المقيس عليه، لأنه لا يتسنى إدراك العلة المشتركة بين الواقعة المنصوص عليها، وبين الواقعة الجديدة المراد إعطاؤها الحكم من جديد، ومعرفة توفر الشروط لكل ركن من أركان القياس: إلا بفهم النص فهمًا صحيحًا، وإدراكِ مرامي ألفاظه ومعرفة حدود العلة التي على أساسها قام الحكم، ومن أجلها كان التوجيه إليه.
ولن يكون الباحث قائسًا سليم القياس إلا بذلك. وتلك حقيقة كشف عنها الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأوضحها أيما إيضاح (١). وهكذا نقف لنرى الحاجة للاجتهاد، بالمعنى الذي أردناه، قائمة ومطلوبة في كلتا الحالين.
مجال الاجتهاد في التفسير:
أشرنا فيما سبق إلى أن ما نعنيه بالنصوص: هو نصوص الأحكام في الكتاب والسنّة، ذلك أن إليهما مرد سائر الأدلة الأخرى، فهما منبعها الأصيل وموردها الذي تستقي منه.
غير أن هذه النصوص لا تتسم كلها بطابع القطعية. صحيح أن نصوص الكتاب قطعية الثبوت؛ ولكن منها ما هو ظني الدلالة في كثير من الأحيان. وما صحّ من نصوص السنّة فهو قطعي الثبوت في حالة التواتر، والمتواتر
стр. 72
من هذه النصوص قليل، وعلى هذا فإن نصوصًا كثيرة تبقى في دلالتها عند حدود الظنية. وما ليس بمتواتر من السنّة فهو ظني الثبوت وإن كانت هذه الظنية - وفق ما أشرنا من قبل - لا تعني الشك في الصحة بعد ثبوتها عند أهل الجرح والتعديل. لأن التعبير بالظن مسألة اصطلاحية بمقابل القطع بالتواتر، ويمكن القول بأنها غلبة ظن أقل ما تفيده: علم الطمأنينة، ذلك بأن تزكية علماء الجرح والتعديل والحكم على الحديث بالقبول لأنه المتصل السند من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة: أقوى من تزكية الشاهدين عند القاضي. يعرف هذا من دراسة قواعد الجرح والتعديل وكل ما يتعلق بالحكم على النص عند المحدثين جزاهم الله كل خير، وقد يكون ظني الدلالة.
ومجال الاجتهاد في التفسير: هو النصوص الظنية سواء أكان ذلك من ناحية ثبوتها، أم من ناحية دلالتها؛ والظن من ناحية الدلالة يكون في الكتاب كما يكون في السنّة. والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة، ولعل أكثر ما سنقدمه من نصوص فيما يأتي من مباحث موضوعنا: كان مجالًا للاجتهاد، وميدانًا لتطبيق قواعد التفسير.
وإذا أعجلتنا رغبة القارئ في إعطاء المثال: فلنقف عند النص التالي: يقول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فهذا النص يضم إلى قطعيته من ناحية الثبوت - لكونه قرآنًا - أنه قطعي في وجوب اعتداد المرأة بثلاثة قروء، إذ إن وجوب اعتداد المطلقة هذه الحِقبة الزمنية: دلّ عليه لفظ (ثلاثة) الذي هو عدد، والعدد خاص قطعي الدلالة لا يحتمل البيان، فكان الحكم قطعيًا لا يقبل الاجتهاد. إذ لا اجتهاد في مورد النص.
ولكن تحديد مدلول لفظ "القرء" والمراد منه، أهو الحيضة أم الطهر؟ يبقى مجالًا للاجتهاد عند تفسير النص، بحيث يكون على المجتهد البحث عن القرائن والمؤيدات التي تهدي إلى المراد من القرء؛ لأنه لفظ مشترك في أصل الوضع؛ فقد جاء عن العرب - كما هو منصوص - استعماله في
стр. 73
الحيضة كما جاء استعماله في الطهر. وهكذا كان هذا النص القرآني، مجالًا للاجتهاد، لما كان من الظنية في دلالته على الحكم المراد (١).
هذا: وإن وسيلة المفسِّر في هذه الحدود من الاجتهاد، معرفةً بنصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، وعلم بالعربية التي نزل بها الكتاب، وبالبيئة العربية التي نزل فيها الوحي. كل أولئك إلى معرفة بأسباب النزول وتاريخه، والضوابط التي وضعها العلماء لتفسير النص، والكشف عن معانيه ومدلولاته عندما يراد الاستنباط.
ولعل من الخير أن تقرر أن ما سندركه من قواعد التفسير: هو التطبيق العملي لهذه المعالم التي لا بد من توافرها، لمن يريد مواجهة النص، ليستنبط منه الحكم، ويدرك معناه على شكل سليم.
* * *
стр. 74
نشأة قواعد التفسير وتدوينها
إن ما يقال في تدوين أصول الفقه بشكل عام، يقال في تدوين تفسير النصوص، الذي هو جوهر أصول الفقه ولبابه. فقد انتقل رسول الله ﷺ إلى الدار الآخرة بعد أن أدّى أمانة التبليغ والبيان. فالذي أوحي إليه بلّغه للناس، وكان بجانب التبليغ يبيّن لأصحابه وهم أبناء العربية سليقةً - بقوله وفعله وسلوكه ومواعظه، وأقضيته وفتاواه - ما يلزم بيانه لفهم الكتاب، وما يلزم المكلفَ معرفته ليكون مسلمًا في عقيدته وعبادته ومعاملاته، بحيث يسير الفرد والجماعة في الطريق التي تضمن - مع البناء القديم - سعادة الدنيا والآخرة.
وهكذا لم تكن حاجة إلى فقه مدوّن، أو مناهج لاستنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله، ما دام الموحى إليه موجودًا يؤدي أمانة ربه في البيان، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وجاء عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ولديهم سنّة رسول الله ﷺ المبيّنة عن الله ما أراد، فكان لهم من سليقتهم العربية ومعرفتهم بأسباب النزول وطبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار التشريع، بما أدركوا من حال رسول الله ﷺ وقاله، وأسباب ورود الأحاديث: ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص، التي يراد استنباط الأحكام منها (١).
стр. 75
وإذا كانت الضوابط توضع، لتكون موازين للفهم والاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط أو يزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، والوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، ومعرفة بأسباب نزوله، وبيان المبلغ عن ربه ما أراد: كاف كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط وتحدد الموازين (١).
ولذلك يحمل إلينا تاريخهم، نماذج من الفهم في كتاب الله وسنّة رسوله، كانت مفردات لضوابط التفسير التي وضعت فيما بعد، وإنما كان ذلك منهم سليقة وملكة (٢).
وفيما يأتي من المباحث، كثير من النماذج، والأمثلة، على فهومهم واستنباطاتهم، وفي كتب التفسير والحديث والآثار: غناء لمن أراد مزيدًا من الاستقصاء (٣).
ومضى الصحابة على ما ذكرنا، وجاء من بعدهم تلامذتهم التابعون الذين أخذوا عنهم فقه الكتاب والسنّة (٤) وكل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة، في البلد الذي يقطنونه، أو يرحلون إليه.
стр. 76
وتطوَّر الزمن، واتسع الفتح الإسلامي، واختلط العرب بغيرهم بحكم انسياحهم في البلاد المفتوحة، واتساع رقعة الدولة، فلم تعد العربية سليقة لكثير من الناس؛ وخاصة سكان الحضر، وكثرت الحوادث التي لم يكن للمسلمين عهد بها قبل الفتح. وكان ذلك كله مدعاةً لنوع من الضبط لمآخذ الأحكام الفقهية، ليتسنى للمجتهد فهم سليم لنصوص الكتاب والسنّة، وإعطاء أحكام لما يجدُّ من وقائع، لم تكن من ذي قبل.
وقد تمخضت الحاجة إلى الضبط، وقوانين الاستنباط بجانب النصوص، وتنوُّع ظروف البلاد الإسلامية، عن وجود نزعتين في معالجة النص، وإعطاء الحكم لكل حادثة تجد:
إحداهما: نزعة الحديث، وقد غلبت على أهل الحجاز وارث النبوة.
الثانية: نزعة الرأي وقد غلبت في ذلك العصر على أهل العراق، وارث الحضارات.
مع أن كلا الفريقين عنده الحديث وعنده الرأي، وكانت نهضة عظيمة ترمي إلى الوفاء بالحاجات العملية للمجتمع، وقد اتسع ميدان الجدل والمناظرة بين فقهاء النزعتين، كما بدأت تكثر في نظر الباحثين الاحتمالات، والاشتباهات في مدلولات النصوص، ومعاني الألفاظ، وكانت طبيعة هذه المرحلة، تقضي بأن يعنى كل فريق بضبط مسائله؛ فظهرت نثارات من الضوابط هنا وهناك، تعتمد على أذواق تربَّت في ظل الملكات الفكرية في الفقه، والحرص على الاستعانة بما جرى عليه الاستعمال عند الصحابة، وتلامذتهم من التابعين (١).
وتلك الضوابط، وإن لم تتضح معالمها، إلا أن الباحث يجزم أن فهوم أولئك الأئمة واجتهاداتهم، لم تكن عن عبث أو هوى، وإنما كانت ثمرة لما استضاء به ذهن الفقيه، وملكته الواعية المدركة، وإن كان ذلك لم
стр. 77
يخرج إلى حيز الواقع على شكل قواعد مدونة (١).
حتى جاء الإمام الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ فوضع "الرسالة" في أصول الفقه. بناء على طلب الإمام الحجة الثقة عبد الرحمن بن مهدي: فكان عمله مرحلة طبيعية، واستجابة لحاجة أعلن عنها الواقع بعد منتصف القرن الثاني الهجري، ذلك الواقع الذي تمثّل في البُعد عن الملكات اللسانية والسليقة العربية الأولى، نتيجة الاختلاط بين العرب والأعاجم من المسلمين بعد الفتوح، مع ضرورة العلم بالقوانين والضوابط التي من طريقها تؤخذ الأحكام من الأدلة، كل ذلك إلى جانب ما كان من نزعتَي الرأي والحديث - كما سبقت الإشارة - قبل أن يعلن الشافعي عن وضع قواعد الاستنباط، حيث أدخل الفقه في الطور العلمي (٢).
الشافعي يدون قواعد للتفسير:
وبدأ الشافعي طريقه فتفقه - أول ما تفقه - على أهل الحديث من علماء مكة، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث مالك بن أنس في المدينة، فلزمه وأفاد من علمه وفضله الكثير.
стр. 78
ولقد تسنّى للشافعي، فيما بعد، أن يتصل بمحمد بن الحسن ﵀ فيأخذ فقه أهل العراق، فانضم هذا إلى ذاك، ومعهما ما استوعبه من فقه مكة بنشأته وإقامته فيها.
كل هذا إلى إمامة في اللغة، ومعرفة بأساليب العرب في شعرها ونثرها، والبيئة التي نزل فيها الوحي. وإذ قد توافر ذلك كله لهذا الإمام الذكي الألمعي، بدأ بتوجيه الدراسات الفقهية وجهة علمية محددة، وهي وجهة العقل العلمي ووضع كتاب "الرسالة" استجابة لطلب عبد الرحمن بن مهدي - كما أسلفنا - التي تحدّث فيها عن الكتاب والسنّة ومراتب البيان، وعن الإجماع والقياس، ورتّب الأصول من كتاب وسنّة وإجماع وقياس وأنزلها منازلها.
كما تحدّث عن الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والأمر والنهي، وعن المجمل وتفصيله، كما بحث الاستحسان، وذكر الاختلاف الجائز منه والمحرم، وأوضح أهمية العلم بلسان العرب لمن يريد فهم الكتاب والسنّة. وما يجب لمن يريد أن يكون قيَّاسًا من معرفة بالواقع مع الاطلاع العلمي كل ذلك بأسلوب علمي منظّم، وبحث منطقي دقيق. وإن كانت الرسالة التي بين أيدينا هي الرسالة الصغرى التي اختصر فيها الرسالة الكبرى التي ما تزال في حيز الفقدان. وفي كتاب "الأم" وغيره الكثير من القواعد الأصولية وتخريج الفروع الفقهية على الأصول.
ويبدو أنه ليس هناك ما يدل على أن أحدًا قبل الإمام الشافعي قد ألّف في أصول الفقه وتفسير النصوص على أن ذلك علم قائم بذاته. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: لم نكن نعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي. وقال الجويني في "شرح الرسالة": (لم يسبق الشافعي في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم من بعدهم لم يُقل في الأصول شيء، ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين
стр. 79
وغيرهم ما رأيناهم صنّفوا فيه) (١).
وقد بيّن الرازي أن نسبة الشافعي إلى علم أصول الفقه كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وبعد أن قرر ذلك قال: (فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل "أصول الفقه" ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في مراتب أدلة الشرع) (٢).
أما ما يروى من أن قواعد وضعت قبل الشافعي؛ فالمقصود بذلك في رأينا تلك النثارات المضيئة التي ألمحنا إليها (٣) من قبل؛ بدليل أن الحنفية مثلًا يظهر في مصنفاتهم ما يدل بوضوح - كما سيأتي - على أن القواعد الأصولية عندهم تهدي إليها فروع الأصحاب السابقين وأن قواعدهم ضوابط لتلك الفروع. فترى مثلًا أبا بكر الجصاص (٤) عندما يريد أن يستدل على عدم صلاحية الأخذ بمفهوم المخالفة، يأتي بفرع فقهي مروي عن محمد بن
стр. 80
الحسن ﵀ يستنتج منه ما أراد (١)، ولو أن في القضية قاعدة أصولية من وضع أبي يوسف أو محمد بن الحسن لذكرها، ونجد مثل ذلك في كثير من القواعد التي لا تراه يستدل لها إلا بفروع منقولة عن الأئمة الأولين؛ فما دامت الفروع بهذا الشكل فمعنى ذلك في نظره أن القاعدة الأصولية هي: كيت وكيت.
وجرى على هذه الطريقة من جاء بعد الجصاص من المؤلفين؛ يرى ذلك بوضوح عند البزدوي والسرخسي وغيرهما. فمثلًا: البزدوي في حديثه عن دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية يقرر أنها قطعية لأن: (على هذا ذات فروع أصحابنا) (٢). والسرخسي في بحث دلالة النص، وإثبات أنها ليست قياسًا، يستدل على ذلك بكثير من الفروع الفقهية المروية عن أئمة المذهب (٣). ومثل ذلك كثير.
وهكذا كانت رسالة الإمام الشافعي، حدثًا جديدًا أدخل تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، في طور علمي محدد القواعد، منضبط القوانين والموازين، وحسبها أنها فتحت الآفاق، ومهّدت السبيل حتى جاء الكاتبون بعد الشافعي، فتابعوا الطريق، حيث أوسعوا القول بتلك القواعد والقوانين، وعملوا على تنمية علم أصول الفقه وتنسيقه وتحرير مسائله، وإن كانت بعض المباحث قد زيدت فيه، وهي بعلم الكلام أوْلى وأحرى.
ويبدو أن الأمر بالنسبة للشافعي لم يقتصر على "الرسالة" فقط، بل إن آثارًا متعددة لهذا الإمام بحثت في أصول الفقه وتفسير النصوص (٤) كالذي نرى في كتابه الموسوعي "الأم" وغيره من مصنفاته.
стр. 81
هذا: وإن المتتبع لآثار العلماء في هذا الباب، يرى أنه كان لهم بعد الشافعي طريقتان أساسيتان مختلفتان:
إحداهما: طريقة نظرية، تقوم على تحقيق القواعد تحقيقًا منطقيًا، وإقرار ما يؤيده البرهان النقلي والعقلي منها، دون تأثر بفروع مذهب من المذاهب أو التقيد برأي إمام معين. فالمقصود في هذا الاتجاه: تحرير القاعدة وتنقيحها، من غير تطبيقها على أي مذهب تأييدًا أو نقضًا.
ومن هنا رأينا أن الكاتبين من الشافعية مثلًا، كثيرًا ما يختلفون في تحديد قاعدة من القواعد، بل كثيرًا ما نرى الخلاف بين واحد منهم أو أكثر وبين الإمام الشافعي واضع الرسالة نفسه، فمثلًا: نرى الإمام الشافعي يعتبر مفهوم الموافقة قياسًا جليًا، بينما نرى أكثر العلماء من الشافعية يفرقون بين القياس من حيث هو، وبين مفهوم الموافقة، ولسوف نرى في المباحث القادمة العديد من هذه النماذج.
وواضح أن هذا التجرد عن الالتزام برأي الإمام نفسه، إنما كان ثمرة من ثمرات اتجاه يقوم على تحديد قانون للاستنباط، مقوماتُه الدليل القائم على صحته، لا رأي هذا الإمام أو ذاك (١).
وقد ظهر هذا الاتجاه عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، والشيعة الإمامية، والزيدية، والإباضية. ولقد كان فريق كبير من هؤلاء يكتبون وفق أسلوب علماء الكلام، فسميت الطريقة طريقة المتكلمين.
الثانية: طريقة تقوم على محاولة ضبط فروع أئمة الحنفية، بقواعد جديدة تعتبر هي الأصول، ثم رد تلك الفروع إليها، فترى الباحثين قد جعلوا فروع
стр. 82
الإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وغيرهم، هي الأساس في الخط الذي جرى فيه سير القواعد المراد وضعها، فبدلًا من أن تكون هنالك قواعد تخضع لها فروع تستخرج منها، نجد هنا فروعًا تخضع لها القواعد، ولذلك نرى مثلًا أبا بكر الجصاص في كتابه "الأصول" يأتي بالقاعدة، وبعد أن يقررها يقول: على هذا دلّت فروع أصحابنا. وهذا ما نراه عند الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم. وقد أشرت إلى ذلك من قبل.
والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة (١). . . كما يأتي التفصيل في مواطنه من البحث؛ ومن هنا كانوا إذا لم تنضبط القاعدة على بعض الفروع، شكّلوها بالشكل الذي يتفق مع ذلك الفرع الذي خرج عن القاعدة. فمثلًا: إنهم يقررون أن (المشترك) لا يطلق على معنييه جميعًا مرة واحدة، وحين يخرج من ذلك واقعة من يوصي لمواليه - والمولى يشمل المعيق والمعتَق - خرجوا على القاعدة الأولى وقالوا: المشترك لا يَعُمُّ: في حال النفي، لا في حال الإثبات.
وبيان ذلك أنه على القاعدة الأولى: تبطل الوصية لجهالة الموصى له، وفي الحالة الثانية يمكن اعتبار الوصية غير باطلة، لأن الكلام مثبت لا منفي.
وكما في مسألة (المقتضى والمحذوف) التي سيأتي الكلام عنها في دلالة الاقتضاء؛ فالحنفية لا يقولون بمعموم المقتضى، ولكن عندما اعترضت سبيلهم بعض الفروع: عمدوا إلى التفريق بين المقتضى والمحذوف؛ فالأول لا عموم له والثاني لا مانع من أن يكون له عموم، فما بدا أن له عمومًا - كما في بعض الفروع - فهو من المحذوف، وليس من المقتضى.
стр. 83
ولما كان الحنفية هم الذين ساروا على هذا الاتجاه: فقد نسبت الطريقة إليهم وسميت باسمهم. وتتميز هذه الطريقة بكثرة الفروع والتطبيقات.
وهكذا يكون لدينا بعد تدوين الشافعي لقوانين الاستنباط طريقتان أصليتان هما: طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية هما الأساس لما كان وراءهما من الطرائق.
هذا: وقد غنيت المكتبة الفقهية بالعديد من المصنفات على كل من الطريقتين حيث جرى فيها أصحابها على إبراز القواعد والتدليل عليها، وإيضاح معالم المذهب فيها (١).
على أن الأمر لم يقتصر في واقعه على ذلك، بل وجد من العلماء من جمع في تصنيفه بين الطريقتين كلتيهما (٢).
стр. 84
ومن الخير أن نقرر أن بعض المؤلفين، خرج على الطريقتين ونهج نهجًا فلم يلتزم بأسسهما التزامًا كاملًا، وإنما سلك سبيلًا غير ذلك (١).
ولقد كان ذلك كله، أثرًا من آثار استنارة الفكر الإسلامي، والعمل على تحديد معالم الطريق في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة. ولقد بلغ علماؤنا في ذلك شأوًا بعيدًا حتى أصبح تحديد هذه المعالم وتذليل طرق الاستنباط وإيضاح سبله مرتبة فضل تقصد، ونافلة خير يبتغي بها رضوان الله.
стр. 85
جاء في معرض الحديث عن القرآن قول الإمام الشافعي ﵀: (والناس في العلم بالقرآن طبقات: موقعهم من العلم، بقدر درجاتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم، بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه: نصًا واستنباطًا. . فإن مَن أدرك علم أحكامه في كتابه، نصًا واستدلالًا، ووفّقه الله للقول، والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه، ودنياه، وانتفت عنه الرِيَب، ونوّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة) (١).
* * *
стр. 86
الفصل الثالث نظرة عامة حول التفسير وَمدارسه في القانون
معنى التفسير في القانون ومجاله. . . أنواع التفسير. . . مدارس التفسير معنى التفسير:
يرى رجال القانون، أنه عندما يراد تطبيق قاعدة من القواعد القانونية على أحوال الحياة، وما يجدُّ فيها من وقائع، وذلك بإعمال حكمها على الحالات الواقعية التي يصدق عليها الغرض فيها، لا بد قبل ذلك من خطوة لازمة دائمًا لهذا التطبيق وهي: تحديد مدلول تلك القاعدة، لتحديد المعنى المراد منها؛ وذلك هو: التفسير.
وإذن: فالتفسير عندهم: هو تحديد معنى القاعدة القانونية من واقع الألفاظ التي عبّر بها المشرع، وإن شئت قلت: التفسير: هو الاستدلال على الحكم القانوني من نصوص التشريع (١).
مجال التفسير:
لا خلاف بين رجال القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها؛ إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية، من سلطة مختصة يناط بها أمر التشريع.
وعندما تريد جهة ما، استخلاص معنى القاعدة القانونية من مدلولات
стр. 87
الألفاظ التي عبّر بها المشرع: يقتضيها ذلك تفسير هذه الألفاظ التي تكوَّن منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه.
وإذا كان التفسير يرد على النصوص التشريعية، فهو يرد إذن على بعض الكتب الدينية، التي تعتبر مصدرًا للأحكام القانونية؛ كالتوراة والقرآن، وسنّة الرسول ﵊.
ولكن هل يرد التفسير على القواعد العرفية (١)؟
لقد اختلفت الآراء في ذلك؛ فالأكثرون على أن التفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معًا، والقاعدة العرفية ليست كذلك (٢).
ويعطي بعض الفقهاء التفسير معنًى أوسع، بحيث لا يقتصر على القواعد التشريعية وغيرها من المصادر الرسمية، وإنما يشمل أيضًا البحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما يعرض في العمل من فروض لم تواجهها تلك القواعد، ومن ذلك: القواعد العرفية وذلك لإعطاء حكم في واقعة جديدة لم يتناولها نص القاعدة التشريعية (٣).
والذي نميل إليه: هو قصر التفسير على المصدر الذي يأتي باللفظ
стр. 88
والمعنى معًا؛ لأن التوسع في معنى التفسير حتى يشمل ما وراء ذلك - وفيه البحث عن القواعد العرفية - تجاوز للمعنى الاصطلاحي للتفسير الذي هو: (بيان معنى القاعدة القانونية بتحديد مدلول الألفاظ التي عبّر بها المشرع) وهو معنًى لا ينبو أيضًا عن المعنى اللغوي للتفسير الذي هو الكشف والإظهار.
فالقاعدة العرفية - كما مر - ليست نصًا مكتوبًا يحتوي على اللفظ والمعنى، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكًا معينًا في أمر معين، فهذه القاعدة، وإن كانت تحتاج إلى بيان وإيضاح، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم، لتبين وجود تلك القاعدة، فإذا دلّ الاستقراء على وجودها: كان ذلك في الغالب سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظم سلوكَهم ذلك العرف.
وإذا كان الأمر كذلك، لم تكن القاعدة العرفية محلًا للتفسير (١).
* * *
أنواع التفسير في القانون
لقد تنوّع التفسير بحسب الجهة التي تتولاه؛ فقد يقوم المشرع - ولو نادرًا - بالتفسير. والعادة أن يقوم به القضاء؛ لأنه هو الذي يتولى مهمة التطبيق، وكثيرًا ما يساعده في ذلك الفقه.
وهكذا يكون للتفسير أنواع ثلاثة هي:
التفسير التشريعي.
التفسير القضائي.
التفسير الفقهي.
стр. 89
١ - التفسير التشريعي:
التفسير التشريعي: هو ما يصدر عن المشرع نفيه تفسيرًا لقانون سابق؛ فقد يشور خلاف حول قاعدة قانونية، وقد لا تهتدي بعض المحاكم أو أكثرها إلى ما يدل عليه نص من نصوص التشريع، فتقضي بما يخالف المعنى الذي قصده المشرع، وعندئذ يتدخل المشرع فيفسر النص الذي ثار حوله الخلاف، أو لم تهتدِ إليه بعض جهات القضاء، وبذلك يبين حقيقة مراده وقصده. ويسمى التشريع الذي يصدر لتفسير تشريع سابق "التشريع" أو "القانون التفسيري".
وقد اختلف أمر هذا التفسير عن ذي قبل: ففي القانون الروماني والعصور الوسطى، كان هو الطريق الوحيدة لتفسير النصوص الغامضة، وكان القاضي يوقف الفصل في النزاع المعروض عليه، حتى يتدخل المشرع نفسه، فيصدر تفسيرًا لذلك التشريع الذي لم يدرك القاضي معناه ليطبقه على الواقعة المعروضة.
أما في العصر الحديث: فقد أصبح التفسير التشريعي نادر الوقوع فلم يعد له إلا حظ ضئيل في التفسير، ومرد ذلك إلى تقرير مبدأ فصل السلطات، واقتصار المشرع على إصدار القواعد القانونية والإلزام بها، تاركًا إلى السلطة القضائية مهمة تفسير هذه القواعد، وتطبيقها على الوقائع المختلفة.
ومن أمثلة التفسير التشريعي في مصر: المرسوم بقانون الصادر في ٢ مايو (أيار) سنة ١٩٣٥ بتفسير المرسوم الصادر في ٢ أغسطس (آب) سنة ١٩١٤ الذي قضى بتقرير السعر الإلزامي لأوراق البنكنوت، وبطلان شرط الدفع بالذهب، واعتبار الوفاء بأوراق البنكنوت، كما لو كان حاصلًا بالعملة الذهبية. إذ لم تهتدِ المحاكم إلى التفسير الصحيح لبطلان شرط الدفع بالذهب، فبعض المحاكم قضى بصحته، والبعض الآخر قضى ببطلانه، وذهبت المحاكم المختلطة إلى التفريق بين المعاملات الداخلية فأبطلت الشرط فيها وبين المعاملات الدولية فاعتبرت الشرط فيها صحيحًا، ولذلك
стр. 90
تدخل المشرع المصري لحسم الخلاف فأصدر مرسوم سنة ١٩٣٥ الذي قرر فيه أن البطلان المنصوص عليه في مرسوم ٢ مايو سنة ١٩١٤ لا يقتصر على المعاملات الداخلية، بل يشمل كذلك المعاملات الدولية، فكان مرسوم سنة ١٩٣٥ تفسيرًا لمرسوم سنة ١٩١٤، وهو تفسير تشريعي صادر من السلطة التشريعية نفسها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: القانون السوري رقم ٣ تاريخ ٢٣/ ١١/ ١٩٥٤ المتضمن إضافة فقرة إلى قانون الانتخابات العامة تعتبر: "محسنًا القراءة والكتابة من يحمل شهادة أو مصدقة رسمية تستلزم معرفة القراءة والكتابة، أو من نجح في امتحانات المرشحين، أو استحصل على حكم قضائي من المحكمة المختصة باستيفائه شرائط الترشيح" وقد نصّ القانون المذكور في مادته الثانية صراحة أن نصه هذا تفسيري (١).
مَن له سلطة التفسير:
هذا: والأصل أن السلطة أو الهيئة التي أصدرت التشريع، هي التي تقوم بتفسيره إذا احتاج إلى تفسير: فالسلطة التشريعية تختص بتفسير التشريعات الرئيسة، والسلطات الإدارية المختلفة تختص كل منها بتفسير ما تضعه من لوائح.
غير أنه قد يخوّل المشرع سلطة تفسير التشريع الرئيسي، هيئةً أخرى غيرَ الهيئة التي أصدرت التشريع، وما تصدره من تفسير بعدُّه تفسيرًا تشريعيًا كذلك.
ومن الأمثلة القريبة على ذلك، ما حصل فيما يتعلق بتفسير المرسوم بقانون رقم ١٧٨ لسنة ١٩٥٢ الخاص بالإصلاح الزراعي في مصر حيث صدر المرسوم بقانون ٢٦٤ لسنة ١٥٩٢ ونصّ على أنه "للَّجنة العليا تفسير
стр. 91
أحكام هذا القانون، وتعَدُّ قراراتها في هذا الشأن تفسيرًا تشريعيًا ملزمًا، وتنشر في الجريدة الرسمية" وقد فسرت هذه اللجنة بعض قواعد قانون الإصلاح الزراعي بعدة قرارات أصدرتها في هذا الشأن، فكانت هذه القرارات تفسيرًا تشريعيًا صادرًا عن اللجنة بتفويض من السلطة التشريعية التي أصدرت القانون (١).
ومن المقرر عند رجال القانون: أن التفسير التشريعي الذي يفسر تشريعًا سابقًا، يعتبر أنه صدر معه، فهو متمم له، فلا يقتصر سريانه على ما يحدث بعده من وقائع، وإنما يسري أيضًا على الوقائع السابقة التي حدثت منذ صدور التشريع الأول الذي ورد عليه التفسير، ومرد ذلك إلى أن هذا التفسير لا يُعَدُّ تشريعًا جديدًا أتى بحكم جديد، وإنما يُعَدُّ كاشفًا، أي مظهرًا لحقيقة المراد من ذلك التشريع السابق.
الإلزام في التفسير التشريعي:
قلنا: إن التفسير التشريعي يُعَدُّ متممًا للتشريع الذي فسره، وكأنه صدر معه، وباعتبار أنه تشريع صادر عن المشرع، فهو يحمل قوة الإلزام للسلطة القضائية. فعلى القاضي أن يتقيد به عند تطبيق القاعدة القانونية من التشريع السابق، ولا تحق له مخالفة ما نصّ عليه هذا التفسير بحجة أنه لا يعبّر حقيقة عن معنى التشريع المفسر.
ولكن هذا، لا ينفي احتمال أن يتجاوز المشرع نطاق التفسير، فيضع قواعد جديدة، ونظرًا إلى هذا الاحتمال؛ فإنه لا بد لمعرفة القوة الملزمة لما يُعَدُّ تفسيرًا تشريعيًا منسوبًا إلى المشرع من التفريق بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون التفسير التشريعي صادرًا عن السلطة الرئيسية التي وضعت التشريع الذي ورد عليه التفسير، أو عن سلطة تملك تغيير هذا
стр. 92
التشريع، وعندها يكون هذا التفسير التشريعي ملزمًا، لا تجوز مخالفته، ولو تضمن قواعد جديدة فيها تعديل للتشريع السابق، وإنما كان هذا الإلزام حتى في حالة التعديل؛ لأن المفروض أن السلطة التي أصدرت التشريع تملك تعديله؛ فلا تنافي ولا تجاوز.
الحالة الثانية: أن يكون التفسير التشريعي صادرًا عن سلطة أو هيئة مخولة من قبل السلطة الرئيسية، التي هي صاحبة الحق في الأصل، وفي هذه الحال: يكون من الواجب على هذه الهيئة المخولة أن تقف عند حدود ما أذن لها به، فلا تتجاوز تفسيراتها نطاق ما تحتمله النصوص السابقة من تفسير.
فإذا تجاوزت سلطتها: كان من حق القاضي - بما له من حق الرقابة على صحة التشريعات - أن يمتنع عن تطبيق النصوص التي جاء بها التفسير التشريعي فيما خرج عن حدود التفسير التي يحتملها النص التشريعي السابق.
وقد حدث ذلك فعلًا، فيما أصدرته اللجنة العليا للإصلاح الزراعي في مصر التي حوّلها قانون ٢٦٤ سلطة تفسير قانون الإصلاح الزراعي ١٧٨ كما أشرنا سابقًا، فلم يؤخذ بالقرارات التي تجاوزت فيها سلطتها في التفسير (١).
٢ - التفسير القضائي (٢):
ذكرنا في صدر هذا المبحث، أن التفسير خطوة لازمة بين يدَيْ تطبيق التشريع، وأن القضاء هو الذي يقوم بتفسير التشريع، عندما يريد تطبيق نصوصه، وقواعده، على حالات واقعية ترفع له للفصل فيها، فالقاضي في تفسيره للقانون وتطبيقه، ينزل إلى معترك الحياة الواقعية لفض الخصومات، ورفع الحيف، وإقرار الحقوق.
стр. 93
ومن هنا كان التفسير بالنسبة للقاضي، ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للفصل في تلك الحالة من النزاع المعروض عليه، ولذلك كان من المقرر أنه لا يقبل رفع دعوى إلى القضاء، يطلب فيها صاحبها تفسير قاعدة قانونية غامضة، بل يجب أن يكون ذلك بمناسبة نزاع فعلي معروض على القضاء (١).
ولقد كان طبيعيًا، أن يتأثر القاضي حين يفسر التشريع: بالظروف المحيطة والحاجات العملية، وما يمكن أن يترتب على تطبيق الرأي الذي يجنح إليه من نتائج في واقع الحياة؛ ولذلك فإنه يعمل دائمًا على جعل أحكام القانون، متمشية مع مقتضيات الأحوال، متفقة مع سير العدالة.
٣ - التفسير الفقهي:
أما التفسير الفقهي: فهو الذي نجده منثورًا في مباحث الفقهاء وشروحهم، وإذا عرض الفقيه لنص تشريعي: بحث فيه بشكل عام ليحصل على الحكم القانوني الذي يقصد المشرع إليه من النص، دون أن تكون أمامه حالة واقعية يهدف إلى تعرف حكم القانون فيها، ويستعين الفقيه على ما يريد من أبحاثه، بقواعد المنطق السليم، معتمدًا على ما تؤدي إليه هذه القواعد، دون نظر إلى النتائج العملية التي يمكن أن يؤدي إليها تطبيق التشريع حسب تفسيره الذي جنح إليه، فهو في بحثه: بعيد عن تلك الظروف والاعتبارات العملية التي تصحب الواقعة المعروضة على القضاء؛ فالتفسير عنده غاية لا وسيلة.
بين التفسير القضائي والتفسير الفقهي:
وهكذا نلاحظ أن ما يغلب على التفسير القضائي: هو الطابع العملي، بينما يغلب على التفسير الفقهي: الطابع النظري؛ فالقاضي يراعي في تفسيره
стр. 94
مقتضيات الحياة العملية، بينما يغلب على الفقيه مراعاة المنطق البحث، لاستخلاص القواعد العامة (١).
وهذا الاختلاف بين الوجهتين في التفسير، يجعل التعاون بين القضاء والفقه، وكأنه غير ميسور.
غير أن الفقه أخذ منذ أكثر من نصف قرن، يتجه في تفسيره للتشريع وجهة تتسم بالطابع العملي؛ فلم يعد يكتفي بالأبحاث النظرية، وإنما توجه إلى دراسة أحكام القضاء، ومراجعة تطبيقه لنصوص التشريع، على الحالات الواقعية، ليكون على علم بتلك الاعتبارات العملية التي تتأثر بها المحاكم (٢).
واتجاه الفقه في التفسير هذه الوجهة العملية: جعل من الفقه الفرنسي متعاونًا مع القضاء بعد انفصال دام طوال القرن التاسع عشر. ولقد كان هذا التعاون ولا يزال - كما يقرر بعض الفقهاء - من خير الوسائل لترقية القانون الفرنسي (٣).
وإذ قد عرضنا لمعنى التفسير وأنواعه، فلنبحث في اتجاهاته ومدارسه.
* * *
مذاهب التفسير العامة
ما من شك، في أن النصوص التي يراد تفسيرها: تكون معبِّرة عن إرادة واضعيها، والمفروض في الوقت نفسه: أنها وضعت في المجتمع لتحكم تصرفات أفراده.
وبمقدار ما يعطى من القيمة لقصد المشرع وإرادته من جهة، وما يعطى
стр. 95
لحاجات وظروف المجتمع من القيمة، وقت تطبيق التشريع من جهة أخرى: تختلف الاتجاهات والمذاهب في التفسير.
فهل تفسَّر النصوص التشريعية، في ظل إرادة المشرع عند وضعه التشريع، حقيقة كانت هذه الإرادة أو مفترضة؟ أم تفسر هذه النصوص، في ظل حاجات المجتمع وظروفه وقت تطبيق التشريع، دون إقامة وزن الإرادة المشرع؟
لقد كان لكل من الاتجاهين أصحاب وأنصار، كما كان لمسالكَ بينهما أصحاب وأنصار.
وهكذا اختلفت الاتجاهات والمذاهب في التفسير.
ولقد يقتضينا الوقوف على حقيقة الأمر، أن نعرض لأهم مدارس التفسير التي ينتسب إليها أهل المذاهب المختلفة. وهي: مدرسة الشرح على المتون، المدرسة التاريخية، المدرسة العلمية. وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: (مدرسة الشرح على المتون) أو (مدرسة التزام النص):
تكونت هذه المدرسة في فرنسا، عقب ما وضعته من تقنينات في أوائل القرن التاسع عشر على أثر الثورة الفرنسية.
وأصل تسميتها بمدرسة الشرح على المتون: يعود إلى ما درج عليه شرّاح تلك التقنينات من إحاطتها بقدر كبير من التقديس، وانصرافهم إلى شرح النصوص، بشكل تعليقات عليها، بحيث يجعلون النص متنًا يبذل الجهد في شرحه وتوضيحه؛ يفعلون ذلك غير خارجين حتى على الترتيب الشكلي للقانون، فهم يتقيدون بترتيب نصوص التقنيات وأرقام موادها.
كل ذلك، إلى اعتقاد أن التقنينات التي يشرحونها، قد حوت كل ما يلزم من قواعد لمواجهة الحياة بوقائعها وظروفها، فهي كاملة تشمل كل القانون.
стр. 96
ومن المؤكد، أن هذه المدرسة لا تنسب إلى فقيه معين، وإنما تنسب إلى ذلك الاتجاه الذي انتظم عددًا من الفقهاء تعاقبوا في دراساتهم وأبحاثهم، والتفوا على الخطة نفسها، وهم وإن لم يدوّنوا مبادئ مدرستهم وأصولها في مؤلف واحد: إلا أن المحدثين من الشرّاح استطاعوا أن يستخلصوا مبادئ هذه المدرسة، والأصول التي تقوم عليها، من كتابات أولئك الشرّاح في تعليقاتهم على النصوص.
ولقد حمل إلينا هؤلاء الشرّاح المحدثون، أن السابقين من الفقهاء إلى اتباع هذه الخطة - خطة الشرح على المتون - ثلاثة من عمداء كليات الحقوق في فرنسا. هم: "برودون" و "دلفانكور" و "تولييه" وتبعهم في ذلك آخرون من أساتذة القانون في فرنسا، وبلجيكا، الذين اشتهروا خلال القرن التاسع عشر. منهم: "ديرانتون" و "أوبري" و "رو" و "ديمولومب" و "ماركاديه" و"ثروبلونج" و "لوران" البلجيكي، وأخيرًا "بودوي لاكانتيينري" (١).
الأسس التي قامت عليها المدرسة:
لقد قامت هذه المدرسة، كما يؤخذ من اتجاه أصحابها الذي ألمحنا إليه من قبل، على عدة أسس أهمها:
تقديس النصوص التشريعية.
تقديس إرادة المشرع عند التفسير.
حصر القانون في إرادة المشرع.
١ - تقديس النصوص:
يبدو من الآثار التي تركها فقهاء هذه المدرسة، أنهم لا يعرفون إلا النصوص التشريعية مصدرًا للقانون، فقد قال أحدهم: (إنني لا أعرف
стр. 97
القانون المدني وإنما أنا أشرح مجموعة نابليون) وقال آخر: (إن شعاري وعقيدتي التي أومن بها، هي النصوص قبل كل شيء).
وهكذا فإن مجموعة نابليون في نظر هؤلاء الفقهاء، قد حوت القانون بأكمله، وواجب الفقيه التقيد بنصوصها، وعدم تجاوزها أو الخروج عليها.
على أن نظرة التقديس للنصوص بعد وضع القوانين، ظاهرة كثيرة الشيوع، وقد جاءت هذه المدرسة - كما أسلفنا - عقب حركة التقنين الكبرى في فرنسا؛ فليس بدعًا أن تتسم نظرة أولئك الفقهاء إلى تلك النصوص، يتلك السمة؛ حتى قال "لوران" البلجيكي - وهو أحد زعماء هذه المدرسة -: (إن التقنينات لم تدع مجالًا لتحكم الشارح، فليس من شأنه بعد الآن أن يضع القانون، إذ القانون قد وضع في نصوص تشريعية لا تحتمل الشك، فيتعين - حتى تحقق التقنينات فائدتها - أن يقنع الفقهاء والقضاة بمركزهم الجديد) (١).
٢ - الاعتداد بإرادة المشرع عند التفسير وتقديسها:
لم يقتصر فقهاء مدرسة الشرح على المتون، على تقديس النصوص، بل تعدُّوا ذلك إلى تقديس إرادة الشارع نفسه. والواقع أن تقديس إرادة الشارع ترتبت على تقديس النصوص، لأنهم لم يقدسوا النصوص إلا لأنهم رأوا فيها التعبير عن إرادة المشرع، ولذلك قرروا أن وظيفة الشارح: إنما هي البحث عن إرادة الشارع الحقيقية عند وضع التشريع، فإن لم يتوفر ذلك بخصوص واقعة معينة، فعليه اللجوء إلى إرادته المفترضة، وهي الإرادة التي يفترض المفسر أن الشارع كان يقصدها، لو أراد وضع حل لتلك الواقعة المعروضة، ولا يجوز التفتيش عن إرادة محتملة بنسبها الفقيه إلى المشرع، لو أنه وضع تشريعه في الوقت الذي يطبق فيه (٢).
стр. 98
٣ - حصر القانون بإرادة المشرع:
ولقد أدّى تقديس هذه المدرسة لإرادة المشرع، إلى حصر القانون بما يرد عن المشرع فقط، وهو القانون المكتوب، وعدم اعتبار العرف مصدرًا للقانون إلا بإجازة من المشرع نفسه وفي الحدود التي يجيزها، والأصل الجواز؛ فما لم ينهَ عنه الشارع، فقد أجازه، فلا يجوز أن ينشأ عرف يلغي حكمًا مخالفًا لما ينص عليه التشريع.
الإرادة الحقيقية للشارع والإرادة المفترضة:
١ - لذا فمن الممكن أن نقرر: أنه عندما يراد تفسير نص من النصوص - على رأي هذه المدرسة - لتطبيقه على واقعة معينة، وإعطاء الحكم فيها، فإن وظيفة المفسر: هي البحث عن إرادة المشرع الحقيقية، حين قام بوضع التشريع، وعدم اللجوء إلى إرادة محتملة للمشرع وقت تطبيق القانون.
ويرى الفقهاء أن هذه السبيل في التفسير، هي سبيل الثبات والاستقرار والبعد عن التحكم. أما لو فتح الباب للتفتيش عن إرادة أخرى محتملة، لكان ذلك مدعاة لاختلاف المفسرين، والوقوع في مزالق التحكم، الذي يضاد ما يلزم تهيئته للقانون من الاستقرار.
وإرادة المشرع الحقيقية، تعرف عند الوضوح: من واقع الألفاظ ودلالتها. وتعرف عند الخفاء: بالرجوع إلى مصادر النصوص التاريخية والأعمال التحضيرية، كما يمكن أن تعرف بتقريب النصوص بعضها من بعض.
ب - وإذا وجد المفسر، أن النص لم يسعفه في إيجاد الحل لواقعة معينة معروضة عليه: فلا بد له من اللجوء - كما أسلفنا - إلى إرادة الشارع المفترضة، فينسب الحل إلى الشارع على أساس افتراض وجود إرادة له في الأخذ بهذا الحل، رافق ذلك إغفال التعبير عنها (١).
стр. 99
ويستعين المفسر على ذلك، بالروح العامة للتشريع، ومبادئه الأصلية، ومسلك المشرع في واقعات أخرى مشابهة، وما إلى ذلك.
ومما لا شك فيه: أن القضاء حين يأخذ بالإرادة المفترضة للمشرع عند وضع التشريع، يختلف حكمه في الواقعة المعروضة، عما لو أخذ بإرادة محتملة للمشرع، وقت تطبيق التشريع.
ومن أمثلة ذلك: أن القانون المدني الفرنسي نصّ على "عدم جواز التصرف في العقار الذي تقدمه الزوجة مهرًا لزوجها"، وسكت عن بيان حكم المنقول؛ فلم يتعرض له؛ فهل يجوز التصرف في المنقول خلافًا للعقار؟ إن أمر معرفة الإرادة الحقيقية للمشرع غير متوافر؛ لأنه ليس أمام المفسر نص يستدل من واقع ألفاظه على تلك الإرادة. وهنا نكون بين أمرين:
فإما أن نأخذ بإرادة مفترضة، وإما أن نأخذ بإرادة محتملة.
فإذا أخذنا بالإرادة المفترضة للمشرع وقت وضع التشريع: وجب القول بجواز التصرف في المنقول، إذ إن النص على العقار دون المنقول: يجعل للمنقول حكمًا مخالفًا لحكم العقار. ولو أراد المشرع أن يسوِّي المنقول بالعقار، لنصّ عليه.
هذا ما يقول به فقهاء مدرسة الشرح على المتون جريًا على خطتهم في التفسير. وحكمة التفرقة بين الحكمين - كما يقولون - ترجع إلى أن المنقول لم تكن له أهمية كبيرة وقت وضع مجموعة نابليون، في أوائل القرن التاسع عشر، ولذلك حمى المشرع العقار دون المنقول.
أما لو أخذنا بالإرادة المحتملة للمشرع، وقت تطبيق هذا النص القانوني، لجاز القول بأن المنقول أصبح لا يقل أهمية عن العقار في الوقت الحاضر مما جعله يستحق الحماية نفسها، بحيث لا يجوز التصرف فيه، كما لا يجوز التصرف في العقار (١).
стр. 100
الحكم على مدرسة الشرح على المتون:
ذكرنا سابقًا، أن أصحاب مدرسة الشرح على المتون، يرون أن مذهبهم في التفسير، يكفل استقرار معنى التشريع وثباته، وهذا صحيح ويعتبر مزية لهذا المذهب.
ولكن بجانب هذه المزية، كانت هنالك مآخذ للعلماء عرَّضت المدرسة لنقد شديد؛ ذلك بأن قيامها على تقديس النصوص وإرادة المشرع، واعتبار هذه الإرادة هي المصدر الوحيد للقانون، جعلها تسير في طريق يؤدي إلى عرقلة سير القانون وجموده، والوصول في بعض الأحيان إلى نتائج قد تكون غير مقبولة عقلًا.
فمن أجل الوصول إلى إرادة المشرع الحقيقية، تطرف الشرّاح في التعبُّد بالنصوص والألفاظ.
ومن أجل الوصول إلى إرادته المفترضة، وقت وضع التشريع، وإكسابها القداسة نفسها المعطاة للنصوص، لم يقيموا أي وزن لتطور المجتمع، وتغير ظروفه. وقد أدّى ذلك بالطبع إلى أن تنسب بعض الحلول زورًا إلى المشرع، لأنهم يطلبون إرادته وقت صدور التشريع، ويهربون من إرادة محتملة وقت التطبيق.
وكان من نتيجة ذلك كله، أن المدرسة لم تقوَ على الصمود أمام النقد الذي وجهه إليها العلماء، فاضمحلت واختفت منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (١).
ثانيًا: المدرسة التاريخية:
ظهرت هذه المدرسة في ألمانيا، وهي تنسب إلى عدد من فقهائها وعلى رأسهم الفقيه الكبير "سافيني"، ولم تلقَ من الفقهاء الفرنسيين كبير تأييد، فلم يتابعها إلا عدد قليل منهم.
стр. 101
وقد كانت صدًى واضحًا لتعاليم المذهب التاريخي في تصور القانون، ذلك المذهب الذي يرى أن القانون ليس وليد إرادة واعية تتدبر في صنعه؛ فهو ليس من صنع المشرع، كما أنه ليس ثمرة التفكير والاستنباط، ولكنه نتاج الأمة ومنبعث منها، ووليد البيئة الاجتماعية المتطورة، فهو ينشأ في ضمير الجماعة، ويتطور تطورًا ذاتيًا دون أن يقيده شيء.
ونتيجة لتصور القانون على هذا الشكل، كانت وظيفة المشرع في هذه المدرسة: لا تعدو أن تكون تسجيلًا للقانون الذي تولد عن البيئة؛ فهو غير ذي دور فعّال في وضع القانون، وإرادتُه ليس لها قيمة في ذاتها، بل كل ما لها من قيمة: منحصر في تعبيرها عن حاجات المجتمع المتطورة المتجددة، التي هي مضمون تلك القواعد القانونية.
فالنصوص التشريعية بعد صدورها، تنفصل عن إرادة واضعيها، وتصبح كائنًا حيًا متطورًا، يتفاعل مع الحياة الاجتماعية التي نشأ فيها، الأمر الذي يكسب النصوص مرونة تجعلها متلائمة مع ظروف الحياة المتطورة.
وكانت ثمرة ذلك في التفسير: أن نصوص القانون، لا تفسر حسب إرادة الشارع الحقيقية أو المفترضة - كالذي رأيناه في مدرسة الشرح على المتون - وإنما تفسر وفقًا للظروف القائمة وقت التفسير.
وهكذا لا يكون من وظيفة المفسر، البحث عن إرادة الشارع الحقيقية أو المفترضة، وإنما البحث عن الإرادة المحتملة، التي يمكن أن تصدر عن المشرع، لو أنه وضع النص في تلك الظروف القائمة عند تطبيق النص. لأن النص الأول كان نتاج الظروف التي أملته ووجد فيها، وبسببها.
الحكم على المدرسة التاريخية:
ولئن كان اتجاه هذه المدرسة في التفسير، يعطي النصوص التشريعية مرونة تجعلها قادرة على مواجهة الظروف، وتقديم الحلول في مراحل الحياة المتطورة، إلا أن هذه المرونة نفسها، قد تكون بابًا للتحكم وفرض الآراء
стр. 102
الشخصية باسم القانون، وتحت ستار التفسير، فكلٌّ يفسر القانون حسب هواه وينسب هذا التفسير إلى القانون، باسم المرونة، وسد حاجات المجتمع.
وإلى جانب ذلك: فإن هذا الاتجاه - على إطلاقه - يقضي على ما ينبغي للقانون من ثبات، وتحديد، واستقرار.
وهكذا تخرج هذه المدرسة بالتفسير عن معناه الحقيقي، وهو بيان معنى النص القانوني، وتجعل منه أداة لتعديل القانون، أو إلغائه، أو خلق قواعد قانونية جديدة (١).
ثالثًا: المدرسة العلمية:
وثالث الاتجاهات في التفسير: اتجاه المدرسة العلمية، الذي هو اتجاه وسط بين الاتجاهين المتطرفين لمدرسة الشرح على المتون، والمدرسة التاريخية والاجتماعية.
وزعيم المدرسة العلمية أو (مدرسة البحث العلمي الحر) هو الفقيه الفرنسي "فرنسوا جني Geni.F".
والأساس الذي تقوم عليه هذه المدرسة في التفسير: هو الوقوف على إرادة المشرع، مع ملاحظة العوامل التي تتكوَّن منها القاعدة القانونية.
وبيان ذلك: أن التشريع عمل إرادي؛ فقد وضعه المشرع معبرًا عن إرادته الواعية لتحقق غاية معينة، ولذلك كان من الواجب عند التفسير، البحث عن إرادة المشرع؛ ولكن الإرادة التي يجب البحث عنها في نظر "جني" هي الإرادة الحقيقية وحدها، وقت وضع التشريع، دون ما تسميه مدرسة الشرح على المتون بـ "الإرادة المفترضة" إذ لا يجوز في نظر هذا الفقيه، أن نفترض أمرًا وننسبه من عند أنفسنا إلى الشارع، فإذا لم يوجد
стр. 103
نص تشريعي يواجه الواقعة المعروضة، لجأنا إلى المصادر الرسمية الأخرى للقانون (١) ومن أهمها العرف.
فإذا لم تسعف المصادر الرسمية، بإيجاد الحل، لا يبقى إلا ما يسميه "جيني": "البحث العلمي الحر" أي الرجوع إلى جوهر القانون، بحقائقه التي يتكون منها؛ وهي الحقائق الطبيعية، والتاريخية، والعقلية، والمثالية (٢)، فهي التي يمكن أن يستلهم منها المفسر قاعدة قانونية، عند افتقاد نص في التشريع.
الحكم على المدرسة العلمية:
لا شك في أن المدرسة العلمية، قد سلكت طريقًا وسطًا بين تطرف مدرسة الشرح على المتون، وبين تطرف المدرسة التاريخية؛ فلم تهمل إرادة المشرع الحقيقية، وفي الوقت نفسه أقامت لغير التشريع، وزنًا في أن يكون مصدرًا من مصادر القانون.
وبعد ذلك كله: لم تقف دون مرونة القانون وقدرته على مواجهة الحياة، دون أن يؤدي ذلك إلى الفوضى كما فعلت المدرسة التاريخية.
والآن ....
نترك هذه المدارس الثلاث التي نشأت للتفسير في أوربا، والتي كان من أقومها المدرسة العلمية؛ لنرى في أبحاثنا القادمة، أيَّ خصائص تميزت بها مناهج تفسير النصوص في الفقه الإسلامي.
стр. 104
وبين يدَيْ ذلك، لا بد من إشارة عابرة إلى أن بين التفسير في الشريعة وبين التفسير في القانون أشواطًا بعيدة من التفاوت، قد تجعل سبيل المقارنة - لو سلكت - نوعًا من التجوز:
أ - فمن الناحية الزمنية: كان لمناهج التفسير في الشريعة السبق بما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا من الزمان حيث تأصَّلت هذه المناهج وقامت راسخة البنيان، علمًا قائمًا بذاته، فيه كل مقومات الثبات والاستقرار، والقدرة على ضبط خطوات المفسِّر، التي تعصمه عن أي زلل أو انحراف.
ب - ومن الناحية الموضوعية: نرى أن مدارس التفسير التي وجدت في أوربا على اختلاف اتجاهاتها، وعلى اعترافنا، بأن أفضلها المدرسة العلمية التي سلكت سبيل الجادة بين المدرستين التقليدية والتاريخية؛ كل أولئك لا تصحبه ضوابط تحدد ما يراد عند التفسير، أو معايير تزن ما يتجه إليه القاضي، أو يقصده المشرع عندما يريد أن يفسر النص.
وهذه الموسوعة الفرنسية، عند حديثها عن الحاجة إلى التفسير والبيان عند الإبهام في النصوص، تعرض لنا كيف أن القانون المدني الفرنسي، قد ظهر، وهو خلوٌ من أية ضوابط أو قواعد في هذا المضمار، الأمر الذي جعل القاضي يفسر القانون عند الاقتضاء تبعًا لمواهبه المسلكية، وحسب ذمته (١) وإن كان ذلك تحت مراقبة محكمة التمييز.
ولم تطمئن الموسوعة الفرنسية إلى هذا الأمر، بل أعلنت مخاوفها من التفسير الذي يقوم به القضاة، دون الاستناد إلى قواعد في التفسير، وضوابط يعتمد عليها في البيان (٢).
стр. 105
أما في الشريعة الإسلامية: فقد ألمحنا إلى خطوط عامة في قواعد التفسير، يأتي تفصيل ما بني عليها فيما يأتي من مباحث:
ففي دائرة من الضبط العلمي الدقيق، ترى مثلًا أنهم تتبعوا اللفظ - كما أشرنا من قبل - في حالات وضوحه وإيهامه، ووضعوا له الضوابط التي تتلاءم مع تدرجه في مراحل الوضوح ومراحل الإبهام، حيث يستضيء المفسّر بها ليكون على بيِّنة من أمره عند استنباط الحكم؛ فلا يحيد عن الجادة، ولا يخطئ الهدف.
كما تتبعوا حالات دلالة اللفظ على الحكم، بشتى صورها، وألوانها مبينين بجلاء ووضوح، ما تعنيه كل حالة من الحالات، وأي دلالة تكون أوْلى بالتقديم إذا كان هنالك تنوُّع وتعدُّد في تلك الدلالات.
وليس ذلك فحسب: بل وضعوا للَّفظ عند نسبته إلى معناه، موازين ومعايير، اتسعت لحالات شموله، وعدم شموله، وحقيقته، ومجازه .... وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومسائل؛ كل ذلك في إطار من التأويل السليم.
وهكذا تبدو تلك المناهج متكاملة، يجد الباحث في ظلها، أنس الطمأنينة، وروعة الدقة والضبط، وإمكان، استخدامها والإفادة منها على مرّ الأزمنة والعصور، ما دامت العربية دمها الدافق، وروحها الأصيل.
وإذا كنا نكتفي الآن بالإشارة العابرة، واللمحة الموجزة، فلأن موضوع بحثنا القادم في القواعد وتحريرها في مختلف الاتجاهات، وضبط العلاقة بينها وبين ما نشأ عنها من فروع وأحكام، كله شاهد لما نقول.
وإن تعجب، فعجب أن يضع بعض الناس أنفسهم، في موطن الحكم على قواعد التفسير في الفقه الإسلامي، وهم على حال لا يستطيعون معها إدراك أسرار العربية، والنسب الصحيح بينها وبين شريعة الإسلام.
ولنتوجه شطر نفر من المستشرقين الذين يريدون الكلام حول الكتاب
стр. 106
والسنّة وعقيدة الإسلام وشريعته (١) ولنأخذ منهم (جولد تسهير) في مسألة واحدة لنراه يقول قالة الأعجمي في لسانه وفؤاده.
ففي معرض الحديث عن المبدأ الإسلامي، في السهولة ودفع الحرج، يعطي رأيه في (الأمر والنهي)، اللذين عليهما مدار أكثر الأحكام التكليفية في الشريعة. ولا يكتفي بإدلاء دلوه في قضية غريبة عن لغته ومدركاته، بل يترك ساحة المعرفة والأصول التي يقوم عليها استنباط الأحكام في الفقه الإسلامي، ليخرج علينا بحكم، مفاده: أن تنوع مدلولات الأمر والنهي في الأحكام، إنما كان أثرًا لمحاولات التحلل من القسوة التي تبدو في بعض النصوص.
وذلك حين يقرر، أن العلماء حركوا ذكاءهم، ليجدوا مخرجًا من المواضع الصعبة التي تمليها على المسلمين نصوص الأحكام القرآنية؛ فبعض الأمور المتصلبة: كانت تخفف، أو تطرح، بواسطة التوسع في شرح النصوص. وبواسطة التفسير يرجّح الوجوب، أو المنع في الفقه.
ويقرر أن عبارة الأمر أو المنع، تستخدم للتعبير عن الرغبة والاستحباب، أو الكراهة، ليكون ارتكاب ما أمر به في النصوص، أو نهي عنه لا يعاقب عليه ولا يعدُّ تخطيًا للقانون.
وقد مثَّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] جاعلًا اختلاف الفقهاء في بعض الأمور، منوطًا بمقدار الحرص على التحلل من التزام (النهي) في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ وإيجاد المخرج منه (٢).
وإذا عدنا إلى قواعد الأمر والنهي، كما سيأتي تفصيلها، نجد أثر اللغة والعرف الشرعي، في مسالك الاستنباط.
стр. 107
ولقد قرر العلماء أن الأصل في الأمر الوجوب، وأن الأصل في النهي التحريم، والعدول عن ذلك لا يكون إلا بقرينة.
وقد استندوا في ذلك إلى أصل المعنى اللغوي، وإلى استقراء ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن أخذ عنهم من التابعين.
ومن الواضح أن علماءنا خصوا هذه القواعد، بمزيد من العناية؛ لأن أكثر الأحكام التكليفية - كما سبق - قائمة على (إفعل، لا تفعل) فقد حدّدوا معنى الأمر، ومعنى النهي، ومدى العلاقة بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الشرعي، وفضّلوا القول في مقتضى الأمر من حيث الوجوب أو غيره، ومقتضاه من ناحية الوحدة والتكرار، ومقتضاه من الناحية الزمنية؛ من حيث الفور، أو التراخي، إلى غير ذلك من المباحث العامرة بالمعرفة والخير.
وقد فعلوا مثل ذلك في النهي، وإلى جانب هذا، كشفوا عن أثر النهي في المنهي عنه، سواء أكان ذلك في العبادات أم كان في العقود والمعاملات؛ لإعطاء الحكم فيما نهي عنه، من حيث الصحة، أو الفساد أو البطلان.
وما أحسب أن في دنيا التشريع ما يداني هذا الاستقصاء، ولا تلك الدقة التي نرى آثارها في كتب الأصول والفروع، على تشعب في المذاهب وتنوع في الاجتهادات، البعيدة عن الهوى والانحراف، المنبعثة من الحرص على الحقيقة، كاملة غير منقوصة. والعضِّ عليها بالنواجذ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وتحقيقًا لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة.
غير أن جولد تسهير، يحاول تنصيب نفسه للحُكم، حتى في قضية لها أكبر المساس بلغة غير لغته، وبيان جاء بغير لسانه.
بل يريد أن ينقل القضية من ميدان الضوابط التي قامت على مدلولات اللغة وقواعد الشريعة، إلى ميدان الأخلاق والسلوك، ليتَّهم العلماء بالانحراف، حين يتحولون - على حد زعمه - في الأمر، عن الوجوب إلى غيره، كما يتحولون في النهي، عن التحريم إلى غيره، وراء الهوى.
стр. 108
على أن الباحث المنصف، يرى أن من أهم ما تميّز به الاستنباط في شريعة الإسلام، هذه الضوابط، التي ضمنت سلامة الاتجاه في التفسير. وأن الأئمة الذين يخشون الله في كل ما يأخذون وما يدعون، لا يُحكم عليهم بمفهومات تقوم على الانحراف والتزوير.
ولكن الذين في قلوبهم مرض، يأبون إلا أن يعلنوا عن أنفسهم حتى بالانحراف عن الطريق التي تقوم على احترام قواعد المنطق، والبحث العلمي المجرد، الذي لا يتأثر بما في النفس من حاجات ورغبات … ترتبط أول ما ترتبط بالأغراض التي من أجلها وُجه المستشرقون لدراسة الثقافة الإسلامية وأوضاع الشعوب الإسلامية، تلك الأغراض التي تنتمي أول ما تنتمي إلى مناهج التبشير ومخططات الاستعمار. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الغضَّ من منهجية عدد من المستشرقين في البحث، أو نفي أن يكون فيهم أحيانًا من يرى في دراسته - ولو اليسير - من الإخلاص للحقيقة والمعرفة.
وعلى أية حال: فإن قواعد التفسير، التي تحمل في فقهنا عناصر خلودها، قد أثبتت وستثبت وجودها، كلما أُضيئت أمام رجال الفقه والقانون، سبل المعرفة، للصلة بمناهجها، وتبيّن خصائصها الأصيلة.
ولقد يرى الباحث كثيرًا من النماذج، التي تدل على إفادة كبريات مؤسساتنا القضائية من تلك القواعد؛ وذلك بردّ كثير من الأحكام إلى مبادئها (١).
стр. 109
كما أن كبار رجال القانون في العالم العربي خطوا أشواطًا واسعة في إبراز مجموعة من قواعد التفسير عندنا، وإعطائها ما تستحق من العناية (١) الأمر الذي يسهِّل إمكان استخدامها في تفسير النصوص القانونية، في دنيا هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أُخرجت للناس.
انظر على سبيل المثال: الكتاب المتألق بموضوعه وبحوثه أعني "التشريع الجنائي الإسلامي" لعبد القادر عودة ﵀ الذي أثبت بين يدَيْ الحديث عن مصادر التشريع الجنائي في الشريعة، قواعد هذه الشريعة في تفسير النصوص الأمر الذي يشعر بالمنهجية الواضحة في طريقة أخذه الأحكام من النصوص والضبط في رد الفروع إلى الأصول. بكل أمانة، وتجرد، حرصًا على تبين الحقيقة، ووقوفًا عند الحق الذي نزل به الكتاب.
* * *
стр. 110
القِسْم الأَوَّل قواعد التّفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودَلالتها على الأحكام