← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجرح والتعديل بقلم إبراهيم بن عبد الله اللاحم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإنجازًا لوعد الله بحفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فقد هيأ الله لسنة نبيه ﷺ رجالا أفذاذا، أفنوا أعمارهم وبذلوا أوقاتهم وأموالهم في جمعها، ونقد رواتها وأسانيدها، لتمييز صحيحها من سقيمها، فخلفوا للأمة بعدهم ثروة عظيمة جليلة، تتمثل في المؤلفات الكثيرة في جميع جوانب علم السنة. وسار أولئك الأئمة في نقد السنة على قواعد وضوابط تواصوا بها وتوارثوها، مأخوذة في جملتها من نصوص الشرع وعموماته. وغلب على علمهم في هذه القواعد الجانب التطبيقي، فلم تدون وتحرر في مؤلفات مستقلة. وقد يقع بينهم اختلاف في بعض هذه القواعد على ندرة ذلك، وأكثر منه أن يقع بينهم اختلاف في تطبيق هذه القواعد، لأسباب كثيرة. وبعد انقراض عصر أولئك الأئمة -عصر الرواية- احتاج الناس بعدهم إلى معرفة هذه القواعد وتحريرها، لإدراك عملهم، وفهم مصطلحاتهم، وتطبيق قواعدهم، للموازنة بين آرائهم حين يختلفون، أو للحكم على أحاديث لم يحكموا عليها، أو لم يبلغ من بعدهم حكمهم عليها. ونظرا لاتساع رقعة العالم الإسلامي، وتفرق أولئك الأئمة فيه، وكثرة مؤلفاتهم في نقد السنة ورواتها- أصبح تحرير هذه القواعد

стр. 3

بالنسبة لمن جاء بعدهم ليس بالأمر اليسير، فبذلت جهود كبيرة لهذا الغرض، وتسابق الأئمة للتأليف في هذه القواعد، وحصرها وتقريبها لطلبة العلم. وليس من المستغرب أن يقع اختلاف في سبر وتحرير قواعد أولئك الأئمة، لأسباب كثيرة، منها درجة تمكن المتصدي لهذا الشيء في علم نقد السنة، وما تهيأ له من مؤلفات الأولين، وتأثره بفنون أخرى غير نقد السنة، لها صلة بهذا الفن. ثم إن هذه القواعد بحاجة إلى أن تكتب بلغة العصر، ليسهل فهمها وتطبيقها على طلبة العلم. لهذا كله فإنني أرى -ونحن نشهد بحمد الله تعالى نهضة علمية مباركة، لاسيما في هذا العلم- أن يقوم أهله بالكتابة والتأليف في قواعد نقد السنة، كتابة تترك أثرها الطيب في الدراسات النقدية للسنة النبوية، تساعد على أن تكون هذه النهضة مبنية على أسس متينة، متصفة بالجدية والابتكار. ولتحقيق هذا الغرض يمكن وضع معالم عامة للمنهج الذي يحسن أن يسير عليه من رأى من نفسه القدرة على الكتابة والتأليف، وهي باختصار: ١ - ممارسة التطبيق العملي بكثرة وقوة، بحيث يمكنه إدراك وجه الحاجة إلى تحرير القواعد والكتابة فيها، ويمكنه تصور صعوبة هذا الفن وخطورة التعرض لمسائله، وكلما كان الباحث بمعزل عن التطبيق العملي كان احتمال وقوعه في الخطأ أكبر. ٢ - القراءة الواسعة في كتب أئمة هذا العلم، في عصر النقد عصر

стр. 4

الرواية، ليتمكن بذلك من الوقوف على قدر كافٍ من النصوص التي تستخلص القواعد منها، فإن أكثر ما يتطرق الخلل إلى القاعدة إذا كان السَبْر ناقصا، والاعتماد في تحريرها على قدر يسير من نصوص الأئمة. ٣ - الفحص الشديد للنصوص التي يعتمد الباحث عليها، وإعمال الروية فيها، للتأكد من دلالتها على المراد، وقد رأيت خللاً ظاهرا في بعض الدراسات النقدية يتعلق بهذا الجانب، فيورد الباحث النص، ويستخلص منه ما يريد، أو يحكيه للاستدلال على شيء قد ذكره، وواقع الحال أن النص عند التأمل ليس فيه مراد الباحث، أو هو مقيد بقيد، أو في غير محل النزاع إذا كانت المسألة موضع خلاف، ونحو ذلك. ٤ - الإكثار من ضرب الأمثلة؛ لإيضاح القاعدة، وكيفية تطبيقها، والابتعاد -ما أمكن- عن تحويل قواعد هذا العلم إلى نظريات جامدة، يتلقنها الطلاب ويحفظونها. ٥ - الكتابة بأسلوب علمي هادئ، يبتعد فيه الباحث -ما أمكنه- عن أسلوب التقريع والتوبيخ عند مناقشته لآراء غيره، أو إشارته إلى ما وقعوا فيه من أخطاء، وتجنب التعرض للأشخاص أنفسهم، والتشكيك في نياتهم، فإن هذه الأساليب كثيرًا ما تحول دون تقبل القارئ لما يكتب، وتثير في نفسه العصبية والحمية، إلى جانب كونها تغذي بذور الشقاق والافتراق. ٦ - تتميز قواعد هذا الفن بأن مجال الاجتهاد فيها محدود جدا، فما على الباحث سوى أن يثبت أن أئمة هذا الفن يطبقون تلك القاعدة، أو

стр. 5

يقدمون عليها القاعدة الفلانية، ونحو ذلك، بغض النظر عن إقامة الدلائل على صحة القاعدة، أو صحة الرأي المطروح، فالباحث حينئذٍ ملزم بإقامة الدليل على أنهم يفعلون كذا، لا أن دليل ما يفعلونه هو كذا، وهناك فرق جوهري بين الأمرين. ولما تقدم فإن المسئولية الملقاة على عاتق الباحث الذي يتصدى للكتابة في قواعد النقد تعظم، وهو بعد مراعاته للأمور السابقة يلزمه أن يتوج ذلك بأن يتحلى بالأدب العلمي، فيضع في ذهنه دائمًا أن الرأي الذي يطرحه محتمل للخطأ كما هو محتمل للصواب، فلا يجزع إذا وجه غيره إليه انتقادًا، ولا يأنف من الرجوع عن الخطأ متى تبين له الصواب. هذه إلمامة سريعة بمعالم هذا المنهج، وهو محتاج إلى كتابة خاصة فيه، توضحه وترسخه، وفوق ذلك هو بحاجة أيضا إلى تطبيق عملي، بحيث يتم تنزيله على أرض الواقع، فالدعوى تظل دعوى حتى تقام عليها البينة. وقد رأيت مستعينا بالله أن أساهم بقدر استطاعتي بالكتابة في قواعد هذا الفن ومسائله، ملتزما ما استطعت إلى ذلك سبيلا بالمنهج الذي اقترحته، مدركا أن هناك جما غفيرا من المشايخ والباحثين هم أحق مني بالكتابة، ولكن هذا جهد مقل، فعسى أن أتحف القارئ بفائدة علمية من هنا أو هناك. وما أكتبه سيكون -بإذن الله- في أجزاء متسلسلة، الأول في (الجرح والتعديل)، والثاني في (اتصال الإسناد وانقطاعه)، والثالث في (مقارنة المرويات)، والرابع في (أئمة النقد وكتبهم) والخامس في (مباحث متفرقة في نقد السنة).

стр. 6

وقبل الشروع في المقصود أقدم الحديث عن بعض الأمور التي يحسن بالقارئ أن يتأملها قبل قراءته لهذه الأبحاث: الأمر الأول: قد يقع في ذهن القارئ أن هذه الأبحاث طويلة، فالحديث عن (قواعد نقد السنة) في عدة أجزاء، ولو تم اختصارها في جزء واحد لسهل فهمها وأمكن متابعتها، خاصة للمبتدئ. وهذا الكلام فيه شيء من الصحة، غير أن هذا التطويل له ما يبرره، فهو أولاً تطويل نسبي، وأعني بذلك أن بعض موضوعات هذه السلسلة يمكن أن تكتب بنفس أطول، فهي تحتمل أن تكون في جزء خاص، أو في رسالة خاصة. فلو أخذنا مثلاً مبحثا من مباحث الفصل الأول من القسم الأول (الجرح والتعديل) مثل (الوسائل التي استخدمها الأئمة للحكم على الرواة) لرأيناه يحتمل رسالة مستقلة، بل بعضه يحتمل ذلك، مثل (التلقين)، فقد اختصرته جدًا، وأحلت إلى المصادر في باقيه. ومثله يقال في مبحث (اختلاف حال الراوي)، أو (مقارنة الراوي بغيره). وهكذا في الفصول الأخرى، ففصل (ضوابط النظر في أقوال النقاد في أحكامهم على الرواة) كتبته في نحو مئة صفحة، وهو يحتمل أن يفرد برسالة خاصة، بل قد كتب فيه رسالة علمية في مجلدين، في ضوابط ذلك عند الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء". ومثل هذا يقال في باقي أجزاء السلسلة، فالاتصال والانقطاع بعض فصوله تحتمل البسط أيضًا، وكذلك مقارنة المرويات.

стр. 7

ولهذا فإنني آمل أن يكون في هذه الأبحاث ما يفتح أعين الباحثين المتخصصين إلى موضوعات (نقد السنة)، وما يصلح أن يخص برسالة علمية. وسيرى القارئ الكريم في هذه الأبحاث ازدحام المعلومات، وتشعبها، فقد أجهدني كثيرا التفكير في كيفية عرضها واختصارها دون الإخلال بشيء منها، وأرجو أن أكون قد وفقت لذلك. ومن أجل إفادة القارئ التزمت أن أذكر في كل موضوع من هذه الأبحاث ما كتب فيه قبلي، وأختار لذلك المكان المناسب للحديث عنه. فالسبب إذن فيما يظن أنه تطويل جاء من حصر موضوعات (نقد السنة) في سلسلة واحدة، والحرص على البحث فيها كلها، دقيقها وجليلها، ما أمكن ذلك. وكان بالإمكان أن تخرج هذه الأبحاث متفرقة، فأحد فصول (الجرح والتعديل)، أو مباحثه يخرج ببحث مستقل، يعقبه آخر في (مقارنة المرويات) مثلاً، وهكذا بصورة عشوائية، غير أنني آثرت إخراجها متكاملة متسلسلة لأمر أقصده، وهو علاج ما رأيته من خلل ظاهر في نقد السنة عند الباحثين، سببه الصورة الجزئية التي يكون بها الباحث نفسه، فظهر لدينا من الباحثين من هو متخصص في الجرح والتعديل، ومن هو متخصص في الاتصال والانقطاع، ومن هو متخصص في العلل، وأثر هذا بدوره على ممارسة الباحث للتطبيق العملي، واشتغاله بنقد الأسانيد. نعم، قد يكون في إكثاري من سرد نصوص النقاد شيء من

стр. 8

التطويل، وكان بالإمكان الاكتفاء ببعضها، مع أنني قد فعلت ذلك، كما سيلاحظه القارئ في كثرة الإحالة إلى نصوص لم أذكرها، لكن ما ذكرته قد يكون فيه شيء من التطويل، فلا مناص من التسليم بهذا. ولي غرض أيضا من الإكثار من سرد النصوص، غرض خفي أرجو أن يوليه القارئ اهتمامه، ذلك أن من متطلبات الباحث الجيد في (نقد السنة) أن يعيش في عصر الأئمة عصر النقد، يعيش فيه بروحه وفكره، فكأنه يعيش معهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإكثار من قراءة نصوصهم والتشبع بها، ولهذا فقد سرت في بعض الموضوعات بطريقة الاكتفاء بالعرض التاريخي لها، دون استنتاج قواعد يطبقها الباحث، فالغرض إذن وضع الباحث في صورة تقريبية لما يحدث في عصر النقد. ولهذا السبب أيضًا سرت في نقل النصوص على مبدأ شمول النقل في القضية الواحدة لكافة طبقات النقاد في عصر النقد، ما أمكنني ذلك، مرتبا لهذه النصوص حسب زمن قائليها في الغالب. الأمر الثاني: سيلاحظ القارئ في هذه السلسلة كثرة الإحالة على ما مضى، وما سيأتي، وأيضا تناول بعض القضايا والتنبيه عليها في أكثر من موضع. وهذا العمل له ما يبرره، فهو أولاً يغني عن التكرار المؤدي إلى الإطالة، وثانيا -وهو المهم- يبرز شدة الترابط بين موضوعات (نقد السنة)، وأن بعضها مترتب على البعض الآخر، فلا يمكن تناول (الجرح والتعديل)، أو البحث في (الاتصال والانقطاع) بمعزل عن إتقان الموضوعات المتعلقة بـ (مقارنة المرويات) مثلا. وكمثال على ذلك: البحث في سماع راو من آخر، يتطلب في كثير

стр. 9

من الأحيان دراسة مروياته عنه، ودراستها تتطلب النظر في الطرق إليه، من جهة درجة الرواة، ومن جهة المقارنة بينهم فيما لو وقع اختلاف في تصريح بالتحديث، فاحتجنا حينئذٍ إلى (الجرح والتعديل) واحتجنا إلى (مقارنة المرويات). واتضح من هذا المثال أن مباحث (الاتصال والانقطاع) لا تعتمد فقط على علم التاريخ كالولادة والوفاة، والسن، والبلد، والرحلات فقط، بل تعتمد أيضًا على (مقارنة المرويات)، وهذا الأخير هو المحك في قدرة الباحث على تناولها، فقد رأيت أحد الباحثين خصص رسالته لأحد الرواة، وسماعه من مشايخه، وأطال فيها جدا، وفي بعضها خالف جماهير النقاد في إثبات سماعه من بعض مشايخه، فلما تأملته وجدت الخلل جاءه من ضعفه في تسخير (علم مقارنة المرويات) أو (علم العلل) لهذا الغرض. وهنا أمر هام أيضا، وهو أن الباحثين ظلوا زمانا يعتقدون أن (علم العلل) يعتمد على (علم الجرح والتعديل)، فإذا أردنا أن نوازن بين راويين أو أكثر نظرنا في درجة كل راو للموازنة بينهم، وهذا وإن كان فيه شيء من الصحة بالنسبة لنا، لكنه بالنسبة للناقد الأول ليس كذلك، فـ (علم الجرح والتعديل) متولد في غالبه من (مقارنة المرويات)، والصورة المقلوبة في أذهان الباحثين أدت إلى خلل في النقد، فاحتجت في مواضع متعددة إلى شرح هذه القضية، والتنبيه عليها، وبيان مالها من آثار. الأمر الثالث: تعمدت أن أضيف إلى ما أكتبه أمرا قد يرى غيري أن تركه أولى، وهو ضرب الأمثلة على ما يقع من الباحثين من

стр. 10

أخطاء، جراء إغفال تطبيق القاعدة موضع الحديث، وأقدم عذري عن ذلك هنا، فليس غرضي -بحمد الله تعالى- التشهير بأحد، أو التجني عليه، بل تعمدت إغفال ذكر أسماء المشايخ والباحثين المعاصرين، والابتعاد ما أمكن عن الدلالة عليهم. وغرضي من ضرب الأمثلة الإسهام في علاج أمر بالغ الخطورة، ألا وهو ضعف نقد السنة النبوية في العصور المتأخرة، خاصة في عصرنا هذا، إذ يمكن القول بأن جهود أئمة النقد الأولين في تنقية المرويات وتصفيتها كادت تذهب سدى، فالأحاديث الموضوعة والمنكرة خرجت من الباب الأمامي، ورجع الكثير منها من الباب الخلفي، ولكن بثوب جديد، ثوب الصحة أو الحسن، فاستقرت في البيت، وانتشرت في الأمة بثوبها الجديد، بحكم تداول الأحكام الجديدة عليها، لسهولة الوصول إليها، وانتشار كتب أصحابها بين الناس، فأصبح إخراجها مرة أخرى يحتاج إلى جهد مضاعف. وقد سمعت -أثناء كتابتي لهذه المقدمة- أحد المشايخ الفضلاء يتحدث في ندوة عن (العين)، فقدم لكلامه بمقدمة أوضح فيها أنهم لا يقصدون بسرد النصوص في إثبات العين، وأنها حق، تخويف السامع، وإثارة الرعب في نفسه، وهذا كلام جميل، لكن الشيخ الفاضل أورد من ضمن الأحاديث التي فيها إثبات العين حديث جابر: "أكثر من يموت من أمتي -بعد قضاء الله وقدره- من العين"، وأردفه بذكر تصحيح وتحسين بعض الأئمة المتأخرين، وكذا بعض المشايخ المعاصرين. والسؤال الآن: أي رعب يبث في نفس السامع أعظم مما يبثه هذا

стр. 11

الحديث؟ مع أنه حديث باطل المتن، منكر الإسناد، لا يصح عن رسول الله ﷺ (١). وترى هذا الحديث المنكر يتصدر رسائل عديدة صدرت في هذا الموضوع. وقد رأيت بعض من تصدى لهذه القضية يذكر أن السبب هو مخالفة المتأخرين لمنهج المتقدمين، واستحداث قواعد لنقد السنة لم تكن معروفة من قبل، فأدى هذا إلى مخالفتهم في الأحكام على الأحاديث، ثم يتعرضون في بيان ذلك لبعض المسائل البارزة، مثل مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والتفرد، والشد بالطرق. وتصور كثير من الباحثين أن مجرد تحرير قواعد أئمة النقد في هذه المسائل كفيل بالعودة إلى المنهج الصحيح. وما يذهب إليه هؤلاء بعض الحقيقة وليس كلها، إذ لا شك أن الابتعاد عن منهج النقاد في هذه المسائل أحد الأسباب الرئيسة لضعف النقد، غير أن هناك مسائل كثيرة سار فيها العمل وفق قواعد وضوابط مخالفة لما عليه أئمة النقد لم يتم إبرازها والحديث عنها، ولها أثر كبير في واقع النقد الآن، منها في الجرح والتعديل، ومنها في الاتصال والانقطاع، وغير ذلك، وقد رأيت بعض من يكثر من الانتساب لمنهج الأوائل في النقد، والعودة إليه، يتخبط في هذه القضايا، وربما ناقض نفسه. وأهم من ذلك أن الحديث انصب بصورة كاملة على المنهج الذي

стр. 12

يطبق في النقد، ولم يتم التعرض للمطبق للمنهج، وقد تبين لي أن مخالفة أحكام أئمة النقد الأولين على الأحاديث ليس السبب في كثير منها مخالفتهم في المنهج، وإنما السبب في الباحث نفسه، ومنهج المتأخرين -حسب قواعده- لو تم تطبيقه بصورة جيدة لضاقت الفجوة في المحصلة النهائية، وهي الحكم على الأحاديث. فما ذنب منهج المتأخرين في حكم باحث لم يستطع تمييز رواة إسناده أو بعضهم؟ وما ذنب منهج المتأخرين في جمع غفير من الباحثين يصححون ويضعفون دون أن ينظروا أصلا في اتصال الإسناد وانقطاعه؟ . فالذي أريد التأكيد عليه هنا أننا بحاجة ماسة جدا إلى إعداد باحث متمكن يجيد تطبيق قواعد البحث العلمي ومتطلباته بصفة عامة، والبحث العلمي المتعلق بنقد السنة بصفة خاصة، قد قرأ كثيرا في كتب أئمة النقد، وأعمل نظره وفكره في منهجهم وطريقتهم، ثم تدرب كثيرا أيضا على ممارسة النقد والاشتغال به، يتحلى بالصبر والأناة، يعيش بفكره وعقله دائمًا في قضايا نقد السنة، متابع لما يصدر من أبحاث وكتب تتعلق بفنه الذي يشتغل به، قد أقبل على هذا العلم بنفس تواقة إلى إتقانه، محبة له، يدرك أن المشوار طويل، لا يستطيع المضي فيه من يتعجل قطف الثمرة، قد تكونت لديه -بعد ممارسة طويلة- هيئة نفسية، تمكنه من مشاركة أهل هذا العلم أحكامهم. وإعداد مثل هذا الباحث يقع العبء الأكبر منه على أساتذة هذا الفن، فيحتاج منهم إلى جهد مضاعف؛ إذ هو قائم على التطبيق والممارسة، وهذا يقتضي الأخذ بيد الباحث، والسير معه برفق وأناة،

стр. 13

وترويض النفس على تحمّل المشاق والعناء. وقد رأيت أن الإسهام في تكوين مثل هذا الباحث عن طريق هذه السلسلة في مسائل النقد يمكن أن يتم بدق ناقوس الخطر في ذهنه، وأن الخوض في هذا الفن مزلة قدم، فتعمدت الإكثار من عرض أخطاء الباحثين والمتكلمين على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا، ليأخذ الباحث حذره، فيستعد جيدًا لما هو مقبل عليه، ويكون دائم الوجل والخوف وهو يمارس التطبيق العملي. وأما إذا استمر وضع الباحثين على ما هو عليه فالأمر خطير جدا؛ ذلك أن تطبيق قواعد المتأخرين أسهل بكثير من تطبيق قواعد أئمة النقد الأولين، فقواعد المتأخرين مطردة، يسهل تطبيقها، لا تحتاج إلى إعمال نظر كبير، فإذا كان حال الباحثين الآن الضعف الشديد في تطبيق هذه القواعد فماذا ستكون الحال إذا أراد هذا الباحث -وهو هو لم يتغير- تطبيق قواعد أئمة النقد؟ لا شك أن التخبط سيكون أكبر، والخلل أعظم. وقد رأيت من خلال رصدي لبعض أعمال الباحثين بوادر ذلك، وأخشى ما أخشاه أن يأتي يوم نتمنى فيه أننا لم نحرك ساكنا، وأننا أبقينا ما كان على ما كان. الأمر الرابع: من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المنتسبون للسنة النبوية، المشتغلون بالنقد وقضاياه: ما استقر في أذهانهم من أن كل دارس لقواعد التصحيح والتضعيف يصبح لديه القدرة على ممارسة النقد، بل سارت الأقسام العلمية المتخصصة في السنة النبوية في الجامعات على إلزام الباحثين -كل الباحثين- بإصدار أحكامهم على ما

стр. 14

يمر بهم من أحاديث وآثار، لا فرق بين باحث مبتدئ، وباحث متمرس، ونرى من مزايا البحث عن فاحصه ظهور شخصية الباحث في بحثه، ويعنون بذلك نصه على حكم كل رواية تمر به، على حين يوجه نقد لاذع إلى باحث أحجم عن التصريح بأحكامه، أو بعضها، وتعدى هذا إلى المنتسبين لفنون أخرى غير السنة النبوية، كالفقه، والتفسير، والعقيدة. وأصبح هذا هو العرف السائد في الأوساط العلمية، فما من باحث يتصدى لتحقيق كتاب، أو للكتابة في موضوع ما إلا وتراه يتعاطى نقد الأسانيد، على تفاوت بينهم. وغير خاف أن مرد ذلك في أغلبه إلى تصور كثير من المشايخ والباحثين سهولة تعاطي نقد السنة، فما هو إلا دراسة كتيب مختصر في المصطلح، ثم العمل بعد ذلك. ولو كنا في سبيل تعداد المداخل التي ضعف بسببها نقد السنة -وما أكثرها- لكان هذا المدخل في مقدمتها، ولا أتردد لحظة واحدة في وصف هذا التصور بأنه خاطئ تمامًا، وأن من المهم جدا صرف كثير من الجهد في سبيل اطلاع الباحثين من متخصصين وغيرهم على حقيقة الأمر. وإذا كنا نبذل جهودًا للعودة بالنقد إلى منهجه الصحيح، وشرح هذا المنهج للناس، فإن من المتحتم أن يكون هذا الشرح وهذا البيان يقود إلى علاج الداء الذي وصفته، وإلا فهو شرح وبيان غير واف، وهذه النقطة لم تنفك عن مخيلتي أبدا، منذ مدة طويلة، فقد وضعت في ذهني وأنا أسبر عمل الباحثين وكلماتهم، أن أساهم بقدر المستطاع

стр. 15

في العلاج، إن قدر لي الكتابة في قواعد وضوابط النقد. وعلى هذا فإنني أقول إن من أغراض هذه السلسلة -بالإضافة إلى مساعدة الباحثين في السير على المنهج الصحيح للنقد- أن تسهم في كبح جماح هذا الاندفاع المحموم نحو ممارسة النقد، وأن تصرف قدرا كبيرا من الباحثين عما كانوا يقومون به، أو ما كانوا ينوون القيام به، بعد معرفتهم بصعوبة الأمر، وطول الطريق، وكثرة العقبات، فتبعد من كل مئة باحث تسعا وتسعين، وتبقي واحدا. ولو قدر لهذه السلسلة أن تفي بهذا الغرض وتؤديه، لكان هذا مكسبا عظيما، أفتخر به، وإن لم يتحقق غيره، ونحن إلى قليل نافع أحوج منا إلى كثير لا فائدة منه. وتحقيق هذا الغرض أحد الأسباب التي دفعتني إلى الإكثار من ضرب الأمثلة على الأخطاء التي يقع فيها المشتغلون بنقد السنة، وسيرى القارئ الكريم إذا رآها أو شيئا منها أنني غير مبالغ فيما قلته آنفًا. وتحقيقا لهذا الغرض أيضا سيجد القارئ -وإن كان باحثا متخصصا- أنني ربما تعمقت في بحث بعض القضايا، وأبنت عن الدقة فيها وفي تطبيقها، وأنني عرضت بعض القضايا على طريقة الاختلاف، فهناك أقوال وأدلة ومناقشات، والمقصود بيان أن تحرير قواعد أئمة النقد قد لا يكون متيسرًا دائمًا، فالباحث قبل التطبيق بحاجة إلى أن يكون له اجتهاد في القاعدة التي يطبقها. الأمر الخامس: قد يقول قائل: إذا كنت تأمل من قراء هذه السلسلة أن يكفوا أو يكف الكثير منهم عن ممارسة النقد فماذا بقي

стр. 16

للمتخصص من عمل يقوم به يميزه عن غيره؟ وأيضا ألا يستفيد القارئ شيئا إيجابيا يطبقه في عمله، فإن ترك النقد أمر سلبي؟. والجواب عن السؤال الأول ليس هذا موضعه؛ إذ هو يحتاج إلى تفصيل، فقد جمعت -من أجل مساعدة الباحثين- ما يقرب من أربعين عملا منوطة بالباحث غير إصداره الأحكام على الأحاديث، وربما تزيد على ذلك، وفي النية الكتابة فيها في الجزء الأخير من هذه السلسلة. وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو الذي نحتاجه هنا، وسأوضح للقارئ الكريم ماذا يمكن أن يستفيده الباحث المتخصص من هذه السلسلة وأمثالها غير الحكم على الأحاديث. ورغبة في عدم تشعب الكلام ألخص هذه الاستفادة في ثلاثة أشياء: الأول: فهم كلام الأئمة . نعم، فهم كلام الأئمة، فإذا استطاع الباحث أن يفهم كلام الأئمة فقد فارق الباحث بهذا غير المتخصص، وبيان ذلك أن (علم نقد السنة) كغيره من العلوم، له مصطلحاته، وله لغته، وفهم هذه المصطلحات، وإدراك مراد قائلها بها في النص المعين، مرتبة عالية، لا يبلغها الباحث إلا بعد عناء ومشقة، وصبر وأناة، وإعمال ذهن. وكلنا نعرف أن الأئمة في عصر النقد يستخدمون المصطلح الواحد في أكثر من معنى، ويستخدمون للمعنى الواحد أكثر من مصطلح، والسياق يوضح المراد. ثم هؤلاء النقاد كلماتهم في الغالب مختصرة جدًا، يعتمدون في فهمها على أن السائل أو المتلقي واحد منهم، يفهم المراد بأدنى

стр. 17

إشارة، وقد يحتاج النص بالنسبة لغيرهم إلى البحث عنه في مصادر متعددة، والبحث كذلك في روايات أخرى عن الإمام، لعل فيها ما يعين على فهمه، وربما بقي النص محتملاً. وأهم من ذلك أن كثيرًا من مصطلحاتهم وألفاظهم التي يتداولونها لم تذكر في كتب المصطلح، ولم يوضح معناها، وقد سجلت منها ما يمر بي فبلغت قدرًا لا بأس به، ولا شك أن هناك المزيد. والذي رأيته أن هناك قصورا واضحا عند كثير من الباحثين في فهم عبارات الأئمة، فهذا باحث ينقل عن إمام أنه يصحح الحديث أو يضعفه، وكلامه ليس كما فهمه الباحث، وأتى الباحث من عدم فهمه للعبارة التي استخدمها الإمام، وماذا يريد بها؟ . وباحث آخر يمر به حكم إمام على إسناد، ثم يكلف نفسه بتفسير كلام الإمام، فيقول: وهذا هو الذي يعرف في علوم الحديث بكذا، وليس الأمر كما قال. وأشد ما يكون الخطر في عدم فهم كلام الأئمة إذا أخذ الباحث منه قاعدة للعمل، أو قرر مصطلحًا. مر أحد الأساتذة الفضلاء بقول يحيى بن سعيد القطان: "ينبغي في صاحب الحديث خصال: يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك"، فعلق الأستاذ على جملة: "ويبصر الرجال" بقوله: "في الجرح والتعديل: ويبصر الرجل، وفسره بقوله: -يعني المحدث-، وهذا يعني أنه ينبغي للسامع أن يرى شيخه وقت السماع، ولعله يقصد الأفضلية فقط، فقد قال ابن الصلاح: يصج السماع ممن هو وراء حجاب ... ".

стр. 18

وتفسير الأستاذ لمراد يحيى القطان بعيد جدا، وإنما المقصود بالبصر بالرجال: أي يكون خبيرا بالرواة، ناقدا، يميز بين من يصلح للأخذ عنه، وبين من يترك حديثه. ونقل أحد الباحثين عن ابن عدي قوله في ثابت البناني: "له حديث كثير، وهو من ثقات المسلمين، وما وقع من حديثه من النكرة فليس ذاك منه، إنما هو من الراوي عنه، لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة" (١). علق عليه الباحث بقوله: " ... وهل هذا اللفظ إذا قيل في أحد الرواة يدل على أن الراوي يدلس؟ ليس ذلك ببعيد، لقوله: إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه ... ، فإن هذا يدل على أنه يسقط شيخه القريب، ويعنعن عن شيخ بعيد ... ". وما قاله الباحث فغير سديد، وليس في هذا النص رمي بالتدليس البتة. وساق أحد الباحثين عدة نصوص عن الأئمة يريد بها إثبات أن الأئمة يكتفون بالمعاصرة وإمكان اللقي لإثبات السماع بين راويين، وكان مما ذكره قول ابن الجُنَيْد: "قلت ليحيى بن معين: حماد بن سلمة دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة، قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟ قال: قدم عليهم عاصم، وحماد بن أبي سليمان، والحجاج بن أرطاة، قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع،

стр. 19

ولو كان دخل الكوفة لأجاد عنهم" (١). كذا استدل الباحث بهذا النص، ونقض هذا الاستدلال لا يحتاج إلى عناء، فالنص بنفسه يدل على أن اللقاء ثابت معروف عند السائل والمجيب، ثم تصريحه بالتحديث عن هؤلاء قد ملأ كتب السنة. ولست هنا بحاجة إلى التنبيه على أن الخطأ وارد من أي باحث، ولاسيما في النصوص المحتملة، وإنما الذي لا يغتفر أن يكثر من الباحث، أو يكون في نص ظاهر لا يحتاج فهمه إلى عناء. ومن أجل التدرب على فهم نصوص الأئمة ومصطلحاتهم أكثرت في هذه السلسلة من نقل نصوصهم في كل قضية أتحدث عنها، فالغرض إذن إلى جانب تأكيد المراد، أن يتعود القارئ على قراءة هذه النصوص وفهمها، وتنزيلها موضعها اللائق بها، وربما أحلت القارئ إلى نصوص أخرى متى شعرت بأن في سردها إطالة. وسيرى القارئ أيضا نماذج من أخطاء الباحثين في فهم كلام الأئمة، سواء في الكلام على حديث معين، أو في تفسير مصطلح، أو في سياق تقرير قاعدة، والغرض منها تنبيه الباحث إلى ضرورة أخذ أهبة الاستعداد حين يقحم نفسه في هذا الأمر، ويراجع النص مرات عديدة قبل أن يجزم بمراد الإمام. الثاني: تفهم كلام الأئمة . وتفهم كلامهم غير فهمه، فربما يفهم الباحث كلام الناقد، لكن ذهنه لا يستوعبه، فهو يبدي استغرابه منه، وربما اعتراضه.

стр. 20

وهذا -بكل أسف- كثر جدًا عند الباحثين الذين يتكلمون في التصحيح والتضعيف، وسببه ظاهر، وهو عدم تشبع الباحث بالمنهج الذي ينطلق منه الناقد الأول، وبعد الباحث عن ممارسة النقد وفق ذلك المنهج، فهو ينقل عن النقاد الأوائل -إذا نقل- بغرض رفضه ومناقشته. وليس المقصود بهذا أن النقاد الأوائل معصومون من الخطأ، فلا يناقشون، وإنما المقصود أن الباحث المتأخر لا يستوعب كلامهم ويناقشه وفق منهجهم، وإنما يقف موقف المستغرب، لعدم التوافق بينهما في قواعد المنهج. فهذه السلسلة وأمثالها من أغراضها تكوين باحث ذي عقلية نقدية وفق منهج النقاد الأوائل، يستطيع السير معهم، ويهضم كلماتهم، ويستسيغها، وهذا ما يعبر عنه بعض الأئمة بـ (ذوق أهل الفن)، ويعبر عنه بعضهم بـ (القدرة على مشاركة أهل الفن)، كما قال السخاوي في الفرق بين الصنفين، المقتدر، وغير المقتدر: "وهو (أي التعليل) أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة ... " (١). ومن المهم جدا هنا أن يدرك الباحث معنى (مشاركة أهل الفن)،

стр. 21

فهي عبارة تطلق في كافة العلوم، فيكثر في تراجم العلماء قولهم فيه: مشارك في الفقه، أو أصول الفقه، أو التفسير، أو اللغة، أو الحديث، ويقولون على سبيل الإجمال: مشارك في كثير من العلوم، أو في علوم أخرى. ومعنى هذا الوصف أنه ليس من أهل الفن المختصين به، لكنه يستطيع السير معهم، ويعرف مصطلحاتهم، ويفهم لغتهم، ويربط بين أحكامهم وبين قواعدهم التي يسيرون عليها في ذلك العلم، ولكثرة ممارسته لهذه القواعد يستطيع أن يوازن بين أقوالهم عند الاختلاف، ويشرح دليل هذا، ودليل هذا، وفق قواعدهم، وربما شاركهم في الأحكام، فرجح عند الاختلاف، واستدل للراجح، وناقش المرجوح. والذي أقوله هنا -وأرجو أن يتأمله الباحث جيدا- أننا في هذا العصر في فن (نقد السنة) لا نستطيع تجاوز درجة المشاركة، ومن وصلها بعد جهد طويل وصبر وخبرة واسعة فقد بلغ الغاية. ووصف المشارك ينبني عليه أشياء في نقد السنة، من أهمها أن أحكام الباحث على الأحاديث إنما تدور حول أحكام أهل النقد الأولين في عصر الرواية، فمهمة الباحث إذن التنقيب الشديد عنها، تصريحا أو تلميحا، فمتى رآهم متفقين على حكم، لم يجز له أن يخالفهم، وإن انقدح في ذهنه غير ذلك، وكذلك إذا وقف على حكم لإمامين أو ثلاثة مثلا لا يصح له أن يخالفهم، بل أقول إنه إذا وقف على حكم واحد منهم ولم يجد له مخالفا لزمه الوقوف عنده. وإذا وجد الباحث أن الأئمة قد اختلفوا فله عمل في الاستدلال للقولين، إن لم يكونوا فعلوا ذلك، أو بعضهم، والموازنة بين قوليهم،

стр. 22

وقد يرجح بين القولين إن رأي في نفسه القدرة، وتحمّل تبعة ذلك شرعًا، فحكمه فتوى، يشترط له ما يشترط للفتوى. وللباحث المشارك نظر في أحاديث لم يقف على حكم للأئمة فيها، بعد أن بذل غاية وسعه في البحث عنه، فيجتهد في الحكم، مطبقا قواعد الأئمة، مستخدما جميع ما يلوح له من قرائن تربطه بأحكامهم. وهو في كل ذلك معترف بتقصيره، مدرك لمنزلته بالنسبة لأولئك النقاد، مستخدما معهم عبارات الإجلال والإكبار، إن ناقش أحدا منهم ناقشه بأدب واحترام، يطرح رأيه بطريقة تليق بحاله، خائف وجل، مبتعد عن العبارات التي توحي بالثناء على النفس. وغير خاف أن ما تقدم يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وترويض لها، فهي ضعيفة، تواقة لكل ما تظنه يرفع من شأنها، وإن كان بغير حق، فالمتأمل في كتابات بعض الباحثين الذين يتعاطون نقد السنة يرى عجبا: تسامقا وتعالما، وعبارات خشنة في حق الأئمة، لا تليق بآحاد الناس. ويجد القارئ الكريم في هذه السلسلة ما يعينه على الالتزام بما أرشدته إليه، حيث حرصت في كل موضوع منها على بيان العمل الذي يستطيع الباحث أن يقوم به، وكذلك إبراز منزلة أولئك النقاد، وما اختصوا به، فعلت ذلك في الجرح والتعديل، والاتصال والانقطاع، ومقارنة المرويات، وخصوصًا في هذا الأخير، فقد عقدت فصلا في بيان الوسائل التي كانت في حوزتهم، وفقدت فيمن بعدهم. كما خصصت قسمًا كاملا من هذه السلسلة للحديث عن أئمة

стр. 23

النقد، وعن كتبهم. الثالث: إتقان عرض التخريج والدراسة . يغفل كثير من الباحثين الاهتمام بحسن عرض تخريجهم ودراستهم للقارئ، فيجيء العمل مهلهلا، مطولا، متداخلا، كثير التكرار، وهذا يؤدي إلى نقيض مراد الباحث، فلا يفهم القارئ مراده، ولا يتمكن من متابعة أسانيد الحديث ومخارجه. ولا شك أن حسن العرض وتسلسل المعلومات وترابطها يغني في كثير من الأحيان عن حكم الباحث، فهو يقود القارئ إلى النتيجة دون حاجة إلى تدخل الباحث. وهناك فرق بين أن يقود حسن العرض وتماسكه وترابطه إلى النتيجة بشكل تلقائي، وهو الذي أعنيه وأقصده، وبين أن يقوم الباحث بعرض التخريج والدراسة ليقود إلى النتيجة التي وضعها في ذهنه للحديث، فتجده يتخبط في المنهج، فكل حديث يعرضه بصورة غير الحديث الآخر. وحسن عرض التخريج والدراسة يتضمن اختيار المنهج المناسب للتخريج والدراسة من جهة الاختصار والبسط، فبعض البحوث يكون فيها التخريج على الصحابي، ثم ذكر الحكم مختصرا، وبعضها يكون فيه التخريج على مدار الحديث، ثم الكلام عن درجة الحديث، وبعضها يكون فيه التخريج مطولاً، على الطرق والمتابعات، وهذا الأخير أيضا ليس على درجة واحدة في الاختصار والبسط، وللباحثين عدة مسالك في عرضه، يختار منها الباحث ما يناسب بحثه، وما يستطيع أن يقوم به.

стр. 24

وإذا كان التخريج مطولا فستكون الدراسة كذلك، فيفردها الباحث عن التخريج، ولا يخلطها به، ويتقن تلخيص حال الحديث، ثم يعرض موقف الأئمة منه، تصحيحًا وتضعيفًا، ويدلل ويوازن، وربما أقدم على الترجيح. وإذا كان الباحث قد اختار الترجمة لرواة الإسناد كلهم فيراعي اختيار المنهج المناسب لكل منهم، ويحسن عرض الترجمة، وفق ضوابط علمية معينة. وهو في كل ذلك يسير وفق ترتيب صحيح للدراسة، يراعي فيه حال الحديث، وما فيه من علل، كما يراعي فيه حين عرض أقوال الأئمة تسلسلهم التاريخي. وشرح ما تقدم تحته تفاصيل كثيرة، ويحتاج إلى أمثلة تطبيقية، وقد خصصت قسما من هذه السلسلة لشرح عرض التخريج والدراسة، وذلك لما رأيته من أهمية بالغة لذلك، فكم يحز في النفس أن ترى شيخا فاضلا يشارك في هذا العلم، فإذا كتب كتب بعفوية متناهية، فأفسد بحوثه. وقد ألف أحد المشايخ الفضلاء كتابا جاء في عدة مجلدات، أودع في حواشيه مادة ضخمة جدا، لكنها بعيدة كل البعد عن المنهج الصحيح، فالطرق متداخلة، والدراسة لا تدري أين موضعها، مما أدى إلى تضخم الكتاب بالتراجم، وبالطرق التي لا حاجة إليها، مع سوء في الترتيب والتنسيق. وأُرسل لي قبل أيام يسيرة جزء لأحد الأساتذة الفضلاء يقع في خمسين صفحة أو تزيد، خصصه لدراسة حديث واحد، وطُلب مني

стр. 25

إبداء الرأي فيه، فلما قرأته رأيت عجبا، معلومات مشتتة، وتطويل لا حاجة له، لا يدري القارئ أول الكلام من آخره، وكان بالإمكان -وفق المنهج الصحيح -أن يقع تخريج هذا الحديث ودراسته في بضع صفحات لا تزيد. وكنت أكرر دائما للباحثين الذين أشرف على رسائلهم أو أقرأ لهم بحوثهم أن جهدي الأكبر سينصب على تنشئة الباحث وتدريبه على حسن العرض وإتقانه، واختيار المعلومة، ووضعها في مكانها اللائق بها، وتسخيرها لتنسجم مع ما قبلها وما بعدها، والبعد عن الحشو والتطويل، واختيار العبارات المناسبة في المناقشة والاعتراض، فهذا هو الدور الأكبر للمشرف والناقد. وما عدا ذلك فنحن فيه سواء، بل قد يتفوق الشباب في الوصول إلى المعلومات، والتنقيب عن الطرق، والاجتهاد والبحث. وتبقى قضية اتباع قواعد المنهج الصحيح في الموازنة والترجيح والحكم، وقد تبين لي أنها فرع عن إتقان عرض التخريج والدراسة، فالباحث متى أتقن ذلك، وكان لديه قراءة يسيرة في قواعد المنهج الصحيح تجده لا يستطيع أن ينفك عن اتباع هذا المنهج، لأنه منهج معلل، منضبط، فالمعلومات التي يعرضها الباحث ويتقن عرضها ستقوده إذن إلى الاختيار الصحيح، وقد جربت هذا مع عدد من الطلاب. وهذا أوان الشروع في هذه السلسلة، والابتداء -كما تقدم -سيكون بالجرح والتعديل، وهو يشتمل على تمهيد، وأربعة فصول: الفصل الأول: الحكم على الراوي.

стр. 26

الفصل الثاني: أحكام النقاد على الرواة ومراتبها. الفصل الثالث: ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة. الفصل الرابع: تمييز رواة الإسناد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه إبراهيم بن عبد الله اللاحم المملكة العربية السعودية القصيم - بريدة بريد (شبكة المعلومات) IBRAHIMALLAHI3@HOTMAIL.COM

стр. 27

تمهيد اشترط المحدثون في الراوي لقبول روايته شرطين، أحدهما: أن يكون عدلا، والثاني أن يكون ضابطا. والبحث في عدالة الراوي وضبطه هو ما عرف اصطلاحًا بـ (الجرح والتعديل)، فالجرح معناه الطعن فيهما أو في أحدهما، والتعديل بضد ذلك، أي الحكم بتوافرهما، فهو وإن كان في الأصل ينصرف إلى العدالة فقط إلا أن الاصطلاح جرى على شموله للضبط أيضًا. و (علم الجرح والتعديل) أحد علوم نقد السنة النبوية، له قواعده وضوابطه وفقهه، وسينتظم هذا القسم بفصوله ومباحثه ما يتعلق بذلك كله، فمن المهم جدا أن يدرك الباحث أن الوصول إلى حكم دقيق على كل راو من رواة أسانيده ليس بالأمر اليسير، لاسيما في هذا الوقت المتأخر؛ إذ قد خلَّف لنا المتكلمون في الجرح والتعديل والمؤلفون فيه كمًا هائلا من المعلومات، سواء منها المتعلق بالقواعد والضوابط، أو المتعلق بكل راو بعينه. وقبل الشروع في هذا القسم هناك عدد من القضايا التمهيدية التي يحسن بالباحث أن يقف عليها أولاً، لتكون عونا له على السير فيه، وهي ثلاث قضايا: الأولى: يمكن أن يستدل لهذين الشرطين بنصوص من الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات]، وقوله ﷺ : "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ... " (١)، وكذلك عمومات الشريعة التي توجب صيانة

стр. 28

نقلها عن الكذب والغلط، وأن لا تؤخذ إلا ممن أمن جانبه أن يكذب أو يغلط، كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" (١). وقال بهز بن أسد: "لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول" (٢). وقال أبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن: "إنما هي شهادات، وهذا الذي نحن فيه -يعني الحديث- من أعظم الشهادات" (٣). وقال الخطيب البغدادي: "وقد أخبر النبي ﷺ بأن في أمته ممن يجيء بعده كذابين، فحذر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين، والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطًا للدين، وحفظا للشريعة من تلبيس الملحدين" (٤). وهذا الشرطان هما أساس نقد السنة، بل هما أساس نقد الأخبار عموما، فمتى كان الناقل لخبر ما مأمونا جانبه من أن يكذب، ضابطا لما يتحمله من أخبار، وجب قبول خبره. وعند التأمل فإن الثلاثة الشروط الباقية من شروط الحديث الصحيح

стр. 29

-وهي اتصال الإسناد، وخلوه من العلة والشذوذ- ترجع في النهاية إلى هذين الشرطين، فاتصال الإسناد إنما اشترط من أجل معرفة عدالة الناقل وضبطه، إذ قد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، واشتراط عدم الشذوذ، وعدم العلة، لأن وجودهما معناه انتفاء الضبط والحفظ، وترجيح وجود خطأ وغلط. الثانية: تضافرت أقوال الأئمة على اشتراط عدالة الراوي وضبطه، بعبارات مختلفة، مطولة ومختصرة، لكن ليس بالضرورة أن يتم التعبير بهاتين الكلمتين، فكل ما يصدر عن الأئمة من وصف للراوي الذي يقبل حديثه أو الذي لا يقبل مرجعه إلى هاتين الكلمتين، وإنما جرى الالتزام بهما بعد استقرار المصطلحات، وشيوع تدوين (قواعد علوم الحديث). فمن كلمات الأئمة في ذلك قول عروة بن الزبير: "إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به، قد حدث به عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به، قد حدث به عمن لا أثق به" (١). وقال الشافعي: "كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عمن عرف وحفظ، وما رأيت أحدا من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب، وكان طاوس إذا حدثه رجل حديثا قال: إن كان حدثك حافظ ملي، وإلا فلا تحدث عنه" (٢).

стр. 30

وقال سعد بن إبراهيم: "لا يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات" (١)، وفي رواية عنه: "كان يقال: خذوا الحديث من الثقات" (٢). وقال أبو الزناد: "أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله" (٣). وقال مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من سفيه مُعْلِن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا يؤخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث" (٤). وقال أيضا: "لقد أدركت بهذا البلد -يعني المدينة -مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثا قط، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون" (٥). ومن أجمع ما قيل في صفة الراوي الذي تقبل روايته قول الشافعي: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا، منها: أن

стр. 31

يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إن حدَّث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدَّث من كتابه، إذا شَرِك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم ... " (١). الثالثة: بعض أحوال الرواة لا يعرفها إلا من خالطهم وجالسهم، ومن عرف شيئا من ذلك سيضطر إلى نقله لغيره، وما يمكن معرفته من حال الراوي دون الحاجة إلى مجالسته كسبر حديثه مثلا إنما يقوم به من يستطيع ذلك، وهم فرسان الحديث ونقاده، وهؤلاء يذكرون آراءهم حين يسألون، أو يذكرونها ابتداء عند الحاجة لذلك، وكل هذا لابد فيه من الكلام في الرواة في غيبتهم أحياء وأمواتا. وحين بدأ المعدلون والمجرحون يبينون أحوال الرواة في غيبتهم اشتبه التجريح على بعض الناس بالغيبة المحرمة والبهتان الواردين في قوله ﷺ : "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" (٢)، ووصل الأمر إلى حد الإنكار على من يتكلم في الرواة. واضطر الأئمة بسبب ذلك إلى بيان عدم دخول تجريح الرواة في

стр. 32

الغيبة المحرمة، وعقدوا أبوابا أو فصولا في كتبهم لشرح ذلك، وأوضحوا أن الكلام في الرواة أمر واجب يؤجر عليه المتكلم فيه إذا أحسنه، وليس كل الكلام في الشخص في غيبته بما يكرهه محرما، بل يستثنى من ذلك أشياء منها جرح الرواة، وجرح الشهود، والتحذير من الفاسق، وعند الاستفتاء، وغير ذلك (١). قال يحيى القطان: "سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكا، وابن عُيَيْنة، عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا: أخْبِر عنه أنه ليس بثبت" (٢). وقال عبد الله بن المبارك: "قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حَدَّث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى، فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه" (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "مررت مع شعبة برجل -يعني يحدث- فقال: كذب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت -أو كلمة معناها-" (٤). وقال أبو زيد النحوي: "أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة، تعالوا نغتاب

стр. 33

الكذابين" (١). وكان شعبة يطلق على جرح الرواة: الغيبة في الله (٢). وقال الحسن بن الربيع: "قال ابن المبارك: المعلى بن هلال هو ... ، إلا انه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل -أو نحو هذا من الكلام-" (٣). وقال عفان: "كنا عند إسماعيل بن عُلَيَّة جلوسا، قال: فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، فقال الرجل: اغتبته، فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت" (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بين أمره، فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا" (٥). وقال محمد بن بندار الجرجاني: "قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليّ أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكت أنت، وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ " (٦). ومن أعظم ما قيل في ذلك كلمة ليحيى بن سعيد القطان، فقد قال له تلميذه أبو بكر بن خلاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت

стр. 34

حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ فقال يحيى: "لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: لم حَدَّثت عني حديثا ترى أنه كذب؟ " (١). فقد تبين السبب الذي لأجله استجاز الأئمة القدح في الرواة، وأنه من باب درء إحدى المفسدتين بارتكاب أخفهما، فالقدح في الرواة أهون بكثير من اختلاط صحيح السنة بسقيمها، وأن ينسب إلى رسول الله ﷺ أو إلى غيره من صحابته رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم ما لم يصدر عنه. ويتفرع عن هذا أنه لا ينبغي إهدار حقوق هؤلاء الرواة في خِضَمِّ تحقيق هذه المصلحة، فإن فيهم الفقهاء، والقضاء، والقراء، والعباد، ومن أهم حقوقهم أن يحسن المتكلم فيهم أو الناقل لكلام غيره النية، وأن لا يفعل ذلك تشفيا لمخالفة في مذهب أو مسألة، وأن يقتصر من الكلام فيهم على ما يحصل به الغرض، وأن يدفع عنهم ما لم يثبت عنهم، أو ما لم يثبت عن المتكلم فيهم، ولا يذكر ما قيل فيهم من جرح، ويسكت عما قيل فيهم من تعديل. وكل هذه القضايا وما يشبهها سيأتي التعرض لها في مباحث هذا القسم من قريب أو بعيد، وليس هي بالشيء الهين، فالحال كما قال الإمام ابن دقيق العيد: "أعراض المسلمين: حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام" (٢)، وقال ابن الصلاح: "الكلام في الرجال جرحا وتعديلا جُوِّز صونا للشريعة، ونفيًا

стр. 35

للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة. ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله ﵎، ويتثبت، ويتوقَّى التساهل، كيلا يجرح سليما، ويَسِم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها، ويلحق المتساهل من تساهله العقاب والمؤاخذة. وأحسب أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي من مثل ما ذكرناه خاف، فيما رُوِّيناه أو بُلِّغناه أن يوسف بن الحسين الرازي -وهو الصوفي- دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئة سنة ومئتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم؟ فبكى عبد الرحمن. وبُلِّغنا أيضا أنه حُدث وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس عن يحيى بن معين أنه قال: إنا لنطعن على أقوام لعلهم حطوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مئتي سنة، فبكى عبد الرحمن، وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده" (١). ومما يتصل بهذا الجانب ويغفل عنه بعض الباحثين أن لا يكون هناك حاجة لذكر جرح الشخص من جهة الرواية، فلم يرد عند الباحث في إسناد حديث، وإنما ورد اسمه في أمر يتعلق بعلم آخر من العلوم، كالفقه، أو القراءات، أو اللغة، فيترجم له الباحث معرًا به، ويقحم في ترجمته ما قيل في درجته من جهة الرواية، وقد يكون فيها ضعيفًا أو دون ذلك، فيجني على الشخص، وعلى الموضوع الذي هو بصدد الحديث عنه.

стр. 36

مثال ذلك أن يكون ورد عند الباحث اسم الفقيه المشهور محمد بن أبي ليلى الكوفي، في مسألة فقهية، فإذا أراد التعريف به فمن غير اللائق أن يذكر درجته في الرواية؛ إذ هو سيء الحفظ، كثير الاضطراب فيما يرويه (١)، ولذا قال أحمد فيه: "فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب" (٢)، أو يكون ورد عنده اسم الحجاج بن أَرْطاة الفقيه الكوفي، فإنه كثير الخطأ والتدليس، يدلس عن المتروكين (٣). فهذا في الفقه، ومثله يقال لو جاء عند الباحث اسم حفص بن سليمان صاحب القراءة المعروفة بقراءة حفص، عن عاصم، فإن حفصا هذا متروك الحديث (٤).

стр. 37

الفصل الأول: الحكم على الراوي وفيه مدخل، وأربعة مباحث: المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي. المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي. المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره. المبحث الرابع: عوائق الحكم على الراوي.

стр. 38

* مدخل: استخدم الأئمة عددا من الوسائل في سبيل حكمهم على الرواة، وهي وسائل دقيقة جدا، لم تترك جانبًا في الراوي إلا وتطرقت له، فهي في النهاية تقود إلى حكم سليم يليق بحال الراوي. وما من شك في أن هذه الوسائل متى تعاضدت أو أكثرها عند الناقد في راو من الرواة سهل عليه إصدار الحكم، ولم يجد من يخالفه، وهذا تفسير اتفاق الأئمة على الراوي وأنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك الحديث، أو كذاب، فسببه إذن هو أن وسائل الحكم عليه قادت النقاد إلى ما توصلوا إليه. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة دائما، إذ يحصل كثيرا أن يفقد الناقد وسيلة للحكم على الراوي، وربما استمر ذلك، وربما عَثَر عليها فيما بعد، وقد يجدها غيره من النقاد، وقد تتوافر وسائل في الحكم عليه، لكنها تتعارض، فيحتاج الناقد إلى موازنة دقيقة، قد يخالف فيها، بل قد يختلف رأيه هو في الراوي الواحد. ومن جهة أخرى فالرواة كثيرون جدا، لا يجمعهم عصر واحد، متفرقون في البلدان، وأحاديثهم من الكثرة والتفرق فوق ما يصفه الواصف، ثم هم بشر، يعتريهم التأثر بالزمان، والمكان، والإقامة والسفر، وكافة العوامل البيئية والاجتماعية المحيطة بهم، وحينئذٍ فيحتاج بعض الرواة إلى تفصيل الحكم فيه، فكأنه عدد من الرواة، ويستلزم ذلك من الناقد سبر تفاصيل حياة الراوي، وتنقلاته، وأسفاره، وإن كان معاصرًا له احتاج إلى مراقبته طول حياته، لتسجيل ما قد يطرأ عليه من تغيير قوة أو ضعفًا.

стр. 39

ووراء ذلك كله أمر آخر من الأهمية بمكان، وهو أن الرواة يشتركون في رواية بعض الأحاديث، ويقع بينهم الاختلاف كثيرا في صفة الرواية، وللموازنة بينهم ومعرفة الراجح من الاختلاف لابد من إجراء مقارنة بين بعض الرواة، فاشتغل الأئمة بذلك كثيرا، ولم يكتفوا بالحكم على كل راو لوحده، مع دوافع أخرى للمقارنة. ثم هذه المقارنة قد تكون مقارنة عامة بين روايين أو أكثر، وقد تكون -وهذا أيضا كثير جدا- في شيء خاص يجتمع فيه الرواة، كشيخ لهم، أو بلد، أو كتاب معين يرونه. وتحت هذا كله تفاصيل سأعرض لها في مباحث أربعة.

стр. 40

المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي من المهم جدا بالنسبة للباحث أن يكون على معرفة بالوسائل التي استخدمها أئمة الجرح والتعديل لإصدار أحكامهم على الرواة، في عدالتهم وضبطهم، أولا ليدرك قدر الجهد الذي بذله هؤلاء الأئمة، ودقة المعايير التي استخدموها لتحقيق ذلك، فيزداد ثقة بأقوالهم وأحكامهم، وثانيا ليعرف القدر الذي يمكن أن يشارك الأئمة فيه، فقد يحتاج إلى ذلك في موازنته بين أقوال النقاد، وقد يحتاج إليه في رواة لم يصلنا كلام النقاد فيهم. فمن الطرق التي سلكها الأئمة: أولا: التأمل في أفعال الراوي وتصرفاته، والنظر في سيرته ، فيستدل بذلك على ما وراءها، من صدق أو كذب. فقد أولى الأمة سير الرواة قدرا كبيرا من الاهتمام، فوصفوا رواة بالعبادة، والزهد، والورع، والتحري في الرواية، بما يخدم جانب الوثوق برواياتهم وصدقهم، وعدم تعمدهم للكذب، وشحنت كتب الجرح والتعديل بهذه الأخبار، فالغرض منها إذن غير دخيل على (علم الجرح والتعديل)، بل هو من صميمه، فقراءة سيرة مثل عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، والأعمش، ومالك، وشعبة، وسفيان الثوري، ويحيى القطان، ووكيع، وأحمد، وابن معين، ونحوهم من الأئمة المشهورين، والاطلاع على أحوالهم- هي التي أورثت طمأنينة القلب إلى صدقهم، وتحريهم في الرواية، وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه.
следующие страницы →