Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
إِن نازعه الْوَارِث كَمَا يصدق الْوَكِيل فِي الشِّرَاء لنَفسِهِ إِن نازعه الْمُوكل كَمَا فِي (ز) آخر الْوكَالَة. والقراض تَوْكِيل. وَتَقَدَّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ آخر اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين. وهوَ إذَا أَوْصَى بِهِ مُصَدَّقُ فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ يُسْتَوْثَقُ (وَهُوَ) أَي الْعَامِل (إِذا أوصى بِهِ) أَي بالقراض وَمثله الْوَدِيعَة (مُصدق) سوء أوصى بِهِ (فِي صِحَة أَو مرض يستوثق) الْمَرِيض بِهِ وَيهْلك بِسَبَبِهِ، وَظَاهره التَّصْدِيق سَوَاء عين ذَلِك كَهَذا قِرَاض لزيد أَو وَدِيعَة أَو بضَاعَة أَو لم يعين شَيْئا، وَسَوَاء عرف أصل ذَلِك أم لَا. كَانَ عَلَيْهِ دين فلس فِيهِ أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك على تَفْصِيل فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذا عينه فَإِن الْمعِين لَهُ يَأْخُذهُ وَيقدم على سَائِر الْغُرَمَاء الثَّابِتَة دُيُونهم بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار فِي صِحَة أَو مرض مَا لم يعين ذَلِك حِين تفليسه أَو قيام الْغُرَمَاء عَلَيْهِ، وإلاَّ فَلَا يقبل قَوْله إِلَّا أَن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ تشهد أَن عِنْده لفُلَان وَدِيعَة أَو قراضا، فَإِن قَامَت بذلك قبل قَوْله وَلَو لم يتهم عَلَيْهِ، وَأما إِن لم يعين شَيْئا بل قَالَ: عِنْدِي قِرَاض أَو وَدِيعَة لزيد قدرهما كَذَا فَإِن لم يكن مُفلسًا قبل إِقْرَاره وَيُؤْخَذ ذَلِك من تركته، وَإِن كَانَ مُفلسًا بَطل إِقْرَاره مَا لم تكن على أَصله بَيِّنَة وإلاَّ حاصص بِهِ الْغُرَمَاء كَمَا فِي الْعُتْبِيَّة عَن ابْن الْقَاسِم. هَذَا كُله إِذا أقرّ بِمَا هُوَ فِيهِ أَمِين، وَأما إِن أقرّ بدين فِي ذمَّته فَإِن كَانَ أقرّ بِمَجْلِس قيام الْغُرَمَاء أَو بِقُرْبِهِ قبل إِقْرَاره وحاص الْغُرَمَاء إِن كَانَت دُيُونهم ثَابِتَة بِإِقْرَار لَا بِبَيِّنَة (خَ) : فِي الْفلس وَقبل إِقْرَاره بِالْمَجْلِسِ أَو بِقُرْبِهِ إِن ثَبت دينه بِإِقْرَار لَا بِبَيِّنَة، ثمَّ قَالَ: وَقبل تَعْيِينه الْقَرَاض والوديعة إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ. وَقَالَ فِي الْقَرَاض وَتعين بِوَصِيَّة وَقدم فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض الخ. فَكَلَام النَّاظِم مُقَيّد بِغَيْر الْمُفلس وإلاَّ فَلَا يصدق إِلَّا إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْل مَا يوصى بِهِ، وَمَفْهُوم أوصى بِهِ أَنه إِذا لم يوص بِشَيْء فَإِنَّهُ يُؤْخَذ من تركته مَا ثَبت عَلَيْهِ مِنْهُ بِإِقْرَار أَو بَيِّنَة، وَإِن لم يُوجد وحاص غرماءه لَكِن مَحَله إِذا لم يتقادم عَهده كعشرة أَعْوَام كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْوَدِيعَة: وَضمن بِمَوْتِهِ وَلم يوص وَلم يُوجد إِلَّا لكعشر سِنِين وَمَا لم يدع مَا يسْقطهُ من تلف وَنَحْوه قبل مَوته أَو لم يدع الْوَرَثَة أَن موروثهم رده لرَبه أَو تلف مِنْهُ قبل مَوته فَإِنَّهُم يصدقون لِأَن الْوَارِث قَائِم موروثه كَمَا مّر فِي الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت وكما قَالُوهُ عِنْد قَول (خَ) فِي الْوَدِيعَة: وبدعوى الرَّد على وارثك، وَمَا لِابْنِ رحال فِي بَاب الْقَرَاض من عدم تَصْدِيق الْوَرَثَة لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤْخَذ من تركته إِذا لم يُوجد ويحاصص بِهِ حَيْثُ لم يتقادم عَهده مَعَ احْتِمَال كَونه تلف أَو خسر فِيهِ أَو رده لرَبه، لِأَن الأَصْل وَالْغَالِب هُوَ السَّلامَة وَعدم الخسر وَالرَّدّ، وَلِهَذَا أوجبوا أَخذه من تركته وعمروا بِهِ
стр. 1017
ذمَّته حَتَّى صَار ربه يحاصص بِهِ كَمَا مّر، وَبِه نعلم سُقُوط مَا فِي حَاشِيَة الشَّيْخ الرهوني من اعْتِبَار ذَلِك الِاحْتِمَال قَائِلا: لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذمم وَلَا تعمر إِلَّا بِيَقِين الخ. لأَنا نقُول كَمَا لَا تعمر إِلَّا بِيَقِين لَا تَبرأ إِلَّا بِهِ، وَهنا عمرت بِيَقِين وَاحْتِمَال طرُو التّلف وَمَا مَعَه كاحتمال طرُو الْقَضَاء فِي الدّين الثَّابِت فَهُوَ خلاف الأَصْل، وَالْغَالِب الَّذِي هُوَ اسْتِصْحَاب مَا كَانَ على مَا كَانَ وَمَا ذكره من الْبَحْث أَصله فِي الْبُرْزُليّ عَن بَعضهم، وَلَكِن قد علمت مَا فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي المعيار قبل نَوَازِل الهبات فِيمَن سَافر بالقراض لبلد السودَان بِإِذن ربه وَطَالَ مقَامه إِحْدَى عشرَة سنة قَالَ: إِن هَذَا الْعَامِل قد تعدى بإبطائه هَذِه الْمدَّة الَّتِي سَافر فِيهَا النَّاس وجاؤوا فَيجوز لرب المَال الْقيام عَلَيْهِ وَيضمنهُ مَا ثَبت من رَأس المَال ويحاصص بِهِ غرماءه اه. بِاخْتِصَار. فَهُوَ قد ضمنه رَأس المَال مَعَ احْتِمَال التّلف والخسر وَمَا ذَاك إِلَّا لِكَوْنِهِمَا خلاف الأَصْل وَالْغَالِب، وَبِه كنت أَفْتيت فِي عَامل غَابَ بالقراض مُدَّة طَوِيلَة ووافقني عَلَيْهِ مفتي قَاض شَيخنَا سَيِّدي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَغَيره وَوَقع الحكم بِهِ، وَهَذِه الْمَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع فِي هَذِه الْبلدَانِ وَيفهم من قَوْله: وَيضمنهُ مَا ثَبت من رَأس المَال أَنه لَا يضمنهُ شَيْئا من الرِّبْح وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الأَصْل عدم وجوده إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة بِأَنَّهُ قد ربح بمحضرهم كَذَا أَو أقرّ عِنْدهم بذلك فَإِنَّهُ يحاصص بِحِصَّتِهِ مِنْهُ أَيْضا لِأَن الأَصْل حِينَئِذٍ بَقَاؤُهُ، وَلذَا قَالَ الْبُرْزُليّ: وَلَا يقْضى على التَّرِكَة بِالرِّبْحِ إِلَّا أَن يتَحَقَّق الخ. ثمَّ ذكر عَن ابْن عَرَفَة بعد هَذَا بِوَرَقَة وَنَحْوهَا أَنه حكم فِيهَا بِالْمَالِ وَبِمَا يقدر لَهُ من الرِّبْح فَانْظُر ذَلِك فِيهِ. وأجْرُ مِثْلٍ أوْ قِرَاضُ مِثْلِ لعامِلِ عِنْد فَسَادِ الأَصْلِ (وَأجر مثل أَو قِرَاض مثل) يجب أَحدهمَا (لعامل عِنْد فَسَاد الأَصْل) أَي الْقَرَاض. وأو فِي كَلَامه بِمَعْنى قيل لِأَنَّهُمَا قَولَانِ مرويان عَن مَالك ومنشؤهما هَل مَا فسد من العقد يرد إِلَى صَحِيح نَفسه أَو إِلَى فَاسد أَصله كَمَا مَّر مثله فِي المغارسة والجعل لِأَن الْقَرَاض مُسْتَثْنى من الْإِجَارَة،
стр. 1018
وَالْفرق بَينهمَا أَن أُجْرَة الْمثل فِي الذِّمَّة وقراض الْمثل فِي الرِّبْح فَإِن لم يكن ربح فَلَا شَيْء لَهُ، وَأُجْرَة الْمثل يحاص بهَا الْغُرَمَاء، وقراض الْمثل يقدم فِيهِ عَلَيْهِم وَمَا فِيهِ قِرَاض الْمثل لَا يفْسخ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا يَأْتِي، وَفِي الْمَسْأَلَة رِوَايَة ثَالِثَة بالتفصيل وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم أَن الْقَرَاض إِذا كَانَ بِالْعرضِ أَو بِجُزْء مُبْهَم أَو إِلَى أجل أَو بدين أَو بِضَمَان أَو قَالَ لَهُ: اشْتَرِ سلْعَة فلَان ثمَّ اتّجر فِي ثمنهَا أَو شَرط عَلَيْهِ أَن لَا يتجر إِلَّا فِي سلْعَة كَذَا وَهِي يقل وجودهَا أَو لَا يشترى إِلَّا بدين أَو أعطَاهُ دَنَانِير وَشرط عَلَيْهِ أَن يصرفهَا ثمَّ يتجر فِي ثمنهَا، فَهَذِهِ تِسْعَة كلهَا فِيهَا قِرَاض الْمثل، وزيدت عاشرة وَهِي مَا إِذا اخْتلفَا فِي الرِّبْح وَلم يشبها فَإِنَّهُمَا يردان إِلَى قِرَاض الْمثل كَمَا مر فِي قَول النَّاظِم: وَالْقَوْل قَول عَامل إِن يخْتَلف الخ. وَفِيمَا فسد مِمَّا عدا هَذِه الْمَذْكُورَات أُجْرَة الْمثل، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة درج (خَ) إِذا قَالَ: كفلوس وَعرض إِن تولى بَيْعه كَأَن وَكله على دين أَو ليصرف ثمَّ يعْمل فأجر مثله فِي توليه، ثمَّ قِرَاض مثله فِي ربحه كلك شرك وَلَا عَادَة أَو مُبْهَم أَو أجل أَو ضمن أَو اشْتَرِ سلْعَة فلَان ثمَّ أتجر فِي ثمنهَا أَو بدين أَو مَا يقل كاختلافهما فِي الرِّبْح وادعيا مَا لَا يشبه وَفِيمَا فسد غَيره أُجْرَة مثله. وَقد تقدم فِي النّظم بعض مَا فِيهِ قِرَاض الْمثل وَبَعض مَا فِيهِ أُجْرَة الْمثل مشروحاً فَرَاجعه فِيمَا مّر. تَنْبِيه: ذكر ابْن مغيث وَصَاحب النِّهَايَة أَن الْعَمَل جرى بقراض الْمثل فِي أَرْبَعَة فَقَط وَهِي: الْقَرَاض بالعروض أَو بالجزء الْمُبْهم أَو إِلَى أجل أَو بِضَمَان، ويجمعها قَوْلك: ضمن الْعرُوض إِلَى أجل مُبْهَم، وَمَا عدا هَذِه الْأَرْبَع فِيهِ أُجْرَة الْمثل. وَذكر الْبُرْزُليّ عَن ابْن يُونُس أَن كل مَا يرجع لقراض الْمثل يفْسخ مَا لم يشرع فِي الْعَمَل فيمضي وَكَذَا الْمُسَاقَاة وكل مَا يرجع إِلَى أجر الْمثل يفْسخ أبدا.
стр. 1019
(بَاب التَّبَرُّعَات)
الْحَبْس وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَمَا يتَّصل بهَا من الْعُمْرَى والإرفاق والحيازة، قَالَ الغرناطي: تذكر فِي الْوَثِيقَة تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالْحَبْس وموضعه وتحديده والمعرفة بِقَدرِهِ وتوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ الصغار إِلَى أَن يبلغُوا مبلغ الْقَبْض وَعقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ وَمَعْرِفَة الشُّهُود لملك الْمحبس، فَإِن كَانَ سَاكِنا فِيهِ ضمنت مُعَاينَة الشُّهُود لإخلائه إِلَّا أَن يحبس بِكُل مَا فِيهَا فَلَا يحْتَاج إِلَى إخلائها وَإِن كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ مَالِكًا أمره ذكرت قَبضه للحبس ونزوله فِيهِ وقبوله وضمنت مُعَاينَة الْقَبْض، وَكَذَا تعقد فِي الصَّدقَات والهبات اه. قلت: أما تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالشَّيْء الْمحبس فَهِيَ أَرْكَان لَا بُد من ذكرهَا فَإِن سقط وَاحِد من الأول وَالثَّالِث بَطل، وَإِن سقط الْمحبس عَلَيْهِ وَقَالَ: دَاري حبس وَسكت فَإِنَّهُ يَصح وَتَكون وَقفا على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين عِنْد مَالك كَمَا فِي الْبُرْزُليّ، وَأما تحديده فَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه. أَنه شَرط فِي الحكم بِهِ لَا فِي صِحَة التحبيس، وَأما معرفَة قدره فَإِنَّهُ مَحْمُول على مَعْرفَته بل هبة الْمَجْهُول أَو تحبيسه جَائِز، وَأما تَوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ فسقوطه من الْوَثِيقَة لَا يضر كَمَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه الثَّالِث عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه، وَأما عقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ فَهُوَ شَرط فِي الصَّغِير وَالْكَبِير كَمَا يَأْتِي فِي الْمحل الْمَذْكُور أَيْضا، وَأما معرفَة الشُّهُود لملك الْمحبس فَإِن عدم ذكره لَا يضر كَمَا مر فِي شَهَادَة السماع. نعم هُوَ شَرط فِي اسْتِحْقَاق الْملك بِالْحَبْسِ كَمَا مرّ هُنَاكَ، وَانْظُر مَا تقدم فِي البيع على الْغَائِب أَيْضا إِن شِئْت، وَأما معرفَة صغر الْبَنِينَ فَسَيَأْتِي أَيْضا فِي شرح الْبَيْت الْمُتَقَدّم، وَأما مُعَاينَة الشُّهُود للإخلاء فَهُوَ قَول النَّاظِم: وَمن يحبس دَار سكناهُ الخ، وَأما قبض الْمَالِك أمره فَهُوَ شَرط كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ. وَأما قبُوله فَإِنَّهُ لَا يضر سُقُوطه كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَلمن سيوجد الخ. ثمَّ قَالَ أول وَثِيقَة النِّكَاح: وَلَا بُد من ذكر الصِّحَّة أَي صِحَة الْعَاقِد فِي النِّكَاح والهبات وَالصَّدقَات والأحباس وكل مَا لَيْسَ فِيهِ عوض اه. وَمُقْتَضَاهُ أَن القَوْل لمُدعِي الْمَرَض عِنْد النزاع وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَقدم التَّارِيخ تَرْجِيح الخ. ثمَّ إِن الْوَقْف سنة قَائِمَة عمل بهَا النَّبِي ﷺ والمسلمون من بعده. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) اه. وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز تحبيس الْمَسَاجِد والقناطر والطرق والمقابر، وَإِنَّمَا خَالف أَبُو حنيفَة فِي لُزُوم تحبيس غير مَا ذكر لَا
стр. 1020
فِي جَوَازه، فَإِنَّهُ يَقُول بِجَوَازِهِ لكنه عِنْده إِنَّمَا يلْزم بِحكم الْحَاكِم وَهُوَ قبل الحكم على ملك الْوَاقِف قبض أم لَا. وَله الرُّجُوع عَنهُ بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَيُورث عَنهُ عِنْده إِن مَاتَ قَالَه فِي المعونة. ابْن عَرَفَة: وَالْوَقْف إِعْطَاء مَنْفَعَة شَيْء مُدَّة وجوده لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه وَلَو تَقْديرا فَتخرج عَطِيَّة الذوات وَالْعَارِية والعمرى وَالْعَبْد المخدم حَيَاته بِمَوْت قبل سَيّده لعدم لُزُوم بَقَائِهِ فِي ملك معطيه لجَوَاز بَيْعه بِرِضَاهُ مَعَ معطاه اه. فَخرج بقوله: مَنْفَعَة إِعْطَاء الذوات، وَقَوله شَيْء يشْعر بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون متمولاً لَا تافهاً، وَقَوله مَنْفَعَة هَذَا هُوَ الأَصْل وَإِن كَانَ الْحَبْس قد يكون للِانْتِفَاع كالمدارس لِأَن الِانْتِفَاع إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِن شَرطه الْمحبس أَو جرى عرفه بِهِ، وَالْفرق أَن مَالك الْمَنْفَعَة لَهُ أَن يكريها ويعيرها لغيره بِخِلَاف مَالك الِانْتِفَاع فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الِانْتِفَاع بِنَفسِهِ فَلَا يكْرِي وَلَا يعير، وَبِقَوْلِهِ: مُدَّة وجوده الْعَارِية والعمرى وَهُوَ مَبْنِيّ على أَن الْحَبْس لَا يكون إِلَّا مُؤَبَّدًا وَإِطْلَاق الْحَبْس على غير المؤبد مجَاز عِنْده كَمَا صرح بِهِ هُوَ بِنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالرِّوَايَات وَاضِحَة بِإِطْلَاق الْحَبْس على مَا حبس مُدَّة يصير بعْدهَا ملكا وَهُوَ مجَاز اه. وعَلى ذَلِك يَنْبَنِي قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ الخ. وَأخرج بِهِ العَبْد المخدم وَإِنَّمَا قَيده بقوله: يَمُوت قبل سَيّده لِأَنَّهُ فِيهِ يظْهر قَوْله مُدَّة وجوده، وَأما إِن مَاتَ سَيّده قبله فَإِنَّهُ يبطل إخدامه وَيرجع للْوَرَثَة فَهُوَ خَارج حِينَئِذٍ بقوله مُدَّة وجوده. وَقَوله: وَلَو تَقْديرا يحْتَمل أَن يكون مُبَالغَة فِي الْإِعْطَاء أَي: وَلَو كَانَ الْإِعْطَاء تَقْديرا كَقَوْلِه: إِن ملكت دَار فلَان فَهِيَ حبس، وَيحْتَمل أَن يكون رَاجعا لِمَعْنى قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه أَي لَا يخرج عَن ملكه وَلَو تَقْديرا. وَقَوله: حَيَاته يَعْنِي حَيَاة السَّيِّد أَو حَيَاة العَبْد أَو المخدم بِالْفَتْح فَإِن أطلق فَيحمل على حَيَاة العَبْد وَالْكل خَارج بِمَا ذكر إِلَّا أَنه إِن أخدمه حَيَاة العَبْد وَمَا بعده فَإِن الْخدمَة لَا تبطل بِمَوْت السَّيِّد لِأَنَّهَا مَنْفَعَة قد حيزت بحوز أَصْلهَا وتورث عَن المخدم بِالْفَتْح فِي إخدامه حَيَاة العَبْد أَو إِطْلَاقه كَمَا يدل لَهُ قَول (خَ) فِي الْوَصِيَّة: وبمنافع عبد ورثت عَن الْمُوصى لَهُ. تَنْبِيه: من حبس على بنيه الصغار جَمِيع أملاكه وَقَالَ فِي تحبيسه: كل مَا يملكهُ مُدَّة حَيَاته فَهُوَ حبس فَإِن كل مَا يملكهُ بعد التحبيس لَاحق بِالْحَبْسِ إِن ملكه وَهُوَ سَالم من الدّين الْمُسْتَغْرق وَكَانَ صَحِيح الْجِسْم، فَإِن كَانَ يَوْم ملكه مدينا فَلَا حبس إِلَّا فِيمَا تقدم الدّين، وَكَذَا إِن كَانَ مَرِيضا وَمَات من مَرضه ذَلِك قَالَه فِي معاوضات المعيار. الحَبْسُ فِي الأُصُولِ جَائِزٌ وَفِي مُنَوَّعِ العَيْن بِقَصْدِ السَّلَفِ (الْحَبْس) بِالسُّكُونِ تَخْفِيفًا للوزن (فِي الْأُصُول) كالدور وَالْأَرضين والحوائط والطرق والآبار والمصانع وَهِي الْحِيَاض يجمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ
стр. 1021
تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ١٢٩) (جَائِز) بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة كَمَا تقدم وَهُوَ لَازم بالْقَوْل عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَخَالف أَبُو حنيفَة فِي غير تحبيس الْمَسَاجِد وَنَحْوهَا كَمَا مرّ وَقَالَ: لَا يلْزم إِلَّا بالحكم كَمَا مر، وَعنهُ أَيْضا أَنه لَا يجوز فِي غير الْمَسَاجِد وَنَحْوهَا لقَوْله تَعَالَى: مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٣) وَقَوله تَعَالَى: وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث﴾ الْآيَة (الْأَنْعَام: ١٣٦) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَلَا حجَّة لَهُ فِي ذَلِك لِأَن الْآيَة إِنَّمَا تَقْتَضِي التوبيخ على مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تحرمه على نَفسهَا تديناً وافتراء على الله اه. وَصرح الْبَاجِيّ بِأَنَّهُ بَاقٍ على ملك الْمحبس قَالَ: وَهُوَ لَازم تَزْكِيَة حَوَائِط الأحباس على ملك محبسها (خَ) : وَالْملك للْوَاقِف، وَقَالَ أَيْضا فِي الزَّكَاة كنبات وحيوان ونسله على مَسَاجِد الخ. (و) جَائِز أَيْضا (فِي منوع الْعين) من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف أَي الْعين المنوعة إِلَى ذهب وَفِضة (بِقصد السّلف) كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَة فِي كتاب الزَّكَاة وَهُوَ الْمَشْهُور. وَلا يَصِحُّ فِي الطَّعَامِ واخْتَلَفْ فِي الحَيوانِ والعُرُوضِ مَنْ سَلَفْ (وَلَا يَصح) الْحَبْس (فِي الطَّعَام) وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يعرف بِعَيْنِه إِذا غيب عَلَيْهِ، وَظَاهره وَلَو للسلف وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ابْن شَاس وَابْن سَلمُون وَغَيرهمَا قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا مَعَ اسْتِهْلَاك عينه وَالْمذهب جَوَاز وَقفه للسلف أَيْضا كَالْعَيْنِ وَينزل رد مثله بِمَنْزِلَة دوَام عينه وتزكي الْعين على ملك رَبهَا كَمَا قَالَ (خَ) : وزكيت عين وقفت للسلف الخ. فَكَانَ حق النَّاظِم أَن لَا يفرق بَين الطَّعَام وَالْعين. (وَاخْتلف) بِفَتْح اللَّام (فِي) جَوَاز تحبيس (الْحَيَوَان) ناطقاً أم لَا (وَالْعرُوض) من سلَاح وَثيَاب وَنَحْوهمَا وَعدم جَوَاز تحبيس ذَلِك (من سلف) فَاعل بقوله: اخْتلف، وَالْقَوْلَان مرويان عَن الإِمَام، وَالْمَشْهُور الْجَوَاز لحَدِيث: (من حبس فرسا فِي سَبِيل الله إِيمَانًا بِاللَّه وَتَصْدِيقًا بوعده كَانَ شبعه وريه فِي مِيزَانه) . وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: صَحَّ وقف مَمْلُوك وَلَو حَيَوَانا ورقيقاً كَعبد على مرضى وَفِي وقف كطعام تردد الخ. وَظَاهره كالناظم أَن الْمَمْلُوك يَصح وَقفه وَلَو جُزْءا شَائِعا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: وَفِي جُزْء مشَاع حكم تحبيس قفي الخ.
стр. 1022
ولِلْكِبارِ والصِّغارِ يُعْقَدُ ولِلْجَنِينِ ولِمَنْ سَيُولَدُ (و) يشْتَرط فِي الْمحبس عَلَيْهِ أَن يكون أَهلا للتَّمَلُّك حَقِيقَة كزيد والفقراء أَو حكما كقنطرة وَمَسْجِد وَلَا يشْتَرط كَونه كَبِيرا وَلَا مَوْجُودا بل (للكبار وَالصغَار يعْقد وللجنين) الْمَوْجُود فِي بطن أمه بل (وَلمن) لم يُوجد فِي الْبَطن وَلَكِن (سيولد) فِي الْمُسْتَقْبل وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَالْوَصِيَّة مثل الْحَبْس فِي ذَلِك، وَيتم ذَلِك وَيلْزم باستهلال من فِي الْبَطن أَو سيوجد (خَ) كمن سَيكون إِن اسْتهلّ أَي إِذا قَالَ: هُوَ حبس أَو صَدَقَة على من سيولد لفُلَان فَإِن ذَلِك صَحِيح قبل الْولادَة غير لَازم للمحبس وَنَحْوه حَتَّى يُوجد ويستهل، وَلذَا كَانَ للمحبس وَنَحْوه أَن يَبِيع أَو يهب قبل الْولادَة بِالْكُلِّيَّةِ على الْمَذْهَب فَإِن بَاعَ بعد أَن ولد لَهُ وَمَات الْوَلَد وَلم يحصل الْيَأْس من ولادَة غَيره فَلَا يجوز اتِّفَاقًا، وَيفهم من هَذَا أَنه لَو قَالَ: هُوَ حبس على مَا يُولد لي أَو لفُلَان وبعدهم على الْمَسَاكِين فَمَاتَ قبل أَن يُولد لَهُ أَو حصل لَهُ الْيَأْس من ولادتهما أَن الْحَبْس يبطل وَيرجع مِيرَاثا، وَأما إِن وجد الْوَلَد وَمَات فَإِنَّهُ يسْتَمر حبسا على الْمَسَاكِين، وَيفهم من هَذَا أَيْضا أَن الْغلَّة لَا توقف بل هِيَ للمحبس أَو ورثته حَتَّى يُوجد الْوَلَد ويستهل وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم إِلَّا بالاستهلال كَمَا مرّ. تَنْبِيهَانِ. الأول: يشْتَرط قبُول الْمحبس عَلَيْهِ حَقِيقَة أَو حكما كَمَا لَو قَبضه وَصَارَ يتَصَرَّف فِيهِ لِأَن ذَلِك أقوى فِي الدّلَالَة على الرِّضَا من التَّصْرِيح بِهِ، فَإِذا سقط لفظ الْقبُول من الْوَثِيقَة فَإِن ذَلِك لَا يضر حَيْثُ وجد الْقَبْض الْمَذْكُور فالقبض يسْتَلْزم الْقبُول وَالْقَبُول لَا يسْتَلْزم الْقَبْض، وَلذَا إِذا لم يقبض الْحَبْس حَتَّى مَاتَ الْمحبس أَو الْمحبس عَلَيْهِ الْمعِين لَهُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهُ يبطل وَلَو تضمن الرَّسْم الْقبُول فَإِن حبس شِقْصا على شخص أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ وعرفه بذلك فَسكت وَلم يقل قبلت وَترك ذَلِك زَمَانا، ثمَّ قَامَ وَأَرَادَ قبض ذَلِك وحيازته فَلهُ ذَلِك حَيْثُ لم يكن مَانع من موت أَو مرض أَو فلس، فَإِن طلب غلَّة ذَلِك حلف أَنه لم يسكت على وَجه التّرْك وَرجع بهَا قَالَه فِي الِاسْتِغْنَاء وَنَقله ابْن عَرَفَة قَالَ: وَفِيه مَعَ ركنية الْقبُول نظر الْأَعْلَى أَن بت الْخِيَار مُوجب بته يَوْم
стр. 1023
عقده اه. أَي: لِأَن الْقبُول إِذا كَانَ ركنا فمعلوم أَن الْمَاهِيّة تنعدم بانعدام بعض أَرْكَانهَا وَذَلِكَ مُوجب لكَونه لَا غلَّة لَهُ، نعم مَا فِي الِاسْتِغْنَاء هُوَ الْجَارِي على من تصدق بِأمة فَلم يقبلهَا الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ حَتَّى ولدت أَوْلَادًا فَإِنَّهَا تكون لَهُ هِيَ وَأَوْلَادهَا، وَلَو أَخذ السَّيِّد أرش قتل بعض أَوْلَادهَا فَإِن الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يرجع عَلَيْهِ بِهِ قَالَه فِي سَماع عِيسَى، وَلَا يظْهر فرق بَين أَوْلَاد الْأمة وَالْغلَّة الْمَذْكُورَة، وَبحث ابْن عَرَفَة وَغَيره. لَا يدْفع الْفِقْه كَمَا تقرر عِنْدهم وَالله أعلم. وَأما الْمَحْجُور من صَغِير وسفيه فَإِنَّهُ يُقَام لَهُ من يقبل من وَصِيّ ومقدم، فَإِن لم يقبل من لَهُ أَهْلِيَّة الْقبُول دفع لغيره مِمَّن يسْتَحق ذَلِك بِاجْتِهَاد الْحَاكِم وَلَا يرد للمحبس، فَإِن لم تكن فِيهِ أَهْلِيَّة للقبول كالمساجد والقناطر والفقراء فَلَا يشْتَرط قبولهم، وَالْوَصِيّ وَنَحْوه لَيْسَ لَهُ أَن يرد مَا وقف على مَحْجُوره فَإِن رد لم يَصح رده. الثَّانِي: إِذا قَالَ: حبس على فلَان وَأطلق وَلم يُقيد بِأَجل وَلَا بحياته فَإِنَّهُ يرجع بعد موت الْمحبس عَلَيْهِ ملكا على الْمُعْتَمد، وَأَحْرَى إِن قيد بِالْحَيَاةِ أَو بالأجل وَاخْتلف إِذا قَالَ: هُوَ صَدَقَة عَلَيْك وعَلى ولدك أَو على عقبك هَل يكون ملكا أَو حبسا. اللَّخْمِيّ: وَالْأول أحسن وَلَكِن يمْنَع الأول من التفويت لحق الثَّانِي كَذَا قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة، وَسَيَأْتِي نَفسه فِي الْهِبَة إِن شَاءَ الله. ويَجِبُ النَّصُّ عَلَى الثِّمَارِ وَالزَّرْع حَيْثُ الحَبْسُ لِلصِّغار (و) إِذا كَانَ فِي الأَرْض أَو فِي الْأَشْجَار المحبسة زرع أَو ثَمَر مَأْبُور فِي رؤوسها ف (يجب النَّص على) إِدْخَال تِلْكَ (الثِّمَار و) ذَلِك (الزَّرْع) فِي الْحَبْس فَإِن لم ينص على دخولهما وَحصل مَانع قبل الْجذاذ والحصاد بَطل (حَيْثُ) كَانَ (الْحَبْس) من الْأَب (للصغار) من بنيه لِأَنَّهُ قد شغل الْحَبْس بزرعه وثمرته فَلم تتمّ فِيهِ حيازته لَهُم، وَهَذَا إِذا كَانَ الزَّرْع وَالثَّمَر فِي أَكثر الحباسة فَإِن كَانَا فِي ثلثه فَأَقل نفذ الْحَبْس فِي الْأَمْلَاك دون الثَّمَرَة لِأَنَّهُ يجوز لَهُ أَن يسْتَثْنى من حَبسه أَو صدقته قدر ثلث المساكن فِي الدَّار وَثلث الْغلَّة فِيمَا لَهُ غلَّة ثمَّ يلْحق بعد مَوته بِالْحَبْسِ أَو الصَّدَقَة قَالَه
стр. 1024
فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَفِي المعيار: أَن هبة الدَّار المكتراة لَا بُد أَن يدْخل الْكِرَاء فِي هبة الدَّار وإلاَّ جرى فِيهَا مَا تقدم، ثمَّ إِنَّمَا يتم إِلْحَاقه بعد مَوته إِذا كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ غير وَارِث وَحمل ذَلِك ثلثه قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة أَيْضا. فَقَوْل النَّاظِم: وَيجب الخ يَعْنِي على جِهَة الْأَوْلَوِيَّة لِأَنَّهُ إِذا لم ينص على ذَلِك أَو لم يرد إِدْخَال ذَلِك فِي الْحَبْس وَلم يحصل مَانع قبل الْجذاذ والحصاد فالحيازة تَامَّة، وَقَوْلِي: مَأْبُور احْتِرَازًا من غَيره فَإِنَّهُ للمحبس عَلَيْهِ فَلَا تَأتي فِيهِ الْعلَّة الْمُتَقَدّمَة، وَمَفْهُوم للصغار وَمن فِي معناهم من سَفِيه ومعتوه أَنه إِذا حَبسه على الْكِبَار الرشداء وقبضوا الْأُصُول بِمَا فِيهَا فَإِن حيازتهم تَامَّة وَإِن كَانَت الثَّمَرَة لِرَبِّهَا، وَكَذَا لَو حبس على غَيرهم دَار فقبضوها وفيهَا مَتَاع لَهُ فَإِن الْحِيَازَة تَامَّة لأَنهم قبضوها وزائداً مَعهَا كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَابْن سَلمُون. وَانْظُر مَا يَأْتِي آخر الْهِبَة من أَنه يجوز أَن يهب لَهُ أَرضًا ويستثني غَلَّتهَا سِنِين وَهَذَا فِي غير دَار سكناهُ كَمَا قَالَ: وَمَنْ يُحَبِّسْ دارَ سُكْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ إلاّ أنْ يُعَايَنَ الْخَلَا (وَمن يحبس دَار سكناهُ) على بنيه أَو على غَيرهم (فَلَا يَصح) الْحَوْز (إِلَّا أَن يعاين الخلا) مِنْهَا وَيشْهد عَدْلَانِ بمعاينتها خَالِيَة من شواغل الْمحبس وَيسْتَمر على خُرُوجه مِنْهَا عَاما كَامِلا، فَإِن رَجَعَ لسكناها قبله وَبَقِي فِيهَا حَتَّى مَاتَ أَو حصل مَانع بَطل إِلَّا أَن يكون الْمحبس مَرِيضا أَو طريداً فآواه الْمحبس عَلَيْهِ فَمَاتَ فَذَلِك كلا رُجُوع كَمَا فِي كتاب الصَّدَقَة من ابْن سَلمُون (خَ) عاطفاً على المبطلات أَو عَاد لسكنى مَسْكَنه قبل عَام، وَظَاهر هَذَا وَلَو رَجَعَ إِلَيْهَا بكرَاء عقده فِيهَا بِأَن قَومهَا أَرْبَاب الْمعرفَة بكرَاء قدره كَذَا وسكنها بذلك الْكِرَاء، وَبِه صرح المتيطي فِي الصَّدَقَة قَالَ: وَلَو جَازَ ذَلِك بالكراء لجَاز بِغَيْر كِرَاء. قَالَ: فَإِن لم يسكنهَا وَلَكِن أسكنها غَيره فَإِن أسْكنهُ إِيَّاهَا على وَجه الْعُمْرَى أَو الإسكان بطلت، وَإِن كَانَ بكرَاء صحت، وَإِن شكّ هَل بكرَاء أَو إسكان صحت، وَأما غير دَار السُّكْنَى إِذا عَاد إِلَيْهِ قبل الْعَام بكرَاء كَمَا لَو وهب لصغير فداناً من أَرض ثمَّ حرثه قبل الْعَام بكرَاء قوَّمه بِهِ أَرْبَاب الْمعرفَة فَإِنَّهُ لَا يبطل كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي هبات المعيار. إِلَّا أَن يعاين الْخَلَاء يَعْنِي لكلها أَو جلها كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْهِبَة: وَدَار سكناهُ إِلَّا أَن يسكن أقلهَا ويكرى لَهُ الْأَكْثَر وَإِن سكن النّصْف بَطل فَقَط، وَالْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع الخ. وَالْهِبَة وَالْحَبْس من وَاد وَاحِد كَمَا يَأْتِي، وَظَاهره أَنه لَا بُد من إخلائها وَلَو حَبسهَا على مَحْجُوره مَعَ مَا فِيهَا من الْأَمْتِعَة. انْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله فِي الْهِبَة: وَإِن يكن مَوضِع سكناهُ وهب الخ. وَنَافِذٌ تَحْبِيسُ مَا قَدْ سَكَنَهْ بِما كالاكِتراءِ مِنْ بَعْدِ السَّنَهْ (ونافذ تحبيس مَا قد سكنه) بعد تحبيسه (بِمَا كالاكتراء من بعد السنه) الظَّاهِر أَن مَا وَالْكَاف زائدتان، وَظَاهره أَن الْكِرَاء شَرط فِي صِحَة حيازته وَلَيْسَ كَذَلِك بل مهما رَجَعَ بعد السّنة
стр. 1025
فالحيازة تَامَّة على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ، وَلَو رَجَعَ بِغَيْر كِرَاء كَمَا أَن قَوْله: إنْ كانَ مَا حُبِّسَ لِلْكِبَارِ وَمِثْلُ ذاكَ فِي الهباتِ جَارِي (إِن كَانَ مَا حبس للكبار) إِنَّمَا يتمشى على طَريقَة ابْن رشد، وَأما على الْمَشْهُور فَلَا مَفْهُوم للشّرط الْمَذْكُور كَمَا هُوَ ظَاهر مَفْهُوم نَص (خَ) الْمُتَقَدّم. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فرق بَين الصغار والكبار فِي صِحَة الْحَبْس إِن رَجَعَ بعد الْعَام كَانَ رُجُوعه بكرَاء أَو إرفاق أَو غير ذَلِك كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة قَائِلا: لَو تصدق عَلَيْهِ بدار حازها لَهُ سنتَيْن ثمَّ سكنها بكرَاء أَو غَيره وَمَات فِيهَا فَهِيَ مَاضِيَة اه. وَنَحْوه فِي الْمجَالِس والمفيد وَغَيرهمَا خلافًا لما فِي زمن أَنه إِذا رَجَعَ إِلَيْهَا بإرفاق بَطل لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتمشى على طَريقَة ابْن رشد الَّتِي درج النَّاظِم عَلَيْهَا وَهِي مُعْتَرضَة كَمَا نظم ذَلِك الإِمَام المزواري بقوله: رُجُوع وَاقِف لما قد وَقفا بعد مُضِيّ سنة قد خففا على صبي كَانَ أَو ذِي رشد واعترضت طَريقَة ابْن رشد (وَمثل ذَاك) الحكم الْمَذْكُور فِي الْحَبْس (فِي الهبات) وَالصَّدقَات (جَار) لِأَنَّهَا من وَاد وَاحِد فِي وجوب الْحِيَازَة. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا ثَبت رُجُوعه قبل السّنة أَو بعْدهَا فَلَا إِشْكَال وَإِن جهل الْحَال هَل رَجَعَ قبل السّنة أَو بعْدهَا فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الوانشريسي وَنَقله الفاسي فِي جَوَاب لَهُ: أَنه يحمل على رُجُوعه قبل السّنة وَلَا يُعَارضهُ مَا فِي أحباس المعيار فِيمَن حبس على صَغِير ثمَّ بَاعه من أَنه إِذا ثَبت أَن بَيْعه قبل الْعَام فَالْبيع صَحِيح وَلَا قيام للمحبس عَلَيْهِ وَلَا لمن مرجعه لَهُ، أما لَو تمّ الاحتياز بانصرام الْعَام فَالْبيع مفسوخ وَيجب الرُّجُوع بِالثّمن على البَائِع أَو على تركته إِن مَاتَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تكلم على مَا إِذا ثَبت ذَلِك قبل الْعَام أَو بعده، وَأما عِنْد الْجَهْل فَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قَوْله: إِذا ثَبت أَن بَيْعه قبل الْعَام الخ. رُبمَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنه إِذا لم يثبت وَجَهل أمره يحمل على مَا بعد الْعَام الخ. لِأَنَّهُ لَا يُعَارض صَرِيح بِظَاهِر وَلَا بمحتمل، وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: والحوز شَرط الخ.
стр. 1026
الثَّانِي: لَا بُد أَن يضمن الشُّهُود فِي الرَّسْم معرفَة صغر الْمحبس عَلَيْهِ لِئَلَّا يقوم عَلَيْهِ قَائِم وَهُوَ كَبِير فَيَقُول لَهُ: لم يتَصَدَّق عَلَيْك إِلَّا وَأَنت كَبِير وَلم تحز، وَيَقُول هُوَ: كنت صَغِيرا، وَقد اخْتلف فِي قَول أَيهمْ يقبل، وَالظَّاهِر أَنه يقبل قَول الصَّغِير لِأَنَّهُ يَدعِي الصِّحَّة فَإِن مَاتَ الْأَب بعد بُلُوغ الابْن وَالْحَبْس أَو الْهِبَة بِيَدِهِ فَإِن كَانَ الابْن مَعْرُوف الرشد وَقت بُلُوغه بَطل، وَإِن كَانَ مَعْرُوف السَّفه صَحَّ، وَإِن كَانَ مشكوكاً وَمَضَت لَهُ سنة من موت الْأَب بَطل قَالَه فِي هبات المعيار. وَإِذا بلغ بَعضهم وَلم يبلغ الْبَعْض الآخر حَاز الْكَبِير لنَفسِهِ وللصغار بوكالة الْأَب، وَظَاهر الْمُدَوَّنَة أَنهم محمولون على السَّفه حَتَّى يتَبَيَّن الرشد وَهُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى: فان آنستم مِنْهُم رشدا﴾ (النِّسَاء: ٦) وَعَلِيهِ فَإِذا مَاتَ الْأَب بعد الْبلُوغ لَا تبطل الْهِبَة قَالَه أَبُو الْحسن. وَقَوله: بوكالة الْأَب لَا مَفْهُوم لَهُ، وَقَوله: لَا تبطل الْهِبَة يَعْنِي حَتَّى يمْضِي لَهُ عَام من يَوْم موت الْأَب كَمَا مر، وَقَوْلهمْ: إِذا رشد وَلم يحز لنَفسِهِ بَطل مَحَله إِذا لم يكن الْأَب قدم من يحوزه كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَينفذ التحبيس فِي جَمِيع مَا. الخ. الثَّالِث: إِشْهَاد الْوَلِيّ بِالْحَبْسِ على مَحْجُوره لَا بُد مِنْهُ وَذَلِكَ حوز لِابْنِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يَقُول: رفعت يَد الْملك وَأثبت يَد الْحَوْز، وَلَا إِلَى أَن يَقُول الموثق وَحَازَ لَهُم إِلَى أَن يبلغُوا مبلغ الْحَوْز كَمَا فِي المعيار وَابْن سَلمُون فِي فصل الصَّدَقَة وَيتم حوزه لَهُ بعد الْإِشْهَاد بِصَرْف الْغلَّة فِي مصَالح ابْنه تَحْقِيقا أَو احْتِمَالا، فَإِن علم أَنه كَانَ يصرف الْغلَّة فِي مصَالح نَفسه دون مصَالح ابْنه بَطل، وَالْعلم بذلك إِنَّمَا هُوَ بِإِقْرَارِهِ أَو بِقَرِينَة كَمَا فِي الدّرّ النثير، فَإِذا أقرّ أَنه صرفهَا لنَفسِهِ أَو فِي مصَالح ابْنه فَإِنَّهُ يصدق وَتُؤْخَذ من تركته فِيمَا إِذا قَالَ: إِنَّهَا مَوْضُوعَة تَحت يَده قدرهَا كَذَا فَإِن لم يقر بِشَيْء حَتَّى مَاتَ فَهُوَ مَحْمُول على أَنه صرفهَا لِابْنِهِ، وَكَذَا يُقَال فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة، وَمَا للشَّيْخ الرهوني فِي بَاب الْهِبَة مِمَّا يُخَالف هَذَا لَا يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهِ. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْهِبَة وَقد أَفْتيت فِي بَيِّنَة جَاءَت من سجلماسة شهِدت بِأَن الْمحبس كَانَ ىأكل غلَّة مَا حَبسه على صغَار بنيه بِمَا نَصه: هَذِه الْبَيِّنَة قد أجملت فِي مُسْتَند علمهَا هَل كَانَ ذَلِك بمحضرها أَو بِإِقْرَارِهِ لَدَيْهَا، وَلَا يتم أَن يكون ذَلِك بمحضرها إِلَّا إِذا كَانَت تصاحبه فِي أوقاته كلهَا وَذَلِكَ مُتَعَذر، وَلذَا قَالَ ابْن لبَابَة: هُوَ من الْغمُوس الَّذِي لَا يجوز، وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهَا ذَلِك مهمل مِمَّا لَا يدل على تَعْمِيم أَو تبعيض، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مَحْمُول على التَّبْعِيض لِأَنَّهُ الْمُحَقق وَغَيره مَشْكُوك، فَيكون الْمَعْنى أكل بعض ثمره أَو زرعه، وعَلى أَنه أكل الْجَمِيع فَيحْتَمل أَن يكون أكل الْجَمِيع فِي بعض السنين دون بعض، وَهَذَا الْبَعْض إِمَّا الجل أَو النّصْف أَو الْأَقَل وَلَا يبطل شَيْء من العطايا باستغلال الْأَقَل فَلَا يبطل الْحَبْس الْمَذْكُور إِلَّا بِثُبُوت أكل الْجَمِيع أَو الْأَكْثَر وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَالله أعلم. ثمَّ أَن الْإِشْهَاد شَرط صِحَة فِي التَّبَرُّعَات من حَيْثُ هِيَ وَفِي كل مَا كَانَ من غير عوض كالتوكيل وَالضَّمان وَنَحْوهمَا، وَلَا يخْتَص الْإِشْهَاد بالتبرع على الصَّغِير فَقَط إِذْ لَا معنى لكَونه شرطا فِي الصَّغِير دون الْكَبِير كَمَا قد يتَبَادَر، وَحِينَئِذٍ فَإِذا قَالَ: حبست أَو تَصَدَّقت أَو وكلت أَو أوصيت وَلم يقل اشْهَدُوا عَليّ بذلك وَلم يفهم من حَاله أَنه قصدهم إِلَى الْإِشْهَاد عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصح شَيْء من ذَلِك، وَكَذَا لَو كتب ذَلِك وَلم يشهدهم عَلَيْهِ فَلَا ينفذ شَيْء مِنْهُ لِأَنَّهُ قد يَقُول أَو يكْتب وَهُوَ غير عازم على شَيْء من ذَلِك كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْوَصِيَّة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: مثله فِي الرجل يَقُول لوَلَده: أصلح نَفسك وَلَك كَذَا فَإِنَّهُ إِذا لم يشْهد لَا شَيْء لَهُ لاحْتِمَال أَنه يُرِيد التحريض
стр. 1027
نَقله (ح) فِي بَاب الْهِبَة، وَقَالَ ابْن سَلمُون فِي فصل بيع الْوَكِيل: فَإِن لم يبينا فِي شَهَادَتهمَا أَن الْمُوكل أشهدهما بِالْوكَالَةِ فشهادتهما بَاطِلَة لَا يعْمل بهَا اه. وَقد قَالُوا أَيْضا: إِن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا وهب الْهِبَة وَأشْهد فَذَلِك حوز وإلاَّ فَلَا كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْهِبَة: أَو وهب إِذا أشهد وأعلن الخ. وَإِذا لم يكن حوز إِلَّا مَعَ الْإِشْهَاد فَكَذَلِك لَا تكون هبة إِلَّا مَعَه أَيْضا. الرَّابِع: إِذا حبس الْوَلِيّ على محجورة جُزْءا شَائِعا فِي جَمِيع مَاله وَله أصُول وَربَاع وعروض ورقيق وماشية وناض وَطَعَام صَحَّ ذَلِك على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَرِوَايَته عَن مَالك فِي جَمِيع مَا كَانَ يملك يَوْم الْهِبَة من الْأُصُول والرباع وَالْعرُوض والماشية حاشا مَا سكن من الدَّار أَو لبس من الثِّيَاب، وَأما الطَّعَام والناض فَيبْطل الْحَبْس فِيهِ إِذْ لَا يعرف بِعَيْنِه إِلَّا أَن يَضَعهُ على غير يَده قَالَه فِي الْبَيَان، وَنَحْوه لِابْنِ نَاجِي أول كتاب الْهِبَة من الْمُدَوَّنَة قَائِلا: الْمَشْهُور صِحَة هبة الْمشَاع مَعَ بَقَاء يَد الْوَاهِب تجول فِيهِ مَعَ الْمَوْهُوب لَهُ اه. لَكِن الْكَبِير لَا بُد أَن يتَصَرَّف مَعَ الْوَاهِب، وَأما الصَّغِير فَإِن حوز الْأَب لَهُ كَاف كَمَا مرّ. وَقَوله فِي الْبَيَان: صَحَّ ذَلِك حَتَّى فِي الْعرُوض والماشية الخ. هَذَا إِذا لم يكن هُنَاكَ مُنَازع وإلاَّ فَلَا يقْضِي للِابْن إِلَّا بِمَا عين مِنْهُمَا بتوقيف الشُّهُود عَلَيْهِمَا أَو بِوَصْف يتَحَصَّل بِهِ تمييزها كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَابْن عتاب، وَمَا ذَلِك إِلَّا لالتباسهما بِمَا اكْتَسبهُ الْأَب بعد الْهِبَة بشرَاء وَنَحْوه فَلَا يحكم للِابْن إِلَّا بِمَا شهِدت الْبَيِّنَة أَن الْحَبْس أَو الْهِبَة وَقعا على عينه بِخِلَاف الْأُصُول، فَإِن الْغَالِب عدم الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَإِن زَاد شَيْئا فَإِن الْغَالِب شهرته عِنْد النَّاس كَمَا قَالُوهُ فِيمَن أنكر أصل الْمُعَامَلَة فَقَامَتْ بَيِّنَة بِالْقضَاءِ، وَلذَا قَالَ ابْن سهل فِي بَاب الْوَصَايَا عَن ابْن لبَابَة وَغَيره: أَن الصَّدَقَة إِذا كَانَت على ابْنه بِجَمِيعِ مَاله فَلَا حِيَازَة على الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يَعْنِي عِنْد إِرَادَة الحكم، وَإِن كَانَ تصدق بأحقال بِأَعْيَانِهَا فَالْمَال موروث حَتَّى تحوز الْبَيِّنَة الأحقال لِأَنَّهَا لَا تتَمَيَّز من الْمَوْرُوث إِلَّا بالحيازة والتحديد، وَهَذَا إِذا تنازعوا فِي الْحُدُود وإلاَّ فَسَيَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم:
وناب عَن حِيَازَة الشُّهُود توَافق الْخَصْمَيْنِ فِي الْحُدُود
وَهَذَا يبطل مَا فِي المعيار عَن العبدوسي فِيمَن حبس جَمِيع مَا يملكهُ بقرية كَذَا من الدّور والجنات على صغَار بنيه وحازه لَهُم ثمَّ توفّي قَالَ فِي الْجَواب: إِن الْحَبْس بَاطِل لعدم تعْيين الْأَمْلَاك المحبسة الخ. وَلما نقل ابْن رحال جَوَاب العبدوسي قَالَ: الْحق فِي النَّازِلَة أَن الْحَبْس صَحِيح وكل مَا عرف للمحبس بِتِلْكَ الْقرْيَة فَلَا إِرْث فِيهِ الخ. وَكَأَنَّهُ لم يقف على مَا تقدم عَن ابْن سهل وإلاَّ فَهُوَ أولى مَا يرد بِهِ جَوَاب العبدوسي، وَقَالَ الإِمَام القَاضِي سَيِّدي عِيسَى السجتاني فِي نوازله: إِنَّمَا يشْتَرط التَّحْدِيد فِي صِحَة الحكم بِالْحَبْسِ، وَمن ظن أَنه شَرط فِي صِحَة الْحَبْس فَهُوَ غالط نعم يشْتَرط معرفَة الشَّيْء الْمحبس عِنْد إِرَادَة الحكم لِئَلَّا يلتبس بِالْمِيرَاثِ. وَحَيْثُ لَا لبس لَا يضر عدم التَّحْدِيد كَمَا إِذا قَالَ الْمحبس: حبست جَمِيع الْملك الْفُلَانِيّ فِي مَوضِع كَذَا اه. وَهَذَا كُله كَاف فِي رد جَوَاب العبدوسي، وَأما إِن تصدق عَلَيْهِ بِعَدَد كمائة من غنمه أَو عبيده فَإِن وسم الْغنم أَو وصفت بِأَعْيَانِهَا صحت وإلاَّ بطلت قَالَه الإِمَام مَالك. ابْن رشد: قَوْله هَذَا فِي الَّذِي تصدق على ابْنه بِعَدَد من غنمه أَو خيله هُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ وَقد كَانَ يَقُول فِي حيازته للعدد جَائِزَة وَإِن لم يسمهَا وَلَا قسمهَا كالجزء الْمشَاع اه. وَقد تحصل أَنه إِذا تصدق عَلَيْهِ
стр. 1028
بِجَمِيعِ ملكه الَّذِي فِي مَحل كَذَا فَلَا حِيَازَة عِنْد إِرَادَة الحكم بل كل مَا عرف للمحبس أَو الْمُتَصَدّق بذلك الْمحل فَهُوَ للمحبس أَو الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بأحقال وَلم يتوافقا على حُدُودهَا فَلَا بُد من الْحِيَازَة عِنْد إِرَادَة الحكم، وَأما إِن تصدق بِجُزْء مشَاع أَو بِعَدَد من مائَة مثلا فالأقوال ثَلَاثَة، الصِّحَّة فيهمَا عدمهَا فيهمَا صِحَّتهَا فِي الْمشَاع دون الْعدَد وَهُوَ الْمُعْتَمد. الْخَامِس: إِذا اسْتحقَّت الدَّار وَنَحْوهَا بِالْحَبْسِ فَلَا يقْضى للقائم بِهِ إِلَّا بعد إِثْبَات التحبيس وَملك الْمحبس لما حبس يَوْم التحبيس والإعذار فِيهِ للمقوم عَلَيْهِ لاحْتِمَال أَن يكون حبس غير ملكه كَمَا أَن المُشْتَرِي لَا يقْضِي لَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ إِلَّا بعد ثُبُوت الْملك لبَائِعه. انْظُر مَا تقدم فِي شَهَادَة السماع عِنْد قَوْله: وَحبس جَازَ من السنين الخ. وَمعنى ثُبُوت ملكه هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: وَصِحَّة الْملك بِالتَّصَرُّفِ وَعدم مُنَازع وحوز طَال كعشرة أشهر الخ. وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي الِاسْتِحْقَاق إِن شَاءَ الله. وكلّ مَا يَشْتَرِطُ المُحَبِّسُ مِنْ سائِغٍ شَرْعاً عَلَيْهِ الْحبْسُ (وكل مَا يشْتَرط الْمحبس) مُبْتَدأ أَو عطف على قَوْله، تحبيس مَا قد سكنه (من سَائِغ شرعا) بَيَان لما وَقَوله (عَلَيْهِ الْحَبْس) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر خبر عَن كل وَهَذَا على أَنه مُبْتَدأ، وَأما على عطفه على مَا تقدم فالحبس فَاعل بِفعل مَحْذُوف مَعْطُوف بِحَذْف العاطف على جملَة يشْتَرط، وَالتَّقْدِير: ونافذ كل مَا يَشْتَرِطه الْمحبس وَيَقَع الْحَبْس عَلَيْهِ أَي على اشْتِرَاطه من سَائِغ شرعا وَمثل للسائغ بقوله: مثْلِ التَّساوي ودُخولِ الأَسْفَلِ وَبَيْعِ حظِّ مَنْ بِفَقْرٍ ابْتُلِي (مثل) اشْتِرَاط عدم (التَّسَاوِي) بِأَن يَقُول فِي حَبسه: للذّكر مثل خطّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ١١) أَو الْعَكْس فَإِن أطلق حمل على التَّسَاوِي (و) مثل عدم (دُخُول الْأَسْفَل) من الطَّبَقَات مَعَ الْأَعْلَى مِنْهَا فَإِن لم يشْتَرط عدم دُخُوله فَهُوَ دَاخل إِن عطف بِالْوَاو، وَلذَا قَدرنَا لَفْظَة عدم لِأَن الأَصْل دُخُوله مَعَ الْوَاو وَالْإِطْلَاق حَتَّى يشْتَرط عدم الدُّخُول، فَإِن عطف بثم فَلَا يدْخل الْأَسْفَل حَتَّى ينقرض الْأَعْلَى إِلَّا أَن من مَاتَ من الْأَعْلَى فولده يقوم مقَامه وَيدخل مَعَ أَعْمَامه كَمَا فِي (ح) فَإِن قَالَ: هُوَ حبس على فلَان ثمَّ على عقبه وعقب عقبه فَفِي دُخُول عقب الْعقب مَعَ الْعقب لعطفه بِالْوَاو وَكَونه بعده على أَن التَّرْتِيب لأجل تقدم الْعَطف بثم قَولَانِ ذكرهمَا ابْن عَرَفَة. وَيظْهر مِنْهُ رُجْحَان الأول، وَمن هَذَا من حبس على أَوْلَاد أَوْلَاده الثَّلَاثَة الثُّلُث لأَوْلَاد كل وَاحِد فَلَو قلوا أَو كَثُرُوا وَقَالَ فِي تحبيسه: من مَاتَ من أَوْلَاده الثَّلَاثَة من غير عقب فَنصِيبه يرجع لأَوْلَاد أَخَوَيْهِ ثمَّ مَاتَ أحدهم عَن غير عقب فَهَل نصِيبه يقسم على عدد رُؤُوس أَخَوَيْهِ نظرا إِلَى عدم التَّفْصِيل فِي الْمرجع أَو يقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ نظرا إِلَى التَّفْصِيل فِي أصل التحبيس؟
стр. 1029
فأفتيت بِأَنَّهُ يتَخَرَّج ذَلِك على الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَة الأولى ذكر التَّرْتِيب أَولا وأسقطه ثَانِيًا، وَفِي مَسْأَلَة التَّخْرِيج ذكر التَّفْصِيل أَولا وأسقطه ثَانِيًا، فالمحبس وَإِن أبهم فِي قَوْله رَجَعَ الخ. فَإِن ذَلِك يحمل على مَا فَصله أَولا فِي أصل تحبيسه، وَلِهَذَا قَالَ ابْن رشد وَغَيره: إِذا كَانَ كَلَام الْمحبس مُحْتملا لوَجْهَيْنِ فَأكْثر فَإِنَّهُ يحمل على أظهر محتملاته، وَأظْهر المحتملات هُنَا جَرَيَان الْمرجع على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي أصل التحبيس وَالله أعلم. (و) مثل اشْتِرَاط (بيع حَظّ من بفقر ابْتُلِيَ) فَإِنَّهُ يتبع شَرطه أَيْضا وَيجوز لَهُ بيع حَظه عِنْد فقره (ح) : وَاتبع شَرطه إِن حَاز كتخصيص مَذْهَب أَو نَاظر أَو تبدية فلَان بِكَذَا الخ. لِأَن أَلْفَاظ الْوَاقِف تتبع كألفاظ الشَّارِع قَالَه فِي ضيح، وَمَفْهُوم من سَائِغ شرعا أَنه إِذا شَرط مَا هُوَ مُتَّفق على عدم جَوَازه شرعا لم يتبع وَأما الْمُخْتَلف فِيهِ كاشتراط إِخْرَاج الْبَنَات من وَقفه إِذا تَزَوَّجن فَإِنَّهُ يتبع انْظُر (ح) وَمحل الِاتِّبَاع الْمَذْكُور إِذا أمكن فَإِن لم يُمكن كشرطه الِانْتِفَاع بِكِتَاب فِي خزانَة لَا يخرج مِنْهَا أَو تعذر صرفه فِي الْوَجْه الَّذِي عينه لَهُ كالقنطرة أَو الْمَسْجِد يهدمان وَلَا يُرْجَى عودهما فَإِنَّهُ لَا يتبع وَينْتَفع بِالْكتاب فِي غير الخزانة وبأنقاض القنطرة وَالْمَسْجِد فِي مثليهما. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا عين الْمحبس نَاظرا فَلَيْسَ لَهُ عَزله لتَعلق حق الْمحبس عَلَيْهِم بنظره لَهُم حَتَّى يثبت مَا يُوجب تَأْخِيره من تَقْصِيره وتفريطه قَالَه فِي المعيار عَن ابْن لب قَالَ: وَهَذَا بِمَنْزِلَة مقدم القَاضِي على النّظر فِي أَمر الْمَحْجُور أَو الْمحبس فَلَا يعزله أحد لَا القَاضِي الَّذِي ولاه وَلَا غَيره إِلَّا أَن يثبت مَا يُوجب عَزله، وَنَحْوه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة: وَالْوَصِيّ إِذا ترك دين يتيمة حَتَّى أفلس من عَلَيْهِ الدّين فَإِن تَركه التّرْك الْمَعْهُود فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن تَركه وَأَهْمَلَهُ جدا ضمن وناظر الأحباس فِيمَا يقبضهُ من الْكِرَاء كالوصي فِيمَا مرّ، فَفِي الوكالات من الْبُرْزُليّ أَن نَاظر الأحباس إِذا فرط فِي قبضهَا وَقَالَ: إِنَّه بَاقٍ عِنْد سكانه أَن ابْن عَرَفَة أفتى بتضمينه، وبمثله حكم ابْن عبد السَّلَام قبله قَالَ: وَنَحْوه لِابْنِ سهل فِي الْوَصِيّ إِذا بور ربع الْيَتِيم. الثَّانِي: ذكر فِي المعيار عَن سَيِّدي عبد الله العبدوسي أَنه إِذا ثَبت بِالْعَادَةِ المستمرة أَن السُّلْطَان يَأْخُذ جباية الأحباس فَالْقَوْل للنَّاظِر مَعَ يَمِينه، لقد جمع مَا زعم أَن السُّلْطَان أَخذه مِنْهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ اه. وَحَيْثُ جَاءَ مُطْلقاً لفْظُ الوَلَدْ فَوَلَدْ الذُّكورِ داخِلٍ فَقَدْ (وَحَيْثُ جَاءَ مُطلقًا لفظ الْوَلَد) من غير تَفْسِير بفلان وفلانة كَمَا فِي الصُّورَة الْآتِيَة، بل قَالَ: حبست على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي أَو قَالَ على وَلَدي وَولد وَلَدي، لِأَن المُرَاد الْجِنْس
стр. 1030
وَأَحْرَى لَو أفرد فَقَالَ: على وَلَدي أَو على أَوْلَادِي من غير عطف عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يدْخل فِي ذَلِك كُله أَوْلَاده ذُكُورا وإناثاً وَأَوْلَاد أَوْلَاده الذُّكُور فَقَط كَمَا قَالَ: (فولد الذُّكُور) ذُكُورا وإناثاً (دَاخل فقد) فَحسب وَلَا وَلَدُ الإنَاثِ إلاَّ حَيْثُما بِنْتٌ لِصُلْبٍ ذِكْرُها تَقَدَّما (لَا) يدْخل (ولد الْإِنَاث) وَمن يُدْلِي إِلَى الْمحبس بأنثى وَهَذَا هُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ (خَ) وَنَحْوه فِي ابْن الْحَاجِب والشامل، وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي شرح الْمُدَوَّنَة: الْمَشْهُور دُخُول ولد الْبِنْت فِيمَا إِذا عطف إِلَى حَيْثُ انْتهى لفظ الْوَاقِف قَالَ: وَإِنَّمَا لَا يدْخل ولد الْبِنْت على مَذْهَب مَالك فِيمَا إِذا أفرد وَلم يعْطف، وَتَبعهُ فِي تَكْمِيل التَّقْيِيد وَمحل ذَلِك إِذا كَانَ لفظ الْوَلَد يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى فِي عرفهم أَو لَا عرف لَهُم أصلا، وَأما إِن كَانَ إِطْلَاقه الْعرف على الذّكر فَقَط كَمَا عندنَا الْيَوْم فَإِنَّهُ لَا يدْخل الْإِنَاث وَلَو من صلبه إِلَّا أَن يُصَرح بِهن كَمَا فِي ابْن عَرَفَة، وَمَفْهُوم قَوْله مُطلقًا أَنه إِذا جَاءَ لفظ الْوَلَد مُفَسرًا كَقَوْلِه: حبست على أَوْلَادِي فلَان وفلانة وأولادهما فَإِن ولد الْبِنْت دَاخل كَمَا أَشَارَ لَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطع فِي قَوْله: (إِلَّا حَيْثُمَا بنت لصلب ذكرهَا تقدما) أَي لَكِن حَيْثُ تقدم تَفْسِير لفظ الْوَلَد بِذكر بنت الصلب، فَإِن ولد الْبِنْت يدْخل إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي لفظ الْوَلَد الملتبس بضميرها، فَإِذا قَالَ: حبس على أَوْلَادِي فلَان وَفُلَان وفلانة وَأَوْلَادهمْ الذُّكُور وَالْإِنَاث وَأَوْلَادهمْ، فَإِنَّهُ يدْخل ولد الْبَنَات وَولد ولد الْبَنَات لَا من بعدهمْ من أَوْلَادهنَّ إِلَّا أَن يَقُول: وَأَوْلَادهمْ وَأَوْلَاد أَوْلَادهم، وَيذكر طبقَة رَابِعَة أَو أَكثر فَإِن أَوْلَاد الْبَنَات يدْخلُونَ إِلَى الطَّبَقَة الَّتِي سمى ثمَّ يخرجُون، وَقَول الْمحبس مَا تَنَاسَلُوا وامتدت فروعهم لَا يُوجب دُخُول ولد الْبِنْت فِي غير الطَّبَقَة الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا، فَإِن قَالَ: حبس على ابْنَتي وَوَلدهَا دخل وَلَدهَا الذُّكُور وَالْإِنَاث فَإِن مَاتُوا كَانَ لأَوْلَاد الذُّكُور ذكورهم وإناثهم وَلَا شَيْء لِابْنِ بنت ذكر أَو أُنْثَى. تَنْبِيه: لَو قَالَ: حبست على وَلَدي فلَان وفلانة وَترك آخَرين فَلَا يدْخل فِي تحبيسه من لم يذكرهُ بِخِلَاف الْإِيصَاء على أَوْلَاده ذَاكِرًا بَعضهم فَيعم من سمى وَمن لم يسم لِأَن الْمَقْصُود من الْإِيصَاء الْقيام بالأولاد فَهُوَ مَظَنَّة التَّعْمِيم قَالَه الوانوغي وَغَيره.
стр. 1031
ومثْلُهُ فِي ذَا بنيَّ والعَقِبْ وشامِلٌ ذُرِّيَّتي فُمُنْسَحِبْ (وَمثله) أَي مثل لفظ الْوَلَد الْمُطلق (فِي ذَا) أَي فِي دُخُول ولد الذُّكُور فَقَط دون المدلي بأنثى (بني والعقب) كَقَوْلِه: حسبت على بني أَو على عَقبي أَو على نسلي فَلَا يدْخل ولد الْبِنْت إِلَّا لعرف. وَقَالَ الوانشريسي: الَّذِي بِهِ الْعَمَل دُخُوله فِي عَقبي إِلَى آخر طبقَة سَمَّاهَا نَقله فِي المعيار عَن سَيِّدي يحيى بن علال، ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق. ثمَّ إِنَّه مَعْلُوم أَن أَلْفَاظ الْوَاقِف تجْرِي على الْعرف، وَلَا يُقَال إِنَّمَا يعْمل بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَص بِخِلَافِهِ. لأَنا نقُول مَحَله فِي نَص غير مَبْنِيّ عَلَيْهِ لَا فِي مَبْنِيّ عَلَيْهِ كَمَا هُنَا قَالَه الزّرْقَانِيّ. (وشامل) خبر عَن قَوْله (ذريتي) وَقَوله (فمنسحب) عطف تَفْسِير على شَامِل، وَالْمعْنَى أَنه إِذا قَالَ: حبس على ذريتي فَإِنَّهُ يدْخل ولد الْبِنْت، وَإِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة وَالْمَسْأَلَة المستثناة قبله أَشَارَ (خَ) بقوله: وَتَنَاول الذُّرِّيَّة وَوَلَدي فلَان وفلانة أَو أَوْلَادِي الذُّكُور وَالْإِنَاث وَأَوْلَادهمْ الْحَفِيد الخ. فَقَوله: الْحَفِيد مفعول بقوله تنَاول، وَظَاهره كالناظم أَن لفظ الذُّرِّيَّة يتَنَاوَل الْحَفِيد وَهُوَ ولد الْبِنْت وَإِن سفل، وَهُوَ ظَاهر التَّعْلِيل بقَوْلهمْ: لِأَن عِيسَى من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵉ وَهُوَ ولد بنت بِخِلَاف قَوْله حبس على وَلَدي فلَان وفلانة الخ. وَمَا بعده فَإِن ولد الْبِنْت يدْخل إِلَى الطَّبَقَة الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا فَقَط كَمَا مرّ. فَائِدَة: اخْتلف فِيمَن أمه شريفة وَأَبوهُ لَيْسَ كَذَلِك فَأفْتى ابْن مَرْزُوق وناصر الدّين من فُقَهَاء بجاية وَجل فقهائها بِأَنَّهُ شرِيف لِأَنَّهُ من ذُرِّيَّة النَّبِي ﵇ كَمَا يَشْمَل قَول الْمحبس على ذريتي وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: وَمن ذُريَّته دَاوُد﴾ إِلَى قَوْله عِيسَى﴾ (الْأَنْعَام: ٨٤) فَجعل عِيسَى من الذُّرِّيَّة وَهُوَ ولد بنت، وَأفْتى ابْن عبد الرفيع وَغَيره بِأَنَّهُ لَيْسَ بشريف، وَصرح ابْن عبد السَّلَام بتخطئة من قَالَ بشرفه متمسكاً بِالْإِجْمَاع أَن نسب الْوَلَد إِنَّمَا هُوَ لِأَبِيهِ لَا لأمه. انْظُر الْبُرْزُليّ فِي الأحباس فَإِن أَطَالَ فِي ذَلِك. وَالحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّحْبيسِ قبْلَ حُدُوثِ مَوتٍ أوْ تَفْلِيسِ (والحوز شَرط صِحَة التحبيس) وَكَذَا سَائِر التَّبَرُّعَات من هبة أَو صَدَقَة أَو نحلة إِلَّا أَن ينْعَقد النِّكَاح عَلَيْهَا كَمَا مر فِي قَوْله: ونحلة لَيْسَ لَهَا افتقار إِلَى حِيَازَة الخ. (قبل) مُتَعَلق بالحوز
стр. 1032
(حُدُوث موت) أَو مَرضه (أَو تفليس) وَظَاهره أَنه لَا يشْتَرط التحويز وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف الرَّهْن كَمَا مرّ (خَ) : وحيز وَإِن بِلَا إِذن وأجبر عَلَيْهِ الخ. والحوز رفع يَد الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ من التَّصَرُّف فِي الْملك ورد ذَلِك إِلَى يَد الْمُعْطى لَهُ أَو نَائِبه من وَكيل أَو مقدم أَو وَصِيّ هَذَا معنى مَا أَشَارَ لَهُ ابْن عَرَفَة فِي حَده، وَهُوَ يُفِيد أَنه وضع الْيَد على الشَّيْء، وَأما الِاسْتِمْرَار وَعَدَمه فشيء آخر فَلَو لم يحزه حَتَّى مَاتَ الْمحبس أَو فلس أَو مرض وَمَات مِنْهُ بَطل كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وبانسحاب نظر الْمحبس الخ. وَكَذَا يبطل أَيْضا بالتفويت من هبة وَبيع وَنَحْو ذَلِك قَالَه فِي الْمُقدمَات، وَهُوَ مفَاد (خَ) فِي الْهِبَة حَيْثُ قَالَ: أَو وهب لثان وَحَازَ. وَقَالَ فِي بيعهَا: وَإِلَّا فالثمن للمعطي رويت بِفَتْح الطَّاء وَكسرهَا وَهَذَا فِي الْهِبَة، وَأما فِي الْحَبْس فَإِن الثّمن يكون للمحبس كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه. وَهُوَ الْجَارِي على مَا يَأْتِي فِي الْجُزْء الْمشَاع من أَنه يَجْعَل ثمنه فِي مثله ندبا، وَأما الصَّدَقَة فَإِن الثّمن يكون للمعطى لَهُ، وإلاَّ كَانَ كَالْكَلْبِ الْعَائِد فِي قيئه كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمن يَصح قَبضه وَمَا قبض، فَلَا بُد من مُرَاجعَة مَا يَأْتِي هُنَاكَ إِن شَاءَ الله، وَالْمذهب أَنه لَا بُد فِيهِ من المعاينة وَلَا يَكْفِي الْإِقْرَار بالحوز من الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ بِخِلَاف التصيير فَيَكْفِي فِيهِ الْإِقْرَار لوُجُود المعاينة فِيهِ، فَلَو قَالُوا فِي الْوَثِيقَة حوزاً تَاما وَلم يَقُولُوا مُعَاينَة لم يكف ذَلِك لِأَنَّهُ مُحْتَمل للمعاينة وَالْإِقْرَار فَإِن كَانَ الشُّهُود أَحيَاء استفسروا وَإِن مَاتُوا بَطل الْوَقْف إِلَّا أَن يَكُونُوا من الْعلمَاء العارفين بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فَيصح قَالَه العبدوسي، فَلَو وجد الْحَبْس بيد الْمحبس عَلَيْهِ بعد حُصُول الْمَانِع وَادّعى أَنه حازه قبله فَإِنَّهُ لَا يصدق اتِّفَاقًا عِنْد ابْن رشد إِلَّا أَن تقوم لَهُ بَيِّنَة على دَعْوَاهُ كَمَا مرَّ فِي الرَّهْن، وَظَاهره أَن الْحَوْز شَرط سَوَاء كَانَ على معِين أم لَا. كالفقراء والمساجد وَهُوَ كَذَلِك (خَ) عاطفاً على المبطلات أَو لم يخل بَين النَّاس وَبَين كمسجد الخ. ثمَّ مَا تقدم من أَن الِاسْتِمْرَار وَعَدَمه شَيْء آخر الخ. هُوَ الَّذِي للقرافي فِي الْفرق الثَّامِن وَالْعِشْرين والمائتين قَالَ فِيهِ: إِذا شهِدت بيِّنة بالحيازة قبل الْمَوْت وَشهِدت الْأُخْرَى بِرُؤْيَتِهِ يَخْدمه فِي مرض الْمَوْت قدمت بيِّنة عدم الْحَوْز إِذا لم تتعرض الْأُخْرَى لاستمراره اه. وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة قَالَ فِيهَا: فَإِن قَامَ وَصِيّ على أَيْتَام فَأثْبت أَن أباهم كَانَ أوقف عَلَيْهِم وعَلى أَعْقَابهم ملكا وَأَنه حوزه لغيره فحازه لَهُم بالمعاينة وأعذر إِلَى زَوجته فَأثْبت أَن أباهم لم يزل يعمر الْملك وَيدخل مَا اغتل مِنْهُ فِي مَصَالِحه إِلَى أَن توفّي عَنهُ فأعذر إِلَى الْوَصِيّ فِي شَهَادَة الاعتمار فَلم يَأْتِ بمطعن فَحكم القَاضِي بعد مشورة الْفُقَهَاء بِنَقْض الْحَبْس ورده مِيرَاثا اه. وَذكر فِي هبات المعيار عَن ابْن المكوي أَن بِهَذَا القَوْل الْقَضَاء قَائِلا: إِلَّا أَن تشهد بَيِّنَة للْمَوْهُوب لَهُ أَنه حَاز الْهِبَة سنة اه. وَنَقله أَبُو الْعَبَّاس الملوي فِي التَّحْرِير لمسائل التصيير، وَظَاهر هَذِه النُّصُوص أَنه لَا فرق بَين أَن يَقُولُوا إِنَّه رَجَعَ لوقفه قبل السّنة أَو أبهموا ذَلِك كَمَا ترى، وَأَنه يحمل أمره عِنْد الْإِبْهَام على أَنه رَجَعَ قبل السّنة كَمَا قَالَه الوانشريسي كَمَا مرَّ عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه الخ. وَبِه أجَاب سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي فِي نوازله قَائِلا إِن الأَصْل فِي هَذَا الْحَوْز الَّذِي شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة الأولى الِاسْتِصْحَاب، لَكِن ذَلِك حَيْثُ لم يُعَارض وَهَهُنَا قد عارضته شَهَادَة اللفيف أَن الْوَاهِب مَا فَارقه قطّ وَلَا رفع يَده عَنهُ مُدَّة من سنة وَنَحْوهَا قَالَ: وَهُوَ مَحْمُول
стр. 1033
عِنْد جهل التَّارِيخ أَنه رَجَعَ قبلهَا قَالَه الوانشريسي اه بِاخْتِصَار. وَانْظُر مَا تقدم فِي تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ آخر الشَّهَادَات، وَمَا للشَّيْخ الرهوني فِي حَاشِيَته فِي بَاب الْهِبَة من رد مَا للفاسي والوانشريسي لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا دَلِيل لَهُ على ذَلِك فِي نَقله، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَمَد مَا بِهِ الْقَضَاء وَعَلِيهِ الحكم كَمَا مرَّ عَن المعيار والمتيطية وَإِن وجد مَا يُخَالِفهُ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَالله أعلم. تَنْبِيهَانِ. الأول: مَا تقدم من بطلَان الْحَبْس بِعَدَمِ الْحَوْز إِنَّمَا هُوَ إِذا حبس فِي الصِّحَّة، فَإِن حبس فِي الْمَرَض أَو وهب فِيهِ فَهُوَ وَصِيَّة ينفذ مِنْهُ مَا حمله ثلثه، وَكَذَا كل مَا يَفْعَله الْمَرِيض فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ من بت عتق أَو صَدَقَة هُوَ فِي ثلثه إِلَّا أَن يَصح من مَرضه فَينفذ إِن حيّز عَنهُ قَالَه مَالك وَأَصْحَابه، وَمثله من حبس فِي صِحَّته أَو وهب فِيهَا وَقَالَ: ينفذ بعد الْمَوْت أَو قَالَ هبة صرفهَا من مَاله حَيّ أَو مَاتَ، فَإِن ذَلِك يكون فِي الثُّلُث إِن كَانَ الْمَوْهُوب أَو الْمحبس عَلَيْهِ غير وَارِث قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة. الثَّانِي: مُرَادهم بالمعاينة بِالنِّسْبَةِ للعقار التطوف عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ من سَائِر جهاته وَإِن لم تعاين الْبَيِّنَة حرثه للْأَرْض وَلَا نُزُوله فِيهَا وَلَا قطف ثمار الْأَشْجَار وَلَو مَاتَ بعد ذَلِك قبل إبان الحراثة أَو بعده لم يضر، وَكَذَلِكَ الدَّار إِذا عاينوها فارغة وخلى بَينهَا وَبَين الْمحبس عَلَيْهِ بِقَبض مفاتحها وَنَحْو ذَلِك فَذَلِك حِيَازَة، وَإِن لم يعاينوا سُكْنى الْمحبس عَلَيْهِ فِيهَا بِهَذَا جرى الْعَمَل والفتيا قَالَه ابْن الْعَطَّار وَغَيره. وَإِذا حيّز الْحَبْس بإكرائه أَو بِعقد الْمُزَارعَة فِيهِ أَو مساقاته إِن كَانَ مِمَّا يسقى كَانَ حِيَازَة تَامَّة وَاسْتغْنى بذلك عَن الْحِيَازَة بِالْوُقُوفِ على الأَرْض ونزول الْمحبس عَلَيْهِ فِيهَا على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق، وَإِنَّمَا لم يكتف عَن المعاينة بِإِقْرَار الْمحبس لِأَن المنازع فِي صِحَة الْحَبْس أما الْوَارِث أَو الْغَرِيم فَلَو اكْتفى فِي ذَلِك بِالْإِقْرَارِ لزم قبُول إِقْرَار الْإِنْسَان على غَيره وَهُوَ بَاطِل إِجْمَاعًا. لحائِزِ القَبْضِ وَفِي المَشْهورِ إِلَى الوَصِيَّ القَبْضُ للمَحْجُورِ (لجائز الْقَبْض) يتَعَلَّق بقوله الْحَوْز أَي والحوز لجائز الْقَبْض وَهُوَ الرشيد شَرط صِحَة التحبيس الخ. وَمَفْهُومه أَن الْمَحْجُور عَلَيْهِ من صبي وسفيه لَا يَصح حوزه وَهُوَ مُقْتَضى قَوْله: (وَفِي الْمَشْهُور إِلَى الْوَصِيّ) يَجْعَل (الْقَبْض للمحجور) وَلَكِن سَيَأْتِي قَوْله: ونافذ مَا حازه الصَّغِير الخ. فَمَا ذكره هُنَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ مَعَ مَا يَأْتِي من نُفُوذ حيازته، وَمُقَابِله لإسحاق بن إِبْرَاهِيم التجِيبِي أَنه لَا يَصح قبض الْمَحْجُور لنَفسِهِ وَنَحْوه للباجي فِي وثائقه. قَالَ ابْن رشيد: وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ لَهُ ولي وإلاَّ صحت حيازته لنَفسِهِ اتِّفَاقًا. ويُكْتَفَى بِصحَّةِ الإشْهَادِ إنْ أَعْوَزَ الحوزُ لِعَذْرٍ بَادِي
стр. 1034
(ويكتفى بِصِحَّة الْإِشْهَاد) على الْحَوْز (إِن أعوز) أَي تعذر (الْحَوْز) الْحَقِيقِيّ من التطوف بِالْأَرْضِ وَنَحْوه (لعذر باد) قَالَ فِي كتاب الْهِبَة من الْمُدَوَّنَة: وَمن تصدق على رجل بِأَرْض فَإِن كَانَ لَهَا وَجه تحاز بِهِ من كِرَاء تكرى أَو حرث تحرث أَو غلق تغلق، فَإِن أمكنه شَيْء من ذَلِك فَلم يَفْعَله حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَلَا شَيْء لَهُ، وَإِن كَانَت أَرضًا قفاراً أَي خَالِيَة مِمَّا لَا تحاز بغلق وَلَا إكراء وَلَا أَتَى لَهَا إبان حرث تزرع فِيهِ أَو تمنح أَو يحوزها بِوَجْه يعرف حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ نَافِذَة وحوز هَذِه الْإِشْهَاد، وَإِن كَانَت دَارا حَاضِرَة أَو غَائِبَة فَلم يحزها حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي بطلت وَإِن لم يفرط لِأَن لَهَا وَجها تحاز بِهِ اه. قَالَ فِي الْبَيَان: فرق ابْن الْقَاسِم بَين الدَّار الغائبة وَالْأَرْض الَّتِي لَا تمكن حيازتها فَقَالَ فِي الدَّار: إِنَّهَا بَاطِلَة إِذا لم يخرج لحوزها. وَقَالَ فِي الأَرْض: إِن مَاتَ الْمُتَصَدّق قبل إِمْكَان حيازتها اكْتفى بِالْإِشْهَادِ فِيهَا وَلم تبطل، وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى فَهُوَ اخْتِلَاف من قَوْله اه بِاخْتِصَار. وَنَقله أَبُو الْحسن وَغَيره مُسلما، وبمثله أجَاب أَعنِي ابْن رشد لما سُئِلَ عَمَّن تصدق على ابْن لَهُ كَبِير بأملاك مُشْتَمِلَة على أَرض وحديقة أعناب ودور وأرحى وَأشْهد بذلك وَحَازَ الابْن بَعْضهَا وَالْبَاقِي لم يتطوف عَلَيْهِ وَلَا خرج إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي قطر مخوف من الْعَدو أهلكه الله لَا يَأْمَن فِيهِ من دخله وَلَا يجتاز عَلَيْهِ أحد إِلَّا على غرر ومخافة شَدِيدَة، وَالْأَب الْمَذْكُور لم يعْتَمر هَذَا الْموضع الْمخوف مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَاما لهَذَا الْغرَر، ثمَّ مَاتَ الْأَب قبل أَن يحوز الْوَلَد هَذَا الْموضع الْمخوف بتطوف الشُّهُود عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذا حَال الْخَوْف اكْتفى بِالْإِشْهَادِ وَلَا تبطل الصَّدَقَة إِذا مَاتَ قبل إِمْكَان الْوُصُول إِلَيْهَا. هَذَا معنى مَا فِي الْمُدَوَّنَة اه. من أجوبته بِاخْتِصَار. قلت: وفتواه هَذِه جَارِيَة على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة سَوَاء ألحقنا الدَّار بِالْأَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهره أَو ألحقنا الأَرْض بِالدَّار، لِأَن قَول الْمُدَوَّنَة: وَإِن لم يفرط الخ. مَعْنَاهُ أَنه كَانَ يتهيأ لِلْخُرُوجِ أَو التَّوْكِيل كَمَا فِي الْبَيَان، فَعدم التَّفْرِيط حِينَئِذٍ صَادِق بالتهيء لِلْخُرُوجِ وَالتَّوْكِيل وباليأس من الْوُصُول إِلَى تِلْكَ الْأَمْلَاك، وَالَّذِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: أَنه لَيْسَ بِعُذْر هُوَ الأول دون الثَّانِي لِأَن التهيء وَالتَّوْكِيل لما حصل الْيَأْس من الْوُصُول إِلَيْهِ عَبث وَالْخُرُوج إِلَيْهِ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَالْأول فِيهِ نوع مَا من التَّفْرِيط إِذْ لَا خوف فِيهِ بِخِلَاف الثَّانِي، وَبِهَذَا كُله يسْقط اعْتِرَاض الشَّيْخ الرهوني هَذِه الْفَتْوَى وَقَالَ تبعا لِابْنِ رحال: أَنَّهَا مَبْنِيَّة على القَوْل بِأَن عدم التَّفْرِيط فِي الْحَوْز لَا يضر وَهُوَ قَول أَشهب، ومذهبها أَنَّهَا مضرَّة فرط أَو لم يفرط فَلَا تغتر بذلك الِاعْتِرَاض أصلا إِذْ لَا يظْهر لَهُ وَلَا للبحث مَعَ ابْن رشد وَجه. وَقد تقرر من كَلَامهم أَن الْبَحْث لَا يدْفع الْفِقْه وَالله أعلم. وَقَوله فِي الْمُدَوَّنَة: أَو يحوزها بِوَجْه يعرف الخ. يَعْنِي بالتطوف عَلَيْهَا كَمَا تقدم أَنه بِهِ الْعَمَل أَي وَلَا أَتَى لَهَا إبان يحوزها فِيهِ الخ.
стр. 1035
وَيَنْفُذُ التَّحْبِيسُ فِي جَمِيعِ مَا مُحَبِّسٍ لِقَبضِهِ قَدْ تَقَدَّمَا (وَينفذ التحبيس) وَيتم (فِي جَمِيع مَا) أَي حبس (محبس) بِكَسْر الْبَاء (لقبضه قد تقدما) بِفَتْح الدَّال كَانَ الْحَبْس على غير معِين كالمساجد وَنَحْوهَا أَو على معِين وَلَو رشيدا حَاضرا فَإِذا قدم الْمحبس من يحوزه للمعين أَو غَيره جَازَ وَصَحَّ فيهمَا وَإِن لم يقدم وأبقاه بِيَدِهِ بَطل فيهمَا، وَمَفْهُوم التحبيس أَنه فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا ينفذ بِتَقْدِيم الْوَاهِب والمتصدق على الْحَوْز، وَهُوَ كَذَلِك إِذا كَانَ الْمَوْهُوب لَهُ حَاضرا رشيدا فَهُوَ مِيرَاث إِلَّا أَن يحوزه لنَفسِهِ قبل الْمَانِع فَإِن كَانَ غَائِبا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ كالمحجور وَلَو سَفِيها أَو عبدا أَو كالمساجد والفقراء صَحَّ تَقْدِيمه، وَلَو كَانَ للمحجور ولي وَقدم الْوَاهِب غَيره كَمَا فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَمن وهب لصغير هبة وَقدم من يحوز لَهُ إِلَى أَن يبلغ فَذَلِك حوز كَانَ لَهُ أَب أَو وَصِيّ أَو لم يكن لِأَن هَذَا إِنَّمَا قدم من يحوزها خوف أَن يأكلها لَهُ الْوَلِيّ اه من الْمواق عِنْد قَوْله فِي الْحجر وَالْوَلِيّ الْأَب الخ. وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَإِن قدم الْوَاقِف من يحوز لَهُ جَازَ، وَفِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة يجوز للْغَائِب فَقَط اه. وَالْفرق بَين الْهِبَة وَالْحَبْس أَن الْحَبْس لَيْسَ بِتَمْلِيك وَإِنَّمَا هُوَ إِجْرَاء غلَّة، وَأما الْملك فَهُوَ للْوَاقِف بِخِلَاف الْهِبَة، وَإِذا قدم الْأَب وَنَحْوه من يحوز للصَّغِير فَلَيْسَ لَهُ هُوَ أَن يحوز لَهُ بعد ذَلِك لِأَنَّهُ لما قدم الْغَيْر على حيازته صرفه عَنهُ وَأسْقط حَقه مِنْهَا، فَإِن عَاد إِلَى حيازته بَطل كَمَا فِي ابْن عَرَفَة قَالَ: وَلَو أشهد حِين رُجُوعهَا لَهُ أَن يحوزها لَهُ فَفِي صِحَّتهَا مُطلقًا أَو إِن وجد بِمن حازها لَهُ سفه أَو سوء ولَايَة. قولا مطرف وَابْن الْمَاجشون مَعَ أصبغ اه. وَمَفْهُوم قَوْله: محبس قد قدما أَنه إِذا وكل الْمحبس عَلَيْهِ من يقبضهُ لَهُ جَازَ بالأحرى، لِأَن قبض الْوَكِيل كقبض مُوكله وَسَوَاء كَانَ حَاضرا أَو غَائِبا وَهل يَكْفِي قبض غَيره لَهُ بِغَيْر تَوْكِيل؟ قَولَانِ. فَقَالَ مطرف: يَصح، وَقَالَ أصبغ وَرَوَاهُ ابْن الْقَاسِم: لَا يَصح إِلَّا بتوكيل قَالَه فِي ضيح، وَنَحْوه فِي بَاب الْهِبَة من الشَّامِل، وَيفهم من الْعزو أَن الثَّانِي هُوَ الرَّاجِح وَإِن كَانَ ظَاهر قَول النَّاظِم فِي الْهِبَة: وحوز حَاضر لغَائِب إِذا كَانَا شَرِيكَيْنِ بهَا قد أنفذا أَنه درج على قَول مطرف، لَكِن من الْمَعْلُوم أَن قَول الإِمَام مقدم على قَول غَيره، وَعَلِيهِ فَإِذا وهب على ولديه الرشيدين فحازها أَحدهمَا لنَفسِهِ ولأخيه بِغَيْر إِذن الْأَخ، ثمَّ مَاتَ هَذَا الْأَخ فوهب الْأَب الْجَمِيع للحائز الأول وَحَازَ حوزاً ثَانِيًا فَإِنَّهُ لَا شَيْء لأَوْلَاد الْأَخ الَّذِي لم يُوكل على الْحَوْز، وَكَذَا لَو كَانَ حَيا ووهب الْأَب نصِيبه للْأولِ كَمَا مرَّ فِي قَول (خَ) أَو وهب لثان وَحَازَ،
стр. 1036
وَمحل الْقَوْلَيْنِ إِذا كَانَ الْمَوْهُوب لَهُ مِمَّن يعْتَبر إِذْنه وتوكيله، وَأما من لَا يعْتَبر إِذْنه كالمحجور وَلَو عبدا فَإِنَّهُ يَصح حوز الرشيد لنَفسِهِ وَلمن مَعَه من مَحْجُور عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ: والأَخُ لِلصَّغِيرِ قَبْضُهُ وَجَبْ مَعَ اشْتِرَاكٍ وبِتَقدِيمٍ مِنْ أبْ (وَالْأَخ) الرشيد مُبْتَدأ (للصَّغِير) يتَعَلَّق بقوله (قَبضه) وَقَوله (وَجب) خبر عَن الثَّانِي وَالثَّانِي وَخَبره خبر الأول (مَعَ اشْتِرَاك) فِي شَيْء حبس أَو وهب عَلَيْهِمَا (وبتقديم من أَب) عطف على مَعَ اشْتِرَاك وَلَا مَفْهُوم لَهُ بل لَو حازه الْكَبِير بِغَيْر تَقْدِيم لصَحَّ كَمَا مر، وَلِأَن الْأَب لَو امْتنع من التَّقْدِيم رَأْسا لَا جبر عَلَيْهِ كَمَا قَالَ (خَ) وَخير وَإِن بِلَا إِذن وأجبر عَلَيْهِ. وَلذَا قَالَ أَبُو عبد الله المجاصي فِي نوازله: إِن التَّوْكِيل من الْأَب لَيْسَ بِشَرْط وَإِن أوهمته عبارَة العاصمية وَمن تقدمه وَلكنه مُسْتَحبّ فَقَط اه. وَمَفْهُومه أَنه إِذا قبض الْأَخ الرشيد حِصَّته وَحَازَ الْأَب حِصَّة الصَّغِير على الشُّيُوع بَينهمَا لم يَصح كَمَا قَالَ: وَالأَبُ لَا يقبِضُ للصَّغيرِ مَعْ كبيرِهِ وَالْحُبْسُ إرْثٌ إنْ وَقَعْ (وَالْأَب لَا يقبض للصَّغِير) وَمن فِي مَعْنَاهُ من سَفِيه وَعبد (مَعَ كبيره وَالْحَبْس) جَمِيعه (إِرْث إِن وَقع) ذَلِك على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، والمفيد والدر النثير وَابْن سَلمُون وَغَيرهم، وَمثل هَذَا يجْرِي فِي الْهِبَة كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَللْأَب التَّقْدِيم للكبير الخ. قلت: وَتَأمل هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده من أَن الشُّيُوع لَا يُنَافِي الْإِقْبَاض على الْمَشْهُور من الْقَوْلَيْنِ فالجاري عَلَيْهِ أَن قبض الْأَب للصَّغِير مَعَ الْكَبِير صَحِيح كَمَا يَقُوله مُقَابل الْمَعْمُول بِهِ وَقد يُقَال بِأَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي فعل مقدوره إِذْ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى حوز الْجَمِيع بِخِلَافِهَا هُنَا. إلاّ إذَا مَا أمْكَنَ التّلَافِي وصُحِّحَ الحَوْزُ بِوَجْهٍ كافِي (إِلَّا إِذا مَا أمكن التلافي وَصحح الْحَوْز) من الْكَبِير أَو من مَحْجُور عَلَيْهِ قبل حُصُول الْمَانِع (بِوَجْه كَاف) من التطوف على الأَرْض أَو إخلاء الدَّار وَنَحْو ذَلِك مِمَّا مرّ عِنْد قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ وَسَيَأْتِي قَوْله: ونافذ مَا حازه الصَّغِير الخ. فحوز الصَّغِير مَعَ الْكَبِير صَحِيح كَمَا يَأْتِي: وإنْ يُقَدِّمْ غَيْرَه جازَ وَفِي جُزْءٍ مُشاعٍ حُكْمُ تَحْبِيسٍ قُفي (وَإِن يقدم) الْأَب (غَيره) أَي الْكَبِير ليحوز مَعَه نصيب الصَّغِير (جَازَ) كَمَا فِي المتطية
стр. 1037
وَغَيرهَا (وَفِي) تحبيس (جُزْء مشَاع) مَعَ غير الْمحبس أَو مَعَه (حكم تحبيس) مُبْتَدأ خَبره (قفي) أَي اتبع وَالْمَجْرُور قبله يتَعَلَّق بِهِ، أَي: لَهُ حكم تحبيس غير الْمشَاع فِي الْجَوَاز وَوُجُوب الْحِيَازَة وَنَحْو ذَلِك، لَكِن إِذا حبس مشَاعا مَعَ غَيره كَنِصْف دَار يملكهُ فَإِن كَانَت تقبل الْقِسْمَة قسمت وأجبر الْوَاقِف عَلَيْهَا إِن أرادها الشَّرِيك، وَإِن لم تقبلهَا لم يجز التحبيس ابْتِدَاء إِلَّا بِإِذن شَرِيكه فَإِن حبس دون إِذْنه أَو مَعَ إبايته فَقَوْلَانِ. الْبطلَان لما على الشَّرِيك من الضَّرَر لتعذر البيع وفقد من يصلح مَعَه، وَالثَّانِي الصِّحَّة وَعَلِيهِ فَيجْبر الْوَاقِف على البيع إِذا أَرَادَهُ الشَّرِيك وَيجْعَل ثمن حِصَّته فِي مثل وَقفه، وَهل ندبا وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم، أَو جبرا وَهُوَ قَول عبد الْملك، وَبِه الْعَمَل قَالَ ناظمه: ووقف جُزْء شَائِع لَا يَنْقَسِم من غير إِذن من شَرِيكه علم وَحَيْثُ لم يرض يُبَاع وَالثمن فِي مثله يَجْعَل جبرا حَيْثُ عَن هَذَا حكم الْمشَاع مَعَ الْغَيْر، وَأما الْمشَاع مَعَه فَفِي الْمُنْتَخب عَن أصبغ قَالَ: سَمِعت ابْن الْقَاسِم يَقُول فِيمَن تصدق عَن ابْن لَهُ صَغِير بِنصْف غنمه أَو ثلثهَا أَو عَبده أَو دَاره أَن ذَلِك جَائِز وحوز الْأَب فِيهِ حوز تَامّ اه. وَنَحْوه فِي المعيار عَن اللؤْلُؤِي، وَسَوَاء كَانَت لَهُ غلَّة كالرحى والفرن وَنَحْوهمَا أَو كَانَ للسُّكْنَى. قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاء: من تصدق بِسَهْم مِمَّا لَا يَنْقَسِم كالفرن وَالْحمام وَلَا يتَجَزَّأ إِلَّا بخراب أَصله وَكَانَ لَهُ غلَّة فَإِن قبض الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ الْغلَّة فِي حَيَاة الْمُتَصَدّق مَضَت صدقته وتمت حيازته اه. . وَهَذَا على أَن الشُّيُوع لَا يُنَافِي الْقَبْض، وَتقدم عِنْد قَول النَّاظِم: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه الخ: إِن هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، لَكِن الرشيد لَا بُد أَن يتَصَرَّف مَعَ الْمحبس أَو الْوَاهِب بِخِلَاف الْمَحْجُور، فَإِن حوز الْأَب لَهُ كَاف وَأَحْرَى لَو تصرف مَعَ الْوَاهِب أَيْضا لِأَن الصَّغِير يحوز لنَفسِهِ على الْمَشْهُور كَمَا قَالَ: ونافِذٌ مَا حازَهُ الصَّغيرُ لِنَفْسِهِ وبالِغٌ مَحْجُورُ (ونافذ مَا حازه الصَّغِير) من الْحَبْس وَسَائِر العطايا (لنَفسِهِ و) أَحْرَى مَا حازه من ذَلِك
стр. 1038
(بَالغ مَحْجُور) عَلَيْهِ لِأَن الْقَصْد خُرُوج ذَلِك من يَد الْمحبس وَذهب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم التجِيبِي إِلَى عدم نُفُوذه وَنَحْوه للباجي فِي وثائقه، وَمحل الْخلاف إِن كَانَ لَهُ ولي وَإِلَّا جَازَت حيازته اتِّفَاقًا كَمَا تقدم عَن ابْن رَاشد وَظَاهر قَوْله: ونافذ الخ أَنه يكره ابْتِدَاء وَهُوَ كَذَلِك على مَا لِابْنِ زرب. (تَنْبِيه:) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَإِذا سكن الْأَب دَارا تصدق بهَا على صغَار بنيه دونهم حَتَّى مَاتَ بطلت الصَّدَقَة، وَإِن سكنها وهم مَعَه فَظَاهر قَول مَالك إِنَّهَا تبطل أَيْضا. وَقَالَ ابْن حبيب: تتمّ لَهُم الْحِيَازَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا سكن مَعَهم لحضانته لَهُم اه. وَعَلِيهِ فَإِذا كَانَ الْمَحْجُور مِمَّن يعقل أمره وَأشْهد أَنه يتَوَلَّى الْحِيَازَة لنَفسِهِ فَلَا يضرّهُ سُكْنى الْمُتَصَدّق مَعَه على مَا لِابْنِ حبيب وَهُوَ ظَاهر إِطْلَاق النَّاظِم غَيره. وبانْسِحابِ نَظَرِ المُحَبِّس لِلْمَوْتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحُبُسِ (وبانسحاب نظر الْمحبس) واستمراره على الْحَبْس وَنَحْوه (للْمَوْت) أَي إِلَى حُصُول الْمَانِع لَهُ من الْمَوْت والفلس وَمرض الْمَوْت (لَا يثبت حكم الْحَبْس) وَيبْطل جملَة لعدم حيازته سَوَاء كَانَ على معِين كزيد أَو على غَيره كالفقراء وَالْمَسَاكِين وَلَا يكون فِي ثلث وَلَا غَيره إِلَّا أَن يَقُول: هُوَ حبس أَو هبة صرفه من مَاله حييّ أَو مَاتَ فَإِنَّهُ يكون فِي الثُّلُث إِن لم يحزه كَمَا تقدم عَن الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَانْظُر مَا يماثله فِي شرح الشَّامِل عِنْد قَوْله: وَالْوَقْف من رَأس مَاله إِن وَقع فِي الصِّحَّة وَإِلَّا فَمن الثُّلُث الخ. وَمَا ذكره النَّاظِم مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ: لِأَن الشَّرْط يلْزم من عَدمه الْعَدَم فَيلْزم من عدم الشَّرْط الَّذِي هُوَ الْحَوْز عدم صِحَة الْحَبْس وَنَحْوه. تَنْبِيه: إِذا قَالَ الرجل لوَلَده: أصلح نَفسك وَتعلم الْقُرْآن وَلَك الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة أَو قَالَ لزوجته النَّصْرَانِيَّة: أسلمي وَلَك دَاري وَأشْهد بذلك كُله، فَأسْلمت الزَّوْجَة وَأصْلح نَفسه الْوَلَد وَتعلم الْقُرْآن فَإِن ذَلِك يكون لَهما وَلَا يحْتَاج إِلَى حِيَازَة على مَا رَجحه ابْن رشد، لِأَن ذَلِك ثمن الْإِسْلَام والتعلم، وَبِه جزم صَاحب الْمعِين، وَحكى مُقَابِله بقيل بِصِيغَة التمريض رَاجعه فِي أواثله، وَانْظُر (ح) فِي بَاب الْهِبَة وَفِي الْبَاب الثَّالِث من التزاماته. وَمَنْ لِسُكْنَى دَارِ تَحْبيسٍ سَبَقْ تضيقُ عَمَّنْ دُونَه بِهَا أَحَقْ (وَمن) مُبْتَدأ (لسكنى دَار تحبيس) يتَعَلَّق بقوله (سبق) وَالْجُمْلَة صلَة مَا وَجُمْلَة (تضيق عَمَّن
стр. 1039
دونه) صفة لدار أَو حَال وَقَوله (بهَا) يتَعَلَّق بقوله (أَحَق) وَهُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة خبر من أَي من سبق لدار الْحَبْس بِالسُّكْنَى بِوَصْف الأحوجية وَقد ضَاقَتْ عَمَّن دونه فَهُوَ أَحَق بهَا وَلَا كِرَاء عَلَيْهِ لغيره، وَظَاهره وَإِن صَار غَنِيا عَن السُّكْنَى بهَا والغير مُحْتَاج إِلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ سكن بِوَجْه جَائِز فَلَا يرْتَفع الحكم بارتفاع سَببه الَّذِي هُوَ الأحوجية لِأَن عودتها لَا تؤمن، وَظَاهره سكن بِأَمْر الْحَاكِم أَو بَادر إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِنَّمَا ذَلِك إِذا سكن بِاسْتِحْقَاق وصف الأحوجية كَمَا قَررنَا. وَأما إِذا بَادر بَعضهم إِلَى السُّكْنَى فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك بابتداره، وَلَكِن ينظر الإِمَام أحوجهم وأقربهم كَمَا فِي ضيح عَن ابْن كنَانَة، وَظَاهره أَيْضا كَانَت حبسا على من لَا يحاط بهم كالفقراء وطلبة الْعلم أَو على قوم وَأَعْقَابهمْ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِنَّمَا ذَلِك فِي الْحَبْس على الْقَوْم وَأَعْقَابهمْ أَو على أَوْلَاده وَأَوْلَاد فلَان بِنَاء على إِلْحَاق فلَان بِغَيْر المعينين فَإِن عينهم فَحق من لم يسكن بَاقٍ حضر أَو غَابَ فَيَأْخُذ واجبه من كرائه، وَأما على من لَا يحاط بهم فَإِن من اسْتغنى مِنْهُم يخرج لغيره كَمَا فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن رشد قَالَ: وَمن اسْتحق مسكنا من حبس هُوَ على الْفُقَرَاء لفقره أخرج مِنْهُ أَن اسْتغنى اه. وَبِالْجُمْلَةِ: فالمحبس إِن حبس على من لَا يحاط بهم فَإِن كَانَ لوصف خَاص كَطَلَب الْعلم والغزو والتدريس وَسكن أحدهم فَلَا يخرج وَإِن اسْتغنى لِأَن الْوَصْف لَا زَالَ قَائِما فَإِن زَالَ الْوَصْف الْمحبس لأَجله أخرج كالفقر والمسكنة يزولان وَطلب الْعلم والغزو يتركان، وَنَحْو ذَلِك فالمدار على زَوَال الْوَصْف الْمحبس لأَجله وَعدم زَوَاله، وَبِه يسْقط اعْتِرَاض الشَّيْخ الْبنانِيّ على طفي، وَمحل مَا تقدم إِذا لم يكن هُنَاكَ شَرط من الْوَاقِف وإلاّ فَيتبع (خَ) : وعَلى من لَا يحاط بهم أَو على قوم وَأَعْقَابهمْ أَو على كولده وَلم يعينهم فضل الْمُتَوَلِي أهل الْحَاجة والعيال فِي غلَّة وسكنى وَلم يخرج سَاكن لغيره إِلَّا لشرط أَو سفر انْقِطَاع أَو بعيد. تَنْبِيه: قَالَ فِي الْمُنْتَخب: إِذا استبد الذُّكُور بالاغتلال زَمَانا ظنا مِنْهُم أَن لَا حق للنِّسَاء فِي الْحَبْس، ثمَّ علم النِّسَاء أَن لَهُنَّ حَقًا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يرجع النِّسَاء على الذُّكُور بنصيبهن من الْغلَّة فِيمَا مضى كمن سكن فِي الدَّار المحبسة ثمَّ قدم غَيره اه. وَنَحْوه فِي الْمُقدمَات قَائِلا: إِذا استغل بعض الْحَبْس عَلَيْهِم وهم يرَوْنَ أَنهم ينفردون بِهِ أَو سكنوه فَإِنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهِ الطارىء بِشَيْء من الْغلَّة وَلَا بالسكن على رِوَايَة ابْن الْقَاسِم، وَقيل: يرجع عَلَيْهِم بالغلة وَالسُّكْنَى وَهُوَ الْقيَاس اه. وَفهم من قَوْله ظنا مِنْهُم الخ … وَقَوله: وهم يرَوْنَ أَنهم ينفردون بِهِ الخ … أَنهم إِذا علمُوا بِأَن للْغَيْر حَقًا فِيهِ فَإِنَّهُ يرجع عَلَيْهِم وَفِي أحباس المعيار أَن من أخْفى رسم الْحَبْس ظلما وَكَانَ
стр. 1040
يتَصَرَّف فِي الْغلَّة وَحده فَإِن غَيره يرجع عَلَيْهِ. ومَن يَبيعُ مَا عَليْهِ حُبِّسا يُرَدُّ مُطْلَقاً ومعْ عِلْمٍ أسا (وَمن يَبِيع مَا) أَي شَيْئا (عَلَيْهِ حبسا يرد) بَيْعه وَيفْسخ (مُطلقًا) فَاتَ بهدم أَو بِنَاء أَو خُرُوج من يَد أم لَا كَمَا فِي (ح) آخر الِاسْتِحْقَاق: علم البَائِع بِكَوْنِهِ حبسا أم لَا كَانَ بَائِعه مُحْتَاجا أم لَا إِلَّا إِذا جعل لَهُ البيع فِي أصل التحبيس كَمَا مرَّ فِي اتِّبَاع شَرط الْمحبس (و) إِذا بَاعه (مَعَ علم) بتحبيسه عَلَيْهِ فَيكون قد (أسا) ء وأثم فيعاقب بالأدب والسجن عِنْد ثُبُوت علمه بِهِ إِذا لم يكن لَهُ فِي بَيْعه عذر يعْذر بِهِ قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَلَعَلَّ مُرَاده بالعذر أَنه ادّعى جهل عدم جَوَاز بيع الْحَبْس أَو ادّعى أَنه بَاعه لفاقته واضطراره الَّذِي يُبِيح لَهُ أكل الْميتَة وَنَحْو ذَلِك. وَالخلْفُ فِي الْمُبْتَاع هلْ يَعْطِي الكِرا واتَّفَقُوا مَعْ عِلْمِهِ قبلَ الشِّرا (وَالْخلف فِي الْمُبْتَاع) الَّذِي لم يعلم بالتحبيس وَهُوَ مَحْمُول على عَدمه عِنْد الْجَهْل استصحاباً للْأَصْل (هَل يُعْطي الكرا) ء وَالْغلَّة وَيرد ذَلِك للمحبس عَلَيْهِ بعد أَن يرجع بِثمنِهِ ويتقاصان أَو لَا يعْطى شَيْئا لِأَن الْخراج بِالضَّمَانِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَهُوَ الْمَذْهَب وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي معاوضات المعيار وَنَحْوه فِي (ح) عِنْد قَوْله: لَا صدَاق حرَّة. ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي يفِيدهُ (خَ) فِي الِاسْتِحْقَاق بقوله: وَالْغلَّة لذِي الشُّبْهَة أَو الْمَجْهُول للْحكم كوارث وموهوب ومشتر لم يُعلمهُ. (وَاتَّفَقُوا) أَي جلّ الْفُقَهَاء على رد الْغلَّة والكراء (مَعَ علمه) بالتحبيس (قبل الشرا) ء أَو بعده وَتَمَادَى على استغلاله فَإِنَّهُ يرد غلَّة مَا استغله بعد علمه وَيرد مكيلة الْمثل من ثَمَرَة وَنَحْوهَا إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت، وَقَوْلِي: جلّ الْفُقَهَاء إِشَارَة إِلَى فَتْوَى ابْن سهل بِخِلَاف ذَلِك، وَأَنه لَا يرد الْغلَّة وَإِن علم فِي المُشْتَرِي بالتحبيس. قَالَ الشَّارِح: وفتواه لَا تَخْلُو من نظر لما فِي ذَلِك من تَمْكِين الْمُبْتَاع من غلَّة عقد بَاطِل لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ بناني فِي فصل الِاسْتِحْقَاق: وَفِيه أَيْضا سلف جر نفعا إِذا علمه بالتحبيس قبل الشِّرَاء دُخُول على فسخ البيع وَرُجُوع الثّمن لَهُ بعد غيبَة البَائِع عَلَيْهِ وَهُوَ سلف وَالْغلَّة مَنْفَعَة فِي السّلف اه. قلت: وَيُجَاب عَن ابْن سهل بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ عقدا بَاطِلا فَاسِدا فَإِن الضَّمَان ينْتَقل فِيهِ بِالْقَبْضِ (خَ) : وَإِنَّمَا ينْتَقل ضَمَان الْفَاسِد بِالْقَبْضِ ورد وَلَا غلَّة تصحبه، وَقد علمت أَن الْخراج بِالضَّمَانِ وَسَوَاء كَانَ سَبَب الْفساد سلفا بِمَنْفَعَة أَو غَيره. قَالَ الزّرْقَانِيّ: ظَاهر قَوْله وَلَا غلَّة الخ. وَلَو كَانَ المُشْتَرِي عَالما بِالْفَسَادِ وَوُجُوب الرَّد اه. . وَقَيده التتائي تبعا للسنهوري بِمَا قبل علمه بِوُجُوب
стр. 1041
الرَّد اه. وَاعْتَرضهُ مصطفى وَغَيره بمخالفة الْقَيْد الْمَذْكُور لإِطْلَاق الْمُدَوَّنَة فِي عدم رد الْغلَّة، وَكَذَا ابْن الْحَاجِب وَابْن عبد السَّلَام والتوضيح وَابْن عَرَفَة قَالُوا: وَالْإِطْلَاق هُوَ الْمُوَافق للخراج بِالضَّمَانِ إِذا علمه بِوُجُوب الرَّد لَا يُخرجهُ عَن ضَمَانه. قَالَ طفي: وَلم أر الْقَيْد الَّذِي ذكره التتائي لغيره اه. وَلما ذكر (ح) فِي التزاماته أثْنَاء الْكَلَام على الثنيا أَنه سمع من وَالِده يَحْكِي عَن بعض من عاصره أَنه لَا يحكم للْمُشْتَرِي بالغلة فِي البيع الْفَاسِد إِلَّا إِذا كَانَ جَاهِلا بفساده حَال العقد، وَأما إِن كَانَ عَالما بذلك، وتعمده فَلَا غلَّة لَهُ قَالَ عقبه مَا نَصه: وَلم أَقف على ذَلِك مَنْصُوصا وَظَاهر إِطْلَاقهم أَنه لَا فرق بَين الْجَاهِل والعالم، بل قَالَ ابْن سهل فِي أَحْكَامه: الْجَاهِل والعالم فِي البيع الْفَاسِد سَوَاء فِي جَمِيع الْوُجُوه اه. وَالْعلم بِفساد الثنيا يُوجب سلفا جر نفعا كَمَا مرّ فِي فَصله، وَمَعَ ذَلِك قَالُوا: الْغلَّة فِيهِ للْمُشْتَرِي وَهَذَا كُله يشْهد لما لِابْنِ سهل ويرجحه، وَقد اقْتصر (ح) فِي فصل الِاسْتِحْقَاق عِنْد قَوْله: لَا صدق حرَّة على مَا لِابْنِ سهل، وَكَذَا الزّرْقَانِيّ فِي الِاسْتِحْقَاق أَيْضا وَعند قَوْله: وَلَا غلَّة تصحبه الخ. تَنْبِيه: قَالَ ابْن يُونُس: وَمعنى قَوْله ﵇: (الْخراج بِالضَّمَانِ) الخ أَن المُشْتَرِي للشَّيْء الَّذِي اغتله لَو هلك فِي يَده كَانَ مِنْهُ وَذهب الثّمن الَّذِي نقد فِيهِ فالغلة لَهُ بضمانه اه. ويَقْتَضِي الثَّمَنَ إِن كَانَ تَلفْ منْ فائِدِ الْمَبِيع حَتَّى يَنْتَصِفْ (و) إِذا رد البيع مَعَ علم المُشْتَرِي أَو مَعَ عَدمه فَإِن المُشْتَرِي يرجع على البَائِع بِالثّمن إِن كَانَ مَلِيًّا وَإِن كَانَ عديماً وَثَبت عَدمه وَحلف أَنه لَا مَال لَهُ فَإِنَّهُ (يَقْتَضِي الثّمن) الَّذِي دَفعه (إِن كَانَ تلف) عِنْد البَائِع وَلَيْسَ لَهُ غَيره (من فائد) أَي غلَّة (الْمَبِيع) يدْفع إِلَيْهِ عَاما بعد عَام حَتَّى يَسْتَوْفِي ثمنه وَذَلِكَ (حَيْثُ يَتَّصِف) البَائِع بِالْحَيَاةِ. وإنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلُ لَا شَيءَ لهُ وَلَيْسَ يَعْدُو حُبْسٌ مَحَلَّهُ (وَإِن يمت) البَائِع (من قبل) أَي قبل استكمال المُشْتَرِي ثمنه فَإِنَّهُ (لَا شَيْء لَهُ) من الثّمن أَو بَاقِيه لِأَن الْحَبْس قد انْتقل لغير البَائِع (وَلَيْسَ يعدو حبس مَحَله) الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ بعد موت البَائِع فَهُوَ كالتعليل أَي: لَا شَيْء لَهُ لِأَن الْحَبْس لَا يعدو مَحَله الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ. تَنْبِيهَانِ. الأول: ظَاهر قَوْله: يرد مُطلقًا أَنه يرد وَلَو كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ بَاعه لخوف الْهَلَاك على نَفسه لمجاعة وَنَحْوهَا، وَبِه أفتى البرقي وَابْن المكوي والفقيه الصديني قَائِلا: وَمَا علمت جَوَاز بَيْعه لما ذكر لأحد من أهل الْعلم وينقض إِن وَقع درج عَلَيْهِ ناظم الْعَمَل فَقَالَ: بيع الْمحبس على الْمِسْكِين لم يَقع مَعَ الْحَاجة عِنْد من حكم وَأفْتى القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مَحْسُود بِجَوَاز البيع لخوف الْهَلَاك بِالْجُوعِ وَنَحْوه، وَظَاهره كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ معينا محصوراً أم لَا. وَاسْتشْكل فتواه هَذِه أَبُو زيد سَيِّدي عبد الرَّحْمَن
стр. 1042
الفاسي قَائِلا: وَلَا أعرف مُسْتَندا بِهَذِهِ الْفَتْوَى ولعلها اجْتِهَاد. نعم مستندها فِي الْجُمْلَة الْمصَالح الْمُرْسلَة وارتكاب أخف الضررين. قَالَ: وَالْحَاصِل أَن تِلْكَ الْفَتْوَى مِمَّا تندرج بِالْمَعْنَى فِيمَا استثنوه من بيع الْوَقْف لتوسيع الْمَسْجِد وَنَحْوه اه. بِاخْتِصَار. قلت: وَتَأمل مَا قَالَه الْفَقِيه الصديني وَأَبُو زيد الفاسي مَعَ نقل ابْن رحال، جَوَاز البيع عَن اللَّخْمِيّ وَعبد الحميد وَنَصه: وَمن حبس عَلَيْهِ شَيْء وَخيف عَلَيْهِ الْمَوْت لمثل مجاعَة فَإِن الْحَبْس يُبَاع وَينْفق على الْمحبس عَلَيْهِ قَالَه اللَّخْمِيّ وَعبد الحميد. وَعلل اللَّخْمِيّ ذَلِك بِأَن الْمحبس لَو حضر لَكَانَ إحْيَاء النَّفس عِنْده أولى اه. بِاخْتِصَار. ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ فَتْوَى البرقي حَيْثُ لَا يغلب على الظَّن الْهَلَاك إِن لم يبع اه. كَلَام ابْن رحال بِاخْتِصَار. وَفِي المعيار عَن العبدوسي أَنه يجوز أَن يفعل فِي الْحَبْس مَا فِيهِ مصلحَة مِمَّا يغلب على الظَّن حَتَّى كَاد يقطع بِهِ أَنه لَو كَانَ الْمحبس حَيا لفعله وَاسْتَحْسنهُ اه. وَذكر ابْن عَرَفَة عَن اللَّخْمِيّ فِيمَن حبست على ابْنَتهَا دَنَانِير وشرطت أَن لَا تنْفق عَلَيْهَا إِلَّا إِذا نفست قَالَ: ذَلِك نَافِذ فِيمَا شرطت وَلَو نزلت شدَّة بالابنة حَتَّى خيف عَلَيْهَا الْهَلَاك لأنفق عَلَيْهَا مِنْهَا لِأَنَّهُ قد جَاءَ أَمر يعلم مِنْهُ أَن المحبسة أَرغب فِيهِ من الأول اه. فَهَذَا كُله يُؤَيّد فَتْوَى ابْن مَحْسُود ويرجحها وَيدل على أَنَّهَا أولى بالاتباع وَالْعَمَل وَالله أعلم. الثَّانِي: مَا تقدم من أَن الْمُسْتَحق من يَده الْحَبْس لَا يرد الْغلَّة عَن الْمَذْهَب للشُّبْهَة مَحَله إِذا لم يكن الْمُسْتَحق من يَده يستغل ذَلِك من جِهَة الْوَاقِف بِإِرْث أَو وَصِيَّة، فَإِذا أوصى لشخص بِثُلثِهِ مثلا فاستغل ثمَّ ظهر بعد ذَلِك أَن الْمُوصي كَانَ أوصى لِلْمَسْجِدِ بِالثُّلثِ أَيْضا أَو بعرصة وفدان وَنَحْو ذَلِك، فَإِن الْمُوصى لَهُ يلْزمه كِرَاء مناب الْحَبْس من وَقت انتفاعه إِلَى وَقت ظُهُور الْوَصِيَّة لِلْمَسْجِدِ، وَكَذَا الْوَارِث إِذا استغل عقار الْمَيِّت زَمَانا ثمَّ قَامَ عَلَيْهِم نَاظر الأحباس بِالْوَصِيَّةِ أَو بِأَن ذَلِك الفدان حَبسه موروثهم وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يلْزمهُم رد الْغلَّة قَالَه فِي المعيار عَن العبدوسي قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة من اسْتحق من يَده ملك بالحباسة وَلم يعلم بهَا أَنه لَا يرجع عَلَيْهِ بالغلة على قَول ابْن الْقَاسِم وَبِه الْعَمَل اه. قَالَ الشَّيْخ الرهوني: وَوَجهه ظَاهر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة طرُو وَارِث يَحْجُبهُ الطارىء. قَالَ فِي الْمُقدمَات: وَأما مَا لم يؤد فِيهِ ثمنا وَلَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ضَمَان كالوارث يَرث ثمَّ يَأْتِي من هُوَ أَحَق مِنْهُ فَلَا اخْتِلَاف أَنه يرد الْغلَّة اه. وَلَا يُعَكر عَلَيْهِ مَا تقدم عَن (خَ) لِأَن المُرَاد بالوارث فِي كَلَامه وَارِث ذِي الشُّبْهَة أَو الْمَجْهُول أَو المُشْتَرِي من الْغَاصِب الَّذِي لم يعلم بغصبه كَمَا قَرَّرَهُ بِهِ شراحه، وَيدل لَهُ قَوْلهم الْخراج بِالضَّمَانِ وَلَا ضَمَان على الْمُوصى لَهُ وَلَا على الْوَارِث الْمَذْكُورين كَمَا تقدم عَن ابْن يُونُس.
وغيْرُ أصْلٍ عَادِمِ النَّفع صُرِفْ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ وُقِفْ (و) حبس (غير أصل) كحيوان وَثيَاب من نَعته وَصفته (عادم النَّفْع) فِيمَا حبس عَلَيْهِ وَينْتَفع بِهِ فِي غَيره كفرس حبس على الْجِهَاد صَار بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ فِيهِ وَلَكِن ينْتَفع بِهِ فِي الطَّحْن
стр. 1043
وَنَحْوه فَإِنَّهُ يُبَاع و (صرف ثمنه فِي مثله ثمَّ وقف) أَي فِي فرس آخر يصلح للْجِهَاد إِن بلغ ثمنه ذَلِك، فَإِن لم يبلغهُ فَإِنَّهُ يستعان بِهِ فِي مثله (خَ) : وَبيع مَا لَا ينْتَفع بِهِ من غير عقار وَصرف ثمنه فِي مثله أَو شقصه أَي إِن وجد وإلاَّ صرف فِي السَّبِيل وَبيع فضل الذُّكُور وَمَا كبر من الْإِنَاث وَصرف ثمنه فِي إناث الخ … وَمَفْهُوم غير أصل أَن الْأُصُول من الدّور وَالْأَرضين لَا يجوز بيعهَا وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور (خَ) : لَا عقار وَإِن خرب الخ. أَي لِأَنَّهُ قد يُوجد من يصلحه بإجارته سِنِين فَيَعُود كَمَا كَانَ، وَمُقَابِله لِرَبِيعَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك أَنه يجوز بيع مَا خرب مِنْهُ، وَبِه أفتى الحفار وَابْن لب وَغَيرهمَا وَعَلِيهِ الْعَمَل قَالَ ناظمه: كَذَا مُعَاوضَة ربع الْحَبْس على شُرُوط أسست للمؤتسي والمعاوضة من قبيل البيع بل قَالَ المكناسي فِي مجالسه: أَن الْجنان إِذا كَانَ لَا تفي غَلَّته بخدمته فَإِنَّهُ يُبَاع ويشترى بِثمنِهِ مثله قَالَ: وَبِه الْعَمَل اه. وَأَصله لِابْنِ الفخار وَيَأْتِي مثله فِي التَّنْبِيه الثَّانِي عَن ابْن عَرَفَة وَعَلِيهِ فَلَا مَفْهُوم للمعاوضة على هَذَا وَإِن كَانَ شَارِح الْعَمَل نقل عَن ناظمه أَن الْعَمَل إِنَّمَا هُوَ بالمعاوضة لَا بِالْبيعِ، وَالظَّاهِر أَنه حَيْثُ لم تُوجد الْمُعَاوضَة فَإِنَّهُ يُصَار للْبيع وَيَشْتَرِي بِثمنِهِ مثله كَمَا قَالَ المكناسي وَغَيره. وَهَذَا أغبط للحبس وَأولى من تَركه للضياع والاندثار. وَشرط الْمُعَاوضَة فِي الْحَبْس أَو البيع أَن يكون خرباً، وَأَن لَا تكون لَهُ غلَّة يصلح بهَا، وَأَن لَا ترجى عودته إِلَى حَالَته بإصلاح أَو غَيره وَأَن لَا يُوجد من يتَطَوَّع بإصلاحه قَالَه فِي المعيار. وَمَفْهُوم عادم النَّفْع أَن مَا فِيهِ نفع للحبس لَا يُبَاع بِحَال وَهُوَ كَذَلِك، وَالْمرَاد النَّفْع التَّام الَّذِي يحصل من أَمْثَاله، وَأما مَا قل نَفعه فَإِنَّهُ يُبَاع ويشترى بِثمنِهِ مَا هُوَ تَامّ النَّفْع كَمَا قَالَه ابْن الفخار وَغَيره: وَمن عادم النَّفْع فيض مَاء الأحباس فَإِنَّهُ يجوز بيعهَا. قَالَ ناظم الْعَمَل: وفيض مَاء حبس يُبَاع وَمَا بِهِ للحبس انْتِفَاع قَالَ فِي شَرحه: وَإِذا جَازَ البيع جَازَ الِاسْتِئْجَار بالأحرى. تَنْبِيهَانِ. الأول: علم من جَوَاز الْمُعَاوضَة وَالْبيع على مَا بِهِ الْعَمَل أَن الْحَبْس يحاز عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَت دَار مثلا بيد شخص مُدَّة الْحِيَازَة فَقَامَ عَلَيْهِ نَاظر الأحباس وَأثبت بِالْبَيِّنَةِ العادلة أَنَّهَا حبس، وَادّعى الآخر أَنه عاوضها أَو اشْتَرَاهَا أَو ادّعى ورثته ذَلِك، فَإِن القَوْل للحائز بِيَمِينِهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَالْيَمِين لَهُ إِن ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ معمله الخ … بل وَكَذَلِكَ لَو لم يكن يَدعِي الْحَائِز عشر سِنِين وَلَا وَارثه شَيْئا لِأَنَّهُ يحمل على أَنَّهَا انْتَقَلت إِلَيْهِ بِوَجْه جَائِز وَلَا تنْزع من يَده مَعَ قيام احْتِمَال انتقالها إِلَيْهِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُور مَعَ شدَّة حرص النظار فِي هَذِه الْبَلدة على حفظ الأحباس وَعدم تَركهَا للْغَيْر يتَصَرَّف فِيهَا، وَمُجَرَّد الِاحْتِمَال مَانع من الْقَضَاء إِجْمَاعًا كَمَا لِابْنِ عتاب وَغَيره. وَقَول
стр. 1044
الْعَامَّة: الْحَبْس لَا يحاز عَلَيْهِ إِنَّمَا ذَلِك حَيْثُ لم يجز الْعَمَل بالمعاوضة فِيهِ وَالْبيع وإلاَّ فَهُوَ كَغَيْرِهِ مَا لم يكن الْحَائِز مَعْلُوما بالجاه والكلمة وإلاَّ فَلَا يعْمل بحيازته كَمَا يُوجد من بعض أهل هَذِه الْبَلدة أَيْضا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَيجب التثبت فِي مثل هَذَا التثبت التَّام، وَقد عَمت الْبلوى فِي هَذِه الْبَلدة بِكَوْن الرجل يعاوض أَو يسْتَأْجر مَا خرب من الْحَبْس أَو قل نَفعه وتمزق رسوم مَا عاوض بِهِ، وَيَأْخُذ رسم الْمُعَاوضَة وَلَا يكْتب على الْحِوَالَة بِإِزَاءِ مَا وَقعت فِيهِ الْمُعَاوضَة أَن ذَلِك الْمحل انْتقل للرجل بالمعاوضة للاستخفاف بِحُقُوق النَّاس والاتكال على رسم الْمُعَاوضَة الَّذِي بيد الرجل فيضيع رسم الْمُعَاوضَة الَّذِي بِيَدِهِ لطول الْعَهْد وَنَحْو ذَلِك، فَيقوم نَاظر الأحباس عَلَيْهِ أَو على ورثته بِمَا فِي دفتر الأحباس وحوالتها، ويحتج عَلَيْهِ بِأَن الْمحل الَّذِي بِيَدِهِ حبس، وَأَن الْحَبْس لَا يجاز عَلَيْهِ فَلَا يجد الرجل مَا يَدْفَعهُ بِهِ فيأخد النَّاظر المحلين الْمحل الَّذِي دفع الرجل لَهُ لتصرف الْحَبْس فِيهِ الْمدَّة الطَّوِيلَة، وَالْمحل الَّذِي أَخذه بِالِاسْتِحْقَاقِ من الرجل، وَهَذَا كثير وُقُوعه فِي هَذِه الْبَلدة، وَلَا تجدهم يَكْتُبُونَ الْمُعَاوضَة أَو الْجَزَاء والاستئجار بِإِزَاءِ مَا فِي الْحِوَالَة إِلَّا فِي النزر الْقَلِيل. هَذَا كُله لَو كَانَ مَا قَامَ بِهِ النَّاظر ثَابتا فِي الْحِوَالَة بعدلين مَعَ ثُبُوت ملك الْمحبس والحيازة عَنهُ وَادّعى الْحَائِز معاوضته أَو لم يدع شَيْئا على مَا مر بَيَانه، أما إِذا كَانَ فِي الْحِوَالَة مُجَرّد زِمَام فَقَط كَمَا هُوَ غالبها فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بِهِ بِحَال على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا قَالَ الْبُرْزُليّ فِيمَا يُوجد مَكْتُوبًا على ظهر الْكتب أَنَّهَا حبس، أَو على فَخذ الْفرس أَنَّهَا حبس قَالَ: لَا يعْمل بذلك على مَا بِهِ الْعَمَل إِلَّا إِذا ثَبت أصل تحبيسه بعدلين معروفين، وَثَبت أَن الأَصْل كَانَ ملكا للمحبس إِلَى أَن حَبسه وَثبتت حيازته عَنهُ، ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق وَلَا فرق بَين مَا فِي الْحِوَالَة من أَن الْمحل الْفُلَانِيّ حبس، وَبَين مَا يكْتب من التحبيس على ظهر أوراق الْكتاب أَو فَخذ الْفرس، إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يزِيد على أَن هَذَا الْمحل حبس فَالْكل مَحْض زِمَام بِغَيْر شَهَادَة وَمَا فِي أحباس المعيار عَن الشاطبي من أَن زِمَام الأحباس يعْمل بِهِ إِذا لم يُوجد مَا هُوَ أثبت مِنْهُ لَعَلَّه مُقَابل لما بِهِ الْعَمَل فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ أَو يُقَال ذَلِك مَعَ الشُّهْرَة كَمَا فِي (ح) عِنْد قَوْله: بحبست ووقفت الخ. وَمَا رَأينَا أحدا الْيَوْم يقْضِي بزمام الْحِوَالَة وَالْقَضَاء بِهِ يفْتَقر إِلَى الْإِعْذَار فِيهِ وَلَا اعذار فِي مُجَرّد زِمَام كَمَا مرَّ فِي فصل الْإِعْذَار، وَتقدم فِي شَهَادَة السماع مَا يُؤَيّد هَذَا وَالله أعلم. الثَّانِي: النَّاظر على الْوَقْف يقدم إِصْلَاحه وعمارته إِن كَانَ عقارا وَنَفَقَته إِن كَانَ حَيَوَانا على الْمحبس عَلَيْهِم وَلَو شَرط الْوَاقِف عدم التبدئة بذلك لم يعْمل بِشَرْطِهِ ابْن عَرَفَة: الْحَاصِل أَن نَفَقَة الْحَبْس من فَائِدَة فَإِن عجز بيع وَعوض من ثمنه مَا هُوَ من نَوعه فَإِن عجز صرف ثمنه فِي مصرفه اه. (ق) . وَكَثِيرًا مَا يتَّفق أَن يتْرك الْحَبْس بِلَا إصْلَاح والمحبس عَلَيْهِ يستغله هَل يلْزمه فِي مَاله إصْلَاح مَا وهى؟ وَفِي ابْن سهل: إِن ترك الْوَكِيل جنَّات الْمَحْجُور وكرومه حَتَّى تبورت ويبست فَعَلَيهِ قيمَة مَا نقص مِنْهَا لتضييعه إِيَّاهَا اه. وناظر الأحباس كالوصي فِي ذَلِك كَمَا مرّ عَن الْبُرْزُليّ عِنْد قَوْله: وكل مَا يشْتَرط الْمحبس الخ … وَحبس الإِمَام والمؤذن إِذا خرب فَإِنَّهُ يجب على الإِمَام والمؤذن أَن يردا من غَلَّته مَا يصلح بِهِ كَمَا فِي أحباس المعيار فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. مِنْهَا فِي أَولهَا ووسطها وَآخِرهَا، وَلَكِن نَص أَبُو الْحسن فِي أجوبته على أَن دَار إِمَام الْمَسْجِد تصلح من غلَّة الْحَبْس إِذا امْتنع الإِمَام من أَدَاء الْكِرَاء كَمَا يُعْطي هُوَ وَسَائِر خدمَة الْمَسْجِد من غلَّة أحباسه مِمَّا يصرف عَن غلَّة الْحَبْس فِي الْإِصْلَاح على وزان مَا يعْطى من الْغلَّة للْإِمَام إِجَارَة على
стр. 1045
الْإِمَامَة اه. وَهُوَ الصَّوَاب انْظُر الدّرّ النثير. وَلَا تُبَتّ قِسْمَةٌ فِي حُبُسِ وطالِبٌ قِسْمَةَ نَفْعٍ لَمْ يُسي (وَلَا تبت) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْأَخِيرَة مَبْنِيا للْمَفْعُول (قسْمَة فِي حبس) أَي إِذا طلب الْمحبس عَلَيْهِم المعينون قسْمَة الْحَبْس قسْمَة بت فَإِنَّهُم لَا يجابون إِلَى ذَلِك (و) أما (طَالب قسْمَة نفع) واستغلال فَإِنَّهُ يُجَاب لِأَنَّهُ (لم يسي) ء فِي طلبه لذَلِك وَيجْبر غَيره عَلَيْهِ على الْمَعْمُول بِهِ لما فِي بَقَائِهِ على الإشاعة من التعطيل والضياع قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَهَذَا إِذا كَانَ الْحَبْس دوراً أَو أَرضًا لَا شجر فِيهَا، وَأما الْأَشْجَار فَلَا تقسم قسْمَة الاستغلال كَمَا فِي المقرب لما فِيهِ من قسم مَا لم يبد صَلَاحه، وَإِنَّمَا يقسمون الْغلَّة فِي أوانها وَلَو فِي رُؤُوس أشجارها بعد بَدو صَلَاحهَا بشروطها الْمُتَقَدّمَة فِي الْقِسْمَة عِنْد قَوْله: وَقسم غير التَّمْر خرصاً وَالْعِنَب الخ …
(فصل فِي الصَّدَقَة وَالْهِبَة وَمَا يتَعَلَّق بهما)
وحكمهما لذاتهما النّدب. وَعرف ابْن عَرَفَة الْعَطِيَّة الَّتِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة من أَنْوَاعهَا بقوله: تمْلِيك مُتَمَوّل بِغَيْر عوض إنْشَاء، فَخرج بقوله مُتَمَوّل مَنْفَعَة كَانَ أَو رَقَبَة تمْلِيك الْإِنْكَاح كَأَن يَقُول: مَلكتك تزوج ابْنَتي من زيد أَو مِمَّن أَحْبَبْت، أَو تَقول الْمَرْأَة ذَلِك لوَلِيّهَا، وَيخرج بِهِ أَيْضا تمْلِيك الطَّلَاق للزَّوْجَة أَو لغَيْرهَا إِذْ الْكل لَيْسَ بمتمول، وَخرج بِغَيْر عوض البيع وَنَحْوه من الْمُعَاوَضَات، وَخرج بقوله إنْشَاء الحكم بِاسْتِحْقَاق وَارِث إِرْثه لِأَنَّهُ لَا إنْشَاء فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِير لما ثَبت وَقيل: إِن هَذَا خَارج بِتَمْلِيك لِأَن الْإِرْث لَا تمْلِيك فِيهِ من الْمَوْرُوث فَلَا حَاجَة لقَوْله إنْشَاء وَيدخل فِيهَا الْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَالْحَبْس والنحلة والعرية وَهِي هبة الثَّمَرَة، والمنحة وَهِي هبة لبن الشَّاة، والهدية وَهِي مَعْرُوفَة، والإسكان وَهُوَ هبة مَنَافِع الدَّار مُدَّة من الزَّمَان كنسة، والعمرى وَهِي تمْلِيك الْمَنْفَعَة مُدَّة عمره، وَالْعَارِية وَهِي تمْلِيك مَنَافِع الدَّابَّة وَنَحْوهَا بِغَيْر عوض، فَإِن كَانَ بعوض فَهُوَ إِجَارَة، والإرفاق وَهُوَ إِعْطَاء مَنَافِع الْعقار كَمَا يَأْتِي، وَالْعدة وَهِي إِخْبَار عَن إنْشَاء الْمخبر مَعْرُوفا فِي الْمُسْتَقْبل وَالْوَفَاء بهَا مَطْلُوب غير لَازم، والإخدام إِعْطَاء مَنْفَعَة خَادِم غُلَاما كَانَ
стр. 1046
أَو جَارِيَة، والصلة وَهِي مَعْرُوفَة بَين الْأَقَارِب، والحباء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الْعَطاء الَّذِي يُعْطِيهِ الزَّوْج لوَلِيّ الزَّوْجَة عِنْد العقد أَو قبله، فَهَذِهِ كلهَا من أَنْوَاع الْعَطِيَّة وَكلهَا تفْتَقر لحيازة مَا عدا النحلة كَمَا مرّ فِي قَوْله: ونحلة لَيْسَ لَهَا افتقار إِلَى حِيَازَة الخ … ثمَّ قَالَ ابْن عَرَفَة: وَالْهِبَة لَا لثواب تمْلِيك ذِي مَنْفَعَة لوجه الْمُعْطى بِغَيْر عوض، وَالصَّدَََقَة كَذَلِك لوجه الله تَعَالَى بدل لوجه الْمُعْطى فَخرج بقوله: ذِي مَنْفَعَة الْعَارِية وَنَحْوهَا ولوجه الْمُعْطى خرج بِهِ الصَّدَقَة لِأَنَّهَا لوجه الله تَعَالَى، وَبِقَوْلِهِ: لَا لثواب هبة الثَّوَاب. وَأَحْكَام الْهِبَة وَالصَّدَََقَة سَوَاء إِلَّا فِي وَجْهَيْن. أَحدهمَا أَن الْهِبَة تعتصر دون الصَّدَقَة كَمَا يَأْتِي، وَالثَّانِي أَن الْهِبَة يجوز للْوَاهِب شراؤها وقبولها بِهِبَة بِخِلَاف الصَّدَقَة فَإِنَّهُ يكره فِيهَا ذَلِك. صَدَقَةٌ تَجوزُ إِلَّا مَعْ مَرضْ مَوْتٍ وبالدَّينِ المُحِيطِ تُعْتَرَضْ (صَدَقَة) وَتقدم تَعْرِيفهَا (تجوز) أَي تصح وَتلْزم بالْقَوْل، أَو يُقَال المُرَاد بِالْجَوَازِ الْإِذْن الشَّامِل للنَّدْب إِذْ هِيَ مَنْدُوب إِلَيْهَا كَمَا مر، وَظَاهره وَإِن كَانَ الْمُتَصَدّق بِهِ مَجْهُولا عِنْد الْمُتَصَدّق وَهُوَ كَذَلِك وَلَو خَالف ظَنّه بِكَثِير (خَ) : وَصحت فِي كل مَمْلُوك ينْقل وَإِن كَلْبا ومجهولاً، وَلابْن الْقَاسِم فِي الْعُتْبِيَّة أَن الْجَهْل إِن خَالف الظَّن فَلهُ نقضهَا، وَبِه أفتى ابْن هِلَال حَسْبَمَا فِي العلمي وَهُوَ ضَعِيف. انْظُر الشَّامِل وَشَرحه (إِلَّا) إِن تصدق (مَعَ) تلبسه ب (مرض موت) فَإِنَّهَا تكون وَصِيَّة مِنْهَا مَا حمله الثُّلُث إِن كَانَت لغير وَارِث وَإِلَّا توقفت على إجَازَة الْوَرَثَة فَإِن أجازوها فَهِيَ ابْتِدَاء عَطِيَّة تفْتَقر للحوز، وَمَفْهُومه أَنه إِذا لم يمت من ذَلِك الْمَرَض بل صَحَّ صِحَة بَيِّنَة ثمَّ مَاتَ فَإِن الصَّدَقَة تصح وتنفذ إِن حيزت كَانَت على وَارِث أَو غَيره، وَمرَاده بِمَرَض الْمَوْت الْمَرَض الْمخوف الَّذِي حكم أهل الطِّبّ بِكَثْرَة الْمَوْت بِهِ، وَقد تقدم بَيَانه فِي الْخلْع. وَأما غير الْمخوف كالأمراض المزمنة المتطاولة كالفالج وَحمى الرّبع والجرب والسعال المزمن، فَحكمه فِي ذَلِك كُله كَالصَّحِيحِ، فَإِذا حيزت عَنهُ فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِنَّهَا تصح لوَارث وَغَيره بل الْمخوف فِيهِ تَفْصِيل فقد قَالَ الرجراجي فِي مناهجه: وَالْمَرَض الْمخوف المتطاول كالسل إِذا طَلقهَا فِيهِ وأعقبه الْمَوْت قبل المطاولة فَإِنَّهَا تَرثه على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة، ففهم مِنْهُ أَنه إِذا لم يعقبه الْمَوْت إِلَّا بعد المطاولة فَإِنَّهَا لَا تَرثه، وَالْهِبَة كَذَلِك فالخوف إِن أعقبه الْمَوْت بِالْقربِ بِطَلَب وإلاَّ صحت نَقله الملوي. وَأما غير الْمخوف فمهما شهدُوا بِأَن مَرضه وَقت الْهِبَة كَانَ غير مخوف وَأَنه مَاتَ بِمَرَض حدث بعْدهَا فَهِيَ صَحِيحَة للْوَارِث وَغَيره إِن حازها هَذَا الْحَادِث وَمَا تقدم عَن الرجراجي نَحوه قَول ابْن لب فِي
стр. 1047
فتواه إِذا كَانَ الْوَاهِب مُلْتَزما للْفراش واتصل حَاله كَذَلِك إِلَى أَن توفّي بعد ذَلِك بِالْأَشْهرِ الْيَسِيرَة فهبته لوَرثَته بَاطِلَة الخ. فمفهوم قَوْله: بِالْأَشْهرِ الْيَسِيرَة أَنه مَاتَ بعد طول فالهبة صَحِيحَة بشرطها الْحَوْز وَالْمَرَض الملزم للْفراش وَهُوَ الْمخوف لِأَنَّهُ لَا يتَصَرَّف مَعَه، وَلما قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: من حبس فِي مَرضه قَالَ أَبُو الْحسن: مُرَاده الْمَرَض الْمخوف، وَأما غَيره فَحكمه الصَّحِيح، وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة قَائِلا: إِذا مرض الْأَب مَرضا متطاولاً فَهُوَ كَالصَّحِيحِ وَيصِح للِابْن قبض الْحَبْس فِي ذَلِك الْحَال اه. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَظَاهر كَلَام الرجراجي وفتوى ابْن لب وَغَيرهمَا أَن الْمخوف المتطاول فِيهِ التَّفْصِيل بَين الْقرب والبعد، وَأما غير الْمخوف فَحكمه حكم الصَّحِيح والمدار فِيهِ على كَونه غير مخوف، وَأما الشَّهَادَة فَإِنَّهُ مَاتَ بِمَرَض حدث بعده فَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا على الْمَذْهَب، إِلَّا على قَول ابْن عَرَفَة الَّذِي يَقُول: إِن غير الْمخوف إِذا أعقبه الْمَوْت يصير مخوفا، وَاعْتَمدهُ ابْن رحال فِي شَرحه وَهُوَ مَرْدُود بِأَن الْمَرَض الْخَفِيف لَا يحصل مِنْهُ الْمَوْت إِلَّا بِزِيَادَتِهِ وَبهَا صَار مخوفا فَهُوَ كَمَرَض طَرَأَ. وَقد تقدم نَحْو هَذَا فِي بَاب الْخلْع، وَفهم مِمَّا مر أَنَّهَا لَا تقبل فِيهِ إِلَّا شَهَادَة الْأَطِبَّاء العارفين بالمخوف وَمن غَيره، وَلَا تقبل فِيهِ شَهَادَة غَيرهم كَمَا تقدم فِي قَوْله: ثمَّ الْعُيُوب كلهَا لَا تعْتَبر الخ … تَنْبِيه: لَو كَانَت الصَّدَقَة على مجهولين مَحْصُورين مِمَّا يتَوَقَّع انقطاعهم كَقَوْلِه: تَصَدَّقت على ولد فلَان أَو فلَان وَولده، فَقيل عَن مَالك وَغَيره أَنَّهَا حبس مؤبد ترجع الأحباس قَالَه الْبُرْزُليّ، وَهِي كَثِيرَة الْوُقُوع، وَفِي الْمُتَيْطِيَّة: وَلَا يصلح أَن يشْتَرط الْمُتَصَدّق فِي صدقته إِذا مَاتَ الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ أَن ترجع الصَّدَقَة إِلَى غَيره من الْأَقَارِب أَو الْأَجَانِب، فَإِن وَقع ذَلِك نفذ وَمضى كَشَرط اعتصارها وَلَيْسَ للمتصدق عَلَيْهِ بيعهَا إِلَّا أَن يَمُوت الَّذِي اشْترط رُجُوعهَا إِلَيْهِ فِي حَيَاة الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ، فَيكون لَهُ ذَلِك انْتهى، وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّة عِنْد قَوْله: وصححت لولد الْأَوْلَاد الخ. (وبالدين الْمُحِيط تعترض) وَتبطل وَلَو بحدوثه فِيمَا بَين الْهِبَة والحوز لِأَن حُدُوثه قبل الْحَوْز مَانع مِنْهُ وَكَذَا الْحَبْس. (خَ) : وَبَطلَت إِن تَأَخّر لدين مُحِيط أَي وللغرماء إجَازَة ذَلِك ورده، وَإِن كَانَ الْمَوْهُوب عبدا أَو دَارا مثلا وزادت قِيمَته على الدّين فَإِنَّهُ يُبَاع والفضلة للْوَاهِب كَمَا فِي الشَّامِل وَغَيره. وَالْحَاصِل أَن الدّين الْمُسْتَغْرق إِذا تحقق سبقه على الْعَطِيَّة بطلت، وَإِن تحقق سبق الْعَطِيَّة لَهُ صحت إِن حيزت قبل الدّين أَو جهل الْحَال هَل تقدّمت حيازتها عَلَيْهِ أَو تَأَخَّرت كَانَت لصغير أَو غَيره؟ وَإِن جهل السَّابِق هَل الْعَطِيَّة أَو الدّين فَإِن حازها كَبِير أَو أَجْنَبِي لصغير صحت وَإِن حازها لَهُ أَبوهُ بطلت. وَلَا رُجُوعَ بَعْدُ للمصدِّق وَمِلْكُهَا بغيرِ إرْثٍ اتُّقي (وَلَا رُجُوع بعد) أَي بعد تبتيلها لَا رُجُوع فِيهَا وَلَا اعتصار وَلَو قبل حيازتها (للمصدق)
стр. 1048
بإدغام التَّاء فِي الصَّاد لِأَن الصَّدَقَة لَا تعتصر وَهِي لَازِمَة بالْقَوْل على الْمَشْهُور وَيجْبر على الْحَوْز كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا الْهِبَة وَالْحَبْس. وَعَن مَالك أَنَّهَا لَا تلْزم بالْقَوْل وَله الرُّجُوع فِيهَا مَا لم تقبض وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَتقدم فِي الْحَبْس أَنه لَا يبطل بِتَأْخِير القَوْل وَلَو سِنِين، وَأَحْرَى بِتَأْخِير الْحَوْز حَيْثُ لم يحصل مَانع من موت أَو إحاطة دين، وَتقدم فِي الرَّهْن أَنه لَا يشْتَرط التحويز فِيهَا بِخِلَاف الرَّهْن. (وملكها) أَي الصَّدَقَة (بِغَيْر إِرْث) من شِرَاء أَو قبُولهَا بِهِبَة وَنَحْوهَا (اتقِي) (خَ) : وَكره تمْلِيك صَدَقَة بِغَيْر مِيرَاث وَلَا يرقبها أَو يَأْكُل غَلَّتهَا وَينْفق على أَب افْتقر مِنْهَا، وَقيل يحرم التَّمَلُّك الْمَذْكُور لخَبر: (الْعَائِد فِي صدقته كَالْكَلْبِ الْعَائِد فِي قيئه) وَمَفْهُوم الصَّدَقَة أَن الْهِبَة لَا يكره فِيهَا ذَلِك كَمَا مرّ أول الْبَاب، وَمَفْهُوم بِغَيْر إِرْث أَن التَّمْلِيك بِإِرْث لَا كَرَاهَة فِيهِ لِأَنَّهُ جبري. كَذَاكَ مَا وُهِبَ لِلأَيْتَامِ والفُقراءِ وأُولِي الأرْحَامِ (كَذَاك) لَا رُجُوع فِي (مَا وهب للأيتام والفقراء وأولي الْأَرْحَام) من عمَّة وَخَالَة وَابْنَة أَخ وخال وَنَحْو ذَلِك لِأَن الْهِبَة فِي ذَلِك كُله فِي معنى الصَّدَقَة فَيكْرَه تَملكهَا بِغَيْر إِرْث وَلَا يَصح اعتصارها كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وفقر موهوب لَهُ مَا كَانَا الْمَنْع لاعتصاره قد بانا وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي قَوْله: وَالأُم مَا حييّ أَب تعتصر الخ. والأبُ حَوْزُهُ لما تُصُدِّقَا بِهِ عَلَى مَحْجُورِهِ لَنْ يُتَّقَى (وَالْأَب) لَو عبر بالولي ليشْمل الْوَصِيّ والمقدم (حوزه لما تصدقا بِهِ) أَو وهبه (على مَحْجُوره) وَلَو بَالغا سَفِيها ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَلَو تزوجت الْأُنْثَى وَالذكر (لن يتقى) بل يجوز وَيصِح مَا داما سفيهين وَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِشْهَاد، بِأَنَّهُ يحوز لَهُ بل يَكْفِيهِ الْإِشْهَاد بِالْهبةِ وَالصَّدَََقَة، وَيحمل على أَنه يحوز لَهُ إِلَّا أَن تكون دَار سكناهُ فَلَا بُد من مُعَاينَة إخلائها كَمَا مر قبل قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه الخ … فَإِن بلغ الْمَحْجُور رشيدا أَو رشد السَّفِيه وَلم يحز حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدّق بِطَلَب كَمَا مر فِي الْمحل الْمَذْكُور أَيْضا.
стр. 1049
ولِلْمُعَيِّنِينَ بالحَوْزِ تَصِحْ وجَبرُه مهْما أباهُ مُتَّضِحْ (و) الصَّدَقَة أَو الْهِبَة (للمعينين) كزيد وَعَمْرو وَبكر أَو فلَان وعقبه (بالحوز) مُتَعَلق بقوله: (تصح وجبره) أَي الْمُتَصَدّق وَكَذَا الْوَاهِب على الْحَوْز (مهما أَيَّاهُ متضح) بيِّن للزومها بالْقَوْل كَمَا مر (خَ) : وحيز وَإِن بِلَا إِذن وأجبر عَلَيْهِ، وَقد مر ذَلِك عِنْد قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ … وَظَاهره أَنه يجْبر وَلَو تصدق بِجَمِيعِ مَاله وَهُوَ كَذَلِك لقصده الْقرْبَة وَيتْرك لَهُ مَا يتْرك للْمُفلس، وَكَذَا يجْبر لَو قَالَ: إِن فعلت كَذَا فَعَبْدي فلَان أَو عَبدِي وَلَا عبد لَهُ سواهُ حر، وَحنث بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: التزمت أَن أعتق عَبدِي فلَانا الْآن أَو بعد شهر فَإِنَّهُ لَا يجْبر بِالْقضَاءِ عَلَيْهِ، وَظَاهر النّظم أَيْضا كَغَيْرِهِ أَنَّهَا تصح بالحوز، وَلَو كَانَ الْمُتَصَدّق أَو الْوَاهِب غَائِبا لَا يدرى حَاله من موت أَو فلس لِأَنَّهُ على الْحَيَاة وَالصِّحَّة، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن حبيب وَقَول ابْن الْمَاجشون كَمَا فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي تَقْسِيم الْمُدعى لَهُم من الْقسم الثَّانِي من الْكتاب الأول من التَّبْصِرَة، وَبِه أفتى سَيِّدي عمر الفاسي قَائِلا: يَكْتَفِي فِي رجحانه اخْتِيَار ابْن حبيب لَهُ، وَوَافَقَهُ على ذَلِك قَاضِي مكناسة الزَّيْتُون قَائِلا: وَهُوَ الْجَارِي على مَذْهَب مَالك فِي الحكم على الْغَائِب، وتبعهما على ذَلِك غَيرهمَا من المعاصرين مَعَ علمهمْ باقتصار ابْن سَلمُون على خِلَافه قَالَه أَبُو الْعَبَّاس الملوي ﵀. وَفِي سِوى المعَيَّنينَ يُؤْمَرُ بالحوْزِ والخلْفُ أَتَى هَل يُجْبَرُ (و) الصَّدَقَة وَالْهِبَة وَالْحَبْس (فِي سوى) أَي غير (المعينين) كالمرضى والفقراء وطلبة الْعلم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَيْسَ بِمعين (يُؤمر) الْمُتَصَدّق والواهب والمحبس (بالحوز) وَدفعهَا للمتصدق والمحبس عَلَيْهِ والموهوب لَهُ (وَالْخلف أَتَى هَل يجْبر) إِن أَبى من دَفعهَا أَو لَا يجْبر لكَون الطَّالِب غير معِين وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَمثله إِذا تصدق أَو وهب أَو حبس بِيَمِين وَلَو لمُعين كَقَوْلِه: إِن فعلت كَذَا فداري صَدَقَة أَو حبس على الْفُقَرَاء أَو على زيد، أَو قَالَ: وَالله إِن فعلت كَذَا لأتصدقن على الْفُقَرَاء أَو على زيد، أَو إِن فعلت كَذَا فعلي نذر، أَو قَالَ لزوجته: إِن تزوجت عَلَيْك فلك ألف دِرْهَم، أَو إِن فعلت كَذَا فعلي عتق رَقَبَة وَلم يعينها فَإِنَّهُ لَا يجْبر على شَيْء من ذَلِك على الْمُعْتَمد، وَلَو خَالف وَفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقْصد الْقرْبَة، وَإِنَّمَا قصد اللجاج والحرج كَمَا لِابْنِ رشد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ (خَ) بقوله: وَإِن قَالَ: دَاري صَدَقَة بِيَمِين مُطلقًا أَو بغَيْرهَا وَلم يعين لم يقْض
стр. 1050
عَلَيْهِ، وَإِن قَالَ: دَاري صَدَقَة أَو حبس على مَسْجِد معِين فَهَل يجْبر نظرا لتعيين الْمَسْجِد فَهُوَ كمن تصدق على رجل بِعَيْنِه أَو لَا يجْبر نظرا للمصلين؟ فِيهِ وهم غير مُعينين وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَبِه الحكم وَعَلِيهِ الْعَمَل كَمَا فِي ابْن نَاجِي قَولَانِ. والجَبْرُ مَحتُومٌ بذِي تعَيُّنِ لِصِنْفِهِمْ مِنْ جِهَةِ المُعَيَّنِ (و) لَو تصدق بداره على زيد الْمعِين ثمَّ بعده على الْفُقَرَاء مثلا ثمَّ مَاتَ زيد قبل حوزها وَأَحْرَى بعده وطلبها غير الْمعِين ب (الْجَبْر) على دَفعهَا للْفُقَرَاء وتحويزها لَهُم (محتوم) مقضى بِهِ وَإِنَّمَا قضى بِهِ مَعَ كَونهم غير مُعينين لِأَنَّهُ لما وَجب الْقَضَاء (ب) سَبَب كَونهَا أَو لَا على (ذِي تعين) وَهُوَ زيد وَجب الْقَضَاء أَيْضا لَهُم تبعا فَقَوله (لصنفهم) مُتَعَلق بالجبر وضميره لغير المعينين أَي: فالجبر لصنف غير المعينين محتم وَاجِب بِسَبَب وُقُوعهَا أَو لَا على معِين وانتقالها إِلَيْهِم (من جِهَة) ذَلِك (الْمعِين) قَالَه ابْن الْحَاج وَغَيره. ولِلأَبِ التَّقْدِيمُ للكَبِيرِ لِقَبْضِ مَا يَخْتَصُّ بالصَّغيرِ (وَللْأَب) أَو الْوَصِيّ والمقدم فِيمَا إِذا وهبوا للكبير وَالصَّغِير (التَّقْدِيم للكبير) وَلَو سَفِيها أَو لأَجْنَبِيّ (لقبض مَا يخْتَص بالصغير) فَإِن لم يقدموا أحدا لحوز مَا يجب للصَّغِير وَحَازَ الْكَبِير حِصَّته فَقَط، أَو لم يحز شَيْئا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِب بطلت عِنْد ابْن الْقَاسِم وَبِه الْعَمَل كَمَا مرَّ عِنْد قَوْله: وَالْأَب لَا يقبض للصَّغِير مَعَ كبيره وَالْحَبْس إِرْث إِن وَقع وَقيل: يَصح نصيب الصَّغِير فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة خَاصَّة لِأَن الْأَب يحوز لَهُ بِخِلَاف الْحَبْس لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِم، وَقَوْلِي: وَحَازَ الْكَبِير حِصَّته فَقَط احْتِرَازًا مِمَّا إِذا حَاز حِصَّته وَحِصَّة الصَّغِير بِغَيْر تَقْدِيم فَإِنَّهَا تصح كَمَا تقدم عَن المجاصي عِنْد قَوْله: وَالْأَخ للصَّغِير حوزه وَجب الخ … وَهَذَا أَيْضا إِذا لم يحز الصَّغِير حِصَّته مَعَ الْكَبِير وَالأَصَح أَيْضا لقَوْله: ونافذ مَا حازه الصَّغِير الخ. . وحوزُ حاضِرٍ لِغَائِبٍ إِذا كَانَا شَرِيكيْنِ بِهَا قَدْ أُنفِذا (وحوز حَاضر لغَائِب إِذا كَانَا شَرِيكَيْنِ بهَا) أَي فِيهَا أَي فِي الصَّدَقَة وَالْهِبَة، وَمثلهمَا الْحَبْس بِأَن تصدق أَو حبس عَلَيْهِمَا مَعًا وحازها الْحَاضِر (قد أنفذا) حوزه وَصَحَّ لَهما، وَظَاهره وَإِن لم يُوكله بل وَإِن لم يعلم الْغَائِب بِالْهبةِ كَمَا فِي المقرب عَن ابْن الْقَاسِم، وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَهل
стр. 1051
يَكْفِي حوز غَيره لَهُ بِغَيْر إِذْنه كَزَوج حَاز لزوجته هبة أَبِيهَا أَو لَا يَكْفِي إِلَّا بوكالتها؟ قَولَانِ اه. وَأَصله فِي التَّوْضِيح، وعزى الأول لمطرف وَالثَّانِي لأصبغ، وَرِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَهُوَ يَقْتَضِي رُجْحَان الثَّانِي لِأَن الأول وَإِن كَانَ لمطرف وَابْن الْقَاسِم، لَكِن رِوَايَته عَن الإِمَام تقدم عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر حَيْثُ أمكنه الْحَوْز بِنَفسِهِ أَو التَّوْكِيل عَلَيْهِ، فَإِن لم يفعل وَحَازَ شَرِيكه الْجَمِيع وَحصل الْمَانِع فَإِن حِصَّة الْحَائِز تصح دون غَيره لتَفْرِيطه، وَتَقَدَّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ عِنْد قَوْله: وَينفذ التحبيس فِي جَمِيع مَا. الخ … وَبِهَذَا يفْتَرق حوز الْكَبِير حِصَّة الصَّغِير فَإِنَّهُ يَصح الْجَمِيع دون الْكَبِير يحوز حِصَّة غَيره بِغَيْر وكَالَة فَإِنَّهُ لَا يَصح لقدرته على التَّوْكِيل أَو الْحَوْز بِنَفسِهِ فَلم يفعل وَالله أعلم. وَمَا عَلَى البَتِّ لِشَخْصٍ عُيِّنا فَهْو لَهُ ومَنْ تَعدَّى ضَمِنا (وَمَا) مَوْصُول مُبْتَدأ وَاقعَة على الصَّدَقَة (على الْبَتّ لشخص) يتعلقان بقوله (عينا) وَالْمعْنَى أَن مَا عَزله الشَّخْص من مَاله صَدَقَة على مِسْكين سَمَّاهُ بِلِسَانِهِ أَو نَوَاه بِقَلْبِه، فَإِن بتله وأمضاه لَهُ بقول أَو نِيَّة حازماً بذلك غير مترو فِيهِ (فَهُوَ لَهُ) أَي لذَلِك الْمِسْكِين (وَمن تعدى) من متصدق أَو نَائِب عَنهُ وَأَعْطَاهُ لغيره (ضمنا) ذَلِك للمبتل لَهُ حَيْثُ لم تكن قَائِمَة بيد الْمُعْطى لَهُ ثَانِيًا، وَإِلَّا ردَّتْ للْأولِ كَمَا فِي الشَّامِل، وَمَا ذكره النَّاظِم بِهِ أفتى ابْن رشد فِي نوازله وَنَقله ابْن سَلمُون وَغَيره، وَالضَّمان ظَاهر فِيمَا إِذا أعطَاهُ نَائِب الْمُتَصَدّق بِغَيْر إِذن الْمُتَصَدّق، وَأما إِن أعطَاهُ هُوَ أَو نَائِبه بِإِذْنِهِ فَإِنَّمَا يتمشى على أحد قولي ابْن الْقَاسِم فِيمَن وهب لثان وَحَازَ إِنَّهَا تكون للْأولِ لِأَن الْهِبَة تلْزم بالْقَوْل فَلم يهب الْوَاهِب للثَّانِي إِلَّا مَا ملك غَيره. قَالُوا: وَهُوَ الْقيَاس. أما على قَوْله الآخر وَهُوَ الْمُعْتَمد من أَنَّهَا تكون للثَّانِي كَمَا قَالَ (خَ) : أَو وهب لثان وَحَازَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَان، وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَقضى بهَا لثان حازها قبل الأول لَا لأوّل على الْأَصَح، وَلَا فرق بَين أَن يفرط الأول فِي حوزها أم لَا مضى لَهُ زمَان يُمكنهُ فِي الْحَوْز وَلم يحز أم لَا. وغيْرُ مَا يُبَتُّ إذْ يُعَيَّنُ رجُوعُهُ لِلْمِلْكِ لَيْسَ يُحْسُنُ (وَغير مَا يبت) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (إِذْ) ظرف (يعين) فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذْ وَالتَّقْدِير: وَغير المبتل للمسكين وَقت تعينه أَي لم يبتل لَهُ بقول وَلَا نِيَّة، فالمسكين معِين فِي هَذِه وَفِي الَّتِي قبلهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفَا فِي التبتيل وَعَدَمه فَفِي التبتيل يضمن على مَا قَالَ النَّاظِم إِن أعطَاهُ للْغَيْر، وَفِي عَدمه لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَكِن (رُجُوعه) فِي عدم التبتيل (للْملك) أَي لملك الْمُتَصَدّق (لَيْسَ يحسن) أَي يكره وَكَذَا يكره أَن يُعْطِيهِ للْغَيْر كَرَاهَة تَنْزِيه فيهمَا. وَلْلأَبِ القَبْضُ لما قَدْ وَهَبَا ولدَهُ الصَّغيرَ شَرْعاً وجَبَا (وَللْأَب) يتَعَلَّق بوجب آخر الْبَيْت (الْقَبْض) مُبْتَدأ (لما وَقد وهبا) يتَعَلَّق بِهِ (وَلَده) مفعول
стр. 1052
بوهب (الصَّغِير) نعت لَهُ (شرعا) مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض (وجبا) خَبره، وَالتَّقْدِير: وَالْقَبْض للصدقة الَّتِي وَهبهَا لوَلَده الصَّغِير وَاجِب للْأَب بِالشَّرْعِ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلَده حِينَئِذٍ عَائِد على مُتَأَخّر معنى لَا لفظا والمضر هُوَ عوده على مُتَأَخّر لفظا وَمعنى، وَهَذَا الْبَيْت مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: وَالْأَب حوزه لما تصدقا. الخ … وَإِنَّمَا أَعَادَهُ ليرتب عَلَيْهِ قَوْله: إلاّ الَّذِي يَهَبُ مِنَ نَقْدَيْهِ فَشَرْطُهُ الخروجُ مِنْ يَدَيْهِ (إِلَّا الَّذِي يهب) الحاجر أَبَا أَو غَيره لمحجوره (من نقديه) الذَّهَب وَالْفِضَّة وَمثلهمَا كل مَا لَا يعرف بِعَيْنِه من الْمِثْلِيَّات من مَكِيل أَو مَوْزُون أَو مَعْدُود (فشرطه) أَي شَرط صِحَّته (الْخُرُوج من يَدَيْهِ) ويدفعه. إِلَى أمِينٍ وَعَن الأَمِينِ يُغْنِي اشْتِرَاءُ هَبْه بَعْدِ حِينِ (إِلَى أَمِين) بحوزه بمعاينة الْبَيِّنَة وَلَا يَكْفِي بِغَيْر المعاينة وَلَا حوز الحاجر لمحجوره فِي شَيْء من ذَلِك، وَلَو ختم عَلَيْهِ بِخِلَاف الْعرُوض وَالْأُصُول فَيَكْفِي وَهُوَ مَا قبل الِاسْتِثْنَاء (خَ) : إِلَّا مَا لَا يعرف بِعَيْنِه وَلَو ختم. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَمن تصدق على وَلَده الصَّغِير فِي صِحَّته بِدَنَانِير أَو دَرَاهِم فليدفعها بعده لمن يحوزها عَنهُ بمعاينة بَيِّنَة. قَالَ ابْن زرب: فَإِن لم تعاين الْبَيِّنَة الْحَوْز فَهِيَ بَاطِلَة، وَإِن جعلهَا الْأَب فِي صرة وَختم عَلَيْهَا بِمحضر بَيِّنَة وحازها لَهُ فَوجدت بعد مَوته على حَالهَا فَلَا يجوز ذَلِك على رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَبِه الحكم وَعَلِيهِ الْعَمَل ثمَّ قَالَ: وَحكم الطَّعَام وَمَا لَا يعرف بِعَيْنِه حكم الْعين اه. ابْن عَرَفَة: وَفِي السماع لَو تصدق على ابْنه بِعَبْد مَوْصُوف فِي ذمَّة رجل صَحَّ. قَبضه الْأَب أَو لم يقبضهُ وَلَو تصدق عَلَيْهِ بِدَنَانِير فِي ذمَّة رجل وَمَات الْأَب وَهِي فِي ذمَّة الرجل صحت لِأَنَّهَا قد حيزت بِكَوْنِهَا على الْغَرِيم، وَكَذَا لَو تصدق عَلَيْهِ بِدَنَانِير ووضعها على يَد غَيره، ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ لسفره أَو بعد مَوته لِأَنَّهَا قد حيزت كَالدَّارِ يحوزها عَنهُ السنتين وَالسّنة ثمَّ يسكنهَا وَيَمُوت فِيهَا فصدقته مَاضِيَة اه. تَنْبِيه: قَالَ ابْن رشد فِيمَن وهب لابنته الصَّغِيرَة مَا فِي دَاخل تابوته المقفول عَلَيْهِ وَأشْهد على ذَلِك عُدُولًا دون أَن يعاينوا مَا فِيهِ ثمَّ مَاتَ وَيُوجد فِيهِ الحلى وَالثيَاب: أَنه لَا شَيْء لَهَا من
стр. 1053
ذَلِك إِلَّا أَن يكون دفع مَفَاتِيح القفل إِلَى الشُّهُود عِنْد الْإِشْهَاد وعاينوه مقفولاً عَلَيْهِ وَيُوجد بعد موت الْوَاهِب على ذَلِك فَيصح حِينَئِذٍ للابنة مَا وجد دَاخله اه. انْظُر شرحنا للشامل فَفِيهِ زِيَادَة فَوَائِد. (وَعَن الْأمين يُغني اشْتِرَاء هبه) أَي الاشتراء وَقع (بعد حِين) من هبة الْعين وَنَحْوهَا يَعْنِي أَن مَحل دفع الْعين الْمَوْهُوبَة وَنَحْوهَا للأمين إِذا لم يَقع بهَا اشْتِرَاء، وَأما إِذا اشْترى الْأَب وَنَحْوه ملكا لمحجوره بِمَال زعم أَنه من مَال وَلَده، وَأَنه لَا يعلم للِابْن مَال فَإِن ذَلِك صَحِيح للِابْن، وَلَو كَانَ الْأَب يعتمده لنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ على الصَّحِيح الْمَعْمُول بِهِ لِأَنَّهُ من بَاب الْإِقْرَار بِالثّمن فِي الصِّحَّة الَّتِي لَا تلْحقهُ فِي تُهْمَة وَلَا توبيخ قَالَه فِي الِاسْتِغْنَاء. وَكَذَا لَو اشْترى دَارا مثلا وَأشْهد أَنه اشْتَرَاهَا لِابْنِهِ، وَلم يذكر أَن ذَلِك من مَال الابْن فَإِن ذَلِك صَحِيح أَيْضا، وَيحمل على أَنه اشْتَرَاهَا لَهُ بِمَال وهبه إِيَّاه، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يحوزه لَهُ لِأَنَّهُ بِنَفس الشِّرَاء كَانَ ملكا للِابْن فَلم يَتَقَرَّر للْأَب عَلَيْهِ ملك حَتَّى يحْتَاج للحوز وَالثمن قد حيّز بِنَفس الشِّرَاء قَالَه فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود وَغَيره. وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الصَّغِير فأحرى الرشيد كَمَا يدل لَهُ التَّعْلِيل، وَهَذَا إِذا اشْترى لَهُ ملك غَيره، وَأما إِن وهب لَهُ ناضاً أَو مَا لَا يعرف بِعَيْنِه ثمَّ بَاعَ مِنْهُ ملكا لنَفسِهِ، فَإِنَّهُ إِذا لم يكن بَين البيع وَالْهِبَة فسحة كالسنة وَنَحْوهَا فَإِن ذَلِك بَاطِل لِأَنَّهُ لما قرب اتهمَ أَنه أَرَادَ هبة الأَصْل وَجعل الناض جنَّة لسُقُوط الْحِيَازَة، وَإِن كَانَ بَين البيع وَالْهِبَة فسحة وَأخرج الناض وَنَحْوه من يَده لمن يحوزه سنة ثمَّ بَاعَ مِنْهُ ملكا فَإِنَّهُ يَصح لانْتِفَاء التُّهْمَة قَالَه فِي وَاسِطَة الدُّرَر، وَنَحْوه فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود والورقة السَّابِعَة وَالْعِشْرين من معاوضات المعيار. وَإِن يَكُنْ موضِعَ سُكْنَاهُ يَهَبْ فَإنّ الإِخلاء لهُ حُكْمٌ وَجَبْ (وَإِن يكن) الْأَب وَنَحْوه (مَوضِع سكناهُ يهب) لمحجوره وَلَو بَالغا وعبداً (فَإِن الإخلاء لَهُ) أَي لموْضِع سكناهُ (حكم وَجب) لَا بُد مِنْهُ، وَظَاهره أَنه مَحْمُول على أَنه كَانَ يسكنهَا لنَفسِهِ حَتَّى يثبت إخلاؤه لَهَا وَأَنه لم يكن قبل وَفَاته يسكنهَا لَا يشغلها بأمتعته، وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف غير دَار السُّكْنَى فَإِنَّهُ مَحْمُول على أَنه كَانَ يستغلها لصغار بنيه قَالَه ابْن رشد، وَنَقله الْبُرْزُليّ وَغَيره، وَتقدم قَول النَّاظِم فِي الْحَبْس: وَمن يحبس دَار سكناهُ فَلَا يَصح إِلَّا أَن يعاين الخلا رَاجع مَا تقدم هُنَاكَ (خَ) عاطفاً على مَا لَا يَصح قَبضه لمحجوره مَا نَصه: وَدَار سكناهُ إِلَّا أَن يسكن أقلهَا ويكرى لَهُ الْأَكْثَر وَإِن سكن النّصْف بَطل فَقَط، وَالْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع الخ. وَهَذَا فِي الصغار. وَأما الْكِبَار الرشداء فَيصح لَهُم مَا حازوه وَلَو قل، وَهَذَا فِي دَار السُّكْنَى، وَأما
стр. 1054
غَيرهَا من الْعقار وَالْعرُوض على محاجيره فيكفيه الْإِشْهَاد كَمَا مرَّ وَلَكِن لَا بُد من إخلائه من شواغله أَيْضا فَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أَنه لم يخله من شواغله فَيكون بِمَنْزِلَة من رَجَعَ إِلَيْهِ قبل عَام فَيجْرِي على مَا تقدم فِي الْحَبْس، وراجع مَا مر عِنْد قَوْله فَيجب النَّص على الثِّمَار الخ … وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَنه لَا بُد من مُعَاينَة الإخلاء وَلَو تصدق بِمَا فِيهَا من الْأَمْتِعَة والأثاث وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لِابْنِ الطلاع فِي إِجَازَته ذَلِك قَائِلا لِأَنَّهُ بسكناه فِيهَا حِينَئِذٍ صَار كالقابض لِابْنِهِ. وَلما ذكر ابْن عَرَفَة فِي كتاب الْهِبَة مَا أجَازه ابْن الطلاع قَالَ مَا نَصه: ظَاهر الرِّوَايَات بطلَان الصَّدَقَة لِأَنَّهُ قَادر على أَن يخرج مَا فِي الدَّار لينْظر فِيهِ. تَنْبِيهَانِ. الأول: تقدم فِي الْحَبْس أَن صرف الْمحبس الْغلَّة لنَفسِهِ يُبْطِلهَا، وَكَذَلِكَ الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لِأَنَّهَا من بَاب وَاحِد كَمَا للفاسي فِي نوازله، ونقلنا على ذَلِك أنقالاً فِي الْحَبْس وَالْهِبَة من الشَّامِل، وَرجح الشَّيْخ الرهوني أَن صرف الْأَب الْغلَّة فِي مصَالح نَفسه لَا يُبْطِلهَا، وَنقل على ذَلِك أنقالاً وَهِي كلهَا حجَّة عَلَيْهِ لمن تأملها من ذَلِك مَا نَقله عَن ابْن لب من أَنه إِذا صرف الْغلَّة لنَفسِهِ فَالْمَشْهُور بُطْلَانهَا وَالصَّحِيح صِحَّتهَا اه. فَقَالَ: أَعنِي الرهوني عقبه، وَقد علمت أَن مُقَابل الصَّحِيح فَاسد فَيكون الْمَشْهُور فَاسِدا على قَوْله. وَقد تقدم عَن ابْن فَرِحُونَ عِنْد قَول النَّاظِم أول الْكتاب: مَعَ كَونه الحَدِيث للفقه جمع الخ … مَا يرد احتجاجه، وَأَيْضًا فَهُوَ حِينَئِذٍ يحْتَج على الشَّخْص بِمذهب مثله وَهُوَ لَا يَقُوله أحد، وَإِنَّمَا مُرَاد ابْن لب أَن الصَّحِيح من جِهَة الْمَعْنى فَهُوَ كَقَوْل ابْن الْعَطَّار وَغَيره لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ على بُطْلَانهَا بِصَرْف الْغلَّة لنَفسِهِ لَكَانَ الْقيَاس أَن لَا يكون تعدِي الْأَب على الْغلَّة نقضا للحبس، لَكِن جرت الْفتيا وَعمل الْقُضَاة بِبُطْلَانِهِ وَرَأَوا أَنه كسكنى الدَّار وَلبس الثِّيَاب الَّتِي حبس اه. وَنَقله فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا وَقَالَ فِي هبات المعيار: إِن صرف الْوَاهِب الْغلَّة لنَفسِهِ فَإِن ذَلِك يمْنَع الْحَوْز الْحكمِي ويأباه على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ اه. وَمِنْهَا بَحثه فِي كَون الْغلَّة يثبت صرفهَا لنَفسِهِ بِإِقْرَار الْوَاهِب أَو الْمحبس مَعَ أَنه نَقله عَن أبي الْحسن وَسلمهُ فِي الدّرّ النثير وَغَيره. وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِن أبحاثه لَا تسلم وعَلى تَسْلِيمهَا فَإِنَّهَا لَا تدفع الْفِقْه، وَانْظُر قَول ابْن الْعَطَّار وَغَيره: لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ الخ … فَلم يعتمدوا فِي ذَلِك أبحاثهم وَلَا قياساتهم. وَمِنْهَا قَوْله: وَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَند المتيطي وَمن تبعه فِي تشهير الْبطلَان بِصَرْف الْغلَّة لنَفسِهِ الخ … فَإِنَّهُ لَو لم يكن للمتيطي مُسْتَند إِلَّا قَول ابْن الْعَطَّار وَغَيره: لَوْلَا اجْتِمَاع الشُّيُوخ الخ … لَكَانَ كَافِيا فِي مُسْتَنده، فَكيف وَقد قَالَه غير وَاحِد مِمَّن لَا يُحْصى وَأما مَا نَقله عَن القلشاني من أَن ابْن عَرَفَة أفتى بِصِحَّة الْحَبْس مَعَ صرف الْمحبس الْغلَّة لنَفسِهِ فَذَلِك اخْتِيَار مِنْهُ لمقابل الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ فَلَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَإِن ثَبت عَنهُ وَلَا تكون فتواه حجَّة على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ لما مر من أَن مَذْهَب الشَّخْص ومختاره لَا يكون حجَّة على غَيره، وَالنَّاس كلهم يَقُولُونَ: احكم علينا بالمشهور أَو الْمَعْمُول بِهِ، وَتقدم أول الْكتاب أَن الحكم بِخِلَاف ذَلِك ينْقض كَمَا قَالَه ابْن عَرَفَة وَغَيره، ففتوى ابْن عَرَفَة الْمُتَقَدّمَة: لَو حكم حَاكم بهَا لوَجَبَ نقض حكمه، وَهَكَذَا شَأْن هَذَا الشَّيْخ رَحْمَة الله يعْتَمد فِي كثير من اعتراضاته على أبحاثه الَّتِي تظهر لَهُ وكثيرها لَا يسلم وعَلى تَسْلِيمهَا لَا تدفع الْفِقْه لقَوْل (ح) وَغَيره الْمُعْتَمد فِي كل نازلة على مَا هُوَ الْمَنْصُوص فِيهَا، وَلَا يعْتَمد على الْقيَاس والتخريج وَالله أعلم.
стр. 1055
الثَّانِي: إِذا وهب لمحجوره دوراً مُتعَدِّدَة صَفْقَة وَاحِدَة فَإِن حكم ذَلِك حكم الدَّار الْوَاحِدَة، فَإِن سكن وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي الْأَقَل وأكرى الْبَاقِي لَهُ صَحَّ الْجَمِيع، وَإِن سكن الْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع، وَإِن سكن النّصْف بَطل مَا سكن، فَإِن كَانَ ذَلِك فِي عُقُود مُتعَدِّدَة فَإِنَّمَا يبطل من ذَلِك مَا سكن كَانَ الْأَقَل أَو الْأَكْثَر، وَكَذَلِكَ لَو كَانَت أَشْيَاء مُخْتَلفَة من دور وأجنات وفدادين، فَمَا كَانَ فِي صَفْقَة وَاحِدَة يجْرِي على تَفْصِيله، وَمَا كَانَ فِي صفقات فَإِنَّهُ يبطل مَا عمره فَقَط كَمَا لأبي الْحسن. قَالَ ابْن الْقَاسِم: فَإِن تَصْدِيق على رشيد بدور مُتعَدِّدَة أَو دَار وَاحِدَة، فَإِن سكن الْأَب كثيرا بَطل مَا سكن فَقَط وَصَحَّ مَا حيّز عَنهُ قلَّ أَو كثر، وَإِن سكن الْأَب قَلِيلا صَحَّ الْجَمِيع. أَبُو الْحسن: ظَاهره أَن الرشيد إِذا حَاز الْيَسِير صَحَّ ذَلِك لَهُ بِلَا خلاف، وَظَاهر عِيَاض وجود الْخلاف فِيهِ. ومَنْ يَصِحُّ قَبْضُهُ وَمَا قَبَضْ مُعْطاهُ مُطْلَقاً لتفْرِيطٍ عَرَضْ (وَمن يَصح قَبضه) للهبة وَنَحْوهَا وَهُوَ الْكَبِير الرشيد قَرِيبا كَانَ أَجْنَبِيّا (وَمَا قبض معطاه مُطلقًا) كَانَ الْمُعْطِي أصلا أَو غَيره وَكَانَ تَركه للقبض (لتفريط) مِنْهُ (عرض) لَهُ. يَبْطُلُ حَقُّهُ بِلا خِلَافٍ إِن فَاتَهُ فِي ذَلِك التّلَافِي (يبطل حَقه بِلَا خلاف إِن فَاتَهُ فِي ذَلِك التلافي) بِأَن مَاتَ الْمُعْطِي أَو فلس أَو أحَاط بِهِ الدّين أَو اسْتهْلك الْهِبَة أَو وَهبهَا لثان وحازها الثَّانِي على مَا مرّ قَرِيبا عَن (خَ) وَكَذَا لَو فرط حَتَّى بَاعهَا الْوَاهِب بعد علمه بهَا، وَلَكِن يكون لَهُ الثّمن على الرَّاجِح من إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِن لم يعلم أَو علم وَلم يفرط فِي حيازتها فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي نقض البيع أَو إمضائه وَأخذ الثّمن، وَهُوَ مَحْمُول عِنْد الْجَهْل على التَّفْرِيط حَتَّى يثبت عدم تفريطه كَمَا فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن حَارِث، وَمحل الْخِيَار إِذا كَانَ الْوَاهِب حَيا، وَأما إِن مَاتَ فَلَا شَيْء للْمَوْهُوب لَهُ بِيعَتْ أَو لم تبع كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة، وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي ابْن سَلمُون والمفيد. وَسُئِلَ ابْن الْقَاسِم عَمَّن قَالَ: ثلث غنمي هَذِه صَدَقَة على ابْني وثلثها فِي السَّبِيل ثمَّ بَاعهَا وَمَات وَابْنه صَغِير؟ فَقَالَ: صَدَقَة الابْن ثَابِتَة يَأْخُذهَا من تركته لِأَنَّهُ الْحَائِز لَهُ وَلَا شَيْء لأهل السَّبِيل لِأَنَّهُ لم يُخرجهُ من يَده اه. وَظَاهره أَن بيعهَا لَا يكون اعتصاراً وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي فِي فَصله، وَانْظُر شرح الشَّامِل فِيمَا إِذا وهبه ثمَّ رَهنه فَإِن الْهِبَة تصح وَيبْطل الرَّهْن إِلَّا أَن يَمُوت قبل أَن يحوزها الْمَوْهُوب لَهُ فَتبْطل الْهِبَة علم بهَا أَو لم يعلم، وَمَفْهُوم التَّفْرِيط أَنه إِذا لم يفرط كاشتغاله بتزكية شُهُود الْهِبَة أَو إِقَامَة ثَان لم تبطل. (خَ) : وَصَحَّ إِن قبض ليتروى أوجد فِيهِ أَو فِي تَزْكِيَة شَاهده الخ. وَلَيْسَ من عدم التَّفْرِيط موت الْوَاهِب قبل
следующие страницы →