← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سكوتها بيانًا للرضا؛ وذلك لأجل الحياء الذي يمنعها من إظهار الرغبة في الرجال، وما دامت تستحيي من إظهار هذه الرغبة: اعتبر سكوتها إجازة بدلالة حالها (١). النوع الثالث: دلالة السكوت الذي جُعل بيانًا لضرورة دفع وقوع الناس في الغرر. وقد مثّلوا له: بسكوت المولى إذا رأى عبده يبيع ويشتري؛ فإن سكوته عن النهي يُجعل - كما يقول السرخسي - إذنًا له في التجارة، لضرورة دفع الغرور عن أولئك الذين يعاملون العبد؛ فإن الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة مع عبده، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين من المولى، ويستدلون بسكوته على رضاه، وهكذا جُعل سكوته كالتصريح بالإذن، لضرورة دفع الغرور. ومن هذا النوع عند البزدوي والسرخسي ومن تبعهما: سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع، فإن هذا السكوت من الشفيع في مثل هذه الحال: يُجعل بمنزلة إسقاط الشفعة، وإنما جعل كذلك، لضرورة دفع الغرر عن المشتري (٢). النوع الرابع: ما يثبت ضرورة اختصار الكلام. ومثاله عند الحنفية: ما إذا قال: لفلان عليّ مائة ودرهم، أو مائة ودينار، فإن ذلك بيان أن المعطوف وهو الدرهم أو الدينار من جنس المعطوف عليه وهو المائة؛ فيكون لفظ درهم، أو دينار، تفسيرًا لـ (مائة) في قوله: مائة درهم، أو مائة دينار؛ إذ كل من الدرهم والدينار بيّن بنفسه. ومثل البيِّن بنفسه: المقدرات الشرعية، كالمكيل والموزون؛ كأن يقول: لفلان عليّ مائة وقفيز حنطة، أو مائة وقنطار زيت؛ فإن كلًا من القفيز

стр. 37

والقنطار يكون بيانًا للمائة التي عطف عليها (١). هذا ما ذهب إليه الحنفية، وخالف في ذلك الشافعية؛ فلم يعتبروا المعطوف بيانًا للمعطوف عليه في كلٍّ من الحالتين السابقتين؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ فالمائة مبهمة والعطف لم يوضع للتفسير، فيعود تفسير هذا المبهم للمبهِم نفسه وهكذا يُلزَم المقِرُّ بالمعطوف، ويكون القول قولَه في المعطوف عليه (٢). ٥ - بيان التفسير: أما بيان التفسير: فهو عند العلماء: (بيان ما فيه خفاء) (٣) وقد مثّلوا لما فيه خفاء بـ (المشترك، والمجمل، والمشكل والخفي (٤) .... ). على أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي قد اقتصرا

стр. 38

على ذكر المشترك والمجمل. حتى إذا جاء المتأخرون، أوضحوا أن الاقتصار على ذكر المشترك والمجمل، لم يكن للحصر، وإنما كان تسامحًا عند التمثيل؛ فعرّف عبد العزيز البخاري هذا النوع من البيان بقوله: (هو بيان ما فيه خفاء من المشترك والمجمل ونحوهما) (١). وبعد أن مثّل صاحب "مرآة الأصول" بأكثر من المجمل والمشترك قال: (وإن تخصيص المشايخ المشترك والمجمل بالذكر تسامح) (٢). وهكذا: قد يكون سبب الغموض والخفاء في النص: وجود لفظ فيه مشترك بين معنيين أو أكثر - كما سيأتي - ولم يعلم عن الشارع تعيين الواحد في المعنيين، أو المعاني التي وضع لها اللفظ. يبدو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة: ٢٣٧). فـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ مشترك بين الزوج والولي .. وقد اختلفت أنظار العلماء في المراد منه في الآية الكريمة، وكانوا في ذلك على مذاهب عند تفسير النص كما سيأتي. كما يبدو في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلفظ (القرء) مشترك بين الحيض والطهر في أصل الوضع، وقد استعملته العرب في كليهما. ومن هنا اختلفت أنظار العلماء أيضًا في تحديد المراد منه في النص عند تفسيره (٣). وقد يكون سبب الخفاء: الإجمال في اللفظ؛ كما إذا استعمل الشارع لفظًا في معنًى شرعي أراده، ولكنه أجمله ولم يفصِّله، مع أن للَّفظ معنًى خاصًّا به في الأصل.

стр. 39

وذلك كما يُرى في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والربا؛ فحين وردت هذه الألفاظ في نصوص الكتاب: لم يُرَدْ بها معانيها اللغوية، وإنما أريد بها معانٍ شرعيةٍ جاءت بمجيء الشريعة الجديدة، ولكن آيات الكتاب أجملت هذه الألفاظ ولم تبينها، وقد تكفلت السنن القولية والعملية ببيان هذا الإجمال وتفصيله، ليكون في مقدور المكلف أن يخرج من عهدة الامتثال لأوامر الشريعة، والاجتناب لنواهيها. وقد يكون سبب الخفاء في النص: أن يكون فيه لفظ مشكل بأن يكون اللفظ مشتركًا كما أسلفنا، أو يكون فيه غرابة تدعو إلى ضرورة التفسير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ولفظ (هَلُوع) لفظ غريب فكان لا بد من إزالة هذه الغرابة، ليزول الغموض والخفاء؛ والذي فسره وقرب معناه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾. وقد يرد الخفاء عند التطبيق؛ كأن يكون في النص لفظ ظاهر فيما وضع له، ولكن التبس الأمر عند التطبيق على بعض الأفراد؛ لوجود وصف زائد في الفرد الجديد، أو نقصٍ فيه، أو لأي سبب من أسباب الالتباس، حيث يحتاج عند التطبيق إلى نظر، وتأمُّل، واستعانة بأمر خارج عن الصيغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. حيث اشتبه الأمر عند تطبيق (السارق) على مرتكب جريمة فيها وصفُ زيادة أو نقص على السرقة؛ كالنبَّاش والطرَّار. ومن هنا يُرى أن الخفاء يمكن أن يكون من ذات اللفظ؛ كما في (المجمل، والمشكل) ويمكن أن يكون لعارض كما في (الخفي) (١). وهكذا يكون بيان الخفاء في وظيفة (بيان التفسير) شاملًا لما قد يكون من عمل الشارع؛ كما في (المجمل)، ولما قد يكون من عمل المجتهد كما في (المشكل، والخفي). هذا: ومما اختلف فيه عند العلماء (التخصيص) الذي هو: قصر العام على بعض أفراده:

стр. 40

فذهب الشافعية إلى أنه بيان تفسير. وذهب الحنفية إلى أنه بيان تغيير. ومرد هذا الاختلاف: الحكم على دلالة العام على أفراده التي يشملها قبل التخصيص؛ هل هي دلالة قطعية، أو ظنية؟ فهي دلالة ظنية عند الشافعية - كما سيأتي في حينه - وقطعية عند الحنفية. وبناء على ذلك: كان التخصيص: بيانَ تفسير عند الشافعية؛ لأنه يفسر موجَب العام، ويوضح أنه يوجب الحكم في بعض الأفراد التي يشملها العام فقط. وكان بيانَ تغيير عند الحنفية؛ لأن التخصيص ينزل بدلالة العام من القطعية إلى الظنية، إذ إن من المتفق عليه: أن العام بعد التخصيص، يصبح ظنيَّ الدلالة (١). هذا: وقد عدّ البزدوي والسرخسي وغيرهما من (بيان التفسير) في مسائل الفقه: قول الرجل لامرأته: أنت بائن، أو أنت عليّ حرام، أو غير ذلك من الكنايات ثم قوله: عنيت به الطلاق، فإن قوله: (عنيت به الطلاق) يكون بيان تفسير، ذلك لأن البينونة والحرمة مشتركة محتملة المعاني؛ فإذا قال: عنيت بهذا الكلام الطلاقَ، فقد رفع الإبهام، فكان بيان تفسير، ثم بعد التفسير يجب العمل بأصل الكلام فتقع البينونة والحرمة. ومن بيان التفسير أيضًا ما إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم - وفي البلد نقود مختلفة - كان (مشكلًا) لدخول المبلغ المقر به في أشكاله من النقود، فإذا قال: عنيت به نقد كذا: زال الإشكال، وصار هذا الكلام تفسيرًا له. قال السرخسي: (وسائر الكنايات في الطلاق والعناق على هذا أيضًا) (٢).

стр. 41

النصوص المرادة في البحث أما النصوص التي نريدها بقولنا: "تفسير النصوص"، فهي نصوص الأحكام من الكتاب والسنة (١). والكتاب: "هو اللفظ العربي المعجز المنزل وحيًا على محمد صلوات الله وسلامه عليه، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب في المصاحف، المتعبَّد بتلاوته". أما السنة فهي: ما أُثر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. ويلتقي الكتاب والسنة بأن كلًا منهما وحي من عند الله تعالى، ولكن الكتاب وحي متلو، والسنة وحي غير متلو، والقرآن متواتر فهو قطعي الثبوت، والسنة قليلها متواتر، وأكثرها أخبار آحاد، لذا كانت ظنيَّة الثبوت بجملتها. ولا تستدعي الظنية عدم القبول، كما قد يتوهم البعض في عصرنا ولكنها في مقابل القطعية بالتواتر من الناحية الاصطلاحية. والحديث الصحيح - ولو كان خبر آحاد - يوجب العلم قطعًا، ويرى كثير من الأئمة: الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم: أنه يوجب العمل والعلم جميعًا. على أن لفظ "الظن" من المشترك وقد جاء في القرآن غير مرة بمعنى

стр. 42

اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]. وعلى هذا: فنصوص الكتاب والسنة في تفسير النصوص واستنباط الأحكام: تلتقي في نقطة الاستنباط وتفترق في أن النص لا بد أن يكون على مستوى الاستنباط؛ فالقرآن الكريم مفروغ من قطعية ثبوته. أما نصوص السنة: فلا بد من معرفة حكم العلماء الأفذاذ ﵏ عليها بالقبول أو الرد وقد حصل ذلك - بحمد الله - على أكمل وجه، ولله الفضل والمنة. ومن الخير أن نقرر أنه لا بد أن تكون نصوص السنة من ناحية الصحة، على مستوى الصلاحية لأن تؤخذ منها الأحكام. وإذا كنا نعني بالنصوص: نصوص الكتاب والسنة: فلان مرد سائر الأدلة الشرعية إليها: فالكتاب والسنّة هما أساس التشريع وقوام أحكام الإسلام. وما عداهما من الأدلة مستنبط منهما ومآله إليهما. علمًا بأن المقبول في مجال الأحكام من الأحاديث: هو الحديث الصحيح، والحديث الحسن. والحديث الصحيح: "هو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة". أما الحديث الحسن: فهو أدنى درجة من الصحيح وهو عند العلماء على نوعين: أولهما: الحسن لذاته وهو: "ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطًا غير تام إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة". الثاني: الحسن لغيره وهو: "الحديث الذي لا يخلو سنده من راوٍ مستورٍ ولكن ضعفه ليس بكثرة الخطأ أو اتصافه بمفسق كتهمة الكذب، أو أن يروي الحديث شيخ الراوي المستور، أو من فوقه بلفظه أو بمعناه". وقد تضافرت جهود العلماء على تأكيد مقام الكتاب والسنّة من شريعة الإسلام، ووجوب التزام الأوامر فيهما واجتناب المناهي.

стр. 43

قال ابن حزم في شأن القرآن: (ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهدُ الله إلينا والذي ألزمَنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصحّ ينقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه: أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها: وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصلَ المرجوع إليه، لأننا وجدنا فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فما في القرآن من أمر ونهي: فواجبٌ الوقوف عنده) (١). وقال في شأن السنّة: (لما بيّنّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع: نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] (٢). فصحّ لنا بذلك أن الوحي من الله إلى رسوله ﷺ على قسمين: أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظم - وهو القرآن -. والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظم ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ ، وهو المبين عن الله مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ثم قال أبو محمد: (ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول - الذي هو القرآن - ولا فرق (٣)، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. مظان البحث في نصوص الأحكام: هذا: ويرى المتتبع لنصوص الكتاب والسنّة، التي هي آيات الأحكام وأحاديث الأحكام فيما نحن بصدده من البحث، أن مظان النصوص في

стр. 44

ثروتنا التشريعية من ناحية التأليف، كانت في عدة ميادين؛ فآيات الأحكام مظانها كما يلي: أولًا: كتب التفسير؛ كتفسير ابن جرير الطبري وهو "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، و "الكشاف" للزمخشري، وتفسير القرطبي وهو "الجامع لأحكام القرآن". ثانيًا: كتب السنة فقد درج الأئمة عند تصنيف هذه الكتب على إفراد باب خاص للتفسير، إلا ما كان من أمر المسانيد؛ فإن العلاقة مرتبطة بالمروي عنه، وليس من تقسيم للموضوعات، حتى يكون للتفسير باب خاص به. ثالثًا: كتب الأصول وكتب الفقه. * * * كتب أحكام القرآن: على أن كثيرًا من العلماء قد عنوا عناية خاصة بآيات الأحكام - وقد قدّرها الغزالي وابن العربي بخمسمائة آية - وكانوا في ذلك فريقين: ١ - فريق أتى بها مع غيرها، وأفردها بالعناية والتوجيه الفقهي عند استنباط الأحكام، كما نرى في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي. ٢ - فريق أفردها بالتفسير فيما سمي بـ "أحكام القرآن"، وقد ذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" عددًا من هذه المؤلفات، منها: "أحكام القرآن" للشافعي وهو أول من صنف فيه. "أحكام القرآن" لأبي الحسن علي بن حجر المتوفى سنة ٢٨٢. "أحكام القرآن" لأبي الحسن علي بن موسى القمي الحنفي المتوفى سنة ٣٠٥. "أحكام القرآن" لأبي جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى سنة ٣٢١.

стр. 45

"أحكام القرآن" للقاسم بن أصبع القرطبي المتوفى سنة ٣٤٠. وقد أوصل العدد إلى ثلاثة عشر مؤلفًا. وكان فيما ذكره إضافة إلى ما قدّمنا ما هو مطبوع متداول معروف كـ "أحكام القرآن" لأبي بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠. و "أحكام القرآن" لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ وقد جمعه من كلام الشافعي ﵀. و "أحكام القرآن" للقاضي محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة ٥٤٣ وهو تفسير خمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلفين. و "أحكام القرآن" لأبي الحسن المعروف بالكيا الهراسي الطبري البغدادي الشافعي المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. وهو مخطوط (١). قلت: ثم طبع محققًا على غير ما يرتضيه الباحثون المدققون. وقد حالت بيني وبين إخراجه من قبل ظروف، أستعين الله على تذليلها. * * * مظان أحاديث الأحكام: أما مظان أحاديث الأحكام فهي: ١ - كتب المسانيد، والصحاح، والسنن والآثار .. كما في "موطأ مالك"، و"مسند أحمد"، والكتب السنة، و"سنن الدارقطني"، و "السنن الكبرى" للبيهقي وغيرها .. والتعداد هنا ليس على سبيل الحصر. ٢ - كتب التفسير، لأن السنة بيان للقرآن. ٣ - ثم كتب الأحكام من أصول الفقه، وفقه، وكل ما يمُتُّ إلى ذلك بصلة.

стр. 46

والذي يلاحظ أن كتب السنن والآثار قد رتبت على حسب الأبواب من الفقه وغيره؛ فأحاديث الأحكام يجدها الباحث منشورة في أبواب الفقه، وأول من بدأ ذلك الإمام البخاري ﵀، الذي أبدع أيما إبداع في عقد الصلة بين الحديث أو جزء منه، وبين العنوان الذي يضعه، له حتى عُدَّ وضعه للعناوين على الأحاديث أو جزء منها: دلالة على فقهه ﵀ لأنه يكرر الحديث أو يقطِّعه حسبما يؤخذ منه من الأحكام، ولذلك فقد يذكره في أكثر من مناسبة، وكثيرًا ما يأتي بآية من القرآن عنوانًا لمجموعة من الأحاديث ترتبط مع هذه الآية بنوعية الحكم. والحافظ ابن حجر العسقلاني الذي شرح "صحيح البخاري" بكتابه المشهور "فتح الباري" أفرد للحديث عن كتاب "الصحيح" وصاحبه، وعن منهجه في شرح الكتاب جزءًا خاصًّا اعتبره مقدمة للفتح. وكان مما قاله عن البخاري في هذه المقدمة: (ثم رأى - يعني البخاري - ألّا يخليه - أي الصحيح - من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام. فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة، قال الشيخ محيي الدين - يعني الإمام النووي - نفع الله به: (ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى: أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر فيه على قوله فيه خلاف عن النبي ﷺ أو نحو ذلك. وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا) (١). وعندما تحدّث ابن حجر عن ضابط تراجم الأحاديث عند البخاري: بيّن أنه قد يأتي في الترجمة بلفظ المترجم له، أو بعضه، أو بمعناه، وأوضح أن ذلك قد يكون في الغالب ناشئًا عن احتمال لفظ الترجمة لأكثر من معنًى

стр. 47

واحد، فيعين البخاري أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث، وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك؛ بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة. وقد قرّر صاحب "الفتح" أن (الترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام: الخصوص، أو بهذا الحديث الخاص: العموم. . . أو أن ذلك الخاص: مراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل). ثم قال الحافظ ﵀: (وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه) (١). * * * كتب أحاديث الأحكام: على أن بعض العلماء لم يعفوا أنفسهم من إفراد أحاديث الأحكام بمؤلفات خاصة كما نرى في "شرح معاني الآثار" لأبي جعفر الطحاوي، و "معالم السنن" للخطابي الذي اختار مجموعة كبرى من أحاديث الأحكام من "سنن أبي داود" وشرحها و "منتقى الأخبار" للمجد بن تيمية الذي شرحه الشوكاني بكتابه المشهور "نيل الأوطار" و "بلوغ المرام" لابن حجر العسقلاني حيث شرحه الصنعاني بكتابه "سبل السلام" و "الإلمام" لابن قدامة الذي شرحه ابن دقيق العيد في كتابه "الإحكام". * * *

стр. 48

الفصل الثاني ماهية تفسير النصوص ويهمنا الآن: أن نحدد طبيعة العلاقة - التي أشرنا إليها من قبل - بين البيان، وبين ما نريده من (تفسير النصوص). ولئن كنا نعني بالنصوص - كما تقدم - نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة (١) - أعني المقبولة عند أهل الجرح والتعديل -. إننا نعني بالتفسير: (بيان معاني الألفاظ، ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يُفهم من النص). فإذا وضحَ ذلك، علمنا أن ما يرتبط من أوجه البيان السالفة الذكر بما نريد: إنما هو (بيان التفسير). فبيان الضرورة لا دخل له جوهريًا فيما نحن فيه، إذ إن دلالته قائمة على الضرورة، حيث اعتبر السكوت بيانًا من أجلها مع أن الأصل في البيان النطق، فليس في بيان الضرورة نص يراد تفسيره، وإن كان لا غنًى للمفسر عن الإحاطة بمدلول السكوت في واقعة ما، للاستعانة على تفسير نص مرتبط بها. والأوجه الثلاثة الباقية من بيان التقرير، والتغيير، والتبديل - عند من يعد التبديل من البيان - كلُّها واقعة من قبل الشارع، وليست من عمل المجتهد الذي يقتصر عمله على البحث عن وجودها؛ فلا علاقة لها بإزالة خفاء، أو إيضاح إبهام من قبله، إلا ما يكون من معرفة وجودها وثبوتها خصوصًا (النسخ). أما بيان التفسير: وهو: بيان ما فيه خفاء، فينطوي تحته - كما سبق -

стр. 49

بيان الشارع للمجمل، وبيان المجتهد لبقية أحوال الخفاء؛ فالمجال متسع للكشف عن المعاني وإظهارها وتبينها. وإذا كان لا بد لمن يقوم بتفسير النص: من معرفة ما وقع لهذا النص من أوجه البيان؛ فإن العلاقة المباشرة كائنة ببيان التفسير، والتفسيرُ بالمعنى الذي أردناه: مرتبط تمام الارتباط بإزالة الغموض إن وجد. فمن وظيفة المفسِّر أن يعمل بالبحث والاجتهاد على إزالة الغموض. ولقد يكون من عمله: إدراك ما إذا كان هنالك بيان من الشارع لما يريد تفسيره، أو نسخ له مثلًا، وما إذا كان هنالك تعارض ظاهري مع نص آخر. وعند ذلك يكون عمله: فيما وراء الساحة، التي صدر فيها عن الشارع بيان. على أن ما نراه من هذا الارتباط ببيان التفسير: لا ينفي أن التفسير بالمعنى الذي نعنيه، لا يبتعد عن أصل معنى البيان: وهو الإظهار والكشف، عندما نعبر عنه ببيان معاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام، للعمل بالنص على وضع يفهم من النص. فمن التفسير: معرفة مرامي الألفاظ التي منها الواضح، ومنها المبهم، وإن كان بعض الواضح لا يخلو من احتمال - كما سيأتي -. وكذلك فإن منه: معرفة دلالات الألفاظ على الأحكام، حيث تتعدد وجوهها ومناحيها؛ فليس كل نص تكون دلالته على الحكم بعبارته، بل غير العبارة من طرق الدلالة على الحكم: متعدد، من إشارة ودلالة واقتضاء (١) وإن شئت فقل: دلالة اللفظ فيها (المنطوق) وفيها (المفهوم)، وتحت المنطوق والمفهوم تنطوي كل طرق دلالة الألفاظ على المعاني والأحكام. ثم إن من التفسير: إدراك معاني الألفاظ في حالات (عمومها،

стр. 50

واشتراكها)؛ كيف يكون شمولها، ونوع دلالتها على ما تشمل من أفراد، وكذلك في حالات (حصوصها) حين يكون اللفظ مطلقًا أو مقيدًا، أو صيغة من صيغ التكليف في أمر أو نهي؛ وذلك من حيث علاقةُ المطلق بالمقيد ومتى يؤخذ بالمطلق على إطلاقه ومتى يجب تقييده، ثم من حيث دلالة صيغة التكليف، والعمل الذي في حدوده يخرج المكلف من عهدة الامتثال، وإذا كانت الصيغة نهيًا: ما هو أثر النهي في المنهي عنه (١). . . إلخ. وهكذا تكون منافذ الاجتهاد مفتحة أمام المجتهد لبيان ما فيه خفاء في ظل ما ندعوه (بيان التفسير). علاقة هذا التفسير بالقول بالرأي: هذا: ونودُّ أن نقرر أن تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة بالمعنى الذي قررناه والذي اعتبر نوعًا من الاجتهاد، هو من التفسير المحمود الذي ترضى عنه الشريعة، ولا يتعارض مع مبادئ الكتاب والسنّة، فكله كائن فيما وراء بيان النبي ﷺ ، وما أثر عن سلف هذه الأمة. والذي يدعونا إلى ذلك: ما ثار من اختلاف بين العلماء - فيما يختص بتفسير القرآن - حول القول فيه بالرأي؛ فمن مجيز ومن محرَّم، وكان مردُّ ذلك آثارًا وردت في الموضوع، دعت إلى تعدد الأنظار، وتنوع المذاهب والمسالك. فقد روى سعيد بن جبير (٢) عن ابن عباس (٣) أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 51

"اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (١). وروي عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "مَن قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" (٢) وقد ورد عن أبي بكر الصدّيق ﵁ قوله: "أي أرض تُقِلُّني وأي سماء تُظِلُّني إذا قلت في القرآن برأيي" (٣). وكان جماع ما ذهب إليه الأكثرون من سلف هذه الأمة وخلفها - على تنوُّع السبل التي أُثرت عنهم في ذلك -: حمل هذه النصوص على التفسير الذي يخرج عن سَنن الشريعة في كتابها وسنتها ولسانها. فهذا إمام المفسرين أبو جعفر الطبري (٤) يرى أن ذم التفسير بالرأي

стр. 52

محمول على ما كان من تأويل نصوص الكتاب، بما لا يدرَك علمُه إلا بنص بيان من رسول الله ﷺ ، أو بدلالة قد نصَّها دالةٍ أمته على تأويله. وذلك كما في تفصيل مجمله، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه، وما أشبه ذلك من أحكام آي الكتاب التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته. فقد أتى أبو جعفر بالآثار الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، وبعد أن أوضح حَمْلَ ذلك على القول فيما لا يدرك علمه إلا ببيان من الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: (بل القائل في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كان من فعلٍ يقبله فيه برأيه لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم). قال أبو جعفر (وقد حرّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] (١). وإذن: فما كان وراء ذلك، فجائز القول فيه بالرأي، ولا يدخل في نطاق المحظور المنهي عنه. وجاء الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فزاد الأمر وضوحًا، حين قرر أن التفسير بالرأي جائز إلا في موضعين: الموضع الأول: أن يكون التفسير بالهوى، أو بأن يكون للمفسِّر في موضوع الآية رأي معين، وله ميل إليه بطبعه، فيتأول النص القرآني على

стр. 53

وفق رأيه وهواه: ليحتج به على تصحيح غرضه وما يجنح إليه، ولو لم يكن له ذلك الميل، لم يطرق ذلك الباب من التفسير. وقد بيّن أبو حامد أن هذا تارة يكون مع العلم؛ كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبِّس به على خصمه. وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه أي أن رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، فلولا رأيُه: لما كان يترجح عنده ذلك التفسير. وتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلًا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [طه] ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون. وكالذي يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله ﷺ ، فيما رواه الشيخان: "تسحّروا فإن في السحور بركة" وهو يعلم أن المراد به الأكل. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة تحسينًا للكلام وترغيبًا، وهو ممنوع. وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل. وينزِّلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعًا أنها غير مرادة (١). فهذا هو الرأي المذموم المنهي عن القول به. وعلى ذلك: تكون النصوص الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، منصبّة على هذا الرأي الفاسد الذي كان قوامه الهوى، لا الاجتهاد الصحيح. الموضع الثاني: المسارعة إلى تفسير نصوص الكتاب، بظواهر الألفاظ

стр. 54

في الآيات، من غير معرفة بالمنقول من الآثار في موضوعها، كما في أخبار الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، وأدُّوا إلينا من السنن ما يكون بيانًا للكتاب، ومن غير مقابلةٍ لتلك الآيات بعضها ببعض حسب موقع كل منها من السياق وسبب النزول، كل ذلك مع التعرِّي عن معرفة الأعراف الشرعية؛ التي أدخلت كثيرًا من المعاني في ظهور جديد وعدم العلم بغرائب القرآن ومبهماته وأساليبه البيانية من إضمار، وحذف، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك، وأساليب الاستنباط منه، من معرفة وجوه دلالة الألفاظ على معانيها، وحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد. فالتفسير في مثل هذه الحال: تفسير بالرأي، عارٍ عن مؤهلات النظر ووسائل المعرفة بمدلولات نصوص الكتاب، يعرض صاحبه للزلل والانحراف. فمَن لم يُحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية - كما يقول الغزالي - كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، وعلى هذا: فلا بد - إلى جانب العربية - من السماع والنقل في ظاهر التفسير أولًا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهُّم والاستنباط (١). ومما لا شك فيه: أن الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن - وهو ما يستنبطه العلماء من دقيق المعاني - إلا بإحكام الظاهر (٢)، ففي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] المعنى وأتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية مبينة، على صدق رسالته،

стр. 55

فظلموا أنفسهم بعقرها؛ فالأخذ بظاهر العربية فحسب، يجعل الناظر في الآية يظن أن لفظ (مبصرة) هو من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة وصفٌ لها في المعنى، ولا يدري بعد ذلك بماذا ظلموا أنفسهم وغيرهم. فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال ذلك في القرآن كثير (١). ومن هنا قال ابن عطية في معنى خطأ القائل في القرآن برأيه وإن أصاب: (ومعنى هذا أن يُسألَ الرجل عن شيء من كتاب الله ، فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلم: كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة: ليس قائلًا لمجرد رأيه). وقال القرطبي بعد أن نقل هذا الكلام: (قلت هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال بما سنح في وهمه، وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول: فهو مخطئ، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها: فهو ممدوح) (٢). تفسير جائز ومطلوب: وهكذا يتقرر لدينا المبدأ الذي يجعل حظر القول في القرآن بالرأي، محدودًا في نطاق التفسير في ظل الهوى والشهوة، والبُعد عن لغة الكتاب التي بها نزل، والمجافاة لما صحّ من السنة وآثار السلف، إذ إن التفسير في هذه الحال اجتهاد لا ينبني على قوانين علم ونظر، بل هو على شفا جرف هارِ، وحسبك أنه قول من غير علم ولا هدًى، وجنوح إلى الرأي والهوى. والباحث في هذا الموضوع: لا يعجزه أن يجد الأدلة المتضافرة على جواز التفسير بالرأي فيما وراء الحدود التي سلف عنها الحديث.

стр. 56

١ - ففي الكتاب: كثير من النصوص التي تدعو إلى تدبُّر القرآن الكريم وتعقُّله وذلك للاستنارة بهديه والاعتبار بآياته، والعمل بأحكامه، والإفادة من إرشاده وعظاته. قال الله جل ذكره: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد ﷺ ]- أي بل على قلوب أقفالها - وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص]. ومعلوم أن تدبُّر القرآن الكريم - ليتسنى العمل به - لا يمكن بدون فهم معانيه. وقال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف] وعقل الكلام متضمن لفهمه، ولا شك أن كل كلام؛ فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، والقرآن الكريم لفظ ومعنى. ومن هنا جاء القرآن الكريم على ذكر الاستنباط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وهذا واضح في الدلالة على أن في هذا الكتاب ما يستنبطه أهل المعرفة العلماء باجتهادهم وعلمهم، بحيث يُعملون عقولهم، ويستخدمون قوانين العلم والنظر، للوصول إلى تلك المعاني. ومن هنا كانت الحقيقة الراسخة عند العلماء: أن البُعد عن التفسير ضمن حدود اللغة والشريعة: عدول عما تعبّدنا الله به من معرفة الكتاب بفهم آياته وتدبُّره واستنباط أحكامه (١). قال أبو الحسن الماوردي (٢): (وقد حمل بعض المتورعة هذا الحديث - يعني: "من قال في القرآن برأيه. . ." - على ظاهره وامتنع من أن يستنبط

стр. 57

معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تُعُبِّدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولو صحّ ما ذهب إليه لم يُعلم شيء بالاستنباط. ولما فهم الأكثرُ من كتاب الله شيئًا (١). وهكذا يبدو واضحًا، أن على العباد معرفة تفسير ما لم يحجب عنهم تأويله، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وأنه محال - كما يقول ابن جرير - أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له، ولا يعقل تأويله: (اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان والكلام) إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك: فمستحيل أَمْرُهُ بتدبره والعمل به، وهو بمعناه جاهل (٢). ٢ - لقد ثبت أن النبي ﵊ دعا لعبد الله بن عباس بقوله: "اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل" (٣) فلو كان التأويل - وهو هنا التفسير - مقصورًا على السماع والنقل كالتنزيل نفسه، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء. ولو كان علم التفسير مأثورًا كله عن النبي ﵊ لقال: "اللهم حفظه التأويل". فدلّ ذلك - كما هو واضح - على أن المراد من التأويل الوارد في الدعاء: أمر آخر وراء النقل والسماع، ألا وهو التفسير بالرأي والاجتهاد. ولقد ظهرت آثار دعوة محمد ﷺ في ابن عباس فكان حبر هذه الأمة، خصوصًا في الفقه والتفسير.

стр. 58

٣ - رويت أخبار صحيحة، تدل على أن كثيرًا من الصحابة والتابعين، عُنوا بتفسير آي الكتاب وبيانها؛ ولو كان محظورًا لما فعلوه (١). ثم إنهم اختلفوا في تفسير كثير من النصوص على وجوه، وليس كل ما قالوه في التفسير، هو من المأثور عن النبي ﷺ ، إذ كل ما ليس مما استأثر الله بعلمه، أو مما لم يكن بيانه خاصًّا بالرسول ﵊، قد فسروه برأيهم واجتهادهم (٢) ووصلوا إلى معناه من طريق الاستنباط وإعمال الفكر، وذلك ينافي أن يكون الاجتهاد في التفسير محظورًا، بل كان تفسير آي الكتاب، وفقه معانيها، سبيلَهم إلى الخير والمعرفة، حتى قال سعيد بن جبير: (مَن قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي) (٣). وجميل ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من أهل الرسوخ: أن اختلاف الصحابة في التفسير: هو اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضاد. وكان أبو جعفر الطبري يقول: (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ به) (٤).

стр. 59

وهكذا نعود لنؤكد ما قررناه من قبل أن الاجتهاد الذي نعنيه بـ "تفسير النصوص": هو من الرأي المحمود، الذي لا ينأى عن الشريعة بكتابها وسنتها ولسانها، وليس من الرأي الذي يكون من ورائه الهوى، أو الجهل. وبعد: فقد تبين مما سبق، أن الرأي على نوعين: أولهما: الرأي المحمود، وهو الذي يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنّة، وما أثر عن السلف. الثاني: الرأي المذموم، وهو الذي يجافي قوانين العربية، ولا يتفق مع الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة في البيان والأحكام. وللنوع الأول من وجهة نظر الفقه بمعناه العام: دور هام في الأصول والفروع، للعمل بشريعة الإسلام؛ فهو الرأي الذي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويسهل طرق الاستنباط منها، حيث يهيئ للمكلف سبيل الخروج من العهدة في امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وتحقيق الأحكام. وفي هذه الحدود، يلتقي قبلنا هذا، مع ما أسلفناه عن عبد الله بن المبارك إذ يقول بمناسبة الحديث والرأي: "ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده" (١). والنوع الثاني: هو الذي تخوّف منه السلف الأمناء على كتاب الله الكريم، فهو المقصود بكلام عمر بن الخطاب إذ يقول: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بيّنٍ فسقُه، ولكني أخاف

стр. 60

عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله" وكذلك كلام ابن مسعود إذ يقول: "ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطُّع" (١). وإذا كان الأمر كذلك: لا بد من حمل الكلام المنقول عن بعض السلف في التباعد عن القول في القرآن بالرأي، على ما يكون من النوع الثاني وهو الرأي المذموم؛ فهم لا يريدون أن يتكلموا فيما لا علم لهم به، خشية أن يقعوا في الخرص والتخمين. ومن هنا جعل أبو جعفر الطبري إحجام من أحجم من السلف عن الخوض في التفسير، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا عن الحوادث والنوازل، خوف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف الله العلماءَ من عباده وفيه. وهكذا كان الإحجام عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره: الحذر من أن لا يبلغ المفسِّر أداء ما كُلِّف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم (٢). ولقد يؤيد ذلك: ما نرى في سيرة الصدّيق أبي بكر، حين سئل عن الكلالة فقال: "إني سأقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولده". وهو القائل كما أسلفنا: "أي سماء تظلُّني وأي أرض تقلُّني إذا قلت في القرآن برأيي"، فدلّ ذلك على أن تخوُّفه إنما كان من نوع معين من الرأي؛ فهو يخاف الله أن يقول برأي لا يستند إلى دليل، بل يعتمد على الخرص والتخمين، ولكنه يُقدم على القول فيما وراء ذلك.

стр. 61

وبهذا جمع العلماء بين الموقفين، ولم يروا فيهما أيَّ نوع من التعارض (١). وهذه الوجهة من أبي بكر، ومن وراءه من الصحابة الذين شهدوا التنزيل، ومن جاء بعدهم، كانت من أهم العوامل في تكوين ما نراه من كنوز هذه الشريعة من مفهوم في كتاب الله، تتفق أو تختلف، حتى كانت من أغزر موارد العلم، لمن يريد الاجتهاد والاستنباط. فلقد سكتوا عما لم يعلموا، ولم يكتموا القول فيما يعلمون، أداءً للأمانة في بيان ما يجب عليهم بيانه. وقد صدق فيهم وفيمن استقام على طريقتهم قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (٢). وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب على المرء السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب عليه القول فيما سئل عنه مما يعلمه (٣) لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٤) ولما جاء في

стр. 62

الحديث المروي من طرق: "مَن سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (١). والآن وبعد الذي مر، نقف موقف التبصر أمام الأثر الذي أورده أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره عن ابن عباس، وهو قوله ﵁: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى) (٢). وقد وجد العلماء في هذا التقسيم من ترجمان القرآن ابن عباس للتفسير متسعًا حدَّد معالم الطريق، وأصاب المحز في توضيح المجال الذي يخوض فيه المفسر لآي الكتاب. فأما الذي تعرفه العرب: فهو الذي يُرجع فيه إلى لسانهم، وذلك في شأن اللغة والإعراب؛ فما كان من التفسير راجعًا إلى هذا القسم: فسبيل المفسر - كما يقول بدر الدين الزركشي - التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب، وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسيره. أما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنًى واحدًا جليًا لا سواه، يعلم أنه مراد الله تعالى. قال الزركشي: (فهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وأنه لا شريك له في إلاهيته. . . ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها: طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود).

стр. 63

أما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، كما في الآيات المتضمنة قيام الساعة، وإنزال الغيث، وعلمَ ما في الأرحام، وتفسير الروح، والحروف المقطعة. وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك، إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: نص قرآني، أو بيان من النبي ﷺ ، أو إجماع الأمة على تأويله. أما ما لا يعلمه إلا العلماء: فهو استنباط الأحكام وما يتعلق به. قال الزركشي: (وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا: فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء إعمال الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه) (١). الاجتهاد المراد في التفسير: وبعد الذي مرّ: يجدر بنا توكيد أن ما تعنيه من الاجتهاد في التفسير، هو نوع من الاجتهاد، الذي يقوم به الباحث لتبين معنى النص، وفقه المراد منه. ولقد يظهر ذلك بالعودة إلى ماهية الاجتهاد، ووظيفته التي يؤديها عند العلماء. فالاجتهاد في اصطلاح الأصوليين: (هو بذل الفقيه (٢) جهده

стр. 64

للوصول إلى حكم شرعي من دليل تفصيلي من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام) (١). ولم يترك علماؤنا الأمر بدون تحديد؛ فليس بذل الجهد أيًا كانت صورته: يكون اجتهادًا في عرف الأصول، بل لا بد لتمام ذلك، من أن يبلغ المجتهد - باستفراغ وسعه في طلب الحكم من الدليل -: حدًا يحس معه العجز من نفسه عن مزيد طلب لذلك الحكم، لأنه استنفد كل المسالك التي لا بد من سلوكها للوصول إلى معرفة ما أراد (٢).

стр. 65

وعند الوقوف على ماهية الاجتهاد، كما حدَّدها علماء الأصول في الصورة التي عرضناها في تعريفه، يلاحظ أنه يشمل حالة عدم وجود نص على الحكم، كما يشمل حالة وجود نص عليه، فيكون الاجتهاد لاستنباط الحكم. فمجال الاجتهاد هو ما يعرض من الوقائع وذلك في حالتين: ١ - أن تكون الوقائع غير منصوص على أحكامها. ب - أن تكون مما نصّ على أحكامها، ولكن بنص غير قاطع ثبوتًا فهو ظني الثبوت، أو غير قاطع دلالة، فهو ظني الدلالة كما سيأتي. وعلى هذا: فمجال الاجتهاد متسع لاستنباط الأحكام للوقائع الجديدة في حالة عدم وجود النص؛ وذلك بما نصب الشارع من أمارات للدلالة على الأحكام (١)، كما أنه متسع في حالة وجود النص. ومن أبرز ألوان الاجتهاد في حالة عدم وجود النص: "القياس" الذي أخذ به جمهور المسلمين (٢). ويمكن تعريفه بأنه (إعطاء واقعة مسكوتٍ عنها حكمَ واقعة منصوصٍ عليها، لتساويهما في علة جامعة لذلك الحكم، لا تدرك بمجرد معرفة اللغة). واجتهاد المستنبط، يقوم في هذه الحالة، على بذل الجهد للتحقق من إمكان القياس، وإعطاء الحكم للواقعة الجديدة: وذلك عن طريق البحث في

стр. 66

علة الحكم، ليصار إلى تعدية هذا الحكم، إلى كل واقعة وجدت فيها تلك العلة. أما في حالة وجود النص: فيقوم الاجتهاد - وهو الاجتهاد البياني - على تفهُّم معنى النص، والكشف عن مرامي ألفاظه، ومدلولاتها؛ فهو اجتهاد ضمن دائرة النص الموجود في حدود الأصول اللغوية والشرعية (١). ولقد مرّ بنا أن بيان التفسير هو بيان ما فيه خفاء؛ وأن التفسير الذي نعنيه: هو اجتهاد يؤدي وظيفة هذا البيان. أ - فاللفظ من حيث هو: قد يكون واضحًا، وقد يكون مبهمًا، وفي حالة وضوحه لا يخلو بعض أنواعه من الاحتمال الذي يجعله محتاجًا إلى تحديد المراد؛ فعلى المفسِّر أن يعلم أن اللفظ باق على احتماله؛ فهو من الظاهر، أو أنه قام الدليل الذي رجح غير المعنى الظاهر من ذلك اللفظ، فأصبح مؤولًا.

стр. 67

وهذا العمل من المستنبط، هو اجتهاد عن طريقه يدرك المعنى المراد (١). وفي حالة إبهام اللفظ: تتعدد الألوان والمراتب؛ فمن المبهم ما يزول غموضه بعمل المجتهد وهو مجال التفسير، ومنه ما لا يزول غموضه، إلا ببيان من الشارع نفسه وهو المجمل. والذي يعنينا الآن ما يمكن زواله بالاجتهاد (٢). وإن كان لا بد للمفسر من معرفة ما إذا كان قد ورد بيان من الشارع لهذا المجمل أو لم يرد؛ لأن على هذه المعرفة تتوقف أحيانًا كثير من الأمور، إذ إن بيان الشارع يقطع الاحتمال. وهكذا فالخفي، وهو أقل أنواع المبهم غموضًا، لا يكلف المجتهد كبير عناء في إزالة خفائه؛ فإن مما يوضح السبل أمامه عند إرادة تطبيق الحكم على واقعة جديدة، الرجوعَ إلى مجموع النصوص في الموضوع، مع مراعاة مقاصد الشريعة، وحكمة التشريع. والحاجة إلى الاجتهاد قائمة في إزالة غموض المشكل، الذي هو أكثر خفاء من سابقه، بسبب أن الغموض لم يكن لعارض، وإنما كان من ذات اللفظ نفسه، فمثلًا: المشترك، وهو أحد أنواعه كما أسلفنا، لا بد لإزالة الغموض فيه وتحديد أحد المعنيين أو المعاني التي وضع لها اللفظ: من

стр. 68

بحث القاضي، واجتهاد المجتهد، وذلك عن طريق العودة إلى مجموعة النصوص، وتحديد مدلولات اللفظ عند العرب مع الاستعانة الجادة بعرف الشارع ومقاصد الشريعة. وهكذا مع أن الخفاء في هذا النوع من المبهم، كان من ذات اللفظ، لم يمنع ذلك من إزالة الغموض باجتهاد المجتهد؛ فكانت الحاجة داعية لهذا الاجتهاد: وذلك لتحديد المعنى المراد، الذي به يخرج المكلف من العهدة فيسلك طريق الحِل، ويجتنب طريق الحرمة. ب - وفي حالة وضع اللفظ للمعنى: قد يكون اللفظ عامًا؛ بحيث يدل بوضعه اللغوي على شموله واستغراقه جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه، من غير حصر في كم معين. وقد يكون خاصًّا بحيث يدل على فرد واحد أو أفراد متعددة محصورة. ومن وظيفة المفسر: الاجتهاد في معرفة مدى دلالة اللفظ العام، وهل هو باق على عمومه فتتسع دائرة الحكم، بحيث تشمل جميع الأفراد التي تنطوي تحته، أم أنه قد ورد عليه ما يخصصه، فتضيق دائرة الحكم؛ بحيث تُقصَرُ على بعض أفراد العام (١). وإذا لم يكن عامًّا بل كان خاصًّا: فلا بد من الاجتهاد لتحديد نوعيته؛ فقد يكون مطلقًا بحيث يدل على فرد شائع في جنسه، وقد يكون مقيدًا، وهو على عكس المطلق، فلا بد من الاجتهاد، لمعرفة ما إذا كان المطلق باقيًا على إطلاقه، أم ورد عليه ما يقيده. والاحتمالات قائمة؛ فليس في كل حالة يوجد فيها مطلق ومقيد، يمكن فيها حمل المطلق على المقيد. ولدراسة مجموعة النصوص ذات العلاقة، وإدراك مدلولات ألفاظها

стр. 69

ضمن قواعد الشريعة، أثر كبير في تيسير سبل الدلالة على المعنى المراد، في مثل هذه الأحوال. ولقد يكون الخاص صيغةً من صيغ التكليف، بحيث يدل على الأمر أو النهي. والمجتهد في إدراكه لماهية صيغ التكليف والبحث عن القرائن المرجحة، يهديه اجتهاده إلى معرفة ما إذا كان الأمر باقيًا على وجوبه، أم عرض له ما جعله للندب، أو الإباحة، أو غيرهما، وما إذا كان النهي باقيًا للتحريم، أم عرض له كذلك ما صرفه إلى غيره. كما أن الاجتهاد طريق المستنبط لإدراك أثر النهي في المنهي عنه. كل ذلك في ضوء القواعد التي وضعها العلماء للتفسير، وفي ظل مقاصد الشريعة ومبادئها العامة (١). وهكذا تبدو الحاجة للاجتهاد، في حالة وضع اللفظ للمعنى في شتى أحواله، كما بدت في حالة غموض اللفظ، أو في حالة ظهوره عندما يكون في حيز الاحتمال. ج - حتى إذا انتقلنا إلى دلالة الألفاظ على المعاني؛ رأينا أن الدلالة لا تكون دائمًا في حيِّز العبارة - كما أسلفنا - بحيث لا تحتاج إلى اجتهاد في إدراكها، وإنما قد تكون هذه الدلالة بإشارة النص، وفي الدلالة بالإشارة نوع خفاء لا يدرك إلا بالبحث والتأمُّل، وقد كان لعلمائنا - كما سيأتي - فسحة في ميدان الاستنباط من طريق هذه الدلالة، حتى رأينا من آثارهم كثيرًا من الأحكام التي كان مأخذها إشارة النص. وليس ذلك فحسب؛ فإن النص بدل بمقتضاه أيضًا، بحيث تتوقف في بعض الحالات صحة الكلام العقلية أو الشرعية، أو صدقه على مقتضَى لا بد من تقديره في ضوء الاجتهاد والبحث. وتلك دلالة، دعاها علماؤنا: دلالة الاقتضاء، وما أحسب الحاجة إلى الاجتهاد في مثل هذه الحال، موضع تردد أو شك.

стр. 70

على أن المقتضَى أثار عند علمائنا بحثَ صلاحيته للعموم، فهل يعمُّ أو لا يعم؟ وانبنى على ذلك اختلاف في كثير من الفروع، كانت أثرًا من آثار اختلافهم في مسالك الاستنباط التي قام عليها الاجتهاد في تفسير النص، وبيان دلالته على المعنى المراد. ولقد يدل اللفظ على حكم للمسكوت، لاشتراكه مع المنطوق بعلة تدرك بمجرد معرفة اللغة، وقد اجتهد العلماء في الحكم على نوع هذه الدلالة، أهي دلالة لفظية أم قياسية؟ وترتب على ذلك آثار يأتي بحثها في الدلالات، نرى من خلالها ارتباط الفروع بقواعد الأصول (١). وهكذا نرى في تشعُّب دلالة اللفظ على المعنى، وتنوُّع وجود هذه الدلالة: أن الحاجة ماسة للاجتهاد في التفسير؛ فالحكم - كما أسلفنا - لا يؤخذ من العبارة فحسب، بل قد يكون مدلول الإشارة أو الاقتضاء، أو الدلالة. وبصورة عامة - كما يرى الأكثرون -: إن اللفظ يدل بمنطوقه ومفهومه (٢). كما سيأتي تفصيل ذلك في حينه. ولعل ما ذكرناه في تطوافنا حول الاجتهاد في بيان النصوص، يلقي ضوءًا جديدًا على ما دعا إليه ابن المبارك من الاعتماد على الأثر، وأن يستخدم الرأي في تفسير النصوص، وذلك قوله - كما سبق -: "ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث". والآن: إذا كان ما قدمناه شأن الاجتهاد في حالة وجود النص، وذلك بفهمه والكشف عن معانيه، إن أمرًا على جانب عظيم من الأهمية يجب أن يضاف إلى ما ذكر؛ وهو: أن القياس في حقيقته لا بد له من تفهُّم النص

стр. 71

المقيس عليه، لأنه لا يتسنى إدراك العلة المشتركة بين الواقعة المنصوص عليها، وبين الواقعة الجديدة المراد إعطاؤها الحكم من جديد، ومعرفة توفر الشروط لكل ركن من أركان القياس: إلا بفهم النص فهمًا صحيحًا، وإدراكِ مرامي ألفاظه ومعرفة حدود العلة التي على أساسها قام الحكم، ومن أجلها كان التوجيه إليه. ولن يكون الباحث قائسًا سليم القياس إلا بذلك. وتلك حقيقة كشف عنها الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأوضحها أيما إيضاح (١). وهكذا نقف لنرى الحاجة للاجتهاد، بالمعنى الذي أردناه، قائمة ومطلوبة في كلتا الحالين. مجال الاجتهاد في التفسير: أشرنا فيما سبق إلى أن ما نعنيه بالنصوص: هو نصوص الأحكام في الكتاب والسنّة، ذلك أن إليهما مرد سائر الأدلة الأخرى، فهما منبعها الأصيل وموردها الذي تستقي منه. غير أن هذه النصوص لا تتسم كلها بطابع القطعية. صحيح أن نصوص الكتاب قطعية الثبوت؛ ولكن منها ما هو ظني الدلالة في كثير من الأحيان. وما صحّ من نصوص السنّة فهو قطعي الثبوت في حالة التواتر، والمتواتر

стр. 72

من هذه النصوص قليل، وعلى هذا فإن نصوصًا كثيرة تبقى في دلالتها عند حدود الظنية. وما ليس بمتواتر من السنّة فهو ظني الثبوت وإن كانت هذه الظنية - وفق ما أشرنا من قبل - لا تعني الشك في الصحة بعد ثبوتها عند أهل الجرح والتعديل. لأن التعبير بالظن مسألة اصطلاحية بمقابل القطع بالتواتر، ويمكن القول بأنها غلبة ظن أقل ما تفيده: علم الطمأنينة، ذلك بأن تزكية علماء الجرح والتعديل والحكم على الحديث بالقبول لأنه المتصل السند من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة: أقوى من تزكية الشاهدين عند القاضي. يعرف هذا من دراسة قواعد الجرح والتعديل وكل ما يتعلق بالحكم على النص عند المحدثين جزاهم الله كل خير، وقد يكون ظني الدلالة. ومجال الاجتهاد في التفسير: هو النصوص الظنية سواء أكان ذلك من ناحية ثبوتها، أم من ناحية دلالتها؛ والظن من ناحية الدلالة يكون في الكتاب كما يكون في السنّة. والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة، ولعل أكثر ما سنقدمه من نصوص فيما يأتي من مباحث موضوعنا: كان مجالًا للاجتهاد، وميدانًا لتطبيق قواعد التفسير. وإذا أعجلتنا رغبة القارئ في إعطاء المثال: فلنقف عند النص التالي: يقول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فهذا النص يضم إلى قطعيته من ناحية الثبوت - لكونه قرآنًا - أنه قطعي في وجوب اعتداد المرأة بثلاثة قروء، إذ إن وجوب اعتداد المطلقة هذه الحِقبة الزمنية: دلّ عليه لفظ (ثلاثة) الذي هو عدد، والعدد خاص قطعي الدلالة لا يحتمل البيان، فكان الحكم قطعيًا لا يقبل الاجتهاد. إذ لا اجتهاد في مورد النص. ولكن تحديد مدلول لفظ "القرء" والمراد منه، أهو الحيضة أم الطهر؟ يبقى مجالًا للاجتهاد عند تفسير النص، بحيث يكون على المجتهد البحث عن القرائن والمؤيدات التي تهدي إلى المراد من القرء؛ لأنه لفظ مشترك في أصل الوضع؛ فقد جاء عن العرب - كما هو منصوص - استعماله في

стр. 73

الحيضة كما جاء استعماله في الطهر. وهكذا كان هذا النص القرآني، مجالًا للاجتهاد، لما كان من الظنية في دلالته على الحكم المراد (١). هذا: وإن وسيلة المفسِّر في هذه الحدود من الاجتهاد، معرفةً بنصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، وعلم بالعربية التي نزل بها الكتاب، وبالبيئة العربية التي نزل فيها الوحي. كل أولئك إلى معرفة بأسباب النزول وتاريخه، والضوابط التي وضعها العلماء لتفسير النص، والكشف عن معانيه ومدلولاته عندما يراد الاستنباط. ولعل من الخير أن تقرر أن ما سندركه من قواعد التفسير: هو التطبيق العملي لهذه المعالم التي لا بد من توافرها، لمن يريد مواجهة النص، ليستنبط منه الحكم، ويدرك معناه على شكل سليم. * * *

стр. 74

نشأة قواعد التفسير وتدوينها إن ما يقال في تدوين أصول الفقه بشكل عام، يقال في تدوين تفسير النصوص، الذي هو جوهر أصول الفقه ولبابه. فقد انتقل رسول الله ﷺ إلى الدار الآخرة بعد أن أدّى أمانة التبليغ والبيان. فالذي أوحي إليه بلّغه للناس، وكان بجانب التبليغ يبيّن لأصحابه وهم أبناء العربية سليقةً - بقوله وفعله وسلوكه ومواعظه، وأقضيته وفتاواه - ما يلزم بيانه لفهم الكتاب، وما يلزم المكلفَ معرفته ليكون مسلمًا في عقيدته وعبادته ومعاملاته، بحيث يسير الفرد والجماعة في الطريق التي تضمن - مع البناء القديم - سعادة الدنيا والآخرة. وهكذا لم تكن حاجة إلى فقه مدوّن، أو مناهج لاستنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله، ما دام الموحى إليه موجودًا يؤدي أمانة ربه في البيان، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وجاء عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ولديهم سنّة رسول الله ﷺ المبيّنة عن الله ما أراد، فكان لهم من سليقتهم العربية ومعرفتهم بأسباب النزول وطبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار التشريع، بما أدركوا من حال رسول الله ﷺ وقاله، وأسباب ورود الأحاديث: ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص، التي يراد استنباط الأحكام منها (١).

стр. 75

وإذا كانت الضوابط توضع، لتكون موازين للفهم والاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط أو يزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، والوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، ومعرفة بأسباب نزوله، وبيان المبلغ عن ربه ما أراد: كاف كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط وتحدد الموازين (١). ولذلك يحمل إلينا تاريخهم، نماذج من الفهم في كتاب الله وسنّة رسوله، كانت مفردات لضوابط التفسير التي وضعت فيما بعد، وإنما كان ذلك منهم سليقة وملكة (٢). وفيما يأتي من المباحث، كثير من النماذج، والأمثلة، على فهومهم واستنباطاتهم، وفي كتب التفسير والحديث والآثار: غناء لمن أراد مزيدًا من الاستقصاء (٣). ومضى الصحابة على ما ذكرنا، وجاء من بعدهم تلامذتهم التابعون الذين أخذوا عنهم فقه الكتاب والسنّة (٤) وكل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة، في البلد الذي يقطنونه، أو يرحلون إليه.
следующие страницы →