ادارة العمل الخيري
مصطفى محمود عبد السلام
العمل الخيري الإسلامي، أو مؤسسات ومنظمات العمل الخيري الإسلامية، هي تجمُّع لجهود مجتمعية تضم متطوعين مؤمنين بمجتمعاتهم المسلمة وبالقضايا الإنسانية، عكفوا على درس احتياجات المجتمع، ووجّهوا جهودهم وأموالهم للعمل الخيري.
إن المتصدي للعمل الخيري الإسلامي والدارس له يجد تاريخاً طويلاً بجذوره الممتدة سواء كان منشؤها الطبيعي البعد الديني وفكرة الإحسان ومفهوم الزكاة في الإسلام، أو مساعدة الضعفاء والفقراء في كافة الأديان. إن تقديم الرعاية للعاجز والمعوز وصاحب الحاجة كانت من المبادرات الفردية في الأساس، ويقوم جانب منها على مؤازرة السلطات الرسمية في شكل بيت المال، وحديثاً في شكل الوزارات المعنية بالمجتمع وبمشكلات المواطنين واحتياجاتهم للخدمات، وظل الجانب الآخر والأهم يقوم به نفر من المتطوعين، ومع الوقت انتظموا في جمعيات أو منظمات اجتماعية لتقديم الخدمات.
المتأمل والدارس يجد مراحل عدة مر بها العمل الخيري حتى وصل إلى شكله الحالي، وهو مجموعة الجمعيات والمنظمات الخيرية التي نظمت أعمالها وفق التشريعات الوطنية والتي أخذت بالجديد وحاولت أن تواكب العصر.
وبرزت مفاهيم عدة تحكم العمل وتُدخله إلى مجال الحِرْفية مع الحفاظ على معانيه الإنسانية وأصوله الخيرية.
ومع تطور عمل الجمعيات الخيري برزت في المجتمعات أشكال تنظيمية أخرى ذات بعد طائفي أو مهني، أو ذات توجهات سياسية وقضايا تتعلق بالحرية وحقوق الإنسان.
فكان ظهور الروابط للفئات المختلفة: التشكيلات العمالية ونقاباتها - والنقابات المهنية وتوجهاتها - الهيئات والنوادي - الأحزاب السياسية وما يتبعها من تنظيمات ـ جمعيات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات ... وغير ذلك من التنظيمات الاجتماعية والخيرية.
كما برز للوجود منظمات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التي بدأت بالعمل مع الحكومات، وامتدت إلى العمل مع التنظيمات الأهلية بصفتها وثيقة الصلة بالمجتمع، وظهرت أيضاً التنظيمات والاتحادات العالمية التي أنشئت لها فروع بالدول. ناهيك عن الجمعيات المصنوعة التي شُكلت خصوصاً حول توجه معين أو بغرض تنفيذ مشروعات معينة أو الترويج لقضايا بعينها تهم المواطنين أو بافتراض ذلك.
وبدأت سفارات بعض الدول وخصوصاً الغربية منها تتبنى أيضاً مشروعات في شكل برامج دعائية للمساعدة ومجابهة الاحتياجات. وشكلت وكالات للتنمية بصفة عامة كوكالة التنمية الأميركية والكندية أو أخرى متخصصة سواء بقضايا المرأة أو الطفولة أو غيرها.
ومع ثورة الاتصالات وتعدد نواحي الحياة برز إلى الوجود ما سمي بـ (القطاع المدني) ليشمل كل تلك التنظيمات والأعمال. وتنامى القطاع أو قُلْ: (المجتمع المدني) بكل تشكيلاته، وأصبح له صوت محلي وآخر عالمي، وله من المنظمات والأصوات ما يدافع عنه؛ وقد يكون لذلك جانبه الإيجابي، لكن الجمعيات الأهلية ذات الجذور الأصيلة التي شكلت البدايات والتي اتسمت أعمالها بالخيرية وصالح الإنسان بلا طائفية أو تحزب أو توجه مصنوع أو غايات خفية أصبحت جزءاً من المجتمع المدني، وكادت تذوب فيه.
وتحقق لها من جراء ذلك أمور مفيدة، منها:
١ ـ الانفتاح محلياً ودولياً.
٢ ـ تنوع مجالات العمل ليواكب قضايا أخرى لم تكن مرئية.
٣ ـ وصول العمل الخيري نتيجة الاحتكاك إلى نوع من الحرفية والأخذ بالجديد، وتنظيم الأعمال بشكل علمي عصري، وليس بشكل تلقائي.
٤ ـ بروز مؤسسات مانحة وأخرى متلقية، وإشغال الجميع بنوعية العلاقة.
وبرزت أيضاً مجموعة من السلبيات؛ منها:
١ ـ وفود المال والمساعدات في شكل لا ندري ما وراءه؟
٢ ـ اضطرار بعض الجمعيات إلى تغيير توجهاتها لتلائم توجهات الممول وأهدافه من أجل الحصول على المال والدعم.
٣ ـ ظهور الفساد في بعض الجمعيات نتيجة أساليب العمل غير الواضحة.
٤ ـ التسلل إلى مجتمع الجمعيات للتأثير على توجهاتها والانحراف أحياناً بغاياتها.
٥ ـ تحملها لسلبيات القطاع أو قل تعميم المشكلات والشوائب بجانب اختلاط المفاهيم.
وبتعبير آخر: فقدت بعض الجمعيات استقلاليتها وربما اختلطت بعض الأوراق ببعضها الآخر.
ü ماذا حدث مؤخراً؟
في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م وقع حادث مأساوي استهدف الولايات المتحدة الأميركية، وأدى إلى تحطيم برجي مركز التجارة العالمية وجانب من مبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) وألصقت التهمة بالقاعدة، وادُّعي على جمعيات دينية أو جماعات ذات صفة أخرى. وأياً كانت حقيقة الأمر فإن التداعيات استقرت على ما يلي:
١ ـ النظر بريبة إلى الجمعيات الخيرية ذات التوجه الإسلامي.
٢ ـ تجميد أموال بعض الجمعيات بحجة الاشتباه أو احتمال تمويلها لهذه الجماعات.
٣ ـ إلصاق التهمة بالإسلام والمسلمين، وتحوُّل الأموال إلى ما يشبه صراع الحضارات.
٤ ـ ما نشأ من جرَّاء ذلك من قلق يسود القائمين على العمل الخيري الإسلامي؛ في مقابل فتح الأبواب والتدعيم القوي للعمل التنصيري.
٥ ـ انحسار في التبرعات خشية أن تنال المتبرع تهمة تعزز أية توجهات.
وأصبح ذلك يهدد ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ العمل الخيري والسعي لتقويضه والنيل منه رغم أن هذا يتوجه في غالب الأمر إلى أفقر الفقراء وإلى جمهور المحتاجين للخدمات، أي أن العمل الخيري الإسلامي يسعى لتوقيف القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر وتقوض مجتمعات وحضارات.
الأمر إذن أضحى دائرة مفرغة تهدد الكيان المجتمعي، ليس في الدول النامية فحسب، ولكن في كافة المجتمعات؛ حيث تلعب الجهات الخيرية دوراً متنامياً لخدمة الإنسان وتشكيل ضمير المجتمع الذي يعبر عن الاحتياجات، وتسهم مع الحكومات والجهات الرسمية في سد الثغرات.
ü ما الحل؟
إن هناك عدة توصيات تعكس الروح الخيرية التي ترمي إلى تنقية ذلك العمل الإنساني وإبراز روحه الوثابة. ولْنتأمل في مجموعة التوصيات التالية التي يمكن أن تدعم هذا العمل الخيري وإدارته، ويمكن من ثم تبنِّيها، وهي:
- الشفافية، وأن تكون كافة الأعمال والأموال معلنة وواضحة.
- إصدار التقارير المعبرة عن طبيعة العمل الخيري ونشرها.
- تنقية العمل الخيري من أية شائبة.
- الاعتماد على الذات كلما أمكن ذلك.
- أن يكون التمويل الخارجي غير مشروط ووفق الثوابت المعتمدة.
- أن تكون الجمعية الخيرية ذات قاعدة عريضة في المجتمع وليست حكراً على مؤسسين؛ بمعنى أنه ينبغي زيادة قاعدة التطوع.
- أن يحكم العمل ميثاق شرف للعمل التطوعي الخيري.
- شرعية العمل وعلنيته.
- الابتعاد عن السياسة والتحزب والطائفية.
- الاستقلالية.
- التوجه إلى أفقر الفقراء وأصحاب الحاجة.
- القيام بالتوعية المجتمعية.
- تقوية الصلات بالجهات الرسمية والحكومية.
- اعتماد استراتيجيات واضحة وأهداف محددة.
هذه التوصيات التي يمكن تبنِّيها توضح أهمية التجربة الثرية والفريدة التي تحمل في ثناياها الحل، وتدعونا للقول: إن هذا الحل يكمن في أعمالها ونشرها وتنفيذها. وها نحن نعرضها في شكل مجموعة من الوصايا والتوجهات لحماية العمل الخيري.
ü وصايا وتوجهات لحماية العمل الخيري:
إن الجمعيات والهيئات الأهلية مدعوة وبقوة للعمل باستمرار؛ فهي ركيزة أساسية في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تشكل قطاعاً من قطاعات المجتمع مطلوب تكامل أدواره مع أدوار القطاع الخاص والقطاع الحكومي. وكي يظل العمل الأهلي الخيري هو نبض المجتمع وضميره والمعبر عن آلامه وآماله والساعي مع الشركاء لتلبية احتياجاته، يجب أن يصان ويظل بمنأى عن أية تنظيمات أو صراعات، ومن ثَم نوصي القائمين بالعمل الخيري بالسعي إلى حمايته من خلال الأخذ بالأمور التالية:
١ ـ العمل وفق القوانين والأنظمة:
تنظم الدول العمل الأهلي من خلال عدد من الأنظمة أو بإقرار قوانين خاصة يعمل في إطارها وعلى هدي أحكامها. وبقدر ما يعتقد البعض أن القوانين قد تكون معوِّقة لحرية الجمعيات والهيئات أو داعية للتدخل في شؤونها بقدر ما تكون في غالب الأمر حامية للعاملين عليها أو المتبرعين الذين يضعون أموالهم بين أيدٍ أمينة تُحسِن التصرف.
إن حصول الجمعيات والهيئات على الشرعية والتسجيل لدى وزارات الشؤون الاجتماعية أو الداخلية أو وفق ما تحدده القوانين المعمول بها في البلاد التي تمارس فيها نشاطها أمرٌ ضروري لاكتساب الشرعية والعمل في العلن.
حب الخير وحده لا يكفي، والنوايا الطيبة ليست سياجاً للحماية، ولكن العمل في النور هو الضمان؛ ومن ثَم فأولويات الأمور هي الحصول على التصريح والتسجيل ووجود مقر لمباشرة العمل؛ فالعمل ينبغي أن يكون علنياً وليس سرياً، وتنظيمات المجتمع هي من أجل المجتمع والعمل لصالحه.
٢ ـ تنظيم العضوية:
بعد الحصول على التصاريح اللازمة هناك أمور النظام الأساسي واللائحة الداخلية التي تنظم عمل الجمعية، ومن أبرزها شروط العضوية. وتعتبر عملية العضوية وإمساك سجلاتها والحصول على البيانات الكاملة للأعضاء، والالتزام بشروط العضوية أمراً هاماً، والجمعيات لا تقبل غالباً في عضويتها من عليهم أية شبهات أو صدرت ضدهم أحكام أو سبق أن صدرت ضدهم أحكام مخلة بالشرف. ولا بد أن تطبق شروط قبول العضوية أو إسقاطها حسب الأنظمة.
إن تنظيم العضوية عملية حيوية، ويجب أن تظل مستمرة، كما أن البيانات الخاصة بالأعضاء يجب تحديثها؛ ناهيك عن عملية التواصل مع الأعضاء لإطلاعهم على الأعمال وإشراكهم في النشاطات والمؤتمرات العامة إن عقدت.
إن الأعضاء هم جمهور المتطوعين؛ والمطلوب الحفاظ عليهم وتدريبهم وتحفيزهم؛ فهم الزاد لمسيرة العمل الأهلي وتطويره. ومن ثم فالتخلص من بعض العناصر أمر مطلوب إذا حادوا عن الطريق والأهداف؛ وذلك وفق الاشتراطات واللوائح المنظمة للعمل. والعناصر النشطة التي تبني وتؤازر العمل مطلوب تشجيعها وتحفيزها بل تكريمها.
إن العضوية وتنظيمها تظل مشكلة في معظم الجمعيات والمنظمات الأهلية؛ ولذلك يجب أن تولَى الاهتمام، فيمكن من خلالها البقاء والتقدم البنّاء، وفي انسيابها وعدم ضبطها يكون الخلل ووضع علامات استفهام على الأعمال.
٣ ـ التنظيم الإداري الجيد:
إن العمل الأهلي الخيري لم يعد عملاً تلقائياً، ولكنه دخل مرحلة الاحتراف، ومن ثم فالأخذ بالأسلوب العلمي في الإدارة والاستعانة بالكفاءات الإدارية أضحى أمراً أساسياً.
إن التنظيم الإداري يعني تنظيماً إدارياً للأعمال التطوعية والهيئات الإدارية، وكيفية اتخاذ القرار وانتظام الجلسات واللجان، ورسم السياسات ووضع الخطط والبرامج. وعلى صعيد العاملين يعني عناصر قادرة لها رؤية وتقوم بالعملية التنفيذية باتباع الأساليب الإدارية الحديثة في التخطيط والتنظيم والإدارة، وأداء الأعمال من ناحية إعداد المشاريع وتنفيذها، وما يتعلق بالمتابعة والتقييم وإعداد التقارير، والقيام بأعمال الدعوة والإعلام، وربط الصِّلات مع المنظمات الأهلية والأطر الرسمية في داخل المجتمع، ودعوتها للمشاركة في الأعمال؛ إلى جانب المحافظة على الجودة الشاملة في تنفيذ البرامج والمشروعات. كل ذلك يحسب للعمل الأهلي ويرفع من شأنه ويضعه في مصاف الأعمال الجديرة بالتقدير.
٤ ـ الاستقلالية:
الاستقلالية لا تعني التقوقع أو الانغلاق على النفس، بل تعني الانفتاح ولكن باستقلالية في رسم السياسات وفي أخد القرار. وهذه الاستقلالية تنبع من الشعور بالمسؤولية تجاه احتياجات المجتمع والجماهير المستفيدة.
الاستقلالية تعني عدم الارتباط بحزب معين أو توجه سياسي يطغى على العمل الخيري ويصبح محسوباً على فئة دون أخرى، فيكون الولاء ليس للخير وحده والمصلحة العامة، ولكن للطائفة أو الحزب، فتعلو وتهبط وتتلون حسب توجهات الطائفة أو الحزب، ويُفقدها ذلك الموضوعية في رسم البرامج واتخاذ القرارات.
الاستقلالية تعني التحرر من فرض توجهات معينة تتعارض مع أهداف الجمعية أو الهيئة، فتكون أعمالها خالصة لتحقيق الصالح العام وخدمة أفراد المجتمع الذين تستهدف المؤسسة خدمتهم.
٥ ـ وضوح الأهداف:
العمل الأهلي أو القطاع الخيري، كما سبق الإشارة إليه، لم يعد عملاً تلقائياً تحدوه النوايا الحسنة فحسب، بل هو عمل علمي لا بد أن تكون له مجموعة من الأهداف العليا أو قل الاستراتيجيات التي يسعى إلى تحقيقها والسير في فلكها. وهذه الأهداف العامة لا بد أن تكون محددة وواضحة السمات، بحيث لا يكون هناك أهداف خفية أو غير مرئية أو مستترة.
وفي العمل لا بد من ترجمة الأهداف العليا أو الاستراتيجيات إلى أهداف عملية؛ وللتعامل مع هذه العملية تكون البرامج والمشاريع.
وأخيراً يكون تحديد الجمهور المستهدف وغايات هذه البرامج والمشاريع، ولا بد لأهداف العملية أو الأهداف الخاصة بالبرامج والمشاريع أن تكون واضحة ومحددة وسهلة القياس.
إن عملية وضوح الأهداف سمة علمية، ولا تكون مجرد أهداف مكتوبة، ولكن تكون معلنة يتشربها جمهور المتطوعين والعاملين كي يسعى الجميع لتحقيقها، وليتسنى للشركاء أو منظمات المجتمع الأخرى التعاون والتنسيق معها في تحقيقها.
٦ ـ المشروعات المجتمعية:
الأصل في العمل الخيري وأعمال الجمعيات أن تكون موجهة لخدمة المجتمع وتلبية الاحتياجات؛ فالجمعيات الخيرية وإن كان بعض منها موجهاً لفئات خاصة بالمجتمع إلاّ أنها في النهاية موجهة للمجتمع وشرائحه؛ ومن ثم فإن ترجمة الأهداف إلى برامج ومشروعات يجب أن تستهدف في الأساس نهضته وتقدمه. وكلما كانت المشروعات مخططة ومصممة بشكل يتناغم مع الاحتياجات كانت أكثر قبولاً وتعاطفاً بين فئات المجتمع. وهناك شريحة من الجمعيات قد تكون موجهة لمجتمعات أخرى أكثر حاجة؛ فهي تخاطب بالأساس الآخَر وتنبع من شعور بالتعاطف بين الدول والمجتمعات والإنسان أياً كان موطنه، وهنا تنبع الحساسية والتخوف، وعليها مراعاة ظروف تلك الفئات والمناخ السياسي والمجتمعي الذي تعيش فيه ومدى تقبل ذلك، وتحاول التوصل إلى الصيغ الملائمة للعمل دونما مخاطر أو تخوفات أو شبهات.
إن العمل الخيري سيظل مطلوباً ما وجدت الحياة، وحري بنا أن ننأى به عن أية مؤثرات أو تلوينات.
٧ ـ الشفافية:
وهي محصلة لما سبق ذكره من أمور وضوابط. فالشفافية مطلوبة في كل شيء بداية من تبيان الأهداف ونبل المقصد ووصولاً إلى تنفيد المشروعات على الأرض. إن الأمر الهام الذي قد يثير قلق المتبرعين أو المانحين هو: إلى أين نوجه الأموال أو كيف توظّف؟ وهل تحقق الغرض منها أم لم يتحقق؟
وهنا يأتي دور التقارير الخاصة بالإنجازات سواء كانت تقارير عن مشروعات بعينها أو تقارير عامة فئوية كانت أم سنوية، التي يجب أن تعكس النشاطات والأعمال. إن عملية التواصل مع الجهات المانحة وجمهور المتبرعين عملية هامة لكسب المصداقية.
وقد يفسر البعض الشفافية بمفهوم سطحي؛ بمعنى تدخل الآخر في الأعمال أو تدخل كل من له مصلحة أو غيره في تفاصيل الأشياء. إن ذلك الأمر مربك للعمل وللعاملين وكأنهم موضع اتهام مستمر. ولكن المقصود بالشفافية هو اطِّلاع من يهمهم الأمر على طبيعة الأعمال بجانب نشر التقارير المعبرة.
٨ ـ البعد عن الصراعات:
إن القائمين على العمل الخيري أو الجمعيات هم في الأساس متطوعون أو أناس آلَوْا على أنفسهم العمل الخيري من أجل خدمة مجتمعاتهم أو الفئات المستهدفة بالخدمة. كما أن العاملين هم عنصر فاعل في أداء الأعمال. ومن ثَم فإن جمهور المتطوعين الذين رسموا السياسات والأهداف حري بهم الاتفاق والبعد عن الصراعات. وقد تكون الصراعات على بعض المناصب من هياكل الإدارة أو من موقع اتخاذ القرار. هذه الصراعات قاتلة ومدمرة للعمل، وتبعد عن نبل المقصد؛ وحلُّ ذلك يكمن في إعمال الشورى وتعميق أسلوب الحوار للاتفاق ودحض كل ما من شأنه بعث الفرقة والاختلاف. النقاش الحر واتباع الأسلوب الأمثل في الإدارة ينأى بالعمل ومؤسساته عن مغبة الصراع. قد يكون بين العناصر في الإدارة من قد يشوِّه الصورة أو يبتعد عن قصد عن الهدف المرجو؛ فالحوار هنا والمصداقية تلفظ تلك العناصر وتنقي العمل من الشوائب. إن العناصر العاملة تعتبر في الأساس عناصر متطوعة؛ فالمتطوع العامل أصبح سمة لجمهور العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وبالرغم من حصول العامل على أجر واعتباره متفرغاً لأداء الأعمال، غير أن سمة التطوع هي عنصر النجاح في أداء الأعمال؛ حيث يتحلى العامل بروح التطوع، ويتفاعل مع الأعمال، ليس بمنظور الموظف، ولكن بمنظور القانع بأداء الخدمات والعامل على تحقيق الأهداف.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد تكون أو توجد بين جمهور العاملين بعض الصراعات الوظيفية أو اختلاف في الرؤية، وهنا تأتي مهمة الإدارة؛ فبجانب إعمال الشورى والاستماع للرأي الآخَر تكون مسألة العمل في فريق وجماعية العمل؛ مع وضع الأهداف نُصْبَ الأعين ليتم الابتعاد عن المسائل الشخصية وجوانب الصراع المختلفة التي تعد أسوأ الأشكال المدمرة. والمطلوب أن يكون هناك تنافس شريف من أجل إعمال المصلحة العامة، وليس التنافس الذي يؤدي إلى صراع يدمر ولا يبني.
٩ ـ التكامل مع القطاعات الأخرى:
العمل الخيري التطوعي أضحى عملاً مخططاً حتى يؤتي الثمار المرجوة، ومن ثَمَّ فإن قوَّته في تلبيته للحاجات الفعلية للجماهير والمجتمع، وأيضاً في تكامله مع القطاعات الأخرى في المجتمع، أي الجمعيات الشبيهة. فلا توجد مؤسسة أو جمعية تلبي كافة الحاجيات التي يحتاجها الإنسان؛ فهناك مؤسسات متخصصة في أنواع من الرعاية، وبعضها في العمل التنموي؛ ناهيك عن الإطارات والإدارات الرسمية التي تقدم الخدمات الاجتماعية المناسبة. فالعمل الأهلي والجمعيات هو عمل مكمل لها أو مبادر لتقديم نوعية الخدمات التي يحتاجها المواطنون.
والامر المهم الذي نريد إبرازه هو فكرة التكامل بين المؤسسات وفكرة الاستفادة من مصادر الخدمات المتوفرة في المجتمع حكومية كانت أم أهلية. وعملية التكامل تدفع بنا إلى إدراك أهمية الشفافية التي أشرنا إليها والمصداقية وكسب ثقة المجتمع؛ فالعمل الخيري ليس عملاً سرياً، ولكنه عمل علني شفاف لخدمة المجتمع؛ وبتكامله مع الخدمات الأخرى تتجسد صور الرعاية والتنمية؛ بل إن العمل الناجح والصادق والمفيد «مُعدٍ» إذا جاز التعبير، وابتكار الجديد في أساليب الخدمة يدفع بالآخرين إلى التقليد ويحفزهم على الإجادة.
١٠ ـ التقارير:
إصدار التقارير دائماً هو نوع من المتابعة. والتقييم له أبعاد مختلفة؛ فهو تسجيل حي لما ينجز، وفرصة للدعوة والإعلام عما يتم، بجانب كون ذلك فرصة لمحاسبة النفس: ماذا تم، وماذا تحقق من نجاحات؟ أيضاً: ما حدث من عقبات أو إخفاقات؟ واستخلاص الدروس المستفادة في محاولة لتجاوز العقبات والمشكلات.
والتقارير أنواع: فهناك تقارير خاصة عن المناسبات المختلفة أو المشروعات المنفدة، وهناك تقارير عامة سواء كانت شهرية أم دورية أم سنوية. ومن ثَم فالتقارير وسيلة لتحقيق الشفافية والمصداقية والتعبير عما يتم من أعمال ونشرها في المجتمع.
١١ ـ ميثاق الشرف:
كثر الحديث عن ميثاق الشرف في أعمال مختلفة؛ فهناك ميثاق الشرف الصحفي، وميثاق الشرف الطبي على سبيل المثال ... وبمناسبة عام التطوع العالمي هناك ميثاق الشرف التطوعي. وأشار مؤتمر الخير العربي إلى ميثاق الشرف الخيري. والمقصود بميثاق الشرف، أياً كان، هو نوع من القواعد أو المبادئ أو الأسس التي يرتضيها العاملون بالمجال ويلتزمون بها، وتحدد فيما بينهم أخلاقيات العمل ومجموعة القيم التي تربط بينهم. وهذا الميثاق هو معانٍ ليست بالضرورة أن تكون منصوصاً عليها في النظم الأساسية واللوائح، ولكنها التزام مشترك للعاملين والمتعاملين في المجال.
وبصدور مثل هذا الميثاق ما يعزز القيم السابقة ويبرز المعاني السامية وراء العمل الخيري، وينقيه دائماً من الشوائب والشبهات، ويدفع به قُدُماً لمزيد من الخير والعمل الإنساني.
١٢ ـ الاعتماد على الذات:
رغم أن العمل الخيري يعتمد في الأساس على عطاء المتبرعين وأهل الخير لدعم هذا العمل سواء كان هذا الدعم مؤقتاً أم دائماً في شكل وقف أو زكاة متواصلة؛ فإن التوجه المرئي يشير إلى انحسار التبرعات وتعرضها لتقلبات سواء كانت مؤقتة أو نتيجة أزمات اقتصادية معينة. ولما كان وجود مصادر للتمويل يعتبر عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار ورسم الخطط والأعمال المتواصلة؛ لذلك وجب وجود مصادر ثابتة أو شبه ثابتة للتمويل وضمانة الاستمرارية.
ومن هنا وُضع شعار الاعتماد على الذات هدفاً أسمى للمؤسسات الخيرية، وابتكر من الوسائل ما يساعد في هذا الاتجاه. والحديث يطول عن أساليب تنمية الموارد وترشيد الإنفاق والجدوى الاقتصادية وتبنِّي المشروعات التنموية المدرة للدخل، والانتقال من مفهوم الرعاية الخالصة إلى المفاهيم التنموية، ومساعدة الناس كي يساعدوا أنفسهم كما يقول المبدأ الأساسي في الخدمة الاجتماعية.
١٣ ـ عدم قبول تبرعات مجهولة المصدر:
الحديث عن تنمية الموارد تجعلنا نذكر تحفُّظاً على قبول تبرعات مجهولة المصدر أو تبرعات مشروطة تجعل الجمعية أو المؤسسة تحيد عن أهدافها ومبادئها. وهذا موضوع حيوي يجب التنبه له؛ فليس من المفروض قبول أية أموال، بل يجب التأكد من هوية المتبرع والمقصد؛ بجانب النظر في الشروط التي قد يفرضها المتبرع أو صاحب المال. فالأضرار التي تحيق بالعمل الخيري في حالة عدم نُبل المقصد ضارة بالعمل بمجمله، ومن ثَم وجب التنبيه إلى ذلك والنص في لوائح الجمعيات الخيرية على الموارد المالية وقبولها وتنظيم ذلك.
стр. 5917
المنهج الخفي
محمد بن عبد الله الدويش
المنهج الخفي أو المستتر مصطلح تربوي له دلالته الواضحة لدى المختصين في التربية، وقد زاد تداوله في الآونة الأخيرة من قِبَل عدد من غير المختصين، وتم استعماله في غير دلالته الاصطلاحية؛ مما حدا بغيرهم إلى إنكار هذا المصطلح أصلاً والادعاء بأنه اختراع من هؤلاء.
وبغض النظر عن توظيف المصطلح في غير دلالته؛ فهو مصطلح تربوي لا ينبغي أن يخفى مفهومه على المهتمين بالشأن التربوي.
ويُعنى بالمنهج الخفي - ويسمى أحياناً المنهج المستتر أو الكامن -: كل ما يمكن تعلُّمه في المؤسسة التربوية من تعلُّم غير مقصود وغير موجود في المنهج الرسمي.
ويمكن استنباط المنهج الخفي من خلال أمور عدة:
ـ من القوانين واللوائح الداخلية والقواعد والتنظيمات العامة الموجودة في المؤسسة التربوية.
ـ ومن العلاقات العامة الموجودة داخل المؤسسة التربوية؛ كعلاقة الناظر بالمعلمين، وعلاقته بالطلاب، وعلاقة الأب بأبنائه والشيخ بطلابه، وعلاقتهم به.
ـ ومن خلفيات هذه الفئات المختلفة: الطبقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية.
ـ ومن طبيعة بنيان المؤسسة التربوية والأثاث المستخدم للطلاب والعاملين، وطبيعة المنافع والمرافق العامة.
ـ ومن شكل المعرفة داخل المؤسسة التربوية وليس مضمونها (١) .
إن الموقف التربوي يحوي عناصر مخططاً لها ومقصودة من قِبَل المربي، كما يحوي عناصر عدة غير مقصودة وغير مخطط لها، هذه الأخيرة - المنهج الخفي - ربما تركت آثاراً سلبية تفوق ما هو مخطط له وما هو مقصود.
حين يسود في البيئة التربوية حماس المربي لآرائه، ويسعى دائماً للمبالغة في إقناع المتربين باختياره الشخصي، ويحشد الأدلة العديدة لتأييدها وإثباتها، فإن المعنى المقصود والمخطط له هو هذه الآراء وتلقيهم لها، لكنهم يتعلمون مع ذلك التطرف في التفكير، والموقف الحاد في تشكيل الآراء والمواقف.
وحين تسود في البيئة التربوية اللغة الحادة في انتقاد المخالفين، والسعي لربط كل رأي مخالف بأصل لا يُختَلَف حوله حتى يثبت أنه مختلف في الأصول ـ حين تسود هذه السمة فإنها تربي في الأفراد التعصب والبغي على المخالف وتتبع العثرات والزلات.
وحين يعيش المتربي في بيئة تتعامل تعاملاً هادئاً مع المواقف، وتمارس التفكير والتحليل للآراء، ويعتاد أن يتلقى الأفكار مبررة بأدلة موضوعية؛ فإنه يتعلم - بالإضافة لما يتلقاه من محتوى بشكل مباشر - ممارسة التفكير في التعامل مع المواقف الجديدة.
ثمة أهداف عدة يسعى المربون إلى تحقيقها، لكن اختزالهم للموقف التربوي في المنهج المعلن والمخطط له يعوقهم عن اكتشاف جوانب الإخفاق لدى المتربين، ويقودهم في حالات كثيرة إلى معالجة هذه المواقف بصورة مباشرة من خلال عنصر المحتوى وحده، وربما قُدِّم المحتوى بطريقة تعوق عن تحقيق أهدافه، كمن يتحدث عن العمق وبُعد النظر بطريقة سطحية.
كما أن الوعي بذلك يفسر كثيراً من حالات القصور، أو حالات التميز التربوي لدى المتربين.
وهو أيضاً يزيد من قدرة المربين على التحكم في الموقف التربوي، وينقل كثيراً من عناصر المنهج الخفي إلى دائرة المنهج المعلن نظراً لأنها قد أصبحت مقصودة ومخططاً لها.
ولن يصل المربي مهما بلغ إلى التحكم بكل صغيرة وكبيرة، والتخطيط الدقيق لكل موقف، لكن المطلوب منه الارتقاء بأدائه، وزيادة دائرة تحكمه في المنتج التربوي.
стр. 5918
استراتيجية تقزيم الهزيمة
د. حنان فاروق
يقول علماء تنمية وتطوير الذات في العصر الحديث: إن الفشل أو الهزيمة ليسا المشكلة الحقيقية لمن يُمنَى بهما، لكن المشكلة الرئيسة هي الاستسلام لهما والرضا بهما.
إن الإنسان المهزوم هو الذي يسلم قياده لهزيمته ويرتاح بطريقة أو بأخرى في كنف (عدم استطاعة) وفي أغلال (فقدان المقدرة) على تغيير الواقع والعمل على خلق غدٍ أفضل بإذن الله؛ وهو الذي يركز على الجانب السلبي للفشل ولا ينظر إليه بمنظار مختلف وناحية مغايرة للانكسارية والتيه والضياع.
لقد أدرك الغرب المناوئ للإسلام وأمريكا سيدة مشروع (القرن الأمريكي الجديد) هذا الأمر، وفهمت أن سحق أي أمة لا يأتي إلا من داخل قلوب أبنائها وعقولهم قبل أن يكون جهاداً بالسلاح، ومن ثَم فقد عملت على تأكيد هذا السحق وتعميقه حتى تبدد أي أمل في النصر القادم الذي وعدنا به رب العزة ﵎، وكذلك حتى تنسى الأمة نهج رسولها ﷺ واستراتيجياته في معالجة الهزائم وتحويلها إلى بدايات لانتصارات جديدة حين يتكالب الطغاة والبغاة على الأمة تكالب الأكلة على قصعتها. وها هو ﷺ ، في بداية رسالته ونزول الوحي، عندما أتاه خبَّاب بن الأرتّ ﵁ وهو متوسد بُرْدَه في ظل الكعبة وقال له: ألا تدعو الله؟! فقعد ﷺ وهو محمرُّ الوجه، ثم قال: «لقد كان مَنْ قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ـ زاد بيان الراوي ـ: والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» .
كان المسلمون آنذاك في أوج هزيمتهم النفسية، يسامون سوء العذاب ليل نهار، وكان رسول الله ﷺ يبشرهم بالنصر والتمكين؛ بيد أنه حين رأى أن نفوسهم قد دخلت إلى منعطف الاستسلام لانكسارهم واليأس من حاضرهم أمدهم بجرعة أمل منبعثة من أعماق الإيمان برسالته؛ وكأنه يقول لهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ . فالضعف لا يزيد الإنسان إلا خساراً وترهلاً نفسياً لا يؤهله لأن تقوم له قائمة، أو تبزغ له شمس.
وحين ذهب ﷺ إلى الطائف ولقي ما لقي من الأذى والعنت والسخرية اضطر للعودة إلى مكة مرة أخرى واستئناف ما بدأه هناك، فقال له زيد بن حارثة الذي كان يصحبه في رحلته تلك: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك (يعني قريشاً) ؟ فقال ﷺ : «يا زيد! إن الله جاعلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيه» فبدل بقوله هذا ما أحسه زيد من انكسار وقلة حيلة وهو يرى نبي الله وأباه بالتبني ـ قبل أن يحرّم ـ يُسَبُّ ويرمى بالحجارة، إلى أمل وإيمان بنصر عزيز من لدن حكيم خبير. وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم أموالهم وديارهم وحياتهم بجوار بيت الله الحرام بعد أن سلبتهم قريش كل شيء مقابل خروجهم سالمين؛ كانوا وقتها يشعرون بالظلم القاهر لما اضطروا إليه فراراً من أذى قريش الذي أرهق أرواحهم قبل أجسادهم، وكانوا موقنين أنهم على الحق، لكنَّ تأخُّر النصر يؤلمهم ويقض مضجعهم. كانوا يتحرقون شوقاً لأن يسترجعوا حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنهوبة؛ فلم يتركهم الله ورسوله لهذا الشعور لكي يتغذى على نفوسهم وإيمانهم فيستسلموا له، بل نزلت الآيات الكريمة بالإذن بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَي نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
فكانت السرايا والغزوات التي أعطتهم الدفعة نحو الأمام والثقة بأنهم قادرون على الانتصار بإذن الله؛ لا يفت في عضدهم قصور في العدة أو العدد؛ مثل سرية سِيف البحر ورابغ والحزار، وغزوة الأبواء وبواط وسفوان، وغزوة ذي العشيرة، وسرية نخلة.. تلك السرايا والغزوات لم تكن إلا لرد كرامة المسلمين الذين لم يقترفوا ما يدعو إلى إيذائهم والاعتداء عليهم إلا أنهم اختاروا الله الواحد الأحد، فباعوا له أموالهم وأنفسهم، ونصروه ولم يستسلموا للتخذيل الهدام الذي كان يبثه المنافقون في نفوسهم؛ فلما أبوا الاستسلام ونصروا ربهم نصرَهم نصراً عزيزاً مؤزراً بعد سنوات من العذاب والصبر والتحمل.
أما ما حدث بعد الهزيمة النفسية المؤلمة التي تعرض لها المسلمون في أُحُد فهو الدرس الواضح الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في استراتيجية مقاومة وتقزيم الهزيمة؛ فقد أمر الرسول ﷺ المسلمين الذين شهدوا معركة أحد والمثخنين بالجراح والأحزان صباح الغد من الهزيمة بالخروج ليطاردوا فلول الكفار العائدين بنصرهم المؤقت؛ فرحين يخططون لإعادة الكرَّة للإغارة على المدينة المنورة ليفتكوا بالمسلمين وهم بعدُ لم يخرجوا من روح هزيمتهم، فهبُّوا سمعاً وطاعة لرسولهم الصادق الأمين ﷺ ، وعسكروا بحمراء الأسد على بُعد أميال من جيوش الكفار؛ مما جعل المشركين يفرون خوفاً منهم ومن سرعة قيام قائمتهم، وخاصة بعد أن خذّلهم معبد بن أبي معبد الخزاعي بإيعاز من رسول الله ﷺ بعد أن اسلم وأدى واجبه في إكمال الحرب النفسية على الكفار والمشركين، وعاد المسلمون دون أن يمس أحدَهم سوء؛ وشعورُ النصر والقوة يملؤهم ويدفعهم دفعة جديدة بعد أن كادوا يركنون إلى إحساس الفشل والألم والحسرة.
هذا ما علَّمناه رسولنا الأمين ﷺ . وإننا نرى اليوم الحرب النفسية على المسلمين؛ فحين تتوالى الأخبار عن هزيمة العدوان في العراق وأفغانستان أو غيرهما من بلاد المسلمين ومقتل عدد لا يحصى من أفراد القوات المحتلة.. نراهم يسمحون بتسريب أخبار عن تعذيب المسلمين في جوانتانامو وأبي غريب بأساليب تتدنى عن أحط الأخلاق الحيوانية، بل ينشرون صور ذلك الإذلال على الملأ في نشرات أخبارهم وبرامجهم السياسية والحوارية وجرائدهم المحلية والعالمية ليعمقوا إحساس المهانة لدى المسلم المتابع لقضايا مجتمعه في جميع أنحاء العالم بالصوت والصورة والشعور حتى يتغلغل داخله ويقيده فلا يستطيع منه فكاكاً.
ثم يعود العدو فينشر أخباراً عن إهانة المصحف وتدنيسه المتعمد في السجون والمعتقلات نفسها التي أُعدت خصيصاً للمسلمين القابضين على الجمر الذين جُرِّدوا من كرامتهم قبل ملابسهم تحت تهديد السلاح، ثم تعرض الصحف الأجنبية رسوماً مسيئة لرسول الله ﷺ وترفض الاعتذار بدعوى أننا ـ أعني المسلمين ـ لا نفهم معنى الحرية الحقة، فيحمِّلوننا الإساءة والتخلف معاً.
ويعاود رأس الكاثوليك الكرَّة فيسيء للإسلام، ثم يقول: لم أقصد.. وهو الذي يعد رئيس دولة؛ فهو ليس زعيماً دينياً فحسب، ولكنه أيضاً يضطلع بالعمل السياسي مثل رؤساء الدول وملوك الممالك وسلاطينها ومن شابههم؛ وعليه فلا يمكن إدراج إساءاته تحت النقل أو زلات اللسان أو الهفوات الفكرية؛ لأنها بالقطع مقصودة، وتضيف لسابقاتها المتكررة المعلنة وغير المعلنة أرصدة جديدة من الألم النابض في قلوب المسلمين وعقولهم. ثم يعود الإعلام فينشر صور حاكم عربي كبير، مهما اختُلف عليه فهو مسلم، وهو بملابسه الداخلية في المعتقل الخاص المعد له دون إذن منه وكأنه يمعن في فضحه والنيل منه.
ثم يعود فينشر فيلماًَ لإعدامه صبيحة عيد الأضحى المبارك والمسلمون في أوج عزتهم وتوحدهم الذي يستشعرونه كل عام من كل فج عميق خلال رحلتهم لبيت الله الحرام عبر القنوات الفضائية العربية وغير العربية والإنترنت ورسائل الوسائط للهواتف المحمولة التي استكملت المشهد التلفزيوني الذي رفض إعلاميوه عرض أواخره، فقامت الشبكة العنكبوتية وأجهزة المحمول بالغرض وبالمهمة عنهم ليضرب مشاعر المسلمين في مقتل وائد لفرحتهم قبل أن تكتمل، وسعادتهم قبل أن تتم.
إنها الحرب النفسية واللعب على وتر التحطيم الداخلي قبل الخارجي، وإرساء حالة من الاكتئاب واليأس العام قبل تنفيذ أي مخطط بفترة كافية كي تتسنى التهيئة التامة لركوع المغتصَبين لغاصبيهم، بانتزاع كل أمل في النصر والتمكين من قلب الفريسة لتتبدد مقاومتها قبل أن تولد، ويشل تفكيرها قبل أن يتأجج، ويموت الحلم حتى في الخيال، فيدخل المحتل إلى حيث يريد، ويأخذ ما يريد في الوقت الذي يريد، ويجعل فريسته إما صورة في مرآته، أو كمّاً مهمَلاً في سلة قاذوراته.
إن هذا هو مفتاح الانتصار الذي يعتمد عليه الآخر في حروبه معنا، معنويةً كانت أو ماديةً؛ وبغير هذا المفتاح لا يهنأ لغاصب قلب ولا يغمض له جفن، ولا يفرح مهما حقق من نجاحات ومهما نفذ من مخططات؛ ولهذا فنحن مطالبون بقمع هزائمنا النفسية والفعلية، والعمل على الخروج من قوقعة اليأس، وزنزانة التكبيل الفكري، ودائرة الإحباط المفرغة التي ندور فيها بلا هدف غير البكاء والتباكي على حالنا بكل طريقة ممكنة ومتيسرة: بالكلمة والفعل وتعلُّم وإرساء مهارات العمل الجماعي، ونبذ ثقافة الحزن على اللبن المسكوب في مقالاتنا وفكرنا، ودراسة تاريخنا الحقيقي لا ذلك الذي لُقِّنَّاه في مدارسنا وجامعاتنا.. وأولاً وأخيراً: بالثقة بوعد الله ـ تعالى ـ لنا: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] .
стр. 5919
الرؤية المركبة (٢ ـ ٣)
د. عبد الكريم بكار
تحدثتُ في المقال السابق عن (الفقر) بوصفه نموذجاً، نرى من خلاله أسباب هذه الظاهرة، وما يمكن أن يُطرح من حلول لمعالجتها، ووعدتُ بتقديم نموذج آخر لما نريد تقريره في شأن التفكير المعقَّد، وقد رأيت أن أتحدث اليوم عن (التعليم) عبر المفردات الآتية:
١ ـ تتخذ أمم كثيرة من التعليم اليوم مدخلاً رئيساً للتقدم والازدهار، والتخلص من الكثير من مظاهر التخلف. وهناك اعتقاد عالمي قوي بضرورة تطوير التعليم، كما أن هناك شكوى عالمية عامة من قصور المؤسسات التعليمية.
٢ ـ لدينا ميل شديد إلى التفسير الأحادي والرؤية البسيطة لما نراه من ضعف مؤسساتنا التعليمية على اختلاف مراحلها، والحقيقة أن معظم الناس يتحدثون عمَّا أدركوه إدراكاً فطرياً، أو ما انطبع في أذهانهم عن التعليم بسبب تجربتهم الفردية المحدودة. وقد أشرتُ في المقال السابق إلى أنه لا يصح تفسير الظواهر الكبرى بعامل واحد، وأنه لا بد من البحث عن العديد من العوامل التي تؤدي إلى ولادة الظاهرة الواحدة.
٣ ـ في تاريخنا الإسلامي تركيز شديد على نوعية الشيوخ والمعلمين الذين يمكن للمرء أن يأخذ عنهم، فإذا كان الشيخ عَلَماً في علم من العلوم، فإن الأخذ عنه يشكل فوزاً عظيماً لمن يتمكن من ذلك؛ وتزداد قيمة القراءة على الأعلام حين يقتضي ذلك السفر والرحلة من بلد إلى بلد.
٤ ـ لم يكن الارتباط بين المقدار الذي يحصِّله الطالب من المعرفة وبين الحصول على عمل أو على المال أو الرزق؛ واضحاً كالذي نراه اليوم، وهذا يؤثر في نظرة الناس إلى أهمية (العلم) في حياتهم.
٥ ـ لو تساءلنا عن أوضاع المؤسسات التعليمية لدينا مقارنةً بالمؤسسات التعليمية في البلدان الصناعية؛ فإننا سنجد عدداً من الفوارق التي يمكن أن نتحدث عنها على نحو من الظن والتخمين وعلى مقدار خبرتنا المحدودة، مع التنويه بأن ما سنذكره قد لا يكون موجوداً في كل مدارسهم وكل مدارسنا، فنحن هنا نتحدث عن عموميات، وليس عن مؤسسات بعينها. ومن تلك الفوارق الآتي:
ـ لدينا في قاعات الدراسة عدد أكبر من الطلاب، مما يجعل قدرة المدرِّس على التواصل مع جميع الطلاب دون قدرة المدرِّس لديهم.
ـ مدارسهم أغنى من مدارسنا بوسائل الإيضاح وبالمعامل والمختبرات وبالورش والمعدات ... كما أن نسبة المدارس المستأجرة لديهم إلى المدارس المملوكة للحكومة أقل.
ـ بداعٍ من قلة التجهيزات والإمكانات المادية يميل التدريس لدينا إلى الشرح النظري، على حين يميل التعليم لديهم إلى الاعتماد على التجربة والتطبيق، مما يجعل دور الطالب في العملية التعليمية أكبر، ويجعل ـ من ثم ـ استفادته من الدروس أعظم.
ـ يلاحظ في السنوات الأخيرة تراجع سوية الحماسة للتعليم لدى كثير من المعلمين لدينا، وتراجع سوية الحماسة للتعلُّم لدى كثير من أبنائنا، ولا أعرف أسباب ذلك على وجه التحديد، كما أنني لا أعرف الوضع الآن في الدول الصناعية بالنسبة إلى هذه المسألة.
ـ كثير من المعلمين العرب والمسلمين لا يحصلون على مرتبات كافية، مما يجعلهم مضطرين إلى القيام بعمل إضافي في المساء؛ كإعطاء الدروس الخاصة وغير ذلك.
ـ لم تعد مهنة التعليم لدينا جذّابة كما كان الوضع في السابق؛ بسبب ضعف عوائدها المادية، وبسبب تدنِّي المكانة الاجتماعية للمعلِّم في العقود الثلاثة الأخيرة، وهذا يعني أن أصحاب أفضل العقول وأفضل المواهب لا يجدون في مهنة التعليم خيارهم الأول!
ـ لدينا أعراف وتقاليد ثقافية موروثة لا تحبِّذ منح الطالب حقَّ تقويم أساتذته والحكم على أدائهم، ولا تحبِّذ فصل بعض المعلمين من الخدمة بسبب آراء طلابهم فيهم، وهذا جعل بعض المعلمين يتمتع بحماية، لا يحظى بها نظراؤه في بعض الدول المتقدمة.
ـ يأتي الطلاب في الدول المتقدمة من أُسر أفضل تعليماً من كثير من الأُسر لدينا، وهذا يجعل الدعم الذي يتلقاه الطالب لديهم للتفوق والاستمرار في التعليم أكبر من الدعم الذي يتلقاه الطالب لدينا.
ـ التعليم الحكومي ـ في معظم الأحيان ـ مرتبك في تطوير نفسه. أما التعليم الخاص، فلدينا عدد قليل نسبياً من المدارس الجيدة، وعدد كبير من المدارس التي لا نستطيع عدَّها بين المدارس الجيدة أو المقبولة.
والمشكل هو الطالب الفقير الذي يملك الموهبة ويملك الطموح، لكن لا يجد المدرسة الحكومية أو الأهلية التي تنمِّي مواهبه، وتحقق طموحاته. والتعليم في كل دول العالم يمتلك بعض المؤسسات الرديئة وبعض المؤسسات الجيدة، وإن كانت النسبة تختلف من دولة إلى أخرى، لكن الذي يميز الدول المتقدمة في هذا الإطار شيئان:
الأول: وجود تنوُّع هائل في التخصصات؛ بدءاً من المرحلة المتوسطة، حيث يجد الطالب بيُسْر التخصّصَ الذي يرغب إكمال دراسته فيه، على حين أن هذا قليل جداً في الدول النامية والتي تكافح لتوفير الحد الأدنى من المؤسسات والتخصصات في مجال التعليم.
الثاني: وجود مدارس وجامعات ومعاهد على مستوى عالٍ جداً من الجودة، وفي تلك المدارس والجامعات تتخرج الكفاءات التي تقود الشعوب، وتقدم نماذج عالية للأجيال الجديدة.
ـ لدى الدول المتقدمة جمعيات ومؤسسات وهيئات ومجالس خيرية تقدم الدعم للتعليم، وتقدم القروض والمنح للطلاب مما يسهم في حل المشكلات المالية لكثير من المؤسسات التعليمية؛ وهذا لدينا ضعيف للغاية.
خلاصة هذه المقارنة هي: أن لدينا تعليماً ضعيفاً بل رديئاً أحياناً، وبعض مشكلاته لا يُحل إلا عن طريق المال، وبعضها لا يحتاج إلى أيِّ مال. وهذا الكلام الذي ذكرناه لا يصح أخذه على عمومه، فقد يكون لدينا مدارس نموذجية راقية جداً، وقد يكون في الدول المتقدمة بعض المؤسسات التعليمية القائمة على الغش والتزوير والرّشوة، إذاً؛ نحن نتحدث عن الطابع العام، وليس عن حالات بعينها. ومن وجه آخر فإنني لم أتحدث عن بعض ما يميز التعليم لدينا، ولا عن بعض المشكلات التي يواجهها التعليم في الغرب؛ لأن الهدف هو تكوين رؤية مركبة لحال التعليم لدينا ليس أكثر.
في المقال القادم سأحاول ـ بإذن الله تعالى ـ طرح رؤية مركبة لمعالجة مشكلات التعليم على نحو مقارب.
والله الموفق.
стр. 5920
دماء على ثرى الفلوجة
عبد الهادي الزيدي
كان يدرك تماماً أنه لن يصل إلى قرار ذاكرته الأخير مع هذه الانفجارات التي تخلفها بين لحظة وأخرى طائرات أمريكية لوثت بضجيجها سماء الفلوجة الوادع. نظر يميناً إلى (فراس) صديق طفولته الذي بادله النظر هو أيضاً، ورأى شفتيه تتحركان حركات منتظمة بإيقاع أدرك من خلاله أنه كان يقرأ آيات من القرآن مُدركاً أن هذا الحضور المزعج الكثيف لقصف الطائرات الغازية منعه من تحديد السورة التي كان يقرأ منها رفيقه. وبضجر من بقاء الحال على ما هو عليه.. نظر يساراً إلى (أحمد) المقاتل الآخر الذي كان قد انشغل بإعادة لثام (شماغه) الأحمر على رأسه ووجهه، مُظْهِراً عينين تومضان تحت أشعة شمس ستبدأ بعد قليل تلويحة الوداع تاركة هؤلاء الثلاثة مقيدين بوطأة القصف الشديد وشظاياه التي تزرع المكان كله بالموت والدمار، مختبئين بانتظار اللحظة المناسبة للهجوم خلف ساتر ترابي ربما لن يصمد أكثر من دقائق إذا استمر الموت الأمريكي يتناسل في المكان. على حين غفلة من الوقت أو ربما الموت أشار (فراس) إلى قائد مجموعتهم هناك رابضاً على بُعد عشرات الأمتار بين أنقاض بيت أسرة فلوجية حطمتها وحشية الطائرات فاستشهد بعضهم ونجا آخرون، واستمرت الإشارات باليد لثوان أضاعت لديه المعنى كله، وأعادت إليه خطورة الموقف الذي يلفهم الآن، وصرخ بصديقه مستغلاً لحظة الصمت بين انفجار وآخر.
- ماذا يقول؟
تجاهله (فراس) وهو يربِّت على سلاحه مطلقاً العنان لبصره باتجاه الأفق الممتد إلى الأمام. ومن خلال الغبار المتطاير ودخان الحرائق الذي يخلفه القصف العشوائي رأوا مجاميع (المارينز) يواصلون التقدم باتجاههم، وأدركوا جميعاً حجم الكارثة إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.
كانت هذه بالطبع إحدى خطط الهجومات الأمريكية على أحياء الفلوجة، التي خلت من ساكنيها مع اشتداد المعركة وهذا بالضبط ما تمناه المجاهدون؛ فحين يأمنون على سلامة الأسر تتزاحم لديهم ثنائية النصر والشهادة، بشكل ليس له خيار ثالث.
ارتعد جسده فجأة كمن يُلقى في بركة ماء مثلج، وكاد قلبه يفر من بين أضلاعه هلعاً لانفجار قريب جداً في مخبئهم، ونظر إلى رفيقيه.. كانا مثله تماماً قد جمعهما الخوف في عباءته المخادعة؛ ومن بين ثقوب العباءة تلك كان أحمد يتنحنح؛ بينما يواصل (فراس) بصق ما دخل من جوفه من تراب تناثر مع شظايا الانفجار القريب.
كانت الخطة المعادية التي ألفوها أكثر من مرة قتل كُلّ متحرك أو مشكوك في أنه يتحرك على أرض المعركة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق غير بعيدة عن مخابئ المجاهدين، بعضها يقصف ويدمر، وبعضها الآخر يراقب ويرصد أي أمل في الحياة، ناقلة المعلومات إلى طبقة أخرى تعلوها ارتفاعاً من طائرات مقاتلة ملأت سماء الفلوجة وزرعت الأجواء كلها بأصوات مخيفة وبانفجارات مروعة.
- إنه يقول: علينا بالصبر والدعاء حتى يقترب الغزاة، وحين ذاك نقاتلهم عن قرب. كسر (فراس) حاجز الرتابة الملغوم بالترقب أخيراً، ثم رفع كفيه للسماء يدعو. أدرك أن خطتهم هذه ليس لها خيار آخر رغم خطورتها، حين يقترب جنود العدو الذين ما زالوا يواصلون تقدمهم الحذر باتجاههم عبر الأنقاض والحفر التي خلفها قصف طائراتهم التي تحميهم. وصوّب بصره إلى الأمام حيث الموت يتقدم، وبمزيج مما خلَّفته الذاكرة ومن حقائق معايشة مثل هذه الظروف الحالكة أدرك ارتجاف جنود الغزاة وخوفهم الشديد حتى من حجارة الفلوجة الصامتة؛ فهم يطلقون النار على الهواء والنبات وأشلاء الشهداء الممزقة والحجارة الصماء. لقد أعماهم الخوف من المجاهدين عن التمييز بين الحق والباطل، فأصبح كل شيء يستحق الموت ما دام يصر على انتمائه إلى هذا المكان.
«اللهم إنا في سبيلك نجاهد فانصرنا» قال هذه العبارة ثم انعقد لسانه وثقل، وبقي القلب وحيداً يردد هذه الكلمات معجونة بالتوجس من موقف لا يدري كيف سينتهي وبإصرار على الشهادة على ما يحب، بين الشظايا التي لا ترحم.
بحذر أكثر من السابق رفع رأسه قليلاً عن الساتر الذي أختبؤوا خلفه؛ إذ أحس بشيء مّا يتغير في سماء المعركة، كان معظم من وقع نظره عليه في مجاميع المجاهدين القريبة يواصلون الدعاء، ونشج هو بصمت مختلط بالقلق والارتباك، لقد كان بعضهم يبكي، كان التضرع إلى الله ـ تعالى ـ قد بلغ مداه، وبلغت القلوب الحناجر، بل كادت أن تفر منها إلى المجهول، ولا يدري كيف أستعاد الآن كلمات شيخه الشهيد في معركة سابقة على ثرى الفلوجة: «إن نصر الله يأتي في اللحظة التي تتساقط فيها ممكنات النصر البشرية، ويسلمك الله لنصره المجيد حين توشك أن تسلم نفسك لقدرك المحتوم» .
فجأة أحس بيد قوية تربِّت على كتفه، ونظر مرتبكاً في وجه (فراس) الذي أتاه زحفاً مشيراً إلى جهةٍ مّا في السماء البعيدة، وحين تابع إشارته هناك اصطدمت عيناه بمرأى غيوم ترابية تتكاثف عن بُعد ثم تقترب من سماء المعركة، وأعاد النظر ثانية إلى وجه صديقه.. تمعن فيه جيداً كأنه يقرأ ما تحت سطور قسماته، كانت لحية فراس السوداء قد امتزجت بالغبار وعيناه تذرفان الدمع؛ بينما كان بقية الوجه ضاحكاً مستبشراً كمن ينتظر خبراً سعيداً سيزف إليه الآن فأحتضنه. كان جسد (فراس) يرتجف وفرحٌ مَّا يشع من قسماته كلها، ولأول مرة يستنشق منه رائحة عطر غريب ملأت قلبه وسدت عليه منافذ المكان كلها، مستغرباً أيما استغراب، من أين (لفراس) رائحة المسك كلها تلك؟!
بخطى سريعة عاد (فراس) إلى مكانه السابق وتابع بقية رفاقه وهم يصوبون بنادقهم بهمة إلى أهداف بدت الآن في دائرة رميهم المميت، أما الطائرات فقد منعتها عنهم عاصفة التراب غير المتوقعة تماماً.
إنهم الآن وجهاً لوجه: شراذم من النمل الأسود تتقدم مخلفة الدمار، محملة بتأريخ من القتل والزيف وإذلال الشعوب، ومجاميع نذرت نفسها للشهادة دفاعاً عن أرض حبيبة لا بديل لها، وتأريخ يحفل بالحب والفداء ونصر الله الذي لا يدانيه نصر.
قفز (فراس) إلى مكان أقرب إلى الأعداء وهو يطلق الرصاص بغزارة، وامتطى (أحمد) ظهر ما بقي من جدار قريب وهو يفعل الشيء نفسه، ووجد هو نفسه ـ أيضاً ـ بطلق الرصاص على أجساد بلا روح تخبطت في ركضها العشوائي يميناً ويساراً باتجاه مفر أو مأوى، وعلى مسافة قريبة منه كان أحد المجاهدين يرمي أكثر من مرة قنابل يدوية سقط على أثرها عدد من جند الأعداء، وزحف هو باتجاه مكان أكثر حصانة، أبدل مخزن بندقيته بسرعة متناهية وأنفاسه تكاد تنقطع، ثم واصل إطلاق رصاصه باتجاه من بقي من الغزاة ناظراً إلى الأفق البعيد. كان المجاهدون في الأطراف قد أكملوا التفافهم بنجاح، فوقع الاعداء في دائرة كبيرة من النيران وخلفهم تماماً على مشارف الأزقة الضيقة أرتفعت نيران الآليات الأمريكية المحترقة، ونزل منها من كان يحتمي بها من الأعداء رافعين الأكف المرتجفة والرايات البيضاء.
أطلق رصاصة على أقصى اليسار كمن شك في حركة معادية، وحين التفت إلى الجهة الأخرى تسمَّر نظره على جسد رفيق دربه (فراس) وهو يتهاوى محتضناً أرض الفلوجة الطاهرة، فركض باتجاهه.. كانت الدماء الزكية تشخب من صدره وبطنه، وهو يتمدد على الأرض مستسلماً لابتسامة عريضة ورائحة المسك الطيبة تعطر المكان.. احتضنه ثانية في تلك المعركة، كان جسده دافئاً يطلق ارتجافات أخيرة وأمواج من العطر لا تُمحى من الذاكرة؛ بينما اقتحمت أذنيه بتواصل تكبيرات المجاهدين المختلطة بالبكاء والدعاء، فصاح معهم بلا وعي كامل: الله أكبر.
стр. 5921
مستقبل أفغانستان في حوار مع رئيس تحرير مجلة (عزم) الأفغانية
حاوره: عبد الكريم الأفغان ي
الأستاذ (إكرام ميونرى) رئيس تحرير مجلة (عزم الأفغانية) ، وهو من الصحفيين المتابعين للشأن الأفغاني عن كثب، كان لنا معه هذا الحوار.
البيان: كيف ترى الأحوال في أفغانستان بعد خمس سنوات من الاحتلال الأمريكي الذي ادعى تحريرها؟
٣ من وجهة نظري كمتابع أرى الأمور رجعت مثلما كانت عليه قبل ظهور حركة طالبان. الناس يعيشون الآن في فوضى وفي حالة لا يعرفها إلا من يعيش هناك داخل أفغانسان، الفوضى عادت والحكومة ليس لها سلطة حتى في المدن الرئيسية، وهي غير موجودة إطلاقاً لا إدارةً ولا أمناً ولا شرطة.
فغير المدن الكبرى التي من المفترض أن تتبع الحكومة، لطالبان فيها شيء من السيطرة، أما ما يسمى بعملية ترتيب الأمن في المدن الكبرى فالسيطرة للقوات المحتلة من حلف الناتو أو القوات الأمريكية، وقوات حلف الناتو يشارك فيها أكثر من ٣٥ دولة وكلهم مشاركون سواء بالقليل أو الكثير من بريطانيا إلى فرنسا إلى ألمانيا إلى بولندا إلى كندا ... إلخ، لكنهم ـ مع ذلك ـ كلهم لم يستطيعوا أن يوفروا العيش للناس في داخل المدن أو في خارجها بخلاف الأماكن التي لطالبان فيها حضور، إذ رغم عدم سيطرتها الكاملة؛ فهي آمنة بنسبة عالية والناس يعيشون حياة هادئة.
ولذا فإن الناس لما رأوا مثل هذه الحال، ووجدوا أنهم فقدوا الأمن ولم يحصلوا بالمقابل على شيء من الوعود التي وُعِدوا بها من تطوير اقتصادي وعمراني ونحوه، كان من الطبيعي أن يحنُّوا لأيام الأمن قبل دخول القوات الخارجية والغازية. لقد انتظروا كثيراً، انتظروا سنة، سنتين، ثلاث سنوات، أربع سنوات، خمس سنوات، ويبدو أن قادة طالبان تركوا الوقت يمر حتى تسفر الأوضاع عن كذب هذه المواعيد والإعلانات، حتى إن الناس أنفسهم بدؤوا يبحثون عنهم، بعد أن ذهبت الوعود أدراج الرياح؛ ومؤتمر اليابان الذي انعقد وأعلن عن تقديم ثمانية مليارات دولار دعماً للحكومة الأفغانية لم يأتِ منها إلا الدفعة الأولى، جاءت أربعة مليارات، لكن بعد سنتين لما طُرِح السؤال: أين ذهبت المنح الخارجية من الدول المانحة؟ لم يجدوا شيئاً؛ سواء في البنك المركزي أو في وزارة المالية، ولما رجعوا إلى بعض الوزراء ليعرفوا أين أنفقت هذه الأموال، وأين صرفت لم يجدوا جواباً.
ومن النواحي الاقتصادية؛ الناس الذين تمنوا أن تفتح الأبواب الخارجية التجارية عبر الجمهوريات المحيطة، وبخاصة تركمانستان لتصدير الغاز الطبيعي إلى دول أخرى؛ لم يجدوا شيئاً، فرجعوا إلى زراعة الأفيون، والحكومة تعرف ذلك ولكنها تغاضت وتركتهم؛ بخلاف الموقف أيام طالبان في السنتين الأخيرتين؛ حيث إنها لما أعلنت حظر زراعة الأفيون امتنع عامة الناس عن زراعته من تلقاء أنفسهم، واليوم فُتِحَ لهم المجال، بل قالت الحكومة: افعلوا ما تشاؤون!! فتفاقمت زراعة الأفيون، وحسب تقرير الأمم المتحدة في العام الماضي؛ وصل إنتاج الأفيون في أفغانستان إلى ٦٠٠٠ طن تمثل٨٠% من زراعة الأفيون على المستوى الدولي؛ وهذه الإحصائيات تدل على أن أفغانستان أصبحت أكبر منتج للأفيون في العالم.
البيان: ما هي تأثيرات الغزو على هوية الشعب الأفغاني من الناحية الدينية والفكرية والثقافية؟
٣ لا شك أنه كان للغزاة رهان من أول يوم للأحتلال، وبدلاً من أن يبحثوا للناس عن العمل أو التعليم أو العلاج ونحو ذلك من الأشياء الرئيسية، بدؤوا بفتح ما يسمى بمعاهد الفن، لتعليم الموسيقى والغناء والرقص، وأصبح ذلك يبث على القنوات الفضائية الأهلية والحكومية، وهي الأشياء التي لم يعرفها الشعب الأفغاني، وبخاصة الجيل الجديد الذي عاش جو الجهاد وتربى فيه من ثلاثين سنة.
إن رهانهم الأكبر الآن: أن يفسدوا جيل الشباب، وأن يتمكنوا من تنشئة نخب مستغربة؛ ولذا أقاموا للشباب دورات في تعلُّم اللغة الإنجليزية والكمبيوتر، وأرسلوهم للخارج للتعلُّم في أمريكا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا في بعثات مجانية بغرض الإفساد، كما توزع الصحون الفضائية في بعض المناطق مجاناً؛ فبعض المؤسسات الأوروبية التي تسمى (خيرية) توزعها، وكنا نفرح أحياناً؛ لأنه لا يوجد كهرباء يستمر بها بث الفساد، لكن هذه المؤسسات كانت تصنع محركات صغيرة لتشغيل التلفزيونات فقط، ووزعوها على الناس بمبالغ زهيدة ٥٠ أو ٦٠ دولاراً فقط، وهذا يعتبر ربع أو ثلث قيمتها الحقيقية، وذلك كله باسم الخير وباسم الثقافة وكلها للإفساد. والآن يُجَهز للعام الدراسي الذي سيبدأ قريباً خمس وعشرون مليون مطوية لتوزع على الطلاب في المدارس وعلى أهاليهم كي يأخذوها لبيوتهم وتصل لكل فرد من أفراد الشعب الأفغاني، وهي مطويات تحمل محتوى الغزو الفكري والثقافي والعقدي، ويقف وراءها ما يسمى بالمؤسسات الخيرية الأوروبية وما هي إلا مؤسسات تنصيرية.
في المقابل لا يوجد من حلقات تحفيظ القرآن الكريم إلا القليل، وبعض حلقات العلماء في المساجد على الطريقة القديمة التقليدية، ولا يوجد ما يواجه هذا الغزو من جهود رسمية، ولا جهود أهلية بل من يحاول مواجهة الغزو فإنه يحارَب. وأحب أن أنبه هنا إلى أن الشيعة انتهزوا الفرصة، ولهم الآن حوزة افتتحوها ويتولاها محمد آصف محسني الذي يعتبر مرجعاً للشيعة في أفغانستان، وكان يرأس حزب (حركة إسلامي) وقت الجهاد، والآن وبالتنسيق مع الأمريكان دخل إلى كابل، واشتُريت للحوزة الأرض، وخُصص لهم مكان لإقامة الجامعة الشيعية بـ ٩٠ مليون دولار، وكلها تنفق باسم الحوزة المرجعية في إيران، والعمل بدأ بقوة، والآن يدرس ١٢ ألف طالب وطالبة من الشيعة في هذه الحوزة المعروفة باسم (خاتم النبيين) في وسط كابل. وهذه بداية لتغلغل الرافضة داخل كابل، وهي تتم بمباركة أمريكية وبمساعدة مؤسسات أوروبية وطبعاً إيرانية. ومدينة (باميان) الشيعية التي كانت منطقة جبلية صحراوية يعسر الوصول إليها إلا بشق الأنفس، عُبِّدت لها الآن طرق، وبُنيت هناك مستشفيات ومدارس ومطار عن طريق أموال من إيران، وقد أصبحت الآن تنافس العاصمة كابل، واشتُريت أراضٍ داخل كابل لبناء أحياء شيعية، وقد بنوا بيوتهم في هذه المناطق وبدؤوا التغلغل في الحكومة حتى أصبح لهم اثنان من أربعة ممثلين في البرلمان عن مدينة كابل. ويمكن أن يكون بناء هذه الحوزة تمهيداً لإدخال السنَّة للتعلُّم فيها، وهم إلى الآن لم يفتحوا لهم الباب. وهكذا يأتي هذا التغلغل مع أنهم قبل عشر سنوات ما كان أحد منهم يملك بيتاً في كابل إلا قليل منهم على استحياء وتخفٍّ.
البيان: ماذا عن قضية المرأة في أفغانستان، وهي التي اعتبر الغزاة (تحريرها) هدفاً من أهدافهم الرئيسية..؟
٣ من ناحية قضية المرأة فإن مشاركتها في البرلمان والدعاية لها وخروجها عن التقاليد الإسلامية؛ هذه أيضاً تعتبر من أهدافهم الرئيسية، وكذلك إخراجها للعمل الذي لا يناسبها كعاملات وخادمات في الفنادق. لكن هذه المحاولات لا تجد لها مكاناً إلا في العاصمة كابل التي يسيطر عليها الحكوميون والغزاة، لكن ـ ولله الحمد ـ في خارج كابل لا تجد شيئاً من ذلك، وكل مظهر من تلك المظاهر التغريبية يقاوَم. أما في كابل فكل تركيزهم الآن على الإفساد الثقافي والغزو الفكري فيها، وتحريض المرأة على السفور والتبرج، وقد نجحوا إلى حد خطير فيها، حتى أصبح مظهر كابل كمظهر أي مدينة غير إسلامية.
البيان: من وجهة نظرك كيف أعادت طالبان صفوفها من الناحية العسكرية، واستعادت سيطرتها على بعض المدن؟
٣ أعتقد بالنسبة لطالبان أن أتباعها اختفوا في المظهر لكنهم موجودون ولم يتفرقوا، وأحسب أنه كانت هناك قنوات للاتصال فيما بينهم، هم موجودون ولم يتشتتوا، لكنهم عملياً كانوا ينتظرون فرصة لبدء أعمال المقاومة؛ وذلك عندما يطلبهم الناس، ويشعرون بالاحتياج إليهم.
وزراؤهم وقادتهم وأفرادهم، كلهم كانوا معروفين وموجودين في الداخل والخارج، ويتحركون ويتصل بعضهم ببعض. نعم! كان هناك نوع من التخفي ومن التحرك من مكان إلى مكان، لكني أعتقد أنهم لم يتأثروا بذلك كثيراً، ولم يخضعوا، صحيح أن بعضهم لم يرَ أهله منذ ثلاث سنوات أو أكثر، ويبدو أن جهدهم الآن منصبٌّ على تنسيق العمل لتحرير أفغانستان من الغزاة.
وفي خلال السنوات الخمس الماضية تكوَّن جيل جديد مقاوم، من الذين كانت أعمارهم ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة في وقت حكومة طالبان وصارت أعمارهم الآن عشرين سنة أو نحو ذلك، وقد بدؤوا الانخراط في قوات طالبان بمعنوية عالية، أقوى مما كانت عليه وقت غزو الروس ووقت حكم طالبان، ويدل على ذلك قيام كثير منهم بعمليات استشهادية، لم تكن معروفة في أفغانستان من قبل.
البيان: من وجهة نظرك كمتابع كيف تدير طالبان المناطق التي تسيطر عليها؟
٣ أعتقد أنهم أعادوا ترتيب شؤونهم وتنسيقها، وبدؤوا بالمقاومة؛ مع وجود نقص كبير بالأسلحة والمعدات، لكن التضحية والمعنويات العالية غطت على كثير من نواحي النقص هذه.
أما من ناحية السيطرة على مناطق المحافظات، وبخاصة في الولايات الجنوبية والغربية والشرقية خارج المدن الكبرى، والتي قريباً أصبحت تحت هيمنة طالبان وإن لم يُقيموا إدارات حكومية هناك لكي لا تقصفهم الطائرات الأمريكية، وحتى لا يتضرر عامة الناس، وصار الناس من أهل المنطقة يديرون شؤونهم بالتنسيق مع طالبان، التي تترك الإدارة لهم وتبقي بيدها الشؤون العسكرية والأمنية، فطالبان موجودة كقيادة وإن صار غالب جيشها من الجيل الجديد الذي قد يبلغ عشرات الآلاف متى تهيأ له التجهيز.
البيان: ما هي حقيقة الموقف الباكستاني، وما تفسير تصريحات كرزاي ضد هذا الموقف؟
٣ الخلافات بين كرزاي ومشرف هي طبعاً خلافات مصالح ليس إلا؛ لأن كرزاي يريد أن يساوي نفسه بمشرف، ومشرف ينظر إليه كأنه لاجئ من اللاجئين، وهكذا كان يعيش هو وأبواه وأهله كلهم في باكستان. مشرف ينظر إليه بهذه النظرة، وكرزاي يرى أن الأمور تغيرت، وقد صرح قبل مدة في تلفزيون كابل وقال: يا مشرف! أنت الآن تريد أن تستعبدني، وأي مكان تعلي فيه عَلَمَك أُعْلِي فيه علمي، وأي مكان لسفارتك موجودة فيه سفارتي، وأي قائد أو رئيس دولة يأتي المنطقة يأتيني قبلك. وبدأ يطلق تهديدات من هذا النوع، وعلى لسانه باللغة الأفغانية، وقال محتمياً بالأمريكان: بعد اليوم لن تستعبدني وتهددني. ومشرف الآن بقاؤه في الحكم بيد أمريكا، وهو يعرف هذا، وأنه إذا لم ينفذ ولم يعمل ما يقال له فسينتهي دوره. لكن المهم أن باكستان ليست عبارة عن مشرف؛ فهناك الجيش، وهناك استخبارات في الجيش، هناك الاستخبارات الخارجية التي تسمى (ASA) التي تعتبر اللجنه الحاكمة على سياسة الدولة والاتصالات الخارجية بصفة عامة؛ وهؤلاء إضافة إلى بعض الحكومة المدنية والوزراء والأحزاب والمنظمات الذين يعتبرون أعمدة النظام، هؤلاء معارضون له في انبطاحه لأمريكا، ويرون أن هذا الطريق خطأ، وأن أمريكا لن ترضى، ومعارضتهم له ليست باسم الدين أو العقيدة، بل من أجل بقائهم هم، وهم يرون أن مصالح باكستان ستذهب، بل ربما تتعرض باكستان للتشتت والتقسيم، وأفغانستان الآن تريد أراضي بيشاور وبلوشستان، وهي تقول إنها ملكها، وأعلنت أنها تريد أراضيها، بينما باكستان متمسكة بهذه الأراضي، وتبرر هذا الموقف بأنها تريد منع تسلل المجاهدين، وكرزاي يستعين بالهند على باكستان، والمخابرات الهندية ثقلها الآن كبير داخل أفغانستان، والانفجارات التي تحدث في إسلام أباد، وفي كويتا، وفي بيشاور، وفي وزيرستان؛ والتي يُحَمَّل المجاهدون عامتها هي من فعل المخابرات الهندية، والهند تريد إحداث قلاقل في باكستان من أجل أن تشغلها عن القضية الكشميرية وترتاح. فالحرب على مشرف قائمة من كل جهة: من الهند ومن أفغانستان ومن الداخل ومن الخارج، وباكستان تحت رئاسته متورطة وتريد مخرجاً بسرعة.
البيان: من وجهة نظرك هل حاولت طالبان القيام بشيء من الاتصالات مع الأطراف المتضررة من الوجود الغربي في أفغانستان، مثل الصين أو روسيا؟
٣ يبدو أن طالبان عندها قناعة بأن أمريكا إذا عجزت عن مواجهة الوضع الحالي، ولم يستطع كرزاي أن يلبي طلباتها؛ فربما يبحثون عن بديل له؛ والبديل من الممكن أن يكون أحد قادة الجهاد السابقين ممن يملك ثقة به في الشارع أكثر من كرزاي وله ناس وتنظيم، وكرزاي ليس له أحد وليس له تنظيم، ويبدو أن الطالبان ما زالوا يحاولون إقامة تنسيق مع أي جهة لمساعدتهم، بشرط أن لا تفرض عليهم شروطاً بل تكون هذه المساعدة لردع أمريكا وحلفائها، ولكن رسمياً لا أظن أحداً استقبلهم أو اتصل بهم إلى الآن؛ إذ الجميع يخاف الاتصال بطالبان، والأخضر الإبراهيمي مندوب الأمين العام للأمم المتحدة لدى أفغانستان سابقاً، ذكر مؤخراً أن الخطأ الأكبر الذي يؤسفه له أنه عندما كان يشكل حكومة كرزاي، لم يلح على أن تشارك طالبان في الحكومة؛ لأن اشتراكها كان سينشئ فُرقة بين قياداتها. كما أن إيران وروسيا لا زالتا أكبر المعارضين لمشاركة طالبان في الحكم أو العودة للسلطة. أما الصين فهي لا تنظر إلا لمصالحها، وهي تنظر لطالبان نظرة إيجابية إذا لم تثر قلاقل عليها، وبخاصة في تركستان الشرقية؛ فالصين مستعدة أن يكون هناك تعامل مع طالبان، وبعض الأسلحة التي تأتي الآن، تأتي من جهة الصين ولكن بطريقة غير مباشرة وعن طريق السوق السوداء، وباكستان الآن متمثلة في مشرف ومن حوله لا تريد وجوداً لطالبان، لكن استخباراتهم تريد طالبان؛ لأن بقاءهم مرهون بوجود طالبان، وتلتقي مصالحهم مع بقاء طالبان، لكن الظاهر أن الاتصال المباشر غير موجود وأن دعمهم غير موجود، غير أن الرضى عنهم موجود. وبالنسبة للسلاح الذي تقاتل به طالبان أغلبه قديم، وحتى سلاح إسقاط الطائرات فهو سلاح روسي، والروس الآن يتحالفون مع تحالف الشمال، فيرسلون إليهم السلاح، وإيران ترسل السلاح للروافض وتخزنه عندهم. والعجيب أن طالبان تشتري من التحالف الشمالي، ومن الروافض، ومن الجيش الأفغاني، وسلاحهم أغلبه سلاح روسي، إضافة إلى بعض السلاح المورد عن طريق السوق السوداء من جهات أخرى.
البيان: بالنسبة لتحول القيادة العسكرية من الولايات المتحدة إلى الناتو ما أثر ذلك على الوضع في أفغانستان؟
٣ هناك سوء تفاهم بين أمريكا وقوات الناتو، وأمريكا تريد تسليم بعض الأماكن للناتو؛ لأنها تريد التخفيف عن نفسها، وكل هؤلاء كانوا في كابل، وأمريكا كانت تُطالَبُ بأن تقوم القوات الأمريكية بالمحافظة على الولايات الأخرى، فما استطاعت تحمُّل كل العبء الذي عليها، فطلبت من حلف الناتو أن يشارك معها خارج كابل؛ لأن كابل شبه آمنة، لكن الأماكن خارج كابل مثل: قندهار، جلال آباد، وهلمند، وزابل وغيرها؛ ما استطاعت أمريكا حمايتها ولم تجد طريقاً آخر إلا أن تحمِّل الناتو هذه المسؤولية، وهؤلاء طلبوا أن يشاركوا في القيادة وقالوا: إن أمريكا تتحكم فينا وتأمرنا، وعلى هذا لا نستطيع التعامل معها، فيجب أن تكون القيادة بأيدينا. وأمريكا وافقت، ولما خرجت، كان لهؤلاء عملياتهم ولهؤلاء عملياتهم، ولم يعد لهم هناك تأثير كبير؛ فأمريكا رغم أنها سلَّمتهم القيادة فإنها لم تعطهم الثقة، ولا المعلومات التي عندها، ولا تخبرهم بمخططاتها؛ ولهذا فإن الأوروبيين في الناتو ناقمون على أمريكا. وقد حدثني بعض المجاهدين الذين عولجوا في المستشفى الألماني بكابل على أنهم مواطنون، بأن أفراداً في حلف الناتو شجعوهم على قتال الأمريكان، لما عرفوا أنهم من طالبان وأعطوهم هدايا؛ فالكل ناقم على أمريكا في أفغانستان حتى الأوروبيون شركاؤهم.
البيان: أين وصلت الأهداف الاستراتيجية الأمريكية للاستيلاء على البترول في بحر قزوين والتي كانت من أسباب غزو أفغانستان؟
٣ لقد فشلوا في ذلك؛ لأن البترول في بحر قزوين لا يستأهل كل هذه النفقات التي تُنفق عليه؛ لكن هناك أهمية استراتيجية أخرى للبقاء في أفغانستان. فلا شك أن الأمريكان ما زالوا يريدون البقاء على الحدود الصينية من أجل مراقبة أجوائهم وتحركاتهم، وأيضاً قربهم من الهند ووجودهم هناك مطلوب لتحالفاتهم معهم، وأفغانستان مهمة أيضاً لمراقبة إيران من الشرق، إضافة إلى وجود أمريكا غرب إيران في العراق الذي أصبح الوجود فيه أكبر من الوجود في أفغانستان.
ولهذا فالظاهر أن موضوع الانسحاب ليس وارداً الآن، ومع هذا فالخوف يلاحقهم والعمليات كثُرت عليهم؛ فقضية الانسحاب بالنسبة لهم أقرب إلى الموت، والقوات الأمريكية أيضاً إن خرجت اليوم فحكومة كرزاي لن تبقى شهراً واحداً؛ فأول دفعة تخرجت في الجيش الأفغاني وهي عبارة عن ٨٠٠٠ جندي، هربوا بعد أن تسلموا السلاح وتقاضوا رواتب لمدة ثلاثة أشهر، ٥٠٠٠ جندي هربوا بسلاحهم والآن أرسلوا للباقين سلاحاً وسيارات، لاستقبال هجوم الربيع، أرسلوا ٨٠٠ سيارة عسكرية وعدداً كبيراً من قطع السلاح، لكن هذه كلها إما ستُباع وإما ستُسرق؛ فليس هناك جيش يدافع أو يغطي على الحكومة إلا أمريكا وحلفاؤها.
البيان: من وجهة نظرك: كيف ترى توقع طالبان لزمن خروج القوات الأجنبية من أفغانستان؟
٣ الظاهر أن قادة طالبان ليس عندهم توقع، وهم لا يريدون أن يتعجلوا الأمور، فهم يريدون مواصلة العمل واستنزاف العدو، وفيما يبدو الآن لا يريدون أن يقاتلوا قوات عدوهم وجهاً لوجه في معركة فاصلة؛ لأنهم سيخسرون أكثر، وعدوهم سيستفيد أكثر في المواجهة النظامية؛ فعملياتهم الآن فقط هي ما يسمى بحرب العصابات: تفجيرات وهجمات وكمائن؛ إضافة إلى العمليات الاستشهادية التي لم تكن موجودة في أفغانستان من قبل، ولكنها انتشرت بعد إنجازاتها في العراق؛ فالتدريب كثر الآن على العمليات الاستشهادية؛ فالفرد الواحد يدمر عدداً كبيراً من معدات العدو ويقتل من جنوده، ولكن فيما نرى أن تفجيرات طالبان لا تكون في الأماكن السكنية ولا في الأسواق كما هو حاصل في العراق؛ بل كلها موجهة للعدو.
والظاهر أن عمليات الاستنزاف العسكري التي تقوم بها طالبان هي أيضاً عبارة عن استنزاف اقتصادي واستنزاف نفسي، وهذا يضر بالقوات الأمريكية وحلفائها الغزاة أكثر مما يحدث في الحرب وجهاً لوجه في حرب نظامية قد يستفيدون منها أكثر؛ والذي يبدو أن طالبان غير مستعجلة لخروج أمريكا، ولكنها تريد استنزاف القوات الغازية.
البيان: ماذا عن هجوم الربيع لطالبان، وهل الأمريكان فيما ترى يريدون من طالبان أن تستعجل وتقوم بهجوم كبير ينقلهم إلى مواجهة نظامية؟
٣ نعم! هم يريدون هذا الشيء؛ فهم يريدون أن تكون هناك حرب مواجهة وحرب جبهة ليعرفوا أماكن قوات طالبان، كما حدث في (زابل) حيث كان لقوات طالبان مراكز يتنقلون بينها، ولكن الآن تخلّوا عن هذه الفكرة، وهم يعيشون الآن بين الناس يشاركونهم في الأحياء، والمعلومات التي عندنا أن أعدادهم في أي عملية تتراوح بين خمسة إلى عشرة أفراد، وفي المبيت لا يزيد عددهم عن عشرين فرداً، فلا يجتمع ٢٠٠ فرد أو ١٠٠ فرد أبداً، ولا يبيتون ليلتين في بيت واحد؛ والأمريكان لا يريدون هذا وإنما يريدون حرب المواجهة، وطالبان كما يلاحظ مدركون لهذا الأمر جيداً؛ ومن ثَم لن يُجَرُّوا لذلك؛ فخطتهم الآن ناجحة ومؤثرة، وهم يمشون على ما يريدون لا ما يريده الأمريكان وحلفاؤهم.
стр. 5922
حكومة الوحدة الفلسطينية هل تنجح في فك الحصار ؟
فرج شلهوب
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية كنتاج مهم لاتفاق مكة الذي جمع حماس وفتح برعاية سعودية؛ رفع سقف التوقعات الفلسطينية بإمكانية فتح ثغرة في جدار الحصار المالي والسياسي على الشعب الفلسطيني المفروض منذ فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي قبل نحو عام. بل إن هناك من المراقبين الصهاينة من ذهب إلى أبعد من ذلك، في أن نجاح الفلسطينيين في إنهاء حالة الاحتراب الداخلي وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة، هو نذير بخسارة الدولة العبرية ما راهنت عليه طوال الوقت: كسر حماس وإخراجها من المعادلة السياسية الفلسطينية عبر ضائقة الحصار المالي والسياسي، بعدما تعذَّر تطويعها للاعتراف بالدولة العبرية والقبول بشروط الرباعية، وهو ما عبَّر عنه رئيس الوزراء الصهيوني (إيهود أولمرت) في أول لقاء له مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد اتفاق مكة، بقوله له: (لقد خنتني) ، حيث كانت الجهود قبل الاتفاق (الفلسطيني ـ الفلسطيني) أمريكياً وصهيونياً وبمشاركة إقليمية ودولية وفلسطينية منصبّة على حشر حماس في خانة الاختيار بين الخروج من المعادلة السياسية أو القبول بشروط الرباعية، حتى لو اقتضى الأمر دفع الساحة الفلسطينية إلى حالة خطيرة من الجوع والإفقار والاقتتال الأهلي.
حكومة الوحدة إذاً وبتقديرات الكثيرين شكَّلت رافعة مهمة تسمح للفلسطينيين بمواجهة الضغوط الخارجية - وفي ذروتها الحصار المالي - من نقطة مختلفة، وعلى نحو انتقل فيه الطرف الفلسطيني من مربع ردِّ الفعل إلى مربع صناعة الفعل، فوحدة الموقف الفلسطيني أعطت ميزة مهمة وطاقة إضافية للفلسطينيين لمواجهة الضغوط الخارجية.
أولاً: باستجماع القوة الفلسطينية جميعاً للوقوف صفاً في مواجهة الحصار.
وثانياً: بإخراج طرف فلسطيني مهم ومؤثر من مربع الشراكة مع الصهاينة في فرض الحصار ونقله إلى مربع مقاومة الحصار.
وثالثاً: زيادة حجم الضغوط النفسية والعملية على الأطراف التي تقف وراء الحصار، فما يتم حصاره الآن ليس حكومة حماس، وإنما إجماع الشعب الفلسطيني.
دون أن نغفل أموراً أخرى أسهمت بفاعلية في بلورة القناعة بإمكانية كسر الحصار وتجاوز الفلسطينيين لما تفرضه عليهم الدولة العبرية من عقوبات، فوقوف المملكة العربية السعودية بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والديني وراء اتفاق الفلسطينيين؛ أعطى هذا الاتفاق حصانة عربية وثقلاً دولياً، وهو ما ظهر جلياً في تردُّد الإدارة الأمريكية وتل أبيب في إعلان رفض اتفاق مكة، وارتباك أدائهما السياسي في التعاطي مع حكومة الوحدة الفلسطينية؛ قبولاً أو رفضاً.
وإذا كانت أطراف عربية قبل اتفاق مكة اختارت الوقوف في مربع فرض الحصار على حكومة الشعب الفلسطيني التي شكلتها حماس، فإن انحياز المملكة العربية السعودية إلى لعب دور أساس في إعادة ترتيب الأوضاع الفلسطينية، وعلى قاعدة الاعتراف بنتائج الانتخابات وتكريس الشراكة السياسية بين الفرقاء الفلسطينيين، أعاد صياغة الموقف العربي على القاعدة ذاتها اعترافاً وقبولاً بالشراكة، وهو ما عبرت عنه الأطراف العربية بقبول اتفاق مكة والانفتاح على حماس، بصورة أو أخرى.
والمراهنة الآن فلسطينياً على تقدم الموقف العربي خطوة عملية أخرى باتجاه كسر الحصار المالي، تنفيذاً لقرارات عربية سابقة تنتظر التفعيل، وتتوفر لها هذه الأيام فرصة للتحقق؛ فالإدارة الأمريكية تعيش أسوأ ظروفها في العراق وأفغانستان، وأزمتها مع إيران في تصاعد وتفاقم ولا تجد طريقها إلى الحل، فيما تزداد حاجة هذه الإدارة إلى دعم العواصم العربية الرئيسة؛ القاهرة والرياض، ما يعني أن خطوة عربية جادة لكسر الحصار لن تحظى بممانعة أمريكية قوية، فيما يتوفر للأطراف العربية ظروف عمل أكثر ملائمة للتقدم خطوة أكثر على هذا الصعيد وغيره، وما يجعل الأمر أكثر يسراً لا أخلاقية الموقف الأمريكي الصهيوني في فرض العقوبات على الشعب الفلسطيني على خلفية تصويته في الانتخابات بعكس ما تريد واشنطن وتل أبيب، وهو الموقف الذي بات يثقل دول الاتحاد الأوروبي ويدفع ببعضها للابتعاد عن التزام الموقف الأمريكي والصهيوني إزاء هذا الموضوع.
إن الموقف الرسمي العربي ـ وفي طليعته الموقف السعودي على خلفية رعايته للاتفاق الفلسطيني ـ بات ملزماً من الناحية الأخلاقية والسياسية فعل ما يستطيع لإنجاح الاتفاق الذي تم باحتضانه ورعايته، ولعل ما تستطيعه المملكة العربية السعودية والدول العربية من ورائها على هذا الصعيد شيء كثير، ودون الالتفات للموقف الأمريكي والأوروبي. وإذا ما قررت الرياض أن تتخذ خطوة عملية على صعيد كسر الحصار المالي، فإنه سيكون لموقفها هذا تداعيات مهمة، عربياً ودولياً، وربما شكَّل الخطوة الأهم في فرض الأمر الواقع على كل من الدولة العبرية والولايات المتحدة، في ظل حالة تفكك باتت واضحة في الموقف الدولي؛ أوروبا والأمم المتحدة، إزاء استمرار الحصار. ولن يمضي وقت طويل ليتم إقناع الأمريكيين والصهاينة بالكف عن عبثهم وضغطهم على الفلسطينيين، والمسألة هنا تعني شهوراً قليلة وليس سنوات، بل هناك من يراهن على أن الموقف الأوروبي ـ وتحديداً فيما يخص كسر الحصار المالي ـ قد بات محسوماً ولا يحتاج إلا إلى بعض الوقت لترجمته، وإن التلكؤ فقط يستهدف عدم الاصطدام مع الأمريكيين سريعاً. ومعلوم أن الاتحاد الأوروبي ـ وليس أمريكا ـ هو المانح الرئيس للمساعدات للفلسطينيين.
إن جملة من العوامل والمعطيات باتت تفرض نفسها على سياق الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. وإمكانية أن تظل الدولة العبرية ـ وفق مزاج يخصها ـ ممسكة بزمام الأمر والنهي في هذه الجغرافيا المثقلة بالهموم والتوقعات؛ لم يعد أمراً ممكناً؛ فحكومة (أولمرت) ـ التي تجرعت قبل شهور قليلة هزيمة منكرة في لبنان ـ لا تستطيع أن تعيش على حد السيف، وهي في هذه الأيام تعيش أسوأ أوضاعها الداخلية ويتراجع التأييد لرئيسها إلى مستويات مفزعة، فيما استمرار أسر الفلسطينيين للجندي الصهيوني يضغط على أعصاب الحكومة الصهيونية، ويذكرها بخيباتها، وأن بوسع الفلسطينيين رغم ضعفهم:
أولاً: الاحتفاظ بالجندي الصهيوني الأسير تحت عين الدولة العبرية دون أن تكون قادرة على تحريره.
وثانياً: إن اعتراف كل الأمم لا يمنح الدولة العبرية الشرعية طالما أن الفلسطينيين لا يقرون هذا الاعتراف، وهو ما تفعله حماس التي ترأس حكومة الوحدة.
إن حكومة الدولة العبرية الآن أو بعد قليل من الوقت، باتفاق مع إدارة بوش أو بدفع وضغط منها ستقف أمام استحقاقين مهمين، ولا بد أن تدفع الثمن، بعدما دشَّن الفلسطينيون نهاية عصر التنازلات المجانية.. هذان الاستحقاقان هما:
الأول: صفقة تحرير (جلعاد شاليط) بعدما استحال عليها تحريره كل الوقت الماضي.
الثاني: توسيع التهدئة باتجاه الضفة الغربية بعد تعزيزها في غزة كشرط لدفع المسار السياسي ولو شكلياً، كما ترغب واشنطن وتخطط له.
فهل سيقبل الفلسطينيون أقل من تحرير أموال الضرائب الخاصة بهم والتي تحتجزها الدولة العبرية منذ نحو عام، والتي تجاوزت نصف المليار من الدولارات؟ وماذا بشأن استمرار الحصار وسياسات الإغلاق ومصادرة أموال الضرائب الفلسطينية مستقبلاً؟ لقد أظهرت اجتماعات الحكومة الصهيونية ـ التي انعقدت بعد تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية ـ تبايناً بين (أولمرت) وزعيم حزب العمل وزير الحرب الصهيوني (عمير بيرتس) ، ففي حين ضغط (بيرتس) لاتخاذ الحكومة الصهيونية قراراً بالتعامل مع وزراء الحكومة الفلسطينية الأعضاء في حركة فتح أو المستقلين، وتعزيز اللقاء مع (أبو مازن) لتنشيط العملية السياسية من أجل قطع الطريق على حماس، عارض رئيس الوزراء (إيهود أولمرت) فتحَ أي علاقة مع أيٍّ من وزراء الحكومة، وكانت حجته ـ التي من الممكن أن يكون فيها مقتله ـ أن (أبو مازن) ضعيف ولا يستطيع توفير البضاعة بالتعبير الصهيوني، وأن هنية وليس عباس هو الرجل القوي في غزة والضفة الغربية، ما يعني ـ حسب كلام (أولمرت) ـ أن طرح مبادرة سياسية مع عباس لا تقبل بها حماس، ويعجز (أبو مازن) عن تمريرها ستقود ـ حين يصبح الفلسطينيون أمام الجدار ـ إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة لا تريدها الدولة العبرية، وهو ما عايشته بعد فشل مفاوضات بارك - عرفات في (كامب ديفيد ٢) باندلاع انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠م.
(أولمرت) وهو يقرأ هذا المسار يتجاهل أن استمرار الحصار وانسداد الأفق السياسي قد يدفع لما هو أسوأ مما يتوقع؛ فمن جهة: أي بديل يتوقعه الصهاينة إذا فشلت حكومة الوحدة الفلسطينية لهذا السبب أو ذاك؟ وهل ثمَّة ضمانة لاستمرار وجود سلطة فلسطينية من أي نوع في ظل تزايد الدعوات الفلسطينية لحل السلطة والعودة إلى معادلة (شعب في مواجهة احتلال) أو دعم خيار الدولة ثنائية القومية، بفعل الأمر الواقع وهو ما تخشاه الدولة العبرية أيضاً، المسكونة بإنجاز حلم الدولة اليهودية النقية من غير اليهود.. فيما الديمغرافيا الفلسطينية تنجز فعلياً على الأرض الأغلبية السكانية بين البحر والنهر العام القادم؟!
وحركة حماس كم يمكنها أن تنتظر لتتخذ قرارها إزاء استمرار الحصار ومحاولات شطبها من المعادلة السياسية، برغم كل المرونة التي أبدتها وتبديها للتعايش مع تعقيدات الوضع الفلسطيني؟ والأهم من ذلك هل يسع الدولة العبرية أن تغمض العين عما يجري داخلها وحولها وعلى مسافات ليست بعيدة عنها؟ وإذا ما قررت واشنطن أن تنسحب من العراق أو عجزت عن إيجاد حل لمعضلتها مع إيران؛ فماذا يمكن أن يحدث؟!
والواقع العربي هل يعيش في الفراغ خصوصاً بعد تردِّي القوة الردعية للدولة العبرية وتآكلها في لبنان وغزة؟ والحديث الصهيوني المتواصل عن استعدادات سورية وتزودها بالسلاح ودور إيراني محموم على تلك الجبهة؟ هل تقف المنطقة على شفير الحرب التي يمكن أن تندلع لأتفه الأسباب بفعل الاحتقانات الكثيرة وحجم التحشيد والاستعدادات؟ من الممكن أن تتجاهل حكومة الاحتلال كل هذا، إلا أنها لن تستطيع أن تتجاهل أن ثمّة شعباً مقهوراً تحتل أرضه وتفرض الوصاية على هوائه ومائه، بات ينزع للاستقلال مهما كلَّفه الثمن وهو في طور استجماع كل قدر من القوة ليفرض وجوده بخلاف ما يقرر الاحتلال ويرتب له، وأن الكثير من المعطيات الإقليمية والدولية تخدمه في هذا النزوع!!
والمحصلة من كل هذا أن إرادة الحصار بدأت تتراخى، وأن عوامل التآكل لاستمراره بدأت تفعل فعلها، وأنه لن يمضي وقت طويل حتى يقف الاحتلال الصهيوني أمام استحقاق: إما فك الحصار أو توقّع الأسوأ.
стр. 5923
المخطط المرسوم للحركة الإسلامية في فلسطين أهداف وأبعاد
عدنان أبو عامر
كشفت الأحداث الأخيرة في الأقصى الشريف، وما قامت به السياسة الصهيونية من استهداف مكشوف للمسجد الأقصى، وتعد سافر على حرمته، ومحاولة النيل من أساساته وصولاً إلى هدمه كلياً ـ كشفت عن فئة جديدة من الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم منذ نكبة عام ١٩٤٨م، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها وما زالت تبذلها الآلة الأمنية والاستخباراتية لاقتلاعهم من أرضهم وإلحاقهم بأشقائهم اللاجئين الفلسطينيين الذين توزعوا على بلاد الشتات ودول المهجر.
هذه الفئة تمثلت في الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وزعيمها الشيخ رائد صلاح، الذي بات يشكل (كابوساً) للسياسة الصهيونية، ولا سيما في ظل الدور التاريخي والوطني الذي قامت به للذود عن المسجد الأقصى، وكشف المخططات الصهيونية التي تستهدف الأقصى، تاريخاً وتراثاً وديانة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
التحليل التالي يكشف النقاب عن نشأة الحركة الإسلامية، والعداء التاريخي الذي حدد علاقتها بالاحتلال الصهيوني، نظراً للدور الوطني والديني الذي لعبته في أوساط فلسطينيي الـ (٤٨) ، فضلاً عن الإشارة إلى الجهود التي بذلتها - وما زالت - للدفاع عن الأقصى، وصولاً إلى تقديم قراءة للمستقبل المنظور للحركة في ضوء التهديدات الصهيونية الأخيرة.
٣ أولاً: نشأة الحركة ودورها:
تعود الجذور الأولى لنشأة الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام (٤٨) إلى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما بدأ المد الإسلامي في العالم العربي وفلسطين، ومنها إلى أراضي عام الـ (٤٨) ؛ حيث كان أبناؤها يدرسون في المعاهد والمدارس الدينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما ساعد على انتشار هذا المد الإسلامي تراجعُ الفكر اليساري في العالم العربي لصالح الصحوة الإسلامية، وتخوُّف أبناء (فلسطين ٤٨) من الذوبان في المجتمع الصهيوني أو ما سمي بانتشار (تيار الأسرلة) حيث أقيمت أول نواة للحركة الإسلامية في بلدة كفر قاسم عام ١٩٧٢م.
وهكذا فإن الحركة الإسلامية بالعموم ليست حركة حديثة، بل هي ذات عمق وبُنى قوية، وتعود في ظروف نشأتها إلى احتكاك أبنائها بأنصار الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتأثرهم بها، وأدت دراسة قياداتها في جامعات الضفة إلى تبلور البعد التنظيمي عندها، ثم قامت الحركة الإسلامية في بدايات انطلاقتها وحماستها بتشكيل خلية عسكرية أُطلق عليها اسم (أسرة الجهاد) نسب إليها العديد من أعمال المقاومة، وأدى اكتشافها إلى صاعقة في دولة الاحتلال، وعندما ألقي القبض على زعماء الحركة عام ١٩٨١، وحكمت المحكمة الصهيونية على عدد منهم بالسجن عدة سنوات بتهمة العلاقة مع تنظيم أسرة الجهاد المسلح السري الإسلامي، تأثرت نشأة الحركة وامتدادها بفعل الضربة الموجهة لقياداتها، غير أن خروج قادة الحركة فيما بعد أدى إلى التفاف جماهيري قوي حولها.
أما عن دورها الوطني، فإن هناك مجالات كثيرة خدمت من خلالها الحركة الإسلامية فلسطينيي الأرض المحتلة عام ١٩٤٨م، وقد تجسد ذلك في أوضح صوره من خلال تأسيس ما أسماه الشيخ رائد صلاح بـ (المجتمع العصامي) ، والمقصود به بناء ما يشبه الدولة الإسلامية العربية في فلسطين الـ (٤٨) داخل الدولة الصهيونية، بحيث يكون لهم مؤسساتهم الخاصة وتمويلهم الخاص وتجارتهم، ولا يعتمدون على الصهاينة في أمورهم المعيشية.
وقد أكدت الحركة أن تأسيسها لذلك المجتمع يأتي بسبب الظروف الصعبة التي مروا بها، والحصار الذي فرض عليهم عقب انتفاضة الأقصى، والاضطهاد الديني على أيدي الصهاينة، مشيراً إلى أن هدف المشروع هو اعتماد فلسطينيي (٤٨) على الذات، وعدم وضع أنفسهم تحت رحمة الحكومة الصهيونية؛ بحيث نعتمد على أنفسنا. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى إنشاء هيئة الإغاثة العليا التي تشرف على العديد من المهام الصحية والاجتماعية والمرافق لفلسطينيي (٤٨) ، والسعي القائم حالياً من قِبَل الحركة للبحث عن تمويل لمشروعات نابعة من الفكر الإسلامي، مثل إحياء الوقف الإسلامي، وباب الوصية وفكرة الثلث وغيرها.
ثم أخذت الحركة بعد ذلك مساراً اتسم بالحذر وممارسة الأبعاد الدعوية والاجتماعية، وممارسة خصوصية إستراتيجية بعدم العمل المقاوم ضد الاحتلال، وبالمقابل كان توجهها الاجتماعي ناجحاً وملفتاً؛ حيث استطاعت تأسيس الجمعيات الخيرية وإقامة العشرات من المخيمات الشبابية الصيفية، وبناء وإصلاح العشرات من المساجد، وافتتاح عدد من المعاهد والمستشفيات والمدارس، وإقامة العديد من المظاهرات والاعتصامات المواكبة لأحداث الضفة والقطاع، وخاصة خلال الانتفاضتين الأولى والثانية.
وهنا لا يستهان بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة في دعم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة في الضفة والقطاع، معتمدة في ذلك على التبرعات التي حصلت عليها من فلسطينيي (٤٨) ، ورغم أن هذا العمل تمارسه الحركة بشكل علني وقانوني، فإنه كان مصدر اتهام وسبباً في إغلاق الجمعيات، واعتقال أبنائها تحت بند أن هذه الأموال تذهب للمقاومين بشكل أو بآخر. ويبدو أن ما لا تقوله المؤسسة الأمنية الصهيونية هو خوفها من استمرار تعزُّز المشاعر الوطنية والارتباط بالقضية الفلسطينية لدى فلسطينيي (٤٨) ، عبر ربط أبناء الشهداء مثلاً بكفلاء ميسورين من فلسطينيي (٤٨) .
كل ذلك أدى إلى استقطاب مطرد ومتسارع، وثقة عالية بأطروحات الحركة التي حاربت بقوة المفاسد الأخلاقية التي نُشرت بين شباب فلسطينيي الداخل، ووقفت بصلابة ضد كل مظاهر (الأسرلة) وعملت في المقابل على تقوية الشعور الديني والوطني. وهكذا نجحت الحركة في استعادة بناء هياكلها، مما أسفر عن نجاحها في الفوز برئاسة العديد من البلديات العربية عبر انتخابات محلية ضمن سعيها لتحسين أحوال فلسطينيي ١٩٤٨م مثل مدن وبلدات أم الفحم، وكفر قاسم، وكفر برا، وجلجولية، ورهط، واقتسمت مجالس أخرى مع قوائم عربية أخرى منافسة.
وكان أكثر من ذلك؛ فقد اتسع نشاط الحركة الإسلامية ليشمل السعي لرعاية وتخفيف المعاناة عن أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وصل نشاطها حتى مسلمي البوسنة وكوسوفا وغيرهم، عبر إنشاء عشرات اللجان والهيئات الإغاثية والخيرية والتربوية.
على الصعيد السياسي، أعلنت الحركة الإسلامية رفضها التام للمشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني لأسباب دينية، تتعلق برفضها إضفاء الشرعية من قِبَلها على دولة الاحتلال الصهيوني، وحتى عندما وقع انشقاق داخل الحركة بين مؤيد للمشاركة في الانتخابات بهدف التأثير في القرار الصهيوني ومعارض لها، بقيت الغالبية من أبناء الحركة الإسلامية تعارض المشاركة في هذه الانتخابات، مما أثار عداء المؤسسة الصهيونية لها، والتي بدأت حرباً لا هوادة فيها ضد الحركة وصلت لحد التحقيق مع كبار شيوخ الحركة، والتهديد باعتبارها خارجة على القانون، ومن ثَم مطاردة أعضائها، واعتقال بعض رموزها.
٣ ثانياً: الشيخ رائد صلاح ... سيرة ذاتية:
يعد الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني من أشهر الشخصيات السياسية الإسلامية، ومن أكثرهم مواجهة للسياسات العدائية الصهيونية بحق الفلسطينيين ومقدساتهم، وبرز في مجال الدفاع عن المقدسات والأوقاف الإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى المبارك؛ حيث ترأَّس مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، التي تعمل على حماية وترميم المقدسات والأوقاف التي حولتها سلطات الاحتلال إلى حظائر وخمارات ودور للبغاء.
الشيخ رائد صلاح من مواليد مدينة أم الفحم شمال فلسطين، أب لسبعة أبناء، وينتمي لإحدى العائلات التي بقيت في أرضها، ولم تنجح العصابات اليهودية في حينها من تهجيرها عام ١٩٤٨م.
تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في أم الفحم، وحصل على بكالوريوس في الشريعة الإسلامية من جامعة الخليل الإسلامية، وبدأ نشاطه الإسلامي مبكراً، حيث اعتنق أفكار الحركة الإسلامية، ونشط في مجال الدعوة داخل الخط الأخضر منذ المرحلة الثانوية، وكان من مؤسسي الحركة الإسلامية في الداخل في بداية السبعينيات من القرن المنصرم، وغدا من كبار قادتها.
خاض الشيخ رائد الغمار السياسي من خلال ترشيح نفسه لانتخابات بلدية أم الفحم، كبرى المدن العربية في الداخل الفلسطيني، ونجح في رئاستها ثلاث مرات كان أولها في عام ١٩٨٩. وبدأ نشاطه في إعمار المسجد الأقصى يتعاظم منذ عام ١٩٩٦، واستطاع أن يُفشل المخططات الساعية لإفراغ الأقصى من عمارة المسلمين، عن طريق جلب عشرات الآلاف من عرب الداخل للصلاة فيه عبر مشروع (مسيرة البيارق) . كما تقيم الحركة بقيادة الشيخ رائد سنوياً مهرجاناً عالمياً في مدينة أم الفحم باسم (الأقصى في خطر) يحضره نحو ٦٠ ألف فلسطيني، وقد رأت مصادر في جهاز الأمن الصهيوني أن إقامة هذا المهرجان خطراً ينبع من اعتقاد قادة الحركة بصورة راسخة بصحة نظرية المؤامرة الصهيونية الهادفة للمس بالمسجد الأقصى وتدميره.
بدأ الاستهداف الصهيوني للشيخ رائد منذ البدايات الأولى لنشأة الحركة الإسلامية؛ حيث اعتبرته مصادر أمنية أخطر قادة الحركة الإسلامية على الأمن الصهيوني، وفي الوقت نفسه أكثرهم شعبية في أوساط الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ويعبترونه أكثر قادة الجمهور العربي (تطرفاً) . ووصل الأمر بالمؤسسة الأمنية لأن تصفه بأنه أكثر شخصية إسلامية في العالم بأسره (تحريضاً) على الدولة الصهيونية بسبب سياستها تجاه الأقصى، بعد نجاحه في أن يعيد الأضواء إلى المسجد الأقصى في كل مرة ينجح فيها العدو في إبعاد الأضواء عنه، ولا سيما أنه يعي ما تمثله قضية القدس للفلسطينيين والعرب والمسلمين؛ ولذا يحاول دوماً إثارتها.
وقد عمدت السلطات الصهيونية للتضييق على الشيخ رائد منذ فترة طويلة؛ ففي بداية أكتوبر ٢٠٠٢ أعلن أن جهاز الأمن العام (الشاباك) يرجح وجود أساس راسخ لتقديمه وعدد من قادة الحركة للمحاكمة، وتلقت وزارة القضاء توصية بهذا الصدد، في ضوء اتهامات موجهة له بإقامة علاقات مع تنظيمات معادية في داخل البلاد وخارجها، كما اعتقلته الشرطة الصهيونية عام ٢٠٠٣، مع ١٣ رجلاً من قادة الحركة بزعم أنهم قاموا بتبييض أموال لحساب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) .
يشار إلى أن الشيخ رائد تعرض لمحاولة اغتيال على يد قوات الاحتلال خلال مواجهات انتفاضة الأقصى، وأصيب برصاصة في وجهه.
ومؤخراً أصدرت محكمة صهيونية قراراً بتمديد فترة بقائه بعيداً عن أسوار المدينة القديمة للقدس مسافة ١٥٠ متراً، بحجة تنظيمه مظاهرات ضد عمليات الحفر بالقرب من المسجد الأقصى.
ثالثاً: العداء التاريخي بين الحركة والاحتلال:
شكل العداء والتربص سمة واضحة لطبيعة علاقة دولة الاحتلال بالحركة الإسلامية، وهكذا وصل تصاعد المواجهة بين أجهزة مخابراتها والحركة إلى حد إغلاق العديد من المؤسسات الإغاثية والخيرية الإسلامية، ومنع الشيخ رائد صلاح من السفر للخارج، والتحقيق مع قادة الحركة عدة مرات بتهمة العداء للدولة الصهيونية، إلى أن وصلت العلاقة إلى حد اعتقال عدد من رموز الحركة وعلى رأسهم الشيخ رائد.
وتبدي أجهزة المخابرات الصهيونية تخوفاً واضحاً من أن البنية الصلبة للحركة الإسلامية توجد في مناطق المثلث والجليل، وهنا يكون التخوف كبيراً من نوازع انفصال فلسطيني ثقافي، أو أن تكون هذه المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية، أو أن تشكل بنية مساعدة لمقاومة الفلسطينيين في الضفة وغزة.
كما زاد من التخوف الصهيوني أن الكثير من خلايا المقاومة الفلسطينية استعانت بأبناء الحركة الإسلامية لتنفيذ عملياتها في العمق الصهيوني، ورغم أن أجهزة المخابرات لم تستطع أن تثبت توجه الحركة تجاه عسكرة النضال؛ فإنها اعتبرت تحريض الحركة ضدها كافياً لخلق نوعيات فلسطينية مرتبطة بالمقاومة، وهذا ما عبر عنه (كارمي غيلون) رئيس جهاز الشاباك السابق الذي قال: يجب ضرب عناصر الحركة الإسلامية حتى لو لم يكن لهم علاقة مباشرة بالعمل العسكري.
لقد وصل العداء الصهيوني للحركة إلى حد إصدار مكتب رئيس الوزراء الأسبق (إيهود باراك) من حزب العمل تقريراً بالغ الخطورة يصف فيه الحركة بأنها (خطر إستراتيجي على مستقبل الدولة؛ لأنها تسعى لاستغلال الديمقراطية لإقامة دولة إسلامية) وأكثر من ذلك؛ فقد صرح رئيس الوزراء الأسبق (بنيامين نتنياهو) عن حزب الليكود تصريحاً لافتاً اعتبر فيه (أن الحركة الإسلامية ورم سرطاني يجب استئصاله) .
وقد أخذ هذا العداء يتطور تطوراً ملحوظاً وتصاعدياً، من خلال عدد من الإجراءات، أهمها:
١ - تقديم جهاز المخابرات (الشاباك) توصية أمنية تعتبر الشيخ رائد صلاح محرضاً يستحق المحاكمة، وتعتبر مدينته (أم الفحم) التي يرأس مجلسها البلدي (حاضنة الإرهاب) .
٢ - صدور قرار من وزارة الداخلية بمنع الشيخ رائد من السفر خارج البلاد.
٣ - إغلاق صحيفة (صوت الحق والحرية) الناطقة باسم الحركة بزعم أنها بوق لحركة حماس.
٤ - إغلاق مكاتب الإغاثة الإنسانية الذراع الاجتماعي للحركة.
٥ - مطالبة الأجهزة الأمنية من المستشار القضائي اعتبار الحركة الإسلامية خارجة عن القانون.
٦ - شن حملة اعتقالات استهدفت أكثر من ١٥ ناشطاً من الحركة على رأسهم رئيسها الشيخ رائد صلاح.
رابعاً: جهود الحركة للدفاع عن الأقصى:
أدى النشاط المتصاعد للحركة الإسلامية لحماية المسجد الأقصى إلى كشف المخططات الصهيونية الهادفة لهدمه والنيل منه، فعمدت الأجهزة الصهيونية إلى التحذير من (الخطر الإسلامي القادم) ، ومحاولات كثيرة للتذكير بأعمال الحركة العسكرية القديمة من جهة، وإطلاق تخوفات من إستراتيجية الحركة النهائية الهادفة - برأيهم - إلى القضاء على دولة الاحتلال؛ كل ذلك كان ضمن حدود لعبة الإعلام بالشكل العلني، والجهد الاستخباري بالشكل الباطني. غير أن التحولات الصهيونية المتسارعة والجديدة إزاء الحركة الإسلامية تحديداً، لها أسباب تتعلق بنشاط الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح في جهد مميز لربط الأقصى بالهم الوطني لفلسطينيي (٤٨) ضمن حملة (الأقصى في خطر) هذه الحملة التي لم تقتصر على الجهد الإعلامي فحسب، بل قامت الحركة ببرنامج عملي لذلك تمثل في:
أ - تسيير حافلات مجانية لزيارة الأقصى كل يوم جمعة، مما جعل الأقصى عامراً بالوجود الإسلامي والفلسطيني، ومن ثم الارتباط الإيماني.
ب - عمارة وتشييد المصلى المرواني، وهو الأساس الذي منع تقدم الحفريات من جهة، وصعَّب على المفاوض الصهيوني طرح مسألةِ ما تحت الحرم، وكأنها مسلَّم بها كحق مثلما جرى في مفاوضات (كامب ديفيد) الثانية التي فشلت فعلياً بسبب تقسيم السيادة على الأقصى.
ت - ملاحقة الحفريات مما أدى للكشف عن الأنفاق والحفريات الأثرية الخطيرة التي تقوم بها دولة الاحتلال بغفلة من الفلسطينيين والمسلمين، مما أدى بشكل مباشر لاندلاع انتفاضة فلسطينية عام ١٩٩٦، سقط فيها أكثر من ٨٠ شهيداً وألف جريح.
ث - رعاية المسجد والقبة الشريفة بشكل دوري وفعلي، مما جعل المسجد الأقصى ملتقى علمياً وإيمانياً دائماً.
ج - إقامة مهرجان سنوي خاص بالأقصى أصبح مع مرور الوقت أكبر تجمع للفلسطينيين تحت ظل قضية القدس.
وخلال الفترة الأخيرة حين كشفت الحركة النقاب عن الحفريات الصهيونية، ودعا الشيخ رائد صلاح إلى انتفاضة جديدة لحماية المسجد الأقصى، احتجاجاً على الحفريات بالقرب من ساحة الحرم القدسي، متهماً دولة الاحتلال بمحاولة بناء هيكل سليمان في ساحة الحرم، قائلاً: إن أيديها ملطخة بدماء العرب.
\ خامساً: مستقبل المواجهة أمام الحركة:
وصل الأمر بالدولة الاحتلالية إلى أن تعلن مؤخراً أن هناك توجهاً لحظر الحركة الإسلامية، ووضعها خارج إطار القانون، على لسان عضو الكنيست من الليكود (يسرائيل كاتس) ، بعدما وقفت موقفاً صارماً أمام استهداف المسجد الأقصى، وحشد الرأي العام العربي والدولي ضد الممارسات الاحتلالية، وهو الأمر الذي دعا الحركة لأن تعلن أن هذا التوجه يعد استمراراً لحملة التحريض الدموي التي تشنها المؤسسة الصهيونية على الحركة ورئيسها.
ولم يكن هذا التوجه الخطوة الأولى تجاه الحركة الإسلامية؛ فقد سبق أن أعلن جهاز (الشاباك) أن الحركة بمثابة قنبلة موقوتة، وتمثل تهديداً على الأمن الصهيوني وتماسك جبهة الدولة الداخلية، وهو الأمر الذي يحتم على مؤسساتها إدراك حجم الخطر الذي يختفي خلف أنشطة هذه الحركة بأسرع وقت ممكن، قبل أن يكون من المتأخر جداً إصلاح نتائج إهمال هذا الملف، كما حمل رئيس جهاز المخابرات العامة السابق (آفي ديختر) بشدة على النظام التربوي المعمول به في المؤسسات التعليمية الخاصة بالحركة، محذراً بشدة من قوة الحركة الآخذة في التعاظم بشكل مقلق، متوقعاً أن تحقق إنجازات أكبر وأوسع في الانتخابات البلدية القادمة.
وهكذا فإن المعركة الدائرة بين الصهاينة والحركة، وفي حال اعتبارها غير شرعية وخارجة عن القانون، سيهدد كيان الدولة العبرية ذاتها؛ حيث قد تضطر الحركة في هذه الحالة لاتباع أساليب سرية، وخوض مواجهة داخلية مع الصهاينة تضاعف العبء الواقع عليهم، جراء المواجهة مع حركات المقاومة الفلسطينية، ولا سيما أن الناطق باسم الحركة أعلن أن الحركة ستدرس بدائلها إذا تم تصنيفها حركةً محظورة.
علماً بأن عدداً من المسؤولين الأمنيين الصهاينة أقروا مؤخراً بمحدودية الخيارات المتوفرة أمامهم لمعالجة مستقبل الحركة، رافضين الدعوات الصادرة من اليمين واليسار باعتبار الحركة خارجة عن القانون، وحظر أنشطتها؛ لأن ذلك سيعني انتقال حركتها إلى السر؛ وهو الأمر الذي يجعل من الصعب مراقبة أنشطتها، فضلاً عن أنه من غير الممكن حالياً تقديم أدلة للمحكمة تبرر إخراجها من نطاق القانون وحظر نشاطها.
ومع ذلك؛ فإن القراءة المستقبلية للصراع الدائر بين الطرفين يشير، بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لا يمكن لدولة الاحتلال أن تنتصر فيه، نظراً لكون الحركة تجاوزت الشكل النخبوي إلى التفاعل الجماهيري، كما أن الاعتقالات التي جرت قبل عامين باستعراض بوليسي وإعلامي كان واضحاً منها أنها تحذير ورسالة لكل فلسطينيي (٤٨) ، وتذكيرهم بأن هناك عصا صهيونية غليظة لمن يتجاوز الخطوط الحمراء، ويحرض أو يفكر بتهديد أو يساعد مَنْ يهدد الأمن الصهيوني؛ لكن هذه الرسالة ستؤدي على الأغلب لنتائج عكسية؛ لأن الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه من ميزات.
إذاً؛ يبدو أن الصِّدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها ودولة الاحتلال وسياساتها حتمي وقادم، وهو ما سيبقي سياسة القبضة الحديدية معلنة في وجه الحركة، مع إمكانية استمرارها وتصعيدها بين الحين والآخر وصولاً إلى نقطة الصدام النهائية دون أي أثر لخط الرجعة.
стр. 5924
الحكومة الفلسطينية الجديدة.. والسقف المنخفض جداً
د. محمد مورو
تنفَّس الجميع الصعداء عقب نجاح كلٍّ من رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) في التوصل إلى اتفاق حول الحقائب الوزارية، ومن ثم ظهور حكومة الوحدة الوطنية القائمة على تقاسم السلطة بين كلٍّ من فتح وحماس، وهو الأمر الذي تأخر قرابة شهر كامل منذ توقيع اتفاق (مكة) وحتى تسوية الأمور والتراضي بوزير داخلية محدد والذي كان أكبر العقبات في هذا الصدد، ومن ثم إعلان الحكومة، ثم حصولها على ثقة البرلمان الفلسطيني في ١٧/٣/٢٠٠٧م.
ومن الملاحظ هنا أن البرلمان ـ الذي يتكون من ١٣٢ عضو ـ لم يحضر منه سوى ٨٩ عضواً؛ لأن الباقين ما زالوا خلف أسوار السجون الصهيونية؛ بعد اختطافهم لهم بمن فيهم رئيس المجلس الدكتور (عزيز دويك) . وهذه إحدى المفارقات والتحديات التي تواجهها الحكومة الجديدة!
على كل حال؛ فإن تلك الحكومة قد حصلت على أغلبية (٨٣) صوتاً من (٨٩) ؛ لأن أعضاء الجبهة الشعبية رفضوا التصويت لتلك الحكومة بدعوى أنها حكومة فتح وحماس فقط وليست حكومة الوحدة الوطنية، أما حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية فإنها أصلاً غير ممثَّلة في البرلمان الفلسطيني؛ لأنها رفضت أصلاً دخول الانتخابات البرلمانية، على أساس أن ذلك نوع من الاعتراف الضمني بمشروعية اتفاقية أوسلو، ومن ثم نوع من الاعتراف بالحكومة الصهيونية المحتلة.
ويرى بعضهم أننا الآن أمام ثلاثة اتجاهات في الواقع الفلسطيني: اتجاه يرى ضرورة التمسك بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر وعدم الاعتراف ـ من ثم ـ بأي اتفاقات موقعة؛ سواء كانت اتفاقات أوسلو أو قرارات ما يسمى بـ (الشرعية الدولية) أو (مقررات القمة العربية) .
والاتجاه الثاني يرى إقامة دولة فلسطينية على كل الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، أما الاتجاه الثالث فيرى الحصول على أي مكاسب حتى ولو كان إقامة الدولة على جزء من أراضي ١٩٦٧م؛ لأن هذا هو الممكن والمتاح.
حصلت الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان، وأصبحت أمراً واقعاً، وفي خطاب تكليف الحكومة قال الرئيس محمود عباس (أبو مازن) : إن الفلسطينيين ينبذون العنف بكل أشكاله، ودعا الدولة العبرية إلى استئناف مفاوضات السلام؛ للتوصل إلى حلٍّ يستند إلى الشرعية الدولية.
أما رئيس الوزراء إسماعيل هنية فأكَّد أن حكومته ستعمل على إقامة الدولة الفلسطينية دون الاعتراف بالدولة العبرية، وقال: إن حكومته تحترم جميع قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات التي وقَّعتها منظمة التحرير.
الملاحظة الأولى التي لاحظها المراقبون أن تلك الحكومة هي حكومة فتح وعباس أكثر منها حكومة حماس وهنية من زاوية الخطاب السياسي التي التزمت به، أو برنامجها الذي قدَّمته، ومن زاوية الحقائب الوزارية المسندة إلى كل طرف؛ فالحقائب الهامة والسيادية ذهبت إلى فتح، مثل: وزير الخارجية، ووزير المالية، وحتى وزير الداخلية إلى حدٍّ ما، مع الأخذ في الاعتبار هنا أن مجموعة الأجهزة الأمنية الموجودة على الأرض - ما عدا القوة التنفيذية - أصعبُ من أن ينجح أي وزير داخلية مهما كان انتماؤه من أن يطوعها خارج الولاء لفتح أو حتى لشخصيات داخل فتح لها أجندتها الشخصية وارتباطاتها الخارجية المعروفة، ومن ثم فإن التحدي الأكبر الذي ستواجهه هذه الحكومة، وسيكون الصراع في حقيقته حول بناء أجهزة أمنية حيادية لا تنتمي إلى تيار سياسي معين أو استمرار سيطرة فتح على تلك الأجهزة ومن ثم محاولة تذويب القوة التنفيذية التابعة لحماس في هذا الاتجاه.
٣ هل فرَّطت حماس في ثوابتها؟
تنفَّس الناس الصعداء ليس أملاً في أن تصبح حكومة الوحدة الوطنية ـ التي تم تشكيلها ـ قادرةً على حل مشكلات الحصار والتردي الاقتصادي والحل السياسي وإنهاء الفلتان الأمني، ولكن على الأقل؛ لأن الفشل في ذلك يعني عودة الاقتتال الداخلي بين حماس وفتح، وهو أمر يدمي قلوب كل الناس بكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني والعربي والإسلامي.
وهذا يدفعنا إلى تفهّم موقف حماس التي يرى بعضهم أنها فرَّطت في عدد من الثوابت أو أنها راوغت بالكلام المطاط حولها؛ لأن البديل كان صعباً ومروعاً، ولكن هذا الأمر يعني أن حماس تم استدراجها إلى الانتخابات أصلاً، ومن ثم تشكيل الحكومة من خلال خطة مبرمجة لدفعها تحت ضغط التلويح بالحرب الأهلية للقبول بما لا يمكن أن تقبله من قبل، ومن ثم فإن الحصار الأمريكي والصهيوني، والحرب التي شنَّتها قطاعات معينة داخل فتح لها ارتباطات أمريكية وصهيونية كان لدفعها دفعاً في هذا الاتجاه.
أيّاً كان الأمر فإن تمسك حماس بالثوابت أصبح أمراً عليه بعض الغبار، فلا يمكن ـ مثلاً ـ أن يقول إسماعيل هنية ـ رئيس الوزراء التابع لحماس ـ إن حكومته تحترم قرارات الشرعية الدولية! والاتفاقيات التي وقَّعتها منظمة التحرير الفلسطينية، مثل: أوسلو، وواي ريفر، والقاهرة، وخارطة الطريق، وقررات القمم العربية.. إلخ، ثم يقول بعدها أنه لا يعترف بالدولة الصهيونية.
وبديهي أن الكلمات المطاطة هذه لن تجدي شيئاً في المسألة، فلا يمكن في علم المنطق الجمع بين المتناقضات، وكل ما يأمله المحبّون لحماس أن يكون ذلك من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، وألا يستمر مسلسل النزول؛ من وثيقة الاتفاق الوطني، إلى برنامج حكومة الوحدة الوطنية، إلى القبول بقرارات الرباعية الدولية.. إلخ. وأما أن يكون القول حول أن ذلك يمثل الحكومة ولا يمثل حركة حماس ذاتها حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة فهذا ـ فيما نحسب ـ كلام ليس له رصيد على أرض الواقع، خصوصاً وأن حركة حماس - وليست حكومة حماس - حتى الآن في تهدئة فعلية مع الكيان الصهيوني، رغم أن الجيش الصهيوني ـ مثلاً ـ قام باقتحام مدينة نابلس في اليوم نفسه الذي تم فيه أداء الحكومة لليمين الدستورية!
أكثر من هذا فإن وزير الخارجية زياد أبو عمرو ـ وهو من فتح طبعاً ـ ولكونه وزيراً ضمن وزارة يرأسها إسماعيل هنية طبعاً ويعبِّر عن الوزارة كلها وفقاً للأعراف الدستورية التقليدية؛ قد صرَّح عقب تشكيل الحكومة مباشرة لصحيفة (جيورزاليم بوست) الصهيونية أن برنامج الحكومة الجديدة ينطوي على اعتراف صريح بـ (الدولة الصهيونية) ، وأن هذا الاعتراف تضمّن في العديد من بنود هذا البرنامج الذي يتحدث عن احترام الاتفاقات الموقعة، ومن بينها: الاعتراف المتبادل بين الدولة العبرية ومنظمة التحرير، علاوةً على اتفاقية أوسلو.
ويبدو أن قيادات حماس كانت تدرك ذلك كله وتعرفه مسبقاً وأنها كانت بين خيارين أحلاهما مرّ؛ فإما الاستمرار في الحرب الأهلية، والانسحاب من الحكومة والسلطة والعودة إلى قواعدها، فتثبت أن خيارها كان فاشلاً من البداية، وأن خيار حركة الجهاد كان أصوب عندما قالت: إنه لا يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة معاً؛ لأنهما نقيضان، ولأن للسلطة تحت قاعدة أوسلو ضروراتها الحتمية التي لا تتفق مع خيار المقاومة. وسيكون هذا الانسحاب بالنسبة لحماس يعني أنها فشلت في تحقيق ما وعدت به شعبها، ومن ثم فإنها تتخلى عن الشعب الفلسطيني لصالح عصابة ولصوص خطفوا قرار السلطة، وإما ـ وهو الخيار الثاني ـ أن تقبل بالهروب إلى الأمام وقبول حكومة وحدة وطنية مع تقديم تنازلات على المستويين السياسي والداخلي.. غير أنها قد اختارت الطريق الأخير على أساس أن الأيام ستضعف قبضة الذين خطفوا قرار فتح، وأن بالإمكان عدم التنازل أكثر منذ ذلك، وأن (الحكومة الصهيونية) لن تقدِّم شيئاً على المستوى السياسي يمكن قبوله، ومن ثم فهي لن تضطر إلى توقيع اتفاقات لا تقبلها، وأنها يمكنها ـ من ثم ـ تحقيق نجاح داخلي، دون التوسط في أمور وصفتها هي من قبل بالخيانة.
ولكن هل المسألة بمثل هذه البساطة، وهل حركة حماس بإمكاناتها وقدرتها على المناورة وذكائها الحمساوي تستطيع أن تحقق تلك المعادلة الصعبة.
٣ سياسة العصا والجزرة:
الموقف الأمريكي والصهيوني يتّسم بالغطرسة ليس تجاه الحكومة الجديدة فقط، ولكن تجاه اتفاقية مكة كلها، ولا ترضى أمريكا والحكومة الصهيونية بغير تصفية حماس، تماماً، وإنهاء جناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام) ، وكذلك الجناح المقاوم في فتح (كتائب شهداء الأقصى) ، وخضوع كلٍّ من فتح وحماس للتوجهات الأمريكية والصهيونية، بل إننا نكاد نقول: إن (كونداليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية جاءت إلى المنطقة عقب اتفاق مكة في محاولة أخيرة لإفشال الاتفاق ومنع تنفيذه وإقامة حكومة الوحدة الوطنية، وجاءت مرة أخرى بعد تشكيل الحكومة الجديدة للهدف نفسه، وتحاول كل من الولايات المتحدة والحكومة الصهيونية الضغطَ بأقصى درجة على الوضع الفلسطيني في اتجاه إما (الخضوع الكامل) من جانب حماس أو ما تسميه بالقبول بمبادئ الرباعية، وتحديداً إنهاء وجود كتائب عز الدين القسام، وتغيير كل ثوابت حماس، وإما استمرار الحصار والتجويع والاعتداءات الصهيونية العسكرية، وهذه السياسة تفسر الموقف الأمريكي الصهيوني من الحكومة الجديدة؛ فرئيس الوزراء الصهيوني دعا إلى مقاطعة الحكومة الجديدة، بل ووصل الأمر إلى حدِّ التهديد بمقاطعة وزراء من فتح في الحكومة حتى المعروفين بـ (الاعتدال) ؛ لأن هؤلاء على حد قول المصادر الصهيونية لا يمكن النظر إليهم بمنظور آخر؛ لأنها حكومة واحدة تستفيد جميع وزاراتها من الأموال المحولة إليها بما فيها الوزارات التي يتولاها أعضاء حركة حماس.
في الإطار نفسه قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأمريكية: إن الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على المساعدات للحكومة الفلسطينية سيظل قائماً. وعلى جانب موازٍ فإن المراقبين لمسوا تغيّراً طفيفاً من الدول الأوروبية تجاه موضوع الحصار بعد تشكيل الحكومة الجديدة، فوزير الخارجية النرويجي (ريموند يوهانسن) التقى رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية - وهو من حماس طبعاً - وهذا يعني: تخفيف المقاطعة الدبلوماسية الأوروبية للحكومة الفلسطينية، وهذا هو الاجتماع الأول بين هنية ودبلوماسي أوروبي رفيع المستوى منذ أن نجحت حماس في الانتخابات التشريعية. وفي الإطار ذاته قالت مجلة (ديرشبيجل) الألمانية: إن مسؤولاً رفيع المستوى في الخارجية الألمانية قال: (إن القيادات الفلسطينية بذلت مجهوداً كبيراً؛ فإذا تخلَّى الأوروبيون عنها بعد إعلان الحكومة الجديدة سيكون ذلك خطأ فادحاً) .
وبديهي أن تخفيف الحصار الأوروبي سيكون له مقابل سياسي سوف يطلب الأوروبيون دفعه في اتجاه تحقيق شروط الرباعية، فهل هي إذن عملية تقسيم أدوار حتى ولو بدون اتفاق مسبق بين أوروبا وأمريكا والحكومة الصهيونية؟!
٣ على ماذا تراهن حماس؟
لا يمكننا بالطبع أن نتصور أن قيادة حماس من الغباء بحيث إنها مستعدة للتخلِّي عن الثوابت أو طريق المقاومة أو جناحها العسكري، فبديهي أن ذلك سيقتل حركة حماس فوراً وبالسكتة القلبية، ومهما كانت (براجماتية حماس) ومرونتها فإنها غير قادرة على ذلٍّ أبداً، وإلا لانتهت صدقيتها، بل وصدقية التيار الذي تمثله أو تنتمي إليه في العالم كله، وهو ثمن باهظ، ومن ثم فمن الضروري أن تبحث عن تفسير آخر، وأعتقد أن حماس تراهن على أن الحكومة الصهيونية لن تقدم شيئاً يمكن أن يقبله أحد، ولا حتى فتح، ومن ثم فالطريق هنا مسدود، وسوف يضيع الوقت حول هذا الأمر، ولن تغير تلك الحكومة وأمريكا سياستهما، حتى تنتهي فترة الحكومة والعودة إلى (انتخابات تشريعية جديدة) فإما أن يكون الواقع قد تغير داخلياً، وإما تنسحب حماس من دخول الانتخابات أصلاً تحت أي ذريعة.
وإن قبول حماس ـ من ثم ـ بشروط فتح في حكومة الوحدة الوطنية يعطيها الوقت والمناورة لتحسين أوضاعها الداخلية، ويقرب حماس من الحكومات العربية، ويحقق نوعاً من الدعم العربي - الحتمي في تلك الحالة حتى لو لم توافق أمريكا على ذلك - للشعب الفلسطيني؛ ومن ثم تحقق حماس شيئاً من تحسين ظروف الفلسطينيين؛ لأن الحكومات العربية ـ بعد أن وافقت حماس على القرارات العربية ـ لم يعد هناك مبرر لاستمرار قبولها الضغط الأمريكي بشأن حصار حماس، وهكذا فإن هذه الدول سواء أقبلت أمريكا أم رفضت ستقوم بدعم الحكومة الجديدة وإنهاء حالة الحصار المفروضة عليها.
تلك ـ طبعاً ـ مناورة صعبة تقوم بها حماس، والله نسأل التوفيق لكل من يريد الخير للأمة والشعب الفلسطيني، ونسأله ـ تعالى ـ أن يخذل من خذلهم وأن ينصر من نصرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5925
الاستراتيجية الأمريكية ـ الصهيونية في تفتيت حماس
محمد مصطفى علوش
النجاح الذي حققته السياسة الأمريكية والصهيونية في تدجين (منظمة التحرير الفلسطينية) قد أصبح استراتيجية لهما في التعامل مع باقي الفصائل والحركات الفلسطينية بشكل عام. وها هما يحاولان تطبيق تلك السياسة مع حركة حماس إلاّ أنها لم تنجح حتى الآن.
وإذا ألقينا نظرة على الوضع الفلسطيني قبل أوسلو ومدريد في بداية التسعينيات من القرن الماضي، نجد أن لاءات (منظمة التحرير الفلسطينية) كانت: تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وعدم الاعتراف بالمحتلّ كدولة، واعتماد الكفاح المسلَّح السبيل الوحيد لتحرير كامل التراب الفلسطيني.
ثم جاء احتلال العراق للكويت ووقوف (ياسر عرفات) آنذاك إلى جانب (صدام حسين) الذي وجّه عدداً من صواريخ (سكود) الروسية الصنع إلى الدولة العبرية، إلاّ أن هزيمة العراق أمام قوات التحالف آنذاك ومحاصرة عرفات ومنظمته مالياً من قِبَل دول الخليج الذي وقف ضدها، إضافة إلى رغبة الولايات المتحدة بالتقريب بين العرب والصهاينة أدَّى بعرفات إلى قبول التفاوض مع الصهاينة، وكانت سلسلة اللقاءات التي بدأت منذ مدريد مروراً بأوسلو والتي لم تنتهِ حتى الآن.
وماذا كانت النتيجة؟
١ ـ الاعتراف بالدولة العبرية باعتبارها دولة!
٢ ـ نبذ الكفاح المسلَّح وسيلة لإعادة الحق المسلوب.
٣ ـ انشقاقات داخل منظمة التحرير، سلبتْها حصرية (المرجعية الوحيدة للحق الفلسطيني) أو الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني.
٤ ـ غرق في مفاوضات لا تنتهي، كلما تغيرت حكومة العدو الصهيوني عادت المفاوضات إلى الصفر من جديد.
٥ ـ صراع داخلي بين التيارات والحركات الممثلة للشعب الفلسطيني.
٦ ـ إنشاء قوى أمن فلسطينية دورها شرطي صهيوني ينظم المرور ويراقب المتطرفين ويعتقل المقاومين للعدو داخل السلطة الفلسطينية.
وبالمقابل لم يجنِ (عرفات) سوى وَهْم دولة فلسطينية مخنوقة محاصرة، ليس لها مقوّمات دولة حقيقية حتى تعيش وتحيا، حيث إن الدولة التي أعطيت لعرفات دُرست بعناية من قِبَل الصهاينة بحيث لا يمكن أن تستمر طويلاً، وأن تبقى عبارة عن مستوطنة صهيونية منبوذة وفي طريقها إلى الزوال، بل إن الدولة العبرية كانت تريد من (عرفات) كل شيء في مقابل لا شيء، ولم تسمح له ولا لغيره بمناقشة القضايا الأساسية والمصيرية، مثل: قضايا اللاجئين والقدس والاستيطان الذي لم يتوقف يوماً. ولما أراد أن يرفع الصوت قليلاً كانت النتيجة أن قامت بسمِّه كما أشار طبيبه الخاص.
٣ الصهاينة وحماس والانتخابات:
نجاح الولايات المتحدة والصهاينة في تدجين (منظمة التحرير الفلسطينية) واستيعابها دفع بهما إلى اعتماد الاستراتيجية نفسها مع حركة حماس، مع بعض التعديلات، وبما أن جميع المؤشرات كانت تؤكد قدرة حماس على سحب البساط من تحت منظمة (فتح) لتصبح الحركة الأكثر شعبية ونفوذاً على الساحة السياسية الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع تزايد نفوذ الإسلاميين في مصر، الأمر الذي سيؤثر فيما بعد على طبيعة التوازنات الإقليمية في المنطقة في حال وصل الإسلاميون إلى الحكم في لبنان ومصر والمغرب، وربما يقيمون حلفاً استراتيجياً ممتداً إلى خارج المنطقة العربية ليتصل بتركيا وإيران؛ فكان البديل حثّ حماس في فلسطين والإخوان في مصر للمشاركة بفاعلية في الانتخابات النيابية في كلا البلدين.
وكانت تقضي الاستراتيجية الأمريكية - الصهيونية أنه في حال لم تفز حماس بالأكثرية في المجلس التشريعي الفلسطيني فإنها لن تغير شيئاً من مسار الوضع القائم، ومن ثم فإن اللاءات التي كانت ترفعها في أيِّ حشد شعبي لها سيتلاشى، وسينقلب عليها مؤيدوها. وأما في حال حصدها للأكثرية النيابية التي تمكّنها من تشكيل الحكومة الفلسطينية فإن الاستراتيجية تقضي بتوريطها في الحكم، وعرقلتها داخلياً بعدم مشاركة (فتح) لها، وخارجياً بتجفيف التمويل المالي عن السلطة الفلسطينية، وبهذه الطريقة تتراجع شعبية حماس بعد أن تثبت ضعفها أمام الشعب الفلسطيني، فتُحلّ الحكومة ويُدعى إلى انتخابات برلمانية مبكرة، أو تستنجد بـ (فتح) لمشاركتها في السلطة مقابل التنازل عن كثير من الأمور التي تنازل عنها بالأمس (ياسر عرفات) ؛ من ضمنها: الاعتراف بالدولة العبرية.
وسار المخطط وفق هذه الاستراتيجية، فما إن حصلت حماس على الأكثرية، حتى حاولت (فتح) عرقلتها حين رفضت مشاركتها في تشكيل الحكومة، وتركت لها الجَمل بما حمل من حيث الظاهر، في الوقت الذي جمَّدت (اللجنة الرباعية) ـ التي يديرها حقيقةً الطرف الأمريكي دون غيره ـ مساعداتها المباشرة لحكومة السلطة الفلسطينية بقيادة (حماس) ، مشترطة لاستئنافها ثلاثة شروط، هي: الاعتراف بالدولة العبرية، وترك الكفاح المسلَّح، والالتزام بتنفيذ الاتفاقات الصهيونية ـ الفلسطينية المبرمة. ولتسريع القضاء على حماس أو ابتزازها سحبت الدولة العبرية تحويلات العوائد الضريبية التي جمعتها سلطات الجمارك الصهيونية وهيئات التأمين الوطنية لتصبح حماس مخنوقة من الداخل والخارج.
٣ الحرب الأهلية وسيلة ضغط ليس إلا!
لكن الذي حدث هو استيعاب حماس للصدمة وفهمها المسبق للخطة، وقد حاولت فكَّ الحصار من خلال التمويل الذاتي أو من دول مثل: إيران، إلاّ أنها لم تنجح في فكِّ الحصار ولم تستسلم أيضاً كما كان مخطط له، حتى بدأت التظاهرات الشعبية تتزايد، ما أدّى إلى صراع مسلَّح علني بين حماس وفتح، الأمر الذي برّر من حيث الظاهر دعوة عباس ـ حين علم أن حماس لن تستقيل ولن تسلِّم لهم الحكم ـ إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة.
ومن المريب أن الصراع المسلَّح جاء عقب زيارة (رايس) للمنطقة وعقب مؤتمر (دافوس) الذي شهد لقاءات فلسطينية صهيونية أمريكية وراء الكواليس بين (محمود عباس) و (شيمون بيريز) ومسؤولين أمريكيين، وتردد أنه بحث أساليب دعم (الرئاسة) الفلسطينية على حساب الحكومة، سواء في صورة تسليم ١٠٠ مليون دولار من الدولة العبرية للرئيس (عباس) أو في صورة تقديم الرئيس (جورج بوش) دعماً محدداً للرئاسة الفلسطينية.
وكانت صحيفة (معاريف) كشفت في ٦ فبراير ٢٠٠٧م عن ثلاث خطط وضعها الجيش الصهيوني لإشعال فتيل الاقتتال الداخلي، وهي:
١- الخطة الأولى: تنفيذ مذبحة كبرى بين الأطراف الفلسطينية المتنازعة على غرار مذبحة (صبرا وشاتيلا) يستطيع الاحتلال التدخل عسكرياً فيما يجري في مناطق السلطة الفلسطينية.
٢- الخطة الثانية: تتضمَّن دعوة للدولة العبرية من حركة فتح للتدخل فيما يجري.
٣- الخطة الثالثة: اندفاع آلاف أو عشرات الآلاف من الفلسطينيين نحو الحدود مع قطاع غزة هرباً إلى الضفة، في حالة نشوب معارك شديدة وحدوث قتل كثير وكارثة إنسانية كنتيجة لتفاقم الوضع في الشوارع مما سيدفع جيش الاحتلال إلى التدخل.
٣ حماس تتفوق بالنقاط:
لم تخضع حماس للضغوط رغم أن الحرب الأهلية كانت تلوح بالأفق، الأمر الذي دفع فتح وبمساعدة سعودية للتفاوض مع حماس في مكة. وعلى الرغم من محاولة الدولة العبرية عرقلة اتفاق مكة من خلال إعادة العمل بالحفريات حول المسجد الأقصى إلا أن الاتفاق قد تمَّ، وعند التوقف أمام هذا الاتفاق نجد أنه حقق لحماس نصراً دبلوماسياً وسياسياً من خلال النقاط التالية:
١ ـ حقن دماء الفلسطينيين، وقضى على حالة الفلتان الأمني.
٢ ـ أعاد البوصلة الفلسطينية إلى اتجاهها الصحيح في مقاومة المحتل.
٣ ـ تفويت الفرصة على الصهيوني والأمريكي في تقسيم الفلسطينيين إلى معتدل ومتطرف.
٤ ـ كسب حماس للشرعية الدولية بعد كسبها للشرعية الشعبية في الانتخابات.
٥ ـ الحدّ من التدخلات الخارجية في الوضع الفلسطيني.
٦ ـ هذه الحكومة ستتمكن من رفع الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني.
٧ ـ الحدّ من مسلسل التنازلات السياسية المجانية لصالح إسرائيل.
٨ ـ تدشين شراكة جديدة بين فتح وحماس قد تكون بداية لأي عمل مستقبلي في إطار الحفاظ على الحق الفلسطيني.
في المقابل؛ فإن اتفاق مكة وبحسب ما أوضح مسؤولو الحركتين ليس فيه ما يمكن تفسيره باعتباره يتناول أول شرطين من شروط اللجنة الرباعية: الاعتراف بالدولة العبرية وترك الكفاح المسلَّح. وإن أبدت حماس احترامها لقرارات الرباعية إلا أن ذلك لا يعني التزامها بها فهناك اختلاف كبير بين (احترام) قرارٍ ما و (الموافقة على الالتزام به) . وهذا ما أكّده المحرر السياسي في صحيفة (معاريف) بقوله: (لا يوجد في وثيقة الإجماع الوطني ولا اتفاق مكة المكرمة ولا كتاب تشكيل الحكومة ـ كما اتفق عليه ـ أيُّ اعتراف ضمني أو صريح بالدولة العبرية) .
٣ لهذا يواجهون حكومة الوحدة:
لقد أدرك الصهاينة والأمريكيون أن ما حققته حماس من اتفاق مكة كان في الحقيقة نصراً على استراتيجيتهم القاضية إلى تفكيك حماس وعزلها، ومن ثم نصراً على التيار الانقلابي داخل فتح، بل وصل بهم الأمر إلى الحد الذي أقلق وزير الشؤون الاستراتيجية في الدولة العبرية (أفيجدور ليبرمان) في مقابلة مع مجلة (در شبيجل) الألمانية من أن تؤدي حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عن اتفاق مكة (إلى منح حماس الشرعية الدولية التي افتقدتها حتى الآن، دون أن تعترف بـ «الدولة العبرية» أو تضع حداً لاستراتيجيتها «الإرهابية» ضدنا) .
هذا القلق الصهيوني هو الذي دفع (رايس) إلى زيارة المنطقة في محاولة لعرقلة قيام حكومة الوحدة، حين شككت ـ وبعد لقائها كلاً من أولمرت وعباس منفردين ـ بالتزام الحكومة المزمع تشكيلها بشروط اللجنة الرباعية، أو تخلِّي حماس عن سعيها لتدمير الدولة العبرية، قائلة: (لا يمكن أن تضع قدماً داخل هيئات منتخبة وأخرى في العنف عندما تحاول تدمير دولة أخرى) .
بل إن رئيس الوزراء الصهيوني (إيهود أولمرت) أكد أنه اتفق مع الرئيس الأمريكي (جورج بوش) على مقاطعة الحكومة الفلسطينية الجديدة؛ إذا لم تستجب لشروط اللجنة الرباعية الدولية القاضية باعتراف الفلسطينيين بحق الدولة العبرية في الوجود، وإنهاء المقاومة، والاعتراف بالاتفاقيات الحالية بينها وبين الفلسطينيين.
لقد بدا واضحاًَ أن الدولة العبرية لا تريد البحث في القضايا الأساسية المفضية إلى الحل الدائم للقضية الفلسطينية، وتتذرّع بضرورة التزام الفلسطينيين بقرارات اللجنة الرباعية في وقت لا تحترم فيه كياناً فلسطينياً بحدود الـ (٦٧) ، ولا تلتزم بالقرارات الدولية المرتبطة بالمصلحة الفلسطينية.
ثم ماذا قدمت الولايات المتحدة الأمريكية للقضية الفلسطينية من دعم وهي تشترط مسبقاً على حماس قبولَ ما تعجز حماس عن القبول به أصلاً، في الوقت الذي قدمت فيه للدولة العبرية ١٠٠ مليار دولار على مدى ثلاثين سنة.
أليس ما صرَّحت به (رايس) من إمكانية تراجع واشنطن عن تقديم ٨٦ مليون دولار المخصصة للمساعدة في تدريب قوات الأمن التابعة للرئاسة الفلسطينية وتجهيزها؛ إذا لم تلتزم الحكومة الجديدة بمبادئ الرباعية؛ هو من باب وضع العصي في الدواليب حتى لا ينجح أصلاً اتفاق مكة؛ لأن خطره على الدولة العبرية كبير حيث يدشن لِلُحْمة فلسطينية جامعة في مواجهة المحتل؟! وإلا كيف نفسر هذه العرقلة من جانب الولايات المتحدة والدولة العبرية وكلاهما يعلم يقيناً أن الذي يقود المفاوضات من الجانب الفلسطيني هو محمود عباس وفريقه؟!
стр. 5926
خلاصات من فتاوى العلماء حول القضية الفلسطينية
خباب بن مروان الحمد
الناظر إلى جهود العلماء المعاصرين وتراثهم العلمي الزاخر؛ يجد عدداً من الفتاوى والبيانات الصادرة عنهم بخصوص الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينيَّة المسلمة، وقد أبدى علماء المسلمين من شتَّى أصقاع المعمورة من خلال تلك الفتاوى رؤاهم المستندة للشريعة الإسلاميَّة حول أحكام تتعلق بمسؤولية المسلمين تجاه احتلال اليهود الصهاينة للأرض المقدسة وتشريد أهلها وما يذيقونهم من ألوان الظلم والإذلال. النابع عن الكيد الظاهر والدفين تجاه أرض فلسطين ومقدَّساتها وأهلها.
ومن هذا المنطلق جاءت هذه المحاولة لجمع بعض الفتاوى لأُبْرِز دور علماء الأمَّة في نصرة القضيَّة الفلسطينيَّة المسلمة، وتذكيراً بأهميَّة هذه الأرض المباركة، وتنبيهاً للمسلمين الذين يهمهم أمر فلسطين بأنَّ القبول بالأمر الواقع ـ إن صحَّ ـ فهو لا ولن يعني التفريط بمسلَّمات الأمَّة المسلمة وثوابتها تجاه هذه القضيَّة، التي هي فعلاً قضيَّة المسلمين جميعاً، وكلُّ مسلم له فيها نصيب؛ فهي ليست قاصرة على أهل فلسطين فحسب، بل هي للأمَّة المسلمة جمعاء، ولن ترضى الأمَّة المسلمة أن تقزَّم هذه القضيَّة لتكون لأهل فلسطين وحدهم والبقيَّة من المسلمين يتفرَّجون وينظرون إلى مسرح الأحداث وكأنَّ الأمر لا يعنيهم؛ فإنَّ لهذه الأرض المقدَّسة بُعدها الإسلامي الواضح في نصوص الوحي كتاباً وسنّة، وقد بيَّن ﵊ أنَّ هذه الأرض ستُفتح على أيدي المسلمين. وأخبر ﵊ أنَّه ستكون بين المسلمين واليهود فيها صولات وجولات حتَّى قيام الساعة؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمون؛ حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعالَ فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» [١] .
ومن هذا المنطلق يجدر بنا الاطلاع على خلاصات مما أفتى به العلماء المعاصرون حول القضية الفلسطينية وبخاصة في هذه الآونة التي يحتاج الجميع فيها إلى بصيرة وحكمة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً: فتوى علماء الأزهر عام ١٩٤٧م: بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين وحماية المسجد الأقصى؛ حيث قام علماء الأزهر بتوجيه ندائهم إلى أبناء الإسلام بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين وحماية الأقصى، وذلك بعد قرار تقسيم فلسطين الذي وافقت عليه الجمعية العموميَّة للأمم المتحدة في ٢٩ /١١/ ١٩٤٧م والذي يقضي بإقامة دولة يهوديَّة وأخرى فلسطينيَّة على أرض فلسطين، وهو القرار الذي يُعدُّ اليوم أساساً لما يسمى بقرارات (الشرعية الدولية) فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وقد وقَّع على هذه الفتوى (٢٦) عالماً من علماء الأزهر، كان منهم: الشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد دراز، وغيرهم من أهل العلم والفضل والدين.
وممَّا جاء في هذه الفتوى قول العلماء: (إنَّ قرار هيئة الأمم المتحدة قرار من هيئة لا تملكه، وهو قرار باطل جائر ليس له نصيب من الحق والعدالة؛ ففلسطين مُلك العرب والمسلمين بذلوا فيها النفوس الغالية والدماء الزكيَّة، وستبقى ـ إن شاء الله ـ مُلك العرب والمسلمين رغم تحالف المبطلين، وليس لأحد كائناً من كان أن ينازعهم فيها أو يمزقها) [٢] .
ثانياً: انعقد في القدس يوم٢٠/١٠/١٣٥٣هـ اجتماع كبير لعلماء ودعاة فلسطين: من مفتين وقضاة ومدرسين وخطباء، وأصدروا بالإجماع فتوى بخصوص بيع الأراضي في فلسطين لليهود، وأنَّ ذلك البيع يحقق المقاصد الصهيونيَّة في تهويد هذه البلاد الإسلاميَّة المقدَّسة وإخراجها من أيدي أهلها وإجلائهم عنها وتعفية أثر الإسلام بخراب المساجد والمقدَّسات الإسلاميَّة كما وقع في القرى التي بيعت لليهود وأُخرج أهلها متشردين في الأرض؛ فقد اتَّفقوا على أنَّ البائع والسمسار والوسيط في بيع الأراضي بفلسطين لليهود عاملٌ ومظاهِرٌ على إخراج المسلمين من ديارهم، وأنَّه مانعٌ لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وساعٍ في خرابها، وهو كذلك متخذ اليهود أولياء؛ لأنَّ عمله يعدُّ مساعدة ونصراً لهم على المسلمين ومؤذٍ لله ورسوله وللمؤمنين، وخائن لله ولرسوله وللأمانة) .
ثمَّ أوضحوا أنَّ أولئك الباعة والسماسرة والوسطاء في بيع أراضي فلسطين لليهود: (كل أولئك ينبغي ألاَّ يصلَّى عليهم ولا يدفنوا في مقابر المسلمين، ويجب نبذهم ومقاطعتهم واحتقار شأنهم وعدم التودد إليهم والتقرب منهم، ولو كانوا آباء أو أو أبناء أو إخواناً أو أزواجاً، وأنَّ السكوت عن أعمال هؤلاء والرضا بها مما يحرَّم قطعياً) [٣] .
ثالثاً: البيان الصادر عن دائرة مجلس الإفتاء العام في عمَّان بالأردن: الذي صدر إبَّان خروج قرار من مجلس الكونغرس الأمريكي القاضي بجعل القدس عاصمة لـ (اليهود) ، وقد وقَّع على هذه الفتوى (١١) عالماً من علماء الأردن، واستنكر المجلس استنكاراً شديداً هذا القرار الذي يتنافى مع حقوق الإنسان، وجاء فيه: (إنَّ قرار الكونغرس الأمريكي القاضي بضم القدس يشكل عدواناً صارخاً على عقيدة كل مسلم في الأرض، وتعتبر الولايات المتحدة شريكاً في الظلم والعدوان الذي تمارسه إسرائيل) .
وجاء فيه كذلك: (القدس الشريف جزء من عقيدة كل مسلم يحافظ عليها كما يحافظ على دينه) ثمَّ ذكروا الأسباب لهذه العقيدة التي يجب أن يعتقدها المسلمون.
وقد جاء في هذه الفتوى الأمر بجهاد اليهود، ومقاطعتهم في تجارتهم ومعاملاتهم [٤] .
رابعاً: صدرت فتوى في الفترة الممتدَّة من (جمادى الأولى ١٤٠٩هـ وحتَّى ربيع الآخرة ١٤١٠هـ) : وقد وقَّع عليها ثلاثة وستون عالماً وداعية ومفكراً، منهم: الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور همَّام سعيد، والدكتور المجاهد عبد الله عزَّام، والأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وصادق عبد الماجد، والدكتور عصام البشير، والشيخ حافظ سلامة، ومصطفى مشهور، وجمعٌ من رجالات العمل والدعوة الإسلاميَّة، وكانت بعنوان: (فتوى علماء المسلمين المحرِّمة للتنازل عن أي جزء من فلسطين) وبيَّنوا في بدايتها أنَّ اليهود أشد عداوة للذين آمنوا، وقالوا: (الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، ولا يجوز بحال من الأحوال الاعتراف لليهود بشبر من أرض فلسطين، وليس لشخص أو جهة أن تقرَّ اليهود على أرض فلسطين أو تتنازل لهم عن أي جزء منها أو تعترف بأي حق لهم فيها، وإنَّ هذا الاعتراف خيانة لله ورسوله وللأمانة التي وُكّل إلى المسلمين المحافظة عليها) [٥] .
خامساً: فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: حيث أفتى بوجوب الجهاد ضدَّ اليهود المعتدين على أرض فلسطين، وقال: (فالواجب عليهم الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأهليهم وأولادهم وإخراج عدوهم من أرضهم بكل ما استطاعوا من قوَّة) وقال: (فالواجب على الدول الإسلاميَّة وعلى بقية المسلمين تأييدهم ودعمهم ليتخلَّصوا من عدوهم، وليرجعوا إلى بلادهم) . [٦]
سادساً: نبَّه جمع من علماء المسلمين إلى خطورة التعاون مع الصهاينة والعمالة الجاسوسيَّة لهم تجاه المسلمين، وبيَّنوا أنَّ الجاسوس الذي يرشد الأعداء على المجاهدين، ويسعى في الأرض فساداً، إن عُرِفَ هذا منه واشتهر به، فإنَّه يُقْتَل ويثاب قاتله، وأمَّا إذا لم يُعْرَف هذا عنه، فأمره موكول لحاكم المسلمين وأهل الحل والعقد؛ فإن رأوا قتله قُتِل، وإن رأوا تعزيره عُزِّر، فيتخيروا ما هو أصلح للمسلمين [٧] .
هذا كلُّه في من يتعاون مع أعداء المسلمين كاليهود ضد إخوانه المسلمين والمجاهدين؛ فما البال إذاً بمن يتعاون مع اليهود عبر الطرق الدبلوماسيَّة والتلبيسات المصلحيَّة للتفريط بثوابت الأمة وأراضيها المقدَّسة والحقوق الشرعيَّة للأمَّة في فلسطين؟
سابعاً: صدر بيان وفتوى من الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: حول عقد معاهدات الصلح والسلام مع اليهود وموقف المسلم منها، وتكلَّم فيها عن عداوة اليهود للمسلمين وكيدهم ومكرهم، ثمَّ ذكر خطورة هذه المعاهدات التي اتَّفق بعض المسؤولين عن السلطة مع اليهود في وقت سابق على أمور منها، وكان ملخَّص الفتوى: أن معاهدات الصلح الدائم مع اليهود تقوم على شروط باطلة منها:
وضع الحرب إلى الأبد بين المسلمين واليهود: هذا شرط باطل. إزالة أسباب العداوة والبغضاء بين المسلمين واليهود وإزالة كل نصوص التشريع التي تبقي هذه العداوة: وهذا شرط باطل لأنَّه مخالف لأصول الإيمان. وأنَّها أقرَّت اليهود على ما أخذوه من أرض الإسلام عنوة وغدراً: وهذا أمر لا يجوز. وأنَّ هذه المعاهدات أُبرمت عن غير مشورة من المسلمين: وكل عقد يهمُّ المسلمين إذا أُبرم عن غير رضى فهو عقد باطل. ثمَّ أكَّد الشيخ أنَّ هذه المعاهدات ستُفسد دنيا المسلمين وليس دينهم فقط، ثمَّ تطرَّق الشيخ ـ حفظه الله ـ إلى ذكر الخسائر التي تحيق بالمسلمين من وراء هذه المعاهدات، واختتم الفتوى بواجب المسلمين تجاه هذه المعاهدات، باعتقاد بطلانها، وأنَّ هذه المعاهدات لا تلزمهم، بل ينبغي العمل على إسقاطها، ووجوب تجميع الأمَّة على القضاء على علوِّ اليهود في الأرض [٨] .
ثامناً: أصدرت رابطة علماء فلسطين بتاريخ ٢٥/١/٢٠٠٧م فتوى بتحريم التنازل عن حق عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه فلسطين: معلِّلين ذلك بأنَّه يعني التنازل عن ملكية المسلمين للأرض وتبعيَّتها للوقف الإسلامي، وقالوا: (فإذا كان بيع الأراضي المقدسة في بلاد الشام لغير المسلمين لا يجوز، ويحرِّمه الشارع الحكيم، وقد سبق أن أفتى علماء المسلمين في جميع أنحاء المعمورة بتجريم من فعله وكفَّروا من اعتقد حِلّه؛ فكيف بمن تنازل عن الأرض عبر التنازل عن حق عودة شعبنا الفلسطيني المسلم إلى أرضه المقدَّسة؟ فلا يحق لأحد ـ مهما كان موقعه ـ أن يتنازل أو يبيع شيئاً منها، وإن فعله فهو مردود عليه) .
وخلصوا في نهاية الفتوى إلى عدَّة نقاط:
(أولاً: إن المتنازل عن حق العودة يلغي وقف أمير المؤمنين لأرض الشام على ذراري المسلمين.
ثانياً: إن المتنازل عن حق العودة عاملٌ ومُظاهِر على إخراج المسلمين من ديارهم، وخروج فلسطين من ملكية الوقف الإسلامي إلى غيره، ومُقر بحق ملكية اليهود لها.
ثالثاً: إنه ظالم ومانع لمساجد الله - وعلى رأسها الأقصى قبلة المسلمين الأولى - أن يذكر فيها اسمه وساعٍ في خرابها. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] .
رابعاً: إنه متخذ اليهود أولياء؛ لأن عمله يعد مساعدة ونصراً لهم على المسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
خامساً: إنه مؤذٍ وخائن لله ولرسوله وللمؤمنين.
سادساً: إنه كافر ومرتد عن دين الله، وبذلك يصبح أحد الثلاثة الذين يحل دمهم.
واختتموا فتواهم بقولهم: (وعليه فإننا في رابطة علماء فلسطين ومن خلال هذا المؤتمر نؤكد على أن حق المسلمين في فلسطين التاريخية كاملة حق مقدس ثابت لا يملك أحد التنازل عنه، ولا تُسقطه معاهدة، ولا وثيقة، ولا وعد، ولا يجوز الصلح عليه، ولا على أي جزء منه. وإن حق العودة إلى فلسطين مقدس، لا ينبغي لفلسطيني أن يهاجر من بلاده مختاراً بدون حق ولا وجه شرعي، أو أن يتنازل عن هذا الحق، وأن يرضى بتعويض أو توطين في مكان آخر، ومن اعتقد حِل ذلك فهو كافر مرتد) [٩] .
تاسعاً: أخرجت دار الإفتاء المصريَّة فتوى منذ فترة: أنَّه يجوز إخراج الزكاة لأهل فلسطين المجاهدين، لاندراجهم في سهم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] ، ونصَّت الفتوى على أنَّ: (الإخوة الفلسطينيين أحوج ما يكونون إلى مثل هذه المساعدة التي تقوِّيهم على الوقوف في وجه هذا المعتدي الباغي الغادر المدجَّج بالعتاد والسلاح ونظم القتل الحديثة؛ فهم بلا شك داخلون في معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] والمعبَّر عنهم بالغزاة) .
عاشراً: صدر بيان من رابطة علماء فلسطين حول قضيَّة اللاجئين الفلسطينيين: وبيَّنوا فيه أنَّ عودة اللاجئين والنازحين والمهجَّرين حق شرعي وتاريخي، لا يجوز النيابة أو التفويض أو التنازل عنه في إطار أي اتفاق أو معاهدة، ثمَّ اختتمت الرابطة بيانها بتأكيدها على (أنَّ تحرير فلسطين والقدس وإعادة ملايين اللاجئين لا يتمّ عن طريق المفاوضات السلميّة الذليلة وإنما عن طريق الجهاد والمقاومة.. فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطلُه جور جائر) [١٠] .
هذه بعض الفتاوى المهمَّة حول القضيَّة الفلسطينيَّة، وخلفها المئات من الفتاوى الصادرة عن أهل العلم والفضل ولها مكانتها وقيمتها، ونظراً لأنَّ صفحات التقرير لا تحتمل أكثر من هذا فقد ذكرنا ما يمكن أن يشير إلى أهمية الموضوع، والله ولي التوفيق.
[١] ) أخرجه البخاري في باب فضائل الجهاد ٢٩٢٦، ومسلم في كتاب الفتن (٢٩٢٢) .
[٢] ) الهيئة العربية العليا (فلسطين) ، حكم الإسلام في قضية فلسطين: فتاوى شرعيَّة خطيرة لمناسبة معاهدة الصلح بين مصر والعدو الإسرائيلي، ص: ١٤ ـ ١٥.
[٣] ) فتوى علماء المسلمين بتحريم التنازل عن أي جزء من فلسطين:صـ٦٦ــ٧٥، توزيع:دار الفرقان.
[٤] ) فتوى علماء المسلمين بتحريم التنازل عن أي جزء من فلسطين: ص ١٧ ص ١٨، توزيع: دار الفرقان.
[٥] ) فتوى علماء المسلمين بتحريم التنازل عن أي جزء من فلسطين: ص ٥١ ـ ص٦٠، توزيع: دار الفرقان.
[٦] ) مجموع مقالات وفتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
[٧] ) موسوعة المفاهيم لمجمع البحوث التابع للأزهر الشريف.
[٨] ) مختصر لفتوى الشيخ التي جاوزت عشرين صفحة موقع الشبكة السلفيَّة على الشبكة العنكبوتيَّة التي يشرف عليها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.
[٩] ) http://www.rapeta.org/fatwadetails.asp?ID=٧١
[١٠] ) http://alarabnews.com/alshaab/GIF/٠٥-١٢-٢٠٠٣/n٤.htm
стр. 5927
بن جوريون يؤيد حركة حماس !
أحمد فهمي
في أحد الفواصل الدعائية التي تقدِّمها قناة الجزيرة، تظهر صخرة شديدة الصلابة تفشل كل محاولات كسرها بالدقِّ أو الحفر أو الطرق، ولكن تنجح قطرة ماء فيما عجزت عنه الأدوات القوية، وتتفتّت الصخرة، وهي في الإعلان ـ طبعاً ـ ترمز لقناة الجزيرة، أعني: قطرة الماء.
أعتقد أن هذا الإعلان ينطبق تماماً على حركة حماس، فهي تتمسك بخيار المقاومة وتعدّه خيارها الإستراتيجي، ولكنها في مقابل صلابتها تتعرض لضغوط هائلة من أغلب الأطراف الداخلية والخارجية، بحيث إن الجميع بات يترقَّب قطرة الماء التي يمكنها أن تفتِّت موقف حماس كونها حركة مقاومة فلسطينية.
كان الرهان الغربي أن حماس عندما تنغمس في العمل السياسي سوف يتآكل جانبها المقاوم الرافض للكيان الصهيوني، لكن حماس أثبتت إمكانية الجمع بين التمسك بالمقاومة وممارسة العمل السياسي. وإذا كان كثيرون يتحدثون عن نهر التناقضات الذي وقعت فيه حماس، فالأمر نفسه ينطبق على الكيان، فقد بات (إيهود أولمرت) أمام سلطة بُنيت على قاعدة الاعتراف بالدولة الصهيونية، ولكنها لا تعترف بها، وحكومة فلسطينية تؤيد المقاومة، ساهمت تل أبيب في وضع نظامها، وبدلاً من تفرغ الأجهزة الأمنية لحصار فصائل المقاومة، أصبح أحد قياديي حماس وزيراً للداخلية، وأعتقد أنه الإسلامي الوحيد في العالم العربي الذي شغل هذا المنصب.
بخلاف الضغط الصهيوني المعروف؛ فإن على حماس أن تواجه ضغوطاً أخرى من أطراف إقليمية، فهناك إيران وسورية وبقية الدول العربية، وكل من يؤيد حماس بكلمة يطلب منها موقفاً معيناً حتى وإن تمَّ ذلك بأسلوب غير مباشر. باختصار تحولت حماس إلى ورقة في أيدي العرب يساومون عليها وبها، بدلاً من أن تصبح رمحاً يواجهون به عدوهم.
هذه الإشكالية في التوصيف العربي لدور حماس - ورقة مساومة أم رمح مواجهة - تنقلنا إلى بُعْد أعمق للأزمة، وهو تصور المخرج الحقيقي للصراع العربي الصهيوني، فبالنسبة لليهود هم يعدّون بقاء الأزمة العنصرَ الأهم في إدارة العلاقات مع الدول العربية، بينما يعدُّ العرب إنهاء الأزمة العنصرَ الأهم في إقامة العلاقات مع إسرائيل، هذا التفاوت بين التصورين يعيق مقاربات الحل المطروحة، وإن كان تسبَّبَ من ناحية أخرى في أرجحة عقدة الأزمة بين أمرين: حل القضية الفلسطينية أم تحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة.
في هذا الوضع المعقد تحاول حماس أن تقدم مقاربات لفظية أو تكتيكية للجمع بين المتناقضات والأطراف الفاعلة، هذه المقاربات تسبَّبت في حدوث لغط وضبابية لدى مؤيدي حماس في العالم العربي، حول تراجع الحركة عن مواقفها وثوابتها. والأمر الخطير هنا أن تنشأ لدى الرأي العام العربي بتأثير هذه الضبابية اتجاهات استسلامية ترضى بالأمر الواقع تأثراً بموقفٍ لم تتخذه الحركة وتنازلٍ لم يثبت عنها.
إن من أهم واجبات الإعلام الإسلامي في هذه المرحلة أن يخصص جزءاً من نشاطاته للحديث عن ثوابت حماس وثباتها؛ حتى لا يتحول الرأي العام العربي بدوره إلى قوة ضغط إضافية في اتجاه التنازل، ولا يبخل قادة الحركة بتقديم ما يثبت ويبين موقفهم الحقيقي ويجلي ضبابية التصريحات السياسية. وفي احتفال أُقيم في خان يونس بقطاع غزة قبل أيام قليلة قال (محمود الزهار) وزير الخارجية السابق بوضوح: (موقف حماس والحل النهائي والإستراتيجي بالنسبة لها هو تحرير فلسطين.. كل فلسطين) ، وقال: (هناك بشرى قرآنية لنا بأننا سندخل المسجد الأقصى. ودخول المسجد يعني دخول العنوان أي كل فلسطين، فهذه البشرى لا يستطيع أحد أن ينكرها، ومن ينكرها فليراجع إيمانه وإسلامه) . (الوطن السعودية، ٦/٣/١٤٢٨هـ) .
هذا الموقف الواضح لحماس من أبرز قيادييها جاء على لسان (ديفيد بن جوريون) مؤسس دولة الكيان الصهيوني الذي عدَّ الموقف العربي الرافض للتصالح مع الدولة الصهيونية أمراً طبيعياً، فقال: (لماذا ينبغي للعرب التوصل إلى السلام؟ لو قدِّر لي أن أكون زعيماً عربياً لما تصالحت مع الدولة الصهيونية على الإطلاق.. هذا أمر طبيعي.. هم لا يرون إلا شيئاً واحداً، هو أننا جئنا إلى هنا وسرقنا بلادهم، فلماذا ينبغي عليهم قبول هذه الحقيقة؟!) فعلاً؛ لماذا ينبغي علينا قبول من سرق بلادنا؟!!
стр. 5928
التقشف وسيلة المرأة لمقاومة الحصار
رامي أبو سمرة
المرأة التي أتقنت رتْقَ ثياب أطفالها كانت تصارع الوقت والألم معاً، وكانت تدرك في سريرتها أن زمن (البطر) قد راح مع كل صاروخ تُدَكُّ به غزة، وحلّ وقت آخر هو خليط من اليأس والأمل والحصار والمعاناة؛ يأس السنوات الماضية وأمل السنوات القادمة، وفي الحالتين ثمة مفارقة ظلّت تكتنف المشهد الفلسطيني بِرمّته على مدار الحصار الطويل.
هذه المرأة وغيرها من النساء الفلسطينيات، ظللن يكافحن واقع الحال بصبر وثبات وانتظار، بدأ في كثير من الأوقات غامضاً وحرجاً، ولعل الرجال كانوا ـ وما زالوا ـ أكثر استعداداً لفهم المسؤولية المتنامية في تضييق فجوة الحصار وآثاره على الأسرة.
التقشُّف مفردة اقتصادية أخذت أهميّتها تتسع بين العائلة الفلسطينية خلال العام الجاري، دخلتْ إلى حياة الناس من أوسع الأبواب حقيقةً لا بد من الإقرار بها والتعامل معها كحل أخير في مواجهة الحياة الصعبة. وهكذا يكون التقشُّف وسيلة من وسائل التواصل مع الواقع المأساوي على حساب أشياء كثيرة، ولكن كان لا بد من ذلك؛ فالحياة ما عادت كبيرة جداً في عيون الناس، وزمان السعادة ينحسر بالتدريج.
ولقد رصدت طرق التقشُّف لدى العائلة الفلسطينية عبر الاستطلاع الميداني مع النساء في البيوت؛ لمعاينة الوسائل والطرق التي ابتدعها الناس هنا وهم يواجهون مستقبلاً غامضاً بطبيعة الحال.. فما الذي وجدناه؟
٣ نجاح صبحي (ربّة بيت) : لم تكن امرأة كبيرة في السِّن؛ إنها أصغر مِمّا يعتقده المرء، لكنّ رعبَ السنوات جعل على وجهها تعباً صريحاً؛ فهي أم لسبعة أولادٍ أكبرُهم في العشرين. تقول نجاح عن تدبيرها المنزلي: أكثر ما يزعجني في هذه الظروف ثياب الأطفال؛ أربعة من أولادي صغار لا يفهمون ما الذي يجري بيننا من عذاب، إنهم يريدون دائماً..، ويستهلكون كثيراً..، وراتب زوجي لا يكفي أصلاً لمثل هذه المشكلة! أما بعد أزمة الرواتب فحدِّث ولا حرج، فكان لِزاماً علينا أن نحل هذه المشكلة بِاستثناء الأولاد الكبار؛ فالبقية يتناوبون في استبدال الثياب فيما بينهم حسب الأعمار والطول، ثم إن هذه الملابس تخضع للغسيل والترتيق المستمرَّيْن. وفي أكثر الحالات، بعد الاستهلاك الكلي لها، نستفيد منها كقطعٍ لمسح البيت وأثاثه، أو ألبسة داخلية للأطفال ... ، هكذا نصارع حالنا ونتنصر على الوقت إلى أجل لا نعرفه.
٣ سميّة محسن (ربّة بيت) تواجه حالة الغذاء اليومية بشيء من الارتباك وتقول: إنها توازن بين الحصة التموينية التي توفّرها الدولة (لِكونها مسجلة كحالة اجتماعية) وبين المتطلبات الضرورية الأخرى؛ وهذه المتطلبات هي التي تستهلك الحال المتواضعة، مشيرة إلى راتب زوجها الموظف وبين احتياجات الفطور الصباحي بشكل يومي؛ إذ إن الحصة التموينية لا توفِّر البيض والأجبان واللحوم ومستلزمات أخرى مما تحتاجه الأسرة بشكل مستمر وملِّح، لا سيما بوجود أطفال يحتاجون إلى الأغذية الضرورية الكفيلة بالمحافظة على صحتهم ونموِّهم. وتضيف سمية: إننا نشتري البيض مرة واحدة في الأسبوع، وقد يتخلل أن نشتري الحليب؛ غير أنَّ معظم الأصباح يكون فطورنا الطماطم والبطاطاس والباذنجان، حتى الأطفال تعودوا على ذلك، وليست لدينا مشكلة ولله الحمد.
اللحوم مرة كل شهرين.. والأسماك في المناسبات
٣ أم محمد (أم لتسعة أطفال) تقول: الواقع يعصف بنا جميعاً ويضعنا في دوامة كبيرة من الظنون والترقّب ومواجهة الاحتمالات القاسية، ونتطلع إلى الله أن يزيح هذه المشكلة؛ لنعوّضَ أولادنا ما فاتهم من حاجات واحتياجات.
وتضيف قائلة: إن اللحوم أصبحت حلماً لدى أطفالي؛ فعملنا مع أزمة الرواتب وقلّة الحال أن نشتري اللحوم مرة كل شهرين. وبالنسبة للأسماك فأطفالي لم يتناولوه منذ تسعة شهور.
٣ سماح السيد (موظفة) ترى في التقشُّف منفعة كبيرة وتقول: إنه عوّدنا على الصبر والكفاف والقناعة، ومواجهة الأيام الصعبة والقاسية. وتقول أيضاً: نتدبّر أمرنا بالمواد التموينية من أهل الخير وبعض الجمعيات الخيرية، وأما الباقي فنتدبر أمره ولله الحمد. أما بالنسبة للملابس وخصوصاً (ملابس المناسبات والمدارس) فأمرها في غاية الصعوبة؛ لِكون الحصار الظالم والأزمة المالية الخانقة وأزمة الرواتب جعلت مجراها صعباً، ولكني جعلتُ أولادي يتبادلون الملابس مع أقاربنا، وخضعنا للواقع.
وأضافت: بالنسبة للبنات فتبدو مشكلتهن أكثر صعوبة وتعقيداً؛ بسبب طبيعة المرأة التي تحب أن تلبس الثياب الجديدة دائماً، ولِكون بناتي في الجامعة؛ ولكن واقع الحصار الظالم الطويل ربما غيّر شيئاً قليلاً من الثوابت التي تعوّدنا عليها. وبالتدرّج أمام هذه الحقيقة اكتسبت البنات شيئاً مهمّاً في التعليم والتربية وقلة الطلبات.
الأدوات الكهربائية ليست ضرورية
٣ أما (أم علاء) فترى التقشُّف نوعاً صريحاً من الصبر. وأمام مشكلة الحصار تقول: عالجْنا الأمرَ أولاً بمدّخرات بسيطة؛ غير أنها نفدت بعد شهور قليلة. وأمام الحالة الصعبة المتنامية كان علينا أن نتخلّص من عادات موروثة في التبذير والشراء الكيفي لبعض الحاجات المنزلية؛ لذلك كان أمامنا تخطيط آخر في التوقف، أو التقليل من بعض الالتزامات الاجتماعية غير المبررة في كثير من الأحيان. ومع هذا فقد كان الحصار يزحف علينا بشكل مخيف ويهدد وجودنا كأفراد وأسر، وكان لا بد من مواجهة موجودات المنزل ... وجدنا أن هناك ما هو فائض كنا قد اشتريناه في أيامٍ كانت الدنيا (حلوة) ! فقمنا ببيعها لنعيش بعض الشهور بلا منغِّصات، مع التقيّد الحازم بعدم التساهل في الصرف.
وقمنا ببيع جميع الأدوات الكهربائية لكي نستطيع توفير قُوْتِ أولادنا، ولم نعد نحتاج إلى الثلاجة لعدم تبقّي أي أكل يُحفظ فيها. أما الغسالة؛ فالغسيل اليدوي يكون أنقى (يضيّع وقتاً ويسلّي) . بهذه العبارة جعلت (أم علاء) الأساسيات مجرد كماليات للمنزل، رغم تعبها وألمها من كثرة العمل الذي توفّره الأجهزة الكهربائية.
تصمت لتقول: نحاول أن نلهمَ أنفسنا بعدم ضرورة الشيء. وإن شاء الله تُحلُّ الأزمة ويُفكُّ الحصار، ونعود لحياتنا وسأكون أحسن من أول..!
لم يبقَ سوى بيع أولادنا..!
(أم أشرف) ترسم ملامح الشقاء والبؤس على ملامحها، تقول وتطلق تنهيدة تكاد تفلق صدرها، وتصمت لِتذرف دمعاً يحاول غسل وجهها الذي بدّده الحصار والضياع والتشريد، تقول: ابني الكبير هاجر إلى الخارج لقلة الرواتب، والأزمة، وعدم وجود فرصة (أكل عيش له هنا) .
لم يتبقَّ لدي أي مصاغٍ أو أثاث في المنزل، قمنا ببيعه كله لنقتات بثمنه، ولم يبقَ في منزلي سوى المراتب والأغطية وملابس الأولاد، لم يبقَ غير بيع أولادنا في المزاد!
стр. 5929
الجذور التاريخية للتغلغل الشيعي في كردستان
د. فرست مرعي الدهوكي
٣ تمهيد:
مما لا شك فيه أن أول اتصال جرى بين المسلمين الفاتحين والكرد كان في سنة ١٦هـ/٦٣٧م في عهد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب ﵁ وما بعدها؛ عندما استطاعت الجيوش الإسلامية الانتصار على الجيوش الفارسية الساسانية في معارك القادسية وجلولاء ونهاوند (فتح الفتوح) ؛ حيث كان من نتائجها وصول المسلمين الفاتحين إلى المنطقة الكردية، وحصل آنذاك أول احتكاك معهم؛ حيث كانوا يعتنقون آنذاك عدة ديانات ومذاهب: (المجوسية والمذاهب الملحقة بها ـ الزرادشتية والمانوية والميثرائية والمزدكية ـ، والنصرانية، واليهودية) ، ومن ذلك الوقت ولعدة سنوات بدأ الكرد يدخلون في دين الإسلام أفواجاً. وفي غضون عقود قليلة بدأت عملية أسلمة المجتمع الكردي تمشي على قدم وساق؛ لملائمة الإسلام فطرة الكرد، ولسهولته وسماحته عكس التعقيدات، وصعوبة الطقوس التعبّدية في دياناتهم القديمة التي أثقلت كاهل الكرد. ولم تمضِ سنوات حتى كان غالبية المجتمع الكردي قد أسلم. وأما الروايات والتقاليد الشفهية التي تؤكد وجود تجمّعات زرادشتية داخل المناطق الكردية بعد الفتح الإسلامي بعدّة قرون، وتحديداً في منطقة (هورامان) الواقعة حالياً على الحدود العراقية الإيرانية جنوب شرق مدينة السليمانية؛ فيبدو أن تلك التجمّعات كانت من القلّة بحيث لا تؤثر على مجمل التحولات الدينية والسياسية والاجتماعية التي سادت هذا الجزء القصيّ والوعر من بلاد الكرد.
٣ انتشار التشيّع بين كرد (لورستان) :
يبدو أن اعتناق الكرد مذهب التشيّع قد حدث في القرون المتأخرة؛ حيث إن التشيّع لم يتحول إلى فرقة أو طائفة إلا بعد القرن الثالث الهجري، وأخذ شكله وطبيعته البنيوية الخاصة به في العصر البويهي وما تلاه؛ حيث كُتبت في هذه الفترة المصنفات الحديثية الأربعة لدهاقنة التشيّع، فضلاً أنّ الكُليني، صاحب كتاب (الكافي) ، رتّب مع آخرين ممن يُدعون (سفراء المهدي المنتظر) كالخلاني وغيره؛ الغيبَتين الصغرى والكبرى، التي كانت في سنة ٣٢٩ هـ بعد وفاة الكليني بسنة واحدة؛ مما أدّى إلى بروز هذا الجانب الاعتقادي. وأخذت الإضافات تأتي عليه تترى من قِبَل ما يُسمَّون بعلماء القوم إلى أن اكتملت صورته في العصر الصفوي في القرن التاسع الهجري (السادس عشر الميلادي) ، وظهر إلى الوجود لأول مرة كيان شيعي في ظل دولة تطبِّقه تحت شعار (وكالة الإمام المهدي) . وفُرض اعتناق هذا المذهب على سكان الهضبة الإيرانية بالقوة والقسوة الشديدة باعتراف المؤرخين الإيرانيين، وتمَّ إضافة طقوس عديدة عليه؛ كالسجود على التربة الحسينية، وتعظيم الشاهات (الملوك الصفويين) بالسجود، فضلاً عن إضافة الشهادة الثالثة (أشهد أن علياً وليّ الله) ، إلى أن وصل الأمر وبعد تراكمات عديدة أن أصبح ديناً بالمفهوم التقليدي، وعلى خلاف تام في العديد من الاعتقادات والشعائر عن المذهب السّنّي السائد آنذاك في الدولة العثمانية والدولة المغولية في الجانبين الشرقي والغربي من الهضبة الإيرانية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن أحد الباحثين الكرد يعتقد أن تشيّع الكرد يرجع إلى أيام الإمارة الحسنوية التي كانت تحكم الأجزاء الجنوبية الشرقية من كردستان في الجانبين الإيراني والعراقي في العصر البويهي؛ وتحديداً ما بعد سنة ٣٥٠ هـ. ويستنتج الباحث المذكور تشيّع الأمير بدر بن حسنويه البرزيكاني وقبيلته البرزيكان الكردية من أمرين اثنين: الأول: دفنه في ظاهر الكوفة (النجف حالياً) من قِبَل الزعيم الكردي المناوئ له الحسين بن مسعود الكردي (١) ، بعد أن قتله أتباعه الكرد من أبناء قبيلة الكوران (٢) ؛ حيث يبدو واضحاً أن الأشخاص الذين يُدفنون في النجف بالقرب من المشهد المنسوب إلى الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب (٣) ﵁ يعتبرون من الشيعة؛ ولكن مع هذا توجد حالات تنسب إلى أشخاص دفنوا في النجف وهم ينتسبون إلى أهل السُّنّة (٤) . علماً أن الأمير بدراً لم يدفن بناءً على طلبه أو طلب أسرته؛ بل دفن حسب أوامر خصمه حسين بن مسعود الكردي (٥) !!
والأمر الثاني الذي استند إليه الباحث المذكور في تشيّع بدر بن حسنويه وعشيرته البرزيكان هو قوله: «إن قبيلة البرزيكان كانت تعتنق المذهب الشيعي، وخاصة أن سكان هذه القبيلة في إقليم لورستان الذي يعتنق معظم القاطنين فيه هذا المذهب (١) ، ثم إن البرزيكان كانوا يعيشون متجاورين ومتداخلين مع طوائف شيعية أخرى كاللورستان والكوران» (٢) .
ويبدو أن الباحث لم يستند إلى مصادر بعينها، سواء أكانت عربية أو فارسية، في إثبات شيعيّة منطقة تمركز عشيرة البرزيكان والأنحاء المجاورة لها في إقليم الجبال ـ كردستان ولورستان حالياً ـ؛ وإنما اعتمد على الحدس والتخمين القائمَيْن على العاطفة، علماً أنه كان هناك بؤر شيعية متعددة في إقليم الجبال؛ ولكن لم يكن انتشارها واسعاً بحيث تغطي المنطقة؛ فقد ذكر ياقوت الحموي (٣) في هذا الصدد أن التشيّع قد انتشر في مدينة (قم) في وقت مبكر (سنة ٨٣ هـ/٧٠٢م) . ويقول الأصطخري (٤) : إن أهل (قم) كلهم شيعة. بينما يقول القزويني (٥) : إن أهل بلدة (آبه) الواقعة على طريق بغداد ـ همدان ـ شيعة غلاة جداً، إلى جانب تمركزهم في الكوفة والجزء الغربي من بغداد (الكرخ) وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي (٦) .
ومما يدل على أن الأمير الكردي بدراً ابن حسنويه لم يكن شيعياً أن المصادر السُّنّية المعروفة؛ كالمنتظم لابن الجوزي والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، كانت تكيل المديح له، ولو كان شيعياً لكان الأمر عكس ذلك؛ ولعل ذلك نكاية بخصمه!
٣ نشاط الدعاة العبيديين (المتقدمين) :
النشاط الذي بدأه دعاة المذهب الإسماعيلي اعتباراً من سنة ٢٦٠هـ/ ٨٧٣ م حسب رواية المسعودي (٧) ، والجهود الحثيثة التي قام بها أئمة الشيعة الزيدية المعروفين بالدعاة لتأسيس كيان سياسي لهم في إقليم طبرستان جنوب بحر الخزر (قزوين) ابتداءً من سنة ٢٥٠هـ/ ٨٦٤ م وانتهاءً بسنة ٣١٦هـ/ ٩٢٨م (٨) ؛ كل ما سبق أدّى دون شك إلى حدوث خلل بنيوي في مرتكزات أهل السُّنّة والجماعة تمخّض عن إدخال مناطق عديدة ضمن النطاق الشيعي بعد أن كانت حكراً على المذاهب السنّية. وقد حرص القادة العبيديون (الفاطميون) في مصر على استثمار كل الجهود من أجل نشر أفكارهم عن طريق إرسال الدعاة؛ فها هو المعز العبيدي (ت: ٣٦٥هـ/٩٧٥م) (٩) يقول في خطاب له إلى الحسن القرمطي: «ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة إلينا يدلّون علينا بتصاريف الألسن، وفي كل جزيرة وإقليم رجالٌ؛ منهم يفقهون وعنهم يأخذون ... » (١٠) .
وقد أشار الوزير السلجوقي نظام الملك (١١) إلى نشاط الباطنية وكيفية ظهورهم، بأن عبد الله بن ميمون كان يدعو الناس إلى هذا المذهب في قوهستان العراق (إقليم الجبال ـ كردستان ولورستان الحالية) ، وأنه استخلف رجلاً يدعى خلفاً (١) ، قال له: «امضِ إلى جانب الري ـ بالقرب من طهران الحالية ـ، وادعُ إلى الشيعة؛ فالناس في الري وقم وكاشان رافضة كلهم، وسيستجيبون لدعوتك بسرعة؛ فيعظم أمرك هناك ويعلو شأنك» (٢) .
ومن جانب آخر فإن النفوذ العبيدي (الفاطمي) قد زاد في أقاليم الدولة العباسية؛ نتيجة تشجيع البويهيين المذهب الشيعي الذي يدينون به، وهذا ما سهل إلى حدٍّ كبير مهمة الداعية العبيدي (موسى بن عمران الشيرازي) والد المؤيد الذي كان حُجةَ فارس ـ سفيرٌ إسماعيليٌ سرّيٌّ ـ أيام الوزير أبي غالب الواسطي وزير بهاء الدولة وسلطان الدولة، وقد تمتّع هذا الداعية العبيدي بمكانة سامية، حتى إن الوزير (فخر الملك) زاره أكثر من مرة في منزله، وفيما بعد خلفه في منصبه حجة فارس ابنه (هبة الله الشيرازي) الذي اتخذ لقب المؤيد لدين الله (٣) .
وقد تمكّن (هبة الله الشيرازي) من إدخال الأمير البويهي أبي كاليجار (٤١٥ ـ ٤٤٠هـ/١٠٢٤ ـ ١٠٤٨م) في الدعوة الإسماعيلية (٤) بعد أن لقّنه أصولها؛ نظراً للتقارب الأيديولوجي بين الجانبين؛ حيث يقول في هذا الصدد: «كنت كل ليلة جمعة أمكث عنده إلى أن يمضي هزيع الليل، وهو يسألني عما يهجس في نفسه، وكنت أجيب عنه جواباً يظهر أثر تباشير الفرح في وجهه، وأسأله: كيف وقع هذا الجواب منك؟ فربما حرك رأسه يعني أنه جيد، فلا أرضى دون أن أقرره بلسانه أنه ما دخل في مسامعه مثله» (٥) .
والدليل على دخول أبي كاليجار في الإسماعيلية ما ذكره في رسالته الجوابية إلى هبة الله: «إني سلمت نفسي وديني إليك، إنني راضٍ بجملة ما أنت عليه» (٦) .
وكان نشاط الدعاة العبيديين في العراق وفارس ـ جنوب إيران ـ، إلى جانب رسائل إخوان الصفا (٧) في البصرة، والنشاط الصوفي المكثف الذي امتزج بالفلسفة (٨) حتى سمّاهم الغزالي (الصوفية المتفلسفة) (٩) وتقاربها مع الشيعة على أساس وجود مبادئ متشابهة؛ حيث تتقارب شخصية علي بن أبي طالب ﵁ الشيعية والصوفية في موضوع التقديس الغالي للأشخاص فضلاً عن الأبوة العضوية والروحية للطرفين؛ كل ذلك قد مهّد الأرضية المناسبة لظهور حركات الغلو الباطنية الممزوجة بالتشيّع والتصوّف الفلسفي تحت مسميات متعددة، كـ: الحروفية (١) ، والبابية (٢) ، والبكتاشية (٣) ، والمشعشعية (٤) ، ولا سيما أن قضاء المغول على الخلافة العباسية سمح للصوفية بتطوير عقائدهم والسير بها خطوات أخرى؛ حيث أعرضوا عن الحل الجزئي لتحلّ محلّه فكرة الاتحاد المطلق مع الله ﷻ الذي يُعنى به (وحدة الوجود) .
أما الجانب الشيعي فتمَّ الاعتراف بهم كمذهب رسمي للدولة في عهد سلطانهم (أولجايتو خدابنده) سنة ٧٠٩هـ/١٣٠٩م، وهذا ما أدَّى إلى أن تكتسح أفكار هؤلاء مساحات واسعة من أقاليم المشرق الإسلامي؛ كـ: خوزستان (عربستان) ، وفارس، والجبال (كردستان ولورستان الحالية) ، وأذربيجان، وطبرستان. وهذا ما سهل مهمة الدعوة الصفوية (٥) ؛ حيث ابتدع لها الأرضية المناسبة لانتشار مثل هذه الأفكار والأطروحات الغالية البعيدة عن أسس ومرتكزات الإسلام الصحيح الذي دعا إليه سيد المرسلين نبينا محمد بن عبد الله ﵊ والتي قادها الشاه إسماعيل الصفوي (٦) (٨٩٣ ـ ٩٣١ هـ/١٤٨٧ ـ ١٥٢٤م) الذي فرض التشيّع بالقوة والقسوة الشديدة (٧) ، حتى أصبحت غالبية أقاليم إيران شيعية ابتداءً من سنة ٩٠٨هـ/١٥٠٢م، وهذا ما انعكس على الأقاليم التي يسكنها الكرد؛ حيث دخل بعضهم في التشيّع (٨) . وهم قلّة لا يتجاوزون خُمسَ عدد الكرد في الوقت الحاضر.
٣ الدوافع غير المباشرة لتشيّع بعض الكرد:
مهما يكن من أمر؛ فإن هناك عدة دوافع أخرى حَدَتْ ببعض القبائل والتجمعات الكردية في الجزء الجنوبي الشرقي من كردستان إلى اعتناق التشيّع وجعله مذهباً لهم، وتوزعهم على عدة فرق تبعاً لانقسام التشيّع إلى مجموعات، كـ: التشيّع الإثني عشري (الجعفري) ـ في كردستان العراق وإيران ـ، والنصيري (العلوي) ـ في كردستان تركيا ـ، والعلي إلهية ـ في كردستان إيران ـ، وأهل الحق والكاكائية والصارلية ـ في كردستان العراق ـ، وغيرهم. ومن هذه الدوافع:
١ ـ الحملات العسكرية الغاشمة التي بدأها الشاه إسماعيل الصفوي (١٥٠٢ ـ ١٥٢٤م) عندما جعل نصب عينيه تشيّع سكان الهضبة الإيرانية بالقوة، وكان من نتائجها أن دخلت بعض هذه التجمّعات الكردية في التشيّع.
٢ ـ وجود العديد من المعابد الزرادشتية والمذاهب المجوسية الأخرى في المنطقة وانعكاسها على العادات والتقاليد الكردية؛ مما أدَّى إلى ضعف الوازع الإسلامي عند هؤلاء الكرد الساكنين في هذه المناطق؛ فمجرد وصول فكرةٍ ما، لا سيما إذا كانت مشفوعة بقوة السلاح، فلا غرو أن يعتنق هؤلاء الفكرة الجديدة.
٣ ـ وجود تركّز يهودي قديم في هذه المنطقة (محافظتي كرمنشاه وعيلام حالياً) وسط غرب إيران، يرجع إلى أيام السبي البابلي الذي قام به الملك الكلداني (نبوخذ نصّر) سنة ٥٨٦ ق. م، وانتقال العديد من اليهود إلى هذه المنطقة بقصد التجارة وغيرها من أساليب العيش؛ مما ترك أثراً واضحاً في البنية الذهنية والاجتماعية لهذه التجمعات الكردية؛ حيث أشار إلى ذلك الرحالة المسلم (المقدسي) عندما ذكر وجود عدد كبير من اليهود في إقليم الجبال، وذكره أيضاً الرحالة والضابط البريطاني (راولنسون) في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي عندما تطرق إلى العديد من الأسماء اليهودية لكُرد هذه المنطقة، مثل: داود، وسليمان، وإسحاق، وبنيامين.
٤ ـ وجود الإمارة المشعشعية في منطقة الأهوار (محافظتي العمارة والكوت في العراق حالياً) و (شمال الأهواز في إيران) المحاذية لإقليم لورستان الكردي، وقيام العديد من الدعاة العرب التابعين لهذه الإمارة بالدعاية للمذهب الشيعي بين أفراد القبائل الكردية، واستغلال مأساة أهل البيت للدعوة إلى التشيّع، وكيف أن هذه التراجيديا المصطنعة قد أثّرت في وجدان الكردي الذي عانى الظلم لقرون عديدة فوجد فيها عزاءً له من الجانب النفسي والديني، لا سيما أن المنطقة الكردية كانت قريبة من المراقد الشيعية، فضلاًً عن ذلك أن كتاب (بحار الأنوار) للعالم الشيعي (المجلسي الصفوي) كان له تأثير واضح في بناء ذهنية جديدة عند الفرس والكرد والعرب الذين تشيّعوا؛ حيث يحوي العديد من الأحاديث الموضوعة التي تؤكد على أن الحج إلى ما يسمى بِـ (العتبات المقدسة الشيعية) في النجف، وكربلاء، والوران أفضل بعشرات المرات من الحج إلى الديار المقدسة في الحجاز! كما أن زيارة قبر الحسين ابن علي ﵄ يعادل سبعين إلى مئة مرة من الحج إلى مكة المكرمة! فلا عجب أن كان لكل تلك الأمور تأثير كبير في دخول الكرد البسطاء ـ آنذاك ـ في التشيّع، فضلاًً عن سماعهم بالجانب البطولي في سيرة أئمة أهل البيت ـ رضوان الله عليهم ـ وتحديداً الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وسيفه البتّار (ذو الفقار) .
ونستطيع أن نلخِّص الموضوع برمّته في أن دعاة الشيعة كانوا من الذكاء بحيث استطاعوا تحويل مأساة أهل البيت إلى تراجيديا قفزت فوق التاريخ الحقيقي والواقعي إلى ما يسمى بالميثولوجيا ـ ما فوق الطبيعة البشرية ـ التي استنبطوها إلى حدٍّ كبير من مأساة عيسى المسيح ﵇، وكيف أن المدعوَّ بولس الرسول (شاؤول) ؛ مبتكر فكرة ألوهية المسيح، حوَّل المسيح التاريخي إلى أسطوري! فكان الأمر بالنسبة لدهاقنة الشيعة على الشاكلة نفسها؛ حيث تحول الحسين (التاريخي) إلى الحسين (الميثولوجي) ! صاحب المعجزات والكرامات الخارقة، والعصمة من الخطأ؛ بل الخطيئة! والتي تُعدّ في نظر العديد من الباحثين، ومنهم الفيلسوف الفرنسي (كوربان) ، استمراراً للنبوة الروحية، والتي تخالف في الكثير من مضامينها فكرة ختم النبوة والتوحيد الخالص؛ التي ترفض التقديس غير الموضوعي للرسل والأنبياء، فضلاً عن شخصية الحسين بن علي ﵄ سيد شباب أهل الجنة.
стр. 5930
قراءة في تداعيات الملف النووي الإيراني
مازن أبو بكر عبد الله باحميد
تعيش إيران مع حلفائها الغربيين أزمة حقيقية بسبب برنامجها النووي؛ حيث يرى الغرب أن امتلاك إيران للأسلحة النووية يعتبر تجاوزاً للدور الممنوح لها لتلعبه في المنطقة، وأن امتلاكها للأسلحة النووية يعد خطاً أحمر لا يمكن لها أن تتجاوزه. فامتلاك إيران للأسلحة النووية، وهي الدولة التي تطل على الخليج العربي، يجعلها قادرة على التحكم بإمدادات النفط العالمية التي تأتي من الخليج العربي، الذي يحتوي بدوره على أكبر احتياطي نفطي في العالم، وفي هذا تهديد بالغ الخطورة على الاقتصاد العالمي والغربي بشكل خاص، ولهذا فإن الغرب لن يسمح لإيران بتطوير برنامجها النووي مهما كلفه ذلك؛ فهو يدرك أن المواجهة مع إيران التقليدية اليوم أفضل من المواجهة مع إيران النووية في الغد، في حين ترى إيران أن امتلاكها لمثل هذا السلاح، سيضاعف من وجودها كقوة عسكرية إقليمية كبرى بطريقة تجعلها قادرة على تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية وثقافية في منطقة الشرق الاوسط العربية، وسيفتح الباب على مصراعيه أمام الحلم الإيراني بتصدير الثورة؛ بحيث تكون إيران قادرة على التدخل في شؤون دول المنطقة دون ان يتجرأ أحد على التدخل في شؤونها الداخلية، كما سيمكنها ذلك أيضاً من التأثير على القرار العالمي بسبب تمكنها من التحكم بورقة نفط الخليج.
ويبدو أن إيران على قناعة تامة بأن المكاسب التي ستحققها من جراء امتلاكها للتكنولوجيا النووية تفوق كل العروض التي يستطيع أن يقدمها الحليف الغربي لها، إذا هي تخلت عن برنامجها النووي، وأن الفرصة التي تمنحها الظروف الدولية الراهنة المواتية لإيران لتحقيق هذا الحلم قد لا تعود في المستقبل أبداً إذا هي أضاعت هذه الفرصة، ولهذا فإنها تبدو مصممة إلى أبعد حد على المضي قُدُماً في تطوير برنامجها النووي بما يمكنها من تخصيب اليورانيوم، وهي الخطوة الأهم في طريق الوصول إلى تصنيع الأسلحة النووية.
ومع ان إيران تدرك جيداً أن المواجهة العسكرية مع الغرب ليس في مصلحتها، وهي على استعداد كامل للتخلي عن كل برامجها النووية إذا أدركت ان الغرب قد اتخذ قراراً بالمواجهة العسكرية معها، غير أنها تدرك ان الغرب عاجز في هذه المرحلة عن الإقدام على فعل أي شي قد يجبرها على التخلي عن برنامجها النووي. فالغرب يدرك أن إيران اليوم باتت ممسكة بكثير من أوراق اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط: في العراق، وفي لبنان وسورية، وربما في أفغانستان، كما أنها تمتلك ترسانة عسكرية قوية، وقد بات بإمكانها خلق الكثير من المشاكل للغرب في المنطقة إذا هو أقدم على ضرب منشآتها النووية. ويأتي خوف الغرب من أن تذهب إيران وهي بقيادة أحمد نجاد المعروف بتشدده في حالة تعرضها لهجوم إلى ردات فعل انتقامية تهورية محاولةً منها لِلَّعب بالأوراق التي تمسك بها في المنطقة وهو ما قد يجعل الغرب يجد نفسه متورطاً في مواجهات عسكرية وسياسية قد تمتد على مستوى الهلال الشيعي الذي يمتد من لبنان إلى إيران مروراً بالعراق وسورية وربما بلاد الأفغان وبعض دول الخليج، وهو ما سيكلف الغرب والمنطقة الكثير. وفي هذا المقال نحاول قراءة الواقع والأوراق السياسية المؤثرة في هذا الملف وموقع كل طرف في هذه الأوراق.
\ الموقف الدولي من الملف النووي الإيراني:
لقد بنت إيران لنفسها وهي الدولة النفطية شبكة واسعة من العلاقات الدولية، استطاعت من خلال ذلك أن تجعل الموقف الدولي من ملفها النووي منقسماً حتى على مستوى الأعضاء الخمسة الكبار في مجلس الأمن؛ فالصين التي تربطها بإيران مصالح اقتصادية لا تستطيع أن تقف موقفاً متشدداً من إيران، ولعلها لا ترى في امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية أي تهديد مباشر لأمنها القومي، ولا ترى أن امتلاك إيران للأسلحة النووية من شأنه أن يخل بموازين القوى في وسط آسيا، الذي اختل أصلاً إلى غير مصلحة الصين في أعقاب التفجيرات النووية الهندية في نهايات القرن العشرين. أما موسكو التي تعج دبلوماسيتها بتناقضات كثيرة، وتتميز بضعف شديد في تقدير الأمور وفهم الواقع، والتي يرى رئيسها أنها وارثة مكانة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة؛ فلعلها ترى أنها تستطيع من خلال تعاونها مع إيران الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي، وهو الحلم الذي دفع بالاتحاد السوفييتي السابق إلى احتلال أفغانستان في سبعينيات القرن العشرين، وخاصة أن العلاقات الروسية الأمريكية ليست على ما يرام بسبب السياسات الأمريكية والغربية التي قضت على ما بقي من النفوذ الروسي الموروث من الإمبراطورية السوفييتية في دول كثيرة مثل جورجيا وغيرها. ونتيجة لهذه المواقف المتباينة بين الخمسة الكبار في مجلس الأمن، تدرك إيران جيداً أن مجلس الأمن غير قادر على إصدار قرار يتيح استخدام القوة العسكرية ضد إيران، وهو القرار الدولي الوحيد الذي ـ في حالة صدوره ـ سيدفع إيران إلى التفكير الجدي في التخلي عن برنامجها النووي؛ لانه في حالة توجيه ضربة عسكرية لإيران تحت غطاء دولي وتحظى بإجماع المجتمع الدولي، فإن ذلك سيضيق من هامش المناورة السياسية والعسكرية التي ستقوم بها من ردة فعل في حالة تعرضها للهجوم. أما قرارات مجلس الأمن التي هي دون هذا القرار فإنها لا تحفز إيران على التخلي عن برنامجها النووي، إذا ما قارنت بين حجم الأرباح والخسائر؛ فالضرر الحاصل عليها من جراء تطبيق مثل هذه القرارات والتي ستكون في أسوأ الأحوال عقوبات اقتصادية محدودة، لا يرقى هذا الضرر لأن يدفع بها أو يجبرها على التخلي عن برنامجها النووي على الأقل في هذه المرحلة.
ويبقى الخيار الأوحد أمام الغرب والولايات المتحدة لإيقاف أنشطة إيران النووية، هو توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية من دون الرجوع إلى مجلس الأمن. ولكن هذا الخيار يصطدم بالظروف السياسية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والتي هي اليوم قد باتت في صالح إيران وهو ما يُظهر الغرب عاجزاً عن القيام بأي عمل عسكري ضدها.
العراق:
يعتبر العراق أهم الأوراق السياسية التي يمسك بها الإيرانيون بقوة؛ فمنذ سقوط بغداد في يد الأمريكيين ظهر التحالف الإيراني الأمريكي جلياً داخل العراق، من خلال تحالف واشنطن مع الأحزاب الشيعية الرافضية التي تدين بالولاء لإيران، والتي تمسك بزمام الحكم في العراق اليوم، وقد استغلت إيران هذا التحالف في تعزيز حضورها وتقوية نفوذها في العراق عن طريق الميليشيات الشيعية أو ما يسمى بـ (فرق الموت) التي دأبت على قتل وتعذيب السنة وتهجيرهم للانفراد بالسلطة والنفوذ داخل العراق؛ وتنبئ الأحداث الجارية في العراق عن مدى نفوذ هذه الميليشيات ومدى تغلغلها داخل أجهزة ومفاصل الدولة في عراق اليوم.
وعلى الرغم من انزعاج الأمريكيين الشديد من تزايد النفوذ الإيراني من خلال هذه الميليشيات، غير أن الأمريكيين ليس لديهم الكثير مما يمكنهم فعله إزاء هذه الميليشيات؛ فشراسة المقاومة العراقية السنية التي قلبت كل الحسابات والتوقعات، والحضور القوي لتنظيم القاعدة فيها والذي يرفض بدوره أي حوار أو مهادنة مع الأمريكيين، ومن ثَم عدم قدرة الأمريكيين على إقامة نظام سياسي قائم على التوازن الطائفي في داخل العراق، يعمل هذا النظام على الحد من النفوذ الإيراني ويكون ذا رغبة جامحة في التصدي للمقاومة العراقية السنية أو ما يسميه الأمريكيون بالإرهاب، كل هذا سيُبقي الأمريكيين في حاجة ماسة لخدمات الأحزاب الرافضية وميليشياتها، للتصدي للمقاومة العراقية السنية التي تدك معاقل الأمريكيين؛ حيث تتألف المؤسسة العسكرية والأمنية في العراق اليوم من عناصر هذه الميليشيات، كما أن ضربة عسكرية أمريكية لإيران قد تخلق تشققات كبيرة في التحالف الشيعي الأمريكي في العراق وقد تنهيه، وهو ما قد يخلق للأمريكيين الكثير من المشاكل في العراق، وما سيزيد من تعقيدات الوضع العراقي المعقد أصلاً.
ويبدو أن الأمريكيين كانوا على اقتناع بأن إقامة توازن سياسي طائفي في داخل العراق هو السبيل الأوحد لاحتواء النفوذ الإيراني في ظل الأوضاع الداخلية التي يمر بها العراق والأوضاع الإقليمية، ولكن هذا التوازن يصطدم بمعارضة القيادات السنية الحقيقية والمؤثرة في الشارع السني على أي مشاركة في العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والجارية في ظل الاحتلال، كما تتزايد الصعوبات أمام إمكانية إقامة هذا التوازن، وتتضاءل فيه الآمال مع مرور كل يوم في ظل العنف الطائفي الذي تشنه ميليشيات الموت الرافضية والذي ما فتئ يُلحِق بالغ الضرر بالتركيبة الطائفية في العراق لصالح النفوذ الإيراني وعملائه من الروافض.
وتأتي الرغبة الأمريكية في التقارب مع البعثيين والتي يعبر عنها قرار الحكومة العراقية بدعوة أفراد وضباط الجيش السابق للانضمام إلى الجيش الجديد في إطار مساعي واشنطن اليائسة من إقامة هذا التوازن، ولكن هذه الرغبة جاءت متأخرة جداً؛ فقد بات من الصعب على الأمريكيين استئصال هذه الميليشيات التي باتت موجودة وبقوة في كل مفاصل الدولة في العراق، وهذا ما قد يدفع واشنطن إلى الخضوع للأصوات التي تدعو لفتح حوار مباشر مع طهران في إطار حل شامل للملف العراقي.
وهنا تدرك واشنطن أن حلاً شاملاً للملف العراقي يقوم على فتح حوار مع إيران سيفضي حتماً إلى عقد صفقة معها، وحتماً لن يكون ملفها النووي بمنأى عن هذه الصفقة، وهذا ما يعني أن مثل هذا الحوار سيحقق الكثير من المكاسب للإيرانيين، وسيكون في مصلحة ملفهم النووي، وهذا ما ترفضه واشنطن في هذه المرحلة.
أما المؤتمر الذي عقد في بغداد والذي جمع بين الامريكيين والإيرانيين والسوريين فلا يعدو أن يكون محاولة أمريكية للالتفاف على السياسات الإيرانية بتوريطها في التزامات أمنية مشتركة داخل العراق، كما يعد المؤتمر فرصة للأمريكيين لمعرفة الطرح الإيراني في الحوار فيما لو أرغمت واشنطن على التحاور مع إيران في المستقبل بشكل جاد.
وإذا استطاعت واشنطن في هذه المرحلة احتواء النفوذ الإيراني في العراق بإقامة توازن سياسي طائفي هناك، أو استطاعت الخروج من العراق دون اللجوء إلى الحوار مع إيران، فإن إيران ستفقد بذلك ورقة سياسية مهمة لطالما استخدمتها ببراعة في مواجهة الضغوط الغربية بشأن ملفها النووي، وهو ما يخيف الإيرانيين كثيراً؛ ولهذا فإن إيران ستعمل على إثارة الطائفية وافتعال الأزمات وتازيم الوضع الأمني لإجهاض أي حلول من شأنها أن تنهي التورط الأمريكي في العراق سواء كانت هذه الحلول لصالح الشعب العراقي أو لصالح الأمريكيين، وستعمل على توسيع نفوذها في العراق عن طريق الميليشيات وفرق الموت الشيعية، وستعمل على إجهاض أي تحركات أمريكية من شأنها إقامة توازن طائفي يحد من النفوذ الإيراني في العراق؛ وذلك بالاستمرار في تصفية القيادات السنية القادرة على تحقيق مثل هذا التوازن، ولعل مذكرة الاعتقال والجلب التي أصدرتها الداخلية العراقية في حق الشيخ حارث الضاري تكشف عن مدى خوف الإيرانيين من سقوط الورقة العراقية من أيديهم، وتكشف أيضاً عن مدى رغبتهم الجامحة في تصفية الخصوم حتى خارج العراق.
\ لبنان:
تعد إسرائيل أكثر الدول ترشيحاً لتنفيذ الضربة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ولهذا بادرت إيران بإيصال رسالة إلى الإسرائيليين عن طريق حزب الله في ما يعرف بـ (حرب لبنان) ومفاد هذه الرسالة أن الكثير من المنشآت الحيوية والاستراتيجية الإسرائيلية باتت في مرمى الصواريخ الإيرانية، التي ستسقط عليها بالمئات من جنوب لبنان، وأن إيران إن تجنبت قصف هذه المنشآت خلال ما عرف بحرب لبنان فإن هذه المنشآت قد لا تسلم في المرة القادمة إذا أقدمت إسرائيل على أي عمل عسكري ضد إيران، وأن حزب الله قادر على قصف العمق الإسرائيلي في حالة صدور قرار سياسي من إيران يأمره بذلك، وعلى إسرائيل أن تعيد النظر جيداً في حال تفكيرها بتنفيذ عمل عدائي ضد إيران.
إلا أنه، ومع ذلك كله، تبقى إسرائيل أبرز المرشحين لتنفيذ الضربة العسكرية في ظل التورط الأمريكي الكبير في العراق؛ لأن ذلك سيؤدي إلى محدودية الرد الإيراني، وسيضعف المبررات الإيرانية في الرد على هذه الضربة بقصف القواعد الأمريكية في الخليج أو إغلاق مضيق هرمز؛ حيث سينحصر الرد الإيراني في ضرب بعض مواقع التجمعات السكانية والقليل من المنشآت الحيوية والاستراتيجية داخل إسرائيل بصواريخ شهاب، وهو ما سيراه الغرب رداً طبيعياً، ولكن لا أظن أن إيران ستُقْدِم على الإضرار الكبير بالمنشآت الحيوية والاستراتيجية الإسرائيلية كما رأينا ذلك في ما يعرف بحرب لبنان؛ لأن ذلك سيدفع إسرائيل لأن ترد مستهدفة مواقع حيوية متنوعة داخل إيران وهو ما قد يفضي إلى دمار كبير في الجانبين.
وقد تبدأ إسرائيل عملها ضد إيران أولاً بحملة عسكرية على لبنان، تستهدف من خلالها حزب الله؛ لأن الصواريخ الإيرانية التي ستنطلق من جنوب لبنان ستكون أكثر ضرراً على إسرائيل بسبب كثافة القصف الذي عادةً ما تستخدم فيه الصواريخ التكتيكية (الكاتيوشا) المتاحة بكميات كبيرة لدى حزب الله، بعكس الصواريخ الاستراتيجية التي ستنطلق من إيران والتي عادة ما تكلف الكثير من الأموال، ويكون من غير المجدي استخدامها لحمل رؤوس تقليدية، وهو ما يجعل الرد الإيراني من هناك أكثر محدودية. وفي حالة قيام إسرائيل بحملة عسكرية ضد حزب الله فإنها ستكون هذه المرة حملة شاملة، قد تمتد لضرب خطوط إمداد حزب الله داخل الأراضي السورية لحسم المعركة وإجبار الحزب على الاستسلام، ولا أظن أن إسرائيل ستكترث برد الجيش السوري؛ حيث سينحصر الرد السوري في استمرار سورية بإمداد حزب الله بالسلاح الإيراني.
وتتمحور السياسة الإيرانية في لبنان في مرحلة ما بعد ما يسمى بحرب لبنان الأخيرة حول هدف واحد، وهو الإبقاء على سلاح حزب الله كذراع عسكرية وورقة سياسية قوية في يد إيران، وسنشهد في لبنان الكثير من العواصف والمناورات السياسية الحادة جراء ذلك بين الفرقاء اللبنانيين، وفي إطار ذلك يأتي انسحاب حزب الله وحركة أمل اللذين يمثلان السياسة الإيرانية والسورية في لبنان من الحكومة اللبنانية الحالية، ودعوتهما إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية؛ حيث ستكون مثل هذه الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي إجراء في اتجاه نزع سلاح الحزب.
\ نهاية الأزمة:
وهكذا فإن قضية الملف النووي الإيراني تحكمها الكثير من القضايا والملفات الإقليمية المعقدة تعقيداً بالغاً، والتي ما زالت مفتوحة في كل من العراق ولبنان وغيرهما، وهو ما يعني أن حل الأزمة مرهون بما ستؤول إليه هذه الملفات والقضايا، وأن أزمة الملف النووي الإيراني على المستوى المنظور تبقى مرشحة للاستمرار دون حل، وهذا في حد ذاته ما يثير قلق الغرب؛ فاستمرار المحادثات مع إيران بشأن برنامجها النووي إلى ما لا نهاية سيُكسب إيران الكثير من الوقت الذي سوف تستغله دون شك في تسريع أنشطتها النووية، علها تحقق بذلك إنجازاً نووياً يمكِّنها من دخول النادي النووي قبل أن تتغير الظروف السياسية في المنطقة لغير صالحها، وفي حالة تحقيق إيران لهذا الإنجاز فإنه سيجبر الغرب على التعامل معها كقوة نووية لا يمكن أن تٌبتز بالتهديدات العسكرية. وهكذا فإن حل أزمة الملف النووي الإيراني يبدأ من حل هذه القضايا والملفات المعلقة في الشرق الأوسط؛ فإذا أَمِنت إسرائيل من صواريخ حزب الله فإنها ستكون مطالَبَةً أمريكياً بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وعند استطاعة الأمريكيين التخلص من تورطهم في العراق فإن الباب سيكون مفتوحاً أمامهم للقيام بهذه الضربة، إلا أن إيران التي تستغل الظروف السياسية للمنطقة إذا ما أدركت أن هذه الظروف قد تغيرت وباتت في غير صالحها، وأدركت ان الغرب قد اتخذ قراره باستخدام القوة العسكرية ضدها فإنها ستكون على استعداد تام للتخلي عن كل أنشطتها النووية؛ لأنها لن تسمح أبداً بحدوث دمار شامل لإيران بسبب حلمها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وستفضل العودة للتعاون مع الغرب، في إطار مشروعه (الشرق الأوسط الجديد) الذي سيكون لإيران دور بارز فيه في محاربة ما تسميه واشنطن (الإرهاب) في المنطقة والذي يعد من أهم الشروط الأمريكية للشرق الأوسط الجديد، وهو التعاون الذي رأيناه سائداً بينهم في حرب أمريكا على أفغانستان والعراق والذي لا يزال التحالف الإيراني الأمريكي فيه واضح المعالم، لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة.
والذي يؤلم في كل هذا هو الصمت المطبق والغياب الكبير للمسلمين السنة عن كل ما يدبر من مؤامرات وكل ما يجري من سياسات من حولهم، والتي تستهدف أراضيهم وثرواتهم وتاريخهم ودينهم؛ فأين أنتم يا أهل السُّنَّة؟! فلقد تداعت عليكم الأمم، وإلى الله المشتكى.
стр. 5931
الصومال المقاومة والمستقبل
حسن محمد إبراهيم
انهار نظام المحاكم الإسلامية في الصومال باجتياح القوات الأثيوبية المدعومة أمريكياً للمناطق الجنوبية والوسطى التي كانت تخضع لنفوذها بما في ذلك العاصمة مقديشو، وشمل هذا الانهيار أجهزة المحاكم الإدارية، وميليشياتها العسكرية.
وأياً كانت أسباب الانهيار الداخلية والخارجية فإن الاجتياح الأثيوبي الذي يسنده الغطاء الجوي الأمريكي هو الذي أزال بالفعل نظام المحاكم عن الحكم، وهذا الغزو الأثيوبي الكاسح مفهوم الأسباب والأبعاد كما أشار إلى ذلك أحد رؤساء الدول العربية؛ فأثيوبيا وهي العدو التقليدي للصومال كانت ترى أن عودة الصومال إلى الوجود ككيان موحد وعودة الاستقرار إلى ربوعه سيكون على حسابها، وسيؤدي إلى ظهور العرقيات والأغلبية المسلمة المهمشة في أثيوبيا إلى السطح، وهو مما يؤدي إلى تمزق كيانها المهزوز أصلاً، وما كان لها أن تنتظر حتى يستوي الصومال ـ بقيادة المحاكم ـ على سوقه، فكانت هذه الهجمة منها حرباً استباقية على غرار الحروب الأمريكية الاستباقية المعاصرة، وقبل ذلك وبعده تحمل أثيوبيا نوايا توسعية بالاستيلاء على الصومال أو جزء منه ليكون منفذاً بحرياً لأثيوبيا، وهو الهاجس الذي لم يفارق حكام أديس أبابا منذ أمد بعيد، وبذلك نطق حكام أثيوبيا السابقون (منليك) و (هيلاسي لاسي) و (منجيستو هيلا مريم) . ثم لما اشتد الخناق على أديس أبابا بعد انفصال أرتيريا وأصبحت دولة داخلية معزولة اشتد طمعها في السواحل الصومالية التي يزيد طولها عن ٣٠٠٠ كم، لا سيما في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الصومال الذي مزقته الحروب الأهلية. وسبق لأثيوبيا أن عقدت اتفاقية مع نظام (أرض الصومال) في استخدام ميناء بربرة، كما أجرت مثل هذا العقد مع إدارة (بونت لاند) إلا أن ذلك كله لم يهدِّئ من روع أثيوبيا، بل أسال لعابها وزاد من حرصها على وضع يدها على مرافئ صومالية تكون بديلة عن أرتيريا المستعصية. ومع أن هذه الحرب الأثيوبية كانت تخدم المصالح الأثيوبية بالدرجة الأولى، غير أنها كانت في الحقيقة خدمة مدفوعة الأجر تنفذ لحساب أمريكا التي أزعجها نظام المحاكم الإسلامي.
أما الحكومة الانتقالية العميلة فما كان لها في الأمر ناقة ولا جمل، بل كانت (حصان طروادة) الذي امتطته أثيوبيا لاجتياح الصومال وحسب.
- السيناريوهات المحتملة في المستقبل:
ونوجز فيما يلي بعض (السيناريوهات) المحتملة بعد سيطرة أثيوبيا على المناطق التي كانت تحكمها المحاكم الشرعية ومنها:
أولاً: بقاء أثيوبيا قوةً محتلةً تكرس لبسط سيطرتها على الصومال كله بغية ضمه إلى أثيوبيا لتحقيق الحلم الذي طالما راود حكامها، وإلى مثل هذا أشار نائب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية (حسين عيديد) المقرب من أثيوبيا؛ حيث ذكر في حديث أدلى به إلى إذاعة الـ (بي بي سي) أنه ـ الحكومة الصومالية الانتقالية ـ ستسعى إلى إزالة الحدود بين البلدين وتوحيد العملة ونظام الجوازات والاقتصاد، وبناء جيش موحد للبلدين.
بيد أن تحقيق هذا الأمر صعب للغاية إن لم نقل باستحالته؛ وذلك لأسباب منها:
| يستحيل أن يرضى الشعب الصومالي بمختلف فئاته بهذا الاحتلال وهو الذي ناضل من قبلُ لنيل حريته من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، وتمكَّن بعد جهد من هزيمة الاستعمار ونيل الاستقلال، وبقاء أثيوبيا لفترة أطول مدعاة لقيام منظمات تحريرية مختلفة المشارب والاتجاهات.
| تعاني أثيوبيا من وضع داخلي صعب لا تحسد عليه؛ وتورطُها في حرب طويلة الأمد في الصومال يفاقم من أزمتها الداخلية التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انهيارها دولةً، أو نشوب ثورات داخلية تنتهي بانهيار النظام الحاكم في أحسن الأحوال.
| تعاني أثيوبيا من وضع اقتصادي حرج؛ حيث ذكرت منظمة اليونيسيف قبل عامين تقريباً أن الاقتصاد الأثيوبي تراجع إلى ما كان عليه قبل عشرين عاماً، ويقوم النظام الأثيوبي على الإعانات والصدقات التي يتلقاها من الشرق أو من الغرب، وهو ما يجعل تمويل حرب طويلة الأجل أمراً مستحيلاً لا تطيقه دولة فقيرة كأثيوبيا.
ثانياً: انسحاب أثيوبيا بعد قضائها على ما كانت تعتبره عدوها الاستراتيجي وهو التيار الإسلامي وإعادة الفوضى إلى ما كانت عليه الصومال قبل المحاكم، وهذا الخيار مستبعد أثيوبياً؛ لأنه يفسح المجال لعودة الإسلاميين إلى الساحة أقوى من ذي قبل.
ثالثاً: الإبقاء على جزء غير يسير من القوات الأثيوبية لضمان مصالحها الاستراتيجية واستخدام القوة إذا لزم الأمر، مع نشر قوات إفريقية إلى جانب القوات الأثيوبية المحتلة لتشريع الاحتلال وذر الرماد في العيون؛ مع تحويل تكاليف الحرب المالية والبشرية إلى الاتحاد الإفريقي بدل انفراد أثيوبيا بكل هذه التبعات، ويبدو أن هذا الخيار هو المفضل لدى أثيوبيا إلا أنه صعب التحقيق، حيث إن اجتماع أديس أبابا الذي عقده الاتحاد الأفريقي في يناير/ كانون الثاني المنصرم في هذا الخصوص، قد باء بالفشل، وهو الأمر الذي يشير إلى أن أثيوبيا ستظل في كل الحالات هي التي تتولى كبر مشروع الاحتلال وتحمل تبعاته.
رابعاً: تشكيل حكومة وحدة وطنية؛ وذلك بضم بعض الشخصيات المؤثرة في المجتمع إلى الحكومة الانتقالية، بالإضافة إلى من يسمون أمريكياً بالمعتدلين من عناصر المحاكم، لامتصاص الغضب الشعبي والتستر على الخلل الجوهري الذي تنطوى عليه هذه الحكومة العميلة، وإن كان هذا المنحى هو ما يبدو أن الخطاب الأمريكي يميل إليه، إلا أنه لا يضفي على الحكومة العميلة أي مصداقية، وانسحاب القوات الأثيوبية بعد هذه التشكيلة المرقعة يجعلها عرضة لسهام المقاومة المدعومة شعبياً، وستضطر أثيوبيا إلى البقاء ولو بشكل غير رسمي حتى بعد إعادة تشكيل الحكومة الانتقالية ما لم تجبرها ضربات المقاومة على الانسحاب.
- إمكانية عودة المحاكم لهذه الأسباب:
ولا يعني انهيار المحاكم بوصفها نظاماً سياسياً وانفراط عقدها التنظيمي أن الجو بات مهيأً للاحتلال، ولا يعكر صفوه أي منغص، بل إن هناك عقبات كثيرة ومقاومة شعبية صلدة تنتظر الاحتلال الأثيوبي، ويشير إلى ذلك ما يلي:
١ ـ البنية التحتية التي قامت عليها المحاكم من حيث القوة البشرية لم يصبها كبير أذى، وكان معظمها ينتمي قبل المحاكم إلى تنظيمات إسلامية معروفة، وتعبئتها وإعادة تنظيمها لا يستغرق وقت كبير، إذا عزمت تلك التنظيمات على مقاومة المحتل، وهذا ما تطابقت عليه جميع قناعات الفعاليات الإسلامية في الصومال، وإن لم يكن هناك إلى الآن آلية مشتركة للمقاومة بين هذه المنظمات. بَيْدَ أن بعض فصائل المقاومة قد بدأ فعلاً إعلان برنامجه، وقام بعمليات منظمة ضد القوات الأثيوبية مثل (الجبهة الإسلامية لمقاومة الاحتلال) المحسوبة على الوسط السلفي، و (حركة المقاومة الشعبية في بلاد الهجرتين) المحسوبة على التيار الإخواني المحلي، والأجواء مرشحة لظهور فصائل أخرى إسلامية ووطنية.
٢ ـ العداء بين الصومال وأثيوبيا مستحكم وفصوله التاريخية مليئة بأحداث يصعب على الذاكرة الجماعية نسيانها أو تناسيها، والصومالي مهما كان اتجاهه أو مستواه الثقافي مَحْقُونٌ بكراهية أثيوبيا، بالإضافة إلى أن أثيوبيا تحتل أرضاً صومالية إلى الآن وهي منطقة الصومال الغربي (أوجادين) ، وتحمل في الوقت ذاته نوايا توسعية يدركها كل صومالي، وهو الأمر الذي يجعل الاطمئنان إلى الاحتلال الأثيوبي مستحيلاً.
٣ ـ يدرك جميع الصوماليين أن الحكومة الانتقالية التي مهدت الطريق للاحتلال الأثيوبي لا تملك من الأمر شيئاً، وأن رئيسها ووزراءها ما هم إلا دمى تحركها أثيوبيا، بالإضافة إلى أنها لا تحظى في الأصل بشعبية تذكر، ووجودها وعدمه في المعادلة سيان، ولن يثني المقاومة عن مواصلة مسيرتها حتى دحر الاحتلال وإزالة توابعه.
٤ ـ الوضع في الصومال عاد إلى ما كان عليه قبل المحاكم من فوضى وتناحر، وزال الأمن والاستقرار الذي جاءت به المحاكم الشرعية؛ حيث قتل في مقديشو وحدها خلال اليوم الأول للاحتلال ٢١ مدنياً، يضاف إلى ذلك أن زعماء الحرب الذين طردتهم المحاكم عادوا إلى مقديشو على ظهر الدبابات الأثيوبية، وهم مرفوضون شعبياً، وليس في حوزة أثيوبيا من يسمع لها أو يطيع غير هذه العينة البغيضة البائسة، وليس بإمكانها فرض نظام أمني يأمن فيه الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؛ لأن جنودها غير آمنين على أنفسهم؛ بحيث تنهال عليهم صباح مساء مدافع المقاومة ورشاشاتها، وقد فشلت بالفعل في نزع الأسلحة من سكان مقديشو بعد أن أصدرت في ذلك قرارات صارمة قوبلت بالاستهجان والسخرية من قِبَلِ سكان العاصمة، ولم يسلَّم لها قطعة سلاح أو طلقة رصاص، اللهم إلا ما كان من المسرحية الهزيلة التي سلم فيها بعض زعماء الحرب أسلحة نسبت إليهم وهم في الأصل محسوبون على الاحتلال، وقد بدأ سكان مقديشو الحنين إلى فترة المحاكم التي نعموا فيها بالأمن والاستقرار، وبدأ التململ من الاحتلال في زمن قياسي لم يكن متوقعاً وهو ما يدل على أن الجو مهيأ لاحتضان كل من يرفع راية المقاومة ولا سيما إذا كان من الإسلاميين الذين أثبتوا جدارتهم القيادية في فترة المحاكم.
٥ ـ الصومال جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي والعربي، ويشكل عمقاً استراتيجياً لا يجوز التفريط فيه؛ فهو يطل على باب المندب والمحيط الهندي الذي تمر عبره تجارة النفط، كما هو حزام أمني متقدم للجزيرة العربية؛ إضافة إلى أنه بوابة الإسلام والعروبة إلى شرق أفريقيا، وسلخه من محيطه الطبيعي ـ العربي والإسلامي ـ يفت في عضد الدول الإسلامية والعربية، وتعد مصر من أكبر المتضررين بالاستيلاء الأثيوبي على الصومال؛ بحيث ستواجه بذلك تهديداً حقيقياً في مياه النيل التي تسعى أثيوبيا إلى إحكام السيطرة عليها منذ أمد غير يسير، علاوة على أن أثيوبيا عضو في المعسكر اليهودي الذي يناقض المصالح الإسلامية والعربية؛ وعليه فإن كثيراً من الدول الإسلامية والعربية ستضطر إلى الانحياز إلى مصالحها الحيوية والاستراتيجية؛ وذلك بدعم المقاومة الصومالية ضد المحتل سياسياً ولوجستياً، وإن لم يحدث هذا التأييد في النطاق الرسمي فسيحدث في النطاق الشعبي كما يجري الآن في العراق وأفغانستان وحتى فلسطين وغيرها من القضايا الإسلامية، وسيزيد ذلك من قدرة المقاومة وأدائها.
- هل ستدفع أثيوبية من فاتورة الاحتلال؟
ونخلص من كل ما سبق إلى أن الصومال مُقْدِمٌ على مرحلة يكون القدح المعلَّى فيها للمقاومة، وأن الاحتلال الأثيوبي سيدفع فاتورة باهظة ستجبره في النهاية على الرحيل النهائي غير مأسوف عليه هو وما نتج عنه؛ لأن التابع تابع في كل الأحوال.
وهذا ما برهنت عليه الأحداث الدامية الأخيرة في مقديشو التي قلبت موازين القوى لصالح المقاومة الإسلامية في زمن قياسي لم يكن متصوراً لدى كثيرين؛ حيث استطاعت إجبار القوات الأثيوبية على التحول من مهاجمة تحاول السيطرة على كافة أحياء العاصمة إلى مدافعة تحاول تخليص جيشها المحاصر في ملعب كرة القدم.
ويرى المراقبون أن المقاومة الإسلامية اتخذت استراتيجية جديدة تقوم على أمرين مهمين:
١ ـ التنازل عن السيطرة على المدن والدفاع عنها ـ والذي ثبت بالتجربة أن النجاح فيها لمن يملك الآلة العسكرية الأكثر تطوراً ـ واللجوء إلى حرب المستضعفين وهو ما يعني الانتشار السريع في طول البلاد وعرضها، وتكثيف العمليات داخل العاصمة التي يملك الصوماليون خبرة كبيرة بالقتال فيها، ولا سيما في ظل التأييد الواسع الذي يلقاه الإسلاميون من أهالي مقديشو الذين لم يعطوا خياراً آخر سوى المقاومة. وقد نجحت المقاومة في الاختبار الأول بجدارة ـ رغم إجماع المحللين بصعوبته البالغة ـ وكبدوا الأثيوبيين خسائر فادحة، وسحلت جثث جنودهم في شوارع مقديشو، وهو الأمر الذي أعاد إلى الأذهان صور سحل جثث أسيادهم الأمريكان قبل ١٤ عاماً.
٢ ـ عدم الانفصال عن باقي الشعب لتفويت الفرصة عن العدو لاصطياد الإسلاميين والنيل من عناصرهم بعد تمييزهم عن الشعب؛ وذلك عن طريق تعبئة كافة الشعب بمن فيهم القوميون ورؤساء العشائر وحضهم على المقاومة ضد المحتل الأثيوبي الأمريكي، وقد نجحوا فيها أيما نجاح؛ حيث اتخذت المقاومة منحىً شعبياً تشارك فيه كافة شرائح المجتمع، وهو الأمر الذي خفف عن كاهل الإسلاميين أعباءً كثيرة، حيث اقتصر دورهم الآن على قيادة المقاومة وتوجيه مساراتها.
وقد أنتجت تلك الجهود ثمارها حيث فجَّرت طاقات المجتمع الصومالي في المهجر، ونُظِّمت حملات إعلامية ومؤتمرات كبيرة في أوروبا وأمريكا أُعلن في بعضها عن حركات تحررية ضد المحتل الحبشي.
هذا التصعيد الإعلامي والعسكري هو الذي أجبر ـ في نظر المراقبين ـ قادة أديس أبابا على إعلان هدنة مع المقاومة والتفاوض معها ـ على الأقل لالتقاط الأنفاس والإعداد لمواجهة أصعب ـ وقد وافقت المقاومة على تلك الهدنة بدءاً من يوم الأحد الموافق ١٣/٣/١٤٢٨هـ بشروط أهمها: انسحاب القوات الأثيوبية من كافة الأماكن التي احتلتها من العاصمة، لإعادة السكان المدنيين الذين هُجِّروا منها عنوة، ومن ثم الترتيب لانسحابها من الصومال كله.
فهل ستُصغي أثيوبيا آذانها لهذه المطالب وتنسحب من الصومال بسرعة؛ مكتفيةً بأقل الخسائر، أم أنها مستعدة للبقاء في مستنقعه لإدارة وتمويل حرب طويلة الأمد قد تكون فصولها المقبلة أشد وأصعب؟ هذا ما ستجيب عنه أيام المستقبل القريب.
стр. 5932
طليعة الاستعمار
د. يوسف بن صالح الصغير (*)
هل انتهت فترة الاستعمار الغربي؟ وهل تغيرت العقلية التي تتحكم في تصرفات القادة؟ لقد كان مجرد رسوّ سفينة أوروبية على ساحل أي منطقة ورفع العلم كافياً لتملُّكها أرضاً وشعباً وثروات، بل إن بداية تاريخ هذه البقعة يحددها تقرير قبطان السفينة.
ويقوم مشروع السيطرة والاستغلال الغربي على ثلاث ركائز أساسية، هي: القوة العسكرية؛ سواء كانت نظامية أو غير نظامية (قراصنة ومغامرين) ، والقوة الاقتصادية؛ مثل: شركة الهند الشرقية، والركيزة الثالثة والأخيرة هي القوة الفكرية، وكان يمثلها الكنيسة التي تولت صبغ المستعمرات بالصبغة النصرانية. ويلاحظ أن هذه القوى الثلاث يمهد بعضها لبعض، وكان وجود أحدها يعني بالضرورة قدوم البقية، فمثلاً: وصول بعثة للتنصير لأي منطقة يعقبه غالباً الغزو والاحتلال بدعوى حماية الأقلية النصرانية المضطهدة، وبالمثل فإن وجود مصالح اقتصادية غربية في أي مكان يقدِّم المبرر للتواجد العسكري من أجل حماية تلك المصالح من أي تهديد داخلي أو خارجي. ولا شك أنه مثلما تتغير الوسائل العسكرية مع الزمن فإن القوة الفكرية تتغير صورها وهيئاتها، فمثلاً: تراجع دور الكنيسة؛ فعلى الرغم من استمرار نشاطها وتوسعه فإنها لم تعد تحتكر هذا الدور خاصة مع انتشار المد الليبرالي في الغرب، ولم يعد التغيير الاجتماعي المطلوب لتقبُّل الاستعمار يعني: فرض النصرانية، بل تحول إلى صور كثيرة تؤدي كلها إلى تحقيق الهدف نفسه وهو رفع مستوى القابلية للاستعمار. وإذا حاولنا استقراء ما أهم ركائز التغيير الاجتماعي التي جنّد لها ويجنّد الغرب كل أدواته ووسائله المادية والمعنوية؛ نجد أنه المرأة، فهي العامل المشترك في كل الشعارات المرفوعة؛ من حرية (المرأة) وعمل (المرأة) وقيادة (المرأة) . وحتى نعرف المراد من وراء رفع قضية المرأة يكفي أن نستعرض القضايا المطروحة في مؤتمرات المرأة التي تقيمها الأمم المتحدة، إنها قضايا تدور حول حرية العلاقات الجنسية والإجهاض والمساواة في الأجور، وكلها تتفق على هدف واحد هو تحطيم الأسرة. ولنتخيل مجتمعاً تعمل فيه كل النساء ويصبح معنى العمل هو ممارسة أي عمل عند الغير بأجر قد لا يغطي قيمة المواصلات، فالمهم مغادرة السجن؛ أقصد: البيت، وأصبحت الأمومة من الكماليات، أما تربية الأولاد إن كان هناك أسرة وأولاد فللخادمات. ولا يمكن للفرد أن يحس بالخطر إلا إذا اطلَّع على حرص القوم على مشروع المرأة، فهم كما استخدموا اسم (محمد البرادعي) من أجل منع البرامج النووية في بلاد المسلمين وعرقلتها، فهم يستخدمون اسم (ثريا) في تسويق مشاريعهم حول المرأة، وهي قضية استراتيجية، فحسب بيان حقائق صادر عن وزارة الخارجية الأميركية في ٢٣ آب/أغسطس ٢٠٠٤م، فقد أطلق الرئيس بوش في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٢م مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط، وذلك كجزء من التزام أميركي قوي تجاه الإصلاح في العالم العربي، وتعترف المبادرة بقضايا المرأة كونها إحدى الدعائم الأربع المتكاملة للإصلاح في المنطقة، إلى جانب ما يحرز من تقدُّم في الدعائم الثلاث الأخرى؛ التعليمية والسياسية والاقتصادية، وتقوم الولايات المتحدة بالمساعدة في إنشاء مدارس توفر التدريب القيادي والتنظيمي للنساء اللاتي يسعين إلى شغل مناصب يتم الاختيار لها بالانتخاب.
وقد نظم كل من المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي القومي بدعم من المبادرة أُولى دورات التدريب على تلك المهارات السياسية، وضمَّ هذا التدريب أكثر من ٥٠ امرأة من البحرين والكويت وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة واليمن، وذلك في الدوحة في شباط/فبراير ٢٠٠٤م، ومن المقرر أن تتعاون منظمتان غير حكوميتين في الولايات المتحدة، هما: (أنيرا) الأميركية والاتحاد العام للجمعيات الطوعية الأردنية؛ لتحسين قدرات المنظمات النسائية الصغيرة والمتوسطة التي تتخذ من المجتمع قاعدة لها على المشاركة بفاعلية في الحوار السياسي والإصلاح الديمقراطي.
وسيطبِّق مركز التنمية والنشاط السكاني برنامجاً مشابهاً لتنظيمات نسائية على مستوى القاعدة في أربع محافظات مصرية، وسيعمل بالاشتراك مع المجلس القومي للمرأة ا. هـ. إنها وسائل جديدة لتهيئة المجتمعات واختراقها، ولم تعد مؤسسات الأمم المتحدة أو المؤسسات غير الحكومية الغربية ـ التي هي غالباً واجهات لجهات حكومية حساسة ـ كافية، بل تعدَّى الأمر إلى تدخُّل بعض الدوبلوماسيين بصورة مباشرة وعلنية ويركز عليها إعلامياً، مثل: الخبر التالي المنشور الذي أرفقه باختصار: (وقّعت الحكومة البريطانية على عقد التعاون المشترك الأول باسم مركز خبراء المستقبل للتدريب والتطوير بجدة بمبلغ ٧٠٠ ألف ريال سعودي. وقد قام القنصل البريطاني العام في جدة (جيرارد راسل) بتوقيع العقد مع المالكة والمدير العام للمركز السيدة (ريم بخيت) في احتفال أقيم بهذه المناسبة في مقر القنصلية.
وتتسع الخدمات التي يقدمها المركز، وتهدف خدماته إلى تنمية المجتمع، وتقدم هذه الخدمات حالياً إلى النساء والأطفال، وتمتد خدمات المركز إلى المجتمع كافة، وبلا حدود) .
إنها محاولات محمومة لجعل مجتمعاتنا تعيش مرحلة الانسلاخ، وهي مثل أي مرحلة انتقالية تعني الضعف المؤقت وعدم القدرة على المقاومة. وأنا أستغرب جداً مظاهر الاحتفال السائدة بهذه المرحلة وكأنها دعوة لكل طامع ومنتهب، ولنا في خلقه عبرة، فالثعابين تمر بمرحلة انسلاخ طبيعية إيجابية، ومع ذلك فإنها تحرص على التخفِّي خلال هذه المرحلة؛ حفظاً لنفسها من الأعداء، واللبيب بالإشارة يفهم.
(*) أستاذ مساعد في كلية الهندسة، جامعة الملك سعود، الرياض.
стр. 5933
مرصد الإحداث
من هنا وهناك
- أعرب فلينت ليفرت الصحفي في نيو أميريكان فاونديشن؛ المتخصص في الشرق الأوسط والذي عمل من قبل في وكالة الاستخبارات المركزية وفي مجلس الأمن الوطني ـ عن اعتقاده بأن التهديدات الموجهة للقوات الأمريكية من المقاومة السنية أكبر من تلك التي يمثلها الشيعة. وعلل تركيز إدارة بوش على المتفجرات المخترقة للدروع، التي تقدمها إيران للميلشيات الشيعية، بأنها جزء من استراتيجية للإدارة تهدف إلى تحميل إيران (فشل المشروع الأمريكي في العراق) .
[الشرق الأوسط، ٢٨/٣/٢٠٠٧م]
- قدمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هدية للرئيس الفرنسي جاك شيراك أثارت غضب الأتراك نظراً لدلالتها على انتصار فرنسا على العثمانيين في القرن الثامن عشر. وذكرت مجلة دير شبيجل الألمانية أن الهدية عبارة عن إناء لتناول الجعة - من أنواع الخمور - محفور عليه تاريخ الصنع عام ١٧٩٩م، وهي السنة التي شهدت تدمير نابليون للأسطول العثماني في وقعة (أبي قير البحرية) أمام سواحل مصر على البحر المتوسط.
[صحيفة الوطن السعودية، ١١/٣/١٤٢٨هـ]
- في لقاء تم عبر دائرة تلفزيونية مغلقة اشتكى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للرئيس الأمريكي جورج بوش من وجود مسؤولين عراقيين في الحكومة يدعمون الإرهاب ـ حسب قوله ـ ويريدون إفشال الخطة الأمنية التي تنفذها الحكومة حالياً في بغداد.
[فضائية الجزيرة، نشرة الأخبار، ٥/٤/٢٠٠٧م]
- بمجرد أن أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إطلاق سراح البحارة البريطانيين المحتجزين لدى طهران، هبط سعر النفط بمقدار ١.٥ دولار في ٣٠ دقيقة، وبلغ خام برنت أكثر من ٦٧ دولار للبرميل. وكان سعر النفط قد ارتفع إلى أعلى معدل في ستة أشهر نتيجة أزمة البحارة بنحو خمسة دولارات مرة واحدة، وهو ما دفع بعض المراقبين للقول: إن إيران كانت تسعى بإشعال الأزمة إلى إبقاء المعدلات المرتفعة لأسعار النفط؛ لتحقيق زيادة في الإيرادات.
- أعلنت هيئة (النزاهة العامة) في العراق أن القيمة التقديرية لأموال (الهدر) و (الفساد الإداري والمالي) تبلغ ثمانية مليارات دولار. جاء ذلك في بيان رسمي عن رئيس الهيئة العامة القاضي راضي الراضي، ولم يحدد البيان هذه الحالات أو ما هي الوزارات أو الدوائر المتورطة.
[موقع ميدل إيست أون لاين، ٣/٤/٢٠٠٧م] .
- بعد أن تسلمت حركة فتح حقائب وزارية، حسب اتفاق حكومة الوحدة الوطنية مع حماس، قام وزراء الحركة باتخاذ قرارات فورية بإقصاء ونقل كل من عينهم وزراء حماس من قبل، وخاصة في وزارتي الصحة، والنقل والمواصلات. [صحيفة السبيل ٣/٤/٢٠٠٧م] .
стр. 5934
رئيس المحاكم الإسلامية في الصومال شيخ شريف أحمد للبيان:
لا وجود لمتطرفين في المقاومة.
وأين موقف العلماء ممّا يجري في الصومال؟!
بسبب تصاعد المدّ الجهادي المقاوم للاحتلال الأثيوبي وذيوله العميلة في الصومال، والأحداث المتلاحقة في ذلك البلد المسلم العربي الشقيق، توجَّهت مجلَّة البيان إلى رئيس المحاكم الإسلاميَّة في الصومال شيخ شريف شيخ أحمد ليتحدَّث لنا عن الوضع الراهن في الصومال، حيث أدلى للمجلَّة في زيارة له عابرة لدولة قطر بالحديث التالي:
تصاعد المقاومة في الصومال ناشئ عن وضوح رؤى جميع الصوماليين بأنَّ ما يجري هو احتلال غاشم للصومال من قِبَل القوات الأثيوبيَّة، وقد تمَّ تخطيطه من قَبْل، ويتمُّ تنفيذه في هذه الفترة عبر أجزاء تليها أجزاء متوالية، وذلك على يدي القوات الأثيوبيَّة وبتآمر مع الدول المركزيَّة الكبرى الأخرى.
لقد اتَّضح للشعب الصومالي أنَّ ما يجري هو إبادة جماعيَّة يأخذ أشكالاً وأدواراً عديدة، فرأوا أنَّ الطريقة المثلى هي الانضمام تحت المقاومة، وأنَّه لا حلَّ إلاَّ بالجهاد والمقاومة، ولهذا تطوَّرت المقاومة لكي تكون مقاومة شعبيَّة بالتزامن مع مقاومة المجاهدين المسلَّحة.
وفي حقيقة الأمر لا يوجد هناك حكومة، بل هي اسم لا أثر له؛ لأنَّ الحكومة لها معانٍ ومواصفات وواجبات تجاه شعبها، وليس هناك حكومة تتشكَّل من قِبَل أعداء الشعب، فهي إذاً ليست حكومة شعبيَّة ولا شرعية، حتَّى إن من يعمل بهذه الحكومة ـ كبعض المسؤولين فيها ـ ليس راضياً عن هذه الحكومة، ويعلم أنَّها تسير على خطأ، وأنَّ الأمر ليس بيدها، وأنَّ القوات الأثيوبيَّة هي التي تملك الأمر.
وبخصوص ملابسات الحديث عن وجود مصالحة وطنيَّة أو وقف إطلاق النار فإنَّ الذي يجري الآن من وقف لإطلاق النار هو من المقاومة الشعبيَّة العامة، وما يقال عن مصالحة شعبيَّة من قِبَل الحكومة هو أمر غير واضح؛ لأنَّ المشكلة أنَّ الحكومة الأثيوبيَّة نفسها لا تتعامل مع هذا النظام كونه حكومة انتقاليَّة، بل تتعامل مع الشعب متجاوزة تلك الحكومة.
وأمَّا ما يقال عن وجود مفاوضات بين المحاكم الإسلاميَّة والحكومة الانتقاليَّة فهذا أمر غير صحيح فلا توجد مفاوضات بيننا وبينهم.
نعم؛ بعض القيادات القبليَّة اتصلت بالحكومة لوقف إطلاق النار، وكذا الحكومة تتصل بهذه القيادات الشعبيَّة لكي تكسب الوقت، لأنه قد تبين لها أن التخطيط الذي أتت به قد فشل، حيث إن الحكومة وكذا القوات الأثيوبيَّة كانوا يتوقعون أنَّهم يستطيعون احتلال العاصمة بكاملها بدون صعوبات. والآن هناك تخطيط ونيَّة مبيَّتة لتخطيط جديد.
وحول ما تداولته وكالات الأنباء بأنَّ (عمرو موسى) الأمين العام لجامعة الدول العربية أعرب عن ضرورة عزل من وصفهم بـ (المتطرفين) عن أي دور في المصالحة الوطنية المزمع إجراء مباحثات حولها في الصومال؛ قال شيخ شريف: نأسف أن يخرج هذا الكلام من (عمرو موسى) ، وأنا أقول بأنَّ الحقيقة المرَّة أنَّ كثيراً من إخواننا العرب لا يفهمون ما بداخل الصومال؛ حيث إنه لا وجود لمتطرفين أو إرهابيين هناك كما يزعمون، وإنَّما هناك شعب واعي يريد أن يقاوم الاحتلال الغاشم.
وأمَّا عن عناصر المقاومة فهم منظَّمون، وتمَّ تخطيط مواجهة الاحتلال قبل بدء الاحتلال الأثيوبي للصومال، ولا يوجد من يسمَّون بالمتشددين وغيرهم من المقاومة، بل هذه إشاعات يطلقها الأعداء ليفرقوا الصفوف بين المجاهدين، فكيف يكون هناك اختلاف في المقاومة والناس كلهم يعرفون بأنَّ الحل هو المقاومة.
نعم؛ هناك وجهات نظر متباينة في بعض القضايا بين المجاهدين، فكل واحد يعطي اهتماماً لما يراه ذا أولوية من جانبه، وهذا يثمر عن رأي سديد في مواجهة الاحتلال، وهذا ليس اختلافاً مذموماً، وهذا ما يفسِّر سر تصاعد المقاومة في الصومال؛ فالشعب الصومالي معروف بنضاله ومعرفته لفنون القتال وحتى على الآلات الحديثة، وهو الآن يمارس حرب المدن، وحرب العصابات، وحين أتت القوَّات الدوليَّة عام ١٩٩٣م ـ وهي مكونة من (٣٥) دولة أجنبيَّة ودوليَّة ـ فشلت في مهمَّتها؛ لأنَّها رأت قوَّة وشكيمة الصوماليين في مقاومة الاحتلال، والصوماليون لا يريدون الكثير، هم يريدون حلاً سياسياً سلمياً لقضيتهم، أمَّا أن يتدخل الاحتلال ليفرض خياره فإنَّ خيارنا هو المقاومة.
وبخصوص ما أدانته منظمة (هيومن راتس ووتش) لحقوق الإنسان عن وجود برنامج دولي للاعتقال السري لصوماليين يشتبه في دعمهم المقاومة الإسلاميَّة وعلى رأسها قوات المحاكم الإسلاميَّة؛ فنحن سمعنا مثل ما سمعتم، ولا ندري عنه، وما نعلمه أنَّ هناك جهات عديدة وكثيرة تسعى إلى الإضرار بالشعب الصومالي المسلم وقياداته الإسلاميَّة، وهذه خطَّة من الخطط التي تُعدّ بطرق معينة ومختلفة، والقادم من الخطط قد يكون أكثر!
ووجَّه الشيخ شريف كلمة أخيرة للعلماء بأن يسارعوا إلى قول كلمتهم تجاه ما يجري في الصومال من إبادة جماعيَّة، وأن يشاهدوا ما يجري في الصومال ويتابعوا أخبار إخوانهم، فيجب أن يقفوا مع الشعب الصومالي؛ لأنَّ المسؤولية الكبيرة تقع عليهم في ظلِّ هذه الظروف، وخصوصاً إن علمنا بأنَّ هذا الشعب عانى قرابة (١٦) سنة والعالم كله لم يحرِّك ساكناً، وحين انبعثت الهمم في نفوس الصوماليين من جديد وقامت المحاكم بتوفير الأمن وكانت تتعاون مع من يريد الإصلاح؛ انقلب الأمر عليها من الأعداء القريبين والبعيدين، فنحن نريد من العلماء كلمتهم ووقوفهم إلى جانبنا.
стр. 5935
المفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي قراءة في تقرير راند ٢٠٠٧م
د. باسم خفاجي (*)
٣ ملخص:
أصدرت مؤسسة راند الأمريكية RAND Corporation مؤخراً تقريراً بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) ، يقدم توصيات محددة وعملية للحكومة الأمريكية أن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الإسلامي المعاصر. يوصي التقرير أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها (تيارات متطرفة) . كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الأمريكي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الإدارة الأمريكية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم. يقدم هذا المقال قراءة مختصرة لهذا التقرير، مع التركيز تحديداً على الجزء الخاص بتعريف الاعتدال من وجهة النظر الأمريكية، وكيفية إقامة تلك الشبكات المعتدلة بالمفهوم الأمريكي. كما يتضمن المقال مجموعة من التوصيات حول الآليات العملية للتعامل مع مثل هذه التقارير، قبل أن تتحول توصياتها إلى سياسات أمريكية عامة تستخدم لتحجيم أو احتواء نهضة الأمة الإسلامية.
٣ مقدمة:
تسعى المراكز الفكرية الأمريكية المهتمة بالشرق الأوسط إلى تقديم العديد من التوصيات للإدارة الأمريكية لتوجيه المعركة الفكرية مع العالم الإسلامي. وتبرز مؤسسة راند RAND Corporation، وهي أكبر مركز فكري في العالم، كأحد أهم المؤسسات الفكرية الأمريكية المؤثرة على صناعة القرار في الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. وقد أصدرت مؤسسة راند مؤخراً تقريراً في نهاية شهر مارس من عام ٢٠٠٧م (ربيع الأول ١٤٢٨هـ) بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) Building Moderate Muslim Networks، وهو تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدأ هذا المركز الفكري الهام والمؤثر في إصدارها لتحديد الأطر الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي في الفترة التي أعقبت أحداث سبتمبر.
يقدم التقرير توصيات محددة وعملية للحكومة الأمريكية: أن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الإسلامي المعاصر عن طريق دعم قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها (تيارات متطرفة) . كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية. وقبل أن نتعرض لمحتوى ذلك التقرير وأهم ما ورد فيه من أفكار، فلعله من المهم إلقاء نظرة على التقارير السابقة لهذه المؤسسة الفكرية، وملاحظة العلاقة بين ما تطرحه من أفكار ورؤى، وما يتحول منها إلى سياسات عامة تتبناها الإدارة الأمريكية، وتفرضها على العالم الإسلامي والعربي.
٣ تقارير سابقة:
اهتمت مؤسسة راند بما يسمى بالخطر الإسلامي منذ أكثر من ثمانية أعوام، وصدر عنها العديد من الدراسات التي لا يتسع المقام لعرضها، ولكننا نعرض فقط هنا أهم هذه التقارير، وأكثرها تأثيراً على الإدارة الأمريكية. وقد أصدرت مؤسسة راند كتاباً في عام ١٩٩٩م، أي: قبل أحداث سبتمبر بعامين بعنوان (مواجهة الإرهاب الجديد) ، وهو من إعداد مجموعة من الخبراء الأمريكيين، وصدر الكتاب في ١٥٣ صفحة، وهو خلاصة أفكار وأبحاث أهم خبراء (الإرهاب) في الولايات المتحدة، سواء في دوائر البحث والأكاديميات، أو دوائر السياسة والاستراتيجيات، من أمثال: إيان ليسر، وبروس هوفمان، وديفد رونفلت، وجون أركويلا، ومايكل زانيني؛ كما يذكر مركز كمبريدج بوك ريفيو الذي قام بإعداد قراءة متزنة لهذا التقرير. حاول الكتاب أن يجيب عن سؤال عمّا إذا كان (الإرهاب الجديد) يشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة تحديداً أم لا؟ وأشار الكتاب إلى أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الأوسط، وسيهدد مصالح كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.
وبعد أحداث سبتمبر قامت مؤسسة راند في عام ٢٠٠٤م بإصدار تقرير بعنوان (العالم المسلم بعد ١١/٩) في أكثر من ٥٠٠ صفحة لبحث التفاعلات والديناميات المؤدية إلى حدوث التغيرات (الدينية - السياسية) التي يشهدها المسرح الإسلامي الراهن بهدف إمداد صانعي السياسة الأمريكية برؤية شاملة عن الأحداث والتوجهات الواقعة حالياً في العالم الإسلامي. قدم البحث في محوره الأول - كما تذكر باحثة متخصصة في العلوم السياسية - خريطة شاملة للتوجهات الأيديولوجية في المناطق المختلفة في العالم الإسلامي، مشيراً إلى أن المسلمين لا يختلفون فقط في الرؤى الدينية، بل يختلفون أيضاً في الرؤى السياسية والاجتماعية، مثل: الحكومة، والقانون، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والتعليم. وتذكر الباحثة أن البحث يصنع مساواة مفتعلة بين الإسلام (المعتدل) وبين (العَلْمانية) ، ويقسم العالم الإسلامي تقسيماً قسرياً؛ حيث يتم ـ مثلاً ـ تعريف منطقة معينة في العالم المسلم في كونها (سلفية) ، وأخرى (راديكالية) ، وثالثة (معتدلة) . وتناول الجزء الثاني من البحث الخلافات القائمة بين المسلمين بعضهم مع بعض، مع تركيزه على خلافين أساسيين هما (الخلاف السني - الشيعي) و (الخلاف العربي - غير العربي) ؛ حيث يخلص إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تثبت ولاءها للشيعة العراقية لصدِّ المد الشيعي الإيراني رغم صعوبة ذلك (١) .
أما في فبراير من عام ٢٠٠٥م فقد صدر لمؤسسة راند تقرير بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) ، ويرى التقرير - كما ينقل أحد الباحثين (٢) - أنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الإسلام في المنطقة؛ الذي يقف سداً منيعاً أمام محاولات التغيير، وأنّ الحل يكمن في النظر إلى المسلمين عبر أربع فئات، هي: مسلمين أصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين. أما فيما يتعلّق بالأصوليين فتقول (راند) : يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وأفضلهم هو ميّتهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن، وأنهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، ويجب الحذر منهم لأنّهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم، وهم ذوو تمكُّن في الحجّة والمجادلة. ويدخل في هذا الباب السلفيون السنة، وأتباع تنظيم القاعدة والموالون لهم والمتعاطفون معهم، و (الوهّابيون) ، كما يقول التقرير.
وفيما يتعلق بالتقليديين تقول (راند) : يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ الأصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجّة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية (يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف) ، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وأفكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين. وأوصى التقرير بأهمية أن (ندعم التقليديين ضدّ الأصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين: دحض نظريتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته، إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها، إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلّفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلّة إيمانهم، وتجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا أحداً للتعاطف معهم) .
أما في العام الماضي فقد صدر لمؤسسة راند دراسة بعنوان (ما بعد القاعدة) ، وهي تقع في مجلدين: الأول حول حركة الجهاد العالمية، والثاني عن الحلقات الخارجية لعالم الإرهاب. تبحث الدراسة في أربعة مباحث رئيسة، المبحث الأول عن القاعدة: العقيدة، والاستراتيجية، والتكتيك، والتمويل، والعمليات، وتغير الأشخاص، والمستقبل المحتمل. أما المبحث الثاني فهو عن الجماعات الجهادية التي تبنت نظرة القاعدة العالمية، والتي ليست مرتبطة رسمياً بتنظيم القاعدة. والمبحث الثالث حول الجماعات الإرهابية الإسلامية وغير الإسلامية والتي ليس لها أي صلات معروفة بالقاعدة، ولكنها تهدد المصالح الأمريكية والأصدقاء والحلفاء؛ كحماس وحزب الله، وغيرهما. أما المبحث الأخير فهو عن الرابطة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن ذلك طرق استعمال الإرهابيين للمنظمات الإجرامية في تمويل نشاطاتهم.
أشرف على إعداد تلك الدراسة (أنجل راباسا) ، وهو معد الدراسة التي سيتناولها هذا المقال أيضاً. تدعو الدراسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توسيع الجهود بشكل كبير لتقويض الدعم للقاعدة وخاصة من داخل الدول الإسلامية، وتقول: إن نجاح مكافحة القاعدة (الجهاد العالمي) يتم من خلال مهاجمة العقيدة الجهادية العالمية، وقطع الصلات بين الجماعات الجهادية، وتعزيز قدرات دول المواجهة إلى مواجهة تهديدات الحركات الجهادية. كما يقول التقرير: إن العقيدة الجهادية تواصل الانتشار وتلقى مزيداً من القبول في العالم الإسلامي، وهذا سينتج إرهابيين أكثر يجددون صفوف القاعدة، وإذا تم الطعن في هذه العقيدة ومصداقيتها فإن القاعدة ستنزوي وتموت. يؤكد التقرير أن طرق مكافحة الإرهاب التقليدية لا تكفي لهزيمة القاعدة، ويجب فهم أن الصراع مع القاعدة صراع سياسي وعقدي، وفي هذا يقول راباسا: «الحركة الجهادية العالمية حركة أيديولوجية متطرفة.. والحرب عليها في أبسط مستوى يكون بحرب الأفكار» ، والهدف من ذلك ـ كما يقول التقرير ـ هو منع القاعدة من استغلال الخطاب الإسلامي والخطاب السياسي والذي استخدمته بكل براعة. يرى التقرير أن تقويض العقيدة الجهادية العالمية من الخارج أمر صعب؛ فالقاعدة قد عبأت المسلمين ضد الغرب، لكن ليس كل الجماعات الجهادية تتفق مع القاعدة في النظرة العالمية؛ ولهذا السبب تدعو الدراسة الولايات المتحدة إلى قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، وذلك بنشر وتأكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية (القاعدة) ، وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب. ومن المهم تأكيد وإبراز أن الدولة الإسلامية التي تسعى القاعدة إلى إقامتها ستستبعد التيارات الإسلامية الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى القضاء على الجماعات الإرهابية، وتعزيز قدرات الحكومات الحليفة والصديقة للتعامل مع التهديدات الإرهابية، لكن بصفة استشارية بتوفير مجال جمع البيانات والتحليل والتقرير.
٣ تقرير راند لعام ٢٠٠٧م:
أصدرت مؤسسة راند مؤخراً تقريراً في نهاية شهر مارس من عام ٢٠٠٧م (ربيع الأول ١٤٢٨هـ) بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) Building Moderate Muslim Networks، وهو تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدأ هذا المركز الفكري والمؤثر في إصدارها؛ لتحديد الأطر الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي في الفترة التي أعقبت أحداث سبتمبر. الجديد في تقرير هذا العام أنه يقدم توصيات محددة وعملية للحكومة الأمريكية: أن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الإسلامي المعاصر.
كما يوصي التقرير أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها (تيارات متطرفة) . كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الأمريكي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الإدارة الأمريكية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم. يقدم هذا المقال قراءة لهذا التقرير، وتحديداً الجزء الخاص في ذلك التقرير والمتعلق بتعريف الاعتدال من وجهة النظر الإسلامية.
أعدَّ الدراسة مجموعة من الخبراء الأمريكيين العاملين بالمركز، ومن أبرزهم (أنجل راباسا) ؛ وهو باحث أكاديمي، عَمِل سابقاً في عدد من المناصب الهامة في كل من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد الأمريكية، ويجيد التحدث بأربع لغات غير اللغة الإنجليزية، وهي: الفرنسية، الإيطالية، اليونانية والإسبانية، وله عدد من الكتب والدراسات حول العالم الإسلامي.
يحاول التقرير ـ الذي صدر في ٢١٧ صفحة، وقُسِّم إلى مقدمة وتسعة فصول، وملخص للتقرير ـ أن ينقل طبيعة المواجهة الفكرية من مواجهة بين الإسلام والغرب؛ لكي تصبح مواجهة من نوع آخر بين العالم الغربي من ناحية والعالم المسلم من ناحية أخرى، على غرار الحرب الباردة التي كانت بين معسكرين شرقي وغربي. يؤكد التقرير أن الصراع هو صراع أفكار إضافة إلى الصراع العسكري أو الأمني، وأن حسم المعركة مع الإرهاب لن يتم فقط على الساحات الأمنية أو العسكرية، ولكن الأهم أن يهزم الفكر الإسلامي - الذي يصفه التقرير بالمتطرف - في ساحة الأفكار أيضاً. يرى التقرير أن هذا الصراع الفطري يحتاج إلى الاستفادة من التجارب السابقة، ومن أهمها تجربة الصراع الفكري مع التيار الشيوعي خلال فترة الحرب الباردة، ويوصي التقرير الولايات المتحدة أن تستفيد من تلك التجارب، وتبحث في أسباب نجاحها وما يمكن أن يتكرر ويستخدم مرة أخرى من وسائل وأدوات وخطط وبرامج في إدارة الصراع مع التيار الإسلامي.
يعقد التقرير مقارنة بين المعركة الفكرية مع التيار الشيوعي، وبين المواجهة الحالية مع العالم الإسلامي، ويفرد لذلك فصلاً كاملاً في الدراسة. وفي الجدول المرفق عرضاً لهذه المقارنة:
كما يرى التقرير أهمية استعادة تفسيرات الإسلام من أيدي التيار الإسلامي وتصحيحها (!) حتى تتماشى وتتناسب تلك التفسيرات مع واقع العالم اليوم وتتماشى مع القوانين والتشريعات الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة.
ويركز التقرير كذلك على أهمية إيجاد تعريف واضح ومحدد للاعتدال الإسلامي، وأن يصاغ هذا التعريف من قِبَل الغرب، وأن يصبح هذا التعريف هو الأداة والوسيلة لتحديد المعتدلين في العالم المسلم من أدعياء الاعتدال الذي لا يتوافق مع التعريف الأمريكي والغربي له. يؤكد التقرير أن هذا التعريف للاعتدال هو من أهم ما يمكن أن يساهم به التقرير في خدمة السياسة الأمريكية، وأن على أمريكا أن تدعم فقط الأفراد والمؤسسات التي تندرج تحت مفهوم الاعتدال بالتفسير الأمريكي له، والمقدم في هذا التقرير.
يوصي التقرير أن تهتم الولايات المتحدة الأمريكية بصناعة ودعم شبكة من التيار العلماني والليبرالي والعصراني ممن تنطبق عليهم شروط الاعتدال الإسلامي بالمفهوم الأمريكي، وأن تُستخدم هذه الشبكة في مواجهة التيار الإسلامي الذي يرى التقرير أنه لا يجب التعاون معه أو دعمه بأي شكل من الأشكال، رغم ادعاء بعض فئات هذا التيار أنها معتدلة، وأنها تدعو للتعايش والحوار وتنبذ العنف. ينصح التقرير بعدم التعاون مع كل فئات التيار الإسلامي، وأن يرتكز بناء شبكة التيار المعتدل على التيارات العلمانية والليبرالية والعصرانية فقط. ويجعل التقرير من المفهوم الجديد المقترح للاعتدال من وجهة النظر الأمريكية أحد أهم نتائج التقرير؛ ولذلك فإننا سنركز في هذا المقال على هذا المفهوم الخاص بالاعتدال الأمريكي، رغم أن التقرير يحوي العديد من القضايا الهامة الأخرى التي يجب دراستها وتحديد سبل التعامل معها، ونأمل أن يحدث ذلك في المستقبل القريب ومن خلال مقالات ودراسات أخرى.
٣ ما مفهوم الاعتدال الأمريكي؟
تشير الدراسة إلى أن نقطة البدء الرئيسة التي يجب على الولايات المتحدة العناية بها في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء المسلمين. وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أنه يمكن التغلب على صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء إلى التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد (راند) . ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الإسلاميين المعتدلين، أهمها ما يلي (١) :
١- القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قِيَم الديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً على التعرف على المعتدلين؛ فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن بعضهم الآخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الإسلامية؛ خصوصاً مبدأ (الشورى) ويرونه مرادفاً للديمقراطية. كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية.
٢- القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة إلى أن أحد الفروق الرئيسة بين الإسلاميين المتطرفين والمعتدلين هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة. تؤكد الدراسة أن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، وتدلل الدراسة على ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني (عبد الله بن نعيم) قال فيه بأن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقاً متساوية في الشريعة الإسلامية.
٣- احترام حقوق النساء والأقليات الدينية: وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء والأقليات المختلفة دينياً، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها؛ نظراً لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبَّان عصر النبي محمد #.
٤ ـ نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع: تؤكد الدراسة هنا على أن الإسلاميين المعتدلين يؤمنون ـ كما هو الحال في معظم الأديان ـ بفكرة (الحرب العادلة) ، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف ومتى يكون مشروعاً أو غير مشروع؟
٣ اختبار الاعتدال؟
يضع التقرير في الفصل الخامس مجموعة من الأسئلة التي يعدّها مقياساً للاعتدال، وأن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا. يحذر التقرير أن التيار الإسلامي يدعي في بعض الأحيان أنه تيار معتدل ولكن وفق تفسير خاص به للاعتدال، وأن وجود قائمة من الأسئلة المختارة والمتفق عليها يمكن أن يحل هذه المشكلة، ويكشف للإدارة الأمريكية حقيقة نوايا الأفراد والجماعات من التيار الإسلامي ممّن يدَّعون الاعتدال أو يطالبون أن يعاملوا معاملة المعتدلين، وهو ما يجب أن يقتصر - حسب رؤية التقرير - على من يجتازون اختبار الاعتدال.
يضع التقرير ١١ سؤالاً تشكِّل في مجملها المحددات الرئيسة لوصف الاعتدال المقترح أن تتبناه الإدارة الأمريكية. وهذه الأسئلة وردت بالتقرير، ونورد النص الإنجليزي لها حرصاً على دقة الترجمة؛ لأنه من المتوقع أن يمارس الإعلام التابع للإدارة الأمريكية الكثير من التحوير والتعديل في نص هذه الأسئلة عندما تترجم للغة العربية نظراً للحساسيات التي ستثيرها هذه الأسئلة في حال انتشارها في الإعلام العربي، وبين المفكرين والمثقفين والسياسيين في الدول العربية والإسلامية. ولذلك نرى أهمية أن تكون الأسئلة باللغة الإنجليزية مرافقة للترجمة العربية لها. وهذه الأسئلة هي:
- هل يتقبّل الفرد أو الجماعة العنف أو يمارسه؟ وإذا لم يتقبل أو يدعم العنف الآن؛ فهل مارسه أو تقبّله في الماضي؟
- هل تؤيد الديمقراطية؟ وإن كان كذلك؛ فهل يتم تعريف الديمقراطية بمعناها الواسع من حيث ارتباطها بحقوق الأفراد؟
- هل تؤيد حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً؟
- هل هناك أية استثناءات في ذلك (مثال: ما يتعلق بحرية الدين) ؟
- هل تؤمن بأن تبديل الأديان من الحقوق الفردية؟
- هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات الجنائية؟
- هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات المدنية؟ وهل تؤمن بوجوب وجود خيارات لا تستند للشريعة بالنسبة لمن يفضِّلون الرجوع إلى القوانين المدنية ضمن نظام تشريع علماني؟
- هل تؤمن بوجوب أن يحصل أعضاء الأقليات الدينية على حقوق كحقوق المسلمين تماماً؟
- هل تؤمن بإمكانية أن يتولى أحد الأفراد من الأقليات الدينية مناصب سياسية عليا في دولة ذات أغلبية مسلمة؟
- هل تؤمن بحق أعضاء الأقليات الدينية في بناء وإدارة دور العبادة الخاصة بدينهم (كنائس أو معابد يهودية) في دول ذات أغلبية مسلمة؟
- هل تقبل بنظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير مذهبية؟
إن من يقرأ هذه اللائحة من الأسئلة يدرك على الفور أن تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي لا يعبر إلا عن المصالح الأمريكية الهادفة إلى تحويل المسلمين بعيداً عن الإسلام تحت دعوى الاعتدال العالمي. إننا أمام محاولة لإعادة تعريف مفهوم الاعتدال داخل المجتمع المسلم بحيث لا يستند التعريف من الآن فصاعداً إلى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثت عليها الشريعة، وإنما أن تتحول هذه المبادئ إلى مجموعة من المسلَّمات الغربية التي تُقدَّم للعالم على أنها مبادئ دولية. ومن المتوقع لاحقاً في حال إقرار هذه التوجهات ودفعها في الساحات الفكرية الدولية؛ أن تُمنَع شعوب العالم من رفضها أو حتى الاعتراض عليها بدعوى أن ذلك سيكون اعتراضاً على حقوق الإنسان الدولية أو الشرائع العالمية، كما حدث من قبل فيما يتعلق بما يسمى حقوق الإنسان؛ التي أصبحت مؤخراً حقوقاً للشواذ وحقوقاً لمخالفة الأخلاق والقيم والعادات.
ومن الملفت للنظر أن التقرير يؤكد أهمية استخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي والتي يمكن أن تدعم هذه اللائحة وتؤكدها، وأن يُستخدَم الدعاة الجدد (أو الدعاة من الشباب كما أسماهم التقرير) لتحقيق ذلك والقيام بهذا الدور. ويوصي التقرير أن تكون الدعوة للاعتدال بعيداً عن المساجد، وأن تُستخدَم البرامج التلفازية والشخصيات ذات القبول الإعلامي والجماهيري من أجل تحقيق ذلك (!) .
كما يوصي التقرير أن يُستخدم التيار التقليدي والصوفي في مواجهة الإسلام السلفي. وقد تم تعريف التيار التقليدي في هذا التقرير: أنه التيار الذي يصلي في الأضرحة ـ بخلاف ما تدعو إليه الوهابية ـ ويميل إلى التمذهب، وعدم الاجتهاد، والميل نحو التصوف. يؤكد التقرير أن من مصلحة الغرب إيجاد أرضية تفاهم مشتركة مع التيار الصوفي والتقليدي من أجل التصدي للتيار الإسلامي.
ويؤكد التقرير على أهمية الاعتناء الأمريكي بالتعاون مع المعتدلين - وفق المفهوم الذي قدمته الدراسة - من العالم المسلم، مع التركيز على الفئات التالية:
| المفكرين والأكاديميين من التحرريين والعَلْمانيين.
| الدعاة الجدد المعتدلين.
| القيادات الشعبية الفاعلة.
| الحركات النسائية المطالبة بعدم المساواة.
| الصحفيين والكُتّاب والمفكرين.
ويرى التقرير أن على الولايات المتحدة أن تحدد من يندرج تحت مفهوم الاعتدال الأمريكي من هذه الفئات السابقة، وأن يتم مساعدة ودعم المؤسسات القائمة لهذه الفئة، وأن تساهم الولايات المتحدة بدور قيادي في تكوين مؤسسات أخرى تدعم التيار المعتدل حسب المفهوم الأمريكي، وأن تساهم في تشجيع تكوين بيئة ثقافية وفكرية واجتماعية تدعم وتسهل وتشجع قيام المزيد من هذه المؤسسات التي تخدم المصالح الأمريكية وتواجه التيار الإسلامي.
ويوصي التقرير أيضاً بأهمية التركيز على الأطراف في الصراع مع التيار الإسلامي والبعد عن المركز؛ لصعوبة تحقيق انتصارات حقيقية في هذه المرحلة، وأن يتم عكس مسار الأفكار الحالي والذي يتحرك من المركز نحو الأطراف. يؤكد التقرير على أهمية استخدام الترجمة والآلة الإعلامية من أجل تحويل مسار الأفكار لتكون من الأطراف نحو المركز، أو من الدول الإسلامية التي يعتقد معدّو التقرير أنها أكثر اعتدالاً وانفتاحاً إلى المركز الذي يحدده التقرير بالعالم العربي.
كما يقدم التقرير العديد من النماذج للجهات والأشخاص الذين يمكن أن يوصفوا بالاعتدال، ومن يمكن دعمهم أو مساندتهم لتحقيق أهدافهم. ومن المحزن أن من ضمن الأمثلة التي يقدمها التقرير في هذا الشأن مجلة تصدر في جنوب شرق آسيا أدارت حواراً خيالياً مع نبي الإسلام #، ومثال آخر لامرأة من باكستان تعيش في النرويج، وتعمل في مجال الكوميديا المسرحية، وتدخل إلى المسرح وهي ترتدي البرقع، وتروي النكات عن الإسلام والمرأة المسلمة، ثم تخلع البرقع على المسرح ليظهر تحته فستان سهرة، ويرى التقرير أن هذا ضمن الاعتدال الواجب دعمه والتشجيع عليه. كما يذكر التقرير نموذجاً آخر وهو موقع سعودي يتحدث عن أحاديث الشهادة وينكر صحتها، ولذلك لا يرى الحاجة للالتزام بها.
٣ مقترحات للتعامل مع التقرير، وما يتعلق بالاعتدال:
إن هذا المقال المختصر هو مقدمة للتعريف بهذا التقرير الهام، وهناك الكثير من القضايا الأخرى التي أثارها التقرير، والتي يجب أن تتم دراستها وتحديد سبل مواجهتها والتعامل معها في دراسات وأبحاث أخرى كما أسلفنا. ولكننا نوصي ـ فيما يتعلق بموضوع التقرير بالعموم؛ وإعادة تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي بالخصوص ـ بالأمور التالية:
| ترجمة التقرير، وإتاحته في أسرع وقت ممكن لصُنّاع القرار في العالم العربي والإسلامي من العلماء والمفكرين والسياسيين، والتعاون من أجل فهم ما يعنيه هذا التقرير، وما يقدمه من توصيات للإدارة الأمريكية.
| إعداد ردٍّ علمي يتناسب مع الطرح الذي قدمه التقرير فيما يتعلق بمفاهيم الاعتدال، والتحذير من اختطاف المصطلح من قِبَل أنصار التحرر والعَلْمانية والليبرالية في العالم العربي والغربي على حد سواء. نرى أهمية أن يؤكد العلماء والدعاة والمفكرون على مفاهيم الاعتدال الحقة التي دعا إليها الإسلام، وتوّجتها وسطية الأمة المسلمة، وحثَّت عليها الشرائع السماوية، وليس التشريعات العَلْمانية الموجهة سياسياً لقمع الآخر، وإفساد العقول، ومحاربة الأديان.
| نؤكد على أهمية التعريف بالتقرير وما تضمنه من أفكار، والدقة في ترجمة المعاني الواردة فيه، وتفسير أسباب رغبة الإعلام الغربي في عدم الإعلان بوضوح عن صدور هذا التقرير؛ وهل هذا بسبب ما تضمنه من جرأة ومقترحات عملية، أم بسبب أن التقرير يقدم خريطة واضحة المعالم بالأسماء الشخصية وأسماء المؤسسات التي توصف من قِبَل معدِّي التقرير أنها (معتدلة) وفق التعريف الأمريكي المقترح للاعتدال؟
| بيان أن المواجهة الفكرية مع الغرب قد بدأت من قِبَل الغرب، وأن المراكز الفكرية تقوم بحشد الآراء والتوجهات والموارد من أجل هذه المواجهة، سواء قبلنا بذلك أو استمر بعض منا في الدعوة فقط إلى التعايش والحوار. إن الأمة الإسلامية بأكملها تواجه حرباً فكرية بدأت وتمَّ حشد الأنصار لها، ولا بد أن يكون رد الفعل من قِبَل الأمة بجميع فئاتها متناسباً مع الخطر، وموحداً في مواجهة خصم يوحد فئاته، وأن تلتزم الأمة المسلمة في هذه المواجهة بالضوابط الشرعية التي تحكم العلاقة مع الخصوم والمنافسين والأعداء أيضاً.
| الحث على حماية أطراف الأمة الإسلامية إضافة إلى حماية مركزها، وهو ما لا يجب أن يترك لأنصار الهجوم على أطراف الأمة كما يذكر التقرير ويؤكد في أكثر من مكان.
| نوصي أن يكون الإعلام المتزن والجاد هو أحد أسلحة المواجهة الفكرية المضادة للدفاع عن حقوق الأمة المسلمة، وأن يبتعد ما أمكن عن الخطاب العاطفي غير العملي، مع عدم التقليل من دور العاطفة المتزنة والمنضبطة شرعاً في تحفيز الهمم وتقوية العزائم والدفاع الصادق عن مصالح وحقوق الأمة.
| نوصي عموم المسلمين أن الولاء الحق لهذه الأمة في المرحلة القادمة يقتضي الدفاع عن الإسلام في مواجهة الحملات الهادفة إلى المساس به. ونوصي أنصار التيار الإسلامي ومحبيه أن الولاء الحق للإسلام في المرحلة القادمة يقتضي مواجهة الغرب فكرياً وحضارياً وثقافياً وغير ذلك؛ للدفاع عن أمتنا وحماية مصالحها وحقوقها
стр. 5936
دورة في حل المشكلات
علي بن صالح الجبر
لا يخلو مجتمع من مشكلات تطفو على سطحه، وبعض البيوت تغصُّ ببعض المشكلات التي تراكمت وتُركت منذ زمن ولم تحلّ أو يسعَ إلى حلّها، والبعض يتفرج ـ عاجزاً حائراً ـ ولا يملك غير الحوقلة التي تتردد على لسانه كلما تأمل فيها، لكنه لم يسعَ إلى حلِّها ولم يتخذ الخطوات الإجرائية لذلك؛ إيثاراً للسلامة وانطلاقاً من باب: دعهم وشأنهم! فلا تضحية ولا بذل ولا سعي للإصلاح، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] . تأمل كلمة (لا خير) وكلمة (إلا) ثم كلمة (أو إصلاح بين الناس) ! وتذكّر النتيجة (فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) ! الأجر لمن سعى، وليس لمن تفرّج ولم يحرِّك ساكناً! فلا تكن من المتفرجين؛ وإنما من الساعين في الإصلاح ما استطعت بنفسك ومالك وجاهك.
أجزم ـ عزيزي القارئ ـ أن بعض الأقارب والجيران والخُلاّن تحدث بينهم مشكلات تتطور إن لم تجد لها بطلاً يعطي نفسه دورة تدريبية في حلّها؛ كيف ذلك؟ تأمل ـ مثلاً ـ ما يجري بين متخاصمين من ذويك! وادرس أحوالهما، وحاول أن تقرِّب بين وجهات النظر، واجتهد في ردم الهوّة. وإذا تعثّرت جهودك في ذلك؛ فهل تملّ وتكلّ؟ كلاّ! بل اعلم ـ وفقك الله ـ أنك تبتلى، وأنها صعوبة ستتجاوزها بعزمك وإصرارك، واستمدادِ العون من ذي العون وهو الله تعالى، وأنت قادر ـ بإذن الله ـ على التغلّب عليها والخروج منها بنجاح وتحقيق مقصدك الأسمى وهو الإصلاح.
وبهذا تكون قد تدرّبتَ على حلّ مشكلة؛ فلولا المشكلات التي تعترض العظماء فيحاولون التغلّب عليها لما كانوا عظماء! ولا نجاح بدون فشل، ولولا شقاوة الابن لما برز لنا أب حكيم صبور ذو جلد، ولولا مشكلات الطلاب في المدارس ومحاولة حلّها من المعلمين المخلصين لما برز ـ أيضاً ـ معلمون أكفاء ذوو خبرة وحنكة ومهارة! وعلى هذا فَقِسْ. فلعل الله ينفع بك! وتأخذ دورات مجانية في الحياة بعلاج المشكلات التي تطرأ بين متخاصمين؛ وبالذات من أهلك وذويك.
стр. 5937
غلو في التكفير
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
حكى أحد المتأخرين أن شخصاً ارتكب مظلمةً، فقال المظلوم: هذا ظلم وحاشا السلطان من الأمر والرضى به، فقال الظالم: أنا خادم الدولة المنتمية إلى السلطان؛ فقد نسبتَ الظلم إلى السلطان، فهوّنتَ ما عظَّمَتِ الشريعةُ من أمر السلطان فكفرتَ. فأخذوا «المظلومَ» وجاؤوا به إلى القاضي، وحكم عليه بالردة، ثم جدَّد إسلامه وفعل ما يترتب على ذلك (١) !
والحكاية السابقة لها نظائر في أزمان متلاحقة؛ وفي عصرنا هذا أوفر الحظ والنصيب من هذا الغلو؛ إذ غلب الجهل بدين الله تعالى، واندرس العلم الشرعي، واستحوذ القمع والاستبداد؛ فكان ذلك مناخاً ملائماً ومرتعاً خصباً لهذا التكفير الغالي. وهذا الصنف يكفِّر بلوازم متكلَّفة، قد لا تكون لوازم أصلاً، فضلاً أن يلتزم بها من ـقال هذا الملزوم أو فعله. وهناك أمر ثالث أن هؤلاء المولعين بالتكفير الغالي لا يلتفتون إلى ضوابط التكفير المتقررة عند أهل السنّة، ولا يعتدُّون بعوارض الأهلية من الجهل والخطأ والتأويل ونحوها.
إن التكفير باللازم مطلقاً قد أورث في الأمة تناحراً وتقاتلاً، ورحم الله الإمام الذهبي إذ يقول: (ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفِّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو يفرُّ من ذلك اللازم، وينزِّه ويعظم الربّ) (٢) .
وقد سئل ابن تيمية ﵀: هل لازم المذهب مذهب، أم لا؟
فكان من جوابه ما يلي: (الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذباً عليه، بل ذلك يدلّ على فساد قوله وتناقضه في المقال، ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة) (١) .
وساق السخاوي مقالة شيخه الحافظ ابن حجر؛ إذ يقول: (والذي يظهر أن الذي يُحكَم عليه بالكفر مَنْ كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله، وعُرِض عليه فالتزمه.. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً) (٢) .
والتكفير بهذه الإلزامات المتكلفة قد لا ينتهي إلى حدٍّ ولا يقف عند شخص؛ فليس له خطام ولا زمام، وقد لا ينجو من التكفير إلا صاحب داء التكفير بتلك الإلزامات، ويعظم خطره إذا اقترن به تنزيله على الواقع، وتطبيقه على عموم المسلمين؛ فهؤلاء إذا كفّروا نظاماً معيناً ألحقوا به عساكر النظام بدعوى مساندة الطاغوت، ثم أتبعوهم بأرباب الوظائف المدنية، وربما حشروا العامة مع العساكر والمدنيين، بدعوى الرضى بالطاغوت، والراضي كالفاعل!
هذا أنموذج صارخ لمظهر من مظاهر الغلو في هذا الزمان، وإن كان المتعيَّن علينا أن ندافع الانحراف كله سواء كان غلواً أو إرجاءً، وأن نعالج هذه الأدواء بعلم وعدل، دون تهوين لداء، أو تهويل لآخر، وأن لا نستغرق في مدافعة الغلو في التكفير حتى نؤول إلى الإرجاء من حيث لا نشعر؛ فالبدعة لا تردّ بالبدعة، وإنما تردّ البدعة بالسنّة.
وإذا كان القمع والظلم الواقعان من قِبَل حكومات تجاه أصحاب هذا النَّفَس الغالي لا يزيد الأمر إلا سوءاً، ولم يخلّف إلا مضاعفة في الغلو والإفراط، فكذا النظرة السطحية والمعالجة الشكلية والتهكم والتمسخر بأولئك القوم.. لم يعقبه إلا مزيد من التأثر والانتشار لهذا الفكر المنحرف، فلا بد من النقاش العلمي الرصين، والحوار العميق مع أصحاب هذا الفكر، ومناظرتهم مناظرة مناصحة لا مكايدة، كما فعل حبر هذه الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ إذ ناظر الخوارج ورجع شطرُهم.
ولما خرجت الخوارج سنة (١٠٠هـ) على عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ بعث إليهم عمرُ مَنْ يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض؛ فلما فعلوا ذلك، بعث إليهم جيشاً فكسرهم الخوارجُ، ثم أرسل ابنَ عمه مسلمةَ بن عبد الملك إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج يقول له: ما أخرجك عليّ؟ فإن كنتَ خرجتَ غضباً لله فأنا أحق بذلك منك، ولستَ أوْلى بذلك مني، وهلمَّ أناظرك، فإن رأيتَ حقاً اتبعتَه، وإن أبديتَ حقاً نظرنا فيه.. (٣) .
فتأمَّل ـ رعاك الله ـ مسلكَ العدل والإنصاف مع الخوارج، وسعي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى مناظرتهم برحمة وعلم، وسماع رأيهم، والجواب عنه.
ومن المهم أن يُلتفَت إلى الجوانب النفسية في معالجة هذه النازلة؛ فالنفس البشرية فيها نوع من الكِبْر؛ فتحبّ أن تخرج من العبودية والاتِّباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ﵀: (ما ترك أحد شيئاً من السنّة إلا لكِبْرٍ في نفسه، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتِّباع الرسول ﷺ ، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) (٤) .
فلا بد من تربية الناشئة في محاضن إيمانية قائمة على تزكية النفوس وفق السنّة النبوية، والعناية بتهذيب النفوس عن أهوائها وحظوظها، من خلال التعبّد المشروع ومحاسبة النفس ومراقبتها؛ فالمسلك الخارجي لا ينفك عن ازدراء غيرهم، وتقلّب آرائهم، مما يستدعي الاشتغال بالجوانب الإيمانية القلبية.
فرأس الخوارج (ذو الخويصرة) طعن في قسمة النبي ﷺ ، وعمران بن حطان تزوّج امرأة من الخوارج ليردّها عن مذهبها، فصرفته إلى مذهبها.
كما أن البطش والاستبداد وحرمان الحقوق لا يُنبت إلا نفوساً متوترة، وعقولاً جانحة، مما يؤجج نيران هذه الفتنة. وإذا كان اضطراب آراء الخوارج وتعددها سبباً في إخفاقهم؛ فإن الظلم الواقع من بعض خلفاء بني أمية من عوامل قبول المذهب الخارجي، لا سيما في بلاد المغرب العربي (٥) .
وإذا كان العدل مطلوباً مع الكفار؛ فما بالك بأهل الإسلام بمن فيهم الخوارج؟!
وكما أن أهل السنّة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، أفلا يكون ذلك باعثاً على الإشفاق عليهم ودعوتهم إلى دين الله ـ تعالى ـ والسنّة بعلم وبصيرة؟!
(*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.
(١) انظر: العلم الشامخ، للمقبلي، ص ٤١٣.
(٢) الرد الوافر، لابن ناصر الدين الدمشقي، ص ٤٨.
(١) مجموع الفتاوى: ٢٠/٢١٧. (٢) فتح المغيث: ٢/٣٣٤.
(٣) انظر: البداية والنهاية: ٩/١٨٧. (٤) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ٢/٦١٢.
(٥) انظر: مقدمة كتاب الخوارج في بلاد المغرب، لمحمود إسماعيل.
стр. 5938
٢٣٧ - جمادى الأولى - ١٤٢٨ ه ـ
(السنة: ٢٢)
стр. 5939
الاضطراب في المنهج
صالح عبد الله الجيتاوي
استمرار أعمال العنف المسلح في السعودية والمغرب والجزائر، لا يدل على انحراف اتجاه البوصلة فحسب، بل يدل مع ذلك على خلل في التفكير واضطراب في المنهج وغياب للهدف.
إن القصور في بناء الرؤية الشرعية وغياب الهدف يدفع بعض الشباب إلى تقحُّم تلك المرتقيات الوعرة التي أدخلتهم في دوامة الصراع الفوضوي، لقد سقطوا في مستنقع الدماء، وغارت أقدامهم فيه، وراحوا يخوضون في أنحائه بجرأة شديدة دون ورع أو تثبت أو تقدير لعواقب الأمور ومآلاتها.
نعم! غاب الهدف، وأصبح مجرد شعار تائه قلق لا معنى له، ثم اختزل مشروعهم في طلقات عبثية طائشة تثير الرعب والقلق هنا وهناك، لكنها في حقيقتها، تهدم ولا تصلح، وتنفِّر ولا تبشر.
إنها أزمة حقيقية أوقعت أولئك الشباب في دائرة مفرغة، وأوصلتهم إلى طريق مسدود، لم يحصدوا من أرضه إلا الحنظل.
فهل يدرك أولئك المتساهلون في أمر الدماء، المسعِّرون للهيب الفتن، أنهم بأعمالهم المتشنجة غير المسؤولة يسيئون للدعوة الإسلامية ويحاصرونها، ويهيئون المناخ الخصب للاتجاهات العلمانية واليسارية للهجوم على الإسلام ودعاته ومؤسساته؟!
بالتأكيد هي خلايا معزولة محدودة الانتشار في أوساط الشباب، تجد النكير من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين ومن مختلف القطاعات الإسلامية، لكن أعمالهم المستفزة تعكس انطباعات سيئة عن العمل الإسلامي برمته.
إننا نخاطب هؤلاء الشباب بكل إشفاق عليهم وعلى أمتهم، ونقول لهم: إن استمرار الفتنة لا يخدم بأي حال من الأحوال أي طرف من الأطراف، بل نراه يعصف بالجميع؛ فهلاّ وقفوا بحكمة واستمعوا إلى علماء الأمة ومصلحيها!
إن هذا الشرخ الغائر يحتاج إلى حوار هادئ وعلاج فكري أصيل، يستحضر واقع المجتمعات الإسلامية من جهة، وواقع أولئك الشباب من جهة أخرى، وعلى العلماء والمصلحين مسؤولية كبيرة في بيان المنهج الشرعي بدليله، وفي حوار تلك الأعداد المحدودة من أبناء الإسلام، ولا يكفي أن يعلنوا نكيرهم لتلك التصرفات غير المحمودة، لكن من واجبهم أن يجدُّوا في بيان الحق ومدافعة الباطل، وأن يقدموا البديل العلمي الناضج، ويبنوا رؤية عملية واعية تتسع من خلالها آفاق وآليات التغيير المطلوب، ويؤصلوا المنهج التربوي المتوازن، الذي يحتوي تلك الطاقات الشبابية.. حوارٍ يوظف غيرتهم بطريقة فاعلة ومؤثرة، ويرشدها ويزيدها فقهاً وبصيرة في أصول الدين ومقاصد الشريعة، ويحميها من انتحال المبطلين، وتحريف الغالين.
стр. 5940
من لقيادة العرب السنَّة في العراق ؟!
صالح عبد الله الجيتاوي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه، وبعد:
فإن تبسيط المقدمات وتضخيم النتائج، آفة يعاني منها الوعي العربي والإسلامي، وأعراضها ظاهرة بقوة في أزمة العراق؛ فالجميع يتحدث عن التراجع الأمريكي والإخفاق المريع الذي مُنيت به إدارة بوش في تحقيق أهدافها من احتلال العراق على النحو الذي خُطط له سابقاً، وهذه حقيقة لا جدال فيها، لكن التحليلات المتداولة تتركز حول إخفاقات الأهداف النهائية والتصورات الكاملة، بينما عند التأمل الموضوعي بعيداً عن العاطفة والحماسة، نكتشف أن كثيراً من أهداف واشنطن المرحلية ـ للأسف الشديد ـ تحققت في العراق.
أبرز الأهداف المرحلية التي نجحت إدارة بوش في تحقيقها من خلال جهود متواصلة متراكمة طَوال أربع سنوات، هي تفريق الصف العربي السني وتشتيت مواقفه وتمزيق صفوفه؛ فلا أحد ـ ولا جهة ـ يمكنها حالياً احتكار التحدث باسم العراقيين السنَّة. هناك فصائل مقاومة متباينة فكرياً ومنهجياً، وهناك أطراف سياسية متخالفة، وأصبح لدى العراقيين تجمعان للعلماء يتبنيان توجهات متعارضة؛ فهناك (هيئة علماء المسلمين) المعروفة والمقبولة جماهيرياً، وتأسس مؤخراً (مجلس علماء العراق) ليتسع الاختلاف إلى الميادين الثلاثة لقيادة الأمة: المقاومة، السياسة، العِلم.
كانت الاستراتيجية المتبعة في تفريق العرب السنَّة ماكرة: جذب أحد الأطراف إلى العملية السياسية حتى ينغمس فيها، وترك الطرف الآخر يتجه إلى أقصى خانة المعارضة للاحتلال الأمريكي، وكانت النتيجة أن الطرف الأول يرفض انسحاباً فورياً للاحتلال، بينما ينادي به الطرف الثاني، وتفرق الرأي العام العراقي السني بينهما، وأدى الخلاف إلى إضعاف «هيبة» العلماء وقوة مرجعيتهم بعد أن علقت الجماهير عليهم آمالاً عريضة، وبلغت المأساة ذروتها والخديعة غايتها عندما تآمر الاحتلال مع الحكومة الشيعية على إبعاد (الشيخ حارث الضاري) رئيس هيئة علماء المسلمين وتحويله إلى «زعيم المعارضة» العراقية في الخارج، وكان محزناً الصمت ـ السني ـ الذي رافق المؤامرة وأعقبها.
انتقلت الخلافات السياسية إلى ساحة المقاومة، وبرزت آفة «الاحتكار» من جديد ليصبح الجهد المقاوم مشتتاً بين إثبات وجوده ونفوذه ومساحة تأثيره في الساحة العراقية السنية، وبين مواجهة الاحتلال وأذنابه، وتبادلت بعض الأطراف تهم الخيانة المستحقة للعقاب الذي تُرجِم في كثير من الأحيان إلى عمليات قتل وسفك للدماء.
شيئاً فشيئاً تآكلت المطالب السنية وتفرقت بين العشائر والأحزاب والفصائل، ويصعب على أي جهة حالياً إعلان قائمة محددة من المطالب باعتبارها متفقاً عليها من جميع الأطراف العربية السنية في العراق.
وبعد أن كان العرب السنة هم العقبة الأكبر في طريق النجاح التام للاحتلال، بدأت الآمال الأمريكية تنتعش من جديد في إمكانية «عزل» الخطر السني وإنهاكه داخلياً.
كانت الخطوة الأولى هي سلب العراقيين السنة قدرتهم على اتخاذ قرار موحد، ثم جاءت الثانية لتسلب القوى السياسية العراقية القدرة على اتخاذ قرارات مهمة ولو بصورة منفردة، ولذلك بقيت الأحزاب العراقية عاجزة عن مواجهة أي قانون أو قرار حكومي يتجاوز السنَّة، بل اتُخذت المشاركة السنية السياسية غطاءً لتمرير تنازلات لا حصر لها، لعل من أخطرها: الأغلبية الشيعية ـ الدستور العراقي ـ الفيدرالية ـ قانون النفط الجديد. ولا يمكن الطعن في هذه القوانين والقرارات بعد ذلك بالقول: إن العرب السنة تعرضوا للتهميش؛ فالأحزاب السنَّية الممثلة في البرلمان والحكومة تزعم تمثيلها لغالبية طائفتهم.
الغريب أن القوى السنية في العراق ترفع بحماسة شعار «عراق موحد» ، بينما تعجز عن تَمَثُّل هذه الوحدة في واقعها، ولا نفهم كيف يدعون إلى وحدة في إطار يشمل كل العراق بينما لم تتحقق هذه الوحدة في المناطق ذات الأغلبية السنية؟
ليكن معلوماً لدى سُنَّة العراق أن الرهانات الأمريكية قد تطورت؛ فلم يعد الرهان منحصراً في صراع شيعي ـ شيعي أو حتى سني ـ شيعي، الرهانات تتركز الآن على صراع سني ـ سني، ويوجد على أرض العراق فضلاً عن جنود الاحتلال أكثر من ١٢٠ ألف مرتزق يعملون في الشركات الأمنية الأمريكية وغيرها، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من عملاء المخابرات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية، هؤلاء جميعهم يضعون ضمن أهدافهم المهمة تسخين الصراعات داخل المناطق السنية.
هناك عدد من الباحثين الغربيين المعنيين بشؤون الحركات الإسلامية، يعتبرون أن هذه الحركات تنزع للتوحد والتعاون عندما تكون في مرحلة المواجهة ضد عدو مشترك، ولكن عندما تلوح بوادر النصر تندلع بينها الخلافات والصراعات. الآن في العراق نشهد ملامح تغيُّر في هذه النظرية؛ فالخلافات بين الاتجاهات الإسلامية تمددت لتصل إلى مرحلة المواجهة مع العدو المشترك؛ فماذا يمكن أن يحدث إذا ما لاحت تباشير النصر؟
لقد بلغ التنافس بين الجهات والاتجاهات السياسية والعسكرية حد ادعاء كل تيار أو فصيل أنه يمثل الخطر الأكبر على الاحتلال الأمريكي.
مَنْ مِنَ الإسلاميين لم يقرأ عشرات المرات قول الله : ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] . البعض يريد تنقية الصف فيدمره، والبعض الآخر يريد توسعته فيخلخله. لقد أصبحت صفوف المسلمين عجباً؛ فهي تتسع ليصطف في جنباتها رموز شيعية وإيرانية، وتضيق عن استيعاب إخوة العقيدة والدين!
إن ذهاب قوة العرب السنَّة يكمن في تنازعهم وتفرقهم. وتمكُّنُهم وصمودُهم فرع عن توحدهم وترابطهم، هذا هو موطن القوة الرئيس، وبغير ذلك فإن خطاب العرب السنة في العراق وسلوكهم وأداءهم المقاوم والسياسي، سوف يلتقي في جوانب كثيرة منه مع المصالح الأمريكية؛ فواشنطن لا تريد استقراراً سياسياً أو أمنياً مطلقاً في العراق؛ فهي تريد من عمل المقاومة قدر ما يسوِّغ بقاءها وخطها الأمني، وتريد من الأحزاب السياسية تغطية سياساتها وإبراز العراق كنموذج سياسي ناجح في المنطقة، وإذا توجهت جهود هؤلاء وأولئك في جزء كبير من بعضهم ضد بعض، كان ذلك بمثابة الجائزة الكبرى للاحتلال، لكن عندما تتلاشى الاشتباكات والصراعات العَرَضية، وتتركز الجهود كلها على هدف أو أهداف واحدة فإن أيام الاحتلال في العراق تصبح معدودة.
من ناحية أخرى فإن تنازع العراقيين السنَّة فيما بينهم يقطع الطريق على المتحمسين العرب خارج العراق لدعمهم وتأييدهم، وسيفسح المجال للمتقاعسين كي يرددوا: كيف نساعد قوماً لا يعرفون ماذا يريدون؟ وستتجاذب القوى الإقليمية والدولية الأطراف العراقية السنُّية وتوظفها لخدمة مصالحها بحسب ما تقدمه لها من دعم وتأييد مقنن، وستصبح مشكلة العراقيين السنَّة في أنفسهم وليس في الدولة أو الدستور أو الفيدرالية أو الطائفية، عندها لن يكون للحديث عن استحواذ شيعي على الجنوب وانفصال كردي في الشمال أي قيمة، وستتوارى المخاوف من النفوذ الإيراني والانفصال الشيعي بدولة جنوبية خلف ضجيج الخلافات السنية.
إن جهود المخلصين من العرب والمسلمين، والصادقين من العراقيين السنَّة، يجب أن تتضافر لتوحيد الكلمة، وإعلان قائمة مطالب أو مبادئ رئيسة تصبح بمثابة ميثاق عمل لجميع الأطراف يتفقون عليها، وليختلفوا من بعدها كما يشاؤون، هذا الإعلان لن يتحقق إلا بتنازلات يقدمها الجميع، ولن يتحقق إلا بمبادرات الأطراف الخارجية الحريصة على مستقبل العراق، مع أهمية التأكيد على أن الوقت ليس في صالح العرب السنَّة؛ فكافة الأطراف ـ ما عداهم ـ يحققون مكاسب على الأرض ويتقدمون باتجاه أهدافهم، بينما لا توجد جهة سنية واحدة قادرة على قيادة الطائفة، ولا يُتوقع في الأجل القريب أن تستقل جهة ما بتحقيق نصر وانتصار على الاحتلالين الأمريكي والإيراني للعراق.
إن ما ذكرناه سابقاً عن تراجع أمريكي عن مستوى تحقيق الأهداف النهائية، ينطبق بصورةٍ ما على القوى السنية في العراق ـ وفي مقدمتها المقاومة ـ فهي نجحت في تحقيق أهداف مرحلية، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى أهدافها النهائية عندما يتراجع المشروعان الأمريكي والإيراني في العراق ويستحوذ العرب السنَّة على حقوقهم السياسية والاقتصادية المسلوبة.
إن أخطر ما يتهدد وحدة العرب السنة في العراق هو دعوى «الاحتكار» .. احتكار الحق أياً كان: في المقاومة أم في السياسة أم في العلم والدعوة، وعندما تقبل القوى السنية اقتسام الحق فيما بينها، ستتساقط أوهام القوة والنصر لدى أعدائها.
فهل تقبل هذه القوى أن تكون لها قيادة جماعية شُورية في العراق؟
стр. 5941
واجب المسلمين نحو القرآن الكريم
د. محمد الأنصاري
تمهيد:
للقرآن الكريم مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة عند المسلمين؛ فهو كلام الله ووحيه المنزَّل على رسوله محمد ﷺ ، وهو كتاب الرسالة السماوية الخاتمة لخير أمة أخرجت للناس، وهو أيضاً مصدر الدين والتشريع والتقنين. قال ـ تعالى ـ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ؛ فالقرآن هو أصل الأصول وأساسها، منه تنطلق وإليه تعود، وهو أصل حياة الأمة، وسبيل رشدها وعزتها وتحقيق شهادتها على الناس، ولهذا فقد وصفه الله ـ تعالى ـ بأوصاف عدة تبين طبيعته ووظيفته، وتثبت أهميته ومكانته العظيمة، منها:
أـ أنه روح. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ، والروح هي سر الحياة، ولا حياة للمسلمين في أي زمان ومكان بدون هذه الروح.
ب ـ وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين به العاملين بهداه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] .
ج ـ وأنه هدى للمتقين. قال ـ تعالى ـ: ﴿الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ ـ ٢] ، به تتحقق الهداية للتي هي أقوم في كل أمر من أمور المسلمين. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
د ـ وأنه بصائر تبصِّر المتحقق المتخلق بها، فيكون بذلك من المبصرين للحق العاملين به. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤] .
هـ ـ وأنه نور وضياء؛ به تستضيء العقول وتستنير القلوب. قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ . [الشورى: ٥٢]
إذن فما السر في كتابٍ هذا شأنه، وهذه وظائفه وطبيعته، لم يحيَ به المسلمون اليوم كما كانوا أحياء به زمن النبوة والخلافة الراشدة، وفي أزمان متفرقة من حياة المسلمين؟
إن العاقل لَيدرك أن عدم حياة الأمة بالقرآن اليوم ـ وهو هو الذي حييت به من قبل ـ إنما يرجع إلى إخلالها الكبير بما يجب عليها نحوه؛ فأكثر المسلمين اليوم أعرضوا عن القرآن إعراضاً وهجروه هجراً؛ فلم يتخذوه هدى يهتدون به، ولا نوراً يستنيرون به، ولا بصائر يستبصرون بها، حتى إنهم لينطبق عليهم قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] .
فإذا كان حال السلف الصالح من هذه الأمة مع القرآن يتمثل في صدق الإقبال عليه بالقراءة والتدبر والفهم، والتبصر والاهتداء، فإن حال الخلف اليوم كحال المخلَّفين من الأعراب حينذاك. ومن هنا فإن عودة الحياة الحقة للمسلمين، حياة العزة والكرامة، ومن ثم قيامهم بالوظائف والأمانات المنوطة بهم، وفي مقدمتها أمانة الاستخلاف والشهادة على الناس أجمعين، وأمانة الترشيد والتوجيه للعاملين..، إن عودة هذه الحياة وأداء هذه الأمانات العظيمة لن تتم عِلماً وعملاً ومنهاجاً إلا بعودة المسلمين عودة نصوحاً للقرآن الكريم؛ فهذه العودة وحدها فقط هي الكفيلة ببعث الحياة من جديد في جسم الأمة المسلمة، وأي عودة لأي شيء آخر غير القرآن فإنما هي عودة إلى الحياة الميتة؛ حياة الضياع والتيه والضلال.
وحتى تكون عودة المسلمين في هذا الزمان إلى القرآن عودة راشدة، فإن السبيل إلى ذلك هو أن نعرف ما يجب علينا في حق الكتاب المسطور (القرآن) والكتاب المنظور (الكون) . وفي هذه الورقات سأتناول ما يجب علينا ـ نحن المسلمين ـ نحو كتاب الله المسطور؛ لأنّ القيام بهذه الواجبات والتخلق بها هو السبيل الذي يبصِّرنا بواجبنا نحو الكون وعمارة الأرض بالخير والصلاح.
فأما ما يجب علينا نحو القرآن الكريم فيمكن اختصاره في الواجبات التالية:
أولاً: واجب القراءة: لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، فعلى المسلمين اليوم، أفراداً وأسراً ومجتمعات، أن يخصصوا أوقاتاً بالليل والنهار سراً وعلانية لقراءة القرآن وتلاوته، قراءة تكون على منهاج قراءة النبي ﷺ له، كما هو واضح في قوله : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] .
ثانياً: واجب الاستماع والإنصات: فالواجب أن يكون استماعنا للقرآن وإنصاتنا له مقدماً على استماعنا لأيِّ كلام آخر دونه؛ فعلى قدر استماع الآذان وإنصات العقول والقلوب الواعية للقرآن يكون استحقاق الرحمة للمستمع المنصت. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، فالحرص على الاستماع والإنصات لكلام الله ـ تعالى ـ بصدق وإخلاص يثمر في قلب المستمع محبة القرآن، وهذه المحبة هي مفتاح الإقبال على القرآن بالقراءة والتدبر والفهم والعمل، وهذه الأمور هي طريق الاستبصار ببصائر القرآن والاهتداء بهدايته.
ثالثاً: واجب الترتيل: فالله ـ تعالى ـ أمر نبيه ﷺ بترتيل القرآن الكريم، وهو أمر للأمة أيضاً؛ فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] ، والمراد هنا بالترتيل: قراءة القرآن على تؤدة وتمهل وتبين حروف (١) . والقصد من قراءة القرآن بمنهج الترتيل هو التمكن من تأمل المقروء وفهمه؛ يقول ابن كثير في هذا المعنى: «أي: اقرأ على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبّره» (٢) .
والمطلوب في القراءة بالترتيل أن تكون بمنهج التلقي؛ حتى تثمر التبصُّر في فكر القارئ المرتل وفي فهمه، وتثمر ثمرة الخشوع القلبي؛ فالترتيل يقتضي استحضار ثقل آيات المرتَّل وعظمة بصائره وكأنها تنزل عليه غضة طرية، تماماً كما كان الرسول ﷺ يقرأ ويرتل استجابةً لأمر ربه: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٤ ـ ٥] ، وكما في قوله ـ تعالى ـ أيضاً: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] .
رابعاً: واجب التدبر: والأصل فيه قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ؛ فالتدبر وسيلة لاستثمار القرآن واستقامة الفكر وصحة الفهم عن الله تعالى، وهو مفتاح خشوع القلب واستحضار عظمة الله تعالى، وبلوغ أعلى درجات المعرفة واليقين. ولأهمية التدبر هذه فقد حذر الحق ـ سبحانه ـ من غفلة القلوب عن الخشوع لذكر الله؛ فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] .
إن الخشوع خصيصة من خصائص هذا القرآن؛ فطبيعته التأثير في الأنفس والمخلوقات كلها حتى الجامدة منها كالجبال. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .
خامساً: واجب التعلم والتعليم: فتعلم القرآن وتعليمه واجب على كل مسلم مكلَّف، فهو الواجب الشرعي الذي يحصل به الفقه في الدين؛ فالله ـ تعالى ـ علّم الرسول ﷺ بالقرآن، إذ به تعلّم الإيمانَ وتعلم الإسلامَ وتعلَّم الشرعةَ والمنهاج، وبه علَّم أصحابه ذلك كله، فصاروا علماء بالقرآن.
والأصل في هذا الواجب قوله ﷺ : «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» (٣) ، وقوله أيضاً: «تعلَّموا القرآن والفرائض وعلِّموا الناس فإني مقبوض» (١) .
إن قضية تعلم القرآن وتعليمه مسألة ينبغي العناية بها قبل العناية بتعلم وتعليم أي شيء آخر، عملاً بمنهاج تعليم الله ـ تعالى ـ لرسوله وتعليم الرسول ﷺ لأصحابه، ولهذا كانت هذه القضية هي أساس انطلاق الأمة المسلمة كمّاً وكيفاً إذا ما أُدِّيت وأُتقِن أداؤها، أما إذا أهملت ـ كما هو واقع الحال اليوم ـ وقُدِّم عليها غيرها من العلوم والمعارف كيفما كانت؛ فإن ذلك هو أساس التيه والضلال، والتخلف والانحدار، والتبعية والانجرار، تماماً كما هو حال الأمة في هذا الزمان. وعلى هذا الأساس فإن واجب تعلُّم القرآن وتعليمه ينبغي أن يكون هم المسلمين جميعاً؛ فتعطى له الأولوية في البيت، وفي مؤسسات التربية والتعليم، وفي وسائل الإعلام كلها؛ مقروءة ومسموعة ومرئية، وفي المؤسسات الاجتماعية والثقافية؛ المدنية والعسكرية، الخاصة والعامة.
وإلى جانب هذه العناية العامة بهذا الواجب من قبل المسلمين أفراداً وأسراً ومجتمعات ودولاً؛ فإنه ينبغي أن تخصص له مؤسسات خاصة تعنى بتعليم القرآن للناس الكبار منهم والصغار، الذكور والإناث على حد سواء.
سادساً: واجب الدعوة إليه والدعوة به: والأصل في هذا الواجب قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] ، وقوله ﵊: «بلِّغوا عني ولو آية» (٢) .
إنّ من أولى الأولويات الدعوية اليوم أنْ تعطى الأولوية للقرآن الكريم بالدعوة به وبمنهاجه وأسلوبه؛ فهو كلام الله الذي تقشعر منه الجلود، وتتأثر به جميع المخلوقات، يتأثر به الإنس والجن، ويتأثر به الحيوان والحجر والشجر، لِِما أودعه الله ـ تعالى ـ فيه من أسرار وبراهين وحجج، ويكفي أن الحق جعله روحاً، والروح هي سر الحياة في كل شيء؛ فإذا فُقِدَت حلّ الموت محلها في كل شيء، ولهذا قيل في تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] : أي: جاهدهم بالقرآن واتلُ عليهم ما فيه من القوارع والزواجر، والأوامر والنواهي (٣) .
والمتأمل في واقع المسلمين اليوم يرى خطورة ما آل إليه أمر الدعوة بالقرآن وإليه، من إهمال وضياع، حتى إن مؤسسات الدعوة والدعاة أهملت هذا الواجب بإهمال الأمة له، وأصبحت تعنى بغيره في دعوتها إلى الإسلام، إلى درجة أن الكثير من أبنائها أصبح يتحرّج من ذلك خشيةً من الناس، هذا مع أن الدعوة إلى القرآن وبه هي أحسن دعوة على الإطلاق؛ فهي منهج النبوة وسر نجاح الدعوة في عصر الرسالة والخلافة الراشدة.
سابعاً: واجب تعظيمه وتقديسه: فهو كلام الله المقدس، وتقديسه وتعظيمه تقديس وتعظيم لله تعالى؛ فهو ـ سبحانه ـ القدوس، ومن ثم فلا يجوز الاستهانة به أو العبث أو الإهمال، إذ كل ذلك وما يدخل في معناه دليل على النفاق وعدم الإيمان الحق بالقرآن. أما تعظيمه فدليل على التصديق به، ويكون بالقلب واللسان والجوارح والحال، ولعل سبب إهمال المسلمين لما يجب عليهم نحو القرآن الكريم هو إهمالهم لواجب تعظيمه وإجلاله؛ قلباً وقالباً، تحقُّقاً وتخلُّقاً.
ثامناً: واجب البحث والدراسة العلمية الأكاديمية: فالأبحاث العلمية العميقة والدراسات الرصينة، التي تنطلق من النص القرآني، من أوجب الواجبات على المسلمين في كل زمان نحو كتاب الله تعالى؛ لأنه مصدر كل شيء وأساسه؛ فهو كتاب إعجاز وتشريع وهداية؛ إعجاز علمي بالمعنى العام للعلم، وإعجاز تشريعي بالمعنى العام للتشريع، وإعجاز هداية بالمعنى العام للهدى المنهاجي. واكتشاف هذا الإعجاز أو استنباطه يحتاج إلى بحوث علمية متخصصة تتولى مهمتها الجامعات والمعاهد العليا ومراكز الأبحاث الخاصة، ويشرف عليها علماء من أهل الخبرة والاختصاص حتى تثمر وتنتج، كلٌّ في مجالها.
فالبحوث المتخصصة في علوم الشريعة تستنبط التشريعات والقوانين والأحكام الشرعية وغيرها، وتكتشف الإعجاز التشريعي في القرآن. والبحوث المتخصصة في العلوم المادية والإنسانية تكتشف الإعجاز العلمي المادي والإنساني المبثوث في ثنايا الوحي، واكتشافه يحتاج إلى باحثين متخصصين في هذه العلوم، مؤمنين بالرسالة القرآنية المعجزة.
فأداء هذا الواجب الرسالي العلمي نحو القرآن الكريم ييَّسر سبيل العودة إلى الدين كما ييسر سبل الدعوة إليه وبه؛ لأن اكتشاف هذه الأنواع من الإعجاز العلمي في القرآن يؤكد أنه وحي من الله تعالى، وأنه معجز بلفظه ومعناه وبراهينه العلمية، معجز بهداياته وبصائره، معجز غاية الإعجاز بأحكامه وتشريعاته، فيزداد المؤمن بذلك إيماناً، ويقتنع الكافر فيؤمن، وتقام الحجة على من جحد وأصر على الكفر والضلال.
تاسعاً: واجب العمل بالقرآن والاحتكام إليه في أمور الدين والدنيا: فالمسلمون اليوم ضلوا السبيل بسبب انفراط هذا الواجب في حياتهم؛ فاتبعوا الأهواء والأعداء، وحكّموا في أمورهم القوانين الوضعية المستوردة والمحلية، فصار التدين فيهم مغشوشاً، والتشريعات والقوانين التربوية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية غيرَ مؤسسة على الوحي، ولا مراعية لأحكامه ومقاصده، ولا مهتدية بهداه. والقرآن إنما أنزل للعمل به وتحكيم شريعته؛ فضاعت الأمة بإضاعتها لشريعته وتبعيتها العمياء لقوانين الأعداء وتشريعاتهم التي يحكمها العجز والقصور والضلال، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
عاشراً: واجب الدراسة بمنهج التدارس: وهو ما يصطلح عليه عند العلماء الربانيين بواجب (المدارسة القرآنية) ، هذا الواجب الذي ضمر في الأمة ضموراً خطيراً، فحلت محلّه أمور أخرى لا تخلو من فائدة، إلا أنها أقل منه كثيراً.
إن المدارسة القرآنية هي أم الواجبات المتقدمة وأساسها؛ ففي إطارها يتم واجب القراءة بمنهج الترتيل، ويتم الاستماع والإنصات للقرآن، ويتم التعلم والتدبر، ولهذا فإن الحديث عنها يقتضي تفصيل الكلام في معناها، ومشروعيتها، ومنهجها، وثمارها وفضائلها.
١ ـ معناها: المدارسة مشتقة من مادة (درس) ، يقال: درسَ الكتابَ يدرُسه دَرْساً ودراسةً، أي: ذلّله بكثرة القراءة حتى انقاد لحفظه. ودرس الكتاب: تَعَلَّمَهُ. ويقال: درست السورة، أي: حفظتها. والمُدارِسُ: الذي قرأ الكتب ودرسها، والمِدْراس: البيت الذي يُدْرَسُ فيه القرآن، وفي الحديث: «تدارسوا القرآن» (١) ؛ أي اقرؤوه وتعهدوه لئلا تنسوه. وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشيء (٢) ، والمدارسة من هذا القبيل. يقال: تدارس القوم القرآن، أي: قرؤوه وتدبروا معانيه، وقلبوا النظر في فهمه واستخلاص هداه؛ فالمدارَسة على صيغة مُفَاعَلة، والتدارُس على وزن التفاعُل، والمراد بها المشاركة الجماعية في فهم القرآن وإدراك أسراره واستنباط بصائره وهداياته.
٢ ـ مشروعيتها: المدارسة القرآنية مشروعة بالقرآن والسنة؛ فأما القرآن فقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ؛ وأما السنة فحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلَرَسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» (٣) . وحديث أبي هريرة ﵁، وفيه: « ... ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ... » (٤) .
٣ ـ منهجها: إن الاهتداء في المنهج للتي هي أقوم هو أساس النجاح في كل شيء، إذ بقدر التفقه في المنهج والرشد فيه يكون مستوى النجاح كمّاً وكيفاً.
ومن هنا فإن نجاح المدارسة يتوقف على مدى النجاح في اتباع منهجها الخاص؛ فالقرآن الكريم وظيفته الأساس هداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ولعل هذا هو السر في تكرار الفاتحة في كل الصلوات المفروضة والمسنونة لتضمنها دعاء خاصاً في بيان القصد من القرآن ووظيفته الأساس: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . إنها وظيفة الهداية للتي هي أقوم وأرشد في التفكير والتعبير والتدبير، وهي المشار إليها في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ، فبلوغ مرتبة الأقوم في الهداية يتوقف على اتباع المنهج الأقوم في تدارس القرآن الكريم. والمدارسة القرآنية لها منهجها الخاص الذي به تتم، وهو منهج يقوم على قاعدتين:
| القاعدة الأولى: قاعدة: «اقرأ وتدبر ثم أبصر» ، وهذه القاعدة تهم الدارس للقرآن بمفرده، وتهم المجتمعين لمدارسته؛ فهي السبيل لاستخلاص الهدى المنهاجي من القرآن الكريم، وبيانها في حقيقتين:
أـ حقيقة واجب التحقق بالقرآن: والمراد بها: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، إذ بهذا التحقق يستقيم الفكر ويصح الفهم عن الله تعالى، ولا يتم هذا إلا بالقراءة أولاً ثم التدبر ثانياً؛ القراءة بمعنى التلاوة، لقوله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ... » ، والتدبر بمعنى التأمل والتفكر في المقروء، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] . إنه تدبُّر يتجاوز مرتبة دائرة التدبر بالعقول إلى مرتبة التدبر بالقلوب ليتحقق بذلك الإبصار، وهو إبصار يتجاوز الإبصار الفردي إلى الإبصار الجماعي للبصائر القرآنية وهداياته المنهاجية.
ب ـ حقيقة واجب التخلُّق بعد التحقُّق: وهي حقيقة تخص الفرد الدارس والجماعة، وسبيلها التبصر بعد القراءة والتدبر والإبصار. والإبصار هنا:
ـ إبصار العقول الواعية والقلوب الحية للطريق المستقيم والمنهاج القويم. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤] .
ـ وإبصار للنور القرآني والهدى الرباني وتبصر بهما: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
ـ إبصار للميزان الذي به يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والنور من الظلام: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠] .
ـ وإبصار لمنهج القراءة العام: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ، سواء أتعلق الأمر بقراءة الوحي أم بقراءة الأكوان والمخلوقات؛ فالمقروءات كلها ينبغي أن تقرأ باسم الله حتى يتحقق المقصود منها وتعرف أسرارها.
ـ وإبصار لحقيقة الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء، وحقيقة غيره من المخلوقات، وذلك بالرحيل من الأكوان المخلوقة إلى عظمة المكون الخالق .
ـ وإبصار للأولويات وتبصّر بالعمل بها، وإبصار لمنهج العدل القرآني ولمنهج تسخير السنن الكونية وعمارة الأرض بما ينفع الناس؛ فإرسال الرسل وإنزال الكتب إنما كان القصد منهما ذلك. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وخلاصة الأمر، فإن المراد بحقيقة التخلُّق: التخلق بالهدى المنهاجي المستنبط من الوحي، وذلك بالاهتداء بهدايات القرآن، واتباع منهجه والاستقامة عليه، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] . فالاتباع والاستقامة هما سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
| القاعدة الثانية: قاعدة: «أخذ القرآن بمنهج التلقي» (١) ، فالواجب على الدارس للقرآن فرداً كان أو جماعة يجتمعون في مجلس للمدارسة..، الواجب عليهم جميعاً أن يتعاملوا مع القرآن بهذه القاعدة المنهجية في تلقّي القرآن، فالتلقي هنا تلقٍّ خاص، المراد به: استقبال القلب للوحي، وهو على ضربين:
ـ استقبال على سبيل النبوة؛ وهو خاص بالرسول ﷺ ، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ، فهو تلقٍّ لرسالة الوحي من الله تعالى، اقتضته طبيعته: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] .
ـ واستقبال قلبي للوحي على سبيل الذكر؛ وهو عام في كل مؤمن أخذ القرآن بمنهج التلقي وقصد به التذكر: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٩] .
فالمتدارسون للقرآن في مجالس المدارسة ينبغي أن يستقبلوا القرآن بهذه الكيفية وكأنه ينزل عليهم في تلك اللحظات غضاً طرياً، إنه استقبال بمعنى الإنصات الكامل للقلب والعقل إلى كلام الحق وهو يخاطبهم، ثم يتدبروه بتقليب النظر وإجالة الفكر فيه، ليتحقق بذلك الإبصار ثم التبصر والاهتداء بهداه.
٤ـ ثمارها وفضائلها: للمدارسة القرآنية ثمار جليلة وفضائل عظيمة وكثيرة؛ فالمدارسة خير كلها وبركة كلها، فالله ـ تعالى ـ يبارك فيها فيفيض بنوره على المجتمعين لمدارسة قرآنه، فيثمر ذلك ثماراً نافعة وفضائل عديدة، منها:
أـ أن المدارسة سبيل التعلم والتعليم: فالعلم الحق هو علم القرآن، والمدارسة هي السبيل إلى تحصيل هذا العلم؛ العلم بأحكام القرآن ومعرفة أسراره وحكمه، واكتشاف بصائره المبثوثة في سوره وآياته، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ (٢) الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] . فالرسول ﷺ إنما تعلَّم القرآن وفهِمَ معانيه ومقاصده وأسراره وطريقة تنزيله، بالتدارس؛ فقد كان جبريل ـ كما جاء في حديث ابن عباس المتقدم ـ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. والصحابة الكرام إنما تعلموا القرآن وعلّموه بمنهج مدارسة الرسول ﷺ القرآن لهم، وبمجالسهم الخاصة بتدارسه فيما بينهم.
ب ـ أن المدارسة سبيل تزكية الأنفس: فالتزكية إحدى الوظائف الأساسية للقرآن، وحصولها يتم بالمجاهدة الفردية والجماعية كما هو الحال في مجالس المدارسة القرآنية، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] . ففي هذه المجالس يتعلم الجلساء علم القرآن، ويتربون على معاني الخير وقيم الصلاح التي تزكو بها النفوس وتتطهر القلوب، وهذا ليس غريباً في مجلس قرآني تحف أهله الملائكة الأطهار.
ج ـ أن السكينة تتنزل على المتدارسين للوحي وتحفهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله فيمن عنده.
والشرط في تحقق هذه الفضائل العظيمة: المدارسة الجماعية للقرآن المعبر عنها في الحديث بقوله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه ... » .
د ـ أنها سبيل التذكر والتبصر: فالحاضرون لها إنما يدفعهم للحضور رغبتهم في فهم القرآن والاستفادة منه، فيوفقهم الله ـ تعالى ـ وييسر لهم سبل التذكر، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
هـ ـ أن القلوب تطمئن فيها بذكر الله، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .
وـ بها تتحقق النذارة والخشية من الله في الدنيا ومن عذابه في الآخرة؛ لأنّ مادتها هي القرآن، ووظيفته الإنذار، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] .
ز ـ أن القلوب تخشع فيها لذكر الله؛ لأنَّ المجتمعين اختاروا التعامل مع القرآن وآمنوا بأنه الحق المنزّل من الله، فخشعت قلوبهم له. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] ، فالمتدارسون للقرآن بصدق وجد وإخلاص آنَ لقلوبهم أنْ تخشع لذكر الله.
ح ـ أن المدارَسَة والتدبر الجماعي للقرآن تتكشف بهما حقائقه ومعانيه وأسراره وحكمه، فيكون ذلك أدعى لاستخلاص الهدى المنهاجي منه.
وخلاصة الأمر، فإن غاية المدارسة الأساس هي استخلاص هذه الثمرة؛ ثمرة الهدى المنهاجي وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر التربوية والدعوية، النظرية والعملية التي يجب الاشتغال بها، تحققاً وتخلقاً، علماً وعملاً، سلوكاً وحالاً؛ تفكيراً وتعبيراً وتدبيراً.
وهكذا يمكننا القول: إن جميع الواجبات التي تجب على المسلمين نحو القرآن الكريم تخدم الواجب الأم؛ واجب المدارسة. والمطلوب أن تكون كذلك حتى يتحقق الغرض الأساس منها كلها ومن التدارس خاصة؛ وهو استخلاص الهدى المنهاجي العام والخاص؛ إذ عودة الأمة إلى مرتبة الخيرية التي أخرجها الله من أجلها تتوقف على الرشد المنهجي في التعامل مع الوحي فهماً وتنزيلاً؛ فالغرض الأول من القرآن هو الهداية إلى هذا الأمر، ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] .
بهذا الأمر وحده يمكن اختصار الطريق لعودة الأمة إلى التوحد والقوة بدل التفرق والضعف، وإلى السيادة والإمامة بدل التبعية، وإلى العمران البشري الحضاري المادي والمعنوي بدل الخراب والتخلف والوهن، كل ذلك وغيره إنما يتم بالانطلاقة من الوحي والعودة إليه في كل قضايا الدين والحياة، ليستبين سبيل الهداية، وليستقيم ويرشد السير، فتتمكن الأمة بإذن الله ـ تعالى ـ وتوفيقه من أداء الرسالة المنوطة بها، لإنقاذ نفسها وإنقاذ العالم معها من التيه والضياع؛ فتخرجه من ظلام جاهليته إلى نور الإسلام، ومن جور دياناته إلى عدل القرآن، ومن عبادة المادة والأوثان إلى عبادة خالق الأكوان .
وبهذه العودة المنهاجية النصوح للوحي تتحقق للأمة الخيرية وترتفع إلى مستوى أداء رسالة الشهادة المنوطة بها على الناس أجمعين.
стр. 5942
منهجية التعامل وفق المحكم والمتشابه
طلال بن علي الجابري
طلبُ الحق وتحري الصواب وإصابة الهدف الصحيح بُغيةُ كل منصفٍ، وطَلِبة كل ناشدٍ للحق.
وكما أن الله بيَّن الحق والباطل؛ فهو كذلك بيَّن كيفية الوصول إلى الحق والحذر من ضده، وبين منهجية التعامل مع النصوص والأشياء والأفكار أو الأفهام، كما بيَّن ذلك رسوله الكريم ﷺ .
وهُنا نأخذ طريقة من الطرق ومنهجية من المناهج في التعامل سواء في النصوص أو في كيفية التطبيق لها، وهو ما أسميته «منهجية التعامل وفق المحكم والمتشابه» .
وذلك من أجل أطر الفكر على هذه الطريقة الربانية في التعامل مع النصوص أو الفكر في التعاطي مع المستجدات والنوازل.
٣ المحكم والمتشابه:
ـ جاء في القرآن الكريم وصفه أنه محكم. قال ـ تعالى ـ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ، وهو بمعنى أنه متقن في ألفاظه وأحكامه ومعانيه.
ـ وجاء في القرآن الكريم وصفه أنه متشابه. قال ـ تعالى ـ: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] أي أن آياته يتشابه بعضها مع بعض في الحسن والصدق والجمال.
هذا فيما يتعلق بالمعاني الإجمالية في وصف القرآن أنه محكم وأنه متشابه. قال ابن تيمية: «وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدِّق له؛ فإن الكلام المحكم المتقن يصدِّق بعضه بعضاً لا يناقض بعضه بعضاً بخلاف الإحكام الخاص؛ فإنه ضد التشابه الخاص» (١) .
والمقصود في هذا المبحث المعنى التفصيلي للمحكم الخاص والمتشابه الخاص وهو ما ذكر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ . [آل عمران: ٧]
قال أبو الفداء ابن كثير ﵀: «يخبر ـ تعالى ـ أن في القرآن آيات محكمات هُن أم الكتاب، آي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد. ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم؛ فمتى رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس» (٢) .
مسائل متعلقة بالآية:
١ ـ أن الله هو الذي أنزل الكتاب «القرآن» .
٢ ـ أن من القرآن آيات محكمات هُن أم الكتاب أي أصله الذي يُرجَع إليه عند الاشتباه.
٣ ـ أن معنى محكمات: واضحات لا تحتمل التأويل.
٤ ـ أن معنى من القرآن آيات متشابهات «أي تحتمل دلالتها موافقة المحكَم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد» .
٥ ـ أن طريقة أهل الزيغ أصحاب القلوب المريضة أهل الضلال والخروج عن الحق اتِّباع ما تشابه منه «فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دافع لهم وحجة عليهم» (١) .
٦ ـ أن أهل الزيغ يفعلون ذلك بقصد الفتنة أي قصداً للإضلال عن الحق، وبقصد التأويل «ابتغاء تأويله» أي تحريف النصوص كما يريدون ويشتهون.
٧ ـ جاء في قول النبي ﷺ : «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» رواه البخاري.
٨ ـ أن طريقة أهل الحق الراسخين في العلم الإيمان بالكل، وإرجاع المتشابه إلى المحكم، وعدم ضرب النصوص بعضها ببعض.
٩ ـ أن في ختم هذه الآية بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ سراً لطيفاً وهو «إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة» (٢) .
ومن هنا نفهم أن العقول السليمة والأفهام السوية «أولو الألباب» هذه طريقتهم وهذا تعاملهم، وليس العكس من رد الحق الواضح والأمر المتفق عليه والدلالة البينة إلى المختلف فيه أو ما له أكثر من وجه، أو الأخذ بالاحتمال البعيد، أو القول الضعيف والرأي الشاذ.
والعجب لا يكاد ينتهي ممن يجعل المتشابه محكماً والمحكم متشابهاً؛ فقد جر هذا المسلك من ويلات وأوقع في انحرافات ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ .
أمثلة على منهجية التعامل وفق المحكم والمتشابه:
هذه بعض الأمثلة المقتضبة في توضيح المنهجية في التعامل:
١ ـ «لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] «إن هو إلا عبد أنعمت عليه» ، وبقوله: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكم سيكون في هذا الاحتجاج من الخلل وسوء الفهم بل الشرك والكفر!
٢ ـ ما جاء في باب الأسماء والصفات وهو باب واسع، وقد وقع فيه الخلط في منهجية التعامل وفق المحكم والمتشابه من أهل الأهواء والزيغ، ووفق الله أهل الحق أهل السنة للطريق القويم في هذا الباب وفي غيره من الأبواب؛ فهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف أو تمثيل أو تعطيل أو تكيف؛ كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وهنا نقتصر على مثال واحد فيما يتعلق بمنهجية التعامل وفق المحكم والمتشابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا كما أن لفظ «إنَّا» و «نحن» وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون له، لا شركاء له؛ فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله: ﴿وَإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ونحو ذلك (٣) .
٣ ـ ما جاء في توحيد العبادة الألوهية؛ والأمثلة على ذلك كثيرة منها قولهم: إن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله تنفعه حتى لو أشرك؛ مستدلين بقول النبي ﷺ لأسامة ﵁: «أقتلته بعدما قال: لا إله الله» ؟ رواه البخاري ومسلم.
وغفلوا أو تغافلوا عن المحكم من قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وأن المنافق يشهد أن محمداً رسوله الله ولا ينفعه ذلك. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] (٤) .
إن تربية الأمة على هذه الطريقة الربانية لبنة في البناء وجمع للصف وفق المحكمات ورد المشتبهات إليها وتوحيد للكلمة، بل استقامة في الفكر وفي فهم النصوص؛ فإن سلوك الجادة طريق العقلاء، والأخذ بالمشتبهات وقوع في بُنَيَّات الطرق.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 5943
مفهوم الأصلح في السياسة الشرعية
د. مجيد الخليفة
لقد كثُرت المصطلحات السياسية في عصرنا الحاضر، وتنوّعت مضامينها، وكثُر تداول الناس لها؛ من العامة والخاصة، إلا أن معظم هذه المصطلحات هي مصطلحات غربية بعيدة كل البُعْد عن تراثنا الإسلامي، الذي أعطى للإنسانية ما لم يعطه أيُّ دين آخر، وأسّس قواعد التعامل بين الراعي والرعية وفق شرع الله تعالى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ووجدنا ساستنا قد ابتعدوا كثيراً عن تراثنا الأصيل، وتمسكوا بهذه المصطلحات الغربية والبعيدة عن قيمنا وحضارتنا، فرأينا أن نبين واحداً من هذه المصطلحات، عسى أن يكون جهدنا هذا فيه خير وفلاح للأمة.
٣ تعريف الأصلح:
(الأصلح) من الصلاح، والصلاح في اللغة هو نقيض الفساد: (وأصلح الشيء بعد إفساده: أقامه، وأصلح الدابة: أحسن إليها) (١) . أما من حيث الاصطلاح فليس هناك تعريف دقيق له، مع الإشارة إلى الفَرْق الواقع بين المصطلح الشرعي، والمصطلح العقدي؛ فنعني بـ (الأصلح) في السياسية الشرعية: استعمال أصلح الموجود من الناس في المهام السياسية والعسكرية، ويكون ذلك بأن يُختار الأمثل فالأمثل؛ كل منصب بحسبه (٢) .
ولا بد من التفريق بين المصطلح أعلاه، وما يعنيه مصطلح (الأصلح) عند المتكلِّمين، خاصة المعتزلة ومن وافقهم؛ فهم يعتقدون أن (الأصلح) في صفات الله ـ تعالى ـ يعني: أنه يجب على الله ـ تعالى ـ أن يفعل الأنفع لعباده في الدنيا والدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما كونه لا يفعل ما هو الأصلح لعباده، أو لا يراعي مصالح العباد، فهذا مما اختلف فيه الناس؛ فذهبت طائفة من المثبتين للقدر إلى ذلك، وقالوا: خلقُه وأمرُه متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة، وهذا قول الجهم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله، وأن إرساله الرسل مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته) (١) .
(الأصلح) في القرآن الكريم:
لقد جاءت الآيات القرآنية دالةً على مفهوم (الأصلح) من حيث مغزاه الشرعي، في حين أن القرآن الكريم لم يشرْ من قريب أو بعيد إلى ما عناه المعتزلة بـ (الأصلح) في صفات الله تعالى، ولا يخفى أنهم خالفوا العقل والنقل في هذا الباب، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] . والمفهوم السياسي لهذه الآية واضح، خاصة وأن سبب نزولها كان في اختلاف الصحابة ﵃ في قسمة الغنائم، قال القرطبي ﵀: (أمر الله بالتقوى والإصلاح، أي: يكونون مجتمعين على أمر الله، وفي الدعاء: اللهم أصلح ذات البَيْن، أي: الحال التي يقع فيها الاجتماع) (٢) . وتدل الآية في معناها الآخر على أن الإصلاح السياسي - بالمعنى المعاصر - له عمق كبير في المجتمع؛ لأنه يؤدي إلى إصلاح طائفة كبيرة من الناس، وهذه هي وظيفة الأنبياء ﵈ التي أُرسلوا من أجلها بعد توحيد الله تعالى، قال شعيب ﵇ لقومه، بعد أن كذبوه وجحدوا رسالته: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ، قال ابن كثير في تفسير الإصلاح في هذه الآية: (أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي) (٣) ، وهذا الإصلاح لا يأتي إلا بتوحيد الله تعالى، والإقرار بألوهيته؛ لأنه الأصل العظيم الذي يجب أن يُبنى عليه كل شيء، وعليه تدور السياسة الشرعية في تأصيل العلاقة ما بين الراعي والرعية.
ومن المعلوم أن الولاية الشرعية تقوم على ركنين أساسيين: القوة والأمانة، وإلى ذلك أشار الذكر الحكيم: ﴿قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] . وقيل: إن الخليفة الصدِّيق ﵁ قد استدلَّ بهذه الآية لوصية المسلمين بتولية عمر بن الخطاب ﵁ من بعده، وتعقَّب أبو بكر ابن العربي ذلك على بعض المفسرين فقال: (وليس كذلك فيما نقلوه؛ لأن الصدِّيق إنما ولّى عمر ﵁ بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها، والاطِّلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة) (٤) ، ولا يستبعد ـ في تقديرنا ـ أن يكون الصدِّيق ﵁ قد نظر إلى قوة عمر ﵁ وأمانته، كما أخذ بالتجربة والخبرة والمعاشرة الطويلة مع عمر بن الخطاب ﵁، فوجد في توليته أمورَ المسلمين هو الأصلح بالنسبة لهم، وكان أبو بكر الصدِّيق ﵁ هو الإمام الواجب الطاعة في حينه، فاختار الأصلح لهم في ذلك، وكان موفّقاً أشدّ التوفيق في ذلك.
(الأصلح) في السنة النبوية:
أما في السنة النبوية؛ فالأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد اهتمَّ مصنِّفو كتب الحديث بذلك، وأفردوا أبواباً في الصلح بوجه عام؛ فقد روى البخاري ﵀ في كتاب الصلح من صحيحه، باب: فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الناس صدقة» (١) ، والشاهد من الباب الحديث الذي تضمَّنه قوله ﷺ : «يعدل بين الناس صدقة» ، قال ابن رجب ﵀: (والعدل بين الناس إما في الحُكْم بينهم أو في الإصلاح) (٢) ، ويعني بالإصلاح هنا: سياسة أمور دنياهم بما فيه خيرهم وفلاحهم.
ويبدو من خلال سيرة النبي ﷺ أنه كان حريصاً على جعل الإصلاح السِّمَة التي يتفق عليها المسلمون في علاقتهم ببعضهم، خاصة عند البيعة وعقد العهود؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين» (٣) .
والأصلح يكون في طاعة الله ـ تعالى ـ ورسوله الكريم ﵊، ويكون ذلك حسب الطاقة، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بأمرٍ فَأْتوا منه ما استطعتم» (٤) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في هذا المعنى) : (فمن أدّى الواجب المقدور عليه فقد أطاع الله ورسوله، لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه أو خيانة عُوقب على ذلك) (٥) . ووفق هذه القاعدة الشرعية سارت سنته الشريفة في اختيار الأصلح للأمة؛ سواء كان ذلك من حيث الأفراد أو المواقف التي تقدَّم فيها مصلحة الأمة على غيرها.
ومما لا شك فيه أن المجتمع لا يصلح إلا بصلاح الدِّين، وكان هذا هو الأساس الذي كان عليه منهج النبوة، فكانت ولاية الدين والدنيا متلازمة، فقد كان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على الحرب كان هو الذي يُؤمر للصلاة بأصحابه، وكذلك الحال إذا استعمل رجلاً نائباً على المدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، ولما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن قال: «يا معاذ! إن أهم أمرك عندي الصلاة» ، قال ابن تيمية ﵀: (فإذا أقام المتولي عماد الدين فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات) (٦) ، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] . وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن واجب الإمام يتمثل في شيئين، الأول: إصلاح أمور دينهم، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم (٧) .
وقد سار الخلفاء الراشدون ﵃ من بعده على نهجه؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمّاله: «إنما بعثت عمّالي إليكم ليعلموكم كتاب الله، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيئكم» (٨) ، ولما تغيَّرت الرعية تغيَّر الراعي. وأفضل الرعاة هم القائمون بشرع الله تعالى، السائرون على نهج النبوة في ذلك؛ لأن إقامة أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وزكاة لا تقوم إلا بوجود الإمام الذي يحث على ذلك، وقوّام بين الناس بالقسط والعدل؛ فعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلساً إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشده عذاباً إمام جائر» (١) ، والأحاديث في هذا الباب معلومة.
أما فيما يخص أفعال النبي ﷺ في هذا الباب؛ فإن حادثة الحديبية أفضل مثال يمكن أن نقف عنده؛ إذ خرج النبي ﷺ في السنة السادسة للهجرة يريد زيارة البيت معتمراً، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنة، وكان معه من أصحابه سبعمائة نفس، فمنعت قريش النبي ﷺ وأصحابه من العمرة تلك السنة، واختار النبي ﷺ أن يعود إلى المدينة دون عمرة؛ وفقاً للاتفاق مع قريش، فأثار ذلك حفيظة بعض الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: «ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنية في ديننا إذن؟، قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» (٢) ، ولم يكن عمر بن الخطاب ﵁ يدرك أن الأصلح للمسلمين في تلك المرحلة هو الصلح الذي عقده النبي ﷺ مع قريش، وقد اتضحت فوائد هذا الصلح فيما بعد، فوضع النبي ﷺ لمن جاء من بعده من الأئمة اختيار الأصلح للأمة، وإن كان ذلك لا يوافق ميول الرعية.
٣ الخلاصة:
إن مفهوم (الأصلح) في السياسية الشرعية يستند إلى أصول ثابتة من الكتاب والسنة، وقد تناولها عدد من العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية، ولكن كان لشيخ الإسلام ابن تيمية قصب السبق في تأصيل هذه القاعدة الشرعية وتيسيرها في يدِ الأمراء والولاة، ويمكن إيجاز أهم هذه القواعد الشرعية وفق التالي (٣) :
١ ـ الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها؛ فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع ـ وإن كان فيه فجور ـ على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد ﵀ عن رجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوّته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه للمسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر.
٢ ـ استعمال الرجل لمصلحة راجحة مع وجود من هو أفضل منه؛ فقد أمّر النبي ﷺ مرةً عمرو بن العاص ﵁ في غزوة ذات السلاسل على من هو أفضل منه؛ استعطافاً لأقاربه الذين بعثه إليهم. وأمّر أسامة بن زيد ﵄ لأجل ثأر أبيه. وكذلك فعل خلفاء النبي الراشدون من بعده؛ فقد استعمل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد ﵄ في حروب أهل الردة، وفي فتوح الشام والعراق على هفوات كان له فيها تأويل، فلم يعزله لأجلها، بل عاتبه ونبّهه إليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه.
٣ ـ أما في باب القضاء فيقدَّم الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قُدّم الأورع فيما قد يظهر حكمه ويخالف فيه الهوى، وفيما يدقُّ حكمه ويخاف فيه الاشتباه يُقدّم الأعلم؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ : «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» (٤) .
٤ ـ وأهم ما في هذا الباب - نعني: معرفة الأصلح كما قرّره شيخ الإسلام - هو معرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تمَّ الأمر، فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصدُ الدنيا دون الدين، قدَّموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته، ولذلك فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى خسروه خسروا خسراناً مبيناً.
стр. 5944
السلفية في موريتانيا
أحمد ولد محمد ذو النورين
قد كانت نشأة المحاظر (١) ـ التي انتشرت مبكراً في ربوع بلاد شنقيط (موريتانيا) ـ على يد أول معلم وداعية إسلامي يصل هذا القطر حاملاً همَّ الدعوة وهادفاً إلى نشرها، ذلك هو عبد الله بن ياسين الذي جاء إلى شنقيط عام ٤٣٠هـ بأمر من شيخه عالم السوس وجاج بن زلو اللمطي.
ظلَّ ابن ياسين يعلِّم الناس أصول الدين الإسلامي ويدعوهم إلى اتباع المنهج النبوي، متخذاً أقوم السبل لنشر عقيدة السلف في تمسُّك شديد بالكتاب والسنة وتأسٍّ بالغ بأهل القرون المزكاة، فوضع بذلك أسس ومناهج المحظرة، التي أثبتت فيما بعد جدّيتها ومردوديتها وفاعليتها تربوياً واجتماعياً واقتصادياً وتكوينياً طيلة التاريخ الموريتاني (الشنقيطي) ، متحدّيةً عوامل كثيرة، من أبرزها: حضرية العلم، ذلك أن أهل هذه المحاظر كانوا يترحلون انتجاعاً للمراعي وتتبعاً لقزع المطر، حاملين معهم زاداً معرفياً يرحل ويحل أينما ارتحلوا وحيثما حلّوا.
وفي وصف ذلك يقول المختار بن بون الجكني:
ونحن ركب من الأشراف منتظم
أجل ذا العصر قدراً دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة
بها نبين دين الله تبيانا
لقد كانت أهداف المحظرة مؤسسة على تزويد الطلبة بالقيم الإسلامية منهجاً وسلوكاً، وهادفة إلى تكوين أجيال واعدة روحياً وعلمياً؛ فمبنى المحظرة قائم على نشر الإسلام في كل بادية وحاضرة، فكانت صِمَام أمان لدفع صولة كل من يريد النيل من هذا الدين العظيم.. فالتربية المحظرية الأصيلة قائمة على ثنائية العلم والجهاد باعتبارهما صنوين لا يفترقان.
عن طريق هذه المحاظر أخذت الدعوة الإسلامية تنتشر بين صفوف الموريتانيين، وتبعاً لسنة التدافع بين الحق والباطل عملت الدولة الموحدية الظالم أهلها على إسقاط الدولة المرابطية السنية سنة ٥١٥هـ، ومع بداية نشأة الدولة الموحدية على يد المهدي بن تومرت المتوفَّى عام ٥٢٤ هـ بدأت بعض الأهواء والنحل والطرق المنحرفة في الانتشار، ودخل العقائد بعض الدخن، فأولت صفات الله وظهر الإلحاد في أسمائه الحسنى وسادت البدع.. غير أن الأمة وعلى لسان نبيها ﷺ لا تزال فيها طائفة ظاهرة تحمي بيضة الدين، وتذود المضلين عن الكروع في حياضه وتقذير موارده (١) ، وطبقاً لتلك السنة الكونية لاحت بوادر العودة من جديد إلى منهج السلف الذي هو مهيع الحق.
فتنادت زمرة من أجلّة العلماء والدعاة والمجاهدين الذين تخرجوا من محضن المحظرة لصقل ما علق بالدين من شوائب ونفي ما ناله من تحريف وردّ ما نوصي به من شبه، وطرد ما أصابه من باطل التأويل، ونبذ ما داخله من بدع وغلو وزيغ.
ومن أبرز من تنادوا لإنقاذ المجتمع من أتون الحضيض الأخلاقي والديني الذي انزلق في هاويته خلال هذه الحقبة:
ـ الإمام ناصر الدين أبو بكر بن أبهم الشمشوي، الذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وبرز في العلوم الشرعية كافة، وحاز السبق في الورع والتقوى والخلال المثلى.. فكان مثالاً للشجاعة والحنكة العسكرية، فرفع راية الجهاد وأعلن قيام نظام إسلامي، متمسكاً في ذلك بالنهج المرابطي، لولا ما أثر عن بعض أقطاب حركته من التخرص على الغيب والخوض في غمار الدجل؛ تأثراً بالثقافة السائدة في المجتمع آنذاك (٢) .
في إطار سعيه لإقامة نظام إسلامي حاول الإمام ناصر الدين جباية الزكاة فرفض أحد منسوبي قبائل حسان أداءها إليه، بعد أن احتمى بإمارة الترارزة، فكانت حرب شرببة، التي دامت سنوات عجاف، وأثمرت هزيمة نكراء في صفوف الزوايا، وانتهت بانتصار بني حسان الذين فرضوا شروطهم على الزوايا.. ولئن كان الزوايا قد هزموا هزيمة عسكرية مدوية فإن في طيات كل محنة منحة، فقد انكبّوا على العلم واشتغلوا به حتى صار لهم سجية وأصبحوا يعرفون به، فازدهرت محاظرهم وفاضت بالعلوم الشرعية ومعارف اللغة العربية، وكان لها الأثر الأكبر في تعليم الدين الإسلامي وتخريج علماء مؤهلين عملوا على نشر الإسلام في ربوع إفريقيا والمغرب العربي، مبشرين بنبراس الحضارة الإسلامية أينما حلوا، ضاربين أروع الأمثلة في حفظ المتون ومعالجتها نظماً وشرحاً وتلخيصاً وإبداعاً.
وإن انتشرت في هذه المحاظر العقيدة الأشعرية وتأثر معظمها بالطرق الصوفية، على مدى عقود من انحسار حركة الإمام ناصر الدين؛ فإن قلة من أبنائها ظلوا متمسكين بالمنهج السلفي، داعين إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة وما كانت عليه الأمة المسلمة خلال القرون المزكاة، ومن أبرز هؤلاء: كمال الدين محمد بن حبيب الله الذي اشتهر بلقبه (المجيدري بن حب الله) اليعقوبي المولود عام ١١٥٦هـ، وقد عُدَّ المجيدري ضمن أربعة علماء عُرفوا بالموسوعية على مستوى القطر الشنقيطي، وهم إضافة إليه: سيد عبد الله ابن الحاج إبراهيم المتوفَّى سنة ١٢٣٣هـ، ومحمد سعيد اليدالي المتوفَّى سنة ١١٦٦هـ، وابن رازكة المتوفَّى سنة ١١٤٣هـ (٣) .
بعدما تضلع (المجيدري) من العلوم المحظرية طفق يجوب الأرض في رحلة علمية طالت أقطاراً إسلامية عديدة، وانتهت به إلى الحج وزيارة المسجد النبوي، وقد تمكن خلالها من جمع مكتبة نفيسة، ورجع إلى بلاده وهو يدعو إلى تطهير المجتمع الموريتاني من الشوائب العقدية والعلمية التي علقت بمناهجه التعليمية إثر انتشار العقيدة الأشعرية وفشو الطرق الصوفية، وقد زعم بعض الباحثين أنه عاد متأثراً بالدعوة السلفية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٤) .
لما رجع (المجيدري) إلى البلاد نادى بضرورة التمسك بالكتاب والسنة والتزام منهج السلف، فأنكر عليه جماعة من العلماء كان أبرزهم: المختار بن بون، الذي لم يزل يناصبه العداء حتى شتمه لما بلغه نعيه بقصيدة مطلعها:
أودى الضلال ألا فليفرح الجذلا
من عاش بعد مضلاً شاقق الرسلا
فبادر مولود بن أحمد الجواد اليعقوبي بالرد عليه بقصيدة مطلعها:
أودى الكمال ألا فليفرح الجذلا
من لا يموت ومن لا ينقضي أجلا
توفي (المجيدري) ـ رحمه الله تعالى ـ سنة ١٢٠٤هـ بعد أن عاش حياة حافلة بالدعوة والعطاء العلمي، فورث عنه تلميذاه اللذان ناصراه وتبنّيا منهجه وهما: المأمون بن محمد المجاور اليعقوبي ومولود الذي سبقت الإشارة إلى ردِّه على المختار بن بون، ورثا عنه ذلك المنهج السلفي وظلا يدعوان إليه، ويترسمان خطاه، منهجٌ بيّن (المجيدري) نفسه أُسسه التي انبنى عليها، حيث قال: (اعلم يا مكلف أن الله أوجب عليك أن توحده فتعتقد يقيناً بدليل الكتاب والسنة أو هما معاً أن الله موجود لا شبه له مع غيره في ذات ولا صفة ولا فعل ولا اسم ولا حكم ولا عبادة ولا غير ذلك، فهو واحد لا يقبل الشرك في شيء، وصفاته ـ تعالى ـ على الحقيقة، فحياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه واستواؤه على عرشه، وكل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ فَصِفْه بها على الوجه اللائق بجلاله وكماله ولا تؤول) (١) .
لم يتوانَ (المجيدري) في ردِّه على ما زعمه الأشاعرة من تقسيم صفات الله تعالى إلى واجبة وسلبية ونفسية ومعنوية، حيث يقول: (وكون الواجب من صفاته ثلاثة عشر منها ست سلبيات ومنها سبع يقال لها المعاني لم يرو عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ (٢) .
وهكذا صنّف (المجيدري) أسباب الضلال، في فهم صفات الله تعالى قائلاً: (اعلم أن أشد ما أضل الخلق هو قياس الغائب على الشاهد، حتى أحالوا على الله ما لم تدركه عقولهم ولم يعلموا أنه وهم متباينون غاية المباينة..) (٣) .
لقد نظم (المجيدري) ـ رحمه الله تعالى ـ منهجه السلفي قائلاً:
آي الكتاب وأخبار النبي وما
جاء الثقاة به عن صالح السلف
ما اعتاض عنها سوى أعمى البصيرة عن
نهج الحنيفية البيضاء ذو جنف
رين على القلب يكسوه السواد كما
يكسو المداد سواداً أبيض الصحف
فالمصطفى حثنا عند اختلافهم
على التمسك بالقرآن ذي الشرف
وبالذي سنَّ أو سنَّتْ صحابته
طراً وحذرنا من بدعة الخلف
مرجمات ظنون غير مجدية
شيئاً عن الحق بل تفضي إلى التلف
فالحق إياك أن تعدل سواه به
لا يعدل اللؤلؤ المكنون بالخزف
وامتداداً لهذه المدرسة يطالعنا العلامة بابه بن الشيخ سيديا الذي تنسم المجتمع الموريتاني معه إحياء السنة وتجديدها، حيث دعا إلى أن الصواب في العقيدة رفض التأويل الكلامي والإيمان بما احتواه الكتاب والسنة وجعله عقيدة وشريعة ومنهجاً وسلوكاً، ففي المعتقد لا تشبيه ولا تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف.. وفي الشرائع لا استقلال لآراء الفقهاء بتشريع، وإنما تعرض هذه الآراء على المصدرين فما وافقهما قبل وما عارضهما ردَّ ورفض، بعيداً عن تقليد غير المعصوم، في تحصن واحتماء بالقرآن وصحاح السنن من مضلات الأهواء والبدع (٤) .
لقد كان لبابه الحظ الأكبر والنصيب الأوفى في دفع البدع ودحضها وإظهار السنن والعمل بها، فقد وجد غالبية الناس يدينون بالعقيدة الوسطى لأبي الحسن الأشعري، فطفق يعالج ذلك بكل ما أتيح له من وسائل ويرد عليه، فردَّ ما ذهب إليه الأشاعرة من التأويل خوفاً من إيهام التشبيه، قائلاً:
ما أوهم التشبيه في آيات
وفي أحاديث عن الثقاة
فهي صفات وُصِف الرحمنُ
بها وواجب بها الإيمان
ثم على ظاهرها نبقيها
ونحذر التأويل والتشبيها
قال بذا الثلاثة القرون
والخير في اتباعهم مقرون
كما دحض البدع وشنع على دعاتها، وأعلى صوت الحسبة في وجه المنكرات، فقال:
كن للإله ناصراً
وأنكر المناكرا
وكن مع الحق الذي
يرضاه منك دائرا
ولا تعد نافعاً
سواءه أو ضائرا
واسلك سبيل المصطفى
ومت عليه سائرا
فما كفى أولنا
أليس يكفي الآخرا
ثم عرج على المبتدعين من أهل التصوف داعياً إلى الإنكار عليهم ومفاصلتهم، ومبيناً للخزعبلات التي يروجون لها، فيقول:
وكن لقوم أحدثوا
في أمره مهاجرا
قد موهوا بشبه
واعتذروا معاذرا
وزعموا مزاعماً
وسودوا دفاترا
واحتنكوا أهل الفلا
واحتنكوا الحواضرا
وأورثت أكابر
بدعتها أصاغرا
فاحكم بما قد أظهروا
فما تلي السرائرا
وإن دعا مجادل
في أمرهم إلى مرا
فلا تمار فيهم
إلا مراء ظاهرا
ولا يتردد باب في جهره بالحض على السنة ومحاربة ما سواها، فيقول:
آمن أخي واستقم
ونهج أحمد التزم
واجتنب السبل لا
تغررك أضغاث الحلم
لا خير في دين لدى
خير القرون قد عدم
أحدثه من لم يجب
قطع بأنه عصم
من بعدما قد أنزلت
اليوم أكملت لكم
وبعدما صح لدى
جمع على غدير خم
تخرج على يد الشيخ سيديا باب جملة من العلماء الأخيار من أمثال: الشيخ محمد بن أبي مدين العالم المحدث الذي عاش أغلب حياته ـ رحمه الله تعالى ـ في التدريس، وقد عرفت عنه جراءته في الحق الذي لم يكن يحابي فيه أحداً، كما اشتهر بذبِّه عن السنة، التي جاء ضمن مؤلفاته في الدعوة إليها والدفاع عنها كتابٌ يحمل العنوان والمدلول نفسه: «الصوارم والأسنة في الذب عن السنة» (١) .
ومن أبرز من تخرج من مدرسة الشيخ سيديا باب العلامة عبد الودود بن حَمَّيه الذي لم يدانيه أحد معاصريه في علوم اللغة والقرآن، والذي لا تزال مؤلفاته وآثاره في ذلك معيناً لا ينضب يؤمُّه طلاب العلم من كل جهات الدنيا وينهلون منه ما ابتغوا من زلال المعارف الصافية.
ظل الشيخ عبد الودود ـ رحمه الله تعالى ـ داعية إلى تصحيح العقيدة ونشر علوم القرآن والسنة في تواضع جمٍّ وزهادة منقطعة النظير وتألُّه وعبادة وإحياء للسنن وإماتة للبدع وإظهار للحق حتى توفي رحمه الله تعالى.
وبالجملة؛ فقد امتد تأثير المدرسة السلفية التي أسسها الشيخ سيديا باب إلى أرجاء واسعة من موريتانيا (بلاد شنقيط) نظراً لعلمه الغزير ومكانته الاجتماعية الرفيعة، والتي مهدت له محاورة أغلب علماء عصره.
وممن كان لهم الأثر الكبير في نشر عقيدة السلف بالقطر الموريتاني العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، إذ حرص بعد استقراره بالمملكة العربية السعودية على مقابلة الحجاج والمعتمرين الموريتانيين، وبذل جهده ﵀ مع كثيرين منهم في تصحيح عقائدهم ونشر المذهب السلفي بينهم، إضافة إلى رحلته الدعوية التي كان لموريتانيا منها النصيب الأوفر والتي قابل خلالها أغلب العلماء وتحاور معهم مما أتاح له فرصة إقناع بعضهم ورجوعهم إلى مذهب السلف وتخلِّيهم عن المذهب الأشعري، إضافة إلى تأثير مؤلفاته وخاصة تفسيره أضواء البيان، تلك المؤلفات التي تأثر بها بعض أعلام موريتانيا كالشيخ عبد الله بن داداه الذي كان قد تأثر بالشيخ عبد الودود، وكذلك تأثر بهذه المؤلفات الإمام بداه بن البصيري.
أسس الشيخ عبد الله بن داداه «محظرة» قرآنية اتسمت بالميل إلى المنهج السلفي وعمل من خلالها على تعليم القرآن الكريم فكانت من أشهر المحاظر القرآنية في ربوع موريتانيا.
أما الإمام (بداه) فهو المفتي العام لموريتانيا على مدى نصف قرن ظل طيلته يدعو إلى المنهج السلفي ويدافع عنه عبر دروسه ومحاضراته ومؤلفاته التي كان اهتمام معظمها متعلقاً بالعقيدة والحسبة كما هو حال كتبه: تنبيه الخلف الحاضر على أن تفويض السلف لا ينافي الإجراء على الظواهر، الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد، الحجر الأساس لمن أراد شرعة خير الناس، تنبيه المغتر في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكتائب الشرعية في صدِّ هجوم القوانين الوضعية..) .
كرَّس الشيخ (بداه) حياته متخندقاً في خط الدفاع عن السلفية ودعاتها، الأمر الذي دفع بعجلة العودة إلى المنهج السلفي ضمن مستويات كثيرة داخل موريتانيا، فتسابق الناس إلى إنشاء المؤسسات والمعاهد والمراكز ذات الصبغة السلفية وتوجّه المجتمع وجهة جديدة.
هذا؛ وتنبغي الإشارة بل والإشادة بما أثمره افتتاح معهد العلوم الإسلامية والعربية التابع لجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية عام ١٣٩٩هـ من ترسيخ للعقيدة الإسلامية الصحيحة وتعميق للقيم الشرعية النبيلة، حيث تخرج من هذا المعهد ما يربو على ألف وخمسمئة طالب أكمل العشرات منهم الدراسات العليا، وتزاول مجموعة منهم الآن التدريس كأساتذة جامعيين داخل موريتانيا وخارجها.
وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ويصل هدر الكرامة في بلاد شنقيط مستوى لا تحسد عليه هذه البلاد الكريمة، فبينما كان طلاب هذا المعهد يستعدون للاختبارات النهائية للعام الدراسي ١٤٢٤/١٤٢٥هـ فُوجئوا بالشرطة وهي تطوق المبنى الذي يحتضنهم، لتعلن عن إغلاقها لهذا المعهد بشكل تعسفي، دون مراعاة منها لظروف طلابه، ودون تقدير منها لعقدين ونصف العقد من العطاء الفذ في المجال العلمي والتربوي والمساهمة الفاعلة في التنمية الاقتصادية للشعب الموريتاني، الذي عاشت أسر منه على حساب رواتب أساتذة ومنح طلاب من المنتسبين لهذا المعهد.
ü أثر الحركات الإسلامية:
وعودة إلى لمحة موجزة عن الحركات الإسلامية، تلك الحركات التي كانت قد بدأت تعرف النور مع بداية الاستقلال ولو على شكل أنشطة فردية، ثم ما لبثت هذه الحركات أن أخذت منعرج التشكل، أما التمايز الأيديولوجي فلم تعرفه إلا بعد عقدين من الاستقلال، حيث اتسمت بدايات التأسيس لكافة الأطياف بمذهب السلف من الصحابة والقرون المشهود بخيريتها، باعتبار ذلك المهيع المأمون والمورد السالك.
لقد عاشت موريتانيا عزلة إعلامية على الأقل على مستوى العالم العربي، رغم تأثرها بما يعيشه من صراعات فكرية حضارية، فعرفت تجاذباً شديداً بين الميل إلى الأصالة والانجذاب إليها من جهة والنزو نحو الغرب من بعض الشرائح المستغربة من جهة أخرى، وفي ظل ذلك كانت الكفّة دائماً لصالح العودة إلى محضن الإسلام فظلت الفئات المثقفة تشهد توجهاً حقيقياً باتجاه التدين، نتيجة الحركة الدعوية المتنامية خاصة على مستوى المساجد والمؤسسات الإسلامية، وإن اعتُبر ذلك من القائمين عليها في أحيان كثيرة تحدياً سافراً للسياسات الحكومية الموريتانية، هذه السياسات التي حملت على عواتقها في كثير من الأحيان تنفيذ وصايا المستعمر في حربها على معالم الإسلام، رغم إعلانها أن دستور البلاد يعدُّ الإسلام دين الشعب والدولة، وأن الشريعة الإسلامية تُعدُّ المصدر الأول للنظم والقوانين، وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، سوى أنها في الغالب لم تألُ جهداً في إدارة ظهرها لهذه المقتضيات.
فحاربت المؤسسات الإسلامية وسجنت العلماء، وأغلقت أبواب الدعوة، بل وإمعاناً منها في الدهاء ومن أجل إزاحة الإسلام النقي عن الواجهة شجعت الطرق المنحرفة والمشوهة للإسلام على الانتشار وأشرعت لها الأبواب على مصاريعها لتجعل منها بديلاً.. وحاولت جاهدة تغيير واقع المحاظر التي ظلت صف المواجهة الرصين والركن الشديد في حفظ وحماية وتثبيت الهوية الإسلامية العربية داخل البلاد، بعد أن وقفت في وجه محاولات الاستعمار الفرنسي طمس هذه الهوية.
في خضم هذه المعطيات بدأت ـ كما أشير إليه آنفاً ـ حركات إسلامية في التشكل، مستبصرة في أغلب رؤاها بحركة الإخوان المسلمين المصرية، ومع مرور الأيام وتعدد الأحداث وتباين المفاهيم انقسمت هذه الحركات إلى ثلاث دوائر هي: الإخوان المسلمون، وجماعة الدعوة والتبليغ، والسلفيون. وقد كان طابعها العام التمسك بالمعتقد الصحيح المنجي عند الله تعالى، وارتسام خطى الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، وظلت هذه الحركات على تنوع مشاربها تدعو إلى تحكيم الإسلام وتعمل على تبصير المسلمين بأمور دينهم.
وبالجملة؛ فقد ظلت هذه الجماعات على مدى سنوات طويلة تتحرك داخل الحقل الدعوي في تكامل، بل وتنسيق في أغلب الأحيان، ويسميها العامة باسم واحد هو الدعاة دون تمييز بين هذه الجماعة أو تلك.
غير أن هوة الخلاف ما فتئت تتسع، فتجسد التمايز شيئا فشيئاً، إلى حد تبادل الاتهامات أحياناً، بل والوقيعة من هذا الطرف في ذلك وإعلان كل طرف البراءة من منهج الطرف الآخر. وإن كان لبعض العلماء والدعاة جهود محمودة في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر..
ورغم أن النظام الموريتاني بقيادة (ولد الطايع) أقبعهم جميعاً في جدث واحد وعاملهم المعاملة نفسها، فإنه كان من المفترض تبين الجميع لشمولية الاستهداف، وقد تحقق جانب من ذلك أيام تقاربت المنازل في السجن، إلا أن الانقلاب الذي قاده المجلس العسكري جاء في ظل هيمنة القطب الواحد وظهور العولمة الضاغطة في اتجاه تصنيف الجماعات الإسلامية إلى مجموعات خطيرة وأخرى أقل خطراً، وبناء على ذلك برّأ المجلس العسكري ساحة زعماء الإخوان وبادر بإطلاق سراحهم بعد أن أبدت أمريكا ترحيبها بإدماجهم؛ لكون ذلك جزءاً من استراتيجية التدرج.. وقد أشار منسقهم السيد (محمد جميل ولد منصور) في أكثر من مناسبة إلى أن حواراً خلف الستار ظل يجمعهم بالسفارة الأمريكية التي خرجت عن الصمت، وأعلنت أنها لا تمانع من إشراك الإصلاحيين الوسطيين (جماعة الإخوان المسلمين) في العملية السياسية؛ لنبذهم العنف وتبنِّيهم الديمقراطية، بل وأكثر من ذلك قام السفير الأمريكي بزيارة منسق الإصلاحيين في مكتبه قبل أسابيع من الحملة الرئاسية.
أما السلفيون فلم يلتفت المجلس العسكري إلى ملفهم إلا بعد مدة من الانقلاب إثرَ ضغوط شعبية كبيرة، حيث أطلق سراح ثلاثة من أبرزهم، وهم: الشيخ محمد سيديا بن اجدود الملقب النووي، والإمام عبد الله بن أمينو، والأستاذ محمد بن سيد أحمد الملقب الشاعر، وأبقى على البقية، بل وزادها مجموعة أخرى.
ولا زال رموز السلفيين القابعون في السجن المدني بنواكشوط يعانون الأمرّين، دون أي بوادر لإطلاق السراح أو المحاكمة أو على الأقل المعاملة الإنسانية داخل السجن، ففي مرات عديدة اقتحمت عليهم الشرطة عنابرهم وأشبعتهم ضرباً ومنعت مرضاهم من العلاج، كما حالت دون اتصالهم بذويهم.
قد يتساءل البعض عن المكاسب التي ستجنيها السلطات الموريتانية بل والأمريكية من التفريق بين التيارات الإسلامية وتصنيفها؟
وفي إطار الإجابة عن هذا التساؤل يتضح أنه في ظل العولمة لا بد أن تقدم كل سلطة إقليمية قرباناً للسلطات المركزية في واشنطن في مواجهة المد الإسلامي المتنامي تحت مظلة مكافحة الإرهاب، وبما أن السلطات الموريتانية ابتلاها الله ـ تعالى ـ بشعب مسلم مسالم، دأب أهله على التعاطي مع القضايا بنوع من التسامح والبعد عن التشنج، فلم تشهد تفجيراً ولا قتلاً، كان لا بد لهذه السلطات الجهوية (الموريتانية) من التجاوب مع تطلعات البيت الأبيض الرامية إلى اجتذاذ جذور الإسلاميين بتدرُّج حسب تصنيفهم من حيث الخطورة وقبول الآخر، مما أجبر الحكومة الموريتانية على لفت انتباه تلك السلطة المركزية على أن المخاوف مشتركة والطاعة مطلقة.
فبادرت إلى سجن القادة السلفيين وزعمت أن لهم صلات بالقاعدة من غير بينة أو برهان، وأنهم باتوا يشكلون خطراً على السلم والاستقرار ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .. ولا تزال الاعتقالات تتجدد تحت ذرائع وتهم تتنوع حسب الاستهلاك وما يستجيب لمعطيات الواقع..
غير أن المراقب للشأن الموريتاني ـ بل وللشأن الإسلامي في كل أصقاع الأرض ـ يتبادر إلى ذهنه سؤال مفاده: إذا كان الهمُّ دعوياً والداعية إنما يدفعه وازعه الديني وطلبه مرضاة الله وحرصه على إنقاذ الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وتبصيرهم بدينهم كما بلغه محمد ﷺ نقياً صقيلاً من شوائب الشرك وشبهات البدع ونزوات الضلال، إذا كان الأمر كذلك فما الداعي إلى الاختلاف؟! والدعوة الإسلامية في أمسِّ الحاجة إلى تحقيق التكامل والتآزر ونبذ الفرقة والاختلاف بين كافة المهتمين بالشأن الدعوي.
إن الدعاة هم أول من يجب عليه الالتزام بالكتاب والسنة وتجسيد قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ... ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقوله ـ جل شأنه ـ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ... ﴾ [المائدة: ٢] ، وهم أولى الناس باستحضار جماعية الإسلام، وبثّه لروح الأخوة بين منتسبيه، حيث جعلها من أوثق عراه، وبناها على الارتباط والتضحية والتنازل عن الخصوصية تغليباً للهمِّ العام.. مما يستدعي وعي الدعاة لواجبهم حتى يتسنى لهم الخروج من التقوقع والتعصب للحزبية الضيقة، والعمل على لمِّ شعث المسلمين عامة والدعاة خاصة.. سعياً إلى اتحاد الكلمة في مسؤولية واعتدال وتوازن وإعلاء للحق بحكمة وحسنى.. لما يكتنفهم ـ أفراداً وجماعات ـ من وحدة الهدف ودواعي المحبة ووشائج الألفة.
إن فهم الدعاة واستيعابهم أولويات المرحلة يدفعهم إلى إحياء أواصر التقارب والاندماج، فهم جميعاً محلُّ استهداف وإن بشكل تدريجي، ولا أدل على ذلك مما ورد في تقرير مؤسسة راند الأمريكية للأبحاث نهاية شهر مارس الماضي، والذي يُعدّ ملهماً رئيساً للسياسة الأمريكية، وقد جاء ضمن أبرز توصيات هذا التقرير حث الإدارة الأمريكية على أن تنهج في إطار حربها على العالم المسلم منهج تحويل الصراع والمواجهة من صراع بينها وبين الإسلاميين إلى صراع بين الإسلاميين أنفسهم.. وهي سياسة استعمارية قديمة جديدة.
إن الدعاة جميعاً يتحركون لتحقيق غاية واحدة، ألا وهي تعبيد الخلق لله وحده، والأمانة المعلقة في أعناقهم جميعاً لبلوغ ذلك المرمى عظيمة، والمسؤولية الملقاة على عواتقهم جسيمة.. فواجبهم نبذ الفرقة وطرد النزاع؛ امتثالاً لأمر ربهم وطلباً لمرضاته ووفاء بعهده، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
فالاتحاد أقوى لكلمة الدعاة، وأدعى لتحقيق مصالح العمل الدعوي الذي تواجهه تحديات كبيرة وكبيرة جداً.
لقد عانت الدعوة كثيراً جراء هذا التشرذم الذي غذَّته آمال أهل الأهواء وطموحات المشبوهين حتى ساد نوع من عدم الانسجام والتنافر بين المجموعات الدعوية.. الأمر الذي يستوجب إقامة جسور للتواصل والترابط والتكامل حتى يتحقق التغلب على الأخطاء، ويتم التصدي للمخاطر، ويتجدد بناء الثقة ويتجسد التشاور المثمر الذي لا محاباة فيه ولا مجاملة، بل أساسه الصدع بالحق في حكمة بالغة وأسلوب حسن.
إن إنشاء مجلس دعوي يسهر على مصالح الدعوة ويضعها فوق كل اعتبار، ويحيي أواصر المحبة ويجلي أهداف الدعوة ويبين مراميها هو وحده الكفيل بإيجاد مشروع دعوي شامل تنصهر في بوتقته الجهود الدعوية لكل العاملين في الحقل الدعوي، أو على الأقل ينسق مواقفهم ويلائم بين وجهات نظرهم، فتتكلَّل جهودهم بالنجاح وتثمر مساعيهم وتقوى شوكتهم وتتآلف قلوبهم فيرتقون بالعمل الإسلامي ويقدمون النموذج للعامة.
وأملنا كبير في أن تشهد موريتانيا وغيرها من بلاد الإسلام نماذج دعوية رائدة، وتعيش عدالة حقيقية تنصف المظلومين وتأخذ على يد الظالمين وتحفظ للبلاد هويتها وتسير بها وفق المنهج القويم.
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ *﴾ [ص: ٢٨ - ٢٩] .
стр. 5945
نريدها مراجعة لا تراجعاً
فيصل بن علي البعداني
يلاحظ المتابع للساحة الدعوية اليوم، والحراك الفكري داخلها أن هناك قدراً ملموساً من نقد الذات ومحاسبة النفس على المستويين الفردي والمؤسسي في آنٍ واحد.
كما يلاحظ أن تلك العملية لم تقتصر فقط على جانب واحد، إذ ـ مثلاً ـ تناولت الوسائل والأساليب، وراجعت الأهداف وأولويات العمل، وعززت التفريق بين الرمز والفكرة، وطالبت بإعادة النظر في العلاقات البينية بين فصائل العمل الإسلامي ورموزه من جهة، وبين العمل الدعوي والفاعلين في المحيط البيئي والإقليمي والعالمي التي تعيش في أجوائه دعوتنا المعاصرة من جهة أخرى.
وفي اعتقادي أن تلك العملية مظهر صحةٍ ومفتاح نجاحٍ متى ارتبطت بمسلَّمات الشريعة ومقاصدها العامة، وكانت عالية الهمة في إرادة ترتيب الواقع الدعوي الراهن بما يجعل من الجهد الفردي والمؤسسي المعاصر أكثر إجلالاً للنص واستقامة على النهج الذي كان عليه النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃، وأكثر مراعاة لأحوال العصر، ومنطقية في معايشة الواقع وعدم البقاء في دوائر أحلام اليقظة المثالية أو استجرار اجتهادات لمواقف خاطئة أو مواقف كانت مناسبة لمراحل زمنية سابقة.
وواجب الجميع هو توسيع الأفق، والشعور العالي بالمسؤولية، والترفُّع عن الهوى والمصالح الشخصية والأطر الضيقة؛ من خلال تشجيع كل ممارسة نقدية منضبطة وبنّاءة، بل وتجاوز مرحلة مجرد تشجيع المبادرات الفردية أو شبهها إلى مرحلة تُقنن فيها العملية النقدية وتُوكل من خلال إطارات مؤسسية إلى ذوي الكفاءة والخبرة من أهل العلم والفكر والدعوة.
وما لم يحدث ذلك ويُولَى ما يستحق من دعم واهتمام وتشجيع فإن نتيجته الوقوف على المتحرك، وهو ما قد يفضي بالدعوة في المنظورَيْن المتوسط والبعيد إلى الفتور ومن ثم الانزواء عن الجوانب الأكثر حراكاً وحيوية؛ لا سمح الله تعالى.
وفي المقابل لا بد من القول بأن كثيراً من العمليات النقدية الممارسة اليوم ـ على الأقل في أجزاء رئيسة منها ـ قد تجاوزت نقد الجمود المهلك والدعوة إلى التصحيح المأمول في الجوانب الإدارية والتربوية ونحوها إلى طرح قضايا والمطالبة بمعالجة جوانب يتجاوز من خلالها الثابت وتمسّ أصول الاعتقاد ومناهج الاستدلال تحت الراية نفسها (محاسبة الذات ومراجعة المواقف) ، وهو ما يمثل في الحقيقة عملية تراجع عن النهج السوي لا علاقة لها بعملية التصحيح والمراجعة.
ولعل من أبرز المظاهر التي بدت تبرز في هذا الجانب من قِبَل بعض الفضلاء ما يلي:
ـ الدعوة إلى تجديد مفاتيح العلوم ومنطلقاتها؛ كأصول الفقه ومصطلح الحديث؛ بدعوى هيمنتها على العقل وحدِّها له من الانطلاق في فهم النص!
ـ اعتماد نهج التسامح مع الفرق الغالية الأخرى والتبرير لأصحابها، بل وفي أحيانٍ تقديم بعض شيوخها لعامة الأمة على أنهم رموز اعتدال وأدلاء وفاق.
ـ تتبُّع الرخص في الفتاوى الفقهية، وتقرير أن الصواب أو الراجح هو ما يسهل تطبيقه ويتناغم مع ميول العامة ورغباتها وإن لم يصرحوا بذلك، والمبرر الذي يردِّدونه لذلك الوقوع الحاد تحت ضغط الواقع ومسايرة الجماهير: أن الفقه ما هو إلا التيسير ورفع الحرج، وأن نبينا الكريم ﷺ إنما بُعث بالحنيفية السمحة، وأن القول الذي يصدعون به قد أفتى به أحد أهل العلم؛ بغضِّ النظر عن قوة دليله وطبيعة الحالة التي أفتى بذلك فيها!
ـ تعطيل كثير من النصوص الثابتة وترك إعمالها أو التعسف في تأويلها تأويلاً يتلاءم مع ضغوط الواقع، بزعم مراعاة مقاصد الشريعة وتحقيق المصلحة! مع أن المتقرر في أصول الشرع أن لا اجتهاد مع النص، وأن مراعاة المقاصد تكمن لا بإهمال النصوص بل بإعمالها والإذعان لها وعدم التعسف في تأويلها، والمصلحة التي تصطدم مع النص إما متوهمة أو غريبة لا يعتدُّ بها، ولذا كان نهج السلف إعمال المصالح فيما لا نصَّ فيه، وفي تقديم الأَوْلى ودفع الأضرِّ، وكانوا يضبطون بها الاجتهاد؛ سواء في مسالك العلة أو عند توهم تعارض النصوص.
ـ النقد الحاد لتأصيلات علمية وممارسات عملية في الجوانب الدعوية وغيرها تقوم على نصوص ظاهرة وقواعد شرعية معتدٌّ بها؛ سواء ما تعلق منها بمسائل الولاء والبراء، أو بمسائل الاحتياط وسد الذرائع، ونحو ذلك بداعي حدوث التجاوز في تطبيقها تطبيقاً ملائماً من قِبَل بعض الفئات في الساحتين العلمية والدعوية، فتجاوزوا السبيل فارِّين من الإفراط إلى نقيضه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولو أردنا أن نحلِّل البواعث الحقيقية المؤدية إلى ذلك الإخلال المنهجي الصارخ، والتراجع باسم المراجعة في دعوات أولئك الفضلاء الذين يحملون همَّ نصرة الدين ويعملون على التمكين له وإعلاء شأنه؛ لوجدناها تكمن ـ على تفاوت بين الأفراد في التلبُّس بها ـ في جوانب عدة، لعل من أبرزها:
ـ الانهزامية أمام صولة الأعداء من أهل الكفر وغلاة المبتدعة في وقتنا، في مقابل ضعفٍ ظاهر وحالة تخلف شديدة تعاني منها أمتنا، والتأثر بالشبهات التي يطرحونها من خلال عمليات تلبيسٍ فائقة الدهاء، وبدلاً من التركيز على عرض الإسلام وتقديمه للبشرية كما أراده الله ـ تعالى ـ هداية للعالمين، فقد انهزمت من الداخل تلك الفاضلة في الغالب الأعم وبقيت في غالب الآحايين في دائرة المدافع الذي يحاول أن يبرِّئ نفسه ومنهجه من النقص والغلط! فأُتُوا من حيث أرادوا السلامة، وقديماً قيل: من مأمنه يؤتى الحذر.
ـ الوقوع في أسر الجماهير ومتابعتها لا القيام بقيادها، وفي أحيانٍ رحمتها والإشفاق عليها؛ من خلال محاولة إبقائها في دائرة المقبول وعدم الوقوع في المخالفة؛ خوفاً من مزيدٍ من الشطح من جهة، ومن وقوعها تحت تأثير براثن أعداء الأمة والفرق الضالة والمذاهب الهدامة من جهة أخرى، مع قلة الناصح المعين الذي يبادر إلى التنبيه على جوانب القصور ولا يكتفي بسلوك نهج التبجيل في البيئات القريبة التي يعيش في وسطها كثير من أولئك الأفاضل.
ـ السعي الدؤوب لترك التقوقع وتجاوز الأطر الضيقة التي يعيش في أجوائها كثير من العلماء والدعاة حتى صار لكل طيفٍ دعوي علماؤه ودعاته. ومع علوِّ همة هذا التوجه في تجاوز هذا الإشكال في هذا الجانب إلا أن الملحوظ أن كثيراً منهم نتيجة تباين أبناء الأمة في أخذ الكتاب بقوة في جانب الأصول والفروع لم يستطيعوا الحفاظ على انضباطهم المنهجي والذين كانوا من ركائز شُدَاتِه في الماضي، مما أفقدهم رصيد الثقة في أوساط بيئاتهم الدعوية، وفي المقابل لم يستطيعوا أن يجدوا لهم موطن قدم في توجيه البيئات الدعوية الأخرى التي أرادوا اقتحامها والولوج إلى التأثير العالمي من بوابتها نتيجة التصنيف المسبق من جهة ومعاملة تلك التيارات لهم بمبدأ الشك والريبة من جهة أخرى.
ـ ضعف البناء التأصيلي وقلة البضاعة المنهجية والفقهية لدى كثير من المتصدرين لمخاطبة الجماهير وساحات الحوار مع أهل الأهواء، ولدى كثير من أصحاب القرار في دوائر العمل الإسلامي، ومما زاد الأمر سوءاً تعقيدات الواقع ودقة التخصص فيه، مما جعل أشخاصاً يكادون أن يمتلكوا في تخصصهم كل شيء بصورة قد تصل إلى حدِّ الإبهار، ولكنهم في خارج التخصص لا يكادون يملكون شيئاً، فأوقعهم التصدر من غير ما تقصد غالباً في البعد عن الضوابط والأطر الشرعية الحاكمة أيّاً كان الأمر؛ إفراطاً أو تفريطاً.
ـ انزواء كثير من العلماء الربانيين عن التأثير في كثير من ساحات الواقع المعاش والتي يمكنهم أن يسدوا فراغاتها من جهة، وقيام جهات متعددة بتقزيم مساحات عملهم وإمكانية تأثيرهم داخل الأمة بعامة، وفي أوساط تيارات العمل الدعوي ومؤسساته بخاصة، مما أدى إلى تصدُّر الجهلة وأنصاف المتعلمين وبعض ضعيفي الاستقامة المنهجية أو السلوكية، والذين بتعالمهم والتصاقهم بالقنوات الإعلامية ودوائر التوجيه يكادون أن يسيروا بالأمة وبجيل دعوتنا المباركة بوعي أو بغير وعي نحو متاهات الجهالة بصورة متناغمة مع مرامي أعداء الأمة من خارجها ومن يدور في فلكهم من أهل الأهواء والشهوات من داخلها، والذين ما يزال مفكروهم في مراكز الأبحاث المختلفة يوصونهم بتقديم أهل التسامح والاعتدال من العلماء والدعاة؛ زعموا! وتقرير مؤسسة راند الأخير بعنوان: (بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي) خيرُ شاهد.
ولعل من أبرز ما ساعد على هذا الانزواء ـ غير الطبيعة الشخصية وحدوث التقصير الذاتي ـ سطوة التيار العلماني والبدعي، وما يسمى بالحرب على الإرهاب، مما أدى إلى تخوف كثير من أهل العلم والدعوة على نفسه من التضييق والمكر إن هو تصدَّر للبيان وبادر بدأب إلى تعليم الأمة ورفع جهلها وتحذيرها من خطر أعدائها.
ـ غيرة بعض الدعاة على وحدة الأمة وسعيهم الدؤوب للتوحيد بين طوائفها؛ سنة وشيعة ومتصوفة، ومع نبل هذا التوجه وسمو مقاصده، إلا أن اتخاذ هؤلاء الفضلاء موقفاً وسطاً بين تلك الطوائف والتركيز على ما يعدونه نقاط الوفاق وصمتهم عن مسائل الاختلاف المنهجي الحاد وعدم تبنِّيهم معالجات واعية ومناصحات صريحة ومسؤولة، إضافة إلى ممارسة عدد من رموز الحوار من الفرق الأخرى مبدأ التقيّة من جهة أو أنهم معتدلون فعلاً لكن لا وزن لهم ولا تأثير في أوساط بني جلدتهم مما جعل الضرر منصبّاً على طائفة أهل السنة والتي تصدر هؤلاء الأفاضل لتمثيلها إن من جهة تعميق الفرقة بين هذه الفئة المتبنِّية لهذا النهج وبين عامة العلماء والدعاة، وإن من جهة التشكيك ببعض الثوابت وزعزعة بعض المسلَّمات في ذهنية جيل الصحوة؛ تبريراً للتصريحات والمواقف التي اتخذها هؤلاء تحت شعار المراجعة وتقويم المسيرة! وإنْ في خسارة فئات عريضة من جيل الصحوة وعامة الأمة الاستفادة من جدية بعض تلك الرموز الفاضلة وحضورها القوي عبر الساحات الإعلامية المختلفة؛ نظراً لمبادرة كثير من الدعاة إلى التشكيك في سلامة نهجهم وكثير من أطروحاتهم في المراحل المتأخرة، حتى صار كثير ممن يبادر إليها من جيل الصحوة يطالعها بعين الملاحظ لا المستفيد.
وفي ظني أن علماء الأمة ومفكِّريها ودعاتها مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالبدار إلى معالجة جادة لهذه الظاهرة التي صارت تمثل مشكلة في جسد الصحوة العلمي والدعوي والتربوي؛ سواء أكان ذلك في إطاره المباشر المتعلق بتلك الفئة الفاضلة التي سلكت هذا المسلك أم في إطاره غير المباشر المتعلق بأثر تلك المشكلة في أوساط جيل الصحوة وعامة الأمة.
وليس المقام في هذه المقالة مقام ذكر معالجات لهذه الظاهرة، وبخاصة في إطارها المباشر، إذ الظن أن ذاك ليس بخافٍ على من يتصدّر لذلك من أهل العلم والدعوة، وأرى أن الأهم من وسائل المعالجة التنبيه على بعض ضوابط المعالجة ومفاتيحها، ولعل من أهمها:
ـ ضرورة تصفية النية والانطراح بين يدي الله ـ تعالى ـ وطلب عونه وتوفيقه؛ لتحقيق معالجة مثلى تُدرأ بها المفسدة، ويكون رائد المرء فيها الوصول للحق لا الانتصار لذاتٍ أو جهة.
ـ تعميق الثقة وتقوية العلاقات الإنسانية الدافئة مع هؤلاء الفضلاء كون ذلك مدخلاً لمصارحةٍ مسؤولةٍ متعمقةٍ حول القضايا والتجاوزات الشائكة من منطلق المحبة الصادقة والرغبة في تجاوز ما قد يقع فيه كلا الطرفين من تجاوز أو هفوة، على أن الثقة لن تقوى والعلاقات الحميمة لن توجد من مجرد ابتسامات وقتية باهتة، إذ لا بد من أن تثمر تلك العلاقة مناشط عملية مشتركة تخدم الأمة من جهة وتحول دون القطيعة وظلم تلك الرموز الفاضلة أو حصارها ممن اعتاد على القبول الكلي أو الرفض المطلق وتمنع من انغماس تلك الفئة الفاضلة في مزيد من التراجع باسم المراجعة.
ـ تحديد محل النزاع مع هؤلاء الأفاضل؛ حتى ينحصر النقاش في مسائل الأصول ومناهج الاستدلال، وحتى يتم الإعذار في مسائل الاجتهاد ولا تكون سبباً لحدوث تباين أو مفارقة، وهذا ما يتطلب تحريراً لهذا من ذاك، إذ الخلط الظاهر لدى أعداد كبيرة من أهل العلم في هذا الجانب أورث التشديد فيه حرجاً في أحيايين كثيرة في واقع الحياة العملية وهو ما أوقع كثيراً في التراجع بداعي المراجعة.
ـ العمل على رفع روح الممارسة النقدية الناضجة في أوساط الأمة بعامة، وجيل الصحوة المباركة بصفة خاصة؛ حتى يتم التمكن من التمييز البين بين المقصد والوسيلة، وبين الشخص والفكرة؛ تطبيقاً لقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁ عند ما جاءه الشيطان: «صدقك وهو كذوب» (١) ، وقوله ﷺ للصحابي الجليل أبي ذر ﵁ حين وقع مرة في زلل: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٢) ، وإزالة الإشكال الناجم من عدم إدراك وجود فروق ظاهرة في قدرة الأشخاص على أداء الأدوار المختلفة، إذ قد يكون المرء خطيباً باهراً لا محدثاً، ومدركاً جيداً لواقعه لا فقيهاً، والتفريق بين الممارسة النقدية لحالة ماضية لا ينبني عليها جانب عملي، ولا يختلج في النفس عند طرحها جنوح نحو الإقدام أو خوف منه وبين نقد حالة راهنة يرافق الناقد في أحيان كثيرة ضغوط عاطفية جامحة وتمتزج فيها الرغبة الدعوية بغياب بعض جوانب الحقيقة، ويختلط فيها الشخصي بالحكم الشرعي وبمصالح الأمة العليا.
وإذا حدث مثل ذلك فإنه سيعني تباعاً إعادة النظر في كثير من جوانب البنية التربوية الحالية، وتهيئة جيل الصحوة لكثير من الصدمات القادمة التي قد تكون أكثر قوة ومفاجأة.
ـ وزن الأخطاء بموازين شرعية صحيحة وترك تضخيمها أو تعميمها، وفي مقابل ذلك التركيز على الإيجاب وإعطائه المساحة التي يستحقها تناولاً وممارسة، والفرح الصادق بالصواب فرحاً ينبني عليه إشادة بالصواب ومبادرة جادة في التشجيع والدعم بل والمشاركة.
ـ الحذر من التعامل بردّات الفعل في الجانب الشخصي، إذ كثيراً ما يصدر عن مثل هؤلاء الأفاضل كلمات ومواقف قاسية أو ممارسات إقصائية للآخرين؛ إما ظناً بعدم الاستجابة لهم وتلبية الآخرين لدعواتهم في برامجهم وأنشطتهم التي برزوا فيها، وإما رغبة في عدم إحداث زوبعة على ضفاف البرامج التي يقيمونها بين من أقصي من العلماء والدعاة وبين بعض المدعوين والذين قد يمثلون بُعْداً عالمياً أو طائفياً أو فئوياً مهما وجدت عندهم من ملاحظات منهجية أو علمية، وإما لتحسس نفسي وشعور بالغضب من بعض الشخصيات لكلمة سمعت عن هذا أو ذاك، ونحو ذلك من المبررات التي ما لم يتجاوزها مريد الإصلاح مهما كان فيها من الحق فإنها ستضخم البون وتعظم خندق المفاصلة وستضفي على كثير من الجوانب الشخصية أبعاداً منهجية وهي ليست كذلك.
ـ ضرورة فهم نفسيات أولئك الأفاضل كلاً على حدة، إذ مع الذكاء الحاد الذي يمتاز به كثير منهم فإن السِّمَة العظمى المحركة لكثير منهم هي العاطفة الجياشة والاعتداد بالرأي والتعويل العالي على الجماهير في قضية الإصلاح والتغيير والجنوح نحو الاستقلال والفردية مهما كان الزيّ الذي يبرزه ويتحلَّى به بعضهم موضوعياً، ولذا فإن المكون الأعظم لمفتاح المعالجة هو الدعم والتشجيع للممارسة الفردية المنضبطة، وتكثيف الجانب العاطفي، ومراعاة المتطلبات النفسية؛ كالحاجة إلى التقدير والإكرام والثقة والمحبة الصادقة وتثمينٍ عالٍ للإنجازات المتعددة والكفاءة المتميزة والقدرة العالية. والإشكالية في هذا الجانب أن كثيراً من هؤلاء الفضلاء لديه مقدار عالٍ من الارتياب في جانبٍ انضافَ إليه من جانبٍ آخر كثير من الشواهد العملية والقولية الصادرة عن الآخرين، والناجمة عن خطأ أو سوء فهم أو ضعف اتصال، والتي بدورها أسهمت بفاعلية في زيادة الفجوة وتعميق حدة المشكلة، ولذا فإن إيجاد معالجة حقيقية سيتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً ومن واجهات علمية ودعوية متعددة حتى يتم تجاوز الأزمة أو التخفيف منها بدرجة كبيرة.
أما جوانب المعالجة غير المباشرة فهي كثيرة، لعل من أبرزها:
ـ ضرورة مراجعة بيئة الدعوة التربوية والعلمية والتركيز فيها على تعميق الخشية والعناية بأعمال القلوب والتأصيل العلمي والمنهجي المتعمق؛ لأن أصل البلوى ومنبت الخلل ـ سواء لدى المتراجعين أو ردّات الفعل غير المقبول بعض صورها لدى مخالفيهم ـ مردّ عامته إلى هذا الجانب.
ـ فقه هدي السلف فقهاً متعمقاً يحيله من مجرد فتوى حول نازلة قد يكون لها ظروفها الزمانية والمكانية التي تحول دون استصحاب تطبيقها في عصرنا إلى منهج حياة تستحضر فيه حقيقة التعبد، ويعظم فيه الدليل الثابت، ولا يستطال فيه على الأصول أو يمزج فيه ثابت بمتغير.
ـ إجلال علماء الأمة ودعاتها الربانيين، والعمل على الأخذ الجاد عنهم، وإعادة دورهم القيادي والتوجيهي في أوساط الأمة بعامة وفي أوساط جيل الصحوة بخاصة؛ سواءً أكانوا من داخل التيارات الإسلامية أم من خارجها، مهما وقع أحدهم في زلة أو صدرت عنه هفوة لا تخرجه عن إطار أهل السنة والجماعة ما دام رائده الحق ومبتغاه تعظيم الرب في مقابل السعي الدؤوب لإزالة الإشكلات الناجمة عن تقديس الأشخاص أو رفضهم بالكلية، وعن عدم التفريق بين العلماء والوعاظ، وأهل الفقه والنظر والمتخصصين في جانب علمي أو دعوي أو تربوي أو خيري أو واقعي؛ حتى لا تصدر الأمة وأجيال صحوتنا المباركة عن أنصاف المتعلمين ـ ممن يقفون على منبر إعلامي أو هم في موقع المسؤولية الدعوية ـ، والذين في أحيان كثيرة ـ مهما حسنت النوايا ـ يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ـ ربط الأمة بالمنهج الإسلامي الراشد، الذي يدور فيه المرء مع الحق حيثما دار، تبعه من تبعه، وأعرض عنه وجفاه من جفاه؛ لأن من أعظم أسباب المرج في الوسط الدعوي إزاء تلك التراجعات مردّه إلى التعلق بالأشخاص، ومعرفة الحق بالرجال لا الرجال بالحق، وهو أمر من المتوقع في المستقبل القريب أن تزداد آثاره السلبية مع تفشي ظاهرة الخوف والقلق من الثبات على الحق في ظل الحملة الصليبية المعاصرة للحرب على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب، والتي أصبح كل عامل للإسلام بصدق مهدداً بشكل جاد بالتعرض للتضييق والأذى، ووجود محاولات لإغراء بعض الفضلاء وشراء ذممهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وحالات من التعجل لدى بعض الدعاة ومريدي الإصلاح في قطف الثمار وإعادة دفّة قيادة الأمم للإسلام مما لا يتلاءم مع المنهج النبوي للإصلاح والتغيير.
وفي الختام: فالموضوع جلل، وعلى هؤلاء الفضلاء أن يعلموا أنهم بمقدار ما نفعوا دعوتنا المعاصرة بإسهاماتهم المتميزة وأنشطتهم المحمودة ومواقفهم الرائعة وبمزيد من المراجعات الجادة، بمقدار ما أسهموا في مزيد من التمزيق لتيار أهل السنة وتفريق الصفوف وتشتيت العامة ولبس الحق بالباطل؛ لأنهم يتحدثون باسم العلم والسنة بخلاف غيرهم، وزيادة حجم الهوة في أوساط قياداته العلمية والدعوية، وفي الظن أنهم الأقدر على تجاوز الكثير من الآثار السلبية الناجمة عن ذلك؛ لما يتسمون به من ذكاء وحكمة، ويتحلون به من تجردٍ وثوبة إلى الحق حين ظهوره لهم، ولما يحملونه من هَمِّ رصِّ الصفوف وتوحيد الكلمة حتى يتم تمكين الأمة واستعادتها الرفعة المنشودة.
اللهم يسِّر لأمتنا من أمرها رشداً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وصلى الله وسلم على النبي المجتبى وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5946
الموقف من التفجير في بلاد المسلمين
أ. د. ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد طُلِبَ مِنِّي كتابة كلمات في بعض أحداث التفجيرات الأخيرة التي حدثت في دولة عربية أفريقية، فاعتذرت لعدم إلمامي بدوافعها ومَنْ خلفها ومسوغاتها وحقيقتها؛ فلما أُلح عليّ آثرت أن أكتب شيئاً حول منهج التفجير دون أن أُعَلِّق ذلك بحادثة معينة، أو فئة معينة؛ فأقول مستعيناً بالله: إن كثيراً من الأحداث التي لا يمليها شرع ولا عقل ينبغي أن نتساءل عن دوافعها الحقيقية يوم تشير أصابع الاتهام فيها إلى الإسلام أو إلى شخصيات إسلامية.
وينبغي أن نراعي في هذا التساؤل أموراً منها:
ـ هل الخبر جاءت به وسائل إعلامية موثوقة؟ لأن الله أمرنا بالتثبت، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
ـ فإن كانت موثوقة؛ فهل الحقيقة على ما ذكروا أم أنهم غُرر بهم وأُوهِموا أمراً مّا تريده جهات متحكمة دون أن يدركوا أبعاد ما فعلوه؟
ولست أدعو بهذا إلى إنكار الواقع أو الظاهر، لكن يجب النظر في الحوادث بعقل وعلم مع اعتبار القرائن، فبعض الجناة ربما بدرت عنهم أعمال لا تمتُّ للشرع بصلة، ومع ذلك يحاولون تسويغها باسم الشرع، مع أنه قد يصدر في أفعاله عن محض هوى، أو بغية انتقام مِنْ ظُلْمٍ وقع عليه أو على بعض ذويه، غير أنه يحاول فيما بعد أن يصبغه بصبغة شرعية، شأنَ كل مجرم وجانٍ جنى على من يراه مجرماً ثم دعاه داعي الهوى والنفس الأمارة إلى تسويغ عمله بخلع لباس شرعي على صنيعه.
وقد يحدث أن يكون تحركه ابتداء لنصرة ما يظنه ديناً، دون بصيرة أو علم.
ولا كبير فرق معتبر؛ فالجامع بين الاثنين هو جهل كل منهما بالدين. تجد أحدهم لم يجلس في حِلَقِ العلم، ولم يتربَّ على أيدي العلماء الربانيين، ولا عرف الفروق والتقاسيم، ولا درس مقاصد الشريعة، ولا ألمَّ بقواعدها المقررة، ثم يريد إقامة دولة الإسلام دون أن يستند إلى فتوى عالم رباني معتبر، بل ربما رمى أولئك العلماء بالتُّهم والنقائص حتى تصدق دعواه، ويعذر في هواه! فعمرك الله..؛ كيف تقصد إلى ذلك المقصد العظيم ولست أهلاً للنظر فيه فضلاً عن القيام به؟!
متى كان التفجير والتكفير سبيلاً للإصلاح؟
هب أن النظام في تلك الدولة لا يطبق الشرع؛ فما ذنب المجتمع والأمة؟
كيف تُهدر دماءٌ محترمة، وتٌزهق أنفس معصومة بحجج واهية؟
ما المصلحة التي سوف تجنيها فئة مستضعفة من مقارعة دولة متغلبة؟
هل سلك من هو أشجع منهم ﷺ هذا المسلك مع من هم أظهر كفراً وأعظم معاندة من صناديد قريش بمكة حال الاستضعاف قبل الهجرة؟
وهل يظن منصف أن تفجير مبنى أو قتل سائح ـ وإن لم تكن له شبهة أمان ـ سوف يسقط دولة ويقيم نظاماً؟
ألا يعتبر هؤلاء بتجارب مريرة سبقتْ، عاد أصحابها يعترفون بخطأ مسلكهم بعد خراب البصرة وضياع البصيرة؟
إننا لا ندعو إلى إقرار الباطل، ولا إلى ترك منابذته والاستسلام له، ولكن يجب أن يكون ذلك بسبيل مشروع، لا بترويع الآمنين وقتل ضعفة معصومة دماؤهم وأموالهم.
لقد صبرت رسل الله على دعوة أقوامهم ما صبروا؛ فهذا نوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً داعياً لم يزهق روحاً ولا قتل كافراً..؛ فكم صبرت أنت؟!
إنها دعوة للتعقل والنظر في عواقب الأمور والعمل بمنهج الإسلام الحق في الدعوة وسلوك منهجه في التغيير على بصيرة، وإلاّ فإن النية الصالحة ـ إن كانت حقاً صالحة ـ وحدها لا تكفي، حتى تكون على منهج النبوة وسبيل المؤمنين.
لقد مكث نبينا ﷺ بضع عشرة سنة في مكة ومعه رجال لم يكن أحدهم ليتأخر في تقديم روحه نكاية بالكفار لو كان ذلك مشروعاً؛ فليس أبناء اليوم واللهِ أعظم شجاعة وأكثر غيرة على الدين منهم، بل آثر بعض الصحابة أن يفرَّ بدينه إلى أرض البعداء صيانةً لنفسه من الأذى.
ثم إنّ الناظر لدولة الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة يجد فيها إبّان قوة الدولة فئتين من الذين يترصدون المؤمنين ويؤذونهم: طائفة تظهر الإسلام وتبطن الكفر، وزعيمهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، وهؤلاء لم يُتعرض لهم، أخذهم النبي ﷺ بما يظهرونه من الإسلام، بل خلع قميصه ليكفِّن به زعيمَهم ومتولي كبرهم.
وأما الفئة الثانية فممثلة في بعض الكفار من اليهود الذين آذوا رسول الله وآذوا عموم المؤمنين سباً؛ نثراً وشعراً، وقائدهم كعب بن الأشرف، ولمّا كانت دولة الإسلام قائمة في المدينة أخذ رسول الله ﷺ كعباً بذنبه وجريمته وحده، فكان اغتياله الذي لم ينل غيره من أعوانه ونظرائه وموافقيه ومن هم على ملته، بل تُرُصِّد الرجل وحده ونيل منه دون إهدار لحرمة من سواه، ولم يتكرر هذا منذ بعث محمد ﷺ حتى مات. الأمر الذي يدلك على أنها قضية عين لها أسبابها وظروفها وملابساتها الخاصة.
فكيف يسوغ إذاً أن يُترصد من يظهر الإسلام والأصل صدقه، والواجب أخذه بالظاهر حتى لو كان منافقاً؛ فليس شراً من ابن سلول؟ وكيف يسوغ قصده من قبل طائفة مستضعفة لم تتحيز في دولة ولم تقم لها شوكة؟
إخوة الإسلام: إن الواجب تجاه الولاة والحكام هو السمع والطاعة ما لم يخلعوا ربقة الإسلام، وإن جاروا وظلموا؛ فجلدوا الظهر وأخذوا المال، فإن رأى راءٍ ـ وكان من أهل النظر ـ أن الإسلام من بعضهم براء فلا يسوِّغ له ذلك منابذتهم حتى يجتمع معه في رأيه أهل الرأي المعتبرون كما قال ﷺ : « ... إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان» (١) . فلا يكفي أن يرى أحدٌ الكفرَ وحده، ولا يكفي أن تراه جماعة أهل الرأي وليس لهم فيه دليل بيِّن لا امتراء فيه، بل مجرد شُبَه وتأولات لا ترقى إلى اليقين القاطع والبرهان الساطع.
فإنْ توفر شرط الخروج فلا بد من اعتبار المصلحة والمفسدة المترتبة عليه، والتي لا تتصور أبداً في تفجير مبانٍ أو مرافق عامة، ولا في قتل أشخاص مستأمنين أو لهم شبهة أمان. وإذا كان الأمر كذلك فسبيل التفجير سبيلٌ ينبغي أن يعلن رفضه في المجتمعات الإسلامية.
بل إن سلوك مسلك التفجير في بلاد الإسلام لا يخلو من اقتراف كبائر موبقة، فقلَّ أن يسلم من تلك الحوادث نفر ممن يظهر الإسلام، أو لا سبيل إلى تيقُّن كفرهم، واقرأ سورة الفتح وتأمل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] ، فكيف تعارض النصوص العاصمة للدماء بشُبَه وأمور لم تفهم على وجهها، كقياس من أفسد القياس على مسألة التترُّس التي لم يتصور المستدِلُّ بها صورتَها المُجْمَع عليها؛ والتي تقضي باستئصال شأفة جيش المسلمين إن هم أحجموا عن رمي الترس؛ فيجعل بعض هؤلاء رميَ الترس جائزاً مطلقاً ويزعم أن الأمة أجمعت على هذا الباطل! ثم يقيس عليه ما هو فيه؛ فيعارض النصوص الصريحة بلا أصل مؤسس ولا فرع محقق. في الصحيحين أن أسامة بن زيد ﵁ لمَّا صَبّحوا الحُرَقات من جُهينة أدرك رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فقتله ـ لظنِّه أنه قالها تعوذاً ـ فلما أخبر رسول الله ﷺ قال: «أقال: لا إله إلا الله؛ وقتلته؟!» ، قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!» ، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيتُ أني أسلمت يومئذ، فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين ـ يعني أسامة ـ قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
وتأمل في قصة قتل موسى ﵇ للقبطي الكافر الظالم في دولة ملحدة رئيسها فرعون، ومع ذلك يسأل موسى ربه أن يغفر له، بل قال ﵇: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ، ولم يسمِّه جهاداً بل حكم على نفسه بالظلم، وسوف يعتذر بهذا الفعل عن الشفاعة الكبرى يوم القيامة، هذا مع أنه لم يُرِد قتله، فماذا يقول هؤلاء المترخصون الخائضون في دماء المسلمين والآمنين؟ فالله المستعان!
وإذا دخل الناس في الفتن وتلوثت الأيدي بالدماء شق بعدها الخروج منها؛ ففي صحيح البخاري، عن ابن عمر أنه قال: «إنَّ مِنْ ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفكَ الدم الحرام بغير حله» .
وفيه أيضاً عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصبْ دماً حراماً» .
قال ابن حجر: وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامداً بغير حق: «تزود من الماء البارد! فإنك لا تدخل الجنة» .
وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: «زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم» ، قال الترمذي: حديث حسن، وقد أخرجه النسائي بلفظ: «لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» ، قال ابن العربي: «ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك؛ فكيف بقتل الآدمي؟ فكيف بالمسلم؟ فكيف بالتقي الصالح؟» (١) .
ألا فليتِّقِ الله مَنْ ركب هذا الخطر، ولَيتُبْ إلى الله منه قبل أن يلقى ربه بدماء معصومة، تجعله في مصاف المفسدين الذين اجترح ما اجترح نكاية بهم.
إن علينا لزوم منهج الأنبياء والمرسلين: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] ، وأما الجهاد فإنه قائم ماضٍ إلى يوم القيامة، وله أماكنه وشروطه كما في فلسطين والعراق وغيرهما، وليس من الجهاد في شيء ترويعُ الآمنين، واستباحةُ دماء المسلمين.
هذا واللهَ أسأل أن يلهمنا البصيرة في الدين، وترَسُّم خطى أهل العلم الراسخين، من الصحابة المرضيين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5947
تحفيظ القرآن، آم تعليم القرآن ؟
د. محمد بن عبد الله الدويش
إن من أهم معالم النشاط الدعوي في مجتمعات المسلمين اليوم انتشار حِلَق تحفيظ القرآن الكريم ومدارسه؛ فلا تكاد تجد بلداً من بلاد المسلمين إلا وفيه جمعيات وحلقات تُعنى بتحفيظ القرآن الكريم للذكور والإناث.
والعودة للقرآن الكريم وحفظه والاعتناء به ظاهرة صحية؛ فقد كان من منهج السلف الاعتناء بحفظ القرآن الكريم. قال الإمام النووي: «كان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن» (١) .
وعدَّ ابن جماعة الأدب الأول من آداب طالب العلم في دروسه: «أن يبتدئ بكتاب الله العزيز، فيتقنه حفظاً، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه؛ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها» (٢) .
ومن يتأمل نتاج هذه الحلقات والمدارس يرى ما يسر ويستحق الإشادة؛ فأعداد الحُفَّاظ والحافظات في نمو وازدياد.
ونتاج هذه الحلقات والمدارس يتجاوز مجرد الحفظ، بل هي تترك أثرها في توجيه الناشئة واستقامتهم، وهي في الأغلب لا تقتصر على مجرد تدريس القرآن الكريم وحفظه، بل يصحبها العديد من النشاطات والبرامج التوعوية.
والعمل البشري مهما بلغ من النجاح والتميز يحتاج إلى التسديد والتطوير والارتقاء.
ولعل من مجالات التطوير تغيير المسمى من (تحفيظ القرآن الكريم) إلى (تعليم القرآن الكريم) .
وتغيير المسمى من وجهة نظري ليس مجرد أمر شكلي، بل هو موضوعي له مبرراته، ومن أهمها:
ـ تصحيح تلاوة القرآن الكريم لمن لا يجدون الوقت للحفظ؛ وبالأخص ممن تقدمت أعمارهم.
ـ تنمية القدرة على فهم القرآن الكريم وتدبره، وهو أمر لا يحظى بالعناية اللائقة به في مؤسسات تحفيظ القرآن الكريم؛ فيتخرج الطالب والطالبة من هذه المؤسسات وهو قد أتم حفظ القرآن الكريم أو معظمه، دون أن يتلقى أدوات فهم القرآن الكريم وتدبره، ويقتصر الأمر على توجيه أو تأكيد في الكلمات والمناسبات العامة.
إن المسلم بحاجة لأن يتعلم أدوات فهم القرآن الكريم، وهو أمر إن لم يتم في مؤسسات تحفيظ القرآن فأين تكون العناية به؟ وهل يسوغ أن يترك ذلك للجهد والقدرة الشخصية للطالب والطالبة فحسب؟
ـ التربية على أدب القرآن وخُلُقه، وهو منهج السلف رضوان الله عنهم؛ فقد روى الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن قال: «حدثنا من كان يُقرِئنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. قالوا: فعلمنا العلم والعمل» (٥) .
إنه مجرد رأي آمل من إخواني الذين شرفهم الله بتعليم القرآن الكريم أن يتأملوه، وهم في النهاية أعلم بشؤونهم، والله ولي التوفيق.
стр. 5948
أطفال الحجارة
محمد الحسناوي
أحمد: هل سمعتِ بِأَطفالِ الحِجارةِ يا أُختي دُعاء؟
دعاء: نعم؛ شاهدتُهم على شاشةِ التِلْفاز، يَرشُقونَ أَعداءَ اللهِ بِالحجارة.
أحمد: إنهم من أبناءِ فِلِسطينَ الحبيبة.
دعاء: إنهم يُدافعونَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصى وقُبَّةِ الصخرة، مَسْرَى سَيِّدِنا مُحمّدٍ ﷺ .
أحمد: هل تَستطيعُ الحجارةُ أن تُوَاجِهَ الدَّبّاباتِ الحديديَّة، والجيوشَ المُسلَّحَة؟
دعاء: ليسَ الخوفُ مِنَ الحَجَرِ وحدَه. إنما الخوفُ منَ الإنسانِ الذي يَحْمِلُ هذهِ الحجارة، فلا ينهزِم ولا يَتراجَع ولا يَنكسِر.
أحمد: شجاعةُ هؤلاءِ الأطفال تُحرِّكُ الجبالَ الجامِدة!
دعاء: هذا هو الهدف مِنْ حِجارةِ الأطفال بعدَ أنْ ضَعُفَتْ عزِيمَةُ الرِّجال.
أحمد: شاهدتُ النِّساءَ تَجمعُ الحجارةَ وتَحْمِلُها لِلأطفال كي يَرجُموا بِها الأَعداء.
دعاء: إنها بِشارةٌ من الرسول ﷺ بأنَّ الحجرَ والشجرَ سوفَ تُقاتِلُ معنا، وسوفَ يَنصُرنا اللهُ عليهم مهما طالَ الزمن.
أحمد: اللهُ أكبر.
يا فارِسَ الحَجَرْ
يا راكِبَ الخَطَرْ
عَيناكَ مِنْ شَرَرْ
يُمْنَاكَ مِنْ قَدَرْ
كَبِّر على الفُجَرْ
يا أَيُّها القَمَرْ
إذا الدُّجى اعْتَكَرْ (١)
نَصْرٌ مِنَ اللهِ
لِكُلِّ مَن نَصَرْ
مَسْجِدَهُ الأَغَرْ (٢)
(القُدْسُ) وَ (الجَليلْ)
مِنْ فِعْلِكَ الجَميلْ
هَزَّهُما الصَّهِيلْ (٣)
لَمَّا هَوى المَغولْ
وانْدَحَرَ التَّتَرْ
هلْ يَنْطِقُ الحَجَرْ
هلْ يَكْتُمُ الشَّجَرْ
وَعدٌ مِنَ اللهِ
في مُحْكَمِ السُّوَرْ
لِكُلِّ مَنْ صَبَرْ
مَرحَى لِكُلِّ طِفْلِ
مَرحَى لِكُلِّ شِبْلِ (٤)
حامَوا عَنِ الدِّينِ
وَعَنْ فِلِسطينِ
بالدَّمِ والحَجَرْ
* * * * *
* * * * *
* * * * *
стр. 5949
المعتقدات والمصالح
أ. د. جعفر شيخ إدريس
قال صحافي ومحلل سياسي عربي كبير: إن السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على المصالح وأنها لذلك لا تتغير، وكأنه كان يعني أن أيديولوجيات الساسة الحكام لا تغير من هذه الحقيقة. كثيراً ما نسمع مثل هذا الكلام الذي يفرِّق أصحابه بين المعتقدات والمصالح، وكثيراً ما يقصدون به التقليل من قيمة المعتقدات. لكن الحقيقة أن هنالك صلة قوية بين الأمرين؛ فالمعتقدات والتصورات هي العدسات التي ينظر الناس بها إلى الأمور فيقررون ما هو مصلحة للوطن وما ليس بمصلحة؛ فالشيء الواحد قد يبدو مصلحة بمنظار اعتقادي معين ويبدو مفسدة بمنظار آخر.
هل من مصلحة أمريكا أن تنحاز لإسرائيل وتعدها كأنها ولاية من ولاياتها التي لا قيام لها بنفسها والمحتاجة دائماً إلى مساعدة يتكلفها دافع الضرائب الأمريكي؟ إذا نظرت إلى الأمر من ناحية المصلحة المادية ــ كما يفعل بعض الأمريكان الآن ــ فإنك ستقول: إن هذا الموقف ليس من مصلحتها؛ بل إن مصلحتها في أن تصادق العرب الذين هم أكثر عدداً، وأعظم سوقاً، وأكثر موارد طبيعية. لكن سياسياً كبوش وإن سلم لك بذلك قد يقول ـ بناء على معتقده ـ: لكن أمريكا بلد نصراني ونحن نعيش في زمان أظله ظهور السيد المسيح، ونحن نعلم أنه سيظهر في هذه المنطقة؛ فمن مصلحتنا أن نهيئ الجو لظهوره. وهذا لا يكون إلا بالانحياز لإسرائيل حتى لو كان انحيازاً على حساب بعض المصالح المادية التي ذكرتها.
ولولا أن المعتقدات ذات تأثير كبير على نظرة الناس إلى المصالح لما تعددت الأحزاب والجماعات في البلد الواحد؛ فالإنجليزي أو الأمريكي الذي ما يزال يؤمن بالاشتراكية أو ببعض جوانبها يرى من مصلحة وطنه أن يتبنى سياسة تحدُّ من غلواء الرأسمالية، ويبني على ذلك تصوره لسياسات عملية تحقق هذه الفكرة. أما أنصار الفكر الرأسمالي فيرَون أنه لا طريق غيره إلى نهضة اقتصادية يستفيد منها كل المواطنين مهما أدت إلى تفاوت شاسع في نصيبهم من الثروة.
ولأن كثيراً من الناس يتصورون المصلحة تصوراً يجعلها مستقلة عن المعتقدات؛ فإنهم يفترضون أن ما يسمى بالمصلحة الوطنية هو شيء واحد يشترك في رؤيته كل المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. فكما أن اختلافاتهم الاعتقادية لا تجعلهم يختلفون في رؤيتهم للشمس والقمر والجبال والأشجار؛ فكذلك لا تمنعهم من الاتفاق على ما هو مصلحة للوطن.
مما لا شك فيه أن هنالك مصالح ظاهرة قد يراها كل الناس رؤية واحدة بغض النظر عن معتقداتهم؛ فكل الناس يتفقون الآن فيما يبدو على أنه، إن صح قول العلماء بأن ما تنفثه المصانع والسيارات من غازات قد أثَّر على طبقة الأوزون، وأن هذا قد أدى إلى زيادة في درجات الحرارة العالمية، وأن هذا الأمر إن لم يُتدارَك فسيؤدي إلى ذوبان الجليد، ومن ثم إلى زيادة مياه البحار وما ينتج عن هذا من فيضانات ستغرف بسببها بلاد كثيرة.. أقول: إن هذا أمر قد يتفق الناس على كونه ضاراً إن حدث.
أقول (قد) لأن مؤلفًا أمريكياً (١) يقول: إن من يسميهم بغلاة النصارى، الذين يمثلون ما يقارب الأربعين بالمئة من أنصار بوش، يرون في كوارث مثل: تسونامي، وارتفاع درجات الحرارة، ومشكلات الطاقة والديون الأمريكية، والنزاع بين العرب وإسرائيل، وغزو العراق، يقول: إنهم يرون في كل هذا مبشرات بقرب مجيء المسيح. فهي إذن ليست بالشيء الذي يسوؤهم أو الذي يحاولون تغييره.
لكن ما كل ما يُعَدُّ مصلحة أو مفسدة هو من هذا النوع الذي قد تراه كل النظرات الأيديولوجية رؤية واحدة.
ما النظام الاقتصادي المناسب للبلد؟ ما نوع التعليم المفيد لأبنائنا؟ ما الأقطار التي يجب أن نحسن علاقاتنا بها؟ إلى أيِّ مدى تتاح حرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية الاعتقاد، وحرية التنظيامات والاجتماعات، وحرية العلاقات الجنسية، وحرية التجارة؟ هذه وأمثالها من الأمور التي لا يتوقع اتفاق كل المواطنين عليها إذا كانت بينهم اختلافات أصولية دينية أو مذهبية أو فلسفية؛ إذا كان بعضهم مسلمين وبعضهم نصارى وبعضهم علمانيين؛ بل حتى إذا كان بعضهم شيعة وبعضهم سنة. إنه ليس في الانتماء إلى الوطن أيّاً كان نوعه، وليس في الإخلاص له مهما كان قدره، ما يحتم على المواطنين إجابة معينة عن تلك الأسئلة، بل إن أجوبتهم عليها لا بد أن تتأثر بمعتقداتهم وتصوراتهم.
إن المواطَنَة ليست مجرد انتماء شكلي إلى أرض يحدها من الشمال كذا ومن الجنوب كذا ومن الشرق كذا ومن الغرب كذا. هذا انتماء حيواني يستوي فيه البشر والبقر والوطن والزريبة. إن المواطنين بشر لا بقر؛ بشر لهم قيمهم وتصوراتهم ومعتقداتهم، واهتماماتهم التي تتجاوز حدود الحاجات المادية. والوطن ليس زريبة؛ وإنما هو مأوى قومٍ حَدَثَ بينهم قدرٌ كبير من التجانس في القيم حتى صار من الممكن وصفهم في الجملة بخصائص معينة تميزهم عن غيرهم.
غير ذلك كان يقال لنا إلى زمان قريب، وكان يظن كثير منا بسببه في سذاجة أن الديمقراطية تسوي بين المواطنين بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم ومعتقداتهم وقيمهم، بل تعدهم جميعاً مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وتحل مشكلة اختلافاتهم في المعتقدات والقيم والفلسفات بصناديق الاقتراع. لكننا نرى اليوم كيف أن الغرب يضيق بالمواطنين المسلمين مع أنهم قلة، وكيف أنهم صاروا يطالبونهم بأن يجعلوا إسلامهم إسلاماً فرنسياً أو إنجليزياً أو أمريكياً، وكيف بدؤوا يتحدثون عن قيمهم الغربية وبعتزون بها ويدافعون عنها ويدَّعون تفوقها على القيم الإسلامية، ويطلبون ممن لا يشاركهم فيها ألاّ يشاركهم في الوطن الذي يعدونه في أساسه وطناً لأصحاب تلك القيم. والذين يعرفون الديمقراطية يعرفون أن هذا ليس بالشيء الجديد عليها، بل كانت كذلك منذ نشأتها في أثينا، ومنذ أن عادت إلى أوروبا وأمريكا. إنها لم تكن أبداً ديمقراطية لكل الناس مهما كانت الخلافات بينهم؛ إنها اليوم ديمقراطية علمانية ليبرالية لا مكان فيها لمن لا يلتزم بهذه القيم. سيقول الذين لا يعلمون: كيف وهم لا يمنعون أحداً من دخول مجالسهم التشريعية حتى لو كان مسلماً؛ كما نرى اليوم في بريطانيا والولايات المتحدة؟ نعم، إنهم يفتحون الباب لكل أحد ولكن بشرط أن يكون ملتزماً بتلك القيم السياسية. ولكن حتى هذا لن يدوم طويلاً إذا ما بدأ المسلمون يكثرون ويزداد تأثيرهم. لقد كانوا إلى وقت قريب يتحدثون عن المجتمع المتعدد الثقافات؛ أما اليوم فقد كثر الحديث عن ضرورة التجانس والتلاحم، ويعنون به التلاحم الثقافي. وصاروا يأخذون بسبب ذلك على المسلمين لِكون دينهم يمنعهم من مثل هذا الذوبان في مجتمع غير مسلم، ويجعلهم يعيشون في عزلة اختيارية عنه.
نعم، إن الوطن يكون أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على التطور وعلى الدفاع عن نفسه كلما كان أكثر تلاحماً وكلما قلت الخلافات الأصولية بين مواطنيه، لكن ما كل اتفاق على مبدأ أو ثقافة ـ أيّاً كانت ـ هو مما ينتج هذا التلاحم. بل إن بعض المعتقدات والثقافات من شأنها أن تحدث هي نفسها عداوة بين المنتمين إليها.
ونعم إن الاتفاق على معتقد معين حتى لو كان عبادة للأوثان ينتج ما يسميه القرآن الكريم مودة بين المعتقدين، وقد يدعوهم لأنْ يتحدوا في مواجهة ما يعدونه خطراً عليهم أجمعين.
بيد أن الذي يُحدِثُ التلاحمَ الحقيقي بين الناس ويجعل منهم إخوة متحابين هو المعتقد الحق الذي لا تناقض فيه. أما المعتقدات الباطلة المتناقضة فمن شأنها أن تفرق هي نفسها بين المنتمين إليها، حتى إنك لتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ولذلك قال أحد السلف (أهو مجاهد؟) مفسراً كثرة الانشقاقات بين الخوارج: «لقد كان أمر الخوارج باطلاً فاختلف، ولو كان حقاً لأْتَلَف» أو كما قال.
نحن لا ندعو إلى ما يدعو إليه الغربيون من إجبار كل الناس على الالتزام بالقيم السائدة في المجتمع؛ فقد تسامحت مجتمعاتنا الإسلامية كلها مع اليهود والنصارى وسمحت لهم أن يعيشوا بين ظهراني المسلمين. إن المهم لاستقرار المجتمع أن تكون هنالك ثقافة غالبة تبنى عليها السياسات الاقتصادية والسياسية والتربوية التعليمية والخارجية وغيرها.
ولذا فإن علينا أن نرفض رفضاً باتاً ما يدعونا إليه الغربيون (مما يفعلون عكسه في بلادهم) من جعل مجتمعاتنا ممزقة بين معتقدات دينية وعلمانية متناقضة متحاربة، لا يكون معها استقرار ولا تطور، بل تظل نهباً لكل طامع.
стр. 5950
الرؤية المركَّبة (٣ـ٣)
د. عبد الكريم بكا ر
ذكرتُ في المقال السابق أن حلَّ مشكلات التعليم يحتاج إلى (رؤية مركَّبة) ، وذكرت بعض الأفكار حول تشخيص أوضاعنا التعليمية على نحو مقارب، واليوم أتحدث ـ بإذن الله تعالى ـ عن بعض الخطوط العريضة التي يمكن أن يُستفاد منها على صعيد بناء رؤية شاملة للارتقاء بالتعليم، وذلك عبر المفردات الآتية:
١ ـ لا ينبغي للرؤية المركبة أن تبدو وكأنها خلطة معقدة، تجعل صانعها بمثابة من قيل فيه: «تكلَّم كثيراً ولم يقل شيئاً» ، وهذا يحدث حين نتبع أسلوباً مبتذلاً في معالجة قضايا شديدة التعقيد، على ما نراه اليوم في مجالس سمرنا، حيث يتحدث من شاء فيما يشاء من غير أي معرفة جيدة ولا تخصص ولا استعداد مسبق ...
٢ ـ لا ينبغي كذلك لطرح مشكلات التعليم ـ وكل المشكلات الأخرى ـ أن يبدو وكأنه (تفريق دمه على القبائل) ، وذلك حين نقول: المعلمون والأهالي والطلاب والحكومات والأثرياء وأصحاب المدارس الخاصة، والاستعمار وأصحاب المصانع والمؤسسات ... كل هؤلاء مسؤولون عن ضعف التعليم! لأننا في هذه الحالة نعلِّق الإصلاح على جهات كثيرة، لا يمكن التواصل والتفاهم معها حول قضية التعليم، حيث إن لكل جهة من تلك الجهات همومها الذاتية والشخصية التي تحجبها عن التفاعل المطلوب مع منظِّري إصلاح التعليم، كما أن بحث الأمور بهذه الطريقة يشجع الجميع على التهرب من المسؤولية، كما أنه يؤدي إلى شيوع القنوط واليأس من إمكانية التقدم، وهذا ما أشعر أننا قد ابتلينا به فعلاً في معظم مجالات الإصلاح، مع الأخذ بعين الاعتبار أن من يطرح الأمور بهذا الأسلوب ليس مخطئاً على مستوى المضمون، حيث إن المسؤولين عن ضعف التعليم فعلاً هم كل من ورد ذكرهم، ومعهم آخرون نذكرهم، لكن الخطأ يكمن في أسلوب المعالجة ومدى نجاعة خطة الإصلاح.
٣ ـ من المهم أن نقول دائماً: كلما كثرت العناصر المؤثرة في خطة المعالجة صارت المجازفة فيها أكبر، وصار اليقين أقل، وذلك يعود إلى طبيعة عمل الدماغ وطبيعة تعامله مع المعلومات؛ ومن هنا فإن كل ما يقال حول إصلاح التعليم ينبغي أن يُتلقى على أنه شيء ظني تخميني اجتهادي، وعلينا أن نتوقع دائماً أن يشوبه شيء من الوهم والخلط والمبالغة، وإن الواقع يشهد على صحة هذا؛ فلو أردنا أن نزن أوراق الدراسات والبحوث والندوات والمؤتمرات التي أقيمت حول إصلاح التعليم في أي بلد؛ لوجدنا أنها تُحسب بالأطنان، ومع ذلك فإن هناك من يقول: إن التعليم يتدهور ويتراجع.. أكتب هذا من أجل عدم التعويل كثيراً على اجتهاداتنا وبحوثنا، ومن أجل المجاهدة للاحتفاظ بعقول مفتوحة تجاه من يخالفوننا الرأي في مسائل الإصلاح المختلفة.
٤ ـ من المهم ونحن ننظِّر لعملية إصلاح التعليم أن نحدد بدقّة المكان والبلد الذي نتحدث عن مدارسه وجامعاته، فمع أن معظم المؤسسات التعليمية يعاني من مشكلات مشتركة إلا أن المطلوب ليس بحث ما هو مشترك، وإنما بحث ما هو خاص. وإنما أقول هذا لأن المعالجة الدقيقة تقتضي بالإضافة إلى الرؤية الشاملة أن نحدد مداخل الحركة الإصلاحية ونقاط الارتكاز فيها، وأن نحدد العوامل الأكثر تأثيراً؛ من أجل منحها اهتماماً وتركيزاً أكبر. ونحن نجد في هذا الإطار أن مدخل إصلاح التعليم يكون في بعض البلدان في تحسين سويّة المعلمين ووضع محفزات لاجتذاب أفضل العقول والكفاءات إلى هذه المهنة، كما هو الشأن في معظم الدول الفقيرة والفقيرة جداً. في كثير من بلدان إفريقيا تجد رغبة جامحة لدى الطلاب في التعلم، لكن التجهيزات المدرسية تقترب من العدم، أما في الدول الثرية والمتوسطة؛ فتجد أن ضعف الرغبة وفقد الحماسة للتعلم هي المشكلة الجوهرية. هناك دول تعاني من كل أشكال الضعف في المؤسسات التعليمية، إلا أن كل شيء يمكن أن ينهض ويتحسن إذا تحسنت الخطط التنموية والأداء الاقتصادي، وذلك كي يشعر الدارسون في المدارس والجامعات أنهم يجدون بعد التخرج فرصاً للعمل أفضل من الفرص التي يجدها (المهنيون) الذين لم يتلقوا إلا حظاً يسيراً من التعليم.
وهكذا نجد أن الوقوف على نقاط الضعف الأساسية في التعليم يتطلب فهم ما عليه الوضع في بلدٍ ما، وما عليه الوضع في بلد آخر، وإلا كنا أشبه بـ (الحلاّق) الذي يمارس الحجامة وقلع الأضراس وختان الأطفال.
٥ ـ لا نستطيع ونحن نتحدث عن الرؤية المركبة في مجال التعليم إلا أن نتحدث عن (التعليم الأهلي) ، حيث إنه ينمو بصورة مستمرة، وله مستقبل كبير؛ هذا التعليم يملك إمكانات هائلة تؤهله من أن يقود عملية التغيير التعليمية على مستوى بلد بأكمله، كما أنه في الوقت نفسه يستطيع أن يقدِّم أسوأ النماذج في هذه المهنة الشريفة، إن له وضعاً مختلفاً فعلاً عن التعليم الحكومي، وهذا ما نشاهده اليوم؛ حيث نجد القليل من الجامعات والمدارس الأهلية التي تقدم النصح والتوجيه والتعليم الجيد، والكثير منها يتخذ من الطلاب سلعة للمتاجرة، ويهان فيها المدرِّسون ويظلمون على نحو يخجل الإنسان من الحديث عنه، ولهذا فإن أساس تطويره يقوم على المقولة التالية: «ادعمه وراقبْه» ، المزيد من الدعم من قِبَل الحكومات والمزيد من الضوابط الصارمة والمراقبة المستمرة.
٦ ـ مهما طوّرنا وأصلحنا في مؤسساتنا التعليمية، فإنها ستظل تعاني من شيء من القصور، وذلك يعود أساساً لقصور القائمين على الإصلاح وقصور المنظِّرين له، ومن هنا فإنه لا بد من إيجاد نظام نستدرك من خلاله على قصور النظم التعليمية، وهذا النظام يتمثل في التعليم (الخيري) و (اللاربحي) ؛ حتى يجد الطالب الفقير والموهوب المدرسة الممتازة التي يدرس فيها بأقساط ميسرة أو من غير أن يدفع أيَّ شيء، وهذه الفكرة في منتهى الأهمية والحيوية؛ وهي فكرة إسلامية عريقة، حيث إن العمل الخيري في الفلسفة الإسلامية لا يقوم من أجل سدِّ حاجات الناس على نحو كلي، فهذا عسير للغاية، وليس فيه مصلحة، وإنما يقوم بوصفه كرَّة ثانية من أجل الاستدراك على عدالة اجتماعية منقوصة بسبب قصور النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وقد كان المسلمون في يوم من الأيام رواداً عظاماً في التعلم المجاني والخيري، ثم دار عليهم الزمان حتى أصبحوا في ذيل القافلة على صعيد هذا المجال المهم، ولا بد من استعادة ذلك الدور إذا ما أردنا للوضع التعليمي لدينا أن يسير في الاتجاه الصحيح.
والله ولي التوفيق.
стр. 5951
حوار مع الداعية المجاهد نجم الدين فرج أحمد المشهور بـ (كريكار) .
حاوره: عبد الله العلوان البدري
استراتيجيات المحتل الأخيرة، هي (تكتيكات) الهروب بعد الفشل
أولاً: هل يمكن إعطاؤنا نبذة عن فضيلتكم لنعرّف القراء بكم عن قرب:
الاسم: نجم الدين فرج أحمد المعروف باسم (فاتح كريكار) .
من مواليد ١٩٥٦ السليمانية/العراق.
أحمل بكالوريوس في اللغة العربية، وماجستير في علم الحديث، مع دراسة الشرع عند علماء المنطقة.
أتحدث اللغات الكردية والعربية والفارسية والأردية والإنجليزية والنرويجية.
لي أكثر من عشرين كتاباً بين دواوين شعرية وتاليف وترجمات، وأكثر من ستمائة درس وخطبة وندوة.
انتمىت سياسياً مثل بقية أفراد أسرتي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني مبكراً، لكن بعد التعرف على الإسلام في السبعينيات من القرن الماضي انضممت إلى العمل الإسلامي، وبقيت في صفوفه حتى عام ١٩٨٨م حيث قررت بعد فاجعة حلبجة الانضمام إلى الحركة الإسلامية في كردستان بقيادة الشيخ عثمان بن عبد العزيز، ﵀، وبقيت في صفوفها قيادياً في المكتب السياسي حتى عام ٢٠٠١م، وبعد تفكك الحركة أسسنا مع بعض الإخوة (أنصار الإسلام) .
أمام ضغط الواقع لجأتُ عن طريق الأمم المتحدة إلى النرويج منذ ١٩٩١م، وتعرضت في السنوات الخمس الأخيرة إلى ضغوط أمريكا والنرويج بزعم التعاون مع جماعة الطالباني مما أدى ذلك إلى تقديمي إلى تحقيقات أكثر من عشر مخابرات دولية وإلى سجن وتجريد من كافة حقوقي المدنية، وأنا الآن قعيد بيتي منذ أربع سنوات، لكني شديد المعارضة للاحتلال الأمريكي، وأنا أول من أفتى في الأكراد بجواز العمليات الاستشهادية ضد الاحتلال الأمريكي.
ثانياً: الأسئلة:
البيان: ما هو حجم الحرب الطائفية التي يتعرض لها أهل السنة في العراق، ومدى تأثير ذلك على الواقع السكاني والسياسي سواء في العاصمة بغداد أو غيرها؟
٣ لا شك أنها حرب عقائدية استئصالية تراكمت فيها أحقاد تاريخية أفرزتها عقيدة دينية منحرفة؛ مع الشعور الطاغي بالمظلمة الحديثة التي ارتكبتها حكومة البعث بحق الدعاة إلى الإسلام من كل المذاهب. أما حجمها فهو بالتأكيد كارثي على أهل السنة؛ لأن الطرف المهاجم والشيعة العراقيين الموالين لإيران عقائدياً أو سياسياً معبؤون بأيديولوجيا ومتهيئون نفسياً، ومنظمون عسكرياً، وحركتهم رسمية حكومية، ولهم ظهر دولة تتدخل بقضها وقضيضها لصالحهم. فالطرف الشيعي لا ينقصه في فرض شروطه شيء! وبالمقابل نجد أهل السنة العرب مشتتين فكرياً لتفرق مرجعيتهم في العالم السني، ومتعبين نفسياً رغم بسالتهم؛ لأنهم يشعرون بخذلانِ مَنْ خَلْفَهم لهم!! ومن الناحية العسكرية فهم رغم أنهم بفضل الله متفوقون، لكنهم مشغولون جماعاتٍ بالاحتلال؛ فهم في جهد جهيد يومياً لإبقاء اختلال الاحتلال مستمراً حتى يُجبَر المحتل على المغادرة، بعدها يُنتظَر منهم أن يُحْدِثوا ـ بإذن الله ـ توازناً حقيقياً مع الشيعة. وسنرى كيف يفعلون!
حجم الحرب كبير؛ أما تأثيرها من الناحية السكانية فهو موجود خصوصاً على بغداد، وقد يطول هذا التأثير لمدة تقصر أو تطول؛ لأن التهجير والاستيطان من سماتها الواضحة، ولكن مع ذلك لن يكون أقوى من تهجير البعث لأكراد كركوك مثلاً أو تهجير مجاميع الشيعة أنفسهم إلى إيران وعودتهم ثانية إلى أماكنهم.
أما التأثير السياسي فلا أرى لذلك تأثيراً يذكر؛ لأن مشروعات الاحتلال ـ بفضل الله تعالى ـ فشلت على صخرة المقاومة؛ فكيف بالمشروع الشيعي الذي هو استنساخ للمشروع الإيراني الفاشل داخلياً في إعطاء الحل المناسب لقضايا الاختلافات القومية والمذهبية في إيران وغيرها؟ وهو مشروع متقوقع خارجياً لا يقدر على التخلص من موروثه التاريخي لصالح أي تجديد خوفاً من التفكك والتشتت.
البيان: ماذا حققت الولايات المتحدة الأمريكية من مشروعها في العراق؟ وهل ما تحقق من المشروع الفارسي في العراق أكثر مما تحقق من المشروع الأمريكي؟
٣ لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية من مشروعاتها في العراق بفضل الله وقوته شيئاً! أليس الفشل واضحاً وفاضحاً من ادعائهم الفارغ لتحكيم الديمقراطية؟ وهو أمر يرى العالم كله فشله!! أو كذبهم الفاحش في جلب الأمان، والادعاء الأكذب في دعوى بناء الرفاهية للإنسان العراقي! أليست هذه مشاريعهم؟! لم يحققوا للعراقيين شيئاً قياساً بتدميرهم، وكل الذي حققوه لهم ولأنفسهم نسبي. فانتصارهم على الجيش العراقي وإن كان مكسباً فقد كان انتصاراً تقنياً وليس انتصاراً في عقيدة القتال ولا إرادة الحرب. نعم! حققوا لأنفسهم سلب خيرات العراق ونهب ثرواته، ولكنهم اضطُرُّوا تحت ضغط المجاهدين أن يصرفوا ما سرقوه في حماية أنفسهم؛ فلم يتحوَّل المسروق إلى ميزانية تعينهم على إنجاح مشروعاتهم الاستعمارية العدوانية.
أما ما تسميه بالمشروع الفارسي فأنا لا أوافقك على التسمية. أنا أحب أن أسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية. فالفارسية لغة لخُمْسَيِ الإيرانيين وخُمْسَيْ أفغانستان وكل طاجيكستان وربع الأوزبك.. والفارسية حتى كقومية لم تغلب التشييعَ في زمن الشاه مثلما غلبت القومية الطورانية والعربية والكردية مثلاً إسلامَ هذه الشعوب لفترة من الزمن، وأنا لم أجد في (إيران الثورة) مشروعاً حضارياً أو سياسياً فارسياً، هناك التشييع بأمته ودولته.. وسؤالك: هل حقق هذا المشروع (الإيراني في كل حال) في العراق أكثر مما حققه المشروع الأمريكي؟ نعم! إن ما حققته إيران عبر المجلس الأعلى (عبد العزيز الحكيم) و (قوات بدر) الغدارة وفصائل أخرى شيعية وعبر (جلال الطالباني الكردي) وعبر (أحمد الجلبي العلماني) التابع للبنتاغون أكثر بكثير مما كان ساسة إيران يحلمون به. عندنا في القرى الكردية عندما يجد الكردي أرضاً صلدة لا يستطيع حرثها يدفن فيها حبات من سفرجل فتشم الخنازير البرية رائحتها فتأتي إليها ليلاً تحرثها بحثاً عن مبتغاها!! هذا ما فعله الإيرانيون بإدارة (جورج بوش) الحاقد الغبي. الإيرانيون استطاعوا بدهاء وتقية جر الأمريكان إلى المنطقة وجعلوهم أداة تدمير لعدوَّيْ إيران اللدودين وهما (الطالبان) في شرقهم و (صدام) في غربهم، فحرث الأمريكان لهم الأرض، وورطهم الإيرانيون فيما هم فيه. لم يحصل الأمريكان والمحتلون على مبتغاهم غير قشور، والإيراني زرع مشاريعه كيفما شاء وسط الشيعة ووسط الأكراد ووسط السنة في العراق بصوره مباشرة حيناً، أو بصورة غير مباشرة، وأحياناً بصور أخرى.
البيان: هنا تغلغل فارسي كبير في الساحة العراقية من ضمنه تجوال لكبار ضباط المخابرات الإيرانية والمسؤولين عن إدارة الحرب الطائفية (ومنهم من ألقي عليه القبض داخل القنصلية الإيرانية) فما هو حجم الوجود الفارسي في العراق على المستوى السياسي والعسكري والديني؛ بما في ذلك كردستان العراق؟
٣ لا تَعُدْ بي إلى جاهلية البعث البائد وتعريفها التعسفي للثورة الشيعية في إيران بالمجوسية وآية الله الخميني بالدجال، ولا تجرني إلى استراتيجية أمريكا الجديدة لمواجهة من يسميهم القوميون العرب المنهزومون اليوم بالرافضة لإثارة غيرة السلفيين وحمية المتدينين السنة لتوظيف طاقاتهم بوجه المشروع الإيراني، فأنا وأنت ننطلق قبل كل شيء من رؤيتنا الشرعية؛ حيث علّمنا ديننا أن الوصف الذي لا يأتي من صفة الشيء مباشرة لا يكون صحيحاً: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] أو يأتي به غير صادق مجرب ﴿قَالُوا إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] .. أنا عندي وصف لإيران جاءني من وجودي في إيران في عهدَيِ الشاه والثورة الشيعية، ثم خالطت أرباب الثورة لأكثر من خمس عشرة سنة، كنت في بلادهم إماماً وخطيباً، كنت حراً كما كنت عندهم سجيناً، كنت ضيفاً على سكرتارية رفسنجاني، كما كنت هارباً مختفياً منهم، تعرفت على علمائهم في قم كما تعرفت على سياسة توجهاتهم الحزبية في طهران، وكنت مدرساً للفارسية؛ فأنا بفضل الله أميز لهجاتها، فكنت أدخل ثنايا الشعب الإيراني بشتى توجهاتهم الفكرية؛ فإيران عندي (مشروع دولة شيعي) وليس مشروعاً فارسياً.
أما عن تغلغل الإيرانيين وتأثيرهم؛ فحدث ولا حرج! والتأثير الأول هو التأثير التوجيهي المرجعي؛ لأن المراجع الأربعة الكبار في العراق: (السيستاني الإيراني الأصل، وسعيد الحكيم ـ عم عبد العزيز الحكيم ـ الموالي المطلق لإيران، وإسحق الفياض الأفغاني الأصل، وبشير النجفي الباكستاني الأصل) كلهم مرتبطون بمركز قم الإيراني وليس بمركز النجف العراقي الذي أصبح بإعدام الصدرين يتيماً؛ فكل توجه وتوجيه لا ينطلق مع توجيه مراجع قم أو لا يكون منسجماً معه يُضيَّق عليه إلى درجة يكاد أن لا يُسمع في أوساط الشيعة. ثم التأثير السياسي وهو على كل فصيل من فصائل الحركة الشيعية العراقية، ويأتي مباشرة من المشروع الشيعي الإيراني حتى يصبح عند البعض كالمجلس الاعلى فرضاً واجب التنفيذ؛ لأن المجلس أداة إيرانية حالها حال مؤسسة حرس الثورة الإيرانية داخل إيران؛ فلا فرق مطلقاً في تنفيذ أوامر المرشد الأعلى آية الله الخامنئي عند قوات القدس في طهران أو عند قوات بدر في العراق. والتأثير الثالث أو الميدان الثالث هو التوجيه المباشر لإيران عسكرياً لكل أوساط شيعة العراق، بصورة مباشرة وبأفراد إيرانيين أو بالمجلس الاعلى، وغير المباشر مع التيار الصدري وحزب الدعوة مثلاً؛ حيث تقوم إيران باستقبال مجموعات الشباب الشيعي لديها لتدريبهم ثم إعادتهم وتسليحهم وتمويلهم. وتدريبهم إما أن يكون على أيدي الحرس الثوري الإيراني مباشرة، أو من قِبَل مدربي فيلق بدر الذي أنشأته إيران جناحاً مسلحاً لـ (للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) عام ١٩٨٢م. ثم التأثير المالي؛ حيث يأتي التمويل مباشرة من إيران أو من مشروعاتها التجارية الرسمية مع الحكومة العراقية، أو من خلال مشروعات الحكومة العراقية، التي يسيِّرها (لُوبيُّها) الشيعي فتعود مالاً مستثمراً يدخل في ميزانية المشروعات التي تخدم التوجه الإيراني. وكل هذا يكون تحت تصرف المخابرات الإيرانية ومراكز الدراسات والبحوث التابعة لوزارتها أو لوزارة الحرس الثوري. فتأثير إيران ليس فقط في المفاصل، بل في النخاع الشوكي من المفاصل.
البيان: تروِّج الإدارة الأمريكية للتجربة الكردية من حيث ضمان الحريات الشخصية واحترام حقوق الإنسان؛ فما مدى مصداقية هذه المواصفات في إطار كردستان العراق؟
٣ هذا أيضاً من أكاذيبهم؛ أخزاهم الله ومن والاهم. واللهِ ما مرت ببلاد الأكراد فترة أتعس من هذه الفترة التي تمتاز بضياع الوجود وانعدام الوزن الفكري والسياسي. ضيع الأكراد في هذه الفترة في كردستان كل ما يمت إلى تاريخهم بصلة من خلق ودين وتاريخ نضال واستقلالية القرار! تقزَّم النضال القومي الكردي في ظل الحزبين العلمانيين المتناطحين (حزب الطالباني، وحزب البرزاني) إلى إقليمية شملت ثلثي ولاية الموصل القديمة، وانشطرت هذه الإقليمية الصغيرة لتكبرها إدارتان متقاتلتان، ثم فشلت الإدارتان في الاحتفاظ باللغة والأرض والتاريخ، ولم يوظفوا الاقتصاد في البناء؛ كما فشلوا في بناء أصغر مؤسسة دستورية معتبرة أو استقلالية للقضاء أو حرية للتعبير، فضيعوا الأول والتالي. والأمان الذي عاش الحزبان في أجوائه لم يكن منهما، بل كان من الأمريكان والبريطانيين الذين استحدثوا منطقة حظر الطيران العراقي (نو فلاي زون) بعد تحرير الكويت ضغطاً على (صدام حسين) ونظامه. يكفي أن تعرف أن كردستان اليوم رسمياً تابعة للحكومة العراقية؛ فالأكراد لهم اليوم ثلاث وزارات لحقوق الإنسان، وثلاث وزارات للعدل: واحدة مركزية في بغداد، وواحدة في السليمانية وحكومتها (الجمهورية الاتحادية الوطنية الكردستانية الاشتراكية العظمى) بقيادة جلال الطالباني!! وحكومة (المملكة الكردية البارزانية الدستورية الفدرالية) في أربيل بقيادة مسعود البرزاني! ولنا إخوة في سجون أربيل والسليمانية وقد مر على احتجازهم غير القانوني أكثر من ست سنوات دون محاكمة أو توجيه تهمة إليهم!! ولنا إخوة مثل (طاهر توفيق) في السليمانية وقد أطلق سراحه من سجن أبي غريب عند الاحتلال وأعيد اعتقاله في السليمانية بعد ثلاثة أيام، وهذه هي السنة الرابعة وهو قيد الاعتقال دون توجيه تهمة له أو دون تقديمه إلى المحكمة. فأي كرامة أبقاها الحزبان العميلان في ظل الاحتلال المباشر وغير المباشر؟ وأين حرية الإنسان؟ وقد وجه أستاذ جامعي يحمل الجنسية النمساوية نقداً إلى مسعود البارزاني فاعتقل وحكم عليه الحزب الديمقراطي دون محاكمته بالسجن ثلاثين سنة؛ فبِمَ يفتخرون؟ بسجون في الجبال لعرب وتركمان وأكراد مختطفين لا يعلم عنهم شيئاً غير الله ينافسون بها غوانتانامو؟!
البيان: كيف ترون واقع أهل السنة والدين والدعاة في كردستان في ظل الحكومات الكردية المتتابعة؟ هل هناك حرية للدعوة الإسلامية؟ وما مدى حقيقة الصراع الديني العلماني والماركسي هناك؟
٣ واقعنا في كردستان أكثر من مأساة؛ فالمجاهدون بعدما ضُربوا في (بيارة) وما حولها في مارس ٢٠٠٣م استشهد منهم حوالي ٨٥ مجاهداً، ثم اعتُقل العشرات منهم في إيران والعراق وما زالوا في سجونهما، والبقية الباقية منهم وصلوا إلى العمق السني في المثلث؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً؛ والحمد لله. أما الإسلاميون الآخرون فلدينا خط دعوي؛ فهم مثل (الحزب الإسلامي العراقي) مع مشروعات الاحتلال، وجماعة الأخ (علي بابير) يمثلون التوجه الإيراني في أكراد العراق وهم أيضاً منخرطون مع الأحزاب العلمانية الكردية في مشروع الاحتلال. ولكن الجو العام في كردستان جو إرهاب رسمي أنشأته الإدارة العلمانية الكردية، وأغلبية العلماء أُبعدوا عن المنابر، وأُغلقت كلية الشريعة الوحيدة في كردستان مع خمسة معاهد شرعية أخرى. الكفر يكاد يكون بواحاً وصارخاً ومهاجماً يشبه انحراف زمن (مصطفى كمال) في تركيا أو فترة الناصرية في مصر، والمحنة الكبيرة أن جيلاً من الأكراد أو جيلين تربوا تربية لا تمتُّ إلى قيم المنطقة الحقيقية بصلة، فلا يعرف الفرد منها لغة ولا ثقافة وهو يردد ما يمليه عليه العلمانيون الذين يسيِّرون دفة الأمور. يتحير أمثالنا في توجيه شبابنا المتبقي: أنوجههم فكرياً أم سياسياً، أم نعلمهم ألف باء الشرع، أم اللغة العربية، أم نواجه بهم الغزو العسكري والسياسي والفكري الذي جاءنا طوفاناً وهم فقراء الفكر والمال؟
البيان: أخذ مشروع الفدرالية مساحة واسعة من التوجهات السياسية في العراق، وقد سيطرت قوات كردية على مناطق حارج إقليمها في ديالى والموصل وغيرهما؛ فهل تجدون من مصلحة الشعب الكردي المسلم الانفصال عن الدولة العراقية؟
٣ الفدرالية جاءت حلاً سياسياً وإدارياً لمشكلات (إثنية) في بلدان كثيرة، وجاءت في الأوقات الصحية للشعوب، وهي أقل من نظام الولايات الإسلامية التي كانت مطبقة في زمن العباسيين؛ حتى في الفترات المختلفة من تاريخ الدولة العثمانية؛ وفي زمن السلطان عبد الحمد الثاني ﵀ مثلاً؛ حيث سار على ما سمي في زمانه بـ (الإيالات) واستمر الأمر على ذلك حتى انقلاب العلمانيين عليه في ١٩٠٨م. والفدرالية التي ينادي بها أكراد العراق لا أرى فيها ضيراً، على ألا تهضم حقوق الآخرين، وألا يكون على حساب الآخرين، وأن يؤيدها أغلبية الشعب الكردي، وأن يقتنع بها اغلبية العراقيين كي تنجح لتكون مثالاً إدارياً؛ لأن عودة مركزية صارمة لحكومة عراقية في بغداد ـ وإن كنت أراها بعيدة في الوقت الحاضر ـ لا أراها إلا صولجان فرعون يعيدنا إلى الحكم البوليسي لتوتاليتارية البعث، وتجربةُ الأكراد مع الحكومات المركزية في بغداد مُرَّة بالمرة.
أما أن الأكراد سيطروا على مناطق خارج إقليمهم، فيحتاج أولاً أن نحدد الإقليم، وأين حدوده ومن يرسمه، وحسب أي قياس؟ فمثلما بالإمكان أن يقال إن إدارة الأكراد ضمت (قضاء خانقين) في ديالى أو (قضاء مخمور) في صلاح الدين إلى المنطقة الكردية، فكذلك يمكن أن يقال إن حكومة العراق الحالية الموالية للاحتلال لا تريد إعادة جغرافية السكان في محافظات الموصل وكركوك وديالى وصلاح الدين إلى سابق عهدها. واليوم عندما يقول الأكراد إن خانقين ومخمور كانتا قبل البعث من ضمن إقليم كردستان وجاء ضمهما إلى غير المحافظات الكردية خطة لحكومة البعث لتشتيت الوجود الكردي في بعض المحافظات وللحدِّ منه في محافظات أخرى؛ فهي آراء لا تكون بعيدة عن الواقعية إن ساندها دليل.
أما الانفصال عن الدولة العراقية، فرغم أنه في الوقت الحالي غير واقعي؛ لكنني أراه ـ من وجهة نظري ـ حلاً لإنهاء الدم المهراق منذ ثمانين سنة عندما شكَّل الإنجليز العراق بجغرافيته الحالية، وأتى تشرشل بعد مؤتمر القاهرة في ١٩٢١م بالملك فيصل حينها من أشراف مكة ونصبه ملكًا على العراق، ورضي الشيعة به مثل رضاهم اليوم بجلال الطالباني؛ كان الأكراد يومها في سعيهم لتشكيل دولة خاصة بهم، تنفيذاً للفقرة الرابعة من اتفاقية سيفر ١٩٢٠م، ولم يرَ الملك فيصل نفسه قادراً على حكم الأكثرية ما لم يضم إلى حكمه الأكراد باعتبارهم سنة بحيث يصبحون مع الثلث السني العربي نصف العراق أو أكثر، فيحصل التوازن النسبي لمقبلات الأيام، فصار ما صار بإلحاق ولاية الموصل (التي كانت تضم كل كردستان العراق اليوم وزيادة) إلى حكومة بغداد، وحاول الأكراد من يومهم الاحتفاظ على الأقل باستقلالية مناطقهم كأقل محصول. ومنذ ذلك اليوم والحكومات العراقية المتعاقبة تحاول السيطرة على الأكراد وكردستانهم بالقوة، وتطبيق قرارات المركز عليهم، وهم لا يشتركون مع المركز في صنع القرار السياسي، بل كل قرار يأتي معاكساً لأبسط آمالهم. فانفصال الأكراد يريح العرب والتركمان وغيرهم. أما إن كان ذلك غير ممكن اليوم، كما يدعي قادة الأكراد القوميون، فهلاَّ أصبحوا جديّاً عراقيين، ودخلوا معمعة صراعاته برجولة واقتدار! أما مواقفهم الحالية من العراق وما يجري في بغداد فمشينة إلى أبعد حد؛ حيث ينفذون المثل الكردي الذي يقول: (حصتي لي، وآكل مع حصتك) ! فإن كانوا عراقيين فليتصرفوا كعراقيين شرفاء ويتحملوا مسؤوليتهم التاريخية في الواقع العراقي الحالي، لا أن يستغلوا تحري العربي الأمانَ في بلادهم ليطالبوه بالإقامة في السليمانية أو أربيل وهما محافظتان عراقيتان؟! وإن كانوا لا يعتبرون أنفسهم عراقيين كما يوجهون الأكراد ليل نهار فلينفصلوا إن كانوا أحراراً ويريدون إنشاء دولة كردية ويتحملوا عواقب ذلك. أما أن يتأرجحوا لمصالح فليتحروا من أين تؤكل الكتف فهذا عار وشنار يسجله التاريخ عليهم.
البيان: مضت أربعة أعوام تقريباً على المقاومة في العراق؛ فهل ترون مسيرة المقاومة الآن في تقدم، أم في تراجع سواء من ناحية العمل العسكري أو الجغرافي وانتشار المقاومة؟
٣ مسيرة المقاومة العراقية مسيرة مشرفة جداً، وكانت أكثر من المتوقع، طوبى لهم! أرى مثل غيري، ويشترك معنا خبراء عسكريون وكُتَّاب ومحللون في نيوزويك وغيرها مثلاً ـ أرى خطاً بيانياً صاعداً في النشاط الجهادي للمقاومة خلال السنين الثلاث المنصرمة، وأرى التوسع في أفق قادة المقاومة الفكري والسياسي، ومزيداً من استيعاب القضية وأبعادها المتعددة نتيجة الدروس الواقعية المخضبة بالدم، وأرى فصائل المقاومة تتقارب بعضها من بعض؛ فأنتم ترون تقارب الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين والجامع وجيش الراشدين، وترونها فصائل متقاربة فكرياً وسياسياً وربما جغرافياً أيضاً، وبعض الفصائل الأخرى القريبة من المجاهدين أو من أنصار السنة هم كذلك. هذا وإن كان الأمر يحتاج إلى المزيد من توحيد الجهود، ولكنَّ من يعرف حجم العمل الجهادي وهو في واقع معقد وخطير مثل واقع العراق اليوم يرى أن هذا التقارب ثمرة جهد لا يستهان به؛ لأن الناس تربوا في جو بعث فرعوني لم يكن من السهل إجراء لقاءات موسعة لتلاقح الآراء وتوحيد العمل التنظيمي والتخطيط لكيفية توجيهه.. وهذا لا يمنعنا من أن نبدي ملحوظة أيضاً بأننا خارج التشكيلات المجاهدة نرى في الفترة الأخيرة شيئاً من تنازل الخط البياني للنشاطات المؤثرة قد يكون سببه تقوقع الاحتلال، في معسكرات حصينة، وسعة انتشار قوات الحكومة التابعة للاحتلال، والانشغال برد الهجمات الهمجية لميليشيات الشيعة، وكثرة الاجتماعات السياسية وغيرها، ولكنني أرى بصورة عامة المقاومة العراقية أوعى من كثير من فصائل إسلامية مقاومة في بعض بلدان المسلمين، وهذا هو المتوقع والأمل بعد الله ـ تعالى ـ فيهم، وهذا قَدَر المقاومة العراقية التي امتُحنت بأسئلة أصعب مما امتُحن به غيرها، امتحان المقاومة ينسجم مع مستواها الاستيعابي الفكري والسياسي في مرحلة الأمة التاريخية هذه. أسأل الله أن يرعاهم بمعيته، وأن لا يَكِلَهم إلى غيره طرفة عين، وأن لا يخيب آمالنا فيهم.
أما من ناحية الانتشار؛ فوالله يا أخي! لا يلامون على عدمه؛ لأن الانتشار العسكري الناجح تخاف منه الجيوش النظامية، ألا ترى كم عقد الألمان من جلسات برلمانهم حتى وافقوا على خروج بعض قواتهم من كابول إلى ولاية قندوز؟ ألا ترى كم يحسب البريطانيون حساباً لإعادة انتشارهم لما بعد وقبل مارس؟ المقاومة تتمنى الانتشار جغرافياً لما فيه من إرهاق عدوها، لكن لا ينبغي أن يكون الانتشار انتحاراً؛ كم تمنيت أن تعود بعض كتائبنا إلى كردستان لإنشاء مأوى للمحرومين من جديد، ولتبدأ جولة جديدة من إثبات الذات بحول الله ـ تعالى ـ وقوته؛ ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
البيان: من المعلوم أن كل حرب أو احتلال ينتهي بتفاوض وانسحاب متفق عليه، والوقائع الكثيرة تدل على أن قوات الاحتلال تبحث عن مخرج لها في العراق؛ فهل هناك نية توحيد لفصائل المقاومة وإعلان واجهة رسمية تفاوض عنهم لجني ثمار هذا الجهاد بخروج المحتل؟
٣ في عام ١٩٨٩م سألت أحد الدعاة المشهورين بعد جولة له مطولة أوصلته إلى الصين والاتحاد السوفياتي، قلت له: هل ترى الروس صادقين في قرار الانسحاب من أفغانستان وهم بقوا سنين أطول في بلدان أخرى احتلوها؟ قال: إن الروس يريدون أن يزحفوا على بطونهم فراراً من أفغانستان، لكنهم يخافون أن يتبعهم أهل الجهاد إلى عقر دارهم. وهذا الكلام ينطبق تماماً على المحتل الأمريكي أيضاً؛ فهم دخلوا العراق بغطرسة وغرور نابعين من الشعور بالاستعلاء العسكري، ونسوا أن في أمتنا استعلاء إيمانياً لا يفوقه استعلاء. أمتنا المسلمة هي الوحيدة بين الشعوب والأمم التي لم تتأثر بالمحتل مهما طال احتلاله ولم ترضَ بأنصاف الحلول معه، ألم يبق الصليبيون في بلاد أمتنا ٩٨ سنة؟ ألم يبق الاستعمار الفرنسي في الجزائر ١٣٠ سنة؟ أين هم وما الذي تركوه من بصمات على رؤية المجاهدين في الصراع حسب أدبيات أمتنا العقائدية؟ لا شيء!
نعم! إن الحرب ستنتهي مهما طالت، والمقاومة بإذن الله ـ تعالى ـ ستنتصر، وستدخل بعدها مرحلة أخرى أصعب تطول أو تقصر تحمي فيها ثمرة جهادها، وتكمل مسيرتها نحو الهدف الرباني المنشود، وهذا يتطلب اليوم من المقاومة تصرفاً مسؤولاً يتغاضى ـ توحيداً للكلمة وتجميعاً للطاقات ـ عن بعض حقوقها لمن هم في الساحة معها، لكنهم يريدون الدنيا من الآخرة على أن لا يكونوا عصابة تجني الثمر عنوة أو خلسة أو مؤامرة.
على قيادة المقاومة أن تكظم غيظها وتعلق جراحها وتترفع عما يبدد هالتها المضيئة التي حاكها الجهاد حولها. عليها أن تسرع في توحيد رؤى الفصائل وفي تقديم مشروع دولة متكامل، وأن تهيئ واجهاتها من الآن حتى لا يحدث الهرج والمرج فيختلط شعاع الصابر الصادق مع لمعان مزيف يركب موجة العواطف.
نعم! إن الأمريكان في مأزق حقيقي، واستراتيجية بوش الأخيرة ليست استراتيجية، بل هي تكتيكات الاستراتيجية الأمريكية القديمة نفسها وهي مجربة سلفاً، لكنهم يستخدمونها كآخر رمية؛ والله أعلم. فلئن صبرت المقاومة واصطبرت على جهادها، وطال الزمن على الاحتلال فأرى ـ والله تعالى أعلم ـ أن الاحتلال سيغادر المنطقة العربية العراقية قبل انتهاء سنة ٢٠٠٧م.
أما بالنسبة للتفاوض فلا مانع أن يكون للمقاومة جناح للتفاوض من المدنيين الذين تثق فيهم أغلب فصائل المقاومة من الذين ظهروا، أو من الذين لم يظهروا؛ على أن يعود توقيع كل شاردة وواردة إلى قادة المقاومة حصراً.
اللهم جبارَ السموات والأرض أرنا في قوات الاحتلال الظالمة عجائب قدرتك، وأنزل نصرك الذي وعدت به عبادك المؤمنين على إخواننا المجاهدين الصادقين في كل مكان؛ فقد صرنا ربنا أحوج مما مضى إلى ظل الشريعة نستظل بها في حر الجاهلية ونكشف للناس حقيقة سرابها.
стр. 5952
سبل التقدم العلمي والتقني في البلاد الإسلامية
إعداد: خباب بن مروان الحمد
المشاركون في الإجابة عن أسئلة التحقيق:
١ ـ د. إيهاب الشاعر: فلسطيني مقيم بأمريكا، متخصص في الحاسوب والاتصالات.
٢ ـ د. باسم خفاجي: مصري، متخصص في الهندسة المدنيَّة.
٣ ـ أ. د. زغلول النجار: مصري، متخصص في علم التربة والجيولوجيا.
٤ ـ د. عبد الله الضويان: سعودي، متخصص في علم الفيزياء.
٥ ـ د. عبد الوالي العجلوني: أردني، متخصص في علم الفيزياء.
٦ ـ أ. د. نعمان الخطيب: فلسطيني مقيم بالسودان، متخصص في هندسة البترول والتعدين.
٧ ـ د. محمد المدهون: فلسطيني، متخصص في تنمية الموارد البشرية.
لا ريب أنَّ من أبرز التحديات التي تواجه أمتنا الإسلامية ذلك الضعف العلمي والتقني إلى حد أن صرنا ندعى بأننا (العالم المتخلف) أو (النامي) ، فأصبحنا عالة على غيرناوللأسف.
(البيان) ألقت الضوء على هذه القضية قناعة بأهمية مناقشة هذا الموضوع بأبعاده المختلفة، وتوجهنا لضيوفنا الكرام بالعديد من الأسئلة:
لماذا تأخرنا ولماذا تقدم غيرنا؟ وما سبل التقدم العلمي والتقني للأمة الإسلامية؟ وهل هناك محاولة احتكار لحصار العالم الإسلامي؟ وكيف نتعدى هذه العقبة إن وجدت؟ وما دور صناعة الرأي والمشورة في عملية الاختراعات؟ ... إلى غير ذلك من المحاور العديدة بإذن الله التي ستناقش هذا الموضوع.
٣ مدخل مفيد لكنَّه مؤلم:
هكذا استهلَّ الدكتور الضويان حديثه حول واقع العالم الإسلامي مقارنة مع العالم الآخر، من حيث الأميَّة وميزانيَّة التعليم بالنسبة لحجم الدخل القومي، وميزانيَّة البحث العلمي.
كما أبدى عدد من المشاركين استياءهم لقلَّة المخصَّصات لوسائل التقنية في العالم الإسلامي، ورأى الدكتور إيهاب الشاعر أنَّ تخلُّف العالم الإسلامي في المجال التقني والمعلوماتي أقل من الحد الأدنى الذي بدونه لا تعيش الشعوب عزيزة.
في حين يقول الدكتور العجلوني: إنَّ ميزانيات البحث العلمي في الدول العربية والإسلاميَّة هزيلة للغاية، ولا تُذكر ضمن ميزانيات المؤسسات العلمية العربية كالجامعات إلا من باب استعمال الديكور أو المظاهر؛ فهي للأسف لأغراض الزينة وليس للبحث العلمي الحقيقي.
وعودة لأطروحة الدكتور الضويان؛ حيث يتحدث قائلاً: لا يتجاوز ما تنفقه الدول الإسلامية على البحث والتطوير ٠.٢% من إجمالي الدخل القومي، وهو أقل بكثير مما تنفقه شركة عملاقة واحدة كشركة سوني اليابانية مثلاً على البحث والتطوير. وباستقراء التغيُّر الحاصل في الدول الإسلامية في هذا الجانب خلال السنوات الثلاثين الماضية نجد أنه ـ مع الزمن ـ يتجه إلى الأسوأ؛ مع كل أسف.
ويدلي الدكتور باسم خفاجي دلوه في هذه القضية فيقول: أبسط معطيات التقدم لدى العالم العربي والإسلامي، تفترض إجادة الشعوب لمبادئ القراءة والكتابة في عالم اليوم، بينما تظهر الإحصاءات ـ الصادرة أخيراً عن المنظمة العربية للثقافة والعلوم ـ أن عدد الأميين في العالم العربي قد وصل إلى سبعين مليون شخص خلال العام الميلادي (٢٠٠٥م) . كما أن نسبة ما ينفَق عربياً على التعليم العالي لا تتجاوز ١% من ميزانيات الدول الإجمالية، وهي نسبة متدنية، خصوصاً مع واقع الأمة الإسلامية.
وقد أظهر تقرير صدر أخيراً عن منظمة اليونسكو أن العالم العربي الذي يصل عدد سكانه إلى ٢٩٠ مليون نسمة، يوجد فيه أكثر من ٤٠ مليون تلميذ في سن المرحلة الابتدائية، كما يوجد أيضاً ما يقارب من ٨ ملايين طفل في سن المرحلة الابتدائية خارج المدارس، أي أن ما يقارب ٢٠% من أطفال العالم العربي هم ممن لا يتلقون التعليم الأساسي اللازم لإجادة القراءة والكتابة. وهذه المشكلة تزداد تفاقماً عندما نعرف أن المجتمع العربي مجتمع شاب، فأكثر من ٣٧% من أبناء العالم العربي أعمارهم دون أربعة عشر عاماً، تبعاً لتقرير اليونسكو نفسه عام ٢٠٠٥م.
ويضيف الدكتور باسم قائلاً: بلغت نسبة الإنفاق على التعليم الأساسي في العالم العربي أرقاماً متدنية مقارنة بباقي دول العالم؛ فإجمالي الإنفاق على التعليم الأساسي في مصر لا يتجاوز ٠.٦% من ميزانية الدولة أي أقل من ١%، وفي المغرب يصل إلى ٢.٦%. ويقارن ذلك بالكيان الصهيوني الذي ينفق ٢.٨% على التعليم الأساسي (أي ما يقارب خمسة أضعاف ما تنفقه مصر) . أما إجمالي الإنفاق على التعليم تبعاً لتقرير اليونسكو عن عام ٢٠٠٥م، فإنه يتراوح بين ١% ولا يزيد عن ٦% في معظم الدول العربية.
ويذكر الدكتور زغلول النجار أنَّ السبب الرئيسي لهذا التباين الكبير في متوسط دخل الدول الإسلامية يرجع إلى عامل التجزئة، والكيانات المصطنعة التي رسمت حدودها الراهنة القوى الاستعمارية العالمية (وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا) وحافظت عليها، لتبقى الأمة الإسلامية على هذه الصورة من التفتت الذي لا يمكِّن أياً من دولها من القيام بذاته.
٣ سبب إهمال دراسات العلوم التقنية في العالم الإسلامي:
يقدم لنا الدكتور محمد المدهون رأيه باختصار حول ذلك في ثلاث نقاط: التبعيَّة، غياب الحوافز، عدم رعاية المبدعين والأفذاد.
بينما يسهب الدكتور زغلول النجَّار في ذكره لأسباب إهمال دراسات العلوم التقنية فيقول:
١ ـ تفشّي الأميّة بين المسلمين البالغين في هذا العصر بصورة مزعجة تتراوح نسبتها بين ٥٠% و ٨٠% (بمتوسط حوالي ٥٨%) .
٢ ـ كثرة ما تحتاجه دراسات العلوم والتقنية من تجهيزات، ومختبرات، وأجهزة، ومعدات، وما وصلت إليه تكلفة ذلك في هذه الأيام من مبالغات.
٣ ــ انعدام التخطيط والتنسيق والتعاون بين مختلف المؤسسات العلمية والتقنية في العالم الإسلامي المعاصر.
٤ ـ هجرة أعداد كبيرة من العلماء والفنيين إلى خارج حدود العالم الإسلامي؛ وهذا في حد ذاته يمثل استنزافاً لأهم طاقات المسلمين ولأعظم إمكاناتهم.
٥ ـ تمزُّق العالم الإسلامي المعاصر إلى أكثر من خمسين دولة بالإضافة إلى أقليات منتشرة في كل دولة من الدول غير الإسلامية تفوق أعدادها مئات الملايين في بعض هذه الدول، واحتلال أجزاء عديدة من أراضي المسلمين؛ مما أدى إلى تشتيت المقومات المادية والروحية والطاقات البشرية للمسلمين.
٦ ـ اعتماد الدول الإسلامية على الاستيراد من الدول الأخرى بدلاً من التكامل الاقتصادي والصناعي والزراعي فيما بينها؛ مما أدى إلى خنق كثير من النشاطات الصناعية والزراعية في العالم الإسلامي، وإلى استنزاف أموال المسلمين، واستغلالهم، وفرض السيطرة عليهم من قِبَل الدول الموردة وتكتلاتها الصناعية والزراعية والتجارية المختلفة.
وتجدر الإشارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية لا يمثل أكثر من ١% من تجارتها الدولية، وأن هناك أسعاراً خاصة تفرض اليوم على واردات العالم الإسلامي بصفة عامة، كما أن ما تدفعه تلك الدول سنوياً في الاستيراد يكفي لإقامة أكبر الصناعات، ولدعم أضخم المشروعات الزراعية والإنتاجية التى يمكن أن تسد حاجة المسلمين كافة، وتغنيهم عن تحكم التكتلات العالمية المستغلة فيهم.
ويضيف الدكتور العجلوني شيئاً من الأسباب التي يرى أنَّ لها دوراً في إهمال الدراسات للعلوم التقنية؛ حيث قال: عدم معرفة الأولويات، وانشغال الشعوب بالملهيات، وأحياناً الشعور بالعجز المطبق عند مشاهدة الهوة الواسعة بين مستوانا التقني والمستوى التقني في الغرب واليابان.
ويرى الدكتور نعمان الخطيب رؤية مغايرة لما رآه بعض المشاركين؛ حيث يرى أنَّه ليس هناك إهمال في دراسات العلوم التقنيَّة؛ فيقول: لكن الدراسات في العالم الإسلامي سواء كانت علوماً نظرية (إنسانيَّة واجتماعية) أو علوماً تقنية؛ فإنها لا تُدرّس بالطريقة الصحيحة، وتعتمد على التلقين وليس على البحث والتفكير والابتكار. أما إذا كان المقصود إهمال الأبحاث في الدراسات التقنية؛ فإن السبب هو صعوبة إجراء هذه الدراسات، واعتمادها على أجهزة متطورة غير متوفرة في معظم الأحيان في الجامعات ومراكز الأبحاث في العالم الإسلامي، والتركيز على الأبحاث النظرية التي تحتاج إلى ورقة وقلم فقط.
٣ هل تعاني الدول الإسلامية من احتكار التقنية؟
كان العلم متقدماً عندنا في السابق؛ فقد ذكر (سارتون) أن الحضارة الغربية كان مفتاحها الوحيد لغة العرب التي ملَّكتهم ناصية العلم والتقنية، والآن الدول المتقدمة تقنياً تحاول عرقلة التنمية التقنية للدول الإسلاميَّة، ولا أدل على ذلك من تدمير أمريكا بواسطة اليهود المفاعلَ النووي العراقي، وأوضح من ذلك منع بعض التخصُّصات العلمية في بريطانيا بأن تُدرَس من قِبَل طلاَّب دول معيَّنة، بل ما زالت بعض الدول الصناعيَّة تحتكر سوق التقنية وكأنَّه لها فحسب؛ فكيف نتعدى هذه العقبة ونتغلب عليها؟
حول هذه القضيَّة انطلق عدد من المختصين بالتحدث حول الحلول العمليَّة لتعدِّي مرحلة الاحتكار والتبعيَّة في السوق العالميَّة، فيتحدَّث الدكتور محمد المدهون ملخصاً رأيه باختصار حول هذه القضيَّة قائلاً:
نتجاوز تلك العقبة بإذن الله ـ تعالى ـ من خلال: السرية في العمل، الانتقائيَّة والتركيز الدقيق، نشر العلوم التقنية، تبنّي المواهب والقدرات الخاصة.
ويرى الدكتور الضويان أنَّ احتكار التقنية ليس مشكلة إن وُجد، ويوضح مراده بقوله: فالنظرة المادية بشكل عام هي التي تحكم الشركات المصنّعة خاصة العابرة للقارات، كما أن التقنية مستويات، والاحتكار إن وُجد على المستويات المتقدمة جداً منها والباهظة التكاليف والتي يمكننا تأجيلها، لكننا لا نملك التقنية على مستويات أدنى وإن كانت في مجالات تخصنا وهذه هي مشكلتنا.
ويضرب الدكتور الضويان مثالاً على رأيه بقوله: انظر إلى صناعة النفط؛ هل نحن نصدِّر تقنيتها إلى غيرنا؟ وما الشركات البارزة في عمليات التنقيب على سبيل المثال؟ على الرغم من أن امتلاك التقنية مرتبط بالقدرة الصناعية؛ فلا أقل من أن تتميز الدول الإسلامية المنتجة منذ عقود للنفط في مجال التنقيب وتقنياته وصناعة النفط.
ويختتم حديثه بقوله: المهم أنَّ امتلاك التقنية مسألة حضارية يُنظر إليها بشكل متكامل مع قضايا أخرى، وحين تتخلف هذه القضايا تتخلف مسألة التقنية تبعاً لها؛ على الرغم من انتمائها لهذا الدين العظيم.
ويلفت الدكتور الضويان انتباه المتابع بقوله: انظر لحال الأمة المزري: الدكتاتوريات السياسية تخنق الإبداع، وضياع الصدق والأمانة والانضباط يطرد الإنتاج البحثي الناجح، وانتشار الفقر والأنانية والجهل؛ كل هذا عدو للتقدم العلمي. والإباحية الإعلامية وتسطيح الاهتمامات لا تتناسب مع المنافسة التقنية ... إلى غير ذلك من الأمراض الحضارية.
ويقدم الدكتور باسم خفاجي تفسيراً وتحليلاً آخر حول هذه القضية، فيذكر أنَّ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ذكرت ضمن تقريرها عن واقع التعليم ومستقبله في العالم العربي أنَّ «تطوير التعليم في بلداننا، الذي هو الشرط الأساس لتحقيق النقلة النوعية الحقيقية المطلوبة في النهوض الحضاري، يتوقف على المشاركة الشعبية الواسعة في تحمّل تكاليف التعليم التي تَتَزَايَدُ أعباؤها سنة بعد سنة، وبذلك ستتمكّن الدولة من القيام على نحو أفضل بدور الإشراف والرعاية، وضبط الاتجاهات العامة لمسيرة التعليم وفق المصالح العليا للوطن، وبما يحقق الأهداف الوطنية، ويمهد السبيل نحو الاندماج في المسيرة العالمية.
وفي محاولة ناقدة يقول الدكتور باسم: إننا كثيراً ما نلقي باللائمة على الدول والأنظمة، وأحياناً على الغرب وأمريكا في التعامل مع مشكلة التعليم وارتباطه بالتقنية في عالمنا العربي والإسلامي، ولكن الحقيقة أن الشعوب مسؤولة أيضاً بالدرجة نفسها. وكما علمنا الخالق ـ جل وعلا ـ عندما يُذكِّرنا ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، فهنا مفتاح الحل. لا شك أن خصوم الأمة يكيدون لها، ولكن هذا الكيد لم يوقف الأمة على مر التاريخ عن التقدم والازدهار عندما أخذت بالجد والحزم وعلو الهمة، وهو ما نفتقده اليوم.
ويؤكد الدكتور باسم أنَّ احتكار سوق التقنيات بالنسبة للغرب لم يمنع الصين وتايوان وسنغافورة، وحتى ماليزيا المسلمة والهند من المسابقة، بل والتقدم إلى الدرجة التي أصبحت معها هذه الدول مصدرة للتقنية إلى البلاد الأوروبية والأمريكية، ويضيف قائلاً: رغم أن أمريكا ومن يحالفها حاربوا هذه الدول بالأمس كما يحاربوننا اليوم. فليس من اللائق عقلاً ولا شرعاً أن نلقي باللائمة على الخصوم كمبرر لتخلفنا، وكأننا نتوقع من خصوم الأمة أن يرفقوا بنا، وأن يعاونونا على النجاح والتقدم.
وينبِّه الدكتور باسم إلى أنَّ الغرب يحاول احتكار أسواق التجارة العالمية ويضيف: والشركات متعددة الجنسية صار لها تأثير كبير في علاقات التبادل التجاري بين الدول؛ فمن جملة (٥٠) أكبر شركة متعددة الجنسية في العالم تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية (٣٣) شركة، بينما تمتلك بريطانيا (٥) شركات، واليابان وسويسرا تمتلكان (٣) شركات، وألمانيا تمتلك شركتين، وفرنسا شركة واحدة؛ وبقية الدول (٣) شركات فقط، وذلك بحسب ما أورده موقع إسلام أون لاين في مقال (الاحتكار.. مزايا للشركات وأضرار للمستهلك) . ولكن بالمقابل فإن هذه الشركات تحتاج إلى أسواق، وهنا تكمن قوة المستهلك الذي يمكنه اختيار من يريد أن يتعامل معه، ممن يساعده على التقدم التقني.
٣ الاحتكار عقبة.. كيف نتعداها؟
وعن الطرق الكاسرة لسوق الاحتكار يقدم الدكتور باسم وجهة نظره بقوله: إننا في حاجة إلى أن نربط أسواقنا الاستهلاكية ـ وهي قوة لا يستهان بها ـ بمن يساعدوننا على التقدم التقني، وليس فقط من يريدون تصدير التقنيات لنا.
ويوضح الدكتور زغلول النجار رأيه في المسألة قائلاً: نستطيع التغلب على هذه العقبة بوحدة المسلمين وعن طريق الاستغلال الصحيح لمقومات العالم الإسلامي المعاصر في اتباع الخطوات المؤدية للتقدم العلمي والتقني في العالم الإسلامي. أما الدكتور الخطيب فيرى أنه لا يمكن كسر هذا الاحتكار إلا بالاعتماد على الذات، واتخاذ قرار سياسي سيادي بالخروج من الهيمنة السياسية والاقتصادية والتقنية الغربية الاستعمارية، ولا يكون ذلك إلا عندما تصبح الحكومات الإسلامية من الشعب وللشعب.
ويستند الدكتور نعمان إلى أن العالم العربي يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية (نفط، زراعة، معادن) أكثر مما تمتلك الدول الغربية (أوروبا وشمال أمريكا) ؛ فلو كان يملك المقدرة التكنولوجية لأصبح متقدماً على الدول الغربية اقتصادياً وتكنولوجياً، ولفقدت تلك الدول هيمنتها الاقتصادية والسياسية على العالم.
٣ هل تحاصر التقنية بلادنا؟
هناك عدد من المحللين الاستراتيجيين يرون أنَّ هناك محاولة لحصار العالم الإسلامي. فمن الملاحظ مساعدة الدول الغربية للبرنامج الهندي النووي، ومحاربة البرنامج الباكستاني النووي، كما يخالفهم آخرون في ذلك كل حسب الزاوية التي ينظرون من خلالها.
فالدكتور نعمان الخطيب يقول: نعم! هناك حصار للعالم الإسلامي؛ وهو حصار متعمد ومدروس ومخطط له؛ حتى يبقى العالم الإسلامي متخلفاً تقنياً ويعتمد على الغرب.
ويضرب الدكتور الخطيب على ذلك مثلاً فيقول: الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح ببيع الحاسبات المتطورة التي يمكن استخدامها في برامج معينة إلا للدول التي تثق بها، والتي تكون متأكدة أنها لن تستخدمها في برامج مثل: تصميم الصواريخ أو تقنية الفضاء والذرة.
أمَّا الدكتور الضويان فيختلف في نظرته لهذه القضية مع الدكتور الخطيب حيث يوضح مراده بقوله: لا أعتقد أن هناك حصاراً على العالم الإسلامي من الخارج، لكنه فرض الحصار على نفسه. أما موضوع البرنامج النووي الهندي والباكستاني فالمنطلقات فيه مصالح استراتيجية، ولا تُلام الدول على السعي لتحقيق مصالحها ولو أغضبت مواقفها هذا الشعب أو ذاك. وبالمناسبة: من الذي أتى بحكومة البلدين؟ أحدهما اختيار الشعب والأخرى الدبابة والعمالة للأجنبي، وهنا التخلف عينه. الهند تصنع جميع ما تحتاج داخلياً، بينما باكستان لا تستغني عن الدول الأخرى.
٣ صناعة الرأي والمشورة في عملية الاختراعات لنقل التقنية:
يبتدئ الدكتور العجلوني الحديث حول هذه القضية؛ إذ يقول: ليس الأساس المشاورة بمعناها المعروف وإنما العمل الجماعي، وهذه يجب تربية الأجيال عليها منذ الصغر قبل تكليفهم بمهام البحث العلمي وهم كبار، وبناء قاعدة علمية في الدولة حتى لو كان مستواها دون مستوى تلك التي في الدول الغربية، ومن ثم تحديد ما يلزم أو الضروري من التكنولوجيا ضمن جدول أولويات والسعي الحثيث لامتلاكها.
كما يؤكد الدكتور نعمان على أهميَّة استشارة ذوي الاختصاص والمعرفة، وأن يتم الأخذ بآرائهم والعمل بها، ويضيف: يجب العمل على تشكيل مجالس استشارية متخصصة من ذوي الخبرة والكفاءة، وأن يعطَوا الصلاحية الكاملة في اتخاذ القرارات الملزمة لكافة القطاعات لتنفيذ هذه التوصيات والتوجيهات.
ويضيف الدكتور المدهون عدَّة نقاط تؤكد على أهميَّة المشورة؛ حيث يلخصها في الآتي:
ـ إنَّ صناعة الرأي تفتح الطريق أمام المبدعين والمتميزين.
ـ توفر المناخ الحيوي للتطور.
ـ يمكن تطويرها بنشر حرية الرأي واعتماد المنهج الإسلامي الذي احترم العقل.
ويختتم الدكتور الضويان الحديث حول هذه الفقرة بقوله:
أما صناعة الرأي في عملية الاختراعات، فلا بد قبلها أن يكون للأمة رأي في أبجديات القضايا يُسمح لها أن تُعبر عنه، قبل أن نقفز إلى مسألة الاختراعات.
ويختتم رأيه متأسفاً ومتأسياً بقوله: شعوب جائعة لا تشارك في قراراتها المصيرية كيف تخترع؟ لا بد من الواقعية العملية وترتيب الأولويات.
٣ التقنية لها خطوات فعَّالة ... فما هي؟
في المقدمة نبتدئ بتقديم رأي الدكتور زغلول النجَّار حيث يقول:
لا بد من تطوير التقنية في بلادنا لنساير التطورات العالمية من حيث المستوى؛ فالوسائل والكتب والطرائق والمختبرات وغيرها أساس من أسس التقدم العلمي، كما تتطلب حسن التنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث الإسلامية، وبينها وبين الصناعة في المنطقة العربية والإسلامية؛ وهذا التنسيق مهم بالنسبة للاستفادة من كفاءاتنا العلمية، وكذلك نقل التقنية الحديثة ممن سبقونا فيها.
ثم يضرب الدكتور النجار مثالاً في التأسي بمن قبلنا من المسلمين في خطوات نقلهم للتقنية فيقول: ففي عصر الحضارة الإسلامية التي امتدت قروناً طويلة، تحرك المسلمون من منطلق حب الحكمة الذي غرسه الإسلام في نفوسهم، فجمعوا تراث الحضارات السابقة وترجموه ونقدوه بمعيار الحق الإسلامي، وأضافوا إليه إضافات أصيلة في مختلف مجالاته، فأخذوا صناعة الورق وطوروها، وأضافوا الصفر، ونشروا الأرقام، وابتكروا علوم الجبر وحساب المثلثات واللوغاريتمات.
كما أبدى الدكتور الضويان رأيه في هذه الفقرة، ملخصاً إياه في كلمة قصيرة؛ فيقول: خطوات نقل التقنية موضوع كبير قد كُتبت فيه كتب وأبحاث، لكنها لا تتجاوز الأطر النظرية. وبالجملة: نحتاج لتحديد التقنية اللازمة سواء أكانت مادية (hardware) أو معلوماتية (information) أو فنية (know-how) إلى التعامل الأمثل مع الأجهزة والمعلومات، ومن ثَمَّ وضع خطة على المستوى الفكري والاقتصادي والإداري.
من جهة أخرى يسوق الدكتور باسم خفاجي فكرته حيث يقول: أرى أن الخطوة الأولى في مشروع (نقل التقنيات) تتركز في تغيير طريقة التفكير لدى النخب العلمية والمثقفة في العالم العربي، والتأكيد على أهمية تطوير العقل العربي والإسلامي في مجالات الإبداع والابتكار، وليس فقط في سبل الاستهلاك والاستخدام لما يصنعه الآخرون.
ويعقب خفاجي على حديثه مضيفاً: ينبغي التركيز على فكرة الانتقائية في التعامل مع التقنيات المراد نقلها؛ فليس كل ما أنتجه الغرب صالح لعالمنا، أو حتى صالح للبشرية بوجه عام، فلا يجب أن ننقل إلا ما يثبت لنا صلاحه لأمتنا ليس فقط على المستوى التقني، وإنما على المستوى الأخلاقي والثقافي والعقدي أيضاً.
ويضيف الدكتور باسم قائلاً: أما في مجال الخطوات اللازمة لنقل التقنيات؛ فقد ذكر أهمها أحد الباحثين العرب، وننقل عنه هنا أهم هذه الخطوات:
أولاً: إيجاد قاعدة علمية قادرة على التطوير والابتكار العلمي.
ثانياً: إيجاد قاعدة صناعية متميزة تأخذ بأحدث ما وصلت إليه التقنية مع قبولها التطوير المستمر.
ثالثاً: الترابط الوثيق بين القاعدة العلمية والقاعدة الصناعية، لتحويل الإنجازات العلمية إلى واقع صناعي. ويفضَّل أن يكون هذا الترابط ناشئاً عن مركز بحوث رئيس مُلِمٍّ باحتياجات البلاد وأهدافها التنموية، قادر على الدعم السخي، له صلاحية التنسيق والتنظيم مع وحدات البحث العلمي المختلفة في البلاد والقطاع الصناعي المتطور، وقد أشار إلى مثل هذا الأستاذ سليمان بن صالح الخراشي في مقال له نشر في موقع (صيد الفوائد) بعنوان: (نقل التقنية المتطورة إلى الدول الإسلامية/عوائق وحلول) .
٣ مقومات التقدم العلمي وسبل تنميته:
يبتدئ المشاركة في هذه الفقرة الدكتور إيهاب الشاعر، حيث يقول: قبل البدء بالتحدث عن مقومات التقدم العلمي والتقني لا بد من تسليط الضوء على قياس معيار التقدم العلمي؛ فهو يكمن في معيارين:
١ ـ قدرة العالم العربي والإسلامي على أن يكون مستقلاً بصناعة ما يحتاجه للقيام بضرورات الحياة المدنية والعسكرية.
٢ ـ قدرة العالم الإسلامي والعربي على تطوير ما هو موجود من تقنية وتوظيفها في مصالحه العامة: اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، وغير ذلك.
ويشير الدكتور إيهاب إلى أنَّ مجرد استيراد التقنيات واستخدامها أمر استهلاكي وليس أمراً جوهرياً يمس التقدم العلمي.
ثم انطلق الدكتور إيهاب الشاعر مجيباً عن هذه القضيَّة بنوع من التفصيل والبسط؛ وذلك لأهميتها في نظره؛ حيث قال: مقومات التقدم العلمي تكمن في الآتي:
أولاً: الجامعات ومراكز البحوث: وهي القلب النابض للتقدم العلمي في كل الدول وبغيرها لا يمكن عمل شيء، ويكون ذلك عبر عدَّة نقاط هي:
أـ استقطاب المؤهلين من ذوي الخبرات التعليمية والتطويرية وتوظيفهم في الجامعات، وإعطاؤهم حرية البحث.
ب ـ إنشاء صندوق دعم مالي للبحوث، يكون من الدولة والتجار وأهل الخير والشركات المحلية والأجنبية؛ لدعم بحوث الأساتذة في الجامعات.
ج ـ إعطاء المدرسين والأساتذة العاملين في مجال البحث امتيازات خاصة لإشعارهم بالأمن والاستقرار، وليس على أساس عقود وتجديدات.
د ـ منع هؤلاء الأساتذة وتحذيرهم من الانتقال إلى مجالات أخرى إدارية أو غيرها قبل مدة دنيا من البحث والإنتاج.
هـ ـ تشجيع البحث والتفكير منذ عمر مبكر (الثانوية) ، وصياغة المواد التعليمية على هذا الأساس.
وـ الاهتمام بالموهوبين والنابغين من الطلاب، وإنشاء جمعيات خاصة لهم، وإعطاؤهم منحاً خاصة للدراسة والتطوير.
ز ـ إنشاء نوادٍ صيفية لتحفيز العمل الابتكاري والإبداعي وعمل مسابقات في ذلك.
ثانياً: ربط الشركات والصناعة المحلية بالجامعات ربطاً قويما علمياً عن طريق: بحوث مشتركة، وورش عمل، ودعم مالي مفروض على الشركات الكبرى بالذات.
ثالثاً: الدعم الحكومي الرسمي ويتمثل بالتالي:
أـ إنشاء، ومن ثمَّ الإشراف على صندوق دعم وطني لبحوث الجامعات.
ب ـ ربط الجامعات بمثيلاتها من العالم العربي والإسلامي والغربي عن طريق ندوات وورش عمل مدعومة.
ج ـ إنشاء القوانين التي تحث الجامعات والشركات على الاتصال والعمل البحثي، وسنِّها.
د ـ تشجيع الصناعات المحليَّة، حتى ولو كانت جدواها الاقتصادية أقل في البداية.
واختتم الدكتور إيهاب ما قدم بقوله: فهذه خطة متكاملة، ولكنها تحتاج إلى مخلصين؛ وهو الشرط الرابع.
ويقدم الدكتور نعمان الخطيب مقومات يرى أنَّها ذات أهميَّة بقوله:
تحرير مراكز الأبحاث من البيروقراطية والرتابة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والتخلص من المحسوبية والواسطة في التعيينات والترقيات والقرارات، ولا يكون ذلك إلا بإصلاح سياسي شامل.
ومن زاوية أخرى يلمح الدكتور زغلول النجَّار إلى أنَّ مقومات التقدم تكمن في الآتي:
ـ مقومات بشرية: (يفوق تعدادها الألف مليون نسمة تتوزع في أكثر من خمسين دولة مستقلة وعلى هيئة أعداد متباينة من الأقليات في كافة دول العالم، ويمثل هذا العدد قرابة ربع سكان العالم، ويضم ملايين من العلماء والأطباء والأدباء والمفكرين)
ـ مقومات أرضية: (مساحة الدول المكونة للعالم الإسلامي تمثل أكثر من ربع مساحة اليابسة وتقدر بـ ١٤٨.٣٥٤.٠٠٠ كيلو متراً مربعاً) ، ويزيد فى قيمة تلك المساحة الشاسعة اتصال بعضها مع بعض، وتوسطها دول العالم، وتكاملها من ناحية المناخ والتضاريس وطبيعة الأرض، وتعدد ثرواتها، وتنوع مصادر المياه فيها.
ـ مقومات بحرية: (يطل العالم الإسلامي على مسطحات مائية عديدة تخترقها أهم خطوط المواصلات البحرية في العالم، وله موانئ هامة على كل من: المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي، والمحيط الهادي، وكل من: البحر الأحمر، والبحر الأبيض، والبحر الأسود، وبحر قزوين) .
ـ مقومات اقتصادية: (الثروة الزراعية، الثروة الحيوانية، مصادر الطاقة، الثروة التعدينية) .
ـ مقومات تعليمية: (تضم دول العالم الإسلامي اليوم الكثير من الجامعات والمعاهد المتخصصة، بالإضافة إلى ما يفوق التسعمائة من مراكز البحوث، وأكاديميات العلوم والتقنية، ومراكز للطاقة الذرية والنظائر المشعة) .
٣ لا يشترط في التقنية أن تكون منافسة لتقنية الآخرين:
كانت هذه إجابة الدكتور إيهاب الشاعر؛ إذ سألته: هل يشترط للتقنية المأمولة من الدول الإسلامية أن تكون منافسة لتقنية الآخرين؟ أم يكفي أن تحقق هذه الدول المسلمة من التقنية ما يحفظ لها كيانها، ويحميها من كيد العدو؟
وتابع حديثه قائلاً: ذلك الاشتراط يكون في البداية، حتَّى نقوم بالحد الأدنى لاستبدال التقنية الغربية. بينما يرى الدكتور الضويان خلاف رأي الدكتور الشاعر؛ حيث يقول: التقنية المأمولة من الدول الإسلامية لا بد أن تكون منافسة بكل تأكيد وإلاَّ فلا مكان لتقنية رديئة، لكن لا بد أن تكون هذه التقنية ملائمة لهذا البلد أو ذاك من جهةِ: التكاليف، وحجم اليد العاملة، والمردود الاقتصادي المباشر، والآثار الاجتماعية؛ فبعض التقنيات استهلاكية وتُعمّق التبعية للثقافة الغربية مثلاً.
ويتقارب الدكتور العجلوني والمدهون في إجابتيهما؛ حيث إنَّ فيهما جمعاً بين الرأيين السابقين؛ حيث يقول الدكتور المدهون: مرحلياً يكفي أن تحقق هذه الدول المسلمة من التقنية ما يحفظ لها كيانها، ويحميها من كيد العدو، واستراتيجياً عليها أن تكون منافساً كبيراً لتقنية الآخرين.
وفي الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ نستكمل دوائر ومحاور التحقيق، نسأل الله أن ينفع به.
стр. 5953
الوداع الأخير
حسين الشيبة ناصر
حينما جلست ذات مرة على الشاطئ أنظر إلى الامتداد الشاسع للبحر وأستمع إلى صوت ارتطام الأمواج على الصخور تذكرت مرور الناس من هنا منذ آلاف السنين.. تمضي اللحظات ويغادرنا الزمن ونعيش حلاوة الذكرى ونسعد بالأحلام المسافرة نحو المجد القادم، ومن ظلمة الليل ينبلج الفجر فيرسل إلينا أشعته، وتتفتح الأزهار من حوالينا، وعندما نتأمل فيها نراها وكأنها تتبسم في وجوهنا وتلقي إلينا تحية الصباح محملة بالروائح العطرية.. وحينما نظرت إلى طيور النورس، التي طارت بعيداً في السماء حتى غابت في الأفق، تذكرت صديقي عبد الله الذي ودّعته ذات يوم وأنا على يقين أن في قلبه قطرات من ينابيع الأمل ونوراً من الإيمان، ويشع من ملامح وجهه ضياءٌ ومن عينيه صفاءٌ تغسله دوماً دموع الإيمان؛ فتنساب الدمعات دافئةً لتبلل لحيته، وتحمل معها مشاعر الخوف والرجاء والخشية من الله..
سافر مع أهله إلى بلدة أخرى.. كان زميلي في المدرسة أيام الطفولة والشباب.. ذاق مرارة البعد واليتم فصبر.. احتدمت المعركة الأولى مع نفسه فانتصر عليها.. عاش عابداً زاهداً كثير التأمل في مخلوقات الله العظيمة، ومن جوفه تنبعث معاني الصدق والوفاء والتضحية والرحمة القادمة من هدي الرسالات السماوية، مقتدياً بهدي وسيرة رسولنا العظيم ﷺ ؛ فكانت نبراس حياته ومسيرته نحو العلى. وعندما هزته المشاعر الإنسانية كغيره من الناس لما يراه من الأعمال الإجرامية كتب لي في إحدى رسائله يقول: «كيف يطيب لنا العيش وأطفالنا يموتون قتلاً وجوعاً، وصرخات الأمهات ترتفع إلى عنان السماء: (ياالله!) فلا مجيب؟! كيف يطيب لنا العيش ونحن نرى دموع الشيوخ على أولادهم تحت أنقاض المنازل المدمرة، ومناظر بكاء الأطفال على آبائهم القابعين خلف القضبان والأسوار في فلسطين الحبيبة؟! أخي، ماذا جرى لنا؟ الحروب في كل مكان تلتهم كل شيء؛ الإنسان والحيوان والنبات والحجر..! زمن يشيب فيه الأطفال من أهوال ما يرونه والصمت يسيطر علينا..؛ إلى متى؟! ليس أمامنا إلا التضرع إلى الله ، والخروج من دائرة الحصار الذي يحيط بنا ومجاهدة الأنفس، ومحاربة الشهوات، وإصلاح ما أفسده الزمان» .
مضت الأيام والسنون، وانقطعت بيننا المراسلة والأخبار.. علمت أنه سافر وقطع البراري وركب الأهوال نحو هدفه المنشود.. قصرت عنده المسافات والحلم يكبر تحت لواء (الله أكبر) وتسير القلوب المشتاقة للقاء الله.. تمر الدنيا في ذاكرته كالسحابة ويشتد به الابتلاء والتمحيص.. لَكَمْ تمنى أن يطير بأجنحة نورانية إلى عالم الخلود الأبدي ورضوان من الله! نبضات قلبه تزداد خفقاناً وهو يقترب من رحى الحرب ويشم رائحة الجنة، وينتابه شعور بأنه ولد من جديد وصار تقياً نقياً وطاهراً كقطرات الماء المتنزلة من السماء. وفي أحد الأيام كان ينظر إلى قرص الشمس وقت الأصيل وهو ينحدر نحو الغروب تاركاً وراءه الظلام يلف الأرض، والعصافير تتنقل بين الأشجار بحثاً عن مكان تؤوي إليه. وفجأة! يسمع من بعيد صدى نداء (الله أكبر) يتردد في الجبال بين الفينة والأخرى؛ فيكبِّر هو الآخر، لتمتلئ بتكبيرتهم الآفاق.
جلس في تلك الليلة على قمة تل صغير مع مجموعة من صحبه يرقبون العدو، حينها تساقط رذاذ من المطر على وجوههم فغشيتهم السكينة.. هزم الخوفَ في داخله بذكر الله.. اشتد وطيس المعركة مع الغزاة وقاتل في سبيل الله. لَكَم صغرت الدنيا في عينيه عندما اشتاق إلى نعيم الفردوس بعد أن ودع أمه الوداع الأخير، وسار في قوافل المجاهدين حاملاً روحه الطاهرة للفداء؛ فاستشهد في صبيحة ذلك اليوم.
مات مبتسماً وكأنه استشعر حلاوة اللقاء، وانتشرت في الهواء رائحة المسك تطيّب المكان والزمان، وأصحابه يلقون إليه نظرات المحبة والوداع، وأحسب أن الملائكة تحفّهم بأجنحتها.
стр. 5954
العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة
أ. د. لواء. زكريا حسين
يتردَّد في أروقة الدولة العبرية حديث هامس أحياناً وصاخب أحياناً أخرى عن استعداد حكومة (إيهود أولمرت) بالقيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، في الوقت الذي يتردَّد في المنطقة العربية حديث صاخب عن احتمالات سلام يسعى الرئيس الأمريكي (جورج بوش) إلى أن يختم به فترة رئاسته للولايات المتحدة والتي حفلت بالإخفاقات والانتقادات والهزائم الاستراتيجية خاصةً في الشرق الأوسط؛ سواء في العراق أو على صعيد الصراع العربي الصهيوني.
وعلى الرغم من التناقض بين ما يتردَّد من سعي نحو سلام مأمول إقليمياً ودولياً اتسق مع حركة دبلوماسية واسعة النطاق لمسؤولين على مستوى رفيع تناوبوا على زيارة المنطقة بين الدول الفاعلة والمؤثرة في مسيرة الأحداث والمتغيرات في الشرق الأوسط؛ يأتي الحديث عن احتمالات القيام بعملية عسكرية صهيونية في قطاع غزة! فما الدوافع لهذا التوجه المعادي من جانب حكومة (إيهود أولمرت) ؟
يأتي هذا الاستعداد لهذه العملية العسكرية في إطار الاستراتيجية العسكرية والاستراتيجية الأمنية التي تُعدّ على قمة أولويات الحكومات الصهيونية المتعاقبة؛ خاصة حكومة (إيهود أولمرت) ، وذلك لإخضاع الشعب الفلسطيني وقهره وإذلاله، وفرض الرؤية الصهيونية للسلام عليه، وباغتيال الناشطين والقيادات الفلسطينية وأسرهم من ناحية أخرى، باعتبار ذلك أحد المتطلبات الرئيسة لهذه الاستراتيجية الصهيونية؛ خاصة الأمنية منها.
وعن الاستراتيجية العسكرية الصهيونية فيمكن عدُّها مكملة للاستراتيجية الشاملة التي صاغتها الدولة العبرية واستقرت عليها القيادات والكنيست الصهيوني منذ عام ١٩٨٥م، والتي شملت اللاءات الست الشهيرة التي حددت المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها الاستراتيجيات الصهيونية؛ سواء التفاوضية منها أو العسكرية.
وقد بدأ تفعيل الاستراتيجية العسكرية بعد تهيئة الظروف المناسبة لإنجاحها بعد أن نجحت الدولة العبرية من خلال اتفاق أوسلو للسلام احتواءَ السلطة الوطنية الفلسطينية والسيطرة الفاعلة عليها، والقضاء على الانتفاضة الكبرى، والحدّ من كل أشكال الكفاح المسلَّح الفلسطيني وأنواعه، ثم السماح بقيام شرطة فلسطينية محدودة القوات والتسليح ترتبط بتعاون أمني مع الشرطة والقوات المسلَّحة الصهيونية في فرض الأمن ومطاردة العناصر الفلسطينية الرافضة للسلام واعتقالها، إضافة إلى السيادة الكاملة على كافة المعابر إلى الضفة الغربية وغزة من خلال إغلاق كافة الطرق والمحاور بين مدن الضفة الغربية وأراضيها.
هذا؛ وقد نجح (أرييل شارون) الذي يرجع إليه الفضل الأول في التصعيد السياسي لـ (إيهود أولمرت) وإبرازه وفرضه على الحياة السياسية في الدولة العبرية.. نجح في تفعيل الاستراتيجية العسكرية الصهيونية التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، وكسر إرادة قيادتها بالقوة العسكرية، وذلك من خلال الأسلوب المتدرج والمتصاعد والمحسوب في استخدام القوات المسلَّحة بكل أنواعها؛ البرية والبحرية والجوية والصاروخية، بالتعاون الفعال والمخطط مع المستوطنين والقوات الخاصة الصهيونية المدرّبة تدريباً عالياً لتنفيذ هذه الاستراتيجية.
وفي إطار هذا المناخ وهذه الظروف التي صاحبت تجربة (إيهود أولمرت) ثم صعوده المفاجئ لخلافة (شارون) ؛ لحالة هذا الأخير المرضية والتي فرضت عدم استمراره رئيساً للوزراء.. كان على (أولمرت) أن يسير على طريق (شارون) ؛ لكونه الطريق المناسب من وجهة نظره؛ لاكتساب الرأي العام الصهيوني.
٣ الأسباب التي ترجح القيام بعملية عسكرية في غزة:
لقد تبنَّى (أولمرت) بمجرد قيادته حزب «كاديما» وصعوده المفاجئ لرئاسة الوزراء استراتيجيةً أمنية أطلق عليها «خطة التجميع أو الانطواء» ، والتي صاغها من خلال الأفكار التي طرحها (شارون) والتي تعتمد مبدأين، هما: الأمن المطلق، وفكرة الدولة العبرية النقية، كما ترتكز على بُعْدين اثنين: البُعْد الجغرافي والبُعْد الديموجرافي، والتي على أساسها كانت مبادرة (شارون) بالانسحاب من غزة وتغيير وضع المستوطنات ذات الأعداد الكبيرة سكانياً والمتركزة في قلب الكثافة السكانية الفلسطينية العالية في الضفة الغربية، مع إقامة الجدار العازل في إطار منظومة دفاعية كاملة تحقق الأمن المطلق للدولة العبرية.
وعلى ضوء ذلك؛ فإن أولى الأسباب والدوافع التي ترجح سعي (أولمرت) للقيام بعمليته العسكرية هو الفشل الذي أصاب خطته الأمنية وكشف ما أطلق عليه الأمن المطلق الصهيوني بنجاح العمليتين الناجحتين لكل من الحركات الفلسطينية المجاهدة أو حزب الله اللبناني في اختراق هذا الأمن المزعوم، والنجاح في قتل وإصابة العديد من الصهاينة ثم أسر ثلاثة منهم.
أما السبب الثاني فيرجع إلى إخفاق حكومة (أولمرت) ووزير دفاعه (عمير بيرتس) في عمليته العسكرية ضد حزب الله وما تبع ذلك من تحقيقات أسفرت عن الإطاحة برئيس الأركان وتدنِّي شعبية (أولمرت) إلى حد حصوله على (٣%) فقط من الرأي العام الصهيوني، وذلك من منطلق عدم امتلاك حكومته رؤية واستراتيجية أو إرادة سياسية يؤهله للقيام بدور حاسم في مسيرة التفاوض المنتظرة مع الفلسطينيين باعتباره من أضعف رؤساء الحكومات التي قادتها الصدفة وحدها لرئاسة الحكومة، إضافة إلى ما شابها من إخفاقات متنامية ومتصاعدة؛ سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو حتى الجانب الأمني؛ حيث تصاعد العنف وتمَّ هدر نظرية الردع الصهيوني، وتراجع دور المؤسسة العسكرية والجيش الصهيوني الذي لا يقهر.
وإذا أضفنا إلى كل هذه الأسباب تلك الجهود المتصاعدة لعقد صفقة لتبادل الأسرى بين السلطة الفلسطينية والحكومة الصهيونية، وتزامن ذلك مع تصاعد وتيرة الأمل في إحياء مسيرة التفاوض المجمدة عن طريق حلحلة هذا الجمود السائد منذ زمن طويل في عملية السلام.. لم تجد حكومة (أولمرت) التي لا تملك الإرادة السياسية أو مقومات إدارة عملية تفاوضية تقود إلى سلام حقيقي.. تجدها تسعى إلى إعداد حملتها العسكرية ضد قطاع غزة في إطار نسف كل هذه الجهود وإلهاء الرأي العام الصهيوني وتحويله عنها.
هذا؛ وقد ذكرت مصادر أمنية وعسكرية أن الجيش الصهيوني قد استكمل استعداداته الإدارية والفنية والاستخباراتية لتنفيذ عملية كبرى في قطاع غزة، وذلك بهدف التصدي لتنامي قوة المقاومة الفلسطينية ومنها تعاظم قوة حماس خاصة في قطاع غزة.. بالقدر الذي يمنعها من أن تشكل تهديداً استراتيجياً على الجنوب بالقدر الذي شكَّله حزب الله على الشمال.
ولعل من أهم الأسباب التي ترجح القيام بعملية عسكرية في قطاع غزة ما ورد في التقرير الأمني لعام ٢٠٠٧م والذي أشار إلى تزايد تدفق الأسلحة الحديثة على قطاع غزة، مع تنامي وتصاعد الاستعدادات والتجهيزات العسكرية التي تقوم بها حكومة حماس وغيرها من الفصائل المسلَّحة في غزة على ضوء الخبرة المكتسبة من العمليات العسكرية لحزب الله في الجنوب اللبناني؛ خاصة في مجال حفر الأنفاق والممرات وباقي التجهيزات الدفاعية، هذا إضافة إلى ما تدّعيه الدولة العبرية من حدوث تطور نوعي وكمي في كميات الأسلحة التي يتم إدخالها إلى القطاع؛ خاصة الصواريخ التي يتجاوز مداها ٢٠ كيلو متر، مع تزايد عمليات إطلاق صواريخ القسام على الجنوب الصهيوني.
هذا؛ وتشير التقديرات الصهيونية إلى تنامي القدرات العسكرية الفلسطينية والتي تؤكد أن القدرات العسكرية الفلسطينية يمكن أن تصل إلى حدِّ إنتاج صواريخ أبعد مدى من صواريخ جراد التي تصل مداها إلى ٢٠ كيلو متر.
كما تشير التقديرات إلى استغلال حماس لفتح معبر رفح لعمليات تهريب الوسائل القتالية، مع إعلان حركة حماس أنها سوف تستمر في عدِّ المقاومة خياراً استراتيجياً، ولا يبدو في الأفق أيّ تنازل محتمل في هذا الشأن.
وإذا أضفنا إلى كل هذه الأسباب أن العقيدة الاستراتيجية التي التزم بها التخطيط الاستراتيجي العسكري ترتكز على خمسة مبادئ رئيسة، نذكر منها مبدأين هامين:
أولهما: عدم قدرة الدولة العبرية على تحمُّل حرب استنزاف طويلة أو صراع مسلَّح يكبدها خسائر بشرية عالية، كما لا يمكنها أن تتحمل نزيفاً اقتصادياً ناتجاً عن صراعات مسلَّحة طويلة الأمد أو تحمُّل خسائر بشرية تهدد كيانها الاجتماعي والسياسي.
وثانيها: أنه لا يمكن السماح لتهديد محتمل بأن يعمل في بيئة يمكن فيها تهديد الأمن الصهيوني، وقد ارتقى هذا العامل في الفكر الاستراتيجي العسكري الصهيوني؛ لكونه عقيدة راسخة دفعت الدولة العبرية إلى امتلاك وتطوير وإنتاج قدراتها العسكرية.. وتدمر كل الأهداف التي يحتمل أن تهدد أمنها وبقاءها واستمرارها.
٣ التخطيط الاستراتيجي لعملية اقتحام غزة:
يمكن تصور الهدف الاستراتيجي لعملية اقتحام قطاع غزة في إعادة الثقة للاستراتيجية الأمنية التي تُعدّ امتداداً للاستراتيجية العسكرية ومكملة لها، وذلك بإجهاض كافة الاستعدادات العسكرية المتنامية المتصاعدة في قطاع غزة، وتدمير كامل لجميع الأسلحة الصاروخية والبنية الأساسية العسكرية لحركة حماس؛ لإفقادها القوة العسكرية على تهديد الجنوب الصهيوني حالياً ومستقبلاً.
هذا إضافة إلى السيطرة العسكرية الكاملة على محور فيلادلفيا الحدودي جنوب قطاع غزة، وتجفيف كافة مصادر التهديد التي يمكن أن تهدد الدولة العبرية، مع تدمير كافة المناطق المحتمل تجهيزها بأنفاق ميدانية؛ خاصة وأن تجهيز تلك الأنفاق يُعدّ تطوراً نوعياً هاماً في أي مواجهات عسكرية مستقبلية.
ينتظر أن يشمل التخطيط الاستراتيجي العسكري عدة مراحل:
أولاً: الهجوم الجوي على معسكرات المنظمات الفلسطينية ومؤسساتها؛ خاصة حركة حماس.
ثانياً: التركيز على الاغتيالات باتجاه أشخاص معينين.
ثالثاً: الاجتياح البري والبقاء المستمر في مناطق في قطاع غزة؛ لبناء مناطق عازلة.
رابعاً: إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل.
هذا؛ وينتظر أن تشمل قائمة الاغتيالات شخصيات قيادية بارزة من حركتي حماس والجهاد، وتضم هذه القائمة إسماعيل هنية رئيس الوزراء، وأحمد الجعبري قائد المجلس العسكري لكتائب القسام، ومحمود الزهار وزير الخارجية السابق، وسعيد صيام وزير الداخلية السابق، ومحمد الهندي القيادي في حركة الجهاد، وغيرهم من القيادات البارزة من حركتي حماس والجهاد.
هذا؛ ومن المنتظر أن تدير الدولة العبرية عمليتها العسكرية المنتظرة ضد قطاع غزة على مرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى: حملة جوية وبحرية وصاروخية تشمل عشرات الطلعات الجوية والصاروخية تساندها وتدعمها ضربات للأسطول البحري لتدمير كل المرافق والمنشآت والبنية التحتية العسكرية والاقتصادية، وقد تمتد إلى المرافق الحيوية من الكهرباء والجسور وغيرها.. مما يفقد فصائل المقاومة كل القدرات القتالية والتجهيزات الميدانية وكل المواقع المحتمل وجود أنفاق بها؛ خاصة على امتداد ممر فيلادلفيا المتاخم للحدود المصرية عند معبر رفح.
ويتزامن مع هذه الحملة قيام المقاتلات بحملة اغتيالات واسعة للشخصيات البارزة والناشطة في حركتي حماس والجهاد بصفة خاصة، يعاونها في ذلك تجنيدها لعناصر فلسطينية تمكِّنها من تحقيق أهدافها.
المرحلة الثانية: حملة برية يرتبط تنفيذها بمدى نجاح الحملة الجوية الصاروخية وقدرتها على فرض الأهداف الصهيونية وتهيئة كل أسباب النجاح لها، وذلك بدفع القوة البرية بالتعاون مع القوات الجوية للتقدم عبر محاور آمنة مهدتها لها الحملة الجوية وتتابع تدميرها للقوة البشرية والاقتصادية والعسكرية والأمنية لحركتي حماس والجهاد، على أن يتزامن معها ويرافقها حملة اعتقالات واسعة النطاق تشمل كوادر الحركات الفلسطينية المقاومة وشبابها.
وتتواصل الحملة البرية حتى تحقق أهدافها ومراحلها المخططة لها؛ سواء بالبقاء المستمر في مناطق قطاع غزة وبناء مناطق عازلة تؤمن الجنوب الصهيوني من الهجمات الصاروخية لحركات المقاومة الفلسطينية، أو التمادي في التصعيد لإسقاط حكومة حماس وإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية لمواردها وقدراتها البشرية والتسليحية بإعادة احتلال قطاع غزة بكامله.
٣ عوامل كبح المخطط الصهيوني:
هناك العديد من عوامل كبح تنفيذ المخطط الصهيوني للقيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، نذكر منها:
أولاً: انشغال الولايات المتحدة بالمشكلة الإيرانية ومواجهاتها المستمرة مع الكونجرس والرأي العام؛ نتيجة تورطها في العراق وتصاعد المقاومة والخسائر البشرية المتنامية والاتجاه للانزلاق نحو حرب أهلية، مما يولد صعوبة إعطاء الضوء الأخضر للدولة العبرية للقيام بهذه العملية مما يمكن أن تسفر عنه من خسائر كبيرة خاصة في المدنيين مما يتنافى مع تقرير «بيكر ـ هاملتون» والذي يؤكد ارتباط التصعيد الفلسطيني الصهيوني مع تصعيد المقاومة العراقية.
ثانياً: حجم الخسائر البشرية الكبيرة المنتظر أن تنتهي إليه العملية العسكرية خاصة مع الكثافة السكانية العالية في قطاع غزة مما قد لا تستطيع الحكومة الصهيونية مواجهة تبعاته على صعيد الرأي العام الدولي والعربي.
ثالثاً: أن عملية الحصار الدولي الخانق التي يقوم بها المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد الشعب الفلسطيني عقاباً على اختياره الديمقراطي وانتخابه حركة حماس ممثلة له، واستمرار سياسة العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني؛ من خلال سياسة التجويع والإذلال والحصار وقفل المعابر وغيرها؛ قد تجعل الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي غير مستعدٍّ لقبول مزيد من إهدار الدماء في الشرق الأوسط خاصة في ظل أجواء التفاؤل التي بدأت تسود من احتمال بدء مفاوضات على طريق تحقيق السلام في الشرق الأوسط.
رابعاً: أن هناك تهديداً أكثر خطورة من وجهة نظر المواطن والرأي العام في الدولة العبرية يتمثل في التهديد الإيراني والسعي لامتلاك التكنولوجيا النووية واحتمال تطورها إلى حدِّ امتلاك السلاح النووي، الأمر الذي يدفع الدولة العبرية إلى القيام بضربة إجهاض منفردة أو بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة مما لا يتناسب أو يتناغم مع القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة في ظل هذا التهديد المتنامي من الحكومة الإيرانية.
خامساً: إن القيام بمثل هذه العملية العسكرية من شأنه أن ينسف كل الجهود التي بذلت لصفقة الأسرى والتي تشمل الإفراج عن الجندي الصهيوني المختطف، مما يؤثر سلباً على حكومة (أولمرت) التي لم تعد تحظى بقبول من الرأي العام الصهيوني.
وفي النهاية: يمكن القول: إن الأيام القادمة ستشهد حسماً قاطعاً للنوايا الصهيونية في هذا الاتجاه، وخاصة أن حكومة (أولمرت) قد عوَّدتنا على الخيارات غير العقلانية أو المنطقية في كل ما تعرضت له من أزمات.
стр. 5955
فصول الهزيمة الأمريكية في العراق
حسين عبد عواد الدليمي
منذ الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام ٢٠٠٣ ميلادية والإدارة الأمريكية تنفذ فصولاً متتالية على أرض الرافدين لكسب النصر المزعوم الذي تحلم به إدارة البيت الأبيض في واشنطن. إنها فصولٌ متسلسلةٌ أُعِدَّ قسم كبير منها بالتعاون مع بعض الساسة الذين وعدوا واشنطن بحلم النصر الأكيد يوم أن كذبوا عليهم بأنَّ شعب العراق سوف يستقبلهم بالورود؛ فضلاً عن سيناريوهات الفصول الأخرى التي لا تفتأ إدارة الاحتلال تعمل على إعدادها لتحقيق «المهمة» التي طالما تحدث عنها رأس الدولة الأمريكية (جورج بوش) .
وهكذا تتوالى الفصول ليكون فصل الحسم الأخير، في نظر كثير من المراقبين، ما يسمى بـ «الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق» التي أُعلن عنها على لسان الرئيس الأمريكي بوش، وهي بلا شك يُنظَر إليها على أساس أنها حبل النجاة أو الهلاك إذا التف حول رقاب واضعيها، طبقاً لمدى نجاحها أو فشلها؛ لإنقاذ أمريكا من المستنقع الذي تعيشه قواتها المحتلة في العراق في ظل التصاعد المستمر للمقاومة العراقية والعمليات النوعية التي تقوم بها الفصائل الجهادية على اختلاف أسمائها في الأشهر الأخيرة الماضية، التي رأينا فيها العدو مهزوماً مكسوراً أكثر من اي وقتٍ مضى قبل ذلك.
وإذا كان المشهد العراقي متشابك الأطراف ولا يمكن التكهن بالمجريات السياسية الجارية فيه، في مقال إعلاميٍ قصيرٍ فإنَّ معرفة الفصل الأخير من فصول الفشل الأمريكي في العراق أمر ضروري للغاية؛ لأن تحالف الاحتلال الذي قاد حملته العسكرية لغزو العراق بحججٍ واهيةٍ بدأ يتصدع على ما يبدو، يوم أن اعترفت بريطانيا بهزيمتها ـ جهاراً أو إسراراً ـ وقيامها بسحب ربع جيشها المهزوم في فترة قياسيةٍ وجيزة، بمفاجأة غير معلنةٍ وقت ذاك.
وإذا كان هذا الانهزام ـ الذي لم يعلن عنه سابقاً ـ نصراً للمقاومة والمخلصين بحد ذاته؛ فإنَّ مرحلةً مّا بعد الهزيمة التي ستتلوها هزائم قريبة ـ على ما يبدو ـ توجب على كل الخيِّرين والوطنيين والشرفاء العراقيين التفكير الجدي بالعمل المشترك لاستثمار ذلك الانتصار. وقد تنبهت هيئة علماء المسلمين ـ وهي رائدة المشروع الوطني ـ لذلك منذ اليوم الأول لإعلان رئيس الوزراء البريطاني هزيمته بسحب ما يقرب من ١٦٠٠ جندي بريطاني من جنوب العراق؛ حيث دعت في بيان لها يحمل الرقم (٣٧٨) أبناء العراق المخلصين من الساسة والميدانيين إلى التفكير الجدي في مرحلة ما بعد هزيمة المحتل، معللة ذلك بأن مرحلة ما بعد هزيمة المحتل بحاجة إلى عمل مبكر وجهود مضاعفة، يلزم من خلاله اتفاق القوى الفاعلة على برنامج عمل موحد، يرسم الجميع من خلاله معالم مستقبل العراق على نحو يرضي الله أولاً ثم العراقيين جميعاً بكل أطيافهم ومكوناتهم، ويحقق المصالح العليا لأمتهم؛ مشيرةً إلى أن هذه الخطوة تُعَدُّ مؤشراً واضحاً على بداية التصدع في التحالف الأنجلو ـ أمريكي في قضية العراق، وبداية هزيمة متوقعة لمشروع الاحتلال في هذا البلد الصابر المحتسب المجاهد؛ في الوقت الذي صرحت فيه بأنَّ الانسحاب الأمريكي بات وشيكاً، وهذه هي النهاية الطبيعية لكل احتلال طال أمده أم قصر، وأن الفضل في تحصيل مثل هذه التطورات المبهجة بعد الله لأبنائنا البررة الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ومن أجل تحرير بلادهم.
وإذا كانت الخطة الأمنية الأخيرة في بغداد التي سميت بـ «خطة فرض القانون» قد أتت نتيجة جزئية للمساعي الأمريكية لحفظ ماء وجهها للخروج بأقل الخسائر من العراق في ظل الاستراتيجية الجديدة؛ فإنها تستوجب وقفات عديدة نلمس من خلالها الفشل المرتقب الذي سَتُمنى به، وما سيترتب عليه من تداعيات وتحالفات وموازنات جديدة على مستويات عديدة ستشهدها الساحة العربية والعراقية، ولن أبالغ إذا قلت: والعالمية، على المستوى السياسي والأمني؛ فضلاً عن تعامل السياسة الخارجية العالمية مع العراق، بما في ذلك تعامل الولايات المتحدة الأمريكية وفق ما يفرضه الواقع الذي لا نستطيع تجاهله.
إنَّ مجرد العودة للوراء قليلاً وتحديداً في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة التخلص من شبح الموت الذي منيت به في غزوها لفيتنام آنذاك وما جرى من خلال تعاملها من تغيير للخطط العسكرية، وزيادة عدد قواتها، واعتمادها على تكثيف القصف الجوي بالطائرات، وتشكيل ميليشياتٍ وجيشٍ موالٍ للأحتلال؛ كل ذلك يوحي بتكرار السيناريو ذاته في العراق اليوم؛ فإنَّ الذي يجري في بلاد الرافدين ـ عموماً ـ هو عملية لاستعادة النَفَس الأمريكي بعد أن ضاق عليه الخناق جراء الخسائر الفادحة التي تكبدتها قوات الاحتلال في الأشهر الأخيرة الماضية عموماً بفعل المقاومة الباسلة، مع ضرورة التركيز على حجم الخسائر بالأرواح والمعدات، وبخاصة الطائرات العشر التي خسرتها تلك القوات الغازية في شهر شباط الماضي تحديداً.
٣ خطة أمنية جديدة وواقع مؤلم:
وإذا كنا قد عرفنا بعض الدواعي التي قام من أجلها ما يسمى بـ (خطة أمن بغداد) فإنه من المناسب إلقاء الضوء على بعض المجريات التي صاحبت هذه الخطة، وتوقيت تنفيذها، ومدى إمكانية نجاحها أو فشلها.
ولا شك أن أي نظرة سريعة على الواقع الذي يعيشه العراق عموماً وبغداد خصوصاً يستطيع القارئ من خلالها معرفة حجم التآمر الذي تسعى كثير من القوى السياسية المشاركة في الحكومة إلى تنفيذه. ففي ظل التسريبات التفصيلية للخطة الأمنية والإفصاح عن حيثياتها للقوى المساندة للحكومة كـ (التيار الصدري) الذي نزح قياديوه نزوحاً جماعياً إلى إيران وعلى رأسهم (مقتدى الصدر) الذي كثر الكلام حول هروبه أو اختفائه في إحدى مناطق الشيعة في الجنوب، لنضع ألف علامة استفهام أمام مصداقية هذا التيار في الشارع العراقي في ظل التناقض العجيب الذي صاحب هروب (مقتدى) إلى إيران قبيل بدء الخطة الأمنية التي تنفذها قوات الحكومة بمساندة قوات الاحتلال، والتي لقيت تأييداً من قِبَل (التيار الصدري) نفسه قبيل وأثناء تنفيذها.
في ظل هذه التسريبات المفضوحة بدأت عوامل الفشل والهزيمة، تدب في أوصال هذه الخطة العسكرية، وبخاصة إذا عرفنا المواقف التي أفصحت عنها بعض الشخصيات التي تشارك في الحكومة والبرلمان أمثال طارق الهاشمي ـ أمين عام الحزب الإسلامي ـ الذي توقع الفشل ـ ضمناً ـ للخطة؛ لأنه لم يتوفر فيها عنصر المباغتة؛ ولأن خريطتها سُرِّبت قبل البدء بها إلى عناصر الميليشيات التي تُتهم بقتل العراقيين؛ مع أنه ـ وحزبه ـ من المؤيدين للخطة الأمنية في بغداد.
٣ مواقف يجب معرفتها:
في ظل تنفيذ هذه الخطة الأمنية العسكرية التي مضى على البدء بها بضع أسابيع، ينبغي معرفة ما يلي:
أولاً: إنَّ الأمر أصبح واضحاً لكل مراقب أنها في طبيعتها تستهدف أهل السنَّة في بغداد، وهي على كل حال تأتي تطبيقاً لاتفاقات سابقةٍ عمل عليها تياران شيعيان هما: (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) و (التيار الصدري) في إطار تسوية تحدثت عنها بعض تسريبات الإعلام في اتفاق سري يقضي بالعمل على تسليم الجنوب لـ (عبد العزيز الحكيم) لتكوين إقليم فدرالي؛ على أن يتم إعطاء (التيار الصدري) مدينة السلام (بغداد) بعد إفراغها من أهل السنة.
وموضوع استهداف أهل السنة في بغداد أمر ظاهر للعيان، تحدث عنه مؤيدو الخطة الأمنية أنفسهم، والكل سمع (د. عدنان الدليمي) وهو يتحدث عن استهداف مناطق السنة ومهاجمتها من قِبَل الجيش الحكومي دون الاقتراب من مناطق الشيعة.
وقد تحدث (الشيخ الدكتور عبد السلام الكبيسي ـ مسؤول العلاقات العامة في هيئة علماء المسلمين) في بيان يحمل الرقم (٣٧٣) تلاه أمام جمع من وسائل الإعلام حول الخطة الأمنية وتداعياتها على الساحة العراقية، مبيناً أنها إذا ما سارت على ما هي عليه من أساليب معلنة فلا يعني ذلك إلا أن الهدف المبيت هو «محرقة أهل السنة والجماعة الرافضين للاحتلال في بغداد» .
هذا في الوقت الذي طالبت فيه الهيئة الحكومة الحالية بترك مواقعها؛ لأنها لم تعد قادرة على حفظ الأمن، وأن عهدها غدا شؤماً على هذا الشعب الجريح، ومن ثم فإنَّ عليها أن تترك مواقعها؛ فإنما تُنَصَّب الحكومات في العادة على مواقع القيادة لتوفر الأمن والأمان للشعب، وتحول بينه وبين أعدائه؛ فضلاً عن تلبية متطلباته الضرورية الأخرى؛ فإذا لم تكن قادرة على ذلك كله فما جدوى بقائها؟!
ثانياً: ولذلك عملت الحكومة ـ جاهدة ـ على تطبيق سياسة الإيحاء الكاذب أو المخادع الذي تريد من خلاله إفهام العالم بأنَّ خطة أمن بغداد لا تستهدف السنة فحسب، بدليل ما ترونه من مداهماتٍ لمناطق شيعية كمدينة الصدر (الثورة) وغيرها، مع ما يرافقه من تصنُّع في مداهمة بعض مكاتب (التيار الصدري) في بغداد ومناطق الجنوب.
وسر هذه الفضيحة يكمن في أمور عديدة، منها:
(١) إعطاء الحكومة الضوء الأخضر لـ (مقتدى الصدر) وقادة جيشه للهروب من العراق إلى إيران، في بيان سري وجهه المالكي إلى مقتدى وجماعته.
(٢) فشل نتائج مداهمات مناطق الشيعة ومكاتب الصدر من قِبَل قوات الاحتلال والحكومة؛ فلم نسمع أو نشاهد ـ على وجه اليقين ـ أن اعتقالات نالت عناصر التيار أو جيش الصدر الذي طالما اتُّهم بكثير من قضايا العنف الطائفي في البلاد بما لا يخفى على أحد.
(٣) إنَّ عدداً كبيراً من منتسبي الجيش والشرطة وقوات الأمن التي تقود الخطة الأمنية هم في حقيقتهم أفراد فاعلون في جيش المهدي، وقد تحدثت دراسات غربية، ووسائل الإعلام عن ممارسة أفراد من الشباب مهام الشرطة أو الجيش نهاراً، إلى جانب الميليشيات الطائفية التي تقتل العراقيين ليلاً.
ومن نافلة القول أنه يمكن استجلاء الموقف الأمريكي من جيش المهدي الذي طالما خدم مصالح أمريكا في العراق، وخاصة تلك التي تعمل على بث روح الفرقة والطائفية في البلاد، معلنة الشعار الذي يقول: (فرق تسد!) . فهي بهذا المعنى حليف كبير ومشارك، بل مشجع لأعماله التي تصب في هذا الإطار؛ بدليل ما نراه من عدم تدخلها في كثير من الأحيان عندما تقوم ميليشيات هذا الجيش بقتل السنَّة وحرق مساجدهم على مرأى ومسمع من الاحتلال والحكومة وقواتهما.
إنَّ السياسة الأمريكية تمتاز بميزة التخفي والتستر، فهي في الوقت الذي تقلّب أوراق الضغط على الساحة العراقية على المستويين: الأمني والسياسي متى شاءت وكيفما شاءت؛ نجدها تعمل وفق سياسة غامضة مخفية، لا يمكن التنبؤ بها من أول وهلة.
وإذا كان الموقف المعلن للولايات المتحدة تجاه (ميليشيا جيش المهدي) معلناً على أساس أنه منظمة إرهابية يجب قتاله، وهو ما يدركه الصدريون أنفسهم ويتحدثون به في وسائل الإعلام؛ فإنَّ هذا التيار هو من خدم الساسة الذين تعاونوا مع المحتل، بل هو من أوصلهم إلى سدة الحكم والتربع على كرسي الرئاسة في العراق.
كما لا يخفى التحالف القائم بين حزب الدعوة والتيار الصدري الذي أوصل نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة الحالية ـ التي هي في كل حال امتداد لحكومة الجعفري ـ وإبعاد لـ (عادل عبد المهدي) الشخصية الثانية في المجلس الاعلى للثورة الإسلامية الذي يترأسه عبد العزيز الحكيم.
وهنا يأتي التساؤل: ما موقف نوري المالكي من الضغوطات التي يتعرض لها التيار الصدري على الاقل في الظاهر؟
إنَّ احتمالين يقفان أمام هذا التساؤل، حسب مصداقية هذه الضغوط أو عدمها:
أولهما: أن يكون هذا التعرض والضغط حقيقياً، وعندها من المتوقع أن يقوم التيار الصدري بسحب ثقته من الحكومة وغل يده إلى عنقه التي طالما مدها لحكومة المالكي، ومن ثم سينال تلك الحكومة ويهدد بقاءها تهديداً كبيراً، وخاصة في ظل التقلبات السياسية التي يمارسها التيار، والتي تعوَّد الناس على سماعها منذ الغزو الأمريكي ولحد الآن.
وثانيهما: أن يكون هذا التعرض إعلامياً وهمياً، وعندها فإنَّ مصير العراق سيزداد سوءاً لو بقي (جيش المهدي) مستمراً بعمليات القتل العدائية ضد العراقيين المخلصين، وعندئذٍ لا نستبعد المنزلق الخطير للحرب الأهلية التي تتولد عن مزيد من الشحن الذي تمارسه الأحزاب الحاكمة في العراق اليوم. ولا شك أنَّ هذا الاحتمال سيجعل مصداقية الإدارة الأمريكية والعراقية تحت الصفر في نظر أصدقائهما قبل أعدائهما.
٣ الخطةُ الجديدة وحلمُ البيت الأبيض:
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى تحقيق النصر المزعوم في ظل خططها التي لا تقف عند حدٍ من الحدود؛ لأنها تأتي كنتائج لسياسة عوجاء عرجاء غير مخطط لها سابقاً باعترافات رجال البيت الأبيض أنفسهم، عندما أقروا بأنهم تفاجؤوا بشراسة المقاومة المتصاعدة التي أعادت إلى ذاكرتهم مقاومة فيتنام، بما لم يكونوا يتوقعونه في يومٍ من الأيام، حينما أقدموا على ولوج العراق وإشعال الحرب فيه.
أمام هذه الحقيقة خياران لا ثالث لهما ـ حسب ما أشار إليه الأستاذ طلعت رميح في مقال سابق في البيان ـ فاستراتيجية بوش الجديدة: إما أن تتضمن انسحاباً من العراق تحت غطاء عامل القوة والانتصار الموهوم، أو أن تبقى في جحيم المقاومة الذي سيأكل جيش الاحتلال مهما بلغ عدده وعدته إلى أن تقرر هذه القوات الهزيمة فتجبر على خيبة الانسحاب.
وهناك مؤشرات عديدة ترجح الخيار الأول في الوقت الذي توجد مؤشرات أخرى ترجح الخيار الثاني. ولعلَّ ما يبعثُ على التفكير بالخيار الأول هي تلك الوساطات التي تتحدث عنها بعض وسائل الإعلام، والتي تسعى قوات الاحتلال من خلالها للتفاوض مع الجماعات التي تقاومها في العراق، مع رفض كثير من تلك الجماعات ـ أصلاً ـ لمبدأ التفاوض؛ لأنه يفتقر إلى مزيدٍ من الجدية والجدوى؛ بالإضافة إلى ما حمله المستشار الأمني للرئيس الأمريكي جورج بوش عند زيارته الأخيرة لبغداد التي تتضمن نقاطاً عدة فيها حثٌّ للسياسيين العراقيين على شمول المقاومة والمعارضين بمبادرة المصالحة الوطنية، وإصدار عفو عام عن المقاتلين، مع ضرورة حل لجنة اجتثاث البعث التي اتُّخذت غطاءً لإقصاء كل الخيِّرين من المؤسسات العراقية، والعمل على حل الميليشيات وفِرَق الموت، وغيرها.
ولم يفتأ نوري المالكي يغازل معارضيه في مناسبات عديدة بناءً على دواعٍ يعرفها هو قبلَ غيره، ولعل آخرها دعوته لانضمام ضباط الجيش السابق إلى جيشه الجديد؛ مع غصن الزيتون الذي طالما لوَّح به للجماعات المسلحة مقابل أن تترك السلاح، وهو ما ترفضه جماعات المقاومة رفضاً قاطعاً.
هذا في الوقت الذي نشاهد فيه مؤشرات أخرى تشير إلى احتمال استمرار محاولات بوش والإدارة الأمريكية لإحراز النصر على المقاومة العراقية، في ظل ما نشهده من تصرفاتٍ همجية وحشية تتعرض لها مناطق وقرى ومدن كل المناهضين للاحتلال، لتعيش هذه المناطق أوضاعاً مأساوية بالغة الصعوبة كالرمادي وسامراء والبغدادي وحديثة وهيت والرطبة وراوة والزركة، وغيرها.
هذا إذا اخذنا بنظر الاعتبار تلك التحركات الحثيثة التي تواصلها قوات الاحتلال لإقامة قواعد عسكرية دائمة لها في مناطق مختلفة من العراق، جرى الحديث عن آخرها بإقامة القاعدة الأمريكية في كردستان العراق.
وإذا كانت الصعوبة تقف أمام ترجيح أحد الخيارين؛ فإنَّ من المتفق عليه أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى جاهدة لتحويل هزائمها المتكررة إلى عوامل نصرٍ وقوةٍ، تتخذ من خلالها غطاءً لشد رحالها ومغادرة العراق بوجه مشرِّف، كما سماه نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) .
٣ الفشل الأكيد ... وماذا بعد؟
إذا كان الفشل يتبادر إلى ذهن أي متابع للخطة الأمنية وأدواتها وأساليبها؛ فإنه من الضرورة بمكان معرفة ما يترتب على هذا الفشل، مع تأكيدنا على الحل البديل لمثل هذه الخطط التي ملَّ أبناء العراق منها ومن كثرتها دونما نتائج تذكر.
فإنَّ حكومة المالكي أضعف ما تكون في هذه الأيام بعد أن فضحت وانكشف وجهها لكل العالم، فضلاً عن فشلها في توفير الخدمات أو الأمن للمواطنين، وقد تسعى أطراف سياسية إلى تكتل كبير تقوم من خلاله بسحب الثقة من هذه الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، ربما يقودها علاوي أو غيره، وقد يكون الواقع مشجعاً على هذا الاحتمال خاصة بعد إعلان تكتل جديد يضم (كتلة علاوي) و (التوافق) و (الحوار) في إطار عمل موحد، ربما بإشارة من قوات الاحتلال، مع ما رافقه من تصدع كبير في جدار الائتلاف الشيعي الحاكم بعد الأنباء التي تواردت عن انسحاب (حزب الفضيلة) الذي يُعَدُّ من أهم مكونات هذا الائتلاف الذي يسيطر على العدد الأكبر من مقاعد الحكومة الحالية والبرلمان؛ وخاصة إذا علمنا أن العدد الذي يملكه حزب الفضيلة في البرلمان هو ١٥ مقعداً.
ولكنَّ الحكومة البديلة لا يمكن الارتياح إليها ـ أبداً ـ مهما كانت خلفيات تشكيلها، على أساس إنقاذ البلد من المنزلق الطائفي والمذهبي الذي قد يشعل حرباً أهلية في العراق. والكل يذكر أن (فلوجة الصمود) قُصفت ودُمِّرت، وقتل شبابها وأطفالها ورجالها ونساؤها، وشُرِّد أهلها، بإمضاء من (إياد علاوي) يوم أن كان رئيساً للحكومة آنذاك.
وهذا يدعونا إلى التفكير بالمعطيات الأخرى على الساحة العراقية، وهي المقاومة الجهادية والميليشيات الطائفية بعد الفشل الذي ستمنى به القوات المحتلة والحكومية.
وإذا كان القضاء على فرق الموت والميليشيات الطائفية أمر واجب، فإنَّ دعم المقاومة التي تعمل على تحرير العراق لا يقل وجوباً عن ذلك، وعلى فصائل المقاومة أن تدرك خطر التفرقة، فتعمل على توحيد كلمتها، ورصِّ صفوفها، وهي مدعوة لأن تعمل وفق منهجية شرعية واحدة؛ لأنَّ العدو بدأ يهلك، وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة، وقد قرب الخلاص منه إن شاء الله.
إنَّ المقاومة من أجل أن تقطف ثمار الانتصار يجب أن تبتعد كل البعد عن روح المشاحنة أو الاختلاف؛ فإنَّ الانتصارات تزداد يوماً بعد يوم، والمقاومة الباسلة في تصاعد مستمر؛ ولله الحمد، وهذا ما يدعونا إلى التخطيط بجدية للمستقبل؛ فمن الحَيْف والجور أن يتحوَّل من جاد بنفسه في سبيل الله، وساهم في تحرير بلده من الاحتلال ليصبح غداً أو بعد غد مطارداً، ولا يشارك في بناء بلده من جديد.
وعلى جميع المخلصين من أبناء الرافدين ومعهم المسلمون الغيورون أن يقدموا الدعم المادي والمعنوي لهذه الفصائل المخلصة؛ لأنَّ المشروع الجهادي هو الذي أوقف المد الأنجلو ـ أمريكي الذي لم يكن ليقف عند حد احتلال العراق؛ وللمقاومة الفضل الكبير في إفشال المشروع الكوني الأمريكي وإلحاق الهزيمة به، وعليها أن تُبقي الإصبع على الزناد، وأن لا تتحول إلى خلايا نائمة، فينال منها العدو مأربه على حين غفلة من أمرها.
أما محاولات الإنقاذ التي لا تفتأ الإدراة الأمريكية تستخدمها؛ فإنها ستؤول إلى الفشل مهما خططت وأعدت لها. وليس متناغماً ما تفعله إدارة الحرب الأمريكية من دعمها المستميت لعملية متهالكة أثبتت فشلها على مدى سنوات الاحتلال الماضية وما تدعو إليه من مؤتمرات تبغي من خلالها الخروج من عنق الزجاجة الذي بدأ يضيق كلما توغلت في أعماق المستنقع العراقي جراء تزايد خسائرها في البعدين الميداني والسياسي؛ فمن الناحية الميدانية لم تكد قوات الاحتلال تعالج خسارتها لأكثر من مائة جندي خلال شهر واحد حتى ظهر لها سقوط تسع طائرات خلال اقل من شهر. أما من الناحية السياسية فهي الآن مدركة تماماً أنها لم تعد قادرة على الانفراد بالقرار الدولي مثلما فعلت إبّان غزو العراق.
لقد أغرى هذا التخبط الامريكي كثيراً من الدول سواء منها الكبرى أو الإقليمية على استغلال الثغرات للظهور على مسرح الأحداث كلاعبين بدلاء لهذا اللاعب الوحيد الذي بدا عليه التعب والإعياء؛ حيث لم تكن حسابات من خططوا له على درجة عالية من الدقة ومعرفة وثيقة بما سيجري على أرض الواقع من تقلبات.
ولتفادي هذه التداعيات عمدت الإدارة الأمريكية ممثلة بصقورها الذين يعشقون الدم إلى الترويج لمؤتمر تارة يسمونه إقليمياً؛ لأنه سيشمل سورية وإيران، وأخرى يطلقون عليه صفة الدولية، غير أن الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن المتحاورين أو المؤتمرين وتحت أي سقف هي أن أمريكا لن ترضى في حواراتها ومؤتمراتها إلا بالحل الذي يؤكد سيطرتها وينتشلها من السقوط في الهاوية.
إنَّ اشتعال المنطقة بحرائق الديمقراطية الأمريكية المصدرة عبر بوابة خريطة الطريق وخريطة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير دعت أمريكا هذه المرة إلى معالجات، ولكن المتابع للسياسة الأمريكية يرى أنها تقف كثيراً عند عوارض المشكلات، وتُعنى بمعالجتها متناسية أو متجاهلة الأسباب التي أفرزت هذه العوارض؛ فهي تعالج نتائج سياستها الهوجاء لا أسبابها.
وبعد كل ذلك: على السياسيين ـ وخاصة من تورط ممن يحسب على أهل السنة، إن كانوا كما يدَّعون انهم شاركوا لمصلحة أهلهم ووحدة العراق ـ أن يعترفوا صراحة بفشل المشروع السياسي الذي كانوا ولا يزالون جزءاً منه؛ لأنَّ انسحابهم اليوم ـ قبل غد ـ من عملية كُتِبَ لها الفشل بعد أن مضى عليها أربع سنين يحسب لهم قبل فوات الفرصة؛ وذلك لسبيين:
أولهما: أنهم سيكونون عندئذٍ ضمن الصف الوطني الذي نأى بنفسه عن أن يكون ضحية عمليةٍ سياسية تمتاز بالظلمة والمصير المجهول، بسبب السياسة الهوجاء للمحتل.
وثانيهما: لأن انسحابهم اليوم يعدُّ الحلقة الأخيرة من فصل المهزلة السياسية الجارية الآن في العراق، وهو بمنزلة النزع الأخير لكل متهالك متعاون مع المحتل وأذنابه؛ ومن عاند منهم وأبى الإنابة وارتضى أن يستمر في طريق مشروع الاحتلال فإنَّ عليه أن يكف لسانه عن مكونات المشروع الوطني العراقي الأصيل من هيئات ومنظمات وتجمعات وفصائل جهادية وغيرها؛ فإنَّ التاريخ يسير وهو يسجل كل موقف وكلمة، وقد علمتنا الدنيا أنها يوم لك ويوم عليك.
إنَّ المواقف غير المسؤولة التي يقوم بها بعض الساسة ممن يُحسَبون على السنَّة ضد القوى الوطنية المشرفة المناهضة للاحتلال، ستقدم حبل النجاة لأعداء الله والوطن من المحتلين وأعوانهم؛ في الوقت الذي نشاهد فيه عدونا وقد توجه نحو الاندحار وهو على وشك السقوط المدوي الذي سيهوي به في قعر الهزيمة والشنار.
نسأل الله ـ تعالى ـ أن يبصرنا بالحق، وأن يرزقنا اتباعه إنه سميع مجيب.