بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نال المؤلف بهذا الكتاب درجة الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى مع التبادل مع الجامعات الأجنبية من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وكانَ رئيسُ لجنة المُناقشةِ: العَلَّامَة الشيخ محمَّد أبو زهْرَة ﵀.
стр. 2
الإهْدَاء
إلى الرائدة الأمينة على درب اليُتم الطويل .. والتي ما زالت تتابع الطريق، عطاءً ووفاءً .. ترجو بهما الله واليوم الآخر .. أُمي .. يرحمها الله (١).
إلى الرجل الذي عاش لا يخاف في الله لومة لائم حتى قضي في سبيل الهداية والحق، مثلًا رائعًا للعالم العامل المجاهد، ومربيًا ناصحًا لدينه ولأمته "الشيخ إبراهيم الغلاييني" … أستاذي.
محمد أديب الصالح
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ"﴾. . . [قرآن كريم]
• «اللّهم فقِّههُ في الدّينَ وعلّمهُ التأويل». . . [من دعاء رسول الله لابن عبّاس]
• «ليكنُ الذّي تعتمد عليهِ هذا الأثر، وَخُذ من الرأي ما يُفسر لكَ الحَديث». . . [عَبد الله بن المبارك]
стр. 4
مقدمة الطبعة الثالثة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي له مقاليد السماوات والأرض، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقف الأمةَ على النهج السويِّ بقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وأصلي وأسلّم على إمام الهدى ومعلم الناس الخير، سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته، ومَن اهتدى بهديه واستنَّ بسنّته إلى يوم التناد.
وَبَعْد، فعلى بركة الله أقدّم للقارئ الكريم الطبعة الثالثة من كتاب
"تفسير النصوص في الفقه الإسلامي"
بعد أن مضى على نفاد الطبعة الثانية عدد من السنوات، وحالت ظروف - كان لا حيلة في دفعها - دون إعادة الطبع.
وإني إذ أشكر للإخوة الباحثين الذين شجّعوا على إخراج هذه الطبعة، وكانوا كرامًا على ساحة التقويم العلمي والثناء على العمل … أود الإشارة إلى أن مما حفزني إلى ذلك أيضًا، أن رواد المعرفة من الشباب الإسلامي - بصرف النظر عن التخصصات - بدأوا يتطلعون بجدية ووعي واضحين، إلى التعرف المبصر على مناهج علمائنا - رحمهم الله تعالى - في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنّة، والطرائق التي واجهوا بها تلك النصوص بوصفها قِوام الشريعة وينبوع الإسلام، وجاءت بلسان عربي مبين. ناهيك عن تبيُّن ما ترتب على ذلك من آثار فكرية عظيمة متسعة الجنبات.
стр. 5
وما من ريب في أن تحقيق ذلك من شأنه أن يصحح المسار ويزيد الثقة بالمنهج المسلوك.
ولا يخفى أن التطلعات التي نومئ إليها، تصحبها الرغبة في أن يتحقق المراد بأسلوب ميسَّر قدر المستطاع، حيث الموضوعات الشائكة والبحوث الدقيقة التي يعوزها - أحيانًا - قدر لا بأس به من التذليل. والمأمول أن يسهم "تفسير النصوص" في تحقيق هذا المطلب بتوفيق الله تعالى.
ثم إن طلاب الدراسات العليا من مرحلتَي الماجستير والدكتوراه على ساحة هذا التخصص، قد صحب الكثيرُ منهم - كما علمت من عدد من الأساتذة والطلاب - هذا الكتابَ - والحمد لله - صحبة علمية ناجحة - سواء في أصل الاختيار لموضوع البحث، أو في جمع المادة العلمية، والاهتداء إلى المصادر، ثم تنسيق المعلومات وصياغتها بعد التمحيص والمقارنة والترجيح إن وُجدتْ بواعثُه. وذلك ما جعل توافر الكتاب بين أيدي الباحثين على هذا المستوى أمرًا نافعًا إن شاء الله.
وإني لأسأل المولى تباركت أسماؤه - وعطاؤه هو العطاء - أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يهب لي من لدنه مزيدًا من ستره وعونه وفضله، فلا ربَّ غيره ولا خير إلا خيره، له الحمد في الأولى والآخرة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
الرياض: ١ من شعبان ١٤٠٣ هـ
محمد أديب الصالح
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونصلي ونسلّم على نبينا محمد المبيِّن عن ربه كتابه، المبلغ عنه شريعته، وعلى آله وصحابته.
وَبَعْد: فقد يكون من نافلة القول الحديث عن مكانة وأهمية تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة؛ فإن إلى هذين الأصلين الكريمين مردَّ شريعة الإسلام في مصادرها الأولى؛ إذ إنهما الينبوعان الأساسيان لتلك المصادر التي هي طريق العلماء لاستنباط الأحكام.
فالكتاب: وهو كليُّ الشريعة وأصل أصولها، كان سجلًا مباركًا تناول الأحكام - إلا قليلًا منها - بطريقة يزينها - في الغالب - طابع الإجمال.
وتليه السنّة التي كانت ترجمان بيانه وتفصيله، وطريق الوصول إلى هدايته. وفي ذلك يخاطب الله من أولاء كرامة البيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. وكان البيان … وقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه .... ".
ومن هنا كان البحث في مناهج تفسير نصوص الكتاب والسنّة، والصلة بمسالك استنباط الأحكام عند الأئمة، جديرًا بمزيد من المعرفة، حريًا بكثير من الدقة والإدراك.
стр. 7
ولقد وقفت أمتنا في الماضي على سبيل المعرفة - ويدها هي العليا - فأعطت لبني البشر عن طريق أئمتها الأعلام مناهج لتفسير النصوص، قائمةً على قواعد العربية، ومفهومات الشريعة في مقاصدها وأعرافها، فأوضحت معالم الطريق، وسلكت بالاستنباط أقوم السبل، وكان ذلك تحقيقًا لقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وقد مرّت تلك المناهج في مراحل أدخلتها في الطور العلمي القائم على أُسس وقواعد، وذلك بعد أن كان التفسير مبنيًا على السليقة العربية، وفهم من نزل الكتاب بلسانهم في ظل البيان النبوي الحكيم.
وهكذا كانت مناهج تفسير النصوص وقواعده عند أئمتنا الأولين: ثمرة جهود، ونتاج قرائح؛ فكانت الأساسَ الذي قام عليه البناء التشريعي، من حيث استخراجُ الأحكام من النصوص، ضمن إطار علمي من الضوابط، وفي ظل قواعد عامة تمنع الزلل، وتباعد عن الانحراف.
ولقد كان طبيعيًا - والعربية لسان شريعة الإسلام - أن توضع قواعد التفسير في ظل هذه الحقيقة. وهكذا وُضعت تلك القواعد بعد استقراء لأساليب العربية، وإدراك لطبيعتها في الخطاب، ومعرفة ما يمكن أن تؤديه الألفاظ والتراكيب من مدلولات، وإن كان للعرف الشرعي مكانه في التقديم، حين يدخل مدلول اللفظ العربي مع الشريعة في طور جديد.
وقد حفلت المكتبة الفقهية الإسلامية بالكثير من الآثار في هذا الموضوع، غير أن طابعًا من التعقيد طبع كثيرًا من المؤلفات في أصول الفقه، الأمر الذي احتاجت هذه القضية الكبرى معه إلى كثير من البحث والتنقيب، بغية الوصول إلى خيرات تلك الكنوز الدفينة، وراء العبارة الغامضة والأسلوب الذي كثيرًا ما يستعصي على غير ذوي الاختصاص، وإن كان عذر أولئك المؤلفين؛ أنهم التزموا طرائق عصورهم التي عاشوا في ظلها، وتأثروا بأساليبها ومناهج التأليف فيها.
ومن هنا كان لا بد للانتفاع بهذه الثروة المباركة، من جهد دائب، في
стр. 8
سبيل عرضها بأسلوب يجعلها قريبة المنال قدر المستطاع، ليمكن استخدامها في الطريق العملي، كما أراده لها الواضعون الأولون.
وعلى ذلك: يبدو لزامًا على الباحث في تلك المناهج، إلى جانب صلته بالكتاب والسنّة والعربية، أن يكون على معرفة بالمفاتيح الأولى لمصطلحات أولئك الأئمة في التعبير والضوابط، كيما يتسنى له دخول حِمَىً فيه - على ما نعتقد - الخيرُ الكثير الوفير الذي يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر ثروتنا الفقهية والتشريعية التي تميزت بها أمتنا عن سائر أمم الأرض.
هذا: ولقد كانت تشدني إلى البحث في (تفسير النصوص)، رغبة في مغرفة طرائق الأئمة في الاستنباط، وكيفية تخريج الفروع الفقهية على أصولها التي تنتمي إليها، وهي رغبة آذنت منذ أيام الدراسة الجامعية في الأزهر وفي الحقوق في جامعة دمشق، حيث أضاءت يومئذ قبسًا في العقل والتفكير وبدأت - والحمد لله - تتفاعل مع النفس بدافع الاقتناع بها طريقًا لخدمة الإسلام، ثم كان من فَضل الله أن يسّر تعهدها ورعايتها بالاطلاع الدائب والمتابعة الواعية … وتوالت الأيام تمضي، وكان هذا البحث الذي أكرمني الله به موضوعًا لرسالة الدكتوراه، في كلية الحقوق - جامعة القاهرة، ولقد رأيتني، وأنا حفِيٌّ به، كَلِفٌ بِحَزْنِه وسهله، أعيش معه أيامًا غالية، أرجو أن تكون ظلالها على خطاي في متابعة الطريق .. طريق الإسلام الخالد الذي أيقظ الإنسانية من سبات، ولسوف تصحو على شريعته من جديد لترى فيها خير منقذ مما تعانيه من جاهلية وظلمات.
وإذا كان لا بد من الإشارة إلى الأغراض التي يمكن أن يؤديها هذا الموضوع، فإنه يحقق أغراضًا كثيرة من أهمها:
أولًا: الخروج من عهدة الامتثال لما جاء من الأمر بتدبُّر القرآن وتعقله ووعي السنّة والعمل بها، لتكون شريعة الله هي المحكَّمة؛ فلا يمكن أن يكون تدبر أو تعقل، ولا وعي أو عمل بتلك النصوص، إلا بفهمها والكشف عن معانيها؛ وذلك عن طريق التفسير.
ثانيًا: معرفة مسالك الأئمة في الاستنباط، والإحاطة بطرائق استخراجهم
стр. 9
للأحكام من منابعها الأولى في عصور ما قبل التقليد، وهذا أمر ينير السبيل أمام الباحث، ليدرك كيف أن هذه الشريعة الغنية بأصولها وفروعها، كانت - وما تزال - قادرة على أن تُمِدَّ الإنسانية في ميدان الأنظمة والتشريع بما يضمن لها الخير، والقوة، والمنعة، والعدالة المطلقة.
ثالثًا: ولقد يكون من بديهيات القول، أن من الأغراض التي يؤديها الموضوع، إدراكَ جانب كبير من الاختلاف بين الأئمة - فيما اختلفوا فيه - كيف نشأ وإلى أي الموارد ينتمي؛ لأن من أسباب الاختلاف الحكمَ على النص عند التفسير.
وبمعرفة الاختلاف وما يتصل به يسهل على الباحث الناطق بالضاد على الأقل قبل غيره، أن يَقْدُرَ الثروةَ الفقهية على اختلاف المذاهب فيها، حق قدرها، ويؤمن أن تشعُّب المذاهب في العصور الأولى من حضارتنا الفقهية لم يكن عبثًا، وإنما كان صورة لهذا البحر الزاخر من التشريع الذي وُلد - على غاية الكمال - وحيًا، ونما وترعرع - بالنسبة إلينا - بحثًا وفهمًا وتفريعًا، فكان شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ومما لا شك فيه: أن في معرفة مسالك الأئمة والاختلاف، تنميةً للملكة الفقهية الواعية عند الباحث، لما يرى من نماذج حية عند الفقهاء في القدرة على استخراج الأحكام ورد الفروع إلى أصولها، وكيف تختلف هذه الفروع باختلاف الضوابط والأصول؛ وذلك بعد التثبُّت من صحة النص إن كان من السنة.
كما أن في ذلك ما يعطي القدرة على الدقة وضبط النفس، وعدم التسرع في حكم أو فتوى أو قضاء.
ومن هنا أقام الأولون العلم بالاختلاف، في موضع الإيضاح لمعالم الطريق.
روى ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" أن سعيد بن أبي عَروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا.
стр. 10
وروى عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثقُ من الذي في يديه.
رابعًا: فيما وراء بيان النبي ﷺ الذي هو من نصوص الأحكام، سواء في تقرير حكم قرآني أو بيان لمجمل الكتاب، أو إنشاء حكم جديد: لا بد من الإشارة إلى أن قواعد التفسير التي نحن بصدد الحديث عنها، ليست في موضع القداسة بحيث تحمل طابع الإلزام الديني.
ذلك أن هذه القواعد - كما أسلفنا - قامت على استقراء أساليب العربية، وإدراك المدلول الصحيح للخطاب في لسان العرب، وكذلك إدراك القواعد العامة للتشريع، فمن الممكن أن تكون طريقنا لفهم القانون وتفسيره، وعلى الأخص في بلادنا العربية التي أصبحت العربية فيها لغة القانون.
وإذا كان عندنا - في البلاد العربية - دولة كالعراق ما تزال تستمد قانون الأحوال الشخصية من فقه الحنفية، فالبلاد العربية الأخرى - شأنَ بلدنا - تعتبر الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة الغامرة بالخير، مصدرًا لما يسمى بقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني ينتسب في كثير من أبوابه إلى أصولها.
ويمكن القول بلا تحفظ:
إنه حتى القوانين التي كانت تنتمي إلى أصل أجنبي أصبحت الآن عربية، ويجب أن تفسر بناء على قواعد التفسير التي نمت وترعرعت في ظل بيان اللغة العربية.
خصوصًا أن هذه القوانين تمثل واقع هذه الحقبة من حياة الأمة، وأنّ لغتها في خطاب المواطنين الذين يجب أن يفهموا القانون الذي يحكم تصرفاتهم: هي العربية. وإن كان هذا الواقع لا يعفي من تقرير أن واجب أمتنا الذي لا مندوحة عنه هو العودة الصحيحة إلى الشريعة لتكون هي الأصل في كل تقنين تريد.
وتقرر الكثرة من علماء القانون اليوم: أنه حتى عند إبهام النص، لا ضرورة للعودة إلى النص الأجنبي، وإن كان البعض قد أجاز العودة في
стр. 11
حالات نادرة من التعارض، ليكون ذلك طريقًا إلى ترجيح حكم على حكم.
وفي ذلك يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري في معرض الحديث عن المادة ٢٩٣ عقوبات قديم في مصر والتي أصبحت ٣٣٦ من قانون العقوبات الجديد بعد أن يبين الرأيين في الموضوع ويوجه الرأي القائل بعدم العودة إلى النص الأجنبي: (على أنه يلاحظ أن مثل هذا الجدل إذا كان مما يسوغ التعرض له في ظل التقنينات القديمة التي وضعت أولًا باللغة الفرنسية، واعتبرت الترجمة العربية صيغة رسمية، فإنه لا يمكن أن تثور بالنسبة للتقنينات الجديدة، إذ لا شبهة في أن اللغة العربية هي الأصل، وعليها وحدها يكون المدار) (١).
ولقد يبدو الأمر أكثر وضوحًا يوم نستأنف السير فتغدو الشريعة - كما أسلفنا - مصدرنا الأساسي في التقنين، ويكونَ حكمنا حكمًا بما أنزل الله.
ولا شكَّ أن الاستقلال التشريعي لأمة نهضت من عثار، وتحررت من سلطان الغاصبين، يجب أن يساوق الاستقلال السياسي، وإن أمتنا الغنية الثرية في هذا الميدان تفتقر إلى أمرين:
الأول: الإيمان بذاتها وطاقاتها وأرضها الطيبة في شريعتها ولغتها.
الثاني: أن تتولى هذه الثروةَ بعناية، وتعرضَها العرض الصحيح. وهذا لا يتنافى أبدًا مع الإفادة من تنظيم الآخرين، وما عندهم من نظريات كانت ثمرةَ الواقع الحضاري اليوم.
وتبقى ثروتنا الفقهية، ومناهجها في التفسير: محط أنظار العالم، ونحن أجدر أن نستمسك بثروة نبتت في أرضنا، وجاءت دينًا بلغتنا، خصوصًا والعربية عندنا - كما سلف - أصبحت لغة القانون.
وإني لأرجو أن يكون عملي في تفسير النصوص محاولة للإسهام في هذا الباب، والله المستعان.
стр. 12
طريقة البحث:
وقد جريتُ في البحث على وضع القاعدة في موضعها من التطور التاريخي، حيث عملت على مراعاة التسلسل الزمني، فلا أعرض للرأي إلا حسب أسبقية وجوده زمنًا. وكنت أعود إلى اللغة وعرف الشريعة ومفهوم الصحابة والتابعين إذا أعوز الأمر، لإيضاح القاعدة ووضعها في إطارها من الضبط.
أما من الناحية التطبيقية: فعندما يكون النص قرآنيًا: أعود لما ورد من تفسير له في كتاب أو سنة أو شيء من آثار السلف ثم أقوال المفسرين، وفي ضوء ذلك يكون الحكم على مقدار انطباق القاعدة على النص.
وإذا كان النص واحدًا من نصوص السنّة: كان الأمر يقتضيني العناية بتخريج الحديث، وبيان ما قاله علماء الاختصاص فيه، ثم العودة إلى صنيعنا في النص القرآني، لنرى ما إذا كان هنالك ما يستعان به على تفسير الحديث: من كتاب أو سنّة أو أثر من آثار السلف، يظهر فيه استنباطهم للحكم كيف كان، كما يبدو فيه إلى أي حد يتفق أو يختلف ما سلكه المتأخرون بالنسبة لما سلكه المتقدمون.
ومسألة انطباق القاعدة على النص المراد استخراج الحكم منه: مسألة تَحُلُّ كثيرًا من العُقَد؛ لأنها توضح إلى أي حد استطاع أصحاب القاعدة، أن يلتزموا قاعدتهم عند الاستنباط، ورد الفرع إلى الأصل، وإيضاح النسبة بينهما؛ فقد تكون النسبة صحيحة، وقد لا تكون.
على أن هذا لم يُعْفِ من الوقوف موقف البحث في الفرع الفقهي، مع النظر في نصوص الكتاب والسنّة وآثار السلف، ثم في كلام الفقهاء في الموضوع. ولقد حرصتُ على أن آخذ الأحكام من كتب أصحابها، لا من نقل أهل مذهب عن مذهب آخر.
ويجدر بنا أن نقرر: أن عرض القواعد، وتطبيقها على النصوص، كان من حيث الأصل على الطريقتين المعروفتين في أصول الفقه، وهما طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، غير مهمل ما أرى في غيرهما، مع المقارنة دائمًا
стр. 13
بين ما ذهب إليه العلماء في كل من الطريقتين المذكورتين، أو في داخل الطريقة نفسها، أو من خارج الاتجاه، والعناية بمواقف الظاهرية حين يلزم الأمر، مع بيان رأينا الخاص وترجيح ما نختاره بالدليل.
أقول هذا غير ناسٍ أن الحديث عن مسالك الشيعة والزيدية والإباضية داخلٌ في إطار الحديث عن طريقة المتكلمين؛ على أني كنت أفرد كل فريق بالذكر حين أرى لزومًا لذلك.
ثم إني بعد ذلك كله لم أجد بدًا من استخدام التطبيقات القانونية، فجئت بأمثلة تطبيقية من القانون على كثير من القواعد، الأمر الذي يبين إمكان الإفادة من قواعد التفسير عندنا في فهم النصوص القانونية، كما أسلفت، ولقد عملت على المقارنة في عدد من المسائل التي جرى بحثها عند رجال القانون، كما في دلالة النص ونسبتها من القياس، والأخذ بمفهوم الموافقة بوجه عام، والأخذ بمفهوم المخالفة، حيث ينبني على هذه الضوابط العامة آثار كثيرة في التفريع.
وإني إذ أقدّم هذا البحث المتواضع، لا أزعم لنفسي أنني أشفيت على الغاية، ولكنها محاولة إسهام في أمر أعتقد أنه بالغ الخطورة في كياننا الفقهي، وثروتنا التشريعية العظيمة، خصوصًا أن موضوع تفسير النصوص - إلى جانب أهميته الأصيلة في ذاته - كان ملتقى عدد من علوم الإسلام؛ من لغة، وتفسير، وأصول، وفقه، وحديث، ومصطلح، واختلاف، وغير ذلك، كالمنطق وما إليه، الأمر الذي يخدم هذا الركن من أركان التشريع، وهو الاستنباط من النص، عن طريق فهمه، والكشف عن معانيه ومدلولاته.
ولقد يبدو الأمر أكثر أهمية، إذا كنا على ذكر من أن مناهج تفسير النصوص التي يحتويها أصول الفقه، قد دخلت منذ زمن غير يسير طور الجمود على الشكل النظري في أذهان كثير من المؤلفين، وذلك ما باعدها عن السمة العملية التي هي طابعها الأصيل من قبل، ولعل الكشف اليوم عن خصائصها العظيمة، مع التطبيقات العملية، والعناية بربط الفروع والأحكام بالقواعد التي تنتمي إليها من الأصول، يساعد - بتعاون الباحثين - على أن تؤدي هذه المناهج دورها من جديد في عالم الفقه والقانون.
стр. 14
هذا: وقد كان من توفيق الله إعداد الفهارس العلمية المنوّعة التي تلقي الضوء على ما زخرت به حواشي الكتاب، وتيسَّر الانتفاع بها، خصوصًا ما كان من الإحالات على المصادر، وإثبات الكثير من النصوص الموضحة للمراد والمؤيدة لأقوال أصحابها. ناهيك عن التوثيق والتخريج، وأني لم أدع أن أترجم لكل علم من الأعلام تدعو حاجة البحث لترجمته، وعلى كل؛ فصفحات الحواشي تفصح عن نفسها. علمًا بأنه كان من توفيق الله تعالى: أن التفاعل مع موضوع بحثنا "تفسير النصوص" حملني على تحقيق كتاب "تخريج الفروع على الأصول" للإمام الزنجاني وهو الكتاب الذي كان فريدًا في عصره، حيث وقعت على نسختين مخطوطتين له، مع عملي في الرسالة، وطبعته جامعة دمشق قبل مناقشة الرسالة بسنتين وذلك عام ١٩٦٢ م، ولله الحمد في الأولى والآخرة وعليه التكلان في كل حال.
خطة البحث:
وقد جعلت ما تضمنته الرسالة مشتملًا على: باب تمهيدي، وقسمين، وأربعة أبواب، وخاتمة؛ فكان الأمر كما يلي:
الباب التمهيدي: نظرة الشريعة والقانون إلى التفسير.
الفصل الأول: البيان عند الأصوليين.
الفصل الثاني: ماهية تفسير النصوص.
الفصل الثالث: نظرة عامة حول التفسير ومدارسه في القانون.
القسم الأول: قواعد التفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودلالتها على الأحكام:
الباب الأول: الوضوح والإبهام في الألفاظ.
الفصل الأول: الواضح وأنواعه.
المبحث الأول: منهج الحنفية في الواضح.
المبحث الثاني: منهج المتكلمين في الواضح.
стр. 15
الفصل الثاني: المبهم وأنواعه.
المبحث الأول: منهج الحنفية في المبهم.
المبحث الثاني: منهج المتكلمين في المبهم.
الفصل الثالث: التأويل.
المبحث الأول: تطور معنى التأويل ومجاله.
المبحث الثاني: شروط التأويل وأنواعه.
المبحث الثالث: من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل.
المبحث الرابع: طريق الجادة في التأويل وموقف الظاهرية.
الباب الثاني: طرق دلالة الألفاظ على الأحكام.
الفصل الأول: منهج الحنفية في طرق الدلالات.
المبحث الأول: عبارة النص.
المبحث الثاني: إشارة النص.
المبحث الثالث: دلالة النص.
المبحث الرابع: دلالة الاقتضاء.
الفصل الثاني: منهج المتكلمين في طرق الدلالات.
المبحث الأول: المنطوق والمفهوم.
المبحث الثاني: موقف العلماء من مفهوم الموافقة.
المبحث الثالث: موقف العلماء من مفهوم المخالفة بوجه عام.
المبحث الرابع: موقف العلماء من بعض أنواع مفهوم المخالفة.
المبحث الخامس: موقف علماء القانون من الأخذ بالمفهوم.
القسم الثاني: قواعد التفسير في حالات شمول الألفاظ في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها.
стр. 16
الباب الأول: دلالة الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك.
الفصل الأول: العام.
المبحث الأول: صيغ العموم
المبحث الثاني: تخصيص العام.
المبحث الثالث: دلالة العام.
الفصل الثاني: المشترك.
المبحث الأول: ماهية المشترك وأسباب وجوده.
المبحث الثاني: دلالة المشترك.
الباب الثاني: دلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص (الخاص).
الفصل الأول: ماهية الخاص ودلالته على الأحكام.
المبحث الأول: ماهية الخاص ونوع دلالته.
المبحث الثاني: من آثار قطعية الخاص عند التطبيق.
الفصل الثاني: أنواع الخاص.
الفرع الأول: المطلق والمقيد.
المبحث الأول: ماهية المطلق والمفيد وحكمهما.
المبحث الثاني: حمل المطلق على المقيد.
الفرع الثاني: الأمر والنهي.
المبحث الأول: الأمر.
المبحث الثاني: النهي. الخاتمة.
هذا: وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن مطبعة جامعة دمشق وذلك بين يدَي المناقشة والحكم.
стр. 17
وها أنذا أقدّم الطبعة الثانية للقراء، لدواع، كان في مقدمتها: ما لمت من تقدير لجنة الحكم في جامعة القاهرة التي كانت برئاسة أستاذنا الكبير الشيخ محمد أبو زهرة، والتي قررت - مشكورة - ما يمكن أن يؤديه نشر هذا البحث من خير على صعيد الفكر الإسلامي بوجه عام، وعلى صعيد الشريعة والقانون بوجه خاص، يضاف إلى ذلك ما كان من إقبال على النسخ المعروضة من الكتاب في الأسواق، حيث استقبله كثير من الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون برغبة وحرص كما كان له مكان فسيح في كثير من الجامعات والحمد لله. ولقد عملت على تنقيح الكتاب في الحدود التي تصل بين البحث والقارئ، وأضفت قدرًا من الزيادات التي لا بد منها عند إيضاح فكرة، أو توسع في الاستدلال أو تفريع على أصل. دعاني إلى ذلك رغبة المزيد من الاستيفاء، ثم التيسير والبيان قدر المستطاع لمن يريد معاناة موضوع قد يكون من أشق الموضوعات التي تضمها رحاب الشريعة التي أكرم الله أمتنا بأن تحملها للناس، طريقة هدًى وسعادة للفرد والجماعة، بل وللإنسانية جمعاء، وعلى تنوُّع الفهارس الميسَّرة في الطبعة الماضية، فقد زدتها في هذه الطبعة فهرسًا للأعلام يكون مفتاحًا لما يبتغيه القارئ في كثير من الأحيان.
وإني لأسأل الله المبتدئَ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب من شكره، الجاعلَنا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنّة نبيه، قولًا وعملًا يؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده (١)، وأن يقيمنا على الطريقة الرائدة في خدمة شريعته، وله الحمد في الأولى والآخرة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
стр. 18
الباب التمهيدي نظرة الشّريعة والقانون إلى تفسير النّصوص
البيان عند الأصوليين
ماهية تفسير النصوص
حول التفسير ومدارسه في القانون
стр. 19
الفصل الأول البيان عند الأصوليين
باب البيان في الأصول - على تشعُّب مسالكه وتنوُّع مذاهب العلماء فيه - وثيق الصلة بمناهج تفسير النصوص، أصيل العلاقة بها، يهدي إلى ذلك ما يجده الباحث في معاني الألفاظ، وتحديد المصطلحات، من صادق النسب بين البيان والتفسير.
لذا كان لزامًا أن يكون هذا الباب سبيلنا للكشف عن ماهية التفسير بالمعنى الذي نريد. ولسوف يعطينا ذلك مزيدًا من الوضوح في معالم استنباط الأحكام.
والبيان في اللغة: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور، فهو اسم لكل ما كشف عن معنى الكلام وأظهره (١).
قال أبو عثمان الجاحظ: (والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجاب دون الضمير) (٢).
ومنه قوله ﵊: "إن من البيان لسحرًا" (٣) وهكذا يستعمل البيان لغة في الإظهار والظهور.
стр. 20
ولم يبتعد الأصوليون عن المعنى اللغوي في تعريفهم للبيان، فهو عندهم (إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلًا عما تستَّر به).
واعتبار البيان الإظهار دون الظهور، هو ما جرى عليه الإمام الشافعي وأكثر علماء الأصول من الحنفية، وعلى رأسهم فخر الإسلام البزدوي (١) الذي قرر ذلك بقوله: (والمراد به - أي البيان - في هذا الباب عندنا الإظهار دون الظهور) (٢).
وقد عزا عبد العزيز البخاري (٣) شارح "أصول البزدوي" القول بالظهور، إلى بعض الحنفية، وأكثر الشافعية، مبينًا أنهم جنحوا إلى ذلك بناء على أن الأصل في البيان لغةً: الظهور، حيث يقال: بأن لي هذا المعنى بيانًا - أي ظهر واتضح -، وبان الهلال: أي ظهر وانكشف.
ولقد يؤيد ما ذهب إليه الأولون من جعل المراد بالبيان عندهم الإظهار دون الظهور، أي أن أكثر استعماله جاء بمعنى الإظهار، فإن الرجل إذا قال: بيّن فلان كذا بيانًا، يفهم منه العربي أنه أظهره إظهارًا لم يبقَ معه شك،
стр. 21
وإذا قيل: فلان ذو بيان، يراد منه الإظهار (١).
ولقد كثر ورود البيان في التنزيل بمعنى الإظهار، كما يرى في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تباركت أسماؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] أي إظهار معانيه وأحكامه وشرائعه إذا أشكل عليك يا محمد شيء من معانيه، أو إظهاره على لسانك بالوحي حتى تقرأه (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٤] (٣).
وإن رسول الله ﷺ قلّده الله أمانة البيان لما أنزل إليه من كتاب فكان مأمورًا بأن يبين للناس ما ينزل إليه (٤) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
ولم ينتقل الرسول صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، حتى أدّى أمانة البيان كما أمره مولاه وعهد إليه، ولو كان البيان بمعنى الظهور وهو العلم الواقع للمبيَّن له، لما كان رسول الله مؤديًا لتلك الأمانة (٥).
стр. 22
ومن هنا قرر عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار": أن (مَن جعل البيان بمعنى الظهور دون الإظهار، يلزمه القول: بأن كثيرًا من الأحكام لا يجب على من لا يتأمل في النصوص، كما أنه لا يجب الإيمان على من لا يتأمل في الآيات الدالة، ما لم يتبين لهم ذلك، ومردُّ ذلك: أن الظهور عبارة عن العلم للمكلف بما أريد منه، ولم يحصل له ذلك، وهذا فاسد) (١).
* * *
стр. 23
أنواع البيان
تمهيد:
بعد الذي مرّ من تعريف البيان في اللغة واصطلاح الأصوليين، يحسن أن نعلم أن لهذا البيان عند الأصوليين أنواعًا هي: بيان التقرير، بيان التغيير، بيان التبديل، بيان التفسير، ويضيف البعض: بيان الضرورة، ولكن الأمر يقتضينا من ناحية التاريخ والتطور: أن نعلم ما الذي كان قبل هذا التقسيم؟ وهذا ما يوجب الحديث عن البيان وأنواعه عند الإمام الشافعي ﵁، الذي كان أول من صنّف في هذا الموضوع. وسنكتفي باللمحة الموجزة، ونحن في طريقنا إلى التفصيل في الأنواع التي أشرنا إليها في مفتتح هذا الكلام.
١ - لا يجد الباحث في رسالة الإمام الشافعي - التي هي فيما بلغنا أول مدونة في أصول الفقه وتفسير النصوص - وَضْعَ أسماء اصطلاحية معينة للبيان حسب الغرض الذي يؤديه، بأن يكون ذلك البيان للتقرير أو للتفسير … إلى غير ذلك من الأغراض التي يكون به أداؤها، وإنما يجد عرضًا مفصلًا لوجوه البيان في الشريعة حيث يكون بكتاب، أو بسنة أو باجتهاد … إلخ، فهي وجوه متعددة وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفًا عند من يجهل لسان العرب (١).
فقد عقد محمد بن إدريس الشافعي في "رسالته" بابًا تحت عنوان (كيف البيان) ذكر تحته خمسة أوجه للبيان: أجملَها ثم فصَّل القول في كل واحد منها على حِدة، وقد شفع كل وجه منها بالأمثلة والشواهد التي توضح ما
стр. 24
أراد. ولعل من الخير أن نعرض هذا الإجمال ونترك التفصيل لمن شاء الاستقصاء. قال الشافعي ﵀:
(والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعّبة الفروع. فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده. وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب).
ثم كشف - رحمه الله تعالى - عن تلك الأوجه معدِّدًا لها بإجمال، وذلك قوله: (فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه، مما تعبدهم به، لما مضى من حكمه جلَّ ثناؤه: من وجوه:
فمنها: ما أبانه لخلقه نصًا. مثل جمل فرائضه، أن عليهم صلاة وزكاة وحجًا وصومًا. وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصَّ الزنى والخمر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بيّن نصًا.
ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه، مثلُ عدد الصلاة، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه.
ومنها: ما سنَّ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله، والانتهاء إلى حكمه؛ فمن قَبِل عن رسول الله فبفرض الله قَبِل.
ومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهادَ في طلبه، وابتلى طاعته في غيره مما فرض عليهم (١). فإنه يقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].
وبعد أن أورد الشافعي شواهد أخرى للاجتهاد (٢) عاد - كما أسلفنا - على كل وجه من أوجه البيان المذكورة بمزيد من الشرح والإيضاح (٣).
стр. 25
بعد رسالة الشافعي:
٢ - ولقد امتدت يد الاستقراء والتوسع في ميدان الاصطلاحات إلى مباحث البيان في تفسير النصوص، فرأينا الأصوليين - فيما بعد رسالة الشافعي - يقسمون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها من تقرير أو تفسير، أو تغيير أو تبديل … إلخ إلى أربعة أقسام، وأوصلها بعضهم إلى الخمسة (١).
فالقاضي أبو زيد الدبوسي (٢): يقسم البيان إلى أربعة أقسام هي:
بيان التقرير.
وبيان التفسير.
وبيان التغيير، وهو الاستثناء.
وبيان التبديل - وهو التعليق - بالشرط (٣).
وأوصلها شمس الأئمة السرخسي (٤) - إلى خمسة - حيث اتفق مع أبي زيد الدبوسي في الأربعة المذكورة، وضمّ إليها خامسًا وهو:
стр. 26
بيان الضرورة (١).
أما البزدوي الذي تابعه الأكثرون فيما بعد: فقد عدّها خمسة هي:
بيان التقرير.
بيان التفسير.
وبيان التغيير، وهو على نوعين: الاستثناء، والتعليق.
وبيان الضرورة.
وبيان التبديل، وهو: النسخ (٢).
وهكذا نرى أن ما اعتبره الدبوسي، والسرخسي: بيان تغيير، وبيان تبديل، هو عند البزدوي والأكثرين: بيان تبديل.
وأن الدبوسي لم يذكر: بيان الضرورة.
فاشترك السرخسي مع الدبوسي في جعل بيان التغيير هو: الاستثناء، وبيان التبديل هو: التعليق، وعدم اعتبار النسخ نوعًا من أنواع البيان.
واختلف عنه بأنه اعتبر بيان الضرورة؛ مع أن أبا زيد لم يأتِ على ذكره. فكانت أقسام البيان أربعة عند الدبوسي، وخمسة عند شمس الأئمة.
وقد اتفق السرخسي مع البزدوي ومن تابعه بأنها خمسة: منها بيان الضرورة، إلا أنه اختلف معه في عدم اعتبار النسخ: بيان تبديل.
وستعرض فيما يأتي لكل واحد من الأقسام الخمسة، لنرى مع أيُّها يلتقي ما نريده من "تفسير النصوص".
стр. 27
١ - بيان التقرير:
هذ أول وجه من أوجه البيان الخمسة التي اعتمدها البزدوي والأكثرون من بعده، كما مرّ وهي:
بيان التقرير، بيان التفسير، بيان التغيير، وبيان التبديل - وهو النسخ - وبيان الضرورة.
ويرى في هذه الأوجه أنها تنوعت حسب الوظيفة التي يؤديها كل واحد منها كما أسلفنا، فما كان وظيفته التقرير سمي: بيان التقرير. وما أدى غرض التفسير سمي: بيان التفسير، وهكذا … وذلك فيما عدا بيان الضرورة الذي سمّاه الآخرون باسم سببه كذلك؛ لأنه بيان بسبب الضرورة.
ومن هنا قرر العلماء: أن إضافة البيان إلى التقرير، والتغيير، والتبديل، هي من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه، كما في قولنا: علم الفقه، وعلم الطب … إلخ، أي بيانٌ، هو تقرير، وكذا في الباقي.
أما إضافة البيان إلى الضرورة في قولهم: بيان ضرورة، فذلك من قبيل إضافة الشيء إلى سببه، أي بيانٌ يحصل بالضرورة (١).
وبيان التقرير: هو تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقتَه، أو بما يقطع احتمال الخصوص؛ إن كان المؤكَّد عامًا (٢).
فمن الأول - وهو ما يقطع احتمال المجاز - لفظ: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من
стр. 28
قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
فإن (الطائر) في الآية يحتمل أن يستعمل في حقيقته استعمالًا مجازيًا، ذلك أن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، فيقال للبريد: طائر، مجازًا لأنه يسرع في مشيه، كما يقال: فلان يطير بهمته؛ وتقول للرجل: طِر في حاجتي، أي أسرع. فيكون قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تقريرًا لموجَب الحقيقة، وقطعًا لاحتمال المجاز، فالمراد بالطائر حقيقة: الطائر المعروف، وقد قطع احتمال المجاز؛ فكان بيان تقرير (١).
ومن الثاني: وهو ما يقطع احتمال الخصوص: لفظ: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠].
فإن لفظ: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ لفظ عام يشمل جميع الملائكة، ويحتمل الخصوص؛ بأن يكون المراد بعضهم، فقطع هذا الاحتمال قوله جلّ وعلا: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فكان ذلك بيانًا قاطعًا للاحتمال؛ وذلك أيضًا بيان التقرير (٢).
وقد ذكروا أن من بيان التقرير في مسائل الفقه: أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، ثم يقول: عنيت به الطلاق من النكاح، أي رفع قيد النكاح، وقد علل ذلك عبد العزيز البخاري بقوله: (لأن الطلاق - وإن كان رفع القيد في الأصل - غير مختص بالنكاح، لكنه صار مختصًا به في الشرع والعرف، فصار الطلاق برفع النكاح حقيقةً شرعيةً وعرفيةً. واحتمل رفع كل قيد باعتبار أصل الوضع. ولهذا لو نوى صدَقَ ديانة لا قضاء، فكان ذلك بمنزلة المجاز لهذه الحقيقة، فيقوله: (عنيت به الطلاق من النكاح، قرر مقتضى الكلام، وقطع احتمال المجاز) (٣).
стр. 29
وهكذا يكون بيان التقرير، كما يلاحظ في المثالين السابقين، قاطعًا للاحتمال، مقررًا للحكم على ما اقتضاء الظاهر، وذلك أوضح مراتب البيان (١).
٢ - بيان التغيير:
أما بيان التغيير: فهو كما يتضح من اسمه:
(البيان الذي فيه تغيير لموجب اللفظ من المعنى الظاهر إلى غيره).
قال منلا خسرو: (وحقيقته بيان أن الحكم لا يتناول بعض ما يتناوله لفظه، فوجب أن يتوقف أول الكلام على آخره حتى يصير المجموع كلامًا واحدًا، لئلا يلزم التناقض) (٢).
وذلك: كالتعليق بالشرط المؤخر في الذكر، كما في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار.
وكالاستثناء، وذلك كما في قوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة.
فلولا الشرط في قوله: إن دخلت الدار، لوقع الطلاق في الحال.
ولولا الاستثناء في قوله: إلا مائة، بعد ذكر الألف، لكان الواجب عليه ألفًا.
فبالإتيان بالشرط: صار الطلاق معلقًا، وبذكر الاستثناء: تغير وجوب المائة في ذمته، بعد أن كان الكلام يقتضي وجوب الألف.
وقد قرر العلماء: أن تسمية التعليق، والاستثناء، ونحوهما، بيانًا: مجازٌ، لأن الشرط في قوله: إن دخلت الدار، يبطل كون الكلام إيقاعًا، ويصيِّره يمينًا. والاستثناء في قوله: ألف إلا مائة: يبطل الكلام في حق المائة.
стр. 30
إلا أن في التعليق يبطل الكلام كله، وفي الاستثناء يبطل بعضه.
فالإبطال لا يكون بيانًا حقيقة، لكنه مجاز من حيث إنه يبين أن الرجل يحلف ولا يطلق في التعليق، وأن عليه تسعمائة لا ألفًا في الاستثناء (١).
وهكذا نرى أن هذا البيان هو في الحقيقة إبطال، لذلك كانت تسميته: بيانًا مجازًا.
هذا: ومثل الاستثناء والشرط: بدلُ البعض، نحو أكرم الرجالَ العلماءَ منهم، فإنه بيان تغيير، إذ بقوله: أكرم الرجال، يدخل العلماء وغيرهم، وبقوله: العلماء منهم، يخرج غير العلماء؛ فهو بيان تغيير (٢).
وكذلك الصفة: نحو أكرم بني تميم الطوال. والغاية: نحو أكرم الفقراء إلى أن يدخلوا، فيخرج الداخلون.
ويبدو أن الذين يذكرون هذه القيود، من استثناء، وشرط وغيرهما، على أنها من المغيِّرات، يذكرونها لا على سبيل الحصر، وإنما لاطراد التغيير بها، إذ قد يكون التغيير بغيرها، كما في العطف بعض الأحيان (٣).
على أن أبا زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي قد جعلا - كما أسلفنا - بيان التغيير منحصرًا بالاستثناء، واعتبرا التعليق بالشرط، بيان تبديل (٤).
стр. 31
٣ - بيان التبديل:
ومن أوجُه البيان عند العلماء: بيان التبديل، وهو: النسخ؛ وذلك أن يرد دليل شرعي متراخيًا عن دليل شرعي مقتضيًا خلاف حكمه؛ ولذلك عرفه الكثيرون بأنه: (بيان انتهاء حكم شرعي بدليل شرعي متراخ عنه) (١).
وقد يطلق النسخ على فعل الشارع، وإليه ذهب من قال: (هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر).
وإنما جعل النسخ من أوجه البيان، لأنه بيان انتهاء مدة الحكم (٢).
وقد كان فيما أسلفنا من القول، أن من العلماء كالقاضي أبي زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي: مَن يعتبر أن التعليق بالشرط، هو بيان التبديل، ولا يعدُّ النسخ من البيان.
ولقد انبنى هذا القول على أن النسخ رفع للحكم، لا إظهار للحكم، فحدُّ النسخ غير حدِّ البيان، نظرًا إلى أن النسخ - وإن كان بيان انتهاء مدة الحكم - لكن ذلك كائن في حق صاحب الشرع، فأما في حق العباد، فهو: رفع الحكم الثابت، وتبديله بحكم آخر، على ما كان معلومًا عندهم لو لم
стр. 32
ينزل الناسخ، قالوا: وذلك بمنزلة القتل، فهو انتهاء الأجل في حق صاحب الشرع، وقطع الحياة في حق العباد، حتى أوجب القصاص والدية (١).
وقد أجاب القائلون بأن النسخ بيان تبديل: بأنه بيان على كل حال، فقد سمّي بيان تبديل، لأن وجهَ كل من البيان والتبديل قد ثبت فيه. أما البيان فلكون النسخ - كما مر - بيانًا لانتهاء مدة الحكم عند الله، وأما التبديل فلكونه رفعًا وإبطالًا بالنسبة إلينا (٢).
هذا: وللعلماء مباحث مستفيضة في النسخ، تتناول - إلى جانب تعريفه وماذا يراد به - جواز وقوعه، ومحله، وشرطه، وطرائف معرفة وقوعه، كما تتناول الناسخ والمنسوخ من حيث نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالسنة، على ساحة الأحكام، والسنة بالكتاب، إلى غير ذلك من متعلقاته وما يرتبط به. يرى ذلك في مواطنه من كتب الأصول والتفسير (٣).
стр. 33
٤ - بيان الضرورة:
أما بيان الضرورة: فيعنون به البيان بسبب الضرورة والإضافة فيه - كما سلف - هي نوع من إضافة الشيء إلى سببه. وهو كما قال شمس الأئمة السرخسي: (نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل) (١) فهو نوع توضيح بما لم يوضع للتوضيح (٢)؛ لأن الموضوع للبيان في الأصل هو النطق، وهذا ما لم يقع البيان به، بل بالسكوت عنه لأجل الضرورة. ومن هنا اعتبر العلماء أن البيان وقع بسبب هذه الضرورة، بما لم يوضع له البيان (٣).
وعلى هذا: لم يعتبره القاضي أبو زيد الدبوسي من أوجه البيان - كما سلف - فكانت هذه الأوجه عند غيره خمسة، وعنده أربعة، والسرخسي اختلف معه في هذه، فاعتبر بيان الضرورة، وإن اتفق معه في شأن بيان التغيير، وعدم اعتبار النسخ وجهًا من وجوه البيان (٤).
وبيان الضرورة عند القائلين به على أربعة أنواع (٥):
النوع الأول: ما يكون في حكم المنطوق، وذلك بأن يدل النطق على حكم المسكوت عنه، لكونه لازمًا لملزوم مذكور.
وقد مثّلوا له بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
стр. 34
فإن قوله جلَّ وعلا: ﴿وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ﴾ في صدر الكلام، أوجب الشركة في الميراث من غير بيان نصيب كل من الأبوين.
وتخصيص الأم بالثلث في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ صار بيانًا لاستحقاق الأب للباقي من التركة وهو الثلثان؛ إذ إن صدر الكلام مسوق لبيان نصيب كل من الأب والأم (١).
وبذلك صار نصيب الأب، كالمنصوص عليه عند ذكر الأم، كأنه قيل: فلأمه الثلث ولأبيه ما بقي؛ لأن إثبات الشركة - كما قالوا - على وجه الاختصاص بالشركتين، وتعيين نصيب أحدهما: تعيينٌ لنصيب الآخر بالضرورة (٢).
وهكذا لم يحصل البيان بمجرد ترك التنصيص على نصيب الأب، بل بدلالة صدر الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ إذ صار نصيب الأب لذلك، كالمنصوص عليه (٣).
النوع الثاني: البيان بدلالة حال الساكت الذي وظيفته البيان، أو من شأنه التكلم في الحادثة؛ بسبب سكوته عند الحاجة إلى البيان (٤). لأن البيان
стр. 35
واجب عند الحاجة إليه، وذلك كسكوت صاحب الشرع صلوات الله عليه عن أمر يعاينه، من قول أو فعل، عن التغيير؛ كالذي شاهد من بياعات ومعاملات كان الناس يتعاملونها فيما بينهم، ومآكل ومشارب وملابس كانوا يستديمون مباشرتها، فأقرهم عليها، ولم ينكرها عليهم. فسكوته ﵊، وهو الموحى إليه بيان الشريعة، دلّ أن جميعها مباح في الشرع، إذ لا يجوز من النبي ﷺ أن يقر الناس على منكر محظور؛ ضرورة أن الشارع لا يسكت عن تغيير الباطل، وأن الله تعالى وصف نبيه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في قوله جلّ ذكره: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) فكان سكوته بيانًا، يدل على أن ما أقرهم عليه داخل في المعروف، خارج عن المنكر (١).
ومن هذا البيان: سكوت الصحابة على أمر يفتي به عالم منهم، أو قضاء يقضي به مسؤول، فقد جُعل سكونهم بيانًا، لسلامة الفتوى التي صدرت من ذلك الصحابي، أو ذلك القضاء الذي صدر عمّن قضى به، وأن الأمر لم يخرج عن دائرة الشرع؛ لأن الواجب عليهم البيان بصفة الكمال، فسكوتهم بعد وجوب البيان: بيان.
وقد ذكر علماء الحنفية مثالًا لذلك: سكوتهم - عليهم الرضوان - عن تقويم منفعة البدل في ولد المغرور، وهو الذي يطأ امرأة معتمدًا على ملك يمين، أو نكاح، على ظن أنها حرة، فتلد منه ثم تستحق. وقد قضى عمرُ في واقعة كهذه بالجارية لمولاها، وقضى على أبي الأولاد أن يفدي أولاده: الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، من حيث القيمة، وسكت عن تقويم منافع الأمة المستحقة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فكان سكوته دليلًا على أن قيمة المنافع غير مضمونة، لأن الموضع موضع حاجة إلى البيان (٢).
ومنه أيضًا: سكوت البكر في النكاح، إذا بلغها نكاح الولي؛ فقد جُعل
стр. 36
سكوتها بيانًا للرضا؛ وذلك لأجل الحياء الذي يمنعها من إظهار الرغبة في الرجال، وما دامت تستحيي من إظهار هذه الرغبة: اعتبر سكوتها إجازة بدلالة حالها (١).
النوع الثالث: دلالة السكوت الذي جُعل بيانًا لضرورة دفع وقوع الناس في الغرر. وقد مثّلوا له: بسكوت المولى إذا رأى عبده يبيع ويشتري؛ فإن سكوته عن النهي يُجعل - كما يقول السرخسي - إذنًا له في التجارة، لضرورة دفع الغرور عن أولئك الذين يعاملون العبد؛ فإن الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة مع عبده، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين من المولى، ويستدلون بسكوته على رضاه، وهكذا جُعل سكوته كالتصريح بالإذن، لضرورة دفع الغرور.
ومن هذا النوع عند البزدوي والسرخسي ومن تبعهما: سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع، فإن هذا السكوت من الشفيع في مثل هذه الحال: يُجعل بمنزلة إسقاط الشفعة، وإنما جعل كذلك، لضرورة دفع الغرر عن المشتري (٢).
النوع الرابع: ما يثبت ضرورة اختصار الكلام.
ومثاله عند الحنفية: ما إذا قال: لفلان عليّ مائة ودرهم، أو مائة ودينار، فإن ذلك بيان أن المعطوف وهو الدرهم أو الدينار من جنس المعطوف عليه وهو المائة؛ فيكون لفظ درهم، أو دينار، تفسيرًا لـ (مائة) في قوله: مائة درهم، أو مائة دينار؛ إذ كل من الدرهم والدينار بيّن بنفسه. ومثل البيِّن بنفسه: المقدرات الشرعية، كالمكيل والموزون؛ كأن يقول: لفلان عليّ مائة وقفيز حنطة، أو مائة وقنطار زيت؛ فإن كلًا من القفيز
стр. 37
والقنطار يكون بيانًا للمائة التي عطف عليها (١).
هذا ما ذهب إليه الحنفية، وخالف في ذلك الشافعية؛ فلم يعتبروا المعطوف بيانًا للمعطوف عليه في كلٍّ من الحالتين السابقتين؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ فالمائة مبهمة والعطف لم يوضع للتفسير، فيعود تفسير هذا المبهم للمبهِم نفسه وهكذا يُلزَم المقِرُّ بالمعطوف، ويكون القول قولَه في المعطوف عليه (٢).
٥ - بيان التفسير:
أما بيان التفسير: فهو عند العلماء: (بيان ما فيه خفاء) (٣) وقد مثّلوا لما فيه خفاء بـ (المشترك، والمجمل، والمشكل والخفي (٤) .... ).
على أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي قد اقتصرا
стр. 38
على ذكر المشترك والمجمل. حتى إذا جاء المتأخرون، أوضحوا أن الاقتصار على ذكر المشترك والمجمل، لم يكن للحصر، وإنما كان تسامحًا عند التمثيل؛ فعرّف عبد العزيز البخاري هذا النوع من البيان بقوله: (هو بيان ما فيه خفاء من المشترك والمجمل ونحوهما) (١). وبعد أن مثّل صاحب "مرآة الأصول" بأكثر من المجمل والمشترك قال: (وإن تخصيص المشايخ المشترك والمجمل بالذكر تسامح) (٢).
وهكذا: قد يكون سبب الغموض والخفاء في النص: وجود لفظ فيه مشترك بين معنيين أو أكثر - كما سيأتي - ولم يعلم عن الشارع تعيين الواحد في المعنيين، أو المعاني التي وضع لها اللفظ. يبدو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة: ٢٣٧).
فـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ مشترك بين الزوج والولي .. وقد اختلفت أنظار العلماء في المراد منه في الآية الكريمة، وكانوا في ذلك على مذاهب عند تفسير النص كما سيأتي.
كما يبدو في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلفظ (القرء) مشترك بين الحيض والطهر في أصل الوضع، وقد استعملته العرب في كليهما. ومن هنا اختلفت أنظار العلماء أيضًا في تحديد المراد منه في النص عند تفسيره (٣).
وقد يكون سبب الخفاء: الإجمال في اللفظ؛ كما إذا استعمل الشارع لفظًا في معنًى شرعي أراده، ولكنه أجمله ولم يفصِّله، مع أن للَّفظ معنًى خاصًّا به في الأصل.
стр. 39
وذلك كما يُرى في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والربا؛ فحين وردت هذه الألفاظ في نصوص الكتاب: لم يُرَدْ بها معانيها اللغوية، وإنما أريد بها معانٍ شرعيةٍ جاءت بمجيء الشريعة الجديدة، ولكن آيات الكتاب أجملت هذه الألفاظ ولم تبينها، وقد تكفلت السنن القولية والعملية ببيان هذا الإجمال وتفصيله، ليكون في مقدور المكلف أن يخرج من عهدة الامتثال لأوامر الشريعة، والاجتناب لنواهيها.
وقد يكون سبب الخفاء في النص: أن يكون فيه لفظ مشكل بأن يكون اللفظ مشتركًا كما أسلفنا، أو يكون فيه غرابة تدعو إلى ضرورة التفسير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ولفظ (هَلُوع) لفظ غريب فكان لا بد من إزالة هذه الغرابة، ليزول الغموض والخفاء؛ والذي فسره وقرب معناه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾.
وقد يرد الخفاء عند التطبيق؛ كأن يكون في النص لفظ ظاهر فيما وضع له، ولكن التبس الأمر عند التطبيق على بعض الأفراد؛ لوجود وصف زائد في الفرد الجديد، أو نقصٍ فيه، أو لأي سبب من أسباب الالتباس، حيث يحتاج عند التطبيق إلى نظر، وتأمُّل، واستعانة بأمر خارج عن الصيغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. حيث اشتبه الأمر عند تطبيق (السارق) على مرتكب جريمة فيها وصفُ زيادة أو نقص على السرقة؛ كالنبَّاش والطرَّار. ومن هنا يُرى أن الخفاء يمكن أن يكون من ذات اللفظ؛ كما في (المجمل، والمشكل) ويمكن أن يكون لعارض كما في (الخفي) (١).
وهكذا يكون بيان الخفاء في وظيفة (بيان التفسير) شاملًا لما قد يكون من عمل الشارع؛ كما في (المجمل)، ولما قد يكون من عمل المجتهد كما في (المشكل، والخفي).
هذا: ومما اختلف فيه عند العلماء (التخصيص) الذي هو: قصر العام على بعض أفراده:
стр. 40
فذهب الشافعية إلى أنه بيان تفسير.
وذهب الحنفية إلى أنه بيان تغيير.
ومرد هذا الاختلاف: الحكم على دلالة العام على أفراده التي يشملها قبل التخصيص؛ هل هي دلالة قطعية، أو ظنية؟ فهي دلالة ظنية عند الشافعية - كما سيأتي في حينه - وقطعية عند الحنفية.
وبناء على ذلك: كان التخصيص: بيانَ تفسير عند الشافعية؛ لأنه يفسر موجَب العام، ويوضح أنه يوجب الحكم في بعض الأفراد التي يشملها العام فقط.
وكان بيانَ تغيير عند الحنفية؛ لأن التخصيص ينزل بدلالة العام من القطعية إلى الظنية، إذ إن من المتفق عليه: أن العام بعد التخصيص، يصبح ظنيَّ الدلالة (١).
هذا: وقد عدّ البزدوي والسرخسي وغيرهما من (بيان التفسير) في مسائل الفقه: قول الرجل لامرأته: أنت بائن، أو أنت عليّ حرام، أو غير ذلك من الكنايات ثم قوله: عنيت به الطلاق، فإن قوله: (عنيت به الطلاق) يكون بيان تفسير، ذلك لأن البينونة والحرمة مشتركة محتملة المعاني؛ فإذا قال: عنيت بهذا الكلام الطلاقَ، فقد رفع الإبهام، فكان بيان تفسير، ثم بعد التفسير يجب العمل بأصل الكلام فتقع البينونة والحرمة.
ومن بيان التفسير أيضًا ما إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم - وفي البلد نقود مختلفة - كان (مشكلًا) لدخول المبلغ المقر به في أشكاله من النقود، فإذا قال: عنيت به نقد كذا: زال الإشكال، وصار هذا الكلام تفسيرًا له. قال السرخسي: (وسائر الكنايات في الطلاق والعناق على هذا أيضًا) (٢).