التحقيقات
على
شرح الجلال للورقات
تأليف
أبي زكريا
فضل بن عبد الله مراد
الأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر
أستاذ مقاصد الشريعة والفقه وأصوله وقواعده بجامعة الإيمان سابقًا
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
[الشرح والإيضاح]
يقول أفقر العباد إلى ربه ومولاه أبو زكريا فضل بن عبد الله مراد اليماني
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على الصادق المصدوق، أما بعد فهذا إيضاح وشرح على شرح الجلال المحلي للورقات.
جمعت تحقيقاته وفرائده من كتب الأصول؛ لينتفع بها المدرس للورقات وشرحه، وتبصرة للطالب النبيه على المباحث المتعلقة بالكتاب تعلقا قريبا.
وقد نقلت المذاهب من الكتب الأصول بلا واسطة، وحققت مذاهب القوم في المسائل التي نسب إليهم خلاف ما ذهبوا إليه.
وبنيت الفروع الفقهية على تلك الأصول؛ ليتضح للطالب بالمثال ما لا يتضح بالمقال.
وأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وينفع به قارئه والناظر فيه، طالبا الدعاء لي ولوالدي ومشايخي، موقنا أن الخلل وارد على الإنسان فمن رأى ذلك سدد وقارب وبالله ثقتي وعليه اعتمادي وتوكلي وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 3
أقول:
إنما اقتصر الإمام الجويني على البسملة دون الحمدلة تأسياً بأول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، قال الحافظ: فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها ... ويؤيده وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها.
كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل (١) ... ، وحديث البراء في قصة سهيل ابن عمرو في صلح الحديبية (٢)، وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب، دون الرسائل والوثائق، و"تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم افتتح كتابه بخطبة ... وقد استقر عمل الأئمة المصنفين افتتاح كتب العلم بالبسملة وكذا معظم كتب الرسائل" ا. هـ كلام الحافظ ﵀ (٣).
وقد جرى السلف في تصانيفهم على الحمد والصلاة، والسلام لفظاً، والاكتفاء بالبسملة في الكتابة، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث، ولا يكتبها.
والحامل لهم على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصاً بالخطب دون الكتب (٤)، وأيضاً فإن الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم كاف مع ما رتب عليه
стр. 4
من أسماء الصفات الرحمن الرحيم، ولا يعنى بالحمد إلا هذا لأنه الوصف بالجميل على جهة التفضيل كما أفاد العسقلاني ﵀.
فائدة:
قال بعضهم: يجب من جهة الصنائع على كل شارع في تصنيف أربعة أمور البسملة، والحمد، والصلاة على النبي ﷺ ، والتشهد.
ويسن له ثلاثة أمور:
تسمية نفسه، وتسمية كتابه، والابتداء على المقصود وهو المعروف ببراعة الاستهلال (١).
تنبيه: لا منافاة بين ما ذكره الحافظ من عمل السلف على الاكتفاء بالبسملة كتابةً وبين ما قاله النووي عليه رحمة الله تعالى في شرحه لمسلم: "هذا الذي فعله من ذكره الصلاة على النبي ﷺ بعد الحمدلة عادة العلماء ﵃" (٢). إذ المقصود في كلام الحافظ عمل المتقدمين ممن في طبقة البخاري وممن هو أعلى طبقة وكذا من نزل عن طبقته، ممن لم يقدم في ابتداءاته خطبة، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حَمِد وشهد كما صنع مسلم وغيره" (٣).
فقول النووي عادة العلماء أي من قدم خطبة بين يدي تصنيفه والله أعلم.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه ورقات قليلة، تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، ينتفع بها المبتدئ وغيره
وذلك أي لفظ أصول الفقه، مؤلف من جزئين أحدهما أصول والآخر الفقه
مفردين من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع، والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه.
فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول ما يبنى عليه غيره
كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض.
والفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.
[الشرح والإيضاح]
- قوله فهذه ورقات .
جمع سلامة منكر وهي تدل على القلة، وإنما صرح الشارح بقوله قليلة مع فهمه من قوله ورقات؛ للتنصيص على استعمال هذا الجمع في موضوعه لئلا يتوهم خروجه عنه إذ يستعمل للكثرة.
وقد أطال المحشون هنا الكلام على مرجع الإشارة هل هو ما في الذهن أو ما في الخارج أو الألفاظ أو النقوش أو المعاني بما لا طائل تحته.
- قوله: فصول.
الفصل: جملة مختصة من العلم مشتملة على مسائل غالباً، وسمي فصلاً لانفصاله عن غيره بمغايرته له وتميزه عنه.
стр. 6
- قوله: ينتفع بها المبتدئ وغيره.
انتفاع المبتدئ بالتعلم، وغيره باستفادة ما فيها، أو تذكره لجلالة فوائدها وعزة كثير منها.
قوله: أصول الفقه ... فيه مسألتان
- الأولى: تعريف الأصل لغة
عرفه المصنف لغة، فقال: ما يُبنى عليه غيره، أي: بناءً حسيا، كالجدار على أساسه أو معنوياً، كالفقه على أصوله.
وقد اعترض على هذا بالوالد وفرعه فإنه لا يبنى عليه بل يتفرع منه؛ ولذلك قال بعضهم: ما منه الشيء. ولكنه غير جامع لخروج أصل الجدار.
ولذلك قال الآمدي: أصل كل شيء هو: ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه (١).
وقال الإمام: ما يحتاج إليه الشيء (٢).
الثانية: تعريف الأصل اصطلاحاً .
لم يتعرض المصنف للأصل اصطلاحاً.
وله أربعة معان مشهورة (٣):
الأول: الدليل كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها.
قال في الكوكب: "وهذا الإطلاق هو المراد هنا" (٤) ا. هـ.
стр. 7
الثاني: الرجحان كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع الحقيقة لا المجاز، ـ
الثالث: القاعدة المستمرة. كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل.
الرابع: المقيس عليه. وبعضهم جعل بدلاً عن هذه (القاعدة). كما يقال الفاعل مرفوع أصل من أصول النحو (١).
стр. 8
والفقه الذي هو الجزء الثاني، له معنى لغوي وهو الفهم.
[الشرح والإيضاح]
بيان معنى الفقه:
المسألة الأولى: قوله في تعريف الفقه لغة: الفهم
أقول صرح أهل اللغة كما في القاموس مادة ف. ق. هـ
أن الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه ا. هـ. وفي مختار الصحاح الفقه الفهم هذا أصله ثم خص به علم الشريعة ا. هـ.
وفي الأساس للزمخشري: قال أعرابي لقيس بن عمر: شهدت عليك بالفقه. أي: بالفهم والفطنة (١)
وذكر ابن منظور هذه القصة في اللسان، وقال: الفقه العلم بالشيء، والفهم له. وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم ....
والفقه في الأصل الفهم يقال: أوتي فلان فقهاً في الدين أي: فهماً فيه، قال الله : "لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ" [التوبة: ١٢٢]، أي ليكونوا علماء به ... وفقه فقهاً بمعنى علم علماً ... الخ (٢)
فتحصل من هذا: أن كلام أهل العربية متوارد على أن الأصل في الفقه: الفهم، ويطلق كذلك على العلم، والفطنة.
стр. 9
المسألة الثانية: قولا الشيرازي والرازي في معنى الفقه وتحقيق المقام
ومن العلماء (الشيرازي) من زاد قيدا آخر هو الفهم الدقيق، وزاد غيره (الرازي) بأنه فهم غرض المتكلم
ولمناقشة ذلك نقول:
١_ تخصيصه بالفهم الدقيق إخراج له عن أصل وضعه اللغوي وملاحظة الوضع الاصطلاحي، فأنت ترى أهل اللسان لم يذكروا هذا القيد.
والذي قيده بهذا القيد هو الإمام الشيرازي في شرح اللمع، كما نبه عليه الإمام القرافي في نفائس الأصول وأقره (١)، ولم ينتبه الطوفي أنه في شرح اللمع لا في اللمع فقال: ولم أجده في اللمع فلعله في غيره أو في غير مظنته (٢).
وفي البحر المحيط نسبته إلى أبي إسحاق الشيرازي وصاحب اللباب من الحنفية (٣).
وقد اطلعت بعد هذا على كلام للإمام الإسنوي في شرحه لمنهاج البيضاوي يرد به كلام الشيرازي مستدلاً بكلام أهل اللسان فقال: "وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، وقال الآمدي: هو الفهم.
وهذا هو الصواب، فقد قال الجوهري: الفقه الفهم، تقول: فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم، قال الله تعالى: " فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً " [النساء: ٧٨]. وقال تعالى: " مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ " [هود: ٩١]. وقال تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " [الإسراء: ٤٤]. ا. هـ كلامه (٤).
стр. 10
ونحوه قال الرهوني في شرحه على المختصر وصحح ما ذهب إليه الأكثر من أن الفقه الفهم (١). وهذا هو مذهب أكثر الأصوليين غير أبي إسحاق الشيرازي ومن تبعه (٢).
وقد حقق الطوفي الكلام على المسألة ونقل فيها قول الشيرازي وغيره ثم قال: فقد تحقق بما ذكرته أن الفقه هو الفهم. ا. هـ (٣).
٢_ وقيده الإمام الرازي بالخطاب فقال: "الفقه في اللغة: فهم غرض المتكلم من كلامه" وتعقب بأنه: "يرد عليه أن المنقول عن اللغة أن الفقه هو مطلق الفهم" (٤). ا. هـ.
وأصل هذا للإمام أبي الحسن في المعتمد، (٥) وتبعه في المحصول كما قال الزركشي في البحر ورده، (٦) ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به.
ودليل الإمام استعمالها في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. ونحوها من الآيات أي ما نفهم خطابك، وأورد عليه أهل الأصول نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال في البحر: وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب بل عدم الفهم مطلقاً من الأدلة العقلية والسمعية وطرق الاعتبار (٧). وقال الإمام الهندي: وأما من فسره بأنه عبارة عن فهم غرض المتكلم فقد زاد قيداً غير معتبر في مفهومه يدل عليه ما أنشدناه من الشعر، وقوله تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: ٤٤]. لأنه نفي عنهم فقه تسبيحهم، وتسبيحهم ليس بالكلام على ما هو مذهب المحققين (٨). ا. هـ، ومن العلماء من قال الفقه
стр. 11
لغةً: العلم، كالقاضي أبي يعلي في العدة (١).
قلت: وهو وارد في كلام العرب كما عرفت مما سقته لك من نقل عن أهل اللسان، لكنه في أصل الوضع اللغوي بمعنى الفهم كما صرح به في اللسان.
إذاً الفقه في اللغة يطلق على:
- الفهم: كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
- العلم: ومنه قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، أي: ليكونوا علماء به.
стр. 12
ومعنى شرعي وهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة وأن الوتر مندوب.
[الشرح والإيضاح]
تعريف الفقه اصطلاحاً:
فيه مسائل
المسألة الأولى: الكلام عن المعرفة وبيان حقيقتها
المعرفة ترادف العلم في اللسان:
قال الجوهري: "علمت الشيء أعلمه علماً: عرفته". وفي القاموس: "عرفه معرفةً ... علمه".
وفي علم: قال: علمه، كسمعه، علماً، بالكسر: عرفه.
وفي اللسان مادة عرف: العرفان: العلم وفيه في مادة علم: وعلمت الشيء أعلمته علماً: عرفته، ويجوز أن تقول علمت الشيء بمعنى عرفته وخبرته.
وفي مختار الصحاح: (العارف) بمعنى كالعليم، والعالم.
وفي مادة علم: "وعلم الشيء بالكسر يعلمه علماً عرفه".
وتعبير المصنف في تعريف الفقه بالمعرفة، وقوله فيما سيجيء: العلم معرفة، كأنه حاول به التنبيه على أن المراد بالمعرفة والعلم واحد، لا كما اصطلح عليه البعض من التفرقة (١).
стр. 13
المسألة الثانية: الفرق بين المعرفة والعلم:
قال العلماء: إن المعرفة في الاصطلاح إدراك البسائط تصوراً، أو تصديقاً.
أو هي: إدراك الجزئيات.
أو هي: الإدراك بعد الجهل.
أو هي: الإدراك الأخير من إدراكين لشيء واحد يتخللهما عدمٌ (١).
والعلم: يختص بإدراك المركبات تصوراً أو تصديقاً.
ويقال: عرفت الله دون علمته (٢)، وفي شرح المواقف: إن علمه تعالى لا يسمى معرفة إجماعاً لا اصطلاحاً، ولا لغة (٣).
وهكذا يقال في البقية.
فالعلم يختص بإدراك الكليات أعم من أن يكون مفهوماً كلياً أو قاعدة كلية.
وكما أن المعرفة تختص بأنها: إدراك بعد جهل، أو إدراك الأخير من إدراكين ... الخ.
فالعلم بخلاف ذلك.
ولهذا لا يوصف الباري تعالى بالعارف ويوصف بالعالم، إذ علمه تعالى لا عن جهل سبق، ولا عن إدراكين بينهما عدم.
ولكن ينسب إليه الفعل من باب المقابلة، والمشاكلة ولذلك قال شيخ الإسلام أبو زرعة العراقي في نكته على منهاج الأُصول: وقد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في
стр. 14
كلام النبي ﷺ ، وأقوال أصحابه، وأهل اللغة (١)
قلت: ومنه الحديث المشهور: إحفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة (٢).
المسألة الثالثة: استعمال العلم، والظن كل واحد مكان الآخر ثابت لغة وشرعاً وعرفاً .
قلت: بيّن في اللسان في مادة ظن: أن الظن يطلق في لغة العرب ويراد به اليقين أي: يقين الفكر، والتدبر، لا يقين العيان. فإنه لا يقال فيه إلا علم (٣).
وما نحن فيه من الأول.
فعليه يجوز إطلاق العلم بمعنى الظن حقيقة لغوية وعرفية للفقهاء ونحوهم.
بل وشرعية كما في قوله تعالى: " الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ " [البقرة: ٤٦]. أي: يعلمون علم اليقين مع أن هذا في مقام ثناء ومدح، ولا يستعمل فيه إلا ما يدل على أرفع الصفات الممدوحة فلا يمدحون بشيء محتمل للذم، فدل على أن الظن بمعنى العلم وارد في لغة العرب، والقرآن، واستعمال الفقهاء، فهو حقيقة على أي وجه والتفرقة بينهما اصطلاح حادث.
المسألة الرابعة: هل يصلح المجاز في التعاريف ؟
المجاز المشهور في التعاريف وارد. بل قال العلامة ابن السبكي في منع الموانع: "وأما دخول المجاز في الحد فجائز إذا كان مشهوراً ". وأنا أقول: إني لم أر تعريفاً إلى الآن لا مجاز فيه، لا في المنطق، ولا في الكلام، ولا في الأصول، وهي العلوم التي تحرر فيها التعاريف أكثر من غيرها فما ظنك بغيرها. ا. هـ (٤).
стр. 15
وقال ابن الأمير: "وقد يقال (يعني العلم) على: ما يشمل الظن. وكثيراً ما يستعمله الفقهاء في هذا الأخير، وهو معناه الأعم. (١)
والمراد به هنا ما يشمل المعنيين جميعاً- أي: الاعتقاد الجازم ... الخ والظن فقط. فإن كان لفظ العلم مشترك بينهما، فاستعمال المشترك في معنييه- وإن كان مهجوراً في التعاريف- فالمقام هنا مشعر بالمراد فتزول الجهالة، وإن كان ليس بمشترك كما أفاده في المواقف، فإنه قال: إن تسمية الظن علماً، وجعله مندرجاً فيه كما ذهب إليه الحكماء، مخالف لاستعمال اللغة، والعرف، والشرع.
فقد قيل عليه إنه لا مانع من إطلاقه عليه مجازاً، والتعريف بالمجاز المشهور قد أجازوه. ا. هـ.
ولو سلم كونه مجازاً فهو مجاز مشهور يجوز استعماله في الحدود كما تقدم وإن سلم (٢) "فالتقييد بالحصول عن الاجتهاد قرينة واضحة لهذا المجاز، لوضوح أن الحاصل عن الاجتهاد لا يكون إلا ظنياً" (٣).
قلت: وقد عرفناك أن العلم بمعنى الظن حقيقة في اللغة، والقرآن، وعرف الفقه، فقول صاحب المواقف غير صحيح بل هو محاكمة للفظ إلى الاصطلاح الحادث.
والخلاصة:
١ - أن استعمال العلم بمعنى الظن حقيقة لغوية، عرفية، شرعية.
٢ - أن المجاز المشهور سائغ في الحدود.
٣ - أن العلم هنا بمعنى الظن لتقييد حصوله عن اجتهاد.
стр. 16
المسألة الخامسة: قوله: معرفة الأحكام
هل المراد بمعرفة الأحكام جميعها، أم بعضها، أم غالبها.
فإن قلنا بالأول: استحال أن يوجد فقيه أو مجتهد.
وإن قلنا بالثاني: كان جميع الناس مستحقين لهذا الوصف، فيصح حينئذ وصف المقلد والعامي بذلك.
وإن قلنا بالغالب: قيل الغلبة لا تنضبط، وغير المضبوط لا يضبط به.
وسبب ورود ذلك في المسألة الاختلاف في حقيقة -أل- في الأحكام هل هي للجنس الاستغراقي أم لا؟
فعلى الأول: لا يكون الحد جامعاً لخروج كثير من المجتهدين، وعلى الثاني: لا يكون الحد مانعاً لدخول المقلد والعامي.
والجواب أن المراد "بمعرفة الأحكام"، أي: معرفة بالاجتهاد تحقيقاً، وتهيؤاً قريباً. وإنما قيدناها بالقرب ليخرج التهيؤ البعيد كتهيؤ العامي والمقلد (١).
وقيل إن التعريف صحيح على كلا التقديرين.
١) فعلى تقدير أنها للاستغراق المقصود تهيؤه تهيؤاً قريباً بحيث لو تأمل في المسألة أدركها.
٢) وعلى تقدير عدم الاستغراق فالمقصود ما حصل عن ظن ومعرفة استدلالية، وهذا لا يكون في العامي والمقلد.
стр. 17
المسألة السادسة خرج "بالأحكام "
" الذوات، والصفات، والأفعال " قاله في الحاصل (١).
وبيانه أن العلم لا بد له من معلوم وهذا المعلوم أربعة:
١) الجسم أو الذات.
٢) الفعل.
٣) الصفة.
٤) الحكم.
فالذات كالإنسان، والفعل كالضرب، والصفة كالسمرة والبياض، ونحوها والحكم هو: نسبة الفعل إلى الذات فتقول ضرب زيدٌ عمراً.
ووجه هذا الحصر (٢): "أن المعلوم إن لم يكن محتاجاً إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج فإن كان سبباً للتأثير في غيره فهو الفعل كالضرب والشتم، وإن لم يكن سبباً فإن
كان نسبة بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالحمرة والسواد. فلما قيد العلم "المعرفة" بالحكم كان مخرجاً للثلاثة" (٣).
المسألة السابعة: خرج بقوله الشرعية .
العقلية. كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أعظم من الجزء، والعادية كالطب والهندسة، وعن اللغوية والحسية كالعلم بأن النار محرقة (٤)
стр. 18
المسألة الثامنة: قوله التي طريقها الاجتهاد .
هذه يجب أن تكون صفة لـ "معرفة"، أي: معرفة طريقها الاجتهاد؛ لأن هناك معرفة طريقها التقليد؛ لإخراج فقه المقلد والخلافي الآخذ عن إمامه المسألة بدليلها؛ وإنما نبهنا على هذا لأن المتبادر إلى الفهم أنها صفة للأحكام فيدخل علم المقلد في الحد.
ولا يقال إن جعل (التي طريقها الاجتهاد) قيداً للأحكام كافٍ عن جعلها قيداً للمعرفة، لأنا نقول: لا يقتضى تقييد الاحكام بذلك ألا يدخل في الحد علم المقلد؛ لأن علم المقلد يصدق عليه أنه "معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد"، إذ إن المقلد يعلم المسألة التي طريقها الاجتهاد ويعرفها، ولكن لا بالمعرفة الاجتهادية بل بالمعرفة التقليدية لإمامه. فتنبه لهذه الدقيقة وقد قرر شراح الكتاب ذلك؛ منهم بالتصريح: كالتاج الفزاري، والعبادي في شرحه على شرح المحلى، والدمياطي في حاشيته (١)، ومنهم بغيره: كالمحلى لما قال: "بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد"، فيه إشارة إلى أن المقصود العلم الذي طريقه الاجتهاد.
أي المعرفة التي طريقها الاجتهاد كما تقدم فيخرج به علم المقلد، ويخرج كذلك علم الباري ، وعلم جبريل، وعلم رسول الله ﷺ (٢):
أما علم الله فلا يوصف بأنه مكتسب، ولا ضروري:
أما الأول: فلإشعار الاكتساب بسبق الجهل المحال عليه تعالى، وأما الثاني: فلأن الضروري يطلق على معنيين:
١. على ما لا يفتقر إلى نظر واستدلال.
стр. 19
٢. وعلى ما قارنه الاحتياج إليه.
وهو بالمعنى الأول لا خير في إطلاقه على علم الله تعالى؛ ولكن لما كان يطلق على الثاني المنزه عنه علمه تعالى كان إطلاق الضروري على علمه تعالى موهماً إرادة المعنى الثاني فامتنع إطلاقه لذلك.
وأما علم جبريل فهو بما ينزل إليه من عند الله، بخلق علم ضروري يستفيد به الحكم منه، لا بواسطة النظر والاستدلال.
كذا قالوا وهو ضرب من الكلام علي الغيب بلا برهان من كتاب ولا سنة.
وعلم النبي ﷺ الأحكام مما يوحى إليه.
وهذا واضح بناء على أن ذلك من النظر في الأدلة، ويحتمل عدم تسميته فقهاً بناءً على أن الله يخلق له علماً ضروريًّا يدرك به ما اجتهد فيه. قولان (١).
فائدة ـ من هو الخلافي ؟
الخلافي المراد به: من يأخذ من المجتهد الحكم بدليل خاص إجمالي.
وهل المراد الأخذ من نفس المجتهد كأخذ ابن القاسم عن مالك، والمزني عن الشافعي، أم المراد به كل حافظ لقول إمامه يريد تأييده في أي عصر ولو لم يشافه إمامه؟
أخذ العطار في حاشيته بالثاني (٢)، ورد الأول وأشار إلى أنه وهم.
بل الخلافي منسوب لعلم الخلاف أي المشتغل به في أي عصر.
стр. 20
المسألة التاسعة: لماذا أغفل المصنف قيد "العملية" في تعريف الفقه وتحقيق المقام بما لا تجده في غيره ؟
أغفل إمام الحرمين قيداً مشهوراً عند الأصوليين وهو "العملية" صفة للشرعية، مع أن غرض بعض أهل الفن من هذا القيد إخراج الأحكام الشرعية العلمية، أي الاعتقادية: كالعلم بأن الله واحد، وأنه يُرى في الآخرة، وأن الجنة والنار مخلوقتان (١).
والجواب -والله أعلم-: أن المصنف أغفله ليدخل علم الاعتقاد، والأخلاق، والسلوك في حد الفقه، لأنه يتعلق به كيفية معاملة الخالق سبحانه، وهو فقه بل هو الفقه الأكبر فوجوب الصدق والإيمان، والبر، والتقوى، حكم فقهي، وحرمة الكذب، والخيانة، والفسق، والحسد، والقنوط كذلك حكم فقهي.
وهكذا وجوب معاملة الخالق، وحرمة الشرك، والعقائد الفاسدة، كل هذا من الفقه الأكبر وهو فقه الأصول، وذاك فقه الفروع هذا ما ظهر لي. ثم تتبعت كلام المصنفين في الأصول فترجح عندي ذلك.
وبيان ذلك بمباحث:
تحقيق هام لمعنى "العملية " في تعريف الفقه وما يتعلق بها من مباحث:
الأول: معنى العملية.
الثاني: ما يحترز بها.
الثالث: من زادها أو أغفلها أو أبدلها.
أما المبحث الأول: فهو معنى العملية (٢):
العمل المراد به هنا ما يشمل عمل الجوارح الظاهرة والباطنة من الأفعال والأقوال.
стр. 21
هذا بالاتفاق، وسواء الأعمال القلبية كوجوب النية أو غيرها، وسيأتي لهذه الأخيرة مزيد من التحقيق فيما يأتي:
فالمراد بالعملية إذاً الأحكام المتعلقة بالعمل من حيث الكيفية، والكيفية هي الوجوب وأخواته فنقول مثلاً: "الوتر عملٌ".
وبأي كيفية يتعلق بعمل المكلف، فنقول بكيفية الندبية، فنقول الوتر مندوب. فالكيفية التي هي الندب هنا صفة للعمل الذي هو الوتر.
فالعمل هو المحكوم عليه، ومتعلق النسبة التي هي الحكم صفة له.
وكذا يقال: النية في الوضوء واجبة، المحكوم عليه فيه هو النية التي هي عمل قلبي، والمحكوم به الوجوب والحكم ثبوت الوجوب للنية ومتعلقه الذي هو الوجوب وصف للنية.
والفقه هو العلم بذلك الحكم أي: إدراك المسمى تصديقاً.
فالفقه في المثالين المذكورين: معرفة ثبوت الوجوب للنية من أدلتها، ومعرفة ثبوت الندبية للوتر.
مناقشة بعض الايرادات .
الأول: قيل إن كون الأحكام الفقهية عملية حكم أغلبي، وإلا فمنها ما ليس عملياً كطهارة الخمر إذا تخلل، وكمنع الرق الإرث، وغير ذلك.
والجواب: أن تعلق الفقه بها من حيث أن استعمال الخمر المستحيل خلاً جائز، وقسمة التركة على الأحرار واجبٌ وهكذا (١).
قلت فيندفع هنا ما قاله ابن قاسم في الآيات البينات:
стр. 22
الثاني: أفعال الصبي والمجنون، ومُتلَف البهائم. راجع إلى البحث عن فعل المكلف، ولا تكليف على صبي، ومجنون، وبهيمة.
إذاً فتؤول حتى ترجع إلى فعل الولي، والمالك، وهكذا.
بيان ذلك أنه يمنع من المحرمات كالزنا، وشرب الخمر، وأنه يؤمر بالطاعات كالصلاة، فينبغي تعميم الكيفية لنحو المنع في قولنا: زنا الصبي يمنع منه، ويؤدب عليه وجوباً على وليه، ولنحو الأمر والضرب في قولنا: صلاة الصبي يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر وإتلاف البهائم يضمنه صاحبها وقس على ذلك (١).
تحقيق كلام أهل الأصول في إدخال مسائل الاعتقاد في الفقه .
هل المراد بالعمل ما يشمل الاعتقاد أم لا؟
قال الإسنوي في نهاية السول (٢): " العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية غير العملية وهو أصول الدين، كالعلم بكون الإله واحداً، سميعاً بصيراً (٣) " ا. هـ.
ونُقِلَ هذا عن الباجي (٤).
стр. 23
وجزم به الجلال في شرحه على الجمع فقال: "وبقيد العملية: العلمُ بالأحكام الشرعية العلمية أي: الاعتقادية، كالعلم بأن الله واحد وأنه يُرى في الآخرة".
وكذا السعد في التلويح (١).
ومما يجب التنبه له أن المقصود بالباجي هنا هو: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب علاء الدين الباجي المولود في سنة إحدى وثلاثين وستمائة ٦٣١ هـ والمتوفي في السادس من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وسبعمائة وهو شيخ العلامة السبكي صاحب الإبهاج المتوفي سنة ٧٥٦ هـ، فلا يشتبه بأبي الوليد الباجي المالكي الأندلسي سليمان بن خلف الباجي فإنه آخر، وهو من علماء القرن الخامس توفي سنة ٤٧٤ هـ فليتنبه (٢).
فهؤلاء العلماء (الإسنوي ـ الجلال والسعد ـ الباجي) نقل عنهم إخراج مسائل الاعتقاد، والمتبادر إلى الأفهام إخراجُها على وجه الإطلاق، ولكن عند تتبع كلام علماء أهل الأصول في ذلك تبين معنى كلام الثلاثة، وأن له معنى غير المتبادر من أول وهلة، وبيان ذلك كما يلي:
أ. النظر إلى مسائل الاعتقاد من جهتين:
الأولى: من جهة أنها خبريات، فهذا راجع إلى النظريات، وهو من علم العقيدة المسمى: بعلم الكلام. كالعلم بأن الله واحد، وأنهُ يَرى في الآخرة، وأن الجنة والنار مخلوقتان.
فهذه وأمثالها خبريات راجعة إلى الجانب النظري لا العلمي، وبرجوعها إلى جانب
стр. 24
النظريات دخلت في علم العقائد وخرجت عن علم الفقه؛ لأن الفقه هو تنزيل الأحكام الخمسة على أفعال المكلفين.
والثانية: النظر إلى هذه من جهة أنها إنشائيات متعلقة بعمل قلبي، فقولنا: الجنة والنار مخلوقتان أمرٌ خبري يتعلق به عمل هو: الإيمان بذلك فالإيمان هو عمل القلب، والمحكوم به هو: الوجوب، والحكم (ثبوت وجوب الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان).
والفقه: إدراك ومعرفة ثبوت ذلك على المكلف بالأدلة التفصيلية بالاستدلال هذا هو إيضاح ما غمض في المسألة في كلام المتقدمين، فالفقه بهذا المعنى المبسط هو: معرفة ثبوت حكم شرعي من الأحكام الخمسة على فعل من أفعال المكلف فمن عرف الأحكام الشرعية وعرف اثباتها وتنزيلها على الواقع الذي هو من فعل المكلف فهو العالم الفقيه.
إذاً: فعلمك بوجوب اعتقاد أن الله واحدٌ فقه، وعلمك أن الله واحد ليس بفقه بل هو من علم الكلام فالمتكلم يثبت الوحدانية، والفقيه يثبت وجوبها هكذا قرروا كاصطلاح وإلا فالفقه الأكبر معرفة الله سبحانه.
وقال العلامة الشربيني: "والحاصل أنه من حيث أنه حكم إنشائي تعلق به الخطاب من الفقه ... ومن حيث أنه يثبت له الاعتقاد من الكلام. وقد تقرر أن الموضوع للعلمين قد يكون واحداً والاختلاف بالحيثية فليتأمل" (١).
وقال السبكي في الإبهاج: " يراد بالحكم الإنشائي لا الخبري ... وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي" (٢).
وفي منع الموانع: المراد بالحكم الإنشائي لا الخبري، وما لا يثبت إلا بالسمع ينظر
стр. 25
فيه من جهتين:
- إحداهما: أصل ثبوته وذلك ليس بإنشاء لأن السمع فيه مخبر لا منشئ كقولنا "الجنة مخلوقة، والصراط حق".
- والثانية: وجوب اعتقاده وذلك حكم شرعي إنشائي وهو عندنا عمل من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا "الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف".
ب) أعمال القلب داخلة في قيد العملية وتحقيق المسألة:
أعمال القلب داخلة في قولهم "العملية"، وذلك أن العمل موزع على الجوارح واللسان والقلب وهذا أمر ظاهر مشتهر بين أهل الأصول، ولذلك تعقب القرافي المحصول في الإتيان بلفظة "العملية" للاحتراز على الأعمال القلبية مع أنها داخلة في الفعل، قائلاً: فقوله -يعني الرازي: "العملية يقتضي الاحتراز عن الأحكام الشرعية العملية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح، وعلى هذا يخرج بعض الفقه من الحد، لأن الفقيه كما يكون فقيهاً بالعلم بوجوب الصلاة والصوم، يكون فقيهاً بالعلم بوجوب النية والإخلاص، وتحريم الربا والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا في القلب، فقد تعلق الفقه بعمل الجوارح والقلب أيضاً، فإخراجه يقتضي إخراج بعض المحدود فلا يكون الحد جامعاً" (١).
ووافقه السبكي فقال: "إن أريد بالعمل عمل الجوارح والقلب، فلا تخرج- يعني الاعتقادات- لدخولها في أعمال القلب، وإن أريد بالعمل عمل الجوارح فقط خرجت النية وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء فيها كالردة وغيرها مما يتعلق بالقلب، ولذلك ترك الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية وقالا: الفرعية؛ لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل قلب" (٢).
стр. 26
وفي منع الموانع قال: "وقولكم: هل تسمى الاعتقادات، والنيات، والأقوال أفعالاً؟ جوابه أنها تسمى، وأما كون ذلك بالحقيقة، أو المجاز فيتوقف على نقل اللغة، والأظهر عندي أنه بالحقيقة" (١).
ومن هنا يُعلم أن عدول الآمدي، وابن الحاجب وغيرهما عن لفظ العملية إلى لفظ الفرعية احتجاجاً بأن النية من مسائل الفروع وليست عملاً ليس بجيد لأنها عمل (٢).
جـ ـ والاعتقادات من حيث طرق استفادتها وثبوتها مقسمة إلى ثلاثة أقسام:
١ - ما يثبت بالعقل: كوجود الباري.
٢ - ما ثبت بالعقل، والسمع: كالوحدانية. وهذان خرجا بقولنا الشرعية، وهي ما يتوقف على الشرع.
٣ - ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع: كمسألة رؤية المؤمنين لربهم، وأن الجنة مخلوقة، ونحو ذلك، وهذا "قد يقال أنه داخل في الشرعية" (٣).
"لأنه ينظر إليه من جهتين: أحدهما أصل ثبوته، وليس ذلك بإنشاء لأن السمع فيه مخبر لا منشئ كقولنا الجنة مخلوقة والصراط حق.
والثانية: وجوب اعتقاده، وذلك حكم شرعي إنشائي، وهو عندنا عملي من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا: الحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلف (٤).
أقول: وعندي أن الجميع راجع إلى الشرع، وذلك أن ما ثبت بالعقل لا يخلو: إما أن يوافقه الشرع، أو لا يوافقه؛ فإن وافقه فهو راجع إلى الشرع، وإن خالفه بطل أصلاً، وأما
стр. 27
ما ثبت بالسمع والعقل فراجع كذلك إلى الشرع لافتقاره لموافقته. وعليه فالاعتقادات داخلة تحت قولهم: "الشرعية".
والخلاصة: أن الاعتقادات داخلة في الشرعية، وأنها من أعمال القلب، وأن الفقه متعلق بالأعمال على وجه العموم. فيتحصل من هذا: أن الأعمال القلبية فقه، وأنها الفقه الأكبر؛ لتعلقها بمعاملة الباري سبحانه، وأن حد الفقه شامل لها من حيث أنها عمل للمكلف. والله أعلم.
وبهذا التحقيق والتحرير تكشف سبب إغفال إمام الحرمين في متن الورقات لهذه اللفظة أعني "العملية" وذلك لما يرد عليها من إيرادات وما توهمه من إيهامات الحق خلافها.
وسيزداد الأمر جلاءاً في المباحث الآتية الثاني وما يليه.
стр. 28
المبحث الثاني: ما يحترز بهذه اللفظة "العملية ":
العمليه احتراز عن أصول الفقه "العلم بكون الإجماع، وخبر الواحد، والقياس حجة؛ فإن كل ذلك أحكام شرعية، مع أن العلم بها ليس من الفقه؛ لأن العلم بها ليس علماً بكيفية عمل (١) " بمعنى أنها ليست علماً بحكم عمل المكلف.
إذ هي "أمور تعلم ولا تعمل، ولا يقال للعالم بها: فقيه في العرف، بل أصولي فاحتاج لإخراجها عن الحد (٢) ".
وقال الأصفهاني (٣): خرج به أصول الفقه، فإنه ليس بعملي، أي: ليس علماً بكيفية عمل. قال ابن دقيق العيد: وفيه نظر، لأن الغاية المطلوبة منها العمل، فكيف يخرج بالعملية؟
وقيل: احتراز عن أصول الديانات وقد تقدم تحقيق ذلك.
стр. 29
المبحث الثالث: من زادها من علماء الأصول ومن أغفلها ومن عدل عنها لغيرها:
ذكرها الإمام الرازي فقال "العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها في الدين ضرورة" (١)
والبيضاوي: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية" (٢)، وزادها في جمع الجوامع، ومختصراته، ومنظوماته.
ومنهم من ذكرها بطريقة أخرى كالإمام الغزالي "العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين" ١/ ٤. وكذا الهندي في النهاية ٢٠/ ١.
وصدر الشرعية في التنقيح ١/ ١٠: معرفة النفس ما لها وما عليها عملاً.
وعدل عنها ابن الحاجب، والآمدي إلى الفرعية وقد تقدم ذلك.
وأغفلها إمام الحرمين في الورقات، والشيرازي "وتعريفه كتعريف إمام الحرمين في الورقات" في اللمع، وأبو الحسن البصري في المعتمد ١/ ٤ إذ قال: "جملة من العلوم بأحكام شرعية".
والحاصل: أن من أغفلها فعل ذلك لما يرد عليها من إيراد وما توهمه مما ليس مراداً. ومن ذكرها قصد إخراج علم أصول الفقه كالرازي، أو إخراج أصول الديانات من جهة معينة، وهي حيث لم يتعلق بها كيفية عمل كما سبق تحقيقه.
فتبين من هذا ما المقصود من ذكرها، أو إغفالها. والله أعلم.
стр. 30
وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص، ونحو ذلك من مسائل الخلاف، بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنا محرم، ونحو ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى فقهاً فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن.
[الشرح والإيضاح]
المسائل القطعية لا تسمى فقها فيه ثلاث مسائل:
الأولى: الأمثلة التي ذكرها وهي كون النية شرط في صوم رمضان مسألة اجتهادية ؛ لأن مبناها على النظر والاستدلال لذلك اختلف فيها العلماء، وهكذا بقية المسائل التي ذكرها.
ومعنى القتل بالمثقل. وهو ماكان بغير السيف، يقال القتل بالمثقَّل، أو بغير المحدد: وهو ما ليس له حد، كالعصا والحجر. واختلف الفقهاء في شأنه، هل يوجب القود؛ لأنه عمد، أو الدية؛ لأنه شبه عمد؟
قال أبو حنيفة: القتل بمثقل إلا الحديد وما في معناه من نحاس وصنجة ميزان شبه عمد. واستثناء الحديد لأنه يعمل عمل السلاح
وقال الصاحبان: القتل بمثقل كحجر عظيم أوخشبة عظيمة إذا كان مما يقتل غالباً عمد.
وقال الشافعية والحنابلة: أن القتل بالمثقل الذي يقتل غالباً عمد.
стр. 31
وقال المالكية: القتل بمثقل قتل عمد، سواء أكان مما يقتل غالباً أم لا يقتل غالباً، ما دام الفعل عدواناً، لا على وجه اللعب والتأديب (١).
الثانية: ما كان من المسائل لا يحتاج إلى نظر واستدلال فلا يسمى فقهاً في اصطلاح أهل الأصول وإن كان فقها في أصل الشرع ؛ لأن علم القطعيات تتعلق به النذارة المقصودة في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]
وبهذا يتضح أن الفقه عند الأصوليين هو ما فيه اجتهاد ونظر، وأن أصول الفقه وضعت لتقنين مسالك النظر والاجتهاد في المسائل الاجتهادية، فيدخل في النظر كل المسائل الاجتهادية في العقائد، والسلوك، والفروع.
الثالثة قوله: "فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن "
المقصود للشارح هنا، بيان أن المعرفة الواردة في تعريف الفقه هي المرادفة للعلم الشامل للظن،
لا العلم المقصور على اليقيني والقطعي وقد تقدم نقل كلام أهل اللغة.
ونبه بقوله "هنا" ليخرج الاستعمال الآتي في تعريف العلم إذ المقصود بالعلم هناك ما لا يشمل الظن.
وحاصل الكلام أنه قد تقرر في وضع اللغة ترادف المعرفة والعلم بلا قيد بخلافها في التعاريف الاصطلاحية، فهي في تعريف الفقه ترادف العلم الشامل للظن، وفي تعريف العلم الآتي "معرفة المعلوم على ما هو عليه"، فمعناها يختلف عنه- كما سيأتي بيانه-.
стр. 32
فعلم من هذا أنه: "إنما قيد بهنا؛ لأن الظن ليس معناها الأصلي الغالب في الاستعمال، إذ قد ذكروا أنها ترادف العلم، وإنما قال فالمعرفة العلم بمعنى الظن ولم يقل المعرفة بمعنى الظن مع أنه أخصر؛ لأنه لم يشتهر إطلاقها بمعنى الظن بخلاف العلم" (١).
стр. 33
والأحكام المرادة فيما ذكر سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل.
فالفقه العلم بالواجب والمندوب إلى آخر السبعة، أي: بأن هذا الفعل واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهكذا إلى آخر جزيئات السبعة.
[الشرح والإيضاح]
المسألة الأولى: قوله: "والأحكام سبعة، الواجب، والمندوب، والمباح، والمحضور، والمكروه "
شرح كلامه وبيان الفرق بين الإيجاب والوجوب ونحوه وتحقيق المقام:
اعلم أن الأصوليين لهم ثلاث إطلاقات على الخمسة المذكورة، فيعبرون عن الأول تارة بالإيجاب، وتارة بالوجوب، وكذلك الباقي كما سنرى وقد تتبعت كلامهم المتناثر ولخصته هنا تلخيصاً تفهم به المسألة فهماً دقيقاً بإذن الله فأقول:
علة ذلك أن الحكم الشرعي ينظر فيه من ثلاث جهات:
الأولى: من جهة كونه خطاب الله تعالى، فيعبر عن الخمسة من هذه الجهة بالإيجاب، والندب، والإباحة، والحضر أو التحريم، والكراهة: فيقال هذا خطاب إيجاب، وهذا خطاب تحريم، وقس على ذلك.
ولذلك يقال لا إيجاب إلا لله، ولا تحريم إلا له، ولا حكم إلا له، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]. أي: لا تحليل ولا تحريم ولا إيجاب إلا لله، ولا يقال لا واجب إلا لله أو لا وجوب إلا لله.
ولكن يقال لا فعلَ واجبٌ إلا بإيجاب الله، ويقال لا وجوب على مكلف إلا بإيجاب الله، فأنت ترى الفرق في التعبير والإطلاق بحسب اختلاف الجهة المنظور فيها.
стр. 34
إذاً فالجهة الأولى بالنظر إلى الحاكم.
أما الجهة الثانية: فهي بالنظر إلى تعلق الحكم بالمكلف فيقال: الوجوب والحرمة، والإباحة، الندب، والكراهة.
ويظهر الفرق بين الجهة الأولى والثانية في الإبدال من الآية: إِنْ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ، التقدير: "لا إيجاب ولا تحريم، ولا إباحة إلا لله، فإن غيرنا بالوجوب والحرمة قلنا لا وجوب على مكلف، ولا حرمة إلا بإيجاب الله أو تحريمه.
ولا يصح لا وجوب ولا حرمة إلا لله فنلاحظ هنا ارتباط الوجوب والحرمة بفعل المكلف، وتبين أن الحكم هو: الإيجاب والتحريم ... الخ. ويعبر بها إذا أريد بيان مصدر الحكم فيقال: هذا إيجاب، أي: من الله تعالى.
وهو من أوجب يوجب إيجاباً فهو موجب، ويضاف إلى الخطاب فيقال: هذا خطاب إيجاب، والإضافة بيانية؛ لأن الخطاب هو نفس الإيجاب، فالتقدير هذا خطاب هو الإيجاب أي: هذا إيجاب.
أما الوجوب والحرمة فليستا الحكم، بل وصفان يدلان على تعلق الحكم بالمكلف فيعبر بهما إذا أريد بيان تعلق الحكم بالمحكوم عليه، وهو من وجب يجب وجوباً فهو واجب.
فإذا قلت: وجب وجوباً ففاعله ضمير مستتر راجع إلى الحكم، وإذا قلت أوجب إيجاباً ففاعله ضمير مستتر راجع إلى الله.
أما الجهة الثالثة: فهي بالنظر إلى فعل المكلف، من حيث الوضعية.
فإذا أردنا بيان الصفة الشرعية لفعل المكلف فنقول: هذا فعل واجب، أو حرام ونحو ذلك: فصلة الرحم فعل. وتوصيفها الشرعي هو: واجب، فنقول وصْلُ الرحم واجب، ولا يقال وصل الرحم إيجاب، أو وجوب بل نقول حكمه الوجوب.
стр. 35
إذاً فالإيجاب لله، والوجوب صفه للحكم، والواجب صفه لفعل المكلف، فظهر من خلال هذا أن الإيجاب ينظر فيه إلى الحكم، وأن الوجوب ينظر فيه إلى تعلقه بالحكم وينظر فيه إلى تعلقه بالمكلف، فهو واسطة بين الإيجاب والواجب، وأن الواجب ينظر فيه إلى فعل المكلف فقط. فالإيجاب هو الحكم، والوجوب صفته المتعلقة بفعل المكلف، والواجب هي صفة فعل المكلف.
ثمرة المسألة (١):
١ - لها ثمرة في التعاريف، فتعريف الإيجاب والوجوب غير تعريف الواجب (٢).
٢ - من حيث المعتقد وهو: أن الإيجاب متعلق بالكلام الأزلي، فالإيجاب هو الحكم وهو صفة لله تعالى. وأما الوجوب فهو من وجب إذا استقر وسقط، وهو هنا استقراره على المكلف بحسب الشروط التكليفية من فهم وقدرة، فالوجوب من هذه الحيثية هو الوجوب التنجيزي وهو الحادث. ومن حيثية تعلقه بالإيجاب الذي هو الحكم فهو قديم فيقال: في الإيجاب والوجوب حكم والحكم صفة الله تعالى، وأما الواجب فهو: فعل المكلف.
قال الإمام القرافي: "والذي ذكره (يعني الرازي) ليس حكماً؛ لأن حكم الله -تعالى- هو الوجوب لا الواجب، بل الواجب هو فعل المكلف، فهو متعلق الحكم لا نفس الحكم، فشرع عند الحكم حد متعلقه، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، وأحدهما مباين للآخر؛ لأنه فعله فكان المتعيّن أن يقول: الوجوب هو الذي يذم تارك متعلقه شرعاً على بعض الوجوه، وهذا السؤال مطرد في جميع حدوده، وهذا التعبير لازم في الجميع. (٣).
стр. 36
ولذلك نرى أهل الأصول يعرّفون الإيجاب أو الوجوب غير تعريفهم الواجب؛ ملاحظين هذه النكتة: ففي شرح الجلال المحلى مثلاً: "فحد الإيجاب الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً جازماً" (١).
وقال ابن الحاجب: "فإن كان طلباً لفعل غير كف ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب فوجوب، والواجب الفعل المتعلق للوجوب" (٢). فهم يفسّرون الوجوب، والإيجاب بالخطاب وبالطلب، بخلاف الواجب فتراهم يفسرونه بالفعل الذي اقتضاه خطاب الشرع على اختلاف في عباراتهم، لكنها ترجع إلى هذا المعنى.
وقد صرح إمام الحرمين في البرهان بهذا فقال: "والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا، وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب " (٣). ولذلك نصوا على: "أن ما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وهذا ظاهر.
والذي تلخص هنا: أن الواجب له تعريف خاص به من حيث أنه صفة فعل المكلف يذم ويمدح عليه، بخلاف الإيجاب، والوجوب فهما من جهة الحكم، والحكم صفة الحاكم فنحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] يسمى باعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجاباً، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل المكلف، وجوباً.
فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فنرى العلماء تارة يعرّفون الإيجاب، وتارة يعرفون الوجوب نظراً إلى الاعتبارين (٤).
стр. 37
هذا هو تحقيق المسألة والله تعالى أعلم (١).
قوله: "والأحكام سبعة "
أي: والأحكام التي ذكرناها في تعريف الفقه سبعة.
وكان الأصل أن يقول وهي سبعة بالإضمار، وعدل عنه زيادة في الإيضاح للمبتدئ. ويرد هنا سؤالان:
١ - لماذا لم يذكر الأحكام الوضعية السبب والشرط والمانع ؟
٢ - لماذا خص الصحة، والفساد في الأحكام بالذكر دون الوضعية، والرخصة والعزيمة ؟
والجواب على ذلك: إن للأصوليين بحسب استقرائي مذهبين في المسألة:
أفإمام الحرمين في الورقات، وفي البرهان (٢) اقتصر على ذكر هذه ولم ينص على الأحكام الوضعية في تقسيم الحكم، وكذا القاضي البيضاوي في المنهاج (٣).
والسبب يرجع إلى أن الأحكام الوضعية في حقيقة الأمر راجعة للأحكام التكليفية، فذكرها ضمناً فيها، إذ الحكم التكليفي لا يتعلق بفعل المكلف إلا بتقرر الحكم الوضعي، بل التكليف العام لا يتعلق بالمكلف إلا بحكم وضعي هو: الفهم، والقدرة. وهذان هما سببا التكليف.
ويقال هذا في التكاليف الجزئية، كقولنا: الزكاة واجبة في هذا المال، إنما وجبت لوجود حكم وضعي هو السبب، والشرط كالنصاب وحولان الحول.
стр. 38
لا يقال قد تتخلف القاعدة بالزكاة في مال الصبي، والأروش، والجنايات لغير المكلف وما أتلفته البهائم ونحوها من صبي ومجنون. فوجد الحكم الوضعي ولم يوجد التكليف؛ لانعدامه في الصبي، والمجنون، والبهائم.
وما دام الأمر كذلك فلا بد من ذكر الأحكام الوضعية استقلالاً لا ضمناً؛ لأننا نقول: لم تتخلّف الكلية؛ لأن الضمان وإخراج الزكاة واجب، ووجوبه حكم تكليفي، ولا يصلح تعلق الحكم التكليفي إلا بالمكلف، والصبي ونحوه غير مكلف، فأقام الشرع وليه مقامه في ذلك كله، فيخرج الزكاة عنه من ماله أي الصبي، ويضمن عنه، وأمثلة ذلك كما هو مسطور في كتب الفقه. هذا ما ترجح في تعليل ذلك والله أعلم (١).
ب. والمذهب الثاني: جمهور الأصوليين أفردوها بالذكر تحت أقسام الحكم الشرعي، والمسألة سهلة.
والجواب على السؤال الثاني: أنه خص الصحة والفساد بالذكر؛ لأن الحكم إن تعلق بالمعاملات، فبالصحة أو بالبطلان، وإن تعلق بغير المعاملات. (٢)
كالعبادات وُصِف بالأحكام الخمسة المشهورة.
فلهذا نص المصنف على الصحة والفساد؛ لاختصاصها في الغالب بالمعاملات، ولاختصاص غيرها بالعبادات. فيقال: هذا عقد صحيح أو فاسد، ولا يقال: عقد واجب غالباً.
стр. 39
هذا ولا يعني اختصاص العبادات بالأحكام الخمسة عدم استعمال غيرها فيها، بل المقصود أنه يستعمل في العبادات باشتهار ولا يستعمل في المعاملات غالباً إلا الصحة والفساد، لذلك خصه؛ إذ لا يغني ذكر الخمسة عنه.
والقول في الرخصة والعزيمة كالقول في الأحكام الوضعية بل أظهر؛ لأنها راجعة إلى الأحكام الخمسة على تفصيل: فمنهم من خص العزيمة بالواجب كالغزالي، والآمدي، وزاد القرافي المندوب، ومنهم من جعلها شاملة للجميع كالحنفية (١).
стр. 40
فالواجب من حيث وصفه بالوجوب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.
ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على تركه كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.
[الشرح والإيضاح]
بيان تعريف الواجب، والإيرادات عليه وردها، وتوضيح حيثية التعليل وحيثية التقييد .
- قوله "الواجب: في القاموس وجب يجب وجوباً وجبة: لزم ... ووجب يجب وجبة: سقط".
- قوله: "ما " في حد الواجب. أي: فعل وهو: الشامل لعمل الجوارح، واللسان، والقلب.
- قوله: يثاب على فعله: خرج به الحرام، والمكروه.
- وقوله: ويعاقب على تركه: خرج به المندوب، والمباح.
تنبيهات على الإيرادات الواردة:
الأول: (أن قوله من حيث هو واجب) معنى الحيثية (١)، أي من هذه الجهة؛ فهي حيثية تقييد لا حيثية تعليل.
والفرق بينهما: أن حيثية التعليل مشعرة بالعلية، كقولنا: النار من حيث أنها حارة تسخن، فهذه الحيثية تعليلية، لإشعارها بأن علة التسخين الحرارة، بخلاف الحيثية التقييدية، فلا تشعر بالعلية، بل هي مُقيِّدة فحسب، والمعنى: أن التعاريف يجب أن تقيد