← Сира

Сира · id 1561

وجاء النبي المنتظر

عبد الوهاب بن طويلة

Полный текст (116 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- فقد أنزل الله عليه القران تبيانا لكل شيء، وهو بدوره قد بين للناس ما نزل إليهم، وما كان ينطق عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه، ويتكلم باسم الله. - وأمر بالجهاد في المدينة المنورة, فإن المسلمين كانوا بمكة مستضعفين مضطهدين، فلما أسلم الأنصار أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة. فهاجروا وأعزهم الله بعد تلك الذلة، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه﴾ ِ الآية ٨ا/٢٦، اجتمع المهاجرون والأنصار في المدينة شرع الله لهم الجهاد. وكانوا قبل ذلك قد نهوا عنه وقيل لهم كما في الآية: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ٤/٧٧،، وأنزل الله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢/٢١٦،. فبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فشكر الله لهم ذلك، ورضي عنهم، ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوته. - وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألقى الرعب في قلب عدوه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي,

стр. 37

نصرت بالرعب مسيرة شهر وفي رواية: نصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وفي رواية لمسلم: "وختم بي النبيون". وعن عبد الله بن عمر ﵄: "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" , أخرجه أحمد في المسند وحسنه الحافظ ابن حجر، وأخرج البخاري بعضه تعليقا، وله شاهد عند ابن أبي شيبة. وحيث يظهر الكفار ويغلبون، فإنما ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم، فإذا تابوا نصرهم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية ٣/١٣٩، بيد أن العاقبة تكون للمؤمنين.

стр. 38

عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله" أخرجه أحمد والنسائي. ويتجلى ذلك عندما ينزل عيسى ﵊ إلى الأرض، فيحكم بشريعة محمد ﷺ ويجاهد المشركين ويقيم الحدود. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وليضعن الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وفي رواية لمسلم:"والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القِلاص١، فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". وفي رواية أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه،

стр. 39

فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين١، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفي ويصلي عليه المسلمون". - وقد أقام الحدود والقصاص ونهى عن تعطيلها، وحض صاحب الحق على العفو. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا" أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد٢ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" أخرجه أبوداود والنسائي. وكان من حكمة الله تعالى ورحمته أن لا يهلك قوم خاتم الأنبياء بعذاب الاستئصال، مع أن المشركين من أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ عن آيات كثيرة. وقد بين سبحانه أنه إنما منعه أن يرسل بها أن كذب بها الأولون، فيستحقون عذاب

стр. 40

الاستئصال كما استحق من قبلهم. فإن الآيات توجب إقامة الحجة عليهم، والحجة قائمة بغيرها، فإن ما أتى به النبي ﷺ حصل به كمال الهدى والحجة. فقد أظهر الله سبحانه على يدي رسوله من الآيات ما هو أعظم من آيات من قبله من الأنبياء. روى المفسرون وأهل الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له: إن شئتم نستأني بهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما هلك من قبلهم. فقال: بل أستأني بهم. فأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ... الآية١٧/٥٩. وأكتفي بتعذيب بعضهم بأنواع من العذاب كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ ٩/٥٢، فأخبر ﷻ أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود كما سلف، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ , وهو وتارة بغير ذلك، كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ ٥/٩٥، وكالذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فافترسه الأسد.

стр. 41

وكان في ذلك الاستيناء إيمان كثير منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل. ولو أهلكهم لبادوا ولم يبق لهم ذرية تؤمن. فكان في إرسال خاتم النبيين ﷺ من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ج- جاء في الجملة العشرين:"أما النبي الذي يجتريء بالكبرياء، ويتكلم في اسمي ما لم آمره به، بأن يقوله، أم باسم آلهة غيري فليقتل". وعليه، فالنبي الذي ينسب إلى الله ما يأمره به يقتل، أي نهايته القتل. ولو لم يكن محمد ﷺ نبيا حقا لكان قد قتل. ولكن لم يستطع أحد قتله، رغم المحاولات الكثيرة من قريش ومن يهود ومن المنافقين وسائر المشركين في مكة والمدينة. ومصداق هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ سورة الحاقة ٤٤. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ سورة المائدة ٦٧. واليهود يعلمون ذلك حق العلم.

стр. 42

عن أبي هريرة ﵁ قال:"لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له. فقال رسول الله ﷺ : إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: فلان. قال: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبرزت. فقالت: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت، كما عرفته في أبينا. قال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. قال رسول الله ﷺ : اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا. قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم. قال: فما حملكم على هذا؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت صادقا لم يضرك". أخرجه البخاري بالسند المتصل. وعن أنس بن مالك ﵁ أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت؟ أردت لأقتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك". أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.

стр. 43

وفي رواية أبي داود عن جابر ﵁ قالت:"قلت إن كان نبيا فلان تضره، وإن يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها"١. وقد ادعى النبوة في زمنه وبعده ناس كثيرون، وكان نهايتهم القتل، مثل مسيلمة الكذاب وغيره.

стр. 44

البشارة الثانية: جاء في سفر التثنية في الإصحاح الثاني والثلاثين ما يلي: ٢١- هم أي بنو إسرائيل أغارونى بغير إله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة. وأنا أيضا أغيرهم بغير شعب، وبشعب جاهل أغضبهم. فبنوا إسرائيل أغضبوا الله وأغاروه، بعبادتهم للمعبودات الباطلة، ومنها العجل، ولذلك فإن الله سبحانه سوف يعاقبهم ويغيرهم، وذلك باصطفاء واختيار الشعب الآخر الذي هو عندهم جاهل محتقر. ولاشك أن المقصود بالشعب الجاهل العرب، لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، ولم يكن عندهم اتجاه إلى العلم، سواء كان من العلوم الشرعية أو العلوم العقلية أو التجريبية، وكان معظمهم أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكانوا يعبدون الأصنام ويئدون البنات، ويغير بعضهم على بعض ... كما كانوا محتقرين لدى اليهود، لكونهم من أولاد جارية إبراهيم ﵇"هاجر". وأوفي الله بما وعد، فبعد أن كان بنو إسرائيل أفضل العالمين في زمانهم، استبدل بهم قوما غيرهم، وهم العرب

стр. 45

الأميون، فبعث فيهم رسولا منهم، أميا مثلهم، فهداهم من الضلال وجمعهم من الشتات، وألف بين قلوبهم على الحق والخير. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الجمعة: ٢. كما فضل أمته على سائر الأمم. قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ سورة اهـ عمران: ١١٠. هذا. ويؤيد ذلك ما جاء في المزامير: الحجر الذي رفضه البناؤون صار حجر الزاوية. لذلك أقول لكم: إن ملك الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تحمل ثماره. وقد نزع منهم، وحملت ثماره أمة محمد ﷺ , فأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته. عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه

стр. 46

اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" رواه البخاري ومسلم بالسند المتصل١. أي فكنت أنا اللبنة وختمت الأنبياء.

стр. 47

البشارة الثالثة: جاء في سفر التثنية في الإصحاح الثالث والثلاثين ما يلي: جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن وفي بعض النسخ: واستعلى من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار. فمجيئه من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى ﵇ وقد كلمه ربه في جبل الطور، حينما ناداه من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهذا الأمر متفق عليه. وإشراقه من ساعير: إنزاله الإنجيل على عيسى ﵇ وساعير جبل ببلاد الشام بجانب بيت لحم، وهي القرية التي ولد فيها السيد المسيح ﵇ وبعضهم يطلق على أرض الجليل التي فيها مدينة الناصرة، ساعير، ويسمى جبالها جبال ساعير١. واستعلانه أو علوه من جبل فاران: إنزاله القرآن على محمد عياله ﷺ ، وفاران أحد الجبال المحيطة بمكة، وهو الذي فيه

стр. 48

غار حراء، حيث نزل الوحي على رسول الله ﷺ أول مرة. وليس حول مكة جبل أعلى منه، وحوله جبال كثيرة. وليس هناك خلاف بين المسلمين وبين أهل الكتاب في أن فاران هي مكة. جاء في سفر التكوين في الباب الحادي والعشرين في حال إسماعيل ﵇ ما يلي: ٢٥- وكان الله معه، ونما وسكن في البرية، وصار شابا يرمي السهام. ٢١- وسكن برية فاران، وأخذت له أمه امرأة مصر. ولا شك أن إسماعيل هو جد النبي ﷺ وأن سكناه كانت بمكة بواد غير ذي زرع. وذلك المكان يسمى برية فاران إلى اليوم. وقد اعترف اليهود بأن الوحي هو المراد في طور سيناء، فلابد أن يكون الأمر كذلك في ساعير وفاران. ولم ينزل بعد المسيح ﵇ كتاب في برية فاران أو جبالها إلا على محمد بن عبد الله ﷺ فعلم أن المراد من استعلانه بفاران إرسال محمد ﷺ وظهوره. فيكون الله سبحانه ذكر الجبال الثلاثة حقا، وذكر الكتب المنزلة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم

стр. 49

القرآن. كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ سورة اهـ عمران. وتلك الأماكن الثلاثة أقسم الله بها في القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سورة التين. فأقسم سبحانه بالتين والزيتون، والمراد الأرض المقدسة التي نبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه الإنجيل. وأقسم بطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى وناداه من شاطيء الوادي الأيمن. وأقسم بالبلد الأمين، مكة، وهو البلد الذي أسكن فيه إبراهيم ابنه إسماعيل وأمة هاجر. قال الشهرستاني في الملل والنحل:"ولما كانت الأسرار الإلهية والأنوار الربانية في الوحي والتنزيل على مراتب ثلاث: مبدأ ووسط وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظهور أشبه بالوسط، والإعلان أشبه بالكمال، عبرت التوراة عن طلوع صبح الشريعة والتنزيل بالمجيء من طور سيناء، وعن طلوع

стр. 50

الشمس بالظهور على ساعير، وعن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران اهـ١. واليهود بأسرهم مجمعون على أن في التوراة بشارة بواحد بعد موسى ﵊ وإنما يفترقون في تعيين ذلك الواحد أو في الزيادة عليه. ولذلك هاجر قسم كبير منهم من أوطانهم ببلاد الشام إلى تلك البقاع في الجزيرة العربية، وأقاموا القلاع والحصون في الأرض الواقعة بين حرتين، وفيها نخل، فإنها دار هجرة رسول الله المنتظر، نبي آخر الزمان، لنصرته إذا ظهر. فلما ظهر، وأعلن الحق بفاران، وهاجر إلى دار هجرته هجروه وتركوا نصرته. قال ابن إسحاق:"وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه: قال: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاب وإرم. فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله

стр. 51

صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به وكذبوه، ففينا وفيهم نزلت هولاء الآيات من سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ , ٨٩. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ,البقرة: ١٤٦.

стр. 52

البشارة الرابعة: جاء في سفر التكوين الإصحاح السابع عشر: ٢٥- وعلى إسماعيل استجيب لك، هو ذا أباركه، وأكثره كثيرا جدا، فسيلد اثني عشر رئيسا، وأجعله لشعب كبير. وهذا وعد من الله لإبراهيم في حق إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فقوله: لشعب كبير يشير إلى محمد ﷺ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره. إذ رسالته عامة. قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ , سورة البقرة: ١٢٧ -١٢٩. وكأن هذا الوعد لإبراهيم مواساة له، عندما رأى ابنه إسماعيل وأمه هاجر مطرودين أمام عينيه، يقيمان بواد غير ذي زرع من أجل سارة.

стр. 53

جاء في سفر التكوين في الإصحاح الحادي والعشرين ما يلي: ١٣ وابن الجارية سأجعله أمة، لأنه نسلك. هذا إذا إسماعيل جد محمد ﷺ وهو ابن الجارية هاجر، والأمة العظيمة هي أمة محمد ﷺ . قال الشهرستاني في الملل والنحل: واليهود معترفون بهذه القضية، إلا أنهم يقولون: أجابه بالملك دون النبوة والرسالة. وقد ألزمتُهم أي من ناحية الحجة أن الذي سلمتم به، أهو ملك بعدل وحق أم لا؟ فإن يكن بعدل وحق، فكيف يمن على إبراهيم بملك في أولاده، هو جور وظلم, وإن سلمتم القول والصدق من حيث الملك، فالملك يجب أن يكون صادقا فيما يقوله. وكيف يكون الكاذب على الله صاحب عدل وحق؟ إذ لا ظلم أشد من الكذب على الله، ففي تكذيبه تجويره، وفي التجويررفع المنة بالنعمة١ اهـ.

стр. 54

البشارة الخامسة: جاء في سفر حجي الإصحاح الثاني ما يلي: ٦- لأنه هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة. ٧- وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت عدلا. قال رب الجنود. ٨- لي الفضة ولي الذهب. يقول رب الجنود. ٩- مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول. قال رب الجنود. وفي هذا المكان أعطي السلام. يقول رب الجنود. ولو حللنا هذا النص لوجدنا فيه ما يلي: (أ) إن الله سيزلزل كل الأمم على يد الذي تشتهيه وتحبه كل الأمم. (ب) عود المجد إلى بيت المقدس على يد مشتهى كل الأمم. (بر) إعطاء السلام والأمان والمجد في البيتين الأول والثاني. فمن هو مشتهى كل الأمم؟.

стр. 55

قال الدكتور محمد رواس قلعه جي في كتابه:"محمد في الكتب المقدسة"١: "إن كلمة مشتهى كل الأمم المذكورة هي"حمدوت"باللغة العبرية، أي محمود كل الأمم. وقد جاء في حاشية الأصل العبري"مشتهى كل الأمم حمدوت"أي الذي تحمده كل الأمم، ولاشك أن هذا يعني محمدا أو أحمد أو محمودا. فالتوراة صرحت باسم محمد"حمدوت"لكن الترجمة أبعدت لفظ محمد لتضع مكانه مرادفا يصرف الذهن عن اسم محمد عيه اهـ. عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والترمذي بالأسانيد المتصلة. والعاقب: الذي ليس بعده شيء، وقد سماه الله رؤوفا رحيما. وعن أبى موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمى لنا نفسه أسماء، فقال: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة". رواه مسلم بالسند المتصل.

стр. 56

وقد تحققت الأمور الثلاثة على يد رسول الله ﷺ وعلى يد أمته من بعده، وعم الأمان في البيتين. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ , سورة: التوبة ٣٣. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ , سورة الأنبياء: ١٠٥-١٠٧.

стр. 57

البشارة السادسة: جاء في سفر التكوين في الإصحاح التاسع والأربعين ما يلي: فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه، حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم. وفي نسخة ثانية: فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره، إلى أن يجيء الذي هو له، وإليه تجتمع الشعوب. والمعنى: لا يزول الحكم من يهوذا، ولا من الراسم الذي هو عيسى ﵇ حتى يجيء الذي له وإليه تجتمع الشعوب. وهذه علامة صريحة ودلالة واضحة على أن المراد من ذلك هو سيدنا محمد ﷺ لأن الشعوب ما اجتمعت قط إلا إليه. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة الأنفال: ٦٢-٦٣.

стр. 58

وفي حديث جابر ﵁ السابق: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". اهـ, وكان من أصحابه الرومي والفارسي والحبشي وغير ذلك١.

стр. 59

البشارة السابعة: جاء في سفر دانيال الإصحاح الثاني: في تعبير رؤيا الملك بختنصر: ٤٤- فأما في أيام تلك الممالك، يبعث إله السماء، مملكة لن تنقضي أبدا، وملكها لا يعطى لشعب آخر، وهي تسحق وتفني جميع الممالك، وهي تثبت إلى الأبد. وقد أعطى الله سبحانه السلطة لمحمد وأمته، ففتحوا شرقا وغربا، وقضوا على الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت الفرس والروم. ثم تقدموا نحو أوربا تارة عن طريق الأندلس حتى وصلوا إلى بواتيه في فرنسا، وتارة عن طريق تركيا شمالا. وهذه السلطة لا تفنى أبدا، وإن اعتراها الوهن والضعف، بيد أنها لا تمحق، بل تبقى مرهوبة الجانب. عن المغيرة بن مشعبة ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ : "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" رواه البخاري ومسلم بالأسانيد المتصلة. وعن ثوبان ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم

стр. 60

من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" رواه مسلم والترمذي وأبو داود وبالأسانيد المتصلة. فهذه هي السلطة الأبدية التي لا تنقضي، وملكها لا تعطى لشعب آخر، وسيظهر كمالها عن قريب بإذن الله في زمن المهدي ونزول المسيح عيسى ابن مريم ﵊ عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن تهلك أمة أنا أولها، ومهديها أوسطها، والمسيح آخرها" , أخرجه أبو نعيم. وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ سورة الصف:٨٩. والمسلمون اليوم بلغ بهم الأمر من الضعف ما بلغ، ومع ذلك تجد رهبتهم في قلوب أعدائهم على اختلاف أنواعهم، وهم يخافون من أي تحرك باسم الإسلام، ويتكاتفون على ما بينهم من الاختلاف لاحتواء ذلك وتطويقه والقضاء عليه. والتبشير الخادع باسم المسيح والرحمة والمحبة قائم على قدم وساق في إفريقية وآسيا، تموله الدول الغربية وتحرسه بجيوشها وأساطيلها سابقا، وبعملائها حاليا، وهم يخافون من امتداد الإسلام وانتشاره مع أنه يقوم على جهود فردية، وهم

стр. 61

يعترفون بأن الإسلام يغلبهم في إفريقية السوداء. فيجتمعون ويكيدون، والله من ورائهم محيط١.

стр. 62

البشارة الثامنة: جاء في سفر أشعيا في الإصحاح الثاني والأربعين: ١- هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرّت به نفسي، وصفت عليه روحي، فليخرج الحق للأمم. ٣- لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته.... ٤- لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض. وتنتظر الجزائر شريعته. وجاء أيضا: الذي جعله الله عهدا للشعب، ونورا للأمم، ليفتح عيون العمي، ليخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن، الجالسين في الظلمة اهـ. وبتحليل هذا النص نجد أن هذه الصفات تتمثل في محمد ﷺ بجلاء ووضوح: (أ) فمحمد ﷺ اختاره الله واصطفاه، وأيده بنصره، ليخرج الحق للأمم كلها. عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إن الله اصطفي كنانة من ولد إسماعيل، واصطفي قريشا من كنانة، واصطفي من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"رواه مسلم والترمذي.

стр. 63

وعن المطلب بن وداعة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. إن الله خلق الخلق، فجعلني في أخيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. فهو ﷺ خيار من خيار من خيار. وربك يخلق ما يشاء ويختار. (ب) ومحمد ﷺ كان لا يرفع صوته في الكلام من غير حاجة، وضحكه التبسم. قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . سورة: اهـ عمران ١٥٩. وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يحدث حديثا، لو عده العاد لأحصاه. رواه البخاري ومسلم والترمذي. (ج) ومحمد ﷺ لم يكل ولم ينكسر حتى وضع الحق في الأرض، رغم ما اعتراه من الشدائد والإيذاء. قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ﴾ الأحقاف ٢٥. أي داوم على الصبر واستمر عليه. علما بأنه ما أوذي أحد في الله كما أوذي رسول الله ﷺ . (د) ومحمد ﷺ أرسله الله ليضيء الطريق للناس، ويخلصهم مما هم فيه. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ

стр. 64

شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ .أسورة الأحزاب ٤٥،٤٦. وقال أيضا في سورة الأعراف كما سبق في الآية: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ . عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقلت:"أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ , وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا". رواه البخاري والطبري.

стр. 65

البشارة التاسعة: جاء في سفر أشعيا في الإصحاح الثاني والأربعين: ٩- وأنا مخبر أيضا بأحداث قبل أن تحدث، وأسمعكم إياها. ١٠- سبحوا للرب تسبيحة جديدة، تسبيحة من أقاصي الأرض، راكبين في البحر وملوه، والجزائر وسكانها. ١١- لترفع البرية ومدنها صوتها في البيوت التي سنها قيدار، سبحوا يا سكان الكهف، من رؤوس الجبال يصيحون. وفي بعض النسخ: يا سكان سالع. ١٣- الرب كجبار، يخرج مثل رجل مقاتل، يهوش الغير، يصوت ويصيح على أعدائه، يتقوى. ولنحلل الآن هذا النص: بعد أن أخبر أشعيا ﵇ قومه عن أمور قد أتت، نبّههم إلى أنه سيخبرهم عن أمور تحدث في المستقبل. والمراد بالتسبيحة الجديدة. العبادة على النهج الجديد الذي ستأتي بها الشريعة المحمدية، ليس غير. وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر والمدن والبراري: إشارة

стр. 66

إلى عموم رسالته ﷺ ولفظ"قيدار"أقوى إشارة إليه ﷺ لأنه ﵊ من أولاد قيدار بن إسماعيل، كما هو معروف. والبرية التي سكنها قيدار هي الجزيرة العربية، وكانت مساكن أولاد إسماعيل. وقوله:"في رؤوس الجبال يصيحون"إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في الحج والعمرة، حيث يرفع الآلاف بل الملايين من الناس أصواتهم بالتلبية والتكبير والدعاء."لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". ومن المعلوم أنه تسن التلبية كلما صعدوا مرتفعا، أو هبطوا واديا، أو التقوا بركب آخر، أو انعطفوا في طريقهم. ويستحب رفع الصوت في ذلك من غير إفراط. ومن المعلوم أيضا أن الحجاج يقفون في عرفة، ويبيتون منى ليالي وأياما، ومنى كلها جبال ووديان. وفي الجملة العاشرة:"من أقاصي الأرض راكبين في البحر وملؤه، والجزائر وسكانها"وهي إشارة إلى مجيء الحجاج والمعتمرين من كل مكان مهما بعد. كما هي الحال الآن حيث يأتي المسلمون من كل مكان لأداء الحج أو العمرة برا وبحرا وجوا.

стр. 67

قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ سورة الحج ٢٧. أما ما ورد في بعض النسخ"يا سكان سالع" فهي إشارة إلى الأنصار الذين هاجر إليهم رسول الله ﷺ في المدينة المنورة فاستقبلوه ونصروه. لأن سالع، هو جبل شفع فتح السين وسكون اللام الذي يقع قرب المسجد النبوي من الجانب الغربي للمدينة المنورة، يمر بأحد جانبيه شارع السيح، وبالآخر شارع سلطانة. فهذه الصفات إنما تنطبق على محمد ﷺ وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في آذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن المرتفعة. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:"كنا مع رسول الله ﷺ إذ علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك". وواه أبو داود وغيره. وهم أيضا يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في عيديهم الفطر والنحر في الصلاة والخطبة وفي أيام منى يكبر الحجاج وسائر أهل الأمصار عقيب الصلاة، كما يكبرون على هديهم وأضاحيهم، وليس هذا لأحد من الأمم عير المسلمين. وقوله: "كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يصوت ويصيح على أعدائه يتقوى", يشير إلى مضمون الجهاد إشارة

стр. 68

حسنة، فجهاد هذا النبي المنتظر، وجهاد من تبعه يكون خالصا لله وبأمره لإعلاء كلمته خاليا من أي غرض دنيوي، ومن حظوظ النفس وهواها. كما يشير إلى التكبير عند بدء القتال وبعده. وهكذا كان الصحابة ﵃ يقاتلون لله، فهم جند الله، يقاتل الله بهم أعداءه ويؤيدهم بنصره. وكذلك من تبعهم بإحسان. ويكبرون عند لقاء عدوهم. وقد اشتهروا بذلك. ولفظ:"الجبار"يشير إلى قوته وقهره للأعداء، ومحمد ﷺ نبي الرحمة ونبي الملحمة. كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ ١. وهذا قليل من كثير، وغيض من فيض مما في تلك الأسفار من البشارات بالنبي المنتظر الذي هو من ولد إسماعيل ﵇ بالرغم مما اعتورها من التحريف القصدي وغير القصدي.

стр. 69

قال عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء:"وقد بشر اليهود بمحمد ﷺ أنبياءء كثيرون، منهم: - داود في المزامير ٤٥-١١٠-١٤٩. - أشعيا في الإصحاحات ٨-٩-٢٦-٣٥-٤٢-٤٣-٥٠-٥١-٥٢-٥٤-٥٥-٦٠-٦٥. دانيال في الإصحاح ٢-٧ حبقوق في الإصحاح ٣. زكريا في الإصحاح ٣. ملاخي في الإصحاح ٣.

стр. 70

بشارات عيسى بمحمد ﷺ (البشارة الأولى) ... بشارات عيسى بمحمد ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سورة الصف ٦. لم تزل الأنبياء تبشر برسول الله ﷺ وتصفه لأممها في الكتب، وتأمرهم باتباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث. قال ابن عباس ﵄ ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد, لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته, لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده عليهم الصلاة والسلام حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، ثم على لسان عيسى ابن مريم ﵊. عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسي عليهما الصلاة والسلام ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصوربصرى من أرض

стр. 71

الشام" رواه ابن إسحاق بسنده، قال ابن كثير: إسناده جيد وله شواهد اهـ وروى أحمد نحوه. فمن الأغراض التي جاء عيسى ابن مريم لتقريرها البشارة باقتراب ملكوت السماوات والأرض، أي الشريعة الإلهية التي يرسل الله بها النبي الأمي كما سيأتي إن شاء الله ... ولذلك خاطب بني إسرائيل قائلا: إني رسول الله إليكم، وقد بشرت التوراة بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا أبشركم بمن بعدي، ألا وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.."فعيسى خاتم أنبياءء بنى إسرائيل، وقد أقام في ملئهم مبشرآ بمحمد، وهوأحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. فلما جاء أحمد المبشر به في الأعصار المتقادمة اتهموه بالسحر وغيره. وكان المسيح عيسى ﵇ يعبر عن المبشر به بلفظ النبي، وبلفظ مسيا١، وبلفظ أحمد فارقليط كما سنرى ذلك في البشارات التالية:

стр. 72

البشارة الأولى: جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر قول المسيح ﵇ لأتباعه: ١٥- إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. ١٦- وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم"فارقليط"آخر، ليثبت معكم إلى الأبد. ٢٦- وأما الفارقليط روح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم. ٢٩- والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون. وفي الإصحاح الخامس عشر: ٢٦- ومتى جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم من الأب، روح الحق الذي ينبثق من الأب، فهو يشهد لي. ٢٧- وأنتم أيضا تشهدون، لأنكم معي من الابتداء. وفي الإصحاح السادس عشر: ٧- لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم الفارقليط، فأما إن انطلقت، فإني أرسله إليكم. ٨- ومتى جاء، فهو يوبخ العالم وفي بعض النسخ

стр. 73

يبكت العالم على خطيئته، وعلى بر وعلى دينونة. ١٢- وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن. ١٣- ولكن متى جاء هو روح الحق فإنه يعلمكم الحق، لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، بركم بأمور آتية. ١٤- إنه سيمجدني، لأنه يأخذ ممالي بركم. إن المسيح ﵇ لفت انتباه السامعين إلى أن ما سيلقيه عليهم ضروري وهام واجب الحفظ والرعاية، فشوقهم إلى ذلك بقوله: إن كنتم (تحبونني) فاحفظوا (وصاياي) . وذلك لما علم بالتجربة وبنور النبوة أن الكثيرين من بني إسرائيل ينكرون النبي المبشر به، فأكد ذلك بتلك الفقرة، ثم أخبر بمجيئه:"وأنا أطلب من الله فيعطيكم فارقليط آخر. ولنبحث الآن عن معنى كلمة"فارقليط"ثم لنحلل النص: تهرب النصارى من حقيقة هذه الكلمة: في الأناجيل المترجمة إلى العربية المطبوعة في لندن في السنوات ١٨٢١- ١٨٣١ ١٨٤٤م ورد لفظ الفارقليط، كما أثبته في الأعلى. وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس في الشرق الأدنى عام ١٩٦٣ م ورد بدلا من فارقليط

стр. 74

لفظ"المعزّي"وهو اسم فاعل مشتق من العزاء بمعنى الصبر وتخفيف المصاب ونحو ذلك. وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن المطبعة البولسية في حريصا بلبنان عام ١٩٦٤ م والذي يذكرون في مقدمته أنه نقله عن اليونانية وعلق عليه القس جورج فاخوري، وقدمه إلى البطريرك مكسيموس الرابع. وجدتُ فيه كلمة"المحامي"بدلا من الفارقليط، وبدلا من المعزّي. ويعلق القس على ذلك فيقول في الحاشية: وهذا المحامي المعزّي الذي يقيم في الكنيسة إلى الأبد، ويكون شبه روح لها، هو الروح القدس، الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس اهـ. ولا نريد الآن أن نخوض في معنى الأقانيم وتكونها وتميزها عن بعضها. فإن ابن تيمية ﵀ يقول في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:"سألت أكثر من عشرين قسيسا عن معنى الأقانيم؟ فأجابوني بأكثر من عشرين جوابا"١.

стр. 75

ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة في أي لسان من الألسن لها معنى حرفي ولها جو. وعلى المترجم أن ينتبه إلى كليهما عند الترجمة، وإلا وقع في خطأ جسيم. ولا أدري أي المعنيين راعى القس جورج، وهو يترجم أقدس كتاب عندهم، ثم أقره عليه البطريرك. وإذا كانوا يترجمون الأناجيل بلغة العصر، فإن كلمة محامي تعني في لبنان وسورية وسائر البلاد العربية ذلك الرجل الذي درس القانون في كلية الحقوق، ثم تمرن عند محام قديم، بعد أن سجل اسمه لدى النقابة، ثم أصبح يدافع عن أي شخص يدفع له أجرا سواء أكان على حق أم لا، إلا من رحم ربك، فإن تعجب فعجب قولهم إنه محامي. وعلى كل حال يرى النصارى أن الفارقليط أو المعزي أو المحامي هو الروح القدس، الأقنوم الثالث الذي وعد المسيح ويقيم معهم في الكنيسة إلى الأبد
следующие страницы →