Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الْحَارِث بن هِشَام هُوَ أحد الْفُقَهَاء لَا أحد النظراء نظم بَعضهم حَيْثُ قَالَ: أَلا كل من لَا يقْتَدى بأئمة فقسمته ضيزى عَن الْحق خَارجه فخذهم عبيد الله عُرْوَة قاسما سعيد أَبَا بكر سُلَيْمَان خَارجه والقولُ قَوْلُهُمْ بِلَا يمينِ والاتِّهام غَيْرُ مُسْتَبينِ (وَالْقَوْل قَوْلهم) أَي الْأُمَنَاء الْمُتَقَدِّمين (بِلَا يَمِين) عَلَيْهِم (و) الْحَالة هَذِه وَهِي كَون (الاتهام غير مستبين) فَإِن اتهمَ أحدهم وَكَانَ مِمَّن يشار إِلَيْهِ بهَا وَجَبت عَلَيْهِ الْيَمين كَمَا مر عَن (خَ) فِي الْمُودع حَيْثُ قَالَ: وَحلف الْمُتَّهم. وقِيلَ مِنْ بَعْدِ اليمينِ مُطْلَقا وَالأَوَّلُ الأَوْلى لَدَى مَن حَقّقَا (وَقيل) القَوْل قَوْلهم (من بعد الْيَمين مُطلقًا) كَانَ مِمَّن يتهم أم لَا (وَالْأول) وَهُوَ عدم الْيَمين إِذا لم يتهم هُوَ (الأولى) وَالْمُعْتَمد (لَدَى من حققا) وَعَلِيهِ درج (خَ) كَمَا مر. وَانْظُر مَا تقدم فِي شرح قَوْله: وتهمة إِن قويت بهَا تجب يَمِين متهوم الخ. وَحَارِسُ الحَمَّامِ لَيْسَ يَضْمَنُ وَبَعْضُهُمْ يقولُ بلْ يُضَمَّنُ (وحارس الْحمام لَيْسَ يضمن. وَبَعْضهمْ يَقُول بل يضمن) اللَّخْمِيّ: اخْتلف فِي تضمين صَاحب الْحمام مَا ذهب من الثِّيَاب فَقَالَ مَالك فِي الْمُدَوَّنَة: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي كتاب مُحَمَّد: يضمن إِلَّا أَن يَأْتِي بحارس، وَإِذا أُتِي بحارس سقط عَنهُ الضَّمَان وَعَاد الْخلاف فِي الحارس فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَكتاب مُحَمَّد: لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن حبيب: يضمن لِأَنَّهُ أجِير مُشْتَرك وَعدم الضَّمَان أحسن اه. وَقَالَ ابْن رشد: حارس الثِّيَاب إِن اسْتَأْجرهُ صَاحب الْحمام لحفظ ثِيَاب الداخلين بِأُجْرَة ثَابِتَة فِي ذمَّته فَلَا خلاف فِي عدم ضَمَانه إِلَّا أَن يفرط، وَأما إِن كَانَ يحرس ثِيَاب النَّاس يجمل بِأَخْذِهِ من كل دَاخل فَقَالَ مَالك: لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن لبَابَة: وَمَا سواهُ خطأ. وَقيل: يضمن لِأَنَّهُ كَالرَّاعِي الْمُشْتَرك، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حبيب اه. وَقد علمت أَن صَاحب الْحمام
стр. 1122
هُوَ مكتريه لَا حارس الثِّيَاب وَالْخلاف فيهمَا مَعًا، وَالْمَشْهُور عدم الضَّمَان فيهمَا كَانَ بِأُجْرَة أم لَا. (خَ) : كحارس وَلَو حمامياً الخ. ابْن عبد الْبر: كلا الْقَوْلَيْنِ مَعْمُول بِهِ على حسب الِاجْتِهَاد، ابْن يُونُس: روى مُحَمَّد إِن نَام حارس بَيت فَسرق مَا فِيهِ لم يضمنهُ وَله أجره، وَكَذَلِكَ حارس النّخل قَالَ مُحَمَّد: لَا يضمن جَمِيع الحراس إِلَّا بتعد كَانَ مَا يحرسونه طَعَاما أَو غَيره. ابْن عَرَفَة: قَوْله لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي نَومه يجب تَقْيِيده بِكَوْنِهِ فِي وَقت نَومه الْمُعْتَاد لَهُ لَا فِي نَومه فِي وَقت حَاجَة العسس والحرس. وَفِي الْبُرْزُليّ عَن ابْن أبي زيد فِيمَن اكترى مخزناً للطعام وصاحبها سَاكن فِيهَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الطَّعَام إِذا ذهب. الشّعبِيّ: من اكترى بَيْتا فِي دَاره أَو حَيْثُ يسكن لخزن الطَّعَام فَضَاعَ كُله أَو بعضه لَا شَيْء على صَاحب الْبَيْت وَلَا يَمِين إِن كَانَ صَالحا وَإِن كَانَ مُتَّهمًا حلف. قلت: لِأَنَّهُ وَدِيعَة بِأُجْرَة وَأخذ الْأُجْرَة لَا يُخرجهُ عَن الْأَمَانَة. وَفِي الْبُرْزُليّ أَيْضا قبل هَذَا: إِن شَرط الضَّمَان على الحراس لَا يلْزم وَلَهُم أجر مثلهم فِيمَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ وتأمله مَعَ مَا فِي اليزناسني عَن (تت) أَن الْعرف الْآن ضَمَان الحراس لأَنهم إِنَّمَا يستأجرون على ذَلِك اه. لِأَن الْعرف غَايَته أَن يكون كالشرط وَالشّرط بالصراحة لَا ضَمَان فِيهِ. تَنْبِيهَات. الأول: قَالَ الْبُرْزُليّ: حارس الطَّعَام إِذا اسْتخْلف غَيره فَالصَّوَاب ضَمَانه إِلَّا أَن يسْتَخْلف لضَرُورَة قَوِيا مثله على الحرس. الثَّانِي: جزم ابْن رحال فِي تضمين الصناع بِأَن حارس الفندق وحارس الحوانيت بِاللَّيْلِ ضَامِن قَالَ: وَكَذَا حارس الطَّعَام فِي المطمر وَهُوَ الْمُسَمّى بالمراس قلت: وَمَا قَالَه من ضَمَان حارس الفندق والسوق والمطمر ظَاهر لِأَن كلا مِنْهُم حارس لغير منحصر وَلَا مَخْصُوص. أَلا ترى أَن صَاحب الفندق نصب نَفسه لحراسة أَمْتعَة كل من دخل إِلَيْهِ وَوضع أمتعته فِيهِ كَانَت مِمَّا يُغَاب عَلَيْهِ أم لَا. فَهُوَ فِيمَا لَا يُغَاب عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة الرَّاعِي الْمُشْتَرك، وَقد جرى الْعَمَل بتضمينه وَفِيمَا يُغَاب عَلَيْهِ كالسمسار وَالْعَمَل بتضمينه أَيْضا، وَكَذَا البيات فِي السُّوق نصب نَفسه لحراسة أَمْتعَة كل من اكترى حانوتاً فِي ذَلِك الْمحل وَوضع أمتعته فِيهِ أيّاً كَانَ طلع لهَذَا الْحَانُوت فِي هَذَا الشَّهْر أَو السّنة أَو غَيرهمَا، وحارس المطمر كَذَلِك نصب نَفسه لكل من يخزن الطَّعَام فِي ذَلِك الْمحل وعَلى قِيَاسه يُقَال: حارس الْحمام كَذَلِك لِأَن الْعَادة عندنَا الْيَوْم أَن مكتري الْحمام يُؤَاجر أَجِيرا تَحْتَهُ يقبض أُجْرَة الداخلين للاغتسال ويحرس ثِيَاب النِّسَاء وَالرِّجَال ناصباً نَفسه لذَلِك وهم مخصوصين وَلَا منحصرين، وَلذَا قَالَ المتيطي عَن بعض الشُّيُوخ مَا فِي الْمُدَوَّنَة: من عدم الضَّمَان على حارس ثِيَاب الْحمام لَا يَقْتَضِي سُقُوط الضَّمَان عَن مكتري الْحمام لِأَن أجِير الصَّانِع لَا يضمن وَيضمن الصَّانِع وَصَاحب الْحمام فِي حكم الصَّانِع لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف والاغتسال فَيضمن فِيمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ على الائتمان عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ابْن حبيب فِي الطَّحَّان: يضمن الْقَمْح
стр. 1123
وظرفه إِلَّا أَن يطحنه بِحَضْرَة صَاحبه أَو يكون كالحمال يضمن الطَّعَام لِأَنَّهُ مِمَّا جرت الْعَادة بِسُرْعَة الْأَيْدِي إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ صَاحب الْحمام جرت الْعَادة بِجِنَايَتِهِ على ثِيَاب النَّاس فيضمنها اه. وَقد علمت أَن الصَّوَاب هُوَ الضَّمَان فِي الْجَمِيع لما تقدم أَن كلا الْقَوْلَيْنِ مَعْمُول بِهِ، وترجح الضَّمَان بِمَا عللوا بِهِ من جري الْعَادة بِالْجِنَايَةِ وَقد قَالَ اليزناسني فِي السمسار: أَن مَا قَالَه ابْن عبد الْبر من ضَمَانه هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يعْمل بِهِ فِي هَذِه الْأَزْمِنَة الَّتِي قل فِيهَا الصدْق عِنْد من يظنّ بِهِ فضلا عَن غَيره اه. وَهَذَا التَّعْلِيل جَار فِي جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ. وَحكي أَيْضا عَن عِيَاض أَن الحكم بن نصر حكم بسوسة بتضمين صَاحب الْحمام قَالَ القلشاني: عدل عَن الْمَشْهُور إِلَى الحكم بالشاذ مُرَاعَاة للْمصْلحَة الْعَامَّة الَّتِي شهد لَهَا الشَّرْع بِالِاعْتِبَارِ فَمنع من بيع الْحَاضِر للبادي وَمن بيع التلقي على القَوْل بِأَنَّهُ لحق المجلوب إِلَيْهِم اه. وَفِي هَذَا كُله كِفَايَة لمن اكْتفى. الثَّالِث: لَو قَالَ حارس الثِّيَاب أَو الفندق دفعت ثِيَابك أَو بهيمتك لمن شبهته بك أَو قَالَ: رَأَيْت من أَخذهَا وَتركته يَأْخُذهَا لظني أَنه أَنْت فَإِنَّهُ يضمن بِلَا خلاف، لِأَن غَايَته أَن يكون مفرطاً أَو مخطئاً وَالْخَطَأ والعمد فِي أَمْوَال النَّاس سَوَاء، والتفريط هُوَ أَن يفعل مَا لَا يَفْعَله النَّاس كَمَا فِي الْبُرْزُليّ وَهُوَ مُوجب للضَّمَان كَمَا تقدم.
(فصل فِي الْقَرْض وَهُوَ السّلف)
بِفَتْح الْقَاف وَقيل بِكَسْرِهَا، وَفِي الذَّخِيرَة هُوَ من أعظم الْمَعْرُوف وَأجل الْقرب وَأَصله النّدب وَقد يجب فِي مسغبة وَنَحْوهَا. وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (قرض مرَّتَيْنِ يعدل صَدَقَة مرّة) خرَّجه الْبَزَّار وَصَححهُ عبد الْحق، وَرُوِيَ أَن دِرْهَم الْقَرْض بِثمَانِيَة عشرَة وَدِرْهَم الصَّدَقَة بِعشْرَة كَذَا رَآهُ ﷺ مَكْتُوبًا على بَاب الْجنَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَسَأَلَ جِبْرِيل: (مَا بَال الْقَرْض أفضل من الصَّدَقَة) فَقَالَ: إِن السَّائِل يسْأَل وَعِنْده كِفَايَة، والمقترض لَا يقترض إِلَّا لحَاجَة، وَهَذَا يُعَارض مَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث البرَاز من أَن الصَّدَقَة أفضل. وعرفه ابْن عَرَفَة بقوله: الْقَرْض دفع مُتَمَوّل فِي عوض غير مُخَالف لَهُ لَا عَاجلا تفضلاً فَقَط لَا يُوجب إِمْكَان عَارِية لَا تحل مُتَعَلقا بِذِمَّتِهِ اه. فَخرج بقوله مُتَمَوّل غير المتمول كَالْخمرِ وَالْخِنْزِير وَيدخل جلد الْميتَة المدبوغ، فَإِنَّهُ يجوز قرضه ليرد لَهُ مثله على الرَّاجِح لِأَنَّهُ مُتَمَوّل، وَأما جلد الْأُضْحِية فَلَا يجوز قرضه لِأَنَّهُ بيع لَهُ، وَبِقَوْلِهِ فِي عوض دَفعه هبة، وَبِقَوْلِهِ غير مُخَالف لَهُ البيع، وَقَوله لَا عَاجلا عطف على مُقَدّر أَي حَال كَونه مُؤَجّلا لَا عَاجلا أخرج بِهِ الْمُبَادلَة المثلية فَإِنَّهُ يصدق الْحَد عَلَيْهَا لَوْلَا الزِّيَادَة. وَبِقَوْلِهِ تفضلاً الخ. قصد نفع نَفسه أَو أَجْنَبِي، وَبِقَوْلِهِ لَا يُوجب الخ قرض الْجَارِيَة، وَبِقَوْلِهِ مُتَعَلقا بِذِمَّتِهِ الخ. نَحْو دفع شَاة فِي أُخْرَى بِعَينهَا لأجل ثمَّ قَالَ: وَلَو قُلْنَا مماثل بدل غير مُخَالف لم يَشْمَل إِلَّا مَا شَرط فِيهِ الْمثل لِامْتِنَاع مماثلة الشَّيْء نَفسه اه. وَاعْترض بِأَنَّهُ جعل جنسه الدّفع مَعَ أَن الْقَرْض يُوجد وَيلْزم بِلَا دفع لِأَنَّهُ يلْزم بالْقَوْل وَقد يُجَاب بِأَن الْمَعْنى عقد على دفع مُتَمَوّل الخ.
стр. 1124
القَرْضُ جَائزٌ وفِعْلٌ جَارِي فِي كلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الجَوَارِي (الْقَرْض جَائِز) بل مَنْدُوب إِلَيْهِ كَمَا مر، وَإِنَّمَا عبر بِالْجَوَازِ لأجل الْإِخْرَاج فِي قَوْله: مَا عدا الْجَوَارِي (وَفعل جَار فِي كل شَيْء) من النُّقُود والأطعمة والمقومات والمثليات وَالْحَيَوَان (مَا عدا الْجَوَارِي) فَإِنَّهُ لَا يجوز قرضهن لغير محرم مِنْهُنَّ ولغير امْرَأَة وصغير لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى عَارِية الْفروج، لِأَن الْمُقْتَرض لما كَانَ مُتَمَكنًا من رد الْمثل وَالْعين بعد الْغَيْبَة عَلَيْهِ مَا لم تَتَغَيَّر صفته كَانَ رد الْعين فِي معنى عَارِية الْفرج، لِأَنَّهُ يسْتَمْتع بهَا مَا شَاءَ ثمَّ يردهَا بِعَينهَا وَيقْضى على الْمقْرض بقبولها حَيْثُ لم تَتَغَيَّر صفتهَا، وَلذَلِك انْتَفَى الْمَنْع إِذا كَانَ الْمُقْتَرض محرما مِنْهَا كَبِنْت أَخِيه أَو كَانَ امْرَأَة أَو صَغِيرا أَو كَانَت الْجَارِيَة لَا يُوطأ مثلهَا وَلَا تبلغ فِي مُدَّة الْقَرْض سنّ من يُوطأ مثلهَا، وَمثل الْجَوَارِي فِي الْمَنْع الْمَذْكُور مَا لَا يُمكن الْوَفَاء بِمثلِهِ كالدور وَالْأَرضين أَو مَا لَا تحصره الصّفة كتراب الْمَعَادِن، وَكَذَا الْجزَاف فَإِنَّهُ لَا يجوز قرضه إِلَّا مَا قل كرغيف برغيف، وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مَا لَا يَصح السّلم فِيهِ كهذه الْأُمُور لَا يجوز قرضه. (خَ) : يجوز قرض مَا يسلم فِيهِ فَقَط إِلَّا جَارِيَة تحل للمستقرض أَي فَإِنَّهُ يجوز السّلم فِيهَا وَلَا يجوز قرضها، فَإِن وَقع وَنزل وأقرضت لمن يحل لَهُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهَا ترد إِذا لم تفت بِوَطْء وَنَحْوه من غيبَة عَلَيْهَا وَإِلَّا رد قيمتهَا، وَمحل الْمَنْع فِي استقراض الْجَوَارِي إِذا لم يشْتَرط عَلَيْهِ رد الْمثل وإلاَّ جَازَ عِنْد ابْن عبد الحكم وَالْأَكْثَر على أَنه وفَاق للْمَذْهَب حِينَئِذٍ. تَنْبِيه: لَا يجوز تَصْدِيق الْقَرْض فِي كيل الطَّعَام أَو وَزنه أَو عده لِئَلَّا يجد الْمُقْتَرض نقصا فيغتفره رَجَاء أَن يُؤَخِّرهُ عِنْد الْأَجَل، فَإِن وَقع وَصدقه لم يفْسخ كَمَا فِي ابْن يُونُس (خَ) : وتصديق فبه كمبادلة ربويين ومقرض الخ. وشَرْطُهُ أَن لَا يَجُرَّ مَنْفَعَه وَحَاكِمٌ بِذَاكَ كلٌّ مَنَعَه (وَشَرطه) : أَي الْقَرْض (أَن لَا يجر مَنْفَعَة) للمقرض أَو الْأَجْنَبِيّ فَإِن جرها لأَحَدهمَا أَولهمَا امْتنع كَمَا قَالَ (و) قرض (حَاكم بِذَاكَ) أَي بجر الْمَنْفَعَة للمقرض أَو لأَجْنَبِيّ وَلَو قلت كسلف طَعَام عفن أَو سايس أَو مبلول أَو رطب أَو قديم أَخذ سَالم عَنهُ أَو يَابِس أَو جَدِيد (كل مَنعه) إِن لم تكن مسغبة، فَإِن كَانَت والنفع للمقترض وَحده بِحَيْثُ لَو
стр. 1125
بَاعه ربه أمكنه أَن يَشْتَرِي بِثمنِهِ فِي زمن الرَّد مثله أَو أَكثر فَيجوز (خَ) : إِلَّا أَن يقوم دَلِيل على أَن الْقَصْد نفع الْمُقْتَرض فَقَط فِي الْجَمِيع كفدان مستحصد خفت مؤنه عَلَيْهِ يحصده ويدرسه وَيرد مثله، وَإِن كَانَ النَّفْع للمقرض والمقترض مَعًا كَمَا لَو كَانَ بِحَيْثُ لَو بَاعه لم يُمكنهُ أَن يَشْتَرِي بِهِ مثله، بل أقل، فَالْمَشْهُور الْمَنْع. وروى أَبُو الْفرج: الْجَوَاز. قلت: وَيَنْبَغِي التَّمَسُّك بِهِ نظرا لحَاجَة الْمُقْتَرض، وَقَوْلِي: بِشَرْط أَخذ سَالم الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يشْتَرط عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا جرت بِهِ عَادَة، وَإِنَّمَا تطوع الْمُقْتَرض بِقَضَاء السَّالِم عَن العفن وَنَحْوه، فَإِنَّهُ جَائِز (خَ) : وَقَضَاء قرض بمساو وَأفضل صفة إِلَى قَوْله لَا أَزِيد عددا أَو وزنا الخ. وَفِي ابْن يُونُس عَن ابْن عمر ﵄؛ أَن رجلا قَالَ: أسلفت لرجل سلفا واشترطت عَلَيْهِ أفضل مِنْهُ. فَقَالَ ابْن عمر: ذَلِك الرِّبَا. قَالَ: وَأرى أَن تمزق الصَّحِيفَة أَي الرَّسْم، فَإِن أَعْطَاك مثل الَّذِي أسلفته قبلته وَإِن أَعْطَاك دونه فَأَخَذته أجرت عَلَيْهِ، وَإِن أَعْطَاك فَوق ذَلِك طيبَة بذلك نَفسه فَذَلِك شكر شكره لَك وَلَك أجر مَا أنظرته اه. تَنْبِيه: من سلف بِمَنْفَعَة مَسْأَلَة السفتجة وَهِي البطاقة الَّتِي يكْتب فِيهَا الإحالة بِالدّينِ، وَذَلِكَ أَن يسلف الرجل مَالا فِي غير بَلَده لبَعض أَهله وَيكْتب الْقَابِض لنائبه أَو يذهب مَعَه بِنَفسِهِ ليدفع عوضه فِي بلد المسلف وَهِي مَمْنُوعَة على الْمَشْهُور، إِلَّا أَن يعم الْخَوْف. وروى ابْن الْجلاب عَن مَالك الْكَرَاهَة، وأجازها ابْن عبد الحكم مُطلقًا عَم الْخَوْف أم لَا. وَهَذِه الْمَسْأَلَة تقع الْيَوْم كثيرا فِي مناقلة الطَّعَام فَيكون للرجل وسق من طَعَام مثلا فِي بلد فيسلفه لمن يَدْفَعهُ لَهُ فِي بَلَده أَو قريب مِنْهُ فتجري فِيهَا الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة إِن كَانَ ذَلِك على وَجه السّلف لَا على وَجه الْمُبَادلَة وَالْبيع، وَحِينَئِذٍ فَلَا يشوش على النَّاس بالمشهور إِذْ لَهُم مُسْتَند فِي جَوَاز ذَلِك، وَلَا يُنكر على الْإِنْسَان فِي فعل مُخْتَلف فِيهِ كَمَا مرَّ فِي بَيَاض الْأَشْجَار فِي الْمُسَاقَاة وأوائل الْإِجَارَة والمزارعة وَالله أعلم. وَكَذَا اخْتلف فِي ثمن الجاه فَمن قَائِل بِالتَّحْرِيمِ، وَمن قَائِل بِالْكَرَاهَةِ بِإِطْلَاق، وَمن مفصل بَين أَن يكون ذُو الجاه يحْتَاج إِلَى نَفَقَة وتعب وسفر فَأخذ مثل أجره فَذَلِك جَائِز وإلاَّ حرم. وَهَذَا هُوَ الْحق وَلَكِن لَا يُنكر على دافعه وَلَا على آخذه مُطلقًا لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ فَلَا يُنكر على من دَفعه لمن يتَكَلَّم فِي أمره مَعَ السُّلْطَان وَنَحْوه كَمَا هِيَ عَادَة النَّاس الْيَوْم، ثمَّ الْمَشْهُور أَن الْقَرْض يملك بالْقَوْل فَيصير مَالا من أَمْوَال الْمُقْتَرض وَيدخل فِي ضَمَانه بِالْعقدِ كَغَيْرِهِ من الْعُقُود الصَّحِيحَة مَا لم يكن فِيهِ حق تَوْفِيَة وإلاَّ فَلَا يدْخل فِي ضَمَانه إِلَّا بالتوفية وَإِذا لزم بالْقَوْل فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُ بِهِ وَيبقى بِيَدِهِ إِلَى الْأَجَل أَو قدر مَا يرى فِي الْعَادة أَنه قد انْتفع بِهِ إِن لم يضربا أَََجَلًا كَمَا قَالَ: وَلَيْسَ باللازم أنْ يُرَدَّا قبلَ انقِضَاءِ أَجْلٍ قد حُدَّا (وَلَيْسَ باللازم) للمقترض (أَن يردا) الْقَرْض لمقرضه (قبل انْقِضَاء أجل قد حدا) بِنَصّ أَو عَادَة لِأَن الْعَادة كالشرط (خَ) وَملك بالْقَوْل وَلم يلْزم رده إِلَّا بِشَرْط أَو عَادَة الخ. وَإِن رأى مسَلِّفٌ تَعْجيلَهُ أُلْزِمَ مَنْ سَلَّفَهُ قُبَولَهُ (وَإِن رأى مسلف) بِفَتْح اللَّام (تَعْجِيله) أَي السّلف لرَبه قبل أَجله (ألزم من سلفه قبُوله)
стр. 1126
كَانَ عينا أَو غَيرهَا، وَلَو نفس المَال الْمُقْتَرض بِالْفَتْح إِن لم يتَغَيَّر أَو تغير بِزِيَادَة، فَإِن تغير بِنَقص خير وَهَذَا إِذا قَضَاهُ بِمحل قَبضه وإلاَّ فَلَا يلْزم ربه أَخذه لما فِيهِ من زِيَادَة الكلفة عَلَيْهِ إِن كَانَ غير عين، وإلاَّ لزمَه قبُوله إِن كَانَ الْمحل مَأْمُونا (خَ) : كأخذه بِغَيْر مَحَله إِلَّا الْعين. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا تنَازعا فِي اشْتِرَاط الْأَجَل فَقَالَ الْمقْرض: على الْحُلُول، وَخَالفهُ الْمُقْتَرض فَالْقَوْل للمقترض على الْمُعْتَمد فَإِن اخْتلفَا فِي قدر مُدَّة تَأْجِيله فَالْقَوْل للمقرض، فَإِن الْتزم المتسلف تَصْدِيق المسلف فِي عدم الْقَضَاء بِلَا يَمِين، فَذكر ابْن نَاجِي أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل هُوَ أَعمال الشَّرْط فَلَا يحلف. الثَّانِي: لَو جَاءَ الْمديَان بِبَعْض الْحق وَقَالَ ربه: لَا أقبل إِلَّا كُله فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن كَانَ الْغَرِيم مُوسِرًا لم يجْبر رب المَال على أَخذ مَا جَاءَ بِهِ، وَإِن كَانَ مُعسرا أجبر وَقيل يجْبر وَلَو مُوسِرًا، وَظَاهر الْجُزُولِيّ أَنه الرَّاجِح. الثَّالِث: يَصح السّلف على شَرط على شَرط أَن يردهُ من مَال بِعَيْنِه وَأَخذه بَعضهم من قصر سلف الْيَتِيم على مَا فِي ملكه يَوْم السّلف كَمَا فِي ابْن عَرَفَة فِي السّلم وأوائل الْقَرْض.
(بَاب فِي الْعتْق وَمَا يتَّصل بِهِ)
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﵊ قَالَ: (من أعتق رَقَبَة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار حَتَّى فرجه بفرجه) . ابْن عَرَفَة: الْعتْق رفع ملك حَقِيقِيّ لَا بسباء محرم عَن آدَمِيّ حَيّ فَخرج بِملك رفع غير الْملك كرفع الحكم بالنسخ مثلا، وَخرج بحقيقي اسْتِحْقَاق عبد بحريّة لِأَن الْمُسْتَحق من يَده لَيْسَ بِمَالك فِي الْحَقِيقَة، وَبِقَوْلِهِ: لَا بسباء محرم فدَاء الْمُسلم من حَرْب سباه أَو مِمَّن صَار لَهُ مِنْهُ لِأَن ملك الْحَرْبِيّ لَهُ سباء محرم وَهُوَ عطف على مُقَدّر أَي بسباء حَلَال لَا بسباء محرم، وَبِقَوْلِهِ: حَيّ الخ. رَفعه عِنْد الْمَوْت وَأورد عَلَيْهِ أَن قَوْله: لَا بسباء محرم مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: ملك حَقِيقِيّ لِأَن مُحْتَرزه لَيْسَ فِيهِ ملك حَقِيقِيّ، وَأورد عَلَيْهِ أَيْضا أَنه غير مَانع لصدقه بِبيع العَبْد فَإِنَّهُ رفع ملك أَيْضا. وَقد يُجَاب عَن هَذَا الثَّانِي بِأَن ملك فِي سِيَاق النَّفْي فَيعم وَلَا يتَحَقَّق عُمُومه إِلَّا بِرَفْع كل ملك وَالْبيع فِيهِ رفع ملك البَائِع وَثُبُوت ملك المُشْتَرِي.
стр. 1127
العِتْقُ بالتدْبيرِ وَالْوَصاةِ وبالْكِتَابَةِ وبَالبَيّنَاتِ (الْعتْق) على أَرْبَعَة أوجه (بِالتَّدْبِيرِ) وَهُوَ كَمَا فِي (خَ) تَعْلِيق مُكَلّف رشيد وان زَوْجَة فِي زَائِد الثُّلُث الْعتْق بِمَوْتِهِ على غير وَجه الْوَصِيَّة لَا على وَجه الْوَصِيَّة فَقَوله: الْعتْق مَعْمُول تَعْلِيق وَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: تعليقة نُفُوذ الْعتْق لِأَن الْمُعَلق إِنَّمَا هُوَ نُفُوذ الْعتْق، وَأما إنْشَاء الْعتْق فَهُوَ من الْآن فالتدبير تَعْلِيق على وَجه الانبرام واللزوم، وَالْوَصِيَّة تَعْلِيق على وَجه الانحلال وَالرُّجُوع. والتعاليق ثَلَاثَة: معنوي ولفظي ونحوي، وكل وَاحِد أخص مِمَّا قبله، فَالْأول يَشْمَل أم الْوَلَد لِأَن حريتها معلقَة على موت سَيِّدهَا وَلَا لفظ فِي ذَلِك التَّعْلِيق، واللفظي يَشْمَل النَّحْوِيّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يكون إِلَّا بأداة الشَّرْط ويشمل نَحْو: أَنْت مُدبر ودبرتك وَنَحْوه لِأَنَّهُ تَعْلِيق بِغَيْر أَدَاة الشَّرْط، واللفظي هُوَ مُرَاد الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب، وَعَلِيهِ فَإِذا أَتَى بأداة الشَّرْط فَقَالَ: إِن كلمت فلَانا أَو دخلت الدَّار فَأَنت حر بعد موتِي، أَو فَأَنت مُدبر فَدخل الدَّار أَو كلم فلَانا فَذَلِك تَدْبِير لَازم سَوَاء نوى التَّدْبِير أم لَا. لِأَنَّهُ حانث فِي يَمِينه وبوقوع الْمُعَلق عَلَيْهِ لزمَه ذَلِك وَلَا ينفذ إِلَّا بعد مَوته لِأَنَّهُ شَرط ذَلِك فِي يَمِينه، وَإِن لم يَأْتِ بأداة الشَّرْط فَتَارَة يَأْتِي بِأَلْفَاظ صَرِيحَة فِي التَّدْبِير كَقَوْلِه: دبرتك وَأَنت مُدبر أَو حر عَن دبر مني فَإِنَّهُ يكون تدبيراً لَازِما لَا رُجُوع فِيهِ، وَلَو لم ينْو لُزُومه لِأَن الصِّيغَة الصَّرِيحَة فِي بَابهَا لَا تَنْصَرِف لغَيْرهَا إِلَّا بِبَيِّنَة أَو قرينَة كَقَوْلِه: مَا لم أغير ذَلِك أَو أرجع عَنهُ، فَإِن نوى بذلك عدم اللُّزُوم وَأَن لَهُ الرُّجُوع والانحلال، فَظَاهر التَّوْضِيح أَنه ينْصَرف للْوَصِيَّة وَأَحْرَى، إِذا أَتَى بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّة على عدم اللُّزُوم، وَتارَة يَأْتِي بِأَلْفَاظ صَرِيحَة فِي الْوَصِيَّة كَقَوْلِه: إِن مت من مرضِي أَو سَفَرِي هَذَا فَأَنت حر أَو مُدبر فَذَلِك وَصِيَّة غير لَازِمَة، وَله الرُّجُوع فِيهِ لِأَنَّهُ لما علقه على الْمَوْت من ذَلِك الْمَرَض أَو السّفر وَقد ينشأ عَنْهُمَا موت وَقد لَا ينشأ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن لَهُ الرُّجُوع وَإِن لم يمت فِي ذَلِك الْمَرَض أَو السّفر كَانَ ذَلِك قرينَة صارفة عَن التَّدْبِير إِلَّا أَن يَنْوِي لُزُوم الْحُرِّيَّة وَالتَّدْبِير فَلَا رُجُوع لَهُ وتنصرف للتدبير حنيئذ، وَكَذَا إِذا قَالَ فِي صِحَّته: أَنْت حر بعد موتى أَو يَوْم أَمُوت فَهُوَ وَصِيَّة لِأَن ذَلِك من صيغتها الصَّرِيحَة حَتَّى يَنْوِي بذلك اللُّزُوم، أَو يَأْتِي بِقَرِينَة فَيَقُول مثلا: هُوَ حر بعد موتِي لَا يُغير عَن ذَلِك فَيَنْصَرِف للتدبير. وَقد تحصل أَن الْعتْق بعد الْمَوْت إِذا الْتَزمهُ بنية اللُّزُوم وَعدم الرُّجُوع أَو أَتَى بِقَرِينَة فَهُوَ التَّدْبِير وَلَو كَانَ بِصِيغَة الْوَصِيَّة الصَّرِيحَة، وَإِن كَانَ الْتَزمهُ بعد الْمَوْت أَيْضا بنية الرُّجُوع فِيهِ والانحلال أَو أَتَى بِقَرِينَة فَهُوَ الْوَصِيَّة، وَلَو كَانَ بِصَرِيح التَّدْبِير فَإِن لم تكن لَهُ نِيَّة وَلَا قرينَة فَإِن كَانَ بِصَرِيح التَّدْبِير فتدبير وبصريح الْوَصِيَّة فوصية وَإِنَّمَا كَانَ ينْصَرف صَرِيح التَّدْبِير للْوَصِيَّة بِالنِّيَّةِ والقرينة وَبِالْعَكْسِ لتقارب هذَيْن الْبَابَيْنِ، وَهَذَا إِذا لم يعلقه بالأداة على شَيْء وَحنث فِيهِ وإلاَّ فليزمه بِالْحِنْثِ، وَلَو نوى عدم اللُّزُوم مُؤَاخذَة لَهُ بِظَاهِر لَفظه الْمُخَالف لنيته كَمَا مرَّ أول التَّقْرِير، وَأما لَو قَالَ: هُوَ حر بعد موتِي بِيَوْم أَو شهر أَو أَكثر فَهُوَ وَصِيَّة لمُخَالفَته للتدبير
стр. 1128
بِكَوْنِهِ غير مُعَلّق على الْمَوْت إِلَّا أَن يُرِيد التَّدْبِير، وَبِهَذَا كُله يظْهر الْفرق بَين الْوَصِيَّة وَالتَّدْبِير وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا لَا ينفذ إِلَّا من الثُّلُث. قَالَ سَحْنُون لِابْنِ الْقَاسِم: أَي شَيْء هَذَا التَّدْبِير فِي قَول مَالك؟ فَقَالَ: هُوَ إِيجَاب أوجبه السَّيِّد على نَفسه والإيجاب عِنْد مَالك لَازم، ثمَّ قَالَ: وَمَا الْوَصِيَّة؟ فَقَالَ: إِنَّهَا عدَّة، وَالْعدة لَيست بِإِيجَاب وَالتَّدْبِير إِيجَاب والإيجاب لَيْسَ بعده اه. وَقَالَ فِيمَن قَالَ: أَنْت حر بعد موتِي يسْأَل؟ فَإِن نوى التَّدْبِير أَو الْوَصِيَّة فَإِنَّهُ يصدق وَيلْزمهُ مَا نوى اه. وَلأَجل أَن الْعتْق فِي التَّدْبِير لَازم لَا رُجُوع فِيهِ استتبع الْأَوْلَاد وَكَانُوا مُدبرين كأمهم بِخِلَاف الْوَصِيَّة بِالْعِتْقِ فَإِن الْأَوْلَاد لَا يتبعُون أمّهم كَمَا قَالَه ابْن الْقصار. وَحكى عَلَيْهِ الْإِجْمَاع وَقَول (خَ) : وَإِن زَوْجَة فِي زَائِد ثلثهَا الخ. إِنَّمَا كَانَ يلْزمهَا وَلَو فِي زَائِد ثلثهَا بل وَلَو فِي عبد لَا تملك غَيره. مَعَ أَنَّهَا محجر عَلَيْهَا فِي زَائِد الثُّلُث، لِأَن الزَّوْج لَا ضَرَر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ الْآن زَائِدا على الثُّلُث فَلَا ينفذ بعد الْمَوْت إِلَّا مِنْهُ فَلَا ضَرَر عَلَيْهِ. تَنْبِيه: اعْترض ابْن عَرَفَة تَعْرِيف ابْن الْحَاجِب للتدبير الَّذِي هُوَ كتعريف (خَ) الْمُتَقَدّم وَقَالَ: إِنَّه حد تركيبي وَهُوَ وقف معرفَة الْمُعَرّف على معرفَة حَقِيقَة أُخْرَى أَجْنَبِيَّة عَنهُ لَيست أَعم وَلَا أخص وَهِي هُنَا وَصِيَّة، فَإِن الْوَصِيَّة تفْتَقر إِلَى حَدهَا أَيْضا وَهِي مباينة للتدبير فَلَا يعرف حِينَئِذٍ التَّدْبِير إِلَّا بِمَعْرِِفَة الْوَصِيَّة، وَالْحَد التركيبي يجْتَنب فِي الْحُدُود. وَيُجَاب عَن ذَلِك بِأَن ابْن الْحَاجِب أَرَادَ الْوَصْف اللَّازِم للْوَصِيَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ: التَّدْبِير تَعْلِيق على وَجه اللُّزُوم لَا على وَجه غير اللُّزُوم. (و) ب (الوصاة) بِفَتْح الْوَاو أَي الْوَصِيَّة كَقَوْلِه: إِن مت من مرضِي أَو سَفَرِي هَذَا فَأَنت حر أَو مُدبر أَو حر بعد موتِي وَلم يرد بِهِ التَّدْبِير أَو حر بعد موتِي بيومٍ أَو شهر وَلم ينْو بِهِ التَّدْبِير كَمَا مرَّ. (وبالكتابة) وَهِي كَمَا لِابْنِ عَرَفَة عتق على مَال مُؤَجل من العَبْد مَوْقُوف على أَدَائِهِ فَيخرج مَا على مَال معجل، وَلذَا قَالَ فِيهَا: لَا تجوز كِتَابَة أم الْوَلَد وَيجوز عتقهَا على مَال معجل، وَيخرج عتق العَبْد على مَال مُؤَجل على أَجْنَبِي الخ. فَقَوله: على مَال أخرج بِهِ الْعتْق على غير مَال سَوَاء كَانَ بتلا أَو لأجل، وَقَوله: مُؤَجل أخرج بِهِ القطاعة، وَقَوله: مَوْقُوف على أَدَائِهِ أخرج بِهِ الْعتْق الْمُعَجل على أَدَاء مَال إِلَى أجل، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكِتَابَة عرفا، وَلَكِن الْعتْق لَازم للسَّيِّد معجلا وَلزِمَ المَال للْعَبد معجلا إِن كَانَ مُوسِرًا وَيتبع بِهِ دينا فِي ذمَّته إِن كَانَ مُعسرا. قَالَ ابْن مَرْزُوق: وَالصَّوَاب أَن يَقُول عقد يُوجب عتقا الخ لِأَنَّهَا سَبَب فِي الْعتْق لَا نَفسه. (وبالبتات) وَهُوَ الْعتْق الناجز على غير مَال كَمَا مر. وصيغته: إِمَّا صَرِيحَة وَهِي الَّتِي لَا تَنْصَرِف عَن الْعتْق بِالنِّيَّةِ كَقَوْلِه: أَعتَقتك أَو حررتك أَو أَنْت حر أَو فَككت رقبتك أَو أَنْت مفكوك الرَّقَبَة، فَإِنَّهُ لَا يصدق أَنه أَرَادَ بِهَذِهِ الصِّيَغ وَنَحْوهَا غير الْعتْق فَإِن كَانَت هُنَاكَ قرينَة لفظية كَقَوْلِه: أَنْت حر الْيَوْم من هَذَا الْعَمَل وَقَالَ: لم أرد عتقه صدق بِيَمِينِهِ ثمَّ لَا يَسْتَعْمِلهُ فِي ذَلِك الْيَوْم كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة، وَكَذَا لَو قَالَ: أَنْت حر الْيَوْم
стр. 1129
فَقَط وَقَالَ: لم أرد عتقا وَإِنَّمَا أردْت من عمل خَاص فَإِنَّهُ يصدق بِيَمِينِهِ أَو قرينَة معنوية كَمَا لَو رَآهُ صنع شَيْئا فأعجبه فَقَالَ: مَا أَنْت إِلَّا حر، أَو قَالَ لَهُ لما عَصَاهُ: تعال يَا حر، وَقَالَ: لم أرد بذلك عتقا وَإِنَّمَا أردْت فِي الأول أَنه حر الْفِعْل، وَفِي الثَّانِي أَنه فِي معصيتي شَبيه بِالْحرِّ فَإِنَّهُ يصدق بِيَمِينِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء. وَإِمَّا كِنَايَة وَهِي قِسْمَانِ: ظَاهِرَة كَقَوْلِه: لَا سَبِيل لي عَلَيْك أَو لَا ملك لي عَلَيْك وَنَحْوهَا، فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْعتْق وَلَكِن ينْصَرف عَنهُ بِالنِّيَّةِ وَنَحْوهَا، فَإِذا قَالَ السَّيِّد ذَلِك لعَبْدِهِ جَوَابا لكَلَام وَقع من العَبْد لَا يَلِيق بالسيد، وَقَالَ: لم أرد بذلك عتقا صدق بِيَمِينِهِ فَإِن قَالَ ذَلِك فِي غير جَوَاب أصلا أَو جَوَابا لكَلَام يَلِيق بالسيد وَلم يعلم هَل كَانَ جَوَابا لكَلَام أم لَا عتق عَلَيْهِ، وَإِمَّا كِنَايَة خُفْيَة كَقَوْلِه لَهُ: اسْقِنِي مَاء أَو اذْهَبْ أَو اغرب فَإِنَّهُ لَا يلْزَمنِي شَيْء إِلَّا إِذا قَالَ: نَوَيْت بِهِ الْعتْق والعزب الْبعد فَتبين أَن الْقَرِينَة يعْمل بهَا فِي الصَّرِيح وَالْكِنَايَة الظَّاهِرَة، وَأما فِي الْخفية فَإِنَّهُ لَا يلْزمه شَيْء إِلَّا بِالنِّيَّةِ. وليْسَ فِي التّدْبير والتبْتِيل إِلَى الرُّجُوع بَعْدُ مِنْ سبِيلِ (وَلَيْسَ فِي التَّدْبِير و) لَا فِي (التبتيل إِلَى الرُّجُوع بعد) أَي بعد عقدهما بالصيغ الْمُتَقَدّمَة فيهمَا (من سَبِيل) هُوَ اسْم لَيْسَ. وَمن زَائِدَة، وَالتَّقْدِير: لَيْسَ هُنَاكَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوع فِي التَّدْبِير والتبتيل بعد عقدهما كَمَا لَهُ الرُّجُوع فِي الْوَصِيَّة بعد عقدهَا، بل هما نافذان لازمان لَا يقبل من السَّيِّد رُجُوع فيهمَا. نعم يبطلان مَعًا بدين مُحِيط سَابق عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا من التَّبَرُّع وَهُوَ بَاطِل بِالدّينِ الْمُحِيط (خَ) : للْغَرِيم منع من أحَاط الدّين بِمَالِه من تبرعه الخ. اللَّاحِق فَإِنَّهُ لَا يبطل التبتيل وَيبْطل التَّدْبِير إِن مَاتَ السَّيِّد لَا إِن كَانَ حَيا كَمَا قَالَ الأَجْهُورِيّ: وَيبْطل التَّدْبِير دين سبقا إِن سيد حَيّ وَإِلَّا مُطلقًا أَي: وَإِلَّا يكن حَيا أبْطلهُ مُطلقًا سَابِقًا أَو لاحقاً. وَالعِتْقُ بالمالِ هُوَ المُكاتَبَهْ وَمَا لَهُ بالجَبْرِ مِنْ مُطَالَبَهْ (وَالْعِتْق بِالْمَالِ) الْمُؤَجل (هُوَ الْمُكَاتبَة) فَإِن وَقع الْعتْق بِالْمَالِ على السكت وَلم يشترطا تنجيمه وَلَا تَأْجِيله وَجب تنجيمه على قد مَا يرى من كِتَابَة مثله وَقدر قوته، وَإِن كره سَيّده لِأَن عرف النَّاس فِي الْكِتَابَة أَنَّهَا منجمة فيحملان عَلَيْهِ عِنْد السكت. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: فَإِن شرطا تَعْجِيله فَهِيَ قطاعة كَمَا مر فِي حد ابْن عَرَفَة. (وَمَا لَهُ بالجبر من مُطَالبَة) أَي لَيْسَ للسَّيِّد أَن يجْبر عَبده
стр. 1130
على الْكِتَابَة وَلَا للْعَبد أَن يجْبر سَيّده عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تصح برضاهما مَعًا على الْمَشْهُور، لَكِن إِذا طلبَهَا العَبْد من سَيّده ندب للسَّيِّد أَن يجِيبه إِلَيْهَا، وَإِذا طلبَهَا السَّيِّد جَازَ للْعَبد الْقبُول وَعَدَمه (خَ) ندب مُكَاتبَة أهل التَّبَرُّع وَحط جُزْء آخر، وَلم يجْبر العَبْد عَلَيْهَا، والمأخوذ مِنْهَا الْجَبْر الخ. فَمَا نَافِيَة وَضمير لَهُ لوَاحِد مِنْهُمَا لتقدم ذكرهمَا باللزوم، إِذْ الْعتْق يسْتَلْزم معتقاً بِالْكَسْرِ ومعتقاً بِالْفَتْح، و (من) زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء، ومطالبة مُبْتَدأ خَبره لَهُ وبالجبر يتَعَلَّق بمطالبة أَي لَيْسَ لوَاحِد من السَّيِّد وَالْعَبْد مُطَالبَة الآخر بالجبر على الْكِتَابَة. وَلما كَانَ الْمُوجب لِلْعِتْقِ أسباباً أَرْبَعَة: أَولهَا: الْعتْق، بِاللَّفْظِ وَتقدم، وَثَانِيها: الْعتْق بِالْقَرَابَةِ وَلم يتَكَلَّم النَّاظِم عَلَيْهِ، وَأَشَارَ (خَ) بقوله: وَعتق بِنَفس الْملك الأبوان وَإِن علوا وَالْولد وَإِن سفل كَبِنْت وَأَخ وَأُخْت مُطلقًا الخ. وَثَالِثهَا: الْعتْق بالمثلة وَسَيَأْتِي فِي قَوْله: وَعتق من سَيّده يمثل. الخ. وَرَابِعهَا: الْعتْق بِالسّرَايَةِ وَله وَجْهَان أَحدهمَا: أَن يكون يملك جَمِيع العَبْد وَلَو بشائبة كَأُمّ وَلَده فَيعتق جزأ مِنْهُ كثلثه أَو ربعه أَو يَده أَو رجله أَو شعره أَو رِيقه وجماله فَإِنَّهُ يكمل عَلَيْهِ وَيعتق جَمِيعه كَمَا قَالَ: وَمُعْتِقٌ بِالجُزْءِ مِنْ عَبْدٍ لَهْ مُطَالَبٌ بالحُكْمِ أَن يكْمِلَهْ (ومعتق للجزء من عبد لَهُ) وَلَو ذَا شَائِبَة كمدبره (مطَالب بالحكم أَن يكمله) لِأَنَّهُ كمن قَالَ لزوجته: يدك طَالِق أَو شعرك طَالِق فَإِنَّهُ يلْزمه الطَّلَاق فِي جَمِيعهَا، وَظَاهره كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا أَو مُعسرا وَهُوَ كَذَلِك، وَظَاهره كَانَ الْمُعْتق مُسلما أَو ذِمِّيا وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الذِّمِّيّ إِذا أعتق بعض عَبده الذِّمِّيّ فَإِنَّهُ لَا يكمل عَلَيْهِ. وَكَذَا الزَّوْجَة وَالْمَرِيض فِي زَائِد الثُّلُث وَفهم من قَوْله بالحكم إِنَّه لَا يكمل عَلَيْهِ بِنَفس عتق الْجُزْء بل لَا بُد من حكم الْحَاكِم بالتكميل وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور، وَعَلِيهِ فأحكام الرّقّ قبل الحكم جَارِيَة عَلَيْهِ فَلَا يحد قَاذفه وَلَا يقْتَصّ من قَاتله الْحر الْمُسلم ويرثه سَيّده دون ورثته وَهَكَذَا. وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن يكون العَبْد مُشْتَركا بَينه وَبَين غَيره فَيعتق مِنْهُ حَظه كُله أَو جُزْء من حَظه، فَإِنَّهُ يكمل عَلَيْهِ حَظه وَيقوم عَلَيْهِ حَظّ شَرِيكه وَيدْفَع قِيمَته للشَّرِيك وَيعتق جَمِيعه كَمَا قَالَ: وحَظُّ مَنْ شَارَكَهُ يَقُوْمُ عَلَيْهِ فِي اليُسْرِ وعِتْقاً يَلْزَمُ (وحظ من شَاركهُ يقوم عَلَيْهِ فِي) حَال (الْيُسْر وعتقا يلْزم) ولتقويمه شُرُوط: أَولهَا: أَن يكون الْمُعْتق لجزئه مُوسِرًا كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّاظِم بقوله: فِي الْيُسْر أَي بِأَن يكون
стр. 1131
مُوسِرًا يَوْم الحكم بِقِيمَة حَظّ شَرِيكه بِمَا يُبَاع على الْمُفلس، فَإِن كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِهَا عتق مِنْهُ بِقدر ذَلِك الْبَعْض، فَإِن لم يكن مُوسِرًا بكلها وَلَا بِبَعْضِهَا لم يقوم عَلَيْهِ شَيْء وَيعلم عسره بِأَن لَا يكون لَهُ مَال ظَاهر، ويسئل عَنهُ جِيرَانه وَمن يعرفهُ فَإِن لم يعلمُوا لَهُ مَالا حلف وَلَا يسجن، فَإِن لم يحكم عَلَيْهِ بالتقويم وَهُوَ مَلِيء حَتَّى مَاتَ أَو فلس لم يعْتق مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ أعْتقهُ وَلَا يقوم عَلَيْهِ حَظّ شَرِيكه كَمَا رَوَاهُ أَشهب. ثَانِيهَا: أَن يدْفع الْقيمَة بِالْفِعْلِ فَإِن قوم عَلَيْهِ وَلم يَدْفَعهَا حَتَّى مَاتَ العَبْد وَرثهُ سَيّده دون ورثته فَدفع الْقيمَة بِالْفِعْلِ شَرط فِي نُفُوذ الْعتْق وَتَمَامه لَا فِي وجوب الحكم بالتقويم، فَإِذا توفرت شُرُوط التَّقْوِيم وَجب الحكم بتقويمه وعتقه، وَإِذا حكم فَلَا ينفذ الْعتْق وَيتم إِلَّا بدفعها، فَإِن أَبى شَرِيكه من قبضهَا قبضهَا الْحَاكِم. ابْن الْحَاجِب: وَلَا يعْتق إِلَّا بعد التَّقْوِيم وَدفع الْقيمَة على أظهر الرِّوَايَتَيْنِ. ثَالِثهَا: أَن يعْتق الْجُزْء بِاخْتِيَارِهِ لَا إِن أعتق عَلَيْهِ بِغَيْر اخْتِيَاره كَمَا لَو ورث جُزْءا من أَبِيه مثلا فَإِنَّهُ لَا يقوم عَلَيْهِ مَا لم يَرِثهُ، وَلَو وهب لَهُ جُزْء من أَبِيه أَو اشْتَرَاهُ قوّم عَلَيْهِ حِصَّة شَرِيكه لِأَنَّهُ متسبب بِقبُول الْهِبَة وَالشِّرَاء. رَابِعهَا: أَن يكون السَّيِّد مُسلما أَو العَبْد لَا إِن كَانَ الِاثْنَيْنِ كَافِرين. خَامِسهَا: أَن يبتدأ الْعتْق لَا إِن كَانَ العَبْد حرا لبَعض وَقد أَفَادَ (خَ) هَذِه الشُّرُوط بقوله: وبالحكم جَمِيعه إِن أعتق جُزْءا وَالْبَاقِي لَهُ كَانَ بَقِي لغيره إِن دفع الْقيمَة حَال كَونهَا مُعْتَبرَة يَوْم الحكم وَالْمُعتق مُسلما أَو العَبْد وأيسر بهَا أَو بِبَعْضِهَا فمقابلها وفضلت عَن مَتْرُوك مُفلس وَحصل عتقه بِاخْتِيَارِهِ لَا بِإِرْث، وابتدأ الْعتْق لَا إِن كَانَ حر الْبَعْض الخ. والشروط رَاجِعَة لما بعد الْكَاف من قَوْله كَانَ بَقِي الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْعتْق بالمثلة فَقَالَ: وَعِتْقُ مَنْ سَيِّدُهُ يُمثِّلُ بهِ إذَا مَا شَانَهُ يُبَتَّلُ (وَعتق من) أَي العَبْد الَّذِي (سَيّده يمثل بِهِ) عمدا (إِذا مَا) زَائِدَة (شانه) أَي عابه ذَلِك التَّمْثِيل الْمَفْهُوم من قَوْله يمثل (يبتل) أَي ينجز عتقه عَلَيْهِ بالحكم لَا بِنَفس التَّمْثِيل (خَ) : وبالحكم إِن عمد السَّيِّد لشين برقيقه وَلَو ذَا شَائِبَة كَأُمّ وَلَده ومدبر مدبره أَو رَقِيق رَقِيقه أَو رَقِيق وَلَده الصَّغِير وَهُوَ غير سَفِيه وَلَا عبد وَلَا ذمِّي وَلَا مَدين وَلَا زَوْجَة وَلَا مَرِيض فِي زَائِد الثُّلُث، وإلاَّ فَلَا يعْتق كَمَا إِذا لم يتعمدها والمثلة كخصاء وَقلع ظفر وَقطع بعض أذن أَو جَسَد أَو سنّ أَو سحلها أَي بردهَا بالمبرد أَو خرم أنف أَو حلق شعر أمة رفيعة أَو لحية تَاجر الخ. وَالْمُعْتَمد أَن
стр. 1132
حلق الشّعْر ولحية التَّاجِر ليسَا بمثلة لِأَن الشّعْر يعود كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ وَنَحْوه فِي الشَّامِل قَائِلا: وَلَا مثلَة بحلق لحية عبد وَإِن تَاجِرًا أَو رَأس أمة وَإِن رفيعة عِنْد مَالك لَا عِنْد الْمَدَنِيين كَابْن الْمَاجشون فَهُوَ مثلَة. وَاخْتَارَ اللَّخْمِيّ القَوْل الأول إِن عَاد الشّعْر، وَالثَّانِي إِن لم يعد الخ. وَبِه يسْقط اعْتِرَاض الشَّيْخ بناني والوسم بالنَّار لَيْسَ بمثلة إِلَّا أَن يكْتب بهَا فِي جَبهته آبق وَنَحْوه. تَنْبِيه: إِذا مثل الزَّوْج بِزَوْجَتِهِ فلهَا التَّطْلِيق كَمَا مرّ فِي ضَرَر الزَّوْجَيْنِ. وَمَنْ بِمَالٍ عِتْقُهُ مُنَجَّمِ يَكُونُ عَبْداً مَعْ بَقَاءِ دِرْهَمِ (وَمن) مُبْتَدأ (بِمَال عتقه) مُبْتَدأ ثَان وَالْمَجْرُور قبله خَبره (منجم) أَي مُؤَجل يَدْفَعهُ شَيْئا فَشَيْئًا فَهُوَ بالخفض نعت لمَال، وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره صلَة من وَهِي وَاقعَة على العَبْد الْمكَاتب (يكون عبدا مَعَ بَقَاء دِرْهَم) عَلَيْهِ من كِتَابَته، وَالْجُمْلَة خبر الْمَوْصُول وَلَا مَفْهُوم لقَوْله: منجم بل كَذَلِك إِذا قاطعه على مَال حَال وَعجز عَن أَدَاء بعضه وَلَو درهما فَإِنَّهُ يرق، وَهَذَا إِن اتّفق السَّيِّد وَالْعَبْد على التَّعْجِيز وَلم يكن للْعَبد مَال ظَاهر وإلاَّ فَلَيْسَ لَهُ الْعَجز على الْمَشْهُور، وَلَو اتفقَا عَلَيْهِ فَإِن اخْتلفَا فَقَالَ السَّيِّد: أردْت التَّعْجِيز وَامْتنع العَبْد أَو بِالْعَكْسِ فَلَا بُد من نظر الْحَاكِم فِي ذَلِك قَالَه فِي التَّوْضِيح. والقوْلُ للسَّيِّدِ فِي مالٍ حَصَلْ وَالخُلْفُ فِي قَدْرٍ وَجَنسٍ وَأجَلْ (وَالْقَوْل للسَّيِّد) بِيَمِين كَمَا فِي ابْن عَرَفَة: إِذا اخْتلف مَعَ عَبده (فِي) نفي أَدَاء (مَال حصل) فِي ذمَّة العَبْد بِسَبَب الْكِتَابَة فَقَالَ العَبْد: أديته كُله أَو بعضه، وَأنكر السَّيِّد ذَلِك فَإِن نكل حلف الْمكَاتب وَعتق وَمحل الْيَمين مَا لم يشْتَرط السَّيِّد فِي صلب عقد الْكِتَابَة التَّصْدِيق بِلَا يَمِين، وإلاَّ فَيعْمل بِشَرْطِهِ كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ عَن الجزيري، وَتقدم نَحوه فِي الْقَرْض. وَكَذَا القَوْل للسَّيِّد أَيْضا فِي نفي الْكِتَابَة إِذا ادَّعَاهَا العَبْد وأنكرها السَّيِّد، لَكِن بِلَا يَمِين لِأَنَّهَا من دَعْوَى الْعتْق (خَ) : وَالْقَوْل للسَّيِّد فِي نفي الْكِتَابَة وَالْأَدَاء. (وَالْخلف) أَي الْخلاف ثَابت فِي اخْتِلَافهمَا (فِي قدر) فَقَالَ السَّيِّد: بِمِائَة، وَقَالَ العَبْد: بِخَمْسِينَ، فَإِن القَوْل للْعَبد بِيَمِين على الْمَشْهُور إِن أشبه وَحده أَو مَعَ السَّيِّد،
стр. 1133
فَإِن أشبه السَّيِّد وَحده فَقَوله بِيَمِين فَإِن لم يشبها حلفا وَوَجَبَت كِتَابَة الْمثل كاختلاف الْمُتَبَايعين بعد الْفَوْت وَالْكِتَابَة هُنَا فَوت ونكولهما كحلفهما وَيَقْضِي للْحَالِف على الناكل. (وجنس) فَقَالَ السَّيِّد: كاتبتك بِثِيَاب من نعتها كَذَا. وَقَالَ العَبْد: بل كاتبتني بحيوان من نَعته كَذَا، وَالْمَشْهُور وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّخْمِيّ والمازري أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وعَلى العَبْد كِتَابَة مثله فِي الْعين. (وَأجل) هُوَ شَامِل لاختلافهما فِي وجوده وَعَدَمه أَو فِي قدره أَو فِي حُلُوله، أما الأول فَالْقَوْل قَول الْمكَاتب أَنَّهَا منجمة مَا لم يَأْتِ من كَثْرَة النُّجُوم بِمَا لَا يشبه، وَكَذَا يصدق الْمكَاتب أَيْضا إِذا اخْتلفَا فِي قدره أَو حُلُوله (ح) : لَا اخْتِلَافهمَا فِي الْقدر وَالْأَجَل وَالْجِنْس يَعْنِي فَإِن القَوْل لَا يكون للسَّيِّد فِي هَذِه الثَّلَاث، وَإِنَّمَا القَوْل للْعَبد فِي الْأَوَّلين فِي كَلَامه على التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَفِي الثَّالِث يَتَحَالَفَانِ كَمَا مرَّ فَإِن أَقَامَ كل الْبَيِّنَة على مَا يَدعِيهِ قضى بأعدلهما، فَإِن تكافأتا سقطتا وَجرى ذَلِك على مَا مرَّ إِلَّا إِن شهِدت إِحْدَاهمَا أَن الْكِتَابَة بِمِائَة وَشهِدت الْأُخْرَى أَنَّهَا بتسعين قضى بِبَيِّنَة السَّيِّد لِأَنَّهَا زَادَت كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة. وَحُكْمُهُ كَالحُرِّ فِي التَّصَرُّفِ ومَنْعُ رَهْنٍ وَضَمانٍ اقْتُفِي (وَحكمه) أَي الْمكَاتب (كَالْحرِّ فِي التَّصَرُّف) فَلهُ البيع وَالشِّرَاء وَغير ذَلِك من الْمُعَاوَضَات بِلَا إِذن من سَيّده لَا إِن تصرف بِغَيْر مُعَاوضَة فَلَا يمْضِي كَالْعِتْقِ وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَغير ذَلِك من التَّبَرُّعَات. (خَ) : وللمكاتب بِلَا إِذن بيع واشتراء ومشاركة ومقارضة ومكاتبة عَبده واستخلاف عَاقد لأمته وإسلامها أَو فداؤها إِن جنت بِالنّظرِ وسفر لَا يحل فِيهِ نجم وَإِقْرَار فِي رقبته أَي فِي ذمَّته بدين وَنَحْوه، وَأَحْرَى إِقْرَاره بِمَا يُوجب حدا عَلَيْهِ، وَله إِسْقَاط شفعته لَا عتق وَإِن قَرِيبا وَهبة وَصدقَة وتزويج وَإِقْرَار بِجِنَايَة خطأ وسفر بعد إِلَّا بِإِذن من سَيّده (وَمنع رهن وَضَمان اقتفي) فِي الْكِتَابَة. فَلَا يجوز أَن يكاتبه على أَن يَأْخُذ رهنا من غير مكَاتبه ليستوفي مِنْهُ الْكِتَابَة إِن عجز العَبْد عَنْهَا أَو مَاتَ لِأَن الرَّهْن كالحمالة، والحمالة فِي الْكِتَابَة لَا تجوز لِأَن الْكِتَابَة منجمة، والضامن يُؤَدِّي مَا حل مِنْهَا وَقد يعجز العَبْد عَن أَدَاء بَاقِيهَا فَيَأْخُذ السَّيِّد مَا كَانَ أَخذه من الضَّامِن بَاطِلا وَلِهَذَا إِذا أعطَاهُ الضَّامِن على أَن يعجل عتقه من الْآن أَو كَانَت الْكِتَابَة نجماً وَاحِدًا. وَقَالَ الضَّامِن: هُوَ عَليّ إِن عجز صَحَّ ذَلِك وَجَاز كَمَا فِي الشَّامِل وَغَيره، فَإِن وَقع وَنزل وَأَعْطَاهُ ضَامِنا أَو رهنا فِي حَالَة عدم الْجَوَاز صحت الْكِتَابَة وَبَطل الرَّهْن والحميل كَمَا فِي ابْن نَاجِي. (خَ) : صَحَّ الضَّمَان فِي دين لَازم أَو آيل إِلَى اللُّزُوم لَا كِتَابَة الخ. أَي: فَإِنَّهَا لَيست بدين
стр. 1134
لَازم وَلَا آيل إِلَيْهِ. أَلا ترى إِن مَاتَ الْمكَاتب وَعَلِيهِ دين لم يحاصص السَّيِّد مَعَ الْغُرَمَاء، وَإِن عجز كَانَت الدُّيُون فِي ذمَّته يتبع بهَا إِن عتق يَوْمًا إِن لم يُبْطِلهَا عَنهُ سيد أَو سُلْطَان وَلَا يدْخلُونَ مَعَ السَّيِّد فِي رقبته، وَقد قَالُوا يلْحق بِالْكِتَابَةِ سَبْعَة أَشْيَاء وَهِي: الصّرْف وَالْقصاص وَالْحُدُود والتعازير ومبيع بِعَيْنِه وَعمل أجِير يعْمل بِنَفَقَتِهِ وحمولة دَابَّة بِعَينهَا، فَوجه الْمَنْع فِي الصّرْف هُوَ أَن يُؤَدِّي للتأخير، وَوَجهه فِي الْقصاص وَالْحُدُود والتعازير أَنه لَا يُمكن استيفاؤها من الضَّامِن عِنْد هروب الْمَضْمُون، وَوَجهه فِي الْمَبِيع بِعَيْنِه أَنه إِن كَانَ الْمَعْنى أَن الضَّامِن يَأْتِي بِهِ عِنْد تعذره بِهَلَاك وَنَحْوه، فَهَذَا غير مُمكن. وَإِن كَانَ الْمَعْنى أَنه يضمن قِيمَته عِنْد تعذره فَذَلِك جَائِز، لكنه لم يصدق عَلَيْهِ أَنه تحمل بِعَيْنِه بل يقيمته وَوَجهه فِي الْأَجِير يعْمل بِنَفَقَتِهِ أَي أكله أَنه إِن كَانَ الْمَعْنى أَن الضَّامِن يقوم مقَام الْأَجِير فِي الْعَمَل، وَالْأكل عِنْد تعذره بِمَرَض وَنَحْوه، فَهَذَا الضَّامِن قد يقل عمله وَيكثر، وَكَذَا أكله قد يقل وَيكثر فَفِيهِ خطر مَعَ أَنه دخل على اسْتِيفَاء الْعَمَل من شخص معِين، وَإِن كَانَ الْمَعْنى أَن الضَّامِن يَأْتِي بِهِ وَلَو هلك أَو تروغ، فَهَذَا لَا يُمكن وَهُوَ وَجه الْمَنْع فِي حمولة دَابَّة بِعَينهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالضَّمَان شغل ذمَّة أُخْرَى كَمَا مرَّ، والمعينات لَا تقبلهَا الذمم، وَكَذَا الْحُدُود وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالأبدان وَعَن هَذِه الْأُمُور احْتَرز (خَ) بقوله: إِن أمكن اسْتِيفَاؤهُ من ضامنه الخ. وَبِقَوْلِهِ شغل ذمَّة أُخْرَى الخ.
(بَاب فِي الرشد والأوصياء وَالْحجر وَالْوَصِيَّة وَالْإِقْرَار وَالدّين والفلس)
ذكر فِي هَذِه التَّرْجَمَة سَبْعَة أَبْوَاب، ثمَّ ميز بَعْضهَا من بعض بالفصول وَبَدَأَ بِبَيَان الرشد فَقَالَ: الرُّشْدُ حِفْظُ المَالِ مَعْ حُسْن النَّظَرْ وَبَعْضُهُمْ لَهُ الصَّلَاحُ مُعْتَبَرْ (الرشد) الَّذِي يخرج بِهِ السَّفِيه من الْولَايَة هُوَ (حفظ المَال مَعَ حسن النّظر) فِي تنميته والتجر فِيهِ وَلَا يشْتَرط فِي ذَلِك صَلَاح الدّين، فَهُوَ إِذا كَانَ فَاسِقًا متمرداً فِي الْمعاصِي، وَكَانَ مَعَ ذَلِك ضابطاً لمَاله يحسن تنميته والتجر فِيهِ فقد اسْتحق الْإِطْلَاق وَالْخُرُوج من الْولَايَة، وَأَحْرَى أَن لَا يحْجر عَلَيْهِ إِن لم يكن مولى عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وشارب الْخمر إِذا مَا ثمرا الخ. وَمَا ذكره النَّاظِم من اشْتِرَاط حسن النّظر مَعَ حفظ المَال هُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة قَالَ فِيهَا: وَصفَة من يحْجر عَلَيْهِ من الْأَحْرَار أَن يكون يبذر مَاله سَرفًا فِي لذاته من الشَّرَاب وَالْفِسْق وَيسْقط فِيهِ سُقُوط من لَا يعد المَال شَيْئا، وَأما من أَخذ مَاله وأنماه وَهُوَ فَاسق فِي حَاله غير مبذر لمَاله فَلَا يحجز عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ
стр. 1135
لَهُ مَال عِنْد وَصِيّ قَبضه اه. فَانْظُر إِلَى قَوْلهَا: وأنماه الخ. هُوَ ظَاهر فِي اشْتِرَاط التنمية كَمَا فِي (ح) وعَلى اشْتِرَاطهَا درج فِي الشَّامِل حَيْثُ قَالَ: وَزَالَ السَّفه برشد وَهُوَ حفظ المَال وَحسن تنميته وَإِن من غير جَائِز الشَّهَادَة على الْمَشْهُور الخ. فَيكون قد درج على ظَاهر الْمُدَوَّنَة من اشْتِرَاط التنمية، وعَلى ظَاهرهَا أَيْضا عول ابْن سَلمُون قَائِلا: وَبِه الحكم، وَنَحْوه لِابْنِ مغيث قَائِلا: وَعَلِيهِ الْعَمَل، وَقد علمت أَن النَّاظِم يتبع مَا عَلَيْهِ عمل الْحُكَّام، وَإِن كَانَ مُخَالفا للمشهور، لِأَن الْعَمَل مقدم عَلَيْهِ فَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ بِأَن الْمَشْهُور فِي الرشد إِنَّمَا هُوَ حفظ المَال فَقَط، وَلَا يشْتَرط مَعَه حسن تنميته وَلَا صَلَاح دين كَمَا هُوَ ظَاهر (خَ) حَيْثُ قَالَ: إِلَى حفظ مَال ذِي الْأَب الخ. واحترزت بِقَوْلِي: الَّذِي يخرج بِهِ السَّفِيه من الْولَايَة الخ. من الرشد الَّذِي لَا يحْجر مَعَه على صَاحبه فَإِن اللَّخْمِيّ قد حكى الِاتِّفَاق على أَن من لَا يحسن التَّجر وَيحسن الْإِمْسَاك لَا يحْجر عَلَيْهِ الخ. وَعَلِيهِ فالرشد رشدان رشد يخرج بِهِ من الْولَايَة، وَهُوَ مَحل الْخلاف الْمُتَقَدّم ورشد لَا يسْتَحق التحجير مَعَه إِن لم يكن مولى عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ كَذَا فِي (ح) وضيح (و) قَالَ (بَعضهم) وهم المدنيون من أَصْحَاب مَالك (لَهُ) أَي مَعَه (الصّلاح) فِي الدّين (مُعْتَبر) زِيَادَة على مَا ذكر من حفظ المَال وَحسن التَّصَرُّف فِيهِ، فَاللَّام فِي لَهُ بِمَعْنى (مَعَ) وَقد حَكَاهُ فِي الْمُغنِي عَن بَعضهم، وَالضَّمِير لما ذكر كَمَا قَررنَا، وَالْجُمْلَة معمولة لِلْقَوْلِ الْمُقدر، وَيحْتَمل أَن تكون اللَّام بِمَعْنى (عِنْد) وَالضَّمِير للْبَعْض وَعَلِيهِ فبعضهم مُبْتَدأ، وَالصَّلَاح مُبْتَدأ ثَان. وَله يتَعَلَّق بمعتبر، وَلَا بُد فِي هَذَا الْوَجْه من تَقْدِير كَلَام أَي: وَبَعْضهمْ الصّلاح مُعْتَبر عِنْده مَعَ مَا ذكر من حفظ المَال وَحسن النّظر فِيهِ، فَالْوَجْه الأول أحسن إِذْ لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى تَقْدِير، إِذْ الضَّمِير فِي (لَهُ) عَائِد على مَا ذكر من حفظ المَال وَحسن النّظر فِيهِ وَوجه هَذَا القَوْل إِنَّه إِذا لم يكن صَالحا فِي دينه بل كَانَ فَاسِقًا شريباً مثلا أدّى إِطْلَاقه من الْحجر إِلَى فنَاء مَاله، وَلَكِن الْمَعْمُول بِهِ مَا تقدم من اعْتِبَار حفظ المَال وَحسن النّظر فِيهِ وَلَا زَالَ الْعَمَل عَلَيْهِ إِلَى الْآن، وَأما حسن الدّين فَلَا وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وشارب الْخمر إِذا مَا ثمرا لما يَلِي من مَاله لن يحجرا والتثمير التنمية. وَالابْنُ مَا دامَ صَغِيرا للأَبِ إِلَى بُلُوغٍ حَجْرُهُ فِيمَا اجْتُبي
стр. 1136
(وَالِابْن مَا دَامَ صَغِيرا) ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى (للْأَب إِلَى الْبلُوغ حجره) مُبْتَدأ ثَان وَخَبره للْأَب و (فِيمَا اجتبى) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر أَي: فِيمَا اجتبى عِنْد جَمِيع أهل الْعلم، وَلَا مَفْهُوم للْأَب بل وَالْوَصِيّ والمهمل كَذَلِك، وَظَاهره أَنه لَا يخرج من الْحجر وَلَو ظهر رشده وَحسن تصرفه وَهُوَ كَذَلِك اتِّفَاقًا كَمَا فِي ضيح وَعَلِيهِ فَإِذا تصرف بِغَيْر مُعَاوضَة من هبة وَعتق فَإِن ذَلِك لَا يمْضِي وَلَو بِإِذن وليه كَمَا فِي الْمُقدمَات وَإِن تصرف بمعاوضة من بيع وَشِرَاء وَنَحْوهمَا، فَذَلِك مَوْقُوف على نظر وليه إِن رَآهُ مصلحَة أَمْضَاهُ وإلاَّ، رده فَإِن لم يكن لَهُ ولي وغفل عَن ذَلِك حَتَّى احْتَلَمَ ورشد كَانَ النّظر إِلَيْهِ فِي إِنْفَاذ ذَلِك أَو رده، وَلَو وَافق فعله السداد والمصلحة على الْمَشْهُور (خَ) : وللولي رد تصرف مُمَيّز وَله إِن رشد وَلَو حلف بحريّة عَبده فِي صغره وَحنث بعد بُلُوغه أَو وَقع الْموقع الخ. تَنْبِيهَات. الأول: قَالَ الْبُرْزُليّ فِي أَوَائِل النِّكَاح: إِذا كَانَ الْمَحْجُور يَبِيع وَيَشْتَرِي وَيَأْخُذ وَيُعْطِي بِرِضا حاجره وسكوته، فَيحمل على أَنه هُوَ الَّذِي فعله بذلك أفتى شَيخنَا الإِمَام وَوَقع الحكم بِهِ قَالَ: وَلَا يبعد أَن يجْرِي على حكم مَا إِذا أعطي مَالا لاختبار حَاله وَفِيه قَولَانِ فِي الْمُدَوَّنَة اه. وَسَيَأْتِي ذَلِك عِنْد قَول النَّاظِم: وَجَاز للْوَصِيّ فِيمَن حجرا الخ. وَمَا تقدم عَن الْبُرْزُليّ نَقله (ح) صدر الْبيُوع عِنْد قَوْله: ولزومه تَكْلِيف الخ. قَائِلا: وَبِه أَفْتيت، وَمُقَابِله للأبهري أَن سُكُوته لَيْسَ بِرِضا يَعْنِي: وَلَا بِإِذن، وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزمه ذَلِك، وعَلى الأول فَإِن كَانَ صَوَابا ومصلحة لزم، وَإِن كَانَ غير مصلحَة نقض مَا دَامَ البيع قَائِما بيد المُشْتَرِي، فَإِن فَاتَ بِيَدِهِ بِبيع أَو غَيره لم ينْقض وَرجع على المُشْتَرِي بِكَمَال الْقيمَة على مَا أفتى بِهِ ابْن رشد فَإِن تعذر الرُّجُوع على المُشْتَرِي بِكُل وَجه وَكَانَ الْوَصِيّ عَالما بِأَنَّهُ غير مصلحَة فَالظَّاهِر أَنه يضمن اه. الثَّانِي: لَيْسَ معنى قَوْلهم: إِذا كَانَ الْمَحْجُور يَبِيع وَيَشْتَرِي بِحَضْرَة وليه وسكوته الخ أَنه يكون مُطلق الْيَد وَيخرج بذلك من الْحجر حَتَّى يمْضِي مَا فعله بِغَيْر حَضْرَة وليه كَمَا توهمه عبارَة الْمواق وَتمسك بهَا بَعضهم الْيَوْم فَأفْتى بذلك، وَإِنَّمَا مُرَادهم أَن مَا فعله بِحَضْرَتِهِ وسكوته من بيع وَنَحْوه يحمل على أَنه أجَاز خُصُوص ذَلِك البيع، وَنَحْوه الْوَاقِع بِحَضْرَتِهِ لِأَن سُكُوته عَنهُ إِذن فِيهِ حكما، وَأما مَا عداهُ مِمَّا لم يكن بِحَضْرَتِهِ فَلَا يمْضِي إِلَّا بإمضائه وَقد قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة. لَيْسَ الْإِذْن للسفيه فِي البيع مزيلاً للسفه اه. وَإِذا كَانَ الْإِذْن بالصراحة لَيْسَ مزيلاً للسفه فأحرى السُّكُوت الَّذِي هُوَ منزل مَنْزِلَته، بل ذكر (ح) فِي الْإِقْرَار عِنْد قَوْله: لَا أقرّ الخ. خلافًا فِي السُّكُوت هَل هُوَ إِذن أَو لَيْسَ بِإِذن؟ قَالَ عَن ابْن رشد: وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ إِنَّه لَيْسَ بِإِذن الخ. وَعَلِيهِ فَمَا تقدم عَن الْأَبْهَرِيّ هُوَ الْأَظْهر لَوْلَا أَن الحكم وَالْفَتْوَى وَقعت بِخِلَافِهِ فِي خُصُوص النَّازِلَة كَمَا مر فَيجب اتِّبَاعه. الثَّالِث: إِذا بَاعَ الْمَحْجُور شَيْئا من عقاره وَنَحْوه بِغَيْر إِذن وليه فللولي الرَّد والإمضاء كَمَا مرَّ، ثمَّ الْمُبْتَاع إِن وجد الثّمن بيد الْمَحْجُور وَشهِدت بَيِّنَة لم تُفَارِقهُ أَنه الثّمن الْمَدْفُوع أَو كَانَ مِمَّا
стр. 1137
يعرف بِعَيْنِه أَخذه، وَكَذَا إِن شهِدت بَيِّنَة بِأَنَّهُ صرفه فِي مَصَالِحه مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِنْهُ بُد قَالَه ابْن سَلمُون. وَنَقله فِي الْمواق صدر الْبيُوع وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة، ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق، وَحكي عَن العبدوسي أَن الْعَمَل عَلَيْهِ. إنْ ظَهَرَ الرُّشْدُ وَلَا قوْلَ لأَبْ وَبالغٌ بِالعَكْسِ حَجْرُهُ وَجَبْ (إِن ظهر الرشد) : شَرط فِيمَا قلبه، وَالْمعْنَى أَن الصَّبِي إِمَّا أَن يبلغ ظَاهر الرشد متحققه فيرتفع الْحجر عَنهُ حِينَئِذٍ (وَلَا قَول لأَب) فِي رد شَيْء من أَفعاله وَلَو لم يشْهد على إِطْلَاقه من الْولَايَة لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِبُلُوغِهِ وَظُهُور رشده، وَإِمَّا أَن يبلغ ظَاهر السَّفه متحققه وَهُوَ معنى قَوْله: (وَبَالغ بِالْعَكْسِ حجره وَجب) فَلَا يمْضِي شَيْء من أَفعاله وَلَو لم يحْجر عَلَيْهِ على مَا عَلَيْهِ الْعَمَل الْيَوْم حَتَّى يثبت رشده، وَإِمَّا أَن يبلغ مَجْهُول الْحَال مشكوكاً فِيهِ، فَإِن جدد عَلَيْهِ أَبوهُ الْحجر بفور الْبلُوغ كَانَ مَرْدُود الْأَفْعَال أَيْضا كَمَا قَالَ: كَذَاكَ مَنْ أبُوهُ حَجْراً جَدَّدَا عَلَيْهِ فِي فَوْرِ البُلُوغِ مُشْهِدَا (كذك) يسْتَمر (من أَبوهُ حجرا جددا عَلَيْهِ) الْحجر (فِي فَور الْبلُوغ) حَال كَونه (مشهداً) بذلك بِأَن يشْهد الشُّهُود أَنه جدد الْحجر عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يمْضِي لَهُ فعل إِلَّا بعد تبين رشده وإطلاقه من ثقاف الْحجر الخ. فَيكون قَوْله: كَذَاك حجر الخ. هُوَ فِي مَجْهُول الْحَال قبل مُضِيّ الْعَام والعامين أَي فِي مَعْلُوم السَّفه، وَفَائِدَته فِي مَعْلُوم السَّفه أَنه لَا يخرج من الْحجر إِلَّا بِالْإِطْلَاقِ على القَوْل بِاعْتِبَار الْولَايَة وَهُوَ قَول مَالك لَا على القَوْل بِاعْتِبَار الْحَال الْمَعْمُول بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَصح أَن يكون كَلَامه هُنَا فِيمَن بلغ مَعْلُوم الرشد لِأَن هَذَا لَا يَصح تحجيره وَلَو بفور الْبلُوغ كَمَا فِي النَّقْل، وكما قدمه النَّاظِم فِي قَوْله: وَلَا قَول لأَب الخ. وَهُوَ صَرِيح قَوْله تَعَالَى: فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ (النِّسَاء: ٦) إِذْ لَا يجوز إمْسَاك مَاله حِينَئِذٍ عَنهُ، وَمن أمْسكهُ فَهُوَ ضَامِن كَمَا يَأْتِي للناظم آخر الْبَاب خلافًا لما فِي الشَّيْخ بناني عَن ابْن عَاشر من أَنه يجوز التَّجْدِيد مَعَ كَونه حَافِظًا لمَاله الخ. وَظَاهر قَوْله: بفور الْبلُوغ أَن تجديده عَلَيْهِ قبله لَا يَصح لِأَنَّهُ من تَحْصِيل الْحَاصِل كَمَا لَا يَصح تَجْدِيد الْحجر على الْبِنْت الْبكر قبل الْبناء قَالَه ابْن رشد، وَنَحْوه فِي المعيار عَن العبدوسي قَائِلا: وَبِه الْقَضَاء وَالْعَمَل. ثمَّ لَا بُد أَن يضمنوا بُلُوغه فِي رسم التَّجْدِيد وإلاَّ بَطل لاحْتِمَال أَن يكون جدد قبل الْبلُوغ فَلم يُصَادف محلا كَمَا أَنه لَا بُد أَن يضمنوا فِي الْبِنْت وَقت الدُّخُول وإلاَّ بَطل لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة قَالَه فِي دعاوى المعيار. ثمَّ مَا ذكره النَّاظِم من جَوَاز التَّجْدِيد الْمَذْكُور. قَالَ المتيطي عَلَيْهِ انْعَقَدت الْأَحْكَام، وَقَالَ ابْن مغيث: بِهِ مضى الْعَمَل من شُيُوخنَا قَالَ: وَلَا يجوز حِينَئِذٍ من أَفعاله شَيْء. قَالَ: وَكَذَا لَا يلْزمه مَا أقرّ بِهِ بعد التحجير بِمدَّة، وَأما مَا أقرّ بِهِ بِالْقربِ من تحجيره فَيلْزمهُ ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق قَالَ: وَمَا
стр. 1138
ذكره من التَّفْصِيل فِي إِقْرَاره مَبْنِيّ على قَول مَالك أَن فعل السَّفِيه قبل الْحجر مَحْمُول على الْإِجَازَة وَهُوَ قَول مَالك، فَيلْزمهُ مَا أقرّ بِهِ بِالْقربِ من تحجيره لِئَلَّا يضيع مَال من عَامله بِخِلَافِهِ بعد الطول من حجره لبعد وَقت التَّعَامُل اه. وَمَفْهُوم قَوْله: بفور الْبلُوغ أَنه إِذا تَأَخّر تَجْدِيد الْحجر عَن الْبلُوغ بِكَثِير، وَالْمرَاد بذلك مَا زَاد على الْعَام والعامين كَمَا فِي التَّوْضِيح وَغَيره لم يجز تجديده وَلم يلْزم، وَعَلِيهِ يحمل مَا فِي وَصَايَا المعيار عَن سَيِّدي مُوسَى العبدوسي من أَن شُهُود التَّجْدِيد إِن لم يضمنوا علمهمْ بِسَفَه الْوَلَد فَلَا أثر للتجديد وَلَا عمل عَلَيْهِ اه. وَقَالَ فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود: وَلَا يجدد الْأَب الْحجر على ابْنه الذّكر إِلَّا فِي فَور بُلُوغه فَإِن ترَاخى قَلِيلا لم يجز إِلَّا بِالشَّهَادَةِ باتصال سفهه، وَإِن لم تقم بَيِّنَة بِهِ خرج من ولَايَته وَلَا يدْخل تحتهَا إِلَّا أَن يثبت عِنْد القَاضِي سفهه ويعذر إِلَيْهِ، فَإِن لم يكن لَهُ مدفع ولى عَلَيْهِ أَبَاهُ أَو غَيره اه. وَنَحْوه فِي الِاسْتِغْنَاء. وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: إِن جدد تسفيه ابْنه الْبَالِغ عِنْد حَدَاثَة بُلُوغه جَازَ ذَلِك. قَالَ ابْن الْعَطَّار إِلَى عَام، وَقَالَ الْبَاجِيّ: هُوَ على السَّفه إِلَى عَاميْنِ حَتَّى يثبت رشده، وَإِن تبَاعد فَهُوَ على الرشد حَتَّى يثبت سفهه عِنْد القَاضِي ويعذر إِلَيْهِ، يقدم عَلَيْهِ نَاظرا أَبَاهُ أَو غَيره اه. وَبالغٌ وَحَالُهُ قدْ جُهِلَا عَلَى الرَّشَادِ حَمْلُهُ وَقِيلَ لَا (وَبَالغ وحاله قد جهلا على الرشاد حمله) حَتَّى يثبت سفهه، وَهِي رِوَايَة ابْن زِيَاد عَن مَالك، وَهُوَ ظَاهر مَا فِي نِكَاح الْمُدَوَّنَة إِذا احْتَلَمَ الْغُلَام فَلهُ أَن يذهب حَيْثُ شَاءَ إِلَّا أَن يتَأَوَّل أَنه أَرَادَ نَفسه لَا بِمَالِه كَمَا تَأَوَّلَه ابْن أبي زيد (وَقيل لَا) يحمل على الرشد بل على السَّفه وَهُوَ الْمَشْهُور كَمَا فِي (ح) عَن ابْن رشد والتوضيح، وَهُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ (خَ) حَيْثُ قَالَ: إِلَى حفظ مَال ذِي الْأَب الخ. أَي إِلَى وجوده، وَفِي الْجَهْل لم يُوجد لَهُ حفظ، وَلذَلِك كَانَ للْأَب أَن يحْجر عَلَيْهِ بفور بُلُوغه كَمَا مرّ. وَفِي الشَّامِل: وَللْأَب تسفيه وَلَده بعد بُلُوغه مَا لم يعلم رشده الخ. لَكِن هَذَا القَوْل الْمَشْهُور ظَاهر فِي أَنه مَحْمُول على السَّفه حَيْثُ يثبت رشده وَلَو طَال، وَتقدم أَنه إِذا طَال حَتَّى زَاد على العامين فَإِنَّهُ يحمل على الرشد وَلَيْسَ للْأَب تسفيهه حِينَئِذٍ إِلَّا بِالرَّفْع وَإِثْبَات سفهه كَمَا مرَّ وَهُوَ قَول ثَالِث. وَكَانَ النَّاظِم لما قدم القَوْل بالتجديد إِثْر الْبلُوغ حسن مِنْهُ أَن يُشِير إِلَى الْقَوْلَيْنِ الباقيين فِي الْمَسْأَلَة وإلاَّ فَهَذَا الْبَيْت لَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَرُبمَا يكون ذكره مشوشاً ومعارضاً لما قدمه وَالله أعلم. وَإنْ يَمُتْ أبٌ وقَدْ وَصَّى عَلَى مُستَوْجِبٍ حَجْراً مَضَى مَا فَعَلا
стр. 1139
(وَإِن يمت أَب و) الْحَال أَنه (قد وصّى على مستوجب) بِكَسْر الْجِيم اسْم فَاعل (حجرا) مَفْعُوله من صَغِير أَو سَفِيه يثبت سفهه بِبَيِّنَة وَقت الْإِيصَاء أَو مَجْهُول حَال لم يمض عَلَيْهِ الْعَام والعامين من بُلُوغه، لِأَن الْإِيصَاء عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كتجديد الْحجر عَلَيْهِ (مضى مَا فعلا) من تحجيره، والإيصاء عَلَيْهِ وَلَا يخرج حِينَئِذٍ من الْولَايَة إِلَّا بِإِطْلَاق من وَصِيّ أَو سُلْطَان وأفعاله كلهَا مَرْدُودَة قبل الْإِطْلَاق، وَإِن علم رشده أَو مَاتَ وَصِيّه وَلم يقدم عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله (خَ) : إِلَى فك وَصِيّ أَو مقدم الخ. وَلَكِن الَّذِي بِهِ الْعَمَل الْآن هُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم أَنه إِذا علم رشده وَثَبت فَلَا ترد أَفعاله، وَإِن كَانَ وَصِيّه أَو أَبوهُ مَوْجُودا فضلا عَن مَوْتهمَا وَإِن ثَبت سفهه فأفعاله مَرْدُودَة وَإِن لم يكن مولى عَلَيْهِ قَالَ ناظم الْعَمَل: وينتفي الْحجر إِذا بدا الرشاد فَمن تصرف مضى وَلَا فَسَاد وَهَذَا الْعَمَل مطرد فِي الذّكر وَالْأُنْثَى وَذي الْأَب وَالْوَصِيّ والمهمل. تَنْبِيه: ظَاهر قَول النَّاظِم مضى مَا فعلا الخ. أَن الْأَب إِذا شَرط فِي إيصائه أَن وَلَده يكون مُطلق التَّصَرُّف بعد بُلُوغه أَنه يعْمل بِشَرْطِهِ وَهُوَ كَذَلِك على مَا صدر بِهِ فِي الْمُتَيْطِيَّة: والمعين مَا لم يثبت سفهه فتستمر عَلَيْهِ الْولَايَة وَترد أَفعاله، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: إِن شَرط الْأَب فِي إيصائه بِابْنِهِ إِطْلَاقه بعد بُلُوغه عشْرين سنة فَمَاتَ وَصِيّه وبلع الْيَتِيم الْمدَّة وَتصرف وَهُوَ مَجْهُول الْحَال فَفِي وقف تصرفه على ثُبُوت رشده وإطلاقه بِشَرْطِهِ قَولَانِ. قلت: وبالأول عمل الْقُضَاة من ذَوي الْعلم ببلدنا اه. بِاخْتِصَار. وَنَقله ابْن غَازِي فِي التَّكْمِيل. وَيَكْتَفِي الوَصِيُّ بالإِشْهَادِ إذَا رَأَى مَخَايلَ الرَّشَادِ (ويكتفي الْوَصِيّ) من قبل الْأَب ووصيه (بِالْإِشْهَادِ) على نَفسه أَنه أطلق مَحْجُوره من ثقاف الْحجر، وَإِن لم تشهد بَيِّنَة برشده وَحسن تصرفه (إِذا رأى مخايل) دَلَائِل (الرشاد) وَهُوَ مُصدق فِيمَا يذكرهُ من رشده وَحسن تصرفه، وَإِن لم يعرف إِلَّا من قَوْله وَسَوَاء كَانَ مَحْجُوره ذكرا أَو أُنْثَى، قَالَ فِي الشَّامِل: وَزَوَال الْحجر ببلوغ ورشد بَينهمَا اختبار ثمَّ قَالَ: واختباره يكون بِدُخُول الْأَسْوَاق ومخالطة النَّاس فِي البيع وَالشِّرَاء فينكر على المغبون ويغبط الرابح وَهل يختبر بِدفع شَيْء
стр. 1140
يسير من مَاله قَولَانِ. وَسَيَأْتِي أَن الرَّاجِح من الْقَوْلَيْنِ جَوَاز اختباره بالشَّيْء الْيَسِير فِي قَول النَّاظِم: وَجَاز للْوَصِيّ فِيمَن حجرا الخ. وَإِنَّمَا كَانَ لَا يجوز الترشيد إِلَّا بعد الاختبار لقَوْله تَعَالَى: وابتلوا الْيَتَامَى﴾ إِلَى قَوْله: فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ الْآيَة (النِّسَاء: ٦) ابْن دبوس: اخْتلف فِي إِطْلَاق الْوَصِيّ مَحْجُوره فَقَالَ مَالك: إِطْلَاقه جَائِز وَالْوَصِيّ مُصدق فِيمَا يذكر من حَاله، وَقيل لَا يجوز إِطْلَاقه إِلَّا أَن يعلم رشده بِبَيِّنَة وَهِي رِوَايَة أصبغ، وعَلى الأول الْعَمَل اه. بِاخْتِصَار. وَمَفْهُوم مخايل الرشاد أَنه إِذا لم يرهَا لم يجز لَهُ أَن يُطلقهُ إِلَّا أَن يثبت رشده بِالْبَيِّنَةِ وَيحكم القَاضِي عَلَيْهِ بِهِ، وَكَذَا مقدم القَاضِي الَّذِي هُوَ مَفْهُوم الْوَصِيّ لَيْسَ لَهُ أَن يُطلقهُ بِمَا يعرفهُ من حَاله بل لَا بُد من إِذن القَاضِي وَشَهَادَة الْبَيِّنَة برشده كَمَا قَالَ: وَفِي ارْتِفَاعِ الحَجْرِ مُطْلقاً يَجِبْ إثْبَاتُ مُوجِبٍ لترشِيدٍ طُلِب (وَفِي ارْتِفَاع الْحجر مُطلقًا) كَانَ من مقدم القَاضِي أَو الْوَصِيّ حَيْثُ لم ير مخايل الرشاد وإلاَّ فَهُوَ مَا قبله (يجب إِثْبَات مُوجب لترشيد طلب) أَي: طلبه الْمَحْجُور فَلَا يُجَاب إِلَيْهِ بعد إِثْبَات مُوجبَة من الْبَيِّنَة برشده وَحسن حَاله، وَأَنه مِمَّن لَا يخدع فِي بيع وَلَا ابتياع ويعذر القَاضِي للْوَصِيّ والمقدم فِي تِلْكَ الْبَيِّنَة فَإِذا لم يجد مطعناً حكم بِإِطْلَاق حِينَئِذٍ وَمَا ذكره النَّاظِم فِي مقدم القَاضِي من أَنه لَا يرشده إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَلَو عمل رشده هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَل كَمَا فِي الشَّامِل ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق وَهُوَ اخْتِيَار اللَّخْمِيّ قَائِلا: لفساد حَال النَّاس الْيَوْم إِذْ كثيرا مَا يقدم غير الْمَأْمُون فيتهم أَن يَقُول رشيد فِيمَن لَيْسَ برشيد ليسامحه الْمولى عَلَيْهِ وَيشْهد لَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَلَا يؤتمن أحد الْيَوْم إِلَّا أَن يثبت رشده اه. وَنَحْو ذَلِك لِابْنِ عَطِيَّة فِي قَوْله تَعَالَى: وابتلوا الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٦) قَائِلا: الصَّوَاب فِي أوصياء زَمَاننَا أَن لَا يسْتَغْنى عَن الرّفْع للسُّلْطَان وَثُبُوت الرشد عِنْده لما حفظ من تواطىء الأوصياء على ترشيد محاجيرهم ويبرئهم الْمَحْجُور لسفهه وَقلة تَحْصِيله فِي ذَلِك الْوَقْت اه. وَنقل ذَلِك ابْن رحال فِي شَرحه، وَعَلِيهِ فَالْعَمَل الَّذِي فِي مقدم القَاضِي يجْرِي فِي الْوَصِيّ لِاتِّحَاد الْعلَّة بِفساد الزَّمَان لِأَن ذَلِك إِذا كَانَ فِي زمَان ابْن عَطِيَّة فَكيف بِهِ فِي زَمَاننَا الَّذِي هُوَ بعده بقرون كَثِيرَة؟ وَلذَا قَالَ الشَّيْخ الرهوني: الْعَمَل بذلك مُتَعَيّن فِي زَمَاننَا. تَنْبِيه: علم من هَذَا أَن مقدم القَاضِي إِذا دفع المَال للمحجور بِمَا يعرفهُ من حَال رشده دون بَيِّنَة وَدون حكم القَاضِي عَلَيْهِ بِهِ فَهُوَ ضَامِن لَهُ كَمَا أَن الْوَصِيّ إِذا دَفعه لَهُ قبل مخايل الرشاد ضمن أَيْضا وَكَذَا بعد مخايله على مَا تقدم عَن ابْن عَطِيَّة. وَيَسْقُطُ الإعْذَارُ فِي الترشِيدِ حَيْثُ وَصِيُّه مِنَ الشُّهُودِ
стр. 1141
(وَيسْقط الْإِعْذَار فِي الترشيد حَيْثُ وَصِيّه من الشُّهُود) إِذْ لَا مُنَازع لَهُ غَيره. مَفْهُومه أَنه إِذا لم يشْهد بترشيده فَلَا بُد من الْإِعْذَار إِلَيْهِ إِن طلبه فَإِن أبدى مطعناً فَذَاك وإلاَّ لزمَه ترشيده، وَمَفْهُوم وَصِيّه أَنه لَا يسْقط الْإِعْذَار حَيْثُ كَانَ الْمُقدم من الشُّهُود، وَهَذَا كُله على مَا تقدم من أَن للْوَصِيّ الترشد بِمَا يعرف من حَال مَحْجُوره بِخِلَاف مقدم القَاضِي، وَأما على مَا مر عَن ابْن عَطِيَّة من مُسَاوَاة الْوَصِيّ للمقدم فَلَا يسْقط الْإِعْذَار ويكلفهما القَاضِي بِأَن يبحثا عَن أَحْوَال الشُّهُود، فَإِن اتَّهَمَهُمَا فِي التَّقْصِير عَن الْبَحْث لِلْعِلَّةِ السَّابِقَة فيبحث هُوَ بِنَفسِهِ أَو يَأْمر من يبْحَث لَهُ. وَلما فرغ من الْكَلَام على ذِي الْأَب وَالْوَصِيّ أَشَارَ إِلَى المهمل وَذكر فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال فَقَالَ: وَالبَالِغُ المَوْصُوف بالإهْمَالِ مُعْتَبَرٌ بِوَصْفِهِ فِي الحَالِ (والبالغ الْمَوْصُوف بالإهمال) أَي لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا وَصِيّ وَلَا مقدم من قَاض بل وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَهُ أحد هَؤُلَاءِ فَلَا مَفْهُوم للإهمال على قَول ابْن الْقَاسِم هَذَا (مُعْتَبر) حكمه (بوصفه فِي الْحَال) أَي: فِي حَال تصرفه بِبيع أَو شِرَاء وَغَيرهمَا ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: فَظَاهِرُ الرُّشْدِ يَجُوزُ فِعْلُهُ وفِعْلُ ذِي السَّفَهِ رُدَّ كُلُّهُ (فَظَاهر الرشد) حَال تصرفه وَشهِدت بِهِ بَيِّنَة مُعْتَبرَة (يجوز فعله) وتصرفه وَلَو بِهِبَة وَنَحْوهَا ويمضي ذَلِك عَلَيْهِ وَلَا مقَال لِأَبِيهِ وَلَا لغيره فِي فَسخه مَا لم يكن فِي بَيْعه وابتياعه غبن فَيجْرِي على حكمه الْمُتَقَدّم فِي فَصله. (وَفعل ذِي السَّفه) الظَّاهِر الَّذِي شهِدت بَيِّنَة أَيْضا (رد) فعله (كُله) كَانَ فِيهِ غبن أم لَا كَانَ لَهُ ولي أم لَا لِأَنَّهُ مَحْجُور شرعا وَفِي نفس الْأَمر فَلَا يمْضِي شَيْء من أَفعاله وَلَو وَافَقت السداد. وذَاك مُرْوِيٌّ عَن ابْن القَاسِمِ مِنْ غير تَفْصِيلٍ لَهُ مُلَائِمِ (وَذَاكَ) أَي هَذَا القَوْل (مَرْوِيّ عَن ابْن الْقَاسِم) مُطلقًا (من غير تَفْصِيل) بَين أَن يتَّصل سفهه أَو لَا بِخِلَافِهِ فِي القَوْل الثَّالِث فَإِنَّهُ يفصل فِيهِ التَّفْصِيل الْمَذْكُور (لَهُ) مُتَعَلق بقوله (ملائم) نعت لتفصيل، وَبِهَذَا القَوْل الْقَضَاء وَعَلِيهِ الْعَمَل إِلَى الْآن، وَلذَا صدر بِهِ النَّاظِم خلافًا لما فِي (خَ) من تصديره بقول مَالك الْمشَار لَهُ بقوله: ومَالِكٌ يُجِيزُ كلَّ مَا صَدَرْ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَنْه من غَيْرِ نَظَرْ (وَمَالك يُجِيز كل مَا صدر بعد الْبلُوغ عَنهُ) يتَعَلَّق بصدر (من غير نظر) إِلَى كَونه رشيدا أَو
стр. 1142
سَفِيها مُعْلنا بالسفه أم لَا اتَّصل سفهه بِالْبُلُوغِ أم لَا وَظَاهره وَلَو تصرف بِغَيْر عوض كعتق وَهبة وَصدقَة وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْعلَّة عِنْده فِي رد فعله وجود الْولَايَة وَهِي لم تُوجد وَبِهَذَا صدر (خَ) حَيْثُ قَالَ: وتصرفه قبل الْحجر مَحْمُول على الْإِجَازَة عِنْد مَالك لَا ابْن الْقَاسِم الخ. وَعَن مُطَرَّفٍ أَتَى مَنِ اتَّصَلْ سَفَهُهُ فَلَا يَجُوزُ مَا فَعَلْ (و) القَوْل الثَّالِث (عَن مطرف) وَابْن الْمَاجشون (أَتَى) أَن (من) شهِدت فِيهِ بَيِّنَة بِأَنَّهُ (اتَّصل سفهه) من حِين بُلُوغه إِلَى وَقت تصرفه بِبيع وَنَحْوه (فَلَا يجوز مَا فعل) وَيرد بَيْعه وَغَيره. وإنْ يَكُنْ سُفِّه بَعْدَ الرُّشْدِ ففِعْلُهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ رَدِّ (وَإِن يكن) طَرَأَ (سفه بعد) أَن شهِدت بَيِّنَة ب (الرشد) وَحفظ المَال (فَفعله) الَّذِي فعله من حَال طرُو السَّفه (لَيْسَ لَهُ من رد) بل هُوَ لَازم لَهُ وَهَذَا. مَا لم يَبِعْ مِنْ خَادعٍ فَيُمْنَعُ وَبالّذِي أَفَاتَهُ لَا يُتْبَعُ (مَا لم يبع من خَادع) أَي مَا لم يكن بَيْعه بيع غبن وخديعة بِبَيِّنَة كَأَن يَبِيع مَا يُسَاوِي ألفا بِمِائَة أَو يَشْتَرِي كَذَلِك (فَيمْنَع) بَيْعه وابتياعه ويفسخان وَيَقْضِي عَلَيْهِ برد الثّمن فِي الابتياع وَالثمن فِي البيع إِن بقيا بِيَدِهِ (و) أما إِن فَاتَ (بِالَّذِي أفاته) من ذَلِك (لَا يتبع) حَيْثُ لم يصون بِهِ مَاله وَإِلَّا ضمن الْأَقَل مِنْهُ وَمِمَّا صونه كَمَا مر عِنْد قَوْله فِي الْوَدِيعَة: وَلَا ضَمَان فِيهِ للسفيه الخ إِذْ غَايَته أَن المُشْتَرِي هُنَا سلطه على الثّمن وَالْبَائِع سلطه على الْمُثمن، فَهُوَ أَمِين فيهمَا وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فيهمَا حَيْثُ لم يصن بهما مَاله على قَول مطرف، وَكَذَا على قَول ابْن الْقَاسِم حَيْثُ كَانَ ظَاهر السَّفه بِخِلَافِهِ على قَول مَالك، ثمَّ قَول مطرف لم يفرق فِيهِ بَين معلن السَّفه وَغَيره بل بالاتصال وَعَدَمه، وَفرق بَينهمَا أصبغ وَهُوَ رَابِع الْأَقْوَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: وَمُعْلِنُ السَّفَهِ رَدَّ ابْنُ الْفَرَجْ أفعالَهُ وَالْعَكْسُ فِي العَكْسِ انْدَرَجْ (ومعلن) أَي ظَاهر (السَّفه) لكل أحد
стр. 1143
لَا يُصِيب السداد فِي شَيْء من أَفعاله (رد) أصبغ (ابْن الْفرج) جَمِيع (أَفعاله وَالْعَكْس) أَي صَاحب الْعَكْس وَهُوَ غير معلن السَّفه وَلَا ظَاهره لكل أحد بل يُصِيب السداد فِي الْبَعْض دون الْبَعْض (فِي الْعَكْس اندرج) فتمضي أَفعاله وَلَا يرد شَيْء مِنْهَا وبقولي: لكل أحد الخ. تظهر الْمُغَايرَة من قولي أصبغ ومطرف إِذْ مطرف لَا يشْتَرط ظُهُوره لكل أحد بل يَكْتَفِي ثُبُوته بِالْبَيِّنَةِ وَإِن لم يظْهر بغَيْرهَا وَيعْتَبر الِاتِّصَال وَعَدَمه، وَأصبغ يشْتَرط ذَلِك وَلَا يعْتَبر الِاتِّصَال وَعَدَمه وَالله أعلم. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْبَالِغ المهمل الْمَجْهُول الْحَال الَّذِي لم تشهد بَيِّنَة بِظُهُور رشده وَلَا بضده فَقَالَ: وَفِعْلُ مَنْ يُجْهِلُ بالإِطْلَاقِ حَالَتهُ يَجوزُ باتِّفَاقِ (وَفعل من يجهل) مُبْتَدأ (بِالْإِطْلَاقِ) يتَعَلَّق بقوله يجوز (حَالَته) نَائِب فَاعل يجهل (يجوز) خبر الْمُبْتَدَأ (بِاتِّفَاق) حَال أَي: وَفعل من يجهل حَاله يجوز بِالْإِطْلَاقِ كَانَ بعوض أَو لَا حَال كَون الْجَوَاز بِاتِّفَاق الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة، وَيجوز أَن يكون بِاتِّفَاق يتَعَلَّق بيجوز وبالإطلاق حَال. وَقَوْلِي: المهمل احْتِرَازًا من الْمَجْهُول ذِي الْأَب أَو الْوَصِيّ أَو الْمُقدم فَإِنَّهُ لَا يمْضِي شَيْء من أَفعاله إِلَى ظُهُور رشده، نعم ذُو الْأَب إِذْ بلغ مَجْهُول الْحَال وَلم يجدد عَلَيْهِ الْحجر حَتَّى مضى الْعَام وَنَحْوه فَهُوَ على الرشد كَمَا مر. وَحَاصِل مَا تقدم من أول الْبَاب أَن غير الْبَالِغ من الذُّكُور أَفعاله كلهَا مَرْدُودَة، وَلَو ظهر لَهُ شبه رشد فَلَا عِبْرَة بذلك إِلَّا أَن يكون تصرفه بِرِضا وليه وسكوته كَمَا مر، والبالغ مِنْهُم إِن ثبتَتْ لَهُ حَالَة رشد فأفعاله مَاضِيَة وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ وَلَا عِبْرَة بِحجر وَلَا فك كَانَ لَهُ أَب أَو وَصِيّ أَو مقدم أَو لم يكن لَهُ شَيْء من ذَلِك على قَول ابْن الْقَاسِم الْمَعْمُول بِهِ من مُرَاعَاة الْحَال مُطلقًا كَمَا مر، وَإِن كَانَ قد بلغ مَجْهُول الْحَال وَلم يثبت سفهه وَلَا رشده فَإِن كَانَ ذَا أَب وجدد عَلَيْهِ الْحجر بالفور كَمَا مر مضى على حجره حَتَّى يثبت رشده فَيخرج، وَلَو لم يُطلقهُ أَبوهُ، وَإِن كَانَ ذَا وَصِيّ أَو مقدم فَهُوَ على حجره حَتَّى يثبت رشده فَيخرج أَيْضا وَلَا يحْتَاج إِلَى فكهما على الْمَعْمُول بِهِ خلافًا لما فِي حَاشِيَة ابْن رحال من اشْتِرَاط الفك وَإِن لم يكن لَهُ حاجر أصلا فأفعاله جَائِزَة. هَذَا هُوَ الْمَعْمُول بِهِ فِي الذُّكُور، وَأما الْإِنَاث فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِنَّ فِي النّظم إِن شَاءَ الله. تَنْبِيهَانِ. الأول: تقدم فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين أَن الْمَحْجُور إِذا بَاعَ فِيمَا لَا غنى لَهُ عَنهُ وَوَافَقَ السداد أَو بَاعَ مَا لَيْسَ بمصلحة بِحَضْرَة وليه أَو تصرف بِغَيْر مُحَابَاة بِمحضر وليه وسكوته، فَإِن ذَلِك مَاض اُنْظُرْهُ هُنَاكَ، وَانْظُر أَيْضا مَا تقدم أول هَذَا الْبَاب وَتقدم أَيْضا عِنْد قَوْله فِي الْوَدِيعَة: وَلَا ضَمَان فِيهِ للسفيه الخ. أَن الْمَحْجُور إِذا أودع وَدِيعَة عِنْد رشيد فَإِن الرشيد يضمنهَا، وَأَن الْمَحْجُور إِذا أَمن مَحْجُورا أَو عَامله فأتلف الثّمن فَإِن الضَّمَان على الْمُتْلف بِكَسْر اللَّام، وَإِذا طلب المُشْتَرِي من الْمَحْجُور أَو البَائِع مِنْهُ تَحْلِيف الْوَلِيّ أَنه مَا أذن لمحجوره فِي البيع وَالشِّرَاء حَيْثُ لم يكن ذَلِك بِمحضر وليه فَلَا يَمِين عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَجَاز للْوَصِيّ فِيمَن حجرا أعطَاهُ بعض مَاله مختبرا
стр. 1144
الثَّانِي: قَالَ فِي الكراس الثَّانِي من معاوضات المعيار: أَن الَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن الْمَحْجُور إِذا مَاتَ وليه فالحجر منسحب عَلَيْهِ حَتَّى يُطلق اه. يَعْنِي بترشيد حاجره أَو ثُبُوت رشده على مَا بِهِ الْعَمَل من اعْتِبَار الْحَال كَمَا مر، وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وَلَيْسَ للمحجور من تخلص إِلَّا بترشيد إِذا مَاتَ الْوَصِيّ وَالله أعلم. وَيَجْعلُ القَاضي بكلِّ حَالِ عَلَى السَّفِيهِ حاجِراً فِي المَالِ (وَيجْعَل القَاضِي بِكُل حَال على السَّفِيه) الثَّابِت سفهه (حاجراً فِي المَال) يحفظه لَهُ ويمنعه من التَّصَرُّف فِيهِ لِئَلَّا يضيعه والسفه خفَّة الْعقل وَمِنْه ثوب سَفِيه أَي خَفِيف قَالَه السوداني، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا مَا يَشْمَل الصَّبِي، وَانْظُر إِذا أخبر القَاضِي بسفهه وَلم يَجْعَل عَلَيْهِ حاجراً حَتَّى أتلف مَاله، وَالظَّاهِر أَنه يجْرِي على قَول (خَ) كتخليص مستهلك من نفس أَو مَال فَيضمن، وَكَذَا يضمن الشُّهُود إِذا علمُوا وَلم يخبروا القَاضِي بذلك أَيْضا. وَانْظُر أَيْضا فِي الرجل أَو الْمَرْأَة يضع يَده على مَال الْأَيْتَام من غير إيصاء وَلَا تَقْدِيم وَأمكنهُ الرّفْع إِلَى الْحَاكِم فَلم يفعل أَنه مُصدق فِيمَا يَدعِي تلفه وَيَده فِي ذَلِك يَد أَمَانَة كالملتقط وحافظ المَال الَّذِي لَا حَافظ لَهُ قَالَه فِي وَصَايَا المعيار، ثمَّ إِذا جعل عَلَيْهِ حاجراً فَإِنَّهُ ينْفق على الْمَحْجُور مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يتجر بِالْمَالِ، وَإِنَّمَا يسْتَحبّ ذَلِك فَقَط كالوصي، وَإِذا تلف فِي حَال التِّجَارَة أَو قبلهَا أَو بعْدهَا فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ كَالْمُودعِ مَا لم يفرط ويشترى لَهُ بِهِ الرَّقِيق للغلة وَالْحَيَوَان من الْمَاشِيَة كَمَا فِي (ح) وَأَحْرَى إِذا كَانَ الْحَيَوَان من مَتْرُوك أَبِيه فَإِنَّهُ يتْركهُ لَهُ للغلة إِن كَانَ مصلحَة وَمَا يَقُوله الْعَامَّة من الطّلبَة من أَن الْمَحْجُور لَا يتْرك لَهُ الْحَيَوَان لسرعة تغيره خطأ لما علمت من أَن ذَلِك بِحَسب الْمصلحَة، والمصلحة فِي الْبَوَادِي هُوَ ترك ذَلِك لَهُم وشراؤه لَهُم، وَفِي الحواضر عدم الشِّرَاء وَالتّرْك لعدم من يصونه فِي الْغَالِب، فَإِن وجد من يصونه ترك لَهُم، وَانْظُر ابْن سَلمُون. وَلَا يجوز أَن تدخل أَمْوَال الْيَتَامَى فِي ذمَّة الأوصياء بِأَن يكون لَهُم ربحها وَعَلَيْهِم ضَمَانهَا لِأَنَّهُ سلف بِمَنْفَعَة نَقله (ح) لَكِن ذكر الشَّيْخ مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بردلة: أَن الْعَمَل على خِلَافه وَأَنه جرى الْعَمَل بِجعْل المَال فِي ذمَّة الْوَصِيّ والمقدم قَائِلا: وَلم ندرك الْأَمر إِلَّا على ذَلِك، وفعلوا ذَلِك لكَونه من الْمصَالح الْعَامَّة فَلَمَّا قلت الْأَمَانَة وَصَارَ الأوصياء يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ويزعمون تلفهَا جعل الْعلمَاء ذَلِك فِي ذمتهم احْتِيَاطًا للمحجور كَمَا جعلُوا أُجْرَة الدَّلال جعلا إِن بَاعَ قبضا وإلاّ فَلَا لقلَّة الْأَمَانَة فِي السماسرة اه. قلت: وَلَا زَالَ الْعَمَل على مَا قَالَه إِلَى الْآن فَيَقُول الموثق فِي وَثِيقَة زِمَام التَّرِكَة بعد إِخْرَاج صوائرها مَا نَصه: وَمَا بَقِي من الْمَتْرُوك بعد الصوائر الْمَذْكُورَة وَقدره كَذَا هُوَ للمحجور فِي ذمَّة الْوَصِيّ أَو الْمُقدم لَا يبرأ مِنْهُ إِلَّا بِمُوجب الخ. وإلاَّ فَكَانَ الْوَاجِب على مَا مر عَن (ح) أَن يَقُول:
стр. 1145
وَمَا بَقِي فَهُوَ أَمَانَة تَحت يَد الْوَصِيّ وَحفظه إِلَى رشد مَحْجُوره وَدفعه لَهُ بِمُوجب، فَإِذا ادّعى التّلف صدق على هَذَا لَا على مَا بِهِ الْعَمَل. وَلما فرغ من الْكَلَام على مَا يخرج بِهِ الذّكر من الْحجر شرع فِي الْكَلَام على مَا تخرج بِهِ الْأُنْثَى وَأَنَّهَا أَرْبَعَة أَقسَام: ذَات أَب أَو وَصِيّ أَو مقدم أَو مُهْملَة فَقَالَ: وَإنْ تَكُنْ بِنْتٌ وَحَاضَتْ وَالأَبُ حَيٌّ فَلَيْسَ الْحَجْرُ عَنْهَا يَذْهَبُ (وَإِن تكن) أَي تُوجد (بنت) فَاعل (و) الْحَال أَنَّهَا (حَاضَت و) أَن (الْأَب حَيّ) احْتَرز بِالْأولِ مِمَّا إِذا لم تَحض فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي قَوْله فِيمَا مر: وَالِابْن مَا دَامَ صَغِيرا الخ. وَبِالثَّانِي مِمَّا إِذا مَاتَ الْأَب فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُوصي عَلَيْهَا غَيره أَو يَتْرُكهَا مُهْملَة، وَسَيَأْتِي ذَلِك قَرِيبا (فَلَيْسَ الْحجر عَنْهَا) أَي عَن الَّتِي حَاضَت وَلها أَب حَيّ (يذهب) بل تستمر فِي حجره وَلَا تخرج مِنْهُ. إلاّ إذَا مَا نَكَحَتْ ثمَّ مَضَى سَبْعَةُ أَعْوامٍ وذَا بهِ القَضَا (إِلَّا) بِأحد أَمريْن أَولهمَا (إِذا مَا) زَائِدَة (نكحت) أَي إِلَّا إِذا تزوجت وَوَطئهَا الزَّوْج (ثمَّ مضى سَبْعَة أَعْوَام) من يَوْم وَطئه إِيَّاهَا فَإِنَّهَا تخرج حيئذ بمضيها حَيْثُ جهل حَالهَا، فَإِن عرفت بالسفه فَلَا تخرج وَلَو مضى لَهَا أَكثر من عشرَة أَعْوَام (وَذَا) القَوْل (بِهِ القضا) ء وَالْعَمَل كَمَا لِابْنِ رشد وَمحل خُرُوجهَا بِمُضِيِّ الْمدَّة الْمَذْكُورَة مَعَ جهل الْحَال. مَا لم يُحَدِّدْ حَجْرِهَا إثْرَ البِنا أَوْ سَلَّمَ الرُّشْدَ الَّذِي تَبَيّنا (مَا لم يحدد) أَبوهَا (حجرها إِثْر الْبَنَّا) ء بهَا ووطئه إِيَّاهَا بِأَن يَقُول للشُّهُود: اشْهَدُوا عَليّ بِأَنِّي جددت الْحجر على بِنْتي فُلَانَة الْمَذْكُورَة فِي رسم النِّكَاح أَعْلَاهُ بِحَيْثُ لَا تفعل فعلا إِلَّا بإذني وَمهما فعلت بِغَيْر إذني فَهُوَ رد، وَلَا بُد أَن ينصوا فِي هَذَا الرَّسْم على أَنه قَالَ لَهُم ذَلِك بعد الْبناء وَالْوَطْء، فَإِن لم ينصوا على ذَلِك بَطل التَّجْدِيد لاحْتِمَال أَن يكون التَّجْدِيد قبل الْوَطْء، إِذْ لَا يلْزم من الدُّخُول وَالْبناء الْوَطْء بِالْفِعْلِ إِذْ كِلَاهُمَا عبارَة عَن إرخاء السّتْر عَلَيْهَا، نعم إِذا كَانَ عرفهم أَن الْبناء وَالدُّخُول لَا يطلقان إِلَّا على الْوَطْء بِالْفِعْلِ فَيَكْفِي أَن يَقُولُوا: وَذَلِكَ بعد الْبناء وَالدُّخُول الخ. فَإِذا ثَبت هَذَا الرَّسْم فَإِنَّهَا لَا تخرج حِينَئِذٍ إِلَّا بترشيده إِيَّاهَا وَلَو لم يعرف إِلَّا من قَوْله: أَو بِثُبُوت رشدها وَلَو لم يرشدها على مَا بِهِ الْعَمَل من اعْتِبَار الْحَال كَمَا مر. وَهَذَا يَقْتَضِي أَن الْأَب إِذا مَاتَ قبل السَّبْعَة أَعْوَام وَقبل التَّجْدِيد أَن القَاضِي يقدم عَلَيْهَا كَمَا يقدم على الصغار وَهُوَ كَذَلِك كَمَا لِابْنِ الْحَاج، وَمرَاده بالإثر أَن يكون التَّجْدِيد دَاخل الْمدَّة الَّتِي تخرج بهَا وَهِي سَبْعَة أَعْوَام، فَإِذا خرجت لم يَصح التَّجْدِيد كَمَا لَا يَصح قبل الدُّخُول أَيْضا لِأَنَّهَا محجورة، فالتجديد من تَحْصِيل الْحَاصِل كَمَا مر عَن العبدوسي، ثمَّ مَا ذكره النَّاظِم تبعا لِابْنِ رشد وَغَيره من أَن
стр. 1146
الْعَمَل على أَنَّهَا لَا تخرج من الْحجر إِلَّا بِمُضِيِّ سَبْعَة أَعْوَام هُوَ أحد أَقْوَال سَبْعَة ذكرهَا (ح) وَقيل إِنَّهَا تخرج من الْحجر بِانْقِضَاء عَاميْنِ إِلَّا أَن يجدد الْأَب الْحجر قبل هَذِه الْمدَّة، وَهِي رِوَايَة ابْن نَافِع عَن مَالك، قَالَ ابْن رشد: وَهِي رِوَايَة غراء أغفلها الشُّيُوخ المتقدمون وحكموا بِرِوَايَة شَاذَّة منسوبة لِابْنِ الْقَاسِم لَا يعلم لَهَا مَوضِع، أَنَّهَا لَا تخرج إِلَّا بِمُضِيِّ سَبْعَة أَعْوَام قَالَ الوانشريسي فِي أنكحة المعيار: فَإِذا مَاتَ أَبوهَا بعد مُضِيّ العامين من بِنَاء زَوجهَا فَلَا كَلَام فِي مُضِيّ أفعالها إِن لم تعرف بِسَفَه على هَذِه الراوية الغراء اه. وَذكر ناظم عمل فاس أَن عَمَلهم على هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ: وَالْبكْر حجرها أَب مَا جدده تخرج بالعامين من بعد الدُّخُول جَائِزَة الْأَفْعَال للرشد تؤول فَيكون الْعَمَل الَّذِي ذكره النَّاظِم قد تبدل فَتَأَمّله وَثَانِي الْأَمريْنِ اللَّذين تخرج بهما من الْحجر مَا أَشَارَ لَهُ النَّاظِم عاطفاً على نكحت بقوله: (أَو) أَي إِلَّا إِذا نكحت أَو لم تنْكح وَلَكِن ثَبت رشدها بِالْبَيِّنَةِ و (سلم الرشد الَّذِي تَبينا) وَثَبت وَلم يجد الْأَب فِيهِ مطعناً فَإِنَّهَا تخرج من الْحجر أَيْضا ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: وَالْأَب حَيّ الخ. وَهُوَ مَا إِذا مَاتَ فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون قد أوصى عَلَيْهَا فَهُوَ قَوْله: وَحَجْرُ مَنْ وَصَّى عَلَيْهَا يَنْسَحِبْ حَتى يَزُولَ حُكْمُهُ بِما يَجِبْ (وَحجر من وصّى عَلَيْهَا) أَبوهَا (ينسحب) وَيسْتَمر وَلَو دخل الزَّوْج وَبنى بهَا وَمَضَت لَهَا سَبْعَة أَعْوَام فَأكْثر من دُخُوله وَلَا يحْتَاج فِي اسْتِمْرَار وانسحابه إِلَى تَجْدِيد دَاخل السَّبْعَة (حَتَّى يَزُول حكمه) أَي الْحجر (بِمَا يجب) من ترشيده إِيَّاهَا وَلَو لم يعرف إلاَّ من قَوْله على مَا مر فِي قَول النَّاظِم: ويكتفي الْوَصِيّ بِالْإِشْهَادِ الخ … لَا على مَا لِابْنِ عَطِيَّة هُنَاكَ من ثُبُوت رشدها بِالْبَيِّنَةِ وَلم يجد الْوَصِيّ مطعناً فِيهَا. والعَمَلُ اليَوْمَ عَلَيْهِ ماضِي وَمِثْلهُ حَجْرُ وصِيِّ القَاضِي (وَالْعَمَل الْيَوْم عَلَيْهِ) أَي على مَا ذكر من ترشيده إِيَّاهَا أَو ثُبُوت رشدها (مَاض وَمثله) أَي مثل الْوَصِيّ من قبل الْأَب (حجر وَصِيّ القَاضِي) أَي مقدمه فِي كَونه ينسحب، وَيسْتَمر أَيْضا حَتَّى يَزُول حكمه بِالْبَيِّنَةِ فَقَط وَلَا يَكْفِي ترشيده إِيَّاهَا على مَا قدمه فِي قَوْله: وَفِي ارْتِفَاع الْحجر مُطلقًا يجب الخ. وَإِمَّا أَن يَمُوت وَلَا يُوصي عَلَيْهَا أحدا وَهُوَ قَوْله:
стр. 1147
وَإنْ تَكُنْ ظَاهِرَةَ الإهْمَالِ فإنّها مَرْدُودَةُ الأفَعْالِ (وَإِن تكن) الَّتِي حَاضَت (ظَاهِرَة الإهمال) بِحَيْثُ لم يوص عَلَيْهَا أَبوهَا وَلَا قدم القَاضِي عَلَيْهَا أحدا (فَإِنَّهَا مَرْدُودَة الْأَفْعَال) كلهَا من تبرعات ومعاوضات وَلَا يمْضِي مِنْهَا شَيْء وَلها إِن رشدت رد ذَلِك كُله وَلَو طَال. إِلَّا مَعَ الوُصُولِ لِلتَّعْنِيسِ أَوْ مُكْثِ عَامٍ أَثَرَ التَّعْرِيسِ (إِلَّا مَعَ الْوُصُول للتعنيس) وَهُوَ خَمْسُونَ سنة كَمَا يَأْتِي (أَو) مَعَ (مكث عَام) من دُخُول الزَّوْج بهَا (أثر) بِفَتْح الْهمزَة والثاء الْمُثَلَّثَة (التَّعْرِيس) وَهَذَا هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَل وَلذَا صدر بِهِ النَّاظِم. وقِيلَ بَلْ أفْعَالُها تُسَوَّغُ إنْ هِيَ حَالَةَ المَحِيضِ تَبْلُغُ (وَقيل) وَهُوَ لسَحْنُون (بل أفعالها تسوغ) وَتجوز (إِن هِيَ حَالَة الْمَحِيض) بِالنّصب مفعول مقدم بقوله (تبلغ) أَي تمْضِي أفعالها بِمُجَرَّد الْبلُوغ لِأَنَّهَا عِنْده بِمَنْزِلَة الذّكر السَّفِيه الَّذِي لم يول عَلَيْهِ فتمضي أَفعاله عِنْد مَالك لَا ابْن الْقَاسِم. وَالسِّنُّ فِي التَّعْنِيسِ من خَمْسِينِ فِيما بِهِ الْحُكْمُ إِلَى السِّتينِ (وَالسّن فِي التعنيس من خمسين) سنة (فِيمَا بِهِ الحكم) وَالْقَضَاء (إِلَى السِّتين) سنة. وَتَحْصِيل مَا بِهِ الْعَمَل فِي النسْوَة من قَوْله: وَإِن تكن بنت وحاضت إِلَى هُنَا أَن من لم تبلغ الْمَحِيض مِنْهُنَّ ففعلها مَرْدُود مُطلقًا كَمَا مر فِي قَوْله: وَالِابْن مَا دَامَ صَغِيرا الخ. وَمن بلغت مِنْهُنَّ إِن ثبتَتْ لَهَا حَالَة رشد فأفعالها مَاضِيَة وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ، وَلَا عِبْرَة بِحجر وَلَا فك كَانَ لَهَا أَب أَو وَصِيّ أَو مقدم أَو لم يكن لَهَا شَيْء من ذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ من مُرَاعَاة الْحَال مُطلقًا كَمَا مر فِي الذّكر، وَإِن بلغت الْمَحِيض وَهِي مَجْهُولَة الْحَال فَإِن كَانَت ذَات أَب فَلَا يمْضِي فعلهَا إِلَّا بعد مُضِيّ سَبْعَة أَعْوَام من دُخُولهَا على مَا للناظم أَو مُضِيّ عَاميْنِ على مَا لناظم عمل فاس حَيْثُ لم يجدد الْأَب عَلَيْهَا الْحجر دَاخل السَّبْعَة أَو العامين وَإِلَّا فَلَا يمْضِي فعلهَا أبدا إِلَّا بِثُبُوت رشدها أَو ترشيده إِيَّاهَا، وَإِن كَانَت ذَات وَصِيّ أَو مقدم والموضوع بِحَالهِ من جهل الْحَال فَلَا يمْضِي شَيْء من أفعالها أَيْضا حَتَّى يثبت رشدها وَلَا تحْتَاج إِلَى فك أَو يرشدها الْوَصِيّ بِمُجَرَّد قَوْله على مَا للناظم لَا على مَا لِابْنِ عَطِيَّة كَمَا مر، وَإِن كَانَت مُهْملَة والموضوع بِحَالهِ أَيْضا ففعلها يمْضِي بالتعنيس أَو مُضِيّ عَام من دُخُولهَا.
стр. 1148
وَحَيْثُ رَشَّدَ الوصيّ مَنْ حَجَرْ ولايَةُ النِّكاحِ تَبْقَى بالنَّظَرْ (وَحَيْثُ رشد الْوَصِيّ من حجر) أَي رشد محجورته فولاية المَال تذْهب عَنْهَا وتزول و (ولَايَة النِّكَاح تبقى بِالنّظرِ) فَلَا يعْقد نِكَاحهَا غَيره كَمَا لَو رشدها أَبوهَا فَإِنَّهُ لَا يعْقد نِكَاحهَا غَيره أَيْضا إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ من يتَقَدَّم على الْأَب كالابن وَابْنه فيتقدم على الْوَصِيّ أَيْضا وَهَذَا الْبَيْت تكْرَار مَعَ قَوْله فِي النِّكَاح: وَإِن يرشدها الْوَصِيّ مَا أَبى فِيهَا ولَايَة النِّكَاح كَالْأَبِ وَلَيْسَ لِلْمَحْجُورِ مِنْ تَخَلُّصِ إلاّ بترشيدٍ إذَا مَات الوَصِي (وَلَيْسَ للمحجور) ذكرا أَو أُنْثَى (من تخلص) من الْحجر (إِلَّا بترشيد) ثَابت شهِدت بِهِ بَيِّنَة مُعْتَبرَة وَحكم الْحَاكِم بِهِ (إِذا مَاتَ الْوَصِيّ) أَو الْمُقدم وَبَقِي من كَانَ فِي حجرهما مهملاً أَي فَإِنَّهُ لَا يمْضِي شَيْء من أَفعاله حَتَّى يثبت رشده وَيحكم الْحَاكِم بِإِطْلَاقِهِ. وَبَعْضُهُمْ قد قَالَ بالسَّرَاحِ فِي حقّ مَنْ يُعْرَفُ بالصَّلَاحِ (وَبَعْضهمْ) وَهُوَ ابْن الْقَاسِم (قد قَالَ) إِذا مَاتَ وَصِيّه وَتَركه مهملاً (بالسراح) من ثقاف الْحجر (فِي حق من يعرف بالصلاح) فِي التَّصَرُّف فتمضي أَفعاله من حِين حسن تصرفه وَلَو لم يحكم الْحَاكِم بِإِطْلَاقِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْمُول بِهِ كَمَا مر لِأَن الْعبْرَة عِنْده بِالْحَال لَا الْولَايَة وَالْأول هُوَ قَول مَالك يعْتَبر الْولَايَة لَا الْحَال وَكَانَ الْعَمَل بِهِ قَدِيما ثمَّ تبدل، وَلذَا نقل (ح) عَن الْبُرْزُليّ أَنه إِذا تصرف بعد موت وَصِيّه فَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن تصرفه حِينَئِذٍ كتصرفه قبل مَوته إِلَّا أَن يعرف فِيهِ وَجه الصَّوَاب اه. فَهَذَا الْعَمَل إِنَّمَا هُوَ على مَا لِابْنِ الْقَاسِم. وَالشَّأْنُ الإِكثارُ مِنَ الشُّهُودِ فِي عَقْدَي التَّسْفِيهِ وَالتَّرْشِيدِ (والشأن) الَّذِي بِهِ الْعَمَل عِنْد الموثقين (الْإِكْثَار من الشُّهُود فِي عقدي التسفيه) وَهُوَ الشَّهَادَة
стр. 1149
بِأَنَّهُ مبذر لمَاله لَا يحسن التَّصَرُّف فِيهِ وَيسْقط فِيهِ سُقُوط من لَا يعد المَال شَيْئا كَمَا مر أول الْبَاب عَن الْمُدَوَّنَة فَيسْتَحق بذلك الضَّرْب على يَده وَيمْنَع من التَّصَرُّف فِيهِ فِي الْمُسْتَقْبل وَترد أَفعاله الْمَاضِيَة على الْمَعْمُول بِهِ من اعْتِبَار الْحَال لَا على مُقَابِله فَإِنَّهُ لَا يرد الْمَاضِي من أَفعاله (والترشيد) أَي الشَّهَادَة بِأَنَّهُ حَافظ لمَاله حسن النّظر فِيهِ فَيجب بهَا مُضِيّ أَفعاله وَإِن لم يُطلقهُ وليه وَلَا الْحَاكِم على الْمَعْمُول بِهِ أَيْضا. وَلَيْسَ يَكْفِي فيهمَا العَدْلانِ وَفِي مَرَدِّ الرُّشْدِ يَكْفِيَانِ (وَلَيْسَ يَكْفِي فيهمَا العدلان) بل الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة من الْعُدُول وَمن اللفيف السِّتَّة عشر إِلَى الْعشْرين كَمَا لناظم الْعَمَل فِي شَرحه عِنْد قَوْله: وَقدره فِي الْغَالِب اثْنَا عشرا وزد لكالرشد وضد أكثرا وَنقل عَن الكلالي أَن السِّتَّة من اللفيف تقوم مقَام الْعدْل الْوَاحِد، وَظَاهره أَنه لَا يَكْفِي ذَلِك وَلَو عجز السَّفِيه عَن أَكثر من شَاهِدين، وَالَّذِي فِي الْمُتَيْطِيَّة قَالَ أصبغ فِي الْمُوازِية: لَا تجوز شَهَادَة رجلَيْنِ فِي ترشيد حَتَّى يكون ذَلِك فاشياً قَالَ فِي الْوَاضِحَة: فَإِن لم يكن فاشياً لم يدْفع إِلَيْهِ مَاله غير أَن شَهَادَتهمَا فِي تَجْوِيز مَا فعله من عتق وَغَيره مَاضِيَة، ثمَّ بعد كَلَام نقل عَن أصبغ أَن السَّفِيه إِن عجز عَن أَكثر من شَاهِدين لم يمْنَع من أَخذ مَاله اه. وَنَحْوه فِي أقضية الْبُرْزُليّ قَائِلا: إِذا لم يُمكنهُ الاستكثار يَكْفِيهِ العدلان الخ. يَعْنِي وَمَا يقوم مقَامهَا من اللفيف وَهُوَ الاثنا عشر كَمَا مر. قَالَ ابْن فَرِحُونَ آخر الْبَاب الأول من الْقسم الثَّانِي مَا نَصه: الشَّهَادَة فِي الترشيد والتسفيه. قَالَ ابْن الْمَاجشون وَغَيره من أَصْحَاب مَالك: يشْتَرط فيهم الْكَثْرَة وَأَقلهمْ أَرْبَعَة وَالْمَشْهُور أَنه يجزىء فِي ذَلِك اثْنَان اه. قلت: وَهَذَا الْمَشْهُور لَا أقل أَن يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الْعَجز عَن الاستكثار فَيجب أَن يُكَلف بالاستكثار ابْتِدَاء فَإِن عجز فيكفيه اثْنَان لِأَنَّهُمَا النّصاب الَّذِي شَرطه الْحق سُبْحَانَهُ فِي سَائِر الْحُقُوق فَلَا تغتر بِمَا يَفْعَله الْقُضَاة الْيَوْم من عدم الِاكْتِفَاء بالاثنين مَعَ الْعَجز مَعَ أَن الْمَشْهُور من القَوْل كَمَا ترى، فَقَوْل النَّاظِم: وَلَيْسَ يَكْفِي فيهمَا العدلان يَعْنِي مَعَ إِمْكَان أَكثر وَإِلَّا اكْتفى بهما، ثمَّ إِذا شهد بِالرشد أَرْبَعَة عدُول فَأكْثر وَشهد عَدْلَانِ بالسفه فَإِن شَهَادَة السَّفه أعمل كَمَا قَالَ: (وَفِي مرد الرشد يكفيان) وَقد تقدم ذَلِك فِي تعَارض الشَّهَادَات.
стр. 1150
تَنْبِيه: لَا خُصُوصِيَّة للترشيد والتسفيه بالاستكثار الْمَذْكُور بل قَالَ فِي الْفَائِق: كَذَلِك يَنْبَغِي الاستكثار فِي كل مَوضِع تكون الشَّهَادَة فِيهِ على الظَّن الْغَالِب مِمَّا لَا سَبِيل فِيهِ إِلَى الْقطع كالتفليس وَحصر الْوَرَثَة والاستلحاق والاستحقاق وانتقال الْملك للْوَارِث وَالشَّهَادَة للْمَرْأَة بغيبة زَوجهَا، وَعدم رُجُوعه إِلَيْهَا وَتركهَا بِغَيْر نَفَقَة وَالشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ إِلَى غير ذَلِك اه. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فوثائق الاسترعاء كلهَا يَنْبَغِي فِيهَا الاستكثار مَعَ الْإِمْكَان كَمَا مر وَالله أعلم. وَجَازَ لِلْوَصِيِّ فيمَنْ حَجَرا إعْطَاءُ بَعْضِ مَالِهِ مُخْتَبِرَا لَهُ بِهِ بِشَرْطَيْنِ أَن يعلم مِنْهُ خيرا وَإِن يكون المَال يَسِيرا كالخمسين وَالسِّتِّينَ دِينَارا كَمَا لأبي الْحسن، وَظَاهر النّظم أَنه يجوز للْوَصِيّ ذَلِك وَلَو قبل بُلُوغ الْمَحْجُور، وَقيل لَا يجوز إِلَّا بعد الْبلُوغ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل الْوَصِيّ على الصَّبِي من يرقبه أَو كَانَ متطلعاً عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِر، لِأَن الاختبار السَّابِق على الْبلُوغ لَا يُوجب خُرُوجه من الْحجر وَلَا يعْتَمد عَلَيْهِ الْوَصِيّ فِي إطلاقة مِنْهُ كَمَا مر، وَكَذَا يجوز ذَلِك للمقدم بِإِذن القَاضِي فَإِن تلف المَال الْمَدْفُوع للاختبار فَلَا ضَمَان على الدَّافِع إِلَّا أَن يرى أَنه لَا يصلح مثله للاختبار لشدَّة سفهه فَيكون عَلَيْهِ الضَّمَان، وَلذَلِك يكْتب الشُّهُود فِي رسم الدّفع أَن الْيَتِيم مِمَّن يَصح اختباره فِي علمهمْ. قَالَ ابْن سَلمُون: وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة. فرعان. الأول: فَإِن لحقه دين فَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْمُدَوَّنَة: لَا يلْزمه الدّين لَا فِيمَا دفع إِلَيْهِ وَلَا فِي غَيره، وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن سَلمُون و (خَ) حَيْثُ قَالَ: وَإِن أودع صَبيا إِلَى آخر مَا يَأْتِي، وَقَالَ أَشهب وَابْن الْمَاجشون: يكون ذَلِك الدّين فِي المَال الَّذِي اختبره بِهِ. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: يَنْبَغِي أَن يُبَاع مِنْهُ بِالنَّقْدِ فَمن بَايعه بِالنَّقْدِ فَهَذَا الَّذِي لَا يكون لَهُ فِي المَال المختبر بِهِ شَيْء على قَول ابْن الْقَاسِم إِلَّا أَن يكون فِي يَده أَكثر من الَّذِي دفع إِلَيْهِ وليه فَيكون حق الَّذِي داينه فِي الزَّائِد إِذا كَانَ الزَّائِد من مُعَامَلَته إِيَّاه. وَوجه قَول أَشهب: إِن أذن وليه لَهُ فِي التِّجَارَة يَقْتَضِي تعلق دين من داينه عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ على ذَلِك داينه. وَوجه قَول مَالك: إِن الْإِذْن لم يخرج بِهِ من الْولَايَة وَإِنَّمَا هُوَ لاختبار حَاله فَهُوَ كالمولى عَلَيْهِ بعامل قَالَه ابْن يُونُس. قلت: أفتى ابْن الْحَاج وَابْن رشد أَنه إِذا تصرف بمرأى من وليه وَطَالَ تصرفه فَإِن مَا لحقه من الدّين يلْزمه وتصرفه مَاض. قَالَ الْبُرْزُليّ: وَبِه الْعَمَل، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر، ظَاهر الْمُدَوَّنَة: أَنه مَتى رَآهُ وليه يتَصَرَّف وَسكت فَإِنَّهُ مَاض وَيحمل على أَنه قصد ذَلِك وَبِه جرى الْعَمَل اه. وَهَذَا إِذا كَانَ تصرفه سداداً ومصلحة وإلاَّ فَلَا، وَتقدم عَنهُ أَيْضا نَحوه فِي التَّنْبِيه الأول عِنْد قَوْله: وَالِابْن مَا دَامَ صَغِيرا الخ. وَذَلِكَ كُله يَقْتَضِي أَن الحكم وَالْعَمَل بقول أَشهب، ثمَّ مَحل قَول ابْن الْقَاسِم إِذا لم
стр. 1151
يثبت أَنه أَدخل ذَلِك الدّين فِي مَصَالِحه كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة يَعْنِي أَنه صرفه فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ وإلاَّ فيلحقه فِي المَال الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ وَلَو لم يكن دفع للاختبار كَمَا مر فِي الْوَدِيعَة وكما يَأْتِي. الثَّانِي: قَالَ فِي فصل تَقْسِيم الْمُدعى عَلَيْهِم من التَّبْصِرَة مَا نَصه: وَإِذا فرعنا على القَوْل بلحوق الدّين لما بِيَدِهِ فَإِن شهِدت الْبَيِّنَة على بَيْعه أَو إسلافه مُعَاينَة أنفذ ذَلِك وَعمل بِهِ، وَإِن شهدُوا على إِقْرَاره لم يلْزمه شَيْء إِلَّا أَن يشْهدُوا أَن إِقْرَاره كَانَ بِحَضْرَة الْمُبَايعَة وبفورها وَإِن كَانُوا لم يحضروها لكِنهمْ علمُوا أَن ذَلِك كَانَ فِي مجْلِس التبايع، فَتجوز حِينَئِذٍ ويفدى رب الْحق فِيمَا بيد السَّفِيه من المَال بعد الْإِعْذَار إِلَى وليه فِيمَا ثَبت عَلَيْهِ من ذَلِك اه. تَنْبِيه: ذكر الزّرْقَانِيّ عِنْد قَول (خَ) فِي الْوَدِيعَة: وَإِن أودع صَبيا أَو سَفِيها أَو أقْرضهُ أَو بَاعه فأتلف لم يضمن وَإِن بِإِذن أَهله الخ. مَا نَصه. ثمَّ عدم الضَّمَان مُقَيّد بِمَا إِذْ لم ينصبه فِي حانوته فَإِن نَصبه فِيهِ ضمن مَا أتْلفه مِمَّا اشْتَرَاهُ أَي: لِأَنَّهُ لما نَصبه للْبيع وَالشِّرَاء وَقبُول الْقَرْض والوديعة فقد أطلق لَهُ التَّصَرُّف فَيضمن كَذَا علله اللَّقَّانِيّ، وَالْمرَاد يضمن وليه الناصب لَهُ لَا الصَّبِي اه. فَتَأمل قَوْله: وَالْمرَاد يضمن وليه الناصب لَهُ الخ. فَإِنَّهُ يجب أَن يحمل على مَا إِذا نَصبه وَهُوَ يرى عدم صلاحيته للاختبار كَمَا مر، أَو لم ينصبه بِقصد الاختبار وإلاَّ فَلَا ضَمَان على الْوَلِيّ وَلَا سِيمَا على القَوْل بِجَوَاز اختبار الصَّبِي، بل وَلَا على القَوْل بِعَدَمِ جَوَازه لِأَن التَّفْرِيط إِنَّمَا جَاءَ من قبل من عَامله لَا من قبل من نَصبه وَالله أعلم. وَبِالْجُمْلَةِ، فَلم يظْهر وَجه قَوْله: وَالْمرَاد يضمن وليه الخ. وَإِن لم ينصبه بِقصد الاختبار لِأَن التَّفْرِيط إِنَّمَا جَاءَ من قبل عَامله كَمَا يَأْتِي عَن الْمُدَوَّنَة وَمَا تقدم من أَنه يضمن حَيْثُ علم أَن مثله لَا يصلح للاختبار إِنَّمَا هُوَ فِي ضَمَان مَال الْمَحْجُور لَا فِي ضَمَان مَال من عَامله. وَقَول (خَ) : وَإِن بِإِذن أَهله خَاص بالوديعة، وَأما بَيْعه وشراؤه بِإِذن وليه فَهُوَ مَاض إِن كَانَ سداداً بل وَلَو لم يكن إِذن وَإِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ سكُوت فَإِنَّهُ مَاض أَيْضا كَمَا مر. تَنْبِيه آخر: ابْن حبيب: وَإِذا دفع الْوَصِيّ مَالا ليتيمه ليختبره فَأنْكر ذَلِك الْيَتِيم فالوصي مُصدق فِيمَا دفع إِلَيْهِ إِذا علم أَن الْيَتِيم كَانَ يتجر اه. ثمَّ تقدم من الْخلاف فِي كَون الدّين اللَّاحِق يكون فِي المَال المختبر بِهِ أَو لَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ الدَّافِع هُوَ الْوَلِيّ كَمَا مر، وَأما لَو دفع أَجْنَبِي إِلَى مَحْجُور عَلَيْهِ من يَتِيم أَو عبد مَا لَا يتجر بِهِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: مَا لحقهما من دين فِيهِ يكون فِي ذَلِك المَال خَاصَّة قَالَ بِخِلَاف الْوَصِيّ فَلَا يلْزم ذمتهما وَلَا ذمَّة الدَّافِع بِشَيْء. أَبُو الْحسن: لِأَن الَّذِي عَامله فرط إِذْ لم يبْحَث ويتثبت لنَفسِهِ اه. تقدم أَن أَشهب وَابْن الْمَاجشون خالفاه فِي الْوَصِيّ. تَنْبِيه آخر: قَالَ فِي أنكحة المعيار عَن ابْن لب: أَن للْوَصِيّ أَن يَشْتَرِي للمحجور عَلَيْهِ وَيبِيع عَلَيْهِ وَلَا يفْتَقر فِي ذَلِك إِلَى إِثْبَات سداد وَهُوَ مَحْمُول عَلَيْهِ، نعم إِن كَانَ عَلَيْهِ مشرف فَلَا بُد من مُوَافَقَته، فَإِن امْتنع مِنْهُ أثبت حِينَئِذٍ السداد فِيمَا فعل بعد مُدَّة. تَنْبِيه آخر: إِذا اشْترى عبد أَو يَتِيم سلْعَة فَأَرَادَ السَّيِّد أَو الْوَصِيّ فسخ ذَلِك فَلَهُمَا ذَلِك فَإِن أَرَادَ المُشْتَرِي مِنْهُمَا أَو البَائِع أَن يحلف السَّيِّد أَو الْوَصِيّ مَا أذنا لَهما فِي ذَلِك فَلَيْسَ لَهما ذَلِك اه. قَالَه الرعيني فِي كتاب الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار.
стр. 1152
وَكلُّ مَا أتْلَفَهُ المحْجُورُ فَغُرْمُهُ مِن مَالِهِ المشْهُورُ (وكل مَا أتْلفه الْمَحْجُور) صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا سَفِيها من مَال غَيره تَعَديا، بِأَكْل أَو حرق أَو كسر وَنَحْو ذَلِك وَلم يكن قد أَمن عَلَيْهِ (فغرمه من مَاله) الَّذِي بِيَدِهِ هُوَ (الْمَشْهُور) ظَاهره سَوَاء صرفه فِيمَا لَا بُد مِنْهُ أَو لَا، وَهُوَ كَذَلِك أَي: وَظَاهره أَيْضا وَلَو لم يكن بِيَدِهِ مَال وَقت إِتْلَافه فَإِنَّهُ يتبع بِهِ فِي ذمَّته إِن حصل لَهُ يسر فِي يَوْم مَا وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَمن أودعته وَدِيعَة فاستهلكها ابْنه فَذَلِك فِي مَال الابْن فَإِن لم يكن لَهُ مَال فَفِي ذمَّته، وَقَالَ الرجراجي فِي كتاب الْمديَان إِن جِنَايَة الصَّغِير على الْأَمْوَال لَازِمَة لمَاله وذمته اه. وَظَاهر النّظم أَيْضا ضَمَانه لما أتْلفه وَلَو كَانَ غير مُمَيّز كَابْن شهر، وَالَّذِي لِابْنِ عَرَفَة أَن الصَّبِي الَّذِي سنه فَوق شهر يَصح أَن يَتَّصِف بِمَا يُوجب غرمه وَهُوَ جِنَايَته على المَال مُطلقًا وعَلى الدِّمَاء فِيمَا قصر عَن ثلث الدِّيَة بِخِلَاف ابْن شهر، لِأَن فعله كالعجماء حَسْبَمَا تقرر فِي أول كتاب الْغَصْب اه. بل ذكر فِي الشَّامِل وضيح فِي بَاب الْغَصْب أَي: فِيمَن لم يُمَيّز لجنون أَو صغر كَابْن شهر أَو سِتَّة أشهر أَو سنة أَو سنتَيْن أَو أَكثر ثَلَاثَة أَقْوَال. قيل، هدر، وَقيل المَال هدر دون الدَّم فَهُوَ على الْعَاقِلَة إِن بلغ الثُّلُث وإلاَّ فَفِي مَاله، وَثَالِثهَا المَال فِي مَاله وَالدَّم على عَاقِلَته إِن بلغ الثُّلُث، واستظهره ابْن عبد السَّلَام وضيح لِأَن الضَّمَان من خطاب الْوَضع الَّذِي لَا يشْتَرط فِيهِ تَكْلِيف وَلَا تَمْيِيز، وَهَذِه الطَّرِيقَة أرجح مِمَّا تقدم عَن ابْن عَرَفَة فالمميز لَا خلاف فِي ضَمَانه وَغَيره فِيهِ طرق وَالرَّاجِح الضَّمَان فتعبير النَّاظِم بالمشهور صَحِيح بِالنِّسْبَةِ لغير الْمُمَيز، وَهَذَا كُله إِذا لم يُؤمن عَلَيْهِ كَمَا قَررنَا، وَأما إِن كَانَ قد أَمن عَلَيْهِ فَفِيهِ تَفْصِيل أَشَارَ لَهُ بقوله: إلاَّ إذَا طَوْعاً إلَيْهِ صَرَفَهْ وَفِي سِوَى مَصْلَحَةٍ قَدْ أتْلَفَهْ (إِلَّا إِذا طَوْعًا إِلَيْهِ صرفه) : بِأَن أَمنه عَلَيْهِ فَيصدق بِمَا إِذا أقْرضهُ إِيَّاه أَو بَاعه أَو ودعه أَو أَعَارَهُ إِيَّاه وَنَحْو ذَلِك. (و) الْحَال أَنه (فِي سوى مصلحَة) لنَفسِهِ (قد أتْلفه) الصَّبِي أَو السَّفِيه فَإِنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ لَا فِي المَال الَّذِي بِيَدِهِ وَلَا فِي غَيره لِأَن ربه بتأمينه إِيَّاه قد سلطه عَلَيْهِ، وَلذَا لَو بَاعَ الْوَدِيعَة أَو العَبْد الَّذِي بَعثه للإتيان بِهِ وأتلف ثمنه فِي غير مصلحَة فَإِن رب العَبْد أَو الْوَدِيعَة
стр. 1153
يأخذهما من مشتريهما وَالثمن قد ضَاعَ على المُشْتَرِي، وَمَفْهُوم قَوْله فِي سوى مصلحَة أَنه إِذا أتْلفه فِي مصْلحَته بِأَن أكله أَو لبسه أَو صرف ثمنه فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يضمن الْأَقَل مِنْهُ وَمِمَّا صونه كَمَا مر فِي الْوَدِيعَة، وَهُوَ مَحْمُول مَعَ جهل الْحَال على أَنه صرفه فِي غير مصلحَة حَتَّى يثبت أَنه صرفه فِيهَا على الْمُعْتَمد كَمَا مر. وَفِعْلُهُ بِعَوَضِ لَا يُرْتَضَى وَإنْ أَجَازَهُ وَصِيُّهُ مَضَى (وَفعله) أَي الْمَحْجُور صَبيا كَانَ أَو سَفِيها مولى عَلَيْهِ أم لَا (بعوض) كَبَيْعِهِ لشَيْء من مَاله أَو إِجَارَته وَنَحْو ذَلِك (لَا يرتضى) أَي لَا يمْضِي بل هُوَ مَوْقُوف على إجَازَة وليه أَو الْحَاكِم إِن لم يكن لَهُ ولي (و) لذَلِك (إِن أجَازه وَصِيّه) وَنَحْوه من أَب أَو مقدم أَو الْحَاكِم إِن كَانَ مهملاً (مضى) حَيْثُ كَانَ فعله من بيع وَنَحْوه سداداً أَو عبطة أَو مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي نَفَقَته وإلاَّ لم يمض، وَلَو أَمْضَاهُ من ذكر لأَنهم معزولون عَن غير الْمصلحَة، وَتقدم قَرِيبا لِأَنَّهُ لَا يَمِين على الْوَلِيّ إِن ادّعى المُشْتَرِي من الْمَحْجُور أَن وليه أذن لَهُ فِي البيع وَنَحْوه، وَتقدم قَرِيبا أَيْضا أَنه إِذا تصرف بِمحضر وليه وسكوته فَإِنَّهُ مَاض لِأَن سُكُوته رضَا بِفِعْلِهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ فعله سداداً ومصلحة وإلاَّ فَلَا، فَإِن لم يكن لَهُ ولي أَو كَانَ وَلم يعلم بِفِعْلِهِ حَتَّى رشد كَانَ النّظر إِلَيْهِ فِي الْإِجَازَة وَالرَّدّ وَلَو كَانَ سداداً، وَهَذَا إِذا لم يُغير الْحَال فِيمَا بَاعه بِزِيَادَة أَو نُقْصَان فِيمَا اشْتَرَاهُ كَمَا لِابْنِ رشد، وَانْظُر مَا تقدم فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين عِنْد قَوْله: وَعكس هَذَا لِابْنِ سَحْنُون نمى الخ. وَتعْتَبر الْمصلحَة فِي رده وإمضائه يَوْم النّظر فِيهِ لَا يَوْم عقده على الْمُعْتَمد، وَهَذَا فِي عقد الْمُمَيز. وَأما غَيره فبيعه بَاطِل (خَ) : وَشرط عاقده تَمْيِيز الخ. وَفِي التَّبرُّعاتِ قد جَرَى العَمَلْ بِمَنْعِهِ وَلَا يُجازُ إنْ فَعَلْ (وَفِي التَّبَرُّعَات) الصادرة من الْمَحْجُور كعتق وَهبة وَصدقَة أَو حبس (قد جرى الْعَمَل بِمَنْعه) مِنْهَا (وَلَا يجاز) فعله لَهَا (إِن) هُوَ (فعل) بل يتَعَيَّن على الْوَلِيّ ردهَا، فَإِن أجازها الْوَلِيّ أَو سكت عَنْهَا حَتَّى رشد وَملك أمره كَانَ النّظر فِي الرَّد وَالْإِجَازَة وَلَا يخرج من ذَلِك إِلَّا عتق أم وَلَده فَإِنَّهُ يمْضِي وَكَذَا وَصيته فَإِنَّهَا مَاضِيَة كَمَا يَأْتِي.
стр. 1154
وَظَاهِرُ السَّفَهِ جازَ الْحُلْمَا مِنْ غَيْرِ حَجْرٍ فِيهِ خُلْفٌ عُلِمَا (وَظَاهر السَّفه) ثَابِتَة بِالْبَيِّنَةِ من نَعته وَصفته (جَازَ الحلما) حَال كَونه (من غير حجر) عَلَيْهِ بل بَقِي مهملاً لم يول عَلَيْهِ (فِيهِ) أَي فِي جَوَاز فعله وَعدم جَوَازه (خلف علما) أَي قَولَانِ. أَحدهمَا. جَوَازُ فَعْلِهِ بأَمْرٍ لازِمِ لِمَالِكٍ والمَنْعُ لابنِ القَاسِمِ (جَوَاز فعله) وَلَو بِغَيْر عوض كعتق (بِأَمْر لَازم) وَهُوَ (لمَالِك) وكبراء أَصْحَابه لِأَنَّهُ يُرَاعِي فِي رد أَفعاله وجود الْولَايَة وَهِي مفقودة الْآن. (و) ثَانِيهمَا (الْمَنْع) من جَوَازه وَلَو بعوض وَوَافَقَ السداد (لِابْنِ الْقَاسِم) فَيكون لمن يولي عَلَيْهِ بعد النّظر فِي الرَّد وَالْإِجَازَة وَإِن لم يول عَلَيْهِ فالنظر لَهُ إِن رشد وَبِهَذَا الْعَمَل كَمَا مرّ، لِأَن ابْن الْقَاسِم يعْتَبر الْحَال وَبِه تعلم أَن خلاف ابْن الْقَاسِم لَيْسَ خَاصّا بالمهمل بل هُوَ حَتَّى فِي الْمولى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجوز فعله إِذا ظهر رشده وَلَو لم يُطلقهُ وليه كَمَا مر عِنْد قَوْله: والبالغ الْمَوْصُوف بالإهمال الخ. فالبيتان تكْرَار مَعَه. وبالّذي على صَغيرٍ مُهْمَلِ يُقْضَى إِذا صحَّ بمُوجبٍ جَلي (وَبِالَّذِي) ثَبت بِالْبَيِّنَةِ العادلة (على صَغِير مهمل) لَا وَصِيّ لَهُ وَلَا مقدم (يقْضِي) أَي يقْضِي القَاضِي بِالَّذِي ثَبت على المهمل من الْحُقُوق دُيُون أَو غَيرهَا من اسْتِحْقَاق أصُول أَو غَيرهَا بعد يَمِيني الْقَضَاء والاستحقاق (إِذا صَحَّ) الَّذِي ثَبت عَلَيْهِ (بِمُوجب) بِكَسْر الْجِيم (جلي) بيِّن لَا مطْعن فِيهِ، وَلَا مَفْهُوم لصغير بل غَيره من سَفِيه مهمل أَحْرَى. وَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ كَالْغائِبِ إِلَى بُلُوغِهِ بِحُكْمٍ وَاجِبِ (وَهُوَ) أَي المهمل بَاقٍ (على حجَّته) إِذا وجد بَرَاءَة من الْحق أَو جرح بِبَيِّنَتِهِ فَإِنَّهُ ينفع (كالغائب) الْمُتَقَدّم فِي فَصله (إِلَى بُلُوغه) رشيدا حَال كَون بَقَائِهِ على الْحجَّة (بِحكم وَاجِب) فَقَوله: إِلَى بُلُوغه يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر الَّذِي هُوَ بَاقٍ على حجَّته إِلَى بُلُوغه ورشده، كَمَا أَن الْغَائِب بَاقٍ عَلَيْهَا إِلَى قدومه وَإِلَى بِمَعْنى (عِنْد) وَلَا مَفْهُوم لقَوْله مهمل بل ذُو الْوَلِيّ كَذَلِك فِي بَقَائِهِ على حجَّته وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فِي اللامية: بتعجيز ذِي الْإِيصَاء قَولَانِ حصلا الخ. وأصحهما كَمَا فِي أقضية المعيار أَنه بَاقٍ على حجَّته لِأَن وليه يعرف حججه الَّتِي تبطل مَا أثْبته الْقَائِم.
стр. 1155
وَيَدْفَعُ الْوَصِيُّ كلَّ مَا يَجِبْ مِنْ مَالِ مَنْ فِي حِجْرِهِ مَهْمَا طُلِبْ (وَيدْفَع الْوَصِيّ كل مَا يجب) وَيثبت على مَحْجُوره بعد عَجزه عَن الطعْن فِيمَا يثبت عَلَيْهِ (من مَال من فِي حجره) لَا من مَال نَفسه (مهما طلب) بذلك الدّفع وَحكم عَلَيْهِ الْحَاكِم بِهِ وَيبقى الْمَحْجُور على حجَّته على أصح الْقَوْلَيْنِ كَمَا مرّ. وَنَظَرُ الوصِيِّ فِي المَشْهُورِ مُنْسَحِبٌ عَلَى بَنِي المحْجُورِ (وَنظر الْوَصِيّ فِي الْمَشْهُور) الَّذِي بِهِ الْقَضَاء وَالْعَمَل كَمَا فِي ابْن سَلمُون عَن ابْن عتاب وَابْن الْقطَّان (منسحب على بني الْمَحْجُور) وَبنَاته تبعا لَهُ، وَظَاهره كَانُوا موجودين وَقت الْإِيصَاء أَو حدثوا بعده، وَخَالف ابْن زرب فِي ذَلِك وَقَالَ: لَا نظر للْوَصِيّ على بني مَحْجُوره إِلَّا بِتَقْدِيم من القَاضِي قَالَ المكناسي فِي آخر مجالسه: وَبِه الْعَمَل وَالْقَضَاء، وَنَحْوه فِي وثائق الغرناطي والخرشي والزرقاني عِنْد قَوْله: وَالْوَلِيّ الْأَب الخ. فَتبين أَن كلا من الْقَوْلَيْنِ عمل بِهِ، وَلَكِن الَّذِي عول عَلَيْهِ ناظم عمل فاس هُوَ مَا للمكناسي وَمن مَعَه فَقَالَ: وَلَا انسحاب الْمُوصي على أَوْلَاد مَحْجُور بِمَوْت حصلا أَي: بِمَوْت الْوَصِيّ لَا بِمَوْت الْمَحْجُور، وَإِن كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري قَالَ: يظْهر لي أَن مَحل الْقَوْلَيْنِ فِي انسحاب نظر الْوَصِيّ على أَوْلَاد مَحْجُوره إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الْمَحْجُور حَيا، أما بعد مَوته فَيَنْبَغِي أَن يتَّفق أَن لَا يبْقى لَهُ نظر عَلَيْهِم لِأَن النّظر عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بِحَسب التبع لأبيهم، وَالْقَاعِدَة أَنه إِن عدم الْمَتْبُوع عدم التَّابِع اه. بِنَقْل (م) لَكِن بحث فِي شرح الْعَمَل مَعَ الْمقري الْمَذْكُور وَقَالَ: إِنَّه مُخَالف للمنصوص فَانْظُرْهُ فَوَجَبَ حمل مَا لناظم فاس على موت الْمُوصي كَمَا مر عَن المكناسي وَغَيره لَا على مَا قَالَ الْمقري إِذا لم يذكر أحد أَن الْعَمَل عَلَيْهِ مَعَ أَنه مُخَالف للمنصوص، وَأما مقدم القَاضِي فَالَّذِي بِهِ الْعَمَل فِيهِ كَمَا فِي ابْن سهل أَنه لَا نظر لَهُ على أَوْلَاد مَحْجُوره إِلَّا بِتَقْدِيم من القَاضِي، وَأما الْأَب فالمنصوص عَن مَالك أَنه ينطر لأَوْلَاد ابْنه السَّفِيه كَمَا ينظر لَهُ ويوصي عَلَيْهِم كَمَا يُوصي على ابْنه السَّفِيه كَمَا فِي (ح) عِنْد قَوْله: وَإِنَّمَا يوصى على الْمَحْجُور عَلَيْهِ أَب الخ. نقل ذَلِك كُله شَارِح الْعَمَل، وَعَلِيهِ فَفِي مَفْهُوم الْوَصِيّ فِي النّظم تَفْصِيل، وَظَاهر كَلَام الشَّامِل أَن الْعَمَل على أَنه لَا نظر للْوَلِيّ على أَوْلَاد مَحْجُوره وَصِيّا كَانَ أَو أَبَا أَو مقدما لِأَنَّهُ قَالَ: وَفِي نظر ولي السَّفِيه على ابْنه أَو لَا نظر لَهُ إِلَّا بِتَقْدِيم مُسْتَأْنف وَبِه الْعَمَل قَولَانِ اه. وَيَعْقِدُ النِّكَاحَ لِلإِمَاءِ وَالنَّصُّ فِي عَقْدِ البناتِ جاءِ (ويعقد) الْوَصِيّ (النِّكَاح للإماء) اللَّاتِي يملكهن مَحْجُوره بِلَا خلاف (وَالنَّص فِي عقد)
стр. 1156
النِّكَاح على (الْبَنَات) أَي بَنَات مَحْجُوره (جَاءَ) اسْم فَاعل أَي مَرْوِيّ عَن مَالك فيعقد على الْأَبْكَار البالغات والثيبات اللَّاتِي لم يملكن أَمر أَنْفسهنَّ وَرَآهُ وَصِيّا عَلَيْهِنَّ بِكَوْنِهِ وَصِيّا على أبيهن وَقيل لَا يكون وَصِيّا عَلَيْهِنَّ إِلَّا بِتَقْدِيم وَهُوَ مَا تقدم عَن ابْن زرب، وَأما بَنَاته اللَّاتِي ملكن أَمر أَنْفسهنَّ فَلَا يعْقد عَلَيْهِنَّ وَكَذَا لَا يعْقد على أَخَوَات مَحْجُوره وَسَائِر قراباته فَإِن فعل مضى على مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْهِنْدِيّ قَالَه فِي الْمُفِيد. وَفِي وثائق ابْن فتحون: أَن للْوَصِيّ أَن يعْقد على كل من كَانَ يعْقد عَلَيْهِ الْمَحْجُور لَو كَانَ رشيدا فَيدْخل إماؤه وأخواته وَسَائِر قراباته لِأَنَّهُ منزل فِي ذَلِك منزلَة محجورة، وَهَذَا كُله فِي الْأَبْكَار والثيبات البالغات. وَعْقَدُهُ قَبْلَ البُلُوغِ جَارِ بِجَعْلِهِ فِي البكْرِ كالإجْبَارِ (و) أما (عقده) على بَنَات مَحْجُوره (قبل الْبلُوغ) فَهُوَ (جَار بجعله) أَي العقد (فِي الْبكر) من بَنَات صلبه أَي: فَإِذا جعل لَهُ أَن يعْقد على بَنَات صلبه من غير جبر كَانَ لَهُ أَن يعْقد على بَنَات ذُكُور محاجيره من غير جبر أَيْضا (كالإجبار) أَي كَمَا أَنه إِذا جعل لَهُ إِجْبَار على بَنَات صلبه كَانَ لَهُ أَن يجْبر بَنَات ذُكُور محاجيره وَإِن جعله وَصِيّا وَأطلق وَلم يُقيد بجبر وَلَا عَدمه فعلى القَوْل بِأَنَّهُ يجْبر بَنَات صلبه فَإِنَّهُ يجْبر بَنَات مَحْجُوره كَذَلِك، وعَلى القَوْل بِعَدَمِ جبر بَنَات صلبه فَلَا يجْبر بَنَات مَحْجُوره، وَهَذَا كُله هُوَ الملائم لقَوْله: منسحب على بني الْمَحْجُور. وَقد قَالَ (خَ) : وجبره وَصِيّ أمره أَب بِهِ أَو عين الزَّوْج وَإِلَّا فخلاف، وسبك كَلَام النَّاظِم وعقده على بَنَات مَحْجُوره قبل بلوغهن جَار أَي جَائِز نَافِذ بِسَبَب جعله لَهُ فِي أبكار بَنَاته كَمَا أَن إجبارهن كَذَلِك جَار على جعله لَهُ فِي أبكار بَنَات صلبه، وَهَذَا ظَاهر إِذا كَانَ للْمُوصي ذُكُور وإناث وَجعل لَهُ الْجَبْر وَعَدَمه فِي الْإِنَاث، فَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا الذُّكُور وَأوصى عَلَيْهِم فَيجْرِي فِي جبر بناتهم الْخلاف الْمَذْكُور فِي بَنَات الصلب إِن أوصى عَلَيْهِنَّ وَأطلق وَالله أعلم. وَالنَّقْلُ لِلإيصَاءِ غَيْرُ مَعْمَلٍ إلاَّ لِعُذْرٍ أَوْ حُلُولِ أَجَلِ (وَالنَّقْل للإيصاء غير معمل) يَعْنِي أَن الْحَاكِم إِذا أَرَادَ أَن ينْقل الْإِيصَاء عَن الْوَصِيّ إِلَى غَيره، أَو أَرَادَ الْوَصِيّ أَن يتخلى عَن الْإِيصَاء بعد قبُوله إِيَّاه وَمَوْت الْمُوصي سَوَاء قبل بِاللَّفْظِ أَو بِالتَّصَرُّفِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يعْمل على ذَلِك (إِلَّا لعذر) كاختلال عقل الْوَصِيّ أَو طرُو فسقه أَو سَفَره سفرا بَعيدا (أَو حُلُول أجل) مَوته فَإِن للْحَاكِم أَن ينْقل الْإِيصَاء حِينَئِذٍ مَعَ الْعذر الْمَذْكُور،
стр. 1157
وللوصي أَن يُوصي بِهِ إِلَى غَيره عِنْد وَفَاته أَو سَفَره سفر انْقِطَاع أَو بَعيدا، وَهَذَا إِذا أَرَادَ أَن يعْزل نَفسه بعد موت الْمُوصي وقبوله الْإِيصَاء كَمَا قَررنَا، وَأما فِي حَيَاة الْمُوصي فَلهُ أَن يعْزل نَفسه (خَ) : وَله عزل نَفسه فِي حَيَاة الْمُوصي وَلَو قبل لَا بعدهمَا أَي بعد الْقبُول وَمَوْت الْمُوصي أَي قبل ثمَّ مَاتَ الْمُوصي أَو مَاتَ ثمَّ قبل، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور خلافًا لما فِي الطرر عَن ابْن زرب من أَنه إِذا قبل فِي حَيَاة الْمُوصي فَلَا يقبل مِنْهُ عزل نَفسه إِلَّا لعذر، وَإِن قبل بعد مَوته فللقاضي أَن يعفيه لغير عذر الخ فَإِنَّهُ مُقَابل لَا يعول عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بالعذر فِي كَلَام النَّاظِم الْعذر الشَّديد الَّذِي تَنْتفِي مَعَه قدرَة الْمُوصي على الْقيام بمصالح الْمَحْجُور بِالْكُلِّيَّةِ لَا الْعذر الَّذِي يشق مَعَه الْقيام قَالَه فِي الطرر وَنَقله شَارِح الْعَمَل عِنْد قَوْله: وَلَا انحلال لوصي الْتزم إِلَّا لعذر بَين لما الْتزم وَلَا يَرُدُّ العَقْدَ بَعْدَ أَنْ قَبِلْ إنْ مَاتَ مُوصٍ وَلِعُذْرٍ يَنْعَزِلْ هَذَا الْبَيْت غير ضَرُورِيّ الذّكر لِأَن مَا قبله يُغني عَنهُ كَمَا قَررنَا، وَقَوله: إِن قبل أَي بِاللَّفْظِ أَو بِمَا يدل عَلَيْهِ كالتصرف بِالْبيعِ وَقبض الدّين وَنَحْوهمَا، وَسَوَاء قبل فِي حَيَاة الْمُوصي وَاسْتمرّ عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ الْمُوصي أَو قبل مَوته، وَأما إِن قبل فِي حَيَاة الْمُوصي وَلم يسْتَمر عَلَيْهِ بل رَجَعَ عَنهُ فَإِن لَهُ ذَلِك وَإِن لم يقلهُ الْمُوصي كَمَا مر عَن (خَ) خلافًا لما فِي الْمُفِيد من أَنه إِذا قَالَه الْمُوصي جَازَت إقالته وَإِلَّا لزمَه النّظر اه. وَلَا رُجُوعَ إنْ أَبَى تَقَدُّمَه مِنْ بَعْدِ أَنْ مَاتَ الَّذِي قَدْ قَدَّمَه (وَلَا رُجُوع) للْوَصِيّ إِلَى قبُول الْإِيصَاء (إِن) كَانَ قد (أَبى تقدمه) أَي قبُوله إِيَّاه (من بعد أَن مَاتَ الَّذِي قد قدمه) (خَ) : وَإِن أَبى الْقبُول بعد الْمَوْت فَلَا قبُول لَهُ بعده أَي: لِأَن إبايته صيرته أَجْنَبِيّا فقبوله بعد إبايته يحْتَاج لاستئناف إيصاء وَهُوَ مَفْقُود بفقد مَحَله، وَلَا مَفْهُوم للظرف بل كَذَلِك إِن أَبى الْقبُول قبل موت الْمُوصي، ثمَّ أَرَادَ أَن يقبل بعد مَوته فِيمَا يظْهر بِدَلِيل التَّعْلِيل الْمُتَقَدّم، وَهَذَا على أَن من بعد يتَعَلَّق بأبى، وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بقوله: وَلَا رُجُوع أَي لَا رُجُوع لَهُ لقبُول الْإِيصَاء بعد موت الْمُوصي إِن كَانَت سبقت مِنْهُ إباية فِي حَيَاة الْمُوصي أَو بعد مَوته.
стр. 1158
وَكلُّ مَنْ قُدِّمَ مِنْ قاضٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُ بَدَلَا أَي: فَلَا يُوكل غَيره على أُمُور مَحْجُوره وَلَا يوصى عَلَيْهِ عِنْد حُضُور وَفَاته بِخِلَاف الْوَصِيّ، فَلهُ أَن يُوكل ويوصي، وَمَا ذكره النَّاظِم هُوَ الْمَشْهُور كَمَا مر فِي الْوكَالَة وَتقدم هُنَاكَ أَن الَّذِي بِهِ الْعَمَل جَوَاز تَوْكِيله وَلَا زَالَ الْعَمَل على ذَلِك إِلَى الْآن. تَنْبِيه: كل من الْوَصِيّ والمقدم إِذا وكلا غَيرهمَا لَيْسَ لَهما أَن يجعلا الْإِقْرَار للْوَكِيل كَمَا أَنَّهُمَا لَيْسَ لَهما الْإِقْرَار على الْمَحْجُور، وَقد وَقعت نازلة فِي هَذَا الأوان وَهِي أَن رجلا ادّعى على وَصِيّ أَو مقدم أَن أَبَا محاجيره كَانَ تولى قبض مَتْرُوك وَالِده بوكالة مِنْهُ وزمم لَهُ زمامات تَرِكَة أَبِيه أَحدهَا باسكندرية وَآخر بالجزائر وَآخر بفاس وَحَازَ الزمامات الثَّلَاث وَطلب الْآن مِنْهُ إِحْضَار الزمامات الْمُدَّعِي بهَا على أبي محاجيره وإعمال الْحساب فِيهَا، أَو الْجَواب بِمَا يظْهر لَهُ حضر وَصِيّ المحاجير أَو مقدمهم، وَأجَاب: بِأَن أَبَا محاجيره كَانَ وَكيلا للْمُدَّعِي الْمَذْكُور وَقبض مَا وَجب من مَتْرُوك وَالِده بالزمامات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة، وَإِن أَرَادَ الْحساب يُعْطِيهِ إِيَّاه وَالنَّظَر للشَّرْع المطاع عرفا قدره الخ. وتقيد عقبه بِعدْل وَاحِد مَا نَصه بَعْدَمَا طلب الْمُدَّعِي أَعْلَاهُ من الْمُجيب إِحْضَار زِمَام تَرِكَة الجزائر، وَزعم الْمُجيب الْمَذْكُور أَن الزِّمَام الْمَذْكُور تلف لَهُ وطولب بإحضاره حضر أَحْمد بن عبد الله وَأشْهد أَنه ضمن عَنهُ مَا يجب عَلَيْهِ شرعا فِي إِحْضَار الزِّمَام الْمَذْكُور ضمانا لَازِما بِرِضا الْمَضْمُون لَهُ عرفا قدره الخ. وَقد كَانَ القَاضِي سدده الله سجن الْوَصِيّ الْمَذْكُور حَتَّى يحضر الزِّمَام الْمَذْكُور وَطَالَ سجنه، وسئلت عَن ذَلِك فأجبت بِأَن نَائِب المحاجير من وَصِيّ ومقدم ووكيل لَا يُؤمر وَاحِد مِنْهُم بِجَوَاب الْمُدَّعِي على موروثهم إِذْ من شَرط صِحَة الدَّعْوَى الَّتِي يُكَلف الْمَطْلُوب بجوابها أَن تكون بِحَيْثُ لَو أقرّ بهَا الْمَطْلُوب لزمَه إِقْرَاره احْتِرَازًا من الدَّعْوَى على الْمَحْجُور أَو موروثه، فَإِن الْمَحْجُور ونائبه لَا يُكَلف وَاحِد مِنْهُمَا بجوابها إِذْ إقرارهما بهَا لَا يُفِيد كَمَا فِي التَّبْصِرَة و (ح) وشراح اللامية، وَقد قَالَ (خَ) : يُؤَاخذ الْمُكَلف بِلَا حجر بِإِقْرَارِهِ لأهل ونائب الْمَحْجُور كالمحجور فَكَمَا لَا يُؤَاخذ الْمَحْجُور بِإِقْرَارِهِ كَذَلِك لَا يُؤَاخذ نَائِبه فتكليف نَائِب الْمَحْجُور بِالْجَوَابِ خطأ مِمَّن فعله، وَكَذَا أَخذ الضَّامِن مِنْهُ، وَلذَا قَالَ ابْن عرضون وَغَيره: ولتحذر أبدا أَن تبيح للْوَكِيل الْمَذْكُور الْإِقْرَار إِذْ ذَاك لَا يلْزم الْمَحْجُور وَإِن وكل الْأَب أَو الْوَصِيّ عَن نَفسه وَعَن مَحْجُوره. قلت: وكل فلَان فلَانا عَن نَفسه وَعَن مَحْجُوره لينوب عَنهُ فِي المحاكمة والمخاصمة وَالْإِقْرَار وَالْإِنْكَار فِي حق نَفسه وعَلى الْإِنْكَار دون الْإِقْرَار فِي حق مَحْجُوره اه. وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: إِن قَامَ الطَّالِب بدين على ميت فَإِن القَاضِي يَأْمُرهُ أَن يثبت موت الْمَطْلُوب وعدة ورثته من أجل مَا يحْتَاج من الْإِعْذَار إِلَيْهِم إِن كَانُوا مالكين أَمر أنفسهم، وَإِن كَانُوا صغَارًا وَجعل عَلَيْهِم وَصِيّ كلفه القَاضِي إِثْبَات الْإِيصَاء وَقبُول الْوَصِيّ بِالشَّهَادَةِ على عينه والإعذار فِيهَا إِلَيْهِ بِمَا ثَبت عِنْده من ذَلِك وَإِثْبَات صغَار الْوَرَثَة، فَإِذا أثبت الطَّالِب جَمِيع ذَلِك كَانَت الْخُصُومَة بَينه وَبَين الْوَصِيّ أَو الْمَالِك أَمر نَفسه أَن الْوَصِيّ لَا يُكَلف جَوَابا لِأَن إِقْرَاره لَا يعْمل، وَإِنَّمَا يُقَال للْمُدَّعِي
стр. 1159
أُثبت مَا تدعيه على الْمَحْجُور فَإِن أثْبته مكن الْوَصِيّ من الطعْن فِيهِ فَإِن عجز عَن الطعْن حكم على الْمَيِّت بِالدّينِ بعد يَمِين الْقَضَاء اه. وَقَالَ فِي نظم عمل أهل فاس فِي بَاب الْوَصَايَا مِنْهُ: وَمَا من الدّين بِهِ الْوَصِيّ قد أقرّ فِي تَرِكَة الْمَيِّت فسد فَهَذِهِ النُّصُوص كلهَا صَرِيحَة فِي أَن نَائِب الْمَحْجُور لَا يُؤمر بِالْجَوَابِ، وَأَن جَوَابه بِأَن موروثهم قد قبض جَمِيع مَا وَجب لَهُ غير لَازم للمحاجير وَلَا إِشْكَال، وَكَذَا لَا يلْزمه هُوَ لِأَنَّهُ لم يقر على نَفسه بِشَيْء، وَإِنَّمَا أقرّ عَن الْغَيْر وَقد قَالَ ابْن عَرَفَة فِي حد الْإِقْرَار: هُوَ خبر يُوجب حكم صدقه على قَائِله فَقَط الخ. فَخرج بقوله على قَائِله كَمَا للرصاع الشَّهَادَة إِذْ الْخَبَر إِن أوجب حكمه على غَيره هُوَ الشَّهَادَة وَالْوَصِيّ أَو الْمُقدم أَو الْوَكِيل إِذا شهد على منوبه بِشَيْء وَكَانَ عدلا وَاسْتمرّ عَلَيْهَا وَلم يرجع عَنْهَا جَازَت شَهَادَته، وإلاَّ فَلَا. وَنَحْوه فِي الْمُدَوَّنَة وَنَقله (ح) وَغَيره عِنْد قَوْله فِي الشَّهَادَات: وَلَا من شهد لَهُ بِكَثِير وَلغيره بِوَصِيَّة الخ. هَذَا كُله لَو كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ مَعْرُوف الْقدر وَالْجِنْس وَأما حَيْثُ كَانَت الدَّعْوَى فِي الزمامات من غير بَيَان قدر مَا فِيهَا وَلَا جنسه وَلَا صفته فَلَا يُكَلف الْمَطْلُوب بجوابها، وَلَو كَانَ غير مَحْجُور فضلا عَن كَونه مَحْجُورا أَو نَائِبا عَنهُ لكَونهَا من الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ فَفِي الْجَوَاهِر لَو قَالَ: لي عَلَيْك شَيْء لم تسمع دَعْوَاهُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَة، وَالْحكم بِالْمَجْهُولِ مُتَعَذر إِذْ لَيْسَ بعضه أولى من بعض اه. فَقَوله فِي الْمقَال قبض لَهُ مَتْرُوك وَالِده مَجْهُول الْقدر وَالْجِنْس كَقَوْلِه: قبض لَهُ أَشْيَاء من مَتْرُوك وَالِده وَلَا يدْرِي مَا هِيَ تِلْكَ الْأَشْيَاء هَل هِيَ من ذَوَات الْقيم أَو ذَوَات الْأَمْثَال وَلَا يدْرِي عَددهَا وَلَا وَزنهَا. وَقد قَالَ ابْن سهل: فَإِن كَانَت الدَّعْوَى فِي شَيْء فِي الذِّمَّة بَين قدره أَو فِي شَيْء من ذَوَات الْأَمْثَال بَين الْكَيْل وَالْوَزْن وَالْعدَد أَو فِيمَا تضبطه الصّفة فَلَا بُد من بَيَان الْقيمَة اه. وَهُوَ معنى قَول اللامية: لَكِن إِن كَانَ مُجملا كَلَام يبين الخ. وَهُوَ معنى قَول (خَ) فيدعي بِمَعْلُوم مُحَقّق الخ. وَإِذا كَانَ الْبَالِغ الرشيد لَا يجب عَلَيْهِ أَن يُجيب عَن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ لَو أقرّ وَقَالَ: نعم لَهُ عَليّ مَا يَدعِيهِ وَأنكر وَقَامَت الْبَيِّنَة بذلك لم يحكم عَلَيْهِ بذلك الْإِقْرَار وَلَا بِتِلْكَ الْبَيِّنَة إِذْ الْكل مَجْهُول وَالْحكم بِهِ مُتَعَذر كَمَا مر، فَكيف يقْضى بِهِ على الْمَحْجُور أَو نَائِبه وَيلْزم بضامن فِيهِ، وَأما قَوْله بِالْعَدْلِ الْوَاحِد أَن الزِّمَام قد تلف لَهُ فقد سَاقه هَذَا الْعدْل مساق الْحِكَايَة فَلَا يُفِيد، نعم استفسر عَنهُ وَقَالَ: إِنَّه أقرّ عِنْدِي بذلك أَو أشهدني بِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يسْأَل الْوَصِيّ أَو الْمُقدم عَن ذَلِك، فَإِن قَالَ: إِنَّه تلف بعد وجوده فِي تَرِكَة أبي محاجيره وَقبل دُخُوله ليده أَو بعد دُخُوله، وَلَكِن بِغَيْر سَببه وَلَا تفريطه فَهُوَ مُصدق إِذْ الأَصْل عدم العداء وَهُوَ حِينَئِذٍ مقرّ عَن الْغَيْر إِذْ لَا يضمن مَا فِيهِ حِينَئِذٍ لعدم تسببه فِي تلفه وَيجْرِي حكمه على مَا مر من كَونه مقرا أَو شَاهدا، وَإِن قَالَ: تلف بِسَبَبِهِ فَهُوَ ضَامِن لما فِيهِ لقَوْل (خَ) فِي الزَّكَاة عاطفاً على مَا فِيهِ الضَّمَان أَو بإمساك وَثِيقَة أَو تقطيعها وَلَكِن يصدق بِقدر مَا فِيهِ بِيَمِينِهِ حَيْثُ لم تقم عَلَيْهِ بَيِّنَة بذلك لقَوْله أَيْضا فِي الْغَصْب وَالْقَوْل لَهُ أَي للْغَاصِب فِي قدره وتلفه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. كذاكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَزِلا إلاَّ لِعُذْرٍ بَيِّنٍ إنْ قَبِلَا
стр. 1160
(كَذَاك لَا يجوز) للمقدم من قَول القَاضِي (أَن ينعزلا) أَي يعْزل نَفسه أَو يعزله القَاضِي عَن التَّقْدِيم (إِلَّا لعذر بَين) من طرُو فسق أَو اختلال عقل كَمَا مر (إِن) كَانَ (قبلا) فَإِن كَانَ لم يقبل فَلَا إِشْكَال فِي أَن لَهُ أَن لَا يقبل. وَصَالِحٌ لَيْسَ يُجِيدُ النَّظَرَا فِي المَالِ إنْ خِيفَ الضَّيَاعُ حُجرا (و) شخص (صَالح) فِي دينه لَا يشرب وَلَا يفسق (لَيْسَ يجيد) أَي لَا يحسن (النّظر فِي المَال) الَّذِي بِيَدِهِ (إِن خيف الضّيَاع) على مَاله لكَونه لَا يحسن إِمْسَاكه بل يبذره لكَونه لَا يعده شَيْئا أَو لكَونه يخدع فِي تَصَرُّفَاته مِمَّا لَا يتَغَابَن النَّاس بِمثلِهِ (حجرا) عَلَيْهِ أَي ولى الْحَاكِم عَلَيْهِ من يتَصَرَّف لَهُ ويحفظ مَاله وَأَحْرَى أَن لَا يُطلق من الْحجر إِذا كَانَ مولى عَلَيْهِ، وَهَذَا الْبَيْت مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله أول الْبَاب الرشد حفظ المَال الخ. إِذْ مَفْهُومه أَنه إِذا لم يكن حَافِظًا لمَاله لم يكن رشيدا وَوَجَب تحجيره وَإِن كَانَ صَالحا فِي دينه. وَشَارِبُ الخَمْرِ إِذا مَا ثَمَّرَا لمَا يَلي مِنْ مَالِهِ لَنْ يُحْجَرَا (و) شخص (شَارِب الْخمر) فَاسق فِي دينه (إِذا مَا) زَائِدَة (ثمرا) أَي أحسن النّظر والتنمية (لما يَلِي من مَاله لن يحجرا) عَلَيْهِ لِأَن التحجير إِنَّمَا هُوَ لضبط المَال لَا لفساد الْأَمْوَال لِأَن فَسَاد أَمْوَال الرجل لَا تعدوه إِلَى غَيره، وَإِذا بذر مَاله وأتلفه صَار عَالَة على الْمُسلمين وَرجعت نَفَقَته إِلَى بَيت مَالهم فوصل ضَرَره بتبذيره إِلَى جَمِيع الْمُسلمين، فَلهَذَا وَجب تحجيره قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَهَذَا الْبَيْت مُسْتَغْنى عَنهُ أَيْضا بمنطوق قَوْله: الرشد حفظ المَال مَعَ حسن النّظر فِيهِ الخ. إِذْ لَا يشْتَرط صَلَاح الدّين على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ خلافًا للمدنيين من اشْتِرَاط صَلَاح الدّين أَيْضا كَمَا مر. وَلِلْوَصِيِّ جائزٌ أَنْ يَتْجَرَا لكنه يَضْمَنُ مَهْمَا غَرَّرَا (وللوصي جَائِز أَن يتجرا) بأموال الْيَتَامَى على أَن الرِّبْح لَهُم والخسارة عَلَيْهِم (خَ) : وَله دفع مَاله قراضا أَو بضَاعَة وَلَا يعْمل هُوَ بِهِ الخ. وَإِنَّمَا لم يجز أَن يعْمل هُوَ بِهِ مَخَافَة أَن يحابي نَفسه فَإِن عمل بِهِ بِنَفسِهِ بقراض مثله جَازَ وَلم يكن عَلَيْهِ فِيهِ ضَمَان إِن تلف وَكَانَ الرِّبْح بَينهمَا على مَا شَرط، وَإِن خسر لم يضمن وَإِن عمل بِهِ يجزء أَكثر من قِرَاض مثله فَإِنَّهُ يرد إِلَى جُزْء قِرَاض مثله فَإِن خسر أَو تلف فَاخْتلف هَل يضمن أم لَا؟ وَالْمُعْتَمد عدم الضَّمَان قَالَه ابْن رشد، وَظَاهره أَن لَهُ أَن يَدْفَعهُ قراضا وبضاعة وَلَو برا وبحراً وَهُوَ كَذَلِك مَعَ الْأَمْن كَمَا يفِيدهُ قَوْله: (لكنه يضمن
следующие страницы →