Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
(خطْبَة الْكتاب)
الْحَمد لله الْوَاحِد الْأَحَد ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام، الْمُبين لِعِبَادِهِ على لِسَان رسله شرائع الْأَحْكَام من وَاجِب وحلال وَحرَام، وكلفهم بِالْوُقُوفِ عِنْد حُدُودهَا وَاتِّبَاع أوامرها وَاجْتنَاب نواهيها تكليفاً لَا انْفِصَال لَهُم عَنهُ وَلَا انفصام، وَأمر رسله وورثتهم من خلقه بتنفيذها بَين عباده ليرتفع الظُّلم وَالْفساد والهرج والعناد تنفيذاً لَا يشوبه حيف فِي إِقَامَة الْحق بَين ذَوي الْخِصَام، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد قطب دَائِرَة الكونين الْمُؤَيد بِالْوَحْي والإلهام، وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين مهدوا للدّين من بعده فَاسْتَنَارَ الْحق واستقام وَقَامُوا بالشريعة المطهرة أحسن قيام. وَبعد: فَيَقُول أفقر العبيد إِلَى الله الْغَنِيّ بِهِ عَمَّن سواهُ الراجي عَفوه فِي سره ونجواه عَليّ بن عبد السَّلَام التسولي أصلا ومنشأً، الفاسي دَارا وقراراً: لما كَانَت تحفة الْحُكَّام من أجل مَا ألف فِي علم الوثائق والإبرام لِسَلَامَةِ نظمها ووجازة لَفظهَا، ولكونها قد اجْتمع فِيهَا مَا افترق فِي غَيرهَا ومنّ الله علينا بتدريسها وإقرائها وإبراز خَفِي مَعَانِيهَا وَذكر فروع تناسبها ونكت تقيد شواردها وَتحل مقفلها، طلب مني الْكثير من طلبة الْوَقْت أَن أَضَع لَهُم شرحاً عَلَيْهَا يشفي الغليل ويكمل المرام، ويكشف من خَفِي مَعَانِيهَا مَا وَرَاء اللثام ويحتوي على إِعْرَاب كل ألفاظها ليتدرب المبتدىء بِعلم النَّحْو الَّذِي عَلَيْهِ الْمدَار فِي الْفَهم والإفهام، وعَلى بَيَان منطوقها وَمَفْهُوم الْكَلَام، وعَلى إبراز فرائد الْفَوَائِد وفروع تناسب الْمقَام مُبينًا فِيهِ مَا بِهِ الْعَمَل عِنْد الْمُتَأَخِّرين من قُضَاة الْعدْل وَالْأَئِمَّة الْكِرَام، مصلحاً فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى الْإِصْلَاح من أَلْفَاظه المخلة بالنظام، شارحاً فِيهِ غَالب وثائق الْأَبْوَاب وَإِن أدّى ذَلِك إِلَى الإطناب ليتدرب بذلك من لم يتَقَدَّم لَهُ مَسِيس بالفتوى من الْأَنَام ويهتدي إِلَى كَيْفيَّة تَنْزِيل الْفِقْه على وثائق الْأَحْكَام، فأجبتهم إِلَى ذَلِك بعد التَّوَقُّف والإحجام،
стр. 2
وَتَقْدِيم رجل وَتَأْخِير أُخْرَى فِي مُدَّة من الْأَيَّام مستعيناً على ذَلِك كُله بِالْوَاحِدِ الْأَحَد الْملك العلام، مرتكباً فِي ذَلِك أبسط الْعبارَة غير مكتف عَن التَّصْرِيح بالرمز وَالْإِشَارَة ليطابق الشَّرْح المشروح ويهتدي إِلَى فهمه من تقدم لَهُ أدنى مَسِيس بِعلم الْفِقْه والعربية، وخلا ذهنه عَن رَدِيء الأوهام مُشِيرا بِصُورَة (خَ) الْمُعْجَمَة إِلَى الشَّيْخ خَلِيل وبصورة (ت) إِلَى شيخ شُيُوخنَا سَيِّدي مُحَمَّد التاودي أحد شرَّاح هَذَا الْكتاب وبصورة (م) إِلَى الشَّيْخ ميارة ذِي الْعلم الْجَلِيل وبصورة (ح) الْمُهْملَة إِلَى الإِمَام الْحطاب، وَلكَون الْإِعْرَاض يَكْفِي فِي الْإِشَارَة لأولي الْأَلْبَاب لم أصرح بالانتقاد على أحد من شرَّاح هَذَا الْكتاب. نعم وَقع بعض ذَلِك فِي صَدره ليقاس عَلَيْهِ مَا بَقِي من بعده، وَأَيْضًا فَإِن لكل أحد منهجاً يَقْتَضِيهِ ومذهباً يختاره للْفَتْوَى ويصطفيه. وَأَقُول كَمَا قَالَ صَاحب التسهيل: وَإِذا كَانَت الْعُلُوم منحاً إلهية ومواهب اختصاصية فَغير مستبعد أَن يدّخر لبَعض الْمُتَأَخِّرين مَا عسر على كثير من الْمُتَقَدِّمين. وَلما منَّ الله تَعَالَى عليَّ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلم يكن اطلع عَلَيْهِ أحد وَهُوَ مِمَّا نضمره ونخفيه أَخْبرنِي بعض الطّلبَة الطالبين للشرح الْمَذْكُور الصَّادِق فِي خلوص الطوية والمحبة أَنه رأى فِي الْمَنَام أَنِّي وضعت عَلَيْهَا شرحاً فائقاً كبدر التَّمام، فزادني ذَلِك انتشاطاً وتثبتاً بِالْمَقْصُودِ واغتباطاً لعلمي بِصدق طويته وَعدم كذبه فِي خَبره على الدَّوَام، وَكنت ترددت أَيَّامًا فِي كَيْفيَّة تَسْمِيَته فَأَشَارَ إليَّ هَاتِف فِي الْمَنَام بِأَن أسعيه الْبَهْجَة فِي شرح التُّحْفَة مأخوذاً من قَوْله تَعَالَى: ذَات بهجة﴾ (النَّمْل: ٦٠) وَالله سُبْحَانَهُ المسؤول فِي بُلُوغ المأمول إِنَّه على مَا يَشَاء قدير، وبالإجابة جدير وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل. فالناظم ﵀: هُوَ القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَاصِم الأندلسي الغرناطي، ولد ﵀ ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى من عَام سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَتُوفِّي حادي عشر شَوَّال من عَام
стр. 3
تِسْعَة وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وَقد أنْشد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن القَاضِي بَيْتا رمز فِيهِ لولادة النَّاظِم ووفاته وبلده على طَرِيق نظم الوفيات لِلْكَاتِبِ القشتالي فَقَالَ: وَقد (رقصت) غرناطة بِابْن عَاصِم و (سحت دموعاً) للْقَضَاء الْمنزل فرمز بحروف رقصت لسنة الْولادَة ومجموعها بِحِسَاب الْجمل سِتُّونَ وَسَبْعمائة مَعَ مَا فِي التَّعْبِير بالرقص من الْمُنَاسبَة، إِذْ الرقص الْفَرح وَالسُّرُور، ورمز للوفاة بحروف سحت دموعاً ومجموعها بِالْحِسَابِ الْمَذْكُور ثَمَانمِائَة وَتِسْعَة وَعِشْرُونَ مَعَ مَا فِي التَّعْبِير بذلك من الْإِشَارَة للْمَوْت. وَمن شُيُوخه ﵀ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد فرج بن قَاسم بن لب، والأستاذ أَبُو عبد الله القيجاطي، وناصر السّنة الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الشاطبي، وقاضي الْجَمَاعَة الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن علاق، وخالاه مُحَمَّد وَأحمد ولدا أبي الْقَاسِم بن جزي، والشريف أَبُو عبد الله مُحَمَّد التلمساني، وَالْقَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الله النميري، والأستاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ البلنسي وَغَيرهم. كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى فَاضلا متقناً لعلم الْفِقْه والقراءات، مشاركاً فِي الْعَرَبيَّة والمنطق وَالْأُصُول والحساب والفرائض مُشَاركَة حَسَنَة مُتَقَدما فِي الْأَدَب نظماً ونثراً وَكِتَابَة وشعراً إِلَى براعة خطّ وإحكام رسم وإتقان بعض الصَّنَائِع العلمية كتسفير الْكتب وتنزيل الذَّهَب وَغَيرهمَا. وَله تآليف عديدة مِنْهَا هَذِه الأرجوزة، وَأُخْرَى فِي الْأُصُول سَمَّاهَا: مهيع الْوُصُول فِي علم الْأُصُول، وَأُخْرَى فِي النَّحْو حَاذَى بهَا رجز ابْن مَالك، وَأُخْرَى فِي الْفَرَائِض، وقصيدة سَمَّاهَا: إِيضَاح الْمعَانِي فِي قِرَاءَة الثماني، وَأُخْرَى سَمَّاهَا: الأمل المرقوب فِي قِرَاءَة يَعْقُوب، وَغير ذَلِك كَمَا فِي الابتهاج للشَّيْخ أَحْمد بَابا كَانَ الله للْجَمِيع آمين. قَالَ ﵀ (بِسم) جَار ومجرور مُتَعَلق بِمَحْذُوف قدره بَعضهم فعلا وَبَعْضهمْ مصدرا
стр. 4
مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء، وَالتَّقْدِير على الأول بِسم الله أؤلف أَو أنظم، وَقدر مُؤَخرا طلبا للاهتمام والاختصاص، وعَلى الثَّانِي تأليفي أَو نظمي بِسم الله ثَابت أَو حَاصِل، فَحذف الْمُبْتَدَأ وَخَبره وَبَقِي مَعْمُول الْمُبْتَدَأ، وَالْبَاء للاستعانة أَو للمصاحبة، وَإِنَّمَا قدر الْعَامِل هُنَا من مَادَّة التَّأْلِيف أَو النّظم لِأَن الَّذِي يَتْلُو الْبَسْمَلَة هُنَا مؤلف وناظم والتالي لَهَا فِي كل مَحل يعين الْعَامِل الْمَحْذُوف. ثمَّ إِن لفظ اسْم الَّذِي هُوَ ألف سين مِيم يُطلق فِي اللُّغَة إطلاقاً شَائِعا على مَا يعم أَنْوَاع الْكَلِمَة فَيصدق بِلَفْظ زيد وَلَفظ قَامَ وَهل مثلا، وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة على مَا يُقَابل الْحَرْف وَالْفِعْل وَيُطلق أَيْضا فِي اللُّغَة إطلاقاً غير شَائِع على الذَّات فَيصدق بِذَات زيد وَذَات عَمْرو، وَهَكَذَا. قَالَ الْفَخر: الِاسْم يُطلق لمعان ثَلَاث إِلَى أَن قَالَ الثَّانِي ذَات الشَّيْء، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: يُقَال ذَات وَنَفس وَعين وَاسم بِمَعْنى اه. فعلى الشَّائِع مَدْلُوله اللَّفْظ الْمُفْرد الْمَوْضُوع لِمَعْنى الصَّادِق بِلَفْظ زيد وَلَفظ قَامَ وَهل وَنَحْوهَا من الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على معنى وَهُوَ الذَّات فِي الأول وَالْقِيَام فِي الثَّانِي والاستفهام فِي الثَّالِث، وعَلى غير الشَّائِع مَدْلُوله الذَّات الصادقة بِذَات زيد وَذَات عَمْرو وَنَحْوهمَا. فَإِذا قلت: رَأَيْت اسْم زيد فَمَعْنَاه رَأَيْت ذَاته وعينه لَا لَفظه، فَقَوْلهم قد اخْتلف هَل الِاسْم عين الْمُسَمّى أَو غَيره؟ مُرَادهم اخْتلف فِي مَدْلُول لفظ اسْم حَيْثُ اسْتعْمل فِي التراكيب الْجُزْئِيَّة الَّتِي لَا يُرَاد فِيهَا مَدْلُوله الَّذِي هُوَ مُطلق اللَّفْظ على الشَّائِع أَو مُطلق الذَّات على غَيره، وَإِنَّمَا يُرَاد بعض مَا صدقَات مَدْلُوله فِي الْجُمْلَة فَقيل فِيهِ إِذْ ذَاك: إِن مَدْلُوله لفظ زيد مثلا الَّذِي هُوَ على الشَّائِع من مَا صدقَات مَدْلُوله، وَلَفظ زيد غير الْمُسَمّى الَّذِي هُوَ ذَاته، وَقيل إِن مَدْلُوله عين الْمُسَمّى وَهُوَ ذَات زيد مثلا الَّتِي هِيَ على غير الشَّائِع من مَا صدقاته وعَلى الشَّائِع هِيَ مَدْلُول مَا صدقه وَلَيْسَ مَدْلُوله لفظ زيد على هَذَا القَوْل.
стр. 5
وَبِالْجُمْلَةِ فذات زيد مثلا هِيَ بعض مَدْلُول مَا صدقَات الِاسْم على الأول وَهِي بعض مَا صدقاته على الثَّانِي لِأَن مَدْلُول الِاسْم على الأول هُوَ اللَّفْظ الدَّال على معنى وَلَفظ زيد بعض مَا صدق عَلَيْهِ ذَلِك اللَّفْظ وذاته هِيَ مَدْلُول مَا صدقه وعَلى الثَّانِي هِيَ مَا صدقه لَا مَدْلُول مَا صدقه فمدلوله على الأول لفظ دَال على معنى أياً كَانَ، ومدلوله على الثَّانِي نفس الْمَعْنى أياً كَانَ. وَدَلِيل القَوْل الأول قَوْله تَعَالَى: وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٠) أَي أَلْفَاظ دَالَّة عَلَيْهِ فَادعوهُ بهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٠) وَقَوله ﷺ : (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما) أَي لفظا للْقطع بِأَن الْمُسَمّى وَاحِد لَا تعدد فِيهِ. وَدَلِيل القَوْل الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ (الْأَعْلَى: ١) وَالتَّسْبِيح الَّذِي هُوَ التَّنْزِيه عَن صِفَات المحدثات إِنَّمَا هُوَ للذات دون اللَّفْظ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها﴾ (يُوسُف: ٤٠) وعبادتهم إِنَّمَا هِيَ للمسميات دون الْأَسَامِي. وَإِذا تقرر هَذَا علمت أَن لفظ اسْم فِي الْبَسْمَلَة هُوَ مقحم على الأول أَو بِمَعْنى التَّسْمِيَة أَو من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص إِذْ مَعْنَاهُ بدأت مستعيناً بِاللَّه أَو بِتَسْمِيَة الله أَو بِسم هُوَ الله، وَأما على الثَّانِي فَلَا يؤول بِشَيْء إِذْ مَعْنَاهُ مستعيناً بمسمى الله ومسماه هُوَ ذَاته الْعلية أَي مستعيناً بمسمى هَذَا اللَّفْظ على أَن الْخلاف لَفْظِي كَمَا صرح بِهِ الشَّيْخ زَكَرِيَّا وَغَيره فَمن قَالَ: إِنَّه غير الْمُسَمّى أَرَادَ حَيْثُ يكون الحكم مناسباً لغير الْمُسَمّى كَقَوْلِك: تَلَوت اسْم زيد أَي لَفظه وَمن قَالَ: إِنَّه عين الْمُسَمّى أرَاهُ حَيْثُ يكون الحكم مناسباً لذَلِك أَيْضا كَقَوْلِك: رَأَيْت اسْم زيد أَي ذَاته، وَأما تَقْسِيم الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَسمَاء الله تَعَالَى إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مَا هُوَ نفس الْمُسَمّى أَي مَدْلُوله نفس الْمُسَمّى مثل لفظ الله الدَّال على ذَاته تَعَالَى، وَمَا هُوَ غَيره كالخالق والرازق وَنَحْوهمَا من صِفَات الْأَفْعَال أَي يفهم مِنْهَا غَيره تَعَالَى وَهُوَ الْخلق والرزق الناشئان عَن قدرته بِخِلَاف الأول إِذْ لَا يفهم من لفظ الله سوى ذَاته تَعَالَى وَمَا هُوَ لَا عينه وَلَا غَيره كالعالم والقادر وَنَحْوهمَا من الصِّفَات الْقَدِيمَة، فَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك فِي لفظ الِاسْم، وَالْخلاف الْمُتَقَدّم إِنَّمَا هُوَ فِي لفظ الِاسْم لَكِن قَالَ بَعضهم: إِن قَوْله لَا عينه وَلَا غَيره لَا يَخْلُو من صعوبة وإشكال، وَقد انْفَصل عَن ذَلِك بَعضهم بِأَن المُرَاد أَن تِلْكَ الصّفة الْحَقِيقِيَّة لَيست غير الذَّات مفهوماً أَي مدلولاً وَلَا عينهَا خَارِجا اه. وَلَعَلَّه يُرِيد أَنه لَا يُقَال أَن مدلولها غير الذَّات وَلَا عين الذَّات، بل مدلولها الذَّات بصفتها وَالله أعلم. وَهَذِه الْمَسْأَلَة عويصة بسطت الْكَلَام فِيهَا لصعوبتها على الْولدَان المبتدئين. تَنْبِيه: قَالَ الْبَغَوِيّ فِي اخْتِصَار قَوَاعِد الْقَرَافِيّ مَا نَصه: قَالَ صَاحب الْخِصَال الأندلسي: يجوز الْحلف بِقَوْلِك: بِسم الله، وَتجب بِهِ الْكَفَّارَة، قَالَ الْقَرَافِيّ: هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا جور بِسَبَب أَن الِاسْم هَهُنَا إِن أُرِيد بِهِ الْمُسَمّى استقام الحكم، وَإِن لم يرد بِهِ الْمُسَمّى فقد حكى ابْن السَّيِّد البطليوسي أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي لفظ الِاسْم هَل هُوَ مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَين الْأَسْمَاء فمسماه لفظ أَو وضع فِي اللُّغَة للقدر الْمُشْتَرك بَين المسميات فَلَا يتَنَاوَل إِلَّا مُسَمّى؟ قَالَ: وَهَذَا
стр. 6
هُوَ خلاف تَحْقِيق الْعلمَاء فِي أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى أَولا، وَأَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ لفظ الِاسْم الَّذِي هُوَ ألف سين مِيم، وَأما لفظ نَار وَذهب فَلَا يَصح أَن يَقُول عَاقل أَن لفظ نَار هُوَ عين النَّار حَتَّى تحرق فَم من ينْطق بِهَذَا اللَّفْظ، وَإِذا فرعنا على هَذَا وَقُلْنَا الِاسْم مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَين الْأَسْمَاء، وَأَن مُسَمَّاهُ لفظ فَيَنْبَغِي أَن لَا تلْزم بِهِ كَفَّارَة إِذا حلف بِهِ وَأَن لَا يجوز الْحلف بِهِ كَمَا لَو قُلْنَا: ورزق الله فَإِن إِضَافَة الْمُحدث إِلَى الله لَا يصيره مِمَّا يجوز الْحلف بِهِ، وَإِن قُلْنَا هُوَ مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَين مسميات وَالْقَاعِدَة أَن الدَّال على الْأَعَمّ غير دَال على الْأَخَص وَمَا يكون كَذَلِك لَا يحلف بِهِ وَلَا يكون قسما إِلَّا بنية أَو عرف ناقل وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا هَهُنَا فَلَا تجب كَفَّارَة إِذا لم يتَعَيَّن صرف اللَّفْظ لجِهَة الله اه لَفظه. قلت: تَأمل قَوْله: فَلَا يَصح أَن يَقُول عَاقل أَن لفظ نَار هُوَ عين النَّار الخ. فَإِنَّهُ غير سديد. وَصَوَابه: أَن يَقُول فَلَا خلاف فِي أَن مَدْلُول لفظ نَار هُوَ عين النَّار لِأَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي مَدْلُول لفظ الِاسْم لَا فِي مَدْلُول غَيره إِذْ مَدْلُول غَيره من الْأَلْفَاظ هُوَ عين الْمُسَمّى اتِّفَاقًا. (الله) : مُضَاف إِلَيْهِ وَأَصله إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ أسقط مِنْهُ الْهَمْز ثمَّ أبدل بأل كَمَا قَالَ: وَالِاسْم ذُو التَّقْدِيس هُوَ الله على الْأَصَح أَصله إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ أسقط مِنْهُ الْهَمْز ثمَّ أبدلا بأل التَّعْرِيف لذاك جعلا وَهل مُشْتَقّ أَو جامد؟ فِيهِ أَقْوَال لَيْسَ هَذَا محلهَا وَلَا بَأْس بِالْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضهَا فَقيل: هُوَ مُشْتَقّ من التأله وَهُوَ التنسك والتعبد يُقَال إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ آلِهَة أَي عبد عبَادَة، وَقيل من الإل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ وَهُوَ الِاعْتِمَاد يُقَال: ألهت إِلَى فلَان أَي فزعت إِلَيْهِ واعتمدت عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَن الْخلق يفزعون ويتضرعون إِلَيْهِ فِي الْحَوَادِث والحوائج فَهُوَ يألههم أَي يجيرهم فَسُمي إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هَا. وَقيل: هُوَ من ألهت فِي الشَّيْء إِذا تحيرت فِيهِ فَلم تهتد إِلَيْهِ وَمَعْنَاهُ: أَن الْعُقُول تتحير فِي كنه صفته وعظمته والإحاطة بكيفيته فَهُوَ إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ كَمَا يُقَال للمكتوب كتاب وللمحسوب حِسَاب. وَقَالَ الْمبرد: هُوَ من قَول الْعَرَب ألهت إِلَى فلَان أَي سكنت إِلَيْهِ فَكَأَن الْخلق يسكنون ويطمئنون بِذكرِهِ، وَقيل: أَصله من الوله وَهُوَ ذهَاب الْعقل لفقدان من يعز عَلَيْك، وَكَأَنَّهُ سمي بذلك لِأَن الْقُلُوب تتوله لمحبته وتطرب وتشتاق عِنْد ذكره، وَقيل: مَعْنَاهُ المحتجب لِأَن الْعَرَب إِذا عرفت شَيْئا ثمَّ حجب عَن أبصارها سمته إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هَا تَقول: لاهت الْعَرُوس تلوه لوهاً إِذا احْتَجَبت، ف الله تَعَالَى هُوَ الظَّاهِر بالربوبية بالدلائل والأعلام
стр. 7
والمحتجب من جِهَة الْكَيْفِيَّة عَن الأوهام. حكى هَذِه الْأَقْوَال الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني فِي كِتَابه الْمُسَمّى: غنية الطَّالِب نفعنا الله بِهِ. (الرَّحْمَن الرَّحِيم) : نعتان لله، وَقيل الرَّحْمَن بدل والرحيم نعت للرحمن والرحمن الْمُنعم بجلائل النعم والرحيم الْمُنعم بدقائقها، وَقدم الأول وَهُوَ الله لدلالته على الذَّات، ثمَّ الثَّانِي لاختصاصه بِهِ وَلِأَنَّهُ أبلغ من الثَّالِث، فَقدم عَلَيْهِ ليَكُون كالتتمة والرديف، وَلِأَن الثَّالِث لَا يخْتَص بِهِ تَعَالَى بِدَلِيل قَوْله: بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) : الْحَمْدُ لله الَّذِي يَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْناً وَعَلَا (الْحَمد لله) : مُبْتَدأ وَخبر أَي الصِّفَات الجميلة كلهَا وَاجِبَة لله، وَمعنى، وُجُوبهَا أَنه لَا يتَصَوَّر فِي الْعقل عدم وَصفه بهَا، وَالْجُمْلَة خبرية لفظا إنشائية معنى إِذْ المُرَاد إنْشَاء الثَّنَاء بمضمونها أَي أنشىء وَصفه تَعَالَى بِكُل جميل، وأتى بِالْحَمْد بعد الْبَسْمَلَة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وامتثالاً لقَوْل رَسُول الله ﷺ : (كل أَمر ذِي بَال لَا يبتدأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم) أَي مَقْطُوع الْبركَة. كَمَا ورد عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ: (كل أَمر ذِي بَال لَا يبتدأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَبتر) أَي ذَاهِب الْبركَة، فَحمل النَّاظِم ﵀ حَدِيث الْبَسْمَلَة على الِابْتِدَاء الْحَقِيقِيّ بِحَيْثُ لَا يسْبقهُ شَيْء، وَحَدِيث الحمدلة على الِابْتِدَاء الإضافي الْقَرِيب مِنْهُ بِأَن يذكر الْحَمد عقب الْبَسْمَلَة مُتَّصِلا بهَا كَمَا يدل عَلَيْهِ الْقُرْآن فَهُوَ مُبين لكيفية الْعَمَل بِالْحَدِيثين، وَهَذَا أحد الْأَجْوِبَة عَمَّا أوردوه من أَن الِابْتِدَاء بِأَحَدِهِمَا يفوت الِابْتِدَاء بِالْآخرِ، ولنقتصر عَلَيْهِ لكَونه أحْسنهَا. ثمَّ إِن الْحَمد لُغَة هُوَ الْوَصْف بالجميل على الْجَمِيل على جِهَة التَّعْظِيم والتبجيل، فَالْمُرَاد بِالْوَصْفِ الذّكر بِاللِّسَانِ فَقَط، وَخرج بالجميل الْوَصْف بالقبيح فَلَيْسَ حمداً بل ذماً وَبِقَوْلِهِ: على جِهَة التَّعْظِيم الخ، الْوَصْف بالجميل تهكماً نَحْو: ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ (الدُّخان: ٤٩) وَقيل: لَا حَاجَة لزِيَادَة هَذَا الْقَيْد بل هُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: بالجميل على الْجَمِيل وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَصفه بالجميل وَهُوَ غير متصف بِهِ فِي الْحَقِيقَة بل مجَازًا بِاعْتِبَار مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالْمجَاز غير مُحْتَرز عَنهُ فِي الْحُدُود بل إِنَّمَا يحْتَرز فِيهَا عَمَّا يُشَارك الْمَحْدُود فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقِيّ. وَله أَرْكَان خَمْسَة: الصِّيغَة والحامد والمحمود وَهَذِه الثَّلَاثَة يتضمنها لفظ الْوَصْف وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بِاللِّسَانِ، وَالرَّابِع: الْمَحْمُود بِهِ وَهُوَ صفة كَمَال يدْرك الْعقل السَّلِيم حسنها، وَالْمرَاد كَونه جميلاً فِي الْوَاقِع أَو عِنْد الحامد أَو الْمَحْمُود بزعم الحامد، وَالْخَامِس: الْمَحْمُود عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَقع الْوَصْف الْجَمِيل بإزائه ومقابلته فَهُوَ الْبَاعِث على الْحَمد، وَهَذَانِ مُصَرح بهما فِي التَّعْرِيف فَلفظ الْحَمد فِي كَلَام النَّاظِم يتَضَمَّن الصِّيغَة أَي اللَّفْظ الَّذِي يُؤدى بِهِ الْوَصْف ويتضمن الحامد أَي الواصف ويتضمن أَيْضا الْمَحْمُود بِهِ، إِذْ كل واصف لَا بُد لَهُ من لفظ بِصفة يصف بهَا غَيره،
стр. 8
وَقَوله: (لله) هُوَ الْمَحْمُود، فَهَذِهِ أَرْبَعَة، وَأما الْمَحْمُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَاعِث على الْحَمد فقد يُسْتَفَاد من قَوْله الَّذِي يقْضِي الخ أَي فكونه يقْضِي على غَيره وَلَا يقْضى عَلَيْهِ هُوَ صفة جميلَة فِي غَايَة الْكَمَال، وَذَلِكَ هُوَ الْبَاعِث على وَصفه بِكُل جميل فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْوَصْف بِكُل جميل من قدرَة وَعلم وَغَيرهمَا ثَابت لله، والباعث على وصفي لَهُ بذلك هُوَ كَونه يقْضِي وَلَا يقْضى عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِن الْمَحْمُود بِهِ والمحمود عَلَيْهِ قد يتحدان معنى ويفترقان بِالِاعْتِبَارِ كَمَا لَو قلت: أَحْمَده تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الجميلة من قدرَة وَنَحْوهَا لكَونه متصفاً بهَا فالقدرة مثلا من حَيْثُ الْوَصْف بهَا مَحْمُود بهَا وَمن حَيْثُ إِنَّهَا باعثة على الْحَمد مَحْمُود عَلَيْهَا فَلَا شكّ أَن الْحَمد فِي النّظم مُتَضَمّن للأركان الْخَمْسَة. وَالْحَمْد والمدح مُتَرَادِفَانِ كَانَا فِي مُقَابلَة نعْمَة أم لَا. كَمَا للزمخشري فِي فائقه خلافًا للرازي حَيْثُ فرق بَين الْحَمد والمدح بِأَن الْمَدْح أَعم من الْحَمد لِأَنَّهُ يحصل للعاقل وَغَيره قَائِلا: أَلا ترى أَنه يمدح الْيَاقُوت على نِهَايَة صفائه وصقالته فَيُقَال: مَا أحْسنه وَمَا أصفاه، وَالْحَمْد لَا يكون إِلَّا للْفَاعِل الْمُخْتَار على مَا يصدر مِنْهُ من الإنعام كَانَ ذَلِك الإنعام واصلاً إِلَيْك أَو إِلَى غَيْرك اه. وَعَلِيهِ فيقيد الْمَحْمُود عَلَيْهِ بالاختياري وبكونه فِي مُقَابلَة نعْمَة ليخرج الْمَدْح، لَكِن يلْزم على التَّقْيِيد بِهِ خُرُوج الثَّنَاء على الصِّفَات الْقَدِيمَة وَأَنه لَا يكون حمداً بل مدحاً فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك، وَمَا أُجِيب بِهِ عَن خُرُوج الصِّفَات الْقَدِيمَة من تَعْرِيف الْحَمد بِنَاء على ذَلِك التَّقْيِيد من أَنَّهَا لما كَانَت مبدأ للأفعال الاختيارية كَانَ الْحَمد عَلَيْهَا حمد على تِلْكَ الْأَفْعَال الاختيارية تمحل غير سديد، فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَالصَّوَاب مَا فِي الْفَائِق من ترادفهما. قَالَه الشَّيْخ الْبنانِيّ فِي شرح السّلم. وَأما الْحَمد عرفا أَي: شرعا فَهُوَ فعل ينبىء عَن تَعْظِيم الْمُنعم بِسَبَب كَونه منعماً وَهُوَ مساوٍ للشكر لُغَة وَبَينهمَا وَبَين الْحَمد لُغَة عُمُوم وخصوص من وَجه فعمومهما بِاعْتِبَار المورد لِأَنَّهُمَا يكونَانِ بِاللِّسَانِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَركان وعمومه هُوَ بِاعْتِبَار الْمُتَعَلّق لِأَنَّهُ يكون فِي مُقَابلَة نعْمَة وَغَيرهَا فيجتمعان فِيمَا إِذا كَانَ الْوَصْف بِاللِّسَانِ فِي مُقَابلَة نعْمَة، وينفردان عَنهُ فِيمَا إِذا كَانَا بِغَيْر اللِّسَان فِي مُقَابلَة نعْمَة وينفرد هُوَ عَنْهُمَا فِيمَا إِذا كَانَ بِاللِّسَانِ لَا فِي مُقَابلَة نعْمَة. وَأما الشُّكْر عرفا؛ فَهُوَ صرف العَبْد جَمِيع مَا نعم الله بِهِ عَلَيْهِ من سمع وَغَيره إِلَى مَا خلق لأَجله فَهُوَ أخص مُطلقًا من كل وَاحِد من الثَّلَاثَة قبله لتقييده بمنعم مَخْصُوص وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ حَيْثُ قيل فِي حَده: جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَلم يقل أنعم بِهِ عَلَيْهِ ولتقييده أَيْضا بِنِعْمَة واصلة إِلَى عَبده الشاكر، ولشموله لجَمِيع الْجَوَارِح بِخِلَاف الحمدين قبله وَالشُّكْر لُغَة فَلم تقيد النِّعْمَة فِي ذَلِك بمنعم مَخْصُوص وَلَا بِكَوْنِهَا واصلة إِلَى الحامد أَو الشاكر، بل وصلت إِلَيْهِ وَإِلَى غَيره، وَلَا يكون ذَلِك بِجَمِيعِ الْجَوَارِح كَمَا لَا يخفى، وَهَذَا الشُّكْر هُوَ الشُّكْر الْمَأْمُور بِهِ شرعا الْمعبر عَنهُ
стр. 9
بالتقوى والاستقامة الَّذِي أخبر عَنهُ تَعَالَى بقوله: وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ (سبأ: ١٣) وَقَوله تَعَالَى: إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم﴾ (ص: ٢٤) فَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الشُّكْر شرعا إِلَّا بِكَمَال التَّقْوَى والاستقامة الظَّاهِرَة والباطنة أما المخلط فِي أَحْوَاله فَلم يؤد مَا وَجب عَلَيْهِ من الشُّكْر بِتَمَامِهِ نعم الطَّاعَة الصادرة مِنْهُ هِيَ بعض مَا وَجب عَلَيْهِ من الشُّكْر، وَلما لم يكن المخلط مُؤديا مَا وَجب عَلَيْهِ وَكَانَ الْكثير من النَّاس مخلطاً قَالَ تَعَالَى: وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ الخ. إِذْ المُرَاد بِصَرْف الْجَمِيع أَن لَا يخرج العَبْد عَن طَاعَة مَوْلَاهُ بِأَن تسلم جوارحه كلهَا من مُخَالفَة أمره وَنَهْيه فِي جَمِيع الْأَوْقَات فَلَا يكون شاكراً لنعم الله تَعَالَى شكرا حَقِيقِيًّا إِلَّا بِصَرْف الْجَمِيع، وَالْعَبْد لَا يَخْلُو عَن نعم الله طرفَة عين، وَعَن ذَلِك أفْصح الْجُنَيْد ﵁ بقوله: الشُّكْر أَن لَا يعْصى الله بنعمه، أَي جوارحه لِأَنَّهَا نعْمَة من الله عَلَيْهِ قَالَ هَذِه القولة فِي صباه. وبأدنى تَأمل يعلم أَن النّسَب سِتّ إِذْ بَين كل وَاحِد من الثَّلَاثَة وَالشُّكْر عرفا الْعُمُوم وَالْخُصُوص بِإِطْلَاق، فَهَذِهِ ثَلَاث نسب، وَبَين الْحَمد لُغَة وَالْحَمْد عرفا وَالشُّكْر لُغَة الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه وَبَين الْحَمد عرفا وَالشُّكْر لُغَة الترادف، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أخر وَقد نظم ذَلِك الشَّيْخ (عج) ﵀ بقوله: إِذا نسبا للحمد وَالشُّكْر رمتها بِوَجْه لَهُ عقل اللبيب يؤالف فَشكر لَدَى عرف أخص جَمِيعهَا وَفِي لُغَة للحمد عرفا يرادف عُمُوم لوجه فِي سوى ذين نِسْبَة فذي نسب سِتّ لمن هُوَ عَارِف وأل فِي الْحَمد للاستغراق وَهِي الَّتِي يصلح فِي موضعهَا كل نَحْو: إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ (الْعَصْر: ٢) وَذَلِكَ لِأَن الْحَمد إِمَّا قديم وَهُوَ حمد الله تَعَالَى لنَفسِهِ أَو لمن شَاءَ من خلقه، أَو حَادث وَهُوَ حمد الْعباد لرَبهم سُبْحَانَهُ أَو لبَعْضهِم بَعْضًا، فالقديم صفته وَوَصفه والحادث خلقه وَملكه فَالْحَمْد كُله لَهُ، وَقيل للْجِنْس لِأَن جنس الْحَمد إِذا ثَبت لله ثَبت لَهُ جَمِيع أَفْرَاده فمؤداهما وَاحِد، وَقيل للْعهد لِأَن الله سُبْحَانَهُ لما علم عجز خلقه عَمَّا يسْتَحقّهُ من الْحَمد حمد نَفسه بِنَفسِهِ فِي أزله قبل وجود خلقه ثمَّ لما أوجدهم أَمرهم أَن يحمدوه بذلك. وَلَام لله للاستحقاق أَي جَمِيع المحامد مُسْتَحقَّة لله تَعَالَى، وَلَا يَصح كَونهَا للْملك لِأَن من أَقسَام الْحَمد حمد الله تَعَالَى لنَفسِهِ أَو لمن شَاءَ من خلقه فِي أزله كَقَوْلِه: نعم العَبْد وَنَحْوه، وحمده لنَفسِهِ أَو لخلقه بِكَلَامِهِ وَكَلَامه قديم، وَالْقَدِيم لَا يَصح أَن يملك فَتعين كَونهَا للاستحقاق أَي يسْتَحق الْوَصْف بِكُل جميل لكَونه وَاجِبا لَهُ لَا يتَصَوَّر فِي الْعقل عَدمه. وَاسم الْجَلالَة علم على الذَّات الْوَاجِب الْوُجُود الْمُسْتَحق لجَمِيع المحامد وَهُوَ أشهر أَسْمَائِهِ تَعَالَى، قيل: إِنَّه اسْم الله الْأَعْظَم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَإِذا دعِي بِهِ أجَاب إِذا وجد شَرطه وَهُوَ التَّقْوَى، وَلذَا قبض الله تَعَالَى عَنهُ الألسن فَلم يتسم بِهِ أحد قَالَ تَعَالَى: هَل تعلم لَهُ سمياً﴾ (مَرْيَم: ٥٦) أَي هَل تعلم أحدا من الْمَخْلُوقَات سمي الله؟ والاستفهام بِمَعْنى النَّفْي أَي لم يتسم بِهِ غَيره وَهُوَ أعرف المعارف قَالَه سِيبَوَيْهٍ. (الَّذِي) نعت لله (يَقضي) بِفَتْح الْيَاء صلته والرابط ضمير يعود على الله (وَلَا يُقضى) بِضَم الْيَاء مَبْنِيا للْمَفْعُول (عَلَيْهِ) يتَعَلَّق بِهِ، وَالْجُمْلَة معطوفة على الصِّلَة والمعطوف على الصِّلَة صلَة أَيْضا، وَمَعْنَاهُ يحكم وَلَا يحكم عَلَيْهِ أَي وكل قَاض وحاكم
стр. 10
سواهُ تَعَالَى مقضي عَلَيْهِ من مَوْلَاهُ وَمِمَّنْ ولاه فَيُقَال لَهُ: مَا أحقك أَن تستشعر ذَلِك وتستحضر أَنَّك مسؤول عَن كل حكم حكمت بِهِ هُنَالك. وَفِي الْبَيْت براعة الاستهلال وَهِي أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم فِي أول كَلَامه بِمَا يشْعر بمقصوده، فَإِنَّهُ لما كَانَ قَصده أَن يتَكَلَّم فِي أَحْكَام الْقَضَاء وصف الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يقْضِي وَلَا يقْضى عَلَيْهِ. (جلّ) : فعل مَاض بِمَعْنى عَظِيم (شَأْنًا) : تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل كَقَوْلِه تَعَالَى: واشتعل الرَّأْس شيباً﴾ (مَرْيَم: ٤) أَي عظم شَأْنه والشأن الْأَمر وَالْحَال قَالَه الْجَوْهَرِي. (وَعلا) : فعل مَاض أَيْضا مَعْطُوف على جلّ وتمييزه مَحْذُوف أَي قدرا أَي جلّ شَأْنه وَعلا قدره، وَيحْتَمل أَن يكون مصدرا من قَوْلهم: علا فِي المكارم من بَاب تَعب عَلَاء بِفَتْح الْعين وَمد اللَّام كَمَا فِي الْمِصْبَاح قصره ضَرُورَة فَيكون مَعْطُوفًا على قَوْله شَأْنًا أَي عظم شَأْنًا وعلاء وَلَا يَصح أَن يكون اسْم مصدر لِأَن اسْم الْمصدر هُوَ مَا كَانَ لغير الثلاثي بِوَزْن مَا للثلاثي كأعطى عَطاء واغتسل غسلا، فاسم الْمصدر هُوَ عَطاء وَغسل والمصدر إِعْطَاء واغتسال فَيَقْتَضِي أَن عَلَاء بِمَعْنى إعلاء كَمَا أَن عَطاء بِمَعْنى إِعْطَاء وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَعْنى يأباه. ثُمَّ الصَّلَاةُ بِدَاوَامِ الأَبَدِ عَلَى الرَّسُولِ المُصْطَفَى مُحَمَّدِ (ثمَّ الصَّلَاة) من الله تَعَالَى أَي الرَّحْمَة مِنْهُ إِذْ الصَّلَاة لُغَة من الله رَحْمَة، وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار، وَمن الْآدَمِيّين دُعَاء بِخَير، وَلَكِن لما كَانَ فِي التَّعْبِير عَن الرَّحْمَة بِالصَّلَاةِ من التَّعْظِيم مَا لَيْسَ فِي لفظ الرَّحْمَة قَالَ تَعَالَى: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٥) الْآيَة. فَالْمُرَاد أَن يطْلب العَبْد من الله تَعَالَى زِيَادَة التكريم والإنعام والتعظيم لنَبيه ﵇، وَإِلَّا فَأصل الرَّحْمَة حَاصِل لَهُ ﵇ فَلَا يطْلب تَحْصِيله ونفعها عَائِد على الْمُصَلِّي لخَبر: (من صلّى عليَّ مرّة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا) فَالصَّلَاة عَلَيْهِ من أجلّ الْأَذْكَار وَأَعْظَمهَا ثَوابًا. (بدوام) : يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من الصَّلَاة أَي مُؤَقَّتَة بدوام (الْأَبَد) : أَي الدَّهْر وَهُوَ حَرَكَة الْفلك. (على الرَّسُول) : خبر عَن الصَّلَاة (الْمُصْطَفى) : نعت للرسول (مُحَمَّد) : بدل وَالْجُمْلَة معطوفة بثم على جملَة الْحَمد قبلهَا. وَالرَّسُول إِنْسَان أُوحِي إِلَيْهِ بشرع وَأمر بتبليغه، والمصطفى مُشْتَقّ من الصفو وَهُوَ الْخَالِص من الكدر والشوائب كلهَا وطاؤه مبدلة من تَاء وَكِلَاهُمَا مقرون بأل علم بالغلبة على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِذا أطلقا لَا ينصرفان لغيره من الرُّسُل والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهَذِه
стр. 11
الْجُمْلَة خبر فِي اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ الطّلب فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على الرَّسُول الخ. . ثمَّ لَا يتَوَهَّم الْمُصَلِّي على النَّبِي ﵊ أَن صَلَاتنَا عَلَيْهِ شَفَاعَة منا لَهُ عِنْد الله تَعَالَى فِي زِيَادَة رفعته وعلو دَرَجَته فَإِن مثلنَا لَا يشفع لعَظيم الْقدر عِنْد ربه، بل هُوَ ﵊ مَرْفُوع الدرجَة عِنْد ربه فِي غَايَة التكرمة والإنعام وعلو الْقدر، وَلَكِن لما أحسن ﵊ إِلَيْنَا بهدايته إيانا إحساناً لم يُحسنهُ إِلَيْنَا أحد من الْمَخْلُوقَات أمرنَا سُبْحَانَهُ بمكافأته بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَي بِأَن تطلب من الله سُبْحَانَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ لتَكون صلَاته عَلَيْهِ مُكَافَأَة لَهُ منا وإقراراً برسالته ونبوته وَتَصْدِيقًا بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ من وحدانية الله سُبْحَانَهُ. وَآلِهِ وَالْفِئَةِ المتَّبِعَهْ فِي كلِّ مَا قَدْ سَنَّهُ وَشَرَعَهْ (وَآله) أَقَاربه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم. إِذْ هُوَ ﵊ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب واسْمه شيبَة بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نذار بن معد بن عدنان. قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَبَنُو هَاشم آل، وَمَا فَوق غَالب غير آل وَفِيمَا بَينهمَا قَولَانِ اه. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (آل مُحَمَّد كل تَقِيّ) وَهل أَصله أهل قلبت الْهَاء همزَة ثمَّ قلبت الْهمزَة ألفا وَاقْتصر عَلَيْهِ صَاحب الْكَشَّاف أَو أَصله أول وَهُوَ رَأْي الْكسَائي، وَرجحه بَعضهم وَهُوَ صَرِيح فِي أَنه جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِي التصغير على أهيل أَو أويل، وَكِلَاهُمَا مسموع وَلَا يُضَاف إِلَّا لذِي شرف فَلَا يُقَال آل الْحجام، وَأما آل فِرْعَوْن فَلهُ شرف دُنْيَوِيّ وَهُوَ عطف على مُحَمَّد إِذْ تجوز الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء تبعا واتفاقاً وَفِي جَوَازهَا اسْتِقْلَالا وكراهتها ومنعها خلاف، وعَلى الْجَوَاز فَإِنَّمَا يقْصد بهَا الدُّعَاء لِأَنَّهَا بِمَعْنى التَّعْظِيم خَاصَّة بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كخصوص بِاللَّه تَعَالَى، فَلَا يُقَال مُحَمَّد وَإِن كَانَ ﷺ عَزِيزًا جَلِيلًا، وَكَذَا السَّلَام هُوَ خَاص بالأنبياء فَلَا يُقَال أَبُو بكر ﵇.
стр. 12
(والفئة) الْجَمَاعَة (المتبعة) لَهُ ﷺ فَهُوَ بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة فَيشْمَل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين (فِي كل مَا) أَي حكم (قد سنه) ﵇ أَي: جعله طَريقَة فِي الدّين (وشرعه) عطف تَفْسِير عَلَيْهِ وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بقوله المتبعة. وَبَعْدُ، فَالْقَصْدُ بِهَذَا الرَّجَزِ تَقْرِيرُ الأحْكَامِ بِلَفَظٍ مُوجَزِ (وَبعد) : ظرف زمَان كثيرا وَمَكَان قَلِيلا تَقول فِي الزَّمَان جَاءَ زيد بعد عَمْرو وَفِي الْمَكَان دَار زيد بعد دَار عَمْرو، وَتَصِح هُنَا للزمان بِاعْتِبَار الرقم وَهِي من الظروف اللَّازِمَة للإضافة فَإِذا قطعت عَنْهَا لفظا ونوي معنى الْمُضَاف إِلَيْهِ بنيت كَمَا هُنَا لشبهها بالحرف فِي الافتقار لما بعده وبنيت على حَرَكَة لتعذر السّكُون، وَكَانَت ضمة لِأَنَّهَا حَرَكَة لَا تكون لَهَا فِي حَالَة الْإِعْرَاب لِأَنَّهَا إِذْ ذَاك إِمَّا مَنْصُوبَة على الظَّرْفِيَّة أَو مجرورة بِمن، وَهِي كلمة تسْتَعْمل فِي الْكَلَام الفصيح لقطع مَا قبلهَا عَمَّا بعْدهَا. قَالَ الْفراء: مَعْنَاهَا دع مَا كُنَّا فِيهِ وَخذ غَيره، وَدخلت الْفَاء بعْدهَا إِمَّا على توهم وجود مَا قبلهَا لِأَن الشَّيْء إِذا كثر الْإِتْيَان بِهِ وَترك توهم وجوده وَقد كثر فِي أما مصاحبتها لبعد، فَإِذا تركت توهم أَنَّهَا مَوْجُودَة، وَأما على تقديرها فِي الْكَلَام وَالْوَاو نِيَابَة عَنْهَا. وَمعنى أما المتوهمة أَو الْمقدرَة مهما يكن من شَيْء بعد الْحَمد وَالصَّلَاة فالقصد الخ. فَوَقَعت أما موقع اسْم مُبْتَدأ لِأَن مهما مُبْتَدأ والاسمية لَازِمَة للمبتدأ، ويكن شَرط. وَالْفَاء: لَازِمَة لَهُ غَالِبا فحين تَضَمَّنت أما معنى الِابْتِدَاء، وَالشّرط لَزِمت الْفَاء ولصوق الِاسْم إِقَامَة للازم مقَام الْمَلْزُوم وإبقاء لأثره فِي الْجُمْلَة قَالَه السعد. وَقَالَ الدماميني: بعد: ظرف مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة مَبْنِيّ على الضَّم مَعْمُول لقَوْل مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأَقُول بَعْدَمَا تقدم وَالْمقول مَحْذُوف أَي وَأَقُول بعد ذَلِك تنبه. (فالقصد) : أَي الْمَقْصُود فَأطلق الْمصدر وَأَرَادَ بِهِ الْمَفْعُول (بِهَذَا) النّظم (الرجز) وَهُوَ أحد أبحر الشّعْر الْخَمْسَة عشر ووزنه مستفعلن سِتّ مَرَّات (تَقْرِير) تَبْيِين (الْأَحْكَام) خبر عَن قَوْله: فالقصد وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ، وَيقْرَأ الْأَحْكَام بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة للام للوزن وَهُوَ جمع حكم، وَالْمرَاد بِهِ الْفِقْه المتقرر فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة كالمدونة وَغَيرهَا ليفصل بِهِ بَين الْخُصُوم (بِلَفْظ) : يتَعَلَّق بتقرير (موجز) : نعت لَهُ أَي قَلِيل الْحُرُوف كثير الْمعَانِي. آثَرْتُ فِيهِ المَيْلَ لِلَّتْبيِينِ وَصُنْتُهُ جُهْدِي مِنَ التَضّمِينِ
стр. 13
(آثرت) : فعل مَاض بِمَعْنى قدمت واخترت قَالَ تَعَالَى: ويؤثرون على أنفسهم﴾ (الْحَشْر: ٩) أَي يقدمُونَ الْمُهَاجِرين على أنفسهم حَتَّى أَن من كَانَ عِنْده امْرَأَتَانِ نزل عَن وَاحِدَة وَزوجهَا من أحدهم (فِيهِ) : أَي فِي هَذَا الرجز يتَعَلَّق بآثرت (الْميل) : الجنوح والركون مفعول بآثرت (للتبيين) : مصدر بَين إِذا وضح يتَعَلَّق بالميل (وصنته) : حفظته (جهدي) : بِضَم الْجِيم مفعول بِهِ على حذف مُضَاف أَي غَايَة جهدي أَي طاقتي ووسعي، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة آثرت (من التَّضْمِين) : يتَعَلَّق بقوله صنته والتضمين توقف معنى الْبَيْت على الْبَيْت الَّذِي بعده لكَونه خَبرا أَو جَوَاب شَرط أَو اسْتثِْنَاء، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يتم معنى الأول إِلَّا بِالثَّانِي وَهُوَ عِنْد العروضيين من عُيُوب الشّعْر، وَفِيه يَقُول الخزرجي: وتضمينها أحواج معنى لذا وَذَا. الخ، قيل: وَفِيه تَعْرِيض بِابْن الْحَاج معاصر ابْن رشد فَإِن لَهُ نظماً فِي الْقَضَاء مُشْتَمِلًا على ألف بَيت سَمَّاهُ الياقوتة وَوَقع فِيهِ التَّضْمِين كثيرا مِنْهُ قَوْله فِي رُجُوع الشَّاهِد عَن شَهَادَته: وَإِن يَك الرُّجُوع بعد الحكم لم يجز وَيغرم امتثالاً للْحكم جَمِيع مَا أتلف بالشهاده فصِّل وَفِي بدءٍ وَفِي إِعَادَة يلْزم من يقْضِي بِأَن يسعف من كلفه الْكتب لحكام الزَّمن بِمَا بِهِ قضى وَمَا قد ثبتا وَالْعَمَل الْيَوْم وَمَا إِن مقتا على قبُول كتب الْقُضَاة من غير إِشْهَاد لَهَا وَيَأْتِي منع الْقبُول مَعَ مَا عَلَيْهِ عَملنَا وقصدنا إِلَيْهِ فَانْظُر هَذِه الأبيات فَإِن كل وَاحِد مِنْهَا لَا يتم مَعْنَاهُ إِلَّا بِالَّذِي بعده، وَهُوَ كثير فِي ذَلِك النّظم وَلَكِن ذَلِك مغتفر بِالنِّسْبَةِ لما أَفَادَهُ وَجمعه كَمَا اعتذر عَن ذَلِك فِي خطبَته حَيْثُ قَالَ: وَقد نظمت بعض أَحْكَام القضا مبتغياً أجرا ونيلاً للرضا مُسْتَعْملا مَا شَذَّ من زحاف وَبَعض مَا قد عيب فِي القوافي وَذَاكَ مغْفُور لَدَى من أنصفا فِي جنب مَا جِئْت بِهِ مُعَرفا
стр. 14
مغلباً تحسيني الْمَعْنى على تحسيني اللَّفْظ الَّذِي عَنهُ انجلا الخ ﵀ ونفعنا بِهِ وبعلومه. وَجِئْتُ فِي بَعْضٍ مِن المَسَائِلِ بالْخُلْفِ رَعْياً لاشتِهَارِ الْقَائِلِ (وَجئْت) : أَي أتيت (فِي بعض من الْمسَائِل) لَا فِي كلهَا (بالخلف) أَي الْخلاف والمجروران يتعلقان بقوله جِئْت (رعياً) حَال أَي مُرَاعَاة (لاشتهار الْقَائِل) بذلك القَوْل يتَعَلَّق بقوله رعياً، وَفهم من قَوْله فِي بعض: إِن الْكثير من الْمسَائِل لَا يَأْتِي بهَا بِالْخِلَافِ، وَإِنَّمَا يقْتَصر فِيهِ على قَول وَاحِد إِمَّا لشهرته أَو لجَرَيَان الْعَمَل بِهِ، وَأَنه إِنَّمَا يَأْتِي بِالْخِلَافِ فِي بَعْضهَا لغَرَض وَهُوَ كَون الْقَائِل بذلك مَشْهُورا بِالْعلمِ وَالتَّحْقِيق فَلَا يَنْبَغِي إهمال قَوْله هَذَا إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْآخر فِي المشهورية، بل وَإِن كَانَ مُخَالفا للمشهور أَو الْمَعْمُول بِهِ فَالْأول مَعَ اتِّحَاد الْقَائِل كَقَوْلِه: وَمن لطَالب بِحَق شَهدا وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك العددا فَمَا لَك عَنهُ بِهِ قَولَانِ الخ. . وَكَقَوْلِه فِي الجوائح: والقصب الحلو بِهِ قَولَانِ كورق التوت هما سيان وَمَعَ اختلافه كَقَوْلِه فِي الْبيُوع: وَالْخلف فِي الْخَفي مِنْهُ وَالْحلف وَالثَّانِي كَقَوْلِه فِي الْيَمين: وَفِي سوى الْمَشْهُور يحلف الْأَب عَن ابْنه وَحلف الابْن مَذْهَب وَكَقَوْلِه: وَالْبيع مَعَ بَرَاءَة إِن نصت على الْأَصَح بالرقيق اخْتصّت
стр. 15
وَبَعْضهمْ فِيهِ الْجَوَاز أطلقا الخ. . وَالثَّالِث كَقَوْلِه فِي الضَّمَان: وَقيل إِن لم يلق من يضمنهُ للخصم لَازمه وَلَا يسجنه وَأَشْهَب بضامن الْوَجْه قضى عَلَيْهِ حتما وَبِقَوْلِهِ القضا وَتارَة يَكْتَفِي بِمُجَرَّد التصدير بقول ثمَّ يَحْكِي غَيره بقيل كَقَوْلِه: وَالْمُدَّعِي من قَوْله مُجَرّد من أصل أَو عرف بِصدق يشْهد إِلَى أَن قَالَ: وَقيل من يَقُول قد كَانَ ادعا. الخ … وَهَكَذَا: وَهَذَا معنى كَلَامه ﵀ وَلَا يَعْنِي بذلك مُرَاعَاة الْخلاف الَّذِي هُوَ عبارَة كَمَا لِابْنِ عَرَفَة عَن إِعْمَال دَلِيل الْخصم فِي لَازم مَدْلُوله الَّذِي أعمل فِي نقيضه دَلِيل آخر، فَالضَّمِير فِي مَدْلُوله يعود على الدَّلِيل، وَالضَّمِير فِي نقيضه يعود على الْمَدْلُول الَّذِي هُوَ أقرب مَذْكُور مِثَاله إِعْمَال مَالك ﵀ دَلِيل خَصمه الْقَائِل بِعَدَمِ فسخ صَرِيح الشّغَار فِي لَازم مَدْلُوله ومدلوله عدم فَسخه ولازمه ثُبُوت الْإِرْث بَين الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا الْمَدْلُول وَهُوَ عدم الْفَسْخ أعمل فِي نقيضه وَهُوَ الْفَسْخ دَلِيل آخر وَهُوَ دَلِيل فَسخه اه. وَحَاصِله؛ أَن الدَّلِيل هُوَ الحَدِيث أَو الْقيَاس والمدلول هُوَ الْفَسْخ أَو عَدمه، فمالك اسْتدلَّ لفسخه بِنَصّ حَدِيث أَو قِيَاس، وَأَبُو حنيفَة اسْتدلَّ بِعَدَمِ فَسخه بِنَصّ حَدِيث أَو قِيَاس، فأعمل مَالك ﵀ دَلِيله فِي الْفَسْخ فِي الْحَيَاة، وأعمل دَلِيل خَصمه فِي لَازم مَدْلُوله فَقَالَ بتوارثهما، وَيكون الْفَسْخ طَلَاقا مَعَ أَن قِيَاس دَلِيله هُوَ عدم توارثهما وَعدم كَون الْفَسْخ بِطَلَاق، إِذْ عدم صِحَة النِّكَاح تَسْتَلْزِم عدم الْإِرْث، وَعدم الطَّلَاق، وَهَذَا كَمَا يُقَال فِي البيع وَغَيره يفْسخ العقد قبل الْفَوات ويمضي بعده، ومثاله أَيْضا: إِن الإِمَام يَقُول بِفساد إنكاح الْمَرْأَة نَفسهَا مستدلاً بقوله
стр. 16
تَعَالَى: وَلَا تعضلوهن﴾ (النِّسَاء: ١٩) وَالْخطاب للأولياء فَدلَّ ذَلِك على أَن الْمَرْأَة لَا تنْكح نَفسهَا وَبِقَوْلِهِ ﵊: (أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن مواليها أَي أوليائها فنكاحها بَاطِل) ثَلَاثًا فَإِن دخل بهَا فالمهر لَهَا بِمَا أصَاب مِنْهَا الخ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز إنكاحها نَفسهَا قِيَاسا على البيع فأعمل مَالك دَلِيله فِي الْحَيَاة وَدَلِيل خَصمه فِي لَازم مَدْلُوله بعد الْمَمَات، فَأوجب توارثهما، وَكَون الْفَسْخ بِطَلَاق وَلِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ: (فالمهر لَهَا بِمَا أصَاب مِنْهَا) بعد أَن حكم على نِكَاحهَا بِالْبُطْلَانِ، فَدلَّ ذَلِك على أَن العقد الْبَاطِل يحكم لَهُ بِحكم الصَّحِيح بعد الْفَوات، وَإِلَّا فَمُقْتَضى الْقيَاس أَن الْفَسْخ بِغَيْر طَلَاق وَأَنه لَا مهر لَهَا لِأَنَّهَا زَانِيَة وَهِي لَا مهر لَهَا، وَذَلِكَ كُله رَاجع إِلَى تَقْدِيم الِاسْتِحْسَان على الْقيَاس. انْظُر ابْن عَرَفَة فِي فصل الصَدَاق. والمعيار أَوَاخِر الْمُعَاوَضَات، فقد نقل عَن القباب وَغَيره مَا يشفي الغليل قَالَ: وَالِاسْتِحْسَان معنى ينقدح فِي نفس الْمُجْتَهد تعسر الْعبارَة عَنهُ اه. وَانْظُر مَا بنى عَلَيْهِ مَالك مذْهبه فِي بَاب الْقِسْمَة من هَذَا الشَّرْح عِنْد قَوْله: فِي غير مَا من الطَّعَام الْمُمْتَنع. فِيهِ تفاضل الخ. فَإِن من جملَة مَا بنى عَلَيْهِ مذْهبه مُرَاعَاة الْخلاف فَتَارَة يراعيه وَتارَة لَا يراعيه. تَنْبِيه: إِنَّمَا قُلْنَا لَا يُداعى النَّاظِم مَسْأَلَة مُرَاعَاة الْخلاف الَّذِي هُوَ إِعْمَال دَلِيل الْخصم الخ لِأَن ذَلِك من دأب الْمُجْتَهدين الناظرين فِي الْأَدِلَّة، فَحَيْثُ ترجح عِنْدهم دَلِيل الْخصم فِي لَازم مَدْلُوله أعملوه وَحَيْثُ لم يتَرَجَّح أهملوه، والناظم إِنَّمَا هُوَ ناظم لكَلَام الْفُقَهَاء الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ وَإِن ذكر حكما وَجهه عِنْد من قَالَ بِهِ مُرَاعَاة للْخلاف لَكِن لَا يذكر فِيهِ خلافًا، بل يجْزم بالحكم الَّذِي جزم بِهِ الْمُجْتَهد من غير ذكر خلاف أصلا كَقَوْلِه: ففسخ فَاسد بِلَا وفَاق بِطَلْقَة تعد فِي الطَّلَاق وَإِن يمت قبل وُقُوع الْفَسْخ فِي ذَا فَمَا لإرثه من نسخ … الخ فَضِمْنُهُ الْمُفِيدُ وَالْمُقَرِّبُ والْمَقْصَدُ المَحْمُودُ والمُنْتَخبُ (فضمنه) : بِكَسْر الضَّاد بِمَعْنى الْمَضْمُون كالذبح بِمَعْنى الْمَذْبُوح وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (الْمُفِيد) أَي مُفِيد الْحُكَّام لِابْنِ هِشَام (والمقرب) لِابْنِ أبي زمنين بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وَكسر النُّون (والمقصد الْمَحْمُود) لِابْنِ الْقَاسِم الجزيري (والمنتخب) لِابْنِ أبي زمنين أَيْضا وَمَعْنَاهُ أَن هَذَا النّظم تضمن أَي اشْتَمَل على فَوَائِد ونفائس من هَذِه الْكتب، وَلَا يَعْنِي أَن نظمه هَذَا اشْتَمَل على جَمِيع مَا فِيهَا بل وَلَا على جله، وَلَعَلَّه إِنَّمَا خص هَذِه الْكتب بِالذكر لتتم لَهُ التورية بِأَن كِتَابه هَذَا مُفِيد مقرب
стр. 17
مَحْمُود منتخب، وإلاَّ فكثيراً مَا يُحَاذِي عبارَة ابْن سَلمُون فَلَو قيل إِنَّه تضمنه مَا بعد. نَظَمْتُهُ تَذْكِرَةً وَحَيْثُ تَمَّ بِمَا بِهِ الْبَلْوَى تَعُمّ قَدْ أَلَمَّ (نظمته) أَي: جمعته من قَوْلهم: نظمت العقد إِذا جمعت جواهره على وَجه يستحسن. (تذكرة) : مفعول لأَجله فَهُوَ بَيَان للسبب الْحَامِل لَهُ على نظمه أَي نظمته لأجل أَن يتَذَكَّر بِهِ الْعَالم مثله مَا ذهل عَنهُ ونسيه. يُرِيد: وتبصرة لمن لم يتَقَدَّم لَهُ علم بِمَا فِيهِ من الصغار والكبار فَهُوَ كَقَوْل ابْن بري: يكون للمبتدئين تبصره وللشيوخ المقرئين تذكره وكقول الْعِرَاقِيّ فِي ألفيته الحديثية: نظمتها تبصرة للمبتدي تذكرة للمنتهى والمسند (وَحَيْثُ) : ظرف زمَان يتَعَلَّق بقوله سميته وَالْوَاو دَاخِلَة على قَوْله سميته. وَقَوله: (تمّ) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق أَي كمل، وفاعله ضمير يعود على النّظم، وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة حِين إِلَيْهَا، وَقَوله: (بِمَا) يتَعَلَّق بقوله ألم وَمَا وَاقعَة على الْأَحْكَام. (بِهِ) يتَعَلَّق بقوله تعم، وَقَوله: (الْبلوى) : مُبْتَدأ وَمَعْنَاهُ المحنة وَمِنْه قَوْله ﵊: (ائْذَنْ لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ على بلوى تصيبه) وَالْمرَاد محنة الْقَضَاء لمن ابْتُلِيَ بِهِ. (تعم) : خبر الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة صلَة مَا والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بِالْيَاءِ (قد ألم) بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى أشعر وَهُوَ فعل مَاض وفاعله ضمير يعود على النّظم وَالْجُمْلَة حَال من فَاعل تمّ. سَمَّيْتُهُ: بِتُحْفَةِ الْحُكّامِ فِي نُكَتِ الْعُقُودِ وَالأحْكَامِ (سميته) فعل وفاعل ومفعول (بتحفة) يتَعَلَّق بِهِ (الْحُكَّام) مُضَاف إِلَيْهِ وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة نظمته وَالتَّقْدِير نظمته تذكرة وسميته حِين كمل حَاله كَونه ملماً أَي مشعراً بِمَا الْبلوى تعم بِهِ الْقُضَاة بتحفة الْحُكَّام. والتحفة: مَا يتحف بِهِ الرجل من الْإِحْسَان واللطف، وَيحْتَمل أَن يكون الظّرْف ضمن معنى الشَّرْط، وَقَوله: سميته هُوَ جَوَابه، وَالتَّقْدِير: وَلما تمّ هَذَا النّظم وكمل
стр. 18
حَال كَونه مشعراً بِمَا الْبلوى تعم بِهِ سميته الخ. وَهَذَا الْوَجْه أظهر معنى، وعَلى كلا الإعرابين فَكَلَامه صَرِيح فِي أَن التَّسْمِيَة وَالْخطْبَة تأخرتا عَن نظم الْكتاب والفراع مِنْهُ. (فِي نكت) بِالْمُثَنَّاةِ فَوق يتَعَلَّق بتحفة وَهُوَ جمع نُكْتَة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة أَيْضا وَهِي التَّنْبِيه على مَا ينبو عَنهُ النّظر وَلَا يدْرك بِسُرْعَة (الْعُقُود) مُضَاف إِلَيْهِ جمع عقد، وَالْمرَاد بهَا الصكوك والوثائق الْمَكْتُوب فِيهَا مَا انبرم بَين الْمُتَعَاقدين من بيع أَو نِكَاح أَو غَيرهمَا. (وَالْأَحْكَام) : مَعْطُوف على الْعُقُود جمع حكم وَهُوَ الْإِخْبَار بِحكم شَرْعِي على وَجه الْإِلْزَام على مَا يَأْتِي أول بَاب الْقَضَاء، وَهَذِه التَّسْمِيَة مشعرة بِأَن للناظم كلَاما على الوثائق وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْفِقْه الْمَذْكُور فِي النّظم هُوَ الَّذِي بنيت عَلَيْهِ الْعُقُود، وَبِه رسمت الوثائق فمعرفته طَرِيق لمعْرِفَة مَا يَصح من الوثائق وَمَا يبطل مِنْهَا، أَلا ترى أَنه ذكر الرَّهْن مثلا وأركانه وشروطه، وَأَنه إِذا لم يُوجد الرُّكْن أَو الشَّرْط فِي وثيقته بطلت وَلم ينْتَفع صَاحبهَا بهَا فَقَالَ: الرَّهْن تَوْثِيق بِحَق الْمُرْتَهن وَإِن حوى قَابل غيبَة ضمن إِلَى أَن قَالَ: والحوز من تَمَامه وَإِن حصل وَلَو معاراً عِنْد رَاهن بَطل إِلَى أَن قَالَ أَيْضا: وَالشّرط أَن يكون مَا يرتهن مِمَّا بِهِ اسْتِيفَاء حق يُمكن إِلَى أَن قَالَ: وَجَاز فِي الرَّهْن اشْتِرَاط المنفعه إِلَّا فِي الْأَشْجَار فَكل مَنعه وَهَكَذَا فعل فِي غَيره من الْأَبْوَاب فَقَالَ فِي الضَّمَان أَيْضا: وَإِن ضَمَان الْوَجْه جَاءَ مُجملا أَي فِي الْوَثِيقَة:
стр. 19
فَالْحكم أَن المَال قد تحملا وَأَشَارَ إِلَى شَرطه بقوله: وَهُوَ من الْمَعْرُوف فالمنع اقْتضى من أَخذه أجرا بِهِ أَو عوضا يَعْنِي: أَنه إِذا وجد فِي الْوَثِيقَة أَنه أَخذ بِهِ أجرا أَو عوضا فَهُوَ بَاطِل، وَهَكَذَا فعل النَّاظِم وَغَيره فِي سَائِر أَبْوَاب الْفِقْه فالفقه الَّذِي ذَكرُوهُ عَلَيْهِ تنبني وثائق تِلْكَ الْأَبْوَاب وَلَيْسَ للتوثيق أَرْكَان وشروط خَارِجَة عَن الْفِقْه الَّذِي ذَكرُوهُ كَمَا ظَنّه كثير من جهلة الطّلبَة، وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي تعرضنا لغالب وثائق أَبْوَاب هَذَا النّظم ليعلم الْوَاقِف عَلَيْهَا أَن مدَار الوثائق كلهَا على الْفِقْه، وَيعلم أَن بعض ألفاظها إِنَّمَا يذكر لزِيَادَة الْبَيَان كَمَا ستراه إِن شَاءَ الله، أَو للِاحْتِيَاط وَالْخُرُوج من الْخلاف كَقَوْلِه فِي الْهِبَة: وَحَيْثُ جَازَ الاعتصار يذكر وَضمن الْوِفَاق فِي الْحُضُور إِن كَانَ الاعتصار من كَبِير وَكَقَوْلِه فِي الضَّمَان: وَلَا اعْتِبَار بِرِضا من ضمنا. الخ فرضاه لَا يشْتَرط فِي صِحَة الضَّمَان، وَلَكِن لذكره فَائِدَة كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله، وَكَذَا إِنْزَال البَائِع المُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَاهُ من الْأُصُول أَي إقباضه إِيَّاه كَمَا يَأْتِي فِي وَثِيقَة البيع صدر الْبيُوع وَعند قَوْله فِي الِاسْتِحْقَاق: وناب عَن حِيَازَة الشُّهُود. الخ. وَذَاكَ لمَّا أَن بُلِيتُ بِالقَضَا بَعْدَ شَبَابٍ مَرَّ عَنِّي وانْقَضَى (وَذَاكَ) النّظم وَالتَّسْمِيَة كَانَا (لما) حِين خبر كَانَ المحذوفة كَمَا قَررنَا وَكَانَ مَعَ خَبَرهَا خبر اسْم الْإِشَارَة (أَن) زَائِدَة للتوكيد وزيادتها بعد لما مطردَة كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلما أَن جَاءَ البشير﴾ (يُوسُف: ٩٦) وَقَوله: وَلما أَن جَاءَت رسلنَا﴾ (العنكبوت: ٣٣) وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة تسبك هِيَ وَمَا بعْدهَا بمصدر على مَذْهَب الْفَارِسِي الْآتِي. (بليت) بِضَم الْبَاء وَكسر اللَّام مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة لما الحينية إِلَيْهَا (بالقضا) ء يتَعَلَّق بِهِ على حذف مُضَاف أَي بخطة الْقَضَاء. وَالْقَضَاء: الحكم أَي الْإِخْبَار بِحكم شَرْعِي على وَجه الْإِلْزَام كَمَا مر. (بعد) ظرف يتَعَلَّق ببليت أَيْضا (شباب) مُضَاف إِلَيْهِ، والشباب عبارَة عَن كَمَال الْقُوَّة بعد الْبلُوغ إِلَى الْأَرْبَعين
стр. 20
وَمَا بعد ذَلِك كهولة (مر) : فعل مَاض وفاعله ضمير الشَّبَاب، وَالْجُمْلَة نعت لشباب (عني) يتَعَلَّق بِهِ (وانقضى) مَعْطُوف على مر، وَالتَّقْدِير وَذَاكَ النّظم وَالتَّسْمِيَة كَانَا حِين بليت بخطة الْقَضَاء بعد مُرُور شَبَابِي وانقضائه، وَهَذَا على مَذْهَب الْفَارِسِي وَابْن جني وَمن تبعهما من أَن لما فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب بِمَعْنى حِين، وَأما على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فَهِيَ حرف وجود لوُجُود، فَإِذا قلت: لما جَاءَ زيد جَاءَ عَمْرو فَلَمَّا عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف وجود لوُجُود أَي فوجود مَجِيء زيد لوُجُود مَجِيء عَمْرو أَكَانَ مجيئهما فِي زمن وَاحِد أم لَا. وَعند الْفَارِسِي حِين جَاءَ زيد جَاءَ عَمْرو فَيَقْتَضِي مَجِيء كل مِنْهُمَا فِي زمن وَاحِد وَهُوَ غير لَازم عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور، وَعَلِيهِ فاسم الْإِشَارَة فِي النّظم فَاعل كَانَ محذوفة وَهُوَ الْمُفَسّر لجواب لما وَهِي حرف وجود لوُجُود وَالتَّقْدِير، وَلما بليت بِالْقضَاءِ بعد مُرُور شَبَابِي وانقضائه كَانَ ذَلِك النّظم وَالتَّسْمِيَة، وَكَانَت ولَايَته بخطة الْقَضَاء بِمَدِينَة وادآش فِي صفر عَام عشْرين وَثَمَانمِائَة، ثمَّ نقل عَنْهَا إِلَى قَضَاء الْجَمَاعَة بِحَضْرَة غرناطة فِي الْعَاشِر لذِي الْقعدَة من أَرْبَعَة وَعشْرين قَالَه وَلَده، وَلَا شكّ فِي ذهَاب الشَّبَاب عَنهُ لبلوغه السِّتين على مَا مر فِي تَارِيخ وِلَادَته رحم الله الْجَمِيع بفضله وَكَرمه. وَإنّني أَسْأَلْ مِنْ رَبَ قَضَى بِهِ عَلَيَّ الرِّفْقَ مِنْهُ فِي الْقَضَا (وإنني أسأَل) أَي أطلب بذلة وخضوع لِأَن السُّؤَال من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى دُعَاء وَعَكسه أَمر وَمن المساوى التمَاس، وَقَالَ بعض السُّؤَال وَالدُّعَاء مُتَرَادِفَانِ وَلَا فرق بَينهمَا وَبَين الْأَمر والالتماس من جِهَة الصِّيغَة الَّتِي تدل على طلب الْفِعْل، وَإِنَّمَا يحصل الْفرق بالمقارنة فَإِن قارنه الاستعلاء فَهُوَ أَمر، وَإِن قارنه التَّسَاوِي فَهُوَ التمَاس، وَإِن قارنه الخضوع فَهُوَ سُؤال (من رب) يتَعَلَّق بأسأل من التربية وَهِي نقل الشَّيْء من أَمر إِلَى أَمر حَتَّى يصل إِلَى غَايَة أرادها المربي، ثمَّ نقل إِلَى الْمَالِك والمصلح للُزُوم التربية لَهما غَالِبا قَالَه السنوسي (قضى) أَي قدر وَحكم فِي أزله (بِهِ) أَي بِالْقضَاءِ أَي بخطته (على) يتَعَلَّق هُوَ وَمَا قبله بقضى وَالْجُمْلَة صفة لرب (الرِّفْق) مفعول بأسأل (مِنْهُ فِي القضا) يتعلقان بالرفق، وَمَعْنَاهُ اللطف ولطف الله بِعَبْدِهِ إِيصَال مُرَاده إِلَيْهِ بلطف، وَفسّر الْجَوْهَرِي والقاموس اللطف بالتوفيق. والتوفيق: خلق الْقُدْرَة على الطَّاعَة. وَقَالَ المتكلمون: اللطف مَا يَقع بِهِ صَلَاح الْمُكَلف عِنْده بِالطَّاعَةِ وَالْإِيمَان دون فَسَاده بالْكفْر والعصيان وعَلى هَذَا فالرفق واللطف والتوفيق أَلْفَاظ مترادفة، فالناظم ﵀ طلب من ربه تَعَالَى الَّذِي قدر وَحكم عَلَيْهِ بِهَذِهِ الخطة فِي أزله أَن يرفق بِهِ فِيهَا رفقا لائقاً بِهِ ﷻ من توفيقه للْعَمَل بِالطَّاعَةِ، وَخلق الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَعدم الْوُقُوع فِي الْمعْصِيَة وَخلق الْقُدْرَة على تَركهَا وإتحافه بِالنعَم واللطف بِهِ فِي أَحْوَاله كلهَا. وَهَذَا التَّعْمِيم مُسْتَفَاد من أل الاستغراقية. وَالْحَمْلَ وَالتَّوْفِيقَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أُمَّةٍ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ
стр. 21
(وَالْحمل) أَي وأسأله قُوَّة الْحمل لأثقال مَا كلفته من هَذِه الخطة (والتوفيق) تقدم أَنه بِمَعْنى الرِّفْق واللطف وَهُوَ وَمَا قبله معطوفان على الرِّفْق (أَن) بِفَتْح الْهمزَة على حذف الْجَارِي أَي إِلَى أَن (أكون من أمة) أَي جمَاعَة من صفتهمْ قَالَ فيهم ﷻ : وَمِمَّنْ خلقنَا أمة يهْدُونَ (بِالْحَقِّ) وَبِه (يعدلُونَ﴾ (الآعراف: ١٨١) . حَتَّى أُرَى مِنْ مَفْرَدِ الثَّلَاثَهْ وَجَنَّةُ الفِرْدَوْسِ لِي وِرَاثَهْ (حَتَّى) بِمَعْنى إِلَى وَهِي معطوفة بِحَذْف العاطف على أَن و (أُرى) بِضَم الْهمزَة مَبْنِيا للْمَفْعُول مَنْصُوبًا بِأَن مضمرة بعْدهَا وَالتَّقْدِير أسأله الرِّفْق وَالْحمل والتوفيق إِلَى أَن أكون وَإِلَى أَن أرى (من مُفْرد الثَّلَاثَة) الَّذين قَالَ فيهم ﵊ حَسْبَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: (الْقُضَاة ثَلَاثَة اثْنَان فِي النَّار وَوَاحِد فِي الْجنَّة. رجل عرف الْحق فَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة، وَرجل عرف الْحق وَلم يقْض بِهِ فَهُوَ فِي النَّار، وَرجل لم يعرف الْحق فَقضى للنَّاس على جهل فَهُوَ فِي النَّار) (وجنة) بِفَتْح الْجِيم مُبْتَدأ (الفردوس) مُضَاف إِلَيْهِ (لي) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ (وراثة) وَالْجُمْلَة حَال من نَائِب أرِي وَالْجنَّة الحديقة ذَات النّخل وَالشَّجر قَالَه فِي الْقَامُوس، والفردوس عِنْد الْعَرَب الْبُسْتَان الَّذِي فِيهِ الْكَرم قَالَه الْفراء. وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: الفردوس مَدِينَة الْجنَّة وَهِي جنَّة الأعناب، واللفظة فِيمَا قَالَ مُجَاهِد رُومِية عربت، وَالْعرب تَقول للكروم فراديس اه. وَمعنى كَونهَا وراثة لَهُ أَن يكون من أَهلهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذين يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١١) ويروى: أَن الْجنَّة مائَة دَرَجَة أَعْلَاهَا وأوسطها الفردوس مِنْهَا تفجر الْأَنْهَار وَعَلَيْهَا الْعَرْش فَإِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس لَا أحرمنا الله وَجَمِيع الْمُسلمين مِنْهَا آمين.
стр. 22
(بَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ)
من أَرْكَانه وشروطه وجائزاته ومستحباته وَغير ذَلِك. وَهُوَ لُغَة كَمَا قَالَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي على وُجُوه مرجعها إِلَى انْقِضَاء الشَّيْء وَتَمَامه اه. الْقُسْطَلَانِيّ فَيرد بِمَعْنى الْأَمر مِنْهُ. وَقضى رَبك وَالْعلم مِنْهُ قضيت لَك بِكَذَا أعلمتك، بِهِ والإتمام مِنْهُ فَإِذا قضيتم الصَّلَاة﴾ (النِّسَاء: ١٠٣) ، وَالْفِعْل مِنْهُ فَاقْض مَا أَنْت قَاض، والإرادة مِنْهُ فَإِذا قضى أمرا، وَالْمَوْت مِنْهُ ليَقْضِ علينا رَبك، وَالْكِتَابَة مِنْهُ وَكَانَ أمرا مقضياً، والفصل مِنْهُ، وَقضى بَينهم بِالْحَقِّ، والخلق مِنْهُ، فقضاهن سبع سموات اه وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْقَضَاء الحكم وَفِي التَّبْصِرَة معنى قَوْلهم قضى القَاضِي أَي ألزم الْحق أَهله قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت﴾ (سبأ: ١٤) أَي ألزمناه إِيَّاه. وأصل مشروعيته من الْكتاب قَوْله تَعَالَى: يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة﴾ (ص: ٢٦) الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ لتَحكم بَين النَّاس﴾ (النِّسَاء: ١٠) وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ (الْمَائِدَة: ٤٩) وَمن السّنة مَا خرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد عَن عَليّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ قَاضِيا إِلَى الْيمن. وَفِي الْمُوَطَّأ أَنه ﵇ قَالَ: (إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع) الحَدِيث. ثمَّ إِنَّه من الْعُقُود الْجَائِزَة فَلِكُل مِنْهُمَا الْفَسْخ شرع أم لَا كَمَا يفهم من عجز الْبَيْت الْآتِي. فَمن شبهه بالجعل والقراض مُرَاده فِي مُطلق الْجَوَاز لِأَنَّهُمَا يلزمان بِالشُّرُوعِ بِخِلَافِهِ هُوَ،
стр. 23
وَهُوَ من فروض الْكِفَايَة حَيْثُ تعدد من فِيهِ أَهْلِيَّته وإلاَّ تعين حِينَئِذٍ وَلزِمَ الْمُتَعَيّن أَو الْخَائِف فتْنَة إِن لم يتول أَو ضيَاع الْحق الْقبُول والطلب، وأجبر عَلَيْهِ وَأَن يضْرب وَإِلَّا فَلهُ الْهَرَب الخ، وَإِنَّمَا كَانَ فرضا لِأَن الْإِنْسَان لَا يسْتَقلّ بِأَمْر دُنْيَاهُ فَيكون طحاناً خبازاً جزاراً حراثاً مثلا، وبالضرورة يحصل التشاجر وَالْخِصَام فاحتيج إِلَى من يقطع ذَلِك وَلكَون الْقطع الْمَذْكُور يحصل بِوَاحِد أَو جمَاعَة كَانَ كِفَايَة ولعظم خطره جَازَ لَهُ الْهَرَب مَعَ عدم الْخَوْف وضياع الْحق أَي وَلَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ بِتَعْيِين الإِمَام بِخِلَاف غَيره من فروض الْكِفَايَة (خَ) فِي الْجِهَاد: وَتعين بِتَعْيِين الإِمَام. وَعرفا قَالَ ابْن عَرَفَة: صفة حكمِيَّة توجب لموصوفها نُفُوذ حكمه الشَّرْعِيّ وَلَو بتعديل أَو تجريح لَا فِي عُمُوم مصَالح الْمُسلمين فَتخرج ولَايَة الشرطة والتحكيم وَأَخَوَاتهَا وَالْولَايَة الْعُظْمَى اه. فَقَوله: وَلَو بتعديل الخ مُبَالغَة فِي مُقَدّر أَي نُفُوذ حكمه فِي كل شَيْء وَلَو بتعديل الخ. وَبِذَلِك الْمُقدر تدخل التأجيلات وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا أَحْكَام يَنْبَنِي عَلَيْهَا من بعده وَتخرج ولَايَة الشرطة وَأَخَوَاتهَا لِأَنَّهَا خَاصَّة بِبَعْض الْأَشْيَاء كالحسبة بِأَحْكَام السُّوق، وَكَذَا يخرج بقوله ثَبت عِنْدِي كَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحكم كَمَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده.
стр. 24
قلت: وَالظَّاهِر أَن مفعول قَوْله توجب مَحْذُوف وَأَن نُفُوذ على حذف مُضَاف ومتعلق أَي توجب لموصوفها كَونه بصدد نُفُوذ حكمه، فالصفة إِن كَانَت توجب كَونه بصدد نُفُوذ حكمه فِي كل شَيْء فَمن قَامَت بِهِ قَاض وَإِن كَانَت توجب كَونه بصدد حكمه فِيمَا حكم فِيهِ فَقَط فمحكم، فَالْقَاضِي من ثبتَتْ لَهُ تِلْكَ الصّفة فصل أَو لم يفصل، وَبِه يسْقط قَول (خَ) لم يظْهر لي وَجه خُرُوجه قَالَ: لِأَن الْمُحكم ينفذ حكمه بِكُل شَيْء حكم بِهِ صَوَابا مثل القَاضِي، وَإِنَّمَا يفترقان فِي الْجَوَاز ابْتِدَاء. وَقَول (ت) إِن التَّحْكِيم خَارج بِعُمُوم الْإِضَافَة فِي حكمه أَي جَمِيع أَحْكَامه يرد بِأَن هَذَا الْعُمُوم هُوَ الْمُقدر قبل الْمُبَالغَة وَهُوَ شَامِل للمحكم الْمَذْكُور لِأَنَّهُ أَيْضا تنفذ جَمِيع أَحْكَامه الَّتِي حكمهَا صَوَابا (خَ) وَمضى أَن حكم صَوَابا تَأمل. وَقَوله: حكمِيَّة أَي اعتبارية. وَقَوله: نُفُوذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بِمَعْنى الْمُضِيّ واللزوم لَا بِمَعْنى التَّنْفِيذ بِالْفِعْلِ لتعذره فِي الْجَبَابِرَة. وَقَوله: حكمه أَي إِلْزَامه أَي توجب لموصوفها لُزُوم إِلْزَامه، فاللزوم فرع الْإِلْزَام والتنفيذ بِالْفِعْلِ أَمر زَائِد على ذَلِك وَخرج بالشرعي غَيره فَلَا يمْضِي. وَقَوله: وَلَو بتعديل أَو تجريح الخ، قَالَ (ت) لم يظْهر لي وَجه الْمُبَالغَة عَلَيْهِمَا بخصوصهما، فَإِن قيل: لكَونه يسْتَند لعلمه فيهمَا قيل مثلهمَا تَأْدِيب من أَسَاءَ عَلَيْهِ وَضرب خصم لد الخ.
стр. 25
قلت: إِنَّمَا قَصده على أَن يُبَالغ على جنس مَا يسْتَند فِيهِ لعلمه، ويكفيه أَن يذكر مِنْهُ بعض أَفْرَاده وَالْمُبَالغَة عَلَيْهِ أولى من الْحُدُود لقُوَّة توهمه وَقَوله: لَا فِي عُمُوم الخ بِهِ خرجت الْولَايَة الْعُظْمَى لِأَن نظرها أوقع لِأَن القَاضِي لَيْسَ لَهُ قسْمَة الْغَنَائِم وَلَا تَفْرِيق الزَّكَاة وَلَا تَرْتِيب الجيوش وَلَا قتال الْبُغَاة وَلَا الإقطاعات. ثمَّ كَمَا يُطلق الْقَضَاء فِي الِاصْطِلَاح على الصّفة الْمَذْكُورَة، كَذَلِك يُطلق على الحكم والفصل فَيُقَال: قَضَاء القَاضِي حق أَو بَاطِل وَتقدم عَن الْجَوْهَرِي أَنه يُطلق على ذَلِك لُغَة. قلت: وَبِاعْتِبَار الْإِطْلَاق الثَّانِي رسمه الْقَرَافِيّ فَقَالَ: الحكم إنْشَاء إِلْزَام أَو إِطْلَاق فالإلزام كَالْحكمِ بِلُزُوم الصَدَاق أَو النَّفَقَة أَو الشُّفْعَة، وَقد يكون بِعَدَمِ الْإِلْزَام كَالْحكمِ بِعَدَمِ لُزُوم مَا ذكر، وَالْإِطْلَاق كَالْحكمِ بِزَوَال الْملك عَن أَرض زَالَ إحياؤها أَو زَوَال ملك الصَّائِد عَن صيد ند الخ، وَكَذَا رسمه ابْن رشد بِاعْتِبَار هَذَا الْإِطْلَاق أَيْضا حَيْثُ قَالَ: هُوَ الْإِخْبَار بِحكم شَرْعِي على وَجه الْإِلْزَام أَي إنْشَاء الْإِخْبَار فَهُوَ مساوٍ لرسم الْقَرَافِيّ إِلَّا أَن الحكم فِي كَلَام ابْن رشد لَا يفسره بالإلزام بل بِالْخِطَابِ أَي بخطاب شَرْعِي، وَالْخطاب الشَّرْعِيّ هُوَ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف، ثمَّ تبين لي أَنه يَصح تَفْسِيره بإلزام أَيْضا أَي بإلزام شَرْعِي ألزم الشَّارِع بِهِ عباده على وَجه إِلْزَامه هُوَ لِلْخَصْمَيْنِ أَو أَحدهمَا وكل من الرسمين غير مطرد لصدقهما بحكمي الصَّيْد وَسَائِر الخطط الشَّرْعِيَّة، فَلَو قَالَا إنْشَاء إِلْزَام يُوجب نُفُوذه فِي كل شَيْء وَلَو بتعديل الخ لسلما من ذَلِك، وَالضَّمِير فِي قَوْلنَا يُوجب يعود على الْإِنْشَاء وَفِي قَوْلنَا نُفُوذه يعود على الْإِلْزَام. ثمَّ إِنَّه على الْإِطْلَاق الثَّانِي تعرض لَهُ الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَلَا إِشْكَال. وَكَذَا على الأول لِأَن قَوْله نُفُوذ حكمه مَعْنَاهُ كَمَا مرّ لُزُوم إِلْزَامه وإلزامه يعرض لَهُ مَا ذكر وَبِه يسْقط قَول من قَالَ: إِنَّمَا تعرض لَهُ بِاعْتِبَار الْقبُول والطلب لِأَن الْقَضَاء صفة وَلَا شَيْء من الصِّفَات بمعروض للْأَحْكَام الْمَذْكُورَة، ثمَّ إِن المُصَنّف اكْتفى بتعريف القَاضِي عَن تَعْرِيف الْقَضَاء المبوب لَهُ فَقَالَ:
стр. 26
مُنَفِّذٌ بالشِّرْعِ لِلأَحْكَامِ لَهُ نِيِابَةٌ عَنِ الإمَامِ (منفذ) أَي هُوَ القَاضِي الْمَفْهُوم من الْقَضَاء منفذ الخ لِأَن الْقَضَاء على مَعْنَاهُ من المصدرية لَا بُد لَهُ من شخص يقوم بِهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِالْقضَاءِ الْوَصْف أَي بَاب القَاضِي وعَلى كل فَفِي الْكَلَام اسْتِخْدَام لِأَنَّهُ فِي الأول أطلق الْقَضَاء على مَعْنَاهُ المصدري، وَأعَاد عَلَيْهِ الضَّمِير الْمُقدر قبل قَوْله منفذ بِاعْتِبَار الْوَصْف، وَفِي الثَّانِي أطلقهُ على الْوَصْف وَأعَاد عَلَيْهِ الضَّمِير فِي بِهِ بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ المصدري و (بِالشَّرْعِ) وَهُوَ مَا شَرعه الله للعباد يتَعَلَّق بِهِ، وَكَذَا قَوْله (للْأَحْكَام) وأل فِيهِ للاستغراق فَتخرج بِهِ سَائِر الخطط لِأَن أَحْكَامهَا خَاصَّة بِبَعْض الْأَشْيَاء كَمَا مر مَا عدا الْإِمَامَة الْعُظْمَى أخرجهَا بقوله: (لَهُ) أَي القَاضِي (نِيَابَة عَن الإِمَام) فَهُوَ من تَمام الْحَد، وَالْجُمْلَة خبر ثَان وَكَأَنَّهُ قَالَ القَاضِي هُوَ النَّائِب عَن الإِمَام فِي تَنْفِيذ جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة أَي إلزامها نفذت بِالْفِعْلِ أم لَا، فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْقَضَاء بِالْمَعْنَى المصدري هُوَ نِيَابَة عَن الإِمَام فِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام إِلَخ، إِذْ يلْزم من تَعْرِيف الْفَرْع تَعْرِيف الأَصْل، وَأَن النَّائِب لَا يقوى قُوَّة المنوب عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ النّظر فِي تجهيز الجيوش وَقسم الْغَنَائِم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا مر وَأَن للْإِمَام عَزله لِأَنَّهُ وَكيل عَنهُ وَكَذَا لَهُ هُوَ عزل نَفسه لِأَنَّهُ من الْعُقُود الْجَائِزَة شرع أم لَا كَمَا فِي ضيح وَابْن فَرِحُونَ وَغَيرهمَا. وَقَوله: للْأَحْكَام جمع حكم وَهُوَ مَا يلْزمه القَاضِي لأحد الْخَصْمَيْنِ، ثمَّ إِن حكم فِي مَسْأَلَة اجتهادية تتقارب فِيهَا المدارك لأجل مصلحَة دنيوية فمحكمة إنْشَاء، فَإِذا قضى الْمَالِكِي مثلا بِلُزُوم الطَّلَاق فِي الَّتِي علق طَلاقهَا على نِكَاحهَا فقضاؤه إنْشَاء نَص خَاص وَارِد من قبله سُبْحَانَهُ فِي خُصُوص هَذِه الْمَرْأَة الْمعينَة فَلَيْسَ للشَّافِعِيّ أَن يُفْتِي فِيهَا بِعَدَمِ لُزُوم الطَّلَاق استناداً لدليله الْعَام الشَّامِل لهَذِهِ الصُّورَة
стр. 27
ولغيرها لِأَن حكم الْحَاكِم فِيهَا جعله الله تَعَالَى نصا خَاصّا وارداً من قبله رفعا للخصومات وقطعاً للمشاجرة وَالْقَاعِدَة الْأُصُولِيَّة إِذا تعَارض خَاص وعام قدم الْخَاص. نعم للشَّافِعِيّ أَن يُفْتِي وَيحكم فِي غَيرهَا بِمُقْتَضى دَلِيله، وَكَذَا لَو حكم الشَّافِعِي فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة باستمرار الزَّوْجِيَّة بَينهمَا خرجت عَن دَلِيل الْمَالِكِي وَلَزِمَه أَن يُفْتِي فِيهَا بِلُزُوم النِّكَاح ودوامه وَفِي غَيرهَا بِلُزُوم الطَّلَاق. وَهَكَذَا حكمه فِي مَوَاطِن الْخلاف كَانَ دَاخل الْمَذْهَب أَو خَارجه وَهُوَ معنى قَول (خَ) وَرفع الْخلاف الخ. قلت: وَهَذَا فِي الْمُجْتَهد أَو الْمُقَلّد الَّذِي مَعَه فِي مَذْهَب إِمَامه من النّظر مَا يرجح بِهِ أحد الدَّلِيلَيْنِ على الآخر، وَأما غَيرهمَا فمحجر عَلَيْهِ الحكم بِغَيْر الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح أَو مَا بِهِ الْعَمَل فَحكمه بذلك إِخْبَار وتنفيذ مَحْض. نعم إِذا تساوى الْقَوْلَانِ فِي التَّرْجِيح فَحكمه إنْشَاء رفع للْخلاف، وَخرج باجتهادية حكم حكمه فِي مَوَاضِع الْإِجْمَاع فَإِنَّهُ إِخْبَار مَحْض لَا إنْشَاء فِيهِ لتعين الحكم بذلك وثبوته وبقيد التقارب الخ الْمدْرك الضَّعِيف كالشفعة للْجَار واستسعاء الْمُعْتق فَالْحكم بسقوطهما إِخْبَار مَحْض وَالْحكم بثبوتهما ينْقض لضعف الْمدْرك عِنْد الْقَائِل بِهِ، وبقيد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة الْعِبَادَات كتحريم السبَاع وطهارة الْأَوَانِي والمياه، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ أهل الِاجْتِهَاد لَا للدنيا بل للآخرة، فَهَذِهِ تدْخلهَا الْفَتْوَى فَقَط إِذْ لَيْسَ للْحَاكِم أَن يحكم بِأَن هَذِه الصَّلَاة صَحِيحَة أَو بَاطِلَة بِخِلَاف الْمُنَازعَة فِي الْأَمْلَاك والأوقاف والرهون، وَنَحْوهَا مِمَّا اخْتلف فِيهَا لمصْلحَة الدُّنْيَا، وَكَذَا أَخذه لِلزَّكَاةِ فِي مَوَاطِن الْخلاف فَهُوَ حكم من جِهَة أَنه تنَازع بَين الْفُقَرَاء والأغنياء لَا أَن أخبر عَن نِصَاب اخْتلف فِيهِ أَنه يُوجب الزَّكَاة ففتوى فَقَط ثمَّ لَا يتَوَقَّف حكمه على قَوْله حكمت بل إِن لم يفعل أَكثر من تَقْرِير الْحَادِثَة أَو سُكُوته كَمَا لَو رفعت إِلَى حَنَفِيّ امْرَأَة زوجت نَفسهَا بِغَيْر ولي فَسكت عَنْهَا، فَالْحكم عِنْد ابْن الْقَاسِم لَيْسَ لمن أَتَى بعده من مالكي أَو غَيره النّظر فِي خُصُوص تِلْكَ الْحَادِثَة لِأَن إِقْرَاره إِيَّاه كَالْحكمِ بإجازته. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: لَيْسَ بِحكم فَإِن قَالَ عِنْد رَفعهَا إِلَيْهِ أَنا لَا أُجِيز النِّكَاح بِغَيْر ولي من غير أَن يحكم بفسخه ففتوى فَقَط قَالَه ابْن شَاس وَتَبعهُ غَيره. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: الظَّاهِر أَنه حكم فَلَيْسَ لغيره نقضه وَهُوَ الْمُوَافق لما مر لِأَن قَوْله: أَنا لَا أُجِيز النِّكَاح بِغَيْر ولي إِخْبَار عَن رَأْيه ومعتقده، وَلَا يلْزم من ذَلِك فَسخه، وَإِذا لم يلْزم بَقِي ساكتاً عَنهُ وَالسُّكُوت تَقْرِير لَهُ وَهُوَ حكم عِنْد ابْن الْقَاسِم، وَاخْتلف فِي قَوْله: ثَبت عِنْدِي كَذَا هَل هُوَ وَالْحكم بِمَعْنى أَو الثُّبُوت غير الحكم وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ يُوجد بِدُونِهِ كثبوت هِلَال رَمَضَان، وطهارة الْمِيَاه ونجاستها وَالتَّحْرِيم بَين الزَّوْجَيْنِ بِالرّضَاعِ حَيْثُ لَا تنَازع بَينهمَا فِيهِ، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تدخله الْأَحْكَام وَإِذا وجد بِدُونِ حكم كَانَ أَعم مِنْهُ، والأعم من الشَّيْء غَيره ثمَّ الَّذِي يفهم من الثُّبُوت نهوض الْحجَّة كالبينة وَنَحْوهَا السالمة من الطعْن فَمَتَى وجد ذَلِك يَقُول فِيهِ القَاضِي ثَبت عِنْدِي كَذَا، وَقد يُوجد الحكم أَيْضا بِدُونِ الثُّبُوت كَالْحكمِ بِالِاجْتِهَادِ فِي قدر التأجيلات وَنَحْوهَا، فبينهما حِينَئِذٍ الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه، وَأَيْضًا يفرق بَينهمَا بِأَن ثُبُوت الْحجَّة مُغَاير للْكَلَام النفساني الإنشائي الَّذِي هُوَ الحكم، وَلَا يخفى أَن نهوض الْحجَّة مقدم على الحكم فَهُوَ غَيره قطعا. قَالَ الْقَرَافِيّ: وَقد علمت مِنْهُ أَن قَول القَاضِي أعلم بِثُبُوتِهِ أَو باستقلاله أَو ثَبت عِنْدِي وَنَحْوه يكون بعد كَمَال الْبَيِّنَة وَقبل الْإِعْذَار فِيهَا، لِأَن الْأَعْذَار فرع ثُبُوتهَا وقبولها فَلَا يعْذر للخصم فِي شَيْء لم يثبت عِنْده، وَفعله جعل إِذْ الْإِعْذَار سُؤال الْحَاكِم
стр. 28
من توجه عَلَيْهِ الحكم هَل لَهُ مَا يسْقطهُ وَيمْتَنع سُؤَاله قبل الْأَدَاء وَالْقَبُول والثبوت. وَقَوله فِي النَّص السالمة من الطعْن يَعْنِي فِي ظَنّه واعتقاده لِأَنَّهُ يسند لعلمه فِي ذَلِك فَقَوْل (ت) وَلَا يكون أَي الثُّبُوت إِلَّا بعد كَمَال الْبَيِّنَة والإعذار فِيهَا سَهْو بل يكون الثُّبُوت فِيمَا لَا خُصُومَة فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا مرّ. تَنْبِيهَات الأول: قَالَ الْقَرَافِيّ: الْفَتْوَى وَالْحكم كِلَاهُمَا خبر عَن الله تَعَالَى، وَيجب على السَّامع اعْتِقَاد ذَلِك إِلَّا أَن الْفَتْوَى مَحْض إِخْبَار وَالْحكم إِخْبَار مَعْنَاهُ الْإِنْشَاء والإلزام، وَكِلَاهُمَا يلْزم الْمُكَلف، فالمفتي مَعَ الله تَعَالَى كالمترجم مَعَ القَاضِي ينْقل عَنهُ مَا وجده عِنْده واستفاده مِنْهُ بِإِشَارَة أَو عبارَة أَو فعل أَو تَقْرِير أَو ترك، وَالْحَاكِم مَعَ الله تَعَالَى كنائب الْحَاكِم ينشىء الْأَحْكَام والإلزام وَلَيْسَ بناقل ذَلِك بل مستنبئه فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَي شَيْء حكمت بِهِ على الْقَوَاعِد فقد جعلته حكمي، فكلاهما مُطِيع لله تَعَالَى ناقل لحكمه غير أَن أَحدهمَا منشىء وَالْآخر ناقل اه. وَقَوله: وَيجب على السَّامع اعْتِقَاد ذَلِك الخ. من أجل ذَلِك قَالَ قَاض لخصم اتهمه فِي حكمه لست بِمُؤْمِن، فَقَالَ وَبِمَ كفرتني؟ فَقَالَ لَهُ قَالَ تَعَالَى: فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك﴾ إِلَى آخر قَوْله: ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً﴾ (النِّسَاء: ٥٦) الْآيَة. الثَّانِي: علما الْقَضَاء وَالْفَتْوَى أخص من الْعلم بالفقه لِأَن مُتَعَلق الْفِقْه كلي من حَيْثُ صدق كليته على جزئيات فحال الْفِقْه من حَيْثُ هُوَ فَقِيه كَحال عَالم بكبرى قِيَاس الشكل الأول فَقَط، وَحَال القَاضِي والمفتي كَحال عَالم بهَا مَعَ علمه بصغراه وَلَا خَفَاء أَن الْعلم بهما أشق وأخص، وَأَيْضًا فقها الْقَضَاء وَالْفَتْوَى مبنيان على إِعْمَال النّظر فِي الصُّور الْجُزْئِيَّة وَإِدْرَاك مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَوْصَاف الكائنة فِيهَا فيلغي طرديها وَيعْمل معتبرها قَالَه ابْن عَرَفَة فَقَوله: وَأَيْضًا فقها الخ، هُوَ بَيَان لوجه كَونهمَا أخص بعد أَن بَينه بالمثال وَقَوله: طرديها أَي الْأَوْصَاف الطردية الَّتِي لَا تنبني على وجودهَا أَو فقدها ثَمَرَة، وَهَذَا وَجه تخطئة الْمُفْتِينَ والقضاة لبَعْضهِم بَعْضًا، فقد يَبْنِي القَاضِي والمفتي حكمه على الْأَوْصَاف الطردية المحتفة بالنازلة ويغفل عَن أوصافها الْمُعْتَبرَة، وأصل مَا ذكره ابْن عَرَفَة لِابْنِ عبد السَّلَام. وَنَصه: وَعلم الْقَضَاء وَإِن كَانَ أحد أَنْوَاع علم الْفِقْه وَلكنه يتَمَيَّز بِأُمُور لَا يحسنها كل الْفُقَهَاء، وَرُبمَا كَانَ بعض النَّاس عَارِفًا بفصل الْخِصَام وَإِن لم يكن لَهُ بَاعَ فِي غير ذَلِك من أَبْوَاب الْفِقْه، كَمَا أَن علم الْفَرَائِض كَذَلِك وَلَا غرابة فِي امتياز علم الْقَضَاء عَن غَيره من أَنْوَاع الْفِقْه، وَإِنَّمَا الغرابة فِي اسْتِعْمَال كليات الْفِقْه وتطبيقها على جزئيات الوقائع وَهُوَ عسير، فتجد الرجل يحفظ كثيرا من الْعلم وَيفهم وَيعلم غَيره، وَإِذا سُئِلَ عَن وَاقعَة بِبَعْض الْعَوام من مسَائِل الْإِيمَان وَنَحْوهَا لَا يحسن الْجَواب عَنْهَا، وللشيوخ فِي ذَلِك حكايات نبه ابْن سهل فِي أول كِتَابه على بَعْضهَا اه. وَبِه تعلم أَن معنى قَوْله فِي ضيح: وَعلم الْقَضَاء وَإِن كَانَ أحد أَنْوَاع الْفِقْه، لكنه يتَمَيَّز بِأُمُور لَا يحسنها كل الْفُقَهَاء، وَقد يحسنها من لَا بَاعَ لَهُ فِي الْفِقْه اه. هُوَ أَنه من لَا بَاعَ لَهُ فِي حفظ مسَائِل الْفِقْه، لكنه مَعَه من الفطنة مَا يدْخل بِهِ الجزئيات تَحت كلياتها بِخِلَاف غَيره، فَهُوَ وَإِن كَانَ كثير الْحِفْظ لمسائله لَكِن لَيْسَ مَعَه من تِلْكَ الفطنة شَيْء كَمَا يرشد إِلَيْهِ كَلَام ابْن عبد السَّلَام، وَلذَلِك نقلته برمتِهِ. وَكثير من الحمقاء اغْترَّ بِظَاهِر كَلَام ضيح حَتَّى قَالَ: إِن الْقَضَاء صناعَة يُحسنهُ من لَا شَيْء مَعَه من الْفِقْه، وَجرى ذَلِك على أَلْسِنَة كثير
стр. 29
مِنْهُم، وَاحْتَجُّوا بقول المُصَنّف الْآتِي وَيسْتَحب الْعلم فِيهِ الخ وَهُوَ احتجاج سَاقِط. قَالَ ابْن رشد: لَيْسَ الْعلم الَّذِي هُوَ الْفِقْه فِي الدّين بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَالْحِفْظ إِنَّمَا هُوَ نور يَضَعهُ الله حَيْثُ شَاءَ، وَقد أجبْت عَن ضيح بِمَا مر قبل الْوُقُوف على كَلَام ابْن عبد السَّلَام وَالله أعلم. الثَّالِث: تثبت ولَايَة الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ على الْإِمَامَة مشافهة أَنه ولى فلَانا أَو بالاستفاضة وانتشار الْخَبَر أَنه ولاه، وَمنع بَعضهم ثُبُوتهَا بِكِتَاب يقْرَأ عَن الإِمَام إِلَّا أَن ينظر الشُّهُود فِيمَا يَقْرَؤُهُ القارىء لجَوَاز أَن يقْرَأ مَا لَيْسَ فِي الْكتاب وتنعقد بِالصَّرِيحِ: كوليتك وقلدتك واستخلفتك واستنبتك وبالكناية: كاعتمدت عَلَيْك وعولت عَلَيْك ورددت إِلَيْك وَجعلت إِلَيْك وفوضت إِلَيْك ووكلت إِلَيْك وأسندت إِلَيْك وعهدت إِلَيْك، وَلَا بُد أَن يقْتَرن بِالْكِنَايَةِ مَا يَنْفِي عَنْهَا الِاحْتِمَال مثل: احكم فِيمَا اعتمدت عَلَيْك فَإِن كَانَ الْمولى بِالْفَتْح غَائِبا فَيجوز قبُوله على التَّرَاخِي وَيَكْفِي فِي الْقبُول شُرُوعه، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ الْقبُول إِذا ولاه الْأَمِير الْغَيْر الْعدْل وَلَا تتمّ تَوليته، حَتَّى يكون المولِي بِالْكَسْرِ عَالما بشرائط الْولَايَة فِي الْمولى بِالْفَتْح وَإِن جهلها وَقت العقد لم تصح واستأنف، وَلَا بُد أَيْضا من تعْيين الْبَلَد الَّذِي عقدت عَلَيْهِ الْولَايَة فِيهِ وَتَعْيِين الخطة من كَونهَا قَضَاء أَو إِمَارَة أَو جباية ليعلم على أَي نظر عقدت لَهُ وإلاَّ فَسدتْ. الرَّابِع: لَا يخفى أَن قَول النَّاظِم منفذ الخ. يتَضَمَّن أَرْكَان الْقَضَاء الْخَمْسَة لِأَن المنفذ يسْتَلْزم مقضياً لَهُ وَعَلِيهِ وَفِيه. وَقَوله: بِالشَّرْعِ هُوَ الْمقْضِي بِهِ وَكَيْفِيَّة الْقَضَاء وَسَتَأْتِي مفصلة إِن شَاءَ الله. لَطِيفَة: نقل الْحطاب عَن المشذالي أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى عَامله بِالْبَصْرَةِ أَن اجْمَعْ بَين إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَالقَاسِم بن ربيعَة فولِّ الْقَضَاء أنفذهما، فَجمع الْعَامِل بَينهمَا وَذكر لَهما مَا كتب لَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ إِيَاس: سل عني وَعَن الْقَاسِم فقيهي الْمصر الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين، وَكَانَ إِيَاس لَا يأتيهما وَالقَاسِم يأتيهما، فَعلم الْقَاسِم أَنه إِن سَأَلَهُمَا أشارا بِهِ فَقَالَ لَهُ: لَا تسْأَل عني وَلَا عَنهُ، فوَاللَّه الَّذِي لَا إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ إِن إياساً أفقه مني وَأعلم بِالْقضَاءِ، فَإِن كنت كَاذِبًا فَمَا عَلَيْك أَن توليني وَأَنا كَاذِب وَإِن كنت صَادِقا فَيَنْبَغِي لَك أَن تقبل قولي فَقَالَ لَهُ إِيَاس: إِنَّك جِئْت بِرَجُل وأوقفته على شفا جَهَنَّم فنجى نَفسه مِنْهَا بِيَمِين كَاذِبَة فيستغفر الله مِنْهَا وينجو مِمَّا يخَاف فَقَالَ لَهُ الْعَامِل: أما إِنَّك إِذا فهمتها فَأَنت لَهَا فاستقضاه اه. واسْتُحْسِنَتْ فِي حَقَّهِ الْجَزَالَهْ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالْعَدَالَهْ (واستحسنت) : أَي اسْتحبَّ (فِي حَقه) أَي القَاضِي (الجزالة) من جزل فَهُوَ جزيل أَي عَاقل أصيل الرَّأْي، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ لازمها الَّذِي هُوَ جودة الفطنة فالمستحب شَيْء خَاص وَهُوَ أَصَالَة الرَّأْي وَكَثْرَة الفطنة الْمُوجبَة للشهرة بهَا بِشَرْط أَن لَا تصل إِلَى حد الدهاء، وإلاَّ فالمطلوب السَّلامَة مِنْهَا، وَأما مُطلق الفطنة الْمَانِع من كَثْرَة التغفل ومشي الْحِيَل عَلَيْهِ فَهُوَ شَرط صِحَة فِي ولَايَته دَاخل فِي قَوْله: (وَشَرطه) أَي شُرُوط صِحَة ولَايَته (التَّكْلِيف) أَي الْعقل وَالْبُلُوغ فَلَا تَنْعَقِد لصبيٍ وَلَا لفاقد
стр. 30
الْعقل من مَجْنُون ومعتوه، إِذْ لَا يجْرِي عَلَيْهِم قلم وَلَا لفاقد تَمَامه كمغفل لِأَن التغفل إِذا كَانَ مَانِعا من الشَّهَادَة فأحرى الْقَضَاء (وَالْعَدَالَة) وَهِي تَسْتَلْزِم الْإِسْلَام وَعدم الْفسق، فالكافر لَا ولَايَة لَهُ لقَوْله تَعَالَى: وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ (النِّسَاء: ١٤١) وَالْفَاسِق كَذَلِك لَا تصح ولَايَته وَلَا ينفذ حكمه وَافق الْحق أم لَا. لِأَنَّهُ لَا تقبل شَهَادَته فأحرى قَضَاؤُهُ وَقَالَ أصبغ: تَنْعَقِد ولَايَته وَيجب عَزله ويمضى من أَحْكَامه مَا وَافق الْحق على الْمَشْهُور، والجور نوع من الْفسق فَإِذا ثَبت جوره فِي قَضِيَّة بِإِقْرَار وَنَحْوه نقضت أَحْكَامه كلهَا. وَمِنْه تَقْدِيمه للشَّهَادَة من يعرف جرحه فَلَا عذر لَهُ فِي أَنه إِنَّمَا يقدمهُ خوفًا من موليه، إِذْ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق. وَفِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا يخَاف الْعَزْل فَقَط. فَإِن قيل: الْعَدَالَة كَمَا تَسْتَلْزِم الْإِسْلَام وَعدم الْفسق كَذَلِك تَسْتَلْزِم الْحُرِّيَّة والتكليف أَيْضا، فَلَو اكْتفى النَّاظِم بهَا وأبدل التَّكْلِيف بالفطنة وَأسْقط الْحُرِّيَّة الْآتِيَة كَمَا فعل خَلِيل حَيْثُ قَالَ: أهل الْقَضَاء عدل ذكر فطن الخ. لَكَانَ أحسن وأخصر. قُلْنَا: الْعَدَالَة عِنْد خَلِيل تَسْتَلْزِم مَا ذكر لِأَنَّهُ فَسرهَا فِي الشَّهَادَات بذلك فَقَالَ: الْعدْل حر مُسلم عَاقل بَالغ بِلَا فسق الخ. فَلذَلِك حسن مِنْهُ الِاكْتِفَاء فِي بَاب الْقَضَاء بِخِلَافِهَا عِنْد النَّاظِم فَإِنَّمَا تَسْتَلْزِم الْإِسْلَام وَعدم الْفسق بِدَلِيل قَوْله الْآتِي: وَالْعدْل من يجْتَنب الْكَبَائِر وَيَتَّقِي فِي الْغَالِب الصَّغَائِر وَأنْ يَكُونَ ذَكَراً حُرًّا سَلِمْ مِنْ فَقْدِ رُؤْيَةٍ وَسَمْعٍ وَكَلِمْ (وَأَن يكون ذكرا) فَلَا تَنْعَقِد ولَايَة الْمَرْأَة لقَوْله ﵇: (لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة) وَلِأَن بعض النِّسَاء رُبمَا كَانَت صورتهَا فتْنَة. (حرا) وَلَو عتيقاً على الْمَشْهُور. وَقَالَ سَحْنُون: لَا تصح ولَايَته لِأَنَّهُ قد يستحي فَترد أَحْكَامه، وَأما الرَّقِيق وَلَو بشائبة فَلَا ولَايَة لَهُ لِأَنَّهُ مَمْنُوع من ولَايَة نَفسه، فَكيف لولاية غَيره وَلِأَنَّهُ أثر كفر. وَبَقِي من شُرُوط الصِّحَّة كَونه وَاحِدًا فَلَا تصح تَوْلِيَة اثْنَيْنِ على أَن لَا ينفذ حكم فِي كل قَضِيَّة إِلَّا باجتماعهما مَعًا عَلَيْهِ لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض وَتعذر الِاتِّفَاق غَالِبا، وَذَلِكَ يُفْضِي لتعطيل الْأَحْكَام، وَأما تَوْلِيَة كل مِنْهُمَا على سَبِيل الِاسْتِقْلَال فَجَائِز، وَكَذَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة مُعينَة كَمَا فِي ابْن عَرَفَة (خَ) : وَجَاز تعدد مُسْتَقل
стр. 31
وخاص بِنَاحِيَة أَو نوع الخ. وَكَونه مُجْتَهدا فَلَا تصح تَوْلِيَة الْمُقَلّد مَعَ وجوده، وَاخْتلف الأصوليون هَل يُمكن خلو زمَان من الْأَزْمِنَة عَن مُجْتَهد أم لَا؟ وَلَا تصح الدَّعْوَى بِعَدَمِ وجوده إِلَّا من مُجْتَهد إِذْ القَوْل بانتفائه فرع إِدْرَاك مرتبته فَإِن لم يُوجد الْمُجْتَهد فَيُسْتَحَب تَوْلِيَة أعلم المقلدين، وَهُوَ مُرَاد خَلِيل بقوله: مُجْتَهد إِن وجد وإلاَّ فأمثل مقلِّد بِكَسْر اللَّام فَحكم بقول مقلَّده بِفَتْحِهَا فكونه أمثل مقلد مُسْتَحبّ لَا وَاجِب كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامه. وَكَونه غير دَافع رشوة لتحصيله فَإِن دَفعهَا فَلَا تَنْعَقِد ولَايَته وقضاؤه مَرْدُود، وَلَو وَافق الْحق وتوفرت فِيهِ شُرُوط الْقَضَاء كَمَا فِي التَّبْصِرَة، وَاعْتَمدهُ الزّرْقَانِيّ وَقَول الْحطاب، وَالظَّاهِر أَنه إِذا طلب الْقَضَاء فولي لَا يجب عَزله الخ يَعْنِي إِذا طلبه بِغَيْر رشوة وَالله أعلم. ثمَّ إِنَّه إِذا انْفَرد وَاحِد بِهَذِهِ الشُّرُوط تعين عَلَيْهِ (خَ) : وَلزِمَ الْمُتَعَيّن أَو الْخَائِف فتْنَة إِن لم يتول أَو ضيَاع الْحق الْقبُول والطلب الخ، ابْن عَرَفَة: وَهَذَا كُله مَا لم تكن تَوليته ملزومة لما لَا يحل من تَكْلِيفه تَقْدِيم مَا لَا يحل تَقْدِيمه للشَّهَادَة، وَقد شاهدنا من ذَلِك مَا الله أعلم بِهِ اه. يُرِيد إِنَّمَا يلْزمه الْقبُول تعين أم لَا إِذا كَانَ يعان على الْحق وَإِلَّا لم يلْزمه وَظَاهر قَوْله: (سلم. من فقد رُؤْيَة وَسمع وكلم) أَن السَّلامَة من فقد جَمِيعهَا شَرط صِحَة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْمَذْهَب أَن السَّلامَة من فقد أَحدهَا شَرط فِي جَوَاز ولَايَته ابْتِدَاء وَفِي جَوَاز دوامها فَتَصِح ولَايَته بعد الْوُقُوع وَينفذ مَا حكم بِهِ وَيجب عَزله كَمَا أَفَادَهُ خَلِيل بقوله: وَنفذ حكم أعمى وأبكم وأصم وَوَجَب عَزله الخ. قلت: فَلَو قَالَ على مَا مر من أَن الْعَدَالَة تَسْتَلْزِم الْحُرِّيَّة والتكليف مَا نَصه، وَشَرطه الفطنة وَالْعَدَالَة. وَأَن يكون ذكرا وواحداً وعالماً مُجْتَهدا إِن وجدا ورؤية سمع كَلَام إِن سلب وَاحِد ذِي الثَّلَاث فالعزل يجب لسلم مِمَّا ورد عَلَيْهِ هُنَا، وَفِي قَوْله: وَيسْتَحب الْعلم الخ. قلت: وَقد يُجَاب عَن الأول بِأَن إِحْدَى الواوين فِي قَوْله: وَسمع وكلم بِمَعْنى أَو وَالْأُخْرَى بِمَعْنى مَعَ أَي سالما من فقد رُؤْيَة مَعَ سمع أَو كَلَام أَو من فقد سمع مَعَ كَلَام أَي شَرط الصِّحَّة السَّلامَة من فقد اثْنَيْنِ مِنْهَا، فَإِن فقدهما فَلَا تَنْعَقِد ولَايَته وَأَحْرَى أَن فقد الثَّلَاثَة كَمَا صرح بِهِ ابْن عبد السَّلَام. وَأما فقد وَاحِد مِنْهَا فَشرط فِي الْجَوَاز ابْتِدَاء كَمَا مرّ. وَبِه تعلم أَن قَول (ت) : فتنعقد ولَايَة فاقدها أَي الثَّلَاثَة الخ، صَوَابه فَاقِد أَحدهَا، وَعَن الثَّانِي بِأَن الْمُسْتَحبّ فِي قَوْله:
стр. 32
وَيُسْتَحَبُّ الْعِلْمُ فِيهِ وَالْوَرَعْ مَعَ كَوْنِهِ الأُصُولَ لِلْفِقْهِ جَمَعْ (وَيسْتَحب الْعلم فِيهِ) على حذف مُضَاف أَي يسْتَحبّ غزارة الْعلم فِيهِ أَي زِيَادَته بِأَن يكون أمثل مقلد وَأفضل مُجْتَهد، أَو على حذف الصّفة كَقَوْلِه تَعَالَى: الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧١) أَي الْبَين أَي يسْتَحبّ فِيهِ الْعلم الْموصل للِاجْتِهَاد كَمَا فِي الْمُقدمَات، فَهُوَ يُفِيد شَرْطِيَّة الْعلم فِي الْجُمْلَة، وَأَن الْمُسْتَحبّ علم خَاص وَهُوَ مَا يتَوَصَّل بِهِ للِاجْتِهَاد. ابْن عَرَفَة: فَفِي صِحَة تَوْلِيَة الْمُقَلّد مَعَ وجود الْمُجْتَهد قَولَانِ: لِابْنِ زرقون مَعَ ابْن رشد، وعياض مَعَ ابْن الْعَرَبِيّ، والمازري، وَمَعَ فَقده جَائِز وَمَعَ وجوده الْمُجْتَهد أولى اتِّفَاقًا فيهمَا اه. وَهَذَا الْحمل وَإِن كَانَ يَقْتَضِي أَن الْمُقَلّد تصح تَوليته مَعَ وجود الْمُجْتَهد وَهُوَ مَرْجُوح كَمَا مرّ، لَكِن حمله عَلَيْهِ أولى من بَقَائِهِ على ظَاهره الْمُقْتَضِي لصِحَّة تَوْلِيَة الْجَاهِل الْمَحْض مَعَ أَنه لَا تَنْعَقِد لَهُ ولَايَة وَلَا ينفذ لَهُ حكم صَادف الْحق أم لَا شاور أم لَا. وَمَا ورد عَن ابْن حبيب وَابْن زرقون وَغَيرهمَا مِمَّا يُوهم صِحَة تَوليته لَيْسَ على ظَاهره، بل المُرَاد بِهِ عِنْدهم الْمُقَلّد كَمَا لأبي الْحسن وَابْن نَاجِي والأبي وَغَيرهم. وَفِي المعيار عَن اليزناسي أَنه لَا خلاف فِي جَوَاز تعقب أَي تصفح أَحْكَام الْمُقَلّد وَهُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ فِي كتاب أَئِمَّتنَا بالجاهل اه. وَفِي أول جَامع الْبُرْزُليّ بعد أَن ذكر حَقِيقَة الِاجْتِهَاد وشروط الْمُجْتَهد مَا نَصه: والعامي من لَيْسَ لَهُ مَا ذكرنَا من آلَة الِاجْتِهَاد، فالمقلد وَالْجَاهِل والعامي عِنْدهم أَلْفَاظ مترادفة، وَبِهَذَا تعلم أَن المُرَاد بالجاهل فِي قَول (خَ) : أَو جَاهِل لم يشاور الخ الْمُقَلّد، وَأَن أَحْكَامه إِذا لم يشاور فِيهَا تتعقب أَي تتصفح فَيرد خطؤها ويمضي غَيره، وَأَن قَوْله: وَرفع الْخلاف. وَقَوله: وَلَا يتعقب حكم الْعدْل الْعَالم إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُجْتَهد وَلَو فِي مَذْهَب إِمَامه، فَيدْخل نَحْو ابْن رشد وَاللَّخْمِيّ وَمن بعدهمْ من الْمُتَأَخِّرين الَّذِي لَهُم تصرف فِي القياسات وَإِدْخَال الجزئيات تَحت كلياتها، وَلَيْسَ المُرَاد خُصُوص الْمُجْتَهد الْمُطلق، وَأما الْمُقَلّد فَلَا يرفع الْخلاف وتتعقب أَحْكَامه وَلَا يعْتَبر مِنْهَا إِلَّا مَا وَافق الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح أَو مَا بِهِ الْعَمَل كَمَا مرّ. فَإِن قيل: الْجَاهِل الْحَقِيقِيّ إِذا شاور صَار مُقَلدًا وَحِينَئِذٍ فَتجوز تَوليته حَيْثُ دخل على الْمَشْهُورَة. قُلْنَا: هُوَ لَا يُمَيّز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَلَا بَين مَا يجب قبُوله من أحد الْخَصْمَيْنِ وَمَا لَا، وَمَا يُوجب على خَصمه حَقًا أَو جَوَابا وَمَا لَا، وَإِن كتب لَهُ عَمَّا سَأَلَ عَنهُ لم يفهم مواقع الْجَواب
стр. 33
وَمَا يعرض فِيهِ من الِاحْتِمَال بِحَيْثُ يُعِيد عَنهُ السُّؤَال وَنَحْو ذَلِك. فَكيف تَنْعَقِد ولَايَته وتنفذ أَحْكَامه وَلَا سِيمَا مَعَ اخْتِلَاف المشاورين عَلَيْهِ إِذْ الْحَاكِم لَا يحكم بقول مشاوره بِالْفَتْح تقليداً لَهُ كَمَا لِابْنِ عبد الْبر حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق بِالدَّلِيلِ الَّذِي تبين بِهِ للمشاور، وهم إِذا اخْتلفُوا لم يعلم بِمَاذَا يَأْخُذ بِخِلَافِهِ إِذا كَانَ فَقِيها فَإِنَّهُ وَإِن أَمر بالمشورة، لَكِن إِذا اخْتلفُوا عَلَيْهِ اجْتهد فِي اخْتلَافهمْ وترقى أحسن أقاويلهم، وأمعن النّظر فِي دلائلهم وَالله أعلم. ابْن مُحرز: إِن حكم بِالظَّنِّ والتخمين من غير قصد إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الْأَدِلَّة فَذَلِك بَاطِل لِأَن الحكم بالتخمين فسق وظلم وَخلاف الْحق، وَيفْسخ هَذَا الحكم هُوَ وَغَيره إِذا ثَبت عِنْد الْغَيْر أَنه على هَذَا حكم اه. وَفِي أقضية الْبُرْزُليّ: لَا خلاف أَن الحكم بالحزر والتخمين لَا يجوز. قَالَ شَيخنَا الإِمَام: وَكَثِيرًا مَا رَأَيْت بَعضهم يحكم فِي النَّازِلَة وَهُوَ لَا يسْتَند لنقل يذكرهُ لما استقرى من حَاله إِذا رُوجِعَ فِي بعض أَحْكَامه لَا يسْتَند لنقل وَلَا قِيَاس اه. على نقل الْبُرْزُليّ، وَهَذَا كثير فِي بعض قُضَاة الكور. ابْن الْحَاجِب: وَهُوَ جور وَفسق وَإِن صَادف الْحق فَالْمَشْهُور فَسخه وَإِن لم يصادفه فالإجماع على فَسخه وإغرام مَا أتْلفه بِحكمِهِ اه. وَهَذَا فِي الْمُقَلّد إِذْ الْجَاهِل لَا يعرف الْأَدِلَّة فضلا عَن الْقَصْد إِلَيْهَا. (والورع) وَهُوَ ترك الشُّبُهَات والتوقف فِي الْأُمُور والتثبت فِيهَا (مَعَ) مُتَعَلق بقوله: يسْتَحبّ و (كَونه) مُضَاف إِلَيْهِ (الحَدِيث) مفعول مقدم و (للفقه) يتَعَلَّق بقوله: (جمع) أَي يسْتَحبّ فِيهِ الْعلم مَعَ كَونه جمع الحَدِيث أَي مدارك أَحْكَامه للفقه بِأَن لَا يكون صَاحب حَدِيث لَا فقه عِنْده وَلَا صَاحب فقه لَا حَدِيث عِنْده. قَالَ أَبُو بكر الطرطوشي: وَجُمْهُور المقلدين فِي هَذَا الزَّمَان لَا تَجِد عِنْدهم من الْآثَار كَبِير شَيْء، وَإِنَّمَا مصحفهم مَذْهَب إمَامهمْ، وَإِنَّمَا اسْتحبَّ فِي الْمُقَلّد مَا ذكره النَّاظِم لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن لَا يخرج عَن مَشْهُور قَول مقلده بِالْفَتْح، وَلَا يجوز لَهُ عِنْد
стр. 34
عدم وُقُوفه على مَا شهره الشُّيُوخ من الرِّوَايَتَيْنِ أَو الْقَوْلَيْنِ أَن يحكم بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْر نظر فِي التَّرْجِيح فَإِن ذَلِك جهل كَمَا مرّ عِنْد ابْن مُحرز وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ النّظر إِلَّا بِالْجمعِ بَين مَا ذكر فَإِن نظر وَلم يظْهر لَهُ دَلِيل التَّرْجِيح أَو لم يكن من أَهله فَقَوْل مَالك فِي الْمُدَوَّنَة مقدم على قَول ابْن الْقَاسِم فِيهَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَو غَيره لِأَنَّهُ الإِمَام الْأَعْظَم. وَقَول ابْن الْقَاسِم فِيهَا مقدم على قَول غَيره فِيهَا وعَلى رِوَايَة غَيره فِي غير مَا عَن الإِمَام، وَقَول غَيره فِيهَا مقدم على قَول ابْن الْقَاسِم فِي غَيرهَا وَذَلِكَ لصحتها، فَإِن فقد ذَلِك فليفزع فِي التَّرْجِيح إِلَى صفاتهم فَيعْمل بقول الْأَكْثَر والأورع والأعلم، فَإِذا اخْتصَّ وَاحِد مِنْهُم بِصفة أُخْرَى قدم الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بالإصابة، فالأعلم الْوَرع مقدم على الأورع الْعَالم، وَكَذَا لَو وجد قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن لم يبلغهُ عَن أحد بَيَان الْأَصَح مِنْهُمَا اعْتبر أَوْصَاف ناقليهما، وَالتَّرْجِيح بِالصّفةِ جَار فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، وَمِنْه تَقْدِيم ابْن رشد على ابْن يُونُس وَابْن يُونُس على اللَّخْمِيّ قَالَه المشذالي. وَهَذَا فِيمَا عدا مَا نبه الشُّيُوخ على ضعف كَلَام ابْن رشد فِيهِ، وَلذَا اقْتصر (خَ) فِي عدَّة مَوَاضِع على كَلَام اللَّخْمِيّ دون ابْن رشد مَعَ علمه بِهِ وَنَقله لَهُ فِي ضيح، وَهَذَا كُله فِي قوليهما من عِنْد أَنفسهمَا لَا فِي نقليهما عَن الْمَذْهَب فَإِنَّهُمَا متساويان كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ عِنْد قَوْله فِي الزَّكَاة: كالثمر نوعا أَو نَوْعَيْنِ. وتأمله فَإِنَّهُ لم يظْهر لي وَجهه لِأَنَّهُ إِذا قدم ابْن رشد لشدَّة حفظه وَقُوَّة فهمه فَلَا فرق بَين مَا قَالَاه عَن أَنفسهمَا أَو نَقَلَاه عَن غَيرهمَا، إِذْ الْعلَّة الَّتِي هِيَ شدَّة الْحِفْظ والفهم والتثبت مَوْجُودَة فِي الْجَمِيع وَلم أَقف على التَّفْصِيل الْمَذْكُور لغيره وَالله أعلم. فَإِن تساوى الْقَوْلَانِ عِنْده من كل وَجه وَعجز عَن التَّرْجِيح بِشَيْء مِمَّا ذكر وَغَيره؛ فليحكم بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يجوز لَهُ وَلَا للمفتي أَن يتساهل فِي الحكم أَو الْفَتْوَى بِأَن يسْرع فِي الحكم أَو الْفَتْوَى قبل اسْتِيفَاء حَقّهمَا من النّظر والفكر، أَو تحمله الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة على تتبع الحِيل المحظورة أَو الْمَكْرُوهَة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص على من يروم نَفعه من الْجَبَابِرَة والقرابة وَنَحْوهمَا. أَو التَّغْلِيظ على من يروم ضره وَمن فعل مثل هَذَا وَعرف بِهِ فَلَا يجوز أَن يستفتي، وَقد هان عَلَيْهِ دينه نسْأَل الله تَعَالَى الْعَفو والعافية. ثمَّ إِن الْمَشْهُور مَا قوي دَلِيله وَقيل مَا كثر قَائِله، وَالصَّحِيح الأول وَمُقَابل الْمَشْهُور شَاذ وَمُقَابل الْأَشْهر مَشْهُور دونه فِي الشُّهْرَة قَالَه فِي ضيح، ابْن خويز منداد: مسَائِل الْمَذْهَب تدل على أَن الْمَشْهُور مَا قوي دَلِيله وَأَن مَالِكًا ﵀ كَانَ يُرَاعِي من الْخلاف مَا قوي دَلِيله لَا مَا كثر قَائِله. ابْن رشد: وَيُعَكر على الأول أَن الْأَشْيَاخ رُبمَا ذكرُوا فِي قَول إِنَّه الْمَشْهُور وَيَقُولُونَ فِي مُقَابِله إِنَّه الصَّحِيح اه. ابْن فَرِحُونَ: لَا إِشْكَال فِي هَذَا لِأَن الْمَشْهُور هُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة، وَقد يعضد الآخر حَدِيث صَحِيح، وَرُبمَا رَوَاهُ مَالك وَلَا يَقُول بِهِ لعَارض قَامَ عِنْده لَا يتحققه هَذَا الْمُقَلّد وَلَا يظْهر لَهُ وَجه الْعُدُول عَنهُ فَيَقُول: وَالصَّحِيح كَذَا لقِيَام الدَّلِيل وَصِحَّة الحَدِيث اه. قلت: فيفهم من هَذَا الْكَلَام أَن الْمُقَلّد لَا يعدل عَن الْمَشْهُور وَإِن صَحَّ مُقَابِله وَأَنه لَا يطْرَح نَص إِمَامه للْحَدِيث وَإِن قَالَ إِمَامه وَغَيره بِصِحَّتِهِ، وَقد صرح بذلك ابْن الصّلاح وَغَيره وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم اطلَاع الْمُقَلّد على الْمعَارض انتفاؤه، فالإمام قد يتْرك الْأَخْذ بِهِ مَعَ صِحَّته عِنْده لمَانع اطلع عَلَيْهِ وخفي على غَيره، فَلَيْسَ مُرَاد النَّاظِم بقوله: مَعَ كَونه الحَدِيث الخ، أَنه يعْمل بِمَا صَحَّ من الحَدِيث الْمعَارض لنَصّ إِمَامه بل ليتأتى لَهُ التَّرْجِيح عِنْد عدم الْوُقُوف عَلَيْهِ كَمَا
стр. 35
مرّ. الْقَرَافِيّ: إِذا كَانَ الإِمَام مُجْتَهدا فَلَا يجوز لَهُ أَن يحكم أَو يُفْتِي إِلَّا بالراجح عِنْده، وَإِن كَانَ مُقَلدًا جَازَ لَهُ أَن يُفْتِي بالمشهور فِي مذْهبه وَأَن يحكم بِهِ وَإِن لم يكن راجحاً عِنْده مُقَلدًا فِي رُجْحَان القَوْل الْمَحْكُوم بِهِ إِمَامه الَّذِي قَلّدهُ، وَأما اتِّبَاع الْهوى فِي الحكم وَالْفَتْوَى فَحَرَام إِجْمَاعًا اه. فَجعل حكم الْمُجْتَهد بِغَيْر الرَّاجِح عِنْده، والمقلد بِغَيْر الْمَشْهُور وَإِن ترجح عِنْده بِقِيَام دَلِيل من صِحَة حَدِيث وَنَحْوه من اتِّبَاع الْهوى وَأَنه حرَام، وَذَلِكَ يدل على وجوب نقضه. وَلذَا قَالَ ناظم الْعَمَل: حكم قُضَاة الْوَقْت بالشذوذ ينْقض لَا يتم بالنفوذ وَمن عوام لَا تجز مَا وافقا قولا فَلَا اخْتِيَار مِنْهُم مُطلقًا وَمرَاده بالشاذ مَا قَابل الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح كَمَا مرّ وَمرَاده بالعوام المقلدون أَي لَا تجز أحكامهم بِغَيْر الْمَشْهُور، وَإِن وَافَقت بعض الْأَقْوَال لِأَن أحكامهم لَا ترفع الْخلاف واختياراتهم لمقابل الْمَشْهُور لَا تعْتَبر، وَنَصّ فِي إقرارات المعيار على أَن الْفَتْوَى بِغَيْر الْمَشْهُور توجب عُقُوبَة الْمُفْتِي وَكَذَا الْجَاهِل بعد التَّقَدُّم إِلَيْهِ اه. وَهَذَا مَا لم يجر الْعَمَل بالشاذ، وَإِلَّا فَيقدم على الْمَشْهُور بعد أَن يثبت بِشَهَادَة الْعُدُول المثبتين فِي الْمسَائِل أَن الْعَمَل جرى بِهِ غير مَا مرّة من الْعلمَاء المقتدى بهم قَالَه ميارة فِي شرح اللامية قَالَ: وَلَا يثبت الْعَمَل الْمَذْكُور بقول عوام الْعُدُول مِمَّن لَا خبْرَة لَهُ بِمَعْنى لفظ الْمَشْهُور أَو الشاذ فضلا عَن غَيره جرى الْعَمَل بِكَذَا، فَإِذا سَأَلته عَمَّن أفتى بِهِ أَو حكم بِهِ من الْعلمَاء توقف وتزلزل، فَإِن مثل هَذَا لَا يثبت بِهِ مُطلق الْخَبَر فضلا عَن حكم شَرْعِي اه. ثمَّ إِن الْعَمَل الْجَارِي بِبَلَد لأجل عرفهَا الْخَاص لَا يعم سَائِر الْبلدَانِ بل يقصر على ذَلِك الْعرف فِي أَي بلد وجد لِأَن مبناه عَلَيْهِ. فَإِن قيل: جرى الْعَمَل بِأَن النّحاس مثلا يحكم بِهِ للنِّسَاء عِنْد اختلافهن مَعَ الْأزْوَاج لِأَن عرف الْبَلَد أَنه من متاعهن لم يعم الْبَلَد الَّذِي لَا عرف لَهُم بذلك، وَإِذا تغير الْعرف فِي ذَلِك الْبَلَد فِي بعض الْأَزْمَان سقط الْعَمَل الْمَذْكُور وَوَجَب الرُّجُوع للمشهور، وَهَذَا فِي الْعرف الَّذِي تنبني عَلَيْهِ الْأَحْكَام وَهُوَ مَا لم يخرج عَن أصُول الشَّرِيعَة وإلاَّ فَلَا عِبْرَة بِهِ، وَأما الْعَمَل الْجَارِي لمصْلحَة عَامَّة أَو سَبَب كَذَلِك الْمشَار لَهُ فِي اللامية بقوله: لما قد فَشَا من قبح حَال وحيلة. الخ. فَظَاهر عُمُومه مَا دَامَت تِلْكَ الْمصلحَة وَذَلِكَ السَّبَب وإلاَّ وَجب الرُّجُوع للمشهور، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر قَالَه المسناوي أَي وَذَلِكَ كَمَا قَالُوا فِي الرَّاعِي الْمُشْتَرك، وَقد يعبرون بِالْعَمَلِ عَمَّا حكمت بِهِ الْأَئِمَّة لرجحانه عِنْدهم لَا لعرف وَلَا لمصْلحَة، وَمِنْه قَول (خَ) وَهل يُرَاعى حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ وَبِه عمل وفيهَا الْإِطْلَاق وَعمل بِهِ، وَهُوَ كثير فِي هَذَا النّظم وَغَيره. انْظُر مصطفى آخر بَاب الْقَضَاء، وَانْظُر أَوَائِل شرح نظم الْعَمَل الْمُطلق، ثمَّ هَذَا الْعَمَل الَّذِي يعبرون بِهِ عَن الرَّاجِح يجب أَن يسْتَمر على حَاله، وَلَا تجوز مُخَالفَته حَتَّى يثبت عَن قُضَاة الْعدْل وَأهل الْفَتْوَى من ذَوي الْعلم المقتدى بهم أَنهم رجعُوا عَنهُ وَعمِلُوا بِخِلَافِهِ لمصْلحَة أَو ظُهُور دَلِيل قوي وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالُوا: إِن الْعَمَل كَانَ قَدِيما بقول ابْن الْقَاسِم بِاعْتِبَار الْحَال فِي الْمَحْجُور دون الْولَايَة حَكَاهُ ابْن أبي زمنين، ثمَّ جرى الْعَمَل بقول مَالك بِاعْتِبَار الْولَايَة، ثمَّ جرى فِي الْمِائَة التَّاسِعَة بقول ابْن الْقَاسِم، وَلَا زَالَ الْعَمَل بِهِ إِلَى الْآن كَمَا يَأْتِي فِي الْحجر، وَهَذَا كثير أَيْضا يجْرِي الْعَمَل قَدِيما بِشَيْء ثمَّ يجْرِي الْعَمَل بِخِلَافِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَالْعَمَل الَّذِي بِمَعْنى الرَّاجِح هُوَ الْكثير فِي هَذَا النّظم وَغَيره، وَلَا تجوز مُخَالفَته حَتَّى يثبت الْعُدُول عَنهُ مِمَّن يعْتد بِهِ من قُضَاة
стр. 36
الْعدْل وَأهل الْفَتْوَى وَعمل فاس ونواحيها تَابع لعمل الأندلس لَا لعمل أهل تونس كَمَا يَأْتِي، فَإِن لم يجد الْمُقَلّد نصا لإمامه وَلَا لأَصْحَابه فِي عين النَّازِلَة فَهِيَ معرضة للِاجْتِهَاد، لَكِن لَا يجْتَهد فِيهَا إِلَّا من فِيهِ أَهْلِيَّة. الْقَرَافِيّ: الْمُقَلّد إِن كَانَ محيطاً بقواعد إِمَامه جَازَ لَهُ تَخْرِيج غير الْمَنْصُوص على الْمَنْصُوص بِشَرْط تعذر الْفَارِق وَمَعَ إِمْكَانه يمْتَنع وَإِن لم يحط بقواعد إِمَامه فَيمْتَنع، وَإِن عدم الْفَارِق لاحْتِمَال لَو اطلع على قَوَاعِد إِمَامه لأوجب لَهُ الْفَارِق اه. وَلَا يرد على هَذَا قَوْله ﷺ : (من اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وَاحِد) . لِأَنَّهُ خَاص كَمَا فِي الْمُقدمَات بِمن فِيهِ أَهْلِيَّة قَالَ: وإلاَّ فَلَا أجر لَهُ إِن أَخطَأ بل هُوَ آثم، وَإِن أصَاب لتقحمه وجرأته على الله تَعَالَى فِي الحكم بِغَيْر علم اه. وَقَالَ فِي أجوبته: سُئِلَ القَاضِي الْعَارِف بِمذهب مَالك وَلم يبلغ دَرَجَة التَّحْقِيق بِمَعْرِِفَة قِيَاس الْفُرُوع على الْأُصُول فِيمَا مرّ بَين يَدَيْهِ من النَّوَازِل الَّتِي لَا نَص فِيهَا أَن لَا يقْضِي فِيهَا إِلَّا بفتوى من يعرف وَجه الْقيَاس إِن وجده وإلاَّ طلبه فِي غير بَلَده فَإِن قضى فِيهَا بِرَأْيهِ كَانَ حكمه مَوْقُوفا على النّظر اه. وَكَلَامه صَرِيح فِي وجوب المشورة لغيره حِينَئِذٍ، بل ورد فِي كَلَامهم مَا يدل على وجوب المشورة وَإِن اطلع على نَص لِأَن تطبيق النَّازِلَة على النَّص عسير، أَلا ترى كَيفَ غفل أَسد بن الْفُرَات فَأفْتى الْأَمِير بِجَوَاز دُخُوله الْحمام مَعَ جواريه دون سَاتِر، وَأَفْتَاهُ غَيره بِالْمَنْعِ لِأَن نظر بَعضهنَّ إِلَى بعض لَا يجوز، وَلِهَذَا تَجِد الْأَئِمَّة يخطىء بَعضهم بَعْضًا فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام. خَلِيل: وأحضر الْعلمَاء أَو شاورهم الخ. ابْن فَرِحُونَ: إِطْلَاقهم المشورة ظَاهره كَانَ عَالما بالحكم أَو جَاهِلا اه. وَانْظُر الْحطاب فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ وَجه الحكم بعد المشورة فَسَيَأْتِي فِي قَوْله: وَلَيْسَ بالجائز للْقَاضِي إِذا لم يبد وَجه الحكم أَن ينفذا والصح يَسْتَدْعِي لَهُ إِن أشكلا الخ وَمِمَّا يسْتَحبّ فِيهِ كَونه غَنِيا حَلِيمًا نزيهاً نسيباً خَالِيا عَن بطانة السوء لَيْسَ بمحدود وَلَا زَائِد فِي الدهاء كَمَا فِي خَلِيل، وَزَاد غَيره كَونه بلدياً ليعرف المقبولين والمسخوطين من الشُّهُود، وَقيل: يرجح غير الْبَلَدِي لِأَنَّهُ يقل حاسدوه. وَحَيْثُ لَاقَ لِلْقَضَاءِ يَعْقُدُ وَفِي الْبِلَادِ يُسْتَحِبُّ الْمَسْجِدُ (وَحَيْثُ) ظرف ليقعد (لَاق) صلح (للْقَضَاء) يتَعَلَّق بقبوله (يقْعد) أَيْضا. وَظَاهره كَانَ ببادية أَو حَاضِرَة، وَهُوَ كَذَلِك لَكِن يسْتَحبّ فِي الْحَاضِرَة الْمَسْجِد كَمَا سَيَأْتِي، وَظَاهره يقْعد حَيْثُ لَاق وَلَو بداره. وَبِه قَالَ أَشهب وَعَلِيهِ يَأْتِي قَول ابْن شعْبَان من الْعدْل كَون القَاضِي بوسط مصره، وَلابْن المناصف أَن عمر بن الْخطاب أنكر ذَلِك على أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵄ وَأمر بإحراق دَاره عَلَيْهِ فَدَعَا واستقال فَلم يعد إِلَى ذَلِك قَالَ: فَإِن دَعَتْهُ ضَرُورَة إِلَى ذَلِك فليفتح أَبْوَابهَا وَيجْعَل سَبِيلهَا سَبِيل الْمَوَاضِع الْمُبَاحَة لذَلِك. (وَفِي الْبِلَاد) أَي الْحَاضِرَة (يسْتَحبّ الْمَسْجِد) أَي رحابه فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي يسْتَحبّ لَهُ الْقعُود برحاب الْمَسْجِد الْخَارِجَة عَنهُ ليصل إِلَيْهِ
стр. 37
الْكَافِر وَالْحَائِض وَالْجنب والضعيف والسلامة من امتهانه بِكَثْرَة اللجاج وَدخُول بعض الْعَوام وبرجله بَلل وَغير ذَلِك، وَمَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ هُوَ الَّذِي فِي الْوَاضِحَة وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد من الْأَمر الْقَدِيم وَهُوَ ظَاهر النّظم إِلَّا أَنه لَا يحمل عَلَيْهِ لما تقدم على أَن مَا فِي الْمُدَوَّنَة يُمكن تَأْوِيله بِمَا ذكر أَي الْقَضَاء فِي رحاب الْمَسْجِد الْخَارِجَة عَنهُ من الْأَمر الْقَدِيم فَيكون وفَاقا لما فِي الْوَاضِحَة وَالله أعلم. وَيسْتَحب أَن يجلس مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَن يكون متربعاً أَو مُحْتَبِيًا، فَإِن لم يجلس وَحكم فِي حَال مَشْيه أَو جلس مُتكئا فَهُوَ قَول خَلِيل، وَفِي كَرَاهَة حكمه فِي مَشْيه أَو مُتكئا أَو إِلْزَام يَهُودِيّ حكما بسبته وتحدثه بمجلسه لضجر قَولَانِ: وَيَنْبَغِي أَن يجلس للْحكم فِي أَوْقَات مَعْلُومَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْتَغْرق النَّهَار كُله، وَلَا يَنْبَغِي أَن يحكم مَعَ مَا يدهشه عَن تَمام فكر من جوع وعطش مفرطين وَغَضب وَأكل فَوق الْكِفَايَة (خَ) : وَلَا يحكم مَعَ مَا يدهش عَن الْفِكر وَمضى أَن وَقع وَلَا بَأْس أَن يرفع صَوته فِيمَن يستأهل ذَلِك من الْخَصْمَيْنِ وَأَن يحد بَصَره ويحتج لمن ضعف عَن حجَّته، وَلَا يجلس فِي كَثْرَة الْمَطَر والوحل وَلَا بعد الصُّبْح وَلَا بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر وَلَا بَين العشاءين وَلَا فِي عيد وَلَا يَوْم قدوم حَاج أَو خُرُوجه (خَ) وَجلسَ بِهِ أَي برحاب الْمَسْجِد أَي بِغَيْر عيد وقدوم حَاج وَخُرُوجه ومطر أَو نَحوه، وَلم يشتر بِمَجْلِس قَضَائِهِ كسلف وقراض وأبضاع وَحُضُور وَلِيمَة إِلَّا لنكاح وَقبُول هَدِيَّة وَلَو كافأ عَلَيْهَا إِلَّا من قريب وَندب اتِّخَاذ من يُخبرهُ بِمَا يُقَال فِي سيرته وشهوده الخ. فَقَوله: وَقبُول هَدِيَّة أَي والمفتي كَالْقَاضِي فِي ذَلِك فَلَا يحل لَهُ أَخذهَا مِمَّن يَرْجُو أَن يُعينهُ فِي حجَّة أَو فِي خُصُومَة عِنْد حَاكم يسمع مِنْهُ وَيقف عِنْد قَوْله لِأَن قَول الْحق وَاجِب عَلَيْهِ، وَقد قَالَ ﵇: (من شفع لِأَخِيهِ شَفَاعَة وَأهْدى إِلَيْهِ هَدِيَّة فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا) . وَمن هَذَا انْقِطَاع الرّعية إِلَى الْعلمَاء المتعلقين بالسلاطين ليرْفَع الظُّلم عَنْهُم فيهدون لَهُم ويكرمونهم فَذَلِك بَاب من أَبْوَاب الرِّشْوَة، لِأَن رفع الظُّلم وَاجِب على كل من قدر عَلَيْهِ عَن أَخِيه الْمُسلم. وَقَوله: وَلم يشتر الخ. قَالَ فِي مُخْتَصر الْوَاضِحَة: إِذا اشْترى الإِمَام الْعدْل من رجل أَو بَاعَ ثمَّ عزل أَو مَاتَ خير البَائِع مِنْهُ أَو المُشْتَرِي فِي الْأَخْذ أَو التّرْك، نَقله ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته فِي الْفَصْل الثَّانِي، فقف على هَذَا الْفَصْل فِيهِ ترى الْعجب فِي الْآدَاب اللَّازِمَة لَهُ.
стр. 38
(فصل فِي معرفَة أَرْكَان الْقَضَاء)
أَي أَجزَاء ماهيته الَّتِي لَا يتم الْقَضَاء الَّذِي هُوَ الحكم مَعَ اختلال وَاحِد مِنْهَا. وَهِي سِتَّة: القَاضِي وَقد تقدم فِي قَوْله: منفذ بِالشَّرْعِ الخ. وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعى فِيهِ، وَعبر ابْن فَرِحُونَ عَن الْأَوَّلين بالمقضى لَهُ وَعَلِيهِ، وَعَن الثَّالِث بالمقضى فِيهِ. وَزَاد ركنين آخَرين أَحدهمَا: المقضى بِهِ يَعْنِي من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع بِالنِّسْبَةِ للمجتهد أَو الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَو الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح أَو مَا بِهِ الْعَمَل بِالنِّسْبَةِ للمقلد، وَهَذَا الرُّكْن يفهم من قَول النَّاظِم فِيمَا مرّ وَيسْتَحب الْعلم فِيهِ الخ. على مَا تقدم من أَنه على حذف مُضَاف أَي يسْتَحبّ زِيَادَة الْعلم فِيهِ، وَأما أصل الْعلم فركن من أَرْكَانه وَشرط صِحَة فِيهِ كَمَا مرّ، فَإِن خرج الْمُجْتَهد عَمَّا ذكر من الْكتاب والسنّة وَالْإِجْمَاع لم ينفذ حكمه لاختلال رُكْنه وَهُوَ معنى قَول (خَ) وَنقض وَبَين السَّبَب مُطلقًا مَا خَالف قَاطعا أَو جلي قِيَاس كاستسعاء مُعتق وشفعة جَار الخ. وَإِن خرج الْمُقَلّد عَمَّا ذكر من الِاتِّفَاق وَمَا مَعَه لم ينفذ حكمه لاختلال رُكْنه أَيْضا، إِذْ حكمه لَا يرفع الْخلاف كَمَا مرّ (ت) الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَقَول (ت) هُنَا: إِلَّا أَن هَذَا بِالنِّسْبَةِ للِاجْتِهَاد لَيْسَ على مَا يَنْبَغِي بل كَلَام ابْن فَرِحُونَ فِي الْمُجْتَهد والمقلد كَمَا يعلم باستيعاب كَلَامه فِي هَذَا الرُّكْن. وَثَانِيهمَا: كَيْفيَّة الْقَضَاء وَهِي تتَوَقَّف على أَشْيَاء كمعرفة مَا هُوَ حكم فَلَا يتعقب لِأَن حكم الْمُجْتَهد يرفع الْخلاف وَمَا لَيْسَ بِحكم كَقَوْلِه: أَنا لَا أُجِيز النِّكَاح بِغَيْر ولي أَو لَا أحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فيتعقب أَي: فَلِمَنْ بعده من حَنَفِيّ أَن يحكم بِصِحَّة النِّكَاح أَو مالكي أَن يحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين كَمَا مرّ فِي التَّرْجَمَة قبله، وَمَعْرِفَة مَا يفْتَقر لحكم كَالطَّلَاقِ بالإعسار والإضرار وَالطَّلَاق على الْمولى، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحْتَاج فِيهِ إِلَى نظر وتحرير فِي تَحْقِيق سَببه كالتفليس وَبيع من أعْتقهُ الْمديَان وَالْعِتْق بالمثلة وَمَا لَا يفْتَقر كتحريم الْمُحرمَات الْمُتَّفق عَلَيْهَا ورد الودائع والغصوب، وَمِنْه الْعتْق بِالْقَرَابَةِ. وَمن أعتق جَزَاء فِي عبد بَينه وَبَين غَيره فيكمل من غير حكم على الْمَشْهُور وَمَعْرِفَة مَا يدْخلهُ الحكم من أَبْوَاب الْفِقْه كَالنِّكَاحِ وتوابعه وَسَائِر الْمُعَاوَضَات، وَمَا لَا يدْخلهُ كالعبادات وَمَعْرِفَة الْفرق بَين أَلْفَاظ الحكم الَّتِي جرت بهَا عَادَة الْحُكَّام كَقَوْلِه: حكمت بِثُبُوت العقد وَصِحَّته فَيلْزم ذَلِك وَقفا كَانَ العقد أَو بيعا أَو غَيرهمَا، وَبَين مَا لم تجر الْعَادة بِهِ كَقَوْلِه: أَسْفَل الرَّسْم أَو على ظَهره ورد على هَذَا الْكتاب فقبلته قبُول مثله، وألزمت الْعَمَل بِمُوجبِه أَو بمضمونه فَلَيْسَ بِحكم لاحْتِمَال عود الضَّمِير فِي مُوجبه ومضمونه على الْكتاب، وَإِن مَا تضمنه من إِقْرَار أَو إنْشَاء لَيْسَ بزور مثلا فَيكون مُرَاده تَصْحِيح
стр. 39
الْكتاب وَإِثْبَات الْحجَّة فَلِمَنْ بعده النّظر فِيهِ، فَإِن قَالَ: حكمت بِمُوجب الْإِقْرَار أَو الْوَقْف الَّذِي تضمنه الْكتاب فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ وَمَعْرِفَة الْفرق بَين الثُّبُوت وَالْحكم، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة قبله وَمَعْرِفَة الْمُدَّعِي من الْمُدعى عَلَيْهِ فالمدعي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ ركنان مستقلان عِنْده، أَعنِي عِنْد ابْن فَرِحُونَ، وَالْحَال الَّتِي يعرف بهَا كل مِنْهُمَا من أَجزَاء الرُّكْن السَّادِس الَّذِي هُوَ الْكَيْفِيَّة. قلت: تَأمل فَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء لِأَن الحكم على الشَّيْء فرع تصَوره فَلَا يحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُدع حَتَّى تعرف حَاله وَمَعْرِفَة الدَّعْوَى الصَّحِيحَة وشروطها، وَمَعْرِفَة حكم جَوَاب الْمُدعى عَلَيْهِ من إِقْرَار أَو إِنْكَار أَو امْتنَاع مِنْهُمَا، وَقد أَشَارَ النَّاظِم إِلَى هذَيْن الْأَخيرينِ بقوله: تحقق الدَّعْوَى مَعَ الْبَيَان. وَبِقَوْلِهِ بعد: وَمن أَبى إِقْرَارا أَو إنكاراً الخ. وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الْإِعْذَار وَمَعْرِفَة صفة الْيَمين ومكانها والتغلظ فِيهَا، وَقد أَشَارَ النَّاظِم لهذين أَيْضا فِي فَصلي الْإِعْذَار وَالْيَمِين، فَهَذِهِ كلهَا من أَجزَاء هَذَا الرُّكْن، فالناظم ﵀ قد أَشَارَ لبَعض أَجزَاء هَذَا الرُّكْن الَّذِي هُوَ الْكَيْفِيَّة وَلم يهمله كل الإهمال، وَبِهَذَا تعلم أَن جعل الْكَيْفِيَّة من الْأَركان صَحِيح لَا تسَامح فِيهِ خلافًا ل (ت) لِأَنَّهُ إِن لم يكن عَارِفًا بتفاريعها اخْتَلَّ حكمه باخْتلَاف مَحَله إِذْ قد يحكم بِالصِّحَّةِ فِيمَا حكم غَيره بِالْفَسَادِ، وَبِالْعَكْسِ مَعَ كَون الحكم الأول لَا يتعقب، وَقد يحكم فِيمَا لَا يفْتَقر لحكم فَحكمه كَالْعدمِ لِأَنَّهُ من تَحْصِيل الْحَاصِل، وَهَذَا إِذا لم يعرف كَون الدَّعْوَى صَحِيحَة وَلَا كَيْفيَّة الْإِعْذَار وَلَا مَحل الْيَمين وَنَحْو ذَلِك. وَقد علمت بِهَذَا أَن النَّاظِم تكلم على الْأَركان السِّتَّة خلافًا لما فِي (م) و (ت) . وَلما كَانَ بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ التباس وَعلم الْقَضَاء يَدُور على التَّمْيِيز بَينهمَا إِذْ من ميز بَينهمَا، فقد عرف وَجه الْقَضَاء كَمَا قَالَ سعيد بن الْمسيب ﵁: إِذْ لم يخْتَلف الْعلمَاء فِيمَا لكل مِنْهُمَا من أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ اعتنى النَّاظِم بشأنهما مصدرا بهما فِي هَذَا الْفَصْل فَقَالَ: تَمْيِيزُ حَالِ المُدَّعِي والمدَّعَى عَلَيْهِ جُمْلَة القَضَاءِ جَمَعَا فَقَوله: (جملَة الْقَضَاء) مفعول لقَوْله: (جمعا) ، وَالْجُمْلَة خبر تَمْيِيز، وَالظَّاهِر أَن لَفْظَة حَال لَيست مقحمة لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يتَمَيَّز من غَيره بِصفتِهِ، فالمدعي يتَمَيَّز بِكَوْنِهِ يتجرد قَوْله عَن مُصدق وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بعكسه كَمَا قَالَ:
стр. 40
(فالمدعي من قَوْله مُجَرّد من أصل أَو عرف بِصدق يشْهد) فَالمُدَّعِي مَنْ قَوْلُهُ مُجَرَّدُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ عُرْف بِصدْقِ يَشْهَدُ (أَو) بِمَعْنى الْوَاو إِذْ لَا بُد من تجرد دَعْوَاهُ مِنْهُمَا مَعًا، فَإِن تجردت من أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: وَالمدَّعَى عَلَيهِ من قد عَضَدا مَقالَة عُرف أَو أصْل شهِدا (وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من قد عضدا) أَي قوي (مقاله عرف) أَي سَبَب كحائز شَيْئا مُدَّة الْحِيَازَة فِي وَجه الْقَائِم وَادّعى الشِّرَاء مِنْهُ أَو الْهِبَة، فالحائز مدعى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تقوى جَانِبه بالحيازة، والقائم مُدع وسيشير النَّاظِم إِلَى هَذَا فِي الْحَوْز بقوله: وَالْيَمِين لَهُ إِن ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ بِعَمَلِهِ، وكجزار ودباغ تداعيا جلدا تَحت يدهما أَو لَا يَد عَلَيْهِ، فالجزار مدعى عَلَيْهِ والدباغ مُدع فَإِن كَانَ تَحت يَد أَحدهمَا فالحائز مدعى عَلَيْهِ، وكقاض وجندي تداعيا رمحاً تَحت يدهما أَو لَا يَد عَلَيْهِ فالجندي مدعى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي مُدع، وكعطار وصباغ تداعيا مسكاً وصبغاً فالعطار مُدع فِي الصَّبْغ مدعى عَلَيْهِ فِي الْمسك والصباغ بِالْعَكْسِ، وَمِنْه اخْتِلَاف الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاع للبيت، فللمرأة الْمُعْتَاد للنِّسَاء مَا لم يزدْ على نقد صَدَاقهَا وَهِي مَعْرُوفَة بالفقر كَمَا يَأْتِي للناظم فِي فصل اخْتِلَافهمَا فِيهِ إِن شَاءَ الله، وَمِنْه النّكُول وَدَعوى الشّبَه عِنْد الِاخْتِلَاف فِي الصَدَاق أَو البيع أَو غَيرهمَا وَدَعوى الْعَامِل فِي الْقَرَاض أَو الْمُودع عِنْده الرَّد حَيْثُ قَبضه بِغَيْر إِشْهَاد، فقد علمت أَن الْمُدعى عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَمْثِلَة هُوَ من تقوى جَانِبه بِسَبَب من حِيَازَة أَو شبه أَو نُكُول صَاحبه أَو أَمَانَة أَو كَون الْمُتَنَازع فِيهِ مِمَّا شَأْنه أَن يكون لَهُ، وَالْمُدَّعِي من تجرد قَوْله عَن ذَلِك السَّبَب (أَو أصل شَهدا) كاختلافهما فِي رد الْوَدِيعَة أَو الْقَرَاض المقبوضين بإشهاد، لِأَن رب المَال والوديعة لما دفعا بإشهاد انْتَفَت أَمَانَة الْقَابِض وَلَا سَبَب يعضد قَوْله غَيرهَا، فَهُوَ مُدع وهما مدعى عَلَيْهِمَا، وَإِن كَانَا طَالِبين لِأَن الأَصْل عدم الرَّد، وَمِنْه اخْتِلَاف الْيَتِيم بعد بُلُوغه ورشده مَعَ وَصِيّه فِي الدّفع، فَإِن الْيَتِيم متمسك بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عدم الدّفع فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ، وَالْوَصِيّ مُدع لِأَنَّهُ غير أَمِين فِي الدّفع عِنْد التَّنَازُع لقَوْله تَعَالَى: فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ (النِّسَاء: ٦) وكاختلافهما فِي قَضَاء الدّين أَو فِي أَصله أَو فِي رَقَبَة حائز نَفسه يَدعِي الْحُرِّيَّة لِأَن الأَصْل عدم الْقَضَاء وَبَرَاءَة الذِّمَّة وَالْحريَّة.
следующие страницы →