Полный текст (1 359 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
لاخْتِلَاف الْأَشْجَار فِي مُدَّة الإثمار الخ. إِنَّمَا يتمشى على مَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ: وَإِن اقْتصر عَلَيْهِ فِي النِّهَايَة قَائِلا: وَيفْسخ إِن كَانَت لَا تتلاحق إِلَّا بعد بُعد وللعامل أجر مثله إِن عمل غير ظَاهر كَمَا ترى وَالله أعلم. الْخَامِس: إِذا واجره بِنصْف الأَرْض على أَن يغْرس النّصْف الْبَاقِي فَإِن ذَلِك لَا يجوز سَوَاء شرطا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس أَو بعد غرس الْجَمِيع قَالَه ابْن رشد فِي أجوبته، وَعلله بِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا يخرج لَهُ بِالسَّهْمِ فَصَارَ الْعِوَض مَجْهُولا، وَمَا لَا يجوز بَيْعه لَا يجوز أَن يكون أُجْرَة، وَأطَال فِي ذَلِك إِلَى أَن قَالَ: فَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار على غرس نصف الأَرْض بِنِصْفِهَا الآخر على الإشاعة إِلَّا أَن تكون مستوية تعتدل فِي الْقِسْمَة بالذراع، ويشترطان قسمتهَا قبل الْغَرْس ويعينا الْجِهَة الَّتِي يَأْخُذ الْأَجِير مِنْهَا النّصْف لنَفسِهِ فِي أجرته، والجهة الَّتِي يغرسها لرب الأَرْض اه. بِتَقْدِيم وَتَأْخِير. وَمَا علل بِهِ من أَن لَا يدْرِي مَا يخرج لَهُ بِالسَّهْمِ هُوَ قَول (خَ) فِي الْقِسْمَة: وَمنع اشْتِرَاط الْخَارِج الخ. وَهَذِه إِجَارَة لَا مغارسة، فَلِذَا امْتنعت بِالْجَهْلِ الْمَذْكُور لِأَن الْأَجِير يملك نصف الأَرْض بِالْعقدِ، وَلَا يدْرِي فِي أَي مَحل يخرج لَهُ بِخِلَاف المغارسة فَلَا يملكهُ بِالْعقدِ بل بِتمَام الْعَمَل وَيكون شَرِيكا. السَّادِس: إِذا عجز الغارس قبل تَمام الْعَمَل أَو أَرَادَ سفرا فَلهُ أَن يَأْتِي بِمن هُوَ مثله يكمل عمله بِأَقَلّ من الْجُزْء الَّذِي دخل عَلَيْهِ أَو بمساوٍ لَهُ إِلَّا أَن يَقُول رب الأَرْض: أَنا آخذه بذلك الْأَقَل أَو الْمسَاوِي، فَإِن سلمه هدرا وَلم يرض رب الأَرْض وَقَالَ: أَنا اسْتَأْجر من يكمل الْعَمَل وأبيع حِصَّته فالفضل لَهُ وَالنُّقْصَان عَلَيْهِ، فَلهُ ذَلِك كَمَا تقدم فِي عَامل الْمُسَاقَاة كَذَا يَنْبَغِي قَالَه فِي شرح كتاب المغارسة. قلت: وَكَذَا قَالَ الْبُرْزُليّ: الْجَارِي على الْمُسَاقَاة جَوَاز إعطائها بِجُزْء، بل وَنقل بعد ذَلِك عَن ابْن رشد أَنه يجوز لَهُ أَن يُعْطِيهَا لرب الأَرْض أَو غَيره بجزئها الَّذِي أَخذهَا بِهِ، وَلَا مقَال لرب الأَرْض فِي ذَلِك. السَّابِع: فِي المغارسة الْفَاسِدَة وَإِن اخْتلفت أَنْوَاع فَسَادهَا كَمَا لِابْنِ الْحَاج حَسْبَمَا فِي الْبُرْزُليّ، يَعْنِي ككونها مُؤَقَّتَة بِأَجل أَو شباب تثمر الْأَشْجَار قبله، أَو شَرط بِنَاء جِدَار وتعظم مُؤْنَته، أَو كَانَت الأَرْض مشعرة كلهَا أَو جلها، أَو شَرط عَلَيْهِ الْقيام على الْغَرْس مَا عَاشَ، أَو شَرط إِدْخَال مَا كَانَ من الشّجر مَوْجُودا، أَو أَن الأَرْض بَينهمَا دون الشّجر، أَو لَا حق للشجر من الأَرْض وَنَحْو ذَلِك. ثَلَاثَة أَقْوَال لِابْنِ الْقَاسِم. أَحدهَا: أَنَّهَا تمْضِي لِأَنَّهَا بيع فَاسد فَاتَت بالفراغ وبلوغ الْإِطْعَام، وَيكون على الْعَامِل نصف قيمَة الأَرْض يَوْم قبضهَا براحاً، وَله على رب الأَرْض قيمَة عمله وغراسه فِي النّصْف الَّذِي صَار إِلَيْهِ إِلَى أَن بلغ وَله أجرته فِيهِ أَيْضا من يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الحكم، وَإِن اغتل الْغلَّة قبل ذَلِك مَضَت بَينهمَا، وَإِن اغتلها الغارس وَحده رد نصف ذَلِك إِلَى رب الأَرْض وَبِهَذَا القَوْل صدر ابْن يُونُس قَائِلا، وَاسْتَحْسنهُ ابْن حبيب، وَبِه قَالَ مطرف وَأصبغ، وَاسْتَحْسنهُ عِيسَى أَيْضا مثل ابْن حبيب، وَرجع إِلَيْهِ ابْن الْقَاسِم وَثَبت عَلَيْهِ اه. وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب الْمُفِيد والمعين وَصَاحب النِّهَايَة. ثَانِيهَا: أَنَّهَا بيع فَاسد أَيْضا قد فَاتَ فالغلة كلهَا لِلْعَامِلِ، وَيرد رب الأَرْض مَا أَخذ مِنْهَا إِن
стр. 982
قبضهَا رطبا رد قيمتهَا أَو تَمرا رد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت، وعَلى الْعَامِل قيمَة نصف الأَرْض يَوْم قبضهَا وَعَلِيهِ كِرَاء نصف الأَرْض الَّذِي لِرَبِّهَا، وَيُخَير رب الأَرْض فِي نصف الْغَرْس الَّذِي صَار إِلَيْهِ بَين أَن يُعْطِيهِ قِيمَته مقلوعاً أَو يَأْمُرهُ بقلعه، وَهَذَا القَوْل رَوَاهُ عِيسَى وحسين بن عَاصِم عَن ابْن الْقَاسِم أَيْضا، وَبِه أفتى بعض الشُّيُوخ حَسْبَمَا فِي المعيار إِلَّا أَنه أجمل قَوْله: وَاقْتصر عَلَيْهِ شَارِح العمليات عِنْد قَوْله: واعط أَرض حبس مغارسه الخ. وَبِه أفتى الْفَقِيه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن الفاسي حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الزياتي قَائِلا: وَهُوَ الَّذِي رَجحه القَاضِي أَبُو الْوَلِيد، وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى تَصْحِيح ابْن رشد لَهُ فِي الْمُقدمَات على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الرهوني فِي حَاشِيَته. ثَالِثهَا: إِن لِلْعَامِلِ قيمَة غرسه أَي الأعواد الَّتِي غرسها، وَقِيمَة عمله أَي معالجته إِلَى يَوْم الحكم وَالْغَرْس كُله لرب الأَرْض وَلَا شَيْء لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَيرد مَا أَخذه من الثَّمَرَة أَي مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِم أَيْضا، وَبِه قَالَ سَحْنُون وَصدر بِهِ فِي الْبَيَان والمقدمات، وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الْمَقْصد الْمَحْمُود وَابْن سَلمُون، وَتقدم مثله عَن النِّهَايَة فِي التَّنْبِيه الرَّابِع، فَصَاحب النِّهَايَة اقْتصر على الأول أَولا وعَلى الثَّالِث ثَانِيًا، وَبِه افتى الرهوني فِي حَاشِيَته حَسْبَمَا ذكره فِي بَاب الْمُسَاقَاة قَائِلا: إِنَّه الَّذِي أفتى بِهِ ابْن عتاب وَابْن مَرْزُوق وَابْن رشد، وَنقل كَلَام الْجَمِيع. لَكِن مَا ذكره من ان ابْن رشد أفتى بِهِ فَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَا أفتى بِهِ ابْن رشد إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا واجره بِنصْف أرضه على غرس النّصْف الْبَاقِي كَمَا مر فِي التَّنْبِيه الْخَامِس، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: سَوَاء شرطا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس الخ. لِأَن المغارسة لَا تتأتى فِيهَا الْقِسْمَة قبل الْغَرْس، وعَلى أَن ذَلِك إِجَارَة اخْتَصَرَهُ أحلولو لنوازل الْبُرْزُليّ، وَالْخلاف الْمَذْكُور جَار على الْجعل هَل يرد إِلَى صَحِيح نَفسه أَو فَاسد أَصله وَهُوَ الْإِجَارَة؟ فالأولان يردانها إِلَى صَحِيح مثلهَا بِخِلَاف الثَّالِث. قَالَ مَعْنَاهُ الْبُرْزُليّ، ثمَّ إِن الَّذِي يجب اعْتِمَاده من هَذِه الْأَقْوَال هُوَ أَولهَا لِكَثْرَة قَائِلهَا، وَرُجُوع ابْن الْقَاسِم إِلَيْهِ وثبوته عَلَيْهِ، واستحسان ابْن حبيب وَعِيسَى لَهُ تَارِكًا مَا رَوَاهُ عَنهُ مَعَ حُسَيْن بن عَاصِم، وَإِن كَانَ الثَّانِي رَجحه ابْن رشد، وَالثَّالِث قَالَ بِهِ سَحْنُون، وَاخْتَارَهُ ابْن عتاب لِأَن ترجيحهما لَا يُقَاوم ذَلِك، وَقَوْلهمْ: لَا يعدل عَن قَول ابْن الْقَاسِم إِن وَافقه سَحْنُون مَحَله إِذا لم يرجع ابْن الْقَاسِم إِلَى غَيره وَيثبت عَلَيْهِ كَمَا هُنَا وَالله أعلم. وَانْظُر كَيْفيَّة تَقْوِيم الأَرْض المشعرة بعد الْفَوات فِي ابْن عرضون، وَانْظُر مَا يَأْتِي آخر الْقَرَاض من أَن مَا فِيهِ قِرَاض أَو مُسَاقَاة الْمثل يمْضِي بِالشُّرُوعِ فالمغارسة والجعل كَذَلِك، لِأَن الْجَمِيع مُسْتَثْنى من الْإِجَارَة. الثَّامِن: مَسْأَلَة التقليم وَهِي تركيب الزَّيْتُون الحلو أَو نَحوه فِي المر الْمَنْصُوص منعهَا حَسْبَمَا للقوري عَن العبدوسي، وَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَنَّهَا تجْرِي مجْرى المغارسة فَتَصِح مَعَ توفر شُرُوطهَا وتفسد مَعَ عدمهَا، وَهُوَ ظَاهر الْبُرْزُليّ، بل صَرِيحه، وَعَلِيهِ اخْتَصَرَهُ الونشريسي وَنَصّ اختصاره. قَالَ الْبُرْزُليّ: وَإِن دفع أشجاراً من زيتون أَو خروب على أَن يركبهَا صنفا طيبا وَيقوم عَلَيْهَا حَتَّى تثمر، فَإِن وَقعت على الشُّرُوط الْمَذْكُورَة فِي المغارسة فَجَائِز، وَإِلَّا فَلَا اه. وَنَحْوه فِي اخْتِصَار أحلولو لَهُ وَنَصه: وَمن هَذَا مَسْأَلَة تقع بجبل وسلات وَهِي أَن يعْطى الرجل شجر زيتون وَنَحْوه على أَن يركبهَا صنفا طيبا وَيقوم عَلَيْهَا حَتَّى تثمر فَتكون الثَّمَرَة بَينهمَا حَتَّى تبلى الشَّجَرَة وَلَا يكون
стр. 983
لَهُ فِي الأَرْض شَيْء، فَهِيَ من معنى مَا تقدم من المغارسة حَتَّى تبلى الْأُصُول فَتبقى الأَرْض لِرَبِّهَا وَهِي فَاسِدَة وَيجْرِي الْأَمر فِيهَا إِذا وَقعت على مَا تقدم من الْخلاف اه. وَمَفْهُوم قَوْله: حَتَّى تبلى الْأُصُول فَتبقى الأَرْض لِرَبِّهَا الخ. أَنَّهُمَا إِذا دخلا على أَن الشّجر ومواضعها من الأَرْض بَينهمَا فَهِيَ جَائِزَة، فَمَا قَالُوهُ من منعهَا إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَت الأَرْض تبقى لِرَبِّهَا إِذا بليت الْأَشْجَار، وَكَانَ ابْن حسون المزجاري يجيزها وَلَو على هَذَا الشَّرْط ويعلل ذَلِك لِأَن سطح الشَّجَرَة كسطح الأَرْض، فَيجوز فِيهَا مَا يجوز فِي المغارسة فِي الأَرْض، فَإِذا بليت الْأَشْجَار فَكَمَا لَو بليت الأَرْض بزلزلة وَنَحْوهَا، ثمَّ إِذا وَقعت جَائِزَة وبليت الشَّجَرَة الْوَاجِبَة لِلْعَامِلِ فِي نصِيبه، فَلهُ أَن يغْرس أُخْرَى مَكَانهَا لِأَنَّهُ قد ملكهَا مَعَ محلهَا. التَّاسِع: إِذا غرس الشَّرِيك أَو بنى بِإِذن شَرِيكه أَو بِغَيْر إِذْنه فَلهُ قِيمَته مقلوعاً، كَمَا نظم ذَلِك بَعضهم بقوله: فقيمة الْبناء مقلوعاً أَتَت فِي سَبْعَة مَعْدُودَة قد ثبتَتْ فِي الْغَصْب والثنيا وَفِي العواري وَفِي الكرا وغرس أَرض الْجَار كَذَاك فِي أَرض لموروث وَفِي أَرض الشَّرِيك حصلنه تقتفي بِإِذن أَو بِغَيْرِهِ قد نقلا عَن ابْن الْقَاسِم إِمَام النبلا وَالْمَسْأَلَة مبسوطة فِي الِاسْتِحْقَاق من شرحنا للشامل وفيهَا اضْطِرَاب. وَفِي اخْتِصَار الونشريسي للبرزلي مَا نَصه: وَمن أول كتاب الِاسْتِحْقَاق من الْبَيَان إِذا بنى الشَّرِيك أَو غرس بِإِذن شَرِيكه فَهَل يكون لشَرِيكه نصِيبه من المغروس وَيدْفَع فِيمَا نابه مِنْهُ قِيمَته قَائِما للشُّبْهَة وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْمَذْهَب أَو قِيمَته مقلوعاً؟ قَالَ: وَمِنْه مَا هُوَ مَنْصُوص لأهل الْمَذْهَب أَن من عمل فِي أَرض زَوجته ثمَّ مَاتَ فلورثته قِيمَته قَائِما وَقيل مقلوعاً. قلت: الظَّاهِر أَن ذَلِك بِغَيْر إِذْنهَا أَو يُقَال كَانَت مُكْرَهَة وَلَا سِيمَا حَيْثُ لَا أَحْكَام اه. قلت: وَقد اخْتلف فِي السُّكُوت هَل هُوَ إِذن أَو لَيْسَ بِإِذن؟ وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ كَمَا مر فِي بيع الْفُضُولِيّ أَنه لَيْسَ بِإِذن إِلَّا فِيمَا يعلم بمستقر الْعَادة أَن أحدا لَا يسكت عَنهُ إِلَّا بِرِضا مِنْهُ، فَيكون إِذْنا ورضا، وَعَادَة الشُّرَكَاء الْيَوْم التشاح التَّام فِي الْغَرْس وَالْبناء فِي الأَرْض الْمُشْتَركَة فالسكوت إِذن ورضا، وَقد علمت فِيهِ أَنه يَأْخُذ قِيمَته قَائِما على قَول الْأَكْثَر وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَعَلِيهِ اقْتصر الفشتالي فِي وثائقه، وَبِه شاهدت الْأَحْكَام وَقت الشبيبة، وَبِه كنت أُفْتِي وَأنْظر كَيْفيَّة التَّقْوِيم قَائِما فِي نَوَازِل الشّركَة من العلمي، وَأما إِن بنى أَو غرس بِغَيْر إِذْنه وَلَا سُكُوته فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَته مقلوعاً قولا وَاحِدًا. نعم إِن غرس أَو بنى قدر حِصَّته فَقَط فَأَقل فَلَا غلَّة عَلَيْهِ وَلَا كِرَاء فِي نصِيبهم إِن أَرَادوا الْقِسْمَة وَله عَلَيْهِم الْكِرَاء فِي حصتهم من الزَّبْن والخدمة والتزريب فِي كل سنة لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِم بِوَاجِب، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا غلَّة عَلَيْهِ لقَوْل ناظم الْعَمَل: وَمَا على الشَّرِيك يَوْمًا إِن سكن فِي قدر حَظه لغيره ثمن فَلَا مَفْهُوم لسكن بل كَذَلِك إِذا حرث أَو غرس، وَإِنَّمَا قُلْنَا: وَله عَلَيْهِم الْكِرَاء للقاعدة الْمُتَقَدّمَة عِنْد قَول النَّاظِم فِي الْإِجَارَة: وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ حَيْثُ يخْتَلف الخ. فراع شُرُوطهَا هُنَا. وَهَذَا كُله مَعَ وجود الْأَحْكَام، وَأما مَعَ عدمهَا فَإِذا غرس الغارس أَو بنى أَو قلع البور والغابة
стр. 984
وَنَحْوهَا. وَكَانَ ذَلِك قدر حَظه فَقَط وَترك قدر حَظّ الآخر المماثل لما غرسه وبناه وقلعه فِي الْجَوْدَة وَغَيرهَا، فَإِنَّهُ يخْتَص بغرسه وتقليعه لِأَنَّهُ قد فعل فعلا لَو رفع إِلَى القَاضِي لم يفعل غَيره إِذْ ذَاك غَايَة الْمَقْدُور، وكل مَا كَانَ كَذَلِك فَفعله مَاض كَمَا ذكر هَذِه الْقَاعِدَة أَبُو الْحسن والبرزلي وَغَيرهمَا. ونقلها (ق) عِنْد قَوْله فِي الْخلْع: وَجَاز من الْأَب عَن الْمُجبرَة الخ. وَعَادَة الْبَوَادِي الْيَوْم بل وَبَعض الحواضر الاستخفاف بِالْأَحْكَامِ وَعدم المبالاة بهَا على مَا شَاهَدْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ فللغارس غرسه وَلَو لم يطْلب الْقِسْمَة بِحَضْرَة الْعُدُول وَلَا أشهدهم على الطّلب الْمَذْكُور، إِذْ لَا فَائِدَة فِي الطّلب وَالْإِشْهَاد عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَت عَادَتهم مَا ذكر وَمَا علم بمستقر الْعَادة عَدمه لَا يطْلب الْمَرْء بِفِعْلِهِ وَالله أعلم. الْعَاشِر: فِي الطرر عَن المشاور: إِذا بنى الْوَارِث بِحَضْرَة شَرِيكه وَعلمه وَلَا يُغير عَلَيْهِ ثمَّ بَاعه أَو بعضه فَقَامَ الشَّرِيك فَأَرَادَ أَخذ نصِيبه مِنْهُ وَالْبَاقِي بِالشُّفْعَة، فَإِن قَامَ عَلَيْهِ أَو على ورثته قبل انْقِطَاع حجَّته وَذَلِكَ الْأَرْبَعُونَ سنة فَأَقل، فَإِنَّهُ يقسم ذَلِك فَمَا صَار فِي حق الْقَائِم كَانَ لَهُ وَكَانَ بِالْخِيَارِ فِي دفع قيمَة الْبُنيان وَالْغَرْس مقلوعاً أَو يَأْمُرهُ بقلعه، وَلم يكن لَهُ كِرَاء فِيمَا سكن من نصِيبه، وَلَا غلَّة فِيمَا اغتل لِأَنَّهُ أذن لَهُ فِيهِ إِذا كَانَ بِعِلْمِهِ، وَلم تكن لَهُ شُفْعَة لِأَن البيع يفْسخ وَلَا يتم العقد إِلَّا بعد الْقسم إِن أحب الْمُبْتَاع ذَلِك، وَإِن لم يعلم بذلك حَتَّى قَامَ فَلهُ كِرَاء مَا صَار لَهُ من الْبقْعَة على الْبَانِي والغارس، وَقيل: إِنَّه يَأْخُذهُ قَائِما اه. فَقَوله: وَكَانَ بِالْخِيَارِ الخ. مَحَله إِذا قُلْنَا: إِن السُّكُوت لَيْسَ بِإِذن لعدم التشاح فِي الْغَرْس وَنَحْوه كَمَا مر، وَمحل دفع قِيمَته مقلوعاً الخ. إِذا كَانَ الغارس يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ أَو عبيده وإلاَّ فللغارس عَلَيْهِ أُجْرَة عمله وقيامه وعلاجه، كَمَا أَشَرنَا لَهُ قبل فِي الْقَاعِدَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْإِجَارَة. وَقَوله: وَلَا غلَّة فِيمَا اغتل مَبْنِيّ على أَن السُّكُوت إِذن، وَقَوله: لِأَن البيع يفْسخ الخ. أَي لِأَن اسْتِحْقَاق بعض الْمَبِيع كعيب بِهِ، وَهُوَ معنى قَول (خَ) فِي الْعُيُوب: وَخير المُشْتَرِي إِن غيب أَو عيب أَو اسْتحق شَائِع وَإِن قل الخ. الْحَادِي عشر: تقدم فِي الشُّفْعَة أَن المغارسة فِيهَا الشُّفْعَة لِأَنَّهَا بيع لَكِن بعد تَمام الْعَمَل وَأما قبله فَفِيهِ خلاف، فَقَالَ ابْن الْحَاج: لَا يجوز البيع لِأَنَّهُ لم يجب لَهُ نصِيبه إِلَّا بِتمَام عمله وَلَو مَاتَ لخير وَارثه وَلَو بَيت مَال بَين الْعَمَل أَو التّرْك. الْبُرْزُليّ: إِجْرَاء لَهَا على الْمُسَاقَاة، فَلِذَا يُخَيّر الْوَارِث لكَونهَا فِي الذِّمَّة ولزومها بِالْعقدِ، وَعَلِيهِ نقل بعض الْمُتَأَخِّرين عَن الرماح وَغَيره عَن الْمَذْهَب، أَنه يجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا بيع نصِيبه من الأَرْض وَالشَّجر إِذا كَانَ المُشْتَرِي يعْمل فِي ذَلِك كعمل البَائِع اه. ثمَّ نقل بعد هَذَا عَن ابْن رشد، أَنه يجوز لِلْعَامِلِ أَن يَبِيع من رب الأَرْض أَو غَيره أَو يُعْطِيهَا لَهُ أَو بِغَيْرِهِ بجزئها الَّذِي أَخذهَا بِهِ اه. قَالَ سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي: وبعدم صِحَة البيع تجْرِي الْأَحْكَام هَهُنَا فِي فاس الْيَوْم. قَالَ: وَإِذا لم يَصح البيع فَلَا شُفْعَة وعَلى صِحَّته فَالشُّفْعَة وَاجِبَة قَالَ: وَالْمَسْأَلَة ناظرة إِلَى قَاعِدَة الشّركَة الَّتِي يُوجِبهَا الحكم هَل تجب الشُّفْعَة فِيهَا قبل تقررها أم لَا؟ ابْن رشد: وَقَول مَالك بِأَنَّهُ لَا شُفْعَة فِيهَا أصح. الثَّانِي عشر: قَالَ أصبغ: من أعْطى أرضه مغارسة فَلم يتم الْعَمَل حَتَّى عجز الْعَامِل أَو غَابَ فَأدْخل رب الأَرْض فِي الْغَرْس من قَامَ بِهِ وَعمل مَا بَقِي أَو تولاه رب الأَرْض الْمَذْكُور
стр. 985
بِيَدِهِ، ثمَّ قدم الْعَامِل وَقَامَ فَهُوَ على حَقه، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ حَاضرا وَلم يسلم ذَلِك وَلم ير أَنه تَركه وَيُعْطِي للثَّانِي قدر مَا تكلّف مِمَّا لَو وليه لزمَه مثله اه من اخْتِصَار الونشريسي واحلولو. وَعَن ابْن خجوا فِي رجلَيْنِ أخذا أَرضًا مغارسة فغرساها وَتَوَلَّى أَحدهمَا الْخدمَة وَالْقِيَام إِلَى الْإِطْعَام قَالَ: يكون للقائم بالغرس أُجْرَة مثله ويقتسمان مَا غرساه على مَا دخلا عَلَيْهِ اه. من نَوَازِل الزياتي وَهُوَ يبين لَهُ مَا قبله. وَجَازَ أَنْ يُعْطَى بِكُلِّ شَجَرَهْ تَنْبُتُ مِنْهُ حِصَّةً مُقَدَّرَهْ (وَجَاز) أَي العقد على (أَن يعْطى) الغارس (بِكُل شَجَرَة تنْبت مِنْهُ) أَي من الْغَرْس (حِصَّة مقدرَة) . وَهَذَا جعل مَحْض إِن كَانَ الْمُعْطى دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو عرضا وَله التّرْك مَتى شَاءَ، كَمَا مر أول الْفَصْل إِلَّا أَن قَول النَّاظِم حِصَّة شَامِل لجزء من الأَرْض والمغروس، وَفِيه ورد النَّص عَن ابْن الْقَاسِم كَمَا فِي ابْن يُونُس وَنَصه قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو قَالَ أستأجرك على أَن تغرس لي فِي هَذِه الأَرْض كَذَا وَكَذَا نَخْلَة فَمَا نبت فَهُوَ بيني وَبَيْنك فَهُوَ جعل وَلَيْسَ إِجَارَة، وَلَو شَاءَ أَن يتْرك ترك وَلَو لم يكن جعلا مَا جَازَ لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أيتم أم لَا اه. وَأَنت خَبِير بِأَن هَذِه الصُّورَة هِيَ عين المغارسة الَّتِي تقدم الْكَلَام فِيهَا إِلَّا أَن ابْن الْقَاسِم ذهب فِي هَذَا القَوْل على إِنَّهَا لَا تلْزم بِالْعقدِ وَهُوَ خلاف الْمُعْتَمد من لُزُومهَا بِهِ كَمَا مر وَلذَا قَالَ الْبُرْزُليّ عقب نَقله قَول ابْن الْقَاسِم مَا نَصه: قلت هَذَا خلاف مَا حَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن عبد الحميد الصَّائِغ أَن المغارسة وَالْإِجَارَة على الْبَلَاغ مِمَّا يلزمان بِالْعقدِ، وَإِن كَانَ من أَبْوَاب الْجعل وأنهما خرجا عَنهُ فِي هَذَا. وَفِي كَون الْجعَالَة فيهمَا لَهَا مُؤنَة كَثِيرَة للضَّرُورَة إِلَيْهَا اه. وَقَوله: لَهَا مُؤنَة كَثِيرَة الخ. يَعْنِي أَن الْجعل لَا يجوز على الْعَمَل الْكثير كَمَا قَالَ (خَ) : إِلَّا كَبيع سلع لَا يَأْخُذ شَيْئا إِلَّا بِالْجَمِيعِ، والمغارسة وَالْإِجَارَة على الْبَلَاغ خالفاه فِي هَذَا فيجوزان على الْعَمَل الْكثير للضَّرُورَة، وخالفاه أَيْضا فِي اللُّزُوم بِالْعقدِ.
(فصل فِي الْمُزَارعَة)
ابْن عَرَفَة هِيَ شركَة الْحَرْث. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله ﵁ عَن
стр. 986
النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا يغْرس مُسلم غرساً وَلَا يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إِنْسَان أَو دَابَّة أَو شَيْء إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة) . الْقُرْطُبِيّ: يسْتَحبّ لمريد الْبذر فِي الأَرْض أَن يَقُول بعد الِاسْتِعَاذَة: أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٣) الْآيَة. ثمَّ يَقُول: الله الزَّارِع والمنبت والمبلغ، اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّد وارزقنا ثمره وجنبنا ضَرَره، واجعلنا لأنعمك من الشَّاكِرِينَ، فَإِنَّهُ أَمَان لذَلِك الزَّرْع من جَمِيع الْآفَات الدُّود وَالْجَرَاد وَغير ذَلِك. وَقد جرب فَوجدَ كَذَلِك اه. الْبُرْزُليّ: وَيسْتَحب أَن يَنْوِي أَنه يزرع ويغرس لينْتَفع بِهِ هُوَ وَجَمِيع الْمُسلمين فَيحصل لَهُ ثَوَابه مَا دَامَ قَائِما على أُصُوله، وَإِن تبدلت ملاكه اه. وللمزارعة عشر صور خَمْسَة جَائِزَة وَخَمْسَة مَمْنُوعَة فَمن الْجَائِز قَوْله: إنْ عَمِلَ العَامِلُ فِي المَزَارَعَهْ وَالأَرْضُ مِنْ ثَانٍ فَلَا مُمَانَعَهْ (إِن عمل الْعَامِل فِي الْمُزَارعَة وَالْأَرْض من ثَان فَلَا ممانعة) . وَالْمرَاد بِالْعَمَلِ عمل الْيَد وَالْبَقر، فَإِذا أخرج أَحدهمَا ذَلِك وَأخرج الآخر الأَرْض جَازَت هَذِه الشّركَة بشرطها الْمشَار لَهُ بقوله: إنْ أَخْرَجَا البذْرَ عَلَى نِسْبَةِ مَا قَدْ جَعَلَاهُ جُزْءاً بَيْنَهُمَا (إِن أخرجَا) مَعًا (الْبذر على نِسْبَة مَا قد جعلاه جُزْءا) بِضَم الزَّاي لُغَة فِيهِ (بَينهمَا) فِي المصيف، فَإِن دخلا على أَن مَا يحصل فِي المصيف يكون لذِي الْعَمَل نصفه ولرب الأَرْض نصفه جَازَ إِذا أخرج كل مِنْهُمَا نصف الزريعة، وَإِذا دخلا على أَن لصَاحب الْعَمَل أَو الأَرْض سدس مَا يحصل جَازَ أَيْضا إِذا أخرج كل مِنْهُمَا من الزريعة بِقدر مَا يَأْخُذ فِي المصيف وَهَكَذَا. وَهُوَ معنى قَوْله: كالنِّصْفِ أَوْ كَنِصْفِهِ أَوْ السُّدُسْ وَالعَمَلُ اليَوْمَ بِهِ فِي الأَنْدَلُسْ (كالنصف أَو كنصفه) وَهُوَ الرّبع (أَو السُّدس) فَمَا بعد الْكَاف مِثَال للجزء الَّذِي دخلا على أَخذه فِي المصيف وَظَاهره الْجَوَاز، وَلَو كَانَت قيمَة الْعَمَل لَا تعادل قيمَة كِرَاء الأَرْض وَبِالْعَكْسِ، وَهُوَ كَذَلِك على القَوْل الَّذِي لَا يشْتَرط
стр. 987
السَّلامَة من التَّفَاوُت فِي الْمُزَارعَة، وَعَلِيهِ فَتجوز وَلَو لم يقوِّما الْعَمَل وَلَا عرفا كِرَاء الأَرْض وَهُوَ قَول عِيسَى بن دِينَار، وَعَلِيهِ الْعَمَل كَمَا فِي الْمُفِيد والجزائري وَابْن مغيث وتبعهم النَّاظِم فَقَالَ: (وَالْعَمَل الْيَوْم بِهِ) أَي بِهَذَا القَوْل الَّذِي لَا يشْتَرط السَّلامَة من التَّفَاوُت (فِي) جَزِيرَة (الأندلس) ، بل وَكَذَلِكَ فِي مغربنا الْيَوْم لِأَن عَملنَا تَابع لعملهم، وَسميت جَزِيرَة لِأَن الْبَحْر مُحِيط بهَا من جهاتها إِلَّا الْجِهَة الشمالية فَهِيَ مُثَلّثَة الشكل، وَأول من سكنها بعد الطوفان أندلس بن يافث بن نوح ﵇ فسميت بِهِ. وَمَفْهُوم قَوْله: إِن أخرجَا الخ. أَنَّهُمَا إِذا لم يخرجَا الْبذر على نِسْبَة مَا ذكر كَمَا لَو دخلا على المناصفة فِيمَا يحصل فى المصيف، وَلَكِن الْبذر على أَحدهمَا ثُلُثَاهُ وعَلى الآخر ثلثه، فَإِن ذَلِك لَا يجوز وَهُوَ كَذَلِك على تَفْصِيل، فَإِن كَانَ مخرج ثُلثَيْهِ هُوَ رب الأَرْض فَلَا إِشْكَال فِي الْجَوَاز لِأَن مَا زَاده من سدس الْبذر فِي مُقَابلَة الْعَمَل أَو هبة، وَإِن كَانَ مخرج ثُلثَيْهِ هُوَ الْعَامِل فَإِن كَانَ على أَن يَأْخُذ كل مِنْهُمَا بِقدر بذره جَازَ، وَإِن كَانَ على أَن يَأْخُذ كل نصف الزَّرْع امْتنع، لِأَن مَا زَاده من سدس الْبذر هُوَ فِي مُقَابلَة الأَرْض، فَإِن نزل فَلِكُل وَاحِد من الزَّرْع بِقدر بذره ويتراجعان فِي فصل الأكرية. قَالَ سَحْنُون: انْظُر شرحنا للشامل، وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ من كِرَاء الأَرْض بِطَعَام، وَتقدم فِي فصل كِرَاء الأَرْض مَنعه، وَتقدم هُنَاكَ أَيْضا من يَقُول بِجَوَاز كرائها بِكُل شَيْء وَلَو طَعَاما، وَعَلِيهِ فَإِذا اعتادوا فِي بلد التَّفَاوُت فِي الْبذر لَا يُنكر عَلَيْهِم كَمَا مر نَظِيره عَن المسناوي وَابْن لب فِي الْبَابَيْنِ قبله، وَلَا سِيمَا إِذا لم يجد من يتعامل مَعَه على الْوَجْه الْجَائِز وَقد قَالَ الْبُرْزُليّ: تجوز الْمُعَامَلَة الْفَاسِدَة لمن لَا يجد مندوحة عَنْهَا كَالْإِجَارَةِ والمزارعة وَالشَّرِكَة وَغير ذَلِك من سَائِر الْمُعَامَلَات، وَقد رُوِيَ عَن الْفَقِيه ابْن عيشون أَنه خَافَ على زرعه الْهَلَاك فآجر عَلَيْهِ إِجَارَة فَاسِدَة حِين لم يجد الْجَائِزَة قَالَ: وَمثله لَو عَم الْحَرَام فِي الْأَسْوَاق وَلَا مندوحة عَن غير ذَلِك، والمبيح الضَّرُورَة كَمَا جَازَ للْمُضْطَر أكل الْميتَة اه. وَتقدم نَحْو هَذَا عَن ابْن سراج فِي الْإِجَارَة، وَقَالَ الْجُزُولِيّ عِنْد قَول الرسَالَة: وَلَا بَأْس للْمُضْطَر أَن يَأْكُل الْميتَة ويشبع الخ مَا نَصه. انْظُر على هَذَا لَو اضْطر إِلَى الْمُعَامَلَة بالحرام مثل أَن يكون النَّاس لَا يتعاملون إِلَّا بالحرام وَلَا يجد من يتعامل بالحلال هَل لَهُ أَن يتعامل بالحرام أم لَا؟ وَقد قَالَ ﵇: (لَو كَانَت الدُّنْيَا بركَة دم لَكَانَ قوت الْمُؤمن مِنْهَا حَلَالا) وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يجد من يزرع إِلَّا بكرَاء الأَرْض بِمَا تنبته أَو كَانَ لَا يجد إِلَّا من يشْتَرط شركَة فَاسِدَة وَلَيْسَ لَهُ صَنْعَة إِلَّا الْحَرْث أَو مثل الْحَصاد بالقبضة إِذا كَانَ لَا يجد من يحصد إِلَّا بهَا. قَالَ الشَّيْخ: أما إِذا تحققت الضَّرُورَة فَيجوز، وَقد سَمِعت بعض الشُّيُوخ يَقُول فِي قوم نزلُوا بِموضع قد انجلى أَهله عَنهُ وَكَانَ الَّذين نزلُوا بِهِ لَا صَنْعَة لَهُم إِلَّا الْحَرْث: أَنه يجوز لَهُم أَن يحرثوا تِلْكَ الأَرْض الَّتِي ارتحل أَهلهَا عَنْهَا. قَالَ: وَذكر عَن الْفَقِيه ابْن عيشون أَنه حصد زرعه بِإِجَارَة فَاسِدَة لأجل الضَّرُورَة اه. وَفِي السّفر الثَّالِث من المعيار قَالَ أصبغ: ينظر إِلَى أَمر النَّاس فَمَا اضطروا إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُد لَهُم مِنْهُ وَلَا يَجدونَ الْعَمَل إِلَّا بِهِ، فأرجو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس إِذا عَم اه. فَهَذَا كُله مِمَّا يدل للْجُوَاز مَعَ الضَّرُورَة، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُقَال مَا زَاده من سدس الْبذر هُوَ فِي مُقَابلَة الأَرْض إِذا كَانَ كِرَاء الأَرْض يزِيد على قيمَة الْعَمَل، وإلاَّ فَهُوَ مَحْض هبة وَتقدم أَنه على مَا بِهِ الْعَمَل لَا يشْتَرط معرفَة قيمَة الأَرْض وَلَا الْعَمَل وَمُقَابل الْعَمَل الَّذِي فِي النّظم هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: إِن سلما من كِرَاء الأَرْض بممنوع وقابلها مساوٍ الخ. وَعَلِيهِ فَإِذا كَانَت قيمَة الأَرْض مائَة وَقِيمَة الْعَمَل خمسين ودخلا على المناصفة فِي الْبذر وَمَا يحصل فِي المصيف لم يجز لوُجُود التَّفَاوُت.
стр. 988
وَقد اشْتَمَل كَلَام النَّاظِم على ثَلَاث صور من صور الْمُزَارعَة اثْنَتَانِ جائزتان وهما صُورَة الْمَنْطُوق وَوَاحِدَة من صُورَتي الْمَفْهُوم كَمَا مر، وَسَتَأْتِي الصُّور الثَّلَاث الْبَاقِيَة من الْخمس الْجَائِزَة عِنْد قَوْله: وَجَاز فِي الْبذر اشْتِرَاك الخ. وَالتُزِمَتْ بالعَقْدِ كَالإجَارَه وَقِيلَ بَلْ بالبَدْءِ لِلْعِمَاره (والتزمت) لَو قَالَ: ولزمت (بِالْعقدِ كَالْإِجَارَةِ) وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون وَسَحْنُون وَابْن الْقَاسِم فِي كتاب ابْن سَحْنُون، وَبِه قَالَ ابْن زرب وَابْن الْحَارِث وَابْن الْحَاج وَوَقع الحكم بِهِ، وَبِه كَانَ يُفْتِي ابْن رشد وَصَححهُ فِي الشَّامِل فَقَالَ: عقد الْمُزَارعَة لَازم قبل الْبذر على الْأَصَح، وَقيل لَا تلْزم إِلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَل وَهُوَ لِابْنِ كنَانَة فِي الْمَبْسُوط وَابْن رشد وَبِه جرت الْفَتْوَى بقرطبة. (وَقيل) لَا تلْزم بِالْعقدِ وَلَا بِالشُّرُوعِ (بل بالبذر للعمارة) وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: لكل فسخ الْمُزَارعَة إِن لم يبذر. وَمَعْنَاهُ كَمَا لِابْنِ رشد أَنَّهَا تلزمهما فِيمَا بذرا من قَلِيل أَو كثير وَلَا تلزمهما فِيمَا بَقِي وَلكُل فَسخهَا، فَإِن عجز أَحدهمَا بعد الْبذر فَإِنَّهُ يُقَال لشَرِيكه: اعْمَلْ فَإِذا طَابَ الزَّرْع بِعْ وَاسْتَوْفِ حَقك وَالزِّيَادَة لَهُ وَالنُّقْصَان عَلَيْهِ يتبع بِهِ كَمَا مر فِي الْمُسَاقَاة وَقَالَهُ فِي النَّوَادِر، فَإِذا أذهب السَّيْل بذر أَحدهمَا فَأبى أَن يُعِيد بذراً آخر فَإِنَّهُ لَا يجْبر لِأَن عملهما قد تمّ، وَأما على مَا صدر بِهِ النَّاظِم فَإِنَّهُ إِذا أَبى أَحدهمَا من إِتْمَامهَا بعد عقدهَا صَحِيحَة فَإِنَّهُ يجْبر على الْإِتْمَام، وَكَذَا يُقَال على لُزُومهَا بِالشُّرُوعِ أَيْضا. وَمِمَّا يَنْبَنِي على الْخلاف لَو زارع رجل شخصا آخر، فَلَمَّا قلب الأَرْض عَامل غَيره على عَملهَا من أجل عجز عَنْهَا أَو غَيره أَن الزَّرْع لرب الأَرْض وللعامل الآخر وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ الأول شَيْء وَله كراؤه على الْعَامِل الآخر ثمنا وَسَوَاء علم الْأَخير بِالْأولِ أم لَا، قَالَ الْبُرْزُليّ: هَذَا على أَن الْمُزَارعَة لَا تلْزم بِالْعقدِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فَأشبه عَامل الْقَرَاض إِذا أَخذ الْقَرَاض وَأَعْطَاهُ قبل الْعَمَل فَلَيْسَ لَهُ من الرِّبْح شَيْء، وعَلى القَوْل بلزومها بِالْعقدِ أَو الشُّرُوع الشّركَة الثَّانِيَة لِلْعَامِلِ الأول وَالثَّانِي، وَيبقى نصيب رب الأَرْض على حَاله كالمساقاة اه. وَهَذَا إِذا أَدخل الْعَامِل الأول الثَّانِي لعجز وَنَحْوه أَو لم يدْخلهُ بل أدخلهُ رب الأَرْض كَمَا ترى. وَفِي ابْن سَلمُون وَابْن عَاتٍ: الزَّرْع لرب الأَرْض وللعامل الْأجر بِالْجِيم الساكنة، وَصَوَابه الآخر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِدَلِيل قَوْله: وَلَيْسَ للوسط شَيْء يَعْنِي الْعَامِل الأول لِأَنَّهُ يُفِيد أَن الآخر يَأْخُذ من الزَّرْع لَا أَنه يَأْخُذ الْأُجْرَة فَقَط، وبدليل تَشْبِيه الْبُرْزُليّ لَهُ بعامل الْقَرَاض يُعْطِيهِ للْغَيْر قبل الْعَمَل الْمشَار لَهُ بقول (خَ) أَو قارض بِلَا إِذن وَغرم لِلْعَامِلِ الثَّانِي إِن دخلا على أَكثر الخ. كَذَا كتبه أَبُو الْعَبَّاس الملوي ﵀. وعَلى أَنَّهَا تلْزم بِالْعقدِ يجوز إِدْخَال الخماس فِيمَا حرثه رب الزَّرْع قبله وَيجوز السّلف أَيْضا على أَنَّهَا لَا تلْزم إِلَّا بالبذر، فَيجوز فيهمَا. انْظُر شرحنا للشامل.
стр. 989
وَلما كَانَ المُرَاد بِالْعَمَلِ فِي الْمُزَارعَة إِذا أطلق هُوَ عمل الْحَرْث فَقَط، وَأما الْحَصاد والدراس والتصفية فَإِنَّهَا لَا تندرج فِيهِ عِنْد السكت بل ذَلِك عَلَيْهِمَا على قدر الْأَنْصِبَاء إِلَّا لشرط نبه عَلَيْهِ النَّاظِم فَقَالَ: وَالدَّرْسُ وَالنَّقْلَةُ مَهْمَا اشْتُرِطَا مَعْ عَمَلٍ كَانَ عَلَى مَا شُرِطَا (والدرس) للزَّرْع (والنقلة) لَهُ من الفدان (مهما اشْترطَا مَعَ عمل) الحراثة (كَانَ) ذَلِك الشَّرْط لَازِما (على مَا شرطا) وَالْعَادَة كالشرط وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم فِي رِوَايَة حُسَيْن بن عَاصِم عَنهُ، وَبِه الْعَمَل حَسْبَمَا للجزيري فِي وثائقه. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز اشْتِرَاط ذَلِك لِأَنَّهُ مَجْهُول، وَاخْتَارَهُ ابْن يُونُس. قَالَ أَبُو حَفْص: تكلم ابْن الْقَاسِم على أَرض النّيل الَّتِي أمرهَا مَعْرُوف بِالْعَادَةِ، وَتكلم سَحْنُون على أَرض إفريقية الَّتِي يخْتَلف الْأَمر فِيهَا فَمرَّة تخصب فَتكون مُؤنَة الْحَصاد كَثِيرَة الثّمن، وَرُبمَا لم يكن خصب فيقل ثمن ذَلِك اه. وَيُمكن أَن يُقَال مَذْهَب ابْن الْقَاسِم الْجَوَاز فِي أَرض النّيل وَغَيرهَا، كَمَا أَفَادَهُ النَّاظِم لِأَن الْغَالِب إتْيَان الزَّرْع على مُقْتَضى الْعَادة وإتيانه على خلَافهَا نَادِر وَهُوَ لَا حكم لَهُ. الْبُرْزُليّ: لَو قَالَ أَحدهمَا عَلَيْك أُجْرَة الحصادين وَعلي الْغَدَاء وَالْعشَاء جَازَ ذَلِك إِن عرف قدره اه. وَالشَرْطُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَعْمُورِ مِثْلَ الَّذِي أَلْفَى مِنَ المَحْظُورِ (وَالشّرط) أَي اشْتِرَاط رب الأَرْض على الْعَامِل إِذا دخل وَالْأَرْض معمورة أَي مَقْلُوبَة (أَن يخرج) بعد حصاد الزَّرْع (عَن معمور) الأَرْض فيقلبها لَهُ حَتَّى تصير (مثل) القليب (الَّذِي ألفى) وَقت دُخُوله (من الْمَحْظُور) خبر عَن الشَّرْط وَهُوَ بالظاء المشالة كَقَوْلِه تَعَالَى: وَمَا كَانَ عَطاء رَبك مَحْظُورًا﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٠) أَي مَمْنُوعًا وَلَعَلَّ وَجه الْمَنْع أَنه من بَاب قَول (خَ) : وأجير تَأَخّر شهرا، لِأَن رب الأَرْض قد نَقده الْعِمَارَة فِي مثلهَا بعد شهور فَإِن دخلا على الشَّرْط الْمَذْكُور فسخ العقد كَمَا قَالَ: وَلَيْسَ لِلشِّرْكَةِ مَعْهُ مِنْ بَقَا وَبَيْعُهُ مِنْهُ يَسُوغُ مُطْلَقَا (وَلَيْسَ للشَّرِكَة مَعَه) بِالسُّكُونِ أَي الشَّرْط (من بقا) بل يتحتم فَسخهَا، وَهَذَا قبل الْعَمَل فَإِن فَاتَت بِالْعَمَلِ فَإِن الأَرْض تقوم بِتِلْكَ الْعِمَارَة وَيقوم عمل الْعَامِل فَمَا فضل من قيمَة كِرَاء الأَرْض بِتِلْكَ الْعِمَارَة على قيمَة عمل الْعَامِل، أَو من قيمَة الْعَمَل على كِرَاء الأَرْض أَخذه مِنْهُ
стр. 990
صَاحب الزِّيَادَة، قَالَه ابْن سَلمُون والمتيطية وَنَحْوه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة انْظُر (م) . (وَبيعه) أَي القليب الْمَذْكُور (مِنْهُ) أَي الْعَامِل (يسوغ مُطلقًا) بمعجل أَو مُؤَجل كَمَا فِي ابْن سَلمُون، وَلَيْسَ هَذَا من اجْتِمَاع البيع وَالشَّرِكَة فِي عقد وَهُوَ لَا يسوغ كَمَا مرّ صدر الْبيُوع لِأَن القليب الْمَذْكُور هُوَ فِي نفس الشَّيْء الْمُشْتَرك فِيهِ لَا ينْفَصل عَنهُ وَلَا يزايله قَالَه اليزناسني وَأما هِبته لِلْعَامِلِ فَيجوز أَيْضا على مَا بِهِ الْعَمَل من عدم اشْتِرَاط السَّلامَة من التَّفَاوُت لَا على مُقَابِله لِأَنَّهُ لَهُ خطر وبال كالأرض الَّتِي لَهَا ذَلِك كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَحَيْثُ لَا بَيْعَ وَعَامِلٌ زَرَعْ فَغَرْمُهُ القِيمَةَ فِيهِ مَا امْتَنَعْ (وَحَيْثُ لَا بيع) وَلَا هبة للقليب الْمَذْكُور (وعامل زرع) فِيهِ من غير تعرض لبيع وَلَا لغيره (فغرمه) أَي الْعَامِل (الْقيمَة) لذَلِك القليب (فِيهِ) مُتَعَلق بقوله (مَا امْتنع) أَي مَا يمْتَنع من غرمه الْقيمَة وَلَا محيد لَهُ عَنهُ كَمَا مر عَن ابْن سَلمُون، فَإِن ادّعى الْعَامِل أَنه وهبه لَهُ فَلهُ الْيَمين على رب الأَرْض كَمَا فِي نَوَازِل ابْن رشد وَهِي من دَعْوَى الْمَعْرُوف ومعروف الْمَذْهَب توجيهها قَالَه الونشريسي فِي جَوَاب لَهُ نَقله العلمي فِي الْغَصْب والتعدي. وَحَقُّ رَبِّ الأَرْضِ فِيما قَدْ عَمَرْ باقِ إذَا لَمْ يَنْبُتِ الَّذِي بَذَرْ (وَحقّ رب الأَرْض) صَوَابه وَحقّ ذَلِك الْعَامِل كَمَا قَالَ وَلَده (فِيمَا قد عمر بَاقٍ إِذا لم ينْبت الَّذِي بذر) أَي إِذا قلب الْعَامِل الأَرْض وزرعها وَلم ينْبت زرعه فحقه بَاقٍ قي الْعِمَارَة لَهُ أَن يَزْرَعهَا مرّة أُخْرَى أَو يَبِيعهَا مِمَّن شَاءَ، بِخِلَاف مَا إِذا نبت الزَّرْع ويبس أَو أَصَابَته آفَة من جَراد وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا حق لَهُ كَمَا قَالَ: بِعَكْسِ مَا كانَ لَهُ نَبَات وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ لهُ ثَبَاتُ (بعكس مَا كَانَ لَهُ نَبَات وَلم يكن بعد) أَي بعد النَّبَات (لَهُ ثبات) قَالَه ابْن فتحون وَغَيره. قلت: وعَلى هَذَا تجْرِي مَسْأَلَة الْمُكْتَرِي للْأَرْض يجاح زرعه بعد النَّبَات أَو لَا ينْبت أصلا فَلَا حق لَهُ فِي القليب فِي الأول دون الثَّانِي وَالله أعلم. وَجَازَ فِي البَذْرِ اشْتِرَاكٌ وَالْبَقَرْ إنْ كانَ مِنْ نَاحِيَةٍ مَا يُعْتَمَرْ (وَجَاز) للمتزارعين (فِي الْبذر اشْتِرَاك و) فِي (الْبَقر) عطف على الْبذر (إِن كَانَ من نَاحيَة)
стр. 991
أَي من أَحدهمَا فَقَط (مَا يعْتَمر) وَهُوَ الأَرْض، وَظَاهره سَوَاء قابلها عمل يَد الآخر كَمَا لَو كَانَ عمل الْيَد عَلَيْهِ وَحده أَو كَانَ عمل الْيَد عَلَيْهِمَا مَعًا أَيْضا وَهُوَ كَذَلِك، وَظَاهره وَلَو كَانَت الأَرْض فِي الصُّورَة الثَّانِيَة لَهَا خطر وبال وَهُوَ كَذَلِك لما مر من أَنه لَا يشْتَرط عدم التَّفَاوُت على الْمَعْمُول بِهِ، وَظَاهره أَيْضا سَوَاء كَانَ يَأْخُذ كل وَاحِد من الزَّرْع بِقدر مَا أخرج من الْبذر أم لَا كَمَا لَو أخرج أَحدهمَا الأَرْض وَنصف الْبَقر وثلثي الْبذر، وَأخرج الآخر عمل يَده وَنصف الْبَقر وَثلث الْبذر على أَن يكون الزَّرْع بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِك كَمَا تقدم فِي الصُّورَة الأولى من صُورَتي مَفْهُوم الْبَيْت فِي أول الْفَصْل، وَأما الْعَكْس وَهُوَ أَن يخرج أَحدهمَا عمل الْيَد وَنصف الْبَقر وَثلث الْبذر، وَيخرج الآخر الأَرْض وَنصف الْبَقر وَثلث الْبذر فَإِن كَانَ على أَن يَأْخُذ كل مِنْهُمَا من الزَّرْع بِقدر بذره جَازَ، وَإِن كَانَ على أَن يَأْخُذ كل نصف الزَّرْع امْتنع لِأَن الْعَامِل نقص لَهُ عَن نِسْبَة بذره، وَذَلِكَ يُوجب أَن سدس بذره فِي مُقَابلَة الأَرْض كَمَا مر (خَ) : أَو بعضه إِن لم ينقص مَا لِلْعَامِلِ عَن نِسْبَة بذره، وَيفهم من النّظم أَنَّهُمَا إِذا اسْتَويَا فِي الأَرْض وَالْبَقر وَالْبذْر وَالْيَد تجوز بالأحرى. (خَ) : مشبهاً فِي الْجَوَاز إِن كَانَ تَسَاويا فِي الْجَمِيع. عِيَاض: وُجُوه الْمُزَارعَة ثَلَاثَة. وَجه جَائِز بِاتِّفَاق وَهُوَ اشتراكهما فِي الأَرْض والآلة وَالْعَمَل وَالْبذْر بِحَيْثُ إِذا ضَاعَ شَيْء يكون ضَمَانه مِنْهُمَا مَعًا، وَوجه لَا يخْتَلف فِي مَنعه وَهُوَ اخْتِصَاص أَحدهمَا بِكَوْن الْبذر من عِنْده خَاصَّة وَمن عِنْد الآخر الأَرْض الَّتِي لَهَا قيمَة اشْتَركَا فِي غير ذَلِك أم لَا. اخْتلفُوا فِيمَا سواهُ أَو تساووا لِأَنَّهُ كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا إِلَّا على مَا للداودي وَيحيى فِي جَوَاز كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا على مَذْهَب اللَّيْث، وَذَلِكَ خَارج عَن مَذْهَب مَالك. وَالْوَجْه الثَّالِث هُوَ مَا عدا هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ كَيْفَمَا قدرته اه. وَمن الْجَائِز أَيْضا أَن تكون الأَرْض مِنْهُمَا مَعًا وَالْبذْر من أَحدهمَا وَعمل الْبَقر وَالْيَد أَو عمل الْيَد فَقَط من الآخر وَمِنْه أَيْضا أَن يكون الْبذر مِنْهُمَا مَعًا وَالْأَرْض من أَحدهمَا وقابلها عمل من الآخر. وَهِي الْمُتَقَدّمَة فِي أول الْفَصْل وَالْفرق بَينهَا وَبَين مَا فِي النّظم هَهُنَا أَن مَا تقدم عمل الْبَقر وَالْيَد من أَحدهمَا. وَالْأَرْض من الآخر بِخِلَاف مَا هُنَا. وَمِنْه أَيْضا أَن تكون الأَرْض وَالْبذْر مِنْهُمَا وَعمل الْيَد وَالْبَقر على أَحدهمَا وَمِنْه أَيْضا أَن يكون لأَحَدهمَا الْجَمِيع إِلَّا عمل الْيَد وَهِي مَسْأَلَة الخماس وَالْعَمَل على جَوَازهَا للضَّرُورَة كَمَا قَالَ ناظم الْعَمَل: وَأُجْرَة الخماس أَمر مُشكل وللضرورة بهَا تساهل وَظَاهر قَوْله: للضَّرُورَة وَلَو عقداها بِلَفْظ الْإِجَارَة أَو أطلقا، وَيُؤَيِّدهُ مَا مر أول هَذَا الْفَصْل وَمَا مر عَن ابْن يُونُس أول الْمُسَاقَاة من أَن قبح اللَّفْظ لَا يضر مَعَ اتِّفَاق الْمَعْنى، وَتقدم هُنَاكَ أَيْضا الْخلاف فِي زَكَاة زرع الخماس على من تكون وَأَن زَكَاة الْحَصاد بِأُجْرَة من الزَّرْع على
стр. 992
رب الزَّرْع، وَكَذَا عَلَيْهِ زَكَاة مَا يلقطه اللقاط إِن شَرط الْحَصاد لقطه مَعَه لَا إِن لم يشْتَرط لقطه وَكَانَ اللقاط يلقطه لنَفسِهِ. فروع. الأول: سُئِلَ ابْن أبي زيد عَمَّن يدْفع الأَرْض بربعها وَيخرج ربع الزريعة أَيْضا وَيَأْخُذ ربع الزَّرْع؟ فَقَالَ: يجوز ذَلِك إِذا تقاربت قيمَة الأَرْض مَعَ قيمَة الْعَمَل اه. قلت: إِنَّمَا يشْتَرط التقارب الْمَذْكُور على الْمَشْهُور الَّذِي يشْتَرط عدم التَّفَاوُت لَا على مَا بِهِ الْعَمَل من عدم اشْتِرَاطه كَمَا مر. الثَّانِي: إِعْطَاء الثور لمن يحرث عَلَيْهِ بالخمس من الزَّرْع أجَازه الْفَقِيه رَاشد قِيَاسا على الْخمس، وَمنعه أَبُو عمرَان وَعمل النَّاس الْيَوْم على الأول، وَأما إِعْطَاء الأَرْض بِجُزْء مِمَّا تنبته فَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِرَاء الأَرْض. الثَّالِث: إِن عجز أحد المتزارعين فِي أثْنَاء الْحَرْب وَسلم لصَاحبه فِيمَا كَانَا حرثاه مَعًا فَذَلِك لَازم لَهُ قَالَه الْبُرْزُليّ، وَنَقله صَاحب كتاب المغارسة. الرَّابِع: تقدم من اشْترى زريعة فَوَجَدَهَا لم تنْبت أنظرها فِي عيب الْأُصُول، وَقد ذكر الْمَسْأَلَة هُنَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا. وَالزَّرْعُ لِلزارِعِ فِي أَشْيَاءَ وَرَبُّ الأَرْضِ يَأْخُذُ الكِرَاءَ (وَالزَّرْع للزارع) وَحده (فِي أَشْيَاء وَرب الأَرْض يَأْخُذ الْكِرَاء) وَلَا حَظّ لَهُ فِي الزَّرْع، وَذكر النَّاظِم من ذَلِك أَرْبَعَة مسَائِل فَقَالَ: كَمِثْلِ مَا فِي الْغَصْبِ وَالطَّلَاقِ وَمَوْتِ زَوْجَيْنِ وَالاسْتِحْقَاقِ (كَمثل مَا فِي الْغَصْب) يزرع الأَرْض ويقر بالعداء أَو يفوت الإبان فَعَلَيهِ كِرَاء الْمثل كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: وَإِن زرع أَي الْغَاصِب فاستحقت أَي قَامَ مَالِكهَا فَإِن لم ينْتَفع بالزرع أَخذ بِلَا شَيْء، وإلاَّ فَلهُ قلعه إِن لم يفت وَقت مَا ترَاد لَهُ وإلاَّ فَلهُ كِرَاء الْمثل الخ. وَقد تقدم تَحْصِيل ذَلِك فِي فصل الْكِرَاء والجائحة فِيهِ فراجع تَفْصِيله هُنَاكَ. (وَالطَّلَاق) يَعْنِي أَن من أمتعته زَوجته بأرضها فزرعها ثمَّ طَلقهَا فالزرع لَهُ، وَفِي الْكِرَاء الْخلاف الْمُتَقَدّم فِي فصل أَحْكَام من الْكِرَاء (وَمَوْت) أحد (زَوْجَيْنِ) بعد أَن أمتع صَاحبه بأرضه وزرعها فالزرع لَهُ وَفِي الْكِرَاء الْخلاف الْمُتَقَدّم فِي الْفَصْل الْمَذْكُور (والاستحقاق) يَعْنِي أَن من زرع أَرضًا بِشُبْهَة شِرَاء أَو إِرْث أَو اكتراء وَلم يعلم بِغَصب بَائِعهَا أَو مكتريها أَو موروثة فاستحقت من يَده قبل فَوَات الإبان فَلهُ الزَّرْع وَعَلِيهِ كِرَاء
стр. 993
الْمثل، فَإِن لم تسْتَحقّ إِلَّا بعد فَوَاته فالزرع لَهُ أَيْضا وَلَا شَيْء عَلَيْهِ من الْكِرَاء، وَهَذَا هُوَ الْفرق بَينه وَبَين الْغَاصِب. (خَ) : كذي شُبْهَة أَو جهل حَاله الخ. وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَلَا شَيْء لمستحقها فِي زرع ذِي شُبْهَة وَنَحْوه إِن فَاتَ الإبان وإلاَّ فَلهُ كِرَاء سنة اه. وَمن هَذَا أَيْضا مَا فِي ابْن يُونُس عَن أصبغ قَالَ: من زرع أَرض جَاره وَقَالَ: غَلطت، أَو كَانَ مكترياً لَهَا وَلَا يعرف ذَلِك، إِلَّا من قَوْله، أَو بنى فِي عَرصَة جَاره وَقَالَ: غَلطت فَلَا يعْذر الْبَانِي وَيُعْطِيه قِيمَته مقلوعاً أَو يَأْمُرهُ بقلعه، وَفِي الْحَرْث يشبه أَن يكون غلط فَيحلف ويقر زرعه وَيُؤَدِّي كِرَاء الْمثل فَاتَ الإبان أم لَا. وَهُوَ على الْخَطَأ حَتَّى يتَبَيَّن الْعمد انْظُر الْبُرْزُليّ وَابْن سَلمُون والمتيطية. وَالخُلْفُ فِيه هَا هُنَا إنْ وَقَعَا مَا الشَّرْعُ مُقْتَضٍ لَهُ أَنْ يُمْنَعَا (وَالْخلف فِيهِ) أَي الزَّرْع لمن يكون (هَهُنَا) فِي بَاب الْمُزَارعَة (إِن وَقعا مَا) أَي شَيْء (الشَّرْع) مُبْتَدأ خَبره (مُقْتَض لَهُ أَن يمنعا) وَالْجُمْلَة صفة لما أوصله والرابط الْمَجْرُور بِاللَّامِ أَي: إِن وَقع. وَفِي الْمُزَارعَة شَيْء يُوجب الْفساد وَالشَّرْع مُقْتَض الْمَنْع لَهُ فَإِن اطلع على ذَلِك قبل الْفَوات بِالْعَمَلِ فسخ، وَإِن فَاتَ بِهِ فَاخْتلف فِي الزَّرْع لمن يكون على أَقْوَال سِتَّة. قيلَ لِذِي البِذْرِ أَو الحِراثَهْ أَوْ مُحْرزٍ لاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَهْ (قيل) الزَّرْع كُله (لذِي الْبذر) أَي لمخرجه وَيُؤَدِّي لأَصْحَابه كِرَاء مَا أَخْرجُوهُ فَإِن أَخْرجَاهُ مَعًا فالزرع بَينهمَا على نِسْبَة بذريهما ويترادان فِي كِرَاء غَيره وَهُوَ رِوَايَة ابْن غَازِي (أَو) أَي وَقيل الزَّرْع كُله لصَاحب (الحراثة) أَي الْعَمَل وَهُوَ تَأْوِيل أبي زيد عَن ابْن الْقَاسِم (أَو) أَي وَقيل الزَّرْع كُله ل (مُحرز لاثْنَيْنِ من ثَلَاثَة) وَهِي الأرْضِ وَالبَذْرِ وَالاعْتِمارِ وَفِيهِ أَيْضاً غَيْرُ ذَاكَ جَارِي (الأَرْض وَالْبذْر والاعتمار) أَي الْعَمَل بِالْيَدِ وَالْبَقر أَو الْيَد فَقَط، فَيكون الزَّرْع لمن لَهُ الأَرْض مَعَ الْبذر، أَو الأَرْض مَعَ الْعَمَل، أَو الْبذر مَعَ الْعَمَل فَإِن كَانُوا ثَلَاثَة وَاجْتمعَ لوَاحِد مِنْهُم شَيْئَانِ مِنْهَا دون صَاحِبيهِ كَانَ الزَّرْع لَهُ دونهمَا، وَإِن اجْتمع لكل وَاحِد مِنْهُم شَيْئَانِ مِنْهَا أَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُم بِشَيْء مِنْهَا كَانَ الزَّرْع بَينهم أَثلَاثًا وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم، وَاخْتَارَهُ ابْن الْمَوَّاز وَهُوَ الْمُعْتَمد، فَكَانَ على النَّاظِم أَن يصدر بِهِ أَو يقْتَصر عَلَيْهِ، وَعَلِيهِ فَإِذا كَانَ على أَحدهمَا ثلثا الْبذر وعَلى الآخر الأَرْض وَثلث الْبذر وَالْبَقر بَينهمَا وَعمل الْيَد على أَحدهمَا فالزرع كُله لعامل الْيَد وَعَلِيهِ للْآخر كِرَاء أرضه وبقره، وَمثل بذره لقَوْله فِي النِّهَايَة. قَالَ ابْن الْمَوَّاز عَن
стр. 994
ابْن الْقَاسِم: إِن الزَّرْع كُله فِي فَسَاد الْمُزَارعَة لمن ولي الْعَمَل، فَإِن كَانَ رب الأَرْض هُوَ الْعَامِل فَعَلَيهِ للْآخر مثل بذره، وَإِن كَانَ صَاحب الْبذر هُوَ الْعَامِل فَعَلَيهِ للْآخر كِرَاء أرضه، وَإِن عملا جَمِيعًا غرم هَذَا لهَذَا نصف بذره وَهَذَا لهَذَا نصف كِرَاء أرضه وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: وَإِن فَسدتْ وتكافآ عملا فبينهما وترادا غَيره وَإِلَّا فللعامل الخ. أَي عَامل الْبَقر وَالْيَد أَو الْيَد فَقَط كَمَا مر، وَظَاهره أَن الزَّرْع لصَاحب الْبذر إِذا انضاف إِلَيْهِ عمل وَلَو أسلف نصفه لصَاحبه، وَالَّذِي فِي الْبُرْزُليّ أَن الزَّرْع يكون بَينهمَا على مَا شرطا، ولمسلف الزريعة أَخذهَا من صَاحبه وَيرجع من لَهُ فضل على الآخر. (وَفِيه) أَي الزَّرْع (أَيْضا غير ذَاك) أَي غير مَا ذكر من الْأَقْوَال الثَّلَاثَة (جَار) فقد قيل: إِنَّه لمن اجْتمع لَهُ ثَلَاثَة أَيْضا على هَذَا التَّرْتِيب وَهِي أَرض وبقر وَعمل يَد، وَقيل هُوَ لمن اجْتمع لَهُ اثْنَان من أَرْبَعَة. الأَرْض وَالْعَمَل وَالْبذْر وَالْبَقر، وَقيل وَهُوَ لِابْنِ حبيب إِن سلمت الْمُزَارعَة من كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا فالزرع بَينهمَا على مَا شرطا ويترادان فِي الزَّائِد، وَإِن لم تسلم من ذَلِك فالزرع لصَاحب الْبذر. حكى الْأَقْوَال السِّتَّة صَاحب الْمُقدمَات وإليها رمز ابْن غَازِي بقوله: الزَّرْع لِلْعَامِلِ أَو للباذر فِي فَاسد أَو لسوى المخابر أَو من لَهُ حرفان من إِحْدَى الْكَلم عَابَ وعاث ثاعب لمن فهم وَالْمرَاد بالمخابر هُنَا الَّذِي يُعْطي أرضه بِمَا يخرج مِنْهَا والعينات للْعَمَل والألفات الثَّلَاث للْأَرْض والباءان للبذر والثاءان المثلثتان للثيران. وَقَوْلُ مُدَّعٍ لِعَقْدِ الاكْتِرَا لَا الازْدِرَاعِ مَعْ يَمِينٍ أُثِرَا (و) إِذا تنَازعا بعد الْفَوات فَادّعى الْعَامِل الاكتراء للْأَرْض، وَادّعى رب الأَرْض الْمُزَارعَة أَو الْعَكْس فَالْقَوْل (قَول مُدع لعقد الاكترا) كَأَن مدعيه هُوَ رب الأَرْض أَو الْعَامِل وَلَا يصدق الْعَامِل فِي دَفعه كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة (لَا) قَول مُدع (الازدراع) وَمن صدق مِنْهُمَا فَذَلِك (مَعَ يَمِين أثرا) أَي رُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم وَبِه قَالَ ابْن حبيب وَظَاهره كَانَ الْغَالِب الازدراع أَو الْكِرَاء، وَالَّذِي تقدم فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين أَن القَوْل لمُدعِي الْغَالِب، فَإِن لم يكن غَالب فقد تقدم أَن القَوْل لمنكر العقد إِجْمَاعًا فَكل مِنْهُمَا يُنكر عقد صَاحبه وَيَدعِي عقدا آخر، والناظم درج على أَن الْمُزَارعَة تلْزم بِالْعقدِ
стр. 995
كالكراء، وَحِينَئِذٍ إِذا لم يكن غَالب وتنازعا قبل الْعَمَل تحَالفا وتفاسخا، فَإِن فَاتَت بِهِ فَالْقَوْل لمُدعِي الْكِرَاء إِن كَانَ هُوَ الْعَامِل لِأَن الآخر يُرِيد أَن يُشَارِكهُ فِي الزَّرْع بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فَانْظُر ذَلِك وتأمله وَالله أعلم. وَعَن سَحْنُون إِن اخْتلفَا بعد الطّيب فَقَالَ الْعَامِل: الزَّرْع بَيْننَا وَقد تساوينا فِي الزريعة، وَقَالَ رب الأَرْض: الزَّرْع لي وَإِنَّمَا أَنْت أجِير فَإِن عرفت الزريعة أَنَّهَا من عِنْد أَحدهمَا فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه، وَإِن لم يعلم مخرجها فَالْقَوْل لِلْعَامِلِ لِأَن الْعَادة فِي شركَة النَّاس أَن الْعَامِل يخرج الْبذر أَو نصفه انْظُر الْمُتَيْطِيَّة والبرزلي. وَحَيْثُ زَارِعٌ وَرَبُّ الأرْضِ قَدْ تَدَاعَيَا فِي وَصْفِ حَرْثٍ يُعْتَمَدْ (وَحَيْثُ زراع وَرب الأَرْض قد تداعيا) وتنازعا (فِي وصف حرث) أَي قلب كَمَا لَو قَالَ رب الأَرْض: دَخَلنَا على أَن تحرثها أَي تقلبها مرَّتَيْنِ ثمَّ بعد ذَلِك تبذرها. وَقَالَ الْعَامِل: بل مرّة وَاحِدَة (يعْتَمد) يقتصد صفة للحرث وَهُوَ تتميم. فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ وَاليَمِينُ وقلْبُهَا إنْ شَاءَ مُسْتَبِينُ (فَالْقَوْل لِلْعَامِلِ وَالْيَمِين) عَلَيْهِ (وقلبها) أَي الْيَمين (إِن شَاءَ) أَي أَن يقلبها على رب الأَرْض (مستبين) وَاضح بيِّن. قَالَ فِي النَّوَادِر: وَإِن تزارعا على أَن الأَرْض وَالْبذْر من عِنْد أَحدهمَا وَمن الآخر الْبَقر والحرث فَطلب أَن يحرثها أَي يقلبها مرّة، وَقَالَ الآخر: بل مرَّتَيْنِ، فليحملا على سنة الْبَلَد فَإِن لم تكن لَهُم سنة وَكَانُوا يَفْعَلُونَ هَذَا وَهَذَا إِلَّا أَن الزَّرْع فِي حرثتين أكمل، فَفِي قِيَاس قَول سَحْنُون أَن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حرثة وَاحِدَة إِلَّا أَن يشْتَرط حرثتين فَيجوز وَتلْزَمهُ، وَلَو عقدا على أَنه إِن حرث حرثة فَلهُ الرّبع، وَإِن حرث حرثتين فَلهُ النّصْف لم يجز وَالزَّرْع لرب الْبذر وَعَلِيهِ للْآخر أجر عمله وبقره اه. وَهَذَا كُله يبين لَك أَن كَلَام النَّاظِم هُنَا مَبْنِيّ على أَن الْمُزَارعَة تلْزم بِالْعقدِ، وَأما على مُقَابِله من أَنَّهَا إِنَّمَا تلْزم بالبذر فَلِكُل فَسخهَا قبله وللعامل أجر قلبه إِن كَانَ قَلبهَا وَالله أعلم. وَفِي الْمُتَيْطِيَّة: وَإِن اخْتلف بعد الْقلب وَقبل الزِّرَاعَة فَقَالَ الْعَامِل: دَخَلنَا على أَن الْقلب عَليّ وحدي وَأَن الْعَمَل فِي الزِّرَاعَة بَيْننَا. وَقَالَ رب الأَرْض: بل الْعَمَل كُله عَلَيْك واتفقنا على التَّسَاوِي فِي الْبذر فَالْقَوْل قَول من يَدعِي مِنْهُمَا الِاعْتِدَال والتساوي فِي الزِّرَاعَة، ثمَّ قَالَ: وَإِن اخْتلفَا بعد انْقِضَاء الزِّرَاعَة فَقَالَ الْعَامِل: إِن جَمِيع مَا زرعت من عِنْدِي وَأَن نصفهَا سلف مني لرب الأَرْض وَكذبه رب الأَرْض وَقَالَ: بل دفعت نَصِيبي فَالْقَوْل قَول الْعَامِل بِيَمِينِهِ، فَإِذا حلف واستوجب سلفه كَانَ الزَّرْع بَينهمَا ويتراجعان الْفضل لِأَن الشّركَة بَينهمَا فَاسِدَة مَا لم يدع الْعَامِل أَن السّلف تطوع بِهِ بعد العقد، وإلاَّ فَهِيَ صَحِيحَة وَلَا يتراجعان اه بِاخْتِصَار. وَهَذَا على أَنَّهَا تلْزم بِالْعقدِ وإلاَّ فالسلف يُفْسِدهَا وَلَو فِي أَثْنَائِهَا.
стр. 996
(فصل فِي الشّركَة وأقسامها وأحكامها)
وَهِي بِكَسْر الشين وَفتحهَا مَعَ سُكُون الرَّاء فيهمَا وبفتح الشين وَكسر الرَّاء وَالْأول أفصحها، وَعرفهَا ابْن عَرَفَة بتعريفين أَحدهمَا عَام وَالْآخر خَاص فَقَالَ: الأعمية تقرر مُتَمَوّل بَين مالكين فَأكْثر ملكا فَقَط، والأخصية بيع مَالك بعض مَاله بِبَعْض كل الآخر مُوجب صِحَة تصرفهما فِي الْجَمِيع فَيدْخل فِي الأول شركَة الْإِرْث وَالْغنيمَة لَا شركَة التَّجر، وهما فِي الثَّانِيَة على الْعَكْس وَشركَة الْأَبدَان والحرث بِاعْتِبَار الْعَمَل فِي الثَّانِيَة وَفِي عوضه فِي الأولى اه. فَأخْرج بقوله: مُتَمَوّل مَا لَيْسَ كَذَلِك كثبوت النّسَب بَين كإخوة، وَقَوله: (ملكا) أخرج بِهِ ملك الِانْتِفَاع كَمَا إِذا كَانَا ينتفعان بِحَبْس الْمدَارِس فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهِ تقرر مُتَمَوّل الخ. لكنه لَيْسَ بِملك على أَنه لَا يدْخل ملك الِانْتِفَاع حَتَّى يحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه لِأَن ذكر المالكين يُخرجهُ، وَاحْترز بقوله: فَقَط من الشّركَة الأخصية فَإِن فِيهَا زِيَادَة التَّصَرُّف، وَهَذِه لَا تصرف فِيهَا، وَقَوله: بعض مَاله الخ. أخرج بِهِ مَاذَا بَاعَ الْكل بِالْكُلِّ أَو الْبَعْض بِالْكُلِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بشركة وَقَوله: صِحَة مفعول باسم الْفَاعِل قبله، وَهَذَا الْقَيْد خَاص بشركة التَّجر، وَاحْترز بِهِ من شركَة غير التَّجر كَمَا إِذا خلطا طَعَاما للْأَكْل فِي الرّفْقَة فَإِن ذَلِك لَا يُوجب التَّصَرُّف الْمُطلق للْجَمِيع، وَضمير تصرفهما عَائِد على المالكين، وَذَلِكَ يدل على أَن كل وَاحِد وَكيل لصَاحبه فِي تصرفه فِي ملكه، فشركة الْإِرْث وَالْغنيمَة يدخلَانِ فِي الأول دون الثَّانِي، وَشركَة التَّجر تدخل فِي الثَّانِي دون الأول وهما معنى قَوْله على الْعَكْس، وَقَوله: وَشركَة الْأَبدَان لِأَن شركَة الْأَبدَان وَمَا شابهها يصدق عَلَيْهَا بيع مَالك كل الخ. لِأَن كل وَاحِد بَاعَ بعض مَنَافِعه بِبَعْض مَنَافِع الآخر مَعَ كَمَال التَّصَرُّف، وَأما عوض ذَلِك فَيدْخل تَحت أعمها وَلَيْسَ فِيهِ تصرف. تَنْبِيه: قَالَ الرصاع: وَفِي استثنائه شركَة التَّجر نظر لِأَن فَائِدَة الْأَعَمّ أَن يكون صَادِقا على الْأَخَص فَهِيَ دَاخِلَة فِيهِ وَإِن لَا لم يكن فِيهِ عُمُوم اه. وَعَلِيهِ فَلَو خذف قَوْله ملكا فَقَط كَانَ أولى وَالشَّرِكَة تلْزم بِالْعقدِ على الْمَشْهُور، فالتبرع وَالْهِبَة وَالسَّلَف من أَحدهمَا للْآخر بعد العقد جَائِز، وَكَذَا فِي العقد إِن قصد الرِّفْق بِصَاحِبِهِ فَفِي الْمُتَيْطِيَّة، وَإِن تشاركا على أَن أخرج أَحدهمَا مَالا وأسلف الآخر نصفه ليعملا بِهِ، أَو أخرج أَحدهمَا مَالا وَالْآخر أقل مِنْهُ فأسلفه الأول حَتَّى اسْتَويَا
стр. 997
ليعملا بِهِ وَيكون الرِّبْح والوضيعة بَينهمَا بِحَسب ذَلِك، فَإِن كَانَ أسلفه رفقا بِهِ وطلباً للثَّواب من عِنْد الله تَعَالَى أَو صلَة لقرابة مِنْهُ لَا لحَاجَة إِلَيْهِ وَلَا لقُوَّة تبصر بالتجر ونفاذه فِيهِ أَكثر مِنْهُ وَلَا لشرط كَانَ بَينهمَا، فَفِي ذَلِك عَن مَالك رِوَايَتَانِ الْجَوَاز، وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم وَالْأُخْرَى الْكَرَاهَة وَإِن كَانَ على غير ذَلِك لم يجز لِأَنَّهُ سلف جر نفعا اه. وَلما نقل (ق) الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ: فمقتضاه أَن مَالِكًا مرّة قَصده وَمرَّة اتهمه، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله فَذَلِك جَائِز إِذا قصد الرِّفْق بِهِ اه. وعَلى الْجَوَاز إِذا قصد الرِّفْق بِهِ اقْتصر (ز) عِنْد قَول (خَ) : وَله التَّبَرُّع وَالسَّلَف وَالْهِبَة بعد العقد عَلَيْهِ، فَقَوْل الْمُتَيْطِيَّة وَلَا لشرط كَانَ بَينهمَا الخ. لَو حذفه كَانَ أولى لِأَن مَوْضُوع كَلَامه ذَلِك كَانَ على الشَّرْط. وَذكر النَّاظِم للشَّرِكَة أَرْبَعَة أَقسَام فَقَالَ: شَرِكَةٌ فِي مالٍ أَوْ فِي عَمَلِ أَوْ فيهمَا تَجُوزُ لَا لأَجَلِ (شركَة فِي مَال) وتحتها ثَلَاثَة أَقسَام شركَة مُضَارَبَة وَهِي الْقَرَاض مَأْخُوذَة من الضَّرْب فِي الأَرْض، وَسَتَأْتِي فِي الْفَصْل بعد هَذَا، وَشركَة مُفَاوَضَة وَهِي أَن يُطلق كل مِنْهُمَا التَّصَرُّف لصَاحبه فِي المَال الَّذِي أَخْرجَاهُ غيبَة وحضوراً وبيعاً وَشِرَاء وضماناً وتوكيلاً وكفالة وقراضاً، فَمَا فعل أَحدهمَا من ذَلِك لزم صَاحبه إِذا كَانَ عَائِدًا على شركتهما، وَلَا يكونَانِ شَرِيكَيْنِ إِلَّا فِيمَا يعقدان عَلَيْهِ الشّركَة من أموالهما دون مَا ينْفَرد بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا من مَاله وَسَوَاء اشْتَركَا فِي كل مَا يملكانه أَو فِي بعض أموالهما وَتَكون يَد كل مِنْهُمَا كيد صَاحبه وتصرفه كتصرفه مَا لم يتَبَرَّع بِشَيْء قَالَه فِي الْجَوَاهِر. وَسَوَاء تفاوضا فِي جَمِيع أَنْوَاع المتاجر أَو فِي نوع وَاحِد مِنْهَا كرقيق يتفاوضان فِي التِّجَارَة فِيهِ فَقَط، وَسَوَاء أَيْضا عين كل مِنْهُمَا لصَاحبه نوعا أَو شَيْئا يعْمل فِيهِ أم لَا، وَلكُل مِنْهُمَا أَن يَبِيع بِالدّينِ وَيَشْتَرِي فِيهِ وَيلْزم ذَلِك صَاحبه (خَ) : ثمَّ إِن طلقا التَّصَرُّف وَإِن بِنَوْع فمفاوضة وَلَا يُفْسِدهَا انْفِرَاد أَحدهمَا بِشَيْء من المَال غير مَال الشّركَة يعْمل فِيهِ لنَفسِهِ، وَلكُل مِنْهُمَا أَن يتَبَرَّع إِن استلف أَو خف ويبضع ويقارض وَيقبل وَيُؤَدِّي ويولي وَيقبل الْمَعِيب وَإِن أَبى الآخر، ويقر بدين لمن لَا يتهم عَلَيْهِ وَبيعه بدين لَا الشِّرَاء بِهِ الخ. لَكِن مَا ذكره من عدم الشِّرَاء بِالدّينِ خلاف الْمَذْهَب كَمَا مر، أما إِن لم يُطلق كل مِنْهُمَا التَّصَرُّف للْآخر بل شرطا أَن لَا يتَصَرَّف وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِحَضْرَة صَاحبه وموافقته فَهِيَ شركَة الْعَنَان لِأَن كل مِنْهُمَا أَخذ بعنان صَاحبه أَي بناصيته وَهِي جَائِزَة (خَ) : وَإِن شرطا نفي الاستبداد فعنان الخ. وَعَلِيهِ فَلَا يمْضِي فعل أَحدهمَا فِي شَيْء مِمَّا مر أَو غَيره إلاَّ بموافقة صَاحبه، وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّالِث من أَقسَام شركَة المَال. قَالَ فِي النِّهَايَة: وَلَا يكون الرجل شَرِيكا للرجل إِلَّا إِذا شَاركهُ فِي رِقَاب الْأَمْوَال على الإشاعة، وَأما إِن لم يُشَارِكهُ فِي رِقَاب الْأَمْوَال فَلَيْسَ بِشريك وَإِنَّمَا هُوَ خليط اه.
стр. 998
تَنْبِيه: إِذا أَقَامَ أَحدهمَا بَيِّنَة أَنه شَرِيكه فِيمَا بأيديهما وَلم تزد، فَإِن لم يكن هُنَاكَ عرف يصرفهما للمفاوضة أَو الْعَنَان فَالْحق أَنه لَا يتَصَرَّف وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بعد مُرَاجعَة صَاحبه واتفاقهما على تَخْصِيص أَو تَعْمِيم لِأَن الشّركَة تَوْكِيل، وَإِذا قَالَ: وَكلتك فَقَط فَالْمَشْهُور عدم اعْتِبَارهَا حَتَّى يخصص أَو يعمم، وَانْظُر عدم صِحَة هَذِه الشَّهَادَة عِنْد قَول النَّاظِم: وغالب الظَّن بِهِ الشَّهَادَة الخ. وَحَاصِله أَن الْمسَائِل ثَلَاث: تَارَة تشهد الْبَيِّنَة بِأَنَّهُمَا متفاوضان وَقد تقدم الْكَلَام فِي الْمحل الْمَذْكُور على صِحَة هَذِه الشَّهَادَة وَعدم صِحَّتهَا. وعَلى صِحَّتهَا فالشركة عَامَّة فِي جَمِيع مَا بأيديهما إِلَّا مَا قَامَت بَيِّنَة بِمُوجب الِاخْتِصَاص بِهِ، وَتارَة تشهد بِأَنَّهُمَا شريكان فِيمَا بأيديهما فَهِيَ كالأولى، وَتارَة تشهد بِأَنَّهُمَا شريكان وَلم تزد، وَهَذِه على تَقْدِير صِحَّتهَا وَبَيَان مُسْتَند علمهَا فِيهَا لَا تعم جَمِيع مَا بأيديهما لِأَن ذَلِك يَقع على بعض المَال وعَلى جَمِيعه قَالَه اللَّخْمِيّ. وَحِينَئِذٍ فَإِذا أنكر أَحدهمَا هَذِه الشَّهَادَة الثَّالِثَة جرى على مَا تقدم فِي قَوْله: وَمن لطَالب بِحَق شَهدا الخ. وَانْظُر شرحنا للشامل عِنْد قَوْله: وَلَو شهِدت بَيِّنَة بمفاوضة شَمل مَا بأيديهما الخ. تَتِمَّة: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: إِن تَسَاويا فِي المَال وَالْعَمَل على أَن يكون لأَحَدهمَا فضل من الرِّبْح لم يجز، وَكَذَلِكَ إِن تَسَاويا فِيهِ أَو تفاضلا على أَن يكون الْعَمَل على أَحدهمَا فَلَا يجوز ويقسمان الرِّبْح والوضيعة على قدر أموالهما وَيرجع الْعَامِل على الآخر بِأَجْر عمله فِي حَظه وَإِن تفاضلا فِي المَال ليَكُون الْعَمَل بَينهمَا على السوَاء لم يجز ويقتسمان المَال على مَا ذكرنَا، وللقليل المَال الرُّجُوع على الآخر بِفضل عمله وَلَا يضم للْآخر نصف مَا فَضله بِهِ وَلَيْسَ بمسلف لِأَن ربحه لرَبه، وَإِن خسر المَال كُله وركبهما دين فَذَلِك عَلَيْهِمَا أَيْضا بِقدر أموالهما إِلَّا على مَا شرطاه من الشَّرْط الْفَاسِد، وَإِن تَسَاويا فِي المَال وَجعل أَحدهمَا دَابَّة ليعْمَل الآخر عَلَيْهَا فِي جَمِيع المَال أَو ليعملا مَعًا فَلَا يجوز اه. وَهَذَا كُله من دخولهما على التَّفَاوُت فِي الشّركَة وَهُوَ لَا يجوز فِي مَال وَلَا فِي عمل، وَسَتَأْتِي علته فِي الْبَيْت بعده. وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وحيثما يَشْتَرِكَانِ فِي الْعَمَل الخ. (أَو) شركَة (فِي عمل) وَهِي شركَة الْأَبدَان وَسَيَأْتِي شَرط جَوَازهَا فِي قَول النَّاظِم: وحيثما يَشْتَرِكَانِ فِي الْعَمَل الخ. (أَو) شركَة (فيهمَا) أَي فِي المَال وَالْعَمَل مَعًا كَأَن يخرجَا مَالا ويشتريا بِهِ ثيابًا أَو جُلُودًا ويفصلانها ويخيطانها نعالاً أَو غفائر وَنَحْوهمَا ويبيعانها مخيطة ويشتريان بذلك الثّمن غَيرهَا وَهَكَذَا وَذَلِكَ كثير، وَلَا بُد حِينَئِذٍ من شُرُوط شركَة الْأَبدَان الْآتِيَة لِأَن هَذَا الْقسم مركب من شركَة الْأَبدَان وَشركَة المَال. وَقَوله: (تجوز) خبر عَن قَوْله شركَة وسوغه تعلق الْجَار بِهِ وَقَوله: (لَا لأجل) عطف على مُقَدّر أَي تجوز لغير أجل لَا لأجل، وَظَاهره أَنَّهَا إِن وَقعت لأجل فَهِيَ فَاسِدَة أَو يُقَال هِيَ صَحِيحَة، وَلَكِن لَا يلْزمه الْبَقَاء مَعَه إِلَى ذَلِك الْأَجَل وَهُوَ الظَّاهِر قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَالشَّرِكَة لَا تكون إِلَى أجل وَلكُل مِنْهُمَا أَن ينْحل عَن صَاحبه ويقاسمه فِيمَا بَين أَيْدِيهِمَا من ناض وعروض مَتى شَاءَ اه. وَنَحْوه قَول الْعَوْفِيّ: وَإِذا تفاصلا اقْتَسمَا مَا صَار بَينهمَا كَمَا لَو أخرج أَحدهمَا عينا وَالْآخر عرضا، فَإِذا تفاصلا كَانَ لكل وَاحِد
стр. 999
مِنْهُمَا نصف الْعين وَنصف الْعرض اه. وَذَلِكَ كُله يدل على أَن المفاصلة فِي الشّركَة لَا تحْتَاج إِلَى نضوض المَال خلاف قَول الأَجْهُورِيّ: لَو أَرَادَ أَحدهمَا المفاصلة وَامْتنع الآخر عمل بامتناعه حصل خلط أم لَا للزومها بِالْعقدِ، فَإِذا أَرَادَ نضوضه بعد الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن ينظر الْحَاكِم كالقراض اه. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال كَمَا هُوَ الظَّاهِر مَا للعوفي والمتيطي إِنَّمَا هُوَ مَعَ تراضيهما على المفاصلة، أَو مَبْنِيّ على أَنَّهَا لَا تلْزم بِالْعقدِ كَمَا هُوَ نَص الْمُقدمَات، وَمَا للأجهوري فِيمَا إِذا تنَازعا وَفِيمَا إِذا قُلْنَا تلْزم بِالْعقدِ وَالله أعلم. فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام وَالْقسم الأول الَّذِي هُوَ شركَة المَال تَحْتَهُ ثَلَاثَة أَنْوَاع كَمَا مرّ وَأَشَارَ للقسم الرَّابِع بقوله: وَفُسِخَتْ إنْ وَقَعَتْ عَلى الذِّمَمْ وَيَقْسِمَانِ الرِّبحَ حُكْمٌ مُلْتَزَمْ (وفسخها) أَي الشّركَة (إِن وَقعت على الذمم) جمع ذمَّة وَتقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وَالشَّرْح للذمة وصف قاما الخ. وَشركَة الذمم أَن يتعاقدا على أَن يشتريا بِلَا مَال أَو بِمَال قَلِيل ويتفقا على أَن مَا اشْتَرَاهُ كل مِنْهُمَا بِالدّينِ فربحه بَينهمَا وَالضَّمان عَلَيْهِمَا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: هِيَ بَاطِلَة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقُول لصَاحبه تحمل عني نصف مَا اشْتريت وأتحمل عَنْك نصف مَا اشْتريت، فَهُوَ ضَمَان بِجعْل إِلَّا أَن يجتمعا فِي شِرَاء سلْعَة مُعينَة حَاضِرَة أَو غَائِبَة فتبايعاها بدين، فَيجوز ذَلِك إِذا كَانَا حاضرين لِأَن الْعقْدَة وَقعت عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَإِن ضمن أَحدهمَا فَقَط عَن صَاحبه فَذَلِك جَائِز اه. وَقَوله: إِلَّا أَن يجتمعا الخ. هُوَ قَول (خَ) فِي الضَّمَان إِلَّا فِي اشْتِرَاء شَيْء بَينهمَا أَو بَيْعه كقرضهما على الْأَصَح (و) إِذا فسخت فَمَا كَانَ اشترياه مَعًا أَو أَحدهمَا (يقسمان الرِّبْح) الْحَاصِل فِيهِ والخسارة عَلَيْهِمَا. وَقَوله: (حكم مُلْتَزم) خبر عَن قَوْله: وفسخها. تَنْبِيهَات. الأول: قَالَ اللَّخْمِيّ: فَإِن كَانَ البَائِع عَالما بِهَذِهِ الشّركَة وَلم يعلم مَا عقداه كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذ الْحَاضِر مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثّمن، وَإِن لم يكن هُوَ الْمُتَوَلِي للشراء وَإِن كَانَ عَالما بفسادها لم يكن لَهُ ذَلِك وَأخذ هَذَا بِنصْف الثّمن وَلم يُطَالِبهُ بِمَا على صَاحبه، وَإِن لم يكن عَالما بِالشّركَةِ. وَإِن كَانَ الْحَاضِر الْمُوسر هُوَ الْمُتَوَلِي كَانَ للْبَائِع أَن يَأْخُذهُ بِجَمِيعِ الثّمن لِأَنَّهُ دخل على أَن الْمُبَايعَة مِنْهُ وَلم يدْخل مَعَه على أَنه وَكيل لغيره فِي النّصْف الآخر، وَإِن كَانَ الْحَاضِر الْمُوسر هُوَ الَّذِي لم يتول الشِّرَاء أَخذه بِنصْف الثّمن لَا أَكثر لِأَن البَائِع لما لم يعلم بِالشّركَةِ لم يدْخل على حمالَة هَذَا وَكَانَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ بِنصْف الثّمن لِأَنَّهُ ملك نصف سلْعَته. الثَّانِي: إِذا قَالَ رجل لآخر: اجْلِسْ فِي هَذَا الْحَانُوت تبيع فِيهِ وَأَنا أَشْتَرِي الْمَتَاع بوجهي وَالضَّمان عَليّ وَعَلَيْك فَإِنَّهُ لَا يجوز، فَإِن وَقع فَالرِّبْح لَهما على مَا تعاملا عَلَيْهِ وَيَأْخُذ أَحدهمَا من
стр. 1000
صَاحبه أُجْرَة مَا يفضله بِهِ فِي الْعَمَل وَالضَّمان عَلَيْهِمَا لِأَن الرِّبْح تَابع للضَّمَان، فَإِن اشْترط الضَّمَان على الْجَالِس وَحده فَالرِّبْح لَهُ وَعَلِيهِ كِرَاء الْحَانُوت، وَإِن اشْترط الضَّمَان على ذِي الْحَانُوت فَالرِّبْح لَهُ وَعَلِيهِ كِرَاء الْجَالِس قَالَه ابْن رشد. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يجوز فِيهَا الدُّخُول على التَّفَاوُت (خَ) : وتفسد بِشَرْط التَّفَاوُت وَإِن وَقع فَلِكُل أجر عمله للْآخر وَعلة فَسَادهَا بِهِ الْخطر والقمار بِوُجُود الرِّبْح فيغبن صَاحب الْكثير وبعدمه فيغبن صَاحب الْقَلِيل لذهاب عمله بَاطِلا كَذَا لِابْنِ شَاس. وَعلله ابْن رشد بِأَن صَاحب الْكثير إِنَّمَا سمح بفضله رَجَاء الْبَقَاء مَعَه على الشّركَة، وَذَلِكَ لَا يلْزم صَاحبه فَكَانَ غرراً اه. قلت: وَفِي كلتا العلتين شَيْء لِأَنَّهُمَا دخلا على تَجْوِيز وجود الرِّبْح وَعدم وجوده وعَلى أَن صَاحبه يبْقى مَعَه أَو لَا يبْقى فَصَاحب الْفضل وَغَيره مجوز لذَلِك كُله، وَحِينَئِذٍ فَصَاحب الْفضل إِن قصد الرِّفْق بِصَاحِبِهِ كَمَا هِيَ عَادَة النَّاس جَازَ لَهُ ذَلِك كَمَا مر فِي السّلف، وَلَا سِيمَا على مَا عَلَيْهِ النَّاس من عدم تَقْوِيم الْأَعْمَال الَّتِي يعملها كل مِنْهُمَا. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده. الثَّالِث: بَقِي على النَّاظِم من أَقسَام الشّركَة شركَة الْوُجُوه وَشركَة الْجَبْر فَالْأولى هِيَ كَمَا قَالَ (خَ) : أَن يَبِيع وجيه من التُّجَّار يرغب النَّاس فِي الشِّرَاء مِنْهُ لاعتقادهم أَنه لَا يتجر إِلَّا فِي الْجيد من السّلع مَال خامل بِجُزْء من ربحه وَهِي بَاطِلَة لِأَنَّهَا إِجَارَة بِمَجْهُول وتسميتها شركَة مجَاز، فَإِن وَقعت فللوجيه جعل مثله، وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ مُخَيّر على مُقْتَضى الْغِشّ إِن كَانَت السّلْعَة قَائِمَة وَإِن فَاتَت فَفِيهَا الْأَقَل من الثّمن وَالْقيمَة قَالَه (ز) . قلت: وَلَوْلَا مَا فِي هَذِه الْإِجَارَة من الْغِشّ والتدليس لأمكن أَن يُقَال بجوازها ابْتِدَاء على مَا مرّ عَن ابْن سراج وَغَيره فِي بَاب الْإِجَارَة، وَأما إِذا قَالَ شخص لآخر دلّ على من يَشْتَرِي مني سلْعَة كَذَا وَلَك كَذَا فَإِنَّهُ جَائِز لَازم، قَالَه فِي الْعُتْبِيَّة مَا لم يكن على وَجه التحيل بَين الدَّال وَبَين بَائِعهَا فَيَأْتِي الدَّال بالمشتري ويوهم أَنه حَرِيص على شِرَائهَا وَيظْهر المكايسة وَهُوَ فِي الْبَاطِن على خلاف ذَلِك لتقدم الِاتِّفَاق مِنْهُ مَعَ بَائِعهَا على ذَلِك، فَإِذا انْصَرف المُشْتَرِي بالسلعة رَجَعَ الدَّال إِلَى البَائِع وَأخذ مِنْهُ الْجعل فَإِن ذَلِك لَا يجوز بِإِجْمَاع بِلَا شكّ لِأَنَّهُ مكر وخديعة، وَهَذَا كثير وُقُوعه فِي هَذَا الزَّمَان. وَأما الثَّانِيَة وَهِي شركَة الْجَبْر فَهِيَ جَائِزَة بشروطها الْمشَار لَهَا بقول (خَ) : وأجبر عَلَيْهَا أَن اشْترى شَيْئا بسوقه إِلَّا لكسفر أَو قنية وَغَيره حَاضر لم يتَكَلَّم من تجاره الخ. وَلَعَلَّ النَّاظِم إِنَّمَا تَركهمَا لِأَن شركَة الْوُجُوه من قبيل الْإِجَارَة وَشركَة الْجَبْر لَا عقد فِيهَا فتسميتها شركَة إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار الْمَآل وَالله أعلم. وَإن يَكُنْ فِي العَيْنِ ذَاكَ اعْتُمِدَا تَجُزْ إنِ الْجِنْسُ هُنَاكَ اتَّخَذَا (وَإِن يكن فِي الْعين ذَاك) الِاشْتِرَاك فَهُوَ اسْم يكن، وَفِي الْعين مُتَعَلق بقوله (اعتمدا) وَالْجُمْلَة خَبَرهَا وَفِي بِمَعْنى الْبَاء (تجز) بِالْجَزْمِ جَوَاب الشَّرْط وحذفت واوه لالتقاء الساكنين وفاعله ضمير الشّركَة (إِن الْجِنْس) من الذَّهَب أَو الْفضة (هُنَاكَ اتحدا) بِأَن كَانَت بِفِضَّة من الْجَانِبَيْنِ
стр. 1001
أَو ذهب من الْجَانِبَيْنِ متفقين صرفا ووزناً وجودة ورداءة كَمَا لِابْنِ عَرَفَة، وَسَوَاء اتّحدت سكتهما أم لَا كهاشمية ودمشقية ومحمدية ويزيدية مَعَ اتِّفَاقهمَا فِيمَا ذكر، فَإِن اخْتلفَا فِي وَاحِد من الصّرْف وَمَا مَعَه لم يجز لدخولهما على التَّفَاوُت إِلَّا أَن يكون يَسِيرا على الْمَشْهُور، وَظَاهر النّظم هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي أَنه لَا يشْتَرط السَّلامَة من التَّفَاوُت فِي الشّركَة حَيْثُ سلما من رَبًّا الْفضل وَالنِّسَاء فِي الطَّعَام وَالْعين، وَهُوَ الْمُوَافق لما تقدم فِي الْمُزَارعَة من أَنه لَا يشْتَرط السَّلامَة من التَّفَاوُت على الْمَعْمُول بِهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا مر قَرِيبا من أَنه إِذا قصد الرِّفْق بالسلف فِي العقد جَازَ فالهبة والتفاوت فِي الْعَمَل كَذَلِك، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون الشّركَة بيع من الْبيُوع كَمَا تقدم فِي حد ابْن عَرَفَة: وَهُوَ يجوز فِيهِ الْغبن، وَهبة بعض الثّمن أَو بعض الْمُثمن، وَمَفْهُوم الشَّرْط فِي النّظم أَنه إِذا كَانَ الذَّهَب من جَانب وَالْفِضَّة من الآخر أَو ذهب وَفِضة من كل جَانب لم تجز، وَهُوَ كَذَلِك فِي الأول لِأَنَّهَا شركَة وَصرف وهما لَا يَجْتَمِعَانِ كَمَا مر صدر الْبيُوع، وَأَجَازَ ذَلِك أَشهب وَسَحْنُون وَقَالَ: إِنَّمَا يمْنَع الصّرْف مَعهَا إِذا كَانَ خَارِجا عَن ذَاتهَا لَا إِن كَانَ دَاخِلا فِي ذَاتهَا كَمَا هُنَا فَيجوز ابْن الْمَوَّاز وَهُوَ غلط. وَمَا علمت من أجَازه لِأَنَّهُ صرف لَا يبين بِهِ صَاحبه لبَقَاء يَد كل مِنْهُمَا فَإِن وَقع وَعَملا فَلِكُل رَأس مَاله ويقتسمان الرِّبْح لكل عشرَة من الدَّنَانِير دِينَار، وَلكُل عشرَة دَرَاهِم دِرْهَم والخسر كَذَلِك قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، وَأما الثَّانِي وَهُوَ ذهب وَفِضة من كل جَانب فَلَا خلاف فِي الْجَوَاز قَالَه ابْن عبد السَّلَام وَغَيره. وَالْمرَاد أَن كلا مِنْهُمَا أخرج من الذَّهَب بِقدر ذهب الآخر وَمن الْفضة كَذَلِك، وإلاَّ لم يجز لوُجُود الصّرْف الْمَذْكُور (خَ) : كاشتركنا بذهبين أَو ورقين اتّفق صرفهما أَو بهما مِنْهُمَا الخ. فَفِي مَفْهُوم الشَّرْط تَفْصِيل كَمَا ترى. وَبالطَّعَامِ جَازَ حَيْثُ اتَّفَقَا وهوَ لمالِكٍ بِذَاكَ مُتَّقَى (وبالطعام) مُتَعَلق بقوله (جَازَ) أَي وَجَاز الِاشْتِرَاك بِالطَّعَامِ من كل جَانب (حَيْثُ اتفقَا) أَي الطعامان جِنْسا وَصفَة وَكيلا وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم قِيَاسا مِنْهُ على جَوَازهَا بِالدَّنَانِيرِ من الْجَانِبَيْنِ بِجَامِع حُصُول المناجزة حكما لَا حسا، فَكَمَا اغتفر هَذَا فِي الدَّنَانِير من الْجَانِبَيْنِ أَو الدَّرَاهِم كَذَلِك يغْتَفر فِي الطعامين كَذَلِك، ومنعها مَالك بِالطَّعَامِ مُطلقًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (وَهُوَ) أَي الِاشْتِرَاك (لمَالِك بِذَاكَ) الطَّعَام مُتَّفقا جِنْسا وَكيلا أَو مُخْتَلفا (متقى) خبر عَن الضَّمِير، والمجروران يتعلقان بِهِ وَاللَّام بِمَعْنى (عِنْد) كَقَوْلِه تَعَالَى: أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٨) وَعلة
стр. 1002
الْمَنْع عِنْده أَنه يدخلهَا بيع الطَّعَام قبل قَبضه لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ نصف طَعَامه بِنصْف طَعَام صَاحبه وَلم يَجْعَل قبض لبَقَاء يَد كل وَاحِد على مَا بَاعَ، فَإِذا باعا لأَجْنَبِيّ يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بَائِعا للطعام قبل قَبضه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ توالى عَلَيْهِ عقدتا بيع لم يتخللهما قبض قَالَه عبد الْحق. ابْن يُونُس: وَهُوَ الْأَصَح، وَعَلِيهِ درج (ح) إِذْ قَالَ: لَا بِذَهَب من جَانب وورق من الآخر وبطعامين وَلَو اتفقَا، وَظَاهر النّظم أَن الأول هُوَ الْمُعْتَمد عِنْده لتصديره بِهِ ويرشحه جَوَازهَا حَتَّى عِنْد مَالك بِطَعَام من جَانب وَعرض أَو عين من الآخر مَعَ أَن عِلّة بيع الطَّعَام قبل قَبضه مَوْجُودَة فِيهِ قَالَه أَبُو الْحسن. وَمَفْهُوم قَوْله: حَيْثُ اتفقَا أَنه إِذا اخْتلف الطعامان جِنْسا أَو صفة لم تجز اتِّفَاقًا من مَالك وَابْن الْقَاسِم وَهُوَ كَذَلِك، وأجازها سَحْنُون حَيْثُ اتفقَا قيمَة وَكيلا جَريا مِنْهُ على مذْهبه من جَوَازهَا بِالدَّنَانِيرِ من جَانب وَالدَّرَاهِم من الآخر. تَنْبِيهَانِ. الأول: الشّركَة فِي الأجباح مَمْنُوعَة اتِّفَاقًا لما فِيهَا من الْعَسَل فيدخلها التَّفَاضُل قَالَه الغرناطي، وَكَذَا قسمتهَا لَا تجوز إِن كَانَ فِيهَا عسل وإلاَّ فَتجوز، وَكَانَ ابْن عَرَفَة يَقُول: إِن الْعَسَل الَّذِي يَكْفِي النَّحْل لَا عِبْرَة بِهِ مُطلقًا. الثَّانِي: إِذا فَسدتْ الشّركَة بالطعامين فرأس مَال كل مِنْهُمَا مَا بيع بِهِ طَعَامه إِذْ هُوَ فِي ضَمَانه حَتَّى يُبَاع، وَلَو خلطاه قبل البيع جعلت رَأس المَال قيمَة طَعَام كل وَاحِد يَوْم خلطاه وبقدر ذَلِك يكون الرِّبْح والوضيعة قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة. وَجَازَ بالعَرْضِ إذَا مَا قُوِّما مِنْ جِهَةٍ أَوْ جِهَتَيْنِ فاعْلَمَا (وَجَاز) الِاشْتِرَاك (بِالْعرضِ إِذا مَا) زَائِدَة (قوما) حَال كَونه (من جِهَة) فَقَط ويقابله من الْأُخْرَى عين أَو طَعَام وبقدر قيمَة الْعرض وَالطَّعَام يكون الْعَمَل وَالرِّبْح والخسر (أَو) بِالْعرضِ من (جِهَتَيْنِ فاعلما) وَرَأس مَال كل مَا قوم بِهِ عرضه أَو طَعَامه يَوْم أحضر الِاشْتِرَاك بِهِ إِن صحت شركتهما، وَإِلَّا فَلَا تعْتَبر يَوْم الْإِحْضَار بل يَوْم البيع إِذْ كل لَا زَالَ على ملك ربه وَفِي ضَمَانه إِلَى يَوْم البيع فَإِذا قوم فِي الصَّحِيحَة أَو بيع فِي الْفَاسِدَة عرض هَذَا بِعشْرين وَعرض هَذَا أَو طَعَامه بِعشْرَة، فالشركة بَينهمَا على الثُّلُث والثلثين وبقدر ذَلِك يكون الْعَمَل وَالرِّبْح والخسر، وَسَوَاء دخلا على قيمَة الْعرض فِي الصَّحِيحَة أَو سكتا عَنْهَا فَالْعِبْرَة بِقِيمَتِه يَوْم الْإِحْضَار، وَلَا تفْسد الشّركَة بِالسُّكُوتِ عَنْهَا قَالَه فِي المعونة فَإِن لم يعرف مَا بيع بِهِ فِي الْفَاسِدَة فَتعْتَبر قِيمَته يَوْم البيع قَالَه ابْن يُونُس. وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: فَإِن تشاركا على التَّسَاوِي وَقبل التَّقْوِيم فَلَمَّا قوم سلعهما تفاضلت قيمتهَا فَإِن لم يعملا أَخذ كل وَاحِد سلْعَته وانفسخت الشّركَة وَإِن عملا بعد فَوَات سلعهما فرأس مَال كل مَا بيع بِهِ سلعه وَالرِّبْح والوضيعة بِحَسب ذَلِك، وَيرجع الْقَلِيل مِنْهُمَا على الآخر بِفضل عمله وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي فضل سلع صَاحبه لِأَنَّهُ لم يَقع بَينهمَا فِي ذَلِك الْفضل بيع أَي شركَة اه.
стр. 1003
كَذَا طَعَامُ جِهَةٍ لَا يَمْتَنعْ وَعَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ لدَى الأُخْرَى وُضِعْ (كَذَا طَعَام جِهَة لَا يمْتَنع وَعين أَو عرض لَدَى الْأُخْرَى) يتَعَلَّق بقوله: (وضع) أَي لَا يمْتَنع وضع طَعَام من جِهَة وَوضع عين أَو عرض من الْأُخْرَى وَلم يقل وضعا بِأَلف التَّثْنِيَة لِأَن الْعَطف بِأَو وَهُوَ لَا تجب فِيهِ الْمُطَابقَة. وَهَذَا الْبَيْت تكْرَار مَعَ قَوْله: وَجَاز بِالْعرضِ إِذا مَا قوما من جِهَة الخ (خَ) : عاطفاً على الْجَوَاز وبعين وَعرض وبعرضين مُطلقًا وكل بِالْقيمَةِ يَوْم أحضر لَا فَاتَ الخ. وَالمَالُ خَلْطُهُ وَوَضْعُهُ بِيَدْ وَاحِدٍ أَو فِي الاشْتِرَاكِ مُعْتَمَدْ (وَالْمَال) الَّذِي أخرجه كل مِنْهُمَا (خلطه) مُبْتَدأ ثَان (وَوَضعه) عطف عَلَيْهِ، وَالْوَاو بِمَعْنى (أَو) وَخَبره مُعْتَمد آخر الْبَيْت وَالْمعْنَى: أَن خلط الْمَالَيْنِ حسا بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز أحد الْمَالَيْنِ من الآخر، أَو حكما بِأَن يوضعا مَعًا (بيد وَاحِد) مِنْهُمَا أَو وَاحِد غَيرهمَا (أَو) وضعا مَعًا أَيْضا (فِي) مَحل (الِاشْتِرَاك) بَينهمَا بِأَن يجعلاهما فِي بَيت وَاحِد، وقفلا عَلَيْهِ بقفلين أَخذ أَحدهمَا مِفْتَاح أحد القفلين وَأخذ الآخر مِفْتَاح الآخر، وَأَحْرَى إِذا كَانَ قفلاً وَاحِدًا وبيد كل مِنْهُمَا مفتاحه (مُعْتَمد) أَي شَرط فِي حُصُول الضَّمَان مِنْهُمَا، فَإِذا خلطا حسا أَو حكما فالتالف مِنْهُمَا وَإِن لم يحصل خلط لَا حسا وَلَا حكما فالتالف من ربه وَمَا اشْترى بالسالم فبينهما على رب التَّالِف نصف ثمنه، فالخلط الْمَذْكُور شَرط فِي الضَّمَان مِنْهُمَا كَمَا قَررنَا لَا فِي الصَّحِيحَة لِأَنَّهَا صَحِيحَة مَعَ توفر شُرُوطهَا وَلَو لم يخلطا وَلَا فِي اللُّزُوم لِأَنَّهَا لَازِمَة بالْقَوْل (خَ) : ولزمت بِمَا يدل عرفا من قَول كاشتركنا أَو بِمَا يقوم مقَامه من فعل كخلط الْمَالَيْنِ وَالْعَمَل بهما، ثمَّ ذكر مَا هُوَ شَرط فِي الضَّمَان فَقَالَ: إِن خلطا وَلَو حكما وَإِلَّا فالتالف من ربه وَمَا ابتيع بِغَيْرِهِ فبينهما الخ. وَتقدم قَرِيبا أَنَّهَا وَإِن كَانَت لَازِمَة بالْقَوْل فَكل مِنْهُمَا لَهُ بعد الْعَمَل الانحلال لَا قبله فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بتراضيهما وَإِلَّا لم تكن فَائِدَة للزومها بالْقَوْل. تَنْبِيهَات. الأول: علم من كَون الشّركَة تَنْعَقِد بِمَا يدل عرفا أَن الْعم أَو الْأَخ إِذا كَانَ كل
стр. 1004
مِنْهُمَا مَعَ أَوْلَاد أَخِيه أَو مَعَ إخْوَته على مائدة وَاحِدَة يخدمون ويأكلون فهم كالمتفاوضين فَمَا اشْتَرَاهُ أحدهم من أصُول أَو غَيرهَا باسم نَفسه يدْخل مَعَه غَيره، ويشاركه فِيهِ على قدر عمله إِن كَانَ المَال الْمُشْتَرى بِهِ نَشأ عَن أَيْديهم، أَو على قدر نصِيبه فِي المَال إِن كَانَ الْمُشْتَرى بِهِ مَالا موروثاً وَنَحْو ذَلِك. وَهَذَا إِذا كَانُوا كلهم رشداء أَو فيهم صَغِير يُمَيّز معنى الشّركَة وَوَقع مِنْهُ مَا يدل على الرِّضَا بهَا، إِلَّا أَنه يُخَيّر بعد رشده فِي إِمْضَاء الشّركَة أَو أَخذ حَظه من المَال الْوَاقِع بِهِ الشِّرَاء، وَأما من لم يُمَيّز أصلا فَإِنَّهُ لَا حق لَهُ فِي المُشْتَرِي وَإِنَّمَا لَهُ واجبه من الثّمن الْمُشْتَرى بِهِ إِلَّا أَن يكون المُشْتَرِي أدخلهُ مَعَه فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّهُ يُخَيّر بعد رشده فِي قبُول ذَلِك أَو أَخذ واجبه من المَال، وَذَلِكَ لِأَن الشّركَة عقد لَا يَصح إِلَّا من أهل التَّوْكِيل والتوكل، وَالَّذِي لم يُمَيّز لم يَقع مِنْهُ عقد وَلَا مَا يدل عَلَيْهِ قَالَه سَيِّدي أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب حَسْبَمَا نَقله العلمي. وَوَجهه ظَاهر خلاف مَا فِي المعيار عَن التازغدري آخر الْوَصَايَا مِنْهُ من أَن القَوْل قَوْله فِي شِرَاء الْأَمْلَاك لنَفسِهِ بِمَالِه الْخَاص بِهِ، وَنَحْوه فِي نَوَازِل الدَّعَاوَى مِنْهُ، ثمَّ مَا تقدم من أَن الشّركَة تكون فِيمَا نَشأ عَن أَيْديهم على قدر أَعْمَالهم هُوَ الصَّوَاب خلافًا لمن أطلق فِي ذَلِك، إِذْ لَيْسَ الْقوي كالضعيف وَلَا الصَّانِع كَغَيْرِهِ وَلَا خدمَة الْمَرْأَة كالذكر وَلَا من يرد أُوقِيَّة كمن يرد ثمنهَا قَالَه سَيِّدي أَحْمد الزواوي وَنَقله شَارِح الْعَمَل عِنْد قَوْله: وخدمة النِّسَاء فِي الْبَوَادِي الخ. وَهَذَا فِي المَال الْحَاصِل بِمُجَرَّد تكسبهم وَعمل أبدانهم، وَأما إِن كَانَ أصل المَال الَّذِي بَين أَيْديهم مَمْلُوكا لأَحَدهم فَقَط وَلكنه نما بخدمتهم وقيامهم عَلَيْهِ، فَإِن النَّمَاء لمَالِك الأَصْل وَعَلِيهِ أُجْرَة الْمثل لمن عداهُ اه. وَكَذَا الْوَلَد يقوم مَعَ أَبِيه سِنِين بعد بُلُوغه إِلَى أَن زوَّجه، وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة يتَوَلَّى الْحَرْث والحصاد وخدمة الْأَمْلَاك بِنَفسِهِ، ثمَّ افترق مِنْهُ وَأَرَادَ مقاسمته فِي الْأَمْلَاك فَلَيْسَ لَهُ شَيْء فِيهَا، وَإِنَّمَا لَهُ أجر عمله ويحاسبه أَبوهُ بِنَفَقَتِهِ وَكسوته وَبِمَا زوَّجه قَالَه الجلالي يَعْنِي: وَكَذَا يُحَاسب غير المتزوج من الْأُخوة المتزوج مِنْهُم بِنَفَقَة زَوجته وصداقها كَمَا قَالَ (خَ) : وَإِلَّا حسبا كانفرادهما بِهِ أَي بِالْإِنْفَاقِ وَالزَّوْجَة. الثَّانِي: إِذا كَانَ الابْن يقوم بِأُمُور أَبِيه ثمَّ مَاتَ الْأَب فاستظهر الابْن برسوم أَمْلَاك اشْتَرَاهَا باسم نَفسه إِن أثبت أَنه كَانَ لَهُ مَال، وَأَن أَبَاهُ كَانَ سلم لَهُ فِيهَا فَهِيَ لَهُ، وَإِن أثبت أَنه كَانَ لَهُ مَال فَقَط فَهِيَ لَهُ إِن حلف، وَإِن لم يثبت وَاحِد مِنْهُمَا فالجميع مِيرَاث قَالَه سَيِّدي يحيى وسيدي رَاشد. قلت: وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون الابْن لما كَانَ يقوم بِأُمُور أَبِيه فَهُوَ كَالْوَكِيلِ عَنهُ بِالْعَادَةِ فَلذَلِك إِذا لم يكن للِابْن مَال كَانَ الْجَمِيع مِيرَاثا. الثَّالِث: سُئِلَ سَيِّدي إِبْرَاهِيم بن هِلَال عَن أَخَوَيْنِ متفاوضين وَكَانَ أَحدهمَا مشارطاً على الْإِمَامَة ثمَّ أَرَادَ قسْمَة مَالهمَا فَأَرَادَ المشارط أَن يستبد بِجَمِيعِ مَا استفاده من الشَّرْط؟ فَأجَاب: مَذْهَب ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَغَيرهَا فِي المفاوض يُؤَاجر نَفسه فِي شَيْء أَنه يخْتَص بِهِ وَلَا يدْخل مَعَه شَرِيكه، وَقَالَ أَشهب وَأصبغ وَابْن حبيب: لَا يستبد بِهِ بل يكون بَينهمَا، وَرَأَوا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ملك مَنَافِع صَاحبه بالتفاوض، وَلم يرد ذَلِك ابْن الْقَاسِم وَلَا محيد عَن قَوْله ومذهبه، وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وَمن لَهُ تحرف إِن عمله الخ. قَالَ: وَإِذا تقرر ذَلِك فَهَل لِأَخِيهِ أجر عمله فِي غير ذَلِك مِمَّا عمله وفضله بِهِ من الْعَمَل أم لَا؟ صرح ابْن الْقَاسِم فِي الْمُوازِية أَنه لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ
стр. 1005
ذَلِك. وَقَالَ أصبغ: إِذا حلف أَنه لم يتَطَوَّع بِالْعَمَلِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقدر مَا بَاشر وَعمل مُفَاوَضَة حِين شغل نَفسه بِمَا آجرها فِيهِ. قَالَ بعض الْقرَوِيين: لِأَنَّهُ تطوع لَهُ بِالْعَمَلِ ظنا مِنْهُ أَنه يعْمل فِي المَال مثل مَا عمل، فَإِذا شغل مَنَافِعه فِيمَا انْتفع بِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحبه بِمَا عمله عَنهُ. قَالَ هَذَا الْقَرَوِي الْمَذْكُور: وَمَا قَالَه ابْن الْقَاسِم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا قصد أَن لَا يرجع بِمَا عمل وإلاَّ وَجب لَهُ الرُّجُوع اه. بِلَفْظِهِ. وَقَالَ الجلالي: إِذا غَابَ أحد الْأَخَوَيْنِ للْقِرَاءَة أَو الْحَج فَقدم وَقد وجد أَخَاهُ قد زَاد أملاكاً على مَا ترك عِنْده، فَإِنَّهُ يُشَارِكهُ فِي جَمِيعهَا حَيْثُ غَابَ وَلَيْسَ لَهما من المَال إِلَّا مَا هما مشتركان فِيهِ وَلَيْسَ لأَحَدهمَا مَال يخْتَص بِهِ اه. قلت: وَلَا يخفى أَنه يرجع الْحَاضِر عَلَيْهِ بِأُجْرَة عمله لما تقدم فِي الْكُلية الْمَذْكُورَة عِنْد قَوْله فِي الْإِجَارَة: وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ حَيْثُ يخْتَلف الخ. وَلَا يخرج عَن ذَلِك إِلَّا مَا علم أَنه للصلة حَسْبَمَا تقدم آخر بيع الْفُضُولِيّ. وَحَيْثُما يَشْتَرِكانِ فِي الْعَمَلْ فَشَرْطُهُ اتَّحَادُ شُغْلٍ وَمَحَلْ (وحيثما يَشْتَرِكَانِ فِي الْعَمَل) فَقَط (فشرطه) أَي الِاشْتِرَاك الْمَذْكُور (اتِّحَاد شغل) أَو تلازمه، فَالْأول كخياطين أَو حدادين أَو نجارين أَو صيادين، وَالثَّانِي ككون أَحدهمَا ينسج وَالْآخر يَدُور أَو يحول، أَو أَحدهمَا يغوص لطلب اللُّؤْلُؤ وَالْآخر يمسك ويقذف عَلَيْهِ، فَإِن لم يتحد شغلهما وَلَا تلازم كخياط ونجار لم يجز لِأَنَّهُ قد تكسد صَنْعَة أَحدهمَا فَيَأْخُذ مَال صَاحبه بِغَيْر حق. (و) شَرطه أَيْضا اتِّحَاد (مَحل) أَو تقاربه أَيْضا، فَلَو كَانَ أَحدهمَا يخيط فِي مَحل وَالْآخر يخيط فِي مَحل آخر، فَإِن تقاربت أسواقهما ومنافعهما أَو كَانَت يَد أَحدهمَا تجول فِي المحلين لقربهما جَازَت شركتهما، وَإِلَّا امْتنعت لِأَنَّهُ قد ينْفق أحد المكانين دون الآخر فَيَأْخُذ غَيره مَاله بِغَيْر حق وَظَاهره أَنه لَا يشْتَرط التَّسَاوِي فِي الْعَمَل بل يجوز، وَلَو كَانَت قيمَة عمل أَحدهمَا الثُّلثَيْنِ وَقِيمَة عمل الآخر الثُّلُث ودخلا على أَن مَا يحصل بَينهمَا نِصْفَانِ، وَهُوَ كَذَلِك على قَول من لَا يشْتَرط السَّلامَة من التَّفَاوُت فِي الشّركَة كَمَا مرَّ عِنْد قَوْله: وَإِن يكن فِي الْعين ذَاك اعتمدا الخ. وَعَلِيهِ تخرج شركَة الْعُدُول إِذْ كثيرا مَا يكْتب أَحدهمَا العقد وَلَا يعْمل فِيهِ غَيره إِلَّا الشَّهَادَة لعدم مَعْرفَته بكيفية تركيب فُصُول الْوَثِيقَة، وَكَذَا شركَة الطّلبَة فِي طلب الأسعار يذهب كل وَاحِد مِنْهُمَا لأندر أَو طلب الْمَعْرُوف من الدّور، وَانْظُر نَوَازِل الشّركَة من نوازلنا فَإِن أَبَا زيد الفاسي قَالَ: كل مَا جرى فِي الْمُزَارعَة يجْرِي فِي الشّركَة، وَأما على الْمَشْهُور من اشْتِرَاط عدم التَّفَاوُت فَلَا يجوز إِلَّا إِذا كَانَ كل وَاحِد يَأْخُذ مِمَّا يحصل بِقدر قيمَة عمله، وَعَلِيهِ درج (خَ) حَيْثُ قَالَ: وَجَازَت بِالْعَمَلِ إِن اتحدا أَو تلازما وتساويا فِيهِ أَو تقاربا وَحصل التعاون وَإِن بمكانين الخ. وَقَالَ قبل ذَلِك: وتفسد بِشَرْط التَّفَاوُت وَإِن وَقع فَلِكُل أجر عمله للْآخر الخ. وَقَوْلِي فِي الْعَمَل فَقَط إِشَارَة إِلَى أَنه يشْتَرط اتِّحَاد
стр. 1006
الشّغل وَالْمَكَان إِذا اشْتَركَا فِي صَنْعَة أَيْدِيهِمَا من غير احْتِيَاج لمَال يخرجانه، أَو كَانَا مُحْتَاجين لذَلِك. وَالْمَقْصُود عِنْدهمَا الصَّنْعَة لَا مَا يخرجانه من المَال، وَأما لَو كَانَت صَنْعَة أَيْدِيهِمَا تبعا وَالْمَقْصُود هُوَ التَّجر كَمَا لَو أخرجَا مَالا مُتَسَاوِيا ليعْمَل بِهِ هَذَا فِي صَنْعَة كَذَا وَهَذَا فِي صَنْعَة كَذَا، فَإِن ذَلِك جَائِز من غير اشْتِرَاط اتِّحَاد شغل وَلَا مَحل. تَنْبِيه: زَاد الغرناطي اتِّحَاد صنعتيهما فِي الْجَوْدَة فَقَالَ: وَشركَة الْأَبدَان تجوز بِخَمْسَة شُرُوط، أَن تكون الصَّنْعَة وَاحِدَة وحركتهما فِي السرعة والإبطاء وَاحِدَة وَكَذَلِكَ الْجَوْدَة والدناءة وَاحِدَة أَو مُتَقَارِبَة ويعملان فِي مَوضِع وَاحِد والآلة بَينهمَا على السوَاء اه. اللَّخْمِيّ: وَإِن تباينت صنعتاهما بالجودة والدناءة وَكَانَ أَكثر مَا يصنعانه ويستعملان فِيهِ الْأَدْنَى جَازَت الشّركَة لِأَن الْأَعْلَى يعْمل الْأَدْنَى وَلَا حكم للقليل، وَإِن كَانَ أَكثر مَا يدْخل إِلَيْهِمَا مَا يعمله الْأَعْلَى أَو كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا كثيرا لم تجز للغرر والتفاضل اه. قلت: وَهَذِه الشُّرُوط قَلما تجدها متوفرة فِي هَذَا الزَّمَان، وغالب عُقُود شركَة النَّاس الْيَوْم الْفساد لأَنهم لَا يقومُونَ عملا وَلَا غَيره، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: يغْتَفر لَهُم الدُّخُول على التَّفَاوُت على نَحْو مَا تقدم فِي الْمُزَارعَة كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَحَاضِرٌ يَأْخُذُ فَائِداً عَرَض فِي غَيْبَةٍ فَوْقَ الثَّلَاثِ أَوْ مَرَضْ (وحاضر يَأْخُذ فائداً عرض) وَحصل لَهُ ذَلِك الفائد (فِي غيبَة) صَاحب غيبَة (فَوق ثَلَاث أَو مرض) فَوق ثَلَاث أَيْضا كالعشرة أَيَّام وَمَا قاربها، وَمَفْهُوم فَوق ثَلَاث أَن الثَّلَاثَة وَمَا قاربها تلغى وَلَا يُحَاسب الْحَاضِر أَو الصَّحِيح الْغَائِب أَو الْمَرِيض بهَا، فالقريب اليومان وَالثَّلَاثَة والبعيد الْعشْرَة وَمَا بَينهمَا من الوسائط يرد مَا قَارب الْقَرِيب إِلَى الْقرب وَمَا قَارب الْبعيد إِلَى الْبعد قَالَ أَبُو الْحسن. وَظَاهر النّظم أَن الْحَاضِر وَالصَّحِيح يأخذان أُجْرَة مَا انفردا بِعَمَلِهِ فِي الْغَيْبَة وَالْمَرَض البعيدين وَلَا يرجع عَلَيْهِمَا الْغَائِب وَالْمَرِيض بِشَيْء، وَهُوَ كَذَلِك على مَا لِابْنِ يُونُس وَابْن سَلمُون وَهُوَ ظَاهر (خَ) حَيْثُ قَالَ: وأتى مرض كيومين أَو غيبتهما لَا إِن كثر الخ. وَلَكِن الرَّاجِح أَن للْغَائِب وَالْمَرِيض أَن يرجعا على الْحَاضِر، وَالصَّحِيح بحصتهما فِي الرِّبْح الزَّائِد على أجر عمل مثله كَمَا لَو قبضا ثوبا مثلا للخياطة بِعشْرَة وَغَابَ أَحدهمَا أَو مرض كثيرا فخاطه الآخر، فَإِذا
стр. 1007
قيل: أجر مثل هَذِه الْخياطَة أَرْبَعَة أَخذهَا وَتبقى سِتَّة يرجع عَلَيْهِ الْمَرِيض أَو الْغَائِب بِحِصَّتِهِ مِنْهَا، وَهُوَ ثَلَاثَة حَيْثُ كَانَت الشّركَة على النّصْف فَإِن لم يفضل شَيْء عَن أجر مثله فَلَا يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء، وَهَذَا إِذا قبضا الثَّوْب مَعًا ثمَّ مرض أَحدهمَا أَو غَابَ كثيرا وَمثله إِذا قبله أَحدهمَا مَعَ وجود الآخر أَو فِي مَرضه أَو غيبته القريبين أما مَا قبله أَحدهمَا بعد طول غيبَة الآخر أَو مَرضه فَهِيَ لَهُ وَلَا يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء لِأَن الضَّمَان مِنْهُ وَحده كَمَا فِي ابْن يُونُس: فَإِن شرطا إِلْغَاء الطول فَسدتْ. وَالْحَاصِل أَن شَرِيكي الصَّنْعَة إِذا غَابَ أَحدهمَا أَو مرض يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَمَا قاربها على مَا مر، فالفائد بَينهمَا وَلَا شَيْء للحاضر أَو الصَّحِيح على الْغَائِب وَالْمَرِيض، وَسَوَاء مرض بعد أخذهما الْعَمَل أَو أَخذه الصَّحِيح بعد مَرضه، وَأما إِن قَبضه الْحَاضِر الصَّحِيح بعد طول مَرضه أَو غيبته فَهُوَ لِلْعَامِلِ مُطلقًا لِأَنَّهُ لَا ضَمَان بَينهمَا، وَأما إِن غَابَ أَو مرض بعد أَخذ المَال أَكثر من ثَلَاثَة وَمَا قاربها فالفائد بَينهمَا وَيرجع الْحَاضِر الصَّحِيح على شَرِيكه بِأَجْر مثله كَمَا مرّ، وَهل تلغى اليومان من الْعشْرَة أَو لَا؟ الرَّاجِح عدم الإلغاء، وَهَذَا فِي الصَّحِيحَة، وَأما فِي الْفَاسِدَة بِاشْتِرَاط إِلْغَاء الطول فَمن عمل شَيْئا يخْتَص بِهِ وَإِن كَانَ الْفساد بِغَيْر مَا ذكر فالرجوع على من لم يعْمل مُطلقًا والفائد بَينهمَا، وَكَذَلِكَ فِي شركَة الْأَمْوَال فالرجوع بالطويل وَغَيره صَحَّ من شرح ابْن رحال. وَهَذَا كُله فِي الشُّرَكَاء فِي الْعَمَل من صبغ وخياطة وَنَحْوهمَا، وَأما الأجراء فَلَيْسَ حكمهم كَذَلِك، فَإِذا اسْتَأْجر أجيرين لحفر بِئْر مثلا فَمَرض أَحدهمَا وَعمل الآخر جَمِيع الْعَمَل فللآخر نصِيبه وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَطَوّع بِالْعَمَلِ عَنهُ قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة. وَهَذَا فِي غير المستأجرين مياومة وإلاَّ فَلَا يُشَارك غَائِب أَو مَرِيض غَيره مُطلقًا لِأَنَّهُ بِمُضِيِّ الْيَوْم انْقَطَعت إِجَارَة الْمَرِيض وَنَحْوه. وَمَنْ لَهُ تَحَرُّفٌ إنْ عَمِلَه فِي غَيْرِ وَقْتٍ تَجْرِهِ الفَائِدُ لَهْ (وَمن لَهُ) من الشَّرِيكَيْنِ مُفَاوَضَة (تحرف) أَي صَنْعَة (إِن عمله) أَي التحرف (فِي غير وَقت تجره) كليل أَو زمَان لَا يشتغلان فِيهِ بِالتِّجَارَة ف (الفائد) أَي مَا حصله من الْأُجْرَة (لَهُ) يستبد بِهِ (خَ) : واستبد آخذ قِرَاض أَو متجر بوديعة بِالرِّبْحِ والخسر الخ. يَعْنِي إِذا كَانَ لَا يشْغلهُ عَن الْعَمَل فِي الشّركَة، وَمَفْهُوم فِي غير وَقت تجر أَنه إِذا عمله فِي وَقت تجر فَإِن صَاحبه يرجع عَلَيْهِ بِأُجْرَة مَا عمله عَنهُ كَمَا مرَّ فِي التَّنْبِيه الثَّالِث، وَانْظُر كَلَام اللَّخْمِيّ عِنْد قَول الشَّامِل: واختف آخذ قِرَاض الخ. فرع: قَالَ فِي الذَّخِيرَة: إِذا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي حَيَوَان مثلا بميراث أَو غَيره لَا يجوز لأَحَدهمَا أَن يتَصَرَّف إِلَّا بِإِذن شَرِيكه فَلَو بَاعَ نصِيبه وَسلم الْجَمِيع للْمُشْتَرِي بِغَيْر إِذن شَرِيكه كَانَ ضَامِنا
стр. 1008
على مُقْتَضى الْقَوَاعِد، وَبِه أفتى شُيُوخنَا من الشَّافِعِيَّة لِأَن أحسن أَحْوَاله أَن يكون كَالْمُودعِ فِي الْأَمَانَة، وَهَذَا إِذا وضع يَد الْأَجْنَبِيّ يضمن لتعديه. فَإِن قيل: يلْزم عدم صِحَة البيع لعدم قدرته على التَّسْلِيم. قُلْنَا: إِن كَانَ شَرِيكه حَاضرا سلم الْمَبِيع لَهُ وَتَقَع الْخُصُومَة بَينه وَبَين المُشْتَرِي، أَو غَائِبا رفع أمره إِلَى الْحَاكِم يَأْذَن لَهُ فِي البيع وَوضع مَال الْغَائِب تَحت يَده اه. قلت: قَوْله: وَتَقَع الْخُصُومَة الخ. يَعْنِي فِي ذَلِك الْحَيَوَان عِنْد من يكون وَمن يقوم بِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد أَن الَّذِي لم يبع يُنكر نصيب البَائِع حَتَّى يكون من بيع مَا فِيهِ خُصُومَة وَهُوَ مَمْنُوع على الْمَشْهُور كَمَا فهمه الشَّيْخ سَالم، وَفِي معاوضات المعيار: من بَاعَ نصف فرسه لرجل وسافر المُشْتَرِي عَلَيْهَا فعطبت فَهُوَ ضَامِن لنصف شَرِيكه إِلَّا أَن يُسَافر عَلَيْهَا بِإِذْنِهِ أَو جرت الْعَادة بَينهمَا أَن يُسَافر مثل ذَلِك السّفر فَلَا ضَمَان اه.
(فصل فِي الْقَرَاض)
بِكَسْر الْقَاف مَأْخُوذ من الْقَرْض وَهُوَ مَا يجازى عَلَيْهِ الرجل من خير أَو شَرّ، لِأَن المتقارضين قصد كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى مَنْفَعَة الآخر فَهُوَ مقارضة من الْجَانِبَيْنِ، وَقيل: من الْقَرْض وَهُوَ الْقطع لِأَن رب المَال قطع من مَاله قِطْعَة دَفعهَا لِلْعَامِلِ بِجُزْء من الرِّبْح الْحَاصِل بسعيه، وَأهل الْعرَاق يسمونه مُضَارَبَة من قَوْله تَعَالَى: وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ (المزمل: ٢٠) ابْن عَرَفَة: وَهُوَ تَمْكِين مَال لمن يتجر بِهِ بِجُزْء من ربحه لَا بِلَفْظ إِجَارَة فَيدْخل بعض الْفَاسِد كالقراض بِالدّينِ والوديعة وَيخرج عَنهُ قَوْلهَا: من أعْطى رجلا مَالا يعْمل بِهِ على أَن الرِّبْح لِلْعَامِلِ وَلَا ضَمَان على الْعَامِل لَا بَأْس بِهِ اه. وَمرَاده بالتمكن الْإِذْن لَا الْإِعْطَاء بِالْفِعْلِ وإلاَّ لم يَشْمَل الْقَرَاض بِالدّينِ، وَأخرج بقوله: بِجُزْء من ربحه الأبضاع وَالْإِجَارَة، وَكَذَا الشّركَة لِأَن الرِّبْح فِي الشّركَة نَشأ عَن الْمَالَيْنِ فَلم يَأْخُذ كل مِنْهُمَا إِلَّا ربح مَاله. وَقَوله: لَا بِلَفْظ إِجَارَة أخرج بِهِ مَا إِذا قَالَ: آجرتك على التَّجر فِي هَذَا المَال بِجُزْء من ربحه فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد بذلك فَإِن عمل فَيجْرِي على الْإِجَارَة الْفَاسِدَة، وَيفهم من قَوْله: وَلَا ضَمَان على الْعَامِل الخ. أَنه إِذا لم ينف الضَّمَان عَنهُ وَلم يسمه قراضا فَإِن الضَّمَان يكون على الْعَامِل وَهُوَ كَذَلِك (خَ) : وَضَمنَهُ فِي الرِّبْح لَهُ إِن لم ينفه وَلم يسم قراضا الخ. وَقَرِيب من هَذَا التَّعْرِيف قَول النَّاظِم: إعْطَاءُ مالِ مَنْ بِهِ يُتَاجِرُ لِيَسْتَفِيدَ دَافِعٌ وَتَاجِرُ (إِعْطَاء مَال) من إِضَافَة الْمصدر لمفعوله الثَّانِي وكمل بِالْأولِ الَّذِي هُوَ قَوْله (من بِهِ يتاجر) وَاللَّام فِي (ليستفيد) لَام كي التعليلية (دَافع) فَاعل (وتاجر) عطف عَلَيْهِ.
стр. 1009
مِمَّا يُفَادُ فِيهِ جُزْءاً يُعْلَمُ هُو القِرَاضُ وَبِفعْلٍ يَلْزَمُ (مِمَّا) مُتَعَلق بيستفيد وَمَا وَاقعَة على الرِّبْح (يفاد) بِمَعْنى يحصل صلَة مَا أَو صفة (فِيهِ) مُتَعَلق بيفاد (جُزْءا) مَفْعُوله يَسْتَفِيد (يعلم) صفة لَهُ (هُوَ الْقَرَاض) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة خبر إِعْطَاء، وَالتَّقْدِير: إِعْطَاء مَال لمن يتجر بِهِ لأجل أَن يَسْتَفِيد ربه وَالْعَامِل من ربح يحصل فِيهِ جُزْءا مَعْلُوما كَنِصْف لكل مِنْهُمَا أَو ربع لِلْعَامِلِ وَالْبَاقِي لرَبه، وَنَحْو ذَلِك من الْأَجْزَاء هُوَ الْمُسَمّى بالقراض اصْطِلَاحا، وَلَك أَن تَقول: هُوَ إِعْطَاء مَال لمن يتجر بِهِ ليستفيد كل من ربحه جُزْءا مَعْلُوما وَأقرب مِنْهُ وأخصر لَو قَالَ: تَوْكِيل فِي تجر بِجُزْء علما من ربحه هُوَ الْقَرَاض فاعلما وَأَشَارَ بقوله: (وبفعل يلْزم) إِلَى أَنه من الْعُقُود الْجَائِزَة الَّتِي تلْزم بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَل لَا قبل الشُّرُوع فِيهِ بسفر أَو إِنْفَاق لِلْمَالِ فَلِكُل مِنْهُمَا فَسخه (خَ) : وَلكُل فَسخه قبل عمله وَإِن تزَود لسفر إِن لم يظعن وَإِلَّا فلنضوضه. وَلما كَانَ قَوْله إِعْطَاء مَال شَامِلًا للعروض وللعين الغائبة والجزاف نبه على أَن الْقَرَاض لَا يجوز بِشَيْء من ذَلِك فَقَالَ: وَالنَّقْدُ وَالحُضُورُ وَالتَّعْيِينُ مِنْ شَرْطِهِ وَيُمْنَعُ التَّضْمِينُ (والنقد) أَي الذَّهَب وَالْفِضَّة مسكوكين، وَمثل المسكوك التبر الَّذِي يتعامل بِهِ فَإِن كَانَ لَا يتعامل بِهِ وَوَقع وَنزل وَدفع التبر قراضا مضى بِالْعَمَلِ وَيرد مثله عِنْد المفاصلة إِن عرف وَزنه وإلاَّ فَيرد مَا بيع أَو مَا خرج فِي ضربه (والحضور) أَي كَون النَّقْد حَاضرا عِنْد العقد (وَالتَّعْيِين) لعدده أَو وَزنه إِن تعامل بِهِ وزنا (من شَرطه) أَي الْقَرَاض رَاجع للأمور الثَّلَاثَة، وَاحْترز بِالنَّقْدِ من الْقَرَاض بالعروض وَالطَّعَام فَإِنَّهُ لَا يجوز فَإِن وَقع فَلهُ أجر بَيْعه وقراض مثله فِي ربحه، وَمثل الْعرُوض الْفُلُوس إِلَّا أَن يكون التَّعَامُل بهَا كالنقد وَلَا يتَغَيَّر سعرها غَالِبا كَمَا عندنَا الْيَوْم فَيجوز وبالحضور من الْقَرَاض بِالدّينِ فَإِنَّهُ لَا يجوز سَوَاء كَانَ الدّين على الْعَامِل فَقَالَ: اعْمَلْ بِالدّينِ الَّذِي لي فِي ذِمَّتك قراضا أَو كَانَ على غَيره كَقَوْلِه: أَقبض الدّين الَّذِي لي على فلَان واعمل بِهِ قراضا، فَإِن وَقع فَفِي الْوَجْه الأول يسْتَمر دينا عَلَيْهِ وَالرِّبْح لَهُ والخسارة عَلَيْهِ، وَفِي الْوَجْه الثَّانِي يكون لَهُ أجر مثله فِي قَبضه وقراض مثله فِي ربحه، وبالتعيين من الْجزَاف كَمَا لَو دفع لَهُ صرة من الذَّهَب أَو الْفضة قراضا فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن الْجَهْل بِالْمَالِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْل بِالرِّبْحِ، وَهَذَا يُغني عَنهُ قَوْله فِيمَا مر جُزْءا يعلم الخ: فَإِن وَقع فَانْظُر هَل يصدق الْعَامِل فِي عدده أَو وَزنه وَيكون لَهُ قِرَاض مثله فِي ربحه كمن قَالَ: اعْمَلْ بِهَذَا المَال الَّذِي عدده كَذَا وَلَك جُزْء من ربحه، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن الْعَامِل أَمِين أَو لَا يصدق فِي عدده وَلَا وَزنه لِأَنَّهُ يتهم على أَن يجلب بذلك نفعا لنَفسِهِ فِي كَثْرَة الرِّبْح. (وَيمْنَع التَّضْمِين) أَي: لَا يجوز أَن يشْتَرط فِي العقد على الْعَامِل ضَمَان
стр. 1010
رَأس المَال إِذا تلف أَو خسر، أَو أَنه غير مُصدق إِن ادّعى ضيَاعه أَو تلفه، فَإِن وَقع فَالشَّرْط بَاطِل. وَقَوله مَقْبُول فِي التّلف والخسر. ابْن الْقَاسِم: وَيكون فِيهِ على قِرَاض الْمثل، وَمثل الشَّرْط مَا إِذا طاع الْعَامِل بِالضَّمَانِ قبل أَن يشرع لِأَن العقد غير لَازم فَهُوَ كاشتراطه فِي العقد، فَإِن طاع بعد الشُّرُوع فِي الْعَمَل فَفِي لُزُوم غرمه وَعَدَمه قَولَانِ لِابْنِ عتاب وَغَيره، ونظمها فِي اللامية فَقَالَ: وطوع بغرم فِي قِرَاض نعم وَلَا. ابْن رحال: وَيظْهر من إِيضَاح المسالك رُجْحَان عدم اللُّزُوم اه. قلت: بل هُوَ الْمُتَعَيّن لِأَنَّهُ هَدِيَّة مديان كَمَا يَقْتَضِيهِ قَول (خَ) فِي الْقَرَاض وَحرم هَدِيَّة لم يتَقَدَّم مثلهَا كرب الْقَرَاض وعامله وَلَو بعد شغل المَال على الْأَرْجَح. وَلَا يَسُوغُ جَعْلُهُ إِلَى أَجَلْ وَفَسْخُهُ مُسْتَوْجبٌ إذَا نَزَلْ (وَلَا يسوغ جعله) أَي الْقَرَاض (إِلَى أجل) كَقَوْلِه: اعْمَلْ بِهِ سنة من الْآن وَلَا تعْمل بِهِ بعْدهَا، أَو إِن جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو السّنة الْفُلَانِيَّة فاعمل بِهِ فَإِن وَقع فَلهُ قِرَاض مثله، وَأما إِن قَالَ لَهُ: لَا تعْمل بِهِ إِلَّا فِي الصَّيف أَو الشتَاء أَو موسم الْعِيد وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ وَإِن كَانَ فَاسِدا أَيْضا لَكِن الرَّاجِح أَن فِيهِ أُجْرَة الْمثل. وَالْفرق أَن أُجْرَة الْمثل فِي الذِّمَّة وقراض الْمثل فِي الرِّبْح كَمَا يَأْتِي. (وفسخه) أَي مَا ذكر من التَّضْمِين وَالْأَجَل وَعدم الْحُضُور والنقد وَالتَّعْيِين (مستوجب) بِفَتْح الْجِيم (إِذا) وَقع و (نزل) شَيْء من ذَلِك كَمَا مَّر. تَنْبِيهَات. الأول: قَالَ اللَّخْمِيّ: مَا أفْسدهُ الشَّرْط تفسده الْعَادة يَعْنِي لِأَنَّهَا كالشرط فَلَو أَخذ الْقَرَاض من عَادَته السّفر وَلَيْسَ شَأْنه التَّجر فِي الْمقَام فَاشْترى مَا يجلس بِهِ للتِّجَارَة لَكَانَ مُتَعَدِّيا، وَكَذَلِكَ إِذا أَخذ المَال بزاز صَاحب دكان فَاشْترى غير صَنعته وَمَا لَا يخزن لَكَانَ مُتَعَدِّيا. انْظُر مَا بَقِي من نَحْو هَذِه الْمسَائِل فِي شرحنا للشامل عِنْد قَوْله أَو قَالَ لَا تعامل إِلَّا فلَانا الخ. الثَّانِي: تقدم أَنه إِذا قَالَ لَهُ: إِن جَاءَ الشَّهْر الْفُلَانِيّ فاعمل فَهُوَ فَاسد وَمثله إِذا قَالَ: إِن وصلت الْبَلَد الْفُلَانِيّ فاعمل بِهِ (خَ) : أَو لَا يَشْتَرِي إِلَى بلد كَذَا الخ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّة: إِن شَرط عَلَيْهِ التَّجر فِي بلد معِين فَإِن كَانَ حَيْثُ عين الْقَرَاض وَكَانَ لَا يعْدم فِيهَا التَّجر لعظم الْبَلَد فَذَلِك جَائِز وإلاَّ فالمنع، فَإِن شَرط عَلَيْهِ الْخُرُوج لبلد يتجر فِيهِ فَيجوز أَيْضا فَإِن شَرط عَلَيْهِ هَل السّلع من بَلَده إِلَى بلد آخر للْبيع هُنَاكَ أَو يجلبها مِنْهُ فيبيعها بِبَلَدِهِ فلابن الْقَاسِم عَن مَالك الْمَنْع وَقَالَهُ ابْن حبيب. وروى أصبغ عَن ابْن الْقَاسِم فِي الْعُتْبِيَّة الْجَوَاز وَقَالَهُ ابْن الْمَاجشون اه. قلت: وعَلى رِوَايَة أصبغ عمل عَامَّة النَّاس الْيَوْم وَلَا يردهم عَن ذَلِك راد فَلَا يشوش عَلَيْهِم بِمذهب مَالك فِي الْمُدَوَّنَة، وَقد استظهر ابْن رحال رِوَايَة أصبغ الْمَذْكُورَة وَاحْتج لَهَا بِمَا يطول ذكره.
стр. 1011
الثَّالِث: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِن نهيته عَن شِرَاء سلْعَة فَالرِّبْح بَينهمَا والخسارة عَلَيْهِ وَحده لِأَنَّهُ فر بِالْمَالِ من الْقَرَاض حِين تعدى ليَكُون لَهُ ربحه، وَكَذَلِكَ إِن تسلف من المَال مَا ابْتَاعَ بِهِ سلْعَة لنَفسِهِ ضمن مَا خسر وَمَا ربح كَانَ بَينهمَا اه. وَيفهم من قَوْله: لِأَنَّهُ فرَّ بِالْمَالِ الخ. أَن من نَهَاهُ عَن التَّجر فِي بلد معِين فتجر فِيهِ فَالرِّبْح بَينهمَا والخسارة عَلَيْهِ وَيبقى النّظر فِيمَا إِذا سمى لَهُ بَلَدا وَسكت عَن غَيرهَا فَذهب الْعَامِل إِلَى غَيرهَا فَهَل مُجَرّد التَّسْمِيَة نهي عَن الْغَيْر وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ قَول الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْوكَالَة لَو قَالَ للْوَكِيل: بِعْ من زيد فَلَا يبع من غَيره لِأَن الْقَرَاض تَوْكِيل أَو لَا يكون ذَلِك نهيا عَن الْغَيْر كَمَا قَالُوا فِيمَن اكترى أَرضًا ليزرع فِيهَا صنفا سَمَّاهُ فَلهُ أَن يزرع فِيهَا غَيره مِمَّا هُوَ مثله أَو دونه لَا أضرّ مِنْهُ، وكما قَالُوا أَيْضا فِيمَن اكترى دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا شَيْئا سَمَّاهُ فَلهُ أَن يحمل مثله ودونه وَبِه كنت أَفْتيت. الرَّابِع: قَالَ ابْن عَرَفَة فِي الْوكَالَة: إِن تَأْخِير سلْعَة الْقَرَاض لما يُرْجَى لَهَا من السُّوق وَاجِب فَإِن بَاعَ قبله ضمن لِأَن مخصصات الْمُوكل مُعْتَبرَة اه. وَهُوَ معنى قَول (خَ) : هُنَاكَ تخصص وتقيد بِالْعرْفِ الخ. الْخَامِس: إِذا اخْتلفَا فِي تَعْجِيل بيع السّلْعَة وتأخيرها فَإِنَّهُ يعْتَبر مُعْتَاد وَقت بيع تِلْكَ السّلْعَة فِي ذَلِك الْبَلَد كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة (خَ) : وَإِن استنضه فالحاكم الخ. وَتقدم نَحْو هَذَا فِي الشَّرِيكَيْنِ. وَلَا يَجُوزْ شَرْطُ شَيْءٍ يُنْفَرَدْ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ وَإنْ يَقَعْ يُرَدْ (وَلَا يجوز) لأحد المتقارضين (شَرط شَيْء) لنَفسِهِ (ينْفَرد بِهِ) وَيخْتَص كدرهم وَنَحْوه (من الرِّبْح) وَالْبَاقِي بَينهمَا لِأَنَّهُ قد لَا يحصل فِي الرِّبْح إِلَّا ذَلِك الدِّرْهَم الْمُشْتَرط فَيذْهب عمل الْعَامِل بَاطِلا (وَإِن يَقع) ذَلِك الشَّرْط فَإِن الْقَرَاض (يرد) وَيفْسخ وَيكون لِلْعَامِلِ بعد الْعَمَل أجر مثله وَالرِّبْح لرب المَال وَالنُّقْصَان عَلَيْهِ، وَمثله مَا إِذا قلت لَهُ: بِعْ سلعتي فَمَا بعتها بِهِ من شَيْء فَهُوَ بيني وَبَيْنك، أَو قلت لَهُ فَمَا زَاد على مائَة فَهُوَ بَيْننَا فَذَلِك كُله لَا يجوز وَالثمن لَك وَله أجر مثله. قَالَ ابْن غَازِي فِي التَّكْمِيل: وَمن معنى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة تقوم ثَمَرَة الْحَائِط على المساقي أَو غَيره بِمِائَة مثلا وَيَقُول لَهُ: بِعْهُ وَمَا زَاد على الْقيمَة فبيننا مُنَاصَفَة أَو أَربَاعًا وَنَحْو ذَلِك، فَإِن ذَلِك لَا يجوز وللعامل أجر مثله اه. وَهَذِه تقع كثيرا فِي زيتون بلدنا فاس وعنبها وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ: جذ نخلي أَو انفض زيتوني وَلَك نصفه فَإِنَّهُ جَائِز كَمَا تقدم فِي الْجعل وَالْإِجَارَة، وَظَاهر النّظم عدم الْجَوَاز. وَلَو كَانَ الْمُشْتَرط مَعْلُوم الْجُزْئِيَّة كَقَوْلِه: لي دِينَار من كل عشرَة من الرِّبْح وَالْبَاقِي بَيْننَا نِصْفَانِ مثلا وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ يؤول الْأَمر فِي هَذَا الْمِثَال وَنَحْوه إِلَى أَن يكون للمشترط من الرِّبْح قل أَو أَكثر خَمْسَة أَجزَاء وَنصف وللعامل أَرْبَعَة أَجزَاء وَنصف قَالَه ابْن شَاس وَغَيره. وَلَا مَفْهُوم لقَوْله من الرِّبْح بل شَرط الِانْفِرَاد بِشَيْء من غَيره كَذَلِك ابْن الْمَوَّاز. قَالَ مَالك وَأَصْحَابه: لَا يجوز مَعَ الْقَرَاض شَرط سلف وَلَا بيع وَلَا كِرَاء وَلَا شَرط قَضَاء حَاجَة وَلَا كتاب
стр. 1012
صحيفَة وَلَا شَرط أَحدهمَا لنَفسِهِ شَيْئا خَالِصا، وَلَا أَن يُولى الْعَامِل شَيْئا وَلَا أَن يكافىء فِي ذَلِك، فَإِن نزل هَذَا كُله فالعامل أجِير إِلَّا أَن يسْقط الشَّرْط قبل الْعَمَل اه. وَقد ذكر النَّاظِم من شُرُوط الْقَرَاض ثَلَاثَة: النَّقْد والحضور وَالتَّعْيِين، وَمن الْمَوَانِع ثَلَاثَة: الضَّمَان وَالْأَجَل وَاشْتِرَاط شَيْء ينْفَرد بِهِ أَحدهمَا وَالشّرط مَا يطْلب وجوده وَالْمَانِع مَا يطْلب عَدمه، وَقد بَقِي عَلَيْهِ شُرُوط أخر وموانع أخر انظرها فِي (خَ) وَغَيره. وَالقَوْلُ قَوْلُ عَامِلٍ إنْ يُخْتَلَفْ فِي جُزْءِ القِراضِ أَوْ حَالِ التَّلَفْ (وَالْقَوْل قَول عَامل أَن يخْتَلف) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول (فِي جُزْء الْقَرَاض) بعد الْعَمَل كَمَا لَو قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي بِنصْف الرِّبْح. وَقَالَ الآخر: بِالثُّلثِ لشروط أَحدهمَا: إِن يشبه أشبه الآخر أم لَا. ثَانِيهَا: أَن يكون المَال كُله أَو ربحه فَقَط أَو الْحصَّة الَّتِي يدعيها مِنْهُ بِيَدِهِ أَو يَد نَائِبه أَو وَدِيعَة عِنْد أَجْنَبِي أَو عِنْد ربه بِأَن دَفعه لَهُ على وَجه الْإِيدَاع حَتَّى يقتسماه وَصدقه ربه أَو قَامَت بذلك بَيِّنَة. ثَالِثهَا: أَن يحلف على مَا يَدعِيهِ (خَ) : وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ فِي جُزْء الرِّبْح إِن ادّعى مشبهاً وَالْمَال بِيَدِهِ أَو وَدِيعَة وَإِن عِنْد ربه وَحلف ولربه إِن ادّعى الْأَشْبَه فَقَط الخ. فَإِن لم يشبها حلفا مَعًا وَوَجَب قِرَاض الْمثل. (أَو) يخْتَلف فِي (حَال التّلف) فَإِذا ادَّعَاهُ الْعَامِل وَادّعى ربه عَدمه فَالْقَوْل لِلْعَامِلِ اتِّفَاقًا بِيَمِينِهِ لِأَن ربه رضيه أَمينا وَلَو لم يكن أَمينا فِي الْوَاقِع، وَسَوَاء ادَّعَاهُ قبل الشّغل أَو بعده مَا لم يظْهر كذبه كدعواه التّلف يَوْم كَذَا فَتشهد الْبَيِّنَة أَنه ريء عِنْده بعد ذَلِك أَو دَعْوَاهُ التّلف وَهُوَ فِي رفْقَة لَا يخفى ذَلِك فِيهَا فَسئلَ عَن ذَلِك أهل الرّفْقَة فَلم يعلم ذَلِك أحد مِنْهُم. وَفِي الْبُرْزُليّ سُئِلَ ابْن الضَّابِط عَن مقارض ادّعى ضيَاع صرة كَانَت وسط صرر وَلم يضع سواهَا؟ فَأجَاب: بِالضَّمَانِ لتبين كذبه بِدَعْوَاهُ ضياعها دون غَيرهَا مِمَّا مَعهَا، فَتَأَمّله فَإِن السَّارِق قد يختطف مَا تيَسّر لَهُ أَخذه أَو تسْقط وَنَحْو ذَلِك. كَذَاكَ فِي ادِّعَائِهِ الخَسَارَهْ وَكَوْنِهِ قِرَاضاً أوْ إجَارَهْ (كَذَا فِي ادعائه الخسارة) مَا لم يظْهر كذبه أَيْضا كَأَن يَدعِي الخسارة فِي سلْعَة لم يعلم ذَلِك فِيهَا لشهرة سعرها وَنَحْو ذَلِك فَأَنَّهُ ضَامِن. وَنقل ابْن عبد السَّلَام عَن البادي أَن الْعَامِل إِذا لم يبين وَجه الخسارة فِي الْقَرَاض فَهُوَ ضَامِن اه. انْظُر شرح الشَّامِل. وَلَا فرق فِي كَون القَوْل لِلْعَامِلِ فِي التّلف والخسر بَين الْقَرَاض الصَّحِيح وَالْفَاسِد كَمَا فِي شرَّاح (خَ) وَفِي الْمُتَيْطِيَّة: إِذا سُئِلَ الْعَامِل عَن الْقَرَاض فَقَالَ هُوَ وافر وَفِيه ربح فَلَمَّا دَعَاهُ إِلَى الْقِسْمَة ادّعى الخسارة وَأَن ذَلِك من قَوْله، إِنَّمَا كَانَ لعِلَّة أَن يتْركهُ عِنْده حَتَّى يسْعَى فِي جبره لم يقبل قَوْله وَهُوَ ضَامِن مَا لم تقم بَيِّنَة أَو دَلِيل على مَا قَالَ. (و) القَوْل لِلْعَامِلِ أَيْضا فِي (كَونه) أَي المَال (قراضا) وَقَالَ ربه: لِكَثْرَة
стр. 1013
ربحه بضَاعَة بِأَجْر (أَو) قَالَ الْعَامِل (إجاره) أَي بضَاعَة بِأَجْر لفقد الرِّبْح، وَقَالَ ربه: قِرَاض وَهَذَا إِذا أشبه وَحلف وَكَانَ التَّنَازُع بعد الْعَمَل انْظُر شرح الْمَتْن، وَأما إِن ادّعى رب المَال أَنه قرض وَقَالَ الْعَامِل: بل قِرَاض أَو وَدِيعَة فَإِن القَوْل لرب المَال بِيَمِينِهِ مُطلقًا اخْتلفَا قبل الْعَمَل أَو بعده لِأَن الْعَامِل مقرّ بِوَضْع يَده الَّذِي هُوَ سَبَب الضَّمَان مُدع لدفع ذَلِك السَّبَب، وَكَذَا إِذا قَالَ رب الطَّعَام لقابضه: بِعته لَك بِثمن لأجل، وَقَالَ قابضه: بل أسلفته لي فَالْقَوْل لمُدعِي السّلف قَالَه ابْن رشد وَنَقله الفشتالي وَغَيره. وَكَذَا لَو قَالَ: أشهدكم بأنى أبرأت فلَانا من الْمِائَة دِينَار الَّتِي لي عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَقِي الشُّهُود فلَانا وَأَخْبرُوهُ بِالْإِبْرَاءِ الْمَذْكُورَة قَالَ لَهُم: كذب مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْء وَإِنَّمَا أسلفته الْمِائَة الَّتِي ذكرهَا، فَالْقَوْل للمسلف مَعَ يَمِينه عِنْد ابْن الْقَاسِم قَالَه فِي الْمُفِيد. ابْن سهل: وَإِن ادّعى وَرَثَة على رجل أَن موروثهم بَاعَ من الْمُدعى عَلَيْهِ سلْعَة وَبَقِي ثمنهَا عِنْده وَقَالَ الْمَطْلُوب: لم أشترها مِنْهُ وَإِنَّمَا أَنا دلال أبيع للنَّاس فبعتها بِثمن دَفعته إِلَيْهِ وَأخذت أجرتي، فَإِن القَوْل للْوَرَثَة عِنْد أَكثر الْأَصْحَاب كَمَسْأَلَة دَعْوَى الْقَرَاض وَالْآخر الْقَرْض وَهُوَ الصَّوَاب اه. ابْن يُونُس: وَإِن قَالَ الْعَامِل: خسرت فِي الْبَز فَادّعى رب المَال أَنه نَهَاهُ عَنهُ، فَالْقَوْل لِلْعَامِلِ إِنَّه لم يَنْهَهُ بِخِلَاف لَو اسْتَدَانَ فَادّعى أَن رب المَال أمره بذلك فَإِن القَوْل لرب المَال إِنَّه لم يَأْمُرهُ بِهِ. تَنْبِيه: القَوْل لِلْعَامِلِ أَيْضا فِي دَعْوَى رد الْقَرَاض لرَبه إِن قَبضه بِلَا بَيِّنَة مَقْصُودَة للتوثق. (خَ) : وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ فِي تلفه وخسره ورده إِن قبض بِلَا بَيِّنَة الخ. والمقصودة للتوثق هِيَ الَّتِي أشهدها الدَّافِع والقابض على الدّفع وَالْقَبْض مَعًا سَوَاء علم الْعَامِل وَفهم أَن رب المَال قصد بِهَذَا الْإِشْهَاد خوف دَعْوَى الرَّد أم لَا. فَلَو أشهدها الْقَابِض على نَفسه بِالْقَبْضِ بِغَيْر حُضُور رب المَال، وأشهدها رب المَال مقرا بِأَن الْإِشْهَاد لَا لخوف الْجُحُود وَدَعوى الرَّد بل لخوف إِنْكَار الْوَرَثَة الْعَامِل إِن مَاتَ أَو حضرت الْبَيِّنَة على سَبِيل الإتفاق، وَلم يقل لَهَا الْقَابِض والدافع: اشْهَدُوا علينا فَذَلِك كُله كَالْقَبْضِ بِلَا بَيِّنَة فَيصدق فِي الرَّد فِيهِ كَمَا أفْصح عَن ذَلِك (ز) فِي شَرحه للنَّص الْمُتَقَدّم، وَبِه قَرَار الْخَرشِيّ وَغَيره قَوْله فِي الشّركَة: ولمقيم بَيِّنَة بِأخذ مائَة إِن أشهد بهَا عِنْد الْأَخْذ الخ. وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَول الْبُرْزُليّ مَا نَصه: وَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم إِذا أعطَاهُ قراضا أَو بضَاعَة يأْتونَ إِلَى الْعُدُول ويكتبون رسماً بذلك هِيَ الْبَيِّنَة الْمَقْصُودَة للتوثق اه. وَاحْترز بالمقصودة للتوثق من الْبَيِّنَة الْحَاضِرَة على وَجه الِاتِّفَاق. قَالَ ابْن يُونُس: وَمن أَخذ الْوَدِيعَة بِمحضر قوم وَلم يقْصد إشهادهم عَلَيْهِ فَهُوَ كقبضه بِلَا بَيِّنَة حَتَّى يقْصد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ اه. وَبِهَذَا كُله تعلم أَن مَا فِي (ح) وَابْن رحال فِي بَاب الْوَدِيعَة من اشْتِرَاط حكم الْمُودع عِنْده وفهمه عِنْد الْإِشْهَاد أَنه لَا تقبل دَعْوَاهُ الرَّد إِلَّا بِبَيِّنَة، فَحِينَئِذٍ تكون مَقْصُودَة للتوثق خلاف النَّقْل كَمَا فِي (ق) وَغَيره. وَقد أوضحناه فِي شرح الشَّامِل فَانْظُرْهُ. وَقَوْلِي: مقرا بِأَن الْإِشْهَاد الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا سكت
стр. 1014
عِنْد الْإِشْهَاد وَادّعى بعد ذَلِك أَنه قصد بِهِ التَّوَثُّق وَخَوف دَعْوَى الرَّد فَإِنَّهُ يصدق. وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ فِي غَيْرِ السَّفَرْ نَفَقَةٌ والتَّرْكُ شَرْطٌ لَا يُقَرْ (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ فِي غير السّفر نَفَقَة) من مَال الْقَرَاض وَلَا كسْوَة قَالَ فِيهَا: وَإِذا كَانَ الْعَامِل مُقيما فِي أَهله فَلَا نَفَقَة لَهُ من المَال وَلَا كسْوَة اللَّخْمِيّ: وَهَذَا إِذا لم يشْغلهُ الْعَمَل فِي الْقَرَاض عَن الْوُجُوه الَّتِي كَانَت تقوم مِنْهَا نَفَقَته وإلاَّ فَلهُ النَّفَقَة كالمسافر بِهِ، وَتَقْيِيد اللَّخْمِيّ مُعْتَبر وَمَفْهُوم غير السّفر أَنه إِذا سَافر تكون لَهُ الْكسْوَة وَالنَّفقَة بِالْمَعْرُوفِ بِشَرْط أَن يحْتَمل المَال ذَلِك، وَأَن لَا يُسَافر لأجل غَزْو أَو حج أَو زَوْجَة بنى بهَا أَو صلَة رحم، وإلاَّ فَلَا نَفَقَة لَهُ ذَهَابًا وإياباً لِأَن مَا لله لَا يُشَارك بِهِ غَيره. (خَ) : وَأنْفق إِن سَافر وَلم يبن بِزَوْجَة وَاحْتمل المَال لغير أهل وَحج وغزو بِالْمَعْرُوفِ وَتَكون نَفَقَته فِي الْقَرَاض فَقَط، فَلَو أنْفق من غَيره ثمَّ تلف المَال أَو زَادَت عَلَيْهِ لم يتبع رب المَال بِشَيْء واكتسى إِن بعد ووزع إِن خرج لحَاجَة وَإِن أَخذه بعد أَن اكترى للْحَاجة وتزود لَهَا، ومعروف الْمَذْهَب عِنْد اللَّخْمِيّ وَغَيره أَنه لَا نَفَقَة لَهُ فِي هَذِه الْحَالة لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة من سَافر لأَهله. تَنْبِيهَانِ. الأول: اخْتلف فِي المَال الْكثير الَّذِي يحمل الْإِنْفَاق والقليل الَّذِي لَا يحملهُ، فَعَن مَالك السبعون دِينَارا يسير لَا ينْفق مِنْهَا، وَعنهُ أَيْضا ينْفق فِي الْخمسين فَجمع بَينهمَا بِحمْل الأول على السّفر الْبعيد فَإِن الْإِنْفَاق يجحف بِالْمَالِ وَالثَّانِي على الْقَرِيب، وَلَو كَانَ أَخذ قراضا بالفسطاط وَله بهَا أهل وَخرج إِلَى بلد لَهُ بهَا أهل أَيْضا فَلَا نَفَقَة لَهُ فِي ذَهَابه وَلَا إيابه، فَإِن لم يكن لَهُ أهل فِي الْبَلَد الَّتِي أَخذ فِيهَا الْقَرَاض فَلَا نَفَقَة لَهُ فِي ذَهَابه وَله النَّفَقَة فِي رُجُوعه. الْبِسَاطِيّ: يُؤْخَذ من هَذَا أَنه إِذا سَافر عَن وَطنه لَا نَفَقَة لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَيْهِ. وَفِي الْمُدَوَّنَة نَفَقَة الْعَامِل ذَاهِبًا وراجعاً، وفيهَا أَيْضا: لَا نَفَقَة لَهُ فِي رُجُوعه من غير بَلَده. الْبِسَاطِيّ: فَيحمل الأول على الذّهاب وَالرُّجُوع لغير وَطن اه. فَإِن سَافر لتنمية المَال بِزَوْجَتِهِ فَلهُ النَّفَقَة على نَفسه فَقَط فِي سَفَره ذَهَابًا وإياباً، وَأما فِي إِقَامَته فِي بَلَده للتِّجَارَة فَهَل لَهُ النَّفَقَة فِي مُدَّة الْإِقَامَة بِنَاء على أَن الدَّوَام كالابتداء؟ وَظَاهر كَلَامهم أَنه لَيْسَ كالابتداء قَالَه الأَجْهُورِيّ. الثَّانِي: لَو قَالَ الْعَامِل بعد الْمُقَاسَمَة وَدفع المَال لرَبه بربحه: أنفقت من مَالِي ونسيت الرُّجُوع بِهِ قبل الْقِسْمَة أَو نسيت الرُّجُوع بِالزَّكَاةِ وَنَحْو ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يصدق بِمَنْزِلَة من ادّعى الْغَلَط بعد المحاسبة قَالَه ابْن يُونُس وَابْن رشد. الْبُرْزُليّ: وَسَوَاء قَامَ بِالْقربِ أَو بعد طول وَهُوَ الصَّوَاب بِخِلَاف الْجمال يدْفع الحمولة ثمَّ يطْلب الْكِرَاء بِالْقربِ اه. وَكَذَلِكَ الْوَصِيّ يُحَاسب نَفسه ثمَّ بعد ذَلِك يَدعِي أَنه غلط فِي الْحساب وَأَنه نسي أجرته وَنَحْو ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يصدق قِيَاسا على مَسْأَلَة الْقَرَاض قَالَه العبدوسي. (و) شَرط (التّرْك) للإنفاق من المَال الْكثير الَّذِي يحْتَمل الْإِنْفَاق (شَيْء لَا يقر) لعدم
стр. 1015
جَوَازه، فَإِن وَقع وَنزل وَشرط عَلَيْهِ عدم الْإِنْفَاق مِنْهُ وَفَاتَ بِالْعَمَلِ فالعامل أجِير قَالَه ابْن سَلمُون. وَعِنْدَما مَاتَ وَلَا أَمِينَ فِي وُرَّاثِهِ وَلَا أَتَوْا بالخَلْفِ (وعندما مَاتَ) الْعَامِل قبل نضوضه (وَلَا أَمِين فِي وراثه) يقوم مقَامه ويكمل عمله (وَلَو أَتَوا) أَي الوراث (بالخلف) أَي بأمين كموروثهم فِي الْأَمَانَة. رُدَّ إِلَى صاحِبِهِ المالُ وَلا شيْءٌ مِن الرِّبْحِ لِمِنْ قَدْ عَمِلَا (رد إِلَى صَاحبه المَال) وسلموه لَهُ مجَّانا (وَلَا شَيْء من الرِّبْح لمن قد عملا) وَلم يتم عمله وَهُوَ الْمَوْرُوث أَي: فَلَيْسَ لوَارِثه شَيْء مِمَّا عمل، وَمَفْهُومه أَنه لَو كَانَ فيهم أَمِين وَلَو دون موروثهم فِي الْأَمَانَة أَو أَتَوا بأمين أَجْنَبِي مثل الْمَوْرُوث فِيهَا بَصيرًا بِالْبيعِ لَا يخدع فِيهِ، فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُم بتكميله ويستحقون مَا كَانَ لموروثهم من الرِّبْح (خَ) : وَإِن مَاتَ فلوارثه الْأمين أَن يكمله وَإِلَّا أَتَى بأمين كَالْأولِ وَإِلَّا سلموه هدرا الخ. وَظَاهره كالناظم أَن الْوَارِث مَحْمُول على عدم الْأَمَانَة حَتَّى يثبتها لِأَن الأَصْل عدمهَا وَهُوَ كَذَلِك، قَالَ أَبُو الْحسن: حملهمْ يَعْنِي فِي الْمُدَوَّنَة على غير الْأَمَانَة وَفِي الْمُسَاقَاة على الْأَمَانَة لِأَن الْقَرَاض مِمَّا يُغَاب عَلَيْهِ وَالْعَمَل فِيهِ تعلق بِعَين الْعَامِل بِخِلَاف الْمُسَاقَاة، فَإِن الْعَمَل تعلق بِذِمَّة الْعَامِل فَإِذا مَاتَ أَخذ من مَاله مَا يسْتَأْجر بِهِ على كَمَال عمله وَقَوله وَلَا شَيْء من الرِّبْح الخ. نَحوه المساقي يعجز أَو يَمُوت كَمَا مّر فِي الْمُسَاقَاة، وَهَذَا كُله إِذا مَاتَ عَامل الْقَرَاض، وَأما لَو مَاتَ ربه فَإِن الْعَامِل يبْقى على قراضه فَإِن أَرَادَ الْوَرَثَة أَخذه فَلهم ذَلِك إِن كَانَ قد نض وإلاَّ صَبَرُوا لنضوضه، فَإِن حركه الْعَامِل بعد نضوضه وَقبل علمه بِمَوْتِهِ مضى على الْقَرَاض حَتَّى ينض وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، كَالْوَكِيلِ يتَصَرَّف قبل علمه بِمَوْت مُوكله، وَقيل: يضمن لخصمه على مَال الْوَارِث فَإِن حركه بعد علمه بِمَوْتِهِ ضمن وَالرِّبْح لَهما إِلَّا أَن يتجر لنَفسِهِ فَالرِّبْح لَهُ وَحده لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْمُودعِ عِنْده تجر بالوديعة وَيصدق فِي أَنه اشْترى لنَفسِهِ
стр. 1016
إِن نازعه الْوَارِث كَمَا يصدق الْوَكِيل فِي الشِّرَاء لنَفسِهِ إِن نازعه الْمُوكل كَمَا فِي (ز) آخر الْوكَالَة. والقراض تَوْكِيل. وَتَقَدَّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ آخر اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين. وهوَ إذَا أَوْصَى بِهِ مُصَدَّقُ فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ يُسْتَوْثَقُ (وَهُوَ) أَي الْعَامِل (إِذا أوصى بِهِ) أَي بالقراض وَمثله الْوَدِيعَة (مُصدق) سوء أوصى بِهِ (فِي صِحَة أَو مرض يستوثق) الْمَرِيض بِهِ وَيهْلك بِسَبَبِهِ، وَظَاهره التَّصْدِيق سَوَاء عين ذَلِك كَهَذا قِرَاض لزيد أَو وَدِيعَة أَو بضَاعَة أَو لم يعين شَيْئا، وَسَوَاء عرف أصل ذَلِك أم لَا. كَانَ عَلَيْهِ دين فلس فِيهِ أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك على تَفْصِيل فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذا عينه فَإِن الْمعِين لَهُ يَأْخُذهُ وَيقدم على سَائِر الْغُرَمَاء الثَّابِتَة دُيُونهم بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار فِي صِحَة أَو مرض مَا لم يعين ذَلِك حِين تفليسه أَو قيام الْغُرَمَاء عَلَيْهِ، وإلاَّ فَلَا يقبل قَوْله إِلَّا أَن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ تشهد أَن عِنْده لفُلَان وَدِيعَة أَو قراضا، فَإِن قَامَت بذلك قبل قَوْله وَلَو لم يتهم عَلَيْهِ، وَأما إِن لم يعين شَيْئا بل قَالَ: عِنْدِي قِرَاض أَو وَدِيعَة لزيد قدرهما كَذَا فَإِن لم يكن مُفلسًا قبل إِقْرَاره وَيُؤْخَذ ذَلِك من تركته، وَإِن كَانَ مُفلسًا بَطل إِقْرَاره مَا لم تكن على أَصله بَيِّنَة وإلاَّ حاصص بِهِ الْغُرَمَاء كَمَا فِي الْعُتْبِيَّة عَن ابْن الْقَاسِم. هَذَا كُله إِذا أقرّ بِمَا هُوَ فِيهِ أَمِين، وَأما إِن أقرّ بدين فِي ذمَّته فَإِن كَانَ أقرّ بِمَجْلِس قيام الْغُرَمَاء أَو بِقُرْبِهِ قبل إِقْرَاره وحاص الْغُرَمَاء إِن كَانَت دُيُونهم ثَابِتَة بِإِقْرَار لَا بِبَيِّنَة (خَ) : فِي الْفلس وَقبل إِقْرَاره بِالْمَجْلِسِ أَو بِقُرْبِهِ إِن ثَبت دينه بِإِقْرَار لَا بِبَيِّنَة، ثمَّ قَالَ: وَقبل تَعْيِينه الْقَرَاض والوديعة إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ. وَقَالَ فِي الْقَرَاض وَتعين بِوَصِيَّة وَقدم فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض الخ. فَكَلَام النَّاظِم مُقَيّد بِغَيْر الْمُفلس وإلاَّ فَلَا يصدق إِلَّا إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْل مَا يوصى بِهِ، وَمَفْهُوم أوصى بِهِ أَنه إِذا لم يوص بِشَيْء فَإِنَّهُ يُؤْخَذ من تركته مَا ثَبت عَلَيْهِ مِنْهُ بِإِقْرَار أَو بَيِّنَة، وَإِن لم يُوجد وحاص غرماءه لَكِن مَحَله إِذا لم يتقادم عَهده كعشرة أَعْوَام كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْوَدِيعَة: وَضمن بِمَوْتِهِ وَلم يوص وَلم يُوجد إِلَّا لكعشر سِنِين وَمَا لم يدع مَا يسْقطهُ من تلف وَنَحْوه قبل مَوته أَو لم يدع الْوَرَثَة أَن موروثهم رده لرَبه أَو تلف مِنْهُ قبل مَوته فَإِنَّهُم يصدقون لِأَن الْوَارِث قَائِم موروثه كَمَا مّر فِي الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت وكما قَالُوهُ عِنْد قَول (خَ) فِي الْوَدِيعَة: وبدعوى الرَّد على وارثك، وَمَا لِابْنِ رحال فِي بَاب الْقَرَاض من عدم تَصْدِيق الْوَرَثَة لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤْخَذ من تركته إِذا لم يُوجد ويحاصص بِهِ حَيْثُ لم يتقادم عَهده مَعَ احْتِمَال كَونه تلف أَو خسر فِيهِ أَو رده لرَبه، لِأَن الأَصْل وَالْغَالِب هُوَ السَّلامَة وَعدم الخسر وَالرَّدّ، وَلِهَذَا أوجبوا أَخذه من تركته وعمروا بِهِ
стр. 1017
ذمَّته حَتَّى صَار ربه يحاصص بِهِ كَمَا مّر، وَبِه نعلم سُقُوط مَا فِي حَاشِيَة الشَّيْخ الرهوني من اعْتِبَار ذَلِك الِاحْتِمَال قَائِلا: لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذمم وَلَا تعمر إِلَّا بِيَقِين الخ. لأَنا نقُول كَمَا لَا تعمر إِلَّا بِيَقِين لَا تَبرأ إِلَّا بِهِ، وَهنا عمرت بِيَقِين وَاحْتِمَال طرُو التّلف وَمَا مَعَه كاحتمال طرُو الْقَضَاء فِي الدّين الثَّابِت فَهُوَ خلاف الأَصْل، وَالْغَالِب الَّذِي هُوَ اسْتِصْحَاب مَا كَانَ على مَا كَانَ وَمَا ذكره من الْبَحْث أَصله فِي الْبُرْزُليّ عَن بَعضهم، وَلَكِن قد علمت مَا فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي المعيار قبل نَوَازِل الهبات فِيمَن سَافر بالقراض لبلد السودَان بِإِذن ربه وَطَالَ مقَامه إِحْدَى عشرَة سنة قَالَ: إِن هَذَا الْعَامِل قد تعدى بإبطائه هَذِه الْمدَّة الَّتِي سَافر فِيهَا النَّاس وجاؤوا فَيجوز لرب المَال الْقيام عَلَيْهِ وَيضمنهُ مَا ثَبت من رَأس المَال ويحاصص بِهِ غرماءه اه. بِاخْتِصَار. فَهُوَ قد ضمنه رَأس المَال مَعَ احْتِمَال التّلف والخسر وَمَا ذَاك إِلَّا لِكَوْنِهِمَا خلاف الأَصْل وَالْغَالِب، وَبِه كنت أَفْتيت فِي عَامل غَابَ بالقراض مُدَّة طَوِيلَة ووافقني عَلَيْهِ مفتي قَاض شَيخنَا سَيِّدي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَغَيره وَوَقع الحكم بِهِ، وَهَذِه الْمَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع فِي هَذِه الْبلدَانِ وَيفهم من قَوْله: وَيضمنهُ مَا ثَبت من رَأس المَال أَنه لَا يضمنهُ شَيْئا من الرِّبْح وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الأَصْل عدم وجوده إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة بِأَنَّهُ قد ربح بمحضرهم كَذَا أَو أقرّ عِنْدهم بذلك فَإِنَّهُ يحاصص بِحِصَّتِهِ مِنْهُ أَيْضا لِأَن الأَصْل حِينَئِذٍ بَقَاؤُهُ، وَلذَا قَالَ الْبُرْزُليّ: وَلَا يقْضى على التَّرِكَة بِالرِّبْحِ إِلَّا أَن يتَحَقَّق الخ. ثمَّ ذكر عَن ابْن عَرَفَة بعد هَذَا بِوَرَقَة وَنَحْوهَا أَنه حكم فِيهَا بِالْمَالِ وَبِمَا يقدر لَهُ من الرِّبْح فَانْظُر ذَلِك فِيهِ. وأجْرُ مِثْلٍ أوْ قِرَاضُ مِثْلِ لعامِلِ عِنْد فَسَادِ الأَصْلِ (وَأجر مثل أَو قِرَاض مثل) يجب أَحدهمَا (لعامل عِنْد فَسَاد الأَصْل) أَي الْقَرَاض. وأو فِي كَلَامه بِمَعْنى قيل لِأَنَّهُمَا قَولَانِ مرويان عَن مَالك ومنشؤهما هَل مَا فسد من العقد يرد إِلَى صَحِيح نَفسه أَو إِلَى فَاسد أَصله كَمَا مَّر مثله فِي المغارسة والجعل لِأَن الْقَرَاض مُسْتَثْنى من الْإِجَارَة،
стр. 1018
وَالْفرق بَينهمَا أَن أُجْرَة الْمثل فِي الذِّمَّة وقراض الْمثل فِي الرِّبْح فَإِن لم يكن ربح فَلَا شَيْء لَهُ، وَأُجْرَة الْمثل يحاص بهَا الْغُرَمَاء، وقراض الْمثل يقدم فِيهِ عَلَيْهِم وَمَا فِيهِ قِرَاض الْمثل لَا يفْسخ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا يَأْتِي، وَفِي الْمَسْأَلَة رِوَايَة ثَالِثَة بالتفصيل وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم أَن الْقَرَاض إِذا كَانَ بِالْعرضِ أَو بِجُزْء مُبْهَم أَو إِلَى أجل أَو بدين أَو بِضَمَان أَو قَالَ لَهُ: اشْتَرِ سلْعَة فلَان ثمَّ اتّجر فِي ثمنهَا أَو شَرط عَلَيْهِ أَن لَا يتجر إِلَّا فِي سلْعَة كَذَا وَهِي يقل وجودهَا أَو لَا يشترى إِلَّا بدين أَو أعطَاهُ دَنَانِير وَشرط عَلَيْهِ أَن يصرفهَا ثمَّ يتجر فِي ثمنهَا، فَهَذِهِ تِسْعَة كلهَا فِيهَا قِرَاض الْمثل، وزيدت عاشرة وَهِي مَا إِذا اخْتلفَا فِي الرِّبْح وَلم يشبها فَإِنَّهُمَا يردان إِلَى قِرَاض الْمثل كَمَا مر فِي قَول النَّاظِم: وَالْقَوْل قَول عَامل إِن يخْتَلف الخ. وَفِيمَا فسد مِمَّا عدا هَذِه الْمَذْكُورَات أُجْرَة الْمثل، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة درج (خَ) إِذا قَالَ: كفلوس وَعرض إِن تولى بَيْعه كَأَن وَكله على دين أَو ليصرف ثمَّ يعْمل فأجر مثله فِي توليه، ثمَّ قِرَاض مثله فِي ربحه كلك شرك وَلَا عَادَة أَو مُبْهَم أَو أجل أَو ضمن أَو اشْتَرِ سلْعَة فلَان ثمَّ أتجر فِي ثمنهَا أَو بدين أَو مَا يقل كاختلافهما فِي الرِّبْح وادعيا مَا لَا يشبه وَفِيمَا فسد غَيره أُجْرَة مثله. وَقد تقدم فِي النّظم بعض مَا فِيهِ قِرَاض الْمثل وَبَعض مَا فِيهِ أُجْرَة الْمثل مشروحاً فَرَاجعه فِيمَا مّر. تَنْبِيه: ذكر ابْن مغيث وَصَاحب النِّهَايَة أَن الْعَمَل جرى بقراض الْمثل فِي أَرْبَعَة فَقَط وَهِي: الْقَرَاض بالعروض أَو بالجزء الْمُبْهم أَو إِلَى أجل أَو بِضَمَان، ويجمعها قَوْلك: ضمن الْعرُوض إِلَى أجل مُبْهَم، وَمَا عدا هَذِه الْأَرْبَع فِيهِ أُجْرَة الْمثل. وَذكر الْبُرْزُليّ عَن ابْن يُونُس أَن كل مَا يرجع لقراض الْمثل يفْسخ مَا لم يشرع فِي الْعَمَل فيمضي وَكَذَا الْمُسَاقَاة وكل مَا يرجع إِلَى أجر الْمثل يفْسخ أبدا.
стр. 1019
(بَاب التَّبَرُّعَات)
الْحَبْس وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَمَا يتَّصل بهَا من الْعُمْرَى والإرفاق والحيازة، قَالَ الغرناطي: تذكر فِي الْوَثِيقَة تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالْحَبْس وموضعه وتحديده والمعرفة بِقَدرِهِ وتوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ الصغار إِلَى أَن يبلغُوا مبلغ الْقَبْض وَعقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ وَمَعْرِفَة الشُّهُود لملك الْمحبس، فَإِن كَانَ سَاكِنا فِيهِ ضمنت مُعَاينَة الشُّهُود لإخلائه إِلَّا أَن يحبس بِكُل مَا فِيهَا فَلَا يحْتَاج إِلَى إخلائها وَإِن كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ مَالِكًا أمره ذكرت قَبضه للحبس ونزوله فِيهِ وقبوله وضمنت مُعَاينَة الْقَبْض، وَكَذَا تعقد فِي الصَّدقَات والهبات اه. قلت: أما تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالشَّيْء الْمحبس فَهِيَ أَرْكَان لَا بُد من ذكرهَا فَإِن سقط وَاحِد من الأول وَالثَّالِث بَطل، وَإِن سقط الْمحبس عَلَيْهِ وَقَالَ: دَاري حبس وَسكت فَإِنَّهُ يَصح وَتَكون وَقفا على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين عِنْد مَالك كَمَا فِي الْبُرْزُليّ، وَأما تحديده فَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه. أَنه شَرط فِي الحكم بِهِ لَا فِي صِحَة التحبيس، وَأما معرفَة قدره فَإِنَّهُ مَحْمُول على مَعْرفَته بل هبة الْمَجْهُول أَو تحبيسه جَائِز، وَأما تَوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ فسقوطه من الْوَثِيقَة لَا يضر كَمَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه الثَّالِث عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه، وَأما عقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ فَهُوَ شَرط فِي الصَّغِير وَالْكَبِير كَمَا يَأْتِي فِي الْمحل الْمَذْكُور أَيْضا، وَأما معرفَة الشُّهُود لملك الْمحبس فَإِن عدم ذكره لَا يضر كَمَا مر فِي شَهَادَة السماع. نعم هُوَ شَرط فِي اسْتِحْقَاق الْملك بِالْحَبْسِ كَمَا مرّ هُنَاكَ، وَانْظُر مَا تقدم فِي البيع على الْغَائِب أَيْضا إِن شِئْت، وَأما معرفَة صغر الْبَنِينَ فَسَيَأْتِي أَيْضا فِي شرح الْبَيْت الْمُتَقَدّم، وَأما مُعَاينَة الشُّهُود للإخلاء فَهُوَ قَول النَّاظِم: وَمن يحبس دَار سكناهُ الخ، وَأما قبض الْمَالِك أمره فَهُوَ شَرط كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ. وَأما قبُوله فَإِنَّهُ لَا يضر سُقُوطه كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَلمن سيوجد الخ. ثمَّ قَالَ أول وَثِيقَة النِّكَاح: وَلَا بُد من ذكر الصِّحَّة أَي صِحَة الْعَاقِد فِي النِّكَاح والهبات وَالصَّدقَات والأحباس وكل مَا لَيْسَ فِيهِ عوض اه. وَمُقْتَضَاهُ أَن القَوْل لمُدعِي الْمَرَض عِنْد النزاع وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَقدم التَّارِيخ تَرْجِيح الخ. ثمَّ إِن الْوَقْف سنة قَائِمَة عمل بهَا النَّبِي ﷺ والمسلمون من بعده. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) اه. وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز تحبيس الْمَسَاجِد والقناطر والطرق والمقابر، وَإِنَّمَا خَالف أَبُو حنيفَة فِي لُزُوم تحبيس غير مَا ذكر لَا
стр. 1020
فِي جَوَازه، فَإِنَّهُ يَقُول بِجَوَازِهِ لكنه عِنْده إِنَّمَا يلْزم بِحكم الْحَاكِم وَهُوَ قبل الحكم على ملك الْوَاقِف قبض أم لَا. وَله الرُّجُوع عَنهُ بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَيُورث عَنهُ عِنْده إِن مَاتَ قَالَه فِي المعونة. ابْن عَرَفَة: وَالْوَقْف إِعْطَاء مَنْفَعَة شَيْء مُدَّة وجوده لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه وَلَو تَقْديرا فَتخرج عَطِيَّة الذوات وَالْعَارِية والعمرى وَالْعَبْد المخدم حَيَاته بِمَوْت قبل سَيّده لعدم لُزُوم بَقَائِهِ فِي ملك معطيه لجَوَاز بَيْعه بِرِضَاهُ مَعَ معطاه اه. فَخرج بقوله: مَنْفَعَة إِعْطَاء الذوات، وَقَوله شَيْء يشْعر بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون متمولاً لَا تافهاً، وَقَوله مَنْفَعَة هَذَا هُوَ الأَصْل وَإِن كَانَ الْحَبْس قد يكون للِانْتِفَاع كالمدارس لِأَن الِانْتِفَاع إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِن شَرطه الْمحبس أَو جرى عرفه بِهِ، وَالْفرق أَن مَالك الْمَنْفَعَة لَهُ أَن يكريها ويعيرها لغيره بِخِلَاف مَالك الِانْتِفَاع فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الِانْتِفَاع بِنَفسِهِ فَلَا يكْرِي وَلَا يعير، وَبِقَوْلِهِ: مُدَّة وجوده الْعَارِية والعمرى وَهُوَ مَبْنِيّ على أَن الْحَبْس لَا يكون إِلَّا مُؤَبَّدًا وَإِطْلَاق الْحَبْس على غير المؤبد مجَاز عِنْده كَمَا صرح بِهِ هُوَ بِنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالرِّوَايَات وَاضِحَة بِإِطْلَاق الْحَبْس على مَا حبس مُدَّة يصير بعْدهَا ملكا وَهُوَ مجَاز اه. وعَلى ذَلِك يَنْبَنِي قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ الخ. وَأخرج بِهِ العَبْد المخدم وَإِنَّمَا قَيده بقوله: يَمُوت قبل سَيّده لِأَنَّهُ فِيهِ يظْهر قَوْله مُدَّة وجوده، وَأما إِن مَاتَ سَيّده قبله فَإِنَّهُ يبطل إخدامه وَيرجع للْوَرَثَة فَهُوَ خَارج حِينَئِذٍ بقوله مُدَّة وجوده. وَقَوله: وَلَو تَقْديرا يحْتَمل أَن يكون مُبَالغَة فِي الْإِعْطَاء أَي: وَلَو كَانَ الْإِعْطَاء تَقْديرا كَقَوْلِه: إِن ملكت دَار فلَان فَهِيَ حبس، وَيحْتَمل أَن يكون رَاجعا لِمَعْنى قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه أَي لَا يخرج عَن ملكه وَلَو تَقْديرا. وَقَوله: حَيَاته يَعْنِي حَيَاة السَّيِّد أَو حَيَاة العَبْد أَو المخدم بِالْفَتْح فَإِن أطلق فَيحمل على حَيَاة العَبْد وَالْكل خَارج بِمَا ذكر إِلَّا أَنه إِن أخدمه حَيَاة العَبْد وَمَا بعده فَإِن الْخدمَة لَا تبطل بِمَوْت السَّيِّد لِأَنَّهَا مَنْفَعَة قد حيزت بحوز أَصْلهَا وتورث عَن المخدم بِالْفَتْح فِي إخدامه حَيَاة العَبْد أَو إِطْلَاقه كَمَا يدل لَهُ قَول (خَ) فِي الْوَصِيَّة: وبمنافع عبد ورثت عَن الْمُوصى لَهُ. تَنْبِيه: من حبس على بنيه الصغار جَمِيع أملاكه وَقَالَ فِي تحبيسه: كل مَا يملكهُ مُدَّة حَيَاته فَهُوَ حبس فَإِن كل مَا يملكهُ بعد التحبيس لَاحق بِالْحَبْسِ إِن ملكه وَهُوَ سَالم من الدّين الْمُسْتَغْرق وَكَانَ صَحِيح الْجِسْم، فَإِن كَانَ يَوْم ملكه مدينا فَلَا حبس إِلَّا فِيمَا تقدم الدّين، وَكَذَا إِن كَانَ مَرِيضا وَمَات من مَرضه ذَلِك قَالَه فِي معاوضات المعيار. الحَبْسُ فِي الأُصُولِ جَائِزٌ وَفِي مُنَوَّعِ العَيْن بِقَصْدِ السَّلَفِ (الْحَبْس) بِالسُّكُونِ تَخْفِيفًا للوزن (فِي الْأُصُول) كالدور وَالْأَرضين والحوائط والطرق والآبار والمصانع وَهِي الْحِيَاض يجمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ
следующие страницы →