← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

موقف ابن حزم من هذه النصوص: ذكر ابن حزم من نصوص القائلين بأن الأمر بعد الحظر للإباحة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله ﵇: "كنت نهيتكم من زيارة القبور فزوروها" (١) "وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا" (٢) وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإذا كان القائلون بالوجوب بعد الحظر، قد أرجعوا دلالة الأمر على الإباحة في هذه النصوص وغيرها إلى قرائن أخرى، فإن ابن حزم أوضح أن بعضها قامت الإباحة فيه على الدليل، وبعضها لم يسلّم مع الآخرين أن الأمر فيه للإباحة، وإنما هو للوجوب. وأبو محمد يسلم بغير الوجوب إذا قام عليه الدليل، ولكنه ينكر العدول عن البرهان إلى الهوى والرأي الفاسد: قال في "الإحكام": (وأما الأوامر التي ذكرنا من قبل فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب، ونحن لا نأبى الإقرار بما أتى به نص، بل نبادر إلى قبوله، وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائفة بغير برهان من الله . فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] يرى ابن حزم أن الذي أفهمنا دلالة الأمر على الإباحة في هذه الآية هو فعل الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإن رسول الله حل من عمرته ومن حجه، ولم يصطد؛ فعلمنا أنه ندب وإباحة. أما في قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فقد فسر ابن حزم الأمر بما صح عن النبي ﷺ : "أن

стр. 877

الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه ما لم يحدث" (١) ولم يخص صلاة من صلاة، بحيث شمل صلاة الجمعة وغيرها مع أن الصلاة التي ورد الأمر بالانتشار بعدها هي صلاة الجمعة، فصح أن الانتشار مباح، إلا للحدث، والنظر في مصالح نفسه وأهله: فهو فرض. وفي قوله ﷺ بعد النهي عن زيارة القبور: "إلا فزوروها" بيّن ابن حزم أن الفرض لا يكون إلا محدودًا، أو موكولًا إلى المرء ما فعل منه، أو محمولًا على الطاقة والمعروف، وليس في زيارة القبور نص بشيء من هذه الموجوه. ثم لو كان فرضًا: لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك لما تقدم من إبطال التكرار. وعن أمر الرسول ﷺ بالانتباذ بعد نهيه عنه، قرر ابن حزم ما ثبت أن الرسول لم ينتبذ وإنما كان ينتبذ له، فصح أن الانتباذ ليس فرضًا ولكنه إباحة. وفي قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] اعتبر ابن حزم الأمر في هذا النص للوجوب؛ فالمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد، ولا يحل له هجرها في المضجع، ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك (٢). القول بالوقف: هذا ولم يخلُ الأمر بعد الحظر من القول بالوقف في دلالته حتى يرد البيان، ولكن كان ذلك على وجوه متعددة، كما سنرى عند إمام المحرمين والغزالي والآمدي، حيث وعدنا بذلك من قبل. أ - فإمام الحرمين صريح في هذا التوقف دون أي تفصيل، وقد قال في "البرهان" بعد الحديث عما نحن فيه: (والحق عندي الوقف في هذه القضية، فلا يمكن القضاء على مطلقها، وقد قام الحظر بالإيجاب

стр. 878

وبالإباحة، فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء، فهي مع الحظر مشكلة فتعين الوقوف إلى البيان) (١). ب - أما الغزالي: فالمختار عنده التفريق بين حالتين: أولهما: ما إذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة "افعل" بزوالها. الثانية: ما إذا لم يكن الحظر السابق لعلة، ولا صيغة "افعل" علقت بزوالها. فإذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة "افعل" بزوالها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة، لكن الأغلب ما ذكرناه، كقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وكقوله ﷺ : "كنت نهيتكم من لحوم الأضاحي فادخروا. أما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلة، ولا صيغة "افعل" علقت بزوالها: فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة، قال الغزالي: (ونزيح هاهنا احتمال الإباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه. إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع) (٢). وهذا التفريق بين الحالتين عند الغزالي منوط بما إذا ورد الأمر بصيغة "افعل" فإذا لم ترد صيغة "افعل" لكن قال مثلًا: فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد، فهذا في نظر أبي حامد يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة، وقوله: "أمرتكم بكذا" يضاهي قوله: "افعل" في جميع المواضع لا في هذه الصورة وما يقرب منها (٣).

стр. 879

ج - أما أبو الحسن الآمدي: فقد جعل صيغة الأمر بعد الحظر مترددة بين الإباحة والوجوب، وسواء أقلنا بالتساوي، أم بوجوب الترجيح؛ فالتوقف لا بد منه. وكان اختياره لهذا المسلك قائمًا على أن صيغة "افعل" إذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر، واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب. أما الأول: فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكما في قوله ﷺ : "كنت نهيتكم من ادخار لحوم الأضاحي فادخروا". وأما الثاني: فقد مثل له الآمدي بما لو قيل للحائض: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي (١). وإذ انتهى الآمدي من هذه الوقفة أمام نصوص بعضُها يحتمل الإباحة وبعضُها يحتمل الوجوب: انتقل بنا إلى مرحلة ثانية يستكمل فيها أن التوقف لا بد منه، وهي حال احتمال الإباحة واحتمال الوجوب، ففي هذه الحال: إما أن يقال: بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر. فإن قيل: بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف. وإن قيل: بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب بالترجيح أولى من الإباحة إلا أن يقوم دليل على تخصيص الوجوب بذلك، والأصلُ عدمه، وعلى هذا أيضًا يجب التوقف. ولقد أكد الآمدي استبعاد الصرف إلى الوجوب في هذه الحال بقوله: (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح، نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب، وعلى كل تقدير فيمتنع الصرف إلى الوجوب) (٢).

стр. 880

رأي الإسنوي في حقيقة مذهب الآمدي وما نراه في ذلك: لقد عدّ الإسنوي أبا الحسن الآمدي من القائلين بالتوقف في هذه المسألة، ثم قرر أن صاحب "الإحكام" له مع ذلك ميل إلى الإباحة، وقد أخذ الإسنوي هذا الميل من قول الآمدي: (واحتمال الإباحة أرجح نظرًا لغلبته). والذي في "الإحكام" - كما نقلنا عبارة الآمدي من قبل - هو (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح). فالاحتمال الذي يعنيه الآمدي، ليس احتمال الإباحة مطلقًا، ولكنه احتمال الحمل عليها نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب. وعلى كلٍّ: فقد قرر الآمدي بعد ذلك - بما لا يحتمل الشك - أنه يقول بالتوقف، ويعتبره الأصح، وذلك ما عناه بقوله: (وبالجملة فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة "افعل" إذا وردت مطلقة هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة؟) فربَط هذه المسألة بمسألة ورود "افعل" مطلقة دون أن يسبقها حظر. ونعود إلى ما نقلناه عن مذهبه في دلالة الأمر من قبل لنراه يقول: (ومنهم من توقف: وهو مذهب الأشعري ﵀، ومن تابعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح (١). رأينا في دلالة الأمر بعد الحظر والتحريم: هذا: وبعد عرضنا لمذهب القول بالإباحة، والقول بالوجوب، ثم القول بالتوقف، نلاحظ أن النصوص التي كانت مستند الاحتجاج لا تعطي بمجموعتها جزمًا بوجوب أو إباحة، لأن منها ما دل الأمر فيه بعد الحظر على الإباحة، ومنها ما دل فيه على الوجوب، وإن كانت نصوص الإباحة تبدو أكثر لدى الاستقراء، ولا يعني ذلك أن المخرج هو القول بالتوقف،

стр. 881

لأن وجود نصوص تعطي الإباحة، ونصوصٍ تعطي الوجوب، ليس مقتضاه تجميدَ هذه النصوص بنوعيها في انتظار بيان جديد. ولكن الذي يفرضه واقع دلالة الأمر بعد الحظر في هذه النصوص - وهو ما نختاره رأيًا في الموضوع - أن الأمر في هذه الحال يدل على رفع الحظر والتحريم، ورجوع المأمور به إلى الحكم الذي كان له قبل ورود الحظر، من إباحة، أو وجوب، أو غيرهما. وذلك ما اختاره ابن الهمام وصرح به في "التحرير" (١) ذلك لأن الاستقراء للأوامر الواردة بعد الحظر والتحريم، يدل على أن حكم المأمور به هو الحكم الذي كان ثابتًا له قبل ورود الحظر والتحريم، والمتتبع لكتب الأحكام يجد الكثير من الأمثلة على ما نقول. ففيما ذكرناه آنفًا نجد مجموعة من الأحكام، منها الصباح، ومنها الواجب وهي أحكام دل عليها الأمر بعد الحظر، وكانت ثابتة للمأمور به قبل أن يرد الحظر. ١ - من ذلك: الاصطياد فإنه كان صباحًا ثم منع الشارع منه في حالة الإحرام بحيث لا يحل للحاج وهو محرم أن يصطاد، ثم جاء الأمر بالاصطياد بعد التحلل من الإحرام والانتهاء منه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقد أسلفنا من قبل اتفاق العلماء على أن الأمر في الآية للإباحة، وهو الحكم نفسه الذي كان ثابتًا للاصطياد قبل أن يرد عليه الحظر والتحريم. وقد جاء حكم الإباحة للاصطياد في مجموعة من الأحكام الأخرى على لسان عدد من التابعين منهم: عطاء ومجاهد، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: (خمس آيات من كتاب الله رخصة وليست بعزيمة ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾

стр. 882

[المائدة: ٢] من شاء فعل ومن لم يشأ لم يفعل، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمن شاء صام ومن شاء أفطر ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] إن شاء كاتب وإن شاء لم يفعل، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] إن شاء انتشر وإن شاء لم ينتشر) (١). وقد ورد مثل ذلك عن مجاهد. ٢ - ومن ذلك أيضًا: زيارة القبور لتذكر الآخرة والاتعاظ بالموت، فإنها من المستحب - وقد نهى الرسول عنها لحكمة تتعلق بالبعد عما قد يتصل بمظاهر الوثنية وعادات الجاهلية، ويعد هذا النهي أمر بها من جديد حيث قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة" (٢) ومن المتفق عليه عند الجمهور أن زيارة القبور مستحبة وليست بواجب - ونقلنا تفصيلًا في ذلك عن ابن حزم (٣) - والندبُ الذي دل عليه الأمر بعد الحظر: هو حكم الزيارة نفسُه قبل ورود النهي. ٣ - ومنه: قتال المشركين، وهو من الواجبات المعلومة في الشريعة، وقد منع منه الشارع في الأشهر الحرم - كما أسلفنا - ثم أمر به بعد انقضاء تلك الأشهر بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وليس من خلاف بين العلماء في أن قتال المشركين بعد انقضاء الأشهر الحرم واجب أخذًا من الأمر به بعد الحظر. وهذا الرجوب هو الحكم نفسه الذي كان ثابتًا له قبل المحظر والتحريم، ولا يسقط عن المكلف إلا بعذر مشروع. ٤ - ومنه: الصلاة بالنسبة للحائض بعد أن تطهر، فإن الصلاة في الأصل واجبة، وجاء الحديث بنهي الحائض عن الصلاة أيام أقرائها وبعد هذا الحظر أمرها الرسول ﷺ بأن تصلي وذلك بقوله: "فإذا أدبرت فاغسلي

стр. 883

عنك الدم وصلي" فهذا الأمر بعد الحظر دل على وجوب الصلاة للحائض، وهو نفس الحكم الذي كان ثابتًا للصلاة قبل الحظر والتحريم. وهكذا نرى مما تقدم: أن الحظر قرينة دالة على رفع الحكم الذي كان ثابتًا للمأمور به قبل وروده. فإذا زال الحظر انتفى المانع الذي منع من الحكم السابق، فيبقي ما كان من قبل، سواء أكان إباحة أم وجوبًا، حتى كأن الشارع قال - كما ذكر ابن أمير الحاج -: قد كنت منعت من كذا وقد رفعت ذلك المنع، واستمر ما كان مشروعًا قبل المنع على الوجه الذي كان مشروعًا قبله (١). هذا: وإن الجزم بمدلول الأمر - وهو الحكم نفسه الذي كان للمأمور به قبل المحظر كما دل عليه الاستقراء - يدفع القول بالتوقف القائم على التردد بين الإباحة والوجوب … وفي الوقت نفسه لا يرفع الفائدة التي يمكن أن تترتب على القول بالإباحة، أو القول بالوجوب؛ ذلك لأن الاتفاق حاصل تقريبًا على الأحكام التي تستنبط من النصوص المشتملة على أوامر واردة بعد الحظر. وإذا حصل خلاف ما، فمرده في الغالب إلى تقديم القرينة التي يمكن أن تصرف الوجوب إلى الإباحة مثلًا أو العكس، لأنه لا نزاع - كما قال التفتازاني - في الحمل على ما يقتضيه المقام عند انضمام القرينة (٢). * * *

стр. 884

المبحث الثاني النهي المطلب الأول ماهية النهي ودلالته ذكرنا فيما قدمناه سابقًا ما لصيغ التكليف من أثر في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، مرده إلى أن غالب الأحكام الشرعية قائم على طلب الفعل - وهو الأمر -، وطلب الكف - وهو النهي -. وقد عرضنا "للأمر" وأهم ما يتصل به من بحوث، وتعرض الآن "للنهي" وأهم ما يتعلق به كذلك. تعريف النهي: النهي هو: (القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء). وهذا الطلب يكون بصيغة "لا تفعل"، وهي صيغة النهي المعروفة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١، والإسراء: ٣٣] وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ويكون بما يجري مجراها كما في صيغة الأمر الدال على الكف، كقوله تعالى في شأن تلبية نداء الجمعة ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وكما في مادة النهي مثل قوله سبحانه: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وكما في الجمل الخيرية المستعملة في النهي، من طريق

стр. 885

التحريم، أو نفي الحل كقوله تعالى في شأن المحرمات من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]، وقوله في شأن أخذ عوض من المطلقات: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة]. وجوه استعمال صيغة النهي: وصيغة النهي في اللغة: حقيقة في طلب الترك واقتضائه - كما يقول الآمدي - ولكن ورد استعمالها على وجوه عدة (١). منها التحريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. والكراهة: كقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. والإرشاد: كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وبيان العاقبة كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والدعاء: كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 886

واليأس: كقوله جلَّ وعلا: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧]. والتحقير: كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه]. دلالة النهي: لما كان النهي مقابلًا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرد عن القرائن، على الوجوب أو غيره، اختلفوا في دلالة النهي المجرد عن القرائن، على التحريم أو غيره، والمذاهب هناك هي المذاهب هنا على التقابل. فذهب الجمهور إلى أن النهي المطلق - وهو المجرد عن القرائن - يدل على تحريم المنهي عنه على وجه الحقيقة، ولا يدل على غير التحريم إلا بقرينة. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] دل على تحريم زواج المسلم بالمشركات. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] دل على تحريم الاعتداء على أموال الآخرين. فإذا توافرت القرينة، صُرف النهي عن التحريم إلي ذلك الوجه الذي دلت عليه تلك القرينة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإن النهي في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ محمول عند بعض العلماء على الكراهة (١) وذلك لوجود القرينة التي صرفت النهي عن التحريم إلى الكراهة، وهي أن النهي عن البيع، ليس الحقيقته وذاته، وإنما هو للمخوف من الاشتغال به عن أداء الواجب من تلبية النداء والمبادرة إلى الجمعة، فسدًّا للذريعة، نهي المكلف ما قد يؤدي إلى إهمال ما هو واجب في حقه. ولذلك كان من لا يجب عليه حضور الجمعة، لا ينهي عن البيع والشراء. ولو تتبعنا وجوه الاستعمال التي أتينا على ذكرها آنفًا: لرأينا أن النهي

стр. 887

إنما دل على غير التحريم، لوجود القرينة الصارفة عن التحريم إلى غيره. وذهب بعض علماء الأصول إلى أن النهي المجرد عن القرائن، يدل على الكرامة على وجه الحقيقة، ولا يدل على التحريم إلا بقرينة. وذهب آخرون إلى أن النهي حقيقة في التحريم والكراهة على سبيل الاشتراك اللفظي، ولا يدل على واحد منهما إلا بالقرينة، كما ذهب البعض إلى التوقف؛ وذلك كالذي تقدم في الأمر. فما رأيناه من المذاهب هناك نراه هنا على طريق التقابل كما أسلفنا (١). ما نرجحه في المسألة: والراجح في نظرنا هو ما ذهب إليه الجمهور، من دلالة النهي المطلق على التحريم، وهو ما يجب أن يكون الأساس في فهم ما ورد من النهي في نصوص الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام؛ ذلك لأن النهي المجرد عن القرائن موضوع لغةً للدلالة حقيقة على طلب الترك على وجه المختم واللزوم - كما أشرنا من قبل - وعندما جاءت الشريعة التي أنزلت بلسان العرب، أحاطت عدم الانتهاء عما ينهى عنه، بإطار من الإلزام الشرعي إلى جانب الإلزام اللغوي، فمن يفعل المنهي عنه مهدد بالعقوبة، وموصوف بالعصيان والخروج على طاعة الله وطاعة رسوله؛ وذلك لأنه خالف ما طلب منه. وهكذا أصبح ما يدل عليه النهي لغة، من طلب الترك على وجه الحتم واللزوم، هو التحريم في العرف الشرعي. وعلى هذا: فمن الممكن أن نقرر أن دلالة النهي على التحريم، قائمة على اللغة والشرع. وإذا كانت النصوص واردة بلسان العرب وعلى مقتضيات الخطاب عندهم، والمناهي عاصٍ مرتكبُها محكوم عليه بالعقاب؛ فإن من الطبيعي أن

стр. 888

يفسر نهي الله ونهي رسوله في النصوص، في ضوء اعتبار أن التحريم هو المعنى الحقيقي للنهي، وعدم صرف هذا المعنى إلى غيره إلا بقرينة، وذلك ما نجده عند الصحابة والتابعين، فإن الآثار المروية عنهم تدل على أنهم كانوا يحتجُّون بالنهي على التحريم، إلا إذا ثبت ما يصرف عنه إلى غيره (١). دلالة النهي على التكرار والمبادرة: إذا كان الخلاف قد طال مداه في دلالة الأمر على الوحدة أو الكثرة، ودلالتِه على الفور أو التراخي: فإن الاتفاق حاصل تقريبًا بين الأصوليين على أن النهي يدل على طلب الكف عن المنهي عنه باستمرار، وعلى الفور الذي هو من مستلزمات الاستمرار، وقد صححه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما (٢). ونقل عن ابن برهان الإجماع عليه (٣). ذلك لأن ما يدل عليه النهي من الترك الحتمي، لا يمكن أن يتحقق إلا باستغراق الأوقات كلها، خلافًا للأمر الذي يمكن أن يتحقق مدلوله بمرة. ولكن يبدو أن هناك قلةً ذهبوا إلى أن النهي يدل على مطلق الكف من غير دلالة على الدوام والمرة، كما في الأمر، وهو عند الرازي في "المحصول" (٤). وحجتهم في ذلك أن النهي قد يرد للتكرار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقد يرد الخلافه كقول الطبيب للمريض: (لا تشرب اللبن ولا تأكل اللحم) والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيكون حقيقة في القدر المشترك. ولكن هذا مردود بأن الأمر غير النهي من هذه الناحية. فالأمر كما أسلفنا - يمكن أن يتحقق مدلوله - وهو طلب الفعل - بمرة، بينما النهي لا يمكن

стр. 889

أن يتحقق مدلوله - وهو طلب الامتناع عن الفعل - إلا بالاستمرار الذي هو التكرار ليستغرق الأوقات كلها، وهذا بطبيعة الحال يستلزم الفورية. ثم إن عدم التكرار في المثال الذي أتوا به من كلام الطبيب، إنما كان لقرينة المرض، فكأن الطبيب يقول للمريض: لا تفعل كذا مدة المرض، والكلام في الأمر المجرد عن القرائن. ويبدو أن الآمدي لم يعبأ بمخالفة القلة التي خالفت هذه المسألة فقال: (اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائمًا خلافًا لبعض الشاذين) (١). وتابعه في ذلك العضد الإيجي فقال: (وقد خالف في ذلك شذوذ) (٢) وقال ابن الهمام: (وموجَبها - يعني صيغة النهي - الفور والتكرار، أي الاستمرار، خلافًا لشذوذ) (٣). رأينا في المسألة: والذي يظهر لنا أن ما ذهبت إليه الأكثرية المطلقة من العلماء، هو الحق، لأن طبيعة الفعل غير طبيعة الامتناع. صحيح أن الأمر والنهي يشتركان في أن كلًا منهما للطلب، ولكن الأمر لطلب الفعل، بينما النهي لطلب الترك والامتناع، وما أحسب أحدًا يقرُّ أن الامتناع يمكن أن يتحقق بمرة، ثم تكون الإباحة، ونحتاج إلى قرينة جديدة تدل على طلب الترك من جديد. ولذلك لا يخرج المكلف عن عهدة الامتثال في النهي، إلا بالكف والامتناع عما نُهي عنه حالًا وفي جميع الأوقات، ومن نهي عن شيء ثم فعله ولو مرة واحدة في أي وقت من الأوقات لم يعتبَر منتهيًا عما نهي عن فعله، ولا ممتثلًا فيما طُلب منه أن يكف عنه. وهذا ما كان عليه السلف؛ فقد نقل عنهم العلماء الاستدلال بالنهي على الترك مع اختلاف الأوقات دون تخصيص بوقت دون آخر.

стр. 890

ومن هذا اعتبر ابن برهان هذا القول في حيز الإجماع (١)، ولم يعبأ الآمدي والعضد وابن الهمام - كما أسلفنا - بما حصل من مخالفة (٢). وهكذا فالأمر يدل على مطلق الطلب الذي يمكن أن يتحقق بمرة، والنهي يقتضي الفور والتكرار. ما يدل عليه النهي بعد الوجوب وموقف الجويني: كما بحث العلماء دلالة الأمر بعد الحظر، بحثوا دلالة النهي بعد الوجوب، وقد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على أن النهي بعد الوجوب للحظر، وليس للإباحة؛ فالنهي حين يرد - وقد سبقه الوجوب -: لا يعتبر هذا الوجوب السابق قرينة تصرف النهي عن التحريم إلى الإباحة (٣). أما إمام الحرمين الذي توقف في دلالة الأمر بعد الحظر - كما ذكرنا سابقًا (٤) -: فقد توقف في هذه المسألة أيضًا، ولم يسلم بما ذهب إليه الأخرون فقال في "البرهان": (ذكر الأستاذ أبو إسحاق أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظر، والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل المنهي على رفع الوجوب، وادعى الوفاق في ذلك، ولست أرى ذلك مسلَّمًا، أما أنا: فساحبٌ ذيلَ الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر، وما أرى المخالفين يسلمون ذلك) (٥). موقف ابن الهمام من إمام الحرمين: ويرى ابن الهمام أن كلام إمام المحرمين لا يكون وجيهًا في دفع ما قاله الآخرون إلا بالطعن في نقل الإجماع على هذه المسألة، ونقلِ الخلاف

стр. 891

فيها، إذ بتقدير صحة الإجماع على أن النهي بعد الوجوب ليس للإباحة، يلزم استقراء العلماء أن تقدم الرجوب على النهي، ليس قرينة تصرف التحريم إلى الإباحة. غير أن ابن أمير الحاج في شرحه لكلام ابن الهمام، رأى أن ظاهر كلام إمام المحرمين، يدل على أنه لم يقله إلا تخمينًا، فلا يقدح فيما نقله الأستاذ أبو إسحاق (١). * * * المطلب الثاني أثر النهي في المنهي عنه في أثر النهي في المنهي عنه نتناول أثر النهي في التصرفات الحسِّية، وأثر النهي في التصرفات الشرعية بوجه عام، ثم أثر النهي في العبادات والمعاملات. النهي عن التصرفات الحسية والنهي عن التصرفات الشرعية: يرد النهي المطلق على نوعين: الأول: نهي عن التصرفات الحسية: وهي التي تعرف حسًّا، ولا يتوقف حصولها وتحققها على الشرع؛ كالزنى، والقتل، وشرب الخمر وأمثالها، فإن تحققها لا يتوقف - كما قال العلماء - على الشرع لأنها كانت معلومة قبل الإسلام لأهل الملل جميعًا. الثاني: النهي عن التصرفات الشرعية: وهي التي لا تعرف إلا من طريق الشرع؛ فهي أمور وضعها الشارع لتترتب عليها آثار دنيوية وأخروية، في مصلحة الفرد والجماعة، وحدد لها أركانًا وشروطًا لا يعتبر - إلا بها - أثر النهي في العبادات والمعاملات؛ وذلك كالصلاة، والصوم، والبيع وما إلى ذلك.

стр. 892

فإن كون الصلاة والصوم قربةً وعبادة على هذه الهيئة، وكون البيع على الشكل الذي وصفه الإسلام بالحل: لم يكن معلومًا قبل الشرع. قد يرد على ذلك: أن من يصلي ويبيع، يعلم حسًا أنه يفعل ذلك كما يعلم شرب الخمر والقتل. ولكن هذا الإيراد مدفوع بأن الذي يأتي من طريق الحس، هو معرفة أنها أفعال من حيث هي أفعال، أما من حيث كونها صلاة وعقدًا، حتى كانت الصلاة سبب ثواب، وعقد البيع سبب ملك، فلا يعرف إلا بالشرع الذي حدد هذه الأمور بأركانها وشروطها، وما يصبح منها وما لا يصح (١). وإذا علمنا أن النهي يكون من التصرفات الحسية، ويكون عن التصرفات الشرعية، فمن الخير أن نبين أن ما ذكرنا من مدلول الأمر في التحريم، إنما يشمل التصرفات بنوعيها من ناحية طلب الامتناع عنها. ولكن له أثرًا خاصًّا في التصرفات الشرعية، من عبادات ومعاملات؛ وذلك من ناحية ما يترتب عليها من أحكام ثبتت بالشرع، وهذا الأثر اختلفت مذاهب العلماء فيه. وبيان ذلك فيما يلي: أثر النهي في العبادات والمعاملات: يرى المتتبع الموارد الأحكام في نصوص الكتاب والسنة، أن الشارع قد ينهى في حالات خاصة عن بعض الأعمال المشروعة للمكلف! كالصلاة، والصيام، والبيع، والنكاح وغيرها من عبادات ومعاملات. وقد اختلف العلماء في أثر نهي الشارع عن هذه الأعمال من حيث بقاؤها بعد النهي مشروعة، تترتب عليها آثارها، أو غير مشروعة، فلا تترتب عليها تلك الآثار. وبيان اتجاهات العلماء في هذه المسألة، يقتضينا أن تعرض للنهي في حالتين: الأولى: حالة الإطلاق: وهي ما إذا ورد، دون أن ترافقه قرينة تشعر بأن النهي عن العمل كان لذات المنهي عنه، أو لغيره.

стр. 893

الثانية: حالة وروده، مع قرينة تشعر أن النهي عن العمل كان لذات المنهي عنه، أو وصفه، أو أمر خارج عنه (١). أولًا: حالة ورود النهي مطلقًا: فإذا ورد النهي مطلقًا: دون أي قرينة تشعر بما ذكرنا: فالعلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أ - لقد ذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي، ومالك، والحنابلةُ وجميعُ أهل الظاهر، إلى أن النهي في هذا الحال: يدل على فساد المنهي عنه وبطلانه؛ سواء أكان ذلك في العبادات، أم في المعاملات، ونسب الآمدي هذا القبول إلى بعض الحنفية أيضًا (٢). ب - وذهب الحنفية، وبعض محققي الشافعية كالقفال الشاشي، وإمام الحرمين، إلى أن النهي في هذه الحال: لا يقتضي فساد المنهي عنه، وإلى ذلك أيضًا ذهب بعض المعتزلة كأبي عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وهو الصحيح عند الزيدية وبعض الإباضية (٣). ج - وقال قوم: إن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات. وقد ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري والرازي وابن الملاحمي وآخرون (٤).

стр. 894

مسلك القائلين باقتضاء الفساد مطلقًا: وقد استدل الشافعية ومن معهم على ما ذهبوا إليه: بأن الشارع عندما ينهي المكلف عن عملٍ ما نهيًا مطلقًا، دون أن يقيده بما يدل أنه لذات المنهي عنه، أو لغيره من صفة عرضت له، أو أمر خارج عنه: فإن ذلك النهي يكون منصبًا على ذات الشيء من طريق الحقيقة؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والكمال في النهي عن الشيء إنما يكون لذاته، فلا ينصرف إلى غيره إلا مجازًا، وذلك يحتاج إلى دليل. فإذا قام دليل على خلاف ما صُرف إليه النهي المطلق، وهو ذات الشيء المنهي عنه، توجه النهي إلى ما قام الدليل عليه كأن يكون لوصف مجاور ينفك عن الفعل النهي عنه (١). على أن من العلماء - كما سيأتي - من لا يفرق بين الحالين: حالة قيام الدليل على إرادة غير الذات، أو عدم قيامه. ومن هؤلاء أهل الظاهر والحنابلة (٢). ثم إن سلامة التصرفات الشرعية من عبادات ومعاملات، إنما تُستعد من حكم الشارع بصحتها؛ لاستيفائها ما حدد لها في أوامره ونواهيه، كي تكون صحيحة، والنهي مع الإقرار بسلامتها: مدعاة لتناقض تنزه عنه أحكام الشارع. مسلك القائلين بعدم اقتضاء الفساد: أما عدم اقتضاء الفساد: فقد استُدل له بأن المراد بالفساد: تخلف الأحكام عن تلك التصرفات المشروعة، وخروجُ هذه التصرفات عن كونها

стр. 895

أسبابًا للأحكام. والفساد بهذا المعنى لا يقتضيه النهي في المنهي عنه؛ لأن النهي عن العمل لا يكون مناقضًا لمشروعيته على هذا التفسير، فلو صرح الشارع وقال: نهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه، لكن إن فعلت بانت زوجتك. ونهيتك من إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب، لكن إن فعلت طهر الثوب. ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن، لكن إن فعلت حلت الذبيحة؛ فشيء من هذا ليس يمتنع ولا يتناقض، بخلاف قوله: حرمت عليك الطلاق، وأمرتك به، أو أبحته لك، وحرمت عليك الاستيلاد الجارية الابن وأوجبته عليك، فإن ذلك متناقض لا يعقل؛ لأن التحريم يضاد الإيجاب، ولكن لا يضاد هذا الإيجاب كون المحرم منصوبًا علامة الملك والحل وسائر الأحكام (١). ثم أن الفساد في المنهي عنه: إما أن بدل من جهة اللغة، وإما أن يدل من جهة الشرع. أما من حيث اللغة: فالأحكام الشرعية لا يناسبها اللفظ - كما يقول الغزالي - من حيث وضعُ اللسان، إذ يعقل أن يقول العربي: هذا العقد الذي يفيد الملك والأحكام، إياك أن تفعله وتقوم عليه. وأما من حيث الشرع: فلم يقم دليل على أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه (٢). واحتج صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية أيضًا بأن النهي لا يكفي في اقتضاء الفساد، بل لا بد من الدليل؛ فبعد أن قرر أن هذا القول هو الصحيح عندهم قال: (والحجة لنا على تصحيحه أن معنى كون الشيء فاسدًا: أنه لم يقع موقع الصحيح في سقوط القضاء واقتضاء التمليك، والمعلوم أن المنهي عنه قد يقع صحيحًا كطلاق البدعة، والبيع وقت النداء،

стр. 896

فلا يكفي النهي في اقتضاء الفساد، بل لا بد من الدليل، إذ لفظ النهي لا يفيده كما ذكرنا من أن المنهي عنه قد يصح (١). ثم إن النهي عن العبادة بعد أمر المكلف بها، يجعل الأمر والنهي واردين على محل واحد، فيقع التناقض، وقد ذكر الغزالي (أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة؛ لأن الطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي متضادان) (٢). وهكذا يكون النهي عن أفعال العبادة، مستوجبًا بطلانها وعدم مشروعيتها. ثانيًا: حالة ورود النهي مع قرينة: أما إذا ورد النهي مقترنًا بما يدل على أنه لذات المنهي عنه، أو لغيره: فذلك لا يعدو حالات ثلاث: عرض العلماء في كل واحدة منها لأثر ذلك النهي في المنهي عنه، واختلفت آراؤهم في بعض ذلك (٣). وقد ترتب على اتفاقهم واختلافهم آثار واضحة في الأحكام التي بنيت على ما ذهب إليه كل فريق.

стр. 897

وفيما يلي بيان هذه الحالات، وموقف العلماء من كل واحدة منها، والآثار التي ترتبت على ذلك في بعض الأحكام. الحالة الأولى: أن يكون النهي عن العمل لذاته وحقيقته، سواء أكان ذلك في الأفعال، أم في عقود المعاملات والأنكحة. وذلك كالنهي عن الزواج بالمحارم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]. وكالنهي عن بيع الميتة التي هي حرام بنص قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة]. والتي جاء النص على حرمة بيعها يقوله ﵊: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام … " الحديث (١). وكالنهي عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبّلة. فقد روي عن ابن

стр. 898

عباس: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة (١). وعن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية. كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج الذي في بطنها" (٢). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان من ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبّلة، والمضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: بيع ما في ظهور الجمال" (٣). ومثل ذلك في العبادات النهي عن صلاة المحدث. . . الخ. فالنهي في كل من هذه الأعمال المذكورة: نهي عن العمل لذاته وحقيقته؛ وذلك لما هو واقع من الخلل في أركانه.

стр. 899

والعلماء متفقون على أن هذا النوع من النهي، يقتضي بطلان المنهي عنه؛ فإذا أتى به المكلف يقع باطلًا غير مشروع أصلًا، فلا يترتب عليه أي أثر من الآثار التي رتبها الشارع على العمل المشروع، فلا يمنع وجوب القضاء في العبادة، ولا ينتج في العقود، فلا يكون البيع مثلًا سببًا للملك؛ والتزوج بالمحارم لا ينعقد، فلا يثبت به نسب، ولا مصاهرة، ولا توارث لانعدام محل العقد. وصلاة المحدث باطلة، لانعدام ركن الطهارة فلا يترتب عليها ثواب، ولا تسقط بها الفريضة. وبيع الميتة باطل أيضًا؛ لاختلال ركن من أركان العقد وهو المبيع. وقل مثل ذلك في المضامين والملاقيح وحبل الحملة؛ فمحل العقد - وهو المبيع - معدوم وانعدام المحل أبطل شرعية هذا البيع، فلم يكن سببًا من أسباب الملك الذي لا يقوم إلا بالمحل (١). ومما استدل به العلماء على ما اتفقوا عليه من أن النهي عن العمل لذاته وحقيقته، يقتضي البطلان والفساد: قوله ﵊: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) والمنهي عنه هو على غير أمر الشارع قطعًا، إذ المنهي عنه ليس مأمورًا به، ولذلك يكون مردودًا بنص الحديث،

стр. 900

أي باطلًا لا حكم له، فهو معدوم المشروعية أصلًا، لا يترتب عليه أي أثر من آثار العمل المشروع (١). ثم إن الصحابة ومن بعدهم كانوا دائمًا يستدلون على بطلان الأفعال والعقود: بنهي الشارع عنها من غير نكير من أحد منهم، وذلك كاستدلال ابن عمر على بطلان نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] واستدلالهم على تحريم الربا بما ورد من النهي في الكتاب والسنة، ومثل ذلك كثير (٢). الحالة الثانية: أن يكون النهي عن العمل لوصف مجاور ينفك عنه، فهو غير لازم له، كالنهي عن الصلاة في الثوب المسروق (٣) والصلاة في الأرض المغصوبة (٤). والنهي من البيع وقت النداء للجمعة (٥)، والنهي من الوطء في الحيض (٦). . . ففي هذه الحال يرى جمهور العلماء أن النهي لا يقتضي بطلان العمل ولا فساده، بل يبقى صحيحًا يتصف بالمشروعية وتترتب عليه آثاره المقصودة منه، إلا أنه يكون مكروهًا فيترتب على فاعله الإثم. وذلك لأن جهة المشروعية فيه: تخالف جهة النهي، فلا تلازم بينهما؛

стр. 901

إذ إن مخالفة رغبة الشارع تستوجب الإثم، ولكن لا تستوجب عدم ترتب الأثر. وهكذا تترتب الآثار على العمل المنهي عنه في هذه الحال، باعتبار وقوعه كاملًا على وجه الحقيقة حسبما رسم الشارع. أما المكلف: فيناله الإثم، لما صاحبَ العملَ من مخالفة رغبة الشارع التي هي خارجة عن تلك الحقيقة (١). فالوطء في الحيض تترتب عليه آثاره وإن أثم فاعله؛ فتعتبر الزوجة الموطوءة في الحيض مدخولًا بها حقيقة، وتحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثًا. من قبل. والصلاة في الأرض المغصوبة تُخرج المكلف عن العهدة، ولكنه يأثم بسبب ما جاورها من الغصب. وكذلك الصلاة في الثوب المسروق، والبيع يوم الجمعة وقت النداء: يفيد آثاره (٢). فالنهي مثلًا عن البيع وقت النداء يوم الجمعة بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ إنما كان لئلا يقع الإخلال بالسعي الواجب إلى الجمعة - كما أسلفنا - وهو أمر مجاور تلبيح قابل للانفكاك عنه؛ فإن البيع يوجد بدون الإخلال بالسعي، بأن يتبايع المتبايعان في الطريق ذاهبين إليها، والإخلال بالسعي يوجد بدون المبيع بأن يمكثا في الطريق من غير بيع. وقد فصَّل أبو إسحاق الشيرازي في حكم البيع يوم الجمعة، فقرر أن البيع إن كان قبل الزوال، لم يكره للمكلف، وإن كان بعد الزوال وقبل ظهور الإمام كُره؛ فإن ظهر الإمام وأذَّن المؤذن، حرم لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال الشيرازي: (فإن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثمًا جميعًا؛ لأن أحدهما توجه عليه الفرض وقد اشتغل عنه، والآخر شغله عن الفرض) ثم قرر ﵀ أن البيع

стр. 902

لا يبطل؛ لأن النهي لا يختص بالعقد، فلم يمنع الصحة؛ كالصلاة في الأرض المغصوبة (١). موقف الحنابلة والظاهرية: أما الحنابلة والظاهرية: فقد سوَّوا بين الأصل وغيره، من وصف، أو أمر خارج عنه في موارد النهي كلها؛ فلا فرق بين أن يكون النهي لذات المنهي عنه، أو لوصفه، أو لأمر خارج عنه. واستدلوا لذلك بأن النهي يعتمد المفاسد، فمتى ورد النهي: بطل التصرف، وأصبح معدومًا شرعًا والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؛ لأن العمل في هذه الحال يقع على خلاف ما يطلب الشارع (٢). فالصلاة في ثوب مغصوب، أو في دار مغصوبة: هي معدومة شرعًا فإذا أتي بها المكلف وقعت باطلة، لأنها غير مشروعة، فلم يترتب عليها أثرها الشرعي. قال ابن حزم في "الإحكام": (وكل أمر علق بوصف ما، لا يتم ذلك العمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر: فلم يفعل ما أمر به، فهو باق عليه وهو عاص بما فعل، والمعصية لا تنوب عن الطاعة ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل) (٣). وقد أتى ابن حزم بعدد من المسائل ومنها الصلاة في ثوب مغصوب أو في دار مغصوبة وستأتي في آثار الاختلاف. رأينا في الموضوع: والذي يظهر لنا أن الحنابلة والظاهرية لم يأتوا بما يقنع في دعواهم اقتضاءَ النهي يقتضي الفساد في المنهي عنه لأمر خارج.

стр. 903

فالجمهور لا يغفلون أثر النهي في الشريعة، ولكن إذا تبين أن النهي لم يكن لذات العمل الشرعي المنهي عنه أو لوصفه - على خلاف فيه - فمعنى ذلك أن المكلف إذا أتى بهذا العمل، فقد حصلت حقيقة المأمور به؛ فالصلاة من حيث هي صلاة، تقع على حقيقتها في الأرض المغصوبة، ويبقى النهي منصبًا على الجناية على الغير بغصب أرضه، فهو أمر مجاور لا يؤثر في صحة الحكم، فالصلاة صحيحة، وإثم الغصب ثابت على المغتصب. الحالة الثالثة: أن يكون النهي لوصفه لازم للمنهي عنه: كالنهي عن صوم يوم العيد، والنهي عن البيع المشتمل على الربا، والمبيع بشرط يخالف مقتضى العقد كما سيأتي (١). وقد اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة: مسلك الجمهور: فذهب الجمهور إلى أن النهي عن العمل لوصف لازم له، يقتضي فساد كل من أصل العمل ووصفه، ويطلقون عليه اسم "الفاسد" و"الباطل" وبذلك يكون نظيرَ النهي عن العمل لذاته فهو مثله غير مشروع، ولا يترتب عليه أي أثر من آثاره المقصودة منه. وهكذا يقررون أن النهي عن العمل لذاته، والنهيَ عنه لوصفه اللازم له سيان في اقتضاء نساد المنهي عنه وبطلانه، واعتباره غير مشروع لا بأصله، ولا بوصفه. مسلك الحنفية: وذهب الحنفية إلى أن النهي في هذه الحال: يقتضي فساد الوصف فقط. أما أصل العمل: فهو باق على مشروعيته ويطلقون عليه اسم "الفاسد" ويرتبون عليه بعض الآثار دون بعض.

стр. 904

فصوم يومي الفطر والنحر وأيام التشريق (١)، والبيع المشتمل على الربا، والبيع بشرط يخالف مقتضى العقد (٢): هي من قبيل "الباطل" عند الجمهور، و"الفاسد" عند الحنفية. ما استدل به الجمهور: وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه، بأن طلب الشارع تلك المأمورات الشرعية، ونهيه أن تكون متصفة بوصف خاص، كما في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وكما في النهي عن البيع بشرط يخالف مقتضى العقد، حيث ثبت في الصحيح - كما تقدم - أن الرسول ﷺ نهى عن بيع وشرط، وكالذي نراه في كثير من المنهيات: يدل بوضوح على أن الشارع إنما يريد القيام بالعمل الذي أمر به، خاليًا عن ذلك الوصف المنهي عنه. فإن وقع العمل المأمور به متصفًا بالوصف المنهي عنه: لا يعتبر أنه ذلك العمل الذي طلبه الشارع؛ ولذا لا ينبني عليه الأثر الذي رتبه على وجوده وقصده منه؛ لأنه غير مشروع، باعتبار أن مطلق النهي يعني انعدام كون المنهي عنه مشروعًا. وصفة القبح في المنهي عنه - وإن كانت لمعنى اتصل به وصفًا - فذلك دليل على أنه لم يبق مشروعًا؛ لأن ذلك الوصف لا يفارق المنهي عنه، ومع وجوده لا يكون مشروعًا، فبه يخرج عن أن يكون

стр. 905

مشروعًا أصلًا (١) وقد قال رسول الله ﷺ : "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). ثم إن المنقول عن السلف احتجاجهم بالنهي على بطلان بعض التصرفات الشرعية: فقد احتج عمر على أن نكاح المشركات باطل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولم ينكر عليه منكر (٣). واحتج الصحابة على بطلان عقود الربا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقول الرسول ﷺ في حديث الأشياء الستة: "ولا تبيعوا الذهب بالذهب … " (٤) الحديث. ما استدل به الحنفية: يرى الحنفية أن كون النهي عن الأمر الشرعي لوصفه، يقتضي مشروعيته بأصله؛ فالنهي عنه لوصفه، لا يستوي مع النهي عنه لذاته وحقيقته؛ لأنه لو كان الأمر كذلك: لامتنع المسمى - وهو ذلك الأمر المشروع - لامتناع كونه قبيحًا لعينه، حال كونه مشروعًا أمر به الشارع (٥). فمثلًا: النهي عن صوم العيد: معناه أمر الشارع المكلف بالامتناع عن إحداث صيام يوم العيد على وضعه الشرعي؛ فلو اعتبر النهي عن الصيام، نهيًا لذات الصوم وحقيقته، لكان الصيام يوم العيد قبيحًا لذاته، أي لأنه صيام، ولا يمكن أن يكون ذلك في عرف الشريعة وقواعدها؛ لأن الصيام

стр. 906

لذاته عبادة رتب الشارع على فعلها الثواب، ولا يمكن أن يكون الأمر القبيح لذاته قربة وطريقًا إلى الثواب، بلى لا يمكن أن يكون لذلك مشروعًا، ولذلك وجب أن ينصرف النهي - كما قدمنا - إلى الوصف اللازم له (١). فالصيام المنهي عنه يوم العيد: مشروع بأصله، بالنظر إلى ذاته، ولكنه قبيح لما اتصل به، وهو الإعراض عن ضيافة الله تعالى في ذلك اليوم. ومثل ذلك يقال في البيع بشرط فاسد؛ فالبيع الذي نُهيَ عنه في هذه الحال: مشروع بأصله بالنظر إلى ذاته، ولكنه قبيح لما اتصل به، وهو الشرط الذي ينافي مقتضى العقد، وهذا يقال في سائر الحالات؛ سواء أكان المنهي عنه لوصفه: عبادة من العبادات، أو عقدًا من العقود الشرعية في الأنكحة والمعاملات (٢). ولهذا يثبت لكل من الأصل والوصف مقتضاء؛ فالبيع مثلًا فيما ذكرناه يثبت به الملك، لوجود حقيقته بتوافر الركن والمحل، وفي الوقت نفسه يجب فسخه خروجًا من الحرمة، نظرًا لوجود الوصف المنهي عنه، وإن كان وجوب الفسخ خروجًا من الحرمة - كما يرى ابن الهمام - لا يكون إلا فيما يمكن رفعه، كالبيع بالخمر مثلًا؛ إذ يمكن فسخ العقد، أو الاتفاق على ثمن مشروع غير الخمر. بخلاف ما لا يمكن رفعه، كحل ما ذبح وهو ملك الغير؛ فإذا ذبح ملك الغير: فالحل واقع مع الإثم على الفاعل، ولكن الرفع غير ممكن، إذ لا قدرة للعبد على رفع المعصية المترتبة على هذا الفعل المنهي عنه - وهو ذبحه حيوان الغير بغير إذنه - بإعادته إلى ملك صاحبه وبالروح، فلا يكون مأمورًا بهذا. قال ابن أمير الحاج: (والمفيد لهذا ما أخرج الدارقطني بسند جيد من

стр. 907

رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه" (١). عرض القرافي لمذهب الحنفية: ويعجبني عرض القرافي لمذهب الحنفية، حيث أتى به منسوبًا إلى أبي حنيفة ثم حكم على المسلك بأنه فقه حسن، وذلك بالرغم من نسبة المبالغة إليهم فيما جنحوا إليه. جاء في "الفروق" من أثر النهي في المنهي عنه لا لذاته: (هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في اعتباره، حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي وردّ الزائد؛ فإذا باع درهمًا بدرهمين: أوجب العقد درهمًا من الدرهمين، ويرد الدرهم الزائد، وكذلك بقية الربويات (٢). وقال صاحب "الفروق" بعد عدد من الأمثلة: (قال أبو حنيفة: أصل الماهية سالم عن المفسدة، والنهي إنما هو في الخارج عنها؛ فلو قلنا بالفساد مطلقًا، لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد، وبين السالمة عن الفساد؛ ولو قلنا بالصحة مطلقًا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها، وبين المتضمنة للفساد في صفاتها، وذلك غير جائز؛ فإن التسوية بين مواطن الفساد، وبين السالم عن الفساد: خلاف القواعد، فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل، والوصف بالوصف فنقول: أصل الماهية سالم عن النهي؛ والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم: الصحة حتى يرد نهي، فيثبت لأصل الماهية الأصلُ الذي هو الصحة، ويثبت للوصف - الذي هو الزيادة - المتضمنة للمفسدة: الوصف العارض وهو النهي، فيفسد الوصف دون الأصل، وهو المطلوب) قال القرافي: (وهو فقه حسن) (٣).

стр. 908

ما ترتب على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم: وهكذا نرى مما سبق: أن المنهي عنه لوصفه، هو عند الجمهور كالمنهي عنه لذاته وحقيقته؛ فيقع من المكلف باطلًا غير مشروع، إلا إذا دل الدليل على أن النهي كان لأمر مجاور، كالبيع وقت النداء يوم الجمعة. وأما عند الحنفية: فهو صحيح بأصله دون وصفه، ويطلقون عليه اسم الفاسد، إلا إذا دل الدليل على أن النهي كان لذات المنهي عنه حقيقة، كبيع الجنين في بطن أمه. وبناءً على ذلك، لم يكن لدى الجمهور فرق بين الفساد والبطلان؛ فهما مترادفان، إذ كل منهما يدل على أن الفعل المنهي عنه وقع على خلاف ما طُلب من المكلف، فلم يعتبره الشارع، ولم يرتب عليه الأثر الذي يرتبه على نظيره المشروع. وهكذا يطلقونهما ويريدون بهما معنى واحدًا، وهو في العبادات: عدم سقوط القضاء بالفعل، وفي عقود المعاملات: تخلف الأحكام عنها، وخروجها عن كونها أسبابًا مفيدة للأحكام. وذلك على مقابلة الصحة التي تدل على أن الفعل وقع من المكلف على وفق ما طلب الشارع، رتب عليه آثاره المقصودة منه. وهي في العبادات: كون الفعل مسقطًا للقضاء، وفي عقود المعاملات: كون العقد سببًا لترتب ثمراته المطلوبة شرعًا عليه، كما في ترتب الملك على البيع (١). أما الحنفية: فقد فرقوا بين البطلان والفساد، وجعلوا كلًا منهما لمعنى. فالبطلان هو وقوع العمل مخالفًا لأمر الشارع في أصله ووصفه، ومعنى ذلك أن العمل وقع معيبًا في ذاته، ولم يرتب الشارع عليه أثرًا لذلك. والفساد وقوع العمل مخالفًا لأمر الشارع في وصفه دون أصله، ومعنى ذلك أن العمل وقع سليمًا من ناحية ذاته، وأصابه العيب الذي نهى عنه الشارع لأجله من ناحية وصفه المتصل به.

стр. 909

وطبعًا: الصحة وقوع العمل موافقًا لأمر الشارع في أصله ووصفه، ومعنى ذلك أن العمل وقع على وفق ما أمر الشارع من ناحية ذاته، ولم يصبه عيب في وصف من أوصافه جعل الشارع ينهي عنه. ولهذا كان المشهور عند علماء الحنفية، أن الصحيح ما كان مشروعًا بأصله ووصفه، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، والباطل ما ليس مشروعًا أصلًا لا بأصله ولا بوصفه (١). ولذلك فالصحة قد تقابل الفساد كما تقابل البطلان. قال عبد العزيز البخاري: (واعلم أن الصحة عندنا قد تطلق أيضًا على مقابلة الفاسد، كما تطلق على مقابلة الباطل فإذا حكمنا على شيء بالصحة: فمعناه أنه مشروع بأصله ووصفه جميعًا، بخلاف الباطل: فإنه ليس بمشروع أصلًا، وبخلاف الفاسد: فإنه مشروع بأصله دون وصفه (٢). ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح بين الجمهور والحنفية: أن الجمهور يرون أن النهي يقتضي عدم وجود المنهي عنه شرعًا، دون نظر إلى سبب النهي؛ فحين اعتبروا المنهي عنه لوصفه - من حيث أثرُ النهي - كالمنهي عنه لذاته وحقيقته - بحيث يقتضي النهيُ فساد كل من الأصل والوصف - لم يكن عندهم عمل مشروع بأصله دون وصفه، حتى يطلقوا عليه اسمًا هو بين الصحيح والباطل، كما صنع الحنفية. أما الحنفية: فلا يقطعون النهي عن سببه؛ فهم ينظرون إلى السبب الذي من أجله كان التهي. فحين اعتبروا المنهي عنه لوصف لازم له، يختلف عن المنهي عنه لذاته وحقيقته، فجعلوا أثر النهي فيه فساد الوصف فقط، مع بقاء الأصل مشروعًا تترتب عليه آثاره المقصودة منه، وجعلوا أثر النهي في المنهي عنه لذاته وحقيقته فساد كل من الأصل والوصف: كان عندهم إلى جانب الصحيح عملان:

стр. 910

أحدهما: غير مشروع بأصله ولا بوصفه وهو "الباطل". والثاني: مشروع بأصله دون وصفه وهو "الفاسد" (١). معنى الفساد في العبادات عند الحنفية: على أن التفريق بين البطلان والفساد عند الحنفية، كائن في عقود المعاملات. أمل العبادات: فقد صرح ابن الهمام أن الفساد فيها هو البطلان، لأن المقصود من العبادة التقرب إلى الله تعالى ونيل ثوابه، فإذا لم يتوافر لها ما يجعلها سببًا لمحكمها الذي شرعت له: تحقق فيها وصف البطلان إذ إنها تصبح عديمة الفائدة. فإذا صام المكلف يوم العيد مثلًا، لم ينله الثواب الذي شرع له الصوم، ولم تبرأ ذمته من صوم واجب آخر. جاء في "التحرير وشرحه التقرير" في معرض كلام ابن الهمام عن البطلان: (ويجب مثله في العبادات كصوم العيد، فإن النهي عنه ملازم، وهو الإعراض عن ضيافة الله تعالى، فكان - بعد كونه حرامًا لانعقاد الإجماع عليه بعد النهي عنه -: باطلًا لعدم الحل والثواب) (٢). ولما كان في النكاح ناحية تعبدية: كان فاسدُه كباطله على سواء (٣). ما بقي فيه الاختلاف: وهكذا ترى أن الفساد بمعنى البطلان في العبادات، متفق عليه بين جميع الفرقاء، حتى الحنفية الذين كان التفريق بين الفساد والبطلان من اصطلاحهم. وقد بقي الاختلاف في المعاملات: ورغم حكم الحنفية بصحة الأصل دون الوصف، وترتيبهم الآثار المقصودة على العمل المنهي عنه: فقد أحاطوا ذلك بوجوب إزالة سبب النهي الذي اقتضى الإثم بقصاد الوصف ما أمكن، وكما مر سابقًا: عندما يجعلون البيع بالخمر سيبًا للملك: يعتبرون المكلف في

стр. 911

الوقت نفسه آثمًا ويوجبون عليه إزالة ما تسبب منه الإثم، وذلك إما باستبدال الخمر بغيره، ليكون ثمنًا في الصفقة، أو بفسخ العقد (١). حقيقة الاختلاف في نظر الزركشي: هذا: وقد جاء الزركشي الشافعي في كتابه "البحر المحيط" على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم في مسألة "أثر النهي في المنهي عنه لوصف متصل به" وصوَّر حقيقة الخلاف وإلى أين مرده فقال: (واعلم أن حقيقة الخلاف بيننا وبين الحنفية: يرجع إلى مسألة أخرى وهي: أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقًا، ثم نهي عنه في بعض أحواله، هل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط بالمأمور به حتى يقال: إنه لا يصح بدون ذلك الشرط، ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم، كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل آخر، أم لا يكون كذلك)؟ ثم أتى الزركشي على ذكر المذهبين بناءً على حقيقة الاختلاف - كما يراه - وأورد مثالين للتطبيق هما: النهي عن صوم يوم النحر الذي عرضنا له من قبل فقال: (مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر، والأمر بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره. فالشافعي والجمهور قالوا: النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد، وإلحاق شرط بالمأمور به لا تثبت صحته بدونه. وذهبت الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف عنه دون الأصل المتصف به حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحًا بحسب الأصل، فاسدًا بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد، وإلا فمجرد النهي عنه لا يدل على الفساد بل على الصحة) (٢).

стр. 912

رأينا في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه: والذي نميل إليه فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم يتصل به، هو ما ذهب إليه الحنفية من تفريق بين أثرِ مجاله العلاقة بين المكلف والشارع، وأثرِ مجاله العلاقة بين الفرد والآخرين من حيث التعامل، وتحقيقُ المصالح في حياة الناس ومعاشهم. فالأثر الأول - وهو الإثم - ثابت على المكلف تجب المبادرة إلى إزالة سببه. والأثر الثاني: منتج لما رتبه الشارع على العقد الذي استوفى أركانه وشروطه من ثمرات مقصودة، كما في جعل البيع سببًا للملك. والذي يحملنا على هذا الميل - إلى جانب ما استدل به الحنفية - ما نراه في هذا الاتجام من كونه أقرب إلى تيسير شؤون الحياة، وتأمين مصالح الناس التي لها في الشريعة وزن ومقدار، خصوصًا وأن الحوادث لا تتناهى، والأيام تحمل إلينا كل يوم جديدًا من العقود، وأنواع التعامل. على أن الحنفية، لم يغفلوا الحفاظ على إلزام المكلف العملَ على التخلص من الإثم بإزالة سببة، وفي هذا جمع لسلامة العلاقة بين المكلف والشارع، وبين المكلف والآخرين، لأن التعامل في شريعتنا لا يجوز بحال أن يكون طريقًا لمعصية من شرع هذه الشريعة. نقول هذا كله، مع الشعور بأثر الاصطلاحات في مسالك هؤلاء الأئمة، الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الحذر عند التطبيق. ومبعث ذلك أن ما ذهب إليه الجمهور. تسنده قوة الدليل من اللغة، وما قد يفهم من عمل السلف، بالإضافة إلى شيء من الصعوبة في تطبيق مذهب الحنفية في الفروع عند استنباط الأحكام من النصوص، ونماذج ذلك عديدة في كتب الفقه ومظان الأحكام، وعلى كلٍ فلا بد للذوق الفقهي من أن يعمل عمله، فيذلل الكثير من العقبات. من آثار الاختلاف في التطبيق: كان للاختلاف فيما يقتضيه النهي من أثر في العمل الشرعي المنهي عنه: آثار واضحة في اختلاف العلماء عند تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ونحن موردون فيما يلي بعض الأحكام التي تُظهر أثر الاختلاف بين

стр. 913

الجمهور وبين الحنابلة والظاهرية، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لأمر خارج، وبعضًا آخر، مما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية والجمهور، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم له. أ - علمنا مما سبق: أن الاختلاف بين الجمهور، وبين الحنابلة والظاهرية: قائم على اعتبار أن النهي لأمر خارج عن العمل المنهي عنه، لا يؤثر في صحة هذا العمل، وإذا أتى به المكلف يقع صحيحًا. أما الحنابلة والظاهرية: فيرون أثر النهي في المنهي عنه لأمر خارج، يقتضي البطلان، وإذا أتي به المكلف، وقع باطلًا لأنه غير مشروع (١). ومن المسائل التي ظهر فيها الخلاف بناء على هذه القاعدة: الوضوء بماء مغصوب، والصلاة في ثوب مغصوب أو مسروق، والصلاة في أرض مغصوبة، والصلاة بطهارة مسبح فيها على خف مغصوب. فكل هذه الأحكام واقعة تحت النهي عن الغصب والاعتداء، فالحنابلة والظاهرية يعتبرونها كلها باطلة، لأن النهي يعتمد المفاسد، وما دامت هذه الأمور منهيًا عنها، فهي فاسدة وباطلة، دون تفريق بين أن يكون النهي لذاتها، أو لوصف لازم لها، أو خارج عنها. ومثل ذلك: الذبح بسكين مغصوبة عند الظاهرية كما سيأتي. فالوضوء بماء مغصوب: لا يعتبر طهارة مشروعة، والصلاة به صلاة بغير وضوء. والصلاة في ثوب مغصوب، أو مسروق، أو في أرض مغصوبة: باطلة، والذبيحة بسكين مغصوبة: حرام عند الظاهرية لا تحل، فهي: كالميتة (٢). والجمهور يرون أن النهي في هذه الأحكام، إنما هو لأمر خارج عن المنهي عنه، فتقع العبادة مشروعة صحيحة، وتقع الذبيحة بالسكين المغصوبة حلالًا، مع إثم الغصب في الأحوال كلها (٣).

стр. 914

مسلك الإمام ابن حزم: وقد أتى ابن حزم بعدد من هذه الأحكام في جملة أحكام أخرى تطبيقًا على القاعدة المذكورة، من اقتضاء النهي الفساد في المنهي عنه مطلقًا. فبعد أن قرر القاعدة - كما أسلفنا من قبل - وأبان أن الإتيان بالمنهي عنه معصية، والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ذكر الصلاة بثوب نجس ممن يعلم ذلك، ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل، والصلاة في مكان منهي عن الإقامة فيه كمكان نجس، أو مكان مغصوب، أو في عطن الإبل، أو إلى قبر، والذبح بسكين مغصوبة، وذبح حيوان الغير بغير إذن صاحبه، والوضوء بماء مغصوب، أو بآنية فضة، أو بإناء من ذهب. وبعد تعداد هذه المسائل: قرر أن كل ما مرَّ، لا يتأدَّى فيه فرض (فمن صلى كما ذكرنا: لم يصل ومن توضأ كما ذكرنا: فلم يتوضأ، ومن ذبح كما ذكرنا: فلم يذبح، وهي ميتة لا يحل لأحد أكلها، لا لربها ولا لغيره، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية). وقد علل ابن حزم ما حكم به من البطلان في تلك المسائل: أن فعلها وقع على خلاف أمر الشارع وقد قال ﷺ : "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) ثم فصَّل أبو محمد في وقوع تلك الأفعال من المكلف على خلاف أمر الشارع فقال: (وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين، وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه، وعن الإقامة في المكان المغصوب، وأمر بضرورة الإقامة للصلاة، وبتذكية ما يحل أكله. وبضرورة العقل: علمنا أن المأمور به هو غير العمل المنهي عنه، ولا يتشكل في العقل غير ذلك). ثم أبان ﵀ أن تلك المناهي، لو كانت هي المأمورات، لكان الله آمرًا بها، ناهيًا عنها، إنسانًا واحدًا، في وقت واحد، في حال واحدة، وهذا مما قد تنزَّه الحكيم عنه في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها (١).

стр. 915

وقد أورد ابن حزم مسائل على لسان بعض المعترضين: كان المناسب أن تأخذ الأحكام الماضية نفسها، مع أنه لم يعطها ذلك، من هذه المسائل: الطلاق، أو الإعتاق في مكان مغصوب، وتعلُّم القرآن في مصحف مغصوب (١). وبعد أن اتهم المعترض بالجهل، رد ما أورد عليه: بأن الطلاق والعتاق والبيع والعطايا والصدقات، لفظ لا يقتضي إقامةً مأمورًا بها، بل مباح للمكلف أن يطلّق، ويفعل ذلك وهو يمشي، أو وهو يسبح في الماء، فليس مرتبطًا بالإقامة في المكان. أما الصلاة: فلا بد لها من الإقامة في المكان إلا عند الضرورة. أما تعلم القرآن بالمصحف المغصوب: فقد أجاب عنه، بأن التعلم ليس مرتبطًا بجنس المصحف، وقد يتعلم المرء تلقينًا، ثم أيضًا هو في حال حفظه غير مستعمل لشيء مغصوب، وكذلك في قراءته ما حفظ في صلاته (٢). القرافي والحنابلة: كان فيما قرره القرافي - من المالكية - عن مذهب الحنابلة في الموضوع: أنهم بالغوا في إلغاء الفرق بين كون النهي عن العمل لذاته، أو لغيره، حتى اعتبروا النهي لأمر خارج عنه مستويًا مع أي نهي آخر.
следующие страницы →