← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1544

البهجة في شرح التحفة

التسولي

Полный текст (1 359 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حُصُول وقته كَانَ كِرَاء حج أَو غَيره يَكْتَفِي فِيهِ بتعجيل الْيَسِير، وَيجوز تَأْجِيل مَا بَقِي كَمَا قَالَه مَالك لاقتطاع الأكرياء أَمْوَال النَّاس، وَأما إِن وَقع بعد حُصُول وقته فَلَا بُد من الشُّرُوع وَلَو حكما أَو تَعْجِيل جمع الْأجر إِذْ لَا ضَرُورَة حِينَئِذٍ تستدعي تَعْجِيل الْيَسِير فَقَط، (ومطلقاً جَازَ بِذِي التَّعْيِين) أَي وَجَاز عقد الْكِرَاء مُطلقًا كَانَ الْأجر معجلا أَو مُؤَجّلا فِي الدَّابَّة الْمعينَة أَو السَّفِينَة الْمعينَة كهذه الدَّابَّة أَو السَّفِينَة وَنَحْو ذَلِك، وَمحل الْجَوَاز مَعَ التَّعْجِيل إِذا كَانَ يَسْتَوْفِي الْمَنَافِع فِي الْحَال أَو يُؤَخر استيفاءها الْأَيَّام القلائل كالعشرة وإلاَّ لم يجز لتردد النَّقْدَيْنِ الْكِرَاء إِن لم تهْلك وَالسَّلَف إِن هَلَكت كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْخِيَار عاطفاً على الْمَنْع وأجير تَأَخّر شهرا وَأما مَعَ التَّأْجِيل للنقد فَيجوز تَأْخِير استيفائها الشَّهْر وَنَحْوه كَمَا قَالَ فِي الْإِجَارَة وكراء دَابَّة شهرا إِن لم ينْقد. تَنْبِيه: وكما يجب التَّعْجِيل لِلْأجرِ فِي الْكِرَاء الْمَضْمُون الَّذِي لم يشرع فِيهِ كَذَلِك يجب تَعْجِيل الْأجر الْمعِين كَثوب مثلا. وَحَاصِله؛ أَن الْأُجْرَة إِذا كَانَت مُعينَة كَثوب بِعَيْنِه أَو دَرَاهِم بِعَينهَا فَإِنَّهُ يجب تَعْجِيلهَا وَيقْضى بِهِ لحق الله تَعَالَى سَوَاء اشْترط التَّعْجِيل أم لَا. كَانَ المستوفي مِنْهُ الْمَنْفَعَة معينا أم لَا. وَالْإِجَارَة صَحِيحَة مَعَ الشَّرْط وَلَو لم يعجل بِالْفِعْلِ، وَكَذَا مَعَ عَدمه إِن كَانَ عرفهم التَّعْجِيل فَإِن كَانَ عرفهم التَّأْخِير أَو لَا عرف أصلا وَلم يشْتَرط التَّعْجِيل فَسدتْ وَلَو عجلت بِالْفِعْلِ، وَأما إِن كَانَت الْأُجْرَة غير مُعينَة كدراهم أَو ثوب فِي الذِّمَّة، فَإِنَّمَا يجب التَّعْجِيل إِن كَانَ الْمُسْتَوْفى مِنْهُ مَضْمُونا لم يشرع فِي اسْتِيفَاء مَنَافِعه فَإِن كَانَ معينا فَلَا يجب التَّعْجِيل وَلَا يقْضِي بِهِ عِنْد طلبه إِلَّا إِذا اشْتَرَطَهُ أَو جرى الْعرف بِهِ، لِأَن أصل ابْن الْقَاسِم أَن الثّمن فِي الْإِجَارَة على التَّأْخِير إِلَى تَمام الْعَمَل إِلَّا أَن يَشْتَرِطه أَو يجْرِي الْعرف بِهِ فَيَقْضِي لَهُ بتعجيله حِينَئِذٍ، وَبِالْجُمْلَةِ مهما اشْترط التَّعْجِيل أَو جرت الْعَادة بِهِ فَفِي الْمعِين يجب التَّعْجِيل مَضْمُونَة كَانَت أم لَا. وَكَذَا غير الْمعِين فِي الْمَضْمُونَة لَا بُد فِيهِ من التَّعْجِيل لحق الله فِي الْجَمِيع للُزُوم بيع معِين يتَأَخَّر قَبضه فِي الْأَوَّلين وللزوم ابْتِدَاء الدّين بِالدّينِ فِي الثَّالِث، وَأما غير الْمعِين فِي غير الْمَضْمُونَة فَفِي الشَّرْط أَو الْعَادة يقْضِي بِهِ فَقَط لِأَن الْحق حِينَئِذٍ للآدمي، وَهَذَا معنى قَول (خَ) : وَعجل إِن عين بِشَرْط أَو عَادَة أَو فِي مضمونه لم يشرع فِيهَا إلاَّ كِرَاء حج فاليسير إِلَى قَوْله: وفسدت إِن انْتَفَى عرف تَعْجِيل الْمعِين الخ. إِلَّا أَن عِبَارَته ﵀ غير موفية بالمراد، فَلَو قَالَ: وَعجل بِشَرْط أَو عَادَة فِي الْمعِين مُطلقًا كَغَيْرِهِ فِي الْمَضْمُونَة وتفسد بِعَدَمِهِ كانتفاء عرف تَعْجِيل الْمعِين لَا غَيره فِي غَيرهَا، وَيَقْضِي بِهِ فَقَط مَعَ الشَّرْط أَو الْعَادة لأجاد وَالله أعلم. وحيثُ مُكْتَرٍ لعُذْرٍ يَرْجِعُ فَلَازِمٌ لهُ الكِرَاءُ أَجْمَعُ (وَحَيْثُ مكتر) دَابَّة ليزف عَلَيْهَا عروساً أَو ليشيع عَلَيْهَا رجلا أَو ليرْكبَهَا لموْضِع كَذَا أَو اكتراها لحج أَو ليرْكبَهَا فِي يَوْم كَذَا فَتَركهَا حَتَّى مضى الْيَوْم (لعذر) من مرض أَو عدم رفْقَة أَو

стр. 947

سقط أَو مَاتَ أَو حَبسه غَرِيم فِي دينه وَنَحْو ذَلِك من الْأَعْذَار الَّتِي عاقته عَن الْعَمَل عَلَيْهَا (يرجع) عَن ذَلِك الزفاف وَنَحْوه (فلازم لَهُ الْكِرَاء أجمع) إِن كَانَ حَيا أَو لوَرثَته إِن مَاتَ وَله أَو لوَارِثه كِرَاء الدَّابَّة فِي مثل مَا اكتراها لَهُ حَيْثُ كَانَ الزَّمَان الَّذِي اكتراها للرُّكُوب فِيهِ بَاقِيا قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة وَنَحْوه قَول ابْن سَلمُون: وَمن اكترى دَابَّة إِلَى مَوضِع فَرجع بهَا من الطَّرِيق فالكراء لَازم لَهُ يَعْنِي: وَله أَن يكريها فِي مثله، وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مَا تستوفى بِهِ الْمَنْفَعَة لَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بتلفه أَو وجود عائق كموت الْمُكْتَرِي للدابة ومرضه وحبسه وَعَدَمه رفْقَة وَنَحْو ذَلِك كتلف الْمَتَاع الْمَحْمُول على الدَّابَّة أَو أَخذ اللُّصُوص لَهُ أَو موت الْأمة المبعوثة مَعَه بِأَجْر ليوصلها لفُلَان، سَوَاء تلف أَو غصب قبل الْخُرُوج أَو بعده، وكل مَا تستوفى مِنْهُ الْمَنْفَعَة تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بتلفه كموت الدَّابَّة الْمعينَة وانهدام الدَّار المكتراة، وَنَحْو ذَلِك كَمَا مرّ فِي الْبَيْت قبله، والناظم تكلم على الْكُلية الأولى وَسكت عَن الثَّانِيَة و (خَ) تكلم عَلَيْهِمَا مَعًا حَيْثُ قَالَ: وفسخت بِتَلف مَا يسْتَوْفى مِنْهُ لَا بِهِ واستثنوا من الْكُلية الَّتِي تعرض لَهَا النَّاظِم أَربع مسَائِل وَهِي صبيان وفرسان صبي التَّعْلِيم وَالرضَاعَة وَفرس النزو والرياضة فَقَالُوا: إِن الْإِجَارَة تَنْفَسِخ فِيهَا وَله من الْكِرَاء بِحِسَاب مَا عمل مَعَ كَونهَا مِمَّا تستوفي بهَا الْمَنْفَعَة وألحقوا بذلك كَمَا فِي الشَّامِل وَغَيره المؤاجرة على الْحَصاد فيتلف الزَّرْع وَلَيْسَ لرَبه غَيره وعَلى بِنَاء حَائِط فَيمْنَع من الْبناء مطر وَنَحْوه وثوب يدْفع لخياط أَو غزل يدْفع لنساج فيتلف كل مِنْهُمَا وَلَيْسَ لربهما غَيره، والطبيب يُؤَاجر لمداواة العليل مُدَّة فَيَمُوت العليل قبلهَا والمؤاجرة على ثقب جَوْهَر نَفِيس فينكسر وعَلى الحراثة فينكسر المحراث وَنَحْو ذَلِك قَالَ فِي ضيح: وَالْعلَّة فِيهَا كلهَا تعذر الْخلف غَالِبا اه. وَعَلِيهِ فالمدار على تعذر خلف الْمُسْتَوْفى بِهِ فَلَا مَفْهُوم للمسائل الْأَرْبَع وَلَا لما ألحقوه بهَا وَالْحق أَنَّهُمَا قَولَانِ. مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَهُوَ الَّذِي شهره فِي الْبَيَان أَن الْإِجَارَة لَا تَنْفَسِخ فِي ذَلِك وَعَلِيهِ جَمِيع الْكِرَاء وَله أَن يَسْتَعْمِلهُ فِي مثله، وَهُوَ مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم و (خَ) وَصَححهُ ابْن شَاس وَابْن الْحَاجِب، وَالْقَوْل الآخر إِنَّهَا تَنْفَسِخ وَعَلِيهِ درج فِي الْمُتَيْطِيَّة فِي تخلفه عَن زفاف الْعَرُوس، واستظهره (م) فِي الْبَيْت بعده وشهره فِي الْمُقدمَات قَائِلا: الْمَشْهُور انْفِسَاخ الْإِجَارَة إِذا تلف ثوب الْخياطَة، وَمرَاده إِذا كَانَ اللبَاس يتَعَذَّر خَلفه حِينَئِذٍ لَا للتِّجَارَة وَلعدم تعذر خَلفه، فهما قَولَانِ. شهر كل مِنْهُمَا، لَكِن مَحل الْخلاف إِذا لم يجر الْعرف بِالْفَسْخِ عِنْد تعذر الْمُسْتَوْفى بِهِ، وإلاَّ فَيعْمل بِالْعرْفِ لِأَنَّهُ كالشرط فَكَأَنَّهُ اشْترط عَلَيْهِ أَنه إِن عاقه عائق انْفَسَخ العقد بَينهمَا،

стр. 948

وَرُبمَا يرشد إِلَيْهِ قَول ابْن عَرَفَة: لَا يدْخل هَذَا الْخلاف فِي نَوَازِل وقتنا بتونس لِأَن الْعرف تقرر عِنْدهم بِفَسْخ الْإِجَارَة بِكَثْرَة الْمَطَر ونزول الْخَوْف اه. وَالْعرْف عندنَا بفاس الْيَوْم الْفَسْخ بِحُصُول الْعذر حَتَّى إِنَّك لَا تَجِد اثْنَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي ذَلِك وَالله أعلم. وَهَذَا كُله فِي تخلف الْمُكْتَرِي للْعُذْر الْمَذْكُور، وَأما لَو خَالف الْمكْرِي فَلم يَأْتِ بالدابة فَقَالَ فِيهَا: وَإِن اكترى دَابَّة إِلَى بلد ليرْكبَهَا فِي غده فأخلفه الْمكْرِي وَلم يَأْته بهَا إِلَّا بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ركُوبه، وَلَو فَاتَهُ مَا كَانَ يرومه أَي من تشييع رجل وَنَحْوه، وَإِن اكتراها أَيَّامًا مُعينَة انْتقض الْكِرَاء فِيمَا غَابَ مِنْهَا كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجر شهرا بِعَيْنِه يمرض فِيهِ فتفسخ إِجَارَته اه. فقولها: وَلَو فَاتَهُ مَا كَانَ يرومه الخ. قَالَ ابْن الْمَوَّاز: لِأَن ذَلِك كَشِرَاء سلْعَة بِعَينهَا أَو مَضْمُونَة يَدْفَعهَا غَدا فَمَا لَهُ بذلك حَتَّى فَاتَ مَا يُرِيد فَلَا حجَّة لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ السّلْعَة. وَقَالَ مَالك فِي الْأَضَاحِي: يسلم فِيهَا فيأتيه بهَا بعد أَيَّام النَّحْر اه. وَهُوَ معنى قَول (خَ) عاطفاً على مَا لَا تَنْفَسِخ فِيهِ أَو خلف رب الدَّابَّة فِي غير معِين وَحج، وَإِن فَاتَ مقْصده الخ. تَنْبِيه: إِذا ضلت الدَّابَّة بالمتاع فَلَا كِرَاء لصَاحِبهَا فَإِن أدّى جعلا لمن جَاءَ بهَا فالجعل على رب الدَّابَّة وَإِن ضلت بتفريطه فغرم قيمتهَا، ثمَّ وجدت بعد ذَلِك وَلم تَتَغَيَّر فَأَرَادَ رَبهَا أَخذهَا ورد الْقيمَة فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَهِي للَّذي غرم قيمتهَا كَمَا فِي ابْن سَلمُون. وَفِي الْمُدَوَّنَة وكل مَا عطب من سَبَب حامله من دَابَّة أَو غَيرهَا فَلَا كِرَاء فِيهِ إِلَّا على الْبَلَاغ، وَلَا يضمن الْجمال إِلَّا أَن يغر أَي يتَعَدَّى، وَكَذَلِكَ مَا حمله الرجل على ظَهره فَعَطب فَلَا كِرَاء لَهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ السَّفِينَة إِذا غرقت فِي ثُلثي الطَّرِيق فَلَا كِرَاء لَهَا وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي شَيْء مِمَّا فِيهَا. وَرَأى مَالك أَن ذَلِك على الْبَلَاغ. ابْن يُونُس: وَجه قَول مَالك إِنَّه إِنَّمَا دفع إِلَيْهِ الْكِرَاء ليحصل لَهُ غَرَضه فَلم يحصل لَهُ شَيْء فَأشبه ذَلِك الْجعل الَّذِي بطلَان تَمَامه من أجل الْأَجِير، وَأَيْضًا الْعرف قد جرى بَين النَّاس أَن الْكِرَاء فِي ذَلِك على الْبَلَاغ فَكَانَ الْمكْرِي دخل عَلَيْهِ إِلَّا أَن يشْتَرط عَلَيْهِ كل مَا سَار شَيْئا أَخذ بِحِسَابِهِ فَلهُ ذَلِك اه. وَوَاجِبٌ تَعْيينُ وَقْتِ السَّفَرِ فِي السُّفُنِ وَالْمَقَرِّ لِلّذِي اكتُرِي (وواجب تعْيين وَقت السّفر فِي) كِرَاء (السفن) بِسُكُون الْفَاء لضَرُورَة الْوَزْن، وَكَذَا يجب تعْيين وَقت السّفر فِي كِرَاء الدَّابَّة أَيْضا لاخْتِلَاف الْأَسْفَار غلاء ورخصاً باخْتلَاف الْأَوْقَات فِي كرائهما مَعًا فَلَا مَفْهُوم للسفن فِي وجوب التَّعْيِين (و) وَجب أَيْضا تعْيين (الْمقر) الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السّير وَيُوضَع الْمَتَاع فِيهِ (للَّذي اكتري) وَلَا يضربا لذَلِك أَََجَلًا لاخْتِلَاف الرِّيَاح وَالسير فِي الدَّابَّة

стр. 949

فَإِن ضرباه فسد الْكِرَاء كَمَا قَالَ (خَ) : وَهل يفْسد إِن جَمعهمَا أَي الْعَمَل وَالْأَجَل وتساويا أَو مُطلقًا خلاف. وَهُوَ عَلَى الْبَلَاغِ إنْ شَيءٌ جَرَى فِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ مِع الْكِرَا (وَهُوَ) أَي كِرَاء السفن عِنْد مَالك وَابْن الْقَاسِم (على الْبَلَاغ إِن شَيْء جرى فِيهَا) أَي السفن (فَلَا شَيْء لَهُ) أَي لِرَبِّهَا (من الكرا) ء لِأَنَّهَا كالجعل الَّذِي لَا يسْتَحق الْأجر فِيهِ إِلَّا بِتمَام الْعَمَل فَمحل كرائها على الْجعَالَة إِلَّا أَن يشْتَرط أَن لَهُ بِحِسَاب مَا سَار فَتكون إِجَارَة كَمَا مرّ بِالْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِك قبل هَذَا الْبَيْت، وَتَقَدَّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَيْضا أول كِرَاء الدّور، وَظَاهره أَنه يجوز النَّقْد فِيهَا وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور، وَظَاهره أَنه لَا كِرَاء لِرَبِّهَا وَلَو غرقت بمرسى مَحل النُّزُول وَهُوَ كَذَلِك إِلَّا أَن يفرط رب الْمَتَاع فَلم ينْقل مَتَاعه بفور النُّزُول حَتَّى غرقت، فَإِنَّهُ يلْزمه الْكِرَاء كُله حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَو شرعوا فِي التفريغ فغشيهم الموج ومنعهم مِنْهُ حَتَّى غرق بعضه وَسلم الْبَعْض الآخر، فَإِن كِرَاء السَّالِم لَازم، وَكَذَا لَو غرقت فِي أثْنَاء الطَّرِيق وسلمت حملاتها كلهَا أَو بَعْضهَا فاكترى رب الْمَتَاع سفينة أُخْرَى وَحمل مَتَاعه فِيهَا، فَإِن لرب السَّفِينَة الأولى من الْكِرَاء بِقدر مَا انْتفع بِهِ رب الْمَتَاع السَّالِم بِبُلُوغِهِ إِلَى الْموضع الَّذِي غرقت فِيهِ كَمَا قَالُوا فِي الْبِئْر يحْفر بَعْضهَا ثمَّ يتْرك ويكملها غَيره أَن للْأولِ بِقدر مَا انْتفع بِهِ رب الْبِئْر، وَلَا فرق على مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم من أَن كراءها على الْبَلَاغ بَين وُقُوع الْكِرَاء على قطع الْبَحْر أَو الرِّيف أمكنهم النُّزُول فِي قَرْيَة حاذوها أم لَا. كَانُوا مسافرين بِالرِّيحِ أَو بِغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْن نَافِع: كراؤها ككراء الدَّابَّة فَإِذا غرقت أَو ردّها الرّيح أَو اللُّصُوص فَيلْزمهُ من الْكِرَاء بِحَسب سَيرهَا. وَقَالَ أصبغ: إِن وصلت لمحل يُمكن السّفر مِنْهُ أَو حاذوه فردتهم الرّيح أَو اللُّصُوص فكالدابة وَإِلَّا فعلى الْبَلَاغ، وعَلى الْمَشْهُور من أَنَّهَا على الْبَلَاغ لَو زَادَت بِهِ الرّيح على الْمحل الْمَقْصُود فَلَا كِرَاء لَهُ إِلَّا أَن يردهُ الْمَقْصُود، وَإِن عرض لَهُم الْعَدو أَو هول فِي الْبَحْر فليقصدوا موضعا للنزول فِيهِ حَتَّى يتهيأ لَهُم السّفر، وَمن أَرَادَ مِنْهُم أَن ينزل أَو ينزل مَتَاعه فَذَلِك لَهُ وَعَلِيهِ أَدَاء الْكِرَاء كُله. انْظُر ابْن سَلمُون. تَنْبِيه: وَيجب طرح مَا ترجى بِهِ نجاة الْمركب من الْمَتَاع لخوف غرق وَلَا يطْرَح الْآدَمِيّ وَلَو

стр. 950

ذِمِّيا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِذا خَشوا الْهَلَاك إِن لم يُخَفف من الْمركب فيقرع على من يرْمى حَتَّى من الْآدَمِيّ وَالرِّجَال وَالْعَبِيد، وَأهل الذِّمَّة فِي ذَلِك سواءْ ابْن عَرَفَة: وَنسبَة بَعضهم لخرق الْإِجْمَاع إِذْ لَا يرْمى الْآدَمِيّ لنجاة غَيره وَلَو ذِمِّيا، وَقَاعِدَة الْإِجْمَاع على وجوب ارْتِكَاب أخف الضررين لدرء أشدهما شاهدة لقَوْل اللَّخْمِيّ وَهِي هُنَا، وَإِن كَانَت لإتلاف النَّفس فَهِيَ فِيهِ لحفظها اه. (فصل فِي أَحْكَام الْإِجَارَة) مَأْخُوذَة من الْأجر الَّذِي هُوَ الثَّوَاب فَمَعْنَى آجره اسْتَعْملهُ بِأَجْر أَي بِثَوَاب على عمله من قَوْلهم: آجرك الله أَي أثابك. عِيَاض: يُقَال أجرت فلَانا وآجرته بِالْقصرِ وَالْمدّ، وَكَذَلِكَ أجره الله وآجره وَالْإِجَارَة بيع مَنَافِع مَعْلُومَة بعوض مَعْلُوم وَهِي مُعَاوضَة صَحِيحَة يجْرِي فِيهَا جَمِيع مَا يجْرِي فِي الْبيُوع من الْحَلَال وَالْحرَام، فَلَا بُد أَن تكون الْمَنْفَعَة وَالْأَجْر مَقْدُورًا على تسليمهما مُنْتَفعا بهما ظَاهِرين إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يشْتَرط فِي البيع، وَعرفهَا ابْن عَرَفَة بقوله: بِبيع مَنْفَعَة مَا أمكن نَقله غير سفينة وَلَا حَيَوَان لَا ينْقل بعوض غير ناشىء عَنْهَا بعضه يَتَبَعَّض بتبعيضها الخ. فَقَوله: بيع أطلق البيع على العقد لِأَن الْإِجَارَة مباينة للْبيع لَا تدخل فِيهِ، وَلَا بُد أَن يَأْتِي فِي الْحَد بِالْجِنْسِ الشَّامِل للمحدود وَغَيره، ثمَّ يخرج غَيره بالفصول فَلَو قَالَ: عقد على مَنْفَعَة الخ. لَكَانَ أحسن قَالَه الرصاع وَخرج بقوله مَنْفَعَة بيع الذوات، وَبِقَوْلِهِ مَا أمكن نَقله كِرَاء الدّور وَالْأَرْض، وَبِقَوْلِهِ وَلَا حَيَوَان لَا يعقل كِرَاء الرَّوَاحِل، وَبِقَوْلِهِ غير ناشىء عَنْهَا الْقَرَاض وَالْمُسَاقَاة لِأَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ فيهمَا مَنْفَعَة الْعَامِل وَالثَّمَرَة وَالرِّبْح ناشئان عَن عمله، وَالضَّمِير فِي قَوْله بعضه عَائِد على الْعِوَض، وَفِي تبعيضها على الْمَنْفَعَة، وَخرج بقوله الْجعل لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّض فِيهِ الْعِوَض بتبعيض الْمَنْفَعَة فَقَوله: بعضه الخ. مخرج للجعل ومدخل للنِّكَاح الَّذِي وَقع صداقه مَنْفَعَة مَا يُمكن نَقله أَي: بعضه يَتَبَعَّض بتبعيضها وَبَعضه لَا يَتَبَعَّض كالبضع، فَإِنَّهُ لَا يَتَبَعَّض بتبعيض الْمَنْفَعَة بِهَذَا أجَاب ابْن عَرَفَة عَن زِيَادَة لَفْظَة بعضه الخ. بعد مَا توقف هُوَ وَأهل مَجْلِسه فِي زيادتها، وَرغب الله تَعَالَى فِي فهمها وَلَو قَالَ: جله يَتَبَعَّض بتبعيضها يَعْنِي وَغير الجل لَا يَتَبَعَّض كالبضع الْوَاقِع فِي مُقَابلَة الْوَارِد فِي قَوْله تَعَالَى: إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ (الْقَصَص: ٢٧) الْآيَة لَكَانَ أوضح وَبعد هَذَا يعْتَرض عَلَيْهِ كَمَا للوانوغي بِأَنَّهُ يلْزمه دُخُول الْجعل بِمَا دخل بِهِ النِّكَاح فَيلْزم فَسَاد طرده على أَنه لَو حذف لَفْظَة بعضه، وَاقْتصر على مَا بعده لم يلْزم خُرُوج النِّكَاح لِأَن تبعيض الْمَنْفَعَة فِيهِ يُوجب للْأَجِير الرُّجُوع فِي صدَاق الْمثل لِأَن الْمَنْفَعَة إِنَّمَا وَقعت فِي مُقَابلَته حكما، فَإِذا تبعضت تبعض مقابلها الَّذِي هُوَ صدَاق الْمثل فَيَأْخُذ منفعَته مِنْهُ، فَالصَّوَاب حذف لَفْظَة بعضه. فرع: قَالَ الْبُرْزُليّ: صدر الْإِجَارَة فِي كتاب الْغرَر مِنْهَا أَن قَالَ: بِعْتُك سُكْنى دَاري سنة فَذَلِك غلط فِي اللَّفْظ وَهُوَ كِرَاء صَحِيح، فَأخذ مِنْهَا إِذا تَعَارَضَت الْحَقِيقَة المرجوحة، وَالْمجَاز الرَّاجِح عمل عَلَيْهِ، وَفِيه أَقْوَال فِي أصُول الْفِقْه اه. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كتاب الصّرْف، مِنْهَا: إِن

стр. 951

صرفت مِنْهُ دِينَارا بدرهم على أَن تَأْخُذ بهَا سمناً أَو زيتاً وَتسَمى صفته ومقداره نَقْدا أَو مُؤَجّلا، أَو على أَن تقبضها ثمَّ تشتري مِنْهُ هَذِه السّلْعَة لأجل السّلم فَذَلِك جَائِز، وَالْكَلَام الأول لَغْو فَإِن ردَّتْ السّلْعَة بِعَيْب رجعت بدينارك لِأَن البيع إِنَّمَا وَقع بالدينار، وَإِنَّمَا ينظر مَالك إِلَى فعلهمَا لَا إِلَى قَوْلهمَا، وَتَأمل قَول (خَ) فِي الْعَارِية والأطعمة والنقود قرض، وَانْظُر مَا تقدم فِي التَّنْبِيه الْخَامِس من التصيير فَإِن هُنَاكَ مَا يُوَافقهُ. العَمَلْ الْمَعَلُومُ مِنْ تَعَيينِهِ يَجُوزُ فِيهِ الأَجْرُ مَعْ تَبْيينِهِ (الْعَمَل الْمَعْلُوم من) أجل (تَعْيِينه) أَي تعْيين حَده بِالْعَمَلِ أَو بالأجل وَذكر صفته، فَالْأول كَقَوْلِه: أَو أجرك على صبغ هَذَا الثَّوْب أَو دبغ هَذَا الْجلد أَو خياطَة هَذَا الثَّوْب، وَبَين لَهُ صفة الصَّبْغ والدبغ والخياطة. وَالثَّانِي كَقَوْلِه: أوأجرك على بِنَاء يَوْم أَو خياطَة شهر أَو حراثة يَوْمَيْنِ وَنَحْو ذَلِك، فَالْعَمَل الَّذِي هُوَ الدبغ والصبغ وَنَحْوهمَا لَا بُد أَن يكون مَعْلُوما لَهما، وَلَا بُد أَيْضا أَن يكون محدوداً إِمَّا بالفراغ مِنْهُ كخياطة ثوب وطحن أردب، وَإِمَّا بِضَرْب أجل كخياطة يَوْم أَو صبغه ودبغه وطحنه فالمصنوعات أما أَن تحد بالفراغ وبالأجل وَغَيرهَا كالرعاية والخدمة الْمَعْرُوفَة وَنَحْوهمَا يحد بِضَرْب الْأَجَل لَا غير، فَإِن جمع بَين الْأَجَل وَالْعَمَل كَقَوْلِه: خطّ هَذَا الثَّوْب فِي هَذَا الْيَوْم بدرهم أَو أكتري مِنْك دابتك لتركبها إِلَى مَحل كَذَا فِي هَذَا الْيَوْم أَو أَو أجرك لتوصل الْكتاب لمحل كَذَا فِي هَذَا الْيَوْم أَو الشَّهْر بدرهم، فَهَل تفْسد مُطلقًا أَو إِنَّمَا تفْسد إِن كَانَ الْأَجَل مُسَاوِيا للْعَمَل أَو أنقص مِنْهُ لَا إِن كَانَ الْأَجَل أَكثر من الْعَمَل فَلَا تفْسد فِيهِ؟ خلاف (خَ) : وَهل تفْسد إِن جَمعهمَا وتساويا أَو مُطلقًا؟ خلاف. وَمن ذَلِك الِاسْتِئْجَار على بيع ثوب مثلا، لَكِن لما لم يكن البيع فِي مَقْدُور الْأَجِير كَانَ جعَالَة أَن حَده بِالْعَمَلِ وَهُوَ تَمام الْعَمَل وَإِجَارَة إِن حَده بالزمن وَيسْتَحق أجره بِمُضِيِّ الزَّمن حِينَئِذٍ وَإِن لم يبع (يجوز فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْعَمَل الْمَعْلُوم (الْأجر) أَي تعويض الْأجر الَّذِي هُوَ ثمن للْعَمَل أَي: يجوز معاوضته بِالْأَجْرِ الَّذِي هُوَ ثمن لَهُ وَعَلِيهِ، فَلَا حَاجَة لدعوى الِاسْتِخْدَام (مَعَ تبيينه) أَي الْأجر أَي تَبْيِين جنسه وَقدره وَصفته إِن كَانَ غَائِبا عَن الْمجْلس، وإلاَّ فَلَا حَاجَة لذكر صفته وَلَا جنسه وَقدره، وَتقدم أَن الْإِجَارَة كَالْبيع يشْتَرط فِيهَا مَا يشْتَرط فِيهِ، وَمَفْهُومه أَنه إِذا لم يبين قدر الْأجر لم يجز، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور. وروى ابْن الْقَاسِم أَنه لَا بَأْس بِاسْتِعْمَال الْخياط المخالط الَّذِي لَا يكَاد يُخَالف مستعمله دون تَسْمِيَة أجر، فَإِذا فرغ أرضاه بِشَيْء يُعْطِيهِ إِيَّاه، وَمن هَذَا أعمل على دَابَّتي فَمَا حصل فلك نصفه، وَعَن ابْن سراج أَنه أجَاز إِعْطَاء السَّفِينَة بالجزء مِمَّا يحصل عَلَيْهَا وَمثله الجباح بالجزء من عسله وَالزَّرْع مِمَّن يَحْرُسهُ بِجُزْء مِنْهُ، وَمذهب السّلف جَوَاز الْإِجَارَة بِجُزْء مِنْهُ قِيَاسا على الْقَرَاض انْظُر (ق) أَوَائِل الْإِجَارَة، وعَلى ذَلِك تخرج أُجْرَة الدَّلال بِربع عشر الثّمن مثلا، وَنَصّ على جَوَازهَا بذلك صَاحب المعيار فِي نَوَازِل الشّركَة وَمِنْه إِعْطَاء الْبَقَرَة لمن يرعاها، بِنصْف زبدها كَمَا فِي نَوَازِل الفاسي، وَقد أجَاز فِي الْمُدَوَّنَة كِرَاء الْبَقَرَة للحرث وَاشْتِرَاط لَبنهَا مَعَ جهل قدره، وَانْظُر مَا يُؤَيّدهُ فِي أول الْمُزَارعَة أَيْضا.

стр. 952

وَلْلأَجِيرِ أُجْرَةٌ مُكمَّلَهْ إِن تَمَّ أَوْ بِقَدْرِ مَا قد عَمِلَهْ (وللأجير أُجْرَة مكملة إِن تمّ) عمله كَانَ صانعاً أَو رَاعيا أَو غَيرهمَا (أَو) لَهُ من الْأُجْرَة إِن عاقه عائق عَن الْإِتْمَام كَمَرَض وَنَحْوه (بِقدر مَا قد عمله) أَي بِقدر عمله فَمَا مَصْدَرِيَّة، وَهَذَا إِن لم يزل العائق حَتَّى تمت الْمدَّة فِي الرِّعَايَة وَنَحْوهَا، أَو تَرَاضيا على عدم الْإِتْمَام، وإلاَّ أجبر على الْإِتْمَام من أَبَاهُ وَيُؤْخَذ من الآبي كَفِيل ويسجن لَهُ وَيضْرب إِن تَمَادى على الِامْتِنَاع، لِأَن عقد الْإِجَارَة لَازم لكل مِنْهُمَا. فَإِن تروغ الرَّاعِي أَو معلم الصّبيان مثلا وخرجا قبل انْقِضَاء الْمدَّة من غير عذر وَلَا عائق، فَفِي ابْن عَرَفَة: سمع عِيسَى بن الْقَاسِم: من واجر أَجِيرا مُدَّة مُعينَة شهرا أَو يَوْمًا لعمل خياطَة أَو بِنَاء أَو غَيره فرَاغ عَنهُ حَتَّى انْقَضى الْأَجَل انْفَسَخت الْإِجَارَة فِيمَا بَطل، وَإِن عمل شَيْئا فبحسابه اه. ابْن رشد: هَذَا صَحِيح لَا خلاف فِيهِ اه. ابْن عَرَفَة: وَبِه أَفْتيت فِي الرَّاعِي وأجراء الْحَرْث لأشهر مُعينَة يروغ الْأَجِير فِي بَعْضهَا فَيَأْتِي بعد الْمدَّة أَن لَهُ بِحِسَاب مَا عمل اه. قلت: وَمَا أفتى بِهِ وَحكى عَلَيْهِ ابْن رشد الِاتِّفَاق هُوَ الَّذِي شهره فِي المازونية. وَقَالَ فِي الطرر: إِن بِهِ الْقَضَاء وَالْعَمَل وَمُقَابِله أَنه لَا شَيْء لَهُ لِأَنَّهُ ترك مَا كَانَ يجب لَهُ بترك تَمام مَا عومل عَلَيْهِ قَالَه أَبُو مَيْمُونَة الدراس فَقِيه فاس وَغَيره وَصدر بِهِ فِي الطرر قَالَ: وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن من أَرَادَ مِنْهُمَا قطع الْمُعَامَلَة فقد رَضِي بترك حَقه إِذا لم يتم شَرطه، وَهَذَا وَجه الْقيَاس اه. وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون وَغَيره، وَعَلِيهِ فَهَذَا الْأَجِير بتروغه وهروبه منع الْمُسْتَأْجر من اسْتِيفَاء مَنَافِعه الَّتِي بَاعهَا فَهُوَ ظَالِم متْلف عمله على الَّذِي اسْتَحَقَّه فَيجب عَلَيْهِ غرم قِيمَته لِأَنَّهُ بتروغه وهروبه غَاصِب

стр. 953

لمنافع نَفسه وغاصب الْمَنَافِع يضمنهَا سَوَاء اسْتعْمل أَو عطل كَمَا فِي (خَ) وَغَيره. وَإِذا كَانَ غَاصبا للمنافع الَّتِي بَاعهَا فَيجب عَلَيْهِ ضَمَان قيمتهَا بِمَنْزِلَة من بَاعَ سلْعَة فأتلفها، وَقد قَالَ (خَ) : وَإِتْلَاف المُشْتَرِي قبض وَالْبَائِع وَالْأَجْنَبِيّ يُوجب الْغرم، وَقد تقدم قَرِيبا أَنه يجْرِي فِي الْإِجَارَة مَا جرى فِي البيع، وَإِذا تقرر هَذَا فَمَا فِي السماع. وَحكى عَلَيْهِ ابْن رشد الِاتِّفَاق وشهره فِي المازونية مَبْنِيّ على أَن الْأَجِير لما كَانَ معينا تستوفى مِنْهُ الْمَنَافِع انْفَسَخت الْإِجَارَة بتروغه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تلفه، وَهَذَا إِنَّمَا يتم لَو كَانَ التّلف بِغَيْر اخْتِيَاره، وَأما حَيْثُ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَالْوَاجِب هُوَ تَضْمِينه قيمَة الْمَنَافِع الَّتِي تلفهَا فيحاسبه الْمُسْتَأْجر لَهُ بِقِيمَتِهَا فَإِذا اسْتَأْجر سنة مثلا بِاثْنَيْ عشر درهما ورعى أَو خدم ثَلَاثَة أشهر مِنْهَا وتروغ فِي الْبَاقِي، فَإِذا كَانَت قيمَة هَذَا الَّذِي تروغ فِيهِ سِتَّة دَرَاهِم قاصه بِثَلَاثَة مِنْهَا فِي الثَّلَاثَة الْوَاجِبَة لَهُ أَي: وَغرم الرَّاعِي لَهُ ثَلَاثَة، وَإِذا رعى تِسْعَة وتروغ فِي ثَلَاثَة وَقيمتهَا ثَلَاثَة أَو سِتَّة لشدَّة بردهَا أَو حرهَا فِي السّنة، فَإِن الْمُسْتَأْجر يغرم لَهُ فِي الأولى تِسْعَة وَفِي الثَّانِيَة يغرم لَهُ الرَّاعِي ثَلَاثَة، وَهَكَذَا هَذَا هُوَ الْحق وَعَلِيهِ فَقَوْلهم لَا شَيْء لَهُ لَيْسَ على إِطْلَاقه، بل إِنَّمَا ذَلِك فِي بعض الصُّور كَمَا ترى، وَإِنَّمَا تركُوا التَّفْصِيل الْمَذْكُور اتكالاً على وضوح الْمَعْنى، وعَلى هَذَا فلأرباب الْغنم وآباء الصّبيان أَن يضمناه قيمَة الْمَنَافِع الْبَاقِيَة ويؤاجرا من يرْعَى أَو يعلم الصَّبِي عَلَيْهِمَا بَقِيَّة الأمد، فَإِن قدرا عَلَيْهِ يَوْمًا مَا أخذا مِنْهُ ذَلِك إِن زَاد على مَا وَجب لَهُ فِيمَا رعى، وَإِن نقص عَنْهَا كَانَ لَهُ الْبَاقِي. هَذَا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه الْأُصُول، وقديماً كنت أُفْتِي بِمثل هَذَا، وَيُؤَيِّدهُ مَا وقفت عَلَيْهِ لبَعْضهِم ناسباً لَهُ لنوازل ابْن سَحْنُون بعد أَن قرر الْخلاف هَل لَهُ شَيْء أم لَا؟ قَالَ، قَالَ مُحَمَّد، وَأَنا أَقُول: إِن وَقعت الْإِجَارَة بَينهمَا فَاسِدَة فَلهُ أجر مثله فِيمَا رعى، وَإِن كَانَت صَحِيحَة اُسْتُؤْجِرَ على رعايته سنة مُعينَة وَلَيْسَ لَهُ شَيْء إِلَّا بِتمَام عمل السّنة يَعْنِي لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا فضل عَن تَمام السّنة إِن فضل لَهُ شَيْء كَمَا مر. نعم إِذا لم يضمناه قيمَة عمل الَّذِي أتْلفه وَلم يؤاجرا عَلَيْهِ من يكمل لَهُ عمله، وَجَاء بعد انْقِضَاء الْمدَّة يطْلب مَا وَجب لَهُ، فَإِن لَهُ بِحِسَابِهِ، وَعَلِيهِ فيقيد النّظم بِمَا إِذا عاقه العائق حَتَّى انْقَضتْ الْمدَّة أَو تَرَاضيا على الْفَسْخ أَو لم يعقه شَيْء وَلَا تَرَاضيا وَلم يضمناه وَلَا واجرا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لَهُ بِحِسَاب مَا عمل، وَقد كثر السُّؤَال عَن هَذِه الْمَسْأَلَة ويفتي فِيهَا من لَا تَأمل مَعَه بِمَا فِي النّظم من أَن لَهُ بِقدر مَا عمل مُطلقًا، وَذَلِكَ غير سديد. وتعليلهم بِأَن لَهُ ترك مَا كَانَ يجب لَهُ فِي ماضي الْمدَّة بترك تَمام مَا عومل عَلَيْهِ فِي بقيتها كَالصَّرِيحِ فِي أَن مَا اسْتَحَقَّه لماضي الْمدَّة يُؤَاجر عَلَيْهِ بِهِ فِي بقيتها، وَالْغَالِب أَن مَا اسْتَحَقَّه فِي الْمَاضِي لَا يَفِي بِمَا أتْلفه من عمله إِن خرج بعد رعايته من السّنة نَحْو الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَة، فَإِن وفى بِهِ وَزَاد كَانَت لَهُ الزِّيَادَة لِأَنَّهُ قد يخرج وَيبقى لتَمام السّنة نَحْو الشَّهْر أَو الشَّهْرَيْنِ، وَإِن نقص كَانَ عَلَيْهِ النُّقْصَان فهم إِنَّمَا أطْلقُوا اتكالاً على وضوح الْمَعْنى، وَلِهَذَا قَالَ (ت) : يَنْبَغِي اعْتِمَاد قَول من قَالَ لَا شَيْء لَهُ، وَحقه أَن يَقُول يجب اعْتِمَاده إِذْ مَا فِي السماع ضَعِيف الْمدْرك كَمَا ترى وَالله أعلم. وَهَذَا كُله فِي الْأَجِير الْبَالِغ الرشيد، وَأما غَيره فَلهُ بِحِسَاب مَا عمل حَيْثُ تروغ وأتى بعد انْقِضَاء الْمدَّة لِأَن غير الْبَالِغ وَغير الرشيد لَا يضمنَانِ مَا أتلفاه من منافعهما لِأَنَّهُمَا مأمونان عَلَيْهِمَا. وَقد قَالَ (خَ) : وَضمن مَا أفْسدهُ إِن لم يُؤمن عَلَيْهِ فَإِن لم يتروغ وَكَانَ حَاضرا وَهُوَ رشيد فَإِنَّهُ يضْرب ويسجن وَيُؤْخَذ مِنْهُ كَفِيل بذلك حَتَّى يفعل كَمَا مر، فَإِن تروغ وَجَاء قبل انْقِضَاء الْمدَّة أَو صَحَّ من مَرضه أَو زَالَ عذره قبل انْقِضَائِهَا أَيْضا، فَإِنَّهُ يجْبر على

стр. 954

إِتْمَامهَا وَيسْقط من أجرته بِقدر مَا عطل، وَلَا يجوز إِن كَانَ نَقده الْأُجْرَة أَن يتَّفقَا على قَضَاء مُدَّة الهروب أَو الْمَرَض بعد انْقِضَاء مُدَّة الْإِجَارَة وَيَأْخُذ جَمِيع الْأُجْرَة لِأَنَّهُ فسخ مَا فِي الذِّمَّة فِي مُؤخر إِذْ قد وَجب للْمُسْتَأْجر مَا يُقَابل مُدَّة الهروب من الْأُجْرَة فيفسخها فِي شَيْء لَا يتعجله الْآن، فَإِن كَانَ لم ينقده جَازَ قَضَاء مُدَّة الهروب بعد انْقِضَاء مُدَّة الْإِجَارَة لانْتِفَاء الْعلَّة، وَهَذَا كُله مَعَ التَّعْيِين، وَأما مَعَ عَدمه كَقَوْلِه: اعمله بِنَفْسِك أَو بغيرك فَهُوَ من الْإِجَارَة الْمَضْمُونَة وَلَا تَنْفَسِخ بتروغه أَو مَوته ويستأجر من تركته من يكمله، وَإِن لم يكن وَفَاء فِي التَّرِكَة خص الْمُسْتَعْمل غرماءه. تَنْبِيه: إِذا واجره على الْعَمَل بِنَفسِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَلَيْسَ لِلرَّاعِي أَن يسترعي غَيره إِلَّا بِإِذن رَبهَا فِي أحد قولي ابْن الْقَاسِم اه. ابْن رحال: وَالرَّاجِح الضَّمَان إِن استرعى من هُوَ مثله بِغَيْر إِذن رَبهَا، وَأَحْرَى إِن استرعى من هُوَ دونه. ابْن نَاجِي: وَهَذَا إِذا لم يجر عرف الْبَلَد بِأَن الرَّاعِي يَأْتِي بِمن هُوَ مثله لضَرُورَة، وإلاَّ فَلَا ضَمَان اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْعرف إثْبَاته بِدُونِهِ لِأَن الْعرف كالنص. وَفِي الْبُرْزُليّ: إِن الحارس يحرس الطَّعَام فَذهب واستخلف من لَا يقوى على الحراسة قَالَ: هُوَ ضَامِن إِلَّا أَن يكون الْمُسْتَخْلف مطيقاً على الحرس فَلَا ضَمَان الْبُرْزُليّ: وَالصَّوَاب الضَّمَان إِلَّا أَن يكون اسْتخْلف لضَرُورَة اه. وَتقدم فِي آخر كِرَاء الرَّوَاحِل مَا إِذا ذهب لَهُ بعض الْغنم فَذهب يفتش فَوجدَ الْأُخْرَى قد ضَاعَت فَانْظُرْهُ هُنَاكَ. فرع: إِذا واجر بعض الْجَمَاعَة إِمَامًا للصَّلَاة أَو الْأَذَان فَإِن ذَلِك يلْزم من غَابَ عَن العقد كَمَا أَقَامَهُ ابْن نَاجِي من الْمُدَوَّنَة، وَبِه أفتى ابْن الْحَاج حَيْثُ جرى عرف الْقرْيَة بذلك، وَبِه أفتى ابْن هِلَال والقباب وسيدي يحيى السراج قَائِلا: إِن النَّاس يجب عَلَيْهِم إِقَامَة الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة ويوظف عَلَيْهِم أُجْرَة الإِمَام على قدر رؤوسهم، وَلَيْسَ لأحد أَن يمْتَنع، وَقد نَص على ذَلِك غير وَاحِد من الشُّيُوخ كَالْقَاضِي عِيَاض وَابْنه وَابْن الْحَاج وَغَيرهم اه. قلت: وعَلى هَذَا عمل النَّاس فِي الْبَادِيَة فَيجب اعْتِمَاده وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا سواهُ، وَانْظُر شرحنا للشامل أَوَائِل الْإِجَارَة وَعند قَوْله: فَإِن كَانَت أُجْرَة الإِمَام من الأحباس الخ. فَفِيهِ فَوَائِد نفيسة مُنَاسبَة للمقام، وَانْظُر فِيهِ أُجْرَة الكرائين والخط وَحل المعقودين وَنَحْو ذَلِك. فرع: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَمن كَانَت لَهُ غنم فَبَاعَ نصفهَا على أَن يرْعَى الْمُبْتَاع نصفهَا، وَالثَّانِي مُدَّة مَعْلُومَة جَازَ ذَلِك وتكتب فِيهِ: بَاعَ فلَان من فلَان نصف مائَة شَاة ضئناً على السوَاء بِكَذَا دِينَار أَو قبضهَا مِنْهُ أَو أَخّرهُ بهَا إِلَى وَقت كَذَا، وعَلى أَن يرْعَى لَهُ الْمُبْتَاع النّصْف الْبَاقِي على ملكه مِنْهَا طول هَذِه الْمدَّة الْمَذْكُورَة، وَقبض الْمُبْتَاع جَمِيع الْغنم الْمَذْكُورَة بعد أَن قَلبهَا ورضيها وَصَارَت تَحت رعايته لَهُ نصفهَا بِهَذَا الابتياع، وَالنّصف الثَّانِي بَاقٍ على ملك البَائِع حَتَّى يقتسماها إِذا دعِي أَحدهمَا إِلَى ذَلِك، وعَلى البَائِع خلف مَا هلك أَو بَاعَ من نصِيبه مُدَّة الِاسْتِئْجَار الْمَذْكُور، وَلَهُمَا سنة الْمُسلمين فِي بيعهم واستئجارهم شهد عَلَيْهِمَا الخ اه. وَفِي المغارسة من العلمي أَن الشَّيْخ العبدوسي سُئِلَ عَن شركَة تقع من أهل الْبَادِيَة يَبِيع الرجل من الرجل نصف غنمه وَنَحْوهَا بِثمن مَعْلُوم مُؤَجل، فَمنهمْ من يضْرب للثّمن أَََجَلًا، وَمِنْهُم من لَا يضْربهُ، فَإِذا وَقع النزاع بَينهم يَقُول المُشْتَرِي للْبَائِع: أَعْطِنِي أُجْرَة الرَّبْط والحل، فَهَل البيع فَاسد أم لَا؟ وَهل يلْزم البَائِع فِي نصفه

стр. 955

أجر الْحل والربط، وَإِذا تطوع الْمُبْتَاع بذلك فَهَل لامْرَأَته قيام أم لَا: فَأجَاب: بِأَنَّهُمَا إِن ضربا للثّمن أَََجَلًا فَلَا شكّ فِي الْجَوَاز، وَأما إِن جعلاه لوقت الْقِسْمَة أَو كَانَت الْعَادة جَارِيَة بذلك، أَو كَانَ مِنْهُمَا إِضْمَار على ذَلِك فَالْبيع فَاسد، وعَلى البَائِع أُجْرَة الْحل والربط حَيْثُ كَانَ الْمُبْتَاع مِمَّن يَأْخُذ ذَلِك عَادَة أَو جهل حَاله بعد أَن يحلف أَنه لم يقْصد بذلك التَّطَوُّع إِلَّا أَن يكون أشهد على ذَلِك أَو لَا. فَلَا يَمِين عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ مِمَّن لَا يَأْخُذ ذَلِك عَادَة لنسبه وحسبه فَلَا أُجْرَة لَهُ، وَأما إِن كَانَت الْمَرْأَة فِي المتولية لذَلِك فَإِنَّمَا ترجع بذلك على زَوجهَا إِن كَانَت مِمَّن تَأْخُذ ذَلِك لِأَن زَوجهَا لما تطوع بِهِ سقط عَن البَائِع وَوَجَب على زَوجهَا لتطوعه فترجع على من وَجب عَلَيْهِ لَا على من سقط عَنهُ، وَاشْتِرَاط الْحل والربط على المُشْتَرِي فِي أصل العقد إِلَى غير أمد مَعْلُوم لَا يجوز، وَإِنَّمَا يجوز إِلَى أمد مَعْلُوم بِشُرُوط وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَكتب عبد الله العبدوسي اه. بِبَعْض اخْتِصَار وَتَأمل قَوْله: لِأَن زَوجهَا لما تطوع الخ. فَإِنَّهُ كثير الْوُقُوع، وَتقدم آخر بيع الْفُضُولِيّ جملَة من ذَلِك، وَقَوله: إِن كَانَت مِمَّن تَأْخُذ ذَلِك إِشَارَة مِنْهُ إِلَى الْقَاعِدَة الْآتِيَة فِي الْبَيْت بعده. وَالقَوْلُ للعامِلِ حَيْثُ يَخْتَلِفْ فِي شأْنِهَا بَعْدَ الفَرَاغِ إنْ حَلَفْ (وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ) أَي الْأَجِير (حَيْثُ يخْتَلف) هُوَ وَمن واجره (فِي شَأْنهَا) أَي الْإِجَارَة أَي فِي شَأْن عقدهَا (بعد الْفَرَاغ) من الْعَمَل فَقَالَ الْأَجِير: ادْفَعْ لي أُجْرَة الصَّبْغ أَو الْخياطَة مثلا. وَقَالَ رب الثَّوْب: لم أواجرك على ذَلِك، وَإِنَّمَا كَانَ عنْدك وَدِيعَة أَو قَالَ صبغته أَو خطته لي مجَّانا، فَإِن القَوْل للْأَجِير إِنَّه صبغه أَو خاطه بِأَجْر وَيصدق فِي قدره (إِن) أشبه و (حلف) أَنه لقد واجره بِمَا ذكر (خَ) : وَالْقَوْل للْأَجِير إِنَّه وصل كتابا أَو أَنه اصْطنع، وَقَالَ ربه وَدِيعَة الخ. وَإِنَّمَا كَانَ القَوْل للْأَجِير مَعَ أَن القَوْل لمنكر العقد إِجْمَاعًا كَمَا تقدم فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين لِأَن الْغَالِب فِيمَا يدْفع للصانع هُوَ الاصطناع والإيداع نَادِر لَا حكم لَهُ كَمَا قَالَه اللَّخْمِيّ، وَقَوله فِي شَأْنهَا صَادِق بِمَا إِذا قَالَ ربه وَدِيعَة أَو مجَّانا كَمَا مر، وَبِمَا إِذا سرق مني، وَهَذَا الثَّانِي يجب إِخْرَاجه من النّظم لِأَن الحكم فِيهِ عدم قبُول قَول الْأَجِير كَمَا قَالَ (خَ) : وَإِن ادَّعَاهُ وَقَالَ: سرق مني وَأَرَادَ أَخذه دفع قيمَة الصَّبْغ بِيَمِين إِن زَادَت دَعْوَى الصابغ عَلَيْهَا الخ. وَالْفرق أَن رب الْمَصْنُوع فِي دَعْوَى الْوَدِيعَة معترف بِأَنَّهُ أذن فِي وضع يَد الصَّانِع على الْمَصْنُوع بِخِلَاف السّرقَة، وَمَفْهُوم قَوْله: حَيْثُ يخْتَلف فِي شَأْنهَا أَنَّهُمَا إِذا اتفقَا على عدم عقدهَا أَنه لَا شَيْء على رب الْمَصْنُوع وَهُوَ كَذَلِك حَيْثُ كَانَ رب الْمَصْنُوع لَا حَاجَة لَهُ فِي تِلْكَ الصَّنْعَة، أَو كَانَت الصَّنْعَة مِمَّا يَليهَا بِنَفسِهِ أَو عبيده، وَإِلَّا لزمَه أُجْرَة الْمثل. قَالَ فِي الشَّامِل: وكل من أوصل لَك نفعا بِعَمَل أَو مَال وَإِن بِغَيْر قصد نفعك كَانَ حرث أَرْضك ظَانّا أَنَّهَا لَهُ أَو لم تَأمره بِهِ مِمَّا لَا بُد لَك مِنْهُ كحرثه أَرْضك أَو سقيه إِيَّاهَا أَو حصد زرعك أَو طحن حبك أَو حفر بئرك أَو بِنَاء دَارك أَو انفق على زَوجتك أَو ولدك أَو عَبدك لزمك أُجْرَة الْعَمَل، وَمثل المَال الَّذِي أنفقهُ على الزَّوْجَة وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ قد قَامَ عَنْك بِوَاجِب، فَإِن فعل ذَلِك بِقصد أَن يَأْخُذهُ لنَفسِهِ فَهُوَ غَاصِب لَا شَيْء لَهُ، وَالْقَوْل قَوْله إِنَّه فعل ذَلِك بِقصد الرُّجُوع

стр. 956

بِالْأُجْرَةِ، وبمثل المَال الْمُنفق فَإِن كَانَ عملا لَا تحْتَاج لَهُ كحفر بِئْر فِي أَرْضك لَا حَاجَة لَك بِهِ، أَو انفق على من لَا تلزمك نَفَقَته، أَو كَانَ الْعَمَل مِمَّا تليه بِنَفْسِك أَو عبيدك أَو دوابك فَلَا شَيْء عَلَيْك اه. بِاخْتِصَار. وَتَقْدِيم وَتَأْخِير وَزِيَادَة للإيضاح. وَهَذِه الْكُلية ذكرهَا ابْن حَارِث فِي أصُول الْفتيا فِي بَاب الضَّمَان، ونقلها ابْن شَاس وَابْن الْحَاجِب وَابْن عَرَفَة فِي بَاب الْإِجَارَة وسلموها، وَلم يعترضوا مِنْهَا شَيْئا. انْظُر نصهم فِي شرح الشَّامِل. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله بعد الْفَرَاغ فَقَالَ: وإنْ جَرَى النِّزَاعُ قبلَ العَمَلِ تَحَالَفَا والرَّدُّ بَيِّنٌ جَلِي (وَإِن جرى) أَي وَقع (النزاع) بَين الْأَجِير وَرب الْمَتَاع (قبل) الشُّرُوع فِي (الْعَمَل) أَو بعد الشُّرُوع فِيهِ بِشَيْء يسير (تحَالفا وَالرَّدّ) لعقد الْإِجَارَة أَي فَسخه (بَين جلي) وَظَاهره مُطلقًا كَانَ نزاعهما فِي عقدهَا وَعدم عقدهَا أَو فِي قدر الْأُجْرَة أَو فِي نوعها أَو جِنْسهَا أَو فِي انْتِهَاء الْمسَافَة أَو فِي ابتدائها، وَنَحْو ذَلِك. وَهُوَ كَذَلِك وَلَا يُرَاعى شبههما وَلَا شبه أَحدهمَا لِأَن الْقَاعِدَة أَنه لَا ينظر لشبه قبل الْعَمَل (خَ) : وَإِن قَالَ بِمِائَة لبرقة، وَقَالَ بل لإفريقية حلفا وَفسخ إِن عدم السّير أَو قل وَإِن نقد الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله فِي شَأْنهَا أَي عقدهَا، وَهُوَ مَا إِذا اتفقَا على العقد وَاخْتلفَا فِي الصّفة أَو النَّوْع أَو الْقدر فَقَالَ: وَإنْ يكن فِي صِفَةِ المَصْنُوعِ أَوْ نوعِهِ النِّزَاعُ ذَا وقُوعِ (وَإِن يكن فِي صفة الْمَصْنُوع) كَقَوْلِه: أَمرتنِي بصبغه أَحْمَر، وَقَالَ الآخر: بل أصفر مثلا (أَو نَوعه) كَقَوْلِه: أَمرتنِي بخياطة عَرَبِيَّة وَقَالَ الآخر: بل برومية وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بقوله: (النزاع) وَهُوَ اسْم يكن وَقَوله: (ذَا وُقُوع) خَبره. فَالقولُ لِلصَّانِعِ من بَعْدِ الْحَلِفْ وَذَاكَ فِي مقدارِ أُجرةٍ عُرِفْ (فَالْقَوْل للصانع) فِي الصُّورَتَيْنِ (من بعد الْحلف) وَهَذَا إِذا أشبه أشبه الآخر أم لَا، فَإِن انْفَرد الآخر بالشبه لكَون غَالب أَمْثَاله لم يلبسوا إِلَّا الْأَصْفَر أَو الْمخيط برومية فَقَوله: بِيَمِينِهِ فَإِن لم يشبها فأجرة الْمثل مَا لم تزد على دَعْوَى الصَّانِع أَو تنقص عَن دَعْوَى ربه فَلَا ينقص وَلَا يُزَاد. (وَذَاكَ) مُبْتَدأ وَالْإِشَارَة إِلَى كَون القَوْل للصانع مَعَ حلفه وَشبهه (فِي) نزاعهما فِي (مِقْدَار أُجْرَة) بِأَن قَالَ بِعشْرَة وَقَالَ الآخر بل بِثمَانِيَة (عرف) خبر وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ، وَظَاهره أَن القَوْل لَهُ فِي قدرهَا حَيْثُ أشبه وَحده كَانَ الْمَصْنُوع محوزاً بِيَدِهِ أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك فَإِن أشبه ربه وَحده، فَالْقَوْل لَهُ وَلَو محوزاً بيد الصَّانِع، فَإِن أشبها مَعًا فَالْقَوْل للحائز مِنْهُمَا، وَإِن لم يشبها مَعًا فأجرة الْمثل (خَ)

стр. 957

عاطفاً على مَا فِيهِ القَوْل للصانع مَا نَصه: أَو خُولِفَ فِي الصّفة أَو فِي الْأُجْرَة إِن أشبه وَحَازَ لَا أَن لم يحز كبناء. وإنْ يَكُنْ مِنه نُكُولٌ حَلَفَا ربُّ المَتاعِ وَلهُ مَا وَصَفَا (وَإِن يكن مِنْهُ) أَي الصَّانِع (نُكُول) عَن الْيَمين حَيْثُ القَوْل لَهُ فِي هَذِه الْفُرُوع (حلفا رب الْمَتَاع) على دَعْوَاهُ (وَله مَا وَصفا) من قدر الْأُجْرَة وَمن الصَّبْغ والخياطة وَيُؤمر الصَّانِع بِإِعَادَة الصَّبْغ والخياطة إِن أمكنه ذَلِك من غير فَسَاد، وإلاَّ ضمن قِيمَته أَبيض من غير صبغ وَلَا خياطَة. وَالقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ المَتَاعِ فِي تَنَازُعٍ فِي الرَّدِّ مَعْ حَلْفٍ قُفِي (وَالْقَوْل قَول صَاحب الْمَتَاع فِي تنَازع) بَينه وَبَين الصَّانِع (فِي الرَّد) للشَّيْء الْمَصْنُوع فَقَالَ الصَّانِع: رَددته إِلَيْك بعد الصَّنْعَة. وَقَالَ ربه: بل هُوَ بَاقٍ عنْدك فَالْقَوْل لرَبه (مَعَ حلف) مِنْهُ (قفي) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة لحلف، وَظَاهره أَن القَوْل لرَبه سَوَاء قَبضه بِبَيِّنَة أَو بِغَيْر بَيِّنَة استصنع بِأَجْر أَو بِغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَبضه على الضَّمَان فَلَا يبرأ مِنْهُ كَمَا قَالَ مَالك: إِلَّا بِبَيِّنَة بِخِلَاف الْمُودع عِنْده إِذا قبض الْوَدِيعَة بِغَيْر بَيِّنَة فَهُوَ مُصدق فِي الرَّد لِأَنَّهُ لم يقبضهَا على الضَّمَان، وَهَذَا كُله فِي الْمَصْنُوع الَّذِي يُغَاب عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ وَنَحْوه، وَأما مَا لَا يُغَاب عَلَيْهِ كغلام دَفعه لمن يُعلمهُ أَو دَابَّة لمن يعلمهَا حسن السّير، فَالْقَوْل للصانع فِي رده كقبول دَعْوَى تلفه إِلَّا أَن يكون قَبضه بِبَيِّنَة مَقْصُودَة للتوثق فَلَا تقبل دَعْوَاهُ الرَّد والتلف، والمقصودة للتوثق هِيَ الْمَقْصُودَة بِالْإِشْهَادِ احْتِرَازًا مِمَّا إِذا حضرت على وَجه الإتفاق فَشَهِدت بِمَا وَقع بمحضرها من غير أَن يشهدها رب الْمَتَاع والصانع، فَهَذِهِ الْبَيِّنَة لم تقصد بِالْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا حضرت على وَجه الِاتِّفَاق فَهِيَ كَالْعدمِ كَمَا أوضحنا ذَلِك فِي شرحنا للشامل فِي بَاب الْوَدِيعَة (خَ) عاطفاً على مَا لَا يقبل فِيهِ قَول الصَّانِع مَا نَصه: وَلَا فِي رده فلربه وَإِن بِلَا بَيِّنَة الخ. وَفهم من النّظم أَن دَعْوَى التّلف وَالْغَصْب كدعوى الرَّد فَلَا يقبل قَول الصَّانِع فيهمَا أَيْضا لِأَن من لم يقبل دَعْوَاهُ الرَّد لم يقبل دَعْوَاهُ التّلف وَالْغَصْب إِلَّا بِبَيِّنَة عَلَيْهِمَا من غير تَفْرِيط وَيضمن قيمَة ذَلِك يَوْم الدّفع، وَلَيْسَ لرَبه أَن يَقُول: أَنا أدفَع الْأُجْرَة وآخذ قِيمَته مَعْمُولا إِلَّا أَن يقر الصَّانِع أَنه تلف بعد الْعَمَل قَالَه فِي الْمُوازِية. وَمحل الضَّمَان إِن غَابَ على الْمَصْنُوع وَنصب نَفسه لتِلْك الصَّنْعَة لسَائِر النَّاس فَإِن لم يغب على الْمَصْنُوع بل صنعه بِبَيْت ربه وَلَو بِغَيْر حُضُوره أَو بِحُضُورِهِ، وَلَو بِغَيْر بَيِّنَة، أَو لم ينصب نَفسه لسَائِر النَّاس، بل كَانَ يصنع لشخص خَاص أَو لجَماعَة مخصوصين فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيمَا ادّعى تلفه (خَ) عاطفاً على مَا فِيهِ الضَّمَان أَو صانع أَي عَلَيْهِ الضَّمَان فِي مصنوعه لَا فِي غَيره، وَلَو مُحْتَاج لَهُ

стр. 958

عمل، وَإِن بِبَيِّنَة أَو بِلَا أجر إِن نصب نَفسه وَغَابَ عَلَيْهِ فبقيمته يَوْم دَفعه، وَلَو شَرط نَفْيه أَو دعِي لأَخذه إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة أَي بتلفه فَتسقط الْأُجْرَة الخ. تَنْبِيه: ألْحقُوا السمسار بالصانع فَلَا تقبل مِنْهُ دَعْوَى الرَّد وَلَا التّلف. قَالَ فِي الْعَمَل الْمُطلق: والحقوا السمسار بالصناع فضمنوه غَائِب الْمَتَاع فرع: ذكر اللَّخْمِيّ وَابْن عَرَفَة فِي كتاب الْوَدِيعَة: من اكترى دَابَّة فَلَمَّا قدم قَالَ: أودعتها لِأَنَّهَا وقفت عَليّ فِي الطَّرِيق فَإِنَّهُ يصدق، وَلَو أنكر ذَلِك الْمُودع عِنْده وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الشَّأْن دفع الودائع بِغَيْر بَيِّنَة اه. والقَوْلُ لِلأَجِيرِ أَنْ كَانَ سَأَلَ بالقُرْبِ مِنْ فَرَاغِهِ أَجْرَ العَمَلْ (وَالْقَوْل للْأَجِير) فِي عدم قَبضه الْأُجْرَة (إِن كَانَ سَأَلَ) أَي جَاءَ يسْأَلهَا ويطلبها (بِالْقربِ من فَرَاغه) كاليومين وَنَحْوهمَا (أجر الْعَمَل) مفعول بقوله سَأَلَ، وَهَذَا إِذا كَانَ قد دفع الْمَصْنُوع لرَبه أَو لم يحزه أصلا كبناء وإلاَّ بِأَن كَانَ الْمَصْنُوع بَاقِيا تَحت يَده، فَالْقَوْل لَهُ فِي عدم الْقَبْض وَإِن طَال (خَ) : وَله وللجمال بِيَمِين فِي عدم قبض الْأُجْرَة وَإِن بلغا الْغَايَة إِلَّا لطول فلمكتريه بِيَمِين، وَكَانَ حق النَّاظِم أَن يُؤَخر هَذَا الْبَيْت عَن الأبيات بعده لارتباطها بِمَا قبله، وَظَاهر قَوْله بِالْقربِ من فَرَاغه أَنه لَا فرق بَين الصناع وكراء الرَّوَاحِل والسفن والدور وَالْأَرضين وَغير ذَلِك، وَهُوَ كَذَلِك. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَإِن كَانَ الْكِرَاء مشاهرة أَو مسانهة وَاخْتلفَا فِي الدّفع صدق الْمُكْتَرِي مَعَ يَمِينه فِيمَا انْقَضى من الشُّهُور فِي المشاهرة، وَمن السنين فِي المسانهة إِلَّا فِي الشَّهْر الْأَخير وَالسّنة الْأَخِيرَة، فَيصدق الْمكْرِي مَعَ يَمِينه إِن قَامَ بحدثان ذَلِك. قَالَ بعض الموثقين: والشهر بعد انْقِضَاء الْمدَّة فِي ذَلِك قريب انْتهى. قَالَ المكناسي فِي مجالسه: الْعرف بفاس أَن القَوْل قَول الْمكْرِي للدَّار وَنَحْوهَا فِي سالف الْمدَّة مَا عدا شَهْرَيْن من آخرهَا فَإِن القَوْل فِيهَا قَول الْمكْرِي انْتهى. قلت: وَالْعَمَل الْيَوْم بفاس على مَا للمكناسي بِزِيَادَة شهر فَيكون القَوْل للمكتري فِيمَا عدا الثَّلَاثَة الْأَشْهر الْأَخِيرَة، فَإِن القَوْل فِيهَا قَول الْمكْرِي مَعَ يَمِينه فِي الدّور والحوانيت والفنادق وَنَحْو ذَلِك لَا فِي الصناع والرواحل، فَإِن الْعَمَل فِيهَا على مَا فِي النّظم وَالله أعلم. ثمَّ إِذا قُلْنَا

стр. 959

يضمن قيمَة الْمَصْنُوع فِي دَعْوَاهُ التّلف وَالرَّدّ يَوْم الدّفع كَمَا مر، فَإِن اتفقَا عَلَيْهَا فَلَا كَلَام، وَإِن اخْتلفَا فِيهَا تواصفاه، ثمَّ قوِّم، فَإِن اخْتلفَا فَالْقَوْل للصانع لِأَنَّهُ غَارِم، وَهَذَا إِن أشبه وَحلف كَمَا قَالَ: بَقِي هُنَا بَيت وَهُوَ: بَعْدَ يَمِينِهِ لمِنْ يُنَاكِرُ وَبَعْدَ طُولٍ يَحْلِفُ المُستَأْجِرُ وَالوَصْفُ مِنْ مُسْتَهْلِكٍ لمَا تَلفْ فِي يَدِهِ يُقْضى ﷺ ١٦٤٨ - ; بِه بَعْدَ الحَلِفْ (وَالْوَصْف) مُبْتَدأ (من مستهلك) بِكَسْر اللَّام يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صفة أَي الْكَائِن من مستهلك، وَسَماهُ بذلك لهلاك الشَّيْء تَحت يَده ونكره ليعم الصَّانِع وَالْمُرْتَهن وَالْغَاصِب وَغَيرهم كَمَا سَيَقُولُ: وكل من ضمن شَيْئا الخ. (لما تلف) يتَعَلَّق بِالْوَصْفِ (فِي يَده) أَي الْمُسْتَهْلك يتَعَلَّق بِتَلف (يقْضِي بِهِ) خبر أَي يقْضِي بوصفه عِنْد اخْتِلَافهمَا فِيهِ دون وصف صَاحبه (بعد الْحلف) من الْمُسْتَهْلك (خَ) : وَإِن اخْتلفَا فِي قيمَة تَالِف تواصفاه، ثمَّ قوم، فَإِن اخْتلفَا فَالْقَوْل للْمُرْتَهن الخ. (ز) : وَلَو ادّعى شَيْئا يَسِيرا لِأَنَّهُ غَارِم، وَقَالَ أَشهب: إِلَّا أَن يتَبَيَّن كذبه لقلَّة مَا ذكره، وَنَحْوه قَول الْمُدَوَّنَة: من غصب أمة فَادّعى هلاكها وَاخْتلفَا فِي صفاتها صدق الْغَاصِب فِي الصّفة مَعَ يَمِينه إِذا أَتَى بِمَا يشبه فَإِن أَتَى بِمَا لَا يشبه صدق الْمَغْصُوب مِنْهُ فِي الصّفة حِينَئِذٍ مَعَ يَمِينه انْتهى. وَهُوَ معنى قَول النَّاظِم: وَشَرْطُهُ إتْيَانُهُ بِمشْبِهِ وَإنْ بِجَهْلٍ أَوْ نُكُولٍ يَنْتَهِي (وَشَرطه) أَي شَرط قبُول وَصفه مَعَ الْحلف. (إِتْيَانه بمشبه) فَإِن أَتَى بِمَا لَا يشبه صدق الآخر إِن أشبه وَحلف، فَإِن نكل الْمُسْتَهْلك أَو قَالَ لَا أَدْرِي صفته صدق الآخر كَمَا قَالَ: (وَإِن بِجَهْل أَو نُكُول يَنْتَهِي) الْمُسْتَهْلك بِكَسْر اللَّام. فَالقَوْلُ قَوْلُ خَصْمِهِ فِي وَصْفِهِ مُسْتَهْلِكاً بِمُشْبِهٍ مَعْ حَلْفِهِ (فَالْقَوْل قَول خَصمه) وَهُوَ رب الْمُسْتَهْلك بِفَتْح اللَّام (فِي وَصفه مُسْتَهْلكا) بِالْفَتْح مَعْمُول بِوَصْف (بمشبه) يتَعَلَّق بِوَصْف (مَعَ حلفه) مُتَعَلق بقوله خَصمه أَو حَال مِنْهُ، فَإِن لم يشبه رب الْمُسْتَهْلك أَيْضا فوسط من الْقيم بعد أيمانهما كَمَا لِابْنِ نَاجِي، وَالظَّاهِر أَنه كَذَلِك إِذا تجاهلا أَي ادّعى كل جهل صفته، وَهَذَا فِي غير الْمَرْهُون، وَأما هُوَ فَإِنَّهُمَا إِذا تجاهلاه فالرهن بِمَا فِيهِ كَمَا قَالَ (خَ) : وَإِن تجاهلا فالرهن بِمَا فِيهِ، وَلما بَين أَن القَوْل للمستهلك بِكَسْر اللَّام فِي وصف الْمُسْتَهْلك بِفَتْحِهَا أَشَارَ إِلَى مَا يضمنهُ بعد الْوَصْف وَالْيَمِين فَقَالَ:

стр. 960

وَكلُّ مَنْ ضَمِنَ شَيْئاً أتْلَفَهْ فَهْوَ مُطَالَبٌ بِهِ أَنْ يُخْلِفَهْ (وكل من ضمن شَيْئا أتْلفه) من مثلى أَو مقوم (فَهُوَ مطَالب) بِفَتْح اللَّام (بِهِ أَن يخلفه) سَوَاء أتْلفه عمدا أَو خطأ. وَفي ذَوَاتِ المِثْلِ مِثلٌ يَجِبُ وَقِيمَةٌ فِي غَيْرِهِ تَسْتَوْجِبُ (وَفِي ذَوَات الْمثل مثل) مُبْتَدأ سوغه تَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر عَلَيْهِ على حد قَول ابْن مَالك: بهَا كَلَام قد يؤم (يجب) خَبره وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ، وَكَانَ حَقه أَن يفرعه بِالْفَاءِ فَيَقُول فَفِي ذَوَات الْمثل الخ. (وَقِيمَة فِي غَيره) أَي المثلى وَهُوَ الْمُقَوّم (تستوجب) أَي يُوجِبهَا الشَّرْع، والمثلى كل مَا يُكَال أَو يُوزن كالذهب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس وَالْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر المأكولات، والمقوم مَا لَا يُكَال وَلَا يُوزن كالثياب وَسَائِر الْعرُوض وَالرَّقِيق وَالْحَيَوَان. تَنْبِيه: من اسْتهْلك طَعَاما فِي الغلاء وطولب بِهِ فِي الرخَاء فَإِنَّهُ يلْزمه مثله على الْمَشْهُور، وَكَذَلِكَ من اسْتهْلك فُلُوسًا فَانْقَطع التَّعَامُل بهَا فَإِنَّهُ يلْزمه الْمثل، وَإِذا تعذر الْمثل فَإِنَّهُ يصبر حَتَّى يُوجد كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْغَصْب: والمثلى وَلَو بغلاء بِمثلِهِ وصبر لوُجُوده ولبلده الخ. وَقَوْلِي: وطولب بِهِ فِي الرخَاء احْتِرَازًا مِمَّا إِذا طُولِبَ بِهِ فِي الغلاء وَكَانَ مَوْجُودا فماطله الْمُسْتَهْلك أَو الْغَاصِب أَو الْمُقْتَرض حَتَّى رخص فَإِنَّهُ يضمن قِيمَته وَقت الطّلب كَمَا تقدم عِنْد قَول النَّاظِم صدر الْبيُوع: بأضرب الْأَثْمَان والآجال الخ. تَنْبِيه آخر: إِذا أتلف عجل بقرة أَو ولد شَاة فَإِنَّهُ يضمن قيمَة الْعجل وَقت التّلف وَيضمن أَيْضا مَا نقص من حليب الْبَقَرَة أَو الشَّاة على أَنَّهَا تحلب بنتاجها، وَهَذَا إِذا لم يكن اللَّبن هُوَ الْمَقْصُود مِنْهَا وإلاَّ خير الْمَالِك بَين أَن يضمنهُ قيمتهَا أَو يَأْخُذهَا وَمَا نَقصهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) فِي فصل التَّعَدِّي بقوله: فَإِن أفات الْمَقْصُود كَقطع ذَنْب دَابَّة ذِي هَيْئَة أَو لبن شَاة هُوَ الْمَقْصُود لَا إِن لم يفته كلبن بقرة الخ. وَانْظُر أَيْضا عِنْد قَوْله فِي الدِّمَاء كجنين الْبَهِيمَة، وَانْظُر أَيْضا من أتلف ثَمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا عِنْد قَوْله فِي الشَّهَادَات كالإتلاف بِلَا تَأْخِير للحصول. وَانْظُر شرح الشَّامِل لهَذَا النَّص الَّذِي فِي الشَّهَادَات من رعى كرماً أَو أشجاراً، وَانْظُر من أتلف زرعا قبل بَدو صَلَاحه عِنْد قَوْله فِي الشّرْب: وَمَا أتلفته الْبَهَائِم لَيْلًا الخ. أَي فَإِنَّهُ يغرم قِيمَته على الرَّجَاء وَالْخَوْف، قَالَ ابْن رشد: وَلَا خلاف فِي تقويمه إِذا أيس من عوده لهيئته، وَأما إِن رعى صَغِيرا أَو رجى أَن يعود لهيئته فَاخْتلف هَل يستأني بِهِ أم لَا؟ فَقَالَ مطرف: إِنَّه لَا يستأني بِهِ، وَقَالَ سَحْنُون: يستأني بِهِ، وَإِذا حكم بِالْقيمَةِ فِيهِ على قَول مطرف ثمَّ عَاد لهيئته مَضَت الْقيمَة لصَاحب

стр. 961

الزَّرْع وَقيل ترد كالبصل يعود، وَإِذا لم يحكم بِالْقيمَةِ حَتَّى عَاد لهيئته فَإِن الْقيمَة تسْقط. وَقَالَ أصبغ: لَا تسْقط، قَالَ الشَّيْخ بناني: وَرُبمَا يستروح من كَلَام ضيح أَن قَول مطرف هُوَ الرَّاجِح فِي الْجَمِيع انْتهى. وَقَوله: مَضَت الْقيمَة إِلَى قَوْله، وَقيل ترد الخ. صَرِيح أَن الزَّرْع وَالْقيمَة يكونَانِ لرب الزَّرْع لِأَنَّهُ لم يَأْخُذ الْقيمَة إِلَّا على الرَّجَاء وَالْخَوْف وَهُوَ الظَّاهِر خلاف مَا فِي حَاشِيَة الرهوني عَن الْمَقْصد الْمَحْمُود من أَن الزَّرْع يكون لدافع الْقيمَة، وَالله أعلم. (فصل فِي الْجعل) وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم﴾ (يُوسُف: ٧٢) فقد جعل لَهُ جعلا على الْإِتْيَان فِي الصواع وَلم يضْرب لَهُ أَََجَلًا فَدلَّ ذَلِك على أَنه إِن طلب وَلم يَأْتِ بِهِ فَلَا شَيْء لَهُ وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث الرّقية، وَهُوَ أَن نَفرا من الصَّحَابَة سافروا حَتَّى نزلُوا على حَيّ من الْعَرَب فاستضافوهم فَلم يضيفوهم فلدغ سيدهم فَأتى الملدوغ لبَعض أُولَئِكَ الصَّحَابَة يرقيه فرقاه على أَن جعل لَهُ قطيعاً من الْغنم فبرىء ووفى لَهُ بجعله، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُم: (إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله) الخ. والقصة فِي البُخَارِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ونقلها (ح) وَغَيره. وعرفه ابْن عَرَفَة بتعريفين أوجزهما، وَعَلِيهِ نقتصر عقد معاوضه على عمل آدَمِيّ يجب عوضه بِتَمَامِهِ لَا بعضه بِبَعْضِه، فَخرج بقوله عمل آدَمِيّ كِرَاء الرَّوَاحِل والسفن وَالنِّكَاح وكراء الْأَرْضين، وَبِقَوْلِهِ يجب عوضه بِتَمَامِهِ الْقَرَاض وَالْمُسَاقَاة وَالشَّرِكَة فِي الْحَرْث لجَوَاز عدم الرِّبْح وَالْغلَّة وَالزَّرْع، وَبِقَوْلِهِ لَا بعضه بِبَعْضِه الْإِجَارَة لوُجُوب بعض الْعِوَض إِذا ترك الْأَجِير الْعَمَل قبل تَمَامه. الجُعْلُ عَقْدٌ جائِزٌ لَا يَلْزَمُ لَكِن بِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ يُحْكَمُ (الْجعل عقد جَائِز لَا يلْزم) فَكل مِنْهُمَا أَن يفسخه قبل الشُّرُوع فِي الْعَمَل على الْمَشْهُور

стр. 962

(لَكِن بِهِ) أَي باللزوم (بعد الشُّرُوع يحكم) على الْجَاعِل فَقَط، وَهُوَ باذل الْعِوَض فالمجرور والظرف متعلقان بيحكم، وَأما المجعول فَلهُ التّرْك وَلَو بعد الشُّرُوع أَو الْعَمَل الْكثير، وَلَا يلْزمه الْإِتْمَام بِحَال (خَ) : ولزمت الْجَاعِل بِالشُّرُوعِ. وَاعْلَم أَن الْجعَالَة تفارق الْإِجَارَة من وُجُوه، فَمِنْهَا أَن ضرب الْأَجَل يُفْسِدهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ النَّاظِم فِيمَا يَأْتِي بقوله: وَلَا يحد بِزَمَان لَاحق الخ. أَي: لَا يُؤَجل بِأَجل إِلَّا أَن يشْتَرط المجعول التّرْك مَتى شَاءَ بِخِلَاف الْإِجَارَة فَلَا تصح بِدُونِ أجل، وَمِنْهَا أَنَّهَا عقد غير لَازم كَمَا قَالَ النَّاظِم هَهُنَا فَهُوَ كالقراض وَالتَّوْكِيل والتحكيم بِخِلَاف الْإِجَارَة، فَإِنَّهَا تلْزم بِالْعقدِ، وَقد نظم ابْن غَازِي مَا يلْزم بِالْعقدِ وَمَا لَا يلْزم بِهِ وَمَا فِيهِ خلاف هَل يلْزم بِهِ أم لَا فَقَالَ: أَرْبَعَة بالْقَوْل عقدهَا فرا بيع نِكَاح وسقاء وكرا لَا الْجعل والقراض وَالتَّوْكِيل وَالْحكم بِالْفِعْلِ بهَا كَفِيل لَكِن فِي الْغِرَاس والمزارعه والشركات بَينهم منازعه وفرا آخر الشّطْر الأول بِالْفَاءِ بِمَعْنى قطع، وَمِنْه فرى الْأَوْدَاج أَي قطعهَا، وَالْوَجْه الثَّالِث الَّذِي يُخَالف فِيهِ الْجعل الْإِجَارَة أَنه لَا شَيْء لَهُ إِلَّا بِتمَام الْعَمَل كَمَا قَالَ: وَلَيْسَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا يُجْعَلُ شَيْئاً سِوَى إذَا يَتِمُّ العَمَلُ (وَلَيْسَ يسْتَحق) المجعول (مِمَّا) أَي الْجعل الَّذِي (يَجْعَل) لَهُ (شَيْئا) مفعول يسْتَحق (سوى إِذا يتم الْعَمَل) فَإِن لم يتمه فَلَا شَيْء لَهُ بِخِلَاف الْإِجَارَة فَإِن لَهُ فِيهَا بِحِسَاب مَا عمل (خَ) : صِحَة الْجعل بِالْتِزَام أهل الْإِجَارَة جعلا يسْتَحقّهُ السَّامع بالتمام ككراء السفن إِلَّا أَن يسْتَأْجر على التَّمام فنسبة الثَّانِي الخ. أَي مَحل كَونه لَا شَيْء لَهُ إِذا لم يتمه الْجَاعِل بِنَفسِهِ أَو عبيده أَو يسْتَأْجر عَلَيْهِ وإلاَّ فَلهُ فبنسبة الثَّانِي فَإِذا جاعله على الْإِتْيَان بخشبة إِلَى مَوضِع كَذَا بِخَمْسَة دَرَاهِم مثلا فحملها نصف الطَّرِيق وَتركهَا فَلَا شَيْء لَهُ، فَإِذا جَاعل صَاحبهَا شخصا آخر على بَقِيَّة الطَّرِيق بِعشْرَة فَإِنَّمَا يكون للْأولِ عشرَة لِأَنَّهَا الَّتِي تنوب فعله من عمل الثَّانِي لِأَن الثَّانِي لما اُسْتُؤْجِرَ نصف الطَّرِيق بِعشْرَة علم أَن قيمَة الْإِتْيَان بهَا فِي الطَّرِيق كلهَا يَوْم اُسْتُؤْجِرَ عشرُون، وَلَو حملهَا الأول ربع الطَّرِيق وَتركهَا وَحملهَا الثَّانِي بَقِيَّة الطَّرِيق بِعشْرَة أَيْضا كَانَ للْأولِ ثَلَاثَة وَثلث لِأَن الثَّانِي حمل كل ربع من الثَّلَاثَة الأرباع بِثَلَاثَة وَثلث، وَقس على ذَلِك لَو حملهَا الأول ثَلَاثَة أَربَاع الطَّرِيق وَنَحْو ذَلِك والحفر فِي الْبِئْر مثل الْخَشَبَة وَإِذا حملهَا بَقِيَّة الطَّرِيق بِنَفسِهِ أَو عَبده يُقَال مَا قيمَة ذَلِك أَن لَو جوعل أَو اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ. ابْن رشد: وَشبه هَذَا الدَّلال يَجْعَل لَهُ الْجعل على شَيْء فيسوقه ثمَّ يَبِيعهُ

стр. 963

ربه بِغَيْر حَضرته، وَلَو بَاعه دلال آخر بِجعْل كَانَ الْجعل بَين الدلالين بِقدر عنائهما، لِأَن الدَّلال الثَّانِي هُوَ المنتفع بتسويق الأول اه. وَتَأمل هَذَا مَعَ مَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم من كَون الدَّلال الثَّانِي يستبد بِجَمِيعِ الْجعل وَذَلِكَ ظلم للْأولِ كَمَا ترى، وَهَذَا ظَاهر إِذا كَانَ الدَّلال الثَّانِي دلل الثَّوْب مثلا فِي الْيَوْم الَّذِي دلله فِيهِ الأول، وَفِي ذَلِك السُّوق بِعَيْنِه وإلاَّ فَلَا شَيْء للْأولِ بِخِلَاف تدليل الْأُصُول الْجُمُعَة والشهر وَنَحْوه، فَإِنَّهُ يُشَارك الثَّانِي وَلَو دللها فِي غير يَوْمهَا وسوقها ثمَّ مَا مر من أَن للْأولِ بِنِسْبَة الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُور، وَاعْتَرضهُ التّونسِيّ وَابْن يُونُس قَالَا: لِأَن الأول إِذا رَضِي أَن يحملهَا جَمِيع الطَّرِيق بِخَمْسَة، فَكَانَ يجب إِذا تَركهَا فِي نصف الطَّرِيق أَن يعْطى نصف الْخَمْسَة، وَأجَاب ابْن عبد السَّلَام بِأَن عقد الْجعل لما كَانَ منحلاً من جِهَة الْعَامِل بعد الْعَمَل فَلَمَّا ترك بعد حمله نصف الْمسَافَة صَار تَركه إبطالاً للْعقد من أَصله وَصَارَ الثَّانِي كاشفاً لما يسْتَحقّهُ الأول اه. تَنْبِيهَانِ. الأول: أَرْكَان الْجعل ثَلَاثَة: عَاقد وَشَرطه أَهْلِيَّة البيع وَعمل وَهُوَ كعمل الْإِجَارَة من كَونه مَنْفَعَة تتقوم قدر على تَسْلِيمهَا بِلَا اسْتِيفَاء عين وَلَا حظر وَتعين الخ. إِلَّا أَنه لَا يشْتَرط الْعلم بِهِ هُنَا إِذْ مَسَافَة الْآبِق والضالة مَجْهُولَة انْظُر شرحنا للشامل. وَجعل وَشَرطه أَن يكون مَعْلُوما مُنْتَفعا بِهِ ظَاهرا مَقْدُورًا على تَسْلِيمه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يشْتَرط فِي ثمن الْمَبِيع، وَتقدم عَن ابْن سراج فِي فصل الْإِجَارَة أَنه أجَاز كِرَاء السَّفِينَة بالجزء من ربحها إِذا دعت إِلَى ضَرُورَة قَالَ: لِأَنَّهُ قد علم من مَذْهَب مَالك ﵀ مُرَاعَاة الْمصلحَة إِذا كَانَت كُلية حاجية، وَأَيْضًا فَإِن ابْن حَنْبَل وَجَمَاعَة من عُلَمَاء السّلف أَجَازُوا الْإِجَارَة بالجزء فِي جَمِيع الْإِجَارَات قِيَاسا على الْقَرَاض وَالْمُسَاقَاة، وَقد اخْتلف الأصوليون فِي جَوَاز الِانْتِقَال من مَذْهَب إِلَى آخر فِي بعض الْمسَائِل، وَالصَّحِيح من جِهَة النّظر جَوَازه قَالَ: وَمِمَّا يدل للْجُوَاز أَيْضا مَا ذكره الشّعبِيّ عَن أصبغ من أَن جَمِيع مَا يضْطَر إِلَيْهِ النَّاس وَلَا يَجدونَ مِنْهُ بدًّا مثل حَارِث الزَّرْع يسْتَأْجر بِجُزْء مِنْهُ، وَلَا يجد من يحرس لَهُ إِلَّا بذلك الْوَجْه فأرجو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس اه بِاخْتِصَار. وَنقل ولد النَّاظِم كَلَامه فِي فصل الْإِجَارَة وَقَالَ عقبه: إِن عمل بِمُقْتَضى هَذِه الْفَتْوَى فتحت مسَائِل كَثِيرَة ظَاهرهَا الْمَنْع على أصل الْمَذْهَب اه. وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْفَتْوَى اعتمدها غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين ومحلها عِنْدهم وَعند ابْن سراج إِذا دعت الضَّرُورَة إِلَى ذَلِك وَلم يجد فِي الْبَلَد من يعْمل بِالْأَجْرِ الْمَعْلُوم كَمَا ترى، وَتقدم فِي فصل الْإِجَارَة أَن مجاعلة الدَّلال من هَذَا الْقَبِيل وإلاَّ فَهِيَ مَمْنُوعَة. انْظُر شرحنا للشامل عِنْد قَوْله: وَالْعَمَل فِي الْجعل من شَرطه عدم تَأْجِيله الخ. وَمِمَّا يجوز فِيهِ الْجعل مَعَ جهل الْعِوَض أَيْضا قَوْله: اقتض ديني وَمَا اقتضيت فلك نصفه، أَو القط زيتوني وَمَا لقطت فلك نصفه، وجذ من نخلي مَا شِئْت، أَو احصد من زرعي مَا شِئْت وَلَك نصف مَا تحصد أَو تجذ، فَإِن ذَلِك كُله جعَالَة وَله التّرْك مَتى شَاءَ كَمَا اقْتصر عَلَيْهِ فِي الشَّامِل وَغَيره، فَإِن قَالَ: احصد زرعي هَذَا سَوَاء قَالَ كُله أم لَا. كَمَا فِي الرجراجي أَو قَالَ: جذ نخلي هَذَا أَو القط زيتوني هَذَا وَلَك نصفه، فَهُوَ إِجَارَة لَازِمَة لِأَنَّهُ مَعْلُوم بالحزر وَلَيْسَ لَهُ التّرْك كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَة. الثَّانِي: كل مَسْأَلَة يَصح الْجعل فِيهَا مَعَ اعْتِبَار شُرُوطه من عدم ضرب الْأَجَل وَنَحْوه تصح فِيهَا الْإِجَارَة مَعَ اعْتِبَار شُرُوطهَا أَيْضا من ضرب الْأَجَل وَغَيره، وَلَا عكس. أَلا ترى أَن حفر الْآبَار يَصح بجعالة كَمَا قَالَ:

стр. 964

كالحَفْرِ لِلْبِئْرِ وَرَدِّ الآبِقِ وَلَا يُحَدُّ بِزَمَانٍ لاحِقِ (كالحفر للبئر) بِشَرْط أَن تكون فِي غير ملك الْجَاعِل، وَأَن يعرفا شدَّة الأَرْض ورخاوتها على مَا لصَاحب المعونة لَا على مَا لِابْنِ رشد وَابْن الْحَاجِب فَإِنَّهُمَا لَا يشترطان معرفَة شدتها ورخاوتها وَهُوَ أظهر والآلات والفؤوس على الْحَافِر إِلَّا أَن يشترطها على الْجَاعِل وَيصِح إِجَارَة أَيْضا كَانَت فِي أَرض يملكهَا الْجَاعِل أم لَا. والآلة والفؤوس على الْمُسْتَأْجر بِالْكَسْرِ، وَكَذَا بيع الثِّيَاب يَصح إِجَارَة وجعالة وَكَذَا مشارطة الطَّبِيب. (ورد الْآبِق) والشارد يَصح فيهمَا الْأَمْرَانِ أَيْضا وتنفرد الْإِجَارَة بخياطة الثَّوْب وحفر الْبِئْر فِي ملك الْجَاعِل وَنَحْوهمَا مِمَّا تبقى فِيهِ مَنْفَعَة للجاعل بعد التّرْك فَإِنَّهُ لَا يَصح جعَالَة وَإِنَّمَا يَصح إِجَارَة فَالْإِجَارَة أَعم من الْجعل مُطلقًا كَمَا قَالَ (خَ) : فِي كل مَا جَازَ فِيهِ الْإِجَارَة بِلَا عكس الخ. وَهَذَا وَاضح على الْمَشْهُور من أَن مَا تبقى فِيهِ مَنْفَعَة للجاعل بعد التّرْك لَا تصح فِيهِ الْجعَالَة، وَأما على مُقَابِله وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم من صِحَة الْجعل فِيمَا تبقى فِيهِ مَنْفَعَة للجاعل فيتساوى الْجعل وَالْإِجَارَة وَلَا ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر بِشَيْء. تَنْبِيهَانِ. الأول: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَكره مَالك الْجعل على الْخُصُومَة على أَنه لَا يَأْخُذ شَيْئا إِلَّا بِإِدْرَاك الْحق لِأَنَّهُ لَا يعرف لفراغها غَايَة فَإِن عمل هَذَا فَلهُ أجر مثله اه. وَقَالَ قبل ذَلِك: وَيجوز فِي أحد قولي مَالك أَن يجاعل الطَّبِيب على الْبُرْء والخصم على إِدْرَاك الْحق وَهُوَ الْمَعْمُول بِهِ عِنْد الموثقين اه. وَنَحْوه فِي الْمجَالِس المكناسية، وَمَا تقدم فِي الطَّبِيب مَحَله إِذا كَانَ الدَّوَاء من عِنْد العليل وَإِلَّا لم يجز لِأَنَّهُ غرر إِن برىء أَخذ حَقه وإلاَّ ذهب دواؤه بَاطِلا. قَالَ ابْن نَاجِي: وَبِه حكمت ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق. الثَّانِي: من سرق لَهُ شَيْء أَو ضَاعَ لَهُ مثلا فالتزم ربه الْجعل الْمُسَمّى بالبشارة الْيَوْم، فَإِنَّهُ يجوز ذَلِك الِالْتِزَام وَيَقْضِي للمبشر بِأَخْذِهِ بِشَرْطَيْنِ أَن يلْتَزم لَهُ ذَلِك قبل وجود الْمَسْرُوق وَنَحْوه، وَأَن يكون مَكَانَهُ مَجْهُولا، فَمن وجد الْآبِق أَو الْمَسْرُوق أَو علم مكانهما ثمَّ جَاءَ إِلَى ربه، فَطلب أَن يلْتَزم لَهُ بالبشارة على رده أَو على الدّلَالَة على مَكَانَهُ فَلَا جعل لَهُ وَإِن قَبضه رده قَالَ فِي العمليات: وَخذ بِشَارَة بِجعْل جعلا قبل الْوُجُود وَالْمَكَان جهلا انْظُر الأنقال على ذَلِك فِي شَرحه، لَكِن ذكر أَبُو الْعَبَّاس الملوي فِي بعض تقاييده وَنَحْوه

стр. 965

فِي شرح الْعَمَل الْمَذْكُور أَن بعض قُضَاة فاس أفتى بِوُجُوب الحكم بالبشارة مُطلقًا مُرَاعَاة للْمصَالح الْعَامَّة وخوفاً من ضيَاع أَمْوَال الْمُسلمين بكتمان الضوال والمسروق. قَالَ: وَقد نَص الْعلمَاء على أَن الْفَتْوَى دَائِرَة على مُقْتَضى الْحَال وَحَيْثُ أخذت الْبشَارَة من الْمَسْرُوق لَهُ، فَإِنَّهُ يرجع بهَا على السَّارِق لِأَنَّهُ ظَالِم تسبب فِي إغرام رب الْبشَارَة. قلت: وَهَذِه الْفَتْوَى جَارِيَة على مَا تقدم عَن ابْن سراج وَغَيره من رعي الْمصَالح وعَلى مقتضاها عَامَّة الْمُسلمين الْيَوْم فَلَا يَسْتَطِيع أَن يردهم عَن كتمان الضوال راد إِن لم يَأْخُذُوا الْبشَارَة وَالله أعلم. (وَلَا يحد بِزَمَان لَاحق) أَي لَا يجوز أَن يُؤَجل عمل الْجعل بِأَجل وَلَا يقدر بِزَمن كَيَوْم أَو عشرَة مثلا لِأَنَّهُ قد يَنْقَضِي الْأَجَل قبل تَمام الْعَمَل، فَيذْهب سَعْيه بَاطِلا. (خَ) : بِلَا تَقْدِير زمن إِلَّا بِشَرْط ترك مَتى شَاءَ فَيجوز حِينَئِذٍ ضرب الْأَجَل فِيهِ كَمَا مر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعَ عدم الشَّرْط دخل على التَّمام فقوى الْغرَر بِسَبَب ذَلِك مَعَ ضرب الْأَجَل، بِخِلَاف مَا إِذا شَرط التّرْك مَتى شَاءَ مَعَ الْأَجَل فقد دخلا على التَّخْيِير فخف بذلك الْغرَر وَسكت النَّاظِم عَن شَرط النَّقْد فِيهِ وَهُوَ مَمْنُوع لتردد المنقود بَين السلفية والثمنية لَا إِن نقد تَطَوّعا فَيجوز، وَهل على اخْتِلَافهمَا فِي قدر الْجعل وَحكمه أَنه كالصانع، فَإِن كَانَ الْآبِق مثلا محوزاً بِيَدِهِ وأشبه قَوْله، فَالْقَوْل لَهُ أشبه الْجَاعِل أم لَا، وإلاَّ صدق الْجَاعِل إِن أشبه وَإِلَّا تحَالفا وَكَانَ لَهُ جعل مثله. (فصل فِي الْمُسَاقَاة) مفاعلة من السَّقْي وَأَصله مساقية تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا فتكتب بِالْهَاءِ وتنصب الفتحة لِأَنَّهَا مُفْردَة ولفظها مفاعلة، أما من الْوَاحِد وَهُوَ قَلِيل كسافر وَعَافَاهُ الله أَو يُلَاحظ فِيهَا العقد وَهُوَ مِنْهُمَا، فَيكون من التَّعْبِير بالمتعلق بِالْفَتْح وَهُوَ الْمُسَاقَاة عَن الْمُتَعَلّق بِالْكَسْرِ وَهُوَ العقد وَهِي رخصَة مُسْتَثْنَاة من كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا، وَذَلِكَ فِي بعض صورها كالبياض الَّذِي بَين الْأَشْجَار يعْمل فِيهِ الْعَامِل بِجُزْء من زرعه وَمن بيع الثَّمَرَة وَالْإِجَارَة بهَا قبل طيبها وَقبل وجودهَا، وَمن الْإِجَارَة المجهولة وَمن بيع الْغرَر قَالَه عِيَاض. قَالَ فِي الْكَافِي: وَمعنى الْمُسَاقَاة أَن يدْفع الرجل كرمه أَو حَائِط نخله أَو شَجَرَة تينه أَو زيتونه أَو سَائِر مثمر شَجَره لمن يَكْفِيهِ الْقيام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من السَّقْي وَالْعَمَل على أَن مَا أطْعم الله من ثَمَرهَا يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ أَو على جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة. ابْن عَرَفَة: هِيَ عقد على عمل مُؤنَة النَّبَات بِقدر لَا من غير غَلَّته لَا بِلَفْظ بيع أَو إِجَارَة أَو جعل فَيدْخل قَوْلهَا لَا بَأْس بالمساقاة على أَن كل الثَّمَرَة لِلْعَامِلِ ومساقاة البعل انْتهى. فَقَوله: بِقدر يَشْمَل مَا إِذا كَانَ الْقدر كل الثَّمَرَة أَو بَعْضهَا، وَلذَا قَالَ: فَيدْخل الخ. وَلَو عبر بِجُزْء لم يَشْمَل ذَلِك وَهُوَ عطف على مُقَدّر أَي يقدر من غَلَّته لَا من غير غَلَّته وَلَا تَنْعَقِد عَن ابْن الْقَاسِم إِلَّا بلفظها، وَعند سَحْنُون بِكُل مَا يدل عَلَيْهَا وَلَو بِلَفْظ الْإِجَارَة

стр. 966

وَهُوَ مُقْتَضى تَعْرِيف ابْن عَرَفَة الْمُتَقَدّم، وَيُؤَيِّدهُ مَا تقدم صدر الْإِجَارَة من أَنه إِذا قَالَ لَهُ: بِعْتُك سُكْنى دَاري فَذَلِك غلط فِي اللَّفْظ وَهُوَ كِرَاء صَحِيح. وَقَالَ ابْن يُونُس حَسْبَمَا نَقله الْبُرْزُليّ وَغَيره فِي المغارسة مَا نَصه: وَلَا فرق بَين أساقيك وأواجرك وَلَا يضر قبح اللَّفْظ إِذا حسن الْعَمَل، وَلم يفرق ابْن الْقَاسِم بَينهمَا وَهُوَ أصوب انْتهى. فعلى هَذَا لِابْنِ الْقَاسِم قَولَانِ وَافق فِي أَحدهمَا قَول سَحْنُون، وَصَوَّبَهُ ابْن يُونُس كَمَا ترى وَذَلِكَ مِمَّا يرجح مَا عَلَيْهِ عمل النَّاس الْيَوْم من عقدهَا بِغَيْر لَفظهَا، وَإِن كَانَ (خَ) اقْتصر على الأول فَقَالَ: بساقيتك الخ. فَلَا يشوش بِهِ على النَّاس الْيَوْم وَالله أعلم. إنَّ المُسَاقَاةَ عَلَى المُخْتَارِ لَازِمْةٌ بالْعَقْدِ فِي الأَشْجَارِ (إِن الْمُسَاقَاة على) القَوْل (الْمُخْتَار) وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَالْأَكْثَر (لَازِمَة بِالْعقدِ) وَإِن لم يشرع فِي الْعَمَل وَقيل إِنَّمَا تلْزم بِالشُّرُوعِ، وَقيل بالحوز كَمَا فِي ابْن عَرَفَة (فِي الْأَشْجَار) مُتَعَلق بالمساقاة أَو بتجوز مُقَدرا. وَالزرْعِ لَمْ يَيْبَسْ فَقَدْ تَحَقَّقَا قيلَ مَعَ العَجْزِ وقيلَ مُطْلَقَا (و) تجوز أَيْضا فِي (الزَّرْع) حَال كَونه (لم ييبس) أَي لم يطب، وَهَذَا الشَّرْط لَا يخْتَص بالزرع بل هُوَ شَرط حَتَّى فِي ثَمَر الْأَشْجَار وَمثل الزَّرْع المقثاة والباذنجان والقرع والبصل والقصب واللفت والجزر. وَلما كَانَت هَذِه الْأُمُور مُلْحقَة بالثمار لِأَن السّنة إِنَّمَا وَردت بالمساقاة فِيهَا خَاصَّة اشْترط الإِمَام لجَوَاز الْمُسَاقَاة فِي هَذِه الْأُمُور شُرُوطًا. أَحدهَا: عدم الطّيب وَهُوَ لَا يخْتَص بالزرع والملحق بِهِ كَمَا مر، وَثَانِيها: أَن تبرز من الأَرْض وتستقل لتصير مشابهة للشجر وَهُوَ معنى قَوْله: (وَقد تحققا) أَي: وَالْحَال أَنه قد تحقق كَونه زرعا بِأَن بزر من الأَرْض واستقل فَلَا تصح الْمُسَاقَاة فِيهَا قبل ذَلِك، وَثَالِثهَا: أَن يعجز رَبهَا عَن الْقيام بعملها الَّذِي لَا تتمّ وَلَا تنمو إِلَّا بِهِ وَهُوَ معنى قَوْله: (قيل مَعَ الْعَجز) أَي إِنَّمَا تجوز الْمُسَاقَاة فِيهَا إِذا عجز عَن الْقيام بهَا بِخِلَاف ثمار الْأَشْجَار، فَإِنَّهَا تجوز الْمُسَاقَاة فِيهَا، وَإِن لم تبرز ثَمَرَتهَا وَإِن لم يعجز رَبهَا وَاشْتِرَاط الْعَجز فِي الزَّرْع، وَمَا ألحق بِهِ هُوَ الْمَشْهُور. ٦ (وَقيل مُطلقًا) وَهُوَ لِابْنِ نَافِع تجوز فِي الزَّرْع وَمَا ألحق بِهِ، وَإِن لم يعجز عَنهُ ربه وعَلى الأول اقْتصر (خَ) إِذْ قَالَ: كزرع وقصب ومقثاة إِن عجز ربه وَخيف مَوته وبرز وَلم يبد صَلَاحه. وَأَلْحَقُوا المقاثِي بالزَّرْعِ وَمَا كالْوَرْدِ وَالْقُطْنِ عَلَى مَا قُدِّمَا (وألحقوا المقاثي بالزرع) فِي الْجَوَاز بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة كَمَا مر. (وَمَا) مُبْتَدأ (كالورد) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صلَة (والقطن) مَعْطُوف عَلَيْهِ (على مَا قدما) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف خبر، وَالتَّقْدِير وَمَا ثَبت

стр. 967

كالورد وَالريحَان والياسمين والقطن تجوز مساقاته على مَا تقدم من الْخلاف فِي الزَّرْع هَل يشْتَرط الْعَجز أم لَا (خَ) : وَهل كَذَلِك الْورْد وَنَحْوه والقطن لَا تجوز مُسَاقَاة ذَلِك إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدّمَة فِي الزَّرْع أَو هِيَ كالأشجار فَلَا يشْتَرط فِيهَا ذَلِك، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، بل حكى ابْن رشد عَلَيْهِ الِاتِّفَاق فَلَا أقل أَن يكون ذَلِك مَشْهُور، تَأْوِيلَانِ ومحلهما فِي الْقطن الَّذِي تجنى ثَمَرَته وَيبقى أَصله يُثمر مرّة أُخْرَى، وَأما مَا لَا يجنى إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَإِنَّهُ كالزرع بِاتِّفَاق. وَامْتَنَعَتْ فِي مَخْلِفِ الإِطْعَام كَشَجَرِ المَوْزِ عَلَى الدَّوَام (وامتنعت) الْمُسَاقَاة (فِي مخلف اطعام كشجر الموز) إِلَّا تبعا لما تجوز مساقاته (خَ) : إِنَّمَا تصح مُسَاقَاة شجر ذِي ثَمَر وَلم يحل بَيْعه وَلم يخلف إِلَّا تبعا، وأدخلت الْكَاف القضب بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمُسَمّى عندنَا بالفصة والكزبرة، والقرط بِضَم الْقَاف مَا يرْعَى من العشب، والبقل، وَتقدم تَفْسِيره فِي الجوائح وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يخلف بعد جذه (على الدَّوَام) يتَعَلَّق بمخلف وَلَا بَأْس بشرَاء ثَمَرَة الموز إِذا حل بيعهَا وَشرط بَطنا أَو شهرا (خَ) : وَوَجَب ضرب الْأَجَل ان اسْتمرّ كالموز، وَقد تحصل أَن الْأُصُول ثَلَاثَة أَصْنَاف أصُول ثَابِتَة، وَإِنَّمَا تجذ ثَمَرَتهَا فَتجوز مساقاتها وأصول غير ثَابِتَة وَهِي الَّتِي يجذ أَصْلهَا مَعَ ثَمَرَتهَا كالزرع واللفت وَنَحْوهمَا، فَلَا تجوز مساقاتها إِلَّا أَن يعجز رَبهَا ويبرز من الأَرْض وأصول تجذ وتخلف كالبقل والكراث والقضب والموز لَا تجوز مساقاته قَالَه ابْن يُونُس. وَمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ مِنَ الثَّمَرْ وَغَيْرِ مَا يُطْعِمُ مِنْ أَجْلِ الصِّغَرْ (و) امْتنعت أَيْضا فِي (مَا يحل بَيْعه من الثَّمر) لطيبه إِلَّا تبعا لما لم يطب فَإِن لم يكن تبعا لم يجز لَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى الْمُسَاقَاة حِينَئِذٍ لجَوَاز بيعهَا بالثمر إِذا عجز عَن جذاذها، وَلِأَنَّهُ يجوز لَهُ أَيْضا أَن يَدْفَعهَا لمن يجذها بِالنِّصْفِ أَو الرّبع إِجَارَة وجعالة كَمَا مر فِي الْجعل وَهُوَ قَول (خَ) فِي الْإِجَارَة: واحصد هَذَا وَلَك نصفه وَمَا حصدت فلك نصفه. (و) امْتنعت أَيْضا فِي (غير مَا

стр. 968

يطعم) من عَامه (من أجل الصغر) كالودي وَهُوَ صغَار النّخل إِلَّا تبعا لما يطعم من عَامه. وَفي مُغَيَّبٍ فِي الأَرْضِ كالْجَزَرْ وَقَصَبِ السُّكَّرِ خُلْفٌ مُعْتَبَرْ (وَفِي) جَوَاز مُسَاقَاة (مغيب فِي الأَرْض) خبر مقدم (كالجزر) واللفت والفجل (و) فِي (قصب السكر) وَنَحْوه وَعدم جَوَاز الْمُسَاقَاة فِي ذَلِك (خلف) مُبْتَدأ (مُعْتَبر) صفة لَهُ، وَالْمَشْهُور الْجَوَاز بِشُرُوط الزَّرْع كَمَا تقدم. وَإنْ بَيَاضٌ قَلَّ مَا بَيْنَ الشَّجَرْ وَرَبُّهُ يُلْغيهِ فَهْوَ مُغْتَفَرْ (وَإِن) قل (بَيَاض) فَاعل مَحْذُوف يفسره (قل) كَمَا قَررنَا وَهُوَ الْمحل الْخَالِي من الْغَرْس سمي بَيَاضًا لإشراق أرضه بضوء الشَّمْس نَهَارا وبنور الْكَوَاكِب لَيْلًا، فَإِذا اشترت الأَرْض بزرع أَو شجر سميت سواداً لحجبها عَن بهجة الْإِشْرَاق (مَا) زَائِدَة (بَين الشّجر) حَال (وربه يلغيه) جملَة حَالية (فَهُوَ مغتفر) جَوَاب الشَّرْط، وَالْمعْنَى أَن الْبيَاض سَوَاء كَانَ بَين الشّجر أَو مُنْفَردا عَنْهَا بِنَاحِيَة إِذا قلّ بِأَن يكون كراؤه مُنْفَردا مائَة وَالثَّمَرَة على الْمُعْتَاد مِنْهَا بعد إِسْقَاط مَا أنْفق عَلَيْهَا تَسَاوِي مِائَتَيْنِ يغْتَفر إلغاؤه لِلْعَامِلِ فَيخْتَص بِمَا يزرع فِيهِ، وَسَوَاء ألغي لَهُ باشتراطه إِيَّاه عِنْد العقد أَو سكتا عَنهُ عِنْده (خَ) : وألغي لِلْعَامِلِ إِن سكتا عَنهُ أَو اشْتَرَطَهُ الخ. وَمَا فِي حَاشِيَة ابْن رحال: من أَنه عِنْد السُّكُوت يبْقى لرَبه على الرَّاجِح خلاف الْمُعْتَمد كَمَا فِي حَاشِيَة الرهوني. ابْن يُونُس: وَلَو ادّعى رب الْحَائِط قبل الْعَمَل أَنه اشْتَرَطَهُ لنَفسِهِ تحَالفا وتفاسخا، وَإِذا ألغي لِلْعَامِلِ فزرعه لنَفسِهِ ثمَّ أجيحت الثَّمَرَة كَانَ عَلَيْهِ كِرَاء الْبيَاض لِأَنَّهُ لم يُعْطه إِيَّاه إِلَّا على عمل السوَاد، فَلَمَّا ذهب السوَاد كَانَ لَهُ أَن يرجع بالكراء، وَكَذَا لَو عجز عَن إتْمَام الْعَمَل كَانَ عَلَيْهِ الْبيَاض بكرَاء مثله، وَمَفْهُوم قَوْله: قل إِنَّه إِذا لم يكن تبعا بل كَانَ كراؤه أَكثر من مائَة فِي الْمِثَال الْمَذْكُور لم يجز إلغاؤه بل يبْقى لرَبه فَإِن اشْتَرَطَهُ الْعَامِل فَسدتْ. وَجازَ أنْ يَعْمَلَ ذَاكَ العامِلُ لكِنْ بِجُزْءِ جُزْئهَا يُمَاثِلُ

стр. 969

(وَجَاز أَن يعْمل ذَاك) الْبيَاض الْقَلِيل كَمَا فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم (الْعَامِل) فِي الشّجر وَتَكون فَائِدَته بَينهمَا (لَكِن) بِشُرُوط أَحدهَا أَن يكون عمله فِيهِ (بِجُزْء) من نَعته وَصفته (جزئها) أَي الْمُسَاقَاة مفعول بقوله (يماثل) كالربع أَو النّصْف فيهمَا مَعًا، فَلَو كَانَ على الرّبع فِي الثَّمَرَة وَالنّصف فِي الْبيَاض لم يجز على الْمَشْهُور، وَمذهب ابْن الْقَاسِم لِأَن الْمُسَاقَاة إِنَّمَا جَازَت فِيهِ بِحَسب التبع فَلَا بُد أَن يكون جزؤه مُوَافقا لما هُوَ تبع لَهُ، وَذهب أصبغ إِلَى عدم اشْتِرَاط مُوَافقَة جُزْء الْبيَاض للحائط وَعَلِيهِ فَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم من مُسَاقَاة الْبيَاض بِأَكْثَرَ من جُزْء الْحَائِط لَهُ مُسْتَند، فَلَا يشوش عَلَيْهِم بارتكابهم لغير الْمَشْهُور قَالَه المسناوي، وَأَشَارَ لثاني الشُّرُوط بقوله: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا يَزْدَرِعُ مِنْ عِنْدِهِ وَجُزْءُ الأَرْضِ تَبَعُ (بِشَرْط أَن يكون مَا يزدرع) فِي الْبيَاض (من عِنْده) أَي من عِنْد الْعَامِل لِأَنَّهُ من جملَة مُؤنَة الْمُسَاقَاة، وَلِأَنَّهُ لم يرد عَنهُ ﵇ أَنه بعث إِلَى أهل خَيْبَر بزريعة وَلَا غَيرهَا، فَلَو كَانَ بذره من عِنْد ربه أَو من عِنْدهمَا فَسدتْ لخُرُوج الرُّخْصَة عَن محلهَا، وَأَشَارَ لثالث الشُّرُوط بقوله: (وجزء الأَرْض) أَي والجزء الَّذِي هُوَ الأَرْض الْبيَاض (تبع) لقيمة ثَمَرَة الْحَائِط كَمَا تقدم فِي الْمِثَال وَهَذَا الشَّرْط مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله (قل) إِلَّا أَن يكون قصد بِهِ تَفْسِير الْقلَّة (خَ) : وكبياض نخل أَو زرع إِن وَافق الْجُزْء وبذره الْعَامِل وَكَانَ ثلثا بِإِسْقَاط كلفة الثَّمَرَة الخ. وَالْحَاصِل أَن الْبيَاض لَا يجوز إِدْخَاله فِي الْمُسَاقَاة إِلَّا بِهَذِهِ الشُّرُوط الثَّلَاثَة فَإِن اخْتَلَّ وَاحِد مِنْهَا فسد عقد الْمُسَاقَاة وَيرد الْعَامِل إِلَى مُسَاقَاة مثله فِي الْحَائِط وَإِلَى أُجْرَة مثله فِي الْبيَاض. وَحَيْثُمَا اشْتَرَطَ رَبُّ الأَرْضِ فَائِدَهُ فَالْفَسْخُ أمْرٌ مَقْضِي (وحيثما شَرط رب الأَرْض فائده) أَي الْبيَاض الْيَسِير لنَفسِهِ (فالفسخ) لعقد الْمُسَاقَاة (أَمر مقضي) بِهِ على الْمَشْهُور لِأَن سقِِي الْعَامِل يَنَالهُ فَكَانَ ذَلِك زِيَادَة اشْتِرَاطهَا رب الْحَائِط على الْعَامِل، وَقيل يجوز لرَبه اشْتِرَاطه لنَفسِهِ لِأَن الْعَامِل لَا يتَكَلَّف لذَلِك زِيَادَة فِي الْعَمَل لِأَنَّهُ يسْقِي شَجَره وَمَا ينْتَفع بِهِ الْبيَاض بعد ذَلِك كَالَّذي ينْتَفع بِهِ الْجَار اه. وَعَلِيهِ فَلَا يشوش على من فعله كَمَا مر عَن المسناوي، وَهَذَا إِذا كَانَ يَنَالهُ سقِِي الْعَامِل، وَأما إِن كَانَ لَا يَنَالهُ أَو كَانَ بعلاً فَلَا إِشْكَال أَنه لرَبه، وَهَذَا كُله فِي الْبيَاض الْيَسِير كَمَا مر. وَأما الْكثير فَلَا يَصح إِدْخَاله فِي الْمُسَاقَاة

стр. 970

وَلَا أَن يلغى لِلْعَامِلِ، بل يبْقى لرَبه كَمَا مر، وَظَاهر إطلاقاتهم وَلَو كَانَ سقِِي الْعَامِل يَنَالهُ. وَقَوْلنَا: فالفسخ الخ. ظَاهره وَلَو بعد الْعَمَل وَهُوَ كَذَلِك وَيكون لَهُ أُجْرَة مثله فِيهِ ومساقاة مثله فِي الْحَائِط. وَلَا تَصِحُّ مَعْ كِرَاءٍ لَا وَلَا شَرْطِ البَيَاضِ لِسوَى مَنْ عَمِلا (وَلَا تصح) الْمُسَاقَاة (مَعَ كِرَاء) فِي عقد وَاحِد كَقَوْلِه: اكتر لي دَارك بدرهم على أَن نعمل فِي حائطك مُسَاقَاة بِربع الثَّمَرَة لِأَنَّهَا من الْعُقُود الَّتِي لَا يجْتَمع اثْنَان مِنْهَا فِي عقد وَاحِد كَمَا مر صدر الْبيُوع (لَا) توكيد للا الَّتِي قبلهَا (وَلَا) تصح أَيْضا مَعَ (شَرط الْبيَاض) الْيَسِير (لسوى من عملا) وَهُوَ رب الْحَائِط أَو الْأَجْنَبِيّ وَأما شَرطه لِلْعَامِلِ فَهُوَ جَائِز، وَهَذَا الشّطْر مُكَرر مَعَ قَوْله قبله وحيثما الخ. وَلَا اشْتِرَاط عَمَلٍ كَثِيرِ يَبْقَى لَهُ كَمِثْلِ حَفْرِ بِيرِ (وَلَا) يَصح أَيْضا مَعَ (اشْتِرَاط عمل كثير) على الْعَامِل (يبْقى لَهُ) أَي لرب الْحَائِط (كَمثل حفر بير) أَو عين أَو بِنَاء حَائِط أَو بَيت، وَمَفْهُوم كثير أَن الْعَمَل الْقَلِيل لَازم لَهُ (خَ) : وَلزِمَ عاملها مَا يفْتَقر لَهُ عرفا أَي وَلَا يشْتَرط تَفْصِيله لقِيَام الْعرف مقَام الْوَصْف، فَإِن لم يكن عرف أصلا أَو كَانَ وَلم يَنْضَبِط أَو انضبط وَلم يُعلمهُ الْعَامِل فَلَا بُد من الْبَيَان وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ أَنه لم يُعلمهُ، ثمَّ إِن الَّذِي يجب عَلَيْهِ هُوَ مَا يتَعَلَّق بإصلاح الثَّمَرَة. قَالَ فِي الْمُقدمَات: عمل الْعَامِل إِن لم يتَعَلَّق بإصلاح الثَّمَرَة لم يلْزم الْعَامِل وَلَا يَصح أَن يشْتَرط عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِير كشد الحظيرة بالظاء المشالة أَي الزرب الَّذِي بِأَعْلَى الْحَائِط يمْنَع التسور عَلَيْهِ من الْحَظْر وَهُوَ الْمَنْع، وكإصلاح الضفيرة وَهِي عيدَان تضفر وتطين ليجتمع فِيهَا المَاء كالصهريج قَالَ: وَإِن تعلق بإصلاح الثَّمَرَة وَكَانَ يَنْقَطِع بانقطاعها أَو يبْقى بعْدهَا الشَّيْء الْيَسِير، فَهَذَا يلْزم المساقي وَذَلِكَ كالحفر الَّذِي يمْنَع الدُّخُول للحائط والسقي وزبر الْكَرم وتقليم الشّجر وَإِصْلَاح مَوَاضِع السَّقْي وجلب المَاء وجذاذ الثَّمَرَة وتبقية مَنَافِع الشّجر وَنَحْو ذَلِك، وَأما مَا يبْقى بعد انقطاعها وَينْتَفع بِهِ رَبهَا كحفر بِئْر أَو بِنَاء بَين يجمع فِيهِ ثَمَرهَا كالجرين أَو إنْشَاء غرس، فَلَا يلْزم الْعَامِل وَلَا يجوز اشْتِرَاطه عَلَيْهِ اه. بِاخْتِصَار وَزِيَادَة للإيضاح. وَلَا اخْتِصَاصِهِ بِكَيْلٍ أَوْ عَدَدْ أَوْ نَخْلةٍ مِمَّا عَلَيْهِ قَدْ عَقَدْ

стр. 971

(وَلَا) تصح أَيْضا مَعَ اشْتِرَاط (اخْتِصَاصه) أَي رب الْحَائِط أَو الْعَامِل (بكيل) كوسق لي وَالْبَاقِي بَيْننَا على الْجُزْء الَّذِي دَخَلنَا عَلَيْهِ (أَو عدد) كألف رمانة أَو مائَة أترجة أَو بطيخة وَالْبَاقِي بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ، (أَو) شَرط اخْتِصَاصه بثمر (نَخْلَة مِمَّا) أَي من النخيل الَّذِي (عَلَيْهِ قد عقد) الْمُسَاقَاة يتنازعه الْكَيْل وَمَا بعده، وَمَفْهُوم قَوْله: مِمَّا عَلَيْهِ قد عقد أحروي فِي الْمَنْع، فَلَا يجوز اشْتِرَاط اخْتِصَاص الْعَامِل أَو رب الْحَائِط بكيل من حِنْطَة أَو ثَمَرَة نخل أَو عدد من دَنَانِير أَو عرض أَو من الرُّمَّان مثلا أَو ثَمَر نَخْلَة من غير مَا وَقعت عَلَيْهِ الْمُسَاقَاة، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الدَّافِع من عِنْده هُوَ الْعَامِل فقد خرجا عَن الْمُسَاقَاة إِلَى بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَإِن كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط فَهُوَ إِجَارَة فَاسِدَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ واجره على الْعَمَل بِمَا أعطَاهُ لَهُ وبجزء من ثَمَرَة مَا يعْمل فِيهِ فَيرد الْعَامِل إِلَى أُجْرَة مثله فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَا شَيْء لَهُ فِي الثَّمَرَة كَمَا قَالَ (خَ) : فَلهُ أُجْرَة مثله إِن خرجا عَنْهَا كَانَ ازْدَادَ عينا أَو عرضا الخ. نعم إِذا لم يجد رب الْحَائِط عَاملا إِلَّا مَعَ دَفعه لَهُ شَيْئا زَائِدا على الْجُزْء فَإِنَّهَا تصح للضَّرُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن سراج فِي الْإِجَارَة قَالَه (ز) وَاحْترز بقوله بكيل الخ. مِمَّا إِذا ساقاه على أَن لأَحَدهمَا جُزْءا من عشرَة أَو خَمْسَة أَو أقل أَو أَكثر أَو الْبَاقِي بَينهمَا نِصْفَيْنِ مثلا فَإِنَّهُ جَائِز لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى جُزْء مَعْلُوم لأَحَدهمَا خَمْسَة وَنصف وَللْآخر أَرْبَعَة وَنصف قَالَه اللَّخْمِيّ. وَهيَ بِشَرْطٍ أَوْ بِمَا قَد اتُّفِقْ بِهِ وَحَدُّ أَمَدٍ لَهَا يَحِقْ (وَهِي) أَي الْمُسَاقَاة تصح (بِشَطْر) من الثَّمَرَة أَي نصفهَا (أَو بِمَا قد اتّفق) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول (بِهِ) أَي عَلَيْهِ من ثلث الثَّمَرَة أَو ربعهَا أَو خمسها أَو ثَلَاثَة أرباعها أَو كلهَا كَمَا مر عَن ابْن عَرَفَة من أَنه تجوز الْمُسَاقَاة على أَن كل الثَّمَرَة لِلْعَامِلِ اللَّخْمِيّ: وَالْمُسَاقَاة تجوز على النّصْف حَسْبَمَا ورد فِي الحَدِيث، أَنه ﵇ ساقى أهل خَيْبَر بِشَطْر الثَّمَرَة وعَلى الثُّلُث وَالرّبع وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل الخ (خَ) : بِجُزْء قل أَو كثر شاع وَعلم الخ. (وحد أمد) أَي أجل من سنة فَأكْثر (لَهَا يحِق) وَظَاهره الْوُجُوب وَالَّذِي فِي الْمُدَوَّنَة والشأن فِي الْمُسَاقَاة إِلَى الْجذاذ قَالَ: وَلَا تجوز شهرا وَلَا سنة محدودة وَهِي للجذاذ إِذا لم يؤجلا وَإِن كَانَت تطعم فِي الْعَام مرَّتَيْنِ فَهِيَ إِلَى الْجذاذ الأول حَتَّى

стр. 972

يشْتَرط الثَّانِي اه. وَهُوَ معنى قَول (خَ) : واقتت بالجذاذ وحملت على أول إِن لم يشْتَرط الخ. وَقَالَ فِي الْمعِين: وَالصَّوَاب أَن تؤرخ الْمُسَاقَاة بالشهور العجمية الَّتِي فِيهَا الْجذاذ فَإِن أرخت بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن انْقَضتْ قبل الْجذاذ تَمَادى الْعَامِل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يسْتَحبّ أَن تكون الْمُسَاقَاة من سنة إِلَى أَربع، فَإِن طَالَتْ السنون جدا فسخت اه. وَفِي (ح) مَا نَصه: فَتحصل أَن الْمُسَاقَاة تؤقت بالجذاذ سَوَاء عقداها لعام وَاحِد أَو لسنين مُتعَدِّدَة فَإِن عقداها وأطلقا حملت على الْجذاذ، وعَلى أَنَّهَا لعام وَاحِد، وَإِن عقداها لسنة أَو سنتَيْن وأطلقا حملت أَيْضا على الْجذاذ، وَإِن أَرَادَ التَّحْدِيد بِانْقِضَاء السّنة الْعَرَبيَّة أَو السنين الْعَرَبيَّة لم تجز وتفسد الْمُسَاقَاة بذلك اه. تَنْبِيه: قَالَ أَبُو الْحسن: الْمُسَاقَاة تجوز بِثمَانِيَة شُرُوط. أَولهَا: أَنَّهَا لَا تصح إِلَّا فِي أصل يُثمر أَو مَا فِي مَعْنَاهُ من ذَوَات الأزهار والأوراق المنتفع بهَا كالورد والآس يَعْنِي الريحان. ثَانِيهَا: أَن تكون قبل طيب الثَّمَرَة وَجَوَاز بيعهَا. ثَالِثهَا: أَن تكون إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة مَا لم تطل جدا أَو إِلَى الْجذاذ إِذا لم يؤجلا. رَابِعهَا: أَن تكون بِلَفْظ الْمُسَاقَاة لِأَن الرُّخص تفْتَقر إِلَى أَلْفَاظ تخْتَص بهَا. خَامِسهَا: أَن تكون بِجُزْء مشَاع لَا على عدد من آصَع أَو أوسق. سادسها: أَن يكون الْعَمَل كُله على الْعَامِل. سابعها: أَن لَا يشْتَرط أَحدهمَا من الثَّمَرَة وَلَا من غَيرهَا شَيْئا معينا خَاصّا بِنَفسِهِ. ثامنها: أَن لَا يشْتَرط على الْعَامِل أَشْيَاء خَارِجَة عَن الثِّمَار أَو مُتَعَلقَة بالثمرة وَلَكِن تبقى بعد الثَّمَرَة مِمَّا لَهُ قدر وبال اه. وَزَاد بَعضهم تاسعاً وَهُوَ أَن يكون الشّجر مِمَّا لَا يخلف اه. وجلها فِي النّظم كَمَا يعلم بِأَدْنَى تَأمل، وَقد تقدم أول الْبَاب مَا فِي الشَّرْط الرَّابِع من الْخلاف. وَالدَّفْعُ لِلزَّكَاةِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ بَيْنَهُمَا بِنِسْبِةِ الْجُزْءِ فَقَطْ (وَالدَّفْع لِلزَّكَاةِ) مُبْتَدأ (إِن لم يشْتَرط) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه ضمير الْمُبْتَدَأ (بَينهمَا) خبر (بِنِسْبَة الْجُزْء) حَال من الضَّمِير فِي مُتَعَلق الْخَبَر (فَقَط) وَالْمعْنَى أَن المتساقيين إِذا عقدا الْمُسَاقَاة وَلم يشْتَرط أَحدهمَا على صَاحبه إِخْرَاج الزَّكَاة من نصِيبه، فَإِنَّهَا تخرج ابْتِدَاء، ثمَّ يكون الْبَاقِي بَينهمَا

стр. 973

على مَا اتفقَا عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَ يبْدَأ بهَا فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد أعْطى من الزَّكَاة بِقدر نصِيبه من الثَّمَرَة وَهُوَ معنى قَوْله: بِنِسْبَة الْجُزْء أَي جُزْء الْغلَّة فَمن لَهُ مِنْهَا ربع فقد أعْطى عشر الرّبع وَهَكَذَا. وَمَفْهُوم الشَّرْط أَنه إِذا اشْترطت الزَّكَاة على أَحدهمَا كَانَت عَلَيْهِ وَحده وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَلَا بَأْس أَن تشْتَرط الزَّكَاة فِي حَظّ أَحدهمَا لِأَنَّهُ يرجع إِلَى جُزْء مَعْلُوم ساقى عَلَيْهِ فَإِن لم يشْتَرط شَيْئا فشأن الزَّكَاة أَن يبْدَأ بهَا ثمَّ يقتسمان مَا بَقِي ثمَّ إِن الزَّكَاة إِنَّمَا تجب وَيبدأ بهَا إِن كَانَ رب الْحَائِط أَهلا لَهَا وثمره أَو مَا يضمه لَهُ من غَيره نِصَابا وَإِن كَانَ الْعَامِل من غير أَهلهَا لِأَنَّهُ أجِير، فَإِن لم يكن ربه من أَهلهَا كَكَوْنِهِ رَقِيقا أَو كَافِرًا أَو لم تبلغ هِيَ أَو مَعَ مَا لَهُ من غَيرهَا نِصَابا لم تجب عَلَيْهِ وَلَا على الْعَامِل فِي حِصَّته، وَلَو كَانَت نِصَابا وَهُوَ من أَهلهَا لِأَنَّهُ أجِير، وَلذَا قَالَ اللَّخْمِيّ: يزكّى الْحَائِط مُدَّة الْمُسَاقَاة على ملك ربه فَإِن كَانَ جَمِيعه خَمْسَة أوسق كَانَت فِيهِ الزَّكَاة وَإِن لم ينب كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا وسقان وَنصف ويزكى الْعَامِل وَإِن كَانَ عبدا أَو نَصْرَانِيّا وَإِن كَانَ الْحَائِط لعبد أَو نَصْرَانِيّ لم يزك الْعَامِل وَإِن صَار لَهُ نِصَاب وَهُوَ حر مُسلم اه. تَنْبِيه: فَإِن لم تجب الزَّكَاة لنقصانها عَن النّصاب وَقد اشترطها أَحدهمَا على صَاحبه فَقيل: يلغى الشَّرْط وَتَكون الثَّمَرَة بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ، وَبِه صدر فِي الشَّامِل، وَقيل: وَهُوَ الْمُعْتَمد وَبِه صدر فِي الْمُتَيْطِيَّة يقتسمان الثَّمَرَة عشرَة أَجزَاء وَيكون لِلْعَامِلِ مِنْهَا أَرْبَعَة حَيْثُ ساقاه على النّصْف ولربها سنة حَيْثُ اشْترطت على الْعَامِل وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ. قَالَ اللَّقَّانِيّ فِي حَوَاشِي ضيح: هَذَا القَوْل هُوَ الْجَارِي على الصَّحِيح فِي بَاب الْقَرَاض من أَن جُزْء الزَّكَاة لمشترطه (خَ) : وَهُوَ للمشترط وَإِن لم تجب الخ. تَنْبِيه: قَالَ الشَّيْخ بناني فِي حَاشِيَته عَن بعض شُيُوخه: وَالصَّوَاب أَيْضا أَن الخماس كالمساقي فالزكاة على رب الزَّرْع إِن كَانَ من أَهلهَا وَكَانَ عِنْده نِصَاب وإلاَّ فَكَمَا تقدم فِي المساقي ثمَّ مَا فضل بعد أَخذ الزَّكَاة يكون بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ اه. قلت: ذكر فِي المعيار عَن الْبُرْزُليّ أَنه اخْتلف فِي شركَة الخماس فَقيل: جَائِزَة لِأَنَّهُ شريك وَهُوَ قَول سَحْنُون وَقيل غير جَائِزَة لِأَنَّهُ أجِير وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم. وَفَائِدَة الْخلاف تظهر فِي الزَّكَاة فعلى قَول ابْن الْقَاسِم إِنَّمَا لَهُ إجَازَة مثله فزكاة الزَّرْع على ربه، وعَلى قَول سَحْنُون على الخماس زَكَاة زرعه اه. وعَلى جَوَازهَا للضَّرُورَة درج فِي العمليات إِذْ قَالَ: وَأُجْرَة الخماس أَمر مُشكل وللضرورة بهَا تساهل وَحِينَئِذٍ فعلى الخماس زَكَاة زرعه كَمَا عَلَيْهِ النَّاس الْيَوْم، وَقد قَالَ الْبُرْزُليّ فِي نَوَازِل الزَّكَاة مَا نَصه: وَلَا زَكَاة على شريك فِي مِيرَاث أَو غَيره حَتَّى يبلغ نصِيبه نِصَابا وَمثله الخماس الْيَوْم لِأَنَّهُ شريك اه. وَقد ذكر فِي المعيار عَن ابْن لب أَن مَا ارْتَكَبهُ النَّاس وتقادم فِي عرفهم وَجرى بِهِ عَمَلهم يَنْبَغِي أَن يلْتَمس لَهُ وَجه شَرْعِي مَا أمكن على خلاف أَو وفَاق، إِذْ لَا يلْزم ارتباط الْعَمَل بِمذهب معِين وَلَا بِمَشْهُور من قَول قَائِل اه. وَالله أعلم. وَأما الَّذِي يُسمى عِنْد النَّاس الْيَوْم بالمقاطع فَإِنَّمَا يَأْخُذهُ إِجَارَة قطعا فزكاة مَا يَأْخُذهُ على رب الزَّرْع وَكَذَا عَلَيْهِ زَكَاة مَا يلقطه اللقاط الَّذِي اشْترط لقطه مَعَ الْحَصاد بِأُجْرَة، سَوَاء كَانَ الْحَصاد الَّذِي اشْترط لقطه اللقاط مَعَه هُوَ الْمُسَمّى بالمقاطع أَو غَيره. ذكر ذَلِك شَارِح الْعَمَل عَن (خَ) عِنْد قَوْله: وخدمة النِّسَاء فِي

стр. 974

الْبَوَادِي الخ. وَنقل عَن المعيار أَن أُجْرَة الْحَصاد بِشَرْط اللقاط مَعَه فَاسِدَة وَإِن كَانَ زَكَاة مَا يلقطه على رب الزَّرْع لِأَن مَا يلقطه حِينَئِذٍ مؤاجر بِهِ، وَيفهم مِنْهُ أَنه لَا زَكَاة على ربه فِيمَا يلقطه إِذا لم يشْتَرط لقطه وَكَانَ اللقاط يَأْخُذهُ لنَفسِهِ. وَعَاجِزٌ مِنْ حَظَّهِ يُكَمَّلُ بالْبَيْعِ مَعْ بَدْوِ الصَّلَاحِ العَمَلُ (و) عَامل فِي الْمُسَاقَاة (عَاجز من حَظه) يتَعَلَّق بقوله (يكمل) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه الْعَمَل آخر الْبَيْت وَالْجُمْلَة خبر عَن عَاجز و (بِالْبيعِ) يتَعَلَّق بيكمل (مَعَ بَدو الصّلاح الْعَمَل) حَال وَالتَّقْدِير وعاجز عَن إتْمَام عمله يكمل عمله من حَظه بِبيعِهِ حَال كَون عَجزه مَعَ بَدو صَلَاح الثَّمَرَة. وَحَاصِله أَنه إِذا عجز بعد بَدو الصّلاح فَإِنَّهُ يُبَاع حَظه من الثَّمَرَة ويستأجر بِثمنِهِ من يكمل الْعَمَل، فَإِن كَانَ لَهُ فضل فَلهُ وَإِن كَانَ نقص فَيتبع بِهِ إِلَّا أَن يُرْضِي رب الْحَائِط أَخذه ويعفيه من الْعَمَل فَذَلِك لَهُ قَالَه فِي ضيح، وَفهم من النَّاظِم أَنه لَا يجوز لِلْعَامِلِ أَن يساقي غَيره فِي هَذَا الْوَجْه وَهُوَ كَذَلِك، إِلَّا مُسَاقَاة فِي ثَمَر حل بَيْعه كَمَا مر. وَحَيْثُ لَمْ يَبْدُ ولَا يُوجَد مَنْ يَنُوبُ فِي ذَاكَ مَنَابَ مُؤْتَمَنْ (وَحَيْثُ) عجز الْعَامِل أَو ورثته بعد مَوته (وَلم يبد) صَلَاح الثَّمَرَة (وَلَا يُوجد من) أَي أَمِين (يَنُوب) عَنهُ (فِي ذَاك) الْعَمَل (مناب) الْعَامِل الَّذِي هُوَ (مؤتمن) عَن رب الْحَائِط. فَعَامِلُ يُلْق ﷺ ١٦٤٨ - ; ى لَهُ مَا أَنْفَقَا وَقَوْلُ خُذْ مَا نَابَ واخْرُجْ مُتَّقى (فعامل يُلقى لَهُ مَا اتفقَا) على الثَّمَرَة وَلَا شَيْء لَهُ مِنْهَا وَلَا من أُجْرَة عمله. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِذا عجز الْعَامِل عَن السَّقْي قبل طيب الثَّمَرَة قيل لَهُ سَاق من شِئْت أَمينا فَإِن لم يجد أسلم الْحَائِط إِلَى ربه (خَ) : فَإِن عجز وَلم يجد أسلمه هدرا، وَظَاهره كظاهر الْمُدَوَّنَة وَالنّظم أَن الْعَامِل إِذا أسلمه وألغى نَفَقَته لزم رب الْحَائِط قبُوله وَلَا مقَال لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل لَهُ أَن لَا يقبل إِذْ من حجَّته أَن يَقُول: أَنا لَا أقبل تَسْلِيمه هدرا وَلَكِن أَنا أستأجر من يعْمل تَمام الْعَمَل وأبيع مَا صَار لَهُ من الثَّمَرَة وأستوفي مَا أدّيت، فَإِن فضل فَلهُ وَإِن نقص اتبعته بِهِ قَالَه اللَّخْمِيّ وَابْن يُونُس، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم فِي المتزارعين، فعجز أَحدهمَا بعد الْعَمَل وَقبل الطّيب فَإِنَّهُ يُقَال لصَاحبه: اعْمَلْ فَإِذا طَابَ الزَّرْع بِعْ وَاسْتَوْفِ حَقك فَمَا فضل كَانَ لَهُ وَمَا نقص اتبعته بِهِ لِأَن الْعَمَل كَانَ لَهُ لَازِما. قَالَ فِي ضيح: وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيّن خلاف مَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام من أَنه يلْزم ربه قبُوله، وَظَاهر (خَ) أَيْضا كالمدونة وَالنّظم أَنه لَا شَيْء لِلْعَامِلِ إِذا رَضِي رب الْحَائِط بقبوله وَلَو انْتفع رب الْحَائِط بِمَا عمل الْعَامِل فِيهِ. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: لَهُ قيمَة مَا انْتفع بِهِ من الْعَمَل الأول قِيَاسا على قَوْلهم فِي الْجعل على حفر الْبِئْر، ثمَّ يتْرك اخْتِيَارا وَأتم صَاحب الْبِئْر

стр. 975

حفرهَا اه. وَشَمل قَوْلهَا أَمينا من هُوَ مثله فِي الْأَمَانَة أَو أَعلَى أَو أقل، وأصل الْأَمَانَة لَا بُد مِنْهَا فَإِن ساقى غير أَمِين ضمن وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي عَن (خَ) وَمَفْهُوم قَوْله: وَلَا يُوجد من يَنُوب الخ. أَنه إِذا وجد أَمينا يَنُوب عَنهُ فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يساقيه سَوَاء عجز أَو لم يعجز وَهُوَ كَذَلِك كَمَا صرح بِهِ (خَ) حَيْثُ قَالَ عاطفاً على الْجَوَاز: ومساقاة عَامل آخر وَلَو أقل أَمَانَة وَحمل على ضدها وَضمن اه. وَدخل فِي قَول (خَ) آخر الخ. رب الْحَائِط فَإِن لِلْعَامِلِ أَن يساقيه بِجُزْء أقل من جزئه أَو مُسَاوِيا لَا بِأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لدفع بعض الثَّمَرَة من حَائِط آخر وَهُوَ خلاف سنة الْمُسَاقَاة كَمَا فِي (ز) فَإِن أَرَادَ الْعَامِل أَن يساقي غَيره بِأَقَلّ أَو مُسَاوِيا طلب رب الْحَائِط أَن يَأْخُذهُ بذلك الْجُزْء الَّذِي يَأْخُذهُ بِهِ غَيره، فَالْقَوْل لَهُ وَهُوَ أَحَق بِهِ وَلَا مقَال لِلْعَامِلِ فِي ذَلِك إِن كَانَ الْجُزْء مُسَاوِيا كَمَا فِي اللَّخْمِيّ. وَأما إِن كَانَ بِأَقَلّ فَهَل لِلْعَامِلِ أَن يَقُول لَا أرْضى بأمانته إِذْ هُوَ مَحْمُول على عدمهَا حَتَّى يثبتها وَهُوَ الظَّاهِر أم لَا؟ وَمحل جَوَاز مُسَاقَاة الْعَامِل آخر مَعَ عجز أَو بِدُونِهِ إِذا لم يشْتَرط رب الْحَائِط عمل الْعَامِل بِعَيْنِه وَإِلَّا منع من مساقاته آخر كَمَا فِي (ز) وَمَفْهُوم قَوْله يلغى الخ. أَنه لَا يجوز عدم الإلغاء بِأَن يَأْخُذ الْعَامِل من رب الْحَائِط قبل الطّيب ثمنا أَو ثَمَرَة من غير الْحَائِط وينصرف وَهُوَ معنى قَوْله: (وَقَول) رب الْحَائِط لِلْعَامِلِ قبل بَدو الصّلاح (خُذ مَا نَاب) عَمَلك الْآن (واخرج) عني (متقى) أَي مَمْنُوع لِأَنَّهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا، وَأما بعد بدوه فَيجوز بِغَيْر طَعَام كدراهم أَو عرض لَا بِطَعَام لما فِيهِ من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة وبالتفاضل والنسيئة إِن كَانَ الطَّعَام من جِنْسهَا. وَمَا ذكره النَّاظِم هُوَ من الْإِقَالَة بعد الْعَمَل على شَيْء يَأْخُذهُ الْعَامِل من رب الْحَائِط قَالَ فِيهَا: وَمن ساقيته حائطك لم يجز أَن يقيلك على شَيْء تعطيه إِيَّاه كَانَ قد شرع فِي الْعَمَل أم لَا. لِأَنَّهُ غرر إِن أثمر النّخل فَهُوَ بيع الثَّمر قبل زهوه، وَإِن لم يُثمر فَهُوَ أكل المَال بِالْبَاطِلِ اه. وَقَالَ فِيهَا أَيْضا: وَمن ساقى رجلا ثَلَاث سِنِين فَلَيْسَ لأَحَدهمَا المتاركة حَتَّى تَنْقَضِي لِأَن الْمُسَاقَاة تلْزم بِالْعقدِ، وَإِن لم يعْمل وَلَيْسَ لأَحَدهمَا التّرْك إِلَّا أَن يتتاركا بِغَيْر شَيْء يَأْخُذهُ أَحدهمَا من الآخر فَيجوز، وَبِه تعلم أَنه لَا مَفْهُوم لقَوْله مَا نَاب الخ. بل كَذَلِك إِذا لم يعْمل كَمَا مر عَن الْمُدَوَّنَة، وَمَفْهُوم قَوْله: خُذ الخ. أَنه إِذا تَقَايلا مجَّانا جَازَ كَمَا مر أَيْضا عَن الْمُدَوَّنَة (خَ) وتقايلهما هدر الخ. وَكَذَا يجوز إِذا قَالَ: أَنا أكفيك الْمُؤْنَة الخ. وَخذ حظك كَامِلا بعد جذاذها من عينهَا كَمَا مر عِنْد قَوْله: وعاجز من حَظه يكمل الخ. وَمحل مَا فِي النّظم إِذا كَانَت الْإِقَالَة على شَيْء من غير ثَمَرَة الْمُسَاقَاة كَمَا قَررنَا أَو على مكيلة مُسَمَّاة مِنْهَا أَو على ثَمَرَة نَخْلَة مَعْرُوفَة مِنْهَا، وَأما على جُزْء شَائِع من ثَمَرَة الْمُسَاقَاة وَلم تطب فَإِنَّهُ يجوز قبل الْعَمَل اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ هبة لِلْعَامِلِ، وَكَذَا بعده عِنْد ابْن الْقَاسِم خلافًا لسَمَاع أَشهب، كَذَا لِابْنِ رشد. وَظَاهر قَول الْمُدَوَّنَة الْمُتَقَدّم؛ أَنه لَا يجوز التقايل على شَيْء يُعْطِيهِ إِيَّاه مُطلقًا كَانَ جُزْءا شَائِعا من ثَمَرَتهَا أم لَا. قبل الْعَمَل أم لَا. وَهَذَا كُله إِذا كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط، وَكَذَا إِن كَانَ الْعَامِل

стр. 976

دفع لرب الْحَائِط دَرَاهِم وَنَحْوهَا ليقيله فَإِنَّهُ يمْنَع أَيْضا، وَإِن وَقع رد لَهُ الْمَدْفُوع إِن عثر عَلَيْهِ قبل الْجذاذ وَرجع لمساقاته وَبعد الْجذاذ فَلهُ جزؤه من الثَّمَرَة كَامِلا وَعَلِيهِ أُجْرَة مَا عمل عَنهُ رب الْحَائِط فيهمَا، فَإِن فَاتَت الثَّمَرَة فَإِنَّهُ يرد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت كَمَا قَالُوهُ فِي بيع الثنيا الْفَاسِد، وَقد كَانَ فِي الْأُصُول ثَمَر مَأْبُور وَقت البيع وكما قَالُوهُ أَيْضا فِي المغارسة الْفَاسِدَة، وَكَذَا يُقَال فِيمَا إِذا كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط فَإِنَّهُ يرد إِلَيْهِ الْمَدْفُوع قبل الْجذاذ الخ. (فصل فِي الاغتراس) ابْن عَرَفَة: المغارسة جعل وإجازة وَذَات شركَة اه. فالجعل أَن يَقُول الرجل لآخر: اغترس لي هَذِه الأَرْض أصولاً كرماً أَو تيناً أَو مَا أشبه ذَلِك، وَلَك فِي كل شَجَرَة تنْبت أَو تثمر كَذَا، وَكَذَا قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة، وسينبه النَّاظِم عَلَيْهِ آخر الْفَصْل. وَالْإِجَارَة أَن يَقُول: اغرس لي هَذِه الأَرْض كرماً أَو تيناً أَو مَا أشبه ذَلِك، وَلَك كَذَا دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو عرضا صفته كَذَا، فَهَذِهِ إِجَارَة محدودة بِالْعَمَلِ كخياطة الثَّوْب، وَلَا يجوز أَن يجمع فِيهَا بَين الْأَجَل وَالْعَمَل كَمَا تقدم فِي الْإِجَارَة، وَمحل جَوَازهَا جعَالَة أَو إِجَارَة إِذا كَانَت الغروس من عِنْد رب الأَرْض سمى لَهُ عدد مَا يغْرس أَو لم يسم لِأَن ذَلِك مَعْرُوف عِنْد النَّاس، وَإِن كَانَت الغروس من عِنْد الغارس فتمتنع حَيْثُ كَانَت للغروس قيمَة لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بيع وجعالة وهما لَا يَجْتَمِعَانِ، أَو بيع وَإِجَارَة وَيجْرِي حكمهَا على من واجر بِنَاء على أَن الْآجر والجص من عِنْد الْبناء، وفيهَا تَفْصِيل اُنْظُرْهُ فِي الْمُقدمَات والمتيطية، فالجعالة لَا شَيْء فِيهَا لِلْعَامِلِ إِلَّا بِتمَام عمله بنبات الشّجر أَو أثمارها على مَا شرطاه بِخِلَاف الْإِجَارَة فَإِنَّهُ يسْتَحق أجره على مُجَرّد عمله من غير زِيَادَة عَلَيْهِ، وَإِن لم يتمه فَلهُ بِحِسَاب مَا عمل. وَقَوله: أَو ذَات شركَة هَذَا الْقسم هُوَ الْمَقْصُود للناظم وَغَيره، وَأما مَا قبله فَهُوَ دَاخل فِي بَابي الْإِجَارَة والجعل، وَهِي أَن يُعْطي الرجل أرضه لآخر ليغرسها بِجُزْء مَعْلُوم مِنْهَا يسْتَحقّهُ بِالْإِطْعَامِ أَو بِانْقِضَاء الْأَجَل الَّذِي ضرباه على مَا يَأْتِي تَفْصِيله. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَهَذَا الْقسم لَيْسَ بِإِجَارَة مُنْفَرِدَة وَلَا جعل مُنْفَرد، وَإِنَّمَا أَخذ شبها من الْإِجَارَة للزومه بِالْعقدِ يَعْنِي: وَجَوَاز تحديدها بالأجل كَمَا يَأْتِي وشبهاً من الْجعَالَة لِأَن الغارس لَا شَيْء لَهُ إِلَّا بعد نَبَات الْغَرْس وبلوغه الْحَد الْمُشْتَرط، فَإِن بَطل قبل ذَلِك لم يكن لَهُ شَيْء وَلَكِن من حَقه أَن يُعِيدهُ مرّة أُخْرَى. الاغْتِرَاسُ جَائِزٌ لِمَنْ فَعلْ مِمَّنْ لهُ البُقعَةُ أَوْ لَهُ العَمَلْ (الاغتراس) أَي العقد على غرس الأَرْض أصولاً كرماً أَو تيناً أَو نَحْوهمَا مِمَّا يطول مكثه سِنِين كقطن وزعفران فِي بعض الْأَرْضين لَا مَا لَا يطول مكثه كزرع وبقل، فَلَا يجوز فِيهِ (جَائِز)

стр. 977

لَازم على الرَّاجِح (لمن فعل) أَي لمن عقد ذَلِك سَوَاء كَانَ العقد (من لَهُ الْبقْعَة) أَي الأَرْض (أَو) مِمَّن (لَهُ الْعَمَل) وَهُوَ الْعَامِل بِمَعْنى أَن عقد الاغتراس جَائِز من رب الأَرْض وَالْعَامِل، فأو بِمَعْنى الْوَاو وَلَكِن يَنْبَغِي تَحْدِيد عمل الغارس إِمَّا بِالسِّنِينَ كَأَن يتعاقدا على أَن الْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى الْعَمَل وَحده مُدَّة أَربع سِنِين أَو خمس سِنِين، وَنَحْو ذَلِك من الْمدَّة الَّتِي لَا يُثمر النّخل وَلَا يطعم الشّجر قبلهَا قَالَه فِي النِّهَايَة. وَإِن سميا عدَّة سِنِين يعْمل الْعَامِل إِلَيْهَا ثمَّ يكون ذَلِك بَينهمَا جَازَ. وَقَالَ قبل ذَلِك: مَا لم تكن أَشجَار تثمر قبل الْأَجَل وإلاَّ لم يجز اه. وَمَا لِابْنِ حبيب عَن مَالك من أَنَّهَا لَا تجوز بالأجل لِأَنَّهَا جعل لَا يعول عَلَيْهِ كَمَا حَقَّقَهُ ابْن يُونُس، وَأما أَن يحداها بالمقدار كَأَن يتعاقدا على أَن يتَوَلَّى الْعَمَل وَحده إِلَى أَن تبلغ الْأَشْجَار قدرا مَعْلُوما سمياه كقامة أَو نصفهَا أَو سِتَّة أشبار وَنَحْوهَا مِمَّا لَا تطعم الْأَشْجَار قبله أَيْضا، فَإِن كَانَت تطعم قبل بُلُوغهَا الْقدر الْمُسَمّى من قامة وَنَحْوهَا أَو قبل الْأَجَل الْمَضْرُوب فِي الصُّورَة الأولى فَسدتْ لِأَن الْعَامِل تكون لَهُ تِلْكَ الثَّمَرَة إِلَى أَن يبلغ الشّجر الْأَجَل أَو الشَّبَاب الَّذِي سمياه ثمَّ يكون لَهُ نصف الشّجر بأرضه فَكَأَنَّهُ أجر نَفسه بثمر لم يبد صَلَاحه وبنصف الأَرْض وَمَا ينْبت فِيهَا قَالَه الْبُرْزُليّ وَغَيره. وَأما بالأثمار كَأَن يتَّفقَا على تَوليته الْعَمَل إِلَى إطعامها كَمَا قَالَ: والحدّ فِي خِدْمَتِهِ أَنْ يُطْعِمَا وَيَقَعُ القَسْمُ بِجُزْءٍ عُلِمَا (وَالْحَد فِي خدمته) أَي الغارس أَو الشّجر الْمَفْهُوم من السِّيَاق فَهُوَ من إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله أَو مَفْعُوله. (أَن يطعما) هُوَ أَي الشّجر وتفسد إِن شرطا زِيَادَة عَلَيْهِ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدّمَة، فالإطعام هُوَ أحد الْأُمُور الَّتِي تحد المغارسة بِهِ كَمَا ترى لَا أَنَّهَا لَا تحد إِلَّا بِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ النّظم فَإِن سكتا وَلم يحداها بإطعام وَلَا بِغَيْرِهِ مِمَّا ذكر فَهِيَ جَائِزَة صَحِيحَة عِنْد ابْن حبيب. وَتَكون إِلَى الْإِطْعَام، وَقيل هِيَ فَاسِدَة وَالْأول الْمُعْتَمد، وَعَلِيهِ اقْتصر غير وَاحِد، وَلذَا قُلْنَا يَنْبَغِي تَحْدِيد عمل الغارس الخ. لصحتها عِنْد السكت، وَلَكِن مَحل صِحَّتهَا عِنْده إِذا كَانَ الْعرف التَّحْدِيد بِالْإِطْعَامِ وَنَحْوه مِمَّا تقدم كَمَا عندنَا الْيَوْم، وَأما إِذا كَانَ الْعرف أَن الْعَامِل يبْقى عَاملا مَا عَاشَ فَهِيَ فَاسِدَة عِنْد السكت لِأَن الْعرف كالشرط وَيُمكن أَن يحمل النّظم على مَسْأَلَة السكت وَأَن الْحَد فِيهَا إِذا سكتا هُوَ الْإِطْعَام وَهُوَ الظَّاهِر وَعَلِيهِ فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ، ثمَّ إِذا انْقَضى مَا حدث بِهِ فَإِنَّهُمَا يقتسمان كَمَا قَالَ: (وَيَقَع الْقسم) فَيَأْخُذ كل وَاحِد نصِيبه من الأَرْض وَالشَّجر وَلَهُمَا الْبَقَاء على الشّركَة مشاعة، وَيكون الْعَمَل عَلَيْهِمَا على قدر الْأَنْصِبَاء، وَقد تحصل مِمَّا مر أَن من شُرُوطهَا أَن لَا يزِيد الْأَجَل أَو الشَّبَاب أَو الْعَمَل الْمُشْتَرط على الْإِطْعَام كَمَا مر، وَمن شُرُوطهَا أَيْضا أَن تكون (بِجُزْء علما) كَنِصْف أَو ثلث أَو ربع فَهُوَ مُتَعَلق بقوله جَائِز: وَمن شُرُوطهَا أَيْضا: أَن يدخلا على أَن

стр. 978

هَذَا الْجُزْء شَائِع فِي الشّجر وَالْأَرْض أَو فِي الشّجر ومواضع أُصُولهَا من الأَرْض دون بَقِيَّة الأَرْض فَهِيَ لِرَبِّهَا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَشرط بقيا غير مَوضِع الشّجر الخ. وَلَو قدمه هُنَا لَكَانَ أحسن فَإِن سكتا وَلم يشترطا شَيْئا فَيحمل الْأَمر على شيوعه فِي الأَرْض وَالشَّجر، وَأما إِن دخلا على شيوعه فِي الشّجر خَاصَّة وَلَا حق لأصولها فِي الأَرْض أَو على أَن الأَرْض بَينهمَا دون الشّجر فَهِيَ فَاسِدَة. وَمن شُرُوطهَا أَيْضا: أَن تكون الأَرْض بَيْضَاء احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَت مشعرة كلهَا أَو جلها فَإِن المغارسة حِينَئِذٍ لَا تجوز كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَشرط مَا يثقل كالجدار الخ. وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ مِمَّا عَمِلا شَيْءٌ إِلَى مَا جَعَلَاهُ أَجَلا (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ مِمَّا عملا شَيْء إِلَى) وُصُول (مَا جعلاه أَََجَلًا) من إطْعَام أَو شباب أَو أجل. قَالَ فِي النِّهَايَة: وَلَا شَيْء لِلْعَامِلِ فِي أَرض وَلَا شجر حَتَّى يبلغ الْغَرْس مَا شرطاه مِمَّا ذكرنَا جَوَازه، وَقَالَ قبل ذَلِك: فَإِن بَطل الْغَرْس يَعْنِي بحرق أَو آفَة قبل بُلُوغه الْحَد الْمُشْتَرط لم يكن لَهُ شَيْء اه. لِأَنَّهَا جعل فَهِيَ كحافر الْبِئْر ينهدم قبل فَرَاغه فَلَا شَيْء لَهُ. قَالَ المتيطي والفشتالي وَغَيرهمَا: وَلَكِن إِذا بَطل الْغَرْس بحرق وَنَحْوه فَمن حق الْعَامِل أَن يُعِيدهُ مرّة أُخْرَى اه. زَاد الْبُرْزُليّ: يُعِيدهُ أبدا إِلَى أَن يتم أَو ييأس مِنْهُ اه. وَمَفْهُوم النّظم أَنه إِذا وصل الْغَرْس الْأَجَل

стр. 979

الْمُشْتَرط فَإِنَّهُ يكون لَهُ نصِيبه مِنْهُ، فَلَو احْتَرَقَ الْغَرْس أَو طرأت عَلَيْهِ آفَة قبل الْقسم فَإِن الأَرْض تكون بَينهمَا لِأَن الْعَامِل قد اسْتحق نصِيبه مِنْهَا بِتمَام الْغَرْس قَالَه ابْن سَلمُون. قَالَ: وَلَو كَانَ فِي الأَرْض شَجَرَة قبل المغارسة فَهِيَ لرب الأَرْض وَلَا يكون لِلْعَامِلِ فِيهَا شَيْء وَلَا يسوغ لَهُ أَن يشْتَرط أَن تكون بَينهمَا مَعَ الْغَرْس وللعامل أُجْرَة سقيها وعلاجها اه. وَنَحْوه فِي الْبُرْزُليّ قَائِلا: وَلَا تصح المغارسة على الْبيَاض الَّذِي بَين السوَاد، وَيدخل الشّجر فِي المغارسة وَإِن كَانَ على إِخْرَاجه فَإِن كَانَ لَا يصل إِلَى شَجَره مَنْفَعَة سقِِي أَو غَيره فَهُوَ جَائِز وإلاَّ لم يجز اه. قلت: وَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم فِيمَا إِذا كَانَت الأَرْض مُشْتَمِلَة على أَشجَار فيشتري الْعَامِل نصف الْأَشْجَار على شَرط أَن يغْرس الْبيَاض الَّذِي بَينهمَا مُنَاصَفَة فَاسد لما فِيهِ من اجْتِمَاع المغارسة وَالْبيع، وهما يَجْتَمِعَانِ كَمَا مرّ صدر الْبيُوع عَن ابْن الْحَاج، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يرتكب فِي ذَلِك مَذْهَب أَشهب إِذْ هَذِه الصُّورَة لَا سَبِيل لجَوَاز المغارسة فِيهَا. وَلَو فَرضنَا أَنه يؤاجره على خدمَة الْأَشْجَار لمُدَّة مَعْلُومَة بعوض مَعْلُوم، لِأَن الْإِجَارَة من نَاحيَة البيع والمغارسة من نَاحيَة الْجعل كَمَا مر. نعم على مَذْهَب أَشهب يجوز ذَلِك، وَقد تقدم فِي الْبَاب قبله عَن ابْن لب أَن مَا جرى بِهِ عرف النَّاس يلْتَمس لَهُ وَجه مَا أمكن، إِذا لَا يلْزم الْعَمَل بِمذهب معِين وَلَا بِمَشْهُور من قَول قَائِل، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا فِي الْبُرْزُليّ فِي بَاب الْقَرَاض قَالَ، قَالَ الْمَازرِيّ: وقفت على كتاب الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بِخَط يَده وَفِيه من قَالَ لرجل: إِذا جَاءَك فلَان فَخذ السّلع الَّتِي بِيَدِهِ وادفع إِلَيْهِ دِينَارا عَن أجرته وَبَقِيَّة الثّمن ادفعه إِلَيْهِ قراضا إِن ذَلِك جَائِز، الْمَازرِيّ: وَاسْتشْكل هَذَا بِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَاز اجْتِمَاع الْقَرَاض وَالْإِجَارَة والجعل فِي عقد وَاحِد. الْبُرْزُليّ: وَعَلِيهِ اكثر قراضات النَّاس الْيَوْم اه. وَشَرْطُ بُقْيا غَيْرِ مَوْضِعِ الشِّجَرْ لِرَبِّ الأَرْضِ سَائِغٌ إذَا صَدَرْ (وَشرط بقيا) أَي بَقَاء (غير مَوضِع الشّجر) من الأَرْض (لرب الأَرْض سَائِغ إِذا صدر) مِنْهُ فَيجب أَن يُوفى لَهُ بِهِ كَمَا مر. الْبُرْزُليّ: إِذا غارسه على أَخذ مَوَاضِع الشّجر فَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شَيْء من بَقِيَّة الأَرْض وَلَيْسَ عَلَيْهِ عمل فِيهَا، ويتصرف رب الأَرْض فِيهَا كَيْفَمَا شَاءَ مَا عدا مَوَاضِع الشّجر. وَشَرْطُ مَا يَثْقُلُ كالجِدَارِ مُمْتَنِعٌ وَالعَكْسُ أمْرٌ جَارِي (وَشرط مَا يثقل) على الْعَامِل (كالجدار) يبنيه حول أَرض المغارسة أَو حفر بِئْر فِيهَا تكْثر نَفَقَته أَو تكون الأَرْض مشعرة كلهَا أَو جلها، فَيشْتَرط عَلَيْهِ إِزَالَة شعرهَا، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يثقل عَلَيْهِ عمله وتعظم مُؤْنَته (مُمْتَنع) للغرر لِأَن الْغَرْس رُبمَا بَطل أَو هلك قبل بُلُوغ الْحَد الْمُشْتَرط فترجع لِرَبِّهَا، وَقد انْتفع بِإِزَالَة شعرهَا وَبِنَاء جدارها وحفر بِئْرهَا فَيذْهب عمل الْعَامِل بَاطِلا، وَقد علمت أَن المغارسة من نَاحيَة الْجعل وَهُوَ لَا يجوز إِلَّا فِيمَا لَو ترك الْعَامِل لم ينْتَفع الْجَاعِل بِشَيْء

стр. 980

كَمَا مر، فَإِن كَانَ فِيهَا لمع يسيرَة من الشّعْر تخف إِزَالَتهَا أَو حفر شرب يخف أمره وَنَحْو ذَلِك من تزريب وَنَحْوه فَلَا بَأْس باشتراطه كَمَا فِي النِّهَايَة، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَالْعَكْس) وَهُوَ شَرط مَا يخف (أَمر جَار) عِنْد النَّاس جَائِز شرعا. تَنْبِيهَات. الأول: يفهم من النّظم أَنه لَا يشْتَرط بَيَان نوع الْغَرْس من زيتون أَو تفاح وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ كَذَلِك. وَإِنَّمَا يطْلب بَيَانه فَقَط حَيْثُ كَانَ بعض الْغَرْس أضرّ من بعض، فَإِن لم يبيناه فَالْعقد صَحِيح وَيمْنَع من غرس الأضر كَمَا قَالُوهُ فِيمَن اكترى أَرضًا للغرس وَلم يبين نوع مَا يغْرس فِيهَا، فمذهب ابْن الْقَاسِم صِحَة العقد وَيمْنَع من فعل الأضر، وَقَالَ غَيره: يفْسد العقد كَمَا فِي ضيح، وَنَقله فِي حَاشِيَة الشَّيْخ الْبنانِيّ عِنْد قَول (خَ) فِي الْإِجَارَة: أَو لم يعين فِي الأَرْض بِنَاء أَو غرس وَبَعضه أضرّ وَلَا عرف الخ. وَقد علمت أَن المغارسة أخذت شبها من الْكِرَاء كَمَا مر، وَيُؤَيِّدهُ مَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه الرَّابِع، وَهَذَا كُله إِذا لم يقل لَهُ: اغرس فِي الأَرْض مَا شِئْت وإلاَّ جَازَ مُطلقًا أَو جرت الْعَادة بذلك لِأَنَّهَا كالشرط وإلاَّ جَازَ مُطلقًا. وَقَول صَاحب كتاب المغارسة: وَوَجَب بَيَان مَا يغْرس لاخْتِلَاف الْأَشْجَار فِي مُدَّة الأثمار وَفِي قلَّة الْخدمَة وَكَثْرَتهَا غير ظَاهر، لِأَن الْعَامِل إِذا غرس مَا يطول أثماره وَمَا تكْثر خدمته فقد رَضِي بطول عمله وَكَثْرَة خدمته لغَرَض لَهُ فِي ذَلِك المغروس، وَالنَّاس عندنَا الْيَوْم لَا يبينون شَيْئا للْعَادَة وَلَا يتشاحون فِي مثل ذَلِك، فَلَا يتَعَرَّض لفسخ عقدهم بِعَدَمِ الْبَيَان وَلَا سِيمَا على مَا مر قَرِيبا عَن ابْن لب. الثَّانِي: مَا نبت فِي أَرض المغارسة بِنَفسِهِ بعد عقدهَا وَلم يغرسه الغارس فَهُوَ بَينهمَا كالمغروس. الثَّالِث: إِذا حددت المغارسة بِالْإِطْعَامِ فَإِن أطْعم جلها فَالَّذِي لم يطعم تبع لما أطْعم وَيسْقط عَن الْعَامِل الْعَمَل فِي الْجَمِيع ويقتسمان إِن شاءا، وَإِن لم يطعم جلها بل أقلهَا فَإِن كَانَ ذَلِك الْأَقَل إِلَى نَاحيَة كَانَ بَينهمَا وَسقط الْعَمَل فِيهِ وَلَزِمَه الْعَمَل فِي غَيره، وَإِن كَانَ مختلطاً لزمَه الْعَمَل فِي الْجَمِيع قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا. الرَّابِع: قيد بعض الْمُتَأَخِّرين مغارسة الْأَنْوَاع أَو النَّوْع الْوَاحِد بِمَا إِذا كَانَت تطعم فِي زمن وَاحِد أَو متلاحق وَأما إِذا كَانَت تخْتَلف بالتبكير وَالتَّأْخِير فَلَا يجوز فِي عقد وَاحِد. الْبُرْزُليّ: وَظَاهر إِطْلَاق قَول ابْن حبيب: إِذا لم يسميا أَََجَلًا وَلَا شبَابًا فَهِيَ إِلَى الْإِطْعَام أَنَّهَا تجوز وَلَو لم تتلاحق الْأَنْوَاع أَو النَّوْع الْوَاحِد فِي الْإِطْعَام اه. قلت: مَا ذكره من الْجَوَاز على ظَاهر ابْن حبيب هُوَ الْمُتَعَيّن، إِذْ النَّوْع الْوَاحِد قد يتَأَخَّر كثير من أَفْرَاده عَن الْبَعْض الآخر فِي الْإِطْعَام تَأْخِيرا كثيرا كَمَا هُوَ مشَاهد بالعيان، فَكيف بذلك فِي الْأَنْوَاع الْمُخْتَلفَة؟ وَلذَا قَالُوا: إِذا أطْعم الْأَكْثَر فالأقل تَابع كَمَا مر، وَإِنَّمَا يحسن أَن يُقَال بِالْمَنْعِ فِي هَذَا لَو كَانَ ثمره مَا أطْعم يكون لِلْعَامِلِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون آجر نَفسه بثمر لم يبد صَلَاحه كَمَا مر، وَمَعَ ذَلِك يُقيد بِمَا إِذا كَانَ مَا أطْعم غير تَابع، وإلاَّ فَلَا ينظر لَهُ. وَلَو كَانَ ثَمَر لِلْعَامِلِ كَمَا هُوَ ظَاهر مَا تقدم لِأَن التوابع يغْتَفر فِيهَا مَا لَا يغْتَفر فِي متبوعاتها، وَهَذَا يبين لَك صِحَة مَا قدمْنَاهُ فِي التَّنْبِيه الأول، وَإِن مَا ذكره صَاحب كتاب المغارسة من وجوب بَيَان المغروس

стр. 981

لاخْتِلَاف الْأَشْجَار فِي مُدَّة الإثمار الخ. إِنَّمَا يتمشى على مَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ: وَإِن اقْتصر عَلَيْهِ فِي النِّهَايَة قَائِلا: وَيفْسخ إِن كَانَت لَا تتلاحق إِلَّا بعد بُعد وللعامل أجر مثله إِن عمل غير ظَاهر كَمَا ترى وَالله أعلم. الْخَامِس: إِذا واجره بِنصْف الأَرْض على أَن يغْرس النّصْف الْبَاقِي فَإِن ذَلِك لَا يجوز سَوَاء شرطا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس أَو بعد غرس الْجَمِيع قَالَه ابْن رشد فِي أجوبته، وَعلله بِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا يخرج لَهُ بِالسَّهْمِ فَصَارَ الْعِوَض مَجْهُولا، وَمَا لَا يجوز بَيْعه لَا يجوز أَن يكون أُجْرَة، وَأطَال فِي ذَلِك إِلَى أَن قَالَ: فَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار على غرس نصف الأَرْض بِنِصْفِهَا الآخر على الإشاعة إِلَّا أَن تكون مستوية تعتدل فِي الْقِسْمَة بالذراع، ويشترطان قسمتهَا قبل الْغَرْس ويعينا الْجِهَة الَّتِي يَأْخُذ الْأَجِير مِنْهَا النّصْف لنَفسِهِ فِي أجرته، والجهة الَّتِي يغرسها لرب الأَرْض اه. بِتَقْدِيم وَتَأْخِير. وَمَا علل بِهِ من أَن لَا يدْرِي مَا يخرج لَهُ بِالسَّهْمِ هُوَ قَول (خَ) فِي الْقِسْمَة: وَمنع اشْتِرَاط الْخَارِج الخ. وَهَذِه إِجَارَة لَا مغارسة، فَلِذَا امْتنعت بِالْجَهْلِ الْمَذْكُور لِأَن الْأَجِير يملك نصف الأَرْض بِالْعقدِ، وَلَا يدْرِي فِي أَي مَحل يخرج لَهُ بِخِلَاف المغارسة فَلَا يملكهُ بِالْعقدِ بل بِتمَام الْعَمَل وَيكون شَرِيكا. السَّادِس: إِذا عجز الغارس قبل تَمام الْعَمَل أَو أَرَادَ سفرا فَلهُ أَن يَأْتِي بِمن هُوَ مثله يكمل عمله بِأَقَلّ من الْجُزْء الَّذِي دخل عَلَيْهِ أَو بمساوٍ لَهُ إِلَّا أَن يَقُول رب الأَرْض: أَنا آخذه بذلك الْأَقَل أَو الْمسَاوِي، فَإِن سلمه هدرا وَلم يرض رب الأَرْض وَقَالَ: أَنا اسْتَأْجر من يكمل الْعَمَل وأبيع حِصَّته فالفضل لَهُ وَالنُّقْصَان عَلَيْهِ، فَلهُ ذَلِك كَمَا تقدم فِي عَامل الْمُسَاقَاة كَذَا يَنْبَغِي قَالَه فِي شرح كتاب المغارسة. قلت: وَكَذَا قَالَ الْبُرْزُليّ: الْجَارِي على الْمُسَاقَاة جَوَاز إعطائها بِجُزْء، بل وَنقل بعد ذَلِك عَن ابْن رشد أَنه يجوز لَهُ أَن يُعْطِيهَا لرب الأَرْض أَو غَيره بجزئها الَّذِي أَخذهَا بِهِ، وَلَا مقَال لرب الأَرْض فِي ذَلِك. السَّابِع: فِي المغارسة الْفَاسِدَة وَإِن اخْتلفت أَنْوَاع فَسَادهَا كَمَا لِابْنِ الْحَاج حَسْبَمَا فِي الْبُرْزُليّ، يَعْنِي ككونها مُؤَقَّتَة بِأَجل أَو شباب تثمر الْأَشْجَار قبله، أَو شَرط بِنَاء جِدَار وتعظم مُؤْنَته، أَو كَانَت الأَرْض مشعرة كلهَا أَو جلها، أَو شَرط عَلَيْهِ الْقيام على الْغَرْس مَا عَاشَ، أَو شَرط إِدْخَال مَا كَانَ من الشّجر مَوْجُودا، أَو أَن الأَرْض بَينهمَا دون الشّجر، أَو لَا حق للشجر من الأَرْض وَنَحْو ذَلِك. ثَلَاثَة أَقْوَال لِابْنِ الْقَاسِم. أَحدهَا: أَنَّهَا تمْضِي لِأَنَّهَا بيع فَاسد فَاتَت بالفراغ وبلوغ الْإِطْعَام، وَيكون على الْعَامِل نصف قيمَة الأَرْض يَوْم قبضهَا براحاً، وَله على رب الأَرْض قيمَة عمله وغراسه فِي النّصْف الَّذِي صَار إِلَيْهِ إِلَى أَن بلغ وَله أجرته فِيهِ أَيْضا من يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الحكم، وَإِن اغتل الْغلَّة قبل ذَلِك مَضَت بَينهمَا، وَإِن اغتلها الغارس وَحده رد نصف ذَلِك إِلَى رب الأَرْض وَبِهَذَا القَوْل صدر ابْن يُونُس قَائِلا، وَاسْتَحْسنهُ ابْن حبيب، وَبِه قَالَ مطرف وَأصبغ، وَاسْتَحْسنهُ عِيسَى أَيْضا مثل ابْن حبيب، وَرجع إِلَيْهِ ابْن الْقَاسِم وَثَبت عَلَيْهِ اه. وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب الْمُفِيد والمعين وَصَاحب النِّهَايَة. ثَانِيهَا: أَنَّهَا بيع فَاسد أَيْضا قد فَاتَ فالغلة كلهَا لِلْعَامِلِ، وَيرد رب الأَرْض مَا أَخذ مِنْهَا إِن

стр. 982

قبضهَا رطبا رد قيمتهَا أَو تَمرا رد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت، وعَلى الْعَامِل قيمَة نصف الأَرْض يَوْم قبضهَا وَعَلِيهِ كِرَاء نصف الأَرْض الَّذِي لِرَبِّهَا، وَيُخَير رب الأَرْض فِي نصف الْغَرْس الَّذِي صَار إِلَيْهِ بَين أَن يُعْطِيهِ قِيمَته مقلوعاً أَو يَأْمُرهُ بقلعه، وَهَذَا القَوْل رَوَاهُ عِيسَى وحسين بن عَاصِم عَن ابْن الْقَاسِم أَيْضا، وَبِه أفتى بعض الشُّيُوخ حَسْبَمَا فِي المعيار إِلَّا أَنه أجمل قَوْله: وَاقْتصر عَلَيْهِ شَارِح العمليات عِنْد قَوْله: واعط أَرض حبس مغارسه الخ. وَبِه أفتى الْفَقِيه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن الفاسي حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الزياتي قَائِلا: وَهُوَ الَّذِي رَجحه القَاضِي أَبُو الْوَلِيد، وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى تَصْحِيح ابْن رشد لَهُ فِي الْمُقدمَات على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الرهوني فِي حَاشِيَته. ثَالِثهَا: إِن لِلْعَامِلِ قيمَة غرسه أَي الأعواد الَّتِي غرسها، وَقِيمَة عمله أَي معالجته إِلَى يَوْم الحكم وَالْغَرْس كُله لرب الأَرْض وَلَا شَيْء لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَيرد مَا أَخذه من الثَّمَرَة أَي مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِم أَيْضا، وَبِه قَالَ سَحْنُون وَصدر بِهِ فِي الْبَيَان والمقدمات، وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود وَابْن سَلمُون، وَتقدم مثله عَن النِّهَايَة فِي التَّنْبِيه الرَّابِع، فَصَاحب النِّهَايَة اقْتصر على الأول أَولا وعَلى الثَّالِث ثَانِيًا، وَبِه افتى الرهوني فِي حَاشِيَته حَسْبَمَا ذكره فِي بَاب الْمُسَاقَاة قَائِلا: إِنَّه الَّذِي أفتى بِهِ ابْن عتاب وَابْن مَرْزُوق وَابْن رشد، وَنقل كَلَام الْجَمِيع. لَكِن مَا ذكره من ان ابْن رشد أفتى بِهِ فَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَا أفتى بِهِ ابْن رشد إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا واجره بِنصْف أرضه على غرس النّصْف الْبَاقِي كَمَا مر فِي التَّنْبِيه الْخَامِس، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: سَوَاء شرطا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس الخ. لِأَن المغارسة لَا تتأتى فِيهَا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس، وعَلى أَن ذَلِك إِجَارَة اخْتَصَرَهُ أحلولو لنوازل الْبُرْزُليّ، وَالْخلاف الْمَذْكُور جَار على الْجعل هَل يرد إِلَى صَحِيح نَفسه أَو فَاسد أَصله وَهُوَ الْإِجَارَة؟ فالأولان يردانها إِلَى صَحِيح مثلهَا بِخِلَاف الثَّالِث. قَالَ مَعْنَاهُ الْبُرْزُليّ، ثمَّ إِن الَّذِي يجب اعْتِمَاده من هَذِه الْأَقْوَال هُوَ أَولهَا لِكَثْرَة قَائِلهَا، وَرُجُوع ابْن الْقَاسِم إِلَيْهِ وثبوته عَلَيْهِ، واستحسان ابْن حبيب وَعِيسَى لَهُ تَارِكًا مَا رَوَاهُ عَنهُ مَعَ حُسَيْن بن عَاصِم، وَإِن كَانَ الثَّانِي رَجحه ابْن رشد، وَالثَّالِث قَالَ بِهِ سَحْنُون، وَاخْتَارَهُ ابْن عتاب لِأَن ترجيحهما لَا يُقَاوم ذَلِك، وَقَوْلهمْ: لَا يعدل عَن قَول ابْن الْقَاسِم إِن وَافقه سَحْنُون مَحَله إِذا لم يرجع ابْن الْقَاسِم إِلَى غَيره وَيثبت عَلَيْهِ كَمَا هُنَا وَالله أعلم. وَانْظُر كَيْفيَّة تَقْوِيم الأَرْض المشعرة بعد الْفَوات فِي ابْن عرضون، وَانْظُر مَا يَأْتِي آخر الْقَرَاض من أَن مَا فِيهِ قِرَاض أَو مُسَاقَاة الْمثل يمْضِي بِالشُّرُوعِ فالمغارسة والجعل كَذَلِك، لِأَن الْجَمِيع مُسْتَثْنى من الْإِجَارَة. الثَّامِن: مَسْأَلَة التقليم وَهِي تركيب الزَّيْتُون الحلو أَو نَحوه فِي المر الْمَنْصُوص منعهَا حَسْبَمَا للقوري عَن العبدوسي، وَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَنَّهَا تجْرِي مجْرى المغارسة فَتَصِح مَعَ توفر شُرُوطهَا وتفسد مَعَ عدمهَا، وَهُوَ ظَاهر الْبُرْزُليّ، بل صَرِيحه، وَعَلِيهِ اخْتَصَرَهُ الونشريسي وَنَصّ اختصاره. قَالَ الْبُرْزُليّ: وَإِن دفع أشجاراً من زيتون أَو خروب على أَن يركبهَا صنفا طيبا وَيقوم عَلَيْهَا حَتَّى تثمر، فَإِن وَقعت على الشُّرُوط الْمَذْكُورَة فِي المغارسة فَجَائِز، وَإِلَّا فَلَا اه. وَنَحْوه فِي اخْتِصَار أحلولو لَهُ وَنَصه: وَمن هَذَا مَسْأَلَة تقع بجبل وسلات وَهِي أَن يعْطى الرجل شجر زيتون وَنَحْوه على أَن يركبهَا صنفا طيبا وَيقوم عَلَيْهَا حَتَّى تثمر فَتكون الثَّمَرَة بَينهمَا حَتَّى تبلى الشَّجَرَة وَلَا يكون

стр. 983

لَهُ فِي الأَرْض شَيْء، فَهِيَ من معنى مَا تقدم من المغارسة حَتَّى تبلى الْأُصُول فَتبقى الأَرْض لِرَبِّهَا وَهِي فَاسِدَة وَيجْرِي الْأَمر فِيهَا إِذا وَقعت على مَا تقدم من الْخلاف اه. وَمَفْهُوم قَوْله: حَتَّى تبلى الْأُصُول فَتبقى الأَرْض لِرَبِّهَا الخ. أَنَّهُمَا إِذا دخلا على أَن الشّجر ومواضعها من الأَرْض بَينهمَا فَهِيَ جَائِزَة، فَمَا قَالُوهُ من منعهَا إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَت الأَرْض تبقى لِرَبِّهَا إِذا بليت الْأَشْجَار، وَكَانَ ابْن حسون المزجاري يجيزها وَلَو على هَذَا الشَّرْط ويعلل ذَلِك لِأَن سطح الشَّجَرَة كسطح الأَرْض، فَيجوز فِيهَا مَا يجوز فِي المغارسة فِي الأَرْض، فَإِذا بليت الْأَشْجَار فَكَمَا لَو بليت الأَرْض بزلزلة وَنَحْوهَا، ثمَّ إِذا وَقعت جَائِزَة وبليت الشَّجَرَة الْوَاجِبَة لِلْعَامِلِ فِي نصِيبه، فَلهُ أَن يغْرس أُخْرَى مَكَانهَا لِأَنَّهُ قد ملكهَا مَعَ محلهَا. التَّاسِع: إِذا غرس الشَّرِيك أَو بنى بِإِذن شَرِيكه أَو بِغَيْر إِذْنه فَلهُ قِيمَته مقلوعاً، كَمَا نظم ذَلِك بَعضهم بقوله: فقيمة الْبناء مقلوعاً أَتَت فِي سَبْعَة مَعْدُودَة قد ثبتَتْ فِي الْغَصْب والثنيا وَفِي العواري وَفِي الكرا وغرس أَرض الْجَار كَذَاك فِي أَرض لموروث وَفِي أَرض الشَّرِيك حصلنه تقتفي بِإِذن أَو بِغَيْرِهِ قد نقلا عَن ابْن الْقَاسِم إِمَام النبلا وَالْمَسْأَلَة مبسوطة فِي الِاسْتِحْقَاق من شرحنا للشامل وفيهَا اضْطِرَاب. وَفِي اخْتِصَار الونشريسي للبرزلي مَا نَصه: وَمن أول كتاب الِاسْتِحْقَاق من الْبَيَان إِذا بنى الشَّرِيك أَو غرس بِإِذن شَرِيكه فَهَل يكون لشَرِيكه نصِيبه من المغروس وَيدْفَع فِيمَا نابه مِنْهُ قِيمَته قَائِما للشُّبْهَة وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْمَذْهَب أَو قِيمَته مقلوعاً؟ قَالَ: وَمِنْه مَا هُوَ مَنْصُوص لأهل الْمَذْهَب أَن من عمل فِي أَرض زَوجته ثمَّ مَاتَ فلورثته قِيمَته قَائِما وَقيل مقلوعاً. قلت: الظَّاهِر أَن ذَلِك بِغَيْر إِذْنهَا أَو يُقَال كَانَت مُكْرَهَة وَلَا سِيمَا حَيْثُ لَا أَحْكَام اه. قلت: وَقد اخْتلف فِي السُّكُوت هَل هُوَ إِذن أَو لَيْسَ بِإِذن؟ وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ كَمَا مر فِي بيع الْفُضُولِيّ أَنه لَيْسَ بِإِذن إِلَّا فِيمَا يعلم بمستقر الْعَادة أَن أحدا لَا يسكت عَنهُ إِلَّا بِرِضا مِنْهُ، فَيكون إِذْنا ورضا، وَعَادَة الشُّرَكَاء الْيَوْم التشاح التَّام فِي الْغَرْس وَالْبناء فِي الأَرْض الْمُشْتَركَة فالسكوت إِذن ورضا، وَقد علمت فِيهِ أَنه يَأْخُذ قِيمَته قَائِما على قَول الْأَكْثَر وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَعَلِيهِ اقْتصر الفشتالي فِي وثائقه، وَبِه شاهدت الْأَحْكَام وَقت الشبيبة، وَبِه كنت أُفْتِي وَأنْظر كَيْفيَّة التَّقْوِيم قَائِما فِي نَوَازِل الشّركَة من العلمي، وَأما إِن بنى أَو غرس بِغَيْر إِذْنه وَلَا سُكُوته فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَته مقلوعاً قولا وَاحِدًا. نعم إِن غرس أَو بنى قدر حِصَّته فَقَط فَأَقل فَلَا غلَّة عَلَيْهِ وَلَا كِرَاء فِي نصِيبهم إِن أَرَادوا الْقِسْمَة وَله عَلَيْهِم الْكِرَاء فِي حصتهم من الزَّبْن والخدمة والتزريب فِي كل سنة لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِم بِوَاجِب، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا غلَّة عَلَيْهِ لقَوْل ناظم الْعَمَل: وَمَا على الشَّرِيك يَوْمًا إِن سكن فِي قدر حَظه لغيره ثمن فَلَا مَفْهُوم لسكن بل كَذَلِك إِذا حرث أَو غرس، وَإِنَّمَا قُلْنَا: وَله عَلَيْهِم الْكِرَاء للقاعدة الْمُتَقَدّمَة عِنْد قَول النَّاظِم فِي الْإِجَارَة: وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ حَيْثُ يخْتَلف الخ. فراع شُرُوطهَا هُنَا. وَهَذَا كُله مَعَ وجود الْأَحْكَام، وَأما مَعَ عدمهَا فَإِذا غرس الغارس أَو بنى أَو قلع البور والغابة

стр. 984

وَنَحْوهَا. وَكَانَ ذَلِك قدر حَظه فَقَط وَترك قدر حَظّ الآخر المماثل لما غرسه وبناه وقلعه فِي الْجَوْدَة وَغَيرهَا، فَإِنَّهُ يخْتَص بغرسه وتقليعه لِأَنَّهُ قد فعل فعلا لَو رفع إِلَى القَاضِي لم يفعل غَيره إِذْ ذَاك غَايَة الْمَقْدُور، وكل مَا كَانَ كَذَلِك فَفعله مَاض كَمَا ذكر هَذِه الْقَاعِدَة أَبُو الْحسن والبرزلي وَغَيرهمَا. ونقلها (ق) عِنْد قَوْله فِي الْخلْع: وَجَاز من الْأَب عَن الْمُجبرَة الخ. وَعَادَة الْبَوَادِي الْيَوْم بل وَبَعض الحواضر الاستخفاف بِالْأَحْكَامِ وَعدم المبالاة بهَا على مَا شَاهَدْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ فللغارس غرسه وَلَو لم يطْلب الْقِسْمَة بِحَضْرَة الْعُدُول وَلَا أشهدهم على الطّلب الْمَذْكُور، إِذْ لَا فَائِدَة فِي الطّلب وَالْإِشْهَاد عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَت عَادَتهم مَا ذكر وَمَا علم بمستقر الْعَادة عَدمه لَا يطْلب الْمَرْء بِفِعْلِهِ وَالله أعلم. الْعَاشِر: فِي الطرر عَن المشاور: إِذا بنى الْوَارِث بِحَضْرَة شَرِيكه وَعلمه وَلَا يُغير عَلَيْهِ ثمَّ بَاعه أَو بعضه فَقَامَ الشَّرِيك فَأَرَادَ أَخذ نصِيبه مِنْهُ وَالْبَاقِي بِالشُّفْعَة، فَإِن قَامَ عَلَيْهِ أَو على ورثته قبل انْقِطَاع حجَّته وَذَلِكَ الْأَرْبَعُونَ سنة فَأَقل، فَإِنَّهُ يقسم ذَلِك فَمَا صَار فِي حق الْقَائِم كَانَ لَهُ وَكَانَ بِالْخِيَارِ فِي دفع قيمَة الْبُنيان وَالْغَرْس مقلوعاً أَو يَأْمُرهُ بقلعه، وَلم يكن لَهُ كِرَاء فِيمَا سكن من نصِيبه، وَلَا غلَّة فِيمَا اغتل لِأَنَّهُ أذن لَهُ فِيهِ إِذا كَانَ بِعِلْمِهِ، وَلم تكن لَهُ شُفْعَة لِأَن البيع يفْسخ وَلَا يتم العقد إِلَّا بعد الْقسم إِن أحب الْمُبْتَاع ذَلِك، وَإِن لم يعلم بذلك حَتَّى قَامَ فَلهُ كِرَاء مَا صَار لَهُ من الْبقْعَة على الْبَانِي والغارس، وَقيل: إِنَّه يَأْخُذهُ قَائِما اه. فَقَوله: وَكَانَ بِالْخِيَارِ الخ. مَحَله إِذا قُلْنَا: إِن السُّكُوت لَيْسَ بِإِذن لعدم التشاح فِي الْغَرْس وَنَحْوه كَمَا مر، وَمحل دفع قِيمَته مقلوعاً الخ. إِذا كَانَ الغارس يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ أَو عبيده وإلاَّ فللغارس عَلَيْهِ أُجْرَة عمله وقيامه وعلاجه، كَمَا أَشَرنَا لَهُ قبل فِي الْقَاعِدَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْإِجَارَة. وَقَوله: وَلَا غلَّة فِيمَا اغتل مَبْنِيّ على أَن السُّكُوت إِذن، وَقَوله: لِأَن البيع يفْسخ الخ. أَي لِأَن اسْتِحْقَاق بعض الْمَبِيع كعيب بِهِ، وَهُوَ معنى قَول (خَ) فِي الْعُيُوب: وَخير المُشْتَرِي إِن غيب أَو عيب أَو اسْتحق شَائِع وَإِن قل الخ. الْحَادِي عشر: تقدم فِي الشُّفْعَة أَن المغارسة فِيهَا الشُّفْعَة لِأَنَّهَا بيع لَكِن بعد تَمام الْعَمَل وَأما قبله فَفِيهِ خلاف، فَقَالَ ابْن الْحَاج: لَا يجوز البيع لِأَنَّهُ لم يجب لَهُ نصِيبه إِلَّا بِتمَام عمله وَلَو مَاتَ لخير وَارثه وَلَو بَيت مَال بَين الْعَمَل أَو التّرْك. الْبُرْزُليّ: إِجْرَاء لَهَا على الْمُسَاقَاة، فَلِذَا يُخَيّر الْوَارِث لكَونهَا فِي الذِّمَّة ولزومها بِالْعقدِ، وَعَلِيهِ نقل بعض الْمُتَأَخِّرين عَن الرماح وَغَيره عَن الْمَذْهَب، أَنه يجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا بيع نصِيبه من الأَرْض وَالشَّجر إِذا كَانَ المُشْتَرِي يعْمل فِي ذَلِك كعمل البَائِع اه. ثمَّ نقل بعد هَذَا عَن ابْن رشد، أَنه يجوز لِلْعَامِلِ أَن يَبِيع من رب الأَرْض أَو غَيره أَو يُعْطِيهَا لَهُ أَو بِغَيْرِهِ بجزئها الَّذِي أَخذهَا بِهِ اه. قَالَ سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي: وبعدم صِحَة البيع تجْرِي الْأَحْكَام هَهُنَا فِي فاس الْيَوْم. قَالَ: وَإِذا لم يَصح البيع فَلَا شُفْعَة وعَلى صِحَّته فَالشُّفْعَة وَاجِبَة قَالَ: وَالْمَسْأَلَة ناظرة إِلَى قَاعِدَة الشّركَة الَّتِي يُوجِبهَا الحكم هَل تجب الشُّفْعَة فِيهَا قبل تقررها أم لَا؟ ابْن رشد: وَقَول مَالك بِأَنَّهُ لَا شُفْعَة فِيهَا أصح. الثَّانِي عشر: قَالَ أصبغ: من أعْطى أرضه مغارسة فَلم يتم الْعَمَل حَتَّى عجز الْعَامِل أَو غَابَ فَأدْخل رب الأَرْض فِي الْغَرْس من قَامَ بِهِ وَعمل مَا بَقِي أَو تولاه رب الأَرْض الْمَذْكُور

стр. 985

بِيَدِهِ، ثمَّ قدم الْعَامِل وَقَامَ فَهُوَ على حَقه، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ حَاضرا وَلم يسلم ذَلِك وَلم ير أَنه تَركه وَيُعْطِي للثَّانِي قدر مَا تكلّف مِمَّا لَو وليه لزمَه مثله اه من اخْتِصَار الونشريسي واحلولو. وَعَن ابْن خجوا فِي رجلَيْنِ أخذا أَرضًا مغارسة فغرساها وَتَوَلَّى أَحدهمَا الْخدمَة وَالْقِيَام إِلَى الْإِطْعَام قَالَ: يكون للقائم بالغرس أُجْرَة مثله ويقتسمان مَا غرساه على مَا دخلا عَلَيْهِ اه. من نَوَازِل الزياتي وَهُوَ يبين لَهُ مَا قبله. وَجَازَ أَنْ يُعْطَى بِكُلِّ شَجَرَهْ تَنْبُتُ مِنْهُ حِصَّةً مُقَدَّرَهْ (وَجَاز) أَي العقد على (أَن يعْطى) الغارس (بِكُل شَجَرَة تنْبت مِنْهُ) أَي من الْغَرْس (حِصَّة مقدرَة) . وَهَذَا جعل مَحْض إِن كَانَ الْمُعْطى دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو عرضا وَله التّرْك مَتى شَاءَ، كَمَا مر أول الْفَصْل إِلَّا أَن قَول النَّاظِم حِصَّة شَامِل لجزء من الأَرْض والمغروس، وَفِيه ورد النَّص عَن ابْن الْقَاسِم كَمَا فِي ابْن يُونُس وَنَصه قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو قَالَ أستأجرك على أَن تغرس لي فِي هَذِه الأَرْض كَذَا وَكَذَا نَخْلَة فَمَا نبت فَهُوَ بيني وَبَيْنك فَهُوَ جعل وَلَيْسَ إِجَارَة، وَلَو شَاءَ أَن يتْرك ترك وَلَو لم يكن جعلا مَا جَازَ لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أيتم أم لَا اه. وَأَنت خَبِير بِأَن هَذِه الصُّورَة هِيَ عين المغارسة الَّتِي تقدم الْكَلَام فِيهَا إِلَّا أَن ابْن الْقَاسِم ذهب فِي هَذَا القَوْل على إِنَّهَا لَا تلْزم بِالْعقدِ وَهُوَ خلاف الْمُعْتَمد من لُزُومهَا بِهِ كَمَا مر وَلذَا قَالَ الْبُرْزُليّ عقب نَقله قَول ابْن الْقَاسِم مَا نَصه: قلت هَذَا خلاف مَا حَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن عبد الحميد الصَّائِغ أَن المغارسة وَالْإِجَارَة على الْبَلَاغ مِمَّا يلزمان بِالْعقدِ، وَإِن كَانَ من أَبْوَاب الْجعل وأنهما خرجا عَنهُ فِي هَذَا. وَفِي كَون الْجعَالَة فيهمَا لَهَا مُؤنَة كَثِيرَة للضَّرُورَة إِلَيْهَا اه. وَقَوله: لَهَا مُؤنَة كَثِيرَة الخ. يَعْنِي أَن الْجعل لَا يجوز على الْعَمَل الْكثير كَمَا قَالَ (خَ) : إِلَّا كَبيع سلع لَا يَأْخُذ شَيْئا إِلَّا بِالْجَمِيعِ، والمغارسة وَالْإِجَارَة على الْبَلَاغ خالفاه فِي هَذَا فيجوزان على الْعَمَل الْكثير للضَّرُورَة، وخالفاه أَيْضا فِي اللُّزُوم بِالْعقدِ. (فصل فِي الْمُزَارعَة) ابْن عَرَفَة هِيَ شركَة الْحَرْث. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله ﵁ عَن
следующие страницы →