← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثال ذلك أن يكون ورد عند الباحث اسم الفقيه المشهور محمد بن أبي ليلى الكوفي، في مسألة فقهية، فإذا أراد التعريف به فمن غير اللائق أن يذكر درجته في الرواية؛ إذ هو سيء الحفظ، كثير الاضطراب فيما يرويه (١)، ولذا قال أحمد فيه: "فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب" (٢)، أو يكون ورد عنده اسم الحجاج بن أَرْطاة الفقيه الكوفي، فإنه كثير الخطأ والتدليس، يدلس عن المتروكين (٣). فهذا في الفقه، ومثله يقال لو جاء عند الباحث اسم حفص بن سليمان صاحب القراءة المعروفة بقراءة حفص، عن عاصم، فإن حفصا هذا متروك الحديث (٤).

стр. 37

الفصل الأول: الحكم على الراوي وفيه مدخل، وأربعة مباحث: المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي. المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي. المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره. المبحث الرابع: عوائق الحكم على الراوي.

стр. 38

* مدخل: استخدم الأئمة عددا من الوسائل في سبيل حكمهم على الرواة، وهي وسائل دقيقة جدا، لم تترك جانبًا في الراوي إلا وتطرقت له، فهي في النهاية تقود إلى حكم سليم يليق بحال الراوي. وما من شك في أن هذه الوسائل متى تعاضدت أو أكثرها عند الناقد في راو من الرواة سهل عليه إصدار الحكم، ولم يجد من يخالفه، وهذا تفسير اتفاق الأئمة على الراوي وأنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك الحديث، أو كذاب، فسببه إذن هو أن وسائل الحكم عليه قادت النقاد إلى ما توصلوا إليه. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة دائما، إذ يحصل كثيرا أن يفقد الناقد وسيلة للحكم على الراوي، وربما استمر ذلك، وربما عَثَر عليها فيما بعد، وقد يجدها غيره من النقاد، وقد تتوافر وسائل في الحكم عليه، لكنها تتعارض، فيحتاج الناقد إلى موازنة دقيقة، قد يخالف فيها، بل قد يختلف رأيه هو في الراوي الواحد. ومن جهة أخرى فالرواة كثيرون جدا، لا يجمعهم عصر واحد، متفرقون في البلدان، وأحاديثهم من الكثرة والتفرق فوق ما يصفه الواصف، ثم هم بشر، يعتريهم التأثر بالزمان، والمكان، والإقامة والسفر، وكافة العوامل البيئية والاجتماعية المحيطة بهم، وحينئذٍ فيحتاج بعض الرواة إلى تفصيل الحكم فيه، فكأنه عدد من الرواة، ويستلزم ذلك من الناقد سبر تفاصيل حياة الراوي، وتنقلاته، وأسفاره، وإن كان معاصرًا له احتاج إلى مراقبته طول حياته، لتسجيل ما قد يطرأ عليه من تغيير قوة أو ضعفًا.

стр. 39

ووراء ذلك كله أمر آخر من الأهمية بمكان، وهو أن الرواة يشتركون في رواية بعض الأحاديث، ويقع بينهم الاختلاف كثيرا في صفة الرواية، وللموازنة بينهم ومعرفة الراجح من الاختلاف لابد من إجراء مقارنة بين بعض الرواة، فاشتغل الأئمة بذلك كثيرا، ولم يكتفوا بالحكم على كل راو لوحده، مع دوافع أخرى للمقارنة. ثم هذه المقارنة قد تكون مقارنة عامة بين روايين أو أكثر، وقد تكون -وهذا أيضا كثير جدا- في شيء خاص يجتمع فيه الرواة، كشيخ لهم، أو بلد، أو كتاب معين يرونه. وتحت هذا كله تفاصيل سأعرض لها في مباحث أربعة.

стр. 40

المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي من المهم جدا بالنسبة للباحث أن يكون على معرفة بالوسائل التي استخدمها أئمة الجرح والتعديل لإصدار أحكامهم على الرواة، في عدالتهم وضبطهم، أولا ليدرك قدر الجهد الذي بذله هؤلاء الأئمة، ودقة المعايير التي استخدموها لتحقيق ذلك، فيزداد ثقة بأقوالهم وأحكامهم، وثانيا ليعرف القدر الذي يمكن أن يشارك الأئمة فيه، فقد يحتاج إلى ذلك في موازنته بين أقوال النقاد، وقد يحتاج إليه في رواة لم يصلنا كلام النقاد فيهم. فمن الطرق التي سلكها الأئمة: أولا: التأمل في أفعال الراوي وتصرفاته، والنظر في سيرته ، فيستدل بذلك على ما وراءها، من صدق أو كذب. فقد أولى الأمة سير الرواة قدرا كبيرا من الاهتمام، فوصفوا رواة بالعبادة، والزهد، والورع، والتحري في الرواية، بما يخدم جانب الوثوق برواياتهم وصدقهم، وعدم تعمدهم للكذب، وشحنت كتب الجرح والتعديل بهذه الأخبار، فالغرض منها إذن غير دخيل على (علم الجرح والتعديل)، بل هو من صميمه، فقراءة سيرة مثل عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، والأعمش، ومالك، وشعبة، وسفيان الثوري، ويحيى القطان، ووكيع، وأحمد، وابن معين، ونحوهم من الأئمة المشهورين، والاطلاع على أحوالهم- هي التي أورثت طمأنينة القلب إلى صدقهم، وتحريهم في الرواية، وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه.

стр. 41

وكذلك الأمر في غيرهم من الرواة، فقول يحيى بن معين عن شيخه عبدة بن سليمان: "كان عبدة بن سليمان صبورا، على ما كان فيه من الجَهْد، ولقد رأيت عليه جُبَّة فَرْو ليس عليه قميص ... ، وقد اشترى جزرًا، وقد حمله في طرف ردائه، ثم جاء فرآنا ونحن قعود على الباب، فقال: كلو رحمكم الله، كلوا عافاكم الله، فكان ذاك الجزر يقوته" (١) - إنما قصد به يحيى تعظيم شأن عبدة، وبيان ورعه وصبره على الفقر والحاجة، وكرمه. وقال عمرو بن علي الفلاس: "جاءني عفان في نصف النهار فقال لي: عندك شيء نأكله؟ فما وجدت في منزلي خبزا ولا دقيقا، ولا شيئا يُشُتَرى به، فقلت: إن عندي سَوِيْق شعير، فقال لي: أخرجه، فأخرجت له من ذلك السَوِيْق، فأكل أكلا جيدا، فقال: ألا أخبرك بأعجوبة؟ شهد فلان وفلان عند القاضي -والقاضي يومئذ معاذ بن معاذ العنبري- بأربعة آلاف دينار على رجل، فأمرني أن أسأل عنهما، فجاءني صاحب الدنانير فقال لي: لك من هذا المال الذي لي على هذا الرجل نصفه -وهو ألفا دينار- وتعدل شاهِدَيَّ، فقلت: استحييت لك -وشهوده عندنا غير مستورين-، قال: وكان عفان على مسألة معاذ بن معاذ" (٢). وقريب من هذه الحكاية ما رواه العجلي قال: "عفان بن مسلم الصَّفَّار، يُكْنَى أبا عثمان، ثقة ثبت، صاحب سنة، كان على مسائل معاذ بن معاذ القاضي، فَجُعِل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، فلا يقول: عدلا، ولا غير عدل، قالوا له: قف عنه، لا تقل فيه شيئا، فأبى

стр. 42

فقال: لا أبطل حقا من الحقوق" (١). والناظر في كتب الجرح والتعديل الأولى -كتب السؤالات والتواريخ- يجدها مليئة بمثل هذه الأخبار، والغرض منها ما أسلفته: إضفاء مزيد من الثقة على الراوي، وصدقه في روايته. ومن جانب آخر رصدوا ما يصدر من الرواة من أفعال وتصرفات قد تُخِلُّ بالعدالة والمروءة أو بأحدهما، مما يثير شبهة في النفس أن يكون جريئا على الكذب على رسول الله ﷺ ، فمن ذلك ما رواه أبو حاتم في أنس بن عبد الحميد الضَّبِّي أخي جرير بن عبد الحميد، قال: "سمعت يحيى بن المغيرة قال: سألت جريرا عن أخيه أنس، فقال: لا يكتب عنه، فإنه يكذب في كلام الناس، وقد سمع من هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، ولكن يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه" (٢). وقال المرْوَذي: "سألت أبا عبد الله (يعني أحمد) عن عمرو بن عبد الله الذي روى عن عكرمة، فقال: هذا يقال له: عمرو بَرْق، كان عكرمة نزل على أبيه، وكان سمع منه كتابا، وكان أهل اليمن لا يرضونه، وأشار أبو عبد الله بيده -أي كان يشرب-، وتبسم ... " (٣). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى (يعني ابن معين) وذكر حسين بن الخياط قال: أخذ حجة من آل المطلب بن عبد الله بن مالك، على أن يحج بها، فذهب إلى الأهواز فقعد بها، فقال له أبو خَيْثَمة: يا أبا زكريا

стр. 43

إنه يحدث، فقال: ما يكتب عنه إلا من لعنه الله وغضب عليه" (١). وقال ابن مُحْرِز أيضا: "سمعت يحيى يقول: عبد الحكيم بن منصور الخزاعي ليس بشيء، سرق حانوتا بواسط، فقيل له: يا أبا زكريا كيف سرقه؟ قال: كان إلى جنب منزله حانوت لرجل، فنقب إليه بابا من داره من الليل، وسَدَّ بابه من ناحية الطريق، وأدخله في داره" (٢). وقال ابن معين أيضا: "يحيى بن عقبة بن أبي العَيْزار كذاب، خبيث، عدو لله، كان يُسْخَر به، ليس ممن يكتب حديثه" (٣). وقال عباس الدوري: "ذكرت له شيخا كان يلزم ابن عُيَيْنة يقال له: ابن مُنَاذِر، فقال: أعرفه، كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، وكان يرسل العقارب في المسجد الحرام حتى تَلْسَع الناس، وكان يصب المِدَاد في المواضع التي يتوضى منها حتى تُسَوِّد وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير" (٤). وقال ابن الجُنَيْد: "سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن جابر بن نوح الحِمَّاني فضعفه، وقال: رأيت حفص بن غياث يضحك منه يهزأ به، ثم قال يحيى: ليس بشيء" (٥).

стр. 44

وقال الآجُرِّي: "سألت أبا داود عن عبد الرحمن بن المتوكل، فقال: لم أكتب عنه شيئا، قلت: تركته على عمد؟ قال: نعم، تركته على عمد، كان يُعَلِّم الألحان" (١). وكتب أبو زرعة عن جَمِيل بن الحسن العَتَكي، ثم سأل عنه نْصَر بن علي الجَهْضَمي، فقال: "اتق الله، ذاك زَفَّان، يجتمع بالليل مع هؤلاء المغَبِّرين يَزْفُن ويرقص معهم"، قال أبو زرعة: "فضربت على ما كتبت عنه" (٢). وغير خاف أن النظر في سيرة الراوي يقتضي من الناقد بالنسبة لمن هو في عصره مراقبته في جميع مراحل حياته، إذ قد يكون مستقيما ثم اعوج، أو معوجا ثم استقام، فمن ذلك قول أبي حاتم في سليمان بن أحمد الدمشقي ثم الواسطي: "كتبت عنه قديما، وكان حلوا، قدم بغداد فكتب عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قديما، وتغير بأخرة، اختلط بقاض كان على واسط، فلما كان في رحلتي الثانية قدمت واسطا فسألت عنه، فقيل لي: قد أخذ في الشرب والمعازف والملاهي، فلم أكتب عنه" (٣). ثانيا: إلقاء الأسئلة على الراوي ، فيسأل الراوي لاختبار صدقه وتثبته عن أشياء، مثل تاريخ الولادة، والمكان الذي سمع فيه ممن روى عنه، وتاريخ السماع، وصفة من سمع منه، وربما وجه

стр. 45

السؤال إليه مباشرة عن صحة سماعه من فلان، أو عن الأحاديث التي جاء بها من أين له؟ . ومن أجوبة الرواة يتبين صدقهم من كذبهم، وتثبتهم من تساهلهم، كما قال سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ" (١). وقال أبو حسَّان الزيادي: سمعت حماد بن زيد يقول: "لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه"، قال أبو حسان: "فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة" (٢). وقال حفص بن غياث: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين" (٣). وقال الخطيب البغدادي وهو يذكر ما يثبت به فسق الراوي مما يختص بالرواية: "ومنها أن يَدَّعِي السماع ممن لم يلقه، ولهذه العلة قيد الناس مواليد الرواة، وتاريخ موتهم، فوجدت روايات لقوم عن شيوخ قصرت أسنانهم عن إدراكهم ... ، وضبط أصحاب الحديث صفات العلماء وهيئاتهم وأحوالهم لهذه العلة، وقد افتضح غير واحد من الرواة في مثل ذلك" (٤).

стр. 46

وسبب ما أشار إليه الخطيب أن الكذاب وغير المتثبت في الغالب غير محكم لأصول الرواية، ولا مدرك لتواريخ الرواة وصفاتهم، فينكشف أمره بسهولة، ولو أحكم ذلك فلابد من وقوعه يوما. ولهذا فإن الصادق المتثبت لا يهاب مثل هذه الأسئلة، فقد روى شَرِيْك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حُبْشِي بن جُنَادَة حديثا، فسأله شَرِيْك: "أين سمعته منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلس، في جَبَّانة السَّبِيْع" (١). وروى يعقوب بن شَيْبة، عن عبد الرحمن بن محمد قال: "حدثنا يوما سليمان بن حرب بأحاديث عن جرير الرازي، فقلت له: أين كتبت يا أبا أيوب عن جرير الرازي؟ قال: بمكة، أنا وعبد الرحمن، وشاذان، أخرج إلينا جرير كتابا فدفعه إلى عبد الرحمن، وإلى شاذان، فهذه الأحاديث انتقاؤهما" (٢). وروى علي بن مَعْبَد قال: "قلت لعبيد الله بن عمرو: متى لقيت ابن عقيل؟ قال: زمان هشام بن عبد الملك بالرقة، فقلت: وأي شيء كان يصنع هاهنا؟ قال: كان يطلب جوائزه" (٣). وبضد ذلك الكاذب، أو غير المتثبت، فقد سئل أبو الوليد الطيالسي عن عامر بن أبي عامر الخزَّاز فقال: "كتبت عنه حديث أيوب بن موسى، عن أبيه، عن جده ... ، فبينما نحن عنده يوما إذ قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح -أو سمعت عطاء بن أبي رباح- وسئل عن

стр. 47

كذا وكذا، فقلت: في سنة كم؟ قال: في سنة أربع وعشرين، قلنا: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة" (١). وقد علق الذهبي على هذه الحكاية بقوله: "إن كان تعمد فهو كذاب، وإن كان شبه له بعطاء بن السائب فهو متروك لا يَعِي" (٢). وروى سُهَيْل بن ذَكَوان الواسطي ثم المكي عن عائشة، فطلب منه وصفها فوصفها بأنها أدماء، وإنما كانت بيضاء شقراء (٣)، وزعم أنه لقيها بواسط، وواسط اختطها الحجاج بن يوسف بعد وفاة عائشة بزمن (٤)، وزعم أنه رأى إبراهيم النخعي، وأنه كان كبير العينين، ولم يكن لإبراهيم سوى عين واحدة (٥). وقال علي بن المديني: "سمعت يحيى بن سعيد قال: قلت لحرام بن عثمان: عبد الرحمن بن جابر، ومحمد بن جابر، وأبو عتيك بن جابر- هم واحد؟ قال: إن شئت جعلتهم عشرة، قلت: أي شيء يريد هذا؟ قال: كأنه لا يبالي" (٦). وقال الجوزجاني في سليمان بن عمرو النخعي: "كان يضع

стр. 48

الحديث، سمعت ابن حنبل يقول: أتوه فقال: فلان عن إبراهيم، وفلان عن الشعبي، ويزيد بن أبي حبيب، عن مكحول، فقالوا له: يا أبا داود، يزيد بن أبي حبيب أين كنت رأيته؟ فقال: يا أحمق تُراني قلته ولم أُعِد له جوابا؟ رأيته بالباب والأبواب، ثم يقول أحمد: يزيد ما كان يصنع بالباب والأبواب؟ فانظر إلى جسارته وجرأته، وتهاونه ببليته" (١). وروى العقيلي، عن أحمد بن علي، عن مجاهد بن موسى، أنه هو السائل لسليمان بن عمرو (٢). وقد يكون الراوي ساذجا لا يريد المراوغة، أو لا يحسنها، فيصرح بحقيقة الحال، وربما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا من التصريح، لانكشاف حاله، أو لخوفه من الناقد. فقد روى جَميل بن زيد الطائي عن ابن عمر، وصرح بسماعه منه، فسأله أبو بكر بن عَيَّاش: هذه الأحاديث -أحاديث ابن عمر-؟ قال: "أنا ما سمعت ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدمت المدينة فاكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة فكتبتها" (٣). وكان زياد بن ميمون يحدث عن أنس، فسئل عن ذلك فقال:

стр. 49

"ويحكم، احسبوا كنت يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، قد رجعت عما كنت أحدث به عن أنس، لم أسمع من أنس شيئا" (١). وقال أبو داود الطيالسي: "لقيت زياد بن ميمون، وعبد الرحمن بن مهدي، فسألناه فقلنا له: هذه الأحاديث التي ترويها عن أنس؟ فقال: أرأيتما رجلا يذنب فيتوب أليس يتوب الله عليه؟ قال: قلنا: نعم، قال: ما سمعت من أنس من ذا قليلا ولا كثيرا، إن كان لا يعلم الناس فأنتما لا تعلمان أني لم ألق أنسا؟ فبلغنا بعد أنه يروي، فأتيناه أنا وعبد الرحمن، فقال: أتوب، ثم كان بعد يحدث، فتركناه" (٢). وقال محمد بن عيسى بن الطَّباَّع: "سمعت ابن مهدي يقول لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها" (٣). وقال ابن المديني في أحمد بن عطاء الهُجَيْمي البصري الزاهد: "أتيته يوما، فجلست إليه، فرأيت معه درجا يحدث به، فلما تفرقوا عنه قلت له: هذا سمعته؟ قال: لا، ولكن اشتريته، وفيه أحاديث حسان أحدث بها هؤلاء ليعملوا بها، وأرغبهم وأقربهم إلى الله، ليس فيه حكم ولا تبديل سنة، قلت له: أما تخاف الله، تقرب العباد إلى الله بالكذب على رسول الله ﷺ " (٤). وقال عمرو بن علي الفَلَّاس في يحيى بن ميمون -وكان يرميه

стр. 50

بالكذب-: "سمعته يقول: حدثنا حماد، عن إبراهيم، فقلت له: أنت سمعته من حماد؟ قال: استغفر الله، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم" (١). وقال ابن عدي: "سمعت أبا عبد الله النَّهاوَنْدي بحران في مجلس أبي عَرُوبة يقول: قلت لغلام خليل: هذه الأحاديث الرقائق التي تحدث بها؟ قال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة" (٢). ثالثًا: اختبار الراوي وامتحانه: من الطرق المهمة لمعرفة عدالة الراوي وضبطه، ودرجة ذلك، أن يختبر مباشرة في مروياته، فتنكشف حاله، ويصفه الناقد بما يراه مناسبا، وهناك وسيلتان مشهورتان لاختبار الرواة: الأولى: تلقين الراوي ، فتدفع إليه أحاديث ليست من حديثه أصلا، أو هي من حديثه لكن تم التصرف فيها بالقلب، فجعل إسناد هذا الحديث لمتن آخر، ومتنه لإسناد آخر، أو بالزيادة كأن يكون حديثا مرسلا فيزاد فيه ذكر الصحابي، أو موقوفا فيرفع إلى النبي ﷺ ، أو يزاد في متنه ما ليس منه، وقد يتصرف فيها بالنقص. فإن قرأها الراوي كما دفعت إليه، أو أقر بها إن قرأت عليه، حكم عليه بأنه يقبل التلقين، واعتبر ذلك خللا في حفظه وضبطه، ومع بعض

стр. 51

القرائن قد يتهم بالكذب والوضع، وإن تيقظ وتنبه لذلك عُرف أنه ضابط لحديثه متثبت في روايته. قال ابن حجر في كلامه على قلب الأحاديث: "كان شعبة يفعله كثيرا، لقصد اختبار حفظ الراوي، فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ، وإن خالفه عرف أنه ضابط" (١). وقال يحيى القطان موضحا أهمية قبول التلقين وعدمه في الحكم على الراوي: "إذا كان الشيخ يثبت على شيء واحد خطأ كان أو صوابا فلا بأس به، وإذا كان الشيخ كل شيء يقال له يقول فليس بشيء" (٢). وفي رواية عنه قال: "إذا كان الشيخ إذا لقنته قَبِل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد فذاك ليس به بأس" (٣). وقال الحُمَيْدي: "من لقن فقبل التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم أن ذلك التلقين حادثٌ في حفظه، لا يعرف به قديما، فأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لقن" (٤). ومعرفة درجة الراوي عن طريق تلقينه شاق جدا على الرواة، فالراوي مظنة الوقوع في الخطأ إذا لقن، وإن كان حافظا ضابطا، كما قال حماد بن زيد: "لقنت سلمة بن علقمة حديثا فحدثنيه، ثم رجع عنه، وقال: إذا سرك أن يكذب صاحبك فلقنه" (٥).

стр. 52

وقال قتادة: "إذا سرك أن يكذب صاحبك فلقنه" (١)، ويروى هذا عن جماعة آخرين (٢). ولهذا السبب توقف في جوازه بعض الأئمة، وفعله آخرون لغرض صحيح وهو قصد امتحان الرواة (٣)، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ لقن جماعة كثيرون من الرواة شيوخهم ثم رووا عنهم ما لقنوهم، وهذا بلا شك غير جائز، لكنه قد وقع، ولم يفت على الأئمة النقاد، فاستفادوا منه في معرفة درجة الراوي في عدالته وضبطه. والخلاصة أن الحكم على الرواة بهذه الوسيلة شائع جدا، جاز الامتحان فيه جماعة منهم، فعرفوا بالضبط والتثبت. فمن ذلك صنيع حماد بن سلمة مع ثابت البناني، قال حماد: "كنت أظن أن ثابتا لا يحفظ الأسانيد، كنت أقول له لحديث ابن أبي ليلى: كيف حديث أنس في كذا وكذا؟ فيقول: لا، إنما حدثناه ابن أبي ليلى، وأقول له: كيف حديث فلان في كذا؟ فيقول: لا، إنما حدثناه فلان" (٤)، وفي رواية عنه قال: "يقول الناس: القصاص لا يحفظون، فكنت أقلب على ثابت البناني حديثه -يعني أجرِّب حفظه-، فكنت أقول لحديث فلان: كيف حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، حدثناه فلان، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حديث فلان؟ فيقول: لا، حدثنا عبد الرحمن بن أبي

стр. 53

ليلى" (١). وروى مجاهد بن موسى قال: "دخلنا على عبد الرحمن بن مهدي في بيته، فدفع إليه -يعني حارثا النقال -رقعة فيها حديث مقلوب، فجعل يحدثه حتى كاد أن يفرغ، ثم فطن، فنقده، فرمى به وقال: كادت والله تمضي، كادت والله تمضي" (٢). وروى الخطيب بإسناده إلى أحمد بن أبي الطيب قال: "سمعت يزيد بن هارون، وقيل له: إن هارون المستملي يريد أن يدخل عليك -يعني في حديثك-، فَتَحَفَّظ، فبينا هو كذلك إذ دخل هارون، فسمع يزيد نغمته، فقال: يا هارون بلغني أنك تريد أن تدخل عليَّ في حديثي، فاجهد جهدك، لا أرعى الله عليك إن أرعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث ولا بغي، لا أقامني الله إن كنت لا أقوم بحديثي" (٣). وقال أحمد بن منصور الرمادي: "خرجت مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، إلى عبد الرزاق خادما لهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أختبر أبا نُعَيْم، فقال له أحمد بن حنبل: لا ترد، الرجل ثقة، فقال يحيى بن معين: لابد لي، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نُعَيْم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثا ليس من حديثه، ثم جاءا إلى أبي نُعَيْم فدقا عليه

стр. 54

الباب فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه ... ، فأخرج يحيى بن معين الطبق، فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نُعَيْم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو نُعَيْم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نُعَيْم ساكت، فقرأ الحديث، فقال أبو نُعَيْم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نُعَيْم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين فقال له: أما هذا -وذراع أحمد في يده -فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا -يريدني- فأقلُّ من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك: إنه ثبت؟ قال: والله لرفسته أحب إلي من سفري"، وفي رواية أن يحيى بن معين قام وقبله وقال: "جزاك الله خيرًا، مثلك من يحدث، إنما أردت أن أجرِّبك" (١). وفي المقابل سقط في الامتحان جماعة آخرون من الرواة، على تفاوت بينهم، فتكلم فيهم الأئمة النقاد. فمن الأخبار في ذلك قول حماد بن سلمة: "قلبت أحاديث على ثابت البُنَاني فلم تنقلب، وقلبت على أَبَان بن أبي عَيَّاش

стр. 55

فانقلبت" (١). وقال شعبة في أَبَان بن أبي عَيَّاش: "كتبت حديث أنس، عن الحسن، وحديث الحسن، عن أنس، فدفعتها إليه فقرأها علي" (٢). وقال أبو عَوَانة: "كنت لا أسمع حديثا بالبصرة عن الحسن إلا جئت به إلى أَبَان بن أبي عَيَّاش، فحدثني به عن الحسن، حتى جمعت منه مصحفا" (٣)، وفي رواية عنه قال: "لما مات الحسن اشتهيت كلامه فجمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أَبَان بن أبي عَيَّاش فقرأه عليَّ، فما أستحل أن أروي عنه شيئا" (٤)، وفي رواية عنه قال: "أتيت أَبَان بن أبي عَيَّاش بكتاب فيه حديث من حديثه، وفي أسفل الكتاب حديث رجل من أهل واسط، فقرأه عليَّ أجمع" (٥). وقال شعبة: "كانوا يقولون لسِمَاك: عكرمة، عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، وكنت لا أفعل ذلك به" (٦). وكذا قال شَرِيْك: "كانوا يلقنون سِمَاك أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس" (٧).

стр. 56

وقال شعبة: "لو شئت لحدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري بكل شيء أرى أهل واسط يصنعونه لفعل -أو لفعلت-" (١). وقال يحيى بن سعيد القطان: "دخلت على موسى بن دينار المكي أنا وحفص بن غياث، فجعلت لا أريده على شيء إلا تلقنه" (٢). وقال سفيان بن عُيَيْنة في عبد الله بن محمد بن عَقِيل: "كان في حفظه شيء، فكرهت أن ألقنه" (٣). ومن أقوى أسباب تضعيف عبد الله بن لهيعة قبوله للتلقين، وأخباره في ذلك مشهورة، فكان يقرأ كل ما دفع إليه، ويقر بكل ما قرئ عليه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، واعتذر عن ذلك بما يؤكد قبوله للتلقين، فقال لما عاتبه يحيى بن حسان في جزء ليس من حديثه وقد حدث به: "ما أصنع بهم؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك؟ فأحدثهم به" (٤). وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن أبي أيوب التمار -يحدث عن ثابت البناني، ويونس-فقال: ليس بشيء، خَرَّقْنا حديثه، كان يلقن

стр. 57

الأحاديث" (١). وقال أبو حاتم: "سمعت دحيما، وقيل له: سُوَيْد بن عبد العزيز ممن إذا دفع إليه من غير حديثه قرأه على ما في الكتاب؟ قال: نعم" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن محمد بن معاوية نزيل مكة فقال: كان شيخا صالحا، إلا أنه كلما لقن تلقن، وكلما قيل إن هذا من حديثك حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث مُعَلَّى الرازي وكنت أنت معه، فيحدث به على التوهم، وترك أبو زرعة الرواية عنه، ولم يقرأ علينا حديثه" (٣). وقال أبو حاتم في عبد الحميد بن إبراهيم أبي التَّقِي: "كان شيخا ضريرا لا يحفظ، وكنا نكتب من الذي كان عند إسحاق بن زِبْرِيْق لابن سالم، فنحمله إليه، ونلقنه، فكان لا يحفظ الإسناد، ويحفظ بعض المتن، فيحدثنا، وإنما حملنا على الكتابة عنه شهوة الحديث ... " (٤).

стр. 58

وموضوع التلقين وأثره في الرواة بحاجة إلى دراسة مستقلة، فإن التلقين بالقراءة على الراوي من غير حديثه، فيقر به، أو بأن يدفع إليه من غير حديثه فيقرأه- من التلقين الجلي، وهو أشهر صور التلقين وأكثرها شيوعا، وهناك صور من التلقين خفية، مثل أن يُلَقَّن حديثه هو، أو يحدث من كتاب غيره، أو ينظر في كتاب غيره وهو يحدث، أو ينسخ من كتاب الغير ما سمعه هو من شيخه، أو يستفهم جليسه عن شيء من متن الحديث أو إسناده لم يسمعه جيدا من شيخه وهو يحدث، أو يعتمد على إملاء بعض تلامذة الشيخ، أو يروي حديثًا على وجه خطأ فيصححه له أحد ممن سمعه، أو يذكِّره غيره بحديث كان يحفظه، والضرير إذا كتب له ثم لقن ما كتب ليحفظه، ونحو ذلك، فالراوي متى حدث في هذه الصور ولم يبين فهو نوع من التلقين؛ إذ الأصل في الراوي أن يعتمد على مسموعه ومحفوظه فقط، ولا علاقة له بغيره، فغيره قد تكون روايته مخالفة لروايته هو، وقد يكون فيها مخطئا، إما عن تعمد، أو عن غير تعمد، وبعض الأئمة يتسامحون في بعض هذه الصور، ومنهم من يتشدد، حتى إن بعضهم إذا اختلف ما يحفظه عما في كتابه هو بين ذلك، فيقول: في حفظي كذا، وفي كتابي كذا (١).

стр. 59

وكل هذه الصور لها صلة بجرح الرواة وتعديلهم، فإذا مرت بالباحث في راو من الرواة أدرك مقصود الأئمة بالتنبيه عليها، وغرضهم من الإشارة إليها، إذ قد يخفى هذا الغرض على بعض الباحثين، فيفسر كلام الناقد على غير وجهه، من ذلك أن أحدهم علق على قول عبد الرحمن بن مهدي: "نظرت في كتاب أبي عوانة -وأستغفر الله" بقوله: "لعل استغفار ابن مهدي بعد النظر في كتابه يكون بسبب أنه رأى فيه بدون إذنه، وليس لأجل التضعيف ... ". وهذا التعليق بعيد عن المقصود، فمراده أنه لم يعتمد على ما عنده هو، واستعان بكتاب أبي عوانة، وهو نوع من التلقين خفي. ثم إن ما ذكرته من هذه الصور هو على سبيل التمثيل، ويلتحق بها غيرها مما يندرج تحت قضية (استعانة الراوي بغيره فيما يحدث به)، وأنه نوع من التلقين. الثانية: المذاكرة: وهي في الأصل: طرح موضوع للبحث بين اثنين أو أكثر، وقد يكون الموضوع مسألة فقهية، أو حديثية، أو لغوية، أو نحوية، أو غير ذلك. وقد وردت المذاكرة بهذا المعنى في أحاديث كثيرة، بين رسول الله ﷺ وصحابته، أو بين أصحابه، ومن ذلك حديث عائشة في قصة كنيسة الحبشة: "أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ في

стр. 60

مرضه ... " (١). وقد استخدم المحدثون المذاكرة رواية ودراية بكثرة، ففي مجال الرواية يلتقي الاثنان منهم أو أكثر ويأخذون في المذاكرة في باب من أبواب السنة مثلا، وماذا عند كل واحد منهما في هذا الباب، أو في طرق حديث معين، أو في أحاديث راو عن شيخ معين له. وهناك أغراض متعددة من المذاكرة في الراوية، من أهمها مدارسة المحفوظ، وزيادة تثبيته، وقد يسبق المذاكرة استعداد لذلك، ومنها استفادة كل واحد من الآخر، فإذا ذكر له صاحبه حديثا أو إسنادا ليس عنده طلب منه أن يحدثه به، أو يذهب إلى شيخه -إن كان حيا- فيسمعه منه. وقد كان للمذاكرة أهمية كبيرة لدى حفاظ الحديث ورواته، عَبَّر بعضهم عن ذلك بعبارات شتى، فمن ذلك قول الزهري: "إنما يذهب العلم النسيان، وترك المذاكرة" (٢). وقال ابن المديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن عُيَيْنة، وأبو داود، وعبد الرزاق، من شدة شهوتهم له" (٣).

стр. 61

وقال عبد الله بن أحمد: "لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يوما يقول: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي" (١). وفيما يتعلق باختبار ضبط الراوي وعدالته يستفاد من المذاكرة معرفة سعة حفظ الراوي، واكتشاف أخطائه، بل والتأكد من صدقه، فإن بعض المذاكرين قد يدعي -أَنَفَة- أشياء لا وجود لها، كما قال الحاكم في النوع الثالث والثلاثين من علوم الحديث: "هذا النوع من هذه العلوم مذاكرة الحديث، والتمييز بها، والمعرفة عند المذاكرة بين الصدوق وغيره، فإن المجازف في المذاكرة يجازف في التحديث، ولقد كتبت على جماعة من أصحابنا في المذاكرة أحاديث لم يخرجوا من عهدتها قط، وهي مثبتة عندي، وكذلك أخبرني أبو علي الحافظ وغيره من مشايخنا أنهم حفظوا على قوم في المذاكرة ما احتجوا بذلك على جرحهم" (٢). وأما الصادق منهم فلا يدعي سماع ما لم يسمع، رغم تأثره بتفرد قرينه عنه بشيء، كما قال شعبة: "ذاكرت قيس بن الربيع حديث أبي حُصَيْن، فلوددت أن البيت وقع علي وعليه حتى نموت، من كثرة ما

стр. 62

كان يُغْرِب به عَلَي" (١)، وجاء عنه قوله: "إني لأذاكر بالحديث يفوتني فأمرض" (٢)، وغاية ما يفعله بعض الثقات إذا ألجأه الأمر أن يدلس (٣). فمن النصوص في المذاكرة قصة سفيان الثوري مع يحيى بن سعيد القطان، وإعجاب سفيان بسعة حفظ يحيى، قال عبد الرحمن بن مهدي: "لما قدم الثوري البصرة قال: يا عبد الرحمن جئني بإنسان أذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد، فذاكره، فلما خرج قال: قلت لك: جئني بإنسان، جئتني بشيطان-يعني بهره حفظه-" (٤). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبا زرعة يقول: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب" (٥). وقال سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي: "بلغني ورود هذا الغلام الرازي -يعني أبا زرعة- فدرست للقائه ثلاثمائة ألف حديث" (٦). وفي مقابل هؤلاء سقط جماعة في المذاكرة، إما في الضبط أو العدالة، على اختلاف درجاتهم، فمن ذلك قول وكيع بن الجراح:

стр. 63

"لقيت يونس بن يزيد الأيلي وذاكرته بأحاديث الزهري المعروفة، وجهدت أن يقيم لي حديثا فما أقامه" (١). وقال إسحاق بن عيسى بن الطَّبَّاع: "ذاكرت ذات يوم محمد بن جابر بحديث لشَرِيْك، عن أبي إسحاق، فرأيته قد ألحقه بين سطرين، كتاب طَرِي" (٢). وذكر إسحاق بن راهُوْيَه أبا داود سليمان بن عمرو النخعي فقال: "أتيناه فقلنا له: أَيْش تعرف في أقل الحيض وأكثره، وما بين الحيضتين من الطهر؟ فقال: الله أكبر، حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسَيَّب، عن النبي ﷺ ، وحدثنا أبو طُوَالة، عن أبي سعيد الخدري، وجعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين من الطهر خمسة عشر يوما"، وكان هو وأبو البختري يضعان الحديث" (٣). وذكره علي بن المديني أيضا فقال: "دخلت عليه ببغداد ... ، فجعل يحدثنا، فاتهمته فقلت له: عكرمة: "أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين"، فقال: حدثنا خُصَيْف، عن عكرمة، فبان أمره، ولم يرو هذا غير الزبير بن الخِرِّيت" (٤). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "كنا نجتمع للمذاكرة، وفينا الشاذَكُوني (سليمان بن داود الحافظ)، فإذا مر حديث لم يكن عندي علقته لأسمعه

стр. 64

من صاحبه إن كان حيا، فتذاكرنا يوما، فقال سليمان: حدثنا معاذ بن معاذ، فذكر حديثا، فعلقته، وذهبت إلى معاذ فسألته، فقال: ما لهذا أصل" (١). وقال صالح بن محمد البغدادي الحافظ في الشاذَكُوني أيضا: "قال لي أبو زرعة الرازي: مُرَّ بنا إلى الشاذَكُوني يوما حتى نذاكره، فذهبنا إليه جميعا، فما زال يذاكره حتى عجز الشاذَكُوني، وأعياه أمره، فألقى عليه حديثا من حديث الرازيين فلم يعرفه أبو زرعة، فقال الشاذكوني: يا سبحان الله، ألا تحفظ حديث أهل بلدك، هذا حديث مَخْرَجُه من عندكم ولا تحفظه، وأبو زرعة ساكت، والشاذكوني يُجَهِّله، ويرى من حضر أنه قد عجز عنه، فلما خرجنا جعل أبو زرعة يقول: لا أدري من أين جاء هذا الحديث، قال: فقلت: إنه وضعه في الوقت ليخجلك، قال: هكذا، قلت: نعم، قال: فَسُرِّي عنه" (٢). وقال أبو زرعة الرازي: "ذاكرني القاسم بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة"، فقلت له: ليس هذا من حديث يزيد بن هارون، إنما هذا حديث خلف بن خليفة، وكنا نجلس إلى ابن نُمَيْر، فأبقاني (كذا) أن أذكر ذاك لابن نُمَيْر، فسبقني إلى ابن نُمَيْر، فلما جئت ابن نُمَيْر فجلست إليه وجدته عنده، فقال لي: يا أبا زرعة أبو عبد الرحمن قد أنكر الحديث كما أنكرته، فقلت له: نعم ليس هذا من حديث يزيد بن هارون، فقال لي: كيف وقع في كتابي؟ فقلت: لم يقع

стр. 65

في كتابك، أنت أوقعته" (١). وقال البَرْذَعي: "رأيت أبا زرعة يسيء القول في سُوَيْد بن سعيد، وقال: رأيت منه شيئا لم يعجبني، قلت: ما هو؟ قال: لما قدمت من مصر مررت به، فأقمت عنده، فقلت: إن عندي أحاديث لابن وهب، عن ضِمَام، ليست عندك، فقال: ذاكرني بها، فأخرجت الكتب، وأقبلت أذاكره، فكلما كنت أذاكره كان يقول: حدثنا بها ضِمَام، وكان يدلس حديث حَرِيْز بن عثمان، وحديث نِيَار بن مُكْرَم، وحديث عبد الله بن عمرو: (زُرْغِبِّا)، فقلت: أبو محمد (يعني سُوَيْدا) لم يسمع هذه الثلاثة الأحاديث من هؤلاء، فغضب ... " (٢). وروى ابن حِبَّان عن أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوَزَّان قوله في النَضْر بن سلمة المَرْوَزي المعروف بشاذَان: "عرفنا كذبه لأنه كان يجالسنا فنذكر بابا من العلم، فنذكر ما فيه، ويذكر هو ما فيه، ثم يزيدنا فيه ما ليس عندنا بأحاديث، ثم نجالسه بعد مدة، فنذكر ذلك الباب بعينه، فنذكر ما فيه، ويذكر هو ما فيه، ويزيدنا أشياء غير تلك الأشياء التي زادها في المجلس الماضي، فعلمنا أنه يضع الحديث" (٣).

стр. 66

رابعًا: النظر في أصول الرواة وكتبهم: فتش الأئمة النقاد عن أصول الرواة وكتبهم، ونظروا فيها، وتأكدوا من صحتها، وسلامتها من التغيير والزيادة، وإذا كان فيها تغيير فقد يكون من الراوي نفسه، وقد يكون من قبل غيره، وهو نوع من التلقين، كما تأكدوا من صدق الراوي إذا حدث بأحاديث هل له فيها أصل أو لا؟ ولاسيما إذا ارتابوا في الراوي، أو كان الراوي يخطئ في حديثه، فيتأكد هل هذا الخطأ في أصوله، أو هو يخطئ إذا حدث من حفظه؟ وقد يكون الراوي يحتفظ بأصول وكتب شيخه، فينظر الناقد فيها هل حفظها أو غير فيها؟ وأظهر النقاد براعة فائقة، ودقة متناهية في هذا الجانب، يعجز عنها الوصف. وأمكن بهذه الوسيلة تمييز المتقن الصادق الحافظ لكتابه أو كتاب شيخه من المتلاعب أو المغفل، وكشف تساهل بعض الرواة بأصولهم وكتبهم، وكذب بعضهم بتصرفه المتعمد بأصوله وكتبه. كما أمكن بهذه الوسيلة أيضًا إجراء المقارنة بين ما في كتب الرواة وبين ما يحدثون به من حفظهم، لمعرفة صدقهم، وضبطهم لما يحدثون به. قال عبد الرحمن بن مهدي مبينا أهمية النظر في كتب الرواة: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت تفسير كل حديث إلى جنبه، ولأتيت المدينة حتى أنظر في كتب قوم قد سمعت منهم" (١). ومن النصوص في ذلك قول أبي نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن: "نظر ابن

стр. 67

المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أصح من كتبك" (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي في محمد بن مسلم الطائفي: "كتب محمد صحاح" (٢). وقال يحيى بن سعيد القطان: "نظرت في أصول شَرِيْك فإذا الخطأ في أصوله" (٣). وقال ابن نُمَيْر في قيس بن الربيع: "كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غَيَّرها" (٤). وكذا قال فيه أبو داود الطيالسي: "إنما أُتي قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرُج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك" (٥). ووافقهما أحمد بن حنبل فقال: "كان له ابن يأخذ حديث مِسْعَر، وسفيان، والمتقدمين، فيدخلها في حديث أبيه وهو لا يعلم" (٦). وقال أحمد: "كان أبو أسامة ثبتا صحيح الكتاب" (٧). وقال أحمد أيضا: "ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس، كتبه

стр. 68

صحاح" (١). وقال فيه أيضًا: "كان ثبتا في الحديث، وكان يزيد -يعني ابن هارون- إذا قيل له في الحديث: هو في كتاب محمد بن يزيد كذا، كأنه يخاف، يتوقاه" (٢). وسئل أحمد عن محمد بن جابر اليمامي فقال: "أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لُحُوق" (٣)، وكذا قال فيه أبو حاتم: "رأوا في كتبه لَحَقا" (٤). وقال أحمد في عبد الله بن زياد بن سَمْعان مشيرا إلى كذبه: "زعموا: أخرج كتابه فإذا فيه: ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، فقال: حدثنا جابر بن زيد" (٥). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين يقول: كنت عند خلف البزار، فقلت له: هات كتبك، فَجَبُن، فقلت: هات رحمك الله، فجاء بها، فنظرت فيها، فرأيت أحاديث مستقيمة صحاحا، قيل له: فكتبت عنه منها شيئا؟ قال: نعم، كتبت عنه أحد عشر حديثا، كنت عند سَعْدُوْيَه، فلما رجعت دخلنا إليه" (٦). وروى ابن مُحْرِز أنه ذُكِر نَصْر بن باب عند يحيى بن معين فقال:

стр. 69

"كذاب خبيث، عدو لله، ذهبت إليه أنا وابن الحجاج بن أرطاة، فأخرج إلينا كتبا، كان فيها كتاب عوف، فجعل يحدثنا، فطوى رأس الكتاب، فاستربت منه، فقلت: ناولني الكتاب -وظننت أنه قد خَنَسَ عنا بعض الأحاديث-، فأبى أن يعطيني، فوثبت عليه، فأخذت الكتاب منه، فنظرت فيه -وكان يحدث عن عوف- فإذا أوله: بسم الله الرحمن الرحيم: حدثني نوح بن أبي مريم أبو عِصْمة الخراساني، عن عوف، فطرحت الكتاب من يدي، وقمت وتركناه، فقلت له: كيف هذا؟ فقال: هاه، كتبتها عن أبي عِصْمة، ثم سمعتها بعد، فقمنا وتركناه" (١). وقال أبو زرعة في سُوَيْد بن سعيد: "أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا" (٢). وقال أبو زرعة: "كنت بالرَّمْلة فرأيت شيخا جالسا بحذائي إذا نظرت إليه سَبَّح، وإذا لم أنظر إليه سكت، فقلت في نفسي: هذا شيخ هو ذا يَتَصَنَّع لي، فسألت عنه، فقالوا: هذا محمد بن أيوب بن سُوَيْد، فقلت لبعض أصحابنا: اذهب بنا إليه، فأتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبوابا مصنفة، بخط أيوب بن سُوَيْد، وقد بَيَّض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها فإذا الذي بالخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة، وليست من حديث أيوب بن سُوَيْد، فقلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات خط من؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا

стр. 70

ضَيْر، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها، قال: فاصْفارَّ لونه، وبَقِي، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضَيْر، أنا أكتري فيجاء بها إليّ، فَأَوَجِّه إلى بيت المقدس، وأَكْتُب إلى من كتبك معه حتى يوجهها، فَبَقِي ولم يكن له جواب ... " (١). وقال ابن حبان بعد أن ساق عددا من الأحاديث الموضوعة والمقلوبة في ترجمة أحمد بن محمد بن مصعب أبي بشر المَرْوَزي: "حدثنا أبو بشر بهذه الأحاديث من كتب له عملت أخيرا مصنفة، إذا تأملها الإنسان توهَّم أنها عُتُق، فتأملت يوما من الأيام جزءا منها نابي الأطراف، أصفر الجسم، فمحوته بأصبعي فخرج من تحته أبيض، فعملت أنه دَخَّنها، والخط خطه ... " (٢). ومن دقائق هذا الباب -النظر في أصول الرواة وكتبهم- أنها عندهم على قسمين، أحدهما: أصول الراوي القديمة التي سمع بواسطتها من شيخه أثناء الطلب، وربما أطلقوا عليها: الأصول العتيقة، والثاني: ما ينقله الراوي من هذه الأصول إلى كتب له، إما لأجل أن يروي منها محتفظا بالأصل العتيق، أو لكونه تصدى للتأليف، فينقل من أصوله إلى مؤلفاته. والاعتماد في ضبط الحديث على الأصول القديمة، وذلك حين

стр. 71

يقع اختلاف بينها وبين كتب الراوي التي نقل إليها، وهي المرجع حين يشك الراوي في شيء من حديثه، أو يرتاب الناقد في أمر الراوي فيطالبه بإحضار أصوله. وكثيرا ما يردد البخاري في كتبه رجوعه إلى أصوله فيقول: "كذا في العتيق"، أو "ليس في العتيق"، ونحو ذلك (١). ومن النصوص في تمييزهم بين النوعين -وهي نصوص تبرز بوضوح دقتهم المتناهية في النقد والتمحيص- قول عبد الله بن أحمد: "سئل أبي عن بَقِيَّة، وإسماعيل بن عَيَّاش، فقال: بَقِيَّة أحب إلي، نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفي "المصنف" أحاديث مضطربة، وإذا حدث بَقِيَّة عن قوم ليس بمعروفين فلا -يعني تقبلون-" (٢). وقال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخا فهو صحيح" (٣). وقال الحسين بن حِبَّان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فال: لا يكون صدوقا أبدا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ، والشيء، فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه على أحد

стр. 72

فلا، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابا عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبِّه له وأخطأ كما يخطئ الناس، فيرجع عنها، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل، وهي في النسخ؟ قال: لا يقبل ذلك منه، قلت: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟ فقال: هو كذاب أبدا حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين، لا يحل فيه غير هذا" (١). وقال زكريا بن يحيى الحُلْواني: "رأيت أبا داود السِّجِسْتاني صاحب أحمد بن حنبل قد ظاهر بحديث ابن كاسِب، وجعله وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في "مسنده" أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مُغَيَّرة بخط طَرِي، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها" (٢). ونقل يعقوب الفَسَوي عن عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحَيْم قوله: "كان سليمان -يعني ابن عبد الرحمن، ابن بنت شُرَحْبِيْل- صحيح الكتاب، إلا أنه كان يُحَوِّل، فإن وقع فيه شيء فمن النقل" (٣). وكان لسفيان بن وكيع بن الجراح وَرَّاق يدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصحه أبو حاتم الرازي في جماعة من أهل الحديث، قال أبو حاتم: " ... قلت: ترمي بالمخَرَّجات، وتقتصر على الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحي هذا الوراق عن نفسك، وتدعو بابن كَرَامة

стр. 73

وتوليه أصولك، فإنه يوثق به، فقال: مقبول منك، وبلغني أن وراقه كان قد أدخلوه بيتا يتسمع علينا الحديث، فما فعل شيئا مما قاله، فبطل الشيخ، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي أدخلت بين حديثه، وقد سرق من حديث المحدثين" (١). ومن طريف ما يذكر هنا ما رواه الخطيب من طريق أبي بكر بن شاذان قال: "سمعت أبا بكر عبد الله بن سليمان (ولد أبي داود صاحب "السنن") يقول -وكان ربما غلّطه أبو محمد بن صاعد، فيخرج أبو بكر أصله فيطرحه إلى الحاضرين ويقول والأبيات له-: على الكذاب لعنة من تعالى ... وخزي دائم أبدا يزيد فإن قال المزور: ما كذبنا ... فهات الأصل رمّا لا جديد ففيه إن أتيت به بيان ... وإلا أنت كذاب عنيد وقلت لصاحبي: اهجره مليا ... فعن رسم ابن حنبل لا محيد إذا ما كان سلكك حنبليا ... فبورك نظم سلكك يا سعيد" (٢) ومن قوله أيضا: إذا تشاجر أهل العلم في خبر ... فليطلب البعض من بعض أصولهم إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن ... لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم فاصدع بحق ولا تأبى نصيحتهم ... واخرج أصولك إن الفرع متهم (٣)

стр. 74

والراوي متى أخرج أصوله العتيقة برئ من العهدة، وتبين أنه قد سمع تلك الأحاديث، ما لم تقم قرينة أقوى تدل على أن الراوي قد استعد للكذب منذ صباه، وعمل أصولا روى منها فيما بعد، أو ألحق خطه في السماع بأصول عتيقة، قال ابن حبان في -أحمد بن محمد بن الأزهر السِّجِسْتاني- بعد أن ذكر أنه يغرب عن الثقات بما لا يتابع عليه: "فقلت له: يا أبا العباس أحب أن تريني أصلك، فأخرج إليَّ كتابه بخط عتيق ... ، فكأنه كان يعملها في صباه" (١). خامسًا: النظر في أحاديث الراوي ومروياته: من الوسائل المهمة جدا لمعرفة عدالة الراوي وضبطه أن يتأمل الناقد أحاديثه ورواياته، ويقلبها، ويعرضها على ما تحصل لديه من معلومات تتعلق بأمور كثيرة لا حصر لها، مثل شيوخ الراوي، وهل يمكن سماعه منهم؟ وماذا عند هؤلاء الشيوخ من الأحاديث؟ وكيف رواها أصحابهم الآخرون عنهم؟ وماذا في الباب المعين من الأحاديث؟ ثم أحاديث الراوي نفسها وسلامة متونها واستقامتها؟ ونحو ذلك. فمن ذلك قول المروذي: "قلت (يعني لأحمد): جابر الجُعْفي؟ قال لي: كان يرى التشيع، قلت: يتهم في حديثه بالكذب؟ فقال لي: من طعن فيه فإنما يطعن بما يخاف من الكذب، قلت: الكذب؟ فقال: إي والله، وذاك في حديثه بين" (٢).

стр. 75

وكان عبد الله بن وهب المصري يتساهل قليلا في السماع، ويصرح بالتحديث في الإجازة، وقد قيل لأحمد بعد أن أثنى عليه وبين صحة حديثه: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: "قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحا" (١). ولا شك أن هذه مهمة شاقة جدا، سهلها عليهم استعدادهم المسبّق للنقد والتمحيص؛ إذ يمضي الناقد قدرا كبيرا من عمره في الجمع والتحصيل، ليتمكن من المقارنة والموازنة والنظر، فالسنة أو غالبها بين ناظريه. وهناك عدة محاور يدور حولها النظر في أحاديث الراوي ومروياته تكشف حاله، وهي: ١ - اعتداله أو مجازفته في الرواية: مما يستدل به على صدق الراوي وثبته أن يروي أشياء يمكن تصديقه فيها، فيروي عمن يحتمل سنه إدراكهم، ويروي أحاديث مستقيمة المتون، ولا يعرف عنه رواية ما لا يقبله العقل. ومن هذا الباب أن يستدل الأئمة على صدق الراوي بروايته عن شخص مباشرة، وروايته عنه بواسطة واحد أو أكثر، ولو كان مجازفا لحدث عنه بالجميع دون واسطة، كما في قول ابن معين وسئل عن روح بن عبادة: "ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل على صدقه، يحدث عن ابن عون، ثم يحدث عن حماد بن زيد، عن ابن عون" (٢).
следующие страницы →