Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
يَكْفِي حوز غَيره لَهُ بِغَيْر إِذْنه كَزَوج حَاز لزوجته هبة أَبِيهَا أَو لَا يَكْفِي إِلَّا بوكالتها؟ قَولَانِ اه. وَأَصله فِي التَّوْضِيح، وعزى الأول لمطرف وَالثَّانِي لأصبغ، وَرِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَهُوَ يَقْتَضِي رُجْحَان الثَّانِي لِأَن الأول وَإِن كَانَ لمطرف وَابْن الْقَاسِم، لَكِن رِوَايَته عَن الإِمَام تقدم عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر حَيْثُ أمكنه الْحَوْز بِنَفسِهِ أَو التَّوْكِيل عَلَيْهِ، فَإِن لم يفعل وَحَازَ شَرِيكه الْجَمِيع وَحصل الْمَانِع فَإِن حِصَّة الْحَائِز تصح دون غَيره لتَفْرِيطه، وَتَقَدَّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ عِنْد قَوْله: وَينفذ التحبيس فِي جَمِيع مَا. الخ … وَبِهَذَا يفْتَرق حوز الْكَبِير حِصَّة الصَّغِير فَإِنَّهُ يَصح الْجَمِيع دون الْكَبِير يحوز حِصَّة غَيره بِغَيْر وكَالَة فَإِنَّهُ لَا يَصح لقدرته على التَّوْكِيل أَو الْحَوْز بِنَفسِهِ فَلم يفعل وَالله أعلم. وَمَا عَلَى البَتِّ لِشَخْصٍ عُيِّنا فَهْو لَهُ ومَنْ تَعدَّى ضَمِنا (وَمَا) مَوْصُول مُبْتَدأ وَاقعَة على الصَّدَقَة (على الْبَتّ لشخص) يتعلقان بقوله (عينا) وَالْمعْنَى أَن مَا عَزله الشَّخْص من مَاله صَدَقَة على مِسْكين سَمَّاهُ بِلِسَانِهِ أَو نَوَاه بِقَلْبِه، فَإِن بتله وأمضاه لَهُ بقول أَو نِيَّة حازماً بذلك غير مترو فِيهِ (فَهُوَ لَهُ) أَي لذَلِك الْمِسْكِين (وَمن تعدى) من متصدق أَو نَائِب عَنهُ وَأَعْطَاهُ لغيره (ضمنا) ذَلِك للمبتل لَهُ حَيْثُ لم تكن قَائِمَة بيد الْمُعْطى لَهُ ثَانِيًا، وَإِلَّا ردَّتْ للْأولِ كَمَا فِي الشَّامِل، وَمَا ذكره النَّاظِم بِهِ أفتى ابْن رشد فِي نوازله وَنَقله ابْن سَلمُون وَغَيره، وَالضَّمان ظَاهر فِيمَا إِذا أعطَاهُ نَائِب الْمُتَصَدّق بِغَيْر إِذن الْمُتَصَدّق، وَأما إِن أعطَاهُ هُوَ أَو نَائِبه بِإِذْنِهِ فَإِنَّمَا يتمشى على أحد قولي ابْن الْقَاسِم فِيمَن وهب لثان وَحَازَ إِنَّهَا تكون للْأولِ لِأَن الْهِبَة تلْزم بالْقَوْل فَلم يهب الْوَاهِب للثَّانِي إِلَّا مَا ملك غَيره. قَالُوا: وَهُوَ الْقيَاس. أما على قَوْله الآخر وَهُوَ الْمُعْتَمد من أَنَّهَا تكون للثَّانِي كَمَا قَالَ (خَ) : أَو وهب لثان وَحَازَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَان، وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَقضى بهَا لثان حازها قبل الأول لَا لأوّل على الْأَصَح، وَلَا فرق بَين أَن يفرط الأول فِي حوزها أم لَا مضى لَهُ زمَان يُمكنهُ فِي الْحَوْز وَلم يحز أم لَا. وغيْرُ مَا يُبَتُّ إذْ يُعَيَّنُ رجُوعُهُ لِلْمِلْكِ لَيْسَ يُحْسُنُ (وَغير مَا يبت) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (إِذْ) ظرف (يعين) فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذْ وَالتَّقْدِير: وَغير المبتل للمسكين وَقت تعينه أَي لم يبتل لَهُ بقول وَلَا نِيَّة، فالمسكين معِين فِي هَذِه وَفِي الَّتِي قبلهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفَا فِي التبتيل وَعَدَمه فَفِي التبتيل يضمن على مَا قَالَ النَّاظِم إِن أعطَاهُ للْغَيْر، وَفِي عَدمه لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَكِن (رُجُوعه) فِي عدم التبتيل (للْملك) أَي لملك الْمُتَصَدّق (لَيْسَ يحسن) أَي يكره وَكَذَا يكره أَن يُعْطِيهِ للْغَيْر كَرَاهَة تَنْزِيه فيهمَا. وَلْلأَبِ القَبْضُ لما قَدْ وَهَبَا ولدَهُ الصَّغيرَ شَرْعاً وجَبَا (وَللْأَب) يتَعَلَّق بوجب آخر الْبَيْت (الْقَبْض) مُبْتَدأ (لما وَقد وهبا) يتَعَلَّق بِهِ (وَلَده) مفعول
стр. 1052
بوهب (الصَّغِير) نعت لَهُ (شرعا) مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض (وجبا) خَبره، وَالتَّقْدِير: وَالْقَبْض للصدقة الَّتِي وَهبهَا لوَلَده الصَّغِير وَاجِب للْأَب بِالشَّرْعِ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلَده حِينَئِذٍ عَائِد على مُتَأَخّر معنى لَا لفظا والمضر هُوَ عوده على مُتَأَخّر لفظا وَمعنى، وَهَذَا الْبَيْت مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: وَالْأَب حوزه لما تصدقا. الخ … وَإِنَّمَا أَعَادَهُ ليرتب عَلَيْهِ قَوْله: إلاّ الَّذِي يَهَبُ مِنَ نَقْدَيْهِ فَشَرْطُهُ الخروجُ مِنْ يَدَيْهِ (إِلَّا الَّذِي يهب) الحاجر أَبَا أَو غَيره لمحجوره (من نقديه) الذَّهَب وَالْفِضَّة وَمثلهمَا كل مَا لَا يعرف بِعَيْنِه من الْمِثْلِيَّات من مَكِيل أَو مَوْزُون أَو مَعْدُود (فشرطه) أَي شَرط صِحَّته (الْخُرُوج من يَدَيْهِ) ويدفعه. إِلَى أمِينٍ وَعَن الأَمِينِ يُغْنِي اشْتِرَاءُ هَبْه بَعْدِ حِينِ (إِلَى أَمِين) بحوزه بمعاينة الْبَيِّنَة وَلَا يَكْفِي بِغَيْر المعاينة وَلَا حوز الحاجر لمحجوره فِي شَيْء من ذَلِك، وَلَو ختم عَلَيْهِ بِخِلَاف الْعرُوض وَالْأُصُول فَيَكْفِي وَهُوَ مَا قبل الِاسْتِثْنَاء (خَ) : إِلَّا مَا لَا يعرف بِعَيْنِه وَلَو ختم. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَمن تصدق على وَلَده الصَّغِير فِي صِحَّته بِدَنَانِير أَو دَرَاهِم فليدفعها بعده لمن يحوزها عَنهُ بمعاينة بَيِّنَة. قَالَ ابْن زرب: فَإِن لم تعاين الْبَيِّنَة الْحَوْز فَهِيَ بَاطِلَة، وَإِن جعلهَا الْأَب فِي صرة وَختم عَلَيْهَا بِمحضر بَيِّنَة وحازها لَهُ فَوجدت بعد مَوته على حَالهَا فَلَا يجوز ذَلِك على رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَبِه الحكم وَعَلِيهِ الْعَمَل ثمَّ قَالَ: وَحكم الطَّعَام وَمَا لَا يعرف بِعَيْنِه حكم الْعين اه. ابْن عَرَفَة: وَفِي السماع لَو تصدق على ابْنه بِعَبْد مَوْصُوف فِي ذمَّة رجل صَحَّ. قَبضه الْأَب أَو لم يقبضهُ وَلَو تصدق عَلَيْهِ بِدَنَانِير فِي ذمَّة رجل وَمَات الْأَب وَهِي فِي ذمَّة الرجل صحت لِأَنَّهَا قد حيزت بِكَوْنِهَا على الْغَرِيم، وَكَذَا لَو تصدق عَلَيْهِ بِدَنَانِير ووضعها على يَد غَيره، ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ لسفره أَو بعد مَوته لِأَنَّهَا قد حيزت كَالدَّارِ يحوزها عَنهُ السنتين وَالسّنة ثمَّ يسكنهَا وَيَمُوت فِيهَا فصدقته مَاضِيَة اه. تَنْبِيه: قَالَ ابْن رشد فِيمَن وهب لابنته الصَّغِيرَة مَا فِي دَاخل تابوته المقفول عَلَيْهِ وَأشْهد على ذَلِك عُدُولًا دون أَن يعاينوا مَا فِيهِ ثمَّ مَاتَ وَيُوجد فِيهِ الحلى وَالثيَاب: أَنه لَا شَيْء لَهَا من
стр. 1053
ذَلِك إِلَّا أَن يكون دفع مَفَاتِيح القفل إِلَى الشُّهُود عِنْد الْإِشْهَاد وعاينوه مقفولاً عَلَيْهِ وَيُوجد بعد موت الْوَاهِب على ذَلِك فَيصح حِينَئِذٍ للابنة مَا وجد دَاخله اه. انْظُر شرحنا للشامل فَفِيهِ زِيَادَة فَوَائِد. (وَعَن الْأمين يُغني اشْتِرَاء هبه) أَي الاشتراء وَقع (بعد حِين) من هبة الْعين وَنَحْوهَا يَعْنِي أَن مَحل دفع الْعين الْمَوْهُوبَة وَنَحْوهَا للأمين إِذا لم يَقع بهَا اشْتِرَاء، وَأما إِذا اشْترى الْأَب وَنَحْوه ملكا لمحجوره بِمَال زعم أَنه من مَال وَلَده، وَأَنه لَا يعلم للِابْن مَال فَإِن ذَلِك صَحِيح للِابْن، وَلَو كَانَ الْأَب يعتمده لنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ على الصَّحِيح الْمَعْمُول بِهِ لِأَنَّهُ من بَاب الْإِقْرَار بِالثّمن فِي الصِّحَّة الَّتِي لَا تلْحقهُ فِي تُهْمَة وَلَا توبيخ قَالَه فِي الِاسْتِغْنَاء. وَكَذَا لَو اشْترى دَارا مثلا وَأشْهد أَنه اشْتَرَاهَا لِابْنِهِ، وَلم يذكر أَن ذَلِك من مَال الابْن فَإِن ذَلِك صَحِيح أَيْضا، وَيحمل على أَنه اشْتَرَاهَا لَهُ بِمَال وهبه إِيَّاه، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يحوزه لَهُ لِأَنَّهُ بِنَفس الشِّرَاء كَانَ ملكا للِابْن فَلم يَتَقَرَّر للْأَب عَلَيْهِ ملك حَتَّى يحْتَاج للحوز وَالثمن قد حيّز بِنَفس الشِّرَاء قَالَه فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود وَغَيره. وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الصَّغِير فأحرى الرشيد كَمَا يدل لَهُ التَّعْلِيل، وَهَذَا إِذا اشْترى لَهُ ملك غَيره، وَأما إِن وهب لَهُ ناضاً أَو مَا لَا يعرف بِعَيْنِه ثمَّ بَاعَ مِنْهُ ملكا لنَفسِهِ، فَإِنَّهُ إِذا لم يكن بَين البيع وَالْهِبَة فسحة كالسنة وَنَحْوهَا فَإِن ذَلِك بَاطِل لِأَنَّهُ لما قرب اتهمَ أَنه أَرَادَ هبة الأَصْل وَجعل الناض جنَّة لسُقُوط الْحِيَازَة، وَإِن كَانَ بَين البيع وَالْهِبَة فسحة وَأخرج الناض وَنَحْوه من يَده لمن يحوزه سنة ثمَّ بَاعَ مِنْهُ ملكا فَإِنَّهُ يَصح لانْتِفَاء التُّهْمَة قَالَه فِي وَاسِطَة الدُّرَر، وَنَحْوه فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود والورقة السَّابِعَة وَالْعِشْرين من معاوضات المعيار. وَإِن يَكُنْ موضِعَ سُكْنَاهُ يَهَبْ فَإنّ الإِخلاء لهُ حُكْمٌ وَجَبْ (وَإِن يكن) الْأَب وَنَحْوه (مَوضِع سكناهُ يهب) لمحجوره وَلَو بَالغا وعبداً (فَإِن الإخلاء لَهُ) أَي لموْضِع سكناهُ (حكم وَجب) لَا بُد مِنْهُ، وَظَاهره أَنه مَحْمُول على أَنه كَانَ يسكنهَا لنَفسِهِ حَتَّى يثبت إخلاؤه لَهَا وَأَنه لم يكن قبل وَفَاته يسكنهَا لَا يشغلها بأمتعته، وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف غير دَار السُّكْنَى فَإِنَّهُ مَحْمُول على أَنه كَانَ يستغلها لصغار بنيه قَالَه ابْن رشد، وَنَقله الْبُرْزُليّ وَغَيره، وَتقدم قَول النَّاظِم فِي الْحَبْس: وَمن يحبس دَار سكناهُ فَلَا يَصح إِلَّا أَن يعاين الخلا رَاجع مَا تقدم هُنَاكَ (خَ) عاطفاً على مَا لَا يَصح قَبضه لمحجوره مَا نَصه: وَدَار سكناهُ إِلَّا أَن يسكن أقلهَا ويكرى لَهُ الْأَكْثَر وَإِن سكن النّصْف بَطل فَقَط، وَالْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع الخ. وَهَذَا فِي الصغار. وَأما الْكِبَار الرشداء فَيصح لَهُم مَا حازوه وَلَو قل، وَهَذَا فِي دَار السُّكْنَى، وَأما
стр. 1054
غَيرهَا من الْعقار وَالْعرُوض على محاجيره فيكفيه الْإِشْهَاد كَمَا مرَّ وَلَكِن لَا بُد من إخلائه من شواغله أَيْضا فَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أَنه لم يخله من شواغله فَيكون بِمَنْزِلَة من رَجَعَ إِلَيْهِ قبل عَام فَيجْرِي على مَا تقدم فِي الْحَبْس، وراجع مَا مر عِنْد قَوْله فَيجب النَّص على الثِّمَار الخ … وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَنه لَا بُد من مُعَاينَة الإخلاء وَلَو تصدق بِمَا فِيهَا من الْأَمْتِعَة والأثاث وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لِابْنِ الطلاع فِي إِجَازَته ذَلِك قَائِلا لِأَنَّهُ بسكناه فِيهَا حِينَئِذٍ صَار كالقابض لِابْنِهِ. وَلما ذكر ابْن عَرَفَة فِي كتاب الْهِبَة مَا أجَازه ابْن الطلاع قَالَ مَا نَصه: ظَاهر الرِّوَايَات بطلَان الصَّدَقَة لِأَنَّهُ قَادر على أَن يخرج مَا فِي الدَّار لينْظر فِيهِ. تَنْبِيهَانِ. الأول: تقدم فِي الْحَبْس أَن صرف الْمحبس الْغلَّة لنَفسِهِ يُبْطِلهَا، وَكَذَلِكَ الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لِأَنَّهَا من بَاب وَاحِد كَمَا للفاسي فِي نوازله، ونقلنا على ذَلِك أنقالاً فِي الْحَبْس وَالْهِبَة من الشَّامِل، وَرجح الشَّيْخ الرهوني أَن صرف الْأَب الْغلَّة فِي مصَالح نَفسه لَا يُبْطِلهَا، وَنقل على ذَلِك أنقالاً وَهِي كلهَا حجَّة عَلَيْهِ لمن تأملها من ذَلِك مَا نَقله عَن ابْن لب من أَنه إِذا صرف الْغلَّة لنَفسِهِ فَالْمَشْهُور بُطْلَانهَا وَالصَّحِيح صِحَّتهَا اه. فَقَالَ: أَعنِي الرهوني عقبه، وَقد علمت أَن مُقَابل الصَّحِيح فَاسد فَيكون الْمَشْهُور فَاسِدا على قَوْله. وَقد تقدم عَن ابْن فَرِحُونَ عِنْد قَول النَّاظِم أول الْكتاب: مَعَ كَونه الحَدِيث للفقه جمع الخ … مَا يرد احتجاجه، وَأَيْضًا فَهُوَ حِينَئِذٍ يحْتَج على الشَّخْص بِمذهب مثله وَهُوَ لَا يَقُوله أحد، وَإِنَّمَا مُرَاد ابْن لب أَن الصَّحِيح من جِهَة الْمَعْنى فَهُوَ كَقَوْل ابْن الْعَطَّار وَغَيره لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ على بُطْلَانهَا بِصَرْف الْغلَّة لنَفسِهِ لَكَانَ الْقيَاس أَن لَا يكون تعدِي الْأَب على الْغلَّة نقضا للحبس، لَكِن جرت الْفتيا وَعمل الْقُضَاة بِبُطْلَانِهِ وَرَأَوا أَنه كسكنى الدَّار وَلبس الثِّيَاب الَّتِي حبس اه. وَنَقله فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا وَقَالَ فِي هبات المعيار: إِن صرف الْوَاهِب الْغلَّة لنَفسِهِ فَإِن ذَلِك يمْنَع الْحَوْز الْحكمِي ويأباه على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ اه. وَمِنْهَا بَحثه فِي كَون الْغلَّة يثبت صرفهَا لنَفسِهِ بِإِقْرَار الْوَاهِب أَو الْمحبس مَعَ أَنه نَقله عَن أبي الْحسن وَسلمهُ فِي الدّرّ النثير وَغَيره. وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِن أبحاثه لَا تسلم وعَلى تَسْلِيمهَا فَإِنَّهَا لَا تدفع الْفِقْه، وَانْظُر قَول ابْن الْعَطَّار وَغَيره: لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ الخ … فَلم يعتمدوا فِي ذَلِك أبحاثهم وَلَا قياساتهم. وَمِنْهَا قَوْله: وَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَند المتيطي وَمن تبعه فِي تشهير الْبطلَان بِصَرْف الْغلَّة لنَفسِهِ الخ … فَإِنَّهُ لَو لم يكن للمتيطي مُسْتَند إِلَّا قَول ابْن الْعَطَّار وَغَيره: لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ الخ … لَكَانَ كَافِيا فِي مُسْتَنده، فَكيف وَقد قَالَه غير وَاحِد مِمَّن لَا يُحْصى وَأما مَا نَقله عَن القلشاني من أَن ابْن عَرَفَة أفتى بِصِحَّة الْحَبْس مَعَ صرف الْمحبس الْغلَّة لنَفسِهِ فَذَلِك اخْتِيَار مِنْهُ لمقابل الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ فَلَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَإِن ثَبت عَنهُ وَلَا تكون فتواه حجَّة على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ لما مر من أَن مَذْهَب الشَّخْص ومختاره لَا يكون حجَّة على غَيره، وَالنَّاس كلهم يَقُولُونَ: احكم علينا بالمشهور أَو الْمَعْمُول بِهِ، وَتقدم أول الْكتاب أَن الحكم بِخِلَاف ذَلِك ينْقض كَمَا قَالَه ابْن عَرَفَة وَغَيره، ففتوى ابْن عَرَفَة الْمُتَقَدّمَة: لَو حكم حَاكم بهَا لوَجَبَ نقض حكمه، وَهَكَذَا شَأْن هَذَا الشَّيْخ رَحْمَة الله يعْتَمد فِي كثير من اعتراضاته على أبحاثه الَّتِي تظهر لَهُ وكثيرها لَا يسلم وعَلى تَسْلِيمهَا لَا تدفع الْفِقْه لقَوْل (ح) وَغَيره الْمُعْتَمد فِي كل نازلة على مَا هُوَ الْمَنْصُوص فِيهَا، وَلَا يعْتَمد على الْقيَاس والتخريج وَالله أعلم.
стр. 1055
الثَّانِي: إِذا وهب لمحجوره دوراً مُتعَدِّدَة صَفْقَة وَاحِدَة فَإِن حكم ذَلِك حكم الدَّار الْوَاحِدَة، فَإِن سكن وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي الْأَقَل وأكرى الْبَاقِي لَهُ صَحَّ الْجَمِيع، وَإِن سكن الْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع، وَإِن سكن النّصْف بَطل مَا سكن، فَإِن كَانَ ذَلِك فِي عُقُود مُتعَدِّدَة فَإِنَّمَا يبطل من ذَلِك مَا سكن كَانَ الْأَقَل أَو الْأَكْثَر، وَكَذَلِكَ لَو كَانَت أَشْيَاء مُخْتَلفَة من دور وأجنات وفدادين، فَمَا كَانَ فِي صَفْقَة وَاحِدَة يجْرِي على تَفْصِيله، وَمَا كَانَ فِي صفقات فَإِنَّهُ يبطل مَا عمره فَقَط كَمَا لأبي الْحسن. قَالَ ابْن الْقَاسِم: فَإِن تَصْدِيق على رشيد بدور مُتعَدِّدَة أَو دَار وَاحِدَة، فَإِن سكن الْأَب كثيرا بَطل مَا سكن فَقَط وَصَحَّ مَا حيّز عَنهُ قلَّ أَو كثر، وَإِن سكن الْأَب قَلِيلا صَحَّ الْجَمِيع. أَبُو الْحسن: ظَاهره أَن الرشيد إِذا حَاز الْيَسِير صَحَّ ذَلِك لَهُ بِلَا خلاف، وَظَاهر عِيَاض وجود الْخلاف فِيهِ. ومَنْ يَصِحُّ قَبْضُهُ وَمَا قَبَضْ مُعْطاهُ مُطْلَقاً لتفْرِيطٍ عَرَضْ (وَمن يَصح قَبضه) للهبة وَنَحْوهَا وَهُوَ الْكَبِير الرشيد قَرِيبا كَانَ أَجْنَبِيّا (وَمَا قبض معطاه مُطلقًا) كَانَ الْمُعْطِي أصلا أَو غَيره وَكَانَ تَركه للقبض (لتفريط) مِنْهُ (عرض) لَهُ. يَبْطُلُ حَقُّهُ بِلا خِلَافٍ إِن فَاتَهُ فِي ذَلِك التّلَافِي (يبطل حَقه بِلَا خلاف إِن فَاتَهُ فِي ذَلِك التلافي) بِأَن مَاتَ الْمُعْطِي أَو فلس أَو أحَاط بِهِ الدّين أَو اسْتهْلك الْهِبَة أَو وَهبهَا لثان وحازها الثَّانِي على مَا مرّ قَرِيبا عَن (خَ) وَكَذَا لَو فرط حَتَّى بَاعهَا الْوَاهِب بعد علمه بهَا، وَلَكِن يكون لَهُ الثّمن على الرَّاجِح من إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِن لم يعلم أَو علم وَلم يفرط فِي حيازتها فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي نقض البيع أَو إمضائه وَأخذ الثّمن، وَهُوَ مَحْمُول عِنْد الْجَهْل على التَّفْرِيط حَتَّى يثبت عدم تفريطه كَمَا فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن حَارِث، وَمحل الْخِيَار إِذا كَانَ الْوَاهِب حَيا، وَأما إِن مَاتَ فَلَا شَيْء للْمَوْهُوب لَهُ بِيعَتْ أَو لم تبع كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة، وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي ابْن سَلمُون والمفيد. وَسُئِلَ ابْن الْقَاسِم عَمَّن قَالَ: ثلث غنمي هَذِه صَدَقَة على ابْني وثلثها فِي السَّبِيل ثمَّ بَاعهَا وَمَات وَابْنه صَغِير؟ فَقَالَ: صَدَقَة الابْن ثَابِتَة يَأْخُذهَا من تركته لِأَنَّهُ الْحَائِز لَهُ وَلَا شَيْء لأهل السَّبِيل لِأَنَّهُ لم يُخرجهُ من يَده اه. وَظَاهره أَن بيعهَا لَا يكون اعتصاراً وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي فِي فَصله، وَانْظُر شرح الشَّامِل فِيمَا إِذا وهبه ثمَّ رَهنه فَإِن الْهِبَة تصح وَيبْطل الرَّهْن إِلَّا أَن يَمُوت قبل أَن يحوزها الْمَوْهُوب لَهُ فَتبْطل الْهِبَة علم بهَا أَو لم يعلم، وَمَفْهُوم التَّفْرِيط أَنه إِذا لم يفرط كاشتغاله بتزكية شُهُود الْهِبَة أَو إِقَامَة ثَان لم تبطل. (خَ) : وَصَحَّ إِن قبض ليتروى أوجد فِيهِ أَو فِي تَزْكِيَة شَاهده الخ. وَلَيْسَ من عدم التَّفْرِيط موت الْوَاهِب قبل
стр. 1056
علم الْمَوْهُوب بل الْهِبَة بَاطِلَة على الْمَشْهُور كَمَا لِابْنِ رشد خلافًا لما صَححهُ فِي الشَّامِل، وَأما إِن مَاتَ الْمَوْهُوب قبل علمه والواهب حَيّ لم يقم بِهِ مَانع، فَإِن الْهِبَة صَحِيحَة ويتنزل وَارثه مَنْزِلَته إِلَّا أَن يكون الْوَاهِب قصد عين الْمَوْهُوب لَهُ فَلَا شَيْء لوَرثَته حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَو مَاتَ الْمَوْهُوب لَهُ بعد علمه وَقبل الْحِيَازَة فَإِن ورثته يحوزونها كَمَا تقدم لِابْنِ رشد. وَتقدم أول بَاب الْحَبْس أَن الْقبُول لَا تشْتَرط فوريته. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا وهب شخص أَرضًا أَو دَارا وَاسْتثنى غلَّة ذَلِك سِنِين إِلَّا أَنه حوزه الرَّقَبَة ثمَّ مَاتَ الْوَاهِب، فَإِن الْهِبَة لَا تبطل على مَا بِهِ الْعَمَل ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق، وَانْظُر مَا تقدم عِنْد قَوْله: وَيجب النَّص على الثِّمَار حَيْثُ يكون الْحَبْس للصغار وَتَقَدَّمت كَيْفيَّة الْحَوْز فِي الْحَبْس. الثَّانِي: من الهبات الْبَاطِلَة هبات بَنَات الْقَبَائِل وَالْأَخَوَات لقرابتهن كَمَا فِي نظم الْعَمَل وَشَرحه ونوازل العلمي والمعيار والدر النثير، وَقد أجبْت على ذَلِك بِجَوَاب طَوِيل أثْبته فِي نَوَازِل الْحجر من نوازلنا فَعَلَيْك بِهِ، وَمن الْهِبَة الْبَاطِلَة أَيْضا هبات الْهَرم من الرِّجَال وَالنِّسَاء كَمَا فِي العلمي وَغَيره، وَالْقَوْل قَوْلهمَا إنَّهُمَا وهبا ليقوم الْمَوْهُوب لَهُ بنفقتهما ومؤنتهما فَيكون من أَفْرَاد قَول (خَ) : وكبيعه بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاته، وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان مُصدق فِي الْوَجْه الَّذِي أخرج بِهِ مَاله عَن ملكه كَمَا قَالَ أَيْضا: وَالْقَوْل لَهُ إِنَّه لم ينْفق حسبَة وَقَالَ: إِلَّا أَن تهبه على دوَام الْعشْرَة، وَأما الْجَهْل بِقدر الْمَوْهُوب فَلَا يُبْطِلهَا كَمَا مر أول الْبَاب. الثَّالِث: قَالَ ابْن رشد: إِن تصدق على ابْنه الصَّغِير بدار سكناهُ ثمَّ بَاعهَا قبل أَن يرحل مِنْهَا فَإِن الثّمن يكون للِابْن، وَإِن مَاتَ الْأَب فِي الدَّار لِأَنَّهَا للمتشري لَا لِابْنِهِ إِلَّا أَن يكون بَاعهَا لنَفسِهِ استرجاعاً للصدقة فَلم يعثر على ذَلِك حَتَّى مَاتَ فَإِن الصَّدَقَة تبطل، وَلَو عثر على ذَلِك فِي حَيَاته وَصِحَّته لفسخ البيع وَردت الدَّار لوَلَده، وَلَو بَاعهَا بعد أَن رَحل مِنْهَا وحازها لِابْنِهِ لجَاز البيع على الابْن وَكَانَ لَهُ الثّمن من مَال أَبِيه حَيا كَانَ أَو مَيتا، وَإِن لم ينص على أَنه بَاعَ لِابْنِهِ إِلَّا أَن يَبِيع نصا استرجاعاً لصدقته فبيعه مَرْدُود إِلَى الْوَلَد حَيا كَانَ أَو مَيتا وَالثمن للْمُشْتَرِي فِي مَال الْأَب بِخِلَاف مَا لَو حَبسهَا ثمَّ بَاعهَا قبل أَن يرحل مِنْهَا وَلم يعثر على ذَلِك حَتَّى مرض أَو مَاتَ، وَلَو عثر على ذَلِك فِي صِحَّته لفسخ البيع وَصَحَّ الْحَبْس بالحيازة اه. بِنَقْل الْبُرْزُليّ قَائِلا اُنْظُرْهُ فِي رسم أوصى.
стр. 1057
(فصل فِي الاعتصار)
ابْن عَرَفَة: هُوَ ارتجاع الْمُعْطِي فِي عطيته دون عوض بِلَا طوع الْمُعْطى أخرج بِهِ هبة الْمُعْطى بِالْفَتْح للمعطي بِالْكَسْرِ وصيغته مَا دلّ عَلَيْهِ لفظا كَانَ بمادة الاعتصار أَو الرُّجُوع أَو الرَّد أَو غير ذَلِك، وَهُوَ يَصح فِي الْهِبَة والعطية والعمرى والنحلة كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة قَالَ فِيهَا: وَأما الْحَبْس فَإِن كَانَ بِمَعْنى الصَّدَقَة لم يعتصر، وَإِن كَانَ فِي معنى الْهِبَة بِكَوْنِهِ سُكْنى أَو عمرى إِلَى شهر أَو شَهْرَيْن ثمَّ مرجعها إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يعتصر. الاعْتِصَارُ جَازَ فِيمَا يَهَبُ أَوْلَادَهُ قَصْداً لِمَحَبَّةِ الأبُ (الاعتصار) مُبْتَدأ خَبره (جَازَ فِيمَا يهب أَوْلَاده) مفعول بِهِ (قصدا لمحبة) مفعول لأَجله (الْأَب) فَاعل يهب، وَظَاهره كَانَ الْأَوْلَاد كبارًا أَو صغَارًا وَهُوَ كَذَلِك، وَاحْترز بِقصد الْمحبَّة مِمَّا إِذا كَانَت الْهِبَة لله وَالدَّار الْآخِرَة أَو كَانَت هبة ثَوَاب فَإِنَّهُ لَا اعتصار فِي ذَلِك، وَاحْترز بِالْأَبِ من جد وَجدّة وَعم وأجنبي فَإِنَّهُ لَا اعتصار لَهُم إِلَّا أَن يشترطوه عِنْد الْهِبَة. والأمُّ مَا حَيُّ أبٌ تَعْتصِرُ وَحَيْثُ جَازَ الاعْتِصَارُ يُذْكَرُ (وَالأُم مَا حييّ أَب تعتصر) أَي تعتصر مَا وهبته لولدها الصَّغِير مُدَّة حَيَاة الْأَب مَا لم تفت الْهِبَة، فَإِن فَاتَت الْهِبَة بزيد أَو نقص وَنَحْوهمَا فَلَا اعتصار لَهَا، وَظَاهر أَنه إِذا مَاتَ الْأَب لَا اعتصار لَهَا أَيْضا وَلَيْسَ كَذَلِك (خَ) كَأُمّ فَقَط وهبت ذَا أَب وَلَو تيتم على الْمُخْتَار، وَهَذَا فِي الصَّغِير وَأما الْكَبِير فتعتصر مِنْهُ وَمَا وهبته مُطلقًا (وَحَيْثُ جَازَ) مِمَّن ذكر (الاعتصار) فَإِنَّهُ (يذكر) فِي الْوَثِيقَة أَن يَقُول: وسلط عَلَيْهَا حكم الاعتصار أَو هبة يَصح اعتصارها أَو من شَأْنهَا الاعتصار وَنَحْو ذَلِك، فَإِن لم يذكر ذَلِك فِي الْوَثِيقَة فَلَا يسْقط حكم الاعتصار لِأَن ذكره إِنَّمَا هُوَ على وَجه الْكَمَال وحسم مَادَّة الْخلاف لِئَلَّا يُنَازع الْوَلَد أَبَاهُ إِذا اعتصر مِنْهُ، وإلاَّ فَالسنة أوجبت لَهُ الاعتصار، وَإِن لم يذكرهُ الْأَب وَلَا الموثق فِي وثيقته، وَنَظِيره: كتب الموثق رضَا الْمَضْمُون بِالضَّمَانِ حسماً لمادة الْخلاف وإلاَّ فَالْمَشْهُور عدم اعْتِبَار إِذْنه وَرضَاهُ كَمَا تقدم فِي قَوْله: وَلَا اعْتِبَار بِرِضا من ضمنا. وَكَذَا كتبه فِي بيع الْأُصُول وَحل الْمُبْتَاع مَحل بَائِعه فِيمَا ابتاعه وَنزل فِيهِ مَنْزِلَته وأبرأه من دَرك الْإِنْزَال الخ. فَإِنَّهُ إِنَّمَا يكْتب حسماً لمادة الْخلاف، وإلاَّ فَالْعقد يُوجِبهُ
стр. 1058
وَيدخل فِي ضَمَانه بِمُجَرَّدِهِ (خَ) وَضمن بِالْعقدِ الخ … قَالَ ابْن سهل: مضى عمل الأندلس بالإنزال أَي بكتبه. قَالَ: وَلَا معنى لَهُ إِذا لَا يلْزم عَلَيْهِ ضَمَان وَلَا غَيره اه. [يَعْنِي: وَإِنَّمَا يكتبونه خُرُوجًا من خلاف أَشهب الَّذِي يَقُول البيع هُوَ العقد مَعَ الْقَبْض لَا العقد فَقَط فَلَا ينْتَقل ضَمَان الْمَبِيع للْمُشْتَرِي على قَوْله: بِالْقَبْضِ، فحسموا مَادَّة الْخلاف بالتنصيص على الْحُلُول والإنزال فِي الْمَبِيع كَمَا مرَّ صدر الْبيُوع وَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله: وناب عَن حِيَازَة الشُّهُود الخ … أَن الْعَمَل على الْإِنْزَال، وَمَفْهُوم قَوْله: حَيْثُ جَازَ الخ … أَن الْهِبَة إِذا كَانَت فِي معنى الصَّدَقَة فَإِنَّهُ لَا يذكر فِيهَا إِلَّا أَن يَشْتَرِطه كَمَا مرّ. وضُمِّنَ الوِفَاقُ فِي الحُضُورِ إنْ كَانَ الاعْتِصَارُ مِنْ كَبِيرِ (وَضمن) فِي رسم الاعتصار (الْوِفَاق فِي الْحُضُور) أَي حُضُور الابْن الْكَبِير (إِن كَانَ الاعتصار من كَبِير) فَهُوَ كَقَوْل ابْن سَلمُون وَإِن كَانَ الابْن كَبِيرا قلت: وبمحضر الابْن وموافقته على ذَلِك اه. وَهَذَا من بَاب قطع النزاع أَيْضا لِأَنَّهُ قد يَدعِي مَا يمْنَع الاعتصار من صَدَقَة أَو فَوَات بدين وَنَحْوه فحضوره وموافقته يقطع ذَلِك، فالتضمين الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ من بَاب الْكَمَال كَالَّذي قبله وَإِلَّا فَهُوَ يعتصرها مِنْهُ جبرا عَلَيْهِ. وكلُّ مَا يَجْرِي بِلفظِ الصَّدقة فَالاعتِصارُ أبَداً لنْ يَلْحَقَه (وكل مَا يجْرِي) من الْعَطِيَّة والنحلة والعمرى (بِلَفْظ الصَّدَقَة) أَو كَانَ بِلَفْظ الْهِبَة ودلت الْقَرَائِن على قصد الصَّدَقَة وَالدَّار الْآخِرَة (فالاعتصار أبدا لن يلْحقهُ) إِلَّا أَن يَشْتَرِطه عِنْد عقد الصَّدَقَة كَمَا مر (خَ) كصدقة بِلَا شَرط الخ … وَمَفْهُومه أَنَّهَا إِذا كَانَت بِشَرْط فيعتصرها. قَالَ ابْن الْهِنْدِيّ: فَإِن قيل كَيفَ يجوز أَن يشْتَرط فِي الصَّدَقَة الاعتصار وَالصَّدَََقَة لَا تعتصر؟ قيل: وَسنة الْحَبْس لَا يُبَاع وَإِذا شَرطه الْمحبس فِي نفس الْحَبْس كَانَ لَهُ شَرطه اه. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه كَمَا يعْمل بِشَرْط الاعتصار فِي الصَّدَقَة من الْأَب وَالأُم يعْمل بِشَرْطِهِ فِيهَا على أَجْنَبِي وَهُوَ كَذَلِك خلافًا للمشدالي. وَلَا اعِتصَارَ مَعَ موتٍ أَوْ مَرَضْ لهُ أَوِ النِّكاحِ أَوْ دَيْنٍ عَرَضْ (وَلَا اعتصار) أصلا (مَعَ) حُصُول (موت) للْمَوْهُوب لَهُ أَو الْوَاهِب (أَو) حُصُول (مرض)
стр. 1059
مُتَّصِل بِمَوْت (لَهُ) أَي للْوَاهِب أَيْضا (أَو) حُصُول (النِّكَاح) للْمَوْهُوب لَهُ بعد الْهِبَة (أَو) حُصُول (دين عرض) أَي حدث للْمَوْهُوب لَهُ أَيْضا بعد الْهِبَة لتَعلق حق الْغَيْر بهَا فِي النِّكَاح وَالدّين لأَنهم إِنَّمَا أنكحوه وداينوه لأَجلهَا، وَلِأَنَّهُ فِي مرض الْوَاهِب يعتصر لغيره وَفِي مرض الْمَوْهُوب لَهُ تعلق بهَا حق ورثته، وَأَحْرَى بخروجها من يَد الْوَلِيد بِبيع أَو هبة وَنَحْوهمَا لتَعلق حق المُشْتَرِي والموهوب لَهُ بهَا، وَكَذَا لَو فَاتَت الْهِبَة بِزِيَادَة أَو نقص فِي ذَاتهَا لِأَن تغيرها بذلك يصيرها غير الْمَوْهُوب، وَكَذَا لَو وطىء الْوَلَد الْبَالِغ الْأمة الْمَوْهُوبَة أَو أعْتقهَا أَو كاتبها، وَأما حِوَالَة الْأَسْوَاق فَلَا تفيته، وَمَفْهُوم قَوْله: عرض الخ … أَن الْمَرَض وَالنِّكَاح وَالدّين إِذا لم يعرض وَاحِد مِنْهَا بل كَانَ مَوْجُودا وَقت الْهِبَة فَإِنَّهُ لَا يمْنَع الاعتصار، وَكَذَا لَو صَحَّ من الْمَرَض الْعَارِض بعْدهَا فَإِن الاعتصار يعود وَيصِح. (خَ) وَللْأَب اعتصارها من وَلَده كَأُمّ إِن لم تفت لَا بحوالة سوق بل بزيد أَو نقص وَلم ينْكح أَو يداين لَهَا أَو يطَأ وَلَو ثَيِّبًا أَو يمرض كواهب إِلَّا أَن يهب على هَذِه الْأَحْوَال وَيَزُول الْمَرَض على الْمُخْتَار أَي: بِخِلَاف زَوَال النِّكَاح وَالدّين فَلَا يعود مَعَه الاعتصار لِأَن الْمَرَض إِذا زَالَ تَنْقَطِع توابعه، وَالنِّكَاح وَالدّين لَا تَنْقَطِع توابعهما لِأَن الصَدَاق قد يسْتَحق، وَكَذَا مَا دَفعه للْغُرَمَاء بِمُجَرَّد النِّكَاح وَالدّين مَانع بِخِلَاف الْمَرَض. وَفَقْرُ مَوْهُوبٍ لَهُ مَا كَانَا لِمَنْعِ الاعْتِصَارِ قد أَبَانا (وفقر موهوب لَهُ مَا كَانَا) صَغِيرا أَو كَبِيرا رشيدا أَو سَفِيها وَهُوَ مُبْتَدأ (لمنع الاعتصار) مِنْهُ (قد أَبَانَا) خبر وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ. قَالَ فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة: إِذا كَانَت هبة الْأَبَوَيْنِ على فَقير من بنيهما فَلَيْسَ لَهما الاعتصار لِأَن من وهب لفقير قد علم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ الصِّلَة وَالْأَجْر اه. بِنَقْل (م) وَمثله فِي ابْن سَلمُون، فظاهرهما كالناظم كَانَ الْوَلَد صَغِيرا أَو كَبِيرا كَمَا قَررنَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: اخْتلف فِي اعتصار الْأَب إِذا كَانَ الْوَلَد كَبِيرا فَقِيرا فَقيل: للْأَب أَن يعتصر، وَمنع ذَلِك سَحْنُون وَقَالَ: إِنَّمَا يعتصر إِذا كَانَ الْوَلَد فِي حجره أَو بَائِنا عَنهُ وَله مَال كثير. اللَّخْمِيّ: يُرِيد إِذا كَانَ فِي حجره فَلهُ أَن يعتصر وَإِن كَانَ فَقِيرا لِأَن الْقَائِم لَهُ والمنفق عَلَيْهِ فَهُوَ فِي معنى الْمُوسر الخ … فخلاف سَحْنُون إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَقِير الْكَبِير وَمَعَ ذَلِك صدر بِأَنَّهُ يعتصر كَمَا ترى، وَكَذَا صدر بِهِ فِي الشَّامِل فَقَالَ: وَكَذَا لَهُ أَن يعتصر من ولد فَقير، وَمنعه سَحْنُون قَائِلا: لَا يعتصرها إِلَّا مِمَّن فِي حجره أَو أَن بَان عَنهُ وَله وَمَال الخ … وَذَلِكَ كُله يُفِيد أَنه يعتصر فِي الصَّغِير اتِّفَاقًا،
стр. 1060
وَكَذَا فِي الْكَبِير على الْمَذْهَب، وَلذَا لم يذكر فِي (خَ) الْفقر من مَوَاضِع الاعتصار، وَهَذَا كُله مَا لم يُصَرح فِي هِبته بِقصد الثَّوَاب وَالْأَجْر وإلاَّ فَلَا اعتصار كَمَا مرَّ. وَمَا اعْتِصَارٌ بيعُ شيءٍ قَدْ وُهِبْ منْ غَيْرِ إشْهَادٍ بهِ كَمَا يَجِبْ (وَمَا) نَافِيَة (اعتصار) خبر عَن قَوْله (بيع شَيْء قد وهب) وَالتَّقْدِير: وَمَا بيع شَيْء قد وهب اعتصار (من غير إِشْهَاد بِهِ) أَي بِأَن بَيْعه لذَلِك اعتصار (كَمَا يجب) فِيهِ، وَبيعه مَحْمُول على أَنه لغبطة أَو مصلحَة فَهُوَ كَقَوْل ابْن سَلمُون: ولبعض فُقَهَاء الشورى فِيمَن وهب لِابْنِهِ الصَّغِير هبة سلط عَلَيْهَا حكم الاعتصار ثمَّ بعد ذَلِك بَاعهَا باسم نَفسه وَمَات إِن الثّمن للِابْن فِي تَرِكَة أَبِيه وَلَيْسَ بَيْعه باسم نَفسه عصرة مِنْهُ إِلَّا أَن يشْهد عِنْد البيع أَو قبله أَن بَيْعه عصره مِنْهُ لَا هبة وإلاَّ فَلَا اه. زَاد فِي الطرر: وَلَا يَصح الاعتصار بعد البيع لِأَنَّهَا قد تَغَيَّرت عَن حَالهَا، وَلَا مَفْهُوم لشرطه الاعتصار لِأَنَّهُ شَرط مُؤَكد فقد لِأَن سنتها الاعتصار وَلَو لم يشْتَرط. وَفِي ابْن عَرَفَة قَالَ بعض فُقَهَاء الشورى من شَرط فِي هبة ابْنه الاعتصار ثمَّ بَاعهَا إِلَى آخر مَا مر فأسقط التَّقْيِيد بالصغير، فَظَاهره كالناظم أَنه لَا يكون عصرة مُطلقًا، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون البيع لَيْسَ صَرِيحًا فِي الاعتصار فِيهَا مَعًا حَتَّى يَقع الْإِشْهَاد بِهِ كَمَا ترى. قَالَ فِي الكراس الثَّالِث عشر من معاوضات المعيار راداً على من قَالَ: إِن البيع عصرة مَا نَصه: فَأَما إيحاب العصرة بِلَفْظ مُحْتَمل يتسلط عَلَيْهِ التَّأْوِيل فَلَا يَصح لِأَن الْهِبَة قد صَارَت ملكا للْمَوْهُوب لَهُ فَلَا يَصح نقلهَا عَن ملكه إِلَى ملك الْأَب بِأَمْر مُحْتَمل لقَوْله ﷺ : (لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس) اه. الْغَرَض مِنْهُ وَهُوَ صَرِيح فِي أَنه لَا فرق بَين الْكَبِير وَالصَّغِير لِأَن الْأَب يكون قد أَرَادَ أَخذ ذَلِك الثّمن مَعَ كَونه لم يقْصد بِالْبيعِ الاعتصار من غير طيب نفس الْوَلَد بِهِ، لَكِن إِذا لم يكن اعتصار فِي الْكَبِير أَيْضا فيفصل فِيهِ بَين أَن يكون الْأَب بَاعهَا قبل أَن يحوزها الْكَبِير بعد علمه وتفريطه فَيجْرِي على مَا تقدم عِنْد قَوْله: وَمن يَصح قَبضه وَمَا قبض الخ … أَو يكون بَاعهَا بعد حوزه إِيَّاهَا فَيجْرِي على بيع الْفُضُولِيّ، وَقد مر الْكَلَام عَلَيْهِ فِي فَصله. وَظَاهر قَوْلهم: إِلَّا أَن يشْهد عِنْد البيع أَو قبله أَن قَول الْأَب بعده إِنَّمَا قصد بِهِ الاعتصار غير مَقْبُول، وَهَذَا كُله فِي البيع. وَيفهم مِنْهُ أَنه فِي الْهِبَة لَا يكون اعتصار إِلَّا بِالْإِشْهَادِ أَيْضا فِي الصَّغِير وَالْكَبِير لِأَن الصَّغِير هُوَ الَّذِي يحوز لَهُ فِيهِ هبة ثَابِتَة بعد الْحَوْز لَا تصح للثَّانِي وَلَو حازها. وَكَذَا فِي الْكَبِير بعد حوزه إِيَّاهَا لَا قبل حوزه فَتكون للثَّانِي إِن حَاز كَمَا مر. (تَنْبِيه) : ذكر فِي الكراس الرَّابِع من معاوضات المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح: أَن من حبس على ابْنه ملكا ثمَّ بَاعه فَإِن ذَلِك يعد مِنْهُ اعتصاراً وَهُوَ مُخَالف لما مر من أَنه لَا يكون اعتصاراً حَتَّى يشْهد بِأَن بَيْعه اعتصار. وَلما ذكر أَن تصرف الْأَب فِي الْهِبَة وَالْبيع لَا يعد اعتصاراً استدرك مَا إِذا
стр. 1061
صير الْهِبَة الَّتِي وَهبهَا لِابْنِهِ فِي دين لَهُ على أَبِيه فَقَالَ: لكنَّهُ يُعَدُّ مهْما صَيَّرَا ذَاك لموْهُوبٍ لَهُ مُعَتَصِرَا (لكنه يعد مهما) أشهد بِأَنَّهُ (صيرا ذَاك) الْمَوْهُوب (لموهوب لَهُ) الَّذِي هُوَ الابْن فِي الدّين الَّذِي للِابْن عَلَيْهِ (معتصرا) لَهُ وَيصير الْمَوْهُوب ملكا للْوَلَد عوضا عَن الدّين الَّذِي كَانَ لَهُ على أَبِيه، لَا بِالْوَجْهِ الأول الَّذِي هُوَ الْهِبَة، فَقَوله: معتصراً مفعول ثَان ليعد، وَالْفرق أَن التصيير على هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَمل غير الاعتصار لِأَن إِدْخَال الْمَوْهُوب فِي ملك الْوَلَد بِسَبَب الدّين الَّذِي لَهُ على الْأَب فرغ إدخالها فِي ملك الْأَب، وإلاَّ لم يكن قَضَاء لدينِهِ بِخِلَاف البيع، فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يقْصد بِهِ الاعتصار، وَيحْتَمل أَن يكون قصد بِهِ الْغِبْطَة والمصلحة، فَإِذا لم يكن أشهد أَنه قصد بِهِ الاعتصار لم يكن اعتصاراً إِذْ لَا ينْتَقل الْملك عَن مَالِكه بِأَمْر يحْتَمل كَمَا مر، وَهَذَا فِي التصيير للصَّغِير، وَأَحْرَى فِي التصيير للكبير إِذْ لَا يكون إِلَّا بِرِضَاهُ. وَظَاهر هَذَا القَوْل كَأَن يعرف الابْن بِالْمَالِ أم لَا. وَقيل بل يَصِحُّ إِن مالٌ شُهِرْ لهُ وإلاَّ فَلِحَوْزٍ يَفْتَقِرْ (وَقيل بل) إِنَّمَا (يَصح) التصيير الْمَذْكُور (إِن مَال شهر لَهُ) أَي للِابْن وَعرف بِهِ بِأَن تشهد بَيِّنَة أَن لَهُ مَالا وَرثهُ من أمه أَو حصله من كسب يَده وَإِن لم يبين قدره (وَإِلَّا) يكن مَعْرُوفا بِالْمَالِ (فلحوز يفْتَقر) إِن وجد بِأَن كَانَ يصرف الْغلَّة فِي مصَالح وَلَده أَو جهل حَالَة تمت الْهِبَة وَصحت وإلاَّ بِأَن كَانَ يصرفهَا فِي مصَالح نَفسه فَلَا تصح لما مر عِنْد قَوْله: وَعَن الْأمين يُغني الاشتراء الخ … من أَنه أَرَادَ هبة الأَصْل وَجعل إِقْرَاره بِالدّينِ وتصيير الْهِبَة فِيهِ جنَّة لسُقُوط الْحِيَازَة، لِأَن
стр. 1062
التصيير إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يفْتَقر لحيازة لِأَنَّهُ من قبيل البيع وَإِمَّا لِأَنَّهُ يفْتَقر لحيازة شهر فَقَط كَمَا مرَّ فِي فَصله، وَالْهِبَة لَا بُد أَن تحاز عَاما فَأكْثر فَإِذا رَجَعَ إِلَيْهَا بعد الْعَام لم تبطل كَمَا مرَّ، وَبِهَذَا تعلم أَن هَذَا القَوْل الْمفصل هُوَ الَّذِي أصَاب الْمفصل لَا مَا صدر بِهِ النَّاظِم تبعا لِابْنِ الْحَاج وَالله أعلم.
(فصل فِي الْعُمْرَى وَمَا يلْحق بهَا من المنحة والإخدام)
ابْن عَرَفَة: هِيَ تمْلِيك مَنْفَعَة مُدَّة حَيَاة الْمُعْطِي بِغَيْر عوض إنْشَاء فَخرج بِالْمَنْفَعَةِ تمْلِيك الذَّات وبحياة الْمُعْطِي الخ … الْحَبْس وَالْعَارِية والمعطى بِفَتْح الطَّاء خرج بِهِ حَيَاة الْمُعْطِي بِكَسْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُسمى عمرى حَقِيقَة، وَإِن كَانَ جَائِزا كحياة أَجْنَبِي غَيرهمَا وَخرج بقوله: بِغَيْر عوض مَا إِذا كَانَ بعوض فَإِنَّهَا إِجَارَة فَاسِدَة، وَبِقَوْلِهِ: إنْشَاء الحكم بِاسْتِحْقَاق الْعُمْرَى لِأَنَّهُ تَقْرِير لَهَا لَا إنْشَاء، وَهَذَا الْحَد يُوجب جَوَازهَا فِي الْأُصُول والحلى وَالثيَاب وَغير ذَلِك. أَبُو الْحسن: إِلَّا أَنه إِن بَقِي من الثَّوْب شَيْء رده وإلاّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وخصها النَّاظِم بالأصول لكثرتها فِيهَا فَقَالَ: هِبَةُ غَلّةِ الأصُول العُمْرَى بِجَوْزِ الأصْلِ حوْزُها اسْتقَرا (هبة غلَّة الْأُصُول) كالدور وَالْأَرضين والحوانيت (الْعُمْرَى) وَلَا بُد فِيهَا من الْحَوْز كَمَا قَالَ (بحوز أصل حوزها استقرا) لِأَن الْمَنْفَعَة تحاز بحوز أُصُولهَا كَمَا مرَّ، والحيازة للصَّغِير فِيهَا بِصَرْف الْغلَّة كَمَا مرَّ فِي الْهِبَة. طول حَيَاة معمَرٍ أَو مُدّه مَعْلُومةٍ كالعَامِ أَو مَا بعْدَه (طول) بِالنّصب ظرف لقَوْله: هبة وَهِي خبر عَن قَوْله: الْعُمْرَى، وَالتَّقْدِير: الْعُمْرَى هبة غلَّة الْأُصُول طول (حَيَاة المعمر) بِالْفَتْح (أَو) هبة غلَّة الْأُصُول (مده مَعْلُومَة كالعام أَو مَا بعده) كالعامين أَو الْعشْرَة، وحوزها اسْتَقر بحوز أَصْلهَا. اللَّخْمِيّ: والعمرى أَقسَام مُقَيّدَة بِأَجل، وحياة المعمر بِالْفَتْح ومطلقة ومعقبة، فالمقيدة بِأَجل أَو حَياتِي أَو حياتك هِيَ إِلَى ذَلِك الْأَجَل، وَإِن أطلق وَلم يُقيد كَانَ محمله على عمر الْمُعْطى لَهُ حَتَّى يَقُول: عمري أَو حَياتِي وَإِن عَقبهَا فَقَالَ: أعمرتك أَنْت وَعَقِبك لم ترجع إلىه إِلَى أَن ينقرض الْعقب. قَالَ: وَيحمل قَوْله: كسوتك هَذَا الثَّوْب وحملتك على هَذَا الْفرس على هبة الرّقاب بِخِلَاف قَوْله: أعمرتك أَو أسكنتك أَو أخدمتك فَإِنَّهُ يحمل على الْعُمْرَى، وَإِن قَالَ: أَذِنت لَك أَن تسكن دَاري وتزرع أرضي أَو تركب دَابَّتي أَو
стр. 1063
تلبس ثوبي كَانَ عَارِية فَيجْرِي على حكمهَا من ضرب الْأَجَل وَعَدَمه اه. يَعْنِي إِذا لم يضْرب الْأَجَل فَإِن الْعَارِية تنقض بِمُضِيِّ مَا يعار لمثله. وَقَوله: حَيَاة المعمر يَقْتَضِي أَن الْجَهْل بِمدَّة الْحَيَاة لَا يضر وَهُوَ كَذَلِك، لِأَن الْغرَر إِنَّمَا يمْنَع فِي الْمُعَاوَضَات دون التَّبَرُّعَات وَذكر الْمواق فِي الضَّمَان إِحْدَى عشرَة مَسْأَلَة يجوز الْجَهْل فِيهَا الْخَمَالَة وَالْهِبَة وَالْوَصِيَّة والبراءة من الْمَجْهُول وَالصُّلْح يَعْنِي: إِذا لم يعرفا قدر الْحق الْمصَالح فِيهِ كَمَا مرّ فِي بَابه، وَالْخلْع وَالصَّدَاق والقراض وَالْمُسَاقَاة والمغارسة وَالصَّدَََقَة اه. وَقَوْلهمْ: أرسل من يدك بالغرر وَلَا تَأْخُذ بِهِ مَعْنَاهُ أرسل من يدك بالغرر من غير عوض وَلَا تَأْخُذ بِهِ بعوض فكأنهم قَالُوا وَلَا تعاوض بِهِ. تَتِمَّة: إِذا مَاتَ المعمر بِالْفَتْح أَو انْقَضى الْأَجَل فَإِنَّهَا ترجع للمعمر بِالْكَسْرِ أَو وَارثه. (خَ) : وَرجعت للمعمر أَو وَارثه الخ. وَالْمُعْتَبر فِي الْوَارِث هُوَ يَوْم الْمَوْت لَا يَوْم الْمرجع، فَإِذا مَاتَ المعمر بِالْكَسْرِ عَن أَخ مُسلم وَابْن كَافِر أَو رَقِيق فورث الْمُسلم أَخَاهُ ثمَّ أسلم الابْن أَو عتق الرَّقِيق ثمَّ مَاتَ المعمر بِالْفَتْح، فَإِن الْعُمْرَى ترجع للْأَخ، الْمُسلم كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ. وبيعُها مُسوَّغٌ لِلمُعْمَرِ منْ مُعمِرٍ أَو وارِثٍ لِلمُعْمِر (وَبَيْعهَا) أَي الْعُمْرَى أَن مَنْفَعَتهَا (مسوغ للمعمر) بِالْفَتْح أَي يَبِيع مَاله من الْمَنْفَعَة مُدَّة حَيَاته (من معمر) بِالْكَسْرِ (أَو) من (وَارِث للمعمر) بِالنَّقْدِ وَالْعرُوض وَالطَّعَام وَغير ذَلِك نَقْدا أَو نَسِيئَة وَتَسْمِيَة ذَلِك بيعا مجَازًا وَإِنَّمَا هُوَ كِرَاء، وَفهم مِنْهُ أَنه لَا يجوز بيعهَا من غير المعمر أَو وَارثه وَهُوَ كَذَلِك فِيمَا إِذا كَانَت حَيَاة المعمر لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ إِجَارَة مَجْهُولَة، وَإِنَّمَا اغتفر مؤاجرتها للمعمر أَو وَارثه مَعَ وجود الْجَهْل أَيْضا للمعروف كَمَا جَازَ للمعري اشْتِرَاء عريته يخرصها تَمرا مَعَ مَا فِيهِ من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة للمعروف أَيْضا وَأما إِن كَانَت مُقَيّدَة بِأَجل كعام وَنَحْوه فَلهُ عقد الْكِرَاء فِيهَا مَعَ المعمر أَو غَيره إِلَى تِلْكَ الْمدَّة كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَغَيره ثمَّ أَشَارَ إِلَى المنحة وَهِي هبة لبن الشَّاة كَمَا مرّ أول بَاب الْهِبَة فَقَالَ: وَغَلَّةٌ للحيوانِ إنْ تُهَبْ فَمِنْحَةٌ تُدْعَى وَلَيْسَتْ تُجْتَنَبْ (وغلة للحيوان) كلبن بقرة أَو شَاة (أَن تهب) لشخص حَيَاة الممنوح أَو مُدَّة مُعينَة فَإِن أطلق فَهُوَ مُصدق فِيمَا يَدعِيهِ من الْمدَّة فَإِن مَاتَ أَو غَابَ، فَالظَّاهِر أَنه يحمل على حَيَاة الْحَيَوَان الممنوح (فمنحة تدعى) أَي تسمى (وَلَيْسَت تجتنب) بل هِيَ مَنْدُوبَة لكَونهَا من الْمَعْرُوف، وَلَا يدْخل فِي
стр. 1064
غلَّة الْحَيَوَان ركُوب الدَّابَّة لِأَن هَذِه عَارِية كَمَا تقدم قَرِيبا عَن اللَّخْمِيّ، وَتقدم أَيْضا أول بَاب الْهِبَة ثمَّ أَشَارَ إِلَى الإخدام فَقَالَ: وخِدْمَةُ العَبْدِ هِي الإخْدامِ وَالحَوْزُ فِيهَا لَهُ الْتزامِ (وخدمة العَبْد) أَو الْأمة أَن تهب لشخص حَيَاة العَبْد أَو المخدم بِالْكَسْرِ أَو المخدم بِالْفَتْح أَو لمُدَّة مَعْلُومَة كعام وَنَحْوه (هِيَ الإخدام) فِي الِاصْطِلَاح فَإِن أطلق وَقَالَ: أخدمتك هَذَا العَبْد فَإِنَّهُ يحمل على حَيَاة العَبْد كَمَا مرّ أول بَاب الْحَبْس (والحوز فيهمَا) أَي فِي المنحة والاخدام قبل حُصُول الْمَانِع (لَهُ الْتِزَام) فَلَا يصحان بِدُونِهِ كَمَا مرَّ. حَياةُ مُخْدَمٍ أوِ المَمْنُوحِ أَوْ أَمَدٍ عُيِّنَ بالتَّصْرِيحِ (حَيَاة مخدم) ظرف لتهب الْمُقدر بعد خدمَة العَبْد (أَو) حَيَاة (الممنوح) ظرف لتهب الْمَذْكُور فِي كَلَامه من اللف والنشر المعكوس (أَو) إِلَى (أمد) كعام أَو شهر (عين) فيهمَا (بالتصريح) فَإِن أطلق وَلم يعين فقد مر حكمه. وأُجْرَةُ الرَّاعِي لما قَدْ مُنِحا عَلَى الذِي بِمِنْحَةٍ قد سَمِحَا (وَأُجْرَة الرَّاعِي لما) أَي للحيوان الَّذِي (قد منحا) لبنه وَاجِبَة (على) الشَّخْص (الَّذِي بمنحه قد سَمحا) أَو على المانح وَظَاهره أَنه إِذا اشْترطت أجرته على الممنوح أَو جرى عرف بهَا لِأَنَّهُ كالشرط لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهَا تنْقَلب حِينَئِذٍ إِجَارَة بِمَجْهُول وَهُوَ كَذَلِك، فَفِي نَوَازِل الفاسي: لَا يجوز إِعْطَاء بقرة لمن يرعاها على أَن يَأْخُذ نصف زبدها قَالَ: وَلَكِن فِي الْمواق والمعيار عَن ابْن سرج مَا يُؤذن بالترخيص فِي ذَلِك من أجل الِاضْطِرَار لِأَن مَذْهَب مَالك مُرَاعَاة الْمصلحَة إِن كَانَت كُلية حاجية اه. وَانْظُر مَا قدمْنَاهُ أول الْإِجَارَة وَلَا مَفْهُوم للزبد وَلَا لنصفه بل كَذَلِك بِكُل الزّبد أَو اللَّبن، وَمثل هَذَا مَا يَقع كثيرا فِي إِجَارَة معلم الصّبيان يجْعَلُونَ لَهُ مخضة على كل وَاحِد فَقَالَ العقباني: إِن ذَلِك لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يدْخل مَعَهم على تَحْدِيد مَا يَأْخُذهُ من الزّبد بِالْوَزْنِ، وَإِنَّمَا دخل على أَن يَأْخُذ مخضة لَا يدْرِي قدرهَا، وَلما نَقله ابْن رحال عِنْد قَوْله (خَ) فِي الْإِجَارَة: أَو حميم ذِي الْحمام. قَالَ عقبَة: الصَّوَاب الْجَوَاز، وَأَشَارَ إِلَى مَا تقدم عَن ابْن سراج والمعيار، وَأما علف الدَّابَّة المعارة فقد قَالَ (خَ) آخر الْعَارِية: وَفِي علف الدَّابَّة قَولَانِ. أَي: هَل هُوَ على الْمُعير أَو الْمُسْتَعِير؟ ومحلهما مَعَ السكت وَعدم الْعرف، وَأما الشَّرْط أَو الْعرف فَهُوَ على من اشْترط عَلَيْهِ أَو قضى الْعرف أَنه عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يجوز كِرَاء الدَّابَّة بعلفها كَمَا قَالَ (خَ) : وَجَاز على أَن عَلَيْك
стр. 1065
عَلفهَا الخ … وَالْعرْف عندنَا بفاس أَن علف الْعَارِية على الْمُسْتَعِير حَيْثُ باتت عِنْده فَإِن لم تبت فعلى رَبهَا، وَأما نَفَقَة المخدم فاقتصر فِي الِاسْتِغْنَاء كَمَا فِي الْمواق على أَنَّهَا على المخدم بِالْفَتْح، وَفِي الْمُدَوَّنَة أَنَّهَا على المخدم رُوِيَ بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا، وَهَذَا مَعَ السكت أَو عدم الْعرف أَيْضا وإلاَّ فَهِيَ على المخدَم بِالْفَتْح اتِّفَاقًا إِذْ لَا يجوز مؤاجرة الْأَجِير بِأَكْلِهِ وتنفسخ إِذا ظهر أكولاً قَالَ (خَ) : كظهور مُسْتَأْجر أوجر بأجره أكولاً الخ … وَزَكَاة فطره حِينَئِذٍ على سَيّده قطعا لِأَنَّهُ الْمَالِك الْمُنفق عَلَيْهِ. وجائِزٌ لِمَانِحٍ فِيهَا الشِّرا بِما يَرَى نَاجِزاً أوْ مُؤَخَّرَا (وَجَائِز لمانح فِيهَا) أَي المنحة (الشرا بِمَا) أَي بِالثّمن الَّذِي (يرَاهُ) المانح ويرضى بِهِ كَانَ ذَلِك الثّمن طَعَاما أَو غَيره (ناجزاً) كَانَ (أَو مُؤَخرا) وَلَا يدْخلهُ بيع اللَّبن الْمَجْهُول بِدَنَانِير أَو بِطَعَام نَسِيئَة لِأَن ذَلِك كُله مَعْرُوف رخص لَهُ فِيهِ كَمَا مرَّ فِي الْعُمْرَى. وَلَا يجوز لغيره شِرَاؤُهُ إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة عِنْد شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله فِي الْإِجَارَة: وشَاة للبنها، وَيفهم من النّظم أَنه يجوز للمخدِم بِالْكَسْرِ شِرَاء خدمَة مخدمه كالمنحة والعمرى إِذْ لَا فرق بَين الْجَمِيع وَالله أعلم.
(فصل فِي الإرفاق)
وَهُوَ إِعْطَاء مَنَافِع الْعقار. إرْفَاقُ جَارٍ حَسَنٌ للجارِ بِمَسْقَى أَوْ طَرِيقٍ أَو جِدَارِ (إرفاق جَار حسن) أَي مُسْتَحبّ (للْجَار) لحَدِيث: (مازال جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) . وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام: مَا لَهُ حق وَاحِد وَهُوَ الْجَار الذِّمِّيّ، وَمَا لَهُ حقان وَهُوَ الْجَار الْمُسلم الْأَجْنَبِيّ، وَمَا لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق وَهُوَ الْجَار الْمُسلم الْقَرِيب. قَالَ تَعَالَى: وبالوالدين إحسانا﴾ إِلَى قَوْله: الْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٣٦) . وحد الْجوَار أَرْبَعُونَ دَارا من كل جَانب (بمسقى) يتَعَلَّق بإرفاق فَيحْتَمل أَن يكون اسْم مَكَان أَي يرفقه بِموضع يُوصل مِنْهُ المَاء ليسقي حَائِطه أَو دَاره، وَيحْتَمل أَن يكون مصدرا أَي يسْقِي مَاء فضل عَنهُ ليسقي الْجَار بِهِ حَائِطه وَنَحْوه أَو ب (طَرِيق) فِي أرضه يمر عَلَيْهَا لحائطه أَو دَار أَيْضا (أَو) ب (جِدَار) يغرز فِيهِ خَشَبَة
стр. 1066
وَنَحْوهَا. (خَ) : وَندب إِعَارَة جِدَار لغرز خَشَبَة وإرفاق بِمَاء وَفتح بَاب ليمر عَلَيْهَا الخ … وَهَذَا كُله حَيْثُ لم يكن على الْمرْفق بِالْكَسْرِ فِيهِ ضَرَر فَحِينَئِذٍ يتَعَلَّق النّدب بِهِ. وَقد حض ﵊ على الْجَار فَقَالَ: (لَا يمْنَع أحدكُم جَاره أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَاره) وَقَالَ: (الْجَار أَمِين على جَاره فَعَلَيهِ أَن يسد حجابه عَنهُ أَي عَلَيْهِ ويكف أَذَاهُ عَنهُ ويغض بَصَره عَنهُ وَإِن رأى عَورَة سترهَا أَو سَيِّئَة غفرها أَو حَسَنَة شكرها) وَقَالَ: (لَا يدْخل الْجنَّة من خَافَ جَاره بوائقه) . والحَدُّ فِي ذَلِكَ إنْ حُدَّ اقْتُفي وعُدَّ فِي إرْفَاقِهِ كالسَّلَفِ (وَالْحَد فِي ذَلِك) الإرفاق (إِن حد) بِزَمن كَسنة أَو عشر سِنِين أَو إِلَى الْأَبَد مثله (اقتفي) وَاتبع وَكَانَ لَازِما للمرفق لَيْسَ لَهُ الرُّجُوع قبله (و) إِن أطلق وَلم يُقيد بِأَجل (عد) الْمرْفق بِالْكَسْرِ (فِي اطلاقه كالسلف) يتسلفه الْإِنْسَان وَلَا يتعرضان لأَجله فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يتْركهُ مُدَّة ينْتَفع بِهِ فِيهَا عَادَة أَمْثَاله، فَكَذَلِك هَذَا لَا بُد أَن يتْرك للمرفق بِالْفَتْح ينْتَفع بِهِ الْمدَّة الْجَارِيَة بَين الْجِيرَان عَادَة، وَظَاهره أَن الحكم هُوَ مَا ذكر سَوَاء كَانَ الإرفاق بالغرز أَو فتح بَاب أَو سقِِي مَاء وَغير ذَلِك كإعارة عَرصَة للْبِنَاء، وَالْمُعْتَمد أَنه فِي الغرز لَا رُجُوع بعد الْإِذْن طَال الزَّمَان أَو قصر عَاشَ أَو مَاتَ إِلَّا أَن ينهدم الْجِدَار فَلَا يُعِيد الغرز إِلَّا بإرفاق ثانٍ حَيْثُ علم أَن الْخَشَبَة وضعت أَولا بالإرفاق وإلاَّ فَلهُ ردهَا كَمَا كَانَت من غير إِذن قَالَه ابْن الرَّامِي. وَأما إِعَارَة الْعَرَصَة للْبِنَاء فالراجح أَن لَهُ الرُّجُوع حَيْثُ لم يقيدا بِأَجل وَلَو قبل أَن يمْضِي مَا يرفق ويعار لمثله فِي الْعَادة، وَلَكِن بعد أَن يدْفع مَا أنْفق أَو قِيمَته (خَ) : وَله أَن يرجع وفيهَا إِن دفع مَا أنْفق وَقِيمَته. وَقَالَ أَيْضا: وَله الْإِخْرَاج فِي كبناء إِن دفع مَا أنْفق، وفيهَا أَيْضا قِيمَته الخ. وَالْفرق بَين الْعَرَصَة والجدار أَن بعض أهل الْعلم يرى الْقَضَاء بإعارة الْجِدَار إِذا امْتنع ربه من إعارته للغرز وَلَيْسَ فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَابْن كنَانَة وَابْن حَنْبَل، قَالَ الأبي: وَكَانَ الشَّيْخ يَعْنِي ابْن عَرَفَة يَقُول: لَيْسَ المُرَاد بالغرز الْمَنْدُوب إِلَيْهِ أَن يغرز ليبني فَوق ذَلِك لِأَن ذَلِك مَعْلُوم كَونه مضراً بالجدار، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن يغرز للتسقيف. تَنْبِيه: مَا تقدم من أَن لَهُ الْإِخْرَاج فِي الْعَرَصَة هُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كَمَا رَأَيْته، وَجعل ابْن رشد وَابْن زرقون ذَلِك جَارِيا فِي الْجِدَار أَيْضا لِأَن كلا مِنْهُمَا هبة مَنْفَعَة، وَرجحه ابْن رحال فَقَالَ: قد تبين أَن الْمَذْهَب لَا فرق بَين الْجِدَار والعرصة فِي أَن لكل مِنْهُمَا الرُّجُوع حَيْثُ لم يقيدا بِأَجل بعد أَن يُعْطي كلا مِنْهُمَا مَا أنفقهُ المعار والمرتفق، وإلاَّ فَلَيْسَ لكل مِنْهُمَا الرُّجُوع إِلَّا بعد أَن يمْضِي مَا يرفق ويعار لَهُ بِحَسب الْعَادة اه بِاخْتِصَار. وَهُوَ مُخَالف لما تقدم من أَنه لَيْسَ لَهُ الْإِخْرَاج فِي الْجِدَار على الْمُعْتَمد فشدّ يدك على مَا تقدم للْفرق الْمُتَقَدّم وَلِأَن الْعَرَصَة لَا تضطر الْحَاجة إِلَيْهَا كاضطراره للغرز، وَلذَا قيل بِوُجُوبِهِ للأحاديث القوية فِيهِ والخاصة بِهِ وَالله أعلم.
стр. 1067
(فصل فِي حكم الْحَوْز)
ذكر خَلِيل وَغَيره مَسْأَلَة الْحِيَازَة آخر الشَّهَادَات لِأَنَّهَا مبينَة لصَاحِبهَا على تَصْدِيق دَعْوَاهُ وَتقدم عِنْد قَوْله: وَالْمُدَّعِي فِيهِ لَهُ شَرْطَانِ الخ … أَن الدَّعْوَى فِي مَسْأَلَة الْحِيَازَة تسمع ويكلف الْمَطْلُوب بجوابها لَعَلَّه يقر أَو يُنكر فَيحلف، وَقَوْلهمْ: لَا تسمع دَعْوَاهُ وَلَا بَينته الخ … مَعْنَاهُ لَا تسمع سَمَاعا يُوجب قبُول بَيِّنَة لَا أَنه لَا يُؤمر بِالْجَوَابِ بل يُؤمر بِهِ كَمَا مرَّ. وَتقدم أَيْضا أَن الدَّعَاوَى الَّتِي كلهَا توجب الْيَمين بِدُونِ خلْطَة على الْمَعْمُول بِهِ، وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك إِلَّا الدَّعَاوَى الَّتِي فِيهَا معرة كدعوى السّرقَة وَالْغَصْب على من لَا يَلِيق بِهِ ذَلِك فيؤدب الْمُدَّعِي وَلَا يَمِين على الْمَطْلُوب وَاعْلَم أَن الْحِيَازَة على قسمَيْنِ حِيَازَة مَعَ جهل أصل الْملك لمن هُوَ، وحيازة مَعَ علم أصل الْملك لمن هُوَ فَالْأولى يَكْفِي فِيهَا عشرَة أشهر فَأكْثر كَانَ المحوز عقارا أَو غَيره، وَالثَّانيَِة لَا بُد فِيهَا من عشر سِنِين فَأكْثر فِي الْعقار، أَو عَاميْنِ فَأكْثر فِي الدَّوَابّ وَالْعَبِيد وَالثيَاب كَمَا يَأْتِي، وكل من الحيازتين لَا بُد فِي الشَّهَادَة بِهِ من ذكر الْيَد وَتصرف الْحَائِز تصرف الْمَالِك فِي ملكه وَالنِّسْبَة وَعدم المنازع، وَطول الْمدَّة عشرَة أشهر فِي الأولى وَعشر سِنِين فِي الثَّانِيَة وَعدم التفويت فِي علمهمْ فَلَا تقبل الشَّهَادَة مَعَ فقد هَذِه الْأُمُور أَو وَاحِد مِنْهَا على الْمَعْمُول بِهِ إِلَّا إِن كَانَ من أهل الْعلم كَمَا بَيناهُ فِي حَاشِيَة اللامية، وَهل يشْتَرط زِيَادَة مَال من أَمْوَاله. ابْن عَرَفَة: وَفِي لَغْو شَهَادَة الشَّاهِد فِي دَار بِأَنَّهَا ملك فلَان حَتَّى يَقُول وَمَال من أَمْوَاله وقبولها مُطلقًا: ثَالِثهَا: إِن كَانَ الشُّهُود لَهُم نباهة ويقظة الأول لِابْنِ سهل عَن مَالك قَائِلا: شاهدت الْقَضَاء بِهِ اه. وَكَيْفِيَّة وَثِيقَة ذَلِك أَن تَقول: يشْهد الْوَاضِع شكله إثره بمعرفته لفُلَان وَمَعَهَا يشْهد بِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ وعَلى ملكه مَالا من أَمْوَاله وملكاً خَالِصا من جملَة أملاكه جَمِيع كَذَا الْمَحْدُود بِكَذَا يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْمَالِك فِي ملكه وينسبه لنَفسِهِ، وَالنَّاس إِلَيْهِ من غير علم مُنَازع وَلَا معَارض مُدَّة من عشرَة أشهر أَو عشر سِنِين، وَلَا يعلمُونَ أَنَّهَا خرجت عَن ملكه إِلَى الْآن أَو إِلَى أَن تعدى عَلَيْهَا فلَان أَو إِلَى أَن غَابَ أَو إِلَى أَن توفّي وَتركهَا لمن أحَاط بميراثه الخ … فَإِذا أَثْبَتَت هَذِه الْوَثِيقَة هَكَذَا وأعذر فِيهَا للمقوم عَلَيْهِ فَلم يجد مطعناً فَلَا إِشْكَال أَنَّهَا تدل دلَالَة ظنية على أَن الْملك لهَذَا الْقَائِم وَلَا تفِيد الْقطع لِأَن الشَّهَادَات من حَيْثُ هِيَ إِنَّمَا تفِيد غَلَبَة الظَّن فَقَط، وَهُوَ معنى قَوْلهم: إِنَّمَا تعْمل فِيمَا جهل أصل ملكه لِأَن أصل الْملك لمن هُوَ مَجْهُول عندنَا حَتَّى شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة لهَذَا الْقَائِم، وَحِينَئِذٍ فَيقْضى لَهُ بِهِ حَيْثُ لَا مطْعن بعد أَن يسْأَل الْحَائِز أَولا هَل لَك حجَّة، وَلَعَلَّه يقر بِأَن الْملك للقائم وَأَنه دخل بكرَاء أَو عَارِية فَإِن قَالَ: حوزي وملكي وَبِيَدِي وَأثبت حِيَازَة ذَلِك عَنهُ عشر سِنِين فِي الْأُصُول أَو عَاميْنِ فِي غَيرهَا بالقيود الْمَذْكُورَة أَيْضا من الْيَد وَالنِّسْبَة وَدَعوى الْملك وَالتَّصَرُّف وَعدم المنازع الخ … وَالْحَال أَن الْقَائِم حَاضر سَاكِت بِلَا مَانع الخ … فقد سقط حق الْقَائِم
стр. 1068
وَتبقى الْأَمْلَاك بيد حائزها وَلَا يُكَلف بِبَيَان وَجه تملكه وَلَا غير ذَلِك كَمَا يَأْتِي، وَبِالْجُمْلَةِ فمهما ثبتَتْ الْحِيَازَة عشرَة أشهر فَأكْثر بالقيود الْمَذْكُورَة أَولا لَا تقطعها الْحِيَازَة الْوَاقِعَة بعْدهَا إِلَّا أَن تكون عشر سِنِين فَأكْثر بالقيود الْمَذْكُورَة أَيْضا، وَهُوَ معنى قَوْلهم: حِيَازَة عشرَة أَعْوَام مَعَ علم أصل الْملك لمن هُوَ عَامله أَي لِأَنَّهَا قطعت حجَّة الْقَائِم مَعَ علم أصل ملكه وَمحل قطعهَا لذَلِك إِذا لم يعلم أصل مدخله أما إِذا علم كَكَوْنِهِ دخل بكرَاء من الْقَائِم أَو إسكان أَو مُسَاقَاة وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا لَا تقطعها وَلَو طَالَتْ، وَهَذِه الثَّانِيَة هِيَ مَقْصُود النَّاظِم فِي هَذَا الْفَصْل، وَأما الأولى فَلم يتَكَلَّم عَلَيْهَا وَتكلم عَلَيْهِمَا مَعًا (خَ) فَقَالَ فِي الأولى: وَصِحَّة الْملك بِالتَّصَرُّفِ وَعدم مُنَازع وحوز طَال كعشرة أشهر وَأَنَّهَا لم تخرج عَن ملكه فِي علمهمْ الخ. وَقَالَ فِي الثَّانِيَة: وَإِن حَاز أَجْنَبِي غير شريك وَتصرف ثمَّ ادّعى حَاضر سَاكِت بِلَا مَانع عشر سِنِين لم تسمع بَينته إِلَّا بِإِسْكَان وَنَحْوه، وَقد علمت من هَذَا أَن أصل الْملك وأصل الْمدْخل شَيْئَانِ متغايران وهما وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا يشْتَرط جَهله لَكِن الأول شَرط فِي قبُول بَيِّنَة الْقَائِم إِذْ هِيَ لَا تقبل إِلَّا إِذا لم يعلم أَن أصل ذَلِك الْملك لغيره. وَالثَّانِي شَرط فِي إِعْمَال حِيَازَة الْمُقَوّم عَلَيْهِ إِذْ لَا يعْمل بحيازته إِلَّا إِذا جهل أصل مدخله، أما إِذا علم بِإِسْكَان وَنَحْوه فَإِنَّهَا لَا تَنْقَطِع حجَّة الأول بل هِيَ حِينَئِذٍ كَالْعدمِ، وَانْظُر الْكَلَام على الْقُيُود الْمَذْكُورَة من الْيَد وَالنِّسْبَة وَغَيرهمَا فِي حاشيتنا على اللامية. وَاعْلَم أَيْضا أَن النَّاظِم قدم الْكَلَام أَولا على الْحِيَازَة القاطعة لحجة الْقَائِم ثمَّ فرع عَلَيْهَا مسَائِل: الأولى: أَن يثبت الْقَائِم أصل مدْخل الْحَائِز من إسكان وَنَحْوه. الثَّانِيَة: أَن يَدعِي الحائزان الْقَائِم تبرع عَلَيْهِ بذلك المحوز أَو اشْتِرَاء مِنْهُ. الثَّالِثَة: أَن يثبت الْقَائِم الشِّرَاء من الْحَائِز فيدعي الْحَائِز الْإِقَالَة ثمَّ الْحَائِز إِمَّا أَجْنَبِي من الْقَائِم أَو قريب جدا كَالْأَبِ مَعَ ابْنه وَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ النَّاظِم، وَسَيَأْتِي عَن (خَ) أَن الْحِيَازَة بَينهمَا إِنَّمَا تكون فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة الَّتِي يَنْقَطِع فِيهَا الْعلم أَو تهْلك فِيهَا الْبَينَات وَإِمَّا قريب لَا جدا كالإخوة والأعمام والأصهار والموالي وَهُوَ مَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَالْأَقْرَبُونَ حوزهم مُخْتَلف الخ … وَفِي كل إِمَّا أَن يكون بَين الْقَائِم والمقوم عَلَيْهِ شركَة أم لَا فَأَشَارَ إِلَى الْقسم الأول بقوله: والأَجَنبِيُّ إنْ يَحُزْ أصلا بِحَقْ عَشرَ سنينَ فالتَملُّكَ استَحَقْ (وَالْأَجْنَبِيّ) شريك أَو غَيره (إِن يحز أصلا) كأرض وَدَار وَنَحْوهمَا يتَصَرَّف فِيهِ وينسبه لنَفسِهِ من غير مُنَازع الخ. والقائم حَاضر عَالم بَالغ رشيد لم يمنعهُ من الْقيام مَانع، وَسَوَاء كَانَ تصرفه بالازدراع وَالسُّكْنَى والاستغلال فِي جَمِيع الْعشْر أَو فِي أول جُزْء مِنْهَا، أَو كَانَ يبور الأَرْض سنة ويزرعها أُخْرَى، وَأَحْرَى تصرفه بالهدم وَالْبناء الْغَرْس، وَهَذَا فِي غير الشَّرِيك، وَأما الْأَجْنَبِيّ
стр. 1069
الشَّرِيك فَلَا بُد أَن يكون تصرفه بالهدم وَالْبناء أَو الْغَرْس وإلاَّ لم يعْتَبر. (خَ) كشريك أَجْنَبِي حَاز فِيهَا إِن هدم وَبنى (بِحَق) أَي بِوَجْه شَرْعِي احْتِرَازًا مِمَّا إِذا حازه بِغَصب أَو تعد أَو كَانَ مَعْرُوفا بذلك فَإِن حيازته كَالْعدمِ، وَإِن سكت الْقَائِم بعد زَوَال سلطة الْغَاصِب وقهره فَإِن سُكُوته لَا يضرّهُ إِلَّا أَن يفوتهُ الْغَاصِب بِبيع أَو غَيره بعد زَوَال سلطنته، أَو يَمُوت فَيقسم ورثته المَال بِحَضْرَتِهِ فَلَا شَيْء لَهُ كَمَا فِي الْمعِين والمقصد الْمَحْمُود وَغَيرهمَا، وَيدخل فِي الشَّرْعِيّ مَا إِذا قَالَ: اشْتريت مِنْهُ أَو من أَبِيه أَو وهبه لي على مَا يَأْتِي أَو ورثته أَو اشْتَرَيْته من فلَان وَلَا أَدْرِي بِأَيّ وَجه صَار إِلَى الَّذِي ورثته عَنهُ أَو اشْتَرَيْته مِنْهُ، وَمَا إِذا لم يقل شَيْئا من ذَلِك كُله كَمَا هُوَ ظَاهره إِذْ الْحَائِز لَا يُكَلف بِبَيَان وَجه ملكه وَبِأَيِّ سَبَب صَار لَهُ لِأَنَّهُ يَقُول: ملكته بِأَمْر لَا أُرِيد إِظْهَاره كَمَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن يُونُس، وكما لِابْنِ أبي زمنين وَغَيره خلافًا لما جزم بِهِ ابْن رشد من أَنه لَا بُد من بَيَان سَبَب ملكه من شِرَاء أَو إِرْث قَالَ: وَأما مُجَرّد دَعْوَى الْملك دون أَن يَدعِي شَيْئا من هَذَا فَلَا ينْتَفع بِهِ مَعَ الْحِيَازَة إِذا ثَبت أصل الْملك لغيره اه. وَهُوَ وَإِن اقْتصر عَلَيْهِ (ت) هَهُنَا فَإِنَّهُ خلاف الرَّاجِح الْمَعْمُول بِهِ كَمَا يَأْتِي، اللَّهُمَّ إِن كَانَ مَعْرُوفا بِالْغَصْبِ والاستطالة فَلَا بُد أَن يبين بِأَيّ وَجه صَار إِلَيْهِ وَلَا يَنْفَعهُ قَوْله: اشْتَرَيْته من الْقَائِم أَو غَيره أَو ورثته بل لَا بُد من إثْبَاته ذَلِك فَإِن لم يُثبتهُ فَعَلَيهِ الْكِرَاء فِي جَمِيع الْمدَّة الَّتِي كَانَ بِيَدِهِ بِمَا يَقُوله أهل الْمعرفَة قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة. وَقَالَ أَيْضا: إِن عرف أَن دُخُوله كَانَ بباطل لم يَنْفَعهُ طول الْحِيَازَة وَإِن ادّعى شِرَاءَهُ إِلَّا أَن يطول ذَلِك نَحْو الْخمسين سنة وَنَحْوهَا والقائم حَاضر لَا يُغير وَلَا يَدعِي شَيْئا. تَنْبِيهَانِ. الأول: لما قَالَ ابْن رشد مُجَرّد الْحِيَازَة لَا ينْقل الْملك اتِّفَاقًا وَلَكِن يدل عَلَيْهِ كالعفاص والوكاء فِي اللّقطَة قَالَ ابْن رحال فِي شَرحه عقبه: هُوَ عِنْدِي غير صَحِيح بل ينْقل الْملك وَنقل على ذَلِك أنقالاً ثمَّ قَالَ: وَإِن أَرَادَ ابْن رشد أَن الْملك لَا يقطع بنقله كَمَا قَالَه ابْن عَرَفَة وَغَيره فَلَا خُصُوصِيَّة للحيازة بل كَذَلِك الْإِرْث وَالشَّهَادَة الصَّرِيحَة وَغير ذَلِك اه. بِاخْتِصَار. قلت: وَلَكِن مُرَاد ابْن رشد هُوَ مَا قَالَه ثَانِيًا من أَنه لَا يقطع بنقله بِدَلِيل قَوْله: وَلَكِن يدل عَلَيْهِ كَمَا نبينه إِن شَاءَ الله عِنْد قَوْله: أَو يَدعِي حُصُوله تَبَرعا الخ … وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجه لاعتراض الشَّيْخ الرهوني على ابْن رحال لِأَن ابْن رحال إِنَّمَا أجال الْأَمر وَالنَّظَر بَين أَن يَقُول أَرَادَ لَا يَنْقُلهُ فَلَا يَصح وَبَين أَن يُرِيد لَا يقطع بنقله فَهُوَ صَحِيح وَلَكِن لَا خُصُوصِيَّة لَهَا. الثَّانِي: تقدم أَن الشَّرِيك الْأَجْنَبِيّ لَا يعْتَبر تصرفه إِلَّا بالهدم أَو الْبناء وَالْغَرْس، وَأما الْأَجْنَبِيّ الَّذِي لَيْسَ بِشريك فَهَل الْهدم وَالْبناء وَالْغَرْس حوز فِي حَقه من حِينه وَوَقته وَإِن لم تمض الْعشْر سِنِين وَلَا مَا دونهَا أَو لَا يكون حوزاً إِلَّا بِمُضِيِّ الْعشْر؟ قَولَانِ لِابْنِ الْمَاجشون وَابْن
стр. 1070
الْقَاسِم. وَالْأول هُوَ الَّذِي اعْتَمدهُ شرَّاح الرسَالَة كَابْن عمر وَابْن نَاجِي، وَكَذَا أَبُو مُحَمَّد صَالح عَلَيْهَا قَائِلا هَذَا إِذا لم يحدث فِي الْعشْر سِنِين بِنَاء وَلَا غرساً أَو هدماً، وَإِن أحدث فِيهَا شَيْئا من ذَلِك فَإِن ذَلِك يسْقط كَلَام الْمُدَّعِي بِنَفس الْفِعْل يَعْنِي إِن لم يُنكر بِمُجَرَّد علمه الخ … وَنَحْوه فِي ابْن يُونُس قَالَ ابْن رحال: وَكَونه حوزاً من حِينه وَوَقته هُوَ الَّذِي يظْهر لَا غير اه. قلت: بل هُوَ الَّذِي يجب اعْتِمَاده لِكَثْرَة المشاحة وَعدم الْمُسَامحَة فِي الْبناء وَالْغَرْس فِي هَذَا الزَّمَان، وَإِن كَانَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم أَنه لَا بُد من الْعشْر وَهَذَا إِذا هدم صَحِيحا لَهُ قدر وبال ليتوسع فِيهِ أَو يَبْنِي غَيره مَكَانَهُ أَو ليزيده مسكنا آخر لَا أَن هَدمه لخوف سُقُوط أَو لأجل إصْلَاح حق فَإِن ذَلِك لَا يسْقط حق الْقَائِم وَلَو مَضَت الْعشْر أَو أَكثر لِأَن رب الدَّار يَأْمر الْمُكْتَرِي بِأَن يصلح من كرائها. (عشر سِنِين) ظرف لقَوْله إِن يحز، وَظَاهره أَنه لَا بُد مِنْهَا وَلَا يَكْفِي مَا دونهَا من ثَمَان أَو تسع وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ، ابْن عَرَفَة عَن ابْن الْقَاسِم: وَمَا قَارب الْعشْر هُوَ مثلهَا. ابْن رشد: يُرِيد بِمَا قَارب الشَّهْر والشهرين وَمَا هُوَ ثلث الْعَام فَأَقل اه. (فالتملك) مُبْتَدأ (اسْتحق) خَبره وضميره للحائز عشر سِنِين وَالْجُمْلَة خَبرا لأَجْنَبِيّ. وانْقَطَعَتْ حِجّةُ مدَّعيهِ مَع الحضورِ عَن خِصامٍ فيهِ (وانقطعت حجَّة مدعيه) الَّذِي أثبت أَنه كَانَ يملكهُ قبل هَذَا عشرَة أشهر فَأكْثر وَلَو مائَة سنة فَلَا تقبل دَعْوَاهُ وَلَا بَينته وَإِن سلمت من الطعْن (مَعَ الْحُضُور) ظرف ليحز أَيْضا أَي مَعَ حُضُور الْقَائِم فِي جَمِيع الْعشْر فَإِن حضر خمْسا أَو ثمانياً وَغَابَ الْبَاقِي فَهُوَ على حَقه كَمَا يفِيدهُ كَلَام ابْن مَرْزُوق وَغَيره، فَإِن تكَرر قدومه وسفره فَلَا حق لَهُ انْظُر ابْن سَلمُون. فَقَوله: مَعَ الْحُضُور أَو وَمَعَ علمه بِأَنَّهُ ملكه وَبِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِيهِ وينسبه لنَفسِهِ ملكا كَمَا فِي القلشاني وَأبي الْحسن، وَاسْتغْنى النَّاظِم بالحضور عَن الْعلم بِمَا ذكر لِأَنَّهُ إِذا لم يعلم بذلك فَكَأَنَّهُ غير حَاضر (عَن خصام) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال أَي حَال كَونه ساكتاً عَن خصام (فِيهِ) وَلَا مَانع يمنعهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ هُنَاكَ مَانع فَهُوَ غير سَاكِت حكما إِذْ لَا يشْتَرط الشَّيْء إِلَّا مَعَ إِمْكَان وجوده فَقَوله: إِن يحز الخ. حذف مُتَعَلّقه أَي إِن يحز بِتَصَرُّف مَعَ نسبته إِلَيْهِ كَمَا قَررنَا، وكما فسر بِهِ ربيعَة قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام (من حَاز شَيْئا عشر سِنِين فَهُوَ لَهُ) قَالَ ربيعَة: معنى ذَلِك إِذا كَانَ الْحَائِز
стр. 1071
ينْسب ذَلِك لنَفسِهِ بِحَضْرَة الْمُدَّعِي أَي وَلَو مرّة وَاحِدَة فَصَارَ تَقْدِير كَلَام النَّاظِم هَكَذَا: وَالْأَجْنَبِيّ إِن يحز أصلا بتصرفه فِيهِ ونسبته إِلَيْهِ مَعَ حُضُور الْقَائِم وَعلمه بِأَنَّهُ ملكه وَبِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِيهِ حَال كَونه ساكتاً عَن خصام فِيهِ وَلَا مَانع يمنعهُ عشر سِنِين فالتملك اسْتحق الخ. وَقَوله أصلا احْتَرز بِهِ من غير الأَصْل فَإِنَّهُ سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي قَوْله: وَفِي سوى الأَصْل حوز النَّاس الخ. وَقَوله: بِحَق احْتَرز بِهِ من الْحَوْز بِغَصب أَو تعد كَمَا مرّ. وَقَوله: مَعَ الْحُضُور احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا كَانَ غَائِبا على أَرْبَعَة أَيَّام فَمَا فَوْقهَا الخ. كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وقائم ذُو غيبَة بعيدَة الخ. فَإِنَّهُ لَا يسْقط حَقه وَلَو كَانَ عَالما بالحيازة وَيصدق فِي دَعْوَاهُ أَنه كَانَ عَاجِزا عَن الْقدوم وَالتَّوْكِيل وَإِن لم يعرف إِلَّا من قَوْله على الْمَذْهَب، وَتقدم فِي الشُّفْعَة أَن الْمَرْأَة وَالرجل الضَّعِيف فِي معنى الْغَائِب، وَكَذَا السَّفِيه وَغير الْعَالم بِأَنَّهُ ملكه أَو بِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِيهِ فَإِن الْحِيَازَة لَا تعْمل عَلَيْهَا إِلَّا بعد أَن يرشد السَّفِيه أَو يعلم غَيره وتحاز عَلَيْهِمَا الْأَمْلَاك عشرَة أَعْوَام من يَوْم الرشد وَالْعلم وهما ساكتان بِلَا مَانع، وَأما الْغَيْبَة الْقَرِيبَة كاليومين فَهُوَ كالحاضر. ابْن رشد: وَهُوَ مَحْمُول على عدم الْعلم بالحيازة حَيْثُ يثبت علمه وَكَذَلِكَ الْحَاضِر فِي الْبَلَد فَإِنَّهُ مَحْمُول على عدم الْعلم أَيْضا قَالَ (ح) عَن ابْن نَاجِي وَنَحْوه تقدم فِي الشُّفْعَة. وَقَوله: عَن خصام فِيهِ احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا خَاصم فَإِن حَقه لَا يسْقط كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَالْمُدَّعِي إِن أثبت النزاع مَعَ الخ. وَظَاهره كظاهر (خَ) وَلَو مرّة فِي أَي وَقت من الْعشْر سِنِين وَهُوَ ظَاهر الوثائق الْمَجْمُوعَة والفشتالي وَغَيرهمَا حَيْثُ قَالُوا: لَا يعلمونه نازعه فِي ذَلِك طول الْمدَّة الْمَذْكُورَة وَهُوَ الَّذِي يجب اعْتِمَاده لِأَن مَاهِيَّة النزاع تحصل بالمرة الْوَاحِدَة وَبهَا يخْتل السُّكُوت الْمُشْتَرط فِي قطع حجَّة الْقَائِم وبوجود الْمُنَازعَة مرّة تنخرم مَاهِيَّة الْحِيَازَة خلافًا لما فِي القلشاني وَابْن سَلمُون عَن سَحْنُون من أَنه لَا تَنْفَعهُ فِي الْمُنَازعَة مرّة أَو مرَّتَيْنِ، بل حَتَّى يتَكَرَّر ذَلِك مِنْهُ مرَارًا فَإِنَّهُ لَا يعول عَلَيْهِ كَمَا لِابْنِ رحال فِي شَرحه وحاشيته، وَاعْتِرَاض الشَّيْخ الرهوني عَلَيْهِ بِمَا لسَحْنُون خلاف مَا أطبق عَلَيْهِ أهل التوثيق إِذْ لَو كَانَ يشْتَرط التّكْرَار لقالوا: لَا يعلمُونَ تكْرَار نزاع فِيهِ، ولقال النَّاظِم: وَغَيره سَاكِت عَن تكَرر خصام فِيهِ، وَهَكَذَا مَعَ أَنهم لم يقولوه فَدلَّ ذَلِك على عدم اشْتِرَاطه، نعم إِذا سكت عشر سِنِين بعد الْمُنَازعَة فَإِنَّهُ يسْقط حَقه وَظَاهر كَلَامهم أَيْضا أَن مُجَرّد النزاع كَاف وَلَو لم يكن عِنْد القَاضِي وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لما فِي ابْن عمر من أَن الْمُنَازعَة إِذا لم تكن عِنْد القَاضِي لم ينْتَفع بهَا فَإِنَّهُ لَا يعول عَلَيْهِ أَيْضا، وَإِن زعم الشَّيْخ الرهوني أَيْضا أَنه الرَّاجِح إِذْ لَا دَلِيل لَهُ على رجحانه. وَظَاهر كَلَام الرسَالَة وَغَيرهَا خِلَافه، وَعَلِيهِ اقْتصر الزّرْقَانِيّ وَغَيره وَمن تتبع كَلَامهم وجدهم أطْلقُوا وَلم يقيدوا بِكَوْنِهَا عِنْد القَاضِي أَو عِنْد غَيره وإطلاقهم حجَّة، وَاحْترز بِهِ أَيْضا مِمَّا إِذا كَانَ هُنَاكَ مَانع مَنعه من الْخِصَام كصغر أَو سفه
стр. 1072
وللحائز عَلَيْهِ دين أَو كَون الْحَائِز ذَا سطوة أَو استناد لذِي سطوة كَمَا مرَّ أَو كَانَت الْحِيَازَة فِي مَحل لَا تناله الْأَحْكَام أَو كَانَ المحوز عَلَيْهِ امْرَأَة ذَات زوج غيور عَلَيْهَا شَدِيد الضَّبْط لَهَا مَانع لَهَا من الْخُرُوج كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، فَإِنَّهُ مَعَ وجود وَاحِد من هَذِه الْأُمُور غير سَاكِت وَلَا يسْقط حَقه إِلَّا أَن يُقيم الْحَائِز بَيِّنَة بِالسَّمَاعِ أَنه اشْتَرَاهَا من الْقَائِم أَو أَبِيه وَقد حازها عشر سِنِين، فَإِنَّهُ يسْقط حق الْقَائِم وَلَو مَعَ الْعذر الْمَذْكُور كَمَا مر فِي شَهَادَات السماع، وَأما إِن قَالَ: جهلت أَن الْحِيَازَة تِلْكَ الْمدَّة تقطع الْبَيِّنَة فَإِنَّهُ لَا يعْذر بذلك لِأَن الْعرف يكذبهُ كَمَا قَالَه الْجُزُولِيّ والعبدوسي فَإِن قَالَ: إِنَّمَا تركت الْقيام لاشتغالي بِالْخدمَةِ غدواً ورواحاً فَقَالَ ابْن زرب: إِذا ثَبت أَنه كَانَ يشْهد الشُّهُود أَنه غير تَارِك لحقه فَلهُ الْقيام قَالَه فِي نَوَازِل الضَّرَر من المعيار، وَظَاهره وَلَو كَانَ يشهدهم بِغَيْر حَضْرَة الْحَائِز وَأَنه لَا يحْتَاج إِلَى إِثْبَات التقية من سطوة الْحَائِز وَنَحْو ذَلِك وَفِيه دَلِيل لما تقدم من أَن الْمُنَازعَة عِنْد غير القَاضِي كَافِيَة لِأَن هَذَا انْتفع بإشهاد الشُّهُود على عدم تَركه لحقه فَكيف لَا ينْتَفع بالمنازعة عِنْد غير القَاضِي من جمَاعَة الْمُسلمين أَو محتسب أَو قَائِد إِذْ لَا أقل أَن يكون هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة الشُّهُود الَّذين يشهدهم على عدم ترك حَقه، وَأما إِن قَالَ: كنت عَالما بِأَنَّهُ ملكي وبتصرف الْحَائِز وَلَكِن سكت لغيبة شهودي أَو لعدم وجود رسمي، والآن وجدت ذَلِك فَأَرَدْت الْقيام فَالَّذِي نَقله العلمي عَن الوانشريسي فِي شَرحه لِابْنِ الْحَاجِب أَن الصَّوَاب قبُول عذره. قَالَ: وَبِه الحكم وَالْقَضَاء اه. وَكَذَا قَالَ ابْن رحال فِي شَرحه الْحق أَنه يقبل قَوْله مَعَ يَمِينه قَالَ: وتصويب ابْن نَاجِي عدم الْقبُول غير ظَاهر اه. وَسَيَأْتِي أول الِاسْتِحْقَاق أَن الْإِنْسَان إِذا اشْترى شَيْئا وَهُوَ يرى أَنه لَا بَيِّنَة لَهُ ثمَّ وجدهَا أَن لَهُ الْقيام وَيَأْخُذ الثّمن من البَائِع، وَقد أَطَالَ الشَّيْخ الرهوني فِي الِانْتِصَار لقبُول عذره فِي بَاب الْفلس عِنْد قَول (خَ) : وَإِن ظهر دين الخ. وَكَلَام الوانشريسي الَّذِي صرح فِيهِ بِأَنَّهُ بِهِ الحكم كَاف فِي ذَلِك وَإِن كَانَ هُوَ أَعنِي الوانشريسي بحث فِي الكراس الثَّالِث من معاوضات معياره مَعَ ابْن الْحَاج الَّذِي جعل غيبَة الرَّسْم عذرا قَائِلا: إِنَّمَا يكون عذرا إِذا لم يعلم بِأَنَّهُ ملكه حَتَّى وجد الرَّسْم وإلاَّ فَلَا يكون عذرا اه. بِاخْتِصَار، وَلَكِن الْمعول عَلَيْهِ أَنه عذر كَمَا ترى وَبِه يبطل قَول (ت) هَهُنَا. لَيْسَ من الْمَانِع جهل الحكم وَلَا مغيب شَاهد أَو رسم وَلَا جَهَالَة بدين فِي الْأَصَح الخ. بل مغيب الشَّاهِد والرسم كِلَاهُمَا عذر كَمَا ترى وَكَذَا الْجَهَالَة بهما يَعْنِي هَل لَهُ رسم على ذَلِك أم لَا؟ وَهل يجد من يشْهد لَهُ أَنه ملكه أم لَا؟ وَالْعجب مِنْهُ كَيفَ اقْتصر عِنْد قَوْله: وَإِن يكن مُدعيًا إِقَالَة الخ. على كَلَام ابْن الْحَاج وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح مَعَ أَن ابْن الْحَاج يَقُول: إِن غيبَة الشَّاهِد والرسم عذر. وَقَوله: لَيْسَ من الْمَانِع جهل الحكم الخ. يَعْنِي: جهل كَون الْحِيَازَة قَاطِعَة لحجته كَمَا تقدم عَن الْجُزُولِيّ وَغَيره. وَأما جهل كَونه ملكا لَهُ فَإِنَّهُ عذر بعد يَمِينه على الْمَشْهُور كَمَا مرَّ، وَانْظُر مَا قَدمته آخر بيع الْفُضُولِيّ وَلَا بُد. وَاعْلَم أَن مُدَّة الْحِيَازَة تلفق بَين الْوَارِث والموروث، فَإِذا تصرف الْمَوْرُوث خمْسا بالقيود الْمَذْكُورَة وَمَات ثمَّ تصرف وَارثه خمْسا أَيْضا فَإِن ذَلِك قَاطع لحجة الْقَائِم كَمَا لِابْنِ رشد وَغَيره وَمَا فِي المعيار من أَنَّهَا لَا تلفق لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وكما تلفق الْحِيَازَة من وَارِث وموروث كَذَلِك يلفق السُّكُوت من وَارِث وموروث أَيْضا كَمَا فِي الدّرّ النثير عَن أبي الْحسن قَائِلا: إِن الْحِيَازَة الَّتِي تشهد بِنَقْل الْملك لمن ادَّعَاهُ كَمَا يحكم بهَا على سَاكِت وَاحِد كَذَلِك يحكم بهَا ملفقة من سكُوت
стр. 1073
وَارِث وموروث اه. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى الْمَسْأَلَة الأولى من الْمسَائِل الَّتِي فرعها على الْحِيَازَة القاطعة فَقَالَ مستثنياً من قَوْله: فالتملك اسْتحق. وانقطعت حجَّة مدعيه الخ … إلاّ إِذا أَثْبَتَ حَوْزاً بالكِرَا أَو مَا يُضاهِيهِ فلنْ يُعْتَبَرَا (إِلَّا إِذا أثبت) الْقَائِم (حوزاً بالكرا) أَي أثبت بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار أَن ابْتِدَاء حوز الْحَائِز إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب الْكِرَاء مِنْهُ أَو من أَبِيه (أَو مَا يضاهيه) أَي الْكِرَاء كالإسكان مجَّانا وَالْمُسَاقَاة والعمرى وَالْعَارِية وَالْغَصْب وَنَحْو ذَلِك (ف) بإن حوز الْحَائِز عشر سِنِين فَأكْثر بالقيود الْمُتَقَدّمَة (لن يعتبرا) لِأَنَّهُ قد علم حِينَئِذٍ أَن أصل مدخله الْكِرَاء وَنَحْوه فَلَا تَنْفَعهُ حيازته، وَهُوَ معنى قَوْلهم: إِذا أثبت أصل الْمدْخل بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار فَلَا حِيَازَة، وَتارَة يَقُولُونَ: إِنَّمَا تَنْفَع الْحِيَازَة إِذا جهل أصل الْمدْخل هَل بكرَاء وَنَحْوه أَو بشرَاء وَنَحْوه، أما إِذا علم فَإِن كَانَ بكرَاء وَنَحْوه لم ينْتَفع بِهِ حَتَّى يَأْتِي بِأَمْر مُحَقّق من شِرَاء أَو هبة أَو صَدَقَة من الْقَائِم أَو أَبِيه، وَظَاهره أَنه لَا تَنْفَعهُ الْحِيَازَة مَعَ علم أصل الْمدْخل وَلَو طَالَتْ كالخمسين سنة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل صرح ابْن فَرِحُونَ وَصَاحب الوثائق الْمَجْمُوعَة بِأَنَّهَا إِن طَالَتْ الْخمسين سنة وَنَحْوهَا والقائم حَاضر لَا يُغير وَلَا يَدعِي شَيْئا فَإِنَّهَا تَنْفَعهُ وَإِن لم يثبت ابتياعاً وَلَا صَدَقَة وَنَحْوه لِابْنِ رشد كَمَا فِي حَاشِيَة الشَّيْخ بناني. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الْمسَائِل المفرعة عاطفاً على الِاسْتِثْنَاء فَقَالَ: أَو يَدَّعِي حُصولَهُ تَبرُّعا مِنْ قَائِمٍ فَلْيُثْبِتنَّ مَا ادَّعَا (أَو يَدعِي) الْحَائِز عشر سِنِين فَأكْثر (حُصُوله) أَي الشَّيْء المحوز بِيَدِهِ (تَبَرعا) بِهِبَة أَو صَدَقَة. (من قَائِم) أَو موروثه (فليثبتن) الْحَائِز (مَا ادعا) هـ من التَّبَرُّع وَيتم ملكه. أَوْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ وَاليَمِينُ لَهْ إِن ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُعْملَهْ (أَو يحلف الْقَائِم) إِن لم يثبت ذَلِك وَيَأْخُذ شَيْئه بِخِلَاف مَا لَو ادّعى الْحَائِز الشِّرَاء من الْقَائِم أَو موروثه فَإِنَّهُ لَا يُكَلف إثْبَاته وَيصدق فِي أَنه اشْتَرَاهُ مَعَ يَمِينه كَمَا قَالَ: (وَالْيَمِين لَهُ) أَي للقائم على الْحَائِز (إِن ادّعى) الْحَائِز (الشِّرَاء مِنْهُ) أَي من الْقَائِم (معمله) هَذَا وَكَأن النَّاظِم يَقُول الْحَائِز عشر سِنِين إِن أقرّ بِمَا لَا ينْقل الْملك كالإسكان وَنَحْوه لم ينْتَفع بحيازته، وَإِن أقرّ بِمَا يَنْقُلهُ كَالْهِبَةِ وَالشِّرَاء فَفِيهِ تَفْصِيل فينتفع بالحيازة وَالشِّرَاء دون الْهِبَة، وَلَكِن مَا ذكره من التَّفْرِقَة وَالتَّفْصِيل
стр. 1074
بَين الْهِبَة وَالشِّرَاء خلاف الْمُعْتَمد كَمَا مرَّ عَن ابْن رشد وَنَحْوه لِابْنِ يُونُس قَائِلا: الصَّوَاب لَا فرق بَين البيع وَالْهِبَة وَنَحْوه فِي التَّوْضِيح، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون الْحِيَازَة عشر سِنِين كقيام الْبَيِّنَة على انْتِقَال الْملك إِلَى الْحَائِز بشرَاء وَنَحْوه سَوَاء كَانَ الْحَائِز هُوَ البَائِع أَو غَيره كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم وَغَيره، وَلِهَذَا كَانَ لَا يُكَلف الْحَائِز بِبَيَان وَجه ملكه للشَّيْء المحوز على الرَّاجِح الْمَعْمُول بِهِ كَمَا مرَّ، لَكِن إِن وَقع وَنزل وَبَين وَجهه فَإِن بَينه بِمَا لَا ينْقل الْملك أَو قَامَت بَيِّنَة بِهِ فَهُوَ قَوْله: إِلَّا إِذا أثبت حوزاً بالكراء وَإِن بَينه بِمَا يَنْقُلهُ من صَدَقَة أَو شِرَاء وَنَحْوهمَا فَقَوله مَقْبُول بِيَمِينِهِ كَمَا لِابْنِ رشد وَغَيره، وَسَوَاء قَالَ: اشْتَرَيْته مِنْك أَو من وكيلك وَلَا يُكَلف بِإِثْبَات الْوكَالَة خلافًا لما فِي ابْن سَلمُون وأقضية المعيار، لِأَن الْحِيَازَة دَلِيل على نقل الْملك إِلَيْهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيّ كَمَا مر، وَعَلِيهِ فَكَانَ حق النَّاظِم أَن يحذف قَوْله: أَو يَدعِي حُصُوله تَبَرعا. الْبَيْتَيْنِ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتمشى على قَول من يَقُول إِنَّه يُكَلف بِبَيَان وَجه ملكه، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه تبرع بِالْبَيَانِ من غير تكلّف كَمَا قَررنَا. تَنْبِيه: مَا تقدم من أَنه لَا يُكَلف بِبَيَان وَجه ملكه هُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ ابْن سَلمُون وَغَيره فِي وَثِيقَة الاعتمار وَنَحْوه فِي نَوَازِل العلمي قَائِلا: لَا يسْأَل الْحَائِز عَن شَيْء وَارِثا كَانَ أَو غَيره. قَالَ ابْن رحال فِي شَرحه: وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَل. قلت: وَلَا زَالَ الْعَمَل عَلَيْهِ إِلَى الْآن، وَعَلِيهِ فَلَا يلْتَفت إِلَى مَا قَالَه الشَّيْخ الرهوني من أَن الرَّاجِح هُوَ تَكْلِيفه بِبَيَان وَجه ملكه إِذْ هُوَ مُخَالف للمعمول بِهِ، وَقَول ابْن رشد مُجَرّد الْحِيَازَة لَا ينْقل الْملك الخ. يَعْنِي فِي نفس الْأَمر وَفِيمَا بَينه وَبَين الله بِدَلِيل قَوْله مُتَّصِلا بِهِ، وَلَكِن يدل على الْملك كإرخاء السّتْر وَمَعْرِفَة العفاص والوكاء فِي اللّقطَة، وَقَول ابْن رحال فِي شَرحه وحاشيته هَهُنَا: بل ينْقل الْملك للحائز عِنْد وجود الشُّرُوط الخ. يَعْنِي يقْضى لَهُ بذلك فِي الظَّاهِر، وَهُوَ معنى قَول ابْن رشد وَلَكِن يدل على الْملك الخ. وَإِذا كَانَت تدل على نقل الْملك وتوجب الْقَضَاء بِهِ فِي الظَّاهِر فَلَا وَجه لتكليفه بِبَيَان وَجه ملكه، وَإِنَّمَا يحسن تَكْلِيفه بِالْبَيَانِ على القَوْل الَّذِي يفصل بَين الْهِبَة وَالشِّرَاء لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِذا ادّعى الْهِبَة يُكَلف بإثباتها، وَقد علمت أَنه خلاف الْمُعْتَمد، وَبعد كتبي هَذَا وقفت على أَن أَبَا الْحسن قَالَ بعد ذكره الْخلاف فِي تَكْلِيفه بِالْبَيَانِ مَا نَصه: وَلَعَلَّ الْقَائِل بالتفصيل بَين البيع وَالْهِبَة هُوَ الَّذِي يَقُول يكْشف عَن وَجه ملكه، وَأما الْقَائِل بِأَن البيع وَالْهِبَة سَوَاء فَلَا فَائِدَة فِي كشفه اه. وَقَالَ ابْن رحال أَيْضا: ظَاهر قَول (خَ) : لم تسمع وَلَا بَيِّنَة الخ. ادّعى الْحَائِز أَن الْحَوْز حصل لَهُ من الْقَائِم بِبيع أَو هبة أَو لم يدع ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك كَمَا رَأَيْته من تصويب ابْن يُونُس اه. وَهَذَا كُله إِذا ادّعى الْحَائِز أَنه ملكه، وَأما إِن ادّعى أَنه حوزه فَقَط فَلَا إِشْكَال أَنه لَا يَنْفَعهُ ذَلِك. وَيثبِتُ الدَّفْعَ وَإلاّ الطالِبُ لَهُ اليَمينُ وَالتقضِّي لَازِبُ
стр. 1075
(و) إِذا قبل قَول الْحَائِز فِي الشِّرَاء بِيَمِينِهِ فَلَا بُد أَن (يثبت الدّفع) للثّمن فَيبرأ مِنْهُ (وَإِلَّا) يُثبتهُ ف (الطَّالِب لَهُ) أَي عَلَيْهِ (الْيَمين) مَا قَبضه وَلَا شَيْئا مِنْهُ (والتقضي) أَي قَضَاء الثّمن وَدفعه للطَّالِب (لازب) أَي لَازم للحائز وَيدْفَع من الثّمن مَا أشبه أَن يكون ثمنا وإلاَّ فَالْقيمَة وَلَا يسْقط عَنهُ إِلَّا أَن يطول إِلَى الأمد الَّذِي لَا يُتَابع النَّاس إِلَى مثله قَالَه المشاور، وَفِيه دَلِيل على أَن الشَّهَادَة بِالشِّرَاءِ دون تَسْمِيَة قدر الثّمن صَحِيحَة تَامَّة كَمَا مر عِنْد قَوْله: وَمن لطَالب بِحَق شَهدا الخ. وَبَيَانه أَن الْبَيِّنَة هُنَاكَ شهِدت بِأَصْل الشِّرَاء لَا بِالثّمن والحيازة هُنَا دلّت على الشِّرَاء لَا على قدر الثّمن، فَكَمَا قَالُوا هُنَا يَصح البيع وَيدْفَع مَا أشبه من الثّمن أَو الْقيمَة، فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يُقَال هُنَاكَ كَمَا مر. ثمَّ لَا يُقَال كَيفَ يُمكن الْقَائِم من الثّمن وَهُوَ لَا يَدعِيهِ، لأَنا نقُول إِنَّمَا يُمكن إِذا رَجَعَ إِلَى تَصْدِيق المُشْتَرِي الْمُدَّعِي للحيازة كَمَا فِي (ح) عَن ابْن رشد. قلت: وَأَيْضًا فَإِن الْمُتَبَايعين إِذا اخْتلفَا فِي عقد البيع وأثبته المُشْتَرِي أَو حلف وَنكل البَائِع فَإِنَّهُ يَأْخُذ الثّمن وَإِن كَانَ لَا يَدعِيهِ. تَنْبِيه: مَا ذكره النَّاظِم من أَنه يثبت الدّفع للثّمن إِنَّمَا يتمشى على قَول ابْن الْقَاسِم الْقَائِل: يصدق البَائِع فِي عدم قَبضه إِلَى عشْرين سنة لَا على قَول غَيره الَّذِي تقدم صدر الْبيُوع أَنه الْمُعْتَمد وَعرف النَّاس الْيَوْم عَلَيْهِ لِأَن مُضِيّ الْعَام والعامين يدل على دَفعه فَكيف يمْضِي الْعشْر مَا لم يكْتب الثّمن فِي كتاب، وإِلاَّ فَيجْرِي على حِيَازَة الدّين الْمُتَقَدّمَة هُنَاكَ أَيْضا كَمَا لأبي الْحسن وَغَيره. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة المفرعة على قطع حجَّة الْقَائِم فَقَالَ: وَإنْ يَكُنْ مُدَّعياً إقَالَهْ فَمَعْ يَمِينِهِ لَهُ المَقْالَهْ (وَإِن يكن) الْحَائِز (مُدعيًا إِقَالَة) من الْقَائِم الَّذِي أثبت الشِّرَاء من الْحَائِز (فَمَعَ يَمِينه) أَي الْحَائِز (لَهُ الْمقَالة) فَهُوَ كَقَوْل ابْن سَلمُون عَن ابْن الْحَاج: لَو قَالَ الْحَائِز أقلتني فِيهَا بعد أَن بعتها مِنْك لَكَانَ القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه وَتبقى الْأَمْلَاك بِيَدِهِ اه. وَقَالَ قبل ذَلِك: وَلَو قَالَ الْقَائِم إِنِّي اشْتَرَيْتهَا ثمَّ أعرتك إِيَّاهَا أَو أكريتها مِنْك وَلذَلِك لم أقِم بهَا عَلَيْك لَكَانَ أبين فِي أَن يحلف إِذا استظهر بوثيقة الشِّرَاء ويأخذها اه. فَظَاهره أَنه يَأْخُذهَا وَإِن لم يدع غيبَة الْوَثِيقَة وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي قَرِيبا فَيجب حمله على مَا إِذا ادّعى مَعَ ذَلِك غيبتها، وَقد علمت أَن الْإِقَالَة بيع فَهَذَا حِينَئِذٍ دَاخل فِي الْبَيْت الَّذِي قبله يَلِيهِ فَلَو حذفه مَا ضره، ثمَّ لَا مَفْهُوم لقَوْله مُدعيًا إِقَالَة بل كَذَلِك إِذا لم يدع شِرَاء وَلَا غَيره، وَإِنَّمَا قَالَ: هُوَ حوزي وملكي أَو ورثته من أبي وَهَذِه مُدَّة الْحِيَازَة على عَيْنك وَأَنت حَاضر عَالم الخ. كَمَا مر قَرِيبا من أَنه لَا يُكَلف بِبَيَان وَجه ملكه، وكما يَأْتِي أَيْضا وَيحمل الْأَمر على أَنَّهَا رجعت للحائز بِهِبَة أَو شِرَاء أَو إِقَالَة كَمَا صرح بذلك ابْن جزي
стр. 1076
فِي تكملته، وَنَقله ابْن رحال وشارح نظم الْعَمَل عِنْد قَوْله: لَا يُوجب الْملك عُقُود الأشرية الخ. قَالَ: وَيُوَافِقهُ كَلَام ابْن الْحَاج لِأَنَّهُ إِنَّمَا جعل الْقيام للْمُشْتَرِي على البَائِع بعد مُدَّة الْحِيَازَة وَهُوَ بيد البَائِع إِذا قَالَ: إِنَّمَا سكت لكوني لم أجد وَثِيقَة الشِّرَاء أما لَو لم يعْتَذر بذلك لم يقْض لَهُ بِأخذ الْأَمْلَاك من يَد البَائِع اه. وَمَا نقل عَن العبدوسي مِمَّا يُخَالِفهُ لَا يعول عَلَيْهِ لِأَن ظَاهره وَلَو ادّعى البَائِع إِقَالَة أَو شِرَاء أَو نَحْوهمَا فَإِن المُشْتَرِي يَأْخُذهُ من يَده وَهُوَ مُخَالف لما للناظم وَغَيره الَّذِي تلقى غير وَاحِد بِالْقبُولِ وسلموا لَهُ هَذَا الْفَرْع، وَمَا للعبدوسي لَعَلَّه مَبْنِيّ على مَا يَأْتِي عَن ابْن رشد فِي حِيَازَة الْأَقَارِب، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ بل لَو لم يدع شَيْئا لم يضرّهُ كَمَا مرَّ وَفِي دعاوى المعيار عَن ابْن لب قَالَ فِي أثْنَاء جَوَاب لَهُ مَا نَصه: وَلِأَن الْعَادة تقضي أَن المُشْتَرِي لَا يدْفع الثّمن وَيبقى الشَّيْء الْمُشْتَرى بيد البَائِع السنتين وَالثَّلَاث، إِذْ من الْمَعْلُوم فِي ذَلِك الِاسْتِهْلَاك والتغيير وَذَهَاب الْغلَّة اه. وَإِذا كَانَ هَذَا فِي السنتين وَالثَّلَاث فَكيف بِمن بَقِي بِيَدِهِ مُدَّة الْحِيَازَة؟ وَقَالَ ابْن يُونُس مستدلاً على أَن الْحِيَازَة تنقل الْملك مَا نَصه: وَلما كَانَ الْإِنْسَان فِي أغلب الْأَحْوَال لَا يحاز عَنهُ شَيْئه وَيرى الْحَائِز يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْمَالِك دلّ ذَلِك على أَنه خرج عَن ملكه فَإِذا قَامَ يُطَالِبهُ وَيُقِيم الْبَيِّنَة أَن ذَلِك لَهُ صَار مُدعيًا لغير الْعرف فَلم يقبل قَوْله اه. فَلم يفرق بَين كَون الْحَائِز هُوَ البَائِع أَو غَيره وَلَا بَين كَونه ادّعى بيعا وَنَحْوه أَو لم يدع شَيْئا والأنقال فِي مثل هَذَا كَثِيرَة. تَنْبِيه: علم مِمَّا مر أَن قَوْلهم عُقُود الأشرية لَا تفِيد الْملك وَلَا ينتزع بهَا من يَد حائز مَحَله إِذا لم يكن الْحَائِز هُوَ البَائِع وَإِلَّا فينتزع بهَا من يَده إِذا لم تطل مُدَّة الْحِيَازَة الْعشْر سنتَيْن فَأكْثر، وإلاَّ فَلَا ينتزع بهَا من يَد البَائِع كَمَا مر فشدّ يدك عَلَيْهِ لِأَن الْمُوَافق للنَّقْل فِي النّظم وَغَيره، وَلَا تلْتَفت إِلَى مَا سواهُ وَلَا يتَّجه اعْتِرَاض الوانشريسي على ابْن الْحَاج لِأَن ابْن الْحَاج إِنَّمَا جعل لَهُ الْقيام مَعَ الِاعْتِذَار بِعَدَمِ وجود الْوَثِيقَة، فَجعل عدم وجودهَا من مَوَانِع الْقيام كالصغر والسفه كَمَا تقدم وَالله أعلم. وَإِنَّمَا قُلْنَا لِأَنَّهُ الْمُوَافق للنَّقْل لما مرّ لِأَن صَاحب المعيار بِنَفسِهِ قَالَ فِي أثْنَاء جَوَابه مَا نَصه: وَأما مُجَرّد الْحِيَازَة من غير تعرض لضميمه دَعْوَى الْملك فِي المحوز بِوَجْه من وُجُوه النَّقْل من شِرَاء أَو هبة أَو صَدَقَة فَلَا تنقل الْملك عَن المحوز عَنهُ إِلَى الْحَائِز اه. وَهُوَ تَابع فِي ذَلِك لِابْنِ رشد الْقَائِل: إِن الْحَائِز يُكَلف بِبَيَان وَجه ملكه كَمَا يَأْتِي، وَتقدم أَن الْعَمَل على خِلَافه وَأَنه إِنَّمَا يحسن الْبَيَان إِذا كَانَ هُنَا فرق بَين الْهِبَة وَغَيرهَا وَلم يفرق ابْن رشد وَلَا غَيره فِي دَعْوَى الْإِقَالَة وَالشِّرَاء بَين كَونهمَا من بَائِع أَو غَيره، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالبائع إِذا ادّعى الشِّرَاء أَو الْإِقَالَة فَقَوله
стр. 1077
مَقْبُول كَمَا ترى فِي النّظم وَغَيره، بل وَكَذَا إِن ادّعى الْهِبَة كَمَا ترى أَيْضا فِي كَلَام ابْن رشد وَغَيره، وَإِنَّمَا يبْقى الْكَلَام إِذا لم يدع الْجَائِز وَلَو بَائِعا شَيْئا، وَتقدم أَن الْعَمَل على عدم كشفه وَالله أعلم. وَالْعجب مِنْهُم كَيفَ جعلُوا كَلَام ابْن الْحَاج مُفِيدا لكَون عُقُود الأشرية تفِيد الْملك وصاروا يَتَكَلَّمُونَ مَعَه من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَمنهمْ من يَقُول: إِن كَلَامه صَحِيح لِأَنَّهَا تفِيد الْملك إِذا كَانَ البَائِع هُوَ الْحَائِز لَا غَيره، وَمِنْهُم من يَقُول كالوانشريسي: أَنَّهَا تفِيد الْملك مَعَ أَن ابْن الْحَاج إِنَّمَا جعل الْقيام للْمُشْتَرِي على البَائِع الْحَائِز بِسَبَب دَعْوَاهُ عدم وجود الْوَثِيقَة كَمَا مر، وَأَيْضًا فَإِن مَا فِي النّظم من دَعْوَى الْإِقَالَة هُوَ لِابْنِ الْحَاج أَيْضا، فَلَو كَانَت عُقُود الأشرية عِنْده تفِيد الْملك وينتزع بهَا من يَد البَائِع مَا صدقه فِي دَعْوَى الْإِقَالَة. وَلما قدم أَن الْعشْر سِنِين لَا بُد مِنْهَا للْحَدِيث الْمُتَقَدّم ذكر أَن مَا قاربها من تسع سِنِين أَو ثَمَانِيَة بعطى حكمهَا فَقَالَ: وَالتِّسْعُ كالعَشْرِ لَدَى ابْن القَاسِمِ أَو الثَّمانِ فِي انقِطاعِ القَائِمِ (وَالتسع) سِنِين (كالعشر) الْمُتَقَدّم ذكرهَا (لَدَى) عِنْد (ابْن الْقَاسِم أَو الثمان) كَذَلِك عِنْده (فِي انْقِطَاع) حق (الْقَائِم) . وَلَكِن الْمَعْمُول هُوَ الْعشْر كَمَا مر. وَالْمُدَّعِي إنْ أثْبَتَ النِّزَاعَ مَعْ خَصِيمهِ فِي مُدةِ الحَوْزِ انْتَفَعْ (وَالْمُدَّعِي إِن أثبت النزاع مَعَ خصيمه فِي مُدَّة الْحَوْز) الَّتِي هِيَ الْعشْر سِنِين (انْتفع) بذلك وَظَاهره وَلَو نازعه مرّة وَاحِدَة وَلَو عِنْد غير القَاضِي وَهُوَ كَذَلِك مَا مرّ وكما هُوَ ظَاهر (خَ) حَيْثُ جعل عشر سِنِين ظرفا لحاضر سَاكِت بِلَا مَانع الخ. فتتنازعه العوامل الثَّلَاثَة. وَقَائمٌ ذُو غَيْبَةٍ بَعيدهْ حَجَّتُهُ باقِيَةٌ مُفيدَهْ (وقائم ذُو غيبَة بعيدَة) عَن مَحل الْحَوْز (حجَّته بَاقِيَة مفيدة) وَظَاهره وَلَو غَابَ بعد الْحِيَازَة عَلَيْهِ سِتّ سِنِين أَو ثَمَان سِنِين لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ أَنه لم تجز عَلَيْهِ عشر سِنِين إِذْ مَا بعد الْغَيْبَة لَا يحْسب عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يفِيدهُ ابْن مَرْزُوق وكما يفِيدهُ جعل (ح) عشر سِنِين ظرفا لحاضر وَهَذَا مَا لم يتَكَرَّر قدومه وسفره كَمَا مرّ. . وَالْبُعْدُ كالسَّبْعِ وكَالثَّمانِ وَفي الَّتي تَوسَّلَتْ قَوْلَانِ (والبعد كالسبع) مراحل (وكالثمان) وَظَاهر بلغه الْعلم بالحيازة عَلَيْهِ أم لَا كَانَت الْحِيَازَة عَلَيْهِ بالهدم وَالْبناء أَو بالاستغلال وَالسُّكْنَى ثَبت عَجزه عَن الْقدوم وَالتَّوْكِيل أم لَا، وَهُوَ كَذَلِك
стр. 1078
اتِّفَاقًا (وَفِي) انْقِطَاع حجَّته فِي الْغَيْبَة (الَّتِي توسطت) كالثلاثة وَالْأَرْبَعَة فَمَا فَوْقهَا إِلَى السَّبع (قَولَانِ) أَولهمَا لِابْنِ حبيب وَابْن الْقَاسِم أَنه يسْقط حَقه إِذا لم يثبت عَجزه عَن الْقدوم أَو التَّوْكِيل، وَثَانِيهمَا لِابْنِ الْقَاسِم أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يسْقط حَقه وَلَو لم يثبت عَجزه وَيصدق فِيمَا يَدعِيهِ من الْعَجز عَن الْقدوم وَالتَّوْكِيل لِأَنَّهُ قد يكون مَعْذُورًا كمن لم يتَبَيَّن عذره وَهُوَ الْمُعْتَمد، قَالَ المشاور: وَبِه الْعَمَل. ابْن رشد: وَهَذَا الْخلاف إِنَّمَا هُوَ إِذا علم بالحيازة عَلَيْهِ. وَكالحُضُورِ اليَوْمُ واليَوْمَانِ بِنِسْبَةِ الرِّجَالِ لَا النِّسْوَانِ (وكالحضور) فِي عدم سَماع دَعْوَاهُ وبينته (الْيَوْم واليومان) مَعَ الْأَمْن لَا مَعَ الْخَوْف وَالْقُدْرَة على الْقدوم أَو التَّوْكِيل لَا مَعَ ثُبُوت الْعَجز عَنْهُمَا وَالْعلم بالحيازة عَلَيْهِ لَا مَعَ عَم علمه. ابْن رشد: وَهُوَ مَحْمُول على عدم الْعلم حَتَّى يثبت علمه، وَتقدم أَن الْحَاضِر كَذَلِك، وَهَذَا (بِنِسْبَة الرِّجَال لَا النسوان) فَلَا يَنْقَطِع حقهن وَلَو على مَسَافَة يَوْم أَو أقل على مَا تقدم فِي الشُّفْعَة وَلَو علِمْنَ بالحيازة عَلَيْهِنَّ وَهن محمولات على الْعَجز عَن الْقدوم وَعدم الْقُدْرَة على التَّوْكِيل لقَوْله ﵊: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر يَوْمًا وَلَيْلَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم) الخ. وَلَا مَفْهُوم لليوم وَاللَّيْلَة. وَأما التَّوْكِيل فقد لَا يجدن من يحسن الْخِصَام وَمن يثقن بِهِ، وَمَفْهُوم الْيَوْم واليومان أَن مَا فَوْقهمَا لَا يقطع حَقه وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا مرّ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: وَالْأَجْنَبِيّ إِن يجز أصلا الخ. فَقَالَ: والأقْرَبُونَ حَوْزُهُم مُخْتَلِفُ بحَسَب اعْتمارِهم يَخْتَلِفُ (وَالْأَقْرَبُونَ) غير الْأَب وَابْنه من الْإِخْوَة والأعمام وَأَبْنَائِهِمْ والأخوال وَأَبْنَائِهِمْ، وَفِي معناهم الأصهار والموالي كَانُوا شُرَكَاء أم لَا. (حوزهم) أَي أمد حوزهم (مُخْتَلف بِحَسب اعتمارهم) أَي تصرفهم فِي الشَّيْء المحوز (يخْتَلف) فَتَارَة يكون اعتمارهم وتصرفهم أقوى الْأَشْيَاء كالهدم وَالْبناء وَالْغَرْس وَسَيَأْتِي، وَتارَة يكون بِغَيْر ذَلِك وَهُوَ قَوْله: فإنْ يَكُنْ بمثْلِ سُكْنَى الدَّارِ وَالزَّرْعِ لْلأَرْضِ وَالَاعْتِمارِ للحوانيت بِأخذ أكريتها والاستغلال للثمار فِي الْأَشْجَار. فَهُوَ بِمَا يجَوزُ الأرْبعِين وَذُو تَشَاجُرٍ كالأَبْعَدِين (فَهُوَ) أَي أمد الْحِيَازَة الْقَاطِع للحجة فِيمَا بَينهم (بِمَا يجوز الْأَرْبَعين) عَاما فَإِذا حازها أحدهم الْمدَّة الْمَذْكُورَة فَأكْثر فَلَا حق للمحوز عَنهُ على مَا جرى بِهِ عمل أهل الوثائق قَالَ ابْن لب: وَهَذَا إِذا لم يكن بَينهم تشاجر وَلَا عَدَاوَة أَو أشكل أَمرهم، وَأما من عرف التشاح بَينهم فهم
стр. 1079
كالأجانب كَمَا قَالَ: (وَذُو تشاجر) مِنْهُم (كالأبعدين) فيكتفي فيهم بِعشر سِنِين، وَمرَاده بالتشاجر التشاح وَعدم الْمُسَامحَة كَمَا فِي النَّقْل عَن ابْن يُونُس والمواق وَغَيرهمَا وَمَا فِي الدّرّ النثير من أَن عشْرين سنة إِلَى ثَلَاثِينَ غَايَة الْمدَّة فِي حِيَازَة الْأَقَارِب لِكَثْرَة التشاح فِي أهل هَذَا الزَّمَان الخ. لَا يعول عَلَيْهِ بل الْعشْر سِنِين كَافِيَة كَمَا للناظم وَغَيره. ومِثْلُه مَا حِيزَ بِالْعَتَاقِ مَا كَان أَو بالبْيع باتِّفاقِ (وَمثله) أَي اعتمار صَاحب التشاجر (مَا حيّز بالعتاق) كَيفَ (مَا كَانَ) ناجزاً أَو مُؤَجّلا أَو كِتَابَة أَو تدبيراً (أَو) مَا تصرف فِيهِ (بِالْبيعِ) فتنقطع فِيهِ حجَّة الْقَائِم بِمُضِيِّ عشر سِنِين وَهُوَ لَا يُنكر وَلَا يُغير (بِاتِّفَاق) وَفِيه نظر فَإِن الْعتْق وَالْبيع يسقطان حق البَائِع بِمُجَرَّد علمه وسكوته وَإِن لم تمض مُدَّة الْحِيَازَة من غير فرق بَين أَجْنَبِي أَو قريب كَمَا مرّ فِي فصل بيع الْفُضُولِيّ حَيْثُ قَالَ: وحاضر بيع عَلَيْهِ مَاله الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى حوزهم بأقوى الْأَشْيَاء فَقَالَ: وَفِيه بالْهَدْمِ والبُنْيانِ وَالغْرْسِ أَو عقْدِ الكِرَا قَوْلانِ (وَفِيه) أَي وَفِي مِقْدَار أمد حوز الْأَقْرَبين (بالهدم) لما لَا يخْشَى سُقُوطه بل ليتوسع فِيهِ أَو ليبني غَيره مَكَانَهُ كَمَا مر (وبالبنيان) الْغَيْر الْخَفِيف (وَالْغَرْس) كَذَلِك (أَو عقد الكرا) ء فِي الدَّار وَنَحْوهَا وَقَبضه باسم نَفسه بِمحضر غَيره من الْأَقَارِب (قَولَانِ) أَحدهمَا أَن الْعشْر سِنِين كَافِيَة كالشريك الْأَجْنَبِيّ، وَثَانِيهمَا أَنَّهَا لَا تَكْفِي بل بِمَا يُجَاوز الْأَرْبَعين كالحيازة بِالسُّكْنَى والازدراع، وَهُوَ الْمَذْهَب مَا لم يكن بَينهم تشاح فالعشر كَافِيَة كَمَا مر (خَ) : وَفِي الشَّرِيك الْغَرِيب مَعَهُمَا أَي الْهدم وَالْبناء قَولَانِ. لَا بَين أَب وَابْنه إِلَّا أَن يطول مَعَهُمَا مَا تهْلك فِيهِ الْبَينَات وَيَنْقَطِع الْعلم. تَنْبِيهَات. الأول: فَإِن حَاز الْوَارِث الشَّرِيك مثل سَهْمه أَرْبَعِينَ سنة فَهُوَ لَهُ وَلَا شَيْء لَهُ فِي الْبَاقِي، وَإِن ادّعى أَن مَا حازه خَاص بِهِ وَأَن حَقه ثَابت فِيمَا بَقِي لم يكن لَهُ ذَلِك إِذا ادّعى إشراكه إِنَّمَا تَرَكُوهُ ليَكُون لَهُ سَهْمه وسهامهم فِيمَا بَقِي وحلفوا على ذَلِك، وَإِن حَاز أقل من سَهْمه كمل لَهُ بَقِيَّة سَهْمه مِمَّا بَقِي، وَإِن حَاز أَكثر من سَهْمه فَهُوَ لَهُ كُله قدر سَهْمه بسهمه مَا زَاد على سَهْمه بالحيازة قَالَه مطرف فِي الْوَاضِحَة. قَالَ الرجراجي: وَهُوَ الْمَذْهَب وَنَحْوه فِي ابْن يُونُس وَغَيره، قَالَ الرجراجي: فَإِن حَاز كل من الْوَرَثَة طَائِفَة من الأَرْض يحرث ويعمر حَتَّى يَمُوت بَعضهم فَيكون وَلَده كَذَلِك فِيمَا تركُوا وَقد اقتسم ورثته أَو لم يقتسموا ثمَّ طلب وَرثهُ الْجد
стр. 1080
الْقسم، فَإِن طَال الزَّمَان فِيمَا يندرس فِيهِ علم الْمُقَاسَمَة فَذَلِك بَاقٍ على حَاله وَلَا يقبل قَول من طلب الْقسم ثَانِيًا إِلَّا أَن يكون عِنْده بَيِّنَة وَلَو بِسَمَاع أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُم على التجاوز والمسامحة دون الْمُقَاسَمَة، فليستأنف الْقسم فَمن وَقع حَقه فِيمَا بني أَو غرس فَهُوَ لَهُ، وَمن وَقع بِنَاؤُه فِي حق غَيره فليحلف مَا بني إِلَّا بمقاسمة ثمَّ يُخَيّر صَاحبه بَين أَن يُعْطِيهِ قيمَة الْبناء وَالْغَرْس قَائِما وَبَين أَن يُعْطِيهِ الْبَانِي قيمَة أرضه، وَإِن أَبَيَا كَانَا شَرِيكَيْنِ إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة قَاطِعَة أَنه حازه بِغَيْر مقاسمة، أَو ينكل عَن الْيَمين وَيحلف الآخر فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ قِيمَته منقوضاً أَو يَأْمر بقلعه فَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة قَاطِعَة أَو نكلاً أعطَاهُ قِيمَته قَائِما على مَا ذكرنَا اه. وَانْظُر مَا تقدم فِي المغارسة. الثَّانِي: ذكر (ح) آخر الْحِيَازَة مستدلاً بحيازة الدّين عَن سَماع يحيى أَن الْإِنْسَان إِذا أصدق لزوجة ابْنه أحقالاً وَبقيت بِيَدِهِ سِنِين حَتَّى مَاتَ فَأَرَادَتْ أَخذ ذَلِك فَقَالَ لَهَا الْوَرَثَة: قد عاينته زَمَانا وَهِي بِيَدِهِ وَلَا نَدْرِي وَلَعَلَّه أرضاك من حَقك أَتَرَى للْمَرْأَة فِي ذَلِك حَقًا؟ . قَالَ: نعم وَلَا يَضرهَا طول مَا تركت ذَلِك بيد أَب زَوجهَا لِأَن الصَدَاق لَيْسَ من الْأَثْمَان وَلَيْسَ هُوَ صَدَقَة حَتَّى يحْتَاج للحوز. قَالَ ابْن رشد: وَهَذِه الْمَسْأَلَة صَحِيحَة لَا إِشْكَال فِيهَا وَلَا اخْتِلَاف لِأَن حَقّهَا تركته فِي يَد حميها فَلَا يَضرهَا ذَلِك طَال الزَّمَان أم قصر، وَلَيْسَ هَذَا من وَجه الْحِيَازَة الَّتِي ينْتَفع بهَا الْحَائِز وَيفرق فِيهَا بَين الْقَرَابَة والأصهار إِذْ قد عرف وَجه كَون الأحقال بيد الحم فَهِيَ على ذَلِك مَحْمُولَة حَتَّى يعرف تصييرها إِلَيْهِ بِوَجْه صَحِيح لِأَن الْحَائِز لَا ينْتَفع بحيازته إِلَّا إِذا جهل أصل مدخله فِيهَا، وَهَذَا أصل فِي الحكم بالحيازة اه. فَقَوله لِأَن الْحَائِز لَا ينْتَفع بحيازته الخ. يَقْتَضِي أَن البَائِع الْحَائِز الْمدَّة الْمُعْتَبرَة بَين الْأَقَارِب والأصهار أَو بَين الْأَجَانِب وَادّعى أَنه رَجَعَ إِلَيْهِ بإقالة أَو شِرَاء لَا يقبل مِنْهُ لِأَنَّهُ قد عرف أصل مدخله، وَهُوَ كَونهَا كَانَت بِيَدِهِ وَقت العقد أَو الْمُسَامحَة وَنَحْوهَا، وَمثله تقدم عَن العبدوسي. وبكلام ابْن رشد هَذَا اسْتدلَّ الشَّيْخ الرهوني على أَن حِيَازَة البَائِع لَا يعْمل بهَا على المُشْتَرِي مِنْهُ وَلَو طَالَتْ وَادّعى الْإِقَالَة وَنَحْوهَا وَهُوَ مُخَالف لقَوْله: وَإِن يكن مُدعيًا إِقَالَة الخ. الَّذِي تَلقاهُ غير وَاحِد بِالْقبُولِ ومخالف لما مرّ عَن الرجراجي قَرِيبا من أَن من ادّعى الْقِسْمَة مَعَ طول الْمدَّة يصدق وَالْقِسْمَة بيع وَقد عرف وَجه دُخُوله وَهُوَ الْمُسَامحَة وَنَحْوهَا. وَمَا كَانَ يخفى على أُولَئِكَ الشُّيُوخ كَلَام ابْن رشد هَذَا لِأَن مَا قَالَه مَبْنِيّ على مذْهبه من أَن الْحَائِز لَا ينْتَفع بحيازته إِذا لم يدع ابتياعاً أَو هبة كَمَا مر عَنهُ، وَالْوَرَثَة إِنَّمَا قَالُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: لَا نَدْرِي، وَلَعَلَّه أرضاك من حَقك فَلم يجزموا بِالْخرُوجِ من يَدهَا بِالْبيعِ وَنَحْوه، وَلَو جزموا بذلك مَا جعل لَهُ الْقيام كَمَا مر عَنهُ. قَالَ أَبُو الْحسن على قَوْلهَا: حوز عشر سِنِين يقطع دَعْوَى الْحَاضِر مَا نَصه: وَهَذَا إِذا ادّعى الِانْتِقَال بِالْبيعِ وَنَحْوه، وَأما لَو لم يدع إِلَّا مُجَرّد الْحِيَازَة فَقَالَ ابْن رشد: لَا خلاف أَنه لَا يَنْفَعهُ لِأَنَّهُ مقرّ بِالْملكِ لغيره مكذب لشاهد الْعرف الَّذِي هُوَ الْحِيَازَة اه. وَلَكِن تقدم أَن الْعَمَل على خِلَافه وَأَن الِاتِّفَاق الَّذِي حَكَاهُ غير مُسلم. قَالَ الرجراجي: وَاخْتلف هَل يُكَلف الْحَائِز من أَي صَار لَهُ؟ على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا إِنَّه يُكَلف أَنه كَانَ بشرَاء أَو هبة، وَالثَّانِي أَنه لَا يُكَلف إِذا ادّعى أمرا لَا يُرِيد إِظْهَاره أَو لم يدع شَيْئا إِلَّا مُجَرّد الْحِيَازَة وَهُوَ قَول مطرف، وَهُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة فِي الَّذِي قَامَت الدَّار بِيَدِهِ سِنِين يحوزها ويكري ويهدم، ثمَّ أَقَامَ رجل الْبَيِّنَة أَن الدَّار دَاره أَو أَنَّهَا لِأَبِيهِ حَيْثُ قَالَ: فَإِن كَانَ هَذَا الْمُدَّعِي حَاضرا يرَاهُ فَلَا حجَّة لَهُ وَذَلِكَ يقطع دَعْوَاهُ، وَلم يقل إِنَّه يسْأَل من أَيْن صَارَت إِلَيْهِ اه. بِلَفْظِهِ. وَقد تقرر عِنْدهم أَن
стр. 1081
ظَاهر الْمُدَوَّنَة كالنص، وَلِهَذَا أفتى ابْن أبي زمنين وَغَيره، وَاقْتصر عَلَيْهِ ابْن يُونُس كَمَا مرّ، وَتقدم أَن الْعَمَل عَلَيْهِ وَأَنه إِنَّمَا يُكَلف بِالْبَيَانِ على القَوْل الَّذِي يفرق بَين البيع وَالْهِبَة وإلاَّ فَلَا فَائِدَة فِيهِ، وَإِذا علمت هَذَا فَالْوَجْه اعْتِمَاد مَا تقدم تحريره عِنْد قَوْله: وَإِن يكن مُدعيًا إِقَالَة الخ. وَإِنَّمَا أطلنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وكررنا الْكَلَام فِيهَا مرَارًا لمسيس الْحَاجة إِلَيْهَا ولاعتماد الْكثير من طلبة الزَّمَان على كَلَام ابْن رشد وَالله أعلم. الثَّالِث: حِيَازَة الدُّيُون تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا صدر الْبيُوع وَمِنْهَا الْوَصِيّ يقوم عَلَيْهِ الْيَتِيم بعد طول الزَّمَان وينكر قبض مَاله من الْوَصِيّ، فَإِن كَانَت مُدَّة يهْلك فِي مثلهَا شُهُود الْوَصِيّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وإلاَّ فَعَلَيهِ الْبَيِّنَة بِالدفع اه. نَقله (ح) قبيل مَا مر عَنهُ. الرَّابِع: تقدم فِي الْحَبْس أَن الْحَبْس لَا يحاز عَلَيْهِ، وَتقدم مَا فِيهِ حَيْثُ جرى الْعَمَل بِأَنَّهُ يُبَاع. وَاعْلَم أَن عدم المنازع وَنَحْوه كَعَدم التفويت فِي علمهمْ وَكَونه مَالا من أَمْوَاله إِنَّمَا شرطوه فِي الشَّهَادَة بِالْملكِ لَا فِي الشَّهَادَة بِالْحَبْسِ، وَإِنَّمَا شرطُوا فِي الشَّهَادَة بِهِ أَنَّهَا تحرم بِحرْمَة الأحباس كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَغَيره، وَإِن كَانَ النَّص بذلك إِنَّمَا هُوَ فِي شَهَادَة السماع فالشهادة بِالْقطعِ كَذَلِك بل أولى لِأَنَّهَا أقوى مِنْهَا، وَيصِح قطعهم بذلك إِن كَانَ السماع مُفِيدا للْقطع، فَإِذا سمع مِمَّن لَا يُحْصى أَن هَذَا حبس على مَسْجِد كَذَا فَإِنَّهُ يعْتَمد الشَّاهِد على ذَلِك وَيقطع بِأَنَّهُ يحترم بِحرْمَة الأحباس وَلَا يسند ذَلِك إِلَى السماع، وَلَا سِيمَا إِن رأى نَائِب الْمَسْجِد الْمَذْكُور يتَصَرَّف لَهُ طول الْمدَّة وينسب ذَلِك إِلَيْهِ، ثمَّ إِذا وكل أهل الْمَسْجِد وَاحِدًا مِنْهُم يُخَاصم وَشهد باقيهم لذَلِك الْمَسْجِد بِمَا ذكر فَإِن شَهَادَتهم جَائِزَة كَمَا فِي (ح) عَن ابْن عَاتٍ فِي بَاب الشَّهَادَات وَلَا تتَوَجَّه يَمِين الِاسْتِحْقَاق على الْحَبْس وَلَا يَمِين الْقَضَاء، وَإِن شهد لِلْمَسْجِدِ شَاهد وَاحِد فَيجْرِي على قَول (خَ) فِي الشَّهَادَات وَإِن تعذر يَمِين بعض الخ. وَكَيْفِيَّة وَثِيقَة ذَلِك أَن تَقول: يعرف شُهُوده الْمحل الْفُلَانِيّ الْمَحْدُود بِكَذَا وَمَعَهَا يشْهدُونَ بِأَنَّهُ حبس على مَسْجِد كَذَا، وَأَنه يحاز بِمَا تحاز بِهِ الأحباس ويحترم بحرمتها إِلَى الْآن أَو إِلَى وَقت كَذَا، فَإِن كَانَت شَهَادَة سَماع قلت وَمَعَهَا يشْهدُونَ بِأَنَّهُم لم يزَالُوا يسمعُونَ سَمَاعا فاشياً من أهل الْعدْل وَغَيرهم أَنه حبس على بني فلَان أَو على مَسْجِد كَذَا ويعرفونه يحاز بِمَا تحاز بِهِ الأحباس ويحترم بحرمتها إِلَى الْآن أَو إِلَى وَقت كَذَا انْظُر ابْن سَلمُون وَغَيره. وَإِذا ثبتَتْ الشَّهَادَة بِالْقطعِ فَلَا إِشْكَال أَنه ينْزع بهَا من يَد الْحَائِز، وَكَذَا بِالسَّمَاعِ على ظَاهر ابْن عَرَفَة كَمَا تقدم عِنْد قَوْله فِي شَهَادَة السماع: وَحبس حَاز من السنين الخ. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى مَفْهُوم قَوْله: إِن يحز أصلا فَقَالَ: وَفِي سوى الأصولِ حوزُ النَّاس بالعَامِ والعامَيْنِ فِي اللِّباسِ (وَفِي سوى الْأُصُول) من الْعرُوض وَالْحَيَوَان وَغَيرهمَا (حوز النَّاس) الْأَجَانِب يكون (بِالْعَام والعامين فِي اللبَاس) فحوز النَّاس مُبْتَدأ وَفِي سوى الْأُصُول يتَعَلَّق بِهِ وبالعام والعامين خَبره، وَفِي اللبَاس بدل من قَوْله فِي سوى الْأُصُول بدل بعض من كل.
стр. 1082
وَمَا كَمَرْكوبٍ فَفِيهِ لَزِما حوزٌ بعَامَيْن فَمَا فوقَهُما (وَمَا) كَانَ (كمركوب) من الدَّوَابّ اسْم شَرط (فَفِيهِ لزما) جَوَابه (حوز بعامين) فَاعل (فَمَا فَوْقهمَا) عطف عَلَيْهِ. وَفِي العبيد بثَلَاثةٍ فَمَا زَاد حُصُولُ الحَوْزِ فِيمَا اسْتُخْدِما (وَفِي العبيد بِثَلَاثَة) من الأعوام (فَمَا زَاد) عَلَيْهَا (حُصُول الْحَوْز فِيمَا استخدما) فحصول الْحَوْز مُبْتَدأ وَفِي العبيد يتَعَلَّق بِهِ وبثلاثة خَبره وَفِيمَا استخدما بدل من قَوْله فِي العبيد بدل بعض من كل أَيْضا، وَمعنى الأبيات ظَاهر، وَمَا ذكره من أَن الْأُصُول تفارق غَيرهَا فِي حِيَازَة الْأَجَانِب أَصله لأصبغ كَمَا فِي الْمُفِيد وَغَيره، وَعَلِيهِ درج (خَ) حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا تفترق الدَّار من غَيرهَا فِي الْأَجْنَبِيّ، فَفِي الدَّابَّة وَأمة الْخدمَة السنتان وَيُزَاد فِي عبد وَعرض الخ. إِلَّا أَنه اعْترض عَلَيْهِ بِحَسب مَفْهُومه لِأَن مَفْهُوم قَوْله: فِي الْأَجْنَبِيّ أَن الْعقار وَغَيره سَوَاء فِي حِيَازَة الْأَقَارِب فَلَا بُد فِيهِ من الْأَرْبَعين سنة، وَهَذَا لَا يَقُوله أصبغ بل هُوَ كَمَا فرق بَين الْأَجَانِب فِي الْأُصُول فرق فِي غَيرهَا من الْأَقَارِب، فَجعل الْحِيَازَة بَينهم فِي غَيرهَا فَوق الْعشْرَة أَعْوَام وَدون الْأَرْبَعين بِالِاجْتِهَادِ كَمَا فِي ابْن سَلمُون، وَأما ابْن الْقَاسِم فسوى بَين الْأُصُول وَغَيرهَا فِي الْأَجْنَبِيّ كَمَا سوى بَينهمَا فِي الْأَقَارِب، فَفِي الْمُدَوَّنَة قَالَ ابْن الْقَاسِم: من حَاز على حَاضر عرُوضا أَو حَيَوَانا أَو رَقِيقا فَذَلِك كالحيازة فِي الرّبع اه. وَعَلِيهِ فمفهوم قَوْله فِي الْأَجْنَبِيّ لَا يتمشى على قَول أصبغ كَمَا ترى وَلَا على قَول ابْن الْقَاسِم لِأَن الحكم لَا يخْتَلف عِنْده فِي الْأُصُول وَغَيرهَا، فالأجانب بِالْعشرَةِ فيهمَا والأقارب بِمَا يزِيد على الْأَرْبَعين فيهمَا فَتوجه عَلَيْهِ الِاعْتِرَاض، وَأما النَّاظِم فَكَلَامه خَاص بالأجانب كَمَا قَررنَا، وَأما حوز الْأَقَارِب لغير الْأُصُول فَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ وَتَكون الْحِيَازَة بَينهم فِيهِ بِمَا فَوق الْعشْرَة وَدون الْأَرْبَعين على قَول أصبغ الَّذِي درج عَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ، وَلَكِن مُسْتَند (خَ) فِيمَا ذكره هُوَ قَول ابْن رشد مَا نَصه: وَلَا فرق فِي مُدَّة حِيَازَة الْوَارِث على وَارثه بَين الرباع وَالْأُصُول وَالثيَاب وَالْعرُوض وَالْحَيَوَان، وَإِنَّمَا يفْتَرق ذَلِك فِي حِيَازَة الْأَجْنَبِيّ مَال الْأَجْنَبِيّ اه. قَالَ طفي: وَلم أر التَّفْصِيل الَّذِي سلكه ابْن رشد من التَّفْرِيق فِي الْأَجْنَبِيّ فَقَط إِلَّا أَنه رجل حَافظ وَلَعَلَّه فقه لَهُ اه. والوطْءُ لِلإِماءِ باتِّفاقِ مَعَ عِلمْهِ حَوْزٌ عَلَى الإطْلَاقِ (وَالْوَطْء للإماء بِاتِّفَاق مَعَ علمه) أَي الْقَائِم وسكوته بِلَا مَانع (حوز على الْإِطْلَاق) طَالَتْ الْمدَّة أم لَا. فَقَوله: بِاتِّفَاق يتَعَلَّق بقوله حوز، وَمَعَ علمه يتَعَلَّق بِالْوَطْءِ، وَهَذَا الْبَيْت تكْرَار مَعَ قَوْله فِي فصل بيع الْفُضُولِيّ:
стр. 1083
وَالْعِتْق مُطلقًا على السوَاء مَعَ هبة وَالْوَطْء للإماء وَالماءُ لِلأَعْلَيْنَ فِيمَا قَدُما والأَسْفَلُ الأقْدَمُ فِيهِ قُدِّما (و) إِذا غرس قوم غروساً أَو زرعوا زروعاً على مَاء مُبَاح غير مَمْلُوك كَمَاء الأمطار أَو مَاء الْأَنْهَار ف (المَاء للأعلين) الَّذين يجْرِي عَلَيْهِم أَولا (فِيمَا قدما) بِضَم الدَّال أَي تقدم غرساً أَو زرعا وَكَذَا لَو تساووا بِأَن غرسوا أَو زرعوا دفْعَة وَاحِدَة أَو شكّ من الْمُتَقَدّم والمتأخر فَإِن الأعلين يقدمُونَ فِي السَّقْي فِي ذَلِك كُله، فَإِن غرس الأسفلون أَولا أَو زرعوا كَذَلِك تَحْقِيقا فَهُوَ قَوْله: (والأسفل الأقدم) غرساً أَو زرعا (فِيهِ) أَي المَاء (قُدِّما) بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الدَّال الْمَكْسُورَة مَبْنِيا للْمَفْعُول وكل من قضى بتقديمة فَإِنَّمَا يمسك المَاء للكعب ثمَّ يُرْسل جَمِيعه للْآخر على الْمَذْهَب خلافًا لِابْنِ رشد حَيْثُ استظهر مَذْهَب الْأَخَوَيْنِ أَنه يُرْسل مَا زَاد على الْكَعْبَيْنِ لَا جَمِيع المَاء. وَالْحَاصِل أَن المَاء الَّذِي تحقق عدم ملكه فَإِن الْأَعْلَى يقدم فِيهِ سَوَاء تقدم فِي الْغَرْس وَالزَّرْع أَو سَاوَى، وَسَوَاء تحقق تقدمه أَو مساواته أَو شكّ فِي ذَلِك، وَأَن الْأَسْفَل الْمُتَقَدّم فِي الْغَرْس والزراعة يقدم على الْأَعْلَى مُطلقًا خيف على زرعه الْهَلَاك أم لَا. وَالْأَصْل فِي هَذَا مَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي مهزور بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء ومذينب وهما واديان من أَوديَة الْمَدِينَة يسيلان بالمطر، وَمحل تَقْدِيم الأقدم إِذا لم يكن الأقدم رحى أَو حَماما والأقدم سقِِي الْجنان وَنَحْوهَا عَلَيْهِمَا، وَلَو تقدّمت فِي الْأَحْيَاء وَكَانَت أقرب للْمَاء كَمَا لِابْنِ رشد لِأَن مَاء الْجنان يصرف إِذا بلغ إِلَى الكعب للرحى وَلَا يصرف مَاء الرَّحَى وَنَحْوهَا لَهُ، وَلِأَن تَأْخِير سقِِي الْجنان قد يُؤَدِّي لتلف مَا فِي الْحَائِط وَتَأْخِير المَاء عَن الرَّحَى لَا يُؤَدِّي لتلفها بل لتعطيلها فَقَط قَالَه الأَجْهُورِيّ. وَاعْلَم أَن مَاء الْأَنْهَار وَالْخَارِج من العناصر والعيون من جبل ثمَّ يجْرِي لأراضٍ تَحْتَهُ إِمَّا أَن يكون أَصله مَمْلُوكا بِبَيِّنَة عدلة أم لَا، فَإِن كَانَ مَمْلُوكا فربه أَحَق بِهِ وَله مَنعه وَبيعه وَله صرفه حَيْثُ شَاءَ، وَلَو غرس عَلَيْهِ غَيره بعارية وَانْقَضَت أَو بِغَيْر إِذن وربه سَاكِت عَالم الخ. فَإِن ذَلِك لَا يضر لِأَن المَاء الْمَعْلُوم ملكيته بِالْبَيِّنَةِ لَا يحاز بِالِانْتِفَاعِ بِهِ دون اسْتِحْقَاق أَصله لاحْتِمَال أَن سكُوت الْمَالِك طول الزَّمَان إِنَّمَا هُوَ لعدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، وَإِن لم تقم بَيِّنَة بملكيته لأحد بل جهل أمره وَلم يدر السَّابِق من اللَّاحِق وَلَا الْمَالِك من غَيره لتقادم الْأَعْصَار وهلاك الْبَينَات الْقَدِيمَة فَإِنَّهُ يبْقى كل وَاحِد على انتفاعه كَمَا كَانَ وَلَو كَانَ الْآن يَنْبع فِي أَرض مَمْلُوكَة إِذْ لَا يدْرِي أَصله كَيفَ كَانَ
стр. 1084
وَالْأَصْل بَقَاء الْأَشْيَاء على مَا كَانَت عَلَيْهِ حَتَّى يدل دَلِيل على خِلَافه لاحْتِمَال أَن يكون أَصله مَمْلُوكا للْجَمِيع أَو يكون مَمْلُوكا للأسفل. وَهَذَا مُحَصل مَا للفقيه النوازلي سَيِّدي إِبْرَاهِيم الجلالي، وَنَقله فِي نَوَازِل العلمي وَاسْتدلَّ على ذَلِك بنقول وَوَجهه ظَاهر وَالله أعلم. وَبِهَذَا كنت حكمت فِي عناصر وادراس لما تحاكم إِلَيّ أهل الْمنزل مَعَ من فَوْقهم وَكَانَ لأهل الْمنزل سواقي قديمَة مَبْنِيَّة فَأَرَادَ الأعلون أَن يقطعوا ذَلِك المَاء عَنْهُم، فحكمت بقسمته بَينهم على مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِذْ لَا يدرى السَّابِق من اللَّاحِق وَلَا الْمَالِك من غَيره، وَوَافَقَ على ذَلِك المعاصرون من الْفُقَهَاء وَالله حسيب من بدل أَو غير. تَنْبِيه: إِذا مَال الْوَادي عَن مجْرَاه الْقَدِيم وَصَارَ الْموضع الَّذِي كَانَ يمر عَلَيْهِ يَابسا فَقيل مَوْضِعه لمن أَلْقَاهُ النَّهر إِلَيْهِ وحازه لَهُ وَهُوَ قَول عِيسَى بن دِينَار وَابْن الْمَاجشون، وَبِه أفتى ابْن حمديس وَابْن الْحَاج. قَالَ سَيِّدي يحيى السراج: وَهُوَ الرَّاجِح حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الزياتي، وَقيل هُوَ بِمَنْزِلَة الْموَات. قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن يحيى الأندلسي فِي آخر وثائقه: وَهَذَا الْخلاف إِذا تغير عَن جريه الْمَعْرُوف وَبَقِي مَوْضِعه يَابسا، وَأما مَا اقتطعه النَّهر من أَرض الْغَيْر فَالصَّوَاب بَقَاء مَا غَيره النَّهر واقتطعه على ملك ربه وَيُقَال: وَكَذَلِكَ لَو انحرف النَّهر عَن مجْرَاه وَجرى فِي أَرض رجل ثمَّ عَاد إِلَى مَوْضِعه أَو يبس لعادت أرضه إِلَى ملك رَبهَا اه. وَمَا رَمَى البَحْرُ بهِ من عَنْبَرِ ولؤْلؤٍ واجدُهُ بهِ حَرِي (وَمَا رمى الْبَحْر بِهِ من عنبر) وصدف بِالدَّال الْمُهْملَة (ولؤلؤ) غير مثقوب وَإِلَّا فَهُوَ لقطَة (واجده) مُبْتَدأ ثَان (بِهِ حري) خَبره وَالْجُمْلَة خبر الْمَوْصُول (خَ) : وَمَا لَفظه الْبَحْر من كعنبر فلواجده بِلَا تخميس الخ. وَأَحْرَى الْحُوت الَّذِي يصطاد من الْبَحْر فَلَيْسَ للْإِمَام وَلَا لغيره أَن يَأْخُذ الصيادين فِيهِ خمسه أَو عشره أَو نَحْو ذَلِك، ويحكى أَنه كَانَت بحيرة فِي تونس يخرج مِنْهَا حوت كثير فَكَانَ يعِيش بِهِ خلق كثير حَتَّى وضع عَلَيْهِ الإِمَام مكساً فَذهب بِالْكُلِّيَّةِ وَلم يخرج مِنْهَا شَيْء.
(فصل فِي الِاسْتِحْقَاق)
ابْن عَرَفَة: هُوَ رفع ملك شَيْء بِثُبُوت ملك قبله أَو حريَّة كَذَلِك بِغَيْر عوض الخ. فَقَوله: بِثُبُوت ملك قبله أخرج بِهِ رفع الْملك بِالْهبةِ وَالْبيع والاعتصار وَالْعِتْق وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ رفع ملك
стр. 1085
بِثُبُوت ملك بعده فِي ذَلِك كُله وَقَوله: أَو حريَّة عطف على ملك من قَوْله بِثُبُوت ملك بعده يَعْنِي أَو رفع ملك بِثُبُوت حريَّة كَذَلِك أَي قبله، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الِاسْتِحْقَاق بِالْحُرِّيَّةِ وَبِقَوْلِهِ بِغَيْر عوض وَأخرج بِهِ مَا وجد فِي الْمَغَانِم بعد بَيْعه أَو قسمه فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذ إِلَّا بِالثّمن كَمَا يَأْتِي وَيدخل فِي الْحَد مدعي الْحُرِّيَّة إِذا اسْتحق برق لِأَن مدعي الْحُرِّيَّة يملك مَنَافِع نَفسه واستحقاقه برقية بِرَفْع ذَلِك الْملك، كَذَا يدْخل الِاسْتِحْقَاق بِالْحَبْسِ إِن قُلْنَا هُوَ على ملك الْوَاقِف، وَكَذَا إِن قُلْنَا هُوَ ملك للْمَوْقُوف عَلَيْهِ. قَالَ (ح) : وَلَا يتَصَوَّر الِاسْتِحْقَاق إِلَّا بِمَعْرِِفَة حَقِيقَته وَحكمه وَسَببه وشروطه وموانعه، أما حَقِيقَته فَهُوَ مَا ذكر، وَأما حكمه فَقَالَ ابْن عَرَفَة: حكمه الْوُجُوب عِنْد تيَسّر أَسبَابه فِي الرّبع وَالْعَقار بِنَاء على عدم يَمِين مُسْتَحقّه وعَلى يَمِينه هُوَ مُبَاح كَغَيْر الْعقار وَالرّبع لِأَن الْحلف مشقة اه. وَتعقبه ابْن رحال وَغَيره بِأَنَّهُ لَا مُقْتَضى للْوُجُوب هُنَا لِأَن هَذَا حق مَخْلُوق فَكيف يَأْثَم بِعَدَمِ الْقيام بِهِ اه.؟ قلت: وَقد يُجَاب بِأَن مُرَاد ابْن عَرَفَة إِذا لم تسمح نَفسه بذلك لما فِيهِ حِينَئِذٍ من إطْعَام الْحَرَام لغيره مَعَ الْقُدْرَة على مَنعه مِنْهُ، وَقد قَالَ ﵊: (لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ) . وَقَالَ (انصر أَخَاك وَإِن ظَالِما) وَنَصره أَن تَمنعهُ عَن ظلمه فالمستحق حِينَئِذٍ آثم بِعَدَمِ قِيَامه بِالِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهُ ترك وَاجِبا عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجع إِلَى تَغْيِير الْمُنكر وَهُوَ وَاجِب على كل من قدر عَلَيْهِ، والمستحق من ذَلِك الْقَبِيل وَهَذَا عَام سَوَاء كَانَ الِاسْتِحْقَاق من ذِي الشُّبْهَة أَو من غَاصِب لِأَن الْمُسْتَحق يجب عَلَيْهِ أَن يعلم ذَا الشُّبْهَة بِأَنَّهُ لَا ملك لَهُ فِيهِ، وَأَنه يسْتَحقّهُ مِنْهُ، وَأَنه لم تسمح نَفسه بِهِ ويطلعه على بَيَان ملكه للشَّيْء الْمُسْتَحق وَإِذا لم يُعلمهُ كَانَ قد ترك وَاجِبا عَلَيْهِ آثِما بذلك وَهُوَ معنى وجوب قِيَامه بِالِاسْتِحْقَاقِ خلافًا لما للشَّيْخ الرهوني من أَنه لَا يظْهر وُجُوبه بِالنِّسْبَةِ لذِي الشُّبْهَة اه. قَالَ (ح) : وَأما سَببه فَهُوَ قيام الْبَيِّنَة على عين الشَّيْء الْمُسْتَحق أَنه ملك للْمُدَّعِي لَا يعلمونه خرج عَن ملكه إِلَى أَن وجده بيد فلَان الخ. وَيَأْتِي هَذَا للناظم فِي قَوْله: وَمَا لَهُ عين عَلَيْهِ يشْهد إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة. ثمَّ إِن الشَّهَادَة بِأَنَّهَا لم تخرج عَن ملكه إِنَّمَا تكون على نفي الْعلم فِي قَول ابْن الْقَاسِم الْمَعْمُول بِهِ قَالَ: وَأما شُرُوطه فَثَلَاثَة. الأول: الشَّهَادَة على عينه إِن أمكن وإلاَّ فبحيازته الخ. قلت: هَذَا هُوَ عين قَوْله وَأما سَببه كَمَا لَا يخفى وَقَالَهُ ابْن رحال وَجَوَاب الشَّيْخ الرهوني عَنهُ لَا يظْهر. الثَّانِي: الْإِعْذَار فِي ذَلِك إِلَى الْحَائِز وَسَيَأْتِي هَذَا فِي قَول النَّاظِم: وَإِن يكن لَهُ مقَال أَََجَلًا الخ. الثَّالِث: يَمِين الِاسْتِحْقَاق وَفِي لُزُومهَا ثَلَاثَة أَقْوَال. الْمَعْمُول بِهِ عِنْد الأندلسيين أَنه لَا يحلف فِي الْعقار وَيحلف فِي غَيره، وَسَيَأْتِي هَذَا للناظم أَيْضا: وَلَا يَمِين فِي أصُول مَا اسْتحق الخ. ثمَّ قَالَ (ح) : وَأما موانعه فَفعل أَو سكُوت. أما السُّكُوت فَمثل أَن يتْرك الْقيام من غير مَانع حَتَّى يمْضِي أمد الْحِيَازَة أَي الْمُتَقَدّمَة فِي الْفَصْل قبل هَذَا، وَأما الْفِعْل فَمثل أَن يَشْتَرِي مَا ادَّعَاهُ من عِنْد حائزه فَلَو قَالَ: إِنَّمَا اشْتَرَيْته خوف أَن يفوتهُ عَليّ فَإِذا أثْبته رجعت عَلَيْهِ بِالثّمن لم يكن لَهُ مقَال. وَقَالَ أصبغ: إِلَّا أَن تكون بَينته بعيدَة جدا أَو يشْهد
стр. 1086
قبل الشِّرَاء أَنه إِنَّمَا اشْتَرَاهُ لذَلِك فَذَلِك يَنْفَعهُ، وَلَو اشْتَرَاهُ وَهُوَ يرى أَن لَا بَيِّنَة لَهُ ثمَّ وجد بَيِّنَة فَلهُ الْقيام وَأخذ الثّمن مِنْهُ اه. وَأَحْرَى لَو اشْتَرَاهُ وَهُوَ غير عَالم أَنه لَهُ قَالَه ابْن رحال وَهُوَ ظَاهر. المُدّعي اسْتِحْقَاق شيءٍ يلزَمُ بَيِّنَةً مثبِتةً مَا يَزْعَمُ (الْمُدَّعِي اسْتِحْقَاق) ملك (شَيْء يلْزم) بِفَتْح الزَّاي المخففة مَبْنِيا للْمَفْعُول ونائبه ضمير الْمُدَّعِي (بَيِّنَة) مَفْعُوله الثَّانِي (مثبتة مَا) أَي الْملك الَّذِي (يزْعم) بِأَن يُقيم بَيِّنَة تشهد على عين الشَّيْء الْمُسْتَحق أَنه ملكه وَمَال من مَاله وَتَحْت يَده تصرف فِيهِ وينسبه لنَفسِهِ من غير مُنَازع لَهُ فِي ذَلِك وَلَا معَارض مُدَّة من عشرَة أشهر فَأكْثر وَأَن حَده كَذَا إِن كَانَ أَرضًا وَنَحْوهَا وَلَا يعلمونه خرج عَن ملكه بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَى أَن ألفاه الْآن بيد فلَان أَو إِلَى أَن توفّي وَتَركه لمن أحَاط بميراثه كَمَا تقدم أول فصل الْحَوْز. وَاخْتلف هَل هَذِه الْقُيُود لَا بُد أَن يُصَرح بهَا الشَّاهِد فَإِذا سقط شَيْء مِنْهَا بطلت الشَّهَادَة إِن تعذر سُؤَالهمْ بِأَن مَاتُوا أَو غَابُوا أَو لَا يحْتَاج إِلَى التَّصْرِيح بذلك، وَإِنَّمَا يعْتَمد عَلَيْهَا فِي بَاطِنه فَقَط، وَالْأول هُوَ الْمَعْمُول بِهِ. وَقد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك فِي حَاشِيَة اللامية. ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ الشُّهُود يؤدون على عين الشَّيْء الْمُسْتَحق إِن أمكن وَإِلَّا فيبعث القَاضِي من يحوز الدَّار وَنَحْوهَا كَمَا يَأْتِي. وَقَوله: بَيِّنَة يَعْنِي أَو إِقْرَار الْمَطْلُوب، فَفِي أقضية الْبُرْزُليّ عَن ابْن أبي زيد من طلبت مِنْهُ أُخْته مِيرَاثهَا من أَمْلَاك أَبِيهَا فَقَالَ: بيَدي ربع ملكته من أبي وَربع ملكته بكسبي وغفل عَنهُ حَتَّى مَاتَ أَن على ورثته إِثْبَات مَا ادّعى أَنه استفاده بعد أَبِيه وإلاَّ حَلَفت مَا علمت بِمَا استفاده وَقسم بَينهمَا اه. بِنَقْل (ح) فِي بَاب الْإِقْرَار، ونقلنا مثله عَن ابْن أبي بكر اللؤْلُؤِي فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق من شرح الشَّامِل. ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن الْمُدَّعِي يلْزم بالإتيان بِالشَّهَادَةِ الْمُتَقَدّمَة فَقَالَ: من غَيْرِ تَكْليفٍ لِمَنْ تملَّكهْ من قبل ذَا بأيِّ وَجْهٍ مَلَكَهْ (من غير تَكْلِيف لمن تملكه) أَي حَاز الشَّيْء الْمُسْتَحق وَادّعى ملكيته (من قبل ذَا) يتَعَلَّق بِملكه من قَوْله (بِأَيّ وَجه ملكه) وَالْإِشَارَة للاستحقاق أَي يلْزم الْمُدَّعِي بالإتيان بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَة من غير تَكْلِيف لمن ادّعى ملكيته بِأَيّ وَجه ملكه من قبل هَذَا الِاسْتِحْقَاق، بل يَكْفِي الْمَطْلُوب أَن يُقَال: حوزي وملكي. وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِن الْمُدَّعِي إِمَّا أَن يَدعِي أَن هَذَا الشَّيْء ملكه فَإِن الْمَطْلُوب يُوقف على الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار خَاصَّة فَإِن قَالَ: حوزي وملكي فَلَا يُكَلف بِأَكْثَرَ من ذَلِك ويكلف الْمُدَّعِي بالإتيان بِالشَّهَادَةِ الْمُتَقَدّمَة فَقَط، وَإِمَّا أَن يَدعِي أَنه ملك جده مثلا فَإِن الْمَطْلُوب لَا يُوقف على الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار حَتَّى يثبت الْمُدَّعِي موت جده وإراثته فَإِن أثبت ذَلِك وقف الْمَطْلُوب على الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار أَيْضا، فَإِن قَالَ: حوزي وملكي فَلَا يُكَلف بِأَكْثَرَ من ذَلِك ويكلف
стр. 1087
الْمُدَّعِي بالإتيان بملكية جده على الْوَصْف الْمُتَقَدّم فَإِن عجز الْمُدَّعِي عَن إِثْبَات موت جده وإراثته فَلَا يُكَلف الْمَطْلُوب بِالْجَوَابِ كَمَا تقدم فِي فصل الْمقَال فَرَاجعه هُنَاكَ. وَإِذا وَقع وَنزل وكلفه بِوَجْه ملكه قبل إِثْبَات الملكية فَقَالَ: ملكته بشرَاء ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ: حوزي وملكي فَإِنَّهُ يقبل رُجُوعه إِذْ مَا كَانَ للْقَاضِي أَن يكلفه بِبَيَان وَجه ملكه قبل أَن يثبت الْمُسْتَحق الملكية وَقبل الْإِعْذَار لَهُ فِيهَا قَالَه فِي اسْتِحْقَاق المعيار. فَإِذا أثبت ملكية نَفسه أَو ملكية جده وإراثته على الْوَجْه الْمُتَقَدّم وأعذر للمطلوب فِي ذَلِك وَلم يجد مطعناً كلف الْمَطْلُوب حِينَئِذٍ بِالْجَوَابِ من أَيْن صَار لَهُ وَبِأَيِّ وَجه ملكه فَإِن قَالَ: حوزي وملكي وَقد حُزْته عشر سِنِين وَالْمُدَّعِي عَالم سَاكِت بِلَا مَانع كلف إِثْبَات ذَلِك فَإِذا أثْبته أعذر فِيهِ للْمُدَّعِي فَإِذا لم يجد مطعناً سَقَطت دَعْوَاهُ كَمَا مر فِي الْفَصْل قبله، فَإِن لم يدع الْمَطْلُوب حيازته عشر سِنِين أَو ادَّعَاهَا وَلم يثبتها على الْوَجْه الْمَطْلُوب بل أثبت أقل مِنْهَا أَو اخْتَلَّ شَرط من شُرُوطهَا الْمُتَقَدّمَة فَلَا بُد حِينَئِذٍ أَن يبين من أَيْن صَار لَهُ وَبِأَيِّ وَجه ملكه وَلَا يَكْفِيهِ قَوْله: حوزي وملكي، فَإِن ادّعى أَنه صَار لَهُ بِالْبيعِ وَنَحْوه من غير الَّذِي أثبت الْملك وَله وَهُوَ الطَّالِب أَو موروثه لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يَنْفَعهُ ذَلِك وَلَو أثْبته لِأَنَّهُ قد يَبِيعهُ أَو يَهبهُ من لَا يملكهُ فَإِن أثبت مَعَ ذَلِك ملكية بَائِعه أَو واهبه فَينْظر فِيمَا بَين الملكيتين بالمرجحات الْمُتَقَدّمَة فِي الشَّهَادَات، وَإِن ادّعى أَنه صَار لَهُ بِالْبيعِ وَنَحْوه من قبل الطَّالِب أَو موروثه كلف إِثْبَات ذَلِك، فَإِن أثْبته وَعجز الطَّالِب عَن الطعْن فِيهِ بطلت دَعْوَاهُ وَإِن عجز عَن إِثْبَات ذَلِك للطَّالِب بِهِ بعد يَمِين الِاسْتِحْقَاق فِي غير الْأُصُول كَمَا قَالَ: وَلا يَمِين فِي أصُولِ مَا استُحِقْ وَفِي سِوَاها قَبُلُ الإعْذَارِ يَحِقْ (وَلَا فِي يَمِين أصُول مَا) زَائِدَة (اسْتحق وَفِي سواهَا) أَي الْأُصُول من الْعرُوض وَالْحَيَوَان وَغَيرهمَا (قبل الْإِعْذَار) للْمُسْتَحقّ مِنْهُ (يحِق) هُوَ أَي الْيَمين بِأَن يَقُول: بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا بَاعَ الشَّيْء الْمُسْتَحق وَلَا وهبه وَلَا خرج عَن ملكه بِوَجْه إِلَى الْآن. قَالَ المتيطي: وَاتَّفَقُوا فِي غير
стр. 1088
الْأُصُول أَنه لَا يقْضى للْمُسْتَحقّ بِشَيْء من ذَلِك حَتَّى يحلف اه. وَإِنَّمَا وَجَبت الْيَمين لِأَن الشُّهُود إِنَّمَا قَالُوا وَلَا يعلمونه خرج عَن ملكه كَمَا مر، فهم يشْهدُونَ على نفي الْعلم وَلَا تقبل مِنْهُم إِلَّا كَذَلِك، وَقد يكون الْملك خرج عَن ملكه وهم يعلمُونَ فاستظهر بِهَذِهِ الْيَمين على بَاطِن الْأَمر، وَإِنَّمَا سَقَطت هَذِه الْيَمين فِي الْأُصُول لِأَن انْتِقَال الْملك فِيهَا لَا يكَاد يخفى والتفريق بَين الْأُصُول وَغَيرهَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد الأندلسيين وَغَيرهم كَمَا مرّ. وَفِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن زرقون أَن الْمَشْهُور لُزُوم الْيَمين حَتَّى فِي الْأُصُول، وَفِي المعيار عَن ابْن لب أَنه الَّذِي بِهِ الْعَمَل ودرج عَلَيْهِ ناظم عمل فاس حَيْثُ قَالَ:
كَذَا فِي الِاسْتِحْقَاق لِلْأُصُولِ القَوْل بِالْيَمِينِ من مَعْمُول وَقَوله قبل الْإِعْذَار يحِق صَوَابه بعد الْإِعْذَار لِئَلَّا يطعن الْمُسْتَحق مِنْهُ فِي الْبَيِّنَة فتذهب يَمِين الْمُسْتَحق بَاطِلا كَمَا تقدم نَظِيره فِي الْيَمين مَعَ الشَّاهِد. تَنْبِيه: من شهد لَهُ بِملك أمة فولدها بمنزلتها يَأْخُذهُ الْمُسْتَحق مَعهَا إِن أمكن أَن يكون وَلدته بعد التَّارِيخ الَّذِي شهد لَهُ بملكها فِيهِ قَالَه فِي الْمعِين. وَمن اسْتحق من يَده شجر وَقد كَانَ أنْفق عَلَيْهَا وَسَقَى وعالج وَهُوَ ذُو شُبْهَة فَإِنَّهُ يرجع بِأُجْرَة سقيه وعلاجه كَمَا فِي (ح) عِنْد قَول (خَ) أَوَائِل الْبيُوع: وتراب صائغ وَله الْأجر الخ. قَالَ: وَكَذَا لَو اشْترى آبقاً ففسخ البيع بعد أَن أنْفق عَلَيْهِ. وَانْظُر أقضية المعيار فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ أَنه يصدق فِي قدر الْغلَّة وَلَا يصدق فِي قدر الْإِنْفَاق، وَانْظُر تَحْصِيل اسْتِحْقَاق الأَرْض بعد زَرعهَا فِي فصل كِرَاء الأَرْض والجائحة فِيهِ، وَإِذا أعذر للْمُسْتَحقّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ أَنْت مُخَيّر بَين أَن تسلم أَو تخاصم فَإِن قَالَ: أَنا أخاصم فَسَيَأْتِي وَإِن قَالَ: سلمت فَهُوَ قَوْله: وَحيثما يقُولُ مَا لي مَدْفَعُ فَهُوَ على من بَاعَ مِنْهُ يَرْجِعُ (وحيثما يَقُول) الْمُسْتَحق مِنْهُ عِنْد الْإِعْذَار لَهُ فِيمَا أثْبته الْمُسْتَحق (مَا لي) أَي لَيْسَ لي (مدفع) وَطعن فِي الْبَيِّنَة الشاهدة لَهُ وَلَا أخاصمه بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا أراجع الشُّهُود وَلَا استفسرهم وَلَا أسأَل الْعلمَاء عَن فُصُول الْوَثِيقَة فَإِنَّهُ يحكم القَاضِي حِينَئِذٍ بِاسْتِحْقَاق من يَده (فَهُوَ) أَي الْمُسْتَحق مِنْهُ (على من بَاعَ مِنْهُ يرجع) بِثمنِهِ الَّذِي دَفعه لَهُ، وَللْبَائِع حِينَئِذٍ أَن يُخَاصم أَو يسلم، وَهَكَذَا وَلَيْسَ للْمُسْتَحقّ مِنْهُ أَن يرجع على البَائِع بِالثّمن قبل الحكم عَلَيْهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ كَمَا فِي الْأَقْضِيَة والشهادات من الْبُرْزُليّ، بل وَلَا يُطَالب أَيْضا بِالْخُصُومَةِ كَمَا فِي الْمديَان والدعاوى والأيمان من المعيار قَائِلا: إِن البَائِع لَا يُطَالب بِالْخُصُومَةِ حَتَّى يحكم على المُشْتَرِي مِنْهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ، ثمَّ إِذا رَجَعَ على البَائِع بِالثّمن فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون البَائِع مَعَه فِي الْبَلَد فَالْأَمْر وَاضح، وَإِن كَانَ بِبَلَد
стр. 1089
آخر فَلهُ أَن يذهب بالدابة وَنَحْوهَا ليرْجع عَلَيْهِ بعد أَن يضع قيمتهَا بِبَلَد الِاسْتِحْقَاق، وَإِن كَانَ الْمُسْتَحق بِالْفَتْح جَارِيَة لم تدفع إِلَيْهِ حَتَّى يثبت أَنه مَأْمُون عَلَيْهَا وإلاَّ دفعت إِلَى أَمِين ثِقَة يتَوَجَّه بهَا مَعَه وأجرته عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَيْهِ نَفَقَتهَا فِي ذهابها ورجوعها وَأُجْرَة حملهَا، ويؤجل فِي ذَلِك أَََجَلًا بِقدر بعد الْموضع وقربه فَإِن رَجَعَ بهَا عِنْد الْأَجَل فَذَاك وإلاَّ أَخذ الْمُسْتَحق الْقيمَة، فَإِن جَاءَ بهَا سَالِمَة بعد أَخذه الْقيمَة فَلَا شَيْء لَهُ فِيهَا، وَإِن جَاءَ بهَا عِنْد الْأَجَل قبل أَن يقْضى لَهُ بِالْقيمَةِ وَقد تَغَيَّرت خير فِي أَخذهَا أَو الْقيمَة، وَإِن مَاتَت فمصيبتها من الذَّاهِب بهَا وَأخذ الْمُسْتَحق الْقيمَة، وَإِن تلفت الْقيمَة وَالشَّيْء الْمُسْتَحق فمصيبة كل من صَاحبه انْظُر ابْن سَلمُون واللامية وشروحها. تَنْبِيهَانِ. الأول: هَل يتسلسل الذّهاب فَيذْهب البَائِع بهَا إِلَى بَائِعه أَيْضا وهلم جرًّا كَمَا فِي الْمُقدمَات أَو الذّهاب بهَا مَخْصُوص بِالْأولِ؟ وَأما غَيره فَيرجع بِالِاسْمِ وَالصّفة وَهُوَ الَّذِي فِي المعيار والمفيد. قَالَ الْحميدِي: وَبِه الْعَمَل لَكِن مَحل الْخلاف إِذا أَرَادَ الرُّجُوع بِالثّمن، وَأما إِذا أَرَادَ الذّهاب بهَا ليثبت أَنَّهَا ملك البَائِع المرجوع عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمكن من ذَلِك الثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع وهلم جرًّا. لِأَن الْإِثْبَات لَا يكون إِلَّا على عينهَا قَالَه الشدادي فِي حَوَاشِي اللامية، وَنَحْوه تقدم عَن ابْن رحال فِي فصل التَّوْقِيف، وَتقدم هُنَاكَ مَا إِذا أَرَادَ الْمُسْتَحق بِالْكَسْرِ الذّهاب بهَا ليقيم الْبَيِّنَة على عينهَا. وَانْظُر الْعَمَل الْمُطلق فِي الِاسْتِحْقَاق فَإِنَّهُ ذكر أَن الْمُسْتَحق مِنْهُ يرجع على بَائِعه بِالصّفةِ، وَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمَا لَهُ عين عَلَيْهَا يشْهد الخ. الثَّانِي: قَالَ سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي: إِذا اخْتَار الْمُسْتَحق من يَده عدم الْخِصَام فَإِن الْخُصُومَة ترجع بَين البَائِع والمستحق، فَإِذا خَاصم البَائِع الْمُسْتَحق وغلبه كَانَ الشَّيْء الْمُسْتَحق للْبَائِع لَا للْمُسْتَحقّ من يَده لِأَنَّهُ قد أسلمه وَقد انْفَسَخ البيع. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا إِذا لم يسلم وَقَالَ: أَنا أخاصم فَقَالَ: وإنْ يَكُن لَهُ مَقَالٌ أُجِّلَا فَإِن أَتَى بِمَا يَفِيدُ أُعْمِلا (وَإِن يكن لَهُ) أَي الْمُسْتَحق مِنْهُ (مقَال) فِي الْبَيِّنَة الشاهدة بِالِاسْتِحْقَاقِ وَسَأَلَ الاعذار فِيهَا ليجرحها، أَو قَالَ شهِدت بزور أَو كذب وَنَحْو ذَلِك (أَََجَلًا) لإِثْبَات مَا أَعَادَهُ من التجريح وَمَا مَعَه أَََجَلًا قدره شهر كَمَا مرّ فِي فصل الْآجَال حَيْثُ قَالَ: وَحل عقد شهر التَّأْجِيل فِيهِ الخ. (فَإِن أَتَى بِمَا يُفِيد) فِي تجريحها وَنَحْوه (أعملا) مَا أَتَى بِهِ وَبَقِي الشَّيْء بِيَدِهِ (و) إِن لم يَأْتِ بِشَيْء وَعجز
стр. 1090
عَن إِثْبَات مَا ادَّعَاهُ حكم القَاضِي بِالِاسْتِحْقَاقِ لمدعيه. وَما لهُ فِي عجْزهِ رجُوعُ عَلَى الذِي كانَ لهُ المبيعُ (وَمَا لَهُ) للْمُسْتَحقّ مِنْهُ (فِي) حَال (عَجزه) الْمَذْكُور (رُجُوع) بِالثّمن (على الَّذِي كَانَ لَهُ) الشَّيْء (الْمَبِيع) لِأَنَّهُ يَقُول رُجُوعه: أَنْت بعتني مَا لَيْسَ لَك بِدَلِيل هَذِه الْبَيِّنَة الشاهدة للْمُسْتَحقّ وَهُوَ قد كذبهَا بِدَعْوَاهُ تجر وَنَحْوه، وَحَيْثُ كطبها فَهُوَ مقرّ بِصِحَّة ملك البَائِع فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع عَلَيْهِ بِمَا تَقْتَضِيه شَهَادَتهمَا على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا معاوضات المعيار عَن أبي الْحسن، وفيهَا أَيْضا عَن العبدوسي فِي رجل بَاعَ أملاكاً فاستغلها المُشْتَرِي أَرْبَعَة أَعْوَام فَاسْتحقَّ حَظّ مِنْهَا بِالْحَبْسِ وَأخذ المُشْتَرِي يُخَاصم إِلَى أَن حكم عَلَيْهِ قَالَ: لَا رُجُوع لَهُ على بَائِعه لِأَن مخاصمته تَتَضَمَّن أَنه إِنَّمَا بَاعه مَا ملك، وَأَن دَعْوَى الْمُسْتَحق فِيهِ بَاطِلَة فَكيف يرجع عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَبِه الْعَمَل اه. وَقَوله: لِأَن مخاصمته تَتَضَمَّن الخ. صَرِيح فِي أَنه كَانَ لَا يرجع لعلمه صِحَة مَالك البَائِع لِأَنَّهُ بالتكذيب وَدَعوى التجريح مقرّ بذلك، وَهُوَ إِذا أقرّ بِصِحَّة ملكه ثمَّ يرجع لِأَنَّهُ معترف بِأَن الْمُسْتَحق قد ظلمه والمظلوم لَا يظلم غَيره كَمَا قَالَ (خَ) : فِي الِاسْتِحْقَاق تَشْبِيها فِي عدم الرُّجُوع مَا نَصه: كعلمه صِحَة ملك بَائِعه الخ. فجواب العبدوسي الْمَذْكُور صَرِيح فِي أَن مَسْأَلَة النَّاظِم رَاجِعَة لعلم صِحَة ملك البَائِع وَهُوَ ظَاهر (خَ) أَيْضا لِأَنَّهُ اقْتصر على علم صِحَة ملك البَائِع وَلم يتَعَرَّض لمسألة النَّاظِم كَمَا أَن النَّاظِم لم يتَعَرَّض لعلم صِحَة ملك البَائِع، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَعْنى وَاحِد كَمَا ترى، وَاقْتصر غير وَاحِد فِي مَسْأَلَة النَّاظِم على عدم الرُّجُوع وَصرح العبدوسي وَأَبُو الْحسن بِأَن الْعَمَل بِهِ كَمَا ترى، وَبِالْجُمْلَةِ فَعلم صِحَة ملك البَائِع إِمَّا أَن يكون بِإِقْرَار الْمُبْتَاع كَمَا لَو كتب الموثق فِي رسم الشِّرَاء وَعلم الْمُبْتَاع وَأقر بِصِحَّة ملك البَائِع عِنْد العقد، وَإِمَّا أَن يكون بِدَعْوَى التجريح والتكذيب لبينة الِاسْتِحْقَاق إِذْ ذَلِك كُله رَاجع لصِحَّة ملك البَائِع كَمَا مرَّ عَن العبدوسي، وَالْأَحْكَام إِنَّمَا تَدور على الْمعَانِي لَا الْأَلْفَاظ، وَقد ذكرُوا فِي علم صِحَة ملك البَائِع رِوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْن رشد: لكل مِنْهُمَا وَجه من النّظر فَوجه الرِّوَايَة بِعَدَمِ الرُّجُوع هُوَ أَنه لَا يَصح لَهُ أَن يرجع على البَائِع بِمَا يعلم أَنه لَا يجب عَلَيْهِ وَوجه الرُّجُوع أَن البَائِع أَدخل المُشْتَرِي فِي ذَلِك فَعَلَيهِ أَن يبطل شَهَادَة من شهد عَلَيْهِ بباطل حَتَّى لَا تُؤْخَذ السّلْعَة من يَد المُشْتَرِي ويتهم إِذا لم يفعل ذَلِك أَنه قصر فِي الدّفع إِذا علم أَن المُشْتَرِي لَا يتبعهُ بِالثّمن فَأَرَادَ أَن يكلفه من الدّفع مَا هُوَ ألزم لَهُ مِنْهُ اه. وَقد ذكر أَبُو الْحسن حَسْبَمَا فِي الدّرّ النثير أَن بالرواية الأولى الْعَمَل، وَقَالَ ابْن الْمُدَوَّنَة وَنَحْوه فِي الْفَائِق والمعين والفشتالي وَغَيرهم، وَصرح المكناسي فِي مجالسه بِأَنَّهُ
следующие страницы →