Полный текст (1 359 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْعدْل وَأهل الْفَتْوَى وَعمل فاس ونواحيها تَابع لعمل الأندلس لَا لعمل أهل تونس كَمَا يَأْتِي، فَإِن لم يجد الْمُقَلّد نصا لإمامه وَلَا لأَصْحَابه فِي عين النَّازِلَة فَهِيَ معرضة للِاجْتِهَاد، لَكِن لَا يجْتَهد فِيهَا إِلَّا من فِيهِ أَهْلِيَّة. الْقَرَافِيّ: الْمُقَلّد إِن كَانَ محيطاً بقواعد إِمَامه جَازَ لَهُ تَخْرِيج غير الْمَنْصُوص على الْمَنْصُوص بِشَرْط تعذر الْفَارِق وَمَعَ إِمْكَانه يمْتَنع وَإِن لم يحط بقواعد إِمَامه فَيمْتَنع، وَإِن عدم الْفَارِق لاحْتِمَال لَو اطلع على قَوَاعِد إِمَامه لأوجب لَهُ الْفَارِق اه. وَلَا يرد على هَذَا قَوْله ﷺ : (من اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وَاحِد) . لِأَنَّهُ خَاص كَمَا فِي الْمُقدمَات بِمن فِيهِ أَهْلِيَّة قَالَ: وإلاَّ فَلَا أجر لَهُ إِن أَخطَأ بل هُوَ آثم، وَإِن أصَاب لتقحمه وجرأته على الله تَعَالَى فِي الحكم بِغَيْر علم اه. وَقَالَ فِي أجوبته: سُئِلَ القَاضِي الْعَارِف بِمذهب مَالك وَلم يبلغ دَرَجَة التَّحْقِيق بِمَعْرِِفَة قِيَاس الْفُرُوع على الْأُصُول فِيمَا مرّ بَين يَدَيْهِ من النَّوَازِل الَّتِي لَا نَص فِيهَا أَن لَا يقْضِي فِيهَا إِلَّا بفتوى من يعرف وَجه الْقيَاس إِن وجده وإلاَّ طلبه فِي غير بَلَده فَإِن قضى فِيهَا بِرَأْيهِ كَانَ حكمه مَوْقُوفا على النّظر اه. وَكَلَامه صَرِيح فِي وجوب المشورة لغيره حِينَئِذٍ، بل ورد فِي كَلَامهم مَا يدل على وجوب المشورة وَإِن اطلع على نَص لِأَن تطبيق النَّازِلَة على النَّص عسير، أَلا ترى كَيفَ غفل أَسد بن الْفُرَات فَأفْتى الْأَمِير بِجَوَاز دُخُوله الْحمام مَعَ جواريه دون سَاتِر، وَأَفْتَاهُ غَيره بِالْمَنْعِ لِأَن نظر بَعضهنَّ إِلَى بعض لَا يجوز، وَلِهَذَا تَجِد الْأَئِمَّة يخطىء بَعضهم بَعْضًا فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام. خَلِيل: وأحضر الْعلمَاء أَو شاورهم الخ. ابْن فَرِحُونَ: إِطْلَاقهم المشورة ظَاهره كَانَ عَالما بالحكم أَو جَاهِلا اه. وَانْظُر الْحطاب فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ وَجه الحكم بعد المشورة فَسَيَأْتِي فِي قَوْله: وَلَيْسَ بالجائز للْقَاضِي إِذا لم يبد وَجه الحكم أَن ينفذا والصح يَسْتَدْعِي لَهُ إِن أشكلا الخ وَمِمَّا يسْتَحبّ فِيهِ كَونه غَنِيا حَلِيمًا نزيهاً نسيباً خَالِيا عَن بطانة السوء لَيْسَ بمحدود وَلَا زَائِد فِي الدهاء كَمَا فِي خَلِيل، وَزَاد غَيره كَونه بلدياً ليعرف المقبولين والمسخوطين من الشُّهُود، وَقيل: يرجح غير الْبَلَدِي لِأَنَّهُ يقل حاسدوه. وَحَيْثُ لَاقَ لِلْقَضَاءِ يَعْقُدُ وَفِي الْبِلَادِ يُسْتَحِبُّ الْمَسْجِدُ (وَحَيْثُ) ظرف ليقعد (لَاق) صلح (للْقَضَاء) يتَعَلَّق بقبوله (يقْعد) أَيْضا. وَظَاهره كَانَ ببادية أَو حَاضِرَة، وَهُوَ كَذَلِك لَكِن يسْتَحبّ فِي الْحَاضِرَة الْمَسْجِد كَمَا سَيَأْتِي، وَظَاهره يقْعد حَيْثُ لَاق وَلَو بداره. وَبِه قَالَ أَشهب وَعَلِيهِ يَأْتِي قَول ابْن شعْبَان من الْعدْل كَون القَاضِي بوسط مصره، وَلابْن المناصف أَن عمر بن الْخطاب أنكر ذَلِك على أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵄ وَأمر بإحراق دَاره عَلَيْهِ فَدَعَا واستقال فَلم يعد إِلَى ذَلِك قَالَ: فَإِن دَعَتْهُ ضَرُورَة إِلَى ذَلِك فليفتح أَبْوَابهَا وَيجْعَل سَبِيلهَا سَبِيل الْمَوَاضِع الْمُبَاحَة لذَلِك. (وَفِي الْبِلَاد) أَي الْحَاضِرَة (يسْتَحبّ الْمَسْجِد) أَي رحابه فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي يسْتَحبّ لَهُ الْقعُود برحاب الْمَسْجِد الْخَارِجَة عَنهُ ليصل إِلَيْهِ
стр. 37
الْكَافِر وَالْحَائِض وَالْجنب والضعيف والسلامة من امتهانه بِكَثْرَة اللجاج وَدخُول بعض الْعَوام وبرجله بَلل وَغير ذَلِك، وَمَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ هُوَ الَّذِي فِي الْوَاضِحَة وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد من الْأَمر الْقَدِيم وَهُوَ ظَاهر النّظم إِلَّا أَنه لَا يحمل عَلَيْهِ لما تقدم على أَن مَا فِي الْمُدَوَّنَة يُمكن تَأْوِيله بِمَا ذكر أَي الْقَضَاء فِي رحاب الْمَسْجِد الْخَارِجَة عَنهُ من الْأَمر الْقَدِيم فَيكون وفَاقا لما فِي الْوَاضِحَة وَالله أعلم. وَيسْتَحب أَن يجلس مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَن يكون متربعاً أَو مُحْتَبِيًا، فَإِن لم يجلس وَحكم فِي حَال مَشْيه أَو جلس مُتكئا فَهُوَ قَول خَلِيل، وَفِي كَرَاهَة حكمه فِي مَشْيه أَو مُتكئا أَو إِلْزَام يَهُودِيّ حكما بسبته وتحدثه بمجلسه لضجر قَولَانِ: وَيَنْبَغِي أَن يجلس للْحكم فِي أَوْقَات مَعْلُومَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْتَغْرق النَّهَار كُله، وَلَا يَنْبَغِي أَن يحكم مَعَ مَا يدهشه عَن تَمام فكر من جوع وعطش مفرطين وَغَضب وَأكل فَوق الْكِفَايَة (خَ) : وَلَا يحكم مَعَ مَا يدهش عَن الْفِكر وَمضى أَن وَقع وَلَا بَأْس أَن يرفع صَوته فِيمَن يستأهل ذَلِك من الْخَصْمَيْنِ وَأَن يحد بَصَره ويحتج لمن ضعف عَن حجَّته، وَلَا يجلس فِي كَثْرَة الْمَطَر والوحل وَلَا بعد الصُّبْح وَلَا بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر وَلَا بَين العشاءين وَلَا فِي عيد وَلَا يَوْم قدوم حَاج أَو خُرُوجه (خَ) وَجلسَ بِهِ أَي برحاب الْمَسْجِد أَي بِغَيْر عيد وقدوم حَاج وَخُرُوجه ومطر أَو نَحوه، وَلم يشتر بِمَجْلِس قَضَائِهِ كسلف وقراض وأبضاع وَحُضُور وَلِيمَة إِلَّا لنكاح وَقبُول هَدِيَّة وَلَو كافأ عَلَيْهَا إِلَّا من قريب وَندب اتِّخَاذ من يُخبرهُ بِمَا يُقَال فِي سيرته وشهوده الخ. فَقَوله: وَقبُول هَدِيَّة أَي والمفتي كَالْقَاضِي فِي ذَلِك فَلَا يحل لَهُ أَخذهَا مِمَّن يَرْجُو أَن يُعينهُ فِي حجَّة أَو فِي خُصُومَة عِنْد حَاكم يسمع مِنْهُ وَيقف عِنْد قَوْله لِأَن قَول الْحق وَاجِب عَلَيْهِ، وَقد قَالَ ﵇: (من شفع لِأَخِيهِ شَفَاعَة وَأهْدى إِلَيْهِ هَدِيَّة فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا) . وَمن هَذَا انْقِطَاع الرّعية إِلَى الْعلمَاء المتعلقين بالسلاطين ليرْفَع الظُّلم عَنْهُم فيهدون لَهُم ويكرمونهم فَذَلِك بَاب من أَبْوَاب الرِّشْوَة، لِأَن رفع الظُّلم وَاجِب على كل من قدر عَلَيْهِ عَن أَخِيه الْمُسلم. وَقَوله: وَلم يشتر الخ. قَالَ فِي مُخْتَصر الْوَاضِحَة: إِذا اشْترى الإِمَام الْعدْل من رجل أَو بَاعَ ثمَّ عزل أَو مَاتَ خير البَائِع مِنْهُ أَو المُشْتَرِي فِي الْأَخْذ أَو التّرْك، نَقله ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته فِي الْفَصْل الثَّانِي، فقف على هَذَا الْفَصْل فِيهِ ترى الْعجب فِي الْآدَاب اللَّازِمَة لَهُ.
стр. 38
(فصل فِي معرفَة أَرْكَان الْقَضَاء)
أَي أَجزَاء ماهيته الَّتِي لَا يتم الْقَضَاء الَّذِي هُوَ الحكم مَعَ اختلال وَاحِد مِنْهَا. وَهِي سِتَّة: القَاضِي وَقد تقدم فِي قَوْله: منفذ بِالشَّرْعِ الخ. وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعى فِيهِ، وَعبر ابْن فَرِحُونَ عَن الْأَوَّلين بالمقضى لَهُ وَعَلِيهِ، وَعَن الثَّالِث بالمقضى فِيهِ. وَزَاد ركنين آخَرين أَحدهمَا: المقضى بِهِ يَعْنِي من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع بِالنِّسْبَةِ للمجتهد أَو الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَو الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح أَو مَا بِهِ الْعَمَل بِالنِّسْبَةِ للمقلد، وَهَذَا الرُّكْن يفهم من قَول النَّاظِم فِيمَا مرّ وَيسْتَحب الْعلم فِيهِ الخ. على مَا تقدم من أَنه على حذف مُضَاف أَي يسْتَحبّ زِيَادَة الْعلم فِيهِ، وَأما أصل الْعلم فركن من أَرْكَانه وَشرط صِحَة فِيهِ كَمَا مرّ، فَإِن خرج الْمُجْتَهد عَمَّا ذكر من الْكتاب والسنّة وَالْإِجْمَاع لم ينفذ حكمه لاختلال رُكْنه وَهُوَ معنى قَول (خَ) وَنقض وَبَين السَّبَب مُطلقًا مَا خَالف قَاطعا أَو جلي قِيَاس كاستسعاء مُعتق وشفعة جَار الخ. وَإِن خرج الْمُقَلّد عَمَّا ذكر من الِاتِّفَاق وَمَا مَعَه لم ينفذ حكمه لاختلال رُكْنه أَيْضا، إِذْ حكمه لَا يرفع الْخلاف كَمَا مرّ (ت) الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَقَول (ت) هُنَا: إِلَّا أَن هَذَا بِالنِّسْبَةِ للِاجْتِهَاد لَيْسَ على مَا يَنْبَغِي بل كَلَام ابْن فَرِحُونَ فِي الْمُجْتَهد والمقلد كَمَا يعلم باستيعاب كَلَامه فِي هَذَا الرُّكْن. وَثَانِيهمَا: كَيْفيَّة الْقَضَاء وَهِي تتَوَقَّف على أَشْيَاء كمعرفة مَا هُوَ حكم فَلَا يتعقب لِأَن حكم الْمُجْتَهد يرفع الْخلاف وَمَا لَيْسَ بِحكم كَقَوْلِه: أَنا لَا أُجِيز النِّكَاح بِغَيْر ولي أَو لَا أحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فيتعقب أَي: فَلِمَنْ بعده من حَنَفِيّ أَن يحكم بِصِحَّة النِّكَاح أَو مالكي أَن يحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين كَمَا مرّ فِي التَّرْجَمَة قبله، وَمَعْرِفَة مَا يفْتَقر لحكم كَالطَّلَاقِ بالإعسار والإضرار وَالطَّلَاق على الْمولى، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحْتَاج فِيهِ إِلَى نظر وتحرير فِي تَحْقِيق سَببه كالتفليس وَبيع من أعْتقهُ الْمديَان وَالْعِتْق بالمثلة وَمَا لَا يفْتَقر كتحريم الْمُحرمَات الْمُتَّفق عَلَيْهَا ورد الودائع والغصوب، وَمِنْه الْعتْق بِالْقَرَابَةِ. وَمن أعتق جَزَاء فِي عبد بَينه وَبَين غَيره فيكمل من غير حكم على الْمَشْهُور وَمَعْرِفَة مَا يدْخلهُ الحكم من أَبْوَاب الْفِقْه كَالنِّكَاحِ وتوابعه وَسَائِر الْمُعَاوَضَات، وَمَا لَا يدْخلهُ كالعبادات وَمَعْرِفَة الْفرق بَين أَلْفَاظ الحكم الَّتِي جرت بهَا عَادَة الْحُكَّام كَقَوْلِه: حكمت بِثُبُوت العقد وَصِحَّته فَيلْزم ذَلِك وَقفا كَانَ العقد أَو بيعا أَو غَيرهمَا، وَبَين مَا لم تجر الْعَادة بِهِ كَقَوْلِه: أَسْفَل الرَّسْم أَو على ظَهره ورد على هَذَا الْكتاب فقبلته قبُول مثله، وألزمت الْعَمَل بِمُوجبِه أَو بمضمونه فَلَيْسَ بِحكم لاحْتِمَال عود الضَّمِير فِي مُوجبه ومضمونه على الْكتاب، وَإِن مَا تضمنه من إِقْرَار أَو إنْشَاء لَيْسَ بزور مثلا فَيكون مُرَاده تَصْحِيح
стр. 39
الْكتاب وَإِثْبَات الْحجَّة فَلِمَنْ بعده النّظر فِيهِ، فَإِن قَالَ: حكمت بِمُوجب الْإِقْرَار أَو الْوَقْف الَّذِي تضمنه الْكتاب فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ وَمَعْرِفَة الْفرق بَين الثُّبُوت وَالْحكم، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة قبله وَمَعْرِفَة الْمُدَّعِي من الْمُدعى عَلَيْهِ فالمدعي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ ركنان مستقلان عِنْده، أَعنِي عِنْد ابْن فَرِحُونَ، وَالْحَال الَّتِي يعرف بهَا كل مِنْهُمَا من أَجزَاء الرُّكْن السَّادِس الَّذِي هُوَ الْكَيْفِيَّة. قلت: تَأمل فَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء لِأَن الحكم على الشَّيْء فرع تصَوره فَلَا يحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُدع حَتَّى تعرف حَاله وَمَعْرِفَة الدَّعْوَى الصَّحِيحَة وشروطها، وَمَعْرِفَة حكم جَوَاب الْمُدعى عَلَيْهِ من إِقْرَار أَو إِنْكَار أَو امْتنَاع مِنْهُمَا، وَقد أَشَارَ النَّاظِم إِلَى هذَيْن الْأَخيرينِ بقوله: تحقق الدَّعْوَى مَعَ الْبَيَان. وَبِقَوْلِهِ بعد: وَمن أَبى إِقْرَارا أَو إنكاراً الخ. وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الْإِعْذَار وَمَعْرِفَة صفة الْيَمين ومكانها والتغلظ فِيهَا، وَقد أَشَارَ النَّاظِم لهذين أَيْضا فِي فَصلي الْإِعْذَار وَالْيَمِين، فَهَذِهِ كلهَا من أَجزَاء هَذَا الرُّكْن، فالناظم ﵀ قد أَشَارَ لبَعض أَجزَاء هَذَا الرُّكْن الَّذِي هُوَ الْكَيْفِيَّة وَلم يهمله كل الإهمال، وَبِهَذَا تعلم أَن جعل الْكَيْفِيَّة من الْأَركان صَحِيح لَا تسَامح فِيهِ خلافًا ل (ت) لِأَنَّهُ إِن لم يكن عَارِفًا بتفاريعها اخْتَلَّ حكمه باخْتلَاف مَحَله إِذْ قد يحكم بِالصِّحَّةِ فِيمَا حكم غَيره بِالْفَسَادِ، وَبِالْعَكْسِ مَعَ كَون الحكم الأول لَا يتعقب، وَقد يحكم فِيمَا لَا يفْتَقر لحكم فَحكمه كَالْعدمِ لِأَنَّهُ من تَحْصِيل الْحَاصِل، وَهَذَا إِذا لم يعرف كَون الدَّعْوَى صَحِيحَة وَلَا كَيْفيَّة الْإِعْذَار وَلَا مَحل الْيَمين وَنَحْو ذَلِك. وَقد علمت بِهَذَا أَن النَّاظِم تكلم على الْأَركان السِّتَّة خلافًا لما فِي (م) و (ت) . وَلما كَانَ بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ التباس وَعلم الْقَضَاء يَدُور على التَّمْيِيز بَينهمَا إِذْ من ميز بَينهمَا، فقد عرف وَجه الْقَضَاء كَمَا قَالَ سعيد بن الْمسيب ﵁: إِذْ لم يخْتَلف الْعلمَاء فِيمَا لكل مِنْهُمَا من أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ اعتنى النَّاظِم بشأنهما مصدرا بهما فِي هَذَا الْفَصْل فَقَالَ: تَمْيِيزُ حَالِ المُدَّعِي والمدَّعَى عَلَيْهِ جُمْلَة القَضَاءِ جَمَعَا فَقَوله: (جملَة الْقَضَاء) مفعول لقَوْله: (جمعا) ، وَالْجُمْلَة خبر تَمْيِيز، وَالظَّاهِر أَن لَفْظَة حَال لَيست مقحمة لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يتَمَيَّز من غَيره بِصفتِهِ، فالمدعي يتَمَيَّز بِكَوْنِهِ يتجرد قَوْله عَن مُصدق وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بعكسه كَمَا قَالَ:
стр. 40
(فالمدعي من قَوْله مُجَرّد من أصل أَو عرف بِصدق يشْهد) فَالمُدَّعِي مَنْ قَوْلُهُ مُجَرَّدُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ عُرْف بِصدْقِ يَشْهَدُ (أَو) بِمَعْنى الْوَاو إِذْ لَا بُد من تجرد دَعْوَاهُ مِنْهُمَا مَعًا، فَإِن تجردت من أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: وَالمدَّعَى عَلَيهِ من قد عَضَدا مَقالَة عُرف أَو أصْل شهِدا (وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من قد عضدا) أَي قوي (مقاله عرف) أَي سَبَب كحائز شَيْئا مُدَّة الْحِيَازَة فِي وَجه الْقَائِم وَادّعى الشِّرَاء مِنْهُ أَو الْهِبَة، فالحائز مدعى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تقوى جَانِبه بالحيازة، والقائم مُدع وسيشير النَّاظِم إِلَى هَذَا فِي الْحَوْز بقوله: وَالْيَمِين لَهُ إِن ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ بِعَمَلِهِ، وكجزار ودباغ تداعيا جلدا تَحت يدهما أَو لَا يَد عَلَيْهِ، فالجزار مدعى عَلَيْهِ والدباغ مُدع فَإِن كَانَ تَحت يَد أَحدهمَا فالحائز مدعى عَلَيْهِ، وكقاض وجندي تداعيا رمحاً تَحت يدهما أَو لَا يَد عَلَيْهِ فالجندي مدعى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي مُدع، وكعطار وصباغ تداعيا مسكاً وصبغاً فالعطار مُدع فِي الصَّبْغ مدعى عَلَيْهِ فِي الْمسك والصباغ بِالْعَكْسِ، وَمِنْه اخْتِلَاف الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاع للبيت، فللمرأة الْمُعْتَاد للنِّسَاء مَا لم يزدْ على نقد صَدَاقهَا وَهِي مَعْرُوفَة بالفقر كَمَا يَأْتِي للناظم فِي فصل اخْتِلَافهمَا فِيهِ إِن شَاءَ الله، وَمِنْه النّكُول وَدَعوى الشّبَه عِنْد الِاخْتِلَاف فِي الصَدَاق أَو البيع أَو غَيرهمَا وَدَعوى الْعَامِل فِي الْقَرَاض أَو الْمُودع عِنْده الرَّد حَيْثُ قَبضه بِغَيْر إِشْهَاد، فقد علمت أَن الْمُدعى عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَمْثِلَة هُوَ من تقوى جَانِبه بِسَبَب من حِيَازَة أَو شبه أَو نُكُول صَاحبه أَو أَمَانَة أَو كَون الْمُتَنَازع فِيهِ مِمَّا شَأْنه أَن يكون لَهُ، وَالْمُدَّعِي من تجرد قَوْله عَن ذَلِك السَّبَب (أَو أصل شَهدا) كاختلافهما فِي رد الْوَدِيعَة أَو الْقَرَاض المقبوضين بإشهاد، لِأَن رب المَال والوديعة لما دفعا بإشهاد انْتَفَت أَمَانَة الْقَابِض وَلَا سَبَب يعضد قَوْله غَيرهَا، فَهُوَ مُدع وهما مدعى عَلَيْهِمَا، وَإِن كَانَا طَالِبين لِأَن الأَصْل عدم الرَّد، وَمِنْه اخْتِلَاف الْيَتِيم بعد بُلُوغه ورشده مَعَ وَصِيّه فِي الدّفع، فَإِن الْيَتِيم متمسك بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عدم الدّفع فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ، وَالْوَصِيّ مُدع لِأَنَّهُ غير أَمِين فِي الدّفع عِنْد التَّنَازُع لقَوْله تَعَالَى: فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ (النِّسَاء: ٦) وكاختلافهما فِي قَضَاء الدّين أَو فِي أَصله أَو فِي رَقَبَة حائز نَفسه يَدعِي الْحُرِّيَّة لِأَن الأَصْل عدم الْقَضَاء وَبَرَاءَة الذِّمَّة وَالْحريَّة.
стр. 41
وَقِيلَ مَنْ يَقُولُ قَدْ كَانَ ادَّعا وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ عَلَيْهِ يُدّعَى (وَقيل) : فِي تعريفهما أَي الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ. (من يَقُول قد كَانَ ادعا وَلم يكن لمن عَلَيْهِ يدعى) وَهُوَ لِابْنِ الْمسيب ﵁ قَالَ: كل من قَالَ قد كَانَ فَهُوَ مُدع وكل من قَالَ لم يكن فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ اه. قَالَ الشَّارِح: وَلَيْسَ بِخِلَاف للرسم الأول، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيف أخصر وتوضيح أوجز. ورد بِدَعْوَى الْمَرْأَة على زَوجهَا الْحَاضِر أَنه لم ينْفق عَلَيْهَا، وَقَالَ هُوَ أنفقت وبدعوى الْمَرْأَة الْمَسِيس على زَوجهَا فِي خلْوَة الاهتداء وَادّعى هُوَ عَدمه فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ فِي الأولى لشهادة الْعرف لَهُ وَهِي مدعية وهما فِي الثَّانِيَة على الْعَكْس وَهَذَا التَّعْرِيف يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي الأولى مدعى عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَقول لم يكن وَفِي الثَّانِيَة مدعية لِأَنَّهَا تَقول قد كَانَ. وَقيل كل طَالب فَهُوَ مدّعٍ وكل مَطْلُوب فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ. ورد أَيْضا بِمَا تقدم فِي رَبًّا المَال والوديعة مَعَ الْإِشْهَاد، وباليتيم مَعَ وَصِيّه وبدعوى الْمَرْأَة فِي خلْوَة الاهتداء فَإِن كلا مِنْهُم طَالب مَعَ أَنه مدعى عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَن الرَّد على التعريفين بِمَا ذكر إِنَّمَا يتم لَو كَانَ الْقَائِل بهما يسلم أَن الطَّالِب وَمن يَقُول قد كَانَ فِيمَا ذكر مدعى عَلَيْهِ، وإلاَّ فقد يَقُول: إِنَّه مدّعٍ قَامَ لَهُ شَاهد من عرف أَو أصل وَلَا يحْتَج على الْإِنْسَان بِمذهب مثله، وَاخْتَارَ هَذَا الْجَواب ابْن رحال. وَالْحَاصِل على مَا يظْهر من كَلَامهم وَهُوَ الَّذِي يُوجِبهُ النّظر أَن المتداعيين إِمَّا أَن يتَمَسَّك أَحدهمَا بِالْعرْفِ فَقَط كالاختلاف فِي مَتَاع الْبَيْت وَدَعوى الشّبَه وَاخْتِلَاف القَاضِي والجندي فِي الرمْح، والجزار والدباغ فِي الْجلد وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لم يتعارض فِيهِ الْعرف وَالْأَصْل، وَإِمَّا أَن يتَمَسَّك بِالْأَصْلِ فَقَط كالاختلاف فِي أصل الدّين وَفِي قَضَائِهِ وَفِي دَعْوَى الْحَائِز نَفسه الْحُرِّيَّة، وَدَعوى رب المَال وَالْمُودع عدم الرَّد مَعَ دفعهما بإشهاد وَدَعوى الْيَتِيم عدم الْقَبْض وَنَحْو ذَلِك، فالمدعى عَلَيْهِ فِي هذَيْن هُوَ المتمسك بذلك الْعرف أَو الأَصْل على الرَّسْم الأول، وَالْمَطْلُوب هُوَ من يَقُول لم يكن على التعريفين الْأَخيرينِ، وَإِمَّا أَن يتَمَسَّك أَحدهمَا بِالْأَصْلِ وَالْآخر بِالْعرْفِ فَيَأْتِي الْخلاف كدعوى الزَّوْج على سيد الْأمة أَنه غره بتزويجها، فَالْأَصْل عدم الْغرُور، وَبِه قَالَ سَحْنُون. وَالْغَالِب عدم رضَا الْحر بتزوج الْأمة وَبِه قَالَ أَشهب وَهُوَ الرَّاجِح، وكمسألة اخْتِلَاف
стр. 42
المتراهنين فِي قدر الدّين فَإِن الرَّهْن شَاهد عرفي وَالْأَصْل بَرَاءَة ذمَّة الرَّاهِن، وكمسألة الْحِيَازَة الْمُتَقَدّمَة وَدَعوى عَامل الْقَرَاض وَالْمُودع الرَّد مَعَ عدم الْإِشْهَاد لِأَن الْغَالِب صدق الْأمين، وَدَعوى الْمَرْأَة الْمَسِيس وَعدم الْإِنْفَاق وَنَحْو ذَلِك، فالمدعى عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا على الرَّسْم الأول هُوَ المتمسك بِالْعرْفِ لِأَن قَول النَّاظِم أَو عرف أَعم من كَونه عَارضه أصل أم لَا. وعَلى الرسمين الْأَخيرينِ هُوَ الْمَطْلُوب، وَمن يَقُول: لم يكن، لَكِن لما ترجح جَانب الْمُدَّعِي فِيهَا بِشَهَادَة الْعرف لِأَنَّهُ أقوى صَار الْمُدَّعِي مدعى عَلَيْهِ، وَيدل لهَذَا قَول ابْن رشد مَا نَصه: الْمَعْنى الَّذِي من أَجله وَجب على الْمُدَّعِي إِقَامَة الْبَيِّنَة تجرد دَعْوَاهُ من سَبَب يدل على صدقه فِيمَا يَدعِيهِ، فَإِن كَانَ لَهُ سَبَب يدل على صدقه أقوى من سَبَب الْمُدعى عَلَيْهِ كالشاهد الْوَاحِد أَو الرَّهْن أَو مَا أشبه ذَلِك من إرخاء السّتْر وَجب أَن يبْدَأ بِالْيَمِينِ دون الْمُدعى عَلَيْهِ اه. وَنَقله القلشاني وَغَيره فَتَأمل كَيفَ سَمَّاهُ مُدعيًا وَجعل الرَّهْن وإرخاء السّتْر وَالشَّاهِد الْحَقِيقِيّ سَببا لصيرورته مدعى عَلَيْهِ، لكَونه فِي ذَلِك أقوى من سَبَب خَصمه المتمسك بِالْأَصْلِ، وَقد اخْتلف هَل الْعرف كشاهد أَو كشاهدين؟ الْبُرْزُليّ: الْقَاعِدَة إحلاف من شهد لَهُ الْعرف فَيكون بِمَثَابَة الشَّاهِد، وَقيل: هُوَ كالشاهدين اه. وَقد درج (خَ) فِي مَوَاضِع على أَنه كالشاهد مِنْهَا قَوْله فِي الرَّهْن وَهُوَ كالشاهد فِي قدر الدّين، وَقد عقد فِي التَّبْصِرَة بَابا فِي رُجْحَان قَول الْمُدَّعِي بالعوائد. وَقَالَ الْقَرَافِيّ: أَجمعُوا على اعْتِبَار الْغَالِب وإلغاء الأَصْل فِي الْبَيِّنَة إِذا شهِدت فَإِن الْغَالِب صدقهَا وَالْأَصْل بَرَاءَة ذمَّة الْمَشْهُود عَلَيْهِ اه. فَهَذَا كُله يُوضح لَك الْجَواب الْمُتَقَدّم عَمَّا ورد على التعريفين، ويدلك على عدم الْفرق بَين التعاريف الثَّلَاثَة لِأَن الْمُدَّعِي قد يَنْقَلِب مدعى عَلَيْهِ لقِيَام سَبَب أقوى من سَبَب خَصمه كَانَ ذَلِك السَّبَب حَقِيقِيًّا أَو عرفياً إِلَّا أَن الْعرفِيّ لَا يقوى عِنْدهم قُوَّة الْحَقِيقِيّ فَلَيْسَتْ الْيَمين مَعَه تَكْمِلَة للنصاب حَتَّى يُؤَدِّي ذَلِك لنفي يَمِين الْإِنْكَار بِدَلِيل أَنه إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ شَاهد حَقِيقِيّ لَا يثبت الْحق بِدُونِ الْيَمين كَمَا نَقله بَعضهم عَن المتيطي عِنْد قَول (خَ) وَهُوَ كالشاهد الخ. فاعتراض (ت) على الْجَواب السَّابِق بِكَوْنِهِ يُؤَدِّي لنفي يَمِين الْإِنْكَار الخ. سَاقِط، وَقد علم مِمَّا مر أَن الشّبَه وَالْغَالِب وَالْعرْف وَالْعَادَة كلهَا بِمَعْنى، وَأَنه إِذا تعَارض الأَصْل وَالْغَالِب فَيقدم الْغَالِب لقَوْله تَعَالَى: وَأمر بِالْعرْفِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٩) فَكل شَيْء كذبه الْعرف وَجب أَن لَا يعْمل بِهِ إِلَّا فِي مَسْأَلَة دَعْوَى الدّين إِذا كَانَ مدعيه أتقى النَّاس وَأَعْلَاهُمْ فِي الْعلم وَالدّين، فَإِن الْغَالِب صدقه وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة
стр. 43
فَيقدم الأَصْل على الْغَالِب فِي هَذِه عِنْد الْمَالِكِيَّة، وَقدم الشَّافِعِيَّة الأَصْل فِي جَمِيع صور التَّعَارُض. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا تمسك كل مِنْهُمَا بِالْعرْفِ كَمَا إِذا أشبها مَعًا فِيمَا يرجع فِيهِ للشبه كتنازع جزار مَعَ جزار فِي جلد وَنَحْو ذَلِك، فيحلفان وَيقسم بَينهمَا حَيْثُ لم يكن بيد أَحدهمَا، وَإِن تمسك كل مِنْهُمَا بِالْأَصْلِ كدعوى الْمُكْتَرِي للرحى أَو الدَّار أَنَّهَا تهدمت أَو انْقَطع المَاء عَنْهَا ثَلَاثَة أشهر. وَقَالَ الْمُكْتَرِي: شَهْرَان فَقَط فَقيل الْمُكْتَرِي هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته من الغرامة فيستصحب ذَلِك، والمكري مُدع، وَقيل بِالْعَكْسِ لِأَن عقد الْكِرَاء أوجب دينا فِي ذمَّة الْمُكْتَرِي، وَهُوَ يَدعِي إِسْقَاط بعضه فَلَا يصدق، وكما لَو قبض شخص من رجل دَنَانِير، فَلَمَّا طلبه بهَا الدَّافِع زعم أَنه قبضهَا من مثلهَا الْمُرَتّب لَهُ فِي ذمَّته، فَإِن اعْتبرنَا كَون الدَّافِع بَرِيء الذِّمَّة من سلف هَذَا الْقَابِض كَانَ الدَّافِع مدعى عَلَيْهِ وَهُوَ الرَّاجِح كَمَا لِابْنِ رشد وَأبي الْحسن وَغَيرهمَا، وَإِن اعْتبرنَا حَال الْقَابِض وَأَن الأَصْل فِيهِ أَيْضا بَرَاءَة الذِّمَّة فَلَا يُؤَاخذ بِأَكْثَرَ مِمَّا أقرّ بِهِ جَعَلْنَاهُ هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ. فَافْهَم فبهذه الْوُجُوه صَعب علم الْقَضَاء ودق. الثَّانِي: من معنى مَا مر إِذا علق الزَّوْج طَلَاق زَوجته أَو خَيرهَا على عدم حُضُوره مَعهَا بِمَجْلِس الشَّرْع يَوْم كَذَا، وَوَقعت فِي حُدُود الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ وَالْألف فَقَامَتْ الْمَرْأَة بعد مُضِيّ الْيَوْم وأرادت أَن تشهد بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ فِرَاقه، فَامْتنعَ الْعُدُول من أَن يشْهدُوا عَلَيْهَا إِلَّا بمشورة القَاضِي فشاورته فَمنعهَا القَاضِي من ذَلِك حَتَّى تثبت عدم حُضُوره فِي الْيَوْم الْمُعَلق عَلَيْهِ، وَهَذَا من أفظع الْجَهْل من الْعُدُول وَمن القَاضِي، إِذْ حُضُوره فِي الْيَوْم الْمَذْكُور مُحْتَمل، وَالْأَصْل عَدمه فَهِيَ مدعى عَلَيْهَا وَهُوَ مدعٍ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يصدر مثل هَذَا من هَذَا القَاضِي فَكَانَ يمْنَع الأوصياء من بيع مَال الْأَيْتَام حَتَّى يثبتوا أَنهم لَا مَال لَهُم ظَاهرا وَلَا بَاطِنا، وَلَا يَكْتَفِي بمحاسبتهم على زِمَام التَّرِكَة، وَإِذا بيع عَلَيْهِم صَفْقَة منع أوصياءهم من الْإِمْضَاء حَتَّى يثبتوا مَا ذكر، وَهَكَذَا كل مَا الأَصْل عَدمه وَمَا دري أَن إثباتهما مَا ذكر لَا يُفِيد شَيْئا لِأَن الشَّهَادَة فِي ذَلِك لَا تكون إِلَّا على نفي الْعلم، فَإِذا طلقت نَفسهَا أَو بَاعَ الْوَصِيّ بعد الْإِثْبَات الْمَذْكُور ثمَّ أثبت الزَّوْج الْحُضُور أَو الْيَتِيم الوفر وَقت البيع لقدمت بيناتهما على بَيِّنَة الزَّوْجَة وَالْوَصِيّ لِأَنَّهَا على الْقطع مثبتة، وَالْأُخْرَى على الْعلم نَافِيَة فَلم يكن لتكليفهما بهَا فَائِدَة. وَقد نَص ابْن الْقَاسِم على أَنه إِذا علق أمرهَا بِيَدِهَا على عدم بَعثه لَهَا بِالنَّفَقَةِ يَوْم كَذَا فَرفعت أمرهَا للْحَاكِم، وَزَعَمت أَنه لم يبْعَث لَهَا شَيْئا وَطلقت نَفسهَا، فَإِن قدم وَأثبت الْبَعْث فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِن كَانَت تزوجت فَكَذَا (ت) الوليين. الثَّالِث: قَالَ الْقَرَافِيّ: خولفت قَاعِدَة الدَّعَاوَى فِي خمس: فِي لعان الزَّوْج فِي الْحمل وَالْولد فَقبل قَوْله: لِأَن الْعَادة أَن يَنْفِي الزَّوْج عَن زوجه الْفَوَاحِش فَحَيْثُ رَمَاهَا بهَا مَعَ إيمَانه قدمه الشَّرْع، وَفِي الْقسَامَة فَقبل فِيهَا قَول الْقَتِيل لترجيحه باللوث، وَفِي دَعْوَى الْأُمَنَاء التّلف فَقيل قَوْلهم لِئَلَّا يزهد النَّاس فِي قبُول الْأَمَانَات فتفوت مصالحها والأمين قد يكون من جِهَة مُسْتَحقّ الْأَمَانَة، وَقد يكون من جِهَة الشَّرْع كالوصي والملتقط وَمن أَلْقَت الرّيح ثوبا فِي بَيته. وَفِي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح قيل فيهمَا قَول الْحَاكِم لِئَلَّا تفوت الْمصَالح الْمرتبَة على الْولَايَة، وَفِي دَعْوَى الْغَاصِب التّلف قبل قَوْله: لِئَلَّا يخلد فِي السجْن اه الخ. فَتَأمل قَوْله فِي اللّعان والقسامة وَالْأَمَانَة، فَإِن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِمَّا قدم فِيهِ الْغَالِب على الأَصْل كَمَا مرّ فَلم تكن فِيهِ مُخَالفَة،
стр. 44
وَبَعْضهمْ يعبر عَن الْأمين بِأَن الْغَالِب صدقه أَي فِي الرَّد والتلف، وَبعد أَن ذكرهَا المكناسي فِي مجالسه قَالَ: وَمِنْهَا اللُّصُوص إِذا قدمُوا بمتاع وَادّعى شخص أَنه لَهُ وَأَنَّهُمْ نزعوه مِنْهُ فَيقبل قَوْله مَعَ يَمِينه وَيَأْخُذهُ، وَمِنْهَا السمسار إِذا ادّعى عَلَيْهِ أَنه غيب مَا أعْطى لَهُ للْبيع وَكَانَ مَعْلُوما بالعداء وبإنكار النَّاس فَيصدق الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ وَيغرم السمسار. وَمِنْهَا السَّارِق إِذا سرق مَتَاع رجل وانتهب مَاله وَأَرَادَ قَتله وَقَالَ الْمَسْرُوق: أَنا أعرفهُ فَيصدق الْمَسْرُوق بِيَمِينِهِ. وَهَذِه الْمسَائِل الَّتِي زَادهَا لَا تحملهَا الْأُصُول كَمَا لأبي الْحسن. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي الْفرق بَين مَا يقدم فِيهِ النَّادِر على الْغَالِب مَا نَصه: أَخذ السراق المتهومين بالتهم وقرائن أَحْوَالهم كَمَا يَفْعَله الْأُمَرَاء الْيَوْم دون الْإِقْرَار الصَّحِيح والبينات الْمُعْتَبرَة الْغَالِب مصادفته للصَّوَاب والنادر خَطؤُهُ، وَمَعَ ذَلِك ألغى الشَّارِع هَذَا الْغَالِب صونا للأعراض والأطراف عَن الْقطع اه. ففهم مِنْهُ أَنه إِنَّمَا ألغى الشَّارِع هَذَا الْغَالِب بِالنِّسْبَةِ للأعراض والأطراف لَا بِالنِّسْبَةِ للغرامة فَإِنَّهُ يغرم فيوافق مَا للمكناسي وَلِهَذَا درج ناظم الْعَمَل على ذَلِك حَيْثُ قَالَ: لوالد الْقَتِيل مَعَ يَمِين القَوْل فِي الدَّعْوَى بِلَا تَبْيِين إِذا ادّعى دراهماً وأنكرا القاتلون مَا ادَّعَاهُ وطرا فَلَا مَفْهُوم لقَوْله: الْقَتِيل بل الْمدَار على كَون الْمُدعى عَلَيْهِ مَعْرُوفا بِالْغَصْبِ والعداء انْظُر شَرحه، وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْغَصْب وَلَا بُد. وَالمُدَّعَى فِيهِ لَهُ شَرْطَانِ تَحَقُّقُ الدَّعْوَى مَعَ البَيَانِ (وَالْمُدَّعى فِيهِ لَهُ شَرْطَانِ) أَحدهمَا: (تحقق الدَّعْوَى) بِهِ أَي جزمها وقطعها بِأَن يَقُول: لي عَلَيْهِ كَذَا احْتِرَازًا من نَحْو أَشك أَو أَظن أَن لي عَلَيْهِ كَذَا فَإِنَّهَا لَا تسمع الْقَرَافِيّ: وَفِيه نظر لِأَن من وجد وَثِيقَة فِي تَرِكَة مُوَرِثه أَو أخبرهُ عدل بِحَق لَهُ فَلَا يفِيدهُ ذَلِك إِلَّا الظَّن، وَمَعَ ذَلِك يجوز لَهُ الدَّعْوَى بِهِ، وَإِن صرح بِالظَّنِّ كَمَا لَو شهدُوا بالاستفاضة وَالسَّمَاع والفلس وَحصر الْوَرَثَة، وَصرح بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ مُسْتَنده فِي الشَّهَادَة، فَلَا يكون قادحاً، فَكَذَلِك هَهُنَا لِأَن مَا جَازَ الإقداح مَعَه لَا يكون النُّطْق بِهِ قادحاً. وَأجَاب بَعضهم بِأَن الظَّن هَهُنَا لقُوته نزل منزلَة الْقطع، وَقد جَازَ لَهُ الْحلف مَعَه (خَ) وَاعْتمد البات على ظن قوي كخطه أَو خطّ أَبِيه الخ. ثمَّ عدم سماعهَا فِي الظَّن الَّذِي لَا يُفِيد الْقطع مَبْنِيّ على القَوْل بِأَن يَمِين التُّهْمَة لَا تتَوَجَّه. أَبُو الْحسن: وَالْمَشْهُور توجهها. ابْن فَرِحُونَ: يُرِيد بعد إِثْبَات كَون الْمُدعى عَلَيْهِ مِمَّن تلْحقهُ التُّهْمَة اه. وَعَلِيهِ فَتسمع فِيمَن ثبتَتْ تهمته وإلاَّ فَلَا (خَ) وَاسْتحق بِهِ بِيَمِين إِن حقق وَيَمِين تُهْمَة بِمُجَرَّد النّكُول الخ وسيقول النَّاظِم: وتهمة إِن قويت بهَا تجب يَمِين متهوم الخ. قلت: وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن الدَّعْوَى تسمع هَهُنَا، وَلَو قُلْنَا بِعَدَمِ توجه يَمِين التُّهْمَة فَيُؤْمَر
стр. 45
بِالْجَوَابِ لَعَلَّه يقر فَتَأَمّله، فَلَو قَالَ: أَظن أَن لي عَلَيْهِ ألفا فَقَالَ الآخر: أَظن أَنِّي قَضيته لم يقْض عَلَيْهِ بِشَيْء لتعذر الْقَضَاء بِالْمَجْهُولِ إِذْ كل مِنْهُمَا شَاك فِي وجوب الْحق لَهُ أَو عَلَيْهِ، فَلَيْسَ الْقَضَاء بقول الْمُدَّعِي بِأولى من الْقَضَاء بقول الآخر، فَلَو قَالَ الْمَطْلُوب: نعم كَانَ لَهُ الْألف عَليّ، وأظن أَن قَضيته لزمَه الْألف قطعا وَعَلِيهِ الْبَيِّنَة أَنه قَضَاهُ، وَثَانِيهمَا قَوْله: (مَعَ الْبَيَان) أَي مَعَ بَيَانه فأل عوض عَن الضَّمِير إِمَّا بِبَيَان عينه كَهَذا الثَّوْب أَو الْفرس أَو الدَّرَاهِم أَو بَيَان صفته. كلي فِي ذمَّته ثوب أَو فرس صفتهما كَذَا أَو دَرَاهِم يزيدية أَو محمدية، أَو سبني أَو شَتَمَنِي أَو قذفني بِلَفْظ كَذَا إِذْ لَيْسَ كل سبّ وَشتم يُوجب الْحَد، وَأما بِبَيَان سَبَب الْمُدعى فِيهِ الْمعِين أَو سَبَب مَا فِي ذمَّة الْمعِين، فَالْأول كدعوى الْمَرْأَة الطَّلَاق أَو الرِّدَّة لتحرز نَفسهَا لِأَنَّهَا معِين، وَالثَّانِي كدعوى الْمَرْأَة الْمَسِيس أَو الْقَتْل خطأ ليترتب الصَدَاق أَو الدِّيَة فِي ذمَّة الزَّوْج أَو الْعَاقِلَة الْمعينَة بالنوع، فبيان سَبَب الْمُدعى فِيهِ فِي هذَيْن المثالين وَنَحْوهمَا بَيَان شرعا للْمُدَّعى فِيهِ، فهما راجعان فِي الْمَعْنى للقسم الأول لِأَن المدعية تَقول فيهمَا أحرزت نَفسِي لِأَنَّك طلقتني ولي عَلَيْك صدَاق أَو دِيَة لِأَنَّك مسستني أَو قتلت وليي، وَكَذَا لَو قَالَت: بِعْت لَك دَاري أَو وأجرتها مِنْك فادفع لي ثمنهَا أَو أجرتهَا فَهُوَ رَاجع لما ذكر، فَكَانَ هَذَا الْقسم لَا يحْتَاج الْمُدَّعِي فِيهِ لبَيَان السَّبَب لِأَنَّهُ مَذْكُور بِخِلَاف الْقسم الأول فَلَا بُد من بَيَانه كَأَن يَقُول من تعد أَو بيع (خَ) وَكفى بِعْت وَتَزَوَّجت، وَحمل على الصَّحِيح وإلاَّ فليسأله الْحَاكِم عَن السَّبَب، ثمَّ قَالَ: وللمدعى عَلَيْهِ السُّؤَال عَن السَّبَب. قَالَ الْحطاب: وَلَيْسَ بَيَان السَّبَب من تَمام صِحَة الدَّعْوَى بِدَلِيل قَوْله ولمدعى عَلَيْهِ الخ. وَاعْتَرضهُ طفي قَائِلا: بل هُوَ من تَمام صِحَة الدَّعْوَى مَعَ عدم ادِّعَاء النسْيَان، وَاحْتج بِكَلَام الْمَجْمُوعَة وَابْن عَرَفَة فَانْظُرْهُ فِيهِ، وَاعْتِرَاض الشَّيْخ بذلك عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ شرطا لبطلت الدَّعْوَى مَعَ عدم ادِّعَاء النسْيَان سَاقِط لما علمت من أَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ شَرط صِحَة إِذا لم يدع النسْيَان كَمَا أَن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ سَاقِطَة مَعَ الْقُدْرَة على التَّفْسِير عِنْد الْمَازرِيّ وَغَيره كَمَا يَأْتِي، فالتحقق فِي كَلَام النَّاظِم رَاجع للتصديق، وَالْبَيَان رَاجع للتصور أَي لَا بُد أَن يكون الْمُدعى فِيهِ متصوراً فِي ذهن الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي فَلَا يُغني أحدهم عَن الآخر. وَخرج بِهَذَا الشَّرْط الدَّعْوَى بِمَجْهُول الْعين أَو الصّفة كلي عَلَيْهِ شَيْء لَا يدْرِي جنسه ونوعه أَو أَرض لَا يدْرِي حُدُودهَا أَو ثوب لَا يدْرِي صفته أَو دَرَاهِم لَا يدْرِي صفتهَا وَلَا قدرهَا وَنَحْو ذَلِك، فَلَا تسمع لِأَن الْمَطْلُوب لَو أقرّ وَقَالَ: نعم لَهُ عَليّ مَا يَدعِيهِ أَو أنكر وَقَامَت الْبَيِّنَة بذلك لم يحكم عَلَيْهِ بِهَذَا الْإِقْرَار، وَلَا بِتِلْكَ الشَّهَادَة، إِذْ الْكل مَجْهُول وَالْحكم بِهِ مُتَعَذر فَلَيْسَ الحكم بالمروي بِأولى من الْمَرْوِيّ مثلا، وَلَا باليزيدية بِأولى
стр. 46
من المحمدية، إِذْ من شَرط صِحَة الحكم تعْيين الْمَحْكُوم بِهِ وَلَا تعْيين هَهُنَا. وَهَكَذَا نَقله غير وَاحِد. قلت: وَهُوَ ظَاهر على أحد الْقَوْلَيْنِ الآتيين فِي قَوْله: وَمن لطَالب الخ. وَقَالَ الْمَازرِيّ: تسمع الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ الْبِسَاطِيّ وَهُوَ الصَّوَاب لقَولهم يلْزم الْإِقْرَار بِالْمَجْهُولِ وَيُؤمر بتفسيره، فَكَذَلِك هَذَا يُؤمر بِالْجَوَابِ لَعَلَّه يقر فَيُؤْمَر بالتفسير ويسجن لَهُ، فَإِن ادّعى الْمقر الْجَهْل أَيْضا فَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمن لطَالب بِحَق شَهدا. الخ وَانْظُر شرحنا للشامل أول بَاب الصُّلْح قَالَ الْحطاب: مسَائِل الْمُدَوَّنَة صَرِيحَة فِي صِحَة الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ. الْمَازرِيّ: وَلَيْسَ مِنْهُ الدَّعْوَى على سمسار دفع إِلَيْهِ ثوبا ليَبِيعهُ بدينارين وَقِيمَته دِينَار وَنصف لِأَن الدَّعْوَى هُنَا تعلّقت بِأَمْر مَعْلُوم فِي الأَصْل وَلَا يضرّهُ كَونه لَا يدْرِي مَا يجب لَهُ يَعْنِي السمسار هَل الثّمن الَّذِي سَمَّاهُ إِن بَاعَ أَو قِيمَته إِن اسْتَهْلكهُ أَو غيبه إِن لم يبع اه الخ. قلت: الدَّعْوَى هُنَا إِنَّمَا هِيَ فِي الثَّوْب وَهُوَ معِين فَهُوَ يُطَالِبهُ برده، لَكِن إِن اسْتهْلك أَو بَاعَ فَيرد الثّمن أَو الْقيمَة لقيامها مقَامه تَأمل. وَإِلَى مَا مر أَشَارَ خَلِيل بقوله: فيدعي بِمَعْلُوم مُحَقّق قَالَ: وَكَذَا شَيْء وَإِلَّا لم تسمع كأظن الخ. وَقَالَ فِي الْإِقْرَار: وَقبل تَفْسِيره كشيء وَكَذَا وسجن لَهُ الخ وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ الْمُدَّعِي لَا يدْرِي جنسه وَلَا قدره، وَإِلَّا فَإِن علم وأبى ذكره لم تسمع اتِّفَاقًا، وَمحله أَيْضا إِذا لم يكن الشَّيْء الَّذِي يَدعِيهِ من فضلَة حِسَاب كَانَ بَينهمَا بِبَيِّنَة. وَقَالَت: لَا نَعْرِف قدرهَا وَإِلَّا فَتسمع بِلَا خلاف كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام ابْن فَرِحُونَ، وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم:
стр. 47
وَمن لطَالب بِحَق شَهدا وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك العددا ثمَّ مَا قَررنَا بِهِ كَلَام النَّاظِم من أَنه حذف مُتَعَلق الدَّعْوَى وَأَن أل فِي قَوْله: الْبَيَان عوض عَن الضَّمِير هُوَ الَّذِي ظهر لنا من كَلَام الْقَرَافِيّ وَغَيره، وَبِه ينْدَفع مَا قيل إِن مَا ذكره شَرط فِي الدَّعْوَى لَا فِي الْمُدعى فِيهِ إِذْ لَا يخفى أَن الدَّعْوَى وَالْمُدَّعى فِيهِ متلازمان فَمَا كَانَ شرطا فِي أَحدهمَا فَهُوَ شَرط فِي الآخر، وَمَا كَانَ تقسيماً لأَحَدهمَا فَهُوَ تَقْسِيم للْآخر، فَيَنْتَفِي حِينَئِذٍ التَّدَاخُل فِي الْأَقْسَام الَّتِي عِنْد (ت) وَغَيره وَالله أعلم. وَبَقِي على النَّاظِم شُرُوط أخر كَون الْمُدعى فِيهِ ذَا غَرَض صَحِيح احْتِرَازًا من الدَّعْوَى بقمحة أَو شعيرَة وَنَحْو ذَلِك، وَلذَا لَا يُمكن الْمُسْتَأْجر للْبِنَاء وَنَحْوه من قلع مَا لَا قيمَة لَهُ وَكَونه مِمَّا لَو أقرّ بِهِ الْمَطْلُوب لقضى عَلَيْهِ بِهِ احْتِرَازًا من الدَّعْوَى بِأَنَّهُ قَالَ: دَاري صَدَقَة بِيَمِين مُطلقًا أَو بغَيْرهَا وَلم يعين الخ. وَمن الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ للْمَسَاكِين، وَمِمَّا يُؤمر فِيهِ بِالطَّلَاق من غير قَضَاء كَقَوْلِه: إِن كنت تحبيني أَو تبغضيني، وَمن الدَّعْوَى على الْمَحْجُور بِبيع وَنَحْوه من الْمُعَامَلَات فَلَا يلْزمه، وَلَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ بِخِلَاف مَا إِذا ثَبت عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاك وَالْغَصْب وَنَحْوهمَا (خَ) : وَضمن مَا أفسد إِن لم يُؤمن عَلَيْهِ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الشَّرْط يُغني عَن الَّذِي قبله وَلَا يحْتَرز بِهِ من دَعْوَى الْهِبَة والوعد لِأَنَّهُ يُؤمر بِالْجَوَابِ فيهمَا. وَلَو على القَوْل بِعَدَمِ لُزُومهَا بالْقَوْل لاحْتِمَال أَن يقر وَلَا يرجع عَن الْهِبَة وَلَا يخلف وعده، وَكَون الْعَادة لَا تكذب الدَّعْوَى بِهِ احْتِرَاز من الدَّعْوَى بِالْغَصْبِ وَالْفساد على رجل صَالح (خَ) وأدب مُمَيّز كمدعيه على صَالح، وَمن مَسْأَلَة الْحِيَازَة الْمُعْتَبرَة فَإِن الدَّعْوَى لَا تسمع فِيهَا وَقيل تسمع وَيُؤمر الْمَطْلُوب بجوابها لَعَلَّه يقر أَو يُنكر فَيحلف قَالَه (ح) وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا يَأْتِي فِي فصل الْحَوْز. تَنْبِيهَانِ. الأول: علم مِمَّا مر أَن هَذِه الشُّرُوط كلهَا مبحوث فِيهَا مَا عدا الشَّرْط الرَّابِع، وَظَاهره أَن الْمَحْجُور لَا تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَات، وَلَو نَصبه وليه لمعاملات النَّاس بِمَال دَفعه إِلَيْهِ للتِّجَارَة ليختبره، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ الدّين اللَّاحِق لَهُ لَا يلْزمه لَا فِيمَا دفع إِلَيْهِ وَلَا فِيمَا بَقِي وَلَا فِي ذمَّته لِأَنَّهُ لم يخرج بذلك من الْولَايَة قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، وَقيل: يلْزمه ذَلِك فِي المَال الْمَدْفُوع إِلَيْهِ خَاصَّة، وَهَذَا إِذا لم يضمن بِهِ مَاله، وإلاَّ فَيضمن فِي المَال المصون وَهُوَ مَحْمُول على عدم التصوين وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَجَاز للْوَصِيّ فِيمَن حجرا أعطَاهُ بعض مَاله مختبرا الثَّانِي: تقدم أَن بَيَان السَّبَب من تَمام صِحَة الدَّعْوَى لِإِمْكَان أَن يكون سَبَب مَا يَدعِيهِ فَاسِدا كَكَوْنِهِ ثمن خمر أَو رَبًّا وَنَحْو ذَلِك، وَلذَا قَالَ ابْن حَارِث: إِذا لم يسْأَله القَاضِي عَنهُ كَانَ كالخابط خبط عشواء قَالَ: فَإِن سَأَلَهُ الْحَاكِم أَو الْمُدعى عَلَيْهِ عَنهُ وَامْتنع من بَيَانه لم يُكَلف الْمَطْلُوب بِالْجَوَابِ، فَإِن ادّعى نسيانه قبل بِغَيْر يَمِين. قلت: وَيَنْبَنِي على بَيَانه أَن الْمَطْلُوب إِذا قَالَ فِي جَوَابه: لَا حق لَك عَليّ لَا يَكْتَفِي مِنْهُ بذلك بل حَتَّى يَنْفِي السَّبَب الَّذِي بَينه الْمُدَّعِي كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمن أَبى إِقْرَارا أَو إنكاراً. الخ … وَإِذا ميزت الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بِمَا مرّ. وَالمُدَّعِي مُطالَبٌ بالبَيِّنَه
стр. 48
ْ وحالَةُ العُمُومِ فِيهِ بيَّنَهْ (وَالْمُدَّعِي مطَالب بِالْبَيِّنَةِ) . إِذا أنكر الْمَطْلُوب لقَوْله ﷺ : (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) . وَهَكَذَا ذكر ابْن رشد وَغَيره هَذَا الحَدِيث. وَذكره ابْن عبد الْبر عَن عمر بن شُعْبَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) . وَأنكر ذَلِك ابْن سهل وَقَالَ: إِنَّمَا الحَدِيث: (شَاهِدَاك أَو يَمِينه) . وَالْبَيِّنَة: تَشْمَل الشَّاهِدين وَالْأَرْبَعَة، وَالشَّاهِد مَعَ الْيَمين والمرأتين كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله. (وَحَالَة الْعُمُوم فِيهِ) أَي فِي الْمُدَّعِي من كَونه صَالحا أَو طالحاً ادّعى على صَالح أَو طالح (بَيِّنَة) لقَوْل الْقَرَافِيّ وَغَيره: أَجمعت الْأمة على أَن الصَّالح التقي مثل أبي بكر وَعمر ﵄ لَو ادّعى على أفسق النَّاس درهما وَاحِدًا لَا يصدق فِيهِ وَعَلِيهِ الْبَيِّنَة فَهَذَا مِمَّا قدم فِيهِ الأَصْل على الْغَالِب لِأَن الْغَالِب أَن الصَّالح التقي لَا يَدعِي إلاَّ حَقًا. وَبِهَذَا الْإِجْمَاع احْتج الشَّافِعِيَّة علينا فِي تَقْدِيم الْغَالِب على الأَصْل فِي دَعْوَى الْمَرْأَة الْمَسِيس وَعدم الْإِنْفَاق وَنَحْوهمَا مِمَّا شهد الْعرف فِيهِ للْمُدَّعِي كَمَا مرَّ فَقَوْل (ت) يَسْتَثْنِي من الْعُمُوم الْمَذْكُور مسألتا التدمية والمحتملة غصبا إِذا ادَّعَت الْوَطْء فَيقبل فيهمَا قَول الْمُدَّعِي بِغَيْر بَيِّنَة الخ. فِيهِ نظر لِأَن الْمُدَّعِي فيهمَا لترجيح جَانِبه بِالْعرْفِ صَار مدعى عَلَيْهِ فهما كمسألتي الْمَسِيس وَعدم الْإِنْفَاق وَنَحْوهمَا داخلان فِي قَول النَّاظِم من قد عضدا. مقاله عرف الخ. وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ باليَمِينِ فِي عَجْزِ مُدَّعٍ عنِ التَّبيينِ (وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ) مُبْتَدأ (بِالْيَمِينِ) يتَعَلَّق بخاص خَبره أَي مطَالب بِالْيَمِينِ وحذفه لدلَالَة مَا تقدم عَلَيْهِ، وَلَا يَصح عطفه على الْمُدَّعِي وباليمين على الْبَيِّنَة لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الْعَطف على معمولي عاملين مُخْتَلفين وَهُوَ لَا يجوز وَإِنَّمَا يُطَالب بِالْيَمِينِ (فِي) حَال (عجز مُدع عَن التَّبْيِين) أَي عَن الْبَيِّنَة وَفِي حَال كَون الدَّعْوَى فِي المَال أَو مَا يؤول إِلَيْهِ وإلاَّ فَكل دَعْوَى لَا تثبت إِلَّا بعدلين فَلَا يَمِين بمجردها كَنِكَاح وَعتق وَنَحْوهمَا وَشَمل كَلَامه مَا إِذا طلب الطَّالِب يَمِين الْمَطْلُوب لعَجزه
стр. 49
عَن الْبَيِّنَة، فَادّعى عَلَيْهِ الْمَطْلُوب أَنه كَانَ حلفه على تِلْكَ الدَّعْوَى، فَإِن الطَّالِب لَا يتَوَصَّل ليمين الْمَطْلُوب حَتَّى يحلف أَنه مَا حلفه (خَ) وَله يَمِينه أَنه لم يحلفهُ أَولا اه. وَقَالَ فِي اللامية: لمن يزْعم الأحلاف إحلاف خَصمه على نفي أحلاف لَهُ قد تقبلا وَقَول ناظم الْعَمَل: وَلَا يَمِين حَيْثُ قَالَ احْلِف لي إِنَّك مَا حلفتني من قبلي لَا يعول عَلَيْهِ وَإِن اخْتَارَهُ ابْن رحال وَمَا عللوه بِهِ من أَن تَمْكِينه من تَحْلِيفه فِيهِ ضَرَر عَظِيم وَيلْزم عَلَيْهِ مُقَابلَة يَمِين بِيَمِين كُله لَا ينْهض حجَّة لأَنهم حَافظُوا على حق الطَّالِب، وأخلوا بِحَق الْمَطْلُوب. وَقد تكون دَعْوَاهُ صَحِيحَة فَفِيهِ تَرْجِيح دَعْوَى أحد الْخَصْمَيْنِ بِلَا مُرَجّح، ومقابلة الْيَمين بِالْيَمِينِ تَنْتفِي بقلب الْيَمين على الْمَطْلُوب وَالله أعلم. وَهَذَا كُله إِذا قَالَ: إِنَّك حلفتني، وَأما إِن قَالَ لَهُ: إِنَّك أسقطت عني الْيَمين وأبرأتني مِنْهَا فاحلف لي مَا أسقطتها عني، فَإِن الطَّالِب لَا تجب عَلَيْهِ يَمِين لرد هَذِه الدَّعْوَى كَمَا فِي الدّرّ النثير ونوازل الدَّعَاوَى من المعيار، وأشعر قَول النَّاظِم مطَالب بِالْيَمِينِ الخ، أَنه لَو حلف قبل أَن يطْلبهَا الْخصم مِنْهُ لم تجزه وَلَو بِأَمْر القَاضِي وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَقَالَ فِي اللامية: وَذُو حلف من غير إحلاف خَصمه وَغير رضَا لم يستفد شَيْئا أملا وَأَحْرَى فِي عدم الْإِجْزَاء إِن حلف بِغَيْر حُضُور خَصمه، وَظَاهر النّظم أَن الْيَمين تجب عَلَيْهِ فِي عجز الْمُدَّعِي عَن الْبَيِّنَة، وَلَو لم تكن خلْطَة، وَهُوَ قَول ابْن نَافِع وَابْن عبد الحكم من الْمَالِكِيَّة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهمَا وَبِه الْعَمَل الْآن قَالَ ناظمه: وَدون خلْطَة توجه الْيَمين على الَّذِي عَلَيْهِ إِلَّا دَعَا يبين وَظَاهر هَذَا الْعَمَل عدم التَّفْرِيق بَين ذَوي الْعلَا والمروءة وَغَيرهم، وَفرق بَعضهم بَين الدَّعْوَى على الرجل المنقبض عَن مداخلة النَّاس ومخالطتهم، وَالْمَرْأَة المستورة المحتجبة فَلَا تجب عَلَيْهِمَا الْيَمين بِالدَّعْوَى إِلَّا بعد ثُبُوت الْخلطَة ابْن عبد الْبر: وَهُوَ الْمَعْمُول بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الزّرْقَانِيّ فِي لاميته بقوله: لَكِن ببلدة يُوسُف يخص بهَا ذَات الْحجاب وَذُو الْعلَا الخ وَنَحْوه لِابْنِ هِلَال عَن ابْن رشد، وَاخْتَارَهُ ابْن رحال وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَاده، إِذْ كثير من النَّاس يتجرأ على ذَوي الْفضل وَالدّين وَيُرِيد إهانتهم بالأيمان فِي الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة، وَقد شاهدنا من ذَلِك فِي هَذَا الزَّمَان مَا الله أعلم بِهِ. ثمَّ الْعَمَل بترك الْخلطَة إِنَّمَا هُوَ فِي الدَّعَاوَى بِالْمَالِ من مُعَاملَة وَنَحْوهَا لَا فِي الدَّعَاوَى الَّتِي يشْتَرط فِي توجه الْيَمين بهَا الظنة والتهمة كالغصب والتعدي وَالسَّرِقَة وَنَحْوهَا فَلم يجر عمل بتوجهها بِدُونِ ثُبُوت التُّهْمَة كَمَا مرّ عَن ابْن فَرِحُونَ وَنَحْوه فِي (ح) والرعيني بل تقدم أَنه إِذا ادّعى بذلك على صَالح لم تسمع دَعْوَاهُ ويؤدب وَيَأْتِي للناظم: وتهمة إِن قويت الخ. فَانْظُر هُنَاكَ، وَالْمرَاد بثوبتها أَن يكون مِمَّن قد أُشير إِلَيْهِ بِالْغَصْبِ وَنَحْوه سَوَاء ثَبت أَو لم يثبت، وَلَكِن علم أَنه قد ادّعى بهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي ابْن سهل، وَفهم من قَول النَّاظِم فِي عجز مُدع الخ أَن الْمُدَّعِي إِذْ لم يعجز وَأقَام الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ يقْضِي لَهُ بِحقِّهِ من غير يَمِين تلْزمهُ مَعَ كَمَال بَينته وَهُوَ كَذَلِك مَا لم يدع عَلَيْهِ الْمَطْلُوب الْقَضَاء، أَو أَنه عَالم بفسق
стр. 50
شُهُوده، وإلاَّ فَتجب (خَ) : وَكَذَا أَنه عَالم بفسق شُهُوده أَي حقق عَلَيْهِ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ عَالم بِعِلْمِهِ بفسق شُهُوده فتتوجه عَلَيْهِ الْيَمين. (فرع) : من وَجَبت عَلَيْهِ يَمِين فتغيب طالبها فَإِن القَاضِي يُوكل من يتقاضاها لَهُ بعد ثُبُوت مغيبه، وَيشْهد بذلك قَالَه ابْن عَاتٍ فِي طرره وَيَأْتِي نَحوه عِنْد قَول النَّاظِم: وَمن أَلد فِي الْخِصَام وانتهج. الخ. فَإِن سَأَلَ الطَّالِب تَأْخِيرهَا وَسَأَلَ الْمَطْلُوب تَعْجِيلهَا أَو بِالْعَكْسِ، فَالْقَوْل لطَالب تَعْجِيلهَا، وَإِذا كَانَت الدَّعْوَى على امْرَأَة وَطلب الْخصم أَن تحلف بمحضره فَإِن كَانَت من ذَوي الْقدر والشرف فيبعث الْحَاكِم من يحلفها وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِأَن يقف حَيْثُ يسمع يَمِينهَا وَلَا يرى شخصها. (فَائِدَة) : رَأَيْت أَن نذْكر رِسَالَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ الْمَعْرُوفَة برسالة الْقَضَاء. ابْن سهل: هَذِه الرسَالَة أصل فِيمَا تضمنته من فُصُول الْقَضَاء ومعاني الْأَحْكَام قَالَ فِي ضيح: فَيَنْبَغِي حفظهَا والاعتناء بهَا. وَهِي: (بِسم الله الرّحم ﷺ
١٦٤٨ - ; ن الرّحيم) ، من عمر بن الْخطاب أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ سَلام عَلَيْك. أما بعد: فَإِن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة وسنّة متبعة فَافْهَم إِذا أدلي إِلَيْك وأنفذ إِذا تبين لَك فَإِنَّهُ لَا ينفع تكلم بِحَق لَا نَفاذ لَهُ وَهُوَ بَين النَّاس فِي وَجهك وعدلك ومجلسك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك، وَلَا ييأس ضَعِيف من عدلك، الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر، وَالصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إلاّ صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا، وَلَا يمنعك قَضَاء قَضيته بالْأَمْس ثمَّ راجعت فِيهِ نَفسك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق، ومراجعته خير من الْبَاطِل والتمادي فِيهِ. الْفَهم الْفَهم فِيمَا تلجلج فِي صدرك مِمَّا لم يبلغك فِي الْكتاب وَالسّنة أعرف الْأَمْثَال والأشباه، وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك، واعمد إِلَى أقربها إِلَى الله تَعَالَى، وأشبهها بِالْحَقِّ فِيمَا ترى، وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أَو بَيِّنَة أمداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِن أحضر بَيِّنَة أخذت لَهُ بِحقِّهِ وإلاَّ أوجبت لَهُ الْقَضَاء فَإِن ذَلِك أنفى للشَّكّ وأبلغ للْعُذْر. النَّاس عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلوداً فِي حد أَو مجرباً عَلَيْهِ شَهَادَة زور أَو ظنيناً فِي وَلَاء أَو نسب، فَإِن الله تَعَالَى تولى مِنْكُم السرائر وَدَرَأَ عَنْكُم بِالْبَيِّنَاتِ والأيمان وَإِيَّاك والقلق والضجر والتأذي بِالنَّاسِ والتنكير عِنْد الْخُصُومَات فَإِن الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم بِهِ الْأجر وَيحسن عَلَيْهِ الذخر، فَإِن من يصلح مَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَهُوَ على نَفسه يكفه الله مَا بَينه وَبَين النَّاس وَمن تزين للنَّاس بِمَا يعلم الله مِنْهُ غَيره شانه الله، فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته وَالسَّلَام ابْن سهل. وَقَوله فِي هَذِه الرسَالَة: الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض الخ. رَجَعَ عَنهُ بِمَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ قَالَ ربيعَة: قدم رجل من أهل الْعرَاق على عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: قد جئْتُك على أَمر لَا رَأس لَهُ وَلَا ذَنْب، فَقَالَ عمر: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: شَهَادَة الزُّور ظَهرت بأرضنا. فَقَالَ عمر: وَالله لَا يؤسر رجل فِي الْإِسْلَام بِغَيْر عدُول، وَهَذَا يدل على رُجُوعه عَمَّا فِي هَذِه الرسَالَة. وَأخذ الْحسن وَاللَّيْث بن سعيد من التَّابِعين بِمَا فِي هَذِه الرسَالَة من أُمُور الشُّهُود وَالْأَكْثَر على خِلَافه لقَوْله تَعَالَى: وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ (الطَّلَاق: ٢) مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) اه. وَإِذا كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ الْمعِين كدار وثوب وَفرس مثلا فِي غير بلد
стр. 51
الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَ فِي بلد الْمُدَّعِي أم لَا، وَأَرَادَ الْمُدَّعِي رفع الْمُدعى عَلَيْهِ لقَاضِي بَلَده يحاكمه عِنْده لم يكن لَهُ ذَلِك حَيْثُ امْتنع الْمَطْلُوب وَأَرَادَ الْمُخَاصمَة عِنْد قاضيه كَمَا قَالَ: وَالحكْمُ فِي المَشْهورِ حَيْث المدَّعى عَليْهِ فِي الأصُولِ والمالِ مَعا (وَالْحكم فِي الْمَشْهُور حَيْثُ الْمُدعى. عَلَيْهِ فِي الْأُصُول و) فِي (المَال) الْمعِين (مَعًا) (خَ) : وَهل يُرَاعى حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ وَبِه عمل أَو الْمُدَّعِي وأقيم مِنْهَا الخ. فَإِن كَانَ النزاع فِي دين فِي الذِّمَّة. وَشبهه كقصاص فَهُوَ قَوْله: وحَيْثُ يُلْفِيهِ بِما فِي الذِّمَّهْ يَطْلُبهُ وَحَيْثُ أَصْلٌ ثَمَّهْ (وَحَيْثُ يلفيه بِمَا فِي الذِّمَّة يَطْلُبهُ) أَي ويخاصمه بِمَا فِي ذمَّته حَيْثُ مَا وجده. ابْن حبيب: وَكَذَا إِن كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ الْمعِين من دَار وَنَحْوهَا مَعَ الْمَطْلُوب فِي الْمحل الَّذِي لقِيه فِيهِ فَلهُ أَن يحْبسهُ لمخاصمته فِي ذَلِك الْمحل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (وَحَيْثُ أصل ثمه) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ظرف مَكَان يتَعَلَّق بِمَحْذُوف خبر عَن قَوْله أصل وَالْهَاء للسكت أَي ويطلبه فِي الْمَكَان الَّذِي لقِيه فِيهِ حَيْثُ كَانَ الأَصْل ثمَّة أَي فِي ذَلِك الْمَكَان. فَتحصل أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا لم يخرج من بَلَده فَلَيْسَتْ الدَّعْوَى إِلَّا هُنَالك كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ هُنَاكَ أم لَا، وَإِن خرج من بَلَده فإمَّا أَن يلقاه فِي مَحل الأَصْل الْمُتَنَازع فِيهِ، أَو يكون المَال الْمعِين مَعَه أَو لَا، فَيُجِيبهُ لمخاصمته هُنَاكَ فِي الأوّل دون الثَّانِي، وَأما مَا فِي الذِّمَّة فيخاصمه حَيْثُمَا لقِيه. وَقُدِّمَ السَّابِقُ لِلْخِصامِ وَالمُدَّعِي لِلْبَدْءِ بالْكَلَامِ (و) إِذا اجْتمع لَدَى القَاضِي خصوم وَتَنَازَعُوا فِي من يسْبق للتحاكم (قدم السَّابِق) مِنْهُم (للخصام) ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إِلَّا أَن يكون فيهم مُسَافر أَو مَا يخْشَى فيقدمان حِينَئِذٍ على
стр. 52
السَّابِق كَمَا قَالَ (خَ) وَقدم مُسَافر وَمَا يخْشَى فَوَاته ثمَّ السَّابِق قَالَ: وَإِن بحقين بِلَا طول الخ. قَالَ فِي التَّوْضِيح: وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يُوكل من يعرف السَّابِق من الْخُصُوم من اللَّاحِق الخ. وَاعْلَم أَن الْمُدَّعِي يُطلق على مَعْنيين، أَحدهمَا: الْمَأْمُور بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ مَا مر فِي قَوْله: فالمدعي من قَوْله مُجَرّد. وَالْآخر: الجالب الَّذِي يُؤمر بالْكلَام وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (و) قدم (الْمُدَّعِي) أَي الجالب لصَاحبه (للبدء بالْكلَام) ويسكت الآخر حَتَّى يفرغ الْمُدَّعِي من دَعْوَاهُ، فَإِن صحت باستجماع شُرُوطهَا الْمُتَقَدّمَة أمره بجوابه وإلاَّ صرفه عَنهُ، فَإِن جلسا بَين يَدَيْهِ وَلم يعلم الجالب مِنْهُمَا فَلَا بَأْس أَن يَقُول: مَا لَكمَا وَمَا خصومتكما أَو يسكت ليبتدياه، وَلَا يبتدىء أَحدهمَا فَيَقُول: مَا تَقول أَو مَا لَك؟ إِلَّا أَن يعلم أَنه الْمُدَّعِي وَلَا بَأْس أَن يَقُول: أيكما الْمُدَّعِي؟ فَإِن قَالَ أَحدهمَا: أَنا أمره بالْكلَام، فَإِن قَالَ كل مِنْهُمَا: أَنا الْمُدَّعِي أَو الْمُدعى عَلَيْهِ صرفهما عَنهُ حَتَّى يَأْتِي أَحدهمَا أَولا كَمَا قَالَ: وَحَيْثُ خُصْم حالَ خَصْمٍ يَدَّعِي فاصْرِفْ وَمَنْ يَسْبِقْ فَذَاكَ المُدَّعِي فخصم: مُبْتَدأ وسوغ الِابْتِدَاء بِهِ قصد الْجِنْس، وَيَدعِي: خَبره، وَقَوله: فاصرف جَوَاب مَا تضمنته حَيْثُ من معنى الشَّرْط: وَدخلت عَلَيْهِ الْفَاء لِأَنَّهُ لَا يصلح أَن يكون شرطا. وَعِنْدَ جَهْلِ سابِقٍ أوْ مُدَّعي منْ لَجّ إذْ ذَاكَ لِقُرْعَةٍ دُعي (وَعند جهل سَابق) فِي الصُّورَة الأولى (أَو) جهل (مدعي) فِي الثَّانِيَة فَإِن رجعا دفْعَة وَاحِدَة بعد أَن صرفهما ولجأ فِي تعْيين السَّابِق فِي الأولى وَالْمُدَّعِي فِي الثَّانِيَة فَإِنَّهُ يقرع بَينهمَا كَمَا قَالَ (من لج إِذْ ذَاك لقرعة دعِي) فَقَوله: من لج بِالْجِيم من اللجاج أَي الْخُصُومَة وَهُوَ مُبْتَدأ وَعند جهل يتَعَلَّق بِهِ ولكونه ظرفا صَحَّ تَقْدِيمه على الْمَوْصُول وصلته لأَنهم يتوسعون فِيهِ. وَالْجُمْلَة من قَوْله: لقرعة دعِي: خَبره وَإِذا ذَاك يتَعَلَّق بدعي وَذَاكَ إِشَارَة للجاج، وَخَبره مَحْذُوف أَي حَاصِل.
стр. 53
وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذْ إِلَيْهَا. وَكَيْفِيَّة الْقرعَة أَن تكْتب أَسمَاؤُهُم فِي بطائق وتخلط فَمن خرج اسْمه بدىء بِهِ، وَمَا ذكره النَّاظِم من الْقرعَة عِنْد جهل الْمُدَّعِي صدر بِهِ فِي الشَّامِل، وَقيل: يبْدَأ بِمن شَاءَ مِنْهُمَا، والضعيف أولى وَقيل يصرفهما وَقيل يَتَحَالَفَانِ اه.
(فصل فِي رفع الْمُدعى عَلَيْهِ)
لمجلس الحكم (وَمَا يتَعَلَّق بِهِ) أَي بِالرَّفْع الْمَذْكُور من الطَّبْع على من أَبى الْحُضُور وَأُجْرَة العون على من تكون. ثمَّ اعْلَم أَن الْخَصْمَيْنِ لَا يَخْلُو حَالهمَا، إِمَّا أَن يحضرا مَعًا مجْلِس الحكم متفقين على الدَّعْوَى أَو مُخْتَلفين، وَقد مر ذَلِك، وَإِمَّا أَن يحضر الطَّالِب فَقَط، وَفِي هَذِه إِمَّا أَن يكون الْمَطْلُوب من غير مَحل ولَايَة القَاضِي وَقد تقدم فِي قَوْله: وَالْحكم فِي الْمَشْهُور حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ الخ، وَإِمَّا أَن يكون من مَحل ولَايَته وَفِيه صُورَتَانِ فَتَارَة يخرج عَنْهَا لزيارة أَو تِجَارَة أَو نَحْوهمَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله فِي الْبيُوع فِي فصل الحكم على الْغَائِب، وَتارَة لَا يخرج عَنْهَا فَلَا يَخْلُو حَاله من ثَلَاثَة أوجه: إِمَّا أَن يكون فِي الْبَلَد، أَو على مَسَافَة قريبَة أَو بعيدَة حسا أَو حكما، وعَلى هَذِه الثَّلَاث تكلم هُنَا فَأَشَارَ إِلَى الأول فَقَالَ: وَمَعْ مَخِيلةٍ بِصِدْقِ الطَّالِبِ يُرْفَعُ بالإرْسالِ غيْرُ الغائِبِ (وَمَعَ مخيلة) أَي دَلِيل أَي شُبْهَة أَي لطخ كجرح أَو شَاهد أَو أثر ضرب وَنَحْو ذَلِك (بِصدق الطَّالِب، يرفع بِالْإِرْسَال) إِلَيْهِ لَا بالخاتم على مَا بِهِ الْعَمَل كَمَا فِي اليزناسي (غير الْغَائِب) وَهُوَ الْحَاضِر فِي الْبَلَد فَغير بِالرَّفْع نَائِب فَاعل يرفع وَمَعَ يتَعَلَّق بِهِ، وَيحْتَمل أَن يكون مَبْنِيا للْفَاعِل وفاعله القَاضِي. وَهَذَا قَول سَحْنُون وَإِن الحكم لَا يرفع الْمَطْلُوب حَتَّى يَأْتِي الطَّالِب بِشُبْهَة لِئَلَّا يكون الطَّالِب مُدعيًا بَاطِلا، وَظَاهر قَول ابْن أبي زمنين أَنه يرفع وَإِن لم يَأْتِ بِشُبْهَة. ابْن عَرَفَة، وَبِه الْعَمَل وَإِلَى الثَّانِي بقوله:
стр. 54
وَمَنْ عَلَى يَسِير الأمْيالِ يَحُلْ فالكتب كَاف فيهِ مَعْ أمْن السُّبُلْ (وَمن على يسير الأميال) كالفرسخ فَمَا دونه (يحل) جمع ميل بِكَسْر الْمِيم والميل، كَمَا قَالَ ابْن عبد الْبر ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة ذِرَاع، والذراع مَا بَين طرفِي الْمرْفق وَرَأس الْأصْبع الْوُسْطَى كل ذِرَاع سِتّ وَثَلَاثُونَ أصبعاً كل أصْبع سِتّ شعيرات بطن إِحْدَاهمَا لظهر الْأُخْرَى، كل شعيرَة سِتّ شَعرَات من شعر البرذون. وَقَالَ ابْن حبيب: الْميل ألف بَاعَ بباع الْفرس، وَقيل بباع الْبَعِير، والباع: ذراعان. والذراع: شبران، والشبر: اثْنَا عشر أصبعاً، والأصبع: سِتّ حبوب من وسط الشّعير بطن إِحْدَاهمَا لظهر الْأُخْرَى وعَلى الأول اقْتصر شرَّاح الْمُخْتَصر. (فالكتب) إِلَيْهِ فِي كتاب إِن أحضر مجْلِس الحكم ويطبع وَيدْفَع للطَّالِب الَّذِي أَتَى بالمخيلة لِأَنَّهَا مُرَاعَاة عِنْد النَّاظِم فِي هَذِه بالأحرى، وَإِن كَانَ الْعَمَل على خِلَافه كَمَا مرّ (كَاف فِيهِ) عَن إرْسَال الرَّسُول إِلَيْهِ وَهَذَا (مَعَ أَمن السبل) أَي الطّرق الَّتِي يسلكها لمحل الحكم (خَ) وجلب الْخصم بِخَاتم أَو رَسُول إِن كَانَ على مَسَافَة الْعَدْوى لَا أَكثر كستين ميلًا. إِلَّا بِشَاهِد اه. ومسافة الْعَدْوى ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا فَهِيَ مَسَافَة الْقصر كَمَا فِي التَّبْصِرَة الْجَوْهَرِي الْعَدْوى طَلَبك إِلَى وَال ليعديك على من ظلمك أَي ينْتَقم مِنْهُ يُقَال: استعديت على فلَان الْأَمِير فأعداني أَي استعنت بِهِ فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ. (تَنْبِيه) : لَا يكْتب إِلَيْهِ فِي هَذَا وَلَا يُرْسل خَلفه فِي الَّتِي قبلهَا حَتَّى يذكر دَعْوَاهُ وتتوفر شُرُوطهَا بِبَيَان السَّبَب، وَغير ذَلِك مِمَّا مر لِئَلَّا تكون دَعْوَاهُ غير صَحِيحَة فيجلبه من مَسَافَة الْعَدْوى لغير شَيْء، ويفوت عَلَيْهِ كثيرا من مَصَالِحه وَإِلَى الثَّالِث بقوله: وَمَعَ بُعْدٍ أَو مَخَافَةٍ كتبْ لأمثَل القَوْمِ أنْ افْعَلْ مَا يَجِبْ (وَمَعَ بعد) وَهُوَ مَا فَوق مَسَافَة الْعَدْوى (أَو مَخَافَة) فِي الطَّرِيق من لصوص وَنَحْوهم وَإِن كَانَ على أقل مِنْهَا (كتب لأمثل الْقَوْم) الَّذين هُوَ فيهم أَي أفضلهم فِي الْعلم وَالدّين (أَن افْعَل مَا يجب) من النّظر الْمُؤَدِّي للتناصف بَينهمَا. أَمَّا باصْلَاح أَو الإغْرَامِ أَوْ أَزْعِج المطْلُوبَ لِلْخِصَامِ (إِمَّا بالإصلاح) بَينهمَا (أَو الإغرام) للمطلوب حَيْثُ توجه الحكم بِهِ عَلَيْهِ (أَو أزعج الْمَطْلُوب) أَي أرفعه (للخصام) . وَالْحَاصِل أَن القَاضِي فِي هَذَا الْوَجْه الثَّالِث لَا يكْتب لأمثل الْقَوْم إِلَّا مَعَ قيام الشَّاهِد وَنَحْوه من جرح وَأثر ضرب وَقَوله: كَاف يَعْنِي على جِهَة الْأَوْلَوِيَّة وإلاَّ فَلهُ أَن يُرْسل إِلَيْهِ رَسُولا كَمَا مرّ عَن (خَ) فَلَا مُخَالفَة بَينهمَا فِي الصُّورَتَيْنِ، ابْن عَرَفَة: عَن ابْن عبد الحكم: من استعدى الْحَاكِم على من مَعَه فِي الْمصر أَو قَرِيبا مِنْهُ أعطَاهُ طابعاً فِي جلبه أَو رَسُولا وَإِن بعد من الْمصر لم يجلبه إِلَّا أَن يشْهد عَلَيْهِ شَاهد بِالْحَقِّ فَيكْتب لمن يَثِق بِهِ من أمنائه أما
стр. 55
أنصفه وإلاَّ فليرتفع مَعَه اه. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: ويجلب الْخصم مَعَ مدعيه بِخَاتم أَو رَسُول إِذا لم يزدْ على مَسَافَة الْعَدْوى، فَإِن زَاد لم يجلبه مَا لم يشْهد شَاهد فَيكْتب إِلَيْهِ، إِمَّا أَن يحضر أَو يرضى أَي خَصمه فَقَوْل النَّاظِم: إِمَّا بالإصلاح أَو الإغرام هُوَ قَول ابْن الْحَاجِب أَو يرضى خَصمه إِلَّا أَن النَّاظِم اشْترط المخيلة فِي الصُّور كلهَا وَقد علمت أَنه خلاف لِابْنِ الْحَاجِب وَغَيره من أَنَّهَا لَا تشْتَرط إِلَّا فِي الثَّالِثَة. تَنْبِيهَانِ. الأول: فهم من قَول النَّاظِم كتب لأمثل الْقَوْم الخ أَن القَاضِي إِذا أرسل إِلَى فَقِيه وَقَالَ لَهُ: انْظُر بَينهمَا ثمَّ اقْضِ مَا ترى فِي ذَلِك فَذَلِك نَافِذ وَهُوَ كَذَلِك عِنْد ابْن حبيب، وَقَالَ سَحْنُون: لَا ينفذ حكم الْفَقِيه بَينهمَا حَتَّى يُجِيزهُ القَاضِي ويقره، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة اسْتِخْلَاف إِلَّا أَنه فِي نازلة خَاصَّة، وَأما استخلافه من يَنُوب عَنهُ فِي الْأَحْكَام فَإِن أذن لَهُ فِيهِ نصا جَازَ مُطلقًا وَإِن نهى عَنهُ امْتنع مُطلقًا وَإِن لم يكن إِذن وَلَا نهي فَإِن جرت الْعَادة بِهِ فَيَنْبَغِي أَن يكون كالنص، وإلاَّ فَفِي جَوَازه لمَرض أَو سفر قَولَانِ للأخوين وَسَحْنُون. فَإِن انتفيا لم يجز إِلَّا فِي جِهَة بعد (ت) كَمَا فِي (ح) ثمَّ لَيْسَ للمستخلف بِالْفَتْح أَن يسْتَخْلف إِلَّا بِإِذن من الَّذِي قدمه أَو عرف كَمَا فِي (ح) قَالَ: فَحكم النواب مَعَ من استنابهم حكم الْقُضَاة مَعَ السُّلْطَان قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَلَا يسجل نَائِب القَاضِي بِمَا ثَبت عِنْده، فَإِن فعل فَلَا يجوز تسجيله وَيبْطل إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْمُسْتَخْلف بِالْكَسْرِ قبل أَن يعْزل أَو يَمُوت. قَالَ: وَإِذا قُلْنَا لَا يسجل فَلهُ أَن يسمع الْبَيِّنَة وَيشْهد عِنْده الشُّهُود فِيمَا فِيهِ النزاع، وَيقبل من عرف مِنْهُم بعدالة وتعقد عِنْده المقالات، ثمَّ يرفع ذَلِك كُله إِلَى الْمُسْتَخْلف بِالْكَسْرِ لينفذه ويسجل بِهِ للمحكوم لَهُ الخ. وَقَول (ت) : وإلاَّ فَإِن كَانَ لعذر جَازَ الخ فِيهِ مَعَ قَوْله بعد فِي جِهَة بعد (ت) نظر لَا يخفى لِأَن الْعذر الَّذِي جَازَ مَعَه الِاسْتِخْلَاف اتِّفَاقًا من مطرف وَسَحْنُون هُوَ بعد الْجِهَات، وَاخْتِلَاف الكور الَّتِي لَا يلْزمه الدوران عَلَيْهَا وَلَا الجلب مِنْهَا. فَالصَّوَاب حذفه والاكتفاء بقوله فِي جِهَة بعد (ت) . الثَّانِي: إِن لم يكن للْمُدَّعِي حق لم تجب على الْمُدعى عَلَيْهِ الْإِجَابَة وَمَتى علم الْخصم بإعسار الْمَطْلُوب حرم عَلَيْهِ طلبه، وَإِن رَفعه إِلَى الْحَاكِم وَعلم أَنه يحكم عَلَيْهِ بجور لم تجب الْإِجَابَة وَتحرم حِينَئِذٍ فِي الدّماء والجروح وَالْحُدُود وَسَائِر الْعُقُوبَات الشَّرْعِيَّة، وَإِن دَعَاهُ إِلَى حق مُخْتَلف فِي ثُبُوته وخصمه يعْتَقد الثُّبُوت وَجَبت الْإِجَابَة وإلاَّ سَقَطت وَمَتى طُولِبَ بِحَق وَجب عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بالفور
стр. 56
لِأَن المطل ظلم ووقوف النَّاس عِنْد الْحُكَّام صَعب قَالَه الْقَرَافِيّ فِي الْقَوَاعِد، وَنَقله (ح) بأتم مِمَّا هُنَا، وَمحله وَالله أعلم إِذا كَانَ هُنَاكَ من يُعينهُ على الْحق ويتثبت فِي أمره، وَأما إِذا فقد ذَلِك كَمَا فِي زَمَاننَا الْيَوْم فَتجب الْإِجَابَة فِي الْجَمِيع لِئَلَّا يَقع فِيمَا هُوَ أعظم. وَمَنْ عَصَى الأمْر وَلَمْ يَحْضُرْ طُبِعْ عَليْهِ مَا يَهُمُّهُ كَيْ يَرْتَفَعْ (وَمن عصى) من الْخُصُوم (الْأَمر) أَي أَمر القَاضِي الَّذِي أرسل إِلَيْهِ أَو أَمر أمثل الْقَوْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِم وتغيب عَن مجْلِس الحكم (وَلم يحضر) فإمَّا أَن يكون لَهُ مَال ظَاهر أم لَا؟ فَإِن كَانَ الأول فَإِن القَاضِي يحكم عَلَيْهِ بِمَا ثَبت عِنْده من بَيِّنَة الطَّالِب ويعديه فِي مَاله الظَّاهِر، وَسَوَاء اختفى ببيته أَو لَا يدرى أَيْن هُوَ وَلَا ترجى لَهُ حجَّة إِن تغيب بعد اسْتِيفَاء حججه وَإِلَّا رجيت كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْله: وَمن أَلد فِي الْخِصَام وانتهج. الخ وَإِن لم يكن لَهُ مَال ظَاهر وَلم يختف فِي بَيته (طبع عَلَيْهِ مَا يهمه) شَأْنه مِمَّا لَا صَبر لَهُ عَنهُ كداره وحانوته (كي يرْتَفع) مَعَ خَصمه، وَصفَة الطَّبْع أَن يلصق شمعاً أَو عجيناً بِالْبَابِ ويطبع عَلَيْهِ بِطَابع فِيهِ نقش أَو كِتَابَة بِحَيْثُ إِذا فتحت الْبَاب تغير ذَلِك عَن حَاله، فَيعلم أَنه قد دَخلهَا فيفعل بِهِ مَا يَأْتِي من المناداة على بَابه وإرسال الْعُدُول أَو الهجم وَنَحْو ذَلِك، وَكَذَا إِن اختفى فِي بَيته وَثَبت ذَلِك، فَمنهمْ من يرى أَنه يخْتم على بَابه أَي يطبع عَلَيْهَا بِمَا ذكر أَيْضا وَيبْعَث رَسُولا ثِقَة وَمَعَهُ شَاهِدَانِ يُنَادي بحضرتهما ثَلَاثَة أَيَّام كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات: يَا فلَان ابْن فلَان القَاضِي فلَان يَأْمُرك بِحُضُور مجْلِس الحكم مَعَ خصمك وإلاَّ نصب لَك وَكيلا، فَإِذا فعل وإلاَّ نصب لَهُ وَكيلا وَسمع من شُهُود الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة وَقضى عَلَيْهِ إِلَى أَن يقدر على اسْتِخْرَاج المَال مِنْهُ، وَمِنْهُم من يرى أَن يهجم عَلَيْهِ، وَمِنْهُم من يرى أَن يُرْسل عَدْلَيْنِ ومعهما جمَاعَة من الخدم والنسوان والأعوان، فَتكون الأعوان بِالْبَابِ وَيدخل النسوان والخدم ويعزلن حرم الْمَطْلُوب فِي بَيت ويفتش الْمنزل بَغْتَة الْمنزل. هَكَذَا ذكر فِي الْبَيَان عَن ابْن شعْبَان قَالَ: إِذا توارى الْخصم وَأثبت الطَّالِب حَقه حكم عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ مَال ظَاهر، وَإِن لم يكن لَهُ مَال ظَاهر وَثَبت أَنه فِي منزله فَمنهمْ من يرى أَنه يخْتم على بَابه أَي الَّتِي هُوَ فِيهَا بالاستئجار
стр. 57
وَنَحْوه إِلَى آخر الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة، فَظَاهره أَن الطَّبْع إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يكن لَهُ مَال ظَاهر وَهُوَ خلاف إِطْلَاق النَّاظِم وَخلاف قَول الجزيري، وَإِن تغيب الْمُدعى عَلَيْهِ طبع القَاضِي على دَاره وَهُوَ أحسن من التسمير لِأَنَّهُ يفْسد الْبَاب، فَإِن لم يُفْسِدهُ سمّره بعد أَن يخرج مِنْهَا مَا فِيهَا من الْحَيَوَان وَبني آدم اه. فَظَاهره أَنه يطبع عَلَيْهِ وَلَو كَانَ لَهُ مَال ظَاهر، لَكِن مَا قَررنَا بِهِ هُوَ الملائم لقَوْله فِيمَا يَأْتِي: وَغير مستوف لَهَا ان استتر الخ، لِأَنَّهُ صَادِق بِمَا إِذا توارى بعد أَن جلس بَين يَدي القَاضِي مرّة فَمَا فَوْقهَا، وَبِمَا إِذا لم يجلس بَين يَدَيْهِ أصلا وَعَلِيهِ فَقَوْل النَّاظِم: طبع عَلَيْهِ مَا يهمه خَاص بِمَا إِذا لم يكن لَهُ مَال ظَاهر سَوَاء اختفى فِي بَيته على القَوْل الأول من الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة، أَو اختفى فِي غَيره وَلم يعلم الْمحل الَّذِي اختفى فِيهِ. وَالْحَاصِل أَن المتغيب إِذا ثَبت تغيبه وعصيانه، وَفِي مَعْنَاهُ الْمَرِيض والمحبوس يمتنعان من التَّوْكِيل يحكم عَلَيْهِ إِن طَال تغيبه بعد أَن يتلوم لَهُ بِالِاجْتِهَادِ سَوَاء تغيب من أول الْأَمر أَو بعد أَن أنشب الْخُصُومَة، وَسَوَاء قُلْنَا: إِن المتغيب يطبع عَلَيْهِ مُطلقًا كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم والجزيري أَو إِن لم يكن لَهُ مَال ظَاهر كَمَا هُوَ ظَاهر ابْن شعْبَان وَصَاحب الشَّامِل وَغَيرهمَا، لَكِن ترجى لَهُ الْحجَّة حَيْثُ لم يسْتَوْف حججه كَمَا يَأْتِي وَالله أعلم. وَنقل فِي التَّبْصِرَة عَن بَعضهم أَنه لَا ترجى لَهُ حجَّة عُقُوبَة لَهُ، وَظَاهره تغيب ابْتِدَاء أَو بعد نشب الْخُصُومَة، وَمن هَذَا الْمَعْنى أحد الشَّرِيكَيْنِ يطْلب صَاحبه بِالْقِسْمَةِ ويتغيب الآخر فَإِن القَاضِي يُوكل من يقسم عَنهُ بعد أَن يفعل بِهِ مَا مر. تَنْبِيه: قَالَ فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة: وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن لَا يقبل قَول الرَّسُول فِي تغيب الْمَطْلُوب حَتَّى يكْشف وَيسْأل، وَفِي الْمُفِيد: من استهان بدعوة القَاضِي وَلم يجب ضرب أَرْبَعِينَ. الْمَاوَرْدِيّ وَابْن الفخار: ويجرح إِن كَانَ عدلا لقَوْله تَعَالَى: إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ (النُّور: ١٥) . وَأُجْرَةُ العَوْنِ على صاحِبِ حَقْ ومَنْ سِواهُ إنْ أُلَدَّ تُستَحَق (وَأُجْرَة العون) الجالب للخصم إِذا لم يرْزق من عِنْد القَاضِي وَلَا من بَيت المَال الَّذِي هُوَ الأَصْل فِيهَا كنظائرها من أرزاق الْقُضَاة والقاسمين وَنَحْوهم (على طَالب حق) فيتفق مَعَ العون عَلَيْهَا بِمَا يرَاهُ إِلَّا أَن يثبت لدد الْمَطْلُوب بالطالب، وَأَنه امْتنع من الْحُضُور بعد أَن دَعَاهُ إِلَيْهِ بطابعه كَمَا مرّ فِي قَوْله: فالكتب كَاف الخ. فَلم يجب فالأجرة على الْمَطْلُوب كَمَا قَالَ: (وَمن سواهُ إِن أَلد) أَي اشتدت خصومته بمطله وامتناعه من الانقياد إِلَى الْحق (تسْتَحقّ) هِيَ أَي الْأُجْرَة قَالَه ابْن الْعَطَّار وَاللَّخْمِيّ وَغَيرهمَا. وانتقده ابْن الفخار بِأَنَّهُ لَا يعلم فِي الشَّرْع ذَنْب يُبِيح مَال مُسلم إِلَّا
стр. 58
الْكفْر. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما تسبب بامتناعه فِي إِتْلَاف الْأُجْرَة على الطَّالِب توجه الْغرم عَلَيْهِ كَمَا قَالُوهُ فِي مدية حَتَّى تلف المذكي، وَمثل أُجْرَة العون أُجْرَة السجان لِأَن اللدد فِيهِ أبين قَالَه (ق) : (قلت) : وَهَذَا تبين أَنه سجن فِي حق كَمَا يَأْتِي الخ. تَنْبِيهَات. الأول: قَول النَّاظِم: إِن أَلد ظَاهر فِي أَنه ثَبت لدده ومطله، وَقد فصل ابْن الشماع فِي ذَلِك فَقَالَ: إِن كَانَ الْحق جلياً وَالْمَطْلُوب بِهِ مَلِيًّا وَالْحَاكِم الْمَدْعُو إِلَيْهِ من حكام الْعدْل، فَالصَّوَاب إغرامه حَيْثُ لَا عذر لَهُ فِي التَّخَلُّف، وَإِن كَانَ لَهُ عذر ظَاهر فِي التَّخَلُّف من غرم أَو يخَاف أَن يسجن وَلَا يعرف عَدمه أَو كَانَ طَالبه مؤاخذاً لَهُ بِشَهَادَة زور مثلا أَو كَانَ الْحَاكِم مثلا من حكام الْجور. وَنَحْو ذَلِك، فَلَا غرم عَلَيْهِ وَإِن لم تعرف حَقِيقَة الْأَمر فِي ذَلِك، فَالْأَصْل عصمَة مَال الْمُسلم فَلَا يُبَاح بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكّ إِذْ لَا يرْتَفع الْيَقِين إِلَّا بِالْيَقِينِ اه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي أقضية المعيار عَن القباني فِيمَن سجن فِي تُهْمَة دم أَو سَرقَة وَلم يثبت عَلَيْهِ مَا يُوجب غرماً وَلَا قوداً أَن أُجْرَة السجان على مدعي الدَّم وَالسَّرِقَة، وَعَلِيهِ فَلَا تجب الْأُجْرَة على الْمَطْلُوب حَتَّى يثبت لدده بِثُبُوت مَا يَدعِيهِ الطَّالِب فتوقف ابْن رحال فِي ذَلِك قُصُور، وَانْظُر آخر أقضية المعيار فقد ذكر فِيهَا نَظَائِر من ذَلِك: أُجْرَة الأمينة وَأُجْرَة الْمُقَوّم فِي البيع الْفَاسِد قَالَ: هِيَ على الطَّالِب وَلَيْسَت على البَائِع فِي الْفَاسِد. الثَّانِي: قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَيجب أَن يكون أعوان القَاضِي فِي زِيّ الصَّالِحين فَإِنَّهُ يسْتَدلّ على الْمَرْء بِصَاحِبِهِ وَغُلَامه، وَيَأْمُرهُمْ بالرفق واللين فِي غير ضعف وَلَا تَقْصِير، وَيَنْبَغِي أَن يُخَفف مِنْهُم مَا اسْتَطَاعَ وَإِن اسْتغنى عَن اتخاذهم كَانَ أحسن. الْمَازرِيّ: كل من يَسْتَعِين بِهِ القَاضِي لَا يكون إلاَّ ثِقَة مَأْمُونا لِأَنَّهُ قد يخَاف عَلَيْهِ من النسوان إِذا احتجن إِلَى الْخِصَام. الثَّالِث: المطل: هُوَ تَأْخِير الدّفع عِنْد اسْتِحْقَاق الْحق وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا ترد بِهِ الشَّهَادَة كَمَا قَالَ (خَ) عاطفاً على المبطلات ومطل لِأَن النَّبِي ﷺ سَمَّاهُ ظلما فِي قَوْله: (مطل الْغَنِيّ ظلم) وَخَصه بالغني دون الْمُعسر لقَوْله تَعَالَى: وَإِن كَانَ ذُو عسرة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٠) الْآيَة. وَفِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ: (مطل الْوَاجِد يحل عرضه وعقوبته) . فعرضه المتظلم مِنْهُ يَقُول: مطلني وظلمني، وعقوبته سجنه حَتَّى يُؤَدِّي.
стр. 59
(فصل فِي مسَائِل)
جع مَسْأَلَة: وَهِي كَمَا فِي الْمحلى مَطْلُوب خبري يبرهن عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعلم (من الْقَضَاء) من تِلْكَ الْمسَائِل قَوْله: وَلَيْسَ بالجَائِزِ لِلقاضي إذَا لَمْ يَبْدُ وَجْهُ الحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَا (وَلَيْسَ بالجائز للْقَاضِي إِذا. لم يبد) يظْهر (وَجه الحكم) كنهه وَحَقِيقَته (أَن ينفذا) الحكم على أحد الْخَصْمَيْنِ لِأَن الحكم مَعَ عدم تبين وَجهه حدس وتخمين، وَهُوَ مِمَّا ينْقض فِيهِ حكم الْحَاكِم. وَلَو وَافق الصَّوَاب فِي ظَاهره كَمَا فِي ابْن شَاس وَغَيره، وَحِينَئِذٍ فَإِن لم يبين وَجهه من جِهَة عدم تصَوره كَلَام الْخَصْمَيْنِ أَمرهمَا بِالْإِعَادَةِ ليفهم عَنْهُمَا صَرَاحَة لَا تَلْوِيحًا. قَالَ عِيَاض عِنْد قَوْلهَا: إِذا أدلى الخصمان بحجتيهما، وَفهم القَاضِي عَنْهُمَا الخ مَا نَصه: مُرَاده بفهم القَاضِي عَنْهُمَا تحَققه مَا سمع مِنْهُمَا دون احْتِمَال لَا أَنه فهم من معرض كَلَامهمَا ولحن خطابهما لَيْسَ هَذَا مِمَّا تُقَام الْأَحْكَام بِهِ اه. وَنَحْوه فِي المعيار عَن الْمَازرِيّ وَعَلِيهِ عول فِي اللامية حَيْثُ قَالَ: وفكرك فرغ واطلب النَّص وافهمن فَبعد حُصُول الْفَهم قطعا لتفصلا وَسَيَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم وَقَول سَحْنُون بِهِ الْيَوْم الْعَمَل الخ: أَن القَاضِي لَا يحكم بِمَا سَمعه من أحد الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسه دون إِشْهَاد عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف يحكم بِمَا فهمه عَنْهُمَا؟ قَالَ ابْن مُحرز: مَا فهمه عَنْهُمَا يَقُول مقَام مَا سَمعه، وَالْخلاف جَار على جَوَاز الشَّهَادَة بالفهم، وَثَالِثهَا أَن يبين شَهَادَته بالفهم لَا بالتصريح ابْن نَاجِي وَالْعَمَل على قبُولهَا قَالَ: وَبهَا حكم ابْن عبد السَّلَام فِي مَال مُعْتَبر اه. وَنقل الْخلاف الْمَذْكُور الشَّارِح فِي فصل الْإِعْذَار وَقَالَ بعده مَا حَاصله: إِنَّه لَا يبعد أَن يفرق بَين الحكم وَالشَّهَادَة فَإِن الضَّرُورَة تَدْعُو إِلَى الشَّهَادَة بالفهم وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى إِنْفَاذ الحكم دون تَحْقِيق الْفَهم على الْخَصْمَيْنِ اه. قلت: وَهُوَ ظَاهر وَلَا سِيمَا على مَا يَأْتِي فِي الْبَيْت الْمَذْكُور. نعم يكون شَاهدا بِمَا فهمه عَنْهُمَا على القَوْل بجوازها بالفهم وَالله أعلم. وَإِن لم يبد لكَونه لم يقف على أصل النَّازِلَة فِي كتاب وَلَا سنة وَلَا غير ذَلِك أَو شكّ هَل هِيَ من أصل كَذَا أَو أصل كَذَا أَو تجاذبها أصلان وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا؟ شاور أهل الْعلم فِي هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة أَو صرفهما إِلَى من هُوَ أعلم مِنْهُ وجوبا فَإِن بَقِي الْإِشْكَال على حَاله بعد المشورة أَو لم يجد من يشاوره فَهُوَ قَوْله:
стр. 60
والصُّلْحُ يَسْتَدْعِي لهُ إنْ أشْكَلَا حُكْم وإنْ تَعَيَّنَ الحَقُّ فَلَا (وَالصُّلْح يَسْتَدْعِي لَهُ إِن أشكلا. حكم) أَي دَامَ إشكاله بعد الْمَشْهُورَة، وَأمكن الصُّلْح فِيهِ لَا فِيمَا لَا يُمكن كَطَلَاق. وَقيل: إِذا تجاذب النَّازِلَة أصلان وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا عِنْده وَلَا عِنْد غَيره من المشاورين تخيّر فِي الحكم بِأَيِّهِمَا شَاءَ قِيَاسا على تعَارض الْحَدِيثين دون تَارِيخ (وَإِن تعين الْحق) وَلَو بمشورة أَو سُؤال (فَلَا) يَدْعُو إِلَيْهِ (خَ) وَلَا يَدْعُو للصلح إِن ظهر وَجهه أَي لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن حطيطة لبَعض الْحق، الْبُرْزُليّ: فَإِن جبرهما على الصُّلْح حِينَئِذٍ فَهُوَ جرحة فِيهِ. قَالَ مَالك: وَلَا أرى للوالي أَي بعد تبين الْحق أَن يلح على أحد الْخَصْمَيْنِ أَو يعرض عَن خصومته لأجل أَن يُصَالح اه. فَإِن دَعَا فِي الْغَرَض الْمَذْكُور فَلَا بُد أَن يبين لصَاحب الْحق أَن الْقَضَاء أوجب لَهُ حَقه وإلاَّ فَلَا يلْزمه الصُّلْح وَله الْقيام لِأَن القَاضِي قد دلّس عَلَيْهِ وجار وَالْقَوْل قَوْله فِي عدم الْبَيَان كَمَا يفهم من جَوَاب لِابْنِ لب نَقله اليزناسي فِي عُيُوب الزَّوْجَيْنِ. وَقَالَ عقبه: إِن بعض الْقُضَاة يحكم بالجور أَو الْجَهْل فيظن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بجهله أَو لعدم النَّاصِر للحق أَن ذَلِك لَازم لَهُ فيصالح أَو يرضى بِالْيَمِينِ أَو يلْتَزم الْأَدَاء وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ فِي ذَلِك كُله مُضْطَر مغرور بِحكم القَاضِي فَإِذا سَأَلَ أَو وجد من ينصره وأعيد النّظر يَقُول النَّاظر فِيهَا: إِنَّك رضيت الْيَمين أَو صالحت أَو التزمت وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يسْقط حَقه قَالَ: وَكنت أستعظم ذَلِك وأتمنى الِاطِّلَاع فِيهِ على نَص حَتَّى وقفت على هَذَا الْجَواب يَعْنِي جَوَاب ابْن لب المتضمن لعدم لُزُوم شَيْء من ذَلِك اه. قلت: وَهَذَا مَفْهُوم من قَول (خَ) وَغَيره فَلَا يحل لظَالِم. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا شهد الْعَالم فِي شَيْء عِنْد القَاضِي فأعياه الحكم فِيهِ فَلَا يستشيره فِيمَا شهد فِيهِ قَالَه سَحْنُون أَي لِأَنَّهُ يتهم فِي فتواه بِمَا يمْضِي شَهَادَته، وَقيل: إِنَّه لَا بَأْس باستشارته فِي ذَلِك وَفِي أقضية المعيار أَن الْخصم إِذا طلب إِحْضَار أهل الْعلم لأجل الحكم عَلَيْهِ أَو لَهُ فَلَيْسَ للخصم فِيهِ مدْخل، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى القَاضِي قَالَ: وللقاضي أَن يمْتَنع من الحكم إِن رأى دُخُول ضَرَر عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ. الثَّانِي: إِذا كَانَ القَاضِي عدلا فِي أَحْوَاله بَصيرًا فِي قَضَائِهِ فَلَا يقبل الْأَمِير شكوى من شكاه وَلَا يجلس الْفُقَهَاء للنَّظَر فِي أَحْكَامه، وَذَلِكَ خطأ مِنْهُ إِن فعله. وَمن الْفُقَهَاء، إِن تابعوه على ذَلِك وَإِن كَانَ عِنْده مُتَّهمًا أَو جَاهِلا فليعزله، فَإِن جهل الْأَمِير فأجلس الْفُقَهَاء للنَّظَر فِي أَحْكَام الْعدْل وجهلوهم أَيْضا أَو أكْرهُوا ففسخوا أَحْكَامه أَو بَعْضهَا، فَلِمَنْ تولى بعد ذَلِك النّظر فيمضي مَا كَانَ صَوَابا مُوَافقا للمشهور أَو الْمَعْمُول بِهِ وينقض مَا عداهُ إِن كَانَ حكم القَاضِي
стр. 61
الأول أَو الْفُقَهَاء وَإِن أَمرهم بتصفح أَحْكَام الْمُتَّهم جَازَ لَهُم وَنَقَضُوا مَا لَيْسَ بصواب، فَإِن اخْتلف الْفُقَهَاء فَلَا ينظر إِلَى قَول أَكْثَرهم وَلَكِن ينظر فِي وَجه أَحْكَام الِاخْتِلَاف فَمَا رَآهُ صَوَابا قضى بِهِ، وَكَذَا القَاضِي إِذا اخْتلف عَلَيْهِ المشاورون. ابْن عبد الْبر فِي كافيه: وَلَا يجوز لَهُ أَن يشاور وَهُوَ جَاهِل لَا يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل لِأَنَّهُ إِذا أُشير عَلَيْهِ وَهُوَ جَاهِل بِحكم لم يعلم هَل حكم بِحَق أَو بَاطِل اه. وَنَقله ابْن سَلمُون وَغَيره، وَهَذَا فِي الْعَاميّ الصّرْف كَمَا تقدم أول الْبَاب، وَإِلَى ذَلِك كُله أَشَارَ (خَ) بقوله: ونبذ حكم جَائِر أَو جَاهِل لم يشاور أَي: وَلَو وَافق كل مِنْهُمَا الْحق فِي ظَاهر الْأَمر وَلم تعلم صِحَة الْبَاطِن، فَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ صِحَة بَاطِنه فَلَا ينْقض وإلاّ تعقب وأمضى غير الْجور وَلَا يتعقب حكم الْعدْل الْعَالم قَالَ فِي المعيار عَن ابْن الْحَاج: وَالَّذِي يشاور من أهل الْعلم العابد الْخَيْر الدّين الْوَرع الْعَالم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وبأحكام من مضى الْعَارِف باللغة ومعاني الْكَلَام الموثوق بِدِينِهِ لَا يمِيل إِلَى هوى وَلَا طمع، وَقَالَ قبل ذَلِك: وَمَا أفتى مَالك حَتَّى استفتاه أَرْبَعُونَ محنكاً، والتحنك اللثام تَحت الحنك لِأَنَّهُ شعار الْعلمَاء فِي الْقَدِيم. مَا لَمْ يَخف بِنافِذِ الأحْكامِ فِتْنَةً أَو شَحْناً أُولِي الأرْحام (مَا لم يخف بنافذ الْأَحْكَام) . أَي بتنفيذها (فتْنَة) بَين الْخَصْمَيْنِ من قتل وَنَحْوه، فَيجب حِينَئِذٍ الْأَمر بِالصُّلْحِ وَلَو تبين الْحق لأَحَدهمَا قَالَه اللَّخْمِيّ (أَو شحنا) بِالْمدِّ وقصره ضَرُورَة أَي الْعَدَاوَة والبغضاء. (أولي الْأَرْحَام) أَو أولي الْفضل فَينْدب الْأَمر بِالصُّلْحِ فِي هذَيْن وَلَا يجب لقَوْل عمر بن الْخطاب ﵁: رددوا الحكم بَين ذَوي الْأَرْحَام حَتَّى يصطلحوا فَإِن فصل الْقَضَاء يُورث الضغائن وأولو الْفضل كذي الرَّحِم، فقد ترافع إِلَى سَحْنُون رجلَانِ من أهل الْعلم فَأبى أَن يسمع مِنْهُمَا وَقَالَ لَهما: استرا على أنفسكما وَلَا تطلعاني على مَا ستره الله عَلَيْكُمَا. اللخميّ: وَالصُّلْح بَين الْأَقَارِب حق وَإِن تبين لأَحَدهمَا أَو لَهما وَعَلِيهِ اقْتصر شرَّاح الْمَتْن، ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يرددهم أَكثر من مرَّتَيْنِ إِن طمع فِي الصُّلْح بَينهمَا كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَابْن سَلمُون قَالَا: وَعَن بَعضهم أَن قَول عمر ﵁: رددوا الحكم مَحْمُول على مَا إِذا لم يتَبَيَّن الْحق لأَحَدهمَا، وإلاَّ فَلَا يَنْبَغِي عدم إِنْفَاذه، وَقَول (ق) عَن ابْن حجر اسْتحبَّ الْجُمْهُور من غير الْمَالِكِيَّة للْحَاكِم أَن يُشِير بِالصُّلْحِ أَي بَين الْأَقَارِب والأرحام وَغَيرهمَا، وَإِن ظهرا الْحق الخ. مَعْنَاهُ وَالله أعلم بعد أَن يبين لمن وَجب لَهُ الْحق أَن الْحق لَهُ، وإلاَّ فَيمْنَع لِأَنَّهُ مُدَلّس بكتمانه ظُهُور الْحق لرَبه
стр. 62
معِين على أكل الْأَمْوَال بِالْبَاطِلِ، وَلَا يحل مَال امرىء إِلَّا عَن طيب نفس ابْن عَاتٍ: إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يَأْمر بِالصُّلْحِ إِذا تقاربت الحجتان بَين الْخَصْمَيْنِ غير أَن أَحدهمَا أَلحن بحجته من الآخر أَو تكون الدَّعْوَى فِي أُمُور تشابهت وتقادمت، وَأما إِن تبين الْحق فَلَا يَسعهُ إِلَّا فصل الْقَضَاء. وَخَصْم إنْ يَعْجِزْ عَن الْقاءِ الحُجَجْ لمُوجِبٍ لُقِّنَها وَلَا حَرَج (وخصم) طَالبا كَانَ أَو مَطْلُوبا (أَن يعجز عَن إِلْقَاء الْحجَج) أَي بثها وتبيينها للْقَاضِي (لموجب) من غَفلَة أَو بله أَو دهش (لقنها) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر عَن قَوْله: خصم وسوغ الِابْتِدَاء بِهِ وُقُوع الشَّرْط بعده لِأَنَّهُ وصف فِي الْمَعْنى، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب مفعول ثَان، وَالْمَفْعُول الأوّل ضمير يعود على الْخصم. أَي: لقن القَاضِي الْخصم إِيَّاهَا على الْمَشْهُور خلافًا لسَحْنُون. قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَصُورَة ذَلِك أَن يَقُول للخصم: يلزمك على قَوْلك كَذَا وَكَذَا، فيفهم خَصمه حجَّته وَلَا يَقُول لمن لَهُ الْمَنْفَعَة قل لَهُ كَذَا. ابْن عبد الحكم: لَا بَأْس أَن يلقنه حجَّة لَا يعرفهَا. ابْن الْمَاجشون: يَنْبَغِي للْقَاضِي تَنْبِيه كل خصم على تَقْيِيد مَا ينْتَفع بِهِ من قَول خَصمه إِن غفل (وَلَا حرج) عَلَيْهِ فِي التَّلْقِين الْمَذْكُور، بل ذكر ابْن يُونُس فِي ذَلِك حَدِيثا: من ثبَّت غبياً فِي خُصُومَة حَتَّى يثبتها ثَبت الله قدمه يَوْم تزل الْأَقْدَام اه. وَقد يُقَال: إِن التَّلْقِين وَاجِب إِذا كَانَ الْخصم جَاهِلا ضَعِيفا عَنْهَا هَذَا هُوَ الظَّاهِر، وإلاَّ فَكيف يحكم عَلَيْهِ بِحجَّة صَاحبه وحجته صَحِيحَة إِلَّا أَنه لضعف عقله لم يبينها قَالَ ابْن رحال (خَ) فَإِن أقرّ فَلهُ الْإِشْهَاد عَلَيْهِ وللحاكم تنبيهه عَلَيْهِ الخ. ابْن عَرَفَة: فَإِذا ظن القَاضِي أَن الْمَعْذُور إِلَيْهِ يجهل مَا يسْقط عَنهُ الْحجَّة نبهه الْحَاكِم على مَا يُسْقِطهَا اه. نعم يمْتَنع على القَاضِي وَغَيره تلقين الْفُجُور وَهُوَ جرحة فِيمَن فعله فَقِيها كَانَ أَو غَيره، وَيضْرب على يَدَيْهِ ويشهر فِي الْمجَالِس، وَقد فعله بعض قُضَاة قرطبة لكبير من الْفُقَهَاء بمشورة أهل الْعلم وَلَيْسَ مِنْهُ قَول الْمُفْتِي لمعلق الثَّلَاث مثلا خَالعهَا قبل الْفِعْل وَلَك مراجعتها بعده وَلَا يلزمك إِلَّا وَاحِدَة كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: فَلَو فعلت الْمَحْلُوف عَلَيْهِ حَال بينونتها لم يلْزم الخ. لِأَن هَذَا وَمثله لَيْسَ من الْفُجُور. وَفِي (ق) عَن ابْن علوان أَنه قَالَ لامْرَأَة عسر عَلَيْهَا التَّخَلُّص من زَوجهَا الَّذِي أَسَاءَ عشرتها: ادعِي عَلَيْهِ أَن بداخل دبره برصاً فادعت ذَلِك فَحكم بِأَن ينظر إِلَى ذَلِك الْمحل، فَلَمَّا رأى زَوجهَا ذَلِك طَلقهَا الْبُرْزُليّ: وَهَذَا التحيل إِن ثَبت عِنْده أَنَّهَا مظلومة فالفتوى بِهِ سَائِغَة وإلاَّ فَهُوَ من تلقين الْخصم القادح فِي الْعَدَالَة. وَالْحَاصِل إِن علم مِنْهُ الْمُفْتِي قصد التحيل للفجور فإفتاؤه بِمَا يوصله إِلَيْهَا وتنبيهه عَلَيْهَا من التَّلْقِين الْمَمْنُوع وَإِن لم يعلم قَصده أصلا أما إِن كَانَ قَصده إِلَى رفع الظُّلم عَنهُ أَو إِلَى الْخُرُوج من ورطة يَمِين وَقع فِيهَا فالإفتاء مَشْرُوع أَو وَاجِب لِأَن تَركه من الكتمان بل فِي ضيح: إِن القَاضِي
стр. 63
يُعلمهُ بالتجريح إِن كَانَ مِمَّن يجهله وَسَوَاء كَانَ ذَلِك قبل الْخِصَام فِيمَا فِيهِ خصام أَو بعده فَقَوْل الشَّيْخ مس ﵀: مَا يَفْعَله الْمفْتُون الْيَوْم من الْإِفْتَاء قبل الْخِصَام إِنَّمَا هُوَ من التَّلْقِين الْمَمْنُوع لِأَنَّهُ يستفتي لينْظر هَل الْحق لَهُ أَو عَلَيْهِ فيحتال على إِبْطَاله الخ. صَحِيح إِن علم الْمُفْتِي بِقَصْدِهِ للتحيل الْمَذْكُور وَالله أعلم. وَقَوله قبل ذَلِك الْإِفْتَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْر الأول بعد تسجيل القَاضِي الحكم الخ. مَبْنِيّ على أَن الْإِعْذَار لَا يكون إلاَّ بعد الحكم، وَالْمَشْهُور أَنه قبله كَمَا يَأْتِي وَلَا معنى للإعذار حِينَئِذٍ إِلَّا سُؤال أهل الْعلم عَن فُصُول الْوَثِيقَة وشروطها أَو تجريح شهودها وَنَحْو ذَلِك، وَفهم من قَول النَّاظِم: وخصم الخ، إِن الشَّاهِد إِذا غلط فِي شَهَادَته لَا يلقن. قَالَ فِي التَّبْصِرَة: إِذا غلط الشَّاهِد فِي نَص الشَّهَادَة فعلى القَاضِي أَن يَأْمر الْخَصْمَيْنِ بِالْإِعْرَاضِ عَنهُ لَا الْمُدَّعِي بتلقين وَلَا الْمُدعى عَلَيْهِ بتوبيخ، فَإِن فعل أَحدهمَا ذَلِك بعد النَّهْي أَمر بأدبه. وَكَانَ سَحْنُون إِذا غلط الشَّاهِد عِنْده أعرض عَنهُ وَأمر الْكَاتِب أَن لَا يكْتب وَرُبمَا قَالَ لَهُ: تثبت ثمَّ يردده، فَإِذا ثَبت على شَهَادَته أَمر كَاتبه بكتب لفظ شَهَادَة من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان. ومُنِعَ الإفْتاءُ لِلحُكَّامِ فِي كلِّ مَا يَرجِعُ لِلْخِصامِ (وَمنع الْإِفْتَاء للحكام) مُتَعَلق بالإفتاء أَو بِمَنْع، وَاللَّام بِمَعْنى من على كل حَال (فِي كل مَا) شَيْء (يرجع للخصام) فِيهِ بَين يَدَيْهِ من أَبْوَاب الْمُعَامَلَات لِأَن الْخصم إِذا عرف مَذْهَبهم تحيل إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ أَو الِانْتِقَال عَنهُ وَمَا ذكره من الْمَنْع هُوَ أحد الْأَقْوَال ومحلها فِيمَا إِذا كَانَ مُجْتَهدا أَو مُقَلدًا. وَفِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ متساويان مثلا وإلاَّ فَيجوز لِأَنَّهُ محجر عَلَيْهِ فِي الحكم بِغَيْر الْمَشْهُور كَمَا مرّ، وَفِيمَا قبل الْجُلُوس بَين يَدَيْهِ وإلاَّ فَهُوَ مَا قبله فَلَا مُعَارضَة بَين الْبَيْتَيْنِ، وَفِيمَا يُمكن فِيهِ الْخِصَام بَين يَدَيْهِ كَمَا قَررنَا لَا أَن سُئِلَ عَن ذَلِك من خَارج ولَايَته أَو من بعض الكور أَو على يَدي عماله أَو كَانَ لَا يرجع للخصام كالعبادات فَلَا يكره وَلَا يمْنَع وَمُقَابل الْمَنْع الْكَرَاهَة لمَالِك وَهُوَ الْمَشْهُور، وَالْجَوَاز لِابْنِ عبد الحكم وَبِه الْعَمَل قَالَ ناظمه: وشاع إِفْتَاء الْقُضَاة فِي الْخِصَام مِمَّا يُغير حكمهم لَهُ قوام وَمَفْهُوم للحكام أَن غَيرهم لَهُ الْإِفْتَاء مُطلقًا وَهُوَ كَذَلِك. ابْن الْعَرَبِيّ: الْمصلحَة أَن تكون الْفَتْوَى مُرْسلَة وَلَا تكون الشَّهَادَة إِلَّا إِن ولاه القَاضِي لِأَن الْمُفْتِي إِذا زاغ فضحه الْعلم (ق) : إِن كَانَ الْقُضَاة مولين بالجاه لَا بالمرجحات الشَّرْعِيَّة ففتوى الْمُفْتِينَ حِينَئِذٍ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَفِي الْبُرْزُليّ وَنَحْوه فِي المعيار: لَا يَنْبَغِي للفقيه المقبول القَوْل أَن يكْتب للقضاة بِمَا
стр. 64
يَفْعَلُونَ إِلَّا أَن يسْأَلُوا لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الأنفة المؤذية، قَالَ: وَقد أدْركْت بعض شُيُوخنَا إِذا ورد عَلَيْهِم سُؤال فِيهِ حكم قَاض من بعض الكور يردهُ حَتَّى يبْعَث إِلَيْهِ قاضيه اه. قلت: وَهَذَا إِذا كَانَ مِمَّن توفرت فِيهِ شُرُوط الْقَضَاء لِأَنَّهُ مَحْمُول حِينَئِذٍ على أَنه استقصى الْوَاجِب فِي ذَلِك وإلاّ فَهِيَ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا مرّ. وَرَأَيْت فِي اخْتِصَار الونشريسي للبرزلي مَا نَصه: لَا يجوز للْقَاضِي إِقَامَة الْمُفْتِي ليستفتيه وَإِنَّمَا يقيمه أهل الْحل والربط وهم الْفُقَهَاء قَالَه الْمَازرِيّ اه. وَهُوَ ظَاهر لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان، وَفِي نَوَازِل التَّمْلِيك من المعيار أَن فَقِيه سوسة أَتَى الرّبيع المزدغي بفتوى من قَالَ: الْحَلَال عَلَيْهِ حرَام بِلُزُوم الْوَاحِدَة، وَأمر حَاكم الْبَلَد أَن يحكم بذلك ليتحصن بِحكم الْحَاكِم، وَحمله على ذَلِك كَون الرجل لَهُ أَوْلَاد من زَوجته، فَبلغ الْخَبَر إِلَى أبي الْقَاسِم فَأفْتى بِنَقْض الحكم وإلزامه الثَّلَاث قَائِلا لَا يعْتَبر من قُضَاة الْوَقْت إِلَّا الحكم بالمشهور، وَلَا يعول إِلَّا على مفتي تونس بإفريقية. قيل: هَذَا تعسف مِنْهُ بل كل من يعرف الْعلم وَإِن كَانَ فِي بادية يعول على فتواه إِذا رَآهُ النَّاس أَهلا لذَلِك كَهَذا الشَّيْخ المزدغي نفع الله بِعِلْمِهِ وَعَمله. قلت: أَي قَالَ صَاحب المعيار: حكى الأصوليون الْإِجْمَاع على استفتاء من علم بِالْعلمِ وَالْعَدَالَة، وَقد انْتهى الْأَمر فِي هَذِه الْأَزْمِنَة إِلَى خرق هَذَا الْإِجْمَاع وقصرها على جهلة لمُجَرّد الرياسة والجاه وحسيبهم الله اه. قلت: قد انْتهى الْأَمر فِي زَمَاننَا هَذَا فِي حُدُود الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَالْألف وَقبل ذَلِك بسنين إِلَى قطعهَا بِالْكُلِّيَّةِ مُوَافقَة لأغراض جهلة الْقُضَاة ويعللون ذَلِك بِأَن فِي إرسالها تشويشاً عَلَيْهِم فِي الْأَحْكَام، وَمَا ذَاك إِلَّا ليتوصلوا للأغراض الْفَاسِدَة من تَمام الرياسة وَعدم نقض أحكامهم المؤسسة على الحدس والتخمين، وإلاَّ فالمفتي إِن صَادف الصَّوَاب بفتواه وإلاَّ ألغيت وطرحت فَأَي تشويش فِيهَا؟ فَبَقيَ النَّاس يموج بَعضهم فِي بعض فتأتي النَّوَازِل من سوس الْأَقْصَى وَغَيرهَا وَلَا يَجدونَ من يكْتب لَهُم حرفا وَاحِدًا لَا من الْقُضَاة لغَلَبَة جهلهم وَلَا من غَيرهم للتحجير عَلَيْهِم من الإِمَام مَعَ أَنَّهَا فرض كِفَايَة كالقضاء، فَهَذَا من أفظع الْأَمر الَّذِي لَا يحل السُّكُوت عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١) الْآيَة. فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. وَفي الشُّهُودِ يَحْكُمُ القَاضِي بِما يَعْلَمُ مِنْهُمْ باتِّفاقِ العُلَمَا (وَفِي الشُّهُود) : يتَعَلَّق بقوله: (يحكم القَاضِي) وَكَذَا قَوْله: (بِمَا يعلم مِنْهُم) من تَعْدِيل أَو تجريح إِجْمَاعًا وَعَلِيهِ فَلَا تحْتَاج لدَلِيل لِأَن الْإِجْمَاع لَا بُد لَهُ من دَلِيل يسْتَند إِلَيْهِ وَإِن لم نطلع عَلَيْهِ، وَقيل لغَلَبَة شهرة الْعَدَالَة وَالتَّجْرِيح عِنْد النَّاس فضعفت التُّهْمَة، وَقيل: لَو لم يسْتَند لعلمه فيهمَا لافتقر لمعدلين آخَرين فيتسلسل. وَتعقب بانقطاعه بِمَشْهُور الْعَدَالَة. وَأجِيب: بِأَن انْقِطَاعه بذلك نَادِر وَالتَّعْلِيل الثَّانِي أظهر لما يَأْتِي، وَظَاهر النّظم أَنه يعْمل على مَا علم من التجريح وَلَو عدله آخَرُونَ وَهُوَ كَذَلِك (بِاتِّفَاق العلما) إِلَّا ابْن الْمَوَّاز قَالَ: تقدم بَيِّنَة التَّعْدِيل على علمه بالتجريح،
стр. 65
ورده ابْن عبد الْبر بِالْإِجْمَاع إِلَّا أَن يطول زمن مَا بَين علمه بجرحته وَبَين الشَّهَادَة بتعديله فَيعْمل على التَّعْدِيل قَالَه أصبغ وَابْن عَبدُوس عَن ابْن الْقَاسِم، وَأما الْعَكْس وَهُوَ أَن يعلم الْعَدَالَة ويجرحه آخَرُونَ، فَالْحق أَنه لَا يعْمل فِيهِ على علمه لِأَن غَيره علم مَا لم يُعلمهُ إِلَّا أَن يتَحَقَّق نفي السَّبَب الَّذِي جرحوه بِهِ كَمَا لَو جرحوه بِشرب الْخمر وَقت كَذَا وَهُوَ يعلم أَنه أكره عَلَيْهِ (خَ) بِخِلَاف الْجرْح وَهُوَ الْمُقدم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يشْهد بِمَا علمه مِنْهُم عِنْد غَيره كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَكَذَا يسْتَند للشهرة بالجرحة وَالْعَدَالَة، فقد شهد ابْن أبي حَازِم عِنْد قَاضِي الْمَدِينَة فَقَالَ: أما الِاسْم فاسم عدل، وَلَكِن من يعرف أَنَّك ابْن أبي حَازِم. ابْن عَرَفَة: شهد البرقي فَقِيه المهدية فِي مسيره لِلْحَجِّ عِنْد قَاضِي الاسكندرية، فَلَمَّا قَرَأَ اسْمه قَالَ: أَنْت البرقي فَقِيه المهدية؟ قَالَ: نعم فكلف الْمَشْهُود لَهُ الْبَيِّنَة على أَنه هُوَ وَحكم بِشَهَادَتِهِ دون طلب تعديله، ثمَّ مَحل كَلَام النَّاظِم مَا لم يقر الْخصم بعدالة الشَّاهِد، وإلاّ فَيحكم عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ وَلَو علم جرحته أَو شهِدت الْبَيِّنَة بهَا خلافًا لأصبغ وَسَوَاء أقرّ بهَا قبل الْأَدَاء أَو بعده لِأَن إِقْرَاره بِالْعَدَالَةِ كَالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ، فَفِي الْبُرْزُليّ: إِن بَعضهم كَانَ إِذا شهد عِنْده من لَا يرتضيه يتلطف فِي رد شَهَادَته وَالْعَمَل بِإِقْرَار الْمَطْلُوب فَيَقُول: مَا تَقول فِي شَهَادَة فلَان. فَيَقُول؟ هُوَ عِنْدِي صَادِق أَو شَهَادَته صَحِيحَة اه. (خَ) أَو إِقْرَار خصم بِالْعَدَالَةِ وَظَاهر التَّعْلِيل أَنه يحكم عَلَيْهِ، وَلَو رَجَعَ عَن إِقْرَاره وَكَانَ الشَّاهِد وَاحِدًا من غير يَمِين الطَّالِب، مَعَ أَن ابْن عَرَفَة بحث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا يعلم بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: يَنْبَغِي أَن يتَأَوَّل على مَا إِذا أقرّ بعدالته بعد أَدَاء الشَّهَادَة لَا قبلهَا لأَنهم قَالُوا: إِذا قَالَ أحد الْخَصْمَيْنِ كل مَا شهد بِهِ على فلَان حق فَشهد عَلَيْهِ أَنه لَا يلْزمه لِأَنَّهُ يَقُول: ظَنَنْت أَنه لَا يشْهد إِلَّا بِحَق. ضيح: وَفرق بَينهمَا بِأَنَّهُ إِذا أقرّ بعدالته أَي بِأَمْر مُتَقَدم يُعلمهُ مِنْهُ بِخِلَاف من الْتزم مَا يشْهد بِهِ لِأَنَّهُ يَقُول: ظَنَنْت أَنه لَا يشْهد إِلَّا بِحَق اه. فَتَأمل هَذَا الْفرق فَإِن كَانَ مَعْنَاهُ أَن الْإِقْرَار بِالْعَدَالَةِ كَانَ بعد علمه بِمَا شهد بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك قبل الْأَدَاء عِنْد القَاضِي أَو بعده كَمَا يدل عَلَيْهِ التَّعْلِيل من أَنه كَالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ فَهُوَ مَا يَقُوله ابْن عبد السَّلَام لِأَنَّهُ مُرَاده بِالْأَدَاءِ، وَإِن كَانَ المُرَاد أَنه أقرّ بهَا قبل أَن يعلم بِشَهَادَتِهِ فَلَا يخفى أَنه لَا فرق بَينه وَبَين قَوْله: كل مَا شهد بِهِ فلَان حق إِذْ لَا يَقُول ذَلِك حَتَّى يكون فلَان عدلا عِنْده، وَقد قَالُوا: إِنَّه لَا يكون بِمُجَرَّدِهِ إِقْرَارا، وَلَكِن ينظر إِن كَانَ فلَان عدلا لَزِمته شَهَادَته مَعَ يَمِين الطَّالِب، وإلاَّ فَلَا هَذَا مُحَصل قَول (خَ) فِي الْإِقْرَار كَأَن حلف فِي غير الدَّعْوَى أَو شهد فلَان الخ، أَي فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَو حلف أَو شهد لِأَنَّهُ يَقُول: ظَنَنْت أَن لَا يحلف على الْبَاطِل وَأَن لَا يشْهد بِهِ. ابْن سهل: هَذَا إِذا أنكر ذَلِك حِين شهد عَلَيْهِ أما إِذا سكت حِين الشَّهَادَة ثمَّ رَجَعَ لم يكن لَهُ ذَلِك، وَهَذَا الأَصْل فِي كل من الْتزم مَا لَا يلْزمه بِحكم اه. ثمَّ يبْقى النّظر هَل يعْذر فِيهِ للْمَشْهُود عَلَيْهِ إِن كَانَ عدلا أَو لَا لِأَنَّهُ قد سلم شَهَادَته؟
стр. 66
قَولَانِ. وَالْمُعْتَمد الأول لِأَنَّهُ يَقُول: ظَنَنْت أَن لَا يشْهد بل فِي معاوضات المعيار فِي رجل شهدُوا عَلَيْهِ فجرحهم ثمَّ رَضِي بِشَهَادَتِهِم وَقَالَ: كل مَا شهدُوا بِهِ عَليّ جَائِز فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بذلك الْحق، فَأَرَادَ أَن يقْدَح فيهم وَقَالَ: ظَنَنْت أَنهم يرجعُونَ إِلَى الْحق أَنه يمكِّن من الْقدح فيهم بعد أَن يحلف أَنه مَا أجَاز شَهَادَتهم إِلَّا ظنا بهم أَنهم يرجعُونَ للحق. تَنْبِيهَات. الأول: مَا مر من عدم لُزُوم الْإِقْرَار فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ الْمَشْهُور. وَقَالَ مطرف: ذَلِك لَازم لَهُ، وَثَالِثهَا أَن تحقق مَا نوزع فِيهِ لم يلْزمه وَإِلَّا لزمَه وَسَوَاء فِي هَذِه الْأَقْوَال كَانَ الشَّاهِد عدلا أَو فَاسِقًا أَو نَصْرَانِيّا، وَيَنْبَغِي أَن يُقيد عدم اللُّزُوم على الْمَشْهُور بِمَا إِذا قَالَ ذَلِك قبل أَن يعرف بِمَا فِي ذَلِك من الْخلاف وَإِلَّا فَتلْزمهُ شَهَادَته لِأَنَّهُ الْتزم قَول قَائِل من أهل الْعلم وأراح الْحَاكِم من النّظر فِي مَسْأَلته قَالَه أَبُو الضياء. مِصْبَاح فِي النَّوَازِل الْمَذْكُورَة قَالَ: وَعَلِيهِ يدل قَول مَالك فِي ضَمَان الْغَائِب أَنه مِمَّن اشْترط عَلَيْهِ الضَّمَان من الْمُتَبَايعين وَرَأى أَن ذَلِك الْتِزَام لأحد الْقَوْلَيْنِ وَبِه الْعَمَل اه. الثَّانِي: لَو عدل شخص رجلا فَشهد عَلَيْهِ بِحَق فَذَلِك لَازم لَهُ فَإِن أَرَادَ تجريحه بِمَا حدث من القواد (ح) فِيهِ بعد تعديله، فَالظَّاهِر تَمْكِينه من ذَلِك، وَانْظُر هَل لَهُ ذَلِك بالقواد؟ (ح) الَّتِي قبل التَّعْدِيل لِأَنَّهَا قد تخفى عَلَيْهِ حِين التَّعْدِيل أم لَا؟ فَإِن شهد الْمعدل بِالْفَتْح بجرحة الأَصْل أَو عدل القَاضِي شُهُودًا فَشَهِدُوا بجرحته فَلَا يقبل تجريحهم لِأَن الْقدح فِي الأَصْل قدح فِي الْفَرْع قَالَه الْبُرْزُليّ. وَأَصله لِابْنِ رشد قَالَ: وَنَظِيره الرجل يتوفى وَله أمة حَامِل وعبدان ويرثه غَاصِب فَيعتق الْعَبْدَيْنِ وتلد الْأمة ذكرا فَيشْهد العبدان بعد عتقهما أَن الْأمة كَانَت حَامِلا من سَيِّدهَا الْمُتَوفَّى فَإِن شَهَادَتهمَا لَا تجوز لِأَنَّهَا تُؤدِّي لإبطال عتقهما فَيُؤَدِّي إِلَى إجَازَة شَهَادَة العَبْد اه. الثَّالِث: لَو رَضِي ذمِّي بِشَهَادَة مثله فَقضى عَلَيْهِ حاكمهم بهَا فَقَالَ ابْن الْمَاجشون: لَهُ الرُّجُوع وينقض الحكم قَالَه فِي الشَّامِل. وَفِي سِوَاهُمْ مالِكٌ قَدْ شَدَّدَا فِي مَنْعِ حُكْمهِ بِغَيْرِ الشُّهَدَا (وَفِي سواهُم) أَي الشُّهُود أَي تعديلهم وتجريحهم (مَالك) مُبْتَدأ (قد شددا) خَبره وَفِي
стр. 67
سواهُم يتَعَلَّق بِهِ وَكَذَا قَول (فِي منع حكمه) و (بِغَيْر الشهدا) مُتَعَلق بِمَنْع فَلَا يحكم بِمَا علمه قبل ولَايَته وَلَا بِمَا علمه بعْدهَا وَقبل جُلُوسه للحكومة أَو بعد الْجُلُوس وَقبل أَن يجلسا للحكومة مثل أَن يسمعهما أَو أَحدهمَا يقر للْآخر، فَلَمَّا تقدما للحكومة أنكر وَهُوَ فِي ذَلِك كُله شَاهد عِنْد اللَّخْمِيّ وَابْن مُحرز وَغَيرهمَا، وَقيل تقبل شَهَادَته فِي ذَلِك كَمَا لم يمض حكمه فِيهِ فَإِن حكم بِعِلْمِهِ فِي شَيْء من ذَلِك نقضه هُوَ وَغَيره إِمَّا اتِّفَاقًا. فِي الأولى أَو على الْمَشْهُور فِيمَا عَداهَا (خَ) : أَو بِعلم سبق مَجْلِسه (تت) ينْقضه هُوَ وَغَيره وَاسْتظْهر ابْن عبد السَّلَام عدم نقضه مُرَاعَاة لمن أجَاز لَهُ الحكم بِعِلْمِهِ مُطلقًا كَأبي حنيفَة فَقَوْل (ق) ينْقضه هُوَ فَقَط على الْمَشْهُور فِيهِ نظر، فَفِي الشَّامِل مشبهاً بِمَا ينْقضه هُوَ وَغَيره، وَكَذَا يعلم سبق مَجْلِسه على الْأَصَح الخ. وَنَحْوه فِي النَّوَادِر وَنَقله (ح) عِنْد قَول (خَ) وَإِن أنكر مَحْكُوم عَلَيْهِ الخ. وَكَذَا نَص عَلَيْهِ فِي الْجَوَاهِر، فَإِن كَانَ الْإِقْرَار بعد جُلُوسه للحكومة وتقدمهما إِلَيْهِ فَقَالَ مَالك وَابْن الْقَاسِم، وَهُوَ الْمَشْهُور: لَا يحكم حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ عَدْلَانِ وَعَلِيهِ الْعَمَل كَمَا فِي ابْن سَلمُون والمفيد وَغَيرهمَا، وَعَلِيهِ فإحضار الشُّهُود وَقت جُلُوسه للحكومة وَاجِب. وَقَالَ أصبغ وَسَحْنُون ومطرف وَابْن الْمَاجشون: يجوز لَهُ أَن يحكم عَلَيْهِ وَعَلِيهِ فإحضار الشُّهُود مُسْتَحبّ، وتمسكوا بقوله ﵇: (إِنَّكُم لتختصمون لدي وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع) الحَدِيث. إِذْ لم يقل على نَحْو مَا ثَبت عِنْدِي، وَبِه أَخذ مُنْذر بن سعيد القَاضِي قَالَ بعض الموثقين: وَلم تزل الْقُضَاة تسْقط فِي سجلاتها إِثْبَات إِقْرَار الْمقر وإنكار الْمُنكر يَعْنِي عملا بِمَا لسَحْنُون وَعَلِيهِ عول النَّاظِم فَقَالَ: وَقَوْلُ سَحْنُونٍ بِهِ اليَوْمَ العَمَلْ فِيما عَلَيْهِ مَجْلِسُ الحُكْم اشْتَمَلْ
стр. 68
وَفِي الْبُرْزُليّ قبيل النَّفَقَات: إِن حكم القَاضِي بِعِلْمِهِ إِنَّمَا يمْنَع فِيمَا لم تكن فِيهِ شهرة وَإِلَّا جَازَ ثمَّ الْخلاف الْمَذْكُور فِي الْإِقْدَام على الحكم ابْتِدَاء أَي: هَل يقدم على الحكم بِمَا سَمعه ابْتِدَاء قبل الْإِشْهَاد عَلَيْهِ أم لَا؟ وعَلى الأول يحكم وَلَو أنكر وعَلى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمَشْهُور لَا يحكم إِلَّا إِذا اسْتمرّ. هَكَذَا قرر الشَّيْخ طفي هَذَا الْخلاف قَائِلا إِن مَحَله إِذا أنكر قبل أَن يحكم عَلَيْهِ، وَاسْتدلَّ لَهُ بِكَلَام اللَّخْمِيّ وَابْن رشد وَغَيرهمَا. قَالَ: أما إِذا اسْتمرّ فَمحل اتِّفَاق أَنه يحكم عَلَيْهِ، وَظَاهر (ح) و (عج) أَن الْخلاف عَام اسْتمرّ أم لَا، فَإِن أنكر بعد الحكم فَهُوَ قَول (خَ) وَإِن أنكر مَحْكُوم عَلَيْهِ إِقْرَاره بعده لم يفده الخ، فمفهوم الظّرْف أَنه إِذا أنكر قبل الحكم فيفيده وَلَا يحكم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ على قَول ابْن الْقَاسِم، فَإِن حكم عَلَيْهِ فَانْظُر هَل يتَرَجَّح النَّقْض لِأَنَّهُ مقرّ بِأَنَّهُ اسْتندَ فِي حكمه بعد الْإِنْكَار إِلَى علمه السَّابِق عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يفِيدهُ الظّرْف الْمَذْكُور أَو ينْقضه هُوَ وَلَا ينْقضه غَيره، وَهُوَ قَول ابْن الْحَاجِب. وَأما مَا أقرّ بِهِ فِي مجْلِس الْخُصُومَة فَلَا ينْقض وَهُوَ الظَّاهِر لقَولهم وَرفع الْخلاف، لَكِن الْجَارِي على مَا للمتأخرين من أَن القَاضِي مَحْجُور عَلَيْهِ الحكم بِغَيْر الْمَشْهُور أَن ينْقضه هُوَ وَغَيره. وَالْحَاصِل أَن اسْتِمْرَار إِقْرَاره وَعَدَمه لَا يعلم إِلَّا من قَول القَاضِي وَإِلَّا خرجنَا عَن مَوْضُوع الْمَسْأَلَة فَصَارَ إِذا قَالَ القَاضِي اسْتمرّ على إِقْرَاره حَتَّى حكمت عَلَيْهِ وَلم يفده إِنْكَاره، وَإِن قَالَ: حكمت عَلَيْهِ بعد الْإِنْكَار فَتقدم أَنه ينْقضه هُوَ وَلَا ينْقضه غَيره اللَّخْمِيّ: اخْتلف إِذْ أقرّ بعد أَن جلس للخصومة، ثمَّ أنكر فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يحكم عَلَيْهِ، وَقَالَ عبد الْملك وَسَحْنُون: يحكم وَلذَلِك قصداه وَإِن لم يُنكر حَتَّى حكم ثمَّ أنكر هَذَا الحكم. وَقَالَ: مَا كنت أَقرَرت بِشَيْء لم ينظر لإنكاره، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْمَذْهَب وَقَالَ الْجلاب: لم يمض عَلَيْهِ حكم الْحَاكِم إِلَّا بِبَيِّنَة يَعْنِي على إِقْرَاره وَهُوَ أشبه بقضاة الْوَقْت لضعف عدالتهم قَالَ: وَلَا أرى أَن يُبَاح القَوْل الأول لأحد من قُضَاة الْوَقْت اه. وَمَا للجلاب نَحوه لأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن قَالَ فِي مسَائِله حَسْبَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة أَن قَول ابْن الْقَاسِم أصح لفساد الزَّمَان، وَلَو أدْرك عبد الْملك وَسَحْنُون زمننا هَذَا لرجعا عَمَّا قَالَا، وَلَو أَخذ النَّاس بقوليهما لذهبت أَمْوَال وَحكم عَلَيْهِم بِمَا لم يقرُّوا بِهِ اه. وَنَقله فِي التَّبْصِرَة وَنَحْوه قَول ابْن سهل: لَو أدْرك سَحْنُون زمننا هَذَا لقَالَ يَقُول ابْن الْقَاسِم فِي كَون الْحَاكِم لَا يسْتَند لعلمه فِيمَا أقرّ بِهِ أحد الْخَصْمَيْنِ بَين يَدَيْهِ اه. قَالَ وَقَوله ﵇: (فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع) الخ. مؤول عِنْد ابْن الْقَاسِم أَي إِذا شهد بذلك عِنْدِي ابْن
стр. 69
الْمَوَّاز وَلَا خلاف أعلمهُ بَين أَصْحَاب مَالك فِي كَون القَاضِي لَا يقْضِي بِمَا سَمعه فِي مجْلِس قَضَائِهِ وَقَالَهُ مَالك بن سهل. وَلَقَد صدق ابْن الْمَوَّاز فِي قَوْله: أعلمهُ لِأَنَّهُ لم يعلم قَول ابْن الْمَاجشون وَغَيره بِأَنَّهُ يقْضِي بِمَا سمع المتيطي: لم تزل الْقُضَاة بالأندلس تسْقط فِي سجلاتها ثُبُوت إِقْرَار الْمقر وإنكار الْمُنكر من الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تولى أَحْمد بن تَقِيّ الْقَضَاء بقرطبة فأحدث فِي سجلاته أَنه ثَبت عِنْده إِقْرَار الْمقر وإنكار الْمُنكر، وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب، وَبِه عملت الْقُضَاة بعده، وَقَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون: مَا أقرّ الْمقر بِهِ المقرّ بَين يَدَيْهِ يُؤَاخذ بِهِ وَلذَلِك جلس ليلزم كل وَاحِد مِنْهُمَا مقَالَته يَعْنِي بِغَيْر إِثْبَات ثمَّ ذكر مَا مر عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن. وَقَالَ الْمَازرِيّ: من الْحِكْمَة والمصلحة منع القَاضِي الحكم بِعِلْمِهِ خوف كَونه غير عدل فَيَقُول علمت فِيمَا لَا علم لَهُ بِهِ اه. فتعليلهم بِمَا ذكر يدل على أَنهم فَهموا قَول ابْن الْقَاسِم على مَا فهمه الْجلاب من أَنه لَا يحكم عَلَيْهِ وَلَو اسْتمرّ على إِقْرَاره وَإِن فعل فَهُوَ مَرْدُود وَهُوَ مَا فهمه ابْن الْقصار والقرافي وَغَيرهمَا قَالَ الْقَرَافِيّ فِي قَوَاعِده: الْقَضَاء بِعلم الْحَاكِم عندنَا وَعند ابْن حَنْبَل يمْتَنع لوجوه أَنه ﵇ قَالَ: (شَاهِدَاك أَو يَمِينه لَيْسَ لَك إلاَّ ذَاك) . فحصر الْحجَّة فِي الْبَيِّنَة وَالْيَمِين دون علم الْحَاكِم وَهُوَ الْمَطْلُوب، وَإِن الْحَاكِم غير مَعْصُوم فيتهم فِي الْقَضَاء بِعِلْمِهِ على عَدو أَو صديق وَنحن لَا نَعْرِف ذَلِك فحسبنا ذَلِك صونا لمنصب الْقَضَاء عَن التهم، وَأَن ابْن عبد الْبر قَالَ فِي الاستذكار: اتَّفقُوا على أَن القَاضِي لَو قتل أَخَاهُ لعلمه بِأَنَّهُ قَاتل ولي خَصمه أَنه كالقاتل عمدا لَا يَرث مِنْهُ شَيْئا للتُّهمَةِ فِي الْمِيرَاث فقيس عَلَيْهِ بَقِيَّة الصُّور بِجَامِع التُّهْمَة اه بِحَذْف مَا لم يتَعَلَّق بِهِ غَرَض، فَهَذَا يدل على أَن مَالِكًا وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب يَقُولُونَ: لَا يحكم بِعِلْمِهِ وَلَو مَعَ اسْتِمْرَار الْمقر إِذْ التُّهْمَة لَا تَنْتفِي بذلك، وَأَيْضًا قَضَاؤُهُ بِعِلْمِهِ السَّابِق على مَجْلِسه إِنَّمَا منع للتُّهمَةِ فَكَذَلِك مَا كَانَ بمجلسه إِذْ الْكل لَا يعلم إِلَّا من قَوْله كَمَا مر فَأَما أَن يُقَال بِالْجَوَازِ فِي الْجَمِيع كَمَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة أَو بِالْمَنْعِ فِي الْجَمِيع كَمَا عَلَيْهِ الإِمَام وَابْن الْقَاسِم، وَيدل لهَذَا مَا يَأْتِي من الْخلاف فِي الْإِعْذَار فِي شَاهد الْمجْلس إِذْ لَو كَانَ يمْضِي حكمه مَعَ الِاسْتِمْرَار مَا قَالَ قَائِل بِوُجُوب الْإِعْذَار فَتَأمل ذَلِك، فَهَذَا كُله يضعف مَا مر عَن (خَ) وَيُقَوِّي مَا مر عَن الْجلاب وَمن مَعَه وَلِهَذَا رَجحه غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين. قَالَ فِي أقضية المعيار: الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَن لَا يحكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ وَلَا ينفذهُ إِلَّا بعدلين وَعَلِيهِ فَلَا يقبل قَول القَاضِي شهد عِنْدِي بِكَذَا أَو أعذرته إِلَى فلَان أَو أجلته أَو عجزته إِلَّا بِبَيِّنَة، وَمِنْه قَوْله: رفع على خطهما عَدْلَانِ فَقبلا بل لَا بُد من تسميتهما والإعذار فيهمَا، وَأَحْرَى لَو قَالَ عرفت خطهما أَو قَالَ: ثَبت عِنْدِي جرحتهما وَلم يعين المجرح كَمَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده وَمَا لِابْنِ رشد وَابْن بطال: مِمَّا يُخَالف هَذَا حَسْبَمَا فِي التَّبْصِرَة وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ لَهُ (خَ) بِمَفْهُوم قَوْله: وَلَا تقبل شَهَادَته بعده أَنه قضى بِكَذَا كُله لَا يعول عَلَيْهِ، وَسَوَاء كَانَ على وَجه الْخطاب أَو الشَّهَادَة كَمَا لِابْنِ رحال وَغَيره وَسَيَأْتِي فِي فصل مسَائِل من أَحْكَام البيع أَن مَا للخمي هُوَ الْمَعْمُول بِهِ قَالَه ابْن حجر أَيْضا والتالي وَعَلِيهِ فَلَو قَالَ النَّاظِم: وَالْقَاضِي لَا يقْضِي بِلَا عدل على إِقْرَار خَصمه لَدَيْهِ مسجلا كَقَوْلِك أجلت فِي الْإِعْذَار وينقض الحكم على الْمُخْتَار وَعَدْلٌ إنْ أَدَّى على مَا عِنْدَهُ خِلَافُهُ مُنِعَ أنْ يَرُدَّهُ
стр. 70
(وَعدل) المُرَاد بِهِ الْجِنْس فَيشْمَل الْوَاحِد فَأكْثر وَهُوَ مُبْتَدأ وسوغ الِابْتِدَاء بِهِ الشَّرْط الَّذِي هُوَ (إِن أدّى) أَي شهد لِأَنَّهُ فِي معنى الصّفة أَي مؤد (على مَا) شَيْء يتَعَلَّق بأدى وَقَوله (عِنْده) أَي القَاضِي (خِلَافه) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر صفة لما وَقَوله (منع أَن يردهُ) جَوَاب الشَّرْط وَالشّرط وَجَوَابه خبر الْمُبْتَدَأ أَي منع أَن يرد شَهَادَته وَإِن كَانَ يعلم خلَافهَا كَأَن يشْهدُوا بتعمير ذمَّة وَهُوَ يعلم أَن ذَلِك صوري فَقَط وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الحكم بِعِلْمِهِ بِإِسْقَاط حق الْقَائِم بِشَهَادَة الْعدْل. وَحَقُّهُ إنَّهَاءُ مَا فِي عِلْمِهِ لِمَنْ سِواهُ شَاهدا بحُكْمِهِ (وَحقه) أَي القَاضِي الْعَالم خلاف ذَلِك وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره قَوْله (إنهاء مَا فِي علمه) أَي رفع شَهَادَته (لمن سواهُ) من الْقُضَاة وولاة السُّوق والأمراء، وَلمن حكمه الخصمان حَال كَون القَاضِي (شَاهدا بِحكمِهِ) أَي فِي رُتْبَة الشَّاهِد فَينزل عَن رُتْبَة القَاضِي وَحكمه إِلَى رُتْبَة الشَّاهِد وَحكمه قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَإِذا شهد عِنْد القَاضِي شُهُود عدُول بِمَا يعلم خِلَافه فَلَا يحل لَهُ أَن يقْضِي بِشَهَادَتِهِم وَيدْفَع الْخَصْمَيْنِ عَن نَفسه، وَيكون شَاهدا عِنْد من يتحاكمان إِلَيْهِ ذكره ابْن الْعَطَّار. وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: إِذا شهد الْعُدُول عِنْد القَاضِي بِشَيْء يعلم أَنه بَاطِل فَلَا يجوز لَهُ أَن ينظر شَهَادَتهم وينفذها بعد الِانْتِظَار الْيَسِير قَالَ: وَأرى أَن يعلم الَّذِي حكم عَلَيْهِ أَن لَهُ عِنْده شَهَادَة تنَاقض مَا شهدُوا بِهِ الخ. وَهُوَ يُفِيد أَنه ينفذها، وَإِذا أنفذها لَا ينْقض حكمه، وَلَكِن يخبر الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِمَا فِي علمه، وَعَن سَحْنُون أَنه لَا ينفذها لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يجوز لي أَن أحكم بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا أَن أردهَا لظُهُور عدالتهما وَلَكِن أرفع ذَلِك لمن فَوقِي وَأشْهد بِمَا علمت وغيري بِمَا علم، وَكَذَا لَو شهد القَاضِي فِي قَضِيَّة مَعَ شَاهد آخر لَا يسْتَقلّ الحكم بِهِ فَإِنَّهُ يرفع ذَلِك لمن فَوْقه، ثمَّ هَل يجوز أَن يشْهد وَلَو عِنْد من تَحْتَهُ من نوابه أَو لَا يجوز لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ شهد عِنْد نَفسه قَولَانِ، وعَلى الثَّانِي اقْتصر أَبُو الْحسن قَالَ: يرفع الْقَضِيَّة إِلَى من فَوْقه وَيشْهد عِنْده وَلَا يحكم فِي ذَلِك بِعِلْمِهِ
стр. 71
وَلَا يقدم من يُؤَدِّي عِنْده لِأَن مقدمه كَهُوَ على مَا لَا يخفى اه. وَهَذَا فِي غير السُّلْطَان الْأَعْلَى يشْهد عِنْد قاضيه وَإِلَّا فَيجوز على مَا بِهِ الْعَمَل كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة فَإِن كَانَ الْمَرْفُوع إِلَيْهِ بَعيدا بِحَيْثُ لَا يلْزم الرافع الْأَدَاء مِنْهُ فَلهُ أَن يشْهد على شَهَادَته عَدْلَيْنِ وينقلانها عَنهُ، وَأفهم قَوْله عدل أَن هَذَا فِي ظَاهر الْعَدَالَة الْمَشْهُور بهَا كَمَا فِي النَّقْل كَانَ منتصباً للشَّهَادَة أم لَا سَوَاء قدمه هَذَا القَاضِي لَهَا أَو غَيره مِمَّن قبله وَسَوَاء زكي عِنْده أم لَا. إِذْ قبُول من قبله لشهادته وَحكمه بهَا يُوجب عَلَيْهِ قبُولهَا دون تَزْكِيَة وَلَا مَعْرفَته بعدالته كَمَا لِابْنِ رشد فِي أجوبته فَإِن كَانَ مَجْهُول الْحَال فَهُوَ مَا مر فِي قَوْله: وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي الخ. إِذْ لَا تُهْمَة تلْحقهُ فِي عدم قبُوله، وَظَاهره أَنه لَا يردهَا بِعِلْمِهِ الجرحة بالأحرى وَهُوَ كَذَلِك، وإلاَّ أدّى إِلَى إبِْطَال حق الْقَائِم فِي ردهَا بِعِلْمِهِ وَمَا مر من أَنه يسْتَند لعلمه فِي التجريح إِنَّمَا هُوَ فِي غير المنتصب للشَّهَادَة أَو فِي المنتصب لَهَا بِالنِّسْبَةِ لتأخيره عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبل لَا بِالنِّسْبَةِ لإبطال الْحُقُوق فِيمَا مضى لِأَنَّهُ تصير الْأَحْكَام حِينَئِذٍ دَائِرَة على علم القَاضِي فمهما أَرَادَ إِثْبَات حق أَو إِبْطَاله قَالَ: إِن شَاهده معدل أَو مجرح وَلذَا علل جَوَاز استناده لعلمه فيهمَا بِمَا إِذا اشْتهر عِنْد النَّاس كَمَا مرّ وَقد قَالَ ابْن عَرَفَة فِي قَاض آخر شَاهدا عَن الشَّهَادَة فَأتى من بعده ورده إِلَى الشَّهَادَة وتبطلت حُقُوق كَثِيرَة بِسَبَب التَّأَخُّر الْمَذْكُور مَعَ أَنه لم يجرحه أحد من الْقُضَاة عدا من ذكر فَإِنَّهُ يجب الْبَحْث الْآن عَن حَال الشَّاهِد الْمَذْكُور فَإِن تحصل عِنْد من لَهُ الْأَحْكَام جرحته أَو عَدَالَته عمل على ذَلِك، وَإِن لم يتَحَصَّل لَهُ شَيْء أمضى شَهَادَته. الْبُرْزُليّ: إِنَّمَا اخْتَار الْبَحْث الْمَذْكُور لغَلَبَة الْهوى على الْقُضَاة، وإلاَّ فَالرِّوَايَة إِذا تقادمت جرحة الشَّاهِد وَكَانَت ثَابِتَة عِنْد القَاضِي وَمضى لَهَا أشهر، ثمَّ أَتَى من زَكَّاهُ بعد ذَلِك أَنه يقبله وَيحمل على انْتِقَاله إِلَى خير اه، وَذكر فِي نَوَازِل الْأَيْمَان أَن التجريح لَا يصلح بِأَمْر مُحْتَمل، وَقد قَالُوا فِي استفسار اللفيف وَنَحْوه لَا بُد أَن يكون بِمحضر عَدْلَيْنِ فِرَارًا من أَن يكون حكم بِعِلْمِهِ لِأَن اللفيف غير عدُول، فَإِذا رتب الحكم على أَدَائِهِ الَّذِي غَابَ عَلَيْهِ وَلم يُعلمهُ غَيره فقد رتبه على علمه قَالَه ابْن لب والمكناسي وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: وَلَو سَأَلَهُ ذُو الْحق عَن المجرح فعلى الْحَاكِم إخْبَاره بِهِ المتيطي: من حق الشَّاهِد والمشهود لَهُ أَن يعلمَا بالمجرح، فقد تكون هُنَاكَ عَدَاوَة أَو قرَابَة يمنعان التجريح، وَاخْتلف إِذا كَانَ الشَّاهِد والمشهود لَهُ مِمَّن يتقى شَره فَقَالَ سَحْنُون: يعلم، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا قَالَ المجرح أكره عَدَاوَة النَّاس جَازَ التجريح سرا اللَّخْمِيّ: وَقَول سَحْنُون أحسن لفساد الْقُضَاة الْيَوْم ابْن رحال فِي شَرحه: وَمَا قَالَه اللَّخْمِيّ حسن غَايَة لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَلِك فِي قُضَاة زَمَانه فَكيف بقضاتنا الْيَوْم؟ قلت: وَمَا لسَحْنُون مثله لِابْنِ حبيب قَالَ: التجريح لَا يكون إِلَّا عَلَانيَة إِذْ لَا بُد من الْإِعْذَار فِي شَهَادَة المجرحين، وَهَذَا التَّعْلِيل يُوجب أَن لَا يقبل التجريح سرا من قُضَاة الْوَقْت كَانَ الْمَشْهُود لَهُ مِمَّن يتقى شَره أم لَا وَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام من قبُوله سرا على أظهر الْقَوْلَيْنِ وَنَحْوه لشراح الْمُخْتَصر مَبْنِيّ على نفي التهم عَن الْقُضَاة، وَمذهب الْمُدَوَّنَة يجوز لمن يخْشَى مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي فصل الْإِعْذَار وَقد تقدم عَن الْقَرَافِيّ وَابْن سهل وَغَيرهمَا ضعفه وَهَذَا كُله فِي غير الْمَشْهُور بِالْعَدَالَةِ المنتصب لَهَا، وَأما مَا عَمت بِهِ الْبلوى فِي هَذَا الزَّمَان من كَون القَاضِي ينصب شُهُودًا أَو يجدهم منتصبين ويقرهم على ذَلِك، ثمَّ بعد تحملهم للحقوق من دُيُون وَغَيرهَا يظْهر لَهُ تأخيرهم عَنْهَا، وَيبْطل رسوم تِلْكَ الْحُقُوق كلهَا ويعتل بِأَنَّهُ يسْتَند لعلمه فِي التجريح وَإِن الجرحة إِذا
стр. 72
طرأت بعد الْأَدَاء فَهِيَ مُؤثرَة فَكيف بهَا قبل الْأَدَاء لِأَن الْعبْرَة بِزَمن الْأَدَاء فَلَا أخالهم يَخْتَلِفُونَ فِي عدم قبُول قَوْله بِالنِّسْبَةِ لما مضى إِذْ لَيْسَ قبُول قَوْله بالتجريح الْآن بِأولى من قَوْله بالتعديل أَو لَا بِالنِّسْبَةِ لما شهدُوا بِهِ من الدُّيُون وَغَيرهَا، لِأَنَّهُ قد اسْتندَ إِلَى علمه فِي إبِْطَال تِلْكَ الْحُقُوق بعد وُجُوبهَا لأربابها بتعديله الأول وَهُوَ من التلاعب بِحُقُوق الْمُسلمين وَفِي ضيح مَا نَصه: فَإِن اسْتحق الشَّاهِد الْحر برق لم ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ قد لَا يعرف غَيره الْحق الْمَشْهُود بِهِ اه. وَنَقله (ز) وَغَيره أول الشَّهَادَات وَهُوَ صَرِيح فِيمَا قُلْنَاهُ، وَفِي المعيار قد شاع وذاع عَن الْقُضَاة عزل بعض من لَا يسْتَحق الْعَزْل وتقديمهم لمن لَا يصلح تعديله لهواه أَو لكَونه قَرِيبه أَو صديقه أَو صهره أَو لمعروفه عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُله من الْهوى وَالْفساد أعاذنا الله من ذَلِك. وَتقدم عَن الْبُرْزُليّ الرِّوَايَة إِذا تقادمت جرحة الشَّاهِد الخ. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَول أصبغ: إِذا علم القَاضِي جرحته وَقت الشَّهَادَة أَو بِقرب ذَلِك عمل عَلَيْهَا وَأما إِن طَال الزَّمَان، فَهَذَا بِمَنْزِلَة من جهل حَاله إِذا عدل عِنْده قبله يَعْنِي وَبِالْعَكْسِ، وَلذَا قَالَ اللَّخْمِيّ فِي تعَارض بينتي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فِي مجلسين متغايرين قضى بِشَهَادَة الْجرْح لِأَنَّهَا زَادَت علما فِي الْبَاطِن، وَإِن تبَاعد مَا بَين المجلسين قضى بأحدثهما تَارِيخا، وَيحمل على أَنه كَانَ عدلا ففسق أَو فَاسِقًا فَعدل الخ. وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله: وَإِن تبَاعد الخ. وَبِهَذَا كُله تعلم أَن قَول (خَ) عاطفاً على المبطلات لَا إِن حدث فسق بعد الْأَدَاء مُقَيّد بِمَا إِذا حدث وَقت الشَّهَادَة أَو قربهَا وإلاَّ فَهُوَ من الِاسْتِصْحَاب المعكوس وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَخلاف الرِّوَايَة كَمَا ترى، وَلذَا قَالُوا: إِذا قَامَ للصَّبِيّ شَاهد وَاحِد حلف الْمَطْلُوب وسجلت شَهَادَته لِئَلَّا يطْرَأ فسقه كَمَا يَأْتِي، وَلَا يُقَال تسجيل شَهَادَته بِمَنْزِلَة الحكم بهَا وطرو الْفسق بعد الحكم غير مُضر لَا يَقْتَضِيهِ كَلَام (ز) لأَنا نقُول هَذَا يَقْتَضِي أَن الشَّاهِد للصَّبِيّ إِذا رَجَعَ بعد تسجيلها وكتبها يغرم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا حكم أصلا إِذْ الحكم يتَوَقَّف على يَمِين الصَّبِي بعد الْبلُوغ، وَإِذا ثَبت هَذَا الحكم فِي الشَّاهِد للصَّبِيّ فَكَذَلِك الشَّاهِد لغيره لَا يضر طرُو الْفسق لَهُ بعد، وَبِمَا إِذا كَانَت الشَّهَادَة استرعائية لَا أَصْلِيَّة كَمَا يَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم: وزمن الْأَدَاء لَا التَّحَمُّل، وَبِمَا إِذا كَانَ الطارىء مِمَّا يخفى كَالزِّنَا وَنَحْوه لَا كَالْقَتْلِ والعداوة كَمَا للخمي والمازري قَالَ فِي ضيح عِنْد الْكَلَام على شَهَادَة النَّقْل وَهُوَ كَلَام صَحِيح، وَبِمَا إِذا ثَبت الْفسق لَا بالتهمة عَلَيْهِ كَمَا لشراحه وَالله أعلم. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة من تعَارض التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى. تَنْبِيه: إِذا تقرر مَا تقدم وَعلمت أَن التَّأْخِير عَن الشَّهَادَة لدعوى القَاضِي جرحته لَا يبطل الْحُقُوق الَّتِي كَانَ شهد بهَا قبل ذَلِك وَمَات هَذَا الْمُؤخر أَو غَابَ قبل أَدَائِهَا فَإِنَّهُ يرفع على خطه وَيَقُولُونَ مثلا كَانَ متصفاً وَقت تَارِيخ الرَّسْم أَعْلَاهُ بِقبُول الشَّهَادَة، وَلَا زَالَ على ذَلِك إِلَى أَن أخر عَنْهَا لغير مُوجب فِي علمهمْ. وعِلْمُه بِصِدْقِ فِي غَيْرِ العَدْلِ لَا يُبيحُ أنْ يَقْبَلَ مَا تَحمَلَا (وَعلمه) أَي القَاضِي (بِصدق غير الْعدْل) يشْهد عِنْده ظَاهره كَانَ ظَاهر الجرحة أَو مَجْهُول الْحَال. وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَيْهَا (لَا يُبِيح) لَهُ (أَن يقبل مَا تحملا) غير الْعدْل وَالْجُمْلَة خبر
стр. 73
عَن قَوْله علمه وبصدق يتَعَلَّق بِهِ، وَإِنَّمَا لم يَصح لَهُ قبُوله لِأَنَّهُ آيل إِلَى الحكم بِعِلْمِهِ وَسبب لتطرق التُّهْمَة إِلَيْهِ لِأَن غير الْعدْل كَالْعدمِ فَرد شَهَادَته حق لله وَلذَا قَالَ ابْن عَرَفَة: الحكم برد شَهَادَة الْفَاسِق حق لله وَلَو شهد بِحَق اه. وَأَيْضًا لَا بُد أَن يَقُول فِي حكمه بعد أَن صحت عِنْدِي عدالتهما وَهُوَ إِنَّمَا صَحَّ عِنْده جرحتهما أَو لم يَصح عِنْده شَيْء، فَإِن وَقع وَحكم فينقضه هُوَ وَغَيره (خَ) عاطفاً على مَا ينْقض بِهِ الحكم أَو أظهر أَنه قضى بعبدين أَو فاسقين وَمَفْهُوم صدق غير الْعدْل أَنه إِذا علم بكذب الْعدْل فَهُوَ مَا قبله. ومَنْ جَفا القاضِي فالتَّأدِيبُ أوْلى وَذَا لِشَاهِدٍ مَطْلُوبُ (وَمن جَفا القَاضِي) أَي لمزه بِمَا يكره فِي مجْلِس حكمه فَقَالَ: ظلمتني مثلا وَأَرَادَ أَذَاهُ (فالتأديب) لَهُ أَي التَّعْزِير إِذا كَانَ القَاضِي من أهل الْفضل (أولى) من الْعَفو عَنهُ، وَظَاهره أَنه يسْتَند لعلمه فِي ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك، وَقَوْلِي بِمَجْلِس حكمه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ ذَلِك بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلَو ثَبت بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا يحكم لنَفسِهِ فِي مثل ذَلِك وَيَرْفَعهُ لغيره إِن شَاءَ، وَقَوْلِي لمزه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا صرح لَهُ بالإساءة فَيجب التَّأْدِيب حِينَئِذٍ كَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام. وَنَقله فِي التَّبْصِرَة. وَقَوْلِي: ظلمتني لَيْسَ من الصَّرِيح لِإِمْكَان أَن يُرِيد الْمجَاز. وَمن مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة من قَوْله: فالتأديب أولى خَبره والرابط مَحْذُوف وَدخلت الْفَاء فِي الْخَبَر لِأَن الْمَوْصُول لعمومه كالشرط. (وَذَا) التَّأْدِيب (لشاهد) أَي لجفائه أَو جفَاء الْخصم أَو الْمُفْتِي (مَطْلُوب) أَي وَاجِب كَأَن يَقُول لَهُ شهِدت عليَّ بزور أَو مَا أَنْت من أهل الْعَدَالَة وَالدّين، وَلَا يجوز الْعَفو عَنهُ حَيْثُ كَانَ بِالْمَجْلِسِ قَامَت بِهِ بَيِّنَة أم لَا. لانتهاكه حُرْمَة الشَّرْع فَإِن كَانَ بِغَيْر الْمجْلس وَثَبت بِبَيِّنَة فَالْحق حِينَئِذٍ
стр. 74
للشَّاهِد وَنَحْوه لَا لله ويؤدب فِي ذَلِك كُله بِقدر الرجل المنتهك حرمته، وَقدر الشاتم فِي إذاية النَّاس إِلَّا أَن يكون الشاتم من أهل الْفضل وَذَلِكَ مِنْهُ فلتة فليتجاف عَنهُ كَمَا قَالَ: وفَلْتَةٌ مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ عَثَرْ فِي جانِبِ الشَّاهِدِ مِمَّا يُغْتَفَرْ (وفلتة) مُبْتَدأ سوغ الِابْتِدَاء بِهِ وَصفه بقوله: (من ذِي مُرُوءَة) وَقَوله: (عثر) فِي مَوضِع الصّفة لذى أَو فِي مَوضِع الْحَال من فلتة لتخصيصه بِالصّفةِ والرابط مَحْذُوف أَي بهَا و (فِي جَانب الشَّاهِد) يتَعَلَّق بِهِ وَمثله من ذكر مَعَه و (مِمَّا يغْتَفر) خبر الْمُبْتَدَأ (خَ) وتأديب من أَسَاءَ عَلَيْهِ أَو على خَصمه أَو مفت أَو شَاهد لَا بشهدت عَليّ بباطل كخصمه كذبت الخ. ومَنْ ألَدَّ فِي الْخِصَامِ وانْتَهَجْ نهْجَ الفِرَارِ بَعْدَ إتْمَامِ الْحُجَجْ (وَمن أَلد فِي الْخِصَام) أَي أَكثر مِنْهُ وَهُوَ اسْم شَرط أَو مَوْصُول مُبْتَدأ (وانتهج) مَعْطُوف على الصِّلَة (نهج الْفِرَار) مصدر نَوْعي أَي سلك طَرِيقه خوفًا من الْقَضَاء عَلَيْهِ وَثَبت ذَلِك عَلَيْهِ بِبَيِّنَة لَا بقول الرَّسُول فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه فَإِن كَانَ ذَلِك (بعد) الْحُضُور بَين يَدَيْهِ و (إتْمَام الْحجَج) الَّتِي يُدْلِي بهَا وسؤاله عَنْهَا وعجزه عَن الطعْن فِي حجج خَصمه بعد الإجالات والتلومات كَمَا هُوَ ظَاهره فَهَذَا. يُنَفِّذُ الحُكْمَ عَليْه الْحَكَمُ قَطْعاً لِكُلِّ مَا بِهِ يَخْتَصِمُ (ينفذ الحكم) بِالنّصب مفعول مقدم (عَلَيْهِ الحكم) بِفَتْح الْكَاف لُغَة فِي الْحَاكِم فَاعل بقوله ينفذ (قطعا) حَال أَي قَاطعا (لكل مَا بِهِ يخْتَصم) وَالْجُمْلَة خبر من أَو جَوَابه وَسَوَاء كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ عقارا أَو غَيره كَمَا هُوَ ظَاهره وَإِن وَجَبت لَهُ يَمِين قَضَاء أَو اسْتِحْقَاق وكل الْحَاكِم من يقتضيها لَهُ وَيشْهد بذلك وَلَا تسمع لَهُ حجَّة يَأْتِي بهَا بعد ذَلِك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْحَاضِر وَإِن كَانَ ذَلِك قبل نشب الْخُصُومَة أَو بعد نشبها بَين يَدَيْهِ وَقيل اسْتِيفَاء النّظر فِيهَا فَهُوَ قَوْله: وَغَيْرُ مُسْتَوْفٍ لَهَا إِن اسْتَترْ لَمْ تَنقَطِعْ حُجَّتُهُ إذَا ظَهَرْ (وَغير مستوف لَهَا) أَي للحجج فَيشْمَل من لم ينشبها بِالْكُلِّيَّةِ لِأَن السالبة لَا تَقْتَضِي وجود الْمَوْضُوع (إِن استتر) أَي دَامَ استتاره بعد أَن فعل القَاضِي بِهِ مَا مر فِي قَوْله: وَمن عصى الْأَمر وَلم يحضر طبع. الخ، فَهَذَا تسمع الْبَيِّنَة فِي غيبته إِن تغيب قبل سماعهَا على الْمَذْهَب وَإِذا
стр. 75
سَمِعت فَيحكم عَلَيْهِ بمقتضاها كَمَا يحكم عَلَيْهِ إِن تغيب بعد أَن سَمعهَا وَقبل اسْتِيفَاء حججه وَلَا يُقيم لَهُ وَكيلا على الْمُعْتَمد، وَمذهب ابْن الْقَاسِم لِأَن الْوَكِيل لَا يعرف حجج الْمُوكل، فالقضاء عَلَيْهِ وإرجاء الْحجَّة أَنْفَع لَهُ كَمَا قَالَ (لم تَنْقَطِع حجَّته) الَّتِي يَأْتِي بهَا من الطعْن فِي الْبَيِّنَة الَّتِي لخصمه أَو معارضتها بِبَيِّنَة الْبَرَاءَة وَنَحْو ذَلِك (إِذا ظهر) بعد أَن قضى عَلَيْهِ وَقيل يُقَام لَهُ الْوَكِيل وَلَا ترجى لَهُ حجَّة فَغير بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَيجوز نَصبه على الْحَال من ضمير استتر وَجُمْلَة لم تَنْقَطِع خبر وَجَوَاب. لَكِنَّما الحُكْمَ عَلَيْهِ يُمْضِي بَعْدَ تَلَوُّمٍ لَهُ مَنْ يَقْضِي (لكنما) اسْتِدْرَاك وَمَا كَافَّة (الحكم عَلَيْهِ) بِالنّصب مفعول (يمْضِي) بِضَم الْيَاء مضارع أمضى وَيجوز رَفعه بِالِابْتِدَاءِ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، والرابط مَحْذُوف أَي يمضيه وَيجوز قِرَاءَته بِفَتْح الْيَاء وضميره يعود على الحكم هُوَ الرابط وَمن يقْضِي فَاعل الْمصدر فِي قَوْله: (بعد تلوم لَهُ) أَي لغير المستوفي (من يقْضِي) فَاعل يمْضِي على ضم يائه وَالضَّمِير فِي تلوم يعود عَلَيْهِ فَهُوَ عَائِد على مُتَأَخّر لفظا لَا رُتْبَة، وَظَاهره أَن الأول لَا يتلوم لَهُ وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْغَرَض أَنه فر بعده وَظَاهره أَيْضا أَن غير المستوفي لَا تَنْقَطِع حجَّته، وَلَو قَالَ لخصمه: إِن لم أحضر مَعَك عِنْد القَاضِي فِي أجل كَذَا فدعواك حق ودعواي بَاطِلَة وَنَحْوه، وَهُوَ كَذَلِك كَانَ طَالبا أَو مَطْلُوبا (خَ) كَقَوْلِه: أجلني الْيَوْم فَإِن لم أوافك غَدا فَالَّذِي تدعيه حق، وَمَفْهُوم قَوْله: إِذا ظهر أَنه لَا كَلَام لوَارِثه فِي نقض الحكم قبل ظُهُوره وَلَو طَالَتْ غيبته وَهُوَ كَذَلِك لِأَن كل أَمر يتَوَقَّف ثُبُوته وإبطاله على اخْتِيَار شخص فَالْحكم بِالصِّحَّةِ والإبطال قبل علم مَا عِنْده محَال إِذْ قد يقدم فَيقر بِوُقُوع الحكم على الصَّوَاب، وَظَاهره إِذا أَتَى بِالْحجَّةِ وَعجز خَصمه عَن معارضتها يبطل الحكم وينقض البيع وَيرد الْغُرَمَاء مَا أَخَذُوهُ وَهُوَ كَذَلِك قَالَه الْمَازرِيّ وَيَأْتِي فِي فصل الحكم على الْغَائِب مَا يُخَالِفهُ وَلَا مَفْهُوم لقَوْله بعد تلوم لِأَنَّهُ إِذا لم يتلوم ترجى لَهُ الْحجَّة بالأحرى وأشعر قَوْله ينفذ، وَقَوله: يمْضِي أَنه مستوطن فِي مَحل ولَايَته أَو لَهُ مَال ظَاهر أَو كَفِيل أَو وَكيل وَإِلَّا يكن شَيْء من هَذِه الْأُمُور، فَالْحكم عَلَيْهِ كَالْحكمِ على من لَيْسَ فِي إيالته، وَقد تقدم. ٥ وَالْحكم فِي الْمَشْهُور حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ وَشَمل قَوْله نهج الْفِرَار مَا إِذا فرّ حَقِيقَة أَو حكما كَمَا لَو مرض أَو سجن وَامْتنع من التَّوْكِيل فَيجْرِي على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم قَالَ فِي الشَّامِل: وَحكم من تعذر أَو تغيب كالغائب فيتلوم لَهُ إِن تغيب قبل اسْتِيفَاء حججه ثمَّ قضى عَلَيْهِ وترجى حجَّته وَبعد استيفائها يقْضى وَلَا حجَّة
следующие страницы →