ولذلك نرى أهل الأصول يعرّفون الإيجاب أو الوجوب غير تعريفهم الواجب؛ ملاحظين هذه النكتة: ففي شرح الجلال المحلى مثلاً: "فحد الإيجاب الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً جازماً" (١).
وقال ابن الحاجب: "فإن كان طلباً لفعل غير كف ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب فوجوب، والواجب الفعل المتعلق للوجوب" (٢). فهم يفسّرون الوجوب، والإيجاب بالخطاب وبالطلب، بخلاف الواجب فتراهم يفسرونه بالفعل الذي اقتضاه خطاب الشرع على اختلاف في عباراتهم، لكنها ترجع إلى هذا المعنى.
وقد صرح إمام الحرمين في البرهان بهذا فقال: "والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا، وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب " (٣). ولذلك نصوا على: "أن ما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وهذا ظاهر.
والذي تلخص هنا: أن الواجب له تعريف خاص به من حيث أنه صفة فعل المكلف يذم ويمدح عليه، بخلاف الإيجاب، والوجوب فهما من جهة الحكم، والحكم صفة الحاكم فنحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] يسمى باعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجاباً، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل المكلف، وجوباً.
فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فنرى العلماء تارة يعرّفون الإيجاب، وتارة يعرفون الوجوب نظراً إلى الاعتبارين (٤).
стр. 37
هذا هو تحقيق المسألة والله تعالى أعلم (١).
قوله: "والأحكام سبعة "
أي: والأحكام التي ذكرناها في تعريف الفقه سبعة.
وكان الأصل أن يقول وهي سبعة بالإضمار، وعدل عنه زيادة في الإيضاح للمبتدئ. ويرد هنا سؤالان:
١ - لماذا لم يذكر الأحكام الوضعية السبب والشرط والمانع ؟
٢ - لماذا خص الصحة، والفساد في الأحكام بالذكر دون الوضعية، والرخصة والعزيمة ؟
والجواب على ذلك: إن للأصوليين بحسب استقرائي مذهبين في المسألة:
أفإمام الحرمين في الورقات، وفي البرهان (٢) اقتصر على ذكر هذه ولم ينص على الأحكام الوضعية في تقسيم الحكم، وكذا القاضي البيضاوي في المنهاج (٣).
والسبب يرجع إلى أن الأحكام الوضعية في حقيقة الأمر راجعة للأحكام التكليفية، فذكرها ضمناً فيها، إذ الحكم التكليفي لا يتعلق بفعل المكلف إلا بتقرر الحكم الوضعي، بل التكليف العام لا يتعلق بالمكلف إلا بحكم وضعي هو: الفهم، والقدرة. وهذان هما سببا التكليف.
ويقال هذا في التكاليف الجزئية، كقولنا: الزكاة واجبة في هذا المال، إنما وجبت لوجود حكم وضعي هو السبب، والشرط كالنصاب وحولان الحول.
стр. 38
لا يقال قد تتخلف القاعدة بالزكاة في مال الصبي، والأروش، والجنايات لغير المكلف وما أتلفته البهائم ونحوها من صبي ومجنون. فوجد الحكم الوضعي ولم يوجد التكليف؛ لانعدامه في الصبي، والمجنون، والبهائم.
وما دام الأمر كذلك فلا بد من ذكر الأحكام الوضعية استقلالاً لا ضمناً؛ لأننا نقول: لم تتخلّف الكلية؛ لأن الضمان وإخراج الزكاة واجب، ووجوبه حكم تكليفي، ولا يصلح تعلق الحكم التكليفي إلا بالمكلف، والصبي ونحوه غير مكلف، فأقام الشرع وليه مقامه في ذلك كله، فيخرج الزكاة عنه من ماله أي الصبي، ويضمن عنه، وأمثلة ذلك كما هو مسطور في كتب الفقه. هذا ما ترجح في تعليل ذلك والله أعلم (١).
ب. والمذهب الثاني: جمهور الأصوليين أفردوها بالذكر تحت أقسام الحكم الشرعي، والمسألة سهلة.
والجواب على السؤال الثاني: أنه خص الصحة والفساد بالذكر؛ لأن الحكم إن تعلق بالمعاملات، فبالصحة أو بالبطلان، وإن تعلق بغير المعاملات. (٢)
كالعبادات وُصِف بالأحكام الخمسة المشهورة.
فلهذا نص المصنف على الصحة والفساد؛ لاختصاصها في الغالب بالمعاملات، ولاختصاص غيرها بالعبادات. فيقال: هذا عقد صحيح أو فاسد، ولا يقال: عقد واجب غالباً.
стр. 39
هذا ولا يعني اختصاص العبادات بالأحكام الخمسة عدم استعمال غيرها فيها، بل المقصود أنه يستعمل في العبادات باشتهار ولا يستعمل في المعاملات غالباً إلا الصحة والفساد، لذلك خصه؛ إذ لا يغني ذكر الخمسة عنه.
والقول في الرخصة والعزيمة كالقول في الأحكام الوضعية بل أظهر؛ لأنها راجعة إلى الأحكام الخمسة على تفصيل: فمنهم من خص العزيمة بالواجب كالغزالي، والآمدي، وزاد القرافي المندوب، ومنهم من جعلها شاملة للجميع كالحنفية (١).
стр. 40
فالواجب من حيث وصفه بالوجوب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.
ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على تركه كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.
[الشرح والإيضاح]
بيان تعريف الواجب، والإيرادات عليه وردها، وتوضيح حيثية التعليل وحيثية التقييد .
- قوله "الواجب: في القاموس وجب يجب وجوباً وجبة: لزم ... ووجب يجب وجبة: سقط".
- قوله: "ما " في حد الواجب. أي: فعل وهو: الشامل لعمل الجوارح، واللسان، والقلب.
- قوله: يثاب على فعله: خرج به الحرام، والمكروه.
- وقوله: ويعاقب على تركه: خرج به المندوب، والمباح.
تنبيهات على الإيرادات الواردة:
الأول: (أن قوله من حيث هو واجب) معنى الحيثية (١)، أي من هذه الجهة؛ فهي حيثية تقييد لا حيثية تعليل.
والفرق بينهما: أن حيثية التعليل مشعرة بالعلية، كقولنا: النار من حيث أنها حارة تسخن، فهذه الحيثية تعليلية، لإشعارها بأن علة التسخين الحرارة، بخلاف الحيثية التقييدية، فلا تشعر بالعلية، بل هي مُقيِّدة فحسب، والمعنى: أن التعاريف يجب أن تقيد
стр. 41
بهذه الحيثية لفظاً أو تقديراً كما نبّه عليه السعد في التلويح، لئلا تختل الحقائق والحدود.
فالواجب مثلاً يعتريه أمور خارجية فيختل حده؛ فقد يعمل أحد الواجب ولا يؤجر عليه للرياء مثلاً، مع أنه في تعريف الواجب يثاب فاعله.
فهل نقول حد الواجب باطل، أو نقول هو مقيد بالحيثية؛ إذاً فلا يسلم حد إلا بهذه الحيثية التي تحصر النظر في الماهية فحسب وتقطعه عما يمكن أن يعتريه من الخارجيات.
الثاني: أن الإثابة وعدٌ والوعد لا يتخلف منه سبحانه؛ لأنه نقص، وهو عليه مستحيل، بخلاف العقاب الذي هو وعيد فإنه راجع إلى المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولذلك عبر بعضهم بـ "يستحق العقاب" بدلاً عن يعاقب، وبعضهم بـ" يذم" وجعلوها أفضل؛ لجواز العفو عن تاركه.
ومن هنا اعترض على الحد بأنه غير جامع؛ لخروج الواجب المعفو عن تركه لنسيان مثلاً، وأجاب الشارح بوجهين حاصلهما: (١)
١ - أن وقوعه على واحد من العصاة كاف في صدقه.
٢ - أن معنى يعاقب، أي: يترتب عليه العقاب، والترتب: الاستحقاق، أي يستحق.
الثالث: أن الأصوليين حصروا العقاب على الأخروي فقط، وأغفلوا العقوبات الدنيوية التي منها إدخاله تحت أوصاف الظالمين، الفاسقين، المجرمين.
وهذا نوع من العقاب وهو لابس للعاصي لا محالة، ويترتب عليها أحكام مثل: رد الشهادة، والهجر، والتعزير، وعدم الصلاة عليه، ونحو هذه الأحكام، وقد يصل إلى الحد كقتل الإمام تارك الصلاة مثلاً بشروطه، وكقتال مانعي الزكاة وغيرها، وهذا جار في تعريف المحضور كما سيأتي، وما يترتب على اقترافه من الحدود، والتعازير،
стр. 42
والعقوبات والله أعلم.
الرابع: أن هذه الاعتراضات المتعلقة بمسألة الثواب والعقاب غير واردة فيما أراه على التعريف؛ لأن التعاريف مقيدة بالحيثية السابقة التي تحصر النظر على الحقيقة والماهية والأصل.
ومن المعلوم أن الأصل: هو العقاب للعصاة لا العفو؛ إذ العفو استثناء ورحمة منه تعالى وهو متعلق بمشيئته. وهذا مما لا ينتقض به الحد إذ الحدود، والتعريفات مبناها على الأصول لا على الاستثناءات. والله أعلم.
الخامس: ومما أورد على الحد أنه غير مانع لدخول، نحو المندوبات التي يعاقب على تركها، كالأذان، فإنه يقاتل أهل بلد لا يؤذن فيهم.
والجواب أن العقاب ليس على ترك المندوب، بل إما لأنه فرض كفاية، أو لأنه يدل تركه على الاستهانة بالدين، مع ملاحظة المعنى الذي ذكره الشاطبي من أن المندوب بالجزء يصير واجباً بالكل (١). فيندفع الإيراد والله أعلم.
تتمة في أقسام الواجب:
ينقسم الواجب إلى موسع ومضيق، وإلى كفائي وعيني، والى مخير ومعين:
١ - فالموسع ما يتسع وقته له ولغيره .
٢ - والمضيق ما لا يتسع وقته لغيره .
ومن رحمة الله بالخلق أن الواجب الموسّع أكثر من المضيق؛ وهذا من أسرار الشرع، فمن المضيق: صيام شهر رمضان له وقت معين لا يتسع لغيره من جنسه، ونعني بهذا: أنه لا يوجد صيام في رمضان غير صيام الفرض.
стр. 43
ووقوف عرفة واجب مضيق من حيث اليوم المعين لا قبله ولا بعده، ولكنه موسع من جهة أي ساعة في اليوم.
٣ - أما العيني: فهو ما لزم كل فرد كالصلاة والصيام وبر الوالدين، وصلة الرحم، والصدق، والاخلاص .
٤ - أما الكفائي: فعلامته إن قام به البعض سقط عن الآخرين .
هذا هو متعلق التكليف، وثمَّ مسائل منتشرة في المطولات لمن أراد التوسع. (١)
стр. 44
والمندوب من حيث وصفه بالندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
والمباح من حيث وصفه بالإباحة ما لا يثاب على فعله وتركه، ولا يعاقب على تركه وفعله أي ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب.
[الشرح والإيضاح]
تعريف المندوب والمباح وفيه مسائل:
- الأولى: تعريفه لغة هو مأخوذ من الندب، وهو الدعاء لأمر مهم، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم **** في النائبات على ما قال برهانا
والمندوب في الشرع الأصل المندوب إليه، لكن حذفت الصلة منه لفهم المعنى (١).
الثانية: تعريفه شرعا
قوله: ما يثاب على فعله: خرج به الحرام، والمكروه، والمباح.
وقوله: ولا يعاقب: خرج به الواجب.
- الثالثة: في أسمائه: يسمى المندوب نافلةً، وسنة، ومستحباً، وتطوعاً، ومرغباً فيه. قال في الجمع خلافاً لبعض أصحابنا زاد في المحصول إنه إحسان إذا كان نفعاً موصلاً إلى الغير مع القصد إلى نفعه (٢).
стр. 45
- الرابعة: قوله من حيث وصفه بالمندوب: "خرج بالقيد ما لو أقدم على ضد من أضداد المندوب وهو معصية في نفسه، فيلحقه الإثم إذا ترك المندوب من حيث عصيانه لا من حيث تركه المندوب" (١)
- الخامسة: فائدتان تتعلقان بالمندوب:
١ - هل يترك المندوب إذا صار شعارا للمبتدعة؟
ثلاثة أوجه:
١. الأول: الصحيح لا يترك.
٢. والثاني: يترك وهو ما أفتى به ابن أبي هريرة فترك الترجيع في الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الصبح، والتختم في اليمين، وتسطيح القبور محتجاً "بأنه ﷺ ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله.
ونوقش بأنه ﷺ مشرع في فعله وتركه، بخلاف غيره.
٣. الثالث: توسط الغزالي في المسألة فمنع الترك في السنن المستقلة كالقنوت، وأجاز في مسألة التسطيح الترك إذا صارت شعارا للمبتدعة. قال الزركشي والصحيح: المنع مطلقا. (٢)
٢) هل يترك المندوب خوف اعتقاد العامة وجوبه ؟
قال الزركشي: لا يترك لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافاً لمالك، ووافقه من أصحابنا أبو إسحاق المروزي فيما حكاه الدارمي في "الاستذكار" أنه قال: لا أحب أن
стр. 46
يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بالجمعة ونحوه؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه. (١)
- السادسة في قوله: "المباح " هو: لغة المعلن، والمأذون، والموسع فيه.: وله في الاصطلاح إطلاقات فيسمى: حلالاً، وجائزاً.
ومن أسمائه الجائز, ويطلق الجائز على ما لا يمتنع شرعًا, فيتناول الواجب, والمندوب, والمكروه, والمباح (٢).
قوله: والمباح من حيث وصفه بالاباحة احتراز عن ايراد يقول كيف تقولون أن المباح لا يثاب فاعله وقد جاء في البخاري عن
سعد بن أبي وقاص، أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (٣)
فالجواب: أن هذا الأجر على النية الصالحة أو على سعة عطاء الله وفضله.
أما المباح من حيث هو فلا يترتب عليه ثواب.
فمن أكل رمانا أو عنبا مثلا فلا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب إلا لعوارض خارجية كأن يكون أكله إكراما لمهديه فيؤجر، أو كونه أكله مغصوبا فيأتم.
قوله: ما لايثاب على فعله خرج به الواجب والمندوب ودخل الحرم والمكروه فإنهما لا يثتاب على فعلهما
وكذلك لا يثاب على تركه دخل الواحب والمندوب فإنهما لا يثاب على تركهما وخرج به الحرام والمكروه فإنه يثاب على تركهما.
هذا من جهة الثواب أما من جهة العقاب
стр. 47
فقوله: ولا يعاقب على تركه وفعله اللفظة الأولى خرج بهه الحرام والمكروه والثانية دخل بها الواجب والمندوب لأنهما لا يعاقب على فعلهما
فإنت ترى أن كلا من الواجب والمندوب من جهة والمحرم والمكروه من جهة أخرى يخرجان بلفظة ويدخلان بأخرى.
قوله: ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب
أي معا لأنه بهما معا يصدق المباح أما بكل واحد على الانفراد فلا يصدق بل يدخل معه غيره
ففعل الواجب فقط لا يتعلق به عقاب، وفعل الوتر المندوب لا يتعلق به عقاب، وفعل المحرم فقط لا يتعلق به ثواب وفعل المكروه فقط لا يتعلق به ثواب.
فكان لا بد من تعلق الثواب والعقاب بالفعل والترك معا ليصدق الحد على المباح (١).
السابعة: ذكر الزركشي أن من صيغ المباح رفع الحرج وفي صحيح البخاري (١/ ٢٨)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج» فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج»
ومنها نفي الجناح: من كقوله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] والجناح: الإثم، ومن ثم ذهب الشافعي إلى أن القصر مباح لا واجب (٢)
стр. 48
والمحظور من حيث وصفه بالحظر أي الحرمة ما يثاب على تركه امتثالاً ويعاقب على فعله. ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.
ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على فعله كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.
والمكروه من حيث وصفه بالكراهة، ما يثاب على تركه امتثالاً ولا يعاقب على فعله.
[الشرح والإيضاح]
المسألة الأولى: تعريف المحضور
لغة: الممنوع منه، وهو الحرام (١) قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن، إذ لم يكن حينئذ مكلفاً، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] (٢)
الثانية: ذكر في المحصول أسماءه: "المعصية، والذنب، ومزجور عنه، ومتوعد عليه، والقبيح" (٣).
الثالثة: قوله امتثالاً خرج به من ترك الحرام غفلةً عنه، أو عجزاً، أو رياءً، والعجز إما لعدم القدرة أو لخوف أو إكراه أو حياءٍ فهذا لا يثاب على تركه له.
واعلم أن هذا القيد لا داعي لذكره؛ لأنه قيد حيثي، والحيثيات معتبرة في التعاريف بلا تنصيص وذكر كما تقدم، أما في شرح التعاريف فلا بأس من ذلك كما فعله الشارح، وبهذا يندفع ما أورده ابن قاسم عليه بسبب ذكره. (٤)
الرابعة: تعريف المكروه.
стр. 49
قوله: والمكروه لغة: اسم مفعول من كرهه إذا أبغضه ولم يحبه، فكل بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]
وقول عمرو بن الإطنابة:
وإقدامي على المكروه نفسي **** ... وضربي هامة البطل المشيح (١).
وفي المحصول "المكروه" يقال بالاشتراك على أحد أمور ثلاثة:
- أحدها: ما نهى عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر فاعله بأن تركه خير من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب.
- وثانيها: المحظور، وكثير ما يقول الشافعي ﵀: أكره كذا، وهو يريد به التحريم.
- وثالثها: ترك الأولى؛ كترك صلاة الضحى، ويسمى ذلك مكروهاً لا لنهي ورد عن الترك بل لكثرة الفضل في فعلها، والله أعلم (٢). وقد زاد في البحر آخر وهو:
- الرابع: ما وقعت الشبهة في تحريمه كلحم السبع، ويسير النبيذ، هكذا عده الغزالي في "المستصفى" من أقسام الكراهة، وبه صرّح أصحابنا في الفروع في أكثر المسائل الاجتهادية المختلف في جوازها (٣).
стр. 50
والصحيح من حيث وصفه بالصحة، ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، بأن استجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عقداً كان أو عبادة.
[الشرح والإيضاح]
- بيان معنى الصحيح وتعاريفه
قوله: والصحيح لغةً: ضد السقيم، والصحة: البراءة من كل عيب، وذهاب المرض كما في القاموس وشرحه.
(قوله: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به): قلت ويكون ذلك بترتب آثار فعله عليه من انتقال الملك، وحل الاستمتاع في النكاح ونحو ذلك، هذا في العقود، والمعاملات. أما في العبادات: فترتب آثار فعله عليه يكون ببراءة الذمة، وسقوط الطلب.
وحاصل كلامهم أن النفوذ يختص بالمعاملات والاعتداد بها، وبالعبادات، وهو في الأخيرة أشهر والذي يجمعهما هو: "أن يقال الصحيح ماترتبت آثار فعله عليه". (١) ثم الآثار في العقود والمعاملات والعبادات كما تقدم.
وقد رام جمع من الأصوليين حداً جامعاً لهما في العبادة والمعاملات، فإمام الحرمين هنا قال: "ما يتعلق به النفوذ ويعتد به"، فقصد بالنفوذ المعاملات وبالاعتداد العبادات. والآمدي قال: "وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه. ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج" (٢) ا. هـ، ـ ونحوه قال العضد في شرح المختصر: ولو فسرناها في العبادات وأرجعنا الخلاف إلى الخلاف في ثمرتها لكان حسناً (٣).
стр. 51
فرأى أن التعريف الجامع. الصحيح في العبادات والمعاملات ما ترتبت ثمرته المطلوبة منه عليه.
والبيضاوي جمعهما بقوله: "الصحة استتباع الغاية" (١).
قال البدخشي: " أي اقتضاء الشيء ترتب آثاره عليه سواء كان في العبادات أو المعاملات". وقال الفتوحي: "الصحة في عبادة سقوط القضاء بالفعل، وهذا عند الفقهاء".
وعند المتكلمين موافقة الأمر ... وفي معاملة ترتب أحكامها المقصودة بها عليها ... ويجمعهما ترتب أثر مطلوب من فعل عليه .. فبصحة عقد يترتب أثره من التمكن من التصرف فيما هو له ... وبصحة عبادة يترتب إجزاؤها وهو كفايتها في إسقاط التعبد" (٢) ا. هـ.
وقال ابن الإمام القاسم: "والصحة هي ترتب الآثار" (٣).
وتيسيراً على الطالب يمكن إرجاع هذه التعاريف إلى واحد من هذه الثلاثة:
١ - الصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.
٢ - الصحة: استتباع الغاية.
٣ - الصحة: ترتب الآثار.
وأحسنها وأوضحها الأول: والله أعلم.
قوله: بأن استجمع ما يعتبر فيه شرعا، هذا تفسير حسن للصحة والنفوذ لأنه يعرفك بم يصير الصحيح صحيحا ونافذا، وما يعتبر شرعا هي الشروط والأركان وانتفاء الموانع، فكل ما توافرت شروطه وأركانه وانتفت موانعه فهو الصحيح.
стр. 52
والباطل من حيث وصفه بالبطلان ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عقداً كان أو عبادة.
والعقد يتصف بالنفوذ والاعتداد.
والعبادة تتصف بالاعتداد فقط اصطلاحاً.
[الشرح والإيضاح]
- الباطل وتعريفه، وهل يرادف الفاسد ؟
المسألة الأولى: بيان الصواب في إثبات لفظة الباطل في النسخ وذكر السر في ذلك .
قوله: الباطل: الملاحظ أنه ذكر هنا "الباطل"، وسماه حينما عدد الأحكام "الفاسد"، وهذا ما تظاهرت عليه النسخ: كشرح ابن الكاملية، وكذا التي عليها شرح المحلى مع حاشية الدمياطي، وشرح ابن قاسم (١). وهذه اللفظة مثبتة في خمس نسخ خطية كما أفاد محقق الورقات (٢)، وهذا هو المعول عليه.
وعندي أن فيه نكتة دقيقة، وهي: أن هذا التنويع فيه إفادة للطالب أن الفاسد والباطل مترادفان في الأصل كما هو المقرر عندنا، وعند الحنابلة، والمالكية، بخلاف الحنفية.
فلهذا السبب- والله أعلم- نوع المصنف العبارة.
стр. 53
المسألة الثانية: الفاسد والباطل مترادفان كما سبق إلا في مسائل، وبيان ذلك في المذاهب الاربعة:
أأما في الشافعية: ففي الكتابة، والخلع، والعارية، والوكالة، والتركة، والقراض.
وفي العبادات في الحج كما في الأشباه والنظائر للسيوطي وحصرها النووي في أربعة فقط: الحج- والكتابة، والخلع، والعارية، ومنع الحصر الأسنوي (١).
ب وأما الحنابلة: فقاعدتهم في غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، أن الفاسد ما كان مختلفاً فيها بين العلماء، والتي حكموا عليه بالبطلان ما كان مجمعاً عليها، أو الخلاف فيها
شاذ (٢).
ت وأما المالكية: فاستثنوا مسألة واحدة في البيع الفاسد.
قال في المراقي:
بصحة العقد يكون الأثر ... وفي الفساد عكس هذا يظهر
إن لم تكن حوالة، أو تلف ... تعلق الحق، ونقص يؤلف
يعني أن المالكية خالفوا أصلهم في هذه المسألة، وراعوا فيها الخلاف فقالوا إن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة، أو الثمن وهي: حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها بنحو بيع أو رهن (٣) والله أعلم.
стр. 54
وهذا كله بخلاف إطلاق الحنفية كما لا يخفى فإنهم يفرقون بين الباطل والفاسد.
فالباطل هو ما انخرم فيه ركن أو شرط وهو معنى قولهم ممنوع بأصله ووصفه كمن صلى بدون وضوء مثلا أما الفاسد فهو ممنوع بوصفه الخارجي لا بأصله كمن صام يوم النحر لأنه أعرض عن ضيافة الله.
стр. 55
والفقه بالمعنى الشرعي أخص من العلم لصدق العلم بالنحو وغيره، فكل فقه علم، وليس كل علم فقهاً.
والعلم معرفة المعلوم، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم على ما هو به في الواقع، كإدراك الإنسان بأنه حيوان ناطق.
[الشرح والإيضاح]
- تعريف العلم:
قوله: "العلم معرفة المعلوم"، مسألة تعريف العلم وما يرد عليه مسألة طويلة الذيول، كثيرة العناء، قليلة الغناء، ولا يناسب أن نذكرها في هذا المختصر، ولكن نبين ما يتعلق ويليق بالمقام، ونجمل الكلام عليه في الآتي:
١ - قوله في التعريف "معرفة" قلت: تقدم أن المعرفة تفترق مع العلم في أمور: كاختصاصها بالبسائط، والعلم بالمركبات، أو اختصاصها الجزئيات والعلم بالكليات أو أنها إدراك بعد جهل، أو آخر إدراكين بينهما عدم، بخلاف العلم في كل كما تقدم.
٢ - لماذا جعل المصنف المعرفة جنس العلم مع أنها تفارقه بما تقدم.
والجواب: أن المعرفة هنا هي: الإدراك، وهو: (وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها) (١). وهذا هو السر في قول الشارح مفسراً كلام المصنف "العلم معرفة المعلوم"، أي: أدرك فتنبه.
٣ - أن قول المصنف "العلم معرفة المعلوم" يلزم منه الدور؛ لأن المعلوم لا يعرف إلا بعد معرفة العلم؛ لأنه مشتق منه والعلم لا يعرف إلا بالمعلوم،
стр. 56
وهذا دور وهو ممنوع في التعاريف والحدود.
وهو كقول الشاعر:
مسألة الدور جرت بيني وبين من أحب **** لولا مشيبي ما جفا لولا جفاه لم أشب
والجواب: أشار إليه الشارح بقوله: "أي أدرك ما من شأنه أن يعلم"، وبيان ذلك أن الحد هو: القول الشارح المبين لما أجمل في المحدود، وهو هو.
لكن بطريق أوضح وأبسط فكلمة "الواجب" مثلاً مجملة، وبيانها بالقول الشارح "ما يذم تاركه ويمدح فاعله"، فهذه الكلمات التفصيلية تجمعها كلمة واحدة هي الواجب، وهكذا يقال في الإنسان وفي جميع المحدودات.
وما نحن فيه كذلك؛ إذ أنّ (العلم) كلمة مجملة فصلت في القول الشارح: "معرفة المعلوم على ما هو عليه"، وبذا تزداد بصيرتنا به، فالحد: هو المحدود بعبارات رافعة للإبهام دافعة للإشتراك فلا دور.
وإنما يقع الدور إذا وقع الجهل بعبارات القول الشارح التي هي مشتقة من المحدود، مع عدم إيضاحها كقولنا: العلم "معرفة المعلوم" ونحن لا نعرف المعلومات.
أما إذا عرفنا المعلومات عرفنا أن طريقها التي أدركناها بها هي العلم فيكون العلم هو: إدراك المعلوم على ما هو عليه.
وللإمام القرافي هنا كلام نفيس في نفائس الأصول يُرجع إليه هناك، ولم نورده لطوله. وقد استوفيت المقام وتحقيقه في شرحنا على إرشاد الفحول (سبيل الوصول الى إرشاد الفحول) يسر الله إتمامه.
стр. 57
والجهل تصور الشيء، أي إدراكه على خلاف ما هو به في الواقع، كإدراك الفلاسفة أن العالم وهو ما سوى الله تعالى قديم.
وبعضهم وصف هذا الجهل بالمركب، وجعل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم علمنا بما تحت الأرضين، وبما في بطون البحار.
وعلى ما ذكره المصنف لا يسمى هذا جهلاً.
[الشرح والإيضاح]
- الجهل تعريفه وأقسامه وتعريف كل قسم؛ وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الجهل لغة نقيض العلم أو خلاف العلم:
• جَهِل الشَّخْصُ: جفا وتسافه وحمُق وأظهر الطيشَ، ولا يستوي عالِمٌ وجهول:
ألا لا يجهلَن أحَدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] جهِلَ عليه: تصرَّف معه بحمق.
• جهِل حقيقةَ الشَّيء جهِل بحقيقة الشَّيء: لم يعلم به، لم يعرفه.
وكثير من الناس يجهلون أمورَ دينهم-جهِل بمعرفة القانون- ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] (١).
الثانية: الجهل اصطلاحا ، له تعريفان ذكرهما الشارح: أحدهما تعريف الجهل المركب، والآخر البسيط.
فقوله في تعريف الجهل المركب أو الجهل مطلقا: "والجهل تصور الشيء".
стр. 58
التصور هنا ليس هو الذي يقابل التصديق كما هو المتبادر، ولكنه مطلق الإدراك ولذلك فسره بقوله: أي إدراكه. ومطلق الإدراك الشامل للتصور، والتصديق.
أما التصور فعلى قولٍ.
أعني: هل الجهل يدخل التصورات كما يدخل التصديقات أم لا؟ قولان: أما التصديقات فالجهل يدخلها جزماً؛ لأنه تصور الشيء على غير ما هو عليه وهو يسمى بالجهل المركب.
الثالثة: قوله: "وعلى قول المصنف لا يسمى هذا جهلاً ":
أي أن المصنف ذهب إلى حصر الجهل في المركب، وممن سلك هذا المسلك ابن السمعاني في القواطع، فقال: "الجهل اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به، ولا بأس بالاعتقاد في حد الجهل" ا. هـ.
قال: في البحر بعد نقله لهذا، وهذا تعريف للمركب فقط، إذ البسيط لا اعتقاد فيه البتة، فكأنه ليس بجهل عنده وكذلك فعل جماعة من أئمتنا (١).
وعلى المشهور عند أهل الأصول أن الجهل منقسم إلى قسمين:
١ - الأول البسيط، وهو: عدم العلم بالشيء الذي من شأنه أن يعلم قصداً. وسمي بسيطاً؛ لأنه لا تركيب فيه وإنما هو شيء واحد.
٢ - والثاني المركب: سمي بذلك لأنه من جزأين:
- أحدهما عدم العلم.
- والآخر اعتقاد غير مطابق، فهو يجهل ولا يدري أنه يجهل. (٢)
стр. 59
والعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فإنه يحصل بمجرد الإحساس بها من غير نظر واستدلال.
وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال، كالعلم بأن العالم حادث، فإنه موقوف على النظر في العالم وما نشاهده فيه من التغير، فينتقل من تغيره إلى حدوثه.
[الشرح والإيضاح]
تقسيم العلم إلى ضروري ونظري:
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ينقسم العلم إلى قسمين:
١ - العلم الضروري: وهو ما يحصل ضرورة بدون مقدمات وتأمل وفكر، مثاله: العلم بأن النار محرقة، وأن الشمس تطلع نهارا، وأن الكل أكبر من الجزء. وهذه الأمور تدرك بالحواس الخمس الظاهرة.
٢ - العلم النظري: وهو ما يحصل بالنظر وإعمال الفكر والاستدلال، مثاله: تشريعات الإسلام في المال والاقتصاد حل لمشاكل العالم من فقر، وتضخم، واحتكار المال في يد القلة من البشر وغيرها. فهذه تحتاج لنظر واستدلال وتقديم الدراسات.
стр. 60
المسألة الثانية: في تمثيله بالحواس الخمس الظاهرة ؛ إشارة إلى أن ما يدرك بها يسمى علماً، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فعنده "العلم: ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة والباطنة" (١).
ومذهب الجمهور: الإحساس غير العلم؛ لأننا إذا علمنا شيئاً علماً تاماً، ثم رأيناه وجدنا بين الحالتين فرقاً ضرورياً.
وما تقدم عن الأشعري أحد قوليه في المسألة، وآخر قوليه: أنها ليست من قبيل العلوم، وهو الذي ارتضاه القاضي وإمام الحرمين (٢).
قلت: وقضية الخلاف، هل إدراك المحسوسات بالحواس هو العلم بها، أم أن الإدراك غير العلم؟
لأنها عبارة عن آلات تنطبع عليها الأشياء صورة في العين، ورائحة في الأنف، وصوتاً في السمع، وذوقاً في اللسان، وملمساً بالحس؛ لتوصلها إلى النفس التي هي محل العلم خلافٌ.
ولا بد هنا من معرفة ثلاثة أمور: (٣)
١. إدراك الحواس بالمحسوسات.
٢. العلم بهذه المحسوسات.
٣. العلم بعلوم أخرى تنشأ عن المحسوسات.
قالوا: ولا إشكال في هذا الأخير أنه علم وهو مخالف للأول قطعاً.
стр. 61
وهل الثاني يخالف الأول أو هما شيء واحد؟
على مذهب الأشعري القديم أنها شيء واحد، وعلى مذهب غيره التفريق بينهما.
ثمرة الخلاف (١):
قال الزركشي: "اختلف في هذا الخلاف، فقال أبو القاسم الإسكاف إنه لفظي، وإن الفريقين على إن المدرك والمعلوم واحد، والإدراك والعلم بالمدرك مختلفان.
وقال تلميذه إمام الحرمين: إنه معنوي على القول بالأحوال، كما أن العلم القديم والحادث يجمعهما حقيقة واحدة مع القطع باختلافهما، وحكى القرافي قولين في أن الإدراك للحواس أو للنفس بواسطة الحواس. ا. هـ
المسألة الثالثة: عبر بالباء ولم يعبر باللام في: "الواقع بإحدى الحواس" ولم يقل "لإحدى الحواس"؛ ليشير إلى أن العلم حاصل بالحواس لا للحواس؛ لأنها مدركات فحسب، فهي آلة العلم وأن النفس تدرك الكليات أو الجزئيات. وأن نسبة الإدراك إلى قواها كنسبة القطع إلى السكين (٢). أي أن السكين مجرد آلة، وكذلك الحواس.
المسألة الرابعة: "قوله الظاهرة" خرج بها الباطنة، وهي خمس:
١ - الأولى: الحس المشترك، وهي: القوة التي ترشح فيها صورة الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس.
٢ - الثانية: الحافظة للصور.
٣ - الثالثة: الواهمة، وهي: التي تدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالصور المحسوسة، كالعداوة الجزئية التي تدركها الشاة من الذئب فتهرب منه،
стр. 62
والمحبة الجزئية التي تدركها الشاة من أمها فتميل إليها، فإن هذه المعاني لا بد لها من قدرة مدركة.
٤ - الرابعة: القوة الحافظة للمعاني التي تدركها الواهمة.
٥ - الخامسة: "المتخيلة" وهي التي تركب الصور والمعاني الجزئية "فكر".
المسألة الخامسة: إنما قدم السمع على الجميع ؛ لأنه أوسع الحواس مجالاً من حيث أنه لا يختص بجهة بخلاف البصر، واختار هذا ابن قتيبة، وقال: قدم الله السمع على البصر فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢]، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣]. وقيل هما في درجة، ومنهم من قدم البصر لتعلقه بجميع الموجودات (١).
стр. 63
والنظر هو: الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب.
والاستدلال: طلب الدليل ليؤدي إلى المطلوب.
فمؤدى النظر والاستدلال واحد؛ فجمع المصنف بينهما في الإثبات والنفي تأكيداً.
والدليل هو: المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه.
والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر عند المجوز.
والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز،
فالتردد في قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان الثبوت أو الانتفاء ظن.
[الشرح والإيضاح]
الكلام على ما يتعلق بالنظر، والاستدلال، والدليل، والظن، والشك، وشرح كلام المصنف شرحا وافيا .
وفيه مسائل:
الأولى: المقصود من كلامه تعريف خمسة أمور، هي:
١ - النظر.
٢ - الاستدلال.
٣ - الدليل.
٤ - الظن.
٥ - الشك.
وسنتكلم عن هذه الأمور واحدا واحدا وما يندرج فيها.
стр. 64
المسألة الثانية: تعريفه للنظر بقوله: "والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب ".
شرح التعريف: هذا التعريف للنظر في الاصطلاح.
وهو في اللغة:
_الانتظار، وتغليب الحدقة والرؤية، وبهذا المعنى يتعدى بـ (إلى)، فتقول: نظرت إليك.
_ويأتي بمعنى الرأفة والرحمة، وبهذا المعنى يتعدى بـ (اللام)، فتقول: نظرت لليتيم، أي: نظر رحمة وإصلاح لأموره، وسمي الناظر لليتيم ناظرا من هذه، لهذا المعنى.
_ ويأتي بمعنى التأمل والاعتبار، وبهذا المعنى يتعدى بـ (في)، فتقول: نظرت في المسألة.
والحاصل أن النظر إذا استعمل بفي يكون بمعنى الفكر, وبإلى بمعنى الرؤية، وباللام بمعنى الرحمة وبعلى بمعنى الغضب، وببين بمعنى الحكم كقولك نظرت بين القوم (١).
المسألة الثالثة: ما هو الفكر الوارد في تعريف النظر ؟
الفكر هو: حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب، متعرضة للمعاني الحاضرة عندها، طالبة مباديه المؤدية إليه، إلى أن تجدها وترتبها، وترجع منها إلى المطلوب (٢).
стр. 65
وإنما حصر في المعقولات؛ لأن حركتها في المحسوسات تسمى تخيلاً وقصرها على المعقولات مذهب المتقدمين.
وأما انتقال النفس لغير طلب علم أو ظن كأكثر حديث النفس، فلا يسمى نظراً بل شعوراً. قال جلال الدين المحلي في شرحه على الجمع: "الفكر حركة النفس في المعقولات بخلاف حركتها في المحسوسات فتسمى تخيلاً " (١)
قال المحشي: "تبع الشارح في هذه الأقدمين القائلين بأن العقل لا يدرك المحسوسات أصلاً، وإنما تدركها الحواس، والعقل إنما يدرك الأمور الكلية.
وأما على طريق المناظرين القائلين بأن العقل يدرك المحسوسات أيضاً لكن بواسطة الحواس، فينبغي أن تسمى حركتها في المحسوسات فكراً أيضاً " ا. هـ.
المسألة الرابعة: معنى حركة النفس في المعقولات:
للنفس في المعقولات حركتان:
١ - الحركة الأولى: من المطالب إلى المبادئ.
٢ - الحركة الثانية: من المبادئ إلى المطالب.
بيان ذلك أنك لو أردت أن تصل إلى أن النبّاش تقطع يده، فالحركة الأولى تبدأ بنظرة جملية في "النباش تقطع يده"، ثم تثبت بنظرة تفصيلية إلى المفردات "النباش- القطع" فتقول النباش ما هو: "مختلس- سارق- ناهب"، ثم يخلص لك أن المناسب لفظ سارق، وتنتهي هنا الحركة الأولى.
وتبدأ الحركة الثانية من هنا، وهي: النباش سارق المال من حرز، وكل سارق من حرز تقطع يده، إذاً النباش تقطع يده، وهنا تنتهي الحركة الثانية.
стр. 66
هذا مثال تقريبي للمسألة وأهل الأصول يمثّلون بالإنسان حيوان، والعالم حادث ونحو ذلك من المنطقيات (١)، والمثال السابق ألصق بالفن.
على ضوء ما تقدم يتبين لنا أن الحركة الأولى هي نقطة البدء لتحصيل المطلوب، وأن الحركة الثانية هي المكملة لها، فبمجموعها يحصل المطلوب. لا بالحركة الثانية وحدها، ولا بالأولى وحدها.
ومن هنا نشأ الخلاف هل الفكر هو "مجموع الحركتين"، كما هو رأي القدماء حتى يكون النظر عبارة عنهما؟
أو الحركة الثانية كما هو مذهب المتأخرين، فيكون النظر عبارة عنها فقط. والذي عليه المحققون الأول (٢).
_ لاحظنا فيما سبق أن حركة النفس تدريجية انتقالية، فهي تنتقل من المطلب إلى المبدأ، وتتدرج في ذلك حتى تصل إلى المطلوب النهائي (٣).
ولذلك يزاد في الحد "تدريجياً"؛ ليخرج الحدس فإنه انتقال النفس من المطلب إلى المبادئ دفعةً واحدةً لا تدريجياً، ولما كان ذلك الانتقال قد يدخل فيه حركتها في المنام زادوا على الحد "قصداً"، فيكون على هذا تعريف الفكر (٤): "حركة النفس في المعقولات أي انتقالها انتقالات تدريجياً قصدياً".
_ تبين مما سبق محترزات التعريف:
فخرج بالتدريجي: الانتقال الدفعي، كالحدس وهو الانتقال من المبادئ إلى
стр. 67
المطالب دفعة، وإن خرج بالقصدي أيضاً بناءً على أنه لا يكون قصدياً، وبالقصدي غيره كالانتقالات فيما يتوارد عليه من المعقولات بلا اختيار، كما في المنام فلا يسمى واحد منهما فكراً فلا يكون نظراً.
وبالمعقولات: حركة النفس في المحسوسات فيسمى تخيلاً لا فكراً، ... وبقوله ليؤدي ما لا يكون للتأدية فلا يسمى نظراً (١).
المسألة الخامسة: شرح قوله في التعريف "في حال المنظور فيه ".
ما هو المنظور فيه؟
١ - المنظور فيه المعلوم لا العلم، هذا رأي الجمهور.
٢ - وعند الرازي: العلم لا المعلوم (٢).
ومما يجدر التنبيه عليه قوله: "في حال"، فعدى النظر بفي ليخرج النظر الذي يتعدى بغيرها.
وزاد الأمر إيضاحاً بـ "حال"؛ لأن النظر الذي هو الفكر يكون في الأحوال التي هي الأعراض والكيفيات، لا في الأعيان والجواهر الخارجية فإن هذه وظيفة البصر، بخلاف أحوالها فهي وظيفة الفكر.
وهذه العقليات هي في الحقيقة متركبة من صور ذهنية للأعيان الخارجية ومن أمور علمية ذهنية وينبني على هذا أمور:
الأولى: أن حركة النفس لا بد أن تكون في الحسيات التي هي المعلومات من جهة عقلية، بالتنقل بين صورها المنطبعة في الذهن، وهي من هذه الجهة يصدق عليها أنها عقليات، فمن ثَمّ قال المتقدمون أن حركة النفس في المعقولات لا في المحسوسات.
стр. 68
والمتأخرون على أنها فيهما.
وعندي أن الخلاف لفظي إذ الجميع متفقون على أن المحسوسات العقلية لا بد أن يشملها حركة النفس، ولكن عبر عنها بالعقليات نظراً إلى محلها، وعبر عنها المتقدمون بالمحسوسات نظراً إلى أصلها، فظن من ظن أن الخلاف حقيقي نظراً لاختلاف التعبيرات، هذا ما ظهر لي بالتتبع والاستقراء لمبحوثهم وكلامهم، والله أعلم.
الثانية: الجمع بين خلاف الجمهور والرازي المتقدم في أن النظر فيه هو المعلوم كما هو عندهم، أم العلم كما هو عند الرازي.
والتحقيق أنه لا خلاف بينهم إذ المعلوم عند الجمهور هو التصورات الذهنية، وهي علوم باتفاق؛ لأن العلم إما تصور أو تصديق فالتصور علم؛ لأنه لا يكون إلا صحيحاً (١) كما حققوه، والتصديق علمٌ بخلاف فاسده.
ومن ثم عبر الرازي عن المعلومات بالعلم فلاحظ أن العلم شامل لـ"تصور وتصديق" التي هي المعلومات والعلوم- هذا ما ظهر لي والله أعلم- وقد أشار ابن قاسم في شرحه الكبير إلى هذا (٢).
المسألة السادسة: تعريفه للدليل وشرحه .
قوله في التعريف "إلى المطلوب" أي من علم تصوري، أو تصديقي، أو ظني.
قوله: "الاستدلال طلب الدليل"؛ ليؤدي إلى المطلوب.
مع قوله: "والدليل هو المرشد للمطلوب"، ومع قوله في النظر: الفكر في حال المنظور ليوصل إلى المطلوب: أي تصور أو تصديق.
стр. 69
يتضح معنى قوله: "فمؤدى النظر والاستدلال واحد"، وسيقول قائل: إذا كان مؤدى النظر والاستدلال واحد، فلما جمع المصنف فيهما في الإثبات عند قوله السابق العلم المكتسب هو ما يقع عن نظر واستدلال؟ وفي النفي عند قوله الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال؟
فالجواب ما أفاده الشارح بقوله: (فجمع المصنف بينهما في الإثبات والنفي تأكيداً).
المسألة السابعة: لم يذكر المصنف تعريف الدليل اصطلاحاً، وتعريفه وشرحه .
وهو ما يمكن التوصل به إلى مطلوب خبري.
والمطلوب الخبري هنا معناه قضية تصديقية لا تصورية، فإن قيل قال المصنف: أن مؤداهما واحد، مع أن النظر يؤدي إلى مطلوب تصوري بالحدود والمعرفات، والدليل لا يوصل إلا إلى قضايا تصديقية تقتضي الصدق والكذب.
فالجواب: أن مراد المصنف المعنى اللغوي للدليل لا المعنى الاصطلاحي، أو أنهما واحد من حيث الجملة كما أفاده ابن قاسم في الكبير والصغير (١).
بيان التعريف ومحترزاته:
إنما قالوا: "ما يمكن التوصل، ولم يقولوا ما يقع به" (٢)؛ للإشارة إلى أن المعتبر التوصل بالقوة: "لأن الدليل يكون دليلاً نظر فيه أو لا، فلا يخرج عن كونه دليلاً؛ بعدم النظر فيه" (٣).
قال الباجي (٤): "إن الدليل هو الذي يتضح به، ويسترشد ويتوصل به إلى المطلوب
стр. 70
وإن لم يكن استدلالٌ، ولا توصل به أحد، ولو كان جل وعلا خلق جماداً، ولم يخلق من يستدل به على أن له محدثاً؛ لكان دليلاً على ذلك وإن لم يستدل به أحد؛ فالدليل دليل لنفسه، وإن لم يستدل به" ا. هـ.
وخرج بقولهم: "بصحيح النظر"، فاسده.
وخرج بقولهم: "مطلوب خبري"، المطلوب التصوري كالحد والرسم.
أن ما يوصل إليه الدليل "مطلوب خبري"، وهي الأحكام التصديقية كقولنا: "النار محرقة، والصلاة واجبة، والفاتحة ركن في الصلاة، والنية واجبة في الوضوء" وهكذا، وإذا دققت النظر في الأمثلة المذكورة تلاحظ أن القضية الأولى قطعية عادةً، وكذا الثانية شرعاً، وأما الثالثة والرابعة فظن.
فالمطلوب الخبري يمكن أن يكون علماً أو ظناً. "وعلى هذا عامة الفقهاء (١) " "والأصوليين (٢) ".
وخص (أكثر (٣)) المتكلمين اسم الدليل ما دل بالمقطوع به من السمعي والعقلي، وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة، وحكاه في التلخيص عن معظم المحققين، قال الزركشي: وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضاً (٤)، وليس كذلك، بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، وصرح به جماعة من أصحابنا، كالشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي اسحاق، وابن الصباغ وحكاه عن أصحابنا، وسليم الرازي، وأبي الوليد الباجي من المالكية، والقاضي أبي
стр. 71
يعلي، وابن عقيل، والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في التلخيص عن جمهور الفقهاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة (١). وحكى القول الأول عن بعض المتكلمين.
قلت وكما هو مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة كما في الكوكب (٢)، وهو مذهب المالكية، وقد حكى الباجي من بعض المالكية القول بمذهب المتكلمين (٣)، ورده وكذا هو مذهب الحنفية (٤).
стр. 72
وأصول الفقه الذي وضع فيه هذه الورقات طرقه، أي طرق الفقه على سبيل الإجمال كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي ﷺ والإجماع والقياس والاستصحاب.
من حيث البحث عن أولها بأنه للوجوب
والثاني بأنه للحرمة والباقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي مع ما يتعلق به
بخلاف طرقه على سبيل التفصيل نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، (وصلاته ﷺ في الكعبة) كما أخرجه الشيخان.
والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما.
وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد، كما رواه مسلم.
واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلاً.
وكيفية الاستدلال بها أي بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك.
وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد.
فهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه.
وأبواب أصول الفقه:
أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول وسيأتي.
والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.
стр. 73
[الشرح والإيضاح]
كلامه هنا مشتمل على تعريف أصول الفقه باعتبار لقبه، وفيه مسائل زيادة في الايضاح إذ إن كلامه غني عن الشرح.
الأولى: تعريف أصول الفقه لقبا .
وهو: طُرُقه الاجمالية، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستفيد.
أما طرقه الاجمالية فمثّل لها بخمسة أمثلة، هي: الأمر، والنهي، والاجماع، والقياس، والاستصحاب.
ثم بين أن الأول وهو الأمر: الكلام الأصولي فيه من جهات منها أنه يفيد الوجوب، وأن الثاني في كلامه الذي هو النهي: الكلام فيه من جهة إفادته التحريم.
وأما الباقي في كلامه فهي الاجماع، والقياس، والاستصحاب، والكلام عنها من جهات منها كونها حججا.
الثانية: احترز بقوله طرقه الإجمالية بالطرق التفصيلية ، فليست من الأصول بل من الفقه، كما مثل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
فهذان دليلان على مسائل فرعية تفصيلية وليست مسائل إجمالية، فهذا ونحوه من علم الفقه لا الأصول.
وكذلك "وصلاته ﷺ في الكعبة" كما أخرجه الشيخان (١)، هذا دليل على مسألة فقهية لا أصولية وهي جواز الصلاة في الكعبة.
وأما الإجماع من الجهة الفقهية فمسائله كثيرة، منها: الاجماع على أن بنت الابن
стр. 74
تأخذ السدس مع البنت الصلبية؛ تكميلا للثلثين وذلك بشرط عدم وجود معصب.
وأما القياس من الجهة الفقهية فأمثلته كثيرة جدا، ومنه: قياس الأرز على البر في حرمة بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد.
وأما الاستصحاب من الجهة الفقهية، فمثاله: استصحاب الطهارة لمن شك هل طهارته باقية أو لا، فجميع هذه المسائل وأمثالها ليست من أصول الفقه بل من الفقه، وإنما تذكر في الأصول من باب المثال فقط لإيضاح القواعد.
الثالثة: قوله وكيفية الاستدلال بها .
أي كيفية الاستدلال بها على مسائل الفقه؟
وهذا هو الركن الثاني لتعريف الأصول، وعبر بعضهم بكيفية الاستفادة منها، والمراد من هذا وذلك، هو بيان أن الاستدلال بالقواعد الأصولية هو من علم الأصول بل هو لبه وثمرته التي عليها المعول؛ لأن بها تعرف آليات استخراج الأحكام الشرعية، فنعرف أن العام يدل على العموم، والخاص على الخصوص وغير ذلك، ونعرف الموازين عند التعارض.
وقوله: وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد.
أي: أن ذكر المجتهد ذكر تكميلي للفائدة وليس من لب علم الاصول، ولذلك لم يذكره المصنف في تعريف الاصول، وإن كان بعضهم زاده، والأمر سهل.
الرابعة: عدّد المصنف أبواب أصول الفقه هنا ترغيبا للطالب ، وتقريبا للذهن حتى يتصورها جملة قبل الدخول في تفاصيلها.
стр. 75
أقسام الكلام
أو المباحث اللغوية المتعلقة بعلم أصول الفقه