي عواصم أجنبية أخرى [٤] . وعندما انتهت الحرب الباردة بين الشرق والغرب تحولت الحرب الباردة العربية إلى حرب ساخنة في الخليج، وقد أطاحت هذه الحرب ضمن أشياء كثيرة بعدد من الصحف العربية المهاجرة، فقد توقفت مجلتا «كل العرب» و «اليوم السابع» اللتان كانتا تصدران في باريس و «الدستور» و «التضامن» اللتان كانتا تصدران في لندن، وكذلك تدهورت مجلتا «المستقبل» و «الطليعة العربية» اللتان تصدران في لندن، وتدهورت كذلك مجلة «الدعوة» التي كانت تصدر عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين من النمسا، وفي الوقت نفسه ازدهرت الجرائد العربية اليومية المهاجرة؛ ففي لندن وحدها يصدر: «الشرق الأوسط» و «العرب» و «الحياة» و «القدس» [٥] . * الولاء أم الاستقلال؟ وفي هذه الفترة تميزت تلك الصحف بالاستقطاب شبه الكامل من قِبَل الأنظمة العربية، وأصبح من الصعب العثور على صحيفة عربية مهاجرة مستقلة بالمعنى الحقيقي، وقد ساعد على ذلك الارتفاع الكبير في تكلفة إصدار الصحف في أوروبا، وهو ما دفع بالقلة النادرة من الصحف العربية المستقلة إلى الارتماء في أحضان بعض الأنظمة العربية تحت ضغط الحاجة إلى التمويل؛ لذلك فقد حفلت هذه الفترة بتحولات كثيرة، تم فيها انقلاب كامل في مواقف وسياسات بعض الصحف العربية المهاجرة؛ حيث انتقل بعضها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وانتقل بعضها الآخر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ وبذلك فقدت العديد من الصحف العربية المهاجرة مصداقيتها عند القارئ العربي [٦] . ولكنني أرى من الأمانة أن أنقل هنا رأياً يدافع عن موقف تلك الصحف. يقول صاحب الرأي: إن الدور الكبير الذي تلعبه المجلة العربية المهاجرة كوسيلة اتصال جماهيرية لا يمكن أن نتجاهله، خصوصاً في الربع الأخير من القرن العشرين؛ حيث برزت هذه الصحف، كظاهرة قائمة بذاتها، مسلحة بالمال والخبرة والتقنية الحديثة، واستطاعت من موقفها في المهجر أن تطرق أبواب القارئ العربي في كل مكان، وتقدم له الأحداث الساخنة التي تجري في الوطن العربي والعالم، ومن هنا فقد حاولت الأنظمة العربية المختلفة شراء هذه المجلات بطريقة الدعم المباشر تارة، والدعم غير المباشر تارة أخرى، ويكفي أن نعرف أن مليارديراً عربياً عرض على سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة «الحوادث» التي تصدر باللغة العربية من لندن شيكاً بمبلغ خمسة ملايين دولار، وعقداً لمدة عشر سنوات بمقابل شهري قدره عشرة ملايين دولار، لكي تكون ثمناً لمجلة «الحوادث» لتصبح صحيفة نظام، ولكن اللوزي رفض وقال: «إنني أريد تحويل هذه المجلة إلى مؤسسة لا بيعها لمن يدفع أكثر!» [٧] . والحقيقة أن مسألة تمويل الصحف بصفة عامة من المسائل الشائكة، ولكن هناك أمراً لا يختلف عليه اثنان، وهو أن الصحيفة مهما بلغ حجم توزيعها لا يمكن أن تفي بكل احتياجاتها، ومن ثم فلا بد من الاعتماد على مورد آخر غير التوزيع، تستند إليه أي صحيفة لتغطية تكاليفها ومصروفاتها، ويمثل الإعلان الصحفي أهم مصدر لتمويل الصحيفة؛ لذلك تحرص كل الصحف على اجتذاب الإعلان إليها؛ حتى تستطيع من خلال عائده المادي أن تغطي احتياجاتها المالية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا تفعل الصحيفة إذا كانت نسبة الإعلانات المنشورة على صفحاتها لا تمثل نسبة معقولة من دخلها، قدرها المتخصصون في الإعلان الصحفي بألا تقل نسبة الإعلان عن ٢٥% من عدد صفحات المطبوعة؟ والجواب: هو الدعم من الأفراد أو من الهيئات والمنظمات أو الأنظمة والحكومات، وإن لم يتوفر هذا الدعم للصحيفة التي لا يسد الإعلان احتياجاتها، فمصيرها التعثر ثم التوقف!! ومن هنا نعلم أن أي صحيفة لا يمثل الإعلان موردها الأساس، فإنها ولا شك تعتمد في تمويلها على الدعم الخارجي؛ أي من خارج موارد الصحيفة الطبيعية المتمثلة أساساً في التوزيع والإعلان، والواقع أن تمويل الصحف ودعمها في حد ذاته لا غبار عليه، ولكن متى تحول هذا التمويل إلى قيد يقيد حركة وحرية الصحيفة أو يوجهها الوجهة التي يريدها الممول؛ فهنا يكمن الخطر، وهنا يكون الخطأ والخلل. وليس عيباً أن تبحث الصحف عن مناخ أفضل تتحرك من خلاله أو عن مصدر أفضل للتوزيع والكسب؛ ما دام ذلك يتم تحت راية أخلاقية، فالسلوك الأخلاقي بالنسبة لعامة الناس، وللمهتمين بنشر الكلمة على وجه الخصوص، ضرورة حيوية، ويتحتم على المرء التمسك بها إذا أراد أن يحترمه الناس ورغب في كسب ثقتهم، وإذا تخلى المرء عن الخلق، خاصة إذا كان من المتعاملين بالكلمة، فإنه يتحول إلى شيء آخر له اسمه في قاموس المنحرفين عن الجادة والطريق السوي [٨] . * مخاطر التمويل: والمشكلة التي قد تنجم عن اعتماد الصحيفة في تمويلها على مصادر أخرى تتمثل في الأفراد أو الحكام أو الهيئات والأنظمة؛ هي أن تؤثر هذه المصادر بشكل أو بآخر في توجهات الصحيفة ومواقفها وحيدتها ونزاهتها واستقلالها؛ فالصحف ذات المبادئ، والتي تُؤسس في الأصل من أجل الدفاع عن قضية أو من أجل الدعوة إلى مبدأ وعقيدة، لا يمثل تمويلها مشكلة بالنسبة لها؛ لأن الممول هنا يكون صاحب عقيدة ومبدأ، ويقف وراء هذه الصحف التي تدعو إلى هذا المبدأ، ولا يبغي من وراء ذلك إلا الحق والخير، ومن ثم فلا تأثير في توجهها أو حيدتها أو استقلالها. أما الصحف التجارية التي تسعى في المقام الأول إلى تحقيق الربح والكسب؛ فإن وقوف بعض الناس وراءها ودعمها ومساندتها لا يكون إلا لمنفعة أو مصلحة تخص تلك الجهة الممولة، سواء كانوا أفراداً أو هيئات، وعندئذ نرى تلك الصحف التجارية قد انحازت بشكل أو بآخر إلى الجهة أو الوجهة التي يريدها الممول، فهذه الصحف يسميها بعضهم بالصحف «الارتزاقية» للأسف الشديد كان الدافع وراءها هو دافع الهجرة الصحفية للكثير إلى الغرب وهو التكسب أو الارتزاق بالمعنى اللاأخلاقي، وبالأسلوب الذي يحقق أكبر قدر من الدخل أياً كان هذا الأسلوب مشروعاً أو غير مشروع، وليس هذا الحكم عشوائياً أو ضرباً من التخمين، بل هو الواقع الذي تؤكده الأدلة والوقائع، فالمفروض في صحافة مهاجرة تبحث عن مناخ أفضل مليء بالحرية والحيوية والحركة أن تعالج قضايا الوطن العربي المسلم بدرجة من الإنصاف والموضوعية.. ولكن لم تفعل الصحافة المهاجرة شيئاً من ذلك، بل أسهمت في تعميق الواقع الشائه، وأسهمت في زيادة الفرقة والحرقة، ووقفت وراء من يدفع لها فقط. والأمثلة عديدة وكثيرة لا حصر لها، كلها تؤكد شيئاً واحداً؛ أن هؤلاء الناس الذين يحركون الصحافة المهاجرة «مرتزقة» بالدرجة الأولى، وباحثون عن الدينار والدرهم قبل أي اعتبار ودون مراعاة لأدنى سلوك أخلاقي. لقد انتهجوا سلوكاً «ميكيافيلياً» خلع كل أستار الحياء، وتعرى من كل القيم ... إن منطق «الارتزاق» بالمعنى اللاأخلاقي هو الذي يجعل الصحافة المهاجرة تقف في جانب بعض الدول العربية ضد بعضها الآخر، بينما الموقف الأخلاقي يحتم عليها أن ترفع راية الحق والعدل والوحدة والتضامن، والسفارة الخيّرة بين الدول العربية، والتبشير بالأمل لتخطي العقبات والدعوة إلى الحرية [٩] . * أنواع الصحف المهاجرة: ويجدر بنا الآن أن نميز بين نوعين من الصحف المهاجرة: النوع الأول: ويتمثل في «الصحف التجارية» التي يسعى أصحابها في المقام الأول إلى التربح والتكسب، وهذا النوع من الصحف ليس من أصحابه من ينتمي إلى تيار إسلامي أو هيئة أو جمعية إسلامية، أو من يُصدر صحافة لكي تخدم الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية والقضايا الإسلامية. والنوع الثاني من الصحف العربية المهاجرة: هي «الصحف الإسلامية» ، وهي التي قام بإصدارها أفراد ينتمون إلى الفكر الإسلامي أو الحركات الإسلامية المعاصرة؛ بهدف الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن المسلمين وقضاياهم، وبث الفكر والوعي الديني لدى الجماهير المسلمة في بلاد المهجر؛ حتى يظلوا متمسكين بالقيم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية التي يدعو إليها الدين الحنيف. والنوع الأول من الصحف العربية المهاجرة والذي أسميناه بـ «الصحف التجارية» يتمثل في العديد من الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: جريدة «العرب» ، و «الشرق الأوسط» ، و «الحياة» و «القدس» وتصدر جميعها من لندن، ومجلة «الحوادث» ، و «التضامن» و «المجلة» ، وجميعها أيضاً تصدر من لندن، بينما تصدر في فرنسا مجلة «الوطن العربي» و «الفرسان» و «المنار» [١٠] . وأما النوع الثاني من الصحف العربية المهاجرة، وهي «الصحف الإسلامية» ، فهي كثيرة ومتعددة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أيضاً: مجلة «الرائد» و «البيان» و «النذير» و «الدعوة المهاجرة» و «فلسطين المسلمة» و «الكلمة الطيبة» [١١] . ومن خلال الدراسة الاستطلاعية لعينة من الصحف العربية المهاجرة بنوعيها، التجارية والإسلامية، والوقوف على ما سبق من دراسات وأبحاث علمية سابقة حول ظاهرة الصحافة العربية المهاجرة، نحاول التعرف على طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الصحف، ومدى قدرتها على بث الوعي والمعرفة بين الجماهير، والأخذ بيد القراء نحو الأفضل في مجالات الفكر والثقافة والأدب والسياسة، وأيضاً نحاول الوقوف على مدى فاعليتها وتفاعلها مع هموم الأمة ومشكلات المجتمع المسلم. وكذلك نهدف من وراء هذه الدراسة إلى الوقوف على طبيعة السلبيات التي وقعت فيها تلك الصحف، وخطرها في تكريس مفهومات وآراء ومواقف تنم عن ضعف في الإرادة ووهن في التوجيهات والمواقف التي من شأنها أن تجعل هذه الصحف تتبنى أحكاماً وأفكاراً تدعو إلى التخلف وتسوِّق فكر التبعية، وتخرج عن طبيعة الدور الذي يجب أن تقوم به؛ بحيث تظل بعيدة عن هيمنة رأس المال أو السلطات السياسية أو المذاهب والتيارات الفلسفية والتغريبية التي لا تتفق وأصولنا وعقائدنا، وتاريخنا وحضارتنا. * مظاهر بث الوعي: ومن خلال هذه الأسطر نقدم بعضاً من النماذج التي تشير إلى حالة بث الوعي لدى تلك الصحف المهاجرة، ولكن قبل أن نتحدث عن ذلك؛ أود أن أسجل أمراً مهماً في نظري وهو أن الصحف العربية الإسلامية المهاجرة لم تصدر في الأساس إلا من أجل هذا الغرض؛ وهو بث الوعي لدى الجماهير بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ؛ فقد كانت عند الظن بها، فقد ناقشت هموم الأمة الحقيقية، وأبانت عن حكم الإسلام فيما تعرضه من قضايا ومشكلات، ولم تكن بأي حال من الأحوال إلا صوت الحق الذي آمنت به، ولسان الصدق الذي تتحدث عنه، وأراني لست في حاجة إلى شواهد وأدلة كي أؤكد بها ما أشرت إليه؛ ولكن لا بأس أن نذكر بعضاً من ذلك [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] (الأنفال: ٤٢) . فعن القضية الجزائرية كتبت إحدى المجلات تبين وجه الحق والحقيقة في هذه القضية وموقف الإسلام الصريح الواضح في هذا الشأن، فكتبت تقول: إن سلخ الجزائر عن إسلامها، أو محاربة مشروعها الإسلامي، أو التآمر على العربية والتعريب، لمصلحة لغة أجنبية أخرى، ومصلحة التغريب؛ هو أمر خطر جداً على الصعيد الوطني الجزائري، وعلى الصعيد العربي والإسلامي؛ فالعربية والإسلام هما صلة الوصل الوثيقة بين الشعوب والبلاد العربية والإسلامية؛ فالتآمر على العربية والإسلام في الجزائر تآمر على وحدة العرب والمسلمين جميعاً، وإسهام في تحقيق المخططات الغربية الاستعمارية الراهنة التي تهدف إلى تفكيك العالم العربي والإسلامي، وفصله عن ينابيع وحدته ومقوماته الشخصية لاستكمال استعباده السياسي والحضاري، ومن هنا ارتبط ما يجري في الجزائر، في بعض جوانبه، بالمؤامرة الكبرى التي يجري تنفيذها في العالم العربي والإسلامي، والتي يعتمد في جانب كبير من تنفيذها على عناصر داخلية تبيع دينها وشرفها وأمتها وبلادها بمناصب حقيرة ومكاسب هزيلة، وغير ذلك من عرض الدنيا الزائل [١٢] . ثم اقترحت المجلة حلولاً في نقاط اقترحتها على حكومة الجزائر. ولا شك أن هذا النموذج يقدم صورة حية لمدى الوعي بالواقع، والحرص على بثه ونشره وتوصيله إلى الأفراد والجماعات والحكام على حد سواء. وهذا نموذج آخر من الصحف الإسلامية المهاجرة يدل على وعيها بقضايا الأمة، وما يجب علينا حيال الصهاينة المحتلين والأمريكان الظالمين في ظل هذا الواقع المؤلم الذي نحياه؛ فتحت عنوان «المقاطعة أضعف الإيمان» كتبت مجلة البيان تقول: «العلاقة الاستراتيجية بين العدو الصهيوني وأمريكا هي علاقة لا نقول تاريخية؛ إنما هي علاقة مصلحية استغلها اليهود بأموالهم وإعلامهم ووصولهم لمركز القرار؛ مما أنتج تلك العاطفة المعروفة بين الطرفين ... لذا وجدنا التعاون الكبير بينهم، ووقوف الغرب بعامة والأمريكان بصفة خاصة في صفهم، وتأييد العدو الصهيوني في عداوته المستمرة منذ قيام دولتهم عام ١٩٤٨م وحتى الآن.. ونحن نقول: إن كل ذلك الانحياز يجعلنا نكره الغرب، والعدو الصهيوني والمتواطئين معه، والمكبلين باتفاقيات الاستسلام، ونعتقد أن واجب الولاء والبراء يجعلنا نطالب بمقاطعة العدو وكل الشعوب المنحازة له، حتى يعلم أولئك قيمة أمتنا، وقدرتها على تطويعهم بهذا الأسلوب البسيط، ولو قاطعنا أولئك مقاطعة تامة في كل ما يُصدِّرونه لنا بخاصة أن هناك بدائل عنه لأذعنوا لنا، ولكن هل نفعل؟» [١٣] . وأراني بعد ذلك، لست في حاجة إلى مزيد استشهاد لبيان مدى الدور الذي تؤديه الصحف الإسلامية المهاجرة في بث الوعي، وتعميق الفكر، والدفاع عن هموم الأمة وقضاياها المصيرية. * نحو مزيد من الوعي: أما نوع الصحف العربية المهاجرة التي وصفناها بالتجارية، فنراها اهتمت بالأحداث الجارية، وحرصت على أن تقدم خدمة إخبارية للقارئ قلَّ أن نجدها في صحف أخرى، وذلك يرجع إلى طبيعة الإصدار لهذه الصحف؛ حيث إنها صحف يومية، ومعروف أن الخبر الصحفي هو العمود الفقري لهذا النوع من الصحف، ولا شك أن وقوف القارئ ومتابعته للأحداث يؤدي إلى زيادة الوعي وتعميقه لديه، ولا يجعله بعيداً عن نبض الحياة، وهناك سبب آخر يساعد تلك الصحف على القيام بمتابعة ما يجري وما يحدث داخل الأقطار العربية المختلفة، وهو أن هذه الصحف تمتلك مكاتب تابعة لها في معظم الأقطار، تمدها أولاً بأول بما يجري ويدور داخل تلك البلدان مما قد لا يتوفر لكثير من الصحف المحلية أو حتى الصحف الإسلامية المهاجرة. وعلى كل؛ فإن الباحث يمكنه أن يقدم لهذه الصحف وبخاصة الإسلامية منها بعضاً من العوامل التي من شأنها أن تنمي الوعي وترشده لدى القراء، وتكون بمثابة المحددات والمكونات له، وهي كالآتي: ١ - تعميق الإيمان بالله بأركانه وشموله في النفوس والقلوب. ٢ - الوقوف ضد الهجمات التغريبية الشرسة على كل ما هو إسلامي. ٣ - تبسيط العلوم والمعارف الحديثة ونقلها إلى القارئ العربي والمسلم. ٤ - تصحيح المفهومات والمصطلحات الخاطئة التي تنتشر في أوساط المسلمين. ٥ - محاربة كل مظاهر الخروج عن الدين والتقليد الأعمى للآخر في المأكل والمشرب والملبس وفي كل مظاهر الحياة، والدعوة لإحياء قيمنا وآدابنا وثقافتنا. ٦ - رصد الحركات والتيارات والمذاهب الهدامة وكشفها. ٧ - كشف المؤتمرات المشبوهة والمؤامرات والمخططات الاستعمارية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة على مقدرات العالم الإسلامي. ٨ - الدفاع عن قضايا الأمة وحقوقها ومقدساتها، والدعوة إلى إحيائها في نفوس الجماهير؛ حتى لا تموت بنسيانها والغفلة عنها. ٩ - محاربة البدع والخرافات والمنكرات، وحث الجماهير على ضرورة التمسك بعرى الدين، قرآناً وسنة؛ حفاظاً على هوية الأمة وعقيدتها. ١٠ - إحياء روح المقاومة، وحب الجهاد، والرغبة في الشهادة في سبيل الحق والعدل والحرية، ودعوة الأمة للتصدي لكل مظاهر الظلم والطغيان والاستبداد. * من مظاهر التبعية: أما عن موقف الصحف العربية المهاجرة بشقيها التجارية والإسلامية، من مسألة تكريس التبعية وتسويقها، فإن الموقف جد مختلف؛ حيث إننا نرى أن الصحف الإسلامية المهاجرة لم تسلك هذا السبيل غالباً، في حين أن الصحف التجارية المهاجرة سلكت هذا السبيل، ووقعت في فخ التبعية البغيض، إما بالتبعية للأفكار والمذاهب الوافدة، وإما للأنظمة والسلطات الحاكمة، وإن كانت هذه التبعية قد أخذت صوراً وأشكالاً متعددة. أما الصحافة الإسلامية المهاجرة فقد نجت بفضل الله من الوقوع في فخ التبعية للأنظمة، فلم تقف وراء حاكم، ولم تطرق باب سلطان، وكان معيار القرب منهم أو البعد عنهم هو مدى تمسكهم بدينهم وتطبيقهم لشريعة ربهم واحترامهم لمبادئ الحق والعدل في شعوبهم، فإذا ما هاجمت تلك الصحف حكاماً، أو أنظمة؛ فلأنهم يستبدون في حكمهم أو يطغون على شعوبهم، أو لأنهم يقفون من الشريعة الإسلامية موقفاً سلبياً، وما أثنت على حاكم أو نظام إلا لأنه يسعى إلى تطبيق الشريعة، أو لأنه يقف حجر عثرة أمام الأطماع الغربية والمؤامرات الاستعمارية. وكذلك الأمر فإن الصحف الإسلامية نجت أيضاً من الوقوع في فخ التبعية للأفكار والمذاهب الوافدة؛ لأنها بطبيعة الحال ما خرجت إلى الوجود إلا لمحاربة هذه الأفكار وتلك التيارات الوافدة، وبيان عوارها وكشف زيفها وخطئها وخطرها. ولكن إذا كان لنا من مأخذ على تلك الصحف في هذا الصدد؛ فإنه يتمثل في حرصها على الدفاع عن التيار الذي ينتسب إليه، فنرى صحيفة ذات توجهٍ ما تدعو إلى هذا التوجه وتدافع عنه، وقد تشتبك مع صحيفة إسلامية أخرى تناولتها بالنقد، وكذلك الأمر بالنسبة لصحيفة ذات توجه مغاير، نراها تدافع عنه وقد تدخل في محاورات وانتقادات مع صحيفة أخرى تناولت هذه المسألة من قريب أو بعيد، والحق أن هذا الانتماء أو ذاك لا يمثل عيباً أو انتقاصاً للصحيفة في حد ذاته ولا ينبغي أن يشعرها بالحرج، فتسعى إلى الدفاع عنه والدخول في خصومات ومعارك بشأنه؛ فكل ذلك ليس من الصواب في شيء؛ لأن كل هؤلاء على ثغرة من ثغور الإسلام، فليحذروا أن يؤتى الإسلام من قِبَلهم. فينبغي أولاً وآخراً أن يكون ولاؤنا للإسلام وحده، مترفعين عن الرايات والشارات؛ لأنها وسائل وليست غايات، وقد تختلف الوسائل وتتعدد للوصول إلى الحق الذي ندين به ونعمل له وندعو إليه جميعاً. فأما الصحف التجارية وللأسف الشديد فإنها وقعت في فخ التبعية السياسية بمسايرتها ودفاعها عن الأنظمة، طمعاً ورغبة في مزيد من العطايا والهبات، بل إن قسماً من هذه الصحف ما نشأ إلا من أجل الدفاع عن حاكم أو التسبيح باسم نظام، وخاصة في المرحلة الأولى من ظهورها؛ لأن طبيعة مرحلة البدء كان يقتضي ذلك. وإن بدأت مظاهر التبعية للحكام والأنظمة تخف شيئاً فشيئاً في الصحافة العربية المهاجرة؛ فإن الجانب الآخر من جوانب التبعية المظلمة ما زال مستمراً وقائماً، ألا وهو التبعية في مجال الفكر والثقافة والقيم، وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى أن أصحاب تلك الصحف لا ينتمون إلى الفكر الإسلامي، ولكنهم مصابون بلوثة العلمانية والحداثية التي ينادي أصحابها ويؤمنون بفكرة فصل الدين عن الحياة بكل نواحيها ومجالاتها. وإذا أردنا أن نذكر بعضاً من الشواهد التي تؤكد ما ذكرنا؛ فإن هذه الصحف تعج بآلاف الشواهد والأدلة؛ فهذه صحيفة تدعو صراحة إلى الحداثة في الأدب، وتهاجم القرار الذي اتخذ بشأن بعض الروايات الساقطة في مصر فتقول: «نسمع اليوم أن في مصرنا نفسها يُطارد الإبداع والمبدعون مرة باسم مكافحة الإسلام، وأخرى بحجة إدانة الإباحية وأدب الفجور.. إن للدولة حق السماح بنشر أو عدم نشر أي كتاب في مؤسساتها الرسمية، ولكن ليس من حقها أن تجعل نفسها الحَكَم والقاضي في التعامل مع ما يكتب، ناهيكم عن التحريض الرسمي والعلني ضد الكاتب ونتاجه!!» [١٤] . وتكتب الصحيفة نفسها معلقة على ذلك فتقول: «إن المثقفين المصريين أو قسماً كبيراً منهم، قد أسقط في أيديهم وشعروا أن الدولة تخلت عنهم في معركتهم » التنويرية «ضد قوى» الانغلاق والظلام «!! [١٥] . وأهل التنوير هم فلول العلمانيين الحداثيين في الفكر والثقافة والأدب، أما قوى الانغلاق والظلام فالمراد بهم الإسلاميون الذين ينادون بتطبيق منهج الله في جميع مجالات الحياة. وما يقال في الأدب والثقافة في هذه الصحف يقال أيضاً في الفن بشكل عام؛ فهذه الصحف المهاجرة انتهجت نهج تكريس التبعية للفكر الغربي الذي ليس عنده ضابط من شرع أو دين إلا الهوى والمنفعة، ولذلك نرى تلك الصحف قد أفردت صفحات عديدة للحديث عن السينما ليس كصناعة وأداة تثقيف وتعليم وتربية وتهذيب، ولكن كحرفة يحترفها البعض للشهرة والارتزاق، والعبث بأخلاق الأمة وقتل وقت شبابها [١٦] ، لذلك رأينا إحدى تلك الصحف تخصص أسبوعياً أربع صفحات عن هذا الفن تحاور فيه الممثلين والممثلات عن آخر أعمالهم وأدوارهم ... إلخ، ولذلك نستطيع القول: إن الصحف العربية المهاجرة التجارية أفضل ما توصف به أنها أسيرة الواقع بكل ما يحمل وبكل ما يموج [١٧] . ولهذا يحسن بنا في هذا الإطار أن نضع تعريفاً إجرائياً لما يمكن أن نطلق عليه تسويق التبعية أو تكريسها، وهو يعني: إشاعة أو نشر أو عرض أو تقديم أو تناول ما من شأنه الانتقاص من الدين أو الحط من قدراته أو فاعلياته أو ما يتعارض أو يتناقض مع الأصول والقواعد العامة التي شرعها الله لعباده لتكون منهج حياة لهم، أو الدعوة بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تبني الآراء والمواقف والأفكار السلطوية أو الغربية في الأدب والفكر والثقافة والرياضة وغيرها من مجالات الحياة المختلفة؛ مما يدفع بعض الناس إلى التقليد الأعمى والتبعية البغيضة لمذاهب وتيارات غربية لا تتفق ومبادئنا وحضارتنا الإسلامية. وعلى أساس هذا التعريف يمكن أن يكون تسويق التبعية على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والثقافي والفني والأدبي والرياضي أو الإعلاني؛ وذلك بالأخذ عن الآخر بلا وعي أو بتبني آرائه والانطلاق من رؤيته للأحداث والمواقف، وعندئذ لا يكون للصحيفة شخصيتها المستقلة النابعة من إيمانها بعروبتها وإسلامها. ويمكن أن نقدم بعضاً من المظاهر التي تؤكد قضية تسويق التبعية، وتتمثل فيما يلي: ١ - الدفاع عن بعض الأنظمة الحاكمة وتعظيم دورها في إدارة الأحداث الجارية، بحق وبغير حق. ٢ - الهجوم على معارضي تلك الأنظمة واتخاذ المواقف المضادة حيالهم. ٣ - تسويغ الأخطار والسلبيات التي تظهر على تلك الأنظمة الحاكمة. ٤ - تبني الآراء والمواقف التي تصدر عن هذه الأنظمة والدعوة إليها. ٥ - إثارة النعرات القومية والشعوبية التي من شأنها إحداث شروخ في الصف، وانقسام في كيان الأمة، وتشرذمها. ٦ - إشاعة الفلسفات الغربية والمادية والمذاهب والنحل الهدامة. ٧ - التقليد الأعمى لأساليب الغرب في تناول القضايا وعرض الموضوعات. ٨ - إثارة الموضوعات التي لا وزن لها وافتعالها، وإلهاء وإشغال القراء بها. ٩ - التأثر بمنهاجية الغرب في العادات والتقاليد؛ حيث الحرية المفرطة والغرائز الملتهبة والمكبوتة.

стр. 4799

دراسات في السيرة والتاريخ ماذا وراء الهجوم على التاريخ الإسلامي ؟ محمد بن حامد الناصر كان تحطيم التاريخ الإسلامي، والعبث به هدفاً من أهداف المدرسة العصرانية [*] ، ولم تقف عملية التزوير عند عصر دون عصر، ولا عهد دون عهد، بل شملت كافة عصور الإسلام بلا استثناء [١] . فحروب الردة لم تكن برأي أحد الباحثين منهم حروباً دينية، ولا الحرب مع خصومه كانت حرباً دينية؛ لأنها كانت حرباً في سبيل الخلافة والرئاسة، وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثم كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى «. - ويزعم حسين أحمد أمين أن ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان ﵁ حذف من القرآن (٥٠٠ آية) تطعن في بني أمية وتذم أبا سفيان، ويرى أن معركة بدر كانت ناتجة عن حسابات للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين، يريدون تصفيتها مع قريش التي طردتهم من ديارهم [٢] . - وكان الهجوم على الفتوحات الإسلامية هدفاً من أهداف المستشرقين والمبشرين الحاقدين من كل ملة، وأصبح الجهاد في سبيل الله مجالاً للتشكيك والتزوير، وقد شهد الأعداء قبل الأصدقاء بعدل المسلمين الفاتحين» فما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «. إلا أن العلمانيين والعصرانيين، دأبوا على متابعة سادتهم من أعداء المسلمين في تشويه تاريخنا، وحاولوا تحطيم أبرز وأعظم الصفحات المضيئة في تاريخنا الزاهر. - فالدكتور عبد المنعم ماجد: يعجب من توهم بعض المستشرقين الذين يرون أن العرب المسلمين فتحوا البلدان بدافع إسلامي، يقول:» لا نوافق بعض المستشرقين في قولهم إن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بحماس ديني؛ فمن غير المعقول أن يخرج البدوي - وهو الذي لا يهتم بالدين لينشر الإسلام « [٣] . - ويعتبر حسين أحمد أمين أن الفتوحات الإسلامية هي نوع من الاستعمار، كالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين [٤] . - والدكتور محمد جابر الأنصاري: يحرص على تجريد العثمانيين من كل فضيلة، حتى غدوا في نظره» جماعة من الهمج المتوحشين الذين دمروا الحضارة العربية الزاهية « [٥] . - فهل يعتبر هذا الهجوم على العثمانيين جزاء إيقافهم للزحف الأوروبي الصليبي على ديار العرب عدة قرون؟ وهل هذه هي مكافأة للجيش الذي فتح القسطنطينة؟! حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي يصفونه بأنه» القائد الإقطاعي البارز «. - وكان على رأس هؤلاء المشككين [٦] . الدكتور الطبيب خالص جلبي في كتبه ومقالاته، وقد تحمل وزر الهجوم الحاقد على تاريخ بني أمية، وتشويه حركة الفتح في أيامهم، كما أنه ما فتئ يهاجم السلطان محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينة، ليسلم له توجهه نحو فكرة موهومة، فكرة السلم المزعوم واللاعنف الخيالي، حتى وقع في خندق أعدائنا تشويهاً وتزويراً لتاريخنا. - وخلال هجومه على الفتوحات زمن بني أمية يقول:» إن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية بعد انطفاء الوهج الراشدي، والثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية وتوديع حياة الرشد، واعتناق حياة الغي، وتفشي روح الغدر والتآمر والقتل؛ فليس بعد الرشد إلا الغي «. ثم يقول:» عندما يقلب معاوية الوضع الراشدي لبناء دولة بيزنطية، ومسح الخلافة الراشدة بالتآمر الأموي، كان سيتم الأمر ولا راد لقضاء الله « [٧] . أيقال هذا عن دولة خير القرون بعد الخلافة الراشدة؟! - ولا يتورع عن مهاجمة الصحابة ﵃ بقوله: » وشخصيات هامشية في الثورة الإسلامية الأولى، من طراز عمرو بن العاص ومعاوية، حرفت مسيرة الخلافة الراشدة (١٨٠ درجة) [٨] ، ثم يقول: (باسم القرآن حبكت أعظم خديعة في تاريخ السياسية، فرفع على رؤوس الرماح في حق يراد به باطل، لينشئ ملكاً عضوداً «- جريدة الشرق الأوسط -. - ونتساءل الآن: لمصلحة من يأتي هذا الهجوم على بني أمية وعلى صحابة رسول الله ﷺ ؟! ألا يلتقي هذا الهجوم مع حملات الرافضة وتشويه اليهود والصليبيين لتاريخنا؟! ألا يذكر أن عهد بني أمية كان ضمن القرون الثلاثة الأولى المفضلة بحديث رسول الله ﷺ ؛ إذ يقول: » خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم « [٩] . - والتجريح لهؤلاء الصحافة (معاوية وعمرو بن العاص) ومن حضر صفين، لم يتجرأ عليه إلا الرافضة وغلاة المعتزلة، مخالفين الأحاديث الصحيحة لرسول الله ﷺ . قال ﵊:» من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين « [١٠] ، وقد ثبت في صحيح مسلم (ج ٤/ ٩٤٥) أن معاوية ﵁ كان أحد كُتَّاب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. - وقال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق) [١١] . - وأختم هذا الموضوع بحديث السيد محب الدين الخطيب حول الفتوحات زمن بني أمية؛ إذ يقول:» ودخلت معظم الشعوب في هداية الإسلام على أيدي الخلفاء الأمويين وولاتهم وقادة جيوشهم.. ولا شك أن الأجيال المسلمة إلى يومنا هذا منهم من يسعد بذلك ويمتلئ قلبه سروراً ... ومنهم من امتلأ فؤاده حقداً على الفاتحين، وجعل من دأبه أن يصمهم بكل نقيصة. وانتشرت الفتوحات حتى نودي بكلمة: الله أكبر حي على الفلاح، على جبال السند، وفي ربوع الهند، وفي أودية أوروبا وجبالها.. كل هذا في زمن بني أمية، الذي لو صدر عن اليهود والنصارى، وعبدة الأوثان عُشْرُ ما صدر عنها من الخير، ومن إنصاف ومروءة وكرم وشجاعة.. لرفعوا لأولئك اليهود والنصارى الثناء والتقدير في الخافقين «.» والتاريخ الصادق يريد لكل متحدث عن رجاله، أن يذكر لهم حسناتهم على قدرها، وأن يتقي الله في ذكر سيئاتهم فلا يبالغ فها « [١٢] . - ولا ينسى الدكتور الطبيب خالص جلبي أن يهاجم فتوحات بني أمية في الأندلس، وتوغلهم في بلاد النصارى، فيقول بـ (أن الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر) كان قد خرب ودمر، ثم رجع محملاً بالسبي والغنائم. هذا الذي حصل من اغتيال العقل الإسلامي منذ الانقلاب الأموي عندما ذهب الأمويون بسذاجة أعرابي جاء متأخراً عن درس التاريخ بحوالي سبعة آلاف سنة، حتى انتقلت روح الإسلام إلى الغرب، فألغت بريطانيا الرق رسمياً عام (١٩٣٣م) [١٣] . - ويذكر المؤرخون الثقات أن الخليفة الناصر، كان كثير الجهاد بنفسه، ويغزو دار الحرب الصليبي، وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء [١٤] ؛ وذلك خلال خمسين عاماً من خلافته. - وقد سار ولاة بني أمية على طريق الخلفاء في غزو النصارى كالمنصور بن أبي عامر (٣٦٦هـ - ٣٩٩هـ) ، خلال فترة حكم (هشام الثاني) ؛ إذ غزا سبعاً وخمسين غزوة دوخ خلالها النصارى المتربصين، وأعاد للمسلمين مكانتهم وهيبتهم [١٥] . - لقد كانت حركة الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس حلقة في سلسلة جهاد المسلمين أيام بني أمية؛ فلم تكن حركة غزو وغنائم، أو سيطرة سياسية، بل هو موكب دعوة إصلاحية، تدعو إلى الله على هدى وبصيرة، منهجها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ميدانها الأرض كلها، أما موضوعها فهم البشر جميعاً [١٦] . هذا هو واقع المسلمين في الأندلس، وخلال فتوحاتهم المشروعة، كما جاءت في المصادر الموثوقة، أما ما يعتمده الطبيب جلبي، فهو نزوات مريضة، وأهواء شعوبية جديدة وحاقدة. * مهاجمة الفتوحات العثمانية: دأب الدكتور خالص جلبي على مهاجمة الفتوحات الإسلامية كلها ابتداء بفتوحات بني أمية، وانتهاء بانتصارات السلاجقة والعثمانيين على قوات الصليبيين، في آسيا الوسطى، وشرقي القارة الأوروبية. يقول: (كانت الإمبراطورية العثمانية من حجم مرعب، اجتاح المربع الشرقي من قارة أوروبا، وجلس لمدة خمسة قرون في البلقان، مما يفسر الحقد التاريخي للصرب ضد الوجود الإسلامي الحالي..) [١٧] . - ويكفي العثمانيين في ميزان الله أنهم توغلوا في أوروبا الصليبية، وفتحوا للإسلام ما فتحوا من أراض وقلوب، فدخل الناس في الإسلام بعشرات الملايين، ويكفيهم أنهم حموا العالم الإسلامي من غارات الصليبيين خمسة قرون متوالية، ومنعوا قيام الدولة اليهودية على أرض الإسلام، ولم يتمكن شذاذ الآفاق من التجمع لإقامة دولتهم إلا بعد أن زالت دولة الخلافة من الوجود [١٨] . - وسوف نتحدث عن واقعتين انتصر فيهما المسلمون هما: معركة ملا ذكرد، وفتح القسطنطينية، وكيف حاول» جلبي «تشويه الانتصارات العظيمة التي قادها سلاطين مجاهدون عظماء. فمعركة ملا ذكرد التي انتصر فيها السلطان السلجوقي» ألب أرسلان «على الروم بقيادة ملكهم» أرمانوس الرابع «تحدث خالص جلبي عن هذه المعركة بنفسية المستشرقين فقال: (ولم ينتبه مؤرخونا إلى هذه الواقعة وآثارها البعيدة، فيعجب المرء وهو يقرأ السرد التاريخي الأسطوري، والذهول عن معركة مشؤومة للشرق الأوسط بكل المقاييس؛ فهي التي عجلت بانهيار بيزنطة، وهي التي فجرت الحروب الصليبية» [١٩] . - فانظر إلى هذا التزوير العجيب لحقائق تلك الموقعة «فملك الروم هو الذي هاجم بلاد المسلمين، (حلب وما حولها) وانتصر على أمرائها، ثم توجه بجيش كبير جداً من الأوروبيين الذين وفدوا على بيزنطة، وكانوا يحملون الصليب رمزاً لحربهم المقدسة! ولتعاونهم مع بني جلدتهم البيزنطيين» [٢٠] . - لقد كان السلطان «ألب أرسلان» من خيار الملوك، محباً للعدل، فيه رحمة وشفقة. وكان ملك الروم «أرمانوس» قد استاء من قوة السلاجقة وتوسعهم، فقرر مهاجمة البلاد الإسلامية، فهاجم مدينة حلب وما حولها، وانتصر على أمرائها، ثم توجه شرقاً بجيش كبير حشد فيه الآلاف من الروس والفرنسيين والبلغار واليونان، وعسكر في أقصى شرق الأناضول، وكان مع ألب أرسلان جيش صغير ولم يتوقع أنه سيلتقي مع الروم في هذا الحشد الكبير. حاول ألب أرسلان أن يعقد صلحاً مع (أرمانوس) ، ولكن أرمانوس كان مغروراً بجيشه الضخم، فرفض كل عروض الصلح، وقال لرسول السلطان: (لن يتم الصلح إلا في الري) عاصمة السلاجقة. - ولذلك أعلن (أرسلان) بين جنوده أن الإسلام في خطر، ودعاهم إلى الاستماتة في القتال، ونصحه الفقيه (محمد بن عبد الملك البخاري) البدء بالقتال وقت صلاة الجمعة؛ فلعل دعوات المسلمين في صلاتهم أن تصيبه. وقد أعد السلطان نفسه للموت، ونزل عن فرسه وعفَّر وجهه بالتراب، ودعا الله سبحانه وتعالى، ثم حمل مع جنوده على الروم، وما هي إلا ساعات حتى منح الله النصر للمسلمين، فأُسر ملك الروم، ثم افتدى نفسه، وتم الصلح بين السلطان وملك الروم، على أن يتوقف القتال خمسين عاماً، وأن يرد الروم كل أسرى المسلمين. وعند عودة أرمانوس إلى بلاده، أعطاه السلطان عشرة آلاف دينار لنفقة الطريق؛ فهذه هي أخلاق المسلمين في السلم والحرب، ولم تكن المعركة مشؤومة على المسلمين كما يصفها كاتب مشؤوم على بلاده وأمته. وتعتبر هذه المعركة نقطة تحول في التاريخ الإسلامي؛ فهي التي يسرت القضاء على نفوذ الروم في معظم أرجاء الأناضول مما مهد الطريق بعد ذلك لفتح القسطنطينية [٢١] . - لقد تناول الطبيب (خالص جلبي) الصفحات المشرقة في تاريخنا، وراح يلطخها بالسواد ويشحنها بالتشكيك والتزوير، متجاوزاً كل حقائق التاريخ، لاهثاً وراء فكرة خيالية ليس لها في الواقع نصيب: فكرة اللاعنف، والسلم الذليل، مما أوقعه في هذا المنزلق الخطير والتناقض العجيب، ليقف مع أعداء أمتنا في خندق واحد. * فتح القسطنطينية: كان فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣م تاج الفتوحات الإسلامية، وإحدى البشائر النبوية لذلك الفتح العظيم، وللقائد الفاتح. إلا أن أصاحب اللاعنف الموهوم، ودعاة التعطيل للجهاد المشروع، راحوا يشككون بهذا الفتح المبارك ودوافعه، فقال الطبيب خالص جلبي في مقال له بعنوان: (لا إكراه في السياسة) : يفرح المسلمون بسقوط القسطنطينية، ولكن هناك من يذكرها مع الدموع؛ فهل كان فتحها إسلامياً؟! والمشكلة أنه لا يخطر في بالنا أن تاريخنا قد يكون في بعض صفحاته مربادّاً أسود كالكوز مجخيّاً! ثم يقول: «فالسلطان محمد الفاتح، وفتح المدينة يذكِّر بشارون وهو يريد احتلال القدس، وطرد أهلها منها، وبغضِّ النظر عن فظاعات الفتح وحجم النهب والسلب والاغتصاب على يد الانكشارية؛ فإن أول ما فعله (محمد الفاتح) أن وضع يده على أقدس مقدساتهم أيا صوفيا، تلك التحفة التاريخية، ليحولها إلى مسجد. لم يكن هذا الفتح انتشاراً على منهج النبوة، بل اجتياحاً عسكرياً.. ونسميه إسلامياً؟!!» . ثم يقول: «ولا تقف مشكلة الإكراه على صورة الفتح الفجة البدائية، بل آثارها المدمرة، حيث انطلق تنين أوروبي برتغالي وإسباني كرد فعل على حروب لا نهاية لها، في هذه الحافة المشؤومة..» ويتابع قوله: «فليس لدينا قدرة على مراجعة تاريخنا، ولا نعتبر مثلاً أن معركة (صفين) كانت كارثة توقف فيها المد الإسلامي الصحيح، وظهرت على السطح نسخة إسلامية مزورة، صادرت الحياة الراشدية، وتدثر الخليفة مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كروية، وتحولت دولة العدل إلى امبراطورية بيزنطية، تجتاح الممالك بالسيف» [٢٢] . هذه مقتطفات من مقال طويل مملوء بكلام سقيم ولغو ثقيل، يهاجم حقائق التاريخ، ويحزن على مآل الفتح، ويسرُّ لِمَا يصيب المسلمين. يقول الدكتور عدنان رضا النحوي [٢٣] : «ومن الغريب أن الدكتور خالص يحزن لما يفرح به المسلمون أمثال هذه الفتوحات العظيمة، ولا يحزن للمجازر التي يقوم بها الأعداء ضد المسلمين قديماً وحديثاً» ويقول: «على الدكتور خالص جلبي أن يتقي الله، وأن يدرس التاريخ الإسلامي بميزان العدل بعيداً عن التزوير المتعمد، لا بميزان اليهود والنصارى.. وعليه أن يدرس سيرة السلطان محمد الفاتح بعناية.. وقد كان الفتح بشرى لأهل المدينة، ونجاة مما كانوا فيه من فتنة وظلم وضلال» . ويتابع الدكتور النحوي: «وقد استبشر أهل المدينة بعدل الفاتح، حتى قام أحد وزراء النصارى» توتاراس «ينادي في شوارع إسلامبول قائلاً:» أود من سويداء قلبي أن أشاهد هنا تاج السلطان محمد الفاتح، من أن أرى فيها إكليل «بابا» أو «قلنسوة كاردينال» . ثم يقول الدكتور النحوي: «ولقد ذهب الكاتب بعيداً وأساء كل الإساءة، وخالف العلم وحقائق التاريخ، حين هبط فشبه محمد الفاتح حيناً بستالين، وحيناً بشارون! عجباً كل العجب! حتى لو وسوس له الشيطان بهذا الخطأ، لكان هناك ألف سبب لمنعه من إطلاق هذه الأقوال، وما كان لرجل يأخذ حقائق تاريخه من ظنون أعدائه، ويدع الحديث الشريف وتاريخ الصحابة، وحسبك أبو أيوب الأنصاري.» وعلى كل حال سيظل هذا الفتح شرفاً للسلطان الفاتح، الذي منَّ الله عليه بتحقيق بشرى رسول الله ﷺ ، الذي يرويه (بشر بن سحيم ﵁ في التاريخ الكبير للبخاري وفي المستدرك للحاكم، وفي المسند للإمام أحمد: (لتفتحن القسطنطينية؛ فلنِعْمَ الأمير أميرها، ولنِعْمَ الجيش جيشها) «. ولذلك تسابق الخلفاء المسلمون إلى فتحها لينالوا تحقيق بشرى مشرقة في التاريخ الإسلامي. إن تاريخ المسلمين لا يُفهم بأسلوب يحمل الغيظ لكل خير يصيب المسلمين، والغيظ لكل أسى يصيب غيرهم.. فالجريمة عند جلبي أن يكون للمسلمين قوة، ليتبرأ من العنف لدى المسلمين، وليته يوجه كلامه للأمريكان والروس وكذا للأوروبيين. » لقد كانت الفتوحات الإسلامية عملاً فريداً في تاريخ البشرية كله، كانت فتوحاً تحمل رسالة الله إلى خلقه وعباده ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ثم يقول: «مهلاً أيها الكاتب! ليتك توجه كلامك عن العنف إلى الطرف الآخر الذي يملأ الأرض مجازر ودماً دفاقاً، وأيتاماً وثكالى، ليتك توجه كلامك إليهم وتدرس تاريخهم وتنقده، ودعك من التاريخ الإسلامي؛ فميزانك في دراسته جائرة غير عادلة.. ليتك تطلب من كبار المعتدين أن يوقفوا أسلحة الدمار الشامل التي يملكونها..» انتهى الاقتباس من مقال الدكتور عدنان رضا النحوي. وها هي أمريكا وإسرائيل وما تشيعانه من دمار وقتل وخراب، وعلى أرض الرافدين والبلاد المقدسة في فلسطين فيسكت عنها!! وعموماً فإن الذين يتظاهرون بالظَّرَف والوداعة، وينادون بالسلم الموهوم، يتغافلون عن أيدي الأعداء وقد لطخت بدماء إخوانهم وأخواتهم من أبناء المسلمين في فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير وفي كل مكان.. والذين يسعون بعد كل ذلك إلى قتل روح الجهاد بتأصيل تربية ذليلة خائفة تستسلم للعدو، وتدعو إلى الاستسلام تحت حجج واهية بعيدة عن روح الإسلام وطبيعته وتاريخه؛ فهؤلاء باتت مواقفهم مريبة مفضوحة!! [٢٤] . ومحمد الفاتح: قائد مسلم لبى الدعوة إلى الله، وبلَّغها للناس كافة مجاهداً فاتحاً يرحمه الله. وقد كان الفاتح من الملوك الذين يهتمون بالعلم، فأنشأ المدارس الكثيرة، وعرف بحبه للعلماء واستقدامهم من البلاد البعيدة، كما كان يشاور العلماء ويحترمهم، قال بعد الفتح: «إنكم ترونني فرحاً، فرحي ليس لفتح هذه القلعة، بل تتمثل فرحتي بوجود شيخ عزيز الجانب في عهدي، هو مؤدبي» الشيخ محمد شمس الدين «. وكان والده السلطان مراد: قد عهد إلى علماء الحديث والفقه في زمنه بتعليم ولده (محمد الفاتح) القرآن والحديث والفقه، كما أنه تعلم التاريخ والرياضيات والعلوم العسكرية، وأتقن عدة لغات غير التركية. وكان أحد مشايخه (الشيخ محمد بن حمزة) يذكِّره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فتح القسطنطينية، ويرجو له أن يكون فاتحها، هذه المدينة التي حاول خلفاء المسلمين فتحها، لأهميتها وموقعها الممتاز، وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد حاول المسلمون فتحها في عهد معاوية ﵁، وفي عهد سليمان بن عبد الملك، وأيام الرشيد، ﵏ جميعاً [٢٥] . ورغم كل ما تقدم من أهمية هذا الفتح؛ فإن للعصرانيين والعلمانيين رأي آخر حول هذا الفتح المبين. ومن عادتهم وعلى رأسهم خالص جلبي أن لا يترك فرصة سارة للمسلمين إلا ويحاول طمسها وتشويهها، ولا قائداً عظيماً إلا ويحاول التعريض به. انظر إلى قوله في صلاح الدين الأيوبي: (كل حكام العالم العربي تقريباً جاؤوا عن طريق بوابة الانقلابات العسكرية وفرض الآراء بالقوة المسلحة. وكذلك الاتحاد السوفييتي والنازيون والفاشيون والأمويون والعباسيون؛ وحتى صلاح الدين الأيوبي؛ فقد أخذوا السلطة بالقوة المسلحة والغلبة) [٢٦] . وبعد كل هذا فأصدق كلمة تقال في هؤلاء المشككين، ما قاله القدماء: (ولا أخس ممن يتتبع القبيح ليستخرجه بين ظهراني الحسن) . وفي الفقرة القادمة سنتحدث عن طبيعة الفتوحات الإسلامية، بعيداً عن أحقاد الشعوبيين الجدد والعلمانيين الحاقدين، وبقية المشككين. * طبيعة الفتوحات الإسلامية:» ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «: هذا ما استشهد به الأعداء، من خلال أخلاقيات كتائب الإيمان، وهي تنشر نور الإسلام وعدله ورحمته بين الأمم التي فتحوا بلادها. يقول غوستاف لوبون: » ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «. ويقول توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) :» ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في بلدة فحل، كتب الأهالي النصارى في تلك البلاد إلى العرب الفاتحين يقولون: يا معشر المسلمين! أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، وأنتم أوْفى لنا وأرأف بنا، وأكفُّ عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا «.» وغلَّق أهل حمص أبواب مدينتهم، دون جيش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الإغريق والروم وتعسفهم « [٢٧] . هذه هي الحرب المشروعة في الإسلام، وقد أبطل الإسلام حروب التشفي والتخريب والتدمير والتنافس في مجالات الاقتصاد والسياسة.. مما تجعله الأمم الجاهلية قديماً وحديثاً سبباً لحروبها البشعة التي نشاهد لها أمثلة كثيرة هذه الأيام، في الهجوم على العراق، وما يجري من تدمير وقتل وتشريد فيما يسمى (حرب الخليج الثالثة) . ومن المعروف أن القائد المسلم ينذر العدو بالدعوة إلى الإسلام أولاً، وإلا فالجزية، وإن رفضوا استعان المسلمون بالله وقاتلوهم، مع تجنب قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتحريق النخيل، وهذا ما أوصى به أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان، لما أرسله فاتحاً وقائداً لأحد الجيوش الفاتحة المتوجهة نحو بلاد الشام. كان الإسلام في فتوحاته رائد رحمة وعدل، وما حمل المسلمون السيف لإكراه الناس على اعتناقه، وإنما ليقرر حرية الدعوة بعد تقرير حرية العقيدة، ولإزالة العقبات من طريق الدعوة.. وهذا ما أخاف الأعداء من عقيدة الجهاد، فخدعوا بعض المتباكين من أبناء المسلمين.. وقام المستشرقون وأتباعهم من أبناء المسلمين، يشككون في مفهوم الجهاد عند المسلمين، ويهاجمون أنقى الفتوحات التي كانت في التاريخ [٢٨] . وعموماً: فلا بد من عرض التاريخ الإسلامي بعيداً عن افتراءات الأعداء من مستشرقين وعلمانيين، وهذا العرض لا يمكن أن يتهيأ إلا إذا كان المنطلق إسلامياً، وبقلم من يعيش بكل كيانه في جو الإسلام؛ وذلك يعني منتهى الإنصاف، ولا يصح مثلاً أن يؤخذ تاريخنا من كتابات المنصِّرين المتعصبين، ولا من المستشرقين وأهل الأهواء [٢٩] . ويندرج تحت مظلة هؤلاء العلمانيون والعصرانيون، وقد وجدنا نماذج من هذا التحامل على التاريخ الإسلامي وفتوحاته التي نشرت لواء العدل والمساواة في أرجاء المعمورة. ولكن العلمانيين والعصرانيين لا يفقهون.

стр. 4800

بأقلامهن ميراث المرأة.. أحكام ثابتة وتأويلات متغيرة د. رقية طه جابر العلواني drruqaia@yahoo.com ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن قضايا المرأة وما يتعلق بها من أحكام، وخاصة فيما يتعلق بميراثها وتنصيفه في الشريعة الإسلامية. وقد تمّ طرح وتناول تلك القضية وغيرها من باب الطعن في موقف الإسلام من المرأة وهضمه لحقوقها، وإهانته لإنسانيتها وكرامتها بزعمهم. وراحت تلك الكتابات تحاول إضفاء سمة الظلم والانتقاص الواقع على المرأة المسلمة من جراء تمسكها بتعاليم الشرع التي لم تفتأ تنصف حقوقها في الميراث والشهادة. ومنذ ما يزيد على قرن من الزمن والأدبيات المهتمة بقضايا وشؤون المرأة تدور في فلك الدفاع عنها تارة، والمقارنة والمقاربة مع الفكر الغربي تارة أخرى. وقضية ميراث المرأة على الرغم من مجيء أحكامها في سياق نصوص قرآنية قطعية، إلا أن التعرض لها بالتأويل والفهم لا يزال مُشْرعاً منفتحاً، وعلى هذا جاء العديد من التأويلات في هذه المسألة. بِيد أن العديد من تلك المحاولات التأويلية تأثرت بطبيعة الظرفية الفكرية والاجتماعية السائدة في عصرها، تأثراً حدا بها في بعض الأحيان إلى تجاوز الحكم الثابت بالنص القرآني. وفي سبيل التوصل إلى إدراك هذه التأويلات وطبيعتها فلا بد من النظر في الخلفية الكامنة وراء ظهورها، ومحاولة التوصل إلى ظرفيتها التاريخية والفكرية. فالعرب في الجاهلية (على سبيل المثال) حرموا الأطفال والنساء من الميراث؛ وذلك لعدم قدرتهم على تحمل مسؤولية الذب والدفاع عن القبيلة. فالميراث عندهم نظام مرتبط بالحماية والدفاع عن الأسرة الكبيرة القبيلة أكثر من تعلقه بالقرابة والنسب ونحوها من علاقات اجتماعية. وكان أمراً مفهوماًِ له ما يسوغه عندهم تماماً؛ فالمرأة بحاجة إلى حماية وصيانة خاصة في ذلك المجتمع المشحون بالاعتداءات والحروب والغارات، والرجل هو القادر على القيام بذلك الدور؛ فإعطاء الميراث للرجل دونها أمر مستساغ وله أسبابه. وقد استمر العمل بنظام الميراث السائد بين العرب في صدر الإسلام على أساس أن الأحكام التشريعية كانت تتنزل بصورة تدريجية إلى أن نزلت آيات المواريث التي ألغت تلك القوانين الجائرة التي سار عليها العرب ردحاً من الزمن. وخلافاً لغالب التنظيمات الأخرى في الإسلام؛ فقد جاء تنظيم الميراث بتفصيل دقيق لكل الأنصبة ومستحقيها وأوجه استحقاقها لحسم كل أسباب النزاع الذي يمكن أن يتولد بين الأقارب من جراء توزيع الأنصبة بينهم. وما ذلك إلا للحفاظ على المقصد الأساسي الذي قام عليه في الأصل نظام الميراث، ألا وهو صيانة آصرة القرابة وروابطها من أي تصدع أو تفكك. وتدرج الإسلام في أحكام المواريث نظراً لظهوره في بيئة جاهلية تمكنت منها قوانين بالية مجحفة تقوم على هضم حقوق الضعفاء والأطفال والنساء. فبدأ الإسلام أول ما بدأ بتقرير حق توريث تلك الفئات المستضعفة وإثبات أحقيتها في الميراث سواء أكان كثيراً أو قليلاً. قال تعالى: [لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً] (النساء: ٧) . ولم يلق ذلك التغيير استحساناً أو قبولاً من قِبَل عدد من الناس الذين درجوا على تلك العادة من حرمان النساء من الميراث. ولكن الإسلام جاء ليبطل بأحكامه وتشريعاته العادلة عادات الجاهلية وما حملته من الأمم السابقة وتعسفها إزاء المرأة، كما أتى على كل الأعراف المناقضة لمقاصد تعاليمه وشريعته القائمة على العدالة. فالإسلام أعطى للنساء والصبيان نصيباً مفروضاً، ولكنه جعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين؛ فالمرأة لا تحصل على نصف نصيب الرجل إلا إذا كانا متساويين في الدرجة والسبب الذي يتصل به كل منهما إلى الميت. فالابن والبنت ... والأخ والأخت، يكون نصيب الرجل هنا ضعف نصيب المرأة. جاء في القرآن الكريم: [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن] (النساء: ١١) . وقال تعالى: [وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النساء: ١٧٦) . ورأى العلماء آنذاك الحكمة السامية في تنصيف نصيب المرأة في الميراث في حالة في الميراث؛ وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة وتحمل غرامات ونفقات وغير ذلك. فالرجل تقع على كاهله إعالة الأسرة بما فيها البنات، فكان ذلك متمشياً تماماً مع تلك المسؤولية والعبء المالي المناط على عاتق الرجل. وعلى هذا النهج القويم فهم العلماء السابقون تلك النصوص الواردة حول ميراث المرأة، وأجروها على ظواهرها الواضحة، ولم يكن لهم فيها إلا ما ظهر من محاولات بعضهم في تعليل الحكم على النحو المذكور آنفاً. فالأحكام الشرعية المنصوص عليها في قضية ميراث المرأة لا تخرج عن نطاق النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وهي على هذا الأساس غير خاضعة ولا قابلة لتأويل جديد أو فهم آخر بعيد. إلا أن أمر تأويل النصوص المتعلقة بميراث المرأة، بدأ يتخذ أبعاداً جديدة تختلف عما كان عليه الأمر في تلك العصور الخيّرة؛ فقد تسلل العديد من الأعراف المناقضة لتعاليم الشرع إلى المجتمعات المسلمة المختلفة شيئاً فشيئاً حتى تمكنت من إطلاق القول بالدعوة إلى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات. وظهرت آثار تلك الأعراف واضحة جلية في فكر العديد من الكتّاب المعاصرين ممن رأوا في نصوص الميراث مناهضة صريحة لما بات يسري في مجتمعاتهم من دعاوى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل. والمتأمل في طبيعة الظروف الاجتماعية والتاريخية التي صاحبت تلك الدعاوى، يلحظ حجم المداخلات المفروضة من قِبَل بعض المستشرقين الذين طرحوا مسألة تنصيف ميراث المرأة، على اعتبارها نوعاً من التمييز والتفرقة بين الرجل والمرأة، ودليلاً واضحاً على إهدار الإسلام لكرامتها وآدميتها، وسلباً لحقوقها المشروعة. وقد جوبهت تلك الأفكار بعدد من النصوص القرآنية القاضية بتنصيف ميراث المرأة، مما حدا ذلك للجوء إلى محاولات جديدة لتأويل تلك النصوص، ومن ثمّ الخروج بمفهوم جديد لميراث المرأة يتلاءم مع ما يسود في العصر من دعاوى وأفكار. فذهب بعضهم أول ما ذهب إلى أن النصوص المتعلقة بميراث المرأة قد نزلت في بيئة جاهلية هضمت حق المرأة في الميراث، ولم تعرف لها نصيباً مطلقاً، فكان لا بد من التدرج في شرع ميراث المرأة وفرضه على تلك البيئة الجاهلية، فنزلت الآية القرآنية مقررة حق التنصيف كمرحلة أولية لها ما بعدها، وعلى المجتمعات المتلاحقة مراعاة ذلك أي القيام بتشريع يتوافق مع المجتمعات وتطورها. وانتشر هذا الرأي في بدايته بين عدد من المستشرقين الغربيين الذين رأوا في الشريعة الإسلامية مجرد حالة متطورة للقانون الجاهلي السائد بين العرب آنذاك. فالشريعة في نظرهم قانون مركب على القوانين العرفية السائدة من جهة، وعلى بعض التعديلات من جهة أخرى وإخراجها في صيغة قانون متماسك متوافق. فالشريعة الإسلامية - خاصة فيما يتعلق بتنظيمات الأسرة والمواريث - استمدت أحكامها - في نظرهم - من النظام القبلي والأعراف الجاهلية على الرغم من أن العرب في الجاهلية لم يورثوا النساء شيئاً، وكان التوريث قائماً على أساس المقدرة على نصرة القبيلة والدفاع عنها وحمايتها. ومن مشاهير المستشرقين الذين تبنوا هذا الاتجاه: اجنتس جولدتسيهر، وولفرد كانتويل سميث، وذهب الأخير إلى أن الإسلام مرّ بمراحل عديدة من التطور العقائدي والتشريعي، وعلى هذا فأحكام الإسلام لا بد من تغييرها وفق تغير الزمان والظروف. فالدين في نظر هؤلاء تراكم لعناصر ثقافية متوارثة عن الأمم والشعوب عبر التاريخ؛ بمعنى أن الدين تاريخ يقع في إطاره وليس بخارج عنه. وهكذا سوّى أصحاب هذا الاتجاه بين الدين والفكر الديني مما ساق في نظرهم إلى النظر إلى الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي على أنها ذات قيمة تاريخية نسبية تخضع لسنة التغير والتطور. ولم يميز هؤلاء بين الشريعة الصادرة عن دين صحيح سماوي مصدره الوحي الإلهي، التي لا يمكن أن تخضع في أساسياتها وأصولها للتطور والتبدل والتغيير بحكم مرجعيتها الإلهية المعصومة، وبين الفروع والجزئيات التابعة لحياة الناس في المجتمعات المختلفة القابلة بطبيعتها للتغيير والتعديل والتطور وفق احتياجات الناس وأحوالهم. والقول بإمكانية وقوع التطوير في أساسيات الشريعة وأبجدياتها يستلزم وجود نقص أو خلل فيها في هذا الوقت مثلاً؛ وهذا بطبيعة الحال ينافي ذاتيتها وحقيقتها. فالشريعة لم يكن مصدرها البشر الذين يصدق عليهم القول بالنسيان أو الجهل والإغفال لجانب دون آخر. وهذه حقيقة معروفة عن الشريعة الإسلامية المغايرة في جوهرها لكل القوانين الوضعية. فالشريعة الإسلامية بخلاف كل الأنظمةِ القانونيةِ العلمانيةِ التي نَمت خارج المجتمعِ وتغييراتِه وظروفه؛ فقد فُرِضت الشريعة على المجتمعِ من الإرادة العليا. وعلى هذا ففي علم التشريعِ الإسلامي لا يتدخل المجتمع ليصمم القانون وسيره، بل القانون هو الذي يتحكم في سيرورة المجتمع والسيطرة عليه. وظهر من يتبنى هذا الاتجاه في بعض المجتمعات المسلمة، وراحوا يروِّجون للقول بوجوب المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وأنها الحالة المثلى التي ينبغي أن تسير عليها المجتمعات المسلمة بعد سريان رياح التطور إليها والتقدم. فالتشريعات الخاصة بالتنصيف لا ينبغي أن تُفهم (في نظرهم) إلا في إطارها التاريخي ضمن الأعراف القبلية في الجزيرة العربية في إطار مجتمع كانت السيادة فيه والسيطرة للرجل، وكان منهج السلوك فيه هو استنباط الأحكام من النصوص. وكان مجتمع سلطة وليس مجتمع تحرر، مجتمع ضبط اجتماعي وليس مجتمع حراك اجتماعي. ولنا أن نتساءل: هل منهج السلوك في المجتمع المتغير بطبيعته هو الذي تستنبط منه الأحكام، أم أن الاحكام تستنبط من نصوص ثابتة مفارقة للزمان والمكان، حاكمة على الأعراف والظروف المتغيرة؟ فأحكام الشريعة الثابتة المبنية على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة المنزلة على البشر من خارج مجتمعاتهم، ليست بنصوص تاريخية، وهذا بخلاف الأعراف والظروف السائدة في المجتمعات والخاضعة بطبيعتها للتاريخية والتغير. إن أحكام الميراث وتحديد الأنصبة من القضايا الثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، لا تخضع بحال لتقلبات الظروف والزمان والمكان، بل هي من المسائل التي نادراً ما تناولتها الشريعة بالتفصيل حسماً لمادة الخلاف المتوقع في مثل تلك الحالات، وحفاظاً على البنية الاجتماعية والأسرية، وتأكيداً على عدم إخضاعها لتقلبات الزمان والمكان والظروف. وعليه فلم يكن لاجتهادات العلماء السابقين فيها نصيب؛ فتأويل السابقين ﵏ لا يُنسب إلى أحكام وردت بها نصوص القرآن الكريم والسنة، بل ينسب إلى فقههم واجتهاداتهم ﵏. لقد أثرت الظروف الاجتماعية السائدة الدائرة حول فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كثير من المجتمعات المسلمة، على طريقة فهم وتأويل عدد من الكتّاب للنصوص القطعية الواردة في الميراث. وبناءً على هذا التأثر تمّ النظر إلى العديد من الآيات القرآنية الكريمة على أنها مؤسسة لفكرة التفرقة بين الرجل والمرأة. لقد لجأ أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بأن تلك النصوص بما حوته من مبادئ قانونية كانت ضمن سياق ثقافي واقتصادي اجتماعي محدد. أما وقد تغير ذلك السياق وتلك الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فالنصوص لم تعد مدعاة لشرعية التفرقة والتمييز بين الرجل والمرأة مطلقاً. ومما ساهم في انتشار تلك الدعاوى والأعراف البعيدة عن مقاصد الشرع حالة الضعف الذي منيت به المجتمعات المسلمة في ذاك الوقت؛ فمن المسَلّم به في علم الاجتماع أن المجتمعات في فترات ضعفها وانحلالها تتسرب إليها عادات وتقاليد العناصر الغالبة فيها، والمغلوب مولع بتقليد الغالب. فالدعوة إلى تأويل نصوص ميراث المرأة من جديد، جاءت بتأثر واضح لما ساد في العصر من القول بالتطور والدعوة إلى المساواة. وعلى هذا ذهب بعضهم إلى القول بتاريخية النصوص القرآنية. ولا يخفى أثر القول بتاريخية النصوص القرآنية الكريمة ودورها في إلغاء الشرائع والأحكام الثابتة التي جاءت تلك التعاليم والنصوص بها. وتظهر خطورة ذلك الاتجاه وأثره عند محاولة تقديم تأويل يلغي الحكم الثابت بالنص القرآني ليُحِل محله حكماً جديداً، على اعتبار أن حكم التنصيف قد ارتهن بالشروط الاجتماعية والتاريخية السالفة. فالقول بأن أحكام القرآن الكريم جاءت لمجتمع له أسسه وروابطه قول يحكم على الإسلام بإقليميته، ويقوض عالمية رسالته وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ويعتبر أحكامه الثابتة بالنصوص صدى لقيم ومثل عليا مرتبطة بظروف تاريخية تجاوزها الزمن. فاللجوء إلى تأويلات أبعد ما تكون عن روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها في سبيل إلغاء الأحكام الشرعية القاضية بالتنصيف من خلال إخضاع النصوص لأعراف المساواة والحرية والتطور المنتشرة في مجتمعاتهم، أمر لا تخفى خطورته في تقويض حاكمية النصوص القرآنية وليّ أعناقها، وإخضاعها لتأويلات مسبقة ودعاوى بعيدة كل البعد عن الشريعة ومقاصدها. إن فسح المجال لأمثال تلك التأويلات والأفهام يمكن أن يسوق إلى القول بتاريخية النصوص القرآنية ومن ثمّ إبطالها وإلغاؤها بناءً على انتهاء سياقها التاريخي الذي ظهرت فيه. فالدعاوى والأعراف والظروف الاجتماعية والتاريخية ينبغي لها أن تخضع للنصوص الشرعية التي سَمْتُها الثبات وعدم التغير، بل ينبغي لها أن تحتكم لتلك النصوص وليس العكس. وانفتاحية مشروع تأويل النصوص لا تعني بحال مشايعة الفكر الغربي في كل ما ينتحله من فلسفات وقوانين مخالفة لمقاصد الشريعة الإسلامية وجوهرها؛ كما أنها لا تعني التفلُّت من الأحكام الثابتة أصلاً بالنص. كما أن القول بأن نصوص القرآن الكريم هي في ذاتها نصوص تاريخية محدودة بالظروف الاجتماعية المقارنة لظهورها يسوق إلى جعل المجتمع المتغير في أحكامه وعاداته وأعرافه حاكماً على النصوص المطلقة وقاضياً عليها؛ فكلما تغير العرف وتغيرت أحكام المجتمع تغير معه تأويلها وطريقة فهمها. وعلى هذا ينبغي التأكيد على ضرورة ضبط عملية التأويل ضمن سياق بحثي متواصل يستنبط منهجه من فكر أصيل منبثق من مقاصد الكتاب والسنة.
следующие страницы →