← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 911–929 · переход к 916.

стр. 911

الوقت نفسه آثمًا ويوجبون عليه إزالة ما تسبب منه الإثم، وذلك إما باستبدال الخمر بغيره، ليكون ثمنًا في الصفقة، أو بفسخ العقد (١). حقيقة الاختلاف في نظر الزركشي: هذا: وقد جاء الزركشي الشافعي في كتابه "البحر المحيط" على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم في مسألة "أثر النهي في المنهي عنه لوصف متصل به" وصوَّر حقيقة الخلاف وإلى أين مرده فقال: (واعلم أن حقيقة الخلاف بيننا وبين الحنفية: يرجع إلى مسألة أخرى وهي: أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقًا، ثم نهي عنه في بعض أحواله، هل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط بالمأمور به حتى يقال: إنه لا يصح بدون ذلك الشرط، ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم، كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل آخر، أم لا يكون كذلك)؟ ثم أتى الزركشي على ذكر المذهبين بناءً على حقيقة الاختلاف - كما يراه - وأورد مثالين للتطبيق هما: النهي عن صوم يوم النحر الذي عرضنا له من قبل فقال: (مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر، والأمر بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره. فالشافعي والجمهور قالوا: النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد، وإلحاق شرط بالمأمور به لا تثبت صحته بدونه. وذهبت الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف عنه دون الأصل المتصف به حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحًا بحسب الأصل، فاسدًا بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد، وإلا فمجرد النهي عنه لا يدل على الفساد بل على الصحة) (٢).

стр. 912

رأينا في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه: والذي نميل إليه فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم يتصل به، هو ما ذهب إليه الحنفية من تفريق بين أثرِ مجاله العلاقة بين المكلف والشارع، وأثرِ مجاله العلاقة بين الفرد والآخرين من حيث التعامل، وتحقيقُ المصالح في حياة الناس ومعاشهم. فالأثر الأول - وهو الإثم - ثابت على المكلف تجب المبادرة إلى إزالة سببه. والأثر الثاني: منتج لما رتبه الشارع على العقد الذي استوفى أركانه وشروطه من ثمرات مقصودة، كما في جعل البيع سببًا للملك. والذي يحملنا على هذا الميل - إلى جانب ما استدل به الحنفية - ما نراه في هذا الاتجام من كونه أقرب إلى تيسير شؤون الحياة، وتأمين مصالح الناس التي لها في الشريعة وزن ومقدار، خصوصًا وأن الحوادث لا تتناهى، والأيام تحمل إلينا كل يوم جديدًا من العقود، وأنواع التعامل. على أن الحنفية، لم يغفلوا الحفاظ على إلزام المكلف العملَ على التخلص من الإثم بإزالة سببة، وفي هذا جمع لسلامة العلاقة بين المكلف والشارع، وبين المكلف والآخرين، لأن التعامل في شريعتنا لا يجوز بحال أن يكون طريقًا لمعصية من شرع هذه الشريعة. نقول هذا كله، مع الشعور بأثر الاصطلاحات في مسالك هؤلاء الأئمة، الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الحذر عند التطبيق. ومبعث ذلك أن ما ذهب إليه الجمهور. تسنده قوة الدليل من اللغة، وما قد يفهم من عمل السلف، بالإضافة إلى شيء من الصعوبة في تطبيق مذهب الحنفية في الفروع عند استنباط الأحكام من النصوص، ونماذج ذلك عديدة في كتب الفقه ومظان الأحكام، وعلى كلٍ فلا بد للذوق الفقهي من أن يعمل عمله، فيذلل الكثير من العقبات. من آثار الاختلاف في التطبيق: كان للاختلاف فيما يقتضيه النهي من أثر في العمل الشرعي المنهي عنه: آثار واضحة في اختلاف العلماء عند تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ونحن موردون فيما يلي بعض الأحكام التي تُظهر أثر الاختلاف بين

стр. 913

الجمهور وبين الحنابلة والظاهرية، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لأمر خارج، وبعضًا آخر، مما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية والجمهور، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم له. أ - علمنا مما سبق: أن الاختلاف بين الجمهور، وبين الحنابلة والظاهرية: قائم على اعتبار أن النهي لأمر خارج عن العمل المنهي عنه، لا يؤثر في صحة هذا العمل، وإذا أتى به المكلف يقع صحيحًا. أما الحنابلة والظاهرية: فيرون أثر النهي في المنهي عنه لأمر خارج، يقتضي البطلان، وإذا أتي به المكلف، وقع باطلًا لأنه غير مشروع (١). ومن المسائل التي ظهر فيها الخلاف بناء على هذه القاعدة: الوضوء بماء مغصوب، والصلاة في ثوب مغصوب أو مسروق، والصلاة في أرض مغصوبة، والصلاة بطهارة مسبح فيها على خف مغصوب. فكل هذه الأحكام واقعة تحت النهي عن الغصب والاعتداء، فالحنابلة والظاهرية يعتبرونها كلها باطلة، لأن النهي يعتمد المفاسد، وما دامت هذه الأمور منهيًا عنها، فهي فاسدة وباطلة، دون تفريق بين أن يكون النهي لذاتها، أو لوصف لازم لها، أو خارج عنها. ومثل ذلك: الذبح بسكين مغصوبة عند الظاهرية كما سيأتي. فالوضوء بماء مغصوب: لا يعتبر طهارة مشروعة، والصلاة به صلاة بغير وضوء. والصلاة في ثوب مغصوب، أو مسروق، أو في أرض مغصوبة: باطلة، والذبيحة بسكين مغصوبة: حرام عند الظاهرية لا تحل، فهي: كالميتة (٢). والجمهور يرون أن النهي في هذه الأحكام، إنما هو لأمر خارج عن المنهي عنه، فتقع العبادة مشروعة صحيحة، وتقع الذبيحة بالسكين المغصوبة حلالًا، مع إثم الغصب في الأحوال كلها (٣).

стр. 914

مسلك الإمام ابن حزم: وقد أتى ابن حزم بعدد من هذه الأحكام في جملة أحكام أخرى تطبيقًا على القاعدة المذكورة، من اقتضاء النهي الفساد في المنهي عنه مطلقًا. فبعد أن قرر القاعدة - كما أسلفنا من قبل - وأبان أن الإتيان بالمنهي عنه معصية، والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ذكر الصلاة بثوب نجس ممن يعلم ذلك، ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل، والصلاة في مكان منهي عن الإقامة فيه كمكان نجس، أو مكان مغصوب، أو في عطن الإبل، أو إلى قبر، والذبح بسكين مغصوبة، وذبح حيوان الغير بغير إذن صاحبه، والوضوء بماء مغصوب، أو بآنية فضة، أو بإناء من ذهب. وبعد تعداد هذه المسائل: قرر أن كل ما مرَّ، لا يتأدَّى فيه فرض (فمن صلى كما ذكرنا: لم يصل ومن توضأ كما ذكرنا: فلم يتوضأ، ومن ذبح كما ذكرنا: فلم يذبح، وهي ميتة لا يحل لأحد أكلها، لا لربها ولا لغيره، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية). وقد علل ابن حزم ما حكم به من البطلان في تلك المسائل: أن فعلها وقع على خلاف أمر الشارع وقد قال ﷺ : "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) ثم فصَّل أبو محمد في وقوع تلك الأفعال من المكلف على خلاف أمر الشارع فقال: (وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين، وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه، وعن الإقامة في المكان المغصوب، وأمر بضرورة الإقامة للصلاة، وبتذكية ما يحل أكله. وبضرورة العقل: علمنا أن المأمور به هو غير العمل المنهي عنه، ولا يتشكل في العقل غير ذلك). ثم أبان ﵀ أن تلك المناهي، لو كانت هي المأمورات، لكان الله آمرًا بها، ناهيًا عنها، إنسانًا واحدًا، في وقت واحد، في حال واحدة، وهذا مما قد تنزَّه الحكيم عنه في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها (١).

стр. 915

وقد أورد ابن حزم مسائل على لسان بعض المعترضين: كان المناسب أن تأخذ الأحكام الماضية نفسها، مع أنه لم يعطها ذلك، من هذه المسائل: الطلاق، أو الإعتاق في مكان مغصوب، وتعلُّم القرآن في مصحف مغصوب (١). وبعد أن اتهم المعترض بالجهل، رد ما أورد عليه: بأن الطلاق والعتاق والبيع والعطايا والصدقات، لفظ لا يقتضي إقامةً مأمورًا بها، بل مباح للمكلف أن يطلّق، ويفعل ذلك وهو يمشي، أو وهو يسبح في الماء، فليس مرتبطًا بالإقامة في المكان. أما الصلاة: فلا بد لها من الإقامة في المكان إلا عند الضرورة. أما تعلم القرآن بالمصحف المغصوب: فقد أجاب عنه، بأن التعلم ليس مرتبطًا بجنس المصحف، وقد يتعلم المرء تلقينًا، ثم أيضًا هو في حال حفظه غير مستعمل لشيء مغصوب، وكذلك في قراءته ما حفظ في صلاته (٢). القرافي والحنابلة: كان فيما قرره القرافي - من المالكية - عن مذهب الحنابلة في الموضوع: أنهم بالغوا في إلغاء الفرق بين كون النهي عن العمل لذاته، أو لغيره، حتى اعتبروا النهي لأمر خارج عنه مستويًا مع أي نهي آخر.

стр. 916

وقد أتي على ذكر عدد من المسائل عندهم والتي أوردها ابن حزم. وأبان القراقي أن حكمهم ببطلان العمل في هذه الأحكام، مردُّه تسويتهم بين موارد النهي جميعًا في الأصل والوصف، فالمنهي على إطلاقه، يوقع العمل معدومًا شرعًا، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا. فمن صلى بغير وضوء حسًا: فصلاته باطلة، فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة. وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق، والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة، فهي كلها معدومة شرعًا فتكون معدومةً حسًا. ومن فرى الأوداج بغير أداة حسًا لم تؤكل ذبيحته، فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة. ولم يحاول القرافي الجواب عن كل مسألة بذاتها، وإنما أفرد ثلاث مسائل بالذكر هي: الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة بطهارة مُسح فيها على خف مغصوب، والصلاة في ثوب مغصوب، وقد ذكر مع هذه مثيلتين لها مبينًا أن محور الحكم في هذه المسائل عند الحنابلة: هو ما ذكرنا فيما قبل، ثم أجاب عن كل واحدة من الثلاث المذكورة. ١ - فحكم المالكية والشافعية والحنفية بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، مبني على ملاحظة أن متعلَّق الأمر قد وجد فيها بكماله، مع متعلق النهي؛ فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة، غير أن المصلي جنى على حق صاحب الدار، فالنهي في المجاور، والنهي في المجاور عندهم لا يؤثر في صحة الحكم (١). ٢ - وبمثل ذلك أجاب عن المسألة الثانية؛ فطهارة غاصب الخف صحيحة، والصلاة بهذه الطهارة صحيحة، والمدرَك في ذلك: أن المصلي في هذه الحال محصل للطهارة بكمالها على الوجه المطلوب شرعًا، وإنما

стр. 917

هو جان على حق صاحب الخف كالصلاة في الدار المغصوبة (١). ٣ - وعلى المنوال نفسه، جرى في المسألة الثالثة: فالذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماء مغصوب، أو يحج بمال حرام: كل هذه المسائل سواء في الصحة خلافًا لأحمد. والعلة - كما ذكر القرافي - ما تقدم من أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة، وصورة التطهير: قد وجدت من حيث المصلحة، لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة: كان النهي مجاورًا فهو نهي عن الجناية على الغير كما في الدار المغصوبة (٢). ويبدو أن القرافي أفرد هذه المسائل بالذكر، لتكون نماذج لما وراءها، وما قيل فيها يقال في غيرها، وهو كثير في كتب الأصول والفروع، وقد رأينا عند ابن حزم عددًا من ذلك، وعلى كل فأثر الاختلاف في قواعد الأصول واضح فيما انبنى عليها من مسائل في الفروع (٣). ب - أما الاختلاف بين الحنفية والجمهور - وفيهم الشافعية -: فقد قام - كما أسلفنا - على أن الجمهور يُلحق المنهي عنه لوصفه بالمنهي عنه لذاته، فهما في البطلان سواء. والحنفية يعتبرون المنهي عنه لوصف لازم، صحيحًا بأصله، فاسدًا بوصفه. وقد انبنى على هذا الاختلاف بين الجمهور والحنفية اختلاف في كثير من الأحكام. من ذللك - في المعاملات - بعض العقود التي نهى عنها الشارع لوصف ملازم. فالشافعية - تمشيًا مع أصلهم في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه -

стр. 918

يحكمون ببطلان أو فساد هذه العقود، على تساوٍ في البطلان والفساد عندهم دون تفريق. والحنفية - تمشيًا مع أصلهم أيضًا في التفريق بين المنهي عنه لذاته والمنهي عنه لوصفه - يحكمون بفسادها؛ فهي صحيحة بأصلها، فاسدة بوصفها، ولذلك تفيد الملك بالقبض، مع وجوب العمل على إزالة سبب النهي لرفع الإثم. من هذه العقود: البيع بجعل الخمر أو الخنزير فيه ثمنًا للمبيع (١)، فإن الخمر منصوص على اجتنابها، والخنزير منصوص على نجاسته، والبيع المشتمل على الربا، فالربا منصوص على تحريمه في الكتاب والسنة (٢). وكذلك البيع بشرط، يتنافى مع مقتضى العقد، والرسول صلوات الله عليه "نهى عن بيع وشرط" وذلك: كالبيع بشرط أن يبيعه المشتري سلعة أخرى، أو أن يقدم له قرضًا، وبيع الثوب بشرط أن يخيطه البائع، وبيع الزرع بشرط أن يحصده البائع. فكل هذه البيوع فاسدة أو باطلة عند الشافعية، لأنها منهي عنها نهيًا لوصف ملازم لها، وإذا وقعت، وقعت غير مشروعة، فلا يترتب عليها أي أثر من الآثار التي رتبها الشارع على المعقود الصحيحة، فهي عقود وقعت مخالفة لأمر الشارع، ولا يمكن أن يكون أثر ما خولف فيه الشارع هو أثرَ ما امتثل فيه أمره (٣). أما الحنفية: فيعتبرونها فاسدة لا باطلة؛ لأن النهي عنها ليس لذاتها بنى لوصف لازم لها خارج عن حقيقة البيع. فإذا وقع البيع، وقع صحيحًا على حقيقته؛ لأن الخلل في الوصف لا في الذات.

стр. 919

قال صاحب "الهداية" في شأن البيع بالخمر والخنزير: (والبيع بالخمر والخنزير فاسد الوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال) (١). وجاء في "التوضيح": (أما البيع بالخمر: فإن الخمر مال غير متقوم؛ فجعلُها ثمنًا لا يبطل البيع لما ذكرنا أن الثمن غير مقصود، بل تابع ووسيلة، فيجري مجرى الأوصاف التابعة، لأن ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - متحقق، لكن المبادلة التامة لم توجد لعدم المال المتقوم في أحد الجانبين) (٢). وفي شأن البيع المشتمل على الربا قال صدر الشريعة: (ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - قد وجد، لكن لم توجد المبادلة التامة، فأصل المبادلة حاصل، لا وصفها وهو كونها تامة) (٣). أما في: شأن البيع بشرط: فقد قال التفتازاني في "التلويح": (وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط، والنهي راجع للشرط، فيبقى أصل العقد صحيحًا مفيدًا للملك، لكن بصفة الفساد والحرمة، فالشرط أمر زائد على البيع لازم له، لكونه مشروطًا في نفس العقد، وهو المراد بالوصف في هذا المقام) (٤). وهكذا تكون هذه العقود - كما سبق - مشروعةَ بأصلها غيرَ مشروعة بوصفها، ولذلك اعتبرها الحنفية موجودة في نظر الشارع تترتب عليها بعض الآثار التي تترتب على العقود الصحيحة، كثبوت الملك إذا اتصل بها القبض، ومعنى ذلك أنها - مع النهي عنها لوصفها - ظلت صالحة لأن تكون سببًا للملك، بينما الباطل لا يكون كذلك (٥).

стр. 920

حالة أخرى من الاختلاف: ولقد كان من أسباب الاختلاف فيما نحن فيه من اقتضاء النهي الفساد أو غيره في المنهي عنه: تفاوت الأنظار في تقدير ما كان النهي لأجله، أهو وصف ملازم للمنهي عنه، أم وصف خارج عنه؟ وباختلاف التقديرين: كان يختلف الحكم. ١ - من ذلك - في العبادات - ما جرى من الاختلاف في حكم صلاة النفل في الأوقات المكروهة التي وردت في السنة؛ كما في حديث عقبة بن عامر ﵁: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب" (١). فمن هذا الحديث وغيره من الأخبار الصحيحة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الأوقات: ذهب الشافعية إلى أن التنفل في الأوقات المذكورة باطل، فإذا أراد المكلف أن يتنفل فيها لم تنعقد صلاته، وهم يذهبون إلى ذلك - مع الخلاف بينهم - في أن الكراهة تحريمية أو تنزيهية - لأن النهي إذا تناول المنهي عنه لذاته أو لوصف لازم له: اقتضى الفساد عندهم، سواء أكان التحريم أم كان للتنزيه (٢). ومن هنا يبدو الفرق بين هذا الحكم وبين ما ذكرناه عن الصلاة في الأرض المغصوبة، عند الحديث عن النهي لأمر خارج عن المنهي عنه. فقد رأوا أن الصلاة تنعقد في الأرض المغصوبة، وتعتبر صحيحة، أما هنا: فلا تنعقد في أي وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.

стр. 921

ذلك لأن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة يتناول - كما مر - أمرًا خارجًا عن المنهي عنه، هو الجناية على حق الغير بالاغتصاب. أما حقيقة الصلاة: فتحصل كاملة غير منقوصة، لأن النهي لأمر خارج عند الجمهور، لا يؤثر في صحة العمل المشروع (١). أما هنا: فالنهي عن الصلاة في الوقت المكروه، نهي عن العمل لوصف لازم له، لأن الزمن يذهب جزء منه مع الفعل، فكان النهي عن الصلاة في هذا الوقت: دالًّا على عدم صرف ذلك الوقت في ذلك الفعل. وبذلك ظهر تعلق النهي يوصف لازم المصلاة المنهي عنها، من ناحية أنه لا يتصور وجود فعل، إلا بإذهاب جزء من الزمن، فلا يتصور وجود الصلاة في الوقت المكروه، دون إذهاب جزء منه. أما المكان: فلا علاقة له بالأداء هنا، إذ لا يذهب أي شيء منه عند القيام بالعمل، فكان النهي بالنظر إليه: نهيًا لأمر خارج مجاور للمنهي عنه. وهو في الأرض المغصوبة - كما تقدم -: الجناية على حق الغير بالغصب (٢). أما الحنفية: فقد ذهبوا إلى صحة انعقاد صلاة النفل في تلك الأوقات المكروهة المنهي عنها (٣). وذلك؛ لأنهم اعتبروا النهي عن الصلاة في هذه الأوقات راجعًا إلى أمر مجاور للمنهي عنه، لا توصف ملازم، إذ إن الوقت - كما يقولون - ظرف للصلاة لا معيار لها، فيكون تعلقه بها تعلقَ المجاورة لا تعلق الوصفية. ولذا فإن النهي المذكور لا يوجب الفساد، وإنما يوجب النقصان، والنفل لا يطلب أداؤه كاملًا؛ فلو شرع في صلاة النفل في وقت من

стр. 922

الأوقات المكروهات؛ يجب عليه إتمامها، ولو أفسد هذه الصلاة: يجب عليه قضاؤها (١). على أن هذه المسألة تختلف عن مسألة الصوم في يوم العيد، فقد مر بنا أن الشافعية اعتبروا النهي عن الصوم في بعض الأيام - ومنها يوم الفطر ويوم الأضحى - نهيًا عن العمل لوصف لازم، وذلك لأن الوقت معيار الصوم الذي هو عبادة مقدرة بالوقت، فيكون هذا الوقت كالوصف له، ففساد الوقت يوجب فساد الصوم. فإن شرع المكلّف في الصوم في الأيام المنهية، لم يجب عليه الإتمام بل يجب الرفض، فإذا رفض الصوم لم يجب عليه قضاؤه (٢). بينما رأينا عكس ذلك في صلاة النفل في الأوقات التي ورد النهي عنها. ٢ - ومن ذلك - في المعاملات - بعض العقود التي كان الحظر فيها راجعًا إلى فقدان ولاية أحد العاقدين، كبيع الفضولي، وبيع المرهون، وبيع السفيه، وبيع الصبي المميز. فقد جرى الخلاف في الحكم على هذه العقود، نتيجة الاختلاف في تقدير ما كان النهي لأجله. فذهب الشافعية إلى الحكم بالبطلان - شأن البيع بالخمر وغيره - لأن النهي عنها في نظرهم لوصف ملازم (٣). أما الحنفية: فذهبوا إلى الحكم بالصحة مع الوقف، فكل عقد من العقود المذكورة صحيحٌ موقوف على إجازة صاحب الحق في إجازته، فإذا أجازه اعتبر نافذًا (٤).

стр. 923

فبيع الفضولي موقوف على إجازة المالك، وبيع السفيه والصبي موقوف على إجازة القيم أو الولي، أو الوصي، حسب اختلاف الأحوال (١). ومرد ذلك عند الحنفية: أن النهي لم يكن لوصف لازم للعقود، وإنما كان لتعلق حق الغير بالبيع، أو للمحافظة على مال السفيه أو الصبي لنقص إدراكه. فهذه العقود باعتبار صدورها من أهلها في محلها: صحيحة، وباعتبار وجود المانع من تعلق حق الغير أو المحافظة على مال السفيه أو الصبي: موقوفة، فإذا زال المانع، بأن أجازها من له حق الإجازة، اعتبرت نافذة. * * *

стр. 924

الخاتمَة والآن .. وبعد أن عرضنا - فيما سلف - للحديث من البيان وأنواعه، وعن ماهية تفسير النصوص، وعلاقة ذلك ببيان التفسير، وأوضحنا كيف أنه نوع من الاجتهاد المطلوب المرغّب فيه، وعرّجنا بنظرة عامة على التفسير ومدارسه في القانون، وأشرنا إلى بعض خصائص التفسير في الشريعة وكشفنا عن قواعده في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها، وحالات دلالة هذه الألفاظ على الأحكام، ثم حالات شمول الألفاظ أو عدم شمولها في وضعها لمعانيها، وتبينّا في كل ذلك موقف العلماء من التأويل، وما أحاطوه به من حدود وقيود تسلك به سبله المأمونة، وتحافظ على الأسس التي بنوه عليها مما لا يخرج عن حدود العربية ومعالم الشريعة. ورأينا كيف حرّر علماؤنا تلك القواعد في إطار من الضبط العلمي والدقة المنطقية، نتيجة استقراء لأساليب العربية ومقاصد الشريعة وقواعدها، ووقفنا على ما كان لهذه القواعد من آثار واضحة في فهم كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه، وهما عماد الملة وينبوع الشريعة نود أن نقرر الأمور التالية: أولًا: إن من الأهمية بمكان: العناية بالعربية في هذا المضمار، لما لها من صلة بشريعة الإسلام؛ فيها نزل الكتاب، وبها كان بيان الكتاب من الرسول الموحي إليه بهذا البيان (١).

стр. 925

ثانيًا: لا بد قبل تفسير نصوص السنة لاستنباط الأحكام، من سعي حثيث وراء التثبت من صحة تلك النصوص وصلاحيتها لأن تكون مصدرًا للأحكام، وذلك بتخريجها ومعرفة حكم العلماء عليها من حيث السند (١). وبذلك يجتمع ثبوت النص إلى فقه النص، ويتكامل الطريق ويتوفر للبناء الفقهي الكيان الواضح السليم. ولقد رأينا في عدد من المباحث المتقدمة كيف أن العلة في تباين الأحكام كانت تكمن وراء صلاحية النص الذي كان مجالًا لتطبيق القاعدة الأصولية، أو عدم صلاحيته لأن يؤخذ منه الحكم. ففي مجال استنباط الأحكام: لا تكفي العناية بفقه الحديث دون التفات إلى قولى العلماء فيه من حيث كونه صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا أو غير ذلك لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي يقوم عليه الفقه لما أنه بيان الكتاب، ولا بد لسلامة البنيان من سلامة الأساس الذي يقوم عليه (٢). كما لا تكفي

стр. 926

العناية بسند الحديث دون نظر إلى فقهه (١) وتبيين معانيه ومدلولات ألفاظه، وما ترمي إليه على أسس العربية ومفاهيم الشريعة. وقديمًا شكا أبو سليمان الخطابي - من رجال المائة الرابعة - في مقدمة شرحه لأحاديث الأحكام في "سنن أبي داود" من انقسام أهل العلم في عصره إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر ولّى أكثرهم ظهره للفقه والفهم، وأصحاب فقه ونظر لا يعرّج أكثرهم من الحديث إلا على أقلّه، وأبان أن منهجه يقوم على الأمرين الذين لا بد منهما: عناية بسند الحديث في رجاله ورواته، وعناية بمتن الحديث من حيث فقهُه واستنباط الأحكام منه (٢). وكل هذا الذي نقوله ينطبق على ما بين أيدينا من نصوص، كان في فهمها وانطباق القواعد الأصولية عليها في استنباط الأحكام أخذ ورد عند العلماء، ولكن وراء ذلك أنه قد تكون مسألة خلافية، مرد الاختلاف فيها أن نصًا من النصوص قد لا يكون وصل إلى بعض رجال المذاهب كالذي رأينا مثلًا في احتمال الخاص البيان وعدم احتماله بالنسبة لحديث الأعرابي المسيء صلاته حيث رأينا أن من الممكن أن لا يكون الإمام أبو حنيفة ﵀ قد وصله هذا الحديث ولو وصله فكان له حكم آخر في أمر الطمأنينة في الركوع والسجود، ولما رأينا اختلافًا في هذه القضية. ثالثًا: إن الطريقة التي تقوم على تقرير قواعد الأصول، ثم تخريج الفروع عليها، وبيان مدى ارتباط الفرع بالأصل، هي الطريقة التي نرى وجوب إحلالها مكانها اللائق في ميدان التعليم والاختصاص؛ لأن ذلك كفيلٌ بتربية المملكة الفقهية الواعية القادرة على الإفادة من مسالك الأئمة ومواجهة النصوص بفهم وإدراك، قمينٌ بإخراج قواعد التفسير عن عزلتها

стр. 927

وإعادتها إلى الميدان الذي كان غايةَ الأولين من وضعها، وهو الميدان العملي في الاستنباط، وبناء الفروع على الأصول. كما أن سلوك هذه السبيل - كما أسلفنا من قبل - يفسح المجال أمام العقلى المستنير لإدراك حقيقة الاختلاف بين العلماء والأساس الذي يقوم عليه (١). رابعًا: لا بد من عناية خاصة بمباحث التأويل؛ لأن ذلك - إلى جانب ما فيه من تعرّف على الأثر الذي تركه التأويل في أحكام الشريعة وفروعها - فيه تحديد معالم الطريق في فهم النصوص، والتزام الجادة عند معالجتها، الأمر الذي يكشف تأويل المنحرفين في عقائدهم أو عقولهم، ويساعد في مجال الفقه على تبيّن الطريق المذهبية في تأويل النصوص وإلى أي مدى كانت ملتزمة بين المذهب وأصل الطريق، لأنه - كما سلف - ليس من الجائز أن تكون سبيلنا في التأويل شدّ النصوص إلى حكم معيّن قرره مذهب من المذاهب، وإنما الواجب أن تكون وراء النص ومدلوله، ولا يضرنا فيما بعد أن يلتقي المدلول مع هذا المذهب أو ذاك أو يخرج عليهما بعد أن سلكنا سبيل الجادة في الفهم والاستنباط، ومراعاة مقاصد الشريعة ركن ركين في سلامة هذا الاتجاه. خامسًا: ليس من اليسير الحكم بأن مظاهر الاختلاف بين المذاهب، كثيرًا ما تكون اختلافًا في الاصطلاح، ويكون المال فيما بعد إلى حكم واحد عند التفريع؛ فقوم مثلًا يأخذون بالمفهوم المخالف، ويردون الحكم إلى هذا المفهوم، وآخرون لا يأخذون به، وتبحث لتجد الفريقين متفقين على الحكم نفسه؛ فهؤلاء عن طريق المفهوم، وأولئك عن طريق غيره. وأمثال هذا كثير تجده في مثل قطعية العام وظنيته، وتخصيص العام، وحمل المطلق على المقيد، وغير ذلك مما يقع عليه الباحث فيما عرضنا

стр. 928

من القواعد وصلتها بفروع الأئمة عند أخذ الأحكام من النصوص. الاختلاف في القاعدة الأصولية يُرى أن مرده أحيانًا: التسمية الإصطلاحية؛ فعندما يقرر الحنفية أن المجمل لا يكون بيانه إلا من الشارع نفسه ويقول غيرهم: إن البيان يمكن أن يكون بالاجتهاد، يرى أن مرد هذا الاختلاف: تحديد معنى المجمل عند كل من الفريقين فهو عند الحنفية مخصوص بما لا يمكن بيانه إلا من الشارع، وعند غيرهم يشمل هذه الحال وغيرها، بحيث تنطوي تحته مراحل من الإبهام يري الحنفية أن بعضها يمكن أن يزول بيان من المجتهد، دون توقف على بيان الشارع نفسه. سادسًا: على هدي ما سبق تعود لنؤكد ما قررناه في صدر هذا الكتاب من أن أشواطًا بعيدة يلاحظها الباحث بين موقف الشريعة من التفسير، وبين موقف القانون منه ويكاد طريق المقارنة يكون مسدودًا إلا على سبيل المجاز والتنبيه كما أشرنا من قبل. كما نؤكد ما قررناه من وجوب الإفادة من هذه القواعد في تفسير نصوص القانون في البلاد العربية التي أصبحت العربية فيها لغة القانون وهذا يقتضينا مزيدًا من العناية بهذه القواعد في مجال التعليم والاختصاص ودور القضاء والتشريع على الطريقة العملية، وذلك عن طريق تخريج الفروع على أصولها وضوابطها، لئلا تبقى مناهجنا في التفسير في معزل عن استنارة الفكر الحقوقي بها، والقدرة على استخدامها فيما نريد. ولقد يكون ذلك إسهامًا في إزالة الركام من طريق أحكام الشريعة لتكون هي المصدر الحقيقي للتشريع، وإن كان الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا بد من العمل على استئناف الحياة الإسلامية الواعية، وإنشاء المجتمع الإسلامي الذي يكون الحكم بالشريعة المباركة امتدادًا طبيعيًا لوجوده الذاتي الأصيل بالإسلام، واستجابة صادقة لقضاياه الناجزة والطارئة. لأنا دائمًا عندما نكرر أن الأحكام تتناهى والوقائع لا تتناهى فإنما نعني بذلك تلك الوقائع التي تطرأ في المجتمع الذي يحكمه الإسلام، وإلا فليست الشريعة مسؤولة عن إيجاد الحلول لقضايا طارئة تنبت في مجتمعات جاهلية ليس للإسلام نصيب في

стр. 929

رسم شؤون حياتها أو وضع منهج لتصرفاتها. نقول هذا ونحن على يقين من أن الطريق إلى استئناف الحياة الإسلامية التي يكون الفقه استجابة لها طريق شائكة تحتاج إلى تضحيات في أكثر حاجتها إلى التنقيب في فروع الأحكام، ولكنها ضريبة الإيمان والتصديق برسالة صاحب الشريعة ﵊ ولمثل هذا فليعمل العاملون الذين يريدون الخير لأمتنا، بل للبشرية جمعاء. وأخيرًا فإنا نودع القول في "تفسير النصوص" لنذكر قول محمد بن الحنفية: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وما رواه مالك بن أنس عن ابن شهاب حيث قال: "إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه ﷺ ، وأدَّب النبي ﷺ أمته به، وهو أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدى عليه، فمن سمع علمًا فليجعله حجة فيما بينه وبين نبيه". والحمد لله الذي هدانا لهذا، ونسأله أن يتقبل هذا اليسير من العمل وأن يجعله طريقًا إلى مغفرته وستره، وزلفى إلى مثوبته ورضاه، وصلى الله على نبينا محمد إمام الهدى والرحمة، وعلى آله وصحابته أجمعين. * * *