← Сира

Сира · id 1561

وجاء النبي المنتظر

عبد الوهاب بن طويلة

Полный текст (116 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله الذي كرمنا بالإسلام، وأعزنا بالإيمان، وأنعم علينا بنبيه محمد ﷺ فهدانا من الضلال، وجمعنا من الشتات، وألف بين قلوبنا، فاهتدينا بهديه وسعدنا باتباعه، وأصبحنا بفضل الله إخوة متحابين متعاضدين ... نحمد الله على هذه النعمة، ونسأله المزيد منها، والتوفيق فيها، والشكر عليها. أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته، وهو غني عنهم. وحصر التكليف في الإنس والجن من مخلوقاته، لما ركبه فيهم من العقول. وجعل العقل بعد بلوغ الإنسان سن الرشد مناط التكليف. قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ سورة الذاريات ٥٦. ٥٧، ٥٨. والعقل وحده كاف في الاستدلال على وجود الخالق ومعرفة بعض صفاته. بيد أنه قد يزيغ أو يغلب عليه الهوى، أو ما أشبه ذلك. لذا أرسل الله سبحانه الرسل إلى الناس، لئلا يكون لهم حجة على الله. أضف إلى ذلك أن الإنسان لا يمكن أن يصل بالعقل وحده إلى معرفة الأمور الغيبية، من وجود البعث بعد لموت والحشر والحساب والجنة والنار وغير ذلك. كما لا يمكنه أيضا أن يصل إلى الطريقة المثلي لعبادة الله. فاقتضت حكمة الله ورحمته أن يصطفي من البشر أناسا

стр. 2

طيبين صالحين، عرفوا بالصدق والأخلاق ورجاحة العقل، وغير ذلك من الصفات الكريمة، ويجعلهم رسلا بينه وبين سائر خلقه. قال سبحانه: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ سورة النساءء١٦٠, وجعل لكل أمة رسولا منهم خاصا بهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وسورة الطور ٢٤, وقال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ سورة النحل ٣٦. والأنبياء جميعا يدعون إلى أصول مشتركة، لا تختلف في حقيقتها وجوهرها، ويبنون أحكامهم على أسس متناسقة. قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ سورة الشورى ١٣. فالأصل والهدف واحد، أما تفاصيل الشرائع والأحكام وفروعها، فتختلف من أمة إلى أمة، بحسب اختلاف زمان الناس وأحوالهم واستعداداتهم، وما يحيط بهم من عوامل وملابسات. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ وسورة المائدة ٤٨. وقال سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ سورة الحج ٣٤،. وقد استهدفت جميع الشرائع السماوية في عباداتها وتشريعاتها وأحكامها ما يحقق مصالح الناس في الدنيا، ويهيئهم للظفر بسعادة الآخرة، ويجلب لهم المصالح ويدفع عنهم المضار.

стр. 3

وقد أخذ الله سبحانه عهدا على كل نبي أرسله أن يؤمن بمحمد خير خاتم الأنبياء، والرسل إلى الناس كافة، وأن يشر قومه به، وينعته لهم ببعض صفاته، وأن يأخذ عليهم العهد، لإن جاء وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشاهِدِينَ﴾ سورة اهـ عمران ٨١،. وهكذا توالت البشارات والعهود من نبي إلى نبي، ومن جيل إلى جيل بالنبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل، المرسل رحمة للعالمين. حتى إذا أظل زمانه تاقت قلوب الطيبين ونفوسهم للقائه والإيمان به ونصرته، فضربوا في الأرض يستقصون الأخبار. وجاء النبي المنتظر مشتهى كل الأمم رحمة مهداة للعالمين. جاء أحمد ﷺ فسعد به أناس، وتنكب له متعنتون، فأظهره الله عليهم، ثم أظهر أمته من بعده على سائر الأ مم، وامتد دينه شرقا وغربا، تماما كما وصفه الله سبحانه في الكتب التي أنزلها على أنبياءئه السابقين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بيد أن التاريخ ما عرف فاتحا أرحم من المسلمين كما قال"غوستاف لوبون". وقدر الله سبحانه لي أن أعيش في مدينة فيها نسبة من النصارى، وأن أعمل مدرسا في ثانوية تقع في حي كذلك. وكنت أظن أن الاحترام المتبادل هو السائد بيننا وبينهم، كما توحي بذلك ابتساماتهم وحلاوة الألفاظ التي يعطونها من طرف ألسنتهم. بيد أن الحقيقة بعكس ذلك تماما عند أكثرهم،.. وهالني ما رأيت من تصديهم للصغار في مواضيع

стр. 4

حساسة للغاية تتعلق برسالة محمد ﷺ وصدقه، بقصد تشكيكهم في دينهم ... ولو أن قسا منهم اتصل بعالم من المسلمين بهدف البحث عن الحق كله لأكبرنا ذلك. ولكنهم قصروا دعوتهم للنصرانية على الصغار والحيارى، فركزوا عليهم، ووزعوا كتبهم المقدسة جهارا في الشوارع. وكنت ممن وزع عليهم الكتاب المقدس عندهم، والصادر عن المطبعة البولسية في فريحا بلبنان. وبسبب الأسئلة التي كانت تنهال علي من طيبين وحائرين بدأت أطالع الكتب التي تبحث في مناظرة النصارى والرد عليهم مثل الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لا بن تيمية، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم، وإظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، وقصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار، ومحاضرات في النصرانية لمحمد أبو زهرة ... إلى غيرما هنالك من الكتب القديمة والحديثة. كنت أقرأ وألخص وأضع عنوانا جزئيا لكل فكرة. وشاء الله أن أرى نسخة من كتاب إنجيل برنابا في إحدى المكتبات، فاشتريته وفرحت به، وطالعته بدقة وشغف وأحصيت أماكن البشارات برسول الله ﷺ الموجودة فيه. ثم شرعت أقرأ في كتبهم المقدسة، حتى التي تحتوي على الأحكام الشرعية لديهم مثل شرح التلمود. وعجبت لمن بيته من زجاج رقيق لا يكاد يحتمل الريح اللطيفة، كيف يرمي بالأحجار على القلاع والحصون؟ كان ذلك في أوائل السبعينيات من التاريخ الميلادي. وفي عام١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م كانت أسئلة كثير من طلاب الجامعة الإسلامية

стр. 5

تحوم حول هذا الموضوع، فتذكرت عمل دعاة النصرانية في آسيا وأفريقية، ورأيت حاجة الطلاب إلى تلك المعلومات، فراجعت من الملخصات ما يقتصر على البشارات بالنبي المنتظر ﷺ وأعدت النظر فيها، وأضفت إليها شواهد إيضاحية. كم كنت أتمنى أن تكون تلك المصادر بجانبي لأزيد في بعض النصوص والشواهد من كتبهم ذاتها. ولكن قدر الله وما شاء فعل، فالحمد لله على كل حال. وإني إذ أنشر هذه البشارات بالنبي محمد ﷺ ، أعلم حق العلم أن نبوته ﷺ ليست مفتقرة إلى تلك الإثباتات أو الشهادات، ولكن ردا للحجر من حيث جاء، وإظهارا للحق، وليزداد الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم، والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. عبد الوهاب عبد السلام طويلة المدينة المنورة ٢٥ من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٤ هـ

стр. 6

وجاء النبي المنتظر: قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة ٨٩. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة ١٤٦. وقال رسول الله ﷺ "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" أخرجه وسلم في صحيحه بالسند المتصل.

стр. 7

شروط صحة الكتاب المقدس: قال الشيخ رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه إظهار الحق١: اعلم أرشدك الله تعالى أنه لابد لكون الكتاب سماويا واجب التسليم: - أن يثبت أولا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بوساطة النبي الفلاني. - ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل، بلا تغيير ولا تبديل. والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم، لا يكفي لا إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص اهـ. ونحن على ضوء هذه القاعدة سنرى مدى صحة الكتب المقدسة لدى أهل الكتاب. ولكن قبل ذلك أحب أن أذكر لمحة موجزة عن توثيق المسلمين لنصوصهم: قسم علماء مصطلح الحديث يأتيهم عن رسول الله ﷺ إلى ثلاثة أقسام:

стр. 8

١- الحديث الصحيح: وهو ما يرويه شخص من رجل أو امرأة عدل أي مسلم معروف بالثقة والأمانة ضابط لما يسمعه حفظا وفهما، أو كتابة وفهما عن مثله ممن عاصره وسمع منه. وسلم الحديث وسنده أي رجاله من شذوذ أو علة. ٢- الحديث الحسن: وهو ما اجتمعت فيه شروط الحديث الصحيح، بيد أن رواته أدنى ضبطا وحفظا من رواة الحديث الصحيح. وكلاهما يؤخذ منه ويحتج به، غير أن الصحيح أقوى وأثبت. ٣- الحديث الضعيف: وهو ما اختل فيه شرط من الشروط السابقة، كأن يوجد فيه راو مجهول، أو كان فيه انقطاع في السند أو غير ذلك. وهو غير صالح للاحتجاج به، ولا يؤخذ منه حكم. وهذه المعلومات يحفظها صغار طلاب العلم. والحديث الصحيح درجات في القوة بم فهناك أصح الأسانيد، وما اتفق عليه البخاري ومسلم، وغير ذلك. وأقوى الأحاديث هو المتواتر، وهو الذي يرويه ويتناقله جمع عظيم من الناس عن جمع عظيم آخر في كل جيل من الأجيال، بحيث يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.

стр. 9

توثيق النص القرآني: لقد انفرد القرآن الكريم من بين الكتب المقدسة التي سبقته بتوثيقه توثيقا مكينا وصل إلى الذروة. وهذا هو سر خلوده وأحد مفاتيح إعجازه. كان النبي ﷺ دقيقا كل الدقة، وحريصا كل الحرص على كتابة القرآن، فكان له كتاب وحي يتلقفون ما ينزل عليه، فيكتبونه في وعي وإدراك، ودقة وإتقان. وكان الصحابة ﵃ يتلقون هذا القرآن من فم النبي ﷺ ويتسابقون إلى حفظه، ويتبارزون في تلاوته، والنبي ﷺ بينهم يعرضون عليه ما حفظوا، ويسمعون منه تلاوة القرآن في الصلوات الجهرية وغيرها مع بيان أحكامه وكشف معانيه. وقد شارك النساء الرجال في هذه المنافسة والشرف العظيم. وكان حفظ القرآن وكتابته يسيران جنبا إلى جنب، ليلتقي المكتوب بالمحفوظ، فكلاهما توثيق للآخر. لقد كان الحفظة كثيرين جدا، قتل منهم في"بئر معونة"قرابة سبعين، وكتاب الوحي بلغ عددهم تسعة وعشرين كاتبا، منهم الخلفاء الخمسة الأوائل.

стр. 10

وهكذا تواتر نقل القرآن حفظا وكتابة من جيل إلى جيل في مشارق الأرض ومغاربها حتى وصل إلينا مصونا من أي تحريف، منزها عن أي تغيير، سالما من أي نقص. وما خوف أبي بكر وعمر ﵄ حين استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، إلا من زيادة الحرص على القرآن وحفظه، لأن طريقة أدائه لا تتأتى إلا عن طريق التلقين والرواية. ولا يشك أحد في أن محمدا ﷺ أتى به، وأخبر أن الله أوحى به إليه، وأن من اتبعه أخذه عنه حفظا وكتابة بشكل متواتر، ثم أخذ عنهم، حتى وصل إلينا.

стр. 11

الكتاب المقدس لدى النصارى: تعريفه: يدعي النصارى أن كتابهم المقدس هو مجموعة الأسفار الإلهية التي كتبت بإلهام"الروح القدس"خلال الحقبة الزمنية الممتدة من القرن السادس عشر قبل الميلاد، حتى آخر القرن الأول بعده. أقسامه: يقسم كتابهم المقدس إلى قسمين كبيرين: العهد القديم أو العتيق وقد يطلق عليه مجازا"التوراة". العهد الجديد. وقد يطلق عليه مجازا"الإنجيل". وسندرس كل قسم على حدة: ١- العهد القديم: ويزعمون أن هذا القسم وصل إليهم بوساطة الأنبياء الذين كانوا قبل عيسى ﵊ ويعرفون منه أخبار العالم في عصوره الأولى وأجياله القديمة، كما يعرفون منه البشارات بالأنبياء اللاحقين، والشرائع الاجتماعية، وغير ذلك من شعر وحكمة ومواعظ.

стр. 12

أجزاء العهد القديم: يتألف هذا القسم من ستة وأربعين سفرا. منها خمسة أسفار تسمى التوراة. والتوراة كلمة عبرية، تأتي بمعنى التعليم أو الشريعة. أما خمسة الأسفار فهي ما يلي: أ- سفر التكوين أو الخليقة: ويبحث عن قصة الخليقة وقصة نوح ﵊ وعن السلالات البشرية. وينتهي بسرد قصة يوسف ابن يعقوب عليهما الصلاة والسلام. ب- سفر الخروج: ويروي قصة نشأة موسى ﵊ وظهوره، وما وقع له في مصر، وخروجه منها على رأس بني إسرائيل، إلى أن يصل إلى احتلال فلسطين وارتحال موسى ﵊. ج- سفر الأحبار أو اللاوديين د- سفر العدد. هـ سفر التثنية أو الاستثناء. وتبحث هذه الأسفار في أمور دينية واجتماعية ومواعظ ووصايا وتشريعات. أما ما تبقى من أسفار العهد القديم، فهو خليط عجيب

стр. 13

من الروايات والقصص التاريخية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية. وهي تفتقر بمجملها إلى الأمانة والجدية. ومن الجدير بالذكر أن نسخة التوراة لدى اليهود تخالف نسخة التوراة لدى النصارى، وأن بعض الأسفار الهامة عند اليهود مرفوضة عند النصارى لعدم اعتقادهم بصحة الوحي فيها. وكذلك، فإن نسخة التوراة لدى طائفة السامرة من اليهود مخالفة لنسخة جمهور اليهود، ولنسخة النصارى أيضا. كما أن بعض طوائف النصارى لا يسلمون بجميع هذه الأسفار. فالتوراة إذا نسخ متعددة، لا تعرف لواحدة منها شبه سند من الرواة. وقد بحث علماء التاريخ عن مصدر التوراة، وتقصوا حقيقة ما ورد فيها. وكان الحافز بهم لذلك ما يزخر به هذا الكتاب من قصص وروايات بلغت من القرابة حد الأساطير. ولما كثرت المكتشفات العلمية الحديثة، وظهرت للوجود حقائق تاريخية كانت مجهولة، انكشف الستار عن كثير من الأحداث التاريخية التي شيد اليهود أكثرها عبر الزمن. هذا, ويرى كثير من العلماء المعاصرين أن التوراة كتبت بعد قرون عديدة من عهد موسى ﵊.

стр. 14

٢- العهد الجديد: ويزعم النصارى أن هذا القسم كتب بالإلهام بعد عيسى ﵊ ويتألف من سبعة وعشرين سفرا، منها الأناجيل الأربعة المعترف بها لديهم وهي: أ- إنجيل متى. ويتألف من سبعة وعشرين إصحاحا. ب- إنجيل مرقس. ويتألف من ستة وعشرين إصحاحا. ج- إنجيل لوقا. ويتألف من أربعة وعشرين إصحاحا. د- إنجيل يوحنا. ويتألف من واحد وعشرين إصحاحا ويذكر في هذه الأناجيل كما يدعون خلاصة حياة السيد المسيح ﵊ وتعاليمه التي تشتمل على العقيدة. ولفظ الإنجيل مختص بهذه الكتب. وقد يطلق مجازا على مجموع كتب العهد الجديد كما مر. والإنجيل كلمة يونانية تأتي بمعنى البشارة والتعليم، كما تأتي بمعنى الإخبار بخبر. أما ما تبقى من أسفار العهد الجديد فتشتمل على أعمال لبعض مقدسيهم ورسائل لهم. كما تُعنى أيضا بالناحية التعليمية التي تبين ديانتهم.

стр. 15

هذا, والنصارى مختلفون في هذه الأناجيل، فلا يسلم جميعهم بها، وأكثرهم رفضا لكثير منها طائفة البروتستانت١. أين الإنجيل الذي أنزل على عيسى؟ الشواهد متضافرة على أن الله تعالى أنزل على عيسى ﵊ الإنجيل، وأنه كتاب فيه هدى ونور. قال تعالى: ﴿الم. اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ سورة اهـ عمران. وقال سبحانه: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة المائدة. فأين هذا الإنجيل؟ إن الإنجيل الذي أتى به المسيح عليه الصلاة

стр. 16

والسلام وسلمه إلى تلاميذه، وأمرهم أن يبشروا به لا يوجد الآن. وليس هو أحد الأناجيل الأربعة الآنفة الذكر بإقرارهم. فهو ضائع. والدليل على ذلك من كتبهم ما يلي: ١- جاء في إنجيل مرقس الإصحاح الأول: وبعدما أسلم يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يكيرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان وأقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. فجاءت كلمة الإنجيل بلا إضافة لأحد. ب- وجاء في رسالة بولس إلى الرومانيين: ١-١ من بولس المدعو ليكون رسولا المفروز لإنجيل الله، الذي سبق فوعد به على ألسنة أنبياءئه في الكتب المقدسة. ١-٩ فإن الله الذي أعبده وفي بعض النسخ أخدمه بروحي في التبشير بإنجيل ابنه، يشهد لي بأني أذكركم بلا انقطاع. ١٥-١٦ لأكون خادما للمسيح يسوع لدى الأمم، وأقوم بخدمة إنجيل الله المقدسة. ج- وجاء في رسالته إلى أهل تسالونيكي: ٢-٨ هكذا إذا كنا حانين إليكم، كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط، بل أنفسنا أيضا. ١-٩ فإنكم تذكرون أيها الإخوة تعبنا وكدنا إذ كنا نكرز

стр. 17

لكم وفي بعض النسخ نبشركم بإنجيل الله. فهذه النصوص التي تسلم بها الكنيسة تبين أن المسيح ﵊ جاء بكتاب هو الإنجيل. ولاشك أن الإنجيل المذكور في هذه النصوص وفي غيرها، ليس واحدا من الأناجيل الأربعة، لأنها لا تضاف إلا إلى أصحابها باتفاق النصارى، ولأن المسيح ﵊ قد وعد بهذا الإنجيل، ولم يكن واحد منها قد وجد في عهده بالاتفاق، وليس من المعقول أن يعظ هو بأقوال تلاميذه أومن بعدهم. إذا, ضاع إنجيل المسيح الذي فيه هدى ونور على مر الزمان، وتمسك النصارى بكتب ألفها أناس نسبت إليهم وأضيفت لهم. ولو أن هذا الكتاب وصل إلينا كما كتبه ولا يكتب إلا ما أنزل إليه لكان من أهم الكنوز وأغلاها١. لمحة عن الأناجيل والأدوار التي مرت بها: فُقد إنجيل المسيح ولم يعد له وجود، وإنما يوجد الآن قصص ألفها التلاميذ وغير التلاميذ، لم تسلم من المسخ والتحريف بالزيادة والحذف، كما هو واضح لدى مقارنتها ببعضها.

стр. 18

ويطلق اسم الإنجيل عرفا الآن على هذه القصص التي وجدت بعد زمان المسيح ﵊ تقص أحواله وأعماله وأقواله التي وعظ بها، ومعجزاته التي أجراها الله على يديه. ومكان الأناجيل في النصرانية مكان القطب والعماد، لأنها تشتمل على أخبار المسيح من وقت الحمل إلى وقت الصلب, كما يزعمون وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح بزعمهم والصلب والفداء. والأناجيل المقدسة عندهم الآن والتي تعترف بها الفرق النصرانية وتأخذ بها هي الأربعة الآنفة الذكر. والتي لم يكتب شيء منها في زمن المسيح، ولكن بعد انتهاء أمره من الأرض، قام بعض التلاميذ وكتبوا قصصا كثيرة، وكل واحد منهم يسمي ما كتبه إنجيلا. وقد كثرت الأناجيل كثرة فاحشة حتى أربت على المائة، ويروي التاريخ أنه كانت هنالك أناجيل أخرى أخذت بها فرق قديمة في العصور الغابرة، وراجت عندها، بحيث لم تعتنق كل فرقة إلا إنجيلها. ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي: ١- عند كل من أصحاب مرقيون وأصحاب ديصان إنجيل يخالف بعض هذه الأناجيل.

стр. 19

٢- ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح عندهم. ٣- هناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين، ينسب إلى تلامس. والنصارى ينكرونه. ٤- هناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة. ٥- وإنجيل سرن تهس. ٦- وهناك إنجيل يسمى إنجيل الصبوة أو الطفولة. ذكرت فيه الأشياء التي صدرت من المسيح في طفولته. وهو ينسب لبطرس عن مريم ٧- الإنجيل الأغنسطي، وقد طمست رسومه وعفت آثاره، وهو يبتديء بمقدمة تندد بمقدسهم بولس، وينتهي بخاتمة فيها مثل ذلك التنديد. ٨- وهناك إنجيل برنابا الذي سأتكلم عنه قريبا. إذا. لقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة، كما أجمع على ذلك مؤرخو النصرانية. ثم بعد أن أفاق النصارى من الاضطهادات التي توالت عليهم. نظروا في تلك القصص فهالهم أمرها. وفي أواخر القرن الثاني، أو أوائل القرن الثالث، اختارت الكنيسة من بينها القصص التي لا تتعارض مع نزعتها، وسلمت بها، وجعلتها قانونية، ورفضت ما يخالف رغبتها، وأجبرت

стр. 20

الناس على قبولها ولاحقت من يعارض، وتم لها ما أرادت. ولم تكترث لما بين مضامين هذه الأربعة من التخالف والتناقض، مادام ذلك لا يخالف المنزع العام الذي قصدته، رغم ما فيها من انقطاع في السند، وعدم العلم التام بالمؤلف الحقيقي أو المترجم، ومبلغ أمانته على الدين وحرصه على الصدق، كما لا توجد نسخة بخط تلميذ من التلاميذ، ولا ما يضمن شبهة صحة فيها. فإنجيل متى على سبيل المثال يذكرون في تعريفه ما يلي:"كتب متى إنجيله باللغة الآرامية, وهي فرع عن العبرية ثم نقله إلى اليونانية هو أو غيره", فمن هو المترجم؟ هذه جهالة في السند لأقدم أناجيلهم، وليس ثمة نسخة أصلية باللغة الآرامية عندهم. هذا, ولاختلاف مصنفي الأناجيل اختلفت مصنفاتهم اختلافا يفضي إلى أن أحد الأقوال صادق وما عداه كاذب. وبعضهم يذكر في إنجيله حالات، أو عجائب لا يذكرها الآخر، وكثيرا ما يروى الخبر الواحد في إنجيل ما بعبارة تناقض بالزيادة والنقصان ما ذكر في الآخر. ويذكر بعض المؤرخين أنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثاني. وأول من ذكر هذه الأناجيل الأربعة أرينوس سنة ٢٠٩ م.

стр. 21

وقد بحث بعض الباحثين المحققين من علماء أوروبا في الأناجيل الأربعة، فتبين لهم أنه لا يعرف متى كتبت، ولا بأي لغة ألفت. وقال بعضهم: إن مؤلفيها غير معروفين، واتهم بعضهم بولس الذي كان يهوديا بوضع أكثرها. بل منهم من جعل تعاليمها مأخوذة من الوثنية. كما في دائرة المعارف الفرنسية وغيرها١. كلمة عن إنجيل برنابا: إنجيل برنابا من الكتب التي لا يعترف بها النصارى، بل يدعون أنه حديث عهد في الوجود، أخرجته يد مرتد عن النصرانية جد خبير بالتوراة اللاتينية، يصف شتى نواحي الحياة الدينية والمدنية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية في عهد المسيح ﵊ على ما رأى بعينه في بيئته الإيطالية في القرن السادس عشر. ويرى الدكتور خليل سعادة أن كاتبه يهودي أندلسي، اعتنق الدين الإسلامي بعد تنصره وإطلاعه على أناجيل النصارى.

стр. 22

لكن يذكر التاريخ أمرا أصدره البابا جلاسيوس الأول الذي جلس على الأريكة البابوية سنة ٤٩٢ م يعدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها، وفي عدادها كتاب يسمى إنجيل برنابا. وأقوال العلماء والمؤرخين والمحققين تترى في تحريم قراءة أناجيل كثيرة، ومصادرة الكنيسة لها. إذا فالإنجيل كان موجوا قبل ظهور محمد ﷺ بزمن طويل، فإنه ولد سنة ٥٨٥ م تقريبا. وأول من عثر على النسخة الإيطالية هوكريمر أحد مستشاري ملك بروسيا. ولا تزال هذه النسخة محفوظة في مكتبة البلاط الملكي في فينا حتى الآن. وفي أوائل القرن الثامن عشر وجدت نسخة أخرى أسبانية. ويقول الدكتور خليل سعادة, إن الأسبانية ترجمة حرفية عن الإيطالية إلا في مواضع قليلة. وقد اكتشف النسخة الإيطالية راهب لاتيني اسمه فرامرينو. وكان هذا الراهب قد عثر على رسائل لإيرينايوس، وفي عدادها رسالة يندد فيها بالقديس بولس، وأنه أسند تنديده هذا إلى إنجيل القديس برنابا. فأصبح الراهب من ذلك الحين شديد الشغف بالعثور على هذا الإنجيل. واتفق أن أصبح حينا من الدهر مقربا من البابا سكتس الخامس. وحدث يوما أنهما دخلا معا مكتبة البابا، وأخذت البابا سنة من النوم، فأحب

стр. 23

فرامرينو أن يقتل الوقت بالمطالعة، فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو هذا الإنجيل، فكاد يطير فرحا، وخبأه في أحد ردنيه، ولبث إلى أن استيقظ البابا، فاستأذن بالانصراف، ثم طالع الكتاب بشوق عظيم، فاعتنق الإسلام. هذا, ومن الملاحظ أنه لم يرد ذكر هذا الإنجيل في كتابات مشاهير المسلمين في الأعصر القديمة والحديثة، حتى في مؤلفات من انقطع منهم إلى الأبحاث والمجادلات الدينية ممن تصدوا لمناقشة النصارى مثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن حزم الأندلسي والشهرستاني وغيرهم. مع أن إنجيل برنابا أمضى سلاح لهم في تلك المناقشات، حتى إنه لم يرد له ذكر في فهارس الكتب العربية القديمة عند العرب أو العجم. وإذا كان المسلمون هم الذين وضعوه فمتى استفادوا منه؟ وإذا لم يستفيدوا منه فلم وضعوه؟ فالكتاب إذا نصراني، ونسخته الأولى وجدت في جو نصراني خالص١. علما بأن برنابا هو أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر.

стр. 24

بشارات موسى بمحمد ﷺ (البشارة الأولى) ... بشارات موسى بمحمد ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سورة الأعراف ١٥٥، ١٥٦,١٥٧. أمر الله سبحانه موسى علية الصلاة والسلام أن يختار من قومه بني إسرائيل سبعين رجلا، ويأتي بهم إلى الميقات الزماني والمكاني الذي عينه الله سبحانه ليتوبوا إلى الله ويعتذروا من عبادة العجل

стр. 25

فلما أتوا إلى المكان طلب ناس منهم أن يروا ربهم وعلى أثر هذا الطلب أخذتهم الرجفة، فتهافتوا إلى أديم الأرض، وهم ينظرون إلى بعضهم. طلب موسى ﵊ العفو عما صدر فأخبره الله سبحانه بأن رحمته سيجعلها للذين يتصفون بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﷺ الذين يتقون الإشراك بالله، وكبائر الذنوب، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآيات الله، ولا يعارضون فيها، ولا يتعنتون في الاقتراح بعد إيمانهم. وهم الذين يتبعون النبي الأمي محمدا ﷺ لأنه لا يعرف الكتابة، ومن أمة أمية هي العرب، ومن أم القرى وهي مكة المكرمة. والذي لم تزل صفته في كتبهم في التوراة والإنجيل يعرفها علماؤهم وأحبارهم ومنها ما يلي: ١- يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر في كل شيء. ٢- يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، من مأكل ومشرب وملبس وغير ذلك. ٣- يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، من العهد الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل، والتشديد الذي كان في دينهم، من تحريم السبت، وتحريم الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة، لأنه جاء بالتيسير والسماحة.

стр. 26

فمن آمن به وعظمه ومنعه من أعدائه وجاهد معه، واتبع القرآن الذي أنزل عليه، فهو فائز في الدنيا والآخرة. وكأن الله سبحانه يباهي بمحمد عن وأتباعه أتباع موسى ﵊ ويوبخهم على ما فعلوه وطلبوه، قبل وجود محمد ﷺ بأكثر من (١٥٠٠) عام ويصفهم بأنهم ليسوا على شاكلتهم، بل يقولون: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. هذا. وفي الغالب أن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض. والنبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط التفصيل في أخباره وصفاته، بل يكون على الغالب بشكل مجمل، ولاسيما عند العوام. أما الخواص فقد يصير جليا عندهم بوساطة القرائن، وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقه إلا بعد مجيئه وإخباره أن المتقدم قد بشر به، وبعد ظهور صدقه بالمعجزات وعلامات النبوة. وآنئذ يصير جليا بلا ريب لكل منصف. والنصوص الواردة في التوراة والإنجيل معظمها إشارات تحتاج إلى تأمل. وكان علماؤهم يجادلون ويشوشون وجه الدلالة فيها بإلقاء الشبهات، ثم ازداد الأمر غموضا بنقل هذه الكتب

стр. 27

من لغة إلى لغة١. ونحن سنحلل بعض النصوص لنرى وجه الدلالة فيها إن شاء الله. هذا, وإن استشهادنا بنصوص من أسفار العهد القديم أو أناجيل العهد الجديد ليس إقرارا بصحة الكتاب، أو اعترافا بأنه الوحي الصحيح الذي أنزله الله سبحانه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام والذي فيه هدى ونور. بل إنما هو من قبيل إقامة الحجة، ليزداد الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم. البشارات الموجودة في العهد القديم: اشتملت التوراة بأسرها على دلالات وآيات تدل على أن شريعة محمد ﷺ حق قد وصدق. ولكنهم حرفوا وغيروا، إما تحريفا من حيث الكتابة والصورة، وإما من حيث التفسير والتأويل. ومع ذلك لا يخلو الكتاب الذي بين أيديهم من بشارات بالرغم مما اعتوره من التحريف والتشذيب. وهذه بعض البشارات:

стр. 28

البشارة الأولى: جاء في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر قول موسى لبني إسرائيل: ١٥- يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك، من إخوتك، مثلي، له تسمعون. ١٧- قال لي الرب: نِعم ما قالوا وفي بعض النسخ المترجمة: قد أحسنوا فيما تكلموا. ١٨- وسوف أقيم لهم نبيا مثلك، من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، ويكلمهم بكل شيء آمره به وفي بعض النسخ بكل ما أوصيه به. ١٩- ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المنتقم من ذلك. ٢٠- أما النبي الذي يجتريء بالكبرياء، ويتكلم في اسمي ما لم آمره به، بأن يقوله، أم باسم آلهة أخرى فليقتل. يزعم اليهود أن هذه البشارة ليوشع بن نون ﵇. ويزعم النصارى أنها للسيد المسيح ﵇. فلنحلل هذا النص لنرى هل تنطبق البشارة على يوشع

стр. 29

أو على المسيح أو على محمد ﷺ : ١- جاء في الجملة الثامنة عشرة:"سوف أقيم"بصيغة الاستقبال. ويوشع بن نون كان حاضرا عند موسى، وهو فتاه. ولما مات هارون ﵊ في حياة موسى، أصبح يوشع وصي موسى والقائم بالأمر من بعده، فهو من أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟ ب- وجاء فيها لفظ"نبيا"ويزعم النصارى أن المسيح إله، أو ابن إله، وهو مؤلف في زعمهم من ناسوت ولاهوت، وقد اتحد اللاهوت بالناسوت فصار إلها له إرادة مستقلة، وهو بنفس الوقت الأقنوم الثاني من الأقانيم الثلاثة، التي تشكل بمجموعها إلها واحدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. إذا, فالمسيح في زعمهم إله، وليس نبيا، فلا تتحقق فيه البشارة. إلا أن يكابروا ويتعنتوا فيقولوا: هو نبي بناسوته، إله بلاهوته. وهذا تعسف. وآنئذ نسألهم: هل له إرادتان أو إرادة واحدة؟ فإن قالوا: له إرادتان فقد ناقضوا أنفسهم، وإن قالوا: إرادة واحدة فقد أوجبوا الحجة عليهم. جاء في الجملة الخامسة عشرة من قول موسى:"مثلي".

стр. 30

وفي الجملة الثامنة عشرة من قول الرب:"مثلك"في خطابه لموسى. أي إن هذا النبي المنتظر يشابه موسى في أوصافه ويماثله. ولا توجد مماثلة أومشابهة بين يوشع وموسى عليهما الصلاة والسلام لأن موسى صاحب كتاب وشريعة جديدة، مشتملة على أوامر ونواه. ويوشع لم يكن كذلك، بل هو تابع لشريعة موسى. وكذلك لا توجد مماثلة بين موسى والمسيح عليهما الصلاة والسلام لأن شريعة موسى كاملة مشتملة على الحدود والتعزيرات، وأحكام الطهارة والمحرمات وغير ذلك. بخلاف المسيح، فإنه لم يكن صاحب شريعة كاملة مستقلة. وما جاء به خال من كل هذه الأمور، كما تشهد بذلك الأناجيل الأربعة التي يعترفون بها, ففي إنجيل متى على سبيل المثال الإصحاح ١٥/ الفقرة ١٧: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض، بل جئت لأكمل. والنصارى يأخذون معظم أحكامهم من العهد القديم كما هو معروف. ولأن موسى كان رئيسا مطاعا في قومه، أمرهم بالجهاد وجاهد معهم، وحارب أعداءه وانتصر عليهم. ولم يكن المسيح كذلك. بل إن من تعاليمه كما يزعمون: من ضربك على خدك

стр. 31

الأيمن، فأدر له خدك الأيسر. من استلب منك الرداء فاترك له القميص. صلوا من أجل لاعنيكم١. ولأن موسى ﵊ تزوج وله أولاد، ومات على الفراش، ودفن في القبر، ولم يصلب. والمسيح ﵊ لم يتزوج، وبالتالي ليس له أولاد، وفي زعمهم أنه مات مصلوبا، ثم قام من قبره. أما محمد ﷺ فإنه يماثل موسى ﵊ في أمور كثيرة أهمها ما يلي: ١- كونه عبد الله ورسوله، فهو نبي، وهو من أب وأم، وقد تزوج وله أولاد، ومات على الفراش، ودفن في القبر. ٢- كونه صاحب شريعة، وشريعته كاملة، فهي مشتملة على نظام متكامل للحياة دينيا ودنيويا. ٣- كونه مطاعا في قومه مأمورا بالجهاد، جاهد مع أصحابه، وحارب أعداءه وانتصر عليهم. فالبشارة إذا تصدق على محمد ﷺ أكمل صدق، وتنطبق عليه أتم انطباق. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً

стр. 32

شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ . سورة المزمل ١٥. هذا. ولا يصح أن يكون يوشع أو المسيح ﵉ هو المبشر به ويماثل موسى ﵊ بدليل أن الجملة العاشرة من الإصحاح الرابع والثلاثين في سفر التثنية تنص على ما يلي:"ولم يقم بعد ذلك نبي في بني إسرائيل مثل موسى يعرف الرب وجها لوجه, أي كلمه وأوحى إليه بشرع. فمن هو إذا النبي المنتظر الذي يكلمه الله، ولم يظهر حتى الآن؟ علما بأن المسيح آخر الأنبياء في بني إسرائيل، وقد مضى على القوم أكثر من ١٩٨٥ سنة لم يقم فيها نبي سواه وسوى يحي بن زكريا عليهم الصلاة والسلام فلم قاطعهم الله هذه المقاطعة، وهجرهم هجرا غير جميل؟ ومحمد ﷺ أسرى به الله ليلا من المسجد الحراءم بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ثم عرج إلى السماوات العلى حيث تنقطع علوم الخلائق، وهناك كلمه ربه وفرض عليه وعلى أمته الصلاة. ومن ناحية أخرى، فقد كان اليهود الذين عاصروا المسيح ﵇ ينتظرون نبيا آخر مبشرا به. وكان هذا المبشر به المنتظر غير المسيح، بدليل أنهم سألوا يحي يوحنا: أأنت

стр. 33

المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أأنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: لأ أنت النبي المنتظر الذي أخبر به موسى؟ وجاء في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا ٤٠-٤١: وإن قوما من الجمع لما سمعوا كلامه قالوا: هذا في الحقيقة هو النبي. وقال آخرون: هذا هو المسيح. وفي الإصحاح الأول منه: فسألوه وقالوا له: ما بالك تُعمَّد إن كنت لست المسيح ولا إيلياء ولا النبي؟ والألف واللام في لفظ"النبي"للعهد الذهني، والمراد به النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵊. وجاء في الجملة الخامسة عشرة:"نبيا من وسطك من إخوتك، مثلي له تسمعون". وفي الجملة الثامنة عشرة"من بين إخوتهم". ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا حاضرين في ذلك الوقت مع موسى ﵊ ولو كان المقصود أن النبي المبشمر به منهم، لقيل في الكلام:"منهم"ولم يقل"من إخوتك"ولا"من بين إخوتهم"ويوشع والمسيح ﵉ كانا من بني إسرائيل، فلا تصدق هذه البشارة عليهما. لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي ألا يكون المبشر به له علاقة الصلبية أو البطنية بالمبشرين، وهم بنو إسرائيل. بل من قرع آخر غير فرعهم، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا من إسماعيل ﵊.

стр. 34

هـ- ورد أيضا في الجملة الثامنة عشرة:"وأجعل كلامي في فمه". وهذا التعبير يشير إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب، وأنه لا يتكلم من تلقاء نفسه أو هواها، بل بوحي من الله، وأنه يكون أميا حافظا للكلام. ومحمد ﷺ كان كذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ سورة النجم ٤، وكان أميا حافظا. قال : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ سورة الأعلى ٦. هذا, ولم يذع أحد من أبناء إسماعيل ذلك سوى محمد ﷺ ولم يقم نبي أمي سواه منذ خلق الله الدنيا إلى اليوم. ووجاء فيها أيضا:"ويكلمهم بكل شيء آمره به". ومحمد كان يبلغهم كل شيء أمره الله به، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ سورة المائدة ٦٧،. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أسورة النحل ٤٤،. وجاء في الجملة التاسعة عشرة:"ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المنتقم من ذلك".

стр. 35

فقد دل النص على أن من يعصي ذلك النبي المبشر به، ولا يطيع كلامه الذي هو وحي من عند الله، فإن الله سبحانه سيكون هو المنتقم منه. وهذا يدل على تعظيم ذلك النبي وتأييده، لأن الله سبحانه أضاف الانتقام إلى نفسه، وعقبه بالفاء التي تفيد الترتيب من غير تراخ زمني، فلابد أن يتميز هذا النبي بصفات لا توجد في غيره من الأنبياء. ولا يمكن أن يراد بالانتقام هنا محض العذاب في الآخرة، لأنه عام يشمل من خالف أي نبي من الأنبياء، كما أنه متأخر إلى وقت يعلمه الله. بل يظهر والله أعلم أن المراد بالانتقام هنا الانتقام التشريعي الذي يشمل الجهاد الذي تكون فيه العاقبة لذلك النبي وللمتقين الذين معه، كما يشمل إقامة حدود الله على من تعداها. وأما إهلاك الأمم السابقة بعذاب الاستئصال في الدنيا فلم يكن انتقاما منهم لمجرد كفرهم بالله وتكذيبهم أنبياءءه، بل لأنهم سألوا الآيات وتحدوا بها، ولما جاءتهم لم يؤمنوا وأصروا واستكبروا استكبارا. فكان من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة أن يغلظ الأمر عليهم، وينزل بهم عذاب الاستئصال. ومما تقدم يكون النبي المبشر به موحىّ إليه بكلام من عند الله فيه تشريع تفصيلي، ومأمورا بالجهاد مؤيدا بنصر الله، ومأمورا بإقامة الحدود والقصاص. ومحمد ﷺ كان كذلك:

стр. 36

- فقد أنزل الله عليه القران تبيانا لكل شيء، وهو بدوره قد بين للناس ما نزل إليهم، وما كان ينطق عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه، ويتكلم باسم الله. - وأمر بالجهاد في المدينة المنورة, فإن المسلمين كانوا بمكة مستضعفين مضطهدين، فلما أسلم الأنصار أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة. فهاجروا وأعزهم الله بعد تلك الذلة، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه﴾ ِ الآية ٨ا/٢٦، اجتمع المهاجرون والأنصار في المدينة شرع الله لهم الجهاد. وكانوا قبل ذلك قد نهوا عنه وقيل لهم كما في الآية: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ٤/٧٧،، وأنزل الله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢/٢١٦،. فبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فشكر الله لهم ذلك، ورضي عنهم، ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوته. - وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألقى الرعب في قلب عدوه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي,

стр. 37

نصرت بالرعب مسيرة شهر وفي رواية: نصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وفي رواية لمسلم: "وختم بي النبيون". وعن عبد الله بن عمر ﵄: "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" , أخرجه أحمد في المسند وحسنه الحافظ ابن حجر، وأخرج البخاري بعضه تعليقا، وله شاهد عند ابن أبي شيبة. وحيث يظهر الكفار ويغلبون، فإنما ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم، فإذا تابوا نصرهم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية ٣/١٣٩، بيد أن العاقبة تكون للمؤمنين.

стр. 38

عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله" أخرجه أحمد والنسائي. ويتجلى ذلك عندما ينزل عيسى ﵊ إلى الأرض، فيحكم بشريعة محمد ﷺ ويجاهد المشركين ويقيم الحدود. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وليضعن الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وفي رواية لمسلم:"والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القِلاص١، فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". وفي رواية أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه،

стр. 39

فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين١، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفي ويصلي عليه المسلمون". - وقد أقام الحدود والقصاص ونهى عن تعطيلها، وحض صاحب الحق على العفو. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا" أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد٢ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" أخرجه أبوداود والنسائي. وكان من حكمة الله تعالى ورحمته أن لا يهلك قوم خاتم الأنبياء بعذاب الاستئصال، مع أن المشركين من أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ عن آيات كثيرة. وقد بين سبحانه أنه إنما منعه أن يرسل بها أن كذب بها الأولون، فيستحقون عذاب

стр. 40

الاستئصال كما استحق من قبلهم. فإن الآيات توجب إقامة الحجة عليهم، والحجة قائمة بغيرها، فإن ما أتى به النبي ﷺ حصل به كمال الهدى والحجة. فقد أظهر الله سبحانه على يدي رسوله من الآيات ما هو أعظم من آيات من قبله من الأنبياء. روى المفسرون وأهل الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له: إن شئتم نستأني بهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما هلك من قبلهم. فقال: بل أستأني بهم. فأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ... الآية١٧/٥٩. وأكتفي بتعذيب بعضهم بأنواع من العذاب كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ ٩/٥٢، فأخبر ﷻ أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود كما سلف، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ , وهو وتارة بغير ذلك، كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ ٥/٩٥، وكالذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فافترسه الأسد.
следующие страницы →