← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وباء التثاؤب مهلاً ... أ. سارة بنت عبد الرحمن السويعد هل أنتما موبوآن بالتثاؤب؟ من البداهة عقلاً أن النشيط المشغول ذهنياً وجسدياًَ قلّ أن يتثاءب؛ بل هو في حركة دؤوب للبحث عما يريد؛ فما ظنك حينما تُسأل هذا السؤال: هل أنت موبوء بالتثاؤب؟! وباء غريب؛ أليس كذلك؟ لربما الكثيرون منا يتلذذون بالتثاؤب، خاصة عند نداء أجسادهم للنوم! ولكن ما أعني هنا ليست اللذة هذه؛ باستحسان واستدامة التثاؤب بلا عمل إيجابي مفيد. إن التثاؤب داءٌ يكشفُ عن شخصيةٍ كسولة تركنُ إلى جدث الأحلام، حتى جمالُ الطبيعة لا يشُدها للتسبيح! واهاً لهذا الحال؟! وحين نستنكر وجود أشخاص متثائبين؛ رغم حاجتنا لليقظة والإشادة، ومتابعة المستجدات بوعي وإدارك وطرح للتجديد ونقض للمغالطات، نجدُ القليل ممن يُلزم نفسه باليقظةِ وإغلاق الفم منعاً للتثاؤب.. فما بالنا متثائبين؟! أفواهٌ متثائبة من هنا وهناك.. ما السبب يا تُرى؟! لا أخفيكم؛ بِتُّ ليالي أبحث عن الأسباب.. في السياسة وأنظمة الحكومات نُشاهد المتثائبين! في الاقتصاد وإدارة المال نُدرك أن ثمة متثائبون! في الطموحات والمطالبات ينام المتثائبُون عن التنفيذ! حتى في المنزل التثاؤب فنٌ مطبق ودرسٌ يومي، وتجربةُ فيزيائية تُجرِيهَا الأُسر مع أبنائها.. لا تسألوني كيف ذلك؟! لأنني وإياكم سوف نصاب بالذهول لضعف مستوى التقدم المنبعث من الأسر؛ الزوج والزوجة والأبناء، الكل متثابؤون! ولأننا متَّهمون بالتخمة في البلاد العربية تجد الأفواه المفتوحة في كل مكان.. بكل أسف!! وبرغم سعي مراكز التخسيس واللياقة البدنية في طرح الحلول التي ربما تُنقذ الأفراد من التخمة المزعجة، لا نزال نعاني من هوس التثاؤب! ومن المهم حقاً أن نبحث عن سبب تثاؤب الشعوب المسلمة في واقعٍ هم أفراده. مهلاً أيُّها القُراء! أمسيت بِالهمِّ ليالي وأنا أبحث عن أسباب وباء التثاؤب. أيُّها الرجل: هل أنت بحق متثائب؟! أيتها المرأة: هل أنت بحق متثائبة؟! أرجوكما! أجيبا بلا تأخير. هيا انفضَا عنكما غبار الكسل والرضا بالواقع المتقلب! يكفيكما الخمول والرتابة والعشوائية. يكفيكما التخبط والبعثرة حيال متطلبات دينكما ودنياكما. المصائب سُنَّة الله في كونه، والأحداث المؤلمة تمحيص للعباد واقعهم، والتثاؤب حينها شعور بالاستسلام السقيم.. أتدرون لِمَ؟ لأن شعورنا بالتثاؤب وعدم جدوى أهمية التغيير هي النتيجة دائماً، بَيْدَ أن الكثيرين منا أوكلوا المهمة للذين رضوا بأن نكون مع الخوالف بكل ارتجالية؛ ليغيّروا منهج تثاؤبهم، ولن يفلحوا أبداً. إن عالماً موبوءاً بالتثاؤب تجاه كل المستجدات نرتع في أحضانه بائسين لا مفر لنا إلا فتح الأفواه أداءً للتثاؤب. مواجهة هذا العالم وفق هيئة مبتغاة صعبٌ، مع العلم أن البلهاء المتثائبين هم الأقوى.. عجباً! هم الأقوى؛ كيف؟! سياسة البلاهة والتثاؤب سياسة أجادها الكثيرون وفرضوها؛ لإخماد جذوة الخيرية والفطرة السليمة في النفوس المسلمة في كل اتجاه. وحياة الرتابة والتثاؤب مملة؛ بل قاتلة حين يظل طلب النفيس مفقوداً وحين يعيش كل واحد منا كالهمج الرعاع، يكفيه من الدنيا ملبس ومطعم. أعتقد أننا قسمان تجاه مغالطات الواقع: قسم ابتلاه الله بهَمِّ وسقم، فهو في فلكهما ليس له من الإحساس والتفاعل بالواقع شيء؛ وهذا لا يُعذر أبداً.. وقسم لا يؤمن بالتجديد، ويُوكِل المهمة لغيره؛ وإن كان أسوأ سريرة؛ وهم كثر والله المستعان. وحتى نرقى بواقعنا ونرسم مستقبلنا لا بد من طرح الأفكار والمطالبة بالتجديد بصوت مسموع وقلم مسنون، ليس لشنِّ حرب؛ بل لطرح فكرة وتوضيح هدف. لفتة: عن عبد الرحمن بن سمره قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفّة المدينة فقال: «إني رأيت البارحة عجباً! رأيت رجلاً من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكى بها في الدنيا من خشية الله؛ فأخرجته من النار!» . قلت: خشيةٌ تتبعها دمعات نفعت صاحبها! فكيف لو كان متثائباً؟ هل سينفعه تثاؤبه وينقذه؟ ما أبأس المتثائبين! - حتى ندفع التثاؤب: عدة نقاط، تطبيقها مهم جداً يا أنتما: ١ ـ نحن متثائبون أحياناً، وغيرنا يدعو للتثاؤب، وبيديه يستحث الفم على التثاؤب بطريقته الخاصة! ٢ ـ الوعي الإنساني في ترسيخ مصداقية تطوير الذات ودفعها نحو الطرح الفعلي لا المفتعل؛ مهمٌ للغاية. ٣ ـ زيادة مستوى التثاؤب دليل على الأمن والسلامة، وهذا لا يصح أبداً. قال ـ جل وعلا ـ: «وعزتي! لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين؛ إن أَمِنَنِي في الدنيا أخفته في الآخرة» . ٤ ـ تقبُّل الواقع بكل تراكماته ومغالطاته مُلزم للتثاؤب اللاشعوري أيضاً، وانعدام الاستراتيجية الدقيقة في مكاشفة أسباب التثاؤب خطرٌ! ٥ ـ حين تزداد بواعث التثاؤب وتستجيب الأركان للخمول؛ حينها، حتماً، لا بد أن سيكون قلبك نائماً ولن يستيقظ أبداً.. والويل له! ٦ ـ التثاؤب وباء، وبه يفقد المرء الإحساس إلا بفتح فمه بشراهة، فإياك أن تفقد الإحساس إلا بذلك! ٧ ـ الرؤية الأُحادية في دفع التثاؤب في نطاق الأسرة الصغير مؤشر خطير، وكل مسؤول محاسب. ٨ ـ التهور والعمق الأحمق في التثاؤب نتائجه وخيمة ومخرجاته بئيسة، والتعامل الخشن في قمع التثاؤب سبب رئيس في الأذيَّة.. وأنت خصم نفسك. ٩ ـ إن كان لا بد من التثاؤب فحدِّد أوقات تثاؤبك، وانتبه أن يكون وقتك كله وفوك مفتوح. ١٠ ـ زماننا هذا حاجته قوية في نبذ التثاؤب وإغلاق الأفواه ولو بالأيدي كلها، أقول: بالأيدي كلها؛ لأن ذلك يدل على أن الجسد كله يقاوم ويدافع هذا التثاؤب. ١١ ـ الرعيل الأول كانوا أشد حرصاً على النشاط ونبذ التثاؤب. قال النبي ﷺ لربيعة بن كعب: «سلني!» فما وجد أنفس من: «أسألك مرافقتك بالجنة» ، فقال له: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» رواه مسلم. ١٢ ـ ندب الحظ والتولول على النفس طريقة قديمة يتقنها المتثائبون بكل احتراف. فلا بد إذن من صياغة النفس لمقاومة التثاؤب ودمغه، أو الشعور به. ١٣ ـ أعتقد أن المتثائبين قد استعذبوا الأذى حين يكون أداءهم للتثاؤب تلقائية في كل اللحظات. فتخيُّلُ أفواه الناس مفتوحة كلَّ دقيقة حدث مؤسف مشمئز، وحينها بلهجتنا المحلية: «الله يخلف» . ١٤ ـ الشفافية ومراجعة النفس ومتابعة التطورات في الحياة جهدٌ مهمٌ، لا بد أن ينال فاعله عظيم المثوبة. ١٥ ـ اجعل قلبك دائم الثأر من عدوه ومَنْ يستحثُّه على التثاؤب، اخلق في جوفك نداء اليقظة والنشاط ولا تتنازل عن تثبيت دعائمه، وإياك أن تُبقي خزانة أعمالك وإنجازاتك فارغة! ١٦ ـ قوِّ صلتك بالله، واستعن على كلب الغنم بسيدها ﴿وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] ١٧ ـ العزيمة الصادقة والإرادة الناقدة قيد للخواطر، ثمرتُها روعةُ الإنجازات، وهنا فقط يموت التثاؤب. ١٨ ـ حذاري أن يكون بيننا من هو مهزوم أمام نداء تثاؤبه، ينقاد للأداء به انقياد الشاة للذئب! فإن كنت كذلك فواهاً لك! ١٩ ـ إياك أن تكون خارج السيطرة على نفسك! فالتحدي كبير وليس سهلاً أيها الفطن. وامتلاك الحكمة في دفع التثاؤب دليلٌ على النجابة والنبوغ والإقدام. ٢٠ ـ ثِقْ أن الشيطان يضحك ويبول فيمن يتثاءب بين يدي الله «ذاك بَالَ الشيطان في فمه» . ٢١ ـ أصحاب العزم الفتِيِّ والقلوب السبّاقة هم أَنْفَس من في الوجود، وهم الأقرب لله ـ جل وعلا ـ والناجون من التثاؤب. قال ﷺ : «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه» رواه الشيخان. ٢٢ ـ قال ابن مسعود ﵁: «لا يغرّنَّك قول: «يُحشر المرء مع من أحب» فإن اليهود والنصارى يحِبّون أنبياءهم وليسوا معهم» . هذا نداء لجوارك؛ فهل تفهمه؟! ٢٣ ـ لكل نفس آلية خاصة لإدارة ذاتها؛ فابحث لنفسك عن آلية تجابه تثاؤبك. وبإدارتك لنفسك تكون قادراً على تخطي كثير من الآثار المبدئية لقمع التثاؤب، وهنيئاً لك! ٢٤ ـ لم تتبنَّ مدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا ودوائرنا الحكومية والأهلية دراسة هذا الوباء وكيفية القضاء النهائي عليه؛ لذا أجد أن النفس هي المؤملة في ذلك واللهِ، ولا تتوقع أن تشاطرك المؤسسات المالية مسؤولية دفع التثاؤب؛ فالمسؤول فقط (نفسك) و (عقلك) و (قلبك) و (مشاعرك) فقط. ٢٥ ـ أورد ابن تيمية ﵀ دعاءً عن موسى ﵇: «اللهم لك الحمد، إليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُّكلان» ردده دائماً، وأَقْبِل متفائلاً بالإنجاز والسموِّ ومرضاة الله تعالى. ٢٦ ـ قال قتادة ﵁: «إن الله يسأل كل عبد عمّا استودعه من نِعَمِهِ وحقه» فارعَ نعمَ الله، وعالج تثاؤبك! ٢٧ ـ متى يستيقظ قلبك ويبدأ مشوار البذل لا التثاؤب؟ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ . [فصلت: ٣٥] ٢٨ ـ نحن من نصنع المستقبل، ونحن من نرضى بتخبط الواقع؛ فهل ترضى أن تكون متثائباً بعد هذا؟ حينها ـ معذرة ـ سأقول بملء فمي: عجباً لك! عجباً لعبوديتك لله! عجباً لقلبك الذي لم يُسقَ الحب والولاء لله! وهل تستعد بعد هذا للمقاومة ودمغ التثاؤب بالقوة؟ ختاماً: مضمون هذه الكلمات يفهمها اللبيبان الأريبان؛ فهل

стр. 5882

باسم رب الغلام د. يوسف بن صالح الصغير لا يمكن لأيِّ إنسان أن يمنع نفسه من التفاعل مع محيطه الذي اتّسع مع ثورة الاتصالات ليشمل الكون؛ فلا بد له من التأثر والتأثير. ولم يعد بمقدور الإنسان التفاعل مع كل مفردات المحيط؛ فاختصت كل فئة بمؤثر؛ فمن يتابع الفنَّ والرياضة أغرق نفسه بالكمِّ الهائل من الأحداث والمناسبات والرموز المحلية والعالمية، وملكت قيادَه القنواتُ المرئية والمسموعة والمطبوعات المتخصصة، ولا يعدم أحدهم أن يجد له رمزاً ومثلاً أعلى يشدّ الرحال إليه، ويسعد بالنظر إليه، ويطير فرحاً لو وقَّع له على كرة أو ورقة، كل هذا مع كون الرمز لا يبادله الشعور، ولا يتفق معه، بل غالباً يخالفه في المعتقد واللسان والجنس؛ فكم من الناس مات إثر هزيمة فريق، أو موت مطرب! وكم من الناس لا يمدّ يده بمال إلا لدعم فريق رياضي، أو لسدِّ خلة لمطربة عجوز! إنها مظاهر تدلُّ على حالة من التعطش للبحث عن الذات، وإرضاء النفس بالانتماء. إننا أمة يوجد فيها من يُعجب بـ (مايكل جاكسون) و (ريفيلينو) لإبداع يراه مع شدة الاختلاف الثقافي والديني، فلا غرابة ـ إذاً ـ أن نجد أن كثيراً من الأمة يتخذ موقفه من (أحمدي نجاد) بناءً على تصريحات حول المحرقة اليهودية المزعومة، ويمجّد (حسن نصر الله) ويرفع صوره لمعركة خاضها مع اليهود نحن فيها ضمن الغنائم والأسلاب وضحية لكل منتصر؛ فلا ننسى أن تحالفهم يكون علينا، واختلافهم من أجلنا. ولأن الأمة متعطشة للرموز؛ فهي تبحث عن كل من يمكن أن يكون رمزاً لها، بل وتتبنَّى كل من يستهدفه العدو؛ باعتباره رمزاً لها، وعلى هذا الأساس تفاعلت الأمة مع محاكمة ومن ثمَّ تصفية أو اغتيال أو إعدام الرئيس السابق (صدام حسين) ، وسأحاول في هذه العجالة فَهْم دوافع الأمة الفطرية لترميز (صدام حسين) . إذا كانت حياة صدام مليئة بالمواقف والأحداث؛ فإن مرحلة حكمه تميزت باختزال العراق وحزب البعث بشخص (صدام حسين) ؛ فهو الذي قرَّر بالتنسيق مع الغرب محاربة إيران (الخميني) ، وهو الذي قرَّر بضوء أخضر من أمريكا دخول الكويت، وهو الذي قرَّر إعادة هيكلة الحزب، وأطلق ما يسمى بـ (الحملة الإيمانية) وفرض على البعثيين حفظ آيات وأحاديث، وهو الذي أضاف (الله أكبر) للعلم العراقي، وهو الذي أصرَّ على تصفية قيادات الحزب من الشيعة الذين خططوا لانقلاب بالتنسيق مع الأسد، وهو الذي أعدم كلَّ من تمرد على سلطته، ولم يتسامح حتى مع أزواج بناته. والسؤال المهم: أنَّ البلد تعرَّض لغزو خارجي، تدعمه قوى إقليمية وداخلية، اتفقت على تحطيم العراق القديم، وبناء عراق جديد، يمثِّل فيه السُّنّة دور الهنود الحُمر، وتمَّ تسريح الجيش والأمن، وفُصل الموظفون السُّنّة بدعوى اجتثاث البعث، ومن بقيَ تكفّلت به فِرَق الاختطاف والتصفية شبه الرسمية، وتدمير مدن الفلوجة، وتلعفر، وعمليات الحصار، والتفتيش، والاعتقال، والتصفية المستمرة في المناطق السُّنّية، كل هذا والخبر الأول غالباً هو عن جلسات محاكمة صدام ورفاقه، والتهمة هي إعدام مجموعة من الشيعة الأكراد في الدجيل، اتهموا بمحاولة اغتيال رئيس الدولة لحساب إيران. ويمكن وصف المحكمة أنها أمريكية؛ فهو في سجنهم وعهدتهم، ولكن القاضي فيها كردي، والادِّعاء شيعي، أما الدفاع فسُّنّة؛ تَعَرض بعضهم للاغتيال أثناء المحاكمة، وفي كل يوم يقتل الحكام الجدد أكثر ممن نُصبت المحاكمة من أجله، وكان عنوان العدالة الوحيد هو طول المحاكمة، ومجيء وزير العدل الأمريكي السابق ليمثل دور الدفاع عن صدام، وبين ذلك تعرّض صدام للطرد والضرب ومحاولة الإذلال بنشر صورة في زنزانته وهو بملابسه الداخلية يغسل ملابسه بنفسه، وباختصار كانت المحاكمة تمثِّل صورة مصغرة للعراق؛ السجّانُ فيها أمريكي، والسجين فيها سُنّي، والأدوات أكراد وشيعة، أما السُّنّة فهم يمثلون الدفاع الصوري؛ سواء في قاعة المحكمة أو في البرلمان والحكومة. وأخيراً: صدر الحكم المسبق بإعدام صدام مع الحديث المحموم عن الخطة الأمنية الجديدة، وبتسارع عجيب بدأت مسرحية الإعدام من تسريب الاحتمال إلى نبأ التنفيذ، في مسرحية غابت عنها الدولة المزعومة، فلم يوقِّع الرئيس، ولا نائبه، ولم يتم التنفيذ على يد أجهزة الدولة، لقد تفرّد الشيعة بالتوقيع والحضور والتنفيذ، وكان الدور الأمريكي تسليم الضحية، واستلام الجثة. لقد ضُحِّي به في صباح عيد الأضحى، وكانت مشاهد الإعدام التي سُرِّبت تكشف أنه لم يُقتل من أجل الدجيل؛ فالقتلة كانوا يردِّدون اسم (محمد باقر الصدر) ، وكان هو يردِّد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، وكان كاشفاً وجهه وهم مقنَّعون، وبينما أحضر معه مصحفه أحضروا معهم الكاميرات، لقد فهم السُّنّة أنها رسالة لهم تبين ملامح الخطة الأمنية التي يبدو أنها ستكون تكراراً لمسرحية صباح يوم العيد، لقد أرادوا احتقار السُّنّة وتخويفهم، وأراد الله إفهامهم واستنهاضهم، وبغض النظر عن تقويم صدام والحكم عليه، لكنني لا أكتمكم أنني لما رأيت مشاهد الإعدام تذكرت (باسم ربِّ الغلام) .

стр. 5883

٢٣٥ - ربيع الأول - ١٤٢٨ ه ـ (السنة: ٢٢)

стр. 5884

حقوق الإنسان والكيل بمكيالين كرَّم الله الإنسان وشرَّع له حقوقاً كبرى، منها: حق الحياة والحرية والمساواة والعدالة، قبل ما يسمى بحقوق الإنسان التي صدرت عام ١٩٤٨م، وسبقها الإسلام بأربعة عشر قرناً؛ حينما أنزل الله تلك الحقوق في القرآن والسنة، وكانت محل إعجاب كل المنصفين حتى من الغربيين أنفسهم. ومع مطالبة الغرب بتلك الحقوق وأهمية تطبيقها أصبح يكيل بمكيالين، متساهلاً بتلك الحقوق؛ فالمسلمون يتعرضون لمآسٍ ونكبات، وبخاصة في فلسطين والبوسنة والعراق وأفغانستان، وتجري المذابح لمجرد الظن والشكوك والأوهام، ولا يسمحون لأحد أن يسائلهم: لماذا قامت تلك الحروب؛ وما مدى صحتها؟ فأين حقوق الإنسان التي تداس بالأقدام دون أي سبب وجيه؟! ومما يؤسف له أن تقوم بعض المنظمات الحقوقية الدولية بشن تهجمات رعناء استنكاراً لتطبيق الحدود الشرعية، مثل القصاص؛ بدعوى أن هذه العقوبة غير إنسانية! ويدعون بكل صفاقة إلى تعطيلها في السعودية ـ على سبيل المثال ـ غير آبهين بالجرائم التي يقوم بها أولئك المجرمون؛ من قتل وإخافة وترويع، وكأنه ليس للمغدورين أدنى حقوق. وسمعنا الاستفتاء على تعطيل هذه العقوبة والدعوة إلى إلغائها من إذاعة لندن، الذي شارك فيه بعض الجهلة والسُذَّج من المسلمين، مؤيدين الدعوة كذلك. ويأبى الله إلا أن تنفضح العدالة الغربية؛ إذ تزامن مع هجومهم على الحدود الشرعية، بزعم أنها غير إنسانية، أن أذاع التلفاز الصهيوني برنامجاً وثائقياً يعترف فيه الصهاينة بقتل ٢٥٠ أسيراً مصرياً وفلسطينياً على يد فرقة صهيونية في حرب ١٩٦٧م؛ بقيادة السفاح الصهيوني (بنيامين بن إليعيزر) الذي تولى وزارة الدفاع الصهيوني سابقاً. وكان المذكور يُعِدُّ لزيارة مصر غير أنه أحجم عن ذلك بعد تحذيره من القبض عليه في مصر ومحاكمته؛ فألغى الزيارة، وهذا اعتراف منه بالجريمة، وإن أنكرها؛ فقد أكدها المؤرخ الصهيوني (أوري ملشتاين) في كتاب موثِّق للحادثة عام ١٩٩٤م، والتي أكدها البرنامج الوثائقي آنف الذكر؛ فهل تجرؤ تلك المنظمات الدولية المزعومة أمثال (هيومن رايتس ووتش) و (إمنسي إنترناشيونال) على تجريم الصهاينة في حروبهم المتوالية منذ عام ١٩٤٨م إلى الآن؟ هل يجرؤون على طلب إيقاف أولئك المجرمين السفاحين ومحاكمتهم؟ أم أنهم سيلجؤون إلى أعذار معروفة سلفاً؛ كسقوط الدعوى بالتقادم مثلاً، أو بدعوى الحرب على الإرهاب؟! إن حقوق الإنسان أصبحت خرافة؛ لأنها دائماً ما تكون لصالح ذوي الدماء الزرقاء من الغربيين وإخوانهم الصهاينة. أما إن كانت الدعاوى ضد المسلمين ودول العالم الثالث فإنها ستقام المحاكم، وسيتم القبض على المتهمين بالقوة؛ بدعوى تطبيق حقوق الإنسان، ومخالفة الأنظمة الدولية المرعيّة في السلم والحرب، كما يلمحون في محاكمات دارفور بالسودان. العجيب أن آخر الأخبار تؤكد أن محكمة الاستئناف الأمريكية أيَّدت قانوناً رئاسياً جديداً يرفض حق سجناء غوانتنامو في الاعتراض على قرارات احتجازهم! هذه هي الديمقراطية التي يطالب بها المغفلون! إنها تمثّل وصمة عار ليس على الحضارة الغربية فقط؛ وإنما على الإنسانية جمعاء؛ فإلى الله المشتكى!

стр. 5885

رسالة إلى الأمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين الذي شرفنا الله ـ تعالى ـ فجعلنا من أمته، وبعد: فمنذ عدة سنوات ازداد زخم التعدي على الإسلام ورموزه وثوابته؛ فقد علم المسلمون بالهجوم الذي يشنه كثير من القادة: الساسة والمفكرين في العالم الغربي على الإسلام ووصفه بصفات جائرة غير حقيقية وغير لائقة، ثم مشاركة العسكريين بالعدوان على بلاد المسلمين، ثم العدوان على المصحف وهو كلام رب العالمين، ثم السخرية من رسول رب العالمين ﷺ . وانتشر ذلك وشاع في العديد من الصحف والمجلات حتى وصل الأمر أن يتطاول كبير النصارى علناً على الإسلام وعلى الرسول الكريم في سابقة غير معهودة في العصر الحديث. وقد قامت الشعوب المسلمة بجهود في التصدي لذلك العدوان ما بين مقاطعات اقتصادية، ومؤتمرات دولية تعلن مناصرتها للإسلام والقرآن والرسول ﷺ والانحياز إلى ذلك انحيازاً تاماً من غير استثناء أو تحفظ، وكل ذلك معلوم للقارئ، ولا جديد فيه، لكن الذي ينبغي أن نفكر فيه وأن نبحث له عن إجابة: ما الذي جرأهم على هذه النقلة في التعامل مع العالم الإسلامي، وإظهارهم للطعن في كل ما يعظمه المسلم ويفتديه بنفسه وماله وولده؟ إنه يهمنا بشكل كبير جداً أن تقف هذه الحملات الغربية الظالمة الجائرة على ديننا الحنيف، وما لم تكن لدينا القدرة على معرفة السبب الحقيقي الذي جرأهم على إظهار ما كانوا يخفونه، والعمل على تلافي ذلك السبب فلن نكون قادرين على وقف تعدياتهم. ربما يقول البعض: إن السبب في ذلك هو كفرهم وضلالهم وكرههم للإسلام والمسلمين. لكن هذا ليس هو السبب؛ فإن كفرهم وضلالهم وعداوتهم للإسلام أمر قديم ليس بالجديد. وقد يقال: إن السبب راجع إلى تلك الفترات التي غلبت فيها جنودُ الرحمن جنودَ الشيطان واستطاعت أن تنتشل من بين براثن الكفر والضلال شعوباً ودولاً وتُدخِلها في رحمة الله بدخولها في الإسلام، لكن هذا أيضاً أمر قديم. وقد يكون السبب في ذلك هو قدرة الإسلام على الانتشار في أوساط النصارى في الغرب؛ فهناك دراسات وإشارات واضحة إلى أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً، وخوف النصارى قادةً وساسةً ومفكرين أن يصير الإسلام قوة رئيسة في الغرب في القريب المنظور مما يُؤْذِن بانهيار الغرب النصراني، يجعلهم يسلكون هذا المسلك، وقد يكون هذا سبباً حقيقياً للقلق الذي ينتاب الغرب من ظاهرة الإقبال على الإسلام، ومحاولة الحد منه وفرض القوانين التي تضيِّق على المسلمين هناك؛ إلى جانب التعديات المتكررة من أفراد المجتمع النصراني الغربي، لكنه يبقى مع ذلك سبباً قاصراً عن تفسير انتشار ظاهرة التطاول والجرأة الشديدة التي بدأت تظهر بشكل يلفت الأنظار إليه؛ بحيث صار هذا من الأمور المتكررة وبأكثر من أسلوب وفي دول متعددة وفي مستويات متفاوتة من طبقات المجتمع. ويتلفت المؤمن يميناً وشمالاً يبحث عن مخرج من هذا المأزق؛ فمنهم من يدعو للقيام بمسيرات سلمية، ومنهم من يطالب بسحب السفراء، ومنهم من يدعو إلى المقاطعة الاقتصادية، ومنهم من يطالب بالاعتذار، ومنهم من ينادي بتعميق الحوار، لكنَّ هناك خياراً مهمّاً أغفله أكثر الناس ولم يتطرقوا إليه. إن من أعظم الأسباب التي جرأت اليهود والنصارى على إظهار التطاول على ديننا هو ذلكم الضعف الشديد والتخاذل الكبير ـ الناتج من ذلكم الضعف ـ الذي تصر جهات متعددة من الأمة على البقاء عليه والتمسك به بقوة في كثير من المواقف الفاصلة، ويبدو من ذلك واضحاً أن البحث عن مخرج من هذا المأزق مع إهمال التفكير في خيار امتلاك القوة الرادعة والبحث عنها وتملكها فعلاً ـ التي تكون سبباً في مهابة العدو المتربص، وإجباره على الاعتدال في مواقفه من هذا الدين ـ هو من قبيل إضاعة الأمانة. إن العالم من حولنا بشتى دياناته وعقائده وإمكاناته يبحث عن القوة الرادعة التي تؤمِّن له حريته وقدرته على اتخاذ القرار والحفاظ على خصوصياته، وينفق في سبيلها كرائم الأموال ونفيسها، بل منهم من يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يحتكرها لنفسه ويمنع الآخرين من تملكها أو الوصول إلى أسرار صناعتها، حتى يظل متفرداً بالقدرة على مهاجمة الآخرين وإرهابهم، ومن ثم ابتزازهم. إنه لا ينبغي لنا ـ معاشرَ المسلمين ـ ساسةً وقادةً وعلماءَ ومثقفين، أن يقتصر دورنا ـ في مواجهة الهجمة الصليبية ـ على البحث عما يسمونه (الحلول السلمية) التي تخفي في طياتها ضعفاً واستسلاماً للواقع الأليم؛ فإن هذا وحده لن يؤدي إلا إلى مزيد من التطاول والعنجهية والهمجية. ولنا أن نتساءل بموضوعية: أكان عُبَّاد الأوثان ـ من الساسة والقادة والأحبار ـ قادرين على التطاول على ديننا لو علم هؤلاء أن للمسلمين قدرة على معاقبتهم وتأديبهم التأديب الموجع؟ إن المجتمع الدولي اليوم لم يعد يهتم بالضعفاء حتى ولو كانوا أصحاب حق، ولا يقيم لهم وزناً ولا يلتفت إلى أنينهم وعذاباتهم، وإذا كنا نريد تعظيم حرمات الإسلام حقاً وكف أيدي العابثين فلا مناص من الدعوة إلى امتلاك القوة الرادعة التي ترهب العدو، والعمل على ذلك، وهذا ما أمر الله ـ تعالى ـ به فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ؛ فإن من الناس من لا يزيدهم العفو إلا طغياناً وكِبْراً، فإذا ظهرت قوة الحق رجعت إليهم عقولهم. ولهذا قال الشاعر في هذا الصنف، وينسب لحسان ﵁: دعا المصطفى دهراً بمكة لم يُجَبْ وقد لان منه جانب وخطابُ فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا ولا شك أن تحصيل القوة الرادعة لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، وإنما هي في حاجة إلى إعداد جاد وطويل، بعيداً عن الاستعجال والتهور في اتخاذ المواقف التي قد تجر إلى كوارث، وبعيداً أيضاً عن الإهمال والتكاسل والتهاون الذي يجر إلى كوارث أشد. إنه من غير الممكن الدعوة إلى شن حرب على تلك القوى المجرمة؛ فذلك فوق القدرات المتاحة، ولكن ينبغي الدعوة إلى العمل على امتلاك القوة الرادعة التي تعيد لهم صوابهم، وذلك أمر في الوسع والطاقة إذا صدقت النيات وتكاتفت الأيدي. إن الجري أمام القوى الظالمة وتلبية طلباتها ومعاونتها في مشاريعها والتلطف معها في القول والعمل، لن يدْعوها إلى مراجعة نفسها والندم على جرائمها وأخطائها في حق أمتنا، بل يدعوها ذلك إلى مزيد من الظلم والغطرسة والطغيان. وقد يلوح المخرج من هذا المأزق في عدة أمور: الأول: العناية التامة بالإسلام عقيدة وشريعة، تعلماً وتعليماً والتزاماً على جميع المستويات، والجد في ذلك وعدم التهاون أو التقصير. الثاني: امتلاك القوة الرادعة والقدرة على استعمالها بكفاءة. الثالث: الإرادة الجازمة والعزم على استخدامها عند الحاجة إليها. ولا شك أن هذا المخرج يحتاج إلى صبر ووقت، لكن صواب البدايات يؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة في النهايات. فمتى نجدُّ ونجتهد ويقوم كل صاحب ولاية بما هو مطالب به في ولايته؟ ومتى تتحول مجتمعاتنا من مجتمعات لاهية عابثة يُستغرَق جل وقتها في البحث عن شهوات البطون والفروج، إلى مجتمعات عاملة جادة تسعى لكي تقوم بدورها المناط بها باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وتحقق مكانتها التي جعلها الله لها؟ لقد حان الوقت؛ فهل من مشمر؟!

стр. 5886

قراءة في بردة البوصيري وشعره د. علوي بن عبد القادر السَّقَّاف قصيدة البردة من القصائد الشهيرة في المديح النبوي، هامَ فيها أهل التصوف فشرحوها عشرات المرات وبلغات مختلفة (١) ، وشطَّروها، وخمَّسوها، وسبَّعوها، وعارَضوها، ونظموا على نهجها (٢) ، وغَلَوْا فيها حتى جعل بعضهم لأبياتها بركة خاصة وشفاء من الأمراض (٣) ، بل إن من كَتَبَةِ الأحجبةِ والتمائم من يستخدم لكل مرض أو حاجة بيتاً خاصاً: فبيتٌ لمرض الصرع، وبيتٌ للحفظ من الحريق، وآخر للتوفيق بين الزوجين، وهكذا (٤) . وكانت البردة وما تزال عند بعض الناس من الأوراد التي تُقرأ في الصباح والمساء في هيبة وخشوع (٥) ، وأبياتها تُستعمل إلى اليوم في الرُّقَى وتتلى عند الدفن (٦) ، وقد وضعوا لها شروطاً عند قراءتها كالوضوء واستقبال القبلة، وغير ذلك (٧) . وزعموا أن سبب تسميتها بالبردة أنَّ صاحبها ألقاها أمام النبي ﷺ في المنام فألقى عليه النبي ﷺ بردته كما ألقاها على كعب بن زهير ﵁ يقظة، مع أن قصة كعب بن زهير هذه لم تثبت بإسناد صحيح. وزعموا أنه كان مريضاً بالفالج فشفي بها ولذلك سميت بالبُرْأة (٨) ، وبلغ غلوُّهم فيها أن زعموا أن النبي ﷺ شاركه في نظمها وأنه كان يتمايل عند سماعها؛ فلما انتهى الناظم إلى قوله: (فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ) ... توقف، فأضاف النبي ﷺ : (وأنه خيرُ خلقِ الله كلهمِ) (٩) . هذه القصيدة انتقدها كثيرٌ من أهل العلم (١٠) في أبيات معينة تعدُّ من أكثر الأبيات غُلُوّاً عندهم، ودافع عنها آخرون وردُّوا ما وُجِّه إليها من نقد، معلِّلين كل بيت منتَقَد فيها بما ينفي علة النقد. ومن هذه الأبيات المنتقَدة التي دافع عنها أتباع البوصيري وزعموا أن منتقديها لم يدركوا مراده، في قوله: إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلَّةَ القدمِ وقوله: يا أكرمَ الخلق ما لي من ألوذُ به سواكَ عند حلولِ الحادثِ العَمِمِ وقوله: فإنَّ من جودك الدنيا وضرَّتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ فأصبح كثير من الناس لا يعرفون غلوَّ البوصيري إلا من قصيدته البردة، ولا يعرفون ما في البردة من غلوٍّ إلا من هذه الأبيات؛ فإذا كانت هذه الأبيات مفسَّرة ومبرَّرة، سلِمتِ البردة وسلِم البوصيري، فينتقل اللوم إذاً إلى منتقديه المتشددين! والرجل ـ كما يزعمون ـ إمامٌ عالمٌ عاملٌ صالحٌ زاهدٌ ... ، وقصيدته البردة زهراء غراء يتبرك بها الناس، وفيها شفاء لأمراضهم إلى آخره، وهذه الأوصاف مذكورة في كتبهم (١) . فهل صحيح أن بردة البوصيري ليس فيها من الغلو إلا هذه الأبيات؟ بل هل صحيح أن البوصيري إمامٌ عالمٌ عاملٌ، وقصائده، سواء البردة أو غيرها، تخلو من الغلو؟! هذا ما أردت بيانه في هذه المقالة. أما البوصيري فهو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، مصري النشأة، مغربي الأصل، شاذلي الطريقة (٢) . ولد سنة ٦٠٨ هـ وتوفي سنة ٦٩٦ هـ، والرجل لم يكن عالماً قط، ولم يعدَّه أحدٌ من المترجمين له في عداد العلماء، بل عدُّوه من الشعراء (٣) ، ومن عدَّه كذلك من المعاصرين لم يستطع أن يثبت ذلك، وإنما هي ألقاب تكال كيلاً كما هي عادة القوم (٤) . والبوصيري كان ممقوتاً لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء (٥) ، سيئ الخُلُق مع زوجته وغيرها، شحَّاذاً، مضطرباً في شخصيته، فتارة يمدحُ النصارى ويذُمُّ اليهود، وتارة يمدح اليهود إرضاءً للنصارى، وتارة يذم الاثنين معاً (٦) ، وكان كثير المدح للسلاطين طمعاً فيما عندهم؛ وهذا ليس غريباً على الشعراء لكنه ليس من صنيع العلماء، أضف إلى ذلك أنَّ له أبياتاً كثيرة في البردة والهمزية وبقية قصائده الواردة في ديوانه، فيها من الغلو ما يصدِّق قول منتقديه فيه، وإليك جوانب مما ذُكر: أما سوء خلقه مع زوجته فقد ذمَّها وأشار إلى اتهامها بالفاحشة في قصيدة طويلة، وفي القصيدة من الفحش والفجور والفسق ما فيها، نسأل الله السلامة: وَبَليَّتي عرسٌ بُليت بمقتها والبعل ممقوت بغير قيامِ جعلت بإفلاسي وشيبي حجة إذ صرت لا خلفي ولا قدامي بلغت من الكبر العِتيِّ ونُكِّست في الخلق وهي صبية الأرحامِ إن زرتُها في العام يوماً أنتجت وأتت بستة أشهر بغلامِ أوَ هذه الأولاد جاءت كلها من فعلِ شيخٍ ليس بالقوَّام؟! وأظن أنهمُ لعظم بليتي حملت بهم لا ش في الأحلامِ أوَ كلَّ ما حَلِمت به حَمَلت به؟ من لي بأن الناس غير نيامِ؟ يا ليتها كانت عقيماً آيساً أوْ ليتني من جملة الخدامِ أوْ ليتني من قبل تزويجي بها لو كنت بعت حلالها بحرام! أوْ ليتني بعض الذين عرفتهم ممن يحصِّن دينه بغلام! (١) والبوصيري كان شحَّاذاً يستخدم شِعره في استجداء ما عند الناس ـ وهذا ليس من صنيع العلماء ـ فها هو يشكو للصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن حنا حاله وكثرة عياله بقوله: أيها الصاحب المؤمل أدعو كَ دعاء استغاثة واستجارهْ أثقلتْ ظهري العيال وقد كنتُ زماناً بهم خفيف الكارهْ ولو أنني وحدي لكنت مريداً في رباطٍ أو عابداً في مغارهْ أحسب الزهد هيِّناً وهو حربٌ لست فيه ولا من النَّظَّارهْ لا تكلْني إلى سواكَ فأخيارُ زماني لا يمنحون خيارهْ ووجوهُ القُصَّاد فيه حديد وقلوبُ الأجوادِ فيه حجارهْ فإذا فازت كفُّ حرٍّ بِبُرٍّ فهو إما بنقضةٍ أو نشارهْ إن بيتي يقول قد طال عهدي بدخول التِّلِّيس لي والشكارهْ وطعامٌ قد كان يعهده النا سُ متاعاً لهم وللسيارهْ فالكوانين ما تعابُ من البردِ بطباخةٍ ولا شَكَّارهْ لا بساطٍ ولا حصيرٍ بدهليزٍ ولا مجلسٍ ولا طيارهْ (٢) ويطلب من غيره كنافة في شهر الصوم فيقول: ما أكلنا في ذا الصيام كنافهْ آه وا بُعدها علينا مسافهْ قال قوم إنَّ العماد كريم قلت هذا عندي حديث خرافهْ أنا ضيفٌ له وقد مت جوعاً ليت شعري لِمَ لا تعد الضيافهْ وهو يطعم الطعام فما يُطْعِمُه إلا بسمعةٍ أو مخافهْ (٣) وقال يهجو أناساً سرقوا حمارته، وبالغ في ذلك جداً من أجل حمارة! فقال: أرى المستخدمين مشوا جميعاً على غير الصراط المستقيمِ معاشر لو وُلوا جناتِ عدن لصارت منهمُ نار الجحيمِ فما من بلدة إلا ومنهم عليها كل شيطان رجيمِ فلو كان النجوم لهم رجوماً لقد خلتِ السماءُ من النجوم (٤) وكان مضطرب الشخصية يسير مع هوى نفسه وطمعها؛ فلما لم يهدِ له النصارى طعاماً في عيدهم عيد المسيح هجاهم ومدح اليهود نكاية فيهم، فقال: يهود بلبيس كلَّ عيدٍ أفضل عندي من النصارى أما ترى البغل وهو بغلٌ في فضله يفضل الحمارا (٥) فلما هدَّده النصارى تراجع ومدحهم وذم اليهود، فقال: ما للنصارى إليَّ ذنبٌ وإنما الذنب لليهودِ وكيف تفضيلهم وفيهم سرُّ الخنازير والقرودِ (٦) أما مدحه لسلاطين زمانه مستجدياً ما عندهم، فحدِّث ولا حرج، وديوانه مليءٌ بذلك (٧) ، ولا تخلو كثيرٌ من قصائده من الغلو في الممدوح، وإليك نزراً يسيراً منها: فمن ذلك قوله يمدح الوزير زين الدين الصاحبي بقوله: أهل التقى والعلم أهل السؤددِ فأخو السيادة أحمد بن محمدِ الصاحب بن الصاحب بن الصاحب الحبر الهمام السَّيِّدِ ابن السَّيِّدِ لا تشركن به امرأً في وصفه فتكون قد خالفت كلَّ موحدِ (١) ويقول مادحاً الصاحب بهاء الدين ويطلبه حمارةً، ويذم آخرَ مقرباً من الصاحب حسداً له: صاحبٌ لا يزال بالجود والأفضال طلق اليدين حلو العبارهْ كم هدانا من فضله بكتاب معجز من علومه بأثارهْ إنما يذكر العطية من كانت عطاياه تارة بعد تارهْ سيدي! أنت نصرتي كلما شن عليَّ الزمان بالفقر غارهْ شابَ رأس وما رأست كأني زامر الحي أو صغير الحارهْ وابن عمران وهو شرُّ متاع للورى في بطانة وظهارهْ حسَّن القربُ منكم قبحَ ذكراه كتحسين المسكِ ذكر الفارهْ فهو في المدح قطرةٌ من سحابي وهو في الهجو من زنادي شرارهْ ما له ميزةٌ عليَّ سوى أنَّ له بغلة وما لي حمارهْ (٢) ويمدحه مرة أخرى ويشكو له حاله، فيقول: يا أيها المولى الوزير الذي أيامه طائعة أمرهْ! ومن له منزلة في العلا تكلُّ عن أوصافها الفكرهْ أخلاقك الغرُّ دعتنا إلى الإدلاء في القول على غرهْ إليك نشكو حالنا إننا عائلة في غاية الكثرهْ صاموا مع الناس ولكنهم كانوا لمن يبصرهم عبرهْ فارحمهمُ إن أبصروا كعكةً في يد طفلٍ أو رأوا تمرهْ تشخص أبصارُهم نحوها بشهقةٍ تتبعها زفرهْ والبوصيري اشتهر عنه شعره في المدائح النبوية وهو من أرقى الشعر وأجوده لولا غلوٌّ فيه، ومن قرأ قصائده كما في البردة الميمية والقصيدة الهمزية وبقية قصائده في ديوانه ظهر له اطِّراد الرجل في غلوِّه، وأبياته المجملة المحتملة لأكثر من معنى في قصيدةٍ، تفسرها أبياتٌ أخرى في قصيدة أخرى فلا مجال لتبرئته منه، وهاكم بعض الأمثلة: قوله في البردة: فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ (٣) يؤيده البيت الخامس من الهمزية: لك ذات العلوم من عالم الغيب ومنها لآدم الأسماءُ لذلك قال الهيتمي في شرح هذا البيت: (إن آدم لم يحصل له من العلوم إلا مجرد العلم من أسمائها، وأن الحاصل لنبينا هو العلم بحقائقها، ومسمياتها، ولا ريب أن العلم بهذا أعلى وأجل من العلم بمجرد أسمائها؛ لأنها إنما يؤتى بها لتبيين المسميات؛ فهي المقصودة بالذات، وتلك بالوسيلة، وشتان ما بينهما، ونظير ذلك أن المقصود من خلق آدم إنما هو خلق نبينا ﷺ من صلبه؛ فهو المقصود بطريق الذات، وآدم بطريق الوسيلة. ومن ثم قال بعض المحققين: إنما سجد الملائكة لأجل نور محمد ﷺ الذي في جبينه (٤) . والبوصيري كغيره من غلاة الصوفية الذين يعتقدون أن الدنيا بمن فيها لم تُخلق إلا من أجل نبينا محمد ﷺ ، ونور محمد ﷺ ، وهذا ذكره في البردة وغيرها. قال في البردة: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ منْ لولاه لم تخرجِ الدنيا من العدمِ وقال: وكل آيٍ أتى الرُّسْلُ الكرامُ بها فإنما اتصلت من نوره بِهِمِ وقال: فاق النبيين في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كرمِ وكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ وقال في الهمزية مؤكداً هذا المعنى: كلُّ فضلٍ في العالمين فمِنْ فضلِ النبي استعاره الفضلاءُ قال الهيتمي في شرح البردة: (فإنما اتصلت من نوره بهم: أي وصلت منه إليهم بطريق الاستمداد؛ وذلك لأن نوره ﷺ كان مخلوقاً قبل آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل قبل سائر المخلوقات من السموات وما فيها والأرض وما عليها، وغير ذلك) (١) وهذا من خرافات الصوفية؛ فالنبي محمد ﷺ ولدُ آدم وخُلِق بعد آدم؛ فكيف يكون نوره خلق قبله؟! عليه صلوات ربي وسلامه. وقال في شرح الهمزية: (لأنه ﷺ الممد لهم؛ إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره؛ فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته ﷺ ، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده وعلى يديه؛ فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس، وهم كالكواكب؛ فهي غير مضيئة بذاتها وإنما هي مستمدة من نور الشمس؛ فإذا غابت أظهرت أنوارها فهم قبل وجوده ﷺ إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع) (٢) . كلام لا دليل عليه لا عقلياً ولا نقلياً، إنما هو كلام في كلام، لا زمام له ولا خطام. وفي البردة الاستجارة والاستغاثة بالنبي ﷺ وذلك عند قوله: ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرت به إلا ونلتُ جواراً منه لم يضمِ ولا التمستُ غنى الدارين من يده إلا التمستُ الندى من خير مستلمِ ومعنى ذلك: أي ما ظلمني أهل الدهر في وقت من الأوقات وطلبت من النبي ﷺ أن يدخلني في جواره ليحميني من ضيم الدهر إلا وقربني منه (٣) . والاستغاثة بالنبي ﷺ كثيرة في شعر البوصيري ـ وهي أشنع من التوسُّل، وإن خلط بينهما بعضُ الناس جهلاً أو تلبيساً ـ ولم تقتصر على البردة فقط، بل هي في غيرها أكثر غلواً، ومن ذلك قوله كما في (الديوان) : يا نبي الهدى استغاثةُ مَلْهُوفٍ أضرتْ بحاله الحوباءُ يدَّعي الحب وهو يأمر بالسوءِ ومن لي أن تصدق الرغباءُ إلى أن قال: هذه عِلَّتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داءُ ومن الفوز أن أبثك شكوى هي شكوى إليك وهي اقتضاءُ (٤) وأشد من ذلك دعاؤه النبي ﷺ أن يصفح عنه وأن يقبل عذره بقوله: يا من خزائنُ جودهِ مملوءةٌ كرماً وبابُ عطائه مفتوحُ ندعوك عن فقرٍ إليك وحاجةٍ ومجالُ فضلك للعُفَاة فسيحُ فاصفح عن العبد المسيء تكرماً إن الكريمَ عن المسيء صفوحُ واقبل رسولَ الله عذرَ مقصِّرٍ! هو إن قبلت بمدحك الممدوحُ في كلِّ وادٍ من صفاتك هائمٌ وبكلِّ سرٍّ من نداك سبوحُ (٥) وأقبح منه غلوُّه في الشريفة نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الحسن بن علي ﵃ بقوله: سليلة خير العالمين «نفيسة» سمت بك أعراقٌ وطابت محاتدُ إذا جحدت شمسُ النهار ضياءها ففضلك لم يجحده في الناس جاحدُ بآبائك الأطهار زينت العلا فحبات عقد المجد منهم فرائدُ ورثتِ صفاتِ المصطفى وعلومَه ففضلُكما لولا النبوةُ واحدُ! (٦) وفي البردة أخطاء أخرى نمر عليها مروراً سريعاً حتى لا يظن ظان أنها مقصورة على بيتين أو ثلاثة؛ فمن ذلك: قوله: أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنًّ له من قلبه نسبةً مبرورةَ القسمِ وهذا قسم بغير الله لا يجوز. وقوله: دَع ما ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِمِ واحكُم بما شئتَ مَدحاً فيه واحتَكِمِ وكأن الناظم يقول: امدحه بما شئت من المدح لكن لا يصل بك المدح إلى تأليهه كما فعلت النصارى مع عيسى ﵊؛ وهذا باطل، وليس معنى حديث: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم» أي أطروني لكن لا يصل إطراؤكم إلى ما وصل إليه النصارى من أنه ابن الله وثالث ثلاثة! بل معناه: لا تبالغوا في إطرائي كما بالغ النصارى في إطراء نبيهم حتى أداهم ذلك إلى تأليهه. ومن ذلك قوله: فإنَّ لي ذِمَّةً منه بتَسمِيَتِي مُحمَّداً وهُوَ أوفَى الخلقِ بالذِّمَمِ وهذا غير صحيح، فليس كل من تسمى بمحمد صارت له ذمة بهذه التسمية؛ فما أكثر من تسمى بمحمد وهو في عداد الفسقة، ولكن للأسف تجد كثيراً منهم يرددون هذا البيت وغيره وهم لا يفهمون معناه. وقوله أيضاً: لا طيبَ يَعدِلُ تُرْباً ضَمَّ أعظُمَهُ طوبى لمُنتَشِقٍ منه وملتَثِمِ الانتشاق: الشم، والالتثام: التعفر أو التقبيل، والناظم يدعو لأن ننتشق ونلتثم تراب قبر النبي ﷺ ، وهذا من الغلو أيضاً. وقوله: لعَلَّ رَحمَةَ رَبِّي حينَ يَقسِمُهَا تَأتِي على حَسَبِ العِصيَانِ في القِسَمِ وهذا خطأ أيضاً، ورحمة الله تأتي على حسب الطاعة لا المعصية ـ كما يرجو البوصيري ـ وإلا لاستكثر الناس من المعاصي. والحاصل أن البوصيري كان من غلاة الصوفية الشاذلية، ولا ينفع الذين دافعوا عنه التماسهم العذر له في بعض الأبيات أو توجيهها وجهة حسنة؛ فهذا إنما يقال لمن كان سليم المعتقد سليم المنهج والطريقة ثم تزلُّ قدمُه في مسألة أو مسألتين؛ فهذا يُلتمَس له العذر فيها، أمَّا من كانت هذه طريقته، وهذا معتقده، وهذا ديدنه، فمهما التمسنا له العذر في بيت أو بيتين؛ فماذا عن الباقي؟! وماذا عن شرَّاح هذه القصائد الذين يؤكدون هذه المعاني ويتتابعون عليها في شرح قصائده؟! وهذا كله لا يمنعنا أن نشيد بقوةِ شِعْره وجزالته، سواء كان من شعر مديح المصطفى ﷺ أو ما فيه من حِكَمٍ ودُرَرٍ، فمن مليح المديح قوله في البردة: أكرِمْ بخَلْقِ نبيٍّ زانَهُ خُلُقٌ بالحُسنِ مشتَمِلٌ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبدرِ في شَرَفٍ والبحرِ في كَرَمٍ والدهرِ في هِمَمِ وقوله واصفاً الصحابة ﵃: هُمُ الجبالُ فَسَلْ عنهُم مُصَادِمَهُم ماذا لَقِي منهمُ في كُلِّ مُصطَدَمِ وَسَلْ حُنَيْناً وَسَلْ بَدْراً وَسَلْ أُحُداً فُصولُ حَتْفٍ لَهم أدهى مِنَ الوَخَمِ كأنَّهُم في ظُهورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبىً مِن شِدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شَدَّةِ الحُزُمِ وفيها من الحكم الكثير، كمثل قوله: والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شبَّ على حبِّ الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ فاصرف هواها وحاذر أن توليه إن الهوى ما تولى يُصْمِ أو يَصِمِ وراعِها وهي في الأعمالِ سائمةٌ وإن هي استحلتِ المرعى فلا تَسِمِ كم حسَّنَتْ لذةً للمرءِ قاتلةً من حيثُ لم يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ قد تُنكر العينُ ضوءَ الشَّمس من رمَدٍ ويُنكر الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ وخالفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما وإن هما محَّضاك النُّصْحَ فاتهمِ ولا تُطِعْ منهما خَصْماً ولا حَكَماً فأنت تعرفُ كيدَ الخصمِ والحَكَمِ ومن بديع شعره: ذهبَ الشبابُ وسوف أذهبُ مثلما ذهبَ الشبابُ وما امرؤ بمخلَّدِ إنَّ الفناء لكلِّ حيٍّ غايةٌ محتومةٌ إن لم يكن فكأنْ قَدِ (١) هذا، وأسأل الله أن يهدي ضال المؤمنين، وأن يردَّه إلى الحق رداً جميلاً. وصلى الله وسلم على حبيبنا وسيدنا ونبينا محمدٍ عبدِ الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5887

أحاديث القرآن والسنة عن القادة أنور قاسم الخضري في المراحل الصعبة والأحوال القاسية والظروف المظلمة للأمة تنبثق القيادة الربانية الرشيدة؛ لأنّ من سنن الله ـ تعالى ـ أن يبعث عبر التاريخ عموماً، وفي هذه الأمة خصوصاً، قيادة ربانية راشدة تقوم بوظيفة الأنبياء المتعلقة بسياسة الناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والظلم والجهل إلى نور الإسلام والعدل والمعرفة. كتبت هذا الموضوع بعيداً عن الصياغة البحثية والأسلوب النمطي للمواضيع؛ فهي خواطر ثارت في ذهني أحببت أن أسجلها وأبثها للدعاة ليثروها بأفكارهم وآرائهم وتعليقاتهم وملاحظاتهم. والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تُجَلِّي للناس عموماً والمؤمنين خصوصاً صفات تلك القيادة وخصائصها، وطبيعة تكوينها وملامح شخصيتها، كيف لا؛ والناس بحاجة إلى تجلية حقيقة الصحيح من الدعي؟ كيف لا؛ والمؤمنون مطالبون بالالتفاف حول هؤلاء المجددين ليقوموا بمهمتهم الشاقة؟ ألم يخبر الرسول ﵊ عنهم بالقول: «أناسٌ صالحون في أناسِ سوءٍ كثيرٍ، من يعصيهم أكثرُ ممّن يطيعهم» (١) وفي هذا إشارة إلى مكانة من يطيعهم. الحديث عن القادة والاهتمام بهم همُّ الكبار من الرجال؛ بل همُّ العظماء من القادة؛ فالإداريون يحدثونك عن المشاريع الناجحة وعن المواقع الحساسة وعن السلع الرائجة ... هذا أكبر همهم للنجاح. أما القادة فيبحثون عن القادة لتستمر المسيرة ويتواصل العطاء. وصدق عمر (الملهَم) عندما قال: «لوددتُ أنَّ لي ملء هذا المسجد رجالاً من أمثال أبي عبيدة أستعملهم في الإسلام» (٢) رضي الله عنك يا عمر! إن أحاديث القرآن الكريم والسنة المطهرة عن القيادة لا تأتي في سياق النظرية المجردة أبداً؛ بل هي مبثوثة في ثنايا الحديث عن القيادات البارزة في مسيرة البشرية، تجلِّي لنا بيئتهم، وظروف معيشتهم، وأسلوب تفكيرهم وسلوكهم، ومواقفهم الحية والمباشرة، ونظرة الناس لهم، والأدوار التي تُبرزهم، والمنعطفات التي تدفع بهم للمقدمة ... إلى غير ذلك من الدروس والعبر. فالقيادة لا تتخرج من «المقاعد» المشلولة و «الأسوار» المقيدة و «المناهج» الرتيبة.. إنهم صنعة الحياة، ونتاج المجتمع، وبذور التاريخ، ومُخْرَجات الأزمات، ومنحة الله ـ قبل كل شيء ـ للناس. فليس لأحد بعد ذلك أن يتعلل بالقَدَر أو أن يركن للناس. إنهم جزء من البشرية، وعنصر في مجتمعهم، لكن شخصيتهم تفرض وجودها بقوة متسللة من خلال المواقف والأفكار والتأثير. - التأثر والتأثير والاستجابة والتغيير: من أهم خصائص هؤلاء القادة التأثر والتأثير والاستجابة والتغيير: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مَوَسَى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إن تُرِيدُ إلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٥ - ١٩] . إنهم يحملون قِيَماً، ويمتلكون إرادة، ويسجلون موقفاً؛ فهم ليسوا خواء من القيم العادلة والخيرة المعطاء، كما أن القيم لديهم ليست نظرية فكرية لا تمتلك وجوداً ولا يُسعى لتحقيقها ... كلاَّ! - خصائص جسدية وعقلية ووجدانية ونفسية: إن القرآن يخبرنا أن هؤلاء القادة يمتلكون خصائص جسدية وعقلية ووجدانية ونفسية تميزهم عن غيرهم: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . ﴿فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] . ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ . [يوسف: ٥٥] إنهم يتمتعون بكمال أجسامهم وقوتها، وهذا لا يخص عالم البشر فحسب، بل هو قانون إلهي في سائر المخلوقات، أن يتميز القياديون بملامح القوة.. لكي يستطيعوا دعم الحق الذي يحملونه، والعدل الذي يفرضونه، والخير الذي ينشرونه. وفي جميع العوالم ترتكز القيادة في العناصر الأقوى جسداً، فجبريل أقوى الملائكة، وإبليس ومردة العفاريت أقوى الجن، وهكذا الحال في عالم الحيوانات. وضعف الجسد يتبعه غالباً ضعف في الشجاعة الأدبية، والعزيمة الفاعلة، والإرادة الصلبة، والنَفَس الطويل لدى المشاق. لكن البعض يقف عند هذا الحد من خصائص القيادة، ويختزل القيادة في ملمح واحد من ملامح الشخصية وتجلياتها ... وهذا خطأ؛ فليست القوة المادية كل شيء؛ فمن خصائص القيادة أيضاً قوة العقل في جميع مكوناته ووظائفه، وهو ما يعبر عنه القرآن بـ «بسطة في العلم» . ولا شك في أن البسطة في العلم لا تكون إلا مع ما يمنحه الله للعبد من ذاكرة نشطة، وفهم دقيق، وإدراك سريع، وذكاء وقَّاد.. فكلما اتسع الوعاء اتسع مضمونه. إن من اللفتات الجميلة للسؤال الرباني لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ؟ إظهارُ المدارك العقلية في توظيف الوسائل لأكثر من مهمة وعمل لمن اختير لمهمة ضخمة: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] ، فلم يتوقف موسى في الإخبار عن عصاه بوظيفتين، بل ترك المجال خصباً للخيال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ! وقد وقفت على بعض هذه المآرب فعددت أربعين منها. - تقدير الذات ومتطلبات المهمة وتكاملها مع الغير: ومن خصائص القيادة تقديرها للذات ولمتطلبات المهمة وتكاملها مع الغير وتوظيف الطاقات من حولها دون أن تجد في النفس مضاضة من ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣ - ٣٥] . ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَرُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٢٥ - ٣٥] . إنها تمتلك الشجاعة الأدبية مع الذات قبل أن تمتلكها مع الغير، لذلك فليس بينها وبين النظر للحق ستار كاذب أو سراب خادع، ولا مانع لديها أن تتراجع ذاتياً لتكون في موطن «المَقُود» لا «القائد» إذا شعرت بتخلفها: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٦٦] . إنها لا تلغي تجارب الآخرين وتحتفظ بها في «الأرشيف» كما أنها تسجل تجاربها للآخرين وتستخلص لهم التجارب والعبر. وما أغرب أن تقف بين محمد ﵊ وموسى ﵊ في حوار بشأن فريضة من أعظم الفرائض.. ألا وهي الصلاة، وتستمع للحديث (١) الذي دار بين قيادتين: إحداهما: تمتلك الرصيد من الخبرة، والأخرى: تمتلك التزكية «المطلقة» ! إن الشخصية القيادية شخصية غير مغرورة، تؤمن بأن مِنَحَ الله موزعة بين العباد حتى البهائم منها، فلا غضاضة لديها أن تخاطَب بالقول: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] ! وهي تملك «ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدها» . وهي تتطلع إلى أن تُعطى من فضل الله الشيء الكثير: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٧] . ﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . فهي متطلعة إلى ما عند الله ـ تعالى ـ تبذل ما في مقدورها أن تبذل له، وتأمل فضل الله فيما لا تطيقه، دأبها: ﴿رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ! ومما يستوقفنا عند تأمُّل الشخصيات القيادية في القرآن والسنة حدتها وشدتها؛ يتجلى ذلك في مَثَلين هما: موسى ﵊ وعمر بن الخطاب، ﵁. ولا أقصد بالشدة هنا الغلظة التي نفاها الله ـ تعالى ـ عن نبيه محمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، بل الشدة المحمودة في الحق التي أثنى الله بها على رسوله وأتباعه: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ، فكان لعمر منها أوفر الحظ والنصيب؛ عمر الذي أخبر الرسول ﷺ أنه: لو كان بعده نبي لكان هو (٢) . فالشدة، بين الضعف المفرط والغلظة المفرطة، ضرورة في أَطْرِ الناس على الحق والدفاع عنه، والقيام بالعدل والقصاص من الظالم ورد العدوان، وكل هذه الأمور متعدية النفع بخلاف اللين. قال النبي ﷺ : «بينَا أنا نائم رأيتُني على قَلِيب عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابنُ أبي قُحافة فنزع بها ذَنُوباً أو ذَنوبين، وفي نزعه ضعفٌ، واللهُ يغفرُ له ضعفه، ثم استحالت غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أرَ عبقرياً من الناس ينزع نزع عُمر حتى ضرب الناس بعطن» رواه البخاري. وفي رواية لمسلم: «بينا أنا نائمٌ أُرِيتُ أني أنزعُ على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر، فأخذ الدلْوَ من يدي؛ ليروِّحني، فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه، فلم أرَ نزع رجلٍ قطُّ أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجَّر» . وعن أبي ذر ﵁ قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذرٍّ! إنك ضعيف وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامةٌ إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها» رواه مسلم. - الإلهام: ومن خصائص القيادة الإلهام الذي يقوم على ثلاثة أمور: أولها: الرؤيا الصادقة التي أخبر النبي ﵊ بها. فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» رواه البخاري. وعند أبي داوود عن أبي هريرة أن رسول الله ﵊: «كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» . وثانيها: الفِراسة والتوسُّم في الأمور: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قال مجاهد في تفسير المتوسمين: أي: «المتفرِّسين» ، كما أورده ابن كثير، وأورد عن ابن أبي حاتم حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فِرَاسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله» ، ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (والحديث عند الترمذي) . وثالثها: الحَدْس: والفارق بين التفرس والحدس أن الأول: استنتاج من المعطيات الملموسة والواقع المشاهد، أما الحَدْس: فهو شيء ينبثق في النفس، وشعور لا دليل على صدقه، كونه يسبق الحدث وينطق بذاته، فيوافق الحق ويطابق الحقيقة. جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: «إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون؛ وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب» رواه البخاري. وفي مسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله كان يقول: «قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ فإن عمر بن الخطاب منهم» . قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في (فتح الباري) : (قوله: مُحَدَّثون، بفتح الدَّال جمع محدَّث، واختُلِف في تأويله فقيل: مُلْهَم، قَالَهُ الأكثر. قالوا: الْمُحَدَّث بِالْفتح هو الرَّجُل الصَّادِق الظَّنّ، وهو من أُلْقِيَ فِي رُوعه شيء من قِبَل الملأ الأعْلَى فيكون كالذي حدَّثَه غيره به، وبهذا جزم (أبو أحمد العسكري) . وقيل: من يجرِي الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مُكَلَّم، أي: تكلمه الملائكة بغير نُبُوَّة، وهذا ورد من حدِيث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ولفظه: «قِيل: يا رسول الله! وكيف يُحَدَّث؟ قال: تتكلم الملائكة على لِسانه» . رويناه في «فوائد الجوهري» ، وحكاه القابِسِي وآخرون، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلَّقة. ويحتمل رَدّه إلى المعنى الأول أي: تُكلِّمهُ فِي نَفْسه، وإِن لم يَرَ مُكَلِّماً فِي الحقيقة فيرجِع إلى الإلهام، وفسره (ابن التِّين) بِالتَّفَرُّس، ووقع فِي مسند (الحُمَيْدِيّ) عَقِب حدِيث عَائِشة «المحدَّث: الْمُلْهَم بالصواب الذي يُلْقَى على فِيهِ» وعند مسلم من رواية (ابن وهب) : «مُلْهَمونَ، وهي الإصابة بِغيرِ نُبوَّة» ، وفي رواية التِّرْمذيّ عن بعض أصحاب ابن عُيينةَ: «مُحَدَّثُونَ، يعني: مُفَهَّمُونَ» وفي رواية الإسماعيليّ: «قال إبراهيم ـ يعني ابن سعد ـ: قوله: مُحَدَّث أي: يُلقى في رُوعه» انتهى، ويؤيده حديث: «إِنَّ الله جعل الحقّ عَلَى لِسان عمر وقلبه» أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وأحمد من حَدِيث أبي هريرة، والطَّبراني من حدِيث بلال، وَأَخْرَجَهُ فِي «الأوْسَط» من حديث معاوِية، وفِي حديث أبِي ذَرّ عند أحمد وأبي داود «يقول به» بدل قَوْله: «وقلبه» وصححه الحاكم، وكذا أخرجه الطَّبراني فِي «الأوسط» من حديث عمر نفسه) . ثم قال ابن حجر: «والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها، ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات» . - الشخصيات القيادية ميالة لإبداء آرائها: إن الشخصيات القيادية ميالة لإبداء آرائها؛ وآراؤها لا تأتي من فراغ، بل هي حصيلة موهبة إلهية وكسب ذاتي، وكذلك طرح اجتهاداتها للآخرين؛ فهي معطاءة في فكرها، كما أنها معطاءة في أدائها ووجدانها، فاعتراضات موسى ﵇ على الخضر لم تأتِ من فراغ وخواء؛ بل هي من طبيعة موسى وتكوينه الشخصي الذي لا يرتضي أن يغلق باب التعبير عن الرأي على نفسه. إن الشخصية القيادية بطبيعتها متمردة على الاستسلام للآخرين ما لم تقتنع وتتيقن من الآراء والأفكار المطروحة عليها، لكنها في المقابل إذا اقتنعت تنطلق غير مولية على شيء. وجاء عند (ابن إسحق) عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أيُّ قريش أَنْقَلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه، قال: وغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت. حتى جاءه، فقال له: أعلِمتَ يا جميل! أني أسلمت، ودخلت في دين محمد ﷺ ؟ قال: فواللهِ ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتَّبعه عمر واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ـ وهم في أنديتهم حول الكعبة ـ: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. ويروى أن عبد الله بن مسعود كان يقول: كان إسلام عمر فتحاً، وهجرته نصراً، وإمارته رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر؛ فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه. عمر بن الخطاب هذا هو نفسه الذي قال عنه عامر بن ربيعة ـ وقد ذكرت له زوجته رقة عمر في هجرتهم إلى الحبشة ـ: أَطَمِعتِ في إسلامه؟ فقالت: نعم! فقال لها: «فلا يُسْلِمُ الذي رأيتِ حتى يُسْلِمَ حمارُ الخطاب» ! قال ذلك يأساً منه لِمَا كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام. ورغم الآية الكريمة التي كانت تنهى المؤمنين عن أن يقدِّموا بين يدي الله ورسوله، إلا أن طبيعة عمر بن الخطاب ظلت بطابَعها السباق تقدم الآراء وتقترح الحلول وتطرح اجتهاداتها، والرسول ﵊ يتفهم هذه الطبيعة في عمر ويشهد لها، بل ولتفوقها؛ فعند الترمذي عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» . وقال ابن عمر: «ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزلَ فيه القرآن على نحو ما قال عمر» . - الشخصية القيادية شخصية جاذبة، تألف وتُؤلف: إن الشخصية القيادية شخصية جاذبة، تَأْلَفُ وتُؤْلَف، تؤثر في الخلق بسلوكها وقيمها ومبادئها وشخصيتها الفذة، وهي في الوقت ذاته شخصية بليغة ذات بيان وتذوُّق للمعاني والصور والعبارات. وهي تستطيع محاورة الآخرين وإقناعهم وإيصال الأفكار إليهم، وهي ببساطة: تقدم للناس مشروعاً مشتركاً، وترسم لهم منهجاً واضحاً، وتبرز لهم معالم الطريق، وتحدد لهم الهدف دون تعقيد أو تمويه. إنها تسهّل الأفكار وتبسط المعاني ليكون الجميع عارفاً مقتنعاً مشاركاً ... لذلك أُعطي الأنبياء الفصاحة والبلاغة، وأعُطي نبينا الخاتم «جوامع الكَلِم» فإن أغلب ما يؤثِّر في الناس الرسالة الخطابية المناسبة الصحيحة. لكن الأبلغ في هذا الجانب، هو ذلك الفيض من الوجدان وتلك المشاعر الفيَّاضة والروحانية العذبة التي تنبثق العبارات البليغة منها. فالقادة المؤمنون يحملون أسمى الروحانيات؛ فرجاؤهم بالله عظيم جداً، حتى في أصعب اللحظات يفجِّرون ينابيع الأمل. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ . [الشعراء: ٦١] ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] . ﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] . إنهم لا يتركون مدخلاً لليأس والقنوط والعجز والانهيار عليهم أو على من تبعهم؛ بل يبذرون دائماً الأمل والفأل الحسن، ويبشرون بالخير، ويعززون الطموح، ويزرعون الثقة. والقيادة بهذه المعطيات تمتلك الصلاحيات التالية: توقع الاحتمالات، إعادة ترتيب الأولويات، تغيير الخطة، وضع الحلول البديلة، توسيع دائرة الوسائل، تقدير المخاطر، اختيار الصف القيادي الثاني، وغير ذلك من القضايا، وفي ذلك توظيف لطاقاتهم الكبيرة واستغلال لمواهبهم المتعددة. ربما يوصفون بالمغامرة؛ لكن هذا نابع عن شجاعتهم وميزة الريادة لديهم، ومهما كلفت مغامراتهم الأمة فإنها تترك في الأجيال القادمة روحاً متوقدة تردد: على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قَدْرِ الكرامِ المكارمُ وتقول: وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسادُ إن مغامرات القادة محاولات في البناء يجب ألاَّ يلاموا عليها بقدر ما يجب تشجيعهم ونصحهم، واستدراك الخطأ لديهم. والذي يعرف سيرة النبي ﵊ مع القادة من صحابته يدرك هذا؛ والشواهد كثيرة، منها: محاولة تفسير أبي بكر لرؤيا الرسول ﵊ وموقف عمر من ابن صياد، وحادثة خالد بن الوليد مع بني جذيمة، وغير ذلك الكثير. إن هذا الأسلوب في التشجيع والاهتمام هو ما أدركه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في سيرة نبيهم ﷺ حتى في تعاملهم مع أبنائهم؛ فعن ابن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ : إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وإنها مثلُ المسلم، فحدِّثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدِّثْنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة» . وفي رواية: «فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتَها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا» . ومن مشكلاتنا التي نعاني اليوم منها إغفالنا لهذه المعاني في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، على صاحبها أتم الصلاة والتسليم، وذهبنا نحشو مكتباتنا من كتب الغرب وعاداتهم في القيادة، وكأننا لم نُترَك على المحجة، ولم تأتنا كاملة ثرية، ولم يكن لنا سلف ولا تاريخ. ولو أننا عدنا إلى الوحي المنزل وإلى الرعيل الأول وأئمة الهدى من بعدهم لوجدنا الكنوز في ذلك. وختاماً: فإنّ من واجبات المرحلة اليوم إخراج القادة وبعثهم وإطلاقهم، هذا واجب الأمة وعلمائها بالدرجة الأولى، حتى لا يتخذ الناس رؤوساً جهالاً وأئمة ضلال، ويعبث بالأمة «السادة» و «الكبراء» الذين لا يملكون من خصائص وملامح القيادة الراشدة شيئاً ... وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل.

стр. 5888

الأوائل منصور بن محمد المقرن يقوم عدد من المراكز العلمية والباحثين بتقليب صفحات التاريخ ومتابعة الأخبار اليومية لمعرفة الأشخاص الأوائل في كل علم وفن؛ فيحرصون على معرفة مَنْ أول من اكتشف كذا، وأول من قال كذا، وأول من فعل كذا، ونحو ذلك. والناس عموماً مشغوفون بالتقارير والكتب والأبحاث التي تتحدث عن الأوائل، فلا يكادون يعرفون شيئاً عنهم حتى يبادروا إلى الحديث عنهم في مجالسهم وملتقياتهم. إلا أن الغريب والعجيب في الأمر هو ندرة من يسعى ويجتهد لأن يكون من الأوائل أنفسهم؛ فيبادر إلى أمر صالح لم يسبقه إليه أحد، أو يسارع إلى إنجازٍ لم يبلغه غيره، أو يأتي بفكرة جديدة ينتفع بها خلق كثير. وفي الشرع الحنيف نصوص كثيرة تحثُّ على ذلك وتشوق النفوس إليه: منها: قول الرسول ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (١) ، وهذا الحديث بشارة نبوية ومنحة ربّانية لمن بادر إلى الأعمال النافعة غير المسبوقة. وسبب هذا القول النبوي أن قوماً من مُضر جاؤوا الرسول ﷺ وقد بلغ بهم الفقر والجهد مبلغه، فسألوه العون، فقام ﵊ خطيباً يدعو الناس للصّدقة، فكان أول من قام رجل يحمل بين يديه صرّةً كادت كفّه تعجز عن حملها، ثم تتابع الناس على أثر ذلك المشهد المحفّز. قال الإمام النووي ﵀ عند شرحه هذا الحديث: «فيه الحثُّ على الابتداء بالخيرات وسنِّ السُّنن الحسنات.. وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرّة كادت كفّه تعجز عنها فتتابع الناس. وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان» (٢) . ومنها: ما ورد عن بعض الأنبياء ﵈ من سرورهم واغتباطهم بأن جعلهم الله ـ تعالى ـ من الأوائل، فهذا نبينا محمد ﷺ يقول: «أنا أول من يُؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يُؤذن له أن يرفع رأسه..» الحديث (٣) . وقال ـ أيضاً ـ: «أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع» (٤) . ومنها: توسُّل الصالحين إلى الله ـ تعالى ـ بكونهم من الأوائل، فهؤلاء سحرة فرعون لما أسلموا وتوعّدهم فرعون بالقتل قالوا: ﴿لا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥٠ - ٥١] ، فهم ﵃ لما فعلوا ما فعلوا ـ من ممارسة السحر، وتسخيره في دعم طغيان فرعون ـ طمعوا أن يغفر الله لهم ذلك كله بكونهم أول من آمن بموسى ﵇. ومنها: أن الرسول ﷺ قد رتّب أجراً أكثر لمن يعمل عملاً ينجح فيه من أول مرة عمّن ينجح فيه في المرة الثانية وما بعدها، فقال ﷺ : «من قتل وَزَغَةً في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة ـ لدون الأولى ـ وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة ـ لدون الثانية» (٥) . قال النووي ﵀: «وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود به الحثُّ على المبادرة بقتله والاعتناء به، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة؛ فإنه إن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله» (٦) . فإذا كانت المبادرة إلى قتل حيوان حقير بسرعة ـ حتى لا يفوت ـ عليها أجر، فكم فات الدعاة من الأجور بضعف المبادرة إلى المشاريع والأعمال الخيرية (١) ؟ ومنها: أن الرسول ﷺ قد أوجب الجنة لأول من يغزو في البحر، وكذلك لأول من يغزو مدينة قيصر، فقال في الحديث الصحيح: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أَوْجَبوا. ثم قال: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (٢) . ويظهر ـ والله أعلم ـ أن من الأسباب التي أوجبت لهم الجنة ما في مبادرتهم من تضحية عظيمة ومخاطرة جسيمة، حيث لم يسبق لأحد من المسلمين أن ركب البحر للغزو، وأهوال البحر ووحشته معلومةٌ لمن ركبه مسافراً آمناً، فكيف بمن ركبه ليحارب عدوّه فيه؟ كذلك لم يسبق لأحد من المسلمين أن غزا الروم في عقر دارهم، ولا يخفى قوة الروم آنذاك عند قتالهم في أطراف ثغورهم، فكيف بمن يقاتلهم عند عاصمتهم؟ ولذلك فالفارق كبير جداً بين من يبادر إلى عمل غير مسبوق كثير الأعباء والتبعات، وبين من ينتظر نتائج تلك المبادرة؛ فإذا رأى نجاحها لحق بأهلها ليشاركهم الأجر، وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] . وهنا تعليق جميل لسيد قطب ﵀ يحسن ذكره، حيث يقول: (إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدةُ مطاردةٌ، والأنصارُ قلّة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء.. غيرُ الذي ينفق ويقاتل والعقيدةُ آمنةٌ، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلّقٌ مباشرة بالله، متجرد تجرّداً كاملاً لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب، لا يجد على الخير عوناً إلا ما يستمدّ مباشرة من عقيدته) (٣) (٤) . ومنها: إظهار تعظيم الله ـ تعالى ـ لأماكن مخصوصة بكونها أول ما بُني للعبادة، فقد قال ـ تعالى ـ عن الكعبة المشرفة: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] . وذكر ـ سبحانه ـ أن أحقَّ المساجد أن يقوم فيه نبيه ﷺ هو أول مسجد أسّسه عند دخوله المدينة، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] . فسبحان الله! حتى البقاع يزداد شرفها بكونها من الأوائل. ولما كان هذا فضل المبادرة إلى الأعمال غير المسبوقة؛ كان للصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ النصيب الأوفر من ذلك؛ فأبو بكر ﵁ أول من أسلم من الرجال، وأول خطيب دعا إلى الله ـ تعالى ـ جهاراً في مكة، وأول من جمع القرآن. وعمر الفاروق ﵁ أول من أرَّخ من الهجرة، وأول من وضع الديوان. وعثمان ذو النورين ﵁ أول من هاجر بأهله من المسلمين. وغيرهم كثير. بل قد كان بعض الصحابة ﵃ يفرح أنه من الأوائل ويُحدِّث بذلك؛ فهذا أبو ذر ﵁ يقول في قصة إسلامه: «فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فكنت أول من حيَّاه بتحية الإسلام» (٥) . وهذا عبد الله بن الحارث ﵁ يقول: «أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبول أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدَّث الناس بذلك» (٦) . وأخيراً: فإن من أعظم ما يدفع للمبادرة إلى الأعمال النافعة غير المسبوقة العلمَ بفضلها وأجرها وأثرها ـ وقد سبقت الإشارة إلى طرف من ذلك ـ ثم عدم احتقار النفس باعتقاد أنها لا تقدر، أو احتقار العمل المراد إنجازه وأنه لا يستحق أن يُبادر إليه. فأما احتقار النفس فلنا في حَبْر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ أسوة حسنة، حيث لم يمنعه قِصَرُ صحبته الرسولَ ﷺ ولا صغر سنّه أن يدلي برأيه في مجلس فيه أكابر الصحابة ﵃ (٧) . وأما عدم احتقار العمل المراد إنجازه ففي توجيه الرسول ﷺ كفاية عندما قال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً» (٨) ، وفي رواية لأحمد: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شِسْع النعل، ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحّي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلِّم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» (٩) . فأيُّ شيء من أعمال الخير النافعة للمسلم أو لمجتمعه مهما كانت صغيرة ينبغي المبادرة إليها. وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5889

أضواء على تربية الأولاد منذ الصغر عبير العقاد تزفّ الدنيا كل يوم بشرى لامرأة باحتواء أحشائها جنيناً لطالما انتظرته ليداعب روحها المتعطشة إليه، ويروي ظمأ حضنها المتلهف لابن تقرّ عيناها بطفولته المتوقدة وشبابه المنتظر. ويبدأ شجن كلمة (أمي) يطرب مسامعها مع كل يوم ينمو فيه جنينها في بطنها الذي يحمل أثمن مشروع حلمتْ به لدخول الجنة؛ كيف لا والجنة تحت أقدام الأمهات؟! يا لهذه المسؤولية العظيمة! ابنٌ ستشرفُ على تربيته على الأقل خمسة عشر عاماً بإذن الله، ليكمل حياته بعدها لا رقيب عليه إلا الله؛ فإما أن تفلح في غرس أساسيات القِيَم السامية في عقله وقلبه ليحملها معه طوال الحياة كألماسةٍ ثمينة لا يسمح لأحد بمسّها أو تشويه حقيقتها، وإما أن تفشل كأم صانعةٍ للمجتمعات الشريفة بإنتاجها للنسل الصالح. ونظراً لكبر حجم المسؤولية وعظمة الوارد والحصيلة؛ يتوجب على كل أم أن تتزود بزاد المعرفة لتنير عقلها في مهمتها القادمة المتمثلة بتربية جيل المستقبل. تربية؟! نعم! تربية، خمسة حروف من شأنها تقدم المجتمع أو تراجعه بإذن الله. وتحتاج التربية لرؤية مرسومة وسياسة مضبوطة من قبل كلٍّ من الأب والأم على حدّ سواء، لتمشي بسلام وتسلك الطريق الصائب المؤدّي إلى كل المنافذ الخيّرة. وعلى مشرِفَيْ هذه السياسة - الأب والأم - أن يعملا لخطتهما التربوية قبل أن يرى ابنهما عالم النور، وعليهما أن يستفيدا من توجيهات الدين الحنيف ومن نصائح الأجداد، وكذا خبرات الآباء والأمهات من حولهم. وعليهما أن يعودا للكتب والمجلات التربوية، وأن يتمسكا بكل خيط يمكن أن يرشدهما إلى سياسة قويمة في تربية الأولاد. ومن بعض المبادئ التي تحيك مع بعضها سياسةً تربوية سليمة، نذكر منها الآتي: ١- التشاور الدائم بين الأب والأم واتفاقهما على خطة موحدة: على كلٍّ من الأب والأم أن يلملِما من هنا وهناك الأساليب التربوية التي حققتْ نجاحاً عظيماً في إنشاء جيلٍ بنّاء، وعليهما أن يلتزما الحوار الدائم حول كل مسلكٍ تربوي، ومناقشة مزاياه وسلبياته، ومدى مناسبته لبيئتهما، ومن ثم اعتماده أو استبعاده. فيقرّان ما حلا لهما من هذه المسالك، ويحدِّدان أولوياتها، ويخططان لكل الوسائل والإمكانيات التي يمكن أن تساعدهما في تعميق هذا المبدأ التربوي وتشرّبه في نفوس أولادهما على أحسن وجه. فعلينا مثلاً أن نربي أولادنا على الاحترام، والطاعة، والتعاضد، والمحبة، والشعور بالمسؤولية ... إلخ. وعلينا أن نلتزم بالطرق القويمة التي تناسب بيئتنا وديننا لترسيخ هذه الأمور في نفوس أولادنا، مستعينين بوحدة كلمة الأب والأم. ٢- بثّ أجواء المحبة في أرجاء المنزل: إنّ المحبة هي الغذاء الأساسي الذي يسهم في تنمية الأبناء تنميةً سليمةً وبنّاءةً نفسياً واجتماعياً. وبناءً على ذلك يتوجب على كل من الأبوين العمل َ بجدّ كي يصل ذلك الشعور بالحب لأولادهما الصغار وذلك بكافة الطرق الممكنة؛ مثل: تقبيلهم، وحضنهم، والتبسّم لهم، والتربيت على رؤوسهم ... إلخ؛ بحيث يشعر الأولاد دائماً أن أبويهم يكنّان لهم كل الحب، ولا يمكن أن يكرهانهم أبداً. وهذا لا يمنع معاقبتهم إن أخطؤوا، والغضب عند تصرّفهم بطرق غير لائقة، إلا أنّ العقاب والغضب يجب أن يترافقا مع إيضاح السبب الكامن وراء العقاب كي يؤتي ثماره؛ وما السبب إلا الوصول بالأولاد إلى أعلى المستويات وتخليصهم من كل الأخطاء الممكنة؛ وما الدافع نحو ذلك إلاّ الحب الدائم. والحب ليس تجاه الأولاد فحسب؛ بل بين الأبوين نفسيهما أيضاً؛ إذ لا يتشرب الأولاد الحب إلا إذا ذاقوا حلاوته من خلال الشعور بأَلَقِه وتوهّجه بين الأبوين. وهنا ندعو الآباء إلى حصر مناقشاتهم الحادة وشجاراتهم بين جدران غرفة النوم؛ حيث لا يسمع غضبَهم سامع، ولا يشعر به أولادهم؛ حتى لا ينعكس سلباً على الأبناء والبنات. الحبّ يولد الحب، والآباء الحريصون على توريث أولادهم المحبة عليهم أن يتحلوا به قبل؛ إذ إنّ فاقد الشيء لا يعطيه. ٣ - الاتفاق بين الأبوين على إيكال المسؤولية المباشرة المتعلقة بتربية الأولاد للأم: كونُ الأم بكل مكوناتها الجسمانية والمعنوية قادرةً على الصبر ومنح الحب والحنان بلا حدود لأولادها، وكونها الجليس الذي يقضي الوقت الأطول مع الأولاد غالباً أكثر من الأب؛ لذا فالجدير أن نمنحها المسؤولية المباشرة تجاه تربية أولادها. وهنا نقول: منحها المسؤولية المباشرة، وليس المسؤولية الوحيدة؛ فالأم والأب شريكان في المسؤولية؛ إلا أنّ الأب الغائب في عمله غالباً طوال النهار لا يمكن تنصيبه لهذه المهمة. إنه مسؤول عن تربية أولاده بلا ريب، لكن عليه أن يصادق على كون زوجته صاحبة المسؤولية المباشرة عليهم؛ فإن أراد أحد الأولاد أمراً مّا عليه التوجه لأمه الحاضرة أمام عينيه ـ غالباً ـ بهذا الأمر؛ فإن رأتْ أنها تستطيع البتّ به مباشرة فعلتْ؛ وإلا قالت للابن بأنها ستفكر، وتستغل ذلك الوقت في مناقشة الأمر مع زوجها والاتفاق على تلبية ذلك الطلب أو رفضه، والإجراءات المتوجبة حيال ذلك. وعلى الأبوين أن يتفقا على هذه السياسة مع بعضهما؛ إذ قد يحاول بعض الأولاد التحايل عندما ترفض أمهاتهم الاستجابة لرغباتهم وتلبيتها، فيلجؤون إلى الأب ليحصلوا منه على الضوء الأخضر. وفي هذه الحالة، يجب أن يحبط الأب خطتهم بقوله: هل وافقتْ والدتكم على هذا الأمر؟ إلا أنه مع تقدم سنّ الأولاد ودخولهم مراحل عمرية حرجة، كالمراهقة مثلاً؛ قد تخرج الأمور من سيطرة الأم، خصوصاً مع الابنة المراهقة والابن العنيد، وهنا يتوجب إبراز الأب كقوة حاسمة لها هيبتها، وكصديق ذي صدر رحب وعقل راجح لا يتردد الأولاد باللجوء إليه أبداً، دون نسيان دور الأم؛ الصديقة، والحازمة، وذات الصدر الحنون أيضاً. ٤- تحفيز الحواس والإدراكات العقلية وتطويرها في السنين الأولى من عمر الأولاد: الحواس هي النعمة التي منّ الله علينا بها لتلمّس هذا العالم وإدراكه وخوض غماره، إذاً هي مفتاح البشر لولوج الكون واستيضاح غوامضه. وتنمو الحواس بشكل فعّال ومهم في الفترة الزمنية الأولى من عمر الطفل؛ هذه الفترة التي على الأبوين استغلالها لتطوير تلك الحواس وتنشيطها على أحسن وجه. فعلى العين أن تميّز هذا العالم بألوانه وأشكاله المختلفة، وعلى الأذن أن تبدأ بالتفريق بين أصوات الأشخاص والتعرف على أصوات الحيوانات؛ وكذا أصوات الملامح الكونية من حولنا؛ كهدير الماء، ورعد السماء ... إلخ. وكذا حواس اللمس والذوق والشمّ التي يجب على الآباء تحفيزها وتقويتها عند أولادهم وجعلها قادرة على التفريق بين غير المتشابهات. أما خيال الطفل فيجب مدّه بالعون والمساعدة ليصبح فسيحاً وخصباً يسع العالم بأسره. ومن وسائل التحفيز والتنشيط لهذه الحواس اصطحابُ الأطفال إلى الحدائق الملأى ذات البهجة، التي بإمكانها تنشيط حاسة البصر بما تحويه شتى الألوان؛ كما من شأنها تحفيز قدرة الأطفال على التمييز بين الألوان والكائنات المتنوعة. كما لا يمكن إنكار أهمية ألعاب الأطفال من مكعبات ومجسمات ودمى ... ، وغيرها مما يحفز حواس البصر واللمس والذاكرة والتحليل؛ خصوصاً بين عمر السنة والنصف والخمس سنوات. ويتوجب على الآباء التخطيطُ لشراء لعبة تحمل بين طيّاتها هدفاً تربوياً معيناً جنباً إلى جنب مع التسلية؛ إذ لا ضرورة لمزيد من المصاريف على ألعاب لا تجدي نفعاً مع الأولاد. وعلى الآباء أن يشاركوا أولادهم في اللعب؛ خصوصاً عند اقتناء اللعبة للمرة الأولى؛ إذ يسهمون بذلك في تعليمهم الطريقة المثلى للعب قبل أن يبدؤوا اللعب بمفردهم بعدئذٍ. وعلى الآباء أن يطلقوا العنان لخيال أولادهم لينمو على أوسع وجه، وذلك برواية القصص الشيّقة وفسح المجال لأولادهم لتخيّل أحداثها، أو منحهم المجال للعب مع من في أعمارهم ألعاباً تستلزم خيالاً خصباً؛ كأن يلعبوا لعبة الأم والأولاد، أو الضيف والمضيف، أو الطبيب والمريض ... إلخ. وتتوافر في بعض الدول أماكن خاصة للأطفال تدعى (مدن الخيال) ؛ حيث الثياب المزركشة التي يتحول الأطفال بارتدائهم إياها إلى أمراء أو طلبة كبار ... إلخ. ويبدؤون بنسج القصص الخيالية وتمثيلها والعيش معها، إلى جانب العديد من الوسائل والتقنيات الأخرى التي تسمح بتطوير حسّ الخيال عندهم. إذاً؛ كل هذا من شأنه تنمية خيالهم الذي يدفعهم رويداً رويداً إلى الإبداع والتميّز. ٥- على الأبوين الشروع في تعليم أولادهم الأمور الأساسية قبل دخولهم المدرسة: البيت هو أساس تربية الطفل وتعليمه وتقويمه، ومنه تبدأ التربية وتترسخ الأخلاق الفاضلة والمعلومات الأساسية والسلوكيات الفاضلة؛ كما بين جدرانه ترتسم شخصية الطفل بكل أبعادها وتتوطد دعائم بنائها، بينما تأتي المدرسة كمكمّل لهذا البناء ومرَسِّخ له. إذاً؛ على الأبوين تعليم أولادهم أساسيات الأمور قبل المدرسة، مثل: الألوان، والأشكال، وبعض الأسماء، وكذلك بعض السلوكيات: كاحترام الكبير، والعطف على الصغير، والحفاظ على النظافة برمي النفايات في سلة المهملات لا على الأرض ... إلخ. ٦- التدرج في تربية الأولاد ومعاملتهم: على الأبوين الانتقال من مرحلة تربوية إلى أخرى بتأنٍّ وتدرّج وصبر ونَفَس طويل. وعليهما ألاّ ييأسا إن فشلا في تعليم أولادهم سلوكاً تربوياً معيناً من أول مرة؛ بل عليهما المثابرة والتكرار والتدرج؛ إذ يأتي اللين أولاً في تربية الأولاد، ثم المثابرة والصبر؛ فإن لم يفلحا يمكن أن ينتقل الأبوان إلى العقوبات، لكن بعد إعطاء كل مرحلة حقها. إذاً؛ لا يجب أن نعاقب الأولاد على سلوك خاطئ قبل أن نحاول معهم باللين والرفق ومدح السلوك الصحيح والترغيب به بالمكافآت المناسبة. بعدها إن لم يتمّ الأمر يمكن أن نلجأ إلى التنبيه بطريقة لطيفة؛ فإن لم نفلح أيضاً نلجأ بعد ذلك إلى العقاب المناسب غير الحادّ؛ مع مناقشة أسبابه وتبيان ضرورته. ويجب تَوخّي الحزم عند العقاب؛ فإن قررنا معاقبة الابن مثلاً بحرمانه من مشاهدة الرسوم المتحركة لمدة يوم علينا التقيّد بالعقوبة المفروضة؛ لأن فرض العقوبات مع عدم التقيّد بها يفقد العقاب هدفه، ويعود الابن لتكرار نفس الخطأ مستهيناً بقرارات أبويه اللاسارية، غير آبهٍ بها. ٧- مراعاة الفروق الفردية بين الأولاد: ينفرد كل ابن من أولادنا بشخصية مميزة لا تشبه شخصية أخيه، لذا يجب تنويع الأساليب التربوية مع الأولاد؛ فالأسلوب الناجع مع ذلك الابن يمكن أن يفشل مع أخيه. فهناك أولاد تكفيهم نظرة العتاب، في حين يحتاج آخرون لكلام حازم، وهناك أيضاً من يحتاح لعقاب قاسٍ. لذا يتوجب على كل من الأبوين التعرف على خصائص نفسيات أولادهما والتعامل مع كل منهم بما يتلاءم وشخصيته وفكره. ٨- المساواة بين الأولاد: هذا الأمر لا يلغي أبداً أهمية مراعاة الفروق الفردية بين الأولاد؛ إذ إن المساواة تعني العدل مادياً ومعنوياً في المعاملة بين الأولاد في الأمور اليومية. وهذا ما أمرنا به رسول الله ﷺ حين قال: «اعدلوا بين أبنائكم» وكررها ثلاثاً. فالعاطفة يجب أن ُتمنح للأولاد بشكل متساوٍ؛ مثلها مثل الطعام، واللباس، والهدايا، والألعاب، ... إلخ. كما يجب عدم تفضيل الذكر على الأنثى في المعاملة؛ ممَّا قد يؤدي إلى زرع بذور الحسد والحقد بينهم. ٩ - عدم تأنيب الأولاد أمام الآخرين وعدم إهانتهم بتاتاً: يجب أن يؤنَّب الطفل على انفراد، وأن تتاح له أكثر من فرصة ليقوِّم خطأه ويعتذر عنه. وفي حال كرر الطفل هذا الخطأ ولم يُحدث تغييراً في سلوكه؛ يمكن حينئذٍ اللجوء إلى تأنيبه علنياً؛ لكن بصورة لطيفة، دون أن يدفعه هذا التأنيب العلني إلى عيش عقدة نفسية مستقبلاً، ودون أن يدفعه إلى التمادي بالخطأ. أما إهانة الأولاد فهو من الأساليب التربوية الخاطئة قطعاً ويتوجب عدم اللجوء إليها أبداً. ومن الإهانات التي يلجأ إليها الآباء والتي تؤثر سلباً على نفسيات أولادهم السخريةُ من العيوب الموجودة أو النقائص الجسدية والعقلية التي يعاني منها أولادهم، وتوجيهُ شتائم لهم، وتشبيههم ببعض الحيوانات. وهذه الإهانات يصعب على الطفل أن ينساها؛ إذ إنها تحفر في نفسه أثراً عميقاً وتؤلمه بشكل كبير؛ بل إن بعض الأولاد الذين لا يستطيعون المواجهة يحاولون أن يتصفوا بهذه النعوت وأن يتشبهوا بالصفات التي أطلقت عليهم مثل: (غبي ـ أحمق) ، أو (أنت حمار لا تفهم) ، وغير ذلك من الأساليب الرديئة التي لا تحترم شخصية الابن ولا تحثه على تمثُّل السلوك الحسن مستقبلَ أيامه. ويمكن أن تبدأ علامات الانطواء بالظهور عند الأولاد عند استخدام آبائهم ألفاظاً رديئة معهم. ويمكن أن يساعد ذلك في فقدان ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بالإحباط الذي يمكن أن يرافقهم في كل مراحلهم العُمُرية القادمة. ١٠- اللجوء إلى أسلوب الثواب قبل أسلوب العقاب: الثواب هو الأسلوب التربوي الأجدى والأنفع مع الأولاد. لكن ذلك لا يمنع من أهمية اللجوء إلى العقاب مع الأولاد الذين لا ينتفعون بالثواب ولا يحيدون عن خطئهم به؛ لكن يجب أن يكون العقاب متدرجاً وملائماً للسلوك الخاطئ؛ كأن نحرم الطفل أولاً من اللعب باللعبة التي يفضلها، أو حرمانه من مشاهدة التلفاز؛ ولكن لفترات معقولة ومقبولة؛ فإن لم يُجدِ معه هذا العقاب ننتقل إلى عقاب أقسى نوعاً ما. وآخر ما نلجأ إليه الضرب؛ على ألاّ يكون الضرب مبرحاً ولا متكرراً ولا يطال الجزء العلوي من الجسد. ويجب عدم ضرب الأولاد أثناء انفعالنا حتى لا يتحول الضرب إلى ضرب وحشي غير محسوس به من قبلنا. ومن الأجدر بالآباء أن يمتنعوا عن الضرب بتاتاً وأن يلجؤوا إلى وسائل وأساليب أكثر نفعاً. ويجب أن يكون الثواب والعقاب بالتساوي بين كل الأولاد. لا أن يحاسب الكبير أكثر من الصغير؛ فقط لأنه أكبر سناً! ولا أن تعاقب البنت لأخطاء ترتكبها لا يُعاقَب على مثلها أخوها؛ فقط كونه ذكراً وهي أنثى. ١١- ألا يسخّر الوالدان الوسائل التربوية لإيجاد نسخة ثانية عنهما من الأولاد: هذا السلوك نابع عن أنانية وغرور عظيم؛ حيث يظن الأبوان نفسيهما الأفضل في هذا العالم؛ فيكَرِّسان وقتهما لتربية أولادهما على صورتيهما. وما هذا إلا مهمة شبه مستحيلة لن تسمح إلا بإضاعة الوقت؛ إذ إن الله عندما خلق الإنسان خلق معه رغبة التحدي والاقتحام وإثبات جدارة الذات، ومنحه فرصة اختيار ما يريد أن يكون. إذاً؛ على الآباء عدم محاولة استنساخ أنفسهم عبر أولادهم، وعليهم أن يتركوا لعوامل الوراثة أن تقوم بجزء من هذه المهمة، أما هم.. فلا. ليكن أولادنا شخصيات فريدة تضيف للعالم الجديد وتثريه، ولتختار هي نفسها أن تكون ذاتها أو أن تكون آباءها. ١٢- على الآباء تنمية أداة الحوار مع الأولاد منذ الصغر: الحوار هو الوسيلة المثلى لتحقيق الغايات وتنمية الثقافة بشكل راقٍ ومهذب. لا للصراع ولا للشجار، ونعم للحوار الهادئ المتزن المقرون بالموضوعية والصراحة والأدب والاحترام. فليمتنع الآباء عن اللجوء إلى العقاب مباشرة عند خطأ أولادهم، وليستبدلوا الأمر بحوار ونقاش طويل حول الخطأ الذي ارتكبه صغيرهم، وليتزودوا بالجَلَد والصبر وطول البال أثناء الحوار، وليعيروا انتباهاً لأسئلة أولادهم، وليحاوروهم ليُكسِبوهم هذه المهارة عند الكبر. ولا يترسخ أهمية الحوار عند الأطفال إلا عند معايشتهم لهذا الأسلوب بشكل واقعي بين أبويهم؛ فالأولاد الذين يرون أن أبويهم يتحاوران بشكل دائم ويعتمدان الحوار لحلّ كافة المشاكل التي تعترض طريقهما؛ يرث هؤلاء الأولاد بدورهم هذه المهارة ـ الحوار ـ ويحملونها معهم في حياتهم؛ متسلحين بوسيلة عظيمة للشورى، وتبادل الأفكار، والتزود بالمعلومات وحلّ المشاكل ... إلخ. ١٣- على الآباء حماية أولادهم دون إفراط: قد تظهر الحماية الزائدة للطفل من قبل الأم على سبيل المثال؛ خوفاً من أن يصيبه مكروه أو عدوان أو حتى عدوى ما؛ فتقوم مثلاً بحجبه عن البشر ومنعه عنهم؛ فلا مجال لتقبيله من قبل الآخرين، ولا مداعبته وتقديم الحلوى له، أو عدم السماح له باللعب مع الأطفال إلا تحت رقابة شديدة وصارمة. إن هذا الأسلوب من شأنه إيجاد طفل مدلل عنيد وغير اجتماعي، ولا بد أن يعاني عدم التوازن في المعاملة التي يتلقاها بين المنزل والمدرسة، ومن ثم بين المنزل والحياة بشكل عام عندما يكبر. كما يصبح مع مرور الزمن اتّكالياً بوجود أمه التي تؤمّن له كل شيء ولا تسمح له بالقيام بأي أمر بذاته. ١٤- على الآباء الاستفادة من خبرات الآخرين في تربية أولادهم: وفي هذا المجال نورد الآيات القرآنية التالية: ﴿وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إنَّهَا إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣ - ١٩] . إنها آيات كريمات تضع منهجاً لتربية النشء؛ ما أجدرنا بتطبيقها على الأولاد بالأساليب النبوية والتربية والتعليم! وبعد؛ إذا كان الأولاد هم بناة المجتمع ومطوروه؛ فإن الآباء هم الأدوات الفعالة لتربية هؤلاء الأولاد ليقوموا بدورهم المرجوّ منهم على أحسن وجه. فساهم في تربية أولادك التربية المثلى الملائمة لإنشاء مجتمع راقٍ كالذي تحلم وتطمح للعيش في أرجائه، وابدأ بهذه التربية القويمة منذ الصغر؛ فالتربية في الصغر كالنقش على الحجر.

стр. 5890

بين التعليم الشرعي والعلم الشرعي محمد بن عبد الله الدويش ينتمي العلم الشرعي للكتاب والسنة، ويستمد من هذا الانتماء قدسية خاصة؛ فمحتواه هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وهما حق لا يتطرق إليهما الشك أو الريبة، ولا يختلف حولهما. ودائرة الخلاف إنما هي منحصرة في دلالة النص وفهمه؛ وما يتصل بذلك من عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو إحكام ونسخ، أو في ثبوت نص السنة من جهة الرواية. ولقد كان الخلل في التعامل مع النص الشرعي المتمثل بنصوص الوحي من أهم مداخل انحراف الفرق الضالة؛ ممّا ولّد مساحة واسعة في النقاش والحوار حول منهجية التعامل مع النص الشرعي. ومن هنا ارتبط الحديث عن التعليم الشرعي لدى فئة من المهتمين به بالحديث عن محتوى العلم الشرعي نفسه، أو عن النص الشرعي، وأثارت القلقَ كثيرٌ من الدعوات المعاصرة التي نادت بتطوير مناهج العلوم الشرعية في التعليم، وتطوير أدوات التعليم الشرعي. والقلق من الدعوات التطويرية له ما يبرره؛ بالنظر إلى مصادر تلك الدعوات والسياق الذي صدرت فيه، وبالنظر إلى أن كثيراً منها لم يكن موضوعياً، بل إن كثيراً من تلك الدعوات لم تَخلُ من نية سيئة، ولم تَخلُ من كونها تنطلق من أهداف تسعى إلى تقويض العلم الشرعي وتحجيمه. لكن القلق لا ينبغي أن يمتد إلى عملية التطوير نفسها، ولا ينبغي أن يقود إلى إغلاق باب التفكير والتقويم. وهذا يقودنا إلى أهمية الفصل بين محتوى العلم الشرعي وبين التعليم الشرعي؛ فمحتوى العلم الشرعي يتعلق بالنصوص الشرعية وما يتصل بها، أما التعليم الشرعي فهو عمل بشري. ويستمد هذا العمل البشري قيمته من انتمائه للعلم الشرعي واتصاله به، لكن ذلك كله لا يخرجه عن كونه عملاً بشرياً، وهذا يتطلب مراعاة ما يلي: ٣ الاعتناء بتقويم عملية التعليم ومراجعتها وقتاً بعد آخر. ٣ التعامل مع النقد الموجّه للتعليم الشرعي بعدل وموضوعية؛ فبالرغم من وجود نوايا سيئة حول بعض الأعمال النقدية، ومن وجود بعض التطرف في أخرى، إلا أن هذا لا يعفينا من النظر بموضوعية، ومن الفصل بين النظر إلى النوايا والأهداف وبين الاستفادة مما يثار من انتقادات. ٣ مسؤوليتنا عن بذل الجهد في تطوير التعليم الشرعي ومناهجه وأدواته، وألاّ نكتفي بتكرار التجارب والأساليب الموروثة. ٣ فتح الآفاق أمام الأفكار والأساليب الجديدة التي تسعى لتطوير التعليم الشرعي، والبعد عن القلق والحساسية المفرطة، أو الشعور بأن انتماء هذا التعليم للعلم الشرعي يلغي حاجته للتطوير والارتقاء. إن تطورات الواقع وتحدِّياته، وتسارع وتيرة التغيير تتطلب مخرجات قادرة على التعامل مع هذه التغيرات، وعلى تقديم الحلول لمشكلات الأمة، وعلى تقديم برامج إصلاحية، وذلك كله لن يتحقق إلا مع مزيد من المراجعة والتقويم والتطوير لمناهج التعليم الشرعي وأدواته.

стр. 5891

مفهوم اليُسْر في الدين أ. د. جعفر شيخ إدريس اليُسْر مقصد من مقاصد الدِّين الكبرى، جعله الله ـ تعالى ـ أساساً لكل ما أمر به ونهى عنه في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأمرنا أن نلتزمه في فهمنا للدين والعمل به والدعوة إليه؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وقال ﷺ : «إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره» وفي لفظٍ: «إنكم أمة أُريد بكم اليُسْر» . أخرجه الإمام أحمد بسندٍ صحيح. ولكن ما معنى أن يكون الدِّين يسراً؟ إن آية اليُسْر نزلت تعليلاً لأمره ـ تعالى ـ بالفطر للمريض والمسافر. ولكن هل الصيام نفسه الذي وردت بمناسبته قاعدة التيسير شيء لا مشقة فيه؟ ماذا لو قال إنسان: لو كان الصيام نصف شهر لكان أيسر، ولو كان أقل من ذلك لكان أكثر يُسْراً، بل لو لم نُؤمر بالصيام لكان اليُسْر كله؟! وما يُقال عن الصيام يُقال عن سائر ما أمر الله ـ تعالى ـ به من صلاة وصيام وحج وزكاة وجهاد بالمال والنفس؛ إنها كلها تكاليف فيها شيء من مشقة؟ فلو كان معنى التيسير: أن لا يُؤمر الناس بشيء فيه أدنى مشقة؛ لما كان هنالك تكليف بصلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد؛ لأن فعل ما لا مشقة فيه البتة أَيْسر ـ فيما يبدو لأول وَهْلَة ـ مما في فعله أدنى مشقة. فما المقصود باليُسْر إذاً؟ معناه فيما يبدو لي: فعل ما يحقق الغاية بأدنى قدر من المشقة، مثلاً: إذا كان لا بد لك من وسيلة للكسب تحفظ لك ماء وجهك وتغنيك عن السؤال وتوفر لك ما تحتاج إليه من طعام ولباس وسكن وزيادة توفر بعضها وتتصدق ببعض؛ فإن خير وسيلة هي عمل يحقق لك كل هذا بأدنى قدر من المشقة. فإذا قال لك الشيطان: لكن عدم الكسب أَيْسر من أية وسيلة فيها شيء من مشقة، ولذلك فإن الأفضل لك أن لا تعمل إطلاقاً.. ستقول له ـ إن كنتَ عاقلاً ـ: هذا صحيح بادئ الرأي أيها الخبيث! لكن انظر ماذا سيترتب على البطالة، إنها ستجعل حياتي أعسر نفسياً وربما جسدياً؛ فعملي رغم ما فيه من مشقة هو في النهاية أَيْسر من البطالة التي يبدو أنه لا مشقة فيها. وكذلك الأمر بالنسبة للدِّين؛ فما يأمرنا الله ـ تعالى ـ به هو أعمال تحقق غايات ضرورية لنا، غايات لا تكون لنا سعادة إلا بها، ولكنها باعتبارها أعمالاً فلا بد أن تتضمن شيئاً من الجهد والمشقة، لكن الله ـ تعالى ـ الخالق لكل شيء، المحيط علماً بالوسائل والغايات، الرحيم بعباده، يختار لنا أسمى الغايات، ثم يدلُّنا إلى أحسن الوسائل التي تحققها بأدنى مشقة، كما قال الله ـ تعالى ـ في أول آية علّل بها أمره بالصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] . فالغاية المطلوب الوصول إليها هي التقوى، والوسيلة إليها التي لا وسيلة غيرها لتحقيق هذا النوع من التقوى هو صيام شهر رمضان. وعليه؛ فيمكن تقسيم الأعمال بالنسبة لغاياتها ووسائلها إلى أربعة أنواع: أحسنها: غاية حسنة ووسيلة ميسرة، وهذا هو الذي اختاره الله ـ تعالى ـ لعباده. وأسوؤها: غاية سيئة ووسيلة شاقة، من أمثلتها: محاربة الكفار للمسلمين، وبذلهم أموالهم وأنفسهم في سبيل ذلك. ومنها: ما يتظاهر به المنافق من صلاة وصوم وحج وزكاة وربما جهاد. في مثل هذا العمل قالت العرب: لحم جمل غَثٌّ، على رأس جبل وَعْرٍ، لا سمين فيُشْتَهى، ولا سهل فيُرْتَقى. وأقل منه سوءاً: غاية سيئة ووسيلة سهلة. وأحسن من هذا: غاية حسنة ووسيلة عسرة. وهذا يشمل كل ما خالف السُّنّة من أنواع الأعمال الصالحة. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الحال الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . (صحيح مسلم: ١٣ / ٢٥٨) . فالحديث يدل على أنه بالاقتداء بالنبي ﷺ في عبادته يحصل الإنسان بالعمل القليل في الوقت القصير على الأجر الكبير. فيا خسارة الذين يستبدلون بأذكار النبي ﷺ أذكاراً اخترعوها أو اخترعها لهم سادتهم، إنها في أحسن أحوالها جهد كبير وأجر قليل. ولذلك كان عدد من الصحابة ﵃ يقول: اقتصاد في سُنّة خير من اجتهاد في بدعة. أما إذا كانت تتضمّن شركاً أو شيئاً حراماً فإنها قد تكون من النوع الذي قال الله ـ تعالى ـ فيه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ١ - ٤] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وإذاً؛ فالدِّين كله يُسْر بهذا المعنى الذي ذكرناه. قال سماحة الشيخ صالح بن حميد في خطبة له جامعة عن اليُسْر (١) : والتيسير مقصد من مقاصد هذا الدِّين، وصفة عامة للشريعة في أحكامها وعقائدها، وأخلاقها ومعاملاتها، وأصولها وفروعها؛ فربُّنا بمنِّه وكرمه لم يكلِّف عباده بالمشاقّ، ولم يردعنا كالناس، بل أنزل دينه على قصد الرِّفق والتيسير. شريعة الله حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، فلله الحمد والمنّة.. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] . والتيسير له معانٍ أخرى، منها: أن الله ـ تعالى ـ لا يكلِّف الناس بما يطيقون، بل بما هو في وُسْعهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وتأمَّل قوله : ﴿إلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، كيف تجد تحته أنهم في سِعَة ومنحة من تكاليفه، لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوُسْع يقتضي ذلك؛ فاقتضت الآية أن ما كلَّفهم به من غير عُسْر لهم ولا ضيق ولا حرج، بخلاف ما يقدر عليه الشخص؛ فإنه قد يكون مقدوراً له ولكن فيه ضيق وحرج عليه. وأما وُسْعه الذي هو منه في سِعَة فهو دون مدى الطاقة والمجهود، بل لنفسه فيه مجال ومتّسع) . (الفتاوى: ج١٤، التفسير الجزء الأول، ص ١٣٧ـ ١٣٨) . ومنها: أن العمل وإن كان فيه مشقة إلا أن الله ـ تعالى ـ يجعله سهلاً بطرائق كثيرة، منها: أنه يغير طبيعته الشاقة فيجعلها سهلة، كما ذكر الشيخ بالنسبة للقرآن الكريم ذكراً وتدبُّراً وفهماً. ومنها: أن يجد المؤمن في العمل لذّة روحية، حتى إنه ليكاد ينسى ما فيه من مشقة. وإذا حلَّت الهداية قلباً نشطت للعبادة الأعضاءُ ومنها: أن يريد المؤمن تحقيق غاية يحبها لكنه يعلم أنها لا تتحقق إلا بعبادة معينة فيحرص عليها طلباً لتلك الغاية المحبوبة فتهون عليه؛ كما في قوله ـ تعالى ـ عن الصلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . «وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! أَفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» (أخرجه مسلم) . فحرصه ﷺ على شكر ربه ـ وهو شعور له لذّة لا تعدلها لذّة ـ هو الذي يسَّر له هذا العمل الذي يبدو شاقّاً. ومنها: أن الله ـ تعالى ـ قد يزيل مشقات العمل حتى لا يكاد يبقى منها شيء؛ فأشق شيء على الإنسان أن يُقْتل لكن رسول الله ﷺ يقول: «ما يجد الشهيد من مسِّ القتال إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة» (أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: حديث حسن صحيح) . وعليه؛ فإذا كان الله ـ تعالى ـ قد تكفَّل بتسهيل العمل بما أنزل من أمر ونهي؛ فكذلك يجب أن نفهمه ـ نحن ـ في ممارستنا له. ولذلك قال ﷺ في الحديث الصحيح مشيراً إلى هذه الممارسة: «إن هذا الدِّين متين؛ فأوغلوا فيه برفق» . وقال: «إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره» ، فعبارة «خير دينكم» هي إشارة إلى الدِّين الممارس لا الذي أنزله الله ـ تعالى ـ، فإن ذلك ميسّر في أصله لا يحتاج إلى أن ييسّره إنسان. ومن أحسن ما قرأت تطبيقاً لهذه الأحاديث ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه قال: حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن الأزرق بن قيس قال: (كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلّى وخلّى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها، فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ ، وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت لم آتِ أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب النبي ﷺ فرأى من تيسيره) . لكنَّ فعل (أبي برزة) يختلف عما يفعله بعض الناس الآن في اختيارهم لما يختارون من الأقوال التي اختلف فيها العلماء. يقول أحدهم لنفسه: ما دام الدِّين يسراً فإنني سأختار ما أراه أسهل عليّ أو على الناس، ثم يبدأ ينظر في الأقوال بهذا المعيار فيقول ـ مثلاً ـ: قول الحنفية هذا صعب، لكن قول الحنابلة أصعب، أما قول المالكية فسهل، وأسهل منه قول الشافعية، وأسهل من هذا كله قول العالم الفلاني الذي خالفهم جميعاً، فأنا آخذ به. إن المنهج الصحيح هو أن يقول الإنسان لنفسه: ما دام دين الله كله يُسْراً فسأختار ما أراه بأدلّته أقرب إلى الشرع؛ لأن الأقرب إلى الشرع هو الأقرب لتحقيق الغاية بأدني مشقة. قد يقول قائل: أليس هذا الذي انتقدتَ منهجه متأسياً بالنبي ﷺ في أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أَيْسرهما؟ يقال له: نعم إذا خُيِّر كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . [البقرة: ١٩٦] والتخيير معناه أن كل واحد من الأمور المخيّر فيها يؤدي الغرض المطلوب، لكن بعضها قد يكون أَيْسر على الإنسان من بعض، فيختاره. لكن ما نحن في صدده لا علاقة له بالتخيير، بل المطلوب فيه معرفة حكم الله ـ تعالى ـ في الأمر الذي اختلفت فيه الأقوال أو الاجتهادات؛ لأنها إذا تناقضت فلا يمكن أن يكون كل واحد منها صحيحاً مؤدّياً الغرض. نعم؛ إذا استوت الأدلة ولم يمكن ترجيح بعض الأقوال على بعض، فإن الأخذ بالأَيْسر يكون منهجاً صحيحاً. لكن رغم هذا فقد يحدث التعسير في الدِّين شرعاً أو قدراً، ويكون عقاباً من الله ـ تعالى ـ لبعض الناس. مثال التعسير شرعاً: ما قال الله ـ تعالى ـ فيه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] . وأما التعسير القدري فيكون بسبب سوء فهم بعض الناس للدِّين وإلزامهم أنفسهم بما لم يلزمهم به الله ـ تعالى ـ من أنواع العنت. وهذا هو الذي يحدث لأناس من هذه الأمة التي اختار الله لها الحنيفية السمحة والتي قال الله ـ تعالى ـ عن رسولها: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . [الأعراف: ١٥٧] هذا العنت القدري العقابي هو الذي يدعو المسلمُ ربَّه أن يعيذه منه: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 5892

إستراتيجية ناجحة في جمع التبرعات إبراهيم بن سليمان الحيدري في سوق مكتظ بالمتنافسين، يسيطر على ٨٠ % منه ثلاث شركات رئيسية، ويتنافس المئات من الشركات على بقية العشرين بالمئة. استطاعت «واحد» للمياه المعبأة أن تدخل سوق الماء البريطاني وتحتل مكانة وسمعة مرموقة بين شريحة كبيرة من الناس. لم تكن الرحلة سهلة؛ فقد عانى أصحابها من تصريف ١٢.٠٠٠ عبوة خلال الأشهر الستة الأولى، لكنهم الآن يبيعون ٢٠٠.٠٠٠ عبوة يومياً. الجميل في هذه التجربة أن تعرف ـ أخي القارئ الكريم ـ أن «واحد» هذه هي منظمة خيرية بريطانية كان لنجاحها أسرار بعد مشيئة الله؛ وأبرز أسباب نجاحها أنها سوَّقت لمنتجها بفكرة جوهرية جذابة؛ فهي لم تطلب من الناس التبرع لها كما تفعل كثير من المنظمات الخيرية، بل لبت من خلال منتجها الذي تقدمه حاجة فعلية لدى الناس وهي الحاجة لشرب الماء، لكنها تميزت عن بقية الشركات التجارية التي تقدم المنتج ذاته بأنها تقيم مشاريع لتوفير المياه النقية في مناطق فقيرة متعددة من العالم؛ وذلك من كامل قيمة علب المياه التي تبيعها للناس، ملبية بذلك حاجة أخرى لدى الناس وهي الرغبة في مساعدة الآخرين والمشاركة في تغيير مستوى معيشة المحتاجين. كان المشتري يدرك أن لا فرق كبيراً بين الشركات المنتجة للماء، لكنه يدرك أن شراءه من «واحد» سوف يساعد أناساً محرومين وفقراء. إن ارتباط المنتَج المسوَّق تجارياً بمجال المشروع الخيري نفسه وهو في هذا المثال: الماء ـ هذا الارتباط سرٌّ آخر في نجاح المشروع ورواجه بين الناس، والذي يدور في خلد المستهلكين أن حاجتهم للماء لا تزيد عن حاجة الفقراء للماء النقي، وأن شربهم من ماء هذه المنظمة سيسهم بشكل مباشر في توفير ماء نقي للمحتاجين. ليس المستهلكون الأفراد مَنْ تستهويهم فكرة شراء منتج «واحد» فحسب، بل حتى الشركات التجارية والجهات الحكومية وجدت في شراء هذا المنتَج تحسيناً لسمعتها وتعزيزاً لمكانتها في أذهان الناس. حالة هذه المنظمة، هي مثال على قدرة المنظمات الخيرية على تطوير منتجاتها ومشاريعها في جمع التبرعات والانتقال من السؤال التقليدي المباشر في الدعوة إلى التبرع إلى منافسة الشركات التجارية في تلبية حاجات ورغبات الناس غير الخيرية كالأكل والشرب واللبس وغيرها من الحاجات المتنوعة والمتجددة. لقد ضربَتْ «واحد» بمشروعها هذا عصفورين بحجر (واحد) لكني لا أظن أن هذا سبب تسميتها!

стр. 5893

الرؤية المركَّبة (١ - ٢) د. عبد الكريم بكار في هذا الكون عدد كبير من الثنائيات، حيث نلمس في حياتنا المعنويَّ والمادي، والقريبَ والبعيد، والمباشرَ وغير المباشر، والمرئيَّ والخفي، والذاتيَّ والغيري، وقويَّ التأثير وضعيفه، والمرادَ وغير المراد، والمقصودَ والعفوي ... وهذه كلها تؤثر في حياتنا وقراراتنا ونجاحاتنا على درجات متفاوتة. ويمكنني أن أتشجَّع وأقول: إننا إذا دقَّقنا النظر في كل ما يحيط بنا، فإننا لن نجد أي شيء يمكن أن نصفه بأنه بسيط أو أحادي، حيث إن الأسباب والظروف والمعطيات التي تكتنف حياتنا ليست معزولة، وإنما هي ذات علاقات وامتدادات كثيرة وطويلة؛ وهذا كله يفرض علينا ألا نركن إلى الفهم الجزئي السريع، وأن نحاول دائماً توسيع الرؤية حتى نتمكن من إدراك كل أبعاد الظواهر التي نعايشها. إن من سنن الله ـ تعالى ـ في الخلق احتياج الظواهر الإنسانية الكبرى إلى تفسير معقد يشتمل على عدد من العوامل والأسباب، وإن من الابتسار ومجانبة الصواب اللجوء إلى الاقتصاد في اكتشاف العوامل المؤثرة في وجود الأشياء وتطورها. وقد تعوَّد كثير من الناس الاختزال، والمسارعة إلى التفسيرات الغريبة لما يرون ويسمعون من أحداث وأوضاع، وهذا دفع بهم في اتجاه اللجوء إلى المعالجات الجزئية لمشكلات ذات أسباب مركَّبة ومعقدة، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون الإخفاق أعظم من النجاح. ولعلِّي أسوق بعض الأمثلة الموضحة لما أقول: ١ ـ الفقر: الفقر ظاهرة عامة واسعة الانتشار، وهو فعلاً من الظواهر الكبرى التي يعاني منها أعداد كبيرة من الناس، وثمَّة مساعٍ عالمية كبيرة جداً من أجل الحدِّ من انتشاره. وأعتقد أن المدخل للعلاج على المستوى العام وعلى المستوى الشخصي يكون بتكوين رؤية مركّبة للأسباب التي تجعل الناس عاجزين عن الوصول إلى إشباع حاجاتهم الأساسية، ولعلَّ من هذه الأسباب الآتي: ـ العيش في بلد شحيح الموارد، حيث لا تكون هناك معادن يمكن تسويقها، ولا أراضٍ خصبة أو مياه كافية لزراعة المحاصيل بكميات كبيرة.. ـ وجود نظام سياسي وإداري فاسد وغير كفء، ينشر التحايل بين الناس على كسب الرزق، ولا يهيِّئ الحد الأدنى من تكافؤ الفرص. ـ عدم توفر الحد الأدنى من البنية التحتية المطلوبة لإنعاش الاقتصاد، مثل: الطرق والمطارات والموانئ والسوق المالية المنظمة والمدارس الجيدة والجامعات المتميزة ... ـ وجود عقيدة جبرية مستبطَنة، تدفع الناس نحو القعود عن طلب الرزق وبذل الجهد، وذلك كاعتقاد أن الرزق مقسوم مع التقاعس عن الأخذ بالأسباب وبذل المساعي في تحقيق الغايات. ـ النشوء في أسرة محطمة تربِّي على اليأس والاحتجاج عوضاً عن التفاؤل والإيجابية. ـ السكنى في موقع جغرافي أو معزول عن التواصل مع العالم الخارجي. ـ وجود عادات وتقاليد تدفع إلى الإسراف وسوء التدبير. ـ مؤسسات تعليمية مهترئة لا تخرِّج الكفاءات المطلوبة لسوق العمل. ـ الجهل بالأصول والآليات التي تساعد على إدارة الموارد الشحيحة والإمكانات المحدودة. ـ وجود حروب أهلية أو نزاعات قبلية أو طائفية، مما يؤدي إلى إنفاق المتوفر من المال على التسليح ومتطلبات الفوز في الصراع. هذه العوامل العشرة هي العوامل الأساسية في انتشار الفقر، وإن كان لا بد من ملاحظة أنه لا يكاد يخلو بلد مسلم من العديد منها، كما لا بد من ملاحظة أنها موجودة بنسب متفاوتة بين بلد وآخر، كما أنها تتفاوت أيضاً على مستوى الأشخاص. وإن التحدي الذي يواجه كل من يريد معالجة ظاهرة الفقر هو محاولة الاقتراب من معرفة الوزن النسبي لكل سبب من الأسباب السابقة؛ لأن هذه المعرفة ضرورية جداً لمعرفة المجالات التي ينبغي تركيز الجهد فيها؛ بسبب حيوية تأثيرها في إصابة الناس بالفقر والعَوَز. وقد تكون الدراسات الإحصائية والمسحية هي السبيل الأمثل لتحصيل تلك المعرفة. إن من الطبيعي أن يؤدي التركيب في رؤية الأسباب إلى توليد رؤية مركّبة على مستوى الحلول والمعالجات، وفي هذا الإطار فإننا لم نتمكن إلى اليوم من بلورة خطة شاملة لمعالجة الفقر في أي بلد إسلامي ـ فيما نعلم ـ يأخذ القائمون عليها بعين الاعتبار كل العوامل التي أشرنا إليها، وهذا بسبب عدم الاهتمام وبسبب ما ألفناه من تبسيط الأمور. \ ملامح الرؤية المركَّبة لعلاج الفقر: أـ القيام بتعريف الفقر ودراسة توصيف أوضاع من هم تحت خط الفقر. ب ـ تحسين وعي الناس بالعلل والأدواء المترتبة على انتشار الفقر. جـ ـ القيام بحملة واسعة لمكافحة الفساد الإداري بوصفه أداة لنشر الظلم والفقر. د ـ في حالة شحِّ الموارد الطبيعية يتم التركيز في خطط التنمية على الاستثمار في المعلوماتية والتقنية والصناعات الإلكترونية والدقيقة والمتطورة بسبب قلّة ما تحتاجه من المواد الخام. هـ ـ التركيز في التربية الأسرية على أخلاق العمل، مثل: الجِدّية والأمانة والدقّة والإنجاز والتعاون.. كما يتم الاهتمام ببثِّ روح التفاؤل والاستبشار والثقة بسعة فضل الله ـ تعالى ـ وكرمه. وـ إيجاد بيئة قانونية ونظمية تحفز على تدفق الاستثمارية الأجنبية بوصفها أدوات جيدة لتوفير فرص العمل للمواطنين. ز ـ إصلاح التعليم، ومساعدة التعليم الأهلي بسخاء، وممارسة رقابة صارمة عليه. ح ـ مساعدة الشباب على إقامة مشروعات صغيرة ذات تكلفة منخفضة. ط ـ نشر حب الخير، وتشجيع العمل الإغاثي والتطوعي، وتشجيع كل المؤسسات التي لا تهدف إلى الربح. ي ـ توفير أكبر عدد ممكن من مراكز التدريب التي تمكِّن الفقراء من اكتساب المهارات المطلوبة للانخراط في سوق العمل. ك ـ إثراء الجانب الروحي في حياة المسلمين بوصفه مطلباً شرعياً، وبوصفه مصدراً للمسرَّات المجانية، وبوصفه باعثاً على التقليل من الاستهلاك. وهناك لا شك العديد من التدابير الأخرى.. وسأعرض في المقال القادم ـ بإذن الله ـ لذكر مثال آخر على بلورة الرؤية المركبة، ومن الله ـ تعالى ـ الحول والطول.

стр. 5894

الشيخ الدكتور همَّام سعيد للبيان العلم الشرعي هو الشرط الأوَّل للنهضة حاوره في الكويت: خباب بن مروان الحمد تجلِسُ معه فتجد الأدب والهَدْيَ الحسن ... خُلُقٌ كريمٌ وكلامٌ طيِبُ ... ذلك هو فضيلة الشيخ الدكتور همَّام عبد الرحمن سعيد ـ حفظه الله تعالى ـ الذي نذر نفسه لخدمة الدعوة الإسلاميَّة والعلم الشرعي، فيما نحسب، وهو منذ نعومة أظفاره قد حُبِّب إليه العلم، وصار مطلبه الذي يسعى له، وعبر لقاء لمجلَّة البيان معه كان هذا الحوار، حول مشاريعه العلميَّة التي أسَّس منها ما أسس، ويطمح لمشاريع أخرى نرجو الله له تحقيقها. والشيخ الدكتور همَّام، من مواليد (كفر راعي) بفلسطين، حيث وُلِدَ عام ١٩٤٤م، وكان والده الشيخ عبد الرحيم بن سعيد من أوائل الذين اهتموا بعلم الحديث ونشره في فلسطين بعد تلقي العلم بصحبة العلاَّمة الشيخ عبد العزيز بن باز، ﵀. وقد تلقى الشيخ همَّام العلم عن والده منذ نعومة أظفاره، وتخصَّص في الحديث الشريف وعلله، وحصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر عام ١٩٧٧م. عَمِلَ بعدها في التدريس الجامعي في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية حتى عام ١٩٨٨م. وشَغَلَ رئاسة عدد من الأقسام في الكلية إلى أن تم فصله من الجامعة بسبب خطبة جمعة في أحد الموضوعات المهمة والحساسة!! ثمَّ رُشِّحَ بعدها في الانتخابات النيابية سنة ١٩٨٩م، وكان نائباً عن محافظة العاصمة (عمَّان) حتى سنة ١٩٩٧م. ثم عمل مستشاراً شرعياً في المستشفى الإسلامي بعمان، ويعمل الآن مديراً لمركز دراسات السنة النبوية الذي يقوم بإصدار موسوعة التصنيف الموضوعي للسنة النبوية. وأترك القارئ الكريم ليقرأ الحوار الذي دار بيني وبين فضيلته في دولة الكويت، على هامش (مؤتمر تعظيم حرمات الإسلام) الذي أقامته (مجلَّة البيان الإسلاميَّة) بالتعاون مع (مبرَّة الأعمال الخيريَّة الكويتيَّة) في دولة الكويت، حيث رحَّب الشيخ بالحوار، وكان هذا اللقاء وهذا الحديث ... فإلى محاور الحوار: العلم والعلماء ... ونهضة الأمَّة: البيان: فضيلة الشيخ همَّام! نرحِّب بكم في مطلع هذا اللقاء ... ونود أن تحدثونا عن أهميَّة العلم الشرعي، وضرورة أن يكون للعلماء دورهم القيادي في الأمة؟ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. في بداية هذا اللقاء أشكر مجلَّة البيان على كريم استضافتها لي بإجراء هذا الحوار. جواباً أقول، وبالله التوفيق: كما أن أول هذه الأمة نبوة ورحمة؛ فإن بقاءها واستمرارها ببقاء آثار النبوة فيها، والعلماء هم الحافظون لها، وهم ورثة الأنبياء، وبذلك يكون العلم الشرعي أول شرط من شروط نهضة هذه الأمة؛ فإن قيادة الأمة الراشدة بيد علمائها، وهم نصحاؤها ومقدمة ركبها، وهذا ما شهدت به آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ وشواهد التاريخ الإسلامي. وأمَّا العالم الرباني فتظهر كفاءته وتبرز قيادته وتلجأ الأمة إليه وتستجيب لقوله، وعلمه كفيل بإظهاره وإعطائه المكان اللائق في المجتمع، وها نحن نرى في كثير من مجتمعاتنا ظهور علماء ربانيين يتمتعون بالقدرة القيادية كما يتمتعون بحب الناس وتقديرهم. البيان: بعض الحركات الإسلامية يوجد لديها تقصير في الأخذ بالعلم الشرعي، مع نوع من الامتلاء في النواحي الثقافية والفكرية الأخرى على الرغم من أهمية العلم الشرعي؛ فما الأسباب في ذلك؟ ٣ الحركات الإسلامية قامت بدور عظيم في توعية الأمة ووضعها على سكة النهضة، وهي أشبه ما تكون بصوت الصارخ الذي أيقظ النيام ونفض عن رؤوسهم الغبار، ولكن رسوخ العلم الشرعي وتأسيسه وبناء معالمه يحتاج إلى تكوين عميق وعمل دائب؛ إذ إن وجود العلماء لا يأتي بين عشية وضحاها، ولا سيما بعد تلك العهود من الغفلة وتراكم الجهل وعودة الأمية مرة أخرى، كما كانت قبل بعثة النبي ﷺ ، وهذا ما أفادته سورة الجمعة في قوله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٣ - ٤] . ففي هذه الآيات بيان لدورتين من دورات التاريخ الإسلامي: الأولى: نبوة بعد جاهلية وأُمِّية. والثانية: علم بعد جاهلية وأمية. وبالرغم من الجهد الكبير الذي بذله الدعاة حتى أصبح الإسلام معروفاً بعد أن كانت أحكامه مجهولة ومنكرة عند كثير من الناس، إلا أن هذه الحركات لم تعطِ الاهتمام الكافي لتأسيس العلم على قواعده، وإيجاد العلماء الربانيين المؤهلين لحمل العلم وتعليمه والاجتهاد فيه، بل نرى الكثير من هذه الحركات اكتفت بالعمل السياسي، ويتولى قيادتها من ليس له باع في العلم الشرعي؛ وذلك لندرة هؤلاء العلماء، ونشأت حالة من الزهد بالعلم الشرعي، ولم يعد هذا العلم على رأس الأولويات الحركية، علماً بأن شرطَ تولي الولايات الشرعية في النظام السياسي الإسلامي بلوغُ من يتولون هذه الولايات درجة الاجتهاد، وأن يحصِّلوا من علوم الشريعة ما يجعلهم قادرين على معرفة الأحكام وعلى الترجيح والاختيار. مشروع إعداد العلماء ... آمال بحاجة إلى سواعد للبناء: البيان: لكم مشروع رائد نال كثيراً من اهتمامكم حول إعداد العلماء، ونود أن يطَّلع عليه قرَّاء مجلة البيان، حدِّثونا عن هذا المشروع، وما مقصدكم منه وآمالكم من خلاله؟ ٣ إن هذا الأمر ـ وهو إعداد العلماء على هدي أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وسلف الأمة في القرون الثلاثة الأولى ـ هو ما يشغل همي وفكري؛ فلا أكاد أجد في المناهج القائمة ولا في السلوك العملي لطلبة العلم ولا في البيئة العلمية ما يحقق هذه الحاجة؛ فطلبة العلم يتلقون شذرات من العلوم عبر العديد من السنوات مع ضعف التركيز وقلة الجهد المبذول في طلب العلم، وقلَّ أن يكون طالب العلم ذا ذهن موسوعي يتلقى علوم الشريعة وفق منهج متكامل؛ حيث لا يكفي أن يكون عالماً باللغة غير عالم بالتفسير، أو عالماً بالحديث غير عالم بالفقه، ثم يواصل التخصص في فرع من فروع العلوم الشرعية دون أن يبني تخصصه على قاعدة موسوعية. ويضاف إلى هذا أن طالب العلم ـ الذي نرجو أن يصل إلى رتبة العالم الرباني ـ يبدأ رحلته العلمية بانشغاله بمطالب الحياة، ولا يعطي علمه الذي تعلمه الاهتمام الأكبر الغالب في شؤونه الحياتية. أما البيئة العلمية التي توفر للعالم فرص التزود من العلم وتساعده على تحقيق وظيفته، وتتوافر من خلالها حالة من تقدير عامة الناس له وشعورهم بالحاجة إليه، كما يحتاجون إلى الطبيب إذا مرضوا؛ فهذه البيئة تكاد تكون نادرة أو معدومة. البيان: ما ملامح مشروعكم الذي يطمح إليه فضيلتكم؟ ٣ ملامح المشروع الذي أطمح إليه أن يتم إنشاء مؤسسة لتكوين العلماء ورعايتهم يجتمع لها عدد من علماء الأمة لوضع برنامجها العلمي الذي يتم فيه اختيار عدد قليل من طلبة العلم الشرعي الجادين؛ وقد يكونون من حملة الشهادات العالية، ويتم تفريغ هؤلاء الطلبة تحت إشراف أحد العلماء الذي يتفرغ لرعايتهم وتنفيذ البرنامج العلمي المطلوب، ويقوم هذا البرنامج على شعبتين: الشعبة الأولى: يكون تلقِّي العلوم الشرعية فيها بطريقة موسوعية في اللغة والتفسير والحديث والفقه والأصول؛ إلى جانب بعض علوم العصر وإحدى اللغات الأجنبية الحية ووسائل الاتصال، ويكون هذا البرنامج عامّاً لهذه المجموعة؛ والشعبة الثانية: التخصص في علم من علوم الشريعة، وقبل هذا وبعده يتلقى هؤلاء الطلاب تربية إسلامية متكاملة، فيها التهذيب النفسي والخلق الإسلامي والمحافظة على النوافل والأذكار لصياغة العالم الرباني الذاكر الشاكر. ويكون لهؤلاء الطلبة كفايتهم المعيشية ولا يكلَّفون بشيء من الأعباء، بل يتفرغون للعلم أخذاً وعطاءً ودرساً وبحثاً؛ ولا يتحقق هذا الأمر إلا بقيام المحسنين بتحمل مسؤولياتهم في هذا الميدان المهم الذي يترتب عليه عودة العلماء مرة أخرى إلى القيادة والصدارة. البيان: ما المدة التي ترون أنَّها مناسبة لهذا الإعداد للعالم؟ وما احتياجات هذا المشروع برأي فضيلتكم؟ ٣ إذا تم اختيار طلبة من الحاصلين على شهادات الدراسات العليا؛ فقد يحتاج هذا الأمر ـ فيما أحسب ـ ما بين سبع سنوات إلى عشر. وكما سبق فإن هذا المشروع يحتاج إلى هيئة من العلماء لإكمال تفاصيله ثم التفرغ له، ويحتاج إلى اختيار مجموعات منتقاة من الطلبة، ويحتاج إلى مراكز متخصصة وإلى تمويل كافٍ لتحقيق هذه الأهداف. البيان: ولكنْ، شيخنا الكريم: ما مدى استفادتكم من المشروعات الأخرى مثلاً في جامعة الإيمان في اليمن؛ فإن لها مشروعاً قريباً من ذلك مدة الدراسة فيه عشر سنوات، وكذلك المشروعات التي تقام في بلاد الحرمين كحفظ الصحيحين أو الدورات العلمية، هل ترون الاستفادة من ذلك؟ ٣ في هذه المشروعات خير كثير؛ إلا أن المشروع المقترح فيه تفصيل وتوسع وتخيُّر في المشرف على هذا المشروع، والطالب الذي يتلقى، والتفرغ، والتمويل. وينبغي أن يُبنى على جهود المؤسسات القائمة والجادة، واختيار الطلبة من هذه المؤسسات يختصر المسافة. بلا شك إن الأمر صعب ويحتاج إلى برنامج يذلل ما يعترضه من صعوبات. الموسوعة العصريَّة الكبرى لتصنيف السُّنة: البيان: أنتم ـ حفظكم الله ـ تديرون مركزاً لدراسات السنَّة، حدثونا عن هذا المشروع، وما أهدافكم منه؟ ٣ مشروعنا في تصنيف السنة النبوية يتطابق مع المشروع السابق لإعداد العلماء؛ وخلاصة هذا المشروع أن السنَّة النبوية التي تقوم عليها الحياة الإنسانية وتعالج شؤون الدنيا والآخرة ولا تذر صغيرة ولا كبيرة؛ إما بالنص وإما بالتبع والاستنباط والاجتهاد؛ فإن هذه السنَّة وجدت ألوفاً من العلماء السابقين الذين اشتغلوا بتصنيفها وترتيبها وتمييز صحيحها من سقيمها والتعريف برجالها وتيسيرها للفقهاء والأصوليين والمجتهدين، وقد تُوِّجت هذه الأعمال العظيمة بما توصل إليه الإمام البخاري والإمام مسلم وأصحاب السنن والمسانيد، وقد أخرج كل عالم من هؤلاء العلماء تصنيفاً يراعي حاجات زمانه ويقرِّب السنن لمعاصريه، وكانت هذه الجهود ثمرة القرون الثلاثة الفاضلة. ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة التقليد وتوقف التطوير والاجتهاد والاكتفاء بما توصل إليه السابقون. لقد وجدت من خلال بحثي في السنَّة النبوية وتدريسي لها ما يقارب الثلاثين سنة أن هذه السنَّة أشبه ما تكون بالكنوز المخفية المبعثرة هنا وهناك والمفرَّقة؛ حتى أصبح طلبها عند العلماء والباحثين في غاية الصعوبة؛ فإذا أرادوا الموضوع وجدوه مفرقاً في بطون الكتب وعشرات العناوين، وإذا وصلوا إلى الموضوع فإنهم يجدون العناء في البحث في الصحيح والسقيم والعلل، ناهيك عن طلب موضوعات جديدة لم يسبق للعلماء أن صنفوها ولا بد أن يكون للسنة قول فصل فيها؛ فعلماء الطب والإدارة والغذاء والسكان والسياسة والاجتماع والاقتصاد، إلى آخر هذه الفروع الكثيرة والمتوالدة مع مرور الزمان وتنوع المكان؛ كلها تحتاج إلى تصنيف السنَّة في عناوينها وتقريب السنة لأرباب هذه العلوم، بل نحن بحاجة إلى تقديم السنَّة في إطار عالمي تفتح نوافذها على العالم أجمع، وتكون وفق تصنيف عالمي، وتُقَدَّم لأصحاب اللغات والثقافات ليروا فيها أنوار النبوة. البيان: هل لفضيلتكم أن تحدثونا ـ جزاكم الله خيراً ـ عن بداية مشروعكم هذا، وكم عدد من شارككم فيه، وهل أنجزتموه كاملاً؟ ٣ لقد بدأنا مشروعنا هذا بالاستعانة بأكثر من سبعين أستاذاً جامعياً عملوا على إيجاد تصنيف لهذه العلوم، وقد استغرق عملهم مدة عامين، وظهرت ثمرته في كتاب الدليل التصنيفي لموسوعة الحديث النبوي الذي قام بنشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجمعية الدراسات الإسلامية. وقد بدأنا باعتماد الكتب الستة ومسند أحمد كخطوة أولى في هذا المشروع. والمشروع متواصل لجمع كتب السنة جميعها إن شاء الله، وهو ـ بعون الله ـ وفق منهج حديثي يقوم أولاً على إيجاد بطاقة لكل حديث نبوي تجمع رواياته من الكتب السبعة وغيرها حتى تضم هذه البطاقة جميع الروايات بأسانيدها ومتونها. ثم تتم دراسة هذه البطاقة وتحليلها وتنزيلها على العناوين المناسبة في مختلف ميادين التصنيف؛ فحديث أبي سفيان المشهور مع هرقل تم تنزيله على قرابة مائة وخمسين موضوعاً. البيان: تقول فضيلتكم: السنَّة غير مقدَّمة للعالم؛ فما المنهج الأمثل لتقديمها للناس وخصوصاً في هذا العصر؟ ٣ إن المنهج الأمثل لتقديم السنَّة هو التصنيف الموضوعي الشامل الذي يقدمها لأصحاب الاختصاص في جميع الميادين. فنحن نعاني الآن من توزيع موضوعات السنة والقصور في تصنيفها وعناوينها؛ وهذا يؤدي إلى ضعف التعامل معها وعدم التعمق في كنوزها وأسرارها. البيان: هناك مشروع تقريب السنَّة بين يدي الأمة للشيخ الألباني ﵀؛ فما الفرق بين المشروعين؟ ونود لو أعطيتمونا أمثلة على جديد مشروعكم من ناحية التصنيف؟ ٣ جهد الشيخ الألباني ﵀ جهد مبارك قدم خدمات جليلة للعلم وأهله، ولكن المشروع الذي نتحدث عنه يتصف بالرؤية الموسوعية في التصنيف، ويستفيد من جميع الجهود السابقة. وأمَّا عن جديد مشروعنا من ناحية التصنيف؛ فإنَّ لدينا تصنيفاً جديداً للتربية والتعليم يقع تحت ثلاثمائة عنوان، وقد أنزلنا تحت هذه العناوين نصوص الأحاديث النبوية في الكتب الستة، فبلغت هذه النصوص قرابة ثلاثة وثلاثين ألف نص من السنة، فيها الكثير من الغَناء لأهل التربية والتعليم عن الكثير من النظريات التربوية والمناهج الأرضية. ولهذا فنحن حين نقدِّم السنَّة للمتخصصين في العلوم الأخرى؛ فإننا نُشرك أصحاب هذه العلوم مع علماء الحديث والفقه في التصنيف والدراسة، وذلك لمعرفة منطق علومهم ولتقديم السنَّة لهم. البيان: وما منهج مركزكم في نقد الأحاديث والحكم عليها من ناحية الصحَّة أو الضعف؟ ٣ نقوم بجهد واسع في دراسة الحديث سنداً ومتناً بناء على تكامل الروايات التي جمعناها، والإفادة من كلام علماء الجرح والتعديل والعلل، والتزام منهج في التصحيح والتضعيف نحرص على التقيد به. ونحن في مشروعنا هذا نذكر الصحيح والضعيف والموضوع لإيقاف العلماء والباحثين على هذه الأحاديث ما صح منها وما لم يصح، وقد نوافق بعض علماء هذا العصر في الحكم وقد نخالفهم، ولكن نؤيد مخالفتنا بالأدلة وجمع الأقوال واستخلاص الأحكام منها. البيان: هل تعتمدون منهج الإمام البخاري في تقطيع الحديث وذكر الشاهد فقط، أم منهجية الإمام مسلم في ذكر الحديث كاملاً؟ ٣ نورد الحديث كاملاً بسنده ومتنه ورقمه ورقم بطاقته، ونميز الشواهد التي تقع تحت التصنيف بلون خاص حتى تقع العين مباشرة على جزء الحديث الذي يتضمن هذه الدلالة التصنيفية؛ ولهذا فإذا كان الحديث ـ مثلاً ـ في السطر الأوَّل في الإدارة، والثاني في التغذية فنورد الحديث تحت موضوع الإدارة مميَّزاً فيه السطر المتعلق بالإدارة، ونورده مرة أخرى تحت عنوان من عناوين التغذية مع تمييز السطر بلون مميز. البيان: وهل أخرجتم شيئاً من الكتب هذه؟ وكم تتوقع أن يكون عدد هذه الكتب؟ ٣ أنجزنا ـ ولله الحمد ـ هذه الموسوعة في مرحلتها الأولى على الحاسوب، وسنقوم بإصدار موضوعاتها موضوعاً إثر موضوع، وراعينا الحاجات الملحة، فبدأنا بإصدار أحاديث الفتن وأشراط الساعة، ويتلوها أحاديث المعاملات، ثم أحاديث العقائد، ونرجو أن يصدر من هذا المشروع عشرات الإصدارات؛ حيث إن الموضوعات المعدة تربو على مائة موضوع. البيان: أتوقع ـ كما ألاحظ ـ أن بداية طباعتكم لهذه الموسوعة ستكون مشروع الفتن؟ فلِمَ يكون هذا الاختيار؟ ٣ اخترنا البدء بإخراج موضوع أحاديث الفتن وأشراط الساعة من سلسلة العقائد؛ لأهمية هذا الموضوع في تبصير المسلم بأحداث حاضره ومستقبله، كما تفيده في استخلاص العبر من أحداث الماضي، وهذه البصيرة التي تنشأ عن الإيمان بصدق النبي ﷺ فيما يخبر من أخبار الغيب والمستقبل، تؤدي إلى أن ينظر المسلم إلى الأحداث بمنظار النبوة، فيكتسب العلم بهذه الفتن، ويحذر منها، ويستعد لمواجهتها، ويعلم كيف يتصرف عند وقوعها. وتتأكد أهمية معالجة موضوع الفتن في هذا العصر خصوصاً، لعدد من الأسباب: منها كثرة الخلط بين الصحيح والضعيف والموضوع من هذه الأخبار، وعدم التمييز بينها؛ بحيث نشأ عن ذلك اختلال في الرؤى أدى إلى دخول كثير من الخرافات والأباطيل إلى عقول العوام. ومن الأسباب أيضاً خوض بعض الناس في تفسير أحاديث الفتن وتأويلها بغير علم، وحملها على وقائع جزئية معينة، لا يسوغ حمل هذه الأحاديث الشريفة عليها؛ وهذا مسلك خطير في التعامل مع أحاديث الفتن يؤدي إلى فتنة الناس وتشكيكهم بصدق هذه الأحاديث؛ وذلك عندما لا يصدِّق الواقعُ هذه التأويلات والتفسيرات والإسقاطات. البيان: سمعنا أنكم تريدون ترجمة المشروع إلى لغات أخرى غير العربية؟ ٣ سنقوم ـ بإذن الله ـ بترجمة هذا المشروع إلى اللغات الأجنبية لنمكِّن المسلمين وغير المسلمين من غير الناطقين بالعربية من التعرف على سنة النبي ﷺ . البيان: نسأل الله أن يبارك في جهودكم وأعمالكم. هل من كلمة أخيرة لمجلة البيان؟! ٣ إن مجلة البيان تأتي في سياق المبادرات المهمة لإحداث نهضة الأمة وصحوتها وتوجيهها نحو دورة الإسلام الثانية واستئناف نهضة هذا الدين، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، وقد جعل الله من هذه المجلة منبراً لكلمات الخير ومشاريع الخير، فبارك الله بالقائمين عليها، وسلك بهم سبل الرشاد؛ إنه سميع قريب مجيب الدعاء. والحمد لله رب العالمين.

стр. 5895

حجة الذئب عبد الجواد الحمزاوي كان كل شيء في الغابة يدعو للتفاؤل والبهجة؛ شمس ساطعة، ونسيم جميل، وأشجار قد اكتست بزينتها، والأهم من ذلك أن ميثاق حقوق الحيوانات قد أُعلن، وأن الذئب ـ كبير الغابة بعد أن انقرض الأسد والنمر ـ أعلن أنه شخصياً معنيٌّ بالحفاظ على هذا الميثاق وتطبيقه، إذاً؛ ممَّ يخاف ذلك الكبش؟! لماذا لا يذهب إلى الغدير الكبير ليشرب؟! ولماذا لا يعلن رضاءه لكل الكائنات عن هذا القرار الحكيم؛ الذي جعل غدران الغابة كلها غديراً واحداً؟! نعم؛ هو حرٌّ في قراره، ويمكنه أن يصبر أكثر، وأن يبحث عن الماء في المرتفعات؛ ليشرب بعيداً عن هذا الغدير الكبير الذي تشرب منه كل الحيوانات وكل الوحوش. ولكن؛ لماذا لا يجرّب؟ سيذهب اليوم إلى الغدير ليشرب في وضح النهار، أمام أعين كل الحيوانات وكل الطيور، لا يمكن ـ حينئذ ـ أن يغدر الذئب، وساعتها إن غدر سوف يعلم الجميع أنه كاذب، وسيهبّون لمقاومته، وسيسقط ميثاق حقوق الحيوانات. أخيراً؛ ارتفع صوت الكبش بالثغاء.. ماء.. ماء.. أخذ يجري خارجاً من مكمنه إلى الغدير، لم يراعِ اتجاه الريح في جريانه كما كان يفعل من قبل، لم يعدْ يهتم أن تحمل الريح رائحته إلى الوحوش، هو كبش محترم، ملتزم بكل القوانين، وهو ذاهب ليشرب من غدير الحيوانات الجديد، ولكن؛ لماذا توقف كبشنا عن الثغاء وعن الجريان؟! لماذا انبهرت نفسه وارتعشت مفاصله وازدادت دقات قلبه؟! هل يكون هذا لأنه رأى الذئب نفسه يشرب من الغدير؟ نعم؛ هذا هو السبب، الذئب يبدو جائعاً، ولا أحد بجانبه يشرب من كل الحيوانات، هل يعود أدراجه إلى حيث كان؟ لم يعدْ يفيد، لقد رآه الذئب وسمع صوته، لا بد أن يذهب رابط الجأش ويخفي كل مشاعره، لو جرى فسيعتبر الذئب ـ سيد الغابة الجديد ـ أن هذا سوء أدب منه، وسيعتبره مروّجاً للإشاعات التي تقول: إن الذئب لا يحترم وعوده وعهوده، ولا يحترم ميثاق الحيوانات الجديد، كما فعل من قبل مع تلك الغزلان التي لم تكن تملك نفسها حين تراه فتجري خائفة منه، لم يكن يُؤْويها عندئذ مكان، ولم يكن يساعدها حيوان، وفي النهاية تكون طعاماً للذئب؛ عقاباً لها على عدم تصديقها لوعود الذئب وإيمانه بالنظام الحيواني الجديد. لا يدري هذا الكبش نفسه كيف قاوم مشاعر الخوف فيه؟ سيطر على كل جوارحه ومشى بخطى وئيدة، كان يرسم على وجهه ابتسامة كبيرة، ثم قال وهو ينطلق نحو الغدير: طاب صباحك يا سيد الغابة! لم يردّ الذئب على تحية الكبش، نظر إليه فقط ثم أقبل على شرب المياه وهو يقول في نفسه: (أيها الخروف! ستكون فطوري اليوم لا محالة، سوف أجد حجة لآكلك بها، لو لم تكن هذه الطيور على هذه الأشجار تشهد ما يحدث لأكلتك على الفور، دون أن أكلِّف نفسي عناء البحث عن حجة سخيفة، ولكني سأصبر، وسوف أجد الحجة السخيفة أو المقنعة لا فرق، وفي النهاية سآكلك.. ها.. ها.. ها..) . واصل الكبش سيره، لم يستطع أن يسير كثيراً، هو خائف ومرتعد، وهو يبذل قصارى جهده للسيطرة على نفسه، كان يريد أن يبتعد أكثر وأكثر لكنه لم يستطع، وقف ليشرب، فجأة صكَّ سمع كبشنا صوت الذئب يقول: أيها الخروف! ألم تكن تستطيع أن تنتظر حتى أنتهي أنا من شربي؟ ألا تعلم أنك بصنيعك هذا قد عكرت عليَّ الماء؟ تسمَّر الكبش مكانه، وازداد خفقان قلبه، اقترب الذئب وعيناه ترسلان شواظاً وبريقاً، ولكن الكبش قال: يا سيد الحيوانات! إن الماء يجري من ناحيتك، فكيف أعكّره أنا عليك؟ من فوق الأشجار ارتفع صوت عدد من الطيور؛ ترفرف وتقول: نعم أيها الذئب؛ كلام الخروف صحيح، لو كان هناك تعكير للماء فيجب أن يكون منك أنت؛ لا منه هو! رغماً عنه توقف الذئب، نظر إلى أعلى الأشجار فوجد الأطيار واقفة تترقب، نظر إليها وضحك، ترك الكبش وأقعى مكانه، ينظر للكبش وهو يشرب ويقول في نفسه: (أنا معجب جداً بشجاعتك ـ أيها الخروف ـ وبثبات فؤادك، وهذا يزيدني رغبة في التهام لحمك، الذي يبدو ألذّ من لحم كل الخراف التي أكلتها، لا بأس؛ سأجد حجة أخرى آكلك بها..) . وقتها؛ كان الكبش قد شرب وقرَّر الرجوع، لم يكن قد روى ظمأه تماماً، ولكنه رأى أن يبتعد عن الذئب. لم يتركه الذئب يمشي، أمسكه وهو يقول: ألستَ الذي شتمتني العام قبل الماضي؛ دون إساءة مني إليك؟ سأقتلك وأجعلك عبرة لكل من تسوّل له نفسه إهانة الناس بدون ذنب. ثانيةً ضحك الكبش وهو يقول: إن عمري أيها الذئب لا يتجاوز العام إلا قليلاً؛ فلا يمكن أبداً أن يكون الذي شتمك هو أنا. لم يترك الذئب الخروف من يده، ظل ممسكاً به ولكنه كان ساهماً يفكر (نعم أيها الخروف الشجاع؛ غلبتني هذه المرة أيضاً، كل من يراك يعرف أنك صغير السن، لماذا تسرعت أنا وقلت أن ذلك كان العام قبل الماضي؟ ولكن الحجج لا تفنى، وسآكلك) ! قال الذئب بصوت يُسْمع الأطيار فوق الأشجار: كلامك صحيح أيها الخروف؛ فأنت صغير السن، ولكن إذا لم تكن أنت الذي شتمتني فلا بد أنه أحد أقاربك؛ لأن شكله يشبهك تماماً؛ له قرون، وعلى ظهره صوف. لم يستطع الكبش حينئذ إلا أن يجمع قوته في ساقَيْه الأماميتين، ثم يضرب بكل خوفه وجه الذئب وهو يقول: سأموت بكرامة أيها الذئب! كانت المفاجأة على الذئب شديدة، ظل برهة مدهوشاً لا يصدق، كسر الكبش له سنّاً وجرحه في وجهه، وكانت الأطيار واقفة فوق الأشجار منقسمة على نفسها؛ فريق يرى الحق مع الذئب، وفريق يرى الكبش هو صاحب الحق، وفي النهاية مات الكبش، وحمله الذئب ومشى.

стр. 5896

صرخة الأقصى د. عبد الغني التميمي (١) ربط القرآن بين البيت والأقصى رباطاً أبديّا لم يكن ربط مناخ بمناخ.. بل رباطاً عقديّا لم يكن ذاك خياراً أو قراراً عربيّا أو شعاراً مستعاراً ثانويّا كل من فرّق بين البيت والأقصى فقد كذّب القرآن أو خان النبيّا (٢) يا أخي المسلم، هذا المسجد الأقصى الجريحْ في سكون الليل لو يُسمع كالطفل يصيحْ جرحه الغائر لا تشبهه كل الجروحْ إنه جرح أليم داخل القلب يقيحْ مزّقته آلة المحتلِّ بالحفر المذلّ المستبيحْ إنهم أعداء إبراهيم من قبلُ وموسى والمسيحْ (٣) أمة التوحيد يا مستَقْبَلي الآتي ويا يومي وأمسي: كيف أصبحتِ جموعاً بين عميانٍ وطرشانٍ وخُرْسِ ما لديها غير شكوى، جعجعاتٍ دونما طِحْنٍ، وهمسِ لست أدعوكم لعجزٍ أو لإحباطٍ ويأسِ أو لترثوا بدموع منتهى ذُلّي وبؤسي إنني أصرخ والهيكل يُبنى فوق رأسي: قطّع الحفرُ شراييني وأنفاسي وحسّي أترجّى منكم النخوة في حرقي وطمسي أم تُرى أنعى لكم نفسي بنفسي؟! ربما أصبح؛ لكن رغم أنفي لست أمسي (٤) أرسل الأقصى خطاباً فيه لومٌ واشتياقْ قال لي وهو يعاني من هوانٍ لا يُطاقْ: بلِّغ الأمة أني عِيلَ صبري بين حفرٍ واحتراقْ هتك العهر اليهوديّ خشوعي من رُواق لرواقْ أشعلوا أرضي وساحاتي فجورا وصفيراً وسفورا! دنّسوا ركني ومحرابي الطهورا فأنا اليوم أعاني بل أعاني منذ دهرٍ ألمَ القهر أسيرا لم يزل قيديَ مشدود الوَثاقْ لم تفدني الخطب الجوفاء شيئاً أو شعارات الرّفاقْ أوَ ما يكفي نفاقاً؟ ضقت من هذا النفاقْ أرسلوا من صلاح الدين خيلاً أرسلوها من حمى الشام ونجدٍ من سرايا جيش مصرٍ، وصناديد العراقْ من ثرى المغرب والمشرق للمجد تُساقْ تنشر الهيبة للإسلام بالدّم المراقْ منذ دهرٍ لم تزرني هذه الخيل العِتاقْ (٥) قال لي الأقصى: سلاماً من مقامي بلغ الأمة ـ بالله ـ سلامي من معاني سورة الإسراءِ، قُدسيّ الهيامِ سلفيّ الوجد سنيّ العناقْ لا سلاماً خائن النشأة عِبريّ المذاقْ قل لهم: يا أهلُ، قد طال الفراق وأنا أُشوى على جمر المشاق أأنا أغدو مكاناً أثرياً بصنوف الحفر ضاق؟! أأنا أنضم للحمراء من أندلسٍ وأعيش الذل في ذات السياقْ؟! وأعيش الأمل المقتول في ذاك النّطاقْ؟ يا بني الإسلام! ما حلّ بكم؟! هل نسيتم أنني بوابة السبع الطِّباقْ؟ من رحابي وَاصَلَ الرحلةَ في الكون البُراقْ (٦) صرخ الأقصى حزيناً، خافض الرأس بئيسا: هل أقضي العمر ـ كالسارق ـ في السجن حبيسا؟ ضقت من صحبة قومٍ أضجروا من قبلُ موسى صادروا كل دروس العلم في ظلّي.. فمن يُحيي الدروسا؟ سرقوا قرآن فجري ومَحوا أول صفّي مزّقت آلاتهم بالحفر أحشائي وجوفي وأشاعوا أن موتي حتف أنفي هذه الأنفاق تحتي تزرع الأرض كهوفا كل كهفٍ فاغرٌ فاه لكهفِ فمتى يَبْلغُ عني لبني الإسلام في العالم خوفي؟ أم تراهم يرقبون اليوم ميعاداً لنسفي؟! هل يغارون إذا أضحيت كالأطلال مهجوراً دريسا، وإذا بُدّلت للتهويد بوقاً وطقوساً؟ أئذا أصبح محرابيَ يوماً ومصلاّيَ كنيسا؟! (٧) وأخيراً صرخ الأقصى يقولْ: فهِّموني كيف أهوى طاعِني في مقتلي؟ كيف أهديه دمي مع قُبَلي! وأحيّي سارقي، بل أدّعي أن ما يسرق مني ليس لي؟! لغة للذلّ لا أفهمها كدت أنهارُ لها من خجلي! (٨) آهٍ ما آلم جرح الكبرياءْ! آهٍ ما أوجع مكتوم البكاءْ! حينما نُطعَن في عزّتنا حينما نبكي كما تبكي ضعيفات النساءْ نحن لا نملك من نخوتنا غير صرخاتٍ وشجبٍ ودعاءْ حرّم السَّيفَ علينا الزعماءْ هل ترى فرقاً كبيراً بيننا اليوم وما بين الجواري والإماءْ؟! كلنا في ساحة العجز سواءْ (٩) كانت الحرب شعاراً وجهاد المعتدي كان فخاراً ثم أضحت لغة الحرب فراراً وغدا التفكير بالحرب أو النطق بذكر الحرب عارا! سُحِب الجندي من عزّ الصناديد الغيارى وغدا حارس رملٍ وصحارى آلة يزجي التحيات لأنذال يهود أو نصارى وترى الناس سكارى من رضا الذلّ وما هم بسكارى! (١٠) اعذرونا إن صرخنا إن في أعماقنا الموت الزؤامْ لا نظنّ الصارخ المذبوح ـ إن صاح ـ يلامْ اعذرونا إن فتحنا مرةً أفواهنا أنْتَنَتْ ألفاظنا في الحلق من شدّ اللثامْ كِلْمَة المعروف شاخت وهي تحيا في الظلامْ أهْو ظلم أن يقال الحق جهراً، أهو عيب واختراق للنظام؟! قبّح الله لساناً يألف الصمت الحرام! * * *

стр. 5897

الاختطاف الجماعي في العراق بين الحقيقة والخيال حسين الدليمي منذ أن ابتُلي بلاد الرافدين بالاحتلال الهمجي البغيض، الذي شنّته رأس الشر والرذيلة «الولايات المتحدة الأمريكية» بتحالف صهيوني همجي مع قوى الكفر والإلحاد عام ٢٠٠٣م ميلادية.. منذ ذلك الحين ابتُلي هذا البلد بعادات غريبة على مجتمعه، مما لم يعرفه من قبل. ومنها: «ظاهرة الاختطاف الجماعي» الذي كثُر في السنتين الأخيرتين، بعد أن شهدت الساحة العراقية تجاذبات سياسية حادة، يُبتغى من خلالها التنافس البغيض على السلطة والحكم، بغيةَ الوصول إلى سُدَّة العروش والكراسي الزائلة. ولعلَّ هذا يكشف لنا السرَّ الذي يكمن وراء حدوث مثل هذه العمليات المتكررة؛ ليتضح لنا ـ بما لا يقبل الشك ـ أن السياسة وتداعياتها، والتجاذب الحادَّ بين المكونات السياسية هي سبب هذه الظاهرة الغريبة. وإن من يتابع هذه الظواهر وما يترتَّب عليها يجد أن هناك تورُّطاً كبيراً للأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة، خاصة تلك التي تتمتَّع بميليشيات القتل وإزهاق الأنفس، وأهمها: الكتلة الصدرية التي يتزعمها (مقتدى الصدر) ، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه (عبد العزيز الحكيم) ، وحزب الدعوة الذي يتزعمه (الجعفري) ! ومعلوم لدى الجميع أن هذه الأحزاب مدعومة دعماً كاملاً من الحكومة الإيرانية، وولاءُ زعمائها معلنٌ لهذه الدولة الجارة، التي تتدخل تدخلاً مفضوحاً في شؤون العراق الداخلية، بل إنها تتدخل في القضايا المصيرية لهذا البلد الجريح؛ فهي التي تصدر قوائم الإعدام والاغتيال بحقِّ الشرفاء والمخلصين من العلماء والمفكرين والأطباء والدعاة وأصحاب الاختصاص وشيوخ العشائر وضباط الجيش العراقي السابق وكل من له موقف واضح تجاهها. ولمّا كانت هذه السطور ستكون جزءاً من التاريخ ومن صفحات الماضي الذي تقلِّب أوراقه الأجيال اللاحقة، أودُّ الإشارة إلى أبرز عمليات الخطف الجماعي مما حدث في بغداد وحسب دون غيرها؛ ليطّلع القارىء الكريم على ما يدور من أحداث مؤسفة في بلد شاء الله ـ تعالى ـ إلا أن يتعرَّض للنكبات تلو النكبات. وسأضرب للدلالة على ذلك بعضَ الأمثلة الحقيقية، مع الإشارة إلى تداعياتها المؤلمة في حياة الناس، وهي مرتّبة ترتيباً تنازلياً، حسب التالي: ٣ أولاً: اختطاف موظفي الهلال الأحمر العراقي في بغداد: الهلال الأحمر العراقي من المؤسسات الخدمية والاجتماعية والصحية، التي تقدِّم خدماتها لكل أبناء المجتمع العراقي، دونما تفريق بين طائفة وأخرى، أو منطقة دون أخرى.. وهي تعمل على تقديم المعونات الغذائية والصحية وغيرها من اللوازم المعيشية للعوائل المنكوبة والمهجَّرة، أو تلك التي تتعرَّض مناطقها لعمليات الخراب والدمار التي تقوم بها قوات الاحتلال، أو ما يسمى بقوات الجيش العراقي الحكومي! وبدل أن تُكافأ هذه المؤسسة؛ تكريماً للجهود الخدمية التي تقوم بها نجدُ أنها تتعرض لأبشع صور الاضطهاد والابتزاز؛ فقد قام المتاجرون بدماء العراقيين ـ من أولئك الذين يرتدون زيَّ مغاوير الداخلية العراقية، وممن يستقلون سياراتهم ـ بالهجوم على هذه المؤسسة وخطف العشرات من موظفيها وحراسها وبعض المراجعين. فقد تحدثت التقارير عن أن مسلَّحين اختطفوا في الـ ١٨/١٢/٢٠٠٦م ما يقرب من أربعين موظفاً وحارساً ومراجعاً من مقرِّ الهلال الأحمر في الكرَّادة وسط العاصمة العراقية بغداد، ليتمَّ بعد يوم واحد إطلاق سراح (١٧) مختطَفاً منهم معظمهم من العمال والحراس وكبار السِّنّ. وفي تصريحات لـ (مازن عبد الله سلوم) الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر العراقي تحدث فيها عن فقدان (١٩) مختطَفاً آخرين لا يزال الخاطفون يحتفظون بهم.. مضيفاً: إن موظفي فروع الجمعية ينتسبون إلى جميع الطوائف والأعراق، وأن الجمعية أصدرت تعليماتها إلى العاملين قبل أشهر بمنع الإشارة إلى ألقاب عائلاتهم وعشائرهم؛ من أجل أن لا يُعرف انتماؤهم المذهبي. هذه القصة إذاً!! وبعد كل ذلك نأتي لنقرأ الديباجة المملّة لحكومة المالكي ليظهر المتحدِّث باسم وزارة الدفاع (العسكري) قائلاً: إن الوزارة استطاعت تحديد الجهات التي تقف وراء عمليات الخطف! موضحاً أنها (مجموعات بعينها، غايتها وقف الحياة والعمل في المؤسسات والدوائر العلمية والإنسانية) . هكذا تحدث (العسكري) بصيغة العموم، وكأنه يجهل أو يتجاهل الفاعلين، الذين يقفون وراء هذه العملية المريبة. إنَّ ما يدور في خاطر المتلقِّي لهذا الخبر أمران أساسيان، هما: ـ سكوت الحكومة العجيب تجاه هذه العمليات الجبانة، في الوقت الذي نجدها تُقيم الدنيا ولا تقعدها لأجل عمليات أقل منها بكثير. ـ السبب الذي يُخطَف من أجله موظفون يعملون في هكذا مؤسسة إنسانية.. وكأن المختطِفين يريدون تعطيل حتى الحياة الضرورية في بلدٍ أُثخن أهله بالجراح بسبب أفعال قوات الاحتلال والحكومة. وفعلاً حدث هذا؛ فقد اضطرت الجمعية إلى إيقاف نشاطاتها وتعليق أعمالها؛ استنكاراً لما تعرَّض له منتسبوها. فليحملِ الخاطفون أوزارهم على ظهورهم! وليحملْها ـ أيضاً ـ من يقف وراءهم من كتل سياسة الديمقراطية الجديدة! ٣ ثانياً: اختطاف عشرات التجار والباعة في سوق السنك في بغداد: أما التجار والمتبضِّعون فإن نصيبهم عند عصابات الخطف والاغتيال وافر ومحفوظ، فهم في خلدهم وفكرهم، ولا بد أن يذوقوا حلاوة الخطف والإرهاب على أيديهم! وهذا ما حدث فعلاً قبل أيام عندما قام ما يقرب من (١٠٠) مسلَّح يرتدون زيَّ مغاوير الداخلية، ليسوموا سوء عذابهم هذه المرة على منطقة السنك التجارية المليئة بالتجار والمتبضِّعين ليخطفوا من بينهم نحو (٥٠) شخصاً. تقول الرواية: إن حوالي (١٠٠) مسلَّح يستقلّون (٢٠) سيارة على الأقل تابعةً لقوات الأمن، ترافقها سيارات إسعاف حاصرت السوق وتوزعوا قائلين: (لدينا مهمة هنا) ، وقاموا بعدها بخطف الناس بشكل عشوائي. والغريب في الموضوع أن الشرطة العراقية كانت قريبة من موقع الحادث، ومع مناشدة الناس لها، ولكنها لم تتدخل كالعادة! فأيُّ شرطةٍ تلك التي ترفع شعار: (الشرطة في خدمة الشعب) ! إنَّ الأَوْلى بها أن تحوِّل شعارها إلى: (الشرطة في خدمة الشغب) ! بل هي في خدمة الخطف والسلب والنهب. ٣ ثالثاً: اختطاف موظفي ومراجعي وزارة التعليم العالي في بغداد: يقول المراقبون: إنَّ هذه العملية هي أكبر عملية اختطافٍ منذ أن احتلَّت القوات الأمريكية العراق عام ٢٠٠٣ ميلادية، وهي عملية مكشوفة تُعدُّ حلقة جديدة في مسلسل التصفية المذهبية، تشارك فيها ميليشيات المهدي، بالتعاون مع قوات الأمن الحكومية. ففي الساعة العاشرة من صباح الثلاثاء ١٤/١١/٢٠٠٦م دخلت إلى منطقة الكرَّادة في بغداد ما يقرب من (٥٠) سيارة من نوعَيْ «مونيكا» و «لاندروفر» ، ووجْهتُها هذه المرة «دائرة البعثات العلمية» التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ليُختطف عدد كبير يزيد على (١٠٠) موظفٍ ومراجعٍ، أغلبهم من أهل السُّنّة، بعد أن عزلوا النساء عن الرجال، واستولوا على كافة أجهزة الهاتف النقال، لتتجه هذه السيارات فيما بعد صوبَ شارع فلسطين الذي ينتهي إلى جسر القناة حيث منطقة (الصدر!!) أو مدينة «الثورة المنورة» ! معقل جيش المهدي! ومن يقرأ التقارير التي تحدثت بإسهابٍ عن هذه العملية وتداعياتها يتحصل لديه ـ بما لا يقبل الشك ـ الجهة التي تقف وراء هذه العملية الغادرة، وأسبابها وغاياتها؛ فقد تحدث أحد المختطَفين المفرج عنهم (أن الخاطفين كانوا من جيش المهدي؛ لأنَّ أحدهم خاطبني عندما تأكد من كوني شيعياً بقوله: نحن جيش الإمام المهدي لا نؤذي شيعة أهل البيت، فنحن نحميكم، أما النواصب فهذا قليل بحقِّهم) . وقد تحدثت بعض الوسائل الإعلامية أن أحد المختطَفين الذين أُفرج عنهم ـ وهو شيعي طبعاً ـ تحدث قائلاً: إن الخاطفين أطلقوا سراحي في شارع فلسطين مع تسعة آخرين، وكانت نقاط التفتيش التي نمرُّ بها ـ التابعة للجيش العراقي والمغاوير ـ نسمعهم يخاطبون سيارات العصابة قائلين لهم: (ها عمِّي، خوش صيده، لا تنسون إخوانكم بالخير) ! إنَّ المتفحص لهذه العملية وتداعياتها تقف أمامه تساؤلات عديدة؛ فمَن ـ يا ترى ـ الجهة التي تقف وراء هذه العملية الكبيرة التي وقعت وسط عاصمة تعجُّ بالسكان وفي وضح النهار؟! ومَن هم أولئك الضحايا الذين وقعوا مغدورين نتيجةَ هذه العملية؟! ولماذا في هذا الوقت، وتحديداً في ذلك اليوم؟! وأين ردّة فعل الحكومة أو المشاركين في حكومة المنطقة الخضراء؟! ولا تحتاج تلك التساؤلات إلى مزيدٍ من العناء والجهد للإجابة عنها! فقد تحدث أهالي بعض المختطَفين أن أصابع الاتِّهام تتجه صوب جيش المهدي؛ حيث تأتي العملية تجسيداً للحقد الطائفي والتصفية المذهبية لأهل السُّنّة في العراق، الذين يُوصفون ـ اليوم ـ بأوصاف الزور والبهتان، يُراد منها النيل منهم، أو التحريض على قتلهم، فتارةً يطلق عليهم «الصدّاميون» وتارةً «البعثيون» وأخرى «النواصب» و «التكفيريون» و «والإرهابيون» .. ومن ثمَّ فالعملية المشينة جزء من سيناريو الصراع السياسي، وهو استعراض عضلاتٍ للميليشيات الطائفية، التي أخذت على عاتقها صبَّ جحيمها فوق رؤوس الأبرياء من أهل السُّنّة في العراق الجريح. ولعلَّ بهذا يتّضح الجواب عن التساؤل الثاني، ويتأكد عندها القول: إن أغلب المختطَفين في هذه العملية هم من أهل السُّنّة، وأنَّ من تمَّ الإفراج عنهم هم من الشيعة فحسب، فقد أوضح عدد كبير من العاملين في هذه الدائرة وأهالي المختطَفين أن كثيراً من موظفي هذه الدائرة ينتمون إلى الطائفة السُّنّية، وهذا ما دفع هذه الميليشيات لتنفيذ عمليتها، ومن ثمَّ الإيقاع بأكبر عدد من الرهائن السُّنّة. هذا في الوقت الذي أشارت فيه مصادر مطّلعة أن ذلك اليوم بذاته مخصص لمراجعة مدرّسي وموظفي محافظات «الأنبار» و «صلاح الدين» و «الموصل» وكلها محافظات سُنّية؛ حيث أعلنت كل من روسيا وفرنسا والصين عن بعثات دراسية للكوادر العلمية العراقية، وكان كل المتقدمين يقفون في طابور طويل جداً. وهذا يدل على مدى الاختراق الحاصل في مؤسسات الدولة وأجهزتها من قِبَل ميليشيات القتل والغدر! فماذا كانت ردّة فعل المكونات السياسية؟! أو بالأحرى: ماذا كانت ردّة فعل الحكومة التي من أهمِّ مهامها توفير الأمن والسلام للمواطن؟! لقد جاءت ردّة فعل الحكومة على لسان زعيمها (المالكي) ليقلِّل من شأن الحادثة، ويعتبرها ليست إرهاباً، وإنما أتت نتيجة خلافات ونزاعات بين ميليشيات تنتمي لهذا الجانب أو ذاك! لا تتعجب ـ أيها القارىء الكريم ـ من هذا التصريح، ولا تتفاجأ عندما تسمع (المالكي) يقول: إنها ليست «إرهاباً» ؟! لأن العمل الإرهابي في العراق الجديد في نظر الحكومة وزعيمها هو ما يفعله من يسمِّيهم (المالكي) وأتباعه بـ «الصدّاميين» أو «البعثيين» أو «الوهابيين» أو «النواصب» ! أما ما يفعله جيش المهدي فهو انتصار لشيعة أهل البيت المظلومين! فليس إرهاباً! هكذا هي المقاييس في عراق الحرية والديمقراطية الجديد. مواقفُ ومواقفُ أخرى مخجلة؛ كمواقف الأحزاب ـ خاصة السُّنّية ـ المشاركة بالبرلمان والحكومة، فقد عدَّ بعض تلك الأحزاب السُّنّية العملية بـ (أنها مهزلة سياسية كبرى) ! ـنعم؛ إنها لمهزلة أبتْ تلك الأحزاب إلا أن تشارك فيها، بل تكون جزءاً أساسياً منها! لتتوّج تلك المواقف بموقف وزير التعليم العالي نفسه الذي أعلن تعليق عضويته في الحكومة وإيقاف الدراسة في الجامعات والكليات في بغداد حتى إطلاق سراح المختطَفين! ليعود مشاركاً في حكومة صعُب عليه مفارقتها أو الابتعاد عنها.. «كان الله في عونك أيها الشعب المسكين!» . ٣ رابعاً: اختطاف أعضاء اللجنة الأولمبية ورئيسها: أما هذه الحادثة التي تنال هذه المرّة الرياضيين، كغيرهم من أبناء العراق، فقد حدثت في الكرَّادة في بغداد أيضاً، في مكان يقرب كثيراً من دائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم العالي. ففي ظهيرة من الظهيرات التي يتقلَّب فيها المواطن العراقي على جمر اللّظى من شدة ما يلاقيه من مآسٍ وفتن وغلاء في المعيشة وفقدان للأمن وكثير مما ابتُلي به.. في ذلك الوقت قام ما يزيد على خمسين مسلَّحاً يرتدون ملابس عسكرية باقتحام المركز الثقافي النفطي، حيث يُعقد فيه مؤتمر للجمعية العمومية للجنة الأولمبية العراقية، بعد أن تمكَّن المسلَّحون من السيطرة على رجال الحرس من حماية المنشآت الرياضية، عندما طلب المسلَّحون من الحاضرين في القاعة الجلوسَ على الأرض والتزام أماكنهم! ثم قاموا بتقييد أيدي رئيس اللجنة الأولمبية العراقية (أحمد الحجية) من أصل سامرائي سُنّي، وكذلك الأمين العام وبعض المسؤولين الآخرين.. وتمَّ اختطاف ما يزيد على ثلاثين شخصاً في هذه المسرحية الغادرة. إن الناظر إلى هذا المشهد المسرحي الغريب قد يتبادر إلى ذهنه أن تكون هذه العملية تمَّت على أساس اعتقال (الحجية) ومن معه بأمر قضائي أو غيره! ولكن هذا الشك يزول عندما تسمع تصريح وزير داخلية الحكومة العراقية (البولاني) أن وزارته لم تصدر أيَّ أمر باعتقال رئيس اللجنة الأولمبية، مؤكداً أن ما حصل هو حادث اختطاف نفّذته جهة مجهولة! هذه «الجهة المجهولة» هي الشمّاعة التي لا تفتأ أن تعلِّق عليها الحكومة كل أعمال الخطف والدمار وحرق المساجد والقتل والتهجير لأبناء السُّنّة خاصة! فهل صحيح أنها «مجهولة» ؟! لا والله؛ إنها معلومة عندهم! ولكنَّ الكراسيَ والعروش تشلُّ الأبدان، أو بالأحرى تُخرِسُ اللسان عن أن يتلفظها أو يفصح عنها! ٣ خامساً: اختطاف موظفي «شركة الراوي التجارية» في بغداد: وقصة هذه الحلقة من مسلسل الاختطاف تتجه صوب منطقة العرصات في بغداد لتطال موظفي «شركة الراوي للهواتف النقالة» ، والرواية تشير إلى أن عدداً كبيراً من المسلَّحين الذين يرتدون زيَّ مغاوير الشرطة العراقية يستقلون (١٥) آلية من طراز (gmc) أمريكية الصنع مطلية باللون العسكري، اقتحموا «شركة الراوي» لبيع الهواتف النقالة في بغداد في منطقة العرصات، واختطفوا (٢٥) موظفاً واقتادوهم إلى جهة مجهولة. ولم يكتفِ المختطِفون بتلك الغنيمة، بل اقتحموا مقرَّ «غرفة التجارة والصناعة العراقية الأمريكية» القريبة من شركة الراوي ليضيفوا (١٢) مختطَفاًً آخرين إلى العدد السابق، ولكن الذي حدث أن أُطلق سراح موظفي غرفة التجارة والصناعة، وأُبقي على موظفي «شركة الراوي» ! والله وحده يعلم في أي منطقة خاوية أُلقيت جثثهم بعد التمثيل بها طبعاً كالعادة! وإن كانت معرفة هذه المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من إعمال الفكر؛ لأن مناطق التمثيل والقتل معروفة في ضواحي بغداد لكل متابع للمشهد العراقي المؤلم. كل هذه الأمثلة وغيرُها كثيرٌ من عمليات الخطف؛ كتلك التي وقعت في الصالحية في مكاتب السفر والنقليات، أو تلك التي طالت عشرات الموظفين في «شركة النصر» في منطقة التاجي شمال بغداد! كل ذلك يدعو إلى طرح سؤال هام جداً: أين الحكومة مما يحدث؟! فالخطف بمجرّده لفرد من أفراد المجتمع يُعدّ خطوة خطيرة، أما أن يحصل وسط عاصمة يبلغ عدد رجال الأمن والشرطة والجيش فيها ما يربو على مائة ألف فرد، فالمسألة مخيفة للغاية! ولأن المنطقة محاطة بالأجهزة الأمنية، فالقضية تحتاج إلى أكثر من وقفة، ولأن المستهدَفين من العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والموظفين والفقراء والمساكين فلا بد من مراجعةٍ حقيقةٍ لما يجري. وعدم تدخُّل الحكومة في أغلب عمليات الخطف يضع أمام مصداقيتها مائة علامة استفهام وتعجب؟! وعندها تكون الحكومة ملزمة بفضح هؤلاء وملاحقتهم والاقتصاص منهم، أو أنها تكون أمام خيارين لا ثالث لهما: فهي إما أن تكون على معرفة بهؤلاء وتتستّر عليهم، وعليها عندئذ أن تتنحَّى عن كراسيها وتعلن هزيمتها أمام هذه القوى الطاغية. أو أنها تكون متواطئة معهم، وتكون شريكة لتدمير العراق وأهله. إن العراق يمرُّ اليوم في هذه السنوات النحسات العجاف بأزمة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فالخطف والقتل والغدر والاعتقال والخراب والدمار أصبحت لازماً من لوازم العيش في بلاد الرافدين، بل أصبحت جزءاً من حياة الفرد الذي أراد السلام من خلال انتمائه إلى «دار السلام» . إن بغداد السلام التي كانت في يوم من الأيام عاصمة العلم ومهد الثقافة وأمَّ الدنيا، تتحول أزقّتها وشوارعها إلى جحور للقتل والخطف والدمار. أُبدلت الأشجار التي كانت تزيّن شوارعها بجثث تلقى على قوارعها نتيجةَ الغدر والخيانة. فالله في عون الأمهات اللواتي نُكِبن بأبنائهن، والله في عون الزوجات اللواتي نُكِبن بأزواجهن، والله في عون الأخوات اللواتي نُكِبن بإخوانهن. سائلين الله ـ تعالى ـ أن يمنَّ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والسلام، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.

стр. 5898

الترسانة النووية الصهيونية بين سياسة الردع بالشك والغموض النووي . د. لواء. زكريا حسين عكست تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني (إيهود أولمرت) ، التي أعلنها خلال مقابلة مع شبكة تلفزيونية ألمانية أثناء جولته الأوروبية التي تمت في الأسبوع الثاني من ديسمبر ٢٠٠٦م، بشأن امتلاك الدولة العبرية للترسانة النووية ـ عكست ردود فعل واسعة إقليمياً وعالمياً؛ حيث انتهجت كلها سبيلاً واحداً وهو تخلّي الدولة الصهيونية عن سياسة الغموض النووي بشأن ترسانتها النووية. كما عُقدت الندوات في المراكز البحثية المتخصصة لتقييم هذا الإعلان وأهدافه؛ بل أصبحت هذه التصريحات مثار اهتمام أجهزة الإعلام العربية والعالمية. في الوقت الذي حاول فيه المسؤولون الصهاينة احتواء الضرر الذي ألحقته هذه التصريحات بالسياسة النووية الصهيونية. فماذا عن حقيقة هذا الإعلان من جانب رئيس الوزراء الصهيوني؟ وهل يعتبر هذا الإعلان البداية الحقيقية لكشف سياسة الغموض النووي الصهيوني؛ كما زعمت كل التحليلات التي انطلقت من هنا أو هناك؟ أم أنَّ هناك ضعفاً في الذاكرة العربية؛ بشأن تأكيد كبار المسؤولين الصهاينة لحقيقة امتلاكهم للقنبلة النووية باعتبارها رادعاً استراتيجياً؛ والتي سبق أن تأكد أن الدولة الصهيونية تمتلكها منذ أكثر من ثلاثة عقود ماضية؟ حيث كشف (شمعون بيريز) أنه قد عبّر شخصياً (ولأول مرة) خلال تولّيه وزارة الدفاع عام ١٩٦٣م عن سياسة الغموض النووي الصهيوني خلال لقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق (جون كيندي) . وتهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على حقيقة امتلاك الدولة الصهيونية لترسانتها النووية؛ من خلال التعرف على كيفية بناء هذه الترسانة، وسياستها من الردع بالشك والغموض النووي، وقراراتها بتخلّيها عنها. أولاً: بناء الترسانة النووية الصهيونية: لقد أدرك الصهاينة منذ قيام الدولة الصهيونية في ١٥ مايو ١٩٤٨م أهمية امتلاك السلاح النووي. ومن هنا وبعد ثلاثة أشهر فقط من قيام الدولة أصبحت مؤسسة الطاقة النووية حقيقة واقعة؛ ففي أغسطس ١٩٤٨م (١) بدأ نشاطها تحت إشراف وزارة الدفاع الصهيونية، وفي أواخر الخمسينيات تمكنت الدولة الصهيونية من ابتكار طريقة لاستخراج اليورانيوم من خامات الفوسفات، كما أقامت وحدة لإنتاج الماء الثقيل. ومثّلت هاتان الخطوتان نواة مؤسسة الطاقة النووية الصهيونية (٢) . وفي ١٦ يونيو ١٩٦٠م وافقت الولايات المتحدة على بناء مفاعل ذري صهيوني قُدرته خمسة ميجاوات في منطقة (ناحال سورك) ؛ حيث قدّر الباحثون أن الدولة الصهيونية أمكنها تصنيع من ٣ ـ ٤ رؤوس نووية عيار ٢٠ كيلو طناً من هذا المفاعل. وخلال الفترة من عام ١٩٦٠م إلى عام ١٩٦٦م وافقت الولايات المتحدة على تزويد الدولة الصهيونية بـ ٥٠ كيلو جراماً من اليورانيوم بدرجة نقاء ٩٠% لتغذية مفاعل (سورك) بما يمكنها من صنع عدة قنابل ذرية (٣) ، رغم قيود الاتفاقية الأمريكية التي تمنع استخدام المفاعل للأغراض العسكرية. وخلال الفترة من عام ١٩٥٣م إلى ١٩٦٧م، وعلى امتداد أربعة عشر عاماً، تعاونت فرنسا مع الصهاينة؛ حيث أثمر هذا التعاون عن تصميم وبناء (مفاعل ديمونة) النووي بقوة ٢٦ ميجاوات. ثانياً: سياسة الردع بالشك والغموض النووي: يرتبط تأكيد تبنّي سياسة الردع بالشك والغموض النووي الصهيوني بعدة حقائق، أهمها: الحقيقة الأولى: أنه قد أكد مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (ريتشارد هيلز) أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي في ١٠ يوليو ١٩٧٠م بأن الدولة العبرية تمتلك مقومات إنتاج القنبلة النووية، معلناً بذلك انتهاء سياسة الردع بالشك التي كانت تتمسك بها الحكومات الصهيونية المتعاقبة. الحقيقة الثانية: أن الدولة العبرية كانت لديها ثلاث عشرة قنبلة نووية عام ١٩٧٣م (٤) . وطبقاً لتقرير نُشر في مجلة (تايم) الأمريكية أنه في المراحل الأولى لعمليات أكتوبر ١٩٧٣م، ومع تدمير الدفاعات الصهيونية الحصينة، سواءً على الجبهة المصرية المتمثله في خط بارليف، أو تحصينات هضبة الجولان على الجبهة السورية ـ أعطت (جولدا مائير) رئيسة الحكومة الصهيونية في ذلك الوقت الإذنَ إلى (موشي ديان) وزير الدفاع الصهيوني بتجهيز (أسلحة يوم القيامة) ، وهو الاسم الرمزي للأسلحة النووية. وبدأت فعلاً الخطوات التنفيذية لذلك، وقبل أن تتم آخر خطوة تحوّل التوازنُ العسكري لصالح الدولة الصهيونية بفضل الجسر الجوي الأمريكي؛ حيث كان قرار الرئيس (نيكسون) بإمداد الدولة الصهيونية بكل احتياجاتها؛ حتى لو كان ذلك يعني استنفاد احتياطي الحرب في الولايات المتحدة! وقد وصل إجمالي الإمدادات الأمريكية إلى الصهاينة (٥) ٢٢.٤٠٠ طن معدات قتال نقلت بطائرات نقل أمريكية، ٥.٥٠٠ طن نقلت بطائرات صهيونية، وذلك خلال الفترة من ٩ إلى ٢٤ أكتوبر ١٩٧٣م. الحقيقة الثالثة: أن النصف الأول من القرن العشرين قد شهد استمراراً للتعاون الاستراتيجي في المجال النووي بين كل من الولايات المتحدة والدولة الصهيونية من جهة وألمانيا من جهة أخرى؛ فقد وقع وزير الطاقة الأمريكي (بيل ريتشاردسون) على (رسالة نوايا) مع رئيس الوكالة الصهيونية للطاقة الذرية في ٢٢ فبراير ٢٠٠٠م؛ تتعلق بتوسيع نطاق التعاون الثنائي بين الدولتين في مجال حظر الانتشار النووي ومراقبة التسلح، ينص على: ـ تعزيز التعاون في مجال تقنية (تكنولوجيا) الرصد والمراقبة لتطوير التحقق في مجال معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. ـ توسيع نطاق التعاون الثنائي في مجال الطاقة والعلوم التقنية بما فيها الطاقة الشمسية المتطورة، وتبادل نتائج الأبحاث وتطوير المنتجات. كما يسمح للعلماء الصهاينة بالاطّلاع على بعض أنماط التقنية النووية الأمريكية. ـ السماح للعلماء الأمريكيين بتفقّد المنشآت النووية الصهيونية، وإجراء تفتيش لمفاعل (ديمونة) التي تحتفظ فيه الدولة الصهيونية بترسانتها النووية. ـ زيادة مجال التعاون في أشكال الطاقة الأخرى، مثل: الغاز الطبيعي، والفحم، وإنتاج الكهرباء. ويركّز هذا الاتفاق على إقامة نظامٍ تفتيشيٍّ خاصٍّ بعيداً عن هيئة الطاقة الذرية، والتي تعتبر جهة الاختصاص حسب معاهدة حظر الانتشار النووي، ليكون للدولة الصهيونية وحدها نظام تفتيشي تكون فيه المفتشَ والحَكَمَ على قدرتها النووية، وبذلك تحصل الدولة الصهيونية على ميزة غير متاحة لباقي دول العالم. هذا وقد تسلمت الدولة الصهيونية (١) ثلاث غواصات نووية من ألمانيا من طراز (دولفين) نهاية عام ١٩٩٩م، وتُستخدم هذه الغواصات من مواقع أمامية في منطقة القرن الأفريقي؛ وأهمها (جزر دهلك) المواجِهة لميناء أريتيريا الأول مصوع، وجزر حنيش اليمنية، وهي محملة بصواريخ (كروز) بما يسمح للعدو توجيه ضربة ثانية من خلال إطلاق صواريخ (كروز) المحملة برؤوس نووية من البحر. الحقيقة الرابعة: أن الحجم الحالي للترسانة النووية الصهيونية، والذي استند إلى تقرير نُشِر في ٨ أكتوبر ١٩٩٩م (٢) أعدّه المجلس الدفاعي للموارد الطبيعية، استناداً إلى وثائق سرية من وزارة الطاقة الأمريكية ـ يؤكد أن الدولة الصهيونية تحتل المرتبة السادسة بين القوى النووية من حيث مخزونها من (البلوتونيوم) الصالح للاستخدام العسكري، ولديها ما بين (ثمانيمئة إلى خمسمئة كيلوجرام) منه، متقدمة بذلك على الهند التي لديها ما بين (مئة وخمسين إلى مئتين وخمسين كيلوجرام) . كما أوضح التقرير أن (مئتين وستين طناً) من مادة (البلوتونيوم) المشار إلىها قادرةٌ على إنتاج (خمسة وثمانين ألفاً) من الرؤوس النووية، مما يؤكد انتهاء سياسة الغموض النووي الصهيوني، وخاصة أن الإدارة الصهيونية لم تنفِ هذا التأكيد من جانب حليفتها الاستراتيجية! الحقيقة الخامسة: يتوقع أن تستمر الدولة الصهيونية في تطوير ترسانتها النووية في العقد القادم؛ حيث تسعى إلى بناء ما بين مفاعل إلى مفاعلين من طراز (ISDU) لا تخضع لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما ينتظر أن تعمل على زيادة قدرتها في مجال امتلاك الأسلحة النووية الاستراتيجية؛ استناداً إلى دعوى قادتها بأهمية وحيوية هذه الأسلحة لتحقيق أمن الدولة الصهيونية. أضِف إلى هذا أن الدولة الصهيونية تواصل سعيها لدخول مجال إنتاج القنابل الهيدروجينية، والقنابل النيوترونية؛ حيث عملت على اكتساب الخبرة في هذا المجال منذ عام ١٩٨٣م (٣) . وقد تعددت تصريحات الخبراء والكتاب الصهاينة بأنه يجب على دولتهم عدم الاكتفاء بامتلاك قوة ردع نووية تعتمد على السلاح النووي الاستراتيجي (أي القنابل الذرية والهيدروجينية) فحسب؛ بل يجب أن تعتمد على السلاح النووي التكتيكي، (أي قنابل النيوترون) (١) . وتستند الدعوة لدى الصهاينة لإنتاج قنابل (النيوترون) إلى أن وجود مثل هذا السلاح يغطي الثغرات في السلاح النووي الاستراتيجي، إضافة إلى إنها تقتل الأفراد دون تأثيرات تدميرية كبيرة بفعل موجة الضغط أو موجة الحرارة الشديدة، إلى جانب أنها لا تخلّف تلوثاً إشعاعياً مستمراً، كما يمكن التركيز بهذا السلاح على قتل العسكريين دون قتل المدنيين، خصوصاً في المعارك التي تدور بالقرب من المدن والمناطق الآهلة بالسكان. وعن السياسة النووية الصهيونية فإنه في ضوء ما سبق، وحقيقة امتلاك الصهاينة للقنبلة الذرية، ومن خلال ما أعلنته الحكومة الصهيونية فإن سياسة الدولة العبرية النووية (٢) لها أربعة أبعاد رئيسية: أولها: أن الدولة العبرية سوف تستخدم القنبلة الذرية كسلاح للردع، وليس كأداة لتوجيه الضربة الأولى المستقبلية. وثانيها: أن الدولة العبرية سوف تستخدمها للانتقام متى رأت ذلك ضرورياً. وثالثها: أن الدولة العبرية تنكر رسمياً قيامها بتصنيع أسلحة ذرية. ولكنها ألمحت إلى وجودها عن طريق القنوات الرسمية وغير الرسمية. ورابعها: أنها ستعمل على منع الدول العربية من امتلاك أسلحة نووية؛ حتى لو تطلّب ذلك أن تقوم بعملية عسكرية؛ كما حدث حين دمرت المفاعل النووي العراقي في ١٢ يونيو ١٩٨١م. أما عن المزايا الاستراتيجية التي يوفرها امتلاك السلاح النووي للعدو الصهيوني؛ فإن مفهوم الأمن الصهيوني يرتكز على ضمان توفير القدرة الشاملة لما تراه ضرورياً لتأمين كيان الدولة وحماية مصالحها الحيوية، وبصفة خاصة من خلال القدرات العسكرية المتطورة والمعتمدة على أوجه التقدم التقني المعاصر. ويمثل هذا المفهوم من وجهة نظر العدو خياراً رئيسياً لدعم كيانها وبقائها وعناصر استقرارها في مواجهة أية مخاطر وتهديدات في أي شكل، وفي أي اتجاه، وفي أي وقت. وعلى ذلك يحقق امتلاكها للرادع الاستراتيجي مجموعة من المزايا الاستراتيجية نذكر منها أربعاً. أولها: الإخلال بالتوازن الاستراتيجي مع دول المنطقة على المدى البعيد لصالحها، بما يتيح لها فرصة فرض بعض مفاهيمها ووجهات نظرها في مواجهة الجانب العربي. وثانيها: دعم مواقفها السياسية والتفاوضية باستغلال ما يمثّله رصيد قوتها العسكرية من تقدم تقني. وثالثها: استخدام الخيار التقني كأحد الأدوات الفعّالة في مجال استراتيجية الردع على المستوى العسكري. ورابعها: دفع الجانب العربي لإعادة حساباته إزاء حجم الضرر الذي قد يتحقق من جرّاء التقدم العسكري الصهيوني في حالة وجود نوايا هجومية. وتتزايد هذه المزايا الاستراتيجية التي تعود على العدو من خلال استثمارها لعلاقة التعاون الاستراتيجي الأمريكي/الصهيوني؛ والذي أُعيد تقنينه، خاصة في المجالات الحيوية، من خلال التوقيع على اتفاقية ٢٣ أبريل ١٩٨٨م (٣) ، التي تسمح للدولة الصهيونية بالمشاركة في برنامج حرب الكواكب، والدخول في مجال الفضاء، والحصول على التقنية الأحدث في هذا المجال. كما قامت الولايات المتحدة بإمداد الدولة العبرية بالقنابل العنقودية، وطائرات القتال التي يمكنها حمل قنبلة نووية زِنة ٧٥٠ ـ ١٠٠٠ كيلوجرام، إضافة إلى نوعيات متقدمه من صواريخ (لانس وبيرشنج) ، والمدفعية بعيدة المدى القادرة على إطلاق قذائف نووية. وعن الشروط التي تضعها الدولة الصهيونية لإزالة سلاحها النووي؛ فالعدو يضع ثلاثة شروط لقبول ترتيبات إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. أولها: التفاوض المباشر الذي لا يخضع لأي شروط مسبقة بينها وبين الدول العربية. وثانيها: اتخاذ ما يلزم من ترتيبات ضرورية لدعم الثقة المتبادلة بينها وبين دول المنطقة. وثالثها: أن يتم التصديق على الاتفاقية المنشئة للمنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل من قبل جميع الدول المعنيّة. ولقد أوضح الجنرال (مردخاي جور) ، نائب وزير الدفاع الصهيوني، ثلاثة شروط للدخول في إطار متبادل من الأمن وضبط التسليح، برزت خلال مناقشات لجنة ضبط التسليح والأمن الإقليمي المنبثقة عن المحادثات المتعددة الأطراف الجارية في إطار صيغة مدريد للسلام (١) ؛ والتي نشرتها جريدة الأهرام القاهرية في نوفمبر ١٩٩٤م: أولها: مرور عدة سنوات يترسخ فيها التعايش بين الدولة العبرية وجيرانها من العرب. وثانيها: قيام الدول العربية، وخاصة سورية، بتخفيض مستويات قواتها المسلحة وإنفاقها العسكري. وثالثها: تأكُّد الدولة العبرية من أن دولاً، مثل: العراق (قبل الغزو) وإيران، لن تتمكن من تطوير قدرات نووية خاصة بها، ولم تعد تشكل تهديداً إقليمياً على جيرانها. واستطرد قائلاً: «عند ذلك يصبح في إمكان أي حكومة (عبرية) التفكير جدياً في تخفيض قواتنا المسلحة وإنفاقنا العسكري بشكل ملموس، والتوجّه في استراتيجيتنا بعيداً عن توازن الردع القائم حالياً نحو توازن قائم على الأمن والمصالح المتبادلة بينها وبين جيرانها العرب» . وهكذا يتضح أن دولة العدو قد أكدت امتلاكها للأسلحة النووية. وفي هذا الإطار يقول (زائيف تشيف) (٢) كبير المحللين الصهاينة في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، في تصريحات له في جريدة (هارتس) الصهيونية في ١٥ نوفمبر ١٩٩٤م؛ حيث أعلن: «إننا نحتفظ دائماً بالتفوق التقني والنوعي؛ حيث علينا أن نتذكر دائماً أن هزيمة واحدة تلحق بالدولة العبرية ستكون كافيةً للقضاء عليها، بينما الأمر ليس كذلك إطلاقاً بالنسبة للعرب؛ فالدولة العبرية لا تستطيع تهديد وجود سورية أو مصر أو السعودية أو أي دولة عربية أخرى؛ بينما قد يكون صحيحاً بالنسبة للدولة العبرية إذا ما أراد أي طرف عربي ذلك. ومن هنا علينا الاحتفاظ بسلاحنا النووي الذي يمثل رادعنا الاستراتيجي المستقل. وأقول صراحة: إن من يعتقد أن الدولة العبرية ستتخلى عن رادعها الاستراتيجي مجاناً ودون مقابل هو من الحالمين. أما إذا تم إحلال السلام الدائم والشامل في المنطقة فإن جميع الأبواب تصبح مفتوحة، وجميع الاحتمالات تصبح واردة» . وعلى ذلك يمكن القول: إن حقيقة امتلاك العدو للسلاح النووي تكتمل بالنظر إلى ما تملكه من وسائل حمل متنوعة، ومن ذلك على سبيل المثال: صواريخ (أريحا ـ ١) عابرة القارات؛ والتي يصل مداها إلى ١٤٥٠ كيلومتراً، وصواريخ (لانس) التي يبلغ مداها ١٣٠ كيلومتراً، والصواريخ قصيرة المدى حتى ٣٠ كيلومتراً، إضافة إلى المقاتلات القاذفة (F - ١٦) ، (F - ٤) القادرة على التزويد بالوقود في الجو، أو حمل قنابل نووية وكيماوية، وغير ذلك من القاذفات وطائرات النقل والهيلوكوبترات بأنواعها. هذا وتسعى الدولة الصهيونية في مجال تطوير وتنمية قدراتها المسلحة خلال نصف القرن الحادي والعشرين لتطوير منظوماتها الدفاعية ضد الصواريخ البلاستيكية متوسطة المدى، وزيادة تحسين طاقة الإنذار المبكر، والتعاون الأمريكي في مجال المخابرات، ومشاركة القوة الأمريكية في أي ترتيبات أمنية يتفق عليها في معاهدات سلام مع العرب، مع المحافظة على حجم المساعدات الأمريكية؛ خاصة العسكرية منها للدولة الصهيونية. وقد كان لميثاق التعاون الاستراتيجي والأمني المتبادل (١) الذي وقعه الجانبان الأمريكي والصهيوني في مارس ١٩٩٦م، والذي أعطى مظلة وقائية حقيقية لأمن العدو؛ حيث تقدم واشنطن بموجبه كل ما تملك من تقنية حديثة من المعلومات السرية جداً، إلى جانب اتفاقية تحالف حقيقي تصل إلى اعترافٍ أمريكي كامل بالرادع الاستراتيجي الصهيوني (أي الترسانة النووية) ، وإقامة محطة أرضية أمريكية في الدولة الصهيونية للتجسس بالأقمار الصناعية الأمريكية بالقدر الذي علّق عليه الكثيرون في الدولة العبرية بأن كل هذه الاتفاقيات الاستراتيجية تجعل من الدولة العبرية الولاية رقم ٥١ للولايات المتحدة. كما تُركّز دولة العدو على مبدأ (الاعتماد على الذات) حتى لا يُفرض عليها قرارات سياسية، أو يكون هناك أي قيود على حرية إرادتها السياسية؛ وذلك بالتوسع في الصناعات الحربية، التي امتدت لتشمل قاعدة صناعية ضخمة تضم ثماني وثلاثين شركة ومصنعاً ومؤسسة للصناعات: الحربية، والجوية، والإلكترونية منها. في النهاية: إن الحقيقة المؤكدة تشير إلى أن هناك ضعفاً شديداً في الذاكرة العربية؛ حيث تم تأكيد امتلاك العدو للسلاح النووي منذ أن أعلن مدير وكالة المخابرات المركزية (ريتشارد هيلز) أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي في ٧ يوليو ١٩٧٠م؛ أن الدولة العبرية تمتلك مقومات إنتاج القنبلة النووية. كما أكد تقرير لمجلة (تايم الأمريكية) أنه في المراحل الأولى لعمليات أكتوبر ١٩٧٣م، التي قامت بها مصر بالتنسيق مع الجمهورية السورية، أعطت (جولدا مائير) رئيسة الوزراء الصهيوني في ذلك الوقت، الإذنَ إلى (موشي ديان) وزير دفاعهم بتجهيز (أسلحة يوم القيامة) وهو الاسم الرمزي للأسلحة النووية، وبدأت فعلاً الخطوات التنفيذية لذلك، وقبل أن تتم آخر خطوة تَحوّل التوازنُ العسكري لصالح العدو بفضل الجسر الجوي الأمريكي؛ حيث قرر الرئيس الأمريكي (نيكسون) إمداد الدولة الصهيونية بكل احتياجاتها التسليحية، حتى لو كان ذلك يعني استنفاد احتياطي الحرب في الولايات المتحدة! ومن ثم فإنه من الثابت تاريخياً انتهاء سياسة الردع بالشك منذ حوالي ثلاثة عقود مع بداية السبعينيات. أما سياسة الغموض النووي فقد تناسى العرب وفقدت الذاكرة العربية المحادثاتِ المتعددة الأطراف (الصهيونية العربية) ، والتي كانت ثمرة مؤتمر مدريد للسلام؛ حيث تمت عدة لقاءات بين الجانب الصهيوني والعربي في اجتماع لجنة ضبط التسليح والأمن الإقليمي، والتي نُشرت نتائجها في جريدة الأهرام القاهرية في نوفمبر ١٩٩٤م؛ حيث أعلنت الدولة الصهيونية شروطها لإزالة ترسانتها النووية ممّا اعتُبِر إعلاناً صريحاً عن انتهاء سياسة الغموض النووي الصهيوني؛ والتي تأكدت بإعلان (زائيف تشيف) كبير المحللين الصهاينة في الشؤون العسكرية والاستراتيجية في جريدة (هارتس) الصهيونية في ١٥ نوفمبر ١٩٩٤م؛ عن تأكيد امتلاك الدولة العبرية للسلاح النووي. تلك هي حقيقة الزوبعة المفتعلة التي تسود أجهزة الإعلام والأجهزة البحثية إقليمياً وعالمياً عن سياسة الردع بالشك، والغموض النووي لدى القوم، والتي سبق إعلانها منذ أكثر من ثلاثة عقود ماضية.

стр. 5899

مرصد الأحداث أحمد فهمي من هنا وهناك علامة تعجب من هنا وهناك أوضحت مصادر طبية فلسطينية أن المصانع التي أقامتها سلطات الاحتلال الصهيوني في محافظة سلفيت شمال الضفة تسببت في ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان نتيجةَ تلويثها للهواء والتربة ومياه الشرب، وكان الاحتلال قد نقل تلك المصانع من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة ١٩٤٨م إلى سلفيت؛ لإبعاد خطرها عن اليهود بعد أن ثبتت خطورتها على الصحة العامة. [صحيفة الرياض] تسببت أزمة أسواق المال الخليجية التي تفجرت منذ عام تقريباً في خسارة ٦٠% من قيمة الأسواق، كما خسر ملايين المساهمين ما لا يقل عن ٦٠% من مدّخراتهم، ولا تزال في الأسواق ٦ تريليون ريال سعودي، وبلغت الخسائر نحو ٣ تريليون ريال على مستوى دول الخليج، مما أدَّى إلى أضرار مادية واقتصادية واجتماعية كبيرة، تضرر من جرّائها ما يُقدَّر بعشرة ملايين عائلة خليجية. [جريدة أخبار اليوم، ٣/٣/٢٠٠٧م] تسعى الدولة الصهيونية للحصول على أقصى مكاسب من الإدارة الأمريكية قبل مغادرة الرئيس جورج بوش منصبَه بعد أقل من عامين، باعتبار تلك الإدارة أقرب إلى تفهُّم احتياجات الدولة الصهيونية والأقرب إليها بين الإدارات الأمريكية المعاصرة، وأرسلت الحكومة وفداً برئاسة حاكم المصرف المركزي في إطار جولة المفاوضات حول إعادة صياغة إطار التعاون الاستراتيجي ـ الاقتصادي بين الجانبين، ويسعى الوفد الصهيوني إلى طلب ٦٠٠ مليون دولار إضافية توزع على ١٢ سنة وتضاف إلى المعونة العسكرية التي تتلقاها والتي تبلغ ٢.٤ مليار دولار سنوياً، كما يسعى الصهاينة إلى تعميق الدعم الأمريكي لجهودهم في تطوير الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ الموجهة متوسطة وقصيرة المدى. [الوطن، ١٥/٢/١٤٢٨هـ] ذكرت صحيفة صنداي تليجراف البريطانية نقلاً عن الدبلوماسي الإيراني المنشقّ (عادل أسادينيا) أن طهران درَّبت شبكات سرية من عملائها لضرب المصالح الغربية وإثارة القلاقل الأهلية في حال تعرُّض إيران لهجوم، وأشار (أسادينيا) إلى أن هؤلاء العملاء يعملون في مؤسسات مهنية مملوكة لإيرانيين، وأنهم يشكلون خلايا نائمة مستعدة للتحرك عند أول إشارة لأيِّ تهديد جدّي ضد إيران، ويشير تقرير التليجراف إلى أن تلك الخلايا تلقت تدريبات على أيدي الاستخبارات الإيرانية. [صحيفة الأهرام، ٥/٣/٢٠٠٧م] علامة تعجب غصن الزيتون متعدد الطلقات: في مؤتمر صحفي هدَّد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بحملة أمنية ستشمل كل شبر في أرض العراق إذا لم يقبل المسلَّحون غصن الزيتون الذي يقدِّمه لهم! [صحيفة الوطن السعودية] لدى العرب طيارون بدون طائرات: ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست الصهيونية أن صناعات الطيران الصهيونية تعكف على تطوير ثلاث طائرات عسكرية ومدنية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وعدد من شركات الطيران العالمية، ومن بين هذه الطائرات الثلاث طائرة نقل بدون طيار بوسعها أن تحمل ما يصل إلى ٣٠ طناً، وطائرة استطلاع بدون طيار قادرة على القيام بعمليات استطلاعية طويلة المدى، وطائرة ركاب بين المدن صديقة للبيئة تُدار بخلايا مبتكرة للطاقة، وأشارت الصحيفة إلى أن الطائرات الثلاث من أفكار مدير الأبحاث والتطوير في قسم الهندسة لصناعات الطيران الصهيونية، ويُذكر أن كلاً من إيران والدولة الصهيونية تصنعان تلك الطائرات مع اختلاف المستوى التقني، بينما لا تمتلك أي دولة عربية تقنية مماثلة! [بتصرف عن الأهرام، ٥/٣/٢٠٠٧م] الورع الأمريكي في اتهام طهران: في شهادته التي أدلى بها في إحدى جلسات المحاكمة فيما يسمى «قضية الأنفال» قال طارق عزيز ـ نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الأسبق ـ: إن «إيران هي التي أطلقت الأسلحة الكيميائية على حلبجة أثناء حربها مع العراق» ، ودعم عزيز كلامه بما سبق أن نشره معهد دراسات متخصص تابع للبنتاجون وأكَّد على الحقيقة نفسها، ويُذكر أن الاحتلال الأمريكي يتبع سياسة انتقائية في كشف الأدلة التي تدين تدخل إيران في العراق دون التوسع في تتبُّع كافة الخيوط عن قصد، ومنها التورط الإيراني في حلبجة! [بتصرف عن قناة المجد، نشرة الأخبار، ١٥/٢/١٤٢٨هـ] رجسٌ من قلم الكُتَّاب: (في ظلِّ الجدل القائم حول المادة الثانية من الدستور بدا ذكر العلمانية وكأنها رجس من عمل الشيطان، وعلى أية حال ونحن بصدد تدشين حوار حقيقي مع وريثة الإمبراطورية العثمانية لماذا لا نطرح على أنفسنا هذا السؤال: تركيا العلمانية ماذا حققت؟ وإلى أين صارت؟ ونحن بالشريعة الإسلامية علامَ أصبحنا؟) ! حارث الضاري بعيون إيرانية نشرت مجلة (المجلة) صورة من وثيقة صادرة من السفارة الإيرانية في العراق فرع البصرة، ومؤشر عليها بعبارة «سري جداً» وموجهة إلى كل من عبد العزيز الحكيم وصادق الموسوي، وجاء في الوثيقة: (تثمن جمهورية إيران الإسلامية ما قمتم به من جهود استثنائية للقضاء على زمرة النواصب التكفيريين والذين حاولوا دوماً القضاء على إمامة الإمام علي بن أبي طالب ﷺ وكرم الله وجهه) . وقالت الوثيقة السرية: (نودُّ أن نلفت عنايتكم بأن هناك من يحاول دعم هذه الحملة مادياً وعملياً من خلال تأييده المطلق والكامل لما يقوم به هؤلاء التكفيريون النواصب) . واتهمت الوثيقة الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق بأنه يقف وراء هذه الخطة، فقالت: (نحن نبين بأن ما يُسمَّى بالناصب التكفيري حارث الضاري ما يزال يطلق سمَّه المعهود تجاه أهلنا الشيعة بالعراق، وتبين لنا من معلومات دقيقة وأكيدة عن نيته بالذهاب إلى أرض التكفيريين من أجل لقاء النواصب هناك والحصول على الدعم المطلوب، وعلى هذا الأساس نودُّ أن تساعد الحكومة العراقية الموقرة فتكمل مشوارها في القضاء على هذه الزّمر وتقطع شوكة هذا الكافر والقضاء على كل من يحاول دعمه» ، وأُرّخت الوثيقة بتاريخ ٥/١١/٢٠٠٦م. [مجلة المجلة، ٨/١/١٤٢٨هـ] بلير يُؤمّن مستقبله نشرت صحيفة صنداي تايمز أن رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) يتودد إلى المليارديرات البارزين في الولايات المتحدة، ومن بينهم: رجل الأعمال القوي (رونالد بيركل) مالك سلسلة مخازن تجزئة والذي وظف الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون لديه كمستشار مقابل ملايين الدولارات. ويعتزم بلير إقامة حفل استقبال على شرف المليارديرات في مقرِّه بداوننج ستريت في الأيام الأخيرة له في السلطة، هذا التجمع المختار والذي سيحضره سبعة مليارديرات أمريكيين على الأقل تصل ثرواتهم مجتمعة إلى أكثر من ٢٥ مليار جنيه إسترليني. وأضافت الصحيفة أن الدعوات جرى توزيعها سراً في مجتمع الأثرياء في نيويورك؛ بحيث سيتم دعوة كل ثري تبرَّع بمبلغ ٢٥ ألف دولار لصالح متحف (بيت) في لندن بشكل أتوماتيكي للقاء بلير وزوجته شيري في داوننج ستريت في حفل استقبال سيقام يوم السادس عشر من يونيو المقبل، وكانت شائعات تحدثت عن اعتزام بلير الهجرةَ إلى أمريكا بعد تركه منصبه إلا أنه نفى ذلك. [صحيفة الرياض] [الصحفي سيد عبد المجيد، الأهرام، ٥/٣/٢٠٠٧م] نواب أمريكيون يدعون إلى تقسيم العراق كتب السيناتور الأمريكي (كاي بايلي هاتشسون) مقالاً يدعو فيه إلى تقسيم العراق مع بقاء حكومة مركزية تحظى بسلطات محدودة تتركز أساساً في توزيع الثروة البترولية. وقال هاتشسون: إنه (يجب أن نستغل هذه الفرصة ونتقدم بمبادرة جديدة تشارك فيها السلطة والحكومة العراقية، وهذه الخطة تنطوي على جعل ثلاث مناطق منفصلة ومستقلة بذاتها على الأقل، والتي يكون فيها تطبيق القانون والتجارة والأمن والتعليم تحت إدارة السلطات المحلية وسيطرتها، وسوف تكون هناك حكومة مركزية محدودة مسؤولة عن تأمين الثروات البترولية وتقسيمها، وأن تعتمد مسودة تشريع وقانون جديد يسمح بتوزيع البترول للمناطق على أساس السكان) . واستشهد السيناتور الأمريكي بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) ، الذي قال (في حديث له أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: إنه متوافق ومتعاطف مع فكرة إقامة ثلاث مناطق إقليمية، وأن ذلك بإمكانه أن يحدَّ من العنف والصراع الدائر والموجود حالياً في العراق) . ولكن اللجنة التي كانت مشكّلة لتقييم الوضع في العراق رفضت هذه الخطة؛ حيث أشارت إلى أن تقسيم العراق لعدة مناطق سوف يؤدي إلى نتائج غير جيدة وزيادة في عدم استقرار الأوضاع في البلاد. ويقول هاتشسون: (زميلي السيناتور جوزيف بيدن يوافق على هذه الخطة، ولكن اشترط أن تكون هذه الخطة مقرونة ومرتبطة بانسحاب القوات الأمريكية جميعها بنهاية العام الحالي، وإن لم يكن كلها فمعظمها، وهي الخطوة التي أراها سوف تقود إلى إعادة العنف ووجود مزيد من حمامات الدم) . ويشير هاتشسون إلى منحى خطير وهو تعميق الانقسامات القبلية والعشائرية داخل العراق كأساس للتعامل المستقبلي: (أرى أن الخطوة الأولى والمهمة جداً في دعم الفترة الأولى من الاستقرار هي تمييز الانقسامات الثقافية والطائفية والموجودة منذ نحو ١٤ قرناً؛ فمن الواضح أن الانتماء إلى الأقاليم والقبائل والدِّين سوف يكون له الغلبة أمام الانتماء للحكومة المركزية، وحتى لو استمرت لسنوات، لماذا لا نقبل بهذه الفكرة ونعرض خطة لا تحاول تغيير الثقافة والدِّين والقيم، فإن هذه الفكرة سوف تنقذ أمة على وشك الانهيار) . [بتصرف عن صحيفة الأخبار المصرية، ٥/٣/٢٠٠٧م] التيار العوني يتململ من حزب الله برز موقف لافت لـ «تكتل التغيير والإصلاح» النيابي بزعامة العماد ميشيل عون الحليف الأساس لحزب الله اللبناني في تمرُّده على حكومة فؤاد السنيورة، فقد قال النائب نعمة الله أبي نصر العضو في التيار أن الاعتصام طال، وأن العصيان المدني الذي تهدد به المعارضة انتحار. وقال أبو نصر: إن (الاعتصام في وسط بيروت لم يحقق النتائج المرجوة، وقد طال وتسبب بأضرار ولا سيما للتجار وأصحاب المصالح في هذه المنطقة) ، وأضاف: (لا يمكن لأي فئة من اللبنانيين مهما عظم شأنها أن تنفرد بالقرار اللبناني؛ لذلك كان ينبغي أن تحل مسألة الاعتصامات والتظاهرات بموقف من الحكومة يقضي بتوسيعها) . واتهم النائب سوريا بتعطيل الاتفاقات، وقال: إن (عون أنجز ورقة تفاهم معينة وواضحة مع حزب الله وهي النقاط التي أقرَّتها طاولة الحوار، ولكن وبكل أسف تنفيذها متعلق بفريق ثالث هو سوريا) . [السياسة الكويتية، ٤/٣/٢٠٠٧م] نظام الاعتصام «المدفوع مسبقاً» في منطقة «نيو جديدة» ـ التي يسيطر على الجزء الشيعي منها حزب الله وحركة أمل بشكل مطلق تقريباً ـ أفادت بعض العائلات أن شبابهم موجودون في الاعتصام الذي ينظمه حزب الله ضد حكومة السنيورة، وأكد كثير من سكان الحي أن الاعتصام ساعد على جذب العاطلين عن العمل إلى خارج الحي، إذ إن الشوارع كانت في السابق أشبه ما تكون بالمقاهي، أما الآن فالجميع هناك أمام السراي الحكومي. وأكد بعض الشباب الذين كانوا لا يزالون في الحي أن أصدقاءهم يشاركون في الاعتصام وبعضهم لا يهتم بما يقال سياسياً، ولكن هناك مساعدات تُعطى للمعتصمين بدايةً بالمال وانتهاءً بالملابس، وأضافوا أن كثيراً منهم ينشد بناء علاقات مع مسؤولي حزب الله؛ لتوفير بعض المساعدات اللاحقة، مستدلين بأن شاباً له خمسة إخوة يشاركون في الاحتجاجات تكفَّل الحزب بنفقات زواجهم كافة؛ تعبيراً عن دور عائلته في مساندة الحزب. هذه الأقوال أكّدها طلاب شيعة في الجامعة الأمريكية في بيروت، ممن ينتمون لحركة اليسار الديمقراطي، ويفيدون أن عروضاً مالية عُرضت عليهم مباشرة أو على زملاء لهم، مقدّرين أن الفرد الواحد يتقاضى نحو ٢٠ دولاراً في اليوم الواحد، بما مجموعه ٦٠٠ دولار شهرياً، بينما نصيب غير اللبنانيين نحو ١٠ دولارات يومياً، وينفي مسؤولون في الحزب دفع أموال للمحتجين. [مجلة المجلة، العدد ١٤٠٦] تصفية القيادات السُّنية تسعى الحكومة العراقية إلى إعادة تشكيل القيادات والرموز السُّنية، وتتبع في سبيل ذلك عدة أساليب، من بينها: ما أُعلن عنه من إصدار قائمة مطلوبين تعتزم الحكومة الإعلان عنها، وتضم شخصيات سياسية وأعضاء في مجلس النواب بدعوى تعاونهم مع فصائل المقاومة. وقال القيادي في الحزب الإسلامي العراقي النائب عن جبهة التوافق علاء مكي: (طالبنا بإجراء مراجعة للقائمة؛ للتأكد من ادعاءات الحكومة بخصوص تورّط شخصيات سياسية وبرلمانية في دعم جماعات مسلَّحة وتمويلها، ونحن في الحزب الإسلامي وجبهة التوافق شددنا على ضرورة استدعاء المطلوبين أمام لجنة تحقيق مستقلة؛ تفادياً لأزمة سياسية وأمنية) . وكشف مصدر مقرَّب من الحكومة أن رئيس الوزراء عرض في اجتماع مع وزيرَيْ الدفاع والداخلية والنائب عدنان الباجه جي وممثل عن الحزب الإسلامي العراقي «ملفَّ شخصية سياسية مهمة في العراق على صلة بجماعات إرهابية» . [الوطن السعودية] «جحا» الأمريكي و «المسمار» الباكستاني رفضت باكستان البيانات التي صدرت عن مجلس الشيوخ الأمريكي في واشنطن والتي تقول: إن القوات الأمريكية في أفغانستان مخولة بمطاردة عناصر تنظيم القاعدة وحركة طالبان داخل أراضيها، وزعمت تسنيم إسلام المتحدثة باسم وزارة الخارجية رداً على تصريحات الجنرال دوجلاس لوت حول أن القوات الأمريكية قد تستهدف المواقع الإرهابية داخل باكستان أنه (غير مسموح لأيِّ أحد بعبور حدودنا) . ولكن دوجلاس لوت كان محدداً في الإشارة إلى أن قواعد الاشتباك تسمح للقوات الأمريكية بتعقب المقاتلين وأي شخص (يبدي نوايا عدائية) داخل باكستان في ظروف معينة، وقال لوت للجنة الخدمات المسلَّحة في مجلس الشيوخ في واشنطن: (لدينا كل السلطات التي نحتاجها للملاحقة؛ سواء بنيران المدفعية أو على الأرض عبر الحدود) . [وكالات] العملة الذرية تستعد إيران لإصدار ورقة نقدية جديدة قيمتها خمسون ألف ريال وتحمل إشارة إلى برنامجها النووي، وتقل قيمتها عن خمسة يورو، وهي أكبر فئة نقدية منذ إصدار ورقة العشرين ألف ريال في فبراير ٢٠٠٤م. وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن الورقة التي تحمل رسماً لذرّة تدور حولها إليكترونات إضافة إلى صورة الخميني مؤسس الجمهورية على غرار بقية الأوراق النقدية. ويساوي الدولار الأمريكي حالياً٩٣٠٠ ريال إيراني، وكان يساوي (٧٠) ريالاً قبل الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩م. [السياسة الكويتية، ٤/٣/٢٠٠٧م] س وجس: من هو البروفيسور فؤاد عجمي؟ وما خلفياته الطائفية؟ ج: هو ضيف دائم في البرامج الإخبارية بشبكة سي بي إس نيوز، وكاتب تتصدر مقالاته الصفحات الأولى في وول استريت جورنال، ونيويورك تايمز، وتُقتبس أفكاره من قِبَل كُتّاب كبار، مثل: توماس فريدمان وجوديث ميلر. وُلد فؤاد عجمي في ٩/٩/١٩٤٥م في بلدة أرنون الجنوبية اللبنانية من عائلة شيعية من أصل إيراني فارسي يعود إلى مدينة تبريز، وربما استمدت عائلته لقبها من هذا الأصل، وقد هاجر إلى أمريكا وهو في الثامنة عشرة من عمره، حيث أكمل دراسته وتخصص في العلاقات الدولية وأصبح أستاذاً معروفاً في الجامعات الأمريكية. استطاع بإصرار عجيب أن يُطوع كل منجزاته الأكاديمية وعلاقاته بالسياسيين لخدمة معتقداته الشيعية، وقد تراوح هذا الاهتمام بقضايا الشيعة من شكله السافر في كتابه «الإمام المختفي موسى الصدر وشيعة لبنان» الصادر عام ١٩٨٦م.. إلى اهتمام يتوارى شيئاً فشيئاً خلف الأفكار السياسية البراقة في كتابَيْ «بيروت مدينة الندم» الصادر عام ١٩٨٨م، و «قصر أحلام العرب» الصادر عام ١٩٩٨م، وهو الكتاب الذي وصف فيه فكرة القومية العربية بأنها مجرد دعوة للسيطرة السُّنية على المنطقة تتخفى في رداء علماني. ويعمل عجمي الآن أستاذاً في الجامعة الأمريكية، ويشغل منصب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في كلية باول نايتز للدراسات الدولية المتقدمة والمعروفة اختصاراً بـ «sais» ، والتي تتبع جامعة جون هوبكنز الأمريكية المرموقة، وقد أضحى بالفعل واحداً ممن يرسمون سياسة الولايات المتحدة الخارجية باختياره مستشاراً لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وهو أحد أعضاء هيئة المديرين في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي. وهو صديق شخصي لـ (بول وولفويتز) أحد المحافظين الجدد والمسؤول البارز السابق في البنتاجون ورئيس البنك الدولي حالياً، وكان عجمي زميل دراسته. ومنذ عدة سنوات بدأ عجمي في الظهور المكثف في القنوات الفضائية كمحلل سياسي وخبير في العلاقات الأمريكية بدول الشرق الأوسط، وقد تركزت آراؤه على الدعم الصريح لسياسات الإدارة الأمريكية في العراق. كتابه الأخير الصادر عام ٢٠٠٦م بعنوان «هدية الأجنبي» يُعتبر قصيدة مديح للاحتلال الأمريكي للعراق، من خلال تخليصهم العراقيين «الشيعة» من حكم النظام البعثي، وأكد فيه أن كل المشكلات الطائفية التي تعصف بالعراق الآن ما هي إلا نتاج صراع تاريخي لا دخل للأمريكيين به، حيث لم يستوعب السُّنة العراقيون الواقع الجديد الذي يقزّم وجودهم السياسي ويعيدهم إلى حجمهم الطبيعي كأقلية سكانية وسياسية كما يزعم. ويقول منتقدوه من الباحثين الأمريكيين: إنه مروج دعايات يحرص على التأنّق وحب الظهور في وسائل الإعلام، ويستطيع أن يبرهن على ما يذهب إليه المسؤولون بالنظريات السياسية والبراهين العلمية فوراً، وهو الخبير الجاهز لتبرير أي سياسات تريد واشنطن إقناع الرأي العام بها فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. آدم شاتز الكاتب والناقد الأمريكي في دورية ذا نيشن، كتب عن عجمي ناصحاً هوليود بالرجوع إليه إذا أرادت إنتاج فيلم عن حرب الخليج الثانية. [مجلة المجلة، العدد ١٤٢٧] ترجمات: (بحسب المعطيات الرسمية التي عُرضت في لجنة المعارف التابعة للكنيست الصهيوني؛ بلغت نسبة التسرب من الصفوف الحادية عشرة في مدارس الدولة الصهيونية ٦%، وفي الصفوف الثانية عشرة ٢%، فيما بلغت نسبة التسرب من كافة المراحل الدراسية ٣٠%) . [موقع معهد «برانكو ـ فايس» المتخصص في محاربة التسرب من المدارس في الدولة الصهيونية] (هناك بقايا آثار مسجد إسلامي مدفونة تحت أكوام التراب الملاصقة لباب المغاربة، وعُثر على هذا المسجد بعد انهيارات ترابية حدثت في المكان عام ٢٠٠٤م في حائط المبكى. وكتمت الدولة الصهيونية على هذا الأمر وأبقته طيَّ الكتمان حتى يومنا هذا) . [صحيفة يديعوت أحرونوت، ١٢/٢/٢٠٠٧م] (ركبت إسرائيل آلات تصوير تمَّ ربطها بشبكة الإنترنت بالقرب من موقع الحفريات الأثرية المتاخمة للمسجد الأقصى والتي أثارت احتجاجات المسلمين في محاولة لإظهار أن الحفريات لا تضر المسجد) . [معاريف، ١٥/٢/٢٠٠٧م] (انخفض العجز التجاري في الدولة الصهيونية إلى ٣٨٣.٧ مليون دولار في يناير كانون الثاني من ٩٠٨.٤ مليون دولار قبل عام، ومن ٩٦٨.٦ مليون دولار في ديسمبر كانون الأول الماضي) . [مجلة زي ماركر الاقتصادية، ١٧/٢/٢٠٠٧م] تصريحات: (يكفي أن نكون نحن من غيَّر الواقع في جنوب لبنان، وأجبر الحكومة اللبنانية على نشر جيشها بدلاً من حزب الله، إضافة إلى نشر قوات دولية، وهذا الأمر لم يكن موجوداً من قبل) . [وزير الدفاع الصهيوني عمير بيرتس، معاريف، ٢٩/١/٢٠٠٧م] (مدين بجزيل الشكر للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، وذلك لأنه قال: إن إسرائيل تحسن استخلاص العبارة، ففي هذه التصريحات إشادة واضحة بإسرائيل وقدراتها وشعبها) . [شيمون بيريز النائب الأول لرئيس الوزراء الصهيوني، صحيفة هاآرتس، ٥/٢/٢٠٠٧م] (كل الشكر للرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد، فهو من استطاع أن يوحد العالم لمواجهة الإرهاب، فهو يقوم بعمل ممتاز لصالح إسرائيل) . [شيمون بيريز أمام مؤتمر معهد السياسات الاستراتيجية، ٢٢/١/٢٠٠٧م] (لدينا موقف واضح: إذا كانت هناك حكومة فلسطينية لا تقبل مبادئ الرباعية الدولية، فإنها لن تحظى باعتراف أو تعاون من قِبَل حكومة إسرائيل) . [رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، ١٨/٢/٢٠٠٧م] (نحن نزود الشيخ رائد صلاح بمزيد من الذخيرة بدون قصد، لماذا أبقت سلطة الآثار الإسرائيلية موضوع وجود بقايا آثار إسلامية في محيط الأقصى طيَّ الكتمان لمدة طويلة؟! وكيف يمكن الادعاء أنه لا يوجد أيّ آثار إسلامية في المكان بعد الآن؟!) . [مائير بن دوف عالم الآثار والباحث في القدس لموقع سلطة الآثار] ٢٥ مليار دولار لتنصير المسلمين: كشف موقع النبأ الإخباري عن رصد مجلس الكنائس العالمي ٢٥ مليار دولار لتنصير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ووضع في أولوية اهتماماته دول مناطق الصراع والدول الفقيرة، وذكر التقرير وجود عمليات تنصير بمصر، رصد لها مجمع الكنائس العالمي ميزانية خاصة تُقدَّر بحوالي مليار دولار؛ لفشلها في تنصير العدد المخطط له منذ سنوات طويلة. [النبأ، ٦ فبراير ٢٠٠٧م] التنصير بأفلام الكرتون: راجت بالشوارع المصرية واليمنية والمغربية في الشهور الثلاثة الأولى من هذا العام مجموعة متنوعة من أقراص (CD) الحاسوب (الكومبيوتر) التي تحوي ألعاباً وأفلاماً إلكترونية، تحمل معتقدات وأفكار تنصيرية واضحة، تمَّ توزيعها مباشرة في المواصلات العامة وعلى سبيل الهدايا للأطفال المسلمين، أو بيعاً في بعض المكتبات المسيحية بأسعار زهيدة للغاية، وتأتي بدعة ترويج هذه الأقراص ـ التي انتشرت في الأسواق ـ في إطار حملة مشبوهة؛ لمحاولة تنصير المسلمين والهجوم على عقائدهم والترويج للفِرَق النصرانية المختلفة، مثل: البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية وغيرها، بتمويل يفوق قدرات الكنائس في الدول الثلاث، وبمشاركة وتنسيق مع عدد من الكنائس الغربية المنتشرة في بلاد المسلمين. وأكدت مصادر مطلعة أن هذه الإسطوانات المدمجة التي تعرض في أسواق المغرب ومصر واليمن ذات تصميمات متميزة، وتحمل اسم لعبة الكنز، وتسلية ولقطات مثيرة، كما تحمل نصوصاً كتابية متفرقة مصحوبة بالموسيقى والحكايات المسيحية، وهي في الحقيقة عبارة عن مواد تنصيرية واضحة. شاب والده سوداني وأمه سعودية يصبح كاثوليكياً! تبدو قصة (جمال. ع. ح) ـ وهو شاب سوداني من أم سعودية ـ متشابهة مع قصص أخرى تحدث حالياً في العاصمة السودانية الخرطوم، فقد تنصَّر جمال وارتدَّ عن الإسلام. وفي حديثه لـ «العربية. نت» راح جمال يؤكد بأنه يعرف ٦ على الأقل تحولوا من الإسلام إلى النصرانية، فضلاً عن أسرة بكاملها نحت المنحى ذاته، وقال: إنه تعامل مع أناس من النصارى (أرثوذكس) في العاصمة السودانية، فيما يتعلق ببيع سيارات وشرائها، وبعض الأعمال التجارية الأخرى، فوجد تعاملهم ذاك ليناً ومثالياً فمالَ إليهم.

стр. 5900

تضربها.. لن تضربها.. تضربها .. أحمد فهمي تقصر قامة إيران عن بلوغ حافة طموحها السياسي في المنطقة؛ فهي لا تملك القدرات الكافية، كما أنها تعاني من معوقات سكانية واقتصادية وسياسية كثيرة، ودائماً احتاجت إيران إلى حليف خارجي يدعم خطواتها ويعضد طموحها. وكان شاه إيران يعاقب الأمريكان بانفتاح على السوفييت، ويعاقب السوفييت بانفتاح على الأمريكان. إلا أنه لم يصل إلى درجة الاستغناء عن كليهما في آنٍ واحد، وتظل تلك هي عقدة إيران بعد الثورة، البحث عن حلفاء يدعمون المسيرة الهلالية ويعوضون النقص الذاتي. لكن هناك فرقاً بين الحليف الإستراتيجي والحليف التكتيكي؛ فالأول يدوم تحالفه، والثاني تحالفه مؤقّت بالمصلحة المترتبة عليه، ومثال الأول: حزب الله في لبنان، ومثال الثاني: الولايات المتحدة. منذ قيام الثورة الخمينية عام ١٩٧٩م لم يُعرف عن واشنطن قيامها بجهد مركّز وفعّال من أجل إسقاط النظام في طهران، ورغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ عام ١٩٨٠م إلا أنَّ التعاون بينهما والتفاوض السرّي مستمران، وحتى الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت قرابة تسع سنوات لم تقدِّم أثناءها أمريكا ومن ورائها الدول الأوروبية للعراق الدعمَ الذي يكفي لتحقيق انتصار حاسم على إيران، وعندما قصفت طهران ناقلات النفط في الخليج العربي ردَّ الأسطول الأمريكي ردوداً عقابية محسوبة بدقّة ولا تؤثر على سير المعركة. وقد توترت العلاقات الظاهرية بينهما في السنوات الأخيرة لتصل إلى مستوى توقُّع هجمة أمريكية نحو ثلاث مرات في رئاسة جورج بوش الابن فقط، لكن لم تنفذ هجمات في أيٍّ منها، بل كانت الاتصالات الأمريكية الإيرانية السرية متواصلة رغم ذلك. إنَّ اختزال العلاقة بين طهران وواشنطن في ضربة عسكرية محتملة تحولت إلى أحجية يتضخم فيها المكون الإعلامي أكثر من السياسي، هذا الاختزال يشتِّت الأذهان عن ثوابت العلاقة، وأبرزها: أن واشنطن أكثر حرصاً على تماسك إيران الدولة ـ وليس النظام بالضرورة ـ باعتبارها (محوراً جيوبوليتيكاً مهماً) حسب تعبير مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق (زبجنيو بريجينسكي) ، بمعنى: أنها تمثل محور أطماع دولية ومعبراً إستراتيجياً إلى منطقة أكثر أهمية هي الخليج العربي، ودولة كهذه ليس من السهل الحديث عن إسقاطها أو تفكيكها، وخاصة أنه منذ ستين عاماً ـ تقريباً ـ كانت إيران لا تزال ممزقة بين سيطرة سوفييتية على شمالها، وهيمنة بريطانية على جنوبها، ولم يخلِّص طهران من هذه القسمة إلا استنجاد الشاه بالرئيس الأمريكي (روزفلت) الذي أزاح تأثير الدولتين لحساب الولايات المتحدة. وتمضي العلاقة بين البلدين في مسارات بالغة التعقيد، فـ (شاهُ إيران) كان حليفاً مميزاً لواشنطن إلا أن خطط قلب نظامه كانت تُعدّ في أروقة البيت الأبيض في الوقت الذي كانت صفقات السلاح «المليارية» يوافق عليها البنتاجون وتُشحن إلى طهران، ومع أن الدلائل على الدور الأمريكي في الثورة الخمينية أكثر من أن تُحصى أو تنكر، فإن العلاقات بينهما مقطوعة منذ ٢٧ عاماً. ويمكن تحديد مستويات العلاقة بين طهران وواشنطن في ثلاثة مستويات، أولها: المستوى العلني الدعائي، وهو للاستهلاك المحلي والدعائي ويتبدَّى في مصطلحات مثل: «محور الشر» و «الشيطان الأكبر» . والمستوى الثاني: نصف معلن، ويتمثل في جهود غير منتظمة ووساطات وتطمينات، ومن ذلك إعلان جلال طالباني الزعيم الكردي عن قيامه بوساطة بين إيران وأمريكا قبل غزو العراق عام ٢٠٠٣م، ونقله للمسؤولين الإيرانيين أن أمريكا (لن تُقْدِم على أي عملية ضد إيران أثناء الأزمة) . والمستوى الثالث: سرِّي غير معلن، ويتضمن تنسيقات ومصالح مشتركة ومساومات، كانت قمة تنسيق المصالح بين الطرفين إبّان غزو أفغانستان والعراق. وبعيداً عن حكومة خاتمي ووزرائه كان ممثلو خامنئي ورفسنجاني يعقدون مباحثات ومفاوضات مع المسؤولين الأمريكيين في عواصم أوروبية، مثل: لندن وأثينا. وتعلم طهران جيداً أن صراعها مع واشنطن ليس صراع وجود بل مصالح، ولذلك يقول رفسنجاني: (الولايات المتحدة هي البلد الأهم في العالم، وإيران هي البلد الأهم في المنطقة، ومن المنطقي أن يسويا مشاكلهما) . عوداً إلى أحجية «الضربة العسكرية» ؛ إذ يقدم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) تلميحاً مفيداً فيقول: (تضطر عملياً لاستخدام القوة مرة واحدة من كل عشر تلوِّح فيها باستخدام القوة، ولكن التهديد يجب أن يبدو دائماً حقيقياً وذا مصداقية) . لكن أبا الحسن بني صدر ـ الرئيس الإيراني الأسبق ـ يزيد الوضع تعقيداً باعتباره أن طهران نفسها بحاجة إلى ضربة عسكرية لتجمع شتاتها، فيقول: (الحكومة الإيرانية التي تعاني من أزمات عديدة تحتاج إلى تعزيز وضعها من خلال تلقِّي ضربة عسكرية؛ لكي تستمر وتعزز وضعها الداخلي ومصداقيته) ، فهل توجه أمريكا ضربة عسكرية لإيران؟ أم أنها لن تضربها؟!

стр. 5901

واقع الخطَّة الأمنيَّة الجديدة في العراق عبد السلام الكبيسي، عدنان الدليمي أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن خطَّة أمنيَّة جديدة في العراق، بالتعاون مع أصدقائه الأمريكان، والتي يُظهِر فيها تواطؤاً كبيراً مع الأمريكان ضدَّ فصائل المقاومة الجهاديَّة في العراق بشتَّى أشكالها وأطيافها، ومن هذا المنطلق أحببنا أن نستطلع رأي عضو مهمّ في هيئة علماء المسلمين في العراق، وأحد قادة جبهة التوافق العراقيَّة فكان معنا: الدكتور عبد السلام الكبيسي (عضو الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق) ، والدكتور عدنان الدليمي (رئيس جبهة التوافق العراقيَّة) ، حيث أدليا برأييهما تجاه هذه الخطَّة الأمنيَّة الجديدة في العراق، فقال الشيخ الدكتور عبد السلام الكبيسي: إذا ما أردنا أن نقوِّم الخطة الأمنية نجاحاً أو فشلاً فلا بد من أن نبحث عن مفهوم النجاح في ذهن القائمين عليها، وهنا لا بد من الوقوف على المعادلة في طرفيها: (المقاومة، والاحتلال) فإن السجال الحقيقي هو بين الطرفين؛ غير أن الفرق في هذا السجال أن المقاومة صادقة في توجهاتها وفي بيان أهدافها؛ فهي لا تبتغي مكسباً غير شرعي لها، ولا تسلك إلا الوسيلة الشريفة لتحقيق غايتها المشروعة. أما الاحتلال فهو مراوغ في بيان أهدافه الحقيقية من غزوه لبلدنا وسلاحه، وذلك لعدَّة أمور، منها: أولاً: قوته الغاشمة التي تجسد أطماعه بحيث تفرض أجندة شريعة الغاب. وثانياً: المتعاونون معه مع الاختلاف في نسب كبيرة بين هدف المحتل وهدف المتعاونين معه؛ فهدف الأول بسط نفوذه كاملاً بعد ترميم منصة الإطلاق لعولمته الاستعمارية التي قضمتها المقاومة عبر الخطة الأمنية لينفرد بالحرث والنسل العراقيين. أما المتعاونون معه فيقايضون هذا التعاون لفرض واقع طائفي عجزوا عنه طوال المدة المنصرمة من زمن الاحتلال مع كل ما اقترفوه من مجازر على الهوية وتهجير وتغيير في المناهج وإقصاء من الحياة العامة والخاصة؛ وهنا لا بد من أن نوضح الآتي: أولاً: لم تعترف الحكومات المتعاقبة في زمن الاحتلال بوجود مقاومة في العراق، وما اعترفت به أخيراً هو وجود مسلحين يحاربون الحكومة، وفي الوقت ذاته سمحت حكومة الجعفري والمالكي للميليشيات بتنفيذ كل ما تريده من أعمال إجرامية من قتل وتمثيل لم يشهد له التأريخ مثيلاً دون أن تعلن عن إلقاء القبض على فرد واحد من هؤلاء القتلة مع أنهم يفعلون هذا آناء الليل وأطراف النهار. وبالنسبة للتيار الصدري فقد منحته في السابق السلاح والأرض لتحقيق الأهداف الطائفية المشتركة أولاً؛ ولمحاصرته بما يفعله من جرائم من خلال رفع كل القيود عن تحركاته ليلاً ونهاراً دون توجيه أي نصيحة له ثانياً؛ لتتسلم في الخطوة الثالثة قياده وليس القضاء عليه ومن ثم يكون احتواؤه ليبقى بمثابة بندقية للإيجار لصالح أطراف داخلية وخارجية؛ وهذا ما يفسر إخفاء قادة الميليشيات من قِبَل أطراف معلومة في الحكومة. وفي الجانب الأمريكي فإن الذي أفشل مشروعه الاستعماري في المنطقة والعالم ونقل المعركة إلى داخل البيت الأبيض والشارع الأمريكي هي المقاومة وليس جيش المهدي؛ وما زُوِّد به من سلاح تقليدي فهو موجه ضد الرافضين للاحتلال وحاضنهم؛ وذلك يصب في نجاح المشروع الأمريكي. وحديث السلاح المتطور يأتي من قناعة المحتل بأن هذا السلاح سيوجه ضده في حالة حدوث صِدام مع إيران لكي لا يتكرر الدرس اللبناني في العراق. ثانياً: لا يمكن أن نفصل بين الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي والأمن العسكري؛ فهي حلقات متصلة واجبة الترتيب والموالاة؛ فالأمن الاقتصادي والعسكري يجب أن يحتل المرتبة الأولى؛ فبدون أمن اقتصادي وعسكري لا ينبغي لأحد أن يحلم بأمن اجتماعي. وبالنسبة للأمن الاقتصادي اليوم لا وجود له؛ فثروات البلد منهوبة بالكامل، فضاع الأمر، ولك أن تعلم أنه في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الخطة الأمنية تحيل فيه ما يسمى قانون النفط إلى ما يسمى بمجلس النواب لكي يقر في ١٥/٣ في محاولة لذبح صِمَام الأمن الاقتصادي وهو النفط العراقي. وأما بالنسبة للأمن العسكري فإن المفاصل الرئيسة لعسكرة اليوم في جانبيها: الجيش، والقوى الأمنية؛ قد صُنعت على عين المحتل وعين المكونات السياسية الحاكمة بأمر المحتل وهي تحمل كل بذور الحقد والدرن الطائفي، وهل يصح فرض حالة أمنية بأدوات هي ذاتها التي مارست التعذيب الوحشي والقتل على الهوية؟ وكيف يتصور عاقل أن هذه الأدوات قادرة على فرض قانون عدل؟ ثم هل من القانون في شيء أن يوكل لمسؤولي المناطق حرية ذبح من يشاؤون دون أي مساءلة؟ وهذا ما جرى في شارع حيفا والعامرية ومناطق أخرى وما يجري الآن في عرب جبور والدورة. أما بالنسبة للأمن الاجتماعي فقد أُسِّس على لَبِنات لا تصلح لبناء أمن اجتماعي بدءاً من قانون الدولة المؤقت، ومروراً بالانتخابات ونسبها المزورة، وبالدستور الذي هو عبارة عن ألغام قابلة للتفجر والتفجير في أية لحظة؛ لذلك فإن الحديث عن الأمن عبارة عن شبكة صيادين يختبئ أصحابها خلف مسميات قد تنطلي على من يُؤْثرون سلامتهم على سلامة الوطن من الكيانات الحاكمة ليكون الانقضاض أسهل والغنيمة أكبر، وما حدث من اعتقال وقتل لأهلنا في شارع حيفا بعد أن غُرِّر بهم ورجعوا مثال مبسط لذلك، وما قد يحدث من دعوة من بقي حياً على قيد الحياة من الجيش العراقي البطل للرجوع إلى أماكن معلومة بعد أن منَّ الله عليهم بالنجاة من بطش الحكومة والاحتلال قتلاً أو اعتقالاً، ولأن قوام نجاح الخطة أن تقدم الورود للمحتلين ولو بعد فوات الأوان، ويهتف الحجر والمدر بحياة الاحتلال والمؤازرين لهم. ولكن: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] . أما الدكتور عدنان الدليمي (رئيس جبهة التوافق العراقيَّة) و (رئيس مؤتمر أهل السنَّة في العراق) فقد تحدَّث إلينا موضحاً وجهة نظره في هذه الخطَّة بقوله: جبهة التوافق العراقية حريصة على استتباب الأمن؛ لأن ذلك من مصلحة أهل السنة؛ فالقتل والتهجير والخطف قد وقع عليهم بصور كارثية؛ فآلاف العراقيين السنة قد نالهم القتل، وعشرات آلاف من الأسر السنية قد نالها التهجير، وما يزيد عن المليونين من النخب المختارة منهم قد هَجروا العراق إلى دول الجوار وهذا يؤثر تأثيراً مباشراً على التركيبة السكانية للبلاد وهو أمر خطير؛ لهذه الأسباب وافقنا على المبادئ العامة التي تضمنتها الخطة، ولما بدئ بتنفيذ هذه الخطة صاحبها اختراق كبير من عناصر الشرطة والجيش التي بيدها تطبيق هذه الخطة، وهذا أمر يخلق الفزع والخوف في أبناء السنة، وبدأنا نتابع هذه الخروقات ونخبر الحكومة عن طريق ممثلينا في غرفة العمليات التي تدير الخطة. نعم! إنَّ الشارع قد هدأ وقل فيه قتل المواطنين أو خطفهم أو سرقة أموالهم أو السطو على البنوك، وهذا جرى بسبب غير مباشر؛ وذلك لهروب قيادات الميليشيات إلى مناطق الجنوب وإلى إيران حسب المصادر الحكومية وغير الحكومية. إن من مصلحة السنَّة نجاح الخطة الأمنية؛ لأنها إن كانت صادقة فستصون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ومن هذا الجانب نحن في جبهة التوافق نرغب في نجاحها، ونحن على صلة بالحكومة ونضغط عليها لتوقف كل الخروقات التي يقع أذاها وضررها على أبناء السنة والمتمثلة بالاستفزازات الطائفية الصادرة من العناصر التي تنفذ هذه الخطة، وبالاعتقالات العشوائية والمداهمات التي تستهدف أبناء السنة وبالعقاب الجماعي وباستخدام القوة المفرطة وسنعمل بكل ما أوتينا من شجاعة وحكمة وعقل لنتدارك ذلك كله ونعمل على استقرار الأمن، ولنحافظ على وجود أهل السنة وحمايتهم والحفاظ على كيانهم والعمل على إطلاق سراح المعتقلين منهم سواء أكانوا عند الحكومة أو عند الأمريكيين. إن الوضع المتردي قد أثَّر على الأعمال التجارية لا سيما في المناطق السنية، فأغلقت المحلات التجارية، وتوقف العمل؛ أضف إلى ذلك ما قامت به الميليشيات من استهداف تجار السنة ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات والأطباء، وهذا كله سنعمل على إيقافه وردعه والحيلولة دون وقوعه؛ فضلاً عن سعينا الحثيث إلى إعادة المساجد المغتصبة وفتح المساجد المغلقة وإعادتها إلى ممارسة عملها في توعية الناس وتربيتهم، وقد تجاوز عدد هذه المساجد المئات في جميع أنحاء العراق. لقد عاهدنا الله على خدمة العراقيين عامة وأبناء السنة خاصة؛ والله يتولانا برحمته وتأييده.

стр. 5902

إشكالية العلاقة بين الفقر والتخلف الاقتصادي في المفهوم الإسلامي مصطفى محمود محمد عبد العال عبد السلام الكثير من الكُتَّاب لا يفرق بين الفقر والتخلف رغم وجود فوارق جوهرية بينهما؛ إذ إن هناك بعض الدول المتقدمة يوجد فيها فقراء وهو ما يعتبر دليلاً هاماً على سوء توزيع الدخل القومي. ورغم هذا لا توصف بأنها دولة فقيرة أو دولة متخلفة. وبالمثل هناك دول الجنوب يوجد فيها أغنياء كثيرون غير أن ذلك لا ينفي حقيقة كونها دولاً فقيرة أيضاً. إن وجود فقر في دولة غنية لا يجعلنا نعتبر هذه الدولة متخلفة؛ والعكس صحيح. ويهتم هذا البحث بدراسة الفَرْق بين الفقر والتخلف؛ مع التركيز على مقاييس التخلف غير متجاهلين لمقاييس الفقر في الفكر الاقتصادي التقليدي، ثم معرفة الفروق الجوهرية بين الفقر والتخلف ومقاييس التخلف في الاقتصاد التقليدي. ويتعرض البحث أخيراً لمعرفة الفرق بين الفقر والتخلف في المفهوم الإسلامي. أولاً: الفرق بين الفقر والتخلف، وكيفية قياس التخلف في الاقتصاد التقليدي: التخلف الاقتصادي ـ مفهومه ـ كيفية قياسه: في البداية يجب أن نشير إلى أن التخلف الاقتصادي ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد؛ ومعنى ذلك أنها ظاهرة تتفاعل في إيجادها جميع جوانب المجتمع بدرجة أو بأخرى حيث إن التخلف الاقتصادي لا يوجد في مجتمعٍ ما بمفرده متعايشاً مع تقدم سياسي واجتماعي، وإنما يوجد التخلف الاقتصادي وسط تخلف سياسي واجتماعي وثقافي؛ ومن ثم فإن توفير نظام سياسي واجتماعي وثقافي رشيد يمكن أن يحقق مستوىً اقتصادياً متقدماً. والتنمية الاقتصادية، وهي مطلب غالب الدول النامية، لا تتم في صورة أحادية؛ حيث إنها عملية إنسانية شاملة تتطلب متغيرات اقتصادية وكذلك عوامل نفسية واجتماعية (١) . ومن ثَمَّ فإن الانصراف نحو التركيز على المتغيرات الاقتصادية وحدها دون أن نضع في الاعتبار الأهمية النسبية لباقي المتغيرات الأخرى الثقافية والاجتماعية والسياسية هو تشويه لحقيقة ومعنى التخلف الاقتصادي. ١ ـ مفهوم التخلف الاقتصادي: لفظ (العالم الثالث) يطلق على الدول المتخلفة والتي تتمثل في الدول التي يقل متوسط الاستهلاك والرفاهية المادية لسكانها عن البلاد المتقدمة؛ وذلك على الرغم من إمكان تحسين الأوضاع الاقتصادية فيها بوسائل معروفة وواضحة (١) . ومن خلال هذا التعريف فإن مفهوم التخلف الاقتصادي يفترض وجود موارد كافية يمكن استغلالها والاستفادة بها، ولكن لا يتم استغلالها؛ ومن ثم فهذا التعريف يميز بين الدول الفقيرة التي تقل فيها الموارد والثروات. وقد تكون هذه الدول الفقيرة راغبة في التقدم، ولكن فقر إمكانياتها المادية يقعدها عن النمو. أما الدول المتخلفة فسبب تخلفها لا يرجع إلى محدودية الموارد الإنتاجية كما هو في الدول الفقيرة بقدر ما يرجع إلى الاستخدام الرديء للموارد الاقتصادية؛ وهذا الاستخدام الرديء قد يأتي في صورة إهمال الموارد تماماً أو الاستخدام الجزئي لها أو سوء استخدامها؛ كأن تستخدم في نشاط صحيح بنسبة مخطئة أو تستخدم في نشاط خاطئ من الأصل؛ هذا إلى جانب أسباب أخرى قد تأتي من خارج العملية الإنتاجية كالبيئة المحيطة بالعملية الإنتاجية وآثار خصائصها السلبية عليها، وكذلك الآثار السلبية للعلاقات الاقتصادية الدولية كالاستثمارات الأجنبية وطبيعة المنتجات المتبادلة. والتخلف الاقتصادي ينشأ في بيئة مختلة اجتماعياً وحضارياً؛ حيث إن الدول المتخلفة اقتصادياً متخلفة حضارياً أيضاً. ومما سبق نخلُص إلى أن التخلف الاقتصادي ليس مرادفاً للفقر، وإنما هو خلل اقتصادي وحضاري واجتماعي ساعدت على نشوئه عوامل عديدة. وتتميز الدول المتخلفة بوجود موارد ضخمة مع توفر إمكانيات بشرية ومادية لازمة للارتفاع بمستوى المعيشة؛ يرافق ذلك تخلف في طرائق الإنتاج والتنظيم الاجتماعي والتطبيقات الاقتصادية لاستغلال هذه الموارد ومن ثم النهوض بالدولة المتخلفة والوصول بها إلى درجات عالية من النمو الاقتصادي. ٢ ـ مقاييس التخلف الاقتصادي: استُخدمت في قياس ظاهرة التخلف الاقتصادي وتحديد مداها ومستوى أو درجة التقدم أو التخلف بين الدول المختلفة معايير متعددة. فمثلاً: معيار مستوى متوسط نصيب الفرد من الدخل العام للدولة اتُّخِذ معياراً مناسباً للتفرقة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة وترتيب الدول المتخلفة بنسبة بعضها لبعض، ويعتبر بعض الباحثين أن الدول المتخلفة هي التي يقل فيها متوسط دخل الفرد في السنة عن مقدار معين من الدولارات، أو أن الدول النامية لا يتجاوز فيها دخل الفرد في السنة عن رُبع متوسط دخل الفرد الأمريكي (٢) . كما تقسَّم دول العالم المختلفة إلى مجموعات تبعاً لمستويات متوسطات الدخل، هذه المجموعات هي: الدول الشديدة التخلف، والمتخلفة نوعاً ما، والدول المتقدمة نسبياً، والدول المتقدمة. ويعتري هذا المقياسَ قصور واضح؛ حيث لا يكفي وحده كمعيار دقيق للدلالة على الأوضاع الاقتصادية ومستويات المعيشة في الدول المتخلفة وطرق التوزيع فيها، كما أنه على الرغم من انخفاض مستويات الدخول الفردية في الدول النامية بصفة عامة إلا أن هناك من هذه الدول دولاً نفطية يزيد فيها متوسط دخل الفرد عن متوسط الدخل الفردي السائد في كثير من دول العالم تقدماً. ولتلافي القصور في هذا المقياس فإن بعض الاقتصاديين يرى أن يضاف إلى هذا المقياس بعض المقاييس الأخرى التي تعبر عن مستوى الاستهلاك في سلع أساسية وبعض سلع الرفاهية الاجتماعية كالمياه والكهرباء والتلفزيون والمستوى التعليمي للسكان، ومستوى الرعاية الصحية المتوفرة لهم (٣) . وهذه جوانب هامة توضح نواحيَ من معيشة السكان؛ إلا أنها لا تعبر عن كافة النواحي التي يتعين التعرف عليها للحكم على مدى تقدم دولة أو تخلفها كإهماله لنواحي هامة كالإنتاجية والعمالة، ومستوى الأداء الإنتاجي والادخار والاستثمار، ومدى توفر الموارد الإنتاجية للاقتصاد، وطبيعة استغلال الموارد المتاحة، ومدى التناسق بين قطاعات ومؤسسات الاقتصاد المختلفة. وقد أدى ذلك إلى وضع أكثر شمولية للتفرقة بين الدول النامية والدول المتقدمة وهو مدى قدرة الدولة على توفير احتياجات السكان الاقتصادية والاجتماعية والبيولوجية والنفسية وغيرها من سائر الاحتياجات الإنسانية. ووفق هذا المعيار فإن «الدولة المتخلفة هي التي توفر لسكانها من احتياجاتهم قَدْراً أقل مما توفره الدول المتقدمة» (١) . إلا أنه معيار غير قابل للقياس في حد ذاته، ولا يوجد هناك طريقة لترجمته إلى مقياس عملي لتقدير مدى إشباع هذه الحاجات، ولعدم وجود معايير موضوعية لتقدير هذه الاحتياجات والتي تختلف باختلاف الأفراد والبيئات والفترات الزمنية وغيرها من عوامل أخرى عديدة، ولأنه أيضاً لا يبين الموارد المتاحة للمجتمع ومدى استغلال هذه الموارد وأساليب هذا الاستغلال أو تكلفته. ونخلُص مما سبق إلى أنه من الصعب الوصول إلى تعريف جامع مانع لا يعتريه القصور لمقياس التخلف الاقتصادي، وليس معنى ذلك إسقاط أدلة هذه المعايير التي أبرزت درجات التخلف. ولكن ما ينبغي الإشارة إليه هو أن هذه المعايير تتبع مدارس فكرية تختلف عن واقع الدول المتخلفة، ولذا فإن هذه الدراسات التي تنبع من تلك المدارس عادة ما توصي بعلاج لهذه المشاكل من خلال سياسات وإستراتيجيات إنمائية قد لا تناسب ظروف هذه الدول النامية وحاجتها إلى وسائل معينة للعلاج، أو أنها تفرض عليها من خلال مؤسساتها الاقتصادية طرقاً لا تتناسب مع بيئتها الاقتصادية، ولا تتفق مع قوميتها الاقتصادية، ومن ثَم تقع فريسة لحالة من التبعية الفكرية والاقتصادية. ثانياً: الفرق بين الفقر والتخلف في المفهوم الإسلامي: ١ ـ المفهوم الإسلامي للفقر: الإسلام يرى أن الفقر هو: «عدم القدرة على الحصول على الاحتياجات الضرورية لعدم توفر أسباب العيش الكريم الرغد، وهو ما يعني العِوَز والتعرض للجوع والحرمان والإملاق» (٢) . ومن ثَم فجهود التنمية وعمارة الأرض في الإسلام تهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحسينه بانتظام بما يكفل توفير حد الكفاية لجميع الأفراد، أي إغناء كل فرد بحيث يكون قادراً على الإنفاق على نفسه وعلى من يعول؛ وذلك تمييزاً له عن حد الكفاف الذي يعد الحد الأدنى للمعيشة. ولا يقتصر توفير حد الكفاية على ضرورات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، بل يمتد إلى ما يلزم لتهيئة حياة كريمة للفرد مثل توفير الرعاية الطبية والتعليم الأساسي وسبل الزواج، أي كل ما يجعل الفرد يلحق بالمستوى المعيشي السائد في المجتمع. والفقير في المفهوم الإسلامي هو من لا يملك قوت يوم وليلة لقوله ﷺ : «من سأل وعنده ما يغنيه؛ فإنما يستكثر من النار، فقيل: وما حد الغنى يا رسول الله؟ قال: شِبَعُ يوم وليلة» رواه أبو داوود (٣) . ٢ ـ المفهوم الإسلامي للتخلف الاقتصادي: إن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية وأفعال الصحابة ليدرك أن الإسلام ينظر إلى التخلف على أنه تراخٍ عن العمل، وتراخٍ في السعي في طلب الرزق وعمارة الأرض بشكل فعال؛ فإن الله قد أعطى للإنسان العديد من الثروات والنعم التي لا تحصى، وطالبه بعمارة الأرض. يقول ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] ، وإن الإسلام يساعد الفقراء من مال الصدقة، ولا يساعد المتخلفين أو القاعدين عن العمل بغير عذر. وهكذا فرق الإسلام بين الفقر والتخلف، واعتبر أن للفقير حقاً معلوماً في الزكاة وموارد بيت المال. وعمارة الأرض ـ وهي مطلب شرعي ـ غير مقصورة على البعد المادي المتمثل في إنتاجٍ ما من المنتجات، بل يشمل أبعاداً أخرى اجتماعية وثقافية وأخلاقية؛ حيث تهدف عمارة الأرض إلى إقامة مجتمع المتقين الذي يتمتع بمستوى معيشي طيب يصل إليه بزيادة الإنتاج إلى أقصى حد مع استشعار تقوى الله في ذلك. فإذا أصيب المجتمع بمصيبة التخلف؛ فإن هناك ثلاثة معايير يمكن النظر إليها على أنها تفرقة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة؛ وذلك في المفهوم الإسلامي: ١ ـ وجود الموارد الطبيعية الملائمة. ٢ ـ وجود الجهد البشري الفعال الذي يتعامل مع تلك الموارد أو يحيلها إلى منتجات نافعة. ٣ ـ وجود القيم التي تضمن بصفة مستمرة تفاعل الجهد البشري مع الموارد، ومن ثم دوام عملية الإشباع المتزايد للحاجات. إذا وجدت تلك العناصر مجتمعة فإن المجتمع يعتبر مجتمعاً متقدماً، أو بالتعبير القرآني: مجتمعاً يحيا حياة طيبة تجمع بين رغد العيش واطمئنان النفس. يقول ـ تعالى ـ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] . وتعد عمارة الأرض من أهم الأعمال الصالحة. وإذا تخلف عنصر من العناصر السابقة فَقَدَ المجتمع طيب الحياة؛ فإذا خلا من الموارد الطبيعية المناسبة فعليه أن يبذل قصارى جهده في تعويضها وإلا كان فقيراً وليس متخلفاً ما دامت بقية العناصر قائمة. وإذا فُقِدَ الجهد البشري في عمليات الإنتاج مع توفر الموارد فإنه في تلك الحالة يعتبر متخلفاً؛ إذ كان في إمكانه التقدم ولم يفعله، وإذا فقد مجموعة القيم الصالحة التي تضمن دوام التلاحم ونمو الإنتاج وعدالة توزيعه فإن ضخامة إنتاجه الاقتصادي لن تستمر طويلاً، وإذا كان متقدماً فهو تقدم وقتي سرعان ما يزول. يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . ومما سبق نخلُص إلى أن الإسلام ربط المشكلة بالإنسان وبما هو عليه من قيم، أي ربط المشكلة بجذورها الثقافية والاجتماعية العميقة مع عدم تجاهل عنصر المال ولا عنصر النشاط الاقتصادي للإنسان، أي العنصر المادي في التقدم. ٣ ـ ظاهرة التخلف الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية وكيفية قياسها: إن جميع البلدان الإسلامية تعاني اليوم من التخلف الاقتصادي؛ فهذا لا خلاف حوله؛ حيث وقعت هذه الدول في حالة من التخلف الاقتصادي، كما أن معظم تلك البلدان قد أخفقت في أن تكون لها آلية نمو ذاتية نابعة من داخلها؛ فقد نتج التخلف الاقتصادي من تمزق النظام الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية بسبب الهيمنة الأجنبية الطويلة، وأدى شلل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى عجزها عن الوفاء بحاجات الناس وإحداث تطور حقيقي؛ حيث ربط الاستعمار اقتصاده باقتصاديات الدول الإسلامية كتكملة له كارتباط التابع بالمتبوع؛ حيث حرص الاستعمار على عدم السماح للمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية أن تلعب دوراً في إحداث عملية نمو ذات جذور محلية، بل على العكس؛ فقد حرص على أن تحدث التنمية الاقتصادية على يد أنواع من المؤسسات الغربية. وترتبط ظاهرة التخلف الاقتصادي بالقيم والمعتقدات؛ وذلك أن سبب التخلف الاقتصادي هو انحراف قيم ومعتقدات المجتمع الإسلامي وضعف بنيانه الاجتماعي، ولو أن المجتمعات صححت معتقداتها والتزمت بالقيم السليمة لأعطاهم الله بركات السماء والأرض على شكل ثروات مائية ومعدنية ومنتجات ودخول مباركة (١) . ومن ثَم فهذا التخلف الاقتصادي الحادث في العالم الإسلامي هو بسبب الإعراض عن تعاليم وأوامر الله؛ فالأرض هي الأرض، والموارد هي الموارد، والإنسان هو الإنسان، ولكن السبب هو زوال القيم الصالحة التي يريدها الله أن تسود فترتقي الحياة وتتقدم (١) . ٤ ـ قياس التخلف الاقتصادي في المفهوم الإسلامي: ركز المنهج التقليدي على معدل تزايد الدخل الفردي الحقيقي كمقياس للتنمية والتخلف الاقتصادي، وزاد عليه مؤشرات أخرى مثل معدل البطالة والعدالة في توزيع الدخل وغيرها، إلا أن هذا المقياس لا يصلح وحده لقياس التخلف في المفهوم الإسلامي؛ حيث يرى أحد الباحثين أن المقياس الصحيح يجب أن يتعدى استخدام كل نماذج النمو الإجمالية المبسطة والتي تهتم بالتركيز على الحد الأقصى لمعدل النمو على أنه المؤشر الوحيد للتنمية، وأن عدم تحقيقه يمثل صورة للتخلف؛ إذ إن هناك المقياس الاجتماعي ومدى توزيع ناتج التنمية على مستحقيها (٢) . ويقترح بعضهم مقياساً آخر للتخلف الاقتصادي بعد رفض مقياس دخل الفرد في المتوسط، ويسمى (المقياس الإسلامي) وهو الوضع الحقيقي لكل فرد في المجتمع في صورته الحقيقية المتمثلة في السلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها (٣) ؛ على أنه لم يتضح الفرق بين هذا المقياس ومعدل الدخل الفردي الحقيقي الذي بسطته كتابات التنمية الاقتصادية في المنهج التقليدي. ويقترح آخرون مقياساً للتخلف والتقدم من خلال مدى الالتزام بالإسلام عقيدةً أو شريعةً، ويمكن في ذلك استخدام مؤشرات معينة مثل مدى الأخذ بالأصول والمبادئ الدستورية في نظام الدولة، ومدى إقامة المؤسسات الإسلامية، ونشر الدعوة، وتوفير المساجد، وأجهزة البر وجهاز الحسبة، وما إلى ذلك (٤) . ومما سبق نخلُص إلى أن محاولة تفسير ظاهرة التخلف التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية من منظور إسلامي تحتاج منا إلى وقفة للتعرف على ماهية هذه المجتمعات؛ وذلك لأن ظاهرة التخلف لها سمات عامة تشترك فيها الدول المختلفة بغض النظر عن الدين. والذي يجعل لظاهرة التخلف في الدول الإسلامية سمات خاصة بها هو أن كثيراً من المجتمعات الإسلامية في زمننا قد ورثت الإسلام كدين تؤدي فرائضه الدينية على أحسن تقدير؛ أما ما يتعلق بما يتطلبه الدين الإسلامي من ممارسات يومية وأنظمة وغيرها فلا وجود له؛ ولهذا فإن تفسير ظاهرة التخلف التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية الحالية لا تختلف عن ظاهرة التخلف التي تعاني منها الدول غير الإسلامية بما تشتمل عليه من سمات، ولكن تزيد في حدة العقاب الذي ينزله الله على شعوبها لبعدها عن تعاليم الإسلام وانبهارهم بالتقدم المادي للآخر ومحاولاتهم اليائسة والفاشلة للحاق بركب الآخر كمبتغى لأهدافه التنموية. والمسألة لم تعد مسألة انتقال الجنوب من حالة التخلف إلى مصاف الشمال المتقدم؛ على الرغم من أن هذا الانتقال شبه مستحيل، بل إن المسألة هي: كيف يمكن تحقيق نموذج عالمي بديل يتجاوز الأزمة الحضارية التي بلغتها تجارب الدول المتقدمة نفسها؟ وهي تجارب قامت على مفهوم للسيطرة ذي حدين: سيطرة الإنسان على الإنسان، وسيطرة الإنسان على الطبيعة، وهو مفهوم كانت نتيجته تفاوتاً في المشهد بين بلدان أو طبقات غنية تتمتع بمستوى معيشي واستهلاكي مرتفع، وبين بلدان أو طبقات ما زالت تشكو من الجوع والحرمان والفقر والجهل والبؤس والتخلف من جهة، وإخلال رهيب في النظام الطبيعي إلى حد بات يهدد مستقبل الحياة على الأرض من جهة أخرى. ومن هنا تبقى الحاجة إلى نموذج بديل يتجاوز هذه النماذج، ومنظومة أخرى تحقق المصالحة بين الإنسان والإنسان من جهة، والإنسان والطبيعة من جهة أخرى؛ وكله لا يأتي إلا من خلال العودة إلى تعاليم الله وشريعة السماء، وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَي آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]

стр. 5903

عوامل الاستقرار أ. د. عبد الوهاب بن لطف الديلمي إن الأمن والاستقرار من أهمِّ مطالب الحياة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بالعبادة على الوجه المطلوب، ولا أن يمارس أي عمل من شؤون الحياة اليومية ما دام الخوف مخيماً، والقلق والاضطراب يسيطر على الأفراد والجماعات، ذلك أن الإنسان في ظل فقدان الأمن يصبح مستهدَفاً في ماله ودمه وعرضه يترقب متى تنزل به مصيبة.. ومن هنا ندرك أهمية الحاكم المسلم الذي يحفظ على الناس حقوقهم العامة والخاصة. وإذا كان هذا يعني: ضرورة إقامة السلطان؛ فإن من أهمِّ الأمور أيضاً ـ بعد وجود الحاكم ـ ضرورة حسن العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ لأن الحياة لا تستقيم إلا بالتعاون بينهما؛ فالإسلام قد أوجب على الحاكم واجبات بمقتضى ولايته، كما ألزم المحكومين بواجبات نحو المحاكم، فإذا ما قام كل منهما بواجبه استقامت الحياة واستقرت. ومن أهمِّ واجبات الحاكم أمران: ١ ـ إقامة العدل الذي لا يعرف المحاباة، ولا المداهنة، بحيث يستوي في إقامته الغني والفقير، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، والحاكم والمحكوم؛ حتى يشعر الناس بعدم التمييز بين الأفراد والطبقات، وأنهم يعيشون في ظل الإسلام الذي بعث الله به رسوله رحمةً للعالمين، وبهذا يتحقق قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا ... ﴾ الآية [النساء: ١٣٥] . ٢ ـ الاهتمام البالغ من ولاة الأمور، وأهل العلم بالدعوة إلى الله ـ تعالى ـ وبذل الجهد في تربية الفرد والأسرة والمجتمع، بحيث تتكاتف جهود الجميع بالقيام بهذه الفريضة التي كادت تغيب من مجتمعات المسلمين، فإن نوازع الشر الكامنة عند كثير من الناس لا يمكن كبحها وإطفاء جذوتها، إلا بغلبة جانب الخير عند المرء وبقوة الإيمان، وقد كان الرسول ﷺ يتعاهد أصحابه بالمواعظ، وهم السابقون إلى الإسلام، الذي عاصروا نزول الوحي، وعاش بين أظهرهم الرسول ﵊؛ فالانحراف في حقهم مستبعد، ولذا يقول الله ـ تعالى ـ في شأنهم: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١] . ومع ذلك لم يكونوا في غنى عن التذكير بصورة دائمة والتربية والموعظة، وهذه كانت إحدى مهمات الرسول ﵊ التي بعثه الله ـ تعالى ـ لتحقيقها، قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤] . وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إن رسول الله ﷺ كان يتخوّلنا بالموعظة في الأيام، مخافة السّآمة علينا» متفق عليه. وفي هذا دليل على تعاهده ﵊ لأصحابه بالموعظة في غير ما إفراط ولا تفريط. والوصول إلى هذه الغاية ـ أعني: التأسِّي برسول الله ﷺ في هذا الأمر ـ لا يمكن تحقيقه إلا من خلال دوام التذكير، والتربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتأتَّى كل هذا إلا بالأمور التالية: أـ أن تتوجه وسائل الإعلام بجميع أشكالها إلى خدمة هذا الهدف العظيم، بحيث لا تنشر شيئاً مناقضاً ولا مصادماً لما يراد الوصول إليه من بناء المسلم السوي في تصوراته، وسلوكه، وأخلاقه، ومعاملاته، ومن باب أَوْلى عقيدته وعبادته. ب ـ أن تتاح الفرصة للعلماء والدعاة بالمشاركة الواسعة في هذا المجال. جـ ـ أن تنظم ندوات ومحاضرات علمية للدعاة في أماكن عامة، يُدعى إلى حضورها عامة الناس، على أن يتم اختيار موضوعات معينة، تعالج بعض الظواهر السلبية. د ـ تشجيع كل من يساهم في هذا العطاء، مثل: خطباء المساجد وأئمتها، والكُتّاب، ودور التسجيلات الإسلامية، والعاملين في الجامعات والمعاهد والمدارس، ودور القرآن الكريم، والمدرسين فيها، وكذا تشجيع العاملين في المؤسسات الخيرية، التي تسعى إلى رفع المعاناة عن كاهل الشرائح المحرومة كلها، وتمثل همزة الوصل بين الأغنياء والفقراء، وتحيي روح الأخوة الإيمانية من خلال التكافل، وبذلك يسهل تربيتهم وتوجيههم وتحصينهم من الأفكار والدعوات الدخيلة. هـ ـ القضاء على كل مظاهر الفساد والإفساد، بحيث لا يرى المسلم ولا يسمع في مجتمعه وبيئته أينما اتجه إلا ما يساعد على استقامته على الحق، ويحيي في نفسه معاني الفضيلة والخير، ويقوي عنده دوافع الخير، ويجعله شديد الرغبة في الاستمساك بدين الله في جميع شؤونه. وـ إسناد وظيفة الحسبة إلى جماعة من أهل العلم ممن منحهم الله ـ سبحانه ـ القدرة على حسن التعامل مع الناس بالحكمة، وسداد القول، وحسن التوجيه؛ حتى يقوموا بواجبهم في إنكار المنكر، ومعرفة جوانب الخلل والانحراف الذي قد يظهر في المجتمع، على أن يكونوا قدوة صالحة في إبراز أخلاق الإسلام، وفضائله، بحيث يتمثل فيهم قول الحق ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] . فإن تقويم سلوك الناس وحملهم على الحق لا يأتي عن طريق الغلظة والفظاظة، ولا تُغرَس الفضيلة في النفوس برفع السياط على الأظهر، فإن القسوة في التعامل قد تحدث سلوكاً متكلَّفاً مفتعلاً، يتحلل الإنسان منه كلما غابت عنه رقابة البشر وسطوته، وهذا أمر غير مطلوب؛ لأنه لا يعطي النتيجة المرجوة، بل المطلوب هو تقوية الإيمان، وغرس القناعة التامة بالسلوك السويّ، وأن يغلب على الداعية صفة الرحمة والرفق واللين والحلم؛ فقد كانت وصية رسول الله ﷺ لأبي موسى ومعاذ ﵄ حيث بعثهما إلى اليمن أن قال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تُنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» متفق عليه. والتيسير ـ في إطار الشرع ـ مطلوب، خاصة مع كثرة الفتن اليوم، وشيوع الدعوات الهدامة، وانفراط عقد الأمة، وغياب هيبة السلطان، وهيبة العلماء. ولا ينبغي أن تنحصر محاولة إقامة الناس على الحق في تتبُّع زلاتهم، وإنزال العقوبات والحدود على من يتجاوز حدود الشرع بالوقوع في المعاصي، فإن الإسلام لم يشرع إقامة الحدود من أجل إنزال العقوبات بالناس، وإنما شرعها بعد أن ضرب سياجاً قوياً على الفرد والأسرة والمجتمع من الإيمان والأخلاق، وقضى على مظاهر الفساد، ويسّر مجالات الكسب والعمل، ودعا إلى تيسير الزواج وحارب الأغلال التي تحول دون تحصن الشباب والشابات من وقت مبكر، ونشر التوعية في الأمة، وأقام العدل، وتعاهد العاجزين عن العمل والعاطلين عنه، وأحسن توزيع ثروة بيت مال المسلمين؛ إلى غير ذلك من الضمانات التي تحول دون الوقوع في الجريمة، ثم بعد ذلك إذا وُجِدَ في المجتمع أصحاب الشذوذ في أخلاقهم وسلوكهم يقام عليهم الحدّ عند وجود موجبه. وهذا الأمر بهذه الصفة لا يكاد يوجد اليوم في أي مجتمع من المجتمعات المسلمة، وإن ادّعت بعضها لنفسها أنها تحتكم إلى الإسلام، وتحكم به، وتقيم حدوده. والسير على غير هذا المنهج انحراف عن مسار الإسلام الصحيح، وتشويه لحقيقته ومقاصده، وإساءة إليه بفتح ثغرات ينفذ منها أعداء الإسلام للطعن فيه والتشكيك في أهدافه ومقاصده وحقيقته، ويبوء بالإثم كل من كان سبباً في ذلك. ولا ننسى ما للسلطان من تأثير طيب بالغ في زجر الناس عن اقتراف المعاصي، إذا ما كان قدوة حَسَنةً في سلوكه، مُمَكِّناً للإسلام في سلطانه، وما أصدق قول عثمان ﵁: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» . وإذا أصبح الناس يمارسون السلوك القويم، والأخلاق الحسنة؛ طواعيةً دون رهبة من السلطان، ولا خوف من رقابة الناس، فهذا دليل على نجاح الدولة التي استطاعت أن ترتقي برعاياها إلى هذا المستوى الرفيع، وأراحت نفسها من عناء ملاحقة المنحرفين، ورصد الأموال والرجال لتتبُّع أحوال الناس وسلوكهم وجعل الحياة مشحونة بالتوتر والقلق والريبة. أما إذا كان الفرد في المجتمع لا يمارس السلوك السوي إلا تحت قهر السلطان، ومراقبة القانون، فهذا دليل على فشل الدولة في تربية أبنائها وحملِهم على مزاولة الحق رغبةً فيما عند الله ـ سبحانه ـ، وخضوعاً وانقياداً لأمره ونهيه. وهنا لا بد من الإشارة إلى بعض العوامل التي تحمل على الانفلات والتحلل من الواجبات الشرعية، والوقوع في المنكرات، وغياب الوازع الإيماني؛ حتى يقوم العقلاء بتحاشيها، والتحذير منها، وإغلاق منافذها: من هذه العوامل: ١ ـ إشاعة وسائل الفتنة في المجتمع وتيسير الوقوع في الفاحشة. ٢ ـ عدم التزام وسائل الإعلام بنشر الفضيلة، وترك الحبل على الغالب في الدعوة إلى ما يثير الشهوات أو يُعلِّم طرق ممارسة الجريمة، أو يروّج للكذب، أو يشوه تاريخ المسلمين، أو يرفع من شأن العابثين بالأخلاق أو بمقدرات الأمة، ويرفع كذلك من شأن سقط المتاع. ٣ ـ الاكتفاء بمجرد إقامة الحدود من قِبَل الحاكم ـ إن أقامها ـ، وقد يقيمها على طائفة دون أخرى، دون محاربة ما يدعو إلى الوقوع في الجريمة. ٤ ـ غياب رقابة ولي أمر الأسرة وملاحظةِ سلوك من ولاّه الله عليهم: من زوجة وولد وغيرهما، أخْذاً بحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..» . ٥ ـ وجود طبقات مترفة، لا تعبأ بأخلاق الإسلام، ولا تلتزم بآدابه، ولا تحسن التعامل مع سائر الطبقات الأخرى، مما يوجد الانفصام داخل المجتمع الواحد، ويغرس الضغائن والأحقاد. ٦ ـ التناقض الواضح في سلوك بعض من يدّعي الإسلام، مثل: التعامل بالربا وإشاعته والترويج له، والتشجيع على لعب الكرة دون ضوابط تجنّب سلبياتها التي تؤدي إلى ضياع الأوقات والأموال، وإثارة الأحقاد، وكشف العورات، ودون أن يكون هناك هدف شرعي يحقق مصلحة عامة للأمة من وراء ذلك. إلى غير ذلك من الأعمال المصادمة للشرع. ٧ ـ فتح الباب على مصراعيه لاستقدام العمالة، وخاصة الذي يعملون في البيوت داخل الأسر، مما أدّى إلى الدمار والخراب وهدم البيوت الذي لا ينكره أحد، خاصة من قِبَل الذي لا يدينون بالإسلام، بل الذين قد يكون لهم أهداف في تقويض مجتمعات المسلمين ونشر الفساد فيها. ٨ ـ مزاحمة أصحاب النفوذ لعامة الناس في معاشهم، والتحكم في مصادر العيش إلى حدِّ تضييق الخناق على كثير ممن يمارس الأعمال الحرة، مما يضطر الكثير إلى المهاجرة بأموالهم لاستثمارها خارج ديار المسلمين، هذا إذا لم يتعرض بعضهم للإفلاس مما يسبب كارثة على المسلمين. ٩ ـ تحجيم رسالة المسجد والتضييق على الدعاة. ١٠ ـ عدم الرجوع إلى العلماء عند النوازل، وعدم الأخذ برأي أهل الرأي من خلال إحياء الشورى بصورتها الصحيحة في شرعة الإسلام. وفي الختام أسأل الله ـ تعالى ـ أن يبصِّرنا جميعاً عيوبنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا إلى خدمة ديننا وأمتنا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير (آمين) .

стр. 5904

مؤسسات القطاع الخاص وتحديات المستقبل عبد الله بن عبد اللطيف العقيل يواجه الكثير من مؤسسات القطاع الخاص، على اختلاف أنشطتها وتخصصاتها، مشكلات متنوعة وتحديات كبيرة، تجعلها على مفترق طرق مجهولة ومليئة بالمخاطر، كما يواجه الكثير من المديرين صعوبات عديدة في تحقيق النجاح الحقيقي والتنمية المستقرة لمؤسساتهم، وصعوبات أكثر في مواجهة التحديات المختلفة. وسنحاول باختصار من خلال النقاط التالية إلقاء الضوء على أبرز هذه التحديات. أولاً: تشوُّش الأهداف وضعف الرؤية: من المشاهَد أنّ كثيراً من المؤسسات تستجيب استجابة غير متوازنة وغير واضحة لما يدور فيها وحولها من أحداث ومتغيرات؛ بسبب عدم وضوح الأهداف وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تستند إليها في اتخاذ القرارات الهامة، حتى إن الأسئلة الكبيرة أمثال: لماذا أنتم هنا؟ إلى أين تتجهون؟ ماذا تريدون الوصول إليه؟ يصعب أن يجيب عنها معظم العاملين في كثير من المؤسسات بمن فيهم مديرو العموم ومديرو الإدارات. ويعتبر وضع الأهداف الواضحة العملية والواقعية وتحديدها، سواء منها البعيدة أو المتوسطة أو القصيرة، وما يتبعها من وضع خطط تنفيذية مدروسة بعناية، من أصعب المهمات على مديري العموم ورؤساء مجالس إدارة المؤسسات، ومن أوجب واجباتهم، وأهم مهماتهم، وأولى أولوياتهم. ثانياً: الكفاءات البشرية: برغم أن العنصر البشري، أو المورد البشري، هو أهم موارد أية مؤسسة تبحث عن النجاح، وهو سر تميزها ونجاحها أو إخفاقها؛ إلا أن كثيراً من المؤسسات لا تتعامل مع ما يتعلق بهذا المورد بالمستوى الذي يستحقه، اختياراً وتنمية ودعماً. وتواجه الكثير من المؤسسات تحدياً حقيقياً بخصوص الاختيار الصحيح للمكان الصحيح مع التنمية الصحيحة المستمرة للموارد البشرية، وإن المؤسسات الناجحة والرائدة والتي تبحث عن النجاح والريادة والثبات في عالم الأعمال المضطرب وسريع التغير هي التي تستثمر استثماراً حقيقياً مدروساً ومنظماً في الموارد البشرية، ابتداءً من الجهد الكامل في تحقيق حسن الاختيار بوسائل دقيقة وموضوعية، ثم بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب ومنحه الحقوق والميزات المناسبة، ثم بالتحفيز المستمر والتنمية المستمرة لهذه الموارد البشرية بمختلف الوسائل، فضلاً عن التعامل السليم مع مشاكل هذه الموارد البشرية وقصورها. ثالثاً: ضعف التنظيم وخلل البنيان الداخلي: يؤدي ضعف التنظيم إلى خلخلة موقع المؤسسة وإضعاف قدرتها على الصمود والاستقرار أمام المتغيرات المتسارعة والتحديات المستمرة، كما يؤدي إلى إحباط العاملين، ومن ثَم قد تفقد الكثير من المؤسسات المصداقية والاعتمادية والثقة أمام العاملين فيها والمتعاملين معها وعملائها. ويُقصد بالتنظيم: اللوائح الداخلية الشاملة المدروسة، وأنظمة التقييم الموضوعية للعاملين ولأقسام المؤسسة، كما يُقصد بالتنظيم: السياسات والإجراءات والنماذج وبرامج الحاسب الآلي الشاملة التي تساهم في تحقيق جَوْدة الأداء وكفاءته، وتوفير الوقت والجهد والمال، مع الخدمة الممتازة للعملاء. ويحتاج بناء التنظيم السليم وتحقيقه في أي مؤسسة إلى جهود مهنية وعملية ودراسة واقعية، وإلى مشاركة فاعلة من جميع العاملين في المؤسسة وعملائها. رابعاً: تحدي الجودة: إن تحقيق الجَوْدة الشاملة في المنتجات والخدمات وفي مختلف أعمال وأنشطة أية مؤسسة يحتاج إلى جهد متواصل وعميق، مع تطوير وفحص مستمر للمنتجات والخدمات ومختلف الأعمال والأنشطة. وإذا كان تحقيق الجودة الجزئية في المنتج ذاته أو الخدمة قد أصبح متوفراً في كثير من المؤسسات الخدمية والصناعية؛ فإن تحقيق الجودة الشاملة والمستمرة لا يزال تحدياً كبيراً؛ لما يتطلبه من جهود جادة وشاملة ومثابرة مستمرة لا تتوقف. إن معاني الجودة العالية الشاملة المستمرة لا تتحقق إلا من خلال مجموعة متكاملة من الأمور، ومن أهمها: حسن اختيار ثم تنمية الموارد البشرية، تحقيق مبدأ (الجودة والتميز مسؤولية الجميع) ، السياسات والإجراءات والآليات العملية السهلة والمُحكَمة، إشراك العاملين بشكل فاعل في التطوير وفي علاج المشاكل ومواجهة الصعوبات، وضع فرق العمل وعمل الاجتماعات الدورية المنظمة، المراجعة العميقة والمنتظمة لبيانات وتقارير الأداء والإنتاج وشكاوى العملاء، الاستخدام الأمثل لمختلف موارد المؤسسة، المتابعة المستمرة لمقترحات العاملين والعملاء، قوائم ونماذج وآليات فحص الجودة، اختيار المواد والأدوات الأجود والأفضل نوعاً واعتمادية وسعراً، وأخيراً رفع حسِّ الجودة ومعانيها ومفاهيمها في المؤسسة ولدى العاملين فيها باستمرار. خامساً: الصعوبات المالية: وهي نتاج طبيعي للتحديات الأربعة السابق ذكرها، مضافاً إليها ما يلي: ـ ضعف أو قصور آليات التسويق بمعناه الشامل، مع زيادة مصاريف التسويق غير المنظم وغير المدروس بعناية، فضلاً عن غياب استراتيجية مركَّزة وواضحة للتسويق. ـ زيادة الوظائف والوحدات والأقسام، وعشوائية التنظيم، وتداخل وازدواجية المهام والأعمال. ـ المصروفات العشوائية. ـ ضعف أو عدم سلامة آليات احتواء التكاليف. ـ غياب التخطيط السليم. ـ ضعف أنظمة الحاسب الآلي المتكاملة التي تحقق الدقة والسرعة والضبط وتوفير الوقت والجهد والموارد المختلفة. ـ انخفاض حسِّ التكلفة وغياب مبدأ (موازنة المنفعة مع التكلفة) لكل قرار مالي أو استثماري. سادساً: المنافسة والعولمة: لا شك أن دخول أي بلد لمنظمة التجارة العالمية يفرض على المؤسسات فيه استحقاقات كبيرة وعاجلة، وهو بلا شك امتحان كبير لقوة وصلابة أنظمة المؤسسات وبنيتها الداخلية وجودة خدماتها ومنتجاتها، هذا فضلاً عمّا تواجهه المؤسسات أصلاً من منافسة داخلية في البلد الواحد ومنافسة مع الخدمات والمنتجات المستوردة، وبرغم قوة هذا التحدي وأولوية التعامل معه، خاصة في ضوء انضمام الدول واحدة تلو الأخرى إلى هذه المنظمة، وآخرها دخول المملكة العربية السعودية؛ غير أننا جعلنا هذا التحدي في آخر الترتيب في الكتابة لنقول: إن أي مؤسسة تتغلب على تلك التحديات السابقة، وتواجهها بإرادة قوية ورؤية واضحة وقرارات شجاعة، لا خوف عليها ـ إن شاء الله ـ من المنافسة الداخلية والخارجية، ومن نتائج الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5905

شروط العلمانية د. محمد يحيى من الأفكار التي يدأب العلمانيون في العالم العربي على ترديدها على خلاف الدعاوى التي يعملون في إطارها من إقامة دولة مدنية ... إلى إعمال العقل؛ أنهم يريدون إحلال المساواة، وإقرار حقوق المواطنة، وفتح الباب واسعاً للحريات. وحسب هذه الدعاوى وعلى قوّتها يطالب العلمانيون بإقامة الدولة المدنية أو العلمانية بعد إقصاء الإسلام عن الدساتير والقوانين ومجالات الدولة ومؤسساتها. لكن هؤلاء يمارسون هنا خدعة غريبة، ويعملون في إطار ازدواجية غير مسبوقة، اللهم إلا في ممارسات أعداء الإسلام من الصهاينة والغربيين، فهم إذ يدعون إلى فصل الدين عن الدولة والسياسة والحكم والقوانين وشتى مؤسسات البلاد؛ لكي ينفتح الباب أمام إعمال المساواة والمواطنة والمدنية ـ كما يزعمون ـ لا يقطعون الشوط ـ الذي يدّعون ـ إلى آخره، ولا يطالبون في الوقت نفسه بفكِّ القيود والسدود المفروضة على كل النشاطات الدينية الإسلامية ـ بما في ذلك الدعوية ـ في معظم البلاد العربية تحت مسميات مكافحة التطرف والإرهاب والتشدد. إن العلمانيين يروّجون لفكرة إقصاء الدين عن الحكم والسياسة والحياة تحت مسمى إتاحة الفرصة لإعمال مبادئ المساواة والمواطنة والدولة المدنية، لكنهم في الوقت نفسه لا ينسبون هذه المبادئ إلى الدين الذي أقصوه عن الحياة، ولا يعملون على مدِّ المساواة والحرية إليه؛ فيستمرون في الدعوة إلى إبقاء القيود الراهنة، بل والاضطهاد المحيط بهذا الدين، بحجة أنه لا يمكن السماح للإرهاب بالنمو والانتشار، أو بحجة أن إعطاء النشاطات الدينية الإسلامية الحقَّ في العمل بحرّية في ظل الدولة المدنية سوف يهدد أسس تلك الدولة ويعرّضها دائماً لخطر تسلُّط أعدائها الدينيين. والأمر هنا لا يقتصر على مسألة ازدواجية المعايير، بل إن العلمانيين في هذا التصور يناقضون أسس العلمانية ذاتها كما تعرّفها أو تبشر بها بعض الدول الغربية التي يحذون حذوها؛ فالعلمانية إذا كانت هي فصل الدين عن الدولة ـ أياً كان مضمون هذا الفصل وأبعاده، وأياً كان الواقع الفعلي لممارسته ـ لا يعني ذلك المفهوم الاستمرارَ في هذا الإبعاد والملاحقة والإقصاء والفصل إلى أقاصي أركان الحياة الاجتماعية، ولا يعني الإيغال في هذه الأمور إلى مستوى الدين الأمريكاني! حيث الشعائر والعبادة والأفكار العقيدية وحق المؤمنين وحريتهم في المجتمع لممارسة شعائرهم والدعوة لها والتفكير في شؤون دينهم والعمل على دعم طائفتهم.. إلخ. ولو نظرنا إلى فرنسا ـ مثلاً ـ حيث تدعي الدولة أنها علمانية، وتبالغ في إظهار ذلك كفكر مرجعي لها، لا يؤدي فصل الدين عن الدولة المرفوع كشعار لازم في كل المؤسسات إلى ملاحقة الناس والمذاهب النصرانية واليهودية أو التضييق عليها في أي مجال خارج مجال الحكم المباشر بأضيق معانيه. صحيح أن الوضع في فرنسا يختلف ـ كما هو معروف ـ بالنسبة للمسلمين حيث تفسر العلمانية على طول الخط بأنها تعني: حرمانهم من أبسط الحريات ـ وليست قضية الحجاب ببعيدة ـ، وأنها تعني أيضاً: تدخل الدولة في إدارة مساجدهم، وإملاء مضامين خطب الجمعة والدروس الدينية، ومراقبة كتاباتهم الدينية، والتدخل لمنع ما تراه الدولة مهدّداً لها. كل هذا صحيح لكنه ينطبق على المسلمين وليس على أي ملّة ونحلة أخرى؛ سواء الموصوفة بالسماوية أو الوضعية، مثل: الهندوسية والبوذية. لكنه لا ينطبق بكل تأكيد على النصرانية واليهودية. وصحيح أن هذا يُعدّ نموذجاً مثالياً لحكاية ازدواجية المعايير، لكنه يدل على أن العلمانية في بلادها لها شروط للانطباق، وهي حتى في الحالة المتشددة ـ كما في فرنسا ـ لا تصل إلى الحدِّ الذي يقول به العلمانيون العرب ضد الإسلام الذي يحلو لبعضهم على سبيل الدعاية أن يقول: إنه يؤمن به، والمحصلة هي أن العلمانيين العرب لا يريدون ـ وهم يبشّرون بالعلمانية ويعلنون عن مزاياها في المساواة والحرية والمواطنة ـ أن يلتزموا بأبسط شروطها وأولها المعمول بها في البلاد التي قدمت منها، والتي يتطلّعون إليها للهداية والإرشاد والقدوة. إن العلمانيين العرب يعملون وسط بيئة فكرية وسياسية بل وأمنية سِمَتها الأولى ـ وربما الوحيدة ـ ضربُ الحركات والتيارات الإسلامية وإقصائها عن شتى نواحي الحياة ومعها الدين نفسه؛ حيث تحفل الساحة بمفردات من طراز: تجفيف الينابيع، واستئصال التطرف، وفرض ما يسمى بالاعتدال ولو بالإفراط في استعمال القوة المسلحة، بل إن هؤلاء العلمانيين يعملون بالتحديد كجزء من هذه البيئة وكقوة لها دورها المحدد الذي تؤديه في عملية ضرب الحركات والأفكار الإسلامية ومعها أركان الإسلام نفسه. وهم من هذه الزاوية يؤدون واجبهم على النحو الأكمل وبمنطقية وتفانٍ يحسدون عليها جميعاً. ويذهب هذا بهم إلى حدِّ ارتكاب الازدواجية والنفاق الصريحين. فوسط دعاوى الحرص على الحرية والمساواة والعدالة في المعاملة.. إلخ ـ والتي تصدر أساساً لأغراض الدعاية، ولأغراض استمالة الأقليات غير المسلمة إلى مشروع ضرب الإسلام والمسلمين ـ لا يجد العلمانيون أية غضاضة أو غرابة أو تناقض في أن يعلنوا في الوقت نفسه ـ وهذا هو دورهم الأصيل ومهمتهم المحددة ـ عن ضرورة أن تظل القيود والحصار بل والاستئصال على أبسط النشاطات الإسلامية، بل وأن تتضاعف عما هي عليه الآن تحت حجة الحفاظ على الدولة المدنية من أعدائها. ويقال هذا في الوقت نفسه الذي يطالب فيه العلمانيون بأوسع الحريات، بل وبإقامة كيانات مستقلة وشبه حكومية للطوائف المدنية والعرقية الواقعة داخل بعض الدول العربية. إن تجاهل دعاية العلمانيين العرب لأول شروط التطبيق العلماني ـ كما عرفها الفكر الغربي ـ والممارسة هناك في أحيان كثيرة؛ يشير إلى طبيعة الدور المناط بهم في عملية الهجوم على الإسلام الجارية الآن.

стр. 5906

فلسطين ومقدساتها على مفترق طرق كم تحتاج قضية فلسطين من عقود أخرى وأعوام، حتى تأخذ مكانها اللائق بها في اهتمامات الأمة شعوباً وحكومات وتجمعات؟ وكم تحتاج من الجهد حتى يصحَّح مسارها في اتجاه الانتصار بالخروج من (الحصار) الحقيقي المفروض عليها منذ ما يقرب من ستين عاماً، الحصار على الحدود بفرض القيود التي تحمي اليهود، بل تقدم لهم أسباب القوة والتوسع على أطباق من الهوان والخذلان. الأمة في حاجة إلى من يعيد إلى قضية فلسطين وهجها، حتى تلتف القلوب من جديد حول نداءات شعبها ومقدساتها؛ فمؤخراً بدأت فصول مرحلة جديدة من التآمر على القضية الفلسطينية، لا يدري أحد إلى أين تصل؟ فالمشروع الإسلامي الذي حاولت حركة حماس إقامته على ما بقي من أرض فلسطين سلمياً، قامت الدنيا ولم تقعد من أجل إحباطه سياسياً أو حتى عسكرياً، وثوابت القضية الفلسطينية التي لا تحتمل الجدال وفق مقررات الدين والعقل، تتعرض للنقض عروة عروة؛ فكلما انحلت عقدة، تطلَّع الأعداء إلى التي تليها! والمسجد الأقصى الذي خطط اليهود لهدمه نحو أربعين عاماً بعد احتلال القدس، يبدو أنهم قد قرروا الآن هدمه على مراحل، أو على طريقة السياسي اليهودي الأمريكي «هنري كيسنجر» : (طريقة الخطوة خطوة) ، وهي الطريقة ذاتها التي ظلت تنقل القضية برمتها (خطوة خطوة) إلى حافة التفكك والانهيار. ونحن إذ نتساءل: متى تصل نداءات القدس إلى المسامع، وصرخات المسجد الأقصى إلى القلوب، وأنَّات «فلسطين التاريخية» إلى العقول؟ نفتح هذا الملف، في هذا العدد والذي بعده، لعل نداءات المآذن وصرخات الأقصى وأنّات فلسطين تجد آذاناً تسمع وقلوباً تعي وعقولاً تفهم، قبل أن تتغير الأحوال، وتحل بنا جميعاً سنن الاستبدال.

стр. 5907

فلسطين بين ثوابتنا وثوابتهم د. عبد العزيز كامل الحديث عن (الثوابت) في قضية فلسطين، يمارسه كل الناس: أنصار الشعب الفلسطيني وأعداؤه، الصادقون في النصح وأدعياؤه، الراغبون في الحل والراغبون عنه والزاهدون فيه. كل هذا قد يكون طبيعياً باعتبار اختلاف وجهات النظر ومكونات الفكر والمصالح، أما ما ليس طبيعياً، فهو أن يُراد سَوْق الجميع سَوْقاً، طوعاً أو كرهاً إلى السير وفق منهج من «الثوابت» الإسرائيلية، المسنود بمصالح ورؤى غربية يُطلق على مجموعها: (الشرعية الدولية) ! والأعجب من ذلك أن ينتدب إلى الدفع في هذا الاتجاه أقوام من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا في داخل الأرض المقدسة وخارجها، لتكون السيادة في النهاية لتلك «الشرعية الدولية» الغربية الصهيونية ـ على (الشرعية الإسلامية) التي هي أساس الأسس ومنطلق الحلول الحقة العادلة في هذه القضية؛ فالإصرار يزداد على استبعاد الثوابت الإسلامية عنها كلما ازداد اتضاح الحق من جانبنا، وانفضاح الباطل من جانب أعدائنا. لقد كانت قضية فلسطين، ولا تزال وستظل «قضيةً شرعية» بالمعنى الإسلامي؛ بمعنى أنها نازلة تحتاج دائماً لنظر وعلاج شرعي من قِبَل المسلمين، باعتبار أن العوامل والمسائل التي تحيط بها؛ أكثرها ذات طبيعة دينية، إما من ناحية العرب والمسلمين، أو من ناحية أعدائهم من صهاينة اليهود والنصارى المعتدين. فحقيقة الصراع على أرض فلسطين تحكي قصة المغالبة والنزال بين مقتضيات الحق الإسلامي عقيدة وشريعة، وبين أهداف وغايات أعدائه، القائمة على الباطل ديناً ودنيا. ولهذا فلا بد أن يكون البُعد الشرعي حاضراً ـ وبقوة ـ في كل جولات تلك المغالبة، مع من يمثلون الأبعاد الدينية الكتابية، يهودية كانت أو نصرانية. فلا يصلح أن يظل هؤلاء الأعداء متشبثين وحدهم بمفردات الخطاب العقائدي؛ بينما نظل نحن متراجعين ومطالبين بمزيد من التراجع تحت دعوى المطالبة بـ (تجديد الخطاب الديني) في لهجتنا الإسلامية أو تحديث حديثنا باتجاه «العقلانية» و «الواقعية» الاستسلامية. إن المفردات الدينية عند أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية؛ لا تزال تُصنَّع من مجموعها كل حين (ثوابت) يهتدي بها الساسة، وتوجه في مساربها مسارات السياسة، ولقد كانت ـ وستظل ـ الظِل المخيم في خلفية الأفكار والخطوات والمخططات التي تنطلق منها مشاريعهم فيما يتعلق بقضية فلسطين على وجه الخصوص، وقضية الشرق الأوسط ـ القديم أو الجديد ـ على وجه العموم. ولعل أحداث السنوات الأخيرة من الألفية الثانية، والسنوات الأولى من الألفية الثالثة تثبت أن تلك (الثوابت) لا تزال تعشش في أدمغة الفريقين، حتى وإن سترتها ظاهرياً القبعات أو الخوذات؛ فالاعتقاد بأحقية اليهود والنصارى الدينية في أرض فلسطين، وملكيتهم لما يسمونه بـ (جبل الهيكل) المقام عليه المسجد الأقصى، بل ووراثة هؤلاء للأرض الممتدة من النيل إلى الفرات كبداية للحرب ضد (محور الشر) وأوهام الاختيار الإلهي لهم كمحور للخير، ونحو ذلك؛ كلها تمثل ثوابت إجمالية نظرية عندهم، تتفرع عنها ثوابت تفصيلية عملية، يحرصون على تنفيذها على أرض الواقع. وتترجم هذا أحداث السنوات القليلة الماضية، مثل: خلفيات أحداث انتفاضة الأقصى، وملابسات افتعال الحرب العالمية على الإسلام بزعم محاربة الإرهاب، وتضاعيف الحملة المدبرة منذ عقود لإسقاط «بابل» للوصول إلى الفرات، وكذلك التربص العنيد باليقظة الإسلامية في فلسطين، والتوجه المنظم لحصار الشام بعد حصار العراق، والتهديدات المبطنة والمعلنة لإغراق مصر وخنق السودان وحرق إيران ولبنان، وإطلاق «الفوضى الخلاَّقة» في غيرها من البلدان ... كل ذلك بتداعياته، وما قد يأتي بعده، يمثل دلالة على أن القوم لا يزالون على العهد ـ القديم والجديد ـ ضد أمة القرآن المجيد! \ تشريع الظلم وتقنين الجنون: مع ما يظهر من غياب مقتضيات العدل والعقل في تلك الأفكار؛ غير أنها تجد مساندة مما يسمى بـ (الشرعية الدولية) . فجنون اليهود يتحول إلى «قانون» في شرعة الأمم المتحدة علينا، وظلامات النصارى الغربيين؛ تصير بعد حين «شرائع دولية» ، هذا ما شهدناه وشهده آباؤنا وأجدادنا على مدى ما مضى من عقود تداعي الأمم على قصعتنا المكشوفة! فتقسيم العالم الإسلامي بعد إسقاط كيانه الجامع تحت مظلة «عصبة الأمم» وإعطاء إنجلترا «حق الانتداب» على الأرض المقدسة، ريثما تتم تهيئتها لليهود عبر ثلاثة عقود، ثم صدور قرار التقسيم «العادل» بين المغتصِب والمغتصَب، وتزايد قرارات فرض السلام مع هذا المغتصِب ... كل ذلك يجري باسم «الشرعية الدولية» التي تتخذ كل حين آليات جديدة لزيادة الضغط وتفجير المواقف الثابتة للعرب والمسلمين. ففي ما يتعلق بقضية فلسطين، كُونت في السنوات الأخيرة لجنة منبثقة عن الجهات المتحكمة في تلك الشرعية، هي التي أُطلق عليها (اللجنة الرباعية) والتي تضم الولايات «المتحدة» والأمم «المتحدة» و «الاتحاد» الأوروبي» ، و «الاتحاد» الروسي! وكل هذه الأطراف (المتحدة) قد توافقت على «ثوابت» فيما يخص القضية الفلسطينية في ظل الفُرقة التي تجمعنا. هذه الثوابت، التي يطلق عليها «مطالب الرباعية» تتمثل في: ضرورة أن يلتزم الفلسطينيون ـ والعرب والمسلمون من ورائهم ـ بـ (الاعتراف) بحق دولة اليهود في الوجود على أرض فلسطين؛ أي بمعنى أحقيتها في كل ما اغتصبته ولا تزال تغتصبه من أراضٍ ومقدرات ومقدسات هناك، هذا أولاً. أما ثانياً: أن يلتزم الفلسطينيون ـ والعرب والمسلمون معهم ـ بـ (نبذ العنف) أي عدم تحريك ساكن ضد جرائم اليهود القائمة كلها من أولها لآخرها على مسلسل من العنف الدموي الإجرامي من خلال الحروب والمعارك المتتابعة والتي وصلت الآن لست حروب في ستة عقود، بخلاف «حروب الحواشي» التي أُقحِم فيها العرب والمسلمون من أجل سواد عيون أبناء صهيون. أما الأمر الثالث من مطالب الرباعية أو ثوابتها، فهو «التزام» كل الاتفاقات السابقة بين العلمانيين العرب، والعقائديين اليهود، ابتداء من اتفاقات (كامب ديفيد) عام ١٩٧٨م، ومروراً باتفاقية (أوسلو) عام ١٩٩٣، و (وادي عربة) عام ١٩٩٤م، وواي ريفر عام ١٩٩٨م ووصولاً إلى «خارطة الطريق» عام ٢٠٠٢م؛ وهي كلها تركز على ثابتين: الاعتراف بدولة اليهود، وتجريم أي مقاومة ضدها. لكن اتفاقية أوسلو ـ على وجه الخصوص ـ هي الثابت الأول الذي يصرّ الأمريكيون والإسرائيليون والأمم المتحدة والروس على أن تكون أساساً لأي بناء يقام فيه أي كيان فلسطيني محتمل، سواء كان ذا وجهة علمانية أو صبغة إسلامية، أو هجيناً من هذا وذاك في شكل حكومة (وحدة وطنية) . وهذه حقيقة المعركة التي تخوضها حماس الآن؛ فلقد كنت مقتنعاً منذ نجاحها في الانتخابات ـ ولا زلت ـ بأن تلك المطالب أو الثوابت (الرباعية) سيظل أصحابها يصرون على جر المسلمين والعرب والفلسطينيين إليها رويداً رويداً، مرة بإشعال النار في معارك ومداهمات ومؤامرات، ومرة بإحكام الحصار السياسي والاقتصادي، ومرة بإسقاط الخيارات وإفشال الحكومات التي يمكن أن تنشأ على غير تلك «الثوابت» الثلاثة التي استقرت عليها «الشرعية» الدولية، وتبعتها عليها «الشرعية» العربية. \ «أوسلو» التي يحتكمون إليها: هذه الاتفاقية التي أُبرمت عام ١٩٩١م في البيت الأبيض بين الطرف الفلسطيني الذي مثله (عرفات) والإسرائيلي الذي مثله (إسحاق رابين) رئيس الوزراء الأسبق، برعاية الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) كانت منعطفاً حاداً في خط سير القضية الفلسطينية؛ إذ إنها مثَّلت الركن الذي يرتكز عليه كل المبطلين للحق الإسلامي في فلسطين، بدءاً من اليهود وأعوانهم من الأوروبيين والأمريكيين والروس، وانتهاءً بالعلمانيين العرب الذين لم يَثبُتوا على أي مبدأ خلال الستين عاماً الماضية من عمر القضية، والذين يلحّون الآن على التمسك فقط ببنود تلك الاتفاقية، مع أن المفاوضات السرية التي سبقتها وقادت إليها لم يُحط بها علماً أي زعيم عربي، حتى الذين سبقوا إلى إبرام معاهدات (سلام) مع اليهود!! ـ نصت الاتفاقية في وثيقة (إعلان المبادئ) على انسحاب اليهود من منطقتي قطاع غزة والضفة الغربية اللتين احتُلتا عام ١٩٦٧م، بحيث تترك إدراتهما لسلطة فلسطينية تُجرى انتخابات بشأن تكوينها، على أن يكون من مهام تلك السلطة الرئيسية (حفظ الأمن) في الضفة والقطاع بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية، من خلال لجنة للتعاون الأمني المشترك! وكان المعنى العملي لهذا البند من الاتفاقية، أن يتخندق الفلسطينيون العلمانيون من السُلطة إلى جانب الصهيونيين المحتلين لعموم فلسطين، ضد بقية الفلسطينيين ـ الإسلاميين ـ الذين (يعكرون) أمن اليهود!! وهذا تماماً ما حصل خلال السنوات الأولى من قيام السلطة في عهد عرفات، حيث قام العميل (دحلان) بتأدية المهمة شر قيام. ـ ونصت الاتفاقية على أن الجانب الفلسطيني لن يتلقى أي معونات اقتصادية من الخارج إلا من خلال لجنة مشتركة مع الإسرائيليين، تحدد معايير القبول أو الرفض، ومسارات الإنفاق أو الاستثمار لتلك الأموال، وهو ما فرض منذ وقت مبكر آلية رسمية صهيونية لفرض الحصار الإسرائيلي على الفلسطينيين في أي وقت يريده اليهود. ـ حددت الاتفاقية مجالات الولاية المسموح بها إسرائيلياً لهذه السلطة على الأرض التي ينسحب منها اليهود «تكتيكاً» وهي مجالات: (الصحة ـ التربية ـ الثقافة ـ الشؤون الاجتماعية ـ الضرائب ـ السياحة ـ الأمن الداخلي) وهو ما يعني إراحة اليهود من تبعة إدارة شؤون شعب معادٍ لهم، ريثما تكمل مخططات (الترانسفير) أو التهجير. أما القضايا الكبرى مثل: القدس والأقصى والمستوطنات والقواعد العسكرية في الأراضي المحتلة، والحدود واللاجئين وغير ذلك؛ فإن اتفاق أوسلو أرجأ البت فيها إلى ما بعد مرور ثلاث سنوات من إبرام الاتفاقية، حتى يتسنى التأكد من (حسن السير والسلوك) لدى السلطة التي ستنشأ عن اتفاق أوسلو؛ حيث تنص الاتفاقية على البدء بعد تلك السنوات الثلاث في مفاوضات بشأن (الحل النهائي) للقضايا الكبرى. وقد مرت السنوات الثلاث، وبعدها ثلاث وثلاث وثلاث، في اثني عشر عاماً، ولم يتأكد الإسرائيليون بعدُ من (حُسن النوايا) الفلسطينية في سُلطة عرفات، ومن بعدها سُلطة محمود عباس؛ لكي يبدؤوا بداية جدية في تلك المفاوضات النهائية التي جرت منها فقط مرحلة هزلية في نهاية أيام بيل كلينتون، أُطلق عليها (كامب ديفيد الثانية) عام ١٩٩٩، ثم سرعان ما فشلت بعدما اكتشف عرفات أنها ما بُدئت إلا من أجل تسليم كلينتون للإسرائيليين مفاتيح مدينة القدس والمسجد الأقصى بشكل رسمي قبل أن يغادر البيت الأبيض، لكي يفعلوا فيه أو في أرضه بعد هدمه ما يشاؤون، تنفيذاً للمبادرة المشهورة بمبادرة (مازن ـ بيلين) التي يعترف فيها محمود عباس (أبو مازن) في اتفاقه مع يوسي بيلين (وزير العدل) الإسرائيلي السابق، بأن تكون القدس لليهود، وللفلسطينيين منطقة خارجها هي (أبو ديس) يتخذونها عاصمة بعد أن يُطلق عليها اسم (القدس) !! \ الحل النهائي للتفاوض، والأقصى هو الهدف: بعدما فشلت مباحثات (كامب ديفيد الثانية) عام ٢٠٠٠م، وبعدما أدرك اليهود والأمريكيون أن استلام الأقصى سلمياً ورسمياً، ليس من السهولة بمكان، وكذلك التسليم بأن القدس يهودية؛ شرع شارون في تهييج اليهود ضد الفلسطينيين، إسلاميين وعلمانيين، وهو ما أشعل انتفاضة الأقصى التي استمرت نحو أربع سنوات؛ ومن يومها؛ والضغوط تتوالى على الفلسطينيين بكافة توجهاتهم من أجل إنشاء ظروف جديدة، تسمح بمعطيات أكثر حظاً لليهود عند أي دخول في مفاوضات نهائية، وقد جرت أثناء مدة المأفون شارون عدة تطورات، تهدف كلها لكسر الإرادة الفلسطينية أو تليينها، حتى تذعن لثوابت اليهود، وترضى بثوابت ما يسمى بـ (الشرعية الدولية) !! وفي ظل تلك «الشرعية» جرى قتل وجرح واعتقال عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وقتل واغتيال العشرات من القادة والرموز، وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، كما لم يسلم من غدر اليهود ياسر عرفات نفسه، حيث حاصروه في مقر السلطة التي منحوها له، وشاع أنهم تسببوا في قتله بالسُّم، حتى يُفسَح الطريق أمام قيادات جديدة، أكثر ليونة أو رعونة، ترضى ـ بعد كل ذلك ـ أن تُلتقَط لها الصور التذكارية في الاجتماعات (التشاورية) الودية، مع (شارون) ومن بعده (أولمرت) المتآمر القديم على القدس والأقصى أثناء تسلمه لمنصب بلدية القدس لعشر سنوات بدءاً من عام ١٩٩٣م. لا شك في أن ما جرى مؤخراً من فصول جديدة من التآمر ضد القدس والأقصى، يمثل مرحلة متقدمة من المشروع الهادف إلى إحكام سيطرة اليهود عليهما بشكل نهائي، حيث إن الأقصى يتوجب هدمه جذرياً، والقدس يتوجب ضمها نهائياً، حتى تكتمل معالم (الدولة اليهودية) التي أشار جورج بوش الابن إلى ضرورة توافق الجميع على استكمالها، في حضور العديد من الزعماء العرب ـ ومنهم محمود عباس ـ في مؤتمر خليج العقبة عام ٢٠٠٣م! قناعتي أن الأقصى سيظل يختصر معالم الصراع الديني في قضية فلسطين، إسلامياً ويهودياً ونصرانياً، حيث يتوافق الجميع ـ بغير اتفاق ـ على أنه يبقى بؤرة صراع الأديان في المستقبل القريب والمستقبل البعيد، بعد أن كان محوراً لهذا الصراع منذ ما يقرب من ثلاثة آلاف عام، عندما بنى داود ﵇ مدينة القدس وأعاد ابنه سليمان بناء المسجد الأقصى فيها. ü هذه ثوابتنا: الأقصى هو المركز في قصة صراع الحق والباطل بين أتباع الديانات الثلاث؛ ولذلك فمنه ابتدئ سرد ثوابتنا الإسلامية؛ التي يُراد التصدي لها، أو القفز من فوقها إلى حيث ثوابت المغضوب عليهم والضالين، ومن دار في فلكهم من المنافقين: أعرف أن هناك من سيقول: أين نحن مما تتحدثون عنه، في زمن هوان المسلمين، وظروف تمكن الأعداء، ومناخ المعادلات الدولية والنظرات الواقعية لموازين القوى المؤثرة في طبائع الأحداث؟! فأقول: الواقع ليس حُكماً على الشريعة والعقيدة، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية: فإن هذا الواقع يتغير بسرعة لصالحنا كلما غيَّرنا ما بأنفسنا، كما تشهد بذلك ساحات الانتصارات الأخرى. ومن ناحية ثالثة: فإن في مقابل تلك الثوابت الإسلامية، هناك ثوابت (دينية) صهيونية، نصرانية تقابل كل بند فيها، ولعلِّي أترك للقارئ إجراء تلك المقابلة والمقارنة، التي لم تحجزهم عنها أوهام الواقعية أو العصرانية. ومن جهة رابعة: فإن الأجيال الإسلامية، لا بد أن تنشأ على المفاهيم والثوابت الإسلامية في قضاياها، حتى إذا عجزنا نحن، لم نورِّثهم ذلك العجز، أو نسلِّمهم لمسلَّمات وثوابت المبطلين، من العلمانيين وأشياعهم. إن العلمانية العربية هي أكثر الأطراف حديثاً عن «الثوابت» ولكنها ثوابت تختلف عن ثوابتنا الإسلامية؛ ومع هذا فإنها كانت ولا تزال الأكثر تفريطاً فيها وتجاوزاً لها؛ فمن الذي لا يذكر ممنوعات عبد الناصر، ولاءات السادات، ومحرمات عرفات، واحتجاجات وتحفظات جبهات (الصمود والتصدي) و (البعث العربي) و (الجامعة العربية) بمؤتمراتها ومقرراتها التي تذهب تباعاً أدراج الرياح؟ إن تلك الثوابت لم يبق منها الآن إلا بعض أشكال الممانعة التي تتشبث بها فصائل المقاومة، مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما؛ ومع هذا يراودها الأكثرون عليها، ويحاولون إبعادها عنها! وبعدُ: فما الذي أوصل إلى كل هذا التراجع من طرفنا ... مع ازدياد العناد والمزايدة من أطراف أعدائنا..؟! \ السؤال الكبير: في النصف الأول من العقد الأول من هذا القرن الهجري، أي ما يوازي منتصف الثمانينيات الميلادية من القرن الفائت، كان هناك سؤال يثور في الأذهان، ويدور على الألسنة، مؤدّاه: «لماذا أفغانستان وليس فلسطين؟!» حيث كان الجهاد لتحرير أفغانستان من الغزو الروسي يكتسب وقتها زخماً إسلامياً عالمياً، بعد أن أخذت القضية الأفغانية بُعداً اعتقادياً، جمع حولها قلوب المسلمين أفراداً وجماعات ومجتمعات، بينما كانت قضية فلسطين ـ الأكبر والأخطر والأقدم ـ تعاني إهمالاً واضحاً، وضموراً لافتاً في الضمائر، انعكس على ما تترجمه السرائر والظواهر..! لم يكن على الساحة الفلسطينية ـ حتى ذلك الوقت ـ بروز يُذكر لأي تجمع إسلامي شعبي يجاهد لأجل تحرير فلسطين، بالرغم من مضي زمان يزيد على زمن التيه من احتلالها، بينما وُجد في أفغانستان في غضون سنوات قلائل، جمع من المنظمات الجهادية، ظلت تنازل أكبر جيش في العالم في ذلك الوقت حتى أخضعته وأخرجته صاغراً من الأرض الأفغانية! لقد كان الجزء الأكبر من الإجابة على ذلك السؤال: «لماذا أفغانستان وليس فلسطين؟!» يكمن في وصف الحال هنا ووصفه هناك؛ حيث كان الفرق الكبير هو أن القضية الأفغانية أخذت بُعدها الإسلامي الاعتقادي إعلامياً وسياسياً بشكلٍ كافٍ؛ بينما كان أسر الإسرائيليين لفلسطين يكتسب الضمانات والحصانات من العلمانية العربية والفلسطينية التي ميَّعت القضية بخطاب بارد جاف، منزوع العقيدة، فاقد التأثير في قلوب المسلمين وعقولهم. إن هذه الأمة مهما اعتورها من دَخَن أو دَخَل خارجي، هي في جوهرها الداخلي إسلامية القلب، إيمانية الوجهة، ولا يستطيع أن يؤثر فيها أو يأسر قلبها إلا من خاطبها بلسان الإسلام والإيمان، حتى ولو كان ذلك بالمظاهر والشعارات؛ فهي قد تُخدَع لمن خدعها بالإسلام، ولكنها تصدُق مع من صَدَقها في خطاب الإيمان. وقد فهم أعداء الأمة هذا جيداً، فكانوا حريصين كل الحرص على ألاَّ يخاطبها أحد بذلك الخطاب الإسلامي إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم، في حين لا يزعجهم كثيراً خطاب الشعارات المائعة، قومية أو وطنية، ثورية أو ليبرالية؛ فهي وإن علا صوتها وتزاحم ضجيجها، فإنها لا تعدو أن تكون قعقعة في بطن جوعان أو زوبعة في قعر فنجان!! وهذا ما حدث عندما خاض العرب تحت تلك الرايات والشعارات حروب الهزائم الكبرى، مستبعدين الإسلام، متجاهلين المسلمين غير العرب، لتظل هذه القضية، قضية (قومية عربية) علمانية.. لم تلبث أن تحولت إلى قضية (وطنية فلسطينية) علمانية أيضاً. لكن لما ظهرت التوجهات الإسلامية في فلسطين على يد حماس والجهاد الإسلامي، كان واضحاً أن هناك تغيراً طرأ على الساحة الفلسطينية، وهو قابل للتطور باتجاه (أسلمة القضية) وهنا قال العلمانيون.. وقال الإسرائيليون والأمريكيون قبلهم: لا ... ! ولهذا كانت (مدريد) وكانت (أوسلو) التي تعد الوليد ـ أقصد اللقيط ـ الأول للعلاقة الجديدة الناشئة بين العلمانية الفلسطينية والكيان الصهيوني. لقد أطاحت (أوسلو) وأخواتها بأهم الثوابت المتعلقة بالصراع مع اليهود المغتصبين، بعد أن أغلقت فتح ملف الثوابت الفلسطينية، ولم تُبْقِ منها إلا مسألة الدولة الفلسطينية بزعامة علمانية «صديقة» لليهود، ومع ذلك ظل أصحابها يتحدثون أكثر من غيرهم عن (الثوابت الفلسطينية) التي لا تختلف الآن كثيراً عن الثوابت الإسرائيلية التي تنافح عنها (اللجنة الرباعية) وكان آخر ذلك تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية مع حركة حماس؛ حيث قال في لقائه مع كونداليزا رايس وإيهود أولمرت: «كل الوزراء في الحكومة سيلتزمون بثوابت الرباعية، ولن يلتزموا بإملاءات الجهة التي جاؤوا منها» (يقصد حماس بالطبع) ! إننا أمام معادلة تقول: كلما انخفض سقف الخطاب العربي والإسلامي في القضية الفلسطينية، ارتفع سقف الطمع في التنازلات والتراجعات على الجانب المعادي، إسرائيلياً كان أو أمريكياً أو أوروبياً؛ ولهذا أقول: إن هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه الإسلاميين الفلسطينيين في حماس وغيرها. ü السؤال الأكبر: بعد عام تقريباً من الآن، يكون الاحتلال اليهودي لفلسطين عام ١٩٤٨م قد مضى عليه ستون عاماً، وإذا أرَّخنا لضياع فلسطين باحتلال الإنجليز لها عام ١٩١٨م، والذي تواصَل حتى الاحتلال الإسرائيلي، يكون قد مضى في العام القادم على القضية الفلسطينية تسعون عاماً! خلال الستين عاماً ... أو التسعين عاماً، أضاع العرب والمسلمون الكثير والكثير من الفرص لتحرير فلسطين، وما ذلك ـ في رأيي ـ إلا بسبب التخبط والتردد والتخليط في اختيار الرايات التي ستُحرَّر تحت ألويتها الأرض المقدسة المغصوبة، حيث أكثرَ ساستنا التنقل بين الليبرالية والاشتراكية والقومية والوطنية، مستعينين تارة بالشرق، ومرتمين تارة في أحضان الغرب، وهو ما جعل «ثوابت» القضية الفلسطينية لا تكاد تثبت على حال. تراودني كثيراً في الآونة الأخيرة تساؤلات، تنطوي على مقارنات، بين أوضاع قضية (احتلال فلسطين) التي مضى عليها ما يقرب من ستين عاماً أو تسعين عاماً، وبين قضية (احتلال العراق) التي مضى عليها نحو أربع سنوات فقط!! وتبرز في تلك التساؤلات الكثير من الفروق والمفارقات: سنجد بعد الإجابة الموضوعية عن تلك الأسئلة ـ أن الفارق كبير جداً بين مؤهلات الانتصار الأسهل في فلسطين (افتراضاً) ومسببات الانتصار الأصعب في العراق (واقعاً) ! وهنا نعيد السؤال القديم ـ بصيغة جديدة ـ: «لماذا العراق.. وليس فلسطين؟!» لا تقليلاً من قدر العراق أو تهويناً من خطر الأمريكان، ولكن، لنطرح ذلك التساؤل الأصعب: كيف حققت المقاومة العراقية تلك الانتصارات المذهلة في ذلك الوقت القياسي القليل جداً، مع تلك الإمكانات المحدودة جداً وفي تلك الظروف الأصعب جداً؟! في حين أنها تقاتل في وقت واحد عدوين كبيرين: علوج الأمريكان الهائجة وجُعلان إيران الهمجية؛ إضافة إلى قوات التحالف المجموعة من حثالات الأمم! إن المقاومة في العراق لم تحرز انتصارات كبيرة على أمريكا وحلفائها فحسب، في ظروف استضعاف وتنكُّر وخذلان وإعراض من الأكثرين؛ بل إن أداءها الأسطوري المرعب لأعداء الله، كان سبباً ـ بفضل الله ـ في حماية بقية دول الجوار من بقية مسلسل الجور الأمريكي الذي كان مخططاً لما بعد نجاح الغزو في العراق. ونعود إلى فلسطين.. حيث السؤال الذي لا يزال يفرض نفسه: متى نرى في اليهود هناك، مثل ما نرى في الأمريكيين وحلفائهم في العراق..؟! إن الجواب يمكن التفصيل فيه، ولكنه يكمن في كلمات محددوة: تنقية الراية، وتصفية وتقوية الثوابت الفلسطينية إسلامياً لتكون خالصة من شوائب «الثوابت» العلمانية، ومصادرها الرئيسية المستمدة من مبادئ الظلم الكامنة في «الشرعية الدولية» ذات الوجهة الصهيونية. إن الشعب الفلسطيني ـ من حيث هو ـ شعب أبيٌّ صابر ومجاهد ومرابط، ولا يمكن المزايدة على تضحياته بتضحيات أخرى، ولكن تسلط بعض زعاماته بفرض قناعات بعيدة عن المنهج السوي، هو ما قلل من قطف ثمرات تلك التضحيات، وإن ما نشهده من تضييق (الحصار المنهجي) على حركة حماس لتتخلى عن الثوابت الإسلامية، لهو أخطر من الحصار الاقتصادي المفروض على بقية الشعب؛ لأن حصار البطون سيهون وينتهي، ولكن حصار العقول والقلوب لو نجح ـ عياذاً بالله ـ فسوف يباعد أكثر من النصر، ويمكِّن أكثر للعدو، ويفتح المجال لسنن الاستبدال. إن فلسطين في حاجة إلى مزيد من التشبث بتحرير الولاء لله، لتحرير المقدسات والأراضي والمقدرات من أعداء الله، وهذا ما سوف يحدث قطعاً، عندما تكون الرايةُ الإسلامَ، والغاية العبودية؛ فبهذين الوصفين، سيلتفت العرب وسيتضامن المسلمون، بل سينطق الحجر والشجر لنصرة المظلومين ضد اليهود الظالمين، مصداقاً لقول النبي #: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله!» (١) فالنداء هنا بوصف الإسلام ووصف العبودية وليس بالقومية أو الوطنية العلمانية التي أضاعت الأرض والعرض في فلسطين لنحو تسعين عاماً.

стр. 5908

حفريات باب المغاربة وهدم الأقصى د. يوسف كامل إبراهيم تهويد القدس أولاً وأخيراً، ذلك هو الحُلُم الصهيوني والهدف الاستراتيجي الذي لا تراجُع عنه، مهما تكن الأسباب والظروف. في القدس بدأ المشروع الاستيطاني اليهودي، وفي القدس تُستكمل حلقاته الأهم. والقدس هي كما يقولون: قلب الصهيونية، أو هي جوهر المشروع الصهيوني ومآله الأخير: الديني، والسياسي. فالحديث عن القدس والأقصى المبارك حديث ذو شجون ومليء بالأحزان على ما يحصل لأولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين؛ فقد واصلت الجرافات الإسرائيلية يوم الأربعاء ٧/٢/٢٠٠٧م هدمها لطريق «باب المغاربة» بهدف الوصول إلى هدم غرفتين من المسجد الأقصى المبارك ملاصقتين للجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة. فالمؤامرات التي تحاك للأقصى برمته (صورة رقم ١) لم تكن وليدة اليوم، وإنما على مدى سنوات الاحتلال الذي شمل فلسطين التاريخية، ولعل آخرها بناء جسر علوي جديد محاذٍ للجدار الغربي للمسجد الأقصى، يوصل إلى باب المغاربة الذي يشكل المدخل الرئيسي لاقتحامات القوات «الإسرائيلية» والجماعات اليهودية الدينية المتطرفة للمسجد الأقصى. وفي الأشهر الأخيرة كشفت (مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) في تقرير لها عن خطط صهيونية فعلية مستمرة لبناء كنيس يهودي جديد ملاصق للأقصى، وغرف لصلاة اليهود أسفل ساحته الشريفة. والجدير بالملاحظة أن الحفريات المتواصلة التي كانت تتم بعيداً نسبياً عن ساحة الأقصى أصبحت الآن تحت المسجد الأقصى، وتشير الوثيقة إلى أن مصممين معماريين يهوداً قاموا بالفعل بإنشاء ما سمي «متحف الأجيال» أو «قافلة الأجيال» أسفل المسجد الأقصى في مناطق الحفريات عند الجدار الغربي للأقصى «ساحة البراق» وأن هذا المتحف يضم سبع غرف أسفل محيط المسجد الأقصى المبارك تشرح للأجيال اليهودية ـ حسب زعمهم ـ تاريخ شعب «إسرائيل» . والحقيقة أن ما يجري أسفل الأقصى إنما هو حلقة من سلسلة حلقات تهدف إلى تدمير الأقصى لا سيما أن آخر ما جرى الكشف عنه بالدليل القاطع هو وجود كنيس مستحدَث تحت المسجد الأقصى المبارك، وأن هذا الكنيس يؤمه المصلون اليهود، كما تم الكشف عن سبع غرف بناها أحد المصممين اليهود ويدعى «ألوف نحليئيلي» كما تم الكشف عن سراديب وأنفاق وبوابات حديدية مقفلة وخلفها تجري الحفريات التي لا يُعلَم لها طول ولا عرض ولا عمق، وقد جرى تصوير ما يحصل أسفل الأقصى بصورة حية.. والتساؤل هنا: هل الأمر مقصور على باب المغاربة، أم أنه حلقة ضمن حلقات مؤامرة أوسع وأكبر تهدف لوضع أسس وركائز إعادة بناء الهيكل المزعوم تسبق عملية هدم الأقصى؟ فالمقطوع به أن قضية بناء الهيكل هي القضية الجوهرية في حياة اليهود وعقيدتهم؛ والدليل على ذلك ما قاله زعيمهم (دافيد بن جوريون) أول رئيس وزراء لدولة «إسرائيل» من أنه «لا معنى لقيام دولة (إسرائيل) دون القدس، ولا وجود للقدس من دون الهيكل» . فقد أكدت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، بعد جولة ميدانية وثَّقتها بالصور الفوتوغرافية للمنطقة الوسطى للجدار الجنوبي للمسجد الأقصى الواقعة حيث الحائط الخارجي للمدرسة الخنثنية (صورة رقم ٢ تشقق ١+٢) وجود تشققات خطيرة في الجدار الجنوبي، وهو الأمر الذي يستدعي الترميم والإصلاح الفوري، ورصدت المؤسسة، في جولتها الميدانية، وجود تشققات عدة وفي مواقع متفرقة في الجانب الغربي والشرقي للحائط الخارجي للمدرسة الخنثنية في أوسط الجدار الجنوبي للمسجد، كما رصدت بدايات لانهيار ترابي في أسفل المنطقة الوسطى للجدار، وشددت من خلال رصدها على خطورة الوضع وخاصة أنّ الاحتلال الذي يسيطر على الموقع قام بنصب سياج حديدي في المنطقة، ونصب لافتة يحذّر فيها من الاقتراب من الموقع لخطورته، كما رصدت المؤسسة أن الموقع مهمل بالكامل؛ حيث تعتليه الأشجار وتتناثر فيه الحجارة، وحذرت من خطورة الوضع الحالي في المنطقة الوسطى للجدار الجنوبي للمسجد، بعد عدة تشققات في جانبي الحائط الجنوبي الخارجي للمدرسة الخنثنية وبدايات انهيار ترابي في موقع منه. ü الاحتلال يمنع من ترميم الجدار: أكد (الشيخ محمد حسين) خطيب المسجد الأقصى أنّ الاحتلال يمنع منذ سنوات عديدة دائرة الأوقاف من ترميم الموقع المذكور؛ لأنّ ترميمه يقتضي نصب سلالم (صقائل) في الجهة الخارجية. ومع الأسف فإن العدو الصهيوني يمنع الأوقاف من أن تنصب هذه (الصقائل) على هذا الجدار لإجراء الترميمات اللازمة، مع أنّ هناك خطورة نتيجة العوامل الطبيعية، وأن الاحتلال يتحمّل كافة النتائج المترتبة على انهيار هذا الجدار، لا سمح الله. وقد حذر رئيس الهيئة الإسلامية العليا خطيب المسجد الأقصى المبارك (الدكتور عكرمة صبري) من عواقب الحفريات في الجدار الجنوبي الخارجي للأقصى وما فيه من تصدعات وشقوق، وقال: «إنّ سبب التصدعات هي الحفريات التي يقوم بها العدو الصهيوني المحتل حول السور وأسفل المسجد الأقصى؛ وفي الوقت نفسه، يمنع الاحتلال دائرة الأوقاف الإسلامية من ممارسة حقها في الترميم والصيانة لهذا الجدار وللجدار الشرقي وللمدرسة الخنثنية» (صورة رقم ٣) محملاً هذه السلطات المسؤولية عن أي أضرار تلحق المسجد الأقصى ومرافقه وأسواره. \ هل الأقصى حقاً في خطر؟ مع تصاعد المد الديني الأصولي الأمريكي المؤيد لليهود والداعم لفكرة هدم الأقصى وإقامة الهيكل وتحقيق الحلم الصهيوني، والإجراءات التي تتخذها السلطات الصهيونية من أجل تغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية للقدس، وتغيير المعالم الأثرية والدينية للمسجد الأقصى لم يجد اليهود ومَنْ وراءهم أن يفصحوا عن أهدافهم؛ ففي أوائل العام ١٩٨٩ نشرت مجلة التايم الأمريكية تحقيقاً تحت عنوان: «هل آن أوان بناء هيكل جديد؟» وكما هو واضح فالعنوان اللئيم يحمل على الغيظ والحنق الشديدين خاصة أن عنواناً فرعياً آخر جاء تحت العنوان الرئيسي يضيف: «إن اليهود التقليديين يأملون في تشييد بنائهم المقدس؛ لكنَّ مسجداً وقروناً من العداء تقف في طريقهم» . وقد قالت المجلة: «إن إعادة بناء الهيكل لم تكن قضية مثارة إلى أن استولت «إسرائيل» في عام ١٩٦٧م على ـ ما أسمته المجلة ـ: «جبل الهيكل» وإن «إسرائيل» نظراً لحرصها على صون السلام واصلت السماح للمسلمين بإدارة الموقع، غير أن المسلمين لا يسمحون ـ كما تقول المجلة ـ ليهودي أو مسيحي بإقامة شعائر الصلاة علناً على الأرض المقدسة في جبل الهيكل، ولم يُبْدوا أدنى استعداد للسماح ببناء أبسط معبد يهودي أو كنيسة؛ فأقل إشارة إلى موضوع إعادة بناء الهيكل تثير استفظاع «أتباع النبي» الذين عقدوا العزم على الدفاع عن المقدسات الإسلامية إلى آخر قطرة من دمائهم. فكل ما سبق من مؤشرات يجعلنا نجزم بكل تأكيد أن الأقصى في خطر، وأن ساعة العمل قد دقت لتكوين جبهة عربية إسلامية مسيحية للتصدي للدسائس «الإسرائيلية» وإلا فإن الأسوأ قادم لا ريب فيه.

стр. 5909

هل بدأ العد التنازلي لهدم المسجد الأقصى ليقام مكانه هيكل سليمان المزعوم؟ د. محمد مورو هدْمُ الأقصى وإقامةُ هيكل سليمان المزعوم عقيدة صهيونية ونصرانية بروتستانتية في إحدى تفسيراتها التي تسمى (النصرانية الصهيونية) ، وهي تقوم على خرافة معينة ترى أن إقامة (إسرائيل الكبرى!) وهدم المسجد الأقصى، وإقامة هيكل سليمان المزعوم هو مقدمة ضرورية لظهور السيد المسيح ﵇ ليبدأ ما يسمى لديهم بـ (الألفية السعيدة) ؛ فيخوض معركة (هرمجدون) ضد الأشرار، ويقضي على المسلمين واليهود (نعم! اليهود أيضاًً) ؛ ومن ثم فإن دعم إقامة ما يسمى بـ (إسرائيل) والتمكين لها هو جزء من إرادة الرب لدى هؤلاء. وقد استفادت الدولة الصهيونية كثيراً من تلك الأسطورة الخرافية، واستغلتها تماماً في الحصول على الدعم النصراني البروتستانتي، وخاصة أن التابعين لتلك الأسطورة لديهم نفوذ كبير، ومنهم كثير ممن يُسمَّون بالمحافظين الجدد، ولهم تأثير على الرؤساء الأمريكيين والكونجرس، كما أن لهم وسائل إعلام قوية ونفوذاً سياسياً واقتصادياً كبيراً جداً داخل الولايات المتحدة. وهكذا يجب أخذ الموضوع بجدية، خاصة أن هذه ليست المحاولة الأولى للمتطرفين اليهود لمحاولة الإعداد لهدم المسجد الأقصى؛ فقد تمت من قبل حفريات تحت أساسات المسجد بهدف خلخلته. وآخر ما يمكن رصده في هذا الصدد؛ هو قيام الجرافات الصهيونية بهدم سور خشبي وغرفتين قرب حائط البراق، وذلك بعد أيام من الكشف عن نفق جديد يجري حفره أسفل ساحة الأقصى. وقد تراوحت ردود الفعل العربية والإسلامية والفلسطينية بين ضعيف ومتوسط، وصدرت بيانات استنكار، دون أن يكون هناك موقف عربي إسلامي واضح وقوي لوقف هذه العملية الخطيرة، ولا يمكن بداهةً الاعتمادُ في هذا الصدد على جهود الشعب الفلسطيني، الذي يهبُّ دائماً لنصرة الأقصى ومنع المخطط الصهيوني رغم أنه أعزل من السلاح والإمكانيات. وكانت العديد من الانتفاضات الفلسطينية قد اندلعت بسبب موضوع المسجد الأقصى وحائط البراق؛ بدءاً من عام ١٩٢٩م (هبَّة حائط البراق) ، وانتهاءً بالانتفاضة الأخيرة. وفي الحقيقة إن موضوع هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان (المزعوم) يحتوي على الكثير من التفاصيل والأحداث، والفعل وردود الفعل التي تستحق الرصد والاهتمام. \ هدم الأقصى عقيدة صهيونية نصرانية: التخطيط لهدم المسجد الأقصى ليس وليد هذه اللّحظة؛ بل هو عمليّة قديمة جديدة تتكرّر وسوف تتكرّر؛ لأنّها جزءٌ لا يتجزّأ من العقيدة الصّهيونيّة، وهي عقيدة لا تخصّ اليهود الصّهاينة وحدهم؛ بل تخصّ قطاعاً كبيراً من المسيحيّة البروتستانتية (النصرانية الصّهيونيّة) ؛ ذلك أنّ تلك العقيدة المزعومة يؤمن أتباعها أنّ من شروط عودة المسيح ووقوع معركة (هرمجدون) للقضاء على الأشرار (المسلمين تحديداً، واليهود أيضاً) ، وبداية ما يسمّى الألفية السعيدة..، إنّ من شروط ذلك هدم المسجد الأقصى، وإقامة هيكل سليمان في مكانه؛ حيث يعتقد هؤلاء أنّ أساسات هيكل سليمان تقع تحت المسجد الأقصى. وهكذا فنحن أمام قوى يهوديّة صهيونيّة، ونصرانية بروتستانتيّة متصهينة، والأخيرة لها أتباع كثيرون في الدول البروتستانتية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكيّة، وبريطانيا، وأستراليا. وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ فإنّ هناك داخل الولايات المتحدة نفوذاً قويّاً لتلك العقيدة، وهناك كنائس تنصير بذلك، وتدعو إليه، وتجمع من رعاياها المال اللازم لتمويل عمليّة هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل، ودعم دولة العدو الصهيوني سياسيّاً وإعلاميّاً كجزءٍ من تحقيق شروط عودة المسيح المزعومة؛ كما تتمتع هذه الجماعة بنفوذٍ قويّ داخل الحزب الجمهوريّ في الولايات المتحدة، ويتعاطف معها بصورة ضخمة رموز اليمين الأمريكي المحافظ من (ديك تشيني) إلى (دونالد رامسفيلد) إلى الرئيس (بوش) ذاته، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) يؤمن مباشرة بتلك العقيدة المزعومة. كما تمتلك تلك الجماعة قنوات تلفزيونيّة وإذاعيّة وصحفاً، ويتبعها عددٌ كبير من القساوسة أمثال: (باث روبرتسون) والمدعو الأب (جراهام) وغيرهما. وهكذا فنحن أمام تهديد جديٍّ مهما كان غريباً ومتطرّفاً لهدم المسجد الأقصى، الأمر الذي يستدعي تحرّكاً شعبيّاً وحكوميّاً، عربيّاً وإسلاميّاً. محاولات هدم المسجد الأقصى بدأت منذ عام ١٩٦٩م، أي بعد عامين فقط من الاحتلال الصهيوني لمدينة القدس؛ مما يؤكّد مدى تغلغل هذه الفكرة في العقل الصهيونيّ النصراني واليهوديّ على حدٍّ سواء، وقد كانت المحاولة الأولى لحرق المسجد الأقصى عن طريق البروتستانتي الأسترالي (مايكل روهان) في ٢١/٨/١٩٦٩م، ونلاحظ هنا أنّ ذلك الشخص ليس يهوديّاً ولا صهيونياً؛ بل كان نصرانياً بروتستانتيّاً أسترالياً، وقد تمّ القبض عليه واعترف بالجريمة إلا أنّ المحكمة الصهيونية أصدرت أمراً بإطلاق سراحه بدعوى أنّه مصابٌ بنوعٍ من الجنون المتقطع، وأنّه أثناء المحاولة كان واقعاً تحت سطوة إحدى نوبات الجنون هذه. وقد تكرّرت المؤامرات لحرق أو هدم المسجد الأقصى بعد ذلك مرات كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تآمر عدد من أتباع (عُصبة الدّفاع اليهوديّة) عام ١٩٨٠م بقيادة (مائير كاهانا) و (باروخ جرين) وخطّطوا لنسف المسجد الأقصى، وفي عام ١٩٨٢م خطّطت جماعة سريّة صهيونيّة مكوّنة من (٢٧) شخصاً بقيادة (يهودا عتسيون) لنسف المسجد الأقصى، وعددٍ آخرَ من المساجد في القدس المحتلة، وقد أُلقي القبض على هؤلاء وسرعان ما تمّ إطلاق سراحهم. ولا يزال (يهودا عتسيون) حتى اليوم يحرّض علناً على نسف المسجد الأقصى. وفي عام ١٩٨٩م قامت مجموعة من جماعة (غوش أمونيم) باقتحام المسجد الأقصى. وهذه المحاولات (محاولات اقتحام المسجد الأقصى) تتمّ سنويّاً، وخاصة في الذكرى السنويّة لهدم هيكل سليمان المزعوم. كما قام في الإطار ذاته (أرييل شارون) قبل أنْ يصبح رئيساً للوزراء، بدخول المسجد الأقصى عام ٢٠٠٠م، وقد قامت الحكومة الصهيونية وقتها بحراسته بِـ (٣٠٠) جندي صهيوني، وقد كانت هذه المحاولة سبباً في اندلاع انتفاضة الأقصى الفلسطينيّة المباركة. ونلاحظ هنا أنّ المؤسّسة الرسميّة الصهيونية، والتي لم تطلق بعدُ إشارة البدء في هدم المسجد الأقصى؛ على أساس أنّ الظروف لم يتمّ إعدادها بعد في إطار حسابات معيّنة؛ إلا أنّ تلك المؤسّسة تطرح حالياً فتح المسجد الأقصى لزيارة اليهود والصلاة فيه لليهود، على غرار ما يحدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل، الذي فُرض عليه التقسيم الوظيفي؛ فتحول إلى جامع وكنيس معاً، أي تجرى فيه الصلاة للمسلمين واليهود على حدٍّ سواء. كما أنّ المؤسّسة الرسميّة الصّهيونيّة تقوم من وقت لآخر بعمل ضربات وأنفاق ومشروعات مشبوهة حول المسجد الأقصى وتحته؛ بهدف زعزعة أساساته؛ تمهيداً لهدمه أو سقوطه من تلقاء نفسه، كما أنّ تلك المؤسّسة الرسميّة قد قامت بضمّ القدس رسميّاً بكاملها إلى دولة (العدو الصهيوني) عقب احتلالها مباشرة. كما كثّفت عمليّات الاستيطان الصهيوني فيها وحولها لإنشاءِ مستعمراتٍ، وهدم بيوت الفلسطينيّين فيها، ومضايقتهم، ودفعهم إلى ترك القدس، وتغيير الطبيعة السكانيّة للمدينة، وطمس المعالم الإسلاميّة والنصرانية فيها بهدف تحويلها إلى الطابع اليهودي، وهذا كله في إطار هدم المسجد كمحصِّلة ونتيجة، ومن ثم بناء الهيكل المزعوم! ويعترف الصهيوني (شاحر زليغر) أنّه يوجد حاليّاً عدد من المنظّمات الصهيونية متفقة فيما بينها على تدمير كل مساجد القدس بما فيها المسجد الأقصى، وذلك بهدف تدمير المساجد، وقتل أكبر عدد من المصلّين في الوقت نفسه. وفي الإطار ذاته تأسّست ما يسمى بِـ (جماعة أبناء الهيكل) عام ١٩٨٨م، وحصلت على ترخيص رسميّ صهيوني بممارسة نشاطها تحت مسمى (مؤسّسة العلوم والأبحاث وبناء الهيكل) ، وكان مؤسّسها هو (يسرائيل أرييل) . ويقوم أعضاء هذه الجماعة المشبوهة حالياً بجمع وإعداد المواد اللازمة الخاصّة ببناء الهيكل، وقد أعدّت الجماعة رسماً تخطيطيّاً للهيكل المزمع إقامته مكان المسجد الأقصى. ويرى هؤلاء ضرورة هدم المسجد الأقصى عاجلاً أو آجلاً؛ لأنّ هيكل سليمان ـ حسب زعمهم ـ يقع تحته مباشرة، ويقول زعيم تلك الجماعة الحاخام (مناحم مكوبر) : «إنّه في كل الأحوال وتحت أي ظروف سوف يتمّ بناء الهيكل، وسوف يتمّ هدم المسجد الأقصى. وإنّه في الوقت الذي سنحصل فيه على الضّوء الأخضر سيتمّ بناء الهيكل خلال بضعة أشهر فقط باستخدام أحدث الوسائل التقنية، وأنّ المساجد الموجودة في تلك المنطقة ـ بما فيها المسجد الأقصى، وقُبّة الصخرة ـ هي مجرّد مجموعة من الأحجار يجب إزالتها» !

стр. 5910

الشيخ رائد صلاح للبيان الاعتداءات على المسجد الأقصى بدأت منذ ١٩٦٧م واستمرت حتى اليوم الكيان هدم ١٢٠٠ مسجد في فلسطين حوار: نائل نخلة أكد الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م في حوار مع مجلة البيان أن الكيان الصهيوني يخطط لتدمير المسجد الأقصى المبارك بعد تفريغه من الداخل. وأضاف فضيلته وهو من يعرفه أهل فلسطين بـ «رجل الأقصى» قائلاً: إن دولة الكيان الصهيوني دمرت منذ عام ١٩٤٨م أكثر من ١٢٠٠ مسجد في فلسطين التاريخية. ويعتبر الشيخ رائد صلاح عمليات الحفر الصهيونية المستمرة أسفل أساسات المسجد الأقصى بشكل عام والحفريات الحالية في باب المغاربة بشكل خاص تمثل حلقة من مسلسل طويل يستهدف التاريخ والعقيدة الإسلامية. وفي حديث للشيخ رائد صلاح أمام المعتصمين والمتضامنين في وادي الجوز قال: «إننا رصدنا تحركات المؤسسة الصهيونية في منطقة باب المغاربة، لنكشف وبشهود عيان كُثر أن المؤسسة الصهيونية باتت تُدخل في بعض الليالي الجرافات الكبيرة التي تهدم وتدمّر طريق باب المغاربة في الليل ثم تنسحب قبيل ساعات الفجر، كما حدث منذ أيام حيث دخلت جرافة كبيرة وشاركت في هدم طريق باب المغاربة في ساعات الليل وانسحبت قبيل الفجر، إنهم يعملون كخفافيش الليل، ويضيفون دماراً على دمار» . وفيما يلي الحوار الذي أجرته مجلة البيان مع الشيخ رائد صلاح حفظه الله: ^: الحفريات التي تقوم بها سلطات الاحتلال مؤخراً في باب المغاربه، ما هي خطورتها؟ | الذي يحدث في طريق باب المغاربة ليس حفريات أبداً، إنما هي عملية هدم ممنهجة، في جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك يسمى الطريق الموصل إلى باب المغاربة، ويشمل هذا الاعتداء هدم غرف تاريخية حضارية تعود إلى العهود الأموية والأيوبية والمملوكية، إلى جانب هدم غرفتين من المسجد الأقصى في منطقة حائط البراق، ويخطط الاحتلال أيضاً في هذا السياق إلى تحويل مسجد البراق إلى كنيس يهودي، وكل هذه المخططات موثقة لدينا بواسطة خرائط كشفناها ووصلت إلينا. إن ادعاء سلطات الاحتلال الصهيوني بأن ما يجري في باب المغاربة مجرد عمليات ترميم، هو قول وقح وكاذب ومضلل، وهو سياسة إعلامية دأبت عليها المؤسسة الاحتلالية للتغطية على جرائمها الطويلة؛ فبعد كل جريمة تصطنع رواية كاذبة وهو ما يتم الآن. ^: صحيفة هآرتس نشرت خبراً مفاده أن سلطات الاحتلال أزالت آثار مسجد اكتشفته اثناء الحفريات في باب المغاربة، لماذا كان ذلك برأيك؟ | هذا المسجد يعود للعهد الأيوبي، وقد كان جزءاً من مدرسة إسلامية تدرِّس الشريعة تسمى «المدرسة الأفضلية» وبقيت محفوظة بسبب موقعها تحت الطريق المؤدي إلى باب المغاربة، ووجودها موثق لدى هيئة الأوقاف الإسلامية، إلا أنه لم يتم الكشف عن مكان وجودها بالتحديد إلا بعد ظهور عمليات الهدم الأخيرة. وتأكيد سلطات الاحتلال وأحد المؤرخين الصهاينة أن هذا المصلى سيكون ضمن دائرة الهدم التي شرعت بها سلطات الاحتلال يعزز من مطلبنا بوقف جرائم الهدم المتواصلة، والتي لم نعد نعلم إلى أي مرحلة وصلت بالتحديد بسبب الحظر المفروض على المنطقة ومنعنا من الوصول إليها أو الاطلاع على ما يجري هناك. ^: ما هو السيناريو الذي يخطط له الصهاينة من وراء هذه الحفريات في منطقة المغاربة برأيك؟ | تبعاً للمعلومات المتوفرة لدى مؤسسة الأقصى، فإن سلطات الاحتلال لديها مخطط يقوم على بناء جسر ضخم يسمح بمرور سيارات عسكرية وشاحنات وجرافات إلى باحات المسجد الأقصى مباشرة، كما ينفذ بناء هذا الجسر بشكل يسمح بدخول ٣٠٠ جندي صهيوني دفعة واحدة وفي آن واحد معاً إلى المسجد الأقصى. وهذا يعني أن هناك خطة مبيتة وخطيرة للهجوم على الأقصى من الداخل، وتمكين جيش الاحتلال والمستوطنين من اقتحامه بصورة سهلة. وأود أن أقول لك: إن الجرافات الصهيونية تقوم بهدم طريق باب المغاربة في ساعات الليل المتأخرة بعيداً عن الأعين وتنسحب قبيل الفجر خلسةً، على حين تزيد كل يوم من أعداد العاملين الذين يقومون بهدم طريق باب المغاربة بالأدوات الخفيفة، ويُخرِجون مئات أكياس الأتربة والأحجار الأثرية التي تضمّها طريق باب المغاربة، يأتي هذا الكشف في ظل مواصلة المؤسسة الصهيونية وعلى مدار ١٩ يوماً بهدم جزء من المسجد الأقصى المبارك المتمثل في هدم طريق باب المغاربة وغرفتين من المسجد الأقصى المبارك. ^: أين تنقل سلطات الاحتلال الآثار التي تستخرجها من طلعة باب المغاربة، وماذا تفعل بها؟ | نقوم حالياً بالبحث في موضوع سرقة الآثار الإسلامية والأحجار التاريخية التي يتم هدمها في باب المغاربة، ونعد بالكشف عن أي محاولة من هذا النوع في حال التثبت من حدوثها، ولكننا نؤكد أننا حتى اليوم لا نعرف إلى أين يتم نقل الآثار والحجارة والأتربة المهدومة. ^: الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني في غزة وبدء الحفريات كانا بشكل متزامن؛ فهل من رابط برأيك بينهما؟ | الاعتداء على المسجد الأقصى ليس جديداً؛ وهذا أمر من المهم أن يفهمه العالم، بل بدأ منذ الاحتلال الصهيوني للقدس عام ١٩٦٧م واستمر حتى اليوم ولكن بوتيرة وأساليب أشد، ولكن الفتنة الفلسطينية الداخلية بلا شك جرأت المؤسسة الاحتلالية على مضاعفة هجمتها في تهويد القدس والمقدسات فيها، وضاعفت أساليب تدمير مباني المسجد الأقصى. ونحمد الله أن الفتنة انتهت؛ كما نبارك اتفاق مكة وندعو إلى تمتينه واعتماد أسلوب الحوار على الدوام لتفويت الفرصة على الاحتلال كي يمرر مخططاته الإجرامية. ^: الرد العربي والإسلامي كان ضعيفاً على هذه الحفريات على الرغم من خطورتها، هل يقدم هذا إشارة قوية لسلطات الاحتلال للمضي قُدُماً في مخططاتها؟ | إن الذي يقع في الأقصى هو كارثة بكل معنى الكلمة، وقد كنا نطمح أن يكون رد الفعل الإسلامي والعربي على مستوى هذه الكارثة التي يمر بها المسجد الأقصى، لكننا حتى اليوم لم نيأس، ولا نزال متفائلين بتحرك إسلامي عربي، وعلى كافة الصعد الرسمية والشعبية والإعلامية. أما عن سبب ضعف التجاوب مع نداء النفير الأخير من أجل الأقصى؛ فليس سراً أن الحاضر العربي والإسلامي يعاني من حالة «وهن مؤقت» انعكس في صورة ضعف الموقف السياسي والعسكري، وأدى إلى أن حقوق العرب والمسلمين عامة، وخاصة في المسجد الأقصى باتت مهددة ومعتدى عليها ومحاصَرة. لكن هذه الحالة الراهنة التي يمر بها العرب والمسلمون ليست سوى حالة مؤقتة، ولا بد أنها ستزول وتستبدل بالموقف العربي والإسلامي الأصيل المطلوب لنصرة القدس والمسجد الأقصى. ^: واضح أن سلطات الاحتلال تسعى إلى الحد من دوركم وتأثيركم في فضح ممارساتها بحق المسجد الأقصى سواء باعتقالكم أو إبعادكم عنه مئات الأمتار، كيف ستواجهون هذه المخاطر مستقبلاً؟ | لقد أكدنا منذ بداية عمليات الهدم في ٦/٢/٢٠٠٧م، أننا لن نبرح القدس، ولن نوقف اعتصاماتنا ضد الهجمة عليها مهما حاولت سلطات الاحتلال ومهما نفذت من إبعاد أو اعتقال ضدنا حتى لو وصل الأمر إلى النفي. ولا زال أمام الحركة الإسلامية طريق طويل للتصدي لجرائم الاحتلال؛ وخاصة أننا نعلم أن الأصل في جهودنا منصبٌّ على نصرة المسجد الأقصى في كل الظروف. ومن أوجُه هذا البرنامج سلسلة من الفعاليات المحلية من اعتصامات في المناطق الفلسطينية المحتلة عام ٤٨، والمسيرات والمؤتمرات واللقاءات لحشد أكبر حماية ممكنة للأقصى، والاستمرار في تسيير القوافل للقدس، بالإضافة إلى تنفيذ سلسلة فعاليات على مستوى إقليمي ودولي، ومن المقرر أن نبدأ قريباً بزيارة عدة حكومات إسلامية وغربية لعرض مأساة المسجد الأقصى والقدس. كما أعددنا برنامج عمل للتواصل مع عدة أحزاب ومؤسسات أهلية عالمية وعربية أيضاً. أما على صعيد أوسع، فنحن نجري اتصالات مع مؤسسات عالمية منبثقة عن الأمم المتحدة، وبخاصة منظمة اليونيسكو، ونطالبها على الدوام بالتدخل لحماية التاريخ الإسلامي في القدس، ونحثها على الضغط باتجاه وقف الاعتداءات في هذه المنطقة. ^: هل تكشف لنا عن المضايقات التي تعرضتَ لها منذ بدء الحفريات من قِبَل الكيان الصهيوني؟ | هذه الحملة ليست الأولى ضدي شخصياً أو ضد الحركة الإسلامية بعامة، وإنما تأتي ضمن سلسلة متواصلة لمحاولة كتم الأصوات المدافعة عن الأقصى والقدس؛ حيث تظن سلطات الاحتلال أن الإنسان الفلسطيني مجرد من حقه في الوقوف بوجه الظلم ونبذ سرقة تاريخه، ونحن نقول: إن هذا واجبنا بأن نُظهِر الحق ولو بكلمة، ونحن ماضون في نصرة الأقصى رغم كل التحريض الموجه ضدنا. وبالنسبة لملاحقاتي القضائية الأخيرة، فقد صمم الاحتلال مشهداً هزلياً في محاكمة لي قررت منعي من الاقتراب أكثر من ١٥٠ متراً من أسوار البلدة القديمة في القدس لمدة ٦٠ يوماً؛ بينما لا يزال عدد كبير من قيادات وأبناء الحركة الإسلامية يتعرضون لملاحقات قانونية بسبب اعتصامهم ضد عمليات الهدم في المسجد الأقصى. ^: هل حقاً تستخدم سلطات الاحتلال مواد كيماوية في عمليات الحفر تحت أساسات المسجد الأقصى المبارك، وما هي تأثيراتها؟ | لقد توافرت لدينا معلومات رسمية من منظمة اليونيسكو تفيد بأن الاحتلال يستخدم حوامض كيميائية أثناء حفره للأنفاق في منطقة المسجد الأقصى المبارك، ومؤخراً اكتشفنا أن الصخور التي يتم تدميرها في منطقة باب المغاربة تتم بالطريقة ذاتها، ويتم نقلها إلى منطقة الصوانة القريبة، وهناك يتم فحصها وتخضع لدراسات، في محاولة خاسرة لإيهام أنفسهم بأنهم قد يجدون ما يدعم روايتهم الكاذبة بوجود آثار لهم تحت المسجد الأقصى. ^: ما هي صورة الاعتداءات الصهيونية على الأوقاف والتاريخ الإسلامي في فلسطين التاريخية، بحسب ما وثَّقته مؤسستكم؟ | هذه اعتداءات ليست جديدة، ومستمرة منذ نكبة فلسطين الكبرى عام ١٩٤٨م، ولا تزال المؤسسة الصهيونية تصادر منذ ذلك الحين الأوقاف الإسلامية التي تشكل نسبتها ١/١٦من مساحة فلسطين التاريخية. ومنذ بدء العدوان عام ٤٨ هدمت سلطات الاحتلال أكثر من ١٢٠٠ مسجد في أراضي الداخل الفلسطيني فقط، وما بقي منها قامت سلطات الاحتلال بتحويلها إلى مطاعم وخمارات وحظائر لتربية المواشي، إلى جانب تجريف آلاف المقابر الإسلامية وإقامة الفنادق والشوارع والمجمعات الإسكانية لإيواء اليهود القادمين من شتى أنحاء العالم. وفي مواجهة هذه الاعتداءات، نقوم من خلال (مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) بإعادة بناء وتعمير عشرات المساجد التي دمرها الاحتلال، إلى جانب إنقاذ عدد كبير من المقابر وترميمها وصيانتها، بعد أن كادت تزول بفعل الاعتداءات عليها وإهمالها. كما تنفذ مؤسسة الأقصى مسحاً شاملاً لكافة المعالم الإسلامية المقدسة في فلسطين، والتعرف على ما بقي منه من النكبة، وتقوم بإصدار نشرات دورية عنها وأفلام وثائقية للتعريف بمأساتها. وعلى الرغم من أن مجهود هذه المؤسسة ودعمها يأتي من الداخل الفلسطيني، غير أن بعض الدعم حصلت عليه في حين من الأحيان من مؤسسات عربية وإسلامية مثل البنك الإسلامي للتنمية، ولا زلنا نرحب بأي مبادرة لدعم هذا التاريخ في مواجهة الحملة الصهيونية المسعورة لطمسه. ^: ماذا يقترح الشيخ رائد صلاح لمواجهة المخططات الصهيونية ضد التاريخ الإسلامي في فلسطين بشكل عام والحفريات تحت المسجد الأقصى بشكل خاص؟ | هذا أمر هام جداً، يجب اعتماد وسيلة لملاحقة وملاحظة كافة الاعتداءات التي تجري في القدس من قِبَل سلطات الاحتلال، ولذلك طالبنا نحن في الحركة الإسلامية بتشكيل فريق أو هيئة إعلامية تحت مسمى «إعلاميون من أجل القدس» تختص بمتابعة كافة المجريات في المدينة المقدسة، وكشف الممارسات الاحتلالية والاعتداءات المستمرة عليها، ونقل كل ذلك إلى العالم، ونحن في مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية وفي الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني على أتم الاستعداد لدعم هذه الهيئة بكافة السبل.

стр. 5911

٢٣٦ - ربيع الآخر - ١٤٢٨ ه ـ (السنة: ٢٢)

стр. 5912

مسارات فضائية صالح عبد الله الجيتاوي الإعلام الفضائي العربي يتضخم بصورة متصاعدة عاماً بعد عام، ومع انخفاض تكاليف البث والإنتاج أصبحت الفضائيات تتجاوز المئات، وفي قائمة الانتظار سلسلة طويلة منها! والسؤال الجدير بالمناقشة: ما الرسالة الإعلامية التي تحملها هذه الفضائيات؟ ما الرصيد الفكري والثقافي الذي تسعى لنشره؟ لا نجافي الحقيقة ـ مع الأسف الشديد ـ إذا جزمنا أن أغلب تلك القنوات تحمل رسالة وضيعة لا تتجاوز الغناء والرقص، وإشاعة الرذيلة الأخلاقية، والفجور الفكري؛ لكن الجديد في هذا الغثاء الفضائي انطلاق فضائيات متخصصة في ألوان جديدة من الإفساد والتحريف، منها: أولاً: الفضائيات التنصيرية: وقد أصدرت البيان مؤخراً كتاباً بعنوان: (الفضائيات العربية التنصيرية) درس بعض القنوات، ورصد أساليبها، وحلل خطابها بموضوعية علمية. ثانياً: الفضائيات الشيعية: التي ارتفع صوتها الطائفي في العراق خصوصاً، وأسقطت بعضُها عقيدة (التَّقِيَّة) وراحت تجهر بعدائها وسقوطها العقدي. ثالثاً: قنوات السحر والشعوذة والدجل: والغريب كل الغرابة أن هذه القنوات تعبث بالدين وتهزأ بالعقل، وتستغل الجهلة والسُّذَّج، ومع ذلك تجد الدعم والتسهيل! رابعاً: قنوات ما يسمونه بالإسلام (الوسطي!) أو إن شئت سمِّه (الفكر العصراني المتأمرك) الذي يسعى إلى مسخ الهوية، وتجريدها من القيود والحدود الشرعية. وفي ظل هذه الغياهب المظلمة بدأت تظهر ـ ولله الحمد والمنة ـ عدد من القنوات الإسلامية الأصيلة التي ترعى حرمات الشريعة، وتذبُّ عن الدين وتعرِّف به، لكنها أحوج ما تكون إلى التسديد الفكري والعون المادي والفني. وها هنا يزداد الإلحاح على ضرورة التخطيط الإعلامي، وصناعة رؤية إعلامية ناضجة تواجه ذلك الركام المتهالك من الفضائيات الرخيصة، والحرص على دعم المبادرات الفضائية

стр. 5913

قمة الانحطاط آخر صيحات الهذيان الأمريكي صالح عبد الله الجيتاوي بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: لا يزال كفار أهل الكتاب، ومن شايعهم من المنافقين والمرتدين، في حيرة من أمر هذا الدين؛ فهم إذ يعجزون عن فهم خاصية البقاء والخلود والحفظ فيه؛ يظنون أنه قابل للتحويل والعبث والتحريف مثلما أحدث اليهود والنصارى في دينهم. وفي محاولات أعداء الإسلام الدائبة لتغيير جوهره ومخبره، لم يُغفِلوا السعي أيضاً لتغيير اسمه ووصفه ومظهره. وهؤلاء الذين ارتابوا في دينهم، حتى لم يُبقوا فيه على شيء من الثوابت، أرادوا أن ينقلوا ريبتهم وشكَّهم إلى دين الإسلام؛ دين اليقين والحق المبين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] ، وبدلاً من أن ينظروا فيه نظرة إنصاف وتعقُّل، لعلهم يتقون أو يُحدِث لهم ذكراً، نراهم في غيِّهم يترددون: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] . إنهم، من أجل أن يهيئوا الإسلام لإجراء عمليات التغيير والتحوير، يجردونه من كل أوصاف القدسية والتعظيم، عدا صفة واحدة يحافظون على وصفه بها تحايلاً ومكراً، وهي صفة (التسامح) ..! ولأن الإسلام دين التسامح؛ فلا بد أن يتسامح مع كل وصف وكل صنف من الأفكار والأقوال والأفعال. أما الأقوال والأفعال فلا بد أن يتسامح الإسلام مع كل قول مهما كان منكراً، ومع كل فعل مهما كان شاذاً. وأما الأفكار؛ فالإسلام (المتسامح) كان مطلوباً منه أن يكون (سمحاً) حتى مع أفكار اليسار الشيوعية الملحدة؛ ليكوِّن معها هجيناً لعيناً اسمه (اليسار الإسلامي) ، وكذا لا بد أن تتسع سماحته اليوم لتتآخى مع رأسمالية الغرب الليبرالي الفاجرة، ليخرج علينا أقوام بمسمى (الإسلام الليبرالي) الذي يدعو إلى (الإسلام المدني الديمقراطي) أو (الإسلام العصري) . كثيراً ما سمعنا في السنوات الأخيرة عن أُطروحات مثل (الإسلام الحضاري) .. (الإسلام التنويري) .. (الإسلام الإصلاحي) .. (الإسلام الوسطي) .. إلخ، ولكن أكثر ما يثير خليطاً من مشاعر الازدراء والغيظ والغثيان في آن، هو إطلاق الأمريكيين لما أسموه: تيار (الإسلام العلماني) ! إنها حقاً آخر صيحات هذيان الأمريكان.. إسلام علماني! إننا نعلم أن العلمانية ترادف اللادينية؛ فهل يريد الأمريكيون إسلاماً لا دينياً..؟ نعم! وهل يمكن أن يجدوا من يوافقهم على هذا..؟ نعم! لقد تبنّت جهات متنفذة في الإدارة الأمريكية الحالية الدعوةَ لعقد مؤتمر (قمة) بغرض (إصلاح) الإسلام وعلمنته! وإطلاق حركةٍ أو ثورة مشابهة لحركة (الإصلاح الديني) التي ثار فيها القس (مارتن لوثر) ضد الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، ليشقها وينشئ مذهباً جديداً أقرب لليهودية منه للنصرانية؛ وهو المذهب البروتستانتي. ويبدو أن هؤلاء المتنفذين في الإدارة المهزومة عسكرياً، يريدون إحراز اختراقات فكرية، وإنشاء (بروتستانتية إسلامية) تكون أيضاً أقرب لليهودية منها للإسلام، ويدل على ذلك أن تيار المحافظين الجُدد المشهور بغالبيته اليهودية، والشريك الحليف للإدارة اليمينية الإنجيلية، يمثِّلون الجهة التي تقف وراء عقد ذلك المؤتمر المشبوه. لقد عُقد المؤتمر بالفعل في يومي ٥ ـ ٦ مارس/ آذار ٢٠٠٧م في مدينة بطرسبرج بولاية فلوريدا الأمريكية تحت اسم (القمة الإسلامية الإصلاحية) . أما هدفة المعلن فهو: (تفسير القرآن وصياغة الإسلام من منظور علماني) . وقد نظَّم المؤتمر وموَّله معهد (إنترابرايز) الذي يُعدّ معقلاً فكرياً لتيار المحافظين اليهود الجدد، بالاشتراك مع فرعه في أوروبا المعروف بـ (المعهد الأوروبي الديمقراطي) . أما الحضور فهم خليط من الطوائف الصهيونية الثلاثة: صهاينة اليهود، صهاينة النصارى، وصهاينة العرب، وبعض أولياء اليهود المتسمّين بأسماء المسلمين، وقد اعتبر هؤلاء أنهم يمثلون (القمة) التي ستتولى (إصلاح الإسلام) ، وتحويله إلى دين عقلانيٍّ يلائم العصر؛ عصر الأمركة أو المهلكة الأمريكية. فمن المضيفون والمستضافون في مؤتمر القمامة هذا؟ ٣ حضر المؤتمر لفيف من عتاة رموز اليهود في تيار المحافظين الجدد، أبرزهم: ـ (وليام كريستول) ابن (أرفنج كريستول) أبرز مؤسسي تيار المحافظين الجدد. أما ابنه وليام فهو المسؤول الحالي عن هذا التيار، وهو يشغل رئاسة تحرير مجلة (ويكلي ستاندرد) الأسبوعية، لسان حال تحالف المحافظين الجدد مع تيار اليمين النصراني الإنجيلي، والتي يمولها الإعلامي اليهودي (روبرت ميردوخ) . ويعد وليام كريستول واضع السياسة التي أوصلت الجمهوريين إلى السيطرة على الكونجرس الأمريكي عام ١٩٩٤م، وأبرز المحرضين على غزو العراق، باعتباره المحطة الأهم في مشروع القرن الأمريكي، ويليه إيران. ـ وشارك أيضاً (مايكل ليدين) أحد الأعضاء البارزين في المعهد اليهودي للأمن القومي، وأبرز ناشطي اللوبي الصهيوني (إيباك) ، وقد تولى منصب مستشار ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، ويُنظر إليه على أنه مرجع دولي في شؤون الاستخبارات. ـ وممن شاركوا في المؤتمر (فرانك جافني) وهو رمز آخر من رموز تيار المحافظين اليهود، وهو يشغل منصب رئيس مركز الدراسات الأمنية. وهذه المشاركة الاستخباراتية في مؤتمر علمنة الإسلام، تُوِّجت بـ (قمة استخباراتية) شبه دولية، عُقدت على هامش المؤتمر المذكور، وكان الهدف المعلن منها: العمل على إنشاء تيارات مناهضة للإسلاميين من داخل البلاد الإسلامية، وهذه القمة هي القمة الاستخباراتية الثانية من نوعها التي ينظمها يهود أمريكا لذلك الغرض. أما على الجانب الأوروبي فقد اشتركت في تنظيم المؤتمر (المؤسسة الأوروبية للديمقراطية) ؛ وهي الفرع النشط لعمل المحافظين الجدد في أوروبا. أما (الممثِّلون) للعالمين العربي والإسلامي في تلك (الغُمَّة) فقد كانوا فريقاً متجانساً من المرتدين والزنادقة معلومي النفاق، ومنهم وعلى رأسهم: ـ شاكر النابلسي: لسان حال ما يُعرف بتيار (الليبراليين الجدد) في العالم العربي، ذلك المناضل (الوقح) في محاربة الله ورسوله، والذي لم يترك نقيصة إلا ألصقها بالإسلام وأهله، وقد جاء مع من جاؤوا بزعم (تصحيح الإسلام) والترتيب لإصدار (تفسير علماني) للقرآن؛ حيث سوَّغ ذلك بأن أنواع التفاسير تعددت خلال التاريخ الإسلامي، ولا يوجد ما يمنع من وضع تفسير (لا ديني) أيضاً، تستخرج فيه دلالات النصوص القرآنية التي تحض على ضرورة فصل الدين عن الدولة! وقد استغل (شاكر) ذلك المؤتمر للدعوة إلى مساندة من أسماهم بـ (دعاة الإسلام العصري) الذي يقوم على طرح واستبعاد تراث الفقهاء واستبداله بأقوال (العقلاء) ، موافقاً في ذلك زميله في الزيغ (جمال البنا) ! وكان النابلسي قد سبق المؤتمر أيضاً بإصدار كتاب عن (الليبرالية الجديدة) أورد فيه ما يراه من أوجه (التجديد) المتمثِّلة في تجريد الدين عن العقيدة والشريعة. ـ واستضاف المؤتمر الكاتب الإيراني الأصل، المتقلب الأحوال والولاءات (أمير طاهري) وهو كاتب مكثر في جريدة الجيروزليم بوست الصهيونية، والشرق الأوسط اللندنية. ـ ومِمَّن شاركوا في المؤتمر أيضاً المراسل الصحفي الأردني (سلامة نعمات) داعية ما يسمى بـ (ثقافة السلام) ، وكذلك (وليد فارسي) الباحث اللبناني، والعضو النشط في عدد من المؤسسات البحثية المشبوهة في أمريكا. ٣ وقد شارك في المؤتمر أيضاً عدد من النسوة اللاتي قَرَّضن أصابعهن من كثرة العض عليها؛ غيظاً من الإسلام، مع أنَّهنَّ يحملن أسماء إسلامية، ومن هؤلاء: ـ امرأة متحولة إلى النصرانية، متعاطفة مع الصهيونية، تُجري بعض الفضائيات تلميعاً لها منذ فترة، واسمها (نوني درويش) ، وهي ابنة ضابط مخابرات مصري عمل في غزة أيام الإدارة المصرية لها قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهي تتحدث علناً بأنها تفضِّل ارتياد الكنائس بعد أن كرهت المساجد، وقد أطلقت مشروعاً أسمته (عرب من أجل إسرائيل) تدعو فيه إلى إنصاف اليهود من ظلم العرب! وقد استضافتها قناة العربية لتشرح وجهة نظرها، وعندما سئلت: لماذا تركتِ الإسلام؟ قالت: «الإسلام هو الذي تركني» ! ـ استضاف المؤتمر أيضاً امرأة علمانية أخرى من سورية هي (وفاء سلطان) التي ظهرت منذ فترة على قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، وقالت إنها لا تعتنق أي دين، ومع ذلك استضيفت في ذلك المؤتمر كي تشارك في (إصلاح الإسلام) . ـ ومن النساء الداعيات إلى (إصلاح الإسلام) المرأة (إرشاد مانجي) ، التي ألّفت كتاباً بعنوان (المشكلة هي في الإسلام) ! وهي معروفة أيضاً بآرائها المعلنة في تشجيع حرية الشذوذ الجنسي. ـ واستضاف المؤتمر أيضاً المرأة الإيرانية، الجامعة بين الأصول الرافضية والميول اليهودية (نبراس كاظمي) وهي إحدى الناشطات في مؤسسة (هدسن) الصهيونية التابعة للإنجيليين في أمريكا. وكذلك الناشطة الأمريكية من أصل إيراني (زاند بونازي) التي دعت إلى إيجاد حركة علمانية عالمية؛ لتشجيع فكرة (الإسلام العلماني) . وكذلك استضاف المؤتمر (مي أبو سنة) رئيسة قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية بجامعة عين شمس بمصر، المعروفة بآرائها المناهضة للدين. وهكذا نجد أن المؤتمر قد جمع الشواذ فكرياً وأخلاقياً، مِمَّن وُصِفوا في المؤتمر بـ (المتحولين دينياً) ! فما الذي قرره هؤلاء (المتحولون دينياً) في اجتماعاتهم مع اليهود (المتجولين) للإفساد عالمياً؟ إن المؤتمرين المتآمرين خلصوا إلى نتائج حول فكرة (الإسلام العلماني) ، صاغوها في مقررات تحت اسم (إعلان بطرسبرج لإصلاح الإسلام) ، وأهمها: ١ ـ دعوة الحكومات في العالم الإسلامي إلى عدم التساهل في رفض فكرة تطبيق الشريعة؛ لأن ذلك أهم ما يناقض فكرة (الإسلام العلماني) . كما دعا هذه الحكومات إلى عدم تحريم الردة عن الإسلام؛ باعتبارها حرية شخصية. ٢ ـ دعوة تلك الحكومات إلى إلغاء (كل القيود) الاجتماعية المأخوذة من الشريعة الإسلامية، وإطلاق الحرية الجنسية، ومنع العقوبات على (جرائم الشرف) ، وترك الحرية الكاملة للمرأة في ارتداء ما تشاء من الملابس، وإقامة ما تشاء من العلاقات. وطالب الحكومات بشرعنة الزواج المدني الذي لا يتقيد بأي قيد ديني، وطالبها بالمساواة التامة بين الرجال والنساء في كافة المجالات. ٣ ـ دعا المؤتمر إلى توفير الحماية للشاذين جنسيّاً، وإعطائهم من الحقوق ما يُعطَى لكل أقلية، وشدد على تغيير مناهج التعليم بحيث تُلغى كل الفقرات التي تميز المسلم عن غير المسلم، وطالب بتضمين المناهج تقبيحاً لفكرة ربط الدين بالسياسة. ٤ ـ الدعوة إلى إطلاق وتشجيع حركة بحثية، أكاديمية وفكرية، تملك (الشجاعة) في نقد أصول الإسلام ومصادره المعرفية. وفي سياق الهذيان المدفوع بالهيجان ضد الدين الحق، أصدر (معهد راند) التابع للمحافظين اليهود الجدد مؤخراً، تقريراً يقترح فيه الخطوات (الواجب) اتباعها؛ للوصول إلى (الإسلام المعتدل) . وقد حوى هذا العدد من مجلة البيان عرضاً لهذا التقرير، الذي يُعد تفصيلاً لخطة (علمنة الإسلام) . الخلاصة من هذه المؤتمرات والقرارات هي إعادة تشكيل الفكر الإسلامي؛ ليقترب أو يتطابق مع الفكر العلماني من خلال تفسير القرآن والسنَّة من منظور العلمانية ليبقى ـ كما قال المفكر العلماني محمد أركون ـ فكراً يخرج من خصوصيته ليصبح ضمن إطار نزعة إنسانية شمولية؛ وذلك عندما سئل في حوار مع موقع (الزمان الجديد) : «كيف نصل إلى الإسلام العلماني؟) وهو ما يرشح الأجواء للمزيد مما أسماه الأمريكيون (حرب الأفكار) . إن العلمانية كفر بواح كما أجمع علماء الأمة الأثبات، وكلما قصَّر الدعاة في تقرير ذلك ونشره، سيظل العلمانيون المارقون المتأمركون ينزون كل حين كالقردة، ليقولوا: تعالوا نصلح لكم إسلامكم.. ونفسر لكم قرآنكم! قائلين: ﴿إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] فنحن الإصلاحيون الليبراليون المتنورون، وكذبوا: ﴿أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] .

стр. 5914

المبتدعة كيف نعرفهم.. كيف نتعامل معهم ؟ د. هاني بن عبد الله بن محمد الجبير إن الله ـ تعالى ـ أرسل رسله بالبينات والهُدَى ليتبع الناس منهاجهم، ويقتفوا آثارهم، ويسلكوا طريقهم؛ وذلك أنّ هذا الدين دينٌ مبنيٌّ على الاتباع والاقتداء والتأسِّي: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . فمن تعبَّد لله بغير ما جاء به رسوله ﷺ فهو مُسيء الظن به، كيف وقد كمّل الله لنا الدين، وأتمّ النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وإذا كَمُل الدين فكل مُحْدَثٍ فيه بعد ذلك فليس منه. وهذا الإحداث ـ أيضاً ـ تشويه لجمال الدين وطَمْسٌ لمعالم السُّنَن، وحيلولة بين الناس وبين دينهم الصحيح، وتعرّض للفتنة والعذاب الأليم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . وإنما سداد المنهج فيكون بالوقوف عند ما جاءت به السُّنَّة، واتباع ما أمر به نبيّنا ﵊؛ امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وتأويلاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . والسير على هذا السبيل ابتغاء موعد الحق ﵎: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . وهذا هو الواجب على العبد في دينه؛ أن يتبع ما قاله الله، وما قاله رسوله ﷺ ، والخلفاء الراشدون من بعده؛ عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مودّع، فأوصنا. فقال: اتقوا الله، وعليكم بالسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشيّ، وإنّه من يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كل مدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) . وإنه (من المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به النَّاس من الظُّلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردّوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بُعِث به من الكتاب والحكمة، وقد أخبر الله بأنّه أكمل له ولأمته دينهم وأتمَّ عليهم نعمته) (١) . محال أن يترك تعليمهم شيئاً مما يقرّبهم إلى ربهم وينفعهم في دينهم ـ وإن دَقّ ـ! كيف وقد عَلّم النبي ﷺ أمته كل شيء كما قال ﵊: «ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئاً مما نهاكم عنهُ إلا وقد نهيتكم عنه» (٢) . وقال ﷺ : «تركتكم على مثل البيضاءِ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (٣) . وفي هذه الأوراق القليلة عرضٌ وبيان لمسائل متعلّقة بهذا الأصل من أصول الاعتقاد نستعرضها بشكل موجز من خلال ست فقرات أساسيّة: أولاً: تعريف البدعة: البدعة: اسم هيئة من: بَدَع، وهو ابتداء الشيء وصُنْعُهُ لا عن مثالٍ سابق (٤) . وفي أسماء الله ـ تعالى ـ: البديع، وهو: الخالق المخترع (٥) . والعرب تقول: ابتدع فلانٌ الرَّكيّ: إذا استنبطه (٦) . قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] . أي: ما كُنت أوّل المرسلين. والبدعة في الاصطلاح العامّ: خلاف السُّنة (٧) . وتطلق على الحدث في الدين بعد الإكمال، وما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال (٨) . وعلى هذا؛ فإنّ البدعة قد تكون لغويّة فحسب، فتطلق على كل مستحدث؛ كالمخترعات الحديثة مثلاً، وقد تكون في الاصطلاح العام فتطلق على كل ما خالف السُّنّة، ولو لم يكن بدعة ضلالة محرّمة؛ كمن ترك سُنّة من سنن الوضوء، فهذا يصح أن يقال عن صفة وضوئه أنه بدعة بمعنى: أنّه خلاف السُّنة وإن لم يكن مبتدعاً بالمعنى الاصطلاحي الخاص. قال ابن الأثير: (وأكثر ما يُستعمل المبتَدَع عُرْفاً في الذمّ، أي: أنّه إذا أطلق لفظ البدعة فإنّه يراد به المذموم شرعاً) (٩) . والبدعة بالمعنى الاصطلاحي عُرّفت بعده تعريفات، منها: ـ تعريف شيخ الإسلام ابن تيميّة ـ رحمه الله تعالى ـ بأنّها: ما خالف الكتاب والسُّنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات (١٠) . ـ وتعريف الشاطبي بأنها: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الطريقة الشرعيّة، يقصد من السلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى (١١) . ومراده بتضاهي الطريقة الشرعية يعني: تشابهها. ـ وعَرّفها ابن رجب بأنّها: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه (١٢) . ـ وعُرّفت بأنها: كل تعبُّد لله على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه قولاً وعملاً واعتقاداً (١٣) . ـ وبأنّها: العبادة التي لم يشرعها الله (١٤) . والجامع لكل التعريفات السابقة أن البدعة محدَثٌ ـ لا دليل عليه ـ مضاف للدين؛ سواء كان فعلاً أو قولاً أو اعتقاداً (١٥) . ثانياً: حكم البدعة: البدعة ـ بالتعريف المتقدّم ـ محرمة، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] . فقد أخبر الله ـ تعالى ـ أن المشركين أحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله، فلم يفردوه بالتشريع: (وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صَيّر نفسه نظيراً مضاهياً لله، حيث شَرع مع الشارع، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع) (١) . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٢) . وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٣) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشَرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة» (٤) . وفي رواية: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٥) . قال ابن رجب: (فقوله: كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين.. فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة) (٦) . وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة» (٧) . وقد وردت عن الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة نصوص متكاثرة في النهي عن الابتداع وذم البدع وأهلها، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنّه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (٨) . وقال حذيفة بن اليمان ﵁: «اتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من قبلكم، فو الله لئن سبقتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً» (٩) . وقال ابن عمر ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١٠) . وقال أبو إدريس الخولاني: (لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها، أحبّ إليّ من أن أرى فيه بدعةً لا أستطيع تغييرها) (١١) . في نصوص متكاثرة تفيد قاعدة شرعية وتقررها على أتمِّ وجه، وهي أنّ الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يرد الدليل الشرعيُّ عليها، فلا يُتعبَّد لله ـ تعالى ـ إلا بعبادة دَلّ الدليل عليها سواء من أصلها أو من جهة عددها أو هيئتها (١٢) . قال ابن تيمية: (البدعة هي مبادئ الكفر، ومظانّ الكفر، كما أنّ السُّنن المشروعة هي مظاهر الإيمان) (١٣) . ومع أن البدعة محرمة فقد تبلغ بصاحبها الكفر، فمن البدع المكفرة: اعتقاد بعض المبادئ الكفرية؛ كمقالات الفلاسفة مثلاً وكالطواف حول القبور بقصد التقرب لأصحابها ونحو ذلك، فليست البدع مع تحريمها على رتبة واحدة (١٤) . ـ أما البدعة بالمعنى اللغوي وهو كل مستحدث، وبالمعنى الاصطلاحي العام وهو ما خالف السُّنة، فهذا قد يكون جائزاً، لا يترتب الإثم عليه، وقد يكون مكروهاً أو محرَّماً. فمن أمثلة الجائز ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن الجمع بين أنواع الأدعية الواردة على صفات متنوعة وأنّ بعضهم لَفّق لفظ الدعاء الذي عَلّمه النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ لما قال له: «قُل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ـ وفي رواية كثيراً ـ ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنّك أنت الغفور الرحيم» . فقال: يستحب أن يقول: كثيراً، كبيراً. قال: (هذا ضعيف؛ فإن هذا ليس بسُنّة، بل خلاف المسنون، فإنّ النبي ﷺ لم يَقُل ذلك جميعه جميعاً، وإنما كان يقول هذا تارةً، وهذا تارةً ـ إن كان الأمران ثابتين عنه ـ فالجمع بينهما ليس سُنّة، بل بدعة، وإن كان جائزاً) (١) . ومن استعمال المعنى اللغوي للبدعة قول عمر بن الخطاب ﵁ لما جمع الناس لصلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه» (٢) . قال ابن رجب: (ما وقع في كلام السلف من استحباب بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغويّة لا الشرعيّة) (٣) . ومن استعمال الاصطلاح العام بمعنى مخالفة السُّنة قول ابن عمر ﵄ لَمّا سُئِل عن صلاة الناس الضُّحى قال: «بدعة» (٤) . قال الحافظ ابن حجر: (إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة؛ لأنّها مخالفة للسُّنّة) (٥) . وكذلك قول عمر بن عبد العزيز: (إظهار المعازف والمزمار بدعة في الإسلام) (٦) . فالحاصل أن البدع كلها محرمة؛ لعموم قول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» ، وما سُمّي بدعة ولم يطلق عليه وصف الذم والتحريم فهو ليس بدعة في الدين. ثالثاً: دخول البدعة في الاعتقاد والعمل: الإحداث في دين الله ـ تعالى ـ يكون في الاعتقادات في الأعمال. فالبدعة الاعتقادية: اعتقاد خلاف ما أخبر الله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ (٧) ، فالصحابة قد تلقّوا المسائل الاعتقادية عن رسول الله ﷺ ، وتلقّاها عنهم التابعون، حتى صارت جملة المسائل الخبريّة محفوظة، فمن خالف اعتقادهم فهو مبتدع. ومثال ذلك: أن السلف أجمعوا على أنّ الإيمان قول وعَمَل، وأنّه يزيد وينقص، وخالف في ذلك بعض النَّاس، فأخرجوا الأعمال عن مسمّى الإيمان فهذه بدعة اعتقادية. وأما البدعة العملية فهي التقرّب إلى الله ـ تعالى ـ بما لم يشرعه الله ـ تعالى ـ ولا رسوله ﷺ ؛ كتخصيص يوم بعبادة معينة كليلة السابع والعشرين من رجب، أو الثاني عشر من ربيع الأول، أو نحو ذلك. والبدعة سواء كانت عملية أو اعتقادية قد تكون في أمر كلي في الدين، وقد تكون دون ذلك، وبهذا تخرج من الفرق الناجية أو لا تخرج، فقد قال النبي ﷺ : «وستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٨) . قال الشاطبي: (هذه الفِرَق إنّما تصير فِرَقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذّ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرّق شيعاً. وإنما ينشأ التفرّق عند وقوع المخالفة في الأمور الكليّة.. ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإنّ المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة، عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكليّة معارضة أيضاً، وأمّا الجزئي فبخلاف ذلك، بل يُعدّ وقوع ذلك من المبتدع كالزلّة والفلتة) (١) . رابعاً: انقسام البدعة إلى حقيقيّة وإضافيّة: الإحداث في الدين قد يكون باختراع شيء جديد مطلقاً وإدخاله في الدين، فيكون العمل كله بدعة لا دليل عليها، لا في الجملة ولا في التفصيل، ومثالها: التقرّب إلى الله ـ تعالى ـ بالرهبانية، ونحو تحكيم العقل ورفض النصوص في دين الله ـ تعالى ـ، فهذه تُسَمّى: بدعة حقيقية. وقد يكون للبدعة شائبة من الأدلّة، لكن أضيف لها وألصق بها ما ليس عليه دليل؛ فمن جهة الأصل عليها دليل، ومن جهة ما أضيف إليها ـ من كيفيّة أو صفة أو تفاصيل ـ لا دليل عليها، فهذه تُسَمّى: بدعة إضافيّة. ومثالها: تخصيص يوم ـ لم يخصّه الشارع ـ بصوم، فإن أصل الصوم في ذاته مشروع، وتخصيصه بيوم مخصوص ـ لم يخصّه الشارع به ـ بدعة. (فصاحب البدعة الإضافية يتقرّب إلى الله ـ تعالى ـ بمشروع وغير مشروع. والتقرّب إلى الله يجب أن يكون بمحض المشروع) (٢) . قال ابن تيميّة: (البدعة لا تكون حَقّاً محضاً؛ إذ لو كانت كذلك لكانت مشروعة، ولا تكون مصلحتها راجحة على مفسدتها؛ إذ لو كانت كذلك، لما اشتبهت على أحد، وإنّما يكون فيها بعض الحق وبعض الباطل) (٣) . خامساً: قواعد في معرفة البدع: التعرّف على البدع أصلٌ للحذر منها، فإنّ تمييز البدعة وضبطها بضوابط عامة يعين على التعرّف على أفراد البدع؛ ليتأتّى الحكم عليها، ويمنع من أن يدخل فيها ما ليس منها، وقد حاول عدد من الباحثين تقصّي ضوابط التعرّف على البدع؛ فمقلّ ومكثر (٤) ، وقد انتقيت مما ذكره أهل العلم جملة قواعد حسبت أنها أحق ما يُحتاج لمعرفته. ١ ـ العادة المحضة لا يدخلها الابتداع: من مقررات اعتقاد أهل السُّنّة اعتقادهم الحكمة في أفعال الله ـ تعالى ـ، فربنا ـ سبحانه ـ حكيم عليم بمصالح خلقه، لا يأمر بشيء إلا لحكمة قد يعرفها العباد وقد يجهلونها. فالأحكام الشرعيّة الواضحة العلة والحكمة ـ كالبيع والنكاح ونحوها ـ تسمّى: عادات، أو أموراً عاديّة. وأما المجهولة العلة التي شرعت من أجلها ـ وإن علمنا شيئاً من مصالحها ـ فهذه هي التعبديات أو الأمور التعبديّة. فالعبادات لا إشكال أنّ الإحداث فيها ابتداع مذموم كما تقدّم. وأما العادات فإنها إن تمحّضت عادة، ولم يكن فيها شائبة تعبّد لم يدخلها الابتداع، وإن كان فيها شائبة تعبّد فقد يدخلها الابتداع في هذه الشائبة. ومثال ذلك: النكاح، فإنه من العادات، فإن أحدث في الذي ليس فيه شائبة تعبّد منه؛ لم يكن بدعة مذمومة، مثل: إقامة الزواجات في أماكن معينة، وكالتوسّع في التكاليف، أو اتخاذ عادة في الاجتماع له ونحو ذلك. وأمّا إن حصل الإحداث في الذي فيه شائبة التعبّد منه؛ فهو بدعة، كما لو ألغى المهر عن الزوج، وأُلزمت به المرأة؛ لأن الشرع قيّد النكاح بمثل هذا القيد، فلم يكن للمكلّف اختيار فيه، بخلاف الأوّل، فالعادة من حيث هي عادة لا بدعة فيها، ومن حيث التعبّد بها أو وضعها وضع التعبّد تدخلها البدعة (٥) . ٢ ـ كل عبادة وردت مطلقة فتقييدها بدعة: فالشرع قد حَثَّ على عبادات وأطلق وقت أدائها؛ فصلاة الليل عبادة مشروعة في كل ليلة، وصيام النفل المطلق مندوب إليه كل يوم، فمتى قيّدت هذه العبادة؛ كأن خُصّ القيام بليلة الجمعة مثلاً، أو الصيام بيوم كالجمعة من كل أسبوع، دون معنىً يخصه فإنّ تخصيصه بذلك بدعة إضافية. قال أبو شامة: (لا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضّله الشرع وخصّه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء) (١) . وقال ابن تيميّة: (من أحدث عملاً في يومٍ كإحداث صوم أول خميس من رجب والصلاة في ليلة تلك الجمعة.. فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد القلب؛ وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحباباً زائداً.. إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة) إلى أن قال: (ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي، ومع ذلك فأنا أخصّها، فلا بد أن يكون باعثه إما موافقة غيره، وإمّا اتباع العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك، وإلا فهو كاذب ... فعلمت أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاؤوا به عن الله) (٢) . أما لو استند التقييد إلى سبب معقول؛ كجعل قراءة القرآن في وقت معين لكونه أفرغ من الأعمال، أو أهدأ من الأوقات، بحيث لو زال هذا السبب لزال التقييد، فإنه لا بأس به ولا يكون من تقييد العبادة الذي يجعلها بدعة. ٣ ـ كل عبادة وردت مقيّدة فإطلاقها بدعة: تأتي بعض العبادات مقيّدة بسبب معين، أو بمحلٍّ معين، فإذا أطلقها البعض دائماً، أو في محل غير ما قيدت به، صارت بدعة من هذا الوجه. مثال ذلك: أن الطواف لم يشرع إلا حول الكعبة، ولم يشرع السعي بين جبلين سوى الصفا والمروة، فلو طاف أحد حول غير الكعبة، أو سعى بين جبلين آخرين فهذه بدعة. قال ابن رجب: (وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقاً، فقد رأى النبي ﷺ رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنّه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه (٣) ، فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرهما ... مع أنّ القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم فدلّ على أنّه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها) (٤) . ٤ ـ تغيير الحدود الشرعيّة المقدّرة بدعة: الأحكام الشرعيّة الثابتة المقدرة ـ كأنصبة المواريث، وعقوبات ارتكاب موجبات الحدود ـ جعلها الشارع أحكاماً ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل، فالتغيير فيها ابتداع في الدين؛ كمن زاد الصلاة المفروضة، أو نقص منها، أو غيَّر أنصبة الزكاة مثلاً. ٥ ـ دلالة أفعال النبي ﷺ : أفعال النبي ﷺ ليست نوعاً واحداً، بل هي أنواع، فمنها: ما يدل على الندب فيسنّ التأسِّي به فيها، ومنها: ما يدل على إباحة الفعل فقط. فأفعال النبي ﷺ التي لم يظهر منها قصد التقرّب إلى الله، وليست بياناً لأمر وارد في القرآن، قد اختلف أهل العلم في دلالتها؛ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تدلّ على رفع الحرج والإباحة فقط (٥) . وهذا هو الراجح (فإنّ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وهم أعلم الناس بالدين وأحرص الناس على اتباع الرسول في كل ما يقرب إلى الله ـ تعالى ـ كانوا يشاهدون من النبي ﷺ أفعالاً ولما لم يظهر لهم فيها قصد التقرّب لم يتخذوها ديناً يتعبدون به ويدعون الناس إليه) (٦) . وعليه؛ فقصد التأسِّي بالنبي ﷺ في هذه الأفعال ليس مندوباً ولا مطلوباً. قال ابن تيميّة: (تنازع العلماء فيما إذا فعل ﷺ فعلاً من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبّهاً به مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك، ومنهم من لا يستحبّه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر ﵄ بأن النبي ﷺ كان يصلّي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزله، لم يتحرّ الصلاة فيها لمعنى في البقعة) (٧) . ٦ ـ سُنّة النبي ﷺ فعليّة وتركيّة: (سنّة النبي كما تكون بالفعل، تكون بالترك، فكما كلّفنا الله ـ تعالى ـ باتباع النبي ﷺ في فعله الذي يتقرّب به كذلك طالبنا باتباعه في تركه، فيكون الترك سُنّة، والفعل سُنّة، وكما لا نتقرّب إلى الله ـ تعالى ـ بترك ما فعل لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما) (١) . وكذلك قد يقع الابتداع بالترك؛ كمن يحرّم على نفسه شيئاً، أو يقصد تركه تديّناً، أو يتدين بضدِّ ما شرع الله تعالى؛ لأن هذا معارضة للشارع، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ، ففي الآية أن تحريم الحلال اعتداء لا يحبّه الله تعالى (٢) . سادساً: معاملة المبتدع: أمر الله ـ تعالى ـ بالعدل مع العدو المخالف فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . وحرّم الله ـ تعالى ـ إيذاء المؤمنين أو الإساءة إليهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا﴾ . [الأحزاب: ٥٨] فالكلام على الناس، والحكم على أقوالهم وأفعالهم، وتقرير طريقة التعامل معهم، أو الموقف منهم؛ مبناه العدل، والتزام أُصول منهج أهل السُّنّة وقواعده. قال ابن تيميّة: (ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسُّنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل، لا بالظن وما تهوى الأنفس) (٣) . وقال: (وأئمة السُّنّة والجماعة، وأهل العلم والإيمان، فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسُّنّة سالمين من البدعة ... ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشرّ لهم ابتداءً، بل إذا عاقبوهم وبيّنوا خطأهم كان قصدهم بذلك بيان الحق، ورحمة الخلق) (٤) . ويمكننا من خلال تلمّس مواقف أهل العلم وأقوالهم أن نتبيّن معالم أساسيّة لطريقة التعامل مع المبتدع والموقف منه. ١ ـ فأول هذه القواعد أن البدع متفاوتة وليست مرتبة واحدة، وهذا سبق بيانه، وأصحاب البدع الذين خالفوا السُّنة في أصول عظيمة ليسوا كمن خالفها في أمور دقيقة، وبناء علىه يراعى في التعامل مع صاحب البدعة مدى مخالفة بدعته السُّنةَ. قال ابن تيمية: (وأصحاب ابن كُلاّب كالحارث المحاسبي، والقلاني ونحوهما خير من الأشعريّة، وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل) (٥) . وقال: (متكلّمة أهل الإثبات من الكلابيّة والكراميّة والأشعريّة ... فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن من كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم، وله أتبع، وإنّما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلّة ابتداعها) (٦) . ٢ ـ إقامة الحجّة شرط في التبديع: فمن أتى ببدعة سواء كانت مكفرة أو دونها، فإنّه لا يحكم عليه بمقتضى هذه البدعة، حتى تقام عليه الحجّة، يقول ابن تيميّة: (إنّي من أعظم الناس نهياً أن يُنسب معيّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا أعلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارةً، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى. وإني أقرر أن الله غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبريّة القولية، والمسائل العمليّة، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية) (٧) . ٣ ـ لا يلزم أن يكون غير المبتدع أفضل منه: فالتفاوت في درجات العباد، والتفاضل بينهم يكون بحسب تفاضلهم في الأعمال الصالحة، وما يقوم بقلوبهم من إيمان وصدق وإخلاص. والمبتدع مع أنه قد لا يأثم ببدعته إذا كان متأوّلاً مجتهداً أو لم تقم عليه الحجة مثلاً؛ فإنه لو كان آثماً ببدعته فإن إثمه فيها كسائر المعاصي التي تقع من العباد. يقول ابن تيميّة: (ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإنّ المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته) (١) . فليس مجرد عدم الابتداع معياراً للتفضيل، وإن كان من أسباب الفضل؛ لأن الشخص الواحد قد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه، والعبرة بالراجح منها. يقول ابن تيميّة: (إذا اجتمع في شخص واحد خير وشر، وطاعة وفجور، وسُنّة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بقدر ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة) (٢) . وهذا باب من العدل والإنصاف عظيم يمتاز به أهل السُّنّة. ٤ ـ لا يلزم من وقوع الشخص في بدعة، ولا من انتسابه لطريقة مبتدعة أن يخرج عن أهل السُّنّة: إذ ارتكابه للبدعة متى كان عن اجتهاد وتأوّل لا يجعله مبتدعاً آثماً، مع أنه يُنكر عليه ويُبيّن خطؤه، وقد قال النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٣) . وقد قرَّر ابن تيميّة أن كثيراً من مجتهدي السلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة لسبب من الأسباب وهذا جعلهم معذورين (٤) يشملهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . والبدع غير المغلّظة لا يكون مرتكبها خارجاً عن أهل السُّنة وعن الفرقة الناجية ولو كان آثماً ببدعته قال ابن تيميّة: (وأمّا المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السُّنّة، حتى تغلّظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة) (٥) . ووقع بين برهان الدين ابن العلامة ابن القيم وبين ابن كثير ـ رحمهم الله تعالى جميعاً ـ منازعة، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري. فقال له: لو كان من رأسك إلى قدميك شَعْر ما صَدّقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيميّة! (٦) . فمن كان في قوله واعتقاده موافقاً لمنهج أهل السُّنّة فإنه لا يخرج عنه بمجرّد انتسابه لطائفة معينة تخالف أهل السُّنة، إذ العبرة بالحقائق والمعاني لا بمجرد الانتسابات والألقاب. ٥ ـ مراعاة المصالح والمفاسد: الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، وهي ترجح خير الخيرين وتدفع شر الشرَّين. ولا يسوغ في هذه الشريعة دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع الضرر الخفيف بتحصيل ضرر عظيم. وهذا الضابط يراعى ـ مع ما سبق ـ في طريقة الإنكار والاحتساب وفي الاجتماع أو الاتفاق على شيء مخصوص، ولهذا كان الصحابة ﵃ يصلون خلف الحجاج بن يوسف، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما؛ لأن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فساداً من الاقتداء بإمام فاجر أو مبتدع (٧) . وعلى كل حال فالنظر للمصالح والمفاسد من أصول التعامل مع المبتدع، فينظر في العمل هل مصلحته راجحة بحيث يفضي إلى ضعف الشر، فيكون مشروعاً، أو أنّه يزيد الشر، فلا يكون مشروعاً، وهذا بلا شك يتفاوت بتفاوت الأحوال والمصالح. وبعد: فهنا وقف القلم، وفي كل مسألة مما تقدّم مجال للقائلين، وموضع بسط للمتناولين، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعُنُق.

стр. 5915

المحادثة بين الرجال والنساء من أجل التعارف محمد بن شاكر الشريف مع التقدم الكبير في وسائل الاتصال تظهر كثير من الطرق التي لم تكن معهودة في ما مضى من إمكان محادثة الرجال والنساء بعضهم بعضاً، ولم تزل هذه الطرق بمرور الأيام تتطور وتنتقل من طور إلى طور متقدم في تلك الإمكانيات، حتى وصلت إلى ما يُعرف بـ (الشات) و (غرف الدردشة) عن طريق الإنترنت الذي تغري تكلفته الزهيدة بالانسياق في هذا الأمر. والإسلام يحرص حرصاً شديداً على نقاء المجتمع وسلامته من كل أسباب الشرور ومظاهرها، وخاصة في جانب الأعراض؛ فما من سبيل يضمن ذلك إلا وقد سلكه وأمر بسلوكه، وما من سبيل يعارض ذلك إلا وقد نهى عنه، وحذر منه، فنهى عن الخلوة بين الرجل والمرأة وإن كانا قريبين ـ ما لم يكونا من المحارم ـ ومنع المرأة أن تسافر من غير محرم، أو أن تسافر مع غير محرم، وأمر المرأة بارتداء الحجاب، ومنع من الاختلاط بين الجنسين، ونهى المرأة عن الخضوع بالقول (١) ، كما جعل على مخالفة ذلك عقوبات زاجرة، تزجر من تسوِّل له نفسه تجاوز ما شرعه الله تعالى. وقد يكون في استخدام (الشات) سواء كان كتابة باليد أو تكلماً بالصوت بين أفراد الجنس الواحد أي بين رجل يخاطب رجلاً، أو امرأة تخاطب امرأة، نوع من التعارف الذي قد تترتب عليه بعض المصالح، وهذا في دائرة المباح؛ وإن كان هناك احتمال عدم صدق البيانات؛ فقد يكتب بعض الناس بيانات مخالفة لبياناته الحقيقية، وخاصة في خانة الجنس ليوقع الجنس الآخر في مخاطبته. وأما مخاطبة الرجل للمرأة، أو المرأة للرجل تكلماً أو كتابة من أجل التعارف بينهما، فالذي يظهر من توجيهات الشرع التي مرت أن هذا لا يجوز، ولو كان كلاماً بريئاً خالياً مما يخدش الحياء أو نحو ذلك؛ فلم تجرِ بذلك عادة بين المسلمين من قديم الزمن، وإنما كان الحديث الذي يمكن أن يحدث بينهما للحاجة وليس للتعارف؛ على أن يكون ذلك وفق ضوابطه كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولم يظهر شيء من ذلك بين المسلمين إلا بفعل تقليد الأمم الغربية، وهذا النوع من المخاطبة فيه ـ عندي ـ بعض معاني الخلوة الممنوعة، وإن لم يكن خلوة كاملة؛ حيث يجلس الرجل والمرأة كلاهما إلى جهاز الحاسب، فيكتبان ما يشاءان من غير أن يدري أحد غيرهما بما هو مكتوب؛ فهذا وإن لم يكن خلوة جسدية فهو خلوة معنوية، فإذا اختلى الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل على (الشات) ؛ فإذا قُدِّر أن أحداً من أوليائهما اطَّلع على ذلك فإنهما يشعران بقريب من الحرج الذي يحدث لهما عندما تكون الخلوة جسدية، مما يدل على أن هذه الخلوة فيها من معاني الخلوة الجسدية، وهذه الخلوة المعنوية قد تورث تعلُّق القلوب بعضها ببعض، وربما تقود مع مرور الوقت وتكررها إلى الخلوة الجسدية. أما المخاطبة من أجل تحقيق مصلحة دنيوية كأن تخاطب امرأةٌ طبيباً مثلاً، أو يخاطب رجل طبيبة للسؤال والاستفسار عما فيه مصلحة من ذلك، فهذا لا حرج فيه، ولكن ينبغي أن يكون الكلام من أجل ذلك الغرض حقاً، وأن لا يسترسل أحد المتخاطبين في كلام خارج عن المطلوب، حتى لو لم يكن فيه كلمات غير مناسبة. وأما المخاطبة من أجل تحقيق مصلحة دينية كالاستفسار مثلاً عن تفسير آية أو حديث أو السؤال عن حكم فقهي فهو جائز أيضاً، إذا كان المسؤول ممن يقدر على ذلك، وينبغي أيضاً الانتباه إلى عدم الاسترسال في الكلام الخارج عن موضوع السؤال حتى لو لم يكن فيه شيء؛ والشيطان هنا قد يضحك على كل منهما فيمنيهما بأنهما صالحان طيبان وأنه لا خوف عليهما من الاسترسال في الكلام؛ فهما ليسا بمنزلة الأشرار؛ وهذا من مخادعة الشيطان لهما. فليحذر المتخاطبون من هذا المنزلق الذي قد يجر إلى ما لا تحمد عقباه! لكن الرجل الصالح والمرأة الصالحة إذا استزلهما الشيطان في لحظة الضعف البشري التي قلما ينجو منها أحد، فجعلهما يسترسلان في الحديث فيما لا تدعو إليه الحاجة ـ وإن لم يكن محرماً ـ يدركان سريعاً بفضل الله خطأهما، وأنهما قد استرسلا أكثر مما ينبغي فيما لا تدعو إليه حاجة، فيستغفران الله ويتوبان إليه، والله غفور رحيم. ولو أردنا أن نضع ضابطاً لما يمكن أن يكون استرسالاً فيما لا تدعو إليه حاجة، لقلنا: لو كان الرجل الصالح والمرأة الصالحة يستحيان أن يطلع على هذه المخاطبة أحد من الناس، لكان هذا استرسالاً غير محمود، لكن هذه ليست قاعدة كلية مطلقة، بل هي قضية أغلبية، وإنما قيَّدنا القول بالصالح والصالحة؛ لأن غير الصالح وغير الصالحة منهم من لا يستحي من أن يطلع غيرهما على المخاطبة، بل ربما سعيا ذاتهما إلى إطلاع الآخرين. وفي كِلا الأمرين (المصلحة الدينية، أو المصلحة الدنيوية) إذا أمكن أن تكون المخاطبة عن طريق الكتابة بغير عَنَتٍ أو مشقة فلا ينبغي العدول عنها، ولا ينبغي أن تكون عن طريق الصوت وخاصة من المرأة، إلا إذا تعذر ذلك، أو كان فيه مشقة، وعلى المرأة حينها ألاَّ تخضع بالقول، على أن الخضوع بالقول ليس قاصراً ـ من وجهة نظري ـ على ليونة الصوت فقط، فقد يكون في الكتابة أيضاً؛ وذلك إذا كتبت المرأة ألفاظاً وتعبيرات تدل على ضعفها، كأن تكتب المرأة عندما يأمرها الرجل بما فيه المصلحة: أنا تحت أمرك أو ما شابه ذلك من العبارات، وقد تظن بعض النساء ـ هداهن الله ـ أن هذا من قبيل الأدب في الحديث، وهو لا أدب فيه، بل الأدب في اختصار العبارة ووَجازتها والبعد عن مثل هذه الألفاظ والتعبيرات. ومما يلبِّس على الناس في مثل هذا المجال تفاوت العمر بين الرجل والمرأة، فيظنون الأمن مع التفاوت في الأعمار بين المتخاطبين وهذا غير صحيح. ومن المهم في هذا المجال أن يعلم الرجل أن المرأة مرأة، وأن تعلم المرأة أن الرجل رجل، وإن كان بينهما فرق كبير في العمر. وهناك مشكلة أخرى في هذا (الشات) وهي أن المتخاطِبَيْن يكونان في أغلب الأحيان بأسماء وهمية غير حقيقية، وهذا يرفع عنهما الحياء مما يتيح للبعض أن يتوسع في الكلام وهو آمن من العقوبة أو المساءلة. ومن الأشياء التي ربما توسع فيها البعض في هذا (الشات) هو البحث عن زوجة بالنسبة للرجل أو البحث عن زوج بالنسبة للمرأة، وكل منهما يحدِّث نفسه بأنه لا غبار عليه وأنه يبحث عن الحلال، وقد يكون هذا من استدراج الشيطان له أو لها، وهذا المسلك في نظري غير سليم، فلا ينبغي للرجل أن يختار زوجته عن هذا الطريق، كما لا ينبغي للمرأة أن تختار زوجها عن هذا الطريق أيضاً؛ فكم من رجل يقول: أريد من وراء ذلك اختيار زوجة وهو يعلم من نفسه أنه كاذب، وكم من امرأة تقول: أريد من وراء ذلك اختيار زوج وهي تعلم من نفسها أنها كاذبة، وإن كان الكذب في جانب الرجال في هذه المسألة أكثر، وقد يسألها عدة أسئلة مثل اسمها وأين تقيم، وكم عمرها، وهل تقيم مع أهلها؟ ونحو هذه الأسئلة وهي تجيبه عن كل ذلك بزعم أو رغبة في الزواج، ثم هو يستغل كل هذه المعلومات فيما لا يعود على الطرفين إلا بالشرور وربما يكون هذا الاتصال في بعض الأحيان أو أكثرها وسيلة من البعض للتسلي وقطع الأوقات؛ مع أن الأوقات أغلى من الأموال، أو لمحاولة الحصول على ما لا يمكن الحصول عليه. ألا فليكفَّ الرجال والنساء عن البحث عن زوجات أو أزواج عن هذا الطريق، لكن هذا لا يعني أن كل من يسلك هذا الطريق فاسدون أو فاسدات، غير أن المشكلة أننا لا نستطيع التحقق من ذلك وخاصة في ظل الأسماء غير الحقيقية، والإسلام، كما ذكرت، يحرص دائماً على نقاء المجتمع، ولا يمكن أن نغامر بسمعة بيوت المسلمين من أجل مصلحة متوهمة. هذا والله أعلم، وصلى الله ـ تعالى ـ وسلم على عبده ورسوله محمد.

стр. 5916

ادارة العمل الخيري مصطفى محمود عبد السلام العمل الخيري الإسلامي، أو مؤسسات ومنظمات العمل الخيري الإسلامية، هي تجمُّع لجهود مجتمعية تضم متطوعين مؤمنين بمجتمعاتهم المسلمة وبالقضايا الإنسانية، عكفوا على درس احتياجات المجتمع، ووجّهوا جهودهم وأموالهم للعمل الخيري. إن المتصدي للعمل الخيري الإسلامي والدارس له يجد تاريخاً طويلاً بجذوره الممتدة سواء كان منشؤها الطبيعي البعد الديني وفكرة الإحسان ومفهوم الزكاة في الإسلام، أو مساعدة الضعفاء والفقراء في كافة الأديان. إن تقديم الرعاية للعاجز والمعوز وصاحب الحاجة كانت من المبادرات الفردية في الأساس، ويقوم جانب منها على مؤازرة السلطات الرسمية في شكل بيت المال، وحديثاً في شكل الوزارات المعنية بالمجتمع وبمشكلات المواطنين واحتياجاتهم للخدمات، وظل الجانب الآخر والأهم يقوم به نفر من المتطوعين، ومع الوقت انتظموا في جمعيات أو منظمات اجتماعية لتقديم الخدمات. المتأمل والدارس يجد مراحل عدة مر بها العمل الخيري حتى وصل إلى شكله الحالي، وهو مجموعة الجمعيات والمنظمات الخيرية التي نظمت أعمالها وفق التشريعات الوطنية والتي أخذت بالجديد وحاولت أن تواكب العصر. وبرزت مفاهيم عدة تحكم العمل وتُدخله إلى مجال الحِرْفية مع الحفاظ على معانيه الإنسانية وأصوله الخيرية. ومع تطور عمل الجمعيات الخيري برزت في المجتمعات أشكال تنظيمية أخرى ذات بعد طائفي أو مهني، أو ذات توجهات سياسية وقضايا تتعلق بالحرية وحقوق الإنسان. فكان ظهور الروابط للفئات المختلفة: التشكيلات العمالية ونقاباتها - والنقابات المهنية وتوجهاتها - الهيئات والنوادي - الأحزاب السياسية وما يتبعها من تنظيمات ـ جمعيات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات ... وغير ذلك من التنظيمات الاجتماعية والخيرية. كما برز للوجود منظمات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التي بدأت بالعمل مع الحكومات، وامتدت إلى العمل مع التنظيمات الأهلية بصفتها وثيقة الصلة بالمجتمع، وظهرت أيضاً التنظيمات والاتحادات العالمية التي أنشئت لها فروع بالدول. ناهيك عن الجمعيات المصنوعة التي شُكلت خصوصاً حول توجه معين أو بغرض تنفيذ مشروعات معينة أو الترويج لقضايا بعينها تهم المواطنين أو بافتراض ذلك. وبدأت سفارات بعض الدول وخصوصاً الغربية منها تتبنى أيضاً مشروعات في شكل برامج دعائية للمساعدة ومجابهة الاحتياجات. وشكلت وكالات للتنمية بصفة عامة كوكالة التنمية الأميركية والكندية أو أخرى متخصصة سواء بقضايا المرأة أو الطفولة أو غيرها. ومع ثورة الاتصالات وتعدد نواحي الحياة برز إلى الوجود ما سمي بـ (القطاع المدني) ليشمل كل تلك التنظيمات والأعمال. وتنامى القطاع أو قُلْ: (المجتمع المدني) بكل تشكيلاته، وأصبح له صوت محلي وآخر عالمي، وله من المنظمات والأصوات ما يدافع عنه؛ وقد يكون لذلك جانبه الإيجابي، لكن الجمعيات الأهلية ذات الجذور الأصيلة التي شكلت البدايات والتي اتسمت أعمالها بالخيرية وصالح الإنسان بلا طائفية أو تحزب أو توجه مصنوع أو غايات خفية أصبحت جزءاً من المجتمع المدني، وكادت تذوب فيه. وتحقق لها من جراء ذلك أمور مفيدة، منها: ١ ـ الانفتاح محلياً ودولياً. ٢ ـ تنوع مجالات العمل ليواكب قضايا أخرى لم تكن مرئية. ٣ ـ وصول العمل الخيري نتيجة الاحتكاك إلى نوع من الحرفية والأخذ بالجديد، وتنظيم الأعمال بشكل علمي عصري، وليس بشكل تلقائي. ٤ ـ بروز مؤسسات مانحة وأخرى متلقية، وإشغال الجميع بنوعية العلاقة. وبرزت أيضاً مجموعة من السلبيات؛ منها: ١ ـ وفود المال والمساعدات في شكل لا ندري ما وراءه؟ ٢ ـ اضطرار بعض الجمعيات إلى تغيير توجهاتها لتلائم توجهات الممول وأهدافه من أجل الحصول على المال والدعم. ٣ ـ ظهور الفساد في بعض الجمعيات نتيجة أساليب العمل غير الواضحة. ٤ ـ التسلل إلى مجتمع الجمعيات للتأثير على توجهاتها والانحراف أحياناً بغاياتها. ٥ ـ تحملها لسلبيات القطاع أو قل تعميم المشكلات والشوائب بجانب اختلاط المفاهيم. وبتعبير آخر: فقدت بعض الجمعيات استقلاليتها وربما اختلطت بعض الأوراق ببعضها الآخر. ü ماذا حدث مؤخراً؟ في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م وقع حادث مأساوي استهدف الولايات المتحدة الأميركية، وأدى إلى تحطيم برجي مركز التجارة العالمية وجانب من مبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) وألصقت التهمة بالقاعدة، وادُّعي على جمعيات دينية أو جماعات ذات صفة أخرى. وأياً كانت حقيقة الأمر فإن التداعيات استقرت على ما يلي: ١ ـ النظر بريبة إلى الجمعيات الخيرية ذات التوجه الإسلامي. ٢ ـ تجميد أموال بعض الجمعيات بحجة الاشتباه أو احتمال تمويلها لهذه الجماعات. ٣ ـ إلصاق التهمة بالإسلام والمسلمين، وتحوُّل الأموال إلى ما يشبه صراع الحضارات. ٤ ـ ما نشأ من جرَّاء ذلك من قلق يسود القائمين على العمل الخيري الإسلامي؛ في مقابل فتح الأبواب والتدعيم القوي للعمل التنصيري. ٥ ـ انحسار في التبرعات خشية أن تنال المتبرع تهمة تعزز أية توجهات. وأصبح ذلك يهدد ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ العمل الخيري والسعي لتقويضه والنيل منه رغم أن هذا يتوجه في غالب الأمر إلى أفقر الفقراء وإلى جمهور المحتاجين للخدمات، أي أن العمل الخيري الإسلامي يسعى لتوقيف القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر وتقوض مجتمعات وحضارات. الأمر إذن أضحى دائرة مفرغة تهدد الكيان المجتمعي، ليس في الدول النامية فحسب، ولكن في كافة المجتمعات؛ حيث تلعب الجهات الخيرية دوراً متنامياً لخدمة الإنسان وتشكيل ضمير المجتمع الذي يعبر عن الاحتياجات، وتسهم مع الحكومات والجهات الرسمية في سد الثغرات. ü ما الحل؟ إن هناك عدة توصيات تعكس الروح الخيرية التي ترمي إلى تنقية ذلك العمل الإنساني وإبراز روحه الوثابة. ولْنتأمل في مجموعة التوصيات التالية التي يمكن أن تدعم هذا العمل الخيري وإدارته، ويمكن من ثم تبنِّيها، وهي: - الشفافية، وأن تكون كافة الأعمال والأموال معلنة وواضحة. - إصدار التقارير المعبرة عن طبيعة العمل الخيري ونشرها. - تنقية العمل الخيري من أية شائبة. - الاعتماد على الذات كلما أمكن ذلك. - أن يكون التمويل الخارجي غير مشروط ووفق الثوابت المعتمدة. - أن تكون الجمعية الخيرية ذات قاعدة عريضة في المجتمع وليست حكراً على مؤسسين؛ بمعنى أنه ينبغي زيادة قاعدة التطوع. - أن يحكم العمل ميثاق شرف للعمل التطوعي الخيري. - شرعية العمل وعلنيته. - الابتعاد عن السياسة والتحزب والطائفية. - الاستقلالية. - التوجه إلى أفقر الفقراء وأصحاب الحاجة. - القيام بالتوعية المجتمعية. - تقوية الصلات بالجهات الرسمية والحكومية. - اعتماد استراتيجيات واضحة وأهداف محددة. هذه التوصيات التي يمكن تبنِّيها توضح أهمية التجربة الثرية والفريدة التي تحمل في ثناياها الحل، وتدعونا للقول: إن هذا الحل يكمن في أعمالها ونشرها وتنفيذها. وها نحن نعرضها في شكل مجموعة من الوصايا والتوجهات لحماية العمل الخيري. ü وصايا وتوجهات لحماية العمل الخيري: إن الجمعيات والهيئات الأهلية مدعوة وبقوة للعمل باستمرار؛ فهي ركيزة أساسية في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تشكل قطاعاً من قطاعات المجتمع مطلوب تكامل أدواره مع أدوار القطاع الخاص والقطاع الحكومي. وكي يظل العمل الأهلي الخيري هو نبض المجتمع وضميره والمعبر عن آلامه وآماله والساعي مع الشركاء لتلبية احتياجاته، يجب أن يصان ويظل بمنأى عن أية تنظيمات أو صراعات، ومن ثَم نوصي القائمين بالعمل الخيري بالسعي إلى حمايته من خلال الأخذ بالأمور التالية: ١ ـ العمل وفق القوانين والأنظمة: تنظم الدول العمل الأهلي من خلال عدد من الأنظمة أو بإقرار قوانين خاصة يعمل في إطارها وعلى هدي أحكامها. وبقدر ما يعتقد البعض أن القوانين قد تكون معوِّقة لحرية الجمعيات والهيئات أو داعية للتدخل في شؤونها بقدر ما تكون في غالب الأمر حامية للعاملين عليها أو المتبرعين الذين يضعون أموالهم بين أيدٍ أمينة تُحسِن التصرف. إن حصول الجمعيات والهيئات على الشرعية والتسجيل لدى وزارات الشؤون الاجتماعية أو الداخلية أو وفق ما تحدده القوانين المعمول بها في البلاد التي تمارس فيها نشاطها أمرٌ ضروري لاكتساب الشرعية والعمل في العلن. حب الخير وحده لا يكفي، والنوايا الطيبة ليست سياجاً للحماية، ولكن العمل في النور هو الضمان؛ ومن ثَم فأولويات الأمور هي الحصول على التصريح والتسجيل ووجود مقر لمباشرة العمل؛ فالعمل ينبغي أن يكون علنياً وليس سرياً، وتنظيمات المجتمع هي من أجل المجتمع والعمل لصالحه. ٢ ـ تنظيم العضوية: بعد الحصول على التصاريح اللازمة هناك أمور النظام الأساسي واللائحة الداخلية التي تنظم عمل الجمعية، ومن أبرزها شروط العضوية. وتعتبر عملية العضوية وإمساك سجلاتها والحصول على البيانات الكاملة للأعضاء، والالتزام بشروط العضوية أمراً هاماً، والجمعيات لا تقبل غالباً في عضويتها من عليهم أية شبهات أو صدرت ضدهم أحكام أو سبق أن صدرت ضدهم أحكام مخلة بالشرف. ولا بد أن تطبق شروط قبول العضوية أو إسقاطها حسب الأنظمة. إن تنظيم العضوية عملية حيوية، ويجب أن تظل مستمرة، كما أن البيانات الخاصة بالأعضاء يجب تحديثها؛ ناهيك عن عملية التواصل مع الأعضاء لإطلاعهم على الأعمال وإشراكهم في النشاطات والمؤتمرات العامة إن عقدت. إن الأعضاء هم جمهور المتطوعين؛ والمطلوب الحفاظ عليهم وتدريبهم وتحفيزهم؛ فهم الزاد لمسيرة العمل الأهلي وتطويره. ومن ثم فالتخلص من بعض العناصر أمر مطلوب إذا حادوا عن الطريق والأهداف؛ وذلك وفق الاشتراطات واللوائح المنظمة للعمل. والعناصر النشطة التي تبني وتؤازر العمل مطلوب تشجيعها وتحفيزها بل تكريمها. إن العضوية وتنظيمها تظل مشكلة في معظم الجمعيات والمنظمات الأهلية؛ ولذلك يجب أن تولَى الاهتمام، فيمكن من خلالها البقاء والتقدم البنّاء، وفي انسيابها وعدم ضبطها يكون الخلل ووضع علامات استفهام على الأعمال. ٣ ـ التنظيم الإداري الجيد: إن العمل الأهلي الخيري لم يعد عملاً تلقائياً، ولكنه دخل مرحلة الاحتراف، ومن ثم فالأخذ بالأسلوب العلمي في الإدارة والاستعانة بالكفاءات الإدارية أضحى أمراً أساسياً. إن التنظيم الإداري يعني تنظيماً إدارياً للأعمال التطوعية والهيئات الإدارية، وكيفية اتخاذ القرار وانتظام الجلسات واللجان، ورسم السياسات ووضع الخطط والبرامج. وعلى صعيد العاملين يعني عناصر قادرة لها رؤية وتقوم بالعملية التنفيذية باتباع الأساليب الإدارية الحديثة في التخطيط والتنظيم والإدارة، وأداء الأعمال من ناحية إعداد المشاريع وتنفيذها، وما يتعلق بالمتابعة والتقييم وإعداد التقارير، والقيام بأعمال الدعوة والإعلام، وربط الصِّلات مع المنظمات الأهلية والأطر الرسمية في داخل المجتمع، ودعوتها للمشاركة في الأعمال؛ إلى جانب المحافظة على الجودة الشاملة في تنفيذ البرامج والمشروعات. كل ذلك يحسب للعمل الأهلي ويرفع من شأنه ويضعه في مصاف الأعمال الجديرة بالتقدير. ٤ ـ الاستقلالية: الاستقلالية لا تعني التقوقع أو الانغلاق على النفس، بل تعني الانفتاح ولكن باستقلالية في رسم السياسات وفي أخد القرار. وهذه الاستقلالية تنبع من الشعور بالمسؤولية تجاه احتياجات المجتمع والجماهير المستفيدة. الاستقلالية تعني عدم الارتباط بحزب معين أو توجه سياسي يطغى على العمل الخيري ويصبح محسوباً على فئة دون أخرى، فيكون الولاء ليس للخير وحده والمصلحة العامة، ولكن للطائفة أو الحزب، فتعلو وتهبط وتتلون حسب توجهات الطائفة أو الحزب، ويُفقدها ذلك الموضوعية في رسم البرامج واتخاذ القرارات. الاستقلالية تعني التحرر من فرض توجهات معينة تتعارض مع أهداف الجمعية أو الهيئة، فتكون أعمالها خالصة لتحقيق الصالح العام وخدمة أفراد المجتمع الذين تستهدف المؤسسة خدمتهم. ٥ ـ وضوح الأهداف: العمل الأهلي أو القطاع الخيري، كما سبق الإشارة إليه، لم يعد عملاً تلقائياً تحدوه النوايا الحسنة فحسب، بل هو عمل علمي لا بد أن تكون له مجموعة من الأهداف العليا أو قل الاستراتيجيات التي يسعى إلى تحقيقها والسير في فلكها. وهذه الأهداف العامة لا بد أن تكون محددة وواضحة السمات، بحيث لا يكون هناك أهداف خفية أو غير مرئية أو مستترة. وفي العمل لا بد من ترجمة الأهداف العليا أو الاستراتيجيات إلى أهداف عملية؛ وللتعامل مع هذه العملية تكون البرامج والمشاريع. وأخيراً يكون تحديد الجمهور المستهدف وغايات هذه البرامج والمشاريع، ولا بد لأهداف العملية أو الأهداف الخاصة بالبرامج والمشاريع أن تكون واضحة ومحددة وسهلة القياس. إن عملية وضوح الأهداف سمة علمية، ولا تكون مجرد أهداف مكتوبة، ولكن تكون معلنة يتشربها جمهور المتطوعين والعاملين كي يسعى الجميع لتحقيقها، وليتسنى للشركاء أو منظمات المجتمع الأخرى التعاون والتنسيق معها في تحقيقها. ٦ ـ المشروعات المجتمعية: الأصل في العمل الخيري وأعمال الجمعيات أن تكون موجهة لخدمة المجتمع وتلبية الاحتياجات؛ فالجمعيات الخيرية وإن كان بعض منها موجهاً لفئات خاصة بالمجتمع إلاّ أنها في النهاية موجهة للمجتمع وشرائحه؛ ومن ثم فإن ترجمة الأهداف إلى برامج ومشروعات يجب أن تستهدف في الأساس نهضته وتقدمه. وكلما كانت المشروعات مخططة ومصممة بشكل يتناغم مع الاحتياجات كانت أكثر قبولاً وتعاطفاً بين فئات المجتمع. وهناك شريحة من الجمعيات قد تكون موجهة لمجتمعات أخرى أكثر حاجة؛ فهي تخاطب بالأساس الآخَر وتنبع من شعور بالتعاطف بين الدول والمجتمعات والإنسان أياً كان موطنه، وهنا تنبع الحساسية والتخوف، وعليها مراعاة ظروف تلك الفئات والمناخ السياسي والمجتمعي الذي تعيش فيه ومدى تقبل ذلك، وتحاول التوصل إلى الصيغ الملائمة للعمل دونما مخاطر أو تخوفات أو شبهات. إن العمل الخيري سيظل مطلوباً ما وجدت الحياة، وحري بنا أن ننأى به عن أية مؤثرات أو تلوينات. ٧ ـ الشفافية: وهي محصلة لما سبق ذكره من أمور وضوابط. فالشفافية مطلوبة في كل شيء بداية من تبيان الأهداف ونبل المقصد ووصولاً إلى تنفيد المشروعات على الأرض. إن الأمر الهام الذي قد يثير قلق المتبرعين أو المانحين هو: إلى أين نوجه الأموال أو كيف توظّف؟ وهل تحقق الغرض منها أم لم يتحقق؟ وهنا يأتي دور التقارير الخاصة بالإنجازات سواء كانت تقارير عن مشروعات بعينها أو تقارير عامة فئوية كانت أم سنوية، التي يجب أن تعكس النشاطات والأعمال. إن عملية التواصل مع الجهات المانحة وجمهور المتبرعين عملية هامة لكسب المصداقية. وقد يفسر البعض الشفافية بمفهوم سطحي؛ بمعنى تدخل الآخر في الأعمال أو تدخل كل من له مصلحة أو غيره في تفاصيل الأشياء. إن ذلك الأمر مربك للعمل وللعاملين وكأنهم موضع اتهام مستمر. ولكن المقصود بالشفافية هو اطِّلاع من يهمهم الأمر على طبيعة الأعمال بجانب نشر التقارير المعبرة. ٨ ـ البعد عن الصراعات: إن القائمين على العمل الخيري أو الجمعيات هم في الأساس متطوعون أو أناس آلَوْا على أنفسهم العمل الخيري من أجل خدمة مجتمعاتهم أو الفئات المستهدفة بالخدمة. كما أن العاملين هم عنصر فاعل في أداء الأعمال. ومن ثَم فإن جمهور المتطوعين الذين رسموا السياسات والأهداف حري بهم الاتفاق والبعد عن الصراعات. وقد تكون الصراعات على بعض المناصب من هياكل الإدارة أو من موقع اتخاذ القرار. هذه الصراعات قاتلة ومدمرة للعمل، وتبعد عن نبل المقصد؛ وحلُّ ذلك يكمن في إعمال الشورى وتعميق أسلوب الحوار للاتفاق ودحض كل ما من شأنه بعث الفرقة والاختلاف. النقاش الحر واتباع الأسلوب الأمثل في الإدارة ينأى بالعمل ومؤسساته عن مغبة الصراع. قد يكون بين العناصر في الإدارة من قد يشوِّه الصورة أو يبتعد عن قصد عن الهدف المرجو؛ فالحوار هنا والمصداقية تلفظ تلك العناصر وتنقي العمل من الشوائب. إن العناصر العاملة تعتبر في الأساس عناصر متطوعة؛ فالمتطوع العامل أصبح سمة لجمهور العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وبالرغم من حصول العامل على أجر واعتباره متفرغاً لأداء الأعمال، غير أن سمة التطوع هي عنصر النجاح في أداء الأعمال؛ حيث يتحلى العامل بروح التطوع، ويتفاعل مع الأعمال، ليس بمنظور الموظف، ولكن بمنظور القانع بأداء الخدمات والعامل على تحقيق الأهداف. وتجدر الإشارة إلى أنه قد تكون أو توجد بين جمهور العاملين بعض الصراعات الوظيفية أو اختلاف في الرؤية، وهنا تأتي مهمة الإدارة؛ فبجانب إعمال الشورى والاستماع للرأي الآخَر تكون مسألة العمل في فريق وجماعية العمل؛ مع وضع الأهداف نُصْبَ الأعين ليتم الابتعاد عن المسائل الشخصية وجوانب الصراع المختلفة التي تعد أسوأ الأشكال المدمرة. والمطلوب أن يكون هناك تنافس شريف من أجل إعمال المصلحة العامة، وليس التنافس الذي يؤدي إلى صراع يدمر ولا يبني. ٩ ـ التكامل مع القطاعات الأخرى: العمل الخيري التطوعي أضحى عملاً مخططاً حتى يؤتي الثمار المرجوة، ومن ثَمَّ فإن قوَّته في تلبيته للحاجات الفعلية للجماهير والمجتمع، وأيضاً في تكامله مع القطاعات الأخرى في المجتمع، أي الجمعيات الشبيهة. فلا توجد مؤسسة أو جمعية تلبي كافة الحاجيات التي يحتاجها الإنسان؛ فهناك مؤسسات متخصصة في أنواع من الرعاية، وبعضها في العمل التنموي؛ ناهيك عن الإطارات والإدارات الرسمية التي تقدم الخدمات الاجتماعية المناسبة. فالعمل الأهلي والجمعيات هو عمل مكمل لها أو مبادر لتقديم نوعية الخدمات التي يحتاجها المواطنون. والامر المهم الذي نريد إبرازه هو فكرة التكامل بين المؤسسات وفكرة الاستفادة من مصادر الخدمات المتوفرة في المجتمع حكومية كانت أم أهلية. وعملية التكامل تدفع بنا إلى إدراك أهمية الشفافية التي أشرنا إليها والمصداقية وكسب ثقة المجتمع؛ فالعمل الخيري ليس عملاً سرياً، ولكنه عمل علني شفاف لخدمة المجتمع؛ وبتكامله مع الخدمات الأخرى تتجسد صور الرعاية والتنمية؛ بل إن العمل الناجح والصادق والمفيد «مُعدٍ» إذا جاز التعبير، وابتكار الجديد في أساليب الخدمة يدفع بالآخرين إلى التقليد ويحفزهم على الإجادة. ١٠ ـ التقارير: إصدار التقارير دائماً هو نوع من المتابعة. والتقييم له أبعاد مختلفة؛ فهو تسجيل حي لما ينجز، وفرصة للدعوة والإعلام عما يتم، بجانب كون ذلك فرصة لمحاسبة النفس: ماذا تم، وماذا تحقق من نجاحات؟ أيضاً: ما حدث من عقبات أو إخفاقات؟ واستخلاص الدروس المستفادة في محاولة لتجاوز العقبات والمشكلات. والتقارير أنواع: فهناك تقارير خاصة عن المناسبات المختلفة أو المشروعات المنفدة، وهناك تقارير عامة سواء كانت شهرية أم دورية أم سنوية. ومن ثَم فالتقارير وسيلة لتحقيق الشفافية والمصداقية والتعبير عما يتم من أعمال ونشرها في المجتمع. ١١ ـ ميثاق الشرف: كثر الحديث عن ميثاق الشرف في أعمال مختلفة؛ فهناك ميثاق الشرف الصحفي، وميثاق الشرف الطبي على سبيل المثال ... وبمناسبة عام التطوع العالمي هناك ميثاق الشرف التطوعي. وأشار مؤتمر الخير العربي إلى ميثاق الشرف الخيري. والمقصود بميثاق الشرف، أياً كان، هو نوع من القواعد أو المبادئ أو الأسس التي يرتضيها العاملون بالمجال ويلتزمون بها، وتحدد فيما بينهم أخلاقيات العمل ومجموعة القيم التي تربط بينهم. وهذا الميثاق هو معانٍ ليست بالضرورة أن تكون منصوصاً عليها في النظم الأساسية واللوائح، ولكنها التزام مشترك للعاملين والمتعاملين في المجال. وبصدور مثل هذا الميثاق ما يعزز القيم السابقة ويبرز المعاني السامية وراء العمل الخيري، وينقيه دائماً من الشوائب والشبهات، ويدفع به قُدُماً لمزيد من الخير والعمل الإنساني. ١٢ ـ الاعتماد على الذات: رغم أن العمل الخيري يعتمد في الأساس على عطاء المتبرعين وأهل الخير لدعم هذا العمل سواء كان هذا الدعم مؤقتاً أم دائماً في شكل وقف أو زكاة متواصلة؛ فإن التوجه المرئي يشير إلى انحسار التبرعات وتعرضها لتقلبات سواء كانت مؤقتة أو نتيجة أزمات اقتصادية معينة. ولما كان وجود مصادر للتمويل يعتبر عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار ورسم الخطط والأعمال المتواصلة؛ لذلك وجب وجود مصادر ثابتة أو شبه ثابتة للتمويل وضمانة الاستمرارية. ومن هنا وُضع شعار الاعتماد على الذات هدفاً أسمى للمؤسسات الخيرية، وابتكر من الوسائل ما يساعد في هذا الاتجاه. والحديث يطول عن أساليب تنمية الموارد وترشيد الإنفاق والجدوى الاقتصادية وتبنِّي المشروعات التنموية المدرة للدخل، والانتقال من مفهوم الرعاية الخالصة إلى المفاهيم التنموية، ومساعدة الناس كي يساعدوا أنفسهم كما يقول المبدأ الأساسي في الخدمة الاجتماعية. ١٣ ـ عدم قبول تبرعات مجهولة المصدر: الحديث عن تنمية الموارد تجعلنا نذكر تحفُّظاً على قبول تبرعات مجهولة المصدر أو تبرعات مشروطة تجعل الجمعية أو المؤسسة تحيد عن أهدافها ومبادئها. وهذا موضوع حيوي يجب التنبه له؛ فليس من المفروض قبول أية أموال، بل يجب التأكد من هوية المتبرع والمقصد؛ بجانب النظر في الشروط التي قد يفرضها المتبرع أو صاحب المال. فالأضرار التي تحيق بالعمل الخيري في حالة عدم نُبل المقصد ضارة بالعمل بمجمله، ومن ثَم وجب التنبيه إلى ذلك والنص في لوائح الجمعيات الخيرية على الموارد المالية وقبولها وتنظيم ذلك.

стр. 5917

المنهج الخفي محمد بن عبد الله الدويش المنهج الخفي أو المستتر مصطلح تربوي له دلالته الواضحة لدى المختصين في التربية، وقد زاد تداوله في الآونة الأخيرة من قِبَل عدد من غير المختصين، وتم استعماله في غير دلالته الاصطلاحية؛ مما حدا بغيرهم إلى إنكار هذا المصطلح أصلاً والادعاء بأنه اختراع من هؤلاء. وبغض النظر عن توظيف المصطلح في غير دلالته؛ فهو مصطلح تربوي لا ينبغي أن يخفى مفهومه على المهتمين بالشأن التربوي. ويُعنى بالمنهج الخفي - ويسمى أحياناً المنهج المستتر أو الكامن -: كل ما يمكن تعلُّمه في المؤسسة التربوية من تعلُّم غير مقصود وغير موجود في المنهج الرسمي. ويمكن استنباط المنهج الخفي من خلال أمور عدة: ـ من القوانين واللوائح الداخلية والقواعد والتنظيمات العامة الموجودة في المؤسسة التربوية. ـ ومن العلاقات العامة الموجودة داخل المؤسسة التربوية؛ كعلاقة الناظر بالمعلمين، وعلاقته بالطلاب، وعلاقة الأب بأبنائه والشيخ بطلابه، وعلاقتهم به. ـ ومن خلفيات هذه الفئات المختلفة: الطبقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. ـ ومن طبيعة بنيان المؤسسة التربوية والأثاث المستخدم للطلاب والعاملين، وطبيعة المنافع والمرافق العامة. ـ ومن شكل المعرفة داخل المؤسسة التربوية وليس مضمونها (١) . إن الموقف التربوي يحوي عناصر مخططاً لها ومقصودة من قِبَل المربي، كما يحوي عناصر عدة غير مقصودة وغير مخطط لها، هذه الأخيرة - المنهج الخفي - ربما تركت آثاراً سلبية تفوق ما هو مخطط له وما هو مقصود. حين يسود في البيئة التربوية حماس المربي لآرائه، ويسعى دائماً للمبالغة في إقناع المتربين باختياره الشخصي، ويحشد الأدلة العديدة لتأييدها وإثباتها، فإن المعنى المقصود والمخطط له هو هذه الآراء وتلقيهم لها، لكنهم يتعلمون مع ذلك التطرف في التفكير، والموقف الحاد في تشكيل الآراء والمواقف. وحين تسود في البيئة التربوية اللغة الحادة في انتقاد المخالفين، والسعي لربط كل رأي مخالف بأصل لا يُختَلَف حوله حتى يثبت أنه مختلف في الأصول ـ حين تسود هذه السمة فإنها تربي في الأفراد التعصب والبغي على المخالف وتتبع العثرات والزلات. وحين يعيش المتربي في بيئة تتعامل تعاملاً هادئاً مع المواقف، وتمارس التفكير والتحليل للآراء، ويعتاد أن يتلقى الأفكار مبررة بأدلة موضوعية؛ فإنه يتعلم - بالإضافة لما يتلقاه من محتوى بشكل مباشر - ممارسة التفكير في التعامل مع المواقف الجديدة. ثمة أهداف عدة يسعى المربون إلى تحقيقها، لكن اختزالهم للموقف التربوي في المنهج المعلن والمخطط له يعوقهم عن اكتشاف جوانب الإخفاق لدى المتربين، ويقودهم في حالات كثيرة إلى معالجة هذه المواقف بصورة مباشرة من خلال عنصر المحتوى وحده، وربما قُدِّم المحتوى بطريقة تعوق عن تحقيق أهدافه، كمن يتحدث عن العمق وبُعد النظر بطريقة سطحية. كما أن الوعي بذلك يفسر كثيراً من حالات القصور، أو حالات التميز التربوي لدى المتربين. وهو أيضاً يزيد من قدرة المربين على التحكم في الموقف التربوي، وينقل كثيراً من عناصر المنهج الخفي إلى دائرة المنهج المعلن نظراً لأنها قد أصبحت مقصودة ومخططاً لها. ولن يصل المربي مهما بلغ إلى التحكم بكل صغيرة وكبيرة، والتخطيط الدقيق لكل موقف، لكن المطلوب منه الارتقاء بأدائه، وزيادة دائرة تحكمه في المنتج التربوي.

стр. 5918

استراتيجية تقزيم الهزيمة د. حنان فاروق يقول علماء تنمية وتطوير الذات في العصر الحديث: إن الفشل أو الهزيمة ليسا المشكلة الحقيقية لمن يُمنَى بهما، لكن المشكلة الرئيسة هي الاستسلام لهما والرضا بهما. إن الإنسان المهزوم هو الذي يسلم قياده لهزيمته ويرتاح بطريقة أو بأخرى في كنف (عدم استطاعة) وفي أغلال (فقدان المقدرة) على تغيير الواقع والعمل على خلق غدٍ أفضل بإذن الله؛ وهو الذي يركز على الجانب السلبي للفشل ولا ينظر إليه بمنظار مختلف وناحية مغايرة للانكسارية والتيه والضياع. لقد أدرك الغرب المناوئ للإسلام وأمريكا سيدة مشروع (القرن الأمريكي الجديد) هذا الأمر، وفهمت أن سحق أي أمة لا يأتي إلا من داخل قلوب أبنائها وعقولهم قبل أن يكون جهاداً بالسلاح، ومن ثَم فقد عملت على تأكيد هذا السحق وتعميقه حتى تبدد أي أمل في النصر القادم الذي وعدنا به رب العزة ﵎، وكذلك حتى تنسى الأمة نهج رسولها ﷺ واستراتيجياته في معالجة الهزائم وتحويلها إلى بدايات لانتصارات جديدة حين يتكالب الطغاة والبغاة على الأمة تكالب الأكلة على قصعتها. وها هو ﷺ ، في بداية رسالته ونزول الوحي، عندما أتاه خبَّاب بن الأرتّ ﵁ وهو متوسد بُرْدَه في ظل الكعبة وقال له: ألا تدعو الله؟! فقعد ﷺ وهو محمرُّ الوجه، ثم قال: «لقد كان مَنْ قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ـ زاد بيان الراوي ـ: والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» . كان المسلمون آنذاك في أوج هزيمتهم النفسية، يسامون سوء العذاب ليل نهار، وكان رسول الله ﷺ يبشرهم بالنصر والتمكين؛ بيد أنه حين رأى أن نفوسهم قد دخلت إلى منعطف الاستسلام لانكسارهم واليأس من حاضرهم أمدهم بجرعة أمل منبعثة من أعماق الإيمان برسالته؛ وكأنه يقول لهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ . فالضعف لا يزيد الإنسان إلا خساراً وترهلاً نفسياً لا يؤهله لأن تقوم له قائمة، أو تبزغ له شمس. وحين ذهب ﷺ إلى الطائف ولقي ما لقي من الأذى والعنت والسخرية اضطر للعودة إلى مكة مرة أخرى واستئناف ما بدأه هناك، فقال له زيد بن حارثة الذي كان يصحبه في رحلته تلك: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك (يعني قريشاً) ؟ فقال ﷺ : «يا زيد! إن الله جاعلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيه» فبدل بقوله هذا ما أحسه زيد من انكسار وقلة حيلة وهو يرى نبي الله وأباه بالتبني ـ قبل أن يحرّم ـ يُسَبُّ ويرمى بالحجارة، إلى أمل وإيمان بنصر عزيز من لدن حكيم خبير. وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم أموالهم وديارهم وحياتهم بجوار بيت الله الحرام بعد أن سلبتهم قريش كل شيء مقابل خروجهم سالمين؛ كانوا وقتها يشعرون بالظلم القاهر لما اضطروا إليه فراراً من أذى قريش الذي أرهق أرواحهم قبل أجسادهم، وكانوا موقنين أنهم على الحق، لكنَّ تأخُّر النصر يؤلمهم ويقض مضجعهم. كانوا يتحرقون شوقاً لأن يسترجعوا حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنهوبة؛ فلم يتركهم الله ورسوله لهذا الشعور لكي يتغذى على نفوسهم وإيمانهم فيستسلموا له، بل نزلت الآيات الكريمة بالإذن بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَي نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . فكانت السرايا والغزوات التي أعطتهم الدفعة نحو الأمام والثقة بأنهم قادرون على الانتصار بإذن الله؛ لا يفت في عضدهم قصور في العدة أو العدد؛ مثل سرية سِيف البحر ورابغ والحزار، وغزوة الأبواء وبواط وسفوان، وغزوة ذي العشيرة، وسرية نخلة.. تلك السرايا والغزوات لم تكن إلا لرد كرامة المسلمين الذين لم يقترفوا ما يدعو إلى إيذائهم والاعتداء عليهم إلا أنهم اختاروا الله الواحد الأحد، فباعوا له أموالهم وأنفسهم، ونصروه ولم يستسلموا للتخذيل الهدام الذي كان يبثه المنافقون في نفوسهم؛ فلما أبوا الاستسلام ونصروا ربهم نصرَهم نصراً عزيزاً مؤزراً بعد سنوات من العذاب والصبر والتحمل. أما ما حدث بعد الهزيمة النفسية المؤلمة التي تعرض لها المسلمون في أُحُد فهو الدرس الواضح الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في استراتيجية مقاومة وتقزيم الهزيمة؛ فقد أمر الرسول ﷺ المسلمين الذين شهدوا معركة أحد والمثخنين بالجراح والأحزان صباح الغد من الهزيمة بالخروج ليطاردوا فلول الكفار العائدين بنصرهم المؤقت؛ فرحين يخططون لإعادة الكرَّة للإغارة على المدينة المنورة ليفتكوا بالمسلمين وهم بعدُ لم يخرجوا من روح هزيمتهم، فهبُّوا سمعاً وطاعة لرسولهم الصادق الأمين ﷺ ، وعسكروا بحمراء الأسد على بُعد أميال من جيوش الكفار؛ مما جعل المشركين يفرون خوفاً منهم ومن سرعة قيام قائمتهم، وخاصة بعد أن خذّلهم معبد بن أبي معبد الخزاعي بإيعاز من رسول الله ﷺ بعد أن اسلم وأدى واجبه في إكمال الحرب النفسية على الكفار والمشركين، وعاد المسلمون دون أن يمس أحدَهم سوء؛ وشعورُ النصر والقوة يملؤهم ويدفعهم دفعة جديدة بعد أن كادوا يركنون إلى إحساس الفشل والألم والحسرة. هذا ما علَّمناه رسولنا الأمين ﷺ . وإننا نرى اليوم الحرب النفسية على المسلمين؛ فحين تتوالى الأخبار عن هزيمة العدوان في العراق وأفغانستان أو غيرهما من بلاد المسلمين ومقتل عدد لا يحصى من أفراد القوات المحتلة.. نراهم يسمحون بتسريب أخبار عن تعذيب المسلمين في جوانتانامو وأبي غريب بأساليب تتدنى عن أحط الأخلاق الحيوانية، بل ينشرون صور ذلك الإذلال على الملأ في نشرات أخبارهم وبرامجهم السياسية والحوارية وجرائدهم المحلية والعالمية ليعمقوا إحساس المهانة لدى المسلم المتابع لقضايا مجتمعه في جميع أنحاء العالم بالصوت والصورة والشعور حتى يتغلغل داخله ويقيده فلا يستطيع منه فكاكاً. ثم يعود العدو فينشر أخباراً عن إهانة المصحف وتدنيسه المتعمد في السجون والمعتقلات نفسها التي أُعدت خصيصاً للمسلمين القابضين على الجمر الذين جُرِّدوا من كرامتهم قبل ملابسهم تحت تهديد السلاح، ثم تعرض الصحف الأجنبية رسوماً مسيئة لرسول الله ﷺ وترفض الاعتذار بدعوى أننا ـ أعني المسلمين ـ لا نفهم معنى الحرية الحقة، فيحمِّلوننا الإساءة والتخلف معاً. ويعاود رأس الكاثوليك الكرَّة فيسيء للإسلام، ثم يقول: لم أقصد.. وهو الذي يعد رئيس دولة؛ فهو ليس زعيماً دينياً فحسب، ولكنه أيضاً يضطلع بالعمل السياسي مثل رؤساء الدول وملوك الممالك وسلاطينها ومن شابههم؛ وعليه فلا يمكن إدراج إساءاته تحت النقل أو زلات اللسان أو الهفوات الفكرية؛ لأنها بالقطع مقصودة، وتضيف لسابقاتها المتكررة المعلنة وغير المعلنة أرصدة جديدة من الألم النابض في قلوب المسلمين وعقولهم. ثم يعود الإعلام فينشر صور حاكم عربي كبير، مهما اختُلف عليه فهو مسلم، وهو بملابسه الداخلية في المعتقل الخاص المعد له دون إذن منه وكأنه يمعن في فضحه والنيل منه. ثم يعود فينشر فيلماًَ لإعدامه صبيحة عيد الأضحى المبارك والمسلمون في أوج عزتهم وتوحدهم الذي يستشعرونه كل عام من كل فج عميق خلال رحلتهم لبيت الله الحرام عبر القنوات الفضائية العربية وغير العربية والإنترنت ورسائل الوسائط للهواتف المحمولة التي استكملت المشهد التلفزيوني الذي رفض إعلاميوه عرض أواخره، فقامت الشبكة العنكبوتية وأجهزة المحمول بالغرض وبالمهمة عنهم ليضرب مشاعر المسلمين في مقتل وائد لفرحتهم قبل أن تكتمل، وسعادتهم قبل أن تتم. إنها الحرب النفسية واللعب على وتر التحطيم الداخلي قبل الخارجي، وإرساء حالة من الاكتئاب واليأس العام قبل تنفيذ أي مخطط بفترة كافية كي تتسنى التهيئة التامة لركوع المغتصَبين لغاصبيهم، بانتزاع كل أمل في النصر والتمكين من قلب الفريسة لتتبدد مقاومتها قبل أن تولد، ويشل تفكيرها قبل أن يتأجج، ويموت الحلم حتى في الخيال، فيدخل المحتل إلى حيث يريد، ويأخذ ما يريد في الوقت الذي يريد، ويجعل فريسته إما صورة في مرآته، أو كمّاً مهمَلاً في سلة قاذوراته. إن هذا هو مفتاح الانتصار الذي يعتمد عليه الآخر في حروبه معنا، معنويةً كانت أو ماديةً؛ وبغير هذا المفتاح لا يهنأ لغاصب قلب ولا يغمض له جفن، ولا يفرح مهما حقق من نجاحات ومهما نفذ من مخططات؛ ولهذا فنحن مطالبون بقمع هزائمنا النفسية والفعلية، والعمل على الخروج من قوقعة اليأس، وزنزانة التكبيل الفكري، ودائرة الإحباط المفرغة التي ندور فيها بلا هدف غير البكاء والتباكي على حالنا بكل طريقة ممكنة ومتيسرة: بالكلمة والفعل وتعلُّم وإرساء مهارات العمل الجماعي، ونبذ ثقافة الحزن على اللبن المسكوب في مقالاتنا وفكرنا، ودراسة تاريخنا الحقيقي لا ذلك الذي لُقِّنَّاه في مدارسنا وجامعاتنا.. وأولاً وأخيراً: بالثقة بوعد الله ـ تعالى ـ لنا: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] .

стр. 5919

الرؤية المركبة (٢ ـ ٣) د. عبد الكريم بكار تحدثتُ في المقال السابق عن (الفقر) بوصفه نموذجاً، نرى من خلاله أسباب هذه الظاهرة، وما يمكن أن يُطرح من حلول لمعالجتها، ووعدتُ بتقديم نموذج آخر لما نريد تقريره في شأن التفكير المعقَّد، وقد رأيت أن أتحدث اليوم عن (التعليم) عبر المفردات الآتية: ١ ـ تتخذ أمم كثيرة من التعليم اليوم مدخلاً رئيساً للتقدم والازدهار، والتخلص من الكثير من مظاهر التخلف. وهناك اعتقاد عالمي قوي بضرورة تطوير التعليم، كما أن هناك شكوى عالمية عامة من قصور المؤسسات التعليمية. ٢ ـ لدينا ميل شديد إلى التفسير الأحادي والرؤية البسيطة لما نراه من ضعف مؤسساتنا التعليمية على اختلاف مراحلها، والحقيقة أن معظم الناس يتحدثون عمَّا أدركوه إدراكاً فطرياً، أو ما انطبع في أذهانهم عن التعليم بسبب تجربتهم الفردية المحدودة. وقد أشرتُ في المقال السابق إلى أنه لا يصح تفسير الظواهر الكبرى بعامل واحد، وأنه لا بد من البحث عن العديد من العوامل التي تؤدي إلى ولادة الظاهرة الواحدة. ٣ ـ في تاريخنا الإسلامي تركيز شديد على نوعية الشيوخ والمعلمين الذين يمكن للمرء أن يأخذ عنهم، فإذا كان الشيخ عَلَماً في علم من العلوم، فإن الأخذ عنه يشكل فوزاً عظيماً لمن يتمكن من ذلك؛ وتزداد قيمة القراءة على الأعلام حين يقتضي ذلك السفر والرحلة من بلد إلى بلد. ٤ ـ لم يكن الارتباط بين المقدار الذي يحصِّله الطالب من المعرفة وبين الحصول على عمل أو على المال أو الرزق؛ واضحاً كالذي نراه اليوم، وهذا يؤثر في نظرة الناس إلى أهمية (العلم) في حياتهم. ٥ ـ لو تساءلنا عن أوضاع المؤسسات التعليمية لدينا مقارنةً بالمؤسسات التعليمية في البلدان الصناعية؛ فإننا سنجد عدداً من الفوارق التي يمكن أن نتحدث عنها على نحو من الظن والتخمين وعلى مقدار خبرتنا المحدودة، مع التنويه بأن ما سنذكره قد لا يكون موجوداً في كل مدارسهم وكل مدارسنا، فنحن هنا نتحدث عن عموميات، وليس عن مؤسسات بعينها. ومن تلك الفوارق الآتي: ـ لدينا في قاعات الدراسة عدد أكبر من الطلاب، مما يجعل قدرة المدرِّس على التواصل مع جميع الطلاب دون قدرة المدرِّس لديهم. ـ مدارسهم أغنى من مدارسنا بوسائل الإيضاح وبالمعامل والمختبرات وبالورش والمعدات ... كما أن نسبة المدارس المستأجرة لديهم إلى المدارس المملوكة للحكومة أقل. ـ بداعٍ من قلة التجهيزات والإمكانات المادية يميل التدريس لدينا إلى الشرح النظري، على حين يميل التعليم لديهم إلى الاعتماد على التجربة والتطبيق، مما يجعل دور الطالب في العملية التعليمية أكبر، ويجعل ـ من ثم ـ استفادته من الدروس أعظم. ـ يلاحظ في السنوات الأخيرة تراجع سوية الحماسة للتعليم لدى كثير من المعلمين لدينا، وتراجع سوية الحماسة للتعلُّم لدى كثير من أبنائنا، ولا أعرف أسباب ذلك على وجه التحديد، كما أنني لا أعرف الوضع الآن في الدول الصناعية بالنسبة إلى هذه المسألة. ـ كثير من المعلمين العرب والمسلمين لا يحصلون على مرتبات كافية، مما يجعلهم مضطرين إلى القيام بعمل إضافي في المساء؛ كإعطاء الدروس الخاصة وغير ذلك. ـ لم تعد مهنة التعليم لدينا جذّابة كما كان الوضع في السابق؛ بسبب ضعف عوائدها المادية، وبسبب تدنِّي المكانة الاجتماعية للمعلِّم في العقود الثلاثة الأخيرة، وهذا يعني أن أصحاب أفضل العقول وأفضل المواهب لا يجدون في مهنة التعليم خيارهم الأول! ـ لدينا أعراف وتقاليد ثقافية موروثة لا تحبِّذ منح الطالب حقَّ تقويم أساتذته والحكم على أدائهم، ولا تحبِّذ فصل بعض المعلمين من الخدمة بسبب آراء طلابهم فيهم، وهذا جعل بعض المعلمين يتمتع بحماية، لا يحظى بها نظراؤه في بعض الدول المتقدمة. ـ يأتي الطلاب في الدول المتقدمة من أُسر أفضل تعليماً من كثير من الأُسر لدينا، وهذا يجعل الدعم الذي يتلقاه الطالب لديهم للتفوق والاستمرار في التعليم أكبر من الدعم الذي يتلقاه الطالب لدينا. ـ التعليم الحكومي ـ في معظم الأحيان ـ مرتبك في تطوير نفسه. أما التعليم الخاص، فلدينا عدد قليل نسبياً من المدارس الجيدة، وعدد كبير من المدارس التي لا نستطيع عدَّها بين المدارس الجيدة أو المقبولة. والمشكل هو الطالب الفقير الذي يملك الموهبة ويملك الطموح، لكن لا يجد المدرسة الحكومية أو الأهلية التي تنمِّي مواهبه، وتحقق طموحاته. والتعليم في كل دول العالم يمتلك بعض المؤسسات الرديئة وبعض المؤسسات الجيدة، وإن كانت النسبة تختلف من دولة إلى أخرى، لكن الذي يميز الدول المتقدمة في هذا الإطار شيئان: الأول: وجود تنوُّع هائل في التخصصات؛ بدءاً من المرحلة المتوسطة، حيث يجد الطالب بيُسْر التخصّصَ الذي يرغب إكمال دراسته فيه، على حين أن هذا قليل جداً في الدول النامية والتي تكافح لتوفير الحد الأدنى من المؤسسات والتخصصات في مجال التعليم. الثاني: وجود مدارس وجامعات ومعاهد على مستوى عالٍ جداً من الجودة، وفي تلك المدارس والجامعات تتخرج الكفاءات التي تقود الشعوب، وتقدم نماذج عالية للأجيال الجديدة. ـ لدى الدول المتقدمة جمعيات ومؤسسات وهيئات ومجالس خيرية تقدم الدعم للتعليم، وتقدم القروض والمنح للطلاب مما يسهم في حل المشكلات المالية لكثير من المؤسسات التعليمية؛ وهذا لدينا ضعيف للغاية. خلاصة هذه المقارنة هي: أن لدينا تعليماً ضعيفاً بل رديئاً أحياناً، وبعض مشكلاته لا يُحل إلا عن طريق المال، وبعضها لا يحتاج إلى أيِّ مال. وهذا الكلام الذي ذكرناه لا يصح أخذه على عمومه، فقد يكون لدينا مدارس نموذجية راقية جداً، وقد يكون في الدول المتقدمة بعض المؤسسات التعليمية القائمة على الغش والتزوير والرّشوة، إذاً؛ نحن نتحدث عن الطابع العام، وليس عن حالات بعينها. ومن وجه آخر فإنني لم أتحدث عن بعض ما يميز التعليم لدينا، ولا عن بعض المشكلات التي يواجهها التعليم في الغرب؛ لأن الهدف هو تكوين رؤية مركبة لحال التعليم لدينا ليس أكثر. في المقال القادم سأحاول ـ بإذن الله تعالى ـ طرح رؤية مركبة لمعالجة مشكلات التعليم على نحو مقارب. والله الموفق.

стр. 5920

دماء على ثرى الفلوجة عبد الهادي الزيدي كان يدرك تماماً أنه لن يصل إلى قرار ذاكرته الأخير مع هذه الانفجارات التي تخلفها بين لحظة وأخرى طائرات أمريكية لوثت بضجيجها سماء الفلوجة الوادع. نظر يميناً إلى (فراس) صديق طفولته الذي بادله النظر هو أيضاً، ورأى شفتيه تتحركان حركات منتظمة بإيقاع أدرك من خلاله أنه كان يقرأ آيات من القرآن مُدركاً أن هذا الحضور المزعج الكثيف لقصف الطائرات الغازية منعه من تحديد السورة التي كان يقرأ منها رفيقه. وبضجر من بقاء الحال على ما هو عليه.. نظر يساراً إلى (أحمد) المقاتل الآخر الذي كان قد انشغل بإعادة لثام (شماغه) الأحمر على رأسه ووجهه، مُظْهِراً عينين تومضان تحت أشعة شمس ستبدأ بعد قليل تلويحة الوداع تاركة هؤلاء الثلاثة مقيدين بوطأة القصف الشديد وشظاياه التي تزرع المكان كله بالموت والدمار، مختبئين بانتظار اللحظة المناسبة للهجوم خلف ساتر ترابي ربما لن يصمد أكثر من دقائق إذا استمر الموت الأمريكي يتناسل في المكان. على حين غفلة من الوقت أو ربما الموت أشار (فراس) إلى قائد مجموعتهم هناك رابضاً على بُعد عشرات الأمتار بين أنقاض بيت أسرة فلوجية حطمتها وحشية الطائرات فاستشهد بعضهم ونجا آخرون، واستمرت الإشارات باليد لثوان أضاعت لديه المعنى كله، وأعادت إليه خطورة الموقف الذي يلفهم الآن، وصرخ بصديقه مستغلاً لحظة الصمت بين انفجار وآخر. - ماذا يقول؟ تجاهله (فراس) وهو يربِّت على سلاحه مطلقاً العنان لبصره باتجاه الأفق الممتد إلى الأمام. ومن خلال الغبار المتطاير ودخان الحرائق الذي يخلفه القصف العشوائي رأوا مجاميع (المارينز) يواصلون التقدم باتجاههم، وأدركوا جميعاً حجم الكارثة إذا ما بقي الحال على ما هو عليه. كانت هذه بالطبع إحدى خطط الهجومات الأمريكية على أحياء الفلوجة، التي خلت من ساكنيها مع اشتداد المعركة وهذا بالضبط ما تمناه المجاهدون؛ فحين يأمنون على سلامة الأسر تتزاحم لديهم ثنائية النصر والشهادة، بشكل ليس له خيار ثالث. ارتعد جسده فجأة كمن يُلقى في بركة ماء مثلج، وكاد قلبه يفر من بين أضلاعه هلعاً لانفجار قريب جداً في مخبئهم، ونظر إلى رفيقيه.. كانا مثله تماماً قد جمعهما الخوف في عباءته المخادعة؛ ومن بين ثقوب العباءة تلك كان أحمد يتنحنح؛ بينما يواصل (فراس) بصق ما دخل من جوفه من تراب تناثر مع شظايا الانفجار القريب. كانت الخطة المعادية التي ألفوها أكثر من مرة قتل كُلّ متحرك أو مشكوك في أنه يتحرك على أرض المعركة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق غير بعيدة عن مخابئ المجاهدين، بعضها يقصف ويدمر، وبعضها الآخر يراقب ويرصد أي أمل في الحياة، ناقلة المعلومات إلى طبقة أخرى تعلوها ارتفاعاً من طائرات مقاتلة ملأت سماء الفلوجة وزرعت الأجواء كلها بأصوات مخيفة وبانفجارات مروعة. - إنه يقول: علينا بالصبر والدعاء حتى يقترب الغزاة، وحين ذاك نقاتلهم عن قرب. كسر (فراس) حاجز الرتابة الملغوم بالترقب أخيراً، ثم رفع كفيه للسماء يدعو. أدرك أن خطتهم هذه ليس لها خيار آخر رغم خطورتها، حين يقترب جنود العدو الذين ما زالوا يواصلون تقدمهم الحذر باتجاههم عبر الأنقاض والحفر التي خلفها قصف طائراتهم التي تحميهم. وصوّب بصره إلى الأمام حيث الموت يتقدم، وبمزيج مما خلَّفته الذاكرة ومن حقائق معايشة مثل هذه الظروف الحالكة أدرك ارتجاف جنود الغزاة وخوفهم الشديد حتى من حجارة الفلوجة الصامتة؛ فهم يطلقون النار على الهواء والنبات وأشلاء الشهداء الممزقة والحجارة الصماء. لقد أعماهم الخوف من المجاهدين عن التمييز بين الحق والباطل، فأصبح كل شيء يستحق الموت ما دام يصر على انتمائه إلى هذا المكان. «اللهم إنا في سبيلك نجاهد فانصرنا» قال هذه العبارة ثم انعقد لسانه وثقل، وبقي القلب وحيداً يردد هذه الكلمات معجونة بالتوجس من موقف لا يدري كيف سينتهي وبإصرار على الشهادة على ما يحب، بين الشظايا التي لا ترحم. بحذر أكثر من السابق رفع رأسه قليلاً عن الساتر الذي أختبؤوا خلفه؛ إذ أحس بشيء مّا يتغير في سماء المعركة، كان معظم من وقع نظره عليه في مجاميع المجاهدين القريبة يواصلون الدعاء، ونشج هو بصمت مختلط بالقلق والارتباك، لقد كان بعضهم يبكي، كان التضرع إلى الله ـ تعالى ـ قد بلغ مداه، وبلغت القلوب الحناجر، بل كادت أن تفر منها إلى المجهول، ولا يدري كيف أستعاد الآن كلمات شيخه الشهيد في معركة سابقة على ثرى الفلوجة: «إن نصر الله يأتي في اللحظة التي تتساقط فيها ممكنات النصر البشرية، ويسلمك الله لنصره المجيد حين توشك أن تسلم نفسك لقدرك المحتوم» . فجأة أحس بيد قوية تربِّت على كتفه، ونظر مرتبكاً في وجه (فراس) الذي أتاه زحفاً مشيراً إلى جهةٍ مّا في السماء البعيدة، وحين تابع إشارته هناك اصطدمت عيناه بمرأى غيوم ترابية تتكاثف عن بُعد ثم تقترب من سماء المعركة، وأعاد النظر ثانية إلى وجه صديقه.. تمعن فيه جيداً كأنه يقرأ ما تحت سطور قسماته، كانت لحية فراس السوداء قد امتزجت بالغبار وعيناه تذرفان الدمع؛ بينما كان بقية الوجه ضاحكاً مستبشراً كمن ينتظر خبراً سعيداً سيزف إليه الآن فأحتضنه. كان جسد (فراس) يرتجف وفرحٌ مَّا يشع من قسماته كلها، ولأول مرة يستنشق منه رائحة عطر غريب ملأت قلبه وسدت عليه منافذ المكان كلها، مستغرباً أيما استغراب، من أين (لفراس) رائحة المسك كلها تلك؟! بخطى سريعة عاد (فراس) إلى مكانه السابق وتابع بقية رفاقه وهم يصوبون بنادقهم بهمة إلى أهداف بدت الآن في دائرة رميهم المميت، أما الطائرات فقد منعتها عنهم عاصفة التراب غير المتوقعة تماماً. إنهم الآن وجهاً لوجه: شراذم من النمل الأسود تتقدم مخلفة الدمار، محملة بتأريخ من القتل والزيف وإذلال الشعوب، ومجاميع نذرت نفسها للشهادة دفاعاً عن أرض حبيبة لا بديل لها، وتأريخ يحفل بالحب والفداء ونصر الله الذي لا يدانيه نصر. قفز (فراس) إلى مكان أقرب إلى الأعداء وهو يطلق الرصاص بغزارة، وامتطى (أحمد) ظهر ما بقي من جدار قريب وهو يفعل الشيء نفسه، ووجد هو نفسه ـ أيضاً ـ بطلق الرصاص على أجساد بلا روح تخبطت في ركضها العشوائي يميناً ويساراً باتجاه مفر أو مأوى، وعلى مسافة قريبة منه كان أحد المجاهدين يرمي أكثر من مرة قنابل يدوية سقط على أثرها عدد من جند الأعداء، وزحف هو باتجاه مكان أكثر حصانة، أبدل مخزن بندقيته بسرعة متناهية وأنفاسه تكاد تنقطع، ثم واصل إطلاق رصاصه باتجاه من بقي من الغزاة ناظراً إلى الأفق البعيد. كان المجاهدون في الأطراف قد أكملوا التفافهم بنجاح، فوقع الاعداء في دائرة كبيرة من النيران وخلفهم تماماً على مشارف الأزقة الضيقة أرتفعت نيران الآليات الأمريكية المحترقة، ونزل منها من كان يحتمي بها من الأعداء رافعين الأكف المرتجفة والرايات البيضاء. أطلق رصاصة على أقصى اليسار كمن شك في حركة معادية، وحين التفت إلى الجهة الأخرى تسمَّر نظره على جسد رفيق دربه (فراس) وهو يتهاوى محتضناً أرض الفلوجة الطاهرة، فركض باتجاهه.. كانت الدماء الزكية تشخب من صدره وبطنه، وهو يتمدد على الأرض مستسلماً لابتسامة عريضة ورائحة المسك الطيبة تعطر المكان.. احتضنه ثانية في تلك المعركة، كان جسده دافئاً يطلق ارتجافات أخيرة وأمواج من العطر لا تُمحى من الذاكرة؛ بينما اقتحمت أذنيه بتواصل تكبيرات المجاهدين المختلطة بالبكاء والدعاء، فصاح معهم بلا وعي كامل: الله أكبر.
следующие страницы →